######OpenITI# #META# Author: ابو السعود #META# Title: إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم #META# Date: ت 951 ه #META# Tafsir_type: تفاسير أهل السنة #META# Source: altafsir.com #META#Header#End# ### | [1 - سورة الفاتحة] ### || [1.1-7] # (سورة فاتحة الكتاب وهي سبع آيات) # معنى سورة الفاتحة # الفاتحة في الأصل: أول ما من شأنه أن يفتح، كالكتاب والثوب، أطلقت ~~عليه لكونه واسطة في فتح الكل، ثم أطلقت على أول كل شيء فيه تدريج ~~بوجه من الوجوه كالكلام التدريجي حصولا، والسطور والأوراق التدريجية ~~قراءة وعدا والتاء للنقل من الوصفية إلى الاسمية، أو هي مصدر بمعنى ~~الفتح، أطلقت عليه تسمية للمفعول باسم المصدر، إشعارا بأصالته كأنه نفس ~~الفتح، فإن تعلقه به بالذات، وبالباقي بواسطته، لكن لا على معنى أنه ~~واسطة في تعلقه بالباقي ثانيا. حتى يرد أنه لا يتسنى في الخاتمة، لما أن ~~ختم الشيء عبارة عن بلوغ آخره، وذلك إنما يتحقق بعد انقطاع الملابسة عن ~~أجزائه الأول، بل على معنى أن الفتح المتعلق بالأول فتح له أولا ~~وبالذات، وهو بعينه فتح للمجموع بواسطته، لكونه جزءا منه، وكذا الكلام ~~في الخاتمة فإن بلوغ آخر الشيء يعرض للآخر أولا وبالذات، وللكل ~~بواسطته، على الوجه الذي تحققته. # والمراد بالأول ما يعم الإضافي فلا حاجة إلى الإعتذار بأن إطلاق ~~الفاتحة على السورة الكريمة بتمامها باعتبار جزئها الأول، والمراد ~~بالكتاب هو المجموع الشخصي، لا القدر المشترك بينه وبين أجزائه، على ما ~~عليه اصطلاح أهل الأصول، ولا ضير في اشتهار السورة الكريمة بهذا الاسم ~~في أوائل عهد النبوة، قبل تحصيل المجموع بنزول الكل، لما أن التسمية من ~~جهة الله عز اسمه أو من جهة الرسول صلى الله عليه وسلم بالإذن فيكفي ~~فيها تحصله باعتبار تحققه في علمه عز وجل أو في اللوح أو باعتبار ~~أنه أنزل جملة إلى السماء الدنيا، وأملاه جبريل على السفرة، ثم كان ~~ينزله على النبي صلى الله عليه وسلم نجوما في ثلاث وعشرين سنة كما ~~هو المشهور. والإضافة بمعنى اللام كما في جزء الشيء لا بمعنى من كما في ~~خاتم فضة، لما عرفت أن المضاف جزء من المضاف إليه، لا جزئي له، ومدار ~~التسمية كونه مبدأ للكتاب على الترتيب المعهود، لا في القراءة في ~~الصلاة، ولا في ms0001 التعليم ولا في النزول كما قيل. # أما الأول فبين، إذ ليس المراد بالكتاب القدر المشترك الصادق على ~~ما يقرأ في الصلاة حتى تعتبر في التسمية مبدئيتها له. وأما الأخيران ~~فلأن اعتبار المبدئية من حيث التعليم، أو من حيث النزول يستدعي مراعاة ~~الترتيب في بقية أجزاء الكتاب من تينك الحيثيتين، ولا ريب في أن الترتيب ~~التعليمي والترتيب النزولي ليسا على نسق الترتيب المعهود. # - وتسمى أم القرآن لكونها أصلا ومنشأ له، إما لمبدئيتها له، وإما ~~لاشتمالها على ما فيه من الثناء على الله عز وجل، والتعبد بأمره ~~ونهيه، وبيان وعده ووعيده، أو على جملة معانيه من الحكم النظرية، ~~والأحكام العملية، التي هي سلوك الصراط المستقيم، والاطلاع على معارج ~~السعداء، ومنازل الأشقياء، والمراد بالقرآن هو المراد بالكتاب. # - وتسمى أم الكتاب أيضا كما يسمى بها اللوح المحفوظ، لكونه ~~أصلا لكل الكائنات، والآيات الواضحة الدالة على معانيها - لكونها ~~بينة - تحمل عليها المتشابهات، ومناط التسمية ما ذكر في أم ~~القرآن، لا ما أورده الإمام البخاري في صحيحه من أنه يبدأ بقراءتها في ~~الصلاة، فإنه مما لا تعلق له بالتسمية كما أشير إليه، وتسمى سورة الكنز، ~~لقوله عليه السلام: # " إنها أنزلت من كنز تحت العرش " # أو لما ذكر في أم القرآن، كما أنه الوجه في تسميتها الأساس، ~~والكافية، والوافية، وتسمى سورة الحمد والشكر والدعاء وتعليم المسئلة، ~~لاشتمالها عليها، وسورة الصلاة لوجوب قراءتها فيها، وسورة الشفاء ~~والشافية لقوله عليه السلام: # " هي شفاء من كل داء " # ، والسبع المثاني لأنها سبع آيات تثنى في الصلاة، أو لتكرر ~~نزولها على ما روي أنها نزلت مرة بمكة حين فرضت الصلاة وبالمدينة ~~أخرى حين حولت القبلة، وقد صح أنها مكية لقوله تعالى: # ولقد آتيناك سبعا من المثاني # [الحجر، الآية 87] وهو مكي بالنص. # أقوال العلماء في البسملة # { بسم الله الرحمن الرحيم } # اختلف الأئمة في شأن التسمية في أوائل السور الكريمة فقيل: إنها ليست من ~~القرآن أصلا، وهو قول ابن مسعود رضي الله عنه ومذهب مالك، والمشهور ~~من مذهب قدماء الحنفية، وعليه قراء المدينة والبصرة ms0002 والشام وفقهاؤها. ~~وقيل: إنها آية مفردة من القرآن أنزلت للفصل والتبرك بها وهو الصحيح من ~~مذهب الحنفية، وقيل: هي آية تامة من كل سورة صدرت بها، وهو قول ابن ~~عباس وقد نسب إلى ابن عمر أيضا رضي الله عنهم، وعليه يحمل إطلاق ~~عبارة ابن الجوزي في زاد المسير حيث قال: روي عن ابن عمر رضي الله عنهما ~~أنها أنزلت مع كل سورة، وهو أيضا مذهب سعيد بن جبير والزهري ~~وعطاء وعبد الله بن المبارك، وعليه قراء مكة والكوفة ~~وفقهاؤهما، وهو القول الجديد للشافعي رحمه الله، ولذلك يجهر بها عنده، ~~فلا عبرة بما نقل عن الجصاص من أن هذا القول من الشافعي لم يسبقه إليه ~~أحد، وقيل إنها آية من الفاتحة مع كونها قرآنا في سائر السور أيضا من ~~غير تعرض لكونها جزأ منها أو لا، ولا لكونها آية تامة أو لا، وهو ~~أحد قولي الشافعي على ما ذكره القرطبي. ونقل عن الخطابي أنه قول ابن ~~عباس وأبي هريرة رضي الله عنهم. وقيل إنها آية تامة في الفاتحة وبعض في ~~البواقي. وقيل بعض آية في الفاتحة وآية تامة في البواقي، وقيل إنها بعض ~~آية في الكل، وقيل إنها آيات من القرآن متعددة بعدد السور المصدرة بها ~~من غير أن تكون جزأ منها، وهذا القول غير معزى في الكتاب إلى أحد، وهناك ~~قول آخر ذكره بعض المتأخرين ولم ينسبه إلى أحد وهو إنها آية تامة في ~~الفاتحة وليست بقرآن في سائر السور، ولولا اعتبار كونها آية تامة لكان ~~ذلك أحد محملي تردد الشافعي، فإنه قد نقل عنه أنها بعض آية في ~~الفاتحة، وأما في غيرها فقوله فيها متردد، فقيل: بين أن يكون قرآنا ~~أو لا، وقيل: بين أن يكون آية تامة أو لا، قال الإمام الغزالي: ~~والصحيح من الشافعي هو التردد الثاني. # وعن أحمد بن حنبل في كونها آية كاملة وفي كونها من الفاتحة روايتان ~~ذكرهما ابن الجوزي، ونقل أنه مع مالك، وغيره ممن يقول أنها ليست من ~~القرآن. # هذا والمشهور من ms0003 هذه الأقاويل هي الثلاث الأول، والاتفاق على إثباتها ~~في المصاحف مع الإجماع على أن ما بين الدفتين كلام الله عز وجل يقضي ~~بنفي القول الأول، وثبوت القدر المشترك بين الأخيرين من غير دلالة على ~~خصوصية أحدهما، فإن كونها جزأ من القرآن لا يستدعي كونها جزأ من كل سورة ~~منه، كما لا يستدعي كونها آية منفردة منه. وأما ما روي عن ابن عباس رضي ~~الله عنهما " من أن من تركها فقد ترك مائة وأربع عشرة آية من كتاب ~~الله تعالى " وما روي عن أبي هريرة من أنه صلى الله عليه وسلم قال: # " فاتحة الكتاب سبع آيات أولاهن بسم الله الرحمن الرحيم " # ، وما روي عن أم سلمة من أنه صلى الله عليه وسلم قرأ سورة الفاتحة وعد ~~بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين آية، وإن دل كل واحد ~~منها على نفي القول الثاني فليس شيء منها نصا في إثبات القول الثالث، ~~أما الأول فلأنه لا يدل إلا على كونها آيات من كتاب الله تعالى متعددة ~~بعدد السور المصدرة بها، لا على ما هو المطلوب من كونها آية تامة من كل ~~واحدة منها، إلا أن يلتجأ إلى أن يقال أن كونها آية متعددة بعدد ~~السور المصدرة بها من غير أن تكون جزءا منها قول لم يقل به أحد، وأما ~~الثاني فساكت عن التعرض لحالها في بقية السور، وأما الثالث فناطق ~~بخلافه مع مشاركته للثاني في السكوت المذكور. والباء فيها متعلقة بمضمر ~~ينبىء عنه الفعل المصدر بها، كما أنها كذلك في تسمية المسافر عند ~~الحلول والارتحال، وتسمية كل فاعل عند مباشرة الأفعال. # تفسير البسملة # ومعناها الإستعانة أو الملابسة تبركا، أي باسم الله أقرأ، أو أتلو، ~~وتقديم المعمول للإعتناء به والقصد إلى التخصيص، كما في إياك نعبد، ~~وتقدير أبدأ لاقتضائه اقتصار التبرك على البداية مخل بما هو ~~المقصود، أعني شمول البركة للكل، وادعاء أن فيه امتثالا بالحديث ~~الشريف من جهة اللفظ والمعنى معا، وفي تقدير أقرأ من جهة المعنى فقط ~~ليس بشيء، فإن ms0004 مدار الامتثال هو البدء بالتسمية لا تقدير فعله، إذ لم ~~يقل في الحديث الكريم: كل أمر ذي بال لم يقل فيه أو لم يضمر فيه ~~أبدأ، وهذا إلى آخر السورة الكريمة مقول على ألسنة العباد تلقينا ~~لهم، وإرشادا إلى كيفية التبرك باسمه تعالى، وهداية إلى منهاج الحمد ~~وسؤال الفضل، ولذلك سميت السورة الكريمة بما ذكر من تعليم المسألة، ~~وإنما كسرت ومن حق الحروف المفردة أن تفتح لاختصاصها بلزوم الحرفية ~~والجر، كما كسرت لام الأمر، ولام الإضافة داخلة على المظهر للفصل ~~بينهما وبين لام الابتداء. # والاسم عند البصريين من الأسماء المحذوفة الأعجاز. المبنية الأوائل ~~على السكون قد أدخلت عليها عند الابتداء همزة، لأن من دأبهم البدء ~~بالمتحرك والوقف على الساكن، ويشهد له تصريفهم على أسماء وسمي ~~وسميت، وسمي كهدى لغة فيه قال: [الرجز] # والله أسماك سمى مباركا # آثرك الله به إيثاركا # والقلب بعيد غير مطرد، واشتقاقه من السمو لأنه رفع للمسمى ~~وتنويه له، وعند الكوفيين من السمة، وأصله وسم، حذفت الواو ~~وعوضت عنها همزة الوصل ليقل إعلالها، ورد عليه بأن الهمزة لم ~~تعهد داخلة على ما حذف صدره في كلامهم، ومن لغاتهم سم وسم قال: ~~[الرجز] # باسم الذي في كل سورة سمه # وإنما لم يقل بالله للفرق بين اليمين والتيمن، أو لتحقيق ما هو ~~المقصود بالإستعانة ههنا، فإنها تكون تارة بذاته تعالى. وحقيقتها طلب ~~المعونة على إيقاع الفعل وإحداثه، أي إفاضة القدرة المفسرة عند ~~الأصوليين من أصحابنا بما يتمكن به العبد من أداء مالزمه، المنقسمة ~~إلى ممكنة وميسرة، وهي المطلوبة بإياك نستعين، وتارة أخرى باسمه عز ~~وعلا. وحقيقتها طلب المعونة في كون الفعل معتدا به شرعا فإنه ما لم ~~يصدر باسمه تعالى يكون بمنزلة المعدوم. ولما كانت كل واحدة من ~~الإستعانتين واقعة وجب تعيين المراد بذكر الاسم، وإلا فالمتبادر من ~~قولنا بالله عند الإطلاق لا سيما عند الوصف بالرحمن الرحيم هي الإستعانة ~~الأولى. # إن قيل: فليحمل الباء على التبرك وليستغن عن ذكر الاسم، لما أن ~~التبرك لا يكون إلا به، قلنا: ms0005 ذاك فرع كون المراد بالله هو الاسم، وهل ~~التشاجر إلا فيه، فلا بد من ذكر الاسم لينقطع احتمال إرادة المسمى. ~~ويتعين حمل الباء على الإستعانة الثانية أو التبرك. وإنما لم يكتب ~~الألف لكثرة الإستعمال قالوا: وطولت الباء عوضا عنها. # (والله) أصله الإله، فحذفت همزته على غير قياس كما ينبىء عنه وجوب ~~الإدغام، وتعويض الألف واللام عنها، حيث لزماه وجردا من معنى التعريف، ~~ولذلك قيل: يالله بالقطع، فإن المحذوف القياسي في حكم الثابت، فلا ~~يحتاج إلى التدارك بما ذكر من الإدغام والتعويض. # وقيل: على قياس تخفيف الهمزة، فيكون الإدغام والتعويض من خواص الاسم ~~الجليل، ليمتاز بذلك عما عداه امتياز مسماه عما سواه بما لا يوجد فيه من ~~نعوت الكمال. والإله في الأصل اسم جنس يقع على كل معبود بحق أو باطل، ~~أي مع قطع النظر عن وصف الحقية والبطلان، لا مع اعتبار أحدهما بعينه، ~~ثم غلب على المعبود بالحق كالنجم والصعق. وأما الله بحذف الهمزة ~~فعلم مختص بالمعبود بالحق لم يطلق على غيره أصلا، واشتقاقه من ~~الإلاهة والألوهة، والألوهية بمعنى العبادة حسبما نص عليه الجوهري، ~~على أنه اسم منها بمعنى المألوه، كالكتاب بمعنى المكتوب، لا على أنه صفة ~~منها، بدليل أنه يوصف ولا يوصف به، حيث يقال إله واحد، ولا يقال شيء ~~إله، كما يقال كتاب مرقوم، ولا يقال شيء كتاب. والفرق بينهما أن ~~الموضوع له في الصفة هو الذات المبهمة باعتبار اتصافها بمعنى معين ~~وقيامه بها. فمدلولها مركب من ذات مبهمة لم يلاحظ معها خصوصية ~~أصلا، ومن معنى معين قائم بها على أن ملاك الأمر تلك الخصوصية، ~~فبأي ذات يقوم ذلك المعنى يصح إطلاق الصفة عليها، كما في الأفعال. ~~ولذلك تعمل عملها كاسمي الفاعل والمفعول. والموضوع له في الاسم ~~المذكور هو الذات المعينة والمعنى الخاص، فمدلوله مركب من ذينك ~~المعنيين من غير رجحان للمعنى على الذات كما في الصفة، ولذلك لم يعمل ~~عملها. # وقيل: اشتقاقه من أله بمعنى تحير، لأنه سبحانه يحار في شأنه العقول ~~والأفهام. وأما أله كعبد وزنا ms0006 ومعنى فمشتق من الأله المشتق من ~~أله بالكسر، وكذا تأله واستأله اشتقاق: استنوق واستحجر من الناقة ~~والحجر. وقيل: من أله إلى فلان أي سكن إليه، لاطمئنان القلوب بذكره ~~تعالى وسكون الأرواح إلى معرفته. وقيل: من أله إذا فزع من أمر نزل ~~به، وآلهه غيره إذا أجاره، إذ العائذ به تعالى يفزع إليه وهو ~~يجيره حقيقة أو في زعمه. وقيل: أصله لاه على أنه مصدر من لاه يليه ~~بمعنى احتجب وارتفع، أطلق على الفاعل مبالغة. وقيل: هو اسم علم للذات ~~الجليل ابتداء وعليه مدار أمر التوحيد في قولنا «لا إله إلا الله». # ولا يخفى أن اختصاص الاسم الجليل بذاته سبحانه بحيث لا يمكن إطلاقه ~~على غيره أصلا كاف في ذلك، ولا يقدح فيه كون ذلك الاختصاص بطريق ~~الغلبة بعد أن كان اسم جنس في الأصل، وقيل: هو وصف في الأصل لكنه ~~لما غلب عليه بحيث لا يطلق على غيره أصلا صار كالعلم، ويرده امتناع ~~الوصف به. # واعلم أن المراد بالمنكر في كلمة التوحيد هو المعبود بالحق، ~~فمعناها: فرد من أفراد المعبود بالحق إلا ذلك المعبود بالحق. وقيل: ~~أصله لاها بالسريانية فعرب بحذف الألف الثانية، وإدخال الألف ~~واللام عليه وتفخيم لامه إذا لم ينكسر ما قبله سنة، وقيل: مطلقا، وحذف ~~ألفه لحن تفسد به الصلاة، ولا ينعقد به صريح اليمين، وقد جاء لضرورة ~~الشعر في قوله: [الوافر] # ألا لا بارك الله في سهيل # إذا ما الله بارك في الرجال # [تفسير الرحمن الرحيم] # و { الرحمن الرحيم } صفتان مبنيتان من رحم «بعد جعله ~~لازما» بمنزلة الغرائز، بنقله إلى رحم بالضم كما هو المشهور. وقد ~~قيل: إن الرحيم ليس بصفة مشبهة، بل هي صيغة مبالغة، نص عليه سيبويه ~~في قولهم: هو رحيم فلانا. والرحمة في اللغة رقة القلب والانعطاف، ومنه ~~الرحم لانعطافها على ما فيها. والمراد ههنا التفضل والإحسان، ~~وإرادتهما بطريق إطلاق اسم السبب بالنسبة إلينا على مسببه البعيد أو ~~القريب، فإن أسماء الله تعالى تؤخذ باعتبار الغايات التي هي أفعال دون ~~المبادىء التي هي ms0007 انفعالات. والأول من الصفات الغالبة حيث لم يطلق على ~~غيره تعالى، وإنما امتنع صرفه إلحاقا له بالأغلب في بابه من غير نظر ~~إلى الاختصاص العارض، فإنه كما حظر وجود فعلى حظر وجود فعلانة، ~~فاعتباره يوجب اجتماع الصرف وعدمه، فلزم الرجوع إلى أصل هذه الكلمة ~~قبل الاختصاص، بأن تقاس إلى نظائرها من باب فعل يفعل، فإذا كانت ~~كلها ممنوعة من الصرف لتحقق وجود فعلى فيها، علم أن هذه الكلمة أيضا ~~في أصلها مما تحقق فيها وجود فعلى، فتمنع من الصرف، وفيه من المبالغة ما ~~ليس في الرحيم ولذلك قيل: يا رحمن الدنيا والآخرة، ورحيم الدنيا وتقديمه ~~مع كون القياس تأخيره رعاية لأسلوب الترقي إلى الأعلى، كما في قولهم ~~فلان عالم نحرير، وشجاع باسل، وجواد فياض، لأنه باختصاصه به عز ~~وجل صار حقيقا بأن يكون قرينا للاسم الجليل الخاص به تعالى، ولأن ما ~~يدل على جلائل النعم وعظائمها وأصولها أحق بالتقديم مما يدل على ~~دقائقها وفروعها. وإفراد الوصفين الشريفين بالذكر لتحريك سلسلة الرحمة. # [تفسير الحمد لله] # { الحمد لله } الحمد هو: النعت بالجميل على الجميل، اختياريا ~~كان أو مبدأ له، على وجه يشعر بتوجيهه إلى المنعوت وبهذه الحيثية ~~يمتاز عن المدح، فإنه خال عنها، يرشدك إلى ذلك ما ترى بينهما من ~~الاختلاف في كيفية التعلق بالمفعول في قولك: حمدته ومدحته، فإن تعلق ~~الثاني بمفعوله على منهاج تعلق عامة الأفعال بمفعولاتها، وأما الأول ~~فتعلقه بمفعوله منبىء عن معنى الإنهاء، كما في قولك: كلمته، فإنه ~~معرب عما تفيده لام التبليغ في قولك: قلت له، ونظيره وشكرته ~~وعبدته وخدمته، فإن تعلق كل منها منبىء عن المعنى المذكور، وتحقيقه: ~~أن مفعول كل فعل في الحقيقة هو الحدث الصادر عن فاعله ولا يتصور في ~~كيفية تعلق الفعل به أي فعل كان اختلاف أصلا. وأما المفعول به ~~الذي هو محله وموقعه، فلما كان تعلقه به ووقوعه عليه على أنحاء ~~مختلفة حسبما تقتضيه خصوصيات الأفعال بحسب معانيها المختلفة، فإن بعضها ~~يقتضي أن يلابسه ملابسة تامة مؤثرة فيه كعامة الأفعال، وبعضها ms0008 يستدعي ~~أن يلابسه أدنى ملابسة. # إما بالانتهاء إليه كالإعانة مثلا، أو بالإبتداء منه كالإستعانة ~~مثلا، اعتبر في كل نحو من أنحاء تعلقه به كيفية لائقة بذلك النحو، ~~مغايرة لما اعتبر في النحوين الأخيرين. # فنظم القسم الأول من التعلق في سلك التعلق بالمفعول الحقيقي مراعاة ~~لقوة الملابسة، وجعل كل واحد من القسمين الأخيرين من قبيل التعلق ~~بواسطة الجار المناسب له، فإن قولك أعنته مشعر بانتهاء الإعانة ~~إليه، وقولك استعنته بابتدائها منه، وقد يكون لفعل واحد مفعولان يتعلق ~~بأحدهما على الكيفية الأولى، وبالآخر على الثانية أو الثالثة، كما في ~~قولك حدثني الحديث، وسألني المال، فإن التحديث مع كونه فعلا واحدا قد ~~تعلق بك على الكيفية الثانية، وبالحديث على الأولى، وكذا السؤال فإنه ~~فعل واحد، وقد تعلق بك على الكيفية الثالثة وبالمال على الأولى. # ولا ريب في أن اختلاف هذه الكيفيات الثلاث وتباينها واختصاص كل ~~من المفاعيل المذكورة بما نسب إليه منها مما لا يتصور فيه تردد ~~ولا نكير وإن كان لا يتضح حق الاتضاح إلا عند الترجمة والتفسير، وإن ~~مدار ذلك لاختلاف ليس إلا اختلاف الفعل أو اختلاف المفعول، وإذ لا ~~اختلاف في مفعول الحمد والمدح تعين أن اختلافهما في كيفية التعلق، ~~لاختلافهما في المعنى قطعا. هذا وقد قيل: المدح مطلق عن قيد ~~الإختيار، يقال: مدحت زيدا على حسنه ورشاقة قده، وأيا ما ~~كان فليس بينهما ترادف، بل أخوة من جهة الاشتقاق الكبير، وتناسب ~~تام في المعنى كالنصر والتأييد فإنهما متناسبان معنى من غير ترادف لما ~~ترى بينهما من الاختلاف في كيفية التعلق بالمفعول، وإنما مرادف النصر ~~الإعانة، ومرادف التأييد التقوية، فتدبر. # ثم إن ما ذكر من التفسير هو المشهور من معنى الحمد، واللائق ~~بالإرادة في مقام التعظيم، وأما ما ذكر في كتب اللغة من معنى ~~الرضى مطلقا كما في قوله تعالى: # عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا # [الإسراء، الآية: 79] وفي قولهم: لهذا الأمر عاقبة حميدة، وفي قول ~~الأطباء: بحران محمود، مما لا يختص بالفاعل فضلا عن الإختيار فبمعزل ~~عن استحقاق الإرادة ms0009 ههنا استقلالا، أو استتباعا بحمل الحمد على ما ~~يعم المعنيين، إذ ليس في إثباته له عز وجل فائدة يعتد بها. وأما ~~الشكر فهو مقابلة النعمة بالثناء وآداب الجوارح، وعقد القلب على وصف ~~المنعم بنعت الكمال كما قال من قال: # أفادتكم النعماء مني ثلاثة # يدي ولساني والضمير المحجبا # فإذن هو أعم منهما من جهة، وأخص من أخرى. ونقيضه الكفران، ولما كان ~~الحمد من بين شعب الشكر أدخل في إشاعة النعمة والاعتداد ~~بشأنها، وأدل على مكانها لما في عمل القلب من الخفاء، وفي أعمال ~~الجوارح من الاحتمال، جعل الحمد رأس الشكر، وملاكا لأمره في قوله ~~عليه السلام: # " الحمد رأس الشكر، ما شكر الله عبد لم يحمده " # وارتفاعه بالابتداء، وخبره الظرف، وأصله النصب كما هو شأن ~~المصادر المنصوبة بأفعالها المضمرة التي لا تكاد تستعمل معها، نحو ~~شكرا وعجبا، كأنه قيل: نحمد الله حمدا بنون الحكاية، ليوافق ما في ~~قوله تعالى: { إياك نعبد وإياك نستعين } [الفاتحة، ~~الآية: 5] لاتحاد الفاعل في الكل، وأما ما قيل من أنه بيان لحمدهم له ~~تعالى، كأنه قيل: كيف تحمدون؟ فقيل: إياك نعبد فمع أنه لا حاجة ~~إليه مما لا صحة له في نفسه، فإن السؤال المقدر لا بد أن يكون ~~بحيث يقتضيه انتظام الكلام وتنساق إليه الأذهان والأفهام، ولا ~~ريب في أن الحامد بعد ما ساق حمده تعالى على تلك الكيفية اللائقة لا ~~يخطر ببال أحد أن يسأل عن كيفيته على أن ما قدر من السؤال ~~غير مطابق للجواب، فإنه مسوق لتعيين المعبود، لا لبيان العبادة، حتى ~~يتوهم كونه بيانا لحمدهم والاعتذار بأن المعنى نخصك بالعبادة وبه ~~يتبين كيفية الحمد تعكيس للأمر، وتمحل لتوفيق المنزل ~~المقرر بالموهوم المقدر. # وبعد اللتيا والتي إن فرض السؤال من جهته عز وجل فأتت ~~نكتة الإلتفات التي أجمع عليها السلف والخلف، وإن فرض من جهة ~~الغير يختل النظام لابتناء الجواب على خطابه تعالى، وبهذا يتضح ~~فساد ما قيل: إنه استئناف جوابا لسؤال يقتضيه إجراء تلك الصفات ~~العظام على الموصوف بها، فكأنه قيل: ما شأنكم ms0010 معه وكيف توجهكم إليه، ~~فأجيب بحصر العبادة والاستعانة فيه، فإن تناسي جانب السائل بالكلية ~~وبناء الجواب على خطابه عز وعلا مما يجب تنزيه ساحة التنزيل عن ~~أمثاله. # والحق الذي لا محيد عنه أنه استئناف صدر عن الحامد بمحض ~~ملاحظة اتصافه تعالى بما ذكر من النعوت الجليلة الموجبة للإقبال ~~الكلي عليه، من غير أن يتوسط هناك شيء آخر كما ستحيط به خبرا، وإيثار ~~الرفع على النصب الذي هو الأصل للإيذان بأن ثبوت الحمد له تعالى لذاته ~~لا لإثبات مثبت، وأن ذلك أمر دائم مستمر لا حادث متجدد كما تفيده ~~قراءة النصب، وهو السر في كون تحية الخليل للملائكة عليهم التحية ~~والسلام أحسن من تحيتهم له في قوله تعالى: # قالوا سلاما قال سلام # [هود، الآية 69] وتعريفه للجنس، ومعناه الإشارة إلى الحقيقة من حيث هي ~~حاضرة في ذهن السامع، والمراد تخصيص حقيقة الحمد به تعالى المستدعي ~~لتخصيص جميع أفرادها به سبحانه على الطريق البرهاني، لكن لا بناء على ~~أن أفعال العباد مخلوقة له تعالى، فتكون الأفراد الواقعة بمقابلة ما ~~صدر عنهم من الأفعال الجميلة راجعة إليه تعالى، بل بناء على تنزيل تلك ~~الأفراد ودواعيها في المقام الخطابي منزلة العدم كيفا وكما. # وقد قيل: للإستغراق الحاصل بالقصد إلى الحقيقة من حيث تحققها في ضمن ~~جميع أفرادها، حسبما يقتضيه المقام، وقرىء: الحمد لله بكسر الدال ~~إتباعا لها باللام، وبضم اللام إتباعا لها بالدال، بناء على تنزيل ~~الكلمتين لكثرة استعمالهما مقترنتين منزلة كلمة واحدة، مثل المغيرة ~~ومنحدر الجبل. # [تفسير رب العالمين] # { رب العلمين } بالجر على أنه صفة لله، فإن إضافته حقيقية ~~مفيدة للتعريف على كل حال، ضرورة تعين إرادة الاستمرار، وقرىء ~~منصوبا على المدح، أو بما دلت عليه الجملة السابقة، كأنه قيل: نحمد ~~الله رب العالمين ولا مساغ لنصبه بالحمد لقلة إعمال المصدر المحلى ~~باللام، وللزوم الفصل بين العامل والمعمول بالخبر، والرب: في الأصل ~~مصدر بمعنى التربية وهي تبليغ الشيء إلى كماله شيئا فشيئا، وصف به ~~الفاعل مبالغة كالعدل. # وقيل: صفة مشبهة، من ربه يربه، مثل ms0011 نمه ينمه، بعد جعله لازما ~~بنقله إلى فعل بالضم، كما هو المشهور، سمي به المالك لأنه يحفظ ما ~~يملكه ويربيه، ولا يطلق على غيره تعالى إلا مقيدا كرب الدار ورب ~~الدابة، ومنه قوله تعالى: # فيسقي ربه خمرا # [يوسف، الآية 41] وقوله تعالى: # ارجع إلى ربك # [يوسف، الآية 50] وما في الصحيحين من أنه عليه السلام قال: # " لا يقل أحدكم أطعم ربك، وضىء ربك، ولا يقل أحدكم ربي، ~~وليقل سيدي ومولاي " # فقد قيل: إن النهي فيه للتنزيه، وأما الأرباب فحيث لم يمكن إطلاقه ~~على الله سبحانه جاز في إطلاقه الإطلاق والتقييد، كما في قوله تعالى: # أأرباب متفرقون خير # [يوسف، الآية 39] الآية. و(العالم) اسم لما يعلم به، كالخاتم ~~والقالب، غلب فيما يعلم به الصانع تعالى من المصنوعات أي في ~~القدر المشترك بين أجناسها وبين مجموعها، فإنه كما يطلق على كل ~~جنس جنس منها في قولهم عالم الأفلاك، وعالم العناصر، وعالم النبات، ~~وعالم الحيوان، إلى غير ذلك، يطلق على المجموع أيضا، كما في قولنا ~~العالم بجميع أجزائه محدث، وقيل: هو اسم لأولي العلم من الملائكة ~~والثقلين وتناوله لما سواهم بطريق الاستتباع. # وقيل: أريد به الناس فقط، فإن كل واحد منهم من حيث اشتماله على ~~نظائر ما في العالم الكبير من الجواهر والأعراض يعلم بها الصانع، كما ~~يعلم بما في كل عالم على حياله، ولذلك أمر بالنظر في الأنفس كالنظر ~~في الآفاق، فقيل: # وفى أنفسكم أفلا تبصرون # [الذاريات، الآية 21] والأول هو الأحق الأظهر، وإيثار صيغة الجمع ~~لبيان شمول ربوبيته تعالى لجميع الأجناس، والتعريف لاستغراق أفراد ~~كل منها بأسرها، إذ لو أفرد لربما توهم أن المقصود بالتعريف هو ~~الحقيقة من حيث هي، أو استغراق أفراد جنس واحد على الوجه الذي أشير ~~إليه في تعريف الحمد، وحيث صح ذلك بمساعدة التعريف نزل العالم - وإن ~~لم يطلق على آحاد مدلوله - منزلة الجمع، حتى قيل: إنه جمع لا واحد له ~~من لفظه، فكما أن الجمع المعرف يستغرق آحاد مفرده وإن لم يصدق ~~عليها كما في مثل قوله تعالى: # والله يحب ms0012 المحسنين # [آل عمران، الآية 134] أي كل محسن، كذلك العالم يشمل أفراد الجنس ~~المسمى به، وإن لم يطلق عليها، كأنها آحاد مفرده التقديري، ومن ~~قضية هذا التنزيل تنزيل جمعه منزلة جمع الجمع، فكما أن الأقاويل ~~تتناول كل واحد من آحاد الأقوال، يتناول لفظ العالمين كل واحد من ~~آحاد الأجناس التي لا تكاد تحصى. # روي عن وهب ابن منبه أنه قال: «لله تعالى ثمانية عشر ألف عالم، ~~والدنيا عالم منها» وإنما جمع بالواو والنون مع اختصاص ذلك بصفات ~~العقلاء وما في حكمها من الأعلام لدلالته على معنى العلم، مع اعتبار ~~تغليب العقلاء على غيرهم. واعلم أن عدم إطلاق اسم العالم على كل واحد ~~من تلك الآحاد ليس إلا باعتبار الغلبة والاصطلاح، وأما باعتبار الأصل ~~فلا ريب في صحة الإطلاق قطعا لتحقق المصداق حتما، فإنه كما يستدل ~~على الله سبحانه بمجموع ما سواه، وبكل جنس من أجناسه يستدل عليه تعالى ~~بكل جزء من أجزاء ذلك المجموع، وبكل فرد من أفراد تلك الأجناس، لتحقق ~~الحاجة إلى المؤثر الواجب لذاته في الكل، فإن كل ما ظهر في ~~المظاهر - مما عز وهان - وحضر في هذه المحاضر كائنا ما كان دليل ~~لائح على الصانع المجيد، وسبيل واضح إلى عالم التوحيد، وأما شمول ~~ربوبيته عز وجل للكل فمما لا حاجة إلى بيانه، إذ لا شيء مما أحدق به ~~نطاق الإمكان والوجود من العلويات والسفليات والمجردات والماديات ~~والروحانيات والجسمانيات إلا وهو في حد ذاته بحيث لو فرض انقطاع آثار ~~التربية عنه آنا واحدا لما استقر له القرار، ولا اطمأنت به الدار، إلا ~~في مطمورة العدم ومهاوي البوار، لكن يفيض عليه من الجناب الأقدس، تعالى ~~شأنه وتقدس، في كل زمان يمضي، وكل آن يمر وينقضي، من فنون الفيوض ~~المتعلقة بذاته، ووجوده وصفاته وكمالاته مما لا يحيط به فلك ~~التعبير ولا يعلمه إلا العليم الخبير، ضرورة أنه كما لا يستحق شيء ~~من الممكنات بذاته الوجود ابتداء لا يستحقه بقاء، وإنما ذلك من جناب ~~المبدئ الأول عز وعلا، فكما لا يتصور وجوده ms0013 ابتداء ما لم ينسد ~~عليه جميع أنحاء عدمه الأصلي، لا يتصور بقاؤه على الوجود بعد ~~تحققه بعلته ما لم ينسد عليه جميع أنحاء عدمه الطارىء، لما أن ~~الدوام من خصائص الوجود الواجبي، وظاهر أن ما يتوقف عليهما وجوده من ~~الأمور الوجودية التي هي علله وشرائطه وإن كانت متناهية لوجوب ~~تناهي ما دخل تحت الوجود، لكن الأمور العدمية التي لها دخل في ~~وجوده وهي المعبر عنها بارتفاع الموانع ليست كذلك، إذ لا استحالة في ~~أن يكون لشيء واحد موانع غير متناهية يتوقف وجوده أو بقاؤه على ~~ارتفاعها، أو بقائها على العدم مع إمكان وجودها في نفسها، فإبقاء تلك ~~الموانع التي لا تتناهى على العدم تربية لذلك الشيء من وجوه غير ~~متناهية. # وبالجملة فآثار تربيته عز وجل الفائضة على كل فرد من أفراد ~~الموجودات في كل آن من آنات الوجود غير متناهية، فسبحانه ما أعظم ~~شأنه لا تلاحظه العيون بأنظارها، ولا تطالعه العقول بأفكارها، شأنه ~~لا يضاهى، وإحسانه لا يتناهى، ونحن في معرفته حائرون، وفي إقامة ~~مراسم شكره قاصرون، نسألك اللهم الهداية إلى مناهج معرفتك، والتوفيق ~~لأداء حقوق نعمتك، لا نحصي ثناء عليك لا إله إلا أنت، نستغفرك ونتوب ~~إليك. # { الرحمن الرحيم } صفتان لله، فإن أريد بما فيهما من الرحمة ~~ما يختص بالعقلاء من العالمين أو ما يفيض على الكل بعد الخروج إلى طور ~~الوجود من النعم، فوجه تأخيرهما عن وصف الربوبية ظاهر، وإن أريد ما ~~يعم الكل في الأطوار كلها حسبما في قوله تعالى: # ورحمتى وسعت كل شىء # [الأعراف، الآية 156] فوجه الترتيب أن التربية لا تقتضي المقارنة ~~للرحمة، فإيرادهما في عقبها للإيذان بأنه تعالى متفضل فيها، فاعل ~~بقضية رحمته السابقة من غير وجوب عليه، وبأنها واقعة على أحسن ما ~~يكون، والاقتصار على نعته تعالى بهما في التسمية لما أنه الأنسب بحال ~~المتبرك المستعين باسمه الجليل، والأوفق لمقاصده. # { ملك يوم الدين } صفة رابعة له تعالى، وتأخيرها عن الصفات ~~الأول مما لا حاجة إلى بيان وجهه، وقرأ أهل الحرمين المحترمين ~~(ملك) من الملك ms0014 الذي هو عبارة عن السلطان القاهر، والاستيلاء ~~الباهر، والغلبة التامة، والقدرة على التصرف الكلي في أمور العامة، ~~بالأمر والنهي، وهو الأنسب بمقام الإضافة إلى يوم الدين، كما في قوله ~~تعالى: # لمن الملك اليوم لله الواحد القهار # [غافر، الآية 16] وقرىء (ملك) بالتخفيف و(ملك) بلفظ الماضي، ~~(ومالك) بالنصب على المدح، أو الحال، وبالرفع منونا ومضافا على أنه ~~خبر مبتدإ محذوف، (وملك) مضافا وبالرفع والنصب. واليوم في العرف ~~عبارة عما بين طلوع الشمس وغروبها من الزمان، وفي الشرع عما بين ~~طلوع الفجر الثاني وغروب الشمس، والمراد ها هنا مطلق الوقت. والدين ~~الجزاء خيرا كان أو شرا، ومنه الثاني في المثل السائر كما تدين ~~تدان، والأول في بيت الحماسة: [الهزج] # ولم يبق سوى العدوا # ن دناهم كما دانوا # وأما الأول في الأول والثاني في الثاني فليس بجزاء حقيقة، وإنما سمي ~~به مشاكلة، أو تسمية للشيء باسم مسببه كما سميت إرادة القيام ~~والقراءة باسمهما في قوله عز اسمه: # إذا قمتم إلى الصلاة # [المائدة، الآية 6] وقوله تعالى: # فإذا قرأت القرءان فاستعذ بالله # [النحل، الآية 98] ولعله هو السر في بناء المفاعلة من الأفعال التي ~~تقوم أسبابها بمفعولاتها، نحو عاقبت اللص ونظائره، فإن قيام السرقة ~~التي هي سبب للعقوبة باللص نزل منزلة قيام المسبب به، وهي ~~العقوبة، فصار كأنها قامت بالجانبين، وصدرت عنهما، فبنيت صيغة ~~المفاعلة الدالة على المشاركة بين اثنين. وإضافة اليوم إليه لأدنى ~~ملابسة كإضافة سائر الظروف الزمانية إلى ما وقع فيها من الحوادث، كيوم ~~الأحزاب وعام الفتح، وتخصيصه من بين سائر ما يقع فيه من القيامة ~~والجمع والحساب لكونه أدخل في الترغيب والترهيب، فإن ما ذكر من ~~القيامة وغيرها من مبادىء الجزاء ومقدماته، وإضافة (مالك) إلى ~~اليوم [من] إضافة اسم الفاعل إلى الظرف، على نهج الاتساع المبني على ~~إجرائه مجرى المفعول به، مع بقاء المعنى على حاله، كقولهم: يا سارق ~~الليلة أهل الدار. أي: مالك أمور العالمين كلها في يوم الدين. ~~وخلو إضافته عن إفادة التعريف المسوغ لوقوعه صفة للمعرفة إنما هو ~~إذا أريد به ms0015 الحال، أو الاستقبال، وأما عند إرادة الاستمرار الثبوتي ~~كما هو اللائق بالمقام فلا ريب في كونها إضافة حقيقية كإضافة الصفة ~~المشبهة إلى غير معمولها في قراءة (ملك يوم الدين). # ويوم الدين وإن لم يكن مستمرا في جميع الأزمنة إلا أنه لتحقق وقوعه ~~وبقائه أبدا أجري مجرى المتحقق المستمر. ويجوز أن يراد به ~~الماضي بهذا الاعتبار، كما تشهد به القراءة على صيغة الماضي، وما ذكر من ~~إجراء الظرف مجرى المفعول به إنما هو من حيث المعنى، لا من حيث ~~الإعراب، حتى يلزم كون الإضافة لفظية، ألا ترى أنك تقول في: مالك ~~عبده أمس إنه مضاف إلى المفعول به، على أنه كذلك معنى، لا أنه منصوب ~~محلا، وتخصيصه بالإضافة إما لتعظيمه وتهويله، أو لبيان تفرده تعالى ~~بإجراء الأمر فيه، وانقطاع العلائق المجازية بين الملاك والأملاك ~~حينئذ بالكلية، وإجراء هاتيك الصفات الجليلة عليه سبحانه تعليل لما ~~سبق من اختصاص الحمد به تعالى، المستلزم لاختصاص استحقاقه به تعالى، ~~وتمهيد لما لحق من اقتصار العبادة والاستعانة عليه، فإن كل ~~واحدة منها مفصحة عن وجوب ثبوت كل واحد منها له تعالى، وامتناع ~~ثبوتها لما سواه. # أما الأولى والرابعة فظاهر، لأنهما متعرضتان صراحة لكونه تعالى ~~ربا مالكا وما سواه مربوبا مملوكا له تعالى. # وأما الثانية والثالثة فلأن اتصافه تعالى بهما ليس إلا بالنسبة إلى ما ~~سواه من العالمين وذلك يستدعي أن يكون الكل منعما عليهم، فظهر أن كل ~~واحدة من تلك الصفات كما دلت على وجوب ثبوت الأمور المذكورة له تعالى ~~دلت على امتناع ثبوتها لما عداه على الإطلاق، وهو المعنى بالاختصاص. # { إياك نعبد وإياك نستعين }. # [سر تكرار الفاتحة في الصلاة] # التفات من الغيبة إلى الخطاب، وتلوين للنظم من باب إلى باب، جار على ~~نهج البلاغة في افتنان الكلام، ومسلك البراعة حسبما يقتضي المقام، لما ~~أن التنقل من أسلوب إلى أسلوب، أدخل في استجلاب النفوس واستمالة ~~القلوب يقع من كل واحد من التكلم والخطاب والغيبة إلى كل واحد من ~~الآخرين، كما في قوله عز وجل: # والله الذى ms0016 أرسل الرياح فتثير سحابا # [فاطر، الآية 9] الآية، وقوله تعالى: # حتى إذا كنتم فى الفلك وجرين بهم # [يونس، الآية 22] إلى غير ذلك من الالتفاتات الواردة في التنزيل ~~لأسرار تقتضيها، ومزايا تستدعيها، ومما استأثر به هذا المقام الجليل ~~من النكت الرائقة الدالة على أن تخصيص العبادة والاستعانة به تعالى ~~لما أجري عليه من النعوت الجليلة التي أوجبت له تعالى أكمل تميز، ~~وأتم ظهور، بحيث تبدل خفاء الغيبة بجلاء الحضور، فاستدعى استعمال ~~صيغة الخطاب، والإيذان بأن حق التالي - بعد ما تأمل فيما سلف من ~~تفرده تعالى بذاته الأقدس، المستوجب للعبودية، وامتيازه بذاته عما ~~سواه بالكلية، واستبداده بجلائل الصفات وأحكام الربوبية المميزة له ~~عن جميع أفراد العالمين، وافتقار الكل إليه في الذات والوجود ~~ابتداء وبقاء، على التفصيل الذي مرت إليه الإشارة - أن يترقى من ~~رتبة البرهان إلى طبقة العيان، وينتقل من عالم الغيبة إلى معالم ~~الشهود، ويلاحظ نفسه في حظائر القدس حاضرا في محاضر الأنس، كأنه ~~واقف لدى مولاه ماثل بين يديه، وهو يدعو بالخضوع والإخبات، ويقرع ~~بالضراعة باب المناجاة قائلا: يا من هذه شوؤن ذاته وصفاته، نخصك ~~بالعبادة والاستعانة، فإن ما سواك كائنا ما كان بمعزل من استحقاق ~~الوجود، فضلا عن استحقاق أن يعبد ويستعان، ولعل هذا هو السر في ~~اختصاص السورة الكريمة بوجوب القراءة في كل ركعة من الصلاة التي هي ~~مناجاة العبد لمولاه ومنته للتبتل إليه بالكلية. و(إيا) ضمير ~~منفصل منصوب، وما يلحقه من الكاف والياء والهاء حروف زيدت لتعيين ~~الخطاب، والتكلم والغيبة لا محل لها من الإعراب، كالتاء في أنت والكاف ~~في أرأيتك، وما ادعاه الخليل من الإضافة محتجا عليه بما حكاه عن بعض ~~العرب: إذا بلغ الرجل الستين فإياه وإيا الشواب، فمما لا يعول عليه. ~~وقيل: هي الضمائر، وإيا دعامة لها لتصيرها منفصلة، وقيل: الضمير هو ~~المجموع، وقرىء (إياك) بالتخفيف وبفتح الهمزة والتشديد، وهياك بقلب ~~الهمزة هاء. # [معنى العبادة والعبودية والاستعانة] # والعبادة أقصى غاية التذلل والخضوع، ومنه طريق معبد أي مذلل، ~~والعبودية أدنى منها، وقيل: العبادة فعل ما يرضى ms0017 به الله، والعبودية ~~الرضى بما فعل الله تعالى، والاستعانة طلب المعونة على الوجه الذي مر ~~بيانه، وتقديم المفعول فيهما لما ذكر من القصر والتخصيص، كما في قوله ~~تعالى: # وإياى فارهبون # [البقرة، الآية 40] مع ما فيه من التعظيم والاهتمام به، قال ابن عباس ~~رضي الله عنهما: معناه نعبدك ولا نعبد غيرك، وتكرير الضمير المنصوب ~~للتنصيص على تخصيصه تعالى بكل واحدة من العبادة والاستعانة، ولإبراز ~~الاستلذاذ بالمناجاة والخطاب، وتقديم العبادة لما أنها من مقتضيات ~~مدلول الاسم الجليل، وإن ساعدته الصفات المجراة عليه أيضا، وأما ~~الاستعانة فمن الأحكام المبنية على الصفات المذكورة ولأن العبادة من ~~حقوق الله تعالى، والاستعانة من حقوق المستعين، ولأن العبادة واجبة ~~حتما، والاستعانة تابعة للمستعان فيه في الوجوب وعدمه، وقيل: لأن ~~تقديم الوسيلة على المسؤول أدعى إلى الإجابة والقبول، هذا على تقدير ~~كون إطلاق الاستعانة [على المفعول فيه] ليتناول كل مستعان فيه، كما ~~قالوا، وقد قيل: إنه لما كان المسؤول هو المعونة في العبادة والتوفيق ~~لإقامة مراسمهما على ما ينبغي، وهو اللائق بشأن التنزيل، والمناسب ~~لحال الحامد، فإن استعانته مسبوقة بملاحظة فعل من أفعاله، ليستعينه ~~تعالى في إيقاعه، ومن البين أنه عند استغراقه في ملاحظة شؤونه تعالى، ~~واشتغاله بأداء ما توجبه تلك الملاحظة من الحمد والثناء، لا يكاد ~~يخطر بباله من أفعاله وأحواله إلا الإقبال الكلي عليه، والتوجه ~~التام إليه، ولقد فعل ذلك بتخصيص العبادة به تعالى أولا، وباستدعاء ~~الهداية إلى ما يوصل إليه آخرا، فكيف يتصور أن يشتغل فيما بينهما ~~بما لا يعنيه من أمور دنياه أو بما يعمها وغيرها، كأنه قيل: وإياك ~~نستعين في ذلك، فإنا غير قادرين على أداء حقوقك من غير إعانة منك، ~~فوجه الترتيب حينئذ واضح، وفيه من الإشعار بعلو رتبة عبادته تعالى ~~وعزة منالها، وبكونها عند العابد أشرف المباغي والمقاصد وبكونها من ~~مواهبه تعالى لا من أعمال نفسه، ومن الملأمة لما يعقبه من الدعاء ما ~~لا يخفى. # وقيل: الواو للحال، أي إياك نعبد مستعينين بك، وإيثار صيغة المتكلم ~~مع الغير في الفعلين للإيذان ms0018 بقصور نفسه، وعدم لياقته للوقوف في ~~مواقف الكبرياء منفردا، وعرض العبادة، واستدعاء المعونة والهداية ~~مستقلا، وأن ذلك إنما يتصور من عصابة هو من جملتهم، وجماعة هو من ~~زمرتهم، كما هو ديدن الملوك، أو للإشعار باشتراك سائر الموحدين له ~~في الحالة العارضة له، بناء على تعاضد الأدلة الملجئة إلى ذلك، ~~وقرىء (نستعين) بكسر النون على لغة بني تميم. # { اهدنا الصراط المستقيم } إفراد - لمعظم أفراد المعونة ~~المسؤولة - بالذكر، وتعيين لما هو الأهم أو بيان لها، كأنه قيل: كيف ~~أعينكم فقيل: اهدنا. # [تعريف الهداية وأنواعها] # والهداية دلالة بلطف على ما يوصل إلى البغية، ولذلك اختصت ~~بالخير، وقوله تعالى: # فاهدوهم إلى صراط الجحيم # [الصافات، الآية 23] وارد على نهج التهكم، والأصل تعديتها بإلى ~~واللام، كما في قوله تعالى: # قل هل من شركائكم من يهدى إلى الحق قل الله ~~يهدى للحق # [يونس، الآية 35] فعومل معاملة اختار في قوله تعالى: # واختار موسى قومه # [الأعراف، الآية 155] وعليه قوله تعالى: # لنهدينهم سبلنا # [العنكبوت، الآية 69] وهداية الله تعالى مع تنوعها إلى أنواع لا تكاد ~~تحصر منحصرة في أجناس مترتبة، (منها) أنفسية، كإفاضة القوى ~~الطبيعية والحيوانية التي بها يصدر عن المرء فاعليته الطبيعية ~~الحيوانية، والقوى المدركة، والمشاعر الظاهرة والباطنة التي بها يتمكن ~~من إقامة مصالحه المعاشية والمعادية، (ومنها) آفاقية، فإما تكوينية ~~معربة عن الحق بلسان الحال، وهي نصب الأدلة المودعة في كل فرد ~~من أفراد العالم حسبما لوح به فيما سلف، وإما تنزيلية مفصحة عن ~~تفاصيل الأحكام النظرية والعملية بلسان المقال، بإرسال الرسل، وإنزال ~~الكتب المنطوية على فنون الهدايات التي من جملتها الإرشاد إلى مسلك ~~الاستدلال بتلك الأدلة التكوينية الآفاقية والأنفسية، والتنبيه على ~~مكانها، كما أشير إليه مجملا في قوله تعالى: # وفى الأرض ءايات للموقنين وفى أنفسكم أفلا ~~تبصرون # [الذاريات، الآية 20و21] وفي قوله عز وعلا: # إن فى اختلاف اليل والنهار وما خلق الله فى ~~السموات والأرض لآيات لقوم يتقون # [يونس، الآية 6] (ومنها) الهداية الخاصة وهي كشف الأسرار على قلب ~~المهدى بالوحي، أو الإلهام. # ولكل مرتبة من هذه المراتب صاحب ينتحيها، ms0019 وطالب يستدعيها، والمطلوب ~~إما زيادتها كما في قوله تعالى: # والذين اهتدوا زادهم هدى # [محمد: الآية 17] وإما الثبات عليها كما روي عن علي وأبي رضي الله ~~عنهما: إهدنا ثبتنا، ولفظ الهداية على الوجه الأخير مجاز قطعا، وأما ~~على الأول فإن اعتبر مفهوم الزيادة داخلا في المعنى المستعمل فيه كان ~~مجازا أيضا، وإن اعتبر خارجا عنه مدلولا عليه بالقرائن كان حقيقة، ~~لأن الهداية الزائدة هداية، كما أن العبادة الزائدة عبادة، فلا يلزم ~~الجمع بين الحقيقة والمجاز، وقرىء أرشدنا، والصراط الجادة وأصله ~~السين، قلبت صادا لمكان الطاء كمصيطر في مسيطر، من سرط الشيء إذا ~~ابتلعه، سميت به لأنها تسترط السابلة إذا سلكوها، كما سميت لقما ~~لأنها تلتقمهم وقد تشم الصاد صوت الزاي تحريا للقرب من المبدل منه. ~~وقد قرىء بهن جميعا، وفصحاهن إخلاص الصاد، وهي لغة قريش، وهي الثابتة ~~في الإمام، وجمعه صرط ككتاب وكتب، وهو كالطريق والسبيل في التذكير ~~والتأنيث، و(المستقيم) المستوي، والمراد به طريق الحق وهي الملة ~~الحنيفية السمحة المتوسطة بين الإفراط والتفريط. # { صراط الذين أنعمت عليهم } بدل من الأول بدل كل، ~~وهو في حكم تكرير العامل من حيث إنه المقصود بالنسبة، وفائدته ~~التأكيد والتنصيص على أن طريق الذين أنعم الله عليهم وهم المسلمون هو ~~العلم في الاستقامة، والمشهود له بالاستواء بحيث لا يذهب الوهم عند ~~ذكر الطريق المستقيم إلا إليه. # وإطلاق الإنعام لقصد الشمول، فإن نعمة الإسلام عنوان النعم كلها، ~~فمن فاز بها فقد حازها بحذافيرها. وقيل: المراد بهم الأنبياء عليهم ~~السلام، ولعل الأظهر أنهم المذكورون في قوله عز قائلا: # فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من ~~النبيين والصديقين والشهداء والصلحين # [النساء، الآية 69] بشهادة ما قبله من قوله تعالى: # ولهديناهم صراطا مستقيما # [النساء، الآية 68] وقيل: هم أصحاب موسى وعيسى عليهما السلام قبل ~~النسخ والتحريف، وقرىء صراط من أنعمت عليهم، والإنعام إيصال ~~النعمة وهي في الأصل الحالة التي يستلذها الإنسان، من النعمة وهي ~~اللين، ثم أطلقت على ما تستلذه النفس من طيبات الدنيا. # ونعم الله تعالى مع استحالة إحصائها تنحصر أصولها ms0020 في دنيوي ~~وأخروي والأول قسمان: وهبي وكسبي، والوهبي أيضا قسمان: روحاني ~~كنفخ الروح فيه، وإمداده بالعقل، وما يتبعه من القوى المدركة، فإنها ~~مع كونها من قبيل الهدايات نعم جليلة في أنفسها، وجسماني كتخليق البدن ~~والقوى الحالة فيه، والهيئات العارضة له من الصحة وسلامة ~~الأعضاء، والكسبي تخلية النفس عن الرذائل، وتحليتها بالأخلاق ~~السنية، والملكات البهية، وتزيين البدن بالهيئات المطبوعة ~~والحلى المرضية، وحصول الجاه والمال. # والثاني مغفرة ما فرط منه، والرضى عنه، وتبوئته في أعلى عليين، مع ~~المقربين، والمطلوب هو القسم الأخير، وما هو ذريعة إلى نيله من القسم ~~الأول، اللهم ارزقنا ذلك بفضلك العظيم، ورحمتك الواسعة. # { غير المغضوب عليهم ولا الضالين } صفة للموصول على ~~أنه عبارة عن إحدى الطوائف المذكورة المشهورة بالإنعام عليهم، ~~وباستقامة المسلك، ومن ضرورة هذه الشهرة شهرتهم بالمغايرة لما أضيف ~~إليه كلمة (غير) من المتصفين بضدي الوصفين المذكورين، أعني مطلق ~~المغضوب عليهم والضالين، فاكتسبت بذلك تعرفا مصححا لوقوعها صفة ~~للمعرفة كما في قولك: عليك بالحركة غير السكون، وصفوا بذلك تكملة لما ~~قبله وإيذانا بأن السلامة مما ابتلي به أولئك نعمة جليلة في نفسها، ~~أي الذين جمعوا بين النعمة المطلقة التي هي نعمة الإيمان ونعمة ~~السلامة من الغضب والضلال. وقيل: المراد بالموصول طائفة من المؤمنين لا ~~بأعيانهم، فيكون بمعنى النكرة كذي اللام إذا أريد به الجنس في ضمن بعض ~~الأفراد لا بعينه، وهو المسمى بالمعهود الذهني، وبالمغضوب عليهم والضالين ~~اليهود والنصارى، كما ورد في مسند أحمد والترمذي فيبقى لفظ (غير) على ~~إبهامه نكرة مثل موصوفه، وأنت خبير بأن جعل الموصول عبارة عما ذكر ~~من طائفة غير معينة مخل ببدلية ما أضيف إليه مما قبله فإن ~~مدارها كون صراط المؤمنين علما في الاستقامة مشهودا له بالاستواء ~~على الوجه الذي تحققته فيما سلف، ومن البين أن ذلك من حيث ~~إضافته وانتسابه إلى كلهم لا إلى بعض مبهم منهم، وبهذا تبين ~~ألا سبيل إلى جعل: { غير المغضوب عليهم } بدلا من ~~الموصول، لما عرفت من أن شأن البدل أن يفيد متبوعه مزيد تأكيد ms0021 ~~وتقرير، وفضل إيضاح وتفسير، ولا ريب في أن قصارى أمر ما نحن فيه أن ~~يكتسب مما أضيف إليه نوع تعرف مصحح لوقوعه صفة للموصول، وأما ~~استحقاق أن يكون مقصودا بالنسبة مفيدا لما ذكر من الفوائد فكلا. ~~وقرىء بالنصب على الحال، والعامل أنعمت، أو على المدح، أو على ~~الاستثناء إن فسر النعمة بما يعم القليل. # والغضب هيجان النفس لإرادة الانتقام، وعند إسناده إلى الله سبحانه ~~يراد به غايته بطريق إطلاق اسم السبب بالنسبة إلينا على مسببه ~~القريب إن أريد به إرادة الانتقام، وعلى مسببه البعيد إن أريد به ~~نفس الانتقام، ويجوز حمل الكلام على التمثيل، بأن تشبه الهيئة ~~المنتزعة من سخطه تعالى للعصاة وإرادة الانتقام منهم لمعاصيهم بما ~~ينتزع من حال الملك إذا غضب على الذين عصوه، وأراد أن ينتقم منهم ~~ويعاقبهم، وعليهم مرتفع بالمغضوب، قائم مقام فاعله، والعدول عن ~~إسناد الغضب إليه تعالى كالإنعام جرى على منهاج الآداب التنزيلية في ~~نسبة النعم والخير إليه عز وجل، دون أضدادها، كما في قوله تعالى: # الذى خلقنى فهو يهدين والذى هو يطعمنى ~~ويسقين وإذا مرضت فهو يشفين # [الشعراء، الآية 78 - 80] وقوله تعالى: # وأنا لا ندرى أشر أريد بمن فى الأرض أم أراد ~~بهم ربهم رشدا # [الجن، الآية 10] و«لا» مزيدة لتأكيد ما أفاده «غير» من معنى النفي ~~كأنه قيل: لا المغضوب عليهم ولا الضالين، ولذلك جاز أنا زيدا غير ~~ضارب، جواز أنا زيدا لا ضارب وإن امتنع أنا زيدا مثل ضارب، ~~والضلال هو العدول على الصراط السوي، وقرىء وغير الضالين، وقرىء ولا ~~الضألين، بالهمزة على لغة من جد في الهرب عن التقاء الساكنين. # . { أمين } اسم فعل هو: استجب، # " وعن ابن عباس رضي الله عنهما سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ~~معنى آمين، فقال: " افعل " # بني على الفتح كأين لالتقاء الساكنين، وفيه لغتان مد ألفه وقصرها ~~قال: [البسيط] # [يا رب لا تسلبني حبها أبدا] # ويرحم الله عبدا قال آمينا # وقال: [الطويل] # [تباعد مني فطحل إذ سألته] # أمين فزاد الله ما بيننا بعدا # عن ms0022 النبي صلى الله عليه وسلم: # " لقنني جبريل آمين عند فراغي من قراءة فاتحة الكتاب، وقال: إنه ~~كالختم على الكتاب ". # وليست من القرآن وفاقا، ولكن يسن ختم السورة الكريمة بها، والمشهور ~~عن أبي حنيفة رحمه الله أن المصلي يأتي بها مخافتة، وعنه أنه لا يأتي ~~بها الإمام لأنه الداعي وعن الحسن مثله، وروى الإخفاء عبد الله ~~بن مغفل، وأنس بن مالك، عن النبي عليه الصلاة والسلام، وعند ~~الشافعي رحمه الله يجهر بها، لما روى وائل بن حجر # " أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا قرأ ولا الضالين قال: " آمين " ~~، ورفع بها صوته " # عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال لأبي بن كعب: # " ألا أخبرك بسورة لم ينزل في التوراة والإنجيل والقرآن مثلها؟ قلت: ~~بلى، يا رسول الله قال: فاتحة الكتاب إنها السبع المثاني والقرآن ~~العظيم الذي أوتيته " # وعن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " إن القوم ليبعث الله عليهم العذاب حتما مقضيا، فيقرأ صبي من ~~صبيانهم في الكتاب الحمد لله رب العالمين، فيسمعه الله تعالى فيرفع ~~عنهم بذلك العذاب أربعين سنة ". ### | [2 - سورة البقرة] ### || [2.1] # سورة البقرة # مدنية وهي مائتان وست وثمانون آية # { بسم الله الرحمن الرحيم } # { الم } الألفاظ التي يعبر بها عن حروف المعجم التي من جملتها ~~المقطعات المرقومة في فواتح السور الكريمة أسماء لها، لاندراجها ~~تحت حد الاسم، ويشهد به ما يعتريها من التعريف والتنكير والجمع ~~والتصغير وغير ذلك من خصائص الاسم، وقد نص على ذلك أساطين أئمة ~~العربية، وما وقع في عبارات المتقدمين من التصريح بحرفيتها محمول على ~~المسامحة، وأما ما روي عن ابن مسعود رضي الله عنه من أنه عليه السلام ~~قال: # " من قرأ حرفا من كتاب الله فله حسنة والحسنة بعشر أمثالها، لا أقول ~~ألم حرف بل ألف حرف ولام حرف وميم حرف " # وفي رواية الترمذي والدارمي: # " لا أقول ألم حرف وذلك الكتاب حرف ولكن الألف حرف واللام حرف ~~والميم حرف والذال حرف والكاف حرف " # فلا ms0023 تعلق له بما نحن فيه قطعا، فإن إطلاق الحرف على ما يقابل الاسم ~~والفعل عرف جديد اخترعه أئمة الصناعة. وإنما الحرف عند الأوائل ما ~~يتركب منه الكلم من الحروف المبسوطة، وربما يطلق على الكلمة أيضا ~~تجوزا، وأريد به في الحديث الشريف دفع توهم التجوز، وزيادة تعيين ~~إرادة المعنى الحقيقي ليتبين بذلك أن الحسنة الموعودة ليست بعدد ~~الكلمات القرآنية، بل بعدد حروفها المكتوبة في المصاحف، كما يلوح به ~~ذكر كتاب الله دون كلام الله أو القرآن، وليس هذا من تسمية الشيء باسم ~~مدلوله في شيء كما قيل، كيف لا والمحكوم عليه بالحرفية واستتباع ~~الحسنة إنما هي المسميات البسيطة الواقعة في كتاب الله عز وعلا، ~~سواء عبر عنها بأسمائها أو بأنفسها كما في قولك السين مهملة والشين ~~مثلثة وغير ذلك مما لا يصدق المحمول إلا على ذات الموضوع لا أسماؤها ~~المؤلفة كما إذا قلنا الألف مؤلف من ثلاثة أحرف، فكما أن الحسنات في ~~قراءة قوله تعالى: { ذلك الكتاب } بمقابلة حروفه البسيطة، ~~وموافقة لعددها كذلك في قراءة قوله تعالى: { الم } بمقابلة حروفه ~~الثلاثة المكتوبة وموافقة لعددها، لا بمقابلة أسمائها الملفوظة ~~والألفات الموافقة في العدد، إذ الحكم بأن كلا منها حرف واحد ~~مستلزم للحكم بأنه مستتبع لحسنة واحدة، فالعبرة في ذلك بالمعبر عنه ~~دون المعبر به، ولعل السر فيه أن استتباع الحسنة منوط بإفادة ~~المعنى المراد بالكلمات القرآنية. فكما أن سائر الكلمات الشريفة لا ~~تفيد معانيها إلا بتلفظ حروفها بأنفسها، كذلك الفواتح المكتوبة لا ~~تفيد المعاني المقصودة بها إلا بالتعبير عنها بأسمائها، فجعل ذلك ~~تلفظا بالمسميات كالقسم الأول من غير فرق بينهما. # ألا ترى إلى ما في الرواية الأخيرة من قوله عليه السلام: # " والذال حرف والكاف حرف " # كيف عبر عن طرفي «ذلك» باسميهما، مع كونهما ملفوظين بأنفسهما، ولقد ~~روعيت في هذه التسمية نكتة رائعة حيث جعل كل مسمى - لكونه من ~~قبيل الألفاظ - صدرا لاسمه، ليكون هو المفهوم منه إثر ذي أثير، خلا ~~أن الألف حيث تعذر الابتداء بها استعيرت مكانها الهمزة، وهي معربة ~~إذ ms0024 لا مناسبة بينها وبين مبني الأصل، لكنها ما لم تلها العوامل ~~ساكنة الأعجاز على الوقف كأسماء الأعداد وغيرها، حين خلت عن العوامل، ~~ولذلك قيل: صاد، وقاف، مجموعا فيهما بين الساكنين، ولم تعامل ~~معاملة أين وكيف وهؤلاء، وإن وليها عامل مسها الإعراب، وقصر ما ~~آخره ألف عند التهجي لابتغاء الخفة لا لأن وزانه وزان (لا) ~~تقصر تارة فتكون حرفا وتمد أخرى فتكون اسما لها كما في قول ~~حسان رضي الله عنه: [البسيط] # ما قال (لا) قط إلا في تشهده # لولا التشهد لم تسمع له لاء # هذا وقد تكلموا في شأن هذه الفواتح الكريمة وما أريد بها فقيل: إنها من ~~العلوم المستورة، والأسرار المحجوبة، روي عن الصديق أنه قال: «في كل ~~كتاب سر، وسر القرآن أوائل السور»، وعن علي رضي الله عنه: «إن لكل ~~كتاب صفوة وصفوة هذا الكتاب حروف التهجي» وعن ابن عباس رضي الله ~~عنهما أنه قال: «عجزت العلماء عن إدراكها» وسئل الشعبي عنها فقال: ~~«سر الله عز وجل فلا تطلبوه» وقيل: إنها من أسماء الله تعالى، وقيل: ~~كل حرف منها إشارة إلى اسم من أسماء الله تعالى، أو صفة من صفاته ~~تعالى. وقيل: إنها صفات الأفعال، الألف آلاؤه، واللام لطفه، والميم ~~مجده وملكه، قاله محمد بن كعب القرظي. وقيل: إنها من قبيل ~~الحساب، وقيل: الألف من الله، واللام من جبريل، والميم من محمد، أي ~~الله أنزل الكتاب بواسطة جبريل على محمد عليهما الصلاة والسلام. وقيل: ~~هي أقسام من الله تعالى بهذه الحروف المعجمة، لشرفها من حيث إنها أصول ~~اللغات ومبادىء كتبه المنزلة، ومباني أسمائه الكريمة، وقيل: إشارة ~~إلى انتهاء كلام وابتداء كلام آخر، وقيل، وقيل. # ولكن الذي عليه التعويل: إما كونها أسماء للسور المصدرة بها، وعليه ~~إجماع الأكثر، وإليه ذهب الخليل وسيبويه، قالوا سميت بها إيذانا ~~بأنها كلمات عربية معروفة التركيب من مسميات هذه الألفاظ، فيكون فيه ~~إيماء إلى الإعجاز والتحدي على سبيل الإيقاظ، فلولا أنه وحي من الله ~~عز وجل لما عجزوا عن معارضته، ويقرب منه ما قاله ms0025 الكلبي والسدي ~~وقتادة من أنها أسماء للقرآن، والتسمية بثلاثة أسماء فصاعدا إنما ~~تستنكر في لغة العرب إذا ركبت وجعلت إسما واحدا، كما في ~~حضرموت، فأما إذا كانت منثورة فلا استنكار فيها، والمسمى هو المجموعة ~~لا الفاتحة فقط، حتى يلزم اتحاد الاسم والمسمى، غاية الأمر دخول ~~الاسم في المسمى، ولا محذور فيه، كما لا محذور في عكسه حسبما تحققته ~~آنفا، وإنما كتبت في المصاحف صور المسميات دون صور الأسماء لأنه ~~أدل على كيفية التلفظ بها، وهي [إما] أن يكون على نهج التهجي دون ~~التركيب ولأن فيه سلامة من التطويل لا سيما في الفواتح الخماسية، على ~~أن خط المصحف مما لا يناقش فيه بمخالفة القياس، وإما كونها مسرودة ~~على نمط التعديد، وإليه جنح أهل التحقيق. # قالوا إنما وردت هكذا ليكون إيقاظا لمن تحدي بالقرآن، وتنبيها ~~لهم على أنه منتظم من عين ما ينظمون منه كلامهم، فلولا أنه خارج عن ~~طوق البشر، نازل من عند خلاق القوى والقدر، لما تضاءلت قوتهم، ولا ~~تساقطت قدرتهم، وهم فرسان حلبة الحوار، وأمراء الكلام في نادي ~~الفخار، دون الإتيان بما يدانيه، فضلا عن المعارضة بما يساويه، مع ~~تظاهرهم في المضادة والمضارة، وتهالكهم على المعازة والمعارة. # أو ليكون مطلع ما يتلى عليهم مستقلا بضرب من الغرابة، أنموذجا ~~لما في الباقي من فنون الإعجاز، فإن النطق بأنفس الحروف في تضاعيف ~~الكلام، وإن كان على طرف التمام، يتناوله الخواص والعوام، من ~~الأعراب والأعجام، لكن التلفظ بأسمائها إنما يتأتى ممن درس وخط، ~~وأما ممن لم يحم حول ذلك قط، فأعز من بيض الأنوق، وأبعد من ~~مناط العيوق، لا سيما إذا كان على نمط عجيب، وأسلوب غريب، منبىء ~~عن سر سري، مبني على نهج عبقري، بحيث يحار في فهمه أرباب ~~العقول، ويعجز عن إدراكه ألباب الفحول. # كيف لا وقد وردت تلك الفواتح في تسع وعشرين سورة على عدد حروف ~~المعجم، مشتملة على نصفها تقريبا، بحيث ينطوي على أنصاف أصنافها ~~تحقيقا أو تقريبا، كما يتضح عند الفحص والتنقير، حسبما فصله بعض ~~أفاضل أئمة ms0026 التفسير. # فسبحان من دقت حكمته من أن تطالعها الأنظار، وجلت قدرته عن أن ~~تنالها أيدي الأفكار، وإيراد بعضها فرادى وبعضها ثنائية إلى ~~الخماسية جرى على عادة الافتنان، مع مراعاة أبنية الكلم وتفريقها ~~على السور، دون إيراد كلها مرة لذلك ولما في التكرير والإعادة من ~~زيادة إفادة، وتخصيص كل منها بسورتها مما لا سبيل إلى المطالبة ~~بوجهه، وعد بعضها آية دون بعض مبني على التوقيف البحت. # أما { الم } فآية حيثما وقعت، وقيل في آل عمران ليست بآية، و(المص) ~~آية، و(المر) لم تعد آية، و(الر) ليست بآية في شيء من سورها الخمس، ~~و(طسم) آية في سورتيها، و(طه) و(يس) آيتان، و(طس) ليست بآية، و(حم) ~~آية في سورها كلها، و(كهيعص) آية، و(حم عسق) آيتان، و(ص) و(ق) و(ن) ~~لم تعد واحدة منها آية. هذا على رأي الكوفيين. # وقد قيل: إن جميع الفواتح آيات عندهم في السور كلها بلا فرق ~~بينها، وأما من عداهم فلم يعدوا شيئا منها آية، ثم إنها على تقدير ~~كونها مسرودة على نمط التعديد لا تشم رائحة الإعراب، ويوقف ~~عليها وقف التمام، وعلى تقدير كونها أسماء للسور أو للقرآن كان لها ~~حظ منه، إما الرفع على الابتداء أو على الخبرية، وإما النصب بفعل ~~مضمر، كاذكر، أو بتقدير فعل القسم على طريقة: الله لأفعلن، وإما ~~الجر بتقدير حرفه حسبما يقتضيه المقام، ويستدعيه النظام، ولا وقف فيما ~~عدا الرفع على الخبرية، والتلفظ بالكل على وجه الحكاية ساكنة الأعجاز، ~~إلا أن ما كانت منها مفردة مثل: (ص) و(ق) و(ن) يتأتى فيها الإعراب ~~اللفظي أيضا، وقد قرئت بالنصب على إضمار فعل، أي اذكر أو اقرأ ~~صاد وقاف ونون، وإنما لم تنون لامتناع الصرف، وكذا ما كانت منها ~~موازنة لمفرد نحو (حم) و(يس) و(طس) الموازنة لقابيل وهابيل، حيث ~~أجاز سيبويه فيها مثل ذلك قال في باب أسماء السور من كتابه: وقد قرأ ~~بعضهم ياسين والقرآن، وقاف والقرآن، فكأنه جعله اسما أعجميا، ثم ~~قال اذكر ياسين، انتهى. # وحكى السيرافي أيضا عن بعضهم قراءة (ياسين) ويجوز أن يكون ذلك ms0027 في ~~الكل تحريكا لالتقاء الساكنين، ولا مساغ للنصب بإضمار فعل القسم لأن ~~ما بعدها من القرآن والقلم محلوف بهما، وقد استكرهوا الجمع بين ~~قسمين على مقسم عليه واحد قبل انقضاء الأول، وهو السر في جعل ما ~~عدا الواو الأولى في قوله تعالى: # واليل إذا يغشى والنهار إذا تجلى وما خلق ~~الذكر والانثى # [الليل، الآيات: 1-3] عاطفة، ولا مجال للعطف ههنا للمخالفة بين ~~الأول والثاني في الإعراب، نعم يجوز ذلك بجعل الأول مجرورا بإضمار ~~الباء القسمية، مفتوحا لكونه غير منصرف، وقرىء (ص) و(ق) بالكسر على ~~التحريك لالتقاء الساكنين، ويجوز في (طاسين ميم) أن تفتح نونها، ~~وتجعل من قبيل (دارا بجرد) ذكره سيبويه في كتابه. وأما ما عدا ذلك ~~من الفواتح فليس فيها إلا الحكاية. وسيجيء تفاصيل سائر أحكام كل منها ~~مشروحة في مواقعها بإذن الله عز سلطانه. أما هذه الفاتحة الشريفة ~~فإن جعلت اسما للسورة أو للقرآن فمحلها الرفع، إما على أنه خبر ~~لمبتدأ محذوف، والتقدير هذا (الم) أي مسمى به، وإنما صحت الإشارة ~~إلى القرآن بعضا أو كلا مع عدم سبق ذكره لأنه باعتبار كونه بصدد ~~الذكر صار في حكم الحاضر المشاهد، كما يقال هذا ما اشترى فلان. # وإما على أنه مبتدأ، أي المسمى به والأول هو الأظهر، لأن ما يجعل ~~عنوان الموضوع حقه أن يكون قبل ذلك معلوم الانتساب إليه عند المخاطب، ~~وإذ لا علم بالتسمية قبل فحقها الإخبار بها، وادعاء شهرتها يأباه ~~التردد في أن المسمى هي السورة أو كل القرآن ### || [2.2] # { ذلك } ذا اسم إشارة واللام كناية عما جيء به للدلالة على بعد ~~المشار إليه، والكاف للخطاب، والمشار إليه هو المسمى، فإنه منزل ~~منزلة المشاهد بالحس البصري، وما فيه من معنى البعد، مع قرب ~~العهد بالمشار إليه، للإيذان بعلو شأنه، وكونه في الغاية القاصية من ~~الفضل والشرف، إثر تنويهه بذكر اسمه، وما قيل من أنه باعتبار التقصي ~~أو باعتبار الوصول من المرسل إلى المرسل إليه في حكم المتباعد، وإن ~~كان مصححا لإيراده، لكنه بمعزل من ترجيحه على ms0028 إيراد ما وضع للإشارة إلى ~~القريب، وتذكيره على تقدير كون المسمى هي السورة، لأن المشار إليه هو ~~المسمى بالاسم المذكور من حيث هو مسمى به، لا من حيث هو مسمى ~~بالسورة، ولئن ادعي اعتبار الحيثية الثانية في الأول بناء على أن ~~التسمية لتمييز السور بعضها من بعض، فذلك لتذكير ما بعده، وهو على ~~الوجه الأول مبتدأ على حدة، وعلى الوجه الثاني مبتدأ ثان. # وقوله عز وعلا: { الكتب } إما خبر له، أو صفة، أما إذا كان ~~خبرا له فالجملة على الوجه الأول مستأنفة مؤكدة لما أفادته ~~الجملة الأولى من نباهة شأن المسمى، لا محل لها من الإعراب، وعلى ~~الوجه الثاني في محل الرفع على أنها خبر للمبتدأ الأول، واسم الإشارة ~~مغن عن الضمير الرابط، والكتاب إما مصدر سمي به المفعول مبالغة ~~كالخلق والتصوير للمخلوق والمصور، وإما فعل بني للمفعول كاللباس، ~~من الكتاب الذي هو ضم الحروف بعضها إلى بعض، وأصله الجمع والضم في ~~الأمور البادية للحس البصري، ومنه الكتيبة للعسكر، كما أن أصل ~~القراءة الجمع والضم في الأشياء الخافية عليه، وإطلاق الكتاب على ~~المنظوم عبارة لما أن مآله الكتابة، والمراد به على تقدير كون ~~المسمى هي السورة جميع القرآن الكريم وإن لم يتم نزوله عند نزول ~~السورة، إما باعتبار تحققه في علم الله عز وجل، أو باعتبار ثبوته في ~~اللوح، أو باعتبار نزوله جملة إلى السماء الدنيا، حسبما ذكر في فاتحة ~~الكتاب، واللام للعهد والمعنى أن هذه السورة هو الكتاب أي العمدة القصوى ~~منه كأنه في إحراز الفضل كل الكتاب المعهود، الغني عن الوصف بالكمال ~~لاشتهاره به فيما بين الكتب على طريقة قوله صلى الله عليه وسلم: # " الحج عرفة " # وعلى تقدير كون المسمى كل القرآن، فالمراد بالكتاب الجنس، واللام ~~للحقيقة، والمعنى أن ذلك هو الكتاب الكامل الحقيق بأن يخص به اسم ~~الكتاب، لتفوقه على بقية الأفراد في حيازة كمالات الجنس، كأن ما عداه ~~من الكتب السماوية خارج منه بالنسبة إليه كما يقال هو الرجل، أي ~~الكامل في الرجولية الجامع لما يكون ms0029 في الرجال من مراضي الخصال، وعليه ~~قول من قال: [الطويل] # [وإن الذي حانت بفلج دماؤهم] # هم القوم كل القوم يا أم خالد # فالمدح كما ترى من جهة حصر كمال الجنس في فرد من أفراده، وفي الصورة ~~الأولى من جهة حصر كمال الكل في الجزء، ولا مساغ هناك لحمل الكتاب ~~على الجنس، لما أن فرده المعهود هو مجموع القرآن المقابل لسائر ~~أفراده من الكتب السماوية، لا بعضه الذي يطلق عليه اسم الكتاب ~~باعتبار كونه جزءا لهذا الفرد، لا باعتبار كونه جزئيا للجنس على ~~حياله، ولأن حصر الكمال في السورة مشعر بنقصان سائر السور، وإن لم ~~يكن الحصر بالنسبة إليها لتحقق المغايرة بينهما، هذا على تقدير كون ~~الكتاب خبرا (لذلك)، وأما إذا كان صفة له فذلك الكتاب على تقدير كون ~~(ألم) خبر مبتدإ محذوف، إما خبر ثان أو بدل من الخبر الأول، أو ~~مبتدأ مستقل خبره ما بعده، وعلى تقدير كونه مبتدأ إما خبر له، أو ~~مبتدأ ثان خبره ما بعده، والجملة خبر للمبتدأ الأول، والمشار إليه ~~على كلا التقديرين هو المسمى، سواء كان هي السورة أو القرآن، ومعنى ~~البعد ما ذكر من الإشعار بعلو شأنه، والمعنى ذلك الكتاب العجيب ~~الشأن، البالغ أقصى مراتب الكمال. # وقيل المشار إليه هو الكتاب الموعود، فمعنى البعد حينئذ ظاهر، خلا ~~أنه إن كان المسمى هي السورة ينبغي أن يراد بالوعد ما في قوله ~~تعالى: # إنا سنلقى عليك قولا ثقيلا # [المزمل، الآية 5] كما قيل، وإن كان هو القرآن فهو ما في التوراة ~~والإنجيل، هذا على تقدير كون (الم) اسما للسورة أو القرآن، وأما على ~~تقدير كونها مسرودة على نمط التعديد فذلك مبتدأ، والكتاب إما خبره ~~أو صفته، والخبر ما بعده على نحو ما سلف، أو يقدر مبتدأ، أي ~~المؤلف من هذه الحروف ذلك الكتاب، وقرىء (الم تنزيل الكتاب). # وقوله تعالى: { لا ريب فيه } إما في محل الرفع على أنه خبر ~~(لذلك الكتاب) على الصور الثلاث المذكورة، أو على أنه خبر ثان لألف ~~لام ميم أو (لذلك) على ms0030 تقدير كون الكتاب خبره، أو للمبتدأ المقدر ~~آخرا على رأي من يجوز كون الخبر الثاني جملة، كما في قوله تعالى: # فإذا هى حية تسعى # [طه، الآية 20] وإما في محل النصب على الحالية من (ذلك)، أو من ~~(الكتاب)، والعامل معنى الإشارة، وإما جملة مستأنفة لا محل لها من ~~الإعراب مؤكدة لما قبلها، وكلمة (لا) نافية للجنس مفيدة للاستغراق، ~~عاملة عمل إن بحملها عليها، لكونها نقيضا لها، ولازمة للاسم ~~لزومها، واسمها مبني على الفتح لكونه مفردا نكرة لا مضافا ولا ~~شبيها به، وأما ما ذكره الزجاج من أنه معرب وإنما حذف التنوين ~~للتخفيف فمما لا تعويل عليه، وسبب بنائه تضمنه لمعنى من ~~الاستغراقية لأنه مركب معها تركيب خمسة عشر كما توهم، وخبرها محذوف، ~~أي لا ريب موجود أو نحوه، كما في قوله تعالى: # لا عاصم اليوم من أمر الله # [هود، الآية 43] والظرف صفة لاسمها، ومعناه نفي الكون المطلق وسلبه ~~عن الريب المفروض في الكتاب، أو الخبر هو الظرف، ومعناه سلب الكون ~~فيه عن الريب المطلق وقد جعل الخبر المحذوف ظرفا، وجعل المذكور خبرا ~~لما بعده. # وقرىء (لا ريب فيه) على أن لا بمعنى ليس، والفرق بينه وبين الأول أن ~~ذلك موجب للاستغراق، وهذا مجوز له، والريب في الأصل مصدر رابني إذا ~~حصل فيك الريبة، وحقيقتها قلق النفس واضطرابها، ثم استعمل في معنى ~~الشك مطلقا، أو مع تهمة، لأنه يقلق النفس ويزيل الطمأنينة، وفي ~~الحديث: # " دع ما يريبك إلى ما لا يريبك ". # ومعنى نفيه عن الكتاب أنه في علو الشأن وسطوع البرهان بحيث ليس فيه ~~مظنة أن يرتاب في حقيته، وكونه وحيا منزلا من عند الله تعالى، لا ~~أنه لا يرتاب فيه أحد أصلا، ألا ترى كيف جوز ذلك في قوله تعالى: # وإن كنتم فى ريب مما نزلنا # [البقرة، الآية 23] الخ. فإنه في قوة أن يقال: وإن كان لكم ريب فيما ~~نزلنا، أو إن ارتبتم فيما نزلنا، الخ إلا أنه خولف في الأسلوب حيث ~~فرض كونهم في الريب لا كون الريب فيه لزيادة ms0031 تنزيه ساحة التنزيل ~~عنه، مع نوع إشعار بأن ذلك من جهتهم، لا من جهته العالية، ولم يقصد ~~ههنا ذلك الإشعار، كما لم يقصد الإشعار بثبوت الريب في سائر الكتب، ~~ليقتضي المقام تقديم الظرف، كما في قوله تعالى: # لا فيها غول # [الصافات، الآية 47] { هدى } مصدر من هداه، كالسرى والبكى، وهو ~~الدلالة بلطف على ما يوصل إلى البغية، أي ما من شأنه ذلك، وقيل: ~~هي الدلالة الموصلة إليها، بدليل وقوع الضلالة في مقابلته، في قوله ~~تعالى: # أولئك الذين اشتروا الضللة بالهدى # [البقرة، الآية 16] وقوله تعالى: # وإنا أو إياكم لعلى هدى أو فى ضلل مبين # [سبأ، الآية 24] ولا شك في أن عدم الوصول معتبر في مفهوم الضلال، ~~فيعتبر الوصول في مفهوم مقابله، ومن ضرورة اعتباره فيه اعتباره في ~~مفهوم الهدى المتعدي، إذ لا فرق بينهما إلا من حيث التأثير والتأثر، ~~ومحصله أن الهدى المتعدي هو التوجيه الموصل، لأن اللازم هو التوجه ~~الموصل، بدليل أن مقابله الذي هو الضلال توجه غير موصل قطعا، وهذا ~~كما ترى مبني على أمرين: اعتبار الوصول وجوبا في مفهوم اللازم، ~~واعتبار وجود اللازم وجوبا في مفهوم المتعدي، وكلا الأمرين بمعزل من ~~الثبوت، أما الأول فلأن مدار التقابل بين الهدى والضلال ليس هو ~~الوصول وعدمه على الإطلاق، بل هما معتبران في مفهوميهما على وجه ~~مخصوص به، ليتحقق التقابل بينهما. # وتوضيحه أن الهدى لا بد فيه من اعتبار توجه عن علم إلى ما من شأنه ~~الإيصال إلى البغية، كما أن الضلال لا بد فيه من اعتبار الجور عن ~~القصد إلى ما ليس من شأنه الإيصال قطعا، وهذه المرتبة من الاعتبار ~~مسلمة بين الفريقين، ومحققة للتقابل بينهما، وإنما النزاع في ~~أن إمكان الوصول إلى البغية هل هو كاف في تحصيل مفهوم الهدى، أو لا ~~بد فيه من خروج الوصول من القوة إلى الفعل، كما أن عدم الوصول بالفعل ~~معتبر في مفهوم الضلال قطعا؟ # إذا تقرر هذا فنقول: إن أريد باعتبار الوصول بالفعل في مفهوم الهدى ~~اعتباره مقارنا له في الوجود زمانا حسب ms0032 اعتبار عدمه في مفهوم ~~مقابله فذلك بين البطلان، لأن الوصول غاية للتوجه المذكور، ~~فينتهي به قطعا، لاستحالة التوجه إلى تحصيل الحاصل، وما يبقى بعد ~~ذلك فهو إما توجه إلى الثبات عليه، وإما توجه إلى زيادته، ولأن ~~التوجه إلى المقصد تدريجي، والوصول إليه دفعي، فيستحيل اجتماعهما ~~في الوجود ضرورة، وأما عدم الوصول فحيث كان أمرا مستمرا مثل ما ~~يقتضيه من الضلال وجب مقارنته له في جميع أزمنة وجوده. # إذ لو فارقه في آن من آنات تلك الأزمنة لقارنه في ذلك الآن مقابله ~~الذي هو الوصول، فما فرضناه ضلالا لا يكون ضلالا، وإن أريد اعتباره من ~~حيث إنه غاية له واجبة الترتب عليه لزم أن يكون التوجه المقارن ~~لغاية الجد في السلوك إلى ما من شأنه الوصول عند تخلفه عنه لمانع ~~خارجي كاحترام المنية مثلا من غير تقصير ولا جور من قبل ~~المتوجه، ولا خلل من جهة المسلك ضلالا، إذ لا واسطة بينهما، مع ~~أنه لا جور فيه عن القصد أصلا، فبطل اعتبار وجوب الوصول في ~~مفهوم اللازم قطعا، وتبين منه عدم اعتباره في مفهوم المتعدي حتما، ~~وأما اعتبار وجود اللازم فيه وجوبا وهو الأمر الثاني، فبيانه ~~مبني على تمهيد أصل، وهو أن فعل الفاعل حقيقة هو الذي يصدر عنه ~~ويتم من قبله، لكن لما لم يكن له في تحققه في نفسه بد من تعلقه ~~بمفعوله اعتبر ذلك في مدلول اسمه قطعا، ثم لما كان له باعتبار كيفية ~~صدوره عن فاعله، وكيفية تعلقه بمفعوله، وغير ذلك آثار شتى مترتبة ~~عليه متمايزة في أنفسها، مستقلة بأحكام مقتضية لإفرادها بأسماء ~~خاصة، وعرض له بالقياس إلى كل أثر من تلك الآثار إضافة خاصة ممتازة ~~عما عداها من الإضافات العارضة له بالقياس إلى سائرها، وكانت الآثار ~~تابعة له في التحقق غير منفكة عنه أصلا إذ لا مؤثر لها سوى ~~فاعله عدت من متمماته، واعتبرت الإضافة العارضة له بحسبها داخلة ~~في مدلوله، كالاعتماد المتعلق بالجسم مثلا، وضع له - باعتبار ~~الإضافة العارضة له من انكسار ذلك الجسم الذي ms0033 هو أثر خاص لذلك ~~الاعتماد - اسم الكسر، وباعتبار الإضافة العارضة له - من انقطاعه الذي ~~هو أثر آخر له - اسم القطع، إلى غير ذلك من الإضافات العارضة له ~~بالقياس إلى آثاره اللازمة له، وهذا أمر مطرد في آثاره الطبيعية. # وأما الآثار التي له مدخل في وجودها في الجملة من غير إيجاب لها ~~تترتب عليه تارة وتفارقه أخرى، بحسب وجود أسبابها الموجبة لها وعدمها ~~- كالآثار الاختيارية الصادرة عن مؤثراتها بواسطة كونه داعيا إليها - ~~فحيث كانت تلك الآثار مستقلة في أنفسها مستندة إلى مؤثراتها غير ~~لازمة له لزوم الآثار الطبيعية التابعة له لم تعد من متمماته، ~~ولم تعتبر الإضافة العارضة له بحسبها داخلة في مدلوله كالإضافة ~~العارضة للأمر بحسب امتثال المأمور، والإضافة العارضة للدعوة بحسب ~~إجابة المدعو، فإن الامتثال والإجابة وإن عدا من آثار الأمر ~~والدعوة باعتبار ترتبهما عليهما غالبا، لكنهما حيث كانا فعلين ~~اختياريين للمأمور والمدعو مستقلين في أنفسهما غير لازمين للأمر ~~والدعوة، لم يعدا من متمماتهما، ولم تعتبر الإضافة العارضة لهما - ~~بحسبهما - داخلة في مدلول اسم الأمر والدعوة، بل جعلا عبارة عن نفس ~~الطلب المتعلق بالمأمور والمدعو، سواء وجد الامتثال والإجابة أو ~~لا. # إذا تمهد هذا فنقول كما أن الامتثال والإجابة فعلان مستقلان في ~~أنفسهما صادران عن المدعو والمأمور باختيارهما غير لازمين للأمر ~~والدعوة لزوم الآثار الطبيعية التابعة للأفعال الموجبة لها، وإن كانا ~~مترتبين عليهما في الجملة، كذلك هدى المهدي أي توجهه إلى ما ~~ذكر من المسلك فعل مستقل له صادر عنه باختياره، غير لازم للهداية، ~~أعني التوجيه إليه لزوم ما ذكر من الآثار الطبيعية، وإن كان مترتبا ~~عليها في الجملة، فلما لم يعدا من متممات الأمر والدعوة، ولم تعتبر ~~الإضافة العارضة لهما بحسبهما داخلة في مدلولهما علم أنه لم يعد ~~الهدى اللازم من متممات الهداية، ولم تعتبر الإضافة العارضة لها - ~~بحسبه - داخلة في مدلولها. # إن قيل: ليس الهدى بالنسبة إلى الهداية كالامتثال والإجابة بالقياس إلى ~~أصليهما، فإن تعلق الأمر والدعوة بالمأمور والمدعو لا يقتضي إلا ~~اتصافهما بكونهما مأمورا ومدعوا، وليس ms0034 من ضرورته اتصافهما بالامتثال ~~والإجابة، إذ لا تلازم بينهما وبين الأولين أصلا، بخلاف الهدى ~~بالنسبة إلى الهداية، فإن تعلقها بالمهدي يقتضي اتصافه به، لأن تعلق ~~الفعل المتعدي المبني للفاعل بمفعوله يدل على اتصافه بمصدره المأخوذ ~~من المبني للمفعول قطعا، وهو مستلزم لاتصافه بمصدر الفعل اللازم، ~~وهل الاعتبار هو وجود اللازم في مدلول المتعدي حتما؟ قلنا كما أن تعلق ~~الأمر والدعوة بالمأمور والمدعو لا يستدعي إلا اتصافهما بما ذكر من ~~غير تعرض للامتثال والإجابة إيجابا وسلبا، كذلك تعلق الهداية التي ~~هي عبارة عن الدلالة المذكورة بالمهدي لا يستدعي إلا اتصافه ~~بالمدلولية، التي هي عبارة عن المصدر المأخوذ من المبني للمفعول، من ~~غير تعرض لقبول تلك الدلالة، كما هو معنى الهدى اللازم، ولا لعدم قبوله، ~~بل الهداية عين الدعوة إلى طريق الحق، والاهتداء عين الإجابة، فكيف ~~يؤخذ في مدلولها؟ واستلزام الاتصاف بمصدر الفعل المتعدي المبني ~~للمفعول للاتصاف بمصدر الفعل اللازم مطلقا إنما هو في الأفعال الطبيعية ~~كالمكسورية والانكسار، والمقطوعية والانقطاع، وأما الأفعال الاختيارية ~~فليست كذلك كما تحققته فيما سلف. # وإن قيل: التعلم من قبيل الأفعال الاختيارية مع أنه معتبر في مدلول ~~التعليم قطعا، فليكن الهدى مع الهداية كذلك، قلنا: ليس ذلك لكونه فعلا ~~اختياريا على الإطلاق، ولا لكون التعليم عبارة عن تحصيل العلم للمتعلم ~~كما قيل، فإن المعلم ليس بمستقل في ذلك، ففي إسناده إليه ضرب تجوز، بل ~~لأن كلا منهما مفتقر في تحققه وتحصله إلى الآخر، فإن التعليم عبارة ~~عن إلقاء المبادىء العلمية على المتعلم وسوقها إلى ذهنه شيئا فشيئا ~~على ترتيب يقتضيه الحال، بحيث لا يساق إليه بعض منها إلا بعد تلقيه ~~لبعض آخر، فكل منهما متمم للآخر معتبر في مدلوله. وأما الهدى ~~الذي هو عبارة عن التوجه المذكور ففعل اختياري يستقل به فاعله ~~لا دخل للهداية فيه سوى كونها داعية إلى إيجاده باختياره، فلم يكن من ~~متمماتها ولا معتبرا في مدلولها. # إن قيل: التعليم نوع من أنواع الهداية، والتعلم نوع من أنواع ~~الاهتداء فيكون اعتباره في مدلول التعليم اعتبارا ms0035 للهدى في مدلول ~~الهداية، قلنا إطلاق الهداية على التعليم إنما هو عند وضوح المسلك، ~~واستبداد المتعلم بسلوكه من غير دخل للتعليم فيه، سوى كونه داعيا ~~إليه، وقد عرفت جلية الأمر على ذلك التقدير، إن قيل: أليس تخلف الهدى ~~عن الهداية كتخلف التعلم عن التعليم، فحيث لم يكن ذلك تعليما في الحقيقة ~~فلتكن الهداية أيضا كذلك، وليحمل تسمية ما لا يستتبع الهدى بها على ~~التجوز، قلنا: شتان بين التخلفين، فإن تخلف التعلم عن التعليم يكون ~~لقصور فيه، كما أن تخلف الانكسار عن الضرب الضعيف لذلك. # وأما تخلف الهدى عن الهداية فليس لشائبة قصور من جهتها، بل إنما هو ~~لفقد سببه الموجب له من جهة المهدي، بعد تكامل ما يتم من قبل الهادي. # وبهذا التحرير اتضح طريق الهداية، وتبين أنها عبارة عن مطلق ~~الدلالة على ما من شأنه الإيصال إلى البغية بتعريف معالمه وتبيين ~~مسالكه، من غير أن يشترط في مدلولها الوصول ولا القبول، وأن الدلالة ~~المقارنة لهما أو لأحدهما أو المفارقة عنهما - كل ذلك مع قطع النظر ~~عن قيد المقارنة وعدمها - أفراد حقيقية لها، وأن ما في قوله تعالى: # إنك لا تهدى من أحببت # [القصص، الآية 56] وقوله تعالى: # ولو شآء لهداكم # [النحل، الآية 9] ونحو ذلك مما اعتبر فيه الوصول من قبيل المجاز، ~~وانكشف أن الدلالات التكوينية المنصوبة في الأنفس والآفاق والبيانات ~~التشريعية الواردة في الكتب السماوية على الإطلاق بالنسبة إلى كافة ~~البرية برها وفاجرها هدايات حقيقية، فائضة من عند الله سبحانه، ~~والحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله. # [معاني التقوى ومراتبها] # { للمتقين } أي المتصفين بالتقوى حالا أو مآلا، وتخصيص الهدى ~~بهم لما أنهم المقتبسون من أنواره المنتفعون بآثاره، وإن كان ذلك شاملا ~~لكل ناظر، من مؤمن وكافر، وبذلك الاعتبار قال الله: # هدى للناس # [البقرة، الآية 185] والمتقي اسم فاعل من باب الافتعال من الوقاية وهي ~~فرط الصيانة. # والتقوى في عرف الشرع عبارة عن كمال التوقي عما يضره في الآخرة قال ~~عليه السلام: # " جماع التقوى في قوله تعالى: ms0036 { إن الله يأمر بالعدل ~~والإحسان } " # [النحل، الآية 90] الآية، وعن عمر بن عبد العزيز أنه ترك ما حرم ~~الله، وأداء ما فرض الله، وعن شهر بن حوشب: المتقي من يترك ما لا ~~بأس به حذرا من الوقوع فيما فيه بأس، وعن أبي يزيد: أن التقوى هو ~~التورع عن كل ما فيه شبهة، وعن محمد بن حنيف: أنها مجانبة كل ما ~~يبعدك عن الله تعالى، وعن سهل: المتقي من تبرأ عن حوله وقدرته. وقيل ~~التقوى: ألا يراك الله حيث نهاك، ولا يفقدك حيث أمرك. وعن ميمون بن ~~مهران: لا يكون الرجل تقيا حتى يكون أشد محاسبة لنفسه من الشريك ~~الشحيح والسلطان الجائر، وعن أبي تراب: بين يدي التقوى خمس عقبات ~~لا ينالها من لا يجاوزهن: إيثار الشدة على النعمة، وإيثار الضعف على ~~القوة، وإيثار الذل على العزة، وإيثار الجهد على الراحة، وإيثار ~~الموت على الحياة، وعن بعض الحكماء أنه لا يبلغ الرجل سنام التقوى ~~إلا أن يكون بحيث لو جعل ما في قلبه في طبق فطيف به في السوق لم ~~يستحي ممن ينظر إليه. وقيل: التقوى أن تزين سرك للحق، كما تزين ~~علانيتك للخلق. # والتحقيق أن للتقوى ثلاث مراتب: (الأولى): التوقي عن العذاب المخلد ~~بالتبرؤ عن الكفر، وعليه قوله تعالى: # وألزمهم كلمة التقوى # [الفتح، الآية 26] (والثانية): التجنب عن كل ما يؤثم من فعل أو ترك، ~~حتى الصغائر عند قوم، وهو المتعارف بالتقوى في الشرع، وهو المعني ~~بقوله تعالى: # ولو أن أهل القرى ءامنوا واتقوا # [الأعراف، الآية 96] و(الثالثة): أن يتنزه عن كل ما يشغل سره عن ~~الحق عز وجل، ويتبتل إليه بكليته، وهي التقوى الحقيقية المأمور بها ~~في قوله تعالى: # يأيها الذين ءامنوا اتقوا الله حق تقاته # [آل عمران، الآية 102] ولهذه المرتبة عرض عريض يتفاوت فيه طبقات ~~أصحابها حسب تفاوت درجات استعداداتهم الفائضة عليهم بموجب المشيئة ~~الإلهية، المبنية على الحكم الأبية، أقصاها ما انتهى إليه همم ~~الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، حيث جمعوا بذلك بين رياستي النبوة ~~والولاية، وما عاقهم التعلق بعالم الأشباح عن ms0037 العروج إلى معالم ~~الأرواح، ولم تصدهم الملابسة بمصالح الخلق عن الاستغراق في شؤون ~~الحق، لكمال استعداد نفوسهم الزكية المؤيدة بالقوة القدسية، وهداية ~~الكتاب المبين شاملة لأرباب هذه المراتب أجمعين، فإن أريد بكونه هدى ~~للمتقين إرشاده إياهم إلى تحصيل المرتبة الأولى ونيلها، فالمراد بهم ~~المشارفون للتقوى مجازا، لاستحالة تحصيل الحاصل، وإيثاره على العبارة ~~المعربة عن ذلك للإيجاز، وتصدير السورة الكريمة بذكر أوليائه تعالى ~~وتفخيم شأنهم. # وإن أريد به إرشاده إلى تحصيل إحدى المرتبتين الأخيرتين، فإن عنى ~~بالمتقين أصحاب الطبقة الأولى تعينت الحقيقة، وإن عنى بهم أصحاب إحدى ~~الطبقتين الأخيرتين تعين المجاز، لأن الوصول إليهما إنما يتحقق ~~بهدايته المترقبة، وكذا الحال فيما بين المرتبة الثانية والثالثة، ~~فإنه إن أريد بالهدى الإرشاد إلى تحصيل المرتبة الثالثة، فإن عنى ~~بالمتقين أصحاب المرتبة الثانية تعينت الحقيقة، وإن عنى بهم أصحاب ~~المرتبة الثالثة تعين المجاز، ولفظ الهداية حقيقة في جميع الصور، ~~وأما إن أريد بكونه هدى لهم تثبيتهم على ما هم عليه أو إرشادهم إلى ~~الزيادة فيه على أن يكون مفهومها داخلا في المعنى المستعمل فيه فهو ~~مجاز لا محالة، ولفظ المتقين حقيقة على كل حال، واللام متعلقة بهدى ~~أو بمحذوف وقع صفة له، أو حالا منه، ومحل (هدى) الرفع على أنه خبر ~~لمبتدأ محذوف، أي هو هدى، أو خبر مع لا ريب فيه لذلك الكتاب، أو مبتدأ ~~خبره الظرف المقدم، كما أشير إليه، أو النصب على الحالية من (ذلك) أو ~~من (الكتاب)، والعامل معنى الإشارة، أو من الضمير في (فيه)، والعامل ما ~~في الجار والمجرور من معنى الفعل المنفي، كأنه قيل: لم يحصل فيه الريب ~~حال كونه هاديا، على أنه قيد للنفي لا للمنفي، وحاصله انتفاء الريب ~~فيه حال كونه هاديا، وتنكيره للتفخيم، وحمله على الكتاب إما للمبالغة، ~~كأنه نفس الهدى، أو لجعل المصدر بمعنى الفاعل. # هذا والذي يستدعيه جزالة التنزيل في شأن ترتيب هذه الجمل أن تكون ~~متناسقة تقرر اللاحقة منها السابقة، ولذلك لم يتخلل بينها عاطف، ~~ف(ألم) جملة برأسها على أنها خبر لمبتدأ ms0038 مضمر، أو طائفة من حروف ~~المعجم مستقلة بنفسها دالة على أن المتحدى به هو المؤلف من جنس ~~ما يؤلفون منه كلامهم، و(ذلك الكتاب) جملة ثانية مقررة لجهة ~~التحدي، لما دلت عليه من كونه منعوتا بالكمال الفائق، ثم سجل على غاية ~~فضله بنفي الريب فيه، إذ لا فضل أعلى مما للحق واليقين، و(هدى ~~للمتقين) مع ما يقدر له من المبتدأ جملة مؤكدة لكونه حقا لا يحوم ~~حوله شائبة شك ما، ودالة على تكميله بعد كماله، أو يستتبع السابقة ~~منها اللاحقة استتباع الدليل للمدلول، فإنه لما نبه أولا على إعجاز ~~المتحدى به من حيث إنه من جنس كلامهم، وقد عجزوا عن معارضته بالمرة، ~~ظهر أنه الكتاب البالغ أقصى مراتب الكمال، وذلك مستلزم لكونه في غاية ~~النزاهة عن مظنة الريب، إذ لا أنقص مما يعتريه الشك، وما كان كذلك كان ~~لا محالة هدى للمتقين، وفي كل منها من النكت الرائقة والمزايا ~~الفائقة ما لا يخفى جلالة شأنه حسبما تحققته. ### || [2.3] # { الذين يؤمنون بالغيب } إما موصول بالمتقين، ومحله ~~الجر على أنه صفة مقيدة له إن فسر التقوى بترك المعاصي فقط، ~~مترتبة عليه ترتب التحلية على التخلية، وموضحة إن فسر بما هو ~~المتعارف شرعا والمتبادر عرفا، من فعل الطاعات وترك السيئات ~~معا، لأنها حينئذ تكون تفصيلا لما انطوى عليه اسم الموصوف إجمالا، ~~وذلك لأنها مشتملة على ما هو عماد الأعمال وأساس الحسنات، من الإيمان ~~والصلاة والصدقة، فإنها أمهات الأعمال النفسانية والعبادات البدنية ~~والمالية المستتبعة لسائر القرب الداعية إلى التجنب عن المعاصي ~~غالبا، ألا ترى إلى قوله تعالى: # إن الصلوة تنهى عن الفحشاء والمنكر # [العنكبوت، الآية 45] وقوله عليه السلام: # " الصلاة عماد الدين، والزكاة قنطرة الإسلام " # ، أو مادحة للموصوفين بالتقوى المفسر بما مر من فعل الطاعات وترك ~~السيئات. # وتخصيص ما ذكر من الخصال الثلاث بالذكر لإظهار شرفها وإنافتها على ~~سائر ما انطوى تحت اسم التقوى من الحسنات، أو النصب على المدح بتقدير ~~أعني أو الرفع عليه بتقدير «هم»، وإما مفصول عنه مرفوع بالابتداء ~~خبره الجملة المصدرة باسم ms0039 الإشارة كما سيأتي بيانه، فالوقف على ~~(المتقين) حينئذ وقف تام، لأنه وقف على مستقل، ما بعده أيضا مستقل، ~~وأما على الوجه الأول فحسن لاستقلال الموقوف عليه، غير تام لتعلق ما ~~بعده به وتبعيته له، أما على تقدير الجر على الوصفية فظاهر، وأما على ~~تقدير النصب أو الرفع على المدح فلما تقرر من أن المنصوب والمرفوع ~~مدحا وإن خرجا عن التبعية لما قبلهما صورة حيث لم يتبعاه في الإعراب، ~~وبذلك سميا قطعا لكنهما تابعان له حقيقة، ألا ترى كيف التزموا حذف ~~الفعل والمبتدأ في النصب والرفع روما لتصوير كل منهما بصورة متعلق ~~من متعلقات ما قبله وتنبيها على شدة الاتصال بينهما، قال أبو علي: إذا ~~ذكرت صفات للمدح وخولف في بعضها الإعراب فقد خولف للافتنان، أي للتفنن ~~الموجب لإيقاظ السامع وتحريكه إلى الجد في الإصغاء، فإن تغيير الكلام ~~المسوق لمعنى من المعاني وصرفه عن سننه المسلوك ينبىء عن اهتمام ~~جديد بشأنه من المتكلم، ويستجلب مزيد رغبة فيه من المخاطب. # إن قيل: لا ريب في أن حال الموصول عند كونه خبرا لمبتدأ محذوف كحاله ~~عند كونه مبتدأ خبره (أولئك على هدى) في أنه ينسبك به جملة اسمية ~~مفيدة، لاتصاف المتقين بالصفات الفاضلة، ضرورة أن كلا من الضمير ~~المحذوف والموصول عبارة عن المتقين. وأن كلا من اتصافهم بالإيمان ~~وفروعه، وإحرازهم للهدى والفلاح من النعوت الجليلة، فما السر في أنه ~~جعل ذلك في الصورة الأولى من توابع المتقين، وعد الوقف غير تام، ~~وفي الثانية مقتطعا عنه، وعد الوقف تاما؟ قلنا: السر في ذلك أن ~~المبتدأ في الصورتين وإن كان عبارة عن المتقين، لكن الخبر في الأولى لما ~~كان تفصيلا لما تضمنه المبتدأ إجمالا حسبما تحققته معلوم الثبوت له ~~بلا اشتباه، غير مفيد للسامع سوى فائدة التفصيل والتوضيح، نظم ذلك في ~~سلك الصفات مراعاة لجانب المعنى، وإن سمي قطعا مراعاة لجانب اللفظ، ~~كيف لا وقد اشتهر في الفن أن الخبر إذا كان معلوم الانتساب إلى المخبر ~~عنه فحقه أن يكون وصفا له، كما أن الوصف ms0040 إذا لم يكن معلوم الانتساب ~~إلى الموصوف حقه أن يكون خبرا له، حتى قالوا: إن الصفات قبل العلم ~~بها أخبار، والأخبار بعد العلم بها صفات. # وأما الخبر في الثانية فحيث لم يكن كذلك بل كان مشتملا على ما لا ~~ينبىء عنه المبتدأ من المعاني اللائقة كما ستحيط به خبرا مفيدا للمخاطب ~~فوائد رائقة، جعل ذلك مقتطعا عما قبله محافظة على الصورة والمعنى ~~جميعا. # والإيمان إفعال من الأمن المتعدي إلى واحد، يقال آمنته، وبالنقل ~~تعدى إلى اثنين، يقال آمننيه غيري، ثم استعمل في التصديق، لأن ~~المصدق يؤمن المصدق، أي يجعله أمينا من التكذيب والمخالفة، ~~واستعماله بالباء لتضمينه معنى الاعتراف، وقد يطلق على الوثوق، فإن ~~الواثق يصير ذا أمن وطمأنينة، ومنه ما حكي عن العرب ما آمنت أن ~~أجد صحابة، أي ما صرت ذا أمن وسكون، وكلا الوجهين حسن هنا وهو في ~~الشرع لا يتحقق بدون التصديق بما علم، ضرورة أنه من دين نبينا عليه ~~الصلاة والسلام، كالتوحيد والنبوة والبعث والجزاء ونظائرها، وهل هو كاف ~~في ذلك أو لا بد من انضمام الإقرار إليه للتمكن منه؟. # والأول رأي الشيخ الأشعري ومن شايعه، فإن الإقرار عنده منشأ لإجراء ~~الأحكام، والثاني مذهب أبي حنيفة ومن تابعه وهو الحق، فإنه جعلهما ~~جزأين له، خلا أن الإقرار ركن محتمل للسقوط بعذر، كما عند الإكراه، ~~وهو مجموع ثلاثة أمور: اعتقاد الحق، والإقرار به، والعمل بموجبه عند ~~جمهور المحدثين والمعتزلة والخوارج، فمن أخل بالاعتقاد وحده فهو منافق، ~~ومن أخل بالإقرار فهو كافر، ومن أخل بالعمل فهو فاسق اتفاقا وكافر عند ~~الخوارج، وخارج عن الإيمان غير داخل في الكفر عند المعتزلة. # وقرىء (يومنون) بغير همزة، والغيب إما مصدر وصف به الغائب مبالغة ~~كالشهادة في قوله تعالى: # علم الغيب والشهدة # [الزمر، الآية 46]، أو فعيل خفف كقتل في قتيل وهين في هين، ~~وميت في ميت، لكن لم يستعمل فيه الأصل كما استعمل في نظائره. ~~وأيا ما كان فهو ما غاب عن الحس والعقل غيبة كاملة، بحيث لا يدرك ~~بواحد منهما ابتداء ms0041 بطريق البداهة، وهو قسمان: قسم لا دليل عليه، وهو ~~الذي أريد بقوله سبحانه: # وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو # [الأنعام، الآية 59] وقسم نصب عليه دليل كالصانع وصفاته، والنبوات ~~وما يتعلق بها من الأحكام والشرائع، واليوم الآخر وأحواله من البعث ~~والنشور والحساب والجزاء، وهو المراد ههنا، فالباء صلة للإيمان، ~~إما بتضمينه معنى الاعتراف، أو بجعله مجازا من الوثوق، وهو واقع موقع ~~المفعول به، وإما مصدر على حاله كالغيبة، فالباء متعلقة بمحذوف ~~وقع حالا من الفاعل كما في قوله تعالى: # الذين يخشون ربهم بالغيب # [الأنبياء، الآية 49] وقوله تعالى: # ليعلم أنى لم أخنه بالغيب # [يوسف، الآية 52] أي يؤمنون ملتبسين بالغيبة، إما عن المؤمن به، أي ~~غائبين عن النبي صلى الله عليه وسلم غير مشاهدين لما فيه من شواهد ~~النبوة، لما روي أن أصحاب ابن مسعود رضي الله عنه، ذكروا أصحاب رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم وإيمانهم، فقال رضي الله عنه: «إن أمر محمد ~~عليه الصلاة والسلام كان بينا لمن رآه، والذي لا إله غيره ما ~~آمن مؤمن أفضل من الإيمان بغيب، ثم تلا هذه الآية». وإما عن الناس، أي ~~غائبين عن المؤمنين، لا كالمنافقين الذين إذا لقوا الذين آمنوا قالوا ~~آمنا، وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إنا معكم. # وقيل: المراد بالغيب القلب، لأنه مستور، والمعنى يؤمنون بقلوبهم لا ~~كالذين يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم، فالباء حينئذ للآلة، وترك ~~ذكر المؤمن به على التقادير الثلاثة إما للقصد إلى إحداث نفس الفعل ~~كما في قولهم فلان يعطي ويمنع، أي يفعلون الإيمان، وإما للاكتفاء بما ~~سيجيء، فإن الكتب الإلهية ناطقة بتفاصيل ما يجب الإيمان به. # { ويقيمون الصلوة } إقامتها عبارة عن تعديل أركانها، وحفظها ~~من أن يقع في شيء من فرائضها وسننها وآدابها زيغ، من إقامة العود إذا ~~قومه وعدله. وقيل عن المواظبة عليها، مأخوذ من قامت السوق إذا ~~نفقت، وأقمتها إذا جعلتها نافقة، فإنها إذا حوفظ عليها كانت كالنافق ~~الذي يرغب فيه، وقيل عن التشمر لأدائها عن غير فتور ولا توان، من ~~قولهم ms0042 قام بالأمر وأقامه إذا جد فيه واجتهد، وقيل عن أدائها، عبر عنه ~~بالإقامة لاشتماله على القيام، كما عبر عنه بالقنوت الذي هو القيام ~~وبالركوع والسجود والتسبيح، والأول هو الأظهر، لأنه أشهر، وإلى ~~الحقيقة أقرب، والصلاة فعلة، من صلى إذا دعا، كالزكاة من زكى، ~~وإنما كتبتا بالواو مراعاة اللفظ المفخم، وإنما سمي الفعل ~~المخصوص بها لاشتماله على الدعاء، وقيل: أصل صلى حرك ~~الصلوين، وهما العظمان الناتئان في أعلى الفخذين، لأن المصلي ~~يفعله في ركوعه وسجوده، واشتهار اللفظ في المعنى الثاني دون الأول لا ~~يقدح في نقله عنه، وإنما سمي الداعي مصليا تشبيها له في تخشعه ~~بالراكع والساجد. # { ومما رزقنهم ينفقون } والرزق في اللغة العطاء، ~~ويطلق على الحظ المعطى، نحو ذبح ورعي للمذبوح والمرعي. ~~وقيل: هو بالفتح مصدر، وبالكسر اسم، وفي العرف ما ينتفع به الحيوان. # والمعتزلة لما أحالوا تمكين الله تعالى من الحرام لأنه منع من ~~الانتفاع به وأمر بالزجر عنه قالوا: الرزق لا يتناول الحرام، ألا ترى ~~أنه تعالى أسند الرزق إلى ذاته إيذانا بأنهم ينفقون من الحلال ~~والصرف، فإن إنفاق الحرام بمعزل من إيجاب المدح، وذم المشركين على ~~تحريم بعض ما رزقهم الله تعالى بقوله: # قل أرأيتم ما أنزل الله لكم من رزق فجعلتم ~~منه حراما وحلالا # [يونس، الآية 59] وأصحابنا جعلوا الإسناد المذكور للتعظيم والتحريض ~~على الإنفاق، والذم لتحريم ما لم يحرم، واختصاص ما رزقناهم بالحلال ~~للقرينة. # وتمسكوا لشمول الرزق لهما بما روي عنه عليه السلام # " في حديث عمرو بن قرة حين أتاه فقال: يا رسول الله، إن الله ~~[قد] كتب علي الشقوة، فلا أرى أرزق إلا من دفي ~~بكفي، فأذن لي في الغناء، من غير فاحشة، من أنه قال ~~عليه السلام: لا آذن لك ولا كرامة، ولا نعمة (عين) ~~كذبت أي عدو الله، والله لقد رزقك الله حلالا ~~طيبا، فاخترت ما حرم الله عليك من رزقه مكان ~~ما أحل الله لك من حلاله " # وبأنه لو لم يكن الحرام رزقا لم يكن المتغذي به طول عمره مرزوقا، وقد ~~قال ms0043 الله تعالى: # وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها # [هود، الآية 6] والإنفاق والإنفاد أخوان، خلا أن في الثاني معنى ~~الإذهاب بالكلية دون الأول، والمراد بهذا الإنفاق الصرف إلى سبيل ~~الخير، فرضا كان أو نفلا، ومن فسر [ه] بالزكاة ذكر أفضل أنواعه ~~الأصل فيه، أو خصصه بها لاقترانه بما هو شقيقها، والجملة معطوفة على ما ~~قبلها من الصلة، وتقديم المفعول للاهتمام، والمحافظة على رؤوس الآي، ~~وإدخال (من) التبعيضية عليه للكف عن التبذير. # هذا وقد جاز أن يراد به الإنفاق من جميع المعاون التي منحهم الله تعالى ~~من النعم الظاهرة والباطنة، ويؤيده قوله عليه السلام: # " إن علما لا ينال به ككنز لا ينفق منه " # وإليه ذهب من قال: ومما خصصناهم من أنوار المعرفة يفيضون. ### || [2.4] # { والذين يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من ~~قبلك } معطوف على الموصول الأول، على تقدير وصله بما قبله، وفصله ~~عنه مندرج معه في زمرة المتقين من حيث الصورة والمعنى معا، أو من حيث ~~المعنى فقط، اندراج خاصين تحت عام، إذ المراد بالأولين الذين آمنوا ~~بعد الشرك والغفلة عن جميع الشرائع كما يؤذن به التعبير عن ~~المؤمن به بالغيب، وبالآخرين الذين آمنوا بالقرآن بعد الإيمان بالكتب ~~المنزلة قبله، كعبد الله بن سلام وأضرابه، أو على المتقين على أن ~~يراد بهم الأولون خاصة، ويكون تخصيصهم بوصف الاتقاء للإيذان بتنزههم ~~عن حالتهم الأولى بالكلية، لما فيها من كمال القباحة والمباينة للشرائع ~~كلها، الموجبة للاتقاء عنها، بخلاف الآخرين، فإنهم غير تاركين لما ~~كانوا عليه بالمرة، بل متمسكون بأصول الشرائع التي لا تكاد تختلف ~~باختلاف الأعصار، ويجوز أن يجعل كلا الموصولين عبارة عن الكل مندرجا ~~تحت المتقين، ولا يكون توسيط العاطف بينهما لاختلاف الذوات، بل ~~لاختلاف الصفات كما في قوله: [المتقارب] # إلى الملك القرم وابن الهمام # وليث الكتيبة في المزدحم # وقوله: [السريع] # يا لهف زيابة للحارث # الصابح فالغانم فالآيب # للإيذان بأن كل واحد من الإيمان بما أشير إليه من الأمور الغائبة، ~~والإيمان بما يشهد بثبوتها من الكتب السماوية نعت جليل ms0044 على حياله، له ~~شأن خطير مستتبع لأحكام جمة، حقيق بأن يفرد له موصوف مستقل، ولا ~~يجعل أحدهما تتمة للآخر، وقد شفع الأول بأداء الصلاة والصدقة ~~اللتين هما من جملة الشرائع المندرجة تحت تلك الأمور المؤمن بها ~~تكملة له، فإن كمال العلم بالعمل، وقرن الثاني بالإيقان بالآخرة مع ~~كونه منطويا تحت الأول تنبيها على كمال صحته، وتعريضا بما في ~~اعتقاد أهل الكتابين من الخلل كما سيأتي، هذا على تقدير تعلق الباء ~~بالإيمان، وقس عليه الحال عند تعلقها بالمحذوف، فإن كلا من الإيمان ~~الغيبي المشفوع بما يصدقه من العبادتين مع قطع النظر عن المؤمن ~~به والإيمان بالكتب المنزلة الشارحة لتفاصيل الأمور التي يجب الإيمان ~~بها مقرونا بما قرن به فضيلة باهرة، مستدعية لما ذكر، والله تعالى ~~أعلم. # وقد حمل ذلك على معنى أنهم الجامعون بين الإيمان بما يدركه العقل ~~جملة والإتيان بما يصدقه من العبادات البدنية والمالية، وبين ~~الإيمان لا طريق إليه غير السمع. وتكرير الموصول للتنبيه على تغاير ~~القبيلين، وتباين السبيلين فليتأمل، وأن يراد بالموصول الثاني ~~بعد اندراج الكل في الأول فريق خاص منهم، وهم مؤمنو أهل الكتاب، ~~بأن يخصوا بالذكر تخصيص جبريل ومكائيل به إثر جريان ذكر ~~الملائكة عليهم السلام تعظيما لشأنهم وترغيبا لأمثالهم وأقرانهم في ~~تحصيل ما لهم من الكمال. # [معنى إنزال الكتاب] # والإنزال النقل من الأعلى إلى الأسفل، وتعلقه بالمعاني إنما هو ~~بتوسط تعلقه بالأعيان المستتبعة لها، فنزول ما عدا الصحف من الكتب ~~الإلهية إلى الرسل عليهم السلام والله تعالى أعلم بأن يتلقاها الملك من ~~جنابه عز وجل تلقيا روحانيا، أو يحفظها من اللوح المحفوظ، فينزل ~~بها إلى الرسل فيلقيها عليهم عليهم السلام، والمراد (بما أنزل إليك) ~~هو القرآن بأسره، والشريعة عن آخرها. # والتعبير عن إنزاله بالماضي مع كون بعضه مترقبا حينئذ لتغليب ~~المحقق على المقدر، أو لتنزيل ما في شرف الوقوع لتحققه ~~منزلة الواقع، كما في قوله تعالى: # إنا سمعنا كتبا أنزل من بعد موسى # [الأحقاف، الآية30] مع أن الجن ما كانوا سمعوا الكتاب جميعا ولا كان ms0045 ~~الجميع إذ ذاك نازلا، وبما أنزل من قبلك التوراة والإنجيل وسائر ~~الكتب السالفة، وعدم التعرض لذكر من أنزل إليه من الأنبياء عليهم ~~السلام، لقصد الإيجاز مع عدم تعلق الغرض بالتفصيل حسب تعلقه به ~~في قوله تعالى: # قولوا ءامنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل ~~إلى إبرهيم وإسمعيل # [البقرة، الآية 136] الآية. والإيمان بالكل جملة فرض، وبالقرآن ~~تفصيلا - من حيث إنا متعبدون بتفاصيله - فرض كفاية، فإن في وجوبه على ~~الكل - عينا - حرجا بينا، وإخلالا بأمر المعاش، وبناء الفعلين ~~للمفعول للإيذان بتعين الفاعل، والجري على سنن الكبرياء، وقد ~~قرئا على البناء للفاعل. # { وبالأخرة هم يوقنون } الإيقان إتقان العلم بالشيء بنفي ~~الشك والشبهة عنه، ولذلك لا يسمى علمه تعالى يقينا، أي يعلمون ~~علما قطعيا مزيحا لما كان أهل الكتاب عليه من الشكوك والأوهام التي ~~من جملتها زعمهم أن الجنة لا يدخلها إلا من كان هودا أو نصارى، وأن ~~النار لن تمسهم إلا أياما معدودات، واختلافهم في أن نعيم الجنة هل ~~هو من قبيل نعيم الدنيا أو لا، وهل هو دائم أو لا، وفي تقديم الصلة ~~وبناء (يوقنون) على الضمير تعريض بمن عداهم من أهل الكتاب، فإن ~~اعتقادهم في أمور الآخرة بمعزل من الصحة فضلا عن الوصول إلى مرتبة ~~اليقين. والآخرة تأنيث الآخر، كما أن الدنيا تأنيث الأدنى، غلبتا ~~على الدارين فجرتا مجرى الأسماء، وقرىء بحذف الهمزة وإلقاء حركتها ~~على اللام، وقرىء يؤقنون بقلب الواو همزة، إجراء لضم ما قبلها مجرى ~~ضمها في وجوه ووقتت، ونظيره ما في قوله: [الوافر] # لحب المؤقدان إلى مؤسى # وجعدة إذ أضاءهما الوقود ### || [2.5] # وقوله تعالى: { أولئك } إشارة إلى الذين حكيت خصالهم ~~الحميدة من حيث اتصافهم بها، وفيه دلالة على أنهم متميزون بذلك أكمل ~~تميز، منتظمون بسببه في سلك الأمور المشاهدة، وما فيه من معنى البعد ~~للإشعار بعلو درجتهم وبعد منزلتهم في الفضل، وهو مبتدأ، وقوله عز ~~وعلا: { على هدى } خبره، وما فيه من الإبهام المفهوم من التنكير ~~لكمال تفخيمه، كأنه قيل: على أي هدى لا يبلغ كنهه، ولا يقادر ms0046 ~~قدره. وإيراد كلمة الاستعلاء بناء على تمثيل حالهم في ملابستهم ~~بالهدى بحال من يعتلي الشيء ويستولي عليه يتصرف فيه كيفما يريد، أو على ~~استعارتها لتمسكهم بالهدى استعارة تبعية، متفرعة على تشبيهه باعتلاء ~~الراكب واستوائه على مركوبه، أو على جعلها قرينة للاستعارة بالكناية ~~بين الهدى والمركوب للإيذان بقوة تمكنهم منه وكمال رسوخهم فيه، ~~وقوله تعالى: { من ربهم } متعلق بمحذوف وقع صفة له مبينة ~~لفخامته الإضافية إثر بيان فخامته الذاتية، مؤكدة لها، أي على هدى ~~كائن من عنده تعالى، وهو شامل لجميع أنواع هدايته تعالى، وفنون ~~توفيقه. والتعرض لعنوان الربوبية مع الإضافة إلى ضميرهم لغاية تفخيم ~~الموصوف والمضاف إليهم وتشريفهما، ولزيادة تحقيق مضمون الجملة، ~~وتقريره ببيان ما يوجبه ويقتضيه وقد أدغمت النون في الراء بغنة ~~أو بغير غنة، والجملة على تقدير كون الموصولين موصولين بالمتقين، ~~مستقلة لا محل لها من الإعراب، مقررة لمضمون قوله تعالى: { هدى ~~للمتقين } مع زيادة تأكيد له وتحقيق. # كيف لا وكون الكتاب هدى لهم فن من فنون ما منحوه واستقروا عليه من ~~الهدى، حسبما تحققته، لا سيما مع ملاحظة ما يستتبعه من الفوز والفلاح، ~~وقيل: هي واقعة موقع الجواب عن سؤال ربما ينشأ مما سبق، كأنه قيل: ما ~~للمنعوتين بما ذكر من النعوت اختصوا بهداية ذلك الكتاب العظيم ~~الشأن؟ وهل هم أحقاء بتلك الأثرة؟ فأجيب بأنهم بسبب اتصافهم بذلك ~~مالكون لزمام أصل الهدى الجامع لفنونه، المستتبع للفوز والفلاح، ~~فأي ريب في استحقاقهم لما هو فرع من فروعه؟ # ولقد جار عن سنن الصواب من قال في تقرير الجواب: بأن أولئك الموصوفين ~~غير مستبعد أن يفوزوا دون الناس بالهدى عاجلا، وبالفلاح آجلا. # وأما على تقدير كونهما مفصولين عنه فهي في محل الرفع على أنها خبر ~~للمبتدأ الذي هو الموصول الأول، والثاني معطوف عليه، وهذه الجملة ~~استئناف وقع جوابا عن سؤال ينساق إليه الذهن من تخصيص ما ذكر ~~بالمتقين قبل بيان مبادىء استحقاقهم لذلك، كأنه قيل: ما بال المتقين ~~مخصوصين به؟ فأجيب بشرح ما انطوى عليه اسمهم إجمالا من نعوت الكمال، ms0047 ~~وبيان ما يستدعيه من النتيجة، أي الذين هذه شؤونهم أحقاء بما هو أعظم ~~من ذلك، كقولك: أحب الأنصار الذين قارعوا دون رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، وبذلوا مهجتهم في سبيل الله، أولئك سواد عيني، ~~وسويداء قلبي. # وأعلم أن هذا المسلك يسلك تارة بإعادة اسم من استؤنف عنه ~~الحديث، كقولك: أحسنت إلى زيد، زيد حقيق بالإحسان، وأخرى بإعادة ~~صفته، كقولك: أحسنت إلى زيد صديقك القديم، أهل لذلك، ولا ريب في أن ~~هذا أبلغ من الأول، لما فيه من بيان الموجب للحكم، وإيراد اسم ~~الإشارة بمنزلة إعادة الموصوف بصفاته المذكورة، مع ما فيه من الإشعار ~~بكمال تميزه بها، وانتظامه بسبب ذلك في سلك الأمور المشاهدة، ~~والإيماء إلى بعد منزلته كما مر. # هذا وقد جوز أن يكون الموصول الأول مجرى على المتقين حسبما فصل، ~~والثاني مبتدأ، وأولئك الخ خبره، ويجعل اختصاصهم بالهدى والفلاح ~~تعريضا بغير المؤمنين من أهل الكتاب حيث كانوا يزعمون أنهم على الهدى، ~~ويطمعون في نيل الفلاح. # { وأولئك هم المفلحون } تكرير اسم الإشارة لإظهار ~~مزيد العناية بشأن المشار إليهم، وللتنبيه على أن اتصافهم بتلك ~~الصفات يقتضي نيل كل واحدة من تينك الأثرتين، وأن كلا منهما كاف ~~في تميزهم بها عمن عداهم، ويؤيده توسيط العاطف بين الجملتين، بخلاف ما ~~في قوله تعالى: # أولئك كالأنعم بل هم أضل أولئك هم ~~الغفلون # [الأعراف، الآية 179] فإن التسجيل عليهم بكمال الغفلة عبارة عما يفيده ~~تشبيههم بالبهائم، فتكون الجملة الثانية مقررة للأولى، وأما ~~الإفلاح الذي هو عبارة عن الفوز بالمطلوب فلما كان مغايرا للهدى - ~~نتيجة له - وكان كل منهما في نفسه أعز مرام يتنافس فيه المتنافسون ~~فعل ما فعل، و(هم) ضمير فصل يفصل الخبر عن الصفة ويؤكد النسبة، ~~ويفيد اختصاص المسند بالمسند إليه، أو مبتدأ خبره المفلحون، والجملة ~~خبر لأولئك، وتعريف المفلحين للدلالة على أن المتقين هم الناس الذين ~~بلغك أنهم المفلحون في الآخرة، أو إشارة إلى ما يعرفه كل أحد من ~~حقيقة المفلحين وخصائصهم. هذا، وفي بيان اختصاص المتقين بنيل هذه ~~المراتب الفائقة على فنون ms0048 من الاعتبارات الرائقة اللائقة حسبما أشير ~~إليه في تضاعيف تفسير الآية الكريمة من الترغيب في اقتفاء أثرهم ~~والإرشاد إلى اقتداء سيرهم ما لا يخفى مكانه، والله ولي الهداية ~~والتوفيق. ### || [2.6] # [من أحوال الكفار] # { إن الذين كفروا } كلام مستأنف سيق لشرح أحوال الكفرة ~~الغواة المردة العتاة، إثر بيان أحوال أضدادهم المتصفين بنعوت ~~الكمال الفائزين بمباغيهم في الحال والمآل، وإنما ترك العاطف بينهما ~~ولم يسلك به مسلك قوله تعالى: # إن الأبرار لفى نعيم * وإن الفجار لفى جحيم # [الانفطار، الآية 13و 14]لما بينهما من التنافي في الأسلوب، ~~والتباين في الغرض، فإن الأولى مسوقة لبيان رفعة شأن الكتاب في باب ~~الهداية والإرشاد، وأما التعرض لأحوال المهتدين به فإنما هو بطريق ~~الاستطراد، سواء جعل الموصول موصولا بما قبله، أو مفصولا عنه، فإن ~~الاستئناف مبني على سؤال نشأ من الكلام المتقدم، فهو من مستتبعاته ~~لا محالة. وأما الثانية فمسوقة لبيان أحوال الكفرة أصالة، وترامي ~~أمرهم في الغواية والضلال إلى حيث لا يجديهم الإنذار والتبشير، ولا ~~يؤثر فيهم العظة والتذكير، فهم ناكبون في تيه الغي والفساد عن ~~منهاج العقول، وراكبون في مسلك المكابرة والعناد متن كل صعب ~~وذلول، وإنما أوثرت هذه الطريقة ولم يؤسس الكلام على بيان أن ~~الكتاب هاد للأولين وغير مجد للآخرين لأن العنوان الأخير ليس ~~مما يورثه كمالا حتى يتعرض له في أثناء تعداد كمالاته. # و(إن) من الحروف التي تشابه الفعل في عدد الحروف والبناء على الفتح ~~ولزوم الأسماء ودخول نون الوقاية عليها، كإنني ولعلني ونظائرهما، ~~وإعطاء معانيه، والتعدي خاصة في الدخول على اسمين، ولذلك أعملت عمله ~~الفرعي، وهو نصب الأول ورفع الثاني إيذانا بكونه فرعا في العمل ~~دخيلا فيه، وعند الكوفيين لا عمل لها في الخبر، بل هو باق على حاله ~~بقضية الاستصحاب. وأجيب بأن ارتفاع الخبر مشروط بالتجرد عن العوامل، ~~وإلا لما انتصب خبر كان وقد زال بدخولها، فتعين إعمال الحرف، وأثرها ~~تأكيد النسبة وتحقيقها، ولذلك يتلقى بها القسم، وتصدر بها ~~الأجوبة، ويؤتى بها في مواقع الشك والإنكار لدفعه ورده، قال ~~المبرد: ms0049 قولك عبد الله قائم إخبار عن قيامه، وإن عبد الله ~~قائم جواب سائل عن قيامه شاك فيه، وإن عبد الله لقائم جواب ~~منكر لقيامه. # وتعريف الموصول إما للعهد والمراد به ناس بأعيانهم كأبي لهب وأبي ~~جهل والوليد بن المغيرة وأضرابهم وأحبار اليهود، أو للجنس، وقد خص ~~منه غير المصرين بما أسند إليه من قوله تعالى: { سواء عليهم } ~~الخ، والكفر في اللغة ستر النعمة، وأصله الكفر بالفتح أي الستر. ~~ومنه قيل للزارع والليل كافر، قال تعالى: # كمثل غيث أعجب الكفار نباته # [الحديد، الآية: 20] وعليه قول لبيد: [الكامل] # يعلوا الطريقة متنها متواتر # في ليلة كفر النجوم غمامها # ومنه المتكفر بسلاحه وهو الشاكي الذي غطى السلاح بدنه، وفي ~~الشريعة إنكار ما علم بالضرورة مجيء الرسول عليه الصلاة والسلام به، ~~وإنما عد لبس الغيار وشد الزنار بغير اضطرار ونظائرهما كفرا ~~لدلالته على التكذيب، فإن من صدق النبي عليه السلام لا يكاد يجترىء ~~على أمثال ذلك، إذ لا داعي إليه كالزنى وشرب الخمر، واحتجت المعتزلة ~~على حدوث القرآن بما جاء فيه بلفظ الماضي على وجه الإخبار، فإنه يستدعي ~~سابقة المخبر عنه لا محالة، وأجيب بأنه من مقتضيات التعلق وحدوثه ~~لا يستدعي حدوث الكلام، كما أن حدوث تعلق العلم بالمعلوم لا يستدعي ~~حدوث العلم { سوآء } هو اسم بمعنى الاستواء، نعت به كما ينعت ~~بالمصادر مبالغة، قال تعالى: # تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم # [آل عمران، الآية 64] وقوله تعالى: { عليهم } متعلق به، ومعناه ~~عندهم، وارتفاعه على أنه خبر، لأن قوله تعالى: { أأنذرتهم أم لم ~~تنذرهم } مرتفع به على الفاعلية لأن الهمزة وأم مجردتان عن معنى ~~الاستفهام، لتحقيق الاستواء بين مدخوليهما، كما جرد الأمر والنهي ~~لذلك عن معنييهما في قوله تعالى: # استغفر لهم أو لا تستغفر لهم # [التوبة، الآية 80] وحرف النداء في قولك: اللهم اغفر لنا أيتها ~~العصابة عن معنى الطلب لمجرد التخصيص، كأنه قيل: إن الذين كفروا مستو ~~عليهم إنذارك وعدمه. كقولك: إن زيدا مختصم أخوه وابن عمه، أو مبتدأ، ~~و { سواء عليهم } خبر قدم عليه اعتناء ms0050 بشأنه، والجملة خبر لإن، ~~والفعل إنما يمتنع الإخبار عنه عند بقائه على حقيقته. # وأما لو أريد به اللفظ أو مطلق الحدث المدلول عليه ضمنا على طريقة ~~الاتساع فهو كالاسم في الإضافة والإسناد إليه، كما في قوله تعالى: # هذا يوم ينفع الصدقين صدقهم # [المائدة، الآية 119] وقوله تعالى: # وإذا قيل لهم لا تفسدوا # [البقرة، الآية 11] وفي قولهم: (تسمع بالمعيدي خير من ~~أن تراه)، كأنه قيل: إنذارك وعدمه سيان عليهم، والعدول إلى الفعل ~~لما فيه من إيهام التجدد، والتوصل إلى إدخال الهمزة ومعادلها عليه ~~لإفادة تقرير معنى الاستواء وتأكيده، كما أشير إليه وقيل: (سواء) مبتدأ ~~وما بعده خبره وليس بذاك لأن مقتضى المقام بيان كون الإنذار وعدمه ~~سواء، لا بيان كون المستوي الإنذار وعدمه، والإنذار إعلام المخوف ~~للاحتراز عنه، إفعال من نذر بالشيء إذا علمه فحذره، والمراد ههنا ~~التخويف من عذاب الله وعقابه على المعاصي، والاقتصار عليه لما أنهم ~~ليسوا بأهل للبشارة أصلا، ولأن الإنذار أوقع في القلوب، وأشد تأثيرا ~~في النفوس، فإن دفع المضار أهم من جلب المنافع، فحيث لم يتأثروا به ~~فلألا يرفعوا للبشارة رأسا أولى، وقرىء بتوسيط ألف بين الهمزتين مع ~~تحقيقهما، وبتوسيطها والثانية بين بين، وبتخفيف الثانية بين بين ~~بلا توسيط، وبحذف حرف الاستفهام، وبحذفه وإلقاء حركته على الساكن قبله، ~~كما قرىء قد أفلح، وقرىء بقلب الثانية ألفا، وقد نسب ذلك إلى اللحن. # { لا يؤمنون } جملة مستقلة مؤكدة لما قبلها، مبينة لما فيه من ~~إجمال ما فيه الاستواء، فلا محل لها من الإعراب، أو حال مؤكدة له، أو ~~بدل منه أو خبر لأن، وما قبلها اعتراض بما هو علة للحكم، أو خبر ثان ~~على رأي من يجوزه عند كونه جملة، والآية الكريمة مما استدل به على جواز ~~التكليف بما لا يطاق، فإنه تعالى قد أخبر عنهم بأنهم لا يؤمنون، فظهر ~~استحالة إيمانهم لاستلزامه المستحيل الذي هو عدم مطابقة إخباره تعالى ~~للواقع مع كونهم مأمورين بالإيمان، باقين على التكليف، ولأن من جملة ما ~~كلفوه الإيمان بعدم إيمانهم المستمر، والحق أن ms0051 التكليف بالممتنع لذاته ~~وإن جاز عقلا من حيث إن الأحكام لا تستدعي أغراضا لا سيما الامتثال، ~~لكنه غير واقع للاستقراء، والإخبار بوقوع الشيء أو بعدمه لا ينفي ~~القدرة عليه، كإخباره تعالى عما يفعله هو، أو العبد باختياره، وليس ما ~~كلفوه الإيمان بتفاصيل ما نطق به القرآن حتى يلزم أن يكلفوا الإيمان ~~بعدم إيمانهم المستمر، بل هو الإيمان بجميع ما جاء به النبي عليه ~~السلام إجمالا، على أن كون الموصول عبارة عنهم ليس معلوما لهم. # وفائدة الإنذار بعد العلم بأنه لا يفيد إلزام الحجة وإحراز الرسول ~~صلى الله عليه وسلم فضل الإبلاغ، ولذلك قيل: سواء عليهم، ولم يقل: عليك، ~~كما قيل لعبدة الأصنام # سواء عليكم أدعوتموهم أم أنتم صمتون # [الأعراف، الآية 193] وفي الآية الكريمة إخبار بالغيب على ما هو به إن ~~أريد بالموصول أشخاص بأعيانهم فهي من المعجزات الباهرة ### || [2.7] # { ختم الله على قلوبهم } استئناف تعليلي لما سبق الحكم، ~~وبيان لما يقتضيه، أو بيان وتأكيد له، والمراد بالقلب محل القوة ~~العاقلة من الفؤاد، والختم على الشيء الاستيثاق منه بضرب الخاتم عليه ~~صيانة له، أو لما فيه من التعرض له كما في البيت الفارغ والكيس ~~المملوء، والأول هو الأنسب بالمقام، إذ ليس المراد به صيانة ما في ~~قلوبهم، بل إحداث حالة تجعلها بسبب تماديهم في الغي وانهماكهم في ~~التقليد، وإعراضهم عن منهاج النظر الصحيح، بحيث لا يؤثر فيها الإنذار، ~~ولا ينفذ فيها الحق أصلا، إما على طريقة الاستعارة التبعية، بأن ~~يشبه ذلك بضرب الخاتم على نحو أبواب المنازل الخالية المبنية للسكنى ~~تشبيه معقول بمحسوس بجامع عقلي هو الاشتمال على منع القابل عما من ~~شأنه وحقه أن يقبله، ويستعار له الختم ثم يشتق منه صيغة الماضي، وإما ~~على طريقة التمثيل بأن يشبه الهيئة المنتزعة من قلوبهم وقد فعل بها ~~ما فعل من إحداث تلك الحالة المانعة من أن يصل إليها ما خلقت هي لأجله من ~~الأمور الدينية النافعة، وحيل بينها وبينه بالمرة بهيئة منتزعة من ~~محال معدة لحلول ما يحلها حلولا مستتبعا لمصالح ms0052 مهمة وقد ~~منع من ذلك بالختم عليها وحيل بينها وبين ما أعدت لأجله بالكلية، ثم ~~يستعار لها ما يدل على الهيئة المشبه بها فيكون كل من طرفي ~~التشبيه مركبا من أمور عدة قد اقتصر من جانب المشبه به على ما ~~عليه يدور الأمر في تصوير تلك الهيئة وانتزاعها وهو الختم، والباقي ~~منوي مراد قصدا بألفاظ متخيلة بها يتحقق التركيب، وتلك الألفاظ ~~وإن كان لها مدخل في تحقيق وجه الشبه الذي هو أمر عقلي منتزع منها ~~وهو امتناع الانتفاع بما أعد له بسبب مانع قوي، ليس في شيء منها ~~على الانفراد تجوز باعتبار هذا المجاز، بل هي باقية على حالها من كونها ~~حقيقة أو مجازا أو كناية، وإنما التجوز في المجموع، وحيث كان معنى ~~المجموع مجموع معاني تلك الألفاظ التي ليس فيها التجوز المعهود، ولم ~~تكن الهيئة المنتزعة منها مدلولا وضعيا لها ليكون ما دل على الهيئة ~~المشبه بها عند استعماله في الهيئة المشبهة مستعملا في غير ما وضع له، ~~فيندرج تحت الاستعارة التي هي قسم من المجاز اللغوي، الذي هو عبارة ~~عن الكلمة المستعملة في غير ما وضع له، ذهب قدماء المحققين كالشيخ عبد ~~القاهر وأضرابه إلى جعل التمثيل قسما برأسه، ومن رام تقليل الأقسام ~~عد تلك الهيئة المشبه بها من قبيل المدلولات الوضعية، وجعل ~~الكلام المفيد لها عند استعماله فيما يشبه بها من هيئة أخرى منتزعة ~~من أمور أخر من قبيل الاستعارة، وسماه استعارة تمثيلية، وإسناد ~~إحداث تلك الحالة في قلوبهم إلى الله تعالى لاستناد جميع الحوادث عندنا ~~من حيث الخلق إليه سبحانه وتعالى، وورود الآية الكريمة ناعية عليهم ~~سوء صنيعهم ووخامة عاقبتهم لكون أفعالهم من حيث الكسب مستندة ~~إليهم، فإن خلقها منه سبحانه ليس بطريق الجبر بل بطريق الترتيب على ما ~~اقترفوه من القبائح كما يعرب عنه قوله تعالى: # بل طبع الله عليها بكفرهم # [النساء، الآية 155] ونحو ذلك. # وأما المعتزلة فقد سلكوا مسلك التأويل، وذكروا في ذلك عدة من ~~الأقاويل منها أن القوم لما أعرضوا عن الحق وتمكن ms0053 ذلك في قلوبهم حتى ~~صار كالطبيعة لهم شبه بالوصف الخلقي المجبول عليه، ومنها أن المراد ~~به تمثيل قلوبهم بقلوب البهائم التي خلقها الله تعالى خالية عن ~~الفطن، أو بقلوب قد ختم الله تعالى عليها كما في: سال به الوادي إذا ~~هلك، وطارت به العنقاء إذا طالت غيبته، ومنها أن ذلك فعل الشيطان أو ~~الكافر، وإسناده إليه تعالى باعتبار كونه بإقداره تعالى وتمكينه، ومنها ~~أن أعراقهم لما رسخت في الكفر واستحكمت بحيث لم يبق إلى تحصل إيمانهم ~~طريق سوى الإلجاء والقسر، ثم لم يفعل ذلك محافظة على حكمة التكليف ~~عبر عن ذلك بالختم، لأنه سد لطريق إيمانهم بالكلية، وفيه إشعار ~~بترامي أمرهم في الغي والعناد، وتناهي انهماكهم في الشر والفساد، ومنها ~~أن ذلك حكاية لما كانت الكفرة يقولونه مثل قولهم: # قلوبنا فى أكنة مما تدعونا إليه وفى ءاذاننا ~~وقر ومن بيننا وبينك حجاب # [فصلت، الآية 5] تهكما بهم، ومنها أن ذلك في الآخرة، وإنما أخبر عنه ~~بالماضي لتحقق وقوعه ويعضده قوله تعالى: # ونحشرهم يوم القيمة على وجوههم عميا ~~وبكما # [الإسراء، الآية 97] ومنها أن المراد بالختم وسم قلوبهم بسمة ~~يعرفها الملائكة فيبغضونهم وينفرون عنهم. # { وعلى سمعهم } عطف على ما قبله داخل في حكم الختم لقوله عز ~~وجل: # وختم على سمعه وقلبه # [الجاثية، الآية 23] وللوفاق على الوقف عليه لا على قلوبهم، ولاشتراكهما ~~في الإدراك من جميع الجوانب، وإعادة الجار للتأكيد والإشعار بتغاير ~~الختمين، وتقديم ختم قلوبهم للإيذان بأنها الأصل في عدم الإيمان، ~~وللإشعار بأن ختمها ليس بطريق التبعية بختم سمعهم، بناء على أنه ~~طريق إليها، فالختم عليه ختم عليها، بل هي مختومة بختم على حدة، لو ~~فرض عدم الختم على سمعهم فهو باق على حاله حسبما يفصح عنه قوله ~~تعالى: # ولو علم الله فيهم خيرا لاسمعهم ولو ~~أسمعهم لتولوا وهم معرضون # [الأنفال، الآية 23] والسمع إدراك القوة السامعة، وقد يطلق عليها ~~وعلى العضو الحامل لها وهو المراد ههنا، إذ هو المختوم عليه أصالة، ~~وتقديم حاله على حال أبصارهم للاشتراك بينه وبين قلوبهم في تلك ~~الحال، ms0054 أو لأن جنايتهم من حيث السمع الذي به يتلقى الأحكام الشرعية، ~~وبه يتحقق الإنذار أعظم منها من حيث البصر الذي به يشاهد الأحوال ~~الدالة على التوحيد، فبيانها أحق بالتقديم، وأنسب بالمقام. # قالوا: السمع أفضل من البصر، لأنه عز وعلا حيث ذكرهما قدم السمع على ~~البصر، ولأن السمع شرط النبوة ولذلك ما بعث الله رسولا أصم، ولأن السمع ~~وسيلة إلى استكمال العقل بالمعارف التي تتلقف من أصحابها، وتوحيده ~~للأمن عن اللبس، واعتبار الأصل، أو لتقدير المضاف، أي وعلى حواس ~~سمعهم، والكلام في إيقاع الختم على ذلك كما مر من قبل { وعلى ~~أبصرهم غشوة } الأبصار جمع بصر، والكلام فيه كما سمعته في ~~السمع، والغشاوة فعالة من التغشية أي التغطية، بنيت لما يشتمل على ~~الشيء كالعصابة والعمامة، وتنكيرها للتفخيم والتهويل، وهي على رأي ~~سيبويه مبتدأ خبره الظرف المقدم، والجملة معطوفة على ما قبلها، ~~وإيثار الاسمية للإيذان بدوام مضمونها، فإن ما يدرك بالقوة الباصرة من ~~الآيات المنصوبة في الآفاق والأنفس حيث كانت مستمرة كان تعاميهم من ذلك ~~أيضا كذلك. # وأما الآيات التي تتلقى بالقوة السامعة فلما كان وصولها إليها ~~حينا فحينا أوثر - في بيان الختم عليها وعلى ما هي أحد طريقي ~~معرفته، أعني القلب - الجملة الفعلية، وعلى رأي الأخفش مرتفع على ~~الفاعلية مما تعلق به الجار، وقرىء بالنصب على تقدير فعل ناصب، أي ~~وجعل على أبصارهم غشاوة، وقيل: على حذف الجار وإيصال الختم إليه، ~~والمعنى وختم على أبصارهم بغشاوة، وقرىء بالضم والرفع وبالفتح والنصب، ~~وهما لغتان فيها، و(غشوة) بالكسر مرفوعة وبالفتح مرفوعة ومنصوبة، ~~وعشاوة بالعين غير المعجمة والرفع { ولهم عذاب عظيم } وعيد ~~وبيان لما يستحقونه في الآخرة والعذاب كالنكال بناء ومعنى، يقال: أعذب ~~عن الشيء إذا أمسك عنه، ومنه الماء العذب لما أنه يقمع العطش ~~ويردعه، ولذلك يسمى نقاخا، لأنه ينقخ العطش ويكسره، وفراتا ~~لأنه يرفته على القلب ويكسره، ثم اتسع فيه فأطلق على كل ألم فادح، ~~وإن لم يكن عقابا يراد به ردع الجاني عن المعاودة، وقيل: اشتقاقه من ~~التعذيب الذي هو إزالة ms0055 العذاب، كالتقذية والتمريض. والعظيم نقيض الحقير، ~~والكبير نقيض الصغير، فمن ضرورة كون الحقير دون الصغير كون العظيم ~~فوق الكبير، ويستعملان في الجثث والأحداث. تقول: رجل عظيم وكبير، تريد ~~جثته أو خطره، ووصف العذاب به لتأكيد ما يفيده التنكير من التفخيم ~~والتهويل والمبالغة في ذلك. # والمعنى: أن على أبصارهم ضربا من الغشاوة خارجا مما يتعارفه الناس، ~~وهي غشاوة التعامي عن الآيات، ولهم من الآلام العظام نوع عظيم لا يبلغ ~~كنهه ولا يدرك غايته، اللهم إنا نعوذ بك من ذلك كله يا أرحم ~~الراحمين. ### || [2.8] # [علامات المنافقين] # { ومن الناس } شروع في بيان أن بعض من حكيت أحوالهم السالفة ~~ليسوا بمقتصرين على ما ذكر من محض الإصرار على الكفر والعناد، بل ~~يضمون إليه فنونا أخر من الشر والفساد، وتعديد لجناياتهم الشنيعة ~~المستتبعة لأحوال هائلة عاجلة وآجلة، وأصل ناس أناس، كما يشهد له ~~إنسان وأناسي وإنس، حذفت همزته تخفيفا كما قيل: لوقة في ألوقة، ~~وعوض عنها حرف التعريف، ولذلك لا يكاد يجمع بينهما، وأما في قوله: ~~[مجزوء الكامل] # إن المنايا يطلع # ن على الأناس الآمنينا # فشاذ، سموا بذلك لظهورهم وتعلق الإيناس بهم كما سمي الجن جنا ~~لاجتنانهم. وذهب بعضهم إلى أن أصله النوس وهو الحركة، انقلبت واوه ~~ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها، وبعضهم إلى أنه مأخوذ من نسي، نقلت ~~لامه إلى موضع العين فصار نيسا، ثم قلبت ألفا، سموا بذلك لنسيانهم، ~~ويروى عن ابن عباس أنه قال: سمي الإنسان إنسانا لأنه عهد إليه ~~فنسي، واللام فيه إما للعهد، أو للجنس المقصور على المصرين حسبما ذكر ~~في الموصول، كأنه قيل: ومنهم أو من أولئك، والعدول إلى الناس للإيذان ~~بكثرتهم، كما ينبىء عنه التبعيض، ومحل الظرف الرفع على أنه مبتدأ ~~باعتبار مضمونه، أو نعت لمبتدإ، كما في قوله عز وجل: # ومنا دون ذلك # [الجن، الآية 11] أي وجمع منا الخ، ومن في قوله تعالى: { من يقول } ~~موصولة أو موصوفة، ومحلها الرفع على الخبرية، والمعنى وبعض الناس، أو ~~وبعض من الناس الذي يقول، كقوله تعالى: # ومنهم الذين يؤذون ms0056 النبى # [التوبة، الآية 61] الآية، أو فريق يقول، كقوله تعالى: # من المؤمنين رجال # [الأحزاب، الآية 23] الخ، على أن يكون مناط الإفادة والمقصود ~~بالأصالة اتصافهم بما في حيز الصلة أو الصفة، وما يتعلق به من الصفات ~~جميعا، لا كونهم ذوات أولئك المذكورين. # وأما جعل الظرف خبرا كما هو الشائع في موارد الاستعمال فيأباه جزالة ~~المعنى، لأن كونهم من الناس ظاهر، فالإخبار به عار عن الفائدة كما ~~قيل، فإن مبناه توهم كون المراد بالناس الجنس مطلقا، وكذا مدار ~~الجواب عنه بأن الفائدة هو التنبيه على أن الصفات المذكورة تنافي ~~الإنسانية، فحق من يتصف بها ألا يعلم كونه من الناس، فيخبر به ~~ويتعجب منه، وأنت خبير بأن الناس عبارة عن المعهودين، أو عن الجنس ~~المقصور على المصرين، وأيا ما كان فالفائدة ظاهرة، بل لأن خبرية ~~الظرف تستدعي أن يكون اتصاف هؤلاء بتلك الصفات القبيحة المفصلة في ~~ثلاث عشرة آية عنوانا للموضوع مفروغا عنه، غير مقصود بالذات، ~~ويكون مناط الإفادة كونهم من أولئك المذكورين، ولا ريب لأحد في أنه ~~يجب حمل النظم الجليل على أجزل المعاني وأكملها، وتوحيد الضمير في ~~(يقول) باعتبار لفظة (من)، وجمعه في قوله: { آمنا بالله ~~وباليوم الأخر } وما بعده باعتبار معناها، والمراد باليوم ~~الآخر من وقت الحشر إلى ما لا يتناهى، أو إلى أن يدخل أهل الجنة ~~الجنة وأهل النار النار، إذ لا حد وراءه، وتخصيصهم للإيمان بهما ~~بالذكر مع تكرير الباء لادعاء أنهم قد حازوا الإيمان من قطريه، ~~وأحاطوا به من طرفيه، وأنهم قد آمنوا بكل منهما على الأصالة والاستحكام، ~~وقد دسوا تحته ما هم عليه من العقائد الفاسدة حيث لم يكن إيمانهم بواحد ~~منهما إيمانا في الحقيقة، إذ كانوا مشركين بالله بقولهم: # عزير ابن الله # [التوبة، الآية 30] وجاحدين باليوم الآخر بقولهم: # لن تمسنا النار إلا أياما معدودة # [البقرة، الآية 80] ونحو ذلك، وحكاية عبارتهم لبيان كمال خبثهم ~~ودعارتهم، فإن ما قالوا لو صدر عنهم لا على وجه الخداع والنفاق ~~وعقيدتهم عقيدتهم لم يكن ذلك إيمانا، فكيف وهم يقولونه تمويها على ms0057 ~~المؤمنين واستهزاء بهم { وما هم بمؤمنين } رد لما ادعوه ~~ونفي لما انتحلوه. وما حجازية، فإن جواز دخول الباء في خبرها لتأكيد ~~النفي اتفاقي بخلاف التميمية، وإيثار الجملة الاسمية على الفعلية ~~الموافقة لدعواهم المردودة للمبالغة في الرد بإفادة انتفاء الإيمان ~~عنهم في جميع الأزمنة لا في الماضي فقط كما يفيده الفعلية. ولا يتوهمن ~~أن الجملة الاسمية الإيجابية تفيد دوام الثبوت، فعند دخول النفي عليها ~~يتعين الدلالة على نفي الدوام، فإنها بمعونة المقام تدل على دوام النفي ~~قطعا، كما أن المضارع الخالي عن حرف الامتناع يدل على استمرار الوجود ~~وعند دخول حرف الامتناع عليه يدل على استمرار الامتناع، لا على امتناع ~~الاستمرار، كما في قوله عز وجل: # ولو يعجل الله للناس الشر استعجالهم ~~بالخير لقضى إليهم أجلهم # [يونس، الآية 11] فإن عدم قضاء الأجل لاستمرار عدم التعجيل لا لعدم ~~استمرار التعجيل، وإطلاق الإيمان عما قيدوه به للإيذان بأنهم ليسوا من ~~جنس الإيمان في شيء أصلا، فضلا عن الإيمان بما ذكروا، وقد جوز أن ~~يكون المراد ذلك، ويكون الإطلاق للظهور، ومدلول الآية الكريمة أن من ~~أظهر الإيمان، واعتقاده بخلافه، لا يكون مؤمنا، فلا حجة فيها على ~~الكرامية القائلين بأن من تفوه بكلمتي الشهادة - فارغ القلب عما يوافقه ~~أو ينافيه مؤمن. ### || [2.9] # { يخدعون الله والذين ءامنوا } بيان ليقول وتوضيح ~~لما هو غرضهم مما يقولون، أو استئناف وقع جوابا عن سؤال ينساق إليه ~~الذهن، كأنه قيل: ما لهم يقولون ذلك وهم غير مؤمنين، فقيل: يخادعون الله ~~الخ، أي يخدعون، وقد قرىء كذلك، وإيثار صيغة المفاعلة لإفادة المبالغة ~~في الكيفية، فإن الفعل متى غولب فيه بولغ فيه قطعا، أو في الكمية، كما ~~في الممارسة والمزاولة، فإنهم كانوا مداومين على الخدع، والخدع أن ~~يوهم صاحبه خلاف ما يريد به من المكروه ليوقعه فيه من حيث لا يحتسب، أو ~~يوهمه المساعدة على ما يريد هو به ليغتر بذلك فينجو منه بسهولة، من ~~قولهم ضب خادع وخدع وهو الذي إذا أمر الحارش يده على باب جحره ~~يوهمه الإقبال عليه فيخرج ms0058 من بابه الآخر، وكلا المعنيين مناسب للمقام، ~~فإنهم كانوا يريدون بما صنعوا أن يطلعوا على أسرار المؤمنين فيذيعوها ~~إلى المنابذين، وأن يدفعوا عن أنفسهم ما يصيب سائر الكفرة. # وأيا ما كان فنسبته إلى الله سبحانه إما على طريق الاستعارة والتمثيل، ~~لإفادة كمال شناعة جنايتهم أي يعاملون معاملة الخادعين، وإما على طريقة ~~المجاز العقلي، بأن ينسب إليه تعالى ما حقه أن ينسب إلى الرسول صلى ~~الله عليه وسلم إبانة لمكانته عنده تعالى، كما ينبىء عنه قوله تعالى: # إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله يد ~~الله فوق أيديهم # [الفتح، الآية 10] وقوله تعالى: # من يطع الرسول فقد أطاع الله # [النساء، الآية 80] مع إفادة كمال الشناعة كما مر، وإما لمجرد التوطئة ~~والتمهيد لما بعده من نسبته إلى الذين آمنوا، والإيذان بقوة اختصاصهم ~~به تعالى كما في قوله تعالى: # والله ورسوله أحق أن يرضوه # ،[الأحزاب، الآية 57] وقوله تعالى: # إن الذين يؤذون الله ورسوله # [الأحزاب، الآية 57] وإبقاء صيغة المخادعة على معناها الحقيقي بناء ~~على زعمهم الفاسد، وترجمة عن اعتقادهم الباطل، كأنه قيل: يزعمون أنهم ~~يخدعون الله والله يخدعهم، أو على جعلها استعارة تبعية، أو تمثيلا ~~لما أن صورة صنعهم مع الله تعالى والمؤمنين وصنعه تعالى معهم بإجراء ~~أحكام الإسلام عليهم، وهم عنده أخبث الكفرة، وأهل الدرك الأسفل من ~~النار استدراجا لهم، وامتثال الرسول عليه الصلاة والسلام والمؤمنين ~~بأمر الله تعالى في ذلك مجازاة لهم بمثل صنيعهم صورة صنيع المتخادعين ~~كما قيل، مما لا يرتضيه الذوق السليم. # أما الأول فلأن المنافقين لو اعتقدوا أن الله تعالى يخدعهم بمقابلة ~~خدعهم له لم يتصور منهم التصدي للخدع، وأما الثاني فلأن مقتضى ~~المقام إيراد حالهم خاصة وتصويرها بما يليق بها من الصورة المستهجنة، ~~وبيان أن غائلتها آيلة إليهم من حيث لا يحتسبون، كما يعرب عنه قوله ~~عز وعلا: { وما يخدعون إلا أنفسهم } فالتعرض لحال الجانب ~~الآخر مما يخل بتوفية المقام حقه، وهو حال من ضمير (يخادعون)، أي ~~يفعلون والحال أنهم ما يضرون بذلك إلا أنفسهم، فإن دائرة فعلهم ~~مقصورة عليهم، ms0059 أو ما يخدعون حقيقة إلا أنفسهم، حيث يغرونها بالأكاذيب ~~فيلقونها في مهاوي الردى، وقرىء (وما يخادعون) والمعنى هو المعنى، ~~ومن حافظ على الصيغة فيما قبل قال: وما يعاملون تلك المعاملة ~~الشبيهة بمعاملة المخادعين إلا أنفسهم لأن ضررها لا يحيق إلا بهم، ~~أو ما يخادعون حقيقة إلا أنفسهم حيث يمنونها الأباطيل، وهي أيضا ~~تغرهم وتمنيهم الأماني الفارغة، وقرىء (وما يخادعون) من التخديع ~~(وما يخدعون) أي يختدعون، ويخدعون ويخادعون على البناء للمفعول، ~~ونصب (أنفسهم) بنزع الخافض، والنفس ذات الشيء وحقيقته وقد يقال ~~للروح لأن نفس الحي به، وللقلب أيضا لأنه محل الروح. # أو متعلقه، وللدم أيضا لأن قوامها به، وللماء أيضا لشدة حاجتها ~~إليه والمراد هنا هو المعنى الأول لأن المقصود بيان أن ضرر مخادعتهم ~~راجع إليهم لا يتخطاهم إلى غيرهم. # وقوله تعالى: { وما يشعرون } حال من ضمير ما يخدعون، أي يقتصرون ~~على خدع أنفسهم والحال أنهم ما يشعرون أي ما يحسون بذلك لتماديهم ~~في الغواية، وحذف المفعول إما لظهوره أو لعمومه، أي ما يشعرون بشيء ~~أصلا، جعل لحوق وبال ما صنعوا بهم في الظهور بمنزلة الأمر المحسوس ~~الذي لا يخفى إلا على مؤوف الحواس مختل المشاعر. ### || [2.10] # { فى قلوبهم مرض } المرض عبارة عما يعرض للبدن فيخرجه عن ~~الاعتدال اللائق به، ويوجب الخلل في أفاعيله، ويؤدي إلى الموت، استعير ~~ههنا لما في قلوبهم من الجهل وسوء العقيدة، وعداوة النبي صلى الله ~~عليه وسلم وغير ذلك من فنون الكفر المؤدي إلى الهلاك الروحاني، ~~والتنكير للدلالة على كونه نوعا مبهما غير ما يتعارفه الناس من ~~الأمراض، والجملة مقررة لما يفيده قوله تعالى: # ما هم بمؤمنين # [البقرة، الآية: 8] من استمرار عدم إيمانهم، أو تعليل له كأنه قيل: ما ~~لهم لا يؤمنون فقيل: في قلوبهم مرض يمنعهم { فزادهم الله ~~مرضا } بأن طبع على قلوبهم، لعلمه تعالى بأنه لا يؤثر فيها التذكير ~~والإنذار، والجملة معطوفة على ما قبلها، والفاء للدلالة على ترتب ~~مضمونها عليه، وبه اتضح كونهم من الكفرة المختوم على قلوبهم مع زيادة ~~بيان السبب، وقيل: ms0060 زادهم كفرا بزيادة التكاليف الشرعية، لأنهم كانوا ~~كلما ازداد التكاليف بنزول الوحي يزدادون كفرا، ويجوز أن يكون المرض ~~مستعارا لما تداخل قلوبهم من الضعف والجبن والخور عند مشاهدتهم ~~لعزة المسلمين، فزيادته تعالى إياهم مرضا ما فعل بهم من إلقاء الروع ~~وقذف الرعب في قلوبهم عند إعزاز الدين بإمداد النبي صلى الله عليه وسلم ~~بإنزال الملائكة، وتأييده بفنون النصر والتمكين، فقوله تعالى: { فى ~~قلوبهم مرض } الخ حينئذ استئناف تعليلي لقوله تعالى: { ~~يخدعون الله } الخ، كأنه قيل: ما لهم يخادعون ويداهنون ولم لا ~~يجاهرون بما في قلوبهم من الكفر؟ فقيل: في قلوبهم ضعف مضاعف، هذه ~~حالهم في الدنيا، { ولهم } في الآخرة { عذاب أليم } أي مؤلم ~~يقال: ألم وهو أليم، كوجع وهو وجيع وصف به العذاب للمبالغة كما في ~~قوله: [الوافر] # [وخيل قد دلفت لها بخيل] # تحية بينهم ضرب وجيع # على طريقة جد جده فإن الألم والوجع حقيقة للمؤلم والمضروب، كما ~~أن الجد للجاد، وقيل: هو بمعنى المؤلم كالسميع بمعنى المسمع وليس ذلك ~~بثبت كما سيجيء في قوله تعالى: # بديع السموات والأرض # [البقرة، الآية 117] { بما كانوا يكذبون } الباء للسببية أو ~~ما مصدرية داخلة في الحقيقة على يكذبون، وكلمة كانوا مقحمة للمقابلة ~~لإفادة دوام كذبهم وتجدده أي بسبب كذبهم، أو بمقابلة كذبهم المتجدد ~~المستمر الذي هو قولهم: # آمنا بالله وباليوم الأخر # [البقرة، الآية 8] وهم غير مؤمنين، فإنه إخبار بإحداثهم الإيمان فيما ~~مضى لا إنشاء للإيمان. ولو سلم فهو متضمن للإخبار بصدوره عنهم وليس ~~كذلك لعدم التصديق القلبي بمعنى الإذعان والقبول قطعا، ويجوز أن يكون ~~محمولا على الظاهر بناء على رأي من يجوز أن يكون لكان الناقصة مصدر، ~~كما صرح به في قول الشاعر: [الطويل] # ببذل وحلم ساد في قومه الفتى # وكونك إياه عليك يسير # أي لهم عذاب أليم بسبب كونهم يكذبون على الاستمرار، وترتيب العذاب ~~عليه من بين سائر موجباته القوية. # إما لأن المراد بيان العذاب الخاص بالمنافقين بناء على ظهور ~~شركتهم للمجاهرين فيما ذكر من العذاب العظيم حسب اشتراكهم فيما يوجبه ~~من الإصرار ms0061 على الكفر كما ينبىء عنه قوله تعالى: # ومن الناس # [البقرة، الآية 8] الخ. # وإما للإيذان بأن لهم بمقابلة سائر جناياتهم العظيمة من العذاب ما لا ~~يوصف. # وإما للرمز إلى كمال سماجة الكذب نظرا إلى ظاهر العبارة المخيلة ~~لانفراده بالسببية، مع إحاطة علم السامع بأن لحوق العذاب بهم من جهات ~~شتى، وأن الاقتصار عليه للإشعار بنهاية قبحه والتنفير عنه. # عن الصديق رضي الله عنه ويروى مرفوعا أيضا إلى النبي صلى الله عليه ~~وسلم: # " إياكم والكذب فإنه مجانب للإيمان " # وما روي أن إبراهيم عليه السلام كذب ثلاث كذبات فالمراد به ~~التعريض، وإنما سمي به لشبهه به صورة، وقيل: (ما) موصولة والعائد ~~محذوف أي بالذي يكذبون والمفعول محذوف، وهو إما النبي صلى الله عليه ~~وسلم، أو القرآن و(ما) مصدرية، أي بسبب تكذيبهم إياه عليه السلام، أو ~~القرآن أو موصولة أي بالذي يكذبونه على أن العائد محذوف، ويجوز أن يكون ~~صيغة التفعيل للمبالغة كما في بين في بان وقلص في قلص، أو للتكثير ~~كما في موتت البهائم وبركت الإبل، وأن يكون من قولهم: كذب الوحش إذا ~~جرى شوطا ثم وقف لينظر ما وراءه فإن المنافق متوقف في أمره متردد ~~في رأيه ولذلك قيل له: مذبذب. ### || [2.11-12] # { وإذا قيل لهم لا تفسدوا فى الأرض } شروع في تعديد ~~بعض من قبائحهم المتفرعة على ما حكي عنهم من الكفر والنفاق، وإذا ظرف ~~زمن مستقبل، ويلزمها معنى الشرط غالبا، ولا تدخل إلا في الأمر المحقق ~~أو المرجح وقوعه، واللام متعلقة بقيل ومعناها الإنهاء والتبليغ، ~~والقائم مقام فاعله جملة (لا تفسدوا) على أن المراد بها اللفظ، وقيل ~~هو مضمر يفسره المذكور، والفساد خروج الشيء عن الحالة اللائقة به ~~والصلاح مقابله، والفساد في الأرض هيج الحروب والفتن المستتبعة ~~لزوال الاستقامة عن أحوال العباد واختلال أمر المعاش والمعاد، والمراد ~~بما نهوا عنه ما يؤدي إلى ذلك من إفشاء أسرار المؤمنين إلى الكفار، ~~وإغرائهم عليهم، وغير ذلك من فنون الشرور، كما يقال للرجل لا تقتل ~~نفسك بيدك، ولا تلق نفسك في النار إذا ms0062 أقدم على ما تلك عاقبته وهو إما ~~معطوف على (يقول)، فإن جعلت كلمة (من) موصولة فلا محل له من الإعراب، ~~ولا بأس بتخلل البيان أو الاستئناف وما يتعلق بهما بين أجزاء الصلة ~~فإن ذلك ليس توسيطا بالأجنبي، وإن جعلت موصوفة فمحله الرفع، ~~والمعنى ومن الناس من إذا نهوا من جهة المؤمنين عما هم عليه من الإفساد ~~في الأرض { قالوا } إرادة للناهين أن ذلك غير صادر عنهم مع أن ~~مقصودهم الأصلي إنكار كون ذلك إفسادا وادعاء كونه إصلاحا محضا ~~كما سيأتي توضيحه: { إنما نحن مصلحون } أي مقصورون على ~~الإصلاح المحض، بحيث لا يتعلق به شائبة الإفساد والفساد، مشيرين بكلمة ~~(إنما) إلى أن ذلك من الوضوح بحيث لا ينبغي أن يرتاب فيه. # وإما كلام مستأنف سيق لتعديد شنائعهم. وأما عطفه على يكذبون بمعنى ~~ولهم عذاب أليم بكذبهم وبقولهم حين نهوا عن الإفساد إنما نحن مصلحون كما ~~قيل، فيأباه أن هذا النحو من التعليل حقه أن يكون بأوصاف ظاهرة ~~العلية مسلمة الثبوت للموصوف غنية عن البيان لشهرة الاتصاف بها ~~عند السامع أو لسبق ذكره صريحا كما في قوله تعالى: { بما كانوا ~~يكذبون } [البقرة، الآية 10] فإن مضمونه عبارة عما حكي عنهم من ~~قولهم: # آمنا بالله وباليوم الأخر # [البقرة، الآية 8] أو لذكر ما يستلزمه استلزاما ظاهرا كما في قوله عز ~~وجل: # إن الذين يضلون عن سبيل الله لهم عذاب شديد ~~بما نسوا يوم الحساب # [ص، الآية 26] فإن ما ذكر من الضلال عن سبيل الله مما يوجب حتما نسيان ~~جانب الآخرة التي من جملتها يوم الحساب وما لم يكن كذلك فحقه أن يخبر ~~بعليته قصدا كما في قوله تعالى: # ذلك بأنهم قالوا لن تمسنا النار # [آل عمران، الآية 24] الآية، وقوله: # ذلك بأن الله نزل الكتب بالحق # [البقرة، الآية 176] الآية، إلى غير ذلك، ولا ريب في أن هذه الشرطية ~~وما بعدها من الشرطيتين المعطوفتين عليها ليس مضمون شيء منها معلوم ~~الانتساب إليهم عند السامعين بوجه من الوجوه المذكورة، حتى تستحق ~~الانتظام في سلك التعليل المذكور، فإذن حقها ms0063 أن تكون مسوقة على سنن ~~تعديد قبائحهم على أحد الوجهين، مفيدة لاتصافهم بكل واحد من تلك ~~الأوصاف قصدا واستقلالا كيف لا وقوله عز وجل: { ألا إنهم هم ~~المفسدون } ينادي بذلك نداء جليا، فإنه رد من جهته تعالى ~~لدعواهم المحكية أبلغ رد، وأدله على سخط عظيم حيث سلك فيه مسلك ~~الاستئناف المؤدي إلى زيادة تمكن الحكم في ذهن السامع، وصدرت الجملة ~~بحرفي التأكيد (ألا) المنبهة على تحقق ما بعدها، فإن الهمزة الإنكارية ~~الداخلة على النفي تفيد تحقيق الإثبات قطعا كما في قوله تعالى: # أليس الله بكاف عبده # [الزمر، الآية 36] ولذلك لا يكاد يقع ما بعدها من الجملة إلا مصدرة بما ~~يتلقى به القسم، وأختها التي هي (أما) من طلائع القسم. # وقيل: هما حرفان بسيطان موضوعان للتنبيه والاستفتاح و(إن) المقررة ~~للنسبة، وعرف الخبر ووسط ضمير الفصل لرد ما في قصر أنفسهم على ~~الإصلاح من التعريض بالمؤمنين. ثم استدرك بقوله تعالى: { ولكن لا ~~يشعرون } للإيذان بأن كونهم مفسدين من الأمور المحسوسة، لكن لا حس ~~لهم حتى يدركوه، وهكذا الكلام في الشرطيتين الآتيتين وما بعدهما من ~~رد مضمونهما، ولولا أن المراد تفصيل جناياتهم وتعديد خبائثهم ~~وهناتهم ثم إظهار فسادها وإبانة بطلانها لما فتح هذا الباب والله ~~أعلم بالصواب. ### || [2.13] # { وإذا قيل لهم } من قبل المؤمنين بطريق الأمر بالمعروف إثر ~~نهيهم عن المنكر إتماما للنصح وإكمالا للإرشاد: { ءامنوا } حذف ~~المؤمن به لظهوره أو أريد افعلوا الإيمان: { كما ءامن الناس } ~~الكاف في محل النصب على أنه نعت لمصدر مؤكد محذوف أي آمنوا إيمانا ~~مماثلا لإيمانهم فما مصدرية أو كافة، كما في ربما، فإنها تكف الحرف عن ~~العمل، وتصحح دخولها على الجملة، وتكون للتشبيه بين مضموني الجملتين، ~~أي حققوا إيمانكم كما تحقق إيمانهم، واللام للجنس، والمراد بالناس ~~الكاملون في الإنسانية العاملون بقضية العقل، فإن اسم الجنس كما يستعمل ~~في مسماه يستعمل فيما يكون جامعا للمعاني الخاصة به المقصودة منه، ~~ولذلك يسلب عما ليس كذلك، فيقال هو ليس بإنسان، وقد جمعهما من قال: ~~[الطويل] # [بلاد بها كنا ونحن ms0064 نحبها] # إذ الناس ناس والزمان زمان # أو للعهد، والمراد به الرسول صلى الله عليه وسلم ومن معه، أو من آمن ~~من أهل جلدتهم كابن سلام وأضرابه، والمعنى آمنوا إيمانا مقرونا ~~بالإخلاص، متمحضا عن شوائب النفاق، مماثلا لإيمانهم { قالوا } ~~مقابلين للأمر بالمعروف بالإنكار المنكر، واصفين للمراجيح الرزان بضد ~~أوصافهم الحسان: { أنؤمن كما آمن السفهاء } مشيرين باللام ~~إلى من أشير إليهم في الناس من الكاملين، أو المعهودين، أو إلى الجنس ~~بأسره، وهم مندرجون فيه على زعمهم الفاسد، والسفه خفة وسخافة رأي ~~يورثهما قصور العقل، ويقابله الحلم والأناة، وإنما نسبوهم إليه مع ~~أنهم في الغاية القاصية من الرشد والرزانة والوقار، لكمال انهماك ~~أنفسهم في السفاهة، وتماديهم في الغواية، وكونهم ممن زين له سوء ~~عمله فرآه حسنا، فمن حسب الضلال هدى يسمي الهدى - لا محالة - ~~ضلالا، أو لتحقير شأنهم، فإن كثيرا من المؤمنين كانوا فقراء، ومنهم ~~موال كصهيب وبلال، أو للتجلد وعدم المبالاة بمن آمن منهم على تقدير كون ~~المراد بالناس عبد الله بن سلام وأمثاله، وأيا ما كان فالذي يقتضيه ~~جزالة التنزيل ويستدعي فخامة شأنه الجليل أن يكون صدور هذا القول ~~عنهم بمحضر من المؤمنين الناصحين لهم جوابا عن نصيحتهم، وحيث كانوا ~~فحواه تسفيه أولئك المشاهير الأعلام، والقدح في إيمانهم لزم كونهم ~~مجاهرين لا منافقين. وذلك مما لا يكاد يساعده السباق والسياق، وعن هذا ~~قالوا ينبغي أن يكون ذلك فيما بينهم لا على وجه المؤمنين. # قال الإمام الواحدي: إنهم كانوا يظهرون هذا القول فيما بينهم لا عند ~~المؤمنين، فأخبر الله تعالى نبيه عليه السلام والمؤمنين بذلك عنهم، ~~وأنت خبير بأن إبراز ما صدر عن أحد المتحاورين في الخلاء في معرض ما ~~جرى بينهما في مقام المحاورة مما لا عهد به في الكلام فضلا عما هو في ~~منصب الإعجاز، فالحق الذي لا محيد عنه أن قولهم هذا وإن صدر عنهم بمحضر ~~من الناصحين لا يقتضي كونهم مجاهرين، فإنه ضرب من الكفر أنيق، وفن في ~~النفاق عريق، مصنوع على شاكلة قولهم: # واسمع غير مسمع # [النساء، ms0065 الآية 46] فكما أنه كلام ذو وجهين مثلهم محتمل للشر، بأن ~~يحمل على معنى اسمع منا غير مسمع كلاما ترضاه ونحوه، وللخير بأن ~~يحمل على معنى اسمع غير مسمع مكروها، كانوا يخاطبون به رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم استهزاء به، مظهرين إرادة المعنى الأخير، وهم ~~مضمرون في أنفسهم المعنى الأول، مطمئنون به، ولذلك نهوا عنه، كذلك هذا ~~الكلام محتمل للشر كما ذكر في تفسيره، وللخير بأن يحمل على ادعاء ~~الإيمان كإيمان الناس وإنكار ما اتهموا به من النفاق، على معنى أنؤمن ~~كما آمن السفهاء والمجانين الذين لا اعتداد بإيمانهم لو آمنوا، ولا ~~نؤمن كإيمان الناس حتى تأمرونا بذلك، قد خاطبوا به الناصحين استهزاء ~~بهم مرائين لإرادة المعنى الأخير، وهم معولون على الأول، فرد عليهم ~~ذلك بقوله عز قائلا: { ألا إنهم هم السفهاء ولكن لا ~~يعلمون } أبلغ رد، وجهلوا أشنع تجهيل حيث صدرت الجملة ~~بحرفي التأكيد حسبما أشير إليه فيما سلف، وجعلت السفاهة مقصورة عليهم ~~وبالغة إلى حيث لا يدرون أنهم سفهاء، وعن هذا اتضح لك سر ما مر في ~~تفسير قوله تعالى: # إنما نحن مصلحون # [البقرة، الآية 11] فإن حمله على المعنى الأخير كما هو رأي الجمهور ~~مناف لحالهم ضرورة أن مشافهتهم للناصحين بادعاء كون ما نهوا عنه ~~من الإفساد إصلاحا كما مر إظهار منهم للشقاق، وبروز بأشخاصهم من ~~نفق النفاق. # والاعتذار بأن المراد بما نهوا عنه مداراتهم للمشركين كما ذكر في ~~بعض التفاسير، وبالإصلاح الذي يدعونه إصلاح ما بينهم وبين المؤمنين، ~~وأن معنى قوله تعالى: # ألا إنهم هم المفسدون # [البقرة، الآية 12] أنهم في تلك المعاملة مفسدون لمصالح المؤمنين، ~~لإشعارها بإعطاء الدنية، وإنبائها عن ضعفهم الملجىء إلى توسيط من ~~يتصدى لإصلاح ذات البين، فضلا عن كونهم مصلحين مما لا سبيل إليه ~~قطعا، فإن قوله تعالى: # ولكن لا يشعرون # [البقرة، الآية 12] ناطق بفساده كيف لا وهو يقتضي أن يكون المنافقون في ~~تلك الدعوى صادقين قاصدين للإصلاح، ويأتيهم الإفساد من حيث لا يشعرون، ~~ولا ريب في أنهم فيهم كاذبون لا يعاشرونهم إلا مضارة ms0066 للدين، وخيانة ~~للمؤمنين، فإذن طريق حل الأشكال ليس إلا ما أشير إليه، فإن قولهم ~~إنما نحن مصلحون محتمل للحمل على الكذب، وإنكار صدور الإفساد ~~المنسوب إليهم عنهم، على معنى إنما نحن مصلحون لا يصدر عنا ما تنهوننا ~~عنه من الإفساد وقد خاطبوا به الناصحين استهزاء بهم وإرادة لإرادة هذا ~~المعنى وهم معرجون على المعنى الإول، فرد عليهم بقوله تعالى: # ألا إنهم هم المفسدون # [البقرة، الآية 12] الآية، والله سبحانه أعلم بما أودعه في تضاعيف ~~كتابه المكنون من السر المخزون، نسأله العصمة والتوفيق، والهداية إلى ~~سواء الطريق. # وتفصيل هذه الآية الكريمة (بلا يعلمون) لما أنه أكثر طباقا لذكر ~~السفه الذي هو فن من فنون الجهل، ولأن الوقوف على أن المؤمنين ثابتون ~~على الحق وهم على الباطل منوط بالتمييز بين الحق والباطل، وذلك مما ~~لا يتسنى إلا بالنظر والاستدلال، وأما النفاق وما فيه من الفتنة ~~والإفساد وما يترتب عليه من كون من يتصف به مفسدا فأمر بديهي ~~يقف عليه من له شعور، ولذلك فصلت الآية الكريمة السابقة بلا يشعرون. ### || [2.14] # { وإذا لقوا الذين ءامنوا قالوا ءامنا } بيان ~~لتباين أحوالهم وتناقض أقوالهم في أثناء المعاملة والمخاطبة حسب ~~تباين ومساق ما صدرت به قصتهم لتحرير مذهبهم والترجمة عن نفاقهم، ~~ولذلك لم يتعرض ههنا لمتعلق الإيمان فليس فيه شائبة التكرير. # روي أن عبد الله بن أبي وأصحابه خرجوا ذات يوم فاستقبلهم نفر من ~~الصحابة، فقال ابن أبي: أنظروا كيف أرد هؤلاء السفهاء عنكم، فلما ~~دنوا منهم أخذ بيد أبي بكر رضي الله عنه فقال: مرحبا بالصديق ~~سيد بني تيم، وشيخ الإسلام، وثاني رسول الله صلى الله عليه وسلم في ~~الغار، الباذل نفسه وماله لرسول الله، ثم أخذ بيد عمر رضي الله عنه ~~فقال: مرحبا بسيد بني عدي، الفاروق القوي في دينه الباذل نفسه ~~وماله لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم أخذ بيد علي كرم الله وجهه ~~فقال: مرحبا بابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم وختنه، وسيد ~~بني هاشم ما خلا رسول الله صلى ms0067 الله عليه وسلم فنزلت. وقيل: قال له علي ~~رضي الله عنه: يا عبد الله اتق الله، ولا تنافق، فإن المنافقين شر خلق ~~الله تعالى، فقال له: مهلا يا أبا الحسن أفي تقول هذا، والله إن ~~إيماننا كإيمانكم، وتصديقنا كتصديقكم ثم افترقوا فقال ابن أبي ~~لأصحابه: كيف رأيتموني فعلت، فإذا رأيتموهم فافعلوا مثل ما فعلت، ~~فأثنوا عليه خيرا، وقالوا: لا نزال بخير ما عشت فينا. فرجع المسلمون ~~إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخبروه بذلك فنزلت. # واللقاء المصادفة، يقال لقيته ولاقيته أي صادفته واستقبلته، وقرىء ~~إذا لاقوا { وإذا خلوا } من خلوت إلى فلان، أي انفردت معه، وقد ~~يستعمل بالباء، أو من خلا بمعنى مضى، ومنه القرون الخالية، وقولهم: ~~خلاك ذم أي جاوزك ومضى عنك، وقد جوز كونه من خلوت به إذا سخرت ~~منه، على أن تعديته بإلى في قوله تعالى: { إلى شيطينهم } ~~لتضمنه معنى الإنهاء، أي وإذا أنهوا إليهم السخرية الخ. # وأنت خبير بأن تقييد قولهم المحكي بذلك الإنهاء مما لا وجه له، ~~والمراد بشياطينهم المماثلون منهم للشيطان في التمرد والعناد، المظهرون ~~لكفرهم، وإضافتهم إليهم للمشاركة في الكفر، أو كبار المنافقين، ~~والقائلون صغارهم، وجعل سيبويه نون الشيطان تارة أصلية فوزنه ~~فيعال، على أنه من شطن إذا بعد، فإنه بعيد من الخير والرحمة، ~~ويشهد له قولهم تشيطن، وأخرى زائدة فوزنه فعلان، على أنه من شاط أي ~~هلك أو بطل، ومن أسمائه الباطل، وقيل معناه هاج واحترق { قالوا ~~إنا معكم } أي في الدين والاعتقاد لا نفارقكم في حال من الأحوال، ~~وإنما خاطبوهم بالجملة الاسمية المؤكدة، لأن مدعاهم عندهم تحقيق ~~الثبات على ما كانوا عليه من الدين، والتأكيد للإنباء عن صدق رغبتهم، ~~ووفور نشاطهم، لا لإنكار الشياطين، بخلاف معاملتهم مع المؤمنين، فإنهم ~~إنما يدعون عندهم إحداث الإيمان لجزمهم بعدم رواج ادعاء الكمال فيه أو ~~الثبات عليه { إنما نحن } أي في إظهار الإيمان عند المؤمنين { ~~مستهزءون } بهم من غير أن يخطر ببالنا الإيمان حقيقة، وهو ~~استئناف مبني على سؤال ناشىء من ادعاء المعية كأنه ms0068 قيل لهم عند قولهم ~~إنا معكم فما بالكم توافقون المؤمنين في الإتيان بكلمة الإيمان، فقالوا: ~~إنما نحن مستهزئون بهم فلا يقدح ذلك في كوننا معكم، بل يؤكده وقد ضمنوا ~~جوابهم أنهم يهينون المؤمنين، ويعدون ذلك نصرة لدينهم. # أو تأكيد لما قبله، فإن المستهزىء بالشيء مصر على خلافه، أو بدل ~~منه، لأن من حقر الإسلام فقد عظم الكفر، والاستهزاء بالشيء ~~السخرية منه، يقال: هزأت واستهزأت بمعنى، وأصله الخفة من الهزء، ~~وهو القتل السريع، وهزأ يهزأ مات على مكانه، وتهزأ به ناقته أي تسرع ~~به وتخف ### || [2.15] # { الله يستهزىء بهم } أي يجازيهم على استهزائهم، سمي جزاؤه ~~باسمه كما سمي جزاء السيئة سيئة إما للمشاكلة في اللفظ، أو المقارنة ~~في الوجود، أو يرجع وبال الاستهزاء عليهم، فيكون كالمستهزىء بهم، أو ~~ينزل بهم الحقارة والهوان الذي هو لازم الاستهزاء أو يعاملهم ~~معاملة المستهزىء بهم. أما في الدنيا فبإجراء أحكام المسلمين عليهم، ~~واستدراجهم بالإمهال والزيادة في النعمة على التمادي في الطغيان، وأما ~~في الآخرة فبما يروى أنه يفتح لهم باب إلى الجنة فيسرعون نحوه فإذا ~~صاروا إليه سد عليهم الباب، وذلك قوله تعالى: # فاليوم الذين ءامنوا من الكفار يضحكون # [المطففين، الآية 34] وإنما استؤنف للإيذان بأنهم قد بلغوا في المبالغة ~~في استهزاء المؤمنين إلى غاية ظهرت شناعاتها عند السامعين، وتعاظم ذلك ~~عليهم حتى اضطرهم إلى أن يقولوا ما مصير أمر هؤلاء وما عاقبة ~~حالهم، وفيه أنه تعالى هو الذي يتولى أمرهم ولا يحوجهم إلى المعارضة ~~بالمثل، ويستهزىء بهم الاستهزاء الأبلغ الذي ليس استهزاؤهم عنده من باب ~~الاستهزاء، حيث ينزل بهم من النكال ويحل عليهم من الذل والهوان ما ~~لا يوصف، وإيثار صيغة الاستقبال للدلالة على التجدد والاستمرار، كما ~~يعرب عنه قوله عز قائلا: # أو لا يرون أنهم يفتنون فى كل عام مرة أو ~~مرتين # [التوبة، الآية 126] وما كانوا خالين في أكثر الأوقات من تهتك أستار ~~وتكشف أسرار، ونزول (آية) في شأنهم، واستشعار حذر من ذلك، كما ~~أنبأ عنه قوله عز وجل: # يحذر المنفقون أن تنزل عليهم ms0069 سورة ~~تنبئهم بما في قلوبهم قل استهزءوا إن الله ~~مخرج ما تحذرون # [التوبة، الآية 64] { ويمدهم } أي يزيدهم ويقويهم من مد ~~الجيش وأمده إذا زاده، ومنه مددت الدواة والسراج إذا أصلحتهما ~~بالحبر والزيت وإيثاره على يزيدهم للرمز إلى أن ذلك منوط بسوء ~~اختيارهم لما أنه إنما يتحقق عند الاستمداد وما يجري مجراه من الحاجة ~~الداعية إليه، كما في الأمثلة المذكورة، وقرىء يمدهم من الإمداد وهو ~~صريح في أن القراءة المشهورة ليست من المد في العمر، على أنه يستعمل ~~باللام كالإملاء، قال تعالى: # ونمد له من العذاب مدا # [مريم، الآية 79] وحذف الجار وإيصال الفعل إلى الضمير خلاف الأصل لا ~~يصار إليه إلا بدليل { في طغينهم } متعلق بيمدهم، والطغيان ~~مجاوزة الحد في كل أمر، والمراد إفراطهم في العتو، وغلوهم في الكفر، ~~وقرىء بكسر الطاء، وهي لغة فيه كلقيان لغة في لقيان، وفي إضافته ~~إليهم إيذان باختصاصه بهم، وتأييد لما أشير إليه من ترتب المد على ~~سوء اختيارهم { يعمهون } حال من الضمير المنصوب أو المجرور، لكون ~~المضاف مصدرا فهو مرفوع حكما، والعمه في البصيرة كالعمى في البصر، ~~وهو التحير والتردد، بحيث لا يدري أين يتوجه، وإسناد هذا المد إلى الله ~~تعالى مع إسناده في قوله تعالى: # وإخونهم يمدونهم فى الغى # [الأعراف، الآية 202] محقق لقاعدة أهل الحق من أن جميع الأشياء ~~مستندة من حيث الخلق إليه سبحانه، وإن كانت أفعال العباد من حيث ~~الكسب مستندة إليهم. # والمعتزلة لما تعذر عليهم إجراء النظم الكريم على مسلكه نكبوا إلى ~~شعاب التأويل، فأجابوا أولا بأنهم لما أصروا على كفرهم خذلهم الله ~~تعالى ومنعهم ألطافه، فتزايد الرين في قلوبهم فسمي ذلك مددا في ~~الطغيان، فأسند إيلاؤه إليه تعالى، ففي المسند مجاز لغوي، وفي الإسناد ~~عقلي، لأنه إسناد للفعل إلى المسبب له، وفاعله الحقيقي هم الكفرة، ~~وثانيا بأنه أريد بالمد في الطغيان ترك القسر والإلجاء إلى الإيمان كما ~~في قوله تعالى: # ونذرهم فى طغيانهم يعمهون # [الأنعام، الآية 110] فالمجاز في المسند فقط، وثالثا بأن المراد به ~~معناه الحقيقي وهو فعل الشيطان، ms0070 لكنه أسند إليه سبحانه مجازا، لأنه ~~بتمكينه تعالى وإقداره. ### || [2.16] # { أولئك } إشارة إلى المذكورين باعتبار اتصافهم بما ذكر من ~~الصفات الشنيعة المميزة لهم عمن عداهم أكمل تمييز، بحيث صاروا كأنهم ~~حضار مشاهدون على ما هم عليه، وما فيه من معنى البعد للإيذان ببعد ~~منزلتهم في الشر وسوء الحال، ومحله الرفع على الابتداء، خبره قوله ~~تعالى: { الذين اشتروا الضللة بالهدى } والجملة ~~مسوقة لتقرير ما قبلها وبيان لكمال جهالتهم فيما حكي عنهم من ~~الأقوال والأفعال بإظهار غاية سماجتها، وتصويرها بصورة ما لا يكاد ~~يتعاطاه من له أدنى تمييز فضلا عن العقلاء. والضلالة الجور عن ~~القصد، والهدى التوجه إليه، وقد استعير الأول للعدول عن الصواب في ~~الدين، والثاني للاستقامة عليه، والاشتراء استبدال السلعة بالثمن، أي ~~أخذها به لا بذله لتحصيلها كما قيل، وإن كان مستلزما له، فإن ~~المعتبر في عقد الشراء ومفهومه هو الجلب دون السلب الذي هو المعتبر ~~في عقد البيع، ثم استعير لأخذ شيء بإعطاء ما في يده عينا كان كل ~~منهما أو معنى، لا للإعراض عما في يده محصلا به غيره كما قيل، وإن ~~استلزمه لما مر سره، ومنه قوله: [الرجز] # أخذت بالجمة رأسا أزعرا # وبالثنايا الواضحات الدردرا # وبالطويل العمر عمرا جيدرا # كما اشترى المسلم إذ تنصرا # فاشتراء الضلالة بالهدى مستعار لأخذها بدلا منه أخذا منوطا بالرغبة ~~فيها والإعراض عنه، ولما اقتضى ذلك أن يكون ما يجري مجرى الثمن ~~حاصلا للكفرة قبل العقد وما يجري مجرى المبيع غير حاصل لهم إذ ذاك ~~حسبما هو في البيت، ولا ريب في أنهم بمعزل من الهدى، مستمرون على ~~الضلالة استدعى الحال تحقيق ما جرى مجرى العوضين، فنقول وبالله ~~التوفيق: # ليس المراد بما تعلق به الاشتراء ههنا جنس الضلالة الشاملة لجميع ~~أصناف الكفرة، حتى تكون حاصلة لهم من قبل، بل هو فردها الكامل الخاص ~~بهؤلاء، على أن اللام للعهد، وهو عمههم المقرون بالمد في الطغيان، ~~المترتب على ما حكي عنهم من القبائح. وذلك إنما يحصل لهم عند اليأس عن ~~اهتدائهم والختم على قلوبهم، وكذا ms0071 ليس المراد بما في حيز الثمن نفس ~~الهدى بل هو التمكن التام منه بتعاضد الأسباب، وتأخذ المقدمات ~~المستتبعة له بطريق الاستعارة كأنه نفس الهدى بجامع المشاركة في ~~استتباع الجدوى، ولا مرية في أن هذه المرتبة من التمكن كانت حاصلة لهم ~~بما شاهدوه من الآيات الباهرة والمعجزات القاهرة من جهة الرسول صلى ~~الله عليه وسلم وبما سمعوه من نصائح المؤمنين التي من جملتها ما حكي ~~من النهي عن الإفساد في الأرض، والأمر بالإيمان الصحيح، وقد نبذوها وراء ~~ظهورهم، وأخذوا بدلها الضلالة الهائلة التي هي العمه في تيه الطغيان، ~~وحمل الهدى على الفطرة الأصلية الحاصلة لكل أحد يأباه أن إضاعتها ~~غير مختصة بهؤلاء، ولئن حملت على الإضاعة التامة الواصلة إلى حد الختم ~~على القلوب المختصة بهم فليس في إضاعتها فقط من الشناعة ما في إضاعتها مع ~~ما يؤيدها من المؤيدات العقلية والنقلية، على أن ذلك يفضي إلى كون ذكر ~~ما فصل من أول السورة الكريمة إلى هنا ضائعا، وأبعد منه حمل اشتراء ~~الضلالة بالهدى على مجرد اختيارها عليه من غير اعتبار كونه في أيديهم، ~~بناء على أنه يستعمل اتساعا في إيثار أحد الشيئين الكائنين في شرف ~~الوقوع على الآخر، فإنه مع خلوه عن المزايا المذكورة بالمرة مخل ~~برونق الترشيح الآتي، هذا على تقدير جعل الاشتراء المذكور عبارة عن ~~معاملتهم السابقة المحكية وهو الأنسب بتجاوب أطراف النظم الكريم. # وأما إذا جعل ترجمة عن جناية أخرى من جناياتهم فالمراد بالهدى ما ~~كانوا عليه من معرفة صحة نبوة النبي صلى الله عليه وسلم وحقية ~~دينه، بما كانوا يشاهدونه من نعوته عليه الصلاة والسلام في التوراة وقد ~~كانوا على يقين منه حتى كانوا يستفتحون به على المشركين ويقولون اللهم ~~انصرنا بالنبي المبعوث في آخر الزمان الذي نجد نعته في التوراة، ~~ويقولون لهم قد أظل زمان نبي يخرج بتصديق ما قلنا فنقتلكم معه ~~قتل عاد وإرم، فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به كما سيأتي ولا مساغ ~~لحمل الهدى على ما كانوا يظهرونه عند لقاء المؤمنين فإنها ضلالة ms0072 ~~مضاعفة. # { فما ربحت تجرتهم } عطف على الصلة داخل في حيزها ~~والفاء للدلالة على ترتب مضمونه عليها، والتجارة صناعة التجار، وهو ~~التصدي للبيع والشراء لتحصيل الربح، وهو الفضل على رأس المال، يقال: ~~ربح فلان في تجارته أي استشف فيها وأصاب الربح، وإسناد عدمه الذي هو ~~عبارة عن الخسران إليها، وهو لأربابها - بناء على التوسع المبني على ما ~~بينهما من الملابسة، وفائدته المبالغة في تخسيرهم لما فيه من الإشعار ~~بكثرة الخسار وعمومه المستتبع لسرايته إلى ما يلابسهم، وإيرادهما ~~إثر الاشتراء المستعار للاستبدال المذكور ترشيح للاستعارة، وتصوير لما ~~فاتهم من فوائد الهدى بصورة خسارة التجارة الذي يتحاشى عنه كل أحد ~~للإشباع في التخسير والتحسين، ولا ينافي ذلك أن التجارة في نفسها ~~استعارة لانهماكهم فيما هم عليه من إيثار الضلالة على الهدى وتمرنهم ~~عليه معرفة عن كون ذلك صناعة لهم راسخة، إذ ليس من ضروريات الترشيح أن ~~يكون باقيا على الحقيقة، تابعا للاستعارة لا يقصد به إلا تقويتها، كما ~~في قولك: رأيت أسدا وافي البراثن، فإنك لا تريد به إلا زيادة تصوير ~~للشجاع، وأنه أسد كامل من غير أن تريد بلفظ البراثن معنى آخر، بل قد ~~يكون مستعارا من ملائم المستعار منه لملائم المستعار له ومع ذلك يكون ~~ترشيحا لأصل الاستعارة كما في قوله: [الطويل] # فلما رأيت النسر عز ابن دأية # وعشش في وكريه جاش له صدري # فإن لفظ الوكرين - مع كونه مستعارا من معناه الحقيقي - الذي هو موضع ~~يتخذه الطائر للتفريخ - للرأس واللحية أو للفودين أعني جانبي الرأس - ~~ترشيح باعتبار معناه الأصلي، لاستعارة لفظ النسر للشيب، ولفظ ابن دأية ~~للشعر الأسود، وكذا لفظ التعشيش مع كونه مستعارا للحلول والنزول ~~المستمرين ترشيح لتينك الاستعارتين بالاعتبار المذكور، وقرىء ~~تجاراتهم، وتعددها لتعدد المضاف إليهم { وما كانوا مهتدين } ~~أي إلى طرق التجارة، فإن المقصود منها سلامة رأس المال مع حصول الربح، ~~ولئن فات الربح في صفقة فربما يتدارك في صفقة أخرى لبقاء الأصل، وأما ~~إتلاف الكل بالمرة فليس من باب التجارة قطعا فهؤلاء الذين كان رأس ~~مالهم ms0073 الهدى قد استبدلوا بها الضلالة فأضاعوا كلتا الطلبتين، فبقوا ~~خائبين خاسرين نائين عن طريق التجارة بألف منزل، فالجملة راجعة إلى ~~الترشيح معطوفة على ما قبلها مشاركة له في الترتب على الاشتراء المذكور ~~والأولى عطفها على اشتروا الخ. ### || [2.17] # { مثلهم } زيادة كشف لحالهم وتصوير غب تصويرها بصورة ما يؤدي ~~إلى الخسارة بحسب المآل بصورة ما يفضي إلى الخسار من حيث النفس تهويلا ~~لها وإبانة لفظاعتها، فإن التمثيل ألطف ذريعة إلى تسخير الوهم للعقل، ~~واستنزاله من مقام الاستعصاء عليه، وأقوى وسيلة إلى تفهيم الجاهل ~~الغبي، وقمع سورة الجامح الآبي، كيف لا وهو رفع الحجاب عن وجوه ~~المعقولات الخفية، وإبراز لها في معرض المحسوسات الجلية، وإبداء للمنكر ~~في صورة المعروف، وإظهار للوحشي في هيئة المألوف، والمثل في الأصل ~~بمعنى المثل والنظير، يقال مثل ومثل ومثيل، كشبه وشبه وشبيه، ~~ثم أطلق على القول السائر الذي يمثل مضربه بمورده وحيث لم يكن ذلك ~~إلا قولا بديعا فيه غرابة صيرته جديرا بالتسيير في البلاد ~~وخليقا بالقبول فيما بين كل حاضر وباد، استعير لكل حال أو صفة أو قصة ~~لها شأن عجيب، وخطر غريب من غير أن يلاحظ بينها وبين شيء آخر ~~تشبيه، ومنه قوله عز وجل: # ولله المثل الأعلى # [النحل، الآية 60] أي الوصف الذي له شأن عظيم وخطر جليل، وقوله تعالى: # مثل الجنة التى وعد المتقون # [الرعد، الآية 35] أي قصتها العجيبة الشأن { كمثل الذى } أي ~~الذين كما في قوله تعالى: # وخضتم كالذي خاضوا # [التوبة، الآية 69] خلا أنه وحد الضمير في قوله تعالى: { استوقد ~~نارا } نظرا إلى الصورة، وإنما جاز ذلك مع عدم جواز وضع القائم ~~مقام القائمين، لأن المقصود بالوصف هي الجملة الواقعة صلة له دون ~~نفسه، بل إنما هو صلة لوصف المعارف بها ولأنه حقيق بالتخفيف لاستطالته ~~بصلته، ولذلك بولغ فيه فحذف ياؤه ثم كسرته ثم اقتصر على اللام في ~~أسماء الفاعلين والمفعولين ولأنه ليس باسم تام بل هو كجزئه، فحقه ألا ~~يجمع، ويستوي فيه الواحد والمتعدد كما هو شأن أخواته، وليس (الذين) ~~جمعه المصحح ms0074 بل النون فيه مزيدة للدلالة على زيادة المعنى، ولذلك جاء ~~بالياء أبدا على اللغة الفصيحة، أو قصد به جنس المستوقد أو الفوج أو ~~الفريق المستوقد، والنار جوهر لطيف مضيء حار محرق، واشتقاقها من ~~نار ينور إذا نفر لأن فيها حركة واضطرابا واستيقادها طلب وقودها، ~~أي سطوعها وارتفاع لهبها وتنكيرها للتفخيم { فلما أضاءت ما ~~حوله } الإضاءة فرط الإنارة كما يعرب عنه قوله تعالى: # هو الذى جعل الشمس ضياء والقمر نورا # [يونس، الآية 5] وتجيء متعدية ولازمة، والفاء للدلالة على ترتبها على ~~الاستيقاد أي فلما أضاءت النار ما حول المستوقد، أو فلما أضاء ما حوله، ~~والتأنيث لكونه عبارة عن الأماكن والأشياء، أو أضاءت النار نفسها فيما ~~حوله على أن ذلك ظرف لإشراق النار المنزل منزلتها لا لنفسها، أو(ما) ~~مزيدة و(حوله) ظرف، وتأليف الحول للدوران، وقيل: للعام حول لأنه ~~يدور { ذهب الله بنورهم } النور ضوء كل نير، واشتقاقه من ~~النار، والضمير للذي، والجمع باعتبار المعنى أي أطفأ الله نارهم التي هي ~~مدار نورهم، وإنما علق الإذهاب بالنور دون نفس النار لأنه المقصود ~~بالاستيقاد، لا الاستدفاء ونحوه كما ينبىء عنه قوله تعالى: { فلما ~~أضاءت } حيث لم يقل فلما شب ضرامها أو نحو ذلك، وهو جواب (لما) أو ~~استئناف أجيب به عن سؤال سائل يقول ما بالهم أشبهت حالهم حال ~~مستوقد انطفأت ناره، أو بدل من جملة التمثيل على وجه البيان، والضمير ~~على الوجهين للمنافقين والجواب محذوف كما في قوله تعالى: # فلما ذهبوا به # [يوسف، الآية 15] للإيجاز والأمن من الإلباس، كأنه قيل: فلما أضاءت ما ~~حوله خمدت فبقوا في الظلمات خابطين متحيرين خائبين بعد الكدح في ~~إحيائها، وإسناد الإذهاب إلى الله تعالى إما لأن الكل بخلقه تعالى، وإما ~~لأن الانطفاء حصل بسبب خفي، أو أمر سماوي كريح أو مطر وإما للمبالغة ~~كما يؤذن به تعدية الفعل بالباء دون الهمزة لما فيه من معنى الاستصحاب ~~والإمساك، يقال: ذهب السلطان بماله إذا أخذه، وما أخذه الله عز وجل ~~فأمسكه فلا مرسل له من بعده، ولذلك عدل عن الضوء ms0075 الذي هو مقتضى الظاهر ~~إلى النور لأن ذهاب الضوء قد يجامع بقاء النور في الجملة لعدم استلزام ~~عدم القوي لعدم الضعيف، والمراد إزالته بالكلية كما يفصح عنه قوله ~~تعالى: { وتركهم في ظلمت لا يبصرون } فإن الظلمة ~~التي هي عدم النور وانطماسه بالمرة، لا سيما إذا كانت متضاعفة متراكمة ~~متراكبا بعضها على بعض كما يفيده الجمع والتنكير التفخيمي وما بعدها من ~~قوله تعالى: { لا يبصرون } لا يتحقق إلا بعد ألا يبقى من النور ~~عين ولا أثر، وإما لأن المراد بالنور ما لا يرضى به الله تعالى من ~~النار المجازية التي هي نار الفتنة والفساد كما في قوله تعالى: # كلما أوقدوا نارا للحرب أطفأها الله # [المائدة، الآية 64] ووصفها بإضاءة ما حول المستوقد من باب الترشيح، أو ~~النار الحقيقية التي يوقدها الغواة ليتوصلوا بها إلى بعض المعاصي، ~~ويهتدوا بها في طرق العبث والفساد، فأطفأها الله تعالى، وخيب آمالهم، ~~و(ترك) في الأصل بمعنى طرح وخلى، وله مفعول واحد، فضمن معنى ~~التصيير فجرى مجرى أفعال القلوب قال:[الكامل] # فتركته جزر السباع ينشنه # يقضمن حسن بنانه والمعصم # والظلمة مأخوذة من قولهم: ما ظلمك أن تفعل كذا، أي ما منعك، لأنها تسد ~~البصر وتمنعه من الرؤية، وقرىء (في ظلمات) بسكون اللام، و(في ظلمة) ~~بالتوحيد، ومفعول لا يبصرون من قبيل المطروح، كأن الفعل غير متعد، ~~والمعنى أن حالهم العجيبة التي هي اشتراؤهم الضلالة التي هي عبارة ~~عن ظلمتي الكفر والنفاق المستتبعتين لظلمة سخط الله تعالى، وظلمة يوم ~~القيامة: # يوم ترى المؤمنين والمؤمنت يسعى نورهم ~~بين أيديهم وبأيمنهم # [الحديد، الآية 12] وظلمة العقاب السرمدي بالهدى، الذي هو النور ~~الفطري المؤيد بما شاهدوه من دلائل الحق أو بالهدى الذي كانوا حصلوه من ~~التوراة حسبما ذكر كحال من استوقد نارا عظيمة حتى كاد ينتفع بها ~~فأطفأها الله تعالى، وتركه في ظلمات هائلة لا يتسنى فيها الإبصار. ### || [2.18] # { صم بكم عمى } أخبار لمبتدأ محذوف هو ضمير المنافقين، أو ~~خبر واحد بالتأويل المشهور، كما في قولهم: هذا حلو حامض والصمم آفة ~~مانعة من السماع، وأصله ms0076 الصلابة واكتناز الأجزاء، ومنه الحجر الأصم، ~~والقناة الصماء، وصمام القارورة: سدادها، سمي به فقدان حاسة السمع ~~لما أن سببه اكتناز باطن الصماخ، وانسداد منافذه بحيث لا يكاد يدخله ~~هواء يحصل الصوت بتموجه، والبكم الخرس، والعمى عدم البصر عما من شأنه ~~أن يبصر، وصفوا بذلك مع سلامة مشاعرهم المعدودة لما أنهم حيث سدوا ~~مسامعهم عن الإصاخة لما يتلى عليهم من الآيات والذكر الحكيم، وأبوا أن ~~يتلقوها بالقبول، وينطقوا بها ألسنتهم، ولم يجتلوا ما شاهدوا من ~~المعجزات الظاهرة على يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم ينظروا إلى ~~آيات التوحيد المنصوبة في الآفاق والأنفس بعين التدبر، وأصروا على ذلك ~~بحيث لم يبق لهم احتمال الارعواء عنه، صاروا كفاقدي تلك المشاعر ~~بالكلية، وهذا عند مفلقي سحرة البيان من باب التمثيل البليغ، ~~المؤسس على تناسي التشبيه كما في قول من قال: # ويصعد حتى يظن الجهول # بأن له حاجة في السماء # لما أن المقدر في النظم في حكم الملفوظ، لا من قبيل الاستعارة التي ~~يطوى فيها ذكر المستعار له بالكلية، حتى لو لم يكن هناك قرينة تحمل ~~على المعنى الحقيقي، كما في قول زهير: [الطويل] # لدى أسد شاكي السلاح مقذف # له لبد أظفاره لم تقلم # { فهم لا يرجعون } الفاء للدلالة على ترتب ما بعدها على ما ~~قبلها، أي هم بسبب اتصافهم بالصفات المذكورة لا يعودون إلى الهدى الذي ~~تركوه وضيعوه أو عن الضلالة التي أخذوها، والآية نتيجة للتمثيل، ~~مفيدة لزيادة تهويل وتفظيع، فإن قصارى أمر التمثيل بقاؤهم في ظلمات ~~هائلة من غير تعرض لمشعري السمع والنطق، ولاختلال مشعر الإبصار، ~~وقيل الضمير المقدر وما بعده للموصول باعتبار المعنى، كالضمائر المتقدمة. # فالآية الكريمة تتمة للتمثيل، وتكميل له بأن ما أصابهم ليس مجرد انطفاء ~~نارهم وبقائهم في ظلمات كثيفة هائلة، مع بقاء حاسة البصر بحالها، بل ~~اختلت مشاعرهم جميعا، واتصفوا بتلك الصفات على طريقة التشبيه أو ~~الحقيقة فبقوا جامدين في مكاناتهم، لا يرجعون ولا يدرون أيتقدمون أم ~~يتأخرون، وكيف يرجعون إلى ما ابتدأوا منه، والعدول إلى الجملة ms0077 الاسمية ~~للدلالة على استمرار تلك الحالة فيهم، وقرىء صما بكما عميا، إما على ~~الذي كما في قوله تعالى: # حمالة الحطب # [المسد، الآية 4] والمخصوص بالذم هم المنافقون، أو المستوقدون وإما على ~~الحالية من الضمير المنصوب في تركهم، أو المرفوع في لا يبصرون وإما على ~~المفعولية لتركهم، فالضميران للمستوقدين. ### || [2.19] # { أو كصيب } تمثيل لحالهم إثر تمثيل، ليعم البيان منها كل ~~دقيق وجليل، ويوفي حقها من التفظيع والتهويل، فإن تفننهم في فنون ~~الكفر والضلال وتنقلهم فيها من حال إلى حال حقيق بأن يضرب في شأنه ~~الأمثال، ويرخى في حلبته أعنة المقال، ويمد لشرحه أطناب ~~الإطناب، ويعقد لأجله فصول وأبواب، لما أن كل كلام له حظ من البلاغة، ~~وقسط من الجزالة والبراعة، لا بد أن يوفى فيه حق كل من مقامي ~~الإطناب والإيجاز، فما ظنك بما في ذروة الإعجاز من التنزيل الجليل، ~~ولقد نعي عليهم في هذا التمثيل تفاصيل جناياتهم، وهو عطف على الأول ~~على حذف المضاف لما سيأتي من الضمائر المستدعية لذلك، أي كمثل ذوي صيب، ~~وكلمة أو للإيذان بتساوي القصتين في الاستقلال بوجه الشبه وبصحة التمثيل ~~بكل واحدة منهما وبهما معا، والصيب فيعل من الصوب وهو النزول الذي له ~~وقع وتأثير، يطلق على المطر وعلى السحاب، قال الشماخ: [الطويل] # عفا آية نسج الجنوب مع الصبا # وأسحم دان صادق الوعد صيب # ولعل الأول هو المراد ههنا لاستلزامه الثاني، وتنكيره لما أنه أريد به ~~نوع منه شديد هائل كالنار في التمثيل الأول، وأمد به ما فيه من ~~المبالغات من جهة مادته الأولى التي هي الصاد المستعلية والياء المشددة ~~والباء الشديدة، ومادته الثانية أعني الصوب المنبىء عن شدة الانسكاب، ~~ومن جهة بنائه الدال على الثبات، وقرىء أو كصائب { من السماء } ~~متعلق بصيب، أو بمحذوف وقع صفة له، والمراد بالسماء هذه المظلة، وهي ~~في الأصل كل ما علاك من سقف ونحوه، وعن الحسن أنها موج مكفوف، أي ~~ممنوع بقدرة الله عز وجل من السيلان، وتعريفها للإيذان بأن انبعاث ~~الصيب ليس من أفق واحد، فإن كل أفق ms0078 من آفاقها أي كل ما يحيط به كل ~~أفق منها سماء على حدة، قال: [الطويل] # [فأو لذكراها إذا ذكرتها] # ومن بعد أرض بيننا وسماء # كما أن كل طبقة من طباقها سماء، قال تعالى: # وأوحى فى كل سماء أمرها # [فصلت، الآية 12] والمعنى أنه صيب عام نازل من غمام مطبق آخذ ~~بالآفاق، وقيل المراد بالسماء السحاب، واللام لتعريف الماهية. # { فيه ظلمت } أي أنواع منها، وهي ظلمة تكاثفه وانتساجه ~~بتتابع القطر، وظلمة الهلال ما يلزمه من الغمام الأسحم المطبق الآخذ ~~بالآفاق مع ظلمة الليل، وجعله محلا لها مع أن بعضها لغيره كظلمتي ~~الغمام والليل، لما أنهما جعلتا من توابع ظلمته مبالغة في شدته ~~وتهويلا لأمره، وإيذانا بأنه من الشدة والهول بحيث تغمر ظلمته ظلمات ~~الليل والغمام، وهو السر في عدم جعل الظلمات هي الأصل المستتبع ~~للبواقي، مع ظهور ظرفيتها للكل، إذ لو قيل أو كظلمات فيها صيب الخ لما ~~أفاد أن للصيب ظلمة خاصة به فضلا عن كونها غالبة على غيرها. # { ورعد } وهو صوت يسمع من السحاب، والمشهور أنه يحدث من اصطكاك ~~أجرام السحاب بعضها ببعض، أو من انقلاع بعضها عن بعض عند اضطرابها، ~~بسوق الرياح إياه سوقا عنيفا { وبرق } وهو ما يلمع من السحاب من ~~برق الشيء بريقا أي لمع، وكلاهما في الأصل مصدر، ولذلك لم يجمعا، ~~وكونهما في الصيب باعتبار كونهما في أعلاه ومصبه ووصول أثرهما إليه ~~وكونهما في الظلمات الكائنة فيه، والتنوين في الكل للتفخيم والتهويل ~~كأنه قيل: فيه ظلمات شديدة داجية ورعد قاصف وبرق خاطف، وارتفاع الجميع ~~بالظرف على الفاعلية لتحقيق شرط العمل بالاتفاق، وقيل بالابتداء، ~~والجملة إما صفة لصيب أو حال منه لتخصصه بالصفة، أو بالعمل فيما بعده ~~من الجار أو من المستكن في الظرف الأول على تقدير كونه صفة لصيب، ~~والضمائر في قوله عز وجل: { يجعلون أصبعهم فى ءاذانهم } ~~للمضاف الذي أقيم مقامه المضاف إليه فإن معناه باق وإن حذف لفظه ~~تعويلا على الدليل كما في قوله: # وكم من قرية أهلكنها فجاءها بأسنا بيتا ~~أو هم قائلون ms0079 # [الأعراف، الآية 4] فإن الضمير للأهل المدلول عليه بما قام مقامه من ~~القرية. # قال حسان رضي الله عنه: [الكامل] # يسقون من ورد البريص عليهم # بردى يصفق بالرحيق السلسل # فإن تذكير الضمير المستكن في يصفق لرجوعه إلى الماء المضاف إلى بردى ~~وإلا لأنث حتما، وإيثار الجعل المنبىء عن دوام الملابسة، واستمرار ~~الاستقرار على الإدخال المفيد لمجرد الانتقال من الخارج إلى الداخل ~~للمبالغة في بيان سد المسامع باعتبار الزمان كما أن إيراد الأصابع ~~بدل الأنامل للإشباع في بيان سدها باعتبار الذات، كأنهم سدوها ~~بجملتها لا بأناملها فحسب كما هو المعتاد، ويجوز أن يكون هذا إيماء إلى ~~كمال حيرتهم وفرط دهشتهم وبلوغهم إلى حيث لا يهتدون إلى استعمال ~~الجوارح على النهج المعتاد، وكذا الحال في عدم تعيين الأصبع المعتاد ~~أعني السبابة، وقيل: ذلك لرعاية الأدب، والجملة استئناف لا محل لها من ~~الإعراب، مبني على سؤال نشأ من الكلام، كأنه قيل عند بيان أحوالهم ~~الهائلة: فماذا يصنعون في تضاعيف تلك الشدة، فقيل: يجعلون الخ. # وقوله تعالى: { من الصوعق } متعلق بيجعلون أي من أجل الصواعق ~~المقارنة للرعد، من قولهم سقاه من الغيمة، والصاعقة قصفة رعد تنقض ~~معها شعلة نار لا تمر بشيء إلا أتت عليه. من الصعق وهو شدة الصوت، ~~وبناؤها إما أن يكون صفة لقصفة الرعد أو للرعد، والتاء للمبالغة. كما في ~~الرواية، أو مصدر كالعافية. وقد تطلق على كل هائل مسموع أو مشاهد، يقال: ~~صعقته الصاعقة إذا أهلكته بالإحراق، أو بشدة الصوت، وسد الآذان ~~إنما يفيد على التقدير الثاني دون الأول، وقرىء من الصواقع وليس ذلك بقلب ~~من الصواعق لاستواء كلا البناءين في التصرف، يقال: صقع الديك، وخطيب ~~مصقع أي مجهر بخطبته { حذر الموت } منصوب بيجعلون على ~~العلة وإن كان معرفة بالإضافة كقوله: [الطويل] # وأغفر عوراء الكريم ادخاره # وأصفح عن شتم اللئيم تكرما # ولا ضير في تعدد المفعول له، فإن الفعل يعلل بعلل شتى، وقيل هو نصب على ~~المصدرية أي يحذرون حذرا مثل حذر الموت، والحذر والحذار هو شدة الخوف، ~~وقرىء حذار الموت، والموت ms0080 زوال الحياة، وقيل عرض يضادها، لقوله ~~تعالى: # خلق الموت والحيوة # [الملك، الآية 2] ورد بأن الخلق بمعنى التقدير والإعدام مقدرة { ~~والله محيط بالكفرين } أي لا يفوتونه كما لا يفوت المحاط ~~به المحيط، شبه شمول قدرته تعالى لهم، وانطواء ملكوته عليهم، بإحاطة ~~المحيط بما أحاط به في استحالة الفوت، أو شبه الهيئة المنتزعة من ~~شؤونه تعالى معهم بالهيئة المنتزعة من أحوال المحيط مع المحاط، ~~فالاستعارة المبنية على التشبيه الأول استعارة تبعية في الصفة ~~متفرعة على ما في مصدرها من الاستعارة والمبنية على الثاني تمثيلية قد ~~اقتصر من طرف المشبه به على ما هو العمدة في انتزاع الهيئة المشبه ~~بها أعني الإحاطة والباقي منوي بألفاظ متخيلة بها يحصل التركيب ~~المعتبر في التمثيل كما مر تحريره في قوله عز وجل: # ختم الله على قلوبهم # [البقرة، الآية 7] والجملة اعتراضية منبهة على أن ما صنعوا من سد الآذان ~~بالأصابع لا يغني عنهم شيئا فإن القدر لا يدافعه الحذر، والحيل لا ~~ترد بأس الله عز وجل. # وفائدة وضع الكافرين موضع الضمير الراجع إلى أصحاب الصيب الإيذان بأن ~~ما دهمهم من الأمور الهائلة المحكية بسبب كفرهم على منهاج قوله تعالى: # كمثل ريح فيها صر أصابت حرث قوم ظلموا ~~أنفسهم فأهلكته # [آل عمران، الآية 117] فإن الإهلاك الناشىء من السخط أشد، وقيل: هذا ~~الاعتراض من جملة أحوال المشبه على أن المراد بالكافرين المنافقون، قد ~~دل به على أنه لا مدفع لهم من عذاب الله تعالى في الدنيا والآخرة، وإنما ~~وسط بين أحوال المشبه مع أن القياس تقديمه أو تأخيره لإظهار كمال ~~العناية وفرط الاهتمام بشأن المشبه. ### || [2.20] # { يكاد البرق } استئناف آخر وقع جوابا عن سؤال مقدر، كأنه قيل: ~~فكيف حالهم مع ذلك البرق؟ فقيل: يكاد ذلك { يخطف أبصرهم } ~~أي يختلسها ويستلبها بسرعة، وكاد من أفعال المقاربة وضعت لمقاربة ~~الخبر من الوجود لتآخذ أسبابه وتعاضد مباديه لكنه لم يوجد بعد لفقد ~~شرط أو لعروض مانع، ولا يكون خبرها إلا مضارعا عاريا عن كلمة أن، ~~وشذ مجيئه اسما صريحا كما في قوله: ms0081 # فأبت إلى فهم وما كدت آيبا # وكذا مجيئه مع أن حملا لها على عسى في مثل قول رؤبة: # قد كاد من طول البلى أن يمحصا # كما تحمل هي عليها بالحذف لما بينهما من المقارنة في أصل المقاربة وليس ~~فيها شائبة الانشائية كما في عسى، وقرىء يخطف بكسر الطاء ويختطف ويخطف ~~بفتح الياء والخاء بنقل فتحة التاء إلى الخاء وإدغامها في الطاء، ويخطف ~~بكسرهما على إتباع الياء الخاء، ويخطف من صيغة التفعيل ويتخطف من ~~قوله تعالى: # ويتخطف الناس من حولهم # [العنكبوت، الآية 67] { كلما أضاء لهم } كل ظرف وما مصدرية ~~والزمان محذوف، أي كل زمان إضاءة، وقيل: ما نكرة موصوفة معناها الوقت ~~والعائد محذوف، أي كل وقت أضاء لهم فيه والعامل في كلما جوابها، وهو ~~استئناف ثالث، كأنه قيل: ما يفعلون في أثناء ذلك الهول، أيفعلون بأبصارهم ~~ما فعلوا بآذانهم أم لا، فقيل: كلما نور البرق لهم ممشى ومسلكا على ~~أن أضاء متعد والمفعول محذوف، أو كلما لمع لهم على أنه لازم، ويؤيده ~~قراءة { كلما أضاء } { مشوا فيه } أي في ذلك المسلك أو في ~~مطرح نوره خطوات يسيرة مع خوف أن يخطف أبصارهم، وإيثار المشي على ما ~~فوقه من السعي والعدو للإشعار بعدم استطاعتهم لهما { وإذا أظلم ~~عليهم } أي خفي البرق واستتر، والمظلم وإن كان غيره، لكن لما كان ~~الإظلام دائرا على استتاره أسند إليه مجازا تحقيقا لما أريد من ~~المبالغة في موجبات تخبطهم، وقد جوز أن يكون متعديا منقولا من ظلم ~~الليل. ومنه ما جاء في قول أبي تمام: # هما أظلما حالي ثمت أجليا # ظلاميهما عن وجه أمرد أشيب # ويعضده قراءة أظلم على البناء للمفعول { قاموا } أي وقفوا في ~~أماكنهم على ما كانوا عليه من الهيئة متحيرين مترصدين لخفقة أخرى عسى ~~يتسنى لهم الوصول إلى المقصد أو الالتجاء إلى ملجأ يعصمهم، وإيراد ~~كلما مع الإضاءة وإذا مع الإظلام للإيذان بأنهم حراص على المشي، ~~مترقبون لما يصححه، فكلما وجدوا فرصة انتهزوها، ولا كذلك الوقوف، وفيه من ~~الدلالة على كمال التحير وتطاير اللب ms0082 ما لا يوصف { ولو شاء الله ~~لذهب بسمعهم وأبصرهم } كلمة لو لتعليق حصول أمر ماض ~~هو الجزاء بحصول أمر مفروض فيه هو الشرط لما بينهما من الدوران حقيقة ~~أو ادعاء، ومن قضية مفروضية الشرط دلالتها على انتفائه قطعا، ~~والمنازع فيه مكابر، وأما دلالتها على انتفاء الجزاء فقد قيل وقيل. # والحق الذي لا محيد عنه أنه إن كان ما بينهما من الدوران كليا أو ~~جزئيا قد بني الحكم على اعتباره فهي دالة عليه بواسطة مدلولها الوضعي ~~لا محالة، ضرورة استلزام انتفاء العلة لانتفاء المعلول، أما في مادة ~~الدوران الكلي كما في قوله عز وجل: # ولو شآء لهداكم أجمعين # [النحل، الآية 9] وقولك: لو جئتني لأكرمتك فظاهر لأن وجود المشيئة ~~علة لوجود الهداية حقيقة، ووجود المجيء علة لوجود الإكرام ادعاء، ~~وقد انتفيا بحكم المفروضية فاقتضى معلولاهما حتما، ثم إنه قد يساق ~~الكلام لتعليل انتفاء الجزاء بانتفاء الشرط كما في المثالين المذكورين ~~وهو الاستعمال الشائع لكلمة لو، ولذلك قيل: هي لامتناع الثاني لامتناع ~~الأول، وقد تساق للاستدلال بانتفاء الثاني لكونه ظاهرا أو مسلما على ~~انتفاء الأول لكونه خفيا أو متنازعا فيه، كما في قوله سبحانه: # لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا # [الأنبياء، الآية 22] وفي قوله تعالى: # لو كان خيرا ما سبقونا إليه # [الأحقاف، الآية 11] فإن فسادهما لازم لتعدد الآلهة حقيقة وعدم سبق ~~المؤمنين إلى الإيمان لازم لخيريته في زعم الكفرة ولا ريب في انتفاء ~~اللازمين، فتعين انتفاء الملزومين حقيقة في الأول وادعاء باطلا في ~~الثاني ضرورة استلزام انتفاء اللازم لانتفاء الملزوم، لكن لا بطريق ~~السببية الخارجية، كما في المثالين الأولين، بل بطريق الدلالة العقلية ~~الراجعة إلى سببية العلم بانتفاء الثاني للعلم بانتفاء الأول، ومن لم ~~يتنبه له زعم أنه لانتفاء الأول لانتفاء الثاني. # وأما في مادة الدوران الجزئي كما في قولك: لو طلعت الشمس لوجد الضوء، ~~فلأن الجزاء المنوط بالشرط الذي هو طلوعها ليس وجود أي ضوء كان كضوء ~~القمر المجامع لعدم الطلوع مثلا، بل إنما هو وجود الضوء الخاص ~~الناشىء عن الطلوع، ms0083 ولا ريب في انتفائه بانتفاء الطلوع، هذا إذا بني ~~الحكم على اعتبار الدوران، وأما إذا بني على عدمه فإما أن يعتبر هناك ~~تحقق مدار آخر له أو لا، فإن اعتبر فالدلالة تابعة لحال ذلك المدار، ~~فإن كان بينه وبين انتفاء الأول منافاة تعين الدلالة كما إذا قلت: ~~لو لم تطلع الشمس لوجد الضوء، فإن وجود الضوء وإن علق صورة بعدم ~~الطلوع لكنه في الحقيقة معلق بسبب آخر له، ضرورة أن عدم الطلوع من ~~حيث هو ليس مدارا لوجود الضوء في الحقيقة، وإنما وضع موضع المدار لكونه ~~كاشفا عن تحقق مدار آخر له، فكأنه قيل: لو لم تطلع الشمس لوجد الضوء ~~بسبب آخر كالقمر مثلا. ولا ريب في أن هذا الجزاء منتف عند انتفاء ~~الشرط لاستحالة وجود الضوء القمري عند طلوع الشمس، وإن لم يكن بينهما ~~منافاة تعين عدم الدلالة كما في قوله صلى الله عليه وسلم في بنت أبي ~~سلمة: # " لو لم تكن ربيبتي في حجري ما حلت لي لأنها ابنة أخي من الرضاعة " # فإن المدار المعتبر في ضمن الشرط - أعني كونها ابنة أخيه عليه السلام ~~من الرضاعة - غير مناف لانتفائه الذي هو كونها ربيبته عليه السلام، ~~بل مجامع له، ومن ضرورته مجامعة أثريهما أعني الحرمة الناشئة من ~~كونها ربيبته عليه السلام، والحرمة الناشئة من كونها ابنة أخيه من ~~الرضاعة. وإن لم يعتبر هناك تحقق مدار آخر بل بني الحكم على اعتبار ~~عدمه فلا دلالة لها على ذلك أصلا. # كيف لا ومساق الكلام حينئذ لبيان ثبوت الجزاء على كل حال بتعليقه بما ~~ينافيه ليعلم ثبوته عند وقوع ما لا ينافيه بالطريق الأولى، كما في ~~قوله عز وجل: # قل لو أنتم تملكون خزائن رحمة ربى إذا ~~لأمسكتم # [الإسراء، الآية 100] وقوله عليه السلام: # " لو كان الإيمان في الثريا لناله رجال من فارس " # وقول علي رضي الله عنه: «لو كشف الغطاء ما ازددت يقينا» فإن ~~الأجزية المذكورة قد نيطت بما ينافيها ويستدعي نقائضها، إيذانا بأنها ~~في أنفسها بحيث يجب ثبوتها مع فرض انتفاء ms0084 أسبابها أو تحقق انتفاء ~~أسبابها، فكيف إذا لم يكن كذلك على طريقة لو الوصلية، في مثل قوله تعالى: # يكاد زيتها يضىء ولو لم تمسسه نار # [النور، الآية 35] ولها تفاصيل وتفاريع حررناها في تفسير قوله تعالى: # أولو كنا كرهين # [الأعراف، الآية 88] وقول عمر رضي الله عنه: «نعم العبد صهيب لو لم ~~يخف الله لم يعصه» إن حمل على تعليق عدم العصيان في ضمن عدم الخوف ~~بمدار آخر نحو الحياء والإجلال وغيرهما مما يجامع الخوف كان من ~~قبيل حديث ابنة أبي سلمة، وإن حمل بيان استحالة عصيانه مبالغة كان ~~من هذا القبيل، والآية الكريمة، واردة على الاستعمال الشائع مفيدة ~~لكمال فظاعة حالهم وغاية هول ما دهمهم من المشاق، وأنها قد بلغت من ~~الشدة إلى حيث لو تعلقت مشيئة الله تعالى بإزالة مشاعرهم لزالت، لتحقق ~~ما يقتضيه اقتضاء تاما، وقيل: كلمة (لو) فيها لربط جزائها بشرطها ~~مجردة عن الدلالة على انتفاء أحدهما لانتفاء الآخر بمنزلة كلمة أن، ~~ومفعول المشيئة محذوف جريا على القاعدة المستمرة فإنها إذا وقعت شرطا ~~وكان مفعولها مضمونا للجزاء فلا يكاد يذكر إلا أن يكون شيئا مستغربا ~~كما في قوله: # فلو شئت أن أبكي دما لبكيته # عليه ولكن ساحة الصبر أوسع # أي لو شاء الله أن يذهب بسمعهم وأبصارهم لفعل، ولكن لم يشأ لما يقتضيه ~~من الحكم والمصالح، وقرىء لذهب بأسماعهم على زيادة الباء كما في قوله ~~تعالى: # ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة # [البقرة، الآية 195] الآية، والإفراد في المشهورة، لأن السمع مصدر في ~~الأصل، والجملة الشرطية معطوفة على ما قبلها من الجمل الاستئنافية، وقيل: ~~على كلما أضاء الخ، وقوله عز وجل: { إن الله على كل شىء ~~قدير } تعليل للشرطية وتقرير لمضمونها الناطق بقدرته تعالى على ~~إزالة مشاعرهم بالطريق البرهاني، والشيء بحسب مفهومه اللغوي يقع على ~~كل ما يصح أن يعلم ويخبر عنه كائنا ما كان، على أنه في الأصل مصدر ~~شاء أطلق على المفعول واكتفي في ذلك باعتبار تعلق المشيئة به من ~~حيث العلم والإخبار عنه فقط، وقد خص ههنا ms0085 بالممكن موجودا كان أو ~~معدوما بقضية اختصاص تعلق القدرة به، لما أنه عبارة عن التمكين من ~~الإيجاد والإعدام الخاصين به، وقيل: هي صفة تقتضي ذلك التمكين، ~~والقادر هو الذي إن شاء فعل وإن لم يشأ لم يفعل، والقدير هو الفعال ~~لكل ما يشاء كما يشاء، ولذلك لم يوصف به غير الباري جل جلاله وتقدست ~~أسماؤه، ومعنى قدرته تعالى على الممكن الموجود حال وجوده أنه إن شاء ~~إبقاءه على الوجود أبقاه عليه، فإن علة الوجود هي علة البقاء، وقد مر ~~تحقيقه في تفسير قوله تعالى: # رب العلمين # [الفاتحة، الآية 2] وإن شاء إعدامه أعدمه، ومعنى قدرته على المعدوم ~~حال عدمه أنه إن شاء إيجاده أوجده وإن لم يشأ لم يوجده، وقيل: ~~قدرة الإنسان هيئة بها يتمكن من الفعل والترك، وقدرة الله تعالى عبارة ~~عن نفي العجز، واشتقاق القدرة من القدر لأن القادر يوقع الفعل بقدر ~~ما تقتضيه إرادته أو بقدر قوته، وفيه دليل على أن مقدور العبد مقدور ~~لله تعالى حقيقة، لأنه شيء وكل شيء مقدور له تعالى. # واعلم أن كل واحد من التمثيلين وإن احتمل أن يكون من قبيل التمثيل ~~المفرق كما في قوله: [الطويل] # كأن قلوب الطير رطبا ويابسا # لدى وكرها العناب والحشف البالي # بأن يشبه المنافقون في التمثيل الأول بالمستوقدين وهداهم الفطري ~~بالنار وتأييدهم إياه بما شاهدوه من الدلائل باستيقادها وتمكنهم ~~التام من الانتفاع به بإضاءتها ما حولهم وإزالته بإذهاب النور الناري، ~~وأخذ الضلالة بمقابلته بملابستهم الظلمات الكثيفة وبقائهم فيها، ويشبهوا ~~في التمثيل الثاني بالسابلة، والقرآن وما فيه من العلوم والمعارف التي ~~هي مدار الحياة الأبدية بالصيب الذي هو سبب الحياة الأرضية وما عرض ~~لهم بنزوله من الغموم والأحزان وانكساف البال بالظلمات، وما فيه من الوعد ~~والوعيد بالرعد والبرق وتصامهم عما يقرع أسماعهم من الوعيد بحال من ~~يهوله الرعد والبرق فيخاف صواعقه فيسد أذنه عنها، ولا خلاص له ~~منها، واهتزازهم لما يلمع لهم من رشد يدركونه أو رفد يحرزونه ~~بمشيهم في مطرح ضوء البرق، كلما أضاء لهم، وتحيرهم في ms0086 أمرهم حين ~~عن لهم مصيبة بوقوفهم إذا أظلم عليهم. # لكن الحمل على التمثيل المركب الذي لا يعتبر فيه تشبيه كل واحد من ~~المفردات الواقعة في أحد الجانبين بواحد من المفردات الواقعة في الجانب ~~الآخر على وجه التفصيل، بل ينتزع فيه من المفردات الواقعة في جانب ~~المشبه هيئة فتشبه بهيئة أخرى منتزعة من المفردات الواقعة في ~~جانب المشبه به بأن ينتزع من المنافقين وأحوالهم المفصلة في كل واحد ~~من التمثيلين هيئة بحيالها فتشبه كل واحدة من الأوليين بما ~~يضاهيها من الأخريين هو الذي يقتضيه جزالة التنزيل ويستدعيه فخامة ~~شأنه الجليل لاشتماله على التشبيه الأول إجمالا مع أمر زائد هو ~~تشبيه الهيئة بالهيئة وإيذانه بأن اجتماع تلك المفردات مستتبع لهيئة ~~عجيبة حقيقة بأن تكون مثلا في الغرابة. ### || [2.21] # [الحث على عبادة الله] # { يأيها الناس اعبدوا ربكم } إثر ما ذكر الله تعالى ~~من علو طبقة كتابه الكريم وتحزب الناس في شأنه إلى ثلاث فرق: مؤمنة ~~به محافظة على ما فيه من الشرائع والأحكام. وكافرة قد نبذته وراء ~~ظهرها بالمجاهرة والشقاق، وأخرى مذبذبة بينهما بالمخادعة والنفاق، ~~ونعت كل فرقة منها بما لها من النعوت والأحوال وبين ما لهم من ~~المصير والمآل - أقبل عليهم بالخطاب على نهج الالتفات هزا لهم إلى ~~الإصغاء وتوجيها لقلوبهم نحو التلقي، وجبرا لما في العبادة من الكلفة ~~بلذة الخطاب، فأمرهم كافة بعبادته ونهاهم عن الإشراك به، و(يا) حرف وضع ~~لنداء البعيد، وقد ينادى به القريب تنزيلا له منزلة البعيد إما ~~إجلالا كما في قول الداعي: يا ألله ويا رب، وهو أقرب إليه من حبل ~~الوريد استقصارا لنفسه واستبعادا لها من محافل الزلفى ومنازل ~~المقربين، وإما تنبيها على غفلته وسوء فهمه وقد يقصد به التنبيه ~~على أن ما يعقبه أمر خطير يعتنى بشأنه، و(أي) اسم مبهم جعل وصله ~~إلى نداء المعرف باللام لا على أنه المنادى أصالة بل على أنه صفة ~~موضحة له مزيلة لإبهامه، والتزم رفعه مع انتصاب موصوفه محلا إشعارا ~~بأنه المقصود بالنداء. وأقحمت بينهما كلمة التنبيه تأكيدا لمعنى ms0087 ~~النداء وتعويضا عما يستحقه أي من المضاف إليه، ولما ترى من استقلال ~~هذه الطريقة بضروب من أسباب المبالغة والتأكيد كثر سلوكها في التنزيل ~~المجيد، كيف لا وكل ما ورد في تضاعيفه على العباد من الأحكام والشرائع ~~وغير ذلك خطوب جليلة حقيقة بأن تقشعر منها الجلود وتطمئن بها ~~القلوب الأبية، ويتلقوها بآذان واعية، وأكثرهم عنها غافلون، ~~فاقتضى الحال المبالغة والتأكيد في الإيقاظ والتنبيه والمراد بالناس ~~كافة المكلفين الموجودين في ذلك العصر، لما أن الجموع وأسماءها ~~المحلاة باللام للعموم بدليل صحة الاستثناء منها والتأكيد بما يفيد ~~العموم كما في قوله تعالى: # فسجد الملئكة كلهم أجمعون # [الحجر، الآية 30] واستدلال الصحابة رضوان الله تعالى عليهم أجمعين ~~بعمومها شائعا ذائعا، وأما من عداهم ممن سيوجد منهم فغير داخلين في ~~خطاب المشافهة، وإنما دخولهم تحت حكمه لما تواتر من دينه صلى الله ~~عليه وسلم، ضرورة أن مقتضى خطابه وأحكامه شامل للموجودين من المكلفين ~~ولمن سيوجد منهم إلى قيام الساعة، ولا يقدح في العموم ما روي عن علقمة ~~والحسن البصري من أن كل ما نزل فيه { يا أيها الناس } [البقرة، ~~الآيات: 21، 167] فهو مكي، إذ ليس من ضرورة نزوله بمكة شرفها الله تعالى ~~اختصاص حكمه بأهلها ولا من قضية اختصاصه بهم اختصاصه بالكفار، إذ لم ~~يكن كل أهلها حينئذ كفرة، ولا ضير في تحقق العبادة في بعض المكلفين ~~قبل ورود هذا الأمر لما أن المأمور به القدر المشترك الشامل لإنشاء ~~العبادة والثبات عليها والزيادة فيها، مع أنها متكررة حسب تكرر ~~أسبابها ولا في انتفاء شرطها في الآخرين منهم أعني الإيمان لأن الأمر ~~بها منتظم للأمر بما لا تتم إلا به وقد علم من الدين ضرورة اشتراطها ~~به فإن أمر المحدث بالصلاة مستتبع للأمر بالتوضي لا محالة. # وقد قيل: المراد بالعبادة ما يعم أفعال القلب أيضا لما أنها عبارة ~~عن غاية التذلل والخضوع. وروي عن ابن عباس رضي الله عنهما: أن كل ما ~~ورد في القرآن من العبادات فمعناها التوحيد، وقيل معنى اعبدوا: وحدوا ~~وأطيعوا، ولا شك في كون ms0088 بعض من الفرقتين الأخيرتين ممن لا يجدي فيهم ~~الإنذار بموجب النص القاطع، لما أن الأمر لقطع الأعذار ليس فيه ~~تكليفهم بما ليس في وسعهم من الإيمان بعدم إيمانهم أصلا، إذ لا قطع ~~لأحد منهم بدخوله في حكم النص قطعا، وورد النص بذلك لكونهم في أنفسهم ~~بسوء اختيارهم كذلك لا أن كونهم كذلك لورود النص بذلك، فلا جبر أصلا. # نعم لتخصيص الخطاب بالمشركين وجه لطيف ستقف عليه عند قوله تعالى: # وأنتم تعلمون # [البقرة، الآية 22] وإيراده تعالى بعنوان الربوبية مع الإضافة إلى ضمير ~~المخاطبين لتأكيد موجب الأمر بالإشعار بعليتها للعبادة { الذى ~~خلقكم } صفة أجريت عليه سبحانه للتبجيل والتعليل إثر التعليل وقد ~~جوز كونها للتقييد والتوضيح بناء على تخصيص الخطاب بالمشركين، ~~وحمل الرب على ما هو أعم من الرب الحقيقي، والآلهة التي يسمونها ~~أربابا، والخلق إيجاد الشيء على تقدير واستواء، وأصله التقدير، يقال: ~~خلق النعل أي قدرها وسواها بالمقياس، وقرىء خلقكم بإدغام القاف في ~~الكاف { والذين من قبلكم } عطف على الضمير المنصوب ومتمم ~~لما قصد من التعظيم والتعليل، فإن خلق أصولهم من موجبات العبادة كخلق ~~أنفسهم، ومن ابتدائية متعلقة بمحذوف أي كانوا من زمان قبل زمانكم، ~~وقيل: خلقهم من قبل خلقكم فحذف الخلق وأقيم الضمير مقامه، ~~والمراد بهم من تقدمهم من الأمم السالفة كافة ومن ضرورة عموم ~~الخطاب بيان شمول خلقه تعالى للكل، وتخصيصه بالمشركين يؤدي إلى عدم ~~التعرض لخلق من عداهم من معاصريهم، وإخراج الجملة مخرج الصلة ~~التي حقها أن تكون معلومة الانتساب إلى الموصول عندهم أيضا مع أنهم ~~غير معترفين بغاية الخلق وإن اعترفوا بنفسه كما ينطق به قوله تعالى: # ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله # [الزخرف، الآية 87] للإيذان بأن خلقهم للتقوى من الظهور بحيث لا يتأتى ~~لأحد إنكاره، وقرىء وخلق من قبلكم، وقرىء والذين من قبلكم بإقحام ~~الموصول الثاني بين الأول وصلته توكيدا كإقحام اللام بين المضافين في ~~لا أبا لك، أو بجعله موصوفا بالظرف خبرا لمبتدأ محذوف، أي الذين هم ~~أناس كائنون من قبلكم { لعلكم تتقون } المعنى الوضعي لكلمة ms0089 ~~لعل هو إنشاء توقع أمر متردد بين الوقوع وعدمه مع رجحان الأول إما ~~محبوب فيسمى ترجيا، أو مكروه فيسمى إشفاقا، وذلك المعنى قد ~~يعتبر تحققه بالفعل إما من جهة المتكلم كما في قولك: لعل الله يرحمني ~~وهو الأصل الشائع في الاستعمال. # لأن معاني الانشاءات قائمة به وإما من جهة المخاطب تنزيلا له منزلة ~~المتكلم في التلبس التام بالكلام الجاري بينهما، كما في قوله سبحانه: # فقولا له قولا لينا لعله يتذكر أو يخشى # [طه، الآية 44] وقد يعتبر تحققه بالقوة بضرب من التجوز إيذانا بأن ~~ذلك الأمر في نفسه مئنة للتوقع متصف بحيثية مصححة له من غير أن ~~يعتبر هناك توقع بالفعل من متوقع أصلا. # فإن روعيت في الآية الكريمة جهة المتكلم يستحيل إرادة ذلك المعنى ~~لامتناع التوقع من علام الغيوب عز وجل فيصار إما إلى الاستعارة بأن ~~يشبه طلبه تعالى من عباده التقوى مع كونهم مئنة لها لتعاضد أسبابها ~~برجاء الراجي من المرجو منه أمرا هين الحصول في كون متعلق كل ~~منهما مترددا بين الوقوع وعدمه مع رجحان الأول، فيستعار له كلمة لعل ~~استعارة تبعية حرفية للمبالغة في الدلالة على قوة الطلب وقرب المطلوب ~~من الوقوع، وإما إلى التمثيل بأن يلاحظ خلقه تعالى إياهم مستعدين ~~للتقوى وطلبه إياها منهم وهم متمكنون منها جامعون لأسبابها، وينتزع ~~من ذلك هيئة فتشبه بهيئة منتزعة من الراجي ورجائه من المرجو منه ~~شيئا سهل المنال، فيستعمل في الهيئة الأولى ما حقه أن يستعمل في ~~الثانية، فيكون هناك استعارة تمثيلية قد صرح من ألفاظها بما هو ~~العمدة في انتزاع الهيئة المشبه بها أعني كلمة الترجي، والباقي ~~منوي بألفاظ متخيلة بها يحصل التركيب المعتبر في التمثيل كما مر ~~مرارا، وأما جعل المشبه إرادته تعالى في الاستعارة والتمثيل فأمر ~~مؤسس على قاعدة الاعتزال القائلة بجواز تخلف المراد عن إرادته ~~تعالى، فالجملة حال إما من فاعل خلقكم أي طالبا منكم التقوى أو من ~~مفعوله، وما عطف عليه بطريق تغليب المخاطبين على الغائبين، لأنهم ~~المأمورون بالعبادة أي خلقكم وإياهم مطلوبا منكم ms0090 التقوى، أو علة له، ~~فإن خلقهم على تلك الحال في معنى خلقهم لأجل التقوى، كأنه قيل: خلقكم ~~لتتقوا، أو كي تتقوا، إما بناء على تجويز تعليل أفعاله تعالى بأغراض ~~راجعة إلى العباد كما ذهب إليه كثير من أهل السنة، وإما تنزيلا ~~لترتب الغاية على ما هي ثمرة له منزلة ترتب الغرض على ما هو غرض ~~له، فإن استتباع أفعاله تعالى لغايات ومصالح متقنة جليلة من غير أن ~~تكون هي علة غائية لها بحيث لولاها لما أقدم عليها مما لا نزاع فيه، ~~وتقييد خلقهم بما ذكر من الحال أو العلة لتكميل عليته للمأمور به ~~وتأكيدها، فإن إتيانهم بما خلقوا له أدخل في الوجوب، وإيثار تتقون ~~على تعبدون مع موافقته لقوله تعالى: # وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون # [الذاريات، الآية 56] للمبالغة في إيجاب العبادة والتشديد في ~~إلزامها، لما أن التقوى قصارى أمر العابد ومنتهى جهده، فإذا لزمتهم ~~التقوى كان ما هو أدنى منها ألزم، والإتيان به أهون. # وإن روعيت جهة المخاطب فلعل في معناها الحقيقي، والجملة حال من ضمير ~~اعبدوا، كأنه قيل: اعبدوا ربكم راجين للانتظام في زمرة المتقين الفائزين ~~بالهدى والفلاح. # [بيان المراد بالتقوى] # على أن المراد بالتقوى مرتبتها الثالثة، التي هي التبتل إلى الله عز ~~وجل بالكلية، والتنزه عن كل ما يشغل سره عن مراقبته، وهي أقصى غايات ~~العبادة التي يتنافس فيها المتنافسون، وبالانتظام القدر المشترك بين ~~إنشائه والثبات عليه ليرتجيه أرباب هذه المرتبة وما دونها من مرتبتي ~~التوقي عن العذاب المخلد، والتجنب عن كل ما يؤثم من فعل أو ترك كما ~~مر في تفسير المتقين. # ولعل توسيط الحال من الفاعل بين وصفي المفعول لما في التقديم من فوات ~~الإشعار بكون الوصف الأول معظم أحكام الربوبية، وكونه عريقا في ~~إيجاب العبادة وفي التأخير من زيادة طول الكلام، هذا على تقدير اعتبار ~~تحقق التوقع بالفعل، فأما إن اعتبر تحققه بالقوة فالجملة حال من ~~مفعول خلقكم، وما عطف عليه على الطريقة المذكورة أي خلقكم وإياهم حال ~~كونكم جميعا بحيث يرجو منكم كل ms0091 راج أن تتقوا، فإنه سبحانه وتعالى لما ~~برأهم مستعدين للتقوى، جامعين لمباديها الآفاقية والأنفسية، كان حالهم ~~بحيث يرجو منهم كل راج أن يتقوا لا محالة، وهذه الحالة مقارنة لخلقهم ~~وإن لم يتحقق الرجاء قطعا. # واعلم أن الآية الكريمة مع كونها بعبارتها ناطقة بوجوب توحيده تعالى ~~وتحتم عبادته على كافة الناس مرشدة لهم بإشارتها إلى أن مطالعة ~~الآيات التكوينية المنصوبة في الأنفس والآفاق مما يقضي بذلك قضاء ~~متقنا، وقد بين فيها أولا من تلك الآيات ما يتعلق بأنفسهم من خلقهم ~~وخلق أسلافهم لما أنه أقوى شهادة وأظهر دلالة، ثم عقب بما يتعلق ~~بمعاشهم. ### || [2.22] # [من بواعث التقوى] # { الذى جعل لكم الأرض فراشا } وهو في محل النصب على أنه ~~صفة ثانية لربكم، موضحة أو مادحة، أو على تقدير أخص أو أمدح، أو في ~~محل الرفع على المدح والتعظيم بتقدير المبتدأ، قال ابن مالك: التزم حذف ~~الفعل في المنصوب على المدح إشعارا بأنه إنشاء كما في المنادى، وحذف ~~المبتدأ في المرفوع إجراء للوجهين على سنن واحد، وأما كونه مبتدأ ~~خبره فلا تجعلوا كما قيل، فيستدعي أن يكون مناط النهي ما في حين الصلة ~~فقط من غير أن يكون لما سلف من خلقهم وخلق من قبلهم مدخل في ذلك مع ~~كونه أعظم شأنا، وجعل بمعنى صير، والمنصوبان بعده مفعولاه، وقيل: هي ~~بمعنى خلق، وانتصاب الثاني على الحالية والظرف متعلق به على ~~التقديرين، وتقديمه على المفعول الصريح لتعجيل المسرة ببيان كون ما ~~يعقبه من منافع المخاطبين، وللتشويق إليه، لأن النفس عند تأخير ما ~~حقه التقديم لا سيما عند الإشعار بمنفعته تبقى مترقبة له، فيتمكن ~~لديها عند وروده عليها فضل تمكن، أو لما في المؤخر وما عطف عليه من ~~نوع طول. فلو قدم لفات تجاوب أطراف النظم الكريم، ومعنى جعلها فراشا ~~جعل بعضها بارزا من الماء مع اقتضاء طبعها الرسوب، وجعلها متوسطة ~~بين الصلابة واللين صالحة للقعود عليها والنوم فيها كالبساط المفروش، ~~وليس من ضرورة ذلك كونها سطحا حقيقيا، فإن كروية شكلها مع عظم ~~جرمها مصحح ms0092 لافتراشها، وقرىء بساطا ومهادا. # { والسماء بناء } عطف على المفعولين السابقين، وتقديم حال ~~الأرض لما أن احتياجهم إليها وانتفاعهم بها أكثر وأظهر، أي جعلها قبة ~~مضروبة عليكم، والسماء اسم جنس يطلق على الواحد والمتعدد، أو جمع ~~سماوة أو سماءة، والبناء في الأصل مصدر سمي به المبني بيتا كان ~~أو قبة أو خباء، ومنه قولهم: بنى على امرأته لما أنهم كانوا إذا ~~تزوجوا امرأة ضربوا عليها خباء جديدا. # { وأنزل من السماء ماء } عطف على جعل أي أنزل من جهتها، أو ~~منها إلى السحاب ومن السحاب إلى الأرض، كما روي ذلك عنه عليه الصلاة ~~والسلام أو المراد بالسماء جهة العلو كما ينبىء عنه الإظهار في موضع ~~الإضمار، وهو على الأولين لزيادة التقرير، و(من) لابتداء الغاية متعلقة ~~بأنزل أو بمحذوف وقع حالا من المفعول أي كائنا من السماء، قدم عليه ~~لكونه نكرة، وأما تقديم الظرف على الوجه الأول مع أن حقه التأخير عن ~~المفعول الصريح فإما لأن السماء أصله ومبدؤه، وإما لما مر من التشويق ~~إليه مع ما فيه من مزيد انتظام بينه وبين قوله تعالى: { فأخرج ~~به } أي بسبب الماء { من الثمرت رزقا لكم }. # وذلك بأن أودع في الماء قوة فاعلة وفي الأرض قوة منفعلة، فتولد ~~من تفاعلهما أصناف االثمار، أو بأن أجرى عادته بإفاضة صور الثمار ~~وكيفيتها المخالفة على المادة الممتزجة منها وإن كان المؤثر في الحقيقة ~~قدرته تعالى ومشيئته، فإنه تعالى قادر على أن يوجد جميع الأشياء بلا ~~مباد ومواد كما أبدع نفوس المبادىء والأسباب، لكن له عز وجل في ~~إنشائها متقلبة في الأحوال، ومتبدلة في الأطوار من بدائع حكم ~~باهرة تجدد لأولي الأبصار عبرا ومزيد طمأنينة إلى عظيم قدرته ~~ولطيف حكمته ما ليس في إبداعها بغتة، و(من) للتبعيض لقوله تعالى: # فأخرجنا به ثمرات # [فاطر، الآية 27] ولوقوعها بين منكرين، أعني ماء ورزقا كأنه قيل: ~~وأنزل من السماء بعض الماء فأخرج به بعض الثمرات ليكون بعض رزقكم، ~~وهكذا الواقع إذ لم ينزل من السماء كل الماء، ولا أخرج من الأرض كل ~~الثمرات، ms0093 ولا جعل كل المرزوق ثمارا، أو للتبيين، ورزقا مفعول بمعنى ~~المرزوق، ومن الثمرات بيان له، أو حال منه كقولك: أنفقت من الدراهم ~~ألفا، ويجوز أن يكون من الثمرات مفعولا ورزقا حالا منه أو مصدرا من ~~أخرج، لأنه بمعنى رزق. # وإنما شاع ورود الثمرات دون الثمار مع أن الموضع موضع كثرة لأنه أريد ~~بالثمرات جماعة الثمرة في قولك: أدركت ثمرة بستانه، ويؤيده القراءة على ~~التوحيد، أو لأن الجموع يقع بعضها موقع بعض، كقوله تعالى: # كم تركوا من جنت وعيون # [الدخان، الآية 25] وقوله تعالى: # ثلثة قروء # [البقرة، الآية 228] أو لأنها محلاة باللام خارجة عن حد القلة، ~~واللام متعلقة بمحذوف وقع صفة لرزقا على تقدير كونه بمعنى المرزوق، أي ~~رزقا كائنا لكم، أو دعامة لتقوية عمل رزقا على تقدير كونه مصدرا، ~~كأنه قيل: رزقا إياكم. # { فلا تجعلوا لله أندادا } إما متعلق بالأمر السابق ~~مترتب عليه، كأنه قيل: إذا أمرتم بعبادة من هذا شأنه من التفرد بهذه ~~النعوت الجليلة والأفعال الجميلة فلا تجعلوا له شريكا، وإنما قيل: ~~أندادا باعتبار الواقع، لا لأن مدار النهي هو الجمعية، وقرىء ندا، ~~وإيقاع الاسم الجليل موقع الضمير لتعيين المعبود بالذات إثر ~~تعيينه بالصفات، وتعيين الحكم بوصف الألوهية التي عليها يدور أمر ~~الوحدانية واستحالة الشركة، والإيذان باستتباعها لسائر الصفات، وإما ~~معطوف عليه كما في قوله تعالى: # اعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا # [النساء، الآية 36] والفاء للإشعار بعلية ما قبلها من الصفات المجراة ~~عليه تعالى للنهي أو الانتهاء أو لأن مآل النهي هو الأمر بتخصيص ~~العبادة به تعالى، المترتب على أصلها، كأنه قيل: اعبدوه فخصوها به، ~~والإظهار في موضع الإضمار لما مر آنفا، وقيل: هو نفي منصوب بإضمار أن ~~جوابا للأمر، ويأباه أن ذلك فيما يكون الأول سببا للثاني. ولا ريب في ~~أن العبادة لا تكون سببا للتوحيد، الذي هو أصلها ومبناها. # وقيل: هو منصوب بلعل نصب (فأطلع) في قوله تعالى: # لعلى أبلغ الأسبب أسبب السموات فأطلع ~~إلى إله موسى # [غافر، الآية 37] أي خلقكم لتتقوا وتخافوا عقابه فلا تشبهوه بخلقه، ms0094 ~~وحيث كان مدار هذا النصب تشبيه لعل في بعد المرجو بليت كان فيه ~~تنبيه على تقصيرهم بجعلهم المرجو القريب بمنزلة المتمنى البعيد، ~~وقيل: هو متعلق بقوله تعالى: { الذى جعل } [البقرة، الآية 22] ~~الخ، على تقدير رفعه على المدح، أي هو الذي خصكم بهذه الآيات العظام ~~والدلائل النيرة، فلا تتخذوا له شركاء، وفيه ما مر من لزوم كون خلقهم ~~وخلق أسلافهم بمعزل من مناطية النهي مع عراقتهما فيها. وقيل: هو خبر ~~للموصول بتأويل مقول في حقه، وقد عرفت ما فيه مع لزوم المصير إلى مذهب ~~الأخفش في تنزيل الاسم الظاهر منزلة الضمير كما في قولك: زيد قام أبو ~~عبد الله إذا كان ذلك كنيته. # والند المثل المساوي من ند ندودا إذا نفر، وناددته خالفته، خص ~~بالمخالف المماثل بالذات كما خص المساوي بالمماثل في المقدار، وتسمية ما ~~يعبده المشركون من دون الله أندادا والحال أنهم ما زعموا أنها تماثله ~~تعالى في صفاته ولا أنها تخالفه في أفعاله لما أنهم لما تركوا عبادته ~~تعالى إلى عبادتها، وسموها آلهة شابهت حالهم حال من يعتقد أنها ~~ذوات واجبة بالذات، قادرة على أن تدفع عنهم بأس الله عز وجل، وتمنحهم ~~ما لم يرد الله تعالى بهم من خير، فتهكم بهم، وشنع عليهم أن جعلوا ~~أندادا لمن يستحيل أن يكون له ند واحد وفي ذلك قال موحد الجاهلية ~~زيد بن عمرو بن نفيل: # أربا واحدا أم ألف رب # أدين إذا تقسمت الأمور # تركت اللات والعزى جميعا # كذلك يفعل الرجل البصير # وقوله تعالى: { وأنتم تعلمون } حال من ضمير لا تجعلوا بصرف ~~التقييد إلى ما أفاده النهي من قبح المنهي عنه ووجوب الاجتناب عنه، ~~ومفعول تعلمون مطروح بالكلية كأنه قيل: لا تجعلوا ذلك فإنه قبيح واجب ~~الاجتناب عنه، والحال أنكم من أهل العلم والمعرفة بدقائق الأمور وإصابة ~~الرأي، أو مقدر حسبما يقتضيه المقام، نحو وأنتم تعلمون بطلان ذلك، أو ~~تعلمون أنه لا يماثله شيء، أو تعلمون ما بينه وبينها من التفاوت، أو ~~تعلمون أنها لا تفعل مثل أفعاله كما في ms0095 قوله تعالى: # هل من شركائكم من يفعل من ذلكم من شىء # [الروم، الآية 40] أو غير ذلك. # وحاصله تنشيط المخاطبين وحثهم على الانتهاء عما نهوا عنه، هذا هو ~~الذي يستدعيه عموم الخطاب في النهي بجعل المنهي عنه القدر المشترك ~~المنتظم لإنشاء الانتهاء كما هو المطلوب من الكفرة، وللثبات عليه كما ~~هو شأن المؤمنين حسبما مر مثله في الأمر، وأما صرف التقييد إلى نفس ~~النهي فيستدعي تخصيص الخطاب بالكفرة لا محالة إذ لا يتسنى ذلك بطريق ~~قصر النهي على حالة العلم ضرورة شمول التكليف للعالم والجاهل ~~المتمكن من العلم بل إنما يتأتى بطريق المبالغة في التوبيخ والتقريع، ~~بناء على أن تعاطي القبائح من العالمين بقبحها أقبح وذلك إنما ~~يتصور في حق الكفرة، فمن صرف التقييد إلى نفس النهي مع تعميم ~~الخطاب للمؤمنين أيضا فقد نأى عن التحقيق. # إن قلت: أليس في تخصيصه بالكفرة في الأمر والنهي خلاص من أمثال ما مر ~~من التكلفات وحسن انتظام بين السباق والسياق، إذ لا محيد في آية ~~التحدي من تجريد الخطاب، وتخصيصه بالكفرة لا محالة مع ما فيه من رباء ~~محل المؤمنين ورفع شأنهم عن حيز الانتظام في سلك الكفرة والإيذان بأنهم ~~مستمرون على الطاعة والعبادة حسبما مر في صدر السورة الكريمة مستغنون في ~~ذلك عن الأمر والنهي؟ قلت: بلى إنه وجه سري، ونهج سوي، لا يضل من ~~ذهب إليه ولا يزل من ثبت قدمه عليه، فتأمل. ### || [2.23] # { وإن كنتم فى ريب مما نزلنا على عبدنا } شروع ~~في تحقيق أن الكتاب الكريم الذي من جملته ما تلي من الآيتين الكريمتين، ~~الناطقتين بوجوب العبادة والتوحيد منزل من عند الله عز وجل على رسوله ~~صلى الله عليه وسلم، كما أن ما ذكر فيهما من الآيات التكوينية الدالة ~~على ذلك صادرة عنه تعالى لتوضيح اتصافه بما ذكر في مطلع السورة ~~الشريفة من النعوت الجلية التي من جملتها نزاهته عن أن يعتريه ريب ~~ما، والتعبير عن اعتقادهم في حقه بالريب مع أنهم جازمون بكونه من كلام ~~البشر كما يعرب عنه ms0096 قوله تعالى: { إن كنتم صدقين } [البقرة، ~~الآية 23 و31 و94 و111. وسورة آل عمران، الآية 93] إما للإيذان بأن أقصى ~~ما يمكن صدوره عنهم وإن كانوا في غاية ما يكون من المكابرة والعناد هو ~~الارتياب في شأنه، وأما الجزم المذكور فخارج من دائرة الاحتمال، كما ~~أن تنكيره وتصديره بكلمة الشك للإشعار بأن حقه أن يكون ضعيفا ~~مشكوك الوقوع، وإما للتنبيه على أن جزمهم ذلك بمنزلة الريب الضعيف ~~لكمال وضوح دلائل الإعجاز ونهاية قوتها. # وإنما لم يقل وإن ارتبتم فيما نزلنا الخ، لما أشير إليه فيما سلف من ~~المبالغة في تنزيه ساحة التنزيل عن شائبة وقوع الريب فيه حسبما نطق ~~به قوله تعالى: # لا ريب فيه # [البقرة، الآية 2] والإشعار بأن ذلك إن وقع فمن جهتهم لا من جهته ~~العالية، واعتبار استقرارهم فيه وإحاطته بهم لا ينافي اعتبار ضعفه ~~وقلته، لما أن ما يقتضيه ذلك هو دوام ملابستهم به لا قوته وكثرته، ~~و(من) في مما ابتدائية متعلقة بمحذوف وقع صفة لريب، وحملها على ~~السببية ربما يوهم كونه محلا للريب في الجملة وحاشاه من ذلك، و(ما) ~~موصولة كانت أو موصوفة عبارة عن الكتاب الكريم لا عن القدر المشترك ~~بينه وبين أبعاضه، وليس معنى كونهم في ريب منه ارتيابهم في استقامة ~~معانيه، وصحة أحكامه، بل في نفس كونه وحيا منزلا من عند الله عز ~~وجل، وإيثار التنزيل المنبىء عن التدريج على مطلق الإنزال لتذكير ~~منشأ ارتيابهم، وبناء التحدي عليه إرخاء للعنان وتوسيعا للميدان، ~~فإنهم كانوا اتخذوا نزوله منجما وسيلة إلى إنكاره، فجعل ذلك من ~~مبادي الاعتراف به، كأنه قيل: إن ارتبتم في شأن ما نزلناه على مهل ~~وتدريج فهاتوا أنتم مثل نوبة فذة من نوبه، ونجم فرد من ~~نجومه، فإنه أيسر عليكم من أن ينزل جملة واحدة، ويتحدى بالكل. # وهذا كما ترى غاية ما يكون في التبكيت وإزاحة العلل، وفي ذكره صلى ~~الله عليه وسلم بعنوان العبودية مع الإضافة إلى ضمير الجلالة من ~~التشريف والتنويه والتنبيه على اختصاصه به عز وجل وانقياده لأوامره ~~تعالى ما ms0097 لا يخفى. # وقرىء على عبادنا والمراد هو صلى الله عليه وسلم وأمته، أو جميع ~~الأنبياء عليهم السلام، ففيه إيذان بأن الارتياب فيه ارتياب فيما ~~أنزل على من قبله لكونه مصدقا له ومهيمنا عليه. والأمر في قوله ~~تعالى: { فأتوا بسورة } من باب التعجيز وإلقام الحجر، كما في ~~قوله تعالى: # فأت بها من المغرب # [البقرة، الآية 258] والفاء للجواب، وسببية الارتياب للأمر أو ~~الإتيان بالمأمور به لما أشير إليه من أنه عبارة عن جزمهم المذكور، ~~فإنه سبب للأول مطلقا، وللثاني على تقدير الصدق، كأنه قيل: إن كان ~~الأمر كما زعمتم من كونه كلام البشر فأتوا بمثله، لأنكم تقدرون على ما ~~يقدر عليه سائر بني نوعكم. والسورة الطائفة من القرآن العظيم ~~المترجمة، وأقلها ثلاث آيات. وواوها أصلية منقولة من سور البلد، ~~لأنها محيطة بطائفة من القرآن مفرزة محوزة على حيالها، أو ~~محتوية على فنون رائقة من العلوم احتواء سور المدينة على ما فيها، أو ~~من السورة التي هي الرتبة، قال: [الكامل] # ولرهط حراب وقذ سورة # في المجد ليس غرابها بمطار # فإن سور القرآن مع كونها في أنفسها رتبا من حيث الفضل والشرف أو من ~~حيث الطول والقصر، فهي من حيث انتظامها مع أخواتها في المصحف مراتب ~~يرتقي إليها القارىء شيئا فشيئا. وقيل: واوها مبدلة من الهمزة، ~~فمعناها البقية من الشيء، ولا يخفى ما فيه. ومن في قوله تعالى: { من ~~مثله } بيانية متعلقة بمحذوف وقع صفة لسورة، والضمير لما نزلنا، ~~أي بسورة كائنة من مثله في علو الرتبة وسمو الطبقة، والنظم الرائق ~~والبيان البديع، وحيازة سائر نعوت الإعجاز، وجعلها تبعيضية يوهم ~~أن له مثلا محققا قد أريد تعجيزهم عن الإتيان ببعضه، كأنه قيل: فأتوا ~~ببعض ما هو مثل له فلا يفهم منه كون المماثلة من تتمة المعجوز عنه ~~فضلا عن كونها مدارا للعجز مع أنه المراد، وبناء الأمر على المجاراة ~~معهم بحسب حسبانهم حيث كانوا يقولون: # لو نشاء لقلنا مثل هذا # [الأنفال، الآية 31] أو على التهكم بهم يأباه ما سبق من تنزيله منزلة ~~الريب، فإن ms0098 مبنى التهكم على تسليم ذلك منهم وتسويفه ولو بغير جد، ~~وقيل: هي زائدة كما هو رأي الأخفش، بدليل قوله تعالى: # فأتوا بسورة مثله # [يونس، الآية 38] # بعشر سور مثله # [هود، الآية 13] وقيل: هي ابتدائية، فالضمير حينئذ للمنزل عليه ~~حتما، لما أن رجوعه إلى المنزل يوهم أن له مثلا محققا قد ورد ~~الأمر التعجيزي بالإتيان بشيء منه، وقد عرفت ما فيه بخلاف رجوعه إلى ~~المنزل عليه، فإن تحقق مثله عليه السلام في البشرية والعربية والأمية ~~يهون الخطب في الجملة، خلا أن تخصيص التحدي بفرد يشاركه عليه السلام ~~فيما ذكر من الصفات المنافية للإتيان بالمأمور به لا يدل على عجز من ~~ليس كذلك من علمائهم، بل ربما يوهم قدرتهم على ذلك في الجملة فرادى أو ~~مجتمعين، مع أنه يستدعي عراء المنزل عما فصل من النعوت الموجبة ~~لاستحالة وجود مثله، فأين هذا من تحدي أمة جمة وأمرهم بأن يحتشدوا ~~في حلبة المعارضة بخيلهم ورجلهم حسبما ينطق به قوله تعالى: { ~~وادعوا شهداءكم من دون الله } ويتعاونوا على الإتيان ~~بقدر يسير مماثل في صفات الكمال لما أتى بجملته واحد من أبناء ~~جنسهم. # والشهداء جمع شهيد بمعنى الحاضر أو القائم بالشهادة أو الناصر، ومعنى ~~(دون) أدنى مكان من شيء، يقال: هذا دون ذاك إذا كان أحط منه قليلا، ~~ثم استعير للتفاوت في الأحوال والرتب فقيل: زيد دون عمرو، أي في الفضل ~~والرتبة، ثم اتسع فاستعمل في كل تجاوز حد إلى حد وتخطي حكم إلى ~~حكم من غير ملاحظة انحطاط أحدهما عن الآخر، فجرى مجرى أداة ~~الاستثناء، وكلمة (من) إما متعلقة بادعوا فتكون لابتداء الغاية، ~~والظرف مستقر والمعنى ادعوا متجاوزين الله تعالى لاستظهار من حضركم ~~كائنا من كان، أو الحاضرين في مشاهدكم ومحاضركم من رؤسائكم وأشرافكم ~~الذين تفزعون إليهم في الملمات، وتعولون عليهم في المهمات، أو ~~القائمين بشهاداتكم الجارية فيما بينكم من أمنائكم المتولين لاستخلاص ~~الحقوق بتنفيذ القول عند الولاة، أو القائمين بنصرتكم حقيقة أو زعما ~~من الإنس والجن ليعينوكم. # وإخراجه سبحانه وتعالى من حكم الدعاء في الأول ms0099 مع اندراجه في الحضور ~~لتأكيد تناوله لجميع ما عداه، لا لبيان استبداده تعالى بالقدرة على ما ~~كلفوه، فإن ذلك مما يوهم أنهم لو دعوه تعالى لأجابهم إليه وأما في ~~سائر الوجوه فللتصريح من أول الأمر ببراءتهم منه تعالى وكونهم في ~~عدوة المحادة والمشاقة له قاصدين استظهارهم على ما سواه والالتفات ~~لإدخال الروعة وتربية المهابة وقيل: المعنى ادعوا من دون أولياء ~~الله شهداءكم الذين هم وجوه الناس وفرسان المقاولة والمناقلة ~~ليشهدوا لكم أن ما أتيتم به مثله، إيذانا بأنهم يأبون أن يرضوا ~~لأنفسهم الشهادة بصحة ما هو بين الفساد وجلي الاستحالة. وفيه ~~أنه يؤذن بعدم شمول التحدي لأولئك الرؤساء، وقيل: المعنى ادعوا ~~شهداءكم فصححوا بهم دعواكم ولا تستشهدوا بالله تعالى قائلين: الله يشهد ~~أن ما ندعيه حق، فإن ذلك ديدن المحجوج وفيه أنه إن أريد بما يدعون ~~حقية ما هم عليه من الدين الباطل فلا مساس له بمقام التحدي، وإن ~~أريد مثلية ما أتوا به للمتحدى به فمع عدم ملاءمته لابتداء التحدي ~~يوهم أنهم قد تصدوا للمعارضة وأتوا بشيء مشتبه الحال مترددين ~~بين المثلية وعدمها، وأنهم ادعوها مستشهدين في ذلك بالله سبحانه، ~~إذ عند ذلك تمس الحاجة إلى الأمر بالاستشهاد بالناس والنهي عن ~~الاستشهاد به تعالى، وأنى لهم ذلك، وما نبض لهم عرق ولا نبسوا ~~ببنت شفة. # وإما متعلقة (بشهداءكم) والمراد بهم الأصنام، ودون بمعنى التجاوز ~~على أنها ظرف مستقر وقع حالا من ضمير المخاطبين، والعامل ما دل ~~عليه (شهداءكم) أي ادعوا أصنامكم الذين اتخذتموهم آلهة متجاوزين الله ~~تعالى في اتخاذها كذلك، وكلمة (من) ابتدائية فإن الاتخاذ ابتداء من ~~التجاوز، والتعبير عن الأصنام بالشهداء لتعيين مدار الاستظهار بها ~~بتذكير ما زعموا من أنها بمكان من الله تعالى وأنها تنفعهم بشهادتها ~~لهم أنهم على الحق، فإن ما هذا شأنه يجب أن يكون ملاذا لهم في كل أمر ~~مهم، وملجأ يأوون إليه في كل خطب ملم، كأنه قيل: أولئك عدتكم ~~فادعوهم لهذه الداهية التي دهمتكم، فوجه الالتفات الإيذان بكمال ~~سخافة عقولهم حيث آثروا ms0100 على عبادة من له الألوهية الجامعة لجميع ~~صفات الكمال عبادة ما لا أحقر منه. # وقيل: لفظة دون مستعارة من معناها الوضعي الذي هو أدنى مكان من شيء ~~لقدامه، كما في قول الأعشى: [الطويل] # تريك القذى من دونها وهي دونه # [تراه إذا ما ذاقه يتمطق] # أي تريك القذى قدامها وهي قدام القذى، فتكون ظرفا لغويا معمولا ~~لشهداءكم لكفاية رائحة الفعل فيه، من غير حاجة إلى اعتماد ولا إلى تقدير ~~يشهدون، أي ادعوا شهداءكم الذين يشهدون لكم بين يدي الله تعالى ~~ليعينوكم في المعارضة، وإيرادها بهذا العنوان لما مر من الإشعار بمناط ~~الاستعانة بها، ووجه الالتفات تربية المهابة وترشيح ذلك المعنى، فإن ~~ما يقوم بهذا الأمر في ذلك المقام الخطير حقه أن يستعان به في كل ~~مرام، وفي أمرهم على الوجهين بأن يستظهروا في معارضة القرآن - الذي ~~أخرس كل منطيق بالجماد من التهكم بهم ما لا يوصف، وكلمة (من) ها ~~هنا تبعيضية، لما أنهم يقولون جلس بين يديه وخلفه بمعنى في لأنهما ~~ظرفان للفعل ومن بين يديه ومن خلفه لأن الفعل إنما يقع في بعض تينك ~~الجهتين كما تقول: جئته من الليل تريد بعض الليل. # وقد يقال كلمة (من) الداخلة على (دون) في جميع المواقع بمعنى في كما ~~في سائر الظروف التي لا تنصرف، وتكون منصوبة على الظرفية أبدا، ولا ~~تنجر إلا بمن خاصة، وقيل: المراد بالشهداء مداره القوم ووجوه ~~المحافل والمحاضر، ودون ظرف مستقر ومن ابتدائية أي ادعوا الذين يشهدون ~~لكم أن ما أتيتم به مثله متجاوزين في ذلك أولياء الله، ومحصله شهداء ~~مغايرين لهم إيذانا بأنهم أيضا لا يشهدون بذلك، وإنما قدر المضاف إلى ~~الله تعالى رعاية للمقابلة، فإن أولياء الله تعالى يقابلون أولياء ~~الأصنام، كما أن ذكر الله تعالى يقابل ذكر الأصنام، والمقصود بهذا ~~الأمر إرخاء العنان والاستدراج إلى غاية التبكيت، كأنه قيل: تركنا ~~إلزامكم بشهداء لا ميل لهم إلى أحد الجانبين كما هو المعتاد، ~~واكتفينا بشهدائكم المعروفين بالذب عنكم، فإنهم أيضا لا يشهدون لكم ~~حذرا من اللائمة وأنفة ms0101 من الشهادة البينة البطلان. # كيف لا وأمر الإعجاز قد بلغ من الظهور إلى حيث لم يبق إلى إنكاره ~~سبيل قطعا، وفيه ما مر من عدم الملاءمة لابتداء التحدي وعدم ~~تناوله لأولئك الشهداء، وإيهام أنهم تعرضوا للمعارضة وأتوا بشيء ~~احتاجوا في إثبات مثليته للمتحدى به إلى الشهادة، وشتان بينهم ~~وبين ذلك { إن كنتم صدقين } أي في زعمكم أنه من كلامه عليه ~~السلام. وهو شرط حذف جوابه لدلالة ما سبق عليه، أي إن كنتم صادقين ~~فأتوا بسورة من مثله الخ، واستلزام المقدم للتالي من حيث إن صدقهم في ~~ذلك الزعم يستدعي قدرتهم على الإتيان بمثله بقضية مشاركتهم له عليه ~~السلام في البشرية والعربية، مع ما بهم من طول الممارسة للخطب ~~والأشعار وكثرة المزاولة لأساليب النظم والنثر، والمبالغة في حفظ ~~الوقائع والأيام، لا سيما عند المظاهرة والتعاون، ولا ريب في أن القدرة ~~على الشيء من موجبات الإتيان به ودواعي الأمر به. ### || [2.24] # { فإن لم تفعلوا } أي ما أمرتم به من الإتيان بالمثل بعد ما ~~بذلتم في السعي غاية المجهود، وجاوزتم في الجد كل حد معهود، متشبثين ~~بالذيول، راكبين متن كل صعب وذلول، وإنما لم يصرح به إيذانا بعدم ~~الحاجة إليه، بناء على كمال ظهور تهالكهم على ذلك، وإنما أورد في ~~حيز الشرط مطلق الفعل وجعل مصدر المأمور به مفعولا له للإيجاز ~~البديع المغني عن التطويل والتكرير، مع سر سري استقل به ~~المقام وهو الإيذان بأن المقصود بالتكليف هو إيقاع نفس الفعل المأمور ~~به، لإظهار عجزهم عنه لا لتحصيل المفعول أي المأتي به ضرورة استحالته، ~~وأن مناط الجواب في الشرطية أعني الأمر باتقاء النار هو عجزهم عن ~~إيقاعه لا فوت حصول المفعول، فإن مدلول لفظ هو أنفس الأفعال الخاصة ~~لازمة كانت أو متعدية من غير اعتبار تعلقاتها بمفعولاتها الخاصة، ~~فإذا علق بفعل خاص متعد فإنما يقصد به إيقاع نفس ذلك الفعل ~~وإخراجه من القوة إلى الفعل، وأما تعلقه بمفعوله المخصوص فهو خارج عن ~~مدلول الفعل المطلق وإنما يستفاد ذلك من الفعل الخاص، ولذلك تراهم ms0102 ~~يتوسلون بذلك إلى تجريد الأفعال المتعدية عن مفعولاتها وتنزيلها ~~منزلة الأفعال اللازمة، فيقولون مثلا: معنى فلان يعطي ويمنع يفعل ~~الإعطاء والمنع، يرشدك إلى هذا قوله تعالى: # فإن لم تأتونى به فلا كيل لكم عندى ولا ~~تقربون # [يوسف، الآية 60] بعد قوله تعالى: # ائتونى بأخ لكم من أبيكم # [يوسف، الآية 59] فإنه لما كان مقصود يوسف عليه السلام بالأمر ~~ومرمى غرضه بالتكليف منه استحضار بنيامين لم يكتف في الشرطية ~~الداعية لهم إلى الجد في الامتثال، والسعي في تحقيق المأمور به ~~بالإشارة الإجمالية إلى الفعل الذي ورد به الأمر بأن يقول: فإن لم ~~تفعلوا، بل أعاده بعينه متعلقا بمفعوله تحقيقا لمطلبه وإعرابا عن ~~مقصده. # هذا وقد قيل: أطلق الفعل وأريد به الإتيان مع ما يتعلق به إما على ~~طريقة التعبير عن الأسماء الظاهرة بالضمائر الراجعة إليها حذرا من ~~التكرار، أو على طريقة ذكر اللازم وإرادة الملزوم، لما بينهما من ~~التلازم المصحح للانتقال بمعونة قرائن الحال فتدبر، وإيثار كلمة ~~(إن) المفيدة للشك على إذا مع تحقق الجزم بعدم فعلهم مجاراة معهم ~~بحسب حسبانهم قبل التجربة أو التهكم بهم. # { ولن تفعلوا } كلمة لن لنفي المستقبل كلا، خلا أن في لن ~~زيادة تأكيد وتشديد، وأصلها عند الخليل (لا أن) وعند الفراء (لا) ~~أبدلت ألفها نونا وعند سيبويه حرف مقتضب للمعنى المذكور، وهي إحدى ~~الروايتين عن الخليل والجملة اعتراض بين جزأي الشرطية مقرر لمضمون ~~مقدمها، ومؤكد لإيجاب العمل بتاليها، وهذه معجزة باهرة حيث أخبر ~~بالغيب الخاص علمه به عز وجل وقد وقع الأمر كذلك، كيف لا ولو عارضوه ~~بشيء يدانيه في الجملة لتناقله الرواة خلفا عن سلف. # { فاتقوا النار } جواب للشرط على أن اتقاء النار كناية عن ~~الاحتراز من العناد، إذ بذلك يتحقق تسببه عنه وترتبه عليه، كأنه قيل: ~~فإذا عجزتم عن الإتيان بمثله كما هو المقرر فاحترزوا من إنكار كونه ~~منزلا من عند الله سبحانه فإنه مستوجب للعقاب بالنار، لكن أوثر عليه ~~الكناية المذكورة المبنية على تصوير العناد بصورة النار، وجعل ~~الاتصاف به عين الملابسة بها للمبالغة ms0103 في تهويل شأنه، وتفظيع أمره، ~~وإظهار كمال العناية بتحذير المخاطبين منه، وتنفيرهم عنه، وحثهم ~~على الجد في تحقيق المكني عنه، وفيه من الإيجاز البديع ما لا يخفى، ~~حيث كان الأصل، فإن لم تفعلوا فقد صح صدقه عندكم، وإذا صح ذلك كان ~~لزومكم العناد وترككم الإيمان به سببا لاستحقاقكم العقاب بالنار، ~~فاحترزوا منه واتقوا النار { التى وقودها الناس والحجارة ~~} صفة للنار مورثة لها زيادة هول وفظاعة أعاذنا الله من ذلك، ~~والوقود ما توقد به النار وترفع من الحطب. # وقرىء بضم الواو وهو مصدر، وسمي به المفعول مبالغة كما يقال: فلان ~~فخر قومه وزين بلده، والمعنى أنها من الشدة بحيث لا تمس شيئا ~~من رطب أو يابس إلا أحرقته، لا كنيران الدنيا تفتقر في الالتهاب إلى ~~وقود من حطب أو حشيش وإنما جعل هذا الوصف صلة للموصول مقتضية لكون ~~انتسابها إلى ما نسبت هي إليه معلوما للمخاطب بناء على أنهم سمعوه من ~~أهل الكتاب قبل ذلك، أو الرسول صلى الله عليه وسلم، أو سمعوا قبل هذه ~~الآية المدنية قوله تعالى: # نارا وقودها الناس والحجارة # [التحريم، الآية 6] فأشير ههنا إلى ما سمعوه أولا، وكون سورة ~~التحريم مدنية لا يستلزم كون جميع آياتها كذلك كما هو المشهور، ~~وأما أن الصفة أيضا يجب أن تكون معلومة الانتساب إلى الموصوف عند ~~المخاطب فالخطب فيه هين، لما أن المخاطب هناك المؤمنون، وظاهر ~~أنهم سمعوا ذلك من رسول الله صلى الله عليه وسلم، والمراد بالحجارة ~~الأصنام، وبالناس أنفسهم حسبما ورد في قوله تعالى: # إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم # [الأنبياء، الآية 98] الآية. # { أعدت للكفرين } أي هيئت للذين كفروا بما نزلناه وجعلت ~~عدة لعذابهم والمراد إما جنس الكفار والمخاطبون داخلون فيهم دخولا ~~أوليا، وإما هم خاصة، ووضع الكافرين موضع ضميرهم لذمهم وتعليل الحكم ~~بكفرهم. وقرىء (أعتدت) من العتاد بمعنى العدة، وفيه دلالة على أن ~~النار مخلوقة موجودة الآن، والجملة استئناف لا محل لها من الإعراب ~~مقررة لمضمون ما قبلها، ومؤكدة لإيجاب العمل به، ومبينة لمن أريد ~~بالناس ms0104 دافعة لاحتمال العموم، وقيل: حال بإضمار قد من النار، لا من ~~ضميرها في وقودها، لما في ذلك من الفصل بينهما بالخبر، وقيل: صلة بعد ~~صلة أو عطف على الصلة بترك العاطف. ### || [2.25] # { وبشر الذين ءامنوا } أي بأنه منزل من عند الله عز وجل، ~~وهو معطوف على الجملة السابقة لكن لا على أن المقصود عطف نفس الأمر ~~حتى يطلب له مشاكل يصح عطفه عليه، بل على أنه عطف قصة ~~المؤمنين بالقرآن، ووصف ثوابهم، على قصة الكافرين به وكيفية عقابهم، ~~جريا على السنة الإلهية من شفع الترغيب بالترهيب، والوعد بالوعيد، ~~وكان تغيير السبك لتخييل كمال التباين بين حالي الفريقين، وقرىء ~~وبشر على صيغة الفعل مبنيا للمفعول عطفا على أعدت، فيكون ~~استئنافا، وتعليق التبشير بالموصول للإشعار بأنه معلل بما في حيز الصلة ~~من الإيمان والعمل الصالح، لكن لا لذاتهما، فإنهما لا يكافئان النعم ~~السابقة فضلا من أن يقتضيا ثوابا فيما يستقبل، بل بجعل الشارع، ~~ومقتضى وعده وجعل صلته فعلا مفيدا للحدوث بعد إيراد الكفار بصيغة ~~الفاعل لحث المخاطبين بالاتقاء على إحداث الإيمان، وتحذيرهم من ~~الاستمرار على الكفر، والخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم، وقيل: لكل من ~~يتأتى منه التبشير، كما في قوله عليه السلام: # " بشر المشائين إلى المساجد في ظلم الليالي بالنور التام يوم القيامة " # فإنه عليه السلام لم يأمر بذلك واحدا بعينه بل كل أحد ممن يتأتى منه ~~ذلك، وفيه رمز إلى أن الأمر لعظمه وفخامة شأنه حقيق بأن يتولى ~~التبشير به كل من يقدر عليه، والبشارة الخبر السار الذي يظهر به أثر ~~السرور في البشرة، وتباشير الصبح أوائل ضوئه { وعملوا ~~الصلحات } الصالحة كالحسنة في الجريان مجرى الاسم، وهي كل ما ~~استقام من الأعمال بدليل العقل والنقل، واللام للجنس، والجمع لإفادة ~~أن المراد بها جملة من الأعمال الصالحة التي أشير إلى أمهاتها في مطلع ~~السورة الكريمة، وطائفة منها متفاوتة حسب تفاوت حال المكلفين في ~~مواجب التكليف، وفي عطف العمل على الإيمان دلالة على تغايرهما وإشعار ~~بأن مدار استحقاق البشارة مجموع الأمرين، فإن ms0105 الإيمان أساس والعمل ~~الصالح كالبناء عليه ولا غناء بأساس لا بناء به. # { أن لهم جنت } منصوب بنزع الخافض وإفضاء الفعل إليه، أو ~~مجرور بإضماره مثل: «الله لأفعلن» والجنة هي المرة من مصدر جنه إذا ~~ستره، تطلق على النخل والشجر المتكاثف المظلل بالتفاف أغصانه، قال ~~زهير: [البسيط] # كأن عيني في غربي مقتلة # من النواضح تسقي جنة سحقا # أي نخلا طوالا كأنها لفرط تكاثفها والتفافها وتغطيتها لما تحتها ~~بالمرة نفس السترة وعلى الأرض ذات الشجر، قال الفراء: الجنة ما فيه ~~النخيل، والفردوس ما فيه الكرم، فحق المصدر حينئذ أن يكون مأخوذا ~~من الفعل المبني للمفعول وإنما سميت دار الثواب بها مع أن فيها ما لا ~~يوصف من الغرفات والقصور لما أنها مناط نعيمها، ومعظم ملاذها، وجمعها ~~مع التنكير لأنها سبع على ما ذكره ابن عباس رضي الله عنهما: جنة ~~الفردوس، وجنة عدن، وجنة النعيم، ودار الخلد، وجنة المأوى، ودار ~~السلام، وعليون. # وفي كل واحدة منها مراتب ودرجات متفاوتة بحسب تفاوت الأعمال وأصحابها. # { تجرى من تحتها الأنهر } في حيز النصب على أنه صفة جنات. ~~فإن أريد بها الأشجار فجريان الأنهار من تحتها ظاهر، وإن أريد بها ~~الأرض المشتملة عليها فلا بد من تقدير مضاف أي من تحت أشجارها وإن ~~أريد بها مجموع الأرض والأشجار فاعتبار التحتية بالنظر إلى الجزء ~~الظاهر المصحح لإطلاق اسم الجنة على الكل. # عن مسروق: أن أنهار الجنة تجري في غير أخدود، واللام في الأنهار ~~للجنس، كما في قولك: لفلان بستان فيه الماء الجاري والتين والعنب، أو ~~عوض عن المضاف إليه كما في قوله تعالى: # واشتعل الرأس شيبا # أو للعهد، والإشارة إلى ما ذكر في قوله عز وعلا: # أنهار من مآء غير آسن # [محمد، الآية 15] الآية. والنهر بفتح الهاء وسكونها المجرى الواسع ~~فوق الجدول ودون البحر كالنيل والفرات، والتركيب للسعة، والمراد ~~بها ماؤها على الإضمار أو على المجاز اللغوي، أو المجاري أنفسها، وقد ~~أسند إليها الجريان مجازا عقليا كما في سال الميزاب. # { كلما رزقوا منها من ثمرة رزقا قالوا هذا ms0106 ~~الذى رزقنا } صفة أخرى لجنات، أخرت عن الأولى لأن جريان الأنهار ~~من تحتها وصف لها باعتبار ذاتها، وهذا وصف لها باعتبار أهلها ~~المتنعمين بها، أو خبر مبتدأ محذوف، أو جملة مستأنفة، كأنه حين وصفت ~~الجنات بما ذكر من الصفة وقع في ذهن السامع أثمارها كثمار جنات الدنيا ~~أولا، فبين حالها، و(كلما) نصب على الظرفية، ورزقا مفعول به، ومن ~~الأولى والثانية للابتداء واقعتان موقع الحال، كأنه قيل: كل وقت ~~رزقوا، مرزوقا مبتدأ، من الجنات مبتدأ من ثمرة على أن الرزق مقيد ~~بكونه مبتدأ من الجنات، وابتداؤه منها مقيد بكونه مبتدأ من ثمرة، ~~فصاحب الحال الأولى رزقا، وصاحب الثانية ضميره المستكن في الحال، ~~ويجوز كون (من ثمرة) بيانا قدم على المبين كما في قولك: رأيت منك ~~أسدا، وهذا إشارة إلى ما رزقوا، وإن وقعت على فرد معين منه كقولك ~~مشيرا إلى نهر جار: هذا الماء لا ينقطع، فإنك (إنما) أشرت إلى ما ~~تعاينه بحسب الظاهر لكنك إنما تعني بذلك النوع المعلوم المستمر، ~~فالمعنى هذا مثل الذي رزقناه { من قبل } ، أي من قبل هذا في الدنيا، ~~ولكن لما استحكم الشبه بينهما جعل ذاته ذاته، وإنما جعل ثمر ~~الجنة كثمار الدنيا لتميل النفس إليه حين تراه، فإن الطباع مائلة إلى ~~المألوف متنفرة عن غير المعروف، وليتبين لها مزيته وكنه النعمة فيه ~~إذ لو كان جنسا غير معهود لظن أنه لا يكون إلا كذلك أو مثل الذي ~~رزقناه من قبل في الجنة لأن طعامها متشابه الصور كما يحكى عن الحسن ~~رضي الله عنه أن أحدهم يؤتى الصحفة فيأكل منها ثم يؤتى بأخرى ~~فيراها مثل الأولى فيقول ذلك: فيقول الملك: كل فاللون واحد والطعم ~~مختلف، أو كما روي أنه صلى الله عليه وسلم قال: # " والذي نفسي بيده إن الرجل من أهل الجنة ليتناول الثمرة ليأكلها ~~فما هي واصلة إلى فيه حتى يبدل الله تعالى مكانها مثلها " # والأول أنسب لمحافظة عموم كلما، فإنه يدل على ترديدهم هذه المقالة ~~كل مرة رزقوا لا فيما عدا المرة الأولى يظهرون ms0107 بذلك التبجح، وفرط ~~الاستغراب لما بينهما من التفاوت العظيم من حيث اللذة مع اتحادهما في ~~الشكل واللون، كأنهم قالوا: هذا عين ما رزقناه في الدنيا فمن أين له ~~هذه الرتبة من اللذة والطيب. # ولا يقدح فيه ما روي عن ابن عباس رضي الله عنهما من أنه ليس في الجنة ~~من أطعمة في الدنيا إلا الاسم، فإن ذلك لبيان كمال التفاوت بينهما ~~من حيث اللذة والحسن والهيئة لا لبيان ألا تشابه بينهما أصلا، ~~كيف لا وإطلاق الأسماء منوط بالاتحاد النوعي قطعا، هذا وقد فسرت ~~الآية الكريمة بأن مستلذات أهل الجنة بمقابلة ما رزقوه في الدنيا من ~~المعارف والطاعات متفاوتة الحال، فيجوز أن يريدوا هذا ثواب الذي رزقناه ~~في الدنيا من الطاعات، ولا يساعده تخصيص ذلك بالثمرات، فإن الجنة وما ~~فيها من فنون الكرامات من قبيل الثواب. # { وأتوا به متشبها } اعتراض مقرر لما قبله والضمير ~~المجرور على الأول راجع إلى ما دل عليه فحوى الكلام مما رزقوا في ~~الدارين كما في قوله تعالى: # إن يكن غنيا أو فقيرا فالله أولى بهما # [النساء، الآية 135] أي بجنسي الغني والفقير، وعلى الثاني إلى الرزق { ~~ولهم فيها أزوج مطهرة } أي مما في نساء الدنيا من ~~الأحوال المستقذرة كالحيض والدرن ودنس الطبع وسوء الخلق، فإن التطهر ~~يستعمل في الأجسام والأخلاق والأفعال، وقرىء مطهرات، وهما لغتان ~~فصيحتان، يقال: النساء فعلت وفعلن وهن فاعلة وفواعل، وقال: [الكامل] # وإذا العذارى بالدخان تقنعت # واستعجلت نصب القدور فملت # فالجمع على اللفظ، والإفراد على تأويل الجماعة، وقرىء (مطهرة) بتشديد ~~الطاء وكسر الهاء بمعنى متطهرة ومطهرة أبلغ من طاهرة ومتطهرة، ~~للإشعار بأن مطهرا طهرهن، وما هو إلا الله سبحانه وتعالى. وأما ~~التطهر فيحتمل أن يكون من قبل أنفسهن كما عند اغتسالهن، والزوج يطلق على ~~الذكر والأنثى، وهو في الأصل اسم لما له قرين من جنسه، وليس في مفهومه ~~اعتبار التوالد الذي هو مدار بقاء النوع حتى لا يصح إطلاقه على ~~أزواج أهل الجنة لخلودهم فيها، واستغنائهم عن الأولاد، كما أن المدارية ~~لبقاء الفرد ليست ms0108 بمعتبرة في مفهوم اسم الرزق حتى يخل ذلك بإطلاقه ~~على ثمار الجنة. # { وهم فيها خلدون } أي دائمون، والخلود في الأصل الثبات ~~المديد دام أو لم يدم، ولذلك قيل: للأثافي والأحجار الخوالد ~~وللجزء الذي يبقى من الإنسان على حاله خالد، ولو كان وضعه للدوام لما ~~قيد بالتأبيد في قوله عز وعلا: # خلدين فيها أبدا # [النساء، الآية 57 و122 و169 وغيرها من السور] ولما استعمل حيث لا ~~دوام فيه لكن المراد ههنا الدوام قطعا لما يفضي به من الآيات والسنن، ~~وما قيل من أن الأبدان مؤلفة من الأجزاء المتضادة في الكيفية معرضة ~~للاستحالات المؤدية إلى الانحلال والانفكاك مداره قياس ذلك العالم ~~الكامل بما يشاهد في عالم الكون والفساد، على أنه يجوز أن يعيدها ~~الخالق تعالى بحيث لا يعتورها الاستحالة، ولا يعتريها الانحلال قطعا، ~~بأن تجعل أجزاؤها متفاوتة في الكيفيات متعادلة في القوى، بحيث لا ~~يقوى شيء منها عند التفاعل على إحالة الآخر، متعانقة متلازمة لا ~~ينفك بعضها عن بعض، وتبقى هذه النسبة متحفظة فيما بينها أبدا لا ~~يعتريها التغير بالأكل والشرب والحركات وغير ذلك. # واعلم أن معظم اللذات الحسية لما كان مقصورا على المساكن والمطاعم ~~والمناكح حسبما يقضي به الاستقراء، وكان ملاك جميع ذلك الدوام ~~والثبات إذ كل نعمة وإن جلت حيث كانت في شرف الزوال ومعرض الاضمحلال ~~فإنها منغصة غير صافية من شوائب الألم بشر المؤمنين بها وبدوامها ~~تكميلا للبهجة والسرور، اللهم وفقنا لمراضيك، وثبتنا على ما يؤدي إليها ~~من العقد والعمل. ### || [2.26] # { إن الله لا يستحى أن يضرب مثلا ما بعوضة } ~~شروع في تنزيه ساحة التنزيل عن تعلق ريب خاص اعتراهم من جهة ما وقع ~~فيه من ضرب الأمثال وبيان لحكمته، وتحقيق للحق إثر تنزيهها عما ~~اعتراهم من مطلق الريب بالتحدي، وإلقام الحجر، وإفحام كافة البلغاء ~~من أهل المدر والوبر. روى أبو صالح عن ابن عباس رضي الله عنهما: أن ~~المنافقين طعنوا في ضرب الأمثال بالنار والظلمات والرعد والبرق، ~~وقالوا: الله أجل وأعلى من ضرب الأمثال. وروى عطاء رضي الله ms0109 عنه: أن ~~هذا الطعن هذا كان من المشركين. # وروي عنه أيضا أنه لما نزل قوله تعالى: # يأيها الناس ضرب مثل فاستمعوا له # [الحج، الآية 73] الآية، وقوله تعالى: # مثل الذين اتخذوا من دون الله أولياء # [العنكبوت، الآية 41] الآية، قالت اليهود: أي قدر للذباب والعنكبوت ~~حتى يضرب الله تعالى بهما وجعلوا ذلك ذريعة إلى إنكار كونه من عند الله ~~تعالى، مع أنه لا يخفى على أحد ممن له تمييز أنه ليس مما يتصور فيه ~~التردد فضلا عن النكير، بل هو من أوضح أدلة كونه خارجا عن طوق ~~البشر، نازلا من عند خلاق القوى والقدر، كيف لا وإن التمثيل كما مر ~~ليس إلا إبرازا للمعنى المقصود في معرض الأمر المشهود، وتحلية ~~المعقول بحلية المحسوس، وتصوير أوابد المعاني بهيئة المأنوس، ~~لاستمالة الوهم واستنزاله عن معارضته للعقل، واستعصائه عليه في إدراك ~~الحقائق الخفية، وفهم الدقائق الأبية، كي يتابعه فيما يقتضيه ويشايعه ~~إلى ما يرتضيه، ولذلك شاعت الأمثال في الكتب الإلهية والكلمات النبوية ~~وذاعت في عبارات البلغاء وإشارات الحكماء، ومن قضية وجوب التماثل بين ~~الممثل والممثل به في مناط التمثيل تمثيل العظيم بالعظيم، والحقير ~~بالحقير، وقد مثل في الإنجيل غل الصدر بالنخالة، ومعارضة السفهاء ~~بإثارة الزنابير، وجاء في عبارات البلغاء: أجمع من ذرة، وأجرأ من ~~الذباب، وأسمع من قراد، وأضعف من بعوضة، إلى غير ذلك مما لا يكاد يحصر. # والحياء تغير النفس وانقباضها عما يعاب به أو يذم عليه، يقال: حيي ~~الرجل وهو حيي، واشتقاقه من الحياة اشتقاق شظي وحشي ونسي من ~~الشظي والنسي والحشي، يقال: شظي الفرس ونسي وحشي إذا اعتلت منه تلك ~~الأعضاء كأن من يعتريه الحياء تعتل قوته الحيوانية وتنتقص، واشتكى ~~بمعناه خلا أنه يتعدى بنفسه وبحرف الجر، يقال: استحييته واستحييت ~~منه، والأول لا يتعدى إلا بحرف الجر، وقد يحذف منه إحدى الياءين، ومنه ~~قوله: [الطويل] # ألا يستحي منا الملوك ويتقي # محارمنا لا يبوء الدم بالدم # وقوله: [الطويل] # إذا ما استحين الماء يعرض نفسه # كرعن بسبت في إناء من الورد # فكما أنه إذا ms0110 أسند إليه سبحانه بطريق الإيجاب في مثل قوله صلى الله عليه ~~وسلم: # " إن الله يستحيي من ذي الشيبة المسلم أن يعذبه " # ، وقوله عليه السلام: # " إن الله حيي كريم يستحيي إذا رفع إليه العبد يديه أن يردهما ~~صفرا حتى يضع فيهما خيرا " # ، يراد به الترك الخاص على طريقة التمثيل حيث مثل في الحديثين ~~الكريمين تركه تعذيب ذي الشيبة، وتخييب العبد من عطائه بترك من ~~يتركهما حياء، كذلك إذا نفي عنه تعالى في المواد الخاصة كما في هذه ~~الآية الشريفة، وفي قوله تعالى: # والله لا يستحى من الحق # [الأحزاب، الآية 53] يراد به سلب ذلك الترك الخاص المضاهي لترك ~~المستحي عنه، لا سلب وصف الحياء عنه تعالى رأسا، كما في قولك: إن الله ~~لا يوصف بالحياء، لأن تخصيص السلب ببعض المواد يوهم كون الإيجاب من ~~شأنه تعالى في الجملة، فالمراد ههنا عدم ترك ضرب المثل المماثل لترك من ~~يستحي من ضربه، وفيه رمز إلى تعاضد الدواعي إلى ضربه وتآخذ البواعث ~~إليه، إذ الاستحياء إنما يتصور في الأفعال المقبولة للنفس، المرضية ~~عندها، ويجوز أن يكون وروده على طريقة المشاكلة، فإنهم كانوا يقولون: ~~أما يستحي رب محمد أن يضرب مثلا بالأشياء المحقرة، كما في قول من ~~قال: # من مبلغ أفناء يعرب كلها # أني بنيت الجار قبل المنزل # وضرب المثل استعماله في مضربه وتطبيقه به لا صنعه وإنشاؤه في نفسه، ~~وإلا لكان إنشاء الأمثال السائرة في مواردها ضربا لها دون استعمالها ~~بعد ذلك في مضاربها، لفقدان الإنشاء هناك. والأمثال الواردة في التنزيل ~~وإن كان استعمالها في مضاربها عين إنشائها في أنفسها، لكن التعبير ~~عنه بالضرب ليس بهذا الاعتبار، بل بالاعتبار الأول قطعا، وهو مأخوذ إما ~~من ضرب الخاتم بجامع التطبيق، فكما أن ضربه تطبيقه بقالبه، كذلك ~~استعمال الأمثال في مضاربها تطبيقها بها، كأن المضارب قوالب تضرب ~~الأمثال على شاكلتها، لكن لا بمعنى أنها تنشأ بحسبها بعد أن لم تكن ~~كذلك، بل بمعنى أنها تورد منطبقة عليها سواء كان إنشاؤها حينئذ كعامة ~~الأمثال التنزيلية، فإن مضاربها قوالبها، ms0111 أو قبل ذلك كسائر الأمثال ~~السائرة، فإنها وإن كانت مصنوعة من قبل إلا أن تطبيقها أي إيرادها ~~منطبقة على مضاربها إنما يحصل عند الضرب، وإما من ضرب الطين على الجدار ~~ليلتزق به بجامع الإلصاق، كأنه من يستعملها يلصقها بمضاربها ويجعلها ~~ضربة لازب لا تنفك عنها لشدة تعلقها بها. # ومحل (أن يضرب) على تقدير تعدية يستحي بنفسه النصب على المفعولية، ~~وأما على تقدير تعديته بالجار فعند الخليل الخفض بإضمار من، وعند ~~سيبويه النصب بإفضاء الفعل إليه بعد حذفها، و(مثلا) مفعول ليضرب، وما ~~اسمية إبهامية تزيد ما تقارنه من الاسم المنكر إبهاما وشياعا، كما في ~~قولك: أعطني كتابا ما، كأنه قيل مثلا ما من الأمثال، أي مثل كان. ~~فهي صفة لما قبلها، أو حرفية مزيدة لتقوية النسبة وتوكيدها كما في قوله ~~تعالى: # فبما رحمة من الله # [آل عمران، الآية 159] وبعوضة بدل من مثلا أو عطف بيان عند من ~~يجوزه في النكرات، أو مفعول ليضرب ومثلا حال تقدمت عليها لكونها نكرة، ~~أو هما مفعولاه لتضمنه معنى الجعل والتصيير، وقرىء بالرفع على أنه خبر ~~مبتدأ محذوف، أي هو بعوضة. # والجملة على تقدير كون ما موصولة صلة لها محذوفة الصدر كما في قوله ~~تعالى: # تماما على الذى أحسن # [الأنعام، الآية 154]على قراءة الرفع، وعلى تقدير كونها موصوفة لها ~~كذلك، ومحل ما، على الوجهين النصب على أنه بدل من مثلا، أو على أنه ~~مفعول ليضرب، وعلى تقدير كونها إبهامية صفة لمثلا كذلك، وأما على ~~تقدير كونها استفهامية فهي خبر لها، كأنه لما رد استبعادهم ضرب ~~المثل قيل: ما بعوضة، وأي مانع فيها حتى لا يضرب بها المثل، بل له ~~تعالى أن يمثل بما هو أصغر منها وأحقر كجناحها على ما وقع في قوله صلى ~~الله عليه وسلم: # " لو كانت الدنيا تزن عند الله جناح بعوضة ما سقى الكافر منها شربة ~~ماء " # والبعوض فعول من البعض وهو القطع كالبضع والعضب غلب على هذا النوع ~~كالخموش في لغة هذيل من الخمش وهو الخدش. # { فما فوقها } عطف على بعوضة ms0112 على تقدير نصبها على الوجوه المذكورة ~~وما موصولة أو موصوفة صلتها أو صفتها الظرف، وأما على تقدير رفعها فهو ~~عطف على ما الأولى على تقدير كونها موصولة أو موصوفة، وأما على تقدير ~~كونها استفهامية فهو عطف على خبرها أعني بعوضة لا على نفسها كما قيل، ~~والمعنى ما بعوضة فالذي فوقها أو فشيء فوقها، حتى لا يضرب بها المثل، ~~وكذا على تقدير كونها صفة للنكرة أو زائدة، وبعوضة خبر للمضمر، وذكر ~~البعوضة فما فوقها من بين أفراد المثل إنما هو بطريق التمثيل دون ~~التعيين والتخصيص، فلا يخل بالشيوع بل يقرره ويؤكده بطريق الأولوية، ~~والمراد بالفوقية إما الزيادة في المعنى الذي أريد بالتمثيل أعني ~~الصغر والحقارة، وإما الزيادة في الحجم والجثة لكن لا بالغا ما ~~بلغ، بل في الجملة كالذباب والعنكبوت. # وعلى التقدير الأول يجوز أن تكون ما الثانية خاصة استفهامية إنكارية ~~والمعنى: إن الله لا يستحي أن يضرب مثلا ما بعوضة فأي شيء فوقها في ~~الصغر والحقارة، فإذن له تعالى أن يمثل بكل ما يريد، ونظيره في احتمال ~~الأمرين ما روي أن رجلا بمنى خر على طنب فسطاط فقالت عائشة رضي ~~الله عنها حين ذكر لها ذلك: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " ما من مسلم يشاك شوكة فما فوقها إلا كتبت له بها درجة ومحيت ~~عنه بها خطيئة " # فإنه يحتمل ما يجاوز الشوكة في القلة كنخبة النملة بقوله عليه ~~السلام: # " ما أصاب المؤمن من مكروه فهو كفارة لخطاياه حتى نخبة النملة " # وما تجاوزها من الألم كأمثال ما حكي من الحرور. # فأما الذين ءامنوا # شروع في تفصيل ما يترتب على ضرب المثل من الحكم إثر تحقيق حقية صدوره ~~عنه تعالى. والفاء للدلالة على ترتب ما بعدها على ما يدل عليه ما قبلها، ~~كأنه قيل: فيضربه فأما الذين الخ، وتقديم بيان حال المؤمنين على ما ~~حكي من الكفرة مما لا يفتقر إلى بيان السبب، وفي تصدير الجملتين بأما ~~من إحماد أمر المؤمنين وذم الكفرة ما لا يخفى، وهو حرف متضمن ms0113 لمعنى ~~الشرط، وفعله بمنزلة مهما يكن من شيء، ولذلك يجاب بالفاء، وفائدته ~~توكيد ما صدر به وتفصيل ما في نفس المتكلم من الأقسام، فقد تذكر ~~جميعا وقد يقتصر على واحد منها، كما في قوله عز من قائل: # فأما الذين فى قلوبهم زيغ # [آل عمران، الآية 7] الخ، قال سيبويه: (أما) زيد معناه مهما يكن من شيء ~~فهو ذاهب لا محالة، وأنه منه عزيمة، وكان الأصل دخول الفاء على الجملة ~~لأنها الجزاء لكن كرهوا إيلاءها حرف الشرط، فأدخلوها الخبر وعوض ~~المبتدأ عن الشرط لفظا، والمراد بالموصول فريق المؤمنين المعهودين كما ~~أن المراد بالموصول الآتي فريق الكفرة لا من يؤمن بضرب المثل، ~~ومن يكفر به، لاختلال المعنى أي فأما المؤمنين فيعلمون... # { فيعلمون أنه الحق من ربهم } كسائر ما ورد منه ~~تعالى، والحق هو الثابت الذي يحق ثبوته لا محالة، بحيث لا سبيل ~~للعقل إلى إنكاره لا الثابت مطلقا، واللام للدلالة على أنه مشهود له ~~بالحقية، وأن له حكما ومصالح، ومن لابتداء الغاية المجازية، ~~وعاملها محذوف وقع حالا من الضمير المستكن في الحق، أو من الضمير ~~العائد إلى المثل، أو إلى ضربه، أي كائنا وصادرا من ربهم، والتعرض ~~لعنوان الربوبية مع الإضافة إلى ضميرهم لتشريفهم، وللإيذان بأن ضرب ~~المثل تربية لهم، وإرشاد إلى ما يوصلهم إلى كمالهم اللائق بهم، ~~والجملة سادة مسد مفعولي (يعلمون) عند الجمهور، ومسد مفعوله ~~الأول والثاني محذوف عند الأخفش، أي فيعلمون حقيته ثابتة، ولعل ~~الاكتفاء بحكاية علمهم المذكور عن حكاية اعترافهم بموجبه كما في قوله ~~تعالى: # والرسخون في العلم يقولون ءامنا به كل من عند ~~ربنا # [آل عمران، الآية 7] للإشعار بقوة ما بينهما من التلازم وظهوره ~~المغني عن الذكر. # { وأما الذين كفروا } ممن حكيت أقوالهم وأحوالهم { ~~فيقولون ماذا أراد الله بهذا مثلا } أوثر يقولون ~~على لا يعلمون حسبما يقتضيه ظاهر قرينه دلالة على كمال غلوهم في ~~الكفر، وترامي أمرهم في العتو، فإن مجرد عدم العلم بحقيته ليس بمثابة ~~إنكارها، والاستهزاء به صريحا وتمهيدا لتعداد ما نعي عليهم في ~~تضاعيف الجواب ms0114 من الضلال والفسق ونقض العهد وغير ذلك من شنائعهم ~~المترتبة على قولهم المذكور. # على أن عدم العلم بحقيته لا يعم جميعهم، فإن منهم من يعلم بها، ~~وإنما يقول ما يقول مكابرة وعنادا، وحمله على عدم الإذعان والقبول ~~الشامل للجهل والعناد تعسف ظاهر. هذا وقد قيل كان من حقه وأما الذين ~~كفروا فلا يعلمون، ليطابق قرينه ويقابل قسيمه، لكن لما كان قولهم ~~هذا دليلا واضحا على جهلهم عدل إليه على سبيل الكناية ليكون ~~كالبرهان عليه، فتأمل وكن على الحق المبين. # و(ماذا) إما مؤلفة من كلمة استفهام وقعت مبتدأ خبره ذا بمعنى الذي، ~~وصلته ما بعده، والعائد محذوف، فالأحسن أن يجيء جوابه مرفوعا، وإما ~~منزلة منزلة اسم واحد بمعنى أي شيء، فالأحسن في جوابه النصب، ~~والإرادة نزوع النفس وميلها إلى الفعل بحيث يحملها إليه أو القوة ~~التي هي مبدؤه، والأول مع الفعل، والثاني قبله، وكلاهما مما لا يتصور في ~~حقه تعالى، ولذلك اختلفوا في إرادته عز وجل، فقيل إرادته تعالى لأفعاله ~~كونه غير ساه فيها ولا مكره، ولأفعال غيره أمره بها، فلا تكون ~~المعاصي بإرادته تعالى، وقيل هي علمه باشتمال الأمر على النظام الأكمل، ~~والوجه الأصلح، فإنه يدعو القادر إلى تحصيله، والحق عبارة عن ترجيح ~~أحد طرفي المقدور على الآخر وتخصيصه بوجه دون وجه أو معنى يوجبه، وهي ~~أعم من الاختيار، فإنه ترجيح مع تفضيل، وفي كلمة (هذا) تحقير للمشار ~~إليه واسترذال له ومثلا نصب على التمييز أو على الحال كما في قوله ~~تعالى: # ناقة الله لكم ءاية # [الأعراف، الآية 37 وسورة هود، الآية 64] وليس مرادهم بهذه العظيمة ~~استفهام الحكمة في ضرب المثل ولا القدح في اشتماله على الفائدة مع ~~اعترافهم بصدوره عنه جل وعلا، بل غرضهم التنبيه بادعاء أنه من الدناءة ~~والحقارة بحيث لا يليق بأن يتعلق به أمر من الأمور الداخلة تحت ~~إرادته تعالى، على استحالة أن يكون ضرب المثل به من عنده سبحانه، فقوله ~~عز من قائل: { يضل به كثيرا ويهدي به كثيرا } جواب عن ~~تلك المقالة الباطلة، ورد ms0115 لها ببيان أنه مشتمل على حكمة جليلة ~~وغاية جميلة هي كونه ذريعة إلى هداية المستعدين للهداية، وإضلال ~~المنهمكين في الغواية، فوضع الفعلان موضع الفعل الواقع في الاستفهام ~~مبالغة في الدلالة على تحققهما، فإن إرادتهما دون وقوعهما بالفعل ~~وتجافيا عن نظم الإضلال مع الهداية في سلك الإرادة لإيهامه تساويهما في ~~تعلقهما، وليس كذلك، فإن المراد بالذات من ضرب المثل هو التذكر ~~والاهتداء كما ينبىء عنه قوله تعالى: # وتلك الأمثل نضربها للناس لعلهم يتفكرون # [الحشر، الآية 21] ونظائره. # وأماالإضلال فهو أمر عارض مترتب على سوء اختيارهم، وأوثر صيغة ~~الاستقبال إيذانا بالتجدد والاستمرار، وقيل: وضع الفعلان موضع مصدر، ~~كأنه قيل: أراد إضلال كثير وهداية كثير، وقدم الإضلال على الهداية ~~مع تقدم حال المهتدين على حال الضالين فيما قبله ليكون أول ما يقرع ~~أسماعهم من الجواب أمرا فظيعا يسوءهم ويفت في أعضادهم، وهو السر ~~في تخصيص هذه الفائدة بالذكر وقيل: هو بيان للجملتين المصدرتين بأما، ~~وتسجيل بأن العلم بكونه حقا هدى، وأن الجهل بوجه إيراده والإنكار ~~لحسن مورده ضلال وفسوق، وكثرة كل فريق إنما هي بالنظر إلى أنفسها ~~لا بالقياس إلى مقابليهم فلا يقدح في ذلك أقلية أهل الهدى بالنسبة إلى ~~أهل الضلال حسبما نطق به قوله تعالى: # وقليل من عبادى الشكور # ، [سبأ، الآية 13] ونحو ذلك. واعتبار كثرتهم الذاتية دون قلتهم الإضافية ~~لتكميل فائدة ضرب المثل وتكثيرها، ويجوز أن يراد في الأولين الكثرة من ~~حيث العدد وفي الآخرين من حيث الفضل والشرف كما في قول من قال: # إن الكرام كثير في البلاد وإن # قلوا كما غيرهم قل وإن كثروا # وإسناد الإضلال أي خلق الضلال إليه سبحانه مبني على أن جميع الأشياء ~~مخلوقة له تعالى، وإن كانت أفعال العباد من حيث الكسب مستندة إليهم، ~~وجعله من قبيل إسناد الفعل إلى سببه يأباه التصريح بالسبب، وقرىء ~~(يضل به كثير ويهدى به كثير) على البناء للمفعول، وتكرير به مع ~~جواز الاكتفاء بالأول لزيادة تقرير السببية وتأكيدها { وما يضل ~~به } أي بالمثل أو بضربه { إلا الفسقين } عطف على ما ms0116 قبله ~~وتكملة للجواب والرد وزيادة تعيين لمن أريد إضلالهم ببيان صفاتهم ~~القبيحة المستتبعة له، وإشارة إلى أن ذلك ليس إضلالا ابتدائيا بل ~~هو تثبيت على ما كانوا عليه من فنون الضلال وزيادة فيه، وقرىء وما ~~يضل به إلا الفاسقون على البناء للمفعول، والفسق في اللغة الخروج، ~~يقال: فسقت الرطبة عن قشرها والفأرة من جحرها أي خرجت، قال ~~رؤبة:[الرجز] # يذهبن في نجد وغورا غائرا # فواسقا عن قصدها جوائرا # وفي الشريعة الخروج عن طاعة الله عز وجل بارتكاب الكبيرة التي من ~~جملتها الإصرار على الصغيرة وله طبقات ثلاث: الأولى التغابي وهو ~~ارتكابها أحيانا مستقبحا لها، والثانية الانهماك في تعاطيها، ~~والثالثة المثابرة عليها مع جحود قبحها، وهذه الطبقة من مراتب الكفر ~~فما لم يبلغها الفاسق لا يسلب عنه اسم المؤمن لاتصافه بالتصديق الذي ~~عليه يدور الإيمان ولقوله تعالى: # وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا # [الحجرات، الآية 9] والمعتزلة لما ذهبوا إلى أن الإيمان عبارة عن ~~مجموع التصديق والإقرار والعمل، والكفر عن تكذيب الحق وجحوده، ولم ~~يتسن لهم إدخال الفاسق في أحدهما فجعلوه قسما بين قسمي المؤمن ~~والكافر لمشاركته كل واحد منهما في بعض أحكامه. والمراد بالفاسقين ~~ههنا العاتون الماردون في الكفر، الخارجون عن حدوده ممن حكي عنهم ما ~~حكي من إنكار كلام الله تعالى والاستهزاء به، وتخصيص الإضلال بهم ~~مترتبا على صفة الفسق وما أجري عليهم من القبائح للإيذان بأن ذلك هو ~~الذي أعدهم للإضلال وأدى بهم إلى الضلال فإن كفرهم وعدولهم عن الحق ~~وإصرارهم على الباطل صرف وجوه أنظارهم عن التدبر في حكمة المثل إلى ~~حقارة الممثل به حتى رسخت به جهالتهم وازدادت ضلالتهم فأنكروه ~~وقالوا فيه ما قالوا. ### || [2.27] # [من صفات الفاسقين] # { الذين ينقضون عهد الله } صفة للفاسقين للذم وتقرير ما ~~هم عليه من الفسق، والنقض فسخ التركيب من المركبات الحسية كالحبل ~~والغزل ونحوهما، واستعماله في إبطال العهد من حيث استعارة الحبل له لما ~~فيه من ارتباط أحد كلامي المتعاقدين بالآخر، فإن شفع بالحبل وأريد ~~به العهد كان ترشيحا للمجاز، وإن قرن بالعهد ms0117 كان رمزا إلى ما هو من ~~روادفه وتنبيها على مكانه، وأن المذكور قد استعير له كما يقال: شجاع ~~يفترس أقرانه، وعالم يغترف منه الناس تنبيها على أنه أسد في شجاعته ~~وبحر في إفاضته، والعهد: الموثق، يقال: عهد إليه كذا إذا وصاه به ~~ووثقه عليه والمراد ها هنا إما العهد المأخوذ بالفعل وهو الحجة ~~القائمة على عباده الدالة على وجوده (تعالى) ووحدته وصدق رسوله ~~عليه السلام، وبه أول قوله تعالى: # وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى # [الأعراف، الآية 172]، أو المعنى الظاهر منه أو المأخوذ من جهة الرسل ~~على الأمم بأنهم إذا بعث إليهم رسول مصدق بالمعجزات صدقوه واتبعوه ~~ولم يكتموا أمره وذكره في الكتب المتقدمة ولم يخالفوا حكمه كما ~~ينبىء عنه قوله عز وجل: # وإذ أخذ الله ميثق الذين أوتوا الكتب ~~لتبيننه للناس ولا تكتمونه # [آل عمران، الآية 187] ونظائره، وقيل: عهود الله تعالى ثلاثة، الأول ~~ما أخذه على جميع ذرية آدم عليه السلام بأن يقروا به وبربوبيته، ~~والثاني ما أخذه على الأنبياء عليهم السلام بأن يقيموا الدين ولا ~~يتفرقوا فيه، والثالث ما أخذه على العلماء بأن يبينوا الحق ولا ~~يكتموه. # { من بعد ميثقه } الميثاق إما اسم لما يقع به الوثاقة ~~والإحكام، وإما مصدر بمعنى التوثقة كالميعاد بمعنى الوعد، فعلى الأول إن ~~رجع الضمير إلى العهد كان المراد بالميثاق ما وثقوه به من القبول ~~والالتزام، وإن رجع إلى لفظ الجلالة يراد به آياته وكتبه وإنذار ~~رسله عليهم السلام، والمضاف محذوف على الوجهين، أي من بعد تحقق ~~ميثاقه، وعلى الثاني إن رجع الضمير إلى العهد، والميثاق مصدر من ~~المبني للفاعل فالمعنى من بعد أن وثقوه بالقبول والالتزام، أو من بعد أن ~~وثقه الله عز وجل بإنزال الكتب وإنذار الرسل، وإن كان مصدرا من المبني ~~للمفعول فالمعنى من بعد كونه موثقا إما بتوثيقهم إياه بالقبول وإما ~~بتوثيقه تعالى إياه بإنزال الكتب وإنذار الرسل. # { ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل } يحتمل كل ~~قطيعة لا يرضى بها الله سبحانه وتعالى كقطع الرحم وعدم موالاة ms0118 ~~المؤمنين والتفرقة بين الأنبياء عليهم السلام والكتب في التصديق، ~~وترك الجماعات المفروضة وسائر ما فيه رفض خير أو تعاطي شر، فإنه ~~يقطع ما بين الله تعالى وبين العبد، من الوصلة التي هي المقصودة ~~بالذات من كل وصل وفصل، والأمر هو القول الطالب للفعل مع العلو، وقيل: ~~بالاستعلاء، وبه سمي الأمر الذي هو واحد الأمور تسمية للمفعول ~~بالمصدر، فإنه مما يؤمر به كما يقال: له شأن وهو القصد والطلب لما أنه ~~أثر للشأن، وكذا يقال له شيء وهو مصدر شاء لما أنه أثر للمشيئة، ~~ومحل (أن يوصل) إما النصب على أنه بدل من الموصول أو من ضميره ~~والثاني أولى لفظا ومعنى. # { ويفسدون فى الأرض } بالمنع عن الإيمان والاستهزاء بالحق ~~وقطع الوصل التي عليها يدور فلك نظام العالم وصلاحه { أولئك } ~~إشارة إلى الفاسقين باعتبار اتصافهم بما فصل من الصفات القبيحة، وفيه ~~إيذان بأنهم متميزون بها أكمل تميز ومنتظمون بسبب ذلك في سلك الأمور ~~المحسوسة، وما فيه من معنى البعد للدلالة على بعد منزلتهم في الفساد { ~~هم الخسرون } الذين خسروا بإهمال العقل عن النظر واقتناص ما ~~يفيدهم الحياة الأبدية واستبدال الإنكار والطعن في الآيات بالإيمان ~~بها والتأمل في حقائقها والاقتباس من أنوارها واشتراء النقض بالوفاء ~~والفساد بالصلاح والقطيعة بالصلة والعقاب بالثواب. ### || [2.28] # { كيف تكفرون بالله } التفات إلى خطاب المذكورين مبني على ~~إيراد ما عد من قبائحهم السابقة لتزايد السخط الموجب للمشافهة ~~بالتوبيخ والتقريع، والاستفهام إنكاري لا بمعنى إنكار الوقوع كما في ~~قوله تعالى: # كيف يكون للمشركين عهد عند الله وعند رسوله # [التوبة، الآية 7] الخ، بل المعنى إنكار الواقع واستبعاده والتعجيب ~~منه، وفيه من المبالغة ما ليس في توجيه الإنكار إلى نفس الكفر بأن ~~يقال: أتكفرون، لأن كل موجود يجب أن يكون وجوده على حال من الأحوال ~~قطعا فإذا انتفى جميع أحوال وجوده فقد انتفى وجوده على الطريق ~~البرهاني، وقوله عز وجل: { وكنتم أموتا } إلى آخر الآية، حال ~~من ضمير الخطاب في تكفرون مؤكدة للإنكار والاستبعاد بما عدد فيها من ~~الشؤون العظيمة الداعية إلى ms0119 الإيمان الرادعة من الكفر من حيث كونها ~~نعمة عامة ومن حيث دلالتها على قدرة تامة كقوله تعالى: # وقد خلقكم أطوارا # [نوح، الآية 14] وكيف منصوبة على التشبيه بالظرف عند سيبويه، وبالحال ~~عند الأخفش، أي في أي حال أو على أي حال تكفرون به تعالى، والحال ~~أنكم كنتم أمواتا أي أجساما لا حياة لها، عناصر وأغذية ونطفا ~~ومضغا مخلقة وغير مخلقة، والأموات جمع ميت كأقوال جمع قيل، ~~وإطلاقها على تلك الأجسام باعتبار عدم الحياة مطلقا كما في قوله ~~تعالى: # بلدة ميتا # [الفرقان، الآية 49] وقوله تعالى: # وءاية لهم الأرض الميتة # [يس، الآية 33] { فأحيكم } بنفخ الأرواح فيكم، والفاء ~~للدلالة على التعقيب فإن الإحياء حاصل إثر كونهم أمواتا وإن توارد ~~عليهم في تلك الحالة أطوار مترتبة بعضها متراخ عن بعض كما أشير إليه ~~آنفا { ثم يحييكم } أي عند انقضاء آجالكم، وكون الإماتة من ~~دلائل القدرة ظاهر، وأما كونها من النعم فلكونها وسيلة إلى الحياة ~~الثانية التي هي الحيوان والنعمة العظمى، والتراخي المستفاد من كلمة ~~(ثم) بالنسبة إلى زمان الإحياء دون زمان الحياة، فإن زمان الإماتة ~~غير متراخ عنه { ثم يحييكم } بالنشور يوم ينفخ في الصور أو ~~للسؤال في القبور، وأيا ما كان فهو متراخ من زمان الإماتة، وإن كان ~~إثر زمان الموت المستمر { ثم إليه ترجعون } بعد الحشر لا ~~إلى غيره فيجازيكم بأعمالكم إن خيرا فخير وإن شرا فشر، أو إليه ~~تنشرون من قبوركم للحساب، وهذه الأفعال وإن كان بعضها ماضيا وبعضها ~~مستقبلا لا يتسنى مقارنة شيء منها لما هو حال منه في الزمان، لكن ~~الحال في الحقيقة هو العلم المتعلق بها كأنه قيل: كيف تكفرون بالله ~~وأنتم عالمون بهذه الأحوال المانعة منه، ومآله التعجيب من وقوعه مع ~~تحقق ما ينفيه، وإنما نظم ما ينكرونه من الإحياء الأخير والرجع في ~~سلك ما يعترفون به من الإحياء الأول والإماتة تنزيلا لتمكنهم من ~~العلم لما عاينوه من الدلائل القاطعة منزلة العلم بذلك بالفعل في ~~إزاحة العلل والأعذار. # والحياة حقيقة في القوة الحساسة أو ما يقتضيها، وبها سمي ms0120 الحيوان ~~حيوانا، مجاز في القوة النامية لكونها من طلائعها وكذا فيما يخص ~~الإنسان من العقل والعلم والإيمان من حيث إنه كمالها وغايتها، والموت ~~بإزائها يطلق على ما يقابل كل مرتبة من تلك المراتب قال تعالى: # قل الله يحييكم ثم يميتكم # [الجاثية، الآية 26] وقال تعالى: # اعلموا أن الله يحى الأرض بعد موتها # [ الحديد، الآية 17] وقال تعالى: # أو من كان ميتا فأحيينه وجعلنا له نورا ~~يمشي به فى الناس # [الأنعام، الآية 122] وعند وصفه تعالى بها يراد صحة اتصافه تعالى ~~بالعلم والقدرة اللازمة لهذه القوة فينا، أو معنى قائم بذاته تعالى ~~مقتض لذلك، وقرىء ترجعون بفتح التاء والأول هو الأليق بالمقام. ### || [2.29] # { هو الذى خلق لكم ما فى الأرض جميعا } تقرير ~~للإنكار و تأكيد له من الحيثيتين المذكورتين غير سبكه عن سبك ما ~~قبله مع اتحادهما في المقصود إبانة لما بينهما من التفاوت، فإن ما ~~يتعلق بذواتهم من الإحياء والإماتة والحشر أدخل في الحث على الإيمان ~~والكف عن الكفر مما يتعلق بمعايشهم، وما يجري مجراها، وفي جعل الضمير ~~مبتدأ والموصول خبرا من الدلالة على الجلالة ما لا يخفى، وتقديم ~~الظرف على المفعول الصريح لتعجيل المسرة ببيان كونه نافعا ~~للمخاطبين وللتشويق إليه كما سلف، أي خلق لأجلكم جميع ما في الأرض من ~~الموجودات لتنتفعوا بها في أمور دنياكم بالذات أو بالواسطة وأمور دينكم ~~بالاستدلال بها على شؤون الصانع تعالى شأنه، والاستشهاد بكل واحد ~~منها على ما يلائمه من لذات الآخرة وآلامها وما يعم جميع ما في ~~الأرض لا نفسها إلا أن يراد بها جهة السفل كما يراد بالسماء جهة ~~العلو، نعم يعم كل جزء من أجزائها، فإنه من جملة ما فيها ضرورة وجود ~~الجزء في الكل و(جميعا) حال من الموصول الثاني مؤكدة لما فيه من ~~العموم، فإن كل فرد من أفراد ما في الأرض بل كل جزء من أجزاء ~~العالم له مدخل في استمراره على ما هو عليه من النظام اللائق الذي عليه ~~يدور انتظام مصالح الناس. # أما من جهة المعاش فظاهر، وأما من ms0121 جهة الدين فلما أنه ليس في العالم ~~شيء مما يتعلق به النظر وما لا يتعلق به إلا وهو دليل على القادر ~~الحكيم جل جلاله كما مر في تفسير قوله تعالى: # رب العلمين # [الفاتحة، الآية 2] وإن لم يستدل به أحد بالفعل. # { ثم استوى إلى السماء } أي قصد إليها بإرادته ومشيئته ~~قصدا سويا بلا صارف يلويه ولا عاطف يثنيه من إرادة خلق شيء آخر ~~في تضاعيف خلقها أو غير ذلك، مأخوذ من قولهم: استوى إليه كالسهم ~~المرسل، وتخصيصه بالذكر ههنا إما لعدم تحققه في خلق السفليات، لما ~~روي من تخلل خلق السموات بين خلق الأرض ودحوها. عن الحسن رضي ~~الله عنه: خلق الله تعالى الأرض في موضع بيت المقدس كهيئة الفهر ~~عليها دخان يلتزق بها، ثم أصعد الدخان وخلق منه السموات، وأمسك ~~الفهر في موضعها، وبسط منها الأرضين. وذلك قوله تعالى: # كانتا رتقا ففتقنهما # [الأنبياء، الآية 30] وإما لإظهار كمال العناية بإبداع العلويات، ~~وقيل: استوى: استولى وملك، والأول هو الظاهر، وكلمة (ثم) للإيذان بما ~~فيه من المزية والفضل على خلق السفليات لا للتراخي الزماني، فإن تقدمه ~~على خلق ما في الأرض المتأخر عن دحوها مما لا مرية فيه لقوله تعالى: # والأرض بعد ذلك دحها # [النازعات، الآية 30] ولما روي عن الحسن، والمراد بالسماء إما ~~الأجرام العلوية فإن القصد إليها بالإرادة لا يستدعي سابقة الوجود ~~وإما جهات العلو. # { فسواهن } أي أتمهن وقومهن وخلقهن ابتداء مصونة عن ~~العوج والفطور، لا أنه تعالى سواهن بعد أن لم يكن كذلك ولا يخفى ما ~~في مقارنة التسوية والاستواء من حسن الموقع، وفيه إشارة إلى ألا ~~تغير فيهن بالنمو والذبول كما في السفليات، والضمير على الوجه ~~الأول للسماء لأنها في معنى الجنس، وقيل هي جمع سماءة أو سماوة، وعلى ~~الوجه الثاني مبهم يفسره قوله تعالى: { سبع سموات } كما في ~~قولهم: ربه رجلا، وهو على الوجه الأول بدل من الضمير، وتأخير ذكر ~~هذا الصنع البديع عن ذكر خلق ما في الأرض مع كونه أقوى منه في الدلالة ~~على كمال القدرة القاهرة ms0122 كما نبه عليه لما أن المنافع المنوطة بما ~~في الأرض أكثر، وتعلق مصالح الناس بذلك أظهر، وإن كان في إبداع ~~العلويات أيضا من المنافع الدينية والدنيوية ما لا يحصى. هذا ما ~~قالوا، وسيأتي في حم السجدة مزيد تحقيق وتفصيل بإذن الله تعالى. # { وهو بكل شىء عليم } اعتراض تذييلي مقرر لما قبله من ~~خلق السموات والأرض وما فيهما، على هذا النمط البديع المنطوي على ~~الحكم الفائقة والمصالح اللائقة، فإن علمه عز وجل بجميع الأشياء ~~ظاهرها وباطنها بارزها وكامنها وما يليق بكل واحد منها يستدعي أن ~~يخلق كل ما يخلقه على الوجه الرائق، وقرىء وهو بسكون الهاء تشبيها ~~له بعضد. ### || [2.30] # { وإذ قال ربك } بيان لأمر آخر من جنس الأمور المتقدمة ~~المؤكدة للإنكار والاستبعاد، فإن خلق آدم عليه السلام وما خصه به من ~~الكرامات السنية المحكية من أجل النعم الداعية لذريته إلى الشكر ~~والإيمان الناهية عن الكفر والعصيان، وتقرير لمضمون ما قبله من قوله ~~تعالى: # خلق لكم ما فى الأرض جميعا # [البقرة، الآية 29] وتوضيح لكيفية التصرف والانتفاع بما فيها، ~~وتلوين الخطاب بتوجيهه إلى النبي صلى الله عليه وسلم خاصة للإيذان بأن ~~فحوى الكلام ليس مما يهتدى إليه بأدلة العقل كالأمور المشاهدة التي ~~نبه عليها الكفرة بطريق الخطاب، بل إنما طريقه الوحي الخاص به ~~عليه السلام، وفي التعرض لعنوان الربوبية المنبئة عن التبليغ إلى الكمال ~~مع الإضافة إلى ضميره عليه السلام من الإنباء عن تشريفه عليه السلام ما ~~لا يخفى، وإذ ظرف موضوع لزمان نسبة ماضية وقع فيه نسبة أخرى ~~مثلها، كما أن إذا موضوع لزمان نسبة مستقبلة يقع فيه أخرى مثلها، ~~ولذلك يجب إضافتهما إلى الجمل، وانتصابه بمضمر صرح في قوله عز وجل: # واذكروا إذ كنتم قليلا فكثركم # [الأعراف، الآية 86] وقوله تعالى: # واذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد عاد # [الأعراف، الآية 74] وتوجيه الأمر بالذكر إلى الوقت دون ما وقع فيه من ~~الحوادث مع أنها المقصودة بالذات للمبالغة في إيجاب ذكرها، لما أن ~~إيجاب ذكر الوقت إيجاب لذكر ما وقع فيه بالطريق البرهاني، ms0123 ولأن الوقت ~~مشتمل عليها، فإذا استحضر كانت حاضرة بتفاصيلها، كأنها مشاهدة ~~عيانا، وقيل: ليس انتصابه على المفعولية، بل على تأويل اذكر الحادث ~~فيه بحذف المظروف وإقامة الظرف مقامه. # وأيا ما كان فهو معطوف على مضمر آخر ينسحب عليه الكلام كأنه قيل له ~~عليه السلام غب ما أوحي إليه ما خوطب به الكفرة من الوحي الناطق ~~بتفاصيل الأمور السابقة الزاجرة عن الكفر به تعالى: ذكرهم بذلك ~~واذكر لهم هذه النعمة ليتنبهوا بذلك لبطلان ما هم عليه وينتهوا عنه، ~~وأما ما قيل من أن المقدر هو اشكر النعمة في خلق السموات والأرض أو ~~تدبر ذلك فغير سديد ضرورة أن مقتضى الكلام تذكير المخاطبين ~~بمواجب الشكر وتنبيههم على ما يقتضيه، وأين ذاك من مقامه الجليل صلى ~~الله عليه وسلم؟ وقيل: انتصابه بقوله تعالى: قالوا، ويأباه أنه يقتضي أن ~~يكون هو المقصود بالذات دون سائر القصة، وقيل: بما سبق من قوله تعالى: # وبشر الذين ءامنوا # [البقرة، الآية 25. وسورة يونس، الآية 2]، ولا يخفى بعده، وقيل: ~~بمضمر دل عليه مضمون الآية المتقدمة مثل وبدأ خلقكم إذ قال الخ... ولا ~~ريب في أنه لا فائدة في تقييد بدء الخلق بذلك الوقت، وقيل: بخلقكم أو ~~بأحياكم مضمرا، وفيه ما فيه، وقيل: إذ زائدة، ويعزى ذلك إلى أبي ~~عبيد ومعمر، وقيل: إنه بمعنى قد، واللام في قوله عز قائلا: { ~~للملئكة } للتبليغ، وتقديم الجار والمجرور في هذا الباب ~~مطرد لما في المقول من الطول غالبا مع ما فيه من الاهتمام بما ~~قدم والتشويق إلى ما أخر كما مر مرارا، والملائكة جمع ملك ~~باعتبار أصله الذي هو ملأك على أن الهمزة مزيدة كالشمائل في جمع شمأل، ~~والتاء لتأكيد تأنيث الجماعة، واشتقاقه من ملك لما فيه من معنى الشدة ~~والقوة، وقيل: على أنه مقلوب من مألك، من الألوكة وهي الرسالة أي ~~موضع الرسالة أو مرسل على أنه مصدر بمعنى المفعول، فإنهم وسائط بين ~~الله تعالى وبين الناس فهم رسله عز وجل، أو بمنزلة رسله عليهم ~~السلام، واختلفت العقلاء في حقيقتهم بعد اتفاقهم ms0124 على أنها ذوات ~~موجودة قائمة بأنفسها. # فذهب أكثر المتكلمين إلى أنها أجسام لطيفة قادرة على التشكل بأشكال ~~مختلفة، مستدلين بأن الرسل كانوا يرونهم كذلك عليهم السلام، وذهب ~~الحكماء إلى أنها جواهر مجردة مخالفة للنفوس الناطقة في الحقيقية، ~~وأنها أكمل منها قوة وأكثر علما يجري منها مجرى الشمس من الأضواء ~~منقسمة إلى قسمين: قسم شأنهم الاستغراق في معرفة الحق والتنزه ~~عن الاشتغال بغيره كما نعتهم الله عز وجل بقوله: # يسبحون الليل والنهار لا يفترون # [الأنبياء، الآية 20] وهم العليون المقربون، وقسم يدبر ~~الأمر من السماء إلى الأرض حسبما جرى عليه قلم القضاء والقدر، وهم ~~المدبرات أمرا، فمنهم سماوية ومنهم أرضية، وقالت طائفة من النصارى: ~~هي النفوس الفاضلة البشرية المفارقة للأبدان، ونقل في شرح كثرتهم ~~أنه عليه السلام قال: # " أطت السماء وحق لها أن تئط ما فيها موضع قدم ~~إلا وفيه ملك ساجد أو راكع " # وروي أن بني آدم عشر الجن، وهما عشر حيوانات البر، والكل عشر ~~الطيور، والكل عشر حيوانات البحار، وهؤلاء كلهم عشر ملائكة ~~السماء الدنيا، وكل هؤلاء عشر ملائكة السماء الثانية، وهكذا إلى ~~السماء السابعة، ثم كل أولئك في مقابلة ملائكة الكرسي نزر قليل، ~~ثم جميع هؤلاء عشر ملائكة سرادق واحد من سرادقات العرش التي ~~عددها ستمائة ألف، طول كل سرادق وعرضه وسمكه إذا قوبلت به ~~السموات والأرض وما فيهما وما بينهما لا يكون لها عنده قدر ~~محسوس، وما منه من مقدار شبر إلا وفيه ملك ساجد أو راكع أو قائم، ~~لهم زجل بالتسبيح والتقديس. # ثم كل هؤلاء في مقابلة الملائكة الذين يحومون حول العرش كالقطرة ~~في البحر، ثم ملائكة اللوح الذين هم أشياع إسرافيل عليه السلام ~~والملائكة الذين هم جنود جبريل عليه السلام لا يحصي أجناسهم ولا ~~مدة أعمارهم ولا كيفيات عباداتهم إلا بارئهم العليم الخبير على ~~ما قال تعالى: # وما يعلم جنود ربك إلا هو # [المدثر، الآية 31]. # وروي أنه عليه السلام حين عرج به إلى السماء رأى ملائكة في موضع ~~بمنزلة شرف يمشي بعضهم تجاه بعض، فسأل رسول ms0125 الله صلى الله عليه وسلم ~~جبريل عليه السلام إلى أين يذهبون؟ فقال جبريل: لا أدري إلا أني أراهم ~~منذ خلقت ولا أرى واحدا منهم قد رأيته قبل ذلك، ثم سألا واحدا منهم ~~منذ كم خلقت؟ فقال: لا أدري غير أن الله عز وجل يخلق في كل أربعمائة ~~ألف سنة كوكبا، وقد خلق منذ خلقني أربعمائة ألف كوكب فسبحانه من ~~إله ما أعظم قدره وما أوسع ملكوته. # واختلف في الملائكة الذين قيل لهم ما قيل، فقيل: هم ملائكة الأرض، ~~وروى الضحاك عن ابن عباس رضي الله عنهما: أنهم المختارون مع إبليس حين ~~بعثه الله عز وجل لمحاربة الجن، حيث كانوا سكان الأرض فأفسدوا فيها ~~وسفكوا الدماء فقتلوهم إلا قليلا، قد أخرجوهم من الأرض وألحقوهم ~~بجزائر البحار وقلل الجبال وسكنوا الأرض، وخفف الله تعالى عنهم ~~العبادة، وأعطى إبليس ملك الأرض وملك السماء الدنيا وخزانة الجنة، ~~فكان يعبد الله تعالى تارة في الأرض وتارة في السماء، وأخرى في الجنة، ~~فأخذه العجب، فكان من أمره ما كان، وقال أكثر الصحابة والتابعين رضوان ~~الله تعالى عليهم أنهم كل الملائكة لعموم اللفظ وعدم المخصص. # وقوله تعالى: { إني جاعل فى الأرض خليفة } في حيز النصب ~~على أنه مقول قال، وصيغة الفاعل بمعنى المستقبل، ولذلك عملت عمله. ~~وفيها ما ليس في صيغة المضارع من الدلالة على أنه فاعل ذلك لا ~~محالة وهي من الجعل بمعنى التصيير المتعدي إلى مفعولين، فقيل: ~~أولهما خليفة وثانيهما الظرف المتقدم على ما هو مقتضى الصناعة، فإن ~~مفعولي التصيير في الحقيقة اسم صار وخبره، أولهما الأول، وثانيهما ~~الثاني، وهما مبتدأ وخبر، والأصل في الأرض خليفة ثم قيل: صار في ~~الأرض خليفة ثم مصير في الأرض خليفة فمعناه بعد اللتيا والتي: إني ~~جاعل خليفة من الخلائف أو خليفة بعينه كائنا في الأرض، فإن خبر صار ~~في الحقيقة هو الكون المقدر العامل في الظرف، ولا ريب في أن ذلك ليس ~~مما يقتضيه المقام أصلا، وإنما الذي يقتضيه هو الإخبار بجعل آدم ~~(عليه السلام) خليفة فيها كما ms0126 يعرب عنه جواب الملائكة عليهم السلام، ~~فإذن قوله تعالى خليفة مفعول ثان، والظرف متعلق بجاعل، قدم على ~~المفعول الصريح لما مر من التشويق إلى ما أخر، أو بمحذوف وقع حالا ~~مما بعده لكونه نكرة، وأما المفعول الأول فمحذوف تعويلا على القرينة ~~الدالة عليه كما في قوله تعالى: # ولا تؤتوا السفهاء أمولكم التى جعل الله ~~لكم قيما # [النساء، الآية 5] حذف فيه المفعول الأول وهو ضمير الأموال لدلالة ~~الحال عليه وكذا في قوله تعالى: # ولا يحسبن الذين يبخلون بما ءاتهم الله من ~~فضله هو خيرا لهم # [آل عمران، الآية 180] حيث حذف فيه المفعول الأول لدلالة يبخلون عليه. ~~أي لا يحسبن البخلاء بخلهم هو خيرا لهم، ولا ريب في تحقق القرينة ~~ههنا، أما إن حمل على الحذف عند وقوع المحكي فهي واضحة لوقوعه في ~~أثناء ذكره عليه السلام على ما سنفصله، كأنه قيل: إني خالق بشرا من ~~طين وجاعل في الأرض خليفة، وإما إن حمل على أنه لم يحذف هناك بل قيل ~~مثلا وجاعل إياه خليفة في الأرض لكنه حذف عند الحكاية فالقرينة ما ~~ذكر من جواب الملائكة عليهم السلام. # قال العلامة الزمخشري في تفسير قوله تعالى: # إذ قال ربك للملئكة إنى خلق بشرا من طين # [ص، الآية 71] إن قلت: كيف صح أن يقول لهم بشرا وما عرفوا ما البشر ~~ولا عهدوا به؟ قلت: وجهه أن يكون قد قال لهم: إني خالق خلقا من صفته ~~كيت وكيت ولكنه حين حكاه اقتصر على الاسم انتهى. فحيث جاز الاكتفاء ~~عند الحكاية عن ذلك التفصيل بمجرد الاسم من غير قرينة تدل عليه فما ~~ظنك بما نحن فيه ومعه قرينة ظاهرة، ويجوز أن يكون من الجعل بمعنى ~~الخلق المتعدي إلى مفعول واحد هو (خليفة)، وحال الظرف في التعلق ~~والتقديم كما مر، فحينئذ لا يكون ما سيأتي من كلام الملائكة مترتبا ~~عليه بالذات بل بالواسطة، فإنه روي أنه تعالى لما قال لهم: { إني ~~جاعل فى الأرض خليفة } قالوا: ربنا وما يكون ذلك الخليفة؟ قال ~~تعالى: يكون له ذرية ms0127 يفسدون في الأرض ويتحاسدون ويقتل بعضهم بعضا، ~~فعند ذلك قالوا ما قالوا والله تعالى أعلم. # والخليفة من يخلف غيره وينوب منابه، فعيل بمعنى الفاعل والتاء ~~للمبالغة، والمراد به إما آدم عليه السلام وبنوه، وإنما اقتصر عليه ~~استغناء بذكره عن ذكرهم كما يستغنى عن ذكر القبيلة بذكر أبيها ~~كمضر وهاشم، ومنه «الخلافة في قريش» وإما من يخلف أو خلف يخلف ~~فيعمه عليه السلام وغيره من خلفاء ذريته، والمراد بالخلافة إما ~~الخلافة من جهته سبحانه في إجراء أحكامه وتنفيذ أوامره بين الناس ~~وسياسة الخلق لكن لا لحاجة به تعالى إلى ذلك بل لقصور استعداد ~~المستخلف عليهم، وعدم لياقتهم لقبول الفيض بالذات فتختص بالخواص ~~من بنيه، وإما الخلافة ممن كان في الأرض قبل ذلك فتعم حينئذ الجميع. # { قالوا } استئناف وقع جوابا عما تنساق إليه الأذهان كأنه قيل: ~~فماذا قالت الملائكة حينئذ، فقيل: قالوا: { أتجعل فيها من ~~يفسد فيها }؟ وهو أيضا من الجعل المتعدي إلى اثنين، فقيل فيهما ما ~~قيل في الأول، والظاهر أن الأول كلمة من، والثاني محذوف ثقة بما ~~ذكر في الكلام السابق، كما حذف الأول ثمة تعويلا على ما ذكر هنا قال ~~قائلهم: [الخفيف] # لا تخلنا على عزائك إنا # طالما قد وشى بنا الأعداء # بحذف المفعول الثاني أي لا تخلنا جازعين على عزائك: والمعنى أتجعل ~~فيها من يفسد فيها خليفة؟ والظرف الأول متعلق بتجعل وتقديمه لما مر ~~مرارا والثاني بيفسد، وفائدته تأكيد الاستبعاد لما أن في استخلاف ~~المفسد في محل إفساده من البعد ما ليس في استخلافه في غيره، هذا وقد ~~جوز كونه من الجعل بمعنى الخلق المتعدي إلى مفعول واحد هو كلمة ~~من، وأنت خبير بأن مدار تعجبهم ليس خلق من يفسد في الأرض، كيف ~~لا وإن ما يعقبه من الجملة الحالية الناطقة بدعوى أحقيتهم منه يقضي ~~ببطلانه حتما إذ لا صحة لدعوى الأحقية منه بالخلق وهم مخلوقون، بل ~~مداره أن يستخلف لعمارة الأرض وإصلاحها بإجراء أحكام الله تعالى ~~وأوامره أو يستخلف مكان المطبوعين على الطاعة من من شأن بني ms0128 ~~نوعه الإفساد وسفك الدماء. # وهو عليه السلام وإن كان منزها عن ذلك إلا أن استخلافه مستتبع ~~لاستخلاف ذريته التي لا تخلو عنه غالبا، وإنما أظهروا تعجبهم ~~استكشافا عما خفي عليهم من الحكم التي بدت على تلك المفاسد ~~وألغتها، واستخبارا عما يزيح شبهتهم ويرشدهم إلى معرفة ما فيه عليه ~~السلام من الفضائل التي جعلته أهلا لذلك، كسؤال المتعلم عما ينقدح في ~~ذهنه لا اعتراضا على فعل الله سبحانه ولا شكا في اشتماله على الحكمة ~~والمصلحة إجمالا، ولا طعنا فيه عليه السلام ولا في ذريته على وجه ~~الغيبة، فإن منصبهم أجل من أن يظن بهم أمثال ذلك، قال تعالى: # بل عباد مكرمون لا يسبقونه بالقول وهم ~~بأمره يعملون # [الأنبياء، الآية 26، 27] وإنما عرفوا ما قالوا إما بإخبار من الله ~~تعالى حسبما نقل من قبل، أو بتلق من اللوح، أو باستنباط عما ارتكز في ~~عقولهم من اختصاص العصمة بهم، أو بقياس لأحد الثقلين على الآخر. # { ويسفك الدماء } السفك والسفح والسبك والسكب أنواع من ~~الصب، والأولان مختصان بالدم، بل لا يستعمل أولهما إلا في الدم ~~المحرم، أي يقتل النفوس المحرمة بغير حق، والتعبير عنه بسفك الدماء ~~لما أنه أقبح أنواع القتل وأفظعه وقرىء يسفك بضم الفاء، ويسفك ~~ويسفك من أسفك وسفك، وقرىء يسفك على البناء للمفعول وحذف الراجع ~~إلى (من) موصولة أو موصوفة أي يسفك الدماء فيهم. # { ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك } جملة حالية مقررة ~~للتعجب السابق ومؤكدة له على طريقة قول من يجد في خدمة مولاه وهو ~~يأمر بها غيره أتستخدم العصاة وأنا مجتهد فيها! كأنه قيل: أتستخلف ~~من شأن ذريته الفساد مع وجود من ليس من شأنه ذلك أصلا؟ والمقصود ~~عرض أحقيتهم منهم بالخلافة واستفسار عما رجحهم عليهم مع ما هو ~~متوقع منهم من الموانع لا العجب والتفاخر، فكأنهم شعروا بما فيهم ~~من القوة الشهوية التي رذيلتها الإفراطية الفساد في الأرض والقوة ~~الغضبية التي رذيلتها الإفراطية سفك الدماء فقالوا ما قالوا وذهلوا ~~عما إذا سخرتهما القوة العقلية ومرنتهما على الخير [فإنه] يحصل ~~بذلك ms0129 من علو الدرجة ما يقصر عن بلوغ رتبة القوة العقلية عند ~~انفرادها في أفاعيلها، كالإحاطة بتفاصيل أحوال الجزئيات واستنباط ~~الصناعات، واستخراج منافع الكائنات من القوة إلى الفعل وغير ذلك مما نيط ~~به أمر الخلافة. # والتسبيح تنزيه الله تعالى وتبعيده اعتقادا وقولا وعملا عما لا ~~يليق بجنابه سبحانه، من سبح في الأرض والماء إذا أبعد فيهما وأمعن، ~~ومنه فرس سبوح أي واسع الجري وكذلك تقديسه تعالى من قدس في ~~الأرض إذا ذهب فيها وأبعد، ويقال: قدسه أي طهره، فإن مطهر ~~الشيء مبعده عن الأقذار، والباء في (بحمدك) متعلقة بمحذوف وقع ~~حالا من الضمير، أي ننزهك عن كل ما لا يليق بشأنك متلبسين بحمدك ~~على ما أنعمت به علينا من فنون النعم التي من جملتها توفيقنا لهذه ~~العبادة، فالتسبيح لإظهار صفات الجلال، والحمد لتذكير صفات ~~الإنعام، واللام في لك إما مزيدة والمعنى نقدسك، وإما صلة للفعل كما ~~في سجدت لله، وإما للبيان كما في سقيا لك، فتكون متعلقة بمحذوف، أي ~~نقدس تقديسا لك أي نصفك بما يليق بك من العلو والعزة وننزهك عما ~~لا يليق بك، وقيل: المعنى نطهر نفوسنا عن الذنوب لأجلك، كأنهم قابلوا ~~الفساد الذي أعظمه الإشراك بالتسبيح وسفك الدماء الذي هو تلويث ~~النفس بأقبح الجرائم بتطهير النفس عن الآثام لا تمدحا بذلك ولا ~~إظهارا للمنة بل بيانا للواقع. # { قال } استئناف كما سبق { إني أعلم ما لا تعلمون } ليس ~~المراد به بيان أنه تعالى يعلم ما لا يعلمون من الأشياء كائنا ما ~~كان، فإن ذلك مما لا شبهة لهم فيه حتى يفتقروا إلى التنبيه عليه لا ~~سيما بطريق التوكيد، بل بيان أن فيه عليه الصلاة والسلام معاني ~~مستدعية لاستخلافه، إذ هو الذي خفي عليهم وبنوا عليه ما بنوا من ~~التعجب والاستبعاد، فما موصولة كانت أم موصوفة عبارة عن تلك المعاني، ~~والمعنى: إني أعلم ما لا تعلمونه من دواعي الخلافة فيه، وإنما لم يقتصر ~~على بيان تحققها فيه عليه السلام بأن قيل مثلا: إن فيه ما يقتضيه من ~~غير تعرض لإحاطته ms0130 تعالى وغفلتهم عنه تفخيما لشأنه وإيذانا بابتناء ~~أمره تعالى على العلم الرصين والحكمة المتقنة وصدور قولهم عن ~~الغفلة، وقيل: معناه إني أعلم من المصالح في استخلافه ما هو خفي ~~عليكم، وأن هذا إرشاد للملائكة إلى العلم بأن أفعاله تعالى كلها ~~حسنة وحكمة وإن خفي عليهم وجه الحسن والحكمة. # وأنت خبير بأنه مشعر بكونهم غير عالمين بذلك من قبل ويكون ~~تعجبهم مبنيا على ترددهم في اشتمال هذا الفعل لحكمة ما، وذلك مما لا ~~يليق بشأنهم فإنهم عالمون بأن ذلك متضمن لحكمة ما، ولكنهم مترددون ~~في أنها ماذا؟ هل هو أمر راجع إلى محض حكم الله عز وجل، أو إلى فضيلة ~~من جهة المستخلف؟ فبين سبحانه وتعالى لهم أولا على وجه الإجمال ~~والإبهام أن فيه فضائل غائبة عنهم ليستشرفوا إليها، ثم أبرز لهم ~~طرفا منها ليعاينوه جهرة ويظهر لهم بديع صنعه وحكمته وينزاح ~~شبهتهم بالكلية. ### || [2.31] # { وعلم ءادم الأسماء كلها } شروع في تفصيل ما جرى بعد ~~الجواب الإجمالي تحقيقا لمضمونه وتفسيرا لإبهامه، وهو عطف على ~~(قال)، والابتداء بحكاية التعليم يدل بظاهره على أن ما مر من المقاولة ~~المحكية إنما جرت بعد خلقه عليه السلام بمحضر منه، وهو الأنسب بوقوف ~~الملائكة على أحواله عليه السلام، بأن قيل إثر نفخ الروح فيه: إني ~~جاعل إياه خليفة فقيل ما قيل كما أشير إليه، وإيراده عليه السلام ~~باسمه العلمي لزيادة تعيين المراد بالخليفة، ولأن ذكره بعنوان ~~الخلافة لا يلائم مقام تمهيد مباديها، وهو اسم أعجمي والأقرب أن ~~وزنه فاعل كشالخ وعاذر وعابر وفالغ لا أفعل، والتصدي لاشتقاقه من ~~الأدمة أو الأدمة بالفتح بمعنى الأسوة، أو من أديم الأرض بناء على ما ~~روي عنه صلى الله عليه وسلم: من أنه تعالى قبض قبضة من جميع الأرض ~~سهلها وحزنها فخلق منها آدم، ولذلك اختلفت ألوان ذريته أو من الأدم ~~والأدمة بمعنى الألفة تعسف كاشتقاق إدريس من الدرس، ويعقوب من ~~العقب، وإبليس من الإبلاس، والاسم باعتبار الاشتقاق ما يكون علامة ~~للشيء ودليلا يرفعه إلى الذهن من الألفاظ والصفات والأفعال، ms0131 واستعماله ~~عرفا في اللفظ الموضوع لمعنى مفردا كان أو مركبا مخبرا عنه أو ~~خبرا أو رابطة بينهما، واصطلاحا في المفرد الدال على معنى في نفسه ~~غير مقترن بالزمان، والمراد ههنا إما الأول أو الثاني، وهو مستلزم ~~للأول، إذ العلم بالألفاظ من حيث الدلالة على المعاني مسبوق بالعلم ~~بها والتعليم حقيقة عبارة عن فعل يترتب عليه العلم بلا تخلف عنه ولا ~~يحصل ذلك بمجرد إفاضة المعلم، بل يتوقف على استعداد المتعلم لقبول ~~الفيض وتلقيه من جهته كما مر في تفسير الهدى، وهو السر في إيثاره على ~~الإعلام والإنباء، فإنهما إنما يتوقفان على سماع الخبر الذي يشترك فيه ~~البشر والملك، وبه يظهر أحقيته بالخلافة منهم عليهم السلام لما أن ~~جبلتهم غير مستعدة للإحاطة بتفاصيل أحوال الجزئيات الجسمانية ~~خبرا، فمعنى تعليمه تعالى إياه أن يخلق فيه إذ ذاك بموجب استعداده ~~علما ضروريا تفصيليا بأسماء جميع المسميات وأحوالها وخواصها ~~اللائقة بكل منها، أو يلقي في روعه تفصيلا أن هذا فرس، وشأنه كيت ~~وكيت، وذاك بعير وحاله ذيت وذيت إلى غير ذلك من أحوال الموجودات، ~~فيتلقاها عليه السلام حسبما يقتضيه استعداده ويستدعيه قابليته ~~المتفرعة على فطرته المنطوية على طبائع متباينة وقوى متخالفة وعناصر ~~متغايرة. # قال ابن عباس وعكرمة وقتادة ومجاهد وابن جبير رضي الله تعالى ~~عنهم: علمه أسماء جميع الأشياء حتى القصعة والقصيعة وحتى الجفنة ~~والمحلب وأنحى منفعة كل شيء إلى جنسه. وقيل: أسماء ما كان وما ~~سيكون إلى يوم القيامة، وقيل: معنى قوله تعالى وعلم آدم الأسماء خلقه ~~من أجزاء مختلفة وقوى متباينة مستعدا لإدراك أنواع المدركات من ~~المعقولات والمحسوسات والمتخيلات والموهومات، وألهمه معرفة ذوات ~~الأشياء وأسمائها وخواصها ومعارفها وأصول العلم وقوانين الصناعات ~~وتفاصيل آلاتها وكيفيات استعمالاتها، فيكون ما مر من المقاولة قبل ~~خلقه عليه السلام. # وقيل: التعليم على ظاهره ولكن هناك جملا مطوية عطف عليها المذكور ~~أي فخلقه فسواه ونفخ فيه الروح وعلمه الخ { ثم عرضهم على ~~الملئكة } الضمير للمسميات المدلول عليها بالأسماء كما في قوله ~~تعالى: # واشتعل الرأس شيبا # [مريم، الآية 4] والتذكير ms0132 لتغليب العقلاء على غيرهم وقرىء عرضهن ~~وعرضها أي عرض مسمياتهن أو مسمياتها، في الحديث: أنه تعالى عرضهم ~~أمثال الذر، ولعله عز وجل عرض عليهم من أفراد كل نوع ما يصلح أن ~~يكون أنموذجا يتعرف منه أحوال البقية وأحكامها. # { فقال أنبئونى بأسماء هؤلاء } تبكيتا لهم وإظهارا ~~لعجزهم عن إقامة ما علقوا به رجاءهم من أمر الخلافة، فإن التصرف ~~والتدبير وإقامة المعدلة بغير وقوف على مراتب الاستعدادات ~~ومقادير الحقوق مما لا يكاد يمكن والإنباء إخبار فيه إعلام، ولذلك ~~يجري مجرى كل منهما والمراد ههنا ما خلا عنه، وإيثاره على الإخبار ~~للإيذان برفعة شأن الأسماء وعظم خطرها، فإن النبأ إنما يطلق على ~~الخبر الخطير والأمر العظيم { إن كنتم صدقين } أي في زعمكم ~~أنكم أحقاء بالخلافة ممن استخلفته كما ينبىء عنه مقالكم، والتصديق كما ~~يتطرق إلى الكلام باعتبار منطوقه قد يتطرق إليه باعتبار ما يلزمه من ~~الإخبار، فإن أدنى مراتب الاستحقاق هو الوقوف على أسماء ما في الأرض، ~~وأما ما قيل من أن المعنى في زعمكم أني أستخلف في الأرض مفسدين سفاكين ~~للدماء فليس مما يقتضيه المقام، وإن أول بأن يقال في زعمكم أني ~~أستخلف من غالب أمره الإفساد وسفك الدماء من غير أن يكون له ~~مزية من جهة أخرى، إذ لا تعلق له بأمرهم بالإنباء. وجواب الشرط ~~محذوف لدلالة المذكور عليه. ### || [2.32] # { قالوا } استئناف واقع موقع الجواب كأنه قيل: فماذا قالوا حينئذ، ~~هل خرجوا عن عهدة ما كلفوه أو لا؟ فقيل: قالوا { سبحنك } قيل: ~~هو علم للتسبيح ولا يكاد يستعمل إلا مضافا وقد جاء غير مضاف على ~~الشذوذ غير منصرف للتعريف والألف والنون المزيدتين كما في قوله: ~~[السريع] # [أقول لما جاءني فخره] # سبحان من علقمة الفاخر # وأما في قوله: [البسيط] # سبحانه ثم سبحانا نعوذ به # [وقبلنا سبح الجودي والجمد] # فقيل: صرفه للضرورة، وقيل: إنه مصدر منكر كغفران، لا اسم مصدر، ~~ومعناه على الأول نسبحك عما لا يليق بشأنك الأقدس من الأمور التي من ~~جملتها خلو أفعالك من الحكم والمصالح وعنوا بذلك تسبيحا ناشئا ms0133 ~~عن كمال طمأنينة النفس والإيمان باشتمال استخلاف آدم عليه السلام على ~~الحكم البالغة، وعلى الثاني تنزهت عن ذلك ناشئا عن ذاتك، وأرادوا ~~به أنهم قالوه عن إذعان لما علموا إجمالا بأنه عليه السلام يكلف ما ~~كلفوه، وأنه يقدر على ما قد عجزوا عنه مما يتوقف عليه الخلافة، وقوله ~~عز وعلا: { لا علم لنا إلا ما علمتنا } اعتراف منهم ~~بالعجز عما كلفوه، إذ معناه لا علم لنا إلا ما علمتناه بحسب قابليتنا ~~من العلوم المناسبة لعالمنا ولا قدرة بنا على ما هو خارج عن دائرة ~~استعدادنا حتى لو كنا مستعدين لذلك لأفضته علينا، و(ما) في ما ~~علمتنا موصولة حذف من صلتها عائدها أو مصدرية، ولقد نفوا عنهم العلم ~~بالأسماء على وجه المبالغة حتى لم يقتصروا على بيان عدمه بأن قالوا ~~مثلا لا علم لنا بها، بل جعلوه من جملة ما لا يعلمونه، وأشعروا بأن ~~كونه من تلك الجملة غني عن البيان { إنك أنت العليم } الذي ~~لا يخفى عليه خافية، وهذا إشارة إلى تحقيقهم لقوله تعالى: # إني أعلم ما لا تعلمون # [البقرة، الآية30] { الحكيم } أي المحكم لمصنوعاته الفاعل لها ~~حسبما تقتضيه الحكمة والمصلحة وهو خبر بعد خبر، أو صفة للأول، و(أنت) ~~ضمير الفصل لا محل له من الإعراب، أو له محل منه مشارك لما قبله كما ~~قاله الفراء، أو لما بعده كما قاله الكسائي، وقيل: تأكيد للكاف كما في ~~قولك: مررت بك أنت، وقيل: مبتدأ خبره ما بعده، والجملة خبر إن، وتلك ~~الجملة تعليل لما سبق من قصر علمهم بما علمهم الله تعالى وما يفهم من ~~ذلك من علم آدم عليه السلام بما خفي عليهم، فكأنهم قالوا أنت العالم ~~بكل المعلومات التي من جملتها استعداد آدم عليه السلام لما نحن بمعزل ~~من الاستعداد له من العلوم الخفية المتعلقة بما في الأرض من أنواع ~~المخلوقات التي عليها يدور فلك خلافة الحكيم الذي لا يفعل إلا ما ~~تقتضيه الحكمة ومن جملته تعليم آدم عليه السلام ما هو قابل له من ~~العلوم الكلية والمعارف الجزئية ms0134 المتعلقة بالأحكام الواردة على ما في ~~الأرض، وبناء أمر الخلافة عليها. ### || [2.33] # { قال } استئناف كما سلف { ياءادم أنبئهم } أي أعلمهم، ~~أوثر على أنبئني كما وقع في أمر الملائكة مع حصول المراد معه أيضا وهو ~~ظهور فضل آدم عليهم، عليهم السلام، إبانة لما بين الأمرين من ~~التفاوت الجلي وإيذانا بأن علمه عليه السلام بها أمر واضح غير ~~محتاج إلى ما يجري مجرى الامتحان، وأنه عليه السلام حقيق بأن يعلمها ~~غيره وقرىء بقلب الهمزة ياء وبحذفها أيضا والهاء مكسورة فيهما { ~~بأسمائهم } التي عجزوا عن علمها واعترفوا بتقاصر هممهم عن ~~بلوغ مرتبتها { فلما أنبأهم بأسمائهم } الفاء فصيحة ~~عاطفة للجملة الشرطية على محذوف يقتضيه المقام وينسحب عليه الكلام، ~~للإيذان بتقرره وغناه عن الذكر، وللإشعار بتحققه في أسرع ما يكون ~~كما في قوله عز وجل: # فلما رءاه مستقرا عنده # [النمل، الآية 40] بعد قوله سبحانه: # أنا آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك # [النمل، الآية 40] وإظهار الأسماء في موقع الإضمار لإظهار كمال ~~العناية بشأنها،والإيذان بأنه عليه السلام أنبأهم بها على وجه التفصيل ~~دون الإجمال، والمعنى فأنبأهم بأسمائهم مفصلة وبين لهم أحوال كل ~~منهم وخواصه وأحكامه المتعلقة بالمعاش والمعاد، فعلموا ذلك لما ~~رأوا أنه عليه السلام لم يتلعثم في شيء من التفاصيل التي ذكرها مع ~~مساعدة ما بين الأسماء والمسميات من المناسبات والمشكلات وغير ذلك من ~~القرائن الموجبة لصدق مقالاته عليه السلام، فلما أنبأهم بذلك { قال } ~~عز وجل تقريرا لما مر من الجواب الإجمالي واستحضارا له { ألم ~~أقل لكم إني أعلم غيب السموات والأرض } ولكن ~~لا لتقرير نفسه كما في قوله تعالى: # ألم يعدكم ربكم وعدا حسنا # [طه، الآية 86] ونظائره بل لتقرير ما يفيده من تحقق دواعي الخلافة في ~~آدم عليه السلام لظهور مصداقه، وإيراد ما لا يعلمون بعنوان الغيب ~~مضافا إلى السموات والأرض للمبالغة في بيان كمال شمول علمه المحيط ~~وغاية سعته، مع الإيذان بأن ما ظهر من عجزهم وعلم آدم عليه السلام من ~~الأمور المتعلقة بأهل السموات وأهل الأرض، وهذا دليل واضح على أن المراد ms0135 ~~(بما لا تعلمون) فيما سبق ما أشير إليه هناك كأنه قيل ألم أقل لكم إني ~~أعلم فيه من دواعي الخلافة ما لا تعلمونه فيه هو هذا الذي عاينتموه، ~~وقوله تعالى: { وأعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون } ~~عطف على جملة (ألم أقل لكم) لا على أعلم، إذ هو غير داخل تحت القول، ~~و(ما) في الموضعين موصولة حذف عائدها أي أعلم ما تبدونه وما تكتمونه، ~~وتغيير الأسلوب للإيذان باستمرار كتمهم، قيل: المراد بما يبدون ~~قولهم أتجعل الخ، وبما يكتمون استبطانهم أنهم أحقاء بالخلافة وأنه ~~تعالى لا يخلق خلقا أفضل منهم. # روي أنه تعالى لما خلق آدم عليه السلام رأت الملائكة فطرته ~~العجيبة وقالوا ليكن ما شاء فلن يخلق ربنا خلقا إلا كنا أكرم عليه ~~منه وقيل: هو ما أسره إبليس في نفسه من الكبر وترك السجود، فإسناد ~~الكتمان حينئذ إلى الجميع من قبيل قولهم بنو فلان قتلوا فلانا والقاتل ~~واحد من بينهم، قالوا: في الآية الكريمة دلالة على شرف الإنسان ومزية ~~العلم وفضله على العبادة، وأن ذلك هو المناط للخلافة، وأن التعليم ~~يصح إطلاقه على الله تعالى. # وإن لم يصح إطلاق المعلم عليه لاختصاصه عادة بمن يحترف به، وأن ~~اللغات توقيفية إذ الأسماء تدل على الألفاظ بخصوص أو بعموم، وتعليمها ~~ظاهر في إلقائها على المتعلم مبينا له معانيها، وذلك يستدعي سابقة ~~وضع، وما هو إلا من الله تعالى وأن مفهوم الحكمة زائد على مفهوم العلم ~~وإلا لزم التكرار وأن علوم الملائكة وكمالاتهم تقبل الزيادة، ~~والحكماء منعوا ذلك في الطبقة العليا منهم وحملوا على ذلك قوله تعالى: # وما منا إلا له مقام معلوم # [الصافات، الآية 164] وأن آدم أفضل من هؤلاء الملائكة لأنه عليه ~~السلام أعلم منهم وأنه تعالى يعلم الأشياء قبل حدوثها. ### || [2.34] # { وإذ قلنا للملئكة } عطف على الظرف الأول منصوب بما ~~نصبه من المضمر، أو بناصب مستقل معطوف على ناصبه عطف القصة على ~~القصة، أي واذكر وقت قولنا لهم، وقيل: بفعل دل عليه الكلام، أي أطاعوا ~~وقت قولنا الخ، وقد عرفت ما ms0136 في أمثاله، وتخصيص هذا القول بالذكر مع كون ~~مقتضى الظاهر إيراده على منهاج ما قبله من الأقوال المحكية المتصلة ~~به للإيذان بأن ما في حيزه نعمة جليلة مستقلة حقيقة بالذكر والتذكير ~~على حيالها، والالتفات إلى التكلم لإظهار الجلالة وتربية المهابة مع ~~ما فيه من تأكيد الاستقلال، وكذا إظهار الملائكة في موضع الإضمار، ~~والكلام في اللام وتقديمها مع مجرورها على المفعول كما مر، وقرىء بضم ~~تاء الملائكة إتباعا لضم الجيم في قوله تعالى: { اسجدوا لآدم } ~~كما قرىء بكسر الدال في قوله تعالى: # الحمد لله # [الفاتحة، الآية 2. وفي سور أخرى] إتباعا لكسر اللام وهي لغة ضعيفة، ~~والسجود في اللغة الخضوع والتطامن، وفي الشرع وضع الجبهة على الأرض ~~على قصد العبادة، فقيل: أمروا بالسجود له عليه والسلام على وجه التحية ~~تعظيما له واعترافا بفضله وأداء لحق التعليم واعتذارا عما وقع منهم ~~في شأنه، وقيل: أمروا بالسجود له تعالى وإنما كان آدم قبلة لسجودهم ~~تفخيما لشأنه أو سببا لوجوبه، فكأنه تعالى لما برأه أنموذجا ~~للمبدعات كلها ونسخة منطوية على تعلق العالم الروحاني بالعالم ~~الجسماني وامتزاجهما على نمط بديع أمرهم بالسجود له تعالى لما عاينوا ~~من عظيم قدرته، فاللام فيه كما في قول حسان رضي الله عنه: # أليس أول من صلى لقبلتكم # وأعرف الناس بالقرآن والسنن # أو في قوله تعالى: # أقم الصلوة لدلوك الشمس # [الإسراء، الآية 78] والأول هو الأظهر، وقوله عز وجل: { فسجدوا } ~~عطف على قلنا، والفاء لإفادة مسارعتهم إلى الامتثال وعدم تلعثمهم في ~~ذلك، روي عن وهب أن أول من سجد جبريل ثم ميكائيل ثم إسرافيل ثم ~~عزرائيل ثم سائر الملائكة عليهم السلام وقوله تعالى: { إلا ~~إبليس } استثناء متصل لما أنه كان جنيا مفردا مغمورا بألوف من ~~الملائكة متصفا بصفاتهم فغلبوا عليه في فسجدوا، ثم استثني استثناء ~~واحد منهم أو لأن من الملائكة جنسا يتوالدون يقال لهم الجن كما روي ~~عن ابن عباس رضي الله عنهما وهو منهم، أو لأن الجن أيضا كانوا مأمورين ~~بالسجود له لكن استغني بذكر الملائكة عن ذكرهم. أو منقطع: ms0137 وهواسم ~~أعجمي ولذلك لم ينصرف ومن جعله مشتقا من الإبلاس وهو إلباس قال: إنه ~~مشبه بالعجمة حيث لم يسم به أحد فكان كالاسم الأعجمي. # واعلم أن الذي تقتضيه هذه الآية الكريمة والتي في سورة الأعراف من قوله ~~تعالى: # ثم قلنا للملئكة اسجدوا لأدم فسجدوا إلا ~~إبليس # [الأعراف، الآية 11]، والتي في سورة بني إسرائيل وسورة الكهف وسورة طه ~~من قوله تعالى: # وإذ قلنا للملئكة اسجدوا لادم فسجدوا # [طه، الآية 116]، أن سجود الملائكة إنما ترتب على الأمر التنجيزي ~~الوارد بعد خلقه وتسويته ونفخ الروح فيه ألبتة كما يلوح به حكاية ~~امتثالهم بعبارة السجود دون الوقوع الذي به ورد الأمر التعليقي، ولكن ~~ما في سورة الحجر من قوله عز وعلا: # وإذ قال ربك للملئكة إنى خلق بشرا من ~~صلصل من حمإ مسنون * فإذا سويته ونفخت ~~فيه من روحى فقعوا له سجدين * فسجد ~~الملئكة كلهم أجمعون # [الحجر، الآية 28 و29 و30] وما في سورة ص من قوله تعالى: # إذ قال ربك للملئكة إنى خلق بشرا من طين # [ص، الآية 71] إلى آخر الآية يستدعيان بظاهرهما ترتبه على ما فيهما ~~من الأمر التعليقي من غير أن يتوسط بينهما شيء ما تفصح عنه الفاء ~~الفصيحة من الخلق والتسوية ونفخ الروح فيه عليه السلام. # وقد روي عن وهب أنه كان السجود كما نفخ فيه الروح بلا تأخير، وتأويل ~~الآيات السابقة بحمل ما فيها من الأمر على حكاية الأمر التعليقي بعد ~~تحقق المعلق به إجمالا، فإنه حينئذ يكون في حكم التنجيز يأباه ما في ~~سورة الأعراف من كلمة ثم المنادية بتأخر ورود الأمر عن التصوير ~~المتأخر عن الخلق المتأخر عن الأمر التعليقي، والاعتذار بحمل التراخي ~~على الرتبي أو التراخي في الإخبار، أو بأن الأمر التعليقي قبل تحقق ~~المعلق به لما كان - في عدم إيجاب المأمور به - بمنزلة العدم جعل ~~كأنه إنما حدث بعد تحققه فحكي على صورة التنجيز يؤدي بعد اللتيا والتي ~~إلى أن ما جرى بينه وبينهم عليهم السلام في شأن الخلافة وما قالوا فيه ~~وما سمعوا إنما ms0138 جرى بعد السجود المسبوق بمعرفة جلالة منزلته عليه ~~السلام وخروج إبليس من البين باللعن المؤبد لعناده، وبعد مشاهدتهم ~~لذلك كله عيانا وهل هو إلا خرق لقضية العقل والنقل، والالتجاء في ~~التقصي عنه - إلى تأويل نفخ الروح بحمله على ما يعم إفاضة ما به ~~حياة النفوس التي من جملتها تعليم الأسماء - تعسف ينبىء عن ضيق ~~المجال. # فالذي يقتضيه التحقيق ويستدعيه النظم الأنيق بعد التصفح في مستودعات ~~الكتاب المكنون والتفحص عما فيه من السر المخزون أن سجودهم له عليه ~~السلام إنما ترتب على الأمر التنجيزي المتفرع على ظهور فضله عليه ~~السلام المبني على المحاورة المسبوقة بالإخبار بخلافته المنتظم جميع ~~ذلك في سلك ما نيط به الأمر التعليقي من التسوية ونفخ الروح، إذ ليس ~~من قضيته وجوب السجود عقيب نفخ الروح فيه، فإن الفاء الجزائية ليست ~~بنص في وجوب وقوع مضمون الجزاء عقيب وجود الشرط من غير تراخ، ~~للقطع بعدم وجوب السعي عقيب النداء، لقوله تعالى: # إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا # [الجمعة، الآية: 9] الآية، وبعدم وجوب إقامة الصلاة غب الاطمئنان ~~لقوله تعالى: # فإذا اطمأننتم فأقيموا الصلاة # [النساء، الآية 103] بل إنما الوجوب عند دخول الوقت. كيف لا والحكمة ~~الداعية إلى ورود ما نحن فيه من الأمر التعليقي إثر ذي أثير إنما هي ~~حمل الملائكة عليهم السلام على التأمل في شأنه عليه السلام ليتدبروا ~~في أحواله طرا، ويحيطوا بما لديه خبرا، ويستفهموا ما عسى يستبهم ~~عليهم في أمره عليه السلام لابتنائه على حكم أبية، وأسرار خفية ~~طويت عن علومهم، ويقفوا على جلية الحال قبل ورود الأمر التنجيزي ~~وتحتم الامتثال وقد قالوا بحسب ذلك ما قالوا وعاينوا ما عاينوا وعدم ~~نظم الأمر التنجيزي في سلك الأمور المذكورة في السورتين عند الحكاية ~~لا يستلزم عدم انتظامه فيه عند وقوع المحكي كما أن عدم ذكر الأمر ~~التعليقي عند حكاية الأمر التنجيزي في السورة الكريمة المذكورة لا ~~يوجب عدم مسبوقيته به، فإن حكاية كلام واحد على أساليب مختلفة ~~حسبما يقتضيه المقام ويستدعيه حسن الانتظام ليست بعزيزة في ms0139 الكتاب ~~العزيز، وناهيك بما نقل في توجيه قوله تعالى: # بشرا # [الحجر، الآية 28] مع عدم سبق معرفة الملائكة عليهم السلام بذلك وحيث ~~صير إليه مع أنه لم يرد به نقل فما ظنك بما قد وقع التصريح به في ~~مواضع عديدة فلعله قد ألقي إليهم ابتداء جميع ما يتوقف عليه الأمر ~~التنجيزي إجمالا بأن قيل مثلا إني خالق بشرا من كذا وكذا وجاعل ~~إياه خليفة في الأرض فإذا سويته ونفخت فيه من روحي وتبين لكم شأنه ~~فقعوا له ساجدين، فخلقه فسواه ونفخ فيه الروح، فقالوا عند ذلك ما قالوا ~~أو ألقي إليهم خبر الخلافة بعد تحقق الشرائط المعدودة بأن قيل إثر ~~نفخ الروح فيه إني جاعل هذا خليفة في الأرض فهناك ذكروا في حقه عليه ~~السلام ما ذكروا، فأيده الله عز وجل بتعليم الأسماء فشاهدوا منه ما ~~شاهدوا، فعند ذلك ورد الأمر التنجيزي اعتناء بشأن المأمور به ~~وتعيينا لوقته، وقد حكي بعض الأمور في بعض المواطن وبعضها في ~~بعضها اكتفاء بما ذكر في كل موطن عما ترك في موطن آخر. # والذي يحسم مادة الاشتباه أن ما في سورة ص من قوله تعالى: # إذ قال ربك للملئكة # [ص، الآية 71] الخ، بدل من قوله تعالى: { إذ يختصمون } فيما ~~قبله من قوله تعالى: # ما كان لى من علم بالملإ الأعلى إذ يختصمون # [ص، الآية 69] أي بكلامهم عند اختصامهم والمراد بالملأ الأعلى ~~الملائكة وآدم عليهم السلام وإبليس حسبما أطبق عليه جمهور الأمة، ~~وباختصامهم ما جرى بينهم في شأن خلافة آدم عليه السلام من التقاوي ~~الذي من جملته ما صدر عنه عليه السلام من الإنباء بالأسماء ومن قضية ~~البدلية وقوع الاختصام المذكور في تضاعيف ما ذكر فيه تفصيلا من الأمر ~~التعليقي، وما علق به من الخلق والتسوية ونفخ الروح فيه وما ترتب ~~عليه من سجود الملائكة عليهم السلام وعناد إبليس وما تبعه من لعنه ~~وإخراجه من بين الملائكة، وما جرى بعده من الأفعال والأقوال، وإذ ليس ~~تمام الاختصام بعد سجود الملائكة ومكابرة إبليس المستتبعة لطرده من ~~بينهم ms0140 لما عرفت من أنه أحد المختصمين كما أنه ليس قبل الخلق ضرورة ~~استحالة الإنباء بالأسماء حينئذ، فهو إذن بعد نفخ الروح وقبل السجود ~~حتما بأحد الطريقين والله سبحانه أعلم بحقيقة الأمر. # { أبى واستكبر } استئناف مبين لكيفية عدم السجود المفهوم من ~~الاستثناء وأنه لم يكن للتردد أو للتأمل والإباء الامتناع بالاختيار، ~~والتكبر أن يرى نفسه أكبر من غيره، والاستكبار طلب ذلك بالتشبع، أي ~~امتنع عما أمر به واستكبر من أن يعظمه أو يتخذه وصلة في عبادة ربه، ~~وتقديم الإباء على الاستكبار مع كونه مسببا عنه لظهوره ووضوح أثره ~~واقتصر في سورة ص على ذكر الاستكبار اكتفاء به، وفي سورة الحجر على ذكر ~~الإباء حيث قيل أبى أن يكون مع الساجدين { وكان من الكفرين ~~} أي في علم الله تعالى، إذ كان أصله من كفرة الجن فلذلك ارتكب ما ~~ارتكبه على ما أفصح عنه قوله تعالى: # كان من الجن ففسق عن أمر ربه # [الكهف، الآية 50] فالجملة اعتراضية مقررة لما سبق من الإباء ~~والاستكبار، أو صار منهم باستقباح أمره تعالى إياه بالسجود لآدم عليه ~~السلام زعما منه أنه أفضل منه، والأفضل لا يحسن أن يؤمر بالخضوع ~~للمفضول كما يفصح عنه قوله: # أنا خير منه # الأعراف، الآية 12] حين قيل له: # ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدى أستكبرت ~~أم كنت من العلين # [ص، الآية 75] لا بترك الواجب وحده، فالجملة معطوفة على ما قبلها، ~~وإيثار الواو على الفاء للدلالة على أن محض الإباء والاستكبار كفر ~~لا لأنهما سببان له كما تفيده الفاء. ### || [2.35] # { وقلنا } شروع في حكاية ما جرى بينه تعالى وبين آدم عليه ~~السلام بعد تمام ما جرى بينه تعالى وبين الملائكة وإبليس من الأقوال ~~والأفعال، وقد تركت حكاية توبيخ إبليس وجوابه ولعنه واستنظاره ~~وإنظاره اجتزاء بما فصل في سائر السور الكريمة وهو عطف على قلنا ~~للملائكة، ولا يقدح في ذلك اختلاف وقتيهما، فإن المراد بالزمان المدلول ~~عليه بكلمة إذ زمان ممتد واسع للقولين، وقيل هو عطف على إذ قلنا ~~بإضمار إذ، وهذا تذكير لنعمة ms0141 أخرى موجبة للشكر مانعة من الكفر ~~وتصدير الكلام بالنداء في قوله تعالى: { يئادم اسكن أنت ~~وزوجك الجنة } للتنبيه على الاهتمام بتلقي المأمور به، ~~وتخصيص أصل الخطاب به عليه السلام للإيذان بأصالته في مباشرة المأمور ~~به، واسكن من السكنى وهو اللبث والإقامة والاستقرار دون السكون ~~الذي هو ضد الحركة، وأنت ضمير أكد به المستكن ليصح العطف عليه ~~واختلف في وقت خلق زوجه. فذكر السدي عن ابن مسعود وابن عباس وناس من ~~الصحابة رضوان الله تعالى عليهم أجمعين: أن الله لما أخرج إبليس من ~~الجنة وأسكنها آدم بقي فيها وحده وما كان معه من يستأنس به فألقى ~~الله تعالى عليه النوم ثم أخذ ضلعا من جانبه الأيسر ووضع مكانه ~~لحما وخلق حواء منه فلما استيقظ وجدها عند رأسه قاعدة، فسألها: ما ~~أنت؟ قالت: امرأة. قال: ولم خلقت؟ قالت: لتسكن إلي، فقالت الملائكة ~~تجربة لعلمه: من هذه؟ قال: امرأة، قالوا: لم سميت امرأة قال: لأنها ~~من المرء أخذت، فقالوا: ما اسمها؟ قال: حواء، قالوا: لم سميت حواء؟ ~~قال: لأنها خلقت من شيء حي. وروي عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: بعث ~~الله تعالى جندا من الملائكة فحملوا آدم وحواء على سرير من ذهب كما ~~يحمل الملوك ولباسهما النور، حتى أدخلوهما الجنة، وهذا كما ترى يدل على ~~خلقها قبل دخول الجنة والمراد بها دار الثواب، لأنها المعهودة، وقيل هي ~~جنة بأرض فلسطين، أو بين فارس وكرمان، خلقها الله تعالى امتحانا ~~لآدم عليه السلام، وحمل الإهباط على النقل منها إلى أرض الهند كما في ~~قوله تعالى: # اهبطوا مصرا # [البقرة، الآية 61] لما أن خلقه عليه السلام كان في الأرض بلا خلاف ولم ~~يذكر في هذه القصة رفعه إلى السماء ولو وقع ذلك لكان أولى بالذكر ~~والتذكير، لما أنه من أعظم النعم، ولأنها لو كانت دار الخلد لما دخلها ~~إبليس. وقيل: إنها كانت في السماء السابعة، بدليل اهبطوا، ثم إن ~~الإهباط الأول كان منها إلى السماء الدنيا، والثاني منها إلى الأرض، ~~وقيل: الكل ممكن، والأدلة النقلية ms0142 متعارضة فوجب التوقف وترك ~~القطع. # { وكلا منها } أي من ثمارها، إنما وجه الخطاب إليهما تعميما ~~للتشريف والترفيه، ومبالغة في إزالة العلل والأعذار، وإيذانا بتساويهما ~~في مباشرة المأمور به، فإن حواء أسوة له عليه السلام في الأكل بخلاف ~~السكنى، فإنها تابعة له فيه { رغدا } صفة للمصدر المؤكد أي ~~أكلا واسعا رافها { حيث شئتما } أي أي مكان أردتما منها، ~~وهذا كما ترى إطلاق كلي حيث أبيح لهما الأكل منها على وجه التوسعة ~~البالغة المزيحة للعلل ولم يحظر عليهما بعض الأكل ولا بعض ~~المواضع الجامعة للمأكولات حتى لا يبقى لهما عذر في تناول ما منعا منه ~~بقوله تعالى: { ولا تقربا } بفتح الراء من قربت الشيء بالكسر ~~أقربه بالفتح إذا التبست به وتعرضت له، وقال الجوهري: قرب بالضم ~~يقرب قربا إذا دنا، وقربته بالكسر قربانا دنوت منه { ~~هذه الشجرة } نصب على أنه بدل من اسم الإشارة، أو نعت له ~~بتأويلها بمشتق، أي هذه الحاضرة من الشجرة أي لا تأكلا منها وإنما علق ~~النهي بالقربان منها مبالغة في تحريم الأكل ووجوب الاجتناب عنه ~~والمراد بها الحنطة أو العنبة أو التينة وقيل: هي شجرة من أكل ~~منها أحدث، والأولى عدم تعيينها من غير قاطع، وقرىء هذي بالياء ~~وبكسر شين (الشجرة) وتاء (تقربا)، وقرىء الشيرة بكسر الشين وفتح ~~الياء { فتكونا من الظلمين } مجزوم على أنه معطوف على ~~تقربا أو منصوب على أنه جواب للنهي وأيا ما كان فالقرب أي الأكل ~~منها سبب لكونهما من الظالمين أي الذين ظلموا أنفسهم بارتكاب المعصية. # أو نقصوا حظوظهم بمباشرة ما يخل بالكرامة والنعيم، أو تعدوا ~~حدود الله تعالى. ### || [2.36] # { فأزلهما الشيطن عنها } أي أصدر زلتهما أي ~~زلقهما وحملهما على الزلة بسببها، ونظيره عن هذه ما في قوله تعالى: # وما فعلته عن أمرى # [الكهف، الآية 82] أو أزلهما عن الجنة بمعنى أذهبهما وأبعدهما عنها، ~~يقال: زل عني كذا إذا ذهب عنك، ويعضده قراءة (أزالهما) وهما متقاربان ~~في المعنى. فإن الإزلال أي الإزلاق يقتضي زوال الزال عن موضعه ألبتة. ~~وإزلاله قوله لهما: # هل أدلك ms0143 على شجرة الخلد وملك لا يبلى # [طه، الآية 120] وقوله: # ما نهكما ربكما عن هذه الشجرة إلا أن ~~تكونا ملكين أو تكونا من الخلدين # [الأعراف، الآية 20] ومقاسمته لهما: # إني لكما لمن النصحين # [الأعراف، الآية 21] وهذه الآيات مشعرة بأنه عليه السلام لم يؤمر ~~بسكنى الجنة على وجه الخلود بل على وجه التكرمة والتشريف لما قلد ~~من خلافة الأرض إلى حين البعث إليها. # واختلف في كيفية توصله إليهما بعد ما قيل له: # فاخرج منها فإنك رجيم # [الحجر، الآية 34. وسورة ص، الآية 77] فقيل: إنه إنما منع من الدخول ~~على وجه التكرمة كما يدخلها الملائكة عليهم السلام ولم يمنع من ~~الدخول للوسوسة ابتلاء لآدم وحواء، وقيل: قام عند الباب فناداهما ~~وقيل: تمثل بصورة دابة فدخل ولم يعرفه الخزنة، وقيل: دخل في فم ~~الحية فدخل معها، وقيل: أرسل بعض أتباعه فأزلهما والعلم عند الله ~~سبحانه { فأخرجهما مما كانا فيه } أي من الجنة إن كان ضمير ~~عنها للشجرة، والتعبير عنها بذلك للإيذان بفخامتها وجلالتها ~~وملابستهما له، أي من المكان العظيم الذي كانا مستقرين فيه أو من ~~الكرامة والنعيم إن كان الضمير للجنة { وقلنا اهبطوا } الخطاب ~~لآدم وحواء عليهما السلام بدليل قوله تعالى: # قال اهبطا منها جميعا # [طه، الآية 123] وجمع الضمير لأنهما أصل الجنس، فكأنهما الجنس ~~كلهم، وقيل: لهما وللحية وإبليس على أنه أخرج منها ثانيا بعدما كان ~~يدخلها للوسوسة أو يدخلها مسارقة، وأهبط من السماء وقرىء بضم الباء { ~~بعضكم لبعض عدو } حال استغني فيها عن الواو بالضمير أي ~~متعادين يبغي بعضكم على بعض بتضليله، أو استئناف لا محل له من ~~الإعراب، وإفراد العدو إما للنظر إلى لفظ البعض وإما لأن وزانه وزان ~~المصدر كالقول: { ولكم فى الأرض } التي هي محل الإهباط، والظرف ~~متعلق بما تعلق به الخبر أعني لكم من الاستقرار { مستقر } أي ~~استقرار أو موضع استقرار { ومتع } أي تمتع بالعيش وانتفاع به ~~{ إلى حين } هو حين الموت على أن المغيا تمتع كل فرد من ~~المخاطبين، أو القيامة، على أنه تمتع الجنس في ضمن بعض الأفراد والجملة ms0144 ~~كما قبلها في كونها حالا أي مستحقين للاستقرار والتمتع أو استئنافا. ### || [2.37-38] # { فتلقى ءادم من ربه كلمات } أي استقبلها بالأخذ ~~والقبول والعمل بها حين علمها ووفق لها وقرىء بنصب آدم ورفع ~~كلمات دلالة على أنها استقبلته بلغته وهي قوله تعالى: # ربنا ظلمنا أنفسنا # [الأعراف، الآية 23]. وقيل: «سبحانك اللهم وبحمدك وتبارك اسمك وتعالى ~~جدك ولا إله إلا أنت ظلمت نفسي فاغفر لي إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت» ~~وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: يا رب ألم تخلقني بيدك؟ قال: بلى. ~~قال: يا رب ألم تنفخ في من روحك؟ قال: بلى. قال: يا رب ألم تسبق ~~رحمتك غضبك؟ قال: بلى. قال: ألم تسكني جنتك؟ قال: بلى. قال: يا رب إن ~~تبت وأصلحت أراجعي أنت إلى الجنة؟ قال: نعم. والفاء للدلالة على أن ~~التوبة حصلت عقيب الأمر بالهبوط قبل تحقق المأمور به، والتعرض لعنوان ~~الربوبية مع الإضافة إليه عليه السلام للتشريف والإيذان بعليته لإلقاء ~~الكلمات المدلول عليها بتلقيها { فتاب عليه } أي رجع عليه ~~بالرحمة وقبول التوبة، والفاء للدلالة على ترتبه على تلقي الكلمات ~~المتضمن لمعنى التوبة التي هي عبارة عن الاعتراف بالذنب والندم عليه ~~والعزم على عدم العود إليه واكتفي بذكر شأن آدم عليه السلام لما أن ~~حواء تبع له في الحكم ولذلك طوي ذكر النساء في أكثر مواضع ~~الكتاب والسنة { إنه هو التواب } أي الرجاع على عباده ~~بالمغفرة أو الذي يكثر إعانتهم على التوبة، وأصل التوب الرجوع فإذا ~~وصف به العبد كان رجوعا عن المعصية، وإذاوصف به الباري عز وعلا أريد به ~~الرجوع عن العقاب إلى المغفرة { الرحيم } المبالغ في الرحمة وفي ~~الجمع بين الوصفين وعد بليغ للتائب بالإحسان مع العفو والغفران، ~~والجملة تعليل لقوله تعالى فتاب عليه. # { قلنا } استئناف مبني على سؤال ينسحب عليه الكلام، كأنه قيل: ~~فماذا وقع بعد قبول توبته فقيل: قلنا: { اهبطوا منها جميعا ~~} كرر الأمر بالهبوط إيذانا بتحتم مقتضاه وتحققه لا محالة. ودفعا ~~لما عسى يقع في أمنيته عليه السلام من استتباع قبول التوبة للعفو ms0145 عن ~~ذلك، وإظهارا لنوع رأفة به عليه السلام لما بين الأمرين من الفرق ~~النير، كيف لا والأول مشوب بضرب سخط مذيل ببيان أن مهبطهم دار ~~بلية وتعاد لا يخلدون فيها. والثاني مقرون بوعد إيتاء الهدى المؤدي ~~إلى النجاة والنجاح، وأما ما فيه من وعيد العقاب فليس بمقصود من التكليف ~~قصدا أوليا، بل إنما هو دائر على سوء اختيار المكلفين. # قيل: وفيه تنبيه على أن الحازم يكفيه في الردع عن مخالفة حكم الله ~~تعالى مخافة الإهباط المقترن بأحد هذين الأمرين، فكيف بالمقترن بهما ~~فتأمل، وقيل: الأول من الجنة إلى السماء الدنيا، والثاني منها إلى الأرض، ~~ويأباه التعرض لاستقرارهم في الأرض في الأول، ورجوع الضمير إلى الجنة ~~في الثاني، و(جميعا) حال في اللفظ وتأكيد في المعنى، كأنه قيل: اهبطوا ~~أنتم أجمعون ولذلك لا يستدعي الاجتماع على الهبوط في زمان واحد كما في ~~قولك: جاءوا جميعا، بخلاف قولك: جاءوا معا. # { فإما يأتينكم منى هدى } الفاء لترتيب ما بعدها على ~~الهبوط المفهوم من الأمر به وإما مركبة من إن الشرطية وما المزيدة ~~المؤكدة لمعناها والفعل في محل الجزم بالشرط، لأنه مبني لاتصاله بنون ~~التأكيد، وقيل: معرب مطلقا، وقيل: مبني مطلقا، والصحيح التفصيل: إن ~~باشرته النون بني وإلا أعرب، نحو هل يقومان، وتقديم الظرف على ~~الفاعل لما مر غير مرة، والمعنى إن يأتينكم مني هدى برسول أبعثه إليكم ~~وكتاب أنزله عليكم، وجواب الشرط قوله تعالى: { فمن تبع هداي ~~فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون } كما في قولك: إن جئتني ~~فإن قدرت أحسنت إليك، وإيراد كلمة الشك مع تحقق الإتيان لا محالة ~~للإيذان بأن الإيمان بالله والتوحيد لا يشترط فيه بعثة الرسل وإنزال ~~الكتب، بل يكفي في وجوبه إفاضة العقل ونصب الأدلة الآفاقية والأنفسية، ~~والتمكين من النظر والاستدلال، أو للجري على سنن العظماء في إيراد عسى ~~ولعل في مواقع القطع والجزم، والمعنى أن من تبع هداي منكم فلا خوف ~~عليهم في الدارين من لحوق مكروه ولا هم يحزنون من فوات مطلوب أي لا ~~يعتريهم ما يوجب ms0146 ذلك، لا أنه يعتريهم ذلك لكنهم لا يخافون ولا يحزنون ولا ~~أنه لا يعتريهم نفس الخوف والحزن أصلا بل يستمرون على السرور والنشاط، ~~كيف لا واستشعار الخوف والخشية استعظاما لجلال الله سبحانه وهيبته ~~واستقصارا للجد والسعي في إقامة حقوق العبودية من خصائص الخواص ~~والمقربين، والمراد بيان دوام انتفائهما لا بيان انتفاء دوامهما ~~كما يتوهم من كون الخبر في الجملة الثانية مضارعا لما تقرر في موضعه أن ~~النفي وإن دخل على نفس المضارع يفيد الدوام والاستمرار بحسب ~~المقام، وإظهار الهدى مضافا إلى ضمير الجلالة لتعظيمه وتأكيد وجوب ~~اتباعه أو لأن المراد بالثاني ما هو أعم من الهدايات التشريعية وما ~~ذكر من إفاضة العقل ونصب الأدلة الآفاقية والأنفسية كما قيل، وقرىء ~~(هدي) على لغة هذيل ولا خوف بالفتح. ### || [2.39] # { والذين كفروا وكذبوا بآيتنا } عطف على من تبع ~~الخ قسيم له، كأنه قيل: ومن لم يتبعه، وإنما أوثر عليه ما ذكر ~~تفظيعا لحال الضلالة وإظهارا لكمال قبحها، وإيراد الموصول بصيغة ~~الجمع للإشعار بكثرة الكفرة، والجمع بين الكفر والتكذيب للإيذان ~~بتنوع الهدى إلى ما ذكر من النوعين، وإيراد نون العظمة لتربية ~~المهابة وإدخال الروعة، وإضافة الآيات إليها لإظهار كمال قبح ~~التكذيب بها، أي والذين كفروا برسلنا المرسلة إليهم وكذبوا بآياتنا ~~المنزلة عليهم، وقيل: المعنى كفروا بالله وكذبوا بآياته التي أنزلها على ~~الأنبياء عليهم السلام، أو أظهرها بأيديهم من المعجزات، وقيل: كفروا ~~بالآيات جنانا وكذبوا بها لسانا فيكون كلا الفعلين متوجها إلى الجار ~~والمجرور، والآية في الأصل العلامة الظاهرة، قال النابغة: [الطويل] # توهمت آيات لها فعرفتها # لستة أعوام وذا العام سابع # ويقال للمصنوعات من حيث دلالتها على الصانع تعالى وعلمه وقدرته ولكل ~~طائفة من كلمات القرآن المتميزة عن غيرها بفصل لأنها علامة لانفصال ~~ما قبلها مما بعدها، وقيل: لأنها تجمع كلمات منه فيكون من قولهم خرج ~~بنو فلان بآيتهم أي بجماعتهم قال: # خرجنا من البيتين لا حي مثلنا # بآيتنا نزجي النعاج المطافلا # واشتقاقها من أي لأنها تبين أيا من أي، أو من أوى إليه أي ms0147 رجع ~~وأصلها أوية أو أية، فأبدلت عينها ألفا على غير قياس أو أوية أو ~~أيية كرمكة، فأعلت أو آئية كقائلة، فحذفت الهمزة تخفيفا { ~~أولئك } إشارة إلى الموصوف باعتبار اتصافه بما في حيز الصلة من ~~الكفر والتكذيب وفيه إشعار بتميزهم بذلك الوصف تميزا مصححا للإشارة ~~الحسية، وما فيه من معنى البعد للإيذان ببعد منزلتهم فيه وهو مبتدأ، ~~وقوله عز وجل: { أصحب النار } أي ملازموها وملابسوها بحيث لا ~~يفارقونها خبره، والجملة خبر للموصول أو اسم الإشارة بدل من الموصول، ~~أو عطف بيان له، وأصحاب النار خبر له وقوله تعالى: { هم فيها ~~خلدون } في حيز النصب على الحالية لورود التصريح به في قوله تعالى: ~~{ أصحب النار خلدين فيها } وقد جوز كونه حالا من ~~النار لاشتماله على ضميرها، والعامل معنى الإضافة أو اللام المقدرة أو ~~في محل الرفع على أنه خبر آخر لأولئك على رأي من جوز وقوع الجملة خبرا ~~ثانيا، وفيها متعلق بخالدون والخلود في الأصل المكث الطويل وقد انعقد ~~الإجماع على أن المراد به الدوام. ### || [2.40] # [الحديث عن كفر بني إسرائيل] # { يا بنى إسرءيل } تلوين للخطاب وتوجيه له إلى طائفة خاصة من ~~الكفرة المعاصرين للنبي صلى الله عليه وسلم لتذكيرهم بفنون النعم ~~الفائضة عليهم بعد توجيهه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأمره ~~بتذكير كلهم بالنعمة العامة لبني آدم قاطبة بقوله تعالى: # وإذ قال ربك # [البقرة، الآية 30] الخ # وإذ قلنا للملئكة # [البقرة، الآية 34] الخ لأن المعنى كما أشير إليه بلغهم كلامي واذكر ~~لهم إذ جعلنا أباهم خليفة في الأرض ومسجودا للملائكة عليهم السلام ~~وشرفناه بتعليم الأسماء وقبلنا توبته، والابن من البناء لأنه ~~مبنى أبيه ولذلك ينسب المصنوع إلى صانعه، فيقال: أبو الحرب وبنت ~~فكر، وإسرائيل لقب يعقوب عليه السلام ومعناه بالعبرية صفوة الله، ~~وقيل: عبد الله، وقرىء إسرائل بحذف الياء وإسرال بحذفهما وإسرايل ~~بقلب الهمزة ياء، وإسراءل بهمزة مفتوحة، وإسرئل بهمزة مكسورة بين ~~الراء واللام، وتخصيص هذه الطائفة بالذكر والتذكير لما أنهم أوفر الناس ~~نعمة وأكثرهم كفرا بها. # { اذكروا نعمتي التى ms0148 أنعمت عليكم } بالتفكر فيها ~~والقيام بشكرها، وفيه إشعار بأنهم قد نسوها بالكلية، ولم يخطروها ~~بالبال لا أنهم أهملوا شكرها فقط، وإضافة النعمة إلى ضمير الجلالة ~~لتشريفها وإيجاب تخصيص شكرها به تعالى، وتقييد النعمة بهم لما أن ~~الإنسان مجبول على حب النعمة، فإذا نظر إلى ما فاض عليه من النعم حمله ~~ذلك على الرضى والشكر، قيل: أريد بها ما أنعم به على آبائهم من النعم ~~التي سيجىء تفصيلها وعليهم من فنون النعم التي أجلها إدراك عصر ~~النبي عليه السلام، وقرىء (اذكروا) من الافتعال ونعمتي بإسكان الياء ~~وإسقاطها في الدرج وهو مذهب من لا يحرك الياء المكسور ما قبلها { ~~وأوفوا بعهدى } بالإيمان والطاعة { أوف بعهدكم } بحسن ~~الإثابة، والعهد يضاف إلى كل واحد ممن يتولى طرفيه، ولعل الأول مضاف ~~إلى الفاعل والثاني إلى المفعول، فإنه تعالى عهد إليهم بالإيمان ~~والعمل الصالح بنصب الدلائل وإرسال الرسل وإنزال الكتب ووعدهم بالثواب ~~على حسناتهم، وللوفاء بهما عرض عريض، فأول مراتبه منا هو الإتيان ~~بكلمتي الشهادة، ومن الله تعالى حقن الدماء والأموال، وآخرها منا ~~الاستغراق في بحر التوحيد بحيث نغفل عن أنفسنا فضلا عن غيرنا، ومن ~~الله تعالى الفوز باللقاء الدائم، وأما ما روي عن ابن عباس رضي الله ~~عنهما: أوفوا بعهدي في اتباع محمد صلى الله عليه وسلم أوف بعهدكم في رفع ~~الآصار والأغلال. وعن غيره: أوفوا بأداء الفرائض وترك الكبائر أوف ~~بالمغفرة والثواب، أو أوفوا بالاستقامة على الطريق المستقيم أوف ~~بالكرامة والنعيم المقيم، فبالنظر إلى الوسائط، وقيل: كلاهما مضاف إلى ~~المفعول، والمعنى أوفوا بما عاهدتموني من الإيمان والتزام الطاعة أوف ~~بما عاهدتكم من حسن الإثابة، وتفصيل العهدين قوله تعالى: # ولقد أخذ الله ميثق بنى إسرءيل # [المائدة: 12] إلى قوله: # ولأدخلنكم جنت # [المائدة: 12] الخ وقرىء أوف بالتشديد للمبالغة والتأكيد. # { وإيى فارهبون } فيما تأتون وما تذرون خصوصا في نقض ~~العهد، وهو آكد في إفادة التخصيص من إياك نعبد، لما فيه مع التقديم من ~~تكرير المفعول والفاء الجزائية الدالة على تضمن الكلام معنى الشرط كأنه ~~قيل: إن كنتم راهبين ms0149 شيئا فارهبوني، والرهبة خوف معه تحرز، والآية ~~متضمنة للوعد والوعيد ودالة على وجوب الشكر والوفاء بالعهد، وأن المؤمن ~~ينبغي ألا يخاف إلا الله تعالى. ### || [2.41] # { وءامنوا بما أنزلت } أفرد الإيمان بالقرآن بالأمر به لما ~~أنه العمدة القصوى في شأن الوفاء بالعهود { مصدقا لما معكم } ~~من التوراة، والتعبير عنها بذلك للإيذان بعلمهم بتصديقه لها، فإن ~~المعية مئنة لتكرر المراجعة إليها والوقوف على ما في تضاعيفها ~~المؤدي إلى العلم بكونه مصدقا لها ومعنى تصديقه للتوراة أنه نازل ~~حسبما نعت فيها أو من حيث أنه موافق لها في القصص والمواعيد والدعوة ~~إلى التوحيد والعدل بين الناس والنهي عن المعاصي والفواحش: وأما ما ~~يتراءى من مخالفته لها في بعض جزئيات الأحكام المتفاوتة بحسب تفاوت ~~الأعصار فليست بمخالفة في الحقيقة، بل هي موافقة لها من حيث إن كلا ~~منها حق بالإضافة إلى عصره وزمانه، متضمن للحكم التي عليها يدور ~~ذلك التشريع، وليس في التوراة دلالة على أبدية أحكامها المنسوخة حتى ~~يخالفها ما ينسخها، وإنما تدل على مشروعيتها مطلقا من غير تعرض ~~لبقائها وزوالها، بل نقول هي ناطقة بنسخ تلك الأحكام، فإن نطقها بصحة ~~القرآن الناسخ لها نطق بنسخها، فإذن مناط المخالفة في الأحكام ~~المنسوخة إنما هو اختلاف العصر حتى لو تأخر نزول المتقدم لنزل على ~~وفق المتأخر ولو تقدم نزول المتأخر لوافق المتقدم قطعا، ولذلك ~~قال عليه السلام: # " لو كان موسى حيا لما وسعه إلا اتباعي " # وتقييد المنزل بكونه مصدقا لما معهم لتأكيد وجوب الامتثال ~~بالأمر فإن إيمانهم بما معهم مما يقتضي الإيمان بما يصدقه قطعا. # { ولا تكونوا أول كافر به } أي لا تسارعوا إلى الكفر به، ~~فإن وظيفتكم أن تكونوا أول من آمن به لما أنكم تعرفون شأنه وحقيته ~~بطريق التلقي مما معكم من الكتب الإلهية كما تعرفون أبناءكم، وقد كنتم ~~تستفتحون به وتبشرون بزمانه كما سيجيء، فلا تضعوا موضع ما يتوقع ~~منكم ويجب عليكم ما لا يتوهم صدوره عنكم من كونكم أول كافر به، ووقوع ~~أول كافر به خبرا من ضمير الجمع بتأويل ms0150 أول فريق أو فوج، أو بتأويل لا ~~يكن كل واحد منكم أول كافر به، كقولك: كسانا حلة، ونهيهم عن ~~التقدم في الكفر به مع أن مشركي العرب أقدم منهم لما أن المراد به ~~التعريض لا الدلالة على ما نطق به الظاهر، كقولك: أما أنا فلست ~~بجاهل، لأن المراد نهيهم عن كونهم أول كافر [به] من أهل الكتاب، أو ممن ~~كفر بما عنده، فإن من كفر بالقرآن فقد كفر بما يصدقه أو مثل من كفر ~~من مشركي مكة، وأول: أفعل لا فعل له، وقيل: أصله أوأل، من وأل ~~إليه إذا نجا وخلص، فأبدلت الهمزة واوا تخفيفا غير قياسي، أو ~~أأول من آل فقلبت همزته واوا وأدغمت. # { ولا تشتروا بآيتي } أي لا تأخذوا لأنفسكم بدلا منها { ~~ثمنا قليلا } من الحظوظ الدنيوية، فإنها وإن جلت قليلة مسترذلة ~~بالنسبة إلى ما فات عنهم من حظوظ الآخرة بترك الإيمان، قيل: كانت لهم ~~رياسة في قومهم ورسوم وعطايا فخافوا عليها لو اتبعوا رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فاختاروها على الإيمان، وإنما عبر عن المشتري الذي هو ~~العمدة في عقود المعاوضة والمقصود فيها بالثمن الذي شأنه أن يكون ~~وسيلة فيها، وقرنت الآيات التي حقها أن يتنافس فيها المتنافسون ~~بالباء التي تصحب الوسائل إيذانا بتعكيسهم حيث جعلوا ما هو المقصد ~~الأصلي وسيلة، والوسيلة مقصدا. # { وإيى فاتقون } بالإيمان واتباع الحق والإعراض عن حطام ~~الدنيا ولما كانت الآية السابقة مشتملة على ما هو كالمبادىء لما في ~~الآية الثانية فصلت بالرهبة التي هي من مقدمات التقوى، أو لأن ~~الخطاب بها لما عم العالم والمقلد أمر فيها بالرهبة المتناولة ~~للفريقين، وأما الخطاب بالثانية فحيث خص بالعلماء أمر فيها بالتقوى ~~الذي هو المنتهى. ### || [2.42] # { ولا تلبسوا الحق بالبطل } عطف على ما قبله ~~واللبس الخلط، وقد يلزمه الاشتباه من المختلطين، والمعنى لا ~~تخلطوا الحق المنزل بالباطل الذي تخترعونه وتكتبونه حتى يشتبه ~~أحدهما بالآخر، أو لا تجعلوا الحق ملتبسا بسبب الباطل الذي تكتبونه ~~في تضاعيفه، أو تذكرونه في تأويله { وتكتموا الحق } مجزوم ~~داخل تحت ms0151 حكم النهي كأنهم أمروا بالإيمان وترك الضلال، ونهوا عن ~~الإضلال بالتلبيس على من سمع الحق والإخفاء عمن لم يسمعه، أو منصوب ~~بإضمار أن على أن الواو للجمع، أي لاتجمعوا بين لبس الحق بالباطل ~~وبين كتمانه، ويعضده أنه في مصحف ابن مسعود وتكتمون أي وأنتم تكتمون ~~أي كاتمين، وفيه إشعار بأن استقباح اللبس لما يصحبه من كتمان الحق. ~~وتكرير الحق إما لأن المراد بالأخير ليس عين الأول بل هو نعت النبي ~~صلى الله عليه وسلم الذي كتموه وكتبوا مكانه غيره كما سيجىء في قوله ~~تعالى: # فويل للذين يكتبون الكتب بأيديهم # [البقرة، الآية 79] وإما لزيادة تقبيح المنهي عنه، إذ في التصريح ~~باسم الحق ما ليس في ضميره. # { وأنتم تعلمون } أي حال كونكم عالمين بأنكم لابسون كاتمون، ~~أو أنتم تعلمون أنه حق أو أنتم من أهل العلم، وليس إيراد الحال لتقييد ~~النهي به كما في قوله تعالى: # لا تقربوا الصلوة وأنتم سكرى # [النساء، الآية 43] بل لزيادة تقبيح حالهم، إذ لجاهل عسى يعذر. ### || [2.43-44] # { وأقيموا الصلاة وآتوا الزكوة } أي صلاة المسلمين وزكاتهم فإن ~~غيرهما بمعزل من كونه صلاة وزكاة، أمرهم الله تعالى بفروع الإسلام ~~بعد الأمر بأصوله { واركعوا مع الراكعين } أي في جماعتهم ~~فإن صلاة الجماعة تفضل صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة، لما فيها من ~~تظاهر النفوس في المناجاة، وعبر عن الصلاة بالركوع احترازا عن صلاة ~~اليهود وقيل: الركوع والخضوع والانقياد لما يلزمهم الشارع. قال ~~الأضبط بن قريع السعدي: [المنسرح] # لا تحقرن الضعيف علك أن # تركع يوما والدهر قد رفعه # { أتأمرون الناس بالبر } تجريد للخطاب وتوجيه له إلى ~~بعضهم بعد توجيهه إلى الكل والهمزة فيها تقرير مع توبيخ وتعجيب ~~والبر التوسع في الخير من البر الذي هو الفضاء الواسع يتناول ~~جميع أصناف الخيرات، ولذلك قيل البر ثلاثة: بر في عبادة الله تعالى، ~~وبر في مراعاة الأقارب، وبر في معاملة الأجانب. # { وتنسون أنفسكم } أي تتركونها من البر كالمنسيات عن ابن ~~عباس رضي الله عنهما أنها نزلت في أحبار المدينة كانوا يأمرون سرا من ~~نصحوه باتباع ms0152 النبي صلى الله عليه وسلم ولا يتبعونه طمعا في الهدايا ~~والصلات التي كانت تصل إليهم من أتباعهم وقيل: كانوا يأمرون بالصدقة ~~ولا يتصدقون، وقال السدي: أنهم كانوا يأمرون الناس بطاعة الله تعالى ~~وينهونهم عن معصيته وهم يتركون الطاعة ويقدمون على المعصية، وقال ~~ابن جريج: كانوا يأمرون الناس بالصلاة والزكاة وهم يتركونهما ومدار ~~الإنكار والتوبيخ هي الجملة المعطوفة دون ما عطفت هي عليه. # { وأنتم تتلون الكتب } تبكيت لهم وتقريع كقوله تعالى: # وأنتم تعلمون # [البقرة، الآية 42] أي والحال أنكم تتلون التوراة الناطقة بنعوته صلى ~~الله عليه وسلم الآمرة بالإيمان به أو بالوعد بفعل الخير والوعيد على ~~الفساد والعناد وترك البر ومخالفة القول العمل { أفلا ~~تعقلون } أي أتتلونه فلا تعقلون ما فيه، أو قبح ما تصنعون حتى ~~ترتدعوا عنه، فالإنكار متوجه إلى عدم العقل بعد تحقق ما يوجبه ~~فالمبالغة من حيث الكيف، أو ألا تتأملون فلا تعقلون، فالإنكار متوجه ~~إلى كلا الأمرين، والمبالغة حينئذ من حيث الكم، والعقل في الأصل المنع ~~والإمساك، ومنه العقال الذي يشد به وظيف البعير إلى ذراعه لحبسه ~~عن الحراك. سمي به النور الروحاني الذي به تدرك النفس العلوم ~~الضرورية والنظرية لأنه يحبسه عن تعاطي ما يقبح ويعقله على ما ~~يحسن، والآية كما ترى ناعية على كل من يعظ غيره ولا يتعظ بسوء ~~صنيعه وعدم تأثره وإن فعله فعل الجاهل بالشرع أو الأحمق الخالي عن ~~العقل، والمراد بها كما أشير إليه حثه على تزكية النفس والإقبال ~~عليها بالتكميل لتقوم بالحق فتقيم غيرها، لا منع الفاسق عن الوعظ. # يروى أنه كان عالم من العلماء مؤثر الكلام قوي التصرف في القلوب، ~~وكان كثيرا ما يموت من أهل مجلسه واحد أو اثنان من شدة تأثير وعظه، ~~وكان في بلده عجوز لها ابن صالح رقيق القلب سريع الانفعال وكانت ~~تحترز عليه وتمنعه من حضور مجلس الواعظ فحضره يوما على حين غفلة ~~منها فوقع من أمر الله تعالى ما وقع ثم إن العجوز لقيت الواعظ يوما في ~~الطريق فقالت: # لتهدي الأنام ولا تهتدي # ألا ms0153 إن ذلك لا ينفع # فيا حجر الشحذ حتى متى # تسن الحديد ولا تقطع # فلما سمعه الواعظ شهق شهقة فخر عن فرسه مغشيا عليه فحملوه إلى ~~بيته فتوفي إلى رحمة الله سبحانه. ### || [2.45-47] # { واستعينوا بالصبر والصلوة } متصل بما قبله كأنهم ~~لما كلفوا ما فيه من مشقة من ترك الرياسة والإعراض عن المال عولجوا ~~بذلك والمعنى استعينوا على حوائجكم بانتظار النجح والفرج توكلا على ~~الله تعالى أو بالصوم الذي هو الصبر عن المفطرات لما فيه من كسر ~~الشهوة وتصفية النفس والتوسل بالصلاة والالتجاء إليها فإنها جامعة ~~لأنواع العبادات النفسانية والبدنية، من الطهارة وستر العورة وصرف ~~المال فيهما والتوجه إلى الكعبة والعكوف على العبادة وإظهار الخشوع ~~بالجوارح وإخلاص النية بالقلب ومجاهدة الشيطان ومناجاة الحق وقراءة ~~القرآن والتكلم بالشهادة وكف النفس عن الأطيبين حتى تجابوا إلى ~~تحصيل المآرب وجبر المصائب. # روي أنه عليه السلام كان إذا حز به أمر فزع إلى الصلاة ويجوز أن ~~يراد بها الدعاء { وإنها } أي الاستعانة بهما أو الصلاة ~~وتخصيصها برد الضمير إليها لعظم شأنها واشتمالها على ضروب من ~~الصبر كما في قوله تعالى: # وإذا رأوا تجرة أو لهوا انفضوا إليها # [الجمعة، الآية 11] أو جملة ما أمروا بها ونهوا عنها { لكبيرة ~~} لثقيلة شاقة كقوله تعالى: # كبر على المشركين ما تدعوهم إليه # [الشورى، الآية 13] { إلا على الخشعين } الخشوع الإخبات ~~ومنه الخشعة للرملة المتطامنة والخضوع اللين والانقياد ولذلك يقال: ~~الخشوع بالجوارح والخضوع بالقلب وإنما لم تثقل عليهم لأنهم يتوقعون ~~ما أعد لهم بمقابلتها فتهون عليهم ولأنهم يستغرقون في مناجاة ربهم ~~فلا يدركون ما يجري عليهم من المشاق والمتاعب، ولذلك قال عليه ~~السلام: # " و[جعل] قرة عيني في الصلاة " # والجملة حالية أو اعتراض تذييلي { الذين يظنون أنهم ~~ملقوا ربهم وأنهم إليه رجعون } أي يتوقعون ~~لقاءه تعالى ونيل ما عنده من المثوبات، والتعرض لعنوان الربوبية مع ~~الإضافة إليهم للإيذان بفيضان إحسانه إليهم أو يتيقنون أنهم يحشرون ~~إليه للجزاء فيعملون على حسب ذلك رغبة ورهبة، وأما الذين لا يوقنون ~~بالجزاء ولا يرجون الثواب ولا يخافون العقاب ms0154 كانت عليهم مشقة خالصة ~~فتثقل عليهم، كالمنافقين والمرائين، فالتعرض للعنوان المذكور ~~للإشعار بعلية الربوبية والمالكية للحكم، ويؤيده أن في مصحف ابن ~~مسعود رضي الله عنه (يعلمون) وكأن الظن لما شابه العلم في الرجحان ~~أطلق عليه لتضمين معنى التوقع قال: # فأرسلته مستيقن الظن إنه # مخالط ما بين الشراسيف جائف # وجعل خبر إن في الموضعين اسما للدلالة على تحقق اللقاء والرجوع ~~وتقررهما عندهم { يبنى إسرءيل اذكروا نعمتي التى ~~أنعمت عليكم } كرر التذكير للتأكيد ولربط ما بعده من الوعيد ~~الشديد به { وأنى فضلتكم } عطف على نعمتي عطف الخاص على ~~العام لكماله أي فضلت آباءكم { على العلمين } أي عالمي ~~زمانهم بما منحتهم من العلم والإيمان والعمل الصالح وجعلتهم ~~أنبياء وملوكا مقسطين، وهم آباؤهم الذين كانوا في عصر موسى عليه ~~السلام وبعده قبل أن يغيروا. ### || [2.48-49] # { واتقوا يوما } أي حساب يوم أو عذاب يوم { لا تجزى ~~نفس عن نفس شيئا } أي لا تقضي عنها شيئا من الحقوق فانتصاب ~~شيئا على المفعولية أو شيئا من الجزاء فيكون نصبه على المصدرية وقرىء ~~لا تجزي: أي لا تغني عنها فيتعين النصب على المصدرية، وإيراده منكرا ~~مع تنكير النفس للتعميم والإقناط الكلي، والجملة صفة (يوما) والعائد ~~منها محذوف أي لا تجزي فيه ومن لم يجوز الحذف قال: اتسع فيه فحذف ~~الجار وأجري المجرور مجرى المفعول به ثم حذف في قول من قال: ~~[الوافر] # فما أدري أغيرهم تناء # وطول العهد أم مال أصابوا # أي أصابوه { ولا يقبل منها شفعة ولا يؤخذ منها ~~عدل } أي من النفس الثانية العاصية أو من الأولى، والشفاعة من ~~الشفع كأن المشفوع له كان فردا فجعله الشفيع شفعا والعدل الفدية ~~وقيل: البدل، وأصله التسوية سمي به الفدية لأنها تساوي المفدي ~~وتجزي مجزاه { ولا هم ينصرون } أي يمنعون من عذاب الله عز ~~وجل، والضمير لما دلت عليه النفس الثانية المنكرة الواقعة في سياق ~~النفي من النفوس الكثيرة، والتذكير لكونها عبارة عن العباد ~~والأناسي، والنصرة ههنا أخص من المعونة لاختصاصها بدفع الضرر ~~وكأنه أريد بالآية نفي أن يدفع ms0155 العذاب أحد عن أحد من كل وجه محتمل، ~~فإنه إما أن يكون قهرا أو لا والأول النصرة، والثاني إما أن يكون ~~مجانا أو لا، والأول الشفاعة والثاني إما أن يكون بأداء عين ما كان ~~عليه وهو أن يجزي عنه أو بأداء غيره وهو أن يعطي عنه عدلا وقد ~~تمسكت المعتزلة بهذه الآية على نفي الشفاعة لأهل الكبائر، والجواب ~~أنها خاصة بالكفار للآيات الواردة في الشفاعة والأحاديث المروية فيها ~~ويؤيده أن الخطاب معهم ولردهم عما كانوا عليه من اعتقاد أن آباءهم ~~الأنبياء يشفعون لهم { وإذ نجينكم من ءال فرعون } ~~تذكير لتفاصيل ما أجمل في قوله تعالى: # نعمتى التى أنعمت عليكم # [البقرة، الآية 47] من فنون النعماء وصنوف الآلاء أي واذكروا وقت ~~تنجيتنا إياكم أي آباءكم فإن تنجيتهم تنجية لأعقابهم، وقرىء: ~~أنجيتكم وأصل آل أهل لأن تصغيره أهيل وخص بالإضافة إلى أولي ~~الأخطار كالأنبياء عليهم السلام والملوك، وفرعون لقب لمن ملك ~~العمالقة ككسرى لملك الفرس وقيصر لملك الروم وخاقان لملك الترك، ~~ولعتوه اشتق منه تفرعن الرجل إذا عتا وتمرد، وكان فرعون ~~موسى عليه السلام مصعب بن ريان وقيل: ابنه وليدا من بقايا عاد، ~~وقيل: إنه كان عطارا أصفهانيا ركبته الديون فأفلس فاضطر إلى الخروج ~~فلحق بالشام فلم يتسن له المقام به فدخل مصر فرأى في ظاهره ~~حملا من البطيخ بدرهم، وفي نفسه بطيخة بدرهم فقال في نفسه: إن ~~تيسر لي أداء الدين فهذا طريقه فخرج إلى السواد فاشترى حملا بدرهم ~~فتوجه به إلى السوق فكل من لقيه من المكاسين أخذ منه بطيخة فدخل البلد ~~وما معه إلا بطيخة فباعها بدرهم ومضى لوجهه ورأى أهل البلد متروكين ~~سدى لا يتعاطى أحد سياستهم، وكان قد وقع بهم وباء عظيم فتوجه نحو ~~المقابر فرأى ميتا يدفن فتعرض لأوليائه فقال: أنا أمين المقابر ~~فلا أدعكم تدفنونه حتى تعطوني خمسة دراهم فدفعوها إليه ومضى لآخر ~~وآخر حتى جمع في مقدار ثلاثة أشهر مالا عظيما ولم يتعرض له قط ~~إلى أن تعرض يوما لأولياء ميت فطلب منهم ما كان ms0156 يطلب من غيرهم ~~فأبوا ذلك فقالوا: من نصبك هذا المنصب فذهبوا به إلى فرعون فقال: ~~من أنت ومن أقامك بهذا المقام؟ قال: لم يقمني أحد وإنما فعلت ما ~~فعلت ليحضرني أحد إلى مجلسك فأنبهك على اختلال حال قومك وقد ~~جمعت بهذا الطريق هذا المقدار من المال فأحضره ودفعه إلى فرعون فقال: ~~ولني أمورك ترني أمينا كافيا فولاه إياها فسار بهم سيرة حسنة ~~فانتظمت مصالح العسكر واستقامت أحوال الرعية ولبث فيهم دهرا طويلا ~~وترامى أمره في العدل والصلاح فلما مات فرعون أقاموه مقامه فكان من ~~أمره ما كان وكان فرعون يوسف ريان وكان بينهما أكثر من أربعمائة سنة ~~{ يسومونكم } أي يبغونكم من سامه خسفا إذا أولاه ظلما وأصله ~~الذهاب في طلب الشيء { سوء العذاب } أي أفظعه وأقبحه بالنسبة إلى ~~سائره والسوء مصدر من ساء يسوء ونصبه على المفعولية ليسومونكم، ~~والجملة حال من الضمير في نجيناكم أو من آل فرعون أو منهما جميعا ~~لاشتمالها على ضميريهما { يذبحون أبناءكم ويستحيون ~~نساءكم } بيان ليسومونكم ولذلك ترك العاطف بينهما وقرىء ~~يذبحون بالتخفيف وإنما فعلوا بهم ما فعلوا لما أن فرعون رأى في ~~المنام أو أخبره الكهنة أنه سيولد منهم من يذهب بملكه فلم يرد ~~اجتهادهم من قضاء الله عز وجل شيئا قيل: قتلوا بتلك الطريقة تسعمائة ~~ألف مولود وتسعين ألفا وقد أعطى الله عز وجل نفس موسى عليه السلام من ~~القوة على التصرف ما كان يعطيه أولئك المقتولين لو كانوا أحياء ولذلك ~~كانت معجزاته ظاهرة باهرة { وفى ذلكم } إشارة إلى ما ذكر من ~~التذبيح والاستحياء أو إلى الإنجاء منه، وجمع الضمير للمخاطبين، فعلى ~~الأول معنى قوله تعالى: { بلاء } محنة وبلية وكون استحياء نسائهم أي ~~استبقائهن على الحياة محنة مع أنه عفو وترك للعذاب لما أن ذلك كان ~~للاستعمال في الأعمال الشاقة وعلى الثاني نعمة وأصل البلاء الاختبار، ~~ولكن لما كان ذلك في حقه سبحانه محالا وكان ما يجري مجرى الاختبار ~~لعباده تارة بالمحنة وأخرى بالمنحة أطلق عليهما، وقيل: يجوز أن ~~يشار بذلكم إلى الجملة ويراد ms0157 بالبلاء القدر المشترك الشامل لهما { ~~من ربكم } من جهته تعالى بتسليطهم عليكم أو ببعث موسى عليه السلام ~~وبتوفيقه لتخليصكم منهم أو بهما معا { عظيم } صفة لبلاء وتنكيرهما ~~للتفخيم، وفي الآية الكريمة تنبيه على أن ما يصيب العبد من السراء ~~والضراء من قبيل الاختبار فعليه الشكر في المسار والصبر على ~~المضار. ### || [2.50] # { وإذ فرقنا بكم البحر } بيان لسبب التنجية وتصوير ~~لكيفيتها إثر تذكيرها وبيان عظمها وهولها وقد بين في تضاعيف ذلك ~~نعمة جليلة أخرى هي الأنجاء من الغرق أي واذكروا إذ فلقناه بسلوككم ~~كقوله تعالى: # تنبت بالدهن # [المؤمنون، الآية 20] أو بسبب إنجائكم وفصلنا بين بعضه وبعض حتى ~~حصلت مسالك، وقرىء بالتشديد للتكثير لأن المسالك كانت اثني عشر بعدد ~~الأسباط { فأنجينكم } أي من الغرق بإخراجكم إلى الساحل كما ~~يصرح به العدول إلى صيغة الإفعال بعد إيراد التخليص من فرعون بصيغة ~~التفعيل وكذا قوله تعالى: { وأغرقنا آل فرعون } أريد فرعون ~~وقومه وإنما اقتصر على ذكرهم للعلم بأنه أولى به منهم وقيل: شخصه كما ~~روي أن الحسن رضي الله عنه كان يقول: اللهم صل على آل محمد أي شخصه ~~واستغنى بذكره عن ذكر قومه { وأنتم تنظرون } ذلك أو غرقهم ~~وإطباق البحر عليهم أو انفلاق البحر عن طرق يابسة مذللة أو جثثهم ~~التي قذفها البحر إلى الساحل أو ينظر بعضكم بعضا. # روي أنه تعالى أمر موسى عليه السلام أن يسري ببني إسرائيل فخرج بهم ~~فصبحهم فرعون وجنوده وصادفوهم على شاطىء البحر فأوحى الله تعالى إليه ~~أن اضرب بعصاك البحر فضربه بها فظهر فيها اثنا عشر طريقا يابسا ~~فسلكوها فقالوا: نخاف أن يغرق بعض أصحابنا فلا نعلم ففتح الله تعالى ~~فيها كوى فتراءوا وتسامعوا حتى عبروا البحر فلما وصل إليه فرعون ~~فرآه منفلقا اقتحمه هو وجنوده فغشيهم ما غشيهم. واعلم أن هذه الواقعة ~~كما أنها لموسى معجزة عظيمة تخر لها أطم الجبال ونعمة عظيمة ~~لأوائل بني إسرائيل موجبة عليهم شكرها كذلك اقتصاصها على ما هي عليه ~~من رسول الله صلى الله عليه وسلم معجزة جليلة تطمئن ms0158 بها القلوب ~~الأبية وتنقاد لها النفوس الغبية موجبة لأعقابهم أن يتلقوها ~~بالإذعان فلا تأثرت أوائلهم بمشاهدتها ورؤيتها ولا تذكرت أواخرهم ~~بتذكيرها وروايتها فيا لها من عصابة ما أعصاها وطائفة ما أطغاها. ### || [2.51-52] # { وإذ وعدنا موسى أربعين ليلة } لما عادوا إلى مصر ~~بعد مهلك فرعون وعد الله موسى عليه السلام أن يعطيه التوراة وضرب له ~~ميقاتا ذا القعدة وعشر ذي الحجة وقيل: وعد عليه السلام بني إسرائيل ~~وهو بمصر إن أهلك الله عدوهم أتاهم بكتاب من عند الله تعالى فيه بيان ~~ما يأتون وما يذرون فلما هلك فرعون سأل موسى ربه الكتاب فأمره بصوم ~~ثلاثين وهو شهر ذي القعدة ثم زاد عشرا من ذي الحجة وعبر عنها بالليالي ~~لأنها غرر الشهور وصيغة المفاعلة بمعنى الثلاثي وقيل: على أصلها ~~تنزيلا لقبول موسى عليه السلام منزلة الوعد و(أربعين ليلة) مفعول ~~ثان لواعدنا على حذف المضاف أي بمقام أربعين ليلة وقرىء (وعدنا) { ~~ثم اتخذتم العجل } بتسويل السامري إلها ومعبودا وثم ~~للتراخي الرتبي، { من بعده } أي من بعد مشيه إلى الميقات على حذف ~~مضاف { وأنتم ظلمون } بإشراككم ووضعكم للشيء في غير موضعه ~~وهو حال من ضمير اتخذتم أو اعتراض تذييلي أي وأنتم قوم عادتكم ~~الظلم. # { ثم عفونا عنكم } حين تبتم، والعفو محو الجريمة من عفاه ~~درسه وقد يجيء لازما قال: # عرفت المنزل الخالي # عفا من بعد أحوال # عفاه كل هتان # كثير الوبل هطال # وقوله تعالى: { من بعد ذلك } أي من بعد الاتخاذ الذي هو متناه ~~في القبح للإيذان بكمال العفو بعد تلك المرتبة من الظلم { لعلكم ~~تشكرون } لكي تشكروا نعمة العفو وتستمروا بعد ذلك على الطاعة. ### || [2.53-54] # { وإذ ءاتينا موسى الكتب والفرقان } أي التوراة ~~الجامعة بين كونها كتابا وحجة تفرق بين الحق والباطل وقيل: أريد ~~بالفرقان معجزاته الفارقة بين الحق والباطل في الدعوى أو بين الكفر ~~والإيمان، وقيل: الشرع الفارق بين الحلال والحرام أو النصر الذي ~~فرق بينه وبين عدوه، كقوله تعالى: # يوم الفرقان # [الأنفال، الآية 41] يريد به يوم بدر { لعلكم تهتدون } لكي ~~تهتدوا بالتدبر ms0159 فيه والعمل بما يحويه { وإذ قال موسى لقومه ~~} بيان لكيفية وقوع العفو المذكور { يقوم إنكم ظلمتم ~~أنفسكم باتخاذكم العجل } أي معبودا { فتوبوا } أي ~~فاعزموا على التوبة { إلى بارئكم } أي إلى من خلقكم بريئا ~~من العيوب والنقصان والتفاوت وميز بعضكم من بعض بصور وهيئات مختلفة، ~~وأصل التركيب الخلوص عن الغير إما بطريق التقصي كما في برىء المريض ~~أو بطريق الإنشاء كما في برأ الله آدم من الطين والتعرض لعنوان ~~البارئية للإشعار بأنهم بلغوا من الجهالة أقصاها ومن الغواية منتهاها حيث ~~تركوا عبادة العليم الحكيم الذي خلقهم بلطيف حكمته بريئا من التفاوت ~~والتنافر إلى عبادة البقر الذي هو مثل في الغباوة، وأن من لم يعرف ~~حقوق منعمه حقيق بأن تسترد هي منه ولذلك أمروا بالقتل وفك ~~التركيب { فاقتلوا أنفسكم } تماما لتوبتكم بالبخع أو بقطع ~~الشهوات، وقيل: أمروا أن يقتل بعضهم بعضا وقيل: أمر من لم يعبد ~~العجل بقتل من عبده. يروى أن الرجل كان يرى قريبه فلم يقدر على ~~المضي لأمر الله تعالى فأرسل الله ضبابة وسحابة سوداء لا ~~يتباصرون بها فأخذوا يقتتلون من الغداة إلى العشي حتى دعا موسى وهارون ~~عليهما السلام، فكشفت السحابة ونزلت التوبة وكانت القتلى سبعين ألفا، ~~والفاء الأولى للتسبيب والثانية للتعقيب { ذلكم } إشارة إلى ما ذكر ~~من التوب والقتل { خير لكم عند بارئكم } لما أنه طهرة عن ~~الشرك ووصلة إلى الحياة الأبدية والبهجة السرمدية { فتاب ~~عليكم } عطف على محذوف على أنه خطاب منه سبحانه على نهج الالتفات ~~من التكلم الذي يقتضيه سياق النظم الكريم وسياقه فإن مبنى الجميع على ~~التكلم إلى الغيبة ليكون ذريعة إلى إسناد الفعل إلى ضمير بارئكم ~~المستتبع للإيذان بعلية عنوان البارئية والخلق والإحياء لقبول التوبة ~~التي هي عبارة عن العفو عن القتل، تقديره فعلتم ما أمرتم به فتاب ~~عليكم بارئكم وإنما لم يقل فتاب عليهم على أن الضمير للقوم لما أن ذلك ~~نعمة أريد التذكير بها للمخاطبين لا لأسلافهم هذا وقد جوز أن يكون ~~فتاب عليكم متعلقا بمحذوف على أنه من كلام موسى ms0160 عليه السلام لقومه ~~تقديره إن فعلتم ما أمرتم به فقد تاب عليكم ولا يخفى أنه بمعزل من ~~اللياقة بجلالة شأن التنزيل، كيف لا وهو حينئذ حكاية لوعد موسى عليه ~~السلام قومه بقبول التوبة منه تعالى لا لقبوله تعالى حتما، وقد عرفت ~~أن الآية الكريمة تفصيل لكيفية القبول المحكي فيما قبل وأن المراد ~~تذكير المخاطبين بتلك النعمة. # { إنه هو التواب الرحيم } تعليل لما قبله أي الذي يكثر ~~توفيق المذنبين للتوبة ويبالغ في قبولها منهم وفي الإنعام عليهم. ### || [2.55-57] # { وإذ قلتم يموسى لن نؤمن لك } تذكير لنعمة أخرى ~~عليهم بعد ما صدر عنهم ما صدر من الجناية العظيمة التي هي اتخاذ العجل ~~أي لن نؤمن لأجل قولك ودعوتك أو لن نقر لك، والمؤمن به إعطاء ~~الله إياه التوراة أو تكليمه إياه أو أنه نبي أو أنه تعالى جعل ~~توبتهم بقتلهم أنفسهم { حتى نرى الله جهرة } أي عيانا ~~وهي في الأصل مصدر قولك جهرت بالقراءة، استعيرت للمعاينة لما ~~بينهما من الاتحاد في الوضوح والانكشاف، إلا أن الأول في المسموعات ~~والثاني في المبصرات ونصبها على المصدرية لأنها نوع من الرؤية أو ~~حال من الفاعل أو المفعول وقرىء بفتح الهاء على أنها مصدر كالغلبة أو ~~جمع كالكتبة فيكون حالا من الفاعل لا غير، والقائلون هم السبعون ~~المختارون لميقات التوبة عن عبادة العجل، روي أنهم لما ندموا على ما ~~فعلوا وقالوا لئن لم يرحمنا ربنا ويغفر لنا لنكونن من الخاسرين، أمر ~~الله موسى عليه السلام أن يجمع سبعين رجلا ويحضر معهم الطور يظهرون ~~فيه تلك التوبة فلما خرجوا إلى الطور وقع عليه عمود من الغمام وتغشاه ~~كله فكلم الله موسى عليه السلام يأمره وينهاه، وكان كلما كلمه تعالى ~~أوقع على جبهته نورا ساطعا لا يستطيع أحد من السبعين النظر إليه ~~وسمعوا كلامه تعالى مع موسى عليه السلام افعل ولا تفعل فعند ذلك طمعوا ~~في الرؤية فقالوا ما قالوا كما سيأتي في سورة الأعراف إن شاء الله تعالى ~~وقيل: عشرة آلاف من قومه { فأخذتكم الصعقة } لفرط العناد ms0161 ~~والتعنت وطلب المستحيل فإنهم ظنوا أنه سبحانه وتعالى مما يشبه الأجسام ~~وتتعلق به الرؤية تعلقها بها على طريق المقابلة في الجهات والأحياز، ~~ولا ريب في استحالته إنما الممكن في شأنه تعالى الرؤية المنزهة عن ~~الكيفيات بالكلية وذلك للمؤمنين في الآخرة وللأفراد من الأنبياء الذين ~~بلغوا في صفاء الجوهر إلى حيث تراهم كأنهم وهم في جلابيب من أبدانهم قد ~~نضوها وتجردوا عنها إلى عالم القدس في بعض الأحوال في الدنيا. قيل: ~~جاءت نار من السماء فأحرقتهم وقيل: صيحة وقيل: جنود سمعوا بحسيسها ~~فخروا صعقين ميتين يوما وليلة. وعن وهب: أنهم لم يموتوا بل لما ~~رأوا تلك الهيئة الهائلة أخذتهم الرعدة ورجفوا حتى كادت تبين ~~مفاصلهم وتنقض ظهورهم وأشرفوا على الهلاك فعند ذلك بكى موسى عليه ~~السلام ودعا ربه فكشف الله عز وجل عنهم ذلك فرجعت إليهم عقولهم ~~ومشاعرهم ولم تكن صعقة موسى عليه السلام موتا بل غشية لقوله تعالى ~~فلما أفاق { وأنتم تنظرون } أي ما أصابكم بنفسه أو بآثاره { ~~ثم بعثنكم من بعد موتكم } بتلك الصاعقة، قيد البعث ~~به لما أنه قد يكون من الإغماء وقد يكون من النوم كما في قوله تعالى: # ثم بعثنهم لنعلم # [الكهف، الآية 12] الخ { لعلكم تشكرون } أي نعمة البعث أو ~~ما كفرتموه بما رأيتم من بأس الله تعالى. # { وظللنا عليكم الغمام } أي جعلناها بحيث تلقي عليكم ~~ظلها، وذلك أنه تعالى سخر لهم السحاب يسير بسيرهم وهم في التيه ~~يظلهم من الشمس وينزل بالليل عمود من نار يسيرون في ضوئه وثيابهم لا ~~تتسخ ولا تبلى { وأنزلنا عليكم المن والسلوى } أي ~~الترنجبين والسمانى وقيل: كان ينزل عليهم المن مثل الثلج من الفجر ~~إلى الطلوع لكل إنسان صاع وتبعث الجنوب عليهم السمانى فيذبح ~~الرجل منه ما يكفيه { كلوا } على إرادة القول أي قائلين لهم أو قيل ~~لهم: كلوا { من طيبات ما رزقنكم } من مستلذاته و(ما) ~~موصولة كانت أو موصوفة عبارة عن المن والسلوى { وما ظلمونا } ~~كلام عدل بهم عن نهج الخطاب السابق للإيذان باقتضاء جنايات ~~المخاطبين للإعراض عنهم وتعداد ms0162 قبائحهم عند غيرهم على طريق المباثة ~~معطوف على مضمر قد حذف للإيجاز والإشعار بأنه أمر محقق غني عن التصريح ~~به أي فظلموا بأن كفروا تلك النعم الجليلة وما ظلمونا بذلك { ولكن ~~كانوا أنفسهم يظلمون } بالكفران إذ لا يتخطاهم ضرره، ~~وتقديم المفعول للدلالة على القصر الذي يقتضيه النفي السابق وفيه ضرب ~~تهكم بهم، والجمع بين صيغتي الماضي والمستقبل للدلالة على تماديهم في ~~الظلم واستمرارهم على الكفر. ### || [2.58] # { وإذ قلنا } تذكير لنعمة أخرى من جنابه تعالى وكفرة أخرى ~~لأسلافهم أي واذكروا وقت قولنا لآبائكم إثر ما أنقذناهم من التيه { ~~ادخلوا هذه القرية } منصوبة على الظرفية عند سيبويه وعلى ~~المفعولية عند الأخفش، وهي بيت المقدس وقيل: أريحا { فكلوا ~~منها حيث شئتم رغدا } أي واسعا هنيئا ونصبه على المصدرية ~~أو الحالية من ضمير المخاطبين، وفيه دلالة على أن المأمور به الدخول ~~على وجه الإقامة والسكنى، فيؤول إلى ما في سورة الأعراف من قوله تعالى: # اسكنوا هذه القرية # [الكهف، الآية 12] { وادخلوا الباب } أي باب القرية على ما ~~روي من أنهم دخلوا أريحاء في زمن موسى عليه السلام كما سيجىء في سورة ~~المائدة أو باب القبة التي كانوا يصلون إليها فإنهم لم يدخلوا بيت ~~المقدس في حياة موسى عليه السلام { سجدا } أي متطامنين مخبتين أو ~~ساجدين لله شكرا على إخراجهم من التيه { وقولوا حطة } أي ~~مسألتنا أو أمرك حطة وهي فعلة من الحط كالجلسة وقرىء بالنصب على ~~الأصل بمعنى حط عنا ذنوبنا حطة أو على أنها مفعول قولوا أي قولوا ~~هذه الكلمة وقيل: معناها أمرنا حطة أي أن نحط رحالنا في هذه القرية ~~ونقيم بها { نغفر لكم خطيكم } لما تفعلون من السجود ~~والدعاء، وقرىء بالياء والتاء على البناء للمفعول، وأصل خطايا خطايىء ~~كخضايع فعند سيبويه أبدلت الياء الزائدة همزة لوقوعها بعد الألف ~~واجتمعت همزتان وأبدلت الثانية ياء، ثم قلبت ألفا وكانت الهمزة بين ~~ألفين فأبدلت ياء وعند الخليل قدمت الهمزة على الياء ثم فعل بها ما ~~ذكر { وسنزيد المحسنين } ثوابا جعل الامتثال توبة للمسيء ~~وسببا لزيادة ms0163 الثواب للمحسن وأخرج ذلك عن صورة الجواب إلى الوعد ~~إيذانا بأن المحسن بصدد ذلك وإن لم يفعله فكيف إذا فعله وأنه يفعله لا ~~محالة. ### || [2.59-60] # { فبدل الذين ظلموا } بما أمروا به من التوبة والاستغفار ~~بأن أعرضوا عنه وأوردوا مكانه { قولا } آخر مما لا خير فيه. روي ~~أنهم قالوا مكان حطة حنطة وقيل: قالوا بالنبطية حطا سمقاسا ~~يعنون حنطة حمراء استخفافا بأمر الله عز وجل { غير الذى قيل ~~لهم } نعت لقولا وإنما صرح به مع استحالة تحقق التبديل بلا ~~مغايرة تحقيقا لمخالفتهم وتنصيصا على المغايرة من كل وجه { ~~فأنزلنا } أي عقيب ذلك { على الذين ظلموا } بما ذكر من ~~التبديل وإنما وضع الموصول موضع الضمير العائد إلى الموصول الأول ~~للتعليل والمبالغة في الذم والتقريع، وللتصريح بأنهم بما فعلوا قد ظلموا ~~أنفسهم بتعريضها لسخط الله تعالى { رجزا من السماء } أي عذابا ~~مقدرا منها، والتنوين للتهويل والتفخيم { بما كانوا يفسقون ~~} بسبب فسقهم المستمر حسبما يفيده الجمع بين صيغتي الماضي ~~والمستقبل، وتعليل إنزال الرجز به بعد الإشعار بتعليله بظلمهم للإيذان ~~بأن ذلك فسق وخروج عن الطاعة وغلو في الظلم وأن تعذيبهم بجميع ما ~~ارتكبوه من القبائح لا بعدم توبتهم فقط كما يشعر به ترتيبه على ذلك ~~بالفاء، والرجز في الأصل ما يعاف عنه وكذلك الرجس وقرىء بالضم، وهو ~~لغة فيه والمراد به الطاعون، روي أنه مات به في ساعة واحدة أربعة ~~وعشرون ألفا. # { وإذ استسقى موسى لقومه } تذكير لنعمة أخرى كفروها ~~وكان ذلك في التيه حين استولى عليهم العطش الشديد، وتغيير الترتيب لما ~~أشير إليه مرارا من قصد إبراز كل من الأمور المعدودة في معرض أمر ~~مستقل واجب التذكير والتذكر ولو روعي الترتيب الوقوعي لفهم أن ~~الكل أمر واحد أمر بذكره، واللام متعلقة بالفعل أي استسقى لأجل قومه ~~{ فقلنا اضرب بعصاك الحجر } روي أنه كان حجرا طوريا ~~مكعبا حمله معه وكان ينبع من كل وجه منه ثلاث أعين تسيل كل عين في ~~جدول إلى سبط وكانوا ستمائة ألف وسعة المعسكر اثني عشر ميلا أو كان ms0164 ~~حجرا أهبطه الله تعالى مع آدم عليه السلام من الجنة ووقع إلى شعيب ~~عليه السلام فأعطاه موسى عليه السلام مع العصا أو كان هو الحجر الذي ~~فر بثوبه حين وضعه عليه ليغتسل وبرأه الله تعالى به عما رموه به من ~~الأدرة فأشار إليه جبريل عليه السلام أن يحمله أو كان حجرا من ~~الحجارة وهو الأظهر في الحجة، قيل: لم يؤمر عليه السلام بضرب حجر بعينه ~~ولكن لما قالوا كيف بنا لو أفضينا إلى أرض لا حجارة بها حمل حجرا في ~~مخلاته وكان يضربه بعصاه إذا نزل فيتفجر ويضربه إذا ارتحل فييبس ~~فقالوا: إن فقد موسى عصاه متنا عطشا، فأوحى الله تعالى إليه أن لا ~~تقرع الحجر وكلمه يطعك لعلهم يعتبرون وقيل: كان الحجر من رخام ~~حجمه ذراع في ذراع والعصا عشرة أذرع على طوله عليه السلام من آس ~~الجنة ولها شعبتان تتقدان في الظلمة { فانفجرت } عطف على مقدر ~~ينسحب عليه الكلام قد حذف للدلالة على كمال سرعة تحقق الانفجار كأنه ~~حصل عقيب الأمر بالضرب أي فضرب فانفجرت { منه اثنتا ~~عشرة عينا } وأما تعلق الفاء بمحذوف أي فإن ضربت فقد ~~انفجرت فغير حقيق بجلالة شأن النظم الكريم كما لا يخفى على أحد، وقرىء ~~عشرة بكسر الشين وفتحها وهما أيضا لغتان { قد علم كل أناس } ~~كل سبط { مشربهم } عينهم الخاصة بهم { كلوا واشربوا } ~~على إرادة القول { من رزق الله } هو ما رزقهم من المن والسلوى ~~والماء وقيل: هو الماء وحده لأنه يؤكل ما ينبت به من الزروع والثمار ~~ويأباه أن المأمور به أكل النعمة العتيدة لا ما سيطلبونه وإضافته ~~إليه تعالى مع استناد الكل إليه خلقا وملكا إما للتشريف وإما لظهوره ~~بغير سبب عادي، وإنما لم يقل من رزقنا كما يقتضيه قوله تعالى: فقلنا ~~إلخ إيذانا بأن الأمر بالأكل والشرب لم يكن بطريق الخطاب بل بواسطة ~~موسى عليه السلام { ولا تعثوا فى الارض } العثي أشد ~~الفساد فقيل لهم: لا تتمادوا في الفساد حال كونكم { مفسدين } ~~وقيل: إنما قيد به لأن العثي في ms0165 الأصل مطلق التعدي وإن غلب في الفساد ~~وقد يكون في غير الفساد كما في مقابلة الظالم المعتدي بفعله وقد يكون فيه ~~صلاح راجح كقتل الخضر عليه السلام للغلام وخرقه للسفينة، ونظيره ~~العيث خلا أنه غالب فيما يدرك حسا. ### || [2.61] # { وإذ قلتم } تذكير لجناية أخرى لأسلافهم وكفرانهم لنعمة الله ~~عز وجل وإخلادهم إلى ما كانوا فيه من الدناءة والخساسة، وإسناد القول ~~المحكى إلى أخلاقهم وتوجيه التوبيخ إليهم لما بينهم من الاتحاد { ~~يموسى لن نصبر على طعام وحد } لعلهم لم يريدوا بذلك ~~جمع ما طلبوا مع ما كان لهم من النعمة ولا زوالها وحصول ما طلبوا ~~مكانها إذ يأباه التعرض للوحدة بل أرادوا أن يكون هذا تارة وذاك أخرى. ~~روي أنهم كانوا فلاحة فنزعوا إلى عكرهم فأجمعوا ما كانوا فيه من النعمة ~~العتيدة لوحدتها النوعية وإطرادها وتاقت أنفسهم إلى الشقاء { فادع ~~لنا ربك } أي سله لأجلنا بدعائك إياه والفاء لسببية عدم الصبر ~~للدعاء، والتعرض لعنوان الربوبية لتمهيد مبادي الإجابة { يخرج ~~لنا } أي يظهر لنا ويوجد والجزم لجواب الأمر { مما تنبت ~~الأرض } إسناد مجازي بإقامة القابل مقام الفاعل ومن تبعيضية ~~والتي في قوله تعالى: { من بقلها وقثائها وفومها ~~وعدسها وبصلها } بيانية واقعة موقع الحال أي كائنا من ~~بقلها الخ وقيل: بدل بإعادة الجار، والبقل ما تنبت الأرض من ~~الخضر والمراد به أطايبه التي تؤكل كالنعناع والكرفس والكراث ~~وأشباهها، والفوم الحنطة وقيل: الثوم وقرىء قثائها بضم القاف وهو ~~لغة فيه { قال } أي الله تعالى أو موسى عليه السلام إنكارا عليهم وهو ~~استئناف وقع جوابا عن سؤال مقدر كأنه قيل: فماذا قال لهم فقيل قال: { ~~أتستبدلون } أي أتأخذون لأنفسكم وتختارون { الذى هو ~~أدنى } أي أقرب منزلة وأدون قدرا سهل المنال وهين الحصول لعدم ~~كونه مرغوبا فيه وكونه تافها مرذولا قليل القيمة، وأصل الدنو ~~القرب في المكان فاستعير للخسة كما استعير البعد للشرف والرفعة، ~~فقيل: بعيد المحل وبعيد الهمة وقرىء أدنأ من الدناءة وقد حملت ~~المشهورة على أن ألفها مبدلة من الهمزة { بالذى هو خير } أي ms0166 ~~بمقابلة ما هو خير فإن الباء تصحب الذاهب الزائل دون الآتي الحاصل كما ~~في التبدل والتبديل في مثل قوله عز وجل: # ومن يتبدل الكفر بالإيمن # [البقرة، الآية 108] وقوله: # وبدلنهم بجنتهم جنتين ذواتى أكل خمط # [سبأ، الآية 16] وليس فيه ما يدل قطعا على أنهم أرادوا زوال المن ~~والسلوى بالمرة، وحصول ما طلبوا مكانه لتحقق الاستبدال فيما مر من صورة ~~المناوبة { اهبطوا مصرا } أمروا به بيانا لدناءة مطلبهم أو ~~إسعافا لمرامهم أي انحدروا إليه من التيه يقال: هبط الوادي وقرىء بضم ~~الباء، والمصر البلد العظيم وأصله الحد بين الشيئين، وقيل: أريد به ~~العلم وإنما صرف لسكون وسطه أو لتأويله بالبلد دون المدينة، ويؤيده ~~أنه في مصحف ابن مسعود رضي الله عنه غير منون، وقيل: أصله مصراييم ~~فعرب { فإن لكم ما سألتم } تعليل للأمر بالهبوط أي فإن لكم ~~فيه ما سألتموه، ولعل التعبير عن الأشياء المسؤولة بما للاستهجان ~~بذكرها كأنه قيل: فإنه كثير فيه مبتذل يناله كل أحد بغير مشقة { ~~وضربت عليهم الذلة والمسكنة } أي جعلتا محيطتين بهم ~~إحاطة القبة بمن ضربت عليه أو ألصقتا بهم وجعلتا ضربة لازب لا ~~تنفكان عنهم مجازاة لهم على كفرانهم، من ضرب الطين على الحائط ~~بطريق الاستعارة بالكناية، واليهود في غالب الأمر أذلاء مساكين إما ~~على الحقيقة، وإما لخوف أن تضاعف جزيتهم { وباءوا } أي رجعوا، { ~~بغضب } عظيم وقوله تعالى: { من الله } متعلق بمحذوف هو صفة ~~لغضب مؤكد لما أفاده التنوين من الفخامة الذاتية بالفخامة الإضافية ~~أي بغضب كائن من الله تعالى أو صاروا أحقاء به، من قولهم باء فلان ~~بفلان أي صار حقيقا بأن يقتل بمقابلته، ومنه قول من قال: بؤ بشسع ~~نعل كليب، وأصل البوء المساواة { ذلك } إشارة إلى ما سلف من ~~ضرب الذلة والمسكنة والبوء بالغضب العظيم { بأنهم } بسبب أنهم ~~{ كانوا يكفرون } على الاستمرار { بآيات الله } الباهرة ~~التي هي المعجزات الساطعة الظاهرة على يدي موسى عليه السلام مما عد ~~وما لم يعد { ويقتلون النبيين بغير الحق } كشعيا ~~وزكريا ويحيى عليهم السلام، وفائدة التقييد مع أن ms0167 قتل الأنبياء ~~يستحيل أن يكون بحق الإيذان بأن ذلك عندهم أيضا بغير الحق إذ لم يكن ~~أحد معتقدا بحقية قتل أحد منهم عليهم السلام وإنما حملهم على ذلك حب ~~الدنيا واتباع الهوى والغلو في العصيان والاعتداء كما يفصح عنه قوله ~~تعالى: { ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون } أي جرهم ~~العصيان والتمادي في العدوان إلى ما ذكر من الكفر وقتل الأنبياء ~~عليهم السلام فإن صغار الذنوب إذا دووم عليها أدت إلى كبارها كما ~~أن مداومة صغار الطاعات مؤدية إلى تحري كبارها، وقيل: كررت ~~الإشارة للدلالة على أن ما لحقهم كما أنه بسبب الكفر والقتل فهو ~~بسبب ارتكابهم المعاصي واعتدائهم حدود الله تعالى وقيل: الإشارة إلى ~~الكفر والقتل، والباء بمعنى مع ويجوز الإشارة إلى المتعدد بالمفرد ~~بتأويل ما ذكر أو تقدم كما في قول رؤبة بن العجاج: [الرجز] # فيها خطوط من سواد وبلق # كأنه في الجلد توليع البهق # أي كان ما ذكر والذي حسن ذلك في المضمرات والمبهمات أن تثنيتها ~~وجمعها ليسا على الحقيقة ولذلك جاء الذي بمعنى الذين ### || [2.62] # { إن الذين ءامنوا } أي بألسنتهم فقط وهم المنافقون بقرينة ~~انتظامهم في سلك الكفرة، والتعبير عنهم بذلك دون عنوان النفاق ~~للتصريح بأن تلك المرتبة وإن عبر عنها بالإيمان لا تجديهم نفعا ~~أصلا ولا تنقذهم من ورطة الكفر قطعا { والذين هادوا } أي ~~تهودوا من هاد إذا دخل في اليهودية، ويهود إما عربي من هاد إذا تاب ~~سموا بذلك حين تابوا من عبادة العجل وخصوا به لما كانت توبتهم توبة ~~هائلة، وإما معرب يهوذا كأنهم سموا باسم أكبر أولاد يعقوب عليه ~~الصلاة والسلام { والنصرى } جمع نصران كندامى جمع ندمان ~~يقال: رجل نصران وامرأة نصرانة والياء في نصراني للمبالغة كما في ~~أحمري سموا بذلك لأنهم نصروا المسيح عليه السلام أو لأنهم كانوا معه ~~في قرية يقال لها نصران فسموا باسمها أو نسبوا إليها والياء للنسبة، ~~وقال الخليل واحد النصارى نصري كمهري ومهارى { والصبئين } ~~هم قوم بين النصارى والمجوس وقيل: أصل دينهم دين نوح عليه السلام ~~وقيل: هم ms0168 عبدة الملائكة وقيل: عبدة الكواكب فهو إن كان عربيا فمن ~~صبأ إذا خرج من دين إلى آخر وقرىء بالياء، إما للتخفيف، وإما لأنه من ~~صبا إذا مال لما أنهم مالوا من سائر الأديان إلى ما هم فيه، أو من الحق ~~إلى الباطل { من ءامن بالله واليوم الآخر } أي من أحدث من ~~هذه الطوائف إيمانا خالصا بالمبدأ والمعاد على الوجه اللائق { ~~وعمل } عملا { صلحا } حسبما يقتضيه الإيمان بما ذكر { ~~فلهم } بقابلة ذلك { أجرهم } الموعود لهم { عند ربهم } ~~أي مالك أمرهم ومبلغهم إلى كمالهم اللائق، فمن إما في محل الرفع ~~على الابتداء خبره جملة فلهم أجرهم والفاء لتضمن الموصول معنى ~~الشرط كما في قوله تعالى: # إن الذين فتنوا المؤمنين # [البروج، الآية 10] الآية، وجمع الضمائر الثلاثة باعتبار معنى الموصول ~~كما أن إفراد ما في الصلة باعتبار لفظه والجملة كما هي خبر إن ~~والعائد إلى اسمها محذوف أي من آمن منهم الخ، وإما في محل النصب على ~~البدلية من اسم (إن) وما عطف عليه وخبرها فلهم أجرهم و(عند) متعلق ~~بما تعلق به لهم من معنى الثبوت، وفي إضافته إلى الرب المضاف إلى ~~ضميرهم مزيد لطف بهم وإيذان بأن أجرهم متيقن الثبوت مأمون من ~~الفوات. # { ولا خوف عليهم } عطف على جملة فلهم أجرهم أي لا خوف عليهم ~~حين يخاف الكفار العقاب { ولا هم يحزنون } حين يحزن المقصرون ~~على تضييع العمر وتفويت الثواب، والمراد بيان دوام انتفائهما لا ~~بيان انتفاء دوامهما كما يوهمه كون الخبر في الجملة الثانية ~~مضارعا لما مر من أن النفي وإن دخل على نفس المضارع يفيد الدوام ~~والاستمرار بحسب المقام، هذا وقد قيل: المراد بالذين آمنوا المتدينون ~~بدين الإسلام المخلصون منهم والمنافقون، فحينئذ لا بد من تفسير من ~~آمن بمن اتصف منهم بالإيمان الخالص بالمبدأ والمعاد على الإطلاق، سواء ~~كان ذلك بطريق الثبات والدوام عليه كإيمان المخلصين أو بطريق إحداثه ~~وإنشائه كإيمان من عداهم من المنافقين وسائر الطوائف، وفائدة التعميم ~~للمخلصين مزيد ترغيب الباقين في الإيمان ببيان أن تأخيرهم في الاتصاف ~~به ms0169 غير مخل بكونهم أسوة لأولئك الأقدمين في استحقاق الأجر وما ~~يتبعه من الأمن الدائم، وأما ما قيل في تفسيره من كان منهم في دينه قبل ~~أن ينسخ مصدقا بقلبه بالمبدأ والمعاد عاملا بمقتضى شرعه فمما لا ~~سبيل إليه أصلا لأن مقتضى المقام هو الترغيب في دين الإسلام، وأما ~~بيان حال من مضى على دين آخر قبل انتساخه فلا ملابسة له بالمقام ~~قطعا بل ربما يخل بمقتضاه من حيث دلالته على حقيته في زمانه في ~~الجملة، على أن المنافقين والصابئين لا يتسنى في حقهم ما ذكر، أما ~~المنافقون فإن كانوا من أهل الشرك فالأمر بين، وإن كانوا من أهل ~~الكتاب فمن مضى منهم قبل النسخ ليسوا بمنافقين، وأما الصابئون فليس لهم ~~دين يجوز رعايته في وقت من الأوقات ولو سلم أنه كان لهم دين سماوي ~~ثم خرجوا عنه فمن مضى من أهل ذلك الدين قبل خروجهم منه فليسوا من ~~الصابئين فكيف يمكن إرجاع الضمير الرابط بين اسم إن وخبرها إليهم ~~أو إلى المنافقين، وارتكاب إرجاعه إلى مجموع الطوائف من حيث هو مجموع ~~لا إلى كل واحدة منها قصدا إلى درج الفريق المذكور فيه ضرورة أن من ~~كان من أهل الكتاب عاملا بمقتضى شرعه قبل نسخه من مجموع الطوائف ~~بحكم اشتماله على اليهود والنصارى وإن لم يكن من المنافقين والصابئين ~~مما يجب تنزيه ساحة التنزيل عن أمثاله، على أن المخلصين مع اندراجهم ~~في حيز اسم إن ليس لهم في حيز خبرها عين ولا أثر فتأمل وكن على الحق ~~المبين. ### || [2.63-64] # { وإذ أخذنا ميثقكم } تذكير لجناية أخرى لأسلافهم أي ~~واذكروا وقت أخذنا لميثاقكم بالمحافظة على ما في التوراة { ورفعنا ~~فوقكم الطور } عطف على قوله أخذنا أو حال أي وقد رفعنا فوقكم ~~الطور كأنه ظلة، روي أن موسى عليه السلام لما جاءهم بالتوراة فرأوا ~~ما فيها من التكاليف الشاقة كبرت عليهم فأبوا قبولها فأمر جبريل ~~عليه السلام فقلع الطور فظلله عليهم حتى قبلوا. # { خذوا } على إرادة القول { ما ءاتينكم } من الكتاب { ~~بقوة } بجد وعزيمة ms0170 { واذكروا ما فيه } أي احفظوه ولا ~~تنسوه أو تفكروا فيه فإنه ذكر بالقلب أو اعملوا به { لعلكم ~~تتقون } لكي تتقوا المعاصي أو لتنجوا من هلاك الدارين أو رجاء ~~منكم أن تنتظموا في سلك المتقين أو طلبا لذلك وقد مر تحقيقه { ثم ~~توليتم } أي أعرضتم عن الوفاء بالميثاق { من بعد ذلك } من ~~بعد أخذ ذلك الميثاق المؤكد { فلولا فضل الله عليكم ~~ورحمته } بتوفيقكم للتوبة أو بمحمد صلى الله عليه وسلم حيث ~~يدعوكم إلى الحق ويهديكم إليه { لكنتم من الخسرين } أي ~~المفتونين بالانهماك في المعاصي والخبط في مهاوي الضلال عند الفترة. ~~وقيل: لولا فضله تعالى عليكم بالإمهال وتأخير العذاب لكنتم من الهالكين ~~وهو الأنسب بما بعده وكلمة (لولا) إما بسيطة أو مركبة من لو ~~الامتناعية وحرف النفي ومعناها امتناع الشيء لوجود غيره كما أن (لو) ~~لامتناعه لامتناع غيره والاسم الواقع بعدها عند سيبويه مبتدأ خبره ~~محذوف وجوبا لدلالة الحال عليه وسد الجواب مسده، والتقدير لولا ~~فضل الله حاصل، وعند الكوفيين فاعل فعل محذوف أي لولا ثبت فضل ~~الله تعالى عليكم. ### || [2.65-67] # { ولقد علمتم } أي عرفتم { الذين اعتدوا منكم فى ~~السبت } روي أنهم أمروا بأن يتمحضوا يوم السبت للعبادة ~~ويتجردوا لها ويتركوا الصيد فاعتدى فيه أناس منهم في زمن داود عليه ~~السلام فاشتغلوا بالصيد وكانوا يسكنون قرية بساحل البحر يقال لها ~~أيلة فإذا كان يوم السبت لم يبق في البحر حوت إلا برز وأخرج ~~خرطومه فإذا مضى تفرقت فحفروا حياضا وشرعوا إليها الجداول وكانت ~~الحيتان تدخلها يوم السبت فيصطادونها يوم الأحد، فالمعنى وبالله لقد ~~علمتوهم حين فعلوا من قبيل جناياتكم ما فعلوا فلم نمهلهم ولم ~~نؤخر عقوبتهم بل عجلناها { فقلنا لهم كونوا قردة ~~خسئين } أي جامعين بين صورة القردة والخسوء، وهو الطرد ~~والصغار، على أن خاسئين نعت لقردة وقيل: حال من اسم كونوا عند من ~~يجيز عمل كان في الظروف والحال، وقيل: من الضمير المستكن في قردة ~~لأنه في معنى ممسوخين، وقال مجاهد: ما مسخت صورهم ولكن قلوبهم فمثلوا ~~بالقردة كما مثلوا بالحمار ms0171 في قوله تعالى: # كمثل الحمار يحمل أسفارا # [الجمعة، الآية 5] والمراد بالأمر بيان سرعة التكوين وأنهم صاروا ~~كذلك كما أراده عز وجل وقرىء قردة بفتح القاف وكسر الراء وخاسين بغير ~~همز { فجعلناها } أي المسخة والعقوبة { نكلا } عبرة تنكل ~~المعتبر بها أي تمنعه وتردعه ومنه النكل للقيد { لما بين ~~يديها وما خلفها } لما قبلها وما بعدها من الأمم إذ ذكرت ~~حالهم في زبر الأولين واشتهرت قصصهم في الآخرين أو لمعاصريهم ومن ~~بعدهم، أو لما بحضرتها من القرى وما تباعد عنها أو لأهل تلك القرية وما ~~حواليها أو لأجل ما تقدم عليها من ذنوبهم وما تأخر منها { وموعظة ~~للمتقين } من قومهم أو لكل متق سمعها { وإذ قال ~~موسى لقومه } توبيخ آخر لإخلاف بني إسرائيل بتذكير بعض ~~جنايات صدرت عن أسلافهم أي واذكروا وقت قول موسى عليه السلام لأجدادكم ~~{ إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة } وسببه أنه كان ~~في بني إسرائيل شيخ موسر فقتله بنو عمه طمعا في ميراثه فطرحوه على ~~باب المدينة ثم جاءوا يطالبون بديته فأمرهم الله تعالى أن يذبحوا بقرة ~~ويضربوه ببعضها فيحيا فيخبرهم بقاتله { قالوا } استئناف وقع ~~جوابا عما ينساق إليه الكلام كأنه قيل: فماذا صنعوا هل سارعوا إلى ~~الامتثال أو لا؟ فقيل: قالوا { أتتخذنا هزوا } بضم الزاء وقلب ~~الهمزة واوا وقرىء بالهمزة مع الضم والسكون أي أتجعلنا مكان هزء أو ~~أهل هزء أو مهزوءا بنا أو الهزو نفسه استبعادا لما قاله ~~واستخفافا به { قال } استئناف كما سبق { أعوذ بالله أن ~~أكون من الجهلين } لأن الهزؤ في أثناء تبليغ أمر الله ~~سبحانه جهل وسفه، نفى عنه عليه السلام ما توهموه من قبله على أبلغ ~~وجه وآكده بإخراجه مخرج ما لا مكروه وراءه بالاستعاذة منه ~~استفظاعا له واستعظاما لما أقدموا عليه من العظيمة التي شافهوه عليه ~~السلام بها. ### || [2.68-69] # { قالوا } استئناف كما مر كأنه قيل: فماذا قالوا بعد ذلك؟ فقيل: ~~توجهوا إلى الامتثال وقالوا { ادع لنا } أي لأجلنا { ربك ~~يبين لنا ما هى } ما مبتدأ وهي خبره والجملة في حيز النصب ms0172 ~~يبين أي يبين لنا جواب هذا السؤال وقد سألوا عن حالها وصفتها لما ~~قرع أسماعهم ما لم يعهدوه من بقرة ميتة يضرب ببعضها ميت فيحيا، ~~فإن (ما) وإن شاعت في طلب مفهوم الاسم والحقيقة كما في ما الشارحة ~~والحقيقية لكنها قد يطلب بها الصفة والحال، تقول: ما زيد؟ فيقال: ~~طبيب أو عالم وقيل: كان حقه أن يستفهم بأي لكنهم لما رأوا ما ~~أمروا به على حالة مغايرة لما عليه الجنس أخرجوه عن الحقيقة فجعلوه جنسا ~~على حياله { قال } أي موسى عليه السلام بعد ما دعا ربه عز وجل ~~بالبيان وأتاه الوحي { إنه } تعالى { يقول إنها } أي ~~البقرة المأمور بذبحها { بقرة لا فارض ولا بكر } أي لا ~~مسنة ولا فتية يقال: فرضت البقرة فروضا أي أسنت من الفرض بمعنى ~~القطع كأنها قطعت سنها وبلغت آخرها، وتركيب البكر للأولية ومنه ~~البكرة والباكورة { عوان } أي نصف لا محل ولا ضرع قال: # طوال مثل أعناق الهوادي # نواعم بين أبكار وعون # { بين ذلك } إشارة إلى ما ذكر من الفارض والبكر ولذلك أضيف إليه ~~(بين) لاختصاصه بالإضافة إلى المتعدد { فافعلوا } أمر من جهة موسى ~~عليه السلام متفرع على ما قبله من بيان صفة المأمور به { ما ~~تؤمرون } أي ما تؤمرونه بمعنى تؤمرون به كما في قوله: [البسيط] # أمرتك الخير فافعل ما أمرت به # [فقد تركتك ذا مال وذا نشب] # فإن حذف الجار قد شاع في هذا الفعل حتى لحق بالأفعال المتعدية إلى ~~مفعولين، وهذا الأمر منه عليه السلام لحثهم على الامتثال وزجرهم عن ~~المراجعة ومع ذلك لم يقتنعوا به. وقوله تعالى: { قالوا } استئناف كما ~~مر كأنه قيل: ماذا صنعوا بعد هذا البيان الشافي والأمر المكرر؟ ~~فقيل: قالوا: { ادع لنا ربك يبين لنا ما لونها } حتى ~~يتبين لنا البقرة المأمور بها { قال } أي موسى عليه السلام بعد ~~المناجاة إلى الله تعالى ومجىء البيان { إنه } تعالى { يقول ~~إنها بقرة صفراء فاقع لونها } إسناد البيان في كل ~~مرة إلى الله عز وجل لإظهار كمال المساعدة في إجابة مسؤولهم بقولهم ms0173 ~~(يبين لنا) وصيغة الاستقبال لاستحضار الصورة، والفقوع نصوع ~~الصفرة وخلوصها، ولذلك يؤكد به ويقال: أصفر فاقع كما يقال: أسود ~~حالك وأحمر قانىء، وفي إسناده إلى اللون مع كونه من أحوال الملون ~~لملابسته به ما لا يخفى من فضل تأكيد كأنه قيل: صفراء شديد الصفرة ~~صفرتها كما في جد جده. وعن الحسن رضي الله عنه: سوداء شديدة ~~السواد، وبه فسر قوله تعالى: # جملة صفر # [المرسلات، الآية 33] قيل: ولعل التعبير عن السواد بالصفرة لما أنها ~~من مقدماته وإما لأن سواد الإبل يعلوه صفرة ويأباه وصفها بقوله ~~تعالى: { تسر النظرين } كما يأباه وصفها بفقوع اللون. ~~والسرور لذة في القلب عند حصول نفع أو توقعه من السر، عن علي رضي ~~الله عنه: من لبس نعلا صفراء قل همه. ### || [2.70-71] # { قالوا } استئناف كنظائره { ادع لنا ربك يبين لنا ~~ما هى } زيادة استكشاف عن حالها كأنهم سألوا بيان حقيقتها بحيث ~~تمتاز عن جميع ما عداها مما تشاركها في الأوصاف المذكورة والأحوال ~~المشروحة في أثناء البيان ولذلك عللوه بقولهم: { إن البقر ~~تشبه علينا } يعنون أن الأوصاف المعدودة يشترك فيها كثير من ~~البقر ولا نهتدي بها إلى تشخيص ما هو المأمور بها ولذلك لم يقولوا إن ~~البقر تشابهت إيذانا بأن النعوت المعدودة ليست بمشخصة للمأمور بها ~~بل صادقة على سائر أفراد الجنس، وقرىء إن الباقر وهو اسم لجماعة ~~البقر والأباقر والبواقر، ويتشابه بالياء والتاء ويشابه بطرح التاء ~~والإدغام على التذكير والتأنيث وتشابهت مخففا ومشددا وتشبه ~~بمعنى تتشبه ويشبه بالتذكير ومتشابه ومتشابهة ومتشبه ~~ومتشبهة وفيه دلالة على أنهم ميزوها عن بعض ما عداها في الجملة ~~وإنما بقي اشتباه بشرف الزوال كما ينبىء عنه قولهم: { وإنا إن شاء ~~الله لمهتدون } مؤكدا بوجوه من التوكيد أي لمهتدون بما سألنا ~~من البيان إلى المأمور بذبحها وفي الحديث لو لم يستثنوا لما بينت ~~لهم آخر الأبد. # { قال إنه يقول إنها بقرة لا ذلول تثير ~~الأرض ولا تسقى الحرث } أي لم تذلل للكراب وسقي ~~الحرث، و(لا ذلول) صفة لبقرة بمعنى غير ذلول و(لا) الثانية ms0174 لتأكيد ~~الأولى والفعلان صفتا ذلول كأنه قيل: لا ذلول مثيرة وساقية، وقرىء لا ~~ذلول بالفتح أي حيث هي كقولك: مررت برجل لا بخيل ولا جبان أي حيث هو ~~وقرىء تسقي من أسقى { مسلمة } أي سلمها الله تعالى من العيوب ~~أو أهلها من العمل أو خلص لها لونها من سلم له كذا إذا خلص له، ~~ويؤيده قوله تعالى: { لا شية فيها } أي لا لون فيها يخالف لون ~~جلدها حتى قرنها وظلفها وهي في الأصل مصدر وشاه وشيا وشية ~~إذا خلط بلونه لونا آخر { قالوا } عندما سمعوا هذه النعوت { الآن ~~جئت بالحق } أي بحقيقة وصف البقرة بحيث ميزتها عن جميع ما ~~عداها ولم يبق لنا في شأنها اشتباه أصلا بخلاف المرتين الأوليين فإن ~~ما جئت به فيهما لم يكن في التعيين بهذه المرتبة. ولعلهم كانوا قبل ~~ذلك قد رأوها ووجدوها جامعة لجميع ما فصل من الأوصاف المشروحة في ~~المرات الثلاث من غير مشارك لها فيما عد في المرة الأخيرة، وإلا ~~فمن أين عرفوا اختصاص النعوت الأخيرة بها دون غيرها؟ وقرىء الآن ~~بالمد على الاستفهام والآن بحذف الهمزة وإلقاء حركتها على اللام { ~~فذبحوها } الفاء فصيحة كما في فانفجرت أي فحصلوا البقرة فذبحوها ~~{ وما كادوا يفعلون } كاد من أفعال المقاربة وضع لدنو ~~الخبر من الحصول، والجملة حال من ضمير ذبحوا أي فذبحوها والحال أنهم ~~كانوا قبل ذلك بمعزل منه، أو اعتراض تذييلي ومآله استثقال استعصائهم ~~واستبطاء لهم وأنهم لفرط تطويلهم وكثرة مراجعاتهم ما كاد ينتهي ~~خيط استفهامهم فيها. # قيل: مضى من أول الأمر إلى الامتثال أربعون سنة وقيل: كادوا يفعلون ~~ذلك لغلاء ثمنها. روي أنه كان في بني إسرائيل شيخ صالح له عجلة ~~فأتى بها الغيضة وقال: اللهم إني استودعتكها لابني حتى يكبر وكان ~~برا بوالديه فتوفي الشيخ وشبت العجلة فكانت من أحسن البقر ~~وأسمنها فساوموها اليتيم وأمه حتى اشتروها بملء مسكها ذهبا ~~لما كانت وحيدة بالصفات المذكورة وكانت البقرة إذ ذاك بثلاثة دنانير. ~~واعلم أنه لا خلاف في أن مدلول ظاهر النظم الكريم ms0175 بقرة مطلقة ~~مبهمة وأن الامتثال في آخر الأمر إنما وقع بذبح بقرة معينة حتى ~~لو ذبحوا غيرها ما خرجوا عن عهدة الأمر، لكن اختلف في أن المراد ~~المأمور به - إثر ذي أثير - هل هي المعينة وقد أخر البيان عن ~~وقت الخطاب؟ أو المبهمة ثم لحقها التغيير إلى المعينة بسبب ~~تثاقلهم في الامتثال وتماديهم في التعمق والاستكشاف؟ فذهب بعضهم إلى ~~الأول تمسكا بأن الضمائر في الأجوبة أعني أنها بقرة إلى آخره ~~للمعينة قطعا، ومن قضيته أن يكون في السؤال أيضا كذلك، ولا ريب في أن ~~السؤال إنما هو عن البقرة المأمور بذبحها فتكون هي المعينة، وهو ~~مدفوع بأنهم لما تعجبوا من بقرة ميتة يضرب ببعضها ميت فيحيا ~~ظنوها معينة خارجة عما عليه الجنس من الصفات والخواص، فسألوا ~~عنها فرجعت الضمائر إلى المعينة في زعمهم واعتقادهم فعينها الله ~~تعالى تشديدا عليهم، وإن لم يكن المراد من أول الأمر هي المعينة. ~~والحق أنها كانت في أول الأمر مبهمة بحيث لو ذبحوا أية بقرة ~~كانت لحصل الامتثال بدلالة ظاهر النظم الكريم وتكرير الأمر قبل ~~بيان اللون وما بعده من كونها مسلمة..الخ، وقد قال صلى الله عليه ~~وسلم: # " لو اعترضوا أدنى بقرة فذبحوها لكفتهم " # وروي مثله عن رئيس المفسرين عبد الله بن عباس رضي الله عنهما، ثم ~~رجع الحكم الأول منسوخا بالثاني، والثاني بالثالث تشديدا عليهم، لكن ~~لا على وجه ارتفاع حكم المطلق بالكلية وانتقاله إلى المعين، بل ~~على طريقة تقييده وتخصيصه به شيئا فشيئا، كيف لا، ولو لم يكن كذلك ~~لما عدت مراجعاتهم المحكية من قبيل الجنايات بل من قبيل العبادة ~~فإن الامتثال بالأمر بدون الوقوف على المأمور به مما لا يكاد يتسنى ~~فتكون سؤالاتهم من باب الاهتمام بالامتثال. ### || [2.72] # { وإذ قتلتم نفسا } منصوب بمضمر كما مرت نظائره، ~~والخطاب لليهود المعاصرين لرسول الله صلى الله عليه وسلم وإسناد ~~القتل والتدارؤ إليهم لما مر من نسبة جنايات الأسلاف إلى الأخلاف ~~توبيخا وتقريعا، وتخصيصهما بالإسناد دون ما مر من جناياتهم لظهور ~~قبح القتل وإسناده إلى الغير ms0176 أي اذكروا وقت قتلكم نفسا محرمة { ~~فادرأتم فيها } أي تخاصمتم في شأنها إذ كل واحد من الخصماء ~~يدافع الآخر، أو تدافعتم بأن طرح كل واحد قتلها إلى آخر، وأصله ~~تدارأتم فأدغمت التاء في الدال واجتلبت لها همزة الوصل { والله ~~مخرج ما كنتم تكتمون } أي مظهر لما تكتمونه لا محالة، ~~والجمع بين صيغتي الماضي والمستقبل للدلالة على الاستمرار، وإنما ~~أعمل (مخرج) لأنه حكاية حال ماضية. ### || [2.73] # { فقلنا اضربوه } عطف على فادارأتم وما بينهما اعتراض، ~~والالتفات لتربية المهابة، والضمير للنفس، والتذكير باعتبار أنها ~~عبارة عن الرجل أو بتأويل الشخص أو القتيل { ببعضها } أي ببعض ~~البقرة أي بعض كان وقيل: بأصغريها، وقيل: بلسانها وقيل: بفخذها ~~اليمنى وقيل: بأذنها وقيل: بعجبها، وقيل: بالعظم الذي يلي الغضروف، ~~وهذا أول القصة كما ينبىء عنه الضمير الراجع إلى البقرة كأنه قيل: وإذ ~~قتلتم نفسا فادارأتم فيها فقلنا: اذبحوا بقرة فاضربوه ببعضها، وإنما ~~غير الترتيب عند الحكاية لتكرير التوبيخ وتثنية التقريع، فإن كل ~~واحد من قتل النفس المحرمة والاستهزاء برسول الله صلى الله عليه ~~وسلم والافتيات على أمره وترك المسارعة إلى الامتثال به جناية عظيمة ~~حقيقة بأن تنعى عليهم بحيالها، ولو حكيت القصة على ترتيب الوقوع لما ~~علم استقلال كل منها بما يخص بها من التوبيخ وإنما حكي الأمر ~~بالذبح عن موسى عليه السلام مع أنه من الله عز وجل كالأمر بالضرب لما أن ~~جناياتهم كانت بمراجعتهم إليه عليه السلام والافتيات على رأيه { ~~كذلك يحى الله الموتى } على إرادة قول معطوف على مقدر ~~ينسحب عليه الكلام أي فضربوه فحيي وقلنا كذلك يحيي الخ فحذفت ~~الفاء الفصيحة في فحيي مع ما عطف بها، وما عطف هو عليه لدلالة كذلك ~~على ذلك فالخطاب في كذلك حينئذ للحاضرين عند حياة القتيل، ويجوز أن ~~يكون ذلك للحاضرين عند نزول الآية الكريمة فلا حاجة حينئذ إلى تقدير ~~القول بل تنتهي الحكاية عند قوله تعالى: ببعضها مع ما قدر بعده، ~~فالجملة معترضة أي مثل ذلك الإحياء العجيب يحيي الله الموتى يوم ~~القيامة { ويريكم ءايته ms0177 } ودلائله الدالة على أنه تعالى على ~~كل شيء قدير، ويجوز أن يراد بالآيات هذا الإحياء، والتعبير عنه ~~بالجمع لاشتماله على أمور بديعة من ترتب الحياة على عضو ميت، ~~وإخباره بقاتله وما يلابسه من الأمور الخارقة للعادة { لعلكم ~~تعقلون } أي لكي تكمل عقولكم وتعلموا أن من قدر على إحياء نفس ~~قدر على إحياء الأنفس كلها أو تعلموا على قضية عقولكم، ولعل الحكمة ~~في اشتراط ما اشترط في الإحياء مع ظهور كمال قدرته على إحيائه ~~ابتداء بلا واسطة أصلا اشتماله على التقرب إلى الله تعالى وأداء ~~الواجب ونفع اليتيم والتنبيه على بركة التوكل على الله تعالى ~~والشفقة على الأولاد ونفع بر الوالدين وأن من حق الطالب أن يقدم ~~قربة، ومن حق المتقرب أن يتحرى الأنفس ويغالي بثمنه كما يروى عن ~~عمر رضي الله عنه أنه ضحى بنجيبة اشتراها بثلثمائة دينار، وأن ~~المؤثر هو الله تعالى، وإنما الأسباب أمارات لا تأثير لها وأن من ~~رام أن يعرف أعدى عدوه الساعي في إماتته الموت الحقيقي فطريقه أن ~~يذبح بقرة نفسه التي هي قوته الشهوية حين زال عنها شره الصبا ~~ولم يلحقها ضعف الكبر، وكانت معجبة رائقة المنظر غير مذللة في ~~طلب الدنيا مسلمة عن دنسها لا سمة بها من قبائحها بحيث يتصل أثره ~~إلى نفسه فيحيا بها حياة طيبة ويعرب عما به ينكشف الحال ويرتفع ما ~~بين العقل والوهم من التدارؤ والجدال. ### || [2.74] # { ثم قست قلوبكم } الخطاب لمعاصري النبي صلى الله عليه ~~وسلم. والقسوة عبارة عن الغلظ والجفاء والصلابة كما في الحجر ~~استعيرت لنبو قلوبهم عن التأثر بالعظات والقوارع التي تميع منها ~~الجبال وتلين بها الصخور، وإيراد الفعل المفيد لحدوث القساوة مع أن ~~قلوبهم لم تزل قاسية لما أن المراد بيان بلوغهم إلى مرتبة مخصوصة ~~من مراتب القساوة حادثة، وإما لأن الاستمرار على شيء بعد ورود ما ~~يوجب الإقلاع عنه أمر جديد وصنع حادث. و(ثم) لاستبعاد القسوة بعد ~~مشاهدة ما يزيلها كقوله تعالى: # ثم الذين كفروا بربهم يعدلون # [الأنعام، الآية 1] { من بعد ذلك } إشارة ms0178 إلى ما ذكر من إحياء ~~القتيل أو إلى جميع ما عدد من الآيات الموجبة للين القلوب ~~وتوجهها نحو الحق أي من بعد سماع ذلك وما فيه من معنى البعد ~~للإيذان ببعد منزلته وعلو طبقته. وتوحيد حرف الخطاب مع تعدد ~~المخاطبين إما بتأويل الفريق أو لأن المراد مجرد الخطاب لا تعيين ~~المخاطب كما هو المشهور، { فهى كالحجارة } في القساوة، { أو ~~أشد } منها، { قسوة } أي هي في القسوة مثل الحجارة أو زائدة ~~عليها فيها أو أنها مثلها أو مثل ما هو أشد منها قسوة كالحديد، ~~فحذف [المضاف] وأقيم المضاف إليه مقامه ويعضده القراءة بالجر عطفا ~~على الحجارة. وإيراد الجملة اسمية مع كون ما سبق فعلية للدلالة على ~~استمرار قساوة قلوبهم، والفاء إما لتفريع مشابهتها لها على ما ذكر من ~~القساوة تفريع التشبيه على بيان وجه الشبه في قولك: أحمر خده فهو ~~كالورد وإما للتعليل كما في قولك: اعبد ربك فالعبادة حق له، وإنما ~~لم يقل أو أقسى منها لما في التصريح بالشدة من زيادة مبالغة، ودلالة ~~ظاهرة على اشتراك القسوتين في الشدة واشتمال المفضل على زيادة، وأو ~~للتخيير أو للترديد بمعنى أن من عرف حالها شبهها بالحجارة أو ~~بما هو أقسى، أو من عرفها شبهها بالحجارة أو قال هي أقسى من الحجارة، ~~وترك ضمير المفضل عليه للأمن من الالتباس { وإن من ~~الحجارة لما يتفجر منه الأنهر } بيان لأشدية ~~قلوبهم من الحجارة في القساوة وعدم التأثر واستحالة صدور الخير ~~منها، يعني أن الحجارة ربما تتأثر حتى كان منها ما يتفجر منه المياه ~~العظيمة { وإن منها لما يشقق } أي يتشقق { فيخرج ~~منه الماء } أي العيون { وإن منها لما يهبط من ~~خشية الله } أي يتردى من الأعلى إلى الأسفل بقضية ما أودعه الله ~~عز وجل فيها من الثقل الداعي إلى المركز، وهو مجاز من الانقياد لأمره ~~تعالى، والمعنى أن الحجارة ليس منها فرد إلا وهو منقاد لأمره عز وعلا ~~آت بما خلق له من غير استعصاء، وقلوبهم ليست كذلك فتكون أشد منها ~~قسوة لا محالة، ms0179 واللام في (لما) لام الابتداء دخلت على اسم إن لتقدم ~~الخبر وقرىء (أن) على أنها مخففة من الثقيلة، واللام فارقة، وقرىء ~~يهبط بالضم { وما الله بغفل عما تعملون } (عن) ~~متعلقة بغافل، و(ما) موصولة والعائد محذوف أو مصدرية، وهو وعيد شديد ~~على ما هو عليه من قساوة القلوب وما يترتب عليها من الأعمال السيئة، ~~وقرىء بالياء على الالتفات. ### || [2.75] # قوله تعالى: { أفتطمعون } تلوين للخطاب وصرف له عن اليهود ~~إثر ما عدت سيئاتهم ونعيت عليهم جناياتهم إلى النبي صلى الله ~~عليه وسلم ومن معه من المؤمنين، والهمزة لإنكار الواقع واستبعاده كما ~~في قولك: أتضرب أباك؟ لا لإنكار الوقوع كما في قولك: أأضرب أبي؟ ~~والفاء للعطف على مقدر يقتضيه المقام ويستدعيه نظام الكلام، لكن لا ~~على قصد توجيه الإنكار إلى المعطوفين معا كما في (أفلا تبصرون) على ~~تقدير المعطوف عليه منفيا أي ألا تنظرون فلا تبصرون؟ فالمنكر كلا ~~الأمرين بل إلى ترتب الثاني على الأول مع وجوب أن يترتب عليه نقيضه ~~كما إذا قدر الأول مثبتا، أي أتنظرون فلا تبصرون؟ فالمنكر ~~ترتب الثاني على الأول مع وجوب أن يترتب عليه نقيضه أي أتسمعون ~~أخبارهم وتعلمون أحوالهم فتطمعون؟ ومآل المعنى: أبعد أن علمتم ~~تفاصيل شؤونهم المؤيسة عنهم تطمعون؟ { أن يؤمنوا } فإنهم ~~متماثلون في شدة الشكيمة والأخلاق الذميمة، لا يتأتى من أخلافهم إلا ~~مثل ما أتى من أسلافهم، وأن مصدرية حذف عنها الجار، والأصل: في ~~أن يؤمنوا، وهي مع ما في حيزها في محل النصب أو الجر على الخلاف ~~المعروف. واللام في (لكم) لتضمين معنى الاستجابة كما في قوله عز وجل: # فئامن له لوط # [ العنكبوت، الآية 26] أي في إيمانهم مستجيبين لكم، أو للتعليل أي في ~~أن يحدثوا الإيمان لأجل دعوتكم، وصلة الإيمان محذوفة لظهور أن ~~المراد به معناه الشرعي، وستقف على ما فيه من المزية بإذن الله تعالى ~~{ وقد كان فريق منهم } الفريق اسم جمع لا واحد له من لفظه ~~كالرهط والقوم، والجار والمجرور في محل الرفع، أي فريق كائن منهم، ~~وقوله تعالى: { يسمعون كلم ms0180 الله } خبر كان وقرىء كلم ~~الله، والجملة حالية مؤكدة للإنكار حاسمة لمادة الطمع مثل أحوالهم ~~الشنيعة المحكية فيما سلف على منهاج قوله تعالى: # وهم لكم عدو # [الكهف، الآية 50] بعد قوله تعالى: # أفتتخذونه وذريته أولياء من دونى # [الكهف، الآية 50] أي والحال أن طائفة منهم. قال ابن عباس رضي الله ~~عنهما: هم قوم من السبعين المختارين للميقات كانوا يسمعون كلامه تعالى ~~حين كلم موسى عليه السلام بالطور وما أمر به ونهي عنه { ثم ~~يحرفونه } عن مواضعه لا لقصور فهمهم عن الإحاطة بتفاصيله على ما ~~ينبغي لاستيلاء الدهشة والمهابة حسبما يقتضيه مقام الكبرياء بل { من ~~بعد ما عقلوه } أي فهموه وضبطوه بعقولهم، ولم تبق لهم في ~~مضمونه ولا في كونه كلام رب العزة ريبة أصلا، فلما رجعوا إلى ~~قومهم أداه الصادقون إليهم كما سمعوا. وهؤلاء قالوا: سمعنا الله تعالى ~~يقول في آخر كلامه: إن استطعتم أن تفعلوا هذه الأشياء فافعلوا، وإن شئتم ~~فلا تفعلوا فلا بأس، فثم للتراخي زمانا أو رتبة قال القفال: سمعوا ~~كلام الله وعقلوا مراده تعالى منه فأولوه تأويلا فاسدا وقيل: هم ~~رؤساء أسلافهم الذين تولوا تحريف التوراة بعد ما أحاطوا بما فيها ~~علما وقيل: هم الذين غيروا نعت النبي صلى الله عليه وسلم في عصره ~~وبدلوا آية الرجم، ويأباه الجمع بين صيغتي الماضي والمستقبل الدال ~~على وقوع السماع والتحريف فيما سلف إلا أن يحمل ذلك على تقدمه على ~~زمان نزول الآية الكريمة لا على تقدمه على عهده عليه الصلاة والسلام. # هذا والأول هو الأنسب بالسماع والكلام إذ التوراة وإن كانت كلام الله ~~عز وعلا لكنها باسم الكتاب أشهر وأثر التحريف فيه أظهر، ووصف اليهود ~~بتلاوتها أكثر، لا سيما رؤساؤهم المباشرون للتحريف فإن وظيفتهم التلاوة ~~دون السماع فكان الأنسب حينئذ أن يقال: يتلون كتاب الله تعالى فالمعنى ~~أفتطمعون في أن يؤمن هؤلاء بواسطتكم ويستجيبوا لكم والحال أن أسلافهم ~~الموافقين لهم في خلال السوء كانوا يسمعون كلام الله بلا واسطة ثم ~~يحرفونه من بعد ما علموه يقينا ولا يستجيبون له؟ هيهات. ms0181 ومن ههنا ~~ظهر ما في إيثار (لكم) على بالله من الفخامة والجزالة. # وقوله عز وجل: { وهم يعلمون } جملة حالية من فاعل (يحرفونه) ~~مفيدة لكمال قباحة حالهم مؤذنة بأن تحريفهم ذلك لم يكن بناء على ~~نسيان ما عقلوه أو على الخطأ في بعض مقدماته بل كان ذلك حال كونهم ~~عالمين مستحضرين له أو وهم يعلمون أنهم كاذبون ومفترون. ### || [2.76] # { وإذا لقوا } جملة مستأنفة سيقت إثر بيان ما صدر عن أشباههم ~~لبيان ما صدر عنهم بالذات من الشنائع المؤيسة عن إيمانهم من نفاق ~~بعض وعتاب آخرين عليهم، أو معطوفة على ما سبق من الجملة الحالية، ~~والضمير لليهود لما ستقف على سره لا لمنافقيهم خاصة كما قيل تحريا ~~لاتحاد الفاعل في فعلي الشرط والجزاء حقيقة { الذين آمنوا } من ~~أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم { قالوا } أي اللاقون لكن لا بطريق ~~تصدي الكل للقول حقيقة بل بمباشرة منافقيهم وسكوت الباقين، كما ~~يقال: بنو فلان قتلوا فلانا والقاتل واحد منهم، وهذا أدخل في تقبيح ~~حال الساكنين أولا العاتبين ثانيا لما فيه من الدلالة على نفاقهم ~~واختلاف أحوالهم وتناقض آرائهم من إسناد القول إلى المباشرين خاصة ~~بتقدير المضاف أي قال منافقوهم { آمنا } لم يقتصروا على ذلك بل عللوه ~~بأنهم وجدوا نعت النبي صلى الله عليه وسلم في التوراة وعلموا أنه ~~النبي المبشر به، وإنما لم يصرح به تعويلا على شهادة التوبيخ ~~الآتي: { وإذا خلا بعضهم } أي بعض المذكورين وهم الساكتون منهم ~~أي إذا فرغوا من الاشتغال بالمؤمنين متوجهين ومنضمين { إلى ~~بعض } آخر منهم وهم منافقوهم بحيث لم يبق معهم غيرهم، وهذا نص ~~على اشتراك الساكتين في لقاء المؤمنين كما أشير إليه آنفا إذ الخلو ~~إنما يكون بعد الاشتغال، ولأن عتابهم معلق بمحض الخلو، ولولا أنهم ~~حاضرون عند المقاولة لوجب أن يجعل سماعهم لها من تمام الشرط، ولأن فيه ~~زيادة تشنيع لهم على ما أتوا من السكوت ثم العتاب { قالوا } أي ~~الساكتون موبخين لمنافقيهم على ما صنعوا { أتحدثونهم } يعنون ~~المؤمنين { بما فتح الله عليكم } (ما) موصولة والعائد ms0182 ~~محذوف أي بينه لكم خاصة في التوراة من نعت النبي صلى الله عليه ~~وسلم والتعبير عنه بالفتح للإيذان بأنه سر مكنون وباب مغلق لا ~~يقف عليه أحد. وتجويز كون هذا التوبيخ من جهة المنافقين لأعقابهم ~~إراءة للتصلب في دينهم كما ذهب إليه عصابة مما لا يليق بشأن ~~التنزيل الجليل، واللام في قوله عز وجل: { ليحاجوكم به } ~~متعلقة بالتحديث دون الفتح، والمراد تأكيد النكير وتشديد التوبيخ، ~~فإن التحديث بذلك وإن كان منكرا في نفسه، لكن التحديث به لأجل هذا ~~الغرض مما لا يكاد يصدر عن العاقل أي أتحدثونهم بذلك ليحتجوا ~~عليكم به فيبكتوكم؟ والمحدثون به وإن لم يحوموا حول ذلك الغرض لكن ~~فعلهم ذلك لما كان مستتبعا له ألبتة جعلوا فاعلين للغرض المذكور ~~إظهارا لكمال سخافة عقولهم وركاكة آرائهم. # { عند ربكم } أي في حكمه وكتابه كما يقال: هو عند الله كذا أي في ~~كتابه وشرعه، وقيل: عند ربكم يوم القيامة، ورد عليه بأن الإخفاء لا ~~يدفعه إذ هم عالمون بأنهم محجوجون يومئذ حدثوا به أو لم يحدثوا، ~~والاعتذار بأنه إلزام المؤمنين إياهم وتبكيتهم بأن يقولوا لهم: ألم ~~تحدثونا بما في كتابكم في الدنيا من حقية ديننا وصدق نبينا ~~أفحش، فيجوز أن يكون المحذور عندهم هذا الإلزام بإرجاع الضمير في (به) ~~إلى التحديث دون المحدث به، ولا ريب في أنه مدفوع بالإخفاء لا تساعده ~~الآية الكريمة الآتية كما ستقف عليه بإذن الله عز وجل { أفلا ~~تعقلون } من تمام التوبيخ والعتاب، والفاء للعطف على مقدر ~~ينسحب عليه الكلام أي ألا تلاحظون فلا تعقلون هذا الخطأ الفاحش أو ~~شيئا من الأشياء التي من جملتها هذا؟ فالمنكر عدم التعقل ابتداء. # أو أتفعلون ذلك فلا تعقلون بطلانه مع وضوحه حتى تحتاجوا إلى التنبيه ~~عليه؟ فالمنكر حينئذ عدم التعقل بعد الفعل، هذا وأما ما قيل من أنه ~~خطاب من جهة الله سبحانه للمؤمنين متصل بقوله تعالى: { أفتطمعون ~~} والمعنى أفلا تعقلون حالهم وأن لا مطمع لكم في إيمانهم فيأباه. ### || [2.77] # قوله تعالى: { أولا يعلمون } فإنه إلى آخره تجهيل ms0183 لهم من جهته ~~تعالى فيما حكى عنهم فيكون إيراد خطاب المؤمنين في أثنائه من قبيل ~~الفصل بين الشجر ولحائه. على أن في تخصيص الخطاب بالمؤمنين من التعسف ~~ وفي تعميمه للنبي أيضا صلى الله عليه وسلم كما في أتطمعون - من سوء ~~الأدب - ما لا يخفى، والهمزة للإنكار والتوبيخ كما قبلها، والواو ~~للعطف على مقدر ينساق إليه الذهن، والضمير للموبخين أي أيلومونهم ~~على التحديث المذكور مخافة المحاجة ولا يعلمون { أن الله ~~يعلم ما يسرون } أي يسرونه فيما بينهم من المؤمنين أو ما ~~يضمرونه في قلوبهم فيثبت الحكم في ذلك بالطريق الأولى { وما ~~يعلنون } أي يظهرونه للمؤمنين أو لأصحابهم حسبما سبق فحينئذ يظهر ~~الله تعالى للمؤمنين ما أرادوا إخفاءه بواسطة الوحي إلى النبي صلى ~~الله عليه وسلم، فتحصل المحاجة ويقع التبكيت، كما وقع في آية الرجم ~~وتحريم بعض المحرمات عليهم، فأي فائدة في اللوم والعتاب؟. # ومن ههنا تبين أن المحظور عندهم هو المحاجة بما فتح الله عليهم - ~~وهي حاصلة في الدارين حدثوا به أم لا - لا بالتحديث به حتى يندفع ~~بالإخفاء، وقيل: الضمير للمنافقين فقط أو لهم وللموبخين أو لآبائهم ~~المحرفين أي أيفعلون ما يفعلون ولا يعلمون أن الله يعلم جميع ما ~~يسرون وما يعلنون ومن جملته إسرارهم الكفر وإظهارهم الإيمان ~~وإخفاء ما فتح الله عليهم وإظهار غيره وكتم أمر الله وإظهار ما ~~أظهروه افتراء. وإنما قدم الإسرار على الإعلان للإيذان بافتضاحهم ~~ووقوع ما يحذرونه من أول الأمر، والمبالغة في بيان شمول علمه ~~المحيط لجميع المعلومات كأن علمه بما يسرونه أقدم منه بما يعلنونه مع ~~كونهما في الحقيقة على السوية فإن علمه تعالى بمعلوماته ليس بطريق ~~حصول صورها، بل وجود كل شيء في نفسه علم بالنسبة إليه تعالى. ~~وفي هذا المعنى لا يختلف الحال بين الأشياء البارزة والكامنة ونظيره ~~قوله عز وعلا: # قل إن تخفوا ما فى صدوركم أو تبدوه يعلمه ~~الله # [آل عمران، الآية 29] حيث قدم فيه الإخفاء على الإبداء لما ذكر من ~~السر على عكس ما وقع في قوله تعالى: # وإن ms0184 تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به ~~الله # [البقرة، الآية 284] فإن الأصل في تعلق المحاسبة به هو الأمور ~~البادية دون الخافية، ويجوز أن يكون ذلك باعتبار أن مرتبة السر ~~متقدمة على مرتبة العلن إذ ما من شيء يعلن إلا وهو أو مباديه قبل ~~ذلك مضمر في القلب يتعلق به الإسرار غالبا فتعلق علمه تعالى ~~بحالته الأولى متقدم على تعلقه بحالته الثانية. ### || [2.78] # { ومنهم أميون } وقرىء بتخفيف الياء، جمع أمي، وهو من لا ~~يقدر على الكتابة والقراءة واختلف في نسبته فقيل: إلى الأم بمعنى أنه ~~شبيه بها في الجهل بالكتابة والقراءة فإنهما ليستا من شؤون النساء بل ~~من خلال الرجال أو بمعنى أنه على الحالة التي ولدته أمه في الخلو عن ~~العلم والكتابة وقيل: إلى الأمة بمعنى أنه باق على سذاجتها خال عن ~~معرفة الأشياء كقولهم: عامي أي على عادة العامة. روي عن عكرمة والضحاك ~~أن المراد بهم نصارى العرب وقيل: هم قوم من أهل الكتاب رفع كتابهم ~~لذنوب ارتكبوها فصاروا أميين، وعن علي رضي الله تعالى عنه: هم ~~المجوس. والحق الذي لا محيد عنه أنهم جهلة اليهود والجملة ~~مستأنفة مسوقة لبيان قبائحهم إثر بيان شنائع الطوائف السالفة، ~~وقيل: هي معطوفة على الجملة الحالية فإن مضمونها مناف لرجاء الخير ~~منهم وإن لم يكن فيه ما يحسم مادة الطمع عن إيمانهم كما في مضمون ~~الجملة الحالية وما بعدها، فإن الجهل بالكتاب في منافاة الإيمان ليس ~~بمثابة تحريف كلام الله بعد سماعه والعلم بمعانيه كما وقع - من ~~الأولين أو النفاق والنهي عن إظهار ما في التوراة كما وقع - من الفرقتين ~~الأخريين، أي ومنهم طائفة جهلة غير قادرين على الكتابة والتلاوة. # { لا يعلمون الكتب } أي لا يعرفون التوراة ليطالعوها ~~ويتحققوا ما في تضاعيفها من دلائل النبوة فيؤمنوا وحمل الكتاب على ~~الكتابة يأباه سباق النظم الكريم وسياقه { إلا أمانى } ~~بالتشديد وقرىء بالتخفيف جمع أمنية أصلها أمنوية أفعولة من منى ~~بمعنى قدر أو بمعنى تلا، كتمنى في قوله: *تمنى كتاب الله أول ~~ليله* فأعلت إعلال ms0185 سيد وميت ومعناها على الأول ما يقدره الإنسان ~~في نفسه ويتمناه وعلى الثاني ما يتلوه وعلى التقديرين فالاستثناء منقطع ~~إذ ليس ما يتمنى وما يتلى من جنس علم الكتاب أي لا يعلمون الكتاب ~~لكن يتمنون أماني حسبما منتهم أحبارهم من أن الله سبحانه يعفو ~~عنهم وأن آباءهم الأنبياء يشفعون لهم، وغير ذلك من أمانيهم الفارغة ~~المستندة إلى الكتاب على زعم رؤسائهم. أو لا يعلمون الكتاب لكن ~~يتلقونه قدر ما يتلى عليهم فيقبلونه من غير أن يتمكنوا من التدبر ~~فيه، وأما حمل الأماني على الأكاذيب المختلفة على الإطلاق من غير أن ~~يكون لها ملابسة بالكتاب فلا يساعده النظم الكريم { وإن هم ~~إلا يظنون } ما هم إلا قوم قصارى أمرهم الظن والتقليد من ~~غير أن يصلوا إلى رتبة العلم فأنى يرجى منهم الإيمان المؤسس ~~على قواعد اليقين. # ولما بين حال هؤلاء في تمسكهم بحبال الأماني واتباع الظن عقب ~~ببيان حال الذين أوقعوهم في تلك الورطة وبكشف كيفية إضلالهم وتعيين ~~مرجع الكل بالآخرة فقيل على وجه الدعاء عليهم. ### || [2.79] # { فويل } هو وأمثاله من ويح وويس وويب وويه وويك وعول من ~~المصادر المنصوبة بأفعال من غير لفظها لا يجوز إظهارها البتة فإن أضيف ~~نصب نحو ويلك وويحك وإذا فصل عن الإضافة رفع نحو ويل له ومعنى ~~الويل شدة الشر، قاله الخليل، وقال الأصمعي: الويل التفجع والويح ~~الترحم، وقال سيبويه: ويل: لمن وقع في الهلكة وويح: زجر لمن أشرف ~~على الهلاك، وقيل: الويل الحزن، وهل ويح وويب وويس بذلك المعنى أو بينه ~~وبينها فرق وقيل: ويل في الدعاء عليه وويح وما بعده في الترحم عليه، ~~وقال ابن عباس رضي الله عنهما: الويل العذاب الأليم وعن سفيان الثوري ~~أنه صديد أهل جهنم وروى أبو سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " الويل واد في جهنم يهوي فيه الكافر أربعين خريفا قبل أن يبلغ ~~قعره " # وقال سعيد بن المسيب: إنه واد في جهنم لو سيرت فيه جبال الدنيا لماعت ~~من ms0186 شدة حره، وقال ابن بريدة: جبل قيح ودم وقيل: صهريج في جهنم. ~~وحكى الزهراوي: أنه باب من أبواب جهنم وعلى كل حال فهو مبتدأ خبره ~~قوله عز وعلا: { للذين يكتبون الكتب } أي المحرف أو ~~ما كتبوه من التأويلات الزائغة { بأيديهم } تأكيد لدفع توهم ~~المجاز كقولك: كتبته بيميني { ثم يقولون هذا } أي جميعا ~~على الأول، وبخصوصه على الثاني { من عند الله } روي أن أحبار ~~اليهود خافوا ذهاب مآكلهم وزوال رياستهم حين قدم النبي صلى الله ~~عليه وسلم المدينة فاحتالوا في تعويق أسافل اليهود عن الإيمان فعمدوا ~~إلى صفة النبي صلى الله عليه وسلم في التوراة وكانت هي فيها: حسن ~~الوجه حسن الشعر أكحل العينين ربعة، فغيروها وكتبوا مكانها: ~~طوال أزرق سبط الشعر. فإذا سألهم سفلتهم عن ذلك قرأوا عليهم ما ~~كتبوا فيجدونه مخالفا لصفته عليه السلام فيكذبونه، و(ثم) للتراخي ~~الرتبي فإن نسبة المحرف والتأويل الزائغ إلى الله سبحانه صريحا ~~أشد شناعة من نفس التحريف والتأويل { ليشتروا به } أي ~~يأخذوا لأنفسهم بمقابلته { ثمنا } هو ما أخذوه من الرشا بمقابلة ما ~~فعلوا من التحريف والتأويل، وإنما عبر عن المشترى الذي هو المقصود ~~بالذات في عقد المعاوضة بالثمن الذي هو وسيلة فيه إيذانا بتعكيسهم حيث ~~جعلوا المقصود بالذات وسيلة والوسيلة مقصودا بالذات { قليلا } لا ~~يعبأ به فإن ذلك وإن جل في نفسه فهو أقل قليلا عندما استوجبوا به من ~~العذاب الخالد { فويل لهم } تكرير لما سبق للتأكيد وتصريح ~~بتعليله بما قدمت أيديهم بعد الإشعار به فيما سلف بإيراد بعضه في حيز ~~الصلة وبعضه في معرض الغرض، والفاء للإيذان بترتبه عليه. و(من) ~~في قوله عز وجل: { مما كتبت أيديهم } تعليلية متعلقة بويل، ~~أو بالاستقرار في الخبر و(ما) موصولة اسمية والعائد محذوف أي كتبته ~~أو مصدرية والأول أدخل في الزجر عن تعاطي المحرف والثاني في الزجر ~~عن التحريف { وويل لهم مما يكسبون } الكلام فيه كالذي ~~فيما قبله، والتكرير لما مر من التأكيد والتشديد، والقصد إلى التعليل ~~بكل من الجانبين وعدم التعرض لقولهم هذا من عند الله ms0187 لما أنه من مبادىء ~~ترويج ما كتبت أيديهم فهو داخل في التعليل به. ### || [2.80-81] # { وقالوا } بيان لبعض آخر من جناياتهم، وفصله عما قبله مشعر ~~بكونه من الأكاذيب التي اختلقوها ولم يكتبوها في الكتاب { لن تمسنا ~~النار } في الآخرة { إلا أياما معدودة } قليلة محصورة ~~عدد أيام عبادتهم العجل أربعين يوما مدة غيبة موسى عليه السلام ~~عنهم. وحكى الأصمعي عن بعض اليهود أن عدد أيام عبادتهم العجل سبعة. ~~وروي عن ابن عباس ومجاهد أن اليهود قالوا عمر الدنيا سبعة آلاف سنة ~~وإنما نعذب بكل ألف سنة يوما واحدا. وروى الضحاك عن ابن عباس رضي ~~الله تعالى عنهما أن اليهود زعمت أن ما وجدوا في التوراة أن ما بين طرفي ~~جهنم مسيرة أربعين سنة إلى أن ينتهوا إلى شجرة الزقوم، وأنهم يقطعون ~~في كل يوم مسيرة سنة فيكملونها { قل } تبكيتا لهم وتوبيخا { ~~اتخذتم } بإسقاط الهمزة المجتلبة لوقوعها في الدرج وبإظهار ~~الذال وقرىء بإدغامها في التاء { عند الله عهدا } خبرا أو ~~وعدا بما تزعمون، فإن ما تدعون لا يكون إلا بناء على وعد قوي ولذلك ~~عبر عنه بالعهد { فلن يخلف الله عهده } الفاء فصيحة ~~معربة عن شرط محذوف كما في قول من قال: # قالوا خراسان أقصى ما يراد بنا # ثم القفول فقد جئنا خراسانا # أي إن كان الأمر كذلك فلن يخلفه، والجملة اعتراضية وإظهار الاسم ~~الجليل للإشعار بعلة الحكم فإن عدم الإخلاف من قضية الألوهية، وإظهار ~~العهد مضافا إلى ضميره عز وجل لما ذكر، أو لأن المراد به جميع عهوده ~~لعمومه بالإضافة فيدخل فيه العهد المعهود دخولا أوليا، وفيه تجاف عن ~~التصريح بتحقق مضمون كلامهم وإن كان معلقا بما لم يكد يشم رائحة ~~الوجود قطعا أعني اتخاذ العهد { أم تقولون } مفترين { على ~~الله ما لا تعلمون } وقوعه، وإنما علق التوبيخ بإسنادهم ~~إليه سبحانه ما لا يعلمون وقوعه مع أن ما أسندوه إليه تعالى من قبيل ~~ما يعلمون عدم وقوعه للمبالغة في التوبيخ والنكير فإن التوبيخ ~~على الأدنى مستلزم للتوبيخ على الأعلى بالطريق الأولى، وقولهم ms0188 ~~المحكي وإن لم يكن تصريحا بالافتراء عليه سبحانه مستلزم له، لأن ذلك ~~الجزم لا يكون إلا بإسناد سببه إليه تعالى، وأم إما متصلة والاستفهام ~~للتقرير المؤدي إلى التبكيت لتحقق العلم بالشق الأخير كأنه قيل: أم لم ~~تتخذوه بل تتقولون عليه تعالى، وإما منقطعة والاستفهام لإنكار الاتخاذ ~~ونفيه ومعنى بل فيها الإضراب والانتقال من التوبيخ بالإنكار على ~~اتخاذ العهد إلى ما تفيد همزتها من التوبيخ على التقول على الله ~~سبحانه، كما في قوله عز وجل: قل آلله أذن لكم أم على الله تفترون { ~~بلى } إلى آخره، جواب عن قولهم المحكي وإبطال له من جهته تعالى ~~وبيان لحقيقة الحال تفصيلا في ضمن تشريع كلي شامل لهم ولسائر ~~الكفرة بعد إظهار كذبهم إجمالا، وتفويض ذلك إلى النبي صلى الله ~~عليه وسلم لما أن المحاجة والإلزام من وظائفه عليه السلام مع ما فيه ~~من الإشعار بأنه أمر هين لا يتوقف على التوقيف، وبلى حرف إيجاب ~~مختص بجواب النفي خبرا واستفهاما { من كسب سيئة } فاحشة من ~~السيئات أي كبيرة من الكبائر كدأب هؤلاء الكفرة، والكسب استجلاب ~~النفع، وتعليقه بالسيئة على طريقة فبشرهم بعذاب أليم { وأحطت ~~به } من جميع جوانبه بحيث لم يبق له جانب من قلبه ولسانه وجوارحه ~~إلا وقد اشتملت واستولت عليه { خطيئته } التي كسبها وصارت خاصة ~~من خواصه كما تنبىء عنه الإضافة إليه، وهذا إنما يتحقق في الكافر، ~~ولذلك فسرها السلف بالكفر حسبما أخرجه ابن أبي حاتم عن ابن عباس وأبي ~~هريرة رضي الله عنهم وابن جرير عن أبي وائل ومجاهد وقتادة وعطاء ~~والربيع وقيل: السيئة الكفر والخطيئة الكبيرة، وقيل: بالعكس وقيل: ~~الفرق بينهما أن الأولى قد تطلق على ما يقصد بالذات والثانية تغلب ~~على ما يقصد بالعرض لأنها من الخطأ. # وقرىء خطيته وخطياته على القلب والإدغام فيهما وخطيئاته ~~وخطاياه وفي ذلك إيذان بكثرة فنون كفرهم { فأولئك } مبتدأ { ~~أصحب النار } خبره والجملة خبر للمبتدأ، والفاء لتضمنه ~~معنى الشرط، وإيراد اسم الإشارة المنبيء عن استحضار المشار إليه بما ~~له من الأوصاف للإشعار بعليتها لصاحبية ms0189 النار، وما فيه من معنى ~~البعد للتنبيه على بعد منزلتهم في الكفر والخطايا، وإنما أشير إليهم ~~بعنوان الجمعية مراعاة لجانب المعنى في كلمة (من) بعد مراعاة ~~جانب اللفظ في الضمائر الثلاثة لما أن ذلك هو المناسب لما أسند إليهم ~~في تينك الحالتين، فإن كسب السيئة وإحاطة خطيئته به في حالة ~~الانفراد، وصاحبية النار في حالة الاجتماع أي أولئك الموصوفون بما ~~ذكر من كسب السيئات وإحاطة خطاياهم بهم أصحاب النار أي ملازموها في ~~الآخرة حسب ملازمتهم في الدنيا لما يستوجبها من الأسباب التي جملتها ما ~~هم عليه من تكذيب آيات الله تعالى وتحريف كلامه والافتراء عليه وغير ~~ذلك، وإنما لم يخص الجواب بحالهم بأن يقال مثلا: بلى إنهم أصحاب ~~النار الخ لما في التعميم من التهويل وبيان حالهم بالبرهان والدليل، ~~مع ما مر من قصد الإشعار بالتعليل { هم فيها خلدون } دائما ~~أبدا فأنى لهم التفصي عنها بعد سبعة أيام أو أربعين كما زعموا فلا ~~حجة في الآية الكريمة على خلود صاحب الكبيرة لما عرفت من اختصاصها ~~بالكافر، ولا حاجة إلى حمل الخلود على اللبث الطويل على أن فيه تهوين ~~الخطب في مقام التهويل. ### || [2.82-83] # { والذين ءامنوا وعملوا الصلحات أولئك ~~أصحب الجنة هم فيها خلدون } جرت السنة الإلهية ~~على شفع الوعد بالوعيد مراعاة لما تقتضيه الحكمة في إرشاد العباد ~~من الترغيب تارة والترهيب أخرى، والتبشير مرة والإنذار أخرى { ~~وإذ أخذنا ميثق بنى إسرءيل } شروع في تعداد بعض ~~آخر من قبائح أسلاف اليهود مما ينادي بعدم إيمان أخلافهم، وكلمة إذ ~~نصب بإضمار فعل خوطب به النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنون ~~ليؤديهم التأمل في أحوالهم إلى قطع الطمع عن إيمانهم، أو اليهود ~~الموجودون في عهد النبوة توبيخا لهم بسوء صنيع أسلافهم أي اذكروا إذ ~~أخذنا ميثاقهم { لا تعبدون إلا الله } على إرادة القول أي ~~وقلنا أو قائلين لا تعبدون إلخ وهو إخبار في معنى النهي كقوله تعالى: { ~~ولا يضار كاتب ولا شهيد } وكما تقول: تذهب إلى فلان وتقول ~~كيت وكيت وهو أبلغ من ms0190 صريح النهي لما فيه من إيهام أن المنهي حقه ~~أن يسارع إلى الانتهاء عما نهي عنه فكأنه انتهى عنه فيخبر به ~~الناهي. ويؤيده قراءة (لا تعبدوا) وعطف (قولوا) عليه وقيل تقديره أن ~~لا تعبدوا إلخ فحذف الناصب ورفع الفعل كما في قوله: [الطويل] # ألا أيهذا الزاجري أحضر الوغى # وأن أشهد اللذات، هل أنت مخلدي؟ # ويعضده قراءة (ألا تعبدوا) فيكون بدلا من الميثاق أو معمولا له ~~بحذف الجار وقيل: إنه جواب قسم دل عليه المعنى كأنه قيل: وحلفناهم لا ~~تعبدون إلا الله، وقرىء بالياء لأنهم غيب { وبالولدين ~~إحسنا } متعلق بمضمر أي وتحسنون أو وأحسنوا { وذى القربى ~~واليتمى والمسكين } عطف على الوالدين ويتامى جمع يتيم ~~كندامى جمع نديم، وهو قليل، ومسكين مفعيل من السكون كأن الفقر أسكنه ~~من الحراك وأثخنه عن التقلب { وقولوا للناس حسنا } أي قولا ~~حسنا سماه (حسنا) مبالغة وقرىء كذلك وحسنا بضمتين، وهي لغة أهل ~~الحجاز وحسنى كبشرى والمراد به ما فيه تخلق وإرشاد { وأقيموا الصلاة ~~وآتوا وآتوا الزكاة } هما ما فرض عليهم في شريعتهم { ثم ~~توليتم } إن جعل ناصب الظرف خطابا للنبي صلى الله عليه وسلم ~~والمؤمنين فهذا التفات إلى خطاب بني إسرائيل جميعا بتغليب أخلافهم ~~على أسلافهم لجريان ذكر كلهم حينئذ على نهج الغيبة، فإن ~~الخطابات السابقة لأسلافهم محكية داخلة في حيز القول المقدر قبل لا ~~تعبدون كأنهم استحضروا عند ذكر جناياتهم فنعيت هي عليهم، وإن جعل ~~خطابا لليهود المعاصرين لرسول الله صلى الله عليه وسلم فهذا تعميم ~~للخطاب بتنزيل الأسلاف منزلة الأخلاف كما أنه تعميم للتولي بتنزيل ~~الأخلاف منزلة الأسلاف للتشديد في التوبيخ أي أعرضتم عن المضي على ~~مقتضى الميثاق ورفضتموه { إلا قليلا منكم } وهم من الأسلاف ~~من أقام اليهودية على وجهها قبل النسخ، ومن الأخلاف من أسلم كعبد ~~الله بن سلام وأضرابه { وأنتم معرضون } جملة تذييلية أي ~~وأنتم قوم عادتكم الإعراض عن الطاعة ومراعاة حقوق الميثاق، وأصل ~~الإعراض الذهاب عن المواجهة والإقبال إلى جانب العرض. ### || [2.84] # { وإذ أخذنا ميثقكم } منصوب بفعل مضمر خوطب به اليهود ms0191 ~~قاطبة على ما ذكر من التغليب ونعي عليهم إخلالهم بمواجب الميثاق ~~المأخوذ منهم في حقوق العباد على طريقة النهي إثر بيان ما فعلوا ~~بالميثاق المأخوذ منهم في حقوق الله سبحانه وما يجري مجراه على سبيل ~~الأمر فإن المقصود الأصلي من النهي عن عبادة غير الله تعالى هو ~~الأمر بتخصيص العبادة به تعالى أي واذكروا وقت أخذنا ميثاقكم في ~~التوراة وقوله تعالى: { لا تسفكون دماءكم ولا تخرجون ~~أنفسكم من ديركم } كما قبله إخبار في معنى النهي غير ~~السبك إليه لما ذكر من نكتة المبالغة. والمراد به النهي الشديد عن ~~تعرض بعض بني إسرائيل لبعض بالقتل والإجلاء، والتعبير عن ذلك ~~بسفك دماء أنفسهم وإخراجها من ديارهم بناء على جريان كل واحد ~~منهم مجرى أنفسهم لما بينهم من الاتصال القوي نسبا ودينا، ~~للمبالغة في الحمل على مراعاة حقوق الميثاق بتصوير المنهي عنه بصورة ~~تكرهها كل نفس وتنفر عنها كل طبيعة. فضمير (أنفسكم) ~~للمخاطبين حتما إذ به يتحقق تنزيل المخرجين منزلتهم كما أن ضمير ~~(دياركم) للمخرجين قطعا، إذ المحذور إنما هو إخراجهم من ديارهم لا ~~من ديار المخاطبين من حيث إنهم مخاطبون كما يفصح عنه ما سيأتي من قوله ~~تعالى: { من ديرهم } وإنما الخطاب ههنا باعتبار تنزيل ديارهم ~~منزلة ديار المخاطبين بناء على تنزيل أنفسهم منزلتهم لتأكيد ~~المبالغة وتشديد التشنيع، وأما ضمير (دماءكم) فمحتمل للوجهين: ~~مفاد الأول كون المسفوك دماء ادعائية للمخاطبين حقيقة، ومفاد ~~الثاني كونه دماء حقيقية للمخاطبين ادعاء وهما متقاربان في إفادة ~~المبالغة فتدبر. # وأما ما قيل من أن المعنى لا تباشروا ما يؤدي إلى قتل أنفسكم ~~قصاصا، أو ما يبيح سفك دمائكم وإخراجكم من دياركم ويصرفكم عن ~~دياركم، أو لا تفعلوا ما يرديكم ويصرفكم عن الحياة الأبدية فإنه ~~القتل في الحقيقة ولا تقترفوا ما تحرمون به عن الجنة التي هي داركم ~~فإنه الجلاء الحقيقي فمما لا يساعده سياق النظم الكريم بل هو ~~نص فيما قلناه كما ستقف عليه { ثم أقررتم } أي بالميثاق وما ~~يوجب المحافظة عليه، { وأنتم تشهدون } توكيد للإقرار كقولك: ms0192 ~~أقر فلان شاهدا على نفسه، وقيل: وأنتم أيها الحاضرون تشهدون اليوم ~~على إقرار أسلافكم بهذا الميثاق. ### || [2.85] # { ثم أنتم هؤلاء } خطاب خاص بالحاضرين فيه توبيخ شديد ~~واستبعاد قوي لما ارتكبوه بعد ما كان من الميثاق والإقرار به ~~والشهادة عليه، وأنتم مبتدأ هؤلاء خبره، ومناط الإفادة اختلاف ~~الصفات المنزلة منزلة اختلاف الذات، والمعنى أنتم بعد ذلك هؤلاء ~~المشاهدون الناقضون المتناقضون حسبما تعرب عنه الجمل الآتية، فإن ~~قوله عز وجل: { تقتلون أنفسكم } الخ بيان له وتفصيل ~~لأحوالهم المنكرة المندرجة تحت الإشارة ضمنا كأنهم قالوا: كيف نحن؟ ~~فقيل: تقتلون أنفسكم أي الجارين مجرى أنفسكم كما أشير إليه، وقرىء ~~تقتلون بالتشديد للتكثير { وتخرجون فريقا منكم } الضمير إما ~~للمخاطبين والمضاف محذوف أي من أنفسكم، وإما للمقتولين والخطاب ~~باعتبار أنهم جعلوا أنفس المخاطبين، وإلا فلا يتحقق التكافؤ بين ~~المقتولين والمخرجين في ذلك العنوان الذي عليه يدور فلك المبالغة في ~~تأكيد الميثاق حسبما نص عليه، ولا يظهر كمال قباحة جناياتهم في ~~نقضه { من ديرهم } الضمير للفريق، وإيثار الغيبة مع جواز ~~الخطاب أيضا - بناء على اعتبار العنوان المذكور كما مر في الميثاق - ~~للاحتراز عن توهم كون المراد إخراجهم من ديار المخاطبين من حيث هي ~~ديارهم لا من حيث هي ديار المخرجين، وقيل: هؤلاء موصول والجملتان في ~~حيز الصلة، والمجموع هو الخبر لأنتم { تظهرون عليهم } بحذف ~~إحدى التاءين، وقرىء بإثباتهما وبالإدغام وتظهرون بطرح إحدى التاءين من ~~تتظهرون ومعنى الكل تتعاونون وهي حال من فاعل تخرجون أو من مفعوله أو ~~منهما جميعا، مبينة لكيفية الإخراج دافعة لتوهم اختصاص الحرمة ~~بالإخراج بطريق الأصالة والاستقلال، دون المظاهرة والمعاونة { ~~بالإثم } متعلق بتظاهرون حال من فاعله أي متلبسين بالإثم وهو الفعل ~~الذي يستحق فاعله الذم واللوم، وقيل: وهو ما ينفر عنه النفس ولا ~~يطمئن إليه القلب { والعدوان } وهو التجاوز في الظلم { وإن ~~يأتوكم أسرى } جمع أسير وهو من يؤخذ قهرا، فعيل بمعنى مفعول ~~من الأسر أي الشد أو جمع أسرى وهو جمع أسير كجرحى وجريح، وقد قرىء ~~أسرى، ومحله النصب على الحالية { تفدوهم } أي ms0193 تخرجوهم من الأسر، ~~بإعطاء الفداء وقرىء تفدوهم. # قال السدي إن الله تعالى أخذ على بني إسرائيل في التوراة الميثاق أن ~~لا يقتل بعضهم بعضا ولا يخرج بعضهم بعضا من ديارهم وأيما عبد ~~أو أمة وجدتموه من بني إسرائيل فاشتروه وأعتقوه، وكانت قريظة حلفاء ~~الأوس والنضير حلفاء الخزرج حتى كان بينهما ما كان من العداوة ~~والشنآن، فكان كل فريق يقاتل مع حلفائه فإذا غلبوا خربوا ~~ديارهم وأخرجوهم منها، ثم إذا أسر رجل من الفريقين جمعوا له مالا ~~فيفدونه، فعيرتهم العرب وقالت: كيف تقاتلونهم ثم تفدونهم؟ ~~فيقولون: أمرنا أن نفديهم وحرم علينا قتالهم، ولكن نستحيي أن ~~نذل حلفاءنا، فذمهم الله تعالى على المناقضة { وهو محرم ~~عليكم إخراجهم } ضمير الشأن وقع مبتدأ ومحرم فيه ضمير قائم ~~مقام الفاعل وقع خبرا عن إخراجهم والجملة خبر لضمير الشأن، وقيل: ~~محرم خبر لضمير الشأن وإخراجهم مرفوع على أنه مفعول ما لم يسم ~~فاعله، وقيل: الضمير مبهم يفسره إخراجهم، أو راجع إلى ما يدل عليه ~~تخرجون من المصدر، وإخراجهم تأكيد أو بيان، والجملة حال من الضمير ~~في تخرجون أو من فريقا أو منهما كما مر بعد اعتبار القيد بالحال ~~السابقة، وتخصيص بيان الحرمة ههنا بالإخراج مع كونه قرينا للقتل عند ~~أخذ الميثاق لكونه مظنة للمساهلة في أمره بسبب قلة خطره بالنسبة ~~إلى القتل، ولأن مساق الكلام لذمهم وتوبيخهم على جناياتهم وتناقض ~~أفعالهم معا، وذلك مختص بصورة الإخراج حيث لم ينقل عنهم تدارك ~~القتلى بشيء من دية أو قصاص - هو السر في تخصيص التظاهر به فيما ~~سبق، وأما تأخيره من الشرطية المعترضة مع أن حقه التقديم كما ذكره ~~الواحدي فلأن نظم أفاعيلهم المتناقضة في سمط واحد من الذكر ~~أدخل في إظهار بطلانها { أفتؤمنون ببعض الكتب } أي ~~التوراة التي أخذ فيها الميثاق المذكور، والهمزة للإنكار التوبيخي ~~والفاء للعطف على مقدر يستدعيه المقام أي أتفعلون ذلك فتؤمنون ببعض ~~الكتاب وهو المفاداة، { وتكفرون ببعض } وهو حرمة القتال ~~والإخراج مع أن من قضية الإيمان ببعضه الإيمان بالباقي لكون الكل من ~~عند الله ms0194 تعالى داخلا في الميثاق، فمناط التوبيخ كفرهم بالبعض مع ~~إيمانهم بالبعض حسبما يفيده ترتيب النظم الكريم، فإن التقديم يستدعي ~~في المقام الخطابي أصالة المقدم وتقدمه بوجه من الوجوه حتما، ~~وإذ ليس ذلك ههنا باعتبار الإنكار والتوبيخ عليه وهو باعتبار الوقوع ~~قطعا لا إيمانهم بالبعض مع كفرهم بالبعض كما هو المفهوم لو قيل: ~~أفتكفرون ببعض الكتاب وتؤمنون ببعض؟ ولا مجرد كفرهم بالبعض، وإيمانهم ~~بالبعض كما يفيده أن يقال: أفتجمعون بين الإيمان ببعض الكتاب والكفر ~~ببعض أو بالعكس! # { فما جزاء من يفعل ذلك } ما نافية و(من) إن جعلت ~~موصولة فلا محل ليفعل من الإعراب وإن جعلت موصوفة فمحله الجر على ~~أنه صفتها، وذلك إشارة إلى الكفر ببعض الكتاب مع الإيمان ببعض أو إلى ~~ما فعلوا من القتل والإجلاء مع مفاداة الأسارى { منكم } حال من ~~فاعل يفعل { إلا خزى } استثناء مفرغ وقع خبرا للمبتدأ، ~~والخزي الذل والهوان مع الفضيحة، والتنكير للتفخيم، وهو قتل بني ~~قريظة وإجلاء بني النضير إلى أذرعات وأريحاء من الشام وقيل: ~~الجزية { في الحيوة الدنيا } في حيز الرفع على أنه صفة خزي ~~أي خزي كائن في الحياة الدنيا أو في حيز النصب على أنه ظرف الخزي، ولعل ~~بيان جزائهم بطريق القصر على ما ذكر لقطع أطماعهم الفارغة من ثمرات ~~إيمانهم ببعض الكتاب وإظهار أنه لا أثر له أصلا مع الكفر ببعض { ~~ويوم القيمة يردون } وقرىء بالتاء، أوثر صيغة الجمع ~~نظرا إلى المعنى (من) بعد ما أوثر الإفراد نظرا إلى لفظها لما أن ~~الرد إنما يكون بالاجتماع { إلى أشد العذاب } لما أن ~~معصيتهم أشد المعاصي وقيل: أشد العذاب بالنسبة إلى ما لهم في الدنيا ~~من الخزي والصغار، وإنما غير سبك النظم الكريم حيث لم يقل مثلا ~~وأشد العذاب يوم القيامة للإيذان بكمال التنافي بين جزاءي النشأتين ~~وتقديم يوم القيامة على ذكر ما يقع فيه لتهويل الخطب وتفظيع الحال من ~~أول الأمر، { وما الله بغفل عما تعملون } من القبائح ~~التي من جملتها هذا المنكر. # وقرىء بالياء على نهج (يردون) وهو تأكيد للوعيد. ms0195 ### || [2.86-87] # { أولئك } الموصوفون بما ذكر من الأوصاف القبيحة وهو مبتدأ ~~خبره قوله تعالى: { الذين اشتروا } أي آثروا { الحياة الدنيا ~~} واستبدلوها { بالآخرة } وأعرضوا عنها مع تمكنهم من تحصيلها فإن ما ~~ذكر من الكفر ببعض أحكام الكتاب إنما كان لمراعاة جانب حلفائهم لما ~~يعود إليهم منهم من بعض المنافع الدينية والدنيوية { فلا يخفف ~~عنهم العذاب } دنيويا كان أو أخرويا { ولا هم ينصرون ~~} يدفعه عنهم شفاعة أو جبرا، والجملة معطوفة على ما قبلها عطف ~~الاسمية على الفعلية، أو ينصرون مفسر لمحذوف قبل الضمير، فيكون من ~~عطف الفعلية على مثلها { ولقد ءاتينا موسى الكتب } شروع ~~في بيان بعض آخر من جناياتهم، وتصديره بالجملة القسمية لإظهار ~~كمال الاعتناء به، والمراد بالكتاب التوراة، وعن ابن عباس رضي الله ~~تعالى عنهما أن التوراة لما نزلت جملة واحدة أمر الله تعالى موسى عليه ~~السلام بحملها فلم يطق ذلك فبعث الله بكل حرف منها ملكا فلم يطيقوا ~~حملها فخففها الله تعالى لموسى فحملها { وقفينا من بعده ~~بالرسل } يقال: قفاه به إذا أتبعه إياه، أي أرسلناهم على أثره ~~كقوله تعالى: # ثم أرسلنا رسلنا تترى # [المؤمنون، الآية 44] وهم يوشع وأشمويل وشمعون وداود وسليمان ~~وشعيا وأرميا وعزير وحزقيل وإلياس واليسع ويونس وزكريا ويحيى ~~وغيرهم عليهم الصلاة والسلام { وءاتينا عيسى ابن مريم ~~البينت } المعجزات الواضحات من إحياء الموتى وإبراء الأكمه ~~والأبرص والإخبار بالمغيبات، أو الإنجيل وعيسى بالسريانية إيشوع ~~ومعناه المبارك ومريم بمعنى الخادم وهو بالعبرية من النساء كالزير من ~~الرجال وبه فسر قول رؤبة: [الرجز] # قلت لزير لم تصله مريمه # ضليل أهواء الصبا تندمه # ووزنه مفعل إذ لم يثبت فعيل { وأيدنه } وقرىء وآيدناه { ~~بروح القدس } بضم الدال وقرىء بسكونها أي بالروح المقدسة، وهي ~~روح عيسى عليه السلام كقولك: حاتم الجود ورجل صدق وإنما وصفت ~~بالقدس لكرامته، أو لأنه عليه السلام لم تضمه الأصلاب ولا أرحام ~~الطوامث، وقيل: بجبريل عليه السلام وقيل: بالإنجيل كما قيل: في القرآن ~~(روحا من أمرنا) وقيل: باسم الله الأعظم الذي يحيي الموتى بذكره، ~~وتخصيصه من بين الرسل عليهم السلام ms0196 بالذكر ووصفه بما ذكر من إيتاء ~~البينات والتأييد بروح القدس لما أن بعثتهم كانت لتنفيذ أحكام ~~التوراة وتقريرها، وأما عيسى عليه السلام فقد نسخ بشرعه كثير من ~~أحكامها ولحسم مادة اعتقادهم الباطل في حقه عليه السلام ببيان ~~حقيته وإظهار كمال قبح ما فعلوا به عليه السلام { أفكلما ~~جاءكم رسول } من أولئك الرسل { بما لا تهوى أنفسكم } من ~~الحق الذي لا محيد عنه أي لا تحبه، من هوي كفرح إذا أحب، والتعبير ~~عنه بذلك للإيذان بأن مدار الرد والقبول عندهم هو المخالفة لأهواء ~~أنفسهم والموافقة لها لا شيء آخر، وتوسيط الهمزة بين الفاء وما ~~تعلقت به من الأفعال السابقة لتوبيخهم على تعقيبهم ذلك بهذا، أو ~~للتعجب من شأنهم، ويجوز كون الفاء للعطف على مقدر يناسب المقام، أي ألم ~~تطيعوهم فكلما جاءكم رسول منهم بما لا تهوى أنفسكم { استكبرتم } ~~عن الاتباع له والإيمان بما جاء به من عند الله تعالى { ففريقا } ~~منهم { كذبتم } من غير أن تتعرضوا لهم بشيء آخر من المضار، ~~والفاء للسببية أو للتعقيب { وفريقا } آخر منهم { تقتلون } ~~غير مكتفين بتكذيبهم كزكريا ويحيى عليهما السلام، وتقديم (فريقا) في ~~الموضعين للاهتمام وتشويق السامع إلى ما فعلوا بهم لا للقصر، وإيثار ~~صيغة الاستقبال في القتل لاستحضار صورته الهائلة، أو للإيماء إلى ~~أنهم بعد على تلك النية، حيث هموا بما لم ينالوه من جهته عليه السلام ~~وسحروه وسموا له الشاة حتى قال صلى الله عليه وسلم: ### || [2.88] # { وقالوا } بيان لفن آخر من قبائحهم على طريق الالتفات إلى ~~الغيبة إشعارا بإبعادهم عن رتبة الخطاب لما فصل من مخازيهم ~~الموجبة للإعراض عنهم وحكاية نظائرها لكل من يفهم بطلانها وقباحتها ~~من أهل الحق، والقائلون هم الموجودون في عصر النبي عليه الصلاة والسلام ~~{ قلوبنا غلف } جمع أغلف، مستعار من الأغلف الذي لم يختن ~~أي مغشاة بأغشية جبلية لا يكاد يصل إليها ما جاء به محمد صلى ~~الله عليه وسلم ولا تفقهه كقولهم قلوبنا في أكنة مما تدعونا إليه ~~وقيل: هو تخفيف غلف جمع غلاف، ويؤيده ما روي ms0197 عن أبي عمرو من ~~القراءة بضمتين، يعنون أن قلوبنا أوعية للعلوم فنحن مستغنون بما عندنا ~~عن غيره قاله ابن عباس وعطاء. وقال الكلبي: يعنون أن قلوبنا لا يصل ~~إليها حديث إلا وعته ولو كان في حديثك خير لوعته أيضا { بل ~~لعنهم الله بكفرهم } رد لما قالوه وتكذيب لهم في ذلك ~~والمعنى على الأول بل أبعدهم الله سبحانه عن رحمته بأن خذلهم وخلاهم ~~وشأنهم بسبب كفرهم العارض وإبطالهم لاستعدادهم بسوء اختيارهم بالمرة ~~وكونهم بحيث لا ينفعهم الإلطاف أصلا بعد أن خلقهم على الفطرة والتمكن ~~من قبول الحق. وعلى الثاني بل أبعدهم من رحمته فأنى لهم ادعاء العلم ~~الذي هو أجل آثارها وعلى الثالث بل أبعدهم من رحمته فلذلك لا يقبلون ~~الحق المؤدي إليها { فقليلا ما يؤمنون } ما مزيدة للمبالغة ~~أي فإيمانا قليلا يؤمنون وهو إيمانهم ببعض الكتاب وقيل: فزمانا ~~قليلا يؤمنون وهو ما قالوا: # آمنوا بالذي أنزل على الذين آمنوا وجه ~~النهار واكفروا آخره # [آل عمران، الآية 72] وكلاهما ليس بإيمان حقيقة، وقيل: أريد بالقلة ~~العدم. والفاء لسببية اللعن لعدم الإيمان. ### || [2.89] # { ولما جاءهم كتب } هو القرآن، وتنكيره للتفخيم ووصفه ~~بقوله عز وجل { من عند الله } أي كائن من عنده تعالى للتشريف { ~~مصدق لما معهم } من التوراة عبر عنها بذلك لما أن المعية من ~~موجبات الوقوف على ما في تضاعيفها المؤدي إلى العلم بكونه مصدقا لهما، ~~وقرىء (مصدقا) على أنه حال من كتاب لتخصصه بالوصف { وكانوا من ~~قبل } أي من قبل مجيئه { يستفتحون على الذين كفروا ~~} أي وقد كانوا قبل مجيئه يستفتحون به على المشركين ويقولون: اللهم ~~انصرنا بالنبي المبعوث في آخر الزمان الذي نجد نعته في التوراة ويقولون ~~لهم: قد أظل زمان نبي يخرج بتصديق ما قلنا فنقتلكم معه قتل عاد ~~وإرم. قال ابن عباس وقتادة والسدي: نزلت في بني قريظة والنضير ~~كانوا يستفتحون على الأوس والخزرج برسول الله صلى الله عليه وسلم قبل ~~مبعثه وقيل: معنى يستفتحون يفتحون عليهم ويعرفونهم بأن نبيا يبعث ~~منهم قد قرب أوانه والسين للمبالغة كما ms0198 في استعجب أي يسألون من أنفسهم ~~الفتح عليهم أو يسأل بعضهم بعضا أن يفتح عليهم. وعلى التقديرين ~~فالجملة حالية مفيدة لكمال مكابرتهم وعنادهم، وقوله عز وعلا: { ~~فلما جاءهم } تكرير للأول لطول العهد بتوسط الجملة الحالية، ~~وقوله تعالى: { ما عرفوا } عبارة عما سلف من الكتاب لأن معرفة ~~من أنزل عليه هو معرفة له، والاستفتاح به استفتاح به، وإيراد الموصول ~~دون الاكتفاء بالإضمار لبيان كمال مكابرتهم، فإن معرفة ما جاءهم من ~~مبادىء الإيمان به ودواعيه لا محالة والفاء للدلالة على تعقيب مجيئه ~~للاستفتاح به من غير أن يتخلل بينهما مدة منسية له وقوله تعالى: { ~~كفروا به } جواب (لما) الأولى كما هو رأي المبرد أو جوابهما ~~معا كما قاله أبو البقاء وقيل: جواب الأولى محذوف لدلالة المذكور ~~عليه فيكون قوله تعالى: وكانوا الخ جملة معطوفة على الشرطية عطف ~~القصة على القصة والمراد (بما عرفوا) النبي صلى الله عليه وسلم، كما ~~هو المراد بما (كانوا يستفتحون به) فالمعنى ولما جاءهم كتاب مصدق ~~لكتابهم كذبوه وكانوا من قبل مجيئه يستفتحون بمن أنزل عليه ذلك ~~الكتاب فلما جاءهم النبي الذي عرفوه كفروا به { فلعنة الله ~~على الكفرين } اللام للعهد أي عليهم، ووضع المظهر موضع ~~المضمر للإيذان بأن حلول اللعنة بسبب كفرهم كما أن الفاء للإيذان ~~بترتبها عليه، أو للجنس وهم داخلون في الحكم دخولا أوليا إذ الكلام ~~فيهم، وأيا ما كان فهو محقق لمضمون قوله تعالى: { بل لعنهم ~~الله بكفرهم }. ### || [2.90-91] # { بئسما اشتروا به أنفسهم } ما نكرة بمعنى شيء، ~~منصوبة مفسرة لفاعل بئس، واشتروا صفته أو بئس شيئا باعوا به ~~أنفسهم، وقيل: اشتروها به في زعمهم حيث يعتقدون أنهم بما فعلوا ~~خلصوها من العقاب ويأباه أنه لا بد أن يكون المذموم ما كان حاصلا لهم ~~لا ما كان زائلا عنهم، والمخصوص بالذم قوله تعالى: { أن يكفروا ~~بما أنزل الله } أي الكتاب المصدق لما معهم بعد الوقوف على ~~حقيقته، وتبديل الإنزال بالمجيء للإيذان بعلو شأنه الموجب للإيمان به ~~{ بغيا } حسدا وطلبا لما ليس لهم، وهو علة لأن ms0199 يكفروا حتما دون ~~(اشتروا) لما قيل من الفصل بما هو أجنبي بالنسبة إليه وإن لم يكن ~~أجنبيا بالنسبة إلى فعل الذم وفاعله، ولأن البغي مما لا تعلق له ~~بعنوان البيع قطعا لا سيما وهو معلل بما سيأتي من تنزيل الله ~~تعالى من فضله على من يشاؤه وإنما الذي بينه وبينه علاقة هو كفرهم ~~بما أنزل الله، والمعنى بئس شيئا باعوا به أنفسهم كفرهم المعلل ~~بالبغي الكائن لأجل { أن ينزل الله من فضله } الذي هو ~~الحي { على من يشاء } أي يشاؤه ويصطفيه { من عباده } ~~المستأهلين لتحمل أعباء الرسالة، ومآله تعليل كفرهم بالمنزل ~~عليه، وإيثار صيغة التفعيل ههنا للإيذان بتجدد بغيهم حسب تجدد ~~الإنزال وتكثره حسب تكثره { فباءو بغضب على غضب } أي ~~رجعوا متلبسين بغضب كائن على غضب مستحقين له حسب ما اقترفوا من كفر ~~على كفر فإنهم كفروا بنبي الحق وبغوا عليه وقيل كفروا بمحمد عليه ~~الصلاة والسلام بعد عيسى، وقيل: بعد قولهم: عزير بن الله وقولهم: يد ~~الله مغلولة وغير ذلك من فنون كفرهم { وللكفرين } أي لهم ~~والإظهار في موقع الإضمار للإشعار بعلية كفرهم لما حاق بهم { عذاب ~~مهين } يراد به إهانتهم وإذلالهم لما أن كفرهم بما أنزل الله ~~تعالى كان مبينا على الحسد المبني على طمع المنزول عليهم وادعاء ~~الفضل على الناس والاستهانة بمن أنزل عليه عليه السلام. # { وإذا قيل } من جانب المؤمنين { لهم } أي لليهود، وتقديم ~~الجار والمجرور قد مر وجهه لا سيما في لام التبليغ { آمنوا بما أنزل ~~الله } من الكتب الإلهية جميعا والمراد به الأمر بالإيمان بالقرآن ~~لكن سلك مسلك التعميم إيذانا بتحتم الامتثال من حيث مشاركته لما ~~آمنوا به فيما في حيز الصلة وموافقته له في المضمون وتنبيها على أن ~~الإيمان بما عداه من غير إيمان به ليس بإيمان بما أنزل الله { قالوا ~~نؤمن } أي نستمر على الإيمان { بما أنزل علينا } يعنون به ~~التوراة وما نزل على أنبياء بني إسرائيل لتقرير حكمها، ويدسون ~~فيه أن ما عدا ذلك غير منزل عليهم، ومرادهم بضمير المتكلم إما ms0200 ~~أنفسهم فمعنى الإنزال عليهم تكليفهم بما في المنزل من الأحكام، وإما ~~أنبياء بني إسرائيل وهو الظاهر لاشتماله على مزية الإيذان بأن ~~عدم إيمانهم بالفرقان لما مر من بغيهم وحسدهم على نزوله على من ~~ليس منهم، ولأن مرادهم بالموصول وإن كان هو التوراة وما في حكمها خاصة ~~لكن إيرادها بعنوان الإنزال عليهم مبني على ادعاء أن ما عداها ليس ~~كذلك على وجه التعريض كما أشير إليه فلو أريد بالإنزال عليهم ما ذكر من ~~تكليفهم يلزم من مغايرة القرآن لما أنزل عليهم حسبما يعرب عنه ~~قوله عز وجل: { ويكفرون بما وراءه } عدم كونهم مكلفين بما ~~فيه كما يلزم عدم كونه نازلا على واحد من بني إسرائيل على الوجه ~~الأخير، وتجريد الموصول عن الإضمار عما عرضوا به تعسف لا يخفى، ~~والوراء في الأصل مصدر جعل ظرفا ويضاف إلى الفاعل فيراد به ما يتوارى ~~به وهو خلفه، وإلى المفعول فيراد به ما يواريه وهو أمامه، والجملة ~~حال من ضمير قالوا بتقدير مبتدأ أي قالوا ما قالوا وهم يكفرون بما عداه ~~وليس المراد مجرد بيان أن إفراد إيمانهم بما أنزل عليهم بالذكر ~~لنفي إيمانهم بما وراءه، بل بيان أن ما يدعون من الإيمان ليس بإيمان ~~بما أنزل عليهم حقيقة فإن قوله عز اسمه: { وهو الحق } أي ~~المعروف بالحقيقة بأن يخص به اسم الحق على الإطلاق، حال من فاعل ~~يكفرون وقوله تعالى: { مصدقا } حال مؤكدة لمضمون الجملة صاحبها ~~إما ضمير الحق وعاملها ما فيه من معنى الفعل قاله أبو البقاء، وإما ~~ضمير دل عليه الكلام وعاملها فعل مضمر، أي أحقه مصدقا { ~~لما معهم } من التوراة والمعنى قالوا نؤمن بما أنزل علينا وهم ~~يكفرون بالقرآن والحال أنه حق مصدق لما آمنوا به فيلزمهم الكفر بما ~~آمنوا به ومآ له أنهم ادعوا الإيمان بالتوراة والحال أنهم يكفرون ~~بما يلزم من الكفر به الكفر بها { قل } تبكيتا لهم من جهة الله عز ~~من قائل ببيان التناقض بين أقوالهم وأفعالهم بعد بيان التناقض في ~~أقوالهم { فلم } أصله لما حذفت عنه ms0201 الألف فرقا بين الاستفهامية ~~والخبرية { تقتلون أنبياء الله من قبل } الخطاب ~~للحاضرين من اليهود والماضين على طريق التغليب، وحيث كانوا مشاركين في ~~العقد والعمل كان الاعتراض على أسلافهم اعتراضا على أخلافهم، وصيغة ~~الاستقبال لحكاية الحال الماضية، وهو جواب شرط محذوف أي قل لهم إن ~~كنتم مؤمنين بالتوراة كما تزعمون فلأي شيء كنتم تقتلون أنبياء الله ~~من قبل وهو فيها حرام، وقرىء أنبئاء الله مهموزا، وقوله تعالى: { ~~إن كنتم مؤمنين } تكرير للاعتراض لتأكيد الإلزام وتشديد ~~التهديد أي إن كنتم مؤمنين فلم تقتلونهم، وقد حذف من كل واحدة من ~~الشرطيتين ما حذف ثقة بما أثبت في الأخرى وقيل: لا حذف فيه بل ~~تقديم الجواب على الشرط وذلك لا يتأتى إلا على رأي الكوفيين وأبي زيد ~~وقيل: (إن) نافية أي ما كنتم مؤمنين وإلا لما قتلتموهم. ### || [2.92] # { ولقد جاءكم موسى بالبينت } من تمام التبكيت ~~والتوبيخ، داخل تحت الأمر، لا تكرير لما قص في تضاعيف تعداد ~~النعم التي من جملتها العفو عن عبادة العجل، واللام للقسم أي: وبالله ~~لقد جاءكم موسى متلبسا بالمعجزات الظاهرة التي هي العصا واليد ~~والسنون ونقص الثمرات والدم والطوفان والجراد والقمل ~~والضفادع وفلق البحر وقد عد منها التوراة وليس بواضح، فإن ~~المجيء بها بعد قصة العجل { ثم اتخذتم العجل } أي إلها ~~{ من بعده } أي من بعد مجيئه بها، وقيل: من بعد ذهابه إلى الطور ~~فتكون التوراة حينئذ من جملة البينات وثم للتراخي في الرتبة ~~والدلالة على نهاية قبح ما صنعوا { وأنتم ظلمون } حال من ~~ضمير اتخذتم بمعنى اتخذتم العجل ظالمين بعبادته واضعين لها في غير ~~موضعها أو بالإخلال بحقوق آيات الله تعالى أو اعتراض أي وأنتم قوم ~~عادتكم الظلم. ### || [2.93-95] # { وإذ أخذنا ميثقكم } توبيخ من جهة الله تعالى وتكذيب ~~لهم في ادعائهم الإيمان بما أنزل عليهم بتذكير جناياتهم الناطقة ~~بكذبهم أي واذكروا حين أخذنا ميثاقكم { ورفعنا فوقكم ~~الطور } قائلين: { خذوا ما ءاتيناكم بقوة واسمعوا } ~~أي خذوا بما أمرتم به في التوراة واسمعوا ما فيها سمع طاعة وقبول { ~~قالوا } استئناف مبني ms0202 على سؤال سائل كأنه قيل: فماذا قالوا؟ فقيل: ~~قالوا: { سمعنا } قولك { وعصينا } أمرك فإذا قابل أسلافهم ~~مثل ذلك الخطاب المؤكد مع مشاهدتهم مثل تلك المعجزة الباهرة بمثل ~~هذه العظيمة الشنعاء وكفروا بما في تضاعيف التوبة فكيف يتصور من ~~أخلافهم الإيمان بما فيها. # { وأشربوا فى قلوبهم العجل } على حذف المضاف وإقامة ~~المضاف إليه مقامه للمبالغة أي تداخلهم حبه ورسخ في قلوبهم ~~صورته لفرط شغفهم به وحرصهم على عبادته كما يتداخل الصبغ الثوب ~~والشراب أعماق البدن، و(في قلوبهم) بيان لمكان الإشراب كما في قوله ~~تعالى: { إنما يأكلون فى بطونهم نارا } والجملة حال من ~~ضمير قالوا بتقدير قد { بكفرهم } بسبب كفرهم السابق الموجب ~~لذلك، قيل: كانوا مجسمة أو حلولية، ولم يروا جسما أعجب منه فتمكن ~~في قلوبهم ما سول لهم السامري { قل } توبيخا لحاضري اليهود إثر ~~ما تبين من أحوال رؤسائهم الذين بهم يقتدون في كل ما يأتون وما يذرون { ~~بئسما يأمركم به إيمنكم } بما أنزل عليكم من التوراة ~~حسبما تدعون، والمخصوص بالذم محذوف أي ما ذكر من قولهم سمعنا وعصينا ~~وعبادتهم العجل، وفي إسناد الأمر إلى الإيمان تهكم بهم، وإضافة ~~الإيمان إليهم للإيذان بأنه ليس بإيمان حقيقة كما ينبىء عنه قوله ~~تعالى: { إن كنتم مؤمنين } فإنه قدح في دعواهم الإيمان بما ~~أنزل عليهم من التوراة وإبطال لها، وتقريره: إن كنتم مؤمنين بها عاملين ~~فيما ذكر من القول والعمل بما فيها فبئسما يأمركم به إيمانكم بها، ~~وإذ لا يسوغ الإيمان بها مثل تلك القبائح فلستم بمؤمنين بها قطعا. ~~وجواب الشرط كما ترى محذوف لدلالة ما سبق عليه { قل } كرر الأمر مع ~~قرب العهد بالأمر السابق لما أنه أمر بتبكيتهم وإظهار كذبهم في فن ~~آخر من أباطيلهم لكنه لم يحك عنهم قبل الأمر بإبطاله بل اكتفي ~~بالإشارة إليه في تضاعيف الكلام حيث قيل: { إن كانت لكم الدار ~~الآخرة } أي الجنة أو نعيم الدار الآخرة { عند الله خالصة ~~} أي سالمة لكم خاصة بكم كما تدعون أنه لن يدخل الجنة إلا من كان ~~هودا أو نصارى، ms0203 ونصبها على الحالية من الدار وعند ظرف للاستقرار في ~~الخبر أعني لكم، وقوله تعالى: { من دون الناس } في محل النصب ~~بخالصة يقال: خلص لي كذا من كذا، واللام للجنس أي الناس كافة أو للعهد ~~أي المسلمين { فتمنوا الموت } فإن من أيقن بدخول الجنة اشتاق ~~إلى التخلص إليها من دارة البوار وقرارة الأكدار، لا سيما إذا كانت ~~خالصة له كما قال علي كرم الله وجهه: «لا أبالي أسقطت على الموت أو سقط ~~الموت علي». ### || [2.96] # { ولتجدنهم أحرص الناس } من الوجدان العقلي، وهو جار ~~مجرى العلم خلا أنه مختص بما يقع بعد التجربة ونحوها، ومفعولاه ~~الضمير وأحرص، والتنكير في قوله تعالى: { على حيوة } للإيذان ~~بأن مرادهم نوع خاص منها وهي الحياة المتطاولة، وقرىء بالتعريف { ومن ~~الذين أشركوا } عطف على ما قبله بحسب المعنى كأنه قيل: أحرص ~~من الناس ومن الذين أشركوا، وإفرادهم بالذكر مع دخولهم في الناس للإيذان ~~بامتيازهم من بينهم بشدة الحرص، للمبالغة في توبيخ اليهود، فإن ~~حرصهم وهم معترفون بالجزاء لما كان أشد من حرص المشركين المنكرين له ~~دل ذلك على جزمهم بمصيرهم إلى النار، ويجوز أن يحمل على حذف المعطوف ~~ثقة بإنباء المعطوف عليه عنه، أي وأحرص من الذين أشركوا فقوله تعالى: ~~{ يود أحدهم } بيان لزيادة حرصهم على طريقة الاستئناف ويجوز ~~أن يكون في حيز الرفع صفة لمبتدإ محذوف خبره الظرف المتقدم على أن ~~يكون المراد بالمشركين اليهود لقولهم عزير بن الله، أي ومنهم طائفة ~~يود أحدهم أيهم كان، أي كل واحد منهم { لو يعمر ألف ~~سنة } وهو حكاية لودادتهم كأنه قيل: ليتني أعمر، وإنما أجري ~~على الغيبة لقوله تعالى يود كما تقول حلف بالله ليفعلن، ومحله النصب ~~على أنه مفعول يود إجراء له مجرى القول لأنه فعل قلبي { وما ~~هو بمزحزحه من العذاب } ما حجازية والضمير العائد على ~~(أحدهم) اسمها وبمزحزحه خبرها والباء زائدة و { أن يعمر } ~~فاعل مزحزحه أي وما أحدهم بمن يزحزحه أي يبعده وينجيه من العذاب ~~تعميره، وقيل: الضمير لما دل عليه يعمر من المصدر، ms0204 و(أن يعمر) بدل ~~منه وقيل: هو مبهم، وأن يعمر مفسرة والجملة حال من أحدهم والعامل يود ~~لا يعمر على أنها حال من ضميره لفساد المعنى، أو اعتراض. وأصل سنة ~~سنوة لقولهم سنوات وسنية وقيل: سنهة كجبهة لقولهم سانهته ~~وسنيهة وتسنهت النخلة إذا أتت عليها السنون { والله بصير بما ~~يعملون } البصير - في كلام العرب - العالم بكنه الشيء الخبير ~~به، ومنه قولهم فلان بصير بالفقه، أي عليم بخفيات أعمالهم فهو مجازيهم ~~بها لا محالة، وقرىء بتاء الخطاب التفاتا وفيه تشديد للوعيد. ### || [2.97] # { قل من كان عدوا لجبريل } (نزل في عبد الله بن صوريا ~~من أحبار فدك حاج رسول الله صلى الله عليه وسلم وسأله عمن نزل عليه ~~بالوحي فقال عليه السلام: جبريل عليه السلام فقال: هو عدونا لو كان ~~غيره لآمنا بك. وفي بعض الروايات ورسولنا ميكائيل فلو كان هو الذي ~~يأتيك لآمنا بك، وقد عادانا مرارا وأشدها أنه أنزل على نبينا أن ~~بيت المقدس سيخربه بخت نصر فبعثنا من يقتله فلقيه ببابل ~~غلاما مسكينا فدفع عنه جبريل عليه السلام، وقال: إن كان ربكم آمره ~~بهلاككم فإنه لا يسلطكم عليه وإلا فبأي حق تقتلونه) وقيل: أمره الله ~~تعالى أن يجعل النبوة فينا فجعلها في غيرنا، وروي أنه كان لعمر رضي الله ~~عنه أرض بأعلى المدينة، وكان ممره على مدارس اليهود فكان يجلس إليهم ~~ويسمع كلامهم فقالوا: يا عمر قد أحببناك وإنا لنطمع فيك فقال: والله ما ~~أجيئكم لحبكم، ولا أسألكم لشك في ديني وإنما أدخل عليكم لأزداد ~~بصيرة في أمر محمد صلى الله عليه وسلم، وأرى آثاره في كتابكم ثم سألهم ~~عن جبريل عليه السلام فقالوا: ذاك هو عدونا يطلع محمدا على ~~أسرارنا وهو صاحب كل خسف وعذاب، وميكائيل يجيء بالخصب والسلام ~~فقال لهم: وما منزلتهما عند الله تعالى قالوا: جبريل أقرب منزلة هو ~~عن يمينه وميكائيل عن يساره وهما متعاديان فقال عمر رضي الله عنه: إن ~~كانا كما تقولون فما هما بعدوين ولأنتم أكفر من الحمير، ومن كان ~~عدوا لأحدهما فهو ms0205 عدو للآخر، ومن كان عدوا لهما كان عدو الله سبحانه، ~~ثم رجع عمر فوجد جبريل عليه السلام قد سبقه بالوحي فقال النبي صلى ~~الله عليه وسلم: لقد وافقك ربك يا عمر فقال عمر رضي الله عنه: لقد ~~رأيتني في ديني بعد ذلك أصلب من الحجر. وقرىء جبرئيل كسلسبيل ~~وجبرئل كجحمرش وجبريل وجبرئل وجبرائيل كجبراعيل ~~وجبرائل كجبراعل، ومنع الصرف فيه للتعريف والعجمة، وقيل: معناه ~~عبد الله { فإنه نزله } تعليل لجواب الشرط قائم مقامه، ~~والبارز الأول لجبريل عليه السلام والثاني للقرآن، أضمر من غير ذكر ~~إيذانا بفخامة شأنه واستغنائه عن الذكر لكمال شهرته ونباهته لا سيما ~~عند ذكر شيء من صفاته { على قلبك } زيادة تقرير للتنزيل ببيان ~~محل الوحي فإنه القائل الأول له، ومدار الفهم والحفظ، وإيثار الخطاب ~~على التكلم المبني على حكاية كلام الله تعالى بعينه كما في قوله تعالى: # قل يعبادى الذين أسرفوا على أنفسهم # [الزمر، الآية 53] لما في النقل بالعبارة من زيادة تقرير لمضمون ~~المقالة { بإذن الله } بأمره وتيسيره مستعار من تسهيل الحجاب ~~وفيه تلويح بكمال توجه جبريل عليه السلام إلى تنزيله وصدق عزيمته ~~عليه السلام، وهو حال من فاعل نزله وقوله تعالى: { مصدقا لما ~~بين يديه } أي من الكتب الإلهية التي معظمها التوراة حال من ~~مفعوله وكذا قوله تعالى: { وهدى وبشرى للمؤمنين } ~~والعامل في الكل نزله، والمعنى من عادى جبريل من أهل الكتاب فلا وجه ~~لمعاداته بل يجب عليه محبته فإنه نزله عليك كتابا مصدقا لكتبهم أو ~~فالسبب في عداوته تنزيله لكتاب مصدق لكتابهم موافق له وهم له كارهون، ~~ولذلك حرفوا كتابهم وجحدوا موافقته له لأن الاعتراف بها يوجب الإيمان ~~به، وذلك يستدعي انتكاس أحوالهم وزوال رياستهم وقيل: إن الجواب فقد ~~خلع ربقة الإنصاف، أو فقد كفر بما معه من الكتاب أو فليمت غيظا ~~أو فهو عدو لي، وأنا عدو له. ### || [2.98-99] # { من كان عدوا الله } أريد بعداوته تعالى مخالفة أمره ~~عنادا والخروج عن طاعته مكابرة، أو عداوة خواصه ومقربيه. لكن ~~صدر الكلام بذكره الجليل تفخيما لشأنهم وإيذانا ms0206 بأن عداوتهم ~~عداوته عز وعلا كما في قوله عز وجل: # والله ورسوله أحق أن يرضوه # [سورة التوبة، الآية 62] ثم صرح بالمرام فقيل: { وملئكته ~~ورسله وجبريل وميكل } وإنما أفردا بالذكر مع أنهما أول ~~من يشمله عنوان الملكية والرسالة لإظهار فضلهما كأنهما عليهما ~~السلام من جنس آخر أشرف مما ذكر تنزيلا للتغاير في الوصف منزلة ~~التغاير في الجنس، وللتنبيه على أن عداوة أحدهما عداوة للآخر حسما ~~لمادة اعتقادهم الباطل في حقهما حيث زعموا أنهما متعاديان، وللإشارة ~~إلى أن معاداة الواحد والكل سواء في الكفر واستتباع العداوة من ~~جهة الله سبحانه، وأن من عادى أحدهم فكأنما عادى الجميع، وقوله ~~تعالى: { فإن الله عدو للكفرين } أي لهم جواب ~~الشرط والمعنى من عاداهم عاداه الله وعاقبه أشد العقاب وإيثار ~~الاسمية للدلالة على التحقق والثبات، ووضع الكافرين موضع المضمر ~~للإيذان بأن عداوة المذكورين كفر، وأن ذلك بين لا يحتاج إلى ~~الإخبار به، وأن مدار عداوته تعالى لهم وسخطه المستوجب لأشد ~~العقوبة والعذاب هو كفرهم المذكور. وقرىء ميكائل كميكاعل وميكائيل ~~كميكاعيل وميكئل كميكعل وميكئيل كميكعيل { ولقد أنزلنا ~~إليك ءايت بينت } واضحات الدلالة على معانيها، وعلى ~~كونها من عند الله تعالى، { وما يكفر بها إلا الفسقون ~~} أي المتمردون في الكفر الخارجون عن حدوده فإن من ليس على تلك الصفة ~~من الكفرة لا يجترىء على الكفر بمثل هاتيك البينات. قال الحسن: إذا ~~استعمل الفسق في نوع من المعاصي وقع على أعظم أفراد ذلك النوع من ~~كفر أو غيره. وعن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: قال ابن صوريا ~~لرسول الله صلى الله عليه وسلم ما جئتنا بشيء نعرفه وما أنزل عليك من ~~آية فنتبعك لها فنزلت. واللام للعهد أي الفاسقون المعهودون وهم أهل ~~الكتاب المحرفون لكتابهم الخارجون عن دينهم أو للجنس وهم داخلون فيه ~~دخولا أوليا. ### || [2.100-101] # { أوكلما عهدوا عهدا } الهمزة للإنكار والواو للعطف ~~على مقدر يقتضيه المقام أي أكفروا بها وهي في غاية الوضوح وكلما ~~عاهدوا عهدا ومن جملة ذلك ما أشير إليه في قوله تعالى: # وكانوا ms0207 من قبل يستفتحون على الذين كفروا # [البقرة، الآية 89] من قولهم للمشركين: قد أظل زمان نبي يخرج بتصديق ~~ما قلنا فنقتلكم معه قتل عاد وإرم. وقرىء بسكون الواو على أن ~~تقدير النظم الكريم، وما يكفر بها إلا الذين فسقوا أو نقضوا عهودهم ~~مرارا كثيرة، وقرىء عوهدوا وعهدوا، وقوله تعالى: عهدا إما مصدر ~~مؤكد لعاهدوا من غير لفظه أو مفعول له على أنه بمعنى أعطوا العهد { ~~نبذه فريق منهم } أي رموا بالزمام ورفضوه، وقرىء نقضه ~~وإسناد النبذ إلى فريق منهم لأن منهم من لم ينبذه { بل ~~أكثرهم لا يؤمنون } أي بالتوراة وهذا دفع لما يتوهم من ~~أن النابذين هم الأقلون، وأن من لم ينبذ جهارا فهم يؤمنون بها سرا { ~~ولما جاءهم رسول } هو النبي صلى الله عليه وسلم، والتنكير ~~للتفخيم { من عند الله } متعلق بجاء أو بمحذوف وقع صفة لرسول ~~لإفادة مزيد تعظيمه بتأكيد ما أفاده التنكير من الفخامة الذاتية ~~بالفخامة الإضافية { مصدق لما معهم } من التوراة من حيث أنه ~~صلى الله عليه وسلم قرر صحتها وحقق حقية نبوة موسى عليه الصلاة ~~والسلام بما أنزل عليه أو من حيث أنه عليه السلام جاء على وفق ما نعت ~~فيها { نبذ فريق من الذين أوتوا الكتب } أي ~~التوراة، وهم اليهود الذين كانوا في عهد النبي صلى الله عليه وسلم ممن ~~كانوا يستفتحون به قبل ذلك لا الذين كانوا في عهد سليمان عليه السلام ~~كما قيل لأن النبذ عند مجيء النبي صلى الله عليه وسلم لا يتصور ~~منهم، وأفرد هذا النبذ بالذكر مع اندراجه تحت قوله عز وجل: { أو ~~كلما عهدوا عهدا نبذه فريق منهم } لأنه معظم ~~جناياتهم ولأنه تمهيد لذكر اتباعهم لما تتلو الشياطين وإيثارهم له ~~عليه، والمراد بإيتائها إما إيتاء علمها بالدراسة والحفظ والوقوف على ~~ما فيها، فالموصول عبارة عن علمائهم وإما مجرد إنزالها عليهم فهو ~~عبارة عن الكل، وعلى التقديرين فوضعه موضع الضمير للإيذان بكمال ~~التنافي بين ما أثبت لهم في حيز الصلة وبين ما صدر عنهم من النبذ { ~~كتب الله } أي ms0208 الذي أوتوه قال السدي: لما جاءهم محمد صلى الله ~~عليه وسلم عارضوه بالتوراة فاتفقت التوراة والفرقان فنبذوا التوراة ~~وأخذوا بكتاب آصف وسحر هاروت، وماروت فلم يوافق القرآن فهذا قوله ~~تعالى: { ولما جاءهم رسول من عند الله } الخ، وإنما ~~عبر عنها بكتاب الله تشريفا لها وتعظيما لحقها عليهم وتهويلا لما ~~اجترأوا عليه من الكفر بها وقيل: (كتاب الله) القرآن نبذوه بعد ما ~~لزمهم تلقيه بالقبول لا سيما بعد ما كانوا يستفتحون به من قبل فإن ~~ذلك قبول له وتمسك به، فيكون الكفر به عند مجيئه نبذا له كأنه ~~قيل: كتاب الله الذي جاء به فإن مجيء الرسول معرب عن مجيء الكتاب { ~~وراء ظهورهم } مثل لتركهم وإعراضهم عنه بالكلية مثل بما ~~يرمى به وارء الظهر استغناء عنه وقلة التفات إليه { كأنهم ~~لا يعلمون } جملة حالية أي نبذوه وراء ظهورهم مشبهين بمن لا ~~يعلمه، فإن أريد بهم أحبارهم فالمعنى كأنهم لا يعلمونه على وجه الإيقان ~~ولا يعرفون ما فيه من دلائل نبوته عليه الصلاة والسلام ففيه إيذان بأن ~~علمهم به رصين لكنهم يتجاهلون أو كأنهم لا يعلمون أنه كتاب الله أو لا ~~يعلمونه أصلا كما إذا أريد بهم الكل. # وفي هذين الوجهين زيادة مبالغة في إعراضهم عما في التوراة من دلائل ~~النبوة. هذا وإن أريد بما نبذوه من كتاب الله القرآن فالمراد بالعلم ~~المنفي في قوله تعالى: { كأنهم لا يعلمون } هو العلم بأنه ~~كتاب الله ففيه ما في الوجه الأول من الإشعار بأنهم متيقنون في ذلك، ~~وإنما يكفرون به مكابرة وعنادا. # قيل إن جيل اليهود أربع فرق: ففرقة آمنوا بالتوراة وقاموا بحقوقها ~~كمؤمني أهل الكتاب وهم الأقلون المشار إليهم بقوله عز وجل: { بل ~~أكثرهم لا يؤمنون } [البقرة، الآية 100] وفرقة جاهروا بنبذ ~~العهود وتعدي الحدود تمردا وفسوقا وهم المعنيون بقوله تعالى: { ~~نبذه فريق منهم } [البقرة، الآية 100] وفرقة لم يجاهروا ~~بنبذها لجهلهم بها وهم الأكثرون، وفرقة تمسكوا بها ظاهرا ونبذوها ~~خفية وهم المتجاهلون. ### || [2.102] # { واتبعوا ما تتلوا الشيطين } عطف على جواب (لما) أي ~~نبذوا كتاب ms0209 الله واتبعوا كتب السحرة التي كانت تقرؤها الشياطين وهم ~~المتمردون من الجن، و(تتلو) حكاية حال ماضية والمراد بالاتباع ~~التوغل والتمحض فيه والإقبال عليه بالكلية، وإلا فأصل الاتباع كان ~~حاصلا قبل مجيء الرسول صلى الله عليه وسلم فلا يتسنى عطفه على جواب ~~لما ولذلك قيل: هو معطوف على الجملة، وقيل: على على أشربوا { على ~~ملك سليمن } أي في عهد ملكه قيل: كانت الشياطين يسترقون ~~السمع ويضمون إلى ما سمعوا أكاذيب يلفقونها ويلقونها إلى ~~الكهنة وهم يدونونها ويعلمونها الناس وفشا ذلك في عهد سليمان عليه ~~السلام حتى قيل: إن الجن تعلم الغيب، وكانوا يقولون هذا علم سليمان وما ~~تم له ملكه إلا بهذا العلم، وبه سخر الإنس والجن والطير والريح ~~التي تجري بأمره، وقيل: إن سليمان عليه السلام كان قد دفن كثيرا من ~~العلوم التي خصه الله تعالى بها تحت سرير ملكه فلما مضت على ذلك مدة ~~توصل إليها قوم من المنافقين فكتبوا في خلال ذلك أشياء من فنون ~~السحر تناسب تلك الأشياء المدفونة من بعض الوجوه، ثم بعد موته واطلاع ~~الناس على تلك الكتب أوهموهم أنه من عمل سليمان عليه السلام وأنه ما ~~بلغ هذا المبلغ إلا بسبب هذه الأشياء. # { وما كفر سليمن } تنزيه لساحته عليه السلام عن السحر ~~وتكذيب لمن افترى عليه بأنه كان يعتقده ويعمل به، والتعرض لكونه ~~كفرا للمبالغة في إظهار نزاهته عليه السلام وكذب باهتيه بذلك { ~~ولكن الشياطين } وقرىء بتخفيف (لكن) ورفع الشياطين، والواو ~~عاطفة للجملة الاستدراكية على ما قبلها، وكون المخففة عند الجمهور ~~للعطف إنما هو عند عدم الواو وكون ما بعدها مفردا { كفروا } ~~باستعمال السحر وتدوينه { يعلمون الناس السحر } إغواء ~~وإضلالا، والجملة في محل النصب على الحالية من ضمير كفروا أو من ~~الشياطين فإن ما في (لكن) من رائحة الفعل كاف في العمل في الحال أو في ~~محل الرفع على أنه خبر ثان للكن أو بدل من الخبر الأول، وصيغة ~~الاستقبال للدلالة على استمرار التعليم وتجدده أو جملة مستأنفة. ~~هذا على تقدير كون الضمير للشياطين ms0210 وأما على تقدير رجوعه إلى فاعل ~~اتبعوا فهي إما حال منه وإما استئنافية فحسب واعلم أن السحر أنواع ~~منها سحر الكلدانيين الذين كانوا في قديم الدهر وهم قوم يعبدون ~~الكواكب ويزعمون أنها هي المدبرة لهذا العالم ومنها تصدر الخيرات ~~والشرور والسعادة والنحوسة، ويستحدثون الخوارق بواسطة تمزيج القوى ~~السماوية بالقوى الأرضية وهم الذين بعث الله تعالى إبراهيم عليه الصلاة ~~والسلام لإبطال مقالتهم وهم ثلاث فرق ففرقة منهم يزعمون أن ~~الأفلاك والنجوم واجبة الوجود لذواتها وهم الصابئة، وفرقة يقولون ~~بإلهية الأفلاك ويتخذون لكل واحد منها هيكلا ويشتغلون بخدمتها وهم ~~عبدة الأوثان، وفرقة أثبتوا للأفلاك وللكواكب فاعلا مختارا لكنهم ~~قالوا إنه أعطاها قوة عالية نافذة في هذا العالم وفوض تدبيره ~~إليها، ومنها سحر أصحاب الأوهام والنفوس القوية فإنهم يزعمون أن ~~الإنسان تبلغ روحه بالتصفية في القوة والتأثير إلى حيث يقدر على ~~الإيجاد والإعدام والإحياء والإماتة وتغيير البنية والشكل، ومنها ~~سحر من يستعين بالأرواح الأرضية وهو المسمى بالعزائم. # وتسخير الجن، ومنها التخييلات الآخذة بالعيون وتسمى الشعوذة. # ولا خلاف بين الأمة في أن من اعتقد الأول فقد كفر وكذا من اعتقد ~~الثاني وهو سحر أصحاب الأوهام والنفوس القوية وأما من اعتقد أن ~~الإنسان يبلغ بالتصفية وقراءة العزائم والرقى إلى حيث يخلق الله ~~سبحانه وتعالى عقيب ذلك على سبيل جريان العادة بعض الخوارق ~~فالمعتزلة اتفقوا على أنه كافر، لأنه لا يمكنه بهذا الاعتقاد معرفة ~~صدق الأنبياء والرسل بخلاف غيرهم، ولعل التحقيق أن ذلك الإنسان إن ~~كان خيرا متشرعا في كل ما يأتي ويذر وكان من يستعين به من الأرواح ~~الخيرة وكانت عزائمه ورقاه غير مخالفة لأحكام الشريعة الشريفة ولم ~~يكن فيما ظهر في يده من الخوارق ضرر شرعي لأحد فليس ذلك من قبيل ~~السحر، وإن كان شريرا غير متمسك بالشريعة الشريفة فظاهر أن من ~~يستعين به من الأرواح الخبيثة الشريرة لا محالة، ضرورة امتناع تحقق ~~التضامن والتعاون بينهما من غير اشتراك في الخبث والشرارة فيكون كافرا ~~قطعا، وأما الشعوذة وما يجري مجراها من إظهار الأمور العجيبة ms0211 بواسطة ~~ترتيب الآلات الهندسية وخفة اليد والاستعانة بخواص الأدوية ~~والأحجار فإطلاق السحر عليها بطريق التجوز أو لما فيها من الدقة لأنه ~~في الأصل عبارة عن كل ما لطف مأخذه وخفي سببه أو من الصرف عن ~~الجهة المعتادة لما أنه في أصل اللغة الصرف على ما حكاه الأزهري عن ~~الفراء ويونس { وما أنزل على الملكين } عطف على السحر أي ~~ويعلمونهم ما أنزل عليهما، والمراد بهما واحد، والعطف لتغاير الاعتبار ~~أو هو نوع أقوى منه أو على ما تتلو وما بينهما اعتراض أي واتبعوا ما ~~أنزل الخ وهما ملكان أنزلا لتعليم السحر ابتلاء من الله للناس كما ~~ابتلي قوم طالوت بالنهر أو تمييزا بينه وبين المعجزة لئلا يغتر ~~به الناس أو لأن السحرة كثرت في ذلك الزمان واستنبطت أبوابا غريبة ~~من السحر وكانوا يدعون النبوة فبعث الله تعالى هذين الملكين ليعلما ~~الناس أبواب السحر حتى يتمكنوا من معارضة أولئك الكذابين وإظهار ~~أمرهم على الناس. وأما ما يحكى من أن الملائكة عليهم السلام لما رأوا ~~ما يصعد من ذنوب بني آدم عيروهم، وقالوا لله سبحانه: هؤلاء الذين ~~اخترتهم لخلافة الأرض يعصونك فيها فقال عز وجل: لو ركبت فيكم ما ~~ركبت فيهم لعصيتموني، قالوا: سبحانك ما ينبغي لنا أن نعصيك قال تعالى: ~~فاختاروا من خياركم ملكين فاختاروا هاروت وماروت وكانا من أصلحهم ~~وأعبدهم فأهبطا إلى الأرض بعد ما ركب فيهما ما ركب في البشر من الشهوة ~~وغيرها من القوة ليقضيا بين الناس نهارا ويعرجا إلى السماء مساء وقد ~~نهيا عن الإشراك والقتل بغير الحق وشرب الخمر والزنا وكانا يقضيان ~~بينهم نهارا فإذا أمسيا ذكرا اسم الله الأعظم فصعدا إلى السماء ~~فاختصمت إليهما ذات يوم امرأة من أجمل النساء تسمى «زهرة» وكانت من ~~لخم وقيل: كانت من أهل فارس ملكة في بلدها وكانت خصومتها مع زوجها ~~فلما رأياها افتتنا بها فراوداها عن نفسها فأبت فألحا عليها فقالت: لا ~~إلا أن تقضيا لي على خصمي، ففعلا، ثم سألاها ما سألا، فقالت: لا إلا أن ~~تقتلاه ففعلا، ms0212 ثم سألاها ما سألا فقالت: لا إلا أن تشربا الخمر وتسجدا ~~للصنم ففعلا كلا من ذلك بعد اللتيا والتي ثم سألاها ما سألا فقالت: لا ~~إلا أن تعلماني ما تصعدان به إلى السماء فعلماها الاسم الأعظم فدعت ~~به وصعدت إلى السماء فمسخها سبحانه كوكبا فهما بالعروج حسب عادتهما ~~فلم تطعهما أجنحتهما فعلما ما حل بهما، وكانا في عهد إدريس عليه ~~السلام فالتجأا إليه ليشفع لهما ففعل فخيرهما الله تعالى بين عذاب ~~الدنيا وعذاب الآخرة فاختارا الأول لانقطاعه عما قليل فهما معذبان ببابل ~~قيل: معلقان بشعورهما وقيل: منكوسان يضربان بسياط الحديد إلى قيام ~~الساعة فمما لا تعويل عليه لما أن مداره رواية اليهود مع ما فيه من ~~المخالفة لأدلة العقل والنقل، ولعله من مقولة الأمثال والرموز التي قصد ~~بها إرشاد اللبيب الأريب بالترغيب والترهيب وقيل: هما رجلان سميا ~~ملكين لصلاحهما ويعضده قراءة الملكين بالكسر { ببابل } الباء بمعنى ~~في وهي متعلقة بأنزل أو بمحذوف وقع حالا من الملكين أو من الضمير في ~~أنزل وهي بابل العراق، وقال ابن مسعود رضي الله عنه: بابل أرض ~~الكوفة وقيل: جبل دماوند ومنع الصرف العجمة والعلمية أو للتأنيث ~~والعلمية { هروت ومروت } عطف بيان للملكين علمان لهما ~~ومنع صرفهما للعجمة والعلمية، ولو كانا من الهرت والمرت بمعنى ~~الكسر لانصرفا، وأما من قرأ الملكين بكسر اللام أو قال كانا رجلين ~~صالحين فقال: هما اسمان لهما وقيل: هما اسما قبيلتين من الجن هما ~~المراد من الملكين بالكسر وقرىء بالرفع على هما هاروت، وماروت { وما ~~يعلمان من أحد } من مزيدة في المفعول به لإفادة تأكيد ~~الاستغراق الذي يفيده (أحد) لا لإفادة نفس الاستغراق كما في قولك: ما ~~جاءني من رجل، وقرىء يعلمان من الإعلام { حتى يقولا إنما ~~نحن فتنة } الفتنة الاختبار والامتحان وإفرادها مع تعددهما ~~لكونها مصدرا، وحملها عليهما مواطأة للمبالغة كأنهما نفس الفتنة، ~~والقصر لبيان أنه ليس لهما فيما يتعاطيانه شأن سواها لينصرف ~~الناس عن تعلمه أي وما يعلمان ما أنزل عليهما من السحر أحدا من ~~طالبيه حتى ينصحاه ms0213 قبل التعليم ويقولا له إنما نحن فتنة وابتلاء من ~~الله عز وجل فمن عمل بما تعلم منا واعتقد حقيته كفر، ومن توقى عن ~~العمل به أو اتخذه ذريعة للاتقاء عن الاغترار بمثله بقي على الإيمان { ~~فلا تكفر } باعتقاد حقيته وجواز العمل به، والظاهر أن غاية ~~النفي ليست هذه المقالة فقط بل من جملتها التزام المخاطب بموجب النهي ~~لكن لم يذكر لظهوره، وكون الكلام في بيان اعتناء الملكين بشأن ~~النصح والإرشاد، والجملة في محل النصب على الحالية من ضمير يعلمون لا ~~معطوفة عليه كما قيل أي ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر وما ~~أنزل على الملكين ويحملونهم على العمل به إغواء وإضلالا، والحال أنهما ~~ما يعلمان أحدا حتى ينهياه عن العمل به والكفر بسببه، وأما ما قيل من ~~أن (ما) في قوله تعالى: { وما أنزل } الخ نافية والجملة معطوفة ~~على قوله تعالى: { وما كفر سليمن } جيء بها لتكذيب اليهود ~~في القصة أي لم ينزل على الملكين إباحة السحر، وأن هاروت وماروت ~~بدل من الشياطين على أنهما قبيلتان من الجن خصتا بالذكر لأصالتهما ~~وكون باقي الشياطين أتباعا لهما وأن المعنى ما يعلمان أحدا حتى ~~يقولا إنما نحن فتنة فلا تكفر فتكون مثلنا فيأباه أن مقام وصف ~~الشياطين بالكفر وإضلال الناس مما لا يلائمه وصف رؤسائهم بما ذكر من ~~النهي عن الكفر مع ما فيه من الإخلال بنظام الكلام فإن الإبدال في حكم ~~تنحية المبدل منه { فيتعلمون منهما } عطف على الجملة ~~المنفية فإنها في قوة المثبتة كأنه قيل: يعلمانهم بعد قولهما إنما نحن ~~الخ والضمير لأحد حملا على المعنى كما في قوله تعالى: # فما منكم من أحد عنه حجزين # [الحاقة، الآية 47] { ما يفرقون به } أي بسببه وباستعماله { ~~بين المرء } وقرىء بضم الميم وكسرها مع الهمزة وتشديد الراء بلا ~~همزة { وزوجه } بأن يحدث الله تعالى بينهما التباغض والفرك ~~والنشوز عندما فعلوا ما فعلوا من السحر على حسب جري العادة الإلهية من ~~خلق المسببات عقيب حصول الأسباب العادية ابتلاء لا أن السحر هو ~~المؤثر في ms0214 ذلك وقيل: فيتعلمون منهما ما يعملون به فيراه الناس ويعتقدون ~~أنه حق فيكفرون فتبين أزواجهم { وما هم بضارين به } أي بما ~~تعلموه واستعملوه من السحر { من أحد } أي أحدا ومن مزيدة كما ذكر ~~في قوله تعالى: { وما يعلمان من أحد } والمعهود وإن كان ~~زيادتها في معمول فعل منفي إلا أنه حملت الاسمية في ذلك على الفعلية ~~كأنه قيل: وما يضرون به من أحد { إلا بإذن الله } لأنه وغيره ~~من الأسباب بمعزل من التأثير بالذات وإنما هو بأمره تعالى فقد يحدث عند ~~استعمالهم السحر فعلا من أفعاله ابتلاء، وقد لا يحدثه والاستثناء ~~مفرغ والباء متعلقة بمحذوف وقع حالا من ضمير ضارين أو من مفعوله ~~وإن كان نكرة لاعتمادها على النفي أو الضمير المجرور في به أي وما ~~يضرون به أحدا إلا مقرونا بإذن الله تعالى وقرىء بضاري على الإضافة ~~بجعل الجار جزءا من المجرور وفصل ما بين المضافين بالظرف { ~~ويتعلمون ما يضرهم } لأنهم يقصدون به العمل أو لأن العلم ~~يجر إلى العمل غالبا { ولا ينفعهم } صرح بذلك إيذانا بأنه ~~ليس من الأمور المشوبة بالنفع والضرر بل هو شر بحت وضرر محض لأنهم ~~لا يقصدون به التخلص عن الاغترار بأكاذيب من يدعي النبوة مثلا من ~~السحرة أو تخليص الناس منه حتى يكون فيه نفع في الجملة وفيه أن ~~الاجتناب عما لا يؤمن غوائله خير كتعلم الفلسفة التي يؤمن أن تجر ~~إلى الغواية وإن قال من قال: # عرفت الشر لا للشر لكن لتوقيه # ومن لا يعرف الشر من الناس يقع فيه # { ولقد علموا } أي اليهود الذين حكيت جناياتهم { لمن ~~اشتراه } أي استبدل ما تتلو الشياطين بكتاب الله عز وجل واللام ~~الأولى جواب قسم محذوف والثانية لام ابتداء علق به علموا عن ~~العمل ومن موصولة في حيز الرفع بالابتداء واشتراه صلتها وقوله تعالى: { ~~ما له فى الآخرة من خلق } أي من نصيب، جملة من مبتدإ ~~وخبر ومن مزيدة في المبتدأ وفي الآخرة متعلق بمحذوف وقع حالا منه، ~~ولو أخر عنه لكان صفة له والتقدير ms0215 ما له خلاق في الآخرة وهذه ~~الجملة في محل الرفع على أنها خبر للموصول والجملة في حيز النصب ~~سادة مسد مفعولي علموا إن جعل متعديا إلى اثنين أو مفعوله ~~الواحد إن جعل متعديا إلى واحد، فجملة ولقد علموا الخ مقسم عليها ~~دون جملة لمن اشتراه الخ هذا ما عليه الجمهور وهو مذهب سيبوبه وقال ~~الفراء وتبعه أبو البقاء إن اللام الأخيرة موطئة للقسم ومن شرطية ~~مرفوعة بالابتداء واشتراه خبرها، وما له في الآخرة من خلاق جواب القسم ~~وجواب الشرط محذوف اكتفاء عنه بجواب القسم لأنه إذا اجتمع الشرط ~~والقسم يجاب سابقهما غالبا، فحينئذ يكون الجملتان مقسما عليهما { ~~ولبئس ما شروا به أنفسهم } أي باعوها واللام جواب ~~قسم محذوف، والمخصوص بالذم محذوف أي وبالله لبئسما باعوا به ~~أنفسهم السحر أو الكفر وفيه إيذان بأنهم حيث نبذوا كتاب الله وراء ~~ظهورهم فقد عرضوا أنفسهم للهلكة وباعوها بما لا يزيدهم إلا تبارا، ~~وتجويز كون الشراء بمعنى الاشتراء [مما] لا سبيل إليه لأن المشترى ~~متعين وهو ما تتلو الشياطين ولأن متعلق الذم هو المأخوذ لا المنبوذ ~~كما أشير إليه في تفسير قوله سبحانه: # بئسما اشتروا به أنفسهم أن يكفروا بما أنزل ~~الله # [البقرة، الآية 90] { لو كانوا يعلمون } أي يعملون بعلمهم. ~~جعلوا غير عالمين لعدم عملهم بموجب علمهم،، أو لو كانوا يتفكرون فيه ~~أو يعلمون قبحه على اليقين، أو حقيقة ما يتبعه من العذاب عليه، على ~~أن المثبت لهم أولا على التوكيد القسمي العقل الغريزي أو العلم ~~الإجمالي بقبح الفعل أو ترتب العقاب من غير تحقيق، وجواب لو محذوف أي ~~لما فعلوا ما فعلوا. ### || [2.103] # { ولو أنهم ءامنوا } أي بالرسول المومأ إليه في قوله تعالى: # ولما جاءهم رسول من عند الله # [البقرة، الآية 101] الخ أو بما أنزل إليه من الآيات المذكورة في قوله ~~تعالى: # ولقد أنزلنا إليك ءايت بينت وما يكفر ~~بها إلا الفسقون # [البقرة، الآية 99] أو بالتوراة التي أريدت بقوله تعالى: # نبذ فريق من الذين أوتوا الكتب كتب الله ~~وراء ظهورهم # [البقرة، الآية 101] فإن ms0216 الكفر بالقرآن والرسول عليه السلام كفر بها { ~~واتقوا } المعاصي المحكية عنهم { لمثوبة من عند الله ~~خير } جواب لو، وأصله لأثيبوا مثوبة من عند الله خيرا مما شروا ~~به أنفسهم فحذف الفعل وغير السبك إلى ما عليه النظم الكريم ~~دلالة على ثبات المثوبة لهم والجزم بخيريتها، وحذف المفضل عليه ~~إجلالا للمفضل من أن ينسب إليه، وتنكير المثوبة للتقليل ومن متعلقة ~~بمحذوف وقع صفة تشريفية لمثوبة أي لشيء ما من المثوبة (الكائنة) ~~من عنده تعالى خير، وقيل: جواب لو محذوف أي لأثيبوا، وما بعده جملة ~~مستأنفة فإن وقوع الجملة الابتدائية جوابا للو غير معهود في كلام ~~العرب وقيل: لو للتمني ومعناه أنهم من فظاعة الحال بحيث يتمنى العارف ~~إيمانهم واتقاءهم تلهفا عليهم، وقرىء لمثوبة وإنما سمي الجزاء ثوابا ~~ومثوبة لأن المحسن يثوب إليه { لو كانوا يعلمون } أن ثواب ~~الله خير، نسبوا إلى الجهل لعدم العمل بموجب العلم. ### || [2.104-105] # { يا أيها الذين آمنوا } خطاب للمؤمنين فيه إرشاد لهم ~~إلى الخير وإشارة إلى بعض آخر من جنايات اليهود { لا تقولوا ~~رعنا } المراعاة المبالغة في الرعي وهي حفظ الغير وتدبير أموره ~~وتدارك مصالحه، وكان المسلمون إذا ألقى عليهم رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم شيئا من العلم يقولون راعنا يا رسول الله أي راقبنا ~~وانتظرنا وتأن بنا حتى نفهم كلامك ونحفظه وكانت لليهود كلمة ~~عبرانية أو سريانية يتسابون بها فيما بينهم وهي راعينا قيل: معناها ~~اسمع لا سمعت فلما سمعوا بقول المؤمنين ذلك افترصوه واتخذوه ذريعة ~~إلى مقصدهم فجعلوا يخاطبون به النبي صلى الله عليه وسلم يعنون به تلك ~~المسبة أو نسبته صلى الله عليه وسلم إلى الرعن وهو الحمق والهوج. # روي أن سعد بن عبادة رضي الله عنه سمعها منهم فقال: يا أعداء الله ~~عليكم لعنة الله والذي نفسي بيده لئن سمعتها من رجل منكم يقولها لرسول ~~الله صلى الله عليه وسلم لأضربن عنقه قالوا: أولستم تقولونها فنزلت ~~الآية ونهي فيها المؤمنون عن ذلك قطعا لألسنة اليهود عن التدليس، ~~وأمروا بما في معناها ولا ms0217 يقبل التلبيس فقيل: { وقولوا انظرنا } ~~أي انظر إلينا بالحذف والإيصال أو انتظرنا على أنه من نظره إذا انتظروه ~~وقرىء أنظرنا من الإنظار، أي أمهلنا حتى نحفظ وقرىء راعونا على صيغة ~~الجمع للتوقير وراعنا على صيغة الفاعل أي قولا ذا رعن كدارع ولابن ~~لأنه لما أشبه قولهم راعينا وكان سببا للسب بالرعن اتصف به { ~~واسمعوا } وأحسنوا سماع ما يكلمكم رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وما يلقي إليكم من المسائل بآذان واعية وأذهان حاضرة حتى لا تحتاجوا ~~إلى الاستعادة وطلب المراعاة أو واسمعوا ما كلفتموه من النهي والأمر ~~بجد واعتناء حتى لا ترجعوا إلى ما نهيتم عنه أو واسمعوا سماع طاعة ~~وقبول ولا يكن سماعكم مثل سماع اليهود حيث قالوا: سمعنا وعصينا { ~~وللكفرين } أي اليهود الذين توسلوا بقولكم المذكور إلى كفرياتهم ~~وجعلوه سببا للتهاون برسول الله صلى الله عليه وسلم وقالوا له ما قالوا ~~{ عذاب أليم } لما اجترءوا عليه من العظيمة، وهو تذييل لما سبق ~~فيه وعيد شديد لهم ونوع تحذير للمخاطبين عما نهوا عنه. # { ما يود الذين كفروا } الود حب الشيء مع تمنيه، ~~ولذلك يستعمل في كل منهما، ونفيه كناية عن الكراهة، ووضع الموصول ~~موضع الضمير للإشعار بعلية ما في حيز الصلة لعدم ودهم، ولعل تعلقه ~~بما قبله من حيث إن القول المنهي عنه كثيرا ما كان يقع عند تنزيل ~~الوحي المعبر عنه في هذه الآية بالخير، فكأنه أشير إلى أن سبب ~~تحريفهم له إلى ما حكي عنهم لوقوعه في أثناء حصول ما يكرهونه من ~~تنزيل الخير وقيل: كان فريق من اليهود يظهرون للمؤمنين محبة ويزعمون ~~أنهم يودون لهم الخير فنزلت تكذيبا لهم في ذلك، و(من) في قوله تعالى: ~~{ من أهل الكتب ولا المشركين } للتبيين كما في قوله ~~عز وعلا: # لم يكن الذين كفروا من أهل الكتب ~~والمشركين # [البينة، الآية 1] و(لا) مزيدة لما ستعرفه { أن ينزل عليكم } ~~في حيز النصب على أنه مفعول (يود)، وبناء الفعل للمفعول للثقة بتعين ~~الفاعل، والتصريح الآتي في قوله تعالى: { من خير } هو القائم ~~مقام ms0218 فاعله ومن مزيدة للاستغراق، والنفي وإن لم يباشره ظاهرا لكنه ~~منسحب عليه معنى، والخير الوحي، وحمله على ما يعمه وغيره من ~~العلم والنصرة كما قيل: يأباه وصفه فيما سيأتي بالاختصاص، وتقديم ~~هو عليكم والأصل: أن ينزل من خير عليكم الظرف عليه مع أن حقه التأخر عنه ~~لإظهار كمال العناية به، لأنه المدار لعدم ودهم، ومن في قوله تعالى: ~~{ من ربكم } ابتدائية، والتعرض لعنوان الربوبية للإشعار بعليته ~~لتنزيل الخير والإضافة إلى ضمير المخاطبين لتشريفهم، وليست كراهتهم ~~لتنزيله على المخاطبين من حيث تعبدهم بما فيه وتعريضهم بذلك لسعادة ~~الدارين كيف لا وهم من تلك الحيثية من جملة من نزل عليهم الخير بل ~~من حيث وقوع ذلك التنزيل على النبي صلى الله عليه وسلم، وصيغة الجمع ~~للإيذان بأن مدار كراهتهم ليس معنى خاصا بالنبي صلى الله عليه وسلم بل ~~وصف مشترك بين الكل وهو الخلو عن الدراسة عند اليهود وعن الرياسة عند ~~المشركين، والمعنى أنهم يرون أنفسهم أحق بأن يوحى إليهم ويكرهونكم ~~فيحسدونكم أن ينزل عليكم شيء من الوحي، أما اليهود فبناء على أنهم ~~أهل الكتاب وأبناء الأنبياء الناشئون في مهابط الوحي وأنتم ~~أميون، وأما المشركون فإدلالا بما كان لهم من الجاه والمال زعما ~~منهم أن رياسة الرسالة كسائر الرياسات الدنيوية منوطة بالأسباب ~~الظاهرة ولذلك قالوا: # لولا نزل هذا القرءان على رجل من القريتين ~~عظيم # [الزخرف، الآية 31] ولما كانت اليهود بهذا الداء أشهر لا سيما في ~~أثناء ذكر ابتلائهم به لم يلزم من نفي ودادتهم لما ذكر نفي ~~ودادة المشركين له، فزيدت كلمة لا لتأكيد النفي { والله يختص ~~برحمته } جملة ابتدائية سيقت لتقرير ما سبق من تنزيل الخير ~~والتنبيه على حكمته وإرغام الكارهين له، والمراد برحمته الوحي كما ~~في قوله سبحانه: # أهم يقسمون رحمة ربك # [الزخرف، الآية 32] عبر عنه باعتبار نزوله على المؤمنين بالخير ~~وباعتبار إضافته إليه تعالى بالرحمة قال علي رضي الله عنه: بنبوته، ~~خص بها محمدا صلى الله عليه وسلم، فالفعل متعد وصيغة الافتعال ~~للإنباء عن الاصطفاء، وإيثاره على التنزيل المناسب ms0219 للسياق الموافق ~~لقوله تعالى: # أن ينزل الله من فضله على من يشاء # [البقرة، الآية 90] لزيادة تشريفه صلى الله عليه وسلم وإقناطهم مما ~~علقوا به أطماعهم الفارغة، والباء داخلة على المقصور أي يؤتي رحمته ~~{ من يشآء } من عباده ويجعلها مقصورة عليه لاستحقاقه الذاتي الفائض ~~عليه بحسب إرادته عز وعلا تفضلا لا تتعداه إلى غيره، وقيل: الفعل ~~لازم ومن فاعله والضمير العائد إلى من محذوف على التقديرين، وقوله ~~تعالى: { والله ذو الفضل العظيم } تذييل لما سبق مقرر ~~لمضمونه وفيه إيذان بأن إيتاء النبوة من فضله العظيم كقوله تعالى: # إن فضله كان عليك كبيرا # [الإسراء، الآية 87] وأن حرمان من حرم ذلك ليس لضيق ساحة فضله بل ~~لمشيئته الجارية على سنن الحكمة البالغة، وتصدير الجملتين بالاسم ~~الجليل للإيذان بفخامة مضمونيهما، وكون كل منهما مستقلة بشأنها، ~~فإن الإضمار في الثانية منبىء عن توقفها على الأولى. ### || [2.106] # { ما ننسخ من ءاية أو ننسها } كلام مستأنف مسوق لبيان ~~سر النسخ الذي هو فرد من أفراد تنزيل الوحي وإبطال مقالة الطاعنين ~~فيه إثر تحقيق حقيقة الوحي ورد كلام الكارهين له رأسا، قيل: نزلت ~~حين قال المشركون أو اليهود: ألا ترون إلى محمد يأمر أصحابه بأمر ثم ~~ينهاهم عنه ويأمر بخلافه، والنسخ في اللغة الإزالة والنقل يقال: ~~نسخت الريح الأثر أي أزالته ونسخت الكتاب أي نقلته ونسخ الآية ~~بيان انتهاء التعبد بقراءتها، أو بالحكم المستفاد منها أو بهما ~~جميعا، وإنساؤها إذهابها من القلوب، وما شرطية جازمة لننسخ منتصبة ~~به على المفعولية وقرىء ننسخ من أنسخ أي نأمرك أو [نأمر] جبريل ~~بنسخها أو تجدها منسوخة، وننسأها من النسء أي نؤخرها، وننسها ~~بالتشديد وتنسها وتنسها على خطاب الرسول صلى الله عليه وسلم مبنيا ~~للفاعل وللمفعول وقرىء ما ننسخ من آية أو ننسكها وقرىء ما ننسك ~~من آية أو ننسخها والمعنى أن كل آية نذهب بها على ما تقتضيه الحكمة ~~والمصلحة من إزالة لفظها أو حكمها أو كليهما معا إلى بدل أو إلى غير ~~بدل { نأت بخير منها } أي نوع آخر هو ms0220 خير للعباد وبحسب الحال ~~في النفع والثواب من الذاهبة، وقرىء بقلب الهمزة ألفا { أو مثلها ~~} أي فيما ذكر من النفع والثواب، وهذا الحكم غير مختص بنسخ الآية ~~التامة فما فوقها بل جار فيما دونها أيضا، وتخصيصها بالذكر باعتبار ~~الغالب، والنص كما ترى دال على جواز النسخ كيف لا وتنزيل الآيات ~~التي عليها يدور فلك الأحكام الشرعية إنما هو بحسب ما يقتضيه من ~~الحكم والمصالح وذلك يختلف باختلاف الأحوال ويتبدل حسب تبدل الأشخاص ~~والأعصار كأحوال المعاش، فرب حكم تقتضيه الحكمة في حال تقتضي في حال ~~أخرى نقيضه، فلو لم يجز النسخ لاختل ما بين الحكمة والأحكام من ~~النظام { ألم تعلم } الهمزة للتقرير كما في قوله سبحانه: # أليس الله بكاف عبده # [الزمر، الآية 36] وقوله تعالى: # ألم نشرح لك صدرك # [الشرح، الآية 1] والخطاب للنبي عليه الصلاة والسلام وقوله تعالى: { ~~إن الله على كل شىء قدير } ساد مسد مفعولي تعلم ~~عند الجمهور، ومسد مفعوله الأول، والثاني محذوف عند الأخفش، والمراد ~~بهذا التقرير الاستشهاد بعلمه بما ذكر على قدرته تعالى على النسخ وعلى ~~الإتيان بما هو خير من المنسوخ وبما هو مثله لأن ذلك من جملة الأشياء ~~المقهورة تحت قدرته سبحانه فمن علم شمول قدرته تعالى لجميع الأشياء ~~علم قدرته على ذلك قطعا، والالتفات بوضع الاسم الجليل موضع الضمير ~~لتربية المهابة والإشعار بمناط الحكم فإن شمول القدرة لجميع الأشياء ~~من أحكام الألوهية وكذا الحال في قوله عز سلطانه: ### || [2.107] # { ألم تعلم أن الله له ملك السموات والأرض ~~} فإن عنوان الألوهية مدار أحكام ملكوتهما، والجار والمجرور خبر ~~مقدم وملك السموات والأرض مبتدأ والجملة خبر لأن وإيثاره على أن يقال: ~~إن لله ملك السموات والأرض للقصد إلى تقوي الحكم بتكرر الإسناد، وهو ~~إما تكرير للتقرير وإعادة للاستشهاد على ما ذكر وإنما لم يعطف (أن) ~~مع ما في حيزها على ما سبق من مثلها وإما لزيادة التأكيد وإشعارا ~~باستقلال العلم بكل منهما وكفايته في الوقوف على ما هو المقصود وإما ~~تقرير مستقل للاستشهاد على قدرته تعالى على جميع ms0221 الأشياء أي ألم تعلم أن ~~الله له السلطان القاهر والاستيلاء الباهر المستلزمان للقدرة التامة ~~على التصرف الكلي فيهما إيجادا وإعداما وأمرا ونهيا حسبما تقتضيه ~~مشيئته لا معارض لأمره ولا معقب لحكمه فمن هذا شأنه كيف يخرج عن ~~قدرته شيء من الأشياء، وقوله تعالى: { وما لكم من دون الله ~~من ولي ولا نصير } معطوفة على الجملة الواقعة خبرا (لأن) ~~داخلة معها تحت تعلق العلم المقرر، وفيه إشارة إلى تناول الخطابين ~~السابقين للأمة أيضا، وإنما إفراده عليه السلام بهما لما أن علومهم ~~مستندة إلى علمه عليه السلام، ووضع الاسم الجليل موضع الضمير الراجع ~~إلى اسم (أن) لتربية المهابة والإيذان بمقارنة الولاية والنصرة للقوة ~~والعزة، والمراد به الاستشهاد بما تعلق به من العلم على تعلق إرادته ~~تعالى بما ذكر من الإتيان بما هو خير من المنسوخ أو بمثله فإن مجرد ~~قدرته تعالى على ذلك لا يستدعي حصوله البتة، وإنما الذي يستدعيه كونه ~~تعالى مع ذلك وليا ونصيرا لهم فمن علم أنه تعالى وليه ونصيره على ~~الاستقلال يعلم قطعا أنه لا يفعل به إلا ما هو خير له فيفوض أمره ~~إليه تعالى ولا يخطر بباله ريبة في أمر النسخ وغيره أصلا، والفرق ~~بين الولي والنصير أن الولي قد يضعف عن النصرة، والنصير قد ~~يكون أجنبيا من المنصور. وما إما تميمية لا عمل لها ولكم خبر مقدم ومن ~~ولي مبتدأ مؤخر زيدت فيه كلمة من للاستغراق وإما حجازية ولكم خبرها ~~المنصوب عند من يجيز تقديمه واسمها (من ولي) ومن مزيدة لما ذكر ومن ~~دون الله في حيز النصب على الحالية من اسمها لأنه في الأصل صفة له فلما ~~قدم انتصب حالا ومعناه سوى الله، والمعنى أن قضية العلم بما ذكر من ~~الأمور الثلاثة هو الجزم والإيقان بأنه تعالى لا يفعل بهم في أمر من ~~أمور دينهم أو دنياهم إلا ما هو خير لهم، والعمل بموجبه من الثقة به ~~والتوكل عليه وتفويض الأمر إليه من غير إصغاء إلى أقاويل الكفرة ~~وتشكيكاتهم التي من جملتها ما قالوا ms0222 في أمر النسخ. ### || [2.108] # وقوله تعالى: { أم تريدون } تجريد للخطاب عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم وتخصيص له بالمؤمنين، وأم منقطعة [ومعناها] بل، فيها ~~الإضراب والانتقال من حملهم على العمل بموجب علمهم بما ذكر عند ظهور بعض ~~مخايل المساهلة منهم في ذلك وأمارات التأثر من أقاويل الكفرة إلى ~~التحذير من ذلك، ومعنى الهمزة إنكار وقوع الإرادة منهم واستبعاده لما ~~أن قضية الإيمان وازعة عنها، وتوجيه الإنكار إلى الإرادة دون متعلقها ~~للمبالغة في إنكاره واستبعاده ببيان أنه مما لا يصدر عن العاقل ~~إرادته فضلا عن صدوره نفسه والمعنى بل أتريدون { أن تسألوا } وأنتم ~~مؤمنون { رسولكم } وهو في تلك الرتبة من علو الشأن وتقترحوا عليه ما ~~تشتهون غير واثقين في أموركم بفضل الله تعالى حسبما يوجبه قضية علمكم ~~بشؤونه سبحانه قيل: لعلهم كانوا يطلبون منه عليه الصلاة والسلام بيان ~~تفاصيل الحكم الداعية إلى النسخ وقيل: سأله عليه السلام قوم من ~~المسلمين أن يجعل لهم (ذات أنواط) كما كانت للمشركين وهي شجرة كانوا ~~يعبدونها ويعلقون عليها المأكول والمشروب، وقوله تعالى: { كما سئل ~~موسى } مصدر تشبيهي أي نعت لمصدر مؤكد محذوف وما مصدرية أي سؤالا ~~مشبها بسؤال موسى عليه السلام حيث قيل له: اجعل لنا إلها وأرنا ~~الله جهرة وغير ذلك، ومقتضى الظاهر أن يقال: كما سألوا موسى لأن ~~المشبه هو المصدر من المبني للفاعل أعني سؤالية المخاطبين لا من ~~المبني للمفعول أعني مسؤولية الرسول صلى الله عليه وسلم حتى يشبه ~~بمسؤولية موسى عليه السلام فلعله أريد التشبيه فيهما معا ولكنه أوجز ~~النظم فذكر في جانب المشبه السائلية وفي جانب المشبه به المسؤولية ~~واكتفي بما ذكر في كل موضع عما ترك في الموضع الآخر كما ذكر في قوله ~~تعالى: # وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو وإن ~~يردك بخير فلا راد لفضله # [يونس، الآية 107] وقد جوز أن تكون (ما) موصولة على أن العائد ~~محذوف أي كالسؤال الذي سئله موسى عليه السلام. وقوله تعالى: { من ~~قبل } متعلق بسئل جيء به للتأكيد، وقرىء سيل ms0223 بالياء وكسر السين ~~وبتسهيل الهمزة بين بين { ومن يتبدل الكفر } أي يختره ~~ويأخذه لنفسه { بالإيمن } بمقابلته بدلا منه وقرىء ومن يبدل ~~من أبدل وكان مقتضى الظاهر أن يقال: ومن يفعل ذلك أي السؤال المذكور ~~أو إرادته وحاصله ومن يترك الثقة بالآيات البينة المنزلة بحسب ~~المصالح التي من جملتها الآيات الناسخة التي هي خير محض وحق بحت ~~واقترح غيرها { فقد ضل سواء السبيل } أي عدل وجار من ~~حيث لا يدري عن الطريق المستقيم الموصل إلى معالم الحق والهدى، وتاه في ~~تيه الهوى وتردى في مهاوي الردى. وإنما أوثر على ذلك ما عليه النظم ~~الكريم للتصريح من أول الأمر بأنه كفر وارتداد وأن كونه كذلك أمر ~~واضح غني عن الإخبار به بأن يقال: ومن يفعل ذلك يكفر، حقيق بأن ~~يعد من المسلمات ويجعل مقدما للشرطية روما للمبالغة في ~~الزجر والإفراط في الردع، و(سواء السبيل) من باب إضافة الوصف إلى ~~الموصوف لقصد المبالغة في بيان قوة الاتصاف كأنه نفس السواء على ~~منهاج حصول الصورة في الصورة الحاصلة، وقيل: الخطاب لليهود حين سألوا ~~أن ينزل الله عليهم كتابا من السماء وقيل للمشركين حين قالوا: { لن ~~نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا } الخ ~~فإضافة الرسول صلى الله عليه وسلم إليهم على القولين باعتبار أنهم من ~~أمة الدعوة، ومعنى تبدل الكفر بالإيمان وهم بمعزل من الإيمان ترك ~~صرف قدرتهم إليه مع تمكنهم من ذلك وإيثارهم للكفر عليه. ### || [2.109] # { ود كثير من أهل الكتب } هم رهط من أحبار اليهود. ~~روي أن فنحاص بن عازوراء وزيد بن قيس ونفرا من اليهود قالوا ~~لحذيفة بن اليمان وعمار بن ياسر رضي الله عنهما بعد وقعة أحد: ألم ~~تروا ما أصابكم ولو كنتم على الحق ما هزمتم فارجعوا إلى ديننا فهو ~~خير لكم وأفضل ونحن أهدى منكم سبيلا، فقال عمار: كيف نقض العهد ~~فيكم قالوا: شديد، قال: فإني عاهدت أن لا أكفر بمحمد عليه الصلاة ~~والسلام ما عشت، فقالت اليهود: أما هذا فقد صبأ وقال حذيفة: أما أنا ~~فقد ms0224 رضيت بالله ربا وبمحمد نبيا وبالإسلام دينا وبالقرآن إماما ~~وبالكعبة قبلة وبالمؤمنين إخوانا ثم أتيا رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وأخبراه فقال: أصبتما خيرا وأفلحتما فنزلت { لو يردونكم } ~~حكاية لودادتهم، ولو في معنى التمني وصيغة الغيبة كما في قوله: حلف ~~ليفعلن، وقيل: هي بمنزلة أن الناصبة فلا يكون لها جواب وينسبك ~~منها ومما بعدها مصدر يقع مفعولا لودوا والتقدير ودوا ردكم وقيل: ~~هي على حقيقتها وجوابها محذوف تقديره لو يردونكم كفارا لسروا بذلك ~~و { من بعد إيمنكم } متعلق بيردونكم وقوله تعالى: { ~~كفارا } مفعول ثان له على تضمين الرد معنى التصيير أي يصيرونكم ~~كفارا كما في قوله: [الوافر] # رمى الحدثان نسوة آل سعد # بمقدار سمدن له سمودا # فرد شعورهن السود بيضا # ورد وجوههن البيض سودا # وقيل: هو حال من مفعوله، والأول أدخل لما فيه من الدلالة صريحا على ~~كون الكفر المفروض بطريق القسر وإيراد الظرف مع عدم الحاجة إليه ضرورة ~~كون المخاطبين مؤمنين واستحالة تحقق الرد إلى الكفر بدون سبق ~~الإيمان مع توسيطه بين المفعولين لإظهار كمال شناعة ما أرادوه وغاية ~~بعده من الوقوع إما لزيادة قبحه الصارف للعاقل عن مباشرته، وإما ~~لممانعة الإيمان له كأنه قيل: من بعد إيمانكم الراسخ وفيه من تثبيت ~~المؤمنين ما لا يخفى. { حسدا } علة لود أو حال أريد به نعت الجمع ~~أي حاسدين لكم والحسد الأسف على من له خير بخيره { من عند ~~أنفسهم } متعلق بود أي ودوا ذلك من أجل تشهيهم وحظوظ أنفسهم لا ~~من قبل التدين والميل مع الحق ولو على زعمهم أو بحسدا أي حسدا ~~منبعثا من أصل نفوسهم بالغا أقصى مراقيه { من بعد ما تبين ~~لهم الحق } بالمعجزات الساطعة وبما عاينوا في التوراة من الدلائل ~~وعلموا أنكم متمسكون به وهم منهمكون في الباطل { فاعفوا ~~واصفحوا } العفو ترك المؤاخذة والعقوبة والصفح ترك التثريب ~~والتأنيب { حتى يأتى الله بأمره } الذي هو قتل بني ~~قريظة وإجلاء بني النضير وإذلالهم بضرب الجزية عليهم، أو الإذن في ~~القتال. # وعن ابن عباس رضي الله عنهما أنه ms0225 منسوخ بآية السيف ولا يقدح في ذلك ضرب ~~الغاية لأنها لا تعلم إلا شرعا ولا يخرج الوارد بذلك من أن يكون ~~ناسخا كأنه قيل: فاعفوا واصفحوا إلى ورود الناسخ { إن الله على ~~كل شىء قدير } فينتقم منهم إذا حان حينه وآن أوانه، فهو ~~تعليل لما دل عليه ما قبله. ### || [2.110-111] # { وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة } عطف على (فاعفوا) ~~أمروا بالصبر والمداراة واللجإ إلى الله تعالى بالعبادة البدنية ~~والمالية { وما تقدموا لأنفسكم من خير } كصلاة أو ~~صدقة أو غير ذلك أي أي شيء من الخيرات تقدموه لمصلحة أنفسكم { ~~تجدوه عند الله } أي تجدوا ثوابه وقرىء (تقدموا) من أقدم ~~{ إن الله بما تعملون بصير } فلا يضيع عنده عمل فهو ~~وعد للمؤمنين، وقرىء بالياء فهو وعيد للكافرين، { وقالوا } عطف على ~~(ود) والضمير لأهل الكتابين جميعا { لن يدخل الجنة إلا ~~من كان هودا أو نصرى } أي قالت اليهود لن يدخل الجنة ~~إلا من كان هودا، وقالت النصارى لن يدخل الجنة إلا من كان نصارى، ~~فلف بين القولين ثقة أن السامع يرد كلا منهما إلى قائله، ونحوه ~~(وقالوا كونوا هودا أو نصارى) تهتدوا وليس مرادهم بأولئك من أقام ~~اليهودية والنصرانية قبل النسخ والتحريف على وجههما بل أنفسهم على ~~ما هم عليه لأنهم إنما يقولونه لإضلال المؤمنين وردهم إلى الكفر. ~~والهود جمع هائد كعوذ جمع عائذ وبزل جمع بازل، والإفراد في ~~كان باعتبار لفظ (من) والجمع في خبره باعتبار معناه، وقرىء إلا من كان ~~يهوديا أو نصرانيا { تلك أمانيهم } الأماني جمع أمنية وهي ~~ما يتمنى كالأعجوبة والأضحوكة، والجملة معترضة مبينة لبطلان ~~ما قالوا، و(تلك) إشارة إليه، والجمع باعتبار صدوره عن الجميع، وقيل: ~~فيه حذف مضاف، أي أمثال تلك الأمنية أمانيهم، وقيل: (تلك) إشارة ~~إليه وإلى ما قبله من أن ينزل على المؤمنين خير من ربهم وأن يردهم ~~كفارا، ويرده قوله تعالى: { قل هاتوا برهنكم إن كنتم ~~صدقين } فإنهما ليسا مما يطلب له البرهان ولا مما يحتمل ~~الصدق والكذب قيل: (هاتوا) أصله آتوا قلبت الهمزة هاء أي ~~أحضروا ms0226 حجتكم على اختصاصكم بدخول الجنة إن كنتم صادقين في دعواكم. هذا ~~ما يقتضيه المقام بحسب النظر الجليل والذي يستدعيه إعجاز التنزيل أن ~~يحمل الأمر التبكيتي على طلب البرهان على أصل الدخول الذي يتضمنه ~~دعوى الاختصاص به. ### || [2.112] # فإن قوله تعالى: { بلى } الخ إثبات من جهته تعالى لما نفوه ~~مستلزم لنفي ما أثبتوه، وإذ ليس الثابت به مجرد دخول غيرهم الجنة ~~ولو معهم ليكون المنفي مجرد اختصاصهم به مع بقاء أصل الدخول على ~~حاله بل هو اختصاص غيرهم بالدخول كما ستعرفه بإذن الله تعالى ظهر أن ~~المنفي أصل دخولهم، ومن ضرورته أن يكون هو الذي كلفوا إقامة ~~البرهان عليه لا اختصاصهم به ليتحد مورد الإثبات والنفي، وإنما ~~عدل عن إبطال صريح ما ادعوه وسلك هذا المسلك إبانة لغاية ~~حرمانهم مما علقوا به أطماعهم وإظهارا لكمال عجزهم عن إثبات ~~مدعاهم لأن حرمانهم من الاختصاص بالدخول وعجزهم عن إقامة البرهان ~~عليه لا يقتضيان حرمانهم من أصل الدخول وعجزهم عن إثباته وأما نفس ~~الدخول فحيث ثبت حرمانهم منه وعجزهم عن إثباته فهم من الاختصاص به ~~أبعد وعن إثباته أعجز، وإنما الفائز به من انتظمه قوله سبحانه: # { من أسلم وجهه لله } أي أخلص نفسه له تعالى لا يشرك به ~~شيئا، عبر عنها بالوجه لأنه أشرف الأعضاء ومجمع المشاعر وموضع ~~السجود، ومظهر آثار الخضوع الذي هو من أخص خصائص الإخلاص أو توجهه ~~وقصده بحيث لا يلوي عزيمته إلى شيء غيره { وهو محسن } حال من ~~ضمير (أسلم) أي والحال أنه محسن في جميع أعماله التي من جملتها ~~الإسلام المذكور، وحقيقة الإحسان الإتيان بالعمل على الوجه اللائق، ~~وهو حسنه الوصفي التابع لحسنه الذاتي، وقد فسره صلى الله عليه ~~وسلم بقوله: # " أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه ~~يراك " # { فله أجره } الذي أعد له على عمله، وهو عبارة عن دخول الجنة ~~أو عمل يدخل هو فيه دخولا أوليا، وأيا ما كان فتصويره بصورة الأجر ~~للإيذان بقوة ارتباطه بالعمل واستحالة نيله بدونه، وقوله تعالى: { ~~عند ربه } حال ms0227 من أجره، والعامل فيه معنى الاستقرار في الظرف، ~~والعندية للتشريف، ووضع اسم الرب مضافا إلى ضمير (من أسلم) موضع ~~ضمير الجلالة لإظهار مزيد اللطف به وتقرير مضمون الجملة، أي فله ~~أجره عند مالكه ومدبر أموره ومبلغه إلى كماله، والجملة جواب ~~(من) إن كانت شرطية وخبرها إن كانت موصولة، والفاء لتضمنها معنى ~~الشرط فيكون الرد بقوله تعالى: بلى وحده، ويجوز أن يكون (من) فاعلا ~~لفعل مقدر، أي بلى يدخلها من أسلم، وقوله تعالى: { فله أجره } ~~[البقرة، الآية: 112] معطوف على ذلك المقدر، وأيا ما كان فتعليق ثبوت ~~الأجر بما ذكر من الإسلام والإحسان المختصين بأهل الإيمان قاض بأن ~~أولئك المدعين - من دخول الجنة - بمعزل، ومن الاختصاص به بألف منزل { ~~ولا خوف عليهم } في الدارين من لحوق مكروه { ولا هم ~~يحزنون } من فوات مطلوب أي لا يعتريهم ما يوجب ذلك، لا أنه ~~يعتريهم لكنهم لا يخافون ولا يحزنون. # والجمع في الضمائر الثلاثة باعتبار معنى (من) كما أن الإفراد في ~~الضمائر الأول باعتبار اللفظ. ### || [2.113] # { وقالت اليهود ليست النصرى على شىء } بيان ~~لتضليل كل فريق صاحبه بخصوصه إثر بيان تضليله كل من عداه على ~~وجه العموم نزلت لما قدم وفد نجران على رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وأتاهم أحبار اليهود فتناظروا فارتفعت أصواتهم فقالوا لهم: لستم على ~~شيء أي أمر يعتد به من الدين أو على شيء ما منه أصلا، مبالغة في ~~ذلك كما قالوا: أقل من لا شيء وكفروا بعيسى والإنجيل { وقالت ~~النصرى ليست اليهود على شىء } على الوجه المذكور ~~وكفروا بموسى والتوراة لا أنهم قالوا ذلك بناء للإمر على منسوخية ~~التوراة { وهم يتلون الكتب } والواو للحال واللام للجنس ~~أي قالوا ما قالوا والحال أن كل فريق منهم من أهل العلم والكتاب أي ~~كان حق كل منهم أن يعترف بحقيقة دين صاحبه حسبما ينطق به كتابه ~~فإن كتب الله تعالى متصادقة { كذلك } أي مثل ذلك الذي سمعت به، ~~والكاف في محل النصب إما على أنها نعت لمصدر محذوف قدم على عامله ~~لإفادة ms0228 القصر أي قولا مثل ذلك القول بعينه لا قولا مغايرا له { قال ~~الذين لا يعلمون } من عبدة الأصنام والمعطلة ونحوهم من ~~الجهلة أي قالوا لأهل كل دين ليسوا على شيء وإما على أنها حال كونه مثل ~~ذلك القول الذي سمعت به { مثل قولهم } إما بدل من محل الكاف ~~وإما مفعول للفعل المنفي قبله أي مثل ذلك القول قال الجاهلون بمثل ~~مقالة اليهود والنصارى، وهذا توبيخ عظيم لهم حيث نظموا أنفسهم - مع ~~علمهم - في سلك من لا يعلم أصلا { فالله يحكم بينهم } أي ~~بين اليهود والنصارى، فإن مساق النظم لبيان حالهم، وإنما التعرض ~~لمقالة غيرهم لإظهار كمال بطلان مقالهم ولأن المحاجة المحوجة ~~إلى الحكم إنما وقعت بينهم { يوم القيمة } متعلق بيحكم وكذا ~~ما قبله وما بعده، ولا ضير فيه لاختلاف المعنى { فيما كانوا فيه ~~يختلفون } بما يقسم لكل فريق ما يليق به من العقاب، وقيل: حكمه ~~بينهم أن يكذبهم ويدخلهم النار، والظرف الأخير متعلق ~~بيختلفون، قدم عليه للمحافظة على رؤوس الآي لا بكانوا. ### || [2.114] # { ومن أظلم ممن منع مسجد الله } إنكار واستبعاد ~~لأن يكون أحد أظلم ممن فعل ذلك أو مساويا له وإن لم يكن سبك التركيب ~~متعرضا لإنكار المساواة، ونفيها يشهد به العرف الفاشي والاستعمال ~~المطرد فإذا قيل: من أكرم من فلان؟ أو لا أفضل من فلان فالمراد به ~~حتما أنه أكرم من كل كريم وأفضل من كل فاضل، وهذا الحكم عام لكل من ~~فعل ذلك في أي مسجد كان وإن كان سبب النزول فعل طائفة معينة في مسجد ~~مخصوص. روي أن النصارى كانوا يطرحون في بيت المقدس الأذى ويمنعون ~~الناس أن يصلوا فيه وأن الروم غزوا أهله فخربوه وأحرقوا التوراة ~~وقتلوا وسبوا وقد نقل عن ابن عباس رضي الله عنهما أن طيطيوس الرومي ~~ملك النصارى وأصحابه غزوا بني إسرائيل وقتلوا مقاتلتهم وسبوا ~~ذراريهم وأحرقوا التوراة وخربوا بيت المقدس وقذفوا فيه الجيف ~~وذبحوا فيه الخنازير ولم يزل خرابا حتى بناه المسلمون في عهد عمر رضي ~~الله عنه، وإنما أوقع المنع ms0229 على المساجد وإن كان الممنوع هو الناس ~~لما أن فعلهم من طرح الأذى والتخريب ونحوهما متعلق بالمسجد لا بالناس ~~مع كونه على حاله. وتعلق الآية الكريمة بما قبلها من حيث إنها مبطلة ~~لدعوى النصارى اختصاصهم بدخول الجنة، وقيل: هو منع المشركين رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم أن يدخل المسجد الحرام عام الحديبية فتعلقها ~~بما تقدمها من جهة أن المشركين من جملة الجاهلين القائلين لكل من ~~عداهم ليسوا على شيء. # { أن يذكر فيها اسمه } ثاني مفعولي (منع) كقوله تعالى: # وما منع الناس أن يؤمنوا # [الإسراء، الآية 94. الكهف، الآية 55]، وقوله تعالى: # وما منعنا أن نرسل بالأيت إلا أن كذب بها ~~الأولون # [الإسراء، الآية 59] ويجوز أن يكون ذلك بحذف الجار مع أن وأن يكون ذلك ~~مفعولا له أي كراهة أن يذكر فيها اسمه { وسعى فى خرابها } ~~بالهدم أو التعطيل بانقطاع الذكر { أولئك } المانعون الظالمون ~~الساعون في خرابها { ما كان لهم أن يدخلوها إلا ~~خائفين } أي ما كان ينبغي لهم أن يدخلوها إلا بخشية وخضوع فضلا عن ~~الاجتراء على تخريبها أو تعطيلها أو ما كان الحق أن يدخلوها إلا على حال ~~التهيب وارتعاد الفرائص من جهة المؤمنين أن يبطشوا بهم فضلا أن ~~يستولوا عليها ويلوها ويمنعوهم منها أو ما كان لهم في علم الله تعالى ~~وقضائه بالآخرة إلا ذلك فيكون وعدا للمؤمنين بالنصرة واستخلاص ما ~~استولوا عليه منهم وقد أنجز الوعد ولله الحمد. روي أنه لا يدخل ~~بيت المقدس أحد من النصارى إلا متنكرا مسارقة. وقيل: معناه النهي ~~عن تمكنهم من الدخول في المسجد واختلف الأئمة في ذلك فجوزه أبو حنيفة ~~مطلقا ومنعه مالك مطلقا وفرق الشافعي بين المسجد الحرام وغيره { ~~لهم } أي لأولئك المذكورين { فى الدنيا خزى } أي خزي فظيع لا ~~يوصف بالقتل والسبي والإذلال بضرب الجزية عليهم { ولهم فى ~~الأخرة عذاب عظيم } وهو عذاب النار لما أن سببه أيضا وهو ما ~~حكي من ظلمهم كذلك في العظم، وتقديم الظرف في الموضعين للتشويق إلى ~~ما يذكر بعده من الخزي والعذاب لما مر ms0230 من أن تأخير ما حقه التقديم ~~موجب لتوجه النفس إليه فيتمكن فيها عند وروده فضل تمكن كما في قوله ~~تعالى: # ألم نشرح لك صدرك # [سورة الشرح، الآية 1] # وأنزل لكم من الأنعم ثمنية أزوج # [الزمر، الآية 39] إلى غير ذلك. ### || [2.115-116] # { ولله المشرق والمغرب } أي له كل الأرض التي هي ~~عبارة عن ناحيتي المشرق والمغرب لا يختص به - من حيث الملك والتصرف ~~ومن حيث المحلية لعبادته - مكان منها دون مكان، فإن منعتم من إقامة ~~العبادة في المسجد الأقصى أو المسجد الحرام { فأينما تولوا } ~~أي ففي أي مكان فعلتم تولية وجوهكم شطر القبلة { فثم وجه ~~الله } ثم اسم إشارة للمكان البعيد خاصة مبني على الفتح ولا ~~يتصرف سوى الجر بمن وهو خبر مقدم ووجه الله مبتدأ والجملة في محل ~~الجزم على أنها جواب الشرط أي هناك جهته التي أمر بها فإن إمكان ~~التولية غير مختص بمسجد دون مسجد أو مكان دون آخر، أو فثم ذاته ~~بمعنى الحضور العلمي أي فهو عالم بما يفعل فيه ومثيب لكم على ذلك ~~وقرىء بفتح التاء واللام أي فأينما توجهوا للقبلة { إن الله ~~وسع } بإحاطته بالأشياء أو برحمته يريد التوسعة على عباده { عليم ~~} بمصالحهم وأعمالهم في الأماكن كلها والجملة تعليل لمضمون الشرطية ~~وعن ابن عمر رضي الله عنهما نزلت في صلاة المسافرين على الراحلة أينما ~~توجهوا وقيل في قوم عميت: عليهم القبلة فصلوا إلى أنحاء مختلفة ~~فلما أصبحوا تبينوا خطأهم. وعلى هذا لو أخطأ المجتهد ثم تبين له الخطأ ~~لم يلزمه التدارك، وقيل: هي توطئة لنسخ القبلة وتنزيه للمعبود عن أن ~~يكون في جهة { وقالوا اتخذ الله ولدا } حكاية لطرف آخر ~~من مقالاتهم الباطلة المحكية فيما سلف معطوفة على ما قبلها من قوله ~~تعالى: # وقالت # [المائدة، الآية: 18] الخ لا على صلة من لما بينهما من الجمل ~~الكثيرة الأجنبية، والضمير لليهود والنصارى ومن شاركهم فيما قالوا من ~~الذين لا يعلمون، وقرىء بغير واو على الاستئناف نزلت حين قالت اليهود: ~~عزير ابن الله والنصارى: المسيح ابن الله ومشركو العرب: الملائكة ms0231 ~~بنات الله. والاتخاذ إما بمعنى الصنع والعمل فلا يتعدى إلا إلى ~~واحد، وإما بمعنى التصيير، والمفعول الأول محذوف أي صير بعض ~~مخلوفاته ولدا { سبحنه } تنزيه وتبرئة له تعالى عما قالوا ~~وسبحان علم للتسبيح كعثمان للرجل، وانتصابه على المصدرية ولا ~~يكاد يذكر ناصبه أي أسبح سبحانه أي أنزهه تنزيها لائقا به وفيه ~~من التنزيه البليغ من حيث الاشتقاق من السبح الذي هو الذهاب ~~والإبعاد في الأرض ومن جهة النقل إلى التفعيل ومن جهة العدول من ~~المصدر إلى الاسم الموضوع له خاصة لا سيما العلم المشير إلى الحقيقة ~~الحاضرة في الذهن ومن جهة إقامته مقام المصدر مع الفعل ما لا يخفى، ~~وقيل: هو مصدر كغفران بمعنى التنزه أي تنزه بذاته تنزها ~~حقيقا به ففيه مبالغة من حيث إسناد البراءة إلى الذات المقدسة وإن ~~كان التنزيه اعتقاد نزاهته تعالى عما لا يليق به لا إثباتها له تعالى ~~وقوله تعالى: { بل له ما في السموات والأرض } رد لما ~~زعموا وتنبيه على بطلانه وكلمة (بل) للإضراب عما تقتضيه مقالتهم ~~الباطلة من مجانسته سبحانه وتعالى لشيء من المخلوقات ومن سرعة فنائه ~~المحوجة إلى اتخاذ ما يقوم مقامه فإن مجرد الإمكان والفناء لا يوجب ~~ذلك. # ألا يرى أن الأجرام الفلكية مع إمكانها وفنائها بالآخرة مستغنية ~~بدوامها وطول بقائها عما يجري مجرى الولد من الحيوان أي ليس الأمر ~~كما زعموا بل هو خالق جميع الموجودات التي من جملتها عزير والمسيح ~~والملائكة { كل } التنوين عوض عن المضاف إليه أي كل ما فيهما ~~كائنا ما كان من أولي العلم وغيرهم { له قنتون } منقادون لا ~~يستعصي شيء منهم على تكوينه وتقديره ومشيئته، ومن كان هذا شأنه لم ~~يتصور مجانسته لشيء، ومن حق الولد أن يكون من جنس الوالد، وإنما ~~جيء (بما) المختصة بغير أولي العلم تحقيرا لشأنهم وإيذانا بكمال ~~بعدهم عما نسبوا إلى بعض منهم، وصيغة جمع العقلاء في (قانتون) ~~للتغليب أو كل من جعلوه لله تعالى ولدا له قانتون أي مطيعون عابدون ~~له معترفون بربوبيته تعالى # أولئك الذين يدعون يبتغون ms0232 إلى ربهم ~~الوسيلة # [الإسراء، الآية: 57]. ### || [2.117-118] # { بديع السموات والأرض } أي مبدعهما ومخترعهما بلا ~~مثال يحتذيه ولا قانون ينتحيه فإن البديع كما يطلق على المبتدع ~~يطلق على المبتدع نص عليه أساطين أهل اللغة وقد جاء: بدعه كمنعه ~~بمعنى أنشأه كابتدعه كما ذكر في القاموس وغيره، ونظيره السميع بمعنى ~~المسمع في قوله: [الوافر] # أمن ريحانة الداعي السميع # [يؤرقني وأصحابي هجوع] # وقيل: هو من إضافة الصفة المشبهة إلى فاعلها للتخفيف بعد نصبه على ~~تشبيهها باسم الفاعل كما هو المشهور أي بديع سمواته من بدع إذا ~~كان على شكل فائق وحسن رائق، وهو حجة أخرى لإبطال مقالتهم الشنعاء ~~تقريرها أن الوالد عنصر الولد المنفصل بانفصال مادته عنه والله ~~سبحانه مبدع الأشياء كلها على الإطلاق منزه عن الانفصال فلا يكون ~~والدا، ورفعه على أنه خبر لمبتدإ محذوف أي هو بديع الخ، وقرىء ~~بالنصب على المدح وبالجر على أنه بدل من الضمير في (له) على رأي من ~~يجوز الإبدال من الضمير المجرور كما في قوله: [الطويل] # [على حالة لو أن في القوم حاتما] # على جوده لضن بالماء حاتم # { وإذا قضى أمرا } أي أراد شيئا كقوله: # إنما أمره إذا أراد شيئا # [يس، الآية 86] وأصل القضاء الإحكام أطلق على الإرادة الإلهية ~~المتعلقة بوجود الشيء لإيجابها إياه البتة وقيل: الأمر، ومنه قوله ~~تعالى: # وقضى ربك # [الإسراء، الآية 23] الخ { فإنما يقول له كن فيكون } ~~كلاهما من الكون التام أي أحدث وليس المراد به حقيقة الأمر ~~والامتثال، وإنما هو تمثيل لسهولة تأتي المقدورات بحسب تعلق مشيئته ~~تعالى وتصوير لسرعة حدوثها بما هو علم في الباب من طاعة المأمور ~~المطيع للآمر القوي المطاع، وفيه تقرير لمعنى الإبداع وتلويح لحجة ~~أخرى لإبطال ما زعموه بأن اتخاذ الولد شأن من يفتقر في تحصيل مراده ~~إلى مبادىء يستدعي ترتيبها مرور زمان وتبدل أطوار، وفعله تعالى ~~متعال عن ذلك { وقال الذين لا يعلمون } حكاية لنوع آخر ~~من قبائحهم وهو قدحهم في أمر النبوة بعد حكاية قدحهم في شأن التوحيد ~~بنسبة الولد إليه سبحانه وتعالى، واختلف في ms0233 هؤلاء القائلين: فقال ابن ~~عباس رضي الله عنهما: هم اليهود وقال مجاهد: هم النصارى ووصفهم بعدم ~~العلم لعدم علمهم بالتوحيد والنبوة كما ينبغي، أو لعدم علمهم بموجب ~~عملهم أو لأن ما يحكى عنهم لا يصدر عمن له شائبة علم أصلا. وقال ~~قتادة: وأكثر أهل التفسير هم مشركو العرب لقوله تعالى: # فليأتنا بآية كمآ أرسل الأولون # [الأنبياء، الآية 5] وقالوا: # لولا أنزل علينا الملائكة أو نرى ربنا # [الفرقان، الآية 21] { لولا يكلمنا الله } أي هلا يكلمنا ~~بلا واسطة أمرا ونهيا كما يكلم الملائكة أو هلا يكلمنا تنصيصا على ~~نبوتك { أو تأتينا آية } حجة تدل على صدقك. بلغوا من العتو ~~والاستكبار إلى حيث أملوا نيل مرتبة المفاوضة الإلهية من غير توسط ~~الرسول والملك، ومن العناد والمكابرة إلى حيث لم يعدوا ما آتاهم من ~~البينات الباهرة التي تخر لها صم الجبال من قبيل الآيات، قاتلهم ~~الله أنى يؤفكون. # { كذلك } مثل ذلك القول الشنيع الصادر عن العناد والفساد { ~~قال الذين من قبلهم } من الأمم الماضية { مثل قولهم ~~} هذا الباطل الشنيع فقالوا: # أرنا الله جهرة # [النساء، الآية 153] وقالوا: # لن نصبر على طعام وحد # [سورة البقرة، الآية 61] الآية وقالوا: # هل يستطيع ربك # [المائدة، الآية: 112] الخ وقالوا # اجعل لنآ إلها # [الأعراف، الآية: 138] الخ { تشبهت قلوبهم } أي قلوب ~~هؤلاء وأولئك في العمى والعناد وإلا لما تشابهت أقاويلهم الباطلة { ~~قد بينا الآيت } أي نزلناها بينة بأن جعلناها كذلك في ~~أنفسها كما في قولهم: سبحان من صغر البعوض وكبر الفيل لا أنا ~~بيناها بعد أن لم تكن بينة { لقوم يوقنون } أي يطلبون اليقين ~~ويوقنون بالحقائق لا يعتريهم شبهة ولا ريبة، وهذا رد لطلبهم الآية، ~~وفي تعريف الآيات وجمعها وإيراد النبيين المفصح عن كمال التوضيح ~~مكان الإتيان الذي طلبوه ما لا يخفى من الجزالة، والمعنى أنهم اقترحوا ~~آية فذة ونحن قد بينا الآيات العظام لقوم يطلبون الحق واليقين، ~~وإنما لم يتعرض لرد قولهم: { لولا يكلمنا الله } ~~[البقرة، الآية 118] إيذانا بأنه من ظهور البطلان بحيث لا حاجة له إلى ~~الرد والجواب. ### || [2.119-120] # { إنا أرسلنك ms0234 بالحق } أي ملتبسا بالقرآن كما في قوله ~~تعالى: { بل كذبوا بالحق لما جاءهم } أو بالصدق كما في ~~قوله تعالى: { أحق هو }. وقوله تعالى: { بشيرا ونذيرا } حال ~~من المفعول باعتبار تقييده بالحال الأولى أي أرسلناك ملتبسا بالقرآن ~~حال كونك بشيرا لمن آمن بما أنزل عليك وعمل به ونذيرا لمن كفر به ~~أو أرسلناك صادقا حال كونك بشيرا لمن صدقك بالثواب ونذيرا لمن كذبك ~~بالعذاب ليختاروا لأنفسهم ما أحبوا لا قاسر لهم على الإيمان فلا عليك ~~إن أصروا وكابروا { ولا تسئل عن أصحب الجحيم } ما ~~لهم لم يؤمنوا بعدما بلغت ما أرسلت به وقرىء (لن تسأل) وقرىء لا ~~تسأل على صيغة النهي إيذانا بكمال شدة عقوبة الكفار وتهويلا لها ~~كأنها لغاية فظاعتها لا يقدر المخبر على إجرائها على لسانه أو لا ~~يستطيع السامع أن يسمع خبرها، وحمله على نهي النبي صلى الله عليه ~~وسلم عن السؤال عن حال أبويه مما لا يساعده النظم الكريم والجحيم: ~~المتأجج من النار، وفي التعبير عنهم بصاحبية الجحيم دون الكفر ~~والتكذيب ونحوهما وعيد شديد لهم وإيذان بأنهم مطبوع عليهم لا يرجى ~~منهم الإيمان قطعا. # وقوله تعالى: { ولن ترضى عنك اليهود ولا النصرى ~~حتى تتبع ملتهم } بيان لكمال شدة شكيمة هاتين ~~الطائفتين خاصة إثر بيان ما يعمهما والمشركين من الإصرار على ما ~~هم عليه إلى الموت، وإيراد لا النافية بين المعطوفين لتأكيد النفي ~~لما مر من أن تصلب اليهود في أمثال هذه العظائم أشد من النصارى ~~والإشعار بأن رضى كل منهما مباين لرضى الأخرى أي لن ترضى عنك ~~اليهود ولو خليتهم وشأنهم حتى تتبع ملتهم ولا النصارى ولو تركتهم ~~ودينهم حتى تتبع ملتهم فأوجز النظم ثقة بظهور المراد، وفيه من ~~المبالغة في إقناطه صلى الله عليه وسلم من إسلامهم ما لا غاية وراءه ~~فإنهم حيث لم يرضوا عنه عليه السلام ولو خلاهم يفعلون ما يفعلون بل ~~أملوا منه صلى الله عليه وسلم ما لا يكاد يدخل تحت الإمكان من اتباعه ~~عليه السلام لملتهم فكيف يتوهم اتباعهم لملته عليه ms0235 السلام؟ وهذه ~~حالتهم في أنفسهم ومقالتهم فيما بينهم، وأما أنهم أظهروها للنبي صلى ~~الله عليه وسلم وشافهوه بذلك وقالوا: لن نرضى عنك وإن بالغت في طلب ~~رضانا حتى تتبع ملتنا كما قيل فلا يساعده النظم الكريم بل فيه ما ~~يدل على خلافه، فإن قوله عز وجل: { قل إن هدى الله هو ~~الهدى } صريح في أن ما وقع هذا جوابا عنه ليس عين تلك العبارة بل ~~ما يستلزم مضمونها أو يلزمه من الدعوة إلى اليهودية والنصرانية وأداء ~~أن الاهتداء فيهما كقوله عز وجل حكاية عنهم: # كونوا هودا أو نصرى تهتدوا # [البقرة، الآية 135] أي قل ردا عليهم إن هدى الله الذي هو الإسلام هو ~~الهدى بالحق والذي يحق ويصح أن يسمى هدى. وهو الهدى كله ليس ~~وراءه هدى وما تدعون إليه ليس بهدى بل هو هوى كما يعرب عنه قوله ~~تعالى: { ولئن اتبعت أهواءهم } أي آراءهم الزائغة ~~الصادرة عنهم بقضية شهوات أنفسهم وهي التي عبر عنها فيما قبل ~~بملتهم إذ هي التي ينتمون إليها، وأما ما شرعه الله تعالى لهم من الشريعة ~~على لسان الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وهو المعنى الحقيقي للملة ~~فقد غيروها تغييرا { بعد الذي جاءك من العلم } أي الوحي ~~أو الدين المعلوم صحته { ما لك من الله } من جهته العزيزة { ~~من ولى } يلي أمرك عموما { ولا نصير } يدفع عنك عقابه. وحيث ~~لم يستلزم نفي الولي نفي النصير وسط (لا) بين المعطوفين لتأكيد ~~النفي وهذا من باب التهييج والإلهاب وإلا فأنى يتوهم إمكان اتباعه ~~عليه السلام لملتهم. وهو جواب للقسم الذي وطأه اللام واكتفي به عن ~~جواب الشرط. ### || [2.121-122] # { الذين ءاتينهم الكتب } وهم مؤمنو أهل الكتاب كعبد ~~الله بن سلام وأضرابه { يتلونه حق تلاوته } بمراعاة ~~لفظه عن التحريف وبالتدبر في معانيه والعمل بما فيه وهو حال مقدرة ~~والخبر ما بعده أو خبر وما بعده مقرر له { أولئك } إشارة إلى ~~الموصوفين بإيتاء الكتاب وتلاوته كما هو حقه، وما فيه من معنى البعد ~~للإيذان ببعد منزلتهم في الفضل { يؤمنون به } أي بكتابهم ms0236 دون ~~المحرفين فإنهم بمعزل من الإيمان به فإنه لا يجامع الكفر ببعض منه ~~{ ومن يكفر به } بالتحريف والكفر بما يصدقه { فأولئك ~~هم الخسرون } حيث اشتروا الكفر بالإيمان { يبنى ~~إسرءيل اذكروا نعمتي التى أنعمت عليكم } ومن ~~جملتها التوراة، وذكر النعمة إنما يكون بشكرها، وشكرها الإيمان بجميع ~~ما فيها ومن جملته نعت النبي صلى الله عليه وسلم، ومن ضرورة الإيمان ~~بها الإيمان به عليه الصلاة والسلام { وأنى فضلتكم على ~~العلمين } أفردت هذه النعمة بالذكر مع كونها مندرجة تحت ~~النعمة السالفة لإنافتها فيما بين فنون النعم. ### || [2.123-124] # { واتقوا } إن لم تؤمنوا { يوما لا تجزى } في ذلك اليوم { ~~نفس } من النفوس { عن نفس } أخرى { شيئا } من الأشياء أو ~~شيئا من الجزاء { ولا يقبل منها عدل } أي فدية { ولا ~~تنفعها شفعة ولا هم ينصرون } وتخصيصهم بتكرير ~~التذكير وإعادة التحذير للمبالغة في النصح، وللإيذان بأن ذلك فذلكة ~~القضية والمقصود من القصة لما أن نعم الله عز وجل عليهم أعظم وكفرهم ~~بها أشد وأقبح. # { وإذ ابتلى إبرهيم ربه بكلمت } شروع في تحقيق ~~أن هدى الله هو ما عليه النبي صلى الله عليه وسلم من التوحيد والإسلام ~~الذي هو ملة إبراهيم عليه السلام، وأن ما عليه أهل الكتابين أهواء ~~زائغة وأن ما يدعونه من أنهم على ملة إبراهيم عليه الصلاة والسلام ~~فرية بلا مرية ببيان ما صدر عن إبراهيم وأبنائه الأنبياء عليهم ~~السلام من الأقاويل والأفاعيل الناطقة بحقية التوحيد والإسلام وبطلان ~~الشرك وبصحة نبوة النبي صلى الله عليه وسلم وبكونه ذلك النبي الذي ~~استدعاه إبراهيم وإسماعيل عليهما الصلاة والسلام بقولهما: # ربنا وابعث فيهم رسولا منهم # [البقرة، الآية 129] الآية فإذ منصوب على المفعولية بمضمر مقدر خوطب ~~به النبي صلى الله عليه وسلم بطريق التلوين أي واذكر لهم وقت ~~ابتلائه عليه السلام ليتذكروا بما وقع فيه من الأمور الداعية إلى ~~التوحيد، الوازعة عن الشرك فيقبلوا الحق ويتركوا ما هم فيه من الباطل، ~~وتوجيه الأمر بالذكر إلى الوقت دون ما وقع فيه من الحوادث مع أنها ~~المقصودة بالذات قد مر وجهه ms0237 في أثناء تفسير قوله عز وجل: # وإذ قال ربك للملئكة إني جاعل فى الأرض ~~خليفة # [البقرة، الآية 30] وقيل: على الظرفية بمضمر مؤخر أي وإذ ابتلاه كان ~~كيت وكيت وقيل: بما سيجيء من قوله تعالى: { قال } الخ، والأول هو ~~اللائق بجزالة التنزيل، ولا يبعد أن ينتصب بمضمر معطوف على اذكروا ~~خوطب به بنو إسرائيل ليتأملوا فيما يحكى عمن ينتمون إلى ملة إبراهيم ~~وأبنائه عليهم السلام من الأفعال والأقوال ليقتدوا بهم ويسيروا سيرتهم. # والابتلاء في الأصل الاختبار أي تطلب الخبرة بحال المختبر بتعريضه ~~لأمر يشق عليه غالبا فعله أو تركه، وذلك إنما يتصور حقيقة ممن لا ~~وقوف له على عواقب الأمور، وأما من العليم الخبير فلا يكون إلا ~~مجازا من تمكينه للعبد من اختيار أحد الأمرين قبل أن يرتب عليه ~~شيئا هو من مباديه العادية، كمن يختبر عبده ليتعرف حاله من الكياسة ~~فيأمره بما يليق بحاله من مصالحه. وإبراهيم اسم أعجمي قال ~~السهيلي: كثيرا ما يقع الاتفاق أو التقارب بين السرياني والعربي، ~~ألا ترى أن إبراهيم تفسيره أب راحم، ولذلك جعل هو وزوجته سارة ~~كافلين لأطفال المؤمنين الذين يموتون صغارا يوم القيامة على ما روى ~~البخاري في حديث الرؤيا: # " أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى في الروضة إبراهيم عليه السلام ~~وحوله أولاد الناس " # ، وهو مفعول مقدم لإضافة فاعله إلى ضميره، والتعرض لعنوان ~~الربوبية تشريف له عليه السلام وإيذان بأن ذلك الابتلأ تربية له ~~وترشيح لأمر خطير، والمعنى عامله سبحانه معاملة المختبر حيث كلفه ~~أوامر ونواهي تظهر بحسن قيامه بحقوقها قدرته على الخروج عن ~~عهدة الإمامة العظمى وتحمل أعباء الرسالة، وهذه المقالة وتذكيرها ~~الناس لإرشادهم إلى طريق إتقان الأمور ببنائها على التجربة وللإيذان ~~بأن بعثة النبي صلى الله عليه وسلم أيضا مبنية على تلك القاعدة ~~الرصينة واقعة بعد ظهور استحقاقه عليه السلام للنبوة العامة، كيف لا ~~وهي التي أجيب بها دعوة إبراهيم عليه السلام كما سيأتي. # واختلف في الكلمات فقال مجاهد: هي المذكورة بعدها، ورد بأنه يأباه ~~الفاء في فأتمهن ثم الاستئناف، ms0238 وقال طاوس عن ابن عباس رضي الله عنهما: ~~هي عشر خصال كانت فرضا في شرعه وهن سنة في شرعنا خمس في الرأس: ~~المضمضة والاستنشاق وفرق الرأس وقص الشارب والسواك، وخمس في البدن: ~~الختان وحلق العانة ونتف الإبط وتقليم الأظفار والاستنجاء ~~بالماء. # وفي الخبر أن إبراهيم عليه السلام أول من قص الشارب وأول من اختتن ~~وأول من قلم الأظفار وقال عكرمة عن ابن عباس: لم يبتل أحد بهذا ~~الدين فأقامه كله إلا إبراهيم ابتلاه الله بثلاثين خصلة من خصال ~~الإسلام، عشر منها في سورة براءة: التائبون الخ وعشر في الأحزاب: إن ~~المسلمين والمسلمات الخ وعشر في المؤمنون: وسأل سائل إلى قوله عز وجل: # والذين هم على صلاتهم يحافظون # [المعارج، الآية: 34] وقيل: ابتلاه الله سبحانه بسبعة أشياء بالشمس ~~والقمر والنجوم والاختتان على الكبر والنار وذبح الولد والهجرة ~~فوفى بالكل وقيل: هن محاجته قومه والصلاة والزكاة والصوم ~~والضيافة والصبر عليها وقيل: هي المناسك كالطواف والسعي والرمي ~~والإحرام والتعريف وغيرهن وقيل: هي قوله عليه السلام: " الذي خلقني فهو ~~يهدين " الآيات ثم قيل: إنما وقع هذا الابتلاء قبل النبوة وهو الظاهر ~~وقيل: بعدها لأنه يقتضي سابقة الوحي وأجيب بأن مطلق الوحي لا يستلزم ~~البعثة إلى الخلق. وقرىء برفع إبراهيم ونصب ربه أي دعاه بكلمات من ~~الدعاء فعل المختبر هل يجيبه إليهن أو لا { فأتمهن } أي قام ~~بهن حق القيام وأداهن أحسن التأدية من غير تفريط وتوان كما في قوله ~~تعالى: # وإبرهيم الذى وفى # [النجم، الآية 37] وعلى القراءة الأخيرة فأعطاه الله تعالى ما سأله من ~~غير نقص ويعضده ما روي عن مقاتل أنه فسر الكلمات بما سأل إبراهيم ~~ربه بقوله: «رب اجعلني» الآيات. وقوله عز وجل: { قال } على تقدير ~~انتصاب إذ بمضمر جملة مستأنفة وقعت جوابا عن سؤال نشأ من الكلام فإن ~~الابتلأ تمهيد لأمر معظم وظهور فضيلة المبتلى من دواعي الإحسان ~~إليه فبعد حكايتها نترقب النفس إلى ما وقع بعدهما كأنه قيل: فماذا كان ~~بعد ذلك؟ فقيل قال: { إنى جعلك للناس إماما } أو بيان ~~لقوله ms0239 تعالى وإذ ابتلي على رأي من يجعل الكلمات عبارة عما ذكر أثره ~~من الإمامة وتطهير البيت ورفع قواعده وغير ذلك وعلى تقدير انتصاب ~~إذ يقال فالجملة معطوفة على ما قبلها عطف القصة على القصة، والواو ~~في المعنى داخلة على قال أي وقال إذ ابتلى الخ والجعل بمعنى التصيير ~~أحد مفعوليه الضمير والثاني إماما واسم الفاعل بمعنى المضارع وأوكد ~~منه لدلالته على أنه جاعل له البتة من غير صارف يلويه ولا عاطف يثنيه، ~~وللناس متعلق بجاعلك أي لأجل الناس أو بمحذوف وقع حالا من (إماما) إذ ~~لو تأخر عنه لكان صفة له والإمام اسم لمن يؤتم به وكل نبي إمام ~~لأمته، وإمامته عليه السلام عامة مؤبدة إذ لم يبعث بعده نبي إلا كان ~~من ذريته مأمورا باتباع ملته. # { قال } استئناف مبني على سؤال مقدر، كأنه قيل: فماذا قال إبراهيم ~~عليه السلام عنده؟ فقيل: قال: { ومن ذريتى } عطف على الكاف و(من) ~~تبعيضية متعلقة بجاعل أي وجاعل بعض ذريتي؟ كما تقول: وزيدا لمن يقول ~~سأكرمك، أو بمحذوف أي واجعل فريقا من ذريتي إماما، وتخصيص البعض بذلك ~~لبداهة استحالة إمامة الكل وإن كانوا على الحق وقيل: التقدير وماذا ~~يكون من ذريتي؟ والذرية نسل الرجل فعولة من ذروت أو ذريت والأصل ~~ذروة أو ذروية فاجتمع في الأولى واوان زائدة وأصلية فقلبت ~~الأصلية ياء فصارت كالثانية، فاجتمعت واو وياء وسبقت إحداهما ~~بالسكون فقلبت الواو ياء وأدغمت الياء في الياء فصارت ذرية أو فعيلة ~~منهما والأصل في الأولى ذريوة فقلبت الواو ياء لما سبق من اجتماعهما ~~وسبق إحداهما بالسكون فصارت ذريية كالثانية فأدغمت الياء في مثلها ~~فصارت ذرية أو فعيلة من الذرء بمعنى الخلق والأصل ذريئة فخففت ~~الهمزة بإبدالها ياء كهمزة خطيئة ثم أدغمت الياء الزائدة في المبدلة ~~أو فعيلة من الذر بمعنى التفريق والأصل ذريرة قلبت الراء الأخيرة ياء ~~لتوالي الأمثال كما في تسري وتقضي وتظني فأدغمت الياء في الياء كما مر أو ~~فعولة منه والأصل ذرورة فقلبت الراء الأخيرة ياء فجاء الإدغام وقرىء ~~بكسر الذال ms0240 وهي لغة فيها وقرأ أبو جعفر المدني بالفتح وهي أيضا لغة فيها ~~{ قال } استئناف مبني على سؤال ينساق إليه الذهن كما سبق { لا ~~ينال عهدي الظلمين } ليس هذا ردا لدعوته عليه السلام ~~بل إجابة خفية لها وعدة إجمالية منه تعالى بتشريف بعض ذريته ~~عليه السلام بنيل عهد الإمامة حسبما وقع في استدعائه عليه الصلاة ~~والسلام من غير تعيين لهم بوصف مميز لهم عن جميع من عداهم فإن ~~التنصيص على حرمان الظالمين منه بمعزل من ذلك التمييز إذ ليس معناه ~~أنه ينال كل من ليس بظالم منهم ضرورة استحالة ذلك كما أشير إليه ~~ولعل إيثار هذه الطريقة على تعيين الجامعين لمبادىء الإمامة من ذريته ~~إجمالا أو تفصيلا وإرسال الباقين لئلا ينتظم المقتدون بالأئمة من ~~الأمة في سلك المحرومين، وفي تفصيل كل فرقة من الإطناب ما لا يخفى مع ~~ما في هذه الطريقة من تخييب الكفرة الذين كانوا يتمنون النبوة، ~~وقطع أطماعهم الفارغة من نيلها. # إنما أوثر النيل على الجعل إيماء إلى أن إمامة الأنبياء عليهم ~~السلام من ذريته عليه السلام كإسماعيل وإسحق ويعقوب ويوسف وموسى ~~وهارون وداود وسليمان وأيوب ويونس وزكريا ويحيى وعيسى وسيدنا ~~محمد صلى الله عليه وسلم تسليما كثيرا ليست بجعل مستقل بل هي حاصلة في ~~ضمن إمامة إبراهيم عليه السلام تنال كلا منهم في وقت قدره الله عز وجل، ~~وقرىء الظالمون على أن (عهدي) مفعول قدم على الفاعل اهتماما ورعاية ~~للفواصل وفيه دليل على عصمة الأنبياء عليهم السلام من الكبائر على ~~الإطلاق وعدم صلاحية الظالم للإمامة. ### || [2.125] # وقوله تعالى: { وإذ جعلنا البيت } أي الكعبة المعظمة غلب ~~عليها غلبة النجم على الثريا معطوف على إذ ابتلى على أن العامل فيه ~~هو العامل فيه أو مضمر مستقل معطوف على المضمر الأول، والجعل إما ~~بمعنى التصيير فقوله عز وجل: { مثابة } أي مرجعا يثوب إليه ~~الزوار بعدما تفرقوا عنه أو أمثالهم أو موضع ثواب يثابون بحجه ~~واعتماره، مفعوله الثاني، وإما بمعنى الإبداع فهو حال من مفعوله، ~~واللام في قوله تعالى: { للناس } متعلقة ms0241 بمحذوف وقع صفة لمثابة ~~أي مثابة كائنة للناس أو بجعلنا أي جعلناه لأجل الناس وقرىء مثابات ~~باعتبار تعدد التائبين { وأمنا } أي آمنا كما في قوله تعالى: # حرما ءامنا # [القصص، الآية 57] على إيقاع المصدر موقع اسم الفاعل للمبالغة أو ~~على تقدير المضاف أي ذا أمن أو على الإسناد المجازي أي آمنا بحجه ~~من عذاب الآخرة من حيث أن الحج يجب ما قبله أو من دخله من ~~التعرض له بالعقوبة وإن كان جانيا حتى يخرج على ما هو رأي أبي ~~حنيفة، ويجوز أن يعتبر الأمن بالقياس إلى كل شيء كائنا ما كان ويدخل ~~فيه أمن الناس دخولا أوليا وقد اعتيد فيه أمن الصيد حتى إن الكلب ~~كان يهم بالصيد خارج الحرم فيفر منه وهو يتبعه فإذا دخل الصيد ~~الحرم لم يتبعه الكلب { واتخذوا من مقام إبرهيم ~~مصلى } على إرادة قول هو عطف على (جعلنا) أو حال من فاعله أي ~~وقلنا أو قائلين لهم اتخذوا الخ وقيل: هو بنفسه معطوف على الأمر الذي ~~يتضمنه قوله عز وجل: { مثابة للناس } [البقرة، الآية 125] كأنه ~~قيل: توبوا إليه واتخذوا الخ وقيل: على المضمر العامل في إذ وقيل: هي ~~جملة مستأنفة والخطاب على الوجوه الأخيرة له عليه السلام ولأمته ~~والأول هو الأليق بجزالة النظم الكريم، والأمر صريحا كان أو مفهوما ~~من الحكاية للاستحباب ومن تبعيضية والمقام اسم مكان وهو الحجر الذي ~~عليه أثر قدمه عليه السلام والموضع الذي كان عليه حين قام ودعا الناس ~~إلى الحج أو حين رفع قواعد البيت وهو موضعه اليوم، والمراد بالمصلى ~~إما موضع الصلاة أو موضع الدعاء. روي # " أنه صلى الله عليه وسلم أخذ بيد عمر رضي الله عنه فقال: " هذا مقام ~~إبراهيم " فقال عمر رضي الله عنه: أفلا نتخذه مصلى فقال: " لم أومر ~~بذلك " # فلم تغب الشمس حتى نزلت. وقيل: المراد به الأمر بركعتي الطواف لما ~~روى جابر رضي الله عنه أنه عليه السلام لما فرغ من طوافه عمد إلى ~~مقام إبراهيم فصلى خلفه ركعتين وقرأ: { واتخذوا من مقام ~~إبرهيم مصلى ms0242 } وللشافعي في وجوبهما قولان وقيل: مقام إبراهيم ~~الحرم كله وقيل: مواقف الحج عرفة والمزدلفة والجمار، واتخاذها ~~مصلى أن يدعى فيها ويتقرب إلى الله عز وجل وقرىء واتخذوا على صيغة ~~الماضي عطفا على جعلنا أي واتخذ الناس من مكان إبراهيم الذي وسم به ~~لاهتمامه به وإسكان ذريته عنده قبلة يصلون إليها { وعهدنا إلى ~~إبرهيم وإسمعيل } أي أمرناهما أمرا مؤكدا { أن طهرا ~~بيتى } بأن طهراه، على أن (أن) مصدرية حذف عنها الجار حذفا ~~مطردا لجواز كون صلتها أمرا ونهيا كما في قوله عز وجل: # وأن أقم وجهك للدين حنيفا # [يونس، الآية 105] لأن مدار جواز كونها فعلا إنما هو دلالته على ~~المصدر وهي متحققة فيهما، ووجوب كونها خبرية في صلة الموصول الاسمي ~~إنما هو للتوصل إلى وصف المعارف بالجمل، وهي لا يوصف بها إلا إذا كانت ~~خبرية، وأما الموصول الحرفي فليس كذلك ولما كان الخبر والإنشاء في ~~الدلالة على المصدر سواء ساغ وقوع الأمر والنهي صلة حسب وقوع الفعل ~~فيتجرد عند ذلك عن معنى الأمر والنهي، نحو تجرد الصلة الفعلية عن ~~معنى المضي والاستقبال، أو أن طهراه على أن «أن» مفسرة لتضمن العهد ~~معنى القول، وإضافة البيت إلى ضمير الجلالة للتشريف، وتوجيه الأمر ~~بالتطهير ههنا إليهما عليهما السلام لا ينافي ما في سورة الحج من ~~تخصيصه بإبراهيم عليه السلام فإن ذلك واقع قبل بناء البيت كما ~~يفصح عنه قوله تعالى: # وإذ بوأنا لإبرهيم مكان البيت # [الحج، الآية 26] وكان إسماعيل عليه السلام حينئذ بمعزل من مثابة ~~الخطاب وظاهر أن هذا بعد بلوغه مبلغ الأمر والنهي وتمام البناء ~~بمباشرته كما ينبىء عنه إيراده إثر حكاية جعله مثابة للناس الخ، ~~والمراد تطهيره من الأوثان والأنجاس وطواف الجنب والحائض وغير ذلك ~~مما لا يليق به { للطائفين } حوله { والعكفين } المجاورين ~~المقيمين عنده أو المعتكفين أو القائمين { والركع السجود } جمع ~~راكع وساجد أي للطائفين والمصلين لأن القيام والركوع والسجود من ~~هيئات المصلي ولتقارب الأخيرين ذاتا وزمانا ترك العاطف بين ~~موصوفيهما. أو أخلصاه لهؤلاء لئلا يغشاه غيرهم وفيه، إيماء إلى ms0243 أن ~~ملابسة غيرهم به وإن كانت مع مقارنة أمر مباح من قبيل تلويثه ~~وتدنيسه. ### || [2.126] # { وإذ قال إبرهيم } عطف على ما قبله من قوله: وإذ جعلنا ~~الخ إما بالذات أو بعامله المضمر كما مر { رب اجعل هذا ~~بلدا آمنا } ذا أمن كعيشة راضية أو آمنا أهله كليلة نائم أي ~~اجعل هذا الوادي من البلاد الآمنة وكان ذلك أول ما قدم عليه السلام ~~مكة كما روى سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهم أنه عليه ~~الصلاة والسلام لما أسكن إسمعيل وهاجر هناك وعاد متوجها إلى الشام ~~تبعته هاجر فجعلت تقول: إلى من تكلنا في هذا البلقع وهو لا ~~يرد عليها جوابا حتى قالت آلله أمرك بهذا فقال: نعم قالت: إذن لا ~~يضيعنا فرضيت ومضى حتى إذا استوى على ثنية كداء أقبل على ~~الوادي فقال: # ربنا إني أسكنت # [إبراهيم، الآية 37] وتعريف البلد مع جعله صفة لهذا في سورة إبراهيم ~~إن حمل على تعدد السؤال لما أنه عليه السلام سأل أولا كلا الأمرين ~~البلدية والأمن فاستجيب له في أحدهما وتأخر الآخر إلى وقته ~~المقدر له لما تقتضيه الحكمة الباهرة ثم كرر السؤال حسبما هو ~~المعتاد في الدعاء والابتهال أو كان المسؤول أولا البلدية ومجرد ~~الأمن المصحح للسكنى كما في سائر البلاد وقد أجيب إلى ذلك، وثانيا ~~الأمن المعهود أو كان هو المسؤول أولا أيضا وقد أجيب إليه لكن ~~السؤال الثاني لاستدامته، والاقتصار على سؤاله مع جعل البلد صفة ~~لهذا لأنه المقصد الأصلي أو لأن المعتاد في البلدية الاستمرار ~~بعد التحقق بخلاف الأمن وإن حمل على وحدة السؤال وتكرر الحكاية ~~كما هو المتبادر فالظاهر أن المسؤول كلا الأمرين. وقد حكي ذلك ههنا ~~واقتصر هناك على حكاية سؤال الأمن اكتفاء عن حكاية سؤال البلدية ~~بحكاية سؤال جعل أفئدة الناس تهوي إليه كما سيأتي تفصيله هناك بإذن ~~الله عز وجل { وارزق أهله من الثمرت } من أنواعها بأن ~~تجعل بقرب منه قرى يحصل فيها ذلك أو يجبى إليه من الأقطار ~~الشاسعة وقد حصل كلاهما حتى ms0244 إنه يجتمع فيه الفواكه الربيعية ~~والصيفية والخريفية في يوم واحد. روي عن ابن عباس رضي الله عنهما أن ~~الطائف كانت من أرض فلسطين فلما دعا إبراهيم عليه الصلاة والسلام ~~بهذه الدعوة رفعها الله تعالى فوضعها حيث وضعها رزقا للحرم وعن الزهري: ~~أنه تعالى نقل قرية من قرى الشام فوضعها بالطائف لدعوة إبراهيم عليه ~~الصلاة والسلام { من آمن منهم بالله واليوم الآخر } ~~بدل من أهله بدل البعض، خصهم بالدعاء إظهارا لشرف الإيمان وإبانة ~~لخطره واهتماما بشأن أهله ومراعاة لحسن الأدب وفيه ترغيب لقومه في ~~الإيمان وزجر عن الكفر كما أن في حكايته ترغيبا وترهيبا لقريش وغيرهم ~~من أهل الكتاب { قال } استئناف مبني على السؤال كما مر مرارا وقوله ~~تعالى: { ومن كفر } عطف على مفعول فعل محذوف تقديره ارزق من آمن ~~ومن كفر وقوله تعالى: { فأمتعه } معطوف على ذلك الفعل أو في محل ~~رفع بالابتداء وقوله تعالى: فأمتعه خبره أي فأنا أمتعه وإنما دخلته ~~الفاء تشبيها له بالشرط. # والكفر وإن لم يكن سببا للتمتيع المطلق لكنه يصلح سببا لتقليله ~~وكونه موصولا بعذاب النار، وقيل: هو عطف على من آمن عطف تلقين ~~كأنه قيل: قل وارزق من كفر فإنه أيضا مجاب كأنه عليه السلام ~~قاس الرزق على الإمامة فنبهه تعالى على أنه رحمة دنيوية شاملة ~~للبر والفاجر بخلاف الإمامة الخاصة بالخواص وقرىء فأمتعه من ~~أمتع وقرىء فنمتعه { قليلا } تمتيعا قليلا أو زمانا قليلا { ~~ثم أضطره إلى عذاب النار } أي ألزه إليه لز ~~المضطر لكفره وتضييعه ما متعته به من النعم وقرىء ثم نضطره ~~على وفق قراءة فنمتعه وقرىء فأمتعه قليلا ثم اضطره بلفظ ~~الأمر فيهما على أنهما من دعاء إبراهيم عليه السلام وفي (قال) ضميره ~~وإنما فصله عما قبله لكونه دعاء على الكفرة، وتغيير سبكه للإيذان ~~بأن الكفر سبب لاضطرارهم إلى عذاب النار وأما رزق من آمن فإنما هو ~~على طريقة التفضل والإحسان وقرىء بكسر الهمزة على لغة من يكسر ~~حرف المضارعة وأطره بإدغام الضاد في الطاء وهي لغة مرذولة ~~فإن حروف (ضم ms0245 شفر) يدغم فيها ما يجاورها بلا عكس { وبئس ~~المصير } المخصوص بالذم محذوف أي بئس المصير النار أو عذابها. ### || [2.127] # { وإذ يرفع إبرهيم القواعد من البيت } عطف على ~~ما قبله من قوله عز وعلا: { وإذ قال إبرهيم } على أحد الطريقين ~~المذكورين في (وإذ جعلنا) وصيغة الاستقبال لحكاية الحال الماضية ~~لاستحضار صورتها العجيبة المنبثقة عن المعجزة الباهرة، والقواعد جمع ~~قاعدة وهي الأساس صفة غالبة من القعود بمعنى الثبات، ولعله مجاز من ~~مقابل القيام ومنه قعدك الله، ورفعه البناء عليها لأنه ينقلها من هيئة ~~الانخفاض إلى هيئة الارتفاع، والمرتفع حقيقة وإن كان هو الذي بني ~~عليها لكنهما لما التأما صارا شيئا واحدا فكأنها نمت وارتفعت، وقيل: ~~المراد بها ساقات البناء فإن كل ساق قاعدة لما يبنى عليها ويرفعها ~~بناء بعضها على بعض، وقيل: المراد برفعها رفع مكانة البيت وإظهار ~~شرفه ودعاء الناس إلى حجه، وفي إبهامها أولا ثم تبيينها من تفخيم ~~شأنها ما لا يخفى وقيل: المعنى وإذ يرفع إبراهيم ما قعد من البيت ~~واستوطأ، يعني يجعل هيئة القاعدة المستوطأة مرتفعة عالية بالبناء، ~~روي أن الله عز وجل أنزل البيت ياقوتة من يواقيت الجنة له بابان من ~~زمرذ شرقي وغربي وقال لآدم: أهبطت لك ما يطاف به كما يطاف حول ~~عرشي فتوجه آدم من أرض الهند إلى مكة ماشيا وتلقته الملائكة ~~فقالوا: بر حجك يا آدم لقد حججنا هذا البيت قبلك بألفي عام، ~~وحج آدم عليه السلام أربعين حجة من أرض الهند إلى مكة على رجليه فكان ~~على ذلك إلى أن رفعه الله أيام الطوفان إلى السماء الرابعة فهو ~~البيت المعمور وكان موضعه خاليا إلى زمن إبراهيم عليه السلام فأمره ~~سبحانه ببنائه وعرفه جبريل عليه السلام بمكانه وقيل: بعث الله ~~السكينة لتدله عليه فتبعها إبراهيم عليه السلام حتى أتى مكة المعظمة. ~~وقيل: بعث الله سحابة على قدر البيت وسار إبراهيم في ظلها إلى أن ~~وافت مكة المعظمة فوقفت على موضع البيت فنودي أن ابن على ظلها ~~ولا تزد ولا تنقص. وقيل: بناه من ms0246 خمسة أجبل: طور سيناء، وطور ~~زيتا، ولبنان، والجودي وأسسه من حراء. وجاء جبريل عليه السلام ~~بالحجر الأسود من السماء. وقيل: تمخض أبو قبيس فانشق عنه وقد ~~خبىء فيه في أيام الطوفان وكان ياقوتة بيضاء من يواقيت الجنة فلما ~~لمسته الحيض في الجاهلية اسود. وقال الفاسي في مثير الغرام في ~~تاريخ البلد الحرام والذي يتحصل من جملة ما قيل في عدد بناء الكعبة أنها ~~بنيت عشر مرات منها بناء الملائكة عليهم السلام ذكره النووي في تهذيب ~~الأسماء واللغات والأزرقي في تاريخه وذكر أنه كان قبل خلق آدم عليه ~~السلام ومنها بناء آدم عليه السلام ذكره البيهقي في دلائل النبوة ~~وروى فيه عن عبد الله بن عمرو بن العاص أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قال: # " بعث الله عز وجل جبريل إلى آدم عليهما السلام فقال له ولحواء: ~~ابنيا لي بيتا فحط جبريل وجعل آدم يحفر وحواء تنقل التراب ~~حتى إذا أصاب الماء نودي من تحته حسبك آدم فلما بنياه أوحى إليه أن ~~يطوف به فقيل له: أنت أول الناس وهذا أول بيت " # وهكذا ذكره الأزرقي في تاريخه وعبد الرزاق في مصنفه. ومنها بناء بني ~~آدم عندما رفعت الخيمة التي عزى الله تعالى بها آدم عليه السلام وكانت ~~ضربت في موضع البيت فبنى بنوه مكانها بيتا من الطين والحجارة فلم ~~يزل معمورا يعمرونه هم ومن بعدهم إلى أن مسه الغرق في عهد نوح عليه ~~السلام ذكره الأزرقي بسنده إلى وهب بن منبه ومنها بناء الخليل عليه ~~السلام وهو منصوص عليه في القرآن مشهور فيما بين قاص ودان ومنها بناء ~~العمالقة ومنها بناء جرهم ذكرهما الأزرقي بسنده إلى علي بن أبي ~~طالب رضي الله عنه ومنها بناء قصي بن كلاب ذكره الزبير بن بكار في ~~كتاب النسب. ومنها بناء قريش وهو مشهور ومنها بناء عبد الله بن ~~الزبير رضي الله عنهما ومنها بناء الحجاج بن يوسف وما كان ذلك بناء ~~لكلها بل لجدار من جدرانها. وقال الحافظ السهيلي: إن بناءها لم يكن ms0247 في ~~الدهر إلا خمس مرات الأولى حين بناها شيث عليه السلام انتهى والله ~~سبحانه أعلم { وإسمعيل } عطف على إبراهيم ولعل تأخيره عن ~~المفعول للإيذان بأن الأصل في الرفع هو إبراهيم وإسماعيل تبع له قيل: ~~إنه كان يناوله الحجارة وهو يبنيها وقيل: كانا يبنيانه من طرفيه { ~~ربنا تقبل منا } على إرادة القول أي يقولان وقد قرىء به على ~~أنه حال منهما عليهما السلام وقيل: على أنه هو العامل في إذ والجملة ~~معطوفة على ما قبلها والتقدير ويقولان ربنا تقبل منا إذ يرفعان أي ~~وقت رفعهما، وقيل: وإسماعيل مبتدأ خبره قول محذوف وهو العامل في ~~(ربنا تقبل منا) فيكون إبراهيم هو الرافع وإسماعيل هو الداعي، ~~والجملة في محل النصب على الحالية أي وإذ يرفع إبراهيم القواعد ~~والحال أن إسماعيل يقول: ربنا تقبل منا. والتعرض لوصف الربوبية ~~المنبئة عن إفاضة ما فيه صلاح المربوب مع الإضافة إلى ضميرهما عليهما ~~السلام لتحريك سلسلة الإجابة، وترك مفعول تقبل مع ذكره في قوله ~~تعالى: # ربنا وتقبل دعاء # [إبراهيم، الآية 40] ليعم الدعاء وغيره من القرب والطاعات التي من ~~جملتها ما هما بصدده من الثناء كما يعرب عنه جعل الجملة الدعائية حالية ~~{ إنك أنت السميع } لجميع المسموعات التي من جملتها دعاؤنا { ~~العليم } بكل المعلومات التي من زمرتها نياتنا في جميع أعمالنا، ~~والجملة تعليل لاستدعاء التقبل لا من حيث إن كونه تعالى سميعا ~~لدعائهما عليما بنياتهما مصحح للتقبل في الجملة بل من حيث إن علمه ~~تعالى بصحة نياتهما وإخلاصهما في أعمالهما مستدع له بموجب الوعد ~~تفضلا، وتأكيد الجملة لغرض كمال قوة يقينهما بمضمونها، وقصر نعتي ~~السمع والعلم عليه تعالى لإظهار اختصاص دعائهما به تعالى وانقطاع ~~رجائهما عما سواه بالكلية. # واعلم أن الظاهر أن أول ما جرى من الأمور المحكية هو الابتلاء وما ~~يتبعه، ثم دعاء البلدية والأمن وما يتعلق به ثم رفع قواعد البيت ~~وما يتلوه ثم جعله مثابة للناس والأمر بتطهيره، ولعل تغيير الترتيب ~~الوقوعي في الحكاية لنظم الشؤون الصادرة عن جنابه تعالى في سلك مستقل ~~ونظم الأمور ms0248 الواقعة من جهة إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام من ~~الأفعال والأقوال في سلك آخر. وأما قوله تعالى: ومن كفر الخ فإنما وقع ~~في تضاعيف الأحوال المتعلقة بإبراهيم لاقتضاء المقام، واستيجاب ما سبق ~~من الكلام ذلك بحيث لم يكن بد منه أصلا كما أن وقوع قوله عليه ~~السلام: (ومن ذريتي) في خلال كلامه سبحانه لذلك. ### || [2.128-129] # { ربنا واجعلنا مسلمين لك } مخلصين لك أو مستسلمين من ~~أسلم إذا استسلم وانقاد وأيا ما كان فالمطلوب الزيادة والثبات على ~~ما كانا عليه من الإخلاص والإذعان وقرىء مسلمين على صيغة الجمع بإدخال ~~هاجر معهما في الدعاء أو لأن التثنية من مراتب الجمع. # { ومن ذريتنا أمة مسلمة لك } أي واجعل بعض ذريتنا ~~وإنما خصهم بالدعاء لأنهم أحق بالشفقة ولأنهم إذا صلحوا صلح الأتباع ~~وإنما خصا به بعضهم لما علما أن منهم ظلمة وأن الحكمة الإلهية لا ~~تقتضي اتفاق الكل على الإخلاص والإقبال الكلي على الله عز وجل فإن ذلك ~~مما يخل بأمر المعاش ولذلك قيل: لولا الحمقى لخربت الدنيا وقيل: ~~أراد بالأمة المسلمة أمة محمد صلى الله عليه وسلم، وقد جوز أن يكون ~~(من) مبينة قدمت على المبين وفصل بها بين العاطف والمعطوف كما في ~~قوله تعالى: # ومن الأرض مثلهن # [الطلاق، الآية 12] والأصل وأمة مسلمة لك من ذريتنا { وأرنا } من ~~الرؤية بمعنى الإبصار أو بمعنى التعريف أي بصرنا أو عرفنا { ~~مناسكنا } أي متعبداتنا في الحج أو مذابحنا، والنسك في الأصل ~~غاية العبادة وشاع في الحج لما فيه من الكلفة والبعد عن العادة وقرىء ~~أرنا قياسا على فخذ في فخذ وفيه إجحاف لأن الكسرة المنقولة من الهمزة ~~الساقطة دليل عليها وقرىء بالاختلاس { وتب علينا } استتابة ~~لذريتهما، وحكايتها عنهما لترغيب الكفرة في التوبة والإيمان أو توبة ~~لهما عما فرط منهما سهوا ولعلهما قالاه هضما لأنفسهما وإرشادا ~~لذريتهما { إنك أنت التواب الرحيم } وهو تعليل للدعاء ~~ومزيد استدعاء للإجابة قيل: إذا أراد العبد أن يستجاب له فليدع الله عز ~~وجل بما يناسبه من أسمائه وصفاته { ربنا وابعث فيهم } أي في ~~الأمة ms0249 المسلمة { رسولا منهم } أي من أنفسهم فإن البعث فيهم لا ~~يستلزم البعث منهم ولم يبعث من ذريتهما غير النبي صلى الله عليه وسلم ~~فهو الذي أجيب به دعوتهما عليهما السلام روي أنه قيل له: قد استجيب ~~لك وهو في آخر الزمان قال عليه السلام: # " أنا دعوة أبي إبراهيم وبشرى عيسى ورؤيا أمي " # وتخصيص إبراهيم عليه السلام بالاستجابة له أنه الأصل في الدعاء ~~وإسماعيل تبع له عليه السلام { يتلو عليهم ءايتك } يقرأ ~~ويبلغهم ما يوحى إليه من البينات { ويعلمهم } بحسب قوتهم ~~النظرية { الكتب } أي القرآن { والحكمة } وما يكمل به ~~نفوسهم من أحكام الشريعة والمعارف الحقة { ويزكيهم } بحسب قوتهم ~~العملية أي يطهرهم عن دنس الشرك وفنون المعاصي { إنك أنت ~~العزيز } الذي لا يقهر ولا يغلب على ما يريد { الحكيم } الذي لا ~~يفعل إلا ما تقتضيه الحكمة والمصلحة، والجملة تعليل للدعاء وإجابة ~~المسؤول فإن وصف الحكمة مقتض لإفاضة ما تقتضيه الحكمة من الأمور ~~التي من جملتها بعث الرسول، ووصف العزة مستدع لامتناع وجود المانع ~~بالمرة. ### || [2.130] # { ومن يرغب عن ملة إبرهيم } إنكار واستبعاد لأن يكون ~~في العقلاء من يرغب عن ملته التي هي الحق الصريح والدين الصحيح أي ~~لا يرغب عن ملته الواضحة الغراء { إلا من سفه نفسه } أي ~~أذلها واستمهنها واستخف بها، وقيل: خسر نفسه وقيل: أوبق أو أهلك ~~أو جهل نفسه. قال المبرد وثعلب: سفه بالكسر متعد وبالضم لازم، ~~ويشهد له ما ورد في الخبر: «أن تسفه الحق وتغمص الناس» ~~وقيل: معناه ضل من قبل نفسه وقيل: أصله سفه نفسه بالرفع فنصب على ~~التمييز نحو غبن رأيه وألم رأسه ونحو قوله: [الوافر] # ونأخذ بعده بذناب عيش # أجب الظهر ليس له سنام # وقوله: [الوافر] # وما قومي بثعلبة بن سعد # ولا بفزارة الشعر الرقابا # ذلك لأنه إذا رغب عما لا يرغب عنه أحد من العقلاء فقد بالغ في إذلال ~~نفسه وذلتها وإهانتها حيث خالف بها كل نفس عاقلة. روي أن عبد الله ~~بن سلام دعا ابني أخيه سلمة ومهاجرا إلى الإسلام فقال لهما: ms0250 قد علمنا ~~أن الله تعالى قال في التوراة: إني باعث من ولد إسماعيل نبيا اسمه ~~أحمد فمن آمن به فقد اهتدى ورشد ومن لم يؤمن فهو ملعون فأسلم سلمة ~~وأبي مهاجر فنزلت { ولقد اصطفينه في الدنيا } أي ~~اخترناه بالنبوة والحكمة من بين سائر الخلق وأصله اتخاذ صفوة الشيء كما ~~أن أصل الاختيار اتخاذ خيره واللام جواب قسم محذوف والواو اعتراضية ~~والجملة مقررة لمضمون ما قبلها أي وبالله لقد اصطفيناه وقوله تعالى: { ~~وإنه فى الأخرة لمن الصلحين } أي من المشهود لهم ~~بالثبات على الاستقامة والخير والصلاح، معطوف عليها داخل في حيز القسم ~~مؤكد لمضمونها مقررة لما تقرره ولا حاجة إلى جعله اعتراضا آخر أو ~~حالا مقدرة فإن من كان صفوة للعباد في الدنيا مشهودا له بالصلاح في ~~الآخرة كان حقيقا بالاتباع لا يرغب عن ملته إلا سفيه أو متسفه أذل ~~نفسه بالجهل والإعراض عن النظر والتأمل، وإيثار الاسمية لما أن انتظامه ~~في زمرة صالحي أهل الآخرة أمر مستمر في الدارين لا أنه يحدث في ~~الآخرة، والتأكيد (بإن) واللام لما أن الأمور الأخروية خفية عند ~~المخاطبين فحاجتها إلى التأكيد أشد من الأمور التي تشاهد آثارها، ~~وكلمة (في) متعلقة بالصالحين على أن اللام للتعريف وليست بموصولة حتى ~~يلزم تقديم بعض الصلة عليها على أنه قد يغتفر في الظرف ما لا يغتفر في ~~غيره كما في قوله: [الراجز] # ربيته حتى إذا تمعددا # كان جزائي بالعصا أن أجلدا # أو بمحذوف من لفظه أي وأنه لصالح في الآخرة لمن الصالحين أو من غير ~~لفظه أي أعني في الآخرة نحو لك بعد رعيا وقيل: هي متعلقة باصطفيناه ~~على أن في النظم الكريم تقديما وتأخيرا تقديره ولقد اصطفيناه في ~~الدنيا والآخرة وإنه لمن الصالحين. ### || [2.131-132] # { إذ قال له } ظرف لاصطفيناه لما أن المتوسط ليس بأجنبي بل هو ~~مقرر له لأن اصطفاءه في الدنيا إنما هو بالنبوة وما يتعلق بصلاح الآخرة ~~أو تعليل له منصوب باذكر كأنه قيل: اذكر ذلك الوقت لتقف على أنه ~~المصطفى الصالح المستحق للإمامة والتقدم، ms0251 وأنه ما نال ما نال إلا ~~بالمبادرة إلى الإذعان والانقياد لما أمر به وإخلاص سره على أحسن ما ~~يكون حين قال له { ربه أسلم } أي لربك { قال أسلمت لرب ~~العلمين } وليس الأمر على حقيقته بل هو تمثيل والمعنى أخطر ~~بباله دلائل التوحيد المؤدية إلى المعرفة الداعية إلى الإسلام من ~~الكوكب والقمر والشمس وقيل: أسلم أي أذعن وأطع وقيل: اثبت على ما ~~أنت عليه من الإسلام والإخلاص أو استقم وفوض أمورك إلى الله تعالى ~~فالأمر على حقيقته، والالتفات مع التعرض لعنوان الربوبية والإضافة ~~إليه عليه السلام لإظهار مزيد اللطف به والاعتناء بتربيته، وإضافة ~~الرب في جوابه عليه الصلاة والسلام إلى (العالمين) للإيذان بكمال قوة ~~إسلامه حيث أيقن حين النظر بشمول ربوبيته للعالمين قاطبة لا لنفسه ~~وحده كما هو المأمور به { ووصى بها إبرهيم بنيه } شروع ~~في بيان تكميله عليه السلام لغيره إثر بيان كماله في نفسه وفيه ~~توكيد لوجوب الرغبة في ملته عليه السلام، والتوصية التقدم إلى الغير ~~بما فيه خير وصلاح للمسلمين من فعل أو قول، وأصلها الوصلة يقال: ~~وصاه إذا وصله وفصاه إذا فصله كأن الموصي يصل فعله بفعل ~~الوصي، والضمير في بها للملة أو قوله أسلمت لرب العالمين بتأويل ~~الكلمة كما عبر بها عن قوله تعالى: # إننى براء مما تعبدون * إلا الذى فطرنى # [الزخرف، الآية 25، 26] في قوله عز وجل: # وجعلها كلمة بقية فى عقبه # [الزخرف، الآية 28] وقرىء أوصى والأول أبلغ { ويعقوب } عطف ~~على إبراهيم أي وصى بها هو أيضا بنيه وقرىء بالنصب عطفا على بنيه { ~~أو بنى } على إضمار القول عند البصريين ومتعلق بوصى عند ~~الكوفيين لأنه في معنى القول كما في قوله: [الراجز] # رجلان من ضبة أخبرانا # إنا رأينا رجلا عريانا # فهو عند الأولين بتقدير القول وعند الآخرين متعلق بالإخبار الذي هو في ~~معنى القول وقرىء أن يا بني، وبنو إبراهيم عليه السلام كانوا أربعة: ~~إسماعيل وإسحاق ومدين ومدان وقيل: ثمانية وقيل: أربعة وعشرين وكان ~~بنو يعقوب اثني عشر: روبين وشمعون ولاوي ويهوذا ويشسوخور وزبولون ~~وزوانا وتفتونا ms0252 وكوذا وأوشير وبنيامين ويوسف عليه السلام { إن الله ~~اصطفى لكم الدين } دين الإسلام الذي هو صفوة الأديان ولا دين ~~غيره عنده تعالى: { فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون } ~~ظاهره النهي عن الموت على خلاف حال الإسلام والمقصود الأمر بالثبات ~~على الإسلام إلى حين الموت أي فاثبتوا عليه ولا تفارقوه أبدا كقولك: ~~لا تصل إلا وأنت خاشع، وتغيير العبارة للدلالة على أن موتهم لا على ~~الإسلام موت لا خير فيه وأن حقه أن لا يحل بهم وأنه يجب أن يحذروه ~~غاية الحذر، ونظيره مت وأنت شهيد روي أن اليهود قالوا لرسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: ألست تعلم أن يعقوب أوصى باليهودية يوم مات؟ ### || [2.133] # فنزلت { أم كنتم شهداء إذ حضر يعقوب الموت } أم ~~منقطعة مقدرة ببل والهمزة، والخطاب لأهل الكتاب الراغبين عن ملة ~~إبراهيم وشهداء جمع شهيد أو شاهد بمعنى الحاضر و(إذ) ظرف لشهداء ~~والمراد بحضور الموت حضور أسبابه وتقديم يعقوب عليه السلام للاهتمام ~~به إذ المراد بيان كيفية وصيته لبنيه بعد ما بين ذلك إجمالا ومعنى ~~بل الإضراب والانتقال عن توبيخهم على رغبتهم عن ملة إبراهيم عليه ~~السلام إلى توبيخهم على افترائهم على يعقوب عليه السلام باليهودية ~~حسبما حكي عنهم وأما تعميم الافتراء ههنا لسائر الأنبياء عليهم ~~السلام كما قيل فيأباه تخصيص يعقوب بالذكر، وما سيأتي من قوله عز وجل: # أم تقولون إن إبرهيم # [البقرة، الآية 140] الخ ومعنى الهمزة إنكار وقوع الشهود عند احتضاره ~~عليه السلام وتبكيتهم، وقوله تعالى: { إذ قال } بدل من إذ حضر ~~أي ما كنتم حاضرين عند احتضاره عليه السلام وقوله: { لبنيه ما ~~تعبدون من بعدى } أي أي شيء تعبدونه بعد موتي فمن أين لكم ~~أن تدعوا عليه عليه السلام ما تدعون رجما بالغيب وعند هذا تم ~~التوبيخ والإنكار والتبكيت، ثم بين أن الأمر قد جرب حينئذ على ~~خلاف ما زعموا وأنه عليه السلام أراد بسؤاله ذلك تقرير بنيه على التوحيد ~~والإسلام وأخذ ميثاقهم على الثبات عليهما إذ به يتم وصيته بقوله: ~~فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون. ms0253 و(ما) يسأل به عن كل شيء ما لم ~~يعرف فإذا عرف خص العقلاء بمن إذا سئل عن شيء بعينه وإن ~~سئل عن وصفه قيل: ما زيد؟ أفقيه أم طبيب؟ فقوله تعالى: { قالوا ~~} استئناف وقع جوابا عن سؤال نشأ عن حكاية سؤال يعقوب عليه السلام ~~كأنه قيل: فماذا قالوا عند ذلك فقيل قالوا: { نعبد إلهك ~~وإله آبائك إبرهيم وإسمعيل وإسحق } حسبما ~~كان مراد أبيهم بالسؤال أي نعبد الإله المتفق على وجوده ~~وإلهيته ووجوب عبادته، وعد إسماعيل من آبائه تغليبا للأب والجد ~~لقوله عليه الصلاة والسلام: # " عم الرجل صنو أبيه " # وقوله عليه السلام في العباس: # " هذا بقية آبائي " # وقرىء أبيك على أنه جمع بالواو والنون كما في قوله: [المتقارب] # فلما تبين أصواتنا # بكين وفديننا بالأبينا # وقد سقطت النون بالإضافة، أو مفرد وإبراهيم عطف بيان له وإسماعيل ~~وإسحاق معطوفان على أبيك { إلها وحدا } بدل من إله آبائك ~~كقوله تعالى: # بالناصية * ناصية كذبة # [العلق، الآية 15، 16] وفائدته التصريح بالتوحيد ودفع التوهم الناشىء ~~من تكرير المضاف لتعذر العطف على المجرور أو نصب على الاختصاص { ~~ونحن له مسلمون } حال من فاعل نعبد أو من مفعوله أو منهما ~~معا، ويحتمل أن يكون اعتراضا محققا لمضمون ما سبق. ### || [2.134-135] # { تلك أمة } مبتدأ وخبر، والإشارة إلى إبراهيم ويعقوب ~~وبنيهما الموحدين، والأمة هي الجماعة التي تؤمها فرق الناس أي ~~يقصدونها ويقتدون بها { قد خلت } صفة للخبر أي مضت بالموت وانفردت ~~عمن عداها، وأصله صارت إلى الخلاء وهي الأرض التي لا أنيس بها { لها ~~ما كسبت } جملة مستأنفة لا محل لها من الإعراب أو صفة أخرى لأمة، ~~أو حال من الضمير في خلت وما موصولة أو موصوفة والعائد إليها محذوف أي ~~لها ما كسبته من الأعمال الصالحة المحكية لا تتخطاها إلى غيرها فإن ~~تقديم المسند يوجب قصر المسند إليه عليه كما هو المشهور { ولكم ~~ما كسبتم } عطف على نظيرتها على الوجه الأول، وجملة مبتدأة على ~~الوجهين الأخيرين إذ لا رابط فيها ولا بد منه في الصفة، ولا مقارنة في ~~الزمان ولا بد ms0254 منها في الحال أي لكم ما كسبتموه لا ما كسبه غيركم فإن ~~تقديم المسند قد يقصد به قصره على المسند إليه كما قيل في قوله تعالى: # لكم دينكم ولى دين # [الكافرون، الآية 6] أي ولي ديني لا دينكم وحمل الجملة الأولى على هذا ~~القصر على معنى أن أولئك لا ينفعهم إلا ما اكتسبوا كما قيل مما لا يساعده ~~المقام إذ لا يتوهم متوهم انتفاعهم بكسب هؤلاء حتى يحتاج إلى بيان ~~امتناعه وإنما الذي يتوهم انتفاع هؤلاء بكسبهم فبين امتناعه بأن ~~أعمالهم الصالحة مخصوصة بهم لا تتخطاهم إلى غيرهم وليس لهؤلاء إلا ما ~~كسبوا فلا ينفعهم انتسابهم إليهم وإنما ينفعهم اتباعهم لهم في الأعمال ~~كما قال عليه السلام: # " يا بني هاشم لا يأتيني الناس بأعمالهم وتأتوني بأنسابكم " # { ولا تسئلون عما كانوا يعملون } إن أجري السؤال ~~على ظاهره فالجملة مقررة لمضمون ما مر من الجملتين تقريرا ظاهرا ~~وأن أريد به سببه أعني الجزاء فهو تتميم لما سبق جار مجرى النتيجة ~~له وأيا ما كان فالمراد تخييب المخاطبين وقطع أطماعهم الفارغة ~~عن الانتفاع بحسنات الأمة الخالية وإنما أطلق العمل لإثبات الحكم ~~بالطريق البرهاني في ضمن قاعدة كلية، هذا وقد جعل السؤال عبارة عن ~~المؤاخذة والموصول عن السيئات فقيل: أي لا تؤاخذون بسيئاتهم كما لا ~~تثابون بحسناتهم، ولا ريب في أنه مما لا يليق بشأن التنزيل كيف لا وهم ~~منزهون من كسب السيئات فمن أين يتصور تحميلها على غيرهم حتى ~~يتصدى لبيان انتفاعه { وقالوا } شروع في بيان فن آخر من ~~فنون كفرهم وهو إضلالهم لغيرهم إثر بيان ضلالهم في أنفسهم والضمير ~~لأهل الكتابين على طريقة الالتفات المؤذن باستيجاب حالهم لإبعادهم ~~من مقام المخاطبة والإعراض عنهم وتعديد جناياتهم عند غيرهم أي قالوا ~~للمؤمنين: { كونوا هودا أو نصرى } ليس هذا القول مقولا ~~لكلهم أو لأي طائفة كانت من الطائفتين بل هو موزع عليهما على وجه ~~خاص يقتضيه حالهما اقتضاء مغنيا عن التصريح به أي قالت اليهود: ~~كونوا هودا، والنصارى: كونوا نصارى ففعل بالنظم الكريم ما فعل بقوله ms0255 ~~تعالى: # وقالوا لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو ~~نصرى # [البقرة، الآية 111] اعتمادا على ظهور المراد { تهتدوا } جواب ~~الأمر أن تكونوا كذلك تهتدوا { قل } خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم ~~أي قل لهم على سبيل الرد عليهم وبيان ما هو الحق لديهم وإرشادهم ~~إليه { بل ملة إبرهيم } أي لا نكون كما تقولون بل نكون أهل ~~ملته عليه السلام وقيل: بل نتبع ملته عليه السلام، وقد جوز أن ~~يكون المعنى بل اتبعوا أنتم ملته عليه السلام أو كونوا أهل ملته، ~~وقرىء بالرفع أي بل ملتنا أو أمرنا ملته أو نحن ملته أي أهل ~~ملته { حنيفا } أي مائلا عن الباطل إلى الحق وهو حال من المضاف ~~إليه كما في رأيت وجه هند قائمة أو المضاف كما في قوله تعالى: # ونزعنا ما فى صدورهم من غل إخوانا # [الحجر، الآية 47] الخ { وما كان من المشركين } تعريض بهم ~~وإيذان ببطلان دعواهم اتباعه عليه السلام مع إشراكهم بقولهم عزير ~~ابن الله والمسيح ابن الله. ### || [2.136] # { قولوا } خطاب للمؤمنين بعد خطابه عليه السلام برد مقالتهم ~~الشنعاء على الإجمال وإرشاد لهم إلى طريق التوحيد والإيمان على ضرب من ~~التفصيل أي قولوا لهم بمقابلة ما قالوا تحقيقا وإرشادا ضمنيا لهم إليه ~~{ آمنا بالله وما أنزل إلينا } يعني القرآن قدم على ~~سائر الكتب الإلهية مع تأخره عنها نزولا لاختصاصه بنا وكونه سببا ~~للإيمان بها { وما أنزل إلى إبرهيم وإسمعيل ~~وإسحق ويعقوب والأسباط } الصحف وإن كانت نازلة إلى ~~إبراهيم عليه السلام لكن من بعده حيث كانوا متعبدين بتفاصيلها داخلين ~~تحت أحكامها جعلت منزلة إليهم كما جعل القرآن منزلا إلينا والأسباط ~~جمع سبط وهو الحافد والمراد بهم حفدة يعقوب عليه السلام أو ~~أبناؤه الاثنا عشر وذراريهم فإنهم حفدة إبراهيم وإسحاق { وما ~~أوتى موسى وعيسى } من التوراة والإنجيل وسائر المعجزات ~~الباهرة بأيديهما حسبما فصل في التنزيل الجليل، وإيراد الإيتاء لما ~~أشير إليه من التعميم، وتخصيصهما بالذكر لما أن الكلام مع اليهود ~~والنصارى { وما أوتي النبيون } أي جملة المذكورين وغيرهم { ~~من ربهم } من ms0256 الآيات البينات والمعجزات الباهرات { لا ~~نفرق بين أحد منهم } كدأب اليهود والنصارى آمنوا ببعض ~~وكفروا ببعض وإنما اعتبر عدم التفريق بينهم مع أن الكلام فيما أوتوه ~~لاستلزام عدم التفريق بينهم بالتصديق والتكذيب لعدم التفريق بين ما ~~أوتوه، وهمزة (أحدا) إما أصلية فهو اسم موضوع لمن يصلح أن يخاطب ~~يستوي فيه المفرد والمثنى والمجموع والمذكر والمؤنث ولذلك صح دخول ~~(بين) عليه كما في مثل المال بين الناس ومنه ما في قوله صلى الله عليه ~~وسلم: # " ما أحلت الغنائم لأحد سود الرؤوس غيركم " # حيث وصف بالجمع، وإما مبدلة من الواو فهو بمعنى واحد وعمومه لوقوعه ~~في حيز النفي وصحة دخول (بين) عليه باعتبار معطوف قد حذف لظهوره أي ~~بين أحد منهم وبين غيره كما في قول النابغة [الطويل] # فما كان بين الخير لو جاء سالما # أبو حجر إلا ليال قلائل # أي بين الخير وبيني وفيه من الدلالة صريحا عليه تحقيق عدم التفريق ~~بين كل فرد منهم وبين من عداه كائنا من كان ما ليس في أن يقال لا ~~نفرق بينهم، والجملة حال من الضمير في آمنا وقوله عز وجل: { ونحن ~~له مسلمون } أي مخلصون له ومذعنون حال أخرى منه أو عطف على ~~آمنا. ### || [2.137] # { فإن ءامنوا } الفاء لترتيب ما بعدها على ما قبلها، فإن ما تقدم ~~من إيمان المخاطبين على الوجه المحرر مظنة لإيمان أهل ~~الكتابين لما أنه مشتمل على ما هو مقبول عندهم { بمثل ما ~~ءامنتم به } أي بما آمنتم به على الوجه الذي فصل على أن المثل ~~مقحم كما في قوله تعالى: # وشهد شاهد من بنى إسرءيل على مثله # [الأحقاف، الآية 10] أي عليه، ويعضده قراءة ابن مسعود بما آمنتم به ~~وقراءة أبي بالذي آمنتم به ويجوز أن تكون الباء للاستعانة على أن ~~المؤمن به محذوف لظهوره بمروره آنفا، أو على أن الفعل مجرى مجرى ~~اللازم أي فإن آمنوا بما مر مفصلا أو فإن فعلوا الإيمان بشهادة مثل ~~شهادتكم، وأن تكون الأولى زائدة والثانية صلة لآمنتم و(ما) مصدرية أي ~~فإن آمنوا ms0257 إيمانا مثل إيمانكم بما ذكر مفصلا وأن تكون للملابسة أي ~~فإن آمنوا ملتبسين بمثل ما آمنتم ملتبسين به أو فإن آمنوا إيمانا ~~ملتبسا به من الإذعان والإخلاص وعدم التفريق بين الأنبياء عليهم ~~السلام فإن ما وجد فيهم وصدر عنهم من الشهادة والإذعان وغير ذلك مثل ~~ما للمؤمنين لا عينه بخلاف المؤمن به فإنه لا يتصور فيه التعدد { ~~فقد اهتدوا } إلى الحق وأصابوه كما اهتديتم وحصل بينكم الاتحاد ~~والاتفاق، وأما ما قيل من أن المعنى فإن تحروا الإيمان بطريق يهدي إلى ~~الحق مثل طريقكم فقد اهتدوا فإن وحدة المقصد لا تأبى تعدد الطريق ~~الحق، وإرشادهم إليه بعينه لا يلائم تجويز أن يكون له طريق آخر ~~وراءه { وإن تولوا } أي أعرضوا عن الإيمان على الوجه المذكور بأن ~~أخلوا بشيء من ذلك كأن آمنوا ببعض وكفروا ببعض كما هو دينهم ~~وديدنهم { فإنما هم فى شقاق } المشاقة والشقاق من ~~الشق كالمخالفة والخلاف من الخلف والمعاداة والعداء من العداوة أي ~~التجانب، فإن أحد المخالفين يعرض عن الآخر صورة أو معنى ويوليه ~~خلفه ويأخذ في شق غير شقه وعدوة غير عدوته، والتنوين ~~للتفخيم أي هم مستوون في خلاف عظيم بعيد من الحق وهذا لدفع ما يتوهم ~~من احتمال الوفاق بسبب إيمانهم ببعض ما آمن به المؤمنون، والجملة ~~إما جواب الشرط كما هي على أن المراد مشاقتهم الحادثة بعد توليهم ~~عن الإيمان كجواب الشرطية الأولى، وإنما أوثرت الجملة الاسمية للدلالة ~~على ثباتهم واستقرارهم في ذلك، وإما بتأويل فاعلموا إنما هم في شقاق. ~~هذا هو الذي يستدعيه فخامةشأن التنزيل الجليل، وقد قيل: قوله تعالى: ~~{ فإن ءامنوا } [البقرة، الآية: 137] الخ من باب التعجيز والتبكيت ~~على منهاج قوله تعالى: # فأتوا بسورة مثله # [البقرة، الآية: 23]، والمعنى فإن حصلوا دينا آخر مثل دينكم مماثلا ~~له في الصحة والسداد فقد اهتدوا وإذ لا إمكان له فلا إمكان ~~لاهتدائهم، ولا ريب في أنه مما لا يليق بحمل النظم الكريم عليه، ولما ~~دل تنكير الشقاق على امتناع الوفاق وأن ذلك مما يؤدي إلى الجدال ~~والقتال ms0258 لا محالة عقب ذلك بتسلية رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وتفريح المؤمنين بوعد النصر، والغلبة ضمان التأييد والإعزاز، وعبر ~~بالسين الدالة على تحقق الوقوع البتة فقيل: { فسيكفيكهم ~~الله } أي سيكفيك شقاقهم فإن الكفاية لا تتعلق بالأعيان بل ~~بالأفعال، وقد أنجز عز وعلا وعده الكريم بقتل بني النضير، وتلوين ~~الخطاب بتجريده للنبي صلى الله عليه وسلم مع أن ذلك كفاية منه سبحانه ~~للكل لما أنه الأصل والعمدة في ذلك وللإيذان بأن القيام بأمور ~~الحروب وتحمل المؤن والمشاق ومقاساة الشدائد في مناهضة الأعداء ~~من وظائف الرؤساء فنعمته تعالى في الكفاية والنصر في حقه عليه السلام أتم ~~وأكمل { وهو السميع العليم } تذييل لما سبق من الوعد ~~وتأكيد له والمعنى أنه تعالى يسمع ما تدعوه به ويعلم ما في نيتك من ~~إظهار الدين فيستجيب لك ويوصلك إلى مرادك أو وعيد للكفرة أي يسمع ما ~~ينطقون به ويعلم ما يضمرونه في قلوبهم مما لا خير فيه وهو معاقبهم عليه ~~ولا يخفى ما فيه من تأكيد الوعد السابق فإن وعيد الكفرة وعد المؤمنين. ### || [2.138-139] # { صبغة الله } الصبغة من الصبغ كالجلسة من الجلوس وهي ~~الحالة التي يقع عليها الصبغ عبر بها عن الإيمان بما ذكر على الوجه ~~الذي فصل لكونه تطهيرا للمؤمنين من أو ضار الكفر وحلية تزينهم ~~بآثاره الجميلة ومتداخلا في قلوبهم كما أن شأن الصبغ بالنسبة إلى ~~الثوب كذلك وقيل للمشاكلة التقديرية فإن النصارى كانوا يغمسون أولادهم ~~في ماء أصفر يسمونه المعمودية ويزعمون أنه تطهير لهم وبه يحق ~~نصرانيتهم وإضافتها إلى الله عز وجل مع استناده فيما سلف إلى ضمير ~~المتكلمين للتشريف والإيذان بأنها عطية منه سبحانه لا يستقل العبد ~~بتحصيلها فهي إذن مصدر مؤكد لقوله تعالى: { آمنا } داخل معه في حيز ~~قولوا منتصب عنه انتصاب وعد الله عما تقدمه لكونه بمثابة فعله كأنه ~~قيل: صبغنا الله صبغة وقيل: هي منصوبة بفعل الإغراء أي الزموا صبغة ~~الله وإنما وسط بينهما الشرطيتان وما بعدهما اعتناء ببيان أنه ~~الإيمان الحق وبه الاهتداء ومسارعة إلى تسليته عليه ms0259 الصلاة والسلام ~~{ ومن أحسن من الله } مبتدأ وخبر، الاستفهام للإنكار والنفي ~~وقوله تعالى: { صبغة } نصب على التمييز من أحسن منقول من ~~المبتدأ والتقدير ومن صبغته أحسن من صبغته تعالى فالتفضيل جار بين ~~الصبغتين لا بين فاعليهما أي لا صبغة أحسن من صبغته تعالى على معنى ~~أنها أحسن من كل صبغة على ما أشير إليه في قوله تعالى: # ومن أظلم ممن منع # [البقرة، الآية: 114] الخ وحيث كان مدار التفضيل على تعميم الحسن ~~الحقيقي والفرضي المبني على زعم الكفرة لم يلزم منه أن يكون في صبغة ~~غيره تعالى حسن في الجملة، والجملة اعتراضية مقررة لما في صبغة ~~الله من معنى التبجح والابتهاج { ونحن له } أي لله الذي أولانا ~~تلك النعمة الجليلة { عبدون } شكرا لها ولسائر نعمه، وتقديم ~~الظرف للاهتمام ورعاية الفواصل، وهو عطف على آمنا داخل معه تحت الأمر ~~وإيثار الاسمية للإشعار بدوام العبادة أو على فعل الإغراء بتقدير ~~القول أي الزموا صبغة الله وقولوا نحن له عابدون فقوله تعالى: { ومن ~~أحسن من الله صبغة } حينئذ يجري مجرى التعليل للإغراء { ~~قل أتحاجوننا } تجريد الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم عقب ~~الكلام الداخل تحت الأمر الوارد بالخطاب العام لما أن المأمور به من ~~الوظائف الخاصة به عليه الصلاة والسلام وقرىء بإدغام النون والهمزة ~~للإنكار والتوبيخ أي أتجادلوننا { فى الله } أي في دينه وتدعون أن ~~دينه الحق هو اليهودية والنصرانية وتبنون دخول الجنة والاهتداء ~~عليهما وتقولون تارة لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى وتارة ~~كونوا هودا أو نصارى تهتدوا { وهو ربنا وربكم } جملة حالية ~~وكذلك ما عليها أي أتجادلوننا والحال أنه لا وجه للمجادلة أصلا لأنه ~~تعالى ربنا أي مالك أمرنا وأمركم { ولنا أعملنا } الحسنة ~~الموافقة لأمره { ولكم أعملكم } السيئة المخالفة لحكمه { ~~ونحن له مخلصون } في تلك الأعمال لا نبتغي بها إلا وجهه ~~فأنى لكم المحاجة وادعاء حقية ما أنتم عليه والطمع في دخول الجنة ~~بسببه ودعوة الناس إليه. ### || [2.140] # وكلمة (أم) في قوله تعالى: { أم تقولون } إما معادلة للهمزة في ms0260 ~~قوله تعالى: # أتحاجوننا # [البقرة، الآية 139] داخلة في حيز الأمر على معنى أي الأمرين تأتون ~~إقامة الحجة وتنوير البرهان على حقية ما أنتم عليه والحال ما ذكر ~~أم التشبث بذيل التقليد والافتراء على الأنبياء وتقولون: { إن ~~إبرهيم وإسمعيل وإسحق ويعقوب والأسباط ~~كانوا هودا أو نصارى } فنحن بهم مقتدون والمراد إنكار كلا ~~الأمرين والتوبيخ عليهما، وإما منقطعة مقدرة ببل والهمزة دالة على ~~الإضراب والانتقال من التوبيخ على المحاجة إلى التوبيخ على الافتراء ~~على الأنبياء عليهم السلام وقرىء أم يقولون على صيغة الغيبة فهي ~~منقطعة لا غير، غير داخلة تحت الأمر واردة من جهته تعالى توبيخا ~~لهم وإنكارا عليهم لا من جهته عليه السلام على نهج الالتفات كما قيل. # هذا، وأما ما قيل من أن المعنى أتحاجوننا في شأن الله واصطفائه نبيا ~~من العرب دونكم؟ لما روي أن أهل الكتاب قالوا الأنبياء كلهم منا فلو ~~كنت نبيا لكنت منا فنزلت. ومعنى قوله تعالى: # وهو ربنا وربكم ولنا أعملنا ولكم ~~أعملكم # [البقرة، الآية 139] أنه لا اختصاص له تعالى بقوم دون قوم يصيب برحمته ~~من يشاء من عباده فلا يبعد أن يكرمنا كما أكرمكم بأعمالكم كأنه ألزمهم ~~على كل مذهب ينتحلونه إفحاما وتبكيتا، فإن كرامة النبوة إما تفضل من ~~الله تعالى على من يشاء فالكل فيه سواء، وإما إفاضة حق على المستحقين ~~لها بالمواظبة على الطاعة والتخلي بالإخلاص فكما أن لكم أعمالا ربما ~~يعتبرها الله تعالى في إعطائها فلنا أيضا أعمال ونحن له مخلصون أي لا ~~أنتم، فمع عدم ملاءمته لسياق النظم الكريم ولا سيما على تقدير كون ~~كلمة أم معادلة للهمزة غير صحيح في نفسه لما أن المراد بالأعمال من ~~الطرفين ما أشير إليه من الأعمال الصالحة والسيئة، ولا ريب في أن أمر ~~الصلاح والسوء يدور على موافقة الدين المبني على البعثة ومخالفته ~~فكيف يتصور اعتبار تلك الأعمال في استحقاق النبوة واستعدادها المتقدم ~~على البعثة بمراتب { قل ءأنتم أعلم أم الله } إعادة ~~الأمر ليس لمجرد تأكيد التوبيخ وتشديد الإنكار عليهم بل للإيذان بأن ~~ما ms0261 بعده ليس متصلا بما قبله بل بينهما كلام للمخاطبين مترتب على ما ~~سبق مستتبع لما أنه الحق قد أضرب عنه الذكر صفحا لظهوره وهو ~~تصريحهم بما وبخوا عليه من الافتراء على الأنبياء عليهم السلام كما ~~في قوله عز وجل قال: # ومن يقنط من رحمة ربه إلا الضآلون * قال فما ~~خطبكم أيها المرسلون # [سورة الحجر، الآية 56 و57] وقوله عز قائلا: # قال ءأسجد لمن خلقت طينا * قال أرءيتك هذا ~~الذى كرمت على # [الإسراء، الآية: 61 و62] فإن تكرير قال في الموضعين وتوسيطه بين ~~قولي قائل واحد للإيذان بأن بينهما كلاما لصاحبه متعلقا بالأول ~~والثاني بالتبعية والاستتباع كما حرر في محله أي كذبهم في ذلك ~~ونكثهم قائلا: إن الله يعلم وأنتم لا تعلمون وقد نفى عن إبراهيم ~~عليه السلام كلا الأمرين حيث قال: # ما كان إبرهيم يهوديا ولا نصرانيا # [آل عمران، الآية 67] واحتج عليه بقوله تعالى: # وما أنزلت التوراة والإنجيل إلا من بعده # [آل عمران، الآية 65] وهؤلاء المعطوفون عليه السلام أتباعه في الدين ~~وفاقا فكيف تقولون ما تقولون سبحان الله عما تصفون { ومن أظلم } ~~إنكار لأن يكون أحد أظلم { ممن كتم شهدة } ثابتة { ~~عنده } كائنة { من الله } وهي شهادته تعالى له عليه السلام ~~بالحنيفية والبراءة من اليهودية والنصرانية حسبما تلى آنفا، فعنده صفة ~~لشهادة وكذا (من الله) جيء بهما لتعليل الإنكار وتأكيده فإن ثبوت ~~الشهادة عنده وكونها من جانب الله عز وجل من أقوى الدواعي إلى إقامتها ~~وأشد الزواجر عن كتمانها، وتقديم الأول مع أنه متأخر في الوجود ~~لمراعاة طريقة الترقي من الأدنى إلى الأعلى، والمعنى أنه لا أحد أظلم ~~من أهل الكتاب حيث كتموا هذه الشهادة وأثبتوا نقيضها بما ذكر من ~~الافتراء، وتعليق الأظلمية بمطلق الكتمان للإيماء إلى أن مرتبة من ~~يردها ويشهد بخلافها في الظلم خارجة عن دائرة البيان أو لا أحد ~~أظلم منا لو كتمناها، فالمراد بكتمها عدم إقامتها في مقام المحاجة، ~~وفيه تعريض بغاية أظلمية أهل الكتاب على نحو ما أشير إليه، وفي إطلاق ~~الشهادة مع أن المراد ms0262 بها ما ذكر من الشهادة المعينة تعريض بكتمانها ~~شهادة الله عز وجل للنبي صلى الله عليه وسلم في التوراة والإنجيل { ~~وما الله بغفل عما تعملون } من فنون السيئات فيدخل ~~فيها كتمانهم لشهادته سبحانه وافتراؤهم على الأنبياء عليهم السلام ~~دخولا أوليا أي هو محيط بجميع ما تأتون وما تذرون فيعاقبكم بذلك ~~أشد عقاب، وقرىء (عما يعملون) على صيغة الغيبة فالضمير إما لمن ~~كتم باعتبار المعنى، وإما لأهل الكتاب، وقوله تعالى: # ومن أظلم # [البقرة، الآية: 114] إلى آخر الآية، مسوق من جهته تعالى لوصفهم بغاية ~~الظلم وتهديدهم بالوعيد. ### || [2.141-142] # { تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما ~~كسبتم ولا تسئلون عما كانوا يعملون } تكرير ~~للمبالغة في الزجر عما هم عليه من الافتخار بالآباء والاتكال على ~~أعمالهم وقيل: الخطاب السابق لهم وهذا لنا تحذير عن الاقتداء بهم وقيل: ~~المراد بالأمة الأولى الأنبياء عليهم السلام وبالثانية أسلاف ~~اليهود. # { سيقول السفهاء } أي الذين خفت أحلامهم واستمهنوها بالتقليد ~~والإعراض عن التدبر والنظر من قولهم ثوب سفيه إذا كان خفيف النسج ~~وقيل: السفيه البهات الكذاب المتعمد خلاف ما يعلم، وقيل: الظلوم ~~الجهول والمراد بالسفهاء هم اليهود على ما روي عن ابن عباس ومجاهد ~~رضي الله عنهم قالوه إنكارا للنسخ وكراهة للتحويل حيث كانوا يأنسون ~~بموافقته عليه الصلاة والسلام لهم في القبلة الأولى وبطلان الثانية إذ ~~ليس كلهم من اليهود وقيل: هم المشركون ولم يقولوه كراهة للتحويل إلى ~~مكة بل طعنا في الدين فإنهم كانوا يقولون رغب عن قبلة آبائه ثم رجع ~~إليها وليرجعن إلى دينهم أيضا وقيل: هم القادحون في التحويل منهم ~~جميعا فيكون قوله تعالى: { من الناس } أي الكفرة لبيان أن ذلك ~~القول المحكي لم يصدر عن كل فرد فرد من تلك الطوائف الثلاث بل عن ~~أشقيائهم المعتادين للخوض في فنون الفساد وهو الأظهر، إذ لو أريد بهم ~~طائفة مخصوصة منهم لما كان لبيان كونهم من الناس مزيد فائدة، وتخصيص ~~سفهائهم بالذكر لا يقتضي تسليم الباقين للتحويل وارتضاءهم إياه بل عدم ~~التفوه بالقدح مطلقا أو بالعبارة ms0263 المحكية. # { ما ولهم } أي أي شيء صرفهم، والاستفهام للإنكار والنفي { ~~عن قبلتهم } القبلة فعلة من المقابلة كالوجهة وهي الحالة التي ~~يقابل الشيء غيره عليها كالجلسة للحالة التي يقع عليها الجلوس ~~يقال: لا قبلة له ولا دبرة إذا لم يهتد لجهة أمره، غلبت على ~~الجهة التي يستقبلها الإنسان في الصلاة، والمراد بها ههنا بيت المقدس، ~~وإضافتها إلى ضمير المسلمين ووصفها بقوله تعالى: { التى كانوا ~~عليها } أي ثابتين مستمرين على التوجه إليها ومراعاتها واعتقاد ~~حقيتها لتأكيد الإنكار، فإن الاختصاص بالشيء والاستمرار عليه باعتقاد ~~حقيته مما ينافي الانصراف عنه فإن أريد بالقائلين اليهود فمدار ~~الإنكار كراهتهم للتحويل عنها وزعمهم أنه خطأ وإن أريد بهم المشركون ~~فمداره مجرد القصد إلى الطعن في الدين والقدح في أحكامه، وإظهار أن ~~كلا من التوجه إليها والانصراف عنها واقع بغير داع إليه لا لكراهتهم ~~الانصراف عنها أو التوجه إلى مكة وتعليق الإنكار بما يوليهم عنها لا ~~بما يوجههم إلى غيرها، مع تلازمهما في الوجود لما أن ترك الدين القديم ~~أبعد عن العقول وإنكار سببه أدخل لا للإيذان بأن المنكرين هم اليهود ~~بناء على أن المنكر عندهم هو التحويل عن خصوصية بيت المقدس الذي هو ~~القبلة الحقة عندهم لا التوجه إلى خصوصية قبلة أخرى أو هم المشركون ~~بناء على أن المنكر عندهم ترك القبلة القديمة على وجه الطعن والقدح ~~لا التوجه إلى الكعبة لأنه الحق عندهم فإنه بمعزل عن ذلك كيف لا ~~والمنافقون من أحد الفريقين لا محالة، والإخبار بذلك قبل الوقوع مع ~~كونه من دلائل النبوة حيث وقع كما أخبر لتوطين النفوس وإعداد ما ~~يبكتهم فإن مفاجأة المكروه على النفس أشق وأشد، والجواب ~~العتيد لشغب الخصم الألد أرد، وقوله عز وجل: { قل لله ~~المشرق والمغرب } استئناف مبني على السؤال كأنه قيل: فماذا ~~أقول عند ذلك؟ فقيل: قل الخ أي لله تعالى ناحيتا الأرض أي الجهات ~~كلها ملكا وتصرفا فلا اختصاص لناحية منها لذاتها بكونها قبلة ~~دون ما عداها بل إنما هو بأمر الله سبحانه ومشيئته { يهدى من يشآء ms0264 ~~} أن يهديه، مشيئة تابعة للحكم الخفية التي لا يعلمها إلا هو { ~~إلى صرط مستقيم } موصل إلى سعادة الدين وقد هدانا إلى ذلك ~~حيث أمرنا بالتوجه إلى بيت المقدس تارة وإلى الكعبة أخرى حسبما تقتضيه ~~مشيئته المقارنة لحكم أبية ومصالح خفية. ### || [2.143] # { وكذلك جعلنكم } توجيه للخطاب إلى المؤمنين بين ~~الخطابين المختصين بالرسول صلى الله عليه وسلم لتأييد ما في مضمون ~~الكلام من التشريف وذلك إشارة إلى مصدر جعلناكم لا إلى جعل آخر مفهوم ~~مما سبق كما قيل، وتوحيد الكاف مع القصد إلى المؤمنين لما أن المراد ~~مجرد الفرق بين الحاضر والمنقضي دون تعيين المخاطبين، وما فيه من ~~معنى البعد للإيذان بعلو درجة المشار إليه وبعد منزلته في الفضل ~~وكمال تميزه به وانتظامه بسببه في سلك الأمور المشاهدة، والكاف ~~لتأكيد ما أفاده اسم الإشارة من الفخامة ومحلها في الأصل النصب على ~~أنه نعت لمصدر محذوف وأصل التقدير جعلناكم أمة وسطا جعلا كائنا ~~مثل ذلك الجعل فقدم على الفعل لإفادة القصر، واعتبرت الكاف ~~مقحمة للنكتة المذكورة فصار نفس المصدر المؤكد لا نعتا له أي ذلك ~~الجعل البديع جعلناكم { أمة وسطا } لا جعلا آخر أدنى منه ~~والوسط في الأصل اسم لما يستوي نسبة الجوانب إليه كمركز الدائرة ثم ~~استعير للخصال المحمودة البشرية لكن لا لأن الأطراف يتسارع إليها ~~الخلل والإعواز، والأوساط محمية محوطة كما قيل، واستشهد عليه ~~بقول ابن أوس الطائي: [البسيط] # كانت هي الوسط المحمي فاكتنفت # بها الحوادث حتى أصبحت طرفا # فإن تلك العلاقة بمعزل من الاعتبار في هذا المقام إذ لا ملابسة ~~بينها وبين أهلية الشهادة التي جعلت غاية للجعل المذكور لكون تلك ~~الخصال أوساطا للخصال الذميمة المكتنفة بها من طرفي الإفراط ~~والتفريط كالعفة التي طرفاها الفجور والخمود، وكالشجاعة التي طرفاها ~~التهور والجبن وكالحكمة التي طرفاها الجريرة والبلادة وكالعدالة ~~التي هي كيفية متشابهة حاصلة من اجتماع تلك الأوساط المحفوفة بأطرافها، ~~ثم أطلق على المتصف بها مبالغة كأنه نفسها. وسوي فيه بين المفرد ~~والجمع والمذكر والمؤنث رعاية لجانب الأصل كدأب سائر الأسماء التي ms0265 ~~يوصف بها، وقد روعيت ههنا نكتة رائقة هي أن الجعل المشار إليه ~~عبارة عما تقدم ذكره من هدايته تعالى إلى الحق الذي عبر عنه بالصراط ~~المستقيم الذي هو الطريق السوي الواقع في وسط الطرق الجائرة عن ~~القصد إلى الجانبين، فإنا إذا فرضنا خطوطا كثيرة واصلة بين نقطتين ~~متقابلتين فالخط المستقيم إنما هو الخط الواقع في وسط تلك الخطوط ~~المنحنية، ومن ضرورة كونه وسطا بين الطرق الجائرة كون الأمة ~~المهدية إليه أمة وسطا بين الأمم السالكة إلى تلك الطرق الزائغة أي ~~متصفة بالخصال الحميدة خيارا وعدولا مزكين بالعلم والعمل { ~~لتكونوا شهداء على الناس } بأن الله عز وجل قد أوضح السبل ~~وأرسل الرسل فبلغوا ونصحوا وذكروا فهل من مدكر وهي غاية للجعل ~~المذكور مترتبة عليه فإن العدالة كما أشير إليه حيث كانت هي الكيفية ~~المتشابهة المتألفة من العفة التي هي فضيلة القوة الشهوية ~~البهيمية والشجاعة التي هي فضيلة القوة الغضبية السبعية، والحكمة ~~التي هي فضيلة القوة العقلية الملكية المشار إلى رتبتها بقوله عز ~~وعلا: # ومن يؤت الحكمة فقد أوتى خيرا كثيرا # [البقرة، الآية 269] كان المتصف بها واقفا على الحقائق المودعة ~~في الكتاب المبين المنطوي على أحكام الدين وأحوال الأمم أجمعين حاويا ~~بالشرائط الشهادة عليهم. روي أن الأمم يوم القيامة يجحدون تبليغ ~~الأنبياء عليهم السلام فيطالبهم الله تعالى بالبينة وهو أعلم، إقامة ~~للحجة على المنكرين وزيادة لخزيهم بأن كذبهم من بعدهم من الأمم ~~فيؤتى بأمة محمد صلى الله عليه وسلم فيشهدون فيقول الأمم: من أين ~~عرفتم؟ فيقولون: علمنا ذلك بإخبار الله تعالى في كتابه الناطق على لسان ~~نبيه الصادق، فيؤتى عند ذلك بالنبي صلى الله عليه وسلم ويسأل عن ~~حال أمته فيزكيهم ويشهد بعدالتها وذلك قوله عز قائلا: { ويكون ~~الرسول عليكم شهيدا } وكلمة الاستعلاء لما في الشهيد من ~~معنى الرقيب والمهيمن، وقيل: لتكونوا شهداء على الناس في الدنيا فيما ~~لا يقبل فيه الشهادة إلا من العدول الأخيار، وتقديم الظرف للدلالة على ~~اختصاص شهادته عليه السلام بهم { وما جعلنا القبلة التى ~~كنت عليها } جرد ms0266 الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم رمزا إلى ~~أن مضمون الكلام من الأسرار الحقيقة بأن تخص معرفته بها عليه ~~السلام وليس الموصول صفة للقبلة بل هو مفعول ثان للجعل، وما قيل من ~~أن الجعل تحويل الشيء من حالة إلى أخرى فالملتبس بالحالة الثانية هو ~~المفعول الثاني كما في قولك: جعلت الطين خزفا فينبغي أن يكون ~~المفعول الأول هو الموصول والثاني هو القبلة فهو كلام صناعي ينساق ~~إليه الذهن بحسب النظر الجليل، ولكن التأمل اللائق يهدي إلى العكس ~~فإن المقصود إفادته أنه ليس جعل الجهة قبلة لا غير كما يفيده ما ~~ذكر بل هو جعل القبلة المحققة الوجود هذه الجهة دون غيرها والمراد ~~بالموصول هي الكعبة فإنه عليه الصلاة والسلام كان يصلي إليها أولا ثم ~~لما هاجر أمر بالصلاة إلى الصخرة تألفا لليهود، أو هي الصخرة لما ~~روي عن ابن عباس رضي الله عنهما من أن قبلته عليه السلام بمكة كانت ~~بيت المقدس إلا أنه كان يجعل الكعبة بينه وبينه وعلى هذه الرواية ~~لا يمكن أن يراد بالقبلة الأولى الكعبة، وأما الصخرة فيتأتى ~~إرادتها على الروايتين، والمعنى على الأول وما جعلنا القبلة الجهة ~~التي كنت عليها قبل هذا الوقت وهي الصخرة { إلا لنعلم } استثناء ~~مفرغ من أعم العلل أي وما جعلنا ذلك الشيء من الأشياء إلا لنمتحن ~~الناس أي نعاملهم معاملة من يمتحنهم ونعلم حينئذ { من يتبع ~~الرسول } في التوجه إلى ما أمر به من الدين أو القبلة والالتفات ~~إلى القبلة مع إيراده عليه السلام بعنوان الرسالة للإشعار بعلة الاتباع ~~{ ممن ينقلب على عقبيه } يرتد عن دين الإسلام أو لا ~~يتوجه إلى القبلة الجديدة أو لنعلم الآن من يتبع الرسول ممن لا ~~يتبعه وما كان لعارض يزول بزواله، وعلى الأول ما رددناك إلى ما كنت ~~عليه إلا لنعلم الثابت على الإسلام والناكص على عقبيه لقلقه وضعف ~~إيمانه، والمراد بالعلم ما يدور عليه فلك الجزاء من العلم الحالي أي ~~ليتعلق علمنا به موجودا بالفعل، وقيل: المراد علم الرسول عليه ~~السلام والمؤمنين، وإسناده ms0267 إليه سبحانه لما أنعم على خواصه وليتميز ~~الثابت على المتزلزل، كقوله تعالى: # ليميز الله الخبيث من الطيب # [الأنفال، الآية 37] فوضع العلم موضع التمييز الذي هو مسبب ~~عنه، ويشهد له قراءة ليعلم على بناء المجهول من صيغة الغيبة، ~~والعلم إما بمعنى المعرفة أو متعلق بما في «من» من معنى الاستفهام، ~~أو مفعوله الثاني ممن ينقلب الخ أي لنعلم من يتبع الرسول متميزا ممن ~~ينقلب على عقبيه { وإن كانت لكبيرة } أي شاقة ثقيلة، وإن هي ~~المخففة من الثقيلة دخلت على ناسخ المبتدأ والخبر، واللام هي ~~الفارقة بينها وبين النافية كما في قوله تعالى: # إن كان وعد ربنا لمفعولا # [الإسراء، الآية 108] وزعم الكوفيون أنها نافية واللام بمعنى إلا أي ما ~~كانت إلا كبيرة، والضمير الذي هو اسم كان راجع إلى ما دل عليه قوله ~~تعالى: { وما جعلنا القبلة التى كنت عليها } [سورة ~~البقرة، الآية: 143] من الجعلة أو التولية أو التحويلة أو الردة أو ~~القبلة وقرىء لكبيرة بالرفع على أن كان مزيدة كما في قوله: [الوافر] # [فكيف إذا رأيت ديار قوم] # وإخوان لنا كانوا كرام # وأصله وإن هي لكبيرة كقوله: إن زيد لمنطلق { إلا على ~~الذين هدى الله } أي إلى سر الأحكام الشرعية المبنية على ~~الحكم والمصالح إجمالا وتفصيلا وهم المهديون إلى الصراط المستقيم ~~الثابتون على الإيمان واتباع الرسول عليه السلام: { وما كان الله ~~ليضيع إيمنكم } أي ما صح وما استقام له أن يضيع ثباتكم ~~على الإيمان بل شكر صنيعكم وأعد لكم الثواب العظيم وقيل: أيمانكم ~~بالقبلة المنسوخة وصلاتكم إليها لما روي أنه عليه السلام لما توجه ~~إلى الكعبة قالوا: كيف حال إخواننا الذين مضوا وهم يصلون إلي بيت ~~المقدس؟ فنزلت. واللام في ليضيع إما متعلقة بالخبر المقدر لكان كما هو ~~رأي البصرية وانتصاب الفعل بعدها بأن المقدرة أي ما كان الله مريدا ~~أو متصديا لأن يضيع الخ ففي توجيه النفي إلى إرادة الفعل تأكيد ~~ومبالغة ليس في توجيهه إلى نفسه، وإما مزيدة للتأكيد ناصبة للفعل ~~بنفسها كما هو رأي الكوفية، ولا يقدح في ms0268 ذلك زيادتها كما لا يقدح ~~زيادة حروف الجر في عملها، وقوله تعالى: { إن الله بالناس ~~لرءوف رحيم } تحقيق وتقرير للحكم وتعليل له، فإن اتصافه عز ~~وجل بهما يقتضي لا محالة أن لا يضيع أجورهم ولا يدع ما فيه صلاحهم، ~~والباء متعلقة برؤوف وتقديمه على رحيم مع كونه أبلغ منه لما مر في ~~وجه تقديم الرحمن على الرحيم، وقيل: الرحمة أكثر من الرأفة في الكمية ~~والرأفة أقوى منها في الكيفية لأنها عبارة عن إيصال النعم الصافية من ~~الآلام، والرحمة إيصال النعمة مطلقا وقد يكون مع الألم كقطع العضو ~~المتأكل، وقرىء رؤف بغير مد كندس. ### || [2.144] # { قد نرى تقلب وجهك في السماء } أي تردده وتصرف ~~نظرك في جهتها تطلعا للوحي وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان ~~يقع في روعة ويتوقع من ربه عز وجل أن يحوله إلى الكعبة لأنها قبلة ~~إبراهيم وأدعى للعرب إلى الإيمان لأنها مفخرتهم ومزارهم ومطافهم ~~ولمخالفة اليهود، فكان يراعي نزول جبريل بالوحي بالتحويل { ~~فلنولينك قبلة } الفاء للدلالة على سببية ما قبلها لما ~~بعدها وهي في الحقيقة داخلة على قسم محذوف يدل عليه اللام أي فوالله ~~لنولينك أي لنعطينكها ولنمكننك من استقبالها من قولك: ~~وليته كذا أي صيرته واليا له أو لنجعلنك تلي جهتها أو ~~لنحولنك على أن نصب (قبلة) بحذف الجار أي إلى قبلة وقيل: هو ~~متعد إلى مفعولين { ترضاها } تحبها وتشتاق إليها لمقاصد دينية ~~وافقت مشيئته تعالى وحكمته { فول وجهك } الفاء لتفريع الأمر ~~بالتولية على الوعد الكريم، وتخصيص التولية بالوجه لما أنه مدار ~~التوجه ومعياره وقيل: المراد به كل البدن أي فاصرفه { شطر ~~المسجد الحرام } أي نحوه وهو نصب على الظرفية من نولي أو ~~على نزع الخافض أو على أنه مفعول ثان له، وقيل: الشطر في الأصل اسم ~~لما انفصل من الشيء، ودار شطور إذا كانت منفصلة عن الدور، ثم استعمل ~~لجانبه وإن لم ينفصل كالقطر، والحرام المحرم أي محرم فيه القتال ~~أو ممنوع من الظلمة أن يتعرضوا له، وفي ذكر المسجد الحرام دون ms0269 الكعبة ~~إيذان بكفاية مراعاة الجهة لأن في مراعاة العين من البعيد حرجا ~~عظيما بخلاف القريب. روي عن البراء بن عازب أن نبي الله صلى الله ~~عليه وسلم قدم المدينة فصلى نحو بيت المقدس ستة عشر شهرا ثم ~~وجه إلى الكعبة وقيل: كان ذلك في رجب بعد زوال الشمس قبل قتال بدر ~~بشهرين ورسول الله صلى الله عليه وسلم في مسجد بني سلمة وقد صلى ~~بأصحابه ركعتين من صلاة الظهر فتحول في الصلاة واستقبل الميزاب وحول ~~الرجال مكان النساء والنساء مكان الرجال فسمي المسجد مسجد ~~القبلتين { وحيثما كنتم فولوا وجوهكم شطره } خص ~~الرسول صلى الله عليه وسلم بالخطاب تعظيما لجنابه وإيذانا بإسعاف ~~مرامه ثم عمم الخطاب للمؤمنين مع التعرض لاختلاف أماكنهم تأكيدا ~~للحكم وتصريحا بعمومه لكافة العباد من كل حاضر وباد وحثا للأمة ~~على المتابعة، وحيثما شرطية وكنتم في محل الجزاء بها، وقوله تعالى: { ~~فولوا } [البقرة، الآيتان: 144، 150] جوابها، وتكون هي منصوبة على ~~الظرفية بكنتم نحو قوله تعالى: # أيا ما تدعوا فله الأسماء الحسنى # [الإسراء، الآية 110] { وإن الذين أوتوا الكتب } من ~~فريقي اليهود والنصارى { ليعلمون أنه } أي التحويل أو التوجه ~~المفهوم من التولية { الحق } لا غير لعلمهم بأن عادته سبحانه ~~وتعالى جارية على تخصيص كل شريعة بقبلة ومعاينتهم لما هو مسطور في ~~كتبهم من أنه عليه الصلاة والسلام يصلي إلى القبلتين كما يشعر بذلك ~~التعبير عنهم بالاسم الموصول بإيتاء الكتاب، وأن مع اسمها وخبرها ساد ~~مسد مفعولي يعلمون أو مسد مفعوله الواحد على أن العلم بمعنى ~~المعرفة، وقوله تعالى: { من ربهم } متعلق بمحذوف وقع حالا من ~~الحق أي كائنا من ربهم أو صفة له على رأي من يجوز حذف الموصول مع ~~بعض صلته أي الكائن من ربهم { وما الله بغفل عما ~~يعملون } وعد ووعيد للفريقين والخطاب للكل تغليبا، وقرىء على صيغة ~~الغيبة فهو وعيد لأهل الكتاب. ### || [2.145] # { ولئن أتيت الذين أوتوا الكتب } وضع الموصول ~~موضع المضمر للإيذان بكمال سوء حالهم من العناد مع تحقيق ما ~~يرغمهم منه من الكتاب الناطق بحقية ما ms0270 كابروا في قبوله { بكل ~~ءاية } أي حجة قطعية دالة على حقية التحويل، واللام موطئة للقسم، ~~وقوله تعالى: { ما تبعوا قبلتك } جواب للقسم المضمر ساد ~~مسد جواب الشرط، والمعنى أنهم ما تركوا قبلتك لشبهة تزيلها الحجة ~~وإنما خالفوك مكابرة وعنادا، وتجريد الخطاب للنبي صلى الله عليه ~~وسلم بعد تعميمه للأمة لما أن المحاجة والإتيان بالآية من الوظائف ~~الخاصة به عليه السلام، وقوله تعالى: { وما أنت بتابع ~~قبلتهم } جملة معطوفة على الجملة الشرطية لا على جوابها، مسوقة ~~لقطع أطماعهم الفارغة حيث قالت اليهود لو ثبت على قبلتنا لكنا نرجو ~~أن تكون صاحبنا الذي ننتظره تغريرا له عليه الصلاة والسلام وطمعا في ~~رجوعه، وإيثار الجملة الاسمية للدلالة على دوام مضمونها واستمراره، ~~وإفراد قبلتهم مع تعددها باعتبار اتحادها في البطلان ومخالفة ~~الحق، ولئلا يتوهم أن مدار النفي هو التعدد، وقرىء بتابع قبلتهم ~~على الإضافة { وما بعضهم بتابع قبلة بعض } فإن اليهود ~~تستقبل الصخرة والنصارى مطلع الشمس، ولا يرجى توافقهم كما لا ~~يرجى موافقتهم لك لتصلب كل فريق فيما هو فيه. # { ولئن اتبعت أهواءهم } الزائغة المتخالفة { من بعد ~~ما جاءك من العلم } ببطلانها وحقية ما أنت عليه. وهذه ~~الشرطية الفرضية واردة على منهاج التهييج والإلهاب للثبات على الحق ~~أي ولئن اتبعت أهواءهم فرضا { إنك إذا لمن الظلمين } ~~وفيه لطف للسامعين وتحذير لهم عن متابعة الهوى فإن من ليس من شأنه ~~ذلك إذا نهي عنه ورتب على فرض وقوعه ما رتب من الانتظام في ~~سلك الراسخين في الظلم فما ظن من ليس كذلك؟ وإذن حرف جواب وجزاء ~~توسطت بين اسم إن وخبرها لتقرير ما بينهما من النسبة إذ كان حقها أن ~~تتقدم أو تتأخر فلم تتقدم لئلا يتوهم أنها لتقرير النسبة التي ~~بين الشرط وجوابه المحذوف لأن المذكور جواب القسم ولم تتأخر لرعاية ~~الفواصل، ولقد بولغ في التأكيد من وجوه تعظيما للحق المعلوم وتحريضا ~~على اقتفائه وتحذيرا عن متابعة الهوى واستعظاما لصدور الذنب من ~~الأنبياء عليهم السلام. ### || [2.146-147] # { الذين ءاتينهم الكتب } أي علماؤهم إذ هم العمدة ms0271 ~~في إيتائه، ووضع الموصول موضع المضمر مع قرب العهد للإشعار بعلية ما ~~في حيز الصلة للحكم، والضمير المنصوب في قوله تعالى: { يعرفونه ~~} للرسول صلى الله عليه وسلم والالتفات إلى الغيبة للإيذان بأن المراد ~~ليس معرفتهم له عليه السلام من حيث ذاته ونسبه الزاهر بل من حيث ~~كونه مسطورا في الكتاب منعوتا فيه بالنعوت التي من جملتها أنه عليه ~~السلام يصلي إلى القبلتين، كأنه قيل: الذين آتيناهم الكتاب يعرفون من ~~وصفناه فيه. وبهذا يظهر جزالة النظم الكريم، وقيل: هو إضمار قبل الذكر ~~للإشعار بفخامة شأنه عليه الصلاة والسلام أنه علم معلوم بغير إعلام ~~فتأمل، وقيل: الضمير للعلم أو سببه الذي هو الوحي أو القرآن أو ~~التحويل، ويؤيد الأول قوله عز وجل: { كما يعرفون أبناءهم } ~~أي يعرفونه عليه الصلاة والسلام بأوصافه الشريفة المكتوبة في كتابهم، ~~ولا يشتبه عليهم كما لا يشتبه أبناؤهم، وتخصيصهم بالذكر دون ما يعم ~~البنات لكونهم أعرف عندهم منهن بسبب كونهم أحب إليهم. # عن عمر رضي الله عنه أنه سأل عبد الله بن سلام رضي الله عنه عن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فقال: أنا أعلم به مني بابني قال: ولم؟ قال: ~~لأني لست أشك فيه أنه نبي، فأما ولدي فلعل والدته خانت فقبل عمر ~~رأسه رضي الله عنهما. { وإن فريقا منهم ليكتمون ~~الحق وهم يعلمون } هم الذين كابروا وعاندوا الحق والباقون ~~هم الذين آمنوا منهم فإنهم يظهرون الحق ولا يكتمونه، وأما الجهلة ~~منهم فليست لهم معرفة بالكتاب ولا بما في تضاعيفه، فما هم بصدد الإظهار ~~ولا بصدد الكتم وإنما كفرهم على وجه التقليد { الحق } بالرفع على ~~أنه مبتدأ، وقوله تعالى: { من ربك } خبره واللام للعهد والإشارة ~~إلى ما عليه النبي صلى الله عليه وسلم أو إلى الحق الذي يكتمونه أو ~~للجنس، والمعنى: أن الحق ما ثبت أنه من الله تعالى كالذي أنت عليه لا ~~غيره كالذي عليه أهل الكتاب أو على أنه خبر مبتدإ محذوف أي هو ~~الحق، وقوله تعالى: { من ربك } إما حال أو خبر بعد ms0272 خبر، وقرىء ~~بالنصب على أنه بدل من الأول، أو مفعول ليعلمون. وفي التعرض لوصف ~~الربوبية مع الإضافة إلى ضميره عليه السلام من إظهار اللطف به عليه ~~السلام ما لا يخفى { فلا تكونن من الممترين } أي ~~الشاكين في كتمانهم الحق عالمين به وقيل في أنه من ربك، وليس المراد ~~نهي الرسول صلى الله عليه وسلم عن الشك لأنه غير متوقع منه عليه ~~الصلاة والسلام وليس بقصد واختيار بل إما تحقيق الأمر وأنه بحيث لا يشك ~~فيه ناظر، أو أمر الأمة باكتساب المعارف المزيحة للشك على الوجه ~~الأبلغ. ### || [2.148-150] # { ولكل } أي ولكل أمة من الأمم، على أن التنوين عوض من المضاف ~~إليه { وجهة } أي قبلة وقد قرىء كذلك أو لكل قوم من المسلمين جانب ~~من جوانب الكعبة { هو موليها } أحد المفعولين محذوف أي موليها ~~وجهه أو الله موليها إياه وقرىء ولكل وجهة بالإضافة والمعنى ولكل ~~وجهة الله موليها أهلها واللام مزيدة للتأكيد وجبر ضعف العامل، ~~وقرىء مولاها أي مولى تلك الجهة قد وليها { فاستبقوا ~~الخيرات } أي تسابقوا إليها بنزع الجار كما في قوله: # ثنائي عليكم آل حرب ومن يمل # سواكم فإني مهتد غير مائل # وهو أبلغ من الأمر بالمسارعة لما فيه من الحث على إحراز قصب السبق ~~والمراد بالخيرات جميع أنواعها من أمر القبلة وغيره مما ينال به ~~سعادة الدارين أو الفاضلات من الجهات وهي المسامتة للكعبة { أينما ~~تكونوا يأت بكم الله جميعا } أي في أي موضع تكونوا من ~~موافق أو مخالف مجتمع الأجزاء أو متفرقها يحشركم الله تعالى إلى ~~المحشر للجزاء، أو أينما تكونوا من أعماق الأرض وقلل الجبال يقبض ~~أرواحكم، أو أينما تكونوا من الجهات المختلفة المتقابلة يجعل ~~صلواتكم كأنها صلاة إلى جهة واحدة { إن الله على كل شىء ~~قدير } فيقدر على الإماتة والإحياء والجمع، فهو تعليل للحكم السابق ~~{ ومن حيث خرجت } تأكيد لحكم التحويل وتصريح بعدم تفاوت ~~الأمر في حالتي السفر والحضر ومن متعلقة بقوله تعالى: { فول } أو ~~بمحذوف عطف هو عليه أي من أي مكان خرجت إليه للسفر ms0273 فول { وجهك ~~} عند صلاتك { شطر المسجد الحرام } أو افعل ما أمرت به من ~~أي مكان خرجت إليه فول الخ { وأنه } أي هذا الأمر { للحق من ~~ربك } أي الثابت الموافق للحكمة { وما الله بغفل عما ~~تعملون } فيجازيكم بذلك أحسن جزاء فهو وعد للمؤمنين وقرىء يعملون ~~على صيغة الغيبة فهو وعيد للكافرين { ومن حيث خرجت } إليه في ~~أسفارك ومغازيك من المنازل القريبة والبعيدة { فول وجهك شطر ~~المسجد الحرام } الكلام فيه كما مر آنفا { وحيثما كنتم } من ~~أقطار الأرض مقيمين أو مسافرين حسبما يعرب عنه إيثار (كنتم) على ~~خرجتم فإن الخطاب عام لكافة المؤمنين المنتشرين في الآفاق من الحاضرين ~~والمسافرين، فلو قيل: وحيثما خرجتم لما تناول الخطاب المقيمين في ~~الأماكن المختلفة من حيث إقامتهم فيها { فولوا وجوهكم } من ~~محالكم { شطره } والتكرير لما أن القبلة لها شأن خطير، ~~والنسخ من مظان الشبهة والفتنة فبالحري أن يؤكد أمرها مرة بعد ~~أخرى مع أنه قد ذكر في كل مرة حكمة مستقلة { لئلا يكون ~~للناس عليكم حجة } متعلق بقوله تعالى: { فولوا } ~~[البقرة، الآيتان 144 - 150] وقيل: بمحذوف يدل عليه الكلام كأنه قيل: ~~فعلنا ذلك لئلا الخ والمعنى أن التولية عن الصخرة تدفع احتجاج اليهود ~~بأن المنعوت في التوراة من أوصافه أنه يحول إلى الكعبة، واحتجاج ~~المشركين بأنه يدعي ملة إبراهيم ويخالف قبلته { إلا الذين ~~ظلموا منهم } وهم أهل مكة، أي لئلا يكون لأحد من الناس حجة ~~إلا المعاندين منهم الذين يقولون ما تحول إلى الكعبة إلا ميلا إلى ~~دين قومه وحبا لبلده أو بدا له فرجع إلى قبلة آبائه، ويوشك أن ~~يرجع إلى دينهم. # وتسمية هذه الكلمة الشنعاء حجة مع أنها أفحش الأباطيل من قبيل ما ~~في قوله تعالى: # حجتهم داحضة # [الشورى، الآية 16] حيث كانوا يسوقونها مساق الحجة، وقيل: الحجة ~~بمعنى مطلق الاحتجاج، وقيل: الاستثناء للمبالغة في نفي الحجة رأسا ~~كالذي في قوله: [الطويل] # ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم # بهن فلول من قراع الكتائب # ضرورة أن لا حجة للظالم، وقرىء (ألا الذين) بحرف التنبيه على ~~استئناف { فلا ms0274 تخشوهم } فإن مطاعنهم لا تضركم شيئا { ~~واخشونى } فلا تخالفوا أمري { ولأتم نعمتى عليكم ~~ولعلكم تهتدون } علة محذوف يدل عليه النظم الكريم أي ~~أمرتكم بما مر لإتمامي للنعمة عليكم لما أنه نعمة جليلة ولإرادتي ~~لما أنه صراط مستقيم مؤد إلى سعادة الدارين، كما أشير إليه في قوله عز ~~وجل: # يهدى من يشآء إلى صرط مستقيم # [البقرة، الآية 142، 213. وسورة يونس، الآية 25. وسورة النور، الآية 46] ~~وفي التعبير عن الإرادة بكلمة لعل الموضوعة للترجي على طريقة ~~الاستعارة التبعية - من الدلالة على كمال العناية بالهداية - ما لا ~~يخفى، أو عطف على علة مقدرة، أي واخشوني لأحفظكم عنهم وأتم الخ أو ~~على قوله تعالى: لئلا يكون الخ وتوسيط قوله تعالى: فلا تخشوهم الخ ~~بينهما للمسارعة إلى التسلية والتثبيت، وفي الخبر: " تمام النعمة ~~دخول الجنة " وعن علي رضي الله عنه: " تمام النعمة الموت على ~~الإسلام " ### || [2.151] # { كما أرسلنا فيكم رسولا منكم } متصل بما قبله، ~~والظرف الأول متعلق بالفعل قدم على مفعوله الصريح لما في صفاته من ~~الطول، والظرف الثاني متعلق بمضمر وقع صفة لرسولا مبينة لتمام ~~النعمة، أي ولأتم نعمتي عليكم في أمر القبلة أو في الآخرة إتماما ~~كائنا كإتمامي لها بإرسال رسول كائن منكم، فإن إرسال الرسول لا سيما ~~المجانس لهم نعمة لا يكافئها نعمة قط، وقيل: متصل بما بعده أي كما ~~ذكرتم بالإرسال فاذكروني الخ وإيثار صيغة المتكلم مع الغير بعد ~~التوجيه فيما قبله افتنان وجريان على سنن الكبرياء { يتلو ~~عليكم ءايتنا } صفة ثانية لرسول كاشفة لكمال النعمة { ~~ويزكيكم } عطف على يتلو أي يحملكم على ما تصيرون به أزكياء { ~~ويعلمكم الكتب والحكمة } صفة أخرى مترتبة في الوجود ~~على التلاوة وإنما وسط بينهما التزكية التي هي عبارة عن تكميل ~~النفس بحسب القوة العملية وتهذيبها المتفرع على تكميلها بحسب ~~القوة النظرية الحاصل بالتعليم المترتب على التلاوة للإيذان بأن كلا من ~~الأمور المترتبة نعمة جليلة على حيالها مستوجبة للشكر، فلو روعي ~~ترتيب الوجود كما في قوله تعالى: # وابعث فيهم رسولا منهم يتلوا عليهم آيتك ~~ويعلمهم الكتب والحكمة ويزكيهم ms0275 إنك أنت ~~العزيز الحكيم # [البقرة، الآية 129] لتبادر إلى الفهم كون الكل نعمة واحدة كما مر ~~نظيره في قصة البقرة، وهو السر في التعبير عن القرآن تارة بالآيات ~~وأخرى بالكتاب والحكمة رمزا إلى أنه باعتبار كل عنوان نعمة على ~~حدة، ولا يقدح فيه شمول الحكمة لما في تضاعيف الأحاديث الشريفة من ~~الشرائع، وقوله عز وجل: { ويعلمكم ما لم تكونوا ~~تعلمون } صريح في ذلك فإن الموصول مع كونه عبارة عن الكتاب ~~والحكمة قطعا قد عطف تعليمه على تعليمها، وما ذلك إلا لتفصيل فنون ~~النعم في مقام يقتضيه كما في قوله تعالى: # ونجيناهم من عذاب غليظ # [هود، الآية 58] عقيب قوله تعالى: # نجينا هودا والذين ءامنوا معه برحمة منا # [هود، الآية 58] والمراد بعدم علمهم أنه ليس من شأنهم أن يعلموه بالكفر ~~والنظر وغير ذلك من طرق العلم لانحصار الطريق في الوحي. ### || [2.152-154] # { فاذكرونى } الفاء للدلالة على ترتب الأمر على ما قبله من ~~موجباته أي فاذكروني بالطاعة { أذكركم } بالثواب، وهو تحريض على ~~الذكر مع الإشعار بما يوجبه { واشكروا لي } ما أنعمت به عليكم من ~~النعم { ولا تكفرون } بجحدها وعصيان ما أمرتكم به. # { يا أيها الذين آمنوا } وصفهم بالإيمان إثر تعداد ما يوجبه ~~ويقتضيه تنشيطا لهم وحثا على مراعاة ما يعقبه من الأمر { ~~استعينوا } في كل ما تأتون وما تذرون { بالصبر } على الأمور ~~الشاقة على النفس التي من جملتها معاداة الكفرة ومقابلتهم المؤدية ~~إلى مقاتلتهم { والصلوة } التي هي أم العبادات ومعراج المؤمنين ~~ومناجاة رب العالمين { إن الله مع الصبرين } تعليل ~~للأمر بالاستعانة بالصبر خاصة لما أنه المحتاج إلى التعليل، وأما ~~الصلاة فحيث كانت عند المؤمنين أجل المطالب كما ينبىء عنه قوله عليه ~~الصلاة والسلام: # " وجعلت قرة عيني في الصلاة " # لم يفتقر الأمر بالاستعانة بها إلى التعليل، ومعنى المعية الولاية ~~الدائمة المستتبعة للنصرة وإجابة الدعوة، ودخول مع على الصابرين لما ~~أنهم المباشرون للصبر حقيقة فهم متبوعون من تلك الحيثية { ولا ~~تقولوا } عطف على استعينوا الخ مسوق لبيان أن لا غاية للمأمور ~~به وإنما الشهادة التي ربما يؤدي ms0276 إليها الصبر حياة أبدية { لمن ~~يقتل فى سبيل الله أموات } أي هم أموات { بل أحياء } ~~أي بل هم أحياء { ولكن لا تشعرون } بحياتهم وفية رمز إلى ~~أنها ليست مما يشعر به بالمشاعر الظاهرة من الحياة الجسمانية وإنما ~~هي أمر روحاني لا يدرك بالعقل بل بالوحي، وعن الحسن رحمه الله أن ~~الشهداء أحياء عند الله تعرض أرزاقهم على أرواحهم فيصل إليهم ~~الروح والفرح، كما تعرض النار على آل فرعون غدوا وعشيا ~~فيصل إليهم الألم والوجع. # قلت: رأيت في المنام سنة تسع وثلاثين وتسعمائة أني أزور قبور شهداء ~~أحد رضي الله تعالى عنهم أجمعين وأنا أتلو هذه الآية وما في سورة آل ~~عمران وأرددهما متفكرا في أمرهم وفي نفسي أن حياتهم روحانية لا ~~جثمانية، فبينما أنا على ذلك إذ رأيت شابا منهم قاعدا في قبره تام ~~الجسد كامل الخلقة في أحسن ما يكون من الهيئة والمنظر، ليس عليه ~~شيء من اللباس قد بدا منه ما فوق السرة والباقي في القبر خلا أني أعلم ~~يقينا أن ذلك أيضا كما ظهر وإنما لا يظهر لكونه عورة فنظرت إلى وجهه ~~فرأيته ينظر إلي متبسما كأنه ينبهني على أن الأمر بخلاف رأيي ~~فسبحان من علت كلمته وجلت حكمته. # وقيل: الآية نزلت في شهداء بدر وكانوا أربعة عشر، وفيها دلالة على ~~أن الأرواح جواهر قائمة بأنفسها مغايرة لما يحس به من البدن ~~تبقى بعد الموت دراكة، وعليه جمهور الصحابة والتابعين رضوان الله تعالى ~~عليهم أجمعين، وبه نطقت السنن، وعلى هذا فتخصيص الشهداء بذلك لما ~~يستدعيه مقام التحريض على مباشرة مبادي الشهادة ولاختصاصهم بمزيد ~~القرب من الله عز وعلا. ### || [2.155-157] # { ولنبلونكم } لنصيبنكم إصابة من يختبر أحوالكم أتصبرون ~~على البلاء وتستسلمون للقضاء { بشيء من الخوف والجوع } أي ~~بقليل من ذلك فإن ما وقاهم عنه أكثر بالنسبة إلى ما أصابهم بألف مرة ~~وكذا ما يصيب به معانديهم، وإنما أخبر به قبل الوقوع ليوطنوا عليه ~~نفوسهم ويزداد يقينهم عند مشاهدتهم له حسبما أخبر به وليعلموا أنه ~~شيء يسير له عاقبة حميدة ms0277 { ونقص من الأموال والأنفس ~~والثمرت } عطف على شيء وقيل: على الخوف، وعن الشافعي رحمه ~~الله: الخوف خوف الله والجوع صوم رمضان، ونقص من الأموال الزكاة ~~والصدقات ومن الأنفس الأمراض ومن الثمرات موت الأولاد. وعن النبي صلى ~~الله عليه وسلم: # " إذا مات ولد العبد قال الله تعالى للملائكة: أقبضتم روح عبدي؟ ~~فيقولون: نعم فيقول عز وجل: أقبضتم ثمرة قلبه؟ فيقولون: نعم فيقول الله ~~تعالى: ماذا قال عبدي؟ فيقولون: حمدك واسترجع فيقول الله عز وعلا: ~~ابنوا لعبدي بيتا في الجنة وسموه بيت الحمد " # { وبشر الصبرين * الذين إذا أصبتهم مصيبة ~~قالوا إنا لله وإنا إليه رجعون } الخطاب للرسول ~~صلى الله عليه وسلم أو لكل من يتأتى منه البشارة، والمصيبة ما يصيب ~~الإنسان من مكروه لقوله عليه السلام: # " كل شيء يؤذي المؤمن فهو له مصيبة " # وليس الصبر هو الاسترجاع باللسان بل بالقلب بأن يتصور ما خلق له ~~وأنه راجع إلى ربه ويتذكر نعم الله تعالى عليه ويرى أن ما أبقى ~~عليه أضعاف ما استرد منه، فيهون ذلك على نفسه ويستسلم، والمبشر به ~~محذوف دل عليه ما بعده { أولئك } إشارة إلى الصابرين باعتبار ~~اتصافهم بما ذكر من النعوت، ومعنى البعد فيه للإيذان بعلو رتبتهم { ~~عليهم صلوت من ربهم ورحمة } الصلاة من الله سبحانه ~~المغفرة والرأفة، وجمعها للتنبيه على كثرتها وتنوعها والجمع ~~بينها وبين الرحمة للمبالغة كما في قوله تعالى: # رأفة ورحمة # [الحديد، الآية 10] # لرءوف رحيم # [البقرة، الآية 117 و128. وسورة النور، الآية 20. وسورة الحشر، الآية ~~10] والتنوين فيهما للتفخيم، والتعرض لعنوان الربوبية مع الإضافة إلى ~~ضميرهم لإظهار مزيد العناية بهم أي أولئك الموصوفون بما ذكر من النعوت ~~الجليلة عليهم فنون الرأفة الفائضة من مالك أمورهم ومبلغهم إلى ~~كمالاتها اللائقة بهم. وعن النبي صلى الله عليه وسلم: # " من استرجع عند المصيبة جبر الله مصيبته وأحسن عقباه وجعل له ~~خلفا صالحا يرضاه " # { وأولئك } إشارة إليهم إما بالاعتبار السابق، والتكرير ~~لإظهار كمال العناية بهم، وإما باعتبار حيازتهم لما ذكر من الصلوات ~~والرحمة المترتب على الاعتبار الأول، فعلى الأول المراد ms0278 بالاهتداء في ~~قوله عز وجل: { هم المهتدون } هو الاهتداء للحق والصواب مطلقا ~~لا الاهتداء لما ذكر من الاسترجاع والاستسلام خاصة، لما أنه متقدم ~~عليهما فلا بد لتأخيره عما هو نتيجة لهما من داع يوجبه، وليس بظاهر. ~~والجملة اعتراض مقرر لمضمون ما قبله كأنه قيل: وأولئك هم المختصون ~~بالاهتداء لكل حق وصواب ولذلك استرجعوا واستسلموا لقضاء الله تعالى، ~~وعلى الثاني هو الاهتداء والفوز بالمطالب، والمعنى أولئك هم الفائزون ~~بمباغيهم الدينية والدنيوية فإن من نال رأفة الله تعالى ورحمته لم ~~يفته مطلب. ### || [2.158] # { إن الصفا والمروة } علمان لجبلين بمكة المعظمة ~~كالصمان والمقطم { من شعائر الله } من أعلام مناسكه جمع ~~شعيرة وهي العلامة { فمن حج البيت أو اعتمر } الحج في ~~اللغة القصد والاعتمار الزيارة غلبا في الشريعة على قصد البيت ~~وزيارته على الوجهين المعروفين كالبيت والنجم في الأعيان، وحيث أظهر ~~البيت وجب تجريده عن التعلق به { فلا جناح عليه أن ~~يطوف بهما } أي في أن يطوف بهما أصله يتطوف، قلبت التاء طاء ~~فأدغمت الطاء في الطاء، وفي إيراد صيغة التفعل إيذان بأن من حق ~~الطائف أن يتكلف في الطواف ويبذل فيه جهده، وهذا الطواف واجب عندنا، ~~وعن الشافعي ومالك رحمهما الله أنه ركن، وإيراده بعدم الجناح المشعر ~~بالتخيير لما أنه كان في عهد الجاهلية على الصفا صنم يقال له إساف، ~~وعلى المروة آخر اسمه نائلة وكانوا إذا سعوا بينهما مسحوا بهما، ~~فلما جاء الإسلام وكسر الأصنام تحرج المسلمون أن يطوفوا بينهما ~~لذلك، فنزلت. وقيل: هو تطوع، ويعضده قراءة ابن مسعود فلا جناح ~~عليه أن لا يطوف بهما { ومن تطوع خيرا } أي فعل طاعة فرضا ~~كان أو نفلا أو زاد على ما فرض عليه من حج أو عمرة أو طواف، وخيرا ~~حينئذ نصب على أنه صفة لمصدر محذوف أي تطوعا خيرا، أو على حذف الجار ~~وإيصال الفعل إليه، أو على تضمين معنى فعل، وقرىء يطوع وأصله يتطوع ~~مثل يطوف وقرىء ومن يتطوع بخير { فإن الله شاكر } أي ~~مجاز على الطاعة عبر عن ذلك بالشكر ms0279 مبالغة في الإحسان إلى العباد { ~~عليم } مبالغ في العلم بالأشياء فيعلم مقادير أعمالهم وكيفياتها ~~فلا ينقص من أجورهم شيئا، وهو علة لجواب الشرط قائم مقامه، كأنه ~~قيل: ومن تطوع خيرا جازاه الله وأثابه فإن الله شاكر عليم. ### || [2.159-160] # { إن الذين يكتمون } قيل: نزلت في أحبار اليهود الذين كتموا ~~ما في التوراة من نعوت النبي صلى الله عليه وسلم وغير ذلك من الأحكام. ~~وعن ابن عباس ومجاهد وقتادة والحسن والسدي والربيع والأصم أنها ~~نزلت في أهل الكتاب من اليهود والنصارى، وقيل: نزلت في كل من كتم شيئا ~~من أحكام الدين لعموم الحكم للكل، والأقرب هو الأول فإن عموم الحكم ~~لا يأبى خصوص السبب والكتم والكتمان ترك إظهار الشيء قصدا مع مساس ~~الحاجة إليه وتحقق الداعي إلى إظهاره، وذلك قد يكون بمجرد ستره ~~وإخفائه وقد يكون بإزالته ووضع شيء آخر في موضعه، وهو الذي فعله ~~هؤلاء. # { مآ أنزلنا من البينت } من الآيات الواضحة الدالة على ~~أمر محمد صلى الله عليه وسلم { والهدى } أي والآيات الهادية إلى ~~كنه أمره ووجوب اتباعه والإيمان به، عبر عنها بالمصدر مبالغة ولم ~~يجمع مراعاة للأصل وهي المرادة بالبينات أيضا والعطف لتغاير ~~العنوان كما في قوله عز وجل: # هدى للناس وبينت # [البقرة، الآية 185] الخ وقيل: المراد بالهدى الأدلة العقلية ويأباه ~~الإنزال والكتم { من بعد ما بينه للناس } متعلق ~~بيكتمون والمراد بالناس الكل لا الكاتمون فقط واللام متعلقة ببيناه، ~~وكذا الظرف في قوله تعالى: { فى الكتب } فإن تعلق جارين بفعل ~~واحد عند اختلاف المعنى مما لا ريب في جوازه أو الأخير متعلق بمحذوف ~~وقع حالا من مفعوله أي كائنا في الكتاب وتبيينها لهم تلخيصه ~~وإيضاحه بحيث يتلقاه كل أحد منهم من غير أن يكون له فيه شبهة، وهذا ~~عنوان مغاير لكونه بينا في نفسه، و(هدى) مؤكدا لقبح الكتم، أو ~~تفهيمه لهم بواسطة موسى عليه السلام والأول أنسب بقوله تعالى في ~~الكتاب، والمراد بكتمه إزالته ووضع غيره في موضعه فإنهم محوا نعته ~~عليه الصلاة والسلام وكتبوا مكانه ما يخالفه كما ms0280 ذكرناه في تفسير قوله عز ~~وعلا: # فويل للذين يكتبون الكتب # [البقرة، الآية 79] الخ { أولئك } إشارة إليهم باعتبار ما وصفوا ~~به للإشعار بعليته لما حاق بهم، وما فيه من معنى البعد للإيذان ~~بترامي أمرهم وبعد منزلتهم في الفساد { يلعنهم الله } أي ~~يطردهم ويبعدهم من رحمته، والالتفات إلى الغيبة بإظهار اسم الذات ~~الجامع للصفات لتربية المهابة وإدخال الروعة والإشعار بأن مبدأ ~~صدور اللعن عنه سبحانه صفة الجلال المغايرة لما هو مبدأ الإنزال ~~والتبيين من وصف الجمال والرحمة { ويلعنهم اللعنون } ~~أي الذين يتأتى منهم اللعن أي الدعاء عليهم باللعن من الملائكة ومؤمني ~~الثقلين، والمراد بيان دوام اللعن واستمراره، وعليه يدور الاستثناء ~~المتصل في قوله تعالى: { إلا الذين تابوا } أي عن الكتمان { ~~وأصلحوا } أي ما أفسدوا بأن أزالوا الكلام وكتبوا مكانه ما كانوا ~~أزالوه عند التحريف { وبينوا } للناس معانيه فإنه غير الإصلاح ~~المذكور، أو بينوا لهم ما وقع منهم أولا وآخرا، فإنه أدخل في إرشاد ~~الناس إلى الحق، وصرفهم عن طريق الضلال الذي كانوا أوقعوهم فيه أو ~~بينوا توبتهم ليمحوا به سمة ما كانوا فيه ويقتدي بهم أضرابهم، ~~وحيث كانت هذه التوبة المقرونة بالإصلاح والتبيين مستلزمة للتوبة عن ~~الكفر مبينة عليها لم يصرح بالإيمان. # وقوله تعالى: { فأولئك } إشارة إلى الموصول باعتبار اتصافه ~~بما في حيز الصلة للإشعار بعليته للحكم، والفاء لتأكيد ذلك { أتوب ~~عليهم } أي بالقبول وإفاضة المغفرة والرحمة، وقوله تعالى: { ~~وأنا التواب الرحيم } أي المبالغ في قبول التوب ونشر ~~الرحمة، اعتراض تذييلي محقق لمضمون ما قبله، والالتفات إلى التكلم ~~للافتنان في النظم الكريم مع ما فيه من التلويح والرمز إلى ما مر من ~~اختلاف المبدأ في فعليه تعالى السابق واللاحق. ### || [2.161-163] # { إن الذين كفروا } جملة مستأنفة سيقت لتحقيق بقاء اللعن ~~فيما وراء الاستثناء وتأكيد دوامه واستمراره على غير التائبين حسبما ~~يفيده الكلام، والاقتصار على ذكر الكفر في الصلة من غير تعرض لعدم ~~التوبة والإصلاح والتبيين مبني على ما أشير إليه فكما أن وجود تلك ~~الأمور الثلاثة مستلزم للإيمان الموجب لعدم الكفر كذلك وجود ms0281 الكفر ~~مستلزم لعدمها جميعا أي أن الذين استمروا على الكفر المستتبع للكتمان ~~وعدم التوبة { وماتوا وهم كفار } لا يرعوون عن حالتهم الأولى ~~{ أولئك } الكلام كما فيما قبله { عليهم } أي مستقر ~~عليهم { لعنة الله والملئكة والناس أجمعين } ممن ~~يعتد بلعنهم، وهذا بيان لدوامها الثبوتي بعد بيان دوامها ~~التجددي، وقيل: الأول لعنتهم أحياء وهذا لعنتهم أمواتا. وقرىء ~~والملائكة والناس أجمعون عطفا على محل اسم الله لأنه فاعل في ~~المعنى، كقولك: أعجبني ضرب زيد وعمرو، تريد من أن ضرب زيد ~~وعمرو، كأنه قيل: أولئك عليهم أن لعنهم الله والملائكة الخ وقيل: هو ~~فاعل لفعل مقدر أي ويلعنهم الملائكة { خلدين فيها } أي في ~~اللعنة أو في النار على أنها أضمرت من غير ذكر تفخيما لشأنها وتهويلا ~~لأمرها { لا يخفف عنهم العذاب } إما مستأنف لبيان كثرة ~~عذابهم من حيث الكيف إثر بيان كثرته من حيث الكم أو حال من ~~الضمير في خالدين على وجه التداخل أو من الضمير في عليهم على طريقة ~~الترادف { ولا هم ينظرون } عطف على ما قبله جار فيه، وإيثار ~~الجملة الاسمية لإفادة دوام النفي واستمراره أي لا يمهلون ولا ~~يؤجلون أو لا ينتظرون ليعتذروا أو لا ينظر إليهم نظر رحمة { ~~وإلهكم } خطاب عام لكافة الناس أي المستحق منكم للعبادة { ~~إله وحد } أي فرد في الإلهية لا صحة لتسمية غيره إلها ~~أصلا { لا إله إلا هو } خبر ثان للمبتدأ أو صفة أخرى ~~للخبر أو اعتراض، وأيا ما كان فهو مقرر للوحدانية ومزيح لما عسى ~~أن يتوهم أن في الوجود إلها لكن لا يستحق العبادة { الرحمن ~~الرحيم } خبران آخران للمبتدأ أو لمبتدأ محذوف وهو تقرير للتوحيد ~~فإنه تعالى حيث كان موليا لجميع النعم أصولها وفروعها جليلها ~~ودقيقها وكان ما سواه كائنا ما كان مفتقرا إليه في وجوده وما يتفرع ~~عليه من كمالاته تحققت وحدانيته بلا ريب وانحصر استحقاق العبادة فيه ~~تعالى قطعا. # قيل: كان للمشركين حول الكعبة المكرمة ثلثمائة وستون صنما فلما سمعوا ~~هذه الآية تعجبوا وقالوا: إن كنت صادقا فأت بآية نعرف ms0282 بها صدقك ~~فنزلت. ### || [2.164] # { إن في خلق السموات والأرض } أي في إبداعهما على ما ~~هما عليه مع ما فيهما من تعاجيب العبر وبدائع صنائع يعجز عن فهمها ~~عقول البشر، وجمع السموات لما هو المشهور من أنها طبقات متخالفة ~~الحقائق دون الأرض { واختلف اليل والنهار } أي ~~اعتقابهما وكون كل منهما خلفا للآخر كقوله تعالى: # وهو الذى جعل اليل والنهار خلفة # [الفرقان، الآية 62] أو اختلاف كل منهما في أنفسهما ازديادا وانتقاصا ~~على ما قدره الله تعالى { والفلك التى تجرى فى البحر } ~~عطف على ما قبله، وتأنيثه إما بتأويل السفينة أو بأنه جمع فإن ضمة ~~الجمع مغايرة لضمة الواحد في التقدير إذ الأولى كما في حمر والثانية ~~كما في قفل وقرىء بضم اللام { بما ينفع الناس } أي ملتبسة ~~بالذي ينفعهم مما يحمل فيها من أنواع المنافع أو بنفعهم { وما ~~أنزل الله من السماء من ماء } عطف على الفلك، وتأخيره عن ~~ذكرها مع كونه أعم منها نفعا لما فيه من مزيد تفصيل وقيل: المقصود ~~الاستدلال بالبحر وأحواله، وتخصيص الفلك بالذكر لأنه سبب الخوض فيه ~~والاطلاع على عجائبه، ولذلك قدم على ذكر المطر والسحاب لأن منشأهما ~~البحر في غالب الأمر، و(من) الأولى ابتدائية والثانية بيانية أو ~~تبعيضية، وأيا ما كان فتأخيرها لما مر مرارا من التشويق، والمراد ~~بالسماء الفلك أو السحاب أو جهة العلو { فأحيا به الأرض } ~~بأنواع النبات والإزهار وما عليها من الأشجار { بعد موتها } ~~باستيلاء اليبوسة عليها حسبما تقتضيه طبيعتها كما يوزن به إيراد ~~الموت في مقابلة الإحياء { وبث فيها } أي فرق ونشر { من كل ~~دابة } من العقلاء وغيرهم، والجملة معطوفة على (أنزل) داخلة تحت ~~حكم الصلة، وقوله تعالى: فأحيا الخ متصل بالمعطوف عليه بحيث كانا في ~~حكم شيء واحد، كأنه قيل: وما أنزل في الأرض من ماء وبث فيها الخ أو ~~على أحيا بحذف الجار والمجرور العائد إلى الموصول، وإن لم تتحقق ~~الشرائط المعهودة كما في قوله: [الطويل] # وإن لساني شهدة يشتفى بها # ولكن على من صبه الله علقم # أي علقم عليه ms0283 وقوله: # لعل الذي أصعدتني أن يردني # إلى الأرض إن لم يقدر الخير قادره # على معنى فأحيا بالماء الأرض وبث فيها من كل دابة فإنهم ينمون بالخصب ~~ويعيشون بالحيا { وتصريف الرياح } عطف على (ما أنزل) أي ~~تقليبها من مقلب إلى آخر أو من حال إلى أخرى، وقرىء على الإفراد { ~~والسحاب } عطف على تصريف أو الرياح، وهو اسم جنس واحده سحابة ~~سمي بذلك لانسحابه في الجو { المسخر بين السماء والأرض } ~~صفة للسحاب باعتبار لفظه، وقد يعتبر معناه فيوصف بالجمع كما في قوله ~~تعالى: # سحابا ثقالا # [سورة الأعراف، الآية 57] وتسخيره تقليبه في الجو بواسطة الرياح ~~حسبما تقتضيه مشيئة الله تعالى، ولعل تأخير تصريف الرياح وتسخير ~~السحاب في الذكر عن جريان الفلك وإنزال الماء مع انعكاس الترتيب ~~الخارجي لما مر في قصة البقرة من الإشعار باستقلال كل من الأمور ~~المعدودة في كونها آية، ولو روعي الترتيب الخارجي لربما توهم ~~كون المجموع المترتب بعضه على بعض آية واحدة { لايات } اسم ~~(إن) دخلته اللام لتأخره عن خبرها، والتنكير للتفخيم كما وكيفا، أي ~~آيات عظيمة كثيرة دالة على القدرة القاهرة والحكمة الباهرة، ~~والرحمة الواسعة المقتضية لاختصاص الألوهية به سبحانه { لقوم ~~يعقلون } أي يتفكرون فيها وينظرون إليها بعيون العقول، وفيه تعريض ~~بجهل المشركين الذين اقترحوا على النبي صلى الله عليه وسلم آية تصدقه ~~في قوله تعالى: # وإلهكم إله وحد # [البقرة، الآية: 163] وتسجيل عليهم بسخافة العقول وإلا فمن تأمل في ~~تلك الآيات وجد كلا منها ناطقة بوجوده تعالى ووحدانيته وسائر صفاته ~~الكمالية الموجبة لتخصيص العبادة به تعالى واستغني بها عن سائرها فإن ~~كل واحد من الأمور المعدودة قد وجد على وجه خاص من الوجوه الممكنة ~~دون ما عداه مستتبعا لآثار معينة وأحكام مخصوصة من غير أن تقتضي ~~ذاته وجوده فضلا عن وجوده على نمط معين مستتبع لحكم مستقل، فإذن لا ~~بد له حتما من موجد قادر حكيم يوجده حسبما تقتضيه حكمته وتستدعيه ~~مشيئته متعال عن معارضة الغير، إذ لو كان معه آخر يقدر على ما يقدر ~~عليه لزم إما ms0284 اجتماع المؤثرين على أثر واحد، أو التمانع المؤدي ~~إلى فساد العالم. ### || [2.165] # { ومن الناس من يتخذ من دون الله } بيان لكمال ~~ركاكة آراء المشركين إثر تقرير وحدانيته سبحانه وتحرير الآيات ~~الباهرة الملجئة للعقلاء إلى الاعتراف بها الفائضة باستحالة أن ~~يشاركه شيء من الموجودات في صفة من صفات الكمال فضلا عن المشاركة في ~~صفات الألوهية، والكلام في إعرابه كما فصل في قوله تعالى: # ومن الناس من يقول ءامنا بالله وباليوم الأخر # [البقرة، الآية 8] الخ ومن دون الله متعلق بيتخذ أي من الناس من يتخذ ~~من دون ذلك الإله الواحد الذي ذكرت شؤونه الجليلة، وإيثار الاسم ~~الجليل لتعيينه تعالى بالذات غب تعيينه بالصفات { أندادا } أي ~~أمثالا وهم رؤساؤهم الذين يتبعونهم فيما يأتون وما يذرون، لا سيما في ~~الأوامر والنواهي كما يفصح عنه ما سيأتي من وصفهم بالتبري من ~~المتبعين وقيل: هي الأصنام، وإرجاع ضمير العقلاء إليها في قوله عز ~~وعلا: { يحبونهم } مبني على آرائهم الباطلة في شأنها، وصفهم ~~بما لا يوصف به إلا العقلاء، والمحبة ميل القلب، من الحب استعير ~~لحبة القلب ثم اشتق منه الحب لأنه أصابها ورسخ فيها، والفعل منها ~~حب على حد مد لكن الاستعمال المستفيض على أحب حبا ومحبة فهو ~~محب وذاك محبوب ومحب قليل، وحاب أقل منه ومحبة العبد لله سبحانه ~~إرادة طاعته في أوامره ونواهيه، والاعتناء بتحصيل مراضيه، فمعنى ~~يحبونهم يطيعونهم ويعظمونهم والجملة في حيز النصب إما صفة لأندادا أو ~~حال من فاعل يتخذ وجمع الضمير باعتبار معنى من كما أن إفراده ~~باعتبار لفظها { كحب الله } مصدر تشبيهي أو نعت لمصدر مؤكد ~~للفعل السابق ومن قضية كونه مبنيا للفاعل كونه أيضا كذلك، والظاهر ~~اتحاد فاعلهما فإنهم كانوا يقرون به تعالى أيضا ويتقربون إليه ~~فالمعنى حبا كائنا كحبهم لله تعالى، أي يسوون بينه تعالى وبينهم في ~~الطاعة والتعظيم، وقيل: فاعل الحب المذكور هم المؤمنون فالمعنى حبا ~~كائنا كحب المؤمنين له تعالى، فلا بد من اعتبار المشابهة بينهما في أصل ~~الحب لا في وصفه كما أو كيفا لما ms0285 سيأتي من التفاوت البين وقيل: هو ~~مصدر من المبني للمفعول أي كما يحب الله تعالى ويعظم، وإنما استغني عن ~~ذكر من يحبه لأنه غير ملبس، وأنت خبير بأنه لا مشابهة بين محبتهم ~~لأندادهم وبين محبوبيته تعالى، فالمصير حينئذ ما أسلفناه في تفسير ~~قوله عز قائلا: # كما سئل موسى من قبل # [البقرة، الآية 108] وإظهار الاسم الجليل في مقام الإضمار لتربية ~~المهابة، وتفخيم المضاف وإبانة كمال قبح ما ارتكبوه. # { والذين ءامنوا أشد حبا لله } جملة مبتدأة جيء بها ~~توطئة لما يعقبها من بيان رخاوة حبهم وكونه حسرة عليهم، والمفضل ~~عليه محذوف أي المؤمنون أشد حبا له تعالى منهم لأندادهم، ومآله أن ~~حب أولئك له تعالى أشد من حب هؤلاء لأندادهم فيه من الدلالة على ~~كون الحب مصدرا من المبني للفاعل ما لا يخفى، وإنما لم يجعل المفضل ~~عليه حبهم لله تعالى لما أن المقصود بيان انقطاعه وانقلابه بغضا ~~وذلك إنما يتصور في حبهم لأندادهم لكونه منوطا بمبان فاسدة ومباد ~~موهومة يزول بزوالها، قيل: ولذلك كانوا يعدلون عنها عند الشدائد إلى ~~الله سبحانه وكانوا يعبدون صنما أياما فإذا وجدوا آخر رفضوه إليه. # وقد أكلت باهلة إلها عام المجاعة وكان من حيس. وأنت خبير بأن ~~مدار ذلك اعتبار اختلال حبهم لها في الدنيا، وليس الكلام فيه بل في ~~انقطاعه في الآخرة عند ظهور حقيقة الحال ومعاينة الأهوال كما سيأتي بل ~~اعتباره مخل بما يقتضيه مقام المبالغة في بيان كمال قبح ما ~~ارتكبوه وغاية عظم ما اقترفوه، وإيثار الإظهار في موضع الإضمار لتفخيم ~~الحب والإشعار بعلته { ولو يرى الذين ظلموا } أي ~~باتخاذ الأنداد ووضعها موضع المعبود { إذ يرون العذاب } ~~المعد لهم يوم القيامة أي لو علموا إذا عاينوه، وإنما أوثر صيغة ~~المستقبل لجريانها مجرى الماضي في الدلالة على التحقيق في أخبار علام ~~الغيوب { أن القوة لله جميعا } ساد مسد مفعولي يرى { ~~وأن الله شديد العذاب } عطف عليه وفائدته المبالغة في ~~تهويل الخطب وتفظيع الأمر فإن اختصاص القوة به تعالى لا يوجب شدة ~~العذاب لجواز تركه ms0286 عفوا مع القدرة عليه، وجواب لو محذوف للإيذان ~~بخروجه عن دائرة البيان، إما لعدم الإحاطة بكنهه وإما لضيق العبارة ~~عنه وإما لإيجاب ذكره ما لا يستطيعه المعبر أو المستمع من الضجر ~~والتفجع عليه أي لو علموا إذ رأوا العذاب قد حل بهم ولم ينقذهم ~~منه أحد من أندادهم أن القوة لله جميعا، ولا دخل لأحد في شيء أصلا ~~لوقعوا من الحسرة والندم فيما لا يكاد يوصف وقرىء ولو ترى بالتاء ~~الفوقانية على أن الخطاب للرسول صلى الله عليه وسلم أو لكل أحد ممن ~~يصلح للخطاب فالجواب حينئذ لرأيت أمرا لا يوصف من الهول والفظاعة، ~~وقرىء إذ يرون على البناء للمفعول وأن الله شديد العذاب على الاستئناف ~~وإضمار القول. ### || [2.166] # { إذ تبرأ الذين اتبعوا } بدل من (إذ يرون) أي إذ تبرأ ~~الرؤساء { من الذين اتبعوا } من الأتباع بأن اعترفوا ببطلان ~~ما كانوا يدعونه في الدنيا ويدعونهم إليه من فنون الكفر والضلال ~~واعتزلوا عن مخالطتهم وقابلوهم باللعن كقول إبليس: # إني كفرت بمآ أشركتمون من قبل # [إبراهيم، الآية 22] وقرىء بالعكس أي تبرأ الأتباع من الرؤساء والواو ~~في قوله عز وجل: { ورأوا العذاب } حالية وقد مضمرة، وقيل: ~~عاطفة على (تبرأ) والضمير في رأوا للموصوفين جميعا { وتقطعت ~~بهم الأسباب } الوصلة التي كانت بينهم من التبعية والمتبوعية ~~والاتفاق على الملة الزائغة والأغراض الداعية إلى ذلك، وأصل السبب ~~الحبل الذي يرتقى به الشجر ونحوه، والجملة معطوفة على (تبرأ) ~~وتوسيط الحال بينهما للتنبيه على علة التبري، وقد جوز عطفها على ~~الجملة الحالية. ### || [2.167-168] # { وقال الذين اتبعوا } حين عاينوا تبرؤ الرؤساء منهم ~~وندموا على ما فعلوا من اتباعهم لهم في الدنيا { لو أن لنا ~~كرة } أي ليت لنا رجعة إلى الدنيا { فنتبرأ منهم } هناك ~~{ كما تبرءوا منا } اليوم { كذلك } إشارة إلى مصدر الفعل الذي ~~بعده لا إلى شيء آخر مفهوم مما سبق، وما فيه من معنى البعد للإيذان ~~بعلو درجة المشار إليه وبعد منزلته مع كمال تميزه عما عداه ~~وانتظامه في سلك الأمور المشاهدة، والكاف مقحمة لتأكيد ما أفاده ms0287 ~~اسم الإشارة من الفخامة، ومحله النصب على المصدرية أي ذلك الإراء ~~الفظيع { يريهم الله أعملهم حسرت عليهم } أي ~~ندامات شديدة فإن الحسرة شدة الندم والكمد، وهي تألم القلب ~~وانحساره عما يؤلمه، واشتقاقه من قولهم بعير حسير أي منقطع القوة ~~وهي ثالث مفاعيل يري إن كان من رؤية القلب وإلا فهي حال، والمعنى أن ~~أعمالهم تنقلب حسرات عليهم فلا يرون إلا حسرات مكان أعمالهم { ~~وما هم بخرجين من النار } كلام مستأنف لبيان حالهم ~~بعد دخولهم النار، والأصل وما يخرجون، والعدول إلى الاسمية لإفادة ~~دوام نفي الخروج، والضمير للدلالة على قوة أمرهم فيما أسند إليهم ~~كما في قوله: # هم يفرشون اللبد كل طمرة # وأجرد سباق يبز المغالبا # { يأيها الناس كلوا مما فى الأرض } أي بعض ما فيها ~~من أصناف المأكولات التي من جملتها ما حرمتموه افتراء على الله من ~~الحرث والأنعام. قال ابن عباس رضي الله عنهما: نزلت في قوم من ثقيف ~~وبني عامر بن صعصعة وخزاعة وبني مدلج حرموا على أنفسهم ما ~~حرموا من الحرث والبحائر والسوائب والوصائل والحام، وقوله تعالى: { ~~حللا } حال من الموصول أي كلوه حال كونه حلالا، أو مفعول لكلوا ~~على أن من ابتدائية وقد جوز كونه صفة لمصدر مؤكد أي أكلا ~~حلالا، ويؤيد الأولين قوله تعالى: { طيبا } فإنه صفة له ووصف ~~الأكل به غير معتاد، وقيل: نزلت في قوم من المؤمنين حرموا على أنفسهم ~~رفيع الأطعمة والملابس، ويرده قوله عز وجل: { ولا تتبعوا ~~خطوت الشيطن } أي لا تقتدوا بها في اتباع الهوى فإنه صريح ~~في أن الخطاب للكفرة، كيف لا وتحريم الحلال على نفسه تزهيدا ليس من ~~باب اتباع خطوات الشيطان فضلا عن كونه تقولا وافتراء على الله ~~تعالى، وإنما الذي نزل فيهم ما في سورة المائدة من قوله تعالى: # يأيها الذين ءامنوا لا تحرموا طيبت ما ~~أحل الله لكم # [المائدة، الآية 87] الآية، وقرىء (خطوات) بسكون الطاء وهما لغتان في ~~جمع خطوة وهي ما بين قدمي الخاطي، وقرىء بضمتين وهمزة، جعلت الضمة ~~على الطاء كأنها على الواو، ms0288 وبفتحتين على أنها جمع خطوة وهي المرة من ~~الخطو { إنه لكم عدو مبين } تعليل للنهي، أي ظاهر ~~العداوة عند ذوي البصيرة وإن كان يظهر الولاية لمن يغويه، ولذلك سمي ~~وليا في قوله تعالى: # أولياؤهم الطغوت # [البقرة، الآية 257]. ### || [2.169-170] # { إنما يأمركم بالسوء والفحشاء } استئناف لبيان ~~كيفية عداوته وتفصيل لفنون شره وإفساده وانحصار معاملته معهم في ~~ذلك، والسوء في الأصل مصدر ساءه يسوؤه سوءا ومساءة إذا أحزنه ~~يطلق على جميع المعاصي سواء كانت من أعمال الجوارح أو أفعال القلوب، ~~لاشتراك كلها في أنها تسوء صاحبها، والفحشاء أقبح أنواعها ~~وأعظمها مساءة { وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون } ~~عطف على الفحشاء، أي وبأن تفتروا على الله بأنه حرم هذا وذاك، ومعنى ما ~~لا تعلمون أن الله تعالى أمر به، وتعليق أمره بتقولهم على الله ~~تعالى ما لا يعلمون وقوعه منه تعالى لا بتقولهم عليه ما يعلمون عدم ~~وقوعه منه تعالى، مع أن حالهم ذلك للمبالغة في الزجر، فإن التحذير من ~~الأول مع كونه في القبح والشناعة دون الثاني تحذير عن الثاني على ~~أبلغ وجه وآكده وللإيذان بأن العاقل يجب عليه ألا يقول على الله ~~تعالى ما لا يعلم وقوعه منه تعالى مع الاحتمال فضلا عن أن يقول عليه ما ~~يعلم عدم وقوعه منه تعالى، قالوا: وفيه دليل على المنع من اتباع ~~الظن رأسا، وأما اتباع المجتهد لما أدى إليه ظنه فمستند إلى ~~مدرك شرعي فوجوبه قطعي والظن في طريقه { وإذا قيل لهم ~~اتبعوا ما أنزل الله } التفات إلى الغيبة تسجيلا بكمال ~~ضلالهم وإيذانا بإيجاب تعداد ما ذكر من جناياتهن لصرف العذاب عنهم ~~وتوجيهه إلى العقلاء، وتفصيل مساوي أحوالهم لهم على نهج المبائة أي ~~إذا قيل لهم على وجه النصيحة والإرشاد: اتبعوا كتاب الله الذي أنزله { ~~قالوا } لا نتبعه { بل نتبع ما ألفينا عليه ~~ءاباءنا } أي وجدناهم عليه، إما على أن الظرف متعلق بمحذوف وقع ~~حالا من آباءنا وألفينا متعد إلى واحد، وإما على أنه مفعول ثان له ~~مقدم على الأول. نزلت في المشركين ms0289 أمروا باتباع القرآن وسائر ما أنزل ~~الله تعالى من الحجج الظاهرة والبينات الباهرة فجنحوا للتقليد، ~~والموصول إما عبارة عما سبق من اتخاذ الأنداد وتحريم الطيبات ونحو ~~ذلك وإما باق على عمومه، وما ذكر داخل فيه دخولا أوليا وقيل: نزلت ~~في طائفة من اليهود دعاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الإسلام ~~فقالوا: بل نتبع ما وجدنا عليه آباءنا لأنهم كانوا خيرا منا وأعلم، ~~فعلى هذا يعم ما أنزل الله تعالى التوراة لأنها أيضا تدعو إلى ~~الإسلام، وقوله عز وجل: { أولو كان آباؤهم لا يعقلون شيئا ~~ولا يهتدون } استئناف مسوق من جهته تعالى ردا لمقالتهم ~~الحمقاء وإظهارا لبطلان آرائهم، والهمزة لإنكار الواقع واستقباحه ~~والتعجب منه، لا لإنكار الوقوع كالتي في قوله تعالى: # أولو كنا كرهين # [الأعراف، الآية 88] وكلمة لو في أمثال هذا المقام ليست لبيان انتفاء ~~الشيء في الزمان الماضي لانتفاء غيره فيه، فلا يلاحظ لها جواب قد ~~حذف ثقة بدلالة ما قبلها عليه بل هي لبيان تحقق ما يفيده الكلام ~~السابق بالذات أو بالواسطة من الحكم الموجب أو المنفي على كل حال ~~مفروض من الأحوال المقارنة له على الإجمال بإدخالها على أبعدها منه ~~وأشدها منافاة له ليظهر بثبوته أو انتفائه معه ثبوته أو انتفاؤه مع ~~ما عداه من الأحوال بطريق الأولية، لما أن الشيء متى تحقق مع المنافي ~~القوي فلأن يتحقق مع غيره أولى ولذلك لا يذكر معه شيء من سائر ~~الأحوال، ويكتفى عنه بذكر الواو العاطفة للجملة على نظيرتها المقابلة ~~لها المتناولة لجميع الأحوال المغايرة لها، وهذا معنى قولهم إنها ~~لاستقصاء الأحوال على سبيل الإجمال، وهذا المعنى ظاهر في الخبر ~~الموجب والمنفي والأمر والنهي، كما في قولك: فلان جواد يعطي ولو ~~كان فقيرا، وبخيل لا يعطي ولو كان غنيا، وقولك: أحسن إليه ولو أساء ~~إليك ولا تهنه ولو أهانك، لبقائه على حاله، وأما فيما نحن فيه ففيه ~~نوع خفاء ناشىء من ورود الإنكار عليه لكن الأصل في الكل واحد إلا ~~أن كلمة (لو) في الصور المذكورة متعلقة بنفس ms0290 الفعل المذكور قبلها وأن ~~ما يقصد بيان تحققه على كل حال هو نفس مدلوله وأن الجملة حال ~~من ضميره أو مما يتعلق به، وأن ما في حيز (لو) باق على ما هو عليه من ~~الاستبعاد غالبا بخلاف ما نحن فيه، لما أن كلمة لو متعلقة فيه بفعل ~~مقدر يقتضيه المذكور وأن ما يقصد بيان تحققه على كل حال مدلوله ~~لا مدلول المذكور من حيث هو مدلوله، وأن الجملة حال مما يتعلق به لا ~~مما يتعلق بالمذكور من حيث هو متعلق به وأن المقصود الأصلي إنكار ~~مدلوله باعتبار مقارنته للحالة المذكورة، وأما تقديرا لمقارنته لغيرها ~~فلتوسيع الدائرة وأن ما في حيز (لو) لا يقصد استبعاده في نفسه بل يقصد ~~الإشعار بأنه أمر محقق إلا أنه أخرج مخرج الاستبعاد معاملة ~~مع المخاطبين على معتقدهم لئلا يلبسوا من التصريح بنسبة آبائهم إلى ~~كمال الجهالة والضلالة جلد النمر فيركبوا متن العناد، ومبالغة ~~في الإنكار من جهة اتباعهم لآبائهم حيث كان منكرا مستقبحا عند احتمال ~~كون آبائهم كما ذكر احتمالا بعيدا فلأن يكون منكرا عند تحقق ~~ذلك أولى، والتقدير أيتبعون ذلك لو لم يكن آباؤهم لا يعقلون شيئا من ~~الدين ولا يهتدون للصواب، ولو كانوا كذلك فالجملة في حيز النصب على ~~الحالية من آبائهم على طريقة قوله تعالى: # أن اتبع ملة إبرهيم حنيفا # [النحل، الآية 123] كأنه قيل: أيتبعون دين آبائهم حال كونهم غافلين ~~وجاهلين ضالين إنكارا لما أفاده كلامهم من الاتباع على أي حالة ~~كانت من الحالتين غير أنه اكتفي بذكر الحالة الثانية تنبيها على ~~أنها هي الواقعة في نفس الأمر وتعويلا على اقتضائها للحالة الأولى ~~اقتضاء بينا، فإن اتباعهم الذي تعلق به الإنكار حيث تحقق مع كون ~~آبائهم جاهلين ضالين فلأن يتحقق مع كونهم عاقلين ومهتدين أولى. # إن قلت: الإنكار المستفاد من الاستفهام الإنكاري بمنزلة النفي ولا ~~ريب في أن الأولوية في صورة النفي معتبرة بالنسبة إلى النفي ألا يرى ~~أن الأولى بالتحقق فيما ذكر من مثال النفي عند الحالة المسكوت عنها أعني ~~عدم ms0291 الغنى هو عدم الإعطاء لا نفسه فكان ينبغي أن يكون الأولى بالتحقق ~~فيما نحن فيه عند الحالة المسكوت عنها - وهي حالة كون آبائهم عاقلين ~~ومهتدين - إنكار الاتباع لا نفسه إذ هو الذي يدل عليه أيتبعون الخ فلم ~~اختلفت الحال بينهما؟ قلت: لما أن مناط الأولوية هو الحكم الذي إريد ~~بيان تحققه على كل حال، وذلك في مثال النفي عدم الإعطاء المستفاد من ~~الفعل المنفي المذكور وأما فيما نحن فيه فهو نفس الاتباع المستفاد من ~~الفعل المقدر إذ هو الذي يقتضيه الكلام السابق أعني قولهم بل نتبع ~~الخ وأما الاستفهام فخارج عنه وارد عليه لإنكار ما يفيده واستقباح ~~ما يقتضيه لا أنه من تمامه كما في صورة النفي وكذا الحال فيما إذا كانت ~~الهمزة لإنكار الوقوع ونفيه مع كونه بمنزلة صريح النفي كما سيأتي ~~تحقيقه في قوله تعالى: # أولو كنا كرهين # [الأعراف، الآية 88] وقيل: الواو حالية، ولكن التحقيق أن المعنى يدور ~~على معنى العطف في سائر اللغات أيضا. ### || [2.171-172] # { ومثل الذين كفروا } جملة ابتدائية واردة لتقرير ما ~~قبلها بطريق التصوير، وفيها مضاف قد حذف لدلالة مثل عليه، ووضع ~~الموصول موضع الراجع إلى ما ترجع إليه الضمائر السابقة لذمهم بما في ~~حيز الصلة، وللإشعار بعلة ما أثبت لهم من الحكم، والتقدير مثل ذلك ~~القائل وحاله الحقيقة - لغرابتها - بأن تسمى مثلا وتسير في ~~الآفاق فيما ذكر من دعوته إياهم إلى اتباع الحق وعدم رفعهم إليه ~~رأسا لانهماكهم في التقليد وإخلادهم إلى ما هم عليه من الضلال وعدم ~~فهمهم من جهة الداعي إلى الدعاء من غير أن يلقوا أذهانهم إلى ما يلقى ~~عليهم { كمثل الذى ينعق بما لا يسمع إلا دعاء ~~ونداء } من البهائم فإنها لا تسمع إلا صوت الراعي وهتفه بها من ~~غير فهم لكلامه أصلا، وقيل: إنما حذف المضاف من الموصول الثاني لدلالة ~~كلمة ما عليه فإنها عبارة عنه مشعرة مع ما في حيز الصلة بما هو ~~مدار التمثيل أي مثل الذين كفروا فيما ذكر من انهماكهم فيما هم فيه ~~وعدم التدبر ms0292 فيما ألقي إليهم من الآيات كمثل بهائم الذي ينعق بها ~~وهي لا تسمع منه إلا جرس النغمة ودوي الصوت، وقيل: المراد تمثيلهم ~~في دعائهم الأصنام بالناعق في نعقه، وهو تصويته على البهائم وهذا غني ~~عن الإضمار لكن لا يساعده قوله: (إلا دعاء ونداء) فإن الأصنام بمعزل ~~من ذلك وقد عرفت أن حسن التمثيل فيما تشابه أفراد الطرفين { صم ~~بكم عمى } بالرفع على الذم أي هم صم الخ { فهم لا يعقلون ~~} شيئا لأن طريق التعقل هو التدبر في مبادي الأمور المعقولة والتأمل ~~في ترتيبها وذلك إنما يحصل باستماع آيات الله ومشاهدة حججه ~~الواضحة والمفاوضة مع من يؤخذ منه العلوم، فإذا كانوا صما بكما ~~عميا فقد انسد عليهم أبواب التعقل وطرق الفهم بالكلية { يأيها ~~الذين ءامنوا كلوا من طيبات ما رزقنكم } أي ~~مستلذاته { واشكروا لله } الذي رزقكموها، والالتفات ~~لتربية المهابة { إن كنتم إياه تعبدون } فإن عبادته تعالى ~~لا تتم إلا بالشكر له. وعن النبي صلى الله عليه وسلم: # " يقول الله عز وجل إني والإنس والجن في نبإ عظيم أخلق ويعبد ~~غيري وأرزق ويشكر غيري " ### || [2.173-174] # { إنما حرم عليكم الميتة } أي أكلها والانتفاع بها ~~وهي التي ماتت على غير ذكاة، والسمك والجراد خارجان عنها بالعرف أو ~~باستثناء الشرع كخروج الطحال من الدم { والدم ولحم الخنزير ~~} إنما خص لحمه مع أن سائر أجزائه أيضا في حكمه لأنه معظم ما يؤكل ~~من الحيوان، وسائر أجزائه بمنزلة التابع له { وما أهل به ~~لغير الله } أي رفع به الصوت عند ذبحه للصنم، والإهلال أصله ~~رؤية الهلال لكن لما جرت العادة برفع الصوت بالتكبير عندها سمي ~~ذلك إهلالا ثم قيل: لرفع الصوت وإن كان لغيره { فمن اضطر غير ~~باغ } بالاستئثار على مضطر آخر { ولا عاد } سد الرمق والجوعة ~~وقيل: غير باغ على الوالي ولا عاد بقطع الطريق وعلى هذا لا يباح للعاصي ~~بالسفر وهو ظاهر مذهب الشافعي وقول أحمد رحمهما الله { فلا إثم ~~عليه } في تناوله { إن الله غفور رحيم } بالرخصة، إن ~~قيل كلمة إنما تفيد قصر الحكم ms0293 على ما ذكر وكم من حرام لم يذكر ~~قلنا: المراد قصر الحرمة على ما ذكر مما استحلوه لا مطلقا، أو قصر ~~حرمته على حالة الاختيار كأنه قيل: إنما حرم عليكم هذه الأشياء ما ~~لم تضطروا إليها. # { إن الذين يكتمون ما أنزل الله من الكتب } ~~المشتمل على فنون الأحكام التي من جملتها أحكام المحللات والمحرمات ~~حسبما ذكر آنفا. وقال ابن عباس رضي الله عنهما: نزلت في رؤساء اليهود ~~حين كتموا نعت النبي صلى الله عليه وسلم { ويشترون به } أي ~~يأخذون بدله { ثمنا قليلا } عوضا حقيرا، وقد مر سر التعبير ~~عن ذلك بالثمن الذي هو وسيلة في عود المعاوضة، وقوله تعالى: { ~~أولئك } إشارة إلى الموصول باعتبار اتصافه بما في حيز الصلة من ~~الوصفين الشنيعين المميزين لهم عمن عداهم أكمل تمييز الجاعلين ~~إياهم بحيث كأنهم حضار مشاهدون على ما هم عليه، وما فيه من معنى ~~البعد للإيذان بغاية بعد منزلتهم في الشر والفساد، وهو مبتدأ خبره ~~قوله تعالى: { ما يأكلون في بطونهم إلا النار } ~~والجملة خبر لإن، أو اسم الإشارة مبتدأ ثان أو بدل من الأول والخبر ~~ما يأكلون الخ ومعنى أكلهم النار أنهم يأكلون في الحال ما يستتبع ~~النار ويستلزمها فكأنه عين النار، وأكله أكلها كقوله: # أكلت دما إن لم أرعك بضرة # بعيدة مهوى القرط طيبة النشر # أو يأكلون في المآل يوم القيامة عين النار عقوبة على أكلهم الرشا في ~~الدنيا و(في بطونهم) متعلق بيأكلون وفائدته تأكيد الأكل وتقريره ~~ببيان مقر المأكول، وقيل: معناه ملء بطونهم كما في قولهم: أكل في ~~بطنه وأكل في بعض بطنه ومنه «كلوا في بعض بطنكم تعفوا» فلا بد من ~~الالتجاء إلى تعليقه بمحذوف وقع حالا مقدرة من النار مع تقديمه على ~~حرف الاستثناء وإلا فتعليقه بيأكلون يؤدي إلى قصر ما يأكلونه إلى ~~الشبع على النار والمقصود قصر ما يأكلونه مطلقا عليها { ولا ~~يكلمهم الله يوم القيمة } عبارة عن غضبه العظيم عليهم ~~وتعريض بحرمانهم ما أتيح للمؤمنين من فنون الكرامات السنية والزلفى { ~~ولا يزكيهم } لا يثني عليهم ms0294 { ولهم } مع ما ذكر { عذاب ~~أليم } مؤلم. ### || [2.175-177] # { أولئك } إشارة إلى ما أشير إليه بنظيره بالاعتبار المذكور خاصة ~~لا مع ما يتلوه من أحوالهم الفظيعة إذ لا دخل لها في الحكم الذي يراد ~~إثباته ههنا فإن المقصود تصوير ما باشروه من المعاملة بصورة قبيحة ~~تنفر منها الطباع ولا يتعاطاها عاقل أصلا ببيان حقيقة ما نبذوه ~~وإظهار كنه ما أخذوه وإبداء فظاعة تبعاته، وهو مبتدأ خبره ~~الموصول أي أولئك المشترون بكتاب الله عز وجل ثمنا قليلا ليسوا ~~بمشترين للثمن وإن قل، بل هم { الذين اشتروا } بالنسبة إلى ~~الدنيا { الضللة } التي ليست مما يمكن أن يشترى قطعا { ~~بالهدى } الذي ليس من قبيل ما يبذل بمقابلة شيء وإن جل { ~~والعذاب } أي اشتروا بالنظر إلى الآخرة العذاب الذي لا يتوهم ~~كونه مما يشترى { بالمغفرة } التي يتنافس فيها المتنافسون { ~~فما أصبرهم على النار } تعجيب من حالهم الهائلة التي هي ~~ملابستهم بما يوجب النار إيجابا قطعيا كأنه عينها و(ما) عند سيبويه ~~نكرة تامة مفيدة لمعنى التعجيب مرفوعة بالابتداء وتخصيصها كتخصص شر ~~في «شر أهر ذا ناب» خبرها ما بعدها أي شيء ما عظيم جعلهم ~~صابرين على النار، وعند الفراء استفهامية وما بعدها خبرها أي أي شيء ~~أصبرهم على النار وقيل: هي موصولة وقيل: موصوفة بما بعدها والخبر محذوف ~~أي الذي أصبرهم على النار أو شيء أصبرهم على النار أمر فظيع { ذلك } ~~العذاب { بأن الله نزل الكتب } أي جنس الكتاب { ~~بالحق } أي ملتبسا به فلا جرم أن يكون من يرفضه بالتكذيب والكتمان ~~ويركب متن الجهل والغواية مبتلى بمثل هذا من أفانين العذاب { ~~وإن الذين اختلفوا فى الكتب } أي في جنس الكتاب ~~الإلهي بأن آمنوا ببعض كتب الله تعالى وكفروا ببعضها أو اختلفوا في ~~التوراة بأن آمنوا ببعض آياتها وكفروا ببعض كالآيات المغيرة ~~المشتملة على أمر بعثة النبي صلى الله عليه وسلم ونعوته الكريمة ~~فمعنى الاختلاف التخلف عن الطريق الحق أو الاختلاف في تأويلها أو في ~~القرآن بأن قال بعضهم أنه سحر وبعضهم أنه شعر وبعضهم أساطير الأولين ms0295 ~~كما حكى عن المفسرين { لفى شقاق بعيد } عن الحق والصواب مستوجب ~~لأشد العذاب { ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل ~~المشرق والمغرب } البر اسم جامع لمراضي الخصال، ~~والخطاب لأهل الكتابين فإنهم كانوا أكثروا الخوض في أمر القبلة حين ~~حولت إلى الكعبة وكان كل فريق يدعي خيرية التوجه إلى قبلته من ~~القطرين المذكورين، وتقديم المشرق على المغرب مع تأخر زمان الملة ~~النصرانية إما لرعاية ما بينهما من الترتيب المتفرع على ترتيب الشروق ~~والغروب وإما لأن توجه اليهود إلى المغرب ليس لكونه مغربا بل لكون ~~بيت المقدس من المدينة المنورة واقعا في جانب فقيل لهم: ليس البر ما ~~ذكرتم من التوجه إلى تينك الجهتين، على أن البر خبر ليس مقدم على اسمها ~~كما في قوله: [الطويل] # سلي إن جهلت عني وعنهم # فليس سواء عالم وجهول # وقوله: # أليس عظيما أن تلم ملمة # وليس علينا في الخطوب مقول # وإنما أخر ذلك لما أن المصدر المؤول أعرف من المحلى باللام لأنه ~~يشبه الضمير من حيث أنه لا يوصف ولا يوصف به والأعرف أحق بالاسمية ~~ولأن في الاسم طولا فلو روعي الترتيب المعهود لفات تجاوب أطراف ~~النظم الكريم وقرىء برفع البر على أنه اسمها وهو أقوى بحسب المعنى لأن ~~كل فريق يدعي أن البر هذا فيجب أن يكون الرد موافقا لدعواهم وما ذلك ~~إلا بكون البر اسما كما يفصح عنه جعله مخبرا عنه في ~~الاستدراك بقوله عز وجل: { ولكن البر من ءامن بالله } ~~وهو تحقيق للحق بعد بيان الباطل وتفصيل لخصال البر مما لا يختلف ~~باختلاف الشرائع وما يختلف باختلافها، أي ولكن البر المعهود الذي ~~يحق أن يهتم بشأنه ويجد في تحصيله بر من آمن بالله وحده ~~إيمانا بريئا من شائبة الإشراك لا كإيمان اليهود والنصارى المشركين ~~بقولهم عزير ابن الله وقولهم المسيح ابن الله { واليوم الأخر ~~} أي على ما هو عليه لا كما يزعمون من أن النار لن تمسهم إلا أياما ~~معدودات وأن آباءهم الأنبياء يشفعون لهم، ففيه تعريض بأن إيمان ~~أهل الكتابين حيث لم يكن ms0296 كما ذكر من الوجه الصحيح لم يكن إيمانا، وفي ~~تعليق البر بهما من أول الأمر عقيب نفيه عن التوجه إلى المشرق ~~والمغرب من الجزالة ما لا يخفى، كأنه قيل: ولكن البر هو التوجه إلى ~~المبدأ والمعاد اللذين هما المشرق والمغرب في الحقيقة { ~~والملئكة } أي وآمن بهم وبأنهم عباد مكرمون متوسطون بينه ~~تعالى وبين أنبيائه بإلقاء الوحي وإنزال الكتب { والكتب } أي ~~بجنس الكتاب الذي من أفراده الفرقان الذي نبذوه وراء ظهورهم، وفيه ~~تعريض بكتمانهم نعوت النبي صلى الله عليه وسلم واشترائهم بما أنزل ~~الله تعالى ثمنا قليلا { والنبيين } جميعا من غير تفرقة بين ~~أحد منهم كما فعل أهل الكتابين، ووجه توسيط الكتاب بين حملة ~~الوحي وبين النبيين واضح وسيأتي في قوله تعالى: # كل ءامن بالله وملئكته وكتبه ورسله # [البقرة، الآية 285] { وآتى المال على حبه } حال من الضمير في ~~آتى، والضمير المجرور راجع للمال أي آتاه كائنا على حب المال كما ~~في # " قوله صلى الله عليه وسلم حين سئل: أي الصدقة أفضل؟: أن تؤتيه ~~وأنت صحيح شحيح " # وقول ابن مسعود رضي الله عنه: أن تؤتيه وأنت صحيح شحيح تأمل ~~العيش وتخشى الفقر ولا تمهل حتى إذا بلغت الحلقوم قلت لفلان كذا ~~ولفلان كذا، وقيل: الضمير لله تعالى أي آتاه كائنا على محبته تعالى لا ~~على قصد الشر والفساد، ففيه نوع تعريض لباذلي الرشا وآخذيها ~~لتغيير التوراة، وقيل: للمصدر أي كائنا على حب الإيتاء { ذوى ~~القربى } مفعول أول لآتى قدم عليه مفعوله الثاني أعني المال ~~للاهتمام به أو لأن في الثاني مع ما عطف عليه طولا لو روعي الترتيب ~~لفات تجاوب الأطراف في الكلام وهو الذي اقتضى تقديم الحال أيضا وقيل: ~~هو المفعول الثاني { واليتمى } أي المحاويج منهم على ما يدل ~~عليه الحال وتقديم ذوي القربى عليهم لما أن إيتاءهم صدقة وصلة { ~~والمسكين } جمع مسكين وهو الدائم السكون لما أن الخلة ~~أسكنته بحيث لا حراك به أو دائم السكون إلى الناس { وابن ~~السبيل } أي المسافر سمي به لملازمته إياه كما سمي القاطع ابن ms0297 ~~الطريق وقيل: الضيف { والسائلين } الذين ألجأتهم الحاجة ~~والضرورة إلى السؤال قال عليه الصلاة والسلام: # " أعطوا السائل ولو جاء على فرس " # { وفي الرقاب } أي وضعه في فك الرقاب بمعاونة المكاتبين حتى ~~يفكوا رقابهم وقيل: في فك الأسارى وقيل: في ابتياع الرقاب ~~وإعتاقها وأيا ما كان فالعدول عن ذكرهم بعنوان مصحح للمالكية كالذين ~~من قبلهم إما للإيذان بعدم قرار ملكهم فيما أوتوا كما في الوجهين ~~الأولين أو بعدم ثبوته رأسا كما في الوجه الأخير وإما للإشعار برسوخهم ~~في الاستحقاق والحاجة لما أن (في) للظرفية المنبئة عن محليتهم لما ~~يؤتى { وأقام الصلاة } أي المفروضة منها { وآتى الزكاة } أي ~~المفروضة على أن المراد بما مر من إيتاء المال التنفل بالصدقات ~~قدم على الفريضة مبالغة في الحث عليه أو المراد بهما المفروضة، ~~والأول لبيان المصارف والثاني لبيان وجوب الأداء { والموفون ~~بعهدهم } عطف على من آمن فإنه في قوة أن يقال ومن أوفوا ~~بعهدهم، وإيثار صيغة الفاعل للدلالة على وجوب استمرار الوفاء والمراد ~~بالعهد ما لا يحرم حلالا ولا يحلل حراما من العهود الجارية فيما ~~بين الناس، وقوله تعالى: { إذا عهدوا } للإيذان بعدم كونه من ~~ضروريات الدين { والصبرين } نصب على الاختصاص، غير سبكه عما ~~قبله تنبيها على فضيلة الصبر ومزيته وهو في الحقيقة معطوف على ما ~~قبله. قال أبو علي: إذا ذكرت صفات للمدح أو الذم فخولف في بعضها ~~الإعراب فقد خولف للافتنان ويسمى ذلك قطعا، لأن تغيير المألوف يدل ~~على زيادة ترغيب في استماع المذكور ومزيد اهتمام بشأنه كما مر في صدر ~~السورة، وقد قرىء الصابرون كما قرىء والموفين { فى البأساء } أي في ~~الفقر والشدة { والضراء } أي المرض والزمانة { وحين البأس ~~} أي وقت مجاهدة العدو في مواطن الحرب، وزيادة الحين للإشعار ~~بوقوعه أحيانا وسرعة انقضائه { أولئك } إشارة إلى المذكورين ~~باعتبار اتصافهم بالنعوت الجميلة المعدودة، وما فيه من معنى البعد ~~لما مر مرارا من التنبيه عن علو طبقتهم وسمو رتبتهم { ~~الذين صدقوا } أي في الدين واتباع الحق وتحرى البر حيث لم ~~تغيرهم الأحوال ولم تزلزلهم الأهوال ms0298 { وأولئك هم ~~المتقون } عن الكفر وسائر الرذائل وتكرير الإشارة لزيادة تنويه ~~شأنهم، وتوسيط الضمير للإشارة إلى انحصار التقوى فيهم والآية الكريمة ~~كما ترى حاوية لجميع الكمالات البشرية برمتها تصريحا أو تلويحا لما ~~أنها - مع تكثر فنونها وتشعب شجونها - منحصرة في خلال ثلاث: صحة ~~الاعتقاد وحسن المعاشرة مع العباد وتهذيب النفس، وقد أشير إلى الأولى ~~بالإيمان بما فصل وإلى الثانية بإيتاء المال وإلى الثالثة بإقامة ~~الصلاة الخ ولذلك وصف الحائزون لها بالصدق نظرا إلى إيمانهم واعتقادهم ~~وبالتقوى اعتبارا بمعاشرتهم مع الخلق ومعاملتهم مع الحق وإليه يشير ~~قوله صلى الله عليه وسلم: ### || [2.178] # { يا أيها الذين آمنوا } شروع في بيان بعض الأحكام الشرعية ~~على وجه التلافي لما فرط من المخلين بما ذكر من أصول الدين وقواعده ~~التي عليها بني أساس المعاش والمعاد { كتب عليكم } أي فرض ~~وألزم عند مطالبة صاحب الحق فلا يقدح فيه قدرة الولي على العفو، ~~فإن الوجوب إنما اعتبر بالنسبة إلى الحكام أو القاتلين { القصاص ~~في القتلى } أي بسبب قتلهم كما في قوله صلى الله عليه وسلم: # " إن امرأة دخلت النار في هرة ربطتها " # أي بسبب ربطها إياها { الحر بالحر والعبد بالعبد ~~والأنثى بالأنثى } كان في الجاهلية بين حيين من أحياء ~~العرب دماء وكان لأحدهما طول على الآخر فأقسموا لنقتلن الحر ~~منكم بالعبد والذكر بالأنثى فلما جاء الإسلام تحاكموا إلى رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فنزلت. فأمرهم أن يتباوؤا وليس فيها دلالة على ~~عدم قتل الحر بالعبد عند الشافعي أيضا لأن اعتبار المفهوم حيث لم ~~يظهر للتخصيص بالذكر وجه سوى اختصاص الحكم بالمنطوق. وقد رأيت ~~الوجه ههنا وإنما يتمسك في ذلك هو ومالك رحمهما الله بما روى علي رضي ~~الله عنه أن رجلا قتل عبده فجلده رسول الله صلى الله عليه وسلم ونفاه ~~سنة ولم يقده، وبما روي عنه رضي الله عنه أنه قال: من السنة أن لا ~~يقتل مسلم بذي عهد ولا حر بعبد، وبأن أبا بكر وعمر رضي الله عنهما ~~كانا لا يقتلان الحر بالعبد بين ms0299 أظهر الصحابة من غير نكير، وبالقياس ~~على الأطراف، وعندنا يقتل الحر بالعبد لقوله تعالى: # أن النفس بالنفس # [المائدة، الآية: 45] فإن شريعة من قبلنا إذا قصت علينا من غير ~~دلالة على نسخها فالعمل بها واجب على أنها شريعة لنا ولأن القصاص ~~يعتمد المساواة في العصمة وهي بالدين أو بالدار وهما سيان فيهما ~~وقرىء كتب على البناء للفاعل ونصب القصاص { فمن عفى له من ~~أخيه شىء } أي شيء من العفو لأن عفا لازم وفائدته الإشعار بأن بعض ~~العفو بمنزلة كله في إسقاط القصاص وهو الواقع أيضا في العادة إذ ~~كثيرا ما يقع العفو من بعض الأولياء فهو شيء من العفو وقيل: معنى ~~عفي ترك وشيء مفعول به وهو ضعيف إذ لم يثبت عفاه بمعنى تركه بل ~~أعفاه، وحمل العفو على المحو كما في قول من قال: # ديار عفاها جور كل معاند # وقوله: # عفاها كل هتان # كثير الوبل هطال # فيكون المعنى فمن محي له من أخيه شيء صرفا للعبارة المتداولة في ~~الكتاب والسنة عن معناها المشهور المعهود إلى ما ليس بمعهود فيهما وفي ~~استعمال الناس، فإنهم لا يستعملون العفو في باب الجنايات إلا فيما ذكر ~~من قبل. وعفا يعدى بعن إلى الجاني والذنب قال تعالى: # عفا الله عنكم # [التوبة، الآية 43] وقال: # عفا الله عنها # [المائدة، الآية 101] فإذا تعدى إلى الذنب قيل: عفوت لفلان عما جنى ~~كأنه قيل: فمن عفي له عن جنايته من جهة أخيه يعني ولي الدم، وإيراده ~~بعنوان الأخوة الثابتة بينهما بحكم كونهما من بني آدم عليه السلام ~~لتحريك سلسلة الرقة والعطف عليه { فاتباع بالمعروف } فالأمر ~~اتباع أو فليكن اتباع، والمراد وصية العافي بالمسامحة ومطالبته ~~بالدية بالمعروف من غير تعسف، وقوله عز وجل: { وأداء إليه ~~بإحسن } حث للمعفو عنه على أن يؤديها بإحسان من غير ~~مماطلة ولا بخس { ذلك } أي ما ذكر من الحكم { تخفيف من ~~ربكم ورحمة } لما فيه من التسهيل والنفع وقيل: كتب على ~~اليهود القصاص وحده وحرم عليهم العفو والدية، وعلى النصارى العفو ~~على الإطلاق وحرم عليهم القصاص ms0300 والدية، وخيرت هذه الأمة بين ~~الثلاث تيسيرا عليهم وتنزيلا للحكم على حسب المنازل { فمن ~~اعتدى بعد ذلك } بأن قتل غير القاتل بعد ورود هذا الحكم أو ~~قتل القاتل بعد العفو أو أخذ الدية { فله } باعتدائه { عذاب ~~أليم } أما في الدنيا فبالاقتصاص لما قتله بغير حق وأما في الآخرة ~~فبالنار. ### || [2.179-180] # { ولكم في القصاص حيوة } بيان لمحاسن الحكم المذكور ~~على وجه بديع لا تنال غايته حيث جعل الشيء محلا لضده، وعرف ~~القصاص ونكر الحياة ليدل على أن في هذا الجنس نوعا من الحياة عظيما ~~لا يبلغه الوصف وذلك لأن العلم به يردع القاتل عن القتل فيتسبب ~~لحياة نفسين، ولأنهم كانوا يقتلون غير القاتل والجماعة بالواحد ~~فتثور الفتنة بينهم، فإذا اقتص من القاتل سلم الباقون فيكون ذلك ~~سببا لحياتهم، وعلى الأول فيه إضمار وعلى الثاني تخصيص وقيل: المراد ~~بالحياة هي الأخروية فإن القاتل إذا اقتص منه في الدنيا لم يؤخذ ~~به في الآخرة، والظرفان إما خبران (لحياة) أو أحدهما خبر والآخر ~~صلة له أو حال من المستكن فيه وقرىء في القصص أي فيما قص ~~عليكم من حكم القتل حياة أو في القرآن حياة أو في القرآن حياة للقلوب ~~{ يأولي الألبب } أي ذوي العقول الخالصة عن شوب الأوهام، ~~خوطبوا بذلك بعد ما خوطبوا بعنوان الإيمان تنشيطا لهم إلى التأمل في ~~حكمة القصاص { لعلكم تتقون } أي تتقون أنفسكم من المساهلة ~~في أمره والإهمال في المحافظة عليه والحكم به والإذعان له، أو في ~~القصاص فتكفوا عن القتل المؤدي إليه { كتب عليكم } بيان ~~لحكم آخر من الأحكام المذكورة { إذا حضر أحدكم الموت } ~~أي حضر أسبابه وظهر أماراته أو دنا نفسه من الحضور، وتقديم المفعول ~~لإفادة كمال تمكن الفاعل عند النفس وقت وروده عليها { إن ترك ~~خيرا } أي مالا وقيل: مالا كثيرا لما روي عن علي رضي الله عنه أن ~~مولى له أراد أن يوصي وله سبعمائة درهم فمنعه وقال: قال الله تعالى: ~~{ إن ترك خيرا } [البقرة، الآية 180] وإن هذا لشيء يسير فاتركه ~~لعيالك. وعن عائشة رضي ms0301 الله عنها أن رجلا أراد الوصية وله عيال ~~وأربعمائة دينار فقالت: ما أرى فيه فضلا. وأراد آخر أن يوصي فسألته ~~كم مالك؟ فقال: ثلاثة آلاف درهم قالت: كم عيالك؟ قال: أربعة قالت: ~~إنما قال الله تعالى: إن ترك خيرا وإن هذا لشيء يسير فاتركه لعيالك ~~{ الوصية للولدين والأقربين } مرفوع بكتب، أخر ~~عما بينهما لما مر مرارا، وإيثار تذكير الفعل مع جواز تأنيثه أيضا ~~للفصل أو على تأويل أن يوصي، أو الإيصاء، ولذلك ذكر الضمير في قوله ~~تعالى: # فمن بدله بعدما سمعه # [البقرة، الآية 181] وإذا ظرف محض والعامل فيه كتب لكن لا من حيث ~~صدور الكتب عنه تعالى بل من حيث تعلقه بهم تعلقا فعليا مستتبعا ~~لوجوب الأداء كما ينبىء عنه البناء للمفعول وكلمة الإيجاب، ولا مساغ ~~لجعل العامل هو الوصية لتقدمه عليها، وقيل: هو مبتدأ خبره للوالدين، ~~والجملة جواب الشرط بإضمار الفاء كما في قوله: [البسيط] # من يفعل الحسنات الله يشكرها # [لا يذهب العرف عند الله والناس] # ورد بأنه صح فمن ضرورة الشعر ومعنى كتب فرض، وكان هذا الحكم في بدء ~~الإسلام ثم نسخ عند نزول آية المواريث، بقوله عليه السلام: # " إن الله قد أعطى كل ذي حق حقه ألا لا وصية لوارث " # فإنه وإن كان من أخبار الآحاد لكن حيث تلقته الأمة بالقبول انتظم في ~~سلك المتواتر في صلاحيته للنسخ عند الحنفية على أن التحقيق أن الناسخ ~~حقيقة هي آية المواريث، وإنما الحديث مبين لجهة نسخها ببيان ~~أنه تعالى كان قد كتب عليكم أن تؤدوا إلى الوالدين والأقربين حقوقهم ~~بحسب استحقاقهم من غير تبيين لمراتب استحقاقهم ولا تعيين لمقادير ~~أنصبائهم بل فوض ذلك إلى آرائكم حيث قال: { بالمعروف } أي ~~بالعدل، فالآن قد رفع ذلك الحكم عنكم لتبيين طبقات استحقاق ~~كل واحد منهم وتعيين مقادير حقوقهم بالذات وأعطى كل ذي حق منهم ~~حقه الذي يستحقه بحكم القرابة من غير نقص ولا زيادة ولم يدع ثمة ~~شيئا فيه مدخل لرأيكم أصلا حسبما تعرب عنه الجملة المنفية بلا ~~النافية للجنس وتصديرها بكلمة ms0302 التنبيه، إذا تحققت هذا ظهر لك أن ما ~~قيل من أن آية المواريث لا تعارضه بل تحققه وتؤكده من حيث إنها ~~تدل على تقديم الوصية مطلقا والحديث من الآحاد، وتلقي الأمة إياه ~~بالقبول لا يلحقه بالمتواتر ولعله احترز عنه من فسر الوصية بما ~~أوصى به الله عز وجل من توريث الوالدين والأقربين بقوله تعالى: # يوصيكم الله # [النساء، الآية 11] أو بإيصاء المحتضر لهم بتوفير ما أوصى به الله ~~تعالى عليهم - بمعزل من التحقيق وكذا ما قيل من أن الوصية للوارث كانت ~~واجبة بهذه الآية من غير تعيين لأنصبائهم فلما نزلت آية المواريث ~~بيانا للأنصباء بلفظ الإيصاء فهم منها بتنبيه النبي صلى الله عليه ~~وسلم أن المراد منه هذه الوصية التي كانت واجبة، كأنه قيل: إن الله ~~تعالى أوصى بنفسه تلك الوصية ولم يفوضها إليكم فقام الميراث ~~مقام الوصية فكان هذا معنى النسخ لا أن فيها دلالة على رفع ذلك ~~الحكم، فإن مدلول آية الوصية حيث كان تفويضا للأمر إلى آراء ~~المكلفين على الإطلاق وتسني الخروج عن عهدة التكليف بأداء ما أدى ~~إليه آراؤهم بالمعروف، فتكون آية المواريث الناطقة بمراتب الاستحقاق ~~وتفاصيل مقادير الحقوق القاطعة بامتناع الزيادة والنقص بقوله ~~تعالى: # فريضة من الله # [النساء، الآية 11. وسورة التوبة، الآية 60] ناسخة لها رافعة لحكمها ~~مما لا يشتبه على أحد، وقوله تعالى: { حقا على المتقين } ~~مصدر مؤكد أي حق ذلك حقا. ### || [2.181] # { فمن بدله } أي غيره من الأوصياء والشهود { بعد ما ~~سمعه } أي بعد ما وصل إليه وتحقق لديه { فإنما إثمه } أي ~~إثم الإيصاء المغير أو إثم التبديل { على الذين ~~يبدلونه } لأنهم خانوا وخالفوا حكم الشرع، ووضع الموصول في ~~موضع الضمير الراجع إلى (من) لتأكيد الإيذان بعلية ما في حيز الصلة ~~الأولى، وإيثار الجمع للإشعار بتعدد المبدلين أنواعا أو كثرتهم ~~أفرادا والإيذان بشمول الإثم لجميع الأفراد { إن الله سميع ~~عليم } وعيد شديد للمبدلين. ### || [2.182-184] # { فمن خاف من موص } أي توقع وعلم من قولهم أخاف أن يرسل ~~السماء وقرىء من موص { جنفا } أي ميلا بالخطأ في ms0303 الوصية { أو ~~إثما } أي تعمدا للجنف { فأصلح بينهم } أي بين الموصى ~~لهم بإجرائهم على منهاج الشريعة الشريفة { فلا إثم عليه } أي ~~في هذا التبديل لأنه تبديل باطل إلى حق بخلاف الأول { إن الله ~~غفور رحيم } وعد للمصلح، وذكر المغفرة لمطابقة ذكر الإثم ~~وكون الفعل من جنس ما يؤثم { يأيها الذين ءامنوا كتب ~~عليكم الصيام } بيان لحكم آخر من الأحكام الشرعية وتكرير ~~النداء لإظهار مزيد الاعتناء، والصيام والصوم في اللغة الإمساك عما ~~تنازع إليه النفس ومنه قوله تعالى: # إنى نذرت للرحمن صوما فلن أكلم # [مريم، الآية: 26] وقيل: هو الإمساك عن الشيء مطلقا ومنه صامت الريح ~~إذا أمسكت عن الهبوب، والفرس إذا أمسكت عن العدو قال: [البسيط] # خيل صيام وخيل غير صائمة # تحت العجاج وأخرى تعلك اللجما # وفي الشريعة هو الإمساك نهارا - مع النية - عن المفطرات المعهودة ~~التي هي معظم ما تشتهيه الأنفس { كما كتب } في حيز النصب على ~~أنه نعت للمصدر المؤكد أي كتابا كائنا كما كتب أو على أنه حال من ~~المصدر المعرفة أي كتب عليكم الصيام الكتب مشبها بما كتب فما ~~على الوجهين مصدرية أو على أنه نعت لمصدر من لفظ الصيام أي صوما ~~مماثلا للصوم المكتوب على من قبلكم فما موصولة أو على أنه حال من ~~الصيام أي حال كونه مماثلا لما كتب { على الذين من قبلكم ~~} من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام والأمم من لدن آدم عليه السلام ~~وفيه تأكيد للحكم وترغيب فيه وتطييب لأنفس المخاطبين به فإن الشاق ~~إذا عم سهل عمله، والمراد بالمماثلة إما المماثلة في أصل الوجوب، ~~وإما في الوقت والمقدار كما روي أن صوم رمضان كان مكتوبا على اليهود ~~والنصارى، أما اليهود فقد تركته وصامت يوما من السنة زعموا أنه ~~يوم غرق فرعون وكذبوا في ذلك فإنه كان يوم عاشورا، وأما النصارى ~~فإنهم صاموا رمضان حتى صادفوا حرا شديدا فاجتمعت آراء علمائهم على ~~تعيين فصل واحد بين الصيف والشتاء فجعلوه في الربيع وزادوا عليه ~~عشرة أيام كفارة لما صنعوا فصار أربعين ثم مرض ملكهم ms0304 أو وقع فيهم ~~موت فزادوا عشرة أيام فصار خمسين { لعلكم تتقون } أي ~~المعاصي فإن الصوم يكسر الشهوة الداعية إليها كما قال عليه الصلاة ~~والسلام: # " فعليه بالصوم فإنه له وجاء " # أو تتقون الإخلال بأدائه لأصالته أو تصلون بذلك إلى رتبة التقوى. # { أياما معدودت } مؤقتات بعدد معلوم أو قلائل فإن القليل ~~من المال يعد عدا والكثير يهال هيلا والمراد بها إما رمضان أو ~~ما وجب في بدء الإسلام ثم نسخ به من صوم عاشوراء وثلاثة أيام من كل ~~شهر، وانتصابه ليس بالصيام كما قيل لوقوع الفصل بينهما بأجنبي، بل ~~بمضمر دل هو عليه أعني صوموا إما على الظرفية أو المفعولية اتساعا ~~وقيل: بقوله تعالى: { كتب } على أحد الوجهين وفيه أن الأيام ليست ~~محلا له بل للمكتوب فلا تتحقق الظرفية ولا المفعولية المتفرعة ~~عليها اتساعا { فمن كان منكم مريضا } أي مرضا يضره الصوم ~~أو يعسر معه { أو على سفر } مستمرين عليه، وفيه تلويح ورمز ~~إلى أن من سافر في أثناء اليوم لم يفطر { فعدة } أي فعليه صوم ~~عدة أيام المرض والسفر { من أيام أخر } إن أفطر، فحذف ~~الشرط والمضاف ثقة بالظهور، وقرىء بالنصب أي فليصم عدة وهذا على ~~سبيل الرخصة وقيل: على وجوب وإليه ذهب الظاهرية وبه قال أبو هريرة رضي ~~الله عنه { وعلى الذين يطيقونه } أي وعلى المطيقين للصيام ~~إن أفطروا { فدية } أي إعطاء فدية وهي { طعام مسكين } وهو ~~نصف صاع من بر أو صاع من غيره عند أهل العراق، ومد عند أهل ~~الحجاز وكان ذلك في بدء الإسلام لما أنه قد فرض عليهم الصوم وما كانوا ~~متعودين له فاشتد عليهم فرخص لهم في الإفطار والفدية، وقرىء ~~يطوقونه أي يكلفونه أو يقلدونه ويتطوقونه ويطوقونه بإدغام ~~التاء في الطاء ويطيقونه ويطوقونه بمعنى يتطيقونه وأصلهما ~~يطيوقونه ويتطوقونه من فيعل وتفيعل من الطوق فأدغمت الياء في ~~الواو بعد قلبها ياء كقولهم: تدبر المكان وما بها ديار، وفيه وجهان ~~أحدهما نحو معنى يطيقونه والثاني يكلفونه أو يتكلفونه على جهد ~~منهم وعسر وهم الشيوخ والعجائز وحكم هؤلاء ms0305 الإفطار والفدية وهو ~~حينئذ غير منسوخ، ويجوز أن يكون هذا معنى يطيقونه أو يصومونه جهدهم ~~وطاقتهم ومبلغ وسعهم { فمن تطوع خيرا } فزاد في الفدية { ~~فهو } أي التطوع أو الخير الذي تطوعه { خير له وأن ~~تصوموا } أيها المطيقون أو المطوقون وتحملوا على أنفسكم ~~وتجهدوا طاقتكم أو المرخصون في الإفطار من المرضى والمسافرين { ~~خير لكم } من الفدية أو من تطوع الخير أو منهما أو من التأخير ~~إلى أيام أخر، والالتفات إلى الخطاب للهز والتنشيط { إن كنتم ~~تعلمون } أي ما في صومكم مع تحقق المبيح للإفطار من الفضيلة، ~~والجواب محذوف ثقة بظهوره أي اخترتموه أو سارعتم إليه وقيل: معناه إن ~~كنتم من أهل العلم والتدبر علمتم أن الصوم خير من ذلك. ### || [2.185] # { شهر رمضان } مبتدأ سيأتي خبره أو خبر لمبتدإ محذوف، أي ذلك ~~شهر رمضان أو بدل من الصيام على حذف المضاف أي صيام شهر رمضان ~~وقرىء بالنصب على إضمار صوموا أو على أنه مفعول تصوموا أو بدل من ~~(أياما معدودات) ورمضان مصدر رمض أي احترق من الرمضاء فأضيف إليه ~~الشهر وجعل علما ومنع الصرف للتعريف والألف والنون كما قيل: ابن ~~دأية للغراب فقوله عليه السلام: # " من صام رمضان " # الحديث وارد على حذف المضاف للأمن من الالتباس وإنما سمي بذلك إما ~~لارتماضهم فيه من الجوع والعطش وإما لارتماض الذنوب بالصيام فيه أو ~~لوقوعه في أيام رمض الحر عند نقل أسماء الشهور عن اللغة القديمة { ~~الذى أنزل فيه القرآن } خبر للمبتدأ على الوجه الأول وصفة ~~لشهر رمضان على الوجوه الباقية، ومعنى إنزاله فيه أنه ابتدىء إنزاله ~~فيه وكان ذلك ليلة القدر، أو أنزل فيه جملة إلى السماء الدنيا ثم نزل ~~منجما إلى الأرض حسبما تقتضيه المشيئة الربانية أو أنزل في شأنه ~~القرآن وهو قوله عز وجل: # كتب عليكم # [البقرة، الآيات: 178، 180، 83، 216، 246]وعن النبي صلى الله عليه ~~وسلم: # " نزلت صحف إبراهيم أول ليلة من رمضان وأنزلت التوراة لست ~~مضين منه والإنجيل لثلاث عشرة منه، والقرآن لأربع وعشرين " # { هدى للناس وبينت من الهدى والفرقان } ~~حالان من القرآن ms0306 أي أنزل حال كونه هداية للناس بما فيه من الإعجاز ~~وغيره وآيات واضحة مرشدة إلى الحق فارقة بينه وبين الباطل بما فيه ~~من الحكم والأحكام { فمن شهد منكم الشهر } أي حضر فيه ولم ~~يكن مسافرا، ووضع الظاهر موضع الضمير للتعظيم والمبالغة في البيان، ~~والفاء للتفريع والترتيب، أو لتضمن المبتدإ معنى الشرط، أو زائدة ~~على تقدير كون (شهر رمضان) مبتدأ والموصول صفة له، وهذه الجملة ~~خبر له وقيل: هي جزائية كأنه قيل: لما كتب عليكم الصيام في ذلك الشهر ~~فمن حضر فيه { فليصمه } أي فليصم فيه بحذف الجار وإيصال الفعل ~~إلى المجرور اتساعا وقيل: من شهد منكم هلال الشهر فليصمه على أنه ~~مفعول به كقولك: شهدت الجمعة أي صلاتها فيكون ما بعده مخصصا له ~~كأنه قيل: { ومن كان مريضا } وإن كان مقيما حاضرا فيه { أو ~~على سفر } وإن كان صحيحا { فعدة من أيام أخر } أي ~~فعليه صيام أيام أخر لأن المريض والمسافر ممن شهد الشهر، ولعل ~~التكرير لذلك أو لئلا يتوهم نسخه كما نسخ قرينه { يريد الله ~~} بهذا الترخيص { بكم اليسر ولا يريد بكم العسر } ~~لغاية هي رأفته وسعة رحمته { ولتكملوا العدة ~~ولتكبروا الله على ما هداكم ولعلكم تشكرون ~~} تعليل لفعل محذوف يدل عليه ما سبق أي ولهذه الأمور شرع ما مر ~~من أمر الشاهد بصوم الشهر وأمر المرخص لهم بمراعاة عدة ما أفطر ~~فيه ومن الترخيص في إباحة الفطر، فقوله تعالى: { لتكملوا } [البقرة، ~~الآية: 185] علة الأمر بمراعاة العدة ولتكبروا علة ما علمه من كيفية ~~القضاء، { ولعلكم تشكرون } [البقرة، الآية: 185] علة ~~الترخيص والتيسير، وتعدية فعل التكبير بعلى لتضمنه معنى الحمد كأنه ~~قيل: ولتكبروا الله حامدين على ما هداكم، ويجوز أن تكون معطوفة على علة ~~مقدرة مثل ليسهل عليكم أو لتعلموا ما تعملون ولتكملوا الخ ويجوز ~~عطفها على (اليسر) أي يريد بكم لتكملوا الخ كقوله تعالى: # يريدون ليطفئوا # [الصف، الآية 8] الخ والمعنى بالتكبير تعظيمه تعالى بالحمد والثناء ~~عليه، وقيل: تكبير يوم العيد وقيل: التكبير عند الإهلال، و(ما) ~~تحتمل المصدرية والموصولة أي على ms0307 هدايته إياكم أو على الذي هداكم إليه ~~وقرىء ولتكملوا بالتشديد. ### || [2.186] # { وإذا سألك عبادي عني } في تلوين الخطاب وتوجيهه إلى ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ما لا يخفى من تشريفه ورفع محله { ~~فإني قريب } أي فقل لهم إني قريب وهو تمثيل لكمال علمه بأفعال ~~العباد وأقوالهم واطلاعه على أحوالهم بحال من قرب مكانه، روي أن ~~أعرابيا قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: أقريب ربنا فنناجيه أم ~~بعيد فنناديه؟ فنزلت { أجيب دعوة الداع إذا دعان } ~~تقرير للقرب وتحقيق له ووعد للداعي بالإجابة { فليستجيبوا ~~لى } إذا دعوتهم للإيمان والطاعة كما أجيبهم إذا دعوني لمهماتهم { ~~وليؤمنوا بى } أمر بالثبات على ما هم عليه { لعلهم ~~يرشدون } راجين إصابة الرشد أي الحق وقرىء بفتح الشين وكسرها، ~~ولما أمرهم الله تعالى بصوم الشهر ومراعاة العدة وحثهم على القيام ~~بوظائف التكبير والشكر عقبه بهذه الآية الكريمة الدالة على أنه ~~تعالى خبير بأحوالهم سميع لأقوالهم مجيب لدعائهم مجازيهم على أعمالهم ~~تأكيدا له وحثا عليه ثم شرع في بيان أحكام الصيام فقال: ### || [2.187] # { أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم } ~~روي: «أن المسلمين كانوا إذا أمسوا حل لهم الأكل والشرب والجماع ~~إلى أن يصلوا العشاء الأخيرة أو يرقدوا، ثم أن عمر رضي الله عنه ~~باشر بعد العشاء فندم، وأتى النبي صلى الله عليه وسلم واعتذر إليه ~~فقام رجال فاعترفوا بما صنعوا بعد العشاء فنزلت» وليلة الصيام الليلة ~~التي يصبح منها صائما والرفث كناية عن الجماع لأنه لا يكاد يخلو من ~~رفث، وهو الإفصاح بما يجب أن يكنى عنه، وعدي بإلى لتضمنه معنى ~~الإفضاء والإنهاء، وإيثاره ههنا لاستقباح ما ارتكبوه ولذلك سمي ~~خيانة وقرىء الرفوث، وتقديم الظرف على القائم مقام الفاعل لما مر ~~مرارا من التشويق فإن ما حقه التقديم إذا أخر تبقى النفس مترقبة ~~إليه فيتمكن وقت وروده فضل تمكن { هن لباس لكم وأنتم ~~لباس لهن } استئناف مبين لسبب الإحلال وهو صعوبة الصبر ~~عنهن مع شدة المخالطة وكثرة الملابسة بهن، وجعل كل من الرجل ~~والمرأة لباسا للآخر ms0308 لاعتناقهما واشتمال كل منهما على الآخر بالليل ~~قال: [المتقارب] # إذا ما الضجيع ثنى عطفها # تثنت فكانت عليه لباسا # أو لأن كلا منهما يستر حال صاحبه ويمنعه من الفجور { علم ~~الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم } استئناف آخر ~~مبين لما ذكر من السبب، والاختيان أبلغ من الخيانة كالاكتساب من ~~الكسب، ومعنى تختانون تظلمونها بتعريضها للعقاب وتنقيص حظها من ~~الثواب { فتاب عليكم } عطف على علم أي تاب عليكم لما تبتم ~~مما اقترفتموه { وعفا عنكم } أي محا أثره عنك { فالآن } لما ~~نسخ التحريم { بشروهن } المباشرة إلزاق البشرة بالبشرة ~~كني بها عن الجماع الذي يستلزمها وفيه دليل على جواز نسخ الكتاب ~~للسنة { وابتغوا ما كتب الله لكم } أي واطلبوا ما قدره ~~الله لكم وقرره في اللوح من الولد وفيه أن المباشر ينبغي أن ~~يكون غرضه الولد فإنه الحكمة في خلق الشهوة وتشريع النكاح لا ~~قضاء الشهوة، وقيل: فيه نهي عن العزل وقيل: عن غير المأتي، ~~والتقدير وابتغوا المحل الذي كتب لكم { وكلوا واشربوا ~~حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط ~~الأسود من الفجر } شبه أول ما يبدو من الفجر المعترض في ~~الأفق وما يمتد معه من غلس الليل بخيطين أبيض وأسود، واكتفي ~~ببيان الخيط الأبيض بقوله تعالى: { من الفجر } عن بيان الخيط ~~الأسود لدلالته عليه وبذلك خرجا عن الاستعارة إلى التمثيل ويجوز أن يكون ~~(من) للتبعيض فإن ما يبدو بعض الفجر وما روي من أنها نزلت ولم ينزل من ~~الفجر فعمد رجال إلى خيطين أبيض وأسود وطفقوا يأكلون ويشربون حتى ~~يتبينا لهم، فنزلت فلعل ذلك كان قبل دخول رمضان وتأخير البيان إلى ~~وقت الحاجة جائزا، واكتفي أولا باشتهارهما في ذلك ثم صرح بالبيان ~~لما التبس على بعضهم، وفي تجويز المباشرة إلى الصبح دلالة على جواز ~~تأخير الغسل إليه وصحة صوم من أصبح جنبا { ثم أتموا ~~الصيام إلى اليل } بيان لآخر وقته { ولا ~~تبشروهن وأنتم عكفون في المسجد } أي معتكفون ~~فيها والمراد بالمباشرة الجماع. # وعن قتادة: «كان الرجل يعتكف فيخرج إلى امرأته فيباشرها ثم يرجع ~~فنهوا ms0309 عن ذلك» وفيه دليل على أن الاعتكاف يكون في المسجد غير مختص ~~ببعض دون بعض وأن الوطء فيه حرام ومفسد له لأن النهي في العبادات ~~يوجب الفساد { تلك حدود الله } أي الأحكام المذكورة حدود ~~وضعها الله تعالى لعباده { فلا تقربوها } فضلا عن تجاوزها، ~~نهي أن يقرب الحد الحاجز بين الحق والباطل مبالغة في النهي ~~عن تخطيها كما قال صلى الله عليه وسلم: # " إن لكل ملك حمى وحمى الله محارمه فمن رتع حول الحمى يوشك أن ~~يقع فيه " # ويجوز أن يراد بحدود الله تعالى محارمه ومناهيه { كذلك } أي مثل ~~ذلك التبين البليغ { يبين الله آياته } الدالة على الأحكام ~~التي شرعها { للناس لعلهم يتقون } مخالفة أوامره ~~ونواهيه. ### || [2.188] # { ولا تأكلوا أمولكم بينكم بالباطل } نهي عن أكل ~~بعضهم أموال بعض على خلاف حكم الله تعالى بعد النهي عن أكل أموال ~~أنفسهم في نهار رمضان أي لا يأكل بعضكم أموال بعض بالوجه الذي لم ~~يبحه الله تعالى و(بين) نصب على الظرفية أو الحالية من أموالكم { ~~وتدلوا بها إلى الحكام } عطف على المنهي عنه أو نصب ~~بإضمار أن، والإدلاء الإلقاء أي ولا تلقوا حكومتها إلى الحكام { ~~لتأكلوا } بالتحاكم إليهم { فريقا من أموال الناس ~~بالإثم } بما يوجب إثما كشهادة الزور واليمين الفاجرة أو ملتبسين ~~بالإثم { وأنتم تعلمون } أنكم مبطلون فإن ارتكاب المعاصي مع ~~العلم بها أقبح. روي أن عبدان الحضرمي ادعى على امرىء القيس ~~الكندي قطعة أرض ولم يكن له بينة فحكم رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم بأن يحلف امرؤ القيس فهم به فقرأ عليه الصلاة والسلام: # إن الذين يشترون بعهد الله وأيمنهم ثمنا ~~قليلا # [آل عمران، الآية 77] الآية، فارتدع عن اليمين فسلم الأرض إلى عبدان ~~فنزلت. # " وروي أنه اختصم إليه خصمان فقال عليه السلام: " إنما أنا بشر مثلكم ~~وأنتم تختصمون إلي، ولعل بعضكم ألحن بحجته من بعض فأقضي له على ~~نحو ما أسمع منه، فمن قضيت له بشيء من حق أخيه فإنما أقضي له قطعة ~~من نار " فبكيا فقال كل واحد منهما: حقي لصاحبي ms0310 فقال: " اذهبا ~~فتآخيا ثم ليحل كل واحد منكما صاحبه " ### || [2.189-190] # { يسئلونك عن الأهلة } سأله معاذ بن جبل وثعلبة بن ~~غنم فقالا: ما بال الهلال يبدو رقيقا كالخيط ثم يزيد حتى يستوي ثم لا ~~يزال ينقص حتى يعود كما بدأ؟ { قل هى مواقيت للناس ~~والحج } كانوا قد سألوه عليه الصلاة والسلام عن الحكمة في اختلاف ~~حال القمر وتبدل أمره فأمره الله العزيز الحكيم أن يجيبهم بأن ~~الحكمة الظاهرة في ذلك أن تكون معالم للناس في عبادتهم لا سيما ~~الحج فإن الوقت مراعى فيه أداء وقضاء وكذا في معاملاتهم على حسب ما ~~يتفقون عليه، والمواقيت جمع ميقات من الوقت، والفرق بينه وبين ~~المدة والزمان أن المدة المطلقة امتداد حركة الفلك من مبدئها إلى ~~منتهاها والزمان مدة مقسومة إلى الماضي والحال والمستقبل، والوقت ~~الزمان المفروض لأمر { وليس البر بأن تأتوا البيوت ~~من ظهورها } كانت الأنصار إذا أحرموا لم يدخلوا دارا، ولا ~~فسطاطا من بابه، وإنما يدخلون ويخرجون من نقب، أو فرجة وراءها، ~~ويعدون ذلك برا. فبين لهم أنه ليس ببر فقيل: { ولكن ~~البر من اتقى } أي بر من اتقى المحارم والشهوات، ووجه ~~اتصاله بما قبله أنهم سألوا عن الأمرين أو أنه لما ذكر أنها مواقيت ~~للحج ذكر عقيبه ما هو من أفعالهم في الحج استطرادا أو أنهم لما ~~سألوا عما لا يعنيهم ولا يتعلق بعلم النبوة فإنه عليه الصلاة ~~والسلام مبعوث لبيان الشرائع لا لبيان حقائق الأشياء وتركوا ~~السؤال عما يعنيهم ويختص بعلم الرسالة عقب بذكره جواب ما سألوا ~~عنه تنبيها على أن اللائق بهم أن يسألوا عن أمثال ذلك ويهتموا بالعلم ~~بها أو أريد به التنبيه على تعكيسهم في السؤال وكونه من قبيل دخول ~~البيت من ورائه، والمعنى وليس البر بأن تعكسوا في مسائلكم ولكن ~~البر من اتقى ذلك ولم يجترىء على مثله، { وأتوا البيوت من ~~أبوبها } إذ ليس في العدول بر أو باشروا الأمور من وجوهها { ~~واتقوا الله } في تغيير أحكامه أو في جميع أموركم. أمر بذلك ~~صريحا بعد بيان أن ms0311 البر بر من اتقى إظهارا لزيادة الاعتناء بشأن ~~التقوى وتمهيدا لقوله تعالى: { لعلكم تفلحون } أي لكي ~~تظفروا بالبر والهدى. # { وقتلوا في سبيل الله } أي جاهدوا لإعزاز دينه وإعلاء ~~كلمته، وتقديم الظرف على المفعول الصريح لإبراز كمال العناية بشأن ~~المقدم { الذين يقتلونكم } قيل: كان ذلك قبل ما أمروا ~~بقتال المشركين كافة المقاتلين منهم والمحاجزين وقيل: معناه الذين ~~يناصبونكم القتال ويتوقع منهم ذلك دون غيرهم من المشايخ والصبيان ~~والرهبان والنساء أو الكفرة جميعا، فإن الكل بصدد قتال المسلمين ~~ويؤيد الأول ما روي أن المشركين صدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~عام الحديبية وصالحوه على أن يرجع من قابل فيخلوا له مكة شرفها ~~الله تعالى ثلاثة أيام فرجع لعمرة القضاء فخاف المسلمون أن لا يفوا ~~لهم وأن يقاتلوهم في الحرم والشهر الحرام وكرهوا ذلك فنزلت ويعضده ~~إيراده في أثناء بيان أحكام الحج { ولا تعتدوا } بابتداء ~~القتال أو بقتال المعاهد والمفاجأة به من غير دعوة أو بالمثلة وقتل ~~من نهيتم عن قتله من النساء والصبيان ومن يجري مجراهم { إن ~~الله لا يحب المعتدين } أي لا يريد بهم الخير وهو تعليل ~~للنهي. ### || [2.191-194] # { واقتلوهم حيث ثقفتموهم } أي حيث وجدتموهم من حل ~~أو حرم وأصل الثقف الحذق في إدراك الشيء علما أو عملا وفيه معنى ~~الغلبة ولذلك استعمل فيها قال: [الوافر] # فإما تثقفوني فاقتلوني # فمن أثقف فليس إلى خلود # { وأخرجوهم من حيث أخرجوكم } أي من مكة وقد فعل بهم ~~ذلك يوم الفتح بمن لم يسلم من كفارها { والفتنة أشد من ~~القتل } أي المحنة التي يفتتن بها الإنسان كالإخراج من الوطن أصعب ~~من القتل لدوام تعبها وبقاء ألم النفس بها، وقيل: شركهم في الحرم ~~وصدهم لكم عنه أشد من قتلكم إياهم فيه { ولا تقتلوهم عند ~~المسجد الحرام } أي لا تفاتحوهم بالقتل هناك ولا تهتكوا حرمة ~~المسجد الحرام { حتى يقتلوكم فيه فإن قتلوكم } ~~ثمة { فاقتلوهم } فيه ولا تبالوا بقتالهم ثمة لأنهم الذين ~~هتكوا حرمته فاستحقوا أشد العذاب وفي العدول عن صيغة المفاعلة ~~التي بها ورد النهي والشرط ms0312 عدة بالنصر والغلبة وقرىء ولا تقتلوهم ~~حتى يقتلوكم فإن قاتلوكم فاقتلوهم والمعنى حتى يقتلوا بعضكم كقولهم: ~~قتلتنا بنو أسد { كذلك جزاء الكفرين } يفعل بهم مثل ما ~~فعلوا بغيرهم { فإن انتهوا } عن القتال والكفر بعد ما رأوا ~~قتالكم { فإن الله غفور رحيم } يغفر لهم ما قد سلف { ~~وقتلوهم حتى لا تكون فتنة } أي شرك { ويكون ~~الدين لله } خالصا ليس للشيطان فيه نصيب { فإن انتهوا } ~~بعد مقاتلتكم عن الشرك { فلا عدون إلا على الظلمين ~~} أي فلا تعتدوا عليهم إذ لا يحسن الظلم إلا لمن ظلم، فوضع العلة ~~موضع الحكم وتسمية الجزاء بالعدوان للمشاكلة كما في قوله عز وجل: # فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه # [البقرة: 195] أو إنكم إن تعرضتم للمنتهين صرتم ظالمين وتنعكس ~~الحال عليكم، والفاء الأولى للتعقيب والثانية للجزاء. # { الشهر الحرام بالشهر الحرام } قاتلهم المشركون عام ~~الحديبية في ذي القعدة فقيل لهم عند خروجهم لعمرة القضاء في ذي ~~القعدة أيضا وكراهتهم القتال فيه: هذا الشهر الحرام بذلك الشهر ~~الحرام وهتكه بهتكه فلا تبالوا به { والحرمت قصاص } أي كل ~~حرمة وهي ما يجب المحافظة عليه يجري فيها القصاص فلما هتكوا حرمة ~~شهركم بالصد فافعلوا بهم مثله وادخلوا عليهم عنوة فاقتلوهم إن ~~قاتلوكم كما قال الله تعالى: { فمن اعتدى عليكم فاعتدوا ~~عليه بمثل ما اعتدى عليكم } وهي فذلكة مقررة لما ~~قبلها { واتقوا الله } في شأن الانتصار واحذروا أن تعتدوا إلى ما ~~لم يرخص لكم { واعلموا أن الله مع المتقين } ~~فيحرسهم ويصلح شؤونهم بالنصر والتمكين. ### || [2.195-196] # { وأنفقوا فى سبيل الله } أمر بالجهاد بالمال بعد الأمر ~~به بالأنفس، أي ولا تمسكوا كل الإمساك، { ولا تلقوا ~~بأيديكم إلى التهلكة } بالإسراف وتضييع وجه المعاش أو ~~بالكف عن الغزو والإنفاق فيه فإن ذلك مما يقوي العدو ويسلطه ~~عليكم. ويؤيده ما روي عن أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه أنه قال: ~~لما أعز الله الإسلام وكثر أهله رجعنا إلى أهالينا وأموالنا نقيم ~~فيها ونصلحها فنزلت، أو بالإمساك وحب المال فإنه يؤدي إلى الهلاك ~~المؤبد ولذلك سمي البخل هلاكا وهو في ms0313 الأصل انتهاء الشيء في ~~الفساد، والإلقاء طرح الشيء، وتعديته بإلى لتضمنه معنى الانتهاء ~~والباء مزيدة، والمراد بالأيدي الأنفس والتهلكة مصدر كالتنصرة ~~والتسترة وهي والهلك واحد أي لا توقعوا أنفسكم إليها فحذف المفعول ~~{ وأحسنوا } أي أعمالكم وأخلاقكم أو تفضلوا على الفقراء { إن ~~الله يحب المحسنين } أي يريد بهم الخير وقوله تعالى: { ~~وأتموا الحج والعمرة لله } بيان لوجوب إتمام ~~أفعالهما عند التصدي لأدائهما وإرشاد للناس إلى تدارك ما عسى يعتريهم ~~من العوارض المخلة بذلك من الإحصار ونحوه من غير تعرض لحالهما في ~~أنفسهما من الوجوب وعدمه كما في قوله تعالى: # ثم أتموا الصيام إلى اليل # [البقرة، الآية 187] فإنه بيان لوجوب مد الصيام إلى الليل من غير ~~تعرض لوجوب أصله وإنما هو بقوله تعالى: # كتب عليكم الصيام # [البقرة، الآية 183] الآية، كما أن وجوب الحج بقوله تعالى: # ولله على الناس حج البيت # [آل عمران، الآية 97] الآية، فإن الأمر بإتمام فعل من الأفعال ليس ~~أمرا بأصله ولا مستلزما له أصلا فليس فيه دليل على وجوب العمرة ~~قطعا، وادعاء أن الأمر بإتمامهما أمر بإنشائهما تامين كاملين حسبما ~~تقتضيه قراءة وأقيموا الحج والعمرة وأن الأمر للوجوب ما لم يدل ~~على خلافه دليل مما لا سداد له ضرورة أن ليس البيان مقصورا على ~~أفعال الحج المفروض حتى يتصور ذلك، بل الحق أن تلك القراءة ~~أيضا محمولة على المشهورة ناطقة بوجوب إقامة أفعالهما كما ينبغي من ~~غير تعرض لحالهما في أنفسهما فالمعنى أكملوا أركانهما وشرائطهما ~~وسائر أفعالهما المعروفة شرعا لوجه الله تعالى من غير إخلال منكم ~~بشيء منها. # هذا وقد قيل: «إتمامهما أن تحرم بهما من دويرة أهلك». روي ذلك ~~عن علي وابن عباس وابن مسعود رضي الله عنهم وقيل: «أن تفرد لكل ~~واحد منها سفرا» كما قال محمد: حجة كوفية وعمرة كوفية أفضل. ~~وقيل: هو جعل نفقتهما حلالا وقيل: أن تخلصوهما للعبادة ولا تشوبوهما ~~بشيء من الأغراض الدنيوية وأيا ما كان فلا تعرض في الآية الكريمة ~~لوجوب العمرة أصلا وأما ما روي أن ابن عباس رضي الله عنهما ms0314 قال: إن ~~العمرة لقرينة الحج، وقول عمر رضي الله عنه: هديت لسنة نبيك ~~حين قال له رجل وجدت الحج والعمرة مكتوبين علي فأهللت بهما. # وفي رواية فأهللت بهما جميعا فبمعزل من إفادة الوجوب مع كونه ~~معارضا بما روي # " عن جابر أنه قال: يا رسول الله العمرة واجبة مثل الحج؟ قال: " ~~لا، ولكن أن تعتمر خير لك " # ، وبقوله عليه السلام: # " الحج جهاد والعمرة تطوع فتدبر " # { فإن أحصرتم } أي منعتم من الحج يقال: حصره إذا حبسه ومنعه ~~من المضي لوجهه مثل صده وأصده والمراد منع العدو عند مالك ~~والشافعي رضي الله عنهما لقوله تعالى: { فإذا أمنتم } ولنزوله ~~في الحديبية ولقول ابن عباس: لا حصر إلا حصر العدو وكل منع ~~من عدو أو مرض أو غيرهما عند أبي حنيفة رضي الله عنه، لما روي عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم من كسر أو عرج فعليه الحج من قابل { ~~فما استيسر من الهدى } أي فعليكم أو فالواجب ما استيسر أو ~~فاهدوا ما استيسر والمعنى أن المحرم إذا أحصر وأراد أن يتحلل تحلل ~~بذبح هدي مما تيسر عليه من بدنة أو بقرة أو شاة حيث أحصر عند الأكثر، ~~وعندنا يبعث به إلى الحرم ويجعل للمبعوث بيده يوم أمار فإذا جاء ~~اليوم وظن أنه ذبح تحلل لقوله تعالى: { ولا تحلقوا رءوسكم ~~حتى يبلغ الهدى محله } أي لا تحلوا حتى تعلموا أن ~~الهدي المبعوث إلى الحرم بلغ مكانه الذي يجب أن ينحر فيه، وحمل ~~الأولون بلوغ الهدي محله على ذبحه فيه حلا كان أو حرما ~~ومرجعهم في ذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذبح عام الحديبية ~~بها وهي من الحل قلنا: كان محصره عليه الصلاة والسلام طرف ~~الحديبية الذي إلى أسفل مكة وهو من الحرم، وعن الزهري أن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم نحر هديه في الحرم، وقال الواقدي: الحديبية ~~هي طرف الحرم على تسعة أميال من مكة والمحل بالكسر يطلق على ~~المكان والزمان، والهدي جمع هدية كجدي وجدية وقرىء من الهدي ~~جمع هدية ms0315 كمطي ومطية { فمن كان منكم مريضا } مرضا ~~محوجا إلى الحلق { أو به أذى من رأسه } كجراحة أو ~~قمل { ففدية } أي فعليه فدية إن حلق { من صيام أو ~~صدقة أو نسك } بيان لجنس الفدية وأما قدرها فقد روي # " أنه صلى الله عليه وسلم قال لكعب بن عجرة: " لعلك آذاك هوامك " ~~قال: نعم يا رسول الله قال: " احلق وصم ثلاثة أيام أو تصدق ~~بفرق على ستة مساكين أو انسك شاة والفرق ثلاثة آصع " # { فإذا أمنتم } أي الإحصار أو كنتم في حال أمن أو سعة { فمن ~~تمتع بالعمرة إلى الحج } أي فمن انتفع بالتقرب إلى ~~الله تعالى بالعمرة قبل الانتفاع بتقربه بالحج في أشهره، وقيل: من ~~استمتع بعد التحلل من عمرته باستباحة محظورات الإحرام إلى أن يحرم ~~بالحج { فما استيسر من الهدى } أي فعليه دم استيسر عليه ~~بسبب التمتع وهو دم جبران يذبحه إذا أحرم بالحج، ولا يأكل منه عند ~~الشافعي وعندنا هو كالأضحية { فمن لم يجد } أي الهدي { ~~فصيام ثلثة أيام في الحج } أي في أشهره بين ~~الإحرامين، وقال الشافعي في أيام الاشتغال بأعماله بعد الإحرام وقبل ~~التحلل، والأحب أن يصوم سابع ذي الحجة وثامنه وتاسعه فلا يصح يوم ~~النحر وأيام التشريق { وسبعة إذا رجعتم } أي نفرتم ~~وفرغتم من أعماله وفي أحد قولي الشافعي إذا رجعتم إلى أهليكم، وقرىء ~~وسبعة بالنصب عطفا على محل ثلاثة أيام { تلك عشرة } فذلكة ~~الحساب وفائدتها ألا يتوهم أن الواو بمعنى أو كما في قولك: جالس ~~الحسن وابن سيرين، وأن يعلم العدد جملة كما علم تفصيلا فإن أكثر ~~العرب لا يعرف الحساب وأن المراد بالسبعة هو العدد المخصوص دون ~~الكثرة كما يراد بها ذلك أيضا { كاملة } صفة مؤكدة لعشرة تفيد ~~المبالغة في المحافظة على العدد أو مبينة لكمال العشرة فإنها أول ~~عدد كامل إذ به ينتهي الآحاد ويتم مراتبها أو مقيدة تفيد كمال ~~بدليتها من الهدي { ذلك } إشارة إلى التمتع عندنا وإلى الحكم ~~المذكور عند الشافعي { لمن لم يكن أهله حاضرى ~~المسجد الحرام } وهو من كان من ms0316 الحرم على مسافة القصر عند ~~الشافعي ومن كان مسكنه وراء الميقات عندنا وأهل الحل عند طاوس وغير ~~أهل مكة عند مالك { واتقوا الله } في المحافظة على أوامره ~~ونواهيه لا سيما في الحج { واعلموا أن الله شديد ~~العقاب } لمن لم يتقه كي يصدكم العلم به عن العصيان، ~~وإظهار الاسم الجليل في موضع الإضمار لتربية المهابة وإدخال ~~الروعة. ### || [2.197] # { الحج } أي وقته { أشهر معلومت } معروفات بين الناس ~~هي شوال وذو القعدة وعشر ذي الحجة عندنا وتسعة بليلة النحر عند ~~الشافعي وكله عند مالك، ومدار الخلاف أن المراد بوقته وقت إحرامه ~~أو وقت أعماله ومناسكه أو ما لا يحسن فيه غيره من المناسك مطلقا ~~فإن مالكا كره العمرة في بقية ذي الحجة، وأبو حنيفة وإن صحح ~~الإحرام به قبل شوال فقد استكرهه وإنما سمي شهران وبعض شهر أشهرا ~~إقامة للبعض مقام الكل أو إطلاقا للجمع على ما فوق الواحد، وصيغة ~~جمع المذكر في غير العقلاء تجيء بالألف والتاء { فمن فرض فيهن ~~الحج } أي أوجبه على نفسه بالإحرام فيهن أو بالتلبية أو بسوق ~~الهدي { فلا رفث ولا فسوق } أي لا جماع أو فلا فحش من ~~الكلام ولا خروج من حدود الشرع بارتكاب المحظورات وقيل: بالسباب ~~والتنابز بالألقاب { ولا جدال } أي لا مراء مع الخدم والرفقة { ~~في الحج } أي في أيامه والإظهار في مقام الإضمار لإظهار كمال ~~الاعتناء بشأنه، والإشعار بعلة الحكم فإن زيارة البيت المعظم ~~والتقرب بها إلى الله عز وجل من موجبات ترك الأمور المذكورة، ~~وإيثار النفي للمبالغة في النهي والدلالة على أن ذلك حقيق بأن لا ~~يكون، فإن ما كان منكرا مستقبحا في نفسه ففي تضاعيف الحج أقبح ~~كلبس الحرير في الصلاة والتطريب بقراءة القرآن لأنه خروج عن مقتضى ~~الطبع والعادة إلى محض العبادة، وقرىء الأولان بالرفع على معنى لا ~~يكونن رفث ولا فسوق والثالث بالفتح على معنى الإخبار بانتفاء الخلاف ~~في الحج، وذلك أن قريشا كانت تخالف سائر العرب فتقف بالمشعر الحرام ~~فارتفع الخلاف بأن أمروا بأن يقفوا أيضا بعرفات { وما ms0317 ~~تفعلوا من خير يعلمه الله } فيجزي به خير جزاء وهو ~~حث على فعل الخير إثر النهي عن الشر { وتزودوا فإن ~~خير الزاد التقوى } أي تزودوا لمعادكم التقوى فإنه خير ~~زاد وقيل: نزلت في أهل اليمن كانوا يحجون ولا يتزودون ويقولون: نحن ~~متوكلون فيكونون كلا على الناس فأمروا أن يتزودوا ويتقوا الإبرام ~~في السؤال والتثقيل على الناس { واتقون يأولى الألبب } فإن ~~قضية اللب استشعار خشية الله عز وجل وتقواه، حثهم على التقوى ثم ~~أمرهم بأن يكون المقصود بذلك هو الله تعالى فيتبرؤا من كل شيء سواه ~~وهو مقتضى العقل المعرى عن شوائب الهوى فلذلك خص بهذا الخطاب ~~أولوا الألباب. ### || [2.198-199] # { ليس عليكم جناح أن تبتغوا } أي في أن تبتغوا أي ~~تطلبوا { فضلا من ربكم } عطاء ورزقا منه أي الربح بالتجارة ~~وقيل: كان عكاظ ومجنة وذو المجاز أسواقهم في الجاهلية يقيمونها ~~أيام مواسم الحج وكانت معايشهم منها فلما جاء الإسلام تأثموا منه ~~فنزلت { فإذا أفضتم من عرفت } أي دفعتم منها بكثرة من ~~أفضت الماء إذا صببته بكثرة وأصله أفضتم أنفسكم فحذف المفعول ~~حذفه من دفعت من البصرة، وعرفات جمع سمي به كأذرعات وإنما ~~نون وكسر وفيه علمية وتأنيث لما أن تنوين الجمع تنوين المقابلة لا ~~تنوين التمكن ولذلك يجمع مع اللام وذهاب الكسرة تبع ذهاب التنوين من ~~غير عوض لعدم الصرف وههنا ليس كذلك أو لأن التأنيث إما بالتاء ~~المذكورة وهي ليست بتاء التأنيث وإنما هي مع الألف التي قبلها علامة ~~جمع المؤنث أو بتاء مقدرة كما في سعاد ولا سبيل إليه لأن ~~المذكورة تأبى تقديرها لما أنها كالبدل منها لاختصاصها بالمؤنث كتاء ~~بنت، وإنما سمي الموقف عرفة لأنه نعت لإبراهيم عليه السلام فلما ~~أبصره عرفه، أو لأن جبريل عليه السلام كان يدور به في المشاعر فلما ~~رآه قال: «عرفت»، أو لأن آدم وحواء التقيا فيه فتعارفا، أو لأن ~~الناس يتعارفون فيه وهي من الأسماء المرتجلة إلا من يجعلها جمع ~~عارف، قيل: وفيه دليل على وجوب الوقوف بها لأن الإفاضة لا تكون ms0318 إلا ~~بعده وهي مأمور بها بقوله تعالى: { ثم أفيضوا } [البقرة، الآية: ~~199] وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: # " الحج عرفة " # فمن أدرك عرفة فقد أدرك الحج، أو مقدمة للذكر المأمور به وفيه نظر ~~إذ الذكر غير واجب والأمر به غير مطلق { فاذكروا الله } ~~بالتلبية والتهليل والدعاء وقيل: بصلاة العشاءين { عند المشعر ~~الحرام } هو جبل يقف عليه الإمام ويسمى قزح وقيل: ما بين مأزمي ~~عرفة ووادي محسر ويؤيد الأول ما روى جابر أنه عليه الصلاة والسلام ~~لما صلى الفجر يعني بالمزدلفة بغلس ركب ناقته حتى أتى المشعر ~~الحرام فدعا فيه وكبر وهلل ولم يزل واقفا حتى أسفر. وإنما سمي ~~مشعرا لأنه معلم العبادة ووصف بالحرام لحرمته ومعنى عند المشعر ~~الحرام ما يليه ويقرب منه فإنه أفضل وإلا فالمزدلفة كلها موقف ~~الإوادي محسر { واذكروه كما هداكم } أي كما علمكم أو ~~اذكروه ذكرا حسنا كما هداكم هداية حسنة إلى المناسك وغيرها وما ~~مصدرية أو كافة { وإن كنتم من قبله } من قبل ما ذكر من ~~هدايته إياكم { لمن الضالين } غير العاملين بالإيمان والطاعة، ~~وإن المخففة واللام هي الفارقة وقيل: هي نافية واللام بمعنى إلا كما ~~في قوله عز وعلا: # وإن نظنك لمن الكذبين # [الشعراء، الآية 186] { ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس ~~} أي من عرفة لا من المزدلفة والخطاب لقريش لما كانوا يقفون بجمع ~~وسائر الناس بعرفة ويرون ذلك ترفعا عليهم فأمروا بأن يساووهم ~~و(ثم) لتفاوت ما بين الإفاضتين كما في قولك: أحسن إلى الناس ثم لا ~~تحسن إلا إلى كريم وقيل: من مزدلفة إلى منى بعد الإفاضة من عرفة ~~إليها، والخطاب عام وقرىء الناس بكسر السين أي الناسي على أن يراد به ~~آدم عليه السلام من قوله تعالى: # فنسى # [طه، الآيات: 88، 115]، والمعنى أن الإفاضة من عرفه شرع قديم فلا ~~تغيروه { واستغفروا الله } من جاهليتكم في تغيير المناسك { ~~إن الله غفور رحيم } يغفر ذنب المستغفر وينعم عليه ~~فهو تعليل للاستغفار أو للأمر به. ### || [2.200-202] # { فإذا قضيتم منسككم } عبادتكم المتعلقة بالحج ~~وفرغتم منها { فاذكروا الله كذكركم ms0319 ءاباءكم } أي ~~فاكثروا ذكره تعالى وبالغوا في ذلك كما تفعلون بذكر آبائكم ومفاخرهم ~~وأيامهم، وكانت العرب إذا قضوا مناسكهم وقفوا بمنى بين المسجد ~~والجبل فيذكرون مفاخر آبائهم ومحاسن أيامهم. { أو أشد ~~ذكرا } إما مجرور معطوف على الذكر بجعله ذاكرا على المجاز والمعنى ~~فاذكروا الله ذكرا كائنا مثل ذكركم آباءكم أو كذكر أشد منه ~~وأبلغ أو على ما أضيف إليه بمعنى أو كذكر قوم أشد منكم ذكرا أو ~~منصوب بالعطف على آباءكم، وذكرا من فعل المذكور بمعنى أو كذكركم أشد ~~مذكور من آبائكم أو بمضمر دل عليه المعنى تقديره أو كونوا أشد ~~ذكرا لله منكم لآبائكم { فمن الناس } تفصيل للذاكرين إلى من ~~يطلب بذكر الله الدنيا وإلى من يطلب به خير الدارين والمراد به ~~الحث على الإكثار والانتظام في سلك الآخرين { من يقول } أي في ~~ذكره { ربنا ءاتنا فى الدنيا } أي اجعل إيتاءنا ومنحتنا ~~في الدنيا خاصة { وما له فى الأخرة من خلق } أي من حظ ~~ونصيب لاقتصار همه على الدنيا فهو بيان لحاله في الآخرة أو من طلب ~~خلاق فهو بيان لحاله في الدنيا وتأكيد لقصر دعائه على المطالب ~~الدنيوية { ومنهم من يقول ربنا ءاتنا فى الدنيا ~~حسنة } هي الصحة والكفاف والتوفيق للخير { وفي الأخرة ~~حسنة } هي الثواب والرحمة { وقنا عذاب النار } بالعفو ~~والمغفرة وروي عن علي رضي الله عنه أن الحسنة في الدنيا المرأة ~~الصالحة، وفي الآخرة الحور، وعذاب النار امرأة السوء، وعن الحسن ~~أن الحسنة في الدنيا العلم والعبادة، وفي الآخرة الجنة. وقنا عذاب ~~النار معناه احفظنا من الشهوات والذنوب المؤدية إلى النار { ~~أولئك } إشارة إلى الفريق الثاني باعتبار اتصافهم بما ذكر من ~~النعوت الجميلة، وما فيه من معنى البعد لما مر مرارا من الإشارة إلى ~~علو درجتهم وبعد منزلتهم في الفضل وقيل: إليهما معا فالتنوين في ~~قوله تعالى: { لهم نصيب مما كسبوا } على الأول للتفخيم وعلى ~~الثاني للتنويع أي لكل نوع منهم نصيب من جنس ما كسبوا أو من أجله ~~كقوله تعالى: # مما خطيئتهم أغرقوا # [نوح، الآية ms0320 25] أو مما دعوا به نعطيهم منه ما قدرناه، وتسمية ~~الدعاء كسبا لما أنه من الأعمال { والله سريع الحساب } ~~يحاسب العباد على كثرتهم وكثرة أعمالهم في مقدار لمحة فاحذروا من ~~الإخلال بطاعة من هذا شأن قدرته أو يوشك أن يقيم القيامة ~~ويحاسب الناس فبادروا إلى الطاعات واكتساب الحسنات. ### || [2.203-204] # { واذكروا الله } أي كبروه في أعقاب الصلوات وعند ذبح ~~القرابين ورمي الجمار وغيرها { فى أيام معدودت } هي أيام ~~التشريق { فمن تعجل } أي استعجل في النفر أو النفر فإن ~~التفعل والاستفعال يجيئان لازمين ومتعديين يقال: تعجل في الأمر ~~واستعجل فيه وتعجله واستعجله والأول أوفق للتأخر كما في قوله: [البسيط] # قد يدرك المتأني بعض حاجته # وقد يكون من المستعجل الزلل # { فى يومين } أي في تمام يومين بعد يوم النحر وهو القر ويوم ~~الرؤس واليوم بعده ينفر إذا فرغ من رمي الجمار { فلا إثم عليه ~~} بتعجله { ومن تأخر } في النفر حتى رمى في اليوم الثالث قبل ~~الزوال أو بعده، وعند الشافعي بعده فقط { فلا إثم عليه } بما ~~صنع من التأخر، والمراد التخيير بين التعجل والتأخر، ولا يقدح ~~فيه أفضلية الثاني وإنما ورد بنفي الإثم تصريحا بالرد على أهل الجاهلية ~~حيث كانوا مختلفين فمن مؤثم للمتعجل ومؤثم للمتأخر { لمن ~~اتقى } خبر لمبتدأ محذوف أي الذي ذكر من التخيير ونفي الإثم عن ~~المتعجل والمتأخر، أو من الأحكام لمن اتقى لأنه الحاج على الحقيقة ~~والمنتفع به أو لأجله حتى لا يتضرر بترك ما يهمه منهما { ~~واتقوا الله } في مجامع أموركم بفعل الواجبات وترك المحظورات ~~ليعبأ بكم وتنتظموا في سلك المغتنمين بالأحكام المذكورة والرخص أو ~~احذروا الإخلال بما ذكر من الأحكام، وهو الأنسب بقوله عز وجل: { ~~واعلموا أنكم إليه تحشرون } أي للجزاء على أعمالكم بعد ~~الإحياء والبعث، وأصل الحشر الجمع والضم المتفرق، وهو تأكيد للأمر ~~بالتقوى وموجب للامتثال به، فإن من علم بالحشر والمحاسبة والجزاء كان ~~ذلك من أقوى الدواعي إلى ملازمة التقوى. # { ومن الناس من يعجبك قوله } تجريد للخطاب وتوجيه له ~~إليه عليه الصلاة والسلام وهو كلام مبتدأ ms0321 سيق لبيان تحزب الناس في ~~شأن التقوى إلى حزبين وتعيين مآل كل منهما و(من) موصولة أو موصوفة ~~وإعرابه كما بينا في قوله تعالى: # ومن الناس من يقول ءامنا بالله وباليوم الأخر # [البقرة، الآية 8] أي ومنهم من يروقك كلامه ويعظم موقعه في نفسك لما ~~تشاهد فيه من ملاءمة الفحوى ولطف الأداء، والتعجب حيرة تعرض ~~للإنسان بسبب عدم الشعور بسبب ما يتعجب منه { في الحياة ~~الدنيا } متعلق بقوله أي ما يقوله في حق الحياة الدنيا ومعناها ~~فإنها الذي يريده بما يدعيه من الإيمان ومحبة الرسول صلى الله عليه ~~وسلم، وفيه إشارة إلى أن له قولا آخر ليس بهذه الصفة أو بيعجبك أي ~~يعجبك قوله في الدنيا بحلاوته وفصاحته لا في الآخرة لما أنه يظهر هناك ~~كذبه وقبحه وقيل: لما يرهقه من الحبسة واللكنة وأنت خبير بأنه ~~لا مبالغة حينئذ في سوء حاله فإن مآله بيان حسن كلامه في الدنيا ~~وقبحه في الآخرة وقيل: معنى في الحياة الدنيا أي لا يصدر منه فيها إلا ~~القول الحسن { ويشهد الله على ما فى قلبه } أي بحسب ~~ادعائه حيث يقول: الله يعلم أن ما في قلبي موافق لما في لساني وهو ~~عطف على يعجبك، وقرىء ويشهد الله، فالمراد بما في قلبه ما فيه ~~حقيقة، ويؤيده قراءة ابن عباس رضي الله عنهما (والله يشهد على ما في ~~قلبه) على أن كلمة على لكون المشهود به مضرا له، فالجملة اعتراضية ~~وقرىء ويستشهد الله { وهو ألد الخصام } أي شديد العداوة ~~والخصومة للمسلمين على أن الخصام مصدر وإضافة (ألد) إليه بمعنى في ~~كقولكم: ثبت العذر، أو أشد الخصوم لهم خصومة على أنه جمع خصم ~~كصعب وصعاب قيل: نزلت في الأخنس بن شريق الثقفي وكان حسن المنظر ~~حلو المنطق يوالي رسول الله صلى الله عليه وسلم ويدعي الإسلام والمحبة ~~وقيل: في المنافقين والجملة حال من الضمير المجرور في قوله أو من ~~المستكن في يشهد وعطف على ما قبلها على القراءتين المتوسطتين. ### || [2.205-207] # { وإذا تولى } أي من مجلسك وقيل: إذا صار واليا ms0322 { سعى فى ~~الأرض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل } كما فعله ~~الأخنس بثقيف حيث بيتهم وأحرق زروعهم وأهلك مواشيهم أو كما يفعله ~~ولاة السوء بالقتل والإتلاف أو بالظلم حتى يمنع الله تعالى بشؤمه ~~القطر فيهلك الحرث والنسل وقرىء ويهلك الحرث والنسل على ~~إسناد الهلاك إليهما عطفا على سعى وقرىء بفتح اللام وهي لغة وقرىء على ~~البناء للمفعول من الإهلاك { والله لا يحب الفساد } أي لا ~~يرتضيه بل يبغضه ويغضب على من يتعاطاه وهو اعتراض تذييلي. # { وإذا قيل له } على نهج العظة والنصيحة { اتق الله } ~~واترك ما تباشره من الفساد أو النفاق واحذر سوء مغبته { ~~أخذته العزة بالإثم } أي حملته الأنفة وحمية ~~الجاهلية على الإثم الذي نهي عنه لجاجا وعنادا من قولك أخذته ~~بكذا إذا حملته عليه أو ألزمته إياه { فحسبه جهنم } مبتدأ ~~وخبر أي كافيه جهنم، وقيل جهنم فاعل لحسبه ساد مسد خبره وهو ~~مصدر بمعنى الفاعل، وقوي لاعتماده على الفاء الرابطة للجملة بما قبلها ~~وقيل حسب اسم فعل ماض أي كفته جهنم { ولبئس المهاد } ~~جواب قسم مقدر والمخصوص بالذم محذوف لظهوره وتعينه والمهاد ~~الفراش وقيل ما يوطأ للجنب والجملة اعتراض { ومن الناس من ~~يشرى نفسه } مبتدأ وخبر كما مر أي يبيعها ببذلها في الجهاد ~~ومشاق الطاعات وتعريضها للمهالك في الحروب، أو يأمر بالمعروف وينهى ~~عن المنكر وإن ترتب عليه القتل { ابتغاء مرضت الله } أي ~~طلبا لرضاه وهذا كمال التقوى، وإيراده قسيما للأول من حيث إن ذلك ~~يأنف من الأمر بالتقوى وهذا يأمر بذلك وإن أدى إلى الهلاك، وقيل: نزلت ~~في صهيب بن سنان الرومي، أخذه المشركون وعذبوه ليرتد فقال إني شيخ ~~كبير لا أنفعكم إن كنت معكم ولا أضركم إن كنت عليكم فخلوني وما أنا ~~عليه وخذوا مالي فقبلوا منه ماله فأتى المدينة، فيشري حينئذ بمعنى ~~يشتري لجريان الحال على صورة الشراء { والله رءوف بالعباد } ~~ولذلك يكلفهم التقوى ويعرضهم للثواب، والجملة اعتراض تذييلي. ### || [2.208-210] # { يأيها الذين ءامنوا ادخلوا في السلم } أي ~~الاستسلام والطاعة، وقيل الإسلام، وقرىء بفتح السين وهو لغة ms0323 فيه وبفتح ~~اللام أيضا، وقوله تعالى: { كافة } حال من الضمير في ادخلوا أو من ~~السلم أو منهما معا في قوله: [الطويل] # خرجت بها تمشي تجر وراءنا # على أثرينا ذيل مرط مرجل # وهي في الأصل اسم الجماعة تكف مخالفها ثم استعملت في معنى جميعا ~~وتاؤها ليست للتأنيث حتى يحتاج إلى جعل السلم مؤنثا مثل الحرب ~~كما في قوله عز وجل: # وإن جنحوا للسلم فاجنح لها # [الأنفال، الآية 61] وفي قوله: [البسيط] # السلم تأخذ منها ما رضيت به # والحرب يكفيك من أنفاسها جرع # وإنما هي للنقل كما في عامة وخاصة وقاطبة والمعنى استسلموا لله تعالى ~~وأطيعوه جملة ظاهرا وباطنا، والخطاب للمنافقين أو ادخلوا في الإسلام ~~بكليته ولا تخلطوا به غيره، والخطاب لمؤمني أهل الكتاب فإنهم كانوا ~~يراعون بعض أحكام دينهم القديم بعد إسلامهم، أو في شرائع الله تعالى ~~كلها بالإيمان بالأنبياء عليهم السلام والكتب جميعا والخطاب لأهل ~~الكتاب كلهم، ووصفهم بالإيمان إما على طريقة التغليب وإما بالنظر إلى ~~إيمانهم القديم، أو في شعب الإسلام وأحكامه كلها فلا يخلوا بشيء ~~منها والخطاب للمسلمين وإنما خوطب أهل الكتاب بعنوان الإيمان مع أنه لا ~~يصح الإيمان إلا بما كلفوه الآن إيذانا بأن ما يدعونه لا يتم ~~بدونه { ولا تتبعوا خطوت الشيطن } بالتفرق ~~والتفريق أو بمخالفة ما أمرتم به { إنه لكم عدو مبين } ~~ظاهر العداوة أو مظهر لها وهو تعليل للنهي أو الانتهاء، { فإن ~~زللتم } أي عن الدخول في السلم وقرىء بكسر اللام وهي لغة فيه { من ~~بعد ما جاءتكم } الآيات { البينت } والحجج القطعية ~~الدالة على حقيقته الموجبة للدخول فيه { فاعلموا أن الله ~~عزيز } غالب على أمره لا يعجزه الانتقام منكم { حكيم } لا ~~يترك ما تقتضيه الحكمة من مؤاخذة المجرمين المستعصين على أوامره. # { هل ينظرون } استفهام إنكاري في معنى النفي أي ما ينتظرون بما ~~يفعلون من العناد والمخالفة في الامتثال، بما أمروا به والانتهاء عما ~~نهوا عنه { إلا أن يأتيهم الله } أي أمره وبأسه أو ~~يأتيهم الله بأمره وبأسه فحذف المأتي به لدلالة الحال عليه، ~~والالتفات إلى ms0324 الغيبة للإيذان بأن سوء صنيعهم موجب للإعراض عنهم، ~~وحكاية جنايتهم لمن عداهم من أهل الإنصاف على طريق المباثة، وإيراد ~~الانتظار للإشعار بأنهم لانهماكهم فيما هم فيه من موجبات العقوبة كأنهم ~~طالبون لها مترقبون لوقوعها { في ظلل } جمع ظلة كقلل جمع قلة ~~وهي ما أظلك وقرىء في ظلال كقلال في جمع قلة { من الغمام } أي ~~السحاب الأبيض وإنما أتاهم العذاب فيه لما أنه مظنة الرحمة فإذا أتى ~~منه العذاب كان أفظع وأقطع للمطامع فإن إتيان الشر من حيث لا يحتسب ~~صعب فكيف بإتيانه من حيث يرجى منه الخير؟ { والملئكة } عطف على ~~الاسم الجليل أي ويأتيهم الملائكة فإنهم وسائط في إتيان أمره تعالى بل هم ~~الآتون ببأسه على الحقيقة وتوسيط الظرف بينهما للإيذان بأن الآتي أو لا ~~من جنس ما يلابس الغمام ويترتب عليه عادة وأما الملائكة وإن كان إتيانهم ~~مقارنا لما ذكر من الغمام لكن ذلك ليس بطريق الاعتياد وقرئ بالجر عطفا ~~على ظلل أو الغمام { وقضى الأمر } أي تم أمر إهلاكهم وفرغ منه ~~وهو عطف على (يأتيهم) داخل في حيز الانتظار، وإنما عدل إلى صيغة ~~الماضي دلالة على تحققه فكأنه قد كان، أو جملة مستأنفة جيء بها إنباء ~~عن وقوع مضمونها، وقرىء وقضاء الأمر عطفا على الملائكة { وإلى ~~الله } لا إلى غيره { ترجع الأمور } بالتأنيث على البناء ~~للمفعول من الرجع، وقرىء بالتذكير وعلى البناء للفاعل بالتأنيث من ~~الرجوع. ### || [2.211-212] # { سل بنى إسرءيل } الخطاب للرسول صلى الله عليه وسلم أو لكل ~~أحد من أهل الخطاب، والمراد بالسؤال تبكيتهم وتقريعهم بذلك، وتقرير ~~لمجيء البينات { كم آتينهم من آية بينة } معجزة ~~ظاهرة على أيدي الأنبياء عليهم السلام وآية ناطقة بحقية الإسلام ~~المأمور بالدخول فيه، و(كم) خبرية أو استفهامية مقررة ومحلها ~~النصب على المفعولية أو الرفع بالابتداء على حذف العائد من الخبر، ~~وآية مميزها { ومن يبدل نعمة الله } التي هي آياته ~~الباهرة فإنها سبب للهدى الذي هو أجل النعم، وتبديلها جعلها ~~سببا للضلالة وازدياد الرجس، أو تحريفها وتأويلها الزائغ { من ~~بعد ما جاءته } ووصلت ms0325 إليه وتمكن من معرفتها، والتصريح بذلك ~~مع أن التبديل لا يتصور قبل المجيء للإشعار بأنهم قد بدلوها بعد ~~ما وقفوا على تفاصيلها كما في قوله عز وجل: # ثم يحرفونه من بعد ما عقلوه وهم يعلمون # [البقرة، الآية 75] قيل: تقديره فبدلوها ومن يبدل، وإنما حذف ~~للإيذان بعدم الحاجة إلى التصريح به لظهوره { فإن الله شديد ~~العقاب } تعليل للجواب كأنه قيل: ومن يبدل نعمة الله يعاقبه ~~أشد عقوبة فإنه شديد العقاب، وإظهار الاسم الجليل لتربية ~~المهابة وإدخال الروعة { زين للذين كفروا الحيوة ~~الدنيا } أي حسنت في أعينهم وأشربت محبتها في قلوبهم حتى تهالكوا ~~عليها وتهافتوا فيها معرضين عن غيرها، والتزيين من حيث الخلق ~~والإيجاد مستند إليه سبحانه كما يعرب عنه القراءة على البناء ~~للفاعل إذ ما من شيء إلا وهو خالقه، وكل من الشيطان والقوى ~~الحيوانية وما في الدنيا من الأمور البهية والأشياء الشهية مزين ~~بالعرض { ويسخرون من الذين ءامنوا } عطف على (زين) ~~وإيثار صيغة الاستقبال للدلالة على استمرار السخرية منهم وهم فقراء ~~المؤمنين كبلال وعمار وصهيب رضي الله عنهم كانوا يسترذلونهم ويستهزؤن ~~بهم على رفضهم الدنيا وإقبالهم على العقبى ومن ابتدائية فكأنهم ~~جعلوا السخرية مبتدأة منهم. { والذين اتقوا } هم الذين آمنوا ~~بعينهم وإنما ذكروا بعنوان التقوى للإيذان بأن إعراضهم عن الدنيا ~~للاتقاء عنها لكونها مخلة بتبتلهم إلى جناب القدس شاغلة عنه { ~~فوقهم يوم القيمة } لأنهم في أعلى عليين وهم في أسفل ~~سافلين أو لأنهم في أوج الكرامة وهم في حضيض الذل والمهانة أو لأنهم ~~يتطاولون عليهم في الآخرة فيسخرون منهم كما سخروا منهم في الدنيا، ~~والجملة معطوفة على ما قبلها، وإيثار الاسمية للدلالة على دوام ~~مضمونها { والله يرزق من يشاء } أي في الدارين { بغير ~~حساب } بغير تقدير، فيوسع في الدنيا استدراجا تارة وابتلاء ~~أخرى. ### || [2.213] # { كان الناس أمة وحدة } متفقين على كلمة الحق ودين ~~الإسلام، وكان ذلك بين آدم وإدريس أو نوح عليهم السلام أو بعد ~~الطوفان { فبعث الله النبيين } أي فاختلفوا فبعث إلخ، وهي ~~قراءة ابن مسعود رضي الله عنه ms0326 وقد حذف تعويلا على ما يذكر عقيبه { ~~مبشرين ومنذرين } عن كعب: الذي علمته من عدد الأنبياء عليهم ~~السلام مائة وأربعة وعشرون ألفا، والمرسل منهم ثلثمائة وثلاثة ~~عشر، والمذكور في القرآن ثمانية وعشرون، وقيل كان الناس أمة ~~واحدة متفقة على الكفر والضلال في فترة إدريس أو نوح فبعث الله ~~النبيين فاختلفوا عليهم والأول هو الأنسب بالنظم الكريم { وأنزل ~~معهم الكتب } أي جنس الكتاب أو مع كل واحد منهم ممن له ~~كتاب كتابه الخاص به لا مع كل واحد منهم على الإطلاق إذ لم يكن ~~لبعضهم كتاب وإنما كانوا يأخذون بكتب من قبلهم، وعموم النبيين لا ~~ينافي خصوص الضمير العائد إليه بمعونة المقام { بالحق } حال من ~~الكتاب أي ملتبسا بالحق أو متعلق بأنزل كقوله عز وعلا: # وبالحق أنزلناه وبالحق نزل # [الإسراء، الآية 105] { ليحكم } أي الكتاب أو الله سبحانه وتعالى ~~أو كل واحد من النبيين { بين الناس } أي المذكورين، والإظهار ~~في موضع الإضمار لزيادة التعيين { فيما اختلفوا فيه } أي في ~~الحق الذي اختلفوا فيه أو فيما التبس عليهم. # { وما اختلف فيه } أي في الحق أو في الكتاب المنزل ملتبسا ~~به، والواو حالية { إلا الذين أوتوه } أي الكتاب المنزل ~~لإزالة الاختلاف وإزاحة الشقاق، والتعبير عن الإنزال بالإيتاء ~~للتنبيه من أول الأمر على كمال تمكنهم من الوقوف على ما في تضاعيفه ~~من الحق فإن الإنزال لا يفيد تلك الفائدة أي عكسوا الأمر حيث جعلوا ما ~~أنزل لإزالة الاختلاف سببا لاستحكامه ورسوخه { من بعد ما ~~جاءتهم البينت } أي رسخت في عقولهم و(من) متعلقة ~~بمحذوف يدل عليه الكلام أي فاختلفوا وما اختلف فيه إلخ وقيل بالملفوظ ~~بناء على عدم منع إلا عنه كما في قولك ما قام إلا زيد يوم الجمعة { ~~بغيا بينهم } متعلق بما تعلقت به (من) أي اختلفوا بغيا ~~وتهالكا على الدنيا { فهدى الله الذين ءامنوا } بالكتاب { ~~لما اختلفوا فيه } أي للحق الذي اختلف فيه من اختلف { من ~~الحق } بيان لما، وفي إبهامه أولا وتفسيره ثانيا ما لا يخفى من ~~التفخيم { بإذنه } بأمره أو بتيسيره ms0327 ولطفه { والله يهدى من ~~يشاء إلى صراط مستقيم } موصل إلى الحق وهو اعتراض ~~مقرر لمضمون ما سبق. ### || [2.214-215] # { أم حسبتم } خوطب به رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن معه من ~~المؤمنين حثا لهم على الثبات على المصابرة على مخالفة الكفرة وتحمل ~~المشاق من جهتهم إثر بيان اختلاف الأمم على الأنبياء عليهم ~~السلام، وقد بين فيه مآل اختلافهم وما لقي الأنبياء ومن معهم ~~من قبلهم من مكابدة الشدائد ومقاساة الهموم وأن عاقبة أمرهم النصر وأم ~~منقطعة والهمزة فيها للإنكار والاستبعاد أي بل أحسبتم { أن تدخلوا ~~الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم ~~} من الأنبياء ومن معهم من المؤمنين أي والحال أنه لم يأتكم مثلهم بعد ~~ولم تبتلوا بما ابتلوا به من الأحوال الهائلة التي هي مثل في ~~الفظاعة والشدة وهو متوقع ومنتظر { مستهم } استئناف وقع ~~جوابا عما ينساق إليه الذهن كأنه قيل وكيف كان مثلهم فقيل: مستهم { ~~البأساء } أي الشدة من الخوف والفاقة { والضراء } أي ~~الآلام والأمراض { وزلزلوا } أي أزعجوا إزعاجا شديدا بما ~~دهمهم من الأهوال والأفزاع { حتى يقول الرسول والذين ~~ءامنوا معه } أي انتهى أمرهم من الشدة إلا حيث اضطرهم الضجر ~~إلى أن يقول الرسول وهو أعلم الناس بشؤون الله تعالى وأوثقهم بنصره ~~والمؤمنون المقتدون بآثاره المستضيئون بأنواره { متى } أي متى يأتي { ~~نصر الله } طلبا وتمنيا له واستطالة لمدة الشدة والعناء، ~~وقرىء حتى يقول بالرفع على أنه حكاية حال ماضية وهذا كما ترى غاية ~~الغايات القاصية ونهاية النهايات النائية كيف لا والرسل مع علو ~~كعبهم في الثبات والاصطبار حيث عيل صبرهم وبلغوا هذا المبلغ من الضجر ~~والضجيج علم أن الأمر بلغ إلى غاية لا مطمح وراءها { ألا إن ~~نصر الله قريب } على تقدير القول أي فقيل لهم حينئذ ذلك ~~إسعافا لمرامهم، والمراد بالقرب القرب الزماني، وفي إيثار الجملة ~~الاسمية على الفعلية المناسبة لما قبلها وتصديرها بحرف التنبيه ~~والتأكيد من الدلالة على تحقيق مضمونها ما لا يخفى، واختيار حكاية الوعد ~~بالنصر لما أنها في حكم إنشاء الوعد لرسول الله ms0328 صلى الله عليه وسلم، ~~والاقتصار على حكايتها دون حكاية نفس النصر مع تحققه للإيذان بعدم ~~الحاجة إلى ذلك لاستحالة الخلف ويجوز أن يكون هذا واردا من جهته تعالى ~~عند الحكاية على نهج الاعتراض لا واردا عند وقوع المحكي، وفيه رمز إلى ~~أن الوصول إلى جناب القدس لا يتسنى إلا برفض اللذات ومكابدة ~~المشاق كما ينبىء عنه قوله عليه السلام: # " حفت الجنة بالمكاره وحفت النار بالشهوات " # { يسئلونك ماذا ينفقون } أي من أصناف أموالهم { قل ما ~~أنفقتم من خير } ما إما شرطية وإما موصولة حذف العائد إليها ~~أي ما أنفقتموه من خير أي خير كان ففيه تجويز الإنفاق من جميع أنواع ~~الأموال وبيان لما في السؤال، إلا أنه جعل من جملة ما في حيز الشرط ~~أو الصلة وأبرز في معرض بيان المصرف حيث قيل: { فللولدين ~~والأقربين } للإيذان بأن الأهم بيان المصارف المعدودة لأن ~~الاعتداد بالإنفاق بحسب وقوعه في موقعه، وعن ابن عباس رضي الله عنهما ~~أنه جاء عمرو بن الجموح وهو شيخ هم له مال عظيم فقال: يا رسول ~~الله ماذا ننفق من أموالنا وأين نضعها؟ فنزلت { واليتمى } أي ~~المحتاجين منهم { والمسكين وابن السبيل } ولم يتعرض ~~للسائلين والرقاب إما اكتفاء بما ذكر في المواقع الأخر، وإما بناء ~~على دخولهم تحت عموم قوله تعالى: { وما تفعلوا من خير } فإنه ~~شامل لكل خير واقع في أي مصرف كان { فإن الله به عليم } ~~فيوفي ثوابه، وليس في الآية ما ينافيه فرض الزكاة لينسخ به كما ~~نقل عن السدي. ### || [2.216-217] # { كتب عليكم القتال } ببناء الفعل للمفعول ورفع القتال أي ~~قتال الكفرة، وقرىء ببنائه للفاعل وهو الله عز وجل ونصب القتال ~~وقرىء كتب عليكم القتل أي قتل الكفرة، والواو في قوله تعالى: { ~~وهو كره لكم } حالية أي والحال أنه مكروه لكم طبعا على أن ~~الكره مصدر وصف به المفعول مبالغة، أو بمعنى المفعول كالخبز بمعنى ~~المخبوز وقرىء بالفتح على أنه بمعنى المضموم كالضعف والضعف، أو على ~~أنه بمعنى الإكراه مجازا كأنهم أكرهوا عليه لشدة كراهتهم له ومشقته ms0329 ~~عليهم { وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم } وهو ~~جميع ما كلفوه من الأمور الشاقة التي من جملتها القتال فإن النفوس ~~تكرهه وتنفر عنه والجملة اعتراضية دالة على أن في القتال خيرا ~~لهم { وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم } وهو جميع ~~ما نهوا عنه من الأمور المستلذة وهو معطوف على ما قبله لا محل لهما ~~من الإعراب { والله يعلم } ما هو خير لكم فلذلك أمركم به { ~~وأنتم لا تعلمون } أي لا تعلمونه، ولذلك تكرهونه أو والله ~~يعلم ما هو خير وشر لكم وأنتم لا تعلمونهما فلا تتبعوا في ذلك رأيكم ~~وامتثلوا بأمره تعالى. # { يسئلونك عن الشهر الحرام } روي أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم بعث عبد الله بن جحش على سرية في جمادى الآخرة ~~قبل قتال بدر بشهرين ليترصدوا عيرا لقريش فيهم عمرو بن عبد ~~الله الحضرمي وثلاثة معه فقتلوه وأسروا اثنين واستاقوا العير بما ~~فيها من تجارة الطائف، وكان ذلك أول يوم من رجب وهم يظنونه من جمادى ~~الآخرة فقالت قريش: قد استحل محمد الشهر الحرام شهرا يأمن فيه ~~الخائف ويبذعر فيه الناس إلى معايشهم، فوقف رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم العير وعظم ذلك على أصحاب السرية وقالوا: ما نبرح حتى تنزل ~~توبتنا ورد رسول الله صلى الله عليه وسلم: العير والأسارى. # وعن ابن عباس رضي الله عنهما لما نزلت أخذ رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم الغنيمة، والمعنى يسألك الكفار أو المسلمون عن القتال في الشهر ~~الحرام على أن قوله عز وجل: { قتال فيه } بدل اشتمال من الشهر، ~~وتنكيره لما أن سؤالهم كان عن مطلق القتال الواقع في الشهر الحرام لا ~~عن القتال المعهود، ولذلك لم يقل يسألونك عن القتال في الشهر الحرام، ~~وقرىء عن قتال فيه { قل } في جوابهم { قتال فيه كبير } جملة ~~من مبتدأ وخبر محلها النصب بقل وإنما جاز وقوع (قتال) مبتدأ مع ~~كونه نكرة لتخصصه إما بالوصف إن تعلق الظرف بمحذوف وقع صفة له أي ~~قتال كائن فيه وإما بالعمل إن ms0330 تعلق به، وإنما أوثر التنكير احترازا عن ~~توهم التعيين وإيذانا بأن المراد مطلق القتال الواقع فيه أي قتال ~~كان. # عن عطاء أنه سئل عن القتال في الشهر الحرام فحلف بالله ما يحل للناس ~~أن يغزوا في الحرم ولا في الشهر الحرام إلا أن يقاتلوا فيه وما نسخت، ~~وأكثر الأقاويل أنها منسوخة بقوله تعالى: # فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم # [التوبة، الآية 5] { وصد عن سبيل الله } مبتدأ قد تخصص ~~بالعمل فيما بعده أي ومنع عن الإسلام الموصل للعبد إلى الله تعالى { ~~وكفر به } عطف على صد عامل فيما بعده مثله أي وكفر بالله ~~تعالى وحيث كان الصد عن سبيل الله فردا من أفراد الكفر به تعالى لم ~~يقدح العطف المذكور في حسن عطف قوله تعالى: { والمسجد ~~الحرام } على سبيل الله، لأنه ليس بأجنبي محض، وقيل: هو أيضا ~~معطوف على صد بتقدير المضاف أي وصد المسجد الحرام { وإخراج ~~أهله } وهو النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنون { منه } أي من ~~المسجد الحرام وهو عطف على (وكفر به). { أكبر عند الله } خبر ~~للأشياء المعدودة، أي كبائر السائلين أكبر عند الله مما عنوا بالسؤال ~~عنه وهو ما فعلته السرية خطأ وبناء على الظن، وأفعل يستوي فيه ~~الواحد والجمع والمذكر والمؤنث { والفتنة } أي ما ارتكبوه من ~~الإخراج والشرك وصد الناس عن الإسلام ابتداء وبقاء { أكبر من ~~القتل } أي أفظع من قتل الحضرمي. # { ولا يزالون يقتلونكم } بيان لاستحكام عداوتهم ~~وإصرارهم على الفتنة في الدين { حتى يردوكم عن دينكم } ~~الحق إلى دينهم الباطل، وإضافة الدين إليهم لتذكير تأكد ما ~~بينهما من العلاقة الموجبة لامتناع الافتراق { إن استطاعوا } ~~إشارة إلى تصلبهم في الدين وثبات قدمهم فيه، كأنه قيل وأنى لهم ذلك ~~{ ومن يرتدد منكم عن دينه } تحذير من الارتداد، أي ومن ~~يفعل ذلك بإضلالهم وإغوائهم { فيمت وهو كافر } بأن لم يرجع ~~إلى الإسلام، وفيه ترغيب في الرجوع إلى الإسلام بعد الارتداد { ~~فأولئك } إشارة إلى الموصول باعتبار اتصافه بما في حيز ~~الصلة من الارتداد والموت عليه، وما فيه من معنى البعد للإشعار ms0331 ببعد ~~منزلتهم في الشر والفساد، والجمع للنظر إلى المعنى أي أولئك ~~المصرون على الارتداد إلى حين الموت { حبطت أعملهم } ~~الحسنة التي كانوا عملوها في حالة الإسلام حبوطا لا تلافي له قطعا ~~{ فى الدنيا والأخرة } بحيث لم يبق لها حكم من الأحكام ~~الدنيوية والأخروية { وأولئك } الموصوفون بما ذكر سابقا ولاحقا ~~من القبائح { أصحب النار } أي ملابسوها وملازموها { هم ~~فيها خلدون } كدأب سائر الكفرة. ### || [2.218-219] # { إن الذين ءامنوا } نزلت في أصحاب السرية لما ظن بهم ~~أنهم إن سلموا من الإثم فلا أجر لهم { والذين هاجروا ~~وجهدوا في سبيل الله } كرر الموصول مع أن المراد بهما ~~واحد لتفخيم شأن الهجرة والجهاد فكأنهما مستقلان في تحقيق الرجاء { ~~أولئك } المنعوتون بالنعوت الجليلة المذكورة { يرجون } بما ~~لهم من مبادىء الفوز { رحمة الله } أي ثوابه، أثبت لهم الرجاء ~~دون الفوز بالمرجو للإيذان بأنهم عالمون بأن العمل غير موجب للأجر ~~وإنما هو على طريق التفضل منه سبحانه لا لأن في فوزهم اشتباها { ~~والله غفور } مبالغ في مغفرة ما فرط من عباده خطأ { رحيم ~~} يجزل لهم الأجر والثواب، والجملة اعتراض محقق لمضمون ما ~~قبلها. # { يسئلونك عن الخمر والميسر } تواردت في شأن الخمر ~~أربع آيات نزلت بمكة: # ومن ثمرت النخيل والأعنب تتخذون منه سكرا ~~ورزقا حسنا # [النحل، الآية 67] فطفق المسلمون يشربونها، ثم إن عمر، ومعاذا ~~ونفرا من الصحابة رضوان الله تعالى عليهم أجمعين قالوا: أفتنا يا ~~رسول الله في الخمر فإنها مذهبة للعقل فنزلت هذه الآية، فشربها قوم ~~وتركها آخرون، ثم دعا عبد الرحمن بن عوف ناسا منهم، فشربوا ~~فسكروا، فأما أحدهم فقرأ: # قل يا أيها الكفرون لا أعبد ما تعبدون # [الكافرون، الآية: 2] فنزلت # لا تقربوا الصلوة وأنتم سكرى # [النساء، الآية: 43]، فقل من يشربها ثم دعا عتبان بن مالك سعد بن ~~أبي وقاص في نفر فلما سكروا تفاخروا وتناشدوا حتى أنشد سعد شعرا ~~فيه هجاء للأنصار فضربه أنصاري بلحي بعير فشجه شجة موضحة فشكا ~~إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: # " اللهم بين لنا في الخمر بيانا شافيا " # فنزلت ms0332 # إنما الخمر والميسر # [المائدة، الآية: 90] إلى قوله تعالى: # فهل أنتم منتهون # [المائدة، الآية: 91] فقال عمر رضي الله عنه: «انتهينا يا رب» وعن علي ~~رضي الله عنه: «لو وقعت قطرة منها في بئر فبنيت في مكانها منارة لم ~~أؤذن عليها ولو وقعت في بحر ثم جف فنبت فيه الكلأ لم أرعه». وعن ~~ابن عمر رضي الله عنهما: «لو أدخلت أصبعي فيها لم تتبعني» وهذا ~~هو الإيمان والتقى حقا رضوان الله تعالى عليهم أجمعين. والخمر مصدر ~~خمره أي ستره سمي به من عصير العنب ما غلى واشتد وقذف بالزبد ~~لتغطيتها العقل والتمييز كأنها نفس الستر، كما سميت سكرا لأنها ~~تسكرهما أي تحجزهما. والميسر مصدر ميمي من يسر كالموعد والمرجع ~~يقال: يسرته إذا قمرته، واشتقاقه إما من اليسر لأنه أخذ المال ~~بيسر من غير كد و(لا) تعب، وإما من اليسار لأنه سلب له، وصفته أنه ~~كانت لهم عشرة قداح هي الأزلام والأقلام: الفذ والتوأم والرقيب ~~والجلس والنافس والمسبل والمعلى والمنيح والسفيح والوغد لكل ~~منها نصيب معلوم من جزور ينحرونها ويجزئونها عشرة أجزاء، وقيل: ~~ثمانية وعشرين إلا الثلاثة وهي المنيح والسفيح والوغد للفذ سهم ~~وللتوأم سهمان وللرقيب ثلاثة وللجلس أربعة وللنافس خمسة وللمسبل ستة ~~وللمعلى سبعة يجعلونها في الربابة وهي خريطة ويضعونها على يدي عدل ~~ثم يجلجلها ويدخل يده فيخرج باسم رجل رجل قدحا قدحا فمن خرج ~~له قدح من ذوات الأنصباء أخذ النصيب المعين لها ومن خرج له من تلك ~~الثلاثة غرم ثمن الجزور مع حرمانه وكانوا يبيعون تلك الأنصباء إلى ~~الفقراء ولا يأكلون منها ويفتخرون بذلك ويذمون من لا يدخل فيه ويسمونه ~~البرم وفي حكمه جميع أنواع القمار من النرد والشطرنج وغيرهما وعن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " إياكم وهاتين اللعبتين المشؤمتين فإنهما مياسر العجم " # وعن علي كرم الله وجهه أن النرد والشطرنج من الميسر، وعن ابن سيرين كل ~~شيء فيه خطر فهو من الميسر. والمعنى يسألونك عن حكمهما وعما في ~~تعاطيهما. # { قل فيهما إثم كبير } أي في تعاطيهما ذلك ms0333 لما أن الأول ~~مسلبة للعقول التي هي قطب الدين والدنيا مع كون كل منهما متلفة ~~للأموال { ومنفع للناس } من كسب الطرب واللذة ومصاحبة ~~الفتيان وتشجيع الجبان وتقوية الطبيعة، وقرىء إثم كثير بالمثلثة، وفي ~~تقديم بيان إثمه ووصفه بالكبر وتأخير ذكر منافعه مع تخصيصها ~~بالناس من الدلالة على غلبة الأول ما لا يخفى على ما نطق به قوله ~~تعالى: { وإثمهما أكبر من نفعهما } أي المفاسد ~~المترتبة على تعاطيهما أعظم من الفوائد المترتبة عليه وقرىء أقرب من ~~نفعهما. # { ويسألونك ماذا ينفقون } عطف على يسألونك عن الخمر الخ ~~عطف القصة على القصة، أي أي شيء ينفقونه قيل: هو عمرو بن الجموح ~~أيضا سأل أولا من أي جنس ينفق من أجناس الأموال فلما بين جواز ~~الإنفاق من جميع الأجناس سأل ثانيا من أي أصنافها ننفق أمن خيارها أم ~~من غيرها أو سأل عن مقدار ما ينفقه منه فقيل: { قل العفو } بالنصب ~~أي ينفقون العفو أو أنفقوا العفو وقرىء بالرفع على أن ما استفهامية وذا ~~موصولة، صلتها ينفقون أي الذي ينفقونه العفو قال الواحدي: أصل العفو ~~في اللغة الزيادة، وقال القفال: العفو ما سهل وتيسر مما فضل من ~~الكفاية وهو قول قتادة وعطاء والسدي، وكانت الصحابة رضوان الله تعالى ~~عليهم أجمعين يكسبون المال ويمسكون قدر النفقة ويتصدقون بالفضل. ~~وروي أن رجلا أتى النبي صلى الله عليه وسلم ببيضة من ذهب أصابها في ~~بعض المغانم فقال: خذها مني صدقة فأعرض عنه فكرر ذلك مرارا حتى قال عليه ~~السلام مغضبا: هاتها فأخذها فحذفها عليه حذفا لو أصابته لشجته ثم ~~قال: «يأتي أحدكم بماله كله يتصدق به ويجلس يتكفف الناس إنما ~~الصدقة عن ظهر غنى» { كذلك } إشارة إلى مصدر الفعل الآتي، وما فيه ~~من معنى البعد للإيذان بعلو درجة المشار إليه في الفضل مع كمال تميزه ~~وانتظامه بسبب ذلك في سلك الأمور المشاهدة، والكاف لتأكيد ما أفاده ~~اسم الإشارة من الفخامة، وإفراد حرف الخطاب مع تعدد المخاطبين باعتبار ~~القبيل أو الفريق، أو لعدم القصد إلى تعيين المخاطب كما ms0334 مر، ومحله ~~النصب على أنه نعت لمصدر محذوف أي مثل ذلك البيان الواضح الذي هو ~~عبارة عما مضى في أجوبة الأسئلة المارة { يبين الله لكم ~~الآيت } الدالة على الأحكام الشرعية المذكورة لا بيانا أدنى منه، ~~وقد مر تمام تحقيقه في قوله تعالى: # وكذلك جعلنكم أمة وسطا # [البقرة، الآية 143] وتبيين الآيات تنزيلها ظاهرة الفحوى، واضحة ~~المدلول لا أنه تعالى يبينها بعد أن كانت مشتبهة ملتبسة، وصيغة ~~الاستقبال لاستحضار الصورة { لعلكم تتفكرون } لكي تتفكروا ~~فيها وتقفوا على مقاصدها وتعملوا بما في تضاعيفها. ### || [2.220-221] # وقوله تعالى: { فى الدنيا والأخرة } متعلق إما بيبين أي ~~يبين لكم فيما يتعلق بالدنيا والآخرة الآيات وإما بمحذوف وقع حالا من ~~الآيات أي يبينها لكم كائنة فيهما أي مبينة لأحوالكم المتعلقة ~~بهما، وإنما قدم عليه التعليل لمزيد الاعتناء بشأن التفكر، وإما بقوله ~~تعالى: { تتفكرون } [البقرة، الآيات: 219 و266] أي تتفكرون في ~~الأمور المتعلقة بالدنيا والآخرة في الأحكام الواردة في أجوبة الأسئلة ~~المارة فتختارون منها ما يصلح لكم فيهما وتجتنبون عن غيره. وهذا ~~التخصيص هو المناسب لمقام تعداد الأحكام الجزئية ويجوز التعميم ~~لجميع الأمور المتعلقة بالدنيا والآخرة بذلك حينئذ إشارة إلى ما مر من ~~البيانات كلا أو بعضا لا إلى مصدر ما بعده فإنه حينئذ فعل مستقل ليس ~~بعبارة عن تلك البيانات والمراد بالآيات غير ما ذكر والمعنى مثل ذلك ~~البيان الوارد في الأجوبة المذكورة يبين الله لكم الآيات والدلائل ~~لعلكم تتفكرون في أموركم المتعلقة بالدنيا والآخرة وتأخذون بما يصلح لكم ~~وينفعكم فيهما وتذرون ما يضركم حسبما تقتضيه تلك الآيات المبينة. # { ويسألونك عن اليتامى } عطف على ما قبله من نظيره روي أنه لما نزلت # إن الذين يأكلون أمول اليتمى ظلما # [النساء، الآية 10] الآية، تحامى الناس عن مخالطة اليتامى وتعهد ~~أموالهم فشق عليهم ذلك فذكروه للنبي صلى الله عليه وسلم فنزلت { قل ~~إصلاح لهم خير } أي التعرض لأحوالهم وأموالهم على طريق ~~الإصلاح خير من مجانبتهم اتقاء. { وإن تخالطوهم } وتعاشروهم ~~على وجه ينفعهم { فإخوانكم } أي فهم إخوانكم أي في الدين الذي هو ms0335 ~~أقوى من العلاقة النسبية، ومن حقوق الأخوة ومواجبها المخالطة بالأصلاح ~~والنفع، وقد حمل المخالطة على المصاهرة { والله يعلم ~~المفسد من المصلح } العلم بمعنى المعرفة المتعدية إلى واحد ~~و(من) لتضمينه معنى التمييز أي يعلم من يفسد في أمورهم عند المخالطة ~~أو من يقصد بمخالطته الخيانة والإفساد مميز له ممن يصلح فيها أو ~~يقصد الإصلاح فيجازي كلا منهما بعمله، ففيه وعد ووعيد خلا أن في تقديم ~~المفسد مزيد تهديد وتأكيدا للوعيد { ولو شاء الله لأعنتكم ~~} أي لو شاء أن يعنتكم أو يكلفكم ما يشق عليكم من العنت وهو المشقة ~~لفعل ولم يجوز لكم مداخلتهم { أن الله عزيز } غالب على ~~أمره لا يعز عليه أمر من الأمور التي من جملتها إعناتكم فهو تعليل ~~لمضمون الشرطية، وقوله عز وجل: { حكيم } أي فاعل لأفعاله حسبما ~~تقتضيه الحكمة الداعية إلى بناء التكليف على أساس الطاقة، دليل على ما ~~تفيده كلمة «لو» من انتفاء مقدمها. # { ولا تنكحوا المشركت } أي لا تتزوجوهن وقرىء بضم ~~التاء من الإنكاح أي لا تزوجوهن من المسلمين { حتى يؤمن } ~~والمراد بهن إما ما يعم الكتابيات أيضا حسبما يقتضيه عموم التعليلين ~~الآتيين لقوله تعالى: # وقالت اليهود عزير ابن الله وقالت النصرى ~~المسيح ابن الله # [التوبة، الآية 30] إلى قوله: # سبحنه عما يشركون # [التوبة، الآية 31] فالآية منسوخة بقوله تعالى: # والمحصنت من الذين أوتوا الكتب من قبلكم # [المائدة: الآية 5] وأما غير الكتابيات فهي ثابتة وروي أن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم بعث مرثد بن أبي مرثد الغنوي إلى مكة ليخرج ~~منها ناسا من المسلمين وكان يهوى امرأة في الجاهلية اسمها عناق ~~فأتته فقالت: ألا تخلو؟ فقال: ويحك إن الإسلام حال بيننا فقالت: هل لك ~~أن تتزوج بي؟ قال: نعم ولكن أرجع إلى النبي صلى الله عليه وسلم ~~فأستأمره فاستأمره فنزلت { ولأمة مؤمنة } تعليل للنهي عن ~~مواصلتهن وترغيب في مواصلة المؤمنات، صدر بلام الابتداء الشبيهة ~~بلام القسم في إفادة التأكيد مبالغة في الحمل على الانزجار، وأصل أمة ~~أمو حذفت لامها على غير قياس وعوض منه تاء التأنيث ms0336 ودليل كون لامها ~~واوا رجوعها في الجمع، قال الكلابي: [البسيط] # أما الإماء فلا يدعونني ولدا # إذا تداعى بنو الأموات بالعار # وظهورها في المصدر يقال: هي أمة بينة الأموة وأقرت له ~~بالأموة وقد وقعت مبتدأ لما فيها من لام الابتداء والوصف أي ولأمة مؤمنة ~~مع ما بها من خساسة الرق وقلة الخطر { خير } بحسب الدين والدنيا { من ~~مشركة } أي امرأة مشركة مع مالها من شرف الحرية ورفعة الشأن { ~~ولو أعجبتكم } قد مر أن كلمة (لو) في أمثال هذه المواقع ليست ~~لبيان انتفاء الشيء في الماضي لانتفاء غيره فيه فلا يلاحظ لها جواب ~~قد حذف ثقة بدلالة ما قبلها عليه مع انصباب المعنى على تقديره بل هي ~~لبيان تحقيق ما يفيده الكلام السابق من الحكم على كل حال مفروض من ~~الأحوال المقارنة له على الإجمال بإدخالها على أبعدها منه وأشدها ~~منافاة له ليظهر بثبوته معه ثبوته مع ما عداه من الأحوال بطريق ~~الأولوية لما أن الشيء متى تحقق مع المنافي القوي فلأن يتحقق مع ~~غيره أولى، ولذلك لا يذكر معه شيء من سائر الأحوال ويكتفى عنه بذكر ~~الواو العاطفة للجملة على نظيرتها المقابلة لها المتناولة لجميع ~~الأحوال المغايرة لها وهذا معنى قولهم: إنها لاستقصاء الأحوال على وجه ~~الإجمال كأنه قيل: لو لم تعجبكم ولو أعجبتكم والجملة في حيز النصب ~~على الحالية من مشركة إذ المآل ولأمة مؤمنة خير من امرأة مشركة حال عدم ~~إعجابها إياكم بجمالها ومالها ونسبها وغير ذلك من مبادىء الإعجاب ~~وموجبات الرغبة فيها أي على كل حال، وقد اقتصر على ذكر ما هو أشد ~~منافاة للخيرية تنبيها على أنها حيث تحققت معه فلأن تتحقق مع غيره ~~أولى وقيل: الواو حالية وليس بواضح وقيل: اعتراضية وليس بسديد، ~~والحق أنها عاطفة مستتبعة لما ذكر من الاعتبار اللطيف. # نعم يجوز أن تكون الجملة الأولى مع عاطف عليها مستأنفة مقررة ~~لمضمون ما قبلها فتدبر. # { ولا تنكحوا المشركين } من الإنكاح والمراد بهم الكفار على ~~الإطلاق، لما مر أي لا تزوجوا منهم المؤمنات سواء كن ms0337 حرائر أو ~~إماء { حتى يؤمنوا } ويتركوا ما هم فيه من الكفر { ولعبد ~~مؤمن } مع ما به من ذل المملوكية { خير من مشرك } مع ما له ~~من عز المالكية { ولو أعجبكم } بما فيه من دواعي الرغبة فيه ~~الراجعة إلى ذاته وصفاته { أولئك } استئناف مقرر لمضمون ~~التعليلين المارين أي أولئك المذكورون من المشركات والمشركين { ~~يدعون } من يقارنهم ويعاشرهم { إلى النار } أي إلى ما يؤدي ~~إليها من الكفر والفسوق فلا بد من الاجتناب عن مقارنتهم ومقاربتهم { ~~والله يدعو } بواسطة عباده المأمنين من يقارنهم { إلى ~~الجنة والمغفرة } أي إلى الاعتقاد الحق والعمل الصالح ~~الموصلين إليهما، وتقديم الجنة على المغفرة مع أن حق التخلية أن ~~تقدم على التحلية لرعاية مقابلة النار ابتداء { بإذنه } متعلق ~~بيدعو أي يدعو ملتبسا بتوفيقه الذي من جملته إرشاد المؤمنين ~~لمقارنيهم إلى الخير ونصيحتهم إياهم فهم أحقاء بالمواصلة { ويبين ~~آيته } المشتملة على الأحكام الفائقة والحكم الرائقة { ~~للناس لعلهم يتذكرون } أي لكي يتذكروا ويعلموا بما فيها ~~فيفوزوا بما دعوا إليه من الجنة والغفران. هذا وقد قيل: معنى { والله ~~يدعو } [البقرة: 221] وأولياء الله يدعون وهم المؤمنون على حذف ~~المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه تشريفا لهم. وأنت خبير بأن الضمير ~~في المعطوف على الخبر أعني قوله تعالى: { ويبين الله تعالى } ~~فيلزم التفكيك وقيل: معناه والله يدعو بأحكامه المذكورة إلى الجنة ~~والمغفرة فإنها موصلة لمن عمل بها إليهما. وهذا وإن كان مستدعيا ~~لاتحاد مرجع الضميرين الكائنين في الجملتين المتعاطفتين الواقعتين خبرا ~~للمبتدأ لكن يفوت حينئذ حسن المقابلة بينه وبين قوله تعالى: # أولئك يدعون إلى النار # [البقرة، الآية: 121] ولعل الطريق الأسلم ما أوضحناه أولا، وإيراد ~~التذكر ههنا للإشعار بأنه واضح لا يحتاج إلى التفكر كما في الأحكام ~~السابقة. ### || [2.222] # { ويسئلونك عن المحيض } عطف على ما تقدم من مثله ولعل ~~حكاية هذه الأسئلة الثلاثة بالعطف لوقوع الكل عند السؤال عن الخمر، ~~وحكاية ما عداها بغير عطف لوقوع كل من ذلك في وقت على حدة والمحيض ~~مصدر من حاضت المرأة كالمجيء والمبيت. روي أن أهل الجاهلية كانوا لا ms0338 ~~يساكنون الحيض ولا يؤاكلونهن كدأب اليهود والمجوس واستمر الناس ~~على ذلك إلى أن سأل عن ذلك أبو الدحداح في نفر من الصحابة رضوان الله ~~عليهم أجمعين فنزلت. { قل هو أذى } أي شيء يستقذر منه ويؤذي من ~~يقربه نفرة منه وكراهة له { فاعتزلوا النساء في المحيض ~~} أي فاجتنبوا مجامعتهن في حالة المحيض. قيل: أخذ المسلمون بظاهر ~~الاعتزال فأخرجوهن من بيوتهم فقال ناس من الأعراب: يا رسول الله ~~البرد شديد والثياب قليلة فإن آثرناهن هلك سائر أهل البيت وإن ~~استأثرنا بها هلكت الحيض فقال صلى الله عليه وسلم: # " إنما أمرتم أن تعتزلوا مجامعتهن إذا حضن ولم يأمركم بإخراجهن من ~~البيوت كفعل الأعاجم " # وقيل: إن النصارى كانوا يجامعونهن ولا يبالون بالحيض، واليهود كانوا ~~يفرطون في الاعتزال فأمر المسلمون بالاقتصاد بين الأمرين { ولا ~~تقربوهن حتى يطهرن } تأكيد لحكم الاعتزال وتنبيه على ~~أن المراد به عدم قربانهن لا عدم القرب منهن وبيان لغايته وهو ~~انقطاع الدم عند أبي حنيفة رحمه الله فإن كان كذلك في أكثر المدة حل ~~القربان كما انقطع وإلا فلا بد من الاغتسال أو من مضي وقت صلاة ~~وعند الشافعي رحمه الله أن يغتسلن بعد الانقطاع كما تفصح عنه القراءة ~~بالتشديد وينبىء عنهه قوله عز وجل: { فإذا تطهرن } فإن التطهر ~~هو الاغتسال { فأتوهن من حيث أمركم الله } من ~~المأتى الذي حلله لكم وهو القبل { إن الله يحب التوبين ~~} مما عسى يبدر منهم من ارتكاب بعض ما نهوا عنه ومن سائر الذنوب { ~~ويحب المتطهرين } المتنزهين عن الفواحش والأقذار، وفي ذكر ~~التوبة إشعار بمساس الحاجة إليها بارتكاب بعض الناس لما نهوا عنه، ~~وتكرير الفعل لمزيد العناية بأمر التطهر. ### || [2.223-224] # { نساؤكم حرث لكم } أي مواضع حرث لكم شبهن بها لما ~~بين ما يلقى في أرحامهن وبين البذور من المشابهة من حيث إن كلا ~~منهما مادة لما يحصل منه { فأتوا حرثكم } لما عبر عنهن ~~بالحرث عبر عن مجامعتهن بالإتيان وهو بيان لقوله تعالى: # فأتوهن من حيث أمركم الله # [البقرة، الآية: 222] { أنى شئتم } من أي جهة شئتم. ms0339 # روي أن اليهود كانوا يزعمون أن من أتى امرأته في قبلها من دبرها ~~يأتي ولده أحول فذكر ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فنزلت { ~~وقدموا لأنفسكم } أي ما يدخر لكم من الثواب وقيل: هو طلب ~~الولد وقيل: هو التسمية عند المباشرة { واتقوا الله } بالاجتناب ~~عن معاصيه التي من جملتها ما عد من الأمور { واعلموا أنكم ~~ملقوه } فتعرضوا لتحصيل ما تنتفعون به حينئذ واجتنبوا اقتراف ~~ما تفتضحون به { وبشر المؤمنين } الذين تلقوا ما خوطبوا ~~به من الأوامر والنواهي بحسب القبول والامتثال بما يقصر عنه البيان من ~~الكرامة والنعيم المقيم، أو بكل ما يبشر به من الأمور التي تسر بها ~~القلوب وتقر بها العيون، وفيه مع ما في تلوين الخطاب وجعل ~~المبشر رسول الله صلى الله عليه وسلم من المبالغة في تشريف المؤمنين ~~ما لا يخفى { ولا تجعلوا الله عرضة لأيمنكم } قيل: ~~نزلت في عبد الله بن رواحة حين حلف أن لا يكلم ختنه بشر بن ~~النعمان ولا يصلح بينه وبين أخته، وقيل: في الصديق رضي الله عنه حين ~~حلف أن لا ينفق على مسطح لخوضه في حديث الأفك والعرضة فعلة ~~بمعنى مفعول كالقبضة والغرفة تطلق على ما يعرض دون الشيء قيصير حاجزا ~~عنه كما يقال: فلان عرضة للخير وعلى المعرض للأمر كما في قوله: # فلا تجعلوني عرضة للوائم # فالمعنى على الوجه الأول لا تجعلوا الله مانعا من الأمور الحسنة التي ~~تحلفون على تركها وعبر عنها بالإيمان لملابستها بها كما في قوله عليه ~~السلام لعبد الله بن سمرة: # " إذا حلفت على يمين فرأيت غيرها خيرا منها فأت الذي هو خير ~~وكفر عن يمينك " # وقوله تعالى: { أن تبروا وتتقوا وتصلحوا بين ~~الناس } عطف بيان لأيمانكم أو بدل منها لما عرفت أنها عبارة عن ~~الأمور المحلوف عليها، واللام في لأيمانكم متعلقة بالفعل أو بعرضة لما ~~فيها من معنى الاعتراض أي لا تجعلوا الله لبركم وتقواكم وإصلاحكم بين ~~الناس عرضة أي برزخا حاجزا بأن تحلفوا به تعالى على تركها أو لا ~~تجعلوه تعالى عرضة ms0340 أي شيئا يعترض الأمور المذكورة ويحجزها بما ذكر ~~من الحلف به تعالى على تركها، وقد جوز أن تكون اللام للتعليل ~~ويتعلق أن تبروا الخ بالفعل أو بعرضة فيكون الأيمان بمعناها، وأنت خبير ~~بأنه يؤدي إلى الفصل بين العامل ومعموله بأجنبي وعلى الوجه الثاني لا ~~تجعلوا الله معرضا لأيمانكم تبتذلونه بكثرة الحلف به ولذلك ذم من ~~نزلت فيه # ولا تطع كل حلاف مهين # [القلم، الآية 10] بأشنع المذام وجعل الحلاف مقدمتها و { أن ~~تبروا } [البقرة، الآية: 224] حينئذ علة للنهي أي إرادة أن تبروا ~~وتتقوا وتصلحوا، لأن الحلاف مجترىء على الله سبحانه غير معظم له ~~فلا يكون برا متقيا ثقة بين الناس فيكون بمعزل من التوسط في إصلاح ~~ذات البين { والله سميع } يسمع أيمانكم { عليم } يعلم ~~نياتكم فحافظوا على ما كلفتموه. ### || [2.225-227] # { لا يؤاخذكم الله باللغو فى أيمنكم } اللغو ~~ما سقط من الكلام عن درجة الاعتبار والمراد به في الأيمان ما لا عقد ~~معه ولا قصد كما ينبىء عنه قوله تعالى: # ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمن # [المائدة، الآية 89] وهو المعني بقوله عز وجل: { ولكن ~~يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم } وقد اختلف فيه فعندنا هو أن ~~يحلف على شيء يظنه على ما حلف عليه ثم يظهر خلافه فإنه لا قصد ~~فيه إلى الكذب وعند الشافعي رحمه الله هو قول العرب لا والله وبلى ~~والله مما يؤكدون به كلامهم من غير إخطار الحلف بالبال فالمعنى على ~~الأول لا يؤاخذكم الله أي لا يعاقبكم بلغو اليمين الذي يحلفه أحدكم ~~ظانا أنه صادق فيه ولكن يعاقبكم بما اقترفته قلوبكم من إثم القصد ~~إلى الكذب في اليمين وذلك في الغموس، وعلى الثاني لا يلزمكم الكفارة ~~بما لا قصد معه إلى اليمين ولكن يلزمكموها بما نوت قلوبكم وقصدت ~~به اليمين ولم يكن كسب اللسان فقط { والله غفور } حيث لم ~~يؤاخذكم باللغو مع كونه ناشئا من عدم التثبت وقلة المبالاة { حليم ~~} حيث لم يعجل بالمؤاخذة، والجملة اعتراض مقرر لمضمون قوله تعالى: ~~لا يؤاخذكم الخ وفيه إيذان بأن المراد بالمؤاخذة المعاقبة لا ms0341 إيجاب ~~الكفارة إذ هي التي يتعلق بها المغفرة والحلم دونه. # { للذين يؤلون من نسائهم } الإيلاء الحلف وحقه أن ~~يستعمل بعلى واستعماله بمن لتضمينه معنى البعد أي للذين يحلفون ~~متباعدين من نسائهم ويحتمل أن يراد لهم من نسائهم { تربص ~~أربعة أشهر } كقولك: لي منك كذا وقرىء آلوا من نسائهم وقرىء ~~يقسمون من نسائهم والإيلاء من المرأة أن يقول: والله لا أقربك أربعة ~~أشهر فصاعدا على التقييد بالأشهر، أو لا أقربك على الإطلاق، ولا يكون ~~فيما دون ذلك وحكمه أنه إن فاء إليها في المدة بالوطء إن أمكن أو بالقول ~~إن عجز عنه صح الفيء وحنث القادر ولزمته كفارة اليمين، ولا ~~كفارة على العاجز، وإن مضت الأشهر الأربعة بانت بتطليقه والتربص ~~الانتظار والتوقف أضيف إلى الظرف اتساعا أي لهم أن ينتظروا في هذه ~~المدة من غير مطالبة بفيء أو طلاق { فإن فآءوا } أي رجعوا عن اليمين ~~بالحنث، والفاء للتفصيل كما إذا قلت أنا نزيلكم هذا الشهر فإن ~~حمدتكم أقمت عندكم إلى آخره وإلا لم ألبث إلا ريثما أتحول { ~~فإن الله غفور رحيم } يغفر للمولي بفيئته التي هي ~~كتوبته إثر حنثه عند تكفيره أو ما قصد بالإيلاء من ضرار المرأة. # { وإن عزموا الطلق } وأجمعوا عليه { فإن الله ~~سميع } بما جرى منهم من الطلاق وما يتعلق به من الدمدمة والمقاولة ~~التي لا تخلو عنها الحال عادة { عليم } بنياتهم وفيه من الوعيد على ~~الإصرار وترك الفيئة ما لا يخفى. ### || [2.228] # { والمطلقت } أي ذوات الأقراء من الحرائر المدخول بهن لما ~~قد بين أن لا عدة على غير المدخول بها وأن عدة من لا تحيض - ~~لصغر أو كبر أو حمل - بالأشهر ووضع الحمل وأن عدة الأمة ~~قرآن أو شهران { يتربصن } خبر في معنى الأمر مفيد للتأكيد ~~بإشعاره بأن المأمور به مما يجب أن يتلق بالمسارعة إلى الإتيان به ~~فكأنهن امتثلن بالأمر بالتربص فتخبر به موجودا متحققا، وبناؤه على ~~المبتدأ مفيد لزيادة تأكيد { بأنفسهن } الباء للتعدية أي ~~يقمعنها ويحملنها على ما لا تشتهيه بل يشق عليها من التربص ms0342 وفيه ~~مزيد حث لهن على ذلك لما فيه من الإنباء عن الاتصاف بما يستنكفن منه ~~من كون نفوسهن طوامح إلى الرجال فيحملهن ذلك على الإقدام على الإتيان ~~بما أمر به { ثلثة قروء } نصب على الظرفية أو المفعولية بتقدير ~~مضاف أي يتربصن مدة ثلاثة قروء أو يتربصن مضي ثلاثة قروء وهو ~~جمع قرء والمراد به الحيض بدليل قوله صلى الله عليه وسلم: # " دعي الصلاة أيام أقرائك " # وقوله صلى الله عليه وسلم: # " طلاق الأمة تطليقتان وعدتها حيضتان " # وقوله تعالى: # واللائى يئسن من المحيض من نسائكم إن ارتبتم ~~فعدتهن ثلثة أشهر # [الطلاق، الآية 4] ولأن المقصود الأصلي من العدة استبراء الرحم ~~ومداره الحيض دون الطهر ويقال: أقرأت المرأة إذا حاضت وقوله تعالى: # فطلقوهن لعدتهن # [الطلاق، الآية 1] معناه مستقبلات لعدتهن وهي الحيض الثلاث، ~~وإيراد جمع الكثرة في مقام جمع القلة بطريق الاتساع فإن إيراد كل من ~~الجمعين مكان الآخر شائع ذائع، وقرىء ثلاثة قرو بغير همز { ولا ~~يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله فى أرحامهن } ~~من الحيض والولد استعجالا للعدة وإبطالا لحق الرجعة وفيه ~~دليل على قبول قولهن في ذلك نفيا وإثباتا { إن كن يؤمن ~~بالله واليوم الأخر } جواب الشرط محذوف يدل عليه ما قبله ~~دلالة واضحة أي فلا يجترئن على ذلك، فإن قضية الإيمان بالله تعالى ~~واليوم الآخر الذي يقع فيه الجزاء والعقوبة منافية له قطعا { ~~وبعولتهن } البعولة جمع بعل وهو في الأصل السيد المالك ~~والتاء لتأنيث الجمع كما في الحزونة والسهولة أو مصدر بتقدير مضاف أي ~~أهل بعولتهن أي أزواجهن الذين طلقوهن طلاقا رجعيا كما ينبىء عنه ~~التعبير عنهم بالبعولة، والضمير لبعض أفراد المطلقات { أحق ~~بردهن } إلى ملكهم بالرجعة إليهن { في ذلك } أي في زمان ~~التربص، وصيغة التفضيل لإفادة أن الرجل إذا أراد الرجعة والمرأة ~~تأباها وجب إيثار قوله على قولها لا أن لها أيضا حقا في الرجعة { ~~إن أرادوا } أي الأزواج بالرجعة { إصلحا } لما بينهم ~~وبينهن وإحسانا إليهن ولم يريدوا مضارتهن، وليس المراد به شرطية ~~قصد الإصلاح بصحة الرجعة بل هو ms0343 الحث عليه والزجر عن قصد الضرار { ~~ولهن } عليهم من الحقوق { مثل الذى } لهم { عليهن ~~بالمعروف } من الحقوق التي يجب مراعاتها ويتحتم المحافظة عليها { ~~وللرجال عليهن درجة } أي زيادة في الحق لأن حقوقهم في ~~أنفسهن وحقوقهن في المهر والكفاف وترك الضرار ونحوها، أو مزية في ~~الفضل لما أنهم قوامون عليهن حراس لهن ولما في أيديهن يشاركونهن في ~~الغرض من الزواج ويستبدون بفضيلة الرعاية والإنفاق { والله عزيز ~~} يقدر على الانتقام ممن يخالف أحكامه { حكيم } تنطوي شرائعه على ~~الحكم والمصالح. ### || [2.229] # { الطلق } هو بمعنى التطليق كالسلام بمعنى التسليم والمراد به ~~الرجعي لما أن السابق الأقرب حكمه، ولما روي # " أنه عليه السلام سئل عن الثالثة فقال عليه السلام: " أو تسريح ~~بإحسان " # وهو مبتدأ بتقدير مضاف خبره ما بعده أي عدد الطلاق الذي يستحق ~~الزوج فيه الرد والرجعة حسبما بين آنفا { مرتان } أي اثنان، ~~وإيثار ما ورد به النظم الكريم عليه للإيذان بأن حقهما أن يقعا مرة ~~بعد مرة لا دفعة واحدة وإن كان حكم الرد ثابتا حينئذ أيضا { ~~فإمساك } فالحكم بعدهما إمساك لهن بالرجعة { بمعروف } أي ~~بحسن عشرة ولطف معاملة { أو تسريح بإحسن } بالطلقة ~~الثالثة كما روي عنه صلى الله عليه وسلم أو بعدم الرجعة إلى أن تنقضي ~~العدة فتبين، وقيل: المراد به الطلاق الشرعي وبالمرتين مطلق ~~التكرير لا التثنية بعينها كما في قوله تعالى: # ثم ارجع البصر كرتين # [الملك، الآية: 4] أي كرة بعد كرة والمعنى أن التطليق الشرعي تطليقة ~~بعد تطليقة على التفريق دون الجمع بين الطلقتين أو الثلاث فإن ذلك ~~بدعة عندنا فقوله تعالى: { فإمساك } [البقرة، الآية: 229] الخ، ~~حكم مبتدأ وتخيير مستأنف، والفاء فيه للترتيب على التعليم كأنه قيل: ~~إذا علمتم كيفية التطليق فأمركم أحد الأمرين { ولا يحل لكم ~~أن تأخذوا } منهن بمقابلة الطلاق { مما ءاتيتموهن } أي ~~من الصدقات وتخصيصها بالذكر وإن شاركها في الحكم سائر أموالهن إما ~~لرعاية العادة أو للتنبيه على أنه إذا لم يحل لهم أن يأخذوا مما ~~آتوهن بمقابلة البضع عند خروجه عن ملكهم فلأن لا يحل أن ms0344 يأخذوا ~~مما لا تعلق له بالبضع أولى وأحرى { شيئا } أي نزرا يسيرا ~~فضلا عن الكثير، وتقديم الظرف عليه لما مر مرارا، والخطاب مع ~~الحكام، وإسناد الأخذ والإيتاء إليهم لأنهم الآمرون بهما عند ~~المرافعة، وقيل: مع الأزواج وما بعده مع الحكام وذلك مما يشوش النظم ~~الكريم على القراءة المشهورة { إلا أن يخافا } أي الزوجان وقرىء ~~يظنوا وهو مؤيد لتفسير الخوف بالظن { أن لا يقيما حدود الله } ~~أي أن لا يراعيا مواجب أحكام الزوجية وقرىء يخافا على البناء للمفعول ~~وإبدال أن بصلته من الضمير بدل الاشتمال وقرىء تخافا وتقيما بتاء ~~الخطاب { فإن خفتم } أيها الحكام { أن لا يقيما } أي الزوجان ~~{ حدود الله } بمشاهدة بعض الأمارات والمخايل { فلا جناح ~~عليهما } أي على الزوجين { فيما افتدت به } لا على الزوج في ~~أخذ ما افتدت به ولا عليها في إعطائه إياه، روي أن جميلة بنت عبد ~~الله بن أبي بن سلول كانت تبغض زوجها ثابت بن قيس فأتت رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فقالت: لا أنا ولا ثابت، لا يجمع رأسي ورأسه ~~شيء، والله ما أعيب عليه في دين ولا خلق، ولكن أكره الكفر بعد الإسلام ~~ما أطيقه بغضا إني رفعت جانب الخباء فرأيته أقبل في عدة فإذا ~~هو أشدهم سوادا وأقصرهم قامة وأقبحهم وجها فنزلت فاختلعت منه ~~بحديقة كان أصدقها إياها. { تلك } أي الأحكام المذكورة { حدود ~~الله فلا تعتدوها } بالمخالفة والرفض { ومن يتعد ~~حدود الله فأولئك } المتعدون والجمع باعتبار معنى ~~الموصول { هم الظلمون } أي لأنفسهم بتعريضها لسخط الله تعالى ~~وعقابه، ووضع الاسم الجليل في المواقع الثلاثة الأخيرة موقع الضمير ~~لتربية المهابة وإدخال الروعة، وتعقيب النهي بالوعيد للمبالغة في ~~التهديد. ### || [2.230-231] # { فإن طلقها } أي بعد الطلقتين السابقتين { فلا تحل } هي { ~~له من بعد } أي من بعد هذا الطلاق. # { حتى تنكح زوجا غيره } أي حتى تتزوج غيره فإن النكاح ~~أيضا يسند إلى كل منهما. وتعلق بظاهره من اقتصر على العقد ~~والجمهور على اشتراط الإصابة لما روي # " أن امرأة رفاعة قالت لرسول الله صلى الله عليه ms0345 وسلم: إن رفاعة ~~طلقني فبت طلاقي وإن عبد الرحمن بن الزبير تزوجني، وإن ما معه مثل ~~هدبة الثوب فقال صلى الله عليه وسلم: " أتريدين أن ترجعي إلى رفاعة " ~~قالت: نعم، قال صلى الله عليه وسلم: " لا إلا أن تذوقي عسيلته ~~ويذوق عسيلتك " " # وبمثله تجوز الزيادة على الكتاب وقيل: النكاح بمعنى الوطء والعقد ~~مستفاد من لفظ الزوج، والحكمة من هذا التشريع الردع عن المسارعة إلى ~~الطلاق والعود إلى المطلقة ثلاثا والرغبة فيها، والنكاح بشرط التحليل ~~مكروه عندنا، ويروى عدم الكراهة فيما لم يكن الشرط مصرحا به ~~وفاسد عند الأكثرين لقوله صلى الله عليه وسلم: # " لعن الله المحلل والمحلل له " # { فإن طلقها } أي الزوج الثاني { فلا جناح عليهما } ~~أي على الزوج الأول والمرأة { أن يتراجعا } أن يرجع كل منهما ~~إلى الآخر بالعقد { إن ظنا أن يقيما حدود الله } التي ~~أوجب مراعاتها على الزوجين من الحقوق، ولا وجه لتفسير الظن بالعلم ~~لما أن العواقب غير معلومة ولأن (أن) الناصبة للتوقع المنافي للعلم ~~ولذلك لا يكاد يقال: علمت أن يقوم زيد. # { وتلك } إشارة إلى الأحكام المذكورة إلى هنا { حدود الله } ~~أي أحكامه المعينة المحمية من التعرض لها بالتغيير والمخالفة { ~~يبينها } بهذا البيان اللائق أو سيبينها فيما سيأتي بناء على أن ~~بعضها يلحقه زيادة كشف وبيان بالكتاب والسنة، والجملة خبر ثان ~~عند من يجوز كونه جملة كما في قوله تعالى: # فإذا هى حية تسعى # [طه، الآية 20] أو حال من حدود الله والعامل معنى الإشارة { لقوم ~~يعلمون } أي يفهمون وتخصيصهم بالذكر مع عموم الدعوة والتبليغ لما ~~أنهم المنتفعون بالبيان أو لأن ما سيلحق بعض النصوص من البيان لا يقف ~~عليه إلا الراسخون في العلم. { وإذا طلقتم النساء فبلغن ~~أجلهن } أي آخر عدتهن فإن الأجل كما ينطلق على المدة ينطلق ~~على منتهاها، والبلوغ هو الوصول إلى الشيء وقد يقال: للدنو منه اتساعا ~~وهو المراد ههنا لقوله عز وجل: { فأمسكوهن بمعروف أو ~~سرحوهن بمعروف } إذ لا إمكان للإمساك بعد تحقق بلوغ الأجل ~~أي فراجعوهن بغير ضرار أو خلوهن ms0346 حتى ينقضي أجلهن بإحسان من غير ~~تطويل، وهذا كما ترى إعادة للحكم في بعض صوره اعتناء بشأنه ومبالغة ~~في إيجاب المحافظة عليه { ولا تمسكوهن ضرارا } تأكيد للأمر ~~بالإمساك بمعروف وتوضيح لمعناه وزجز صريح عما كانوا يتعاطونه أي لا ~~تراجعوهن إرادة الإضرار بهن «كأن يترك المعتدة حتى إذا شارفت انقضاء ~~الأجل يراجعها لا لرغبة فيها بل ليطول عليها العدة فنهي عنه» بعدما ~~أمر بضده لما ذكر، وضرارا نصب على العلية أو الحالية أي لا تمسكوهن ~~للمضارة أو مضارين واللام في قوله: { لتعتدوا } متعلقة بضرارا أي ~~لتظلموهن بالإلجاء إلى الافتداء. # { ومن يفعل ذلك } أي ما ذكر من الإمساك المؤدي إلى الظلم، وما ~~فيه من معنى البعد للدلالة على بعد منزلته في الشر والفساد { فقد ~~ظلم نفسه } في ضمن ظلمه لهن بتعريضها للعقاب { ولا ~~تتخذوا آيت الله } المنطوية على الأحكام المذكورة أو جميع ~~آياته وهي داخلة فيها دخولا أوليا { هزوا } أي مهزوا بها بأن ~~تعرضوا عنها وتتهاونوا في المحافظة على ما في تضاعيفها من الأحكام ~~والحدود من قولهم لمن لم يجد في الأمر: أنت هازىء، كأنه نهي عن ~~الهزؤ بها وأريد ما يستلزمه من الأمر بضده أي جدوا في الأخذ بها ~~والعمل بما فيها وارعوها حق رعايتها وإلا فقد أخذتموها هزؤا ~~ولعبا. ويجوز أن يراد به النهي عن الإمساك ضرارا فإن الرجعة بلا رغبة ~~فيها عمل بموجب آيات الله تعالى بحسب الظاهر دون الحقيقة وهو معنى ~~الهزؤ، وقيل: كان الرجل ينكح ويطلق ويعتق ثم يقول: إنما كنت ~~ألعب فنزلت ولذلك قال صلى الله عليه وسلم: # " ثلاث جدهن جد وهزلهن جد النكاح والطلاق والعتاق " # { واذكروا نعمة الله عليكم } حيث هداكم إلى ما فيه ~~سعادتكم الدينية والدنيوية أي قابلوها بالشكر والقيام بحقوقها، والظرف ~~متعلق بمحذوف وقع حالا من نعمة الله أي كائنة عليكم أو صفة لها على ~~رأي من يجوز حذف الموصول مع بعض صلته أي الكائنة عليكم ويجوز أن يتعلق ~~بنفسها إن أريد بها الإنعام لأنها اسم مصدر كنبات من أنبت ولا يقدح في ms0347 ~~عمله تاء التأنيث لأنه مبني عليها كما في قوله: [الطويل] # فلولا رجاء النصر منك ورهبة # عقابك قد كانوا لنا كالموارد # { وما أنزل عليكم } عطف على { نعمت الله } وما موصولة ~~حذف عائدها من الصلة و(من) في قوله عز وجل: { من الكتب ~~والحكمة } بيانية أي من القرآن والسنة أو القرآن الجامع للعنوانين ~~على أن العطف لتغاير الوصفين كما في قوله: [المتقارب] # إلى الملك القرم وابن الهمام # [وليث الكتيبة في المزدحم] # وفي إبهامه أولا ثم بيانه من التفخيم ما لا يخفى، وفي إفراده بالذكر ~~مع كونه أول ما دخل في النعمة المأمور بذكرها إبانة بخطره ومبالغة في ~~الحث على مراعاة ما ذكر قبله من الأحكام { يعظكم به } أي بما ~~أنزل، حال من فاعل أنزل أو من مفعوله أو منهما معا { واتقوا ~~الله } في شأن المحافظة عليه والقيام بحقوقه الواجبة { واعلموا ~~أن الله بكل شىء عليم } فلا يخفى عليه شيء مما تأتون وما ~~تذرون فيؤاخذكم بأفانين العقاب. ### || [2.232] # { وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن فلا ~~تعضلوهن } بيان لحكم ما كانوا يفعلونه عند بلوغ الأجل حقيقة ~~بعد بيان حكم ما كانوا يفعلونه عند المشارفة إليه، والعضل الحبس ~~وللتضييق ومنه عضلت الدجاجة إذا نشب بيضها ولم يخرج والمراد ~~المنع والخطاب إما للأولياء لما روي أنها نزلت في معقل بن يسار حين ~~عضل أخته جميلة أن ترجع إلى زوجها الأول بالنكاح وقيل: نزلت في جابر ~~بن عبد الله حين عضل ابنة عم له، وإسناد التطليق إليهم لتسببهم ~~فيه كما ينبىء عنه تصديهم للعضل ولعل التعرض لبلوغ الأجل مع جواز ~~التزوج بالزوج الأول قبله أيضا لوقوع العضل المذكور حينئذ وليس فيه ~~دلالة على أن ليس للمرأة أن تزوج نفسها وإلا لما احتيج إلى نهي ~~الأولياء عن العضل لما أن النهي لدفع الضرر عنهن فإنهن وإن قدرن على ~~تزويج أنفسهن لكنهن يحترزن عن ذلك مخافة للوم والقطيعة، وإما للأزواج ~~حيث كانوا يعضلون مطلقاتهم ولا يدعونهن يتزوجن ظلما وقسرا لحمية ~~الجاهلية، وإما للناس كافة فإن إسناد ما فعله واحد منهم إلى ms0348 الجميع شائع ~~مستفيض والمعنى إذا وجد فيكم طلاق فلا يقع فيما بينكم عضل سواء كان ~~ذلك من قبل الأولياء أو من جهة الأزواج أو من غيرهم، وفيه تهويل لأمر ~~العضل وتحذير منه وإيذان بأن وقوع ذلك بين ظهرانيهم وهم ساكتون عنه ~~بمنزلة صدوره عن الكل في استتباع اللائمة وسراية الغائلة { أن ~~ينكحن } أي من أن ينكحن فمحله النصب عند سيبويه والفراء والجر ~~عند الخليل على الخلاف المشهور وقيل: هو بدل اشتمال من الضمير المنصوب في ~~تعضلوهن وفيه دلالة على صحة النكاح بعبارتهن { أزوجهن } إن ~~أريد بهم المطلقون فالزوجية إما باعتبار ما كان وإما باعتبار ما يكون ~~وإلا فباعتبار الأخير { إذا ترضوا } ظرف للا تعضلوا، وصيغة ~~التذكير باعتبار تغليب الخطاب على النساء، والتقييد به لأنه المعتاد ~~لا لتجويز المنع قبل تمام التراضي وقيل: ظرف لأن ينكحن وقوله تعالى: { ~~بينهم } ظرف للتراضي مفيد لرسوخه واستحكامه { بالمعروف } ~~الجميل عند الشرع المستحسن عند الناس، والباء إما متعلقة بمحذوف حال ~~من فاعل تراضوا أو نعت لمصدر محذوف أي تراضيا كائنا بالمعروف، وإما ~~بتراضوا بما يحسن في الدين والمروءة وفيه إشعار بأن المنع من التزوج ~~بغير كفؤ أو بما دون مهر المثل ليس من باب العضل. # { ذلك } إشارة إلى ما فصل من الأحكام، وما فيه من البعد لتعظيم ~~المشار إليه، والخطاب لجميع المكلفين كما فيما بعده والتوحيد إما ~~باعتبار كل واحد منهم، وإما بتأويل القبيل والفريق، وإما لأن الكاف ~~لمجرد الخطاب والفرق بين الحاضر والمنقضي دون تعيين المخاطبين ~~أو للرسول صلى الله عليه وسلم كما في قوله تعالى: # يأيها النبى إذا طلقتم النساء # [الطلاق، الآية 1] للدلالة على أن حقيقة المشار إليه أمر لا يكاد ~~يعرفه كل واحد { يوعظ به من كان منكم يؤمن بالله ~~واليوم الأخر } فيسارع إلى الامتثال بأوامره ونواهيه إجلالا له ~~وخوفا من عقابه، وقوله تعالى: { منكم } إما متعلق بكان عند من يجوز ~~عملها في الظروف وشبهها، وإما بمحذوف وقع حالا من فاعل يؤمن أي كائنا ~~منكم { ذلكم } أي الاتعاظ به والعمل بمقتضاه { أزكى ms0349 لكم } ~~أي أنمى وأنفع { وأطهر } من أدناس الآثام وأوضار الذنوب { ~~والله يعلم } ما فيه من الزكاء والطهر { وأنتم لا ~~تعلمون } ذلك، أو والله يعلم ما فيه صلاح أموركم من الأحكام ~~والشرائع التي من جملتها ما بينه ههنا وأنتم لا تعلمونها فدعوا رأيكم ~~وامتثلوا أمره تعالى ونهيه في كل ما تأتون وما تذرون. ### || [2.233] # { والولدت يرضعن أولدهن } شروع في بيان الأحكام ~~المتعلقة بأولادهن خصوصا واشتراكا وهو أمر أخرج مخرج الخبر ~~مبالغة في الحمل على تحقق مضمونه ومعناه الندب أو الوجوب إن خص بمادة ~~عدم قبول الصبي ثدي الغير أو فقدان الظئر أو عجز الوالد عن ~~الاستئجار، والتعبير عنهن بالعنوان المذكور لهز عطفهن نحو ~~أولادهن، والحكم عام للمطلقات وغيرهن، وقيل: خاص بهن إذ الكلام فيهن ~~{ حولين كاملين } التأكيد بصفة الكمال لبيان أن التقدير ~~تحقيقي لا تقريبي مبني على المسامحة المعتادة { لمن أراد أن ~~يتم الرضاعة } بيان لمن يتوجه إليه الحكم أي ذلك لمن أراد ~~إتمام الرضاعة وفيه دلالة على جواز النقص وقيل: اللام متعلقة بيرضعن ~~فإن الأب يجب عليه الإرضاع كالنفقة، والأم ترضع له كما يقال: أرضعت ~~فلانة لفلان ولده { وعلى المولود له } أي الوالد فإن الولد ~~يولد له وينسب إليه، وتغيير العبارة للإشارة إلى المعنى المقتضي ~~لوجوب الإرضاع، ومؤونة المرضعة عليه { رزقهن وكسوتهن } ~~أجرة لهن، واختلف في استئجار الأم وهو غير جائز عندنا ما دامت في ~~النكاح أو العدة، جائز عند الشافعي رحمه الله { بالمعروف } حسبما ~~يراه الحاكم ويفي به وسعه { لا تكلف نفس إلا وسعها } ~~تعليل لإيجاب المؤن بالمعروف أو تفسير للمعروف وهو نص على أنه تعالى ~~لا يكلف العبد ما لا يطيقه وذلك لا ينافي إمكانه. # { لا تضار ولدة بولدها ولا مولود له بولده ~~} تفصيل لما قبله وتقرير له، أي لا يكلف كل واحد منهما الآخر ما ~~لا يطيقه، ولا يضاره بسبب ولده وقرىء لا تضار بالرفع بدلا من لا ~~تكلف وأصله على القراءتين لا تضار بالكسر على البناء للمفعول وعلى ~~الوجه الأول يجوز أن يكون بمعنى تضر والباء ms0350 من صلته أي لا يضر ~~الوالدان بالولد فيفرط في تعهده ويقصر فيما ينبغي له وقرىء لا ~~تضار بالسكون مع التشديد على نية الوقف وبه مع التخفيف على أنه من ضاره ~~يضيره وإضافة الولد إلى كل منهما لاستعطافهما إليه وللتنبيه على أنه ~~جدير بأن ينفقا على استصلاحه ولا ينبغي أن يضرا به أو يتضارا ~~بسببه. # { وعلى الوارث مثل ذلك } عطف على قوله تعالى: { على ~~المولود له رزقهن } [البقرة، الآية 233] الخ وما بينهما ~~تعليل أو تفسير معترض، والمراد به وارث الصبي ممن كان ذا رحم ~~محرم منه وقيل: عصباته وقال الشافعي رحمه الله: هو وارث الأب وهو ~~الصبي أي تمأن المرضعة من ماله عند موت الأب، ولا نزاع فيه وإنما ~~الكلام فيما إذا لم يكن للصبي مال وقيل: الباقي من الأبوين من قوله ~~عليه الصلاة والسلام: # " واجعله الوارث منا " # وذلك إشارة إلى ما وجب على الأب من الرزق والكسوة { فإن أرادا } ~~أي الوالدان { فصالا } أي فطاما عن الرضاع قبل تمام الحولين، ~~والتنكير للإيذان بأنه فصال غير معتاد { عن تراض } متعلق بمحذوف ~~ينساق إليه الذهن أي صادرا عن تراض { منهما } أي من الوالدين لا من ~~أحدهما فقط لاحتمال إقدامه على ما يضر بالولد بأن تمل المرأة ~~الإرضاع ويبخل الأب بإعطاء الأجرة { وتشاور } في شأن الولد ~~وتفحص عن أحواله وإجماع منهما على استحقاقه للفطام والتشاور من ~~المشورة وهي استخراج الرأي من شرت العسل إذا استخرجته وتنكيرهما ~~للتفخيم { فلا جناح عليهما } في ذلك لما أن تراضيهما إنما ~~يكون بعد استقرار رأيهما أو اجتهادهما على أن صلاح الولد في الفطام ~~وقلما يتفقان على الخطأ { وإن أردتم } بيانق لحكم عدم ~~اتفاقهما على الفطام، والالتفات إلى خطاب الآباء لجذبهم إلى الامتثال ~~بما أمروا به { أن تسترضعوا أولدكم } بحذف المفعول ~~الأول استغناء عنه أي أن تسترضعوا المراضع لأولادكم يقال: أرضعت ~~المرأة الصبي واسترضعتها إياه، وقيل: إنما يتعدى إلى الثاني بحرف ~~الجر يقال: استرضعت المرأة للصبي أي أن تسترضعوا المراضع ~~لأولادكم فحذف حرف الجر أيضا كما في قوله تعالى: # وإذا ms0351 كالوهم # [المطففين، الآية 3] أي كالوا لهم { فلا جناح عليكم } أي في ~~الاسترضاع وفيه دلالة على أن للأب أن يسترضع للولد ويمنع الأم من ~~الإرضاع { إذا سلمتم } أي إلى المراضع { ما ءاتيتم } أي ما ~~أردتم إيتاءه كما في قوله تعالى: # فإذا قرأت القرءان فاستعذ بالله # [النحل، الآية 98] وقرىء ما أتيتم من أتى إليه إحسانا إذا فعله وقرىء ~~ما أوتيتم أي من جهة الله عز وجل كما في قوله تعالى: # وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه # [الحديد، الآية 7] وفيه مزيد بعث لهم إلى التسليم { بالمعروف } ~~متعلق بسلمتم أي بالوجه المتعارف المستحسن شرعا، وجواب الشرط ~~محذوف لدلالة المذكور عليه وليس التسليم بشرط للصحة والجواز، بل هو ~~ندب إلى ما هو الأليق والأولى فإن المراضع إذا أعطين ما قدر لهن ~~ناجزا يدا بيد كان ذلك أدخل في استصلاح شؤون الأطفال { واتقوا ~~الله } في شأن مراعاة الأحكام المذكورة { واعلموا أن ~~الله بما تعملون بصير } فيجازيكم بذلك، وإظهار الاسم ~~الجليل في موضع الإضمار لتربية المهابة، وفيه من الوعيد والتهديد ما ~~لا يخفى. ### || [2.234] # { والذين } على حذف المضاف أي وأزواج الذين { يتوفون ~~منكم } أي تقبض أرواحهم بالموت فإن التوفي هو القبض يقال: توفيت ~~مالي من فلان واستوفيته منه أي أخذته وقبضته، والخطاب لكافة الناس بطريق ~~التلوين { ويذرون أزوجا يتربصن بأنفسهن ~~أربعة أشهر وعشرا } أو على حذف العائد إلى المبتدأ في الخبر ~~أي يتربصن بعدهم كما في قولهم: السمن منوان بدرهم أي منوان منه ~~وقرىء يتوفون بفتح الياء أي يستوفون آجالهم، وتذكير العشر باعتبار ~~الليالي لأنها غرر الشهور والأيام ولذلك تراهم لا يكادون يستعملون ~~التذكير في مثله أصلا حتى إنهم يقولون: صمت عشرا ومن البين في ذلك ~~قوله تعالى: # إن لبثتم إلا عشرا # [طه، الآية 103] ثم # إن لبثتم إلا يوما # [طه، الآية 104] ولعل الحكمة في هذا التقدير أن الجنين إذا كان ذكرا ~~يتحرك غالبا لثلاثة أشهر وإن كان أنثى يتحرك لأربعة فاعتبر أقصى ~~الأجلين وزيد عليه الأيام العشر استظهارا إذ ربما تضعف الحركة فلا يحس ~~بها. وعموم اللفظ يقتضي ms0352 تساوي المسلمة والكتابية والحرة والأمة في هذا ~~الحكم ولكن القياس اقتضى التنصيف في الأمة، وقوله عز وجل: # وأولت الأحمال # [الطلاق، الآية 4] خص الحامل منه. وعن علي وابن عباس رضي الله عنهم ~~أنها تعتد بأبعد الأجلين احتياطا { فإذا بلغن أجلهن } أي ~~انقضت عدتهن { فلا جناح عليكم } أيها الحكام والمسلمون ~~جميعا { فيما فعلن فى أنفسهن } من التزين والتعرض ~~للخطاب وسائر ما حرم على المعتدة { بالمعروف } بالوجه الذي ~~لا ينكره الشرع، وفيه إشارة إلى أنهن لو فعلن ما ينكره الشرع فعليهم ~~أن يكفوهن عن ذلك وإلا فعليهم الجناح { والله بما تعملون ~~خبير } فلا تعملوا خلاف ما أمرتم به. ### || [2.235] # { ولا جناح عليكم } خطاب للكل { فيما عرضتم به } ~~التعريض والتلويح إبهام المقصود بما لم يوضع له حقيقة ولا مجازا ~~كقول السائل: جئتك لأسلم عليك وأصله إمالة الكلام عن نهجه إلى ~~عرض منه أي جانب والكناية هي الدلالة على الشيء بذكر لوازمه ~~وروادفه كقولك: طويل النجاد للطويل وكثير الرماد للمضياف { من ~~خطبة النساء } الخطبة بالكسر كالقعدة والجلسة ما يفعله الخاطب ~~من الطلب والاستلطاف بالقول والفعل فقيل: هي مأخوذة من الخطب أي الشأن ~~الذي له خطر لما أنها شأن من الشؤون ونوع من الخطوب وقيل: من الخطاب ~~لأنها نوع مخاطبة تجري بين جانب الرجل وجانب المرأة والمراد بالنساء ~~المعتدات للوفاة والتعريض لخطبتهن أن يقول لها: إنك لجميلة أو صالحة ~~أو نافعة، ومن غرضي أن أتزوج ونحو ذلك مما يوهم أنه يريد نكاحها ~~حتى تحبس نفسها عليه إن رغبت فيه ولا يصرح بالنكاح { أو أكننتم ~~فى أنفسكم } أي أضمرتم في قلوبكم فلم تذكروه تصريحا ولا تعريضا { ~~علم الله أنكم ستذكرونهن } ولا تصبرون على السكوت ~~عنهن وعن إظهار الرغبة فيهن وفيه نوع توبيخ لهم على قلة التثبت { ~~ولكن لا تواعدوهن سرا } استدراك محذوف دل عليه { ~~ستذكرونهن } [البقرة، الآية 235] أي فاذكروهن ولكن لا تواعدوهن ~~نكاحا بل اكتفوا بما رخص لكم من التعريض، والتعبير عن النكاح بالسر ~~لأن مسببه الذي هو الوطء مما يسر به وإيثاره على اسمه للإيذان ~~بأنه ms0353 ينبغي أن يسر به ويكتم، وحمله على الوطء ربما يوهم الرخصة في ~~المحظور الذي هو التصريح بالنكاح وقيل: انتصاب سرا على الظرفية أي لا ~~تواعدوهن في السر على أن المراد بذلك المواعدة بما يستهجن وفيه ما فيه ~~{ إلا أن تقولوا قولا معروفا } استثناء مفرغ مما يدل ~~عليه النهي أي لا تواعدوهن مواعدة ما إلا مواعدة معروفة غير منكرة ~~شرعا وهي ما يكون بطريق التعريض والتلويح أو إلا مواعدة بقول معروف، أو ~~لا تواعدوهن بشيء من الأشياء إلا بأن تقولوا قولا معروفا وقيل: هو ~~استثناء منقطع من (سرا) وهو ضعيف لأدائه إلى جعل التعريض موعودا وليس ~~كذلك { ولا تعزموا عقدة النكاح } من عزم الأمر إذا قصده ~~قصدا جازما وحقيقته القطع بدليل قوله عليه السلام: # " لا صيام لمن لم يعزم الصيام من الليل " # وروي # " لمن لم يبيت الصيام " # والنهي عنه للمبالغة في النهي عن مباشرة عقد النكاح أي لا تعزموا ~~عقدة النكاح { حتى يبلغ الكتب أجله } أي (تبلغ) ~~العدة المكتوبة المفروضة آخرها وقيل: معناه لا تقطعوا عقدة النكاح ~~أي لا تبرموها ولا تلزموها ولا تقدموا عليها، فيكون نهيا عن نفس ~~الفعل لا عن قصده. # { واعلموا أن الله يعلم ما فى أنفسكم } من ذوات ~~الصدور التي من جملتها العزم على ما نهيتم عنه { فاحذروه } ~~بالاجتناب عن العزم ابتداء أو إقلاعا عنه بعد تحققه { واعلموا ~~أن الله غفور } يغفر لمن يقلع عن عزمه خشية منه تعالى { ~~حليم } لا يعاجلكم بالعقوبة فلا تستدلوا بتأخيرها على أن ما نهيتم ~~عنه من العزم ليس مما يستتبع المؤاخذة، وإظهار الاسم الجليل في موضع ~~الإضمار لإدخال الروعة. ### || [2.236] # { لا جناح عليكم } أي لا تبعة من مهر وهو الأظهر وقيل: من ~~وزر، إذ لا بدعة في الطلاق قبل المسيس وقيل: كان النبي صلى الله ~~عليه وسلم يكثر النهي عن الطلاق فظن أن فيه جناحا فنفي ذلك { إن ~~طلقتم النساء ما لم تمسوهن } أي ما لم تجامعوهن، وقرىء ~~تماسوهن بضم التاء في جميع المواقع أي مدة عدم مساسكم إياهن، على ~~أن ms0354 ما مصدرية ظرفية بتقدير المضاف، ونقل أبو البقاء أنها شرطية بمعنى ~~إن فيكون من باب اعتراض الشرط على الشرط فيكون الثاني قيدا للأول كما في ~~قولك: إن تأتني إن تحسن إلي أكرمك أي إن تأتني محسنا إلي ~~والمعنى إن طلقتموهن غير ماسين لهن، وهذا المعنى أقعد من الأول لما ~~أن ما الظرفية إنما يحسن موقعها فيما إذا كان المظروف أمرا ممتدا ~~منطبقا على ما أضيف إليها من المدة أو الزمان كما في قوله تعالى: # خلدين فيها ما دامت السموات والأرض # [هود، الآية 107] وقوله تعالى: # وكنت عليهم شهيدا ما دمت فيهم # [المائدة، الآية 117] ولا يخفى أن التطليق ليس كذلك، وتعليق الظرف ~~بنفي الجناح ربما يوهم إمكان المسيس بعد الطلاق، فالوجه أن يقدر ~~الحال مكان الزمان والمدة { أو تفرضوا لهن فريضة } أي ~~إلا أن تفرضوا أو حتى تفرضوا لهن عند العقد مهرا، على أن فريضة فعلية ~~بمعنى مفعول، والتاء لنقل اللفظ من الوصفية إلى الاسمية، وانتصابه على ~~المفعولية ويجوز أن يكون مصدرا صيغة وإعرابا، والمعنى أنه لا تبعة ~~على المطلق بمطالبة المهر أصلا إذا كان الطلاق قبل المسيس على كل ~~حال إلا في حال تسمية المهر فإن عليه حينئذ نصف المسمى، وفي حال ~~عدم تسميته عليه المتعة لا نصف مهر المثل وأما إذا كان بعد المسيس ~~فعليه في صورة التسمية تمام المسمى، وفي صورة عدمها تمام مهر المثل ~~وقيل: كلمة أو عاطفة لمدخولها على ما قبلها من الفعل المجزوم على معنى ~~ما لم يكن منكم مسيس ولا فرض مهر. # { ومتعوهن } عطف على مقدر ينسحب عليه الكلام أي فطلقوهن ~~ومتعوهن، والحكمة في إيجاب المتعة جبر إيحاش الطلاق وهي درع ~~وملحفة وخمار على حسب الحال كما يفصح عنه قوله تعالى: { على ~~الموسع قدره وعلى المقتر قدره } أي ما يليق بحال كل ~~منهما وقرىء بسكون الدال وهي جملة مستأنفة لا محل لها من الإعراب ~~مبينة لمقدار المتعة بالنظر إلى حال المطلق إيسارا وإقتارا، أو ~~حال من فاعل متعوهن بحذف الرابط أي على الموسع منكم الخ ms0355 أو على جعل ~~الألف واللام عوضا من المضاف إليه عند من يجوزه أي على موسعكم الخ وهذا ~~إذا لم يكن مهر مثلها أقل من ذلك فإن كان أقل فلها الأقل من نصف مهر ~~المثل ومن المتعة ولا ينقص عن خمسة دراهم { متعا } أي تمتيعا { ~~بالمعروف } أي بالوجه الذي تستحسنه الشريعة والمروءة { حقا } ~~صفة لمتاعا أو مصدر مؤكد أي حق ذلك حقا { على المحسنين } ~~أي الذين يحسنون إلى أنفسهم بالمسارعة إلى الامتثال، أو إلى المطلقات ~~بالتمتيع بالمعروف وإنما سموا محسنين اعتبارا للمشارفة وترغيبا ~~وتحريضا. ### || [2.237] # { وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد ~~فرضتم لهن } قبل ذلك { فريضة } أي وإن طلقتموهن من قبل ~~المسيس حال كونكم مسمين لهن فيما سبق أي عند النكاح مهرا على أن ~~الجملة حال من فاعل طلقتموهن ويجوز أن تكون حالا من مفعوله لتحقق ~~الرابط بالنسبة إليهما. ونفس الفرض من المبني للفاعل أو للمفعول وإن لم ~~يقارن حالة التطليق لكن اتصاف المطلق بالفارضية فيما سبق مما لا ريب ~~في مقارنته لها وكذا الحال في اتصاف المطلقة بكونها مفروضا لها فيما ~~سبق. # { فنصف ما فرضتم } أي فلهن نصف ما سميتم لهن من المهر، ~~فالواجب عليكم ذلك، وهذا صريح في أن المنفي في الصورة السابقة إنما هو ~~تبعة المهر وقرىء بالنصب أي فأدوا نصف ما فرضتم ولعل تأخير حكم ~~التسمية مع أنها الأصل في العقد والأكثر في الوقوع لما أن الآية ~~الكريمة نزلت في # " أنصاري تزوج امرأة من بني حنيفة وكانت مفوضة فطلقها قبل الدخول ~~بها فتخاصما إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له عليه الصلاة ~~والسلام عند إظهار أن لا شيء له: " متعها بقلنسوتك " # { إلا أن يعفون } استثناء مفرغ من أعم الأحوال أي فلهن نصف ~~المفروض معينا في كل حال إلا حال عفوهن فإنه يسقط ذلك حينئذ بعد ~~وجوبه، وظاهر الصيغة في نفسها يحتمل التذكير والتأنيث وإنما الفرق في ~~الاعتبار والتحقيق فإن الواو في الأولى ضمير والنون علامة الرفع، وفي ~~الثانية لام الفعل والنون ضمير والفعل مبني ms0356 ولذلك لم يؤثر فيه إنما ~~تأثيره فيما عطف على محله من قوله تعالى: { أو يعفوا } بالنصب ~~وقرىء بسكون الواو { الذى بيده عقدة النكاح } أي يترك ~~الزوج المالك لعقده وحله ما يعود إليه من نصف المهر الذي ساقه إليها ~~كاملا على ما هو المعتاد تكرما فإن ترك حقه عليها عفوا بلا شبهة، ~~أو سمي ذلك عفوا في صورة عدم السوق مشاكلة أو تغليبا لحال السوق ~~على حال عدمه فمرجع الاستثناء حينئذ إلى منع الزيادة في المستثنى ~~منه كما أنه في الصورة الأولى إلى منع النقصان فيه أي فلهن هذا القدر ~~بلا زيادة ولا نقصان في جميع الأحوال إلا في حال عفوهن فإنه حينئذ لا ~~يكون لهن القدر المذكور بل ينتفي ذلك أو ينحط، أو في حال عفو الزوج ~~فإنه حينئذ يكون لهن الزيادة على ذلك القدر هذا على التفسير الأول وأما ~~على التفسير الثاني فلا بد من المصير إلى جعل الاستثناء منقطعا لأن في ~~صورة عفو الزوج لا يتصور الوجوب عليه هذا عندنا، وفي القول القديم ~~للشافعي رحمه الله أن المراد عفو الولي الذي بيده عقدة نكاح الصغيرة ~~وهو ظاهر المأخذ خلا أن الأول أنسب بقوله تعالى: { وأن تعفوا ~~أقرب للتقوى } إلى آخره فإن إسقاط حق الصغيرة ليس في شيء من ~~التقوى. وعن جبير بن مطعم أنه تزوج امرأة وطلقها قبل الدخول وأكمل ~~لها الصداق وقال: أنا أحق بالعفو وقرىء بالياء { ولا تنسوا ~~الفضل بينكم } أي لا تتركوا أن يتفضل بعضكم على بعض كالشيء ~~المنسي وقرىء بكسر الواو، والخطاب في الفعلين للرجال والنساء جميعا ~~بطريق التغليب { إن الله بما تعملون بصير } فلا يكاد ~~يضيع ما عملتم من التفضل والإحسان. ### || [2.238] # { حفظوا على الصلوت } أي داوموا على أدائها لأوقاتها من ~~غير إخلال بشيء منها كما تنبىء عنه صيغة المفاعلة المفيدة للمبالغة، ~~ولعل الأمر بها في تضاعيف بيان أحكام الأزواج والأولاد قبل الإتمام ~~للإيذان بأنها حقيقة بكمال الاعتناء بشأنها والمثابرة عليها من غير ~~اشتغال بشأنهم وبشأن أنفسهم أيضا كما يفصح عنه الأمر بها ms0357 في حالة الخوف ~~ولذلك أمر بها في خلال بيان ما يتعلق بهم من الأحكام الشرعية المتشابكة ~~الآخذ بعضها بحجزة بعض { والصلاة الوسطى } أي المتوسطة ~~بينها أو الفضلى منها وهي صلاة العصر لقوله صلى الله عليه وسلم يوم ~~الأحزاب: # " شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر ملأ الله تعالى بيوتهم نارا ~~" # وقال عليه السلام: # " إنها الصلاة التي شغل عنها سليمان بن داود عليهما الصلاة والسلام ~~" # وفضلها لكثرة اشتغال الناس في وقتها بتجارتهم ومكاسبهم واجتماع ~~ملائكة الليل وملائكة النهار حينئذ، وقيل: هي صلاة الظهر لأنها في وسط ~~النهار وكانت أشق الصلوات عليهم لما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~كان يصليها بالهاجرة فكانت أفضلها لقوله عليه السلام: # " أفضل العبادات أحمزها " # وقيل: هي صلاة الفجر لأنها بين صلاتي الليل والواقعة في الحد المشترك ~~بينهما ولأنها مشهودة كصلاة العصر وقيل: هي صلاة المغرب لأنها متوسطة ~~من حيث العدد ومن حيث الوقوع بين صلاتي النهار والليل ووتر النهار ولا ~~تنقص في السفر وقيل: هي صلاة العشاء لأنها بين الجهريتين الواقعتين في ~~طرفي الليل والنهار وعن عائشة وابن عباس رضي الله عنهم أنه عليه السلام ~~كان يقرأ والصلاة الوسطى وصلاة العصر فتكون حينئذ إحدى الأربع قد خصت ~~بالذكر مع العصر لانفرادها بالفضل وقرىء وعلى الصلاة الوسطى وقرىء بالنصب ~~على المدح، وقرىء الوسطى { وقوموا لله } أي في الصلاة { ~~قنتين } ذاكرين له تعالى في القيام لأن القنوت هو الذكر فيه وقيل: ~~هو إكمال الطاعة وإتمامها بغير إخلال بشيء من أركانها وقيل: خاشعين، ~~وقال ابن المسيب: المراد به القنوت في الصبح. ### || [2.239-240] # { فإن خفتم } أي من عدو أو غيره { فرجالا } جمع راجل كقيام ~~وقائم أو رجل بمعنى راجل وقرىء بضم الراء مع التخفيف وبضمها مع التشديد ~~أيضا وقرىء فرجلا أي راجلا { أو ركبانا } جمع راكب أي فصلوا ~~راجلين أو راكبين حسبما يقتضيه الحال ولا تخلوا بها ما أمكن الوقوف ~~في الجملة وقد جوز الشافعي رحمه الله أداءها حال المسايفة أيضا { ~~فإذا أمنتم } بزوال الخوف { فاذكروا الله } أي فصلوا ~~صلاة ms0358 الأمن وعبر عنها بالذكر لأنه معظم أركانها { كما علمكم } ~~متعلق بمحذوف وقع وصفا لمصدر محذوف أي ذكرا كائنا كما علمكم أي ~~كتعليمه إياكم { ما لم تكونوا تعلمون } من كيفية الصلاة، ~~والمراد بالتشبيه أن تكون الصلاة المؤداة موافقة لما علمه الله ~~تعالى، وإيرادها بذلك العنوان لتذكير النعمة أو اشكروا الله تعالى ~~شكرا يوازي تعليمه إياكم ما لم تكونوا تعلمونه من الشرائع والأحكام ~~التي من جملتها كيفية إقامة الصلاة حالتي الخوف والأمن. هذا وفي إيراد ~~الشرطية الأولى بكلمة إن المفيدة لمشكوكية وقوع الخوف وندرته وتصدير ~~الشرطية الثانية بكلمة إذا المنبئة عن تحقق وقوع الأمن وكثرته مع ~~الإيجاز في جواب الأولى والإطناب في جواب الثانية المبنيين على تنزيل ~~مقام وقوع المأمور به فيهما منزلة مقام وقوع الأمر تنزيلا مستدعيا ~~لإجراء مقتضى المقام الأول في كل منهما مجرى مقتضى المقام الثاني من ~~الجزالة ولطف الاعتبار ما فيه عبرة لأولي الأبصار { والذين ~~يتوفون منكم ويذرون أزوجا } عود إلى بيان بقية ~~الأحكام المفصلة فيما سلف إثر بيان أحكام توسطت بينهما لما أشير ~~إليه من الحكمة الداعية إلى ذلك { وصية لازواجهم } أي يوصون ~~أو ليوصوا أو كتب الله عليهم وصية، ويؤيد هذا قراءة من قرأ كتب ~~عليكم الوصية لأزواجكم وقرىء بالرفع على تقدير مضاف في المبتدأ أو الخبر ~~أي حكم الذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا وصية لأزواجهم، أو والذين ~~يتوفون أهل وصية لأزواجهم أو كتب عليهم وصية أو عليهم وصية وقرىء ~~متاع لأزواجهم بدل وصية { متعا إلى الحول } منصوب بيوصون ~~إن أضمرته وإلا فبالوصية أو بمتاع على القراءة الأخيرة { غير ~~إخراج } بدل منه أو مصدر مؤكد كما في قولك: هذا القول غير ما تقول ~~أو حال من أزواجهم أي غير مخرجات والمعنى يجب على الذين يتوفون ~~أن يوصوا قبل الاحتضار لأزواجهم بأن يمتعن بعدهم حولا بالنفقة ~~والسكنى وكان ذلك أول الإسلام ثم نسخت المدة بقوله تعالى: # أربعة أشهر وعشرا # [البقرة، الآية 234] فإنه وإن كان متقدما في التلاوة فهو متأخر في ~~النزول وسقطت النفقة بتوريثها الربع أو الثمن ms0359 وكذلك السكنى عندنا، وعند ~~الشافعي هي باقية، { فإن خرجن } عن منزل الأزواج باختيارهن { ~~فلا جناح عليكم } أيها الأئمة { فيما فعلن فى ~~أنفسهن من معروف } لا ينكره الشرع كالتزين والتطيب ~~وترك الحداد والتعرض للخطاب، وفيه دلالة على أن المحظور ~~إخراجها عند إرادة القرار وملازمة مسكن الزوج والحداد من غير أن يجب ~~عليها ذلك وأنها كانت مخيرة بين الملازمة مع أخذ النفقة وبين الخروج ~~مع تركها { والله عزيز } غالب على أمره يعاقب من خالفه { ~~حكيم } يراعي في أحكامه مصالح عباده. ### || [2.241-243] # { وللمطلقت } سواء كن مدخولا بهن أو لا { متع } أي ~~مطلق المتعة الشاملة الواجبة والمستحبة وأوجبها سعيد بن جبير، وأبو ~~العالية، والزهري للكل وقيل: المراد بالمتاع نفقة العدة وقيل: اللام ~~للعهد والمراد غير المدخول بهن والتكرير للتأكيد { بالمعروف } ~~شرعا وعادة { حقا على المتقين } أي مما ينبغي { كذلك } أي ~~مثل ذلك البيان الواضح { يبين الله لكم آيته } الدالة ~~على أحكامه التي شرعها لعباده { لعلكم تعقلون } لكي تفهموا ما ~~فيها وتعملوا بموجبها. # { ألم تر } تقرير لمن سمع بقصتهم من أهل الكتاب وأرباب الأخبار ~~من شأنهم البديع فإن سماعهم لها بمنزلة الرؤية النظرية أو العلمية أو ~~لكل أحد ممن له حظ من الخطاب إيذانا بأن قصتهم من الشهرة والشيوع ~~بحيث يحق لكل أحد أن يحمل على الإقرار برؤيتهم وسماع قصتهم ويعجب بها ~~وإن لم يكن ممن رآهم أو سمع بقصتهم فإن هذا الكلام قد جرى مجرى المثل ~~في مقام التعجيب لما أنه شبه حال غير الرائي لشيء عجيب بحال الرائي ~~له بناء على ادعاء ظهور أمره وجلائه بحيث استوى في إدراكه الشاهد ~~والغائب ثم أجري الكلام معه كما يجري مع الرائي قصدا إلى المبالغة ~~في شهرته وعراقته في التعجب، وتعدية الرؤية بإلى في قوله تعالى: { ~~إلى الذين خرجوا من ديرهم } على تقدير كونها بمعنى ~~الأنصار باعتبار معنى النظر على تقدير كونها إدراكا قلبيا لتضمين ~~معنى الوصول والانتهاء على معنى ألم ينته علمك إليهم { وهم ألوف ~~} أي ألوف كثيرة قيل: عشرة آلاف وقيل: ثلاثون وقيل: سبعون ms0360 ألفا، ~~والجملة حال من فاعل خرجوا وقوله عز وجل: { حذر الموت } مفعول ~~له. روي أن أهل داوردان - قرية قبل واسط - وقع فيهم الطاعون فخرجوا ~~منها هاربين فأماتهم الله ثم أحياهم ليعتبروا ويعلموا ألا مفر من حكم ~~الله عز سلطانه وقضاؤه، وقيل: مر عليهم حزقيل بعد زمان طويل وقد ~~عريت عظامهم وتفرقت أوصالهم فلوى شدقيه وأصابعه تعجبا مما رأى من ~~أمرهم فأوحي إليه ناد فيهم أن قوموا بإذن الله فنادى فإذا هم قيام ~~يقولون: سبحانك اللهم وبحمدك لا إله إلا أنت. وقيل: هم قوم من بني ~~إسرائيل دعاهم ملكهم إلى الجهاد فهربوا حذرا من الموت فأماتهم الله ~~تعالى ثمانية أيام ثم أحياهم. وقوله عز وجل: { فقال لهم الله ~~موتوا } إما عبارة عن تعلق إرادته تعالى بموتهم دفعة، وإما تمثيل ~~لإماتته تعالى إياهم ميتة نفس واحدة في أقرب وقت وأدناه وأسرع زمان ~~وأوحاه بأمر آمر مطاع لمأمور مطيع كما في قوله تعالى: # إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن ~~فيكون # [يس، الآية: 82]؛ { ثم أحيهم } عطف إما على مقدر يستدعيه ~~المقام أي فماتوا ثم أحياهم وإنما حذف للدلالة على الاستغناء عن ذكره ~~لاستحالة تخلف مراده تعالى عن إرادته وإما على قال لما أنه عبارة عن ~~الإماته، وفيه تشجيع للمسلمين على الجهاد والتعرض لأسباب الشهادة ~~وأن الموت حيث لم يكن منه بد ولم ينفع منه المفر فأولى أن يكون في ~~سبيل الله تعالى { إن الله لذو فضل } عظيم { على الناس ~~} قاطبة، أما أولئك فقد أحياهم ليعتبروا بما جرى عليهم فيفوزوا بالسعادة ~~العظمى، وأما الذين سمعوا قصتهم فقد هداهم إلى مسلك الاعتبار ~~والاستبصار { ولكن أكثر الناس لا يشكرون } أي لا ~~يشكرون فضله كما ينبغي ويجوز أن يراد بالشكر الاعتبار والاستبصار، ~~وإظهار الناس في مقام الإضمار لمزيد التشنيع. ### || [2.244-245] # { وقتلوا في سبيل الله } عطف على مقدر يعينه ما قبله ~~كأنه قيل: فاشكروا فضله بالاعتبار بما قص عليكم وقاتلوا في سبيله لما ~~علمتم أن الفرار لا ينجي من الحمام وأن المقدر لا مرد له، فإن ms0361 ~~كان قد حان الأجل فموت في سبيل الله عز وجل وإلا فنصر عزيز وثواب { ~~واعلموا أن الله سميع } يسمع مقالة السابقين والمتخلفين ~~{ عليم } بما يضمرونه في أنفسهم وهو من وراء الجزاء خيرا أو شرا ~~فسارعوا إلى الامتثال واحذروا المخالفة والمساهلة. # { من ذا الذى يقرض الله } من استفهامية مرفوعة المحل ~~بالابتداء وذا خبره، والموصول صفة له أو بدل منه، وإقراض الله تعالى ~~مثل لتقديم العمل العاجل طلبا للثواب الآجل، والمراد ههنا إما ~~الجهاد الذي هو عبارة عن بذل النفس والمال في سبيل الله عز وجل ~~ابتغاء لمرضاته وإما مطلق العمل الصالح المنتظم له انتظاما أوليا { ~~قرضا حسنا } أي إقراضا مقرونا بالإخلاص وطيب النفس أو مقرضا ~~حلالا طيبا { فيضاعفه له } بالنصب على جواب الاستفهام حملا ~~على المعنى فإنه في معنى أيقرضه وقرىء بالرفع أي يضاعف أجره ~~وجزاءه، جعل ذلك مضاعفة له بناء على ما بينهما من المناسبة بالسببية ~~والمسبية ظاهرا، وصيغة المفاعلة للمبالغة وقرىء فيضعفه بالرفع ~~بالنصب { أضعافا } جمع ضعف، ونصبه على أنه حال من الضمير المنصوب ~~أو مفعول بأن يضمن المضاعفة معنى التصيير، أو مصدر مؤكد على أن ~~الضعف اسم للمصدر والجمع للتنوين { كثيرة } لا يعلم قدرها إلا ~~الله تعالى وقيل: الواحد بسبعمائة { والله يقبض ويبسط } أي ~~يقتر على بعض ويوسع على بعض أو يقتر تارة ويوسع أخرى حسبما تقتضيه ~~مشيئته المبنية على الحكم والمصالح فلا تبخلوا عليه بما وسع عليكم ~~كي لا يبدل أحوالكم. ولعل تأخير البسط عن القبض في الذكر للإيماء إلى ~~أنه يعقبه في الوجود تسلية للفقراء وقرىء يبصط بالصاد لمجاورة الطاء { ~~وإليه ترجعون } فيجازيكم على ما قدمتم من الأعمال خيرا ~~وشرا. ### || [2.246] # { ألم تر } تقرير وتعجيب كما سبق قطع عنه للإيذان باستقلاله في ~~التعجب مع أن له مزيد ارتباط بما وسط بينهما من الأمر بالقتال { ~~إلى الملإ من بنى إسرءيل } الملأ من القوم وجوههم وأشرافهم ~~وهم اسم للجماعة لا واحد له من لفظه كالرهط والقوم، سموا بذلك لما ~~أنهم يملأون العيون مهابة والمجالس بهاء أو لأنهم مليئون ms0362 بما ~~يبتغى منهم، ومن تبعيضية و(من) في قوله تعالى: { من بعد موسى } ~~ابتدائية وعاملها مقدر وقع حالا من الملأ أي كائنين بعض بني ~~إسرائيل من بعد وفاة موسى، ولا ضير في اتحاد الحرفين لفظ عند ~~اختلافهما معنى { إذ قالوا } منصوب بمضمر يستدعيه المقام أي ألم ~~تر إلى قصة الملأ أو حديثهم حين قالوا: { لنبى لهم } هو يوشع ~~بن نون بن أفرائيم بن يوسف عليهما السلام وقيل: شمعون بن صعبة بن ~~علقمة من ولد لاوي بن يعقوب عليهما السلام وقيل: أشمويل بن بال بن ~~علقمة وهو بالعبرانية إسماعيل. قال مقاتل: هو من نسل هارون عليه السلام ~~وقال مجاهد: أشمويل بن هلقايا { ابعث لنا ملكا نقتل فى ~~سبيل الله } أي أنهض للقتال معنا أميرا نصدر في تدبير أمر ~~الحرب عن رأيه وقرىء نقاتل بالرفع على أنه حال مقدرة أي ابعثه لنا ~~مقدرين القتال أو استئناف مبني على السؤال وقرىء يقاتل بالياء ~~مجزوما ومرفوعا على الجواب للأمر والوصف لملكا { قال } استئناف وقع ~~جوابا عن سؤال ينساق إليه الذهن كأنه قيل: فماذا قال لهم النبي ~~حينئذ؟ فقيل قال: { هل عسيتم إن كتب عليكم القتال ~~ألا تقتلوا } فصل بين عسى وخبره بالشرط للاعتناء به أي هل ~~قاربتم ألا تقاتلوا كما أتوقعه منكم؟ والمراد تقرير أن المتوقع ~~كائن وإنما لم يذكر في معرض الشرط ما التمسوه بأن قيل: هل عسيتم إن ~~بعثت لكم ملكا الخ مع أنه أظهر تعلقا بكلامهم بل ذكر كتابة القتال ~~عليهم للمبالغة في بيان تخلفهم عنه فإنهم إذا لم يقاتلوا عند فرضية ~~القتال عليهم بإيجاب الله تعالى فلأن لا يقاتلوا عند عدم فرضيته أولى، ~~ولأن إيراد ما ذكروه ربما يوهم أن سبب تخلفهم عن القتال هو المبعوث لا ~~نفس القتال وقرىء عسيتم بكسر السين وهي ضعيفة { قالوا } استئناف كما ~~سبق { وما لنا ألا نقتل } أي أي سبب لنا في ألا نقاتل { ~~فى سبيل الله وقد أخرجنا من ديرنا وأبنائنا ~~} أي والحال أنه قد عرض لنا ما يوجب القتال إيجابا قويا من الإخراج ms0363 ~~عن الديار والأوطان والاغتراب من الأهل والأولاد، وإفراد الأبناء ~~بالذكر لمزيد تقوية أسباب القتال وذلك أن جالوت رأس العمالقة وملكهم ~~وهو جبار من أولاد عمليق بن عاد كان هو ومن معه من العمالقة يسكنون ~~ساحل بحر الروم بين مصر وفلسطين وظهروا على بني إسرائيل وأخذوا ~~ديارهم وسبوا أولادهم وأسروا من أبناء ملوكهم أربعمائة وأربعين ~~نفسا وضربوا عليهم الجزية وأخذوا توراتهم { فلما كتب ~~عليهم القتال } بعد سؤال النبي عليه السلام ذلك وبعث الملك ~~{ تولوا } أي أعرضوا وتخلفوا لكن لا في ابتداء الأمر بل بعد ~~مشاهدة كثرة العدو وشوكته كما سيجيء تفصيله وإنما ذكر ههنا ما آل ~~إليه أمرهم إجمالا إظهارا لما بين قولهم وفعلهم من التنافي ~~والتباين { إلا قليلا منهم } وهم الذين اكتفوا بالغرفة من ~~النهر وجاوزوه وهم ثلثمائة وثلاثة عشر بعدد أهل بدر { والله ~~عليم بالظلمين } وعيد لهم على ظلمهم بالتولي عن القتال وترك ~~الجهاد وتنافي أقوالهم وأفعالهم والجملة اعتراض تذييلي. ### || [2.247] # { وقال لهم نبيهم } شروع في تفصيل ما جرى بينه عليه ~~السلام وبينهم من الأقوال والأفعال إثر الإشارة الإجمالية إلى مصير ~~حالهم أي قال لهم بعد ما أوحي إليه ما أوحي: { إن الله قد ~~بعث لكم طالوت ملكا } طالوت علم عبري كداود، وجعله ~~فعلوتا من الطول يأباه منع صرفه و { ملكا } [البقرة، الآية: 247] ~~حال منه. روي أنه عليه السلام لما دعا ربه أن يجعل لهم ملكا أتى بعصا ~~يقاس بها من يملك عليهم فلم يساوها إلا طالوت { قالوا } استئناف ~~كما مر { أنى يكون له الملك علينا } أي من أين يكون أو ~~كيف يكون ذلك { ونحن أحق بالملك منه ولم يؤت ~~سعة من المال } الواو الأولى حالية والثانية عاطفة جامعة ~~للجملتين في الحكم أي كيف يتملك علينا والحال أنه لا يستحق التملك ~~لوجود من هو أحق منه ولعدم ما يتوقف عليه الملك من المال، وسبب هذا ~~الاستبعاد أن النبوة كانت مخصوصة بسبط معين من أسباط بني إسرائيل، ~~وهو سبط لاوي بن يعقوب عليه السلام والمملكة بسبط يهوذا ومنه داود ~~وسليمان ms0364 عليهما السلام ولم يكن طالوت من أحد هذين السبطين بل من ولد ~~بنيامين قيل: كان راعيا وقيل: دباغا وقيل: سقاء. # { قال إن الله اصطفه عليكم } لما استبعدوا تملكه ~~بسقوط نسبه وبفقره رد عليهم ذلك أولا بأن ملاك الأمر هو اصطفاء ~~الله تعالى وقد اختاره عليكم وهو أعلم بالمصالح منكم، وثانيا بأن ~~العمدة فيه وفور العلم ليتمكن به من معرفة أمور السياسة، وجسامة ~~البدن ليعظم خطره في القلوب ويقدر على مقاومة الأعداء ومكابدة ~~الحروب وقد خصه الله تعالى منهما بحظ وافر وذلك قوله عز وجل: { ~~وزاده بسطة في العلم } أي العلم المتعلق بالملك أو به ~~وبالديانات أيضا وقيل: قد أوحي إليه ونبىء { والجسم } قيل: ~~بطول القامة فإنه كان أطول من غيره برأسه ومنكبيه حتى إن الرجل القائم ~~كان يمد يده فينال رأسه وقيل: بالجمال وقيل: بالقوة { والله يؤتى ~~ملكه من يشاء } لما أنه مالك الملك والملكوت فعال لما ~~يريد فله أن يؤتيه من يشاء من عباده { والله وسع } يوسع على ~~الفقير ويغنيه { عليم } بمن يليق بالملك ممن لا يليق به، وإظهار ~~الاسم الجليل لتربية المهابة. ### || [2.248] # { وقال لهم نبيهم } توسيطه فيما بين قوليه المحكيين ~~عنه عليه السلام للإشعار بعدم اتصال أحدهما بالآخر، وتخلل كلام من ~~جهة المخاطبين متفرع على السابق مستتبع للاحق كأنهم طلبوا منه عليه ~~السلام آية تدل على أنه تعالى اصطفى طالوت وملكه عليهم. روي أنهم ~~قالوا: ما آية ملكه فقال: { إن آية ملكه أن يأتيكم ~~التابوت } أي الصندوق وهو فعلوت من التوب الذي هو الرجوع ~~لما أنه لا يزال يرجع إليه ما يخرج منه، وتاؤه مزيدة لغير التأنيث ~~كملكوت ورهبوت والمشهور أن يوقف على تائه من غير أن تقلب هاء ~~ومنهم من يقلبها إياها، والمراد به صندوق التوراة، وكان قد رفعه ~~الله عز وجل بعد وفاة موسى عليه السلام سخطا على بني إسرائيل لما ~~عصوا واعتدوا فلما طلب القوم من نبيهم آية تدل على ملك طالوت قال ~~لهم: «إن آية ملكه أن يأتيكم التابوت من السماء والملائكة يحفظونه» ms0365 ~~فأتاهم كما وصف والقوم ينظرون إليه حتى نزل عند طالوت. وهذا قول ابن ~~عباس رضي الله عنهما وقال: أرباب الأخبار إن الله تعالى أنزل على آدم ~~تابوتا فيه تماثيل الأنبياء عليهم السلام من أولاده وكان من عود ~~الشمشاد نحوا من ثلاثة أذرع في ذراعين فكان عند آدم عليه السلام إلى ~~أن توفي فتوارثه أولاده واحد بعد واحد إلى أن وصل إلى يعقوب عليه ~~السلام ثم بقي في أيدي بني إسرائيل إلى أن وصل إلى موسى عليه السلام ~~فكان عليه الصلاة والسلام يضع فيه التوراة وكان إذا قاتل قدمه فكانت ~~تسكن إليه نفوس بني إسرائيل وكان عنده إلى أن توفي ثم تداولته أيدي ~~بني إسرائيل وكانوا إذا اختلفوا في شيء تحاكموا إليه فيكلمهم ويحكم ~~بينهم وكانوا إذا حضروا القتال يقدمونه بين أيديهم ويستفتحون به ~~على عدوهم وكانت الملائكة تحمله فوق العسكر ثم يقاتلون العدو فإذا ~~سمعوا من التابوت صيحة استيقنوا النصر فلما عصوا وأفسدوا سلط الله ~~عليهم العمالقة فغلبوهم على التابوت وسلبوه وجعلوه في موضع البول ~~والغائط فلما أراد الله تعالى أن يملك طالوت سلط عليهم البلاء حتى ~~إن كل من بال عنده ابتلي بالبواسير وهلكت من بلادهم خمس مدائن فعلم ~~الكفار أن ذلك بسبب استهانتهم بالتابوت فأخرجوه وجعلوه على ثورين ~~فأقبل الثوران يسيران وقد وكل الله تعالى بهما أربعة من الملائكة ~~يسوقونهما حتى أتوا منزل طالوت فلما سألوا نبيهم البينة على ملك ~~طالوت قال لهم النبي: «إن آية ملكه أنكم تجدون التابوت في داره» ~~فلما وجدوه عنده أيقنوا بملكه. { فيه سكينة من ربكم } أي في ~~إتيانه سكون لكم وطمأنينة كائنة من ربكم أو في التابوت ما تسكنون ~~إليه وهو التوراة المودعة فيه بناء على ما مر من أن موسى عليه السلام ~~إذا قاتل قدمه فتسكن إليه نفوس بني إسرائيل وقيل: السكينة صورة ~~كانت فيه من زبرجد أو ياقوت «لها رأس وذنب كرأس الهر وذنبه ~~وجناحان فتئن فيزحف التابوت نحو العدو وهم يمضون معه فإذا ~~استقر ثبتوا وسكنوا ونزل النصر» وعن ms0366 علي رضي الله عنه كان لها وجه ~~كوجه الإنسان وفيها ريح هفافة { وبقية مما ترك ءال ~~موسى وءال هرون } هي رضاض الألواح وعصا موسى وثيابه وشيء من ~~التوراة، وكان قد رفعه الله تعالى بعد وفاة موسى عليه السلام، وآلهما ~~أبناؤهما أو أنفسهما، والآل مقحم لتفخيم شأنهما، أو أنبياء بني ~~إسرائيل { تحمله الملئكة } حال من التابوت أي إن آية ~~ملكه إتيانه حال كونه محمولا للملائكة وقد مر كيفية ذلك ولعل حمل ~~الملائكة على الرواية الأخيرة عبارة عن سوقهم للثورين الحاملين له { ~~إن فى ذلك } إشارة إلى ما ذكر من شأن التابوت فهو من تمام كلام ~~النبي عليه السلام لقومه أو إلى نقل القصة وحكايتها، فهو ابتداء ~~كلام من جهة الله تعالى جيء به قبل تمام القصة إظهارا لكمال ~~العناية به، وإفراد حرف الخطاب مع تعدد المخاطبين على التقديرين ~~بتأويل الفريق أو غيره كما سلف { لآية } عظيمة { لكم } دالة على ~~ملك طالوت أو على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم حيث أخبر بهذه ~~التفاصيل على ما هي عليه من غير سماع من البشر { إن كنتم ~~مؤمنين } أي مصدقين بتكليمه أو بشيء من الآيات، وإن شرطية ~~والجواب محذوف ثقة بما قبله وقيل: هي بمعنى إذ. ### || [2.249] # { فلما فصل طالوت بالجنود } أي انفصل بهم عن بيت ~~المقدس والأصل فصل نفسه، ولما اتحد فاعله ومفعوله شاع استعماله ~~محذوف المفعول حتى نزل منزلة القاصر كانفصل، وقيل: فصل فصولا وقد ~~جوز كونه أصلا برأسه ممتازا من المتعدي بمصدره كوقف وقوفا ووقفه ~~وقفا وكصد صدودا وصده صدا ورجع رجوعا ورجعه رجعا، والباء ~~متعلقة بمحذوف وقع حالا من طالوت أي ملتبسا بهم ومصاحبا لهم. روي أنه ~~قال لقومه: «لا يخرج معي رجل بنى بناء لم يفرغ منه ولا تاجر مشتغل ~~بالتجارة ولا متزوج بامرأة لم يبن عليها ولا أبتغي إلا الشاب ~~النشيط الفارغ» فاجتمع إليه ممن اختارهم ثمانون ألفا وكان الوقت قيظا ~~وسلكوا مفازة فسألوا أن يجري الله تعالى لهم نهرا فبعد ما ظهر له ما ~~تعلقت به مشيئته ms0367 تعالى من جهة النبي عليه السلام أو بطريق الوحي عند من ~~يقول بنبوته { قال إن الله مبتليكم بنهر } بفتح الهاء ~~وقرىء بسكونها { فمن شرب منه } أي ابتدأ شربه من النهر بأن كرع ~~لأنه الشرب منه حقيقة { فليس مني } أي من جملتي وأشياعي المؤمنين ~~وقيل: ليس بمتصل بي ومتحد معي من قولهم: فلان مني كأنه بعضه لكمال ~~اختلاطهما { ومن لم يطعمه } أي لم يذقه من طعم الشيء إذا ~~ذاقه مأكولا كان أو مشروبا أو غيرهما قال: [الطويل] # وإن شئت حرمت النساء سواكم # وإن شئت لم أطعم نقاخا ولا بردا # أي نوما { فإنه منى إلا من اغترف غرفة بيده } ~~استثناء من قوله تعالى: { فمن شرب منه فليس مني } [البقرة، ~~الآية: 249] وإنما أخر عن الجملة الثانية لإبراز كمال العناية بها ~~ومعناه الرخصة في اغتراف الغرفة باليد دون الكرع والغرفة ما يغرف، ~~وقرىء بفتح الغين على أنها مصدر والباء متعلقة باغترف أو بمحذوف وقع ~~صفة لغرفة أي غرفة كائنة بيده. يروى أن الغرفة كانت تكفي الرجل ~~لشربه وإدواته ودوابه وأما الذين شربوا منه فقد اسودت شفاههم وغلبهم ~~العطش { فشربوا منه } عطف على مقدر يقتضيه المقام أي فابتلوا ~~به فشربوا منه { إلا قليلا منهم } وهم المشار إليهم فيما سلف ~~بالاستثناء من التولي وقرىء إلا قليل منهم ميلا إلى جانب المعنى ~~وضربا عن عدوة اللفظ جانبا فإن قوله تعالى: { فشربوا منه } ~~في قوة أن يقال: فلم يطيعوه فحق أن يرد المستثنى مرفوعا كما في قول ~~الفرزدق: [الطويل] # وعض زمان يا ابن مروان لم يدع # من المال إلا مسحت أو مجلف # فإن قوله لم يدع في حكم لم يبق { فلما جاوزه } أي النهر { هو ~~} أي طالوت { والذين ءامنوا معه } عطف على الضمير المتصل ~~المؤكد بالمنفصل، والظرف متعلق بجاوز لا بآمنوا وقيل: الواو حالية ~~والظرف متعلق بمحذوف وقع خبرا من الموصول كأنه قيل: فلما جاوزه ~~والحال أن الذين آمنوا كائنون معه وهم أولئك القليل وفيه إشارة إلى أن ~~من عداهم بمعزل من الإيمان { قالوا } أي بعض من معه ms0368 من المؤمنين ~~لبعض { لا طاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده } أي ~~بمحاربتهم ومقاومتهم فضلا عن أن يكون لنا غلبة عليهم لما شاهدوا من ~~الكثرة والشدة، قيل: كانوا مائة ألف مقاتل شاكي السلاح { قال } ~~استئناف مبني على السؤال كأنه قيل: فماذا قال مخاطبهم؟ فقيل قال: { ~~الذين يظنون أنهم ملاقوا الله } قيل: أي الخلص ~~منهم الذين يوقنون بلقاء الله تعالى بالبعث ويتوقعون ثوابه، وإفرادهم ~~بذلك الوصف لا ينافي إيمان الباقين فإن درجات المؤمنين في التيقن ~~والتوقع متفاوتة أو الذين يعلمون أنهم يستشهدون عما قريب فيلقون ~~الله تعالى، وقيل: الموصول عبارة عن المؤمنين كافة والضمير في قالوا ~~للمنخذلين عنهم كأنهم قالوه اعتذارا عن التخلف والنهر بينهما. # { كم من فئة } أي فرقة وجماعة من الناس من فأوت رأسه إذا ~~شققتها أو من فاء إليه إذا رجع فوزنها على الأول فعة وعلى الثاني ~~فلة { قليلة غلبت فئة كثيرة } وكم خبرية كانت أو ~~استفهامية مفيدة للتكثير وهي في حيز الرفع بالابتداء خبرها غلبت أي ~~كثير من الفئات القليلة غلبت الفئات الكثيرة { بإذن الله } أي ~~بحكمه وتيسيره فإن دوران كافة الأمور على مشيئته تعالى فلا يذل من ~~نصره وإن قل عدده ولا يعز من خذله وإن كثرت أسبابه وعدده وقد ~~روعي في الجواب نكتة بديعة حيث لم يقل أطاقت بفئة كثيرة حسبما وقع ~~في كلام أصحابهم مبالغة في رد مقالتهم وتسكين قلوبهم، وهذا كما ترى ~~جواب ناشىء من كمال ثقتهم بنصر الله تعالى وتوفيقه ولا دخل في ذلك لظن ~~لقاء الله تعالى بالبعث لا سيما بالاستشهاد فإن العلم به ربما يورث ~~اليأس من الغلبة ولا لتوقع ثوابه تعالى ولا ريب في أن ما ذكر في ~~حيز الصلة ينبغي أن يكون مدارا للحكم الوارد على الموصول فلا أقل ~~من أن يكون وصفا ملائما له، فلعل المراد بلقائه تعالى لقاء نصره ~~وتأييده عبر عنه بذلك مبالغة كما عبر عن مقارنة نصره تعالى ~~لمعيته سبحانه حيث قيل: { والله مع الصبرين } فإن المراد ~~به معية نصره وتوفيقه حتما، وحملها على المعية بالإثابة ms0369 كما فعل ~~يأباه أنهم إنما قالوه تتميما لجوابهم وتأييدا له بطريق الاعتراض ~~التذييلي تشجيعا لأصحابهم وتثبيتا لهم على الصبر المؤدي إلى ~~الغلبة، ولا تعلق له بما ذكر من المعية بالإثابة قطعا وكذا الحال ~~إذا جعل ذلك ابتداء كلام من جهة الله تعالى جيء به تقريرا لكلامهم، ~~والمعنى قال الذين يظنون أو يعلمون من جهة النبي أو من جهة التابوت ~~والسكينة أنهم ملاقو نصر الله العزيز: كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة ~~بإذن الله تعالى فنحن أيضا نغلب جالوت وجنوده، وإيراد خبر أن ~~اسما مع أن اللقاء مستقبل للدلالة على تقرره وتحققه. ### || [2.250-251] # { ولما برزوا } أي ظهر طالوت ومن معه من المؤمنين وصاروا إلى ~~براز من الأرض في موطن الحرب { لجالوت وجنوده } وشاهدوا ما هم ~~عليه من العدد والعدد وأيقنوا أنهم غير مطيقين لهم عادة { قالوا } ~~أي جميعا عند تقوى قلوب الفريق الأول منهم بقول الفريق الثاني متضرعين ~~إلى الله تعالى مستعينين به { ربنا أفرغ علينا صبرا } على ~~مقاساة شدائد الحرب واقتحام موارده الصعبة الضيقة وفي التوسل بوصف ~~الربوبية المنبىء عن التبليغ إلى الكمال وإيثار الإفراغ المعرب عن ~~الكثرة وتنكير الصبر المفصح عن التفخيم من الجزالة ما لا يخفى { ~~وثبت أقدامنا } في مداحض القتال ومزال النزال وثبات القدم ~~عبارة عن كمال القوة والرسوخ عند المقارعة وعدم التزلزل وقت المقاومة ~~لا مجرد التقرر في حيز واحد { وانصرنا على القوم ~~الكفرين } بقهرهم وهزمهم، ووضع الكافرين في موضع الضمير العائد ~~إلى جالوت وجنوده للإشعار بعلة النصر عليهم، ولقد راعوا في الدعاء ~~ترتيبا بديعا حيث قدموا سؤال إفراغ الصبر الذي هو ملاك الأمر ثم ~~سؤال تثبيت القدم المتفرغ عليه ثم سؤال النصر الذي هو الغاية ~~القصوى { فهزموهم } أي كسروهم بلا مكث { بإذن الله } بنصره ~~وتأييده إجابة لدعائهم، وإيثار هذه الطريقة على طريقة قوله عز وجل: # فآتهم الله ثواب الدنيا # [آل عمران، الآية 148] الخ للمحافظة على مضمون قولهم: غلبت فئة ~~كثيرة بإذن الله { وقتل داوود جالوت } كان إيشى أبو داود في ~~عسكر طالوت معه ستة ms0370 من بنيه وكان داود عليه السلام سابعهم وكان ~~صغيرا يرعى الغنم فأوحى الله تعالى إلى نبيهم أنه الذي يقتل جالوت ~~فطلبه من أبيه فجاء، وقد مر في طريقه بثلاثة أحجار قال له كل منها: ~~احملنا فإنك بنا تقتل جالوت فحملها في مخلاته وقيل: لما أبطأ على ~~أبيه خبر إخوته في المصاف أرسل داود إليهم ليأتيه بخبرهم فأتاهم ~~وهم في القراع وقد برز جالوت بنفسه إلى البراز ولا يكاد يبارزه أحد ~~وكان ظله ميلا فقال داود لإخوته: أما فيكم من يخرج إلى هذا الأقلف ~~فزجروه فتنحى ناحية أخرى ليس فيها أخوته وقد مر به طالوت وهو يحرض ~~الناس على القتال فقال له داود: ما تصنعون بمن يقتل هذا الأقلف؟ قال ~~طالوت: أنكحه ابنتي وأعطيه شطر مملكتي فبرز له داود فرماه بما معه ~~من الأحجار بالمقلاع فأصابه في صدره فنفذت الأحجار منه وقتلت بعده ~~ناسا كثيرين. وقيل: إنما كلمته الأحجار عند بروزه لجالوت في المعركة ~~فأنجز له طالوت ما وعده وقيل: إنه حسده وأخرجه من مملكته ثم ندم على ما ~~صنعه فذهب يطلبه إلى أن قتل، وملك داود عليه السلام وأعطي النبوة ~~وذلك قوله تعالى: { وآته الله الملك } أي ملك بني إسرائيل ~~في مشارق الأرض المقدسة ومغاربها { والحكمة } أي النبوة ولم ~~يجتمع في بني إسرائيل الملك والنبوة قبله إلا له بل كان الملك في ~~سبط والنبوة في سبط آخر وما اجتمعوا قبله على ملك قط { وعلمه ~~مما يشاء } أي مما يشاء الله تعالى تعليمه إياه لا مما يشاء داود ~~عليه السلام كما قيل لأن معظم ما علمه تعالى إياه مما لا يكاد يخطر ببال ~~أحد ولا يقع في أمنية بشر ليتمكن من طلبه ومشيئته كالسرد بإلانة ~~الحديد ومنطق الطير والدواب ونحو ذلك من الأمور الخفية. # { ولولا دفع الله الناس بعضهم } الذين يباشرون الشر ~~والفساد { ببعض } آخر منهم بردهم عما هم عليه بما قدر الله تعالى ~~من القتل كما في القصة المحكية أو غيره، وقرىء دفاع الله على أن صيغة ~~المغالبة للمبالغة { لفسدت ms0371 الأرض } وبطلت منافعها وتعطلت ~~مصالحها من الحرث والنسل وسائر ما يعمر الأرض ويصلحها. وقيل: لولا ~~أن الله ينصر المسلمين على الكافرين لفسدت الأرض بعيثهم وقتلهم ~~المسلمين أو لو يدفعهم بالمسلمين لعم الكفر ونزلت السخطة فاستؤصل أهل ~~الأرض قاطبة { ولكن الله ذو فضل } عظيم لا يقادر قدره { ~~على العلمين } كافة وهذا إشارة إلى قياس استثنائي مؤلف من ~~وضع نقيض المقدم المنتج لنقيض التالي خلا أنه قد وضع موضعه ما ~~يستتبعه ويستوجبه أعني كونه تعالى ذا فضل على العالمين إيذانا بأنه ~~تعالى متفضل في ذلك الدفع من غير أن يجب عليه ذلك وأن فضله تعالى ~~غير منحصر فيه بل هو فرد من أفراد فضله العظيم، كأنه قيل: ولكنه ~~تعالى يدفع فساد بعضهم ببعض فلا تفسد الأرض وتنتظم به مصالح ~~العالم وتنصلح أحوال الأمم. ### || [2.252-253] # { تلك } إشارة إلى ما سلف من حديث الألوف وخبر طالوت على التفصيل ~~المرقوم، وما فيه من معنى البعد للإيذان بعلو شأن المشار إليه { آيات ~~الله } المنزلة من عنده تعالى، والجملة مستأنفة، وقوله تعالى: { ~~نتلوها عليك } أي بواسطة جبريل عليه السلام إما حال من الآيات ~~والعامل معنى الإشارة وإما جملة مستقلة لا محل لها من الإعراب { ~~بالحق } في حيز النصب على أنه حال من مفعول نتلوها أي ملتبسة ~~باليقين الذي لا يرتاب فيه أحد من أهل الكتاب وأرباب التواريخ لما ~~يجدونها موافقة لما في كتبهم، أو من فاعله أي نتلوها عليك ملتبسين ~~بالحق والصواب، أو من الضمير المجرور أي ملتبسا بالحق والصدق { ~~وإنك لمن المرسلين } أي من جملة الذين أرسلوا إلى الأمم ~~لتبليغ رسالاتنا وإجراء أوامرنا وأحكامنا عليهم فإن هذه المعاملة لا ~~تجري بيننا وبين غيرهم فهي شهادة منه سبحانه برسالته عليه الصلاة ~~والسلام إثر بيان ما يستوجبها، والتأكيد من مقتضيات مقام الجاحدين ~~بها. # { تلك الرسل } استئناف فيه رمز إلى أنه عليه الصلاة والسلام من ~~أفاضل الرسل العظام عليهم الصلاة والسلام إثر بيان كونه من جملتهم ~~والإشارة إلى الجماعة الذين من جملتهم النبي صلى الله عليه وسلم، ~~فاللام في ms0372 المآل للاستغراق وما فيه من معنى البعد للإيذان بعلو طبقتهم ~~وبعد منزلتهم وقيل: إلى الذين ذكرت قصصهم في السورة وقيل: إلى الذين ~~ثبت علمه صلى الله عليه وسلم بهم { فضلنا بعضهم على بعض ~~} في مراتب الكمال بأن خصصناه حسبما تقتضيه مشيئتنا بمآثر جليلة ~~خلا عنها غيره { منهم من كلم الله } تفصيل للتفصيل ~~المذكور إجمالا أي فضله بأن كلمه تعالى بغير سفير وهو موسى عليه ~~الصلاة والسلام حيث كلمه تعالى ليلة الخيرة وفي الطور وقرىء { ~~كلم الله } [البقرة، الآية 253] بالنصب وقرىء كالم الله من ~~المكالمة فإنه كلم الله تعالى كما أنه تعالى كلمه، ويؤيده كليم الله ~~بمعنى مكالمه، وإيراد الاسم الجليل بطريق الالتفات لتربية المهابة، ~~والرمز إلى ما بين التكليم والرفع وبين ما سبق من مطلق التفضيل وما ~~ألحق من إيتاء البينات والتأييد بروح القدس من التفاوت { ورفع ~~بعضهم درجت } أي ومنهم من رفعه على غيره من الرسل المتفاوتين ~~في معارج الفضل بدرجات قاصية ومراتب نائية، وتغيير الأسلوب لتربية ~~ما بينهم من اختلاف الحال في درجات الشرف، والظاهر أنه رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم كما ينبىء عنه الإخبار بكونه عليه الصلاة والسلام ~~منهم فإن ذلك في قوة بعضهم فإنه قد خص بالدعوة العامة والحجج الجمة ~~والمعجزات المستمرة والآيات المتعاقبة بتعاقب الدهور والفضائل ~~العلمية والعملية الفائتة للحصر، والإبهام لتفخيم شأنه وللإشعار بأنه ~~العلم الفرد الغني عن التعيين وقيل: إنه إبراهيم عليه الصلاة ~~والسلام حيث خصه تعالى بكرامة الخلة وقيل: إدريس عليه السلام حيث رفعه ~~مكانا عليا وقيل: أولو العزم من الرسل عليهم الصلاة والسلام. # { وآتينا عيسى ابن مريم البينات } الآيات الباهرة والمعجزات ~~الظاهرة من إحياء الموتى وإبراء الأكمة والأبرص والإخبار بالمغيبات، ~~أو الإنجيل { وأيدنه } أي قويناه { بروح القدس } بضم ~~الدال وقرىء بسكونها أي بالروح المقدسة كقولك: رجل صدق وهي روح عيسى ~~وإنما وصفت بالقدس للكرامة أو لأنه عليه السلام لم تضمه الأصلاب ~~والأرحام الطوامث وقيل: بجبريل وقيل: بالإنجيل كما مر، وإفراده عليه ~~السلام بما ذكر لرد ما بين أهل الكتابين في ms0373 شأنه عليه السلام من ~~التفريط والإفراط، والآية ناطقة بأن الأنبياء عليهم السلام متفاوتة ~~الأقدار، فيجوز تفضيل بعضهم على بعض ولكن بقاطع { ولو شاء الله ~~ما اقتتل الذين من بعدهم } أي جاءوا من بعد الرسل من ~~الأمم المختلفة أي لو شاء الله عدم اقتتالهم ما اقتتلوا بأن جعلهم ~~متفقين على اتباع الرسل المتفقة على كلمة الحق فمفعول المشيئة ~~محذوف لكونه مضمون الجزاء على القاعدة المعروفة وقيل: تقديره ولو شاء ~~هدى الناس جميعا ما اقتتل الخ وليس بذاك { من بعد ما جاءتهم } ~~من جهة أولئك الرسل { البينت } المعجزات الواضحة والآيات ~~الظاهرة الدالة على حقية الحق الموجبة لاتباعهم، الزاجرة عن الإعراض ~~عن سننهم المؤدي إلى الاقتتال (فمن) متعلقة باقتتل { ولكن ~~اختلفوا } استدراك من الشرطية أشير به إلى قياس استثنائي مؤلف من ~~وضع نقيض مقدمها المنتج لنقيض تاليها إلا أنه قد وضع فيه الاختلاف ~~موضع نقيض المقدم المترتب عليه للإيذان بأن الاقتتال ناشىء من قبلهم ~~لا من جهته تعالى ابتداء كأنه قيل: ولكن لم يشأ عدم اقتتالهم لأنهم ~~اختلفوا اختلافا فاحشا { فمنهم من ءامن } بما جاءت به أولئك ~~الرسل من البينات وعملوا به { ومنهم من كفر } بذلك كفرا لا ~~ارعواء له عنه فاقتضت الحكمة عدم مشيئته تعالى لعدم اقتتالهم ~~فاقتتلوا بموجب اقتضاء أحوالهم { ولو شاء الله } عدم اقتتالهم ~~بعد هذه المرتبة أيضا من الاختلاف والشقاق المستتبعين للاقتتال بحسب ~~العادة { ما اقتتلوا } وما نبض منهم عرق التطاول والتعادي لما ~~أن الكل تحت ملكوته تعالى، فالتكرير ليس للتأكيد كما ظن بل للتنبيه ~~على أن اختلافهم ذلك ليس موجبا لعدم مشيئته تعالى لعدم اقتتالهم كما ~~يفهم ذلك من وضعه في الاستدراك موضعه بل هو سبحانه مختار في ذلك حتى لو ~~شاء بعد ذلك عدم اقتتالهم ما اقتتلوا كما يفصح عنه الاستدراك بقوله عز ~~وجل: { ولكن الله يفعل ما يريد } أي من الأمور ~~الوجودية والعدمية التي من جملتها عدم مشيئته عدم اقتتالهم فإن الترك ~~أيضا من جملة الأفعال أي يفعل ما يريد حسبما يريد من غير أن يوجبه ms0374 عليه ~~موجب أو يمنعه منه مانع وفيه دليل بين على أن الحوادث تابعة لمشيئته ~~سبحانه خيرا كان أو شرا إيمانا كان أو كفرا. ### || [2.254-255] # { يأيها الذين ءامنوا أنفقوا } في سبيل الله { مما ~~رزقنكم } أي شيئا مما رزقناكموه على أن (ما) موصولة حذف ~~عائدها، والتعرض لوصوله منه تعالى للحث على الإنفاق كما في قوله تعالى: # وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه # [الحديد، الآية 7] والمراد به الإنفاق الواجب بدلالة ما بعده من ~~الوعيد { من قبل أن يأتى يوم لا بيع فيه ولا ~~خلة ولا شفعة } كلمة (من) متعلقة بما تعلقت به أختها ولا ~~ضير فيه لاختلاف معنييهما فإن الأولى تبعيضية وهذه لابتداء الغاية أي ~~أنفقوا بعض ما رزقناكم من قبل أن يأتي يوم لا تقدرون على تلافي ما ~~فرطتم فيه إذ لا تبايع فيه حتى تتبايعوا ما تنفقونه أو تفتدون به من ~~العذاب ولا خلة حتى يسامحكم به أخلاؤكم أو يعينوكم عليه ولا شفاعة ~~إلا لمن أذن له الرحمن ورضي له قولا حتى تتوسلوا بشفعاء يشفعون ~~لكم في حط ما في ذمتكم، وإنما رفعت الثلاثة مع قصد التعميم لأنها في ~~التقدير جواب هل فيه بيع أو خلة أو شفاعة وقرىء بفتح الكل { ~~والكفرون } أي والتاركون للزكاة، وإيثاره عليه للتغليظ والتهديد ~~كما في قوله تعالى: # ومن كفر # [آل عمران: 97، النور: 55، النمل: 40، لقمان: 12، 23] مكان ومن لم ~~يحج وللإيذان بأن ترك الزكاة من صفات الكفار قال تعالى: # وويل للمشركين * الذين لا يؤتون الزكوة # [فصلت، الآية: 6 و7] { هم الظلمون } أي الذين ظلموا أنفسهم ~~بتعريضها للعقاب ووضعوا المال في غير موضعه وصرفوه إلى غير وجهه { ~~الله لا إله إلا هو } مبتدأ وخبر أي هو المستحق ~~للمعبودية لا غير، وفي إضمار خبر لا مثل في الوجود أو يصح أن يوجد - ~~خلاف للنحاة معروف { الحى } الباقي الذي لا سبيل عليه للموت ~~والفناء، وهو إما خبر ثان أو خبر مبتدأ محذوف أو بدل من لا إله إلا ~~هو، أو بدل من الله أو صفة له، ويعضده القراءة بالنصب على المدح ms0375 ~~لاختصاصه بالنعت { القيوم } فيعول، من قام بالأمر إذا حفظه أي ~~دائم القيام بتدبير الخلق وحفظه، وقيل: هو القائم بذاته المقيم لغيره ~~{ لا تأخذه سنة ولا نوم } السنة ما يتقدم النوم من ~~الفتور قال عدي بن الرقاع العاملي: [الكامل] # وسنان أقصده النعاس فرنقت # في عينه سنة وليس بنائم # والنوم حالة تعرض للحيوان من استرخاء أعصاب الدماغ من رطوبات ~~الأبخرة المتصاعدة بحيث تقف المشاعر الظاهرة عن الإحساس رأسا ~~والمراد بيان انتفاء اعتراء شيء منهما له سبحانه لعدم كونهما من ~~شأنه تعالى لا لأنهما قاصران بالنسبة إلى القوة الإلهية فإنه بمعزل من ~~مقام التنزيه فلا سبيل إلى حمل النظم الكريم على طريقة المبالغة ~~والترقي بناء على أن القادر على دفع السنة قد لا يقدر على دفع النوم ~~القوي كما في قولك: فلان يقظ لا تغلبه سنة ولا نوم وإنما تأخير ~~النوم للمحافظة على ترتيب الوجود الخارجي، وتوسيط كلمة لا للتنصيص على ~~شمول النفي لكل منهما كما في قوله عز وجل: # ولا ينفقون نفقة صغيرة ولا كبيرة # [التوبة، الآية: 121] وأما التعبير عن عدم الاعتراء والعروض بعدم ~~الأخذ فلمراعاة الواقع إذ عروض السنة والنوم لمعروضهما إنما يكون ~~بطريق الأخذ والاستيلاء، وقيل: هو من باب التكميل، والجملة تأكيد لما ~~قبلها من كونه تعالى حيا قيوما فإن من يعتريه أحدهما يكون موقوف ~~الحياة قاصرا في الحفظ والتدبير وقيل: استئناف مؤكد لما سبق وقيل: ~~حال مؤكدة من الضمير المستكن في القيوم { له ما في ~~السموات وما في الأرض } تقرير لقيوميته تعالى واحتجاج به ~~على تفرده في الألوهية، والمراد بما فيهما ما هو أعم من أجزائهما ~~الداخلة فيهما ومن الأمور الخارجة عنهما المتمكنة فيهما من العقلاء ~~وغيرهم. # { من ذا الذى يشفع عنده إلا بإذنه } بيان لكبرياء ~~شأنه وأنه لا يدانيه أحد ليقدر على تغيير ما يريده شفاعة وضراعة ~~فضلا عن أن يدافعه عنادا أو مناصبة { يعلم ما بين ~~أيديهم وما خلفهم } أي ما قبلهم وما بعدهم أو بالعكس لأنك ~~مستقبل المستقبل ومستدبر الماضي، أو أمور الدنيا أو أمور الآخرة ms0376 ~~أو بالعكس أو ما يحسونه، وما يعقلونه أو ما يدركونه وما لا يدركونه، ~~والضمير لما في السموات والأرض بتغليب ما فيهما من العقلاء على غيرهم ~~أو لما دل عليه من ذا الذي من الملائكة والأنبياء عليهم الصلاة والسلام ~~{ ولا يحيطون بشيء من علمه } أي من معلوماته { إلا ~~بما شاء } أن يعلموه، وعطفه على ما قبله لما أنهما جميعا دليل على ~~تفرده تعالى بالعلم الذاتي التام الدال على وحدانيته { وسع ~~كرسيه السموات والأرض } الكرسي ما يجلس عليه ولا ~~يفضل عن مقعد القاعد، وكأنه منسوب إلى الكرس الذي هو الملبد، ~~وليس ثمة كرسي ولا قاعد ولا قعود وإنما هو تمثيل لعظمة شأنه عز ~~وجل وسعة سلطانه وإحاطة علمه بالأشياء قاطبة على طريقة قوله عز ~~قائلا: # وما قدروا الله حق قدره والأرض جميعا ~~قبضته يوم القيمة والسموت مطويت ~~بيمينه # [الزمر، الآية 67] وقيل: كرسيه مجاز عن علمه أخذا من كرسي ~~العالم وقيل: عن ملكه أخذا من كرسي الملك فإن الكرسي كلما كان ~~أعظم تكون عظمة القاعد أكثر وأوفر فعبر عن شمول علمه أو بسطة ملكه ~~وسلطانه بسعة كرسيه وإحاطته بالأقطار العلوية والسفلية وقيل: هو ~~جسم بين يدي العرش محيط بالسموات السبع لقوله صلى الله عليه وسلم: # " ما السموات السبع والأرضون السبع مع الكرسي إلا كحلقة في فلاة ~~وفضل العرش على الكرسي كفضل تلك الفلاة على تلك الحلقة " # ولعله الفلك الثامن، وعن الحسن البصري أنه العرش. # { ولا يؤوده } أي لا يثقله ولا يشق عليه { حفظهما } أي ~~حفظ السموات والأرض وإنما لم يتعرض لذكر ما فيهما لما أن حفظهما ~~مستتبع لحفظه { وهو العلى } المتعالي بذاته عن الأشباه والأنداد ~~{ العظيم } الذي يستحقر بالنسبة إليه كل ما سواه ولما ترى من ~~انطواء هذه الآية الكريمة على أمهات المسائل الإلهية المتعلقة بالذات ~~العلية والصفات الجلية فإنها ناطقة بأنه تعالى موجود متفرد ~~بالإلهية متصف بالحياة واجب الوجود لذاته موجد لغيره لما أن القيوم ~~هو القائم بذاته المقيم لغيره منزه عن التحيز والحلول مبرأ عن ~~التغير والفتور، لا مناسبة بينه وبين ms0377 الأشباح ولا يعتريه ما يعتري ~~النفوس والأرواح مالك الملك والملكوت ومبدع الأصول والفروع، ذو ~~البطش الشديد لا يشفع عنده إلا من أذن له فيه، العالم وحده بجميع ~~الأشياء جليها وخفيها كليها وجزئيها واسع الملك والقدرة لكل ما ~~من شأنه أن يملك ويقدر عليه لا يشق عليه شاق ولا يشغله شأن ~~عن شأن، متعال عما تناله الأوهام، عظيم لا تحدق به الأفهام، تفردت ~~بفضائل رائقة وخواص فائقة خلت عنها أخواتها قال صلى الله عليه وسلم: # " إن أعظم آية في القرآن آية الكرسي. من قرأها بعث الله تعالى ملكا ~~يكتب من حسناته ويمحو من سيئاته إلى الغد من تلك الساعة " # وقال عليه الصلاة والسلام: # " ما قرئت هذه الآية في دار إلا هجرتها الشياطين ثلاثين يوما ولا ~~يدخلها ساحر ولا ساحرة أربعين ليلة " # وقال: # " يا علي علمها ولدك وأهلك وجيرانك فما نزلت آية أعظم منها " # وقال عليه السلام: # " من قرأ آية الكرسي في دبر كل صلاة مكتوبة لم يمنعه من ~~دخول الجنة إلا الموت ولا يواظب عليها إلا صديق أو عابد ومن قرأها ~~إذا أخذ مضجعه أمنه الله تعالى على نفسه وجاره، وجار جاره، ~~والأبيات حوله " # وقال عليه الصلاة والسلام: # " سيد البشر آدم وسيد العرب محمد ولا فخر وسيد الفرس سلمان ~~وسيد الروم صهيب وسيد الحبشة بلال وسيد الجبال الطور وسيد ~~الأيام يوم الجمعة وسيد القرآن سورة البقرة وسيد البقرة آية ~~الكرسي " # وتخصيص سيادته صلى الله عليه وسلم للعرب بالذكر في أثناء تعداد ~~السيادات الخاصة لا يدل على نفي ما دلت عليه الأخبار المستفيضة وانعقد ~~عليه الإجماع من سيادته عليه السلام لجميع أفراد البشر. ### || [2.256] # { لا إكراه فى الدين } جملة مستأنفة جيء بها إثر بيان ~~تفرده سبحانه وتعالى بالشؤون الجليلة الموجبة للإيمان به وحده ~~إيذانا بأن من حق العاقل ألا يحتاج إلى التكليف والإلزام بل يختار ~~الدين الحق من غير تردد وتلعثم وقيل: هو خبر في معنى النهي أي لا ~~تكرهوا في الدين فقيل: منسوخ بقوله تعالى: # جهد الكفر والمنفقين واغلظ عليهم # [التوبة: ms0378 73، التحريم: 9] وقيل: خاص بأهل الكتاب حيث حصنوا أنفسهم ~~بأداء الجزية وروي أنه كان لأنصاري من بني سالم بن عوف ابنان قد ~~تنصرا قبل مبعثه عليه السلام ثم قدما المدينة فلزمهما أبوهما وقال: ~~والله لا أدعكما حتى تسلما فأبيا فاختصموا إلى رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فنزلت فخلاهما { قد تبين الرشد من الغي } ~~استئناف تعليلي صدر بكلمة التحقيق لزيادة تقرير مضمونه كما في قوله ~~عز وجل: # قد بلغت من لدنى عذرا # [الكهف، الآية 76] أي إذ قد تبين بما ذكر من نعوته تعالى التي يمتنع ~~توهم اشتراك غيره في شيء منها الإيمان الذي هو الرشد الموصل إلى ~~السعادة الأبدية من الكفر الذي هو الغي المؤدي إلى الشقاوة السرمدية { ~~فمن يكفر بالطغوت } هو بناء مبالغة من الطغيان كالملكوت ~~والجبروت قلب مكان عينه ولامه فقيل: هو في الأصل مصدر وإليه ذهب ~~الفارسي وقيل: اسم جنس مفرد مذكر، وإنما الجمع والتأنيث لإرادة ~~الآلهة وهو رأي سيبويه، وقيل: هو جمع وهو مذهب المبرد وقيل: يستوي ~~فيه المفرد والجمع والتذكير والتأنيث أي فمن يعمل إثر ما تميز ~~الحق من الباطل بموجب الحجج الواضحة والآيات البينة ويكفر ~~بالشيطان أو بالأصنام أو بكل ما عبد من دون الله تعالى أو صد عن ~~عبادته سبحانه تعالى لما تبين له كونه بمعزل من استحقاق العبادة { ~~ويؤمن بالله } وحده لما شاهد من نعوته الجليلة المقتضية ~~لاختصاص الألوهية به عز وجل الموجبة للإيمان والتوحيد، وتقديم الكفر ~~بالطاغوت على الإيمان به تعالى لتوقفه عليه فإن التخلية متقدمة على ~~التحلية { فقد استمسك بالعروة الوثقى } أي بالغ في ~~التمسك بها كأنه وهو ملتبس به يطلب من نفسه الزيادة فيه والثبات ~~عليه { لا انفصام لها } الفصم الكسر بغير صوت كما أن القصم هو ~~الكسر بصوت، ونفي الأول يدل على انتفاء الثاني بالأولوية، والجملة ~~إما استئناف مقرر لما قبلها من وثاقة العروة وإما حال من العروة ~~والعامل استمسك أو من الضمير المستتر في الوثقى ولها في حيز الخبر، أي ~~كائن لها والكلام تمثيل مبني على تشبيه الهيئة ms0379 العقلية المنتزعة ~~من ملازمة الاعتقاد الحق الذي لا يحتمل النقيض أصلا لثبوته ~~بالبراهين النيرة القطعية بالهيئة الحسية المنتزعه من التمسك ~~بالحبل المحكم المأمون انقطاعه فلا استعارة في المفردات ويجوز أن ~~تكون العروة الوثقى مستعارة للاعتقاد الحق الذي هو الإيمان ~~والتوحيد لا للنظر الصحيح المؤدي إليه كما قيل فإنه غير مذكور في حيز ~~الشرط، والاستمساك بها مستعارا لما ذكر من الملازمة أو ترشيحا ~~للاستعارة الأولى { والله سميع } بالأقوال { عليم } بالعزائم ~~والعقائد، والجملة اعتراض تذييلي حامل على الإيمان رادع عن الكفر ~~والنفاق بما فيه من الوعد والوعيد. ### || [2.257] # { الله ولي الذين ءامنوا } أي معينهم أو متولي أمورهم، ~~والمراد بهم الذين ثبت ففي علمه تعالى إيمانهم في الجملة مآلا أو ~~حالا { يخرجهم } تفسير للولاية أو خبر ثان عند من يجوز كونه ~~جملة أو حال من الضمير في ولي { من الظلمت } التي هي أعم من ~~ظلمات الكفر والمعاصي وظلمات الشبه بل مما في بعض مراتب العلوم ~~الاستدلالية من نوع ضعف وخفاء بالقياس إلى مراتبها القوية الجلية بل ~~مما في جميع مراتبها بالنظر إلى مرتبة العيان كما ستعرفه { إلى ~~النور } الذي يعم نور الإيمان ونور الإيقان بمراتبه ونور ~~العيان، أي يخرج بهدايته وتوفيقه كل واحد منهم من الظلمة التي وقع ~~فيها إلى ما يقابلها من النور، وإفراد النور لتوحيد الحق كما أن جمع ~~الظلمات لتعدد فنون الضلال { والذين كفروا } أي الذين ثبت في ~~علمه تعالى كفرهم { أولياؤهم الطغوت } أي الشياطين وسائر ~~المضلين عن طريق الحق فالموصول مبتدأ وأولياؤهم مبتدأ ثان والطاغوت ~~خبره والجملة خبر للأول والجملة الحاصلة معطوفة على ما قبلها، ولعل ~~تغيير السبك للاحتراز عن وضع الطاغوت في مقابلة الاسم الجليل ولقصد ~~المبالغة بتكرير الإسناد مع الإيماء إلى التباين بين الفريقين من كل ~~وجه حتى من جهة التعبير أيضا { يخرجونهم } بالوساوس وغيرها من ~~طرق الإضلال والإغواء { من النور } الفطري الذي جبل عليه الناس ~~كافة أو من نور البينات التي يشاهدونها من جهة النبي صلى الله عليه ~~وسلم بتنزيل تمكنهم من الاستضاءة بها منزلة نفسها ms0380 { إلى ~~الظلمت } ظلمات الكفر والانهماك في الغل وقيل: نزلت في قوم ~~ارتدوا عن الإسلام والجملة تفسير لولاية الطاغوت أو خبر ثان كما مر ~~وإسناد الإخراج من حيث السببية إلى الطاغوت لا يقدح في استناده من ~~حيث الخلق إلى قدرته سبحانه { أولئك } إشارة إلى الموصول ~~باعتبار اتصافه بما في حيز الصلة وما يتبعه من القبائح { أصحب ~~النار } أي ملابسوها وملازموها بسبب ما لهم من الجرائم { هم فيها ~~خلدون } ماكثون أبدا. ### || [2.258] # { ألم تر إلى الذى حاج إبرهيم فى ربه } استشهاد ~~على ما ذكر من أن الكفرة أولياؤهم الطاغوت وتقرير له على طريقة قوله ~~تعالى: # ألم تر أنهم فى كل واد يهيمون # [الشعراء، الآية 225] كما أن ما بعده استشهاد على ولايته تعالى للمؤمنين ~~وتقرير لها وإنما بدىء بهذا لرعاية الاقتران بينه وبين مدلوله ~~ولاستقلاله بأمر عجيب حقيق بأن يصدر به المقال وهو اجتراؤه على ~~المحاجة في الله عز وجل وما أتى بها في أثنائها من العظيمة المنادية ~~بكمال حماقته ولأن فيما بعده تعددا وتفصيلا يورث تقديمه انتشار النظم ~~على أنه قد أشير في تضاعيفه إلى هداية الله تعالى أيضا بواسطة إبراهيم ~~عليه السلام فإن يحكى عنه من الدعوة إلى الحق وإدحاض حجة الكافر من ~~آثار ولايته تعالى، وهمزة الاستفهام لإنكار النفي وتقرير المنفي أي ~~ألم تنظر أو ألم ينته علمك إلى هذا الطاغوت المارد كيف تصدى لإضلال ~~الناس وإخراجهم من النور إلى الظلمات أي قد تحققت الرؤية وتقررت بناء ~~على أن أمره من الظهور بحيث لا يكاد يخفى على أحد ممن له حظ من الخطاب ~~فظهر أن الكفرة أولياؤهم الطاغوت وفي التعرض لعنوان الربوبية مع ~~الإضافة إلى ضميره عليه السلام تشريف له وإيذان بتأييده في المحاجة { ~~أن آته الله الملك } أي لاءن آتاه إياه حيث أبطره ذلك ~~وحمله على المحاجة أو حاجه لأجله وضعا للمحاجة التي هي أقبح وجوه ~~الكفر موضع ما يجب عليه من الشكر كما يقال: عاديتني لاءن أحسنت ~~إليك، أو وقت أن آتاه الله الملك وهو حجة على من ms0381 منع إيتاء الله ~~الملك للكافر. # { إذ قال إبرهيم } ظرف لحاج أو بدل من آتاه على الوجه ~~الأخير { ربي الذى يحى ويميت } بفتح ياء ربي وقرىء بحذفها. ~~روي أنه عليه الصلاة والسلام لما كسر الأصنام سجنه ثم أخرجه فقال: من ~~ربك الذي تدعو إليه؟ قال: " ربي الذي يحيي ويميت " أي يخلق الحياة ~~والموت في الأجساد { قال } استئناف مبني على السؤال كأنه قيل: كيف ~~حاجه في هذه المقالة القوية الحقة؟ فقيل قال: { أنا أحيى وأميت } روي ~~أنه دعا برجلين فقتل أحدهما وأطلق الآخر فقال ذلك { قال إبرهيم } ~~استئناف كما سلف كأنه قيل: فماذا قال إبراهيم لمن في هذه المرتبة من ~~الحماقة وبماذا أفحمه؟ فقيل قال: { فإن الله يأتى بالشمس ~~من المشرق } حسبما تقتضيه مشيئته { فأت بها من ~~المغرب } إن كنت قادرا على مثل مقدوراته تعالى فلم يلتفت عليه ~~السلام إلى إبطال مقالة اللعين إيذانا بأن بطلانها من الجلاء والظهور ~~بحيث لا يكاد يخفى على أحد وأن التصدي لإبطالها من قبيل السعي في تحصيل ~~الحاصل وأتى بمثال لا يجد اللعين فيه مجالا للتمويه والتلبيس { ~~فبهت الذى كفر } أي صار مبهوتا وقرىء على بناء الفاعل على أن ~~الموصول مفعوله أي فغلب إبراهيم الكافر وأسكته، وإيراد الكفر في حيز ~~الصلة للإشعار بعلة الحكم والتنصيص على كون المحاجة كفرا { والله ~~لا يهدى القوم الظلمين } تذييل مقرر لمضمون ما قبله ~~أي لا يهدي الذين ظلموا أنفسهم بتعريضها للعذاب المخلد بسبب إعراضهم عن ~~قبول الهداية إلى مناهج الاستدلال أو إلى سبيل النجاة أو إلى طريق ~~الجنة يوم القيامة. ### || [2.259] # { أو كالذى مر على قرية } استشهاد على ما ذكر من ~~ولايته تعالى للمؤمنين وتقرير له معطوف على الموصول السابق، وإيثار أو ~~الفارقة على الواو الجامعة للاحتراز عن توهم اتحاد المستشهد عليه من ~~أول الأمر والكاف إما اسمية كما اختاره قوم جيء بها للتنبيه على تعدد ~~الشواهد وعدم انحصارها فيما ذكر كما في قولك: الفعل الماضي مثل نصر ~~وإما زائدة كما ارتضاه آخرون، والمعنى أو لم تر إلى مثل الذي ms0382 أو ~~إلى الذي مر على قرية كيف هداه الله تعالى وأخرجه من ظلمة الاشتباه ~~إلى نور العيان والشهود، أي قد رأيت ذلك وشاهدته فإذن لا ريب في أن ~~الله ولي الذين آمنوا الخ. هذا وأما جعل الهمزة لمجرد التعجيب على ~~أن يكون المعنى في الأول ألم تنظر إلى الذي حاج الخ أي انظر إليه ~~وتعجب من أمره وفي الثاني أو أرأيت مثل الذي مر الخ إيذانا بأن ~~حاله وما جرى عليه في الغرابة بحيث لا يرى له مثل كما استقر عليه ~~رأي الجمهور فغير خليق بجزالة التنزيل وفخامة شأنه الجليل، فتدبر. ~~والمار هو عزير بن شرخيا قاله: قتادة والربيع وعكرمة وناجية ~~بن كعب وسليمان بن يزيد والضحاك والسدي رضي الله عنهم وقيل: هو أرميا بن ~~حلقيا من سبط هارون عليه السلام قاله: وهب وعبيد الله بن عمير ~~وقيل: أرميا هو الخضر بعينه قال مجاهد كان المار رجلا كافرا ~~بالبعث، وهو بعيد، والقرية بيت المقدس قاله: وهب وعكرمة والربيع، ~~وقيل: هي دير هرقل على شط دجلة وقال الكلبي: هي دير سابر آباد ~~وقال السدي: هي دير سلما باد والأول هو الأظهر والأشهر. # روي أن بني إسرائيل لما بالغوا في تعاطي الشر والفساد وجاوزوا في ~~العتو والطغيان كل حد معتاد سلط الله تعالى عليهم بخت نصر ~~البابلي فسار إليهم في ستمائة ألف راية حتى وطىء الشام وخرب ~~بيت المقدس وجعل بني إسرائيل أثلاثا ثلث منهم قتلهم وثلث منهم ~~أسكنهم بالشام وثلث منهم سباهم وكانوا مائة ألف غلام يافع وغير يافع ~~فقسمهم بين الملوك الذين كانوا معه فأصاب كل ملك منهم أربعة غلمة وكان ~~عزير من جملتهم فلما نجاه الله تعالى منهم بعد حين مر بحماره على بيت ~~المقدس فرآه على أفظع مرأى وأوحش منظر وذلك قوله عز وجل: { وهى ~~خاوية على عروشها } أي ساقطة على سقوفها بأن سقطت العروش ثم ~~الحيطان من خوى البيت إذا سقط أو من خوت الأرض أي تهدمت والجملة ~~حال من ضمير { مر } أو من { قرية } [البقرة، الآية ms0383 259] عند من ~~يجوز الحال من النكرة مطلقا { قال } أي تلهفا عليها وتشوقا إلى ~~عمارتها مع استشعار اليأس عنها { أنى يحيى هذه الله } وهي على ما ~~يرى من الحالة العجيبة المباينة للحياة، وتقديمها على الفاعل للاعتناء ~~بها من حيث أن الاستبعاد ناشىء من جهتها لا من جهة الفاعل وأنى نصب على ~~الظرفية إن كانت بمعنى متى، وعلى الحالية من هذه إن كانت بمعنى كيف ~~والعامل يحيي وأيا ما كان فالمراد استبعاد عمارتها بالبناء والسكان ~~من بقايا أهلها الذين تفرقوا أيدي سبا ومن غيرهم، وإنما عبر عنها ~~بالإحياء الذي هم علم في البعد عن الوقوع عادة تهويلا للخطب وتأكيدا ~~للاستبعاد كما أنه لأجله عبر عن خرابها بالموت حيث قيل: { بعد ~~موتها } وحيث كان هذا التعبير معربا عن استبعاد الإحياء بعد ~~الموت على أبلغ وجه وآكده أراه الله عز وجل آثر ذي أثير أبعد ~~الأمرين في نفسه ثم في غيره ثم أراه ما استبعده صريحا مبالغة في إزاحة ~~ما عسى يختلج في خلده، وأما حمل إحيائها على إحياء أهلها فيأباه ~~التعرض لحال القرية دون حالهم والاقتصار على ذكر موتهم دون كونهم ~~ترابا وعظاما مع كونه أدخل في الاستبعاد لشدة مباينته للحياة وغاية ~~بعده عن قبولها على أنه لم تتعلق إرادته تعالى بإحيائهم كما تعلقت ~~بعمارتها ومعاينة المار لها كما ستحيط به خبرا. # { فأماته الله } وألبثه على الموت { مائة عام } روي أنه ~~لما دخل القرية ربط حماره فطاف بها ولم ير بها أحدا فقال ما قال، ~~وكانت أشجارها قد أثمرت فتناول من التين والعنب وشرب من عصيره ونام ~~فأماته الله تعالى في منامه وهو شاب وأمات حماره وبقية تينه وعنبه ~~وعصيره عنده ثم أعمى الله تعالى عنه عيون المخلوقات فلم يره أحد ~~فلما مضى من موته سبعون سنة وجه الله عز وعلا ملكا عظيما من ملوك ~~فارس يقال له يوشك إلى بيت المقدس ليعمره ومعه ألف قهرمان مع ~~كل قهرمان ثلثمائة ألف عامل فجعلوا يعمرونه وأهلك الله تعالى بخت ~~نصر ببعوضة دخلت دماغه ونجى ms0384 الله تعالى من بقي من بني إسرائيل ~~وردهم إلى بيت المقدس وتراجع إليه من تفرق منهم في الأكناف فعمروه ~~ثلاثين سنة وكثروا وكانوا كأحسن ما كانوا عليه فلما تمت المائة من ~~موت عزير أحياه الله تعالى وذلك قوله تعالى: { ثم بعثه } ~~وإيثاره على أحياه للدلالة على سرعته وسهولة تأتيه على البارىء تعالى ~~كأنه بعثه من النوم وللإيذان بأنه أعاده كهيئته يوم موته عاقلا فاهما ~~مستعدا للنظر والاستدلال، { قال } استئناف مبني على السؤال كأنه قيل: ~~فماذا قال له بعد بعثه؟ فقيل: قال: { كم لبثت } ليظهر له عجزه ~~عن الإحاطة بشؤونه تعالى وأن إحياءه ليس بعد مدة يسيرة ربما يتوهم ~~أنه هين في الجملة بل بعد مدة طويلة وينحسم به مادة استبعاده ~~بالمرة ويطلع في تضاعيفه على أمر آخر من بدائع آثار قدرته تعالى وهو ~~إبقاء الغذاء المتسارع إلى الفساد بالطبع على ما كان عليه دهرا طويلا ~~من غير تغير ما، وكم نصب على الظرفية مميزها محذوف أي كم وقتا ~~لبث والقائل هو الله تعالى أو ملك مأمور بذلك من قبله تعالى قيل: ~~نودي من السماء يا عزير كم لبثت بعد الموت؟ # { قال لبثت يوما أو بعض يوم } قاله بناء على التقريب ~~والتخمين أو استقصارا لمدة لبثه، وأما ما يقال من أنه مات ضحى وبعث ~~بعد المائة قبيل الغروب فقال: قبل النظر إلى الشمس يوما فالتفت إليها ~~فرأى منها بقية فقال: أو بعض يوم - على وجه الإضراب - فبمعزل عن ~~التحقيق إذ لا وجه للجزم بتمام اليوم ولو بناء على حسبان الغروب لتحقق ~~النقصان من أوله { قال } استئناف كما سلف { بل لبثت مائة ~~عام } عطف على مقدر أي ما لبثت ذلك القدر بل هذا المقدار { فانظر ~~} لتعاين أمرا آخر من دلائل قدرتنا { إلى طعامك وشرابك ~~لم يتسنه } أي لم يتغير في هذه المدة المتطاولة مع تداعيه إلى ~~الفساد. # روي أنه وجد تينه وعنبه كما جنى وعصيره كما عصر، والجملة ~~المنفية حال بغير واو كقوله تعالى: # لم يمسسهم سوء # [آل عمران، الآية 174] إما من ms0385 الطعام والشراب وإفراد الضمير ~~لجريانهما مجرى الواحد كالغذاء وإما من الأخير اكتفاء بدلالة حاله ~~على حال الأول ويؤيده قراءة من قرأ وهذا شرابك لم يتسن والهاء أصلية ~~أو هاء سكت، واشتقاقه من السنة لما أن لامها هاء أو واو وقيل: ~~أصله لم يتسنن من الحمأ المسنون فقلبت نونه حرف علة كما في تقضى ~~البازي وقد جوز أن يكون معنى لم يتسنه لم يمر عليه السنون التي مرت ~~لا حقيقة بل تشبيها أي هو على حاله كأنه لم يلبث مائة عام وقرىء ~~لم يسنه بإدغام التاء في السين. # { وانظر إلى حمارك } كيف نخرت عظامه وتفرقت وتقطعت ~~أوصاله وتمزقت ليتبين لك ما ذكر من لبثك المديد وتطمئن به ~~نفسك، وقوله عز وجل: { ولنجعلك ءاية للناس } عطف على ~~مقدر متعلق بفعل مقدر قبله بطريق الاستئناف مقرر لمضمون ما سبق، أي ~~فعلنا ما فعلنا من إحيائك بعد ما ذكر لتعاين ما استبعدته من ~~الإحياء بعد دهر طويل ولنجعلك آية للناس الموجودين في هذا القرن بأن ~~يشاهدوك وأنت من أهل القرون الخالية ويأخذوا منك ما طوي عنهم منذ ~~أحقاب من علم التوراة كما سيأتي، أو متعلق بفعل مقدر بعده، أي ~~ولنجعلك آية لهم على الوجه المذكور فعلنا ما فعلنا فهو على التقديرين ~~دليل على ما ذكر من اللبث المديد ولذلك فرق بينه وبين الأمر ~~بالنظر إلى حماره، وتكرير الأمر في قوله تعالى: { وانظر إلى ~~العظام } مع أن المراد عظام الحمار أيضا لما أن المأمور به أولا ~~هو النظر إليها من حيث دلالتها على ما ذكر من اللبث المديد، وثانيا ~~هو النظر إليها من حيث تعتريها الحياة ومباديها، أي وانظر إلى عظام ~~الحمار لتشاهد كيفية الإحياء في غيرك بعد ما شاهدت نفسه في نفسك { ~~كيف ننشزها } بالزاي المعجمة أي نرفع بعضها إلى بعض ونردها ~~إلى أماكنها من الجسد فنركبها تركيبا لائقا بها، وقال الكسائي: ~~نلينها ونعظمها. # ولعل من فسره بنحييها أراد بالإحياء هذا المعنى وكذا من قرأ ~~ننشرها بالراء من أنشر الله تعالى الموتى أي أحياها ms0386 لا معناه ~~الحقيقي لقوله تعالى: { ثم نكسوها لحما } أي نسترها به كما ~~يستر الجسد باللباس، وأما من قرأ ننشرها بفتح النون وضم الشين فلعله ~~أراد به ضد الطي كما قال الفراء، فالمعنى كيف نبسطها، والجملة إما ~~حال من العظام أي وانظر إليها مركبة مكسوة لحما، أو بدل اشتمال ~~أي وانظر إلى العظام كيفية إنشازها وبسط اللحم عليها، ولعل عدم ~~التعرض لكيفية نفخ الروح لما أنها مما لا تقتضي الحكمة بيانه. روي ~~أنه نودي: «أيتها العظام البالية إن الله يأمرك أن تجتمعي» فاجتمع ~~كل جزء من أجزائها التي ذهب بها الطير والسباع وطارت بها الرياح ~~من كل سهل وجبل فانضم بعضها إلى بعض والتصق كل عضو بما يليق به ~~الضلع والذراع بمحلها والرأس بموضعها ثم الأعصاب والعروق ثم ~~انبسط عليه اللحم ثم الجلد ثم خرجت منه الشعور ثم نفخ فيه الروح ~~فإذا هو قائم ينهق. # { فلما تبين له } أي ما دل عليه الأمر بالنظر إليه من كيفية ~~الإحياء بمباديه، والفاء للعطف على مقدر يستدعيه الأمر المذكور، وإنما ~~حذف للإيذان بظهور تحققه واستغنائه عن الذكر، وللإشعار بسرعة وقوعه ~~كما في قوله عز وجل: # فلما رءاه مستقرا عنده # [النمل، الآية 40] بعد قوله: # أنا آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك # [النمل، الآية 40] كأنه قيل: فأنشزها الله تعالى وكساها لحما فنظر ~~إليها فتبين له كيفيته فلما تبين له ذلك أي اتضح اتضاحا تاما { ~~قال أعلم أن الله على كل شيء } من الأشياء التي من ~~جملتها ما شاهده في نفسه وفي غيره من تعاجيب الآثار { قدير } لا ~~يستعصي عليه أمر من الأمور، وإيثار صيغة المضارع للدلالة على أن ~~علمه بذلك مستمر نظرا إلى أن أصله لم يتغير ولم يتبدل، بل إنما ~~تبدل بالعيان وصفه، وفيه إشعار بأنه إنما قال ما قال بناء على ~~الاستبعاد العادي واستعظاما للأمر. وقد قيل: فاعل تبين مضمر ~~يفسره مفعول { أعلم } ، [البقرة، الآية 259] أي فلما تبين له أن ~~الله على كل شيء قدير قال أعلم أن الله على كل شيء قدير ms0387 فتدبر. وقرىء ~~تبين له على صيغة المجهول وقرىء: قال اعلم على صيغة الأمر، روي ~~أنه ركب حماره وأتى محلته وأنكره الناس وأنكر الناس وأنكر المنازل ~~فانطلق على وهم منه حتى أتى منزله فإذا هو بعجوز عمياء مقعدة قد ~~أدركت زمن عزير فقال لها عزير: يا هذه هذا منزل عزير؟ قالت: نعم ~~وأين ذكرى عزير وقد فقدناه منذ كذا وكذا فبكت بكاء شديدا قال: فإني ~~عزير قالت: سبحان الله أنى يكون ذلك؟ قال: قد أماتني الله مائة عام ~~ثم بعثني قالت: إن عزيرا كان رجلا مستجاب الدعوة فادع الله لي يرد ~~علي بصري حتى أراك فدعا ربه ومسح بيده عينيها فصحتا فأخذ بيدها ~~فقال لها: قومي بإذن الله فقامت صحيحة كأنها نشطت من عقال فنظرت ~~إليه فقالت: أشهد أنك عزير فانطلقت إلى محلة بني إسرائيل وهم في ~~أنديتهم وكان بها ابن لعزير قد بلغ مائة وثماني عشرة سنة وبنو بنيه ~~شيوخ فنادت هذا عزير قد جاءكم فكذبوها فقالت: انظروا فإني بدعائه رجعت ~~إلى هذه الحالة فنهض الناس فأقبلوا إليه فقال ابنه: كان لأبي شامة ~~سوداء بين كتفيه مثل الهلال فكشف فإذا هو كذلك وقد كان قتل بخت ~~نصر ببيت المقدس من قراء التوراة أربعين ألف رجل ولم يكن يومئذ ~~بينهم نسخة من التوراة ولا أحد يعرف التوراة فقرأها عليهم عن ظهر ~~قلبه من غير أن يخرم منها حرفا فقال رجل من أولاد المسبيين ممن ~~ورد بيت المقدس بعد مهلك بخت نصر: حدثني أبي عن جدي أنه دفن ~~التوراة يوم سبينا في خابية في كرم فإن أريتموني كرم جدي ~~أخرجتها لكم فذهبوا إلى كرم جده ففتشوا فوجدوها فعارضوها بما أملى ~~عليهم عزير من ظهر القلب فما اختلفا في حرف واحد فعند ذلك قالوا: هو ~~ابن الله، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا. ### || [2.260] # { وإذ قال إبرهيم } دليل آخر على ولايته تعالى للمؤمنين ~~وإخراجه لهم من الظلمات إلى النور وإنما لم يسلك به مسلك الاستشهاد ~~كما قبله بأن يقال أو كالذي قال: رب ms0388 الخ لجريان ذكره عليه السلام في ~~أثناء المحاجة ولأنه لا دخل لنفسه عليه السلام في أصل الدليل كدأب ~~عزير عليه السلام فإن ما جرى عليه من إحيائه بعد مائة عام من جملة ~~الشواهد على قدرته تعالى وهدايته، والظرف منتصب بمضمر صرح بمثله ~~في نحو قوله تعالى: # واذكروا إذ جعلكم خلفاء # [الأعراف، الآية 69 و74] أي واذكر وقت قوله عليه السلام وما وقع حينئذ ~~من تعاجيب صنع الله تعالى لتقف على ما مر من ولايته تعالى وهدايته. ~~وتوجيه الأمر بالذكر في أمثال هذه المواقع إلى الوقت دون ما وقع فيه ~~من الواقعات مع أنها المقصودة بالتذكير لما ذكر غير مرة من المبالغة في ~~إيجاب ذكرها لما أن إيجاب ذكر الوقت إيجاب لذكر ما وقع فيه بالطريق ~~البرهاني ولأن الوقت مشتمل عليها مفصلة فإذا استحضر كانت حاضرة ~~بتفاصيلها بحيث لا يشذ عنها شيء مما ذكر عند الحكاية أو لم يذكر ~~كأنها مشاهدة عيانا { رب } كلمة استعطاف قدمت بين يدي الدعاء ~~مبالغة في استدعاء الإجابة { أرنى } من الرؤية البصرية المتعدية ~~إلى واحد وبدخول همزة النقل طلبت مفعولا آخر هو الجملة ~~الاستفهامية المعلقة لها فإنها تعلق كما يعلق النظر البصري ~~أي اجعلني مبصرا { كيف تحى الموتى } بأن تحييها وأنا ~~أنظر إليها، وكيف في محل نصب على التشبيه بالظرف عند سيبويه، وبالحال ~~عند الأخفش، والعامل فيها تحيي أي في أي حال أو على أي حال تحيي. ~~قال القرطبي: الاستفهام بكيف إنما هو سؤال عن حال شيء متقرر ~~الوجود عند السائل والمسؤول، فالاستفهام ههنا عن هيئة الإحياء ~~المتقرر عند السائل أي بصرني كيفية إحيائك للموتى، وإنما سأله عليه ~~السلام ليتأيد إيقانه بالعيان ويزداد قلبه اطمئنانا على اطمئنان، ~~وأما ما قيل من أن نمرود لما قال: أنا أحيي وأميت قال إبراهيم عليه ~~السلام: «إن إحياء الله تعالى برد الأرواح إلى الأجساد» فقال نمرود: ~~هل عاينته فلم يقدر على أن يقول: نعم فانتقل إلى تقرير آخر ثم سأل ~~ربه أن يريه ذلك فيأباه تعليل السؤال بالاطمئنان. # { قال } استئناف ms0389 كما مر غير مرة { أولم تؤمن } عطف على مقدر ~~أي ألم تعلم ولم تؤمن بأني قادر على الإحياء كيف أشاء حتى تسألني ~~إراءته قال عز وعلا وهو أعلم بأنه عليه السلام أثبت الناس إيمانا ~~وأقواهم يقينا: ليجيب بما أجاب به فيكون ذلك لطفا للسامعين { قال ~~بلى } علمت وآمنت بأنك قادر على الإحياء على أي كيفية شئت { ~~ولكن } سألت ما سألت { ليطمئن قلبى } بمضامة العيان ~~إلى الإيمان والإيقان وأزداد بصيرة بمشاهدته على كيفية معينة. # { قال فخذ } الفاء لجواب شرط محذوف أي إن أردت ذلك فخذ { ~~أربعة من الطير } قيل: هو اسم لجمع طائر، كركب وسفر ~~وقيل: جمع له كتاجر وتجر وقيل: هو مصدر سمي به الجنس وقيل: هو ~~تخفيف طير بمعنى طائر كهين في هين، ومن متعلقة بخذ أو بمحذوف ~~وقع صفة لأربعة أي أربعة كائنة من الطير، قيل: هي طاووس وديك وغراب ~~وحمامة وقيل: نسر بدل الأخير، وتخصيص الطير بذلك لأنه أقرب إلى ~~الإنسان وأجمع لخواص الحيوان ولسهولة تأتي ما يفعل به من التجزئة ~~والتفريق وغير ذلك { فصرهن } من صاره يصوره أي أماله وقرىء بكسر ~~الصاد من صاره يصيره، أي أملهن واضممهن وقرىء فصرهن بضم الصاد ~~وكسرها وتشديد الراء من صره يصره ويصره إذا جمعه وقرىء فصرهن ~~من التصرية بمعنى الجمع أي اجمعهن { إليك } لتتأملها وتعرف ~~شياتها مفصلة حتى تعلم بعد الإحياء أن جزءا من أجزائها لم ينتقل ~~من موضعه الأول أصلا، روي أنه أمر بأن يذبحها وينتف ريشها ويقطعها ~~ويفرق أجزاءها ويخلط ريشها ودماءها ولحومها ويمسك رؤسها ثم أمر بأن ~~يجعل أجزاءها على الجبال وذلك قوله تعالى: { ثم اجعل على كل ~~جبل منهن جزءا } أي جزئهن وفرق أجزاءهن على ما بحضرتك من ~~الجبال قيل: كانت أربعة أجبل وقيل: سبعة، فجعل على كل جبل ربعا أو ~~سبعا من كل طائر، وقرىء جزؤا بضمتين وجزا بالتشديد بطرح همزته ~~تخفيفا ثم تشديده عند الوقف ثم إجراء الوصل مجرى الوقف. # { ثم ادعهن يأتينك } في حيز الجزم على أنه جواب الأمر ~~ولكنه بني لاتصاله ms0390 بنون جمع المؤنث { سعيا } أي ساعيات مسرعات أو ~~ذوات سعي طيرانا أو مشيا وإنما اقتصر على حكاية أوامره عز وجل من غير ~~تعرض لامتثاله عليه السلام ولا لما ترتب عليه من عجائب آثار قدرته ~~تعالى كما روي أنه عليه السلام نادى فقال: # " تعالين بإذن الله " # فجعل كل جزء منهن يطير إلى صاحبه حتى صارت جثثا ثم أقبلن إلى ~~رؤوسهن فانضمت كل جثة إلى رأسها فعادت كل واحدة منهن إلى ما كانت ~~عليه من الهيئة للإيذان بأن ترتب تلك الأمور على الأوامر الجليلة ~~واستحالة تخلفها عنها من الجلاء والظهور بحيث لا حاجة له إلى الذكر ~~أصلا وناهيك بالقصة دليلا على فضل الخليل ويمن الضراعة في الدعاء ~~وحسن الأدب في السؤال حيث أراه الله تعالى ما سأله في الحال على أيسر ~~ما يكون من الوجوه وأرى عزيرا ما أراد بعدما أماته مائة عام { ~~واعلم أن الله عزيز } غالب على أمره لا يعجزه شيء عما ~~يريده { حكيم } ذو حكمة بالغة في أفاعيله فليس بناء أفعاله على ~~الأسباب العادية لعجزه عن إيجادها بطريق آخر خارق للعادات بل لكونه ~~متضمنا للحكم والمصالح. ### || [2.261-262] # { مثل الذين ينفقون أمولهم في سبيل الله } أي ~~في وجوه الخير من الواجب والنفل { كمثل حبة } لا بد من تقدير ~~مضاف في أحد الجانبين أي مثل نفقتهم كمثل حبة أو مثلهم كمثل ~~باذر حبة { أنبتت سبع سنابل } أي خرجت ساقا تشعب منها ~~سبع شعب لكل واحدة منها سنبلة { في كل سنبلة مائة حبة ~~} كما يشاهد ذلك في الذرة والدخن في الأراضي المغلة بل أكثر من ذلك، ~~وإسناد الإنبات إلى الحبة مجازي كإسناده إلى الأرض والربيع، وهذا ~~التمثيل تصوير للأضعاف كأنها حاضرة بين يدي الناظر { والله ~~يضعف } تلك المضاعفة أو فوقها إلى ما شاء الله تعالى { لمن ~~يشاء } أن يضاعف له بفضله على حسب حال المنفق من إخلاصه وتعبه ~~ولذلك تفاوتت مراتب الأعمال في مقادير الثواب { والله وسع } لا ~~يضيق عليه ما يتفضل به من الزيادة { عليم } بنية المنفق ومقدار ~~إنفاقه وكيفية تحصيل ms0391 ما أنفقه { الذين ينفقون أمولهم ~~في سبيل الله } جملة مبتدأة جيء بها لبيان كيفية الإنفاق الذي ~~بين فضله بالتمثيل المذكور { ثم لا يتبعون ما أنفقوا ~~} أي ما أنفقوه أو إنفاقهم { منا ولا أذى } المن أن يعتد على ~~من أحسن إليه بإحسانه ويريه أنه أوجب بذلك حقا والأذى أن يتطاول ~~عليه بسبب إنعامه عليه وإنما قدم المن لكثرة وقوعه، وتوسيط كلمة { لا ~~} للدلالة على شمول النفي لإتباع كل واحد منهما و { ثم } لإظهار ~~علو رتبة المعطوف، قيل: نزلت في عثمان رضي الله عنه حين جهز جيش ~~العسرة بألف بعير بأقتابها وأحلاسها وعبد الرحمن بن عوف رضي الله ~~عنه حين أتى النبي صلى الله عليه وسلم بأربعة آلاف درهم صدقة ولم ~~يكد يخطر ببالها شيء من المن أو الأذى { لهم أجرهم } أي ~~حسبما وعد لهم في ضمن التمثيل، وهو جملة من مبتدأ وخبر وقعت خبرا عن ~~الموصول، وفي تكرير الإسناد وتقييد الأجر بقوله: { عند ربهم } من ~~التأكيد والتشريف ما لا يخفى، وتخلية الخبر عن الفاء المفيدة لسببية ~~ما قبلها لما بعدها للإيذان بأن ترتب الأجر على ما ذكر من الإنفاق وترك ~~إتباع المن والأذى أمر بين لا يحتاج إلى التصريح بالسببية وأما ~~إيهام أنهم أهل لذلك وإن لم يفعلوا فكيف بهم إذا فعلوا فيأباه مقام ~~الترغيب في الفعل والحث عليه { ولا خوف عليهم } في الدارين من ~~لحوق مكروه من المكاره { ولا هم يحزنون } لفوات مطلوب من ~~المطالب قل أو جل، أي لا يعتريهم ما يوجبه لا أنه يعتريهم ذلك لكنهم ~~لا يخافون ولا يحزنون ولا أنه لا يعتريهم خوف وحزن أصلا بل يستمرون على ~~النشاط والسرور، كيف لا واستشعار الخوف والخشية استعظاما لجلال الله ~~وهيبته واستقصارا للجد والسعي في إقامة حقوق العبودية من خواص ~~الخاصة والمقربين، والمراد بيان دوام انتفائهما لا بيان ~~انتفاء دوامهما كما يوهمه كون الخبر في الجملة الثانية مضارعا عالما ~~أن النفي وإن دخل على نفس المضارع يفيد الدوام والاستمرار بحسب المقام. ### || [2.263-264] # { قول معروف } أي كلام جميل تقبله ms0392 القلوب ولا تنكره يرد به ~~السائل من غير إعطاء شيء { ومغفرة } أي ستر لما وقع من السائل ~~من الإلحاف في المسألة وغيره مما يثقل على المسؤول وصفح عنه. وإنما صح ~~الابتداء بالنكرة في الأول لاختصاصها بالوصف وفي الثاني بالعطف أو ~~بالصفة المقدرة أي ومغفرة كائنة من المسؤول { خير } أي للسائل { من ~~صدقة يتبعها أذى } لكونها مشوبة بضرر ما يتبعها وخلوص ~~الأولين من الضرر، والجملة مستأنفة مقررة لاعتبار ترك إتباع المن ~~والأذى، وتفسير المغفرة بنيل مغفرة من الله تعالى بسبب الرد الجميل أو ~~بعفو السائل بناء على اعتبار الخيرية بالنسبة إلى المسؤول يؤدي إلى أن ~~يكون في الصدقة الموصوفة بالنسبة إليه خير في الجملة مع بطلانها بالمرة ~~{ والله غنى } لا يحوج الفقراء إلى تحمل مؤنة المن والأذى ~~ويرزقهم من جهة أخرى { حليم } لا يعاجل أصحاب المن والأذى بالعقوبة ~~لا أنهم لا يستحقونها بسببهما، والجملة تذييل لما قبلها مشتمل على ~~الوعد والوعيد مقرر لاعتبار الخيرية بالنسبة إلى السائل قطعا. { يا ~~أيها الذين آمنوا } أقبل عليهم بالخطاب إثر بيان ما بطريق ~~الغيبة مبالغة في إيجاب العمل بموجب النهي { لا تبطلوا ~~صدقتكم بالمن والأذى } أي لا تحبطوا أجرها بواحد ~~منهما { كالذى } في محل النصب إما على أنه نعت لمصدر محذوف أي لا ~~تبطلوها إبطال الذي { ينفق ماله رئاء الناس } وإما على أنه ~~حال من فاعل لا تبطلوها مشابهين الذي ينفق، أي الذي يبطل إنفاقه ~~بالرياء، وقيل من ضمير المصدر المقدر على ما هو رأي سيبويه، وانتصاب ~~رئاء إما على أنه علة لينفق أي لأجل رئائهم أو على أنه حال من فاعله ~~أي ينفق ماله مرائيا والمراد به المنافق لقوله تعالى: { ولا يؤمن ~~بالله واليوم الأخر } حتى يرجو ثوابا أو يخشى عقابا. # { فمثله } الفاء لربط ما بعدها بما قبلها أي فمثل المرائي في ~~الإنفاق وحالته العجيبة { كمثل صفوان } أي حجر أملس { ~~عليه تراب } أي شيء يسير منه { فأصابه وابل } أي مطر ~~عظيم القطر { فتركه صلدا } أملس ليس عليه شيء من الغبار أصلا ~~{ لا يقدرون على ms0393 شىء مما كسبوا } لا ينتفعون بما ~~فعلوا رياء، ولا يجدون له ثوابا قطعا كقوله تعالى: # فجعلناه هباء منثورا # [الفرقان، الآية 23] والجملة استئناف مبني على السؤال كأنه قيل: ~~فماذا يكون حالهم حينئذ فقيل: لا يقدرون الخ ومن ضرورة كون مثلهم ~~كما ذكر كون مثل من يشبههم وهم أصحاب المن والأذى كذلك ~~والضميران الأخيران للموصول باعتبار المعنى كما في قوله عز وجل: # وخضتم كالذي خاضوا # [التوبة، الآية 69] لما أن المراد به الجنس أو الجمع أو الفريق كما أن ~~الضمائر الأربعة السابقة له باعتبار اللفظ { والله لا يهدي ~~القوم الكفرين } إلى الخير والرشاد، والجملة تذييل مقرر ~~لمضمون ما قبله، وفيه تعريض بأن كلا من الرياء والمن والأذى من ~~خصائص الكفار ولا بد للمؤمنين أن يجتنبوها. ### || [2.265] # { ومثل الذين ينفقون أمولهم ابتغاء مرضات ~~الله } أي لطلب رضاه { وتثبيتا من أنفسهم } أي ولتثبيت ~~بعض أنفسهم على الإيمان فمن تبعيضية كما في قولهم: هز من عطفه وحرك ~~من نشاطه فإن المال شقيق الروح فمن بذل ماله لوجه الله تعالى فقد ~~ثبت بعض نفسه ومن بذل ماله وروحه فقد ثبتها كلها، أو تصديقا للإسلام ~~وتحقيقا للجزاء من أصل أنفسهم فمن ابتدائية كما في قوله تعالى: # حسدا من عند أنفسهم # [البقرة، الآية 109] يحتمل أن يكون المعنى وتثبيتا من أنفسهم عند ~~المؤمنين أنها صادقة الإيمان مخلصة فيه، ويعضده قراءة من قرأ ~~وتبيينا من أنفسهم وفيه تنبيه على أن حكمة الإنفاق للمنفق تزكية ~~النفس عن البخل وحب المال الذي هو رأس كل خطيئة. # { كمثل جنة بربوة } الربوة - بالحركات الثلاث وقد قرىء ~~بها - المكان المرتفع أي مثل نفقتهم في الزكاء كمثل بستان كائن ~~بمكان مرتفع مأمون من أن يصطلمه البرد للطافة هوائه بهبوب الرياح ~~الملطفة له فإن أشجار الربا تكون أحسن منظرا وأزكى ثمرا وأما ~~الأراضي المنخفضة فقلما تسلم ثمارها من البرد لكثافة هوائها بركود ~~الرياح وقرىء كمثل حبة { أصابها وابل } مطر عظيم القطر { ~~فأتت أكلها } ثمرتها وقرىء بسكون الكاف تخفيفا { ضعفين } ~~أي مثلي ما كانت تثمر في سائر الأوقات بسبب ms0394 ما أصابها من الوابل، ~~والمراد بالضعف المثل وقيل: أربعة أمثال، ونصبه على الحال من { ~~أكلها } [البقرة، الآية: 265] أي مضاعفا { فإن لم يصبها ~~وابل فطل } أي فطل يكفيها لجودتها وكرم منبتها ولطافة ~~هوائها وقيل: فيصيبها طل وهو المطر الصغير القطر وقيل: فالذي ~~يصيبها طل والمعنى أن نفقات هؤلاء زاكية عند الله تعالى لا تضيع ~~بحال وإن كانت تتفاوت باعتبار ما يقارنها من الأحوال، ويجوز أن يعتبر ~~التمثيل بين حالهم باعتبار ما صدر عنهم من النفقة الكثيرة والقليلة ~~وبين الجنة المعهودة باعتبار ما أصابها من المطر الكثير واليسير، فكما ~~أن كل واحد من المطرين يضعف أكلها فكذلك نفقتهم جلت أو قلت ~~بعد أن يطلب بها وجه الله تعالى زاكية زائدة في زلفاهم وحسن ~~حالهم عند الله { والله بما تعملون بصير } لا يخفى عليه ~~شيء منه وهو ترغيب في الإخلاص مع تحذير من الرياء ونحوه. ### || [2.266] # { أيود أحدكم } الود حب الشيء مع تمنيه ولذلك يستعمل ~~استعمالهما والهمزة لإنكار الوقوع كما في قوله: أأضرب أبي؟ لا لإنكار ~~الواقع كما في قولك: أتضرب أباك؟ على أن مناط الإنكار ليس جميع ما ~~تعلق به الود بل إنما هو إصابة الإعصار وما يتبعها من الاحتراق { ~~أن تكون له جنة } وقرىء جنات { من نخيل وأعناب } أي ~~كائنة منهما على أن يكون الأصل والركن فيها هذين الجنسين الشريفين ~~الجامعين لفنون المنافع والباقي من المستتبعات لا على ألا يكون فيها ~~غيرهما كما ستعرفه، والجنة تطلق على الأشجار الملتفة المتكاتفة قال ~~زهير: [البسيط] # كأن عيني في غربي مفتلة # من النواضح تسقي جنة سحقا # وعلى الأرض المشتملة، عليها والأول هو الأنسب بقوله عز وجل: { ~~تجرى من تحتها الانهر } إذ على الثاني لا بد من تقدير مضاف ~~أي من تحت أشجارها وكذا لا بد من جعل إسناد الاحتراق إليها فيما سيأتي ~~مجازيا، والجملة في محل الرفع على أنها صفة جنة كما أن قوله تعالى: { ~~من نخيل وأعناب } [البقرة، الآية: 266] كذلك أوفى محل النصب ~~على أنها حال منها لأنها موصوفة { له فيها من كل ms0395 الثمرت } ~~الظرف الأول خبر والثاني حال والثالث مبتدأ أي صفة للمبتدأ قائمة ~~مقامه أي له رزق من كل الثمرات كما في قوله تعالى: # وما منا إلا له مقام معلوم # [الصافات، الآية 164] أي وما منا أحد إلا له الخ وليس المراد بالثمرات ~~العموم بل إنما هو التكثير كما في قوله تعالى: # وأوتيت من كل شىء # [النمل، الآية 23] { وأصابه الكبر } أي كبر السن الذي هو ~~مظنة شدة الحاجة إلى منافعها ومئنة كمال العجز عن تدارك أسباب ~~المعاش، والواو حالية أي وقد أصابه الكبر { وله ذرية ضعفاء } ~~حال من الضمير في أصابه أي أصابه الكبر والحال أن له ذرية صغارا ~~لا يقدرون على الكسب وترتيب مبادىء المعاش وقرىء ضعاف { فأصابها ~~إعصار } أي ريح عاصفة تستدير في الأرض ثم تنعكس منها ساطعة إلى ~~السماء على هيئة العمود { فيه نار } شديدة { فاحترقت } عطف ~~على (فأصابها) وهذا كما ترى تمثيل لحال من يعمل أعمال البر والحسنات ~~ويضم إليها ما يحبطها من القوادح ثم يجدها يوم القيامة عند كمال ~~حاجته إلى ثوابها هباء منثورا بها في التحسر والتأسف عليها { ~~كذلك } توحيد الكاف مع كون المخاطب جمعا قد مر وجهه مرارا أي ~~مثل ذلك البيان الواضح الجاري في الظهور مجرى الأمور المحسوسة { ~~يبين الله لكم الآيت لعلكم تتفكرون } كي ~~تتفكروا فيها وتعتبروا بما فيها من العبر وتعملوا بموجبها. ### || [2.267-268] # { يأيها الذين ءامنوا أنفقوا من طيبت ما ~~كسبتم } بيان لحال ما ينفق منه إثر بيان أصل الإنفاق ~~وكيفيته، أي أنفقوا من حلال ما كسبتم وجياده لقوله تعالى: # لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون # [آل عمران، الآية 92] { ومما أخرجنا لكم من الأرض } أي ~~من طيبات ما أخرجنا لكم من الحبوب والثمار والمعادن فحذف المضاف ~~لدلالة ما قبله عليه { ولا تيمموا } بفتح التاء أصله ولا ~~تتيمموا، وقرىء بضمها، وقرىء ولا تأمموا والكل بمعنى القصد أي لا ~~تقصدوا { الخبيث } أي الرديء الخسيس وهو كالطيب من الصفات الغالبة ~~التي لا تذكر موصوفاتها { منه تنفقون } الجار متعلق بتنفقون ~~والضمير للخبيث والتقديم للتخصيص والجملة ms0396 حال من فاعل تيمموا أي لا ~~تقصدوا الخبيث قاصرين الإنفاق عليه أو من الخبيث أي مختصا به ~~الإنفاق، وأيا ما كان فالتخصيص لتوبيخهم بما كانوا يتعاطونه من ~~إنفاق الخبيث خاصة لا لتسويغ إنفاقه مع الطيب عن ابن عباس رضي الله ~~عنهما أنهم كانوا يتصدقون بحشف التمر وشراره فنهوا عنه وقيل: متعلق ~~بمحذوف وقع حالا من الخبيث، والضمير للمال المدلول عليه بحسب المقام ~~أو للموصولين على طريقة قوله: [الرجز] # [فيها خطوط من سواد وبلق] # كأنه في الجلد توليع البهق # أو للثاني، وتخصيصه بذلك لما أن التفاوت فيه أكثر، وتنفقون حال من ~~الفاعل المذكور أي ولا تقصدوا الخبيث كائنا من المال أو مما كسبتم، ~~ومما أخرجنا لكم منفقين إياه وقوله تعالى: { ولستم بأخذيه } ~~حال على كل حال من واو تنفقون أي والحال أنكم لا تأخذونه في معاملاتكم في ~~وقت من الأوقات أو بوجه من الوجوه { إلا أن تغمضوا فيه } أي إلا ~~وقت إغماضكم فيه وهو عبارة عن المسامحة بطريق الكناية أو الاستعارة ~~يقال: أغمض بصره إذا غضه، وقرىء على البناء للمفعول على معنى إلا أن ~~تحملوا على الإغماض وتدخلوا فيه أو توجدوا مغمضين، وقرىء وتغمضوا ~~وتغمضوا بضم الميم وكسرها وقيل: تم الكلام عند قوله تعالى: { ولا ~~تيمموا الخبيث } [البقرة، الآية: 267] ثم استؤنف فقيل: على ~~طريقة التوبيخ والتقريع: منه تنفقون والحال أنكم لا تأخذونه إلا إذا ~~أغمضتم فيه، ومآله الاستفهام الإنكاري فكأنه قيل: أمنه تنفقون ~~الخ { واعلموا أن الله غني } عن إنفاقكم وإنما يأمركم به ~~لمنفعتكم. وفي الأمر بأن يعلموا ذلك مع ظهور علمهم به توبيخ لهم على ~~ما يصنعون من إعطاء الخبيث وإيذان بأن ذلك من آثار الجهل بشأنه تعالى ~~فإن إعطاء مثله إنما يكون عادة عند اعتقاد المعطي أن الآخذ محتاج ~~إلى ما يعطيه بل مضطر إليه { حميد } مستحق للحمد على نعمه العظام ~~وقيل: حامد بقبول الجيد والإثابة عليه. { الشيطن يعدكم ~~الفقر } الوعد هو الإخبار بما سيكون من جهة المخبر مترتبا على ~~شيء من زمان أو غيره يستعمل في الشر استعماله ms0397 في الخير قال تعالى: # النار وعدها الله الذين كفروا # [الحج، الآية 72] أي يعدكم في الإنفاق الفقر ويقول: إن عاقبة إنفاقكم ~~أن تفتقروا وإنما عبر عن ذلك بالوعد مع أن الشيطان لم يضف مجيء ~~الفقر إلى جهته للإيذان بمبالغته في الإخبار بتحقق مجيئه كأنه نزله في ~~تقرر الوقوع منزلة أفعاله الواقعة بحسب إرادته، أو لوقوعه في مقابلة ~~وعده تعالى على طريقة المشاكلة وقرىء بضم الفاء والسكون وبضمتين ~~وبفتحتين { ويأمركم بالفحشاء } أي بالخصلة الفحشاء أي ~~ويغريكم على البخل ومنه الصدقات إغراء الآمر للمأمور على فعل المأمور ~~به والعرب تسمي البخيل فاحشا قال طرفة بن العبد: [الطويل] # أرى الموت يعتام الكرام ويصطفي # عقيلة مال الفاحش المتشدد # وقيل بالمعاصي والسيئات { والله يعدكم } أي في الإنفاق { ~~مغفرة } لذنوبكم والجار في قوله تعالى: { منه } متعلق بمحذوف ~~هو صفة لمغفرة مؤكدة لفخامتها التي أفادها تنكيرها أي مغفرة أي ~~مغفرة كائنة منه عز وجل { وفضلا } صفته محذوفة لدلالة المذكور ~~عليها كما في قوله تعالى: # فانقلبوا بنعمة من الله وفضل # [آل عمران، الآية 174] ونظائره أي وفضلا كائنا منه تعالى أي خلفا ~~مما أنفقتم زائدا عليه في الدنيا، وفيه تكذيب للشيطان، وقيل: ثوابا في ~~الآخرة { والله وسع } قدرة وفضلا فيحقق ما وعدكم به من المغفرة ~~وإخلاف ما تنفقونه { عليم } مبالغ في العلم فيعلم إنفاقكم فلا ~~يكاد يضيع أجركم أو يعلم ما سيكون من المغفرة والفضل فلا احتمال ~~للخلف في الوعد، والجملة تذييل مقرر لمضمون ما قبله. ### || [2.269] # { يؤتى الحكمة } قال مجاهد الحكمة هي القرآن والعلم ~~والفقه. روي عن ابن أبي نجيح أنها الإصابة في القول والعمل، وعن ~~إبراهيم النخعي أنها معرفة معاني الأشياء وفهمها وقيل: هي معرفة ~~حقائق الأشياء وقيل: هي الإقدام على الأفعال الحسنة الصائبة. وعن ~~مقاتل أنها تفسر في القرآن بأربعة أوجه: فتارة بمواعظ القرآن وأخرى ~~بما فيه من عجائب الأسرار، ومرة بالعلم والفهم وأخرى بالنبوة ولعل ~~الأنسب بالمقام ما ينتظم الأحكام المبينة في تضاعيف الآيات الكريمة ~~من أحد الوجهين الأولين ومعنى إيتائها تبيينها والتوفيق للعلم ~~والعمل بها ms0398 أي يبينها ويوفق للعلم والعمل بها { من يشآء } من ~~عباده أن يؤتيها إياه بموجب سعة فضله وإحاطة علمه كما آتاكم ما بينه ~~في ضمن الآي من الحكم البالغة التي يدور عليها فلك منافعكم ~~فاغتنموها وسارعوا إلى العمل بها، والموصول مفعول، أول ليؤتي قدم عليه ~~الثاني للعناية به والجملة مستأنفة مقررة لمضمون ما قبلها { ومن ~~يؤت الحكمة } على بناء المفعول وقرىء على البناء للفاعل أي ومن ~~يؤته الله الحكمة والإظهار في مقام الإضمار لإظهار الاعتناء ~~بشأنها وللإشعار بعلة الحكم { فقد أوتى خيرا كثيرا } أي ~~أي خير كثير فإنه قد خير له خير الدارين { وما يذكر } أي ~~وما يتعظ بما أوتي من الحكمة أو وما يتفكر فيها { إلا أولوا ~~الألبب } أي العقول الخالصة عن شوائب الوهم والركون إلى مشايعة ~~الهوى وفيه من الترغيب في المحافظة على الأحكام الواردة في شأن الإنفاق ~~ما لا يخفى، والجملة إما حال أو اعتراض تذييلي. ### || [2.270-271] # { وما أنفقتم من نفقة } بيان لحكم كلي شامل لجميع أفراد ~~النفقات وما في حكمها إثر بيان حكم ما كان منها في سبيل الله، و { ~~ما } إما شرطية أو موصولة حذف عائدها من الصلة أي وما أنفقتموه من ~~نفقة أي نفقة كانت في حق أو باطل في سر أو علانية قليلة أو كثيرة ~~{ أو نذرتم } النذر عقد الضمير على شيء والتزامه، وفعله كضرب ~~ونصر { من نذر } أي نذر كان في طاعة أو معصية بشرط أو بغير شرط ~~متعلق بالمال أو بالأفعال كالصيام والصلاة ونحوهما { فإن الله ~~يعلمه } الفاء على الأول داخلة على الجواب وعلى الثاني مزيدة في ~~الخبر وتوحيد الضمير مع تعدد متعلق العلم لاتحاد المرجع بناء على ~~كون العطف بكلمة أو كما في قولك: زيد أو عمرو أكرمته، ولا يقال: ~~أكرمتهما ولهذا صرنا إلى التأويل في قوله تعالى: # إن يكن غنيا أو فقيرا فالله أولى بهما # [النساء، الآية 135] بل يعاد الضمير تارة إلى المقدم رعاية ~~للأولية كما في قوله عز وعلا: # وإذا رأوا تجرة أو لهوا انفضوا إليها # [الجمعة، الآية 11] وأخرى ms0399 إلى المؤخر رعاية للقرب كما في هذه الآية ~~الكريمة وفي قوله تعالى: # ومن يكسب خطيئة أو إثما ثم يرم به بريئا # [النساء، الآية 112] وحمل النظم على تأويلهما بالمذكور ونظائره أو على ~~حذف الأول ثقة بدلالة الثاني عليه كما في قوله تعالى: # والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها ~~في سبيل الله # [التوبة، الآية 34] وقوله: [المنسرح] # نحن بما عندنا وأنت بما # عندك راض والرأي مختلف # ونحوهما مما عطف فيه بالواو الجامعة تعسف مستغنى عنه. نعم يجوز ~~إرجاع الضمير إلى { ما } على تقدير كونها موصولة، وتصدير الجملة بإن ~~لتأكيد مضمونها إفادة لتحقيق الجزاء، أي فإنه تعالى يجازيكم عليه ~~ألبتة إن خيرا فخير وإن شرا فشر فهو ترغيب وترهيب ووعد ووعيد { ~~وما للظلمين } بالإنفاق والنذر في المعاصي أو بمنع الصدقات ~~وعدم الوفاء بالنذر أو بإنفاق الخبيث أو بالرياء والمن والأذى وغير ~~ذلك مما ينتظمه معنى الظلم الذي هو عبارة عن وضع الشيء في غير موضعه ~~الذي يحق أن يوضع فيه { من أنصار } أي أعوان ينصرونهم من بأس ~~الله وعقابه لا شفاعة ولا مدافعة، وإيراد صيغة الجمع لمقابلة ~~الظالمين أي وما لظالم من الظالمين من نصير من الأنصار، والجملة ~~استئناف مقرر لما فيما قبله من الوعيد مفيد لفظاعة حال من يفعل ما ~~يفعل من الظالمين لتحصيل الأعوان ورعاية الخلان. # { إن تبدوا الصدقت فنعما هى } نوع تفصيل لبعض ما ~~أجمل في الشرطية وبيان له ولذلك ترك العطف بينهما أي إن تظهروا ~~الصدقات فنعم شيئا إبداؤها بعد أن لم يكن رياء وسمعة وقرىء بفتح ~~النون وكسر العين على الأصل وقرىء بكسر النون وسكون العين وقرىء بكسر ~~النون وإخفاء حركة العين، وهذا في الصدقات المفروضة وأما في صدقة ~~التطوع فالإخفاء أفضل وهي التي أريدت بقوله تعالى: { وإن تخفوها ~~} أي تعطوها خفية { وتؤتوها الفقراء } ولعل التصريح بإيتائها ~~الفقراء مع أنه واجب في الإبداء أيضا لما أن الإخفاء مظنة ~~الالتباس والاشتباه فإن الغني ربما يدعي الفقر ويقدم على قبول ~~الصدقة سرا ولا يفعل ذلك عند الناس { فهو خير لكم } أي ms0400 ~~فالإخفاء خير لكم من الإبداء وهذا في التطوع، ومن لم يعرف بالمال وأما ~~في الواجب فالأمر بالعكس لدفع التهمة، عن ابن عباس رضي الله عنهما: ~~صدقة السر في التطوع تفضل علانيتها سبعين ضعفا وصدقة الفريضة ~~علانيتها أفضل من سرها بخمسة وعشرين ضعفا { ويكفر عنكم من ~~سيئاتكم } أي والله يكفر أو الإخفاء و { من } تبعيضية أي شيئا ~~من سيئاتكم كما سترتموها وقيل مزيدة على رأي الأخفش وقرىء بالتاء ~~مرفوعا ومجزوما على أن الفعل للصدقات وقرىء بالنون مرفوعا عطفا على ~~محل ما بعد الفاء أو على أنه خبر مبتدإ محذوف أي ونحن نكفر أو على ~~أنها جملة مبتدأة من فعل وفاعل وقرىء مجزوما عطفا على محل الفاء وما ~~بعده لأنه جواب الشرط { والله بما تعملون } من الإسرار ~~والإعلان { خبير } فهو ترغيب في الإسرار. ### || [2.272] # { ليس عليك هداهم } أي لا يجب عليك أن تجعلهم مهديين إلى ~~فعل ما أمروا به من المحاسن والانتهاء عما نهوا عنه من القبائح ~~المعدودة وإنما الواجب عليك الإرشاد إلى الخير والحث عليه والنهي عن ~~الشر والردع عنه بما أوحي إليك من الآيات والذكر الحكيم { ولكن ~~الله يهدى } هداية خاصة موصلة إلى المطلوب حتما { من يشآء } ~~هدايته إلى ذلك ممن يتذكر بما ذكر ويتبع الحق ويختار الخير، ~~والجملة معترضة جيء بها على طريق تلوين الخطاب، وتوجيهه إلى رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم مع الالتفات إلى الغيبة فيما بين الخطابات المتعلقة ~~بالمكلفين مبالغة في حملهم على الامتثال، فإن الإخبار بعدم وجوب ~~تدارك أمرهم على النبي صلى الله عليه وسلم مؤذن بوجوبه عليهم حسبما ~~ينطق به ما بعده من الشرطية. وقيل: لما كثر فقراء المسلمين نهى رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم المسلمين عن التصدق على المشركين كي تحملهم ~~الحاجة على الدخول في الإسلام فنزلت. أي ليس عليك هدى من خالفك حتى ~~تمنعهم الصدقة لأجل دخولهم في الإسلام فلا التفات حينئذ في الكلام، ~~وضمير الغيبة للمعهودين من فقراء المشركين بل فيه تلوين فقط وقوله ~~تعالى: { وما تنفقوا من خير } على ms0401 الأول التفات من الغيبة ~~إلى خطاب المكلفين لزيادة هزهم نحو الامتثال، وعلى الثاني تلوين ~~للخطاب بتوجيهه إليهم وصرفه عن النبي صلى الله عليه وسلم و { ما } ~~شرطية جازمة و # تنفقوا # [البقرة، الآية 273] منتصبة به على المفعولية ومن تبعيضية متعلقة ~~بمحذوف وقع صفة لاسم الشرط مبينة ومخصصة له أي أي شيء تنفقوا ~~كائن من مال { فلأنفسكم } أي فهو لأنفسكم لا ينتفع به غيركم فلا ~~تمنوا على من أعطيتموه ولا تؤذوه ولا تنفقوا من الخبيث، أو فنفعه ~~الديني لكم لا لغيركم من الفقراء حتى تمنعوه ممن لا ينتفع به من حيث ~~الدين من فقراء المشركين { وما تنفقون إلا ابتغاء وجه ~~الله } استثناء من أعم العلل أو أعم الأحوال أي ليست نفقتكم لشيء ~~من الأشياء إلا لابتغاء وجه الله، أو ليست في حال من الأحوال إلا حال ~~ابتغاء وجه الله فما بالكم تمنون بها وتنفقون الخبيث الذي لا يوجه ~~مثله إلى الله تعالى وقيل: هو نفي في معنى النهي { وما تنفقوا ~~من خير يوف إليكم } أي أجره وثوابه أضعافا مضاعفة حسبما ~~فصل فيما قبل فلا عذر لكم في أن ترغبوا عن إنفاقه على أحسن الوجوه ~~وأجملها فهو تأكيد وبيان للشرطية السابقة، أو يوف إليكم ما يخلفه ~~وهو من نتائج دعائه عليه السلام بقوله: # " اللهم اجعل للمنفق خلفا وللممسك تلفا " # وقيل: حجت أسماء بنت أبي بكر فأتتها أمها تسألها وهي مشركة فأبت أن ~~تعطيها. # وعن سعيد بن جبير أنهم كانوا يتقون أن يرضخوا لقراباتهم من المشركين. ~~وروي أن ناسا من المسلمين كانت لهم أصهار في اليهود ورضاع كانوا ~~ينفقون عليهم قبل الإسلام فلما أسلموا كرهوا أن ينفقوا عليهم فنزلت وهذا ~~في غير الواجب وأما الواجب فلا يجوز صرفه إلى الكافر وإن كان ذميا { ~~وأنتم لا تظلمون } لا تنقصون شيئا مما وعدتم من الثواب ~~المضاعف أو من الخلف. ### || [2.273-274] # { للفقراء } متعلق بمحذوف ينساق إليه الكلام كما في قوله عز وجل # في تسع آيات إلى فرعون # [النمل، الآية:12] أي اعمدوا للفقراء أو اجعلوا ما تنفقونه للفقراء ms0402 أو ~~صدقاتكم للفقراء { الذين أحصروا فى سبيل الله } بالغزو ~~والجهاد { لا يستطيعون } لاشتغالهم به { ضربا فى الأرض } أي ~~ذهابا فيها للكسب والتجارة وقيل: هم أهل الصفة كانوا رضي الله عنهم ~~نحوا من أربعمائة من فقراء المهاجرين يسكنون صفة المسجد يستغرقون ~~أوقاتهم بالتعلم والجهاد وكانوا يخرجون في كل سرية بعثها رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم { يحسبهم الجاهل } بحالهم { أغنياء ~~من التعفف } أي من أجل تعففهم عن المسألة { تعرفهم ~~بسيمهم } أي تعرف فقرهم واضطرارهم بما تعاين منهم من الضعف ~~ورثاثة الحال، والخطاب للرسول عليه السلام أو لكل أحد ممن له حظ من ~~الخطاب، مبالغة في بيان وضوح فقرهم { لا يسألون الناس إلحافا } أي ~~إلحاحا وهو أن يلازم السائل المسؤول حتى يعطيه من قولهم لحفني من ~~فضل لحافه أي أعطاني من فضل ما عنده والمعنى لا يسألونهم شيئا، وإن ~~سألوا لحاجة اضطرتهم إليه لم يلحوا، وقيل: هو نفي لكلا الأمرين ~~جميعا على طريقة قوله: [الطويل] # على لاحب لا يهتدى لمناره # [إذا سافه العود الديافي جرجرا] # أي لا منار ولا اهتداء { وما تنفقوا من خير فإن الله ~~به عليم } فيجازيكم بذلك أحسن جزاء فهو ترغيب في التصدق لا سيما ~~على هؤلاء. { الذين ينفقون أمولهم باليل والنهار ~~سرا وعلانية } أي يعمون الأوقات والأحوال بالخير والصدقة، ~~وقيل: نزلت في شأن الصديق رضي الله عنه حيث تصدق بأربعين ألف دينار، ~~عشرة آلاف منه بالليل وعشرة بالنهار وعشرة سرا وعشرة علانية. وقيل: ~~في علي رضي الله عنه حين لم يكن عنده إلا أربعة دراهم فتصدق بكل واحد ~~منها على وجه من الوجوه المذكورة، ولعل تقديم الليل على النهار والسر ~~على العلانية للإيذان بمزية الإخفاء على الإظهار، وقيل: في رباط الخيل ~~والإنفاق عليها { فلهم أجرهم عند ربهم } خبر للموصول، ~~والفاء للدلالة على سببية ما قبلها لما بعدها وقيل: للعطف والخبر ~~محذوف أي ومنهم الذين الخ ولذلك جوز الوقف على علانية { ولا خوف ~~عليهم ولا هم يحزنون } تقدم تفسيره. ### || [2.275] # { الذين يأكلون الربوا } أي يأخذونه والتعبير عنه ~~بالأكل لما ms0403 أنه معظم ما قصد به ولشيوعه في المطعومات مع ما فيه من ~~زيادة تشنيع لهم وهو الزيادة في المقدار أو في الأجل حسبما فصل في ~~كتب الفقه، وإنما كتب بالواو كالصلوة على لغة من يفخم في أمثالها وزيدت ~~الألف تشبيها بواو الجمع { لا يقومون } أي من قبورهم إذا بعثوا ~~{ إلا كما يقوم الذى يتخبطه الشيطن } أي إلا ~~قياما كقيام المصروع، وهو وارد على ما يزعمون أن الشيطان يخبط ~~الإنسان فيصرع، والخبط: الضرب بغير استواء كخبط العشواء { من ~~المس } أي الجنون، وهذا أيضا من زعماتهم أن الجني يمسه ~~فيختلط عقله فلذلك يقال: جن الرجل، وهو متعلق بما قبله من الفعل ~~المنفي أي لا يقومون من المس الذي بهم بسبب أكلهم الربا، أو بيقوم أو ~~بيتخبطه فيكون نهوضهم وسقوطهم كالمصروعين لا لاختلال عقولهم بل لأن ~~الله تعالى أربى في بطونهم ما أكلوا من الربا فأثقلهم فصاروا مخبلين ~~ينهضون ويسقطون، تلك سيماهم يعرفون بها عند أهل الموقف { ذلك } ~~إشارة إلى ما ذكر من حالهم وما في اسم الإشارة من معنى البعد للإيذان ~~بفظاعة المشار إليه { بأنهم قالوا إنما البيع مثل ~~الربوا } أي ذلك العقاب بسبب أنهم نظموا الربا والبيع في سلك ~~واحد لإفضائهما إلى الربح فاستحلوه استحلاله وقالوا: يجوز بيع ~~درهم بدرهمين كما يجوز بيع ما قيمته درهم بدرهمين بل جعلوا الربا ~~أصلا في الحل وقاسوا به البيع مع وضوح الفرق بينهما فإن أحد ~~الدرهمين في الأول ضائع حتما وفي الثاني منجبر بمساس الحاجة إلى ~~السلعة أو بتوقع رواجها. # { وأحل الله البيع وحرم الربوا } إنكار من جهة ~~الله تعالى لتسويتهم وإبطال للقياس لوقوعه في مقابلة النص، مع ما أشير ~~إليه من عدم الاشتراك في المناط، والجملة ابتدائية لا محل لها من ~~الإعراب { فمن جاءه موعظة } أي فمن بلغه وعظ وزجر كالنهي عن ~~الربا وقرىء جاءته { من ربه } متعلق بجاءه أو بمحذوف وقع صفة ~~لموعظة، والتعرض لعنوان الربوبية مع الإضافة للإشعار بكون مجيء ~~الموعظة للتربية { فانتهى } عطف على جاءه أي فاتعظ بلا تراخ ~~وتبع ms0404 النهي { فله ما سلف } أي ما تقدم أخذه قبل التحريم ولا ~~يسترد منه و { ما } مرتفع بالظرف إن جعلت (من) موصولة ~~وبالابتداء إن جعلت شرطية على رأي سيبويه لعدم اعتماد الظرف على ما ~~قبله { وأمره إلى الله } يجازيه على انتهائه إن كان عن قبول ~~الموعظة وصدق النية وقيل: يحكم في شأنه ولا اعتراض لكم عليه { ~~ومن عاد } أي إلى تحليل الربا { فأولئك } إشارة إلى { من ~~عاد } [البقرة، الآية 275] والجمع باعتبار المعنى كما أن الإفراد في ~~عاد باعتبار اللفظ وما فيه من معنى البعد للإشعار ببعد منزلتهم في ~~الشر والفساد { أصحب النار } أي ملازموها { هم فيها ~~خلدون } ماكثون فيها أبدا والجملة مقررة لما قبلها. ### || [2.276-279] # { يمحق الله الربوا } أي يذهب ببركته ويهلك المال الذي ~~يدخل فيه { ويربى الصدقت } يضاعف ثوابها ويبارك فيها ~~ويزيد المال الذي أخرجت منه الصدقة. روي عنه صلى الله عليه وسلم: # " أن الله يقبل الصدقة ويربيها كما يربي أحدكم مهره " # وعنه عليه الصلاة والسلام: # " ما نقص مال من صدقة قط " # { والله لا يحب } أي لا يرضى لأن الحب مختص بالتوابين { ~~كل كفار } مصر على تحليل المحرمات { أثيم } منهمك في ~~ارتكابه { إن الذين ءامنوا } بالله ورسوله وبما جاءهم به { ~~وعملوا الصلحت وأقاموا الصلوة وآتوا ~~الزكوة } تخصيصهما بالذكر مع اندراجهما في الصالحات لإنافتهما على ~~سائر الأعمال الصالحة على طريقة ذكر جبريل وميكال عقيب الملائكة ~~عليهم السلام { لهم أجرهم } جملة من مبتدإ وخبر واقعة خبرا ~~لإن أي لهم أجرهم الموعود لهم وقوله تعالى: { عند ربهم } حال ~~من أجرهم، وفي التعرض لعنوان الربوبية مع الإضافة إلى ضميرهم مزيد ~~لطف وتشريف لهم { ولا خوف عليهم } من مكروه آت { ولا هم ~~يحزنون } من محبوب فات. # { يأيها الذين ءامنوا اتقوا الله } أي قوا أنفسكم ~~عقابه { وذروا ما بقى من الربوا } أي واتركوا بقايا ما ~~شرطتم منه على الناس تركا كليا { إن كنتم مؤمنين } على ~~الحقيقة فإن ذلك مستلزم لامتثال ما أمرتم به البتة وهو شرط حذف ~~جوابه ثقة بما قبله أي إن كنتم مؤمنين فاتقوا ms0405 وذروه الخ، روي أنه كان ~~لثقيف مال على بعض قريش فطالبوهم عند المحل بالمال والربا فنزلت { ~~فإن لم تفعلوا } أي ما أمرتم به من الاتقاء وترك البقايا إما ~~مع إنكار حرمته وإما مع الاعتراف بها { فأذنوا بحرب من ~~الله ورسوله } أي فاعلموا بها من أذن بالشيء إذا علم به، أما ~~على الأول فكحرب المرتدين وأما على الثاني فكحرب البغاة، وقرىء فآذنوا ~~أي فأعلموا غيركم قيل: هو من الأذان وهو الاستماع فإنه من طرق العلم، ~~وقرىء فأيقنوا وهو مؤيد لقراءة العامة، وتنكير حرب للتفخيم، و(من) ~~متعلقة بمحذوف وقع صفة لها مؤكدة لفخامتها أي بنوع من الحرب عظيم لا ~~يقادر قدره كائن من عند الله ورسوله. # روي أنه لما نزلت قالت ثقيف: لا يد لنا بحرب الله ورسوله { وإن ~~تبتم } من الارتباء مع الإيمان بحرمتها بعدما سمعتموه من الوعيد { ~~فلكم رءوس أمولكم } تأخذونها كملا { لا تظلمون } ~~غرماءكم بأخذ الزيادة، والجملة إما مستأنفة لا محل لها من الإعراب ~~أو حال من الضمير في لكم والعامل ما تضمنه الجار من الاستقرار { ~~ولا تظلمون } عطف على ما قبله، أي لا تظلمون أنتم من قبلهم ~~بالمطل والنقص، ومن ضرورة تعليق هذا الحكم بتوبتهم عدم ثبوته عند ~~عدمها، إن كان مع إنكار الحرمة فهم مرتدون، ومالهم المكسوب في حال ~~الردة فيء للمسلمين عند أبي حنيفة رضي الله عنه وكذا سائر أموالهم ~~عند الشافعي وعندنا هو لورثتهم، ولا شيء لهم على كل حال، وإن كان مع ~~الاعتراف بها فإن كان لهم شوكة فهم على شرف القتل لم تسلم لهم رؤوسهم ~~فكيف برؤوس أموالهم وإلا فكذلك عند ابن عباس رضي الله عنهما فإنه يقول: ~~«من عامل الربا يستتاب وإلا ضرب عنقه» وأما عند غيره فهم محبوسون ~~إلى أن تظهر توبتهم لا يمكنون من التصرفات أصلا فما لم يتوبوا لم ~~يسلم لهم شيء من أموالهم بل إنما يسلم بموتهم لورثتهم. ### || [2.280-281] # { وإن كان ذو عسرة } أي إن وقع غريم من غرمائكم ذو عسرة، على ~~أن (كان) تامة، وقرىء ذا عسرة ms0406 على أنها ناقصة { فنظرة } أي فالحكم ~~نظرة أو فعليكم نظرة أو فلتكم نظرة وهي الإنظار والإمهال وقرىء ~~فناظره أي منتظره أو فصاحب نظرته على طريق النسب، وقرىء ~~فناظره أمرا من المفاعلة أي فسامحه بالنظرة { إلى ميسرة ~~} أي إلى يسار وقرىء بضم السين وهما لغتان كمشرقة ومشرقة وقرىء بهما ~~مضافتين بحذف التاء عند الإضافة كما في قوله: # [إن الخليط أجدوا البين فانجردوا] # وأخلفوك عد الأمر الذي وعدوا # { وأن تصدقوا } بحذف أحد التاءين وقرىء بتشديد الصاد أي وأن ~~تتصدقوا على معسري غرمائكم بالإبراء { خير لكم } أي أكثر ~~ثوابا من الإنظار أو خير مما تأخذونه لمضاعفة ثوابه ودوامه، فهو ندب ~~إلى أن يتصدقوا برؤوس أموالهم كلا أو بعضا على غرمائهم المعسرين كقوله ~~تعالى: { وأن تعفوا أقرب للتقوى } وقيل: المراد ~~بالتصدق الإنظار لقوله عليه السلام: # " لا يحل دين رجل مسلم فيؤخره إلا كان له بكل يوم صدقة " # { إن كنتم تعلمون } جوابه محذوف أي إن كنتم تعلمون أنه خير ~~لكم عملتموه { واتقوا يوما } هو يوم القيامة وتنكيره للتفخيم ~~والتهويل، وتعليق الإتقاء به للمبالغة في التحذير عما فيه من الشدائد ~~والأهوال { ترجعون فيه } على البناء للمفعول من الرجع وقرىء ~~على البناء للفاعل من الرجوع والأول أدخل في التهويل، وقرىء بالياء ~~على طريق الالتفات وقرىء تردون وكذا تصيرون { إلى الله } ~~لمحاسبة أعمالكم { ثم توفى كل نفس } من النفوس والتعميم ~~للمبالغة في تهويل اليوم أي تعطى كاملا { ما كسبت } أي جزاء ما ~~عملت من خير أو شر { وهم لا يظلمون } حال من كل نفس تفيد أن ~~المعاقبين وإن كانت عقوباتهم مؤبدة غير مظلومين في ذلك لما أنه من قبل ~~أنفسهم، وجمع الضمير لأنه أنسب بحال الجزاء كما أن الإفراد أوفق ~~بحال الكسب. عن ابن عباس رضي الله عنهما: «أنها آخر آية نزل بها ~~جبريل عليه السلام وقال ضعها في رأس المائتين والثمانين من البقرة» ~~وعاش رسول الله صلى الله عليه وسلم بعدها أحدا وعشرين يوما. وقيل: ~~أحدا وثمانين وقيل: سبعة أيام وقيل: ثلاث ساعات. ### || [2.282] # { يأيها الذين ءامنوا ms0407 إذا تداينتم بدين } شروع ~~في بيان حال المداينة الواقعة في تضاعيف المعاوضات الجارية فيما ~~بينهم ببيع السلع بالنقود بعد بيان حال الربا، أي إذا داين بعضكم ~~بعضا وعامله نسيئة معطيا أو آخذا، وفائدة ذكر الدين دفع توهم ~~كون التداين بمعنى المجازاة أو التنبيه على تنوعه إلى الحال ~~والمؤجل وأنه الباعث على الكتابة، وتعيين المرجع للضمير المنصوب ~~المتصل بالأمر { إلى أجل } متعلق بتداينتم أو بمحذوف وقع صفة ~~لدين { مسمى } بالأيام أو الأشهر ونظائرهما مما يفيد العلم ~~ويرفع الجهالة لا بالحصاد والدياس ونحوهما مما لا يرفعها { ~~فاكتبوه } أي الدين بأجله لأنه أوثق وأرفع للنزاع، والجمهور ~~على استحبابه، وعن ابن عباس رضي الله عنهما أن المراد به السلم وقال: ~~«لما حرم الله الربا أباح في السلف» { وليكتب بينكم كاتب ~~} بيان لكيفية الكتابة المأمور بها وتعيين لمن يتولاها إثر الأمر ~~بها إجمالا، وحذف المفعول إما لتعينه أو للقصد إلى إيقاع نفس الفعل ~~أي ليفعل الكتابة، وقوله تعالى: { بينكم } [البقرة، الآية: 282] ~~للإيذان بأن الكاتب ينبغي أن يتوسط بين المتداينين ويكتب كلامهما ~~ولا يكتفي بكلام أحدهما، وقوله تعالى: { بالعدل } متعلق بمحذوف ~~هو صفة لكاتب أي كاتب كائن بالعدل أي وليكن المتصدي للكتابة من شأنه ~~أن يكتب بالسوية من غير ميل إلى أحد الجانبين لا يزيد ولا ينقص، وهو ~~أمر للمتداينين باختيار كاتب فقيه دين حتى يجيء كتابه موثوقا به ~~معدلا بالشرع، ويجوز أن يكون حالا منه أي ملتبسا بالعدل، وقيل: ~~متعلق بالفعل أي وليكتب بالحق { ولا يأب كاتب } أي ولا يمتنع ~~أحد من الكتاب { أن يكتب } كتاب الدين { كما علمه الله ~~} على طريقة ما علمه من كتبه الوثائق أو كما بينه بقوله تعالى: { ~~بالعدل } أو لا يأب أن ينفع الناس بكتابته كما نفعه الله تعالى ~~بتعليم الكتابة كقوله تعالى: # وأحسن كما أحسن الله إليك # [القصص، الآية: 77] { فليكتب } تلك الكتابة المعلمة، أمر بها ~~بعد النهي عن إبائها تأكيدا لها، ويجوز أن تتعلق الكاف بالأمر على أن ~~يكون النهي عن الامتناع منها مطلقة ثم الأمر بها مقيدة. # { وليملل ms0408 الذى عليه الحق } الإملال هو الإملاء أي ~~وليكن المملي من عليه الحق لأنه المشهود عليه فلا بد أن يكون هو ~~المقر { وليتق الله ربه } جمع ما بين الاسم الجليل ~~والنعت الجميل للمبالغة في التحذير، أي وليتق المملي دون الكاتب كما ~~قيل لقوله تعالى: { ولا يبخس منه } أي من الحق الذي يمليه على ~~الكاتب { شيئا } فإنه الذي يتوقع منه البخس خاصة، وأما الكاتب ~~فيتوقع منه الزيادة كما يتوقع منه النقص، فلو أريد نهيه لنهى عن ~~كليهما، وقد فعل ذلك حيث أمر بالعدل، وإنما شدد في تكليف المملي ~~حيث جمع فيه بين الأمر بالاتقاء والنهي عن البخس لما فيه من الدواعي ~~إلى المنهي عنه، فإن الإنسان مجبول على دفع الضرر عن نفسه وتخفيف ما ~~في ذمته بما أمكن { فإن كان الذى عليه الحق } صرح بذلك ~~في موضع الإضمار لزيادة الكشف والبيان لا لأن الأمر والنهي لغيره { ~~سفيها } ناقص العقل مبذرا مجازفا { أو ضعيفا } صبيا أو ~~شيخا مختلا { أو لا يستطيع أن يمل هو } أي غير مستطيع ~~للإملاء بنفسه لخرس أو عي أو جهل أو غير ذلك من العوارض { ~~فليملل وليه } أي الذي يلي أمره ويقوم مقامه من قيم أو ~~وكيل أو مترجم { بالعدل } أي من غير نقص ولا زيادة. # لم يكلف بعين ما كلف به من عليه الحق لأنه يتوقع منه الزيادة كما ~~يتوقع منه البخس { واستشهدوا شهيدين } أي اطلبوهما ليتحملا ~~الشهادة على ما جرى بينكم من المداينة، وتسميتهما شهيدين لتنزيل ~~المشارف منزلة الكائن { من رجالكم } متعلق باستشهدوا، ومن ~~ابتدائية أو بمحذوف وقع صفة لشهيدين، ومن تبعيضية أي شهيدين كائنين من ~~رجال المسلمين الأحرار إذ الكلام في معاملاتهم، فإن خطابات الشرع لا ~~تنتظم العبيد بطريق العبارة كما بين في موضعه، وأما إذا كانت ~~المداينة بين الكفرة أو كان من عليه الحق كافرا فيجوز استشهاد ~~الكافر عندنا. # { فإن لم يكونا } أي الشهيدان جميعا على طريقة نفي الشمول لا ~~شمول النفي { رجلين } إما لإعوازهما أو لسبب آخر من الأسباب { ~~فرجل وامرأتان } أي فليشهد رجل ms0409 وامرأتان يكفون، وهذا فيما ~~عدا الحدود والقصاص عندنا، وفي الأموال خاصة عند الشافعي { ممن ~~ترضون } متعلق بمحذوف وقع صفة لرجل وامرأتان أي كائنون مرضيين ~~عندكم، وتخصيصهم بالوصف المذكور مع تحقق اعتباره في كل شهيد لقلة اتصاف ~~النساء به، وقيل: نعت لشهيدين أي كائنين ممن ترضون، ورد بأنه يلزم ~~الفصل بينهما بالأجنبي، وقيل: بدل من رجالكم بتكرير العامل، ورد بما ~~ذكر من الفصل، وقيل: متعلق بقوله تعالى: { واستشهدوا } [البقرة، ~~الآية: 282] فيلزم الفصل بين اشتراط المرأتين وبين تعليله وقوله عز ~~وجل: { من الشهداء } متعلق بمحذوف وقع حالا من الضمير المحذوف ~~الراجع إلى الموصول أي ممن ترضونهم كائنين من بعض الشهداء لعلمكم بعد ~~التهم وثقتكم بهم، وإدراج النساء في الشهداء بطريق التغليب { أن ~~تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى } تعليل ~~لاعتبار العدد في النساء، والعلة في الحقيقة هي التذكير ولكن الضلال ~~لما كان سببا له نزل منزلته كما في قولك: أعددت السلاح أن يجيء عدو ~~فأدفعه، كأنه قيل: لأجل أن تذكر إحداهما الأخرى إن ضلت عن الشهادة بأن ~~نسيتها، ولعل إيثار ما عليه النظم الكريم على أن يقال: أن تضل إحداهما ~~فتذكرها الأخرى لتأكيد الإبهام والمبالغة في الاحتراز عن توهم اختصاص ~~الضلال بإحداهما بعينها، والتذكير بالأخرى، وقرىء فتذكر من الإذكار ~~وقرىء فتذاكر وقرىء إن تضل على الشرط فتذكر بالرفع كقوله تعالى: # ومن عاد فينتقم الله منه # [المائدة، الآية 95] { ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا } ~~لأداء الشهادة أو لتحملها، وتسميتهم شهداء قبل التحمل لما مر من ~~تنزيل المشارف منزلة الواقع وما مزيدة. عن قتادة أنه كان الرجل يطوف في ~~الحواء العظيم فيه القوم فلا يتبعه منهم أحد فنزلت. # { ولا تسأموا } أي لا تملوا من كثرة مدايناتكم { أن تكتبوه ~~} الدين أو الحق أو الكتاب وقيل: كنى به عن الكسل الذي هو صفة ~~المنافق كما ورد في قوله تعالى: # وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى # [النساء، الآية 142] وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: # " لا يقول المؤمن كسلت " # { صغيرا أو كبيرا } حال من الضمير أي حال كونه ms0410 صغيرا أو ~~كبيرا أي قليلا أو كثيرا أو مجملا أو مفصلا { إلى أجله } ~~متعلق بمحذوف وقع حالا من الهاء في تكتبوه أي مستقرا في الذمة إلى ~~وقت حلوله { ذلكم } الذي أقر به المديون إشارة إلى ما أمر به من ~~الكتب، والخطاب للمؤمنين { أقسط } أي أعدل { عند الله } أي ~~في حكمه تعالى { وأقوم للشهدة } أي أثبت لها وأعون على ~~إقامتها وهما مبنيان من أقسط وأقام فإنه قياسي عند سيبويه أو من قاسط ~~بمعنى ذي قسط وقويم، وإنما صحت الواو في أقوم كما صحت في التعجب لجموده ~~{ وأدنى ألا ترتابوا } وأقرب إلى انتفاء ريبكم في جنس ~~الدين وقدره وأجله وشهوده ونحو ذلك { إلا أن تكون تجرة ~~حاضرة تديرونها بينكم } استثناء منقطع من الأمر بالكتابة ~~أي لكن وقت كون تداينكم أو تجارتكم تجارة حاضرة بحضور البدلين ~~تديرونها بينكم بتعاطيهما يدا بيد { فليس عليكم جناح أن ~~لا تكتبوها } أي فلا بأس بألا تكتبوها لبعده عن التنازع والنسيان، ~~وقرىء برفع تجارة على أنها اسم كان وحاضرة صفتها وتديرونها خبرها أو ~~على أنها تامة. # { وأشهدوا إذا تبايعتم } هذا التبايع أو مطلقا لأنه ~~أحوط، والأوامر الواردة في الآية الكريمة للندب عند الجمهور وقيل: ~~للوجوب ثم اختلف في أحكامها ونسخها { ولا يضار كاتب ولا ~~شهيد } نهي عن المضارة محتمل للبناءين كما ينبىء عنه قراءة من قرأ ~~ولا يضارر بالكسر والفتح وهو نهيهما عن ترك الإجابة والتغيير ~~والتحريف في الكتابة والشهادة، أو نهي الطالب عن الضرار بهما بأن ~~يعجلهما عن مهمتهما أو يكلفهما الخروج عما حد لهما، أو لا ~~يعطي الكاتب جعله وقرىء بالرفع على أنه نفي في معنى النهي { وإن ~~تفعلوا } ما نهيتم عنه من الضرار { فإنه } أي فعملكم ذلك { ~~فسوق بكم } أي خروج عن الطاعة ملتبس بكم { واتقوا الله } ~~في مخالفة أوامره ونواهيه التي من جملتها نهيه عن المضارة { ~~ويعلمكم الله } أحكامه المتضمنة لمصالحكم { والله بكل ~~شيء عليم } فلا يكاد يخفى عليه حالكم وهو مجازيكم بذلك، كرر لفظ ~~الجلالة في الجمل الثلاث لإدخال الروعة وتربية المهابة وللتنبيه ms0411 على ~~استقلال كل منها بمعنى على حياله فإن الأولى حث على التقوى والثانية ~~وعد بالإنعام والثالثة تعظيم لشأنه تعالى. ### || [2.283] # { وإن كنتم على سفر } أي مسافرين أو متوجهين إليه { ولم ~~تجدوا كاتبا } في المداينة، وقرىء كتابا وكتبا وكتابا { ~~فرهن مقبوضة } أي فالذي يستوثق به أو فعليكم أو فليؤخذ أو ~~فالمشروع رهان مقبوضة، وليس هذا التعليق لاشتراط السفر في شرعية ~~الارتهان كما حسبه مجاهد والضحاك لأنه صلى الله عليه وسلم " رهن ~~درعه في المدينة من يهودي بعشرين صاعا من شعير أخذه لأهله " بل لإقامة ~~التوثق بالارتهان مقام التوثق بالكتابة في السفر الذي هو مظنة ~~إعوازها وإنما لم يتعرض لحال الشاهد لما أنه في حكم الكاتب توثقا ~~وإعوازا، والجمهور على وجوب القبض في تمام الرهن غير مالك وقرىء ~~فرهن كسقف وكلاهما جمع رهن بمعنى مرهون وقرىء بسكون الهاء تخفيفا ~~{ فإن أمن بعضكم بعضا } أي بعض الدائنين بعض المديونين ~~لحسن ظنه به واستغنى بأمانته عن الارتهان، وقرىء أومن بعضكم أي آمنه ~~الناس ووصفوه بالأمانة قيل: فيكون انتصاب بعضا حينئذ على نزع الخافض ~~أي على متاع بعض { فليؤد الذى اؤتمن } وهو المديون وإنما عبر ~~عنه بذلك العنوان لتعينه طريقا للإعلام ولحمله على الأداء { ~~أمنته } أي دينه وإنما سمي أمانة لائتمانه عليه بترك الارتهان به ~~وقرىء ايتمن بقلب الهمزة ياء وقرىء بإدغام الياء في التاء وهو خطأ لأن ~~المنقلبة من الهمزة لا تدغم لأنها في حكمها { وليتق الله ~~ربه } في رعاية حقوق الأمانة وفي الجمع بين عنوان الألوهية وصفة ~~الربوبية من التأكيد والتحذير ما لا يخفى. # { ولا تكتموا الشهدة } أيها الشهود أو المديونون أي ~~شهادتكم على أنفسكم عند المعاملة { ومن يكتمها فإنه ءاثم ~~قلبه } آثم خبر إن وقلبه مرتفع به على الفاعلية كأنه قيل: يأثم ~~قلبه أو مرتفع بالابتداء وآثم خبر مقدم والجملة خبر إن وإسناد ~~الإثم إلى القلب لأن الكتمان مما اقترفه، ونظيره نسبة الزنا إلى ~~العين والأذن، أو للمبالغة لأنه رئيس الأعضاء وأفعاله أعظم الأفعال ~~كأنه قيل: تمكن الإثم في نفسه وملك أشرف ms0412 مكان فيه وفاق سائر ذنوبه. عن ~~ابن عباس رضي الله عنهما إن أكبر الكبائر الإشراك بالله لقوله تعالى: # فقد حرم الله عليه الجنة # [المائدة، الآية 72] وشهادة الزور وكتمان الشهادة. وقرىء قلبه بالنصب ~~كما في سفه نفسه وقرىء أثم قلبه أي جعله آثما { والله بما ~~تعملون عليم } فيجازيكم به إن خيرا فخير وإن شرا فشر. ### || [2.284] # { لله ما فى السموات وما في الأرض } من الأمور ~~الداخلة في حقيقتهما والخارجة عنهما المتمكنة فيهما من أولي العلم ~~وغيرهم، أي كلها له تعالى خلقا وملكا وتصرفا لا شركة لغيره ~~في شيء منها بوجه من الوجوه { وإن تبدوا ما في أنفسكم } من ~~السوء والعزم عليه بأن تظهروه للناس بالقول أو بالفعل أو بهما { أو ~~تخفوه } بأن تكتموه منهم ولا تظهروه بأحد الوجهين، ولا يندرج فيه ~~ما لا يخلو عنه البشر من الوساوس وأحاديث النفس التي لا عقد ولا عزيمة ~~فيها إذ التكليف بحسب الوسع { يحاسبكم به الله } يوم ~~القيامة وهو حجة على منكري الحساب من المعتزلة والروافض، وتقديم ~~الجار والمجرور على الفاعل للاعتناء به، وأما تقديم الإبداء على ~~الإخفاء على عكس ما في قوله عز وجل: # قل إن تخفوا ما فى صدوركم أو تبدوه يعلمه ~~الله # [آل عمران، الآية 29] فلما أن المعلق بما في أنفسهم ههنا هو ~~المحاسبة، والأصل فيها الأعمال البادية، وأما العلم فتعلقه بها ~~كتعلقه بالأعمال الخافية، كيف لا وعلمه سبحانه بمعلوماته متعال عن أن ~~يكون بطريق حصول الصور، بل وجود كل شيء في نفسه في أي طور كان علم ~~بالنسبة إليه تعالى وفي هذا لا يختلف الحال بين الأشياء البارزة ~~والكامنة خلا أن مرتبة الإخفاء متقدمة على مرتبة الإبداء إذ ما من شيء ~~يبدى إلا وهو أو مباديه قبل ذلك مضمر في النفس فتعلق علمه تعالى ~~بحالته الأولى متقدم على تعلقه بحالته الثانية وقد مر في تفسير قوله ~~تعالى: # أولا يعلمون أن الله يعلم ما يسرون وما ~~يعلنون # [البقرة، الآية 77]. # { فيغفر } بالرفع على الاستئناف أي فهو يغفر بفضله { لمن يشاء ~~} أي يغفر ms0413 له { ويعذب } بعدله { من يشآء } أي يعذبه حسبما تقتضيه ~~مشيئته المبنية على الحكم والمصالح، وتقديم المغفرة على التعذيب ~~لتقدم رحمته على غضبه، وقرىء بجزم الفعلين عطفا على جواب الشرط، وقرىء ~~بالجزم من غير فاء على أنهما بدل من الجواب بدل البعض أو الاشتمال، ~~ونظيره الجزم على البدلية من الشرط في قوله: [الطويل] # متى تأتنا تلمم بنا في ديارنا # تجد حطبا جزلا ونارا تأججا # وإدغام الراء في اللام لحن { والله على كل شيء قدير } ~~تذييل مقرر لمضمون ما قبله، فإن كمال قدرته تعالى على جميع الأشياء ~~موجب لقدرته سبحانه على ما ذكر من المحاسبة وما فرع عليه من ~~المغفرة والتعذيب. ### || [2.285] # { آمن لرسول } لما ذكر في فاتحة السورة الكريمة أن ما أنزل إلى ~~الرسول صلى الله عليه وسلم من الكتاب العظيم الشأن هدى للمتصفين بما ~~فصل هناك من الصفات الفاضلة التي من جملتها الإيمان به وبما أنزل ~~قبله من الكتب الإلهية، وأنهم حائزون لأثرتي الهدى والفلاح من غير ~~تعيين لهم بخصوصهم، ولا تصريح بتحقق اتصافهم بها إذ ليس فيما يذكر ~~في حيز الصلة حكم بالفعل وعقب ذلك ببيان حال من كفر به من ~~المجاهرين والمنافقين ثم شرح في تضاعيفها من فنون الشرائع والأحكام ~~والمواعظ والحكم وأخبار الأمم السالفة وغير ذلك مما تقتضي الحكمة ~~شرحه عين في خاتمتها المتصفون بها وحكم باتصافهم بها على طريق ~~الشهادة لهم من جهته عز وجل بكمال الإيمان وحسن الطاعة، وذكره صلى ~~الله عليه وسلم بطريق الغيبة مع ذكره هناك بطريق الخطاب لما أن حق ~~الشهادة الباقية على مر الدهور ألا يخاطب بها المشهود له، ولم يتعرض ~~ههنا لبيان فوزهم بمطالبهم التي من جملتها ما حكي عنهم من الدعوات ~~الآتية إيذانا بأنه أمر محقق غني عن التصريح به لا سيما بعدما نص ~~عليه فيما سلف، وإيراده عليه السلام بعنوان الرسالة المنبئة عن كونه ~~عليه السلام صاحب كتاب مجيد وشرع جديد تمهيد لما يعقبه من قوله ~~تعالى: { بما أنزل إليه } ومزيد توضيح لاندراجه في الرسل ~~المؤمن بهم عليهم ms0414 السلام، والمراد بما أنزل إليه { من ربه } ~~إيمانا تفصيليا متعلقا بجميع ما فيه من الشرائع والأحكام والقصص ~~والمواعظ وأحوال الرسل والكتب، وغير ذلك من حيث إنه منزل منه تعالى، ~~وأما الإيمان بحقية أحكامه وصدق أخباره ونحو ذلك فمن فروع الإيمان به ~~من الحيثية المذكورة، وفي هذا الإجمال إجلال لمحله عليه الصلاة ~~والسلام وإشعار بأن تعلق إيمانه بتفاصيل ما أنزل إليه وإحاطته بجميع ~~ما انطوى عليه من الظهور بحيث لا حاجة إلى ذكره أصلا وكذا في التعرض ~~لعنوان الربوبية مع الإضافة إلى ضميره عليه السلام تشريف له وتنبيه ~~على أن إنزاله إليه تربية وتكميل له عليه السلام. # { والمؤمنون } أي الفريق المعروفون بهذا الاسم فاللام عهدية ~~لا موصولة لإفضائها إلى خلو الكلام عن الجدوى وهو مبتدأ، وقوله عز وجل: { ~~كل } مبتدأ ثان، وقوله تعالى: { آمن } خبره والجملة خبر للمبتدأ ~~الأول، والرابط بينهما الضمير الذي ناب منابه التنوين، وتوحيد الضمير ~~في آمن مع رجوعه إلى كل المؤمنين لما أن المراد بيان إيمان كل فرد ~~منهم من غير اعتبار الاجتماع كما اعتبر ذلك في قوله تعالى: # وكل أتوه دخرين # [النمل، الآية 87] وتغيير سبك النظم الكريم عما قبله لتأكيد ~~الإشعار بما بين إيمانه على السلام المبني على المشاهدة والعيان ~~وبين إيمانهم الناشىء عن الحجة والبرهان من التفاوت البين ~~والاختلاف الجلي كأنهما متخالفان من كل وجه حتى في هيئة التركيب ~~الدال عليهما، وما فيه من تكرير الإسناد لما في الحكم بإيمان كل ~~واحد منهم على الوجه الآتي من نوع خفاء محوج إلى التقوية والتأكيد، ~~أي كل واحد منهم آمن { بالله } وحده من غير شريك له في الألوهية ~~والمعبودية { وملئكته } أي من حيث إنهم عباد مكرمون له تعالى ~~من شأنهم التوسط بينه تعالى وبين الرسل بإنزال الكتب وإلقاء الوحي، ~~فإن مدار الإيمان بهم ليس من خصوصيات ذواتهم في أنفسهم بل هو من ~~إضافتهم إليه تعالى من الحيثية المذكورة كما يلوح به الترتيب في النظم. # { وكتبه ورسله } أي من حيث مجيئهما من عنده تعالى لإرشاد ~~الخلق إلى ما ms0415 شرع لهم من الدين بالأوامر والنواهي لكن لا على الإطلاق ~~بل على أن كل واحد من تلك الكتب منزل منه تعالى إلى رسول معين ~~من أولئك الرسل عليهم الصلاة والسلام حسبما فصل في قوله تعالى: # قولوا ءامنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل ~~إلى إبرهيم وإسمعيل وإسحق ويعقوب ~~والأسباط وما أوتى موسى وعيسى وما أوتي ~~النبيون من ربهم... # [البقرة، الآية 136] ولا على أن مناط الإيمان خصوصية ذلك الكتاب أو ~~ذلك الرسول بل على أن الإيمان بالكل مندرج في الإيمان بالكتاب ~~المنزل إلى الرسول صلى الله عليه وسلم ومستند إليه لما تلي من ~~الآية الكريمة ولا على أن أحكام الكتب السالفة وشرائعها باقية ~~بالكلية ولا على أن الباقي منها معتبر بالإضافة إليها بل على أن أحكام ~~كل واحد منها كانت حقة ثابتة إلى ورود كتاب آخر ناسخ له وأن ما لم ~~ينسخ منها إلى الآن من الشرائع والأحكام ثابتة من حيث إنها من أحكام ~~هذا الكتاب المصون عن النسخ إلى يوم القيامة، وإنما لم يذكر ههنا ~~الإيمان باليوم الآخر كما ذكر في قوله تعالى: # ولكن البر من ءامن بالله واليوم الأخر ~~والملئكة والكتب والنبيين # [البقرة، الآية 177] لاندراجه في الإيمان بكتبه وقرىء وكتابه على أن ~~المراد به القرآن أو جنس الكتاب كما في قوله تعالى: # فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وأنزل ~~معهم الكتب # [البقرة، الآية 4]. # والفرق بينه وبين الجمع أنه شائع في أفراد الجنس والجمع في جموعه، ~~ولذلك قيل: الكتاب أكثر من الكتب، وهذا نوع تفصيل لما أجمل في قوله ~~تعالى: { بما أنزل إليه من ربه } اقتصر عليه إيذانا ~~بكفايته في الإيمان الإجمالي المتحقق في كل فرد من أفراد المؤمنين من ~~غير نفي لزيادة، ضرورة اختلاف طبقاتهم وتفاوت إيمانهم بالأمور ~~المذكورة في مراتب التفصيل تفاوتا فاحشا فإن الإجمال في الحكاية لا ~~يوجب الإجمال في المحكي، كيف لا وقد أجمل في حكاية إيمانه عليه ~~السلام بما أنزل إليه من ربه مع بداهة كونه متعلقا بتفاصيل ما فيه ~~من الجلائل والدقائق، ثم إن الأمور ms0416 المذكورة حيث كانت من الأمور ~~الغيبية التي لا يوقف عليها إلا من جهة العليم الخبير كان الإيمان ~~بها مصداقا لما ذكر في صدر السورة الكريمة من الإيمان بالغيب وأما ~~الإيمان بكتبه تعالى، فإشارة إلى ما في قوله تعالى: # يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك # [البقرة، الآية 4] هذا هو اللائق بشأن التنزيل والحقيق بمقداره ~~الجليل، وقد جوز أن يكون قوله تعالى: { والمؤمنون } [البقرة، ~~الآية 285] معطوفا على { الرسول } [البقرة، الآية 285] فيوقف عليه، ~~والضمير الذي عوض عنه التنوين راجع إلى المعطوفين معا كأنه قيل: ~~آمن الرسول والمؤمنون بما أنزل إليه من ربه، ثم فصل وقيل: كل ~~واحد من الرسل والمؤمنين آمن بالله الخ، خلا أنه قدم المؤمن به على ~~المعطوف اعتناء بشأنه وإيذانا بأصالته عليه السلام في الإيمان به، ولا ~~يخفى أنه مع خلوه عما في الوجه الأول من كمال وإجلال شأنه عليه ~~السلام وتفخيم إيمانه مخل بجزالة النظم الكريم لأنه إن حمل كل ~~من الإيمانين على ما يليق بشأنه عليه الصلاة والسلام من حيث الذات ومن ~~حيث التعلق بالتفاصيل استحال إسنادهما إلى غيره عليه الصلاة والسلام ~~وضاع التكرير، وإن حملا على ما يليق بشأن آحاد الأمة كان ذلك حطا ~~لرتبته العلية عليه السلام، وأما حملهما على ما يليق بكل واحد ممن ~~نسبا إليه من الآحاد ذاتا وتعلقا - بأن يحملا بالنسبة إلى الرسول ~~صلى الله عليه وسلم على الإيمان العياني المتعلق بجميع التفصيل وبالنسبة ~~إلى آحاد الأمة على الإيمان المكتسب من جهته عليه السلام اللائق ~~بحالهم في الإجمال والتفصيل - فاعتساف بين ينبغي تنزيه ساحة التنزيل ~~عن أمثاله، وقوله تعالى: { لا نفرق بين أحد من رسله } ~~في حيز النصب بقول مقدر على صيغة الجمع رعاية لجانب المعنى، منصوب ~~على أنه حال من ضمير آمن، أو مرفوع على أنه خبر آخر (لكل) أي يقولون ~~لا نفرق بينهم بأن نؤمن ببعض منهم ونكفر بآخرين بل نؤمن بصحة ~~رسالة كل واحد منهم. قيدوا به إيمانهم تحقيقا للحق وتخطئة لأهل ~~الكتابين حيث أجمعوا على الكفر بالرسول ms0417 صلى الله عليه وسلم واستقلت ~~اليهود بالكفر بعيسى عليه السلام أيضا على أن مقصودهم الأصلي إبراز ~~إيمانهم بما كفروا به من رسالته عليه السلام لا إظهار موافقتهم لهم فيما ~~آمنوا به، وهذا كما ترى صريح في أن القائلين آحاد المؤمنين خاصة إذ لا ~~يمكن أن يسند إليه عليه السلام أن يقول: لا أفرق بين أحد من رسله وهو ~~يريد به إظهار إيمانه برسالة نفسه وتصديقه في دعواها، وعدم التعرض ~~لنفي التفريق بين الكتب لاستلزام المذكور إياه وإنما لم يعكس مع ~~تحقق التلازم من الطرفين لما أن الأصل في تفريق المفرقين هو الرسل، ~~وكفرهم بالكتب متفرع على كفرهم بهم، وقرىء بالياء على إسناد الفعل إلى ~~كل، وقرىء لا يفرقون حملا على المعنى كما في قوله تعالى: # وكل أتوه دخرين # [النحل، الآية 87] فالجملة نفسها حال من الضمير المذكور، وقيل: خبر ~~ثان لكل كما قيل في القول المقدر فلا بد من اعتبار الكلية بعد النفي ~~دون العكس إذ المراد شمول النفي لا نفي الشمول، والكلام في همزة ~~(أحد) وفي دخول (بين) عليه قد مر تفصيله عند قوله تعالى: # لا نفرق بين أحد منهم # [البقرة، الآية 136] وفيه من الدلالة صريحا على تحقق عدم التفريق بين ~~كل فرد فرد منهم وبين من عداه كائنا من كان ما ليس في أن يقال: لا ~~نفرق بين رسله، وإيثار إظهار الرسل على الإضمار الواقع مثله في ~~قوله تعالى: # وما أوتي النبيون من ربهم لا نفرق بين أحد ~~منهم # [البقرة، الآية: 136] إما للاحتراز عن توهم اندراج الملائكة في الحكم، ~~أو للإشعار بعلة عدم التفريق، أو للإيماء إلى عنوانه، لأن المعتبر ~~عدم التفريق من حيث الرسالة دون سائر الحيثيات الخاصة { وقالوا } ~~عطف على آمن، وصيغة الجمع باعتبار جانب المعنى وهو حكاية لامتثالهم ~~بالأوامر إثر حكاية إيمانهم { سمعنا } أي فهمنا ما جاءنا من الحق ~~وتيقنا بصحته { وأطعنا } ما فيه من الأوامر والنواهي وقيل سمعنا: ~~أجبنا دعوتك وأطعنا أمرك { غفرانك ربنا } أي اغفر لنا غفرانك ~~أو نسألك غفرانك ذنوبنا المتقدمة أو ما ms0418 لا يخلو عنه البشر من التقصير ~~في مراعاة حقوقك، وتقديم ذكر السمع والطاعة على طلب الغفران لما أن ~~تقديم الوسيلة على المسؤول أدعى إلى الإجابة والقبول، والتعرض لعنوان ~~الربوبية مع الإضافة إليهم للمبالغة في التضرع والجؤار. # { وإليك المصير } أي الرجوع بالموت والبعث لا إلى غيرك، وهو ~~تذييل لما قبله مقرر للحاجة إلى المغفرة لما أن الرجوع للحساب ~~والجزاء. ### || [2.286] # وقوله تعالى: { لا يكلف الله نفسا إلا وسعها } جملة ~~مستقلة جيء بها إثر حكاية تلقيهم لتكاليفه تعالى بحسن الطاعة ~~إظهارا لما له تعالى عليهم في ضمن التكليف من محاسن آثار الفضل ~~والرحمة ابتداء لا بعد السؤال كما سيجيء، هذا وقد روي أنه لما نزل قوله ~~تعالى: # وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به ~~الله # [البقرة، الآية 284] الآية، اشتد ذلك على أصحاب رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فأتوه ثم بركوا على الركب فقالوا: أي رسول الله ~~كلفنا من الأعمال ما نطيق، الصلاة والصوم والحج والجهاد وقد أنزل ~~إليك هذه الآية ولا نطيقها فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " أتريدون أن تقولوا كما قال أهل الكتابين من قبلكم سمعنا وعصينا بل ~~قولوا سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير " # فقرأها القوم فأنزل الله عز وجل: # آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه # [البقرة، الآية 285] إلى قوله تعالى: { غفرانك ربنا وإليك ~~المصير } فمسؤولهم الغفران المعلق بمشيئته عز وعلا في قوله: # فيغفر لمن يشاء # [البقرة، الآية 284] ثم أنزل الله تعالى: { لا يكلف الله ~~نفسا إلا وسعها } [البقرة، الآية: 286] تهوينا للخطب عليهم ~~ببيان أن المراد بما في أنفسهم ما عزموا عليه من السوء خاصة لا ما ~~يعم الخواطر التي لا يستطاع الاحتراز عنها والتكليف إلزام ما فيه ~~كلفة ومشقة، والوسع ما يسع الإنسان ولا يضيق عليه أي سنته ~~تعالى أنه لا يكلف نفسا من النفوس إلا ما يتسع فيه طوقها ويتيسر ~~عليها دون مدى الطاقة والمجهود فضلا منه تعالى ورحمة لهذة الأمة كقوله ~~تعالى: # يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر # [البقرة، ms0419 الآية 185] وقرىء وسعها بالفتح وهذا يدل على عدم وقوع ~~التكليف بالمحال لا على امتناعه وقوله تعالى: { لها ما كسبت ~~وعليها ما اكتسبت } للترغيب في المحافظة على مواجب التكليف ~~والتحذير عن الإخلال بها ببيان أن تكليف كل نفس مع مقارنته لنعمة ~~التخفيف والتيسير تتضمن مراعاته منفعة زائدة، وأنها تعود إليها لا ~~إلى غيرها ويستتبع الإخلال به مضرة تحيق بها لا بغيرها، فإن اختصاص ~~منفعة الفعل بفاعله من أقوى الدواعى إلى تحصيله، واقتصار مضرته ~~عليه من أشد الزواجر عن مباشرته، أي لها ثواب ما كسبت من الخير الذي ~~كلفت فعله لا لغيرها استقلالا أو اشتراكا ضرورة شمول كلمة (ما) ~~لكل جزء من أجزاء مكسوبها، وعليها لا على غيرها بأحد الطريقين ~~المذكورين عقاب ما اكتسبت من الشر الذي كلفت تركه، وإيراد الاكتساب ~~في جانب الشر لما فيه من اعتمال ناشىء من اعتناء النفس بتحصيل الشر ~~وسعيها في طلبه { ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو ~~أخطأنا } شروع في حكاية بقية دعواتهم إثر بيان سر التكليف، ~~أي لا تؤاخذنا بما صدر عنا من الأمور المؤدية إلى النسيان أو الخطأ من ~~تفريط وقلة مبالاة ونحوهما مما يدخل تحت التكليف، أو بأنفسهما من حيث ~~ترتبهما على ما ذكر، أو مطلقا إذ لا امتناع في المؤاخذة بهما عقلا، ~~فإن المعاصي كالسموم فكما أن تناولها ولو سهوا أو خطأ مؤد إلى ~~الهلاك فتعاطي المعاصي أيضا لا يبعد أن يفضي إلى العقاب وإن لم يكن ~~عن عزيمة، ووعده تعالى بعدمه لا يوجب استحالة وقوعه، فإن ذلك من آثار ~~فضله ورحمته كما ينبىء عنه الرفع في قوله عليه السلام: # " رفع عن أمتي الخطأ والنسيان " # وقد روي أن اليهود كانوا إذا نسوا شيئا عجلت لهم العقوبة، فدعاؤهم ~~بعد العلم بتحقق الموعود للاستدامة والاعتداد بالنعمة في ذلك كما في قوله ~~تعالى: # ربنا وءاتنا ما وعدتنا على رسلك # [آل عمران، الآية 194] { ربنا ولا تحمل علينا إصرا } ~~عطف على ما قبله، وتوسيط النداء بينهما لإبراز مزيد الضراعة، والإصر ~~العبء الثقيل الذي يأصر صاحبه أي يحبسه ms0420 مكانه والمراد به ~~التكاليف الشاقة، وقيل الإصر الذنب الذي لا توبة له فالمعنى اعصمنا ~~من اقترافه، وقرىء آصارا، وقرىء لا تحمل بالتشديد للمبالغة { كما ~~حملته على الذين من قبلنا } في حيز النصب على أنه صفة ~~لمصدر محذوف أي حملا مثل حملك إياه على من قبلنا، أو على أنه ~~صفة لإصرا أي إصرا مثل الإصر الذي حملته على من قبلنا وهو ما ~~كلفه بنو إسرائيل من بخع النفس في التوبة، وقطع موضع النجاسة، ~~وخمسين صلاة في يوم وليلة وصرف ربع المال للزكاة وغير ذلك من ~~التشديدات فإنهم كانوا إذا أتوا بخطيئة حرم عليهم من الطعام بعض ما ~~كان حلالا لهم قال الله تعالى: # فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبت ~~أحلت لهم # [النساء، الآية 160] وقد عصم الله عز وجل بفضله ورحمته هذه الأمة عن ~~أمثال ذلك وأنزل في شأنهم: # ويضع عنهم إصرهم والأغلل التى كانت عليهم # [الأعراف، الآية 157] وقال عليه السلام: # " بعثت بالحنيفية السهلة السمحة " # وعن العقوبات التي عوقب بها الأولون من المسخ والخسف وغير ذلك قال ~~عليه السلام: # " رفع عن أمتي الخسف والمسخ والغرق " # { ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به } عطف على ما ~~قبله واستعفاء عن العقوبات التي لا تطاق بعد الاستعفاء عما يؤدي إليه ~~التفريط فيه من التكاليف الشاقة التي لا يكاد من كلفها يخلو عن ~~التفريط فيها كأنه قيل: لا تكلفنا تلك التكاليف ولا تعاقبنا ~~بتفريطنا في المحافظة عليها فيكون التعبير عن إنزال العقوبات ~~بالتحميل باعتبار ما يؤدي إليها، وقيل: هو تكرير للأول وتصوير للإصر ~~بصورة ما لا يستطاع مبالغة، وقيل: هو استعفاء عن التكليف بما لا تفي ~~به الطاقة البشرية حقيقة، فيكون دليلا على جوازه عقلا وإلا لما سئل ~~التخلص عنه، والتشديد ههنا لتعدية الفعل إلى مفعول ثان { واعف ~~عنا } أي آثار ذنوبنا { واغفر لنا } واستر عيوبنا ولا ~~تفضحنا على رؤوس الأشهاد { وارحمنا } وتعطف بنا وتفضل ~~علينا، وتقديم طلب العفو والمغفرة على طلب الرحمة لما أن التخلية ~~سابقة على التحلية { أنت مولنا } سيدنا ونحن عبيدك ms0421 أو ناصرنا ~~أو متولي أمورنا { فانصرنا على القوم الكفرين } فإن ~~من حق المولى أن ينصر عبده ومن يتولى أمره على الأعداء، والمراد ~~به عامة الكفرة، وفيه إشارة إلى أن إعلاء كلمة الله والجهاد في سبيله ~~تعالى حسبما أمر في تضاعيف السورة الكريمة غاية مطالبهم، روي أنه عليه ~~الصلاة والسلام لما دعا بهذه الدعوات قيل له عند كل دعوة: قد فعلت، ~~وعنه عليه السلام: # " أنزل الله آيتين من كنوز الجنة كتبهما الرحمن بيده قبل أن يخلق ~~الخلق بألفي عام من قرأهما بعد العشاء الأخيرة أجزاتاه عن قيام الليل ~~" # وعنه عليه السلام: # " من قرأ آيتين من سورة البقرة كفتاه " # وهو حجة على من استكره أن يقول سورة البقرة وقال: ينبغي أن يقال: ~~السورة التي يذكر فيها البقرة كما قال عليه السلام: # " " السورة التي يذكر فيها البقرة فسطاط القرآن فتعلمها بركة ~~وتركها حسرة، ولن تستطيعها البطلة " ، قيل: وما البطلة؟ قال عليه ~~السلام: " السحرة " ". ### | [3 - سورة آل عمران] ### || [3.1-2] # سورة آل عمران مدنية وهى مائتا آية # بسم الله الرحمن الرحيم # { الم الله لا إله إلا هو } قد سلف أن ما لا تكون من هذه ~~الفواتح مفردة - كصاد وقاف ونون ولا موازنة لمفرد - كحاميم وطاسين ~~وياسين الموازنة لقابيل وهابيل وكطاسين ميم الموازنة " دارا بجرد ~~" حسبما ذكره سيبويه في الكتاب فطريق التلفظ بها الحكاية فقط، ساكنة ~~الأعجاز على الوقف سواء جعلت أسماء أو مسرودة على نمط التعديد وإن ~~لزمها التقاء الساكنين لما أنه مغتفر في باب الوقف قطعا فحق هذه ~~الفاتحة أن يوقف عليها ثم يبدأ بما بعدها كما فعله أبو بكر رضي الله ~~عنه، رواية عن عاصم وأما ما فيها من الفتح على القراءة المشهورة فإنما ~~هي حركة همزة الجلالة ألقيت على الميم لتدل على ثبوتها إذ ليس إسقاطها ~~للدرج بل للتخفيف، فهي ببقاء حركتها في حكم الثابت المبتدإ به، ~~والميم - بكون الحركة لغيرها - في حكم الوقف على السكون دون الحركة كما ~~توهم، واعترض بأنه غير معهود في الكلام، وقيل: هي حركة لالتقاء ~~السواكن التي ms0422 هي الياء والميم ولام الجلالة بعد سقوط همزتها، وأنت خبير ~~بأن سقوطها مبني على وقوعها في الدرج، وقد عرفت أن سكون الميم وقف ~~موجب لانقطاعها عما بعدها مستدع لثبات الهمزة على حالها لا كما في ~~الحروف والأسماء المبنية على السكون فإن حقها الاتصال بما بعدها ~~وضعا واستعمالا فتسقط بها همزة الوصل وتحرك أعجازها لالتقاء ~~الساكنين، ثم إن جعلت مسرودة على نمط التعديد فلا محل لها من الإعراب ~~كسائر الفواتح، وإن جعلت اسما للسورة فمحلها إما الرفع على أنها خبر ~~مبتدإ محذوف، وإما النصب على إضمار فعل يليق بالمقام كاذكر أو اقرأ ~~أو نحوهما، وأما الرفع بالابتداء أو النصب بتقدير فعل القسم، أو ~~الجر بتقدير حرفه فلا مساغ لشيء منها لما أن ما بعدها غير صالح ~~للخبرية ولا للإقسام عليه فإن الاسم الجليل مبتدأ، وما بعده خبره، ~~والجملة مستأنفة أي هو المستحق للمعبودية لا غير وقوله عز وجل: { ~~الحى القيوم } خبر آخر له، أو لمبتدإ محذوف أي هو الحي ~~القيوم لا غيره، وقيل: هو صفة للمبتدأ أو بدل منه أو من الخبر الأول ~~أو هو الخبر، وما قبله اعتراض بين المبتدأ والخبر، مقرر لما يفيده ~~الاسم الجليل أو حال منه وأيا ما كان فهو كالدليل على اختصاص استحقاق ~~المعبودية به سبحانه وتعالى لما مر من أن معنى الحي: الباقي: الذي لا ~~سبيل عليه للموت والفناء، ومعنى القيوم: الدائم القيام بتدبير الخلق ~~وحفظه، ومن ضرورة اختصاص ذينك الوصفين به تعالى اختصاص استحقاق ~~المعبودية به تعالى لاستحالة تحققه بدونهما. # وقد روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " اسم الله الأعظم في ثلاث سور: في سورة البقرة { الله لا ~~إله إلا هو الحى القيوم } وفي آل عمران { الم * ~~الله لا إله إلا هو الحى القيوم } وفي طه { ~~وعنت الوجوه للحى القيوم } " # وروي أن بني إسرائيل سألوا موسى عليه السلام عن اسم الله الأعظم قال: { ~~الحى القيوم } ويروى أن عيسى عليه السلام كان إذا أراد إحياء ~~الموتى يدعو يا حي يا قيوم ويقال: ms0423 إن آصف بن برخيا حين أراد أن يأتي ~~بعرش بلقيس دعا بذلك وقرىء { الحى القيام } ، وهذا رد على من زعم ~~أن عيسى عليه السلام كان ربا فإنه روي # " أن وفد نجران قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم وكانوا ستين ~~راكبا فيهم أربعة عشر رجلا من أشرافهم، ثلاثة منهم أكابر إليهم ~~يؤول أمرهم، أحدهم أميرهم وصاحب مشورتهم العاقب، واسمه عبد ~~المسيح وثانيهم وزيرهم ومشيرهم السيد واسمه الأيهم، وثالثهم حبرهم ~~وأسقفهم وصاحب مدارسهم أبو حارثة بن علقمة أحد بني ~~بكر بن وائل وقد كان ملوك الروم شرفوه ومولوه وأكرموه لما ~~شاهدوا من علمه واجتهاده في دينهم وبنوا له كنائس فلما خرجوا من ~~نجران ركب أبو حارثة بغلته وكان أخوه كرز بن علقمة إلى جنبه ~~فبينا بغلة أبي حارثة تسير إذ عثرت فقال كرز: تعسا للأبعد، ~~يريد به رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له أبو حارثة: بل تعست ~~أمك فقال كرز: ولم يا أخي قال: إنه والله النبي الذي كنا ننتظره ~~فقال له كرز: فما يمنعك عنه وأنت تعلم هذا؟ قال: لأن هؤلاء الملوك ~~أعطونا أموالا كثيرة وأكرمونا، فلو آمنا به لأخذوها منا كلها، فوقع ~~ذلك في قلب كرز وأضمره إلى أن أسلم فكان يحدث بذلك. فأتوا المدينة ~~ثم دخلوا مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد صلاة العصر عليهم ثياب ~~الحبرات جبب وأردية فاخرة يقول بعض من رآهم من أصحاب النبي صلى ~~الله عليه وسلم: ما رأينا وفدا مثلهم، وقد حانت صلاتهم فقاموا ليصلوا ~~في المسجد فقال عليه السلام: «دعوهم» فصلوا إلى المشرق. ثم تكلم أولئك ~~الثلاثة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: تارة عيسى هو الله ~~لأنه كان يحيي الموتى ويبرىء الأكمه ويخبر بالغيوب ويخلق من ~~الطين كهيئة الطير فينفخ فيه فيطير، وتارة أخرى هو ابن الله إذ لم يكن ~~له أب يعلم وتارة أخرى إنه ثالث ثلاثة لقوله تعالى: { فعلنا ~~وقلنا } ولو كان واحدا لقال: فعلت وقلت فقال لهم رسول الله صلى الله ms0424 ~~عليه وسلم: " أسلموا " قالوا: أسلمنا قبلك، قال عليه السلام: " كذبتم ~~يمنعكم من الإسلام دعاؤكم لله تعالى ولدا " قالوا: إن لم يكن ولدا لله ~~فمن أبوه؟ فقال عليه السلام: " ألستم تعلمون أنه لا يكون ولد إلا ~~ويشبه أباه؟ " فقالوا: بلى، قال: " ألستم تعلمون أن ربنا حي لا يموت ~~وأن عيسى يأتي عليه الفناء؟ " قالوا: بلى، قال عليه السلام: " ألستم ~~تعلمون أن ربنا قيوم على كل شيء يحفظه ويرزقه؟ " قالوا: بلى، قال ~~عليه السلام: " فهل يملك عيسى من ذلك شيئا؟ " قالوا: لا، فقال عليه ~~السلام: " ألستم تعلمون أن الله تعالى لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا ~~في السماء؟ " قالوا: بلى، قال عليه السلام: " فهل يعلم عيسى من ذلك إلا ~~ما علم؟ " قالوا: بلى، قال عليه السلام: " ألستم تعلمون أن ربنا صور ~~عيسى في الرحم كيف شاء وأن ربنا لا يأكل ولا يشرب ولا يحدث؟ " ~~قالوا: بلى، قال عليه السلام: " ألستم تعلمون أن عيسى حملته أمه كما ~~تحمل المرأة ووضعته كما تضع المرأة ولدها ثم غذي كما يغذى ~~الصبي ثم كان يطعم الطعام ويشرب الشراب ويحدث الحدث؟ " قالوا: ~~بلى، قال عليه السلام: " فكيف يكون هذا كما زعمتم؟ " # فسكتوا وأبوا إلا جحودا فأنزل الله عز وجل من أول السورة إلى نيف ~~وثمانين آية تقريرا لما احتج به عليه السلام عليهم وأجاب به عن ~~شبههم وتحقيقا للحق الذي فيه يمترون. ### || [3.3-4] # { نزل عليك الكتب } أي القرآن، عبر عنه باسم الجنس ~~إيذانا بكمال تفوقه على بقية الأفراد في حيازة كمالات الجنس كأنه هو ~~الحقيق بأن يطلق عليه اسم الكتاب دون ما عداه كما يلوح به التصريح ~~باسمي التوراة والإنجيل، وصيغة التفعيل للدلالة على التفخيم، وتقديم ~~الظرف على المفعول لما مر من الاعتناء بالمقدم والتشويق إلى المؤخر، ~~والجملة إما مستأنفة أو خبر آخر عن الاسم الجليل أو هي الخبر، وقوله ~~تعالى: { لا إله إلا هو } اعتراض أو حال، وقوله عز وجل: # الحى القيوم # [آل عمران، الآية: 2] صفة أو بدل كما مر، وقرىء نزل عليك الكتاب ~~بالتخفيف ms0425 ورفع الكتاب، فالظاهر حينئذ أن تكون مستأنفة وقيل: يجوز ~~كونها خبرا بحذف العائد أي نزل الكتاب من عنده { بالحق } حال من ~~الفاعل أو المفعول أي نزله محقا في تنزيله على ما هو عليه أو ملتبسا ~~بالعدل في أحكامه أو بالصدق في أخباره التي من جملتها خبر التوحيد وما ~~يليه، وفي وعده ووعيده أو بما يحقق أنه من عند الله تعالى من الحجج ~~البينة { مصدقا } حال من الكتاب بالاتفاق على تقدير كون قوله ~~تعالى: { بالحق } [آل عمران، الآية: 3] حالا من فاعل نزل، وأما على ~~تقدير حاليته من الكتاب فهو عند من يجوز تعدد الحال بلا عطف ولا بدلية ~~حال منه بعد حال، وأما عند من يمنعه فقد قيل: إنه حال من محل الحال ~~الأولى على البدلية وقيل: من المستكن في الجار والمجرور، لأنه حينئذ ~~يتحمل ضميرا لقيامه مقام عامله المتحمل له فيكون حالا متداخلة، ~~وعلى كل حال فهي حال مؤكدة، وفائدة تقييد التنزيل بها حث أهل ~~الكتابين على الإيمان بالمنزل وتنبيههم على وجوبه فإن الإيمان ~~بالمصدق موجب للإيمان بما يصدقه حتما { لما بين يديه } ~~مفعول لمصدقا واللام دعامة لتقوية العمل نحو # فعال لما يريد # [هود، الآية 107. وسورة البروج، الآية 16] أي مصدقا لما قبله من الكتب ~~السالفة وفيه إيماء إلى حضورها وكمال ظهور أمرها بين الناس، ~~وتصديقه إياها في الدعوة إلى الإيمان والتوحيد وتنزيه الله عز وجل عما ~~لا يليق بشأنه الجليل والأمر بالعدل والإحسان وكذا في أنباء الأنبياء ~~والأمم الخالية وكذا في نزوله على النعت المذكور فيها وكذا في الشرائع ~~التي لا تختلف باختلاف الأمم والأعصار ظاهر لا ريب فيه أي خبر تصديقه ~~لا ريب فيه وأما في الشرائع المختلفة باختلافهما فمن حيث أن أحكام كل ~~واحد منها واردة حسبما تقتضيه الحكمة التشريعية بالنسبة إلى خصوصيات ~~الأمم المكلفة بها مشتملة على المصالح اللائقة بشأنهم. # { وأنزل التوراة والإنجيل } تعيين لما بين يديه ~~وتبيين لرفعة محله تأكيدا لما قبله وتمهيدا لما بعده إذ بذلك ~~يترقى شأن ما يصدقه رفعة ونباهة ويزداد في القلوب ms0426 قبولا ومهابة ~~ويتفاحش حال من كفر بهما في الشناعة واستتباع ما سيذكر من العذاب ~~الشديد والانتقام، أي أنزلهما جملة على موسى وعيسى عليهما السلام وإنما ~~لم يذكرا لأن الكلام في الكتابين لا فيمن أنزلا عليه وهما اسمان ~~أعجميان الأول عبري والثاني سرياني ويعضده القراءة بفتح همزة ~~الإنجيل فإن إفعيل ليس من أبنية العرب، والتصدي لاشتقاقهما من الورى ~~والنجل تعسف { من قبل } متعلق بأنزل أي أنزلهما من قبل تنزيل ~~الكتاب، والتصريح به مع ظهور الأمر للمبالغة في البيان { هدى ~~للناس } في حيز النصب على أنه علة للإنزال أي أنزلها لهداية الناس ~~أو على أنه حال منهما أي أنزلهما حال كونهما هدى لهم، والإفراد لما ~~أنه مصدر، جعلا نفس الهدى مبالغة أو حذف منه المضاف أي ذوي هدى، ثم ~~إن أريد هدايتهما بجميع ما فيهما من حيث هو جميع، فالمراد بالناس الأمم ~~الماضية من حين نزولها إلى زمان نسخهما، وإن أريد هدايتهما على الإطلاق ~~وهو الأنسب بالمقام فالناس على عمومه لما أن هدايتهما بما عدا الشرائع ~~المنسوخة من الأمور التي يصدقهما القرآن فيها - ومن جملتها البشارة ~~بنزوله وبمبعث النبي صلى الله عليه وسلم - تعم الناس قاطبة. # { وأنزل الفرقان } الفرقان في الأصل مصدر كالغفران أطلق على ~~الفاعل مبالغة والمراد به ههنا إما جنس الكتب الإلهية عبر عنها ~~بوصف شامل لما ذكر منها وما لم يذكر على طريق التتميم بالتعميم إثر ~~تخصيص بعض مشاهيرها بالذكر كما في قوله عز وجل: # فأنبتنا فيها حبا * وعنبا # [عبس، الآية 27، 28] إلى قوله تعالى: # وفكهة # [عبس، الآية 31] وإما نفس الكتب المذكورة أعيد ذكرها بوصف خاص لم ~~يذكر فما سبق، على طريقة العطف بتكرير لفظ الإنزال تنزيلا للتغاير ~~الوصفي منزلة التغاير الذاتي كما في قوله سبحانه: # ولما جاء أمرنا نجينا هودا والذين ءامنوا ~~معه برحمة منا ونجيناهم من عذاب غليظ # [هود، الآية 58] وأما الزبور فإنه مشتمل على المواعظ الفارقة بين ~~الحق والباطل الداعية إلى الخير والرشاد الزاجرة عن الشر والفساد، ~~وتقديم الإنجيل عليه مع تأخره عنه نزولا لقوة مناسبته للتوراة ms0427 في ~~الاشتمال على الأحكام والشرائع وشيوع اقرانهما في الذكر وأما القرآن ~~نفسه فذكر بنعت مادح له بعد ما ذكر باسم الجنس تعظيما لشأنه ورفعا ~~لمكانه وقد بين أولا تنزيله التدريجي إلى الأرض وثانيا إنزاله ~~الدفعي إلى السماء الدنيا أو أريد بالإنزال القدر المشترك العاري عن ~~قيد التدريج وعدمه، وإما المعجزات المقرونة بإنزال الكتب المذكورة ~~الفارقة بين المحق والمبطل { إن الذين كفروا بأيت ~~الله } وضع (الموصول) موضع الضمير العائد إلى ما فصل من الكتب ~~المنزلة أو منها ومن المعجزات وآيات مضافة إلى الاسم الجليل تعيينا ~~لحيثية كفرهم وتهويلا لأمرهم وتأكيدا لاستحقاقهم العذاب الشديد ~~وإيذانا بأن ذلك الاستحقاق لا يشترط فيه الكفر بالكل بل يكفي فيه ~~الكفر ببعض منها، والمراد بالموصول إما أهل الكتابين وهو الأنسب ~~بمقام المحاجة معهم أو جنس الكفرة وهم داخلون فيه دخولا أوليا أي ~~إن الذين كفروا بما ذكر من آيات الله الناطقة بالحق لا سيما بتوحيده ~~تعالى وتنزيهه عما لا يليق بشأنه الجليل كلا أو بعضا مع ما بها من ~~النعوت الموجبة للإيمان بها بأن كذبوا بالقرآن أصالة، وبسائر الكتب ~~الإلهية تبعا، لما أن تكذيب المصدق موجب لتكذيب ما يصدقه حتما ~~وأصالة أيضا بأن كذبوا بآياتها الناطقة بالتوحيد والتنزيه وآياتها ~~المبشرة بنزول القرآن ومبعث النبي صلى الله عليه وسلم وغيروها { ~~لهم } بسبب كفرهم بها { عذاب } مرتفع إما على الفاعلية من الجار ~~والمجرور أو على الابتداء، والجملة خبر إن، والتنوين للتفخيم أي أي ~~عذاب { شديد } لا يقادر قدره وهو وعيد جيء به إثر تقرير أمر ~~التوحيد الذاتي والوصفي والإشارة إلى ما ينطق بذلك من الكتب الإلهية ~~حملا على القبول والإذعان وزجرا عن الكفر والعصيان. # { والله عزيز } لا يغالب يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد { ذو ~~انتقام } عظيم خارج عن أفراد جنسه، وهو افتعال من النقمة وهي ~~السطوة والتسلط يقال: انتقم منه إذا عاقبه بجنايته، والجملة اعتراض ~~تذييلي مقرر للوعيد ومؤكد له. ### || [3.5-6] # { إن الله لا يخفى عليه شىء في الأرض ولا فى ~~السماء } استئناف كلام سيق لبيان سعة ms0428 علمه تعالى وإحاطته بجميع ~~ما في العالم من الأشياء التي من جملتها ما صدر عنهم من الكفر والفسوق ~~سرا وجهرا إثر بيان كمال قدرته وعزته، تربية لما قبله من الوعيد ~~وتنبيها على أن الوقوف على بعض المغيبات كما كان في عيسى عليه السلام ~~بمعزل من بلوغ رتبة الصفات الإلهية وإنما عبر عن علمه عز وجل بما ~~ذكر بعدم خفائه عليه كما في قوله سبحانه: # وما يخفى على الله من شىء فى الأرض ولا فى ~~السماء # [إبراهيم، الآية 38] إيذانا بأن علمه تعالى بمعلوماته وإن كانت في ~~أقصى الغايات الخفية ليس من شأنه أن يكون على وجه يمكن أن يقارنه ~~شائبة خفاء بوجه من الوجوه كما في علوم المخلوقين، بل هو غاية في ~~الوضوح والجلاء، والجملة المنفية خبر لإن وتكرير الإسناد لتقوية ~~الحكم، وكلمة (في) متعلقة بمحذوف وقع صفة لشيء مؤكدة لعمومه المستفاد ~~من وقوعه في سياق النفي أي لا يخفى عليه شيء ما كائن في الأرض ولا في ~~السماء أعم من أن يكون ذلك بطريق الاستقرار فيهما أو الجزئية منهما وقيل: ~~متعلقة بيخفى وإنما عبر بهما عن كل العالم لأنهما قطراه، وتقديم الأرض ~~على السماء لإظهار الاعتناء بشأن أحوال أهلها، وتوسيط حرف النفي ~~بينهما للدلالة على الترقي من الأدنى إلى الأعلى باعتبار القرب والبعد ~~منا المستدعيين للتفاوت بالنسبة إلى علومنا وقوله عز وجل: { هو ~~الذي يصوركم في الأرحام كيف يشاء } جملة مستأنفة ~~ناطقة ببعض أحكام قيوميته تعالى وجريان أحوال الخلق في أطوار ~~الوجود حسب مشيئته المبنية على الحكمة البالغة مقررة لكمال ~~علمه مع زيادة بيان لتعلقه بالأشياء قبل دخولها تحت الوجود ضرورة ~~وجوب علمه تعالى بالصور المختلفة المترتبة على التصوير المترتب على ~~المشيئة قبل تحققها بمراتب، وكلمة في متعلقة بيصوركم، أو بمحذوف ~~وقع حالا من ضمير المفعول أي يصوركم وأنتم في الأرحام مضغ، وكيف ~~معمول ليشاء والجملة في محل النصب على الحالية إما من فاعل يصوركم أي ~~يصوركم كائنا على مشيئته تعالى أي مريدا أو من مفعوله أي يصوركم ~~كائنين على ms0429 مشيئته تعالى تابعين لها في قبول الأحوال المتغايرة من ~~كونكم نطفا ثم علقا ثم مضغا غير مخلقة ثم مخلقة، وفي الاتصاف ~~بالصفات المختلفة من الذكورة والأنوثة والحسن والقبح وغير ذلك من ~~الصفات وفيه من الدلالة على بطلان زعم من زعم ربوبية عيسى عليه ~~السلام وهو من جملة أبناء النواسيت المتقلبين في هذه الأطوار على ~~مشيئة الباري عز وجل وكمال ركاكة عقولهم ما لا يخفى وقرىء تصوركم ~~على صيغة الماضي من التفعل أي صوركم لنفسه وعبادته { لا إله ~~إلا هو } إذ لا يتصف بشيء مما ذكر من الشؤون العظيمة الخاصة ~~بالألوهية أحد ليتوهم ألوهيته { العزيز الحكيم } المتناهي في ~~القدرة والحكمة لذلك يخلقكم على ما ذكر من النمط البديع. ### || [3.7] # { هو الذى أنزل عليك الكتب } شروع في إبطال شبههم ~~الناشئة عما نطق به القرآن في نعت عيسى عليه السلام بطريق الاستئناف ~~إثر بيان اختصاص الربوبية ومناطها به سبحانه وتعالى تارة بعد أخرى ~~وكون كل من عداه مقهورا تحت ملكوته تابعا لمشيئته. قيل: # " إن وفد نجران قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم: ألست تزعم يا ~~محمد أن عيسى كلمة الله وروح منه؟ قال عليه السلام: «بلى» قالوا: ~~فحسبنا ذلك. فنعى عليهم زيغهم وفتنتهم وبين أن الكتاب مؤسس على ~~أصول رصينة وفروع مبنية عليها ناطقة بالحق قاضية ببطلان ما هم عليه ~~من الضلال " # ، والمراد بالإنزال القدر المشترك المجرد عن الدلالة على قيد ~~التدريج وعدمه، ولام الكتاب للعهد، وتقديم الظرف عليه لما أشير إليه ~~فيما قبل من الاعتناء بشأن بشارته عليه السلام بتشريف الإنزال عليه ومن ~~التشويق إلى ما أنزل، فإن النفس عند تأخير ما حقه التقديم - لا سيما ~~بعد الإشعار برفعة شأنه أو بمنفعته - تبقى مترقبة له فيتمكن لديها عند ~~وروده عليها فضل تمكن وليتصل به تقسيمه إلى قسميه { منه آيت ~~} الظرف خبر، وآيات مبتدأ أو بالعكس بتأويل مر تحقيقه في قوله تعالى: # ومن الناس من يقول # [البقرة، الآية 8] الآية، والأول أوفق بقواعد الصناعة، والثاني أدخل ~~في جزالة المعنى إذ المقصود الأصلي انقسام ms0430 الكتاب إلى القسمين ~~المعهودين لا كونهما من الكتاب فتذكر، والجملة مستأنفة في حيز النصب ~~على الحالية من الكتاب أي هو الذي أنزل الكتاب كائنا على هذه الحال ~~منقسما إلى محكم ومتشابه أو الظرف هو الحال وحده وآيات مرتفع ~~به على الفاعلية { محكمت } صفة آيات أي قطعية الدلالة على ~~المعنى المراد، محكمة العبارة محفوظة من الاحتمال والاشتباه { هن ~~أم الكتب } أي أصل فيه وعمدة يرد إليها غيرها فالمراد ~~بالكتاب كله، والإضافة بمعنى في كما في واحد العشرة لا بمعنى اللام ~~فإن ذلك يؤدي إلى كون الكتاب عبارة عما عدا المحكمات، والجملة إما ~~صفة لما قبلها أو مستأنفة وإنما أفرد الأم مع تعدد الآيات لما أن ~~المراد بيان أصلية كل واحدة منها أو بيان أن الكل بمنزلة آية واحدة ~~كما في قوله تعالى: # وجعلنها وابنها ءاية للعلمين # [الأنبياء، الآية 91] وقيل: اكتفي بالمفرد عن الجمع كما في قول ~~الشاعر: [الطويل] # بها جيف الحسرى فأما عظامها # فبيض وأما جلدها فصليب # أي وأما جلودها { وأخر } نعت المحذوف معطوف على آيات أي وآيات ~~أخر وهي جمع أخرى، وإنما لم ينصرف لأنه وصف معدول عن الآخر أو عن ~~آخر من { متشبهت } صفة لأخر وفي الحقيقة صفة للمحذوف أي ~~محتملات لمعان متشابهة لا يمتاز بعضها عن بعض في استحقاق الإرادة بها ~~ولا يتضح الأمر إلا بالنظر الدقيق والتأمل الأنيق، فالتشابه في الحقيقة ~~وصف لتلك المعاني وصف به الآيات على طريقة وصف الدال بوصف المدلول، ~~وقيل: لما كان من شأن الأمور المتشابهة أن يعجز العقل عن التمييز ~~بينها سمي كل ما لا يهتدي إليه العقل متشابها وإن لم يكن ذلك بسبب ~~التشابه كما أن المشكل في الأصل ما دخل في أشكاله وأمثاله ولم يعلم ~~بعينه، ثم أطلق على كل غامض وإن لم يكن غموضه من تلك الجهة، وإنما جعل ~~ذلك كذلك ليظهر فضل العلماء ويزداد حرصهم على الاجتهاد في تدبرها ~~وتحصيل العلوم التي نيط بها استنباط ما أريد بها من الأحكام الحقة ~~فينالوا بها وبإتعاب القرائح في استخراج مقاصدها ms0431 الرائقة ومعانيها ~~اللائقة المدارج العالية ويعرجوا بالتوفيق بينها وبين المحكمات من ~~اليقين والاطمئنان إلى المعارج القاصية، وأما قوله عز وجل: # الر كتاب أحكمت ءايته # [هود، الآية 1] فمعناه أنها حفظت من اعتراء الخلل أو من النسخ، أو ~~أيدت بالحجج القاطعة الدالة على حقيتها أو جعلت حكيمة ~~لانطوائها على جلائل الحكم البالغة ودقائقها، وقوله تعالى: # كتبا متشبها مثاني # [الزمر، الآية 23] معناه متشابه الأجزاء أي يشبه بعضها بعضا في صحة ~~المعنى وجزالة النظم وحقية المدلول. # { فأما الذين فى قلوبهم زيغ } أي ميل عن الحق إلى ~~الأهواء الباطلة. قال الراغب: الزيغ الميل عن الاستقامة إلى أحد ~~الجانبين، وفي جعل قلوبهم مقرا للزيغ مبالغة في عدولهم عن سنن الرشاد ~~وإصرارهم على الشر والفساد { فيتبعون ما تشبه منه } ~~معرضين عن المحكمات أي يتعلقون بظاهر المتشابه من الكتاب أو بتأويل ~~باطل لا تحريا للحق بعد الإيمان بكونه من عند الله تعالى بل { ~~ابتغاء الفتنة } أي طلب أن يفتنوا الناس عن دينهم بالتشكيك ~~والتلبيس ومناقضة المحكم بالمتشابه كما نقل عن الوفد { وابتغاء ~~تأويله } أي وطلب أن يؤولوه حسبما يشتهونه من التأويلات الزائغة ~~والحال أنهم بمعزل من تلك الرتبة وذلك قوله عز وجل: { وما يعلم ~~تأويله إلا الله والرسخون في العلم } فإنه حال من ~~ضمير { فيتبعون } باعتبار العلة الأخيرة أي يتبعون المتشابه ~~لابتغاء تأويله والحال أنه مخصوص به تعالى وبمن وفقه له من عباده ~~الراسخين في العلم أي الذين ثبتوا وتمكنوا فيه ولم يتزلزلوا في مزال ~~الأقدام، وفي تعليل الاتباع بابتغاء تأويله دون نفس تأويله وتجريد ~~التأويل عن الوصف بالصحة أو الحقية إيذان بأنهم ليسوا من التأويل في شيء ~~وأن ما يبتغونه ليس بتأويل أصلا لا أنه تأويل غير صحيح قد يعذر ~~صاحبه، ومن وقف على { إلا الله } فسر المتشابه بما استأثر الله ~~عز وعلا بعلمه كمدة بقاء الدنيا ووقت قيام الساعة وخواص الأعداد كعدد ~~الزبانية أو بما دل القاطع على عدم إرادة ظاهره ولم يدل على ما هو ~~المراد به. # { يقولون ءامنا به } أي بالمتشابه، وعدم التعرض لإيمانهم ms0432 ~~بالمحكم لظهوره، أو بالكتاب والجملة على الأول استئناف موضح لحال ~~الراسخين أو حال منه وعلى الثاني خبر لقوله تعالى: { والرسخون } ~~وقوله تعالى: { كل من عند ربنا } من تمام المقول مقرر لما ~~قبله ومؤكد له أي كل واحد منه ومن المحكم، أو كل واحد من متشابهه ~~ومحكمه منزل من عنده تعالى لا مخالفة بينهما، أو آمنا به وبحقيته ~~على مراده تعالى { وما يذكر } حق التذكر { إلا أولوا ~~الألبب } أي العقول الخاصة عن الركون إلى الأهواء الزائغة وهو ~~تذييل سيق من جهته تعالى مدحا للراسخين بجودة الذهن وحسن النظر ~~وإشارة إلى ما به استعدوا للاهتداء إلى تأويله من تجرد العقل عن غواشي ~~الحس، وتعلق الآية الكريمة بما قبلها من حيث إنها جواب عما تشبث ~~به النصارى من نحو قوله تعالى: # وكلمته ألقها إلى مريم وروح منه # [النساء، الآية 171] على وجه الإجمال وسيجيء الجواب المفصل بقوله ~~تعالى: # إن مثل عيسى عند الله كمثل ءادم خلقه من ~~تراب ثم قال له كن فيكون # [آل عمران، الآية 59]. ### || [3.8-9] # { ربنا لا تزغ قلوبنا } من تمام مقالة الراسخين أي لا ~~تزغ قلوبنا عن نهج الحق إلى اتباع المتشابه بتأويل لا ترتضيه، ~~قال صلى الله عليه وسلم: # " قلب ابن آدم بين أصبعين من أصابع الرحمن إن شاء أقامه على الحق ~~وإن شاء أزاغه عنه " # وقيل: معناه لا تبلنا ببلايا تزيغ فيها قلوبنا { بعد إذ ~~هديتنا } أي إلى الحق والتأويل الصحيح أو إلى الإيمان بالقسمين وبعد ~~نصب بلا تزغ على الظرف وإذ في محل الجر بإضافته إليه خارج من ~~الظرفية أي بعد وقت هدايتك إيانا وقيل: إنه بمعنى أن { وهب لنا ~~من لدنك } كلا الجارين متعلق بهب وتقديم الأول لما مر مرارا ~~ويجوز تعلق الثاني بمحذوف هو حال من المفعول أي كائنة من لدنك ومن ~~لابتداء الغاية المجازية ولدن في الأصل ظرف بمعنى أول غاية زمان أو ~~مكان أو غيرهما من الذوات نحو من لدن زيد وليست مرادفة لعند إذ قد ~~تكون فضلة، وكذا لدى، وبعضهم يخصها بظرف المكان ms0433 وتضاف إلى صريح ~~الزمان كما في قوله: [الرجز] # تنتفض الرعدة في ظهيري # من لدن الظهر إلى العصير # ولا تقطع عن الإضافة بحال، وأكثر ما تضاف إلى المفردات وقد تضاف إلى ~~أن وصلتها كما في قوله: [الطويل] # ولم تقطع اصلا من لدن أن وليتنا # قرابة ذي رحم ولا حق مسلم # أي من لدن ولايتك إيانا وقد تضاف إلى الجملة الاسمية كما في قوله: # تذكر نعماه لدن أنت يافع # وإلى الجملة الفعلية أيضا كما في قوله: [الطويل] # لزمنا لدن سالمتمونا وفاقكم # فلا يك منكم للخلاف جنوح # وقلما تخلو عن من كما في البيتين الأخيرين { رحمة } واسعة ~~تزلفنا إليك ونفوز بها عندك أو توفيقا للثبات على الحق، وتأخير ~~المفعول الصريح عن الجارين لما مر مرارا من الاعتناء بالمقدم والتشويق ~~إلى المؤخر فإن من حقه التقديم إذا أخر تبقى النفس مترقبة لوروده ~~لا سيما عند الإشعار بكونه من المنافع باللام فإذا أورده يتمكن عندها ~~فضل تمكن { إنك أنت الوهاب } تعليل للسؤال أو لإعطاء ~~المسؤول وأنت إما مبتدأ أو فصل أو تأكيد لاسم إن وإطلاق الوهاب ~~ليتناول كل موهوب، وفيه دلالة على أن الهدى والضلال من قبله تعالى ~~وأنه متفضل بما ينعم به على عباده من غير أن يجب عليه شيء. # { ربنا إنك جامع الناس ليوم } أي لحساب يوم أو لجزاء ~~يوم حذف المضاف وأقيم مقامه المضاف إليه تهويلا له وتفظيعا لما يقع ~~فيه { لا ريب فيه } أي في وقوعه ووقوع ما فيه من الحشر والحساب ~~والجزاء، ومقصودهم بهذا عرض كمال افتقارهم إلى الرحمة وأنها المقصد ~~الأسنى عندهم، والتأكيد لإظهار ما هم عليه من كمال الطمأنينة وقوة ~~اليقين بأحوال الآخرة { إن الله لا يخلف الميعاد } ~~تعليل لمضمون الجملة المؤكدة أو لانتفاء الريب، والتأكيد لما مر، ~~وإظهار الاسم الجليل مع الالتفات لإبراز كمال التعظيم والإجلال ~~الناشىء من ذكر اليوم المهيب الهائل بخلاف ما في آخر السورة الكريمة ~~فإنه مقام طلب الإنعام كما سيأتي وللإشعار بعلة الحكم فإن الألوهية ~~منافية للإخلاف وقد جوز أن تكون الجملة مسوقة ms0434 من جهته تعالى لتقرير ~~قول الراسخين، والميعاد مصدر كالميقات واستدل به الوعيدية وأجيب بأن ~~وعيد الفساق مشروط بعدم العفو بدلائل مفصلة كما هو مشروط بعدم ~~التوبة وفاقا. ### || [3.10-11] # { إن الذين كفروا } إثر ما بين الدين الحق والتوحيد ~~وذكر أحوال الكتب الناطقة به وشرح شأن القرآن العظيم وكيفية إيمان ~~العلماء الراسخين به شرع في بيان حال من كفر به، والمراد بالموصول ~~جنس الكفرة الشامل لجميع الأصناف، وقيل: وفد نجران أو اليهود من ~~قريظة والنضير أو مشركو العرب { لن تغنى عنهم } أي لن تنفعهم ~~وقرىء بالتذكير وبسكون الياء جدا في استثقال الحركة على حروف اللين { ~~أمولهم } التي يبذلونها في جلب المنافع ودفع المضار { ولا ~~أولدهم } الذين بهم يتناصرون في الأمور المهمة وعليهم يعولون ~~في الخطوب الملمة، وتأخير الأولاد عن الأموال مع توسيط حرف النفي ~~بينهما إما لعراقة الأولاد في كشف الكروب، أو لأن الأموال أول عدة ~~يفزع إليها عند نزول الخطوب { من الله } من عذابه تعالى { شيئا ~~} أي شيئا من الإغناء، وقيل: كلمة من بمعنى البدل والمعنى بدل رحمة ~~الله أو بدل طاعته كما في قوله تعالى: # إن الظن لا يغنى من الحق شيئا # [يونس، الآية 36] أي بدل الحق ومنه قوله: ولا ينفع ذا الجد منك ~~الجد أي لا ينفعه جده بدلك أي بدل رحمتك كما في قوله تعالى: # وما أمولكم ولا أولدكم بالتى تقربكم ~~عندنا زلفى # [سبأ، الآية 37] وأنت خبير بأن احتمال سد أموالهم وأولادهم مسد ~~رحمة الله تعالى أو طاعته مما لا يخطر ببال أحد حتى يتصدى لنفيه، ~~والأول هو الأليق بتفظيع حال الكفرة وتهويل أمرهم والأنسب بما بعده من ~~قوله تعالى: { وأولئك هم وقود النار } ومن قوله تعالى: { ~~فأخذهم الله } [آل عمران، الآية 11] أي أولئك المتصفون بالكفر ~~حطب النار وحصبها الذي تسعر به، فإن أريد بيان حالهم عند التسعير ~~فإيثار الجملة الاسمية للدلالة على تحقق الأمر وتقرره، وإلا فهو ~~للإيذان بأن حقيقة حالهم ذلك، وأن أحوالهم الظاهرة بمنزلة العدم فهم ~~حال كونهم في الدنيا وقود النار بأعيانهم. وفيه من ms0435 الدلالة على كمال ~~ملابستهم بالنار ما لا يخفى و { هم } يحتمل الابتداء وأن يكون ضمير ~~فصل والجملة إما مستأنفة مقرره لعدم الإغناء أو معطوفة على خبر إن، ~~وأيا ما كان ففيها تعيين للعذاب الذي بين أن أموالهم وأولادهم لا ~~تغني عنهم منه شيئا. وقرىء وقود النار بضم الواو وهو مصدر أي أهل ~~وقودها { كدأب ءال فرعون } الدأب مصدر دأب في العمل إذا كدح ~~فيه وتعب غلب استعماله في معنى الشأن والحال والعادة، ومحل الكاف ~~الرفع على أنه خبر لمبتدإ محذوف وقد جوز النصب بلن تغني أو ~~بالوقود أي لن تغني عنهم كما لم تغن عن أولئك أو توقد بهم النار كما ~~توقد بهم، وأنت خبير بأن المذكور في تفسير الدأب إنما هو التكذيب ~~والأخذ من غير تعرض لعدم الإغناء لا سيما على تقدير كون من بمعنى ~~البدل كما هو رأي المجوز، ولا لإيقاد النار فيحمل على التعليل وهو ~~خلاف الظاهر على أنه يلزم الفصل بين العامل والمعمول بالأجنبي على ~~تقدير النصب بأن تغني وهو قوله تعالى: { وأولئك هم وقود ~~النار } إلا أن يجعل استئنافا معطوفا على خبر إن فالوجه هو الرفع ~~على الخبرية أي دأب هؤلاء في الكفر وعدم النجاة من أخذ الله تعالى ~~وعذابه كدأب آل فرعون { والذين من قبلهم } أي من قبل آل ~~فرعون من الأمم الكافرة، فالموصول في محل الجر عطفا على ما قبله وقوله ~~تعالى: { كذبوا بئايتنا } بيان وتفسير لدأبهم الذي فعلوا، ~~على طريق الاستئناف المبني على السؤال كأنه قيل: كيف كان دأبهم؟ فقيل: ~~كذبوا بآياتنا وقوله تعالى: { فأخذهم الله } تفسير لدأبهم الذي ~~فعل بهم أي فأخذهم الله وعاقبهم ولم يجدوا من بأس الله تعالى محيصا، ~~فدأب هؤلاء الكفرة أيضا كدأبهم، وقيل: كذبوا الخ حال من { فرعون ~~والذين من قبلهم كذبوا } على إضمار قد أي دأب هؤلاء ~~كدأب أولئك وقد كذبوا الخ، وأما كونه خبرا عن الموصول كما قيل فمما يذهب ~~برونق النظم الكريم، والالتفات إلى التكلم أولا للجري على سنن ~~الكبرياء، وإلى الغيبة ثانيا بإظهار ms0436 الجلالة لتربية المهابة وإدخال ~~الروعة. # { بذنوبهم } إن أريد بها تكذيبهم بالآيات فالباء للسببية جيء ~~بها تأكيدا لما تفيده الفاء من سببية ما قبلها لما بعدها وإن أريد بها ~~سائر ذنوبهم فالباء للملابسة جيء بها للدلالة على أن لهم ذنوبا أخرى أي ~~فأخذهم ملتبسين بذنوبهم غير تائبين عنها كما في قوله تعالى: # وتزهق أنفسهم وهم كفرون # [التوبة: 55] والذنب في الأصل التلو والتابع، وسميت الجريمة ذنبا ~~لأنها تتلو أي يتبع عقابها فاعلها { والله شديد العقاب } ~~تذييل مقرر لمضمون ما قبله من الأخذ وتكملة له. ### || [3.12] # { قل للذين كفروا } المراد بهم اليهود لما روي عن ابن عباس ~~رضي الله عنهما أن يهود المدينة لما شاهدوا غلبة رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم على المشركين يوم بدر قالوا: والله إنه النبي الأمي ~~الذي بشرنا به موسى في التوراة نعته وهموا باتباعه فقال بعضهم: لا ~~تعجلوا حتى ننظر إلى وقعة له أخرى فلما كان يوم أحد شكوا وقد كان ~~بينهم وبين رسول الله عهد إلى مدة فنقضوه وانطلق كعب بن الأشرف في ~~ستين راكبا إلى أهل مكة فأجمعوا أمرهم على قتال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فنزلت، وعن سعيد بن جبير وعكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهم أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم لما أصاب قريشا ببدر ورجع إلى المدينة جمع ~~اليهود في سوق بني قينقاع فحذرهم أن ينزل بهم ما نزل بقريش فقالوا: ~~لا يغرنك أنك لقيت قوما أغمارا لا علم لهم بالحرب فأصبت منهم فرصة ~~لئن قاتلتنا لعلمت أنا نحن الناس فنزلت، أي قل لهم: { ~~ستغلبون } البتة عن قريب في الدنيا وقد صدق الله عز وجل وعده ~~بقتل بني قريظة وإجلاء بني النضير وفتح خبير وضرب الجزية على من ~~عداهم وهو من أوضح شواهد النبوة وأما ما روي عن مقاتل من أنها نزلت قبل ~~بدر وأن الموصول عبارة عن مشركي مكة ولذلك قال لهم النبي صلى الله عليه ~~وسلم يوم بدر: # " إن الله غالبكم وحاشركم إلى جهنم وبئس المهاد " # فيؤدي إلى ms0437 انقطاع الآية الكريمة عما بعدها لنزوله بعد وقعة بدر { ~~وتحشرون } أي في الآخرة { إلى جهنم } وقرىء الفعلان بالياء ~~على أنه عليه السلام أمر بأن يحكي لهم ما أخبر الله تعالى به من وعيدهم ~~بعبارته كأنه قيل: أد إليهم هذا القول { وبئس المهاد } إما من ~~تمام ما يقال لهم أو استئناف لتهويل جهنم وتفظيع حال أهلها، والمخصوص ~~بالذم محذوف أي وبئس المهاد جهنم أو ما مهدوه لأنفسهم. ### || [3.13] # { قد كان لكم } جواب قسم محذوف وهو من تمام القول المأمور به ~~جيء به لتقرير مضمون ما قبله وتحقيقه، والخطاب لليهود أيضا والظرف ~~خبر كان على أنها ناقصة ولتوسطه بينها وبين اسمها ترك التأنيث كما في ~~قوله: [البسيط] # إن أمرا غره منكن واحدة # بعدي وبعدك في الدنيا لمغرور # على أن التأنيث ههنا غير حقيقي أو هو متعلق بكان على أنها تامة وإنما ~~قدم على فاعلها لما مر مرارا من الاعتناء بما قدم والتشويق إلى ما ~~أخر أي والله قد كان لكم أيها المغترون بعددهم وعددهم { ءاية } ~~عظيمة دالة على صدق ما أقول لكم إنكم ستغلبون { في فئتين } أي ~~فرقتين أو جماعتين فإن المغلوبة منهما كانت مدلة بكثرتها معجبة بعزتها ~~وقد لقيها ما لقيها فسيصيبكم ما يصيبكم، ومحل الظرف الرفع على أنه ~~صفة لآية وقيل: النصب على خبرية كان والظرف الأول متعلق بمحذوف من آية { ~~التقتا } في حيز الجر على أنه صفة فئتين أي تلاقتا بالقتال يوم بدر { ~~فئة } بالرفع خبر مبتدإ محذوف أي إحداهما فئة كما في قوله: [الطويل] # إذا مت كان الناس حزبين: شامت # وآخر مثن بالذي كنت أصنع # أي أحدهما شامت والآخر مثن وقوله: # حتى إذا ما استقل النجم في غلس # وغودر البقل ملوي ومحصود # والجملة مع ما عطف عليها مستأنفة لتقرير ما في الفئتين من الآية وقوله ~~تعالى: { تقتل فى سبيل الله } في محل الرفع على أنه صفة { ~~فئة } كأنه قيل: فئة مؤمنة ولكن ذكر مكانه من أحكام الإيمان ما يليق ~~بالمقام مدحا لهم واعتدادا بقتالهم وإيذانا بأنه المدار في ms0438 تحقق ~~الآية وهي رؤية القليل كثيرا وقرىء يقاتل على تأويل الفئة بالقوم أو ~~الفريق { وأخرى } نعت لمبتدأ محذوف معطوف على ما حذف من الجملة ~~الأولى أي وفئة أخرى وإنما نكرت والقياس تعريفها كقرينتها لوضوح أن ~~التفريق لنفس المثنى المقدم ذكره وعدم الحاجة إلى التعريف وقوله تعالى: { ~~كافرة } خبر المبتدأ المحذوف وإنما لم توصف هذه الفئة بما يقابل صفة ~~الفئة الأولى إسقاطا لقتالهم عن درجة الاعتبار وإيذانا بأنهم لم ~~يتصدوا للقتال لما اعتراهم من الرعب والهيبة وقيل: كل من ~~المتعاطفين بدل من الضمير في { التقتا } وما بعدهما صفة فلا بد من ~~ضمير محذوف عائد إلى المبدل منه مسوغ لوصف البدل بالجملة العارية عن ~~ضميره أي فئة منهما تقاتل الخ وفئة أخرى كافرة، ويجوز أن يكون كل ~~منهما مبتدأ وما بعدهما خبرا، وقيل: كل منهما مبتدأ محذوف الخبر أي ~~منمهما فئة تقاتل الخ وقرىء فئة بالجر على البدلية من فئتين بدل بعض من ~~كل وقد مر أنه لا بد من ضمير عائد إلى المبدل منه ويسمى بدلا تفصيليا ~~كما في قول كثير عزة: [الطويل] # وكنت كذي رجلين رجل صحيحة # ورجل رمى فيها الزمان فشلت # وقرىء فئة الخ بالنصب على المدح أو على الحالية من ضمير التقتا كأنه ~~قيل: التقتا مؤمنة وكافرة فيكون { فئة } و { أخرى } توطئة لما ~~هو الحال حقيقة إذ المقصود بالذكر وصفاهما كما في قولك: جاءني زيد ~~رجلا صالحا. # { يرونهم } أي يري الفئة الأخيرة الفئة الأولى، وإيثار صيغة ~~الجمع للدلالة على شمول الرؤية لكل واحد واحد من آحاد الفئة، ~~والجملة في محل الرفع على أنها صفة للفئة الأخيرة أو مستأنفة مبينة ~~لكيفية الآية { مثليهم } أي مثلي عدد الرائين ألفين إذا كانوا ~~قريبا من ألف. كانوا تسعمائة وخمسين مقاتلا رأسهم عتبة بن ~~ربيعة بن عبد شمس وفيهم أبو سفيان وأبو جهل وكان فيهم من الخيل ~~والإبل مائة فرس وسبعمائة بعير ومن أصناف الأسلحة عدد لا يحصى، عن ~~محمد بن أبي الفرات عن سعد بن أوس أنه قال: أسر المشركون رجلا من ms0439 ~~المسلمين فسألوه كم كنتم؟ قال: ثلثمائة وبضعة عشر قالوا: ما كنا ~~نراكم إلا تضعفون علينا، أو مثلي عدد المرئيين أي ستمائة ونيفا ~~وعشرين حيث كانوا ثلثمائة وثلاثة عشر رجلا سبعة وسبعون رجلا من ~~المهاجرين ومائتان وستة وثلاثون من الأنصار رضوان الله تعالى عليهم ~~أجمعين وكان صاحب راية رسول الله صلى الله عليه وسلم والمهاجرين علي ~~بن أبي طالب رضي الله عنه وصاحب راية الأنصار سعد بن عبادة الخزرجي ~~وكان في العسكر تسعون بعيرا وفرسان أحدهما للمقداد بن عمرو والآخر ~~لمرثد بن أبي مرثد وست أدرع وثمانية سيوف وجميع من استشهد ~~يومئذ من المسلمين أربعة عشر رجلا ستة من المهاجرين وثمانية من ~~الأنصار رضوان الله تعالى عليهم أجمعين أراهم الله عز وجل كذلك مع قلتهم ~~ليهابوهم ويجبنوا عن قتالهم مددا لهم منه سبحانه كما أمدهم بالملائكة ~~عليهم السلام وكان ذلك عند التقاء الفئتين بعد أن قللهم في أعينهم عند ~~ترائيهما ليجترئوا عليهم ولا يهربوا من أول الأمر حين ينجيهم الهرب، ~~وقيل: يري الفئة الأولى الفئة الأخيرة مثلي أنفسهم مع كونهم ثلاثة ~~أمثالهم ليثبتوا ويطمئنوا بالنصر الموعود في قوله تعالى: # فإن يكن منكم مائة صابرة يغلبوا مائتين # [الأنفال، الآية 66] والأول هو الأولى لأن رؤية المثلين غير متعينة ~~من جانب المؤمنين بل قد وقعت رؤية المثل بل أقل منه أيضا فإنه روي أن ~~ابن مسعود رضي الله عنه قال: نظرنا إلى المشركين فرأيناهم يضعفون علينا ~~ثم نظرنا إليهم فما رأيناهم يزيدون علينا رجلا واحدا ثم قللهم الله ~~تعالى أيضا في أعينهم حتى رأوهم عددا يسيرا أقل من أنفسهم. # قال ابن مسعود رضي الله عنه: لقد قللوا في أعيننا يوم بدر حتى قلت ~~لرجل إلى جنبي: تراهم سبعين؟ قال: أراهم مائة، فأسرنا منهم رجلا فقلنا: ~~كم كنتم؟ قال: ألفا، فلو أريد رؤية المؤمنين المشركين أقل من عددهم في ~~نفس الأمر كما في سورة الأنفال لكانت رؤيتهم إياهم أقل من أنفسهم ~~أحق بالذكر في كونهم آية من رؤيتهم مثليهم على أن إبانة آثار ~~قدرة الله ms0440 تعالى وحكمته للكفرة بإراءتهم القليل كثيرا والضعيف ~~قويا وإلقاء الرعب في قلوبهم بسبب ذلك أدخل في كونها آية لهم وحجة ~~عليهم وأقرب إلى اعتراف المخاطبين بذلك لكثرة مخالطتهم الكفرة ~~المشاهدين للحال وكذا تعلق الفعل بالفاعل أشد من تعلقه بالمفعول، فجعل ~~أقرب المذكورين السابقين فاعلا وأبعدهما مفعولا سواء جعل الجملة ~~صفة أو مستأنفة أولى من العكس هذا ما تقضيه جزالة التنزيل على قراءة ~~الجمهور، ولا ينبغي جعل الخطاب لمشركي مكة كما قيل أما إن جعل الوعيد ~~عبارة عن هزيمة بدر كما صرحوا به فظاهر لا خفاء فيه وأما إن جعل ~~عبارة عن هزيمة أخرى فلأن الفئة التي شاهدت تلك الآية الهائلة هم ~~المخاطبون حينئذ بالتعبير عنهم بفئة مبهمة تارة وموصوفة أخرى ثم ~~إسناد المشاهدة إليها مع كون إسنادها إلى المخاطبين أوقع في إلزام ~~الحجة وأدخل في التبكيت مما لا داعي إليه، وبهذا يتبين سر جعل ~~الخطاب الثاني للمؤمنين، وأما قراءة ترونهم بتاء الخطاب فظاهرها وإن ~~اقتضى توجيه الخطاب الثاني إلى المشركين لكنه ليس بنص في ذلك لأنه وإن ~~اندفع به المحذور الأخير فالأول باق بحاله فلعل رؤية المشركين نزلت ~~منزلة رؤية اليهود لما بينهم من الاتحاد في الكفر والاتفاق في الكلمة ~~لا سيما بعد ما وقع بينهم بواسطة كعب بن الأشرف من العهد والميثاق، ~~فأسندت الرؤية إليهم مبالغة في البيان وتحقيقا لعروض مثل تلك ~~الحالة لهم فتدبر. # وقيل: المراد جميع الكفرة ولا ريب في صحته وسداده، وقرىء يرونهم ~~وترونهم على البناء للمفعول من الإراءة أي يريهم أو يريكم الله تعالى ~~كذلك { رأى العين } مصدر مؤكد ليرونهم إن كانت الرؤية بصرية، ~~أو مصدر تشبيهي إن كانت قلبية أي رؤية ظاهرة مكشوفة جارية مجرى ~~رؤية العين { والله يؤيد } أي يقوي { بنصره من يشاء } أي ~~يؤيده من غير توسيط الأسباب العادية كما أيد الفئة المقاتلة في سبيله ~~بما ذكر من النصر وهو تمام القول المأمور به { إن فى ذلك } إشارة ~~إلى ما ذكر من رؤية القليل كثيرا المستتبعة لغلبة القليل العديم ~~العدة على الكثير ms0441 الشاكي السلاح، وما فيه من معنى البعد للإيذان ببعد ~~منزلة المشار إليه في الفضل { لعبرة } العبرة فعلة من العبور ~~كالركبة من الركوب والجلسة من الجلوس والمراد بها الاتعاظ فإنه نوع ~~من العبور أي لعبرة عظيمة كائنة { لأولى الأبصر } لذوي العقول ~~والبصائر وقيل: لمن أبصرهم، وهو إما من تمام الكلام الداخل تحت القول ~~مقرر لما قبله بطريق التذييل وإما وارد من جهته تعالى تصديقا ~~لمقالته عليه الصلاة والسلام. ### || [3.14] # { زين للناس } كلام مستأنف سيق لبيان حقارة شأن الحظوظ ~~الدنيوية بأصنافها وتزهيد للناس فيها وتوجيه لرغباتهم إلى ما عنده ~~تعالى إثر بيان عدم نفعها للكفرة الذين كانوا يتعززون بها والمراد ~~بالناس الجنس { حب الشهوت } الشهوة نزوع النفس إلى ما تريده ~~والمراد ههنا المشتهيات، عبر عنها بالشهوات مبالغة كونها مشتهاة ~~مرغوبا فيها كأنها نفس الشهوات أو إيذانا بانهماكهم في حبها بحيث ~~أحبوا شهواتها كما في قوله تعالى: # إنى أحببت حب الخير # [ص، الآية 32] أو استرذالا لها فإن الشهوة مسترذلة مذمومة من صفات ~~البهائم، والمزين هو الباري سبحانه وتعالى إذ هو الخالق لجميع ~~الأفعال والدواعي والحكمة في ذلك ابتلاؤهم، قال تعالى: # إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها لنبلوهم # [الكهف، الآية 7] الآية، فإنها ذريعة لنيل سعادة الدارين عند كون ~~تعاطيها على نهج الشريعة الشريفة ووسيلة إلى بقاء النوع، وإيثار صيغة ~~المبني للمفعول للجري على سنن الكبرياء، وقرىء على البناء للفاعل وقيل: ~~المزين هو الشيطان لما أن مساق الآية الكريمة على ذمها. وفرق ~~الجبائي بين المباحات فأسند تزيينها إليه تعالى، وبين المحرمات فنسب ~~تزيينها إلى الشيطان { من النساء والبنين } في محل النصب على ~~أنه حال من الشهوات وهي مفسرة لها في المعنى، وقيل: { من } لبيان ~~الجنس وتقديم النساء على البنين لعراقتهن في معنى الشهوة فإنهن حبائل ~~الشيطان وعدم التعرض للبنات لعدم الاطراد في حبهن { والقنطير ~~المقنطرة } جمع قنطار وهو المال الكثير، وقيل: مائة ألف دينار ~~وقيل: ملء مسك ثور، وقيل: سبعون ألفا وقيل: أربعون ألف مثقال، ~~وقيل: ثمانون ألفا وقيل: مائة رطل وقيل: ألف ومائتا ms0442 مثقال، وقيل: ~~ألف دينار وقيل: مائة قنطار ومائة رطل ومائة مثقال ومائة درهم وقيل: ~~دية النفس واختلف في أن وزنه فعلال أو فنعال، ولفظ (المقنطرة) مأخوذ ~~منه للتأكيد كقولهم: بدرة مبدرة، وقيل: المقنطرة المحكمة المحصنة، ~~وقيل: الكثيرة المنضدة بعضها على بعض أو المدفونة المضروبة المنقوشة. # { من الذهب والفضة } بيان للقناطير أو حال { والخيل } ~~عطف على القناطير وقيل: هي جمع لا واحد له من لفظه كالقوم والرهط، ~~والواحد فرس وقيل: واحده خائل وهو مشتق من الخيلاء { المسومة } ~~أي المعلمة من السمة وهي العلامة أو المرعية من أسام الدابة ~~وسومها إذا أرسلها وسيبها للرعي أو المطهمة التامة الخلق { ~~والأنعم } أي الإبل والبقر والغنم { والحرث } أي الزرع مصدر ~~بمعنى المفعول. # { ذلك } أي ما ذكر من الأشياء المعهودة { متاع الحيوة ~~الدنيا } أي ما يتمتع به في الحياة الدنيا أياما قلائل فتفنى ~~سريعا { والله عنده حسن المأب } حسن المرجع، وفيه ~~دلالة على أن ليس فيما عدد عاقبة حميدة، وفي تكرير الإسناد بجعل ~~الجلالة مبتدأ وإسناد الجملة الظرفية إليه زيادة تأكيد وتفخيم ومزيد ~~اعتناء بالترغيب فيما عند الله عز وجل من النعيم المقيم، والتزهيد في ~~ملاذ الدنيا وطيباتها الفانية. ### || [3.15] # { قل أؤنبئكم بخير من ذلكم } إثر ما بين شأن ~~مزخرفات الدنيا وذكر ما عنده تعالى من حسن المآب إجمالا أمر النبي ~~صلى الله عليه وسلم بتفصيل ذلك المجمل للناس مبالغة في الترغيب، ~~والخطاب للجميع والهمزة للتقرير أي أأخبركم بما هو خير مما فصل من ~~تلك المستلذات المزينة لكم؟ وإبهام الخبر لتفخيم شأنه والتشويق إليه ~~وقوله تعالى: { للذين اتقوا عند ربهم جنت } ~~استئناف مبين لذلك المبهم على أن { جنت } مبتدأ والجار ~~والمجرور خبر، أو على أن جنات مرتفع به على الفاعلية عند من لا يشترط ~~في ذلك اعتماد الجار على ما فصل في محله، والمراد بالتقوى هو التبتل ~~إلى الله تعالى والإعراض عما سواه على ما تنبىء عنه النعوت الآتية، ~~وتعليق حصول الجنات وما بعدها من فنون الخيرات به للترغيب في تحصيله ~~والثبات عليه، و { عند } نصب ms0443 على الحالية من جنات، أو متعلق بما تعلق ~~به الجار والمجرور من معنى الاستقرار مفيد لكمال علو رتبة الجنات وسمو ~~طبقتها، والتعرض لعنوان الربوبية مع الإضافة إلى ضمير المتقين لإظهار ~~مزيد اللطف بهم وقيل: اللام متعلقة بخير وكذا الظرف، وجنات خبر لمبتدأ ~~محذوف والجملة مبينة لخير ويؤيده قراءة جنات بالجر على البدلية من خير ~~ولا يخفى أن تعليق الإخبار والبيان بما هو خير لطائفة ربما يوهم أن هناك ~~خيرا آخر لآخرين { تجرى } في محل الرفع والجر صفة لجنات على حسب ~~القراءتين { من تحتها الأنهر } متعلق بتجري فإن أريد بالجنات ~~نفس الأشجار كما هو الظاهر فجريانها من تحتها ظاهر وإن أريد بها مجموع ~~الأرض والأشجار فهو باعتبار جزئها الظاهر كما مر تفصيله مرارا { ~~خلدين فيها } حال مقدرة من المستكن في { للذين } والعامل ~~ما فيه من معنى الاستقرار { وأزوج مطهرة } عطف على جنات أي ~~مبرأة مما يستقذر من النساء من الأحوال البدنية والطبيعية { ورضوان ~~} التنوين للتفخيم وقوله تعالى: { من الله } متعلق بمحذوف وقع صفة ~~له مؤكدة لما أفاده التنوين من الفخامة، أي رضوان وأي رضوان، لا ~~يقادر قدره كائن من الله عز وجل وقرىء بضم الراء { والله بصير ~~بالعباد } وبأعمالهم فيثيب ويعاقب حسبما يليق بها أو بصير بأحوال ~~الذين اتقوا ولذلك أعد لهم ما ذكر، وفيه إشعار بأنهم المستحقون ~~بالتسمية باسم العبد. ### || [3.16-18] # { الذين يقولون ربنا إننا ءامنا } في محل الرفع ~~على أنه خبر مبتدإ محذوف كأنه قيل: من أولئك المتقون الفائزون بهذه ~~الكرامات السنية فقيل: هم الذين الخ أو النصب على المدح أو الجر على أنه ~~تابع للمتقين نعتا أو بدلا أو للعباد كذلك والأول أظهر، وقوله تعالى: # والله بصير بالعباد # [آل عمران، الآيات: 15- 20] حينئذ معترضة، وتأكيد الجملة لإظهار أن ~~إيمانهم ناشىء من وفور الرغبة وكمال النشاط، وفي ترتيب الدعاء بقولهم { ~~فاغفر لنا ذنوبنا وقنا عذاب النار } على مجرد الإيمان ~~دلالة على كفايته في استحقاق المغفرة والوقاية من النار { ~~الصبرين } هو - على تقدير كونه الموصول في محل الرفع - منصوب على ~~المدح ms0444 بإضمار أعني وأما على تقدير كونه في محل النصب أو الجر فهو نعت له، ~~والمراد بالصبر هو الصبر على مشاق الطاعات وعلى البأساء والضراء وحين ~~البأس { والصدقين } في أقوالهم ونياتهم وعزائمهم { ~~والقنتين } المداومين على الطاعات المواظبين على العبادات { ~~والمنفقين } أموالهم في سبيل الله تعالى { ~~والمستغفرين بالأسحار } قال مجاهد وقتادة والكلبي: هم ~~المصلون بالأسحار، وعن زيد بن أسلم: هم الذين يصلون الصبح في جماعة. ~~وقال الحسن: مدوا الصلاة إلى السحر ثم استغفروا. وقال نافع: كان ابن ~~عمر رضي الله عنه يحيي الليلة ثم يقول: يا نافع أسحرنا؟ فأقول: لا ~~فيعاود الصلاة فإذا قلت نعم قعد يستغفر الله ويدعو حتى يصبح، وعن الحسن: ~~كانوا يصلون في أول الليل حتى إذا كان السحر أخذوا في الدعاء والاستغفار. ~~وتخصيص الأسحار بالاستغفار لأن الدعاء فيها أقرب إلى الإجابة إذ ~~العبادة حينئذ أسبق والنفس أصفى والروح أجمع لا سيما للمتهجدين، ~~وتوسيط الواو بين الصفات المعدودة للدلالة على استقلال كل منها وكمالهم ~~فيها، أو لتغاير الموصوفين بها. # { شهد الله أنه } بفتح الهمزة أي بأنه أو على أنه { لا ~~إله إلا هو } أي بين وحدانيته بنصب الدلائل التكوينية في ~~الآفاق والأنفس وإنزال الآيات التشريعية الناطقة بذلك. عبر عنه بالشهادة ~~على طريقة الاستعارة إيذانا بقوته في إثبات المطلوب وإشعارا بإنكار ~~المنكر، وقرىء إنه بكسر الهمزة إما بإجراء. { شهد } مجرى قال، وإما ~~بجعل الجملة اعتراضا وإيقاع الفعل على قوله تعالى: # إن الدين # [آل عمران، الآية 19] الخ على قراءة أن بفتح الهمزة كما سيأتي وقرىء ~~شهداء لله بالنصب على أنه حال من المذكورين أو على المدح وبالرفع على ~~أنه خبر مبتدإ محذوف ومآله الرفع على المدح أي هم شهداء لله وهو إما جمع ~~شهيد كظرفاء في جمع ظريف أو جمع شاهد كشعراء في جمع شاعر. # { والملئكة } عطف على الاسم الجليل بحمل الشهادة على معنى ~~مجازي شامل للإقرار والإيمان بطريق عموم المجاز أي أقروا بذلك { ~~وأولو العلم } أي آمنوا به واحتجوا عليه بما ذكر من الأدلة ~~التكوينية والتشريعية، قيل: المراد بهم الأنبياء ms0445 عليهم الصلاة والسلام ~~وقيل: المهاجرون والأنصار وقيل: علماء مؤمني أهل الكتاب كعبد الله بن ~~سلام وأضرابه وقيل: جميع علماء المؤمنين الذين عرفوا وحدانيته تعالى ~~بالدلائل القاطعة، وارتفاعهما على القراءتين الأخيرتين قيل: بالعطف على ~~الضمير في شهداء لوقوع الفصل بينهما وأنت خبير بأن ذلك على قراءة ~~النصب على الحالية يؤدي إلى تقييد حال المذكورين بشهادة الملائكة ~~وأولي العلم، وليس فيه كثير فائدة فالوجه حينئذ كون ارتفاعهما ~~بالابتداء والخبر محذوف لدلالة الكلام عليه أي والملائكة وأولو العلم ~~شهداء ولك أن تحمل القراءتين على المدح نصبا ورفعا فحينئذ يحسن العطف ~~على المستتر على كل حال وقوله تعالى: { قائما بالقسط } أي ~~مقيما للعدل في جميع أموره بيان لكماله تعالى في أفعاله إثر بيان ~~كماله في ذاته وانتصابه على الحالية من { الله } كما في قوله تعالى: # وهو الحق مصدقا # [البقرة، الآية 91] وإنما جاز إفراده مع عدم جواز جاء زيد وعمرو راكبا ~~لعدم اللبس كقوله تعالى: # ووهبنا له إسحق ويعقوب نافلة # [الأنبياء، الآية 72] ولعل تأخيره عن المعطوفين للدلالة على علو ~~رتبتهما وقرب منزلتهما والمسارعة إلى إقامة شهود التوحيد اعتناء ~~بشأنه ورفعا لمحله، والسر في تقديمه على المعطوفين مع ما فيه من ~~الإيذان بأصالته تعالى في الشهادة به كما مر في قوله تعالى: # ءامن الرسول بما أنزل إليه من ربه ~~والمؤمنون # [البقرة، الآية 285] أو من { هو } وهو الأوجه، والعامل فيها معنى ~~الجملة أي تفرد، أو أحقه لأنها حال مؤكدة أو على المدح وقبل على أنه ~~صفة للمنفي أي لا إله قائما الخ والفصل بينهما من قبيل توسعاتهم وهو ~~مندرج في المشهود به إذا جعل صفة أو حالا من الضمير أو نصبا على المدح ~~منه وقرىء القائم بالقسط على البدلية من { هو } فيلزم الفصل بينهما ~~كما في الصفة أو على أنه خبر لمبتدإ محذوف وقرىء قيما بالقسط. # { لا إله إلا هو } تكرير للتأكيد ومزيد الاعتناء بمعرفة أدلة ~~التوحيد والحكم به بعد إقامة الحجة وليجري عليه قوله تعالى: { ~~العزيز الحكيم } فيعلم أنه المنعوت بهما، ووجه الترتيب إذن ~~تقدم العلم ms0446 بقدرته على العلم بحكمته تعالى ورفعهما على البدلية من ~~الضمير أو الوصفية لفاعل شهد، أو الخبرية لمبتدأ مضمر وقد روي في فضلها ~~أنه عليه السلام قال: # " يجاء بصاحبها يوم القيامة فيقول الله عز وجل: إن لعبدي هذا عندي ~~عهدا، وأنا أحق من وفى بالعهد، أدخلوا عبدي الجنة " # وهو دليل على فضل علم أصول الدين وشرف أهله، وروي عن سعيد بن جبير ~~أنه كان حول البيت ثلثمائة وستون صنما فلما نزلت هذه الآية الكريمة ~~خررن سجدا. وقيل: نزلت في نصارى نجران. # وقال الكلبي: # " قدم على النبي صلى الله عليه وسلم حبران من أحبار الشام فلما أبصرا ~~المدينة قال أحدهما: ما أشبه هذه المدينة بصفة مدينة النبي الذي يخرج ~~في آخر الزمان فلما دخلا عليه عليه السلام عرفاه بصفته فقالا له عليه ~~السلام: أنت محمد؟ قال صلى الله عليه وسلم: " نعم " قالا: وأنت أحمد؟ ~~قال عليه السلام: " أنا محمد وأحمد " قالا: فإنا نسألك عن شيء فإن ~~أخبرتنا به آمنا بك وصدقناك قال عليه السلام: " سلا " فقال: أخبرنا عن ~~أعظم شهادة في كتاب الله عز وجل فأنزل الله تعالى هذه الآية الكريمة ~~فأسلم الرجلان ". ### || [3.19-20] # { إن الدين عند الله الإسلم } جملة مستأنفة مؤكدة ~~للأولى أي لا دين مرضيا لله تعالى سوى الإسلام الذي هو التوحيد ~~والتدرع بالشريعة الشريفة، وعن قتادة أنه شهادة # أن لا إله إلا الله # [محمد، الآية: 19] والإقرار بما جاء من عند الله تعالى وقرىء إن الدين ~~عند الله الإسلام وقرىء أن الدين الخ على أنه بدل الكل إن فسر الإسلام ~~بالإيمان أو بما يتضمنه وبدل الاشتمال إن فسر بالشريعة أو على أن شهد ~~واقع عليه تقدير قراءة إنه بالكسر كما أشير إليه { وما اختلف ~~الذين أوتوا الكتب } نزلت في اليهود والنصارى حين تركوا ~~الإسلام الذي جاء به النبي صلى الله عليه وسلم وأنكروا نبوته، ~~والتعبير عنهم بالموصول وجعل إيتاء الكتاب صلة لزيادة تقبيح ~~حالهم فإن الاختلاف ممن أوتي ما يزيله ويقطع شأفته في غاية القبح ~~والسماجة وقوله تعالى: { إلا من ms0447 بعد ما جاءهم العلم } ~~استثناء مفرغ من أعم الأحوال أو أعم الأوقات أي وما اختلفوا في حال من ~~الأحوال أو في وقت من الأوقات إلا بعد أن علموا بأنه الحق الذي لا ~~محيد عنه أو بعد أن علموا حقيقة الأمر وتمكنوا من العلم بها بالحجج ~~النيرة والآيات الباهرة وفيه من الدلالة على ترامي حالهم في الضلالة ~~ما لا يزيد عليه فإن الاختلاف بعد حصول تلك المرتبة مما لا يصدر عن ~~العاقل وقوله تعالى: { بغيا بينهم } أي حسدا كائنا بينهم ~~وطلبا للرياسة لا لشبهة وخفاء في الأمر، تشنيع إثر تشنيع. # { ومن يكفر بآيت الله } أي بآياته الناطقة بما ذكر من أن ~~الدين عند الله تعالى هو الإسلام ولم يعمل بمقتضاها أو بأية آية ~~كانت من آياته تعالى على أن يدخل فيها ما نحن فيه دخولا أوليا { ~~فإن الله سريع الحساب } قائم مقام جواب الشرط علة له ~~أي ومن يكفر بآياته فإنه يجازيه ويعاقبه عن قريب فإنه سريع الحساب أي ~~يأتي حسابه عن قريب أو يتم ذلك بسرعة، وإظهار الجلالة لتربية المهابة ~~وإدخال الروعة، وفي ترتيب العقاب على مطلق الكفر بآياته تعالى من غير ~~تعرض لخصوصية حالهم - من كون كفرهم بعد إيتاء الكتاب وحصول الاطلاع ~~على ما فيه وكون ذلك للبغي - دلالة على كمال شدة عقابهم { فإن ~~حاجوك } أي في كون الدين عند الله الإسلام أو جادلوك فيه بعد ما ~~أقمت عليهم الحجج { فقل أسلمت وجهى } أي أخلصت نفسي وقلبي ~~وجملتي، وإنما عبر عنها بالوجه لأنه أشرف الأعضاء الظاهرة ومظهر القوى ~~والمشاعر ومجمع معظم ما تقع به العبادة من السجود والقراءة وبه يحصل ~~التوجه إلى كل شيء { لله } لا أشرك به فيها غيره وهو الدين ~~القويم الذي قامت عليه الحجج ودعت إليه الآيات والرسل عليهم السلام { ~~ومن اتبعن } عطف على المتصل في أسلمت وحسن ذلك لمكان الفصل ~~الجاري مجرى التأكيد بالمنفصل أي وأسلم من اتبعني أو مفعول معه { ~~وقل للذين أوتوا الكتب } أي من اليهود والنصارى، وضع ~~الموصول موضع الضمير لرعاية التقابل ms0448 بين وصفي المتعاطفين { ~~والأميين } أي الذين لا كتاب لهم من مشركي العرب { ءأسلمتم ~~} متبعين لي كما فعل المؤمنون فإنه قد أتاكم من البينات ما يوجبه ~~ويقتضيه لا محالة فهل أسلمتم وعملتم بمقتضاها، أو أنتم على كفركم بعد؟ ~~كما يقول من لخص لصاحبه المسألة ولم يدع من طرق التوضيح والبيان ~~مسلكا إلا سلكه فهل فهمتها؟ على منهاج قوله تعالى: # فهل أنتم منتهون # [المائدة، الآية 91] إثر تفصيل الصوارف عن تعاطي الخمر والميسر وفيه ~~من استقصارهم وتعبيرهم بالمعاندة وقلة الإنصاف وتوبيخهم بالبلادة ~~وكلة القريحة ما لا يخفى. # { فإن أسلموا } أي كما أسلمتم وإنما لم يصرح به كما في قوله ~~تعالى: { فإن ءامنوا بمثل ما ءامنتم به } حسما لباب ~~إطلاق اسم الإسلام على شيء آخر بالكلية { فقد اهتدوا } أي فازوا ~~بالحظ الأوفر ونجوا عن مهاوي الضلال { وإن تولوا } أي أعرضوا ~~عن الاتباع وقبول الإسلام { فإنما عليك البلغ } قائم ~~مقام الجواب أي لم يضروك شيئا إذ ما علي إلا البلاغ وقد فعلت على ~~أبلغ وجه، روي # " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما قرأ هذه الآية على أهل الكتاب ~~قالوا: أسلمنا، فقال عليه السلام لليهود: " أتشهدون أن عيسى كلمة الله ~~وعبده ورسوله؟ " فقالوا: معاذ الله، قال عليه الصلاة والسلام للنصارى: ~~" أتشهدون أن عيسى عبد الله ورسوله؟ " فقالوا: معاذ الله أن يكون عيسى ~~عبدا " # وذلك قوله عز وجل: { وإن تولوا } { والله بصير ~~بالعباد } عالم بجميع أحوالهم وهو تذييل فيه وعد ووعيد. ### || [3.21] # { إن الذين يكفرون بآيت الله } أي آية كانت ~~فيدخل فيهم الكافرون بالآيات الناطقة بحقية الإسلام على الوجه الذي مر ~~تفصيله دخولا أوليا { ويقتلون النبيين بغير حق } هم ~~أهل الكتاب قتل أولوهم الأنبياء عليهم السلام وقتلوا أتباعهم وهم ~~راضون بما فعلوا وكانوا - قاتلهم الله تعالى - حائمين حول قتل النبي ~~صلى الله عليه وسلم لولا أن عصم الله تعالى ساحته المنيعة، وقد أشير ~~إليه بصيغة الاستقبال، وقرىء بالتشديد للتكثير، والتقييد بغير حق ~~للإيذان بأنه كان عندهم أيضا بغير حق { ويقتلون الذين ~~يأمرون بالقسط من الناس ms0449 } أي بالعدل، ولعل تكرير الفعل ~~للإشعار بما بين القتلين من التفاوت أو باختلافهما في الوقت، # " عن أبي عبيدة بن الجراح قلت: يا رسول الله أي الناس أشد ~~عذابا يوم القيامة؟ قال: " رجل قتل نبيا، أو رجلا أمر بمعروف ونهي عن ~~منكر " ثم قرأها ثم قال: " يا أبا عبيدة قتلت بنو إسرائيل ثلاثة ~~وأربعين نبيا من أول النهار في ساعة واحدة فقام مائة واثنا عشر رجلا ~~من عباد بني إسرائيل فأمروا قتلتهم بالمعروف ونهوهم عن المنكر ~~فقتلوا جميعا من آخر النهار " # وقرىء ويقاتلون الذين { فبشرهم بعذاب أليم } خبر إن والفاء ~~لتضمن اسمها معنى الشرط فإنها بالنسخ لا تغير معنى الابتداء بل تزيده ~~تأكيدا وكذا الحال في النسخ بأن المفتوحة كما في قوله تعالى: # واعلموا أنما غنمتم من شىء فأن لله خمسه # [الأنفال، الآية 41] وكذا النسخ بلكن كما في قوله: [الطويل] # فوالله ما فارقتكم عن ملالة # ولكن ما يقضى فسوف يكون # وإنما يتغير معنى الابتداء في النسخ بليت ولعل وقد ذهب سيبويه والأخفش ~~إلى منع دخول الفاء عند النسخ مطلقا فالخبر عندهما. ### || [3.22-23] # قوله تعالى: { أولئك الذين حبطت أعملهم في ~~الدنيا والأخرة } كما في قولك: الشيطان فاحذر عدو مبين ~~وعلى الأول هو استئناف واسم الإشارة مبتدأ وما فيه من معنى البعد ~~للدلالة على ترامي أمرهم في الضلال وبعد منزلتهم في فظاعة الحال، ~~والموصول بما في حيز صلته خبره أي أولئك المتصفون بتلك الصفات القبيحة ~~أو المبتلون بأسوأ الحال الذين بطلت أعمالهم التي عملوها من البر ~~والحسنات ولم يبق لها أثر في الدارين بل بقي لهم اللعنة والخزي في ~~الدنيا وعذاب أليم في الآخرة { وما لهم من نصرين } ينصرونهم ~~من بأس الله وعذابه في إحدى الدارين، وصيغة الجميع لرعاية ما وقع في ~~مقابلته لا لنفي تعدد الأنصار من كل واحد منهم كما في قوله تعالى: # وما للظلمين من أنصار # [البقرة، الآية 270]. # { ألم تر } تعجيب لرسول الله صلى الله عليه وسلم أو لكل من ~~يتأتى منه الرؤية من حال أهل الكتاب وسوء صنيعهم، وتقرير ms0450 لما سبق من ~~أن اختلافهم في الإسلام إنما كان بعد ما جاءهم العلم بحقيته أي ألم ~~تنظر { إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتب } أي ~~التوراة على أن اللام للعهد وحمله على جنس الكتب الإلهية تطويل ~~للمسافة إذ تمام التقريب حينئذ بكون التوراة من جملتها لأن مدار التشنيع ~~والتعجيب إنما هو إعراضهم عن المحاكمة إلى ما دعوا إليه وهم لم ~~يدعوا إلا إلى التوراة، والمراد بما أوتوه منها ما بين لهم فيها ~~من العلوم والأحكام التي من جملتها ما علموه من نعوت النبي صلى الله ~~عليه وسلم وحقية الإسلام، والتعبير عنه بالنصيب للإشعار بكمال ~~اختصاصه بهم وكونه حقا من حقوقهم التي يجب مراعاتها والعمل بموجبها ~~وما فيه من التنكير للتفخيم، وحمله على التحقير لا يساعده مقام ~~المبالغة في تقبيح حالهم { يدعون إلى كتب الله } الذي ~~أوتوا نصيبا منه وهو التوراة، والإظهار في مقام الإضمار لإيجاب ~~الإجابة، وإضافته إلى الاسم الجليل لتشريفه وتأكيد وجوب المراجعة ~~إليه، والجملة استئناف مبين لمحل التعجيب مبني على سؤال نشأ من ~~صدر الكلام كأنه قيل: ماذا يصنعون حتى ينظر إليهم؟ فقيل: يدعون إلى ~~كتاب الله تعالى، وقيل: حال من الموصول { ليحكم بينهم } وذلك # " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل مدراسهم فدعاهم إلى الإيمان ~~فقال له نعيم بن عمرو، والحرث بن زيد: على أي دين أنت؟ قال عليه ~~الصلاة والسلام: " على ملة إبراهيم " قالا: إن إبراهيم كان يهوديا فقال ~~صلى الله عليه وسلم لهما: " إن بيننا وبينكم التوراة فهلموا إليها " ~~فأبيا " # وقيل: نزلت في الرجم وقد اختلفوا فيه وقيل: { كتب الله } ~~القرآن فإنهم قد علموا أنه كتاب الله ولم يشكوا فيه، وقرىء ليحكم على ~~بناء المجهول فيكون الاختلاف بينهم بأن أسلم بعضهم كعبد الله بن ~~سلام وأضرابه وعاداهم الآخرون { ثم يتولى فريق منهم } ~~استبعاد لتوليهم بعد علمهم بوجوب الرجوع إليه { وهم معرضون } ~~إما حال من { فريق } لتخصصه بالصفة أي يتولون من المجلس وهم معرضون ~~بقلوبهم، أو اعتراض أي وهم قوم ديدنهم الإعراض عن الحق والإصرار على ms0451 ~~الباطل. ### || [3.24-26] # { ذلك } إشارة إلى ما مر من التولي والإعراض، وهو مبتدأ خبره قوله ~~تعالى: { بأنهم } أي حاصل بسبب أنهم { قالوا لن تمسنا ~~النار } باقتراف الذنوب وركوب المعاصي { إلا أياما معدودت ~~} وهي مقدار عبادتهم العجل، ورسخ اعتقادهم على ذلك وهونوا على ~~أنفسهم الخطوب { وغرهم فى دينهم ما كانوا يفترون } ~~من قولهم ذلك وما أشبهه من قولهم: إن آباءنا الأنبياء يشفعون لنا أو إن ~~الله تعالى وعد يعقوب عليه السلام ألا يعذب أولاده إلا تحلة ~~القسم ولذلك ارتكبوا ما ارتكبوا من القبائح { فكيف } رد لقولهم ~~المذكور وإبطال لما عراهم باستعظام ما سيدهمهم وتهويل ما سيحيق بهم ~~من الأهوال أي فكيف يكون حالهم؟ { إذا جمعنهم ليوم } أي ~~لجزاء يوم { لا ريب فيه } أي في وقوعه ووقوع ما فيه، روي أن أول ~~راية ترفع يوم القيامة من رايات الكفر راية اليهود فيفضحهم الله عز ~~وجل على رؤوس الأشهاد ثم يأمر بهم إلى النار { ووفيت كل نفس ~~ما كسبت } أي جزاء ما كسبت من غير نقص أصلا كما يزعمون، وإنما ~~وضع المكسوب موضع جزائه للإيذان بكمال الاتصال والتلازم بينهما ~~كأنهما شيء واحد، وفيه دلالة على أن العبادة لا تحبط وأن المؤمن لا ~~يخلد في النار لأن توفية جزاء إيمانه وعمله لا تكون في النار ولا ~~قبل دخولها فإذن هي بعد الخلاص منها { وهم } أي كل الناس المدلول ~~عليهم بكل نفس { لا يظلمون } بزيادة عذاب أو بنقص ثواب بل يصيب ~~كلا منهم مقدار ما كسبه { قل اللهم } الميم عوض عن حرف النداء ~~ولذلك لا يجتمعان وهذا من خصائص الاسم الجليل كدخوله عليه مع حرف ~~التعريف وقطع همزته ودخول تاء القسم عليه وقيل: أصله يا ألله ~~أمنا بخير أي اقصدنا به فخفف بحذف حرف النداء ومتعلقات الفعل وهمزته ~~{ ملك الملك } أي مالك جنس الملك على الإطلاق ملكا حقيقيا ~~بحيث تتصرف فيه كيفما تشاء إيجادا وإعداما وإحياء وإماتة وتعذيبا ~~وإثابة من غير مشارك ولا ممانع وهو نداء ثان عند سيبويه فإن الميم ~~عنده تمنع الوصفية { تؤتى الملك ms0452 } بيان ق لبعض وجوه التصرف الذي ~~تستدعيه مالكية الملك وتحقيق لاختصاصها به تعالى حقيقة وكون ملك ~~غيره بطريق المجاز كما ينبىء عنه إيثار الإيتاء الذي هو مجرد ~~الإعطاء على التمليك المؤذن بثبوت المالكية حقيقة { من تشاء } أي ~~إيتاءه إياه { وتنزع الملك ممن تشاء } أي نزعه منه، ~~فالملك الأول حقيقي عام ومملوكيته حقيقية والآخران مجازيان خاصان ~~ونسبتهما إلى صاحبهما مجازية، وقيل: الملك الأول عام والآخران بعضان ~~منه فتأمل. وقيل: المراد بالملك النبوة ونزعها نقلها من قوم إلى آخرين ~~{ وتعز من تشاء } أن تعزه في الدنيا أو في الآخرة أو فيهما ~~بالنصر والتوفيق { وتذل من تشاء } أن تذله في إحداهما أو فيهما ~~من غير ممانعة من الغير ولا مدافعة { بيدك الخير } تعريف الخير ~~للتعميم، وتقديم الخبر للتخصيص أي بقدرتك الخير كله لا بقدرة أحد ~~غيرك تتصرف فيه قبضا وبسطا حسبما تقتضيه مشيئتك، وتخصيص الخير ~~بالذكر لما أنه مقضي بالذات وأما الشر فمقضي بالعرض إذ ما من شر ~~جزئي إلا وهو متضمن لخير كلي أو لأن في حصول الشر دخلا لصاحبه في ~~الجملة لأنه من أجزية أعماله، وأما الخير ففضل محض أو لرعاية الأدب أو ~~لأن الكلام فيه فإنه روي # " أن الرسول صلى الله عليه وسلم لما خط الخندق عام الأحزاب وقطع لكل ~~عشرة من أهل المدينة أربعين ذراعا وأخذوا يحفرونه خرج من بطن الخندق ~~صخرة كالتل لم تعمل فيها المعاول فوجهوا سلمان إلى رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم يخبره فجاء عليه السلام وأخذ منه المعول فضربها ضربة ~~صدعتها وبرق منها برق أضاء ما بين لابتيها لكأن مصباحا في جوف ~~بيت مظلم فكبر وكبر معه المسلمون وقال: " أضاءت لي منها قصور الحيرة ~~كأنها أنياب الكلاب " ثم ضرب الثانية فقال: " أضاءت لي منها القصور ~~الحمر من أرض الروم " ثم ضرب الثالثة فقال: " أضاءت لي قصور صنعاء ~~وأخبرني جبريل أن أمتي ظاهرة على كلها فأبشروا " # فقال المنافقون: ألا تعجبون؟ يمنيكم ويعدكم الباطل ويخبركم أنه ~~يبصر من يثرب قصور الحيرة ومدائن كسرى وأنها تفتح لكم ms0453 وأنتم إنما ~~تحفرون الخندق من الفرق لا تستطيعون أن تبرزوا فنزلت { إنك ~~على كل شىء قدير } تعليل لما سبق وتحقيق له. ### || [3.27] # { تولج اليل فى النهار } أي تدخله فيه بتعقيبه إياه أو ~~بنقص الأول وزيادة الثاني { وتولج النهار فى اليل } على ~~أحد الوجهين { وتخرج الحى من الميت } أي تنشىء الحيوانات ~~من موادها أو من النطفة، وقيل: تخرج المؤمن من الكافر { وتخرج ~~الميت من الحى } أي تخرج النطفة من الحيوان وقيل: تخرج الكافر ~~من المؤمن { وترزق من تشاء بغير حساب } قال أبو العباس ~~المقري: ورد لفظ الحساب في القرآن على ثلاثة أوجه بمعنى التعب قال ~~تعالى: { وترزق من تشاء بغير حساب } [آل عمران، الآية 27] ~~وبمعنى العدد قال تعالى: # إنما يوفى الصبرون أجرهم بغير حساب # [الزمر، الآية 10] وبمعنى المطالبة قال تعالى: # فامنن أو أمسك بغير حساب # [ص، الآية 39] والباء متعلقة بمحذوف وقع حالا من فاعل ترزق أو من ~~مفعوله وفيه دلالة على أن من قدر على أمثال هاتيك الأفاعيل العظام ~~المحيرة للعقول والأفهام فقدرته على أن ينزع الملك من العجم ~~ويذلهم ويؤتيه العرب ويعزهم أهون من كل هين. عن علي رضي الله ~~عنه أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " " إن فاتحة الكتاب وآية الكرسي وآيتين من آل عمران شهد الله أنه { ~~لا إله إلا هو } إلى قوله تعالى: { إن الدين عند ~~الله الإسلم } [آل عمران، الآية 18، 19] و { قل اللهم ~~ملك الملك } إلى قوله: { بغير حساب } [آل عمران، الآية ~~26، 27] معلقات ما بينهن وبين الله تعالى حجاب " ، قلن: يا رب ~~تهبطنا إلى أرضك وإلى من يعصيك؟ قال الله تعالى: " إني حلفت أنه لا ~~يقرؤكن أحد دبر كل صلاة إلا جعلت الجنة مثواه على ما كان ~~منه وأسكنته في حظيرة القدس، ونظرت بعيني كل يوم سبعين مرة وقضيت له ~~سبعين حاجة أدناها المغفرة، وأعذته من كل عدو وحاسد، ونصرته عليهم " # وفي بعض الكتب: (أنا الله ملك الملوك، قلوب الملوك ونواصيهم بيدي ~~فإن العباد أطاعوني جعلتهم لهم رحمة وإن العباد عصوني جعلتهم عليهم ms0454 ~~عقوبة فلا تشتغلوا بسب الملوك ولكن توبوا إلي أعطفهم عليكم). وهو ~~معنى قوله عليه السلام: # " كما تكونوا يول عليكم " ### || [3.28-29] # { لا يتخذ المؤمنون الكفرين أولياء } نهوا عن ~~موالاتهم لقرابة أو صداقة جاهلية ونحوهما من أسباب المصادقة والمعاشرة ~~كما في قوله سبحانه: # يأيها الذين ءامنوا لا تتخذوا عدوى ~~وعدوكم أولياء # [الممتحنة، الآية 1] وقوله تعالى: # لا تتخذوا اليهود والنصرى أولياء # [المائدة، الآية 51] حتى لا يكون حبهم ولا بغضهم إلا لله، أو عن ~~الاستعانة بهم في الغزو وسائر الأمور الدينية { من دون المؤمنين ~~} في موضع الحال أي متجاوزين المؤمنين إليهم استقلالا أو اشتراكا وفيه ~~إشارة إلى أنهم الأحقاء بالموالاة وأن في موالاتهم مندوحة عن موالاة ~~الكفرة { ومن يفعل ذلك } أي اتخاذهم أولياء، والتعبير عنه ~~بالفعل للاختصار أو لإيهام الاستهجان بذكره { فليس من الله } أي ~~من ولايته تعالى { في شىء } يصح أن يطلق عليه اسم الولاية فإن ~~موالاة المتعاديين مما لا يكاد يدخل تحت الوقوع قال: # تود عدوي ثم تزعم أنني # صديقك ليس النوك عنك بعازب # والجملة اعتراضية. قوله تعالى: { إلا أن تتقوا } على صيغة ~~الخطاب بطريق الالتفات استثناء مفرغ من أعم الأحوال، والعامل فعل ~~النهي معتبرا فيه الخطاب كأنه قيل: لا تتخذوهم أولياء ظاهرا أو ~~باطنا في حال من الأحوال إلا حال اتقائكم { منهم } أي من جهتهم { ~~تقة } أي اتقاء أو شيئا يجب اتقاؤه على أن المصدر واقع موقع ~~المفعول فإنه يجوز إظهار الموالاة حينئذ مع اطمئنان النفس بالعداوة ~~والبغضاء وانتظار زوال المانع من قشر العصا وإظهار ما في الضمير كما ~~قال عيسى عليه السلام: كن وسطا وامش جانبا. وأصل (تقاة) وقية ثم ~~أبدلت الواو تاء كتخمة وتهمة وقلبت الياء ألفا وقرىء تقية { ~~ويحذركم الله نفسه } أي ذاته المقدسة فإن جواز إطلاق ~~لفظ النفس - مرادا به الذات - عليه سبحانه بلا مشاكلة مما لا كلام ~~فيه عند المتقدمين، وقد صرح بعض محققي المتأخرين بعدم الجواز وإن أريد ~~به الذات بلا مشاكلة، وفيه من التهديد ما لا يخفى عظمه، وذكر النفس ~~للإيذان بأن له عقابا ms0455 هائلا لا يؤبه دونه بما يحذر من الكفرة { ~~وإلى الله المصير } تذييل مقرر لمضمون ما قبله ومحقق ~~لوقوعه حتما { قل إن تخفوا ما فى صدوركم } من الضمائر ~~التي من جملتها ولاية الكفرة { أو تبدوه } فيما بينكم { ~~يعلمه الله } فيؤاخذكم بذلك عند مصيركم إليه، وتقديم الإخفاء ~~على الإبداء قد مر سره في تفسير قوله تعالى: # وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه # [البقرة، الآية 284] وقوله تعالى: # يعلم ما يسرون وما يعلنون # [البقرة، الآية 77] { ويعلم ما فى السموات وما في ~~الأرض } كلام مستأنف غير معطوف على جواب الشرط وهو من باب إيراد ~~العام بعد الخاص تأكيدا له وتقريرا { والله على كل شيء ~~قدير } فيقدر على عقوبتكم بما لا مزيد عليه إن لم تنتهوا عما ~~نهيتم عنه، وإظهار الاسم الجليل في موضع الإضمار لتربية المهابة ~~وتهويل الخطب وهو تذييل لما قبله مبين لقوله تعالى: # ويحذركم الله نفسه # [آل عمران، الآية 30] بأن ذاته المقدسة - المتميزة عن سائر الذوات ~~المتصفة بما لا يتصف به شيء منها من العلم الذاتي المتعلق بجميع ~~المعلومات - متصفة بالقدرة الذاتية الشاملة لجميع المقدورات بحيث لا ~~يخرج من ملكوته شيء قط. ### || [3.30-31] # { يوم تجد كل نفس } أي من النفوس المكلفة { ما عملت ~~من خير محضرا } عندها بأمر الله تعالى وفيه من التهويل ما ليس ~~في حاضرا { وما عملت من سوء } عطف على { ما عملت } ~~والإحضار معتبر فيه أيضا إلا أنه خص بالذكر في الخير للإشعار بكون ~~الخير مرادا بالذات وكون إحضار الشر من مقتضيات الحكمة التشريعية { ~~تود } عامل في الظرف والمعنى تود وتتمنى يوم تجد صحائف أعمالها من ~~الخير والشر أن أجزيتها محضرة { لو أن بينها وبينه } ~~أي بين ذلك اليوم { أمدا بعيدا } لشدة هوله وفي إسناد الود إلى كل ~~نفس سواء كان لها عمل سيء أو لا بل كانت متمحضة في الخير من الدلالة ~~على كمال فظاعة ذلك اليوم وهول مطلعه ما لا يخفى، اللهم إنا نعوذ بك من ~~ذلك ويجوز أن يكون انتصاب يوم على المفعولية بإضمار اذكروا وتود ms0456 إما ~~حال من كل نفس أو استئناف مبني على السؤال أي اذكروا يوم تجد كل نفس ما ~~عملت من خير وشر محضرا وادة أن بينها وبينه أمدا بعيدا أو كأن ~~سائلا قال حين أمروا بذكر ذلك اليوم: فماذا يكون إذ ذاك؟ قيل: تود لو أن ~~بينها الخ أو { تجد } مقصور على ما عملت من خير، وتود خبر ما عملت ~~من سوء ولا تكون ما شرطية لارتفاع تود وقرىء ودت فحينئذ يجوز كونها ~~شرطية لكن الحمل على الخبر أوقع معنى لأنها حكاية حال ماضية وأوفق ~~للقراءة المشهورة { ويحذركم الله نفسه } تكرير لما سبق ~~وإعادة له لكن لا للتأكيد فقط بل لإفادة ما يفيده قوله عز وجل: { ~~والله رءوف بالعباد } من أن تحذيره تعالى من رأفته بهم ~~ورحمته الواسعة أو أن رأفته بهم لا تمنع تحقيق ما حذرهموه من عقابه ~~وأن تحذيره ليس مبنيا على تناسي صفة الرأفة بل هو متحقق مع تحققها ~~أيضا كما في قوله تعالى: # يأيها الإنسن ما غرك بربك الكريم # [الانفطار، الآية 6] فالجملة على الأول اعتراض، وعلى الثاني حال وتكرير ~~الاسم الجليل لتربية المهابة { قل إن كنتم تحبون الله ~~فاتبعونى } المحبة ميل النفس إلى الشيء لكمال أدركته فيه بحيث ~~يحملها على ما يقربها إليه، والعبد إذا علم أن الكمال الحقيقي ليس ~~إلا الله عز وجل وأن كل ما يراه كمالا من نفسه أو من غيره فهو من الله ~~وبالله وإلى الله - لم يكن حبه إلا لله وفي الله، وذلك مقتضى إرادة ~~طاعته والرغبة فيما يقربه إليه، فلذلك فسرت المحبة بإرادة الطاعة ~~وجعلت مستلزمة لاتباع الرسول صلى الله عليه وسلم في عبادته والحرص ~~على مطاوعته { يحببكم الله } أي يرض عنكم { ويغفر لكم ~~ذنوبكم } أي يكشف الحجب عن قلوبكم بالتجاوز عما فرط منكم ~~فيقربكم من جناب عزه ويبوئكم في جوار قدسه، عبر عنه بالمحبة ~~بطريق الاستعارة أو المشاكلة { والله غفور رحيم } أي لمن ~~يتحبب إليه بطاعته ويتقرب إليه باتباع نبيه عليه الصلاة والسلام فهو ~~تذييل مقرر لما قبله مع زيادة ms0457 وعد الرحمة، ووضع الاسم الجليل موضع ~~الضمير للإشعار باستتباع وصف الألوهية للمغفرة والرحمة، روي أنها نزلت ~~لما قالت اليهود: نحن أبناء الله وأحباؤه، وقيل: نزلت في وفد نجران ~~لما قالوا: إنا نعبد المسيح حبا لله تعالى، وقيل: في أقوام زعموا على ~~عهده عليه الصلاة والسلام أنهم يحبون الله تعالى فأمروا أن يجعلوا ~~لقولهم مصداقا من العمل. ### || [3.32-33] # { قل أطيعوا الله والرسول } أي في جميع الأوامر والنواهي ~~فيدخل في ذلك الطاعة في اتباعه عليه الصلاة والسلام دخولا أوليا، ~~وإيثار الإظهار على الإضمار بطريق الالتفات لتعيين حيثية الإطاعة ~~والإشعار بعلتها فإن الإطاعة المأمور بها إطاعته عليه الصلاة والسلام ~~من حيث إنه رسول الله لا من حيث ذاته ولا ريب في أن عنوان الرسالة من ~~موجبات الإطاعة ودواعيها { فإن تولوا } إما من تمام مقول القول ~~فهي صيغة المضارع المخاطب بحذف إحدى التاءين أي تتولوا وإما كلام ~~متفرع عليه مسوق من جهته تعالى فهي صيغة الماضي الغائب، وفي ترك ~~ذكر احتمال الطاعة كما في قوله تعالى: # فإن أسلموا # [آل عمران، الآية 20] تلويح إلى أنه غير محتمل منهم { فإن ~~الله لا يحب الكفرين } نفي المحبة كناية عن بغضه تعالى ~~لهم وسخطه عليهم أي لا يرضى عنهم ولا يثني عليهم، وإيثار الإظهار ~~على الإضمار لتعميم الحكم لكل الكفرة والإشعار بعلته فإن سخطه تعالى ~~عليهم بسبب كفرهم والإيذان بأن التولي عن الطاعة كفر وبأن محبته عز ~~وجل خاصة بالمؤمنين. # { إن الله اصطفى آدم ونوحا وءال إبرهيم وءال ~~عمرن على العلمين } لما بين الله تعالى أن الدين المرضي ~~عنده هو الإسلام والتوحيد وأن اختلاف أهل الكتابين فيه إنما هو للبغي ~~والحسد وأن الفوز برضوانه ومغفرته ورحمته منوط باتباع الرسول صلى الله ~~عليه وسلم وطاعته شرع في تحقيق رسالته وكونه من أهل بيت النبوة ~~القديمة فبدأ ببيان جلالة أقدار الرسل عليهم الصلاة والسلام كافة ~~وأتبعه ذكر مبدأ أمر عيسى عليه الصلاة والسلام وأمه وكيفية دعوته ~~للناس إلى التوحيد والإسلام تحقيقا للحق وإبطالا لما عليه أهل ~~الكتابين في شأنهما من ms0458 الإفراط والتفريط ثم بين بطلان محاجتهم في ~~إبراهيم عليه الصلاة والسلام وادعائهما الانتماء إلى ملته ونزه ساحته ~~العلية عما هم عليه من اليهودية والنصرانية ثم نص على أن جميع الرسل ~~عليهم الصلاة والسلام دعاة إلى عبادة الله عز وجل وحده وطاعته منزهون ~~عن احتمال الدعوة إلى عبادة أنفسهم أو غيرهم من الملائكة والنبيين ~~وأن أممهم قاطبة مأمورون بالإيمان بمن جاءهم من رسول مصدق لما معهم ~~تحقيقا لوجوب الإيمان برسول الله صلى الله عليه وسلم وكتابه المصدق ~~لما بين يديه من التوراة والإنجيل ووجوب الطاعة له حسبما سيأتي تفصيله، ~~وتخصيص آدم عليه الصلاة والسلام بالذكر لأنه أبو البشر ومنشأ النبوة ~~وكذا حال نوح عليه السلام فإنه آدم الثاني، وأما ذكر آل إبراهيم ~~فلترغيب المعترفين باصطفائهم في الإيمان بنبوة النبي صلى الله عليه وسلم ~~واستمالتهم نحو الاعتراف باصطفائه بواسطة كونه من زمرتهم مع ما مر ~~من التنبيه على كونه عليه الصلاة والسلام عريقا في النبوة من زمرة ~~المصطفين الأخيار، وأما ذكر آل عمران مع اندراجهم في آل إبراهيم ~~فلإظهار مزيد الاعتناء بتحقيق أمر عيسى عليه الصلاة والسلام لكمال ~~رسوخ الخلاف في شأنه فإن نسبة الاصطفاء إلى الأب الأقرب أدل على ~~تحققه في الآل وهو الداعي إلى إضافة الآل إلى إبراهيم دون نوح وآدم ~~عليهم الصلاة والسلام، والاصطفاء أخذ ما صفا من الشيء كالاستصفاء، مثل ~~به اختياره تعالى إياهم النفوس القدسية وما يليق بها من الملكات ~~الروحانية والكمالات الجسمانية المستتبعة للرسالة في نفس المصطفى كما ~~في كافة الرسل عليهم الصلاة والسلام، أو فيمن يلابسه وينشأ منه كما في ~~مريم، وقيل: اصطفى آدم عليه الصلاة والسلام بأن خلقه بيده في أحسن ~~تقويم وبتعليم الأسماء وإسجاد الملائكة له وإسكان الجنة، واصطفى نوحا ~~عليه الصلاة والسلام بكونه أول من نسخ الشرائع إذ لم يكن قبل ذلك ~~تزويج المحارم حراما وبإطالة عمره وجعل ذريته هم الباقين واستجابة ~~دعوته في حق الكفرة والمؤمنين، وحمله على متن الماء، والمراد بآل ~~إبراهيم إسماعيل وإسحاق والأنبياء من أولادهما الذين من جملتهم ms0459 ~~النبي صلى الله عليه وسلم، وأما اصطفاء نفسه عليه الصلاة والسلام ~~فمفهوم من اصطفائهم بطريق الأولوية، وعدم التصريح به للإيذان بالغنى ~~عنه لكمال شهرة أمره في الخلة وكونه إمام الأنبياء وقدوة للرسل ~~عليهم الصلاة والسلام وكون اصطفاء آله بدعوته بقوله: # ربنا وابعث فيهم رسولا منهم # [البقرة، الآية 129] الآية، ولذلك قال عليه الصلاة والسلام: # " أنا دعوة أبي إبراهيم " # وبآل عمران عيسى وأمه مريم ابنة عمران بن ماثان بن أبي بور ~~بن رب بابل بن ساليان بن يوشيان بن أمون بن منشا بن حزقيا بن أحز بن يوثم ~~بن عزياهو بن يهوشافاط بن أسا بن رحبعم بن سليمان بن داود عليهما ~~الصلاة والسلام ابن بيشا بن عوفيذ بن بوعز بن سلمون بن نحشون بن عمينوذب ~~بن رم بن حصرون بن بارص بن يهوذا بن يعقوب عليه الصلاة والسلام، وقيل: ~~موسى وهارون عليهما الصلاة والسلام ابنا عمران بن يصهر بن قاهث بن لاوى ~~بن يعقوب عليه الصلاة والسلام وبين العمرانين ألف وثمانمائة سنة فيكون ~~اصطفاء عيسى عليه الصلاة والسلام حينئذ بالاندراج في آل إبراهيم عليه ~~السلام والأول هو الأظهر بدليل تعقيبه بقصة مريم واصطفاء موسى ~~وهارون عليهما الصلاة والسلام بالانتظام في سلك آل إبراهيم عليه السلام ~~انتظاما ظاهرا، والمراد بالعالمين أهل زمان كل واحد منهم أي اصطفى ~~كل واحد منهم على عالمي زمانه. ### || [3.34] # { ذرية } نصب على البدلية من الآلين أو على الحالية منهما وقد ~~مر بيان اشتقاقها في قوله تعالى: { ومن ذريتى } وقوله تعالى: { ~~بعضها من بعض } في محل النصب على أنه صفة لذرية أي اصطفى ~~الآلين حال كونهم ذرية متسلسلة متشعبة البعض من البعض في النسب ~~كما ينبىء عنه التعرض لكونه ذرية وقيل: بعضها من بعض في الدين ~~فالاستمالة على الوجه الأول تقريبية وعلى الثاني برهانية { والله ~~سميع } لأقوال العباد { عليم } بأعمالهم البادية والخافية فيصطفي ~~من بينهم لخدمته من تظهر استقامته قولا وفعلا على نهج قوله ~~تعالى: # الله أعلم حيث يجعل رسالته # [الأنعام، الآية 124] والجملة تذييل مقرر لمضمون ما قبلها. ### || [3.35] ms0460 # { إذ قالت امرأت عمرن } في حيز النصب على المفعولية بفعل ~~مقدر على طريقة الاستئناف لتقرير اصطفاء آل عمران وبيان كيفيته ~~أي اذكر لهم وقت قولها الخ وقد مر مرارا وجه توجيه التذكير إلى ~~الأوقات مع أن المقصود تذكير ما وقع فيها من الحوادث، وقيل: هو منصوب ~~على الظرفية لما قبله أي سميع لقولها المحكي عليم بضميرها المنوي، ~~وقيل: هو ظرف لمعنى الاصطفاء المدلول عليه باصطفى المذكور كأنه قيل: ~~واصطفى آل عمران إذ قالت الخ فكان من عطف الجمل على الجمل دون عطف ~~المفردات على المفردات ليلزم كون اصطفاء الكل في ذلك الوقت، ~~وامرأة عمران هي حنة بنت فاقوذا جدة عيسى عليه الصلاة والسلام ~~وكانت لعمران بن يصهر بنت اسمها مريم أكبر من موسى وهارون ~~عليهما الصلاة والسلام فظن أن المراد زوجته وليس بذاك، فإن قضية كفالة ~~زكريا عليه الصلاة والسلام قاضية بأنها زوجة عمران بن ماثان لأنه ~~عليه الصلاة والسلام كان معاصرا له وقد تزوج إيشاع أخت حنة أم يحيى ~~عليه الصلاة والسلام وأما # " قوله عليه الصلاة والسلام في شأن يحيى وعيسى عليهما الصلاة والسلام: ~~" هما ابنا خالة " # فقيل: تأويله أن الأخت كثيرا ما تطلق على بنت الأخت وبهذا الاعتبار ~~جعلهما عليهما الصلاة والسلام ابني خالة وقيل: كانت إيشاع أخت حنة من ~~الأم وأخت مريم من الأب، على أن عمران نكح أولا أم حنة فولدت له ~~إيشاع ثم نكح حنة بناء على نكاح الربائب في شريعتهم فولدت مريم ~~فكانت إيشاع أخت مريم من الأب وخالتها من الأم لأنها أخت حنة من ~~الأم، روي أنها كانت عجوزا عاقرا فبينما هي ذات يوم في ظل شجرة إذ ~~رأت طائرا يطعم فرخه فحنت إلى الولد، وتمنته، وقالت: اللهم إن لك ~~علي نذرا إن رزقتني ولدا أن أتصدق به على بيت المقدس فيكون من ~~سدنته. وكان هذا النذر مشروعا عندهم في الغلمان ثم هلك عمران وهي ~~حامل. وحينئذ فقولها: { رب إني نذرت لك ما في بطني } لا ~~بد من حمله على التكرير لتأكيد نذرها ms0461 وإخراجه عن صورة التعليق إلى هيئة ~~التنجيز، والتعرض لوصف الربوبية المنبئة عن إفاضة ما فيه صلاح المربوب ~~مع الإضافة إلى ضميرها لتحريك سلسلة الإجابة، ولذلك قيل: إذا أراد العبد ~~أن يستجاب له دعاؤه فليدع الله بما يناسبه من أسمائه وصفاته، وتأكيد ~~الجملة لإبراز وفور الرغبة في مضمونها، وتقديم الجار والمجرور لكمال ~~الاعتناء به، وإنما عبر عن الولد (بما) لإبهام أمره وقصوره عن درجه ~~العقلاء { محررا } أي معتقا لخدمة بيت المقدس لا يشغله شأن ~~عنه، أو مخلصا للعبادة، ونصبه على الحالية من الموصول والعامل فيه { ~~نذرت } وقيل: من ضميره في الصلة والعامل معنى الاستقرار فإنها في قوة ~~ما استقر في بطني، ولا يخفى أن المراد تقييد فعلها بالتحرير ليحصل ~~به التقرب إليه تعالى لا تقييد ما لا دخل لها فيه من الاستقرار في ~~بطنها { فتقبل مني } أي ما نذرته والتقبل أخذ الشيء على وجه ~~الرضا وهذا في الحقيقة استدعاء للولد إذ لا يتصور القبول بدون تحقيق ~~المقبول بل للولد الذكر لعدم قبول الأنثى { إنك أنت السميع ~~} لجميع المسموعات التي من جملتها تضرعي ودعائي { العليم } بكل ~~المعلومات التي من زمرتها ما في ضميري لا غير، وهو تعليل لاستدعاء ~~القبول لا من حيث إن كونه تعالى سميعا لدعائها عليما بما في ضميرها ~~مصحح للتقبل في الجملة بل من حيث إن علمه تعالى بصحة نيتها وإخلاصها ~~مستدع لذلك تفضلا وإحسانا، وتأكيد الجملة لعرض قوة يقينها بمضمونها، ~~وقصر صفتي السمع والعلم عليه تعالى لعرض اختصاص دعائها به تعالى ~~وانقطاع حبل رجائها عما عداه بالكلية مبالغة في الضراعة والابتهال. ### || [3.36] # { فلما وضعتها } أي ما في بطنها، وتأنيث الضمير العائد إليه ~~لما أن المقام يستدعي ظهور أنوثته واعتباره في حيز الشرط إذ عليه ~~يترتب جواب لما، أعني قوله تعالى: { قالت رب إنى وضعتها ~~أنثى } لا على وضع ولد ما كأنه قيل: فلما وضعت بنتا قالت الخ، قيل: ~~تأنيثه لأن ما في بطنها كان أنثى في علم الله تعالى أو لأنه مؤول ~~بالمرة من الحبل أو النفس أو ms0462 النسمة وأنت خبير بأن اعتبار شيء ~~مما ذكر في حيز الشرط لا يكون مدارا لترتب الجواب عليه وقوله تعالى: { ~~أنثى } حال مؤكدة من الضمير أو بدل منه، وتأنيثه للمسارعة إلى ~~عرض ما دهمها من خيبة الرجاء أو لما مر من التأويل بالحبلة أو ~~النسمة فالحال حينئذ مبينة وإنما قالته تحزنا وتحسرا على خيبة ~~رجائها وعكس تقديرها لما كانت ترجو أن تلد ذكرا ولذلك نذرته ~~محررا للسدانة، والتأكيد للرد على اعتقادها الباطل { والله ~~أعلم بما وضعت } تعظيم من جهته تعالى لموضوعها وتفخيم لشأنه ~~وتجهيل لها بقدره أي والله أعلم بالشيء الذي وضعته وما علق به من ~~عظائم الأمور وجعله وابنه # آية للعالمين # [الأنبياء، الآية 91] وهي غافلة عن ذلك والجملة اعتراضية وقرىء { ~~وضعت } على خطاب الله تعالى لها أي إنك لا تعلمين قدر هذا الموهوب ~~وما أودع الله فيه من علو الشأن وسمو المقدار وقرىء وضعت على صيغة ~~التكلم مع الالتفات من الخطاب إلى الغيبة إظهارا لغاية الإجلال فيكون ~~ذلك منها اعتذارا إلى الله تعالى حيث أتت بمولود لا يصلح لما نذرته من ~~السدانة، أو تسلية لنفسها على معنى لعل لله تعالى فيه سرا وحكمة ولعل ~~هذه الأنثى خير من الذكر فوجه الالتقات حينئذ ظاهر وقوله تعالى: { ~~وليس الذكر كالأنثى } اعتراض آخر مبين لما في الأول من ~~تعظيم الموضوع ورفع منزلته، واللام في الذكر والأنثى للعهد أي ليس ~~الذكر الذي كانت تطلبه وتتخيل كماله ليكون كواحد من السدنة كالأنثى ~~التي وهبت لها فإن دائرة علمها وأمنيتها لا تكاد تحيط بما فيها من ~~جلائل الأمور. هذا على القراءتين الأوليين وأما على التفسير الأخير ~~للقراءة الأخيرة فمعناه وليس الذكر كهذه الأنثى في الفضيلة بل أدنى منها، ~~وأما على تفسير الأول لها فمعناها تأكيد الاعتذار ببيان أن الذكر ليس ~~كالأنثى في الفضيلة والمزية وصلاحية خدمة المتعبدات فإنهن بمعزل من ذلك ~~فاللام للجنس، وقوله تعالى: { وإنى سميتها مريم } عطف على ~~إني وضعتها أنثى وغرضها من عرضها على علام الغيوب التقرب إليه تعالى ~~واستدعاء العصمة لها فإن ms0463 مريم في لغتهم بمعنى العابدة. قال القرطبي: ~~معناه خادم الرب، وإظهار أنها غير راجعة عن نيتها وإن كان ما وضعته ~~أنثى وأنها وإن لم تكن خليقة بسدانة بيت المقدس فلتكن من العابدات ~~فيه { وإنى أعيذها بك } عطف على إني سميتها وصيغة المضارع ~~للدلالة على الاستمرار أي أجيرها بحفظك، وقرىء بفتح ياء المتكلم في ~~المواضع التي بعدها همزة مضمومة إلا في موضعين # بعهدى أوف # [البقرة، الآية 40] # ءاتونى أفرغ # [الكهف، الآية 96] { وذريتها } عطف على الضمير، وتقديم الجار ~~والمجرور عليه لإبراز كمال العناية به { من الشيطن الرجيم ~~} أي المطرود، وأصل الرجم الرمي بالحجارة. عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم: # " ما من مولود يولد إلا والشيطان يمسه حين يولد فيستهل صارخا من ~~مسه إلا مريم وابنها " # ومعناه أن الشيطان يطمع في إغواء كل مولود بحيث يتأثر منه إلا مريم ~~وابنها فإن الله تعالى عصمهما ببركة هذه الاستعاذة. ### || [3.37] # { فتقبلها } أي أخذ مريم ورضي بها في النذر مكان الذكر { ~~ربها } مالكها ومبلغها إلى كمالها اللائق بها وفيه من تشريفها ما ~~لا يخفى { بقبول حسن } قيل: الباء زائدة والقبول مصدر مؤكد ~~للفعل السابق بحذف الزوائد أي تقبلها قبولا حسنا وإنما عدل عن ~~الظاهر للإيذان بمقارنة التقبل لكمال الرضا وموافقته للعناية الذاتية ~~فإن صيغة التفعل مشعرة بحسب أصل الوضع بالتكليف، وكون الفعل على ~~خلاف طبع الفاعل وإن كان المراد بها في حقه تعالى ما يترتب عليه من كمال ~~قوة الفعل وكثرته وقيل: القبول ما يقبل به الشيء كالسعوط واللدود ~~لما يسعط به ويلد، وهو اختصاصه تعالى إياها بإقامتها مقام الذكر ~~في النذر، ولم تقبل قبلها أنثى أو بأن تسلمها أمها عقيب ~~الولادة قبل أن تنشأ وتصلح للسدانة. روي أن حنة حين ولدتها، لفتها ~~في خرقة، وحملتها إلى بيت المقدس، ووضعتها عند الأحبار أبناء هارون ~~وهم في بيت المقدس كالحجبة في الكعبة فقالت لهم: دونكم هذه النذيرة، ~~فتنافسوا فيها لأنها كانت بنت إمامهم، وصاحب قربانهم، فإن بني ماثان ~~كانت رؤوس بني إسرائيل وملوكهم، وقيل: لأنهم وجدوا أمرها وأمر ms0464 عيسى ~~عليه الصلاة والسلام في الكتب الإلهية فقال زكريا عليه الصلاة والسلام: ~~«أنا أحق بها لأن عندي خالتها» فأبوا إلا القرعة، وكانوا سبعة ~~وعشرين، فانطلقوا إلى نهر فألقوا فيه أقلامهم فطفا قلم زكريا ورسبت ~~أقلامهم فتكفلها. وقيل: هو مصدر وفيه مضاف مقدر أي فتقبلها بذي قبول ~~أي بأمر ذي قبول حسن، وقيل: تقبل بمعنى استقبل كتقصى بمعنى استقصى ~~وتعجل بمعنى استعجل أي استقبلها في أول أمرها حين ولدت بقبول حسن { ~~وأنبتها } مجاز عن تربيتها بما يصلحها في جميع أحوالها { ~~نباتا حسنا } مصدر مؤكد للفعل المذكور بحذف الزوائد وقيل: بل ~~لفعل مضمر موافق له تقديره فنبتت نباتا حسنا { وكفلها ~~زكريا } أي جعله عليه الصلاة والسلام كافلا لها وضامنا لمصالحها ~~قائما بتدبير أمورها لا على طريقة الوحي بل على ما ذكر من التفصيل ~~فإن رغبته عليه الصلاة والسلام في كفالتها وطفو قلمه ورسوب ~~أقلامهم وغير ذلك من الأمور الجارية بينهم كلها من آثار قدرته ~~تعالى، وقرىء أكفلها وقرىء زكرياء بالنصب والمد وقرىء بتخفيف الفاء ~~وكسرها ورفع زكرياء ممدودا وقرىء وتقبلها ربها وأنبتها ~~وكفلها على صيغة الأمر في الكل ونصب ربها على الدعاء أي فاقبلها يا ~~ربها وربها تربية حسنة واجعل زكريا كافلا لها فهو تعيين لجهة ~~التربية. قيل: بنى عليه الصلاة والسلام لها محرابا في المسجد أي ~~غرفة يصعد إليها بسلم وقيل: المحراب أشرف المجالس ومقدمها ~~كأنها وضعت في أشرف موضع من بيت المقدس وقيل: كانت مساجدهم تسمى ~~المحاريب. # روي أنه كان لا يدخل عليها إلا هو وحده وإذا خرج غلق عليها سبعة أبواب ~~{ كلما دخل عليها زكريا المحراب } تقديم الظرف على ~~الفاعل لإظهار كمال العناية بأمرها ونصب المحراب على التوسع وكلمة { ~~كلما } ظرف على أن ما مصدرية والزمان محذوف، أو نكرة موصوفة معناها ~~الوقت والعائد محذوف والعامل فيها جوابها أي كل زمان دخوله عليها ~~أو كل وقت دخل عليها فيه { وجد عندها رزقا } أي نوعا منه ~~غير معتاد إذ كان ينزل ذلك من الجنة. وكان يجد عندها في الصيف فاكهة ~~الشتاء ms0465 وفي الشتاء فاكهة الصيف ولم ترضع ثديا قط { قال } استئناف ~~مبني على السؤال كأنه قيل: فماذا قال زكريا عليه الصلاة والسلام عند ~~مشاهدة هذه الآية؟ فقيل قال: { قال يمريم أنى لك هذا } ~~أي من أين جاء لك هذا الذي لا يشبه أرزاق الدنيا والأبواب مغلقة ~~دونك؟ وهو دليل على جواز الكرامة للأولياء ومن أنكرها جعل هذا إرهاصا ~~وتأسيسا لرسالة عيسى عليه الصلاة والسلام، وأما جعله معجزة لزكريا ~~عليه الصلاة والسلام فيأباه اشتباه الأمر عليه، عليه السلام، وإنما ~~خاطبها عليه الصلاة والسلام بذلك مع كونها بمعزل من رتبة الخطاب لما علم ~~بما شاهده أنها مؤيدة من عند الله تعالى بالعلم والقدرة { قالت } ~~استئناف كما قبله كأنه قيل: فماذا صنعت مريم وهي صغيرة لا قدرة لها على ~~فهم السؤال ورد الجواب؟ فقيل قالت: { هو من عند الله } فلا ~~تعجب ولا تستبعد { إن الله يرزق من يشاء } أن يرزقه { ~~بغير حساب } أي بغير تقدير لكثرته أو بغير استحقاق تفضلا منه ~~تعالى وهو تعليل لكونه من عند الله إما من تمام كلامها فيكون في محل ~~النصب وإما من كلامه عز وجل فهو مستأنف، روي # " أن فاطمة الزهراء رضي الله عنها أهدت إلى رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم رغيفين وبضعة لحم فرجع بها إليها فقال: " هلمي يا بنية " فكشف عن ~~الطبق فإذا هو مملوء خبزا ولحما فقال لها: " أنى لك هذا؟ " قالت: " هو ~~من عند الله إن الله يرزق من يشاء بغير حساب " ، فقال عليه الصلاة ~~والسلام: " الحمد لله الذي جعلك شبيهة بسيدة بني إسرائيل " ، ثم جمع ~~عليا والحسن والحسين وجميع أهل بيته رضوان الله عليهم أجمعين ~~فأكلوا وشبعوا وبقي الطعام كما هو فأوسعت على جيرانها ". ### || [3.38] # { هنالك } كلام مستأنف وقصة مستقلة سيقت في تضاعيف حكاية مريم ~~لما بينهما من قوة الارتباط وشدة الاشتباك مع ما في إيرادها من تقرير ~~ما سيقت له حكايتها من بيان اصطفاء آل عمران، فإن فضائل بعض ~~الأقرباء أدلة على فضائل الآخرين، وهنا ظرف مكان واللام للدلالة ~~على البعد ms0466 والكاف للخطاب أي في ذلك المكان حيث هو قاعد عند مريم في ~~المحراب أو في ذلك الوقت إذ يستعار هنا وثمة وحيث للزمان { دعا ~~زكريا ربه } لما رآى كرامة مريم على الله ومنزلتها منه تعالى ~~رغب في أن يكون له من إيشاع ولد مثل ولد حنة في النجابة والكرامة ~~على الله تعالى وإن كانت عاقرا عجوزا فقد كانت حنة كذلك وقيل: لما رأى ~~الفواكه في غير إبانها تنبه لجواز ولادة العجوز العاقر من الشيخ ~~الفاني فأقبل بالدعاء من غير تأخير كما ينبىء عنه تقديم الظرف على ~~الفعل لا على معنى أن ذلك كان هو الموجب للإقبال على الدعاء فقط بل كان ~~جزءا أخيرا من العلة التامة التي من جملتها كبر سنه عليه الصلاة ~~والسلام وضعف قواه وخوف مواليه حسبما فصل في سورة مريم { قال } ~~تفسير للدعاء وبيان لكيفيته لا محل له من الإعراب { رب هب لى من ~~لدنك } كلا الجارين متعلق بهب لاختلاف معنييهما فاللام صلة ~~له و { من } لابتداء الغاية مجازا أي أعطني من محض قدرتك من غير ~~وسط معتاد { ذرية طيبة } كما وهبتها لحنة، ويجوز أن يتعلق ~~من بمحذوف وقع حالا من { ذرية } أي كائنة من لدنك، والذرية ~~النسل تقع على الواحد والجمع والذكر والأنثى والمراد ههنا ولد واحد ~~فالتأنيث في الصفة لتأنيث لفظ الموصوف كما في قول من قال: # أبوك خليفة ولدته أخرى # وأنت خليفة، ذاك الكمال # وهذا إذا لم يقصد به واحد معين أما إذا قصد به المعين امتنع ~~اعتبار اللفظ نحو طلحة وحمزة فلا يجوز أن يقال: جاءت طلحة وذهبت حمز { ~~إنك سميع الدعاء } أي مجيبه وهو تعليل لما قبله وتحريك ~~لسلسلة الإجابة. ### || [3.39] # { فنادته الملئكة } كان المنادي جبريل عليه الصلاة ~~والسلام كما تفصح عنه قراءة من قرأ فناداه جبريل، والجمع كما في ~~قولهم: فلان يركب الخيل ويلبس الثياب وما له غير فرس وثوب، قال ~~الزجاج: أي أتاه النداء من هذا الجنس الذين هم الملائكة وقيل: لما كان ~~جبرائيل عليه الصلاة والسلام رئيسهم عبر عنه ms0467 باسم الجماعة تعظيما له ~~وقيل: الرئيس لا بد له من أتباع فأسند النداء إلى الكل مع كونه صادرا ~~عنه خاصة وقرىء { فناداه } بالإمالة { وهو قائم } جملة حالية من ~~مفعول النداء مقررة لما أفاده الفاء من حصول البشارة عقيب الدعاء، ~~وقوله تعالى: { يصلى } إما صفة لقائم أو خبر ثان عند من يرى ~~تعدده عند كون الثاني جملة كما في قوله تعالى: # فإذا هى حية تسعى # [طه، الآية 20]أو حال أخرى منه على القول بتعددها بلا عطف ولا بدلية أو ~~حال من المستكن في قائم وقوله تعالى: { فى المحراب } أي في ~~المسجد أو في غرفة مريم متعلق بيصلي أو بقائم على تقدير كون يصلي ~~حالا من ضمير قائم لأن العامل فيه وفي الحال حينئذ شيء واحد فلا يلزم ~~الفصل بالأجنبي كما يلزم على التقادير الباقية. # { أن الله يبشرك بيحيى } أي بأن الله وقرىء بكسر ~~الهمزة على تقدير القول أو إجراء النداء مجراه لكونه نوعا منه وقرىء ~~يبشرك من الإبشار ويبشرك من الثلاثي وأيا ما كان ينبغي أن يكون ~~هذا الكلام إلى آخره محكيا بعبارته عن الله عز وجل على منهاج قوله ~~تعالى: # قل يعبادى الذين أسرفوا على أنفسهم لا ~~تقنطوا من رحمة الله # [الزمر، الآية 53] الآية، كما يلوح من مراجعته عليه الصلاة والسلام في ~~الجواب إليه تعالى بالذات لا بواسطة الملك، والعدول عن إسناد التبشير ~~إلى نون العظمة حسبما وقع في سورة مريم للجري على سنن الكبرياء كما في ~~قول الخلفاء: أمير المؤمنين يرسم لك بكذا وللإيذان بأن ما حكي هناك من ~~النداء والتبشير وما يترتب عليه من المحاورة كان كل ذلك بتوسط الملك ~~بطريق الحكاية عنه سبحانه لا بالذات كما هو المتبادر، وبهذا يتضح اتحاد ~~المعنى في السورتين الكريمتين فتأمل. ويحيى اسم أعجمي وإن جعل عربيا ~~فمنع صرفه للتعريف ووزن الفعل. # روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما إنما سمي يحيى لأن الله تعالى ~~أحيا به عقر أمه. وقال قتادة: لأنه تعالى أحيا قلبه بالإيمان، قال ~~القرطبي: كان اسمه في ms0468 الكتاب الأول حيا، ولا بد من تقدير مضاف يعود ~~إليه الحال أي بولادة يحيى فإن التبشير لا يتعلق بالأعيان { مصدقا ~~} حال مقدرة من يحيى { بكلمة من الله } أي بعيسى عليه الصلاة ~~والسلام وإنما سمي كلمة لأنه وجد بكلمة كائنة منه تعالى قيل: هو أول من ~~آمن به وصدق بأنه كلمة الله وروح منه وقال السدي: لقيت أم يحيى أم ~~عيسى فقالت: «يا مريم أشعرت بحبلي؟»، فقالت مريم: «وأنا أيضا حبلى»، ~~قالت: «فإني وجدت ما في بطنك»، فذلك قوله تعالى: { مصدقا بكلمة ~~} [آل عمران، الآية 39] الخ وقال ابن عباس رضي الله عنهما: «إن يحيى كان ~~أكبر من عيسى عليهما الصلاة والسلام بستة أشهر»، وقيل: بثلاث سنين، ~~وقتل قبل رفع عيسى عليهما الصلاة والسلام بمدة يسيرة وعلى كل تقدير ~~يكون بين ولادة يحيى وبين البشارة بها زمان مديد لما أن مريم ولدت ~~وهي بنت ثلاث عشرة سنة أو بنت عشر سنين وقيل: { بكلمة من ~~الله } أي بكتاب الله سمي كلمة كما قيل: كلمة الحويدرة لقصيدته { ~~وسيدا } عطف على مصدقا أي رئيسا يسود قومه ويفوقهم في الشرف وكان ~~فائقا للناس قاطبة فإنه لم يلم بخطيئة ولم يهم بمعصية فيا لها ~~من سيادة ما أسناها { وحصورا } عطف على ما قبله أي مبالغا في حصر ~~النفس وحبسها عن الشهوات مع القدرة، روي أنه مر في صباه بصبيان ~~فدعوه إلى اللعب فقال: «ما للعب خلقت» { ونبيا } عطف على ما ~~قبله مترتب على ما عدد من الخصال الحميدة { من الصلحين } أي ~~ناشئا منهم لأنه كان من أصلاب الأنبياء عليهم الصلاة والسلام أو كائنا ~~من جملة المشهورين بالصلاح كما في قوله تعالى: # وإنه فى الأخرة لمن الصلحين # [البقرة، الآية 130] والمراد بالصلاح ما فوق الصلاح الذي لا بد منه في ~~منصب النبوة من أقاصي مراتبه، وعليه مبني دعاء سليمان عليه السلام: # وأدخلنى برحمتك فى عبادك الصلحين # [النمل، الآية 19]. ### || [3.40] # { قال } استئناف مبني عن السؤال كأنه قيل: فماذا قال زكريا عليه ~~السلام حينئذ؟ فقيل قال: { رب } لم يخاطب الملك المنادي ms0469 له بملابسة ~~أنه المباشر للخطاب وإن كان ذلك بطريق الحكاية عنه تعالى بل جرى نهج ~~دعائه السابق مبالغة في التضرع والمناجاة وجدا في التبتل إليه تعالى ~~واحترازا عما عسى يوهم خطاب الملك من توهم أن علمه سبحانه بما يصدر ~~عنه يتوقف على توسطه كما يتوقف وقوف البشر على ما يصدر عنه سبحانه على ~~توسطه في عامة الأحوال وإن لم يتوقف عليه في بعضها { أنى يكون ~~لي غلم } فيه دلالة على أنه قد أخبر بكونه غلاما عند التبشير ~~كما في قوله تعالى: # إنا نبشرك بغلم اسمه يحيى # [مريم، الآية 7] وأنى بمعنى كيف أو من أين وكان تامة وأنى واللام ~~متعلقتان بها وتقديم الجار على الفاعل لما مر مرارا من الاعتناء بما ~~قدم والتشويق إلى ما أخر، أي كيف أو من أين يحدث لي غلام ويجوز أن ~~تتعلق اللام بمحذوف وقع حالا من غلام إذ لو تأخر لكان صفة له، أو ناقصة ~~واسمها ظاهر وخبرها إما أنى واللام متعلقة بمحذوف كما مر أو هو الخبر ~~وأنى منصوب على الظرفية { وقد بلغني الكبر } حال من ياء ~~المتكلم أي أدركني كبر السن وأثر في، كقولهم: أدركته السن ~~وأخذته السن، وفيه دلالة على أن كبر السن من حيث كونه من طلائع الموت ~~طالب للإنسان لا يكاد يتركه، قيل: كان له تسع وتسعون سنة، وقيل: اثنتان ~~وتسعون، وقيل: مائة وعشرون، وقيل: ستون، وقيل: خمس وستون، وقيل: سبعون، ~~وقيل: خمس وسبعون، وقيل: خمس وثمانون ولامرأته ثمان وتسعون { ~~وامرأتى عاقر } أي ذات عقر وهو أيضا حال من الياء في لي عند ~~من يجوز تعدد الحال أو من ياء { بلغني } أي كيف يكون لي ذلك والحال ~~أني وامرأتي على حالة منافية له كل المنافاة وإنما قاله عليه الصلاة ~~والسلام مع سبق دعائه بذلك وقوة يقينه بقدرة الله تعالى عليه لا سيما بعد ~~مشاهدته عليه الصلاة والسلام للشواهد السالفة استعظاما لقدرة الله ~~سبحانه وتعجيبا منها واعتدادا بنعمته عز وجل عليه في ذلك لا استبعادا ~~له وقيل: بل كان ذلك للاستبعاد ms0470 حيث كان بين الدعاء والبشارة ستون سنة ~~وكان قد نسي دعاءه وهو بعيد، وقيل: كان ذلك استفهاما عن كيفية حدوثه ~~{ قال } استئناف كما سلف { كذلك } إشارة إلى مصدر { يفعل } في ~~قوله عز وجل: { الله يفعل ما يشاء } أي ما يشاء أن يفعله من ~~عجيب الأفاعيل الخارقة للعادات فالله مبتدأ ويفعل خبره والكاف في محل ~~النصب على أنها في الأصل نعت لمصدر محذوف أي الله يفعل ما يشاء أن يفعله ~~فعلا مثل ذلك الفعل العجيب والصنع البديع الذي هو خلق الولد من ~~شيخ فان وعجوز عاقر، فقدم على العامل لإفادة القصر بالنسبة إلى ما ~~هو أدنى من المشار إليه، واعتبرت الكاف مقحمة لتأكيد ما أفاده اسم ~~الإشارة من الفخامة وقد مر تحقيقه في تفسير قوله تعالى: # وكذلك جعلنكم أمة وسطا # [البقرة، الآية 143] أو على أنها حال من ضمير المصدر المقدر معرفة أي ~~يفعل ما يشاء بيان لذلك الشأن المبهم أو كذلك خبر لمبتدأ محذوف أي ~~الأمر كذلك وقوله تعالى: { الله يفعل ما يشاء } [آل عمران، ~~الآية 40] بيان له. ### || [3.41] # { قال رب اجعل لى ءاية } أي علامة تدلني على تحقق المسؤول ~~ووقوع الحبل وإنما سألها لأن العلوق أمر خفي لا يوقف عليه فأراد أن ~~يطلعه الله تعالى عليه ليتلقى تلك النعمة الجليلة من حين حصولها ~~بالشكر ولا يؤخره إلى أن يظهر ظهورا معتادا، ولعل هذا السؤال وقع ~~بعد البشارة بزمان مديد إذ به يظهر ما ذكر من كون التفاوت بين سني ~~يحيى وعيسى عليهما الصلاة والسلام بستة أشهر أو بثلاث سنين لأن ظهور ~~العلامة كان عقيب تعيينها لقوله تعالى في سورة مريم: # فخرج على قومه من المحراب فأوحى إليهم # [مريم، الآية 11] الآية، اللهم إلا أن تكون المجاوبة بين زكريا ~~ومريم في حالة كبرها وقد عدت من جملة من تكلم في الصغر بموجب قولها ~~المحكي والجعل إبداعي واللام متعلقة به والتقديم لما مر مرارا من ~~الاعتناء بما قدم والتشويق إلى ما أخر أو بمحذوف وقع حالا من آية وقيل: ~~هو بمعنى التصيير المستدعي ms0471 لمفعولين أولهما { ءاية } وثانيهما { لى ~~} والتقديم لأنه لا مسوغ لكون آية مبتدأ عند انحلال الجملة إلى مبتدأ ~~وخبر سوى تقديم الجار فلا يتغير حالهما بعد دخول الناسخ { قال آيتك ألا ~~تكلم الناس } أي أن تقدر على تكليمهم { ثلثة أيام } أي ~~متوالية لقوله تعالى في سورة مريم: # ثلث ليال سويا # [مريم، الآية 10] مع القدرة على الذكر والتسبيح وإنما جعلت آيته ذلك ~~لتخليص المدة لذكر الله تعالى وشكره قضاء لحق النعمة كأنه قيل: آية ~~حصول المطلوب ووصول النعمة أن تحبس لسانك إلا عن شكرها، وأحسن الجواب ~~ما اشتق من السؤال { إلا رمزا } أي إشارة بيد أو رأس أو نحوهما ~~وأصله التحرك يقال: ارتمز أي تحرك ومنه قيل للبحر: الراموز، وهو ~~استثناء منقطع لأن الإشارة ليست من قبيل الكلام، أو متصل على أن ~~المراد بالكلام ما فهم منه المرام ولا ريب في كون الرمز من ذلك القبيل ~~وقرىء رمزا بفتحتين على أنه جمع رامز كخدم وبضمتين على أنه جمع ~~رموز كرسل على أنه حال منه ومن الناس معا بمعنى مترامزين كقوله: ~~[الوافر] # متى ما تلقني فردين ترجف # روانف إليتيك وتستطارا # { واذكر ربك } أي في أيام الحبس شكرا لحصول التفضل والإنعام ~~كما يؤذن به العرض لعنوان الربوبية { كثيرا } أي ذكرا كثيرا ~~أو زمانا كثيرا { وسبح } أي سبحه تعالى أو افعل التسبيح { ~~بالعشى } أي من الزوال إلى الغروب وقيل: من العصر إلى ذهاب الليل { ~~والإبكر } من طلوع الفجر إلى الضحى، قيل: المراد بالتسبيح ~~الصلاة بدليل تقييده بالوقت كما في قوله تعالى: # فسبحان الله حين تمسون وحين تصبحون # [الروم، الآية 17] وقيل: الذكر اللساني كما أن المراد بالذكر الذكر ~~القلبي وقرىء الأبكار بفتح الهمزة على أنه جمع بكر كسحر وأسحار. ### || [3.42] # { وإذ قالت الملئكة } شروع في شرح بقية أحكام اصطفاء ~~آل عمران إثر الإشارة إلى نبذ من فضائل بعض أقاربهم أعني زكريا ~~ويحيى عليهما الصلاة والسلام لاستدعاء المقام إياهما حسبما أشير إليه، ~~وقرىء بتذكير الفعل، والمراد بالملائكة جبريل عليه الصلاة والسلام وقد ~~مر ما فيه من الكلام، ms0472 وإذ منصوب بمضمر معطوف على المضمر السابق عطف ~~القصة على القصة، وقيل: معطوف على الظرف السابق أعني قوله: # إذ قالت امرأت عمرن # [آل عمران، الآية 35] منصوب بناصبة فتدبر. أي واذكر أيضا من شواهد ~~اصطفائهم وقت قول الملائكة عليهم الصلاة والسلام { يا مريم } ~~وتكرير التذكير للإشعار بمزيد الاعتناء بما يحكى من أحكام الاصطفاء ~~والتنبيه على استقلالها وانفرادها عن الأحكام السابقة فإنها من أحكام ~~التربية الجسمانية اللائقة بحال صغر مريم وهذه من باب التربية ~~الروحانية بالتكاليف الشرعية المتعلقة بحال كبرها، قيل: كلموها ~~شفاها كرامة لها أو إرهاصا لنبوة عيسى عليه الصلاة والسلام لمكان ~~الإجماع على أنه تعالى لم يستنبىء امرأة وقيل: ألهموها { إن ~~الله اصطفك } أولا حيث تقبلك من أمك بقبول حسن ولم يتقبل ~~غيرك أنثى ورباك في حجر زكريا عليه السلام ورزقك من رزق الجنة ~~وخصك بالكرامات السنية { وطهرك } أي مما يستقذر من الأحوال ~~والأفعال ومما قذفك به اليهود بإنطاق الطفل { واصطفك } آخرا { ~~على نساء العلمين } بأن وهب لك عيسى عليه الصلاة والسلام من ~~غير أب ولم يكن ذلك لأحد من النساء وجعلكما آية للعالمين، فعلى هذا ~~ينبغي أن يكون تقديم حكاية هذه المقاولة على حكاية بشارتها بعيسى عليه ~~الصلاة والسلام لما مر مرارا من التنبيه على أن كلا منهما مستحق ~~للاستقلال بالتذكير، ولو روعي الترتيب الخارجي لتبادر كون الكل ~~شيئا واحدا وقيل: المراد بالاصطفاءين واحد والتكرير للتأكيد ~~وتبيين من اصطفاها عليهن فحينئذ لا إشكال في ترتيب النظم الكريم إذ ~~يحمل حينئذ الاصطفاء على ما ذكر أولا، وتجعل هذه المقاولة قبل ~~بشارتها بعيسى عليه الصلاة والسلام إيذانا بكونها قبل ذلك متوفرة على ~~الطاعات والعبادات حسبما أمرت بها مجتهدة فيها مقبلة على الله ~~تعالى متبتلة إليه تعالى منسلخة عن أحكام البشرية مستعدة لفيضان ~~الروح عليها. ### || [3.43-44] # { يا مريم } تكرير النداء للإيذان بأن المقصود بالخطاب ما يرد ~~بعده وأن ما قبله من تذكير النعم كان تمهيدا لذكره وترغيبا في العمل ~~بموجبه { اقنتى لربك } أي قومي في الصلاة أو أطيلي القيام فيها له ~~تعالى، ms0473 والتعرض لعنوان ربوبيته تعالى لها للإشعار بعلة وجوب الامتثال ~~بالأمر { واسجدى واركعى مع الركعين } أمرت بالصلاة ~~بالجماعة بذكر أركانها مبالغة في إيجاب رعايتها وإيذانا بفضيلة كل ~~منها وأصالته، وتقديم السجود على الركوع إما لكون الترتيب في شريعتهم ~~كذلك وإما لكون السجود أفضل أركان الصلاة وأقصى مراتب الخضوع، ولا ~~يقتضي ذلك كون الترتيب الخارجي كذلك بل اللائق به الترقي من الأدنى ~~إلى الأعلى وإما ليقترن اركعي بالراكعين للإشعار بأن من لا ركوع في ~~صلاتهم ليسوا مصلين. وأما ما قيل من أن الواو لا توجب الترتيب فغايته ~~التصحيح لا الترجيح، وتجريد الأمر بالركنين الأخيرين عما قيد به ~~الأول لما أن المراد تقييد الأمر بالصلاة بذلك وقد فعل حيث قيد به ~~الركن الأول منها، وقيل: المراد بالقنوت إدامة الطاعات كما في قوله ~~تعالى: # أمن هو قانت ءاناء اليل سجدا وقائما # [الزمر، الآية 9] وبالسجود الصلاة لما مر من أنه أفضل أركانها ~~وبالركوع الخشوع والإخبات، قيل: لما أمرت بذلك قامت في الصلاة حتى ~~ورمت قدماها وسالت دما وقيحا { ذلك } إشارة إلى ما سلف من ~~الأمور البديعة، وما فيه من معنى البعد للتنبيه على علو شأن المشار ~~إليه وبعد منزلته في الفضل، وهو مبتدأ خبره قوله تعالى: { من ~~أنباء الغيب } أي من الأنباء المتعلقة بالغيب، والجملة مستأنفة ~~لا محل لها من الإعراب وقوله تعالى: { نوحيه إليك } جملة مستقلة ~~مبينة للأولى وقيل: الخبر هو الجملة الثانية و { من أنباء ~~الغيب } إما متعلق بنوحيه أو حال من ضميره أي نوحي من أنباء الغيب أو ~~نوحيه حال كونه من جملة أنباء الغيب وصيغة الاستقبال للإيذان بأن الوحي ~~لم ينقطع بعد { وما كنت لديهم } أي عند الذين اختلفوا وتنازعوا ~~في تربية مريم وهو تقرير وتحقيق لكونه وحيا على طريقة التهكم ~~بمنكريه كما في قوله تعالى: # وما كنت بجانب الغربى # [القصص، الآية: 44] الآية # وما كنت ثاويا فى أهل مدين # [القصص، الآية: 45] الآية، فإن طريق معرفة أمثال هاتيك الحوادث ~~والواقعات إما المشاهدة وإما السماع، وعدمه محقق عندهم فبقي احتمال ~~المعاينة المستحيلة ضرورة ms0474 فنفيت تهكما بهم { إذ يلقون ~~أقلمهم } ظرف للاستقرار العامل في لديهم و { أقلمهم } ~~أقداحهم التي اقترعوا بها وقيل: اقترعوا بأقلامهم التي كانوا يكتبون ~~بها التوراة تبركا { أيهم يكفل مريم } متعلق بمحذوف دل ~~عليه { يلقون أقلمهم } أي يلقونها ينظرون أو ليعلموا ~~أيهم يكفلها { وما كنت لديهم إذ يختصمون } أي في ~~شأنها تنافسا في كفالتها حسبما ذكر فيما سبق. وتكرير ما كنت لديهم مع ~~تحقق المقصود بعطف { إذ يختصمون } على إذ يلقون كما في قوله عز ~~وجل: # نحن أعلم بما يستمعون به إذ يستمعون إليك ~~وإذ هم نجوى # [الإسراء، الآية 47] للدلالة على أن كل واحد من عدم حضوره عليه ~~السلام عند إلقاء الأقلام وعدم حضوره عند الاختصام مستقل بالشهادة على ~~نبوته عليه السلام لا سيما إذا أريد باختصامهم تنازعهم قبل الاقتراع ~~فإن تغيير الترتيب في الذكر مؤكد له. ### || [3.45] # { إذ قالت الملئكة } شروع في قصة عيسى عليه الصلاة والسلام ~~وهو بدل من # وإذ قالت الملئكة # [آل عمران، الآية 42] منصوب بناصبه وما بينهما اعتراض جيء به ~~تقريرا لما سبق وتنبيها على استقلاله وكونه حقيقا بأن يعد ~~كنظائره من شواهد النبوة، وترك العطف بينهما بناء على اتحاد ~~المخاطب والمخاطب وإيذانا بتقارن الخطابين أو تقاربهما في الزمان، ~~وقيل: منصوب بمضمر معطوف على ناصبه وقيل: بدل من { إذ ~~يختصمون } كأنه قيل: وما كنت حاضرا في ذلك الزمان المديد الذي وقع ~~في طرف منه الاختصام وفي طرف آخر هذا الخطاب إشعارا بإحاطته عليه ~~الصلاة والسلام بتفاصيل أحوال مريم من أولها إلى آخرها والقائل ~~جبريل عليه الصلاة والسلام، وإيراد صيغة الجمع لما مر { يمريم ~~إن الله يبشرك بكلمة منه } من لابتداء الغاية ~~مجازا متعلقة بمحذوف وقع صفة لكلمة أي بكلمة كائنة منه عز وجل { ~~اسمه } ذكر الضمير الراجع إلى الكلمة لكونها عبارة عن مذكر وهو ~~مبتدأ خبره { المسيح } وقوله تعالى: { عيسى } بدل منه أي عطف ~~بيان، وقيل: خبر آخر وقيل: خبر مبتدإ محذوف وقيل: منصوب بإضمار ~~أعني مدحا، وقوله تعالى: { ابن مريم } صفة لعيسى وقيل: المراد ~~بالاسم ما ms0475 به يتميز المسمى عمن سواه فالخبر حينئذ مجموع الثلاثة إذ ~~هو المميز له عليه الصلاة والسلام تمييزا عن جميع من عداه والمسيح ~~لقبه عليه الصلاة والسلام وهو من الألقاب المشرفة كالصديق، وأصله ~~بالعبرية مشيحا ومعناه المبارك وعيسى معرب من إيشوع والتصدي من ~~المسح والعيس وتعليله بأنه عليه الصلاة والسلام مسح بالبركة أو ~~بما يطهره من الذنوب أو مسحه جبريل عليهما الصلاة والسلام أو مسح ~~الأرض ولم يقم في موضع، أو كان عليه الصلاة والسلام يمسح ذا العاهة ~~فيبرأ وبأنه كان في لونه عيس أي بياض يعلوه حمرة من قبيل الرقم ~~على الماء وإنما قيل: ابن مريم مع كون الخطاب لها تنبيها على أنه ~~يولد من غير أب فلا ينسب إلا إلى أمه وبذلك فضلت على نساء ~~العالمين، { وجيها في الدنيا والأخرة } الوجيه ذو الجاه ~~وهو القوة والمنعة والشرف وهو حال مقدرة من { كلمة } فإنها وإن ~~كانت نكرة لكنها صالحة لأن ينتصب بها الحال وتذكيرها باعتبار المعنى ~~والوجاهة في الدنيا النبوة والتقدم على الناس وفي الآخرة الشفاعة ~~وعلو الدرجة في الجنة { ومن المقربين } أي من الله عز وجل ~~وقيل: هو إشارة إلى رفعه إلى السماء وصحبة الملائكة، وهو عطف على ~~الحال الأولى وقد عطف عليه. ### || [3.46-47] # قوله تعالى: { ويكلم الناس فى المهد وكهلا } أي يكلمهم ~~حال كونه طفلا وكهلا كلام الأنبياء من غير تفاوت، والمهد مصدر ~~سمي به ما يمهد للصبي أي يسوى من مضجعه وقيل: إنه رفع شابا ~~والمراد وكهلا بعد نزوله وفي ذكر أحواله المختلفة المتنافية إشارة ~~إلى أنه بمعزل من الألوهية { ومن الصلحين } حال أخرى من ~~كلمة معطوفة على الأحوال السالفة أو من الضمير في يكلم. # { قالت } استئناف مبني على السؤال كأنه قيل: فماذا قالت مريم حين ~~قالت لها الملائكة ما قالت؟ فقيل: قالت متضرعة إلى ربها: { رب ~~أنى يكون } أي كيف يكون أو من أين يكون { لى ولد } على وجه ~~الاستبعاد العادي والتعجب واستعظام قدرة الله عز وجل وقيل: على وجه ~~الاستفهام والاستفسار بأنه بالتزوج أو بغيره ms0476 يكون الولد، ويكون إما ~~تامة وأنى واللام متعلقتان بها، وتأخير الفاعل عن الجار والمجرور لما ~~مر من الاعتناء بالمقدم والتشويق إلى المؤخر، ويجوز أن تتعلق اللام ~~بمحذوف وقع حالا من ولد إذ لو تأخر لكان صفة له، وإما ناقصة واسمها ~~ولد وخبرها إما أنى واللام متعلقة بمضمر وقع حالا كما مر، أو خبر ~~وأنى نصب على الظرفية وقوله تعالى: { ولم يمسسنى بشر } ~~جملة حالية محققة للاستبعاد أي والحال أني على حالة منافية للولادة { ~~قال } استئناف كما سلف والقائل هو الله تعالى أو جبريل عليه الصلاة ~~والسلام { كذلك الله يخلق ما يشاء } الكلام في إعرابه كما ~~مر في قصة زكريا بعينه خلا أن إيراد { يخلق } ههنا مكان يفعل هناك ~~لما أن ولادة العذراء من غير أن يمسها بشر أبدع وأغرب من ولادة ~~عجوز عاقر من شيخ فان، فكان الخلق المنبىء عن الاختراع أنسب بهذا ~~المقام من مطلق الفعل، ولذلك عقب ببيان كيفيته فقيل: { إذا قضى ~~أمرا } من الأمور أي أراد شيئا كما في قوله تعالى: # إنما أمره إذا أراد شيئا # [يس، الآية 82] وأصل القضاء الأحكام أطلق على الإرادة الإلهية ~~القطعية المتعلقة بوجود الشيء لإيجابها إياه البتة، وقيل: الأمر ~~ومنه قوله تعالى: { وقضى ربك } { فإنما يقول له كن ~~} لا غير { فيكون } من غير تريث وهو كما ترى تمثيل لكمال قدرته ~~تعالى وسهولة حصول المقدورات حسبما تقتضيه مشيئته وتصوير لسرعة ~~حدوثها بما هو علم فيها من طاعة المأمور المطيع للآمر القوي ~~المطاع، وبيان لأنه تعالى كما يقدر على خلق الأشياء مدرجا بأسباب ~~ومواد معتادة يقدر على خلقها دفعة من غير حاجة إلى شيء من الأسباب ~~والمواد. ### || [3.48-49] # { ويعلمه الكتب } أي الكتابة أو جنس الكتب الإلهية { ~~والحكمة } أي العلوم وتهذيب الأخلاق { والتوراة ~~والإنجيل } إفرادهما بالذكر على تقدير كون المراد بالكتاب جنس ~~الكتب المنزل لزيادة فضلهما وإنافتهما على غيرهما، والجملة عطف على # يبشرك # [آل عمران، الآية 39] أو على # وجيها # [آل عمران، الآية: 45] أو على # يخلق # [آل عمران، الآية: 47] أو كلام مبتدأ سيق تطييبا لقلبها وإزاحة ms0477 لما ~~أهمها من خوف اللائمة لما علمت أنها تلد من غير زوج، وقرىء ~~ونعلمه بالنون { ورسولا إلى بنى إسرءيل } منصوب بمضمر ~~يعود إليه المعنى معطوف على يعلمه أي ويجعله رسولا إلى بني إسرائيل ~~أي كلهم، وقال بعض اليهود إنه كان مبعوثا إلى قوم مخصوصين ثم قيل: ~~كان رسولا حال الصبا وقيل: بعد البلوغ، وكان أول أنبياء بني ~~إسرائيل يوسف عليه الصلاة والسلام وآخرهم عيسى عليه الصلاة والسلام ~~وقيل: أولهم موسى وآخرهم عيسى عليهم الصلاة والسلام وقوله تعالى: { ~~أنى قد جئتكم } معمول لرسولا لما فيه من معنى النطق أي ~~رسولا ناطقا بأني الخ وقيل: منصوب بمضمر معمول لقول مضمر معطوف على ~~يعلمه أي ويقول: أرسلت رسولا بأني قد جئتكم الخ وقيل: معطوف على ~~الأحوال السابقة، ولا يقدح فيه كونها في حكم الغيبة مع كون هذا في ~~حكم التكلم لما عرفت من أن فيه معنى النطق، كأنه قيل: حال كونه ~~وجيها ورسولا ناطقا بأني الخ وقرىء ورسول بالجر عطفا على # كلمة # [آل عمران، الآيات: 39، 45، 64] والباء في قوله تعالى: { بآية } ~~متعلقة بمحذوف وقع حالا من فاعل الفعل على أنها للملابسة، والتنوين ~~للتفخيم دون الوحدة لظهور تعددها وكثرتها وقرىء بآيات. أو بجئتكم على ~~أنها للتعدية ومن في قوله تعالى: { من ربكم } لابتداء الغاية ~~مجازا متعلقة بمحذوف وقع صفة لآية أي قد جئتكم ملتبسا بآية عظيمة ~~كائنة من ربكم أو أتيتكم بآية عظيمة كائنة منه تعالى والتعرض لوصف ~~الربوبية مع الإضافة إلى ضمير المخاطبين لتأكيد إيجاب الامتثال بما ~~سيأتي من الأوامر وقوله تعالى: { أنى أخلق لكم من الطين ~~كهيئة الطير } بدل من قوله تعالى: { أنى قد جئتكم } ~~[آل عمران، الآية: 49] ومحله النصب على نزع الجار عند سيبويه ~~والفراء، والجر على رأي الخليل والكسائي، أو بدل من آية وقيل: ~~منصوب بفعل مقدر أي أعني أني الخ وقيل: مرفوع على أنه خبر مبتدإ ~~محذوف أي هي { أنى أخلق لكم } [آل عمران، الآية: 49] وقرىء ~~بكسر الهمزة على الاستئناف أي أقدر لكم أي لأجل تحصيل إيمانكم ودفع ~~تكذيبكم إياي ms0478 من الطين شيئا مثل صورة الطير { فأنفخ فيه } ~~الضمير للكاف أي في ذلك الشيء المماثل لهيئة الطير، وقرىء فأنفخ فيها ~~عل أن الضمير للهيئة المقدرة أي أخلق لكم من الطين هيئة كهيئة ~~الطير فأنفخ فيها { فيكون طيرا } حيا طيارا كسائر الطيور { ~~بإذن الله } بأمره تعالى أشار عليه الصلاة والسلام بذلك إلى أن ~~إحياءه من الله تعالى لا منه، قيل: لم يخلق غير الخفاش، روي أنه ~~عليه الصلاة والسلام لما ادعى النبوة وأظهر المعجزات طالبوه بخلق ~~الخفاش فأخذ طينا وصوره ونفخ فيه فإذا هو يطير بين السماء والأرض، ~~قال وهب: «كان يطير ما دام الناس ينظرون إليه فإذا غاب عن أعينهم سقط ~~ميتا ليتميز من خلق الله تعالى»، قيل: إنما طالبوه خلق الخفاش لأنه ~~أكمل الطير خلقا وأبلغ دلالة على القدرة لأن له ثديا وأسنانا وهي ~~تحيض وتطهر وتلد كسائر الحيوان وتضحك كا يضحك الإنسان وتطير بغير ريش ~~ولا تبصر في ضوء النهار ولا في ظلمة الليل وإنما ترى في ساعتين: ساعة ~~بعد الغروب وساعة بعد طلوع الفجر وقيل: خلق أنواعا من الطير { ~~وأبرىء الأكمه } أي الذي ولد أعمى أو الممسوح العين { ~~والأبرص } المبتلى بالبرص، لم تكن العرب تنفر من شيء ~~نفرتها منه ويقال له: الوضح أيضا، وتخصيص هذين الداءين لأنهما مما ~~أعيا الأطباء وكانوا في غاية الحذاقة في زمنه عليه الصلاة والسلام ~~فأراهم الله تعالى المعجزة من ذلك الجنس. # روي أنه عليه الصلاة والسلام ربما كان يجتمع عليه ألوف من المرضى من ~~أطاق منهم أتاه ومن لم يطق أتاه عيسى عليه الصلاة والسلام وما يداويه ~~إلا بالدعاء { وأحي الموتى بإذن الله } كرره مبالغة ~~في دفع وهم من توهم فيه اللاهوتية. قال الكلبي: كان عليه الصلاة ~~والسلام يحيي الموتى بيا حي يا قيوم، أحيا عازر وكان صديقا ~~له فعاش وولد له ومر على ابن عجوز ميت فدعا الله تعالى فنزل عن سريره ~~حيا ورجع إلى أهله وبقي وولد له وبنت العاشر أحياها وولدت بعد ذلك ~~فقالوا: إنك تحيي من كان قريب ms0479 العهد من الموت فلعلهم لم يموتوا بل ~~أصابتهم سكتة فأحيي لنا سام بن نوح فقال: «دلوني على قبره» ~~ففعلوا فقام على قبره فدعا الله عز وجل فقام من قبره وقد شاب رأسه فقال ~~عليه الصلاة والسلام: «كيف شبت ولم يكن في زمانكم شيب؟» قال: يا روح ~~الله لما دعوتني سمعت صوتا يقول: أجب روح الله فظننت أن الساعة ~~قد قامت فمن هول ذلك شبت فسأله عن النزع قال: يا روح الله إن ~~مرارته لم تذهب من حنجرتي وكان بينه وبين موته أكثر من أربعة ~~آلاف سنة وقال للقوم: صدقوه فإنه نبي الله فآمن به بعضهم وكذبه ~~آخرون، فقالوا: هذا سحر فأرنا آية فقال: «يا فلان أكلت كذا ويا فلان ~~خبىء لك كذا» وذلك قوله تعالى: { وأنبئكم بما تأكلون ~~وما تدخرون فى بيوتكم } أي بالمغيبات من أحوالكم التي لا ~~تشكون فيها، وقرىء تذخرون بالذال والتخفيف { إن فى ذلك } ~~إشارة إلى ما ذكر من الأمور العظام { لآية } عظيمة وقرىء لآيات { ~~لكم } دالة على صحة رسالتي دلالة واضحة { إن كنتم مؤمنين ~~} جواب الشرط محذوف لانصباب المعنى إليه أو دلالة المذكور عليه أي ~~انتفعتم بها، أو إن كنتم ممن يتأتى منهم الإيمان دلتكم الآية على ~~صحة رسالتي والإيمان بها. ### || [3.50] # { ومصدقا لما بين يدي من التوراة } عطف على ~~المضمر الذي تعلق به قوله تعالى: { بآية } أي قد جئتكم ملتبسا ~~بآية الخ ومصدقا لما بين يدي الخ أو على { رسولا } على الأوجه ~~الثلاثة فإن مصدقا فيه معنى النطق كما في رسولا، أي ويجعله ~~مصدقا ناطقا بأني أصدق الخ أو ويقول: «أرسلت رسولا بأني قد ~~جئتكم» الخ و«مصدقا» الخ أو حال كونه «مصدقا بأني أصدق» الخ أو ~~منصوب بإضمار فعل دل عليه «قد جئتكم مصدقا» الخ وقوله: { من ~~التوراة } إما حال من الموصول والعامل { مصدقا } وإما من ضميره ~~المستتر في الظرف الواقع صلة والعامل الاستقرار المضمر في الظرف ~~أو نفس الظرف لقيامه مقام الفعل { ولاحل لكم } معمول لمضمر ~~دل عليه ما قبله أي «وجئتكم لأحل» الخ ms0480 وقيل: عطف على معنى مصدقا ~~كقولهم: جئته معتذرا ولأجتلب رضاه كأنه قيل: «قد جئتكم لأصدق ~~ولأحل» الخ وقيل: عطف على { بآية } أي «قد جئتكم بآية من ربكم ~~ولأحل لكم» { بعض الذي حرم عليكم } أي في شريعة موسى ~~عليه الصلاة والسلام من الشحوم والثروب والسمك ولحوم الإبل والعمل ~~في السبت، قيل: أحل لهم من السمك والطير ما لا صئصئة له، واختلف في ~~إحلال السبت، وقرىء حرم على تسمية الفاعل وهو ما بين يدي أو الله عز ~~وجل، وقرىء حرم بوزن كرم وهذا يدل على أن شرعه كان ناسخا لبعض ~~أحكام التوراة ولا يخل ذلك بكونه مصدقا لها لما أن النسخ في ~~الحقيقة بيان وتخصيص في الأزمان، وتأخير المفعول عن الجار والمجرور ~~لما مر مرارا من المبادرة إلى ذكر ما يسر المخاطبين وللتشويق إلى ~~ما أخر { وجئتكم بأية من ربكم } شاهدة على صحة ~~رسالتي وقرىء بآيات { فاتقوا الله } في عدم قبولها ومخالفة ~~مدلولها { وأطيعون } فيما آمركم به وأنهاكم عنه بأمر الله تعالى ~~وتلك الآية هي قولي: ### || [3.51-52] # { إن الله ربى وربكم فاعبدوه هذا صرط ~~مستقيم } فإنه الحق الصريح الذي أجمع عليه الرسل قاطبة فيكون ~~آية بينة على أنه عليه الصلاة والسلام من جملتهم وقرىء { إن ~~الله } بالفتح بدلا من آية أي «قد جئتكم بآية على أن الله ربي ~~وربكم» وقوله: { فاتقوا الله وأطيعون } اعتراض، والظاهر ~~أنه تكرير لما سبق، أي «قد جئتكم بآية بعد آية مما ذكرت لكم من خلق ~~الطير وإبراء الأكمه والأبرص والإحياء والإنباء بالخفيات وغيره من ~~ولادتي بغير أب ومن كلامي في المهد وغير ذلك»، والأول لتمهيد الحجة ~~والثاني لتقريبها إلى الحكم ولذلك رتب عليه بالفاء قوله: { ~~فاتقوا الله } أي «لما جئتكم بالمعجزات الباهرة والآيات ~~الظاهرة فاتقوا الله في المخالفة وأطيعون فيما أدعوكم إليه» ومعنى ~~قراءة من فتح: «ولأن الله ربي وربكم فاعبدوه» كقوله تعالى: # لإيلف قريش # [قريش، الآية: 1] الخ ثم شرع في الدعوة وأشار إليها بالقول المجمل فقال: ~~{ إن الله ربى وربكم } إشارة إلى أن استكمال القوة ~~النظرية ms0481 بالاعتقاد الحق الذي غايته التوحيد وقال: { فاعبدوه } ~~إشارة إلى استكمال القوة العملية فإنه يلازم الطاعة التي هي ~~الإتيان بالأوامر والانتهاء عن المناهي ثم قرر ذلك بأن بين أن الجمع ~~بين الأمرين هو الطريق المشهود له بالاستقامة، ونظيره قوله عليه ~~الصلاة والسلام: # " قل آمنت بالله ثم استقم " # { فلما أحس عيسى منهم الكفر } شروع في بيان مآل ~~أحواله عليه السلام إثر ما أشير إلى طرف منها بطريق النقل عن ~~الملائكة، والفاء فصيحة تفصح عن تحقق جميع ما قالته الملائكة، ~~وخروجه من القوة إلى الفعل حسبما شرحته كما في قوله تعالى: # فلما رءاه مستقرا عنده # [سورة النمل، الآية 40] بعد قوله تعالى: # أنا ءاتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك # [سورة النمل، الآية 40] كأنه قيل: فحملته فولدته فكان كيت وكيت وقال: ~~ذيت وذيت وإنما لم يذكره اكتفاء بحكاية الملائكة وإيذانا بعدم ~~الخلف وثقة بما فصل في المواضع الأخر. وأما عدم نظم بقية ~~أحواله عليه الصلاة والسلام في سلك النقل فإما للاعتناء بأمرها أو ~~لعدم مناسبتها للمقام فيها من ذكر مقاساته عليه الصلاة والسلام للشدائد ~~ومعاناته للمكايد، والمراد بالإحساس الإدراك القوي الجاري مجرى ~~المشاهدة، وبالكفر إصرارهم عليه وعتوهم ومكابرتهم فيه مع العزيمة ~~على قتله عليه الصلاة والسلام كما ينبىء عنه الإحساس فإنه إنما يستعمل ~~في أمثال هذه المواقع عند كون متعلقه أمرا محذورا مكروها كما في ~~قوله عز وجل: # فلما أحسوا بأسنا إذا هم منها يركضون # [الأنبياء، الآية 12] وكلمة من متعلقة بأحس والضمير المجرور لبني ~~إسرائيل أي ابتدأ الإحساس من جهتهم، وتقديم الجار والمجرور على ~~المفعول الصريح لما مر غير مرة من الاعتناء بالمقدم والتشويق إلى ~~المؤخر، وقيل: متعلقة بمحذوف وقع حالا من الكفر { قال } أي ~~لخلص أصحابه لا لجميع بني إسرائيل لقوله تعالى: # كما قال عيسى ابن مريم للحواريين # [سورة الصف، الآية 14] الآية. وقوله تعالى: # فآمنت طآئفة من بني إسرائيل وكفرت طآئفة # [سورة الصف، الآية 14] ليس بنص في توجيه الخطاب إلى الكل بل يكفي فيه ~~بلوغ الدعوة إليهم { من أنصارى } الأنصار جمع نصير كأشراف ms0482 جمع ~~شريف. # { إلى الله } متعلق بمحذوف وقع حالا من الياء أي من أنصاري ~~متوجها إلى الله ملتجئا إليه أو بأنصاري متضمنا معنى الإضافة كأنه ~~قيل: «من الذين يضيفون أنفسهم إلى الله عز وجل ينصرونني كما ~~ينصرني» وقيل: { إلى } بمعنى في، أي في سبيل الله وقيل: بمعنى اللام ~~وقيل: بمعنى مع { قال } استئناف مبني على سؤال ينساق إليه الذهن ~~كأنه قيل: فماذا قالوا في جوابه عليه الصلاة والسلام؟ فقيل قال: { ~~الحواريون } جمع حواري يقال: فلان حواري فلان أي صفوته ~~وخالصته من الحور وهو البياض الخالص ومنه الحواريات للحضريات ~~لخلوص ألوانهن ونقائهن، سمي به أصحاب عيسى عليه الصلاة والسلام ~~لخلوص نياتهم ونقاء سرائرهم، وقيل: لما عليهم من آثار العبادة ~~وأنوارها، وقيل: كانوا ملوكا يلبسون البياض وذلك أن واحدا من ~~الملوك صنع طعاما وجمع الناس عليه وكان عيسى عليه الصلاة والسلام على ~~قصعة لا يزال يأكل منها ولا تنقص، فذكروا ذلك للملك فاستدعاه عليه ~~الصلاة والسلام فقال له: من أنت؟ قال: «عيسى بن مريم»، فترك ملكه ~~وتبعه مع أقاربه فأولئك هم الحواريون، وقيل: كانوا صيادين يصطادون ~~السمك يلبسون الثياب البيض فيهم شمعون ويعقوب ويوحنا فمر بهم عيسى ~~عليه الصلاة والسلام فقال لهم: «أنتم تصيدون السمك فإن اتبعتموني صرتم ~~بحيث تصيدون الناس بالحياة الأبدية» قالوا: من أنت؟ قال: «عيسى بن مريم ~~عبد الله ورسوله» فطلبوا منه المعجزة، وكان شمعون قد رمى شبكته ~~تلك الليلة فما اصطاد شيئا فأمره عيسى عليه الصلاة والسلام بإلقائها في ~~الماء مرة أخرى ففعل فاجتمع في الشبكة من السمك ما كادت تتمزق ~~واستعانوا بأهل سفينة أخرى وملأوا السفينتين، فعند ذلك آمنوا بعيسى عليه ~~السلام وقيل: كانوا اثني عشر رجلا آمنوا به عليه الصلاة والسلام ~~واتبعوه وكانوا إذا جاعوا قالوا: جعنا يا روح الله فيضرب بيده ~~الأرض فيخرج منها لكل واحد رغيفان، وإذا عطشوا قالوا: عطشنا فيضرب ~~بيده الأرض فيخرج منها الماء فيشربون فقالوا: من أفضل منا؟ قال عليه ~~الصلاة والسلام: «أفضل منكم من يعمل بيده ويأكل من كسبه» فصاروا ~~يغسلون ms0483 الثياب بالأجرة فسموا حواريين. وقيل: إن أمه سلمته إلى ~~صباغ فأراد الصباغ يوما أن يشتغل ببعض مهماته فقال له عليه الصلاة ~~والسلام: ههنا ثياب مختلفة قد جعلت لكل واحد منها علامة معينة ~~فاصبغها بتلك الألوان، فغاب فجعلها عليه الصلاة والسلام كلها في ~~جب واحد وقال: «كوني بإذن الله كما أريد» فرجع الصباغ فسأله ~~فأخبره بما صنع فقال: أفسدت علي الثياب قال: «قم فانظر» فجعل ~~يخرج ثوبا أحمر وثوبا أخضر وثوبا أصفر إلى أن أخرج الجميع على ~~أحسن ما يكون حسبما كان يريد فتعجب منه الحاضرون وآمنوا به عليه ~~الصلاة والسلام وهم الحواريون، قال القفال: ويجوز أن يكون بعض هؤلاء ~~الحواريين الاثني عشر من الملوك وبعضهم من صيادي السمك وبعضهم من ~~القصارين وبعضهم من الصباغين والكل سموا بالحواريين لأنهم ~~كانوا أنصار عيسى عليه الصلاة والسلام وأعوانه والمخلصين في طاعته ~~ومحبته. # { نحن أنصار الله } أي أنصار دينه ورسوله { آمنا بالله ~~} استئناف جار مجرى العلة لما قبله فإن الإيمان به تعالى موجب ~~لنصرة دينه والذب عن أوليائه والمحاربة مع أعدائه { واشهد ~~بأنا مسلمون } مخلصون في الإيمان منقادون لما تريد منا من ~~نصرتك، طلبوا منه عليه الصلاة والسلام الشهادة بذلك يوم القيامة يوم ~~أشهد الرسل عليهم الصلاة والسلام لأممهم وعليهم إيذانا بأن مرمى ~~غرضهم السعادة الأخروية. ### || [3.53-54] # { ربنا ءامنا بما أنزلت } تضرع إلى الله عز وجل وعرض ~~لحالهم عليه تعالى بعد عرضها على الرسول مبالغة في إظهار أمرهم { ~~واتبعنا الرسول } أي في كل ما يأتي ويذر من أمور الدين ~~فيدخل فيه الاتباع في النصرة دخولا أوليا { فاكتبنا مع ~~الشهدين } أي مع الذين يشهدون بوحدانيتك أو مع الأنبياء الذين ~~يشهدون لأتباعهم أو مع أمة محمد عليه الصلاة والسلام فإنهم شهداء على ~~الناس قاطبة، وهو حال من مفعول اكتبنا. # { ومكروا } أي الذين علم عيسى عليه الصلاة والسلام كفرهم من ~~اليهود بأن وكلوا به من يقتله غيلة { ومكر الله } بأن رفع ~~عيسى عليه الصلاة والسلام وألقى شبهه على من قصد اغتياله حتى قتل، ~~والمكر من حيث أنه ms0484 في الأصل حيلة يجلب بها غيره إلى مضرة لا يمكن ~~إسناده إليه سبحانه إلا بطريق المشاكلة، روي عن ابن عباس رضي الله عنهما ~~أن ملك بني إسرائيل لما تصد قتله عليه الصلاة والسلام أمره جبريل ~~عليه الصلاة والسلام أن يدخل بيتا فيه روزنة فرفعه جبريل من تلك ~~الروزنة إلى السماء فقال الملك لرجل خبيث منهم: أدخل عليه فاقتله ~~فدخل البيت، فألقى الله عز وجل شبهه عليه فخرج يخبرهم أنه ليس في ~~البيت فقتلوه وصلبوه وقيل إنه عليه الصلاة والسلام جمع الحواريين ليلة ~~وأوصاهم ثم قال: «ليكفرن بي أحدكم قبل أن يصيح الديك ويبيعني ~~بدراهم يسيرة» فخرجوا وتفرقوا وكانت اليهود تطلبه فنافق أحدهم فقال ~~لهم: ما تجعلون لي إن دللتكم على المسيح؟ فجعلوا له ثلاثين درهما ~~فأخذها ودلهم عليه فألقى الله عز وجل عليه شبه عيسى عليه الصلاة والسلام ~~ورفعه إلى السماء فأخذوا المنافق وهو يقول: أنا دليلكم فلم يلتفتوا ~~إلى قوله وصلبوه ثم قالوا: وجهه يشبه وجه عيسى وبدنه يشبه بدن ~~صاحبنا فإن كان هذا عيسى فأين صاحبنا وإن كان صاحبنا فأين عيسى؟ فوقع ~~بينهم قتال عظيم وقيل: لما صلب المصلوب جاءت مريم ومعها امرأة ~~أبرأها الله تعالى من الجنون بدعاء عيسى عليه الصلاة والسلام وجعلتا ~~تبكيان على المصلوب فأنزل الله تعالى عيسى عليه الصلاة والسلام فجاءهما ~~فقال: علام تبكيان؟ فقالتا: عليك فقال: إن الله تعالى رفعني ولم يصبني ~~إلا خير وإن هذا شيء شبه لهم. قال محمد بن إسحاق: إن اليهود ~~عذبوا الحواريين بعد رفع عيسى عليه الصلاة والسلام ولقوا منهم ~~الجهد فبلغ ذلك ملك الروم وكان ملك اليهود من رعيته فقيل له: إن ~~رجلا من بني إسرائيل ممن تحت أمرك كان يخبرهم أنه رسول الله وأراهم ~~إحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص وفعل وفعل فقال: لو علمت ذلك ~~ما خليت بينهم وبينه ثم بعث إلى الحواريين فانتزعهم من أيديهم، ~~وسألهم عن عيسى عليه الصلاة والسلام فأخبروه فبايعهم على دينهم وأنزل ~~المصلوب فغيبه وأخذ الخشبة فأكرمها ثم غزا بني إسرائيل ms0485 وقتل منهم ~~خلقا عظيما ومنه ظهر أصل النصرانية في الروم ثم جاء بعده ملك آخر ~~يقال له: تيتوس وغزا بيت المقدس بعد رفع عيسى عليه الصلاة والسلام ~~بنحو من أربعين سنة فقتل وسبى ولم يترك في مدينة بيت المقدس ~~حجرا على حجر، فخرج عند ذلك قريظة والنضير إلى الحجاز. # قال أهل التواريخ: حملت مريم بعيسى عليه الصلاة والسلام وهي بنت ثلاث ~~عشرة سنة وولدته ببيت لحم من أرض «أورى شلم» لمضي خمس وستين ~~سنة من غلبة الإسكندر على أرض بابل، وأوحى الله تعالى إليه على رأس ~~ثلاثين سنة ورفعه إليه من بيت المقدس ليلة القدر من شهر رمضان وهو ~~ابن ثلاث وثلاثين سنة وعاشت أمه بعد رفعه ست سنين { والله ~~خير المكرين } أقواهم مكرا وأنفذهم كيدا وأقدرهم على إيصال ~~الضرر من حيث لا يحتسب، وإظهار الجلالة في موقع الإضمار لتربية ~~المهابة، والجملة تذييل مقرر لمضمون ما قبله. ### || [3.55] # { إذ قال الله } ظرف لمكر الله أو لمضمر نحو وقع ذلك { ~~يعيسى إني متوفيك } أي مستوفي أجلك ومؤخرك إلى أجلك ~~المسمى عاصما لك من قتلهم أو قابضك من الأرض، من توفيت مالي، أو ~~متوفيك نائما إذ روي أنه رفع وهو نائم، وقيل: مميتك في وقتك بعد ~~النزول من السماء ورافعك الآن أو مميتك من الشهوات العائقة عن التزوج ~~إلى عالم الملكوت، وقيل: أماته الله تعالى سبع ساعات ثم رفعه إلى ~~السماء وإليه ذهبت النصارى، قال القرطبي: والصحيح أن الله تعالى رفعه ~~من غير وفاة ولا نوم كما قال الحسن وابن زيد وهو اختيار الطبري وهو ~~الصحيح عن ابن عباس رضي الله عنهما، وأصل القصة أن اليهود لما عزموا ~~على قتله عليه الصلاة والسلام اجتمع الحواريون وهم اثنا عشر رجلا في ~~غرفة فدخل عليهم المسيح من مشكاة الغرفة فأخبر بهم إبليس جميع ~~اليهود فركب منهم أربعة آلاف رجل فأخذوا باب الغرفة فقال المسيح ~~للحواريين: أيكم يخرج ويقتل ويكون معي في الجنة؟ فقال واحد منهم: ~~أنا يا نبي الله، فألقى عليه مدرعة من صوف ms0486 وعمامة من صوف وناوله ~~عكازه وألقي عليه شبه عيسى عليه الصلاة والسلام فخرج على اليهود ~~فقتلوه وصلبوه، وأما عيسى عليه الصلاة والسسلام فكساه الله الريش ~~والنور وألبسه النور وقطع عنه النور شهوة المطعم والمشرب وذلك قوله ~~تعالى: { إني متوفيك } فطار مع الملائكة ثم إن أصحابه حين رأوا ~~ذلك تفرقوا ثلاث فرق فقالت فرقة: كان الله فينا ثم صعد إلى ~~السماء وهم اليعقوبية، وقالت فرقة أخرى: كان فينا ابن الله ما شاء ~~الله ثم رفعه الله إليه وهم النسطورية، وقالت فرقة أخرى منهم: كان فينا ~~عبد الله ورسوله ما شاء الله ثم رفعه الله إليه وهؤلاء هم المسلمون ~~فتظاهرت عليهم الفرقتان الكافرتان فقتلوهم فلم يزل الإسلام منطمسا إلى ~~أن بعث الله تعالى محمدا صلى الله عليه وسلم. # { ورافعك إلى } أي إلى محل كرامتي ومقر ملائكتي { ~~ومطهرك من الذين كفروا } أي من سوء جوارهم وخبث ~~صحبتهم ودنس معاشرتهم { وجاعل الذين اتبعوك } قال ~~قتادة والربيع والشعبي ومقاتل والكلبي: هم أهل الإسلام الذين ~~صدقوه واتبعوا دينه من أمة محمد صلى الله عليه وسلم دون الذين كذبوه ~~وكذبوا عليه من النصارى { فوق الذين كفروا } وهم الذين ~~مكروا به عليه الصلاة والسلام ومن يسير بسيرتهم من اليهود فإن أهل ~~الإسلام فوقهم ظاهرين بالعزة والمنعة والحجة، وقيل: هم الحواريون ~~فينبغي أن تحمل فوقيتهم على فوقية المسلمين بحكم الاتحاد في الإسلام ~~والتوحيد، وقيل: هم الروم وقيل: هم النصارى، فالمراد بالاتباع مجرد ~~الادعاء والمحبة وإلا فأولئك الكفرة بمعزل من اتباعه عليه الصلاة ~~والسلام { إلى يوم القيمة } غاية للجعل أو للاستقرار ~~المقدر في الظرف لا على معنى أن الجعل أو الفوقية تنتهي حينئذ ~~ويتخلص الكفرة من الذلة بل على معنى أن المسلمين يعلونهم إلى تلك ~~الغاية فأما بعدها فيفعل الله تعالى بهم ما يريد { ثم إلي ~~مرجعكم } بالبعث، وثم للتراخي، وتقديم الجار والمجرور للقصر ~~المفيد لتأكيد الوعد والوعيد، والضمير لعيسى عليه الصلاة والسلام ~~وغيره من المتبعين له والكافرين به على تغليب المخاطب على الغائب في ~~ضمن الالتفات فإنه أبلغ في ms0487 التبشير والإنذار { فأحكم بينكم } ~~يومئذ إثر رجوعكم إلي { فيما كنتم فيه تختلفون } من أمور ~~الدين و { فيه } متعلق بتختلفون وتقديمه عليه لرعاية الفواصل. ### || [3.56] # { فأما الذين كفروا فأعذبهم عذابا شديدا } ~~تفسير للحكم الواقع بين الفريقين وتفصيل لكيفيته، والبداية ببيان ~~حال الكفرة لما أن مساق الكلام لتهديدهم وزجرهم عما هم عليه من الكفر ~~والعناد، وقوله تعالى: { فى الدنيا والأخرة } متعلق بأعذبهم ~~لا بمعنى إيقاع كل واحد من التعذيب في الدنيا والتعذيب في الآخرة ~~وإحداثهما يوم القيامة بل بمعنى إتمام مجموعهما يومئذ، وقيل: إن ~~المرجع أعم من الدنيوي والأخروي، وقوله تعالى: { إلى يوم ~~القيمة } غاية للفوقية لا للجعل، والرجوع متراخ عن الجعل وهو ~~غير محدود لا عن الفوقية المحدودة على نهج قولك: سأعيرك سكني هذا ~~البيت شهرا ثم أخلع عليك خلعة فيلزم تأخر الخلع عن الإعارة لا ~~عن الشهر { وما لهم من نصرين } يخلصونهم من عذاب الله ~~تعالى في الدارين وصيغة الجمع لمقابلة ضمير الجمع أي ليس لواحد منهم ~~ناصر واحد. ### || [3.57-60] # { وأما الذين ءامنوا } بما أرسلت به { وعملوا ~~الصلحات } كما هو ديدن المؤمنين { فيوفيهم أجورهم } ~~أي يعطيهم إياها كاملة، ولعل الالتفات إلى الغيبة للإيذان بما بين ~~مصدري التعذيب والإثابة من الاختلاف من حيث الجلال والجمال، وقرىء ~~فنوفيهم جريا على سنن العظمة والكبرياء { والله لا يحب ~~الظلمين } أي بعضهم فإن هذه الكناية فاشية في جميع اللغات ~~جارية مجرى الحقيقة، وإيراد الظلم للإشعار بأنهم بكفرهم متعدون ~~متجاوزوا الحدود واضعون الكفر مكان الشكر والإيمان، والجملة تذييل ~~لما قبله مقرر لمضمونه. # { ذلك } إشارة إلى ما سلف من نبأ عيسى عليه الصلاة والسلام، وما فيه ~~من معنى البعد للدلالة على عظم شأن المشار إليه وبعد منزلته في ~~الشرف وعلى كونه في ظهور الأمر ونباهة الشأن بمنزلة المشاهد المعاين، ~~وهو مبتدأ وقوله عز وجل: { نتلوه } خبره وقوله تعالى: { عليك ~~} متعلق بنتلوه وقوله تعالى: { من الأيت } حال من الضمير ~~المنصوب أو خبر بعد خبر، أو هو الخبر وما بينهما حال من اسم ~~الإشارة أو { ذلك } خبر لمبتدإ مضمر ms0488 أي الأمر ذلك ونتلوه حال كما ~~مر، وصيغة الاستقبال إما لاستحضار الصورة أو على معناها إذ التلاوة لم ~~تتم بعد { والذكر الحكيم } أي المشتمل على الحكم أو ~~المحكم الممنوع من تطرق الخلل إليه، والمراد به القرآن فمن ~~تبعيضية أو بعض مخصوص منه فمن بيانية، وقيل: هو اللوح المحفوظ فمن ~~ابتدائية { إن مثل عيسى } أي شأنه البديع المنتظم لغرابته ~~في سلك الأمثال { عند الله } أي في تقديره وحكمه { كمثل ~~ءادم } أي كحاله العجيبة التي لا يرتاب فيها مرتاب ولا ينازع فيها ~~منازع { خلقه من تراب } تفسير لما أبهم في المثل وتفصيل ~~لما أجمل فيه وتوضيح للتمثيل ببيان وجه الشبه بينهما وحسم لمادة ~~شبهة الخصوم فإن إنكار خلق عيسى عليه الصلاة والسلام بلا أب ممن ~~اعترف بخلق آدم عليه الصلاة والسلام بغير أب وأم مما لا يكاد يصح، ~~والمعنى خلق قالبه من تراب { ثم قال له كن } أي أنشأه بشرا ~~كما في قوله تعالى: # ثم أنشأناه خلقا آخر # [المؤمنون، الآية 14] أو قدر تكوينه من التراب ثم كونه ويجوز كون { ~~ثم } لتراخي المخبر به { فيكون } حكاية حال ماضية، روي # " أن وفد نجران قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم: مالك تشتم ~~صاحبنا؟ قال: «وما أقول؟» قالوا: تقول إنه عبد قال: «أجل هو عبد الله ~~ورسوله وكلمته ألقاها إلى العذراء البتول» فغضبوا وقالوا: هل رأيت ~~إنسانا من غير أب؟ فحيث سلمت أنه لا أب له من البشر وجب أن يكون ~~أبوه هو الله فقال عليه الصلاة والسلام: «إن آدم عليه الصلاة والسلام ما ~~كان له أب ولا أم ولم يلزم من ذلك كونه ابنا لله سبحانه وتعالى فكذا ~~حال عيسى عليه الصلاة والسلام» " # { الحق من ربك } خبر مبتدإ محذوف أي هو الحق أي ما قصصنا ~~عليك من نبإ عيسى عليه الصلاة والسلام وأمه، والظرف إما حال أي ~~كائنا من ربك أو خبر ثان أي كائن منه تعالى وقيل: هما مبتدأ وخبر ~~أي الحق المذكور من الله تعالى، والتعرض لعنوان الربوبية مع الإضافة ~~إلى ضمير ms0489 المخاطب لتشريفه عليه الصلاة والسلام والإيذان بأن تنزيل ~~هذه الآيات الحقة الناطقة بكنه الأمر تربية له عليه الصلاة والسلام ~~ولطف به { فلا تكن من الممترين } في ذلك، والخطاب إما ~~للنبي صلى الله عليه وسلم على طريقة الإلهاب والتهييج لزيادة ~~التثبيت والإشعار بأن الامتراء في المحذورية بحيث ينبغي أن ينهى ~~عنه من لا يكاد يمكن صدوره عنه فكيف بمن هو بصدد الامتراء؟ وإما لكل من ~~له صلاحية الخطاب. ### || [3.61] # { فمن حاجك } أي من النصارى إذ هم المتصدرون للمحاجة { فيه ~~} أي في شأن عيسى عليه الصلاة والسلام وأمه زعما منهم أنه ليس على ~~الشأن المحكي { من بعد ما جاءك من العلم } أي ما يوجبه ~~إيجابا قطعيا من الآيات البينات وسمعوا ذلك منك فلم يرعووا عما هم ~~عليه من الغي والضلال { فقل } لهم { تعالوا } أي هلموا بالرأي ~~والعزيمة { ندع أبناءنا وأبناءكم } اكتفي بهم عن ذكر ~~البنات لظهور كونهم أعز منهن وأما النساء فتعلقهن من جهة أخرى { ~~ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم } أي ليدع كل منا ~~ومنكم نفسه وأعزة أهله وألصقهم بقلبه إلى المباهلة ويحملهم ~~عليها، وتقديمهم على النفس في أثناء المباهلة التي هي من باب المهالك ~~ومظان التلف مع أن الرجل يخاطر لهم بنفسه ويحارب دونهم للإيذان ~~بكمال أمنه عليه الصلاة والسلام وتمام ثقته بأمره وقوة يقينه بأنه ~~لن يصيبهم في ذلك شائبة مكروه أصلا وهو السر في تقديم جانبه عليه ~~السلام على جانب المخاطبين في كل من المقدم والمؤخر مع رعاية الأصل ~~في الصيغة فإن غير المتكلم تبع له في الإسناد. # { ثم نبتهل } أي نتباهل بأن نلعن الكاذب منا والبهلة - ~~بالضم والفتح - اللعنة وأصلها الترك من قولهم: بهلت الناقة أي ~~تركتها بلا صرار { فنجعل لعنت الله على الكذبين } ~~عطف على نبتهل مبين لمعناه، روي أنهم لما دعوا إلى المباهلة قالوا: ~~حتى نرجع وننظر فلما خلوا قالوا للعاقب - وكان ذا رأيهم -: يا عبد ~~المسيح ما ترى؟ فقال: والله لقد عرفتم يا معشر النصارى أن محمدا نبي ~~مرسل ولقد جاءكم بالفصل من أمر صاحبكم، والله ms0490 ما باهل قوم نبيا قط ~~فعاش كبيرهم ولا نبت صغيرهم، ولئن فعلتم لتهلكن، فإن أبيتم إلا ~~إلف دينكم والإقامة على ما أنتم عليه فوادعوا الرجل وانصرفوا إلى ~~بلادكم، # " فأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد غدا محتضنا الحسين آخذا ~~بيد الحسن وفاطمة تمشي خلفه وعلي خلفها - رضي الله عنهم أجمعين - ~~وهو يقول: «إذا أنا دعوت فأمنوا» فقال أسقف نجران: يا معشر النصارى ~~إني لأرى وجوها لو سألوا الله تعالى أن يزيل جبلا من مكانه لأزاله، ~~فلا تباهلوا فتهلكوا ولا يبقى على وجه الأرض نصراني إلى يوم ~~القيامة، فقالوا: يا أبا القاسم رأينا أن لا نباهلك وأن نقرك على ~~دينك ونثبت على ديننا، قال صلى الله عليه وسلم: «فإذا أبيتم المباهلة ~~فأسلموا يكن لكم ما للمسلمين وعليكم ما على المسلمين» فأبوا، قال ~~عليه الصلاة والسلام: «فإني أناجزكم» فقالوا: ما لنا بحرب العرب ~~طاقة ولكن نصالحك على ألا تغزونا ولا تخيفنا ولا تردنا عن ديننا ~~على أن نؤدي إليك كل عام ألفي حلة، ألفا في صفر وألفا في رجب ~~وثلاثين درعا عادية من حديد، فصالحهم على ذلك وقال: «والذي نفسي بيده ~~إن الهلاك قد تدلى على أهل نجران، ولو لاعنوا لمسخوا قردة ~~وخنازير ولاضطرم عليهم الوادي نارا ولاستأصل الله نجران وأهله ~~حتى الطير على رؤوس الشجر، ولما حال الحول على النصارى كلهم حتى ~~يهلكوا» " ### || [3.62-64] # { إن هذا } أي ما قص من نبأ عيسى وأمه عليهما السلام { لهو ~~القصص الحق } دون ما عداه من أكاذيب النصارى، فهو ضمير الفصل ~~دخلته اللام لكونه أقرب إلى المبتدإ من الخبر، وأصلها أن تدخل ~~المبتدأ، وقرىء لهو بسكون الهاء، والقصص خبر إن والحق صفته، أو ~~مبتدأ والقصص خبره والجملة خبر لإن { وما من إله إلا ~~الله } صرح فيه بمن الاستغراقية تأكيدا للرد على النصارى في تثليثهم ~~{ وإن الله لهو العزيز } القادر على جميع المقدورات { ~~الحكيم } المحيط بالمعلومات لا أحد يشاركه في القدرة والحكمة ~~ليشاركه في الألوهية { فإن تولوا } عن التوحيد وقبول الحق ~~الذي قصصنا عليك بعد ms0491 ما عاينوا تلك الحجج النيرة والبراهين ~~الساطعة { فإن الله عليم بالمفسدين } أي بهم، وإنما ~~وضع موضعه ما وضع للإيذان بأن الإعراض عن التوحيد والحق الذي لا ~~محيد عنه بعد ما قامت به الحجج إفساد للعالم وفيه من شدة الوعيد ما ~~لا يخفى { قل يأهل الكتب } أمر بخطاب أهل الكتابين وقيل: ~~بخطاب وفد نجران وقيل: بخطاب يهود المدينة { تعالوا إلى ~~كلمة سواء بيننا وبينكم } لا يختلف فيها الرسل والكتب ~~وهي { أن لا نعبد إلا الله } أي نوحده بالعبادة ونخلص ~~فيها { ولا نشرك به شيئا } ولا نجعل غيره شريكا له في ~~استحقاق العبادة ولا نراه أهلا لأن يعبد { ولا يتخذ بعضنا ~~بعضا أربابا من دون الله } بأن نقول عزير ابن الله ~~والمسيح ابن الله ولا نطيع الأحبار فيما أحدثوا من التحريم والتحليل ~~لأن كلا منهم بعضنا بشر مثلنا، # " روي أنه لما نزلت { اتخذوا أحبرهم ورهبنهم ~~أربابا من دون الله } [التوبة، الآية 31] قال عدي بن حاتم: ~~ما كنا نعبدهم يا رسول الله، فقال عليه السلام: «أليس كانوا يحلون ~~لكم ويحرمون فتأخذون بقولهم» قال: نعم، قال عليه السلام: «هو ذاك» " # { فإن تولوا } عما دعوتهم إليه من التوحيد وترك الإشراك { ~~فقولوا } أي قل لهم أنت والمؤمنون: { اشهدوا بأنا ~~مسلمون } أي لزمتكم الحجة فاعترفوا بأنا مسلمون دونكم أو ~~اعترفوا بأنكم كافرون بما نطقت به الكتب وتطابقت عليه الرسل عليهم ~~السلام. # - تنبيه - انظر إلى ما روعي في هذه القصة من المبالغة في الإرشاد ~~وحسن التدرج في المحاجة حيث بين أولا أحوال عيسى عليه السلام ~~وما توارد عليه من الأطوار المنافية للإلهية ثم ذكر كيفية دعوته ~~للناس إلى التوحيد والإسلام فلما ظهر عندهم دعوا إلى المباهلة بنوع ~~من الإعجاز ثم لما أعرضوا عنها وانقادوا بعض الانقياد دعوا إلى ما ~~اتفق عليه عيسى عليه السلام والإنجيل وسائر الأنبياء عليهم السلام ~~والكتب، ثم لما ظهر عدم إجدائه أيضا أمر بأن يقال لهم: اشهدوا ~~بأنا مسلمون. ### || [3.65-69] # { يا أهل الكتب } من اليهود والنصارى { لم تحاجون فى ~~إبرهيم } أي في ملته وشريعته. ms0492 تنازعت اليهود والنصارى في ~~إبراهيم عليه السلام وزعم كل منهم أنه عليه السلام منهم وترافعوا إلى ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فنزلت، والمعنى لم تدعون أنه عليه السلام ~~كان منكم { وما أنزلت التوراة } على موسى عليه الصلاة والسلام ~~{ والإنجيل } على عيسى عليه الصلاة والسلام { إلا من بعده } ~~حيث كان من بينه وبين موسى عليهما السلام ألف سنة وبين موسى وعيسى ~~عليهما السلام ألفا سنة فكيف يمكن أن يتفوه به عاقل { أفلا ~~تعقلون } أي ألا تتفكرون فلا تعقلون بطلان مذهبكم أو أتقولون ذلك ~~فلا تعقلون بطلانه { هأنتم هؤلاء } جملة من مبتدإ وخبر صدرت ~~بحرف التنبيه ثم بينت بجملة مستأنفة إشعارا بكمال غفلتهم أي أنتم ~~هؤلاء الأشخاص الحمق حيث { حججتم فيما لكم به علم } في ~~الجملة حيث وجدتموه في التوراة والإنجيل، { فلم تحاجون فيما ~~ليس لكم به علم } أصلا إذ لا ذكر لدين إبراهيم في أحد ~~الكتابين قطعا وقيل: هؤلاء بمعنى الذين وحاججتم صلته وقيل: ها أنتم ~~أصله أأنتم على الاستفهام للتعجب قلبت الهمزة هاء { والله ~~يعلم } ما حاججتم فيه أو كل شيء فيدخل فيه ذلك دخولا أوليا { ~~وأنتم لا تعلمون } أي محل النزاع أو شيئا من الأشياء التي ~~من جملتها ذلك { ما كان إبرهيم يهوديا ولا نصرانيا } ~~تصريح بما نطق به البرهان المقرر { ولكن كان حنيفا } أي ~~مائلا عن العقائد الزائغة كلها { مسلما } أي منقادا لله تعالى، ~~وليس المراد أنه كان على ملة الإسلام وإلا لاشترك الإلزام { وما ~~كان من المشركين } تعريض بأنهم مشركون بقولهم: عزير ابن ~~الله والمسيح ابن الله ورد لادعاء المشركين أنهم على ملة إبراهيم ~~عليه الصلاة والسلام { إن أولى الناس بإبرهيم } أي ~~أقربهم إليه وأخصهم به { للذين اتبعوه } أي في زمانه { ~~وهذا النبى والذين ءامنوا } لموافقتهم له في أكثر ما ~~شرع لهم على الأصالة، وقرىء النبي بالنصب عطفا على الضمير في اتبعوه ~~وبالجر عطفا على إبراهيم { والله ولى المؤمنين } ينصرهم ~~ويجازيهم الحسنى بإيمانهم، وتخصيص المؤمنين بالذكر ليثبت الحكم في ~~النبي صلى الله عليه وسلم بدلالة النص ms0493 { ودت طائفة من ~~أهل الكتب لو يضلونكم } نزلت في اليهود حين دعوا ~~حذيفة وعمارا ومعاذا إلى اليهودية و { لو } بمعنى أن { وما ~~يضلون إلا أنفسهم } جملة حالية جيء بها للدلالة على كمال ~~رسوخ المخاطبين وثباتهم على ما هم عليه من الدين القويم أي وما ~~يتخطاهم الإضلال ولا يعود وباله إلا إليهم لما أنه يضاعف به عذابهم ~~وقيل: وما يضلون إلا أمثالهم ويأباه قوله تعالى: { وما يشعرون ~~} أي باختصاص وباله وضرره بهم. ### || [3.70-73] # { يأهل الكتب لم تكفرون بأيت الله } أي بما ~~نطقت به التوراة والإنجيل ودلت على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم { ~~وأنتم تشهدون } أي والحال أنكم تشهدون أنها آيات الله أو ~~بالقرآن وأنتم تشهدون نعته في الكتابين أو تعلمون بالمعجزات أنه حق { ~~يأهل الكتب لم تلبسون الحق بالبطل } ~~بتحريفكم وإبراز الباطل في صورته أو بالتقصير في التمييز بينهما، ~~وقرىء تلبسون بالتشديد وتلبسون بفتح الباء أي تلبسون الحق مع ~~الباطل كما في قوله عليه السلام: # " كلابس ثوبي زور " # { وتكتمون الحق } أي نبوة محمد صلى الله عليه وسلم ونعته { ~~وأنتم تعلمون } أي حقيته { وقالت طائفة من أهل ~~الكتب } وهم رؤساؤهم ومفسدوهم لأعقابهم { ءامنوا بالذى أنزل ~~على الذين آمنوا } أي أظهروا الإيمان بالقرآن المنزل عليهم { ~~وجه النهار } أي أوله { واكفروا } أي أظهروا ما أنتم عليه ~~من الكفر به { ءاخره } مرائين لهم أنكم آمنتم به بادي الرأي من غير ~~تأمل ثم تأملتم فيه فوقفتم على خلل رأيكم الأول فرجعتم عنه { ~~لعلهم } أي المؤمنين { يرجعون } عما هم عليه من الإيمان به ~~كما رجعتم والمراد بالطائفة كعب بن الأشرف ومالك بن الصيف قالا ~~لأصحابهما لما حولت القبلة: آمنوا بما أنزل عليهم من الصلاة إلى ~~الكعبة وصلوا إليها أول النهار ثم صلوا إلى الصخرة آخره لعلهم ~~يقولون: هم أعلم منا وقد رجعوا فيرجعون، وقيل: هم اثنا عشر رجلا من ~~أحبار خيبر اتفقوا على أن يدخلوا في الإسلام أول النهار ويقولوا ~~آخره: نظرنا في كتابنا وشاورنا علماءنا فلم نجد محمدا بالنعت الذي ~~ورد في التوراة، لعل أصحابه ms0494 يشكون فيه. # { ولا تؤمنوا } أي لا تقروا بتصديق قلبي { إلا لمن ~~تبع دينكم } أي لأهل دينكم أو لا تظهروا إيمانكم وجه النهار ~~إلا لمن كان على دينكم من قبل، فإن رجوعهم أرجى وأهم { قل إن ~~الهدى هدى الله } يهدي به من يشاء إلى الإيمان ويثبته عليه ~~{ أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم } متعلق بمحذوف أي ~~دبرتم ذلك وقلتم لأن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم، أو بلا تؤمنوا أي ولا ~~تظهروا إيمانكم بأن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم إلا لأشياعكم ولا ~~تفشوه إلى المسلمين لئلا يزيد ثباتهم ولا إلى المشركين لئلا يدعوهم ~~إلى الإسلام، وقوله تعالى: { قل إن الهدى هدى الله } ~~اعتراض مفيد لكون كيدهم غير مجد لطائل أو خبر إن على هدى الله بدل ~~من الهدى، وقرىء أن يؤتى على الاستفهام التقريعي وهو مؤيد للوجه الأول ~~أي لأن يؤتى أحد الخ دبرتم؟ وقرىء أن على أنها نافية فيكون من كلام ~~الطائفة، أي ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم وقولوا لهم: ما يؤتى ~~أحد مثل ما أوتيتم { أو يحاجوكم عند ربكم } عطف على { ~~أن يؤتى } على الوجهين الأولين وعلى الثالث معناه حتى يحاجوكم عند ~~ربكم فيدحضوا حجتكم، والواو ضمير { أحد } لأنه في معنى الجمع ~~إذ المراد به غير أتباعهم { قل إن الفضل بيد الله ~~يؤتيه من يشاء والله وسع عليم } رد لهم وإبطال لما ~~زعموه بالحجة الباهرة. ### || [3.74-75] # { يختص برحمته } أي يجعل رحمته مقصورة على { من يشاء ~~والله ذو الفضل العظيم } كلاهما تذييل لما قبله مقرر ~~لمضمونه. # { ومن أهل الكتب } شروع في بيان خيانتهم في المال بعد ~~بيان خيانتهم في الدين، والجار والمجرور في محل الرفع على الابتداء ~~حسبما مر تحقيقه في تفسير قوله تعالى: # ومن الناس من يقول # [البقرة، الآية 8] الخ خبره قوله تعالى: { من إن تأمنه ~~بقنطار يؤده إليك } على أن المقصود بيان اتصافهم ~~بمضمون الجملة الشرطية لا كونهم ذوات المذكورين كأنه قيل: بعض أهل ~~الكتاب بحيث إن تأمنه بقنطار أي بمال كثير يؤده إليك كعبد الله بن ~~سلام ms0495 استودعه قرشي ألفا ومائتي أوقية ذهبا فأداها إليه { ~~ومنهم من إن تأمنه بدينار لا يؤده إليك } ~~كفنحاص بن عازوراء استودعه قرشي آخر دينارا فجحده وقيل: ~~المأمونون على الكثير النصارى إذ الغالب فيهم الأمانة والخائنون في ~~القليل اليهود إذ الغالب فيهم الخيانة { إلا ما دمت عليه ~~قائما } استثناء مفرغ من أعم الأحوال أو الأوقات أي لا يؤده إليك ~~في حال من الأحوال أو في وقت من الأوقات إلا في حال دوام قيامك أو في ~~وقت دوام قيامك على رأسه مبالغا في مطالبته بالتقاضي وإقامة البينة ~~{ ذلك } إشارة إلى ترك الأداء المدلول عليه بقوله تعالى: { لا ~~يؤده } وما فيه من معنى البعد للإيذن بكمال غلوهم في الشر ~~والفساد { بأنهم } أي بسبب أنهم { قالوا ليس علينا فى ~~الاميين } أي في شأن من ليس من أهل الكتاب { سبيل } أي عتاب ~~ومؤاخذة { ويقولون على الله الكذب } بادعائهم ذلك { وهم ~~يعلمون } أنهم كاذبون مفترون على الله تعالى وذلك لأنهم استحلوا ~~ظلم من خالفهم وقالوا لم يجعل في التوراة في حقهم حرمة وقيل: عامل ~~اليهود رجالا من قريش فلما أسلموا تقاضوهم فقالوا: سقط حقكم حيث ~~تركتم دينكم وزعموا أنه كذلك في كتابهم، وعن النبي صلى الله عليه وسلم ~~أنه قال عند نزولها: # " كذب أعداء الله ما من شيء في الجاهلية إلا وهو تحت قدمي إلا ~~الأمانة فإنها مؤداة إلى البر والفاجر " ### || [3.76-78] # { بلى } إثبات لما نفوه أي بلى عليهم فيهم سبيل، وقوله تعالى: ~~{ من أوفى بعهده واتقى فإن الله يحب ~~المتقين } استئناف مقرر للجملة التي سد { بلى } مسدها ~~والضمير المجرور لمن أو لله تعالى وعموم المتقين نائب مناب الراجع ~~من الجزاء إلى من ومشعر بأن التقوى ملاك الأمر، عام للوفاء ~~وغيره من أداء الواجبات والاجتناب عن المناهي { إن الذين ~~يشترون } أي يستبدلون ويأخذون { بعهد الله } أي بدل ما ~~عاهدوا عليه من الإيمان بالرسول صلى الله عليه وسلم والوفاء بالأمانات { ~~وأيمنهم } وبما حلفوا به من قولهم: والله لنؤمنن به ~~ولننصرنه { ثمنا قليلا } هو حطام الدنيا { أولئك } ~~الموصوفون بتلك ms0496 الصفات القبيحة { لا خلق } لا نصيب { لهم ~~فى الأخرة } من نعيمها { ولا يكلمهم الله } أي بما ~~يسرهم أو بشيء أصلا وإنما يقع ما يقع من السؤال والتوبيخ والتقريع ~~في أثناء الحساب من الملائكة عليهم السلام أو لا ينتفعون بكلمات الله ~~تعالى وآياته، والظاهر أنه كناية عن شدة غضبه وسخطه نعوذ بالله من ~~ذلك لقوله تعالى: { ولا ينظر إليهم يوم القيمة } ~~فإنه مجاز عن الاستهانة بهم والسخط عليهم متفرع على الكناية في حق ~~من يجوز عليه النظر لأن من اعتد بالإنسان التفت إليه وأعاره بصره ثم ~~كثر حتى صار عبارة عن الاعتداد والإحسان وإن لم يكن ثمة نظر ثم ~~جاء فيمن لا يجوز عليه النظر مجرد المعنى من الإحسان مجازا عما وقع ~~كناية عنه فيمن يجوز عليه النظر، ويوم القيامة متعلق بالفعلين وفيه ~~تهويل للوعيد { ولا يزكيهم } أي لا يثني عليهم أو لا يطهرهم ~~من أوضار الأوزار { ولهم عذاب أليم } على ما فعلوه من المعاصي ~~قيل إنها نزلت في أبي رافع ولبابة بن أبي الحقيق وحيي بن ~~أخطب حرفوا التوراة وبدلوا نعت رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخذوا ~~الرشوة على ذلك. # " وقيل: نزلت في الأشعث بن قيس حيث كان بينه وبين رجل نزاع في بئر ~~فاختصما إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له: «شاهداك أو يمينه» ~~فقال الأشعث: إذن يحلف ولا ببالي، فقال صلى الله عليه وسلم: «من حلف ~~على يمين يستحق بها مالا هو فيها فاجر لقي الله وهو عليه غضبان» " # ، وقيل: في رجل أقام سلعة في السوق فحلف لقد اشتراها بما لم يكن اشتراها ~~به. { وإن منهم } أي من اليهود المحرفين { لفريقا } ككعب ~~بن الأشرف ومالك بن الصيف وأضرابهما { يلوون ألسنتهم ~~بالكتب } أي يفتلونها بقراءته فيميلونها عن المنزل إلى المحرف ~~أو يعطفونها بشبه الكتاب، وقرىء يلوون بالتشديد ويلون بقلب الواو ~~المضمومة همزة ثم تخفيفها بحذفها وإلقاء حركتها على ما قبلها من الساكن ~~{ لتحسبوه } أي المحرف المدلول عليه بقوله تعالى: { يلوون ~~} الخ وقرىء بالياء والضمير للمسلمين { من ms0497 الكتب } أي من جملته ~~وقوله تعالى: { وما هو من الكتب } حال من الضمير المنصوب ~~أي والحال أنه ليس منه في نفس الأمر وفي اعتقادهم أيضا { ويقولون ~~} مع ما ذكر من اللي والتحريف على طريقة التصريح لا بالتورية ~~والتعريض { هو } أي المحرف { من عند الله } أي منزل من عند ~~الله { وما هو من عند الله } حال من ضمير المبتدأ في الخبر ~~أي والحال أنه ليس من عنده تعالى في اعتقادهم أيضا وفيه من المبالغة في ~~تشنيعهم وتقبيح أمرهم وكمال جرأتهم ما لا يخفى، وإظهار الاسم ~~الجليل والكتاب في محل الإضمار لتهويل ما أقدموا عليه من القول. # { ويقولون على الله الكذب وهم يعلمون } أنهم ~~كاذبون ومفترون على الله تعالى وهو تأكيد وتسجيل عليهم بالكذب على ~~الله والتعمد فيه، وعن ابن عباس رضي الله عنهما هم اليهود الذين ~~قدموا على كعب بن الأشرف وغيروا التوراة وكتبوا كتابا بدلوا فيه ~~صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم أخذت قريظة ما كتبوا فخلطوا ~~بالكتاب الذي عندهم. ### || [3.79] # { ما كان لبشر } بيان لافترائهم على الأنبياء عليهم السلام ~~حيث قال نصارى نجران: إن عيسى عليه السلام أمرنا أن نتخذه ربا حاشاه ~~عليه السلام، وإبطال له إثر بيان افترائهم على الله سبحانه ~~وإبطاله، أي ما صح وما استقام لأحد وإنما قيل: { لبشر } إشعارا ~~بعلة الحكم فإن البشرية منافية للأمر الذي أسنده الكفرة إليهم { أن ~~يؤتيه الله الكتب } الناطق بالحق الآمر بالتوحيد الناهي ~~عن الإشراك { والحكم } هو الفهم والعلم أو الحكمة وهي السنة، { ~~والنبوة ثم يقول } ذلك البشر بعدما شرفه الله عز وجل بما ~~ذكر من التشريفات وعرفه الحق وأطلعه على شؤونه العالية { للناس ~~كونوا عبادا لى } الجار متعلق بمحذوف هو صفة لعباد أي عبادا ~~كائنين { من دون الله } متعلق بلفظ عبادا لما فيه من معنى الفعل ~~أو صفة ثانية له ويحتمل الحالية لتخصص النكرة بالوصف أي متجاوزين ~~الله تعالى سواء كان ذلك استقلالا أو اشتراكا فإن التجاوز متحقق ~~فيهما حتما. قيل: إن أبا رافع القرظي والسيد النجراني ms0498 قالا لرسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: أتريد أن نعبدك ونتخذك ربا؟ فقال عليه ~~السلام: # " معاذ الله أن يعبد غير الله تعالى وأن نأمر بعبادة غيره تعالى ~~فما بذلك بعثني ولا بذلك أمرني " # فنزلت. وقيل: قال رجل من المسلمين: يا رسول الله نسلم عليك كما يسلم ~~بعضنا على بعض أفلا نسجد لك؟ قال عليه السلام: # " لا ينبغي أن يسجد لأحد من دون الله تعالى ولكن أكرموا نبيكم ~~واعرفوا الحق لأهله " # { ولكن كونوا } أي ولكن يقول كونوا { ربنيين } ~~الرباني منسوب إلى الرب بزيادة الألف والنون كاللحياني والرقباني وهو ~~الكامل في العلم والعمل، الشديد التمسك بطاعة الله عز وجل ودينه { ~~بما كنتم تعلمون الكتب وبما كنتم تدرسون } أي ~~بسبب مثابرتكم على تعليم الكتاب ودراسته أي قراءته فإن جعل خبر ~~كان مضارعا لإفادة الاستمرار المتجدد وتكرير بما كنتم للإيذان ~~باستقلال كل من استمرار التعليم واستمرار القراءة بالفضل وتحصيل ~~الربانية، وتقديم التعليم على الدراسة لزيادة شرفه عليها أو لأن ~~الخطاب الأول لرؤسائهم والثاني لمن دونهم وقرىء تعلمون بمعنى عالمين ~~وتدرسون من التدريس وتدرسون من الإدراس بمعنى التدريس كأكرم بمعنى ~~كرم ويجوز أن تكون القراءة المشهورة أيضا بهذا المعنى على تقدير بما ~~تدرسونه على الناس. ### || [3.80-81] # { ولا يأمركم أن تتخذوا الملئكة والنبيين ~~أربابا } بالنصب عطفا على ثم يقول و { لا } مزيدة لتأكيد معنى ~~النفي في قوله تعالى: { ما كان لبشر } أي ما كان لبشر أن ~~يستنبئه الله تعالى ثم يأمر الناس بعبادة نفسه ويأمر باتخاذ ~~الملائكة والنبيين أربابا، وتوسيط الاستدراك بين المعطوفين ~~للمسارعة إلى تحقيق الحق ببيان ما يليق بشأنه ويحق صدوره عنه إثر ~~تنزيهه عما لا يليق بشأنه ويمتنع صدوره عنه، وأما ما قيل من أنها ~~غير مزيدة على معنى أنه ليس له أن يأمر بعبادته ولا يأمر باتخاذ ~~أكفائه أربابا بل ينهى عنه وهو أدنى من العبادة فيقضي بفساده ما ذكر ~~من توسيط الاستدراك بين الجملتين المتعاطفتين ضرورة أنهما حينئذ في ~~حكم جملة واحدة وكذا قوله تعالى: { أيأمركم بالكفر } فإنه ~~صريح في أن ms0499 المراد بيان انتفاء كلا الأمرين قصدا لا بيان ~~انتفاء الأول لانتفاء الثاني، ويعضده قراءة الرفع على الاستئناف، ~~وتجويز الحالية بتقدير المبتدإ أي وهو لا يأمركم إلى آخره بين ~~الفساد لما عرفته آنفا، وقوله تعالى: { بعد إذ أنتم ~~مسلمون } يدل على أن الخطاب للمسلمين وهم المستأذنون للسجود له ~~عليه السلام { وإذ أخذ الله ميثق النبيين } منصوب ~~بمضمر خوطب به النبي صلى الله عليه وسلم أي اذكر وقت أخذه تعالى ~~ميثاقهم { لما ءاتيتكم من كتب وحكمة ثم جاءكم ~~رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه } ~~قيل: هو ظاهره وإذا كان هذا حكم الأنبياء عليهم السلام كان الأمم ~~بذلك أولى وأحرى، وقيل: معناه أخذ الميثاق من النبيين وأممهم، ~~واستغني بذكرهم عن ذكرهم، وقيل: إضافة الميثاق إلى النبيين إضافة ~~إلى الفاعل والمعنى وإذ أخذ الله الميثاق الذي وثقه الأنبياء على ~~أممهم، وقيل: المراد أولاد النبيين على حذف المضاف وهم بنو إسرائيل ~~أو سماهم نبيين تهكما بهم لأنهم كانوا يقولون: نحن أولى بالنبوة من ~~محمد صلى الله عليه وسلم لأنا أهل الكتاب والنبيون كانوا منا، واللام ~~في { لما } موطئة للقسم لأن أخذ الميثاق بمعنى الاستخلاف، وما ~~تحتمل الشرطية، ولتؤمنن ساد مسد جواب القسم والشرط، وتحتمل ~~الخبرية، وقرىء { لما } بالكسر على أن ما مصدرية أي لأجل إيتائي ~~إياكم بعض الكتاب ثم لمجيء رسول مصدق أخذ الله الميثاق لتؤمنن ~~به ولتنصرنه، أو موصولة والمعنى أخذه الذي آتيتكموه وجاءكم رسول ~~مصدق له وقرىء لما بمعنى حين آتيتكم أو لمن أجل ما آتيتكم على أن ~~أصله لمن ما بالإدغام فحذف إحدى الميمات الثلاث استثقالا. # { قال } أي الله تعالى بعدما أخذ الميثاق { ءأقررتم } بما ~~ذكر { وأخذتم على ذلكم إصرى } أي عهدي سمي به لأنه ~~يؤصر أي يشد وقرىء بضم الهمزة إما لغة كعبر وعبر أو جمع إصار وهو ~~ما يشد به { قالوا } استئناف مبني على السؤال كأنه قيل: فماذا ~~قالوا عند ذلك؟ فقيل قالوا: { أقررنا } وإنما لم يذكر أخذهم ~~الإصرار اكتفاء بذلك { قال } تعالى { فأشهدوا } أي فليشهد ~~بعضكم على بعض ms0500 بالإقرار وقيل: الخطاب فيه للملائكة { وأنا معكم ~~من الشهدين } أي وأنا أيضا على إقراركم ذلك وتشاهدكم به ~~شاهد، وإدخال مع على المخاطبين لما أنهم المباشرون للشهادة حقيقة ~~وفيه من التأكيد والتحذير ما لا يخفى. ### || [3.82-84] # { فمن تولى } أي أعرض عما ذكر { بعد ذلك } الميثاق ~~والتوكيد بالإقرار والشهادة، فمعنى البعد في اسم الإشارة لتفخيم ~~الميثاق { فأولئك } إشارة إلى من، والجمع باعتبار المعنى كما ~~أن الإفراد في تولى باعتبار اللفظ، وما فيه من معنى البعد للدلالة ~~على ترامي أمرهم في السوء وبعد منزلتهم في الشر والفساد أي فأولئك ~~المتولون المتصفون بالصفات القبيحة { هم الفسقون } ~~المتمردون الخارجون عن الطاعة من الكفرة فإن الفاسق من كل طائفة ~~من كان متجاوزا عن الحد. # { أفغير دين الله يبغون } عطف على مقدر أي أيتولون ~~فيبغون غير دين الله؟ وتقديم المفعول لأنه المقصود إنكاره، أو على ~~الجملة المتقدمة والهمزة متوسطة بينهما للإنكار وقرىء بتاء الخطاب ~~على تقدير وقل لهم { وله أسلم من فى السموات والأرض ~~} جملة حالية مفيدة لوكادة الإنكار { طوعا وكرها } أي طائعين ~~بالنظر واتباع الحجة وكارهين بالسيف ومعاينة ما يلجىء إلى اللإسلام ~~كنتق الجبل وإدراك الغرق والإشراف على الموت، أو مختارين كالملائكة ~~والمؤمنين ومسخرين كالكفرة فإنهم لا يقدرون على الامتناع عما قضي ~~عليهم { وإليه يرجعون } أي من فيهما والجمع باعتبار المعنى، ~~وقرىء بتاء الخطاب، والجملة إما معطوفة على ما قبلها منصوبة على ~~الحالية وإما مستأنفة سيقت للتهديد والوعيد { قل ءامنا بالله ~~} أمر للرسول صلى الله عليه وسلم بأن يخبر عن نفسه ومن معه من ~~المؤمنين بالإيمان بما ذكر، وجمع الضمير في قوله تعالى: { وما ~~أنزل علينا } وهو القرآن لما أنه منزل عليهم أيضا بتوسط ~~تبليغه إليهم أو لأن المنسوب إلى واحد من الجماعة قد ينسب إلى الكل، ~~أو عن نفسه فقط وهو الأنسب بما بعده والجمع لإظهار جلالة قدره عليه ~~السلام ورفعة محله بأمره بأن يتكلم عن نفسه على ديدن الملوك، ~~ويجوز أن يكون الأمر عاما، والإفراد لتشريفه عليه السلام والإيذان ~~بأنه عليه السلام أصل في ms0501 ذلك كما في قوله تعالى: # يأيها النبى إذا طلقتم النساء # [الطلاق، الآية 1]، { وما أنزل على إبرهيم وإسمعيل ~~وإسحق ويعقوب والأسباط } من الصحف، والنزول - كما ~~يعدى بإلى لانتهائه إلى الرسل - يعدى بعلى لأنه من فوق، ومن رام ~~الفرق بأن على لكون الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم وإلى لكون الخطاب ~~للمؤمنين فقد تعسف ألا يرى إلى قوله تعالى: # بما أنزل إليك # [البقرة، الآية 4] الخ وقوله: # آمنوا بالذي أنزل على الذين آمنوا # [آل عمران، الآية 72] الخ وإنما قدم المنزل على الرسول صلى الله عليه ~~وسلم على ما أنزل على سائر الرسل عليهم السلام مع تقدمه عليه نزولا ~~لأنه المعروف له والعيار عليه. والأسباط جمع سبط وهو الحافد والمراد ~~بهم حفدة يعقوب عليه السلام وأبناؤه الاثنا عشر وذراريهم فإنهم ~~حفدة إبراهيم عليه السلام { وما أوتى موسى وعيسى } من ~~التوراة والإنجيل وسائر المعجزات الظاهرة بأيديهما كما ينبىء عنه ~~إيثار الإيتاء على الإنزال الخاص بالكتاب، وتخصيصهما بالذكر لما أن ~~الكلام مع اليهود والنصارى { والنبيون } عطف على موسى وعيسى ~~عليهما السلام أي وما أوتي النبيون من المذكورين وغيرهم { من ~~ربهم } من الكتب والمعجزات { لا نفرق بين أحد منهم ~~} كدأب اليهود والنصارى آمنوا ببعض وكفروا ببعض، بل نؤمن بصحة نبوة ~~كل منهم وبحقية ما أنزل إليهم في زمانهم، وعدم التعرض لنفي التفريق ~~بين الكتب لاستلزام المذكور إياه وقد مر تفصيله في تفسير قوله ~~تعالى: # لا نفرق بين أحد من رسله # [البقرة، الآية 285] وهمزة أحد إما أصلية فهو اسم موضوع لمن يصلح أن ~~يخاطب يستوي فيه المفرد والمثنى والمجموع والمذكر والمؤنث ولذلك صح ~~دخول بين عليه كما في مثل المال بين الناس، وإما مبدلة من الواو ~~فهو بمعنى واحد، وعمومه لوقوعه في حيز النفي، وصحة دخول { بين } ~~عليه باعتبار معطوف قد حذف لظهوره أي بين أحد منهم وغيره كما في قول ~~النابغة: [الطويل] # فما كان بين الخير إذ جاء سالما # أبو حجر إلا ليال قلائل # أي بين الخير وبيني { ونحن له مسلمون } أي منقادون أو ~~مخلصون أنفسنا له ms0502 تعالى لا نجعل له شريكا فيها، وفيه تعريض بإيمان ~~أهل الكتاب فإنه بمعزل من ذلك. ### || [3.85-86] # { ومن يبتغ غير الإسلم } أي غير التوحيد والانقياد لحكم ~~الله تعالى كدأب المشركين صريحا والمدعين للتوحيد مع إشراكهم كأهل ~~الكتابين { دينا } ينتحل إليه وهو نصب على مفعول ليبتغ، وغير ~~الإسلام حال منه لما أنه كان صفة له فلما قدمت عليه انتصبت حالا، أو ~~هو المفعول ودينا تمييز لما فيه من الإبهام أو بدل من غير الإسلام { ~~فلن يقبل } ذلك { منه } أبدا بل يرد أشد رد وأقبحه، ~~وقوله تعالى: { وهو فى الأخرة من الخسرين } إما حال من ~~الضمير المجرور أو استئناف لا محل له من الإعراب أي من الواقعين في ~~الخسران والمعنى أن المعرض عن الإسلام والطالب لغيره فاقد للنفع ~~واقع في الخسران بإبطال الفطرة السليمة التي فطر الناس عليها وفي ~~ترتيب الرد والخسران على مجرد الطلب دلالة على أن حال من تدين بغير ~~الإسلام واطمأن بذلك أفظع وأقبح. واستدل به على أن الإيمان هو ~~الإسلام إذ لو كان غيره لم يقبل، والجواب أنه ينفي قبول كل دين ~~يغايره لا قبول كل ما يغايره. # { كيف يهدى الله } إلى الحق { قوما كفروا بعد ~~إيمنهم } قيل: هم عشرة رهط ارتدوا بعد ما آمنوا ولحقوا بمكة، ~~وقيل: هم يهود قريظة والنضير ومن دان بدينهم كفروا بالنبي صلى ~~الله عليه وسلم بعد أن كانوا مؤمنين به قبل مبعثه { وشهدوا أن ~~الرسول حق وجاءهم البينت } استبعاد لأن يهديهم الله ~~تعالى، فإن الحائد عن الحق بعد ما وضح له منهمك في الضلال بعيد عن ~~الرشاد، وقيل: نفي وإنكار له وذلك يقتضي أن لا تقبل توبة المرتد، ~~وقوله تعالى: { وشهدوا } عطف على إيمانهم باعتبار انحلاله إلى ~~جملة فعلية كما في قوله تعالى: # إن المصدقين والمصدقت وأقرضوا الله # [الحديد، الآية 18] الخ فإنه في قوة أن يقال: بعد أن آمنوا، أو حال من ~~ضمير كفروا بإضمار قد، وهو دليل على أن الإقرار باللسان خارج عن حقيقة ~~الإيمان { والله لا يهدى القوم الظلمين } أي الذين ms0503 ~~ظلموا أنفسهم بالإخلال بالنظر ووضع الكفر موضع الإيمان فكيف من جاءه ~~الحق وعرفه ثم أعرض عنه، والجملة اعتراضية أو حالية. ### || [3.87-90] # { أولئك } إشارة إلى المذكورين باعتبار اتصافهم بما مر من ~~الصفات الشنيعة وما فيه من معنى البعد لما مر مرارا أو هو مبتدأ وقوله ~~تعالى: { جزآؤهم } مبتدأ ثان وقوله تعالى: { أن عليهم ~~لعنة الله والملئكة والناس أجمعين } خبره ~~والجملة خبر لأولئك وهذا يدل بمنطوقه على جواز لعنهم وبمفهومه ينفي ~~جواز لعن غيرهم، ولعل الفرق بينهم وبين غيرهم أنهم مطبوع على ~~قلوب ممنوعون عن الهدى آيسون من الرحمة رأسا بخلاف غيرهم، والمراد ~~بالناس المؤمنون أو الكل فإن الكافر أيضا يلعن منكر الحق ~~والمرتد عنه، ولكن لا يعرف الحق بعينه { خلدين فيها } في ~~اللعنة أو العقوبة أو النار وإن لم تذكر لدلالة الكلام عليها { لا ~~يخفف عنهم العذاب ولا هم ينظرون } أي يمهلون { ~~إلا الذين تابوا من بعد ذلك } أي من بعد الارتداد { ~~وأصلحوا } أي ما أفسدوا أو دخلوا في الصلاح { فإن الله ~~غفور رحيم } فيقبل توبتهم ويتفضل عليهم وهو تعليل لما دل ~~عليه الاستثناء، وقيل: نزلت في الحارث بن سويد حين ندم على ردته ~~فأرسل إلى قومه أن يسألوا: هل لي من توبة؟ فأرسل إليه أخوه (الجلاس) ~~الآية فرجع إلى المدينة فتاب { إن الذين كفروا بعد ~~إيمنهم ثم ازدادوا كفرا } كاليهود كفروا بعيسى عليه ~~السلام والإنجيل بعد الإيمان بموسى عليه الصلاة والسلام والتوراة، ثم ~~ازدادوا كفرا حيث كفروا بمحمد عليه الصلاة والسلام والقرآن أو كفروا به ~~عليه السلام بعد ما آمنوا به قبل مبعثه ثم ازدادوا كفرا بالإصرار عليه ~~والطعن فيه والصد عن الإيمان ونقض الميثاق أو كقوم ارتدوا ولحقوا ~~بمكة ثم ازدادوا كفرا بقولهم: نتربص به ريب المنون أو نرجع إليه ~~فننافقه بإظهار الإيمان. # { لن تقبل توبتهم } لأنهم لا يتوبون إلا عند إشرافهم على ~~الهلاك فكنى عن عدم توبتهم بعدم قبولها تغليظا في شأنهم وإبرازا ~~لحالهم في صورة حال الآيسين من الرحمة، أو لأن توبتهم لا تكون إلا ~~نفاقا لارتدادهم ms0504 وازديادهم كفرا، ولذلك لم تدخل فيه الفاء { ~~وأولئك هم الضالون } الثابتون على الضلال. ### || [3.91-92] # { إن الذين كفروا وماتوا وهم كفار فلن يقبل ~~من أحدهم ملء الأرض ذهبا ولو افتدى به } لما ~~كان الموت على الكفر سببا لامتناع قبول الفدية زيدت الفاء ههنا ~~للإشعار به، وملء الشيء ما يملأ به، وذهبا تمييز وقرىء بالرفع على ~~أنه بدل من ملء، أو خبر لمحذوف { ولو افتدى } محمول على ~~المعنى، كأنه قيل: فلن يقبل من أحدهم فدية ولو افتدى بملء الأرض ذهبا ~~أو معطوف على مضمر تقديره فلن يقبل من أحدهم ملء الأرض ذهبا لو تصدق ~~به في الدنيا ولو افتدى به من العذاب في الآخرة، أو المراد ولو افتدى ~~بمثله كقوله تعالى: # ولو أن للذين ظلموا ما فى الأرض جميعا ~~ومثله معه # [الزمر، الآية 47] والمثل يحذف ويراد كثيرا لأن المثلين في حكم ~~شيء واحد { أولئك } إشارة إلى المذكورين باعتبار اتصافهم ~~بالصفات الشنيعة المذكورة { لهم عذاب أليم } مؤلم. اسم ~~الإشارة مبتدأ والظرف خبره ولاعتماده على المبتدأ ارتفع به عذاب أليم ~~على الفاعلية { وما لهم من نصرين } في دفع العذاب عنهم أو ~~في تخفيفه، و { من } مزيدة للاستغراق، وصيغة الجمع لمراعاة الضمير ~~أي ليس لواحد منهم ناصر واحد. # { لن تنالوا البر } من ناله نيلا إذا أصابه، والخطاب ~~للمؤمنين وهو كلام مستأنف سيق لبيان ما ينفع المؤمنين ويقبل منهم ~~إثر بيان ما لا ينفع الكفرة ولا يقبل منهم. أي لن تبلغوا حقيقة ~~البر الذي يتنافس فيه المتنافسون ولن تدركوا شأوه ولن تلحقوا ~~بزمرة الأبرار أو لن تنالوا بر الله تعالى وهو ثوابه ورحمته ورضاه ~~وجنته { حتى تنفقوا } أي في سبيل الله عز وجل رغبة فيما عنده، ~~و { من } في قوله تعالى: { مما تحبون } تبعيضية ويؤيده قراءة ~~من قرأ بعض ما تحبون، وقيل: بيانية و { ما } موصولة أو موصوفة، أي ~~مما تهوون ويعجبكم من كرائم أموالكم وأحبها إليكم كما في قوله ~~تعالى: # أنفقوا من طيبت ما كسبتم # [البقرة، الآية 267] أو مما يعمها وغيرها من الأعمال والمهج، على ms0505 ~~أن المراد بالإنفاق مطلق البذل وفيه من الإيذان بعزة منال البر ما ~~لا يخفى، وكان السلف رضي الله عنهم إذا أحبوا شيئا جعلوه لله عز وجل، ~~وروي أنها لما نزلت # " جاء أبو طلحة فقال: يا رسول الله إن أحب أموالي إلي بيرحاء ~~فضعها يا رسول الله حيث أراك الله، فقال عليه السلام: «بخ بخ ذاك ~~مال رائج أو رابح وإني أرى أن تجعلها في الأقربين» " # ، فقسمها في أقاربه، # " وجاء زيد بن حارثة بفرس له كان يحبها فقال: هذه في سبيل الله ~~فحمل عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم أسامة بن زيد فكأن زيدا ~~وجد في نفسه وقال: إنما أردت أن أتصدق بها، فقال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: «أما إن الله تعالى قد قبلها منك» " # قيل: وفيه دلالة على أن إنفاق أحب الأموال على أقرب الأقارب ~~أفضل. وكتب عمر رضي الله عنه إلى أبي موسى الأشعري أن يشتري له ~~جارية من سبي جلولأ يوم فتحت مدائن كسرى فلما جاءت إليه ~~أعجبته فقال: إن الله تعالى يقول: { لن تنالوا البر حتى ~~تنفقوا مما تحبون } [آل عمران، الآية 92] فأعتقها، وروي أن ~~عمر بن عبد العزيز كانت لزوجته جارية بارعة الجمال وكان عمر راغبا ~~فيها وكان قد طلبها منها مرارا فلم تعطها إياه، ثم لما ولي الخلافة ~~زينتها وأرسلتها إليه فقالت: قد وهبتكها يا أمير المؤمنين ~~فلتخدمك، قال: من أين ملكتها، قالت: جئت بها من بيت أبي عبد ~~الملك، ففتش عن كيفية تملكها إياها، فقيل: إنه كان على فلان العامل ~~ديون فلما توفي أخذت من تركته، ففتش عن حال العامل وأحضر ورثته ~~وأرضاهم جميعا بإعطاء المال ثم توجه إلى الجارية وكان يهواها هوى ~~شديدا، فقال: أنت حرة لوجه الله تعالى، فقالت: لم يا أمير المؤمنين ~~وقد أزحت عن أمرها كل شبهة؟ قال: لست إذن ممن نهى النفس عن ~~الهوى. { وما تنفقوا من شىء } ما شرطية جازمة لتنفقوا منتصبة ~~به على المفعولية ومن تبعيضية متعلقة بمحذوف هو صفة لاسم الشرط، أي ~~أي ms0506 شيء تنفقوا كائنا من الأشياء، فإن المفرد في مثل هذا الموضع ~~واقع موقع الجمع، وقيل: محل الجار والمجرور النصب على التمييز ~~أي أي شيء تنفقوا طيبا تحبونه أو خبيثا تكرهونه، { فإن ~~الله به عليم } تعليل لجواب الشرط واقع موقعه، أي فمجازيكم ~~يحسبه جيدا كان أو رديئا فإنه تعالى عليم بكل شيء تنفقونه علما ~~كاملا بحيث لا يخفى عليه شيء من ذاته وصفاته، وتقديم الجار ~~والمجرور لرعاية الفواصل، وفيه من الترغيب في إنفاق الجيد والتحذير عن ~~إنفاق الرديء ما لا يخفى. ### || [3.93] # { كل الطعام } أي كل أفراد المطعوم أو كل أنواعه { كان ~~حلا لبنى إسرءيل } أي حلالا لهم، فإن الحل مصدر نعت به، ~~ولذلك استوى فيه الواحد والجمع والمذكر والمؤنث كما في قوله تعالى: # لا هن حل لهم # [الممتحنة، الآية 10] { إلا ما حرم إسرءيل على نفسه ~~} استثناء متصل من اسم كان، أي كان كل المطعومات حلالا لبني ~~إسرائيل إلا ما حرم إسرائيل أي يعقوب عليه السلام على نفسه وهو لحوم ~~الإبل وألبانها، قيل: كان به وجع النسا فنذر لئن شفي لا يأكل ~~أحب الطعام إليه وكان ذلك أحبه إليه، وقيل: فعل ذلك للتداوي بإشارة ~~الأطباء، واحتج به من جوز للنبي الاجتهاد. وللمانع أن يقول: كان ذلك ~~بإذن من الله تعالى فيه فهو كتحريمه ابتداء { من قبل أن تنزل ~~التوراة } متعلق بقوله تعالى: { كان حلا } ولا ضير في توسيط ~~الاستثناء بينهما، وقيل: متعلق بحرم وفيه أن تقييد تحريمه عليه ~~السلام بقبلية تنزيل التوراة ليس فيه مزيد فائدة أي كان ما عدا ~~المستثنى حلالا لهم قبل أن تنزل التوراة مشتملة على تحريم ما ~~حرم عليهم لظلمهم وبغيهم عقوبة لهم وتشديدا وهو رد على اليهود في ~~دعواهم البراءة عما نعى عليهم قوله تعالى: # فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبت ~~أحلت لهم # [النساء، الآية 160] وقوله تعالى: # وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذى ظفر # [الأنعام، الآية 146] الآيتين، بأن قالوا: لسنا أول من حرمت عليه ~~وإنما كانت محرمة على نوح وإبراهيم ومن بعدهما حتى انتهى الأمر ms0507 ~~إلينا فحرمت علينا، وتبكيت لهم في منع النسخ والطعن في دعوى الرسول ~~صلى الله عليه وسلم موافقته لإبراهيم عليه السلام بتحليله لحوم الإبل ~~وألبانها. # { قل فأتوا بالتوراة فاتلوها } أمر عليه الصلاة ~~والسلام بأن يحاجهم بكتابهم الناطق بأن تحريم ما حرم عليهم ~~تحريم حادث مترتب على ظلمهم وبغي كلما ارتكبوا معصية من المعاصي ~~التي اقترفوها حرم عليهم من الطيبات عقوبة لهم، ويكلفهم إخراجه ~~وتلاوته ليبكتهم ويلقمهم الحجر ويظهر كذبهم، وإظهار اسم ~~التوراة لكون الجملة كلاما مع اليهود منقطعا عما قبله، وقوله تعالى: ~~{ إن كنتم صدقين } أي في دعواكم أنه تحريم قديم، وجواب ~~الشرط محذوف لدلالة المذكور عليه أي إن كنتم صادقين فأتوا بالتوراة ~~فاتلوها فإن صدقكم مما يدعوكم إلى ذلك البتة. روي أنهم لم يجسروا ~~على إخراج التوراة فبهتوا وانقلبوا صاغرين وفي ذلك من الحجة النيرة على ~~صدق النبي صلى الله عليه وسلم وجواز النسخ الذي يجحدونه ما لا يخفى، ~~والجملة مستأنفة مقررة لما قبلها. ### || [3.94-96] # { فمن افترى على الله الكذب } أي اختلقه عليه سبحانه ~~بزعمه أنه حرم ما ذكر قبل نزول التوراة على بني إسرائيل و[على] ~~من تقدمهم من الأمم { من بعد ذلك } من بعد ما ذكر من أمرهم ~~بإحضار التوراة وتلاوتها وما ترتب عليه من التبكيت والإلزام، ~~والتقييد به للدلالة على كمال القبح { فأولئك } إشارة إلى ~~الموصول باعتبار اتصافه بما في حيز الصلة، والجمع باعتبار معناه كما ~~أن الإفراد في الصلة باعتبار لفظه، وما فيه من معنى البعد للإشعار ~~ببعد منزلتهم في الضلال والطغيان، أي فأولئك المصرون على ~~الافتراء بعد ما ظهرت حقيقة الحال وضاقت عليهم حلبة المحاجة ~~والجدال { هم الظلمون } المفرطون في الظلم والعدوان ~~المبعدون فيهما، والجملة مستأنفة لا محل لها من الإعراب مسوقة ~~من جهته تعالى لبيان كمال عتوهم، وقيل: هي في محل النصب داخلة تحت ~~القول عطفا على قوله تعالى: { فأتوا بالتوراة } { قل ~~صدق الله } أي ظهر وثبت صدقه تعالى فيما أنزل في شأن التحريم، ~~وقيل: في قوله تعالى: # ما كان إبرهيم يهوديا # [آل عمران: 67] الخ ms0508 أو صدق في كل شأن من الشؤون وهو داخل في ذلك ~~دخولا أوليا، وفيه تعريض بكذبهم الصريح { فاتبعوا ملة ~~إبرهيم } أي ملة الإسلام التي هي في الأصل ملة إبراهيم عليه ~~السلام فإنكم ما كنتم متبعين لملته كما تزعمون، أو فاتبعوا ملته ~~حتى تتخلصوا من اليهودية التي اضطرتكم إلى التحريف والمكابدة ~~وتلفيق الأكاذيب لتسوية الأغراض الدنيئة الدنيوية وألزمتكم تحريم ~~طيبات محللة لإبراهيم عليه السلام ومن تبعه للدلالة على أن ظهور ~~صدقه تعالى موجب للاتباع وترك ما كانوا عليه { حنيفا } أي مائلا ~~عن الأديان الزائغة كلها { وما كان من المشركين } أي في ~~أمر من أمور دينه أصلا وفرعا، وفيه تعريض بإشراك اليهود وتصريح ~~بأنه عليه السلام ليس بينه وبينهم علاقة دينية قطعا، والغرض بيان ~~أن النبي صلى الله عليه وسلم على دين إبراهيم عليه السلام في الأصول ~~لأنه لا يدعو إلا إلى التوحيد والبراءة عن كل معبود سواه سبحانه ~~وتعالى، والجملة تذييل لما قبلها. # { إن أول بيت وضع للناس } شروع في بيان كفرهم ببعض ~~آخر من شعائر ملته عليه السلام إثر بيان كفرهم بكون كل المطعومات ~~حلا له عليه السلام، روي أنهم قالوا: بيت المقدس أعظم من الكعبة ~~لأنه مهاجر الأنبياء و[لكونه] في الأرض المقدسة، وقال المسلمون: بل ~~الكعبة أعظم فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فنزلت، أي إن ~~أول بيت وضع للعبادة وجعل متعبدا لهم، والواضع هو الله تعالى ~~ويؤيده القراءة على البناء للفاعل، وقوله تعالى: { للذى ببكة ~~} خبر لإن وإنما أخبر بالمعرفة مع كون اسمها نكرة لتخصصها ~~بسببين: الإضافة والوصف بالجملة بعدها أي للبيت الذي ببكة أي ~~فيها، وفي ترك الموصوف من التفخيم ما لا يخفى، وبكة لغة في مكة، فإن ~~العرب تعاقب بين الباء والميم كما في قولهم: ضربة لازب ولازم، ~~والنميط والنبيط في اسم موضع بالدهناء، وقولهم أمر راتب وراتم ~~وسبد رأسه وسمدها وأغبطت الحمى وأغمطت: وهي علم للبلد الحرام من ~~بكة إذا زحمه لازدحام الناس فيه. # وعن قتادة يبك الناس بعضهم بعضا أو لأنها تبك ms0509 أعناق الجبابرة ~~أي تدقها، لم يقصدها جبار إلا قصمه الله عز وجل، وقيل: بكة اسم ~~لبطن مكة، وقيل: لموضع البيت، وقيل: للمسجد نفسه، ومكة اسم للبلد ~~كله وأيد هذا بأن التباك وهو الازدحام إنما يقع عند الطواف، ~~وقيل: مكة اسم للمسجد والمطاف، وبكة اسم للبلد لقوله تعالى: { ~~للذى ببكة مباركا }. روي # " أنه عليه السلام سئل عن أول بيت وضع للناس فقال: " المسجد الحرام ~~ثم بيت المقدس " وسئل: كم بينهما؟ فقال: " أربعون سنة " # وقيل: أول من بناه إبراهيم عليه الصلاة والسلام وقيل: آدم عليه ~~السلام، وقد استوفينا ما فيه من الأقاويل في سورة البقرة، وقيل: أول ~~بيت وضع بالشرف لا بالزمان { مباركا } كثير الخير والنفع لما ~~يحصل لمن حجه واعتمره واعتكف فيه وطاف حوله من الثواب وتكفير الذنوب، ~~وهو حال من المستكن في الظرف، لأن التقدير للذي ببكة هو، والعامل فيه ~~ما قدر في الظرف من فعل الاستقرار { وهدى للعلمين } لأنه ~~قبلتهم ومتعبدهم ولأن فيه آيات عجيبة دالة على عظيم قدرته تعالى ~~وبالغ حكمته. ### || [3.97] # كما قال: { فيه ءايت بينت } واضحات كانحراف الطيور عن ~~موازاة البيت على مدى الأعصار ومخالطة ضواري السباع الصيود في ~~الحرم من غير تعرض لها، وقهر الله تعالى لكل جبار قصده بسوء كأصحاب ~~الفيل، والجملة مفسرة للهدى أو حال أخرى { مقام إبرهيم } أي ~~أثر قدميه عليه السلام في الصخرة التي كان عليه السلام يقوم عليها وقت ~~رفع الحجارة لبناء الكعبة عند ارتفاعه أو عند غسل رأسه على ما روي ~~أنه عليه السلام جاء زائرا من الشام إلى مكة فقالت له امرأة إسماعيل ~~عليه السلام: انزل حتى أغسل رأسك فلم ينزل فجاءته بهذا الحجر ~~فوضعته على شقه الأيمن فوضع قدمه عليه حتى غسلت شق رأسه ثم ~~حولته إلى شقه الأيسر حتى غسلت الشق الآخر فبقي أثر قدميه عليه. ~~وهو إما مبتدأ حذف خبره أي منها مقام إبراهيم أو بدل من آيات بدل ~~البعض من الكل، أو عطف بيان إما وحده باعتبار كونه بمنزلة آيات ~~كثيرة لظهور شأنه وقوة ms0510 دلالته على قدرة الله تعالى وعلى نبوة ~~إبراهيم عليه الصلاة والسلام كقوله تعالى: # إن إبرهيم كان أمة قنتا # [النحل، الآية 120] أو باعتبار اشتماله على آيات كثيرة فإن كل ~~واحد من أثر قدميه في صخرة صماء وغوصه فيها إلى الكعبين وإلانة ~~بعض الصخور دون بعض وإبقائه دون سائر آيات الأنبياء عليهم السلام ~~وحفظه مع كثرة الأعداء ألف سنة آية مستقلة، ويؤيده القراءة على ~~التوحيد. وإما بما يفهم من قوله عز وجل: { ومن دخله كان ءامنا ~~} فإنه وإن كان جملة مستأنفة ابتدائية أو شرطية لكنها في قوة أن ~~يقال: وأمن من دخله فتكون بحسب المعنى والمآل معطوفة على مقام ~~إبراهيم، ولا يخفى أن الاثنين نوع من الجمع فيكتفى بذلك أو يحمل ~~على أنه ذكر من تلك الآيات اثنتان وطوي ذكر ما عداهما دلالة على ~~كثرتها ومعنى أمن داخله أمنه من التعرض له كما في قوله تعالى: # أولم يروا أنا جعلنا حرما ءامنا ويتخطف ~~الناس من حولهم # [العنكبوت، الآية 67] وذلك بدعوة إبراهيم عليه السلام: # رب اجعل هذا البلد امنا # [إبراهيم، الآية 35] وكان الرجل لو جر كل جريرة ثم لجأ إلى ~~الحرم لم يطلب. وعن عمر رضي الله عنه لو ظفرت فيه بقاتل الخطاب ما ~~مسسته حتى يخرج منه. ولذلك قال أبو حنيفة رحمه الله تعالى: من لزمه ~~القتل في الحل بقصاص أو ردة أو زنى فالتجأ إلى الحرم لم ~~يتعرض له إلا أنه لا يؤوى ولا يطعم ولا يسقى ولا يبايع حتى ~~يضطر إلى الخروج. وقيل: أمنه من النار. وعن النبي صلى الله عليه ~~وسلم: # " من مات في أحد الحرمين بعث يوم القيامة آمنا " # وعنه عليه الصلاة والسلام: # " الحجون والبقيع يؤخذ بأطرافهما وينثران في الجنة " # وهما مقبرتا مكة والمدينة وعن ابن مسعود رضي الله عنه: وقف رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم على ثنية الحجون وليس بها يومئذ مقبرة فقال: # " يبعث الله تعالى من هذه البقعة ومن هذا الحرم كله سبعين ألفا ~~وجوههم كالقمر ليلة البدر يدخلون الجنة بغير حساب يشفع كل واحد ms0511 ~~منهم في سبعين ألفا وجوههم كالقمر ليلة البدر " # وعن النبي صلى الله عليه وسلم: # " من صبر على حر مكة ساعة من نهار تباعدت عنه جهنم مسيرة مائتي ~~عام " # { ولله على الناس حج البيت } جملة من مبتدإ هو حج ~~البيت وخبر هو لله، وقوله تعالى: { على الناس } متعلق بما تعلق ~~به الخبر من الاستقرار أو بمحذوف هو حال من الضمير المستكن في ~~الجار، والعامل فيه ذلك الاستقرار ويجوز أن يكون { على الناس } ~~هو الخبر ولله متعلق بما تعلق به الخبر، ولا سبيل إلى أن يتعلق ~~بمحذوف هو حال من الضمير المستكن في على الناس لاستزامه تقديم الحال ~~على العامل المعنوي وذلك مما لا مساغ له عند الجمهور وقد جوزه ابن ~~مالك إذا كانت هي ظرفا أو حرف جر وعاملها كذلك، بخلاف الظرف وحرف ~~الجر فإنهما يتقدمان على عاملهما المعنوي، واللام في البيت للعهد، ~~وحجه قصده للزيارة على الوجه المخصوص المعهود، وكسر الحاء لغة نجد، ~~وقيل: هو اسم للمصدر، وقرىء بفتحها { من استطع إليه ~~سبيلا } في محل الجر على أنه بدل من الناس بدل البعض من الكل ~~مخصص لعمومه، فالضمير العائد إلى المبدل منه محذوف أي من استطاع ~~منهم، وقيل: بدل الكل على أن المراد بالناس هو البعض المستطيع فلا ~~حاجة إلى الضمير، وقيل: في محل الرفع على أنه خبر مبتدإ مضمر، أي هم ~~من استطاع الخ، وقيل: في حيز النصب بتقدير أعني، وقيل: كلمة { من } ~~شرطية والجزاء محذوف لدلالة المذكور عليه وكذا العائد إلى الناس أي ~~من استطاع منهم إليه سبيلا فلله عليه حج البيت، وقد رجح هذا ~~بكون من بعده شرطية، والضمير المجرور في إليه راجع إلى البيت أو إلى ~~حج، والجار متعلق بالسبيل، قدم عليه اهتماما بشأنه كما في قوله ~~عز وجل: # فهل إلى خروج من سبيل # [غافر، الآية 11] و # هل إلى مرد من سبيل # [الشورى، الآية 44] لما فيه من معنى الإفضاء والإيصال، كيف لا وهو ~~عبارة عن الوسيلة من مال أو غيره فإنه قد روى أنس بن مالك ms0512 عن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " السبيل الزاد والراحلة " # وروى ابن عمر رضي الله عنهما # " أن رجلا قال: يا رسول الله ما السبيل؟ قال: " الزاد والراحلة " # وهو المراد بما روي أنه عليه السلام فسر الاستطاعة بالزاد والراحلة ~~وهكذا روي عن ابن عباس وابن عمر رضي الله عنهم وعليه أكثر العلماء ~~خلا أن الشافعي أخذ بظاهره فأوجب الاستنابة على الزمن القادر على ~~أجرة من ينوب عنه، والظاهر أن عدم تعرضه عليه السلام لصحة ~~البدن لظهور الأمر، كيف لا والمفسر في الحقيقة هو السبيل الموصل ~~لنفس المستطيع إلى البيت وذا لا يتصور بدون الصحة. وعن ابن الزبير ~~أنه على قدرة القوة. ومذهب مالك أن الرجل إذا وثق بقوته لزمه ~~وعنه ذلك على قدر الطاقة، وقد يجد الزاد والراحلة من لا يقدر على ~~السفر، وقد يقدر عليه من لا راحلة له ولا زاد. وعن الضحاك أنه إذا ~~قدر أن يؤجر نفسه فهو مستطيع. # { ومن كفر } وضع من كفر موضع من لم يحج تأكيدا لوجوبه ~~وتشديد [النكير] على تاركه ولذلك قال عليه السلام: # " من مات ولم يحج فليمت إن شاء يهوديا أو نصرانيا " # وروي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه عليه السلام قال في خطبته: " ~~أيها الناس إن الله فرض الحج على من استطاع إليه سبيلا ومن لم يفعل ~~فليمت على أي حال شاء يهوديا أو نصرانيا أو مجوسيا " { فإن ~~الله غنى عن العلمين } وعن عبادتهم وحيث كان من كفر من ~~جملتهم داخلا فيها دخولا أوليا اكتفي بذلك عن الضمير الرابط بين ~~الشرط والجزاء، ولقد حازت الآية الكريمة من فنون الاعتبارات ~~المعربة عن كمال الاعتناء بأمر الحج والتشديد على تاركه ما لا ~~مزيد عليه حيث أوثرت صيغة الخبر الدالة على التحقق وأبرزت في ~~صورة الجملة الاسمية الدالة على الثبات والاستمرار على وجه يفيد أنه ~~حق واجب لله سبحانه في ذمم الناس لا انفكاك لهم عن أدائه والخروج ~~عن عهدته. وسلك بهم مسلك التعميم ثم التخصيص، والإبهام ثم ~~التبيين، ms0513 والإجمال ثم التفصيل لما في ذلك من مزيد تحقيق وتقرير، ~~وعبر عن تركه بالكفر الذي لا قبيح وراءه وجعل جزاؤه استغناءه ~~تعالى المؤذن بشدة المقت وعظم السخط لا عن تاركه فقط، فإنه ~~قد ضرب عنه صفحا إسقاطا له عن درجة الاعتبار واستهجانا بذكره، بل ~~عن جميع العالمين ممن فعل وترك ليدل على نهاية شدة الغضب. # هذا وقال ابن عباس والحسن وعطاء رضي الله تعالى عنهم: ومن كفر أي ~~جحد فرض الحج وزعم أنه ليس بواجب. وعن سعيد بن المسيب نزلت في ~~اليهود فإنهم قالوا: الحج إلى مكة غير واجب وروي أنه لما نزل قوله ~~تعالى: { ولله على الناس حج البيت } [آل عمران، الآية: ~~97] جمع رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل الأديان كلهم فخطبهم فقال: # " إن الله كتب عليكم الحج فحجوا " # فآمنت به ملة واحدة وهم المسلمون وكفرت به خمس ملل قالوا: لا ~~نؤمن به ولا نصلي إليه ولا نحجه فنزل { ومن كفر } وعن النبي صلى ~~الله عليه وسلم: # " حجوا قبل أن لا تحجوا فإنه قد هدم البيت مرتين ويرفع إلى ~~السماء في الثالثة». وروي: «حجوا قبل أن يمنع البر جانبه " # وعن ابن مسعود: " حجوا هذا البيت قبل أن ينبت في البادية شجرة لا ~~تأكل منها دابة إلا نفقت " وعن عمر رضي الله عنه: " لو ترك الناس ~~الحج عاما واحدا ما نوظروا " ### || [3.98] # { قل يأهل الكتب } هم اليهود والنصارى وإنما خوطبوا ~~بعنوان أهلية الكتاب الموجبة للإيمان به وبما يصدقه من القرآن ~~العظيم مبالغة في تقبيح حالهم في كفرهم بها وقوله عز وجل: { لم ~~تكفرون بآيت الله } توبيخ وإنكار لأن يكون لكفرهم بها ~~سبب من الأسباب وتحقيق لما يوجب الاجتناب عنه بالكلية، والمراد ~~بآياته تعالى ما يعم الآيات القرآنية التي من جملتها ما تلي في ~~شأن الحج وغيره وما في التوراة والإنجيل من شواهد نبوته عليه ~~السلام، وقوله تعالى: { والله شهيد على ما تعملون } حال ~~من فاعل تكفرون مفيدة لتشديد التوبيخ وتأكيد الإنكار، وإظهار ~~الجلالة في موقع الإضمار لتربية المهابة وتهويل ms0514 الخطب، وصيغة ~~المبالغة في شهيد للتشديد في الوعيد، وكلمة { ما } إما عبارة عن ~~كفرهم أو هي على عمومها وهو داخل فيها دخولا أوليا، والمعنى لأي سبب ~~تكفرون بآياته عز وعلا؟ والحال أنه تعالى مبالغ في الاطلاع على جميع ~~أعمالكم وفي مجازاتكم عليها ولا ريب في أن ذلك يسد جميع أنحاء ما ~~تأتونه ويقطع أسبابه بالكلية. ### || [3.99] # { قل يأهل الكتب } أمر بتوبيخهم بالإضلال إثر توبيخهم ~~بالضلال، والتكرير للمبالغة في حمله عليه السلام على تقريعهم ~~وتوبيخهم، وترك عطفه على الأمر السابق للإيذان باستقلالهم كما أن ~~قطع قوله تعالى: { لم تصدون } عن قوله تعالى: { لم ~~تكفرون } للإشعار بأن كل واحد من كفرهم وصدهم شناعة على ~~حيالها مستقلة في استتباع اللائمة والتقريع، وتكرير الخطاب بعنوان ~~أهلية الكتاب لتأكيد الاستقلال وتشديد التشنيع فإن ذلك العنوان كما ~~يستدعي الإيمان بما هو مصدق لما معهم يستدعي ترغيب الناس فيه، ~~فصدهم عنه في أقصى مراتب القباحة ولكون صدهم في بعض الصور بتحريف ~~الكتاب والكفر بالآيات الدالة على نبوته عليه السلام، وقرىء ~~تصدون من أصده { عن سبيل الله } أي دينه الحق الموصل ~~إلى السعادة الأبدية، وهو التوحيد وملة الإسلام { من ءامن } مفعول ~~لتصدون قدم عليه الجار والمجرور للاهتمام به. كانوا يفتنون ~~المؤمنين ويحتالون لصدهم عنه ويمنعون من أراد الدخول فيه بجهدهم، ~~ويقولون: إن صفته عليه السلام ليست في كتابهم ولا تقدمت البشارة به ~~عندهم، وقيل: أتت اليهود الأوس والخزرج فذكروهم ما كان بينهم في ~~الجاهلية من العداوات والحروب ليعودا إلى ما كانوا فيه { تبغونها } ~~على إسقاط الجار وإيصال الفعل إلى الضمير كما في قوله: [الخفيف] # فتولى غلامهم ثم نادى # أظليما أصيدكم أم حمارا # بمعنى أصيد لكم أي تطلبون لسبيل الله التي هي أقوم السبل { عوجا ~~} اعوجاجا بأن تلبسوا على الناس وتوهموا أن فيه ميلا عن الحق بنفي ~~النسخ وتغيير صفة الرسول صلى الله عليه وسلم عن وجهها ونحو ذلك. ~~والجملة حال من فاعل تصدون وقيل: من سبيل الله { وأنتم ~~شهداء } حال من فاعل تصدون باعتبار تقييده بالحال الأولى أو ms0515 من ~~فاعل تبغونها أي والحال أنكم شهداء تشهدون بأنها سبيل الله لا يحوم ~~حولها شائبة اعوجاج وأن الصد عنها إضلال قال ابن عباس رضي الله ~~عنهما: أي شهداء [على] أن في التوراة إن دين الله الذي لا يقبل غيره ~~هو الإسلام أو وأنتم عدول فيما بينكم يثقون بأقوالكم ويستشهدونكم في ~~القضايا وعظائم الأمور { وما الله بغفل عما تعملون } ~~اعتراض تذييلي فيه تهديد ووعيد شديد، قيل: لما كان صدهم للمؤمنين ~~بطريق الخفية ختمت الآية الكريمة بما يحسم مادة حيلتهم من إحاطة ~~علمه تعالى بأعمالهم كما أن كفرهم بآيات الله تعالى لما كان بطريق ~~العلانية ختمت الآية السابقة بشهادته تعالى على ما يعملون. ### || [3.100] # { يأيها الذين ءامنوا إن تطيعوا فريقا من ~~الذين أوتوا الكتب يردوكم بعد إيمنكم ~~كفرين } تلوين للخطاب وتوجيه له إلى المؤمنين تحذيرا لهم عن ~~طاعة أهل الكتاب والافتتان بفتنتهم إثر توبيخهم بالإغواء والإضلال ~~ردعا لهم عن ذلك، وتعليق الرد بطاعة فريق منهم للمبالغة في التحذير ~~عن طاعتهم وإيجاب الاجتناب عن مصاحبتهم بالكلية فإنه في قوة أن يقال: ~~لا تطيعوا فريقا الخ، كما أن تعميم التوبيخ فيما قبله للمبالغة في ~~الزجر أو للمحافظة على سبب النزول فإنه روي أن نفرا من الأوس والخزرج ~~كانوا جلوسا يتحدثون فمر بهم شاس بن قيس اليهودي وكان عظيم ~~الكفر شديد الحسد للمسلمين فغاظه ما رأى منهم من تآلف القلوب ~~واتحاد الكلمة واجتماع الرأي بعد ما كان بينهم ما كان من العداوة ~~والشنآن، فأمر شابا يهوديا كان معه بأن يجلس إليهم ويذكرهم يوم ~~بعاث وكان ذلك يوما عظيما اقتتل فيه الحيان وكان الظفر فيه للأوس ~~وينشدهم ما قيل فيه من الأشعار ففعل فتفاخر القوم وتغاضبوا حتى ~~تواثبوا وقالوا: السلاح السلاح فاجتمع من القبيلتين خلق عظيم فعند ~~ذلك جاءهم النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه فقال: # " أتدعون الجاهلية وأنا بين أظهركم بعد أن أكرمكم الله تعالى ~~بالإسلام وقطع به عنكم أمر الجاهلية وألف بينكم؟ " # فعلموا أنها نزعة من الشيطان وكيد من عدوهم فألقوا السلاح ~~واستغفروا وعانق ms0516 بعضهم بعضا، وانصرفوا مع رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم. # قال الإمام الواحدي: اصطفوا للقتال فنزلت الآية إلى قوله تعالى: # لعلكم تهتدون # [آل عمران، الآية 103] فجاء النبي صلى الله عليه وسلم حتى قام بين ~~الصفين فقرأهن ورفع صوته فلما سمعوا صوت رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم أنصتوا له وجعلوا يستمعون له فلما فرغ ألقوا السلاح وعانق بعضهم ~~بعضا وجعلوا يبكون. وقوله تعالى: { كفرين } إما مفعول ثان ~~ليردوكم، على تضمين الرد معنى التصيير كما في قوله: [الوافر] # رمى الحدثان نسوة آل سعد # بمقدار سمدن له سمودا # فرد شعورهن السود بيضا # ورد وجوههن البيض سودا # أو حال من مفعوله، والأول أدخل في تنزيه المؤمنين عن نسبتهم إلى ~~الكفر لما فيه من التصريح بكون الكفر المفروض بطريق القسر، وإيراد ~~الظرف مع عدم الحاجة إليه ضرورة سبق الخطاب بعنوان المؤمنين ~~واستحالة تحقق الرد إلى الكفر بدون سبق الإيمان مع توسيطه بين ~~المفعولين لإظهار كمال شناعة الكفر وغاية بعده من الوقوع إما ~~لزيادة قبحه الصارف العاقل عن مباشرته أو لممانعة الإيمان له كأنه ~~قيل: بعد إيمانكم الراسخ وفيه من تثبيت المؤمنين ما لا يخفى. ### || [3.101-102] # { وكيف تكفرون } استفهام إنكاري بمعنى إنكار الوقوع كما ~~في قوله تعالى: # كيف يكون للمشركين عهد # [التوبة، الآية 7] الخ لا بمعنى إنكار الواقع كما في قوله تعالى: # كيف تكفرون بالله وكنتم أموتا # [البقرة، الآية 28] الخ وفي توجيه الإنكار والاستبعاد إلى كيفية ~~الكفر من المبالغة ما ليس في توجيهه إلى نفسه بأن يقال: أتكفرون؟ لأن ~~كل موجود لا بد أن يكون وجوده على حال من الأحوال فإذا أنكر ~~ونفي جميع أحوال وجوده فقد انتفى وجوده بالكلية على الطريق ~~البرهاني وقوله تعالى: { وأنتم تتلى عليكم آيات الله } ~~جملة وقعت حالا من ضمير المخاطبين في تكفرون مؤكدة للإنكار ~~والاستبعاد بما فيها من الشؤون الداعية إلى الثبات على الإيمان، ~~الرادعة عن الكفر، وقوله تعالى: { وفيكم رسوله } معطوف عليها ~~داخل في حكمها فإن تلاوة آيات الله تعالى عليهم وكون رسوله عليه ~~الصلاة والسلام بين أظهرهم ms0517 يعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم ~~بتحقيق الحق وإزاحة الشبه من أقوى الزواجر عن الكفر، وعدم إسناد ~~التلاوة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم للإيذان باستقلال كل منهما ~~في الباب. # { ومن يعتصم بالله } أي ومن يتمسك بدينه الحق الذي ~~بينه على لسان رسوله عليه الصلاة والسلام وهو الإسلام والتوحيد ~~المعبر عنه فيما سبق بسبيل الله { فقد هدى } جواب للشرط وقد ~~لإفادة معنى التحقيق كأن الهدى قد حصل فهو يخبر عنه حاصلا، ومعنى ~~التوقع فيه ظاهر فإن المعتصم به تعالى متوقع للهدى كما أن قاصد ~~الكريم متوقع للندى { إلى صرط مستقيم } موصل إلى المطلوب، ~~والتنوين للتفخيم، والوصف بالاستقامة للتصريح بالرد على الذين يبغون له ~~عوجا، وهذا وإن كان هو دينه الحق في الحقيقة والاهتداء إليه هو ~~الاعتصام به بعينه لكن لما اختلف الاعتباران وكان العنوان الأخير ~~مما يتنافس فيه المتنافسون أبرز في معرض الجواب للحث والترغيب، على ~~طريقة قوله تعالى: # فمن زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز # [آل عمران، الآية 185]. # { يا أيها الذين آمنوا } تكرير الخطاب بعنوان الإيمان تشريف إثر ~~تشريف { اتقوا الله } الاتقاء افتعال من الوقاية وهي فرط ~~الصيانة { حق تقاته } أي حق تقواه وما يجب منها وهو استفراغ ~~الوسع في القيام بالمواجب والاجتناب عن المحارم كما في قوله تعالى: # فاتقوا الله ما استطعتم # [التغابن، الآية 16] وعن ابن مسعود رضي الله عنه: «هو أن يطاع ولا ~~يعصى ويذكر ولا ينسى ويشكر ولا يكفر» وقد روي مرفوعا إليه ~~عليه السلام. وقيل: هو أن لا تأخذه في الله لومة لائم ويقوم بالقسط ~~ولو على نفسه أو ابنه أو أبيه. وقيل: وهو أن ينزه الطاعة عن ~~الالتفات إليها وعن توقع المجازاة، وقد مر تحقيق الحق في ذلك عند ~~قوله عز وجل: # هدى للمتقين # [البقرة، الآية 2] والتقاة من اتقى كالتؤدة من اتأد، وأصلها ~~وقية قلبت واوها المضمومة تاء كما في تهمة وتخمة وياؤها المفتوحة ~~ألفا. # { ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون } أي مخلصون نفوسكم ~~لله تعالى لا تجعلون فيها شركة لما سواه أصلا كما في ms0518 قوله تعالى: # ومن أحسن دينا ممن أسلم وجهه لله # [النساء، الآية 125] وهو استثناء مفرغ من أعم الأحوال أي لا ~~تموتن على حال من الأحوال إلا حال تحقق إسلامكم وثباتكم عليه كما ~~تنبىء عنه الجملة الاسمية، ولو قيل: إلا مسلمين لم يفد بفائدتها. ~~والعامل في الحال ما قبل { إلا } بعد النقض، وظاهر النظم الكريم ~~وإن كان نهيا عن الموت المقيد بقيد هو الكون على أي حال غير حال ~~الإسلام لكن المقصود هو النهي عن ذلك القيد عند الموت المستلزم ~~للأمر بضده الذي هو الكون على حال الإسلام حينئذ، وحيث كان الخطاب ~~للمؤمنين كان المراد إيجاب الثبات على الإسلام إلى الموت، وتوجيه ~~النهي إلى الموت للمبالغة في النهي عن قيده المذكور، فإن النهي عن ~~القيد في أمثاله نهي عن القيد ورفع له من أصله بالكلية، مفيد لما لا ~~يفيده النهي عن نفس القيد، فإن قولك: لا تصل إلا وأنت خاشع يفيد ~~في المبالغة في إيجاب الخشوع في الصلاة ما لا يفيده قولك: لا تترك ~~الخشوع في الصلاة، لما أن هذا نهي عن ترك الخشوع فقط وذاك نهي عنه ~~وعما يقارنه ومفيد لكون الخشوع هو العمدة في الصلاة وأن الصلاة ~~بدونه حقها أن لا تفعل، وفيه نوع تحذير عما وراء الموت. ### || [3.103] # وقوله عز وجل: { واعتصموا بحبل الله } أي بدين الإسلام أو ~~بكتابه لقوله عليه الصلاة والسلام: # " القرآن حبل الله المتين لا تنقضي عجائبه ولا يخلق من كثرة ~~الرد، من قال به صدق، ومن عمل به رشد، ومن اعتصم به هدي إلى ~~صراط مستقيم " # إما تمثيل للحالة الحاصلة من استظهارهم به ووثوقهم بحمايته بالحالة ~~الحاصلة من تمسك المتدلي من مكان رفيع بحبل وثيق مأمون الانقطاع من ~~غير اعتبار مجاز في المفردات، وإما استعارة للحبل لما ذكر من الدين أو ~~الكتاب أو الاعتصام ترشيح لها أو مستعار للوثوق به والاعتماد عليه { ~~جميعا } حال من فاعل اعتصموا أي مجتمعين في الاعتصام { ولا ~~تفرقوا } أي لا تتفرقوا عن الحق بوقوع الاختلاف بينكم كأهل ~~الكتاب أو كما ms0519 كنتم متفرقين في الجاهلية يحارب بعضكم بعضا أو لا ~~تحدثوا ما يوجب التفرق ويزيل الألفة التي أنتم عليها { ~~واذكروا نعمة الله } مصدر مضاف إلى الفاعل، وقوله تعالى: { ~~عليكم } متعلق به أو بمحذوف وقع حالا منه وقوله تعالى: { إذ ~~كنتم } ظرف له أو للاستقرار في عليكم أي اذكروا إنعامه عليكم أو ~~اذكروا إنعامه مستقرا عليكم وقت كونكم { أعداء } في الجاهلية ~~بينكم الإحن والعداوات والحروب المتواصلة، وقيل: هم الأوس والخزرج ~~كانا أخوين لأب وأم فوقعت بين أولادهما العداوة والبغضاء وتطاولت ~~الحروب فيما بينهم مائة وعشرين سنة { فألف بين قلوبكم } ~~بتوفيقكم للإسلام { فأصبحتم } أي فصرتم { بنعمته } التي هي ~~ذلك التأليف { إخوانا } خبر أصبحتم أي إخوانا متحابين مجتمعين ~~على الأخوة في الله متراحمين متناصحين متفقين على كلمة الحق وقيل: ~~معنى فأصبحتم فدخلتم في الصباح فالباء حينئذ متعلقة بمحذوف وقع حالا من ~~الفاعل وكذا إخوانا أي فأصبحتم ملتبسين حال كونكم إخوانا. # { وكنتم على شفا حفرة من النار } شفا الحفرة ~~وشفتها حرفها أي كنتم مشرفين على الوقوع في نار جهنم لكفركم إذ لو ~~أدرككم الموت على تلك الحالة لوقعتم فيها { فأنقذكم } بأن هداكم ~~للإسلام { منها } الضمير للحفرة أو للنار أو للشفا والتأنيث للمضاف ~~إليه كما في قوله: [الطويل] # [وتشرق بالقول الذي أذعته] # كما شرقت صدر القناة من الدم # أو لأنه بمعنى الشفة فإن شفا البئر وشفتها جانبها كالجانب ~~والجانبة، وأصله شفو قلبت الواو ألفا في المذكر وحذفت في المؤنث { ~~كذلك } إشارة إلى مصدر الفعل الذي بعده، وما فيه من معنى البعد ~~للإيذان بعلو درجة المشار إليه وبعد منزلته في الفضل وكمال ~~تميزه به عما عداه وانتظامه بسببه في سلك الأمور المشاهدة، والكاف ~~مقحمة لتأكيد ما أفاده اسم الإشارة من الفخامة ومحلها النصب على ~~أنها صفة لمصدر محذوف أي مثل ذلك التبيين الواضح { يبين ~~الله لكم آيته } أي دلائله { لعلكم تهتدون } ~~طلبا لثباتكم على الهدى وازديادكم فيه. ### || [3.104] # { ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير } أمرهم الله ~~سبحانه بتكميل الغير وإرشاده إثر أمرهم بتكميل النفس وتهذيبها بما ~~قبله ms0520 من الأوامر والنواهي تثبيتا للكل على مراعاة ما فيها من الأحكام ~~بأن يقوم بعضهم بمواجبها ويحافظ على حقوقها وحدودها ويذكرها الناس ~~كافة ويردعهم عن الإخلال بها، والجمهور على إسكان لام الأمر، وقرىء ~~بكسرها على الأصل وهو من كان التامة ومن تبعيضية متعلقة بالأمر أو ~~بمحذوف وقع حالا من الفاعل وهو { أمة } ويدعون صفتها أي لتوجد ~~منكم أمة داعية إلى الخير، والأمة هي الجماعة التي يؤمها فرق ~~الناس أي يقصدونها ويقتدون بها، أو من الناقصة وأمة اسمها ويدعون ~~خبرها، أي لتكن منكم أمة داعين إلى الخير وأيا ما كان فتوجيه الخطاب ~~إلى الكل مع إسناد الدعوة إلى البعض لتحقيق معنى فرضيتها على الكفاية ~~وأنها واجبة على الكل لكن بحيث إن أقامها البعض سقطت عن الباقين، ولو ~~أخل بها الكل أثموا جميعا لا بحيث يتحتم على الكل إقامتها على ما ~~ينبىء عنه قوله عز وجل: # وما كان المؤمنون لينفروا كافة # [التوبة، الآية 122] الآية، ولأنها من عظائم الأمور وعزائمها التي لا ~~يتولاها إلا العلماء بأحكامه تعالى ومراتب الاحتساب وكيفية إقامتها، ~~فإن من لا يعلمها يوشك أن يأمر بمنكر وينهى عن معروف ويغلظ في ~~مقام اللين ويلين في مقام الغلظة وينكر على من لا يزيده الإنكار ~~إلا التمادي والإصرار، وقيل: من بيانية كما في قوله تعالى: # وعد الله الذين ءامنوا وعملوا الصلحت ~~منهم # [الفتح، الآية 29] الآية، والأمر من كان الناقصة والمعنى كونوا أمة ~~تدعون الآية كقوله تعالى: # كنتم خير أمة أخرجت للناس # [آل عمران، الآية 110] الآية، ولا يقتضي ذلك كون الدعوة فرض عين، ~~فإن الجهاد من فروض الكفاية مع ثبوته بالخطاب العام، والدعاء إلى ~~الخير عبارة عن الدعاء إلى ما فيه صلاح ديني أو دنيوي، فعطف ~~الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عليه بقوله تعالى: { ويأمرون ~~بالمعروف وينهون عن المنكر } مع اندراجهما فيه من باب ~~عطف الخاص على العام لإظهار فضلهما وعلوهما على سائر الخيرات ~~كعطف جبريل وميكال على الملائكة عليهم السلام، وحذف المفعول الصريح ~~من الأفعال الثلاثة إما للإيذان بظهوره أي يدعون الناس ويأمرونهم ms0521 ~~وينهونهم وإما القصد إلى إيجاد نفس الفعل كما في قولك: فلان يعطي ~~ويمنع أي يفعلون الدعاء إلى الخير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ~~{ وأولئك } إشارة إلى الأمة المذكورة باعتبار اتصافهم بما ذكر ~~من النعوت الفاضلة وكمال تميزهم بذلك عمن عداهم وانتظامهم بسببه ~~في سلك الأمور المشاهدة، وما فيه من معنى البعد للإشعار بعلو طبقتهم ~~وبعد منزلتهم في الفضل، والإفراد في كاف الخطاب إما لأن المخاطب ~~كل من يصلح للخطاب وإما لأن التعيين غير مقصود، أي أولئك ~~الموصوفون بتلك الصفات الكاملة { هم المفلحون } أي هم الأحقاء ~~بكمال الفلاح، وهم ضمير فصل يفصل بين الخبر والصفة ويؤكد النسبة ~~ويفيد اختصاص المسند بالمسند إليه أو مبتدأ خبره المفلحون والجملة ~~خبر لأولئك، وتعريف { المفلحون } إما للعهد أو للإشارة إلى ما ~~يعرفه كل أحد من حقيقة المفلحين. # روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم # " أنه سئل عن خير الناس فقال: " آمرهم بالمعروف وأنهاهم عن المنكر ~~وأتقاهم لله وأوصلهم للرحم " # وعنه عليه السلام: # " من أمر بالمعروف ونهى عن المنكر فهو خليفة الله في أرضه وخليفة ~~رسوله وخليفة كتابه " # وعنه عليه السلام: # " والذي نفسي بيده لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر ~~أو ليوشكن الله أن يبعث عليكم عذابا من عنده ثم ~~لتدعنه فلا يستجاب لكم " # وعن علي رضي الله عنه: «أفضل الجهاد الأمر بالمعروف والنهي عن ~~المنكر، ومن شنأ الفاسقين وغضب لله غضب الله له» والأمر بالمعروف ~~في الوجوب والندب تابع للمأمور به، وأما النهي عن المنكر فواجب كله ~~فإن جميع ما أنكره الشرع حرام والعاصي يجب عليه النهي عما ارتكبه إذ ~~يجب عليه تركه وإنكاره فلا يسقط بترك أحدهما وجوب شيء منهما، ~~والتوبيخ في قوله تعالى: # أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم # [البقرة، الآية 44] إنما هو على نسيان أنفسهم لا على أمرهم بالبر، وعن ~~السلف مروا بالخير وإن لم تفعلوا. ### || [3.105] # { ولا تكونوا كالذين تفرقوا } هم أهل الكتابين حيث ~~تفرقت اليهود فرقا والنصارى فرقا { واختلفوا } باستخراج ~~التأويلات الزائغة وكتم الآيات الناطقة وتحريفها بما أخلدوا إليه ~~من حطام ms0522 الدنيا الدنيئة { من بعد ما جاءهم البينت } أي ~~الآيات الواضحة المبينة للحق للاتفاق عليه واتحاد الكلمة، فالنهي ~~متوجه إلى االمتصدين للدعوة أصالة وإلى أعقابهم تبعا، ويجوز ~~تعميم الموصول للمختلفين من الأمم السالفة المشار إليهم بقوله عز ~~وجل: { وما اختلف فيه إلا الذين أوتوه من بعد ما ~~جاءتهم البينت } وقيل: هم المبتدعة من هذه الأمة، وقيل: هم ~~الحرورية وعلى كل تقدير فالمنهي عنه إنما هو الاختلاف في الأصول دون ~~الفروع إلا أن يكون مخالفا للنصوص البينة أو الإجماع لقوله عليه ~~الصلاة والسلام: # " اختلاف أمتي رحمة " # وقوله عليه السلام: # " من اجتهد فأصاب فله أجران ومن أخطأ فله أجر واحد " # { وأولئك } إشارة إلى المذكورين باعتبار اتصافهم بما في حيز ~~الصلة وهو مبتدأ وقوله تعالى: { لهم } خبره وقوله تعالى: { عذاب ~~عظيم } مرتفع بالظرف على الفاعلية لاعتماده على المبتدأ، أو مبتدأ ~~والظرف خبره والجملة خبر للمبتدأ الأول. وفيه من التأكيد والمبالغة في ~~وعيد المتفرقين والتشديد في تهديد المشبهين بهم ما لا يخفى. ### || [3.106-108] # { يوم تبيض وجوه } أي وجوه كثيرة وقرىء تبياض { ~~وتسود وجوه } كثيرة وقرىء تسواد، وعن عطاء تبيض وجوه ~~المهاجرين والأنصار وتسود وجوه بني قريظة والنضير. ويوم منصوب ~~على أنه ظرف للاستقرار في لهم أي لثبوت العذاب العظيم لهم، أو على أنه ~~مفعول لمضمر خوطب به المؤمنون تحذيرا لهم عن عاقبة التفرق بعد مجيء ~~البينات، وترغيبا في الاتفاق على التمسك بالدين أي اذكروا يوم تبيض ~~الخ وبياض الوجه وسواده كنايتان عن ظهور بهجة السرور وكآبة الخوف ~~فيه، وقيل: يوسم أهل الحق ببياض الوجه والصحيفة وإشراق البشرة ~~وسعي النور بين يديه وبيمينه، وأهل الباطل بأضداد ذلك { فأما ~~الذين اسودت وجوههم } تفصيل لأحوال الفريقين بعد الإشارة ~~إليها إجمالا، وتقديم بيان هؤلاء لما أن المقام مقام التحذير عن ~~التشبه بهم مع ما فيه من الجمع بين الإجمال والتفصيل والإفضاء إلى ختم ~~الكلام بحسن حال المؤمنين كما بدىء بذلك عند الإجمال { أكفرتم ~~بعد إيمنكم } على إرادة القول أي فيقال لهم ذلك، والهمزة ~~للتوبيخ والتعجيب من حالهم، والظاهر أنهم ms0523 أهل الكتابين وكفرهم بعد ~~إيمانهم كفرهم برسول الله صلى الله عليه وسلم بعد إيمان أسلافهم أو ~~إيمان أنفسهم به قبل مبعثه عليه الصلاة والسلام، أو جميع الكفرة حيث ~~كفروا بعد ما أقروا بالتوحيد يوم الميثاق أو بعد ما تمكنوا من الإيمان ~~بالنظر الصحيح والدلائل الواضحة والآيات البينة، وقيل: المرتدون، ~~وقيل: أهل البدع والأهواء والفاء في قوله عز وعلا: { فذوقوا ~~العذاب } أي العذاب المعهود الموصوف بالعظم للدلالة على أن ~~الأمر بذوق العذاب على طريق الإهانة مترتب على كفرهم المذكور كما ~~أن قوله تعالى: { بما كنتم تكفرون } صريح في أن نفس الذوق ~~معلل بذلك، والجمع بين صيغتي الماضي والمستقبل للدلالة على ~~استمرار كفرهم أو على مضيه في الدنيا { وأما الذين ~~ابيضت وجوههم ففى رحمة الله } أعني الجنة والنعيم ~~المخلد، عبر عنها بالرحمة تنبيها على أن المؤمن وإن استغرق ~~عمره في طاعة الله تعالى فإنه لا يدخل الجنة إلا برحمته تعالى، وقرىء ~~ابياضت كما قرىء اسوادت { هم فيها خلدون } استئناف وقع ~~جوابا عن سؤال نشأ من السياق كأنه قيل: كيف يكونون فيها؟ فقيل: هم فيها ~~خالدون لا يظعنون عنها ولا يموتون. وتقديم الظرف للمحافظة على رؤوس ~~الآي { تلك } إشارة إلى الآيات المشتملة على تنعيم الأبرار وتعذيب ~~الكفار، ومعنى البعد للإيذان بعلو شأنها وسمو مكانها في الشرف وهو ~~مبتدأ وقوله تعالى: { آيات الله } خبره وقوله تعالى: { نتلوها } ~~جملة حالية من الآيات، والعامل فيها معنى الإشارة أو هي الخبر وآيات ~~الله بدل من اسم الإشارة، والالتفات إلى التكلم بنون العظمة مع كون ~~التلاوة على لسان جبريل عليه السلام لإبراز كمال العناية بالتلاوة، ~~وقرىء يتلوها على إسناد الفعل إلى ضميره تعالى وقوله تعالى: { عليك ~~} متعلق بنتلوها، وقوله تعالى: { بالحق } حال مؤكدة من فاعل ~~نتلوها أو من مفعوله أي ملتبسين، أو [التلاوة] ملتبسة بالحق والعدل ليس ~~في حكمها شائبة جور بنقص ثواب المحسن أو بزيادة عقاب المسيء، أو ~~بالعقاب من غير جرم، بل كل ذلك موفى لهم حسب استحقاقهم بأعمالهم ~~بموجب الوعد والوعيد، وقوله: { وما الله يريد ms0524 ظلما ~~للعلمين } تذييل مقرر لمضمون ما قبله على أبلغ وجه ~~وآكده، فإن تنكير الظلم وتوجيه النفي إلى إرادته بصيغة المضارع دون ~~نفسه وتعليق الحكم بآحاد الجمع المعروف، والالتفات إلى الاسم ~~الجليل إشعار بعلة الحكم وبيان لكمال نزاهته عز وجل عن الظلم بما ~~لا مزيد عليه أي ما يريد فردا من أفراد الظلم لفرد من أفراد العالمين ~~في وقت من الأوقات فضلا عن أن يظلمهم، فإن المضارع كما يفيد ~~الاستمرار في الإثبات يفيده في النفي بحسب المقام كما أن الجملة ~~الاسمية تدل بمعرفة المقام على دوام الثبوت، وعند دخول حرف النفي ~~تدل على دوام الانتفاء لا على انتفاء الدوام وفي سبك الجملة نوع ~~إيماء إلى التعريض بأن الكفرة هم الظالمون ظلموا أنفسهم بتعريضها ~~للعذاب الخالد كما في قوله تعالى: # إن الله لا يظلم الناس شيئا ولكن الناس ~~أنفسهم يظلمون # [يونس، الآية 44] ### || [3.109-110] # { ولله ما فى السموات وما في الأرض } أي له تعالى ~~وحده من غير شركة أصلا، ما فيهما من المخلوقات الفائتة للحصر ملكا ~~وخلقا إحياء وإماتة وإثابة وتعذيبا، وإيراد كلمة { ما } إما ~~لتغليب غير العقلاء وإما لتنزيلهم منزلة غيرهم إظهارا لحقارتهم في ~~مقام بيان عظمته تعالى { وإلى الله } أي إلى حكمه وقضائه لا ~~إلى غيره شركة أو استقلالا { ترجع الأمور } أي أمورهم فيجازي ~~كلا منهم بما وعد له وأوعده من غير دخل في ذلك لأحد قط. فالجملة ~~مقررة لمضمون ما ورد في جزاء الفريقين، وقيل: هي معطوفة على ما قبلها ~~مقررة لمضمونه فإن كون العالمين عبيده تعالى ومخلوقه ومرزوقه ~~يستدعي إرادة الخير بهم. # { كنتم خير أمة } كلام مستأنف سيق لتثبيت المؤمنين على ما ~~هم عليه من الاتفاق على الحق والدعوة إلى الخير، وكنتم من كان الناقصة ~~التي تدل على تحقق شيء بصفة في الزمان الماضي من غير دلالة على عدم ~~سابق أو لاحق كما في قوله تعالى: # وكان الله غفورا رحيما # [النساء، الآية 96. وفي غيرها] وقيل: كنتم كذلك في علم الله تعالى أو في ~~اللوح أو فيما بين الأمم السالفة، ms0525 وقيل: معناه أنتم خير أمة { ~~أخرجت للناس } صفة لأمة واللام متعلقة بأخرجت أي أظهرت لهم، ~~وقيل: بخير أمة أي كنتم خير الناس للناس، فهو صريح في أن الخيرية ~~بمعنى النفع للناس وإن فهم ذلك من الإخراج لهم أيضا أي أخرجت لأجلهم ~~ومصلحتهم، قال أبو هريرة رضي الله عنه: معناه كنتم خير الناس للناس ~~تأتون بهم في السلاسل فتدخلونهم في الإسلام. وقال قتادة: هم أمة محمد ~~صلى الله عليه وسلم لم يؤمر نبي قبله بالقتال فهم يقاتلون الكفار ~~فيدخلونهم في الإسلام فهم خير أمة للناس. # { تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر } استئناف ~~مبين لكونهم خير أمة كما يقال: زيد كريم يطعم الناس ويكسوهم ويقوم ~~بمصالحهم، أو خبر ثان لكنتم، وصيغة المستقبل للدلالة على الاستمرار، ~~وخطاب المشافهة وإن كان خاصا بمن شاهد الوحي من المؤمنين لكن حكمه ~~عام للكل. قال ابن عباس رضي الله عنهما: يريد أمة محمد صلى الله عليه ~~وسلم. وقال الزجاج: أصل هذا الخطاب لأصحاب رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وهو يعم سائر أمته. وروى الترمذي عن بهز بن حكيم عن ~~أبيه عن جده أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول في قوله تعالى: { ~~كنتم خير أمة أخرجت للناس } [آل عمران، الآية: 110]: # " أنتم تتمون سبعين أمة أنتم خيرها وأكرمها على الله تعالى " # وظاهر أن المراد بكل أمة أوائلهم وأواخرهم لا أوائلهم فقط فلا بد ~~أن تكون أعقاب هذه الأمة أيضا داخلة في الحكم، وكذا الحال فيما روي ~~أن مالك بن الصيف ووهب بن يهوذا اليهوديين مرا بنفر من أصحاب ~~النبي صلى الله عليه وسلم فيهم ابن مسعود وأبي بن كعب ومعاذ بن ~~جبل وسالم مولى حذيفة رضوان الله عليهم فقالا لهم: نحن أفضل منكم ~~وديننا خير مما تدعوننا إليه. # وروى سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما: { كنتم خير ~~أمة } الذين هاجروا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، ~~وروي عن الضحاك أنهم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم خاصة الرواة ~~والدعاة الذين ms0526 أمر الله المسلمين بطاعتهم. # { وتؤمنون بالله } أي إيمانا متعلقا بكل ما يجب أن يؤمن ~~به من رسول وكتاب وحساب وجزاء وإنما لم يصرح به تفصيلا لظهور أنه ~~الذي يؤمن به المؤمنون وللإيذان بأنه هو الإيمان بالله تعالى حقيقة ~~وأن ما خلا عن شيء من ذلك كإيمان أهل الكتاب ليس من الإيمان بالله ~~تعالى في شيء، قال تعالى: # ويقولون نؤمن ببعض ونكفر ببعض ويريدون أن ~~يتخذوا بين ذلك سبيلا * أولئك هم الكفرون ~~حقا # [النساء، الآية 150، 151] وإنما أخر ذلك عن الأمر بالمعروف والنهي عن ~~المنكر مع تقدمه عليهما وجودا ورتبة لأن دلالتهما على خيريتهم للناس ~~أظهر من دلالته عليها وليقترن به قوله تعالى: { ولو ءامن أهل ~~الكتب لكان خيرا لهم } أي لو آمنوا كإيمانكم لكان ذلك ~~خيرا لهم مما هم عليه من الرياسة واستتباع العوام ولازدادت رياستهم ~~وتمتعهم بالحظوظ الدنيوية مع الفوز بما وعدوه على الإيمان من إيتاء ~~الأجر مرتين، وقيل: مما هم فيه من الكفر، فالخيرية إنما هي باعتبار ~~زعمهم، وفيه ضرب تهكم بهم وإنما لم يتعرض للمؤمن به أصلا ~~للإشعار بظهور أنه الذي يطلق عليه اسم الإيمان لا يذهب الوهم إلى ~~غيره ولو فصل المؤمن به ههنا أو فيما قبل لربما فهم أن لأهل ~~الكتاب أيضا إيمانا في الجملة لكن إيمان المؤمنين خير منه وهيهات ~~ذلك { منهم المؤمنون } جملة مستأنفة سيقت جوابا عما نشأ من ~~الشرطية الدالة على انتفاء الخيرية لانتفاء الإيمان عنهم كأنه قيل: هل ~~منهم من آمن أو كلهم على الكفر؟ فقيل: منهم المؤمنون المعهودون ~~الفائزون بخير الدارين كعبد الله بن سلام وأصحابه. # { وأكثرهم الفسقون } المتمردون في الكفر الخارجون عن ~~الحدود. ### || [3.111] # { لن يضروكم إلا أذى } استثناء مفرغ من المصدر العام أي ~~لن يضروكم أبدا ضررا ما إلا ضرر أذى لا يبالى به من طعن وتهديد ~~لا أثر له { وإن يقتلوكم يولوكم الأدبار } أي ~~ينهزمون من غير أن ينالوا منكم شيئا من قتل أو أسر { ثم لا ~~ينصرون } عطف على الشرطية وثم للتراخي في الرتبة أي لا ينصرون ms0527 من ~~جهة أحد ولا يمنعون منكم قتلا وأخذا. وفيه تثبيت لمن آمن منهم ~~فإنهم كانوا يؤذونهم بالتلهي بهم وتوبيخهم وتضليلهم وتهديدهم، ~~وبشارة لهم بأنهم لا يقدرون على أن يتجاوزوا الأذى بالقول إلى ضرر ~~يعبأ به مع أنه وعدهم الغلبة عليهم والانتقام منهم وأن عاقبة أمرهم ~~الخذلان والذل، وإنما لم يعطف نفي منصوريتهم على الجزاء لأن ~~المقصود هو الوعد بنفي النصر مطلقا ولو عطف عليه لكان مقيدا ~~بمقاتلتهم كتولية الأدبار، وكم بين الوعدين كأنه قيل: ثم شأنهم الذي ~~أخبركم عنه وأبشركم به أنهم مخذولون منتف عنهم النصر والقوة لا ~~ينهضون بعد ذلك بجناح ولا يقومون على ساق ولا يستقيم لهم أمر وكان ~~كذلك حيث لقي بنو قريظة والنضير وبنو قينقاع ويهود خيبر ما لقوا. ### || [3.112-113] # { ضربت عليهم الذلة } أي هدر النفس والمال والأهل ~~وذل التمسك بالباطل { أينما ثقفوا } أي وجدوا { إلا ~~بحبل من الله وحبل من الناس } استثناء من أعم الأحوال ~~أي ضربت عليهم الذلة ضرب القبة على من هي عليه في جميع الأحوال إلا ~~حال كونهم معتصمين بذمة الله أو كتابه الذي أتاهم وذمة المسلمين أو ~~بذمة الإسلام واتباع سبيل المؤمنين { وباءوا بغضب من الله ~~} أي رجعوا مستوجبين له، والتنكير للتفخيم والتهويل ومن متعلقة بمحذوف ~~وقع صفة لغضب مؤكدة لما أفاده التنكير من الفخامة والهول أي كائن من ~~الله عز وجل { وضربت عليهم المسكنة } فهي محيطة بهم من ~~جميع جوانبهم واليهود كذلك في غالب الحال مساكين تحت أيدي المسلمين ~~والنصارى. # { ذلك } إشارة إلى ما ذكر من ضرب الذلة والمسكنة عليهم ~~والبوء بالغضب العظيم { بأنهم كانوا يكفرون بآيت ~~الله } أي ذلك الذي ذكر كائن بسبب كفرهم المستمر بآيات الله ~~الناطقة بنبوة محمد عليه الصلاة والسلام وتحريفهم لها وبسائر الآيات ~~القرآنية { ويقتلون الأنبياء بغير حق } أي في اعتقادهم ~~أيضا، وإسناد القتل إليهم مع أنه فعل أسلافهم لرضاهم به كما أن ~~التحريف مع كونه من أفعال أحبارهم ينسب إلى كل من يسير بسيرتهم { ~~ذلك } إشارة إلى ما ذكر من الكفر والقتل { بما عصوا ms0528 ~~وكانوا يعتدون } أي كائن بسبب عصيانهم واعتدائهم حدود الله ~~تعالى على الاستمرار فإن الإصرار على الصغائر يفضي إلى مباشرة الكبائر ~~والاستمرار عليها يؤدي إلى الكفر، وقيل: معناه أن ضرب الذلة والمسكنة ~~في الدنيا واستيجاب الغضب في الآخرة كما هو معلل بكفرهم وقتلهم فهو ~~مسبب عن عصيانهم واعتدائهم من حيث إنهم مخاطبون بالفروع من حيث ~~المؤاخذة { ليسوا سواء } جملة مستأنفة سيقت تمهيدا لتعداد محاسن ~~مؤمني أهل الكتاب وتذكيرا لقوله تعالى: # منهم المؤمنون # [آل عمران، الآية 110] والضمير في ليسوا لأهل الكتاب جميعا لا ~~للفاسقين منهم خاصة وهو اسم ليس وخبره سواء، وإنما أفرد لأنه في ~~الأصل مصدر والمراد بنفي المساواة نفي المشاركة في أصل الاتصاف ~~بالقبائح المذكورة لا نفي المساواة في مراتب الاتصاف بها مع تحقق ~~المشاركة في أصل الاتصاف بها أي ليس جميع أهل الكتاب متشاركين في ~~الاتصاف بما ذكر من القبائح والابتلاء بما يترتب عليها من العقوبات ~~وقوله تعالى: { من أهل الكتب أمة قائمة } استئناف ~~مبين لكيفية عدم تساويهم، ومزيل لما فيه من الإبهام كما أن ما سبق من ~~قوله تعالى: # تأمرون بالمعروف # [آل عمران، الآية 110] الآية، مبين لقوله تعالى: # كنتم خير أمة # [آل عمران، الآية 110] الخ، ووضع أهل الكتاب موضع الضمير العائد ~~إليهم لتحقيق ما به الاشتراك بين الفرقين والإيذان بأن تلك الأمة ممن ~~أوتي نصيبا وافرا من الكتاب لا من أراذلهم. # والقائمة: المستقيمة العادلة من أقمت العود فقام بمعنى استقام وهم ~~الذين أسلموا منهم كعبد الله بن سلام، وثعلبة بن سعيد وأسيد ~~بن عبيد، وأضرابهم وقيل: هم أربعون رجلا من أهل نجران واثنان ~~وثلاثون من الحبشة وثلاثة من الروم كانوا على دين عيسى وصدقوا محمدا ~~عليهما الصلاة والسلام، وكان من الأنصار فيهم عدة قبل قدوم النبي عليه ~~السلام منهم أسعد بن زرارة، والبراء بن معرور، ومحمد بن مسلمة، ~~وأبو قيس صرمة بن أنس، كانوا موحدين يغتسلون من الجنابة ويقومون بما ~~يعرفون من شرائع الحنيفية حتى بعث الله النبي صلى الله عليه وسلم ~~فصدقوه ونصروه. وقوله تعالى: { يتلون ءايت ms0529 الله } في محل ~~الرفع على أنه صفة أخرى لأمة، وقيل: في محل النصب على أنه حال منها ~~لتخصصها بالنعت، والعامل فيه الاستقرار الذي يتضمنه الجار أو من ~~ضميرها في { قائمة } أو من المستكن في الجار لوقوعه خبرا لأمة ~~والمراد بآيات الله القرآن، وقوله تعالى: { آناء الليل } ظرف ~~ليتلون أي في ساعاته جمع أنى بزنة عصا أو إنى بزنة معى، أو أني ~~بزنة ظبي، أو إني بزنة نحي، أو إنو بزنة جرو. # { وهم يسجدون } أي يصلون إذ لا تلاوة في السجود، قال عليه ~~الصلاة والسلام: # " ألا إني نهيت أن أقرأ راكعا وساجدا " # وتخصيص السجود بالذكر من بين سائر أركان الصلاة لكونه أدل على ~~كمال الخضوع، والتصريح بتلاوتهم آيات الله في الصلاة مع أنها مشتملة ~~عليها قطعا لزيادة تحقيق المخالفة وتوضيح عدم المساواة بينهم ~~وبين الذين وصفوا آنفا بالكفر بها وهو السر في تقديم هذا النعت على ~~نعت الإيمان، والمراد بصلاتهم التهجد إذ هو أدخل في مدحهم وفيه تتسنى ~~لهم التلاوة فإنها في المكتوبة وظيفة الإمام، واعتبار حالهم عند ~~الصلاة على الانفراد يأباه مقام المدح، وهو الأنسب بالعدول عن ~~إيرادها باسم الجنس المتبادر منه الصلاة المكتوبة وبالتعبير عن وقتها ~~بالآناء المبهمة، وقيل: صلاة العشاء لأن أهل الكتاب لا يصلونها، ~~لما روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخرها ليلة ثم خرج فإذا ~~الناس ينتظرون الصلاة فقال: # " أما إنه ليس من أهل الأديان أحد يذكر الله هذه الساعة غيركم " # وقرأ هذه الآية. وإيراد الجملة اسمية للدلالة على الاستمرار، ~~وتكرير الإسناد لتقوية الحكم وتأكيده، وصيغة المضارع للدلالة على ~~التجدد، والجملة حال من فاعل يتلون، وقيل: هي مستأنفة والمعنى أنهم ~~يقومون تارة ويسجدون أخرى يبتغون الفضل والرحمة بأنواع ما يكون في ~~الصلاة من الخضوع لله عز وجل كما في قوله تعالى: # والذين يبيتون لربهم سجدا وقيما # [الفرقان، الآية 64] وقيل: المراد بالسجود هو الخضوع كما في قوله ~~تعالى: # ولله يسجد من فى السموات والأرض # [الرعد، الآية 15] ### || [3.114-115] # { يؤمنون بالله واليوم الأخر } صفة أخرى لأمة ~~مبينة ms0530 لمباينتهم اليهود من جهة أخرى أي يؤمنون بهما على الوجه الذي ~~نطق به الشرع، والإطلاق للإيذان بالغنى عن التقييد، لظهور أنه الذي ~~يطلق عليه الإيمان بهما فلا يذهب الوهم إلى غيره، وللتعريض بأن ~~إيمان اليهود بهما مع قولهم: عزير ابن الله وكفرهم ببعض الكتب ~~والرسل ووصفهم اليوم الآخر بخلاف صفته ليس من الإيمان بهما في شيء ~~أصلا ولو قيد بما ذكر فربما توهم أن المنتفي عنهم هو القيد ~~المذكور مع جواز إطلاق الإيمان على إيمانهم بالأصل وهيهات. # { ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر } صفتان ~~أخريان لأمة أجريتا عليهم تحقيقا لمخالفتهم اليهود في الفضائل ~~المتعلقة بتكميل الغير إثر بيان مباينتهم لهم في الخصائص ~~المتعلقة بتكميل النفس، وتعريضا بمداهنتهم في الاحتساب بل بتعكيسهم في ~~الأمر بإضلال الناس وصدهم عن سبيل الله فإنه أمر بالمنكر ونهي عن ~~المعروف { ويسرعون في الخيرت } صفة أخرى لأمة جامعة ~~لفنون المحاسن المتعلقة بالنفس وبالغير، والمسارعة في الخير فرط ~~الرغبة فيه لأن من رغب في الأمر سارع في توليه والقيام به وآثر ~~الفور على التراخي أي يبادرون مع كمال الرغبة في فعل أصناف الخيرات ~~اللازمة والمتعدية، وفيه تعريض بتباطؤ اليهود فيها بل مبادرتهم إلى ~~الشرور، وإيثار كلمة { في } على ما وقع في قوله تعالى: # وسارعوا إلى مغفرة # [آل عمران، الآية 133] الخ للإيذان بأنهم مستقرون في أصل الخير ~~متقلبون في فنونه المترتبة في طبقات الفضل لا أنهم خارجون عنها منتهون ~~إليها { وأولئك } إشارة إلى الأمة باعتبار اتصافهم بما فصل من ~~النعوت الجليلة، وما فيه من معنى البعد للإيذان بعلو درجتهم وسمو ~~طبقتهم في الفضل، وإيثاره على الضمير للإشعار بعلة الحكم والمدح أي ~~أولئك المنعوتون بتلك الصفات الفاضلة بسبب اتصافهم بها { من ~~الصلحين } أي من جملة من صلحت أحوالهم عند الله عز وجل ~~واستحقوا رضاه وثناءه { وما يفعلوا من خير } كائنا ما كان ~~مما ذكر أو لم يذكر { فلن يكفروه } أي لن يعدموا ثوابه ~~البتة، عبر عنه بذلك كما عبر عن توفية الثواب بالشكر إظهارا لكمال ~~تنزهه سبحانه وتعالى عن ترك ms0531 إثابتهم بتصويره بصورة ما يستحيل صدوره ~~عنه تعالى من القبائح، وتعديته إلى مفعولين بتضمين معنى الحرمان، ~~وإيثار صيغة البناء للمفعول للجري على سنن الكبرياء وقرىء الفعلان ~~على صيغة الخطاب. # { والله عليم بالمتقين } تذييل مقرر ما قبله، فإن ~~علمه تعالى بأحوالهم يستدعي توفية أجورهم لا محالة، والمراد ~~بالمتقين إما الأمة المعهودة، وضع موضع الضمير العائد إليهم مدحا ~~لهم وتعيينا لعنوان تعلق العلم بهم وإشعارا بمناط إثابتهم هو ~~التقوى المنطوية على الخصائص السالفة وإما جنس المتقين عموما وهم ~~مندرجون تحت حكمه اندراجا أوليا. ### || [3.116-117] # { إن الذين كفروا } أي بما يجب أن يؤمن به. قال ابن عباس ~~رضي الله عنهما: هم بنو قريظة والنضير فإن معاندتهم كانت لأجل المال، ~~وقيل: هم مشركو قريش فإن أبا جهل كان كثير الافتخار بماله، وقيل: أبو ~~سفيان وأصحابه فإنه أنفق مالا كثيرا على الكفار يوم بدر وأحد، ~~وقيل: هم الكفار كافة فإنهم فاخروا بالأموال والأولاد حيث قالوا: نحن ~~أكثر أموالا وأولادا وما نحن بمعذبين، فرد الله عز وجل عليهم ~~وقال: { لن تغنى عنهم } أي لن تدفع عنهم { أمولهم ولا ~~أولدهم من الله } أي من عذابه تعالى { شيئا } أي شيئا ~~يسيرا منه أو شيئا من الإغناء { وأولئك أصحب النار } أي ~~مصاحبوها على الدوام وملازموها { هم فيها خلدون } أبدا. # { مثل ما ينفقون فى هذه الحيوة الدنيا } بيان ~~لكيفية عدم إغناء أموالهم التي كانوا يعولون عليها في جلب المنافع ~~ودفع المضار ويعلقون بها أطماعهم الفارغة، و { ما } موصولة ~~اسمية حذف عائدها أي حال ما ينفقه الكفرة قربة أو مفاخرة وسمعة ~~أو المنافقون رياء وخوفا وقصته العجيبة التي تجري مجرى المثل في ~~الغرابة { كمثل ريح فيها صر } أي برد شديد فإنه في الأصل ~~مصدر وإن شاع إطلاقه على الريح الباردة كالصرصر، وقيل: كلمة في ~~تجريدية كما في قوله تعالى: # لقد كان لكم فى رسول الله أسوة حسنة # [الأحزاب، الآية 21] { أصابت حرث قوم ظلموا أنفسهم } ~~بالكفر والمعاصي فباءوا بغضب من الله، وإنما وصفوا بذلك لأن الإهلاك عن ~~سخط أشد وأفظع { فأهلكته } عقوبة ms0532 لهم ولم تدع منه أثرا ~~ولا عثيرا والمراد تشبيه ما أنفقوا في ضياعه وذهابه بالكلية من ~~غير أن يعود إليهم نفع ما بحرث [قوم] كفار ضربته صر فاستأصلته ~~ولم يبق لهم فيه منفعة ما بوجه من الوجوه، وهو من التشبيه المركب ~~الذي مر تفصيله في تفسير قوله تعالى: { كمثل الذى استوقد ~~نارا } ولذلك لم يبال بإيلاء كلمة التشبيه الريح دون الحرث، ~~ويجوز أن يراد مثل إهلاك ما ينفقون كمثل إهلاك ريح أو مثل ما ~~ينفقون كمثل مهلك ريح وهو الحرث وقرىء تنفقون { وما ظلمهم ~~الله } بما بينه من ضياع ما أنفقوا من الأموال { ولكن ~~أنفسهم يظلمون } لما أضاعوها بإنفاقها لا على ما ينبغي، ~~وتقديم المفعول لرعاية الفواصل لا للتخصيص، إذ الكلام في الفعل ~~باعتبار تعلقه بالفاعل لا بالمفعول أي ما ظلمهم الله ولكن ظلموا ~~أنفسهم، وصيغة المضارع للدلالة على التجدد والاستمرار، وقد جوز ~~أن يكون المعنى وما ظلم الله تعالى أصحاب الحرث بإهلاكه ولكنهم ظلموا ~~أنفسهم بارتكاب ما استحقوا به العقوبة، ويأباه أنه قد مر التعرض له ~~تصريحا، وقرىء ولكن بالتشديد على أن أنفسهم اسمها ويظلمون خبرها ~~والعائد محذوف للفاصلة أي ولكن أنفسهم يظلمونها، وأما تقدير ضمير ~~الشأن فلا سبيل إليه لاختصاصه بالشعر ضرورة كما في قوله: [الطويل] # [وما كنت ممن يدخل العشق قلبه] # ولكن من يبصر جفونك يعشق ### || [3.118-119] # { يأيها الذين ءامنوا لا تتخذوا بطانة } بطانة ~~الرجل ووليجته من يعرفه أسراره ثقة به، شبه ببطانة الثوب كما ~~شبه بالشعار، قال عليه الصلاة والسلام: # " الأنصار شعار والناس دثار " # قال ابن عباس رضي الله عنهما: كان رجال من المؤمنين يواصلون اليهود لما ~~بينهم من القرابة والصداقة والمحالفة فأنزل الله تعالى هذه الآية، ~~وقال مجاهد: نزلت في قوم من المؤمنين كانوا يواصلون المنافقين فنهوا ~~عن ذلك ويؤيده قوله تعالى: { وإذا لقوكم قالوا آمنا ~~وإذا خلوا عضوا عليكم الأنامل من الغيظ } [آل ~~عمران، الآية 119] وهي صفة المنافق وإيا ما كان فالحكم عام للكفرة ~~كافة { من دونكم } أي من دون المسلمين وهو متعلق بلا ms0533 تتخذوا أو ~~بمحذوف وقع صفة لبطانة أي كائنة من دونكم مجاوزة لكم. # { لا يألونكم خبالا } جملة مستأنفة مبينة لحالهم داعية ~~إلى الاجتناب عنهم أو صفة بطانة، يقال: ألا في الأمر إذا أقصر فيه ~~ثم استعمل معدى إلى مفعولين في قولهم: لا آلوك نصحا ولا آلوك ~~جهدا على تضمين معنى المنع والنقص، والخبال الفساد أي لا ~~يقصرون لكم في [تمني] الفساد { ودوا ما عنتم } أي تمنوا ~~عنتكم أي مشقتكم وشدة ضرركم وهو أيضا استئناف مؤكد للنهي موجب ~~لزيادة الاجتناب عن المنهي عنه { قد بدت البغضاء من ~~أفوههم } استئناف آخر مفيد لمزيد الاجتناب عن المنهي عنه أي ~~قد ظهرت البغضاء في كلامهم لما أنهم لا يتمالكون مع مبالغتهم في ضبط ~~أنفسهم وتحاملهم عليها أن ينفلت من ألسنتهم ما يعلم به بغضهم ~~للمسلمين. وقرىء قد بدا البغضاء، والأفواه جمع فم وأصله فوه فلامه ~~هاء يدل على ذلك جمعه على أفواه وتصغيره على فويه والنسبة إليه ~~فوهي { وما تخفى صدورهم أكبر } مما بدا لأن بدوه ليس ~~عن روية واختيار { قد بينا لكم الآيت } الدالة على ~~وجوب الإخلاص في الدين وموالاة المؤمنين ومعاداة الكافرين { إن ~~كنتم تعقلون } أي إن كنتم من أهل العقل أو إن كنتم تعقلون ما ~~بين لكم من الآيات، والجواب محذوف لدلالة المذكور عليه. # { هاأنتم أولاء } جملة من مبتدإ وخبر صدرت بحرف التنبيه ~~إظهارا لكمال العناية بمضمونها أي أنتم أولاء المخطئون في موالاتهم. ~~وقوله تعالى: { تحبونهم ولا يحبونكم } بيان لخطئهم في ~~ذلك وهو خبر ثان لأنتم أو خبر لأولاء والجملة خبر لأنتم كقولك: أنت ~~زيد تحبه، أو صلة له أو حال والعامل معنى الإشارة، ويجوز أن ~~ينتصب أولاء بفعل يفسره ما بعده وتكون الجملة خبرا { ~~وتؤمنون بالكتب كله } أي بجنس الكتب جميعا وهو حال من ~~ضمير المفعول في { لا يحبونكم } والمعنى لا يحبونكم والحال أنكم ~~تؤمنون بكتابهم فما بالكم تحبونهم وهم لا يؤمنون بكتابكم؟ وفيه توبيخ ~~بأنهم في باطلهم أصلب منكم في حقكم { وإذا لقوكم قالوا ~~آمنا } نفاقا { وإذا خلوا عضوا عليكم ms0534 الأنامل ~~من الغيظ } أي من أجله تأسفا وتحسرا حيث لم يجدوا إلى التشفي ~~سبيلا { قل موتوا بغيظكم } دعاء عليهم بدوام الغيظ ~~وزيادته بتضاعف قوة الإسلام وأهله إلى أن يهلكوا به أو باشتداده إلى ~~أن يهلكهم { إن الله عليم بذات الصدور } فيعلم ما في ~~صدوركم من العداوة والبغضاء والحنق وهو يحتمل أن يكون من المقول أي ~~وقل لهم: إن الله تعالى عليم بما هو أخفى مما تخفونه من عض الأنامل ~~غيظا، وأن يكون خارجا عنه بمعنى لا تتعجب من اطلاعي إياك على أسرارهم ~~فإني عليم بذات الصدور. # وقيل: هو أمر لرسول الله صلى الله عليه وسلم بطيب النفس وقوة الرجاء ~~والاستبشار بوعد الله تعالى أن يهلكوا غيظا بإعزاز الإسلام وإذلالهم ~~بقوته من غير أن يكون ثمة قول كأنه قيل: حدث نفسك بذلك. ### || [3.120-121] # { إن تمسسكم حسنة تسؤهم وإن تصبكم سيئة ~~يفرحوا بها } بيان لتناهي عداوتهم إلى حد أن حسدوا ما ~~نالهم من خير ومنفعة وشمتوا بما أصابهم من ضر وشدة. وذكر المس مع ~~الحسنة والإصابة مع السيئة إما للإيذان بأن مدار مساءتهم أدنى مراتب ~~إصابة الحسنة ومناط فرحهم تمام إصابة السيئة، وإما لأن المس ~~مستعار لمعنى الإصابة { وأن تصبروا } أي على عداوتهم أو على ~~مشاق التكاليف { وتتقوا } ما حرم الله تعالى عليكم ونهاكم عنه { ~~لا يضركم كيدهم } مكرهم وحيلتهم التي دبروها لأجلكم، ~~وقرىء لا يضركم بكسر الضاد وجزم الراء على جواب الشرط من ضاره يضيره ~~بمعنى ضره يضره، وضمة الراء في القراءة المشهورة للإتباع كضمة مد ~~{ شيئا } نصب على المصدرية أي لا يضركم شيئا من الضرر بفضل الله ~~وحفظه الموعود للصابرين والمتقين ولأن المجد في الأمر المتدرب ~~بالاتقاء والصبر يكون جريئا على الخصم { إن الله بما ~~يعملون } في عداوتكم من الكيد { محيط } علما فيعاقبهم على ذلك. ~~وقرىء بالتاء الفوقية أي بما تعملون من الصبر والتقوى فيجازيكم بما أنتم ~~أهله. # { وإذ غدوت } كلام مستأنف سيق للاستشهاد بما فيه من استتباع ~~عدم الصبر والتقوى للضرر، على أن وجودهما مستتبع لما وعد من ~~النجاة ms0535 من مضرة كيد الأعداء وإذ نصب على المفعولية بمضمر خوطب به ~~النبي صلى الله عليه وسلم خاصة مع عموم الخطاب فيما قبله وما بعده له ~~وللمؤمنين لاختصاص مضمون الكلام به عليه السلام أي واذكر لهم وقت ~~غدوك ليتذكروا ما وقع فيه من الأحوال الناشئة عن عدم الصبر فيعلموا ~~أنهم إن لزموا الصبر والتقوى لا يضرهم كيد الكفرة، وتوجيه الأمر ~~بالذكر إلى الوقت دون ما وقع فيه من الحوادث مع أنها المقصودة بالذات ~~للمبالغة في إيجابها كرها واستحضار الحادثة بتفاصيلها كما سلف ~~بيانه في تفسير قوله تعالى: # وإذ قال ربك للملئكة # [البقرة، الآية 30] الخ والمراد به خروجه عليه السلام إلى أحد وكان ~~ذلك من منزل عائشة رضي الله عنها وهو المراد بقوله تعالى: { من ~~أهلك } أي من عند أهلك { تبوئ المؤمنين } أي تنزلهم أو ~~تهييء وتسوي لهم { مقعد } ويؤيده قراءته من قرأ تبويء ~~المؤمنين، والجملة حال من فاعل غدوت لكن لا على أنها حال مقدرة أي ~~ناويا وقاصدا للتبوئة كما قيل بل على أن المقصود تذكير الزمان ~~الممتد المتسع لابتداء الخروج والتبوئة وما يترتب عليها إذ هو ~~المذكر للقصة، وإنما عبر عنه بالغدو الذي هو الخروج غدوة مع كون ~~خروجه عليه السلام بعد صلاة الجمعة كما ستعرفه، إذ حينئذ وقعت ~~التبوئة التي هي العمدة في الباب إذ المقصود بتذكير الوقت تذكير ~~مخالفتهم لأمر النبي صلى الله عليه وسلم وتزايلهم عن أحيازهم ~~المعينة لهم عند التبوئة وعدم صبرهم، وبهذا يتبين خلل رأي من احتج ~~به على جواز أداء صلاة الجمعة قبل الزوال، واللام في قوله تعالى: { ~~للقتال } إما متعلقة بتبويء أي لأجل القتال وإما بمحذوف وقع ~~صفة لمقاعد أي كائنة. # ومقاعد القتال أماكنه ومواقفه فإن استعمال المقعد والمقام بمعنى ~~المكان اتساعا شائع ذائع كما في قوله تعالى: # فى مقعد صدق # [القمر، الآية 55] وقوله تعالى: # قبل أن تقوم من مقامك # [النمل، الآية 39]. # روي أن المشركين نزلوا بأحد يوم الأربعاء فاستشار رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم أصحابه ودعا عبد الله عبد الله بن ms0536 أبي بن ~~سلول ولم يكن دعاه قبل ذلك، فاستشاره فقال عبد الله وأكثر الأنصار: ~~يا رسول الله أقم بالمدينة ولا تخرج إليهم فوالله ما خرجنا منها إلى ~~عدو قط إلا أصاب منا ولا دخلها علينا إلا أصبنا منه، فكيف وأنت فينا؟ ~~فدعهم فإن أقاموا أقاموا بشر محبس، وإن دخلوا قاتلهم الرجال في ~~وجوههم ورماهم النساء والصبيان بالحجارة، وإن رجعوا رجعوا خائبين، ~~وقال بعضهم: يا رسول الله اخرج بنا إلى هؤلاء الأكلب لا يرون أنا ~~قد جبنا عنهم، فقال عليه الصلاة والسلام: # " إني قد رأيت في منامي بقرا مذبحة حولي فأولتها خيرا ورأيت في ~~ذباب سيفي ثلما فأولته هزيمة، ورأيت كأني أدخلت يدي في درع ~~حصينة فأولتها المدينة، فإن رأيتم أن تقيموا بالمدينة فتدعوهم " # فقال رجال من المسلمين قد فاتتهم بدر وأكرمهم الله تعالى بالشهادة ~~يومئذ: اخرج بنا إلى أعدائنا، وقال النعمان بن مالك الأنصاري رضي ~~الله عنه: يا رسول الله لا تحرمني الجنة فوالذي بعثك بالحق لأدخلن ~~الجنة ثم قال بقولي: أشهد أن لا إله إلا الله وأني لا ~~أفر من الزحف، فلم يزالوا به عليه السلام حتى دخل فلبس لاءمته ~~فلما رأوه كذلك ندموا وقالوا: بئسما صنعنا نشير على رسول الله والوحي ~~يأتيه وقالوا: اصنع يا رسول الله ما رأيت، فقال: # " ما ينبغي لنبي أن يلبس لاءمته فيضعها حتى يقاتل " # فخرج يوم الجمعة بعد صلاة الجمعة وأصبح بالشعب من أحد يوم السبت ~~للنصف من شوال لسنة ثلاث من الهجرة فمشى على رجليه فجعل يصف ~~أصحابه للقتال فكأنما يقوم بهم القدح إن رأى صدرا خارجا قال: ~~«تأخر»، وكان نزوله في عدوة الوادي وجعل ظهره وعسكره إلى أحد ~~وأمر عبد الله بن جبير على الرماة وقال لهم: انضحوا عنا ~~بالنبل لا يأتونا من ورائنا ولا تبرحوا من مكانكم فلن نزال غالبين ما ~~ثبتم مكانكم { والله سميع } لأقوالكم { عليم } بضمائركم ~~والجملة اعتراض للإيذان بأنه قد صدر عنهم هناك من الأقوال والأفعال ما ~~لا ينبغي صدوره عنهم. ### || [3.122] # { إذ همت } بدل من إذ ms0537 غدوت مبين لما هو المقصود بالتذكير أو ~~ظرف لسميع عليم، على معنى أنه تعالى جامع بين سماع الأقوال ~~والعلم بالضمائر في ذلك الوقت إذ لا وجه لتقييد كونه تعالى سميعا ~~عليما بذلك الوقت. قال الفراء: معنى قولك: ضربت وأكرمت زيدا أن ~~زيدا منصوب بهما وأنهما تسلطا عليه معا. { طائفتان منكم أن ~~تفشلا } متعلق بهمت والباء محذوفة أي بأن تفشلا أي تجبنا ~~وتضعفا وهما حيان من الأنصار بنو سلمة من الخزرج وبنو حارثة من ~~الأوس، وهما الجناحان من عسكر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكانوا ~~ألف رجل وقيل: تسعمائة وخمسين وعدهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~الفتح إن صبروا فلما قاربوا عسكر الكفرة وكانوا ثلاثة آلاف انخذل ~~عبد الله بن أبي بثلث الناس فقال: يا قوم علام نقتل أنفسنا ~~وأولادنا فتبعهم عمرو بن حزم الأنصاري فقال: أنشدكم الله في نبيكم ~~وأنفسكم، فقال عبد الله: لو نعلم قتالا لاتبعناكم فهم الحيان ~~باتباع عبد الله فعصمهم الله تعالى فمضوا مع رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، وعن ابن عباس رضي الله عنهما: أضمروا أن يرجعوا فعزم الله ~~لهم على الرشد فثبتوا والظاهر أنها ما كانت إلا همة وحديث نفس قلما ~~تخلو النفس عنه عند الشدائد { والله وليهما } أي عاصمهما ~~عن اتباع تلك الخطرة، والجملة اعتراض ويجوز أن تكون حالا من فاعل ~~همت أو من ضميره في تفشلا مفيدة لاستبعاد فشلهما أو همهما به مع ~~كونهما في ولاية الله تعالى، وقرىء والله وليهم كما في قوله تعالى: # وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا # [الحجرات، الآية 9] { وعلى الله } وحده دون ما عداه مطلقا ~~استقلالا أو اشتراكا { فليتوكل المؤمنون } في جميع ~~أمورهم فإنه حسبهم. وإظهار الاسم الجليل للتبرك والتأميل فإن ~~الألوهية من موجبات التوكل عليه تعالى، واللام في المؤمنين للجنس ~~فيدخل فيه الطائفتان دخولا أوليا، وفيه إشعار بأن وصف الإيمان من ~~دواعي التوكل وموجباته. ### || [3.123-124] # { ولقد نصركم الله ببدر } جملة مستأنفة سيقت لإيجاب ~~الصبر والتقوى بتذكير ما ترتب عليهما من النصر إثر تذكير ما ترتب ms0538 على ~~عدمهما من الضرر، وقيل: لإيجاب التوكل على الله تعالى بتذكير ما يوجبه، ~~وبدر اسم ماء بين مكة والمدينة، كان رجل اسمه بدر بن كلدة ~~فسمي باسمه، وقيل: سمي به لصفائه كالبدر واستدارته، وقيل: هو ~~اسم الموضع أو الوادي وكانت وقعة بدر في السابع عشر من شهر رمضان ~~سنة اثنتين من الهجرة { وأنتم أذلة } حال من مفعول نصركم ~~وأذلة جمع ذليل وإنما جمع جمع قلة للإيذان باتصافهم حينئذ بوصفي ~~القلة والذلة إذ كانوا ثلثمائة وبضعة عشر وكان ضعف حالهم في ~~الغاية خرجوا على النواضح يعتقب النفر منهم على البعير الواحد ولم ~~يكن في العسكر إلا فرس واحد، وقيل: فرسان للمقداد ومرثد وتسعون ~~بعيرا وست أدرع وثمانية سيوف وكان العدو زهاء ألف ومعهم مائة ~~فرس وشكة وشوكة { فاتقوا الله } اقتصر على الأمر بالتقوى مع ~~كونه مشفوعا بالصبر فيما سبق وما لحق للإشعار بأصالته، وكون الصبر من ~~مباديه اللازمة له ولذلك قدم عليه في الذكر وفي ترتيب الأمر بالتقوى ~~على الإخبار بالنصر إيذان بأن نصرهم المذكور كان بسبب تقواهم أي إذا ~~كان الأمر كذلك فاتقوا الله كما اتقيتم يومئذ { لعلكم تشكرون ~~} أي راجين أن تشكروا ما ينعم به عليكم بتقواكم من النصرة كما شكرتم ~~فيما قبل، أو لعلكم ينعم الله عليكم بالنصر كما فعل ذلك من قبل، فوضع ~~الشكر موضع سببه الذي هو الإنعام. # { إذ تقول } تلوين للخطاب بتخصيصه برسول الله صلى الله عليه وسلم ~~لتشريفه والإيذان بأن وقوع النصر كان ببشارته عليه السلام { لهم } ~~وإذ ظرف لنصركم قدم عليه الأمر بالتقوى لإظهار كمال العناية به، ~~والمراد به الوقت الممتد الذي وقع فيه ما ذكر بعده وما طوي ذكره ~~تعويلا على شهادة الحال مما يتعلق به وجود النصر، وصيغة المضارع ~~لحكاية الحال الماضية لاستحضار صورتها أي نصركم وقت قولك: { ~~للمؤمنين } حين أظهروا العجز عن المقاتلة. قال الشعبي: بلغ ~~المؤمنين أن كرز بن جابر الحنفي يريد أن يمد المشركين فشق ذلك ~~على المؤمنين فنزل حينئذ ثم حكي ههنا { ألن يكفيكم أن ~~يمدكم ربكم ms0539 بثلاثة آلاف } الكفاية سد الخلة والقيام ~~بالأمر، والإمداد في الأصل إعطاء الشيء حالا بعد حال. قال المفضل: ~~ما كان منه بطريق التقوية والإعانة يقال فيه: أمده يمده إمدادا ~~وما كان بطريق الزيادة يقال فيه: مده يمده مدا ومنه # والبحر يمده من بعده سبعة أبحر # [لقمان، الآية 27] وقيل: المد في الشر كما في قوله تعالى: # ويمدهم في طغينهم يعمهون # [البقرة، الآية 15] وقوله: # ونمد له من العذاب مدا # [مريم، الآية 79] والإمداد في الخير كما في قوله تعالى: # وأمددنكم بأمول وبنين # [الإسراء، الآية 6] والتعرض لعنوان الربوبية ههنا وفيما سيأتي مع ~~الإضافة إلى ضمير المخاطبين لإظهار العناية بهم والإشعار بعلة ~~الإمداد، والمعنى إنكار عدم كفاية الإمداد بذلك المقدار ونفيه. ~~وكلمة { لن } للإشعار بأنهم كانوا حينئذ كالآيسين من النصر لضعفهم ~~وقلتهم وقوة العدو وكثرتهم { من الملئكة } بيان أو صفة ~~لآلاف أو لما أضيف إليه أي كائنين من الملائكة { منزلين } صفة ~~لثلاثة آلاف ثم خمسة آلاف. وقرىء مبنيا للفاعل من الصيغتين أي ~~منزلين النصر. ### || [3.125] # { بلى } إيجاب لما بعد { لن } وتحقيق له أي بلى يكفيكم ذلك ثم ~~وعدهم الزيادة بشرط الصبر والتقوى حثا لهم عليهما وتقوية لقلوبهم ~~فقال: { إن تصبروا } على لقاء العدو ومناهضتهم { وتتقوا } ~~معصية الله ومخالفة نبيه عليه الصلاة والسلام { ويأتوكم } أي ~~المشركون { من فورهم هذا } أي من ساعتهم هذه، وهو في الأصل ~~مصدر فارت القدر أي اشتد غليانها ثم استعير للسرعة ثم أطلق على ~~كل حالة لا ريث فيها أصلا، ووصفه بهذا لتأكيد السرعة بزيادة تعيينه ~~وتقريبه. ونظم إتيانهم بسرعة في سلك شرطي الإمداد المستتبعين له ~~وجودا وعدما أعني الصبر والتقوى مع تحقق الإمداد لا محالة سواء ~~أسرعوا أو أبطأوا لتحقيق أصله أو لبيان تحققه على أي حال فرض، ~~على أبلغ وجه وآكده بتعليقه بأبعد التقادير ليعلم تحققه على ~~سائرها بالطريق الأولى، فإن هجوم الأعداء وإتيانهم بسرعة من مظان ~~عدم لحوق المدد عادة، فعلق به تحقق الإمداد إيذانا بأنه حيث ~~تحقق مع ما ينافيه عادة فلأن يتحقق بدونه أولى وأحرى كما إذا أردت ms0540 ~~وصف درع بغاية الحصانة تقول: إن لبستها وبارزت بها الأعداء فضربوك ~~بأيد شداد وسيوف حداد لم تتأثر منها قطعا { يمددكم ~~ربكم بخمسة ءالاف من الملئكة مسومين } من ~~التسويم الذي هو إظهار سيما الشيء أي معلمين أنفسهم أو خيلهم، فقد ~~روي أنهم كانوا بعمائم بيض إلا جبريل عليه السلام فإنه كان بعمامة ~~صفراء على مثال الزبير بن العوام، وروي أنهم كانوا على خيل بلق. ~~قال عروة بن الزبير: كانت الملائكة على خيل بلق عليهم عمائم بيض ~~قد أرسلوها بين أكتافهم. وقال هشام بن عروة: عمائم صفر. وقال ~~قتادة والضحاك: كانوا قد أعلموا بالعهن في نواصي الخيل وأذنابها، ~~روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه: # " تسوموا فإن الملائكة قد تسومت " # وقرىء مسومين على البناء للمفعول ومعناه معلمين من جهته سبحانه، ~~وقيل: مرسلين من التسويم بمعنى الإسامة. ### || [3.126] # { وما جعله الله } كلام مبتدأ غير داخل في حيز القول ~~مسوق من جنابه تعالى لبيان أن الأسباب الظاهرة بمعزل من التأثير وأن ~~حقيقة النصر مختص به عز وجل ليثق به المؤمنون ولا يقنطوا منه عند ~~فقدان أسبابه وأماراته، معطوف على فعل مقدر ينسحب عليه الكلام ~~ويستدعيه النظام فإن الإخبار بوقوع النصر على الإطلاق وتذكير وقته ~~وحكاية الوعد بوقوعه على وجه مخصوص هو الإمداد بالملائكة مرة بعد ~~أخرى، وتعيين وقته فيما مضى يقضي بوقوعه حينئذ قضاء قطعيا لكن لم ~~يصرح به تعويلا على تعاضد الدلائل وتآخذ الأمارات والمخايل ~~وإيذانا بكمال الغنى عنه بل احتراز عن شائبة التكرير أو عن إيهام ~~احتمال الخلف في الوعد المحتوم كأنه قيل: عقيب قوله تعالى: # يمددكم ربكم بخمسة ءالاف من الملئكة ~~مسومين # [آل عمران، الآية: 125] فأمدكم بهم وما جعله الله الخ. والجعل متعد ~~إلى واحد هو الضمير العائد إلى مصدر ذلك الفعل المقدر وأما عوده إلى ~~المصدر المذكور أعني قوله تعالى: { أن يمدكم } أو إلى المصدر ~~المدلول عليه بقوله تعالى: { يمددكم } كما قيل فغير حقيق بجزالة ~~التنزيل لأن الهيئة البسيطة متقدمة على المركبة، فبيان العلة ~~الغائبة لوجود الإمداد كما ms0541 هو المراد بالنظم الكريم حقه أن يكون بعد ~~بيان وجوده في نفسه، ولا ريب في أن المصدرين المذكورين غير ~~معتبرين من حيث الوجود والوقوع كمصدر الفعل المقدر حتى ~~يتصدى لبيان أحكام وجودهما بل الأول معتبر من حيث الكفاية ~~والثاني من حيث الوعد على أن الأول هو الإمداد بثلاثة آلاف وقوله ~~تعالى: { إلا بشرى لكم } استثناء مفرغ من أعم العلل، ~~وتلوين الخطاب لتشريف المؤمنين وللإيذان بأنهم المحتاجون إلى البشارة ~~وتسكين القلوب بتوفيق الأسباب الظاهرة وأن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم غني عنه بما له من التأييد الروحاني أي وما جعل إمدادكم بإنزال ~~الملائكة عيانا لشيء من الأشياء إلا للبشرى لكم بأنكم تنصرون { ~~ولتطمئن قلوبكم به } أي بالإمداد وتسكن إليه كما كانت ~~السكينة لبني إسرائيل كذلك، فكلاهما علة غائية للجعل، وقد نصب ~~الأول لاجتماع شرائطه من اتحاد الفاعل والزمان وكونه مصدرا مسوقا ~~للتعليل، وبقي الثاني على حاله لفقدانها، وقيل: للإشارة أيضا إلى ~~أصالته في العلية وأهميته في نفسه كما في قوله تعالى: # والخيل والبغال والحمير لتركبوها وزينة # [النحل، الآية 8] وفي قصر الإمداد عليهما إشعار بأن الملائكة عليهم ~~السلام لم يباشروا يومئذ القتال وإنما كان إمدادهم بتقوية قلوب ~~المباشرين بتكثير السواد ونحوه كما هو رأي بعض السلف رضي الله عنه. ~~وقيل: الجعل متعد إلى اثنين وقوله عز وجل: { إلا بشرى لكم } ~~استثناء من أعم المفاعيل أي وما جعله الله تعالى شيئا من الأشياء إلا ~~بشارة لكم فاللام في قوله تعالى: { ولتطمئن } متعلقة بمحذوف ~~تقديره ولتطمئن قلوبكم به فعل ذلك. # { وما النصر } أي حقيقة النصر على الإطلاق فيندرج في حكمة ~~النصر المعهود اندراجا أوليا { إلا من عند الله } أي إلا ~~كائن من عنده تعالى من غير أن يكون فيه شركة من جهة الأسباب ~~والعدد، وإنما هي مظاهر له بطريق جريان سنته تعالى أو وما النصر ~~المعهود إلا من عنده تعالى لا من عند الملائكة فإنهم بمعزل من التأثير ~~وإنما قصارى أمرهم ما ذكر من البشارة وتقوية القلوب { العزيز } ~~أي الذي لا يغالب في ms0542 حكمه وأقضيته، وإجراء هذا الوصف عليه تعالى ~~للإشعار بعلة اختصاص النصر به تعالى كما أن وصفه بقوله: { الحكيم ~~} أي الذي يفعل كل ما يفعل حسبما تقتضيه الحكمة والمصلحة للإيذان ~~بعلة جعل النصر بإنزال الملائكة فإن ذلك من مقتضيات الحكم البالغة. ### || [3.127-128] # { ليقطع } متعلق بقوله تعالى: # ولقد نصركم # [آل عمران، الآية: 123]، وما بينهما تحقيق لحقيقته وبيان لكيفية ~~وقوعه والمقصور على التعليل بما ذكر من البشرى والاطمئنان إنما هو ~~الإمداد بالملائكة على الوجه المذكور فلا يقدح ذلك في تعليل أصل ~~النصر بالقطع وما عطف عليه أو بما تعلق به الخبر في قوله عز وعلا: # وما النصر إلا من عند الله # [آل عمران، الآية: 126، الأنفال، الآية: 10] على تقدير كونه عبارة عن ~~النصر المعهود، وقد أشير إلى أن المعلل بالبشارة والاطمئنان إنما ~~هو الإمداد الصوري لا ما في ضمنه من النصر المعنوي الذي هو ملاك ~~الأمر، وأما تعلقه بنفس النصر كما قيل فمع ما فيه من الفصل بين ~~المصدر ومعموله بأجنبي هو الخبر مخل بسداد المعنى، كيف لا ومعناه ~~قصر النصر المخصوص المعلل بعلل معينة على الحصول من جهته تعالى، ~~وليس المراد إلا قصر حقيقة النصر أو النصر المعهود على ذلك، ~~والمعنى لقد نصركم الله يومئذ أو وما النصر الظاهر عند إمداد ~~الملائكة إلا ثابت من عند الله ليقطع أي يهلك وينقص { طرفا ~~من الذين كفروا } أي طائفة منهم بقتل وأسر وقد وقع ذلك حيث ~~قتل من رؤسائهم وصناديدهم سبعون وأسر سبعون { أو يكبتهم } أي ~~يخزيهم ويغيظهم بالهزيمة، فإن الكبت شدة غيظ أو وهن يقع في القلب ~~من كبته بمعنى كبده إذا ضرب كبده بالغيظ والحرقة، وقيل: الكبت ~~الإصابة بمكروه، وقيل: هو الصرع للوجه واليدين، فالتاء حينئذ غير ~~مبدلة وأو للتنويع { فينقلبوا خائبين } أي فينهزموا منقطعي ~~الآمال غير فائزين من مبتغاهم بشيء كما في قوله تعالى: # ورد الله الذين كفروا بغيظهم لم ينالوا ~~خيرا # [الأحزاب، الآية: 25]. # { ليس لك من الأمر شىء } اعتراض وسط بين المعطوف عليه ~~المتعلق بالعاجل والمعطوف المتعلق بالآجل لتحقيق أن لا ms0543 تأثير ~~للمنصورين إثر بيان أن لا تأثير للناصرين، وتخصيص النفي برسول الله ~~صلى الله عليه وسلم على طريق تلوين االخطاب للدلالة على الانتفاء من ~~غيره بالطريق الأولى، وإنما خص الاعتراض بموقعه لأن ما قبله من القطع ~~والكبت من مظان أن يكون فيه لرسول الله صلى الله عليه وسلم ولسائر ~~مباشري القتال مدخل في الجملة { أو يتوب عليهم أو ~~يعذبهم } عطف على يكبتهم والمعنى أن مالك أمرهم على الإطلاق ~~هو الله عز وجل نصركم عليهم ليهلكهم أو يكبتهم أو يتوب عليهم إن ~~أسلموا أو يعذبهم إن أصروا [على الكفر] وليس لك من أمرهم شيء إنما أنت ~~عبد مأمور بإنذارهم وجهادهم والمراد بتعذيبهم التعذيب الشديد ~~الأخروي المخصوص بأشد الكفرة كفرا، وإلا فمطلق التعذيب ~~الأخروي متحقق في الفريقين الأولين أيضا، ونظم التوبة والتعذيب ~~المذكور في سلك العلة الغائية للنصر المترتبة عليه في الوجود من حيث ~~إن قبول توبتهم فرع تحققها الناشىء من علمهم بحقية الإسلام بسبب ~~غلبة أهله المترتبة على النصر، وأن تعذيبهم بالعذاب المذكور مترتب ~~على إصرارهم على الكفر بعد تبين الحق على الوجه المذكور. # هذا وقيل: إن عتبة بن أبي وقاص شج رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يوم أحد وكسر رباعيته فجعل عليه الصلاة والسلام يمسح الدم عن ~~وجهه وسالم مولى أبي حذيفة يغسل عن وجهه الدم وهو يقول: كيف ~~يفلح قوم خضبوا وجه نبيهم بالدم وهو يدعوهم إلى ربهم فنزلت { ~~ليس لك من الأمر شىء } الآية. كأنه نوع معاتبة على إنكاره ~~عليه السلام لفلاحهم، وقيل: أراد أن يدعو عليهم فنهاه الله تعالى لعلمه ~~بأن منهم من يؤمن فقوله تعالى: { أو يتوب عليهم } حينئذ ~~معطوف على الأمر أو على شيء بإضمار أن أي ليس لك من أمرهم أو من التوبة ~~عليهم أو من تعذيبهم شيء، أو ليس لك من أمرهم شيء أو التوبة عليهم أو ~~تعذيبهم. ونقل عن الفراء وابن الأنباري أن { أو } بمعنى إلا أن ~~والمعنى ليس لك من أمرهم شيء إلا أن يتوب الله عليهم فتفرح به أو ms0544 ~~يعذبهم فتتشفى منهم، وأيا ما كان فهو كلام مستأنف سيق لبيان بعض ~~الأمور المتعلقة بغزوة أحد إثر بيان بعض ما يتعلق بغزوة بدر لما ~~بينهما من التناسب الظاهر لأن كلا منهما مبني على اختصاص الأمر ~~كله بالله تعالى ومنبىء عن سلبه عما سواه. # وأما تعلق كل القصة بغزوة أحد، على أن قوله تعالى: # إذ تقول # [آل عمران، الآية: 124] بدل ثان من إذ غدوت وأن ما حكي عن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم قد وقع يوم أحد وأن الإمداد الموعود كان مشروطا ~~بالصبر والتقوى فلما لم يفعلوا لم يتحقق الموعود كما قيل فلا يساعده ~~النظم الكريم أما أولا فلأن المشروط بالصبر والتقوى إنما هو ~~الإمداد بخمسة آلاف لا بثلاثة آلاف مع أنه لم يقع الإمداد يومئذ ولا ~~بملك واحد، وأما ثانيا فلأنه كان ينبغي حينئذ أن ينعى عليهم ~~جنايتهم وحرمانهم بسببها تلك النعمة الجليلة، ودعوى ظهوره مع عدم ~~دلالة السباق والسياق عليه بل مع دلالتهما على خلافه مما لا يكاد ~~يسمع، وأما ثالثا فلأنه لا سبيل إلى جعل الضمير في قوله تعالى: # وما جعله الله # [آل عمران، الآية 126] الخ، عائدا إلى الإمداد الموعود لأنه لم يتحقق ~~فكيف يبين علته الغائية، ولا إلى الوعد به على معنى أنه تعالى ~~إنما جعل ذلك الوعد لبشارتكم واطمئنان قلوبكم فلم تفعلوا ما شرط ~~عليكم من الصبر والتقوى فلم يقع إنجاز الموعود لما أن قوله تعالى: # وما النصر إلا من عند الله العزيز الحكيم # [آل عمران، الآية 126] صريح في أنه قد وقع الإمداد الموعود لكن أثره ~~إنما هو مجرد البشارة والاطمئنان وقد حصلا، وأما النصر الحقيقي فليس ~~ذلك إلا من عنده تعالى. # وجعله استئنافا مقررا لعدم وقوع الإمداد على معنى أن النصر ~~الموعود مخصوص به تعالى فلا ينصر من خالف أمره بترك الصبر والتقوى ~~اعتساف بين يجب تنزيه التنزيل عن أمثاله على أن قوله تعالى: { ~~ليقطع طرفا } [آل عمران، الآية 127] الآية، متعلق حينئذ بما ~~تعلق به قوله تعالى: # من عند الله # [آل عمران، الآية 126] من ms0545 الثبوت والاستقرار ضرورة أن تعلقه بقوله ~~تعالى: # ولقد نصركم الله ببدر # [آل عمران، الآية 123] الآية، مع كون ما بينهما من التفصيل متعلقا ~~بوقعة أحد من قبيل الفصل بين الشجر ولحائه فلا بد من اعتبار ~~وجود النصر قطعا لأن تفصيل الأحكام المترتبة على وجود شيء بصدد ~~بيان انتفائه مما لا يعهد في كلام الناس فضلا عن الكلام المجيد. ~~فالحق الذي لا محيد عنه أن قوله تعالى: # إذ تقول # [آل عمران، الآية 124] ظرف لنصركم وأن ما حكي في أثنائه إلى قوله ~~تعالى: { خائبين } [آل عمران، الآية 127] متعلق بيوم بدر قطعا ~~وما بعده محتمل للوجهين المذكورين، وقوله تعالى: { فإنهم ~~ظلمون } تعليل على كل حال لقوله تعالى: { أو يعذبهم } [آل ~~عمران، الآية: 128] مبين لكون ذلك من جهتهم وجزاء لظلمهم. ### || [3.129-131] # { ولله ما فى السموات وما في الأرض } كلام مستأنف ~~سيق لبيان اختصاص ملكوت كل الكائنات به عز وجل إثر بيان اختصاص ~~طرف من ذلك به سبحانه تقريرا لما سبق وتكملة له. وتقديم الجار ~~للقصر، وكلمة { ما } شاملة للعقلاء أيضا تغليبا أي له ما فيهما من ~~الموجودات خلقا وملكا لا مدخل فيه لأحد أصلا فله الأمر كله { ~~يغفر لمن يشاء } أن يغفر له مشيئة مبنية على الحكمة والمصلحة ~~{ ويعذب من يشاء } أن يعذبه بعمله مشيئة كذلك. وإيثار كلمة ~~{ من } في الموضعين لاختصاص المغفرة والتعذيب بالعقلاء، وتقديم ~~المغفرة على التعذيب للإيذان بسبق رحمته تعالى غضبه وبأنها من مقتضيات ~~الذات دونه فإنه من مقتضيات سيئات العصاة، وهذا صريح في نفي وجوب ~~التعذيب، والتقييد بالتوبة وعدمها كالمنافي له { والله غفور ~~رحيم } تذييل مقرر لمضمون قوله تعالى: { يغفر لمن يشاء } ~~[آل عمران، الآية: 129] مع زيادة، وفي تخصيص التذييل به دون قرينة من ~~الاعتناء بشأن المغفرة والرحمة ما لا يخفى. # { يأيها الذين ءامنوا لا تأكلوا الربوا } كلام ~~مبتدأ مشتمل على ما هو ملاك الأمر في كل باب لا سيما في باب ~~الجهاد من التقوى والطاعة وما بعدهما من الأمور المذكورة على نهج ~~الترغيب والترهيب جيء به في تضاعيف القصة مسارعة ms0546 إلى إرشاد ~~المخاطبين إلى ما فيه، وإيذانا بكمال وجوب المحافظة عليه فيما هم ~~فيه من الجهاد، فإن الأمور المذكورة فيه مع كونها مناطا للفوز في ~~الدارين على الإطلاق عمدة في أمر الجهاد، عليها يدور فلك النصرة ~~والغلبة، كيف لا ولو حافظوا على الصبر والتقوى وطاعة الرسول صلى الله ~~عليه وسلم لما لقوا ما لقوا، ولعل إيراد النهي عن الربا في أثنائها ~~لما أن الترغيب في الإنفاق في السراء والضراء الذي عمدته الإنفاق ~~في سبيل الجهاد متضمن للترغيب في تحصيل المال فكان مظنة مبادرة ~~الناس طرق الاكتساب ومن جملتها الربا، فنهوا عن ذلك، والمراد بأكله ~~أخذه، وإنما عبر عنه بالأكل لما أنه معظم ما يقصد بالأخذ، ولشيوعه في ~~المأكولات مع ما فيه من زيادة تشنيع، وقوله عز وجل: { أضعفا ~~مضعفة } ليس لتقييد النهي به بل لمراعاة ما كانوا عليه ممن ~~العادة توبيخا لهم بذلك إذ كان الرجل يربي إلى أجل فإذا حل قال ~~للمدين: زدني في المال حتى أزيدك في الأجل فيفعل، وهكذا عند محل ~~كل أجل فيستغرق بالشيء الطفيف ماله بالكلية. ومحله بالنصب على ~~الحالية من الربا وقرىء مضعفة { واتقوا الله } فيما نهيتم ~~عنه من الأعمال التي من جملتها الربا { لعلكم تفلحون } راجين ~~للفلاح { واتقوا النار التى أعدت للكفرين } ~~بالتحرر عن متابعتهم وتعاطي ما يتعاطونه. كان أبو حنيفة رحمه الله ~~تعالى يقول: هي أخوف آية في القرآن حيث أوعد الله المؤمنين بالنار ~~المعدة للكافرين إن لم يتقوه في اجتناب محارمه. ### || [3.132-134] # { وأطيعوا الله } في كل ما أمركم به ونهاكم عنه { والرسول ~~} الذي يبلغكم أوامره ونواهيه { لعلكم ترحمون } راجين ~~لرحمته. عقب الوعيد بالوعد ترهيبا عن المخالفة وترغيبا في الطاعة، ~~وإيراد { لعل } في الموضعين للإشعار بعزة منال الفلاح والرحمة. ~~قال محمد بن إسحاق: هذه الآية معاتبة للذين عصوا رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم حين أمرهم بما أمرهم يوم أحد. # { وسارعوا } عطف على أطيعوا، وقرىء بغير واو على وجه الاستئناف ~~أي بادروا وأقبلوا وقرىء وسابقوا { إلى مغفرة من ربكم ~~وجنة } أي إلى ms0547 ما يؤدي إليهما، وقيل: إلى الإسلام، وقيل: إلى ~~التوبة، وقيل: إلى الإخلاص، وقيل: إلى الجهاد، وقيل: إلى أداء جميع ~~الواجبات وترك جميع المنهيات فيدخل فيها ما مر من الأمور المأمور ~~بها والمنهي عنها دخولا أوليا. وتقديم المغفرة على الجنة لما أن ~~التخلية متقدمة على التحلية ومن متعلقة بمحذوف وقع صفة لمغفرة أي ~~كائنة من ربكم. والتعرض لعنوان الربوبية مع الإضافة إلى ضمير ~~المخاطبين لإظهار مزيد اللطف بهم، وقوله تعالى: { عرضها ~~السموات والأرض } أي كعرضهما صفة لجنة، وتخصيص العرض ~~بالذكر للمبالغة في وصفها بالسعة والبسطة على طريقة التمثيل فإن ~~العرض في العادة أدنى من الطول. وعن ابن عباس رضي الله عنهما كسبع ~~سموات وسبع أرضين لو وصل بعضها ببعض { أعدت للمتقين } ~~في حيز الجر على أنه صفة أخرى لجنة أو في محل النصب على الحالية منها ~~لتخصصها بالصفة، أي هيئت لهم. وفيه دليل على أن الجنة مخلوقة ~~الآن وأنها خارجة عن هذا العالم { الذين ينفقون } في محل الجر ~~على أنه نعت للمتقين مادح لهم أو بدل منه أو بيان أو في حيز النصب ~~أو الرفع على المدح، ومفعول ينفقون محذوف ليتناول كل ما يصلح ~~للإنفاق أو متروك بالكلية كما في قولك: يعطي ويمنع { فى السراء ~~والضراء } في حالتي الرخاء والشدة واليسر والعسر، أو في الأحوال ~~كلها إذ الإنسان لا يخلو عن مسرة أو مضرة أي لا يخلون في حال ~~بإنفاق ما قدروا عليه من قليل أو كثير. # { والكظمين الغيظ } عطف على الموصول، والعدول إلى صيغة ~~الفاعل للدلالة على الاستمرار، وأما الإنفاق فحيث كان أمرا متجددا ~~عبر عنه بما يفيد الحدث وهو التجدد، والكظم الحبس يقال: كظم غيظه أي ~~حبسه، قال المبرد: تأويله أنه كتمه على امتلائه منه، يقال: كظمت ~~السقاء إذا ملأته وشددت عليه أي الممسكين عليه الكافين عن إمضائه ~~مع القدرة عليه، وعن النبي صلى الله عليه وسلم: # " من كظم غيظا وهو قادر على إنفاذه ملأ الله قلبه أمنا وإيمانا " # { والعفين عن الناس } أي التاركين عقوبة من استحق ~~مؤاخذته. روي ms0548 # " أنه ينادي مناد يوم القيامة: أين الذين كانت أجورهم على الله ~~تعالى؟ فلا يقوم إلا من عفا. وعن النبي صلى الله عليه وسلم: " إن هؤلاء ~~في أمتي قليل ألا من عصم الله وقد كانوا كثيرا في الأمم التي مضت " # وفي هذين الوصفين إشعار بكمال حسن موقع عفوه عليه الصلاة والسلام ~~عن الرماة وترك مؤاخذتهم بما فعلوا من مخالفة أمره عليه السلام وندب ~~له عليه السلام إلى ترك ما عزم عليه من مجازاة المشركين بما فعلوا ~~بحمزة رضي الله عنه حيث قال حين رآه قد مثل به: # " لأمثلن بسبعين مكانك " # { والله يحب المحسنين } اللام إما للجنس وهم داخلون فيه ~~دخولا أوليا وإما للعهد، عبر عنهم بالمحسنين إيذانا بأن النعوت ~~المعدودة من باب الإحسان الذي هو الإتيان بالأعمال على الوجه اللائق ~~الذي هو حسنها الوصفي المستلزم لحسنها الذاتي، وقد فسره عليه ~~السلام بقوله: # " أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك " # والجملة تذييل يقرر مضمون ما قبلها. ### || [3.135] # { والذين } مرفوع على الابتداء، وقيل: مجرور معطوف على ما قبله ~~من صفات المتقين، وقوله تعالى: { والله يحب المحسنين } ~~اعتراض بينهما مشير إلى ما بينهما من التفاوت، فإن درجة الأولين من ~~التقوى أعلى من درجة هؤلاء وحظهم، أو على نفس المتقين فيكون التفاوت ~~أكثر وأظهر { إذا فعلوا فحشة } أي فعلة بالغة في القبح ~~كالزنا { أو ظلموا أنفسهم } بأن أتوا ذنبا أي ذنب كان، ~~وقيل: الفاحشة الكبيرة، وظلم النفس الصغيرة، أو الفاحشة ما يتعدى ~~إلى الغير، وظلم النفس ما ليس كذلك. قيل: قال المؤمنون: يا رسول الله ~~كانت بنو إسرائيل أكرم على الله تعالى منا، كان أحدهم إذا أذنب أصبحت ~~كفارة ذنبه مكتوبة على عتبة داره افعل كذا فأنزل الله تعالى هذه ~~الآية. وقيل: إن نبهان التمار أتته امرأة حسناء تطلب منه تمرا ~~فقال لها: هذا التمر ليس بجيد وفي البيت أجود منه فذهب بها إلى بيته ~~فضمها إلى نفسه وقبلها فقالت له: اتق الله فتركها وندم على ذلك وأتى ~~النبي صلى الله ms0549 عليه وسلم وذكر له ذلك فنزلت، وقيل: جرى مثل هذا بين ~~أنصاري وامرأة رجل ثقفي كان بينهما مؤاخاة فندم الأنصاري وحثا ~~على رأسه التراب وهام على وجهه وجعل يسيح في الجبال تائبا مستغفرا ثم ~~أتى النبي صلى الله عليه وسلم فنزلت. وأيا ما كان فإطلاق اللفظ ينتظم ~~ما فعله الزناة انتظاما أوليا { ذكروا الله } تذكروا حقه ~~العظيم وجلاله الموجب للخشية والحياء أو وعيده أو حكمه وعقابه. # { فاستغفروا لذنوبهم } بالتوبة والندم، والفاء للدلالة ~~على أن ذكره تعالى مستتبع للاستغفار لا محالة { ومن يغفر ~~الذنوب } استفهام إنكاري، والمراد بالذنوب جنسها كما في قولك: ~~فلان يلبس الثياب ويركب الخيل لا كلها حتى يخل بما هو المقصود ~~من استحالة صدور مغفرة فرد منها عن غيره تعالى، وقوله تعالى: { إلا ~~الله } بدل من الضمير المستكن في يغفر أي لا يغفر جنس الذنوب أحد ~~إلا الله خلا أن دلالة الاستفهام عن الانتفاء أقوى وأبلغ لإيذانه بأن ~~كل أحد ممن له حظ من الخطاب يعرف ذلك الانتفاء فيسارع إلى الجواب ~~به، والمراد به وصفه سبحانه بغاية سعة الرحمة وعموم المغفرة، ~~والجملة معترضة بين المعطوفين أو بين الحال وصاحبها لتقرير ~~الاستغفار والحث عليه والإشعار بالوعد بالقبول { ولم يصروا } ~~عطف على فاستغفروا، وتأخيره عنه مع تقدم عدم الإصرار على الاستغفار ~~رتبة لإظهار الاعتناء بشأن الاستغفار واستحقاقه للمسارعة إليه عقيب ~~ذكره تعالى أو حال من فاعله ولم يقيموا أو غير مقيمين { على ما ~~فعلوا } أي ما فعلوه من الذنوب فاحشة كانت أو ظلما أو على فعلهم. ~~روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " ما أصر من استغفر وإن عاد في اليوم سبعين مرة " # وأنه لا كبيرة مع الاستغفار ولا صغيرة مع الإصرار { وهم ~~يعلمون } حال من فاعل يصروا أي لم يصروا على ما فعلوا وهم عالمون ~~بقبحه والنهي عنه والوعيد عليه. والتقييد بذلك لما أنه قد يعذر من ~~لا يعلم ذلك إذا لم يكن التقصير في تحصيل العلم به. ### || [3.136-137] # { أولئك } إشارة إلى المذكورين آخرا باعتبار اتصافهم بما ms0550 ~~مر من الصفات الحميدة، وما فيه من معنى البعد للإشعار ببعيد منزلتهم ~~وعلو طبقتهم في الفضل، وهو مبتدأ وقوله تعالى: { جزآؤهم } بدل ~~اشتمال منه وقوله تعالى: { مغفرة } خبر له أو جزاؤهم مبتدأ ثان ~~ومغفرة خبر له، والجملة خبر لأولئك، وهذه الجملة خبر لقوله تعالى # والذين إذا فعلوا # [آل عمران، الآية 135] الخ على الوجه الأول وهو الأظهر الأنسب بنظم ~~المغفرة المنبئة عن سابقة الذنب في سلك الجزاء، إذ على الوجهين يكون ~~قوله تعالى: { أولئك } الخ جملة مستأنفة مبينة لما قبلها ~~كاشفة عن حال كلا الفريقين المحسنين والتائبين، ولم يذكر من أوصاف ~~الأولين ما فيه شائبة الذنب حتى يذكر في مطلع الجزاء الشامل لهما ~~المغفرة، وتخصيص الإشارة بالآخرين مع اشتراكهما في حكم إعداد الجنة ~~لهما تعسف ظاهر { من ربهم } متعلق بمحذوف وقع صفة لمغفرة ~~مؤكدة لما أفاده التنوين من الفخامة الذاتية بالفخامة الإضافية أي ~~كائنة من جهته تعالى. والتعرض لعنوان الربوبية مع الإضافة إلى ضميرهم ~~للإشعار بعلة الحكم والتشريف { وجنت تجرى من تحتها ~~الأنهر } عطف على مغفرة، والتنكير المشعر بكونها أدنى من ~~الجنة السابقة مما يؤيد رجحان الوجه الأول { خلدين فيها } ~~حال مقدرة من الضمير في جزاؤهم لأنه مفعول به في المعنى لأنه في قوة ~~يجزيهم الله جنات خالدين فيها، ولا مساغ لأن يكون حالا من جنات في ~~اللفظ وهي لأصحابها في المعنى إذ لو كان كذلك لبرز الضمير. # { ونعم أجر العملين } المخصوص بالمدح محذوف أي ونعم ~~أجر العاملين ذلك، أي ما ذكر من المغفرة والجنات، والتعبير عنهما ~~بالأجر المشعر بأنهما يستحقان بمقابلة العمل وإن كان بطريق التفضل ~~لمزيد الترغيب في الطاعات والزجر عن المعاصي، والجملة تذييل مختص ~~بالتائبين حسب اختصاص التذييل السابق بالأولين وناهيك مضمونهما ~~دليلا على ما بين الفريقين من التفاوت النير والتباين البين، ~~شتان بين المحسنين الفائزين بمحبة الله عز وجل وبين العاملين الحائزين ~~لأجرتهم وعمالتهم. # { قد خلت من قبلكم سنن } رجوع إلى تفصيل بقية القصة ~~بعد تمهيد مبادىء الرشد والصلاح وترتيب مقدمات الفوز والفلاح. ~~والخلو المضي، والسنن الوقائع، ms0551 وقيل: الأمم. والظرف إما متعلق ~~بخلت أو بمحذوف وقع حالا من سنن أي قد مضت من قبل زمانكم أو كائنة ~~من قبلكم وقائع سنها الله تعالى في الأمم المكذبة كما في قوله تعالى: # وقتلوا تقتيلا سنة الله فى الذين خلوا # [الأحزاب، الآية 61، 62] الخ، والفاء في قوله تعالى: { فسيروا فى ~~الأرض فانظروا كيف كان عقبة المكذبين } ~~للدلالة على سببية خلوها للسير والنظر أو للأمر بهما، وقيل: المعنى ~~على الشرط: أي إن شككتم فسيروا الخ، وكيف خبر مقدم لكان معلق بفعل ~~النظر، والجملة في محل النصب بعد نزع الخافض لأن الأصل استعماله ~~بالجار. ### || [3.138-139] # { هذا } إشارة إلى ما سلف من قوله تعالى: # قد خلت # [آل عمران، الآية: 137] إلى آخره { بيان للناس } أي تبيين ~~لهم، على أن اللام متعلقة بالمصدر أو كائن لهم على أنها متعلقة ~~بمحذوف وقع صفة له، وتعريف الناس للعهد وهم المكذبون أي هذا إيضاح ~~لسوء عاقبة ما هم عليه من التكذيب فإن الأمر بالسير والنظر وإن كان ~~خاصا بالمؤمنين لكن العمل بموجبه غير مختص بواحد دون واحد ففيه حمل ~~للمكذبين أيضا على أن ينظروا في عواقب من قبلهم من أهل التكذيب ~~ويعتبروا بما يعانون من آثار دمارهم وإن لم يكن الكلام مسوقا لهم { ~~وهدى وموعظة } أي وزيادة بصيرة وموعظة لكم وإنما قيل: { ~~للمتقين } للإيذان بعلة الحكم فإن مدار كونه هدى وموعظة لهم ~~إنما هو تقواهم. ويجوز أن يراد بالمتقين الصائرين إلى التقوى والهدى ~~والموعظة على ظاهرهما، أي هذا بيان لمآل أمر الناس وسوء مغبته، ~~وهداية لمن اتقى منهم وزجر لهم عما هم عليه من التكذيب، وأن يراد به ~~ما يعمهم ويعم غيرهم من المتقين بالفعل، ويراد بالهدى والموعظة ~~أيضا ما يعم ابتداءهما والزيادة فيهما، وإنما قدم كونه بيانا ~~للمكذبين مع أنه غير مسوق له على كونه هدى وموعظة للمتقين، مع ~~أنه المقصود بالسياق لأن أول ما يترتب على مشاهدة آثار هلاك ~~أسلافهم ظهور حال أخلافهم، وأما زيادة الهدى أو أصله فأمر مترتب ~~عليه، وتخصيص البيان للناس مع شموله للمتقين ms0552 أيضا لما أن المراد به ~~مجرد البيان العاري عن الهدى والعظة، والاقتصار عليهما في جانب ~~المتقين مع ترتبهما على البيان لما أنهما المقصد الأصلي، ويجوز أن ~~يكون تعريف الناس للجنس أي هذا بيان للناس كافة، وهدى وموعظة ~~للمتقين منهم خاصة. وقيل: كلمة هذا إشارة إلى ما لخص من أمر المتقين ~~والتائبين والمصرين. وقوله تعالى: { قد خلت } الآية، اعتراض ~~للحث على الإيمان وما يستحق به ما ذكر من أجر العاملين. وأنت خبير ~~بأن الاعتراض لا بد أن يكون مقررا لمضمون ما وقع في خلاله، ومعاينة ~~آثار هلاك المكذبين مما لا تعلق له بحال أحد الأصناف الثلاثة ~~للمؤمنين وإن كان باعثا على الإيمان زاجرا عن التكذيب، وقيل: إشارة ~~إلى القرآن ولا يخفى بعده. # { ولا تهنوا ولا تحزنوا } تشجيع للمؤمنين وتقوية لقلوبهم ~~وتسلية عما أصابهم يوم أحد من القتل والقرح، وكان قد قتل يومئذ ~~خمسة من المهاجرين: حمزة بن عبد المطلب ومصعب بن عمير صاحب ~~راية رسول الله صلى الله عليه وسلم وعبد الله بن جحش ابن عمة ~~النبي صلى الله عليه وسلم وعثمان بن مظعون وسعد مولى عتبة رضوان ~~الله تعالى عليهم أجمعين، ومن الأنصار سبعون رجلا رضي الله عنهم أي لا ~~تضعفوا عن الجهاد بما نالكم من الجراح ولا تحزنوا على من قتل منكم { ~~وأنتم الأعلون } جملة حالية من فاعل الفعلين، أي والحال أنكم ~~الأعلون الغالبون دون عدوكم فإن مصير أمرهم إلى الدمار حسبما ~~شاهدتم من أحوال أسلافهم فهو تصريح بالوعد بالنصر والغلبة بعد ~~الإشعار به فيما سبق، أو وأنتم المعهودون بغاية علو الشان لما أنكم ~~على الحق وقتالكم لله عز وجل وقتلاكم في الجنة، وهم على الباطل ~~وقتالهم للشيطان وقتلاهم في النار، وقيل: وأنتم الأعلون حالا منهم، ~~حيث أصبتم منهم يوم بدر أكثر مما أصابوا منكم اليوم { إن كنتم ~~مؤمنين } متعلق بالنهي أو بالأعلون وجوابه محذوف لدلالة ما ~~تعلق به عليه، أي إن كنتم مؤمنين فلا تهنوا ولا تحزنوا فإن الإيمان ~~يوجب قوة القلب والثقة بصنع الله تعالى وعدم المبالاة ms0553 بأعدائه، أو إن ~~كنتم مؤمنين فأنتم الأعلون فإن الإيمان يقتضي العلو لا محالة أو إن ~~كنتم مصدقين بوعد الله تعالى فأنتم الأعلون. # وأيا ما كان فالمقصود تحقيق المعلق به كما في قوله الأجير: إن ~~كنت عملت لك فأعطني أجري ولذلك قيل: معناه إذ كنتم مؤمنين، وقيل: ~~معناه إن بقيتم على الإيمان. ### || [3.140] # { ن يمسسكم قرح فقد مس القوم قرح مثله } ~~القرح بالفتح والضم لغتان كالضعف والضعف وقد قرىء بهما، وقيل: هو ~~بالفتح الجراح وبالضم ألمها، وقرىء بفتحتين، وقيل: القرح والقرح ~~كالطرد والطرد، والمعنى إن نالوا منكم يوم أحد فقد نلتم منهم قبله ~~يوم بدر ثم لم يثبطهم عن معاودتكم بالقتال فأنتم أحق بأن لا ~~تضعفوا فإنكم ترجون من الله ما لا يرجون. وقيل: كلا المسين كان يوم ~~أحد فإن المسلمين نالوا منهم قبل أن يخالفوا أمر رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، قتلوا منهم نيفا وعشرين رجلا منهم صاحب لوائهم وجرحوا ~~عددا كثيرا وعقروا عامة خيلهم بالنبل { وتلك الأيام } إشارة ~~إلى الأيام الجارية فيما بين الأمم الماضية والآتية كافة لا إلى ~~الأيام المعهودة خاصة من يوم بدر ويوم أحد بل هي داخلة فيها ~~دخولا أوليا، والمراد بها أوقات الظفر والغلبة { نداولها ~~بين الناس } نصرفها بينهم نديل لهؤلاء تارة ولهؤلاء أخرى ~~كقول من قال: [المتقارب] # فيوما علينا ويوما لنا # ويوما نساء ويوما نسر # والمداولة كالمعاورة، يقال: داولته بينهم فتداولوه أي عاورته ~~فتعاوروه. واسم الإشارة مبتدأ والأيام إما صفة له أو بدل منه أو ~~عطف بيان له ونداولها خبره أو خبره ونداولها حال من الأيام والعامل ~~معنى اسم الإشارة أو خبر بعد خبر وصيغة المضارع الدالة على التجدد ~~والاستمرار للإيذان بأن تلك المداولة سنة مسلوكة فيما بين الأمم ~~قاطبة سابقتها ولاحقتها وفيه ضرب من التسلية، وقوله عز وجل: { ~~وليعلم الله الذين ءامنوا } إما من باب التمثيل أي ~~ليعاملكم معاملة من يريد أن يعلم المخلصين الثابتين على الإيمان من ~~غيرهم، أو العلم فيه مجاز عن التمييز بطريق إطلاق اسم السبب على ~~المسبب أي ms0554 ليميز الثابتين على الإيمان من غيرهم كما في قوله تعالى: # ما كان الله ليذر المؤمنين على ما أنتم ~~عليه حتى يميز الخبيث من الطيب # [آل عمران، الآية 179] أو هو على حقيقته معتبر من حيث تعلقه ~~بالمعلوم من حيث إنه موجود بالفعل إذ هو الذي يدور عليه فلك الجزاء لا ~~من حيث أنه موجود بالقوة. # وإطلاق الإيمان مع أن المراد هو الرسوخ والإخلاص فيه للإيذان بأن ~~اسم الإيمان لا ينطلق على غيره، والالتفات إلى الغيبة بإسناده إلى ~~اسم الذات المستجمع للصفات لتربية المهابة والإشعار بأن صدور كل ~~واحد مما يذكر بصدد التعليل من أفعاله تعالى باعتبار منشإ معين من ~~صفاته تعالى مغاير لمنشإ الآخر، والجملة علة لما هو فرد من أفراد ~~مطلق المداولة التي نطق بها قوله تعالى: { نداولها بين ~~الناس } من المداولة المعهودة الجارية بين فريقي المؤمنين ~~والكافرين، واللام متعلقة بما دل عليه المطلق من الفعل المقيد ~~بالوقوع بين الفريقين المذكورين أو بنفس الفعل المطلق باعتبار وقوعه ~~بينهما، والجملة معطوفة على علة أخرى لها معتبرة إما على الخصوص ~~والتعيين محذوفة لدلالة المذكورة عليها لكونها من مبادئها، كأنه قيل: ~~نداولها بينكم وبين عدوكم ليظهر أمركم وليعلم الخ، فإن ظهور ~~أعمالهم وخروجها من القوة إلى الفعل من مبادىء تمييزهم عن غيرهم ~~ومواجب تعلق العلم الأزلي بها من تلك الحيثية، وكذا الحال في باب ~~التمثيل فتأمل. # وإما على العموم والإبهام للتنبيه على أن العلل غير منحصرة فيها ~~عدد من الأمور وأن العبد يسوؤه ما يجري عليه من النوائب، ولا يشعر ~~بأن الله تعالى جعل له في ذلك من الألطاف الخفية ما لا يخطر ببال. كأنه ~~قيل: نداولها بينكم ليكون من المصالح كيت وكيت وليعلم الخ، وفيه من ~~تأكيد التسلية ومزيد التبصرة ما لا يخفى. وتخصيص البيان بعلة هذا ~~الفرد من مطلق المداولة دون سائر أفرادها الجارية فيما بين بقية ~~الأمم تعيينا أو إبهاما لعدم تعلق الغرض العلمي ببيانها ~~ولك أن تجعل المحذوف المبهم عبارة عن علل سائر أفرادها للإشارة ~~إجمالا إلى أن كل ms0555 فرد من أفرادها له علة داعية إليه كأنه قيل: ~~نداولها بين الناس كافة ليكون كيت وكيت من الحكم الداعية إلى تلك ~~الأفراد وليعلم الخ، فاللام الأولى متعلقة بالفعل المطلق باعتبار ~~تقيده بتلك الأفراد، والثانية باعتبار تقيده بالفرد المعهود، ~~وقيل: هي متعلقة بمحذوف مؤخر تقديره وليعلم الله الذين آمنوا ~~فعل ذلك. # { ويتخذ منكم شهداء } جمع شهيد أي ويكرم ناسا منكم ~~بالشهادة، وهم شهداء أحد. فمن ابتدائية أو تبعيضية متعلقة ~~بيتخذ، أو بمحذوف وقع حالا من شهداء أو جمع شاهد أي ويتخذ منكم ~~شهودا معدلين بما ظهر منهم من الثبات على الحق والصبر على الشدائد ~~وغير ذلك من شواهد الصدق ليشهدوا على الأمم يوم القيامة، فمن ~~بيانية لأن تلك الشهادة وظيفة الكل دون المستشهدين فقط، وأيا ما ~~كان ففي لفظ الاتخاذ المنبىء عن الاصطفاء والتقريب من تشريفهم ~~وتفخيم شأنهم ما لا يخفى. وقوله تعالى: { والله لا يحب ~~الظلمين } اعتراض مقرر لمضمون ما قبله، ونفي المحبة كناية عن ~~البغض، وفي إيقاعه على الظالمين تعريض بمحبته تعالى لمقابليهم، والمراد ~~بهم إما غير الثابتين على الإيمان فالتقرير من حيث إن بغضه تعالى لهم ~~من دواعي إخراج المخلصين المصطفين للشهادة من بينهم، وإما ~~الكفرة الذين أديل لهم، فالتقرير من حيث إن ذلك ليس بطريق النصرة ~~لهم، فإنها مختصة بأوليائه تعالى، بل لما ذكر من الفوائد العائدة إلى ~~المؤمنين. ### || [3.141] # وقوله تعالى: { وليمحص الله الذين ءامنوا } أي ~~ليصفيهم ويطهرهم من الذنوب، عطف على يتخذ، وتكرير اللام لتذكير ~~التعليل لوقوع الفصل بينهما بالاعتراض، وإظهار الاسم الجليل في ~~موقع الإضمار لإبراز مزيد الاعتناء بشأن التمحيص، وهذه الأمور ~~الثلاثة علل للمداولة المعهودة باعتبار كونها على المؤمنين قدمت في ~~الذكر لأنها المحتاجة إلى البيان. ولعل تأخير العلة الأخيرة عن ~~الاعتراض لئلا يتوهم اندراج المذنبين في الظالمين، أو ليقترن ~~بقوله عز وجل: { ويمحق الكفرين } فإن التمحيص فيه محو ~~الآثار وإزالة الأوضار كما أن المحق عبارة عن النقض والإذهاب. ~~قال المفضل: هو أن يذهب الشيء بالكلية حتى لا يرى منه شيء ومنه ~~قوله ms0556 تعالى: # يمحق الله الربوا # [البقرة، الآية 276] أي يستأصله وهذه علة للمداولة باعتبار كونها على ~~الكافرين والمراد بهم الذين حاربوا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم ~~أحد وأصروا على الكفر وقد محقهم الله عز وجل جميعا. ### || [3.142] # { أم حسبتم } كلام مستأنف سيق لبيان ما هي الغاية القصوى من ~~المداولة والنتيجة لما ذكر من تمييز المخلصين وتمحيصهم واتخاذ ~~الشهداء وإظهار عزة منالها، والخطاب للذين انهزموا يوم أحد وأم ~~منقطعة وما فيها من كلمة بل للإضراب عن التسلية ببيان السبب فيما ~~لقوا من الشدة إلى تحقيق أنها مبادىء الفوز بالمطلب الأسني، والهمزة ~~للإنكار والاستبعاد أي بل أحسبتم { أن تدخلوا الجنة } ~~وتفوزوا بنعيمها. وقوله تعالى: { ولما يعلم الله الذين ~~جهدوا منكم } حال من ضمير تدخلوا مؤكدة للإنكار، فإن رجاء ~~الأجر بغير عمل ممن يعلم أنه منوط به مستبعد عند العقول، وعدم ~~العلم كناية عن عدم المعلوم لما بينهما من اللزوم المبني على لزوم ~~تحقق الأول لتحقق الثاني ضرورة استحالة تحقق شيء بدون علمه تعالى ~~به، وإيثارها على التصريح للمبالغة في تحقيق المعنى المراد فإنها ~~إثبات لعدم جهادهم بالبرهان، وللإيذان بأن مدار ترتب الجزاء على ~~الأعمال إنما هو علم الله تعالى بها كأنه قيل: والحال أنه لم يوجد ~~الذين جاهدوا منكم، وإنما وجه النفي إلى الموصوفين مع أن المنفي هو ~~الوصف فقط وكان يكفي أن يقال: ولما يعلم الله جهادكم كناية عن معنى ~~ولما تجاهدوا للمبالغة في بيان انتفاء الوصف وعدم تحققه أصلا، وفي ~~كلمة لما إيذان بأن الجهاد متوقع منهم فيما يستقبل إلا أنه غير ~~معتبر في تأكيد الإنكار، وقرىء يعلم بفتح الميم على أن أصله يعلمن ~~فحذفت النون، أو على طريقة إتباع الميم لما قبلها في الحركة لإبقاء ~~تفخيم اسم الله تعالى، و { منكم } حال من الذين { ويعلم ~~الصبرين } منصوب بإضمار أن على أن الواو للجمع كما في قولك: لا ~~تأكل السمك وتشرب اللبن أي لا يكن منك أكل السمك وشرب اللبن ~~والمعنى أم حسبتم أن تدخلوا الجنة والحال أنه لم يتحقق ms0557 منكم الجهاد ~~والصبر أي الجمع بينهما، وإيثار اسم الفاعل على الموصول للدلالة ~~على أن المعتبر هو الاستمرار على الصبر، وللمحافظة على الفواصل، وقيل: ~~مجزوم معطوف على المجزوم قبله قد حرك لالتقاء الساكنين بالفتح ~~للخفة والإتباع كما مر، ويؤيده القراءة بالكسر على ما هو الأصل في ~~تحريك الساكن، وقرىء يعلم بالرفع على أن الواو للحال وصاحبها ~~الموصول، والمبتدأ محذوف أي وهو يعلم الصابرين كأنه قيل: ولما ~~تجاهدوا وأنتم صابرون؟ ### || [3.143-144] # { ولقد كنتم تمنون الموت } أي تتمنون الحرب فإنها ~~من مبادىء الموت، أو الموت بالشهادة، والخطاب للذين لم يشهدوا بدرا ~~وكانوا يتمنون أن يشهدوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم مشهدا ~~لينالوا ما ناله شهداء بدر من الكرامة فألحوا على رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم في الخروج ثم ظهر منهم خلاف ذلك { من قبل أن تلقوه ~~} متعلق بتمنون مبين لسبب إقدامهم على التمني أي من قبل أن ~~تشاهدوه وتعرفوا هوله وشدته، وقرىء تلاقوه { فقد رأيتموه } ~~أي ما تتمنونه من أسباب الموت، أو الموت بمشاهدة أسبابه، وقوله ~~تعالى: { وأنتم تنظرون } حال من ضمير المخاطبين، وفي إيثار ~~الرؤية على الملاقاة وتقييدها بالنظر مزيد مبالغة في مشاهدتهم له، ~~والفاء فصيحة كأنه قيل: إن كنتم صادقين في تمنيكم ذلك فقد رأيتموه ~~معاينين له حين قتل بين أيديكم من قتل من إخوانكم وأقاربكم وشارفتم ~~أن تقتلوا فلم فعلتم ما فعلتم؟ وهو توبيخ لهم على تمنيهم الحرب ~~وتسببهم لها ثم جبنهم وانهزامهم، لا على تمني الشهادة بناء على ~~تضمنها لغلبة الكفار، لما أن مطلب من يتمناها نيل كرامة الشهداء ~~من غير أن يخطر بباله شيء غير ذلك فلا يستحق العتاب من تلك الجهة. # { وما محمد إلا رسول } مبتدأ وخبر ولا عمل لما بالاتفاق، ~~لانتقاض نفيه بإلا وقوله تعالى: { قد خلت من قبله الرسل } ~~صفة لرسول منبئة عن كونه في شرف الخلو، فإن خلو مشاركيه في منصب ~~الرسالة من شواهد خلوه عليه الصلاة والسلام لا محالة كأنه قيل: قد خلت ~~من قبله أمثاله فسيخلو كما خلوا، والقصر ms0558 قلبي، فإنهم لما ~~انقلبوا على أعقابهم فكأنهم اعتقدوا أنه عليه الصلاة والسلام رسول لا ~~كسائر الرسل في أنه يخلو كما خلوا، أو يجب التمسك بدينه بعده كما يجب ~~التمسك بدينهم بعدهم فرد عليهم بأنه ليس إلا رسولا كسائر الرسل، ~~فسيخلو كما خلوا ويجب التمسك بدينه كما يجب التمسك بدينهم، وقيل: هو ~~قصر إفراد فإنهم لما استعظموا عدم بقائه عليه الصلاة والسلام لهم ~~نزلوا منزلة المستبعدين لهلاكه كأنهم يعتقدون فيه عليه الصلاة ~~والسلام وصفين: الرسالة والبعد عن الهلاك فرد عليهم بأنه مقصور ~~على الرسالة لا يتجاوزها إلى البعد عن الهلاك فلا بد حينئذ من جعل قوله ~~تعالى: { قد خلت } الخ، كلاما مبتدأ مسوقا لتقرير عدم براءته ~~عليه الصلاة والسلام من الهلاك وبيان كونه أسوة لمن قبله من الرسل ~~عليهم السلام وأيا ما كان فالكلام يخرج على خلاف مقتضى الظاهر { ~~أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم } إنكار ~~لارتدادهم وانقلابهم عن الدين بخلوه بموت أو قتل بعد علمهم بخلو ~~الرسل قبله وبقاء دينهم متمسكا به، وقيل: الفاء للسببية والهمزة ~~لإنكار أن يجعلوا خلو الرسل قبله سببا لانقلابهم بعد وفاته مع كونه ~~سببا في الحقيقة لثباتهم على الدين، وإيراد الموت بكلمة إن مع علمهم ~~به البتة لتنزيل المخاطبيين منزلة المترددين فيه لما ذكر من ~~استعظامهم إياه، وهكذا الحال في سائر الموارد فإن كلمة إن في كلام ~~الله تعالى لا تجري على ظاهرها قط ضرورة علمه تعالى بالوقوع أو ~~اللاوقوع، بل تحمل على اعتبار حال السامع أو أمر آخر يناسب ~~المقام، وتقديم تقدير الموت مع أن تقدير القتل هو الذي ثار منه ~~الفتنة وعظم فيه المحنة لما أن الموت في شرف الوقوع فزجر الناس ~~عن النكوص عنده وحملهم على التثبت هناك أهم، ولأن الوصف الجامع ~~بينه وبين الرسل عليهم السلام وهو الخلو بالموت دون القتل. # روي أنه لما التقى الفئتان حمل أبو دجانة في نفر من المسلمين على ~~المشركين فقاتل قتالا شديدا، وقاتل علي بن أبي طالب رضي الله عنه ~~قتالا عظيما حتى التوى ms0559 سيفه، وكذا سعد بن أبي قاص فقتلوا جماعة ~~من المشركين وهزموهم، فلما نظر الرماة إليهم ورأوا أنهم قد انهزموا ~~أقبلوا على النهب ولم يلتفتوا إلى نهي أميرهم عبد الله بن ~~جبير، فلم يبق منهم عنده إلا ثمانية نفر فلما رآهم خالد بن ~~الوليد قد اشتغلوا بالغنيمة حمل عليهم في مائتين وخمسين فارسا من ~~المشركين من قبل الشعب وقتلوا من بقي من الرماة ودخلوا خلف ~~أقفية المسلمين ففرقوهم وهزموهم، وحملوا على أصحاب رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وقاتلوهم حتى أصيب هناك نحو ثلاثين رجلا كل منهم يجثو بين ~~يديه ويقول: وجهي لوجهك وقاء، نفسي لنفسك فداء وعليك سلام الله غير ~~مودع. ورمى عبد الله بن قميئة الحارثي رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم بحجر فكسر رباعيته وشج وجهه الكريم فذب عنه مصعب بن ~~عمير رضي الله عنه وكان صاحب الراية حتى قتله ابن قميئة وهو يزعم ~~أنه قتل النبي صلى الله عليه وسلم فقال: قتلت محمدا. وصرخ صارخ ~~قيل إنه إبليس : ألا أن محمدا قد قتل فانكفأ الناس وجعل الرسول صلى ~~الله عليه وسلم يدعو: إلي عباد الله، قال كعب بن مالك: كنت أول من ~~عرف رسول الله صلى الله عليه وسلم من المسلمين فناديت بأعلى صوتي: يا ~~معشر المسلمين هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم فانحاز إليه ثلاثون من ~~أصحابه وحملوه حتى كشفوا عنه المشركين وتفرق الباقون وقال بعضهم: ليت ~~ابن أبي يأخذ لنا أمانا من أبي سفيان، وقال ناس من المنافقين: لو ~~كان نبيا لما قتل ارجعوا إلى إخوانكم وإلى دينكم، فقال أنس بن ~~النضر وهو عم أنس بن مالك: يا قوم إن كان قتل محمد فإن رب محمد ~~حي لا يموت، وما تصنعون بالحياة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فقاتلوا على ما قاتل عليه وموتوا كراما على ما مات عليه. # ثم قال: اللهم إني أعتذر إليك مما يقول هؤلاء وأبرأ إليك مما جاء به ~~هؤلاء، ثم شد بسيفه وقاتل حتى قتل. # وتجويزهم لقتله عليه ms0560 الصلاة والسلام مع قوله تعالى: # والله يعصمك من الناس # [المائدة، الآية 67] لما أن كل آية ليس يسمعها كل أحد ولا كل من ~~يسمعها يستحضرها في كل مقام لا سيما في مثل ذلك المقام الهائل، وقد ~~غفل عمر رضي الله عنه عن هذه الآية الكريمة عند وفاته عليه الصلاة ~~والسلام وقام في الناس فقال: إن رجالا من المنافقين يزعمون أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم توفي وإن رسول الله ما مات ولكنه ذهب إلى ربه ~~كما ذهب موسى بن عمران غاب عن قومه أربعين ليلة ثم رجع، والله ~~ليرجعن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولأقطعن أيدي رجال ~~وأرجلهم يزعمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مات ولم يزل يكرر ~~ذلك إلى أن قام أبو بكر رضي الله عنه فحمد الله عز وجل وأثنى عليه ثم ~~قال: أيها الناس من كان يعبد محمدا فإن محمدا قد مات ومن كان يعبد ~~الله فإن الله حي لا يموت ثم تلا { وما محمد إلا رسول ~~قد خلت من قبله الرسل } [آل عمران، الآية: 144]، قال ~~الراوي: والله لكأن الناس لم يعلموا أن هذه الآية نزلت على رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم حتى تلاها أبو بكر، وقال عمر رضي الله عنه: والله ما ~~هو إلا أن سمعت أبا بكر رضي الله عنه يتلوها فعقرت حتى ما تحملني ~~رجلاي وعرفت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد مات { ومن ينقلب ~~على عقبيه } بإدباره عما كان يقبل عليه رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم من أمر الجهاد وغيره وقيل: بارتداده عن الإسلام، وما ارتد ~~يومئذ أحد من المسلمين إلا ما كان من المنافقين { فلن يضر الله ~~} بما فعل من الانقلاب { شيئا } أي شيئا من الضرر وإنما يضر نفسه ~~بتعريضها للسخط والعذاب { وسيجزى الله الشكرين } أي ~~الثابتين على دين الإسلام الذي هو أجل نعمة وأعز معروف. سموا ~~بذلك لأن الثبات عليه شكر له وعرفان لحقه وفيه إيماء إلى كفران ~~المنقلبين. وروي عن ابن عباس رضي ms0561 الله عنهما أن المراد بهم الطائعون ~~لله تعالى من المهاجرين والأنصار، وعن علي رضي الله عنه أبو بكر ~~وأصحابه رضي الله عنهم. وعنه رضي الله عنه أنه قال: أبو بكر من ~~الشاكرين، ومن أحباء الله تعالى، وإظهار الاسم الجليل في موقع الإضمار ~~لإبراز مزيد الاعتناء بشأن جزائهم. ### || [3.145] # { وما كان لنفس أن تموت } كلام مستأنف سيق للتنبيه على ~~خطئهم فيما فعلوا حذرا من قتلهم، وبناء على الإرجاف بقتله عليه الصلاة ~~والسلام ببيان أن موت كل نفس منوط بمشيئة الله عز وجل لا يكاد يقع ~~بدون تعلقها به وإن خاضت موارد الحتوف واقتحمت مضايق كل هول ~~ومخوف، وقد أشير بذلك إلى أنها لم تكن متعلقة بموتهم في الوقت الذي ~~حذروه فيه ولذلك لم يقتلوا حينئذ لا لإحجامهم عن مباشرة القتال، وكلمة ~~كان ناقصة اسمها أن تموت وخبرها الظرف على أنه متعلق بمحذوف. # وقوله تعالى: { إلا بإذن الله } استثناء مفرغ من أعم ~~الأسباب أي وما كان الموت حاصلا لنفس من النفوس بسبب من الأسباب إلا ~~بمشيئته تعالى على أن الإذن مجاز منها لكونها من لوازمه أو إلا بإذنه ~~لملك الموت في قبض روحها، وسوق الكلام مساق التمثيل بتصوير ~~الموت بالنسبة إلى النفوس بصورة الأفعال الاختيارية التي لا يتسنى ~~للفاعل إيقاعها والإقدام عليها بدون إذنه تعالى أو بتنزيل إقدامها ~~على مباديه أعني القتال منزلة الإقدام على نفسه للمبالغة في تحقيق ~~المرام فإن موتها حيث استحال وقوعه عند إقدامها عليه أو على مباديه ~~وسعيها في إيقاعه فلأن يستحيل عند عدم ذلك أولى وأظهر، وفيه من ~~التحريض على القتال ما لا يخفى { كتبا } مصدر مؤكد لمضمون ما ~~قبله، أي كتبه الله كتابا { مؤجلا } مؤقتا بوقت معلوم لا يتقدم ~~ولا يتأخر ولو ساعة. وقرىء موجلا بالواو بدل الهمزة على قياس ~~التخفيف، وبعد تحقيق أن مناط الموت والحياة محض مشيئة الله عز وجل ~~من غير أن يكون فيه مدخل لأحد أصلا أشير إلى أن توفية ثمرات ~~الأعمال دائرة على إرادتهم ليصرفوها عن الأغراض الدنيئة إلى المطالب ~~السنية ms0562 فقيل: { ومن يرد } أي بعمله { ثواب الدنيا نؤته ~~} بنون العظمة على طريق الالتفات { منها } أي من ثوابها ما نشاء أن ~~نؤتيه إياه كما في قوله عز وجل: # من كان يريد العجلة عجلنا له فيها ما نشاء ~~لمن نريد # [الإسراء، الآية 18] وهو تعريض بمن شغلتهم الغنائم يومئذ وقد مر ~~تفصيله { ومن يرد } أي بعمله { ثواب الآخرة نؤته منها ~~} أي من ثوابها ما نشاء من الأضعاف حسبما جري به الوعد الكريم { ~~وسنجزى الشكرين } نعمة الإسلام الثابتين عليه الصارفين لما ~~آتاهم الله تعالى من القوى والقدر إلى ما خلقت هي لأجله من طاعة الله ~~تعالى لا يلويهم عن ذلك صارف أصلا، والمراد بهم إما المجاهدون ~~المعهودون من الشهداء وغيرهم وإما جنس الشاكرين وهم داخلون فيه دخولا ~~أولياء. والجملة اعتراض مقرر لمضمون ما قبله ووعد بالمزيد عليه ~~وفي تصديرها بالسين وإبهام الجزاء من التأكيد والدلالة على فخامة ~~شأن الجزاء وكونه بحيث يقصر عنه البيان ما لا يخفى. وقرىء ~~الأفعال الثلاثة بالياء. ### || [3.146] # { وكأين } كلام مبتدأ ناع عليهم تقصيرهم وسوء صنيعهم في ~~صدودهم عن سنن الربانيين المجاهدين في سبيل الله مع الرسل الخالين ~~عليهم السلام، و { كأين } لفظة مركبة من كاف التشبيه وأي، حدث فيها ~~بعد التركيب معنى التكثير كما حدث في كذا وكذا، والنون تنوين أثبتت في ~~الخط على غير قياس، وفيها خمس لغات هي إحداهن والثانية كائن مثل ~~كاعن والثالثة كأين مثل كعين والرابعة كيئن بياء ساكنة بعدها ~~همزة مكسورة وهي قلب ما قبلها والخامسة كأن مثل كعن، وقد قرىء بكل ~~منها ومحلها الرفع بالابتداء وقوله تعالى: { من نبى } تمييز ~~لها لأنها مثل كم الخبرية، وقد جاء تمييزها منصوبا كما في قوله: ~~[الخفيف] # أطرد اليأس بالرجا فكأين # آملا حم يسره بعد عسر # وقوله تعالى: { قاتل معه ربيون كثير } خبر لها على أن ~~الفعل مسند إلى الظاهر، والرابط هو الضمير المجرور في معه، وقرىء ~~قتل وقتل على صيغة المبني للمفعول مخففة ومشددة، والربي ~~منسوب إلى الرب كالرباني وكسر الراء من تغييرات النسب وقرىء ~~بضمها ms0563 وبفتحها أيضا على الأصل وقيل: هو منسوب إلى الربة وهي الجماعة، ~~أي كثير من الأنبياء قاتل معه لإعلاء كلمة الله وإعزاز دينه علماء ~~أتقياء أو عابدون أو جماعات كثيرة، فالظرف متعلق بقاتل أو بمحذوف وقع ~~حالا من فاعله كما في القراءتين الأخيرتين إذ لا احتمال فيهما لتعلقه ~~بالفعل أي قتلوا أو قتلوا كائنين معه في القتال لا في القتل. قال سعيد ~~بن جبير: ما سمعنا بنبي قتل في القتال، وقال الحسن البصري وجماعة من ~~العظماء: لم يقتل نبي في حرب قط، وقيل: الفعل مسند إلى ضمير ~~النبي والظرف متعلق بمحذوف وقع حالا منه، والرابط هو الضمير ~~المجرور الراجع إليه، وهذا واضح على القراءة المشهورة بلا خوف أي كم ~~نبي قاتل كائنا معه في القتال ربيون كثير، وأما على القراءتين ~~الأخيرتين فغير ظاهر لا سيما على قراءة التشديد وقد جوزه بعضهم ~~وأيده بأن مدار التوبيخ انخذالهم للإرجاف بقتله عليه السلام أي كم ~~من نبي قتل كائنا معه في القتل أو في القتال ربيون الخ، وقوله تعالى: ~~{ فما وهنوا } عطف على قاتل على أن المراد به عدم الوهن ~~المتوقع من القتال كما في قولك: وعظته فلم يتعظ وصحت به فلم ~~ينزجر فإن الإتيان بالشيء بعد ورود ما يوجب الإقلاع عنه وإن كان ~~استمرارا عليه بحسب الظاهر ولكنه بحسب الحقيقة صنع جديد مصحح ~~لدخول الفاء المرتبة له على ما قبله أي فما فتروا وما انكسرت همتهم ~~{ لما أصابهم } في أثناء القتال وهو علة للمنفي دون النفي، ~~نعم يشعر بعلته قوله تعالى: { فى سبيل الله } فإن كون ذلك في ~~سبيله عز وجل مما يقوي قلوبهم ويزيل وهنهم، وما موصولة أو ~~موصوفة، فإن جعل الضميران لجميع الربيين فهي عبارة عما عدا ~~القتل من الجراح وسائر المكاره المعترية للكل، وإن جعلا للبعض ~~الباقين بعد ما قتل الآخرون كما هو الأليق بمقام توبيخ المنخذلين ~~بعد ما استشهد الشهداء فهي عبارة عما ذكر مع ما اعتراهم من قتل ~~إخوانهم من الخوف والحزن وغير ذلك. # هذا على القراءة المشهورة ms0564 وأما على القراءتين الأخيرتين: فإن أسند ~~الفعل إلى الربيين فالضميران للباقين منهم حتما، وإن أسند إلى ~~ضمير النبي كما هو الأنسب بالتوبيخ على الانخذال بسبب الإرجاف بقتله ~~عليه الصلاة والسلام فهما للباقين أيضا إن اعتبر كون الربيين مع ~~النبي في القتل وللجميع إن اعتبر كونهم معه في القتال { وما ~~ضعفوا } عن العدو، وقيل: عن الجهاد، وقيل: في الدين { وما ~~استكانوا } أي وما خضعوا للعدو وأصله استكن من السكون لأن ~~الخاضع يسكن لصاحبه ليفعل به ما يريده، والألف من إشباع الفتحة أو ~~استكون من الكون لأنه يطلب أن يكون لمن يخضع له. وهذا تعريض بما ~~أصابهم من الوهن والانكسار عند استيلاء الكفرة عليهم والإرجاف بقتل ~~النبي صلى الله عليه وسلم وبضعفهم عند ذلك عن مجاهدة المشركين ~~واستكانتهم لهم حين أرادوا أن يعتضدوا بابن أبي المنافق في طلب ~~الأمان من أبي سفيان { والله يحب الصبرين } أي على ~~مقاساة الشدائد ومعاناة المكاره في سبيل الله فينصرهم ويعظم ~~قدرهم، والمراد بالصابرين إما المعهودون، والإظهار في موضع الإضمار ~~للثناء عليهم بحسن الصبر والإشعار بعلة الحكم، وإما الجنس وهم داخلون ~~فيه دخولا أوليا والجملة تذييل لما قبلها. ### || [3.147] # { وما كان قولهم } كلام مبين لمحاسنهم القولية معطوف على ~~ما قبله من الجمل المبينة لمحاسنهم الفعلية، و { قولهم } ~~بالنصب خبر لكان، واسمها أن وما بعدها في قوله تعالى: { إلا أن ~~قالوا } والاستثناء مفرغ من أعم الأشياء أي ما كان قولا لهم عند ~~لقاء العدو واقتحام مضايق الحرب وإصابة ما أصابهم من فنون الشدائد ~~والأهوال لشيء من الأشياء إلا أن قالوا { ربنا اغفر لنا ~~ذنوبنا } أي صغائرنا { وإسرافنا فى أمرنا } أي تجاوزنا ~~الحد في ركوب الكبائر، أضافوا الذنوب والإسراف إلى أنفسهم مع كونهم ~~ربانيين برآء من التفريط في جنب الله تعالى هضما لهم واستصغارا ~~لهممهم وإسنادا لما أصابهم إلى أعمالهم وقدموا الدعاء بمغفرتها على ما ~~هو الأهم بحسب الحال من الدعاء بقولهم { وثبت أقدامنا } أي في ~~مواطن الحرب بالتقوية والتأييد من عندك أو ثبتنا على دينك الحق { ~~وانصرنا على ms0565 القوم الكفرين } تقريبا له إلى حيز ~~القبول، فإن الدعاء المقرون بالخضوع الصادر عن زكاء وطهارة أقرب ~~إلى الاستجابة، والمعنى لم يزالوا مواضبين على هذا الدعاء من غير أن ~~يصدر عنهم قول يوهم شائبة الجزع والخور والتزلزل في مواقف ~~الحرب ومراصد الدين. وفيه من التعريض بالمنهزمين ما لا يخفى. وقرأ ابن ~~كثير وعاصم في رواية عنهما برفع { قولهم } على أنه الاسم والخبر ~~أن وما في حيزها أي ما كان قولهم حينئذ شيئا من الأشياء إلا هذا القول ~~المنبىء عن أحسن المحاسن، وهذا كما ترى أقعد بحسب المعنى وأوفق بمقتضى ~~المقام لما أن الإخبار بكون قولهم المطلق خصوصية قولهم المحكي ~~عنهم مفصلا كما تفيده قراءتهما أكثر إفادة للسامع من الإخبار ~~بكون خصوصية قولهم المذكور قولهم، لما أن مصب الفائدة وموقع ~~البيان في الجمل الخبرية هو الخبر، فالأحق بالخبرية ما هو أكثر ~~إفادة وأظهر دلالة على الحدث وأوفر اشتمالا على نسب خاصة بعيدة ~~من الوقوع في الخارج وفي ذهن السامع. ولا يخفى أن ذلك ههنا في أن مع ~~ما في حيزها أتم وأكمل، وأما ما تفيده الإضافة من النسبة المطلقة ~~الإجمالية فحيث كانت سهلة الحصول خارجا وذهنا كان حقها أن ~~تلاحظ ملاحظة إجمالية وتجعل عنوانا للموضوع، لا مقصودا بالذات في ~~باب البيان وإنما اختار الجمهور ما اختاره لقاعدة صناعية هي أنه إذا ~~اجتمع معرفتان فالأعرف منهما أحق بالاسمية، ولا ريب في أعرفية { أن ~~قالوا } [آل عمران، الآية: 147] لدلالته على جهة النسبة وزمان ~~الحدث ولأنه يشبه المضمر من حيث أنه لا يوصف ولا يوصف به، وقولهم ~~مضاف إلى مضمر فهو بمنزلة العلم فتأمل. ### || [3.148-149] # { فاتهم الله } بسبب دعائهم ذلك { ثواب الدنيا } أي ~~النصر والغنيمة والعز والذكر الجميل { وحسن ثواب الآخرة ~~} الحسن وهو الجنة والنعيم المخلد، وتخصيص وصف الحسن به للإيذان ~~بفضله ومزيته وأنه المعتد به عنده تعالى { والله يحب ~~المحسنين } تذييل مقرر لمضمون ما قبله، فإن محبة الله تعالى ~~للعبد عبارة عن رضاه عنه وإرادة الخير به، فهي مبدأ لكل سعادة، ~~واللام إما للعهد، ms0566 وإنما وضع المظهر موضع ضمير المعهودين للإشعار ~~بأن ما حكي عنهم من الأفعال والأقوال من باب الإحسان، وإما للجنس وهم ~~داخلون فيه دخولا أوليا وهذا أنسب بمقام ترغيب المؤمنين في تحصيل ما ~~حكي عنهم من المناقب الجليلة. # { يأيها الذين ءامنوا } شروع في زجرهم عن متابعة الكفار ~~ببيان استتباعها لخسران الدنيا والآخرة إثر ترغيبهم في الاقتداء ~~بأنصار الأنبياء ببيان إفضائه إلى فوزهم بسعادة الدارين، وتصدير ~~الخطاب بالنداء والتنبيه لإظهار الاعتناء بما في حيزه، ووصفهم ~~بالإيمان لتذكير حالهم وتثبيتهم عليها بإظهار مباينتها لحال أعدائهم ~~كما أن وصف المنافقين بالكفر في قوله تعالى: { إن تطيعوا الذين ~~كفروا } لذلك قصدا إلى مزيد التنفير عنهم والتحذير عن طاعتهم، قال ~~علي رضي الله عنه: نزلت في قول المنافقين للمؤمنين عند الهزيمة: ارجعوا ~~إلى إخوانكم وادخلوا في دينهم، فوقوع قوله تعالى: { يردوكم ~~على أعقبكم } جوابا للشرط مع كونه في قوة أن يقال: إن ~~تطيعوهم في قولهم: ارجعوا إلى إخوانكم وادخلوا في دينهم يدخلونكم في ~~دينهم باعتبار كونه تمهيدا لقوله تعالى: { فتنقلبوا ~~خسرين } أي للدنيا والآخرة غير فائزين بشيء منهما واقعين في ~~العذاب الخالد على أن الارتداد على العقب علم على انتكاس الأمر ~~ومثل في الحور بعد الكور وقيل: المراد بهم اليهود والنصارى حيث كانوا ~~يستغنونهم ويوقعون لهم الشبه في الدين ويقولون: لو كان نبيا ~~حقا لما غلب ولما أصابه وأصحابه ما أصابهم وإنما هو رجل حاله كحال ~~غيره من الناس يوما عليه ويوما له، وقيل: أبو سفيان وأصحابه والمراد ~~بطاعتهم استئمانهم والاستكانة لهم، وقيل: الموصول على عمومه والمعنى ~~نهي المؤمنين عن طاعتهم في أمر من الأمور حتى لا يستجروهم إلى الارتداد ~~عن الدين فلا حاجة على هذه التقادير إلى ما مر من البيان. ### || [3.150-152] # { بل الله مولكم } إضراب عما يفهم من مضمون الشرطية كأنه ~~قيل: فليسوا أنصاركم حتى تطيعوهم بل الله ناصركم لا غيره فأطيعوه ~~واستعينوا به عن موالاتهم، وقرىء بالنصب كأنه قيل: فلا تطيعوهم بل أطيعوا ~~الله و { مولكم } نصب على أنه صفة له { وهو خير ms0567 ~~النصرين } فخصوه بالطاعة والاستعانة { سنلقى } بنون العظمة ~~على طريقة الالتفات جريا على سنن الكبرياء لتقوية المهابة، وقرىء ~~بالياء والسين لتأكيد الإلقاء { فى قلوب الذين كفروا ~~الرعب } بسكون العين وقرىء بضمها على الأصل وهو ما قذف في قلوبهم من ~~الخوف يوم أحد حتى تركوا القتال ورجعوا من غير سبب، ولهم القوة ~~والغلبة، وقيل: ذهبوا إلى مكة فلما كانوا ببعض الطريق قالوا: ما صنعنا ~~شيئا قتلنا منهم ثم تركناهم ونحن قاهرون ارجعوا فاستأصلوهم فعند ذلك ~~ألقى الله تعالى في قلوبهم الرعب فأمسكوا. فلا بد من كون نزول ~~الآية في تضاعيف الحرب أو عقيب انقضائها، وقيل: هو ما ألقي في ~~قلوبهم من الرعب يوم الأحزاب { بما أشركوا بالله } متعلق ~~بنلقي دون الرعب، وما مصدرية أي بسبب إشراكهم به تعالى فإنه من موجبات ~~خذلانهم ونصر المؤمنين عليهم، وكلاهما من دواعي الرعب { ما لم ~~ينزل به } أي بإشراكه { سلطنا } أي حجة سميت به لوضوحها ~~وإنارتها أو لقوتها أو لحدتها ونفوذها، وذكر عدم تنزيلها مع ~~استحالة تحققها في نفسها من قبيل قوله: [السريع] # [لا تفزع الأرنب أهوالها] # ولا ترى الضب بها ينجحر # أي لا ضب ولا انجحار، وفيه إيذان بأن المتبع في الباب هو ~~البرهان السماوي دون الآراء والأهواء الباطلة. # { ومأواهم } بيان لأحوالهم في الآخرة إثر بيان أحوالهم في ~~الدنيا وهي الرعب أي ما يأوون إليه في الآخرة { النار } لا ملجأ لهم ~~غيرها { وبئس مثوى الظلمين } أي مثواهم وإنما وضع ~~موضعه المظهر المذكور للتغليظ والتعليل والإشعار بأنهم في إشراكهم ~~ظالمون واضعون للشيء في غير موضعه، والمخصوص بالذم محذوف أي بئس مثوى ~~الظالمين النار وفي جعلها مثواهم بعد جعلها مأواهم نوع رمز إلى ~~خلودهم فيها فإن المثوى مكان الإقامة المنبئة عن المكث وأما المأوى ~~فهو المكان الذي يأوي إليه الإنسان { ولقد صدقكم الله ~~وعده } نصب على أنه مفعول ثان لصدق صريحا، وقيل: بنزع الجار ~~أي في وعده نزلت حين قال ناس من المؤمنين عند رجوعهم إلى المدينة: من ~~أين أصابنا هذا وقد وعدنا الله تعالى بالنصر؟ وهو ms0568 ما وعدهم على لسان ~~نبيه عليه السلام من النصر حيث قال للرماة: # " لا تبرحوا مكانكم فلن نزال غالبين ما ثبتم مكانكم " # وفي رواية أخرى: # " لا تبرحوا عن هذا المكان فإنا لا نزال غالبين ما دمتم في هذا ~~المكان " # وقد كان كذلك فإن المشركين لما أقبلوا جعل الرماة يرشقونهم والباقون ~~يضربونهم بالسيوف حتى انهزموا والمسلمون على آثارهم يقتلونهم قتلا ~~ذريعا وذلك قوله تعالى: { إذ تحسونهم } أي تقتلونهم قتلا ~~كثيرا فاشيا، من حسه إذا أبطل حسه وهو ظرف لصدقكم وقوله تعالى: { ~~بإذنه } أي بتيسيره وتوفيقه لتحقيق أن قتلهم بما وعدهم الله ~~تعالى بالنصر، وقيل: هو ما وعدهم بقوله تعالى: # إن تصبروا وتتقوا # [آل عمران، الآية 125] الآية، وقد مر تحقيق أن ذلك كان يوم بدر كيف لا ~~والموعود بما ذكر إمداده عز وجل بإنزال الملائكة عليهم السلام، ~~وتقييد صدق وعده تعالى بوقت قتلهم بإذنه تعالى صريح في أن الموعود ~~هو النصر المعنوي والتيسير، لا الإمداد بالملائكة، وقيل: هو ما وعده ~~تعالى بقوله: { سنلقى } [آل عمران، الآية: 151] الخ، وأنت خبير بأن ~~إلقاء الرعب كان عند تركهم القتال ورجوعهم من غير سبب أو بعد ذلك في ~~الطريق على اختلاف [في] الروايتين وأيا ما كان فلا سبيل إلى كونه ~~مغيا بقوله تعالى: { حتى إذا فشلتم } أي جبنتم وضعف ~~رأيكم أو ملتم إلى الغنيمة، فإن الحرص من ضعف القلب { ~~وتنزعتم فى الأمر } فقال بعض الرماة حين انهزم المشركون ~~وولوا هاربين والمسلمون على أعقابهم قتلا وضربا: فما موقفنا ههنا ~~بعد هذا؟ وقال أميرهم عبد الله بن جبير رضي الله عنه: لا نخالف ~~أمر الرسول صلى الله عليه وسلم فثبت مكانه في نفر دون العشرة من ~~أصحابه ونفر الباقون للنهب وذلك قوله تعالى: { وعصيتم من بعد ~~ما أراكم ما تحبون } أي من الظفر والغنيمة وانهزام ~~العدو، فلما رأى المشركون ذلك حملوا عليهم من قبل الشعب وقتلوا ~~أمير الرماة ومن معه من أصحابه حسبما فصل في تفسير قوله تعالى: # أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم # [آل عمران، الآية 144] وجواب ms0569 إذا محذوف وهو منعكم نصره، وقيل: ~~امتحنكم، ويرده جعل الابتلاء غاية للصرف المترتب على منع ~~النصر، وقيل: هو: انقسمتم إلى قسمين كما ينبىء عنه قوله تعالى: { منكم ~~من يريد الدنيا } وهم الذين تركوا المركز وأقبلوا على النهب { ~~ومنكم من يريد الآخرة } وهم الذين ثبتوا مكانهم حتى نالوا ~~شرف الشهادة. # هذا على تقدير كون إذا شرطية وحتى ابتدائية داخلة على الجملة ~~الشرطية، وقيل: { إذا } اسم كما في قولهم: إذا يقوم زيد يقوم عمرو، و ~~{ حتى } حرف جر بمعنى إلى المتعلقة بقوله تعالى: { صدقكم } ~~[آل عمران، الآية: 152] باعتبار تضمنه لمعنى النصر كأنه قيل: لقد ~~نصركم الله إلى وقت فشلكم وتنازعكم الخ، وعلى هذا فقوله تعالى: { ~~ثم صرفكم عنهم } حتى حالت الحال ودالت الدولة، وفيه من ~~اللطف بالمسلمين ما لا يخفى، { ليبتليكم } أي يعاملكم معاملة ~~من يمتحنكم بالمصائب ليظهر ثباتكم على الإيمان عندها { ولقد عفا ~~عنكم } تفضلا، ولما علم من ندمكم على المخالفة { والله ذو ~~فضل على المؤمنين } تذييل مقرر لمضمون ما قبله ومؤذن ~~بأن ذلك العفو بطريق التفضل والإحسان لا بطريق الوجوب عليه، أي ~~شأنه أن يتفضل عليهم بالعفو أو هو متفضل عليهم في جميع الأحوال أديل ~~لهم أو أديل عليهم، إذ الابتلاء أيضا رحمة، والتنكير للتفخيم، ~~والمراد بالمؤمنين إما المخاطبون، والإظهار في موقع الإضمار للتشريف ~~والإشعار بعلة الحكم، وإما الجنس وهم داخلون في الحكم دخولا أوليا. ### || [3.153-154] # { إذ تصعدون } متعلق بصرفكم أو بقوله تعالى: # ليبتليكم # [آل عمران، الآية: 152] أو بمقدر كما ذكروا. والإصعاد الذهاب ~~والإبعاد في الأرض، وقرىء بثلاثي أي في الجبل، وقرىء تصعدون من ~~التفعل بطرح إحدى التاءين وقرىء تصعدون من يصعدون بالالتفات إلى الغيبة { ~~ولا تلوون على أحد } أي لا تلتفتون إلى ما وراءكم ولا يقف ~~واحد منكم لواحد، وقرىء تلون بواو واحدة بقلب الواو المضمومة همزة ~~وحذفها تخفيفا، وقرىء يلوون كيصعدون { والرسول يدعوكم } كان ~~عليه الصلاة والسلام يدعوهم: # " إلي عباد الله أنا رسول الله من يكر فله الجنة " # وإيراده عليه السلام بعنوان الرسالة للإيذان بأن دعوته عليه السلام ms0570 ~~كانت بطريق الرسالة من جهته سبحانه إشباعا في توبيخ المنهزمين { فى ~~أخراكم } في ساقتكم وجماعتكم الأخرى { فأثبكم } عطف على ~~صرفكم أي فجازاكم الله تعالى بما صنعتم { غما } موصولا { بغم } ~~من الاغتمام بالقتل والجرح وظفر المشركين والإرجاف بقتل الرسول ~~صلى الله عليه وسلم وفوت الغنيمة، فالتنكير للتكثير أو غما بمقابلة ~~غم أذقتموه رسول الله صلى الله عليه وسلم بعصيانكم له { لكيلا ~~تحزنوا على ما فاتكم ولا ما أصبكم } أي ~~لتتمرنوا على الصبر في الشدائد فلا تحزنوا على نفع فات أو ضر ~~آت، وقيل: لا زائدة والمعنى لتتأسفوا على ما فاتكم من الظفر والغنيمة ~~وعلى ما أصابكم من الجراح والهزيمة عقوبة لكم. وقيل: الضمير في أثابكم ~~للرسول صلى الله عليه وسلم أي واساكم في الاغتنام فاغتم بما نزل عليكم ~~كما اغتممتم بما نزل عليه، ولم يثربكم على عصيانكم تسلية لكم ~~وتنفيسا لكم لئلا تحزنوا على ما فاتكم من النصر وما أصابكم من الجراح ~~وغير ذلك { والله خبير بما تعملون } أي عالم بأعمالكم ~~وبما أردتم بها. # { ثم أنزل عليكم } عطف على قوله تعالى: { فأثبكم } ~~[آل عمران، الآية: 153]، والخطاب للمؤمنين حقا { من بعد الغم } ~~أي الغم المذكور، والتصريح بتأخر الإنزال عنه مع دلالة { ثم } ~~عليه وعلى تراخيه عنه لزيادة البيان وتذكير عظم النعمة كما في قوله ~~تعالى: # ثم تابوا من بعد ذلك وأصلحوا # [النحل، الآية 119] الآية، { ءامنة } أي أمنا نصب على المفعولية، ~~وقوله تعالى: { نعاسا } بدل منها أو عطف بيان وقيل: مفعول له أو ~~هو المفعول وأمنة حال منه متقدمة عليه أو مفعول له حال من المخاطبين ~~على تقدير مضاف أي ذو أمنة أو على أنه جمع آمن كبار وبررة وقرىء ~~بسكون الميم كأنها مرة من الأمن، وتقديم الظرفين على المفعول الصريح ~~لما مر غير مرة من الاعتناء بشأن المقدم والتشويق إلى المؤخر، ~~وتخصيص الخوف من بين فنون الغم بالإزالة لأنه المهم عندهم حينئذ ~~لما أن المشركين لما انصرفوا كانوا يتوعدون المسلمين بالرجوع فلم يأمنوا ~~كرتهم وكانوا تحت الحجف متأهبين للقتال فأنزل الله تعالى ms0571 عليهم ~~الأمنة فأخذهم النعاس. # قال ابن عباس رضي الله عنهما: أمنهم يومئذ بنعاس تغشاهم بعد خوف ~~وإنما ينعس من أمن، والخائف لا ينام. وقال الزبير رضي الله عنه: ~~كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم حين اشتد الخوف فأنزل الله علينا ~~النوم والله إني أسمع قول معتب بن قشير والنعاس يغشاني ما أسمعه ~~إلا كالحلم يقول: لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا ههنا. وقال أبو ~~طلحة رضي الله عنه: «رفعت رأسي يوم أحد فجعلت لا أرى أحدا من ~~القوم إلا وهو يميد تحت حجفته من النعاس». قال: «وكنت ممن ألقي ~~عليه النعاس يومئذ فكان السيف يسقط من يدي فآخذه ثم يسقط السوط ~~من يدي فآخذه»، وفيه دلالة على أن من المؤمنين من لم يلق عليه ~~النعاس كما ينبىء عنه قوله عز وجل: { يغشى طائفة منكم } قال ~~ابن عباس: هم المهاجرون وعامة الأنصار ولا يقدح ذلك في عموم الإنزال ~~للكل، والجملة في محل النصب على أنها صفة لنعاسا، وقرىء بالتاء على ~~أنها صفة لأمنة، وفيه أن الصفة حقها أن تتقدم على البدل وعطف ~~البيان وأن لا يفصل بينها وبين الموصوف بالمفعول له، وأن المعهود ~~أن يحدث عن البدل دون المبدل منه { وطائفة قد أهمتهم ~~أنفسهم } أي أوقعتهم في الهموم والأحزان، أو ما بهم إلا هم ~~أنفسهم وقصد خلاصها، من قولهم: همني الشيء أي كان من همتي وقصدي، ~~والقصر مستفاد بمعونة المقام، { وطائفة } مبتدأ وما بعدها إما ~~خبرها، وإنما جاز ذلك مع كونها نكرة لاعتمادها على واو الحال كما في ~~قوله: [الطويل] # سرينا ونجم قد أضاء فمذ بدا # محياك أخفى ضوؤه كل شارق # أو لوقوعها في موضع التفصيل كما في قوله: [الطويل] # إذا ما بكى من خلفها انصرفت له # بشق وشق عندنا لم يحول # وإما صفتها والخبر محذوف أي ومعكم طائفة أو وهناك طائفة، وقيل: ~~تقديره ومنكم طائفة، وفيه أنه يقتضي دخول المنافقين في الخطاب بإنزال ~~الأمنة وأيا ما كان فالجملة إما حالية مبينة لفظاعة الهول ~~مؤكدة لعظم النعمة في ms0572 الخلاص عنه كما في قوله تعالى: # أولم يروا أنا جعلنا حرما ءامنا ويتخطف ~~الناس من حولهم # [العنكبوت، الآية 67] وإما مستأنفة مسوقة لبيان حال المنافقين ~~وقوله عز وجل: { يظنون بالله } حال من ضمير أهمتهم أو من ~~طائفة لتخصصها بالصفة، أو صفة أخرى لها أو خبر بعد خبر أو استئناف ~~مبين لما قبله وقوله تعالى: { غير الحق } في حكم المصدر أي ~~يظنون به تعالى غير الظن الحق الذي يجب أن يظن به سبحانه، وقوله ~~تعالى: { ظن الجهلية } بدل منه وهو الظن المختص بالملة ~~الجاهلية والإضافة كما في حاتم الجود ورجل صدق وقوله تعالى: { ~~يقولون } بدل من يظنون لما أن مسألتهم كانت صادرة عن الظن أي ~~يقولون لرسول الله صلى الله عليه وسلم على صورة الاسترشاد: { هل لنا ~~من الأمر } أي من أمر الله ووعده من النصر والظفر { من شىء } ~~أي من نصيب قط أو هل لنا من التدبير من شيء؟ وقوله تعالى: { قل إن ~~الأمر كله لله } أي إن الغلبة بالآخرة لله تعالى ولأوليائه ~~فإن حزب الله هم الغالبون أو إن االتدبير كله لله فإنه تعالى قد دبر ~~الأمر كما جرى في سابق قضائه فلا مرد له وقرىء كله بالرفع على ~~الابتداء وقوله تعالى: { يخفون فى أنفسهم } أي يضمرون فيها أو ~~يقولون فيما بينهم بطريق الخفية { ما لا يبدون لك } استئناف ~~أو حال من ضمير يقولون وقوله تعالى: { قل إن الأمر } الخ، ~~اعتراض بين الحال وصاحبها أي يقولون ما يقولون مظهرين أنهم ~~مسترشدون طالبون للنصر مبطنين الإنكار والتكذيب، وقوله تعالى: { ~~يقولون } استئناف وقع جوابا عن سؤال نشأ مما قبله كأنه قيل: أي ~~شيء يخفون؟ فقيل: يحدثون أنفسهم أو يقول بعضهم لبعض فيما بينهم ~~خفية: { لو كان لنا من الأمر شىء } كما وعد محمد عليه ~~الصلاة والسلام من أن الغلبة لله تعالى ولأوليائه وأن الأمر كله لله ~~أو لو كان لنا من التدبير والرأي شيء { ما قتلنا ههنا } ~~أي ما غلبنا أو ما قتل من قتل منا في هذه المعركة على أن النفي ms0573 ~~راجع إلى نفس القتل لا إلا وقوعه فيها فقط، ولما برحنا من منازلنا كما ~~رآه ابن أبي ويؤيده تعيين مكان القتل وكذا قوله تعالى: { قل ~~لو كنتم فى بيوتكم } أي لو لم تخرجوا إلى أحد وقعدتم ~~بالمدينة كما تقولون { لبرز الذين كتب عليهم القتل } ~~أي في اللوح المحفوظ بسبب من الأسباب الداعية إلى البروز { إلى ~~مضاجعهم } إلى مصارعهم التي قدر الله تعالى قتلهم فيها وقتلوا ~~هنالك البتة ولم تنفع العزيمة على الإقامة بالمدينة قطعا، فإن قضاء ~~الله تعالى لا يرد وحكمه لا يعقب، وفيه مبالغة في رد مقالتهم ~~الباطلة حيث لم يقتصر على تحقيق نفس القتل كما في قوله عز وجل: # أينما تكونوا يدرككم الموت # [النساء، الآية 78] بل عين مكانه أيضا، ولا ريب في تعين زمانه ~~أيضا لقوله تعالى: # فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا ~~يستقدمون # [الأعراف، الآية 34] روي أن ملك الموت حضر مجلس سليمان عليه الصلاة ~~والسلام فنظر إلى رجل من أهل المجلس نظرة هائلة فلما قام قال الرجل: ~~من هذا؟ فقال سليمان عليه السلام: ملك الموت، قال: أرسلني مع الريح ~~إلى عالم آخر فإني رأيت منه مرأى هائلا فأمرها عليه السلام فألقته ~~في قطر سحيق من أقطار العالم فما لبث أن عاد ملك الموت إلى سليمان ~~عليه السلام فقال: كنت أمرت بقبض روح ذلك الرجل في هذه الساعة في ~~أرض كذا فلما وجدته في مجلسك قلت: متى يصل هذا إليها وقد أرسلته ~~بالريح إلى ذلك المكان فوجدته هناك فقضي أمر الله عز وجل في زمانه ~~ومكانه من غير إخلال بشيء من ذلك، وقرىء كتب على البناء للفاعل ~~ونصب القتل، وقرىء كتب عليهم القتال وقرىء لبرز بالتشديد على ~~البناء للمفعول { وليبتلى الله ما فى صدوركم } أي ~~ليعاملكم معاملة من يبتلي ما في صدوركم من الإخلاص والنفاق ويظهر ~~ما فيها من السرائر، وهو علة لفعل مقدر قبلها معطوفة على علل لها أخرى ~~مطوية للإيذان بكثرتها، كأنه قيل: فعل ما فعل لمصالح جمة وليبتلي ~~الخ، وجعلها عللا لبرز يأباه الذوق ms0574 السليم فإن مقتضى المقام ~~بيان حكمة ما وقع يومئذ من الشدة والهول لا بيان حكمة البروز ~~المفروض، أو لفعل مقدر بعدها أي وللابتلاء المذكور فعل ما فعل، لا ~~لعدم العناية بأمر المؤمنين ونحو ذلك، وتقدير الفعل مقدما خال عن هذه ~~المزية. # { وليمحص ما فى قلوبكم } من مخفيات الأمور ويكشفها أو ~~يخلصها من الوساوس { والله عليم بذات الصدور } أي ~~السرائر والضمائر الخفية التي لا تكاد تفارق الصدور بل تلازمها ~~وتصاحبها، والجملة إما اعتراض للتنبيه على أن الله تعالى غني عن ~~الابتلاء، وإنما يبرز صورة الابتلاء لتمرين المؤمنين وإظهار حال ~~المنافقين، أو حال من متعلق الفعلين أي فعل ما فعل للابتلاء ~~والتمحيص والحال أنه تعالى غني عنهما محيط بخفيات الأمور، وفيه وعد ~~ووعيد. ### || [3.155] # { إن الذين تولوا منكم يوم التقى الجمعان } ~~وهم الذين انهزموا يوم أحد حسبما مرت حكايتهم { إنما ~~استزلهم الشيطن } أي إنما كان سبب انهزامهم أن الشيطان ~~طلب منهم الزلل { ببعض ما كسبوا } من الذنوب والمعاصي التي هي ~~مخالفة أمر النبي صلى الله عليه وسلم، وترك المركز والحرص على ~~الغنيمة أو الحياة، فحرموا التأييد وقوة القلب، وقيل: استزلال ~~الشيطان توليهم وذلك بذنوب تقدمت لهم فإن المعاصي يجر بعضها إلى ~~بعض كالطاعة، وقيل: استزلهم بذنوب سبقت منهم وكرهوا القتل قبل ~~إخلاص التوبة والخروج من المظلمة { ولقد عفا الله عنهم ~~} لتوبتهم واعتذارهم { أن الله غفور } للذنوب { حليم } لا ~~يعاجل بعقوبة المذنب ليتوب، والجملة تعليل لما قبلها على سبيل ~~التحقيق، وفي إظهار الجلالة تربية للمهابة وتأكيد للتعليل. ### || [3.156] # { يأيها الذين ءامنوا لا تكونوا كالذين كفروا ~~} وهم المنافقون القائلون: لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا ههنا، ~~وإنما ذكر في صدر الصلة كفرهم تصريحا بمباينة حالهم لحال المؤمنين، ~~وتنفيرا عن مماثلتهم آثر ذي أثير، وقوله تعالى: { وقالوا ~~لإخونهم } تعيين لوجه الشبه والمماثلة التي نهوا عنها أي ~~قالوا لأجلهم وفي حقهم، ومعنى أخوتهم اتفاقهم نسبا أو مذهبا { ~~إذا ضربوا فى الأرض } أي سافروا فيها وأبعدوا للتجارة أو ~~غيرها، وإيثار إذا المفيدة لمعنى الاستقبال على ms0575 إذا المفيدة لمعنى ~~المضي لحكاية الحال الماضية إذ المراد بها الزمان المستمر ~~المنتظم للحال الذي عليه يدور أمر استحضار الصورة. قال الزجاج: إذا ~~ههنا تنوب عما مضى من الزمان وما يستقبل يعني أنها لمجرد الوقت أو ~~يقصد بها الاستمرار، وظرفيتها لقولهم إنما هي باعتبار ما وقع فيها بل ~~التحقيق أنها ظرف له لا لقولهم، كأنه قيل: قالوا لأجل ما أصاب إخوانهم ~~حين ضربوا الخ، { أو كانوا } أي إخوانهم { غزا } جمع غاز ~~كعفى جمع عاف، قال: [الطويل] # ومغبرة الآفاق خاشعة الصوى # لها قلب عفى الحياض أجون # وقرىء بتخفيف الزاي على حذف التاء من غزاة، وإفراد كونهم غزاة ~~بالذكر مع اندراجه تحت الضرب في الأرض لأنه المقصود بيانه في ~~المقام، وذكر الضرب في الأرض توطئة له، وتقديمه لكثرة وقوعه على أنه ~~قد يوجد بدون الضرب في الأرض إذ المراد به السفر البعيد، وإنما لم ~~يقل أو غزوا للإيذان باستمرار اتصافهم بعنوان كونهم غزاة أو ~~بانقضاء ذلك، أي كانوا غزا فيما مضى، وقوله تعالى: { لو كانوا ~~عندنا } أي مقيمين { ما ماتوا وما قتلوا } مفعول لقالوا ~~دليل على أن هناك مضمرا قد حذف ثقة به أي إذا ضربوا في الأرض فماتوا ~~أو كانوا غزا فقتلوا، وليس المقصود بالنهي عدم مماثلتهم في النطق ~~بهذا القول بل في الاعتقاد بمضمونه والحكم بموجبه كما أنه المنكر على ~~قائليه، ألا يرى إلى قوله عز وجل: { ليجعل الله ذلك حسرة ~~فى قلوبهم } فإنه الذي جعل حسرة فيها قطعا وإليه أشير بذلك كما ~~نقل عن الزجاج أنه إشارة إلى ظنهم أنهم لو لم يحضروا القتال لم ~~يقتلوا، وتعلقه بقالوا ليس باعتبار نطقهم بذلك القول بل باعتبار ما ~~فيه من الحكم والاعتقاد، واللام لام للعاقبة كما في قوله تعالى: # ليكون لهم عدوا وحزنا # [القصص، الآية 8] أي قالوا ذلك واعتقدوه ليكون حسرة في قلوبهم، ~~والمراد بالتعليل المذكور بيان عدم ترتب فائدة ما على ذلك ~~أصلا، وقيل: هو تعليل للنهي بمعنى لا تكونوا مثلهم في النطق بذلك ~~القول واعتقاده ليجعله الله تعالى حسرة ms0576 في قلوبهم خاصة ويصون منها ~~قلوبكم، فذلك كما مر إشارة إلى ما دل عليه قولهم من الاعتقاد ويجوز أن ~~يكون إشارة إلى ما دل عليه النهي أي لا تكونوا مثلهم ليجعل الله ~~انتفاء كونكم مثلهم حسرة في قلوبهم فإن مضادتكم لهم في القول ~~والاعتقاد مما يغمهم ويغيظهم { والله يحيى ويميت } رد ~~لباطلهم إثر بيان غائلته أي هو المؤثر في الحياة والممات وحده من ~~غير أن يكون للإقامة أو للسفر مدخل في ذلك فإنه تعالى قد يحيي ~~المسافر والغازي مع اقتحامهما لموارد الحتوف ويميت المقيم والقاعد ~~مع حيازتهما لأسباب السلامة { والله بما تعملون بصير } ~~تهديد للمؤمنين على أن يماثلوهم، وقرىء بالياء على أنه وعيد للذين ~~كفروا، و { ما يعملون } عام متناول لقولهم المذكور ولمنشئه ~~الذي هو اعتقادهم، ولما ترتب على ذلك من الأعمال، ولذلك تعرض لعنوان ~~البصر لا لعنوان السمع، وإظهار الاسم الجليل في موقع الإضمار ~~لتربية المهابة وإلقاء الروعة والمبالغة في التهديد والتشديد في ~~الوعيد. ### || [3.157-158] # { ولئن قتلتم فى سبيل الله أو متم } شروع في ~~تحقيق أن ما يحذرون ترتبه على الغزو والسفر من القتل والموت في سبيل ~~الله تعالى ليس مما ينبغي أن يحذر، بل مما يجب أن يتنافس فيه ~~المتنافسون إثر إبطال ترتبه عليهما، واللام هي الموطئة للقسم ~~واللام في قوله تعالى: { لمغفرة من الله ورحمة } لام ~~الابتداء، والتنوين في الموضعين للتقليل، ومن متعلقة بمحذوف وقع صفة ~~للمبتدأ، وقد حذفت صفة رحمة لدلالة المذكور عليها، والجملة جواب ~~للقسم ساد مسد جواب الشرط والمعنى أن السفر والغزو ليس مما يجلب ~~الموت ويقدم الأجل أصلا ولئن وقع ذلك بأمر الله تعالى لنفحة يسيرة ~~من مغفرة ورحمة كائنتين من الله تعالى بمقابلة ذلك { خير مما ~~يجمعون } أي الكفرة من منافع الدنيا وطيباتها مدة أعمارهم. # وعن ابن عباس رضي الله عنهما خير من طلاع الأرض ذهبة حمراء. ~~وقرىء بالتاء أي مما تجمعونه أنتم لو لم تموتوا، والاقتصار على بيان ~~خيريتهما من ذلك بلا تعرض للإخبار بحصولهما لهم للإيذان بعدم الحاجة ~~إليه بناء ms0577 على استحالة التخييب منه تعالى بعد الإطماع وقد قيل: لا بد ~~من حذف آخر أي لمغفرة لكم من الله الخ، وحينئذ يكون أيضا إخراج ~~المقدر مخرج الصفة دون الخبر لنحو ما ذكر من ادعاء الظهور ~~والغنى عن الإخبار به، وتغيير الترتيب الواقع في قولهم: ما ماتوا وما ~~قتلوا المبني على كثرة الوقوع وقلته للمبالغة في الترغيب في ~~الجهاد ببيان زيادة مزية القتل في سبيل الله وإنافته في استجلاب ~~المغفرة والرحمة، وفيه دلالة واضحة على ما مر من أن المقصود بالنهي ~~إنما هو عدم مماثلتهم في الاعتقاد بمضمون القول المذكور والعمل ~~بموجبه لا في النطق به وإضلال الناس به. # { ولئن متم أو قتلتم } أي على أي وجه اتفق هلاككم ~~حسب تعلق الإرادة الإلهية وقرىء متم بكسر الميم من مات { لإلى ~~الله } أي إلى المعبود بالحق العظيم الشأن الواسع الرحمة الجزيل ~~الإحسان { تحشرون } لا إلى غيره فيوفيكم أجوركم ويجزل عطاءكم، ~~والكلام في لامي الجملة كما مر في أختها. ### || [3.159-160] # { فبما رحمة من الله لنت لهم } تلوين للخطاب وتوجيه ~~له إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم والفاء لترتيب مضمون الكلام على ~~ما ينبىء عنه السياق من استحقاقهم للائمة والتعنيف بموجب الجبلة ~~البشرية، أو من سعة ساحة مغفرته تعالى ورحمته، والباء متعلقة ~~بلنت قدمت عليه للقصر، وما مزيدة للتوكيد، أو نكرة و { رحمة } ~~بدل منها مبين لإبهامها، والتنوين للتفخيم ومن متعلقة بمحذوف وقع ~~صفة لرحمة أي فبرحمة عظيمة لهم كائنة من الله تعالى، وهي ربطه على ~~جأشه وتخصيصه بمكارم الأخلاق، كنت لين الجانب لهم وعاملتهم ~~بالرفق والتلطف بهم حيث اغتممت لهم بعد ما كان منهم ما كان من ~~مخالفة أمرك وإسلامك للعدو. # { ولو } لم تكن كذلك بل { كنت فظا } جافيا في المعاشرة قولا ~~وفعلا، وقال الراغب: الفظ هو الكريه الخلق. وقال الواحدي: هو ~~الغليظ الجانب السيء الخلق { غليظ القلب } قاسيه، وقال ~~الكلبي: فظا في القول غليظ القلب في الفعل، { لانفضوا من ~~حولك } لتفرقوا من عندك ولم يسكنوا إليك وتردوا في مهاوي ~~الردى والفاء ms0578 في قوله عز وجل: { فاعف عنهم } لترتيب العفو أو ~~الأمر به على ما قبله، أي إذا كان الأمر كما ذكر فاعف عنهم فيما ~~يتعلق بحقوقك كما عفا الله عنهم { واستغفر لهم } الله فيما ~~يتعلق بحقوقه تعالى إتماما للشفقة عليهم وإكمالا للبر بهم { ~~وشاورهم فى الأمر } أي في أمر الحرب إذ هو المعهود، أو فيه ~~وفي أمثاله مما تجري فيه المشاورة عادة استظهارا بآرائهم وتطييبا ~~لقلوبهم وتمهيدا لسنة المشاورة للأمة. وقرىء وشاورهم في بعض الأمر. # { فإذا عزمت } أي عقيب المشاورة على شيء واطمأنت به نفسك { ~~فتوكل على الله } في إمضاء أمرك على ما هو أرشد لك وأصلح، ~~فإن علمه مختص به سبحانه وتعالى. وقرىء فإذا عزمت على صيغة التكلم ~~أي عزمت لك على شيء وأرشدتك إليه فتوكل علي ولا تشاور بعد ذلك ~~أحدا، والالتفات لتربية المهابة وتعليل التوكل أو الأمر به فإن ~~عنوان الألوهية الجامعة لجميع صفات الكمال مستدع للتوكل عليه تعالى ~~أو الأمر به { إن الله يحب المتوكلين } عليه تعالى ~~فينصرهم ويرشدهم إلى ما فيه خيرهم وصلاحهم. والجملة تعليل للتوكل ~~عليه تعالى وقوله تعالى: { إن ينصركم الله فلا غالب لكم ~~} جملة مستأنفة سيقت بطريق تلوين الخطاب تشريفا للمؤمنين لإيجاب ~~توكلهم عليه تعالى وحثهم على اللجأ إليه وتحذيرهم عما يفضي إلى ~~خذلانه أي إن ينصركم كما نصركم يوم بدر فلا أحد يغلبكم على طريق ~~نفي الجنس المنتظم لنفي جميع أفراد الغالب ذاتا وصفة ولو قيل: فلا ~~يغلبكم أحد لدل على نفي الصفة فقط، ثم المفهوم من ظاهر النظم الكريم ~~ وإن كان نفي مغلوبيتهم من غير تعرض لنفي المساواة أيضا، وهو ~~الذي يقتضيه المقام لكن المفهوم منه فهما قطعيا هو نفي المساواة ~~وإثبات الغالبية للمخاطبين، فإذا قلت: لا أكرم من فلان أو لا أفضل ~~منه فالمفهوم منه حتما أنه أكرم من كل كريم وأفضل من كل فاضل وهذا ~~أمر مطرد في جميع اللغات ولا اختصاص له بالنفي الصريح بل هو مطرد ~~فيما ورد على طريق الاستفهام الإنكاري كما في قوله تعالى: # ومن ms0579 أظلم ممن افترى على الله كذبا # [العنكبوت، الآية 68، وسورة الصف، الآية 7] في مواقع كثيرة من ~~التنزيل، ومما هو نص قاطع فيما ذكرنا ما وقع في سورة هود حيث قيل بعده ~~في حقهم: # لا جرم أنهم فى الآخرة هم الأخسرون # [هود، الآية 22] فإن كونهم أخسر من كل خاسر يستدعي قطعا كونهم ~~أظلم من كل ظالم { وإن يخذلكم } كما فعل يوم أحد وقرىء ~~يخذلكم من أخذله إذا جعله مخذولا { فمن ذا الذى ينصركم } ~~استفهام إنكاري مفيد لانتفاء الناصر ذاتا وصفة بطريق المبالغة { ~~من بعده } أي من بعد خذلانه تعالى أو من بعد الله تعالى على معنى ~~إذا جاوزتموه { وعلى الله فليتوكل المؤمنون } تقديم ~~الجار والمجرور على الفعل لإفادة قصره عليه تعالى، والفاء لترتيبه ~~أو ترتيب الأمر به على ما مر من غلبة المخاطبين على تقدير نصرته ~~تعالى لهم ومغلوبيتهم على تقدير خذلانه تعالى إياهم، فإن العلم ~~بذلك مما يقتضي قصر التوكل عليه تعالى لا محالة، والمراد بالمؤمنين ~~إما الجنس والمخاطبون داخلون فيه دخولا أوليا وإما هم خاصة بطريق ~~الالتفات، وأيا ما كان ففيه تشريف لهم بعنوان الإيمان اشتراكا أو ~~استقلالا، وتعليل لتحتم التوكل عليه تعالى فإن وصف الإيمان مما ~~يوجبه قطعا. ### || [3.161] # { وما كان لنبى } أي وما صح لنبي من الأنبياء ولا استقام له { ~~أن يغل } أي يخون في المغنم فإن النبوة تنافيه منافاة بينة، ~~يقال: غل شيئا من المغنم يغل غلولا وأغل إغلالا إذا أخذه ~~خفية. والمراد إما تنزيه ساحة رسول الله صلى الله عليه وسلم عما ~~ظن به الرماة يوم أحد حين تركوا المركز وأفاضوا في الغنيمة، وقالوا: ~~نخشى أن يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: من أخذ شيئا فهو له ولا ~~يقسم الغنائم كما لم يقسمها يوم بدر، فقال لهم النبي صلى الله ~~عليه وسلم: # " " ألم أعهد إليكم أن لا تتركوا المركز حتى يأتيكم أمري؟ " ~~فقالوا: تركنا بقية إخواننا وقوفا، فقال عليه السلام: " بل ظننتم أنا ~~نغل ولا نقسم بينكم " # وإما المبالغة في النهي لرسول الله صلى الله ms0580 عليه وسلم على ما روي أنه ~~بعث طلائع فغنم النبي صلى الله عليه وسلم بعدهم غنائم فقسمها ~~بين الحاضرين ولم يترك للطلائع شيئا فنزلت. والمعنى ما كان لنبي أن ~~يعطي قوما من العسكر ويمنع آخرين بل عليه أن يقسم بين الكل ~~بالسوية، وعبر عن حرمان بعض الغزاة بالغلول تغليظا. وأما ما قيل ~~من أن المراد تنزيهه عليه السلام عما تفوه به بعض المنافقين إذ ~~روي: «أن قطيفة حمراء فقدت يوم بدر فقال بعض المنافقين: لعل رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم أخذها» فبعيد جدا، وقرىء على البناء للمفعول ~~والمعنى ما كان له أن يوجد غالا أو ينسب إلى الغلول. # { ومن يغلل يأت بما غل يوم القيمة } يأت بالذي ~~غله بعينه يحمله على عنقه كما ورد في الحديث الشريف وروي أنه عليه ~~السلام قال: # " ألا لا أعرفن أحدكم يأتي ببعير له رغاء وببقرة لها خوار ~~وبشاة لها ثغاء فينادي يا محمد فأقول: لا أملك لك من الله شيئا فقد ~~بلغتك " # أو يأت بما احتمل من إثمه ووباله { ثم توفى كل نفس ما ~~كسبت } أي تعطى وافيا جزاء ما كسبت خيرا أو شرا كثيرا أو ~~يسيرا، ووضع المكسوب موضع جزائه تحقيقا للعدل ببيان ما بينهما ~~من تمام التناسب كما وكيفا كأنهما شيء واحد. وفي إسناد التوفية ~~إلى كل كاسب وتعليقها بكل مكسوب مع أن المقصود بيان حال ~~الغال عند إتيانه بما غله يوم القيامة من الدلالة على فخامة شأن ~~اليوم وهول مطلعه والمبالغة في بيان فظاعة حال الغال ما لا ~~يخفى، فإنه حيث وفي كل كاسب جزاء ما كسبه ولم ينقص منه شيء، ~~وإن كان جرمه في غاية القلة والحقارة، فلأن لا ينقص من جزاء ~~الغال شيء وجرمه من أعظم الجرائم أظهر وأجلى { وهم } أي كل ~~الناس المدلول عليهم بكل نفس { لا يظلمون } بزيادة عقاب أو بنقص ~~ثواب. ### || [3.162-164] # { أفمن اتبع رضون الله } أي سعى في تحصيله وانتحى ~~نحوه حيثما كان بفعل الطاعات وترك المنكرات كالنبي ومن يسير بسيرته { ~~كمن باء } أي ms0581 رجع { بسخط } عظيم لا يقادر قدره كائن { من ~~الله } تعالى بسبب معاصيه كالغال ومن يدين بدينه، والمراد تأكيد ~~نفي الغلول عن النبي عليه الصلاة والسلام وتقريره بتحقيق المباينة ~~الكلية بينه وبين الغال حيث وصف كل منهما بنقيض ما وصف به ~~الآخر فقوبل رضوانه تعالى بسخطه، والاتباع بالبوء، والجمع بين ~~الهمزة والفاء لتوجيه الإنكار إلى ترتب توهم المماثلة بينهما ~~والحكم بها على ما ذكر من حال الغال كأنه قيل: أبعد ظهور حاله ~~يكون من ترقى إلى أعلى عليين كمن تردى إلى أسفل سافلين؟ ~~وإظهار الاسم الجليل في موضع الإضمار لإدخال الروعة وتربية ~~المهابة { ومأواه جهنم } إما كلام مستأنف مسوق لبيان ~~مآل أمر من باء بسخطه تعالى، وإما معطوف على قوله تعالى باء بسخط ~~عطف الصلة الاسمية على الفعلية، وأيا ما كان فلا محل له من ~~الإعراب { وبئس المصير } اعتراض تذييلي، والمخصوص بالذم ~~محذوف أي وبئس المصير جهنم، والفرق بينه وبين المرجع أو الأول ~~يعتبر فيه الرجوع على خلاف الحالة الأولى بخلاف الثاني. # { هم } راجع إلى الموصولين باعتبار المعنى { درجت عند ~~الله } أي طبقات متفاوتة في علمه تعالى وحكمه، شبهوا في تفاوت ~~الأحوال وتباينها بالدرجات مبالغة وإيذانا بأن بينهم تفاوتا ~~ذاتيا كالدرجات أو ذوو درجات { والله بصير بما يعملون } ~~من الأعمال ودرجاتها فيجازيهم بحسبها. # { لقد من الله } جواب قسم محذوف أي والله لقد من الله أي ~~أنعم { على المؤمنين } أي من قومه عليه السلام { إذ بعث ~~فيهم رسولا من أنفسهم } أي من نسبهم أو من جنسهم عربيا ~~مثلهم ليفقهوا كلامه بسهولة ليكونوا واقفين على حاله في الصدق ~~والأمانة مفتخرين به، وفي ذلك شرف لهم عظيم، قال الله تعالى: # وإنه لذكر لك ولقومك # [الزخرف، الآية 44] وقرىء من أنفسهم أي أشرافهم فإنه عليه السلام كان ~~من أشرف قبائل العرب وبطونها وقرىء لمن من الله على المؤمنين إذ ~~بعث الخ، على أنه خبر لمبتدأ محذوف أي منه إذ بعث الخ، أو على أن إذ ~~في محل الرفع على الابتداء بمعنى لمن من الله عليه من ms0582 المؤمنين وقت ~~بعثه، وتخصيصهم بالامتنان مع عموم نعمة البعثة الأسود والأحمر لما ~~مر من مزيد انتفاعهم بها وقوله تعالى: { من أنفسهم } متعلق ~~بمحذوف وقع صفة لرسولا أي كائنا من أنفسهم وقوله تعالى: { يتلو ~~عليهم ءايته } صفة أخرى أي يتلو عليهم القرآن بعد ما كانوا ~~أهل جاهلية لم يطرق أسماعهم شيء من الوحي { ويزكيهم } عطف ~~على يتلو أي يطهرهم من دنس الطبائع وسوء العقائد وأوضار الأوزار { ~~ويعلمهم الكتب والحكمة } أي القرآن والسنة وهو صفة ~~أخرى لرسولا مترتبة في الوجود على التلاوة، وإنما وسط بينهما ~~التزكية التي هي عبارة عن تكميل النفس بحسب القوة العلمية ~~وتهذيبها المتفرع على تكميلها بحسب القوة النظرية الحاصل ~~بالتعليم المترتب على التلاوة، للإيذان بأن كل واحد من الأمور ~~المترتبة نعمة جليلة على حيالها مستوجبة للشكر فلو روعي ترتيب ~~الوجود كما في قوله تعالى: # ربنا وابعث فيهم رسولا منهم يتلوا عليهم ~~آيتك ويعلمهم الكتب والحكمة ويزكيهم # [البقرة، الآية 129] لتبادر إلى الفهم عد الجميع نعمة واحدة، وهو ~~السر في التعبير عن القرآن بالآيات تارة وبالكتاب والحكمة [تارة] ~~أخرى رمزا إلى أنه باعتبار كل عنوان نعمة على حدة، ولا يقدح في ~~ذلك شمول الحكمة لما في مطاوي الأحاديث الكريمة من الشرائع كما سلف ~~في سورة البقرة { وإن كانوا من قبل } أي من قبل بعثته عليه ~~السلام وتزليته وتعليمه { لفى ضلل مبين } أي بين لا ريب ~~في كونه ضلالا وإن هي المخففة من الثقيلة، وضمير الشأن محذوف ~~واللام فارقة بينها وبين النافية، والظرف الأول لغو متعلق بكان، ~~والثاني خبرها وهي مع خبرها خبر لأن المخففة التي حذف اسمها أعني ~~ضمير الشأن، وقيل: هي نافية واللام بمعنى إلا، أي وما كانوا من قبل إلا ~~في ضلال مبين، وأيا ما كان فالجملة إما حال من الضمير المنصوب في ~~يعلمهم أو مستأنفة، وعلى التقديرين فهي مبينة لكمال النعمة ~~وتمامها. ### || [3.165] # { أو لما أصبتكم مصيبة قد أصبتم مثليها ~~قلتم أنى هذا } كلام مبتدأ مسوق لإبطال بعض ما صدر عنهم ~~من الظنون الفاسدة والأقاويل الباطلة الناشئة ms0583 منها، إثر إبطال بعض ~~آخر منها، والهمزة للتقريع والتقرير، والواو عاطفة لمدخولها على ~~محذوف قبلها، و { لما } ظرف لقلتم مضاف إلى ما بعده، و { قد ~~أصبتم } في محل الرفع على أنه صفة لمصيبة، والمراد بها ما أصابهم ~~يوم أحد من قتل سبعين منهم، وبمثليها ما أصاب المشركين يوم بدر من ~~قتل سبعين منهم وأسر سبعين. و { أنى هذا } مقول قلتم، وتوسيط ~~الظرف وما يتعلق به بينه وبين الهمزة، مع أن المقصود إنكاره ~~والمعطوف بالواو حقيقة لتأكيد النكير وتشديد التقريع فإن فعل ~~القبيح في غير وقته أقبح، والإنكار على فاعله أدخل، والمعنى أحين ~~أصابكم من المشركين نصف ما قد أصابهم منكم قبل ذلك جزعتم وقلتم: من أين ~~أصابنا هذا؟ وقد تقدم الوعد بالنصر على توجيه الإنكار والتقريع إلى ~~صدور ذلك القول عنهم في ذلك الوقت خاصة بناء على عدم كونه مظنة له ~~داعيا إليه بل على كونه داعيا إلى عدمه، فإن كون مصيبة عدوهم ضعف ~~مصيبتهم مما يهون الخطب ويورث السلوة، أو أفعلتم ما فعلتم ولما ~~أصابتكم غائلته قلتم: أنى هذا؟ على توجيه الإنكار إلى استبعادهم ~~الحادثة مع مباشرتهم لسببها، وتذكير اسم الإشارة في { أنى ~~هذا } مع كونه إشارة إلى المصيبة ليس لكونها عبارة عن القتل ونحوه ~~بل لما أن إشارتهم ليست إلا إلى ما شاهدوه في المعركة من حيث هو من غير ~~أن يخطر ببالهم تسميته باسم ما فضلا عن تسميته باسم المصيبة وإنما ~~هي عند الحكاية، وقوله عز وجل: { قل هو من عند أنفسكم } ~~أمر لرسول الله صلى الله عليه وسلم بأن يجيب عن سؤالهم الفاسد إثر ~~تحقيق فساده بالإنكار والتقريع ويبكتهم ببيان أن ما نالهم إنما ~~نالهم من جهتهم بتركهم المركز وحرصهم على الغنيمة وقيل: باختيارهم ~~الخروج من المدينة، ويأباه أن الوعد بالنصر كان بعد ذلك كما ذكر عند ~~قوله تعالى: # ولقد صدقكم الله وعده # [آل عمران، الآية 152] الآية، وأن عمل النبي صلى الله عليه وسلم ~~بموجبه قد رفع الخطر عنه وخفف جنايتهم فيه، على أن اختيار الخروج ms0584 ~~والإصرار عليه كان ممن أكرمهم الله تعالى بالشهادة يومئذ وأين هم من ~~التفوه بمثل هذه الكلمة؟ وقيل: بأخذهم الفداء يوم بدر قبل أن يؤذن ~~لهم، والأول هو الأظهر والأقوى، وإنما يعضده توسيط خطاب الرسول صلى ~~الله عليه وسلم بين الخطابين المتوجهين إلى المؤمنين وتفويض ~~التبكيت إليه عليه السلام، فإن توبيخ الفاعل على الفعل إذا كان ممن ~~نهاه عنه كان أشد تأثيرا { إن الله على كل شىء قدير ~~} ومن جملته النصر عند الطاعة والخذلان عند المخالفة وحيث خرجتم عن ~~الطاعة أصابكم منه تعالى ما أصابكم. والجملة تذييل مقرر لمضمون ما ~~قبلها داخل تحت الأمر. ### || [3.166-167] # { وما أصبكم } رجوع إلى خطاب المؤمنين إثر خطابه عليه ~~السلام بسر يقتضيه، وإرشاد لهم إلى طريق الحق فبما سألوا عنه وبيان ~~لبعض ما فيه من الحكم والمصالح ودفع لما عسى أن يتوهم من قوله ~~تعالى: { هو من عند أنفسكم } من استقلالهم في وقوع الحادثة، ~~والعدول عن الإضمار إلى ما ذكر للتهويل وزيادة التقرير ببيان وقته ~~بقوله تعالى: { يوم التقى الجمعان } أي جمعكم وجمع المشركين ~~{ فبإذن الله } أي فهو كائن بقضائه وتخليته الكفار، سمي ذلك ~~إذنا لكونها من لوازمه { وليعلم المؤمنين } عطف على قوله ~~تعالى: { فبإذن الله } عطف المسبب على السبب، والمراد بالعلم ~~التمييز والإظهار فيما بين الناس، { وليعلم الذين ~~نافقوا } عطف على ما قبله من مثله، وإعادة الفعل لتشريف المؤمنين ~~وتنزيههم عن الانتظام في سلك المنافقين وللإيذان باختلاف حال العلم ~~بحسب التعلق بالفريقين فإنه متعلق بالمؤمنين على نهج تعلقه السابق ~~وبالمنافقين على وجه جديد، وهو السر في إيراد الأولين بصيغة اسم ~~الفاعل المنبئة عن الاستمرار والآخرين بموصول صلته فعل دال على ~~الحدوث، والمعنى وما أصابكم يومئذ فهو كائن لتمييز الثابتين على الإيمان ~~والذين أظهروا النفاق { وقيل لهم } عطف على نافقوا داخل معه في ~~حيز الصلة أو كلام مبتدأ. قال ابن عباس رضي الله عنهما: هم عبد ~~الله بن أبي وأصحابه حيث انصرفوا يوم أحد عن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فقال لهم عبد الله بن ms0585 عمرو بن حرام: أذكركم الله لا ~~تخذلوا نبيكم وقومكم ودعاهم إلى القتال وذلك قوله تعالى: { ~~تعالوا قاتلوا فى سبيل الله أو ادفعوا } قال ~~السدي: ادفعوا عنا العدو بتكثير سوادنا إن لم تقاتلوا معنا، وقيل: أو ~~ادفعوا عن أهلكم وبلدكم وحريمكم إن لم تقاتلوا في سبيل الله تعالى، ~~وترك العطف بين تعالوا وقاتلوا لما أن المقصود بهما واحد وهو ~~الثاني، وذكر الأول توطئة له وترغيب فيه لما فيه من الدلالة على ~~التظاهر والتعاون { قالوا } استئناف وقع جوابا عن سؤال ينسحب عليه ~~الكلام كأنه قيل: فماذا صنعوا حين خيروا بين الخصلتين المذكورتين؟ ~~فقيل قالوا: { لو نعلم قتالا لاتبعنكم } أي لو ~~نحسن قتالا ونقدر عليه. وإنما قالوه دغلا واستهزاء، وإنما عبر عن ~~نفي القدرة على القتال بنفي العلم به لما أن القدرة على الأفعال ~~الاختيارية مستلزمة للعلم بها، أو لو نعلم ما يصح أن يسمى ~~قتالا لاتبعناكم ولكن ما أنتم بصدده ليس بقتال أصلا وإنما هو إلقاء ~~النفس إلى التهلكة. وفي جعلهم التالي مجرد الاتباع دون القتال الذي ~~هو المقصود بالدعوة دليل على كمال تثبطهم عن القتال حيث لا ترضى ~~نفوسهم بجعله تاليا لمقدم مستحيل الوقوع { هم للكفر ~~يومئذ أقرب منهم للإيمن } الضمير مبتدأ وأقرب خبره ~~واللام في للكفر وللإيمان متعلقة به كذا يومئذ ومنهم، وعدم جواز ~~تعلق حرفين متحدين لفظا ومعنى بعامل واحد بلا عطف أو بدلية إنما ~~هو فيما عدا أفعل التفضيل من العوامل، لاتحاد حيثية عملها، وأما ~~أفعل التفضيل فحيث دل على أصل الفعل وزيادته جرى مجرى عاملين كأنه ~~قيل: قربهم للكفر زائد على قربهم للإيمان، وقيل: تعلق الجارين به ~~لشبههما بالظرفين، أي هم للكفر يوم إذ قالوا ما قالوا أقرب منهم ~~للإيمان فإنهم كانوا قبل ذلك يتظاهرون بالإيمان، وما ظهرت منهم أمارة ~~مؤذنة بكفرهم فلما انخذلوا عن عسكر المسلمين وقالوا ما قالوا تباعدوا ~~بذلك عن الإيمان المظنون بهم واقتربوا من الكفر، وقيل: هم لأهل الكفر ~~أقرب نصرة منهم لأهل الإيمان لأن تقليل سواد المسلمين بالانخذال ~~تقوية للمشركين وقوله تعالى: ms0586 { يقولون بأفوههم ما ليس ~~فى قلوبهم } جملة مستأنفة مقررة لمضمون ما قبلها وذكر ~~الأفواه والقلوب تصوير لنفاقهم وتوضيح لمخالفة ظاهرهم لباطنهم، و { ~~ما } عبارة عن القول، والمراد به إما نفس الكلام الظاهر في اللسان ~~تارة وفي القلب أخرى، فالمثبت والمنفي متحدان ذاتا وإن اختلفا ~~مظهرا، وإما القول الملفوظ فقط فالمنفي حينئذ منشؤه الذي لا ينفك ~~عنه القول أصلا وإنما عبر عنه به إبانة لما بينهما من شدة الاتصال، ~~أي يتفوهون بقول لا وجود له أو لمنشئه في قلوبهم أصلا من الأباطيل ~~التي من جملتها ما حكي عنهم آنفا فإنهم أظهروا فيه أمرين ليس في قلوبهم ~~شيء منهما، أحدهما عدم العلم بالقتال والآخر الاتباع على تقدير ~~العلم به، وقد كذبوا فيهما كذبا بينا حيث كانوا عالمين به غير ~~ناوين للاتباع بل كانوا مصرين مع ذلك على الانخذال عازمين على ~~الارتداد، وقوله عز وجل: { والله أعلم بما يكتمون } ~~زيادة تحقيق لكفرهم ونفاقهم ببيان اشتغال قلوبهم بما يخالف ~~أقوالهم من فنون الشر والفساد إثر بيان خلوها عما يوافقها، ~~وصيغة التفضيل لما أن بعض ما يكتمونه من أحكام النفاق وذم ~~المؤمنين وتخطئة آرائهم والشماتة بهم وغير ذلك يعلمه المؤمنون على ~~وجه الإجمال، وأن تفاصيل ذلك وكيفياته مختصة بالعلم الإلهي. ### || [3.168-169] # { الذين قالوا } مرفوع على أنه بدل من واو يكتمون أو خبر ~~لمبتدأ محذوف، وقيل: مبتدأ خبره (قل فادرؤا) بحذف العائد تقديره { ~~قل لهم } الخ، أو منصوب على الذم أو على أنه نعت للذين نافقوا أو ~~بدل منه، وقيل: مجرور على أنه بدل من ضمير أفواههم أو قلوبهم كما في ~~قوله: [الطويل] # على جوده لضن بالماء حاتم # والمراد بهم عبد الله بن أبي وأصحابه { لإخونهم } أي ~~لأجلهم وهم من قتل يوم أحد من جنسهم أو من أقاربهم فيندرج فيهم بعض ~~الشهداء { وقعدوا } حال من ضمير قالوا بتقدير قد، أي قالوا: وقد ~~قعدوا عن القتال بالانخذال { لو أطاعونا } أي فيما أمرناهم به ~~ووافقونا في ذلك { ما قتلوا } كما لم نقتل، وفيه إيذان بأنهم ~~أمروهم بالانخذال حين ms0587 انخذلوا وأغووهم كما غووا، وحمل القعود على ~~ما استصوبه ابن أبي عند المشاورة من الإقامة بالمدينة ابتداء، ~~وجعل الإطاعة عبارة عن قبول رأيه والعمل به يرده كون الجملة ~~حالية فإنها لتعيين ما فيه العصيان والمخالفة مع أن ابن أبي ليس ~~من القاعدين فيها بذلك المعنى، على أن تخصيص عدم الطاعة بإخوانهم ~~ينادي باختصاص الأمر أيضا، بهم فيستحيل أن يحمل على ما خوطب به ~~النبي صلى الله عليه وسلم عند المشاورة { قل } تبكيتا لهم وإظهارا ~~لكذبهم { فادرءوا عن أنفسكم الموت } جواب لشرط قد حذف ~~تعويلا على ما بعده من قوله تعالى: { إن كنتم صدقين } كما أنه ~~شرط حذف جوابه لدلالة الجواب المذكور عليه أي أن كنتم صادقين فيما ~~ينبىء عنه قولكم من أنكم قادرون على دفع القتل عمن كتب عليه فادفعوا ~~عن أنفسكم الموت الذي كتب عليكم معلقا بسبب خاص موقتا بوقت ~~معين بدفع سببه، فإن أسباب الموت في إمكان المدافعة بالحال ~~وامتناعها سواء، وأنفسكم أعز عليكم من إخوانكم وأمرها أهم لديكم ~~من أمرهم، والمعنى أن عدم قتلكم كان بسبب أنه لم يكن مكتوبا عليكم لا ~~بسبب أنكم دفعتموه بالقعود مع كتابته عليكم فإن ذلك مما لا سبيل إليه، ~~بل قد يكون القتال سببا للنجاة والقعود مؤديا إلى الموت. روي أنه مات ~~يوم قالوا سبعون منافقا، وقيل: أريد { إن كنتم صدقين } [آل ~~عمران، الآية: 168] في مضمون الشرطية، والمعنى أنهم لو أطاعوكم وقعدوا ~~لقتلوا قاعدين كما قتلوا مقاتلين فقوله تعالى: { فادرءوا عن ~~أنفسكم الموت } [آل عمران، الآية: 168] حينئذ استهزاء بهم، أي ~~إن كنتم رجالا دفاعين لأسباب الموت فادرؤا جميع أسبابه حتى لا ~~تموتوا كما درأتم في زعمكم هذا السبب الخاص. # { ولا تحسبن الذين قتلوا فى سبيل الله أموتا ~~} كلام مستأنف مسوق لبيان أن القتل الذي يحذرونه ويحذرون الناس ~~منه ليس مما يحذر بل هو من أجل المطالب التي يتنافس فيها المتنافسون ~~إثر بيان أن الحذر لا يجدي ولا يغني. # وقرىء ولا تحسبن بكسر السين، والمراد بهم شهداء أحد وكانوا سبعين ~~رجلا: أربعة ms0588 من المهاجرين حمزة بن عبد المطلب ومصعب بن عمير ~~وعثمان بن شهاب وعبد الله بن جحش وباقيهم من الأنصار رضوان الله ~~تعالى عليهم أجمعين. والخطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم أو لكل أحد ~~ممن له حظ من الخطاب. وقرىء بالياء على الإسناد إلى ضميره عليه السلام ~~أو ضمير من يحسب، وقيل: إلى الذين قتلوا، والمفعول الأول محذوف ~~لأنه في الأصل مبتدأ جائز الحذف عند القرينة، والتقدير ولا ~~يحسبنهم الذين قتلوا أمواتا أي لا يحسبن الذين قتلوا أنفسهم ~~أمواتا، على أن المراد من توجيه النهي إليهم تنبيه السامعين على أنهم ~~أحقاء بأن يسلوا بذلك ويبشروا بالحياة الأبدية والكرامة السنية ~~والنعيم المقيم، لكن لا في جميع أوقاتهم بل عند ابتداء القتل إذ بعد ~~تبين حالهم لهم لا يبقى لاعتبار تسليتهم وتبشيرهم فائدة ولا ~~لتنبيه السامعين وتذكيرهم وجه وقرىء قتلوا بالتشديد لكثرة المقتولين { ~~بل أحياء } أي بل هم أحياء، وقرىء منصوبا أي بل احسبهم أحياء ~~على أن الحسبان بمعنى اليقين كما في قوله: [الطويل] # حسبت التقى والمجد خير تجارة # رباحا إذا ما المرء أصبح ثاقلا # أو على أنه وارد على طريق المشاكلة { عند ربهم } في محل الرفع ~~على أنه خبر ثان للمبتدأ المقدر، أو صفة لأحياء، أو في محل النصب ~~على أنه حال من الضمير في أحياء، وقيل: هو ظرف لأحياء، أو للفعل بعده، ~~والمراد بالعندية التقرب والزلفى. وفي التعرض لعنوان الربوبية ~~المنبئة عن التربية والتبليغ إلى الكمال مع الإضافة إلى ضميرهم مزيد ~~تكرمة لهم { يرزقون } أي من الجنة، وفيه تأكيد لكونهم أحياء ~~وتحقيق لمعنى حياتهم. # قال الإمام الواحدي: الأصح في حياة الشهداء ما روي عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم من أن أرواحهم في أجواف طيور خضر وأنهم يرزقون ~~ويأكلون ويتنعمون. وروي عنه عليه السلام أنه قال: # " لما أصيب إخوانكم بأحد جعل الله أرواحهم في أجواف طيور خضر ~~تدور في أنهار الجنة " # وروي: # " ترد أنهار الجنة وتأكل من ثمارها وتسرح من الجنة حيث شاءت وتأوي ~~إلى قناديل من ذهب معلقة في ms0589 ظل العرش " # وفيه دلالة على أن روح الإنسان جسم لطيف لا يفنى بخراب البدن ~~ولا يتوقف عليه إدراكه وتألمه والتذاذه، ومن قال بتجريد النفوس ~~البشرية يقول: المراد أن نفوس الشهداء تتمثل طيورا خضرا أو تتعلق ~~بها فتلتذ بما ذكر. وقيل: المراد أنها تتعلق بالأفلاك والكواكب فتلتذ ~~بذلك وتكتسب زيادة كمال. ### || [3.170] # { فرحين بما ءاتهم الله من فضله } وهو شرف الشهادة ~~والفوز بالحياة الأبدية والزلفى من الله عز وجل والتمتع بالنعيم ~~المخلد عاجلا. # { ويستبشرون } يسرون بالبشارة { بالذين لم ~~يلحقوا بهم } أي بإخوانهم الذين لم يقتلوا بعد في سبيل الله ~~فيلحقوا بهم { من خلفهم } متعلق بيلحقوا والمعنى أنهم بقوا ~~بعدهم وهم قد تقدموهم، أو بمحذوف وقع حالا من فاعل يلحقوا أي لم يلحقوا ~~بهم حال كونهم متخلفين عنهم باقين في الدنيا { ألا خوف ~~عليهم ولا هم يحزنون } بدل من الذين بدل اشتمال مبين ~~لكون استبشارهم بحال إخوانهم لا بذواتهم. وأن هي المخففة من أن ~~واسمها ضمير الشأن المحذوف، وخبرها الجملة المنفية أي يستبشرون ~~بما تبين لهم من حسن حال إخوانهم الذين تركوهم وهو أنهم عند قتلهم ~~يفوزون بحياة أبدية لا يكدرها خوف [ولا] وقوع محذور ولا حزن [على] ~~فوات مطلوب، أو لا خوف عليهم في الدنيا من القتل فإنه عين الحياة ~~التي يجب أن يرغب فيها فضلا عن أن تخاف وتحذر، أي لا يعتريهم ما ~~يوجب ذلك لا أنه يعتريهم ذلك لكنهم لا يخافون ولا يحزنون، والمراد ~~بيان دوام انتفاء الخوف والحزن لا بيان انتفاء دوامهما كما ~~يوهمه كون الخبر في الجملة الثانية مضارعا، فإن النفي وإن دخل على ~~نفس المضارع يفيد الدوام والاستمرار بحسب المقام. ### || [3.171-173] # { يستبشرون بنعمة } كرر لبيان أن الاستبشار المذكور ~~ليس بمجرد عدم الخوف والحزن بل به وبما يقارنه من نعمة عظيمة لا ~~يقادر قدرها، وهي ثواب أعمالهم، وقد جوز أن يكون الأول ~~متعلقا بحال إخوانهم، وهذا بحال أنفسهم بيانا لبعض ما أجمل في قوله ~~تعالى: # فرحين بما ءاتهم الله من فضله # [آل عمران، الآية: 170] { من الله } متعلق ms0590 بمحذوف وقع صفة لنعمة ~~مؤكدة لما أفاده التنكير من الفخامة الإضافية، أي كائنة منه تعالى { ~~وفضل } أي زيادة عظيمة كما في قوله تعالى: # للذين أحسنوا الحسنى وزيادة # [يونس، الآية 26]. # { وأن الله لا يضيع أجر المؤمنين } بفتح أن، عطف ~~على فضل منتظم معه في سلك المستبشر به، والمراد بالمؤمنين إما ~~الشهداء والتعبير عنهم بالمؤمنين للإيذان بسمو رتبة الإيمان وكونه ~~مناطا لما نالوه من السعادة، وإما كافة أهل الإيمان من الشهداء ~~وغيرهم ذكرت توفية أجورهم على إيمانهم وعدت من جملة ما يستبشر ~~به الشهداء بحكم الأخوة في الدين. وقرىء بكسرها على أنه استئناف ~~معترض دال على أن ذلك أجر لهم على أن إيمانهم مشعر بأن من لا ~~إيمان له أعماله محبطة لا أجر له. وفيه من الحث على الجهاد ~~والترغيب في الشهادة والبعث على ازدياد الطاعة وبشرى المؤمنين بالفلاح ~~ما لا يخفى. { الذين استجابوا لله والرسول من بعد ~~ما أصبهم القرح } صفة مادحة للمؤمنين لا مخصصة، أو نصب ~~على المدح أو رفع على الابتداء، والخبر قوله تعالى: { للذين ~~أحسنوا منهم واتقوا أجر عظيم } بجملته، ومن ~~للبيان، والمقصود من الجمع بين الوصفين المدح والتعليل لا التقييد ~~لأن المستجيبين كلهم محسنون ومتقون. # روي # " أن أبا سفيان وأصحابه لما انصرفوا من أحد فبلغوا الروحاء ندموا ~~وهموا بالرجوع فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فأراد أن يرهبهم ~~ويريهم من نفسه وأصحابه قوة فندب أصحابه للخروج في طلب أبي سفيان، ~~وقال: " لا يخرجن معنا إلا من حضر يومنا بالأمس " فخرج صلى الله عليه ~~وسلم مع جماعة حتى بلغوا حمراء الأسد وهي من المدينة على ثمانية أميال ~~وكان بأصحابه القرح فتحاملوا على أنفسهم حتى لا يفوتهم الأجر وألقى ~~الله تعالى الرعب في قلوب المشركين فذهبوا فنزلت { الذين قال ~~لهم الناس } يعني الركب الذين استقبلوهم من عبد قيس أو نعيم بن ~~مسعود الأشجعي، وإطلاق الناس عليه لما أنه من جنسهم وكلامه كلامهم، ~~يقال: فلان يركب الخيل ويلبس الثياب وما له سوى فرس فرد وغير ~~ثوب واحد، أو ms0591 لأنه انضم إليه ناس من المدينة وأذاعوا كلامه { إن ~~الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم } (روي أن أبا سفيان نادى ~~عند انصرافه من أحد: يا محمد موعدنا موسم بدر القابل إن شئت، فقال ~~عليه السلام: " إن شاء الله تعالى " فلما كان القابل خرج أبو سفيان في ~~أهل مكة حتى نزل مر الظهران فألقى الله تعالى في قلبه الرعب وبدا له ~~أن يرجع فمر به ركب من بني عبد قيس يريدون المدينة للميرة فشرط ~~لهم حمل بعير من زبيب إن ثبطوا المسلمين)، وقيل: لقي نعيم بن ~~مسعود وقد قدم معتمرا فسأله ذلك والتزم له عشرا من الإبل وضمنها ~~منه سهيل بن عمرو، فخرج نعيم ووجد المسلمين يتجهزون للخروج فقال لهم: ~~أتوكم في دياركم فلم يفلت منكم أحد إلا شريد أفترون أن تخرجوا ~~وقد جمعوا لكم ففروا، فقال عليه السلام: " والذي نفسي بيده ~~لأخرجن ولو لم يخرج معي أحد " فخرج في سبعين راكبا كلهم ~~يقولون: حسبنا الله ونعم الوكيل " # قيل: هي الكلمة التي قالها إبراهيم عليه الصلاة والسلام حين ألقي في ~~النار. # { فزادهم إيمنا } الضمير المستكن للمقول أو لمصدر قال أو ~~لفاعله إن أريد به نعيم وحده، والمعنى أنهم لم يلتفتوا إلى ذلك بل ~~ثبت به يقينهم بالله تعالى وازداد اطمئنانهم وأظهروا حمية الإسلام ~~وأخلصوا النية عنده، وهو دليل على أن الإيمان يتفاوت زيادة ونقصانا ~~فإن ازدياد اليقين بالإلف وكثرة التأمل وتناصر الحجج مما لا ريب ~~فيه، ويعضده قول ابن عمر رضي الله تعالى عنهما # " قلنا: يا رسول الله الإيمان يزيد وينقص؟ قال: " نعم يزيد حتى ~~يدخل صاحبه الجنة وينقص حتى يدخل صاحبه النار " # { وقالوا حسبنا الله } أي محسبنا الله وكافينا من أحسبه ~~إذا كفاه. والدليل على أنه بمعنى المحسب أنه لا يستفيد بالإضافة ~~تعريفا في قولك: هذا رجل حسبك { ونعم الوكيل } ، أي نعم ~~الموكول إليه، والمخصوص بالمدح محذوف أي الله عز وجل. ### || [3.174] # { فانقلبوا } عطف على مقدر ينسحب عليه الكلام أي فخرجوا إليهم ~~ووافوا الموعد. روي أنه عليه الصلاة والسلام وافى بجيشه ms0592 بدرا وأقام ~~بها ثماني ليال وكانت معهم تجارات فباعوها وأصابوا خيرا كثيرا، ~~والباء في قوله تعالى: { بنعمة } متعلقة بمحذوف وقع حالا من الضمير ~~في فانقلبوا، والتنوين للتفخيم أي فرجعوا من مقصدهم ملتبسين بنعمة ~~عظيمة لا يقادر قدرها وقوله عز وجل: { من الله } متعلق بمحذوف ~~وقع صفة لنعمة مؤكدة لفخامتها الذاتية التي يفيدها التنكير بالفخامة ~~الإضافية أي كائنة من الله تعالى وهي العافية والثبات على الإيمان ~~والزيادة فيه وحذر العدو منهم { وفضل } أي ربح في التجارة ~~وتنكيره أيضا للتفخيم { لم يمسسهم سوء } حال أخرى من الضمير ~~في فانقلبوا أو من المستكن في الحال كأنه قيل: منعمين حال كونهم ~~سالمين عن السوء والحال إذا كان مضارعا منفيا بلم وفيه ضمير ذي ~~الحال جاز فيه دخول الواو كما في قوله تعالى: # أو قال أوحى إلى ولم يوح إليه شىء # [الأنعام، الآية 93] وعدمه كما في هذه الآية الكريمة وفي قوله تعالى: # ورد الله الذين كفروا بغيظهم لم ينالوا ~~خيرا # [الأحزاب، الآية 25] { واتبعوا } في كل ما أتوا من قول وفعل { ~~رضون الله } الذي هو مناط الفوز بخير الدارين { والله ذو ~~فضل عظيم } حيث تفضل عليهم بالتثبيت وزيادة الإيمان والتوفيق ~~للمبادرة إلى الجهاد والتصلب في الدين وإظهار الجراءة على العدو، ~~وحفظهم عن كل ما يسوءهم مع إصابة النفع الجليل، وفيه تحسير لمن ~~تخلف عنهم وإظهار لخطأ رأيهم حيث حرموا أنفسهم ما فاز به هؤلاء. روي ~~أنهم قالوا: هل يكون هذا غزوا؟ فأعطاهم الله تعالى ثواب الغزو ورضي ~~عنهم. ### || [3.175-176] # { إنما ذلكم } إشارة إلى المثبط أو إلى من حمله على ~~التثبيط والخطاب للمؤمنين وهو مبتدأ وقوله تعالى: { الشيطن } ~~إما خبره وقوله تعالى: { يخوف أولياءه } جملة مستأنفة ~~مبينة لشيطنته أو حال كما في قوله تعالى: # فتلك بيوتهم خاوية # [النمل، الآية 52] الخ، وإما صفته والجملة خبره ويجوز أن تكون ~~الإشارة إلى قوله على تقدير مضاف أي إنما ذلكم قول الشيطان أي ~~إبليس، والمستكن في { يخوف } إما للمقدر وإما للشيطان بحذف ~~الراجع إلى المقدر أي يخوف به، والمراد بأوليائه إما ms0593 أبو سفيان ~~وأصحابه فالمفعول الأول محذوف أي يخوفكم أولياءه كما هو قراءة ابن ~~عباس وابن مسعود ويؤيده قوله تعالى: { فلا تخافوهم } أي ~~أولياءه { وخافون } في مخالفة أمري، وإما القاعدون فالمفعول الثاني ~~محذوف أي يخوفهم الخروج مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، والضمير ~~البارز في { فلا تخافوهم } للناس الثاني أي فلا تخافوهم فتقعدوا ~~عن القتال وتجبنوا وخافوني فجاهدوا مع رسولي وسارعوا إلى ما يأمركم به. ~~والخطاب لفريقي الخارجين والقاعدين، والفاء لترتيب النهي أو الانتهاء ~~على ما قبلها فإن كون المخوف شيطانا مما يوجب عدم الخوف والنهي ~~عنه { إن كنتم مؤمنين } فإن الإيمان يقتضي إيثار خوف الله ~~تعالى على خوف غيره ويستدعي الأمن من شر الشيطان وأوليائه. # { ولا يحزنك } تلوين للخطاب وتوجيه له إلى رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم لتشريفه بتخصيصه بالتسلية والإيذان بأصالته في تدبير أمور ~~الدين والاهتمام بشؤونه { الذين يسرعون فى الكفر } أي ~~يقعون فيه سريعا لغاية حرصهم عليه وشدة رغبتهم فيه، وإيثار كلمة { ~~فى } على ما وقع في قوله تعالى: # وسارعوا إلى مغفرة # [آل عمران، الآية 133] الآية، للإشعار باستقرارهم في الكفر ودوام ~~ملابستهم له في مبدأ المسارعة ومنتهاها كما في قوله تعالى: { أولئك ~~يسرعون فى الخيرت } فإن ذلك مؤذن بملابستهم للخيرات ~~وتقلبهم في فنونها في طرفي المسارعة وتضاعيفها، وأما إيثار كلمة { ~~إلى } في قوله تعالى: # وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة # [المؤمنون، الآية 61] الخ، فلأن المغفرة والجنة منتهى المسارعة ~~وغايتها، والمراد بالموصول المنافقون من المتخلفين وطائفة من اليهود ~~حسبما عين في قوله تعالى: # يأيها الرسول لا يحزنك الذين يسارعون فى ~~الكفر من الذين قالوا ءامنا بأفوههم ولم ~~تؤمن قلوبهم ومن الذين هادوا # [المائدة، الآية 41] وقيل: قوم ارتدوا عن الإسلام، والتعبير عنهم بذلك ~~للإشارة بما في حيز الصلة إلى مظنة وجود المنهي عنه واعترائه ~~لرسول الله صلى الله عليه وسلم أي لا يحزنوك بمسارعتهم في الكفر ~~ومبادرتهم إلى تنفيذ أحكامه ومظاهرتهم لأهله، وتوجيه النهي إلى ~~جهتهم مع أن المقصود نهيه عليه الصلاة والسلام عن التأثر منهم للمبالغة ~~في ms0594 ذلك لما أن النهي عن التأثير نهي عن التأثر بأصله ونفي له بالمرة، ~~وقد يوجه النهي إلى اللازم والمراد هم النهي عن الملزوم كما في ~~قولك: لا أرينك ههنا. # وقرىء لا يحزنك من أحزن المنقول من حزن بكسر الزاء، والمعنى ~~واحد، وقيل: معنى حزنه جعل فيه حزنا كما في دهنه أي جعل فيه ~~دهنا ومعنى أحزنه جعله حزينا، وقيل: معنى حزنه أحدث له الحزن ومعنى ~~أحزنه عرضه للحزن. # { إنهم لن يضروا الله } تعليل للنهي وتكميل للتسلية ~~بتحقيق نفي ضررهم أبدا، أي لن يضروا بذلك أولياء الله البتة، ~~وتعليق نفي الضرر به تعالى لتشريفهم والإيذان بأن مضارتهم بمنزلة ~~مضارته سبحانه، وفيه مزيد مبالغة في التسلية، وقوله تعالى: { ~~شيئا } في حيز النصب على المصدرية أي شيئا من الضرر، والتنكير ~~لتأكيد ما فيه من القلة والحقارة، وقيل: على نزع الجار أي بشيء ما ~~أصلا، وقيل: المعنى لن ينقصوا بذلك من ملكه تعالى وسلطانه شيئا كما ~~روى أبو ذر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " يقول الله تعالى: «لو أن أولكم وآخركم وجنكم وإنسكم كانوا ~~على قلب أتقى رجل منكم ما زاد ذلك في ملكي شيئا. ولو أن أولكم ~~وآخركم وجنكم وإنسكم كانوا على قلب أفجر رجل منكم ما نقص ذلك ~~من ملكي شيئا " # والأول هو الأنسب بمقام التسلية والتعليل. # { يريد الله أن لا يجعل لهم حظا فى الآخرة } ~~استئناف مبين لسر ابتلائهم بما هم فيه من انهماك في الكفر، وفي ذكر ~~الإرادة من الإيذان بكمال خلوص الداعي إلى حرمانهم وتعذيبهم حيث ~~تعلقت بهما إرادة أرحم الراحمين ما لا يخفى، وصيغة الاستقبال ~~للدلالة على دوام الإرادة واستمرارها، أي يريد الله بذلك أن لا يجعل ~~لهم في الآخرة حظا ما من الثواب ولذلك تركهم في طغيانهم يعمهون إلى أن ~~يهلكوا على الكفر { ولهم } مع ذلك الحرمان الكلي { عذاب عظيم ~~} لا يقادر قدره، قيل: لما دلت المسارعة في الشيء على عظم شأنه ~~وجلالة قدره عند المسارع وصف عذابه بالعظم رعاية للمناسبة ~~وتنبيها على ms0595 حقارة ما سارعوا فيه وخساسته في نفسه، والجملة إما ~~مبتدأة مبينة لحظهم من العقاب إثر بيان أن لا شيء لهم من ~~الثواب، وإما حال من الضمير في لهم أي يريد الله حرمانهم من الثواب ~~معدا لهم عذاب عظيم. ### || [3.177] # { إن الذين اشتروا الكفر بالإيمن } أي أخذوه بدلا ~~منه رغبة فيما أخذوه وإعراضا عما تركوه، وقد مر تحقيق القول في هذه ~~الاستعارة في تفسير قوله عز وجل: # أولئك الذين اشتروا الضللة بالهدى # [البقرة، الآية 16 و175] مستوفى. # { لن يضروا الله شيئا } تفسيره كما مر، غير أن فيه ~~تعريضا ظاهرا باقتصار الضرر عليهم كأنه قيل: وإنما يضرون أنفسهم، ~~فإن جعل الموصول عبارة عن المسارعين المعهودين بأن يراد باشتراء ~~الكفر بالإيمان إيثاره عليه إما بأخذه بدلا من الإيمان الحاصل بالفعل ~~كما هو حال المرتدين أو بالقوة القريبة منه الحاصلة بمشاهدة دلائله ~~في التوراة كما هو شأن اليهود ومنافقيهم فالتكرير لتقرير الحكم ~~وتأكيده ببيان علته بتغيير عنوان الموضوع، فإن ما ذكر في حيز ~~الصلة من الاشتراء المذكور صريح في لحوق ضرره بأنفسهم وعدم تعديه ~~إلى غيرهم أصلا، كيف لا وهو علم في الخسران الكلي والحرمان ~~الأبدي دال على كمال سخافة عقولهم وركاكة آرائهم فكيف يتأتى منهم ~~ما يتوقف على قوة الحزم ورزانة الرأي ورصانة التدبير من مضارة ~~حزب الله تعالى وهي أعز من الأبلق الفرد وأمنع من عقاب الجو. ~~وإن أجري الموصول على عمومه بأن يراد بالاشتراء المذكور القدر ~~المشترك الشامل للمعنيين المذكورين ولأخذ الكفر بدلا مما نزل ~~منزلة نفس الإيمان من الاستعداد القريب له الحاصل بمشاهدة الوحي ~~الناطق وملاحظة الدلائل المنصوبة في الآفاق والأنفس كما هو دأب ~~جميع الكفرة فالجملة مقررة لمضمون ما قبلها تقرير القواعد ~~الكلية لما اندرج تحتها من جزئيات الأحكام. هذا وقد جوز كون ~~الموصول الأول عاما للكفار والثاني خاصا بالمعهودين، وأنت خبير ~~بأنه مع خلوه عن النكت المذكورة مما لا يليق بفخامة شأن التنزيل ~~لما أن صدور المسارعة في الكفر بالمعنى المذكور وكونها مظنة لإيراث ~~الحزن لرسول الله صلى ms0596 الله عليه وسلم كما يفهم من النهي عنه إنما ~~يتصور مما علم اتصافه بها، وأما من لا يعرف حاله من الكفرة الكائنين ~~في الأماكن البعيدة فإسناد المسارعة المذكورة إليهم باعتبار كونها ~~من مبادىء حزنه عليه السلام مما لا وجه له وقوله تعالى: { ولهم ~~عذاب أليم } جملة مبتدأة مبينة لكمال فظاعة عذابهم بذكر غاية ~~إيلامه بعد ذكر نهاية عظمه. قيل: لما جرت العادة باغتباط المشتري ~~بما اشتراه وسروره بتحصيله عند كون الصفقة رابحة وبتألمه عند كونها ~~خاسرة وصف عذابهم بالإيلام مراعاة لذلك. ### || [3.178] # { ولا يحسبن الذين كفروا أنما نملى لهم ~~خير لأنفسهم } عطف على قوله تعالى: # ولا يحزنك الذين # [آل عمران، الآية 176] الآية، والفعل مسند إلى الموصول و { أن } بما ~~في حيزها سادة مسد مفعوليه عند سيبويه لتمام المقصود بها وهو تعلق ~~الفعل القلبي بالنسبة بين المبتدأ والخبر أو مسد أحدهما والآخر ~~محذوف عند الأخفش، وما مصدرية أو موصولة حذف عائدها ووصلها في ~~الكتابة لاتباع الإمام أي لا يحسبن الكافرون أن إملأنا لهم أو أن ما ~~نمليه لهم خير لأنفسهم، أو لا يحسبن الكافرون خيرية إملائنا لهم أو ~~خيرية ما نمليه لهم ثابتة أو واقعة ومآله نهيهم عن السرور بظاهر ~~إملائه تعالى لهم بناء على حسبان خيريته لهم وتحسيرهم ببيان أنه ~~شر بحت وضرر محض كما أن مآل المعطوف عليه نهي الرسول صلى الله ~~عليه وسلم عن الحزن بظاهر حال الكفرة بناء على توهم الضرر من قبلهم ~~وتسليته عليه السلام ببيان عجزهم عن ذلك بالكلية، والمراد بالموصول ~~إما جنس الكفرة فيندرج تحت حكمه الكلي أحكام المعهودين اندراجا ~~أوليا، وإما المعهودون خاصة فإيثار الإظهار يدل على الإضمار لرعاية ~~المقارنة الدائمة بين الصلة وبين الإملاء الذي هو عبارة عن إمهالهم ~~وتخليتهم وشأنهم دهرا طويلا، فإن المقارن له دائما إنما هو الكفر ~~المستمر لا المسارعة المذكورة ولا الاشتراء المذكور فإنهما من ~~الأحوال المتجددة المنقضية في تضاعيف الكفر المستمر. # وقرىء لا تحسبن بالتاء والخطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ~~الأنسب بمقام التسلية، أو ms0597 لكل من يتأتى منه الحسبان قصدا إلى إشاعة ~~فظاعة حالهم، والموصول مفعول و { إنما نملى لهم } [آل ~~عمران، الآية 178] إما بدل منه وحيث كان التعويل على البدل وهو ساد ~~مسد المفعولين كما في قوله تعالى: # أم تحسب أن أكثرهم يسمعون # [الفرقان، الآية 44] اقتصر على مفعول واحد كما في قولك: جعلت ~~المتاع بعضه فوق بعض، وإما مفعول ثان بتقدير مضاف: إما فيه أي لا ~~تحسبن الذين كفروا أصحاب أن الإملاء خير لأنفسهم أو في المفعول الأول ~~أي لا تحسبن حال الذين كفروا أن الإملاء خير لأنفسهم، ومعنى التفضيل ~~باعتبار زعمهم. # { إنما نملى لهم ليزدادوا إثما } استئناف مبين ~~لحكمة الإملاء، وما كافة واللام لام الإرادة وعند المعتزلة لام ~~العاقبة، وقرىء بفتح الهمزة ههنا على إيقاع الفعل عليه، وكسرها فيما ~~سبق على أنه اعتراض بين الفعل ومعموله مفيد لمزيد الاعتناء بإبطال ~~الحسبان ورده على معنى لا يحسبن الكافرون أن إملأنا لهم لازدياد ~~الإثم حسبما هو شأنهم بل إنما هو لتلافي ما فرط منهم بالتوبة ~~والدخول في الإيمان { ولهم } في الآخرة { عذاب مهين } لما ~~تضمن الإملاء التمتيع بطيبات الدنيا وزينتها وذلك مما يستدعي ~~التعزز والتجبر وصف عذابهم بالإهانة ليكون جزاؤهم جزاء وفاقا، ~~والجملة إما مبتدأة مبينة لحالهم في الآخرة إثر بيان حالهم في ~~الدنيا، وإما حال من الواو أي ليزدادوا إثما معدا لهم عذاب مهين، ~~وهذا متعين على القراءة الأخيرة. ### || [3.179] # { ما كان الله ليذر المؤمنين على ما أنتم ~~عليه } كلام مستأنف مسوق لوعد المؤمنين ووعيد المنافقين ~~بالعقوبة الدنيوية التي هي الفضيحة والخزي إثر بيان عقوبتهم ~~الأخروية، والمراد بالمؤمنين المخلصون، وأما الخطاب فقد قيل: إنه ~~لجمهور المصدقين من أهل الإخلاص وأهل النفاق، ففيه التفات في ضمن ~~التلوين، والمراد بما هم عليه اختلاط بعضهم بعضا واستواؤهم في إجراء ~~أحكام الإسلام عليهم، إذ هو القدر المشترك بين الفريقين، وقيل: إنه ~~للكفار والمنافقين وهو قول ابن عباس والضحاك ومقاتل والكلبي ~~وأكثر المفسرين، ففيه تلوين فقط، ولعل المنافقين عطف تفسيري للكفار ~~وإلا فلا شركة بين المؤمنين والمنافقين في ms0598 أمر من الأمور، والمراد بما ~~هم عليه ما مر من القدر المشترك فإنه كما يجوز نسبته إلى الفريقين معا ~~يجوز نسبته إلى كل منهما لا الكفر والنفاق كما قيل، فإن المؤمنين ما ~~كانوا مشاركين لهم في ذلك حتى لا يتركوا عليه، وقيل: إنه للمؤمنين خاصة ~~وهو قول أكثر أهل المعاني ففيه تلوين والتفات كما مر، والتعرض ~~لإيمانهم قبل الخطاب للإشعار بعلة الحكم، والمراد بما هم عليه ما مر ~~غير مرة، والأول هو الأقرب وإليه جنح المحققون من أهل التفسير ~~لكونه صريحا في كون المراد بما هم عليه ما ذكر من القدر المشترك بين ~~الفريقين من حيث هو مشترك بينهما بخلاف القولين الأخيرين فإنهما بمعزل ~~من ذلك، كيف لا والمفهوم مما عليه المنافقون هو الكفر والنفاق، ومما ~~عليه المؤمنون هو الإيمان والإخلاص لا القدر المشترك بينهما، ولئن ~~فهم ذلك فإنما يفهم من حيث الانتساب إلى أحدهما لا من حيث الانتساب ~~إليهما معا، وعليه يدور أمر الاختلاط المحوج إلى الإفراز. # واللام في ليذر إما متعلقة بالخبر المقدر لكان كما هو رأي ~~البصرية، وانتصاب الفعل بعدها بأن المقدرة أي ما كان الله مريدا أو ~~متصديا لأن يذر المؤمنين الخ، ففي توجيه النفي إلى إرادة الفعل ~~تأكيد مبالغة ليست في توجيهه إلى نفسه، وإما مزيدة للتأكيد ناصبة ~~للفعل بنفسها كما هو رأي الكوفية، ولا يقدح في ذلك زيادتها كما لا يقدح ~~زيادة حروف الجر في عملها. وقوله عز وجل: { حتى يميز ~~الخبيث من الطيب } غاية لما يفيده النفي المذكور كأنه قيل: ~~ما يتركهم الله تعالى على ذلك الاختلاط بل يقدر الأمور ويرتب ~~الأسباب حتى يعزل المنافق من المؤمن، وفي التعبير عنهما بما ورد به ~~النظم الكريم تسجيل على كل منهما بما يليق به، وإشعار بعلة الحكم. ~~وإفراد الخبيث والطيب مع تعددهما أريد بكل منهما وتكثره لا سيما بعد ~~ذكر ما أريد بأحدهما أعني المؤمنين بصيغة الجمع للإيذان بأن مدار ~~إفراز أحد الفريقين من الآخر هو اتصافهما بوصفهما لا خصوصية ذاتهما ~~وتعدد آحادهما كما في ms0599 مثل قوله تعالى: # ذلك أدنى ألا تعولوا # [النساء، الآية 3] ونظيره قوله تعالى: # تذهل كل مرضعة عما أرضعت # [الحج، الآية 2] حيث قصد الدلالة على الاتصاف بالوصف من غير تعرض ~~لكون الموصوف من العقلاء أو غيرهم، وتعليق الميز بالخبيث ~~المعبر به عن المنافق مع أن المتبادر مما سبق من عدم ترك المؤمنين ~~على الاختلاط تعلقه بهم وإفرازهم عن المنافقين لما أن الميز الواقع ~~بين الفريقين إنما هو بالتصرف في المنافقين وتغييرهم من حال إلى حال ~~مغايرة للأولى مع بقاء المؤمنين على ما كانوا عليه من أصل الإيمان وإن ~~ظهر مزيد إخلاصهم لا بالتصرف فيهم وتغييرهم من حال إلى حال أخرى مع ~~بقاء المنافقين على ما هم عليه من الاستتار، ولأن فيه مزيد تأكيد ~~للوعيد كما أشير إليه في قوله تعالى: # والله يعلم المفسد من المصلح # [البقرة، الآية 220] وإنما لم ينسب عدم الترك إليهم لما أنه ~~مشعر باعتناء بشأن من نسب إليه فإن المتبادر منه عدم تركه على ~~حالة غير ملائمة كما يشهد به الذوق السليم، وقرىء حتى يميز من ~~التمييز، وقوله تعالى: { وما كان الله ليطلعكم على ~~الغيب } تمهيد لبيان الميز الموعود على طريق تجريد الخطاب ~~للمخلصين تشريفا لهم وقوله عز وجل: { ولكن الله يجتبى من ~~رسله من يشاء } إشارة إلى كيفية وقوعه على سبيل الإجمال، ~~وإظهار الاسم الجليل في الموضعين لتربية المهابة، فالمعنى ما كان ~~الله ليترك المخلصين على الاختلاط بالمنافقين بل يرتب المبادىء حتى ~~يخرج المنافقين من بينهم وما يفعل ذلك باطلاعكم على ما في قلوبهم من ~~الكفر والنفاق ولكنه تعالى يوحي إلى رسوله عليه السلام فيخبره بذلك ~~وبما ظهر منهم من الأقوال والأفعال حسبما حكي عنهم بعضه فيما سلف ~~فيفضحهم على رؤوس الأشهاد ويخلصكم من خسة الشركاء وسوء جوارهم، ~~والتعرض للاجتباء للإيذان بأن الوقوف على أمثال تلك الأسرار الغيبية ~~لا يتأتى إلا ممن رشحه الله تعالى لمنصب جليل تقاصرت عنه همم الأمم ~~واصطفاه على الجماهير لإرشادهم، وتعميم الاجتباء لسائر الرسل عليهم ~~السلام للدلالة على أن شأنه عليه السلام في ms0600 هذا الباب أمر متين له ~~أصل أصيل جار على سنة الله تعالى المسلوكة فيما بين الرسل الخالية ~~عليهم السلام. # وتعميم الأمر في قوله تعالى: { فآمنوا بالله ورسله } مع أن سوق ~~النظم الكريم للإيمان بالنبي عليه الصلاة والسلام لإيجاب الإيمان ~~بالطريق البرهاني والإشعار بأن ذلك مستلزم للإيمان بالكل، لأنه ~~مصدق لما بين يديه من الرسل وهم شهداء بصحة نبوته عليه الصلاة ~~والسلام، والمأمور به الإيمان بكل ما جاء به عليه الصلاة والسلام ~~فيدخل فيه تصديقه عليه السلام فيما أخبر به من أحوال المنافقين دخولا ~~أوليا هذا هو الذي تقتضيه جزالة النظم الكريم. وقد جوز أن يكون ~~المعنى لا يترككم مختلطين حتى يميز الخبيث من الطيب بأن يكلفكم ~~التكاليف الصعبة التي لا يصبر عليها إلا الخلص الذين امتحن الله ~~تعالى قلوبهم كبذل الأرواح في الجهاد وإنفاق الأموال في سبيل الله ~~تعالى فيجعل ذلك عيارا على عقائدكم وشاهدا بضمائركم حتى يعلم بعضكم ~~بما في قلب بعض بطريق الاستدلال من جهة الوقوف على ذات الصدور فإن ذلك ~~مما استأثر الله تعالى به. # وأنت خبير بأن الاستدراك باجتباء الرسل المنبىء عن مزيد مزيتهم ~~وفضل معرفتهم على الخلق إثر بيان قصور رتبتهم عن الوقوف على ~~خفايا السرائر صريح في أن المراد إظهار تلك السرائر بطريق الوحي ~~لا بطريق التكليف بما يؤدي إلى خروج أسرارهم عن رتبة الخفاء، وأقرب ~~من ذلك حمل الآية الكريمة على أن تكون مسوقة لبيان الحكمة في ~~إملائه تعالى للكفرة إثر بيان شريعته لهم فالمعنى ما كان الله ليذر ~~المخلصين على الاختلاط أبدا كما تركهم كذلك إلى الآن لسر يقتضيه بل ~~يفرز عنهم المنافقين، ولذلك فعله يومئذ حيث خلى الكفرة وشأنهم فأبرز ~~لهم صورة الغلبة فأظهر من في قلوبهم مرض ما فيها من الخبائث ~~وافتضحوا على رؤوس الأشهاد. وقيل: قال الكافرون: إن كان محمد صادقا ~~فليخبرنا من يؤمن منا ومن يكفر فنزلت. { وإن تؤمنوا } أي ~~بما ذكر حق الإيمان { وتتقوا } أي عدم مراعاة حقوقه أو ~~النفاق { فلكم } بمقابلة ذلك الإيمان والتقوى { أجر عظيم ms0601 } ~~لا يبلغ كنهه. ### || [3.180] # { ولا يحسبن الذين يبخلون بما ءاتهم الله ~~من فضله هو خيرا لهم } بيان لحال البخل ووخامة عاقبته ~~وتخطئة لأهله في توهم خيرته حسب بيان حال الإملاء، وإيراد ما ~~بخلوا به، بعنوان إيتاء الله تعالى إياه من فضله، للمبالغة في بيان ~~سوء صنيعهم فإن ذلك من موجبات بذله في سبيله كما في قوله تعالى: # وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه # [الحديد، الآية 7] والفعل مسند إلى الموصول، والمفعول الأول محذوف ~~لدلالة الصلة عليه، وضمير الفصل راجع إليه أي لا يحسبن الباخلون بما ~~آتاهم الله من فضله من غير أن يكون لهم مدخل فيه أو استحقاق له هو ~~خيرا لهم من إنفاقه، وقيل: الفعل مسند إلى ضمير النبي صلى الله عليه ~~وسلم أو إلى ضمير من يحسب، والمفعول الأول هو الموصول بتقدير مضاف، ~~والثاني ما ذكر كما هو كذلك على قراءة الخطاب أي ولا تحسبن بخل الذين ~~يبخلون بما آتاهم الله من فضله هو خيرا لهم { بل هو شر لهم } ~~التنصيص على شريته لهم مع إدراكها من نفي خيريته للمبالغة في ذلك، ~~والتنوين للتفخيم، وقوله تعالى: { سيطوقون ما بخلوا به ~~يوم القيمة } بيان لكيفية شريته أي سيلزمون وبال ما ~~بخلوا به من الزكاة حية في عنقه تنهشه من قرنه إلى قدمه وتنقر رأسه ~~وتقول: أنا مالك. # { ولله } وحده لا لأحد غيره استقلالا أو اشتراكا { ميراث ~~السموات والأرض } أي ما يتوارثه أهلهما من مال وغيره من ~~الرسالات التي يتوارثها أهل السموات والأرض فما لهم يبخلون عليه بملكه ~~ولا ينفقونه في سبيله؟ أو أنه يرث منهم ما يمسكونه ولا ينفقونه في ~~سبيله تعالى عند هلاكهم وتدوم عليهم الحسرة والندامة { والله ~~بما تعملون } من المنع والبخل { خبير } فيجازيكم على ذلك. ~~وإظهار الاسم الجليل في موضع الإضمار لتربية المهابة، والالتفات ~~للمبالغة في الوعيد، والإشعار باشتداد غضب الرحمن الناشىء من ذكر ~~قبائحهم، وقرىء بالياء على الظاهر. ### || [3.181-182] # { لقد سمع الله قول الذين قالوا إن الله ~~فقير ونحن أغنياء } قالته اليهود لما سمعوا قوله تعالى: { ~~من ms0602 ذا الذى يقرض الله قرضا حسنا } وروي أنه عليه ~~السلام كتب مع أبي بكر رضي الله عنه إلى يهود بني قينقاع يدعوهم إلى ~~الإسلام وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وأن يقرضوا الله قرضا حسنا، ~~فقال فنحاص: إن الله فقير حتى سألنا القرض فلطمه أبو بكر رضي الله ~~عنه في وجهه وقال: لولا الذي بيننا وبينكم من العهد لضربت عنقك فشكاه ~~إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وجحد ما قاله فنزلت. والجمع حينئذ مع ~~كون القائل واحدا لرضا الباقين بذلك والمعنى أنه لم يخف عليه تعالى ~~وأعد له من العذاب كفاء. والتعبير عنه بالسماع للإيذان بأنه من ~~الشناعة والسماجة بحيث لا يرضى قائله بأن يسمعه سامع، والتوكيد ~~القسمي للتشديد في التهديد والمبالغة في الوعيد. # { سنكتب ما قالوا } أي سنكتب ما قالوه من العظيمة الشنعاء في ~~صحائف الحفظة أو سنحفظه ونثبته في علمنا لا ننساه ولا نهمله كما يثبت ~~المكتوب، والسين للتأكيد أي لن يفوتنا أبدا تدوينه وإثباته لكونه في ~~غاية العظم والهول كيف لا وهو كفر بالله تعالى واستهزاء بالقرآن ~~العظيم والرسول الكريم ولذلك عطف عليه قوله تعالى: { وقتلهم ~~الأنبياء } إيذانا بأنهما في العظم إخوان وتنبيها على أنه ليس ~~بأول جريمة ارتكبوها بل لهم فيه سوابق، وأن من اجترأ على قتل ~~الأنبياء لم يستبعد منه أمثال هذه العظائم، والمراد بقتلهم ~~الأنبياء رضاهم بفعل أسلافهم، وقوله تعالى: { بغير حق } متعلق ~~بمحذوف وقع حالا من قتلهم، أي كائنا بغير حق في اعتقادهم أيضا كما هو ~~في نفس الأمر، وقرىء سيكتب على البناء للفاعل وسيكتب على البناء ~~للمفعول وقتلهم بالرفع { ونقول ذوقوا عذاب الحريق } أي ~~وننتقم منهم بعد الكتبة بأن نقول لهم: ذوقوا العذاب المحرق كما ~~أذقتم المسلمين الغصص. وفيه من المبالغات ما لا يخفى، وقرىء ويقول ~~بالياء ويقال على البناء للمفعول { ذلك } إشارة إلى العذاب المذكور ~~وما فيه من معنى البعد للدلالة على عظم شأنه وبعد منزلته في ~~الهول والفظاعة، وهو مبتدأ خبره قوله تعالى: { بما قدمت ~~أيديكم } أي بسبب ما اقترفتموه من ms0603 قتل الأنبياء والتفوه بمثل ~~تلك العظيمة وغيرها من المعاصي، والتعبير عن الأنفس بالأيدي لما أن ~~عامة أفاعيلها تزاول بهن، ومحل { أن } في قوله تعالى: { وأن ~~الله ليس بظلم للعبيد } الرفع على أنه خبر مبتدإ ~~محذوف، والجملة اعتراض تذييلي مقرر لمضمون ما قبلها، أي والأمر ~~أنه تعالى ليس بمعذب لعبيده بغير ذنب من قبلهم، والتعبير عن ذلك ~~بنفي الظلم مع أن تعذيبهم بغير ذنب ليس بظلم على ما تقرر من قاعدة ~~أهل السنة، فضلا عن كونه ظلما بالغا لبيان كمال نزاهته تعالى ~~عن ذلك بتصويره بصورة ما يستحيل صدوره عنه سبحانه من الظلم، كما يعبر ~~عن ترك الإثابة على الأعمال بإضاعتها مع أن الأعمال غير موجبة للثواب ~~حتى يلزم من تخلفه عنها ضياعها. # وصيغة المبالغة لتأكيد هذا المعنى بإبراز ما ذكر من التعذيب بغير ~~ذنب في صورة المبالغة في الظلم، وقيل: هي لرعاية جمعية العبيد من ~~قولهم: فلان ظالم لعبده وظلام لعبيده على أنها للمبالغة كما لا ~~كيفا. # هذا وقد قيل: محل { أن } الجر بالعطف على ما قدمت وسببيته ~~للعذاب من حيث أن نفي الظلم مستلزم للعدل المقتضي لإثابة المحسن ~~ومعاقبة المسيء، وفساده ظاهر فإن ترك التعذيب من مستحقه ليس بظلم ~~شرعا ولا عقلا حتى ينتهض نفي الظلم سببا للتعذيب حسبما ذكره القائل ~~في سورة الأنفال، وقيل: سببية ذنوبهم لعذابهم مقيدة بانضمام انتفاء ~~ظلمه تعالى إليها إذ لولاه لأمكن أن يعذبهم بغير ذنوبهم. وأنت خبير ~~بأن إمكان تعذيبه تعالى لعبيده بغير ذنب بل وقوعه لا ينافي كون ~~تعذيب هؤلاء الكفرة بسبب ذنوبهم حتى يحتاج إلى اعتبار عدمه معه، ~~وإنما يحتاج إلى اعتبار عدمه معه، وإنما يحتاج إلى ذلك أن لو كان ~~المدعى أن جميع تعذيباته تعالى بسبب ذنوب المعذبين. ### || [3.183-184] # { الذين قالوا } نصب أو رفع على الذم، وهم كعب بن الأشرف ~~ومالك بن صيفي وحيي بن أخطب وفنحاص بن عازوراء ووهب بن ~~يهوذا { إن الله عهد إلينا } أي أمرنا في التوراة وأوصانا { ~~أن لا نؤمن لرسول حتى يأتينا بقربان تأكله ~~النار ms0604 } كما كان عليه أمر أنبياء بني إسرائيل حيث كان يقرب ~~بالقربان فيقوم النبي فيدعو فتنزل نار من السماء فتأكله أي تحيله ~~إلى طبعها بالإحراق، وهذا من مفترياتهم وأباطيلهم فإن أكل النار ~~القربان لم يوجب الإيمان إلا لكونه معجزة، فهو وسائر المعجزات ~~سواء، ولما كان محصل كلامهم الباطل أن عدم إيمانهم برسول الله ~~صلى الله عليه وسلم لعدم إتيانه بما قالوا ولو تحقق الإتيان به لتحقق ~~الإيمان رد عليهم بقوله تعالى: { قل } أي تبكيتا لهم وإظهارا ~~لكذبهم { قد جاءكم رسل } كثيرة العدد كبيرة المقدار { من ~~قبلى بالبينت } أي المعجزات الواضحة { وبالذى قلتم ~~} بعينه من القربان الذي تأكله النار { فلم قتلتموهم إن ~~كنتم صدقين } أي فيما يدل عليه كلامكم من أنكم تؤمنون لرسول ~~يأتيكم بما اقترحتموه، فإن زكريا ويحيى وغيرهما من الأنبياء عليهم ~~الصلاة والسلام قد جاءوكم بما قلتم في معجزات أخر فما لكم لم تؤمنوا ~~لهم حتى اجترأتم على قتلهم؟ { فإن كذبوك } شروع في تسلية رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم إثر ما أوحي إليه مما يحزنه عليه الصلاة ~~والسلام من مقالات الكفرة من المشركين واليهود، وقوله تعالى: { فقد ~~كذب رسل من قبلك } تعليل لجواب الشرط أي فتسل فقد كذب ~~الخ، ومن متعلقة بكذب أو بمحذوف هو صفة لرسل أي كائنة من قبلك { ~~جاءوا بالبينت } أي المعجزات الواضحة صفة لرسل { والزبر ~~} هو جمع زبور وهو الكتاب المقصور على الحكم من زبرته إذا ~~حسنته، وقيل: الزبر المواعظ والزواجر من زبرته إذا زجرته { ~~والكتب المنير } قيل: أي التوراة والإنجيل والزبور، ~~والكتاب في عرف القرآن ما يتضمن الشرائع والأحكام ولذلك جاء الكتاب ~~والحكمة متعاطفين في عامة المواقع، وقرىء وبالزبر بإعادة الجار ~~دلالة على أنها مغايرة بالذات للبينات. ### || [3.185-186] # { كل نفس ذائقة الموت } وعد ووعيد للمصدق والمكذب، ~~وقرىء ذائقة الموت بالتنوين وعدمه كما في قوله: ولا ذاكرا الله إلا ~~قليلا { وإنما توفون أجوركم } أي تعطون جزاء ~~أعمالكم على التمام والكمال { يوم القيمة } أي يوم قيامكم ~~من القبور، وفي لفظ التوفية إشارة إلى أن بعض أجورهم ms0605 يصل إليهم قبله ~~كما ينبىء عنه قوله عليه الصلاة والسلام: # " القبر روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النيران " # { فمن زحزح عن النار } أي بعد عنها يومئذ ونجا والزحزحة في ~~الأصل تكرير الزح وهو الجذب بعجلة { وأدخل الجنة فقد ~~فاز } بالنجاة ونيل المراد والفوز الظفر بالبغية وعن النبي صلى ~~الله عليه وسلم: # " من أحب أن يزحزح عن النار ويدخل الجنة فلتدركه منيته ~~وهو يؤمن بالله واليوم الآخر ويأتي إلى الناس بما يحب أن يؤتى إليه " # { وما الحيوة الدنيا } أي لذاتها وزخارفها { إلا ~~متع الغرور } شبهت بالمتاع الذي يدلس به على المستام ويغر ~~حتى يشتريه، وهذا لمن آثرها على الآخرة فأما من طلب بها الآخرة فهي له ~~متاع بلاغ، والغرور إما مصدر أو جمع غار { لتبلون } شروع في ~~تسلية رسول الله صلى الله عليه وسلم وممن معه من المؤمنين عما سيلقونه ~~من جهة الكفرة من المكاره إثر تسليتهم عما قد وقع منهم ليوطنوا ~~أنفسهم على احتماله عند وقوعه ويستعدوا للقائه ويقابلوه بحسن الصبر ~~والثبات، فإن هجوم الأوجال مما يزلزل أقدام الرجال وللاستعداد ~~للكروب مما يهون الخطوب، وأصل البلاء الاختبار أي تطلب الخبرة ~~بحال المختبر بتعريضه لأمر يشق عليه غالبا ملابسته ومفارقته، ~~وذلك إنما يتصور حقيقة مما لا وقوف له على عواقب الأمور، وأما من ~~جهة العليم الخبير فلا يكون إلا مجازا من تمكينه للعبد من اختيار ~~أحد الأمرين أو الأمور قبل أن يرتب عليه شيئا هو من مباديه العادية ~~كما مر، والجملة جواب قسم محذوف أي والله لتبلون أي لتعاملن ~~معاملة المختبر ليظهر ما عندكم من الثبات على الحق والأعمال ~~الحسنة. وفائدة التوكيد إما تحقيق معنى الابتلاء تهوينا للخطب وإما ~~تحقيق وقوع المبتلى به مبالغة في الحث على ما أريد منهم من التهيؤ ~~والاستعداد { فى أمولكم } بما يقع فيها من ضروب الآفات المؤدية ~~إلى هلاكها، وأما إنفاقها في سبيل الخير مطلقا فلا يليق نظمه في سلك ~~الابتلاء لما أنه من باب الإضعاف لا من قبيل الإتلاف { وأنفسكم ~~} بالقتل والأسر والجراح ms0606 وما يرد عليها من أصناف المتاعب والمخاوف ~~والشدائد ونحو ذلك، وتقديم الأموال لكثرة وقوع الهلكة فيها { ~~ولتسمعن من الذين أوتوا الكتب من قبلكم } ~~أي من قبل إيتائكم القرآن وهم اليهود والنصارى، عبر عنهم بذلك ~~للإشعار بمدار الشقاق والإيذان بأن بعض ما يسمعونه منهم مستند على ~~زعمهم إلى الكتاب كما في قوله تعالى: # إن الله عهد إلينا # [آل عمران، الآية 183] الخ، والتصريح بالقبلية لتأكيد الإشعار ~~وتقوية المدار فإن قدم نزول كتابهم مما يؤيد تمسكهم به { ومن ~~الذين أشركوا أذى كثيرا } من الطعن في الدين الحنيف ~~والقدح في أحكام الشرع الشريف وصد من أراد أن يؤمن وتخطئة من ~~آمن، وما كان من كعب بن الأشرف وأضرابه من هجاء المؤمنين وتحريض ~~المشركين على مضادة رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحو ذلك مما لا خير ~~فيه { وإن تصبروا } أي على تلك الشدائد والبلوى عند ورودها ~~وتقابلوها بحسن التجمل { وتتقوا } أي تبتلوا إلى الله تعالى ~~بالكلية معرضين عما سواه بالمرة بحيث يتساوى عندكم وصول المحبوب ولقاء ~~المكروه { فإن ذلك } إشارة إلى الصبر والتقوى، وما فيه من معنى ~~البعد للإيذان بعلو درجتهما وبعد منزلتهما، وتوحيد حرف الخطاب إما ~~باعتبار كل واحد من المخاطبين وإما لأن المراد بالخطاب مجرد ~~التنبيه من غير ملاحظة خصوصية أحوال المخاطبين { من عزم ~~الأمور } من معزوماتها التي يتنافس فيها المتنافسون أي مما تجب أن ~~يعزم عليه كل أحد لما فيه من كمال المزية والشرف أو مما عزم ~~الله تعالى عليه وأمر به وبالغ فيه، يعني أن ذلك عزمة من عزمات الله ~~تعالى لا بد أن تصبروا وتتقوا، والجملة تعليل لجواب الشرط واقع ~~موقعه كأنه قيل: وإن تصبروا وتتقوا فهو خير لكم أو فافعلوا أو فقد ~~أحسنتم أو فقد أصبتم فإن ذلك الخ، ويجوز أن يكون ذلك إشارة إلى صبر ~~المخاطبين وتقواهم، فالجملة حينئذ جواب الشرط، وفي إبراز الأمر ~~بالصبر والتقوى في صورة الشرطية من إظهار كمال اللطف بالعباد ما لا ~~يخفى. ### || [3.187] # { وإذ أخذ الله } كلام مستأنف سيق لبيان بعض أذياتهم ms0607 ~~وهو كتمانهم ما في كتابهم من شواهد نبوته عليه الصلاة والسلام ~~وغيرها وإذ منصوب على المفعولية بمضمر أمر به النبي صلى الله عليه ~~وسلم خاصة بطريق تجريد الخطاب إثر الخطاب الشامل له عليه الصلاة ~~والسلام وللمؤمنين لكون مضمونه من الوظائف الخاصة به عليه الصلاة ~~والسلام، وتوجيه الأمر بالذكر إلى الوقت دون ما وقع فيه من الحوادث مع ~~أنها المقصودة بالذات للمبالغة في إيجاب ذكرها على ما مر بيانه في ~~تفسير قوله تعالى: # وإذ قال ربك للملئكة إني جاعل # [البقرة، الآية 30] الخ، أي اذكر وقت أخذه تعالى { ميثق الذين ~~أوتوا الكتب } وهم علماء اليهود والنصارى، ذكروا بعنوان ~~إيتاء الكتاب مبالغة في تقبيح حالهم { لتبيننه } حكاية لما ~~خوطبوا به، والضمير للكتاب وهو جواب لقسم ينبىء عنه أخذ الميثاق ~~كأنه قيل لهم: بالله لتبيننه { للناس } وتظهرن جميع ما ~~فيه من الأحكام والأخبار التي من جملتها أمر نبوته عليه الصلاة ~~والسلام وهو المقصود بالحكاية. وقرىء بالياء لأنهم غيب { ولا ~~تكتمونه } عطف على الجواب وإنما لم يؤكد بالنون لكونه منفيا كما ~~في قولك: والله لا يقوم زيد، وقيل: اكتفي بالتأكيد في الأول لأنه تأكيد ~~له، وقيل: هو حال من ضمير المخاطبين إما على إضمار مبتدإ بعد الواو، ~~أي وأنتم لا تكتمونه، وإما على رأي من جوز دخول الواو على المضارع ~~المنفي عند وقوعه حالا أي لتبيننه غير كاتمين، والنهي عن ~~الكتمان بعد الأمر بالبيان إما للمبالغة في إيجاب المأمور به وإما لأن ~~المراد بالبيان المأمور به ذكر الآيات الناطقة بنبوته عليه الصلاة ~~والسلام، وبالكتمان المنهي عنه إلقاء التأويلات الزائغة والشبهات ~~الباطلة، وقرىء بالياء كما قبله { فنبذوه } النبذ الرمي والإبعاد ~~أي طرحوا ما أخذ منهم من الميثاق الموثق بفنون التأكيد وألقوه { ~~وراء ظهورهم } ولم يراعوه ولم يلتفتوا إليه أصلا فإن نبذ الشيء ~~وراء الظهر مثل في الاستهانة به والإعراض عنه بالكلية، كما أن ~~جعله نصب العين علم في كمال العناية به، وفيه من الدلالة على ~~تحتم بيان الحق على علماء الدين وإظهار ما منحوه من العلم ms0608 للناس ~~أجمعين وحرمة كتمانه لغرض من الأغراض الفاسدة أو لطمع في عرض من ~~الأعراض الفانية الكاسدة ما لا يخفى. وعن النبي صلى الله عليه وسلم: # " من كتم علما عن أهله ألجم بلجام من نار " # وعن طاوس أنه قال لوهب بن منبه: إني أرى الله سوف يعذبك بهذه الكتب ~~وقال: والله لو كنت نبيا فكتمت العلم كما تكتمه لرأيت أن الله ~~سيعذبك. وعن محمد بن كعب: لا يحل لأحد من العلماء أن يسكت على علمه ~~ولا يحل لجاهل أن يسكت على جهله حتى يسأل. # وعن علي رضي الله عنه: «ما أخذ الله على أهل الجهل أن يتعلموا حتى أخذ ~~على أهل العلم أن يعلموا» { واشتروا به } أي بالكتاب الذي ~~أمروا ببيانه ونهوا عن كتمانه فإن ذكر نبذ الميثاق يدل على ذلك ~~دلالة واضحة، وإيقاع الفعل على الكل مع أن المراد به كتم بعضه ~~كدلائل نبوته عليه الصلاة والسلام ونحوها لما أن ذلك كتم للكل إذ به ~~يتم الكتاب، كما أن رفض بعض أركان الصلاة رفض لكلها، أو بمنزلة كتم ~~الكل من حيث إنهما سيان في الشناعة واستجرار العقاب كما في قوله تعالى: # وإن لم تفعل فما بلغت رسالته # [المائدة، الآية 67] والاشتراء مستعار لاستبدال متاع الدنيا بما ~~كتموه أي تركوا ما أمروا به وأخذوا بدلا منه { ثمنا قليلا } أي ~~شيئا تافها حقيرا من حطام الدنيا وأعراضها، وفي تصوير هذه المعاملة ~~بعقد المعاوضة لا سيما بالاشتراء المؤذن بالرغبة في المأخوذ ~~والإعراض عن المعطى والتعبير عن المشترى الذي هو العمدة في العقد ~~والمقصود بالمعاملة بالثمن الذي شأنه أن يكون وسيلة إليه، وجعل ~~الكتاب الذي حقه أن يتنافس فيه المتنافسون مصحوبا بالباء الداخلة ~~على الآلات والوسائل من نهاية الجزالة والدلالة على كمال فظاعة ~~حالهم وغاية قبحها بإيثارهم الدنيء الحقير على الشريف الخطير ~~وتعكيسهم بجعلهم المقصد الأصلي وسيلة والوسيلة مقصدا ما لا ~~يخفى جلالة شأنه ورفعة مكانه { فبئس ما يشترون } { ما } ~~نكرة منصوبة مفسرة لفاعل بئس، و { يشترون } صفته، والمخصوص ~~بالذم محذوف أي بئس شيئا يشترونه ms0609 ذلك الثمن. ### || [3.188] # { لا تحسبن } الخطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم أو لكل أحد ~~ممن يصلح له { الذين يفرحون بما أتوا } أي بما فعلوا كما ~~في قوله تعالى: # إنه كان وعده مأتيا # [مريم، الآية 61] ويدل عليه قراءة أبي: يفرحون بما فعلوا، وقرىء بما ~~آتوا بمعنى أعطوا وبما أوتوا أي بما أوتوه عن علم التوراة. قال ابن ~~عباس رضي الله عنهما: هم اليهود حرفوا التوراة وفرحوا بذلك وأحبوا أن ~~يوصفوا بالديانة والفضل. روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سأل ~~اليهود عن شيء مما في التوراة فكتموا الحق وأخبروه بخلافه وأروه ~~أنهم قد صدقوه واستحمدوا إليه وفرحوا بما فعلوا، وقيل: فرحوا بكتمان ~~النصوص الناطقة بنبوته عليه الصلاة والسلام، وأحبوا أن يحمدوا بأنهم ~~متبعون ملة إبراهيم عليه السلام. فالموصول عبارة عن المذكورين أو عن ~~مشاهيرهم وضع موضع ضميرهم، والجملة مسوقة لبيان ما تستتبعه ~~أعمالهم المحكية من العقاب الأخروي إثر بيان قباحتها، وقد أدمج ~~فيها بيان بعض آخر من شنائعهم وهو إصرارهم على ما هم عليه من ~~القبائح وفرحهم بذلك ومحبتهم لأن يوصفوا بما ليس فيهم من الأوصاف ~~الجميلة، وقد نظم ذلك في سلك الصلة التي حقها أن تكون معلومة ~~الثبوت للموصول عند المخاطب إيذانا بشهرة اتصافهم بذلك، وقيل: هو ~~قوم تخلفوا عن الغزو ثم اعتذروا بأنهم رأوا المصلحة في ذلك واستحمدوا ~~به، وقيل: هم المنافقون كافة وهو الأنسب بظاهر قوله تعالى: { ~~ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا } لشهرة أنهم ~~كانوا يفرحون بما فعلوا من إظهار الإيمان وقلوبهم مطمئنة بالكفر ~~ويستحمدون إلى المسلمين بالإيمان وهم عن فعله بألف منزل، وكانوا ~~يظهرون محبة المؤمنين وهم في الغاية القاصية من العداوة، فالموصول ~~عبارة عن طائفة معهودة من المذكورين وغيرهم، فإن أكثر المنافقين ~~كانوا من اليهود، ولعل الأولى إجراء الموصول على عمومه شاملا لكل من ~~يأتي بشيء من الحسنات فيفرح به فرح إعجاب ويود أن يمدحه الناس ~~بما هو عار منه من الفضائل منتظما للمعهودين انتظاما أوليا، وأيا ما ~~كان فهو مفعول أول لتحسبن، ms0610 وقوله تعالى: { فلا تحسبنهم } ~~تأكيد له والفاء زائدة والمفعول الثاني قوله تعالى: { بمفازة ~~من العذاب } أي ملتبسين بنجاة منه، على أن المفازة مصدر ميمي ~~ولا يضر تأنيثها بالتاء لما أنها مبنية عليها وليست للدلالة على الوحدة ~~كما في قوله: [الطويل] # فلولا رجاء النصر منك ورهبة # عقابك قد كانوا لنا بالموارد # ولا سبيل إلى جعلها اسم مكان على أن الجار متعلق بمحذوف وقع صفة ~~لها أي بمفازة كائنة من العذاب لأنها ليست من العذاب، وتقدير فعل ~~خاص ليصح به المعنى أي بمفازة منجية من العذاب مع كونه خلاف ~~الأصل تعسف مستغنى عنه. # وقرىء بضم الباء في الفعلين على أن الخطاب شامل للمؤمنين أيضا، وقرىء ~~بياء الغيبة وفتح الباء فيهما على أن الفعل له عليه الصلاة والسلام ~~أو لكل أحد ممن يتأتى منه الحسبان، ومفعولاه كما ذكر، وقرىء بضم الباء ~~في الثاني فقط على أن الفعل للموصول، والمفعول الأول محذوف لكونه ~~عين الفاعل، والثاني بمفازة أي لا يحسبن الذين يفرحون أنفسهم ~~فائزين، وقوله تعالى: { فلا تحسبنهم } تأكيد للأول، والفاء ~~زائدة كما مر ويجوز أن يحمل الفعل الأول على حذف المفعولين معا ~~اختصارا لدلالة مفعولي الثاني عليهما على عكس ما في قوله: # بأي كتاب أو بأية سنة # ترى حبهم عارا علي وتحسب # حيث حذف فيه مفعولا الثاني لدلالة مفعولي الأول عليهما، أو على أن ~~الفعل الأول للرسول صلى الله عليه وسلم أو لكل حاسب، ومفعوله الأول ~~الموصول والثاني محذوف لدلالة مفعول الفعل الثاني عليه، والفعل ~~الثاني مسند إلى ضمير الموصول والفاء للعطف لظهور تفرع حسبانهم ~~على عدم حسبانه عليه السلام ومفعولاه الضمير المنصوب وقوله تعالى: { ~~بمفازة } ، وتصدير الوعيد بنهيهم عن الحسبان المذكور للتنبيه ~~على بطلان آرائهم الركيكة وقطع أطماعهم الفارغة حيث كانوا يزعمون ~~أنهم ينجون بما صنعوا من عذاب الآخرة كما نجوا به من المؤاخذة ~~الدنيوية وعليه كان مبني فرحهم وأما نهيه عليه السلام فللتعريض ~~بحسبانهم المذكور لا لاحتمال وقوع الحسبان من جهته عليه السلام { ~~ولهم عذاب أليم } بعد ما أشير إلى عدم ms0611 نجاتهم من مطلق ~~العذاب حقق أن لهم فردا منه لا غاية له في المدة والشدة، كما تلوح ~~به الجملة الاسمية والتنكير التفخيمي والوصف. ### || [3.189-190] # { ولله } أي خاصة { ملك السموات والأرض } أي ~~السلطان القاهر فيهما بحيث يتصرف فيهما وفيما فيهما كيفما يشاء ويريد، ~~إيجادا وإعداما إحياء وإماتة تعذيبا وإثابة من غير أن يكون لغيره ~~شائبة دخل في شيء من ذلك بوجه من الوجوه، فالجملة مقررة لما قبلها، ~~وقوله تعالى: { والله على كل شيء قدير } تقرير لاختصاص ~~ملك العالم الجسماني المعبر عنه بقطريه به سبحانه وتعالى ~~قادرا على الكل بحيث لا يشذ من ملكوته شيء من الأشياء يستدعي كون ما ~~سواه كائنا ما كان مقدورا له ومن ضرورته اختصاص القدرة به تعالى ~~واستحالة أن يشاركه شيء من الأشياء في القدرة على شيء من الأشياء ~~فضلا عن المشاركة في ملك السموات والأرض، وفيه تقرير لما مر من ثبوت ~~العذاب الأليم لهم وعدم نجاتهم منه. وإظهار الاسم الجليل في موقع ~~الإضمار لتربية المهابة والإشعار بمناط الحكم، فإن شمول القدرة ~~لجميع الأشياء من أحكام الألوهية مع ما فيه من الإشعار باستقلال كل ~~من الجملتين بالتقرير. # { إن في خلق السموات } جملة مستأنفة سيقت لتقرير ما سبق ~~من اختصاصه تعالى بالسلطان القاهر والقدرة التامة صدرت بكلمة ~~التأكيد اعتناء بتحقيق مضمونها أي في إنشائها على ما هي عليه في ~~ذواتها وصفاتها من الأمور التي يحار في فهم أجلاها العقول { والأرض ~~} على ما هي عليه ذاتا وصفة { واختلف اليل والنهار } ~~أي في تعاقبهما في وجه الأرض وكون كل منهما خلفة للآخر بحسب ~~طلوع الشمس وغروبها التابعين لحركات السموات وسكون الأرض، أو في ~~تفاوتهما بازدياد كل منهما بانتقاص الآخر وانتقاصه بازدياده، باختلاف ~~حال الشمس بالنسبة إلينا قربا وبعدا بحسب الأزمنة أو في اختلافهما ~~وتفاوتهما بحسب الأمكنة، أما في الطول والقصر فإن البلاد القريبة ~~من القطب الشمالي أيامها الصيفية أطول ولياليها الصيفية أقصر من ~~أيام البلاد البعيدة منه ولياليها، وأما في أنفسها فإن كروية الأرض ~~تقتضي أن يكون بعض الأماكن ليلا ms0612 وفي مقابله نهارا وفي بعضها صباحا ~~وفي بعضها ظهرا أو عصرا أو غير ذلك. # والليل قيل: إنه اسم جنس يفرق بين واحده وجمعه بالتاء كتمر ~~وتمرة، والليالي جمع جمع والصحيح أنه مفرد ولا يحفظ له جمع، ~~والليالي جمع ليلة وهو جمع غريب كأنهم توهموا أنها ليلاة كما في ~~كيكة وكياكي كأنها جمع كيكاة، والنهار اسم لما بين طلوع الفجر ~~وغروب الشمس قاله الراغب، وقال ابن فارس: هو ضياء ما بينهما، وتقديم ~~الليل على النهار إما لأنه الأصل فإن غرر الشهور تظهر في الليالي، ~~وإما لتقدمه في الخلفية حسبما ينبىء عنه قوله تعالى: # وءاية لهم اليل نسلخ منه النهار # [يس، الآية 37] أي نزيله منه فيخلفه { لايات } اسم إن دخلته ~~اللام لتأخره عن خبرها، والتنكير للتفخيم كما وكيفا أي لآيات ~~كثيرة عظيمة لا يقادر قدرها دالة على تعاجيب شؤونه التي من جملتها ~~ما مر من اختصاص الملك العظيم والقدرة التامة به سبحانه. # وعدم التعرض لما ذكر في سورة البقرة من الفلك والمطر وتصريف ~~الرياح والسحاب لما أن المقصود ههنا بيان استبداده تعالى بما ذكر ~~من الملك والقدرة فاكتفي بمعظم الشواهد الدالة على ذلك، وأما هناك ~~فقد قصد في ضمن بيان اختصاصه تعالى بالألوهية بيان اتصافه تعالى ~~بالرحمة الواسعة فنظمت دلائل الفضل والرحمة في سلك دلائل التوحيد ~~فإن ما فصل هناك [هو] من آيات رحمته تعالى كما أنه من آيات ألوهيته ~~ووحدته. # { لأولى الألبب } أي لذوي العقول المجلوة الخالصة عن شوائب ~~الحس والوهم المتجردين عن العلائق النفسانية المتخلصين من ~~العوائق الظلمانية، المتأملين في أحوال الحقائق وأحكام النعوت، ~~المراقبين في أطوار الملك وأسرار الملكوت، المتفكرين في بدائع صنائع ~~الملك الخلاق، المتدبرين في روائع حكمه المودعة في الأنفس والآفاق، ~~الناظرين إلى العالم بعين الاعتبار والشهود، المتفحصين عن حقيقة سر ~~الحق في كل موجود، المثابرين على مراقبته وذكراه غير ملتفتين إلى شيء ~~مما سواه إلا من حيث إنه مرآة لمشاهدة جماله وآلة لملاحظة صفات ~~كماله، فإن كل ما ظهر في مظاهر الإبداع وحضر محاضر التكوين ~~والاختراع ms0613 سبيل سوي إلى عالم التوحيد ودليل قوي على الصانع المجيد ~~ناطق بآيات قدرته، فهل من سامع واع ومخبر بأنباء علمه وحكمته فهل ~~له من داع يكلم الناس على قدر عقولهم ويرد جوابهم بحسب مقولهم، ~~يحاور تارة بأوضح عبارة ويلوح أخرى بألطف إشارة مراعيا في الحوار ~~إبهامهم وتصريحهم: # وإن من شىء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون ~~تسبيحهم # [الإسراء، الآية 44] فتأمل في هذه الشؤون والأسرار إن في ذلك لعبرة ~~لأولي الأبصار. عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قال: # " " هل لك يا عائشة أن تأذني لي الليلة في عبادة ربي؟ " فقلت: يا ~~رسول الله إني لأحب قربك وأحب هواك قد أذنت لك، فقام إلى ~~قربة من ماء في البيت فتوضأ ولم يكثر من صب الماء ثم قام يصلي فقرأ ~~من القرآن وجعل يبكي حتى بلغ الدموع حقويه ثم جلس فحمد الله تعالى ~~وأثنى عليه وجعل يبكي ثم رفع يديه فجعل يبكي حتى رأيت دموعه قد بلت ~~الأرض فأتاه بلال يؤذنه بصلاة الغداة فرآه يبكي فقال له: يا رسول ~~الله أتبكي وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ فقال: " يا بلال ~~أفلا أكون عبدا شكورا؟ " ثم قال: " ومالي لا أبكي وقد أنزل الله تعالى ~~علي هذه الليلة { إن في خلق السموات والأرض }؟ " الخ، ثم قال: " ويل لمن ~~قرأها ولم يتفكر فيها " # وروي: # " ويل لمن لاكها بين فكيه ولم يتأملها " # وعن علي رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا قام من ~~الليل يتسوك ثم ينظر إلى السماء ثم يقول: " إن في خلق السموات والأرض ~~" الخ. ### || [3.191] # { الذين يذكرون الله } الموصول إما موصول بأولي الألباب ~~مجرور على أنه نعت كاشف له بما في حيز الصلة وإما مفصول عنه مرفوع ~~أو منصوب على المدح، أو مرفوع على أنه خبر لمبتدإ محذوف، وقيل: هو ~~مرفوع على الابتداء والخبر هو القول المقدر قبل قوله تعالى: { ~~ربنا } ، وفيه من تفكيك النظم الجليل ما لا يخفى. وأيا ms0614 ما كان فقد ~~أشير بما في حيز صلته أن المراد بهم الذين لا يغفلون عنه تعالى في ~~عامة أوقاتهم لاطمئنان قلوبهم بذكره واستغراق سرائرهم في مراقبته لما ~~أيقنوا بأن كل ما سواه فائض منه وعائد إليه فلا يشاهدون حالا من ~~الأحوال في أنفسهم، وإليه أشير بقوله عز وجل: { قيما وقعودا ~~وعلى جنوبهم } ولا في الآفاق وإليه أشير بما بعده إلا وهم ~~يعاينون في ذلك شأنا من شؤونه تعالى، فالمراد به ذكره تعالى مطلقا ~~سواء كان ذلك من حيث الذات أو من حيث الصفات والأفعال، وسواء قارنه ~~الذكر اللساني أو لا. # وأما ما يحكى عن ابن عمر وعروة بن الزبير وجماعة رضي الله عنهم من ~~أنهم خرجوا يوم العيد إلى المصلى فجعلوا يذكرون الله تعالى فقال ~~بعضهم: أما قال الله تعالى: { الذين يذكرون الله قيما ~~وقعودا } [آل عمران، الآية 191] فقاموا يذكرون الله على أقدامهم فليس ~~مرادهم به تفسير الآية وتحقيق مصداقها على التعيين وإنما أرادوا ~~به التبرك بنوع موافقة لها في ضمن الإتيان بفرد من أفراد مدلولها، ~~وأما حمل الذكر على الصلاة في هذه الأحوال حسب الاستطاعة كما # " قال عليه السلام لعمران بن الحصين: " صل قائما فإن لم تستطع ~~فقاعدا فإن لم تستطع فعلى جنب تومىء إيماء " # فمما لا يساعده سباق النظم الجليل ولا سياقه. # والقيام والقعود جمع قائم وقاعد كنيام ورقود جمع نائم وراقد، ~~وانتصابهما على الحالية من ضمير يذكرون أي يذكرونه قائمين وقاعدين، ~~وقوله تعالى: { وعلى جنوبهم } متعلق بمحذوف معطوف على ~~الحالين أي وكائنين على جنوبهم أي مضطجعين، والمراد تعميم الذكر ~~للأوقات كما مر، وتخصيص الأحوال المذكورة بالذكر ليس لتخصيص الذكر ~~بها بل لأنها الأحوال المعهودة التي لا يخلو عنها الإنسان غالبا { ~~ويتفكرون فى خلق السموات والأرض } عطف على { ~~يذكرون } منتظم معه في حيز الصلة فلا محل له من الإعراب، وقيل: ~~محله النصب على أنه معطوف على الأحوال السابقة وليس بظاهر، وهو ~~بيان لتفكرهم في أفعاله سبحانه إثر بيان تفكرهم في ذاته تعالى على ~~الإطلاق وأشار إلى نتيجته التي ms0615 يؤدي إليها من معرفة أحوال المعاد ~~حسبما نطقت به ألسنة الرسل وآيات الكتب، فكما أنها آيات تشريعية ~~هادية للخلق إلى معرفته تعالى ووجوب طاعته كذلك المخلوقات آيات ~~تكوينية مرشدة لهم إلى ذلك، فالأولى منبهات لهم على الثانية ودواع ~~إلى الاستشهاد بها كهذه الآية الكريمة ونحوها مما ورد في مواضع غير ~~محصورة من التنزيل، والثانية مؤيدات للأولى وشواهد دالة على صحة ~~مضمونها وحقية مكنونها، فإن من تأمل في تضاعيف خلق العالم على هذا ~~النمط البديع قضى باتصاف خالقه تعالى بجميع من نطقت به الرسل ~~والكتب من الوجوب الذاتي والوحدة الذاتية والملك القاهر ~~والقدرة التامة والعلم الشامل والحكمة البالغة وغير ذلك من صفات ~~الكمال، وحكم بأن من قدر على إنشائه بلا مثال يحتذيه أو قانون ~~ينتحيه فهو على إعادته بالبعث أقدر، وحكم بأن ذلك ليس إلا لحكمة باهرة ~~هي جزاء المكلفين بحسب استحقاقهم المنوط بأعمالهم أي علومهم ~~واعتقاداتهم التابعة لأنظارهم فيما نصب لهم من الحجج والدلائل ~~والأمارات والمخايل وسائر أعمالهم المتفرعة على ذلك، فإن العمل ~~غير مختص بعمل الجوارح بل متناول للعمل القلبي، وهو أشرف أفراده ~~لما أن لكل من القلب والقالب عملا خاصا. # ومن قضية كون الأول أشرف من الثاني كون عمله أيضا أشرف من عمله، ~~كيف لا، ولا عمل بدون معرفته تعالى التي هي أول الواجبات على العباد، ~~والغاية القصوى من الخلق على ما نطق به عز وجل: # وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون # [الذاريات، الآية 56] أي ليعرفون كما أعرب عنه قوله عليه الصلاة ~~والسلام: # " يقول الله تعالى: «كنت كنزا مخفيا فأحببت أن أعرف فخلقت ~~الخلق لأعرف " # وإنما طريقها النظر والتفكر فيما ذكر من شؤونه تعالى. وقد روي عنه ~~عليه السلام أنه قال: # " لا تفضلوني على يونس بن متى فإنه كان يرفع له كل يوم مثل ~~عمل أهل الأرض " # قالوا: وإنما كان ذلك التفكر في أمر الله تعالى ولذلك قال عليه ~~السلام: # " لا عبادة مثل التفكر " # وقد عرفت أنه مستتبع لتحقيق ما جاءت به الشريعة الحقة، وإلا لما ~~فسر النبي ms0616 صلى الله عليه وسلم قوله تعالى: # وهو الذى خلق السموات والأرض فى ستة أيام ~~وكان عرشه على الماء ليبلوكم أيكم أحسن ~~عملا # [هود، الآية 7] بقوله عليه الصلاة والسلام: # " أيكم أحسن عقلا وأورع عن محارم الله تعالى " # فإن التورع عن محارمه سبحانه موقوف على معرفة الحلال والحرام ~~المنوطة بالكتاب والسنة، فحينئذ تتصادق الآيات التكوينية وتتوافق ~~الأدلة السمعية والعقلية وهو السر في نظم ما حكي عن المتفكرين من ~~الأمور المستدعية للإيمان بالشريعة في سلك نتيجة تفكرهم كما ستقف ~~عليه. # وإظهار خلق السموات والأرض مع كفاية الإضمار لإبراز كمال ~~العناية ببيان حالهم، والإيذان بكون تفكرهم على وجه التحقيق ~~والتفصيل وعدم التعرض لإدراج اختلاف الملوين في سلك التفكر مع ~~ذكره فيما سلف إما للإيذان بظهور اندراجه فيه لما أن ذلك من الأحوال ~~التابعة لأحوال السموات والأرض كما أشير إليه، وإما للإشعار بمسارعتهم ~~إلى الحكم بالنتيجة بمجرد تفكرهم في بعض الآيات من غير حاجة إلى بعض ~~آخر منها في إثبات المطلوب. # والخلق مصدر على حاله أي يتفكرون في إنشائهما وإبداعهما بما فيهما من ~~عجائب المصنوعات، وقيل: بمعنى المخلوق على أن الإضافة بمعنى في أي ~~يتفكرون فيما خلق فيهما أعم من أن يكون بطريق الجزئية منهما أو ~~بطريق الحلول فيهما أو على أنها بيانية. # { ربنا ما خلقت هذا بطلا } كلمة { هذا } إشارة إلى ~~السموات والأرض متضمنة لضرب من التعظيم كما في قوله تعالى: { إن ~~هذا القرءان يهدى للتى هى أقوم } [الإسراء، الآية ~~9] والتذكير لما أنهما باعتبار تعلق الخلق بهما في معنى المخلوق، أو ~~إلى الخلق على تقدير كونه بمعنى المخلوق، و { بطلا } إما صفة ~~لمصدر مؤكد محذوف أو حال من المفعول به، أي ما خلقت هذا المخلوق ~~البديع العظيم الشأن عبثا عاريا عن الحكمة خاليا عن المصلحة كما ~~تنبىء عنه أوضاع الغافلين عن ذلك، المعرضين عن التفكر فيه، بل ~~منتظما لحكمة جليلة ومصالح عظيمة من جملتها أن يكون مدارا لمعايش ~~العباد ومنارا يرشدهم إلى معرفة أحوال المبدأ والمعاد حسبما أفصحت ~~عنه الرسل والكتب الإلهية كما تحققته ms0617 مفصلا. # والجملة بتمامها في حيز النصب بقول مقدر هو على تقدير كون ~~الموصول نعتا لأولي الألباب استئناف مبين لنتيجة التفكر ومدلول ~~الآيات، ناشىء مما سبق فإن النفس عند سماع تخصيص الآيات المنصوبة ~~في خلق العالم بأولي الألباب ثم وصفهم بذكر الله تعالى والتفكر في ~~محال تلك الآيات تبقى مترقبة لما يظهر منهم من آثارها وأحكامها، ~~كأنه قيل: فماذا يكون عند تفكرهم في ذلك وماذا يترتب عليه من النتيجة؟ ~~فقيل: كيت وكيت مما ينبىء عن وقوفهم على سر الخلق المؤدي إلى معرفة ~~صدق الرسل وحقية الكتب الناطقة بتفاصيل الأحكام الشرعية على ~~التفصيل الذي وقفت عليه. هذا وأما جعله حالا من المستكن في الفعل كما ~~أطبق عليه الجمهور فمما لا يساعده جزالة النظم الكريم لما أن ما في ~~حيز الصلة وما هو قيد له حقه أن يكون من مبادىء الحكم الذي أجري ~~على الموصول ودواعي ثبوته له، كذكرهم الله عز وجل في عامة أوقاتهم ~~وتفكرهم في خلق السموات والأرض، فإنهما مما يؤدي إلى اجتلاء تلك الآيات ~~والاستدلال بها على المطلوب، ولا ريب في أن قولهم ذلك ليس من مبادىء ~~الاستدلال المذكور بل من نتائجه المترتبة عليه فاعتباره قيدا لما في ~~حيز الصلة مما لا يليق بشأن التنزيل الجليل. نعم هو حال من ذلك على ~~تقدير كون الموصول مرفوعا أو منصوبا على المدح، أو مرفوعا على أنه ~~خبر لمبتدإ محذوف إذ لا اشتباه في أن قولهم ذلك مبادىء مدحهم ~~ومحاسن مناقبهم، وفي إبراز هذا القول في معرض الحال دون الخبر إشعار ~~بمقارنته لتفكرهم من غير تلعثم وتردد في ذلك. # وقوله تعالى: { سبحنك } أي تنزيها لك عما لا يليق بك من الأمور ~~التي من جملتها خلق ما لا حكمة فيه اعتراض مؤكد لمضمون ما قبله ممهد ~~لما بعده من قوله تعالى: { فقنا عذاب النار } فإن معرفة سر ~~خلق العالم وما فيه من الحكمة البالغة والغاية الحميدة والقيام ~~بما تقتضيه من الأعمال الصالحة وتنزيه الصانع تعالى عن العبث من ~~دواعي الاستعاذة مما يحيق بالمخلين بذلك ms0618 من وجهين: أحدهما الوقوف ~~على تحقق العذاب فالفاء لترتيب الدعاء على ما ذكر والثاني الاستعداد ~~لقبول الدعاء، فالفاء لترتيب المدعو أعني الوقاية على ذلك كأنه قيل: ~~وإذ قد عرفنا سرك وأطعنا أمرك ونزهناك عما لا ينبغي فقنا عذاب ~~النار الذي هو جزاء الذين لا يعرفونك ذلك. ### || [3.192-193] # { ربنا إنك من تدخل النار فقد أخزيته } ~~مبالغة في استدعاء الوقاية وبيان لسببه. وتصدير الجملة بالنداء ~~للمبالغة في التضرع والجؤار، وتأكيدها لإظهار كمال اليقين بمضمونها ~~والإيذان بشدة الخوف، وإظهار النار في موضع الإضمار لتهويل أمرها، ~~وذكر الإدخال في مورد العذاب لتعيين كيفيته وتبيين غاية فظاعته. ~~قال الواحدي: للإخزاء معان متقاربة يقال: أخزاه الله أي أبعده، وقيل: ~~أهانه، وقيل: أهلكه، وقيل: فضحه. قال ابن الأنباري: الخزي لغة الهلاك ~~بتلف أو بانقطاع حجة أو بوقوع في بلاء، والمعنى فقد أخزيته خزيا لا ~~غاية وراءه كقولهم: من أدرك مرعى الصمان فقد أدرك، أي المرعى الذي ~~لا مرعى بعده، وفيه من الإشعار بفظاعة العذاب الروحاني ما لا يخفى. ~~وقوله تعالى: { وما للظلمين من أنصار } تذييل لإظهار ~~نهاية فظاعة حالهم ببيان خلود عذابهم بفقدان من ينصرهم ويقوم ~~بتخليصهم، وغرضهم تأكيد الاستدعاء ووضع الظالمين موضع ضمير ~~المدخلين لذمهم والإشعار بتعليل دخولهم النار بظلمهم ووضعهم ~~الأشياء في غير مواضعها، وجمع الأنصار بالنظر إلى جمع الظالمين أي ما ~~لظالم من الظالمين نصير من الأنصار، والمراد به من ينصر بالمدافعة ~~والقهر فليس في الآية دلالة على نفي الشفاعة، على أن المراد ~~بالظالمين هم الكفار. # { ربنا إننا سمعنا مناديا ينادى للإيمن } ~~حكاية لدعاء آخر لهم مبني على تأملهم في الدليل السمعي بعد حكاية ~~دعائهم السابق المبني على التفكر في الأدلة العقلية، وتصدير مقدمة ~~الدعاء بالنداء لإظهار كمال الضراعة والابتهال، والتأكيد للإيذان ~~بصدور المقال عنهم بوفور الرغبة وكمال النشاط، والمراد بالنداء ~~الدعاء وتعديتهما بإلى لتضمنهما معنى الإنهاء، وباللام لاشتمالها ~~على معنى التخصيص والمراد بالمنادي الرسول صلى الله عليه وسلم، ~~وتنوينه للتفخيم، وإيثاره على الداعي للدلالة على كمال اعتنائه بشأن ~~الدعوة وتبليغها إلى الداني والقاصي ms0619 لما فيه من الأيذان برفع الصوت و ~~{ ينادى } صفة لمناديا عند الجمهور كما في قولك: سمعت رجلا يقول: ~~كيت وكيت ولو كان معرفة لكان حالا منه كما إذا قلت: سمعت زيدا يقول ~~الخ، ومفعول ثان لسمعنا عند الفارسي وأتباعه، وهذا أسلوب بديع يصار ~~إليه للمبالغة في تحقيق السماع والإيذان بوقوعه بلا واسطة عند صدور ~~المسموع عن المتكلم وللتوسل إلى تفصيله واستحضار صورته، وقد اختص ~~النظم الكريم بمزية زائدة على ذلك حيث عبر عن المسموع منه بالمنادي ~~ثم وصفه بالنداء للإيمان على طريقة قولك: سمعت متكلما يتكلم بالحكمة ~~لما أن التفسير بعد الإبهام والتقييد بعد الإطلاق أوقع عند النفس ~~وأجدر بالقبول. وقيل: المنادي القرآن العظيم { أن آمنوا } أي آمنوا ~~على أن { أن } تفسيرية أو بأن آمنوا على أنها مصدرية { بربكم } ~~بمالككم ومتولي أموركم ومبلغكم إلى الكمال، وفي إطلاق الإيمان ثم ~~تقييده تفخيم لشأنه. # { فئامنا } أي فامتثلنا بأمره وأجبنا نداءه { ربنا } تكرير ~~للتضرع وإظهار لكمال الخضوع وعرض للاعتراف بربوبيته مع الإيمان به، ~~والفاء في قوله تعالى: { فاغفر لنا } الفاء لترتيب المغفرة أو ~~الدعاء بها على الإيمان به تعالى والإقرار بربوبيته فإن ذلك من دواعي ~~المغفرة والدعاء بها { ذنوبنا } أي كبائرنا فإن الإيمان يجب ما ~~قبله { وكفر عنا سيئتنا } أي صغائرنا فإنها مكفرة عمن ~~اجتنب الكبائر { وتوفنا مع الأبرار } أي مخصوصين بصحبتهم ~~مغتنمين لجوارهم، معدودين من زمرتهم، وفيه إشعار بأنهم كانوا يحبون ~~لقاء الله «ومن أحب لقاء الله أحب الله لقاءه» والأبرار جمع بار أو ~~بر كأصحاب وأرباب. ### || [3.194] # { ربنا وءاتنا ما وعدتنا على رسلك } حكاية لدعاء ~~آخر لهم مسبوق بما قبله معطوف عليه لتأخر التحلية عن التخلية، ~~وتكرير النداء لما مر مكررا، والمراد بالموعود الثواب و { على } ~~إما متعلقة بالوعد كما في قولك: وعد الله الجنة على الطاعة أي وعدتنا ~~على تصديق رسلك، أو بمحذوف وقع صفة لمصدر مؤكد محذوف أي وعدتنا وعدا ~~كائنا على ألسنة رسلك، وقيل: التقدير منزلا على رسلك أو محمولا على ~~رسلك، ولا يخفى أن تقدير الأفعال الخاصة ms0620 في مثل هذه المواقع تعسف، ~~وجمع الرسل مع أن المنادي هو الرسول صلى الله عليه وسلم وحده لما أن ~~دعوته عليه السلام لا سيما في باب التوحيد وما أجمع عليه الكل من ~~الشرائع منطوية على دعوة الكل فتصديقه تصديق لهم عليهم السلام، كيف ~~لا وقد أخذ منهم الميثاق بالإيمان به عليه السلام لقوله تعالى: # وإذ أخذ الله ميثق النبيين لما ءاتيتكم من ~~كتب # [آل عمران، الآية 81] الآية، وكذا الموعود على لسانه من الثواب موعود ~~على ألسنة الكل، وإيثار الجمع لإظهار كمال الثقة بإنجاز الموجود ~~بناء على كثرة الشهود. # { ولا تخزنا يوم القيمة } قصدوا بذلك تذكير وعده ~~تعالى بقوله: # يوم لا يخزى الله النبى والذين آمنوا معه # [التحريم، الآية 8] مظهرين أنهم ممن آمن معه رجاء للانتظام في سلكهم ~~يومئذ، وقوله تعالى: { إنك لا تخلف الميعاد } تعليل لتحقيق ~~ما نظموا في سلك الدعاء، وهذه الدعوات وما في تضاعيفها من كمال ~~الضراعة والابتهال ليست لخوفهم من إخلاف الميعاد بل لخوفهم من ألا ~~يكونوا من جملة الموجودين بتغير الحال وسوء الخاتمة والمآل، ~~فمرجعها إلى الدعاء بالتثبيت، أو للمبالغة في التعبد والخشوع. ~~والميعاد الوعد وعن ابن عباس رضي الله عنهما أنه البعث بعد الموت وفي ~~الآثار عن جعفر الصادق: من حز به أمر فقال ربنا خمس مرات أنجاه ~~الله مما يخاف وأعطاه ما أراد، وقرأ هذه الآية. ### || [3.195] # { فاستجاب لهم ربهم } الاستجابة بمعنى الإجابة، وقال تاج ~~القراء: الإجابة عامة والاستجابة خاصة بإعطاء المسؤول، وتتعدى باللام ~~وبنفسها كما في قوله: [الطويل] # [وداع دعا يا من يجيب إلى الندي] # فلم يستجبه عند ذاك مجيب # وهو عطف على الاستئناف المقدر فيما سلف، مترتب على ما في حيزه من ~~الأدعية كما أن قوله عز وجل: # ثم قيل للذين ظلموا # [يونس، الآية 52] الخ عطف على قيل المقدر قبل الآن، أي قيل لهم ~~آلآن آمنتم به؟ ثم قيل الآية وكما أن قوله تعالى في سورة الأعراف: # ونطبع على قلوبهم # [الأعراف، الآية 100] معطوف على ما دل عليه معنى # أو لم يهد لهم ms0621 # [السجدة، الآية 26] الخ كأنه قيل يغفلون عن الهداية ونطبع الخ ولا ~~ضير في اختلافهما صيغة لما أن صيغة المستقبل هناك للدلالة على ~~الاستمرار المناسب لمقام الدعاء، وصيغة الماضي ههنا للإيذان بتحقيق ~~الاستجابة وتقررها كما لا ضير في الاختلاف بين قوله تعالى: # إذ تستغيثون ربكم # [الأنفال، الآية 9] وبين ما عطف عليه من قوله تعالى: # فاستجاب لكم # [الأنفال، الآية 9] كما سيأتي، ويجوز أن يكون معطوفا على مضمر ينساق ~~إليه الذهن، أي دعوا بهذه الأدعية فاستجاب الخ وأما على تقدير كون ~~المقدر حالا فهو عطف على يتفكرون باعتبار مقارنته لما وقع حالا من ~~فاعله، أعني قوله تعالى ربنا ربنا الخ فإن الاستجابة مترتبة على ~~دعواتهم لا على مجرد تفكرهم، وحيث كانت هي من أوصافهم الجميلة ~~المترتبة على أعمالهم بالآخرة استحقت الانتظام في سلك محاسنهم ~~المعدودة في أثناء مدحهم، وأما على تقدير كون الموصول نعتا لأولي ~~الألباب فلا مساغ لهذا العطف أصلا لما عرفت من أن حق ما في حيز ~~الصلة أن يكون من مبادي جريان الحكم على الموصول، وقد عرفت أن ~~دعواتهم السابقة ليست كذلك، فأين الاستجابة المتأخرة عنها؟ وفي ~~التعرض لعنوان الربوبية المنبئة عن التبليغ إلى الكمال مع الإضافة ~~إلى ضميرهم من تشريفهم وإظهار اللطف بهم ما لا يخفى. # { أني لا أضيع عمل عامل منكم } أي بأني، وهكذا قرأ ~~أبي رضي الله عنه، والباء للسببية كأنه قيل فاستجاب لهم ربهم ~~بسبب أنه لا يضيع عمل عامل منهم أي سنته السنية مستمرة على ذلك، ~~والالتفات إلى التكلم، والخطاب لإظهار كمال الاعتناء بشأن الاستجابة ~~وتشريف الداعين بشرف الخطاب، والمراد تأكيدها ببيان سببها والإشعار ~~بأن مدارها أعمالهم التي قدموها على الدعاء لا مجرد الدعاء. وتعميم ~~الوعد لسائر العاملين وإن لم يبلغوا درجة أولي الألباب لتأكيد ~~استجابة الدعوات المذكورة، والتعبير عن ترك الإثابة بالإضاعة مع ~~أنه ليس بإضاعة حقيقة إذ الأعمال غير موجبة للثواب حتى يلزم من ~~تخلفه عنها ضياعها لبيان كمال نزاهته تعالى عن ذلك بتصويره بصورة ما ~~يستحيل صدوره عنه من القبائح، وإبراز الإثابة ms0622 في معرض الأمور ~~الواجبة عليه. # وقرىء بكسر الهمزة على إرادة القول أي قائلا إني الخ فلا التفات ~~حينئذ وقرىء لا أضيع بالتشديد، ومن متعلقة بمحذوف وقع صفة لعامل، ~~أي عامل كائن منكم، وقوله تعالى: { من ذكر أو أنثى } بيان ~~لعامل وتأكيد لعمومه، وقوله تعالى: { بعضكم من بعض } جملة ~~معترضة مبينة لسبب انتظام النساء في سلك الرجال في الوعد، فإن كون ~~كل منهما من الآخر لتشعبهما من أصل واحد أو لفرط الاتصال بينهما ~~أو لاتفاقهما في الدين والعمل بما يستدعي الشركة والاتحاد في ذلك. روي ~~أن أم سلمة رضي الله عنها قالت لرسول الله صلى الله عليه وسلم: إني ~~أسمع الله تعالى يذكر الرجال في الهجرة ولا يذكر النساء فنزلت. # وقوله تعالى: { فالذين هجروا } ضرب تفصيل لما أجمل في ~~العمل وتعداد لبعض أحاسن أفراده على وجه المدح والتعظيم، أي فالذين ~~هجروا الشرك أو الأوطان والعشائر للدين، وقوله تعالى: { ~~وأخرجوا من ديرهم } على الأول عبارة عن نفس الهجرة وعلى ~~الثاني عن كيفيتها وكونها بالقسر والاضطرار { وأوذوا فى سبيلى } ~~أي بسبب الله ومن أجله، وهو متناول لكل أذية نالتهم من قبل ~~المشركين { وقاتلوا } أي الكفار في سبيل الله تعالى { ~~وقتلوا } استشهدوا في القتال، وقرىء بالعكس لما أن الواو لا ~~تستدعي الترتيب أو لأن المراد قتل بعضهم وقتال آخرين، إذ ليس ~~المعنى على اتصاف كل فرد من أفراد الموصول المذكور بكل واحد مما ~~ذكر في حيز الصلة بل على اتصاف الكل بالكل في الجملة، سواء كان ذلك ~~باتصاف كل فرد من الموصول بواحد من الأوصاف المذكورة أو بإثنين منها ~~أو بأكثر، إما بطريق التوزيع أو بطريق حذف بعض الموصولات من البعض ~~كما هو رأي الكوفيين كيف لا ولو أدير الحكم على اتصاف كل فرد ~~بالكل لكان قد أضيع عمل من اتصف بالبعض، وقرىء وقتلوا بالتشديد. # { لأكفرن عنهم سيئتهم } جواب قسم محذوف أي والله ~~لأكفرن، والجملة القسمية خبر للمبتدأ الذي هو الموصول، وهذا تصريح ~~بوعد ما سأله الداعون بخصوصه بعد ما وعد ذلك عموما وقوله ms0623 تعالى: { ~~ولأدخلنهم جنت تجرى من تحتها الأنهر } إشارة ~~إلى ما عبر عنه الداعون فيما قبل بقولهم وآتنا ما وعدتنا على رسلك ~~وتفسير له { ثوابا } مصدر مؤكد لما قبله، فإن تكفير السيئات ~~وإدخال الجنة في معنى الإثابة، وقوله تعالى: { من عند الله } ~~متعلق بمحذوف هو صفة له مبينة لشرفه أي لأثيبنهم إثابة كائنة أو ~~تثويبا كائنا من عنده تعالى بالغا إلى المرتبة العالية من الشرف، ~~وقوله تعالى: { والله عنده حسن الثواب } اعتراض تذييلي ~~مقرر لمضمون ما قبله، والاسم الجليل مبتدأ خبره عنده، وحسن ~~الثواب مرتفع بالظرف على الفاعلية لاعتماده على المبتدأ، أو هو مبتدأ ~~ثان والظرف خبره والجملة خبر للمبتدأ الأول، والعندية عبارة عن ~~الاختصاص به تعالى مثل كونه بقدرته تعالى وفضله بحيث لا يقدر عليه ~~غيره بحال شيء يكون بحضرة أحد لا يد عليه لغيره، فالاختصاص مستفاد ~~من التمثيل سواء جعل عنده خبرا مقدما لحسن الثواب أو لا، وفي تصدير ~~الوعد الكريم بعدم إضاعة العمل ثم تعقيبه بمثل هذا الإحسان الذي لا ~~يقدر قدره من لطف المسلك المنبىء عن عظم شأن المحسن ما ~~لا يخفى. ### || [3.196-198] # { لا يغرنك تقلب الذين كفروا فى البلد } ~~بيان لقبح ما أوتي الكفرة من حظوظ الدنيا وكشف عن حقارة شأنها وسوء ~~مغبتها إثر بيان حسن ما أوتي المؤمنون من الثواب، والخطاب ~~للنبي صلى الله عليه وسلم على أن المراد تثبيته على ما هو عليه كقوله ~~تعالى: # فلا تطع المكذبين # [القلم، الآية 8] أو على أن المراد نهي المؤمنين كما يوجه الخطاب ~~إلى مداره القوم ورؤسائهم، والمراد أفناؤهم، ولكل أحد ممن يصلح ~~للخطاب من المؤمنين والنهي للمخاطب، وإنما جعل للتقلب مبالغة أي لا ~~تنظر إلى ما عليه الكفرة من السعة ووفور الحظ ولا تغتر بظاهر ما ~~ترى منهم من التبسط في المكاسب والمتاجر والمزارع. روي أن بعض ~~المؤمنين كانوا يرون المشركين في رخاء ولين عيش فيقولون إن أعداء ~~الله تعالى فيما نرى من الخير وقد هلكنا من الجوع والجهد فنزلت. ~~وقرىء لا يغرنك بالنون الخفيفة { متع قليل ms0624 } خبر لمبتدأ ~~محذوف أي هو متاع قليل لا قدر له في جنب ما ذكر من ثواب الله ~~تعالى قال عليه السلام: # " ما الدنيا في الآخرة إلا مثل ما يجعل أحدكم أصبعه في اليم ~~فلينظر بم يرجع " # فإذن لا يجدي وجوده لواجديه ولا يضر فقدانه لفاقديه { ثم ~~مأواهم } أي مصيرهم الذي يأوون إليه لا يبرحونه { جهنم } ~~التي لا يوصف عذابها وقوله تعالى: { وبئس المهاد } ذم لها ~~وإيذان بأن مصيرهم إليها مما جنته أنفسهم وكسبته أيديهم، والمخصوص ~~بالذم محذوف أي بئس ما مهدوا لأنفسهم جهنم { لكن الذين ~~اتقوا ربهم لهم جنت تجرى من تحتها ~~الأنهر خلدين فيها } بيان لكمال حسن حال المؤمنين ~~غب بيان وتكرير له إثر تقرير مع زيادة خلودهم في الجنات ليتم ~~بذلك سرورهم ويزداد تبجحهم، ويتكامل به سوء حال الكفرة. # وإيراد التقوى في حيز الصلة للإشعار بكون الخصال المذكورة من باب ~~التقوى، والمراد به الاتقاء من الشرك والمعاصي، فالموصول مبتدأ ~~والظرف خبره وجنات مرتفع به على الفاعلية لاعتماده على المبتدأ، أو ~~الظرف خبر لجنات والجملة خبر للموصول، وخالدين فيها أي في الجنات ~~حال مقدرة من الضمير أو من جنات لتخصصها بالوصف، والعامل ما في ~~الظرف من معنى الاستقرار { نزلا من عند الله } وقرىء بسكون ~~الزاي وهو ما يعد للنازل من طعام وشراب وغيرهما قال أبو الشعر ~~الضبي: [الطويل] # وكنا إذا الجبار بالجيش ضافنا # جعلنا القنا والمرهفات له نزلا # وانتصابه على الحالية من جنات لتخصصها بالوصف، والعامل فيه ما في ~~الظرف من معنى الاستقرار، وقيل هو مصدر مؤكد كأنه قيل رزقا أو عطاء ~~من عند الله { وما عند الله خير } مبتدأ وخبر وقوله تعالى: { ~~للأبرار } متعلق بمحذوف هو صفة لخير أي ما عنده تعالى من الأمور ~~المذكورة الدائمة خير كائن للأبرار، أي مما يتقلب فيه الفجار من ~~المتاع القليل الزائل، والتعبير عنهم بالأبرار للإشعار بأن الصفات ~~المعدودة من أعمال البر كما أنها من قبيل التقوى، والجملة تذييل ~~لما قبلها. ### || [3.199-200] # { وإن من أهل الكتب لمن يؤمن بالله } جملة ~~مستأنفة سيقت ms0625 لبيان أن أهل الكتاب ليس كلهم كمن حكيت هناتهم من ~~نبذ الميثاق وتحريف الكتاب وغير ذلك، بل منهم من له مناقب جليلة. ~~قيل هم عبد الله بن سلام وأصحابه وقيل هم أربعون من أهل نجران ~~واثنان وثلاثون من الحبشة وثمانية من الروم كانوا نصارى فأسلموا، وقيل ~~المراد به أصحمة النجاشي فإنه لما مات نعاه جبريل إلى النبي عليه ~~السلام فقال عليه السلام: # " اخرجوا فصلوا على أخ لكم مات بغير أرضكم " # ، فخرج إلى البقيع فنظر إلى أرض الحبشة فأبصر سرير النجاشي وصلى ~~عليه واستغفر له، فقال المنافقون انظروا إلى هذا يصلي على علج نصراني ~~لم يره قط وليس على دينه، فنزلت. وإنما دخلت لام الابتداء على اسم ~~إن لفصل الظرف بينهما كما في قوله تعالى: # وإن منكم لمن ليبطئن # [النساء، الآية 72] { وما أنزل إليكم } من القرآن { وما ~~أنزل إليهم } من الكتابين، وتأخير إيمانهم بهما عن إيمانهم ~~بالقرآن في الذكر مع أن الأمر بالعكس في الوجود لما أنه عيار ومهيمن ~~عليهما، فإن إيمانهم بهما إنما يعتبر بتبعية إيمانهم به إذ لا عبرة ~~بأحكامهما المنسوخة، وما لم ينسخ منها إنما يعتبر من حيث ثبوته ~~بالقرآن، ولتعلق ما بعده بهما، والمراد بإيمانهم بهما إيمانهم بهما من ~~غير تحريف ولا كتم كما هو ديدن المحرفين وأتباعهم من العامة { ~~خشعين لله } حال من فاعل يؤمن، والجمع باعتبار المعنى { لا ~~يشترون بئايت الله ثمنا قليلا } تصريح بمخالفتهم ~~للمحرفين، والجملة حال كما قبله ونظمها في سلك محاسنهم ليس من حيث ~~عدم الاشتراء فقط بل لتضمن ذلك لإظهار ما في الكتابين من شواهد ~~نبوته عليه السلام { أولئك } إشارة إليهم من حيث اتصافهم بما ~~عد من صفاتهم الحميدة، وما فيه من معنى البعد للدلالة على رتبتهم ~~وبعد منزلتهم في الشرف والفضيلة، وهو مبتدأ خبره قوله تعالى: { ~~لهم } وقوله { أجرهم } أي المختص بهم الموعود لهم بقوله ~~تعالى: # أولئك يؤتون أجرهم مرتين # [القصص، الآية 54] وقوله تعالى: # يؤتكم كفلين من رحمته # [الحديد، الآية 28] مرتفع بالظرف على الفاعلية أو على الابتداء، ~~والظرف خبره والجملة ms0626 خبر لأولئك، وقوله تعالى: { عند ربهم } ~~نصب على الحالية من (أجرهم) والمراد به التشريف كالصفة. # { إن الله سريع الحساب } لنفوذ علمه بجميع الأشياء فهو ~~عالم بما يستحقه كل عامل من الأجر من غير حاجة إلى تأمل، والمراد ~~بيان سرعة وصول الأجر الموعود إليهم. # { يا أيها الذين آمنوا } إثر ما بين في تضاعيف السورة ~~الكريمة فنون الحكم والأحكام ختمت بما يوجب المحافظة عليها فقيل { ~~اصبروا } أي على مشاق الطاعات وغير ذلك من المكاره والشدائد { ~~وصابروا } أي غالبوا أعداء الله تعالى بالصبر في مواطن الحروب، ~~وأعدى عدوكم بالصبر على مخالفة الهوى، وتخصيص المصابرة بالأمر بعد ~~الأمر بمطلق الصبر لكونها أشد منه وأشق { ورابطوا } أي أقيموا ~~في الثغور رابطين خيلكم فيها مترصدين للغزو مستعدين له قال تعالى: # ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله ~~وعدوكم # [الأنفال، الآية 60] وعن النبي صلى الله عليه وسلم: # " من رابط يوما وليلة في سبيل الله كان كعدل صيام شهر ~~رمضان وقيامه لا يفطر ولا ينفتل عن صلاته إلا لحاجة " # { واتقوا الله } في مخالفة أمره على الإطلاق فيندرج فيه ما ~~ذكر في تضاعيف السورة الكريمة اندراجا أوليا { لعلكم ~~تفلحون } كي تنتظموا في زمرة المفلحين الفائزين بكل مطلوب ~~الناجين من كل الكروب، عن النبي صلى الله عليه وسلم: # " من قرأ سورة آل عمران أعطي بكل آية منها أمانا على جسر جهنم ~~" # وعنه صلى الله عليه وسلم: # " من قرأ السورة التي يذكر فيها آل عمران يوم الجمعة صلى الله عليه ~~وملائكته حتى تحجب الشمس " # والله أعلم. ### | [4 - سورة النساء] ### || [4.1] # { بسم الله الرحمن الرحيم } # سورة النساء مدنية وهي مائة وست وسبعون آية # { يا أيها الناس } خطاب يعم حكمه جميع المكلفين عند النزول ~~ومن سينتظم في سلكهم من الموجودين حينئذ والحادثين بعد ذلك إلى يوم ~~القيامة عند انتظامهم فيه لكن لا بطريق الحقيقة فإن خطاب المشافهة ~~لا يتناول القاصرين عن درجة التكليف إلا عند الحنابلة بل إما بطريق ~~تغليب الفريق الأول على الأخيرين وإما بطريق تعميم حكمه لهما بدليل ~~خارجي فإن الإجماع ms0627 منعقد على أن آخر الأمة مكلف بما كلف به ~~أولها كما ينبىء عنه قوله عليه السلام: # " الحلال ما جرى على لساني إلى يوم القيامة والحرام ما جرى على لساني ~~إلى يوم القيامة " # وقد فصل في موضعه وأما الأمم الدارجة قبل النزول فلا حظ لهم في ~~الخطاب لاختصاص الأوامر والنواهي بمن يتصور منه الامتثال، وأما ~~اندراجهم في خطاب ما عداهما مما له دخل في تأكيد التكليف وتقوية ~~الإيجاب فستعرف حاله، ولفظ الناس ينتظم الذكور والإناث ~~حقيقة، وأما صيغة جمع المذكر في قوله تعالى: { اتقوا ربكم } ~~فواردة على طريقة التغليب لعدم تناولها حقيقة للإناث عند غير ~~الحنابلة، وأما إدخالهن في الأمر بالتقوى بما ذكر من الدليل الخارجي ~~وإن كان فيه مراعاة جانب الصيغة لكنه يستدعي تخصيص لفظ الناس ~~ببعض أفراده. والمأمور به إما مطلق التقوى التي هي التجنب عن كل ما ~~يؤثم من فعل أو ترك وإما التقوى فيما يتعلق بحقوق أبناء الجنس أي ~~اتقوه في مخالفة أوامره ونواهيه على الإطلاق أو في مخالفة تكاليفه ~~الواردة ههنا. # وأيا ما كان فالتعرض لعنوان الربوبية المنبئة عن المالكية ~~والتربية مع الإضافة إلى ضمير المخاطبين لتأييد الأمر وتأكيد ~~إيجاب الامتثال به على طريقة الترغيب والترهيب، وكذا وصف الرب بقوله ~~تعالى: { الذى خلقكم من نفس وحدة } فإن خلقه تعالى ~~إياهم على هذا النمط البديع لإنبائه عن قدرة شاملة لجميع المقدورات ~~التي من جملتها عقابهم على معاصيهم وعن نعمة كاملة لأقدارها من ~~أقوى الدواعي إلى الاتقاء من موجبات نقمته وأتم الزواجر عن كفران ~~نعمته، وكذا جعله تعالى إياهم صنوانا مفرعة من أرومة واحدة هي ~~نفس آدم عليه السلام من موجبات الاحتراز عن الإخلال بمراعاة ما بينهم ~~من حقوق الأخوة. وتعميم الخطاب في ربكم وخلقكم للأمم السالفة أيضا ~~ مع اختصاصه فيما قبل بالمأمورين بناء على أن تذكير شمول ربوبيته ~~تعالى وخلقه للكل من مؤكدات الأمر بالتقوى وموجبات الامتثال به ~~تفكيك للنظم الكريم مع الاستغناء عنه، لأن خلقه تعالى للمأمورين من نفس ~~آدم عليه السلام حيث كان بواسطة ما ms0628 بينهم وبينه عليه السلام من الآباء ~~والأمهات كان التعرض لخلقهم متضمنا للتعرض لخلق الوسايط جميعا، ~~وكذا التعرض لربوبيته تعالى لهم متضمن للتعرض لربوبيته تعالى ~~لأصولهم قاطبة لا سيما وقد نطق بذلك قوله عز وجل: { وخلق منها ~~زوجها } فإنه مع ما عطف عليه صريح في ذلك وهو معطوف إما على مقدر ~~ينبىء عنه سوق الكلام لأن تفريغ الفروع من أصل واحد يستدعي إنشاء ~~ذلك الأصل لا محالة، كأنه قيل خلقكم من نفس واحدة خلقها أولا وخلق ~~منها زوجها إلخ وهو استئناف مسوق لتقرير وحدة المبدأ وبيان ~~كيفية خلقهم منه وتفصيل ما أجمل أولا، أو صفة لنفس مفيدة لذلك، ~~وإما على خلقكم داخل معه في حيز الصلة مقرر ومبين لما ذكر، وإعادة ~~الفعل مع جواز عطف مفعوله على مفعول الفعل الأول كما في قوله تعالى: { ~~يأيها الناس اعبدوا ربكم الذى خلقكم ~~والذين من قبلكم } [البقرة، الآية 21] الخ لإظهار ما بين ~~الخلقين من التفاوت، فإن الأول بطريق التفريع من الأصل والثاني بطريق ~~الإنشاء من المادة، فإنه تعالى خلق حواء من ضلع آدم عليه السلام. # روي أنه عز وجل لما خلقه عليه السلام وأسكنه الجنة ألقى عليه النوم ~~فبينما هو بين النائم واليقظان خلق حواء من ضلع من أضلاعه ~~اليسرى فلما انتبه وجدها عنده، وتأخير ذكر خلقها عن ذكر خلقهم لما أن ~~تذكير خلقهم أدخل في تحقيق ما هو المقصود من حملهم على الامتثال ~~بالأمر بالتقوى من تذكير خلقها، وتقديم الجار والمجرور للاعتناء ببيان ~~مبدئيته عليه السلام لها مع ما فيه من التشويق إلى المؤخر كما مر ~~مرارا، وإيرادها بعنوان الزوجية تمهيد لما بعده من التناسل. # { وبث منهما } أي نشر من تلك النفس وزوجها المخلوقة منها ~~بطريق التوالد والتناسل { رجالا كثيرا } نعت لرجالا مؤكد ~~لما أفاده التنكير من الكثرة والإفراد باعتبار معنى الجمع أو العدد ~~وقيل هو نعت لمصدر مؤكد للفعل أي بثا كثيرا { ونساء } أي كثيرة، ~~وترك التصريح بها للاكتفاء بالوصف المذكور، وإيثارهما على ذكورا ~~وإناثا لتأكيد الكثرة والمبالغة فيها بترشيح كل فرد ms0629 من الأفراد ~~المبثوثة لمبدئية غيره، وقرىء وخالق وباث على حذف المبتدأ أي وهو ~~خالق وباث { واتقوا الله الذى تساءلون به } تكرير ~~للأمر وتذكير ببعض آخر من موجبات الامتثال به فإن سؤال بعضهم بعضا ~~بالله تعالى بأن يقولوا أسألك بالله وأنشدك الله على سبيل ~~الاستعطاف يقتضي الاتقاء من مخالفة أوامره ونواهيه، وتعليق الاتقاء ~~بالاسم الجليل لمزيد التأكيد والمبالغة في الحمل على الامتثال ~~بتربية المهابة وإدخال الروعة، ولوقوع التساؤل به لا بغيره من أسمائه ~~تعالى وصفاته وتساءلون أصله تتساءلون فطرحت إحدى التاءين تخفيفا، ~~وقرىء بإدغام تاء التفاعل في السين لتقاربهما في الهمس وقرىء تسألون ~~من الثلاثي أي تسألون به غيركم، وقد فسر به القراءة الأولى والثانية، ~~وحمل صيغة التفاعل على اعتبار الجمع كما في قولك رأيت الهلال ~~وتراءياه وبه فسر عم يتساءلون على وجه وقرىء تسلون بنقل حركة الهمزة ~~إلى السين. # { والأرحام } بالنصب عطفا على محل الجار والمجرور كقولك مررت ~~بزيد وعمرا وينصره قراءة تساءلون به وبالأرحام فإنهم كانوا يقرنونها ~~في السؤال والمناشدة بالله عز وجل، ويقولون أسألك بالله وبالرحم، أو ~~عطفا على الاسم الجليل أي اتقوا الله والأرحام وصلوها ولا تقطعوها ~~فإن قطعيتها مما يجب أن يتقى وهو قول مجاهد وقتادة والسدي والضحاك ~~والفراء والزجاج، وقد جوز الواحدي نصبه على الإغراء أي والزموا ~~الأرحام وصلوها وقرىء بالجر عطفا على الضمير المجرور وبالرفع على أنه ~~مبتدأ محذوف الخبر تقديره: والأرحام كذلك أي مما يتقى أو يتساءل ~~به، وقد نبه سبحانه وتعالى حيث قرنها باسمه الجليل على أن صلتها بمكان ~~منه كما في قوله تعالى: # أن لا تعبدوا إلا إيه وبالولدين إحسنا # [الإسراء، الآية 23] وعنه عليه السلام: # " الرحم معلقة بالعرش تقول: من وصلني وصله الله ومن قطعني ~~قطعه الله " # { إن الله كان عليكم رقيبا } أي مراقبا، وهي صيغة من ~~رقب يرقب رقبا ورقوبا ورقبانا إذا أحد النظر لأمر يريد ~~تحقيقه، أي حافظا مطلعا على جميع ما يصدر عنك من الأفعال والأقوال ~~وعلى ما في ضمائركم من النيات مريدا لمجازاتكم بذلك، وهو تعليل للأمر ms0630 ~~ووجوب الامتثال به، وإظهار الاسم الجليل لتأكيده وتقديم الجار ~~والمجرور لرعاية الفواصل. ### || [4.2] # { وءاتوا اليتمى أمولهم } شروع في تفصيل موارد ~~الاتقاء ومظانة بتكليف ما يقابلها أمرا ونهيا عقيب الأمر بنفسه ~~مرة بعد أخرى، وتقديم ما يتعلق باليتامى لإظهار كمال العناية بأمرهم ~~ولملابستهم بالأرحام إذ الخطاب للأولياء والأوصياء وقلما تفوض ~~الوصاية إلى الأجانب، واليتيم من مات أبوه، من اليتم وهو الانفراد ~~ومنه الدرة اليتيمة، وجمعه على يتامى إما أنه لما جرى مجرى الأسماء ~~جمع على يتائم ثم قلب فقيل: يتامى، أو لأنه لما كان من وادي الآفات ~~جمع على يتمى ثم جمع يتمى على يتامى، والاشتقاق يقتضي صحة إطلاقه ~~على الكبار أيضا، واختصاصه بالصغار مبني على العرف، وأما قوله عليه ~~السلام: # " لا يتم بعد الحلم " # ، فتعليم للشريعة لا تعيين لمعنى اللفظ أي لا يجري على اليتيم بعده ~~حكم الأيتام. # والمراد بإيتاء أموالهم قطع المخاطبين أطماعهم الفارغة عنها ~~وكف أكفهم الخاطفة عن اختزالها، وتركها على حالها غير متعرض ~~لها بسوء حتى تأتيهم وتصل إليهم سالمة كما ينبىء عنه ما بعده عن النهي ~~عن التبدل والأكل لا الإعطاء بالفعل فإنه مشروط بالبلوغ وإيناس ~~الرشد على ما ينطق به قوله تعالى: # حتى إذا بلغوا # [النساء، الآية 6] الآية، وإنما عبر عما ذكر بالإيتاء مجازا للإيذان ~~بأنه ينبغي أن يكون مرادهم بذلك إيصالا إليهم لا مجرد ترك التعرض ~~لها، فالمراد بهم إما الصغار على ما هو المتبادر، والأمر خاص بمن ~~يتولى أمرهم من الأولياء والأوصياء وشمول حكمه لأولياء من كان ~~بالغا عند نزول الآية بطريق الدلالة دون العبارة، وأما من جرى عليه ~~اليتم في الجملة مجازا أعم من أن يكون كذلك عند النزول، أو بالغا ~~فالأمر شامل لأولياء الفريقين صيغة موجب عليهم ما ذكر من حفظ أموالهم ~~والتحفظ عن إضاعتها مطلقا، وأما وجوب الدفع إلى الكبار فمستفاد مما ~~سيأتي من الأمر به، وقيل: المراد بهم الصغار وبالإيتاء الإعطاء في ~~الزمان المستقبل، وقيل: أطلق اسمهم على الكبار بطريق الاتساع لقرب ~~عهدهم باليتم حثا للأولياء على المسارعة إلى ms0631 دفع أموالهم إليهم أول ~~ما بلغوا قبل أن يزول عنهم اسمهم المعهود، فالإيتاء بمعنى الإعطاء ~~بالفعل، ويأباهما ما سيأتي من قوله تعالى: # وابتلوا اليتمى # [النساء، الآية 6] الخ، فإن ما فيه من الأمر بالدفع وارد على وجه ~~التكليف الابتدائي لا على وجه تعيين وقته أو بيان شرطه فقط كما ~~هو مقتضى القولين، وأما تعميم الاسم للصغار والكبار مجازا بطريق ~~التغليب مع تعميم الإيتاء للإيتاء حالا وللإيتاء مآلا وتعميم ~~الخطاب لأولياء كلا الفريقين على أن من بلغ منهم فوليه مأمور ~~بالدفع إليه بالفعل وأن من لم يبلغ بعد فوليه مأمور بالدفع إليه ~~عند بلوغه الرشد، فمع ما سبق تكلف لا يخفى، فالأنسب ما تقدم من حمل ~~إيتاء أموالهم إليهم على ما يؤدي إليه من ترك التعرض لها بسوء كما ~~يلوح من التعبير عن الإعطاء بالفعل بالدفع سواء أريد باليتامى الصغار ~~أو ما يعم الصغار والكبار حسبما ذكر آنفا. # وأما ما روي من أن رجلا من غطفان كان معه مال كثير لابن أخ له فلما ~~بلغ طلب منه ماله فمنعه فنزلت فلما سمعها قال: أطعنا الله وأطعنا ~~الرسول نعوذ بالله من الحوب الكبير، فغير قادح في ذلك لما أن ~~العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. { ولا تتبدلوا ~~الخبيث بالطيب } نهي عن أخذ مال اليتيم على الوجه المخصوص ~~بعد النهي الضمني عن أخذه على الإطلاق. وتبدل الشيء بالشيء واستبداله ~~به أخذ الأول بدل الثاني بعد أن كان حاصلا له أو في شرف الحصول ~~يستعملان أبدا بإفضائهما إلى الحاصل بأنفسهما وإلى الزائل بالياء كما ~~في قوله تعالى: # ومن يتبدل الكفر بالإيمن # [البقرة، الآية 108] الخ، وقوله تعالى: # أتستبدلون الذى هو أدنى بالذى هو خير # [البقرة، الآيه 61] وأما التبديل فيستعمل تارة كذلك كما في قوله تعالى: # وبدلنهم بجنتيهم جنتين # [سبأ، الآية 16] الخ، وأخرى بالعكس كم في قولك: بدلت الحلقة بالخاتم ~~إذا أذبتها وجعلتها خاتما نص عليه الأزهري، وتارة أخرى بإفضائه إلى ~~مفعوليه بنفسه كما في قوله تعالى: # يبدل الله سيئاتهم حسنت # [الفرقان، الآية 70] والمراد بالخبيث والطيب إن ms0632 كان هو الحرام ~~والحلال فالمنهي عنه استبدال مال اليتيم بمال أنفسهم مطلقا كما ~~قال الفراء والزجاج، وقيل: معناه لا تذروا أموالكم الحلال وتأكلوا ~~الحرام من أموالهم فالمنهي عنه أكل ماله مكان مالهم المحقق أو ~~المقدر، وقيل: هو اختزال ماله مكان حفظه، وأيا ما كان فإنما عبر ~~عنهما بهما تنفيرا عما أخذوه وترغيبا فيما أعطوه وتصويرا لمعاملتهم ~~بصورة ما لا يصدر عن العاقل، وإن كان هو الرديء والجيد فمورد النهي ~~ما كانوا عليه من أخذ الجيد من مال اليتيم وإعطاء الرديء من مال ~~أنفسهم وبه قال سعيد بن المسيب والنخعي والزهري والسدي، وتخصيص ~~هذه المعاملة بالنهي لخروجها مخرج العادة لا لإباحة ما عداها، وأما ~~التعبير عنها بتبدل الخبيث بالطيب مع أنها تبديله به أو تبدل ~~الطيب بالخبيث فللإيذان بأن الأولياء حقهم أن يكونوا في المعاوضات ~~عاملين لليتيم لا لأنفسهم مراعين لجانبه قاصدين لجلب المجلوب إليه ~~مشترى كان أو ثمنا لا لسلب المسلوب عنه { ولا تأكلوا ~~أمولهم إلى أمولكم } نهي عن منكر آخر كانوا يتعاطونه ~~أي لا تأكلوها مضمومة إلى أموالكم ولا تسووا بينهما وهذا حلال وذاك ~~حرام وقد خص من ذلك مقدار أجر المثل عند كون الولي فقيرا { ~~إنه } أي الأكل المفهوم من النهي { كان حوبا } أي ذنبا ~~عظيما، وقرىء بفتح الحاء وهو مصدر حاب حوبا وقرىء حابا وهو أيضا ~~مصدر كقال قولا وقالا: { كبيرا } مبالغة في بيان عظم ذنب ~~الأكل المذكور كأنه قيل: من كبار الذنوب العظيمة لا من أفنائها. ### || [4.3] # { وإن خفتم أن لا تقسطوا فى اليتمى } الإقساط ~~العدل وقرىء بفتح التاء فقيل: هو من قسط أي جار ولا مزيدة كما في ~~قوله تعالى: # لئلا يعلم # [الحديد، الآية، 29] وقيل: هو بمعنى أقسط فإن الزجاج حكى أن قسط ~~يستعمل استعمال أقسط، والمراد بالخوف العلم كما في قوله تعالى: # فمن خاف من موص جنفا # [البقرة، الآية 182] عبر عنه بذلك إيذانا بكون المعلوم مخوفا ~~محذورا لا معناه الحقيقي لأن الذي علق به الجواب هو العلم بوقوع ~~الجور المخوف لا الخوف منه وإلا ms0633 لم يكن الأمر شاملا لمن يصر ~~على الجور ولا يخافه، وهذا شروع في النهي عن منكر آخر كانوا يباشرونه ~~متعلق بأنفس اليتامى أصالة وبأموالهم تبعا عقيب النهي عما يتعلق ~~بأموالهم خاصة، وتأخيره عنه لقلة وقوع المنهي عنه بالنسبة إلى الأول ~~ونزوله منه بمنزلة المركب من الفرد وذلك أنهم كانوا يتزوجون من ~~تحل لهم من اليتامى اللاتي يلونهن لكن لا لرغبة فيهن بل في مالهن ~~ويسيئون في الصحبة والمعاشرة ويتربصون بهن أن يمتن فيرثوهن، وهذا ~~قول الحسن وقيل: هي اليتيمة التي تكون في حجر وليها فيرغب في ~~مالها وجمالها ويريد أن ينكحها بأدنى من مهر نسائها فنهوا أن ~~ينكحوهن إلا أن يقسطوا لهن في إكمال الصداق، وأمروا أن ينكحوا ما ~~سواهن من النساء، وهذا قول الزهري رواية عن عروة عن عائشة رضي الله ~~عنها، وأما اعتبار اجتماع عدد كثير منهن كما أطبق عليه أكثر أهل ~~التفسير حيث قالوا: كان الرجل يجد اليتيمة لها مال وجمال ويكون ~~وليها فيتزوجها ضنا بها عن غيره فربما اجتمعت عنده عشر منهن الخ ~~فلا يساعده الأمر بنكاح غيرهن فإن المحذور حينئذ يندفع بتقليل عددهن، ~~أي وإن خفتم أن لا تعدلوا في حق اليتامى إذا تزوجتم بهن بإساءة العشرة ~~أو بنقص الصداق { فانكحوا ما طاب لكم } { ما } موصولة أو ~~موصوفة، ما بعدها صلتها أو صفتها أوثرت على من ذهابا إلى ~~الوصف وإيذانا بأنه المقصود بالذات والغالب في الاعتبار لا بناء على ~~أن الإناث من العقلاء يجرين مجرى غير العقلاء لإخلاله بمقام الترغيب ~~فيهن، وقرأ ابن أبي عبلة: من طاب. و { من } في قوله تعالى: { من ~~النساء } بيانية وقيل: تبعيضية والمراد بهن غير اليتامى بشهادة ~~قرينة المقام أي فانكحوا من استطابتهن نفوسكم من الأجنبيات، وفي ~~إيثار الأمر بنكاحهن على النهي عن نكاح اليتامى مع أنه المقصود بالذات ~~مزيد لطف في استنزالهم عن ذلك، فإن النفس مجبولة على الحرص على ما ~~منعت منه كما أن وصف النساء بالطيب على الوجه الذي أشير إليه فيه ~~مبالغة في الاستمالة إليهن والترغيب ms0634 فيهن، وكل ذلك للاعتناء بصرفهم ~~عن نكاح اليتامى، وهو السر في توجيه النهي الضمني إلى النكاح ~~المترقب مع أن سبب النزول هو النكاح المحقق لما فيه من المسارعة ~~إلى دفع الشر قبل وقوعه فرب واقع لا يرفع، والمبالغة في بيان حال ~~النكاح المحقق فإن محظورية المترقب حيث كانت للجور المترقب فيه ~~فمحظورية المحقق مع تحقق الجور فيه أولى، وقيل: المراد بالطيب ~~الحل أي ما حل لكم شرعا لأن ما استطابوه شامل للمحرمات، ولا مخصص ~~له بمن عداهن وفيه فرار من محذور ووقوع فيما هو أفظع منه لأن ما حل ~~لهم مجمل، وقد تقرر أن النص إذا تردد بين الإجمال والتخصيص يحمل ~~على الثاني لأن العام المخصوص حجة في غير محل التخصيص والمجمل ~~ليس بحجة قبل ورود البيان أصلا، ولئن جعل قوله تعالى: # حرمت عليكم # [النساء، الآية 23. وسورة المائدة، الآية 3] الخ، دالا على التفصيل ~~بناء على ادعاء تقدمه في التنزيل فليجعل دالا على التخصيص { ~~مثنى وثلث ورباع } معدولة عن أعداد مكررة غير منصرفة ~~لما فيها من العدلين: عدلها عن صيغها وعدلها عن تكررها، وقيل: ~~للعدل والصفة، فإنها بنيت صفات وإن لم تكن أصولها كذلك. وقرىء ~~وثلث وربع على القصر من ثلاث ورباع ومحلهن النصب على أنها ~~حال من فاعل طاب مؤكدة لما أفاده وصف الطيب من الترغيب فيهن ~~والاستمالة إليهن بتوسيع دائرة الإذن، أي فانكحوا الطيبات لكم ~~معدودات هذا العدد ثنتين ثنتين وثلاثا ثلاثا وأربعا أربعا حسبما ~~تريدون على معنى أن لكل واحد منهم أن يختار أي عدد شاء من الأعداد ~~المذكورة لا أن بعضها لبعض منهم وبعضها لبعض آخر كما في قولك: ~~اقتسموا هذه البدرة درهمين درهمين وثلاثة ثلاثة وأربعة أربعة، ~~ولو أفردت لفهم منه تجويز الجمع بين تلك الأعداد دون التوزيع، ولو ~~ذكرت بكلمة أو لفات تجويز الاختلاف في العدد، هذا وقد قيل في ~~تفسير الآية الكريمة لما نزلت الآية في اليتامى وما في أكل أموالهم من ~~الحوب الكبير: أخذ الأولياء يتحرجون من ولايتهم خوفا من لحوق ~~الحوب بترك ms0635 الإقساط مع أنهم كانوا لا يتحرجون من ترك العدل في حقوق ~~النساء حيث كان تحت الرجل منهم عشر منهن فقيل لهم: إن خفتم ترك ~~العدل في حقوق اليتامى فتحرجتم منها فخافوا أيضا ترك العدل بين ~~النساء فقللوا عدد المنكوحات لأن من تحرج من ذنب أو تاب عنه وهو ~~مرتكب مثله فهو غير متحرج ولا تائب عنه وقيل: كانوا لا يتحرجون من ~~الزنى وهم يتحرجون من ولاية اليتامى، فقيل: إن خفتم الجور في حق ~~اليتامى فخافوا الزنى فانكحوا ما حل لكم من النساء ولا تحوموا حول ~~المحرمات، ولا يخفى أنه لا يساعدهما جزالة النظم الكريم لبنائهما ~~على تقدم نزول الآية الأولى وشيوعها بين الناس مع ظهور توقف ~~حكمها على ما بعدها من قوله تعالى: # ولا تؤتوا السفهاء أمولكم # [النساء، الآية 5] إلى قوله تعالى: # وكفى بالله حسيبا # [النساء، الآية 6]. # { فإن خفتم أن لا تعدلوا } أي فيما بينهن ولو في أقل ~~الأعداد المذكورة كما خفتموه في حق اليتامى أو كما لم تعدلوا في ~~حقهن أو كما لم تعدلوا فيما فوق هذه الأعداد { فوحدة } أي ~~فالزموا أو فاختاروا واحدة وذروا الجمع بالكلية، وقرىء بالرفع أي ~~فالمقنع واحدة أو فحسبكم واحدة { أو ما ملكت أيمنكم ~~} أي من السراري بالغة ما بلغت من مراتب العدد وهو عطف على واحدة على ~~أن اللزوم والاختيار فيه بطريق التسري لا بطريق النكاح كما فيما ~~عطف عليه لاستلزامه ورود ملك النكاح على ملك اليمين بموجب اتحاد ~~المخاطبين في الموضعين بخلاف ما سيأتي من قوله تعالى: # ومن لم يستطع منكم طولا أن ينكح المحصنت ~~المؤمنت فمن ما ملكت أيمنكم # [النساء، الآية 25] فإن المأمور بالنكاح هناك غير المخاطبين بملك ~~اليمين وإنما سوي في السهولة واليسر بين الحرة الواحدة وبين ~~السراري من غير حصر في عدد لقلة تبعتهن وخفة مؤنتهن وعدم وجوب ~~القسم بينهن. وقرىء { أو ما ملكت أيمنكم } [النساء، ~~الآية: 3] وما في القراءة المشهورة للإيذان بقصور رتبتهن عن رتبة ~~العقلاء { ذلك } إشارة إلى اختيار الواحدة والتسري { أدنى أن ~~لا تعولوا } العول الميل ms0636 من قولهم: عال الميزان عولا إذا مال، ~~وعال في الحكم أي جار، والمراد هنا الميل المحظور المقابل للعدل أي ~~ما ذكر من اختيار الواحدة والتسري أقرب بالنسبة إلى ما عداهما من أن ~~لا تميلوا ميلا محظورا لانتفائه رأسا بانتفاء محله في الأول ~~وانتفاء خطره في الثاني بخلاف اختيار العدد في المهائر فإن الميل ~~المحظور متوقع فيه لتحقق المحل والخطر، ومن ههنا تبين أن مدار ~~الأمر هو عدم العول لا تحقق العدل كما قيل، وقد فسر بأن لا يكثر ~~عيالكم على أنه من عال الرجل عياله يعولهم أي مانهم، فعبر عن كثرة ~~العيال بكثرة المؤونة على طريقة الكتابة ويؤيده قراءة أن تعيلوا ~~من أعال الرجل إذا كثر عياله، ووجه كون التسري مظنة قلة ~~العيال مع جواز الاستكثار من السراري أنه يجوز العزل عنهن بغير رضاهن ~~ولا كذلك المهائر، والجملة مستأنفة جارية مما قبلها مجرى التعليل. ### || [4.4] # { وءاتوا النساء } أي اللاتي أمر بنكاحهن { صدقتهن } ~~جمع صدقة كسمرة وهي المهر وقرىء بسكون الدال على التخفيف وبضم ~~الصاد وسكون الدال جمع صدقة كغرفة، وبضمهما على التوحيد وهو تثقيل ~~صدقة كظلمة في ظلمة { نحلة } قال ابن عباس وقتادة وابن جريج ~~وابن زيد: فريضة من الله تعالى لأنها مما فرضه الله في النحلة أي ~~الملة والشرعة والديانة، فانتصابها على الحالية من الصدقات أي ~~أعطوهن مهورهن حال كونها فريضة منه تعالى، وقال الزجاج: تدينا ~~فانتصابها على أنها مفعول له أي أعطوهن ديانة وشرعية، وقال ~~الكلبي: نحلة أي هبة وعطية من الله وتفضلا منه عليهن فانتصابه ~~على الحالية منها أيضا وقيل: عطية من جهة الأزواج من نحله كذا إذا ~~أعطاه إياه ووهبه له عن طيبة من نفسه نحلة ونحلا، والتعبير عن ~~إيتاء المهور بالنحلة مع كونها واجبة على الأزواج لإفادة معنى ~~الإيتاء عن كمال الرضا وطيب الخاطر، وانتصابها على المصدرية لأن ~~الإيتاء والنحلة بمعنى الإعطاء، كأنه قيل: وانحلوا النساء ~~صدقاتهن نحلة أي أعطوهن مهورهن عن طيبة أنفسكم، أو على الحالية ~~من ضمير { آتوا } أي آتوهن صدقاتهن ناحلين طيبي ms0637 النفوس بالإعطاء ~~أو من الصدقات أي منحولة معطاة عن طيبة الأنفس، فالخطاب للأزواج ~~وقيل: للأولياء لأنهم كانوا يأخذون مهور بناتهم وكانوا يقولون: هنيئا ~~لك النافجة، لمن يولد له بنت، يعنون تأخذ مهرها فتنفج به مالك ~~أي تعظمه { فإن طبن لكم عن شىء منه } الضمير للصدقات ~~وتذكيره لإجرائه مجرى ذلك فإنه يشار به إلى المتعدد كما في قوله عز ~~وجل: # قل أؤنبئكم بخير من ذلكم # [آل عمران، الآية 15] بعد ذكر الشهوات المعدودة وقد روي عن رؤبة أنه ~~حين قيل له في قوله: [الرجز] # فيها خطوط من سواد وبلق # كأنه في الجلد توليع البهق # إن أردت الخطوط ينبغي أن تقول: كأنها وإن أردت السواد والبلق ينبغي ~~أن تقول: كأنهما، قال: لكني أردت كأن ذلك. أو للصداق الواقع موقعه ~~صدقاتهن كأنه قيل: وآتوا النساء صداقهن كما في قوله تعالى: # فأصدق وأكن # [المنافقين، الآية 10] حيث عطف أكن على ما دل عليه المذكور ووقع ~~موقعه، كأنه قيل: إن أخرتني أصدق وأكن، واللام متعلقة بالفعل وكذا ~~عن لكن بتضمينه معنى التجافي والتجاوز، ومن متعلقة بمحذوف وقع صفة ~~لشيء أي كائن من الصداق، وفيه بعث لهن على تقليل الموهوب { نفسا ~~} تمييز والتوحيد لما أن المقصود بيان الجنس أي إن وهبن لكم ~~شيئا من الصداق متجافيا عنه نفوسهن طيبات غير مخبثات بما ~~يضطرهن إلى البذل من شكاسة أخلاقكم وسوء معاشرتكم لهن، عدل عن ~~لفظ الهبة والسماحة إلى ما عليه النظم الكريم إيذانا بأن العمدة في ~~الأمر إنما هو طيب النفس وتجافيها عن الموهوب بالمرة { فكلوه } أي ~~فخذوا ذلك الشيء الذي طابت به نفوسهن وتصرفوا فيه تملكا، وتخصيص ~~الأكل بالذكر لأنه معظم وجوه التصرفات المالية { هنيئا مريئا ~~} صفتان من هنؤ الطعام ومرؤ إذا كان سائغا لا تنغيص فيه، وقيل: ~~الهنيء الذي يلذه الآكل والمريء ما يحمد عاقبته، وقيل: ما ينساغ ~~في مجراه الذي هو المريء وهو ما بين الحلقوم إلى فم المعدة سمي ~~بذلك لمروء الطعام فيه أي انسياغه، ونصبهما على أنهما صفتان للمصدر ~~أي أكلا هنيئا مريئا أو ms0638 على أنهما حالان من الضمير المنصوب أن كلوه ~~وهو هنيء مريء وقد يوقف على كلوه، ويبتدأ هنيئا مريئا على الدعاء ~~وعلى أنهما صفتان أقيمتا مقام المصدرين، كأنه قيل: هنأ ومرأ، وهذه ~~عبارة عن التحليل والمبالغة في الإباحة وإزالة التبعة. # روي أن ناسا كانوا يتأثمون أن يقبل أحدهم من زوجته شيئا مما ساقه ~~إليها فنزلت. ### || [4.5] # { ولا تؤتوا السفهاء أمولكم } رجوع إلى بيان بقية ~~الأحكام المتعلقة بأموال اليتامى، وتفصيل ما أجمل فيما سبق من شرط ~~إيتائها ووقته وكيفيته إثر بيان بعض الأحكام المتعلقة بأنفسهن، ~~أعني نكاحهن وبيان بعض الحقوق المتعلقة بغيرهن من الأجنبيات من ~~حيث النفس ومن حيث المال استطرادا، والخطاب للأولياء، نهوا أن يؤتوا ~~المبذرين من اليتامى أموالهم مخافة أن يضيعوها وإنما أضيفت إليهم وهي ~~لليتامى لا نظرا إلى كونها تحت ولايتهم كما قيل فإنه غير مصحح ~~لاتصافها بالوصف الآتي بل تنزيلا لاختصاصها بأصحابها منزلة اختصاصها ~~بالأولياء، فكأن أموالهم عين أموالهم لما بينهم وبينهم من الاتحاد ~~الجنسي والنسبي مبالغة في حملهم على المحافظة عليها كما في قوله ~~تعالى: # ولا تقتلوا أنفسكم # [النساء، الآية 29] أي لا يقتل بعضكم بعضا حيث عبر عن بني نوعهم ~~بأنفسهم مبالغة في زجرهم عن قتلهم فكأن قتلهم قتل أنفسهم، وقد أيد ~~ذلك حيث عبر عن جعلها مناطا لمعاش الأولياء فقيل: { التى جعل ~~الله لكم قيما } أي جعلها الله شيئا تقومون به وتنتعشون على ~~حذف الأول، فلو ضيعتموه لضعتم ثم زيد في المبالغة حتى جعل ما به ~~القيام قياما فكأنها في أنفسها قيامكم وانتعاشكم، وقيل: إنما أضيفت ~~إلى الأولياء لأنها من جنس ما يقيم به الناس معايشهم حيث لم يقصد ~~بها الخصوصية الشخصية بل الجنسية التي هي معنى ما يقام به المعاش ~~وتميل إليه القلوب ويدخر لأوقات الاحتياج، وهي بهذا الاعتبار لا تختص ~~باليتامى، وأنت خبير بأن ذلك بمعزل من حمل الأولياء على المحافظة ~~المذكورة كيف لا والوحدة الجنسية المالية ليست مختصة بما بين ~~أموال اليتامى وأموال الأولياء بل هي متحققة بين أموالهم وأموال ~~الأجانب، فإذن لا ms0639 وجه لاعتبارها أصلا وقرىء اللاتي واللواتي وقرىء ~~قيما بمعنى قياما كما جاء عوذا بمعنى عياذا وقرىء قواما بكسر ~~القاف وهو ما يقام به الشيء، أو مصدر قاوم وقرىء بفتحها { ~~وارزقوهم فيها واكسوهم } أي واجعلوها مكانا لرزقهم ~~وكسوتهم بأن تتجروا وتربحوا حتى تكون نفقاتهم من الأرباح لا من صلب ~~المال، وقيل: الخطاب لكل أحد كائنا من كان، والمراد نهيه عن أن ~~يفوض أمر ماله إلى من لا رشد له من نسائه وأولاده ووكلائه وغير ~~ذلك، ولا يخفى أن ذلك مخل بجزالة النظم الكريم { وقولوا لهم ~~قولا معروفا } أي كلاما لينا تطيب به نفوسهم، وعن سعيد بن ~~جبير ومجاهد وابن جريج: عدوهم عدة جميلة بأن تقولوا إذا صلحتم ~~ورشدتم سلمنا إليكم أموالكم، وكل ما سكنت إليه النفس لحسنه ~~شرعا أو عقلا من قول أو عمل فهو معروف وما أنكرته لقبحه شرعا أو ~~عقلا فهو منكر. ### || [4.6] # { وابتلوا اليتمى } شروع في تعيين وقت تسليم أموال ~~اليتامى إليهم وبيان شرطه بعد الأمر بإيتائها على الإطلاق والنهي ~~عنه عند كون أصحابها سفهاء، أي واختبروا من ليس منهم بين السفه ~~قبل البلوغ بتتبع أحوالهم في صلاح الدين والاهتداء إلى ضبط المال ~~وحسن التصرف فيه، وجربوهم بما يليق بحالهم فإن كانوا من أهل التجارة ~~فبأن تعطوهم من المال ما يتصرفون فيه بيعا وشراء وإن كانوا ممن له ~~ضياع وأهل وخدم فبأن تعطوهم منه ما يصرفونه إلى نفقة عبيدهم ~~وخدمهم وأجرائهم وسائر مصارفهم حتى تتبين لكم كيفية أحوالهم { ~~حتى إذا بلغوا النكاح } بأن يحتلموا لأنهم يصلحون حينئذ ~~للنكاح { فإن آنستم } أي شاهدتم وتبينتم وقرىء أحستم بمعنى ~~أحسستم كما في قول من قال: [الوافر] # خلا أن العتاق من المطايا # أحسن به وهن إليه شوس # { منهم رشدا } أي اهتداء إلى وجوه التصرفات من غير عجز ~~وتبذير، وتقديم الجار والمجرور على المفعول للاهتمام بالمقدم ~~والتشويق إلى المؤخر، أو للاعتداد بمبدئيته له. والتنوين للدلالة على ~~كفاية رشد في الجملة وقرىء بفتح الراء والشين وبضمهما { فادفعوا ~~إليهم أمولهم } من غير تأخير عن حد ms0640 البلوغ، وفي إيثار ~~الدفع على الإيتاء الوارد في أول الأمر إيذان بتفاوتهما بحسب المعنى ~~كما أشير إليه فيما سلف، ونظم الآية الكريمة أن حتى هي التي تقع بعدها ~~الجمل كالتي في قوله: [الطويل] # فما زالت القتلى تمج دماءها # بدجلة حتى ماء دجلة أشكل # وما بعدها جملة شرطية جعلت غاية للابتلاء، وفعل الشرط { بلغوا ~~} وجوابه الشرطية الثانية كأنه قيل: وابتلوا اليتامى إلى وقت بلوغهم ~~واستحقاقهم دفع أموالهم إليهم بشرط إيناس الرشد منهم، وظاهر ~~الآية الكريمة أن من بلغ غير رشيد إما بالتبذير أو بالعجز لا يدفع ~~إليه ماله أبدا وبه أخذ أبو يوسف ومحمد، وقال أبو حنيفة: ينتظر إلى ~~خمس وعشرين سنة لأن البلوغ بالسن ثماني عشرة سنة فإذا زادت عليها سبع ~~سنين وهي مدة معتبرة في تغير أحوال الإنسان لما قاله عليه الصلاة ~~والسلام: # " مروهم بالصلاة لسبع " # دفع إليه ماله أونس منه أو لم يؤنس { ولا تأكلوها ~~إسرافا وبدارا أن يكبروا } أي مسرفين ومبادرين كبرهم إو ~~لإسرافكم ومبادرتكم كبرهم تفرطون في إنفاقها وتقولون: ننفق كما ~~نشتهي قبل أن يكبر اليتامى فينتزعوها من أيدينا، والجملة تأكيد للأمر ~~بالدفع وتقرير لها وتمهيد لما بعدها من قوله تعالى: { ومن كان ~~غنيا فليستعفف } الخ، أي من كان من الأولياء والأوصياء ~~غنيا فليتنزه عن أكلها وليقنع بما آتاه الله تعالى من الغنى ~~والرزق إشفاقا على اليتيم وإبقاء على ماله { ومن كان } من ~~الأولياء والأوصياء { فقيرا فليأكل بالمعروف } بقدر ~~حاجته الضرورية وأجرة سعيه وخدمته، وفي لفظ الاستعفاف والأكل ~~بالمعروف ما يدل على أن للوصي حقا لقيامه عليها. # عن النبي عليه الصلاة والسلام # " أن رجلا قال له: إن في حجري يتيما أفآكل من ماله؟ قال: " بالمعروف ~~غير متأثل مالا ولا واق مالك بماله " # وعن ابن عباس رضي الله عنهما إن ولي يتيم قال له: أفأشرب من لبن ~~إبله؟ قال: " إن كنت تبغي ضالتها وتلوط حوضها وتهنأ جرباها ~~وتسقيها يوم ورودها فاشرب غير مضر بنسل ولا ناهك في الحلب " وعن ~~محمد بن كعب يتقرم كما تتقرم البهيمة وينزل ms0641 نفسه منزلة الأجير ~~فيما لا بد منه. وعن الشعبي: يأكل من ماله بقدر ما يعين فيه. وعنه: ~~كالميتة يتناول عند الضرورة. وعن مجاهد: يستسلف فإذا أيسر أدى. وعن ~~سعيد بن جبير: إن شاء شرب فضل اللبن وركب الظهر ولبس ما يستره من ~~الثياب وأخذ القوت ولا يجاوزه فإن أيسر قضاه وإن أعسر فهو في حل. وعن ~~عمر بن الخطاب رضي الله عنه: إني أنزلت نفسي من مال الله تعالى منزلة ~~ولي اليتيم إن استغنيت استعففت وإن افتقرت أكلت بالمعروف وإذا ~~أيسرت قضيت. واستعف أبلغ من عف كأنه يطلب زيادة العفة { فإذا ~~دفعتم إليهم أمولهم } بعد ما راعيتم الشرائط المذكورة ~~وتقديم الجار والمجرور على المفعول الصريح للاهتمام به { ~~فأشهدوا عليهم } بأنهم تسلموها وقبضوها وبرئت عنها ~~ذممكم لما أن ذلك أبعد من التهمة وأنفى للخصومة وأدخل في الأمانة ~~وبراءة الساحة وإن لم يكن ذلك واجبا عند أصحابنا، فإن الوصي ~~مصدق في الدفع مع اليمين خلافا لمالك والشافعي رحمهما الله { ~~وكفى بالله حسيبا } أي محاسبا فلا تخالفوا ما أمركم به ولا ~~تجاوزوا ما حد لكم. ### || [4.7] # { للرجال نصيب مما ترك الولدن والأقربون } ~~شروع في بيان أحكام المواريث بعد بيان أحكام أموال اليتامى ~~المنتقلة إليهم بالإرث، والمراد بالأقربين المتوارثون منهم، ومن في ~~مما متعلقة بمحذوف وقع صفة لنصيب أي لهم نصيب كائن مما ترك، وقد ~~جوز تعلقها بنصيب { وللنساء نصيب مما ترك الولدن ~~والأقربون } إيراد حكمهن على الاستقلال دون الدرج في تضاعيف ~~أحكامهم بأن يقال للرجال والنساء الخ، للاعتناء بأمرهن والإيذان ~~بأصالتهن في استحقاق الإرث والإشارة من أول الأمر إلى تفاوت ما بين ~~نصيبي الفريقين والمبالغة في إبطال حكم الجاهلية فإنهم لم يكونوا ~~يورثون النساء والأطفال ويقولون: إنما يرث من يحارب ويذب عن ~~الحوزة. # روي # " أن أوس بن ثابت الأنصاري خلف زوجته أم كجة وثلاث بنات فزوى ~~أبناء عمه سويد وعرفطة أو قتادة وعرفجة ميراثه عنهن على سنة ~~الجاهلية فجاءت أم كجة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فشكت إليه ~~فقال: " ارجعي حتى ms0642 أنظر ما يحدثه الله تعالى " فنزلت، فأرسل إليهما ~~إن الله قد جعل لهن نصيبا ولم يبين فلا تفرقا من مال أوس شيئا ~~حتى يبين فنزل يوصيكم الله الخ، فأعطى أم كجة الثمن والبنات ~~الثلثين والباقي لابني العم " # وهو دليل على جواز تأخير البيان عن الخطاب، وقوله تعالى: { مما ~~قل منه أو كثر } بدل من { ما } الأخيرة بإعادة الجار ~~وإليها يعود الضمير المجرور، وهذا البدل مراد في الجملة الأولى أيضا ~~محذوف للتعويل على المذكور، وفائدته دفع توهم تخصيص بعض الأموال ~~ببعض الورثة كالخيل وآلات الحرب للرجال، وتحقيق أن لكل من الفريقين ~~حقا من كل ما جل ودق { نصيبا مفروضا } نصب على أنه مصدر ~~مؤكد كقوله تعالى: # فريضة من الله # [النساء، الآية 11. والتوبة، الآية 60] كأنه قيل: قسمة مفروضة أو على ~~الحالية إذ المعنى ثبت لهم نصيب كائن مما ترك الوالدان والأقربون حال ~~كونه مفروضا، أو على الاختصاص أي أعني نصيبا مقطوعا مفروضا واجبا ~~لهم، وفيه دليل على أن الوارث لو أعرض عن نصيبه لم يسقط حقه. ### || [4.8-9] # { وإذا حضر القسمة } أي قسمة التركة، وإنما قدمت مع ~~كونها مفعولا لأنها المبحوث عنها ولأن في الفاعل تعددا فلو روعي ~~الترتيب يفوت تجاوب أطراف الكلام { أولوا القربى } ممن لا ~~يرث { واليتمى والمسكين } من الأجانب { فارزقوهم ~~منه } أي أعطوهم شيئا من المال المقسوم المدلول عليه بالقسمة، ~~وقيل: الضمير لما وهو أمر ندب كلف به البالغون من الورثة تطييبا ~~لقلوب الطوائف المذكورة وتصدقا عليهم، وقيل: أمر وجوب ثم اختلف في ~~نسخه { وقولوا لهم قولا معروفا } وهو أن يدعوا لهم ~~ويستقلوا ما أعطوهم ويعتذروا من ذلك ولا يمنوا عليهم { وليخش ~~الذين لو تركوا من خلفهم ذرية ضعفا خافوا ~~عليهم } أمر للأوصياء بأن يخشوا الله تعالى ويتقوه في أمر اليتامى ~~فيفعلوا بهم ما يحبون أن يفعل بذراريهم الضعاف بعد وفاتهم، أو لمن ~~حضر المريض من العواد عند الإيصاء بأن يخشوا ربهم أو يخشوا أولاد ~~المريض ويشفقوا عليهم شفقتهم على أولادهم فلا يتركوه أن يضر بهم ~~بصرف المال عنهم، أو ms0643 للورثة بالشفقة على من حضر القسمة من ضعفاء ~~الأقارب واليتامى والمساكين متصورين أنهم لو كانوا أولادهم بقوا ~~خلفهم ضعافا مثلهم هل يجوزون حرمانهم؟ أو للموصين بأن ينظروا ~~للورثة فلا يسرفوا في الوصية. # و { لو } بما في حيزها صلة للذين على معنى وليخش الذين حالهم ~~وصفتهم أنهم لو شارفوا أن يخلفوا ورثة ضعافا خافوا عليهم الضياع، ~~وفي ترتيب الأمر عليه إشارة إلى المقصود منه، والعلة فيه وبعث على ~~التراحم وأن يحب لأولاد غيره ما يحب لأولاد نفسه، وتهديد للمخالف ~~بحال أولاده، وقرىء ضعفاء وضعافي وضعافى { فليتقوا الله } ~~في ذلك، والفاء لترتيب ما بعدها على ما قبلها { وليقولوا ~~قولا سديدا } أمرهم بالتقوى التي هي غاية الخشية بعد ما أمرهم ~~بها مراعاة للمبدأ والمنتهى إذ لا نفع للأول بدون الثاني،. ثم أمرهم ~~بأن يقولوا لليتامى مثل ما يقولون لأولادهم بالشفقة وحسن الأدب، أو ~~للمريض ما يصده عن الإسراف في الوصية وتضييع الورثة يذكره التوبة ~~وكلمة الشهادة أو لحاضري القسمة عذرا ووعدا حسنا أو يقولوا في ~~الوصية ما لا يؤدي إلى تجاوز الثلث. ### || [4.10-11] # وقوله تعالى: { إن الذين يأكلون أمول اليتمى ~~ظلما } أي على وجه الظلم أو ظالمين، استئناف جيء به لتقرير مضمون ~~ما فصل من الأوامر والنواهي { إنما يأكلون فى بطونهم } ~~أي ملء بطونهم { نارا } أي ما يجر إلى النار ويؤدي إليها، وعن ~~أبي برزة أنه صلى الله عليه وسلم قال: # " " يبعث الله تعالى قوما من قبورهم تتأجج أفواههم نارا " فقيل: من ~~هم؟ فقال عليه السلام: " ألم تر أن الله يقول: { إن الذين ~~يأكلون أمول اليتمى ظلما إنما يأكلون فى ~~بطونهم نارا } " # { وسيصلون سعيرا } أي سيدخلون نارا هائلة مبهمة الوصف ~~وقرىء بضم الياء مخففا ومشددا من الإصلاء والتصلية، يقال: صلي النار ~~قاسي حرها وصليته وشويته وأصليته وصليته ألقيته فيها. والسعير ~~فعيل بمعنى مفعول من سعرت النار إذا ألهبتها. روي أن آكل مال ~~اليتيم يبعث يوم القيامة والدخان يخرج من قبره ومن فيه وأنفه ~~وأذنيه وعينيه فيعرف الناس أنه كان يأكل مال اليتيم في ms0644 الدنيا. وروي ~~أنه لما نزلت هذه الآية ثقل ذلك على الناس فاحترزوا عن مخالطة اليتامى ~~بالكلية فصعب الأمر على اليتامى فنزل قوله تعالى: # وإن تخالطوهم # [البقرة، الآية 220] الآية. # { يوصيكم الله } شروع في تفصيل أحكام المواريث المجملة في ~~قوله تعالى: # للرجال نصيب # [النساء، الآية 7، 32] الخ، وأقسام الورثة ثلاثة: قسم لا يسقط بحال ~~وهو الآباء والأولاد والأزواج فهؤلاء قسمان والثالث الكلالة. أي ~~يأمركم ويعهد إليكم { فى أولدكم } أولاد كل واحد منكم أي ~~في شأن ميراثهم. بدىء بهم لأنهم أقرب الورثة إلى الميت وأكثرهم ~~بقاء بعد المورث { للذكر مثل حظ الأنثيين } جملة ~~مستأنفة جيء بها لتبيين الوصية وتفسيرها، وقيل: محلها النصب ~~بيوصيكم على أن المعنى يفرض عليكم ويشرع لكم هذا الحكم، وهذا قريب ~~مما رآه الفراء فإنه يجري ما كان بمعنى القول من الأفعال مجراه في ~~حكاية الجملة بعده، ونظيره قوله تعالى: # وعد الله الذين ءامنوا وعملوا الصلحت لهم ~~مغفرة # [المائدة، الآية 9] الآية، وقوله تعالى: { للذكر } لا بد له من ~~ضمير عائد إلى الأولاد محذوف ثقة بظهوره كما في قولهم: السمن ~~منوان بدرهم. أي للذكر منهم، وقيل: الألف واللام قائم مقامه، ~~والأصل لذكرهم، ومثل صفة لموصوف محذوف أي للذكر منهم حظ ~~الأنثيين، والبداءة ببيان حكم الذكر لإظهار مزيته على الأنثى، ~~كما أنها المناط في تضعيف حظه، وإيثار اسمي الذكر والأنثى على ما ~~ذكر أولا من الرجال والنساء للتنصيص على استواء الكبار والصغار من ~~الفريقين في الاستحقاق من غير دخل للبلوغ والكبر في ذلك أصلا كما هو ~~زعم أهل الجاهلية حيث كانوا لا يورثون الأطفال كالنساء. { فإن ~~كن } أي الأولاد والتأنيث باعتبار الخبر وهو قوله تعالى: { نساء ~~} أي خلصا ليس معهن ذكر { فوق اثنتين } خبر ثان أو صفة ~~لنساء أي نساء زائدات على اثنتين { فلهن ثلثا ما ترك } أي ~~المتوفى المدلول عليه بقرينة المقام { وإن كانت } أي المولودة ~~{ وحدة } أي امرأة واحدة ليس معها أخ ولا أخت. # وعدم التعرض للموصوف لظهوره مما سبق { فلها النصف } مما ترك، ~~وقرىء واحدة على كان التامة. # واختلف في ms0645 الثنتين فقال ابن عباس: حكمهما حكم الواحدة لأنه تعالى ~~جعل الثلثين لما فوقهما، وقال الجمهور: حكمهما حكم ما فوقهما لأنه ~~تعالى لما بين أن حظ الذكر مثل حظ الأنثيين إذا كان معه أنثى ~~وهو الثلثان اقتضى ذلك أن فرضهما الثلثان، ثم لما أوهم ذلك أن يزاد ~~النصيب بزيادة العدد رد ذلك بقوله تعالى: { فإن كن نساء ~~فوق اثنتين } ويؤيد ذلك أن البنت الواحدة لما استحقت ~~الثلث مع أخيها الأقوى منها في الاستحقاق فلأن تستحقه مع مثلها ~~أولى وأحرى وأن البنتين أمس رحما من الأختين وقد فرض الله لهما ~~الثلثين حيث قال تعالى: { فلهما الثلثان مما ترك }. # { ولأبويه } أي لأبوي الميت. غير النظم الكريم لعدم اختصاص ~~حكمه بما قبله من الصور { لكل وحد منهما } بدل منه بتكرير ~~العامل، وسط بين المبتدأ الذي هو قوله تعالى: { السدس } وبين ~~خبره الذي هو لأبويه، ونقل الخبرية إليه تنصيصا على استحقاق كل ~~منهما السدس وتأكيدا له بالتفصيل بعد الإجمال وقرىء السدس بسكون ~~الدال تخفيفا، وكذلك الثلث والربع والثمن { مما ترك } ~~متعلق بمحذوف وقع حالا من السدس، والعامل الاستقرار المعتبر في ~~الخبر أي كائنا مما ترك المتوفى { إن كان له ولد } أو ولد ~~ابن ذكرا كان أو أنثى واحدا أو متعددا غير أن الأب في صورة الأنوثة ~~بعد ما أخذ فرضه المذكور يأخذ ما بقي من ذوي الفروض بالعصوبة { فإن ~~لم يكن له ولد } ولا ولد ابن { وورثه أبواه } ~~فحسب { فلأمه الثلث } مما ترك والباقي للأب، وإنما لم يذكر ~~لعدم الحاجة إليه لأنه لما فرض انحصار الوارث في أبويه، وعين ~~نصيب الأم علم أن الباقي للأب، وتخصيص جانب الأم بالذكر وإحالة ~~جانب الأب على دلالة الحال مع حصول البيان بالعكس أيضا لما ~~أن حظها أخصر واستحقاقه أتم وأوفر، أو لأن استحقاقه بطريق ~~العصوبة دون الفرض هذا إذا لم يكن معهما أحد الزوجين أما إذا كان ~~معهما ذلك فللأم ثلث ما بقي بعد فرض أحدهما لا ثلث الكل كما قاله ~~ابن عباس رضي الله عنهما فإنه يفضي ms0646 إلى تفضيل الأم على الأب مع كونه ~~أقوى منها في الإرث بدليل إضعافه عليها عند انفرادهما عن أحد الزوجين ~~وكونه صاحب فرض وعصبة وذلك خلاف وضع الشرع. # { فإن كان له إخوة } أي عدد ممن له أخوة من غير اعتبار ~~التثليث سواء كانت من جهة الأبوين أو من جهة أحدهما وسواء كانوا ~~ذكورا أو إناثا أو مختلطين وسواء كان لهم ميراث أو كانوا محجوبين ~~بالأب { فلأمه السدس } أما السدس الذي حجبوها عنه فهو للأب عند ~~وجوده ولهم عند عدمه وعليه الجمهور، وعند ابن عباس رضي الله عنهما ~~أنه لهم على كل حال خلا أن هذا الحجب عنده لا يتحقق بما دون الثلاث ~~وبالأخوات الخلص، وقرىء فلإمه بكسر الهمزة إتباعا لما قبلها { ~~من بعد وصية } خبر مبتدإ محذوف، والجملة متعلقة بما تقدم ~~جميعا لا بما يليها وحده، أي هذه الأنصباء للورثة من بعد إخراج وصية ~~{ يوصى بها } أي الميت وقرىء مبنيا للمفعول مخففا ومبنيا للفاعل ~~مشددا يوصي، وفائدة الوصف الترغيب في الوصية والندب إليها { أو ~~دين } عطف على وصية إلا أنه غير مقيد بما قيدت به من الوصف بل ~~هو مطلق يتناول ما ثبت بالبينة أو الإقرار في الصحة، وإيثار { أو ~~} المفيدة للإباحة على الواو للدلالة على تساويهما في الوجوب ~~وتقدمهما على القسمة مجموعين أو منفردين، وتقديم الوصية على ~~الدين ذكرا مع تأخرها عنه حكما لإظهار كمال العناية بتنفيذها ~~لكونها مظنة للتفريط في أدائها ولاطرادها بخلاف الدين { آباؤكم ~~وأبناؤكم لا تدرون أيهم أقرب لكم نفعا } ~~الخطاب للورثة فآباؤكم مبتدأ وأبناؤكم عطف عليه ولا تدرون خبره ~~وأيهم مبتدأ وأقرب خبره، ونفعا نصب على التمييز منه، وهو منقول ~~من الفاعلية كأنه قيل: أيهم أقرب لكم نفعه؟ والجملة في حيز النصب ~~بلا تدرون، والجملة الكبيرة اعتراضية مؤكدة لوجوب تنفيذ الوصية ~~أي أصولكم وفروعكم الذين يتوفون لا تدرون أيهم أنفع لكم أمن ~~يوصي ببعض ماله فيعرضكم لثواب الآخرة بتنفيذ وصيته أم من لا ~~يوصي بشيء فيوفر عليكم عرض الدنيا؟ وليس المراد بنفي الدراية عنهم ~~بيان اشتباه ms0647 الأمر عليهم وكون أنفعية كل من الأول والثاني في حيز ~~الاحتمال عندهم من غير رجحان أحدهما على الآخر كما في قوله عليه الصلاة ~~والسلام: # " مثل أمتي مثل المطر لا يدرى أوله خير أم آخره " # فإن ذلك بمعزل من إفادة التأكيد المذكور والترغيب في تنفيذ الوصية ~~بل تحقيق أنفعية الأول في ضمن التعريض بأن لهم اعتقادا بأنفعية ~~الثاني مبنيا على عدم الدراية، وقد أشير إلى ذلك حيث عبر عن الأنفعية ~~بأقربية النفع تذكيرا لمناط زعمهم وتعيينا لمنشأ خطئهم ومبالغة ~~في الترغيب المذكور بتصوير الثواب الآجل بصورة العاجل لأن الطباع ~~مجبولة على حب الخير االحاضر كأنه قيل: لا تدرون أيهم أنفع لكم ~~فتحكمون نظرا إلى ظاهر الحال وقرب المنال بأنفعية الثاني مع أن ~~الأمر بخلافه، فإن ثواب الآخرة لتحقق وصوله إلى صاحبه ودوام ~~تمتعه به مع غاية قصر مدة ما بينهما من الحياة الدنيا أقرب ~~وأحضر، وعرض الدنيا لسرعة نفاده وفنائه أبعد وأقصى. # وقيل: الخطاب للمورثين، والمعنى لا تعلمون من أنفع لكم ممن يرثكم ~~من أصولكم وفروعكم عاجلا وآجلا فتحروا في شأنهم ما أوصاكم الله ~~تعالى به ولا تعمدوا إلى تفضيل بعض وحرمان بعض. روي أن أحد ~~المتوالدين إذا كان أرفع درجة من الآخر في الجنة سأل الله تعالى أن ~~يرفع إليه صاحبه فيرفع إليه بشفاعته. قيل: فالجملة الاعتراضية ~~حينئذ مؤكدة لأمر القسمة وأنت خبير بأنه مشعر بأن مدار الإرث ~~ما ذكر من أقربية النفع أنه العلاقة النسبية { فريضة من ~~الله } نصبت نصب مصدر مؤكد لفعل محذوف أي فرض الله ذلك فرضا ~~أو لقوله تعالى: { يوصيكم الله } فإنه في معنى يأمركم ويفرض ~~عليكم { إن الله كان عليما } أي بالمصالح والرتب { ~~حكيما } في كل ما قضى وقدر فيدخل فيه الأحكام المذكورة دخولا ~~أوليا. ### || [4.12] # { ولكم نصف ما ترك أزوجكم } من المال. شروع في بيان ~~أحكام القسم الثاني من الورثة، ووجه تقديم حكم ميراث الرجال مما ~~لا حاجة إلى ذكره { إن لم يكن لهن ولد } أي ولد وارث ~~من بطنها أو من صلب بنيها ms0648 أو بني بنيها وإن سفل ذكرا كان أو أنثى ~~واحدا كان أو متعددا لأن لفظ الولد ينتظم الجميع منكم أو من غيركم، ~~والباقي لورثتهن من ذوي الفروض والعصابات أو غيرهم، ولبيت المال إن ~~لم يكن لهن وارث آخر أصلا { فإن كان لهن ولد } على نحو ما ~~فصل والفاء لترتيب ما بعدها على ما قبلها فإن ذكر تقدير عدم ~~الولد وبيان حكمه مستتبع لتقدير وجوده وبيان حكمه { فلكم ~~الربع مما تركن } من المال والباقي لباقي الورثة { من ~~بعد وصية } متعلق بكلتا الصورتين لا بما يليه وحده { يوصين ~~بها } في محل الجر على أنه صفة لوصية، وفائدتها ما مر من ترغيب ~~الميت في الوصية وحث الورثة على تنفيذها { أو دين } عطف على ~~وصية سواء كان ثبوته بالبينة أو بالإقرار، وإيثار { أو } على ~~الواو لما مر من الدلالة على تساويهما في الوجوب والتقدم على القسمة، ~~وكذا تقديم الوصية على الدين ذكرا من إبراز كمال العناية بتنفيذها ~~{ ولهن الربع مما تركتم إن لم يكن لكم ~~ولد } على التفصيل المذكور آنفا والباقي لبقية ورثتكم من أصحاب ~~الفروض والعصبات أو ذوي الأرحام أو لبيت المال إن لم يكن لكم وارث ~~آخر أصلا { فإن كان لكم ولد } على النحو الذي فصل { ~~فلهن الثمن مما تركتم } من المال والباقي للباقين { من ~~بعد وصية توصون بها أو دين } الكلام فيه كما فصل ~~في نظيريه، فرض للرجل بحق الزواج ضعف ما فرض للمرأة كما في النسب ~~لمزيته عليها وشرفه الظاهر، ولذلك اختص بتشريف الخطاب، وهكذا ~~قياس كل رجل وامرأة اشتركا في الجهة والقرب، ولا يستثنى منه إلا ~~أولاد الأم والمعتق والمعتقة، وتستوي الواحدة والعدد منهن في ~~الربع والثمن. # { وإن كان رجل } شروع في بيان أحكام القسم الثالث من الورثة ~~المحتمل للسقوط، ووجه تأخيره عن الأولين بين، والمراد بالرجل ~~الميت وقوله تعالى: { يورث } على البناء للمفعول من ورث لا من ~~أورث، خبر كان أي يورث منه { كللة } الكلالة في الأصل مصدر ~~بمعنى الكلال وهو ذهاب القوة من الإعياء، استعيرت للقرابة من ms0649 غير ~~جهة الوالد والولد لضعفهما بالإضافة إلى قرابتهما، وتطلق على من لم ~~يخلف ولدا ولا والدا وعلى من ليس بوالد ولا ولد من المخلفين بمعنى ~~ذي كلالة، كما تطلق القرابة على ذوي القرابة، وقد جوز كونها صفة ~~كالهجاجة والفقاقة للأحمق، فنصبها إما على أنها مفعول له أي يورث ~~منه لأجل القرابة المذكورة أو على أنها حال من ضمير يورث أي حال ~~كونه ذا كلالة أو على أنها خبر لكان ويورث صفة لرجل أي إن كان رجل ~~موروث ذا كلالة ليس له والد ولا ولد وقرىء يورث على البناء ~~للفاعل مخففا ومشددا، فانتصاب كلالة إما على أنها حال من ضمير ~~الفعل والمفعول محذوف أي يورث وارثه حال كونه ذا كلالة وإما على ~~أنها مفعول به أي يورث ذا كلالة وإما على أنه مفعول له أي يورث ~~لأجل الكلالة { أو امرأة } عطف على رجل مقيد بما قيد به أي أو ~~امرأة تورث كذلك، ولعل فصل ذكرها عن ذكره للإيذان بشرفه وأصالته في ~~الأحكام { وله } أي للرجل ففيه تأكيد للإيذان المذكور حيث لم ~~يتعرض لها بعد جريان ذكرها أيضا، وقيل: الضمير لكل منهما { أخ ~~أو أخت } أي من الأم فحسب وقد قرىء كذلك فإن أحكام بني الأعيان ~~والعلات هي التي ذكرت في آخر السورة الكريمة والجملة في محل ~~النصب على أنها حال من ضمير يورث أو من رجل على تقدير كون { يورث ~~} صفة، وسيقت لتصوير المسألة، وذكر الكلالة لتحقيق جريان الحكم ~~المذكور وإن كان مع من ذكر ورثة أخرى بطريق الكلالة، وأما جريانه ~~في صورة وجود الأم أو الجدة مع أن قرابتهما ليست بطريق الكلالة ~~فبإجماع { فلكل وحد منهما } من الأخ والأخت { السدس } ~~من غير تفضيل للذكر على الأنثى لأن الإدلأ إلى الميت بمحض الأنوثة. # { فإن كانوا أكثر من ذلك } أي أكثر من الأخ أو الأخت ~~المنفردين بواحد أو بأكثر، والفاء لما مر أن ذكر احتمال الانفراد ~~مستتبع لذكر احتمال التعدد { فهم شركاء فى الثلث } ~~يقتسمونه بالسوية والباقي لبقية الورثة من أصحاب الفروض ms0650 والعصبات. ~~هذا وأما جواز أن يكون يورث في القراءة المشهورة مبنيا للمفعول من ~~أورث على أن المراد به الوراث، والمعنى وإن كان رجل يجعل وارثا ~~لأجل الكلالة أو ذا كلالة أي غير والد أو ولد، ولذلك الوارث أخ أو ~~أخت فلكل واحد من ذلك الوارث وأخيه أو أخته السدس فإن كانوا أكثر ~~من ذلك أي من الاثنين بأن كانوا ثلاثة أو أكثر فهم شركاء في الثلث ~~الموزع للاثنين لا يزاد عليه شيء فبمعزل من السداد، أما أولا: ~~فلأن المعتبر على ذلك التقدير إنما هو الأخوة بين الوارث وبين ~~شريكه في الإرث من أخيه أو أخته لا ما بينه وبين مورثه من الأخوة ~~التي عليها يترتب حكم الإرث وبها يتم تصوير المسألة، وإنما ~~المعتبر بينهما الوراثة بطريق الكلالة وهي عامة لجميع صور ~~القرابات التي لا تكون بالولادة فلا يكون نصيبه ولا نصيب شريكه مما ~~ذكر بعينه، ومن ادعى اختصاصها بالإخوة لأم متمسكا بالإجماع على أن ~~المراد بالكلالة ههنا أولاد الأم فقد اعترف ببطلان رأيه من حيث لا ~~يحتسب، كيف لا ومبناه إنما هو الإجماع على أن المراد بالإخوة في قوله ~~تعالى: { وله أخ أو أخت } هو الإخوة لأم خاصة حسبما شهدت به ~~القراءة المحكية والآية الآتية في آخر السورة الكريمة، ولولا أن ~~الرجل عبارة عن الميت والأخوة معتبرة بينه وبين ورثته لما أمكن ~~كون الكل أولاد الأم، ثم إن الكلالة كما نبهت عليه باقية على ~~إطلاقها ليس فيها شائبة اختصاص بأولاد الأم فضلا عن الإجماع على ~~ذلك، وإلا لاقتصر البيان على حكم صورة انحصار الورثة فيهم، وإنما ~~الإجماع فيما ذكر من أن المراد بالأخ والأخت من كان لأم خاصة، ~~وأنت خبير بأن ذلك في قوة الإجماع على أن يورث من ورث لا من ~~أورث فتدبر، وأما ثانيا: فلأنه يقتضي أن يكون المعتبر في استحقاق ~~الورثة في الفرض المذكور إخوة بعضهم لبعض من جهة الأم فقط لما ذكر ~~من الإجماع مع ثبوت الاستحقاق على تقدير الأخوة من الجهتين، وأما ~~ثالثا: فلأن حكم ms0651 صورة انفراد الوارث عن الأخ والأخت يبقى حينئذ ~~غير مبين، وليس من ضرورة كون حظ كل منهما السدس عند الإجماع ~~كونه كذلك عند الانفراد، ألا يرى أن حظ كل من الأختين الثلث عند ~~الاجتماع والنصف عند الانفراد؟ وأما رابعا: فلأن تخصيص أحد الورثة ~~بالتوريث وجعل غيره تبعا له فيه مع اتحاد الكل في الإدلاء إلى ~~المورث مما لا عهد به. # { من بعد وصية يوصى بها أو دين } الكلام فيه كالذي ~~مر في نظائره خلا أن الدين ههنا موصوف بوصف الوصية جريا على قاعدة ~~تقييد المعطوف مما قيد به المعطوف عليه لاتفاق الجمهور على ~~اعتبار عدم المضارة فيه أيضا وذلك إنما يتحقق فيما يكون ثبوته ~~بالإقرار في المرض، كأنه قيل أو دين يوصى به { غير مضار } حال من ~~فاعل فعل مضمر يدل عليه المذكور وما حذف من المعطوف اعتمادا عليه ~~كما أن رجال في قوله تعالى: # يسبح له فيها بالغدو والآصال رجال # [النور، الآية 36، 37] على قراءة المبني للمفعول فاعل لفعل ينبىء عنه ~~المذكور ومن فاعل الفعل المذكور والمحذوف اكتفاء به على قراءة ~~البناء للفاعل، أي يوصى بما ذكر من الوصية والدين حال كونه غير ~~مضار للورثة، أي بأن يوصي بما زاد على الثلث أو تكون الوصية لقصد ~~الإضرار بهم دون القربة وبأن يقر في المرض بدين كاذبا، وتخصيص ~~هذا القيد بهذا المقام لما أن الورثة مظنة لتفريط الميت في حقهم { ~~وصية من الله } مصدر مؤكد لفعل محذوف وتنوينه للتفخيم، ومن ~~متعلقة بمضمر وقع صفة له مؤكدة لفخامته الذاتية بالفخامة الإضافية، أي ~~يوصيكم بذلك وصية كائنة من الله كقوله تعالى: # فريضة من الله # [النساء، الآية 11. # وسورة التوبة، 60] ولعل السر في تخصيص كل منهما بمحله الإشعار بما ~~بين الأحكام المتعلقة بالأصول والفروع وبين الأحكام المتعلقة ~~بغيرهم من التفاوت حسب تفاوت الفريضة والوصية وإن كانت كلتاهما واجبة ~~المراعاة، أو منصوب بغير مضار على أنه مفعول به فإنه اسم فاعل ~~معتمد على ذي الحال، أو منفي معنى فيعمل في المفعول الصريح، ~~ويعضده القراءة بالإضافة أي ms0652 غير مضار لوصية الله، وعهده لا في ~~شأن الأولاد فقط كما قيل إذ لا تعلق لهم بالمقام بل في شأن الورثة ~~المذكورة ههنا، فإن الأحكام المفصلة كلها مندرجة تحت قوله ~~تعالى: { يوصيكم الله } [النساء، الآية 11] جارية مجرى تفسيره ~~وبيانه، ومضارتها الإخلال بحقوقهم ونقصها بما ذكر من الوصية بما ~~زاد على الثلث والوصية لقصد الإضرار دون القربة والإقرار بالدين ~~كاذبا، وإيقاعها على الوصية مع أنها واقعة على الورثة حقيقة كما في ~~قوله: # يا سارق الليلة أهل الدار # للمبالغة في الزجر عنها بإخراجها مخرج مضارة أمر الله تعالى ~~ومضادته، وجعل الوصية عبارة عن الوصية بالثلث فما دونه يقتضي أن ~~يكون (غير مضار) حالا من ضمير الفعل المتعلق بالوصية فقط وذلك يؤدي ~~إلى الفصل بين الحال وعاملها بأجنبي هو المعطوف على وصية مع أنه ~~لا تنحسم به مادة المضارة لبقاء الإقرار بالدين عن إطلاقه { ~~والله عليم } بالمضار وغيره { حليم } لا يعاجل بالعقوبة ~~فلا يغتر بالإمهال، وإيراد الاسم الجليل مع كفاية الإضمار لإدخال ~~الروعة وتربية المهابة. ### || [4.13] # { تلك } إشارة إلى الأحكام التي تقدمت في شؤون اليتامى والمواريث ~~وغير ذلك { حدود الله } أي شرائعه المحدودة التي لا تجوز ~~مجاوزتها { ومن يطع الله ورسوله } في جميع الأوامر ~~والنواهي التي من جملتها ما فصل ههنا، وإظهار الاسم الجليل لما ذكر ~~آنفا { يدخله جنت } نصب على الظرفية عند الجمهور وعلى ~~المفعولية عند الأخفش { تجرى من تحتها الأنهر } صفة ~~لجنات منصوبة حسب انتصابها { خلدين فيها } حال مقدرة من مفعول ~~يدخله، وصيغة الجمع بالنظر إلى جمعية (من) بحسب المعنى كما أن ~~إفراد الضمير بالنظر إلى إفراده لفظا { وذلك } إشارة إلى ما مر ~~من دخول الجنات الموصوفة على وجه الخلود، وما فيه من معنى البعد ~~للإيذان بكمال علو درجته { الفوز العظيم } الذي لا فوز ~~وراءه. وصف الفوز وهو الظفر بالخير بالعظيم إما باعتبار متعلقه أو ~~باعتبار ذاته فإن الفوز بالعظيم عظيم والجملة اعتراض. ### || [4.14-15] # { ومن يعص الله ورسوله } ولو في بعض الأوامر والنواهي قال ~~مجاهد فيما اقتص من المواريث وقال عكرمة ms0653 عن ابن عباس من لم يرض ~~بقسم الله تعالى ويتعد ما قال الله تعالى، وقال الكلبي يعني ~~ومن يكفر بقسمة الله المواريث ويتعد حدوده استحلالا. والإظهار ~~في موقع الإضمار للمبالغة في الزجر بتهويل الأمر وتربية المهابة { ~~ويتعد حدوده } شرائعه المحدودة في جميع الأحكام فيدخل فيها ~~ما نحن فيه دخولا أوليا { يدخله } وقرىء بنون العظمة في الموضعين ~~{ نارا } أي عظيمة هائلة لا يقادر قدرها { خالدا فيها } حال ~~كما سبق، ولعل إيثار الإفراد ههنا نظرا إلى ظاهر اللفظ، واختيار ~~الجمع هناك نظرا إلى المعنى للإيذان بأن الخلود في دار الثواب بصفة ~~الاجتماع أجلب للأنس كما أن الخلود في دار العذاب بصفة الانفراد ~~أشد في استجلاب الوحشة { وله عذاب مهين } أي وله مع عذاب ~~الحريق الجسماني عذاب آخر مبهم لا يعرف كنهه، وهو العذاب ~~الروحاني كما يؤذن به وصفه والجملة حالية. # { واللتى يأتين الفحشة من نسائكم } شروع في ~~بيان بعض آخر من الأحكام المتعلقة بالنساء إثر بيان أحكام ~~المواريث، واللاتي جمع التي بحسب المعنى دون اللفظ وقيل جمع على ~~غير قياس، والفاحشة الفعلة القبيحة أريد بها الزنا لزيادة قبحه، ~~والإتيان الفعل والمباشرة يقال أتى الفاحشة أي فعلها وباشرها وكذا ~~جاءها ورهقها وغشيها، وقرىء بالفاحشة، فالإتيان بمعناه المشهور، ~~و(من) متعلقة بمحذوف وقع حالا من فاعل يأتي أي اللاتي يفعلن الزنا ~~كائنات من نسائكم أي من أزواجكم كما في قوله تعالى: # والذين يظهرون من نسائهم # [المجادلة، الآية 3] وقوله تعالى: # من نسائكم اللتى دخلتم بهن # [النساء، الآية 23] وبه قال السدي { فاستشهدوا عليهن ~~أربعة منكم } خبر للموصول، والفاء للدلالة على سببية ما في ~~حيز الصلة للحكم، أي فاطلبوا أن يشهد عليهن بإتيانها أربعة من رجال ~~المؤمنين وأحرارهم. # { فإن شهدوا } عليهن بذلك { فأمسكوهن فى البيوت } أي ~~فاحبسوهن فيها واجعلوها سجنا عليهن { حتى يتوفاهن } أي ~~إلى أن يستوفي أرواحهن { الموت } وفيه تهويل للموت وإبراز له في ~~صورة من يتولى قبض الأرواح ويتوفاها، أو يتوفاهن ملائكة الموت { أو ~~يجعل الله لهن سبيلا } أي يشرع لهن حكما خاصا بهن ولعل ~~التعبير ms0654 عنه بالسبيل للإيذان بكونه طريقا مسلوكا فليس فيه دلالة ~~على كونه أخف من الحبس كما قاله أبو مسلم. ### || [4.16-17] # { واللذان يأتينها منكم } هما الزاني والزانية ~~تغليبا، قال السدي أريد بهما البكران منهما كما ينبىء عنه كون ~~عقوبتهما أخف من الحبس المخلد وبذلك يندفع التكرار إلا أنه يبقى ~~حكم الزاني المحصن مبهما لاختصاص العقوبة الأولى بالمحصنات، وعدم ~~ظهور إلحاقه بأحد الحكمين دلالة لخفاء الشركة في المناط { ~~فآذوهما } أي بالتوبيخ والتقريع، وقيل بالضرب بالنعال أيضا ~~والظاهر أن إجراء هذا الحكم أيضا إنما يكون بعد الثبوت لكن ترك ~~ذكره تعويلا على ما ذكر آنفا { فإن تابا } عما فعلا من الفاحشة ~~بسبب ما لقيا من زواجر الأذية وقوارع التوبيخ كما ينبىء عنه الفاء { ~~وأصلحا } أي أعمالهما { فأعرضوا عنهما } بقطع الأذية ~~والتوبيخ فإن التوبة والصلاح مما يمنع استحقاق الذم والعقاب. وقد ~~جوز أن يكون الخطاب للشهود الواقفين على هناتهما، ويراد بالإيذاء ~~ذمهما وتعنيفهما وتهديدهما بالرفع إلى الولاة، وبالإعراض عنهما ترك ~~التعرض لهما بالرفع إليهم. قيل كانت عقوبة الفريقين المذكورين في ~~أوائل الإسلام على ما مر من التفصيل ثم نسخ بالحد لما روي أن النبي ~~عليه الصلاة والسلام قال: # " خذوا عني خذوا عني قد جعل الله لهن سبيلا الثيب ترجم والبكر ~~تجلد ". # وقيل هذه الآية سابقة على الأولى نزولا وكانت عقوبة الزناة الطلقاء ~~الأذى ثم الحبس ثم الجلد ثم الرجم، وقد جوز أن يكون الأمر بالحبس ~~غير منسوخ بأن يترك ذكر الحد لكونه معلوما بالكتاب والسنة ويوصى ~~بإمساكهن في البيوت بعد إقامة الحد صيانة لهن عن مثل ما جرى عليهن ~~بسبب الخروج من البيوت والتعرض للرجال. ولا يخفى أنه مما لا يساعده ~~النظم الكريم وقال أبو مسلم وعزاه إلى مجاهد: إن الأولى في السحاقات ~~وهذه في اللواطين وما في سورة النور في الزناة والزواني متمسكا بأن ~~المذكور في الأولى صيغة الإناث خاصة وفي الثانية صيغة الذكور ولا ~~ضرورة للمصير إلى التغليب على أنه لا إمكان له في الأولى ويأباه الأمر ~~باستشهاد الأربعة فإنه غير معهود في ms0655 الشرع فيما عدا الزنا { إن ~~الله كان توابا } مبالغا في قبول التوبة { رحيما } واسع ~~الرحمة وهو تعليل للأمر بالإعراض. # { إنما التوبة على الله } استئناف مسوق لبيان أن ~~قبول التوبة من الله تعالى ليس على إطلاقه كما ينبىء عنه وصفه تعالى ~~بكونه توابا رحيما بل هو مقيد بما سينطق به النص الكريم، فقوله ~~تعالى التوبة مبتدأ وقوله تعالى: { للذين يعملون السوء } ~~خبره، وقوله تعالى على الله متعلق بما تعلق به الخبر من الاستقرار، ~~فإن تقديم الجار والمجرور على عامله المعنوي مما لا نزاع في جوازه ~~وكذا الظرف، أو بمحذوف وقع حالا من ضمير المبتدإ المستكن فيما تعلق ~~به الخبر على رأي من جوز تقديم الحال على عاملها المعنوي عند ~~كونها ظرفا أو حرف جر كما سبق في تفسير قوله تعالى: # ولله على الناس حج البيت # [آل عمران، الآية 97] وأيا ما كان فمعنى كون التوبة عليه سبحانه ~~صدور القبول عنه تعالى، وكلمة على للدلالة على التحقق ألبتة بحكم ~~جري العادة وسبق الوعد حتى كأنه من الواجبات عليه سبحانه، وهذا مراد ~~من قال: كلمة على بمعنى من وقيل هي بمعنى عند، وعن الحسن يعني ~~التوبة التي يقبلها الله تعالى وقيل هي التوبة التي أوجب الله ~~تعالى على نفسه بفضله قبولها، وهذا يشير إلى أن قوله تعالى: { على ~~الله } صفة للتوبة بتقدير متعلقه معرفة على رأي من جوز حذف ~~الموصول مع بعض صلته أي إنما التوبة الكائنة على الله، والمراد ~~بالسوء المعصية صغيرة كانت أو كبيرة، وقيل الخبر على الله وقوله ~~تعالى للذين متعلق بما تعلق به الخبر أو بمحذوف وقع حالا من الضمير ~~المستكن في متعلق الخبر، وليس فيه ما في الوجه الأول من تقديم ~~الحال على العامل المعنوي إلا أن الذي يقتضيه المقام ويستدعيه النظام ~~هو الأول لما أن ما قبله من وصفه تعالى بكونه توابا رحيما إنما يقتضي ~~بيان اختصاص قبول التوبة منه تعالى بالمذكورين وذلك إنما يكون بجعل ~~قوله تعالى للذين الخ خبرا، ألا ترى إلى قوله عز وجل: # وليست ms0656 التوبة للذين يعملون السيئات # [النساء، الآية: 18] الخ فإنه ناطق بما قلنا كأنه قيل إنما التوبة ~~لهؤلاء لا لهؤلاء { بجهالة } متعلق بمحذوف وقع حالا من فاعل ~~يعملون أي يعملون السوء متلبسين بها أي جاهلين سفهاء، أو بيعملون على ~~أن الباء سببية أي يعملونه بسبب الجهالة لأن ارتكاب الذنب مما يدعو ~~إليه الجهل، وليس المراد به عدم العلم بكونه سوءا بل عدم التفكر ~~في العاقبة كما يفعله الجاهل قال قتادة: اجتمع أصحاب الرسول صلى الله ~~عليه وسلم فرأوا أن كل شيء عصى به ربه فهو جهالة عمدا كان أو ~~خطأ. وعن مجاهد من عصى الله تعالى فهو جاهل حتى ينزع عن جهالته وقال ~~الزجاج يعني بقوله (بجهالة) اختيارهم اللذة الفانية على اللذة الباقية ~~{ ثم يتوبون من قريب } أي من زمان قريب وهو ما قبل حضور ~~الموت كما ينبىء عنه ما سيأتي من قوله تعالى: # حتى إذا حضر أحدهم الموت # [النساء، الآية: 18] الخ فإنه صريح في أن وقت الاحتضار هو الوقت الذي ~~لا تقبل فيه التوبة فبقي ما وراءه في حيز القبول. وعن ابن عباس رضي ~~الله عنهما قبل أن ينزل به سلطان الموت وعن الضحاك كل توبة قبل ~~الموت فهو قريب. # وعن إبراهيم النخعي: ما لم يؤخذ بكظمه وهو مجرى النفس، وروى ~~أبو أيوب عن النبي صلى الله عليه وسلم # " أن الله تعالى يقبل توبة العبد ما لم يغرغر " # وعن عطاء لو قبل موته بفواق ناقة، وعن الحسن أن إبليس قال حين أهبط ~~إلى الأرض وعزتك لا أفارق ابن آدم ما دام روحه في جسده، فقال تعالى: ~~" وعزتي لا أغلق عليه باب التوبة ما لم يغرغر " ومن تبعيضية أي ~~يتوبون بعض زمان قريب كأنه سمي ما بين وجود المعصية وبين حضور ~~الموت زمانا قريبا ففي أي جزء تاب من أجزاء هذا الزمان فهو تائب { ~~فأولئك } إشارة إلى المذكورين من حيث اتصافهم بما ذكر، وما فيه ~~من معنى البعد باعتبار كونهم بانقضاء ذكرهم في حكم البعيد، والخطاب ~~للرسول صلى الله عليه وسلم أو ms0657 لكل أحد ممن يصلح للخطاب وهو مبتدأ خبره ~~قوله تعالى: { يتوب الله عليهم } وما فيه من تكرير الإسناد ~~لتقوية الحكم وهذا وعد بقبول توبتهم إثر بيان أن التوبة لهم والفاء ~~للدلالة على سببيتها للقبول { وكان الله عليما حكيما } ~~مبالغا في العلم والحكمة فيبني أحكامه وأفعاله على أساس الحكمة ~~والمصلحة والجملة اعتراضية مقررة لمضمون ما قبلها، وإظهار الاسم ~~الجليل في موضع الإضمار للإشعار بعلة الحكم، فإن الألوهية أصل ~~لاتصافه تعالى بصفات الكمال. ### || [4.18-19] # { وليست التوبة للذين يعملون السيئت } ~~تصريح بما فهم من قصر القبول على توبة من تاب من قريب، وزيادة ~~تعيين له ببيان أن توبة من عداهم بمنزلة العدم، وجمع السيئات ~~باعتبار تكرر وقوعها في الزمان المديد لا لأن المراد بها جميع ~~أنواعها وبما مر من السوء نوع منها { حتى إذا حضر أحدهم ~~الموت قال إنى تبت الآن } حتى حرف ابتداء والجملة ~~الشرطية بعدها غاية لما قبلها أي ليس قبول التوبة للذين يعملون ~~السيئات إلى حضور موتهم وقولهم حينئذ إني تبت الآن، وذكر الآن ~~لمزيد تعيين الوقت، وإيثار قال على تاب لإسقاط ذلك عن درجة الاعتبار ~~والتحاشي عن تسميته توبة { ولا الذين يموتون وهم كفار ~~} عطف على الموصول الذي قبله أي ليس قبول التوبة لهؤلاء ولا لهؤلاء ~~وإنما ذكر هؤلاء مع أنه لا توبة لهم رأسا مبالغة في بيان عدم قبول ~~توبة المسوفين وإيذانا بأن وجودها كعدمها بل في تكرير حرف النفي ~~في المعطوف إشعار خفي بكون حال المسوفين في عدم استتباع الجدوى ~~أقوى من حال الذين يموتون على الكفر، والمراد بالموصولين إما الكفار ~~خاصة وإما الفساق وحدهم، وتسميتهم في الجملة الحالية كفارا للتغليظ ~~كما في قوله تعالى: # ومن كفر فإن الله غنى عن العلمين # [آل عمران، الآية 97] وأما ما يعم الفريقين جميعا فالتسمية حينئذ ~~للتغليب، ويجوز أن يراد بالأول الفسقة وبالثاني الكفرة، ففيه مبالغة ~~أخرى { أولئك } إشارة إلى الفريقين، وما فيه من معنى البعد ~~للإيذان بترامي حالهم في الفظاعة وبعد منزلتهم في السوء، وهو مبتدأ ~~خبره { أعتدنا لهم } أي ms0658 هيأنا لهم { عذابا أليما } تكرير ~~الإسناد لما مر من تقوية الحكم، وتقديم الجار والمجرور على المفعول ~~الصريح لإظهار الاعتناء بكون العذاب معدا لهم ووصفه للتفخيم ~~الذاتي والوصفي. # { يأيها الذين ءامنوا لا يحل لكم أن ترثوا ~~النساء كرها } كان الرجل إذا مات قريبه يلقي ثوبه على امرأته ~~أو على خبائها ويقول أرث امرأته كما أرث ماله فيصير بذلك أحق بها ~~من كل أحد ثم إن شاء تزوجها بلا صداق غير الصداق الأول وإن شاء ~~زوجها غيره وأخذ صداقها ولم يعطها منه شيئا وإن شاء عضلها ~~لتفتدي نفسها بما ورثت من زوجها، وإن ذهبت المرأة إلى أهلها قبل ~~إلقاء الثوب فهي أحق بنفسها فنهوا عن ذلك، وقيل لهم لا يحل لكم ~~أن تأخذوهن بطريق الإرث على زعمكم كما تحاز المواريث وهن كارهات ~~لذلك أو مكرهات عليه، وقيل كانوا يمسكونهن حتى يمتن ويرثوا منهن ~~فقيل لهم لا يحل لكم ذلك وهن غير راضيات بإمساككم، وقرىء لا تحل ~~بالتاء الفوقية على أن (أن ترثوا) بمعنى الوراثة، وقرىء كرها بضم ~~الكاف وهي لغة كالضعف والضعف، وكان الرجل إذا تزوج امرأة ولم تكن ~~من حاجته حبسها مع سوء العشرة والقهر وضيق عليها لتفتدي نفسها ~~منه بمالها وتختلع فقيل لهم { ولا تعضلوهن } عطفا على ترثوا ~~و(لا) لتأكيد النفي، والخطاب للأزواج، والعضل الحبس والتضييق ومنه ~~عضلت المرأة بولدها إذا اختنقت رحمها فخرج بعضه وبقي بعضه أي ولا ~~أن تضيقوا عليهن { لتذهبوا ببعض ما ءاتيتموهن } أي ~~من الصداق بأن يدفعن إليكم بعضه اضطرارا فتأخذوه منهن، وإنما لم ~~يتعرض لفعلهن إيذانا بكونه بمنزلة العدم لصدوره عنهن اضطرارا، ~~وإنما عبر عن ذلك بالذهاب به لا بالأخذ ولا بالإذهاب للمبالغة في ~~تقبيحه ببيان تضمنه لأمرين كل منهما محظور شنيع الأخذ ~~والإذهاب منهن، لأنه عبارة عن الذهاب مستصحبا به { إلا أن ~~يأتين بفاحشة مبينة } على صيغة الفاعل من بين بمعنى ~~تبين، وقرىء على صيغة المفعول وعلى صيغة الفاعل من أبان بمعنى تبين ~~أي بينة القبح: من النشوز وشكاسة الخلق وإيذاء الزوج وأهله ~~بالبذاء ms0659 والسلاطة، ويعضده قراءة أبي إلا أن يفحشن عليكم، وقيل ~~الفاحشة الزنا، وهو استثناء من أعم الأحوال أو أعم الأوقات أو أعم ~~العلل أي ولا يحل لكم عضلهن في حال من الأحوال أو في وقت من الأوقات ~~أو لعلة من العلل إلا في حال إتيانهن بفاحشة أو إلا في وقت إتيانهن ~~أو إلا لإتيانهن بها فإن السبب حينئذ يكون من جهتهن وأنتم معذورون في ~~طلب الخلع. # { وعاشروهن بالمعروف } خطاب للذين يسيئون العشرة معهن، ~~والمعروف ما لا ينكره الشرع والمروءة، والمراد ههنا النصفة ~~في المبيت والنفقة والإجمال في القول ونحو ذلك { فإن ~~كرهتموهن } وسئمتم صحبتهن بمقتضى الطبيعة من غير أن يكون ~~من قبلهن ما يوجب ذلك من الأمور المذكورة فلا تفارقوهن بمجرد كراهة ~~النفس واصبروا على معاشرتهن { فعسى أن تكرهوا شيئا ~~ويجعل الله فيه خيرا كثيرا } علة للجزاء أقيمت مقامه ~~للإيذان بقوة استلزامها إياه، كأنه قيل فإن كرهتموهن فاصبروا عليهن ~~مع الكراهة فلعل لكم فيما تكرهونه خيرا كثيرا ليس فيما تحبونه، وعسى ~~تامة رافعة لما بعدها مستغنية عن تقدير الخبر، أي فقد قربت ~~كراهتكم شيئا وجعل الله فيه خيرا كثيرا، فإن النفس ربما تكره ما ~~هو أصلح في الدين وأحمد عاقبة وأدنى إلى الخير، وتحب ما هو بخلافه ~~فليكن نظركم إلى ما فيه خير وصلاح دون ما تهوى أنفسكم، وذكر الفعل ~~الأول مع الاستغناء عنه وانحصار العلية في الثاني للتوسل إلى تعميم ~~مفعوله ليفيد أن ترتيب الخير الكثير من الله تعالى ليس مخصوصا ~~بمكروه دون مكروه بل هو سنة إلهية جارية على الإطلاق حسب اقتضاء ~~الحكمة، وأن ما نحن فيه مادة من موادها، وفيه من المبالغة في الحمل ~~على ترك المفارقة وتعميم الإرشاد ما لا يخفى. وقرىء ويجعل مرفوعا ~~على أنه خبر لمبتدإ محذوف، والجملة حالية تقديره وهو أي ذلك الشيء ~~يجعل الله فيه خيرا كثيرا، وقيل تقديره والله يجعل بوضع المظهر ~~موضع المضمر، وتنوين خيرا لتفخيمه الذاتي ووصفه بالكثرة لبيان ~~فخامته الوصفية والمراد بها ههنا الولد الصالح وقيل الألفة ~~والمحبة. ### || [4.20] ms0660 # { وإن أردتم استبدال زوج } أي تزوج امرأة ترغبون ~~فيها { مكان زوج } ترغبون عنها بأن تطلقوها { وآتيتم ~~إحداهن } أي إحدى الزوجات فإن المراد بالزوج هو الجنس، والجملة ~~حالية بإضمار قد لا معطوفة على الشرط أي وقد آتيتم التي تريدون أن ~~تطلقوها { قنطارا } أي مالا كثيرا { فلا تأخذوا منه } أي ~~من ذلك القنطار { شيئا } يسيرا فضلا عن الكثير { أتأخذونه ~~بهتنا وإثما مبينا } استئناف مسوق لتقرير النهي ~~والتنفير عن المنهي عنه، والاستفهام للإنكار والتوبيخ، أي أتأخذونه ~~باهتين وآثمين، أو للبهتان والإثم، فإن أحدهم كان إذا تزوج امرأة بهت ~~التي تحته بفاحشة حتى يلجئها إلى الافتداء منه بما أعطاها ليصرفه إلى ~~تزوج الجديدة فنهوا عن ذلك، والبهتان الكذب الذي يبهت المكذوب ~~عليه ويدهشه، وقد يستعمل في الفعل الباطل ولذلك فسر ههنا بالظلم. ### || [4.21-22] # وقوله عز وجل: { وكيف تأخذونه } إنكار لأخذه إثر إنكار ~~وتنفير عنه بعد تنفير، وقد بولغ فيه حيث وجه الإنكار إلى كيفية ~~الأخذ إيذانا بأنه مما لا سبيل له إلى التحقق والوقوع أصلا لأن ما ~~يدخل تحت الوجود لا بد أن يكون على حال من الأحوال فإذا لم يكن لشيء ~~حال أصلا لم يكن له حظ من الوجود قطعا، وقوله عز وجل: { وقد ~~أفضى بعضكم إلى بعض } حال من فاعل تأخذونه مفيدة ~~لتأكيد النكير وتقرير الاستبعاد، أي على أي حال أو في أي حال ~~تأخذونه والحال أنه قد جرى بينكم وبينهن أحوال منافية له من ~~الخلوة وتقرر المهر وثبوت حق خدمتهن لكم وغير ذلك { ~~وأخذن منكم ميثقا غليظا } عطف على ما قبله داخل في حكمه ~~أي أخذن منكم عهدا وثيقا وهو حق الصحبة والمعاشرة أو ما وثق ~~الله تعالى عليهم في شأنهن بقوله تعالى: # فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسن # [البقرة، الآية 229] أو ما أشار إليه النبي عليه الصلاة والسلام: # " أخذتموهن بأمانة الله واستحللتم فروجهن بكلمة الله تعالى " # { ولا تنكحوا ما نكح ءاباؤكم } شروع في بيان من يحرم ~~نكاحها من النساء ومن لا يحرم، وإنما خص هذا النكاح بالنهي ولم ~~ينظم في سلك ms0661 نكاح المحرمات الآتية مبالغة في الزجر عنه حيث ~~كانوا مصرين على تعاطيه قال ابن عباس وجمهور المفسرين: كان أهل ~~الجاهلية يتزوجون بأزواج آبائهم فنهوا عن ذلك، واسم الآباء ينتظم ~~الأجداد مجازا فتثبت حرمة ما نكحوها نصا وإجماعا، ويستقل في ~~إثبات هذه الحرمة نفس النكاح إذا كان صحيحا وأما إذا كان فاسدا فلا ~~بد في إثباتها من الوطء أو ما يجري مجراه من التقبيل والمس بشهوة ~~ونحوهما، بل هو المثبت لها في الحقيقة حتى لو وقع شيء من ذلك بحكم ~~ملك اليمين أو بالوجه المحرم تثبت به الحرمة عندنا خلافا ~~للشافعي في المحرم أي لا تنكحوا التي نكحها آباؤكم، وإيثار (ما) على ~~من للذهاب إلى الوصف، وقيل ما مصدرية على إرادة المفعول من المصدر { ~~من النساء } بيان لما نكح على الوجهين { إلا ما قد سلف ~~} استثناء مما نكح مفيد للمبالغة في التحريم بإخراج الكلام مخرج ~~التعليق بالمحال على طريقة قوله: [الطويل] # ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم # بهن فلول من قراع الكتائب # والمعنى لا تنكحوا حلائل آبائكم إلا من ماتت منهن، والمقصود سد ~~طريق الإباحة بالكلية ونظيره قوله تعالى: # حتى يلج الجمل فى سم الخياط # [الأعراف، الآية 40] وقيل: هو استثناء مما يستلزمه النهي ويستوجبه ~~مباشرة المنهي عنه كأنه قيل: لا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء فإنه ~~موجب للعقاب إلا ما قد مضى فإنه معفو عنه، وقيل: هو استثناء منقطع ~~معناه لكن ما قد سلف لا مؤاخذة عليه لا أنه مقرر، ويأباهما قوله ~~تعالى: { إنه كان فحشة ومقتا } فإنه تعليل للنهي ~~وبيان لكون المنهي عنه في غاية القبح مبغوضا أشد البغض وأنه ~~لم يزل في حكم الله تعالى وعلمه موصوفا بذلك ما رخص فيه لأمة من ~~الأمم فلا يلائم أن يوسط بينهما ما يهون أمره من ترك المؤاخذة ~~على ما سلف منه { وساء سبيلا } في كلمة { ساء } قولان: أحدهما ~~أنها جارية مجرى بئس في الذم والعمل ففيها ضمير مبهم يفسره ما ~~بعده والمخصوص بالذم محذوف تقديره وساء سبيلا سبيل ذلك النكاح ms0662 ~~كقوله تعالى: # بئس الشراب # [الكهف، الآية 29] أي ذلك الماء، وثانيهما أنها كسائر الأفعال وفيها ~~ضمير يعود إلى ما عاد إليه ضمير { إنه } ، وسبيلا تمييز، ~~والجملة إما مستأنفة لا محل لها من الإعراب أو معطوفة على خبر كان ~~محكية بقول مضمر هو المعطوف في الحقيقة تقديره ومقولا في حقه ساء ~~سبيلا، فإن ألسنة الأمم كافة لم تزل ناطقة بذلك في الأعصار ~~والأمصار. قيل: مراتب القبح ثلاث: القبح الشرعي والقبح العقلي ~~والقبح العادي، وقد وصف الله تعالى هذا النكاح بكل ذلك، فقوله ~~تعالى: { فحشة } مرتبة قبحه العقلي وقوله تعالى: { ومقتا ~~} مرتبة قبحه الشرعي وقوله تعالى: { وساء سبيلا } مرتبة قبحه ~~العادي، وما اجتمع فيه هذه المراتب فقد بلغ أقصى مراتب القبح. ### || [4.23] # { حرمت عليكم أمهتكم وبنتكم وأخوتكم ~~وعمتكم وخلتكم وبنات الأخ وبنات الأخت } ~~ليس المراد تحريم ذواتهن بل تحريم نكاحهن وما يقصد به من التمتع ~~بهن وبيان امتناع ورود ملك النكاح عليهن وانتفاء محليتهن له ~~أصلا، وأما حرمة التمتع بهن بملك اليمين في المواد التي يتصور ~~فيها قرار الملك كما في بعض المعطوفات على تقدير رقهن فثابتة ~~بدلالة النص لاتحاد المدار الذي هو عدم محلية أبضاعهن للملك ~~لا بعبارته بشهادة سباق النظم الكريم وسياقه، وإنما لم يوجب المدار ~~المذكور امتناع ورود ملك اليمين عليهن رأسا، ولا حرمة سببه الذي ~~هو العقد أو ما يجري مجراه كما أوجب حرمة عقد النكاح وامتناع ورود ~~حكمه عليهن لأن مورد ملك اليمين ليس هو البضع الذي هو مورد ~~ملك النكاح حتى يفوت بفوات محليته له كملك النكاح فإنه حيث كان ~~مورده ذلك فات بفوات محليته له قطعا، وإنما مورده الرقبة ~~الموجودة في كل رقيق فيتحقق بتحقق محله حتما ثم يزول بوقوع العتق ~~في المواد التي سبب حرمتها محض القرابة النسبية كالمذكورات ويبقى ~~في البواقي على حاله مستتبعا لجميع أحكامه المقصودة منه شرعا، وأما ~~حل الوطء فليس من تلك الأحكام فلا ضير في تخلفه عنه كما في ~~المجوسية. والأمهات تعم الجدات وإن علون، والبنات تتناول ~~بناتهن وإن سفلن ms0663 والأخوات ينتظمن الأخوات من الجهات الثلاث وكذا ~~الباقيات، والعمة كل أنثى ولدها من ولد والدك، والخالة كل ~~أنثى ولدها من ولد والدتك قريبا أو بعيدا، وبنات الأخ وبنات ~~الأخت تتناول القريبة والبعيدة { وأمهتكم اللاتى ~~أرضعنكم وأخوتكم من الرضاعة } نزل الله تعالى ~~الرضاعة منزلة النسب حتى سمى المرضعة أما للرضيع والمرضعة ~~أختا، وكذلك زوج المرضعة أبوه وأبواه جداه، وأخته عمته، وكل ولد ~~ولد له من غير المرضعة قبل الرضاع وبعده فهم إخوته وأخواته ~~لأبيه، وأم المرضعة جدته وأختها خالته، وكل من ولدها من هذا ~~الزوج فهم إخوته وأخواته لأبيه وأمه، ومن ولدها من غيره فهم إخوته ~~وأخواته لأمه، ومنه قوله عليه السلام: # " يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب " # وهو حكم كلي جار على عمومه، وأما أم أخيه لأب وأخت ابنه لأم ~~وأم أم ابنه وأم عمه وأم خاله لأب فليست حرمتهن من جهة ~~النسب حتى يحل بعمومه ضرورة حلهن في صور الرضاع بل من جهة ~~المصاهرة ألا يرى أن الأولى موطوءة أبيه والثانية بنت موطوءته ~~والثالثة أم موطوءته والرابعة موطوءة جده الصحيح والخامسة ~~موطوءة جده الفاسد! # { وأمهت نسائكم } شروع في بيان المحرمات من جهة ~~المصاهرة إثر بيان المحرمات من جهة الرضاعة التي لها لحمة ~~كلحمة النسب، والمراد بالنساء المنكوحات على الإطلاق سواء كن ~~مدخولا بهن أو لا وعليه جمهور العلماء. # روي عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال في رجل تزوج امرأة ثم طلقها ~~قبل أن يدخل بها إنه لا بأس بأن يتزوج ابنتها ولا يحل له أن ~~يتزوج أمها. وعن عمر وعمران بن الحصين رضي الله عنهما: أن الأم ~~تحرم بنفس العقد، وعن مسروق: هي مرسلة فأرسلوا ما أرسل الله. وعن ~~ابن عباس: أبهموا ما أبهم الله، خلا أنه روي عنه وعن علي وزيد وابن ~~عمر وابن الزبير رضي الله عنهم أنهم قرؤا وأمهات نسائكم اللاتي ~~دخلتم بهن، وعن جابر روايتان وعن سعيد بن المسيب عن زيد أنه إذا ~~ماتت عنده فأخذ ميراثها كره أن يخلف على أمها وإذا ms0664 طلقها قبل أن ~~يدخل بها فإن شاء فعل، أقام الموت في ذلك مقام الدخول كما قام ~~مقامه في باب المهر والعدة، ويلحق بهن الموطوءات بوجه من الوجوه ~~المعدودة فيما سبق والممسوسات ونظائرهن. والأمهات تعم المرضعات ~~كما تعم الجدات حسبما ذكر { وربائبكم اللتى فى حجوركم ~~} الربائب جمع ربيبة فعيل بمعنى مفعول، والتاء للنقل إلى الاسمية ~~والربيب ولد المرأة من آخر سمي به لأنه يربه غالبا كما يرب ~~ولده وإن لم يكن ذلك أمرا مطردا، وهو المعني بكونهن في الحجور ~~فإن شأنهن الغالب المعتاد أن يكن في حضانة أمهاتهن تحت حماية ~~أزواجهن لا كونهن كذلك بالفعل، وفائدة وصفهن بذلك تقوية علة ~~الحرمة وتكميلها كما أنها هي النكتة في إيرادهن باسم الربائب دون ~~بنات النساء فإن كونهن بصدد احتضانهم لهن وفي شرف التقلب في حجورهم ~~وتحت حمايتهم وتربيتهم مما يقوي الملابسة والشبه بينهن وبين ~~أولادهم ويستدعي إجراءهن مجرى بناتهم، لا تقييد الحرمة بكونهن في ~~حجورهم بالفعل، كما روي عن علي رضي الله عنه وبه أخذ داود، ومذهب ~~جمهور العلماء ما ذكر أولا بخلاف ما في قوله تعالى: { من ~~نسائكم اللتى دخلتم بهن } فإنه لتقييدها به قطعا ~~فإن كلمة من متعلقة بمحذوف وقع حالا من ربائبكم اللاتي استقررن ~~في حجوركم كائنات من نسائكم الخ، ولا مساغ لجعله حالا من أمهات أو ~~مما أضيفت هي إليه خاصة وهو بين لا سترة به ولا مع ما ذكر أو لا ~~ضرورة أن حاليته من ربائبكم أو من ضميرها تقتضي كون كلمة من ~~ابتدائية وحاليته من أمهات أو من نسائكم تستدعي كونها بيانية، ~~وادعاء كونها اتصالية منتظمة لمعنى الابتداء والبيان، وجعل ~~الموصول صفة للنساءين مع اختلاف عامليهما مما يجب تنزيه ساحة ~~التنزيل عن أمثاله مع أنه سعي في إسكات ما نطق به النبي عليه ~~الصلاة والسلام واتفق عليه الجمهور حسبما ذكر فيما قبل، وأما ما نقل ~~من القراءة فضعيفة الرواية وعلى تقدير الصحة محمولة على النسخ ومعنى ~~الدخول بهن إدخالهن الستر، والباء للتعدية وهي كناية عن الجماع ~~كقولهم: ms0665 بنى عليها وضرب عليها الحجاب وفي حكمه اللمس ونظائره كما مر ~~{ فإن لم تكونوا } أي فيما قبل { دخلتم بهن } أصلا { ~~فلا جناح عليكم } أي في نكاح الربائب، وهو تصريح بما أشعر ~~به ما قبله، والفاء الأولى لترتيب ما بعدها على ما قبلها، فإن بيان ~~حكم الدخول مستتبع لبيان حكم عدمه { وحلئل أبنائكم ~~} أي زوجاتهم، سميت الزوجة حليلة لحلها للزوج أو لحلولها في محله، ~~وقيل: لحل كل منهما إزار صاحبه، وفي حكمهن مزنياتهم ومن يجرين ~~مجراهن من الممسوسات ونظائرهن، وقوله تعالى: { الذين من ~~أصلبكم } لإخراج الأدعياء دون أبناء الأولاد والأبناء من ~~الرضاع فإنهم وإن سفلوا في حكم الأبناء الصلبيين { وأن ~~تجمعوا بين الأختين } في حيز الرفع عطفا على ما قبله من ~~المحرمات، والمراد به جمعهما في النكاح لا في ملك اليمين، وأما ~~جمعهما في الوطء بملك اليمين فملحق به بطريق الدلالة لاتحادهما في ~~المدار ولقوله عليه الصلاة والسلام: # " من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يجمعن ماءه في رحم أختين ~~" # بخلاف نفس ملك اليمين فإنه ليس في معنى النكاح في الأفضاء إلى الوطء ~~ولا مستلزما له، ولذلك يصح شراء المجوسية دون نكاحها حتى لو ~~وطئهما لا يحل له وطء إحداهما حتى يحرم عليه وطء الأخرى بسبب من ~~الأسباب، وكذا لو تزوج أخت أمته الموطوءة لا يحل له وطء إحداهما ~~حتى يحرم عليه الأخرى، لأن المنكوحة موطوءة حكما فكأنه جمعهما وطئا، ~~وإسناد الحرمة إلى جمعهما لا إلى الثانية منهما بأن يقال: وأخوات ~~نسائكم للاحتراز عن إفادة الحرمة المؤبدة كما في المحرمات ~~السابقات ولكونه بمعزل من الدلالة على حرمة الجمع بينهما على سبيل ~~المعية، ويسترك في هذا الحكم الجمع بين المرأة وعمتها ونظائرها، ~~فإن مدار حرمة الجمع بين الأختين إفضاؤه إلى قطع ما أمر الله بوصله ~~وذلك متحقق في الجمع بين هؤلاء بل أولى، فإن العمة والخالة بمنزلة ~~الأم فقوله عليه السلام: # " لا تنكح المرأة على عمتها ولا على خالتها ولا على ابنة أخيها ولا ~~على ابنة أختها " # من قبيل بيان التفسير لا ms0666 بيان التغيير، وقيل: هو مشهور يجوز به ~~الزيادة على الكتاب { إلا ما قد سلف } استثناء منقطع أي لكن ~~ما قد مضى لا تؤاخذون به ولا سبيل إلى جعله متصلا بقصد التأكيد ~~والمبالغة كما مر فيما سلف لأن قوله تعالى: { إن الله كان ~~غفورا رحيما } تعليل لما أفاده الاستثناء فيتحتم الانقطاع، ~~وقال عطاء والسدي: معناه إلا ما كان من يعقوب عليه السلام فإنه قد جمع ~~بين ليا أم يهوذا وبين راحيل أم يوسف عليه الصلاة والسلام، ولا ~~يساعده التعليل لأن ما فعله يعقوب عليه السلام كان حلالا في شريعته، ~~وقال ابن عباس رضي الله عنهما: كان أهل الجاهلية يحرمون ما حرم الله ~~تعالى إلا امرأة الأب والجمع بين الأختين. وروى هشام بن عبد ~~الله عن محمد بن الحسن أنه قال: كان أهل الجاهلية يعرفون هذه ~~المحرمات إلا اثنتين: نكاح امرأة الأب والجمع بين الأختين، ألا ~~يرى أنه قد عقب النهي عن كل منهما بقوله تعالى: { إلا ما قد ~~سلف } وهذا يشير إلى كون الاستثناء فيهما على سنن واحد ويأباه ~~اختلاف التعليلين. ### || [4.24] # { والمحصنت } بفتح الصاد وهن ذوات الأزواج أحصنهن التزوج ~~أو الأزواج أو الأولياء أي أعفهن عن الوقوع في الحرام، وقرىء على ~~صيغة اسم الفاعل فإنهن أحصن فزوجهن عن غير أزواجهن، أو أحصن ~~أزواجهن. وقيل: الصيغة للفاعل على القراءة الأولى أيضا وفتح الصاد ~~محمول على الشذوذ كما في نظيريه ملقح ومسهب من ألقح وأسهب، قيل: قد ~~ورد الإحصان في القرآن على أربعة معان، الأول: التزوج كما في هذه ~~الآية الكريمة، والثاني: العفة كما في قوله تعالى: { محصنين ~~غير مسفحين } [النساء، الآية 24]، الثالث: الحرية كما في قوله ~~تعالى: # ومن لم يستطع منكم طولا أن ينكح المحصنت # [سورة النساء، الآية 25] والرابع: الإسلام كما في قوله تعالى: { ~~فإذا أحصن } [سورة النساء، الآية 25] قيل في تفسيره: أي أسلمن ~~وهي معطوفة على المحرمات السابقة، وقوله تعالى: { من النساء } ~~متعلق بمحذوف وقع حالا منها أي كائنات من النساء، وفائدته تأكيد ~~عمومها في دفع توهم شمولها للرجال بناء ms0667 على كونها صفة للأنفس كما ~~توهم { إلا ما ملكت أيمنكم } استثناء من المحصنات ~~استثناء النوع من الجنس، أي ملكتموه، وإسناد الملك إلى الأيمان ~~لما أن سببه الغالب هو الصفة الواقعة بها وقد اشتهر ذلك في الإرقاء، ~~لا سيما في إناثهم وهن المرادات ههنا رعاية للمقابلة بينه وبين ~~ملك النكاح الوارد على الحرائر، والتعبير عنهن بما لإسقاطهن بما ~~فيهن من قصور الرق عن رتبة العقلاء، وهي إما عامة حسب عموم صلتها ~~فالاستثناء حينئذ ليس لإخراج جميع أفرادها من حكم التحريم بطريق ~~شمول النفي بل بطريق نفي الشمول المستلزم لإخراج بعضها أي حرمت ~~عليكم المحصنات على الإطلاق إلا المحصنات اللاتي ملكتموهن فإنهن لسن ~~من المحرمات على الإطلاق بل فيهن من لا يحرم نكاحهن في الجملة وهن ~~المسبيات بغير أزواجهن أو مطلقا حسب اختلاف الرأيين، وإما خاصة ~~بالمذكورات فالمعنى: حرمت عليكم المحصنات إلا اللاتي سبين فإن ~~نكاحهن مشروع في الجملة أي لغير ملاكهن، وأما حلهن لهم بحكم ملك ~~اليمين فمفهوم بدلالة النص لاتحاد المناط لا بعبارته لما عرفت من ~~أن مساق النظم الكريم لبيان حرمة التمتع بالمحرمات المعدودة بحكم ~~ملك النكاح، وإنما ثبوت حرمة التمتع بهن بحكم ملك اليمين بطريق ~~دلالة النص وذلك مما لا يجري فيه الاستثناء قطعا، وأما عدهن من ~~ذوات الأزواج مع تحقق الفرقة بينهن وبين أزواجهن قطعا بالتباين أو ~~بالسبي على اختلاف الرأيين فمبني على اعتقاد الناس حيث كانوا حينئذ ~~غافلين عن الفرقة، ألا ترى إلى ما روي عن أبي سعيد الخدري رضي الله ~~عنه من أنه قال: أصبنا يوم أوطاس سبايا لهن أزواج فكرهنا أن نقع ~~عليهن فسألنا النبي عليه السلام. # وفي رواية عنه قلنا: يا رسول الله كيف نقع على نساء قد عرفنا ~~أنسابهن وأزواجهن؟ فنزلت، والمحصنات من النساء إلا ما ملكت إيمانكم ~~فاستحللناهن. # وفي رواية أخرى عنه ونادى منادي رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " ألا لا توطأ حامل حتى تضع ولا حائل حتى تحيض " # فأباح وطأهن بعد الاستبراء، وليس في ترتيب هذا الحكم على نزول ms0668 الآية ~~الكريمة ما يدل على كونها مسوقة له فإن ذلك إنما يتوقف على إفادتها له ~~بوجه من وجوه الدلالة لا على إفادتها بطريق العبارة أو نحوها. # هذا وقد روي عن أبي سعيد رضي الله عنه أنه قال: إنها نزلت من نساء كن ~~يهاجرن إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ولهن أزواج فيتزوجهن بعض ~~المسلمين ثم يقدم أزواجهن مهاجرين فنهى عن نكاحهن، فالمحصنات حينئذ ~~عبارة عن المهاجرات اللاتي يتحقق أو يتوقع من أزواجهن الإسلام ~~والمهاجرة، ولذلك لم يزل عنهن اسم الإحصان، والنهي للتحريم ~~المحقق، وتعرف حال المتوقع، وإلا فما عداهن بمعزل من الحرمة ~~واستحقاق إطلاق الاسم عليهن، كيف لا وحين انقطعت العلاقة بين ~~المسبية وزوجها مع اتحادهما في الدين فلأن تنقطع ما بين ~~المهاجرة وزوجها أحق وأولى كما يفصح عنه قوله عز وجل: # فإن علمتموهن مؤمنت فلا ترجعوهن إلى ~~الكفار لا هن حل لهم ولا هم يحلون لهن # [الممتحنة، الآية 10] الآية. # { كتب الله } مصدر مؤكد أي كتب الله { عليكم } تحريم ~~هؤلاء كتابا وفرضه فرضا، وقيل: منصوب على الإغراء بفعل مضمر أي ~~الزموا كتاب الله وعليكم متعلق إما بالمصدر وإما بمحذوف وقع حالا منه ~~وقيل: هو إغراء آخر مؤكد لما قبله قد حذف مفعوله لدلالة المذكور ~~عليه أو بنفس عليكم على رأي من جوز تقديم المنصوب في باب الإغراء كما ~~في قوله: [الرجز] # يا أيها المائح دلوي دونكا # إني رأيت الناس يحمدونكا # وقرىء كتب الله بالجمع والرفع أي هذه فرائض الله عليكم وقرىء كتب ~~الله بلفظ الفعل { وأحل لكم } عطف على حرمت عليكم الخ، ~~وتوسيط قوله تعالى: { كتب الله عليكم } بينهما للمبالغة ~~في الحمل على المحافظة عن المحرمات المذكورة، وقرىء على صيغة المبني ~~للفاعل فيكون معطوفا على الفعل المقدر، وقيل: بل على حرمت الخ، فإنهما ~~جملتان متقابلتان مؤسستان للتحريم والتحليل المنوطين بأمر الله ~~تعالى ولا ضير في اختلاف المسند إليه بحسب الظاهر لا سيما بعد ما ~~أكدت الأولى بما يدل على أن المحرم هو الله تعالى { ما وراء ~~ذلكم } إشارة إلى ms0669 ما ذكر من المحرمات المعدودة أي أحل لكم ~~نكاح ما سواهن انفرادا وجمعا، ولعل إيثار اسم الإشارة المتعرض ~~لوصف المشار إليه وعنوانه على الضمير المتعرض للذات فقط لتذكير ما ~~في كل واحدة منهن من العنوان الذي يدور عليه حكم الحرمة فيفهم ~~مشاركة من في معناهن لهن فيها بطريق الدلالة فإن حرمة الجمع بين ~~المرأة وعمتها وبينها وبين خالتها ليست بطريق الدلالة كما سلف، ~~وقيل: ليس المراد بالإحلال مطلقا أي على جميع الأحوال حتى يرد أنه ~~يلزم منه حل الجمع بين المرأة وعمتها وبينها وبين خالتها، بل ~~إنما هو إحلالهن في الجملة أي على بعض الأحوال ولا ريب في حل نكاحهن ~~بطريق الانفراد، ولا يقدح في ذلك حرمته بطريق الجمع، ألا ترى أن ~~حرمة نكاح المعتدة والمطلقة ثلاثا والخامسة ونكاح الأمة على ~~الحرة ونكاح الملاعنة لا تقدح في حل نكاحهن بعد العدة، وبعد ~~التحليل، وبعد تطليق الرابعة وانقضاء العدة، وبعد تطليق الحرة، ~~وبعد إكذاب الملاعن نفسه! # وأنت خبير بأن الحل يجب أن يتعلق ههنا بما تعلق به الحرمة فيما سلف ~~وقد تعلق هناك بالجمع فلا بد أن يتعلق الحل ههنا به أيضا { أن ~~تبتغوا } متعلق بالمفعولين المذكورين على أنه مفعول له لكن لا ~~باعتبار ذاتهما بل باعتبار بيانهما وإظهارهما أي بين لكم تحريم ~~المحرمات المعدودة وإحلال ما سواهن إرادة أن تبتغوا بأموالكم، ~~والمفعول محذوف أي تبتغوا النساء، أو متروك أي تفعلوا الابتغاء { ~~بأمولكم } بصرفها إلى مهورهن، أو بدل اشتمال مما وراء ذلكم ~~بتقدير ضمير المفعول { محصنين } حال من فاعل تبتغوا والإحصان ~~العفة وتحصين النفس عن الوقوع فيما يوجب اللوم والعقاب { غير ~~مسفحين } حال ثانية منه أو حال من الضمير محصنين، والسفاح ~~الزنا والفجور من السفح الذي هو صب المني، سمي به لأنه الغرض ~~منه، ومفعول الفعلين محذوف أي محصنين فروجكم غير مسافحين الزواني، ~~وهي في الحقيقة حال مؤكدة لأن المحصن غير مسافح ألبتة، وما في ~~قوله تعالى: { فما استمتعتم به منهن } إما عبارة عن ~~النساء أو عما يتعلق بهن من الأفعال، ms0670 وعلى التقديرين فهي إما شرطية ما ~~بعدها شرطها، وإما موصولة ما بعدها صلتها، وأيا ما كان فهي مبتدأ ~~خبرها على تقدير كونها شرطية: إما فعل الشرط أو جوابه أو كلاهما ~~على الخلاف المعروف، وعلى تقدير كونها موصولة قوله تعالى: { فآتوهن ~~أجورهن } والفاء لتضمن الموصول معنى الشرط ثم على تقدير كونها ~~عبارة عن النساء فالعائد إلى المبتدأ هو الضمير المنصوب في فآتوهن، ~~سواء كانت شرطية أو موصولة، ومن بيانية أو تبعيضية محلها النصب ~~على الحالية من الضمير المجرور في به، والمعنى فأي فرد استمتعتم به ~~أو فالفرد الذي استمتعتم به حال كونه من جنس النساء أو بعضهن ~~فآتوهن، وقد روعي تارة جانب اللفظ فأفرد الضمير أولا، وأخرى ~~جانب المعنى فجمع ثانيا وثالثا، وأما على تقدير كونها عبارة عما ~~يتعلق بهن فمن ابتدائية متعلقة بالاستمتاع والعائد إلى المبتدأ محذوف ~~والمعنى أي فعل استمتعتم به من جهتهن من نكاح أو خلوة أو نحوهما، أو ~~فالفعل الذي استمتعتم به من قبلهن من الأفعال المذكورة فآتوهن ~~أجورهن لأجله أو بمقابلته والمراد بالأجور المهور فإنها أجور ~~أبضاعهن. # { فريضة } حال من الأجور بمعنى مفروضة أو نعت لمصدر محذوف أي ~~إيتاء مفروضا أو مصدر مؤكد أي فرض ذلك فريضة أي لهن عليكم { ولا ~~جناح عليكم فيما تراضيتم به } أي لا إثم عليكم فيما ~~تراضيتم به من الحط عن المهر أو الإبراء منه على طريقة قوله تعالى: # فإن طبن لكم عن شىء منه نفسا فكلوه # [النساء، الآية 4] إثر قوله تعالى: # وءاتوا النساء صدقتهن # [النساء، الآية 4] وقوله تعالى: # إلا أن يعفون # [البقرة، الآية 237] وتعميمه للزيادة على المسمى لا يساعده رفع ~~الجناح عن الرجال لأنها ليست مظنة الجناح إلا أن يجعل الخطاب ~~للأزواج تغليبا فإن أخذ الزيادة على المسمى مظنة الجناح على ~~الزوجة، وقيل: فيما تراضيتم به من نفقة ونحوها، وقيل: من مقام أو ~~فراق، ولا يساعده قوله تعالى: { من بعد الفريضة } إذ لا ~~تعلق لهما بالفريضة إلا أن يكون الفراق بطريق المخالعة، وقيل: نزلت ~~في المتعة التي هي النكاح إلى ms0671 وقت معلوم من يوم أو أكثر، سميت بذلك ~~لأن الغرض منها مجرد الاستمتاع بالمرأة واستمتاعها بما يعطى، وقد ~~أبيحت ثلاثة أيام حين فتحت مكة شرفها الله تعالى ثم نسخت لما روي ~~أنه عليه السلام أباحها ثم أصبح يقول: # " ياأيها الناس إني كنت أمرتكم بالاستمتاع من هذه النساء ألا أن ~~الله حرم ذلك إلى يوم القيامة " # وقيل: أبيح مرتين وحرم مرتين، وروي عن ابن عباس رضي الله عنهما ~~أنه رجع عن القول بجوازه عند موته، وقال: " اللهم إني أتوب إليك من ~~قولي بالمتعة وقولي في الصرف " { إن الله كان عليما } بمصالح ~~العباد { حكيما } فيما شرع لهم من الأحكام ولذلك شرع لكم هذه ~~الأحكام اللائقة بحالكم. ### || [4.25] # { ومن لم يستطع منكم } من إما شرطية ما بعدها شرطها، ~~أو موصولة ما بعدها صلتها والظرف متعلق بمحذوف وقع حالا من فاعل ~~يستطع أي حال كونه منكم وقوله تعالى: { طولا } أي غنى وسعة أي ~~اعتلاء ونيلا، وأصله الزيادة والفضل، مفعول ليستطع وقوله عز وجل: ~~{ أن ينكح المحصنت المؤمنت } إما مفعول صريح ~~لطولا، فإن أعمال المصدر المنون شائع ذائع كما في قوله تعالى: # أو إطعام فى يوم ذى مسغبة * يتيما ذا مقربة # [البلد، الآية 14، 15] كأنه قيل: ومن لم يستطع منكم أن ينال نكاحهن، ~~وإما بتقدير حرف الجر أي ومن لم يستطع منكم غنى إلى نكاحهن أو ~~لنكاحهن، فالجار في محل النصب صفة لطولا أي طولا موصلا إليه ~~أو كائنا له أو على نكاحهن، على أن الطول بمعنى القدرة. في القاموس ~~الطول والطائل والطائلة الفضل والقدرة والغنى والسعة، ~~ومحل أن بعد حذف الجار نصب عند سيبويه والفراء وجر عند ~~الكسائي والأخفش، وإما بدل من طولا لأن الطول فضل والنكاح ~~قدرة، وإما مفعول ليستطع وطولا مصدر مؤكد له لأنه بمعناه، إذ ~~الاستطاعة هي الطول، أو تمييز، أي ومن لم يستطع منكم نكاحهن ~~استطاعة أو من جهة الطول والغنى أي لا من جهة الطبيعة والمزاج فإن ~~عدم الاستطاعة من تلك الجهة لا تعلق له بالمقام، والمراد بالمحصنات ~~الحرائر بدليل ms0672 مقابلتهن بالمملوكات، فإن حريتهن أحصنتهن عن ذل ~~الرق والابتذال وغيرهما من صفات القصور والنقصان. وقوله عز وجل: { ~~وما ملكت أيمنكم } إما جواب للشرط أو خبر للموصول، ~~والفاء لتضمنه معنى الشرط، والجار متعلق بفعل مقدر حذف مفعوله، ~~وما موصولة أي فلينكح امرأة أو أمة من النوع الذي ملكته أيمانكم ~~وهو في الحقيقة متعلق بمحذوف وقع صفة لذلك المفعول والمحذوف، ومن ~~تبعيضية أي فلينكح امرأة كائنة من ذلك النوع، وقيل: من زائدة ~~والموصول مفعول للفعل المقدر أي فلينكح ما ملكته أيمانكم وقوله ~~تعالى: { من فتيتكم المؤمنت } في محل النصب على ~~الحالية من الضمير المقدر في ملكت الراجع إلى ما، وقيل: هو المفعول ~~للفعل المقدر على زيادة ومما ملكت متعلق بنفس الفعل ومن لابتداء ~~الغاية، أو بمحذوف وقع حالا من فتياتكم ومن للتبعيض أي فلينكح ~~فتياتكم كائنات بعض ما ملكت أيمانكم والمؤمنات صفة لفتياتكم على كل ~~تقدير، وقيل: هو المفعول للفعل المقدر ومما ملكت على ما تقدم آنفا ومن ~~فتياتكم حال من العائد المحذوف. # وظاهر النظم الكريم يفيد عدم جواز نكاح الأمة الكتابية أصلا ~~كما هو رأي أهل الحجاز، وقد جوزهما أبو حنيفة رحمه الله تعالى متمسكا ~~بالعمومات فمحمل الشرط والوصف هو الأفضلية ولا نزاع فيها لأحد، ~~وقد روي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: ومما وسع الله على هذه ~~الأمة نكاح الأمة واليهودية والنصرانية وإن كان موسرا وقوله ~~تعالى: { والله أعلم بإيمنكم } جملة معترضة جيء بها ~~لتأنيسهم بنكاح الإماء واستنزالهم من رتبة الاستنكاف منه ببيان أن ~~مناط التفاضل ومدار التفاخر هو الإيمان دون الأحساب والأنساب على ~~ما نطق به قوله عز قائلا: # يأيها الناس إنا خلقنكم من ذكر وأنثى ~~وجعلنكم شعوبا وقبائل لتعرفوا إن ~~أكرمكم عند الله أتقكم # [الحجرات، الآية 13] والمعنى أنه تعالى أعلم منكم بمراتبكم في الإيمان ~~الذي به تنتظم أحوال العباد وعليه يدور فلك المصالح في المعاش ~~والمعاد ولا تعلق له بخصوص الحرية والرق، فرب أمة يفوق إيمانها ~~إيمان الحرائر، وقوله تعالى: { بعضكم من بعض } إن أريد به ms0673 ~~الاتصال من حيث الدين فهو بيان لتناسبهم من تلك الحيثية إثر بيان ~~تفاوتهم في ذلك، وإن أريد به الاتصال من حيث النسب فهو اعتراض آخر ~~مؤكد للتأنيس من جهة أخرى، والخطاب في الموضعين إما لمن كما في الخطاب ~~الذي يعقبه قد روعي فيما سبق جانب اللفظ وههنا جانب المعنى، ~~والالتفات للاهتمام بالترغيب والتأنيس وإما لغيرهم من المسلمين ~~كالخطابات السابقة لحصول الترغيب بخطابهم أيضا، وأيا ما كان فإعادة ~~الأمر بالنكاح على وجه الخطاب في قوله تعالى: { فانكحوهن } مع ~~انفهامه من قوله تعالى: { فمن ما ملكت أيمنكم } [النساء، ~~الآية:25] حسبما ذكر لزيادة الترغيب في نكاحهن، وتقييده بقوله تعالى: ~~{ بإذن أهلهن } وتصديره بالفاء للإيذان بترتبه على ما قبله أي ~~وإذ قد وقفتم على جلية الأمر فانكحوهن بإذن مواليهن ولا تترفعوا عنهن، ~~وفي اشتراط إذن الموالي دون مباشرتهم للعقد إشعار بجواز مباشرتهن له ~~{ وآتوهن أجورهن } أي مهورهن { بالمعروف } متعلق بآتوهن ~~أي أدوا إليهن مهورهن بغير مطل وضرار وإلجاء إلى الاقتضاء ~~واللز حسبما يقتضيه الشرع والعادة ومن ضرورته أن يكون الأداء إليهن ~~بإذن الموالي فيكون ذكر إيتائهن لبيان جواز الأداء إليهن لا لكون ~~المهور لهن، وقيل: أصله آتوا مواليهن فحذف المضاف وأوصل الفعل ~~إلى المضاف إليه { محصنت } حال من مفعول فانكحوهن أي حال كونهن ~~عفائف عن الزنا. # { غير مسفحت } حال مؤكدة أي غير مجاهرات به { ولا ~~متخذات أخدان } عطف على مسافحات و { لا } لتأكيد ما في { ~~غير } من معنى النفي، والخدن: الصاحب، قال أبو زيد: الأخدان ~~الأصدقاء على الفاحشة والواحد خدن وخدين والجمع للمقابلة بالانقسام ~~على معنى ألا يكون لواحدة منهن خدن لا على معنى ألا يكون لها أخدان، ~~أي غير مجاهرات بالزنا ولا مسرات له وكان الزنا في الجاهلية ~~منقسما إلى هذين قسمين { فإذا أحصن } أي بالتزويج وقرىء على ~~البناء للفاعل أي أحصن فزوجهن أو أزواجهن { فإن أتين ~~بفحشة } أي فعلن فاحشة وهي الزنا { فعليهن } وجب عليهن ~~شرعا { نصف ما على المحصنت } أي الحرائر الأبكار { من ~~العذاب } من الحد الذي هو جلد مائة فنصفه ms0674 خمسون كما هو كذلك قبل ~~الإحصان، فالمراد بيان عدم تفاوت حدهن بالإحصان كتفاوت حد ~~الحرائر، فالفاء في { فإن أتين } جواب إذا، والثانية جواب إن ~~والشرط الثاني مع جوابه مترتب على وجود الأول كما في قولك: إذا ~~أتيتني فإن لم أكرمك فعبدي حر { ذلك } أي نكاح الإماء { ~~لمن خشى العنت منكم } أي لمن خاف وقوعه في الإثم الذي ~~تؤدي إليه غلبة الشهوة، وأصل العنت انكسار العظم بعد الجبر ~~فاستعير لكل مشقة وضرر يعتري الإنسان بعد صلاح حاله ولا ضرر أعظم ~~من مواقعه المآثم بارتكاب أفحش القبائح وقيل: أريد به الحد لأنه ~~إذا هويها يخشى أن يواقعها فيحد. # والأول اللائق بحال المؤمن دون الثاني لإيهامه أن المحذور عنده ~~الحد لا ما يوجبه { وأن تصبروا } أي عن نكاحهن متعففين كآفين ~~أنفسكم عما تشتهيه من المعاصي { خير لكم } من نكاحهن وإن سبقت ~~كلمة الرخصة فيه لما فيه من تعريض الولد للرق، قال عمر رضي الله ~~عنه: «أيما حر تزوج بأمة فقد أرق نصفه». وقال سعيد بن جبير: «ما ~~نكاح الأمة من الزنا إلا قريب». ولأن حق المولى فيها أقوى فلا ~~تخلص للزوج خلوص الحرائر ولأن المولى يقدر على استخدامها كيفما ~~يريد في السفر والحضر وعلى بيعها للحاضر والبادي وفيه من اختلال حال ~~الزوج وأولاده ما لا مزيد عليه، ولأنها ممتهنة مبتذلة خراجة ~~ولاجة، وذلك كله ذل ومهانة سارية إلى الناكح، والعزة هي ~~اللائقة بالمؤمنين ولأن مهرها لمولاها فلا تقدر على التمتع به ولا ~~على هبته للزوج فلا ينتظم أمر المنزل وقد قال عليه السلام: # " الحرائر صلاح البيت والإماء هلاك البيت " # { والله غفور } مبالغ في المغفرة فيغفر لمن لم يصبر عن ~~نكاحهن ما في ذلك من الأمور المنافية لحال المؤمنين { رحيم } # مبالغ في الرحمة ولذلك رخص لكم في نكاحهن. ### || [4.26] # { يريد الله ليبين لكم } استئناف مسوق لتقرير ما سبق ~~من الأحكام وبيان كونها جارية على مناهج المهتدين من الأنبياء ~~والصالحين، قيل: أصل النظم الكريم يريد الله أن يبين لكم فزيدت ~~اللام لتأكيد معنى الاستقبال اللازم ms0675 للإرادة، ومفعول يبين محذوف ~~ثقة بشهادة السباق والسياق، أي يريد الله أن يبين لكم ما هو خفي ~~عنكم من مصالحكم وفضائل أعمالكم أو ما تعبدكم به من الحلال ~~والحرام، وقيل: مفعول يريد محذوف تقديره يريد الله تشريع ما شرع من ~~التحريم والتحليل لأجل التبيين لكم، وهذا مذهب البصريين ويعزى ~~إلى سيبويه، وقيل: إن اللام بنفسها ناصبة للفعل من غير إضمار أن وهي ~~وما بعدها مفعول للفعل المتقدم فإن اللام قد تقام مقام أن في فعل ~~الإرادة والأمر فيقال: أردت لأذهب وأن أذهب وأمرتك لتقوم وأن تقوم، ~~قال تعالى: # يريدون ليطفئوا نور الله # [الصف، الآية 8] وفي موضع: # يريدون أن يطفئوا # [التوبة، الآية 32] وقال تعالى: # وأمرنا لنسلم # [الأنعام، الآية 71] وفي موضع: # وأمرت أن أسلم # [غافر، الآية 66] وفي آخر: # وأمرت لاعدل بينكم # [الشورى، الآية 15] أي أن أعدل بينكم وهذا مذهب الكوفيين، ومنعه ~~البصريون وقالوا: إن وظيفة اللام هي الجر والنصب فيما قالوا بإضمار ~~أن أي أمرنا بما أمرنا لنسلم ويريدون ما يريدون ليطفئوا، وقيل: يؤول ~~الفعل الذي قبل اللام بمصدر مرفوع بالابتداء ويجعل ما بعده خبرا له، ~~كما في: «تسمع بالمعيدي خير من أن تراه» أي أن تسمع ~~به، ويعزى هذا الرأي إلى بعض البصريين { ويهديكم سنن ~~الذين من قبلكم } من الأنبياء والصالحين لتقتدوا بهم { ~~ويتوب عليكم } إذا أنبتم إليه تعالى عما يقع منكم من التقصير ~~والتفريط في مراعاة ما كلفتموه من الشرائع فإن المكلف قلما يخلو من ~~تقصير يستدعي تلافيه بالتوبة، ويغفر لكم ذنوبكم أو يرشدكم إلى ما ~~يردعكم عن المعاصي ويحثكم على التوبة أو إلى ما يكون كفارة لسيئاتكم ~~وليس الخطاب لجميع المكلفين حتى يتخلف مراده تعالى عن إرادته فيمن لم ~~يتب منهم بل لطائفة معينة حصلت لهم هذه التوبة { والله عليم ~~} مبالغ في العلم بالأشياء التي من جملتها ما شرع لكم من الأحكام { ~~حكيم } مراع في جميع أفعاله الحكمة والمصلحة. ### || [4.27-29] # { والله يريد أن يتوب عليكم } جملة مبتدأة مسوقة ~~لبيان كمال منفعة ما أراده الله تعالى وكمال مضرة ما يريد ms0676 ~~الفجرة لا لبيان إرادته تعالى لتوبته عليهم حتى يكون من باب ~~التكرير للتقرير، ولذلك غير الأسلوب إلى الجملة الاسمية دلالة على ~~دوام الإرادة ولم يفعل ذلك في قوله تعالى: { ويريد الذين ~~يتبعون الشهوت } للإشارة إلى الحدوث وللإيماء إلى كمال ~~المباينة بين مضموني الجملتين كما مر في قوله تعالى: # الله ولي الذين ءامنوا # [البقرة، الآية 257] الآية، والمراد بمتبعي الشهوات الفجرة فإن ~~اتباعها الائتمار بها، وأما المتعاطي لما سوغه الشرع من المشتهيات ~~دون غيره فهو متبع له لا لها، وقيل: هم اليهود والنصارى، وقيل: هم ~~المجوس حيث كانوا يحلون الأخوات من الأب وبنات الأخ وبنات الأخت ~~فلما حرمهن الله تعالى قالوا: فإنكم تحلون بنت الخالة مع أن العمة ~~والخالة عليكم حرام فانكحوا بنات الأخ والأخت فنزلت { أن ~~تميلوا } عن الحق بموافقتهم على اتباع الشهوات واستحلال المحرمات ~~وتكونوا زناة مثلهم، وقرىء بالياء التحتانية والضمير للذين يتبعون ~~الشهوات { ميلا عظيما } أي بالنسبة إلى ميل من اقترف خطيئة على ~~ندرة بلا استحلال. # { يريد الله أن يخفف عنكم } بما مر من الرخص فيما في ~~عهدتكم من مشاق التكاليف، والجملة مستأنفة لا محل لها من الإعراب { ~~وخلق الإنسن ضعيفا } عاجزا عن مخالفة هواه غير قادر على ~~مقابلة دواعيه وقواه حيث لا يصبر عن اتباع الشهوات ولا يستخدم قواه في ~~مشاق الطاعات. وعن الحسن أن المراد ضعف الخلقة، ولا يساعده ~~المقام، فإن الجملة اعتراض تذييلي مسوق لتقرير ما قبله من التخفيف ~~بالرخصة في نكاح الإماء، وليس لضعف البنية مدخل في ذلك، وإنما الذي ~~يتعلق به التخفيف في العبادات الشاقة. وقيل: المراد به ضعفه في أمر ~~النساء خاصة حيث لا يصبر عنهن، وعن سعيد بن المسيب: ما أيس ~~الشيطان من بني آدم قط إلا أتاهم من قبل النساء فقد أتى علي ~~ثمانون سنة وذهبت إحدى عيني وأنا أعشو بالأخرى وإن أخوف ما أخاف على ~~نفسي فتنة النساء. # وقرأ ابن عباس رضي الله عنهما وخلق الإنسان على البناء للفاعل ~~والضمير لله عز وجل، وعنه رضي الله عنه: ثماني آيات في ms0677 سورة النساء هن ~~خير لهذه الأمة مما طلعت عليه الشمس وغربت # يريد الله ليبين لكم # [النساء، الآية 26] { والله يريد أن يتوب عليكم } ~~[النساء، الآية 27] { يريد الله أن يخفف عنكم } [النساء، ~~الآية 28] # إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه # [النساء، الآية 31] # إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ~~ذلك لمن يشاء # [النساء، الآية 48] # إن الله لا يظلم مثقال ذرة وإن تك حسنة ~~يضعفها # [النساء، الآية 40] # ومن يعمل سوءا أو يظلم نفسه # [النساء، الآية 110] # ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم وءامنتم # [النساء، الآية 147]. # { يأيها الذين ءامنوا لا تأكلوا أمولكم ~~بينكم بالبطل } شروع في بيان بعض الحرمات المتعلقة ~~بالأموال والأنفس إثر بيان الحرمات المتعلقة بالأبضاع، وتصدير ~~الخطاب بالنداء والتنبيه لإظهار كمال العناية بمضمونه والمراد ~~بالباطل ما يخالف الشرع كالغصب والسرقة والخيانة والقمار وعقود ~~الربا وغير ذلك مما لا يبحه الشرع، أي لا يأكل بعضكم أموال بعض ~~بغير طريق شرعي { إلا أن تكون تجرة عن تراض منكم } ~~استثناء منقطع، وعن متعلقة بمحذوف وقع صفة لتجارة أي إلا أن تكون ~~التجارة تجارة صادرة عن تراض كما في قوله: [الطويل] # [بني أسد هل تعلمون بلاءنا] # إذا كان يوما ذا كواكب أشنعا # أي إذا كان اليوم يوما الخ، أو إلا أن تكون الأموال أموال تجارة، ~~وقرىء تجارة بالرفع على أن كان تامة أي ولكن اقصدوا كون تجارة عن ~~تراض أي وقوعها، أو ولكن وجود تجارة عن تراض غير منهي عنه، ~~وتخصيصها بالذكر من بين سائر أسباب الملك لكونها معظمها وأغلبها ~~وقوعا وأوفقها لذوي المروءات، والمراد بالتراضي مراضاة المتبايعين ~~فيما تعاقدا عليه في حال المبايعة وقت الإيجاب والقبول عندنا، وعند ~~الشافعي رحمه الله حالة الافتراق عن مجلس العقد. # { ولا تقتلوا أنفسكم } أي من كان من جنسكم من المؤمنين ~~فإن كلهم كنفس واحدة، وعن الحسن: لا تقتلوا إخوانكم، والتعبير ~~عنهم بالأنفس للمبالغة في الزجر عن قتلهم بتصويره بصورة ما لا يكاد ~~يفعله عاقل، أو لا تهلكوا أنفسكم بتعريضها للعقاب باقتراف ما يفضي ~~إليه فإنه القتل الحقيقي كما ms0678 يشعر به إيراده عقيب النهي عن أكل ~~الحرام فيكون مقررا للنهي السابق، وقيل: لا تقتلوا أنفسكم بالبخع ~~كما يفعله بعض الجهلة، أو بارتكاب ما يؤدي إلى القتل من الجنايات، ~~وقيل: بإلقائها في التهلكة، وأيد بما روي عن عمرو بن العاص أنه ~~تأوله بالتيمم لخوف البرد فلم ينكر عليه النبي عليه الصلاة والسلام، ~~وقرىء ولا تقتلوا بالتشديد للتكثير، وقد جمع في التوصية بين حفظ ~~النفس وحفظ المال لما أنه شقيقها من حيث إنه سبب لقوامها وتحصيل ~~كمالاتها واستيفاء فضائلها، وتقديم النهي عن التعرض له لكثرة وقوعه ~~{ إن الله كان بكم رحيما } تعليل للنهي بطريق الاستئناف ~~أي مبالغا في الرحمة والرأفة، ولذلك نهاكم عما نهاكم عنه، فإن في ذلك ~~رحمة عظيمة لكم بالزجر عن المعاصي وللذين هم في معرض التعرض لهم ~~بحفظ أموالهم وأنفسهم، وقيل: معناه إنه كان بكم يا أمة محمد رحيما ~~حيث أمر بني إسرائيل بقتلهم أنفسهم ليكون توبة لهم وتمحيصا لخطاياهم ~~ولم يكلفكم تلك التكاليف الشاقة. ### || [4.30] # { ومن يفعل ذلك } إشارة إلى القتل خاصة أو لما قبله من أكل ~~الأموال، وما فيه من معنى البعد للإيذان ببعد منزلتهم في الفساد { ~~عدونا وظلما } أي إفراطا في التجاوز عن الحد وإتيانا بما لا ~~يستحقه، وقيل: أريد بالعدوان التعدي على الغير وبالظلم الظلم على ~~النفس بتعريضها للعقاب، ومحلهما النصب على الحالية أو على التعليل، أي ~~متعديا وظالما أو للعدوان والظلم، وقرىء عدوانا بكسرالعين { فسوف ~~نصليه } جواب للشرط أي ندخله، وقرىء بالتشديد من صلى وبفتح النون ~~من صلاة يصليه ومنه شاة مصلية، ويصليه بالياء والضمير لله تعالى ~~أو لذلك من حيث أنه سبب للصلي { نارا } أي نارا مخصوصة هائلة ~~شديدة العذاب { وكان ذلك } أي إصلاؤه النار { على الله ~~يسيرا } لتحقق الداعي وعدم الصارف، وإظهار الاسم الجليل بطريق ~~الالتفات لتربية المهابة وتأكيد استقلال الاعتراض التذييلي. ### || [4.31-32] # { إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه } أي كبائر ~~الذنوب التي نهاكم الشرع عنها مما ذكر ههنا وما لم يذكر، وقرىء ~~كبير على إرادة الجنس { نكفر عنكم } بنون العظمة ms0679 على طريقة ~~الالتفات، وقرىء بالياء بالإسناد إليه تعالى، والتكفير إماطة ~~المستحق من العقاب بثواب أريد أو بتوبة أي نغفر لكم { ~~سيئاتكم } صغائركم ونمحها عنكم، قال المفسرون: «الصلاة إلى ~~الصلاة والجمعة إلى الجمعة ورمضان إلى رمضان مكفرات لما بينهن من ~~الصغائر إذا اجتنبت الكبائر». واختلف في الكبائر والأقرب أن ~~الكبيرة كل ذنب رتب الشارع عليه الحد أو صرح بالوعيد فيه، وقيل: ~~ما علم حرمته بقاطع، وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنها سبع: # " الإشراك بالله تعالى وقتل النفس التي حرمها الله تعالى وقذف ~~المحصنات وأكل مال اليتيم والربا والفرار من الزحف وعقوق الوالدين ~~" # وعن علي رضي الله عنه: التعقيب بعد الهجرة مكان عقوق الوالدين، وزاد ~~ابن عمر رضي الله عنهما: السحر واستحلال البيت الحرام، وعن ابن ~~عباس رضي الله عنهما أن رجلا قال له: الكبائر سبع، قال: هي إلى ~~سبعمائة أقرب منها إلى سبع، وروي عنه إلى سبعين إذ لا صغيرة مع ~~الإصرار ولا كبيرة مع الاستغفار، وقيل: أريد به أنواع الشرك لقوله ~~تعالى: { إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما ~~دون ذلك لمن يشاء } وقيل: صغر الذنوب [وكبرها] بالإضافة ~~إلى ما فوقها وما تحتها وبحسب فاعلها [فقط] بل بحسب الأوقات والأماكن ~~أيضا، فأكبر الكبائر الشرك وأصغر الصغائر حديث النفس، وما ~~بينهما وسائط يصدق عليه الأمران فمن له أمران منهما ودعت نفسه ~~إليهما بحيث لا يتمالك فكفها عن أكبرهما كفر عنه ما ارتكبه لما استحق ~~على اجتناب الأكبر من الثواب { وندخلكم مدخلا } بضم الميم ~~اسم مكان هو الجنة { كريما } أي حسنا مرضيا أو مصدر ميمي أي ~~إدخالا مع كرامة، وقرىء بفتح الميم وهو أيضا يحتمل المكان والمصدر، ~~ونصبه على الثاني بفعل مقدر مطاوع للمذكور أي ندخلكم فتدخلون مدخلا ~~أو دخولا كريما كما في قوله: [الطويل] # وعضة دهر يا ابن مروان لم تدع # من المال إلا مسحت أو مجلف # أي لم تدع فلم يبق إلا مسحت الخ. # { ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على ~~بعض } أي عليكم، ولعل إيثار ms0680 الإبهام عليه للتفادي عن المواجهة بما ~~يشق عليهم. قال القفال: لما نهاهم الله تعالى عن أكل أموال الناس ~~بالباطل وقتل الأنفس عقبه بالنهي عما يؤدي إليه من الطمع في أموالهم ~~وتمنيها، وقيل: نهاهم أولا عن التعرض لأموالهم بالجوارح ثم عن التعرض ~~لها بالقلب على سبيل الحسد لتطهير أعمالهم الظاهرة والباطنة فالمعنى ~~لا تتمنوا ما أعطاه الله تعالى بعضكم من الأمور الدنيوية كالجاه ~~والمال وغير ذلك مما يجري فيه التنافس دونكم فإن ذلك قسمة من الله ~~تعالى صادرة عن تدبير لائق بأحوال العباد مترتب على الإحاطة بجلائل ~~شؤونهم ودقائقها فعلى كل أحد من المفضل عليهم أن يرضى بما قسم الله ~~له ولا يتمنى حظ المفضل ولا يحسده عليه لما أنه معارضة لحكم ~~القدر المؤسس على الحكم البالغة لا لأن عدمه خير له ولا لأنه لو ~~كان خلافه لكان مفسدة له كما قيل إذ لا يساعده ما سيأتي من الأمر ~~بالسؤال من فضله تعالى فإنه ناطق بأن المنهي عنه تمني نصيب الغير ~~لا تمني ما زاد على نصيبه مطلقا. # هذا وقد قيل: لما جعل الله تعالى في الميراث للذكر مثل حظ الأنثيين ~~قالت النساء: نحن أحوج أن يكون لنا سهمان وللرجال سهم واحد لأنا ~~ضعفاء وهم أقوياء وأقدر على طلب المعاش منا فنزلت وهذا هو الأنسب ~~بتعليل النهي بقوله عز وجل: { للرجال نصيب مما اكتسبوا ~~وللنساء نصيب مما اكتسبن } فإنه صريح في جريان التمني ~~بين فريقي الرجال والنساء، ولعل صيغة المذكر في النهي بالبعض ~~والمعنى لكل من الفريقين في الميراث نصيب معين المقدار مما أصابه ~~بحسب استعداده، وقد عبر عنه بالاكتساب على طريقة الاستعارة التبعية ~~المبنية على تشبيه اقتضاء حاله لنصيبه باكتسابه إياه تأكيدا ~~لاستحقاق كل منهما لنصيبه وتقوية لاختصاصه به بحيث لا يتخطاه إلى غيره ~~فإن ذلك مما يوجبه الانتهاء عن التمني المذكور. # وقوله تعالى: { واسألوا الله من فضله } عطف على النهي، ~~وتوسيط التعليل بينهما لتقرير الانتهاء مع ما فيه من الترغيب في ~~الامتثال بالأمر كأنه قيل: لا تتمنوا ما يختص ms0681 بغيركم من نصيبه ~~المكتسب له واسألوا الله تعالى من خزائن نعمه التي لا تنفذ، وحذف ~~المفعول الثاني للتعميم، أي واسألوه ما تريدون فإنه تعالى يعطيكموه، أو ~~لكونه معلوما من السياق أي واسألوه مثله، وقيل: من زائدة والتقدير ~~واسألوه فضله وقد جاء في الحديث: # " لا يتمنين أحدكم مال أخيه ولكن ليقل: اللهم ارزقني اللهم أعطني ~~مثله " # وعن ابن مسعود رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " سلوا الله من فضله فإنه يحب أن يسأل، وأفضل ~~العبادة انتظار الفرج ". # وحمل النصيب على الأجر الأخروي وإبقاء الاكتساب على حقيقته ~~بجعل سبب النزول ما روي أن أم سلمة رضي الله عنها قالت: «ليت الله ~~كتب علينا الجهاد كما كتبه على الرجال فيكون لنا من الأجر مثل ما ~~لهم» على أن المعنى لكل من الفريقين نصيب خاص به من الأجر مترتب ~~على عمله، فللرجال أجر بمقابلة ما يليق بهم من الأعمال كالجهاد ونحوه ~~فلا تتمن النساء خصوصية أجر الرجال وليسألن من خزائن رحمته ~~تعالى ما يليق بحالهن من الأجر لا يساعده سياق النظم الكريم ~~المتعلق بالمواريث وفضائل الرجال { إن الله كان بكل شىء ~~عليما } ولذلك جعل الناس على طبقات ورفع بعضهم على بعض درجات حسب ~~مراتب استعداداتهم الفائضة عليهم بموجب المشيئة المبنية على الحكم ~~الأبية. ### || [4.33] # { ولكل جعلنا موالى مما ترك الولدن ~~والأقربون } جملة مبتدأة مقررة لمضمون ما قبلها، ولكل مفعول ~~ثان لجعلنا قدم عليه لتأكيد الشمول ودفع توهم تعلق الجعل ~~بالبعض دون البعض كما في قوله تعالى: # لكل جعلنا منكم شرعة ومنهجا # [المائدة، الآية 48] أي ولكل تركة جعلنا ورثة متفاوتة في الدرجة ~~يلونها ويحرزون منها أنصباءهم بحسب استحقاقهم المنوط بما بينهم ~~وبين المورث من العلاقة، ومما ترك بيان لكل قد فصل بينهما بما ~~عمل فيه كما فصل في قوله تعالى: # قل أغير الله أتخذ وليا فاطر السموات ~~والأرض # [الأنعام، الآية 14] بين لفظ الجلالة وبين صفته بالعامل فيما أضيف ~~إليه أعني غير، أو لكل قوم جعلناهم موالي أي وارث نصيب معين ms0682 مغاير ~~لنصيب قوم آخرين مما ترك الوالدان والأقربون، على أن جعلنا موالي صفة ~~لكل، والضمير الراجع إليه محذوف والكلام مبتدأ وخبر على طريقة ~~قولك: لكل من خلقه الله إنسانا من رزق الله أي حظ منه. # وأما ما قيل من أن المعنى لكل أحد جعلنا موالي مما ترك أي وراثا منه ~~ على أن من صلة موالي لأنه في معنى الوارث وفي ترك ضمير مستكن ~~عائد إلى كل، وقوله تعالى: { الولدن والأقربون } استئناف ~~مفسر للموالي كأنه قيل: من هم؟ فقيل: الوالدان ففيه تفكيك للنظم ~~الكريم لأن ببيان الموالي بما ذكر يفوت الإبهام المصحح لاعتبار ~~التفاوت بينهم وبه يتحقق الانتظام كما أشير إليه في تقرير الوجهين ~~الأولين مع ما فيه من خروج الأولاد من الموالي، إذ لا يتناولهم ~~الأقربون كما لا يتناول الوالدين. { والذين عقدت أيمنكم ~~} هم موالي الموالاة، كان الحليف يرث السدس من مال حليفه فنسخ ~~بقوله تعالى: # وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض # [الأنفال، الآية 75. وسورة الأحزاب، الآية 6] وعند أبي حنيفة رحمه الله ~~إذا أسلم رجل على يد رجل وتعاقدا على أن يرثه ويعقل عنه صح وعليه ~~عقله وله إرثه إن لم يكن له وارث أصلا، وإسناد العقد إلى ~~الأيمان لأن المعتاد هو المماسحة بها عند العقد، والمعنى عقدت ~~أيمانكم عهودهم فحذف العهود وأقيم المضاف إليه مقامه ثم حذف، ~~وقرىء عقدت بالتشديد وعاقدت بمعنى عاقدتهم أيمانكم وماسحتموهم وهو ~~مبتدأ متضمن لمعنى الشرط، ولذلك صدر الخبر أعني قوله تعالى: { ~~فآتوهم نصيبهم } بالفاء، أو منصوب بمضمر يفسره ما بعده ~~كقولك: زيدا فاضربه، أو مرفوع معطوف على الوالدان والأقربون، وقوله ~~تعالى: { فئاتوهم } الخ، جملة مبينة للجملة قبلها ومؤكدة ~~لها والضمير للموالي { إن الله كان على كل شىء } من ~~الأشياء التي من جملتها الإيتاء والمنع { شهيدا } ففيه وعد ووعيد. ### || [4.34] # { الرجال قوامون على النساء } كلام مستأنف مسوق لبيان ~~سبب استحقاق الرجال الزيادة في الميراث تفصيلا إثر بيان تفاوت ~~استحقاقهم إجمالا، وإيراد الجملة اسمية والخبر على صيغة المبالغة ~~للإيذان بعراقتهم في الاتصاف بما أسند إليهم ورسوخهم فيه، ms0683 أي شأنهم ~~القيام عليهن بالأمر والنهي قيام الولاة على الرعية، وعلل ذلك ~~بأمرين: وهبي وكسبي فقيل: { بما فضل الله بعضهم ~~على بعض } الباء سببية متعلقة بقوامون أو بمحذوف وقع حالا من ~~ضميره وما مصدرية والضمير البارز لكلا الفريقين تغليبا أي قوامون ~~عليهن بسبب تفضيل الله تعالى إياهم عليهن أو ملتبسين بتفضيله تعالى الخ، ~~ووضع البعض موضع الضميرين للإشعار بغاية ظهور الأمر وعدم الحاجة ~~إلى التصريح بالمفضل والمفضل عليه أصلا ولذلك لم يصرح بما به ~~التفضيل من صفات كماله التي هي كمال العقل وحسن التدبير ورزانة ~~الرأي ومزيد القوة في الأعمال والطاعات ولذلك خصوا بالنبوة والإمامة ~~والولاية وإقامة الشعائر والشهادة في جميع القضايا ووجوب الجهاد ~~والجمعة وغير ذلك { وبما أنفقوا من أمولهم } الباء ~~متعلقة بما تعلقت به الأولى وما مصدرية وموصولة حذف عائدها من ~~الصلة، ومن تبعيضية أو ابتدائية متعلقة بأنفقوا أو بمحذوف وقع حالا ~~من العائد المحذوف أي وبسبب إنفاقهم من أموالهم أو بسبب ما أنفقوه من ~~أموالهم أو كائنا من أموالهم وهو ما أنفقوه من المهر والنفقة. روي # " أن سعد بن الربيع أحد نقباء الأنصار رضي الله عنهم نشزت عليه ~~امرأته حبيبة بنت زيد بن أبي زهير فلطمها فانطلق بها أبوها إلى ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم وشكا فقال عليه السلام: " لتقتص منه " ~~فنزلت فقال عليه السلام: " أردنا أمرا وأراد الله أمرا والذي أراده ~~الله خير " # { فالصلحت } شروع في تفصيل أحوالهن وبيان كيفية القيام ~~عليهن بحسب اختلاف أحوالهن أي فالصالحات منهن { قنتت } أي ~~مطيعات لله تعالى قائمات بحقوق الأزواج { حفظت للغيب } أي ~~لمواجب الغيب أي لما يجب عليهن حفظه في حال غيبة الأزواج من الفروج ~~والأموال. عن النبي صلى الله عليه وسلم: # " خير النساء امرأة إن نظرت إليها سرتك وإن أمرتها أطاعتك وإذا ~~غبت عنها حفظتك في مالها ونفسها " # وتلا الآية، وقيل: لأسرارهم وإضافة المال إليها للإيذان بأن ماله في ~~حق التصرف في حكم مالها كما في قوله تعالى: # ولا تؤتوا السفهاء أمولكم # [النساء، الآية 5] الآية { بما حفظ ms0684 الله } ما مصدرية أي بحفظه ~~تعالى إياهن بالأمر بحفظ الغيب والحث عليه بالوعد والوعيد والتوعيد ~~والتوفيق له، أو موصولة أي بالذي حفظ الله لهن عليهم من المهر ~~والنفقة والقيام بحفظهن والذب عنهن وقرىء بما حفظ الله بالنصب على ~~حذف المضاف أي بالأمر الذي حفظ حق الله تعالى وطاعته وهو التعفف ~~والشفقة على الرجال. # { واللتى تخافون نشوزهن } خطاب للأزواج وإرشاد لهم ~~إلى طريق القيام عليهم. والخوف حالة تحصل في القلب عند حدوث أمر ~~مكروه أو عند الظن أو العلم بحدوثه وقد يراد به أحدهما أي تظنون ~~عصيانهن وترفعهن عن مطاوعتكم من النشز وهو المرتفع من الأرض { ~~فعظوهن } فانصحوهن بالترغيب والترهيب { واهجروهن } بعد ذلك ~~إن لم ينفع الوعظ والنصيحة { فى المضاجع } أي في المراقد فلا ~~تدخلوهن تحت اللحف ولا تباشروهن فيكون كناية عن الجماع، وقيل: ~~المضاجع المبايت أي لا تبايتوهن، وقرىء في المضجع وفي المضطجع { ~~واضربوهن } إن لم ينجع ما فعلتم من العظة والهجران ضربا غير ~~مبرح ولا شائن { فإن أطعنكم } بذلك كما هو الظاهر لأنه ~~منتهى ما يعد زاجرا { فلا تبغوا عليهن سبيلا } ~~بالتوبيخ والأذية أي فأزيلوا عنهن التعرض واجعلوا ما كان منهن كأن لم ~~يكن فإن التائب من الذنب كمن لا ذنب له. # { إن الله كان عليا كبيرا } فاحذروه فإنه تعالى أقدر ~~عليكم منكم على من تحت أيديكم أو أنه تعالى على علو شأنه يتجاوز عن ~~سيئاتكم ويتوب عليكم عند توبتكم فأنتم أحق بالعفو عن أزواجكم عند ~~إطاعتهن لكم أو أنه يتعالى ويكبر أن يظلم أحدا أو ينقص حقه، ~~وعدم التعرض لعدم إطاعتهن لهم للإيذان بأن ذلك ليس مما ينبغي أن ~~يتحقق أو يفرض تحققه وأن الذي يتوقع منهن ويليق بشأنهن لا سيما ~~بعدما كان ما كان من الزواجر هو الإطاعة ولذلك صدرت الشرطية بالفاء ~~المنبئة عن سببية ما قبلها لما بعدها. ### || [4.35] # { وإن خفتم شقاق بينهما } تلوين للخطاب وتوجيه له إلى ~~الحكام وارد على بناء الأمر على التقدير المسكوت عنه أعني عدم ~~الإطاعة المؤدي إلى المخاصمة والمرافعة إليهم. والشقاق ms0685 المخالفة ~~إما لأن كلا منهما يريد أن يشق على الآخر وإما لأن كلا منهما في شق ~~أي جانب غير شق الآخر، والخوف ههنا بمعنى العلم قاله ابن عباس، ~~والجزم بوجود الشقاق لا ينافي بعث الحكمين لأنه لرجاء إزالته لا ~~لتعرف وجوده بالفعل وقيل: بمعنى الظن وضمير التثنية للزوجين وإن ~~لم يجر ذكرهما لجري ما يدل عليهما، وإضافة الشقاق إلى الظرف إما على ~~إجرائه مجرى المفعول به كما في قوله: يا سارق الليلة أو مجرى الفاعل ~~كما في قولك: نهاره صائم أي إن علمتم أو ظننتم تأكد المخالفة بحيث ~~لا يقدر الزوج على إزالتها { فابعثوا } أي إلى الزوجين لإصلاح ~~ذات البين { حكما } رجلا وسطا صالحا للحكومة والإصلاح { من ~~أهله } من أهل الزوج { وحكما } آخر على صفة الأول { من ~~أهلها } فإن الأقارب أعرف ببواطن الأحوال وأطلب للصلاح وهذا على ~~وجه الاستحباب فلو نصبا من الأجانب جاز واختلف في أنهما هل يليان ~~الجمع والتفريق إن رأيا ذلك فقيل: لهما ذلك وهو المروى عن علي رضي ~~الله عنه وبه قال الشعبي، وعن الحسن: يجمعان ولا يفرقان وقال ~~مالك: لهما أن يتخالعا إن كان الصلاح فيه { إن يريدا } أي ~~الحكمان { إصلحا } أي إن قصدا إصلاح ذات البين وكانت نيتهما ~~صحيحة وقلوبهما ناصحة لوجه الله تعالى { يوفق الله بينهما ~~} يوقع بين الزوجين الموافقة والألفة وألقى في نفوسهما المودة ~~والرأفة، وعدم التعرض لذكر عدم إرادتهما الإصلاح لما ذكر من ~~الإيذان بأن ذلك ليس مما ينبغي أن يفرض صدوره عنهما وأن الذي يليق ~~بشأنهما ويتوقع صدوره عنهما هو إرادة الإصلاح، وفيه مزيد ترغيب ~~للحكمين في الإصلاح وتحذير عن المساهلة لكيلا ينسب اختلال الأمر ~~إلى عدم إرادتهما فإن الشرطية الناطقة بدوران وجود التوفيق على ~~وجود الإرادة منبئة عن دوران عدمه على عدمها، وقيل: كلا الضميرين ~~للحكمين أي إن قصدا الإصلاح يوفق الله بينهما فتتفق كلمتهما ~~ويحصل مقصودهما، وقيل: كلاهما للزوجين أي إن أرادا إصلاح ما بينهما ~~من الشقاق أوقع الله تعالى بينهما الألفة والوفاق وفيه تنبيه على ~~أن من ms0686 أصلح نيته فيما يتوخاه وفقه الله تعالى لمبتغاه { إن الله ~~كان عليما خبيرا } بالظواهر والبواطن فيعلم كيف يرفع الشقاق ~~ويوقع الوفاق. ### || [4.36] # { واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا } كلام مبتدأ ~~مسوق لبيان الأحكام المتعلقة بحقوق الوالدين والأقارب ونحوهم إثر ~~بيان الأحكام المتعلقة بحقوق الأزواج، صدر بما يتعلق بحقوق الله ~~عز وجل التي هي آكد الحقوق وأعظمها تنبيها على جلالة شأن حقوق ~~الوالدين بنظمها في سلكها في سائر المواقع وشيئا نصب على أنه مفعول أي ~~لا تشركوا به شيئا من الأشياء صنما أو غيره أو على أنه مصدر أي لا ~~تشركوا به شيئا من الإشراك جليا أو خفيا { وبالولدين ~~إحسنا } أي أحسنوا إليهما إحسانا { وبذى القربى } أي ~~بصاحب القرابة من أخ أو عم أو خال أو نحو ذلك { واليتمى ~~والمسكين } من الأجانب { والجار ذى القربى } أي الذي ~~قرب جواره وقيل له: مع الجوار قرب واتصال بنسب أو دين وقرىء ~~بالنصب على الاختصاص تعظيما لحق الجار ذي القربى { والجار ~~الجنب } أي البعيد أو الذي لا قرابة له وعنه عليه الصلاة والسلام: # " الجيران ثلاثة، فجار له ثلاثة حقوق: حق الجوار وحق ~~القرابة وحق الإسلام وجار له حقان: حق الجوار وحق الإسلام وجار ~~له حق واحد وهو حق الجوار وهو الجار من أهل الكتاب " # وقرىء والجار الجنب { والصحب بالجنب } أي الرفيق في أمر ~~حسن كتعلم وتصرف وصناعة وسفر فإنه صحبك وحصل بجانبك، ومنهم من ~~قعد بجنبك في مسجد أو مجلس أو غير ذلك من أدنى صحبة التأمت بينك ~~وبينه. وقيل: هي المرأة { وابن السبيل } هو المسافر المنقطع ~~به أو الضيف { وما ملكت أيمنكم } من العبيد والإماء { ~~إن الله لا يحب من كان مختالا } أي متكبرا يأنف عن ~~أقاربه وجيرانه وأصحابه ولا يلتفت إليهم { فخورا } يتفاخر عليهم، ~~والجملة تعليل للأمر السابق. ### || [4.37-38] # { الذين يبخلون ويأمرون الناس بالبخل } بضم ~~الباء وسكون الخاء وقرىء بفتح الأول وبفتحهما وبضمهما، والموصول ~~بدل من قوله تعالى: { من كان } أو نصب على الذم أو رفع عليه أي هم ~~الذين أو مبتدأ ms0687 خبره محذوف تقديره الذين يبخلون ويفعلون ويصنعون ~~أحقاء بكل ملامة { ويكتمون ما ءاتهم الله من ~~فضله } أي من المال والغنى، أو من نعوته عليه السلام التي بينها ~~لهم في التوراة وهو أنسب بأمرهم للناس بالبخل، فإن أحبارهم كانوا ~~يكتمونها ويأمرون أعقابهم بكتمها { وأعتدنا للكفرين ~~عذابا مهينا } وضع الظاهر موضع المضمر إشعارا بأن من هذا ~~شأنه فهو كافر بنعمة الله تعالى ومن كان كافرا بنعمة الله تعالى فله ~~عذاب يهينه كما أهان النعمة بالبخل والإخفاء، والآية نزلت في طائفة ~~من اليهود كانوا يقولون للأنصار بطريق النصيحة: لا تنفقوا أموالكم ~~فإنا نخشى عليكم الفقر، وقيل: في الذين كتموا نعت رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، والجملة اعتراض تذييلي مقرر لما قبلها. # { والذين ينفقون أمولهم رئاء الناس } أي للفخار ~~وليقال: ما أسخاهم وما أجودهم لا ابتغاء وجه الله تعالى، وهو عطف ~~على الذين يبخلون أو على الكافرين وإنما شاركوهم في الذم والوعيد لأن ~~البخل والسرف الذي هو الإنفاق فيما لا ينبغي من حيث إنهما طرفا ~~تفريط وإفراط سواء في القبح واستتباع اللائمة والذم، ويجوز أن ~~يكون العطف بناء على إجراء التغاير الوصفي مجرى التغاير الذاتي ~~كما في قوله: [المتقارب] # إلى الملك القرم وابن الهمام # وليث الكتائب في المزدحم # أو مبتدأ خبره محذوف يدل عليه قوله تعالى: { ومن يكن } الخ، ~~كأنه قيل: والذين ينفقون أموالهم رثاء الناس { ولا يؤمنون ~~بالله ولا باليوم الآخر } ليتحروا بالإنفاق مراضيه ~~تعالى وثوابه وهم مشركو مكة المنفقون أموالهم في عداوة رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وقيل: المنافقون { ومن يكن الشيطن له ~~قرينا فساء قرينا } أي فقرينهم الشيطان وإنما حذف للإيذان ~~بظهوره واستغنائه عن التصريح به، والمراد به إبليس وأعوانه حيث ~~حملوهم على تلك القبائح وزينوها لهم كما في قوله تعالى: # إن المبذرين كانوا إخون الشيطين # [الإسراء، الآية 27] ويجوز أن يكون وعيدا لهم بأن الشيطان يقرن بهم ~~في النار. ### || [4.39-40] # { وماذا عليهم } أي على من ذكر من الطوائف { لو ءامنوا ~~بالله واليوم الآخر وأنفقوا مما رزقهم الله } ~~أي ابتغاء ms0688 وجه الله تعالى وإنما لم يصرح به تعويلا على التفصيل ~~السابق واكتفاء بذكر الإيمان بالله واليوم الآخر فإنه يقتضي أن يكون ~~الإنفاق لابتغاء وجهه تعالى وطلب ثوابه البتة أي وما الذي عليهم أو ~~وأي تبعة ووبال عليهم في الإيمان بالله والإنفاق في سبيله، وهو ~~توبيخ لهم على الجهل بمكان المنفعة والاعتقاد في الشيء بخلاف ما هو ~~عليه وتحريض على التفكر لطلب الجواب لعله يؤدي بهم إلى العلم بما فيه ~~من الفوائد الجليلة والعوائد الجميلة وتنبيه على أن المدعو إلى ~~أمر لا ضرر فيه ينبغي أن يجيب إليه احتياطا فكيف إذا كان فيه منافع ~~لا تحصى. وتقديم الإيمان بهما لأهميته في نفسه ولعدم الاعتداد ~~بالإنفاق بدونه، وأما تقديم إنفاقهم رئاء الناس على عدم إيمانهم ~~بهما مع كون المؤخر أقبح من المقدم فلرعاية المناسبة بين ~~إنفاقهم ذلك وبين ما قبله من بخلهم وأمرهم للناس به { وكان ~~الله بهم } وبأحوالهم المحققة { عليما } فهو وعيد لهم بالعقاب ~~أو بأعمالهم المفروضة، وبيان لإثابته تعالى إياهم ولو كانوا قد آمنوا ~~وأنفقوا كما ينبىء عنه قوله تعالى: { إن الله لا يظلم ~~مثقال ذرة } المثقال مفعال من الثقل كالمقدار من القدر ~~وانتصابه على أنه نعت للمفعول قائم مقامه سواء كان الظلم بمعنى ~~النقص أو بمعنى وضع الشيء في غير موضعه أي لا ينقص من الأجر ولا ~~يزيد في العقاب شيئا مقدار ذرة، أو على أنه نعت للمصدر المحذوف ~~نائب منابه أي لا يظلم ظلما مقدار ذرة وهي النملة الصغيرة أو كل ~~جزء من أجزاء الهباء في الكوة وهو الأنسب بمقام المبالغة فإن ~~قلته في الثقل أظهر من قلة النملة. وعن ابن عباس رضي الله عنهما أنه ~~أدخل يده في التراب ثم نفخ فيه فقال: كل واحدة من هؤلاء ذرة. # { وإن تك حسنة } أي وإن تك مثقال ذرة حسنة، أنث لتأنيث ~~الخبر أو لإضافته إلى الذرة، وحذف النون من غير قياس تشبيها بحروف ~~العلة وتخفيفا لكثرة الاستعمال، وقرىء حسنة بالرفع على أن كان تامة ~~{ يضعفها } أي يضاعف ثوابها، جعل ms0689 ذلك مضاعفة لنفس الحسنة ~~تنبيها على كمال الاتصال بينهما كأنهما شيء واحد، وقرىء يضعفها ~~وكلاهما بمعنى واحد، وقرىء نضاعفها بنون العظمة على طريقة الالتفات. # " عن عثمان النهدي أنه قال لأبي هريرة رضي الله عنه: بلغني عنك أنك ~~تقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " إن الله تعالى يعطي ~~عبده المؤمن بالحسنة ألف ألف حسنة " قال أبو هريرة: لا بل سمعته ~~صلى الله عليه وسلم يقول: " يعطيه ألفي ألف حسنة " # ثم تلا هذه الآية، والمراد الكثرة لا التحديد { ويؤت من ~~لدنه } ويعط صاحبها من عنده على نهج التفضل زائدا على ما ~~وعده في مقابلة العمل { أجرا عظيما } عطاء جزيلا وإنما سماه ~~أجرا لكونه تابعا للأجر مزيدا عليه. ### || [4.41-42] # { فكيف } محلها إما الرفع على أنها خبر لمبتدإ محذوف وإما ~~النصب بفعل محذوف على التشبيه بالحال كما هو رأي سيبويه أو على ~~التشبيه بالظرف كما هو رأي الأخفش أي كيف حال هؤلاء الكفرة من ~~اليهود والنصارى وغيرهم، أو كيف يصنعون { إذا جئنا } يوم القيامة ~~{ من كل أمة } من الأمم { بشهيد } يشهد عليهم بما كانوا عليه ~~من فساد العقائد وقبائح الأعمال، وهو نبيهم كما في قوله تعالى: # وكنت عليهم شهيدا ما دمت فيهم # [المائدة، الآية 117] والعامل في الظرف مضمون المبتدأ والخبر من هول ~~الأمر وعظم الشأن أو الفعل المقدر ومن متعلقة بجئنا { ~~وجئنا بك } يا محمد { على هؤلاء } إشارة إلى الشهداء ~~المدلول عليهم بما ذكر { شهيدا } تشهد على صدقهم لعلمك بعقائدهم ~~لاستجماع شرعك لمجامع قواعدهم، وقيل: إلى المكذبين المستفهم عن ~~حالهم تشهد عليهم بالكفر والعصيان كما يشهد سائر الأنبياء على أممهم، ~~وقيل: إلى المؤمنين كما في قوله تعالى: # لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم ~~شهيدا # [البقرة، الآية 143]. # { يومئذ يود الذين كفروا وعصوا الرسول } ~~استئناف لبيان حالهم التي أشير إلى شدتها وفظاعتها بقوله تعالى: { ~~فكيف } فإن أريد بهم المكذبون لرسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فالتعبير عنهم بالموصول لا سيما بعد الإشارة إليهم بهؤلاء لذمهم بما ~~في حيز الصلة والإشعار بعلة ما ms0690 اعتراهم من الحال الفظيعة والأمر ~~الهائل، وإيراده عليه السلام بعنوان الرسالة لتشريفه وزيادة تقبيح ~~حال مكذبيه فإن حق الرسول أو يؤمن به ويطاع لا أن يكفر به ~~ويعصى وإن أريد بهم جنس الكفرة فهم داخلون في إمرتهم دخولا أوليا، ~~والمراد بالرسول حينئذ الجنس المنتظم للنبي عليه السلام انتظاما ~~أوليا، وأيا ما كان ففيه من تهويل الأمر وتفظيع الحال ما لا يقادر ~~قدره وقوله تعالى: { وعصوا } عطف على كفروا داخل معه في الصلة، ~~والمراد معاصيهم المغايرة لكفرهم ففيه دلالة على أن الكفار مخاطبون ~~بفروع الشرائع في حق المؤاخذة، وقيل: حال من ضمير كفروا، وقيل: صلة ~~لموصول آخر أي يود في ذلك اليوم الذين جمعوا بين الكفر وعصيان ~~الرسول، أو الذين كفروا وقد عصوا الرسول أو الذين كفروا والذين ~~عصوا الرسول. و { لو } في قوله تعالى: { لو تسوى بهم ~~الأرض } إن جعلت مصدرية فالجملة مفعول ليود أي يودون أن يدفنوا ~~فتسوى بهم الأرض كالموتى، وقيل: يودون أنهم لم يبعثوا أو لم ~~يخلقوا وكأنهم والأرض سواء، وقيل: تصير البهائم ترابا فيودون ~~حالها، وإن جعلت على بابها فالمفعول محذوف لدلالة الجملة عليه أي ~~يودون تسوية الأرض بهم، وجواب لو أيضا محذوف إيذانا بغاية ظهوره ~~أي لسروا بذلك، وقوله تعالى: { ولا يكتمون الله حديثا } ~~عطف على يود أي ولا يقدرون على كتمانه لأن جوارحهم تشهد عليهم، وقيل: ~~الواو للحال أي يودون أن يدفنوا في الأرض وهم لا يكتمون منه تعالى ~~حديثا ولا يكذبونه بقولهم: # والله ربنا ما كنا مشركين # [الأنعام، الآية 23] (إذ روي أنهم إذا قالوا ذلك ختم الله على أفواههم ~~فتشهد عليهم جوارحهم فيشتد الأمر عليهم فيتمنون أن تسوى بهم ~~الأرض) وقرىء تسوى على أن أصله تتسوى فأدغم التاء في السين وقرىء ~~تسوى بحذف التاء الثانية، يقال: سويته فتسوى. ### || [4.43] # { يأيها الذين ءامنوا لا تقربوا الصلوة ~~وأنتم سكرى حتى تعلموا ما تقولون } لما نهوا ~~فيما سلف عن الإشراك به تعالى نهوا ههنا عما يؤدي إليه من حيث لا ~~يحتسبون فإنه (روى أن عبد الرحمن ms0691 بن عوف رضي الله عنه صنع طعاما ~~وشرابا حين كانت الخمر مباحة فدعا نفرا من الصحابة رضي الله عنهم ~~فأكلوا وشربوا حتى ثملوا وجاء وقت صلاة المغرب فتقدم أحدهم ليصلي ~~بهم فقرأ أعبد ما تعبدون فنزلت). وتصدير الكلام بحرفي النداء ~~والتنبيه للمبالغة في حملهم على العمل بموجب النهي وتوجيه النهي إلى ~~قرب الصلاة مع أن المراد هو النهي عن إقامتها للمبالغة في ذلك، وقيل: ~~المراد النهي عن قربان المساجد لقوله عليه السلام: # " جنبوا مساجدكم صبيانكم ومجانينكم " # ويأباه قوله تعالى: { حتى تعلموا ما تقولون } [النساء، ~~الآية: 43] فالمعنى لا تقيموها في حالة السكر حتى تعلموا قبل الشروع ~~ما تقولونه، إذ بتلك التجربة يظهر أنهم يعلمون ما سيقرؤونه في الصلاة. ~~وحمل ما تقولون على ما في الصلاة يستدعي تقدم الشروع فيها على غاية ~~النهي، وحمل العلم على ما بالقوة على معنى حتى تكونوا بحيث تعلمون ما ~~ستقرؤونه في الصلاة تطويل بلا طائل لأن تلك الحيثية إنما تظهر بما ~~ذكر من التجربة، على أن إيثار ما تقولون على ما تقرؤون حينئذ يكون ~~عاريا عن الداعي، وقيل: المراد بالسكر سكر النعاس وغلبة النوم، ~~وأيا ما كان فليس مرجع النهي هو المقيد مع بقاء القيد مرخصا بحاله ~~بل إنما هو القيد مع بقاء المقيد على حاله # إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا # [النساء، الآية 103] كأنه قيل: يا أيها الذين آمنوا لا تسكروا في ~~أوقات الصلاة، وقد روي أنهم كانوا بعد ما نزلت الآية لا يشربون الخمر ~~في أوقات الصلاة فإذا صلوا العشاء شربوها فلا يصبحون إلا وقد ذهب ~~عنهم السكر وعلموا ما يقولون. # { ولا جنبا } عطف على قوله تعالى: # وأنتم سكرى # [النساء، الآية: 47] فإنه في حيز النصب كأنه قيل: لا تقربوا الصلاة ~~سكارى ولا جنبا والجنب من أصابه الجنابة يستوي فيه المذكر والمؤنث ~~والواحد والجمع لجريانه مجرى المصدر { إلا عابرى سبيل } ~~استثناء مفرغ من أعم الأحوال محله النصب على أنه حال من ضمير لا ~~تقربوا باعتبار تقيده بالحال الثانية دون الأولى، والعامل فيه فعل ~~النهي ms0692 أي لا تقربوا الصلاة جنبا في حال من الأحوال إلا حال كونكم ~~مسافرين على معنى أن في حالة السفر ينتهي حكم النهي لكن لا بطريق شمول ~~النفي لجميع صورها بل بطريق نفي الشمول في الجملة من غير دلالة على ~~انتفاء خصوصية البعض المنتفي ولا على بقاء خصوصية البعض الباقي ولا ~~على ثبوت نقيضه لا كليا ولا جزئيا، فإن الاستثناء لا يدل على ذلك ~~عبارة. # نعم يشير إلى مخالفة حكم ما بعده لما قبله إشارة إجمالية يكتفى بها ~~في المقامات الخطابية لا في إثبات الأحكام الشرعية فإن ملاك ~~الأمر في ذلك إنما هو الدليل وقد ورد عقيبه على طريقة البيان، ~~وقيل: هو صفة لجنبا على أن إلا بمعنى غير، أي ولا جنبا غير عابري ~~سبيل، ومن حمل الصلاة على مواضعها فسر العبور بالاجتياز بها ~~وجوز للجنب عبور المسجد وبه قال الشافعي رحمه الله وعندنا لا يجوز ~~ذلك إلا أن يكون الماء أو الطريق فيه، وقيل: إن رجالا من الأنصار كانت ~~أبوابهم في المسجد وكان يصيبهم الجنابة ولا يجدون ممرا إلا في ~~المسجد فرخص لهم ذلك { حتى تغتسلوا } غاية للنهي عن قربان ~~الصلاة حالة الجنابة ولعل تقديم الاستثناء عليه للإيذان من أول ~~الأمر بأن حكم النهي في هذه الصورة ليس على الإطلاق كما في صورة ~~السكر تشويقا إلى البيان وروما لزيادة تقرره في الأذهان، وفي ~~الآية الكريمة إشارة إلى أن المصلي حقه أن يتحرز عما يلهيه ~~ويشغل قلبه وأن يزكي نفسه عما يدنسها ولا يكتفي بأدنى مراتب ~~التزكية عند إمكان أعاليها. # { وإن كنتم مرضى } شروع في تفصيل ما أجمل في الاستثناء ~~وبيان ما هو في حكم المستثنى من الأعذار، والاقتصار فيما قبل على ~~استثناء السفر مع مشاركة الباقي له في حكم الترخيص للإشعار بأنه العذر ~~الغالب المنبيء عن الضرورة التي عليها يدور أمر الرخصة، كأنه ~~قيل: ولا جنبا إلا مضطرين، وإليه مرجع ما قيل من أنه جعل عابري ~~سبيل كناية عن مطلق المعذورين، والمراد بالمرض ما يمنع من استعمال ~~الماء مطلقا سواء ms0693 كان ذلك بتعذر الوصول إليه أو بتعذر استعماله، { ~~أو على سفر } عطف على مرضى أي أو كنتم على سفر ما طال أو قصر، ~~وإيراده صريحا مع سبق ذكره بطريق الاستثناء لبناء الحكم الشرعي ~~عليه وبيان كيفيته فإن الاستثناء كما أشير إليه بمعزل من الدلالة ~~على ثبوته فضلا عن الدلالة على كيفيته، وتقديم المرض عليه للإيذان ~~بأصالته واستقلاله بأحكام لا توجد في غيره كالاشتداد باستعمال الماء ~~ونحوه { أو جاء أحد منكم من الغائط } هو المكان الغائر ~~المطمئن، والمجيء منه كناية عن الحدث لأن المعتاد أو من يريده ~~يذهب إليه ليواري شخصه عن أعين الناس، وإسناد المجيء منه إلى واحد ~~منهم من المخاطبين دونهم للتفادي عن التصريح بنسبتهم إلى ما يستحيا منه ~~أو يستهجن التصريح به وكذلك إيثار الكناية فيما عطف عليه من قوله عز ~~وجل: { أو لمستم النساء } على التصريح بالجماع ونظمهما في ~~سلك سببي سقوط الطهارة والمصير إلى التيمم مع كونهما سببي ~~وجوبها ليس باعتبار أنفسهما بل باعتبار قيدهما المستفاد من قوله ~~تعالى: { فلم تجدوا ماء } بل هو السبب في الحقيقة وإنما ذكرا ~~تمهيدا له وتنبيها على أنه سبب للرخصة بعد انعقاد سبب الطهارة ~~الصغرى والكبرى، كأنه قيل: أولم تكونوا مرضى أو مسافرين بل كنتم فاقدين ~~للماء بسبب من الأسباب مع تحقق ما يوجب استعماله، وتخصيص ذكره بهذه ~~الصورة مع أنه معتبر في صورة المرض والسفر أيضا لندرة وقوعه ~~فيها واستغنائهما عن ذكره إما لأن الجناية معتبرة فيهما قطعا ~~فيعلم من حكمها حكم الحدث الأصغر بدلالة النص لأن تقدير النظم: ~~لا تقربوا الصلاة في حال الجنابة إلا حال كونكم مسافرين فإن كنتم ~~كذلك أو كنتم مرضى الخ، وإما لما قيل من أن عموم إعواز الماء في حق ~~المسافر غالب، والعجز عن استعمال الماء القائم مقام عدمه في حق ~~المريض مغن عن ذكره لفظا، وما قيل من أن هذا القيد راجع إلى الكل وأن ~~قيد وجوب التطهر المكنى عنه بالمجيء من الغائط والملامسة معتبر ~~في الكل مما لا يساعده النظم الكريم. ms0694 # { فتيمموا صعيدا طيبا } فتعمدوا شيئا من وجه الأرض ~~طاهرا، قال الزجاج: الصعيد وجه الأرض ترابا أو غيره وإن كان صخرا ~~لا تراب عليه لو ضرب المتيمم يده عليه ومسح لكان ذلك طهوره وهو ~~مذهب أبي حنيفة رحمه الله، وعند الشافعي رحمه الله لا بد أن يعلق ~~باليد شيء من التراب { فامسحوا بوجوهكم وأيديكم } أي ~~إلى المرفقين لما روي أنه عليه السلام تيمم ومسح يديه إلى مرفقيه. ~~ولأنه بدل من الوضوء فيقدر بقدره { إن الله كان عفوا ~~غفورا } تعليل للترخيص والتيسير وتقرير لهما فإن من عادته ~~المستمرة أن يعفو عن الخاطئين ويغفر للمذنبين لا بد أن يكون ~~ميسرا لا معسرا، وقيل: هو كناية عنهما فإن الترفيه والمسامحة من ~~روادف العفو وتوابع الغفران. ### || [4.44] # { ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتب } ~~كلام مستأنف مسوق لتعجب المؤمنين من سوء حالهم والتحذير عن ~~موالاتهم، والخطاب لكل من يتأتى منه الرؤية من المؤمنين وتوجيهه فيما ~~بعد إلى الكل معا للإيذان بكمال شهرة شناعة حالهم وأنها بلغت من ~~الظهور إلى حيث يتعجب منها كل من يراها والرؤية بصرية أي ألم ~~تنظر إليهم فإنهم أحقاء أن تشاهدهم وتتعجب من أحوالهم، وتجويز ~~كونها قلبية على أن { إلى } تتضمن معنى الانتهاء لما فعلوه يأباه ~~مقام تشهير شنائعهم ونظمها في سلك الأمور المشاهدة والمراد بهم ~~أحبار اليهود. # روي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنها نزلت في حبرين من أحبار ~~اليهود كانا يأتيان رأس المنافقين عبد الله بن أبي ورهطه ~~يثبطانهم عن الإسلام. وعنه رضي الله عنه أيضا أنها نزلت في رفاعة ~~بن زيد ومالك بن دخشم كانا إذا تكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~لويا لسانهما وعاباه. والمراد بالكتاب هو التوراة وحمله على جنس ~~الكتاب المنتظم لها انتظاما أوليا تطويل للمسافة، وبالذي أوتوه ما ~~بين لهم فيها من الأحكام والعلوم التي من جملتها ما علموه من ~~نعوت النبي صلى الله عليه وسلم وحقية الإسلام، والتعبير عنه ~~بالنصيب المنبىء عن كونه حقا من حقوقهم التي يجب مراعاتها والمحافظة ms0695 ~~عليها للإيذان بكمال ركاكة آرائهم حيث ضيعوه تضييعا، وتنوينه ~~تفخيمي مؤيد للتشنيع عليهم والتعجيب من حالهم، فالتعبير عنهم ~~بالموصول للتنبيه بما في حيز الصلة على كمال شناعتهم والإشعار بمكان ~~ما طوي ذكره في المعاملة المحكية عنهم من الهدى الذي هو أحد ~~العوضين، وكلمة { من } متعلقة إما بأوتوا أو بمحذوف وقع صفة ~~لنصيبا مبينة لفخامته الإضافية إثر بيان فخامته الذاتية أي ~~نصيبا كائنا من الكتاب وقوله تعالى: { يشترون الضللة } قيل: ~~هو حال مقدرة من واو { أوتوا } ولا ريب في أن اعتبار تقدير ~~اشترائهم المذكور في الإيتاء مما لا يليق بالمقام، وقيل: هو حال من ~~الموصول أي ألم تنظر إليهم حال اشترائهم، وأنت خبير بأنه خال عن ~~إفادة أن مادة التشنيع والتعجيب هو الاشتراء المذكور وما عطف عليه، ~~والذي تقتضيه جزالة النظم الكريم أنه استئناف مبين لمناط التشنيع ~~ومدار التعجيب المفهومين من صدر الكلام على وجه الإجمال والإبهام، ~~مبني على سؤال نشأ منه كأنه قيل: ماذا يصنعون حتى ينظر إليهم؟ فقيل: ~~يأخذون الضلالة ويتركون ما أوتوه من الهداية، وإنما طوي ذكر ~~المتروك لغاية ظهور الأمر لا سيما بعد الإشعار المذكور، والتعبير ~~عن ذلك بالاشتراء الذي هو عبارة عن استبدال السلعة بالثمن أي أخذها ~~بدلا منه أخذا ناشئا عن الرغبة فيها والإعراض عنه للإيذان بكمال ~~رغبتهم في الضلالة التي حقها أن يعرض عنها كل الإعراض، ~~وإعراضهم عن الهداية التي يتنافس فيها المتنافسون، وفيه من التسجيل على ~~نهاية سخافة عقولهم وغاية ركاكة آرائهم ما لا يخفى حيث صورت ~~حالهم بصورة ما لا يكاد يتعاطاه أحد ممن له أدنى تمييز، وليس المراد ~~بالضلالة جنسها الحاصل لهم من قبل حتى يخل بمعنى الاشتراء ~~المنبيء عن تأخرها عنه بل هو فردها الكامل وهو عنادهم وتماديهم ~~في الكفر بعد ما علموا بشأن النبي عليه السلام وتيقنوا بحقية دينه ~~وأنه هو النبي العربي المبشر به في التوراة، ولا ريب في أن هذه ~~الرتبة لم تكن حاصلة لهم قبل ذلك وقد مر في أوائل سورة البقرة. # { ويريدون } عطف على يشترون ms0696 شريك له في بيان محل التشنيع ~~والتعجب، وصيغة المضارع فيهما للدلالة على الاستمرار التجددي، فإن ~~تجدد حكم اشترائهم المذكور وتكرر العمل بموجبه في قوة تجدد ~~نفسه وتكرره، أي لا يكتفون بضلال أنفسهم بل يريدون بما فعلوا من ~~كتمان نعوته عليه السلام { أن تضلوا } أنتم أيضا أيها المؤمنون { ~~السبيل } المستقيم الموصل إلى الحق. ### || [4.45-46] # { والله أعلم } أي منكم { بأعدائكم } جميعا ومن جملتهم ~~هؤلاء وقد أخبركم بعداوتهم لكم وما يريدون بكم لتكونوا على حذر منهم ومن ~~مخالطتهم أو هو أعلم بحالهم ومآل أمرهم، والجملة معترضة لتقرير ~~إرادتهم المذكورة { وكفى بالله وليا } في جميع أموركم ~~ومصالحكم { وكفى بالله نصيرا } في كل المواطن فثقوا به ~~واكتفوا بولايته ونصرته ولا تتولوا غيره، أو لا تبالوا بهم وبما ~~يسومونكم من السوء فإنه تعالى يكفيكم مكرهم وشرهم ففيه وعد ووعيد، ~~والباء مزيدة في فاعل كفى لتأكيد الاتصال الإسنادي بالاتصال ~~الإضافي، وتكرير الفعل في الجملتين مع إظهار الجلالة في مقام ~~الإضمار لا سيما في الثاني لتقوية استقلالهما المناسب للاعتراض، ~~وتأكيد كفايته عز وجل في كل من الولاية والنصرة والإشعار ~~بعليتهما، فإن الألوهية من موجباتهما لا محالة { من الذين ~~هادوا } قيل: هو بيان لأعدائكم وما بينهما اعتراض، وفيه أنه لا ~~وجه لتخصيص علمه سبحانه بطائفة من أعدائهم لا سيما في معرض الاعتراض ~~الذي حقه العموم والإطلاق وانتظام ما هو المقصود في المقام ~~انتظاما أوليا كما أشير إليه، وقيل: هو صلة لنصيرا أي ينصركم من ~~الذين هادوا كما في قوله تعالى: # فمن ينصرنى من الله # [هود، الآية 63] وفيه ما فيه من تحجير واسع نصرته عز وجل مع أنه لا ~~داعي إلى وضع الموصول موضع ضمير الأعداء لأن ما في حيز الصلة ليس ~~بوصف ملائم للنصر، وقيل: هو خبر مبتدإ محذوف وقع وقوله تعالى: { ~~يحرفون الكلم عن موضعه } صفة له أي من الذين هادوا قوم ~~أو فريق يحرفون الخ، وفيه أنه يقتضي كون الفريق السابق بمعزل من ~~التحريف الذي هو المصداق لاشترائهم في الحقيقة، فالذي يليق بشأن ~~التنزيل الجليل أنه بيان ms0697 للموصول الأول المتناول بحسب المفهوم ~~لأهل الكتابين قد وسط بينهما ما وسط لمزيد الاعتناء ببيان محل ~~التشنيع والتعجيب والمسارعة إلى تنفير المؤمنين منهم وتحذيرهم عن ~~مخالطتهم والاهتمام بحملهم على الثقة بالله عز وجل، والاكتفاء بولايته ~~ونصرته، وأن قوله تعالى: { يحرفون } وما عطف عليه بيان ~~لاشترائهم المذكور وتفصيل لفنون ضلالتهم، وقد روعيت في النظم الكريم ~~طريقة التفسير بعد الإبهام والتفصيل إثر الإجمال روما لزيادة ~~تقرير يقتضيه الحال. # والكلم اسم جنس واحده كلمة كتمر وتمرة، وتذكير ضميره ~~باعتبار إفراده لفظا، وجمعية مواضعه باعتبار تعدده معنى، وقرىء ~~بكسر الكاف وسكون اللام جمع كلمة تخفيف كلمة وقرىء يحرفون الكلام ~~والمراد به ههنا إما ما في التوراة خاصة وإما ما هو أعم منه ومما ~~سيحكى عنهم من الكلمات المعهودة الصادرة عنهم في أثناء المحاروة مع ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا مساغ لإرادة تلك الكلمات خاصة بأن ~~يجعل عطف قوله تعالى: { ويقولون سمعنا وعصينا } الخ، ~~على ما قبله عطفا تفسيريا لما ستقف على سره، فإن أريد به الأول كما هو ~~رأي الجمهور فتحريفه إزالته عن مواضعه التي وضعه الله تعالى فيها من ~~التوراة كتحريفهم في نعت النبي عليه السلام (أسمر ربعة) عن موضعه ~~في التوراة بأن وضعوا مكانه آدم طوال وكتحريفهم الرجم بوضعهم بدله ~~الحد أو صرفه عن المعنى الذي أنزله الله تعالى فيه إلى ما لا صحة له ~~بالتأويلات الزائغة الملائمة لشهواتهم الباطلة، وإن أريد به الثاني ~~فلا بد من أن يراد بمواضعه ما يليق به مطلقا سواء كان ذلك بتعيينه ~~تعالى صريحا كمواضع ما في التوراة، أو بتعيين العقل أو الدين ~~كمواضع غيره، وأيا ما كان فقولهم: { سمعنا وعصينا } ينبغي ~~أن يجري على إطلاقه من غير تقييد بزمان أو مكان ولا تخصيص بمادة دون ~~مادة، بل وأن يحمل على ما هو أعم من القول الحقيقي ومما يترجم ~~عنه عنادهم ومكابرتهم ليندرج فيه ما نطقت به ألسنة حالهم عند ~~تحريف التوراة فإن من لا يتفوه بتلك العظيمة لا يكاد يتجاسر على مثل ~~هذه ms0698 الجناية، وإلا فحمله على ما قالوه في مجلس النبي صلى الله عليه ~~وسلم من القبائح خاصة يستدعي اختصاص حكم الشرطية الآتية وما بعدها ~~بهن من غير تعرض لتحريفهم التوراة مع أنه معظم جناياتهم المعدودة، ~~ومن ههنا انكشف لك السر الموعود فتأمل. # أي يقولون في كل أمر مخالف لأهوائهم الفاسدة سواء كان بمحضر ~~النبي صلى الله عليه وسلم أو لا، بلسان المقال أو الحال: سمعنا ~~وعصينا عنادا وتحقيقا للمخالفة وقوله تعالى: { واسمع غير ~~مسمع } عطف على سمعنا وعصينا داخل تحت القول أي ويقولون ذلك في ~~أثناء مخاطبته عليه السلام خاصة وهو كلام ذو وجهين محتمل للشر بأن ~~يحمل على معنى اسمع حال كونك غير مسمع كلاما أصلا بصمم أو موت ~~أي مدعوا عليك بلا سمعت أو غير مسمع كلاما ترضاه، فحينئذ يجوز أن ~~يكون نصبه على المفعولية، وللخير بأن يحمل على اسمع منا غير مسمع ~~مكروها. كانوا يخاطبون به النبي صلى الله عليه وسلم استهزاء به ~~مظهرين له عليه السلام إرادة المعنى الأخير وهم مضمرون في أنفسهم ~~المعنى الأول مطمئنون به { ورعنا } عطف على اسمع غير مسمع، أي ~~ويقولون في أثناء خطابهم له عليه السلام هذا أيضا، يوردون كلا من ~~العظائم الثلاث في مواقعها. وهي أيضا كلمة ذات وجهين محتملة للخير ~~بحملها على معنى ارقبنا وانظرنا نكلمك، وللشر بحملها على السب ~~بالرعونة أي الحمق، أو بإجرائها مجرى ما يشبهها من كلمة عبرانية ~~أو سريانية كانوا يتسابون بها وهي راعينا كانوا يخاطبونه عليه السلام ~~بذلك ينوون الشتيمة والإهانة ويظهرون التوقير والاحترام، ومصيرهم ~~إلى مسلك النفاق في القولين الأخيرين مع تصريحهم بالعصيان في الأول لما ~~قالوا من أن جميع الكفرة كانوا يواجهونه بالكفر والعصيان ولا يواجهونه ~~بالسب ودعاء السوء وقيل: كانوا يقولون الأول فيما بينهم، وقيل: ~~يجوز أن لا ينطقوا بذلك ولكنهم لما لم يؤمنوا به صاروا كأنهم نطقوا ~~به. # { ليا بألسنتهم } أي فتلا بها وصرفا للكلام عن نهجه إلى ~~نسبة السب حيث وضعوا غير مسمع لا أن سمعت مكروها وأجروا راعنا ~~المشابهة ms0699 لراعينا مجرى انظرنا أو فتلا بها وضما لما يظهرونه من ~~الدعاء والتوقير إلى ما يضمرونه من السب والتحقير { وطعنا فى ~~الدين } أي قدحا فيه بالاستهزاء والسخرية، وانتصابهما على ~~التعليل ليقولون باعتبار تعلقه بالقولين الأخيرين أي يقولون ذلك لصرف ~~الكلام عن وجهه إلى السب والطعن في الدين، أو على الحالية أي لاوين ~~طاعنين في الدين { ولو أنهم } عندما سمعوا شيئا من أوامر الله ~~تعالى ونواهيه { قالوا } بلسان المقال أو بلسان الحال مكان قولهم: ~~سمعنا وعصينا { سمعنا وأطعنا } إنما أعيد سمعنا مع أنه ~~متحقق في كلامهم وإنما الحاجة إلى وضع أطعنا مكان عصينا لا ~~للتنبيه على عدم اعتباره بل على اعتبار عدمه كيف لا وسماعهم سماع ~~الرد ومرادهم بحكايته الإعلام بأن عصيانهم للأمر بعد سماعه ~~والوقوف عليه فلا بد من إزالته وإقامة سماع القبول مقامه. # { واسمع } أي لو قالوا عند مخاطبة النبي عليه الصلاة والسلام بدل ~~قولهم اسمع غير مسمع: اسمع { وانظرنا } أي ولو قالوا ذلك ~~بدل قولهم: راعنا ولم يدسوا تحت كلامهم شرا وفسادا، أي لو ثبت ~~أنهم قالوا هذا مكان ما قالوا من الأقوال { لكان } قولهم ذلك { ~~خيرا لهم } مما قالوا { وأقوم } أي أعدل وأسد في نفسه، ~~وصيغة التفضيل إما على بابها واعتبار أصل الفضل في المفضل عليه ~~بناء على اعتقادهم أو بطريق التهكم، وإما بمعنى اسم الفاعل وإنما ~~قدم في البيان حاله بالنسبة إليهم على حاله في نفسه لأن هممهم ~~مقصورة على ما ينفعهم. # { ولكن لعنهم الله بكفرهم } أي ولكن لم يقولوا ذلك ~~واستمروا على كفرهم فخذلهم الله تعالى وأبعدهم عن الهدى بسبب كفرهم ~~بذلك { فلا يؤمنون } بعد ذلك { إلا قليلا } قيل: أي إلا ~~إيمانا قليلا لا يعبأ به وهو الإيمان ببعض الكتب والرسل أو إلا ~~زمانا قليلا وهو زمان الاحتضار فإنهم يؤمنون حين لا ينفعهم الإيمان، ~~قال تعالى: # وإن من أهل الكتب إلا ليؤمنن به قبل ~~موته # [النساء، الآية 159] وكلاهما ليس بإيمان قطعا، وقد جوز أن يراد ~~بالقلة العدم بالكلية على طريقة قوله تعالى: # لا يذوقون فيها الموت ms0700 إلا الموتة الأولى # [الدخان، الآية 56] أي إن كان الإيمان المعدوم إيمانا فهم يحدثون ~~شيئا من الإيمان فهو في المعنى تعليق بالمحال وأنت خبير بأن الكل ~~يأباه ما يعقبه من الأمر بالإيمان بالقرآن الناطق بهذا لإفضائه إلى ~~التكليف بالمحال الذي هو إيمانهم بعدم إيمانهم المستمر، أما على ~~الوجه الأخير فظاهر وأما على الأولين فلاءن أمرهم بالإيمان ~~المنجز بجميع الكتب والرسل تكليف لهم بإيمانهم ببعض الكتب ~~والرسل وبعدم إيمانهم إلى وقت الاحتضار، فالوجه أن يحمل القليل ~~على من يؤمنون لإفضائه إلى وقوع إيمان من لعنه الله تعالى وخذله ~~مع ما فيه من نسبة القراء إلى الاتفاق على غير المختار بل بجعله ضمير ~~المفعول في لعنهم أي ولكن لعنهم الله إلا فريقا قليلا فإنه تعالى لم ~~يلعنهم فلم ينسد عليهم باب الإيمان وقد آمن بعد ذلك فريق من ~~الأحبار كعبد الله بن سلام وكعب وأضرابهما كما سيأتي. ### || [4.47] # { يأيها الذين أوتوا الكتب } تلوين للخطاب وتوجيه ~~له إما إلى من حكيت أحوالهم وأقوالهم خاصة بطريق الالتفات، ~~ووصفهم تارة بإيتاء الكتاب أي التوراة وأخرى بإيتاء نصيب منها ~~لتوفية كل من المقامين حقه، فإن المقصود فيما سبق بيان أخذهم ~~الضلالة وإزالة ما أوتوه بمقابلتها بالتحريف، وليس ما أزالوه بذلك ~~كلها حتى يوصفوا بإيتائه، بل هو بعضها فوصفوا بإيتائه، وأما ههنا ~~فالمقصود تأكيد إيجاب الامتثال بالأمر الذي يعقبه والتحذير عن ~~مخالفته من حيث أن الإيمان بالمصدق موجب للإيمان بما يصدقه، ~~والكفر بالثاني مقتض للكفر بالأول قطعا، ولا ريب في أن المحذور عندهم ~~إنما هو لزوم الكفر بالتوراة نفسها لا ببعضها، وذلك إنما يتحقق بجعب ~~القرآن مصدقا لكلها وإن كان مناط التصديق بعضا منها ضرورة أن ~~مصدق البعض مصدق للكل المتضمن له حتما، وإما إليهم وإلى غيرهم ~~قاطبة وهو الأظهر، وأيا ما كان فتفصيل ما فصل لما كان من مظان ~~إقلاع كل من الفريقين عما كانوا عليه من الضلالة عقب ذلك بالأمر ~~بالمبادرة إلى سلوك محجة الهداية مشفوعا بالوعيد الشديد على ~~المخالفة فقال: { آمنوا بما نزلنا } من القرآن، ms0701 عبر عنه ~~بالموصول تشريفا له بما في حيز الصلة وتحقيقا لكونه من عنده عز وعلا ~~{ مصدقا لما معكم } من التوراة، عبر عنها بذلك للإيذان بكمال ~~وقوفهم على حقيقة الحال فإن المعية المستدعية لدوام تلاوتها ~~وتكرر المراجعة إليها من موجبات العثور على ما في تضاعيفها المؤدي ~~إلى العلم بكون القرآن مصدقا لها، ومعنى تصديقه إياها نزوله حسبما ~~نعت لهم فيها أو كونه موافقا لها في القصص والمواعيد والدعوة إلى ~~التوحيد والعدل بين الناس والنهي عن المعاصي والفواحش، وأما ما ~~يتراءى من مخالفته لها في جزئيات الأحكام بسبب تفاوت الأمم والأعصار ~~فليست بمخالفة في الحقيقة بل هي عين الموافقة من حيث أن كلا منها حق ~~بالإضافة إلى عصره متضمن للحكمة التي عليها يدور فلك التشريع حتى ~~لو تأخر نزول المتقدم لنزل على وفق المتأخر، ولو تقدم نزول ~~المتأخر لوافق المتقدم قطعا، ولذلك قال عليه الصلاة والسلام: # " لو كان موسى حيا لما وسعه إلا اتباعي " # { من قبل أن نطمس وجوها } متعلق بالأمر مفيد للمسارعة ~~إلى الامتثال به والجد في الانتهاء عن مخالفته بما فيه من الوعيد ~~الشديد الوارد على أبلغ وجه وآكده، حيث لم يعلق وقوع ~~المتوعد به بالمخالفة ولم يصرح بوقوعه عندها تنبيها على أن ذلك ~~أمر محقق غني عن الإخبار به وأنه على شرف الوقوع متوجه نحو ~~المخاطبين، وفي تنكير الوجوه المفيد للتكثير تهويل للخطب وفي ~~إبهامها لطف بالمخاطبين وحسن استدعاء لهم إلى الإيمان، وأصل الطمس ~~محو الآثار وإزالة الأعلام، أي آمنوا من قبل أن نمحو تخطيط صورها ~~ونزيل آثارها، قال ابن عباس رضي الله عنهما: نجعلها كخف البعير أو ~~كحافر الدابة، وقال قتادة والضحاك: نعميها كقوله تعالى: { فطمسنا ~~أعينهم } [القمر، الآية 37] وقيل: نجعلها منابت الشعر كوجوه ~~القردة. # { فنردها على أدبرها } فنجعلها على هيئة أدبارها ~~وأقفائها مطموسة مثلها، فالفاء للتسبيب أو ننكسها بعد الطمس ~~فنردها إلى موضع الأقفاء، والأقفاء إلى موضعها، وقد اكتفي بذكر ~~أشدهما فالفاء للتعقيب، وقيل: المراد بالوجوه الوجهاء على أن ~~الطمس بمعنى مطلق التغيير، أي من قبل أن ms0702 نغير أحوال وجهائهم ~~فنسلب إقبالهم ووجاهتهم ونكسوهم صغارا وإدبارا، أو نردهم من ~~حيث جاءوا منه، وهي أذرعات الشام، فالمراد بذلك إجلاء بني النضير، ~~ولا يخفى أنه لا يساعده مقام تشديد الوعيد وتعميم التهديد للجميع، ~~فالوجه ما سبق من الوجوه، وقد اختلف في أن الوعيد هل كان بوقوعه في ~~الدنيا أو في الآخرة؟ فقيل: كان بوقوعه في الدنيا. # ويؤيده ما روي أن عبد الله بن سلام رضي الله تعالى عنه لما قدم ~~من الشام وقد سمع هذه الآية أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أن ~~يأتي أهله فأسلم، وقال: يا رسول الله ما كنت أرى أن أصل إليك حتى ~~يتحول وجهي إلى قفاي. وفي رواية جاء إلى النبي عليه الصلاة والسلام ~~ويده على وجهه وأسلم وقال ما قال. وكذا ما روي أن عمر رضي الله عنه ~~قرأ هذه الآية على كعب الأحبار، فقال كعب: يا رب آمنت يا رب أسلمت ~~مخافة أن يصيبه وعيدها، ثم اختلفوا فقيل: إنه منتظر بعد، ولا بد ~~من طمس في اليهود ومسخ، وهو قول المبرد. وفيه أن انصراف العذاب ~~الموعود عن أوائلهم وهم الذين باشروا أسباب نزوله وموجبات حلوله ~~حيث شاهدوا شواهد النبوة في رسول الله صلى الله عليه وسلم فكذبوها وفي ~~التوراة فحرفوها وأصروا على الكفر والضلالة وتعلق بهم خطاب ~~المشافهة بالوعيد ثم نزوله على من وجد بعد مئات من السنين من أعقابهم ~~الضالين بإضلالهم العالمين بما مهدوا من قوانين الغواية بعيد من ~~حكمة الله تعالى العزيز الحكيم، وقيل: أو وقوعه كان مشروطا بعدم ~~الإيمان وقد آمن من أحبارهم المذكوران وأضرابهما فلم يقع، وفيه أن ~~إسلام بعضهم إن لم يكن سببا لتأكد نزول العذاب على الباقين ~~لتشديدهم النكير والعناد بعد ازدياد الحق وضوحا وقيام الحجة ~~عليهم بشهادة أماثلهم العدول فلا أقل من ألا يكون سببا لرفعه ~~عنهم، وقيل: كان الوعيد بوقوع أحد الأمرين كما ينطق به قوله تعالى: { ~~أو نلعنهم كما لعنا أصحب السبت } فإن لم يقع ~~الأمر الأول فلا نزاع في وقوع ms0703 الثاني، كيف لا وهم ملعونون بكل لسان ~~في كل زمان، وتفسير اللعن بالمسخ ليس بمقرر البتة، وأنت خبير ~~بأن المتبادر من اللعن المشبه بلعن أصحاب السبت هو المسخ وليس في ~~عطفه على الطمس والرد على الأدبار شائبة دلالة على عدم إرادة ~~المسخ لضرورة أنه تغيير مغاير لما عطف عليه، على أن المتوعد به ~~لا بد أن يكون أمرا حادثا مترتبا على الوعيد محذورا عندهم، ليكون ~~مزجرة عن مخالفة الأمر ولم يعهد أنه وقع عليهم لعن بهذا الوصف، ~~إنما الواقع عليهم ما تداولته الألسنة من اللعن المستمر الذي ألفوه ~~وهو بمعزل من صلاحية أن يكون حكما لهذا الوعيد أو مزجرة للعنيد، ~~وقيل: إنما كان الوعيد بوقوع ما ذكر في الآخرة عند الحشر وسيقع فيها ~~لا محالة أحد الأمرين أو كلاهما على سبيل التوزيع، وأما ما روي عن ~~عبد الله بن سلام وكعب فمبني على الاحتياط اللائق بشأنهما. # والحق أن النظم الكريم ليس بنص في أحد الوجهين، بل المتبادر منه بحسب ~~المقام هو الأول لأنه أدخل في الزجر وعليه مبني ما روي عن ~~الحبرين، لكن لما لم يتضح وقوعه علم أن المراد هو الثاني، والله ~~تعالى أعلم وأيا ما كان فلعل السر في تخصيصهم بهذه العقوبة من بين ~~العقوبات مراعاة المشاكلة بينهما وبين ما أوجبها من جنايتهم التي هي ~~التحريف والتغيير والله هو العليم الخبير { وكان أمر الله ~~} أي ما أمر به كائنا ما كان أو أمره بإيقاع شيء ما من الأشياء { ~~مفعولا } نافذا كائنا لا محالة فيدخل فيه ما أوعدتم به دخولا ~~أوليا، فالجملة اعتراض تذييلي مقرر لما سبق، ووضع الاسم ~~الجليل موضع الضمير بطريق الالتفات لتربية المهابة وتعليل الحكم ~~وتقوية ما في الاعتراض من الاستقلال. ### || [4.48-49] # { إن الله لا يغفر أن يشرك به } كلام مستأنف مسوق ~~لتقرير ما قبله من الوعيد وتأكيد وجوب الامتثال بالأمر بالإيمان ~~ببيان استحالة المغفرة بدونه فإنهم كانوا يفعلون ما يفعلون من التحريف ~~ويطمعون في المغفرة كما في قوله تعالى: # فخلف من بعدهم خلف ورثوا الكتب ms0704 يأخذون ~~عرض هذا الأدنى # [الأعراف، الآية 169] أي على التحريف # ويقولون سيغفر لنا # [الأعراف، الآية 169] والمراد بالشرك مطلق الكفر المنتظم لكفر ~~اليهود انتظاما أوليا فإن الشرع قد نص على إشراك أهل الكتاب ~~قاطبة وقضى بخلود أصناف الكفرة في النار، ونزوله في حق اليهود كما ~~قال مقاتل وهو الأنسب بسباق النظم الكريم وسياقه لا يقتضي اختصاصه ~~بكفرهم بل يكفي اندراجه فيه قطعا، بل لا وجه له أصلا لاقتضائه جواز ~~مغفرة ما دون كفرهم في الشدة من أنواع الكفر أي لا يغفر الكفر لمن ~~اتصف به بلا توبة وإيمان لأن الحكمة التشريعية مقتضية لسد باب ~~الكفر، وجواز مغفرته بلا إيمان مما يؤدي إلى فتحه ولأن ظلمات الكفر ~~والمعاصي إنما يسترها نور الإيمان فمن لم يكن له إيمان لم يغفر له ~~شيء من الكفر والمعاصي { ويغفر ما دون ذلك } عطف على خبر ~~إن، وذلك إشارة إلى الشرك، وما فيه من معنى البعد مع قربه في الذكر ~~للإيذان ببعد درجته وكونه في أقصى مراتب القبح، أي ويغفر ما دونه ~~في القبح من المعاصي صغيرة كانت أو كبيرة تفضلا من لدنه وإحسانا من ~~غير توبة عنها لكن لا لكل أحد بل { لمن يشاء } أي لمن يشاء أن ~~يغفر له ممن اتصف به فقط لا بما فوقه، فإن مغفرتهما لمن اتصف بهما ~~سواء في استحالة الدخول تحت المشيئة المبنية على الحكمة ~~التشريعية، فإن اختصاص مغفرة المعاصي من غير توبة بأهل الإيمان من ~~متممات الترغيب فيه والزجر عن الكفر، ومن علق المشيئة بكلا الفعلين ~~وجعل الموصول الأول عبارة عمن لم يتب والثاني عمن تاب فقد ضل سواء ~~السبيل، كيف لا وإن مساق النظم الكريم لإظهار كمال عظم جريمة ~~الكفر وامتيازه عن سائر المعاصي ببيان استحالة مغفرته وجواز ~~مغفرتها، فلو كان الجواز على تقدير التوبة لم يظهر بينهما فرق، ~~للإجماع على مغفرتها بالتوبة، ولم يحصل ما هو المقصود من الزجر ~~البليغ عن الكفر والطغيان والحمل على التوبة والإيمان. # { ومن يشرك بالله } إظهار الاسم الجليل في موضع الإضمار ~~لزيادة تقبيح ms0705 الإشراك وتفظيع حال من يتصف به [ولإظهار المهابة من ~~الكفر] { فقد افترى إثما عظيما } أي افترى واختلق، مرتكبا ~~إثما لا يقادر قدره ويستحقر دونه جميع الآثام فلا تتعلق به ~~المغفرة قطعا. # { ألم تر إلى الذين يزكون أنفسهم } تعجيب من ~~حالهم المنافية لما هم عليه من الكفر والطغيان، والمراد بهم اليهود ~~الذين يقولون: نحن أبناء الله وأحباؤه، وقيل: # " ناس من اليهود جاءوا بأطفالهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فقالوا: هل على هؤلاء ذنب؟ فقال عليه الصلاة والسلام: «لا» قالوا: ما ~~نحن إلا كهيئتهم ما عملنا بالنهار كفر عنا بالليل وما عملنا بالليل ~~كفر عنا بالنهار " # أي انظر إليهم فتعجب من ادعائهم أنهم أزكياء عند الله تعالى مع ما ~~هم عليه من الكفر والإثم العظيم أو من ادعائهم التكفير مع استحالة أن ~~يغفر للكافر شيء من كفره أو معاصيه، وفيه تحذير من إعجاب المرء ~~بنفسه وبعمله { بل الله يزكى من يشاء } عطف على مقدر ~~ينساق إليه الكلام كأنه قيل: هم لا يزكونها في الحقيقة لكذبهم ~~وبطلان اعتقادهم، بل الله يزكي من يشاء تزكيته ممن يستأهلها من ~~المرتضين من عباده المؤمنين، إذ هو العليم الخبير بما ينطوي عليه ~~البشر من المحاسن والمساوي وقد وصفهم الله بما هو متصفون به من القباح. ~~وأصل التزكية نفي ما يستقبح بالفعل أو بالقول { ولا يظلمون } ~~عطف على جملة قد حذفت تعويلا على دلالة الحال عليها وإيذانا بأنها ~~غنية عن الذكر أي يعاقبون بتلك الفعلة القبيحة ولا يظلمون في ذلك ~~العقاب { فتيلا } أي أدنى ظلم وأصغره، وهو الخيط الذي في شق ~~النواة يضرب به المثل في القلة والحقارة، وقيل: التقدير يثاب ~~المزكون ولا ينقص من ثوابهم شيء أصلا، ولا يساعده مقام الوعيد. ### || [4.50-51] # { انظر كيف يفترون على الله الكذب } { كيف } نصب ~~إما تشبيها بالظرف أو بالحال على الخلاف المشهور بين سيبويه ~~والأخفش، والعامل يفترون وبه تتعلق { على } أي في أي حال، أو على ~~أي حال يفترون عليه تعالى الكذب، والمراد بيان شناعة تلك الحال ~~وكمال فظاعتها، ms0706 والجملة في محل النصب بعد نزع الخافض والنظر متعلق ~~بهما، وهو تعجيب وتنبيه على أن ما ارتكبوه متضمن لأمرين عظيمين ~~موجبين للتعجب: إدعاؤهم الاتصاف بما هم متصفون بنقيضه، وافتراؤهم ~~على الله سبحانه. فإن ادعاءهم الزكاة عنده تعالى متضمن لادعائهم ~~قبول الله وارتضاءه إياهم، تعالى عن ذلك علوا كبيرا، ولكون هذا ~~أشنع من الأول جرما وأعظم قبحا لما فيه من نسبته سبحانه وتعالى إلى ~~ما يستحيل عليه بالكلية من قبول الكفر وارتضائه لعباده ومغفرة كفر ~~الكافر وسائر معاصيه، وجه النظر إلى كيفيته تشديدا للتشنيع ~~وتأكيدا للتعجيب. والتصريح بالكذب مع أن الافتراء لا يكون إلا كذبا ~~للمبالغة في تقبيح حالهم. # { وكفى به } أي بافترائهم هذا من حيث هو افتراء عليه تعالى مع ~~قطع النظر عن مقارنته لتزكية أنفسهم وسائر آثامهم العظام { إثما ~~مبينا } ظاهرا بينا كونه [أشد] إثما، والمعنى كفى ذلك وحده ~~في كونهم أشد إثما من كل كفار أثيم، أو في استحقاقهم لأشد ~~العقوبات لما مر سره، وجعل الضمير لزعمهم مما لا مساغ له لإخلاله ~~بتهويل أمر الافتراء فتدبر. # { ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتب } ~~تعجب من حال أخرى لهم، ووصفهم بما ذكر من إيتاء النصيب لما مر من ~~منافاته لما صدر عنهم من القبائح، وقوله عز وجل: { يؤمنون ~~بالجبت والطغوت } استئناف مبين لمادة التعجب مبني على ~~سؤال ينساق إليه الكلام كأنه قيل: ماذا يفعلون حين ينظر إليهم؟ فقيل: ~~يؤمنون الخ، والجبت الأصنام وكل ما عبد من دون الله تعالى فقيل: ~~أصله الجبس وهو الذي لا خير عنده فأبدل السن تاء، وقيل: الجبت ~~الساحر بلغة الحبشة، والطاغوت الشيطان، قيل: هو في الأصل كل ما يطغي ~~الإنسان. روي (أن حيي بن أخطب وكعب بن الأشرف اليهوديين خرجا ~~إلى مكة في سبعين راكبا من اليهود ليحالفوا قريشا على محاربة رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم وينقضوا العهد الذي كان بينهم وبينه عليه ~~السلام فقالوا: أنتم أهل كتاب وأنتم أقرب إلى محمد منكم إلينا فلا ~~نأمن مكركم فاسجدوا لآلهتنا حتى نطمئن إليكم ms0707 ففعلوا) فهذا إيمانهم ~~بالجبت والطاغوت لأنهم سجدوا للأصنام وأطاعوا إبليس فيما فعلوا، وقال ~~أبو سفيان لكعب: إنك امرؤ تقرأ الكتاب وتعلم، ونحن أميون لا نعلم ~~فأينا أهدى طريقا نحن أم محمد؟ فقال: ماذا يقول محمد؟ قال: يأمر ~~بعبادة الله وحده وينهي عن الشرك، قال: وما دينكم؟ قالوا: نحن ولاة ~~البيت نسقي الحاج ونقري الضيف ونفك العاني، وذكروا أفعالهم ~~فقال: أنتم أهدى سبيلا. # وذلك قوله تعالى: { ويقولون للذين كفروا } أي لأجلهم وفي ~~حقهم { هؤلاء } يعنونهم { أهدى من الذين آمنوا ~~سبيلا } أي أقوم دينا وأرشد طريقة، وإيرادهم بعنوان الإيمان ليس ~~من قبل القائلين بل من جهة الله تعالى تعريفا لهم بالوصف الجميل ~~وتخطئة لمن رجح عليهم المتصفين بأقبح القبائح. ### || [4.52-53] # { أولئك } إشارة إلى القائلين، وما فيه من معنى البعد مع ~~قربهم في الذكر للإشعار ببعد منزلتهم في الضلال، وهو مبتدأ خبره ~~قوله تعالى: { الذين لعنهم الله } أي أبعدهم عن رحمته ~~وطردهم، والجملة مستأنفة لبيان حالهم وإظهار مصيرهم ومآلهم { ~~ومن يلعن الله } أي يبعده عن رحمته { فلن تجد له ~~نصيرا } يدفع عنه العذاب دنيويا كان أو أخرويا لا بشفاعة ولا ~~بغيرها، وفيه تنصيص على حرمانهم مما طلبوا من قريش، وفي كلمة لن ~~وتوجيه الخطاب إلى كل أحد ممن يتسنى له الخطاب وتوحيد النصير ~~منكرا والتعبير عن عدمه بعدم الوجدان المنبىء عن سبق الطلب ~~مسندا إلى المخاطب العام من الدلالة على حرمانهم الأبدي بالكلية ~~ما لا يخفى. # { أم لهم نصيب من الملك } شروع في تفصيل بعض آخر من ~~قبائحهم، وأم منقطعة وما فيها من بل للإضراب والانتقال من ذمهم ~~بتزكيتهم أنفسهم وغيرها مما حكي عنهم إلى ذمهم بادعائهم نصيبا من ~~الملك وبخلهم المفرط وشحهم البالغ، والهمزة لإنكار أن يكون لهم ~~ما يدعونه وإبطال ما زعموا أن الملك سيصير إليهم، وقوله تعالى: { ~~فإذا لا يؤتون الناس نقيرا } بيان لعدم استحقاقهم له بل ~~لاستحقاقهم الحرمان منه بسبب أنهم من البخل والدناءة بحيث لو أوتوا ~~شيئا من ذلك لما أعطوا الناس منه أقل قليل، ومن حق من ms0708 أوتي ~~الملك أن يؤثر الغير بشيء منه، فالفاء للسببية الجزائية لشرط ~~محذوف، أي إن جعل لهم نصيب منه فإذن لا يؤتون الناس مقدار نقير وهو ~~ما في ظهر النواة من النقرة، يضرب به المثل في القلة والحقارة، وهذا ~~هو البيان الكاشف عن كنه حالهم، وإذا كان شأنهم كذلك وهم ملوك ~~فما ظنك بهم وهم أذلاء متفاقرون. # ويجوز أن لا تكون الهمزة لإنكار الوقوع بل لإنكار الواقع والتوبيخ ~~عليه، أي لعده منكرا غير لائق بالوقوع، على أن الفاء للعطف، ~~والإنكار متوجه إلى مجموع المعطوفين على معنى ألهم نصيب وافر من ~~الملك حيث كانوا أصحاب أموال وبساتين وقصور مشيدة كالملوك فلا ~~يؤتون الناس مع ذلك نقيرا كما تقول لغني لا يراعي أباه: ألك هذا ~~القدر من المال فلا تنفق على أبيك شيئا؟ وفائدة إذن تأكيد ~~الإنكار والتوبيخ حيث يجعلون ثبوت النصيب سببا للمنع مع كونه ~~سببا للإعطاء، وهي ملغاة عن العمل كأنه قيل: فلا يؤتون الناس إذن، ~~وقرىء فإذن لا يؤتوا بالنصب على إعمالها. ### || [4.54-55] # { أم يحسدون الناس } منقطعة أيضا مفيدة للانتقال من ~~توبيخهم بما سبق إلى توبيخهم بالحسد الذي هو شر الرذائل وأقبحها لا ~~سيما على ما هم بمعزل من استحقاقه، واللام في الناس للعهد والإشارة إلى ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين، وحمله على الجنس إيذانا ~~بحيازتهم للكمالات البشرية قاطبة فكأنهم هم الناس لا غير لا يلائمه ~~ذكر حديث آل إبراهيم فإن ذلك لتذكير ما بين الفريقين من العلاقة ~~الموجبة لاشتراكهما في استحقاق الفضل، والهمزة لإنكار الواقع ~~واستقباحه فإنهم كانوا يطمعون أن يكون النبي الموعود منهم فلما خص ~~الله تعالى بتلك الكرامة غيرهم حسدوهم أي بل أيحسدونهم { على ما ~~ءاتهم الله من فضله } يعني النبوة والكتاب وازدياد ~~العز والنصر يوما فيوما، وقوله تعالى: { فقد ءاتينا } تعليل ~~للإنكار والاستقباح وإلزام لهم بما هو مسلم عندهم وحسم لمادة ~~حسدهم واستبعادهم المبنيين على توهم عدم استحقاق المحسود لما ~~أوتي من الفضل ببيان استحقاقه له بطريق الوراثة كابرا عن كابر، ~~وإجراء الكلام على ms0709 سنن الكبرياء بطريق الالتفات لإظهار كمال ~~العناية بالأمر، والمعنى أن حسدهم المذكور في غاية القبح والبطلان ~~فإنا قد آتينا من قبل هذا { آل إبرهيم } الذين هم أسلاف محمد ~~عليه الصلاة والسلام أو أبناء أعمامه { الكتب والحكمة } أي ~~النبوة { وءاتينهم } مع ذلك { ملكا عظيما } لا يقادر ~~قدره فكيف يستبعدون نبوته عليه الصلاة والسلام ويحسدونه على إيتائها، ~~وتكرير الإيتاء لما يقتضيه مقام التفضيل مع الإشعار بما بين النبوة ~~والملك من المغايرة، فإن أريد به الإيتاء بالذات فالمراد بآل ~~إبراهيم أنبياؤهم خاصة، والضمير المنصوب في الفعل الثاني لبعضهم إما ~~بحذف المضاف أو بطريق الاستخدام لما أن الملك لم يؤت كلهم. # قال ابن عباس رضي الله عنهما: الملك في آل إبراهيم ملك يوسف وداود ~~وسليمان عليهم السلام إن أريد به ما يعمه وغيره من الإيتاء بالواسطة ~~وهو اللائق بالمقام والأوفق لما قبله من نسبة إيتاء الفضل إلى الناس، ~~فالمراد بآل إبراهيم كلهم فإن تشريف البعض بما ذكر من إيتاء ~~النبوة والملك تشريف للكل لاعتنائهم بآثاره واقتباسهم من أنواره، ~~وفي تفصيل ما أوتوه وتكرير الفعل ووصف الملك بالعظم وتنكيره ~~التفخيمي مع تأكيد الإلزام وتشديد الإنكار ما لا يخفى. # هذا هو المتبادر من النظم الكريم وإليه جنح جمهور أئمة التفسير ~~لكن الظاهر حينئذ أن يكون قوله تعالى: { فمنهم من ءامن به ~~ومنهم من صد عنه } حكاية لما صدر عن أسلافهم عقيب وقوع ~~المحكي من غير أن يكون له دخل في الإلزام الذي سيق له الكلام أي فمن ~~جنس هؤلاء الحاسدين وآبائهم من آمن بما أوتي آل إبراهيم ومنهم من ~~أعرض عنه، وأما جعل الضميرين لما ذكر من حديث آل إبراهيم فيستدعي ~~تراخي الآية الكريمة عما قبلها نزولا، كيف لا وحكاية إيمانهم ~~لاحديث المذكور وإعراضهم عنه بصيغة الماضي إنما يتصور بعد وقوع ~~الإيمان والإعراض المتأخرين عن سماع الحديث المتأخر عن نزوله، ~~وكذا جعلهما لرسول الله صلى الله عليه وسلم، إذ الظاهر بيان حالهم ~~بعد هذا الإلزام. # وحمله على حكاية حالهم السابقة لا تساعده الفاء المرتبة لما بعدها ms0710 ~~على ما قبلها، ولا يبعد كل البعد أن تكون الهمزة لتقرير حسدهم ~~وتوبيخهم بذلك ويكون قوله تعالى: { فقد ءاتينا } [النساء، ~~الآية: 54] الآية، تعليلا له بدلالته على إعراضهم عما أوتي آل إبراهيم ~~وإن لم يذكر كونه بطريق الحسد كأنه قيل: بل أيحسدون الناس على ما ~~آتاهم الله من فضله ولا يؤمنون به؟ وذلك ديدنهم المستمر فإنا قد ~~آتينا آل إبراهيم ما آتينا، فمنهم أي من جنسهم من آمن بما آتيناهم ~~ومنهم من أعرض عنه ولم يؤمن به والله سبحانه أعلم، وفيه تسلية لرسول ~~الله صلى الله عليه وسلم. # { وكفى بجهنم سعيرا } نارا مسعرة يعذبون بها، والجملة ~~تذييل لما قبلها. ### || [4.56] # { إن الذين كفروا بئايتنا } إن أريد بهم الذين كفروا ~~برسول الله صلى الله عليه وسلم فالمراد بالآيات إما القرآن أو ما يعم ~~كله وبعضه أو ما يعم سائر معجزاته أيضا وإن أريد بهم الجنس ~~المتناول لهم تناولا أوليا فالمراد بالآيات ما يعم المذكورات وسائر ~~الشواهد التي أوتيها الأنبياء عليهم السلام { سوف نصليهم ~~نارا } قال سيبويه: سوف كلمة تذكر للتهديد والوعيد وينوب عنها ~~السين، وقد يذكران في الوعد فيفيدان التأكيد أي ندخلهم نارا عظيمة ~~هائلة { كلما نضجت جلودهم } أي احترقت، وكلما ظرف زمان ~~والعامل فيه { بدلنهم جلودا غيرها } من قبيل بدله ~~بخوفه أمنا، لا من قبيل يبدل الله سيئاتهم حسنات أي أعطيناهم مكان ~~كل جلد محترق عند احتراقه جلدا جديدا مغايرا للمحترق صورة وإن ~~كان عينه مادة بأن يزال عنه الاحتراق ليعود إحساسه للعذاب، ~~والجملة في محل النصب على أنها حال من ضمير نصليهم، وقد جوز ~~كونها صفة لنارا على حذف العائد أي كلما نضجت فيها جلودهم، فمعنى ~~قوله تعالى: { ليذوقوا العذاب } ليدوم ذوقهم ولا ينقطع، ~~كقولك للعزيز: أعزك الله، وقيل: يخلق مكانه جلدا آخر، والعذاب ~~للنفس العاصية لا لآلة إدراكها. قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: ~~يبدلون جلودا بيضاء كأمثال القراطيس، وروي أن هذه الآية قرئت ~~عند عمر رضي الله تعالى عنه فقال للقارىء: أعدها فأعادها وكان عنده ~~معاذ بن ms0711 جبل، فقال معاذ: عندي تفسيرها: يبدل في ساعة مائة ~~مرة، فقال عمر رضي الله عنه: هكذا سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يقول. وقال الحسن: تأكلهم النار كل يوم سبعين ألف مرة كلما ~~أكلتهم قيل لهم: عودوا فيعودون كما كانوا. وروى أبو هريرة عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم # " أن بين منكبي الكافر مسيرة ثلاثة أيام للراكب المسرع " # ، وعن أبي هريرة أنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " ضرس الكافر أو ناب الكافر مثل أحد، وغلظ جلده مسيرة ~~ثلاثة أيام " # والتعبير عن إدراك العذاب بالذوق ليس لبيان قلته بل لبيان أن ~~إحساسهم بالعذاب في كل مرة كإحساس الذائق بالمذوق من حيث إنه لا ~~يدخله نقصان بدوام الملابسة إو للإشعار بمرارة العذاب مع إيلامه أو ~~للتنبيه على شدة تأثيره من حيث إن القوة الذائقة أشد الحواس ~~تأثرا أو على سرايته للباطن، ولعل السر في تبديل الجلود مع ~~قدرته تعالى على إبقاء إدراك العذاب وذوقه بحاله مع الاحتراق أو مع ~~إبقاء أبدانهم على حالها مصونة عن الاحتراق أن النفس ربما تتوهم ~~زوال الإدراك بالاحتراق ولا تستبعد كل الاستبعاد أن تكون مصونة عن ~~التألم والعذاب صيانة بدنها عن الاحتراق. # { إن الله كان عزيزا } لا يمتنع عليه ما يريده ولا يمانعه ~~أحد { حكيما } يعاقب من يعاقبه على وفق حكمته، والجملة تعليل ~~لما قبلها من الإصلاء والتبديل، وإظهار الاسم الجليل بطريق الالتفات ~~لتهويل الأمر وتربية المهابة وتعليل الحكم، فإن عنوان الألوهية ~~مناط لجميع صفات كماله تعالى. ### || [4.57-58] # { والذين ءامنوا وعملوا الصلحات } عقب بيان ~~سوء حال الكفرة ببيان حسن حال المؤمنين تكميلا لمساءة الأولين ~~ومسرة الآخرين، أي الذين آمنوا بآياتنا وعملوا بمقتضياتها، وهو ~~مبتدأ خبره قوله تعالى: { سندخلهم جنت تجرى من ~~تحتها الأنهر } وقرىء سيدخلهم بالياء ردا على الاسم ~~الجليل، وفي السين تأكيد للوعد { خلدين فيها أبدا } حال ~~مقدرة من الضمير المنصوب في سندخلهم وقوله عز وعلا: { لهم فيها ~~أزوج مطهرة } أي مما في نساء الدنيا من الأحوال المستقذرة ~~البدنية والأدناس الطبيعية، في محل ms0712 النصب على أنه حال من جنات أو ~~حال ثانية من الضمير المنصوب أو على أنه صفة لجنات بعد صفة، أو في ~~محل الرفع على أنه خبر للموصول بعد خبر { وندخلهم ظلا ~~ظليلا } أي فينانا لا جوب فيه دائما لا تنسخه شمس اللهم ~~ارزقنا ذلك بفضلك وكرمك يا أرحم الراحمين، والظليل صفة مشتقة من ~~لفظ الظل للتأكيد كما في ليل أليل ويوم أيوم وقرىء يدخلهم بالياء ~~وهو عطف على سيدخلهم لا على أنه غير الإدخال الأول بالذات بل ~~بالعنوان كما في قوله تعالى: # ولما جاء أمرنا نجينا هودا والذين ءامنوا ~~معه برحمة منا ونجيناهم من عذاب غليظ # [هود، الآية 58]. # { إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمنت إلى ~~أهلها } في تصدير الكلام بكلمة التحقيق وإظهار الاسم الجليل ~~وإيراد الأمر على صورة الإخبار من الفخامة وتأكيد وجوب الامتثال ~~به والدلالة على الاعتناء بشأنه ما لا مزيد عليه، وهو خطاب يعم ~~حكمه المكلفين قاطبة كما أن الأمانات تعم جميع الحقوق المتعلقة ~~بذمهم من حقوق الله تعالى وحقوق العباد سواء كانت فعلية أو قولية إو ~~اعتقادية وإن ورد في شأن عثمان بن طلحة بن عبد الدار سادن ~~الكعبة المعظمة وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين دخل مكة ~~يوم الفتح أغلق عثمان رضي الله عنه باب الكعبة وصعد السطح وأبى أن ~~يدفع المفتاح إليه وقال: لو علمت أنه رسول الله لم أمنعه فلوى علي ~~بن أبي طالب يده وأخذه منه وفتح ودخل النبي صلى الله عليه وسلم ~~وصلى ركعتين فلما خرج سأله العباس أن يعطيه المفتاح ويجمع له ~~السقاية والسدانة فنزلت فأمر عليا أن يرده إلى عثمان ويعتذر إليه ~~فقال عثمان لعلي: أكرهت وآذيت ثم جئت ترفو فقال: لقد أنزل الله تعالى ~~في شأنك قرآنا فقرأ عليه الآية فقال عثمان: أشهد أن لا إله إلا الله ~~وأشهد أن محمدا رسول الله فهبط جبريل عليه الصلاة والسلام وأخبر رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم أن السدانة في أولاد عثمان أبدا. # وقرىء الأمانة على التوحيد والمراد ms0713 الجنس لا المعهود، وقيل: هو أمر ~~للولاة بأداء الحقوق المتعلقة بذمهم من المناصب وغيرها إلى مستحقيها ~~كما أن قوله تعالى: { وإذا حكمتم بين الناس أن ~~تحكموا بالعدل } أمر لهم بإيصال الحقوق المتعلقة بذمم ~~الغير إلى أصحابها، وحيث كان المأمور به ههنا مختصا بوقت المرافعة ~~قيد به بخلاف المأمور به أو لا فإنه لما لم يتعلق بوقت دون وقت ~~أطلق إطلاقا فقوله تعالى: { أن تحكموا } عطف على أن تؤدوا قد ~~فصل بين العاطف والمعطوف بالظرف المعمول له عند الكوفيين، ~~والمقدر يدل هو عليه عند البصريين لأن ما بعد أن لا يعمل فيما قبلها ~~عندهم أي وإن تحكموا إذا حكمتم الخ، وقوله تعالى: { بالعدل } ~~متعلق بتحكموا أو بمقدر وقع حالا من فاعله أي ملتبسين بالعدل والإنصاف ~~{ إن الله نعما يعظكم به } { ما } إما منصوبة موصوفة ~~بيعظكم به أو مرفوعة موصولة به كأنه قيل: نعم شيئا يعظكم به أو نعم ~~الشيء الذي يعظكم به والمخصوص بالمدح محذوف أي نعما يعظكم به ذلك ~~وهو المأمور به من أداء الأمانات والعدل في الحكومات، وقرىء نعما ~~بفتح النون، والجملة مستأنفة مقررة لما قبلها متضمنة لمزيد لطف ~~بالمخاطبين وحسن استدعاء لهم إلى الامتثال بالأمر، وإظهار الاسم ~~الجليل لتربية المهابة [في القلوب] { إن الله كان سميعا } ~~لأقوالكم { بصيرا } بأفعالكم فهو وعد ووعيد. # وإظهار الجلالة لما ذكر آنفا فإن فيه تأكيدا لكل من الوعد ~~والوعيد. ### || [4.59] # { يأيها الذين آمنوا } بعد ما أمر الولاة بطريق العموم أو ~~بطريق الخصوص بأداء الأمانات والعدل في الحكومات أمر سائر الناس ~~بطاعتهم لكن لا مطلقا بل في ضمن طاعة الله تعالى وطاعة رسوله صلى ~~الله عليه وسلم حيث قيل: { أطيعوا الله وأطيعوا الرسول ~~وأولى الأمر منكم } وهم أمراء الحق وولاة العدل كالخلفاء ~~الراشدين ومن يقتدي بهم من المهتدين، وأما أمراء الجور فبمعزل من ~~استحقاق العطف على الله تعالى والرسول عليه الصلاة والسلام في وجوب ~~الطاعة لهم وقيل: هم علماء الشرع لقوله تعالى: # ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولى الأمر منهم ~~لعلمه الذين يستنبطونه منهم ms0714 # [النساء، الآية 83] ويأباه قوله تعالى: { فإن تنازعتم فى شىء ~~فردوه إلى الله } إذ ليس للمقلد أن ينازع المجتهد في حكمه، ~~إلا أن يجعل الخطاب لأولي الأمر بطريق الالتفات وفيه بعد، وتصدير ~~[إن] الشرطية بالفاء لترتبها على ما قبلها فإن بيان حكم طاعة أولي ~~الأمر عند موافقتها لطاعة الله تعالى وطاعة الرسول عليه السلام ~~يستدعي بيان حكمها عند المخالفة أي إن اختلفتم أنتم وأولوا الأمر ~~منكم في أمر من أمور الدين فراجعوا فيه إلى كتاب الله { والرسول } ~~أي إلى سننه وقد استدل به منكروا القياس وهو في الحقيقة دليل على ~~حجيته كيف لا ورد المختلف فيه إلى المنصوص عليه إنما يكون بالتمثيل ~~والبناء عليه وهو المعني بالقياس، ويؤيده الأمر به بعد الأمر بطاعة ~~الله تعالى وبطاعة رسوله عليه الصلاة والسلام فإنه يدل على أن الأحكام ~~ثلاثة: ثابت بالكتاب وثابت بالسنة وثابت بالرد إليهما بالقياس { إن ~~كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر } متعلق بالأمر ~~الأخير الوارد في محل النزاع إذ هو المحتاج إلى التحذير من المخالفة، ~~وجواب الشرط محذوف عند جمهور البصريين ثقة بدلالة المذكور عليه ~~أي إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر فردوه الخ، فإن الإيمان بهما ~~يوجب ذلك أما الإيمان بالله تعالى فظاهر، وأما الإيمان باليوم الآخر ~~فلما فيه من العقاب على المخالفة { ذلك } أي الرد المأمور به { ~~خير } لكم وأصلح { وأحسن } في نفسه { تأويلا } أي عاقبة ~~ومآلا، وتقديم خيريته لهم على أحسنيته في نفسه لما مر من تعلق ~~أنظارهم بما ينفعهم، والمراد بيان اتصافه في نفسه بالخيرية الكاملة ~~والحسن الكامل في حد ذاته من غير اعتبار فضله على شيء يشاركه في ~~أصل الخيرية والحسن كما ينبىء عنه التحذير السابق. ### || [4.60] # { ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم ءامنوا بما ~~أنزل إليك وما أنزل من قبلك } تلوين للخطاب وتوجيه ~~إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم تعجيبا له من حال الذين يخالفون ما ~~مر من الأمر المحتوم ولا يطيعون الله ولا رسوله، ووصفهم بادعاء ~~الإيمان بالقرآن وبما أنزل من قبله أعني التوراة ms0715 لتأكيد التعجيب ~~وتشديد التوبيخ والاستقباح بإظهار كمال المباينة بين دعواهم ~~وبين ما صدر عنهم، وقرىء الفعلان على البناء للفاعل، وقوله عز وجل: { ~~يريدون أن يتحاكموا إلى الطغوت } استئناف سيق لبيان ~~محل التعجيب مبني على سؤال نشأ من صدر الكلام، كأنه قيل: ماذا ~~يفعلون؟ فقيل: يريدون الخ. # روي عن ابن عباس رضي الله عنهما # " أن منافقا خاصم يهوديا فدعاه اليهودي إلى رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ودعاه المنافق إلى كعب بن الأشرف، ثم إنهما احتكما إلى رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فلم يرض بقضائه فقال عمر للمنافق: أهكذا؟ قال: ~~نعم، فقال عمر: مكانكما حتى أخرج إليكما فدخل فاشتمل على سيفه ثم خرج ~~فضرب به عنق المنافق حتى برد، ثم قال: هكذا أقضي لمن لم يرض بقضاء ~~الله وقضاء رسوله فنزلت فهبط جبريل عليه الصلاة والسلام وقال: إن عمر ~~فرق بين الحق والباطل فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أنت ~~الفاروق " # ، فالطاغوت كعب بن الأشرف سمي به لإفراطه في الطغيان وعداوة ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم أو على التشبيه بالشيطان والتسمية ~~باسمه، أو جعل اختيار التحاكم إلى غير النبي صلى الله عليه وسلم ~~على التحاكم إليه تحاكما إلى الشيطان. وقال الضحاك: المراد بالطاغوت ~~كهنة اليهود وسحرتهم. وعن الشعبي: أن المنافق دعا خصمه إلى ~~كاهن من جهينة فتحاكما إليه. وعن السدي: أن الحادثة وقعت في قتيل ~~بين بني قريظة والنضير، فتحاكم المسلمون من الفريقين إلى النبي ~~صلى الله عليه وسلم وأبى المنافقون منهما إلا التحاكم إلى أبي بردة ~~الكاهن الأسلمي، فتحاكموا إليه، فيكون الاقتصار حينئذ في معرض ~~التعجيب والاستقباح على ذكر إرادة التحاكم دون نفسه مع وقوعه ~~أيضا للتنبيه على أن إرادته مما يقضي منه العجب، ولا ينبغي أن ~~يدخل تحت الوقوع فما ظنك بنفسه وهذا أنسب بوصف المنافقين بادعاء ~~الإيمان بالتوراة فإنه كما يقتضي كونهم من منافقي اليهود يقتضي كون ~~ما صدر عنهم من التحاكم ظاهر المنافاة لادعاء الإيمان بالتوراة، ~~وليس التحاكم إلى كعب بن الأشرف بهذه المثابة ms0716 من الظهور، وأيضا ~~فالمتبادر من قوله تعالى: { وقد أمروا أن يكفروا به } ~~كونهم مأمورين بكفره في الكتابين وما ذاك إلا الشيطان وأولياؤه ~~المشهورون بولايته كالكهنة ونظائرهم لا من عداهم ممن لم يشتهر ~~بذلك، وقرىء { أن يكفروا بها } على أن الطاغوت جمع كما في قوله ~~تعالى: # أولياؤهم الطغوت يخرجونهم # [البقرة، الآية 257] والجملة حال من ضمير يريدون مفيدة لتأكيد ~~التعجيب وتشديد الاستقباح كالوصف السابق، وقوله عز وعلا: { ويريد ~~الشيطن أن يضلهم ضللا بعيدا } عطف على يريدون ~~داخل في حكم التعجيب فإن اتباعهم لمن يريد إضلالهم وإعراضهم عمن ~~يريد هدايتهم أعجب من كل عجيب. وضلالا إما مصدر مؤكد للفعل ~~المذكور بحذف الزوائد كما في قوله تعالى: # وأنبتها نباتا حسنا # [آل عمران، الآية 37] أي إضلالا بعيدا وإما مصدر مؤكد لفعله ~~المدلول عليه بالفعل المذكور أي فيضلوا ضلالا، وأيا ما كان فوصفه ~~بالبعد الذي نعت موصوفه للمبالغة. ### || [4.61-62] # وقوله تعالى: { وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل ~~الله وإلى الرسول } تكملة لمادة التعجيب ببيان إعراضهم ~~صريحا عن التحاكم إلى كتاب الله تعالى ورسوله إثر بيان إعراضهم عن ~~ذلك في ضمن التحاكم إلى الطاغوت، وقرىء تعالوا بضم اللام على أنه حذف ~~لام الفعل تخفيفا كما في قولهم: ما باليت بالة أصلها بالية كعافية ~~وكما قالوا في آية أن أصلها آيية فحذفت اللام ووقعت واو الجمع بعد ~~اللام في تعال فضمت فصار تعالوا ومنه قول أهل مكة للمرأة: تعالي ~~بكسر اللام وعليه قول أبي فراس الحمداني: [الطويل] # أيا جارتى ما أنصف الدهر بيننا # تعالي أقاسمك الهموم تعالي # { رأيت المنفقين } إظهار المنافقين في مقام الإضمار ~~للتسجيل عليهم بالنفاق وذمهم به والإشعار بعلة الحكم، والرؤية ~~بصرية وقوله تعالى: { يصدون عنك } حال من المنافقين، وقيل: ~~الرؤية قلبية والجملة مفعول ثان لها والأول هو الأنسب بظهور ~~حالهم، وقوله تعالى: { صدودا } مصدر مؤكد لفعله أي يعرضون عنك ~~إعراضا وأي إعراض، وقيل: هو اسم للمصدر الذي هو الصد والأظهر أنه ~~مصدر لصد اللازم، والصد مصدر للمتعدي يقال: صد عنه صدودا أي ~~أعرض عنه ms0717 وصده عنه صدا أي منعه منه، وقوله تعالى: { فكيف } شروع ~~في بيان غائلة جناياتهم المحكية ووخامة عاقبتها أي كيف يكون ~~حالهم { إذا أصبتهم مصيبة } أي وقت إصابة المصيبة ~~إياهم بافتضاحهم بظهور نفاقهم { بما قدمت أيديهم } بسبب ما ~~عملوا من الجنايات التي من جملتها التحاكم إلى الطاغوت والإعراض عن ~~حكمك { ثم جاءوك } للاعتذار عما صنعوا من القبائح، وهو عطف على ~~إصابتهم، والمراد تفظيع حالهم وتهويل ما دهمهم من الخطب واعتراهم ~~من شدة الأمر عند إصابة المصيبة وعند المجيء للاعتذار { يحلفون ~~بالله } حال من فاعل جاؤوك { إن أردنا إلا إحسانا ~~وتوفيقا } أي ما أردنا بتحاكمنا إلى غيرك إلا الفصل بالوجه الحسن ~~والتوفيق بين الخصمين ولم نرد مخالفة لك ولا لحكمك فلا تؤاخذنا ~~بما فعلنا، وهذا وعيد لهم على ما فعلوا وأنهم سيندمون عليه حين لا ~~ينفعهم الندم ولا يغني عنهم الاعتذار. وقيل: جاء أولياء المنافق ~~يطلبون بدمه وقد أهدره الله تعالى فقالوا: ما أردنا أي ما أراد صاحبنا ~~المقتول بالتحاكم إلى عمر رضي الله تعالى عنه إلا أن يحسن إليه ~~ويوفق بينه وبين خصمه. ### || [4.63-64] # { أولئك } إشارة إلى المنافقين، وما فيه من معنى البعد ~~للتنبيه على بعد منزلتهم في الكفر والنفاق، وهو مبتدأ خبره { ~~الذين يعلم الله ما فى قلوبهم } أي من فنون الشرور ~~والفساد المنافية لما أظهروا لك من الأكاذيب. # { فأعرض عنهم } جواب شرط محذوف أي إذا كان حالهم كذلك ~~فأعرض عن قبول معذرتهم وقيل: عن عقابهم لمصلحة في استبقائهم، ولا ~~تظهر لهم علمك بما في بواطنهم ولا تهتك سترهم حتى يبقوا على ~~وجل وحذر { وعظهم } أي ازجرهم عن النفاق والكيد { وقل لهم ~~فى أنفسهم } في حق أنفسهم الخبيثة وقلوبهم المنطوية على ~~الشرور التي يعلمها الله تعالى، أو في أنفسهم خاليا بهم ليس معهم غيرهم ~~مسارا بالنصيحة لأنها في السر أنجع { قولا بليغا } مؤثرا ~~واصلا إلى كنه المراد مطابقا لما سيق له من المقصود، فالظرف على ~~التقديرين متعلق بالأمر، وقيل: متعلق ببليغا على رأي من يجيز تقديم ~~معمول الصفة على الموصوف ms0718 أي قل لهم قولا بليغا في أنفسهم مؤثرا في ~~قلوبهم يغتمون به اغتماما ويستشعرون منه الخوف استشعارا وهو ~~التوعد بالقتل والاستئصال، والإيذان بأن ما في قلوبهم من مكنونات ~~الشر والنفاق غير خاف على الله تعالى وأن ذلك مستوجب لأشد ~~العقوبات، وإنما هذه المكافأة والتأخير لإظهارهم الإيمان والطاعة ~~وإضمارهم الكفر، ولئن أظهروا الشقاق وبرزوا بأشخاصهم من نفق النفاق ~~ليمسنهم العذاب إن الله شديد العقاب. # { وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن الله } ~~كلام مبتدأ جيء به تمهيدا لبيان خطئهم في الاشتغال بستر جنايتهم ~~بالاعتذار بالأباطيل وعدم تلافيها بالتوبة، أي وما أرسلنا رسولا من ~~الرسل لشيء من الأشياء إلا ليطاع بسبب إذنه تعالى في طاعته، وأمره ~~المرسل إليهم بأن يطيعوه ويتبعوه لأنه مؤد عنه تعالى فطاعته طاعة ~~الله تعالى ومعصيته معصيته تعالى # من يطع الرسول فقد أطاع الله # [النساء، الآية: 80] أو بتيسير الله تعالى وتوفيقه في طاعته. # { ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم } وعرضوها لعذاب ~~[زائد] على عذاب النفاق بترك طاعتك والتحاكم إلى غيرك { جاءوك } من ~~غير تأخير كما يفصح عنه تقديم الظرف متوسلين بك في التنصل عن ~~جناياتهم القديمة والحادثة ولم يزدادوا جناية على جناية بالقصد إلى ~~سترها بالاعتذار الباطل والأيمان الفاجرة { فاستغفروا الله ~~} بالتوبة والإخلاص وبالغوا في التضرع إليك حتى انتصبت شفيعا إلى ~~الله تعالى واستغفرت لهم وإنما قيل: { واستغفر لهم الرسول ~~} على طريقة الالتفات تفخيما لشأن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وتعظيما لاستغفاره وتنبيها على أن شفاعته في حيز القبول { ~~لوجدوا الله توابا رحيما } لعلموه مبالغا في قبول ~~توبتهم والتفضل عليهم بالرحمة، وإن فسر الوجدان بالمصادفة كان قوله ~~تعالى: { توابا } حالا و { رحيما } بدلا منه، أو حالا من الضمير ~~فيه، وأيا ما كان ففيه فضل ترغيب للسامعين في المسارعة إلى التوبة ~~والاستغفار ومزيد تنديم لأولئك المنافقين على ما صنعوا لما أن ظهور ~~تباشير قبول التوبة وحصول الرحمة لهم ومشاهدتهم لآثارهما نعمة ~~زائدة عليهما موجبة لكمال الرغبة في تحصيلها وتمام الحسرة على ~~فواتها. ### || [4.65] # { فلا وربك } أي فوربك ولا مزيدة ms0719 لتأكيد معنى القسم لا ~~لتأكيد النفي في جوابه أعني قوله { لا يؤمنون } لأنها تزاد في ~~الإثبات أيضا كما في قوله تعالى: # فلا أقسم بموقع النجوم # [الواقعة، الآية: 75] ونظائره { حتى يحكموك } أي يتحاكموا ~~إليك ويترافعوا إليك، وإنما جيء بصيغة التحكيم مع أنه عليه الصلاة ~~والسلام حاكم بأمر الله سبحانه إيذانا بأن حقهم أن يجعلوه حكما ~~فيما بينهم ويرضوا بحكمه وإن قطع النظر عن كونه حاكما على الإطلاق ~~{ فيما شجر بينهم } أي فيما اختلف بينهم من الأمور واختلط ~~ومنه الشجر لتداخل أغصانه { ثم لا يجدوا } عطف على مقدر ينساق ~~إليه الكلام أي فتقضي بينهم ثم لا يجدوا { فى أنفسهم حرجا } ~~ضيقا { مما قضيت } أي مما قضيت به أو من قضائك وقيل: شكا من ~~أجله إذ الشاك في ضيق من أمره { ويسلموا } أي ينقادوا لأمرك ~~ويذعنوا له { تسليما } تأكيد للفعل بمنزلة تكريره أي تسليما ~~تاما بظاهرهم وباطنهم، يقال: سلم لأمر الله وأسلم له بمعنى، وحقيقته ~~سلم نفسه له وأسلمها إذا جعلها سالمة له خالصة، أي ينقادوا لحكمك ~~انقيادا لا شبهة فيه بظاهرهم وباطنهم، قيل: نزلت في شأن المنافق ~~واليهودي [السابقين]، وقيل: في شأن # " الزبير ورجل من الأنصار حين اختصما إلى رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم في شراج من الحرة كانا يسقيان بها النخل فقال عليه الصلاة ~~والسلام: " اسق يا زبير ثم أرسل الماء إلى جارك " فغضب الأنصاري ~~وقال: لأن كان ابن عمتك! فتغير وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم ~~قال: " اسق يا زبير ثم احبس الماء حتى يرجع إلى الجدر واستوف ~~حقك ثم أرسله إلى جارك " # ، كان قد أشار على الزبير برأي فيه سعة له ولخصمه فلما أحفظ رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم استوعب للزبير حقه في صريح الحكم. ثم خرجا ~~فمرا على المقداد بن الأسود فقال: لمن القضاء؟ فقال الأنصاري: قضى ~~لابن عمته ولوى شدقه ففطن يهودي كان مع المقداد فقال: قاتل الله ~~هؤلاء يشهدون أنه رسول الله ثم يتهمونه في قضاء يقضي بينهم وايم ~~الله لقد أذنبنا ms0720 ذنبا مرة في حياة موسى فدعانا إلى التوبة منه وقال: ~~اقتلوا أنفسكم ففعلنا فبلغ قتلانا سبعين ألفا في طاعة ربنا حتى رضي ~~عنا فقال ثابت بن قيس بن شماس: أما والله إن الله ليعلم مني الصدق لو ~~أمرني محمد أن أقتل نفسي لقتلتها. وروي أنه قال ذلك ثابت وابن ~~مسعود وعمار بن ياسر رضي الله عنهم فقال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: # " والذي نفسي بيده إن من أمتي رجالا الإيمان أثبت في قلوبهم من ~~الجبال الرواسي " # فنزلت في شأن هؤلاء. ### || [4.66-69] # { ولو أنا كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم أو ~~اخرجوا من ديركم } أي لو أوجبنا عليهم مثل ما أوجبنا على ~~بني إسرائيل من قتلهم أنفسهم أو خروجهم من ديارهم حين استتابتهم من ~~عبادة العجل، و { أن } مصدرية أو مفسرة لأنا كتبنا في معنى أمرنا { ~~ما فعلوه } أي المكتوب المدلول عليه بكتبنا أو أحد مصدري ~~الفعلين { إلا قليل منهم } أي إلا أناس قليل منهم وهم ~~المخلصون من المؤمنين، وروي عن عمر رضي الله عنه أنه قال: والله لو ~~أمرنا ربنا لفعلنا والحمد لله الذي لم يفعل بنا ذلك، وقيل: معنى ~~اقتلوا أنفسكم تعرضوا بها للقتل بالجهاد، وهو بعيد وقرىء إلا قليلا ~~بالنصب على الاستثناء أو إلا فعلا قليلا { ولو أنهم فعلوا ~~ما يوعظون به } من متابعة الرسول عليه الصلاة والسلام وطاعته ~~والانقياد لما يراه ويحكم به ظاهرا وباطنا، وسميت أوامر الله ~~تعالى ونواهيه مواعظ لاقترانها بالوعد والوعيد { لكان } أي فعلهم ~~ذلك { خيرا لهم } عاجلا وآجلا { وأشد تثبيتا } لهم على ~~الإيمان وأبعد من الاضطراب فيه وأشد تثبيتا لثواب أعمالهم. # { وإذا لآتينهم من لدنا أجرا عظيما } جواب ~~لسؤال مقدر كأنه قيل: وماذا يكون لهم بعد التثبيت؟ فقيل: وإذن لو ~~ثبتوا لآتيناهم فإن إذن جواب وجزاء. { ولهدينهم صرطا ~~مستقيما } يصلون بسلوكه إلى عالم القدس [والطهارة] ويفتح لهم ~~أبواب الغيب، قال عليه الصلاة والسلام: # " من عمل بما علم ورثه الله تعالى علم ما لم يعلم " # { ومن يطع الله والرسول } كلام مستأنف فيه فضل ترغيب ms0721 ~~في الطاعة ومزيد تشويق إليها ببيان أن نتيجتها أقصى ما ينتهي إليه ~~همم الأمم وأرفع ما يمتد إليه أعناق عزائمهم من مجاورة أعظم ~~الخلائق مقدارا وأرفعهم منارا، متضمن لتفسير ما أبهم في جواب ~~الشرطية السابقة وتفصيل ما أجمل فيه، والمراد بالطاعة هو الانقياد ~~التام والامتثال الكامل لجميع الأوامر والنواهي { فأولئك } ~~إشارة إلى المطيعين، والجمع باعتبار معنى من كما أن الإفراد في فعل ~~الشرط باعتبار لفظها، وما فيه من معنى البعد مع القرب في الذكر ~~للإيذان بعلو درجتهم وبعد منزلتهم في الشرف، وهو مبتدأ خبره { مع ~~الذين أنعم الله عليهم } والجملة جواب الشرط وترك ~~ذكر المنعم به للإشعار بقصور العبارة عن تفصيله وبيانه { من ~~النبيين } بيان للمنعم عليهم، والتعرض لمعية سائر ~~الأنبياء عليهم الصلاة والسلام مع أن الكلام في بيان حكم طاعة ~~نبينا عليه الصلاة والسلام لجريان ذكرهم في سبب النزول مع ما فيه ~~من الإشارة إلى أن طاعته عليه الصلاة والسلام متضمنة لطاعتهم ~~لاشتمال شريعته على شرائعهم التي لا تتغير بتغير الأعصار. روي أن ~~نفرا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا: يا نبي الله إن ~~صرنا إلى الجنة تفضلنا بدرجات النبوة فلا نراك. # وقال الشعبي: # " جاء رجل من الأنصار إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يبكي فقال: ~~" ما يبكيك يا فلان؟ " فقال: يا رسول الله بالله الذي لا إله إلا هو ~~لأنت أحب إلي من نفسي وأهلي ومالي وولدي وإني لأذكرك وأنا في أهلي ~~فيأخذني مثل الجنون حتى أراك وذكرت موتي وأنك ترفع مع النبيين ~~وإني إن أدخلت الجنة كنت في منزلة أدنى من منزلتك، فلم يرد ~~النبي عليه الصلاة والسلام فنزلت " # وروي أن ثوبان مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم كان شديد الحب له ~~عليه الصلاة والسلام قليل الصبر عنه فأتاه يوما وقد تغير وجهه ونحل ~~جسمه وعرف الحزن في وجهه فسأله رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ~~حاله فقال: يا رسول الله ما بي من وجع غير إني إذا لم أرك ms0722 اشتقت إليك ~~واستوحشت وحشة شديدة حتى ألقاك فذكرت الآخرة فخفت أن لا أراك هناك ~~لأني عرفت أنك ترفع مع النبيين وإن أدخلت الجنة كنت في منزل دون ~~منزلك وإن لم أدخل فذاك حين لا أراك أبدا، فنزلت. فقال عليه الصلاة ~~والسلام: # " والذي نفسي بيده لا يؤمن عبد حتى أكون أحب إليه من نفسه وأبويه ~~وأهله وولده والناس أجمعين " # وحكي ذلك عن جماعة من الصحابة رضي الله عنهم وروي أن أنسا قال: يا ~~رسول الله الرجل يحب قوما ولما يلحق بهم، قال عليه الصلاة والسلام: # " المرء مع من أحب " # { والصديقين } أي المتقدمين في تصديقهم المبالغين في الصدق ~~والإخلاص في الأقوال والأفعال وهم أفاضل أصحاب الأنبياء عليهم ~~الصلاة والسلام وأماثل خواصهم المقربين كأبي بكر الصديق رضي الله ~~عنه { والشهداء } الذين بذلوا أرواحهم في طاعة الله تعالى وإعلاء ~~كلمته { والصلحين } الصارفين أعمارهم في طاعته وأموالهم في ~~مرضاته، وليس المراد بالمعية الاتحاد في الدرجة ولا مطلق الاشتراك في ~~دخول الجنة بل كونهم فيها بحيث يتمكن كل واحد منهم من رؤية الآخر ~~وزيارته متى أراد وإن بعد ما بينهما من المسافة { وحسن أولئك ~~رفيقا } الرفيق الصاحب مأخوذ من الرفق وهو لين الجانب ~~واللطافة في المعاشرة قولا وفعلا، فإن جعل { أولئك } إشارة ~~إلى النبيين ومن بعدهم على أن ما فيه من معنى البعد لما مر مرارا ~~فرفيقا إما تمييز أو حال على معنى أنهم وصفوا بالحسن من جهة كونهم ~~رفقاء للمطيعين أو حال كونهم رفقاء، وإفراده لما أنه كالصديق ~~والخليط، والرسول يستوي فيه الواحد والمتعدد، أو لأنه أريد حسن كل ~~واحد منهم رفيقا وإن جعل إشارة إلى المطيعين فهو تمييز على معنى ~~أنهم وصفوا بحسن الرفيق من النبيين ومن بعدهم لا بنفس الحسن فلا ~~يجوز دخول من [بعدهم] عليه كما يجوز في الوجه الأول، والجملة ~~تذييل مقرر لما قبله مؤكد للترغيب والتشويق، قيل: فيه معنى ~~التعجب كأنه قيل: وما أحسن أولئك رفيقا، ولاستقلاله بمعنى التعجب ~~قرىء وحسن بسكون السين. ### || [4.70] # { ذلك } إشارة إلى ما للمطيعين من ms0723 عظيم الأجر ومزيد الهداية ~~ومرافقة هؤلاء المنعم عليهم، أو إلى فضلهم ومزيتهم، وما فيه من ~~معنى البعد للإشعار بعلو رتبته وبعد منزلته في الشرف، وهو مبتدأ ~~وقوله تعالى: { الفضل } صفته وقوله تعالى: { من الله } خبره ~~أي ذلك الفضل العظيم من الله تعالى لا من غيره أو الفضل خبره و { ~~من الله } متعلق بمحذوف وقع حالا منه والعامل فيه معنى الإشارة ~~أي ذلك الذي ذكر فضل كائنا من الله تعالى، لا أن أعمال المكلفين ~~موجبة له { وكفى بالله عليما } بجزاء من أطاعه وبمقادير ~~الفضل واستحقاق أهله. ### || [4.71-73] # { يأيها الذين ءامنوا خذوا حذركم } الحذر ~~والحذر واحد كالإثر والأثر والشبه والشبه أي تيقظوا ~~واحترزوا من العدو ولا تمكنوه من أنفسكم، يقال: أخذ حذره إذا تيقظ ~~واحترز من المخوف، كأنه جعل الحذر آلته التي يقي بها نفسه، وقيل: ~~هو ما يحذر به من السلاح والحزم، أي استعدوا للعدو { فانفروا } ~~بكسر الفاء وقرىء بضمها أي اخرجوا إلى الجهاد عند خروجكم { ثبات } ~~جمع ثبة وهي الجماعة من الرجال فوق العشرة ووزنها في الأصل فعلة ~~كحطمة حذفت لامها وعوض عنها تاء التأنيث، وهل هي واو أو ياء؟ ~~فيه قولان، قيل: إنها مشتقة من ثبا يثبو كحلا يحلو أي اجتمع، وقيل: من ~~ثبيت على الرجل إذا أثنيت عليه كأنك جمعت محاسنه ويجمع أيضا على ~~ثبين جبرا لما حذف من عجزه، ومحلها النصب على الحالية أي ~~انفروا جماعات متفرقة سرية بعد سرية { أو انفروا جميعا } ~~أي مجتمعين كوكبة واحدة ولا تتخاذلوا فتلقوا بأنفسكم إلى التهلكة. # { وإن منكم لمن ليبطئن } أي ليتثاقلن ~~وليتخلفن عن الجهاد من بطأ بمعنى أبطأ كعتم بمعنى أعتم، ~~والخطاب لعسكر رسول الله صلى الله عليه وسلم كلهم المؤمنين منهم ~~والمنافقين، والمبطئون منافقوهم الذين تثاقلوا وتخلفوا عن الجهاد، ~~أو ليبطئن غيره ويثبطنه، من بطأ منقولا من بطؤ كثقل من ~~ثقل كما بطأ ابن أبي ناسا يوم أحد. والأول أنسب لما بعده ~~واللام الأولى للابتداء دخلت على اسم إن للفصل بالخبر، والثانية جواب ~~قسم محذوف والقسم بجوابه صلة ms0724 من والراجع إليه ما استكن في ~~ليبطئن، والتقدير وإن منكم لمن أقسم بالله ليبطئن { ~~فإن أصبتكم مصيبة } كقتل وهزيمة { قال } أي ~~المبطىء فرحا بصنعه وحامدا لرأيه { قد أنعم الله على ~~} أي بالقعود { إذ لم أكن معهم شهيدا } أي حاضرا في ~~المعركة فيصيبني ما أصابهم والفاء في الشرطية لترتيب مضمونها على ما ~~قبلها، فإن ذكر التبطئة مستتبع لذكر ما يترتب عليها كما أن نفس ~~التبطئة مستدعية لشيء ينتظر المبطىء وقوعه { ولئن أصبكم ~~فضل } كفتح وغنيمة { من الله } متعلق بأصابكم أو بمحذوف وقع ~~صفة لفضل أي فضل كائن من الله تعالى، ونسبته إصابة الفضل إلى جناب ~~الله تعالى دون إصابة المصيبة من العادات الشريفة التنزيلية كما في ~~قوله سبحانه: # وإذا مرضت فهو يشفين # [الشعراء، الآية 80] وتقديم الشرطية الأولى لما أن مضمونها لمقصدهم ~~أوفق وأثر نفاقهم فيها أظهر { ليقولن } ندامة على تنبطه ~~وقعوده وتهالكا على حطام الدنيا وتحسرا على فواته، وقرىء ~~ليقولن بضم اللام إعادة للضمير إلى معنى من وقوله تعالى: { كأن ~~لم تكن بينكم وبينه مودة } اعتراض وسط بين ~~الفعل ومفعوله الذي هو { يليتنى كنت معهم فأفوز فوزا ~~عظيما } لئلا يفهم من مطلع كلامه أن تمنيه لمعية المؤمنين ~~لنصرتهم ومظاهرتهم حسبما يقتضيه ما في البين من المودة، بل هو للحرص ~~على المال كما ينطق به آخره وليس إثبات المودة في البين بطريق ~~التحقيق بل بطريق التهكم، وقيل: الجملة التشبيهية حال من ضمير ~~ليقولن أي ليقولن مشبها بمن لا مودة بينكم وبينه، وقيل: هي ~~داخلة في المقول أي ليقولن المثبط لمن يثبطه من المنافقين وضعفة ~~المؤمنين كأن لم تكن بينكم وبين محمد مودة حيث لم يستصحبكم ~~في الغزو حتى تفوزوا بما فاز: يا ليتني كنت معهم، وغرضه إلقاء ~~العداوة بينهم وبينه عليه الصلاة والسلام وتأكيدها، وكأن مخففة من ~~الثقيلة واسمها ضمير الشأن وهو محذوف، وقرىء لم يكن بالياء والمنادى ~~في يا ليتني محذوف أي يا قوم، وقيل: { يا } أطلق للتنبيه على ~~الاتساع، وقوله تعالى: { فأفوز } نصب على جواب التمني، وقرىء ~~بالرفع على أنه ms0725 خبر مبتدإ محذوف أي فأنا أفوز في ذلك الوقت أو على ~~أنه معطوف على كنت داخل معه تحت التمني. ### || [4.74-75] # { فليقاتل فى سبيل الله } قدم الظرف على الفاعل ~~للاهتمام به { الذين يشرون الحيوة الدنيا بالآخرة } ~~أي يبيعونها بها وهم المؤمنون فالفاء جواب شرط مقدر أي إن بطأ ~~هؤلاء عن القتال فليقاتل المخلصون الباذلون أنفسهم في طلب الآخرة ~~أو الذين يشترونها ويختارونها على الآخرة، وهم المبطئون فالفاء ~~للتعقيب أي ليتركوا ما كانوا عليه من التثبط والنفاق وليبدلوه ~~بالقتال في سبيل الله { ومن يقتل فى سبيل الله ~~فيقتل أو يغلب فسوف نؤتيه } بنون العظمة التفاتا { ~~أجرا عظيما } لا يقادر قدره، وتعقيب القتال بأحد الأمرين ~~للإشعار بأن المجاهد حقه أن يوطن نفسه بإحدى الحسنيين ولا يخطر ~~بباله القسم الثالث أصلا، وتقديم القتل للإيذان بتقدمه في استتباع ~~الأجر، روى أبو هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قال: # " تكفل الله تعالى لمن جاهد في سبيله لا يخرجه إلا جهاد في سبيله ~~وتصديق كلمته أن يدخله الجنة أو يرجعه إلى مسكنه الذي خرج منه ~~مع ما نال من أجر وغنيمة " # { وما لكم } خطاب للمأمورين بالقتال على طريقة الالتفات مبالغة ~~في التحريض عليه وتأكيدا لوجوبه وهو مبتدأ وخبر وقوله عز وجل: { لا ~~تقتلون فى سبيل الله } حال عاملها ما في الظرف من معنى ~~الفعل، والاستفهام للإنكار والنفي، أي أي شيء لكم غير مقاتلين، أي ~~لا عذر لكم في ترك المقاتلة { والمستضعفين } عطف على اسم الله ~~أي في سبيل المستضعفين وهو تخليصهم من الأسر وصونهم عن العدو أو على ~~السبيل بحذف المضاف أي في خلاص المستضعفين، ويجوز نصبه على الاختصاص، ~~فإن سبيل الله يعم أبواب الخير وتخليص ضعفاء المؤمنين من أيدي ~~الكفرة أعظمها وأخصها { من الرجال والنساء والولدن } ~~بيان للمستضعفين أو حال منهم وهم المسلمون الذين بقوا بمكة لصد ~~المشركين أو لضعفهم عن الهجرة مستذلين ممتهنين، وإنما ذكر الولدان ~~معهم تكميلا للاستعطاف واستجلابا للرحمة وتنبيها على تناهي ظلم ~~المشركين بحيث بلغ أذاهم الصبيان ms0726 لإرغام آبائهم وأمهاتهم وإيذانا ~~بإجابة الدعاء الآتي واقتراب زمان الخلاص ببيان شركتهم في ~~التضرع إلى الله تعالى، كل ذلك للمبالغة في الحث على القتال، وقيل: ~~المراد بالولدان العبيد والإماء إذ يقال لهما: الوليد والوليدة ~~وقد غلب الذكور على الإناث فأطلق الولدان على الولائد أيضا { ~~الذين } محله الجر على أنه صفة للمستضعفين أو لما في حيز ~~البيان، أو النصب على الاختصاص { يقولون ربنا أخرجنا ~~من هذه القرية الظلم أهلها } بالشرك الذي هو ظلم ~~عظيم، وبأذية المسلمين، وهي مكة والظالم صفتها، وتذكيره لما أسند ~~إليه فإن اسم الفاعل والمفعول إذا أجري على غير من هوله كان ~~كالفعل في التذكير والتأنيث بحسب ما عمل فيه { واجعل لنا من ~~لدنك وليا } كلا الجارين متعلق باجعل لاختلاف معنييهما، ~~وتقديم المجرورين على المفعول الصريح لإظهار الاعتناء بهما وإبراز ~~الرغبة في المؤخر بتقديم أحواله فإن تأخير ما حقه التقديم عما ~~هو من أحواله المرغبة فيه كما يورث شوق السامع إلى وروده ~~ينبىء عن كمال رغبة المتكلم فيه واعتنائه بحصوله لا محالة، وتقديم ~~اللام على من للمسارعة إلى إبراز كون المسؤول نافعا لهم مرغوبا ~~فيه لديهم، ويجوز أن تتعلق كلمة من بمحذوف وقع حالا من وليا ~~قدمت عليه لكونه نكرة وكذا الكلام في قوله تعالى: { واجعل ~~لنا من لدنك نصيرا } قال ابن عباس رضي الله عنهما: أي ول ~~علينا واليا من المؤمنين يوالينا ويقوم بمصالحنا ويحفظ علينا ديننا ~~وشرعنا وينصرنا على أعدائنا ولقد استجاب الله عز وجل دعاءهم حيث ~~يسر لبعضهم الخروج إلى المدينة وجعل لمن بقي منهم خير ولي وأعز ~~ناصر، ففتح مكة على يدي نبيه عليه الصلاة والسلام فتولاهم أي تول ~~ونصرهم أية نصرة، ثم استعمل عليهم عتاب بن أسيد ونصرهم حتى صاروا ~~أعز أهلها، وقيل: المراد واجعل لنا من لدنك ولاية ونصرة أي كن أنت ~~ولينا وناصرنا، وتكرير الفعل ومتعلقيه للمبالغة في التضرع ~~والابتهال. ### || [4.76] # { الذين ءامنوا يقتلون فى سبيل الله } كلام ~~مبتدأ سيق لترغيب المؤمنين في القتال وتشجيعهم ببيان كمال قوتهم ~~بإمداد الله تعالى ms0727 ونصرته وغاية ضعف أعدائهم، أي المؤمنون إنما ~~يقاتلون في دين الله الحق الموصل لهم إلى الله عز وجل وفي إعلاء ~~كلمته فهو وليهم وناصرهم لا محالة { والذين كفروا ~~يقتلون فى سبيل الطغوت } أي فيما يوصلهم إلى الشيطان ~~فلا ناصر لهم سواه، والفاء في قوله تعالى: { فقتلوا أولياء ~~الشيطن } لبيان استتباع ما قبلها لما بعدها، وذكر بهذا ~~العنوان للدلالة على أن ذلك نتيجة لقتالهم في سبيل الشيطان ~~والإشعار بأن المؤمنين أولياء الله تعالى لما أن قتالهم في سبيله، ~~وكل ذلك لتأكيد رغبة المؤمنين في القتال وتقوية عزائمهم عليه، فإن ~~ولاية الله تعالى علم في العزة والقوة كما أن ولاية الشيطان مثل ~~في الذلة والضعف، كأنه قيل: إذا كان الأمر كذلك فقاتلوا ياأولياء ~~الله أولياء الشيطان ثم صرح بالتعليل فقيل: { إن كيد ~~الشيطن كان ضعيفا } أي في حد ذاته فكيف بالقياس إلى قدرة ~~الله تعالى، ولم يتعرض لبيان قوة جنابه تعالى إيذانا بظهورها. ~~قالوا: فائدة إدخال كان في أمثال هذه المواقع التأكيد ببيان أنه منذ ~~كان كذلك فالمعنى أن كيد الشيطان منذ كان كان موصوفا بالضعف. ### || [4.77] # { ألم تر الذين قيل لهم كفوا أيديكم } تعجيب ~~لرسول الله صلى الله عليه وسلم من إحجامهم عن القتال مع أنهم كانوا قبل ~~ذلك راغبين فيه حراصا عليه بحيث كادوا يباشرونه كما ينبىء عنه الأمر ~~بكف الأيدي فإن ذلك مشعر بكونهم بصدد بسطها إلى العدو بحيث يكادون ~~يسطون بهم، قال الكلبي: # " إن جماعة من أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام منهم عبد الرحمن بن ~~عوف الزهري والمقداد بن الأسود الكندي وقدامة بن مظعون ~~الجمحي وسعد بن أبي وقاص الزهري رضي الله تعالى عنهم كانوا ~~يلقون من مشركي مكة قبل الهجرة أذى شديدا فيشكون ذلك إلى النبي ~~عليه الصلاة والسلام ويقولون: ائذن لنا في قتالهم، فيقول لهم النبي ~~عليه الصلاة والسلام: " كفوا أيديكم { وأقيموا الصلاة وآتوا ~~الزكاة } فإني لم أومر بقتالهم " # ، وبناء القول للمفعول مع أن القائل هو النبي عليه الصلاة والسلام ~~للإيذان بكون ذلك بأمر الله سبحانه ms0728 وتعالى ولأن المقصود بالذات ~~والمعتبر في التعجيب إنما هو كمال رغبتهم في القتال وكونهم بحيث ~~احتاجوا إلى النهي عنه، وإنما ذكر في حيز الصلة الأمر بكف الأيدي ~~لتحقيقه وتصويره على طريقة الكناية فلا يتعلق ببيان خصوصية الأمر ~~غرض، وكانوا في مدة إقامتهم بمكة مستمرين على تلك الحالة فلما ~~هاجروا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة وأمروا بالقتال في ~~وقعة بدر كرهه بعضهم وشق ذلك عليه لكن لا شكا في الدين ولا رغبة ~~عنه بل نفورا عن الإخطار بالأرواح وخوفا من الموت بموجب الجبلة ~~البشرية وذلك قوله تعالى: { فلما كتب عليهم القتال } ~~الخ، وهو عطف على { قيل لهم كفوا أيديكم } [النساء، ~~الآية 77] باعتبار مدلوله الكنائي إذ حينئذ يتحقق التباين بين ~~مدلولي المعطوفين وعليه يدور أمر التعجيب كأنه قيل: ألم تر إلى ~~الذين كانوا حراصا على القتال، فلما كتب عليهم كرهه بعضهم، وقوله ~~تعالى: { إذا فريق منهم يخشون الناس } جواب لما على ~~أن فريق مبتدأ، ومنهم متعلق بمحذوف وقع صفة له ويخشون خبره، ~~وتصديره بإذا المفاجأة لبيان مسارعتهم إلى الخشية آثر ذي أثير من ~~غير تلعثم وتردد، أي فاجأ فريق منهم أن يخشوا الكفار أن يقتلوهم ولعل ~~توجيه التعجيب إلى الكل مع صدور الخشية عن بعضهم للإيذان بأنه ما كان ~~ينبغي أن يصدر عن أحدهم ما ينافي حالتهم الأولى، وقوله تعالى: { ~~كخشية الله } مصدر مضاف إلى المفعول محله النصب على أنه ~~حال من فاعل يخشون أي يخشونهم مشبهين لأهل خشية الله تعالى { أو ~~أشد خشية } عطف عليه بمعنى أو أشد خشية من أهل خشية الله، ~~أو على أنه مصدر مؤكد على جعل الخشية ذات خشية مبالغة كما في جد ~~جده أي يخشونهم خشية مثل خشية الله أو خشية أشد خشية من خشية ~~الله. # وأيا ما كان فكلمة أو إما للتنويع على معنى أن خشية بعضهم كخشية ~~الله وخشية بعضهم أشد منها، وإما للإبهام على السامع وهو قريب مما ~~في قوله تعالى: # وأرسلنه إلى مائة ألف أو يزيدون # [الصافات، الآية ms0729 147] يعني أن من يبصرهم يقول إنهم مائة ألف أو يزيدون { ~~وقالوا } عطف على جواب لما أي فلما كتب عليهم القتال هلع فريق منهم ~~خشية الناس وقالوا: { ربنا لم كتبت علينا القتال } ~~في هذا الوقت لا على وجه الاعتراض على حكمه تعالى، والإنكار لإيجابه، ~~بل على طريق تمني التخفيف { لولا أخرتنا إلى أجل ~~قريب } استزادة في مدة الكف واستمهال إلى وقت آخر حذرا من ~~الموت، وقد جوز أن يكون هذا مما نطقت به ألسنة حالهم من غير أن ~~يتفوهوا به صريحا. # { قل } أي تزهيدا لهم فيما يؤملونه بالقعود من المتاع الفاني ~~وترغيبا فيما ينالونه بالقتال من النعيم الباقي { متع الدنيا } ~~أي ما يتمتع وينتفع به في الدنيا { قليل } سريع التقضي وشيك ~~الانصرام وإن أخرتم إلى ذلك الأجل { والآخرة } أي ثوابها الذي ~~من جملته الثواب المنوط بالقتال { خير } أي لكم من ذلك المتاع ~~القليل، لكثرته وعدم انقطاعه وصفائه عن الكدورات وإنما قيل: { لمن ~~اتقى } حثا لهم على اتقاء العصيان والإخلال بمواجب التكليف { ~~ولا تظلمون فتيلا } عطف على مقدر ينسحب عليه الكلام أي ~~تجزون فيها ولا تنقصون أدنى شيء من أجور أعمالكم التي من جملتها ~~مسعاكم في شأن القتال فلا ترغبوا عنه، والفتيل ما في شق النواة من ~~الخيط يضرب به المثل في القلة والحقارة، وقرىء يظلمون بالياء إعادة ~~للضمير إلى ظاهر من. ### || [4.78] # { أينما تكونوا يدرككم الموت } كلام مبتدأ مسوق ~~من قبله تعالى بطريق تلوين الخطاب وصرفه عن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم إلى المخاطبين اعتناء بإلزامهم إثر بيان حقارة الدنيا وعلو ~~شأن الآخرة بواسطته عليه الصلاة والسلام فلا محل له من الإعراب أو في ~~محل النصب داخل تحت القول المأمور به أي أينما تكونوا في الحضر ~~والسفر يدرككم الموت الذي لأجله تكرهون القتال زعما منكم أنه من ~~مظانه وتحبون القعود عنه على زعم أن منجاة منه، وفي لفظ ~~الإدراك إشعار بأنهم في الهرب من الموت وهو مجد في طلبهم، وقرىء ~~بالرفع على حذف الفاء كما في قوله: [البسيط] # [لا يذهب ms0730 العرف عند الله والناس] # من يفعل الحسنات الله يشكرها # أو على اعتبار وقوع أينما كنتم في موقع أينما تكونوا أو على أنه كلام ~~مبتدأ، وأينما تكونوا متصل بلا تظلمون أي لا تنقصون شيئا مما كتب من ~~آجالكم أينما تكونوا في ملاحم الحروب ومعارك الخطوب. # { ولو كنتم فى بروج مشيدة } في حصون رفيعة أو قصور ~~محصنة، وقال السدي وقتادة: بروج السماء، يقال: شاد البناء وشيده ~~رفعه، وقرىء مشيدة بكسر الياء وصفا لها بفعل فاعلها مجازا كما في ~~قصيدة شاعرة، ومشيدة من شاد القصر إذا رفعه أو طلاه بالشيد وهو ~~الجص، وجواب لو محذوف اعتمادا على دلالة ما قبله عليه أي لو كنتم ~~في بروج مشيدة يدرككم الموت، والجملة معطوفة على أخرى مثلها، أي لو ~~لم تكونوا في بروج مشيدة ولو كنتم الخ، وقد اطرد حذفها لدلالة ~~المذكور عليها دلالة واضحة، فإن الشيء إذا تحقق عند وجود المانع ~~فلأن يتحقق عند عدمه أولى، وعلى هذه النكتة يدور ما في لو ~~الوصلية من التأكيد والمبالغة وقد مر تحقيقه في تفسير قوله تعالى: # أولو كان آباؤهم لا يعقلون شيئا ولا يهتدون # [البقرة، الآية 170] { وإن تصبهم حسنة يقولوا هذه ~~من عند الله } كلام مبتدأ جيء به عقيب ما حكي عن المسلمين ~~لما بينهما من المناسبة في اشتمالهما على إسناد ما يكرهونه إلى بعض ~~الأمور وكراهتهم له بسبب ذلك، والضمير لليهود والمنافقين، روي أنه كان ~~قد بسط عليهم الرزق فلما قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة ~~فدعاهم إلى الإيمان فكفروا أمسك عنهم بعض الإمساك فقالوا: ما زلنا ~~نعرف النقص في ثمارنا ومزارعنا منذ قدم هذا الرجل وأصحابه وذلك ~~قوله تعالى: { وإن تصبهم سيئة يقولوا هذه من ~~عندك } أي وإن تصبهم نعمة ورخاء نسبوها إلى الله تعالى وإن تصبهم ~~بلية من جدب وغلاء أضافوها إليك كما حكي عن أسلافهم بقوله تعالى: # وإن تصبهم سيئة يطيروا بموسى ومن معه # [الأعراف، الآية 131] فأمر النبي عليه الصلاة والسلام بأن يرد ~~زعمهم الباطل ويرشدهم إلى الحق ويلقمهم حجرا ببيان إسناد ms0731 ~~الكل إليه تعالى على الإجمال إذ لا يجترئون على معارضة أمر الله عز وجل ~~حيث قيل: { قل كل من عند الله } أي كل واحدة من النعمة ~~والبلية من جهة الله تعالى خلقا وإيجادا من غير أن يكون لي مدخل في ~~قوع شيء منهما بوجه من الوجوه كما تزعمون، بل وقوع الأولى منه تعالى ~~بالذات تفضلا ووقوع الثانية بواسطة ذنوب من ابتلي بها عقوبة كما ~~سيأتي بيانه فهذا الجواب المجمل في معنى ما قيل ردا على أسلافهم من ~~قوله تعالى: # ألا إنما طائرهم عند الله # [الأعراف، الآية 131] أي إنما سبب خيرهم وشرهم أو سبب إصابة ~~السيئة التي هي ذنوبهم عند الله تعالى لا عند غيره حتى يسندوها إليه ~~ويطيروا به، وقوله تعالى: { فمال هؤلاء القوم } الخ، كلام ~~معترض بين المبين وبيانه مسوق من جهته تعالى لتعييرهم بالجهل ~~وتقبيح حالهم والتعجيب من كمال غباوتهم، والفاء لترتيبه على ما ~~قبله، وقوله تعالى: { لا يكادون يفقهون حديثا } حال من ~~هؤلاء والعامل فيها ما في الظروف من معنى الاستقرار، أي وحيث كان ~~الأمر كذلك فأي شيء حصل لهم حال كونهم بمعزل من أن يفقهوا حديثا؟ ~~أو استئناف مبني على سؤال نشأ من الاستفهام كأنه قيل: ما بالهم وماذا ~~يصنعون حتى يتعجب منه أو يسأل عن سببه؟ فقيل: لا يكادون يفقهون ~~حديثا من الأحاديث أصلا فيقولون ما يقولون، إذ لو فقهوا شيئا من ذلك ~~لفهموا هذا النص وما في معناه وما هو أوضح منه من النصوص القرآنية ~~الناطقة بأن الكل فائض من عند الله تعالى وأن النعمة منه تعالى ~~بطريق التفضل والإحسان، والبلية بطريق العقوبة على ذنوب العباد لا ~~سيما النص الوارد عليهم في صحف موسى # وإبرهيم الذى وفى * ألا تزر وزرة وزر ~~أخرى # [النجم، الآية 37 و38] ولم يسندوا جناية أنفسهم إلى غيرهم. ### || [4.79] # وقوله تعالى: { ما أصبك من حسنة } الخ، بيان للجواب ~~المجمل المأمور به، وإجراؤه على لسان النبي عليه الصلاة والسلام ~~ثم سوق البيان من جهته عز وجل بطريق تلوبن الخطاب وتوجيهه إلى ms0732 كل ~~واحد من الناس، والالتفات لمزيد الاعتناء به والاهتمام برد ~~مقالتهم الباطلة والإشعار بأن مضمونه مبني على حكمة دقيقة حتى بأن ~~يتولى بيانها علام الغيوب، وتوجيه الخطاب إلى كل واحد منهم دون ~~كلهم كما في قوله تعالى: # وما أصبكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم # [الشورى، الآية 30] للمبالغة في التحقيق بقطع احتمال سببية معصية ~~بعضهم لعقوبة الآخرين أي ما أصابك من نعمة من النعم { فمن الله } ~~أي فهي منه تعالى بالذات تفضلا وإحسانا من غير استيجاب لها من ~~قبلك، كيف لا وأن كل ما يفعله المرء من الطاعات التي يفرض كونها ~~ذريعة إلى إصابة نعمة ما فهي بحيث لا تكاد تكافىء نعمة حياته ~~المقارنة لأدائها، ولا نعمة إقداره تعالى إياه على أدائها فضلا عن ~~استيجابها لنعمة أخرى ولذلك قال عليه الصلاة والسلام: # " " ما أحد يدخل الجنة إلا برحمة الله تعالى " قيل: ولا أنت يا رسول ~~الله؟ قال: " ولا أنا " # { وما أصبك من سيئة } أي بلية من البلايا { فمن ~~نفسك } أي فهي منها بسبب اقترافها المعاصي الموجبة لها، وإن كانت ~~من حيث الإيجاد منسوبة إليه تعالى نازلة من عنده عقوبة كقوله تعالى: # وما أصبكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ~~ويعفوا عن كثير # [الشورى، الآية 30] وعن عائشة رضي الله عنها: «ما من مسلم يصيبه وصب ~~ولا نصب حتى الشوكة يشاكها وحتى انقطاع شسع نعله إلا بذنب وما ~~يعفو الله عنه أكثر»، وقيل: الخطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم كما ~~قبله وما بعده، لكن لا لبيان حاله عليه الصلاة والسلام بل لبيان حال ~~الكفرة بطريق التصوير، ولعل ذلك لإظهار كمال السخط والغضب عليهم ~~والإشعار بأنهم لفرط جهلهم وبلادتهم بمعزل عن استحقاق الخطاب لا ~~سيما بمثل هذه الحكمة الأنيقة { وأرسلنك للناس رسولا } ~~بيان لجلالة منصبه عليه الصلاة والسلام ومكانته عند الله عز وجل بعد ~~بيان بطلان زعمهم الفاسد في حقه عليه الصلاة والسلام بناء على ~~جهلهم بشأنه الجليل، وتعريف الناس للاستغراق، والجار إما متعلق ~~برسولا قدم عليه للاختصاص الناظر إلى قيد العموم أي مرسلا ms0733 لكل ~~الناس لا لبعضهم فقط كما في قوله تعالى: # وما أرسلنك إلا كافة للناس # [سبأ، الآية 28] وإما بالفعل، فرسولا حال مؤكدة وقد جوز أن يكون ~~مصدرا كما في قوله: [الطويل] # لقد كذب الواشون ما فهت عندهم # بسر ولا أرسلتهم برسول # أي بإرسال بمعنى رسالة { وكفى بالله شهيدا } أي على رسالتك، ~~بنصب المعجزات التي من جملتها هذا النص الناطق والوحي الصادق، ~~والالتفات لتربية المهابة وتقوية الشهادة، والجملة اعتراض ~~تذييلي. ### || [4.80] # { من يطع الرسول فقد أطاع الله } بيان لأحكام ~~رسالته عليه الصلاة والسلام إثر بيان تحققها وثبوتها وإنما كان ~~كذلك لأن الآمر والناهي في الحقيقة هو الله تعالى، وإنما هو عليه ~~الصلاة والسلام مبلغ لأمره ونهيه فمرجع الطاعة وعدمها هو لله ~~سبحانه. روي أنه عليه الصلاة والسلام قال: # " من أحبني فقد أحب الله ومن أطاعني فقد أطاع الله " # فقال المنافقون: ألا تسمعون إلى ما يقول هذا الرجل؟ لقد قارف الشرك وهو ~~ينهي أن يعبد غير الله ما يريد إلا أن نتخذه ربا كما اتخذت ~~النصارى عيسى فنزلت، والتعبير عنه عليه الصلاة والسلام بالرسول دون ~~الخطاب للإيذان بأن مناط كون طاعته عليه الصلاة والسلام طاعة له ~~تعالى ليس خصوصية ذاته عليه الصلاة والسلام بل من حيثية رسالته، ~~وإظهار الجلالة لتربية المهابة وتأكيد وجوب الطاعة بذكر عنوان ~~الألوهية، وحمل الرسول على الجنس المنتظم له عليه الصلاة والسلام ~~انتظاما أوليا يأباه تخصيص الخطاب به عليه السلام في قوله تعالى: { ~~ومن تولى فما أرسلنك عليهم حفيظا } وجواب ~~الشرط محذوف والمذكور تعليل له أي ومن أعرض عن الطاعة عنه إنما ~~أرسلناك رسولا مبلغا لا حفيظا مهيمنا تحفظ عليهم أعمالهم ~~وتحاسبهم عليها وتعاقبهم بحسبها. وحفيظا حال من الكاف، وعليهم ~~متعلق به، قدم عليه رعاية للفاصلة، وجمع الضمير باعتبار معنى من ~~كما أن الإفراد في تولى باعتبار لفظه. ### || [4.81-82] # { ويقولون } شروع في بيان معاملتهم مع الرسول صلى الله عليه ~~وسلم بعد بيان وجوب طاعته، أي يقولون إذا أمرتهم بشيء { طاعة } ~~أي أمرنا وشأننا طاعة أو منا طاعة، واالأصل النصب ms0734 على المصدر، ~~والرفع للدلالة على الثبات كسلام { فإذا برزوا من عندك } ~~أي خرجوا من مجلسك { بيت طائفة منهم } أي من القائلين ~~المذكورين وهم رؤساؤهم { غير الذى تقول } أي زورت طائفة ~~منهم وسوت خلاف ما قالت لك من القبول وضمان الطاعة، لأنهم ~~مصرون على الرد والعصيان، وإنما يظهرون ما يظهرون على وجه ~~النفاق، أو خلاف ما قلت لها، والتبييت إما من البيتوته لأنه قضاء ~~الأمر وتدبيره بالليل، يقال: هذا أمر بيت بليل، وإما من بيت ~~الشعر لأن الشاعر يدبره ويسويه، وتذكير الفعل لأن تأنيث ~~الطائفة غير حقيقي، وقرىء بإدغام التاء في الطاء لقرب المخرج، ~~وإسناده إلى طائفة منهم لبيان أنهم المتصدون له بالذات والباقون ~~أتباع لهم في ذلك لا لأن الباقين ثابتون على الطاعة. # { والله يكتب ما يبيتون } أي يكتبه في جملة ما يوحى ~~إليك فيطلعك على أسرارهم فلا يحسبوا أن مكرهم يخفى عليكم فيجدون ~~بذلك إلى الإضرار بكم سبيلا، أو يثبته في صحائفهم فيجازيهم عليه، ~~وأيا ما كان فالجملة اعتراضية { فأعرض عنهم } أي لا تبال ~~بهم وبما صنعوا، أو تجاف عنهم ولا تتصد للانتقام منهم، والفاء ~~لسببية ما قبلها لما بعدها. # { وتوكل على الله } في كل ما تأتي وما تذر لا سيما في شأنهم، ~~وإظهار الجلالة في مقام الإضمار للإشعار بعلة الحكم { وكفى ~~بالله وكيلا } فيكفيك مرتهم وينتقم لك منهم، والإظهار ههنا ~~أيضا لما مر وللتنبيه على استقلال الجملة واستغنائها عما عداها من كل ~~وجه. # { أفلا يتدبرون القرءان } إنكار واستقباح لعدم ~~تدبرهم القرآن وإعراضهم عن التأمل فيما فيه من موجبات الإيمان، ~~وتدبر الشيء تأمله والنظر في أدباره ما يؤول إليه في عاقبته ~~ومنتهاه، ثم استعمل في كل تفكر ونظر، والفاء للعطف على مقدر أي ~~أيعرضون عن القرآن فلا يتأملون فيه ليعلموا كونه من عند الله تعالى ~~بمشاهدة ما فيه من الشواهد التي من جملتها هذا الوحي الصادق والنص ~~الناطق بنفاقهم المحكي على ما هو عليه. # { ولو كان } أي القرآن { من عند غير الله } كما يزعمون ~~{ لوجدوا فيه اختلفا كثيرا } بأن ms0735 يكون بعض أخباره غير ~~مطابق للواقع، إذ لا علم بالأمور الغيبية ماضية كانت أو مستقبلة ~~لغيره سبحانه، وحيث كانت كلها مطابقة للواقع تعين كونه من عنده ~~تعالى. قال الزجاج: ولولا أنه من عند الله تعالى لكان ما فيه من الإخبار ~~بالغيب مما يسره المنافقون وما يبيتونه مختلفا، بعضه ~~حق وبعضه باطل، لأن الغيب لا يعلمه إلا الله تعالى. # وقال أبو بكر الأصم: إن هؤلاء المنافقين كانوا يتواطؤون في السر على ~~أنواع كثيرة من الكيد والمكر وكان الله تعالى يطلع الرسول عليه ~~الصلاة والسلام على ذلك ويخبره بها مفصلة فقيل لهم: إن ذلك لو لم ~~يحصل بإخبار الله تعالى لما اطرد الصدق فيه ولوقع فيه الاختلاف ~~فلما لم يقع ذلك قط علم أنه بإعلامه تعالى، هذا هو الذي يستدعيه ~~جزالة النظم الكريم، وأما حمل الاختلاف على التناقض وتفاوت النظم ~~في البلاغة بأن كان بعضه دالا على معنى صحيح عند علماء المعاني ~~وبعضه على معنى فاسد غير ملتئم وبعضه بالغا حد الإعجاز وبعضه ~~قاصرا عنه يمكن معارضته كما جنح إليه الجمهور فما لا يساعده ~~السباق ولا السياق، ومن رام التقريب وقال: لعل ذكره ههنا للتنبيه ~~على أن اختلاف ما سبق من الأحكام ليس لتناقض في الحكم والمصالح ~~المقتضية لذلك فقد بعد عن الحق بمراحل. ### || [4.83] # { وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا ~~به } يقال: أذاع السر وأذاع به أي أشاعه وأفشاه، وقيل: معنى ~~أذاعوا به فعلوا به الإذاعة وهو أبلغ من أذاعوه، وهو كلام مسوق لدفع ~~ما عسى يتوهم في بعض المواد من شائبة الاختلاف بناء على عدم فهم ~~المراد ببيان أن ذلك لعدم وقوفهم على معنى الكلام لا لتخلف مدلوله ~~عنه وذلك أن ناسا من ضعفة المسلمين الذين لا خبرة لهم بالأحوال ~~كانوا إذا أخبرهم الرسول عليه الصلاة والسلام بما أوحي إليه من وعد ~~بالظفر أو تخويف من الكفرة يذيعونه من غير فهم لمعناه ولا ضبط ~~لفحواه على حسب ما كانوا يفهمونه ويحملونه عليه من المحامل، وعلى تقدير ~~الفهم قد ms0736 يكون ذلك مشروطا بأمور تفوت بالإذاعة فلا يظهر أثره ~~المتوقع فيكون ذلك منشأ لتوهم الاختلاف فنعي عليهم ذلك وقيل: { ~~ولو ردوه } أي ذلك الأمر الذي جاءهم { إلى الرسول } أي ~~عرضوه على رأيه عليه الصلاة والسلام مستكشفين لمعناه وما ينبغي له من ~~التدبير والالتفات لما أن عنوان الرسالة من موجبات الرد والمراجعة ~~إلى رأيه عليه الصلاة والسلام { وإلى أولى الأمر منهم } ~~وهم كبراء الصحابة البصراء في الأمور رضي الله تعالى عنهم { ~~لعلمه } أي لعلم الرادون معناه وتدبيره، وإنما وضع موضع ~~ضميرهم الموصول فقيل: { الذين يستنبطونه منهم } ~~للإيذان بأنه ينبغي أن يكون قصدهم يرده إليهم استكشاف معناه ~~واستيضاح فحواه، أي لعلمه أولئك الرادون الذين يستنبطونه أي ~~يتلقونه ويستخرجون عليمه وتدبيره منهم أي من جهة الرسول عليه ~~الصلاة والسلام وأولي الأمر من صحابته رضوان الله عليهم أجمعين، ولما ~~فعلوا في حقه ما فعلوا فلم يقع من الاشتباه وتوهم الاختلاف، وقيل: ~~لعلمه الذين يستخرجون تدبيره بفطنهم وتجاربهم ومعرفتهم بأمور ~~الحرب ومكايدها، فكلمة من في { منهم } بيانية، وقيل: إنهم ~~كانوا إذا بلغهم خبر عن سرايا رسول الله صلى الله عليه وسلم من أمن ~~وسلامة أو خوف وخلل أذاعوا به وكانت إذاعتهم مفسدة، ولو ردوا ذلك ~~الخبر إلى رسول الله عليه الصلاة والسلام وإلى أولي الأمر لعلم تدبير ~~ما أخبروا به الذين يستنبطونه أي يستخرجون تدبيره بفطنهم وتجاربهم ~~ومعرفتهم بأمور الحرب ومكايدها، وقيل: كانوا يقفون من رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وأولي الأمر على أمن ووثوق بالظهور على بعض الأعداء، ~~أو على خوف فيذيعونه فينتشر فيبلغ الأعداء فتعود إذاعتهم مفسدة، ~~ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر وفوضوه إليهم وكانوا كأن لم ~~يسمعوا لعلم الذين يستنبطون تدبيره كيف يدبرونه يأتون وما يذرون ~~فيه، وقيل: كانوا يسمعون من أفواه المنافقين شيئا من الأخبار عن السرايا ~~مظنونا غير معلوم الصحة فيذيعونه فيعود ذلك وبالا على المؤمنين، ~~ولو ردوه إلى الرسول عليه الصلاة والسلام وإلى أولي الأمر وقالوا: ~~نسكت حتى نسمعه منهم ونعلم هل هو مما يذاع أو ms0737 لا يذاع لعلم ~~صحته وهل هو مما يذاع أو لا يذاع هؤلاء المذيعون وهم الذين ~~يستنبطونه من الرسول وأولي الأمر أي يتلقونه منهم ويستخرجون علمه ~~من جهتهم فمساق النظم الكريم حينئذ لبيان جناية تلك الطائفة وسوء ~~تدبيرهم إثر بيان جناية المنافقين ومكرهم. # والخطاب في قوله تعالى: { ولولا فضل الله عليكم ~~ورحمته } للطائفة المذكورة على طريقة الالتفات أي لولا فضله ~~تعالى عليكم ورحمته بإرشادكم إلى طريق الحق الذي هو المراجعة في ~~مظان الاشتباه إلى الرسول صلى الله عليه وسلم وأولي الأمر { ~~لاتبعتم الشيطن } وعملتم بآراء المنافقين فيما تأتون وما ~~تذرون ولم تهتدوا إلى سنن الصواب { إلا قليلا } وهم أولوا الأمر ~~الواقفون على أسرار الكتاب الراسخون في معرفة أحكامه، فالاستثناء ~~منقطع، وقيل: ولولا فضله تعالى عليكم ورحمته بإرسال الرسول وإنزال ~~الكتاب لاتبعتم الشيطان وبقيتم على الكفر والضلالة إلا قليلا منكم ~~قد تفضل عليه بعقل راجح اهتدى به إلى طريق الحق والصواب وعصمه ~~من متابعة الشيطان كقس بن ساعدة الإيادي، وزيد بن عمرو بن ~~نفيل، وورقة بن نوفل وأضرابهم، فالخطاب للكل، والاستثناء متصل، ~~وقيل: المراد بالفضل والرحمة النصرة والظفر بالأعداء، أي لولا حصول ~~النصر والظفر على التواتر والتتابع لاتبعتم الشيطان وتركتم الدين ~~إلا قليلا منكم وهم أولوا البصائر النافذة والنيات القوية والعزائم ~~الماضية من أفاضل المؤمنين الواقفين على حقبة الدين البالغين إلى درجة ~~حق اليقين المستغنين عن مشاهدة آثار حقيته من الفتح والظفر ~~وقيل: إلا اتباعا قليلا. ### || [4.84] # { فقاتل فى سبيل الله } تلوين للخطاب وتوجيه له إلى رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم بطريق الالتفات، وهو جواب شرط محذوف ينساق ~~إليه النظم الكريم أي إذا كان الأمر كما حكي من عدم طاعة المنافقين ~~وكيدهم وتقصير الآخرين في مراعاة أحكام الإسلام فقاتل أنت وحدك ~~غير مكترث بما فعلوا، وقوله تعالى: { لا تكلف إلا نفسك } ~~أي إلا فعل نفسك، استئناف مقرر لما قبله فإن اختصاص تكليفه ~~عليه الصلاة والسلام بفعل نفسه من موجبات مباشرته للقتال وحده، وفيه ~~دلالة على أن ما فعلوا من التثبط لا ms0738 يضره عليه الصلاة والسلام ولا ~~يؤاخذ به، وقيل: هو حال من فاعل قاتل أي فقاتل غير مكلف إلا ~~نفسك وقرىء لا تكلف بالجزم على النهي، وقيل: على جواب الأمر، وقرىء ~~بنون العظمة أي لا نكلفك إلا فعل نفسك لا على معنى لا تكلف ~~أحدا إلا نفسك { وحرض المؤمنين } عطف على الأمر السابق ~~داخل في حكمه، فإن كون حال الطائفتين كما حكي سبب للأمر بالقتال ~~وحده وبتحريض خلص المؤمنين، والتحريض على الشيء الحث عليه ~~والترغيب فيه. قال الراغب: كأنه في الأصل إزالة الحرض وهو ما لا خير ~~فيه ولا يعتد به أي رغبهم في القتال ولا تعنف بهم وإنما لم ~~يذكر المحرض عليه لغاية ظهوره. # وقوله تعالى: { عسى الله أن يكف بأس الذين كفروا ~~} عدة منه سبحانه وتعالى محققة الإنجاز بكف شدة الكفرة ~~ومكروههم، فإن ما صدر بلعل وعسى مقرر الوقوع من جهته عز وجل وقد ~~كان كذلك، حيث روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم واعد أبا سفيان بعد ~~حرب أحد موسم بدر الصغرى في ذي القعدة فلما بلغ الميعاد دعا ~~الناس إلى الخروج فكرهه بعضهم فنزلت فخرج رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم في سبعين راكبا ووافوا الموعد وألقى الله تعالى في قلوب الذين ~~كفروا الرعب فرجعوا من مر الظهران، وروي أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وافى بجيشه بدرا وأقام بها ثماني ليال وكانت معهم تجارات ~~فباعوها وأصابوا خيرا كثيرا وقد مر في سورة آل عمران { والله ~~أشد بأسا } أي من قريش { وأشد تنكيلا } أي تعذيبا ~~وعقوبة تنكل من يشاهدها عن مباشرة ما يؤدي إليها، والجملة اعتراض ~~تذييلي مقرر لما قبلها، وإظهار الاسم الجليل لتربية المهابة ~~وتعليل الحكم وتقوية استقلال الجملة، وتكرير الخبر لتأكيد ~~التشديد. ### || [4.85-86] # وقوله تعالى: { من يشفع شفعة حسنة يكن له نصيب ~~منها } أي من ثوابها، جملة مستأنفة سيقت لبيان أن له عليه الصلاة ~~والسلام فيما أمر به من تحريض المؤمنين حظا موفورا، فإن الشفاعة هي ~~التوسط بالقول في وصول شخص إلى منفعة ms0739 من المنافع الدنيوية أو ~~الأخروية، أو خلاصه من مضرة ما كذلك، من الشفع كأن المشفوع له كان ~~فردا فجعله الشفيع شفعا، والحسنة منها ما كانت في أمر مشروع روعي ~~بها حق مسلم ابتغاء لوجه الله تعالى من غير أن يتضمن غرضا من ~~الأغراض الدنيوية، وأي منفعة أجل مما قد حصل للمؤمنين بتحريضه عليه ~~الصلاة والسلام على الجهاد من المنافع الدنيوية والأخروية؟ وأي مضرة ~~أعظم مما تخلصوا منه بذلك من التثبط عنه؟ ويندرج فيها الدعاء للمسلم ~~فإنه شفاعة إلى الله سبحانه وعليه مساق آية التحية الآتية، روي أنه ~~صلى الله عليه وسلم قال: # " من دعا لأخيه المسلم بظهر الغيب استجيب له وقال له الملك: ولك ~~مثل ذلك " # وهذا بيان لمقدار النصيب الموعود { ومن يشفع شفعة ~~سيئة } وهي ما كانت بخلاف الحسنة { يكن له كفل منها } ~~أي نصيب من وزرها مساو لها في المقدار من غير أن ينقص منه شيء { ~~وكان الله على كل شىء مقيتا } أي مقتدرا، من أقات على ~~الشيء إذا اقتدر عليه أو شهيدا حفيظا، واشتقاقه من القوت، فإنه ~~يقوي البدن ويحفظه، والجملة تذييل مقرر لما قبلها على كلا ~~المعنيين. # { وإذا حييتم بتحية } ترغيب في فرد شائع من أفراد ~~الشفاعة الحسنة إثر ما رغب فيها على الإطلاق وحذر عما يقابلها ~~من الشفاعة السيئة، وإرشاد إلى توفية حق الشفيع، وكيفية أدائه، ~~فإن تحية الإسلام من المسلم شفاعة منه لأخيه إلى الله تعالى، والتحية ~~مصدر حيا أصلها تحيية، كتسمية من سمى وأصل الأصل تحيي ~~بثلاث ياءات فحذفت الأخيرة وعوض عنها تاء التأنيث وأدغمت ~~الأولى في الثانية بعد نقل حركتها إلى الحاء. قال الراغب: أصل التحية ~~الدعاء بالحياة وطولها ثم استعملت في كل دعاء، وكانت العرب إذا لقي ~~بعضهم بعضا يقول: حياك الله، ثم استعملها الشرع في السلام وهي تحية ~~الإسلام، وقال تعالى: # تحيتهم فيها سلم # [إبراهيم، الآية 23] وقال: # فسلموا على أنفسكم تحية من عند الله # [النور، الآية 61] قالوا: في السلام مزية على التحية لما أنه دعاء ~~بالسلامة من الآفات الدينية والدنيوية، ms0740 وهي مستلزمة لطول الحياة ~~وليس في الدعاء بطول الحياة ذلك، ولأن السلام من أسمائه تعالى ~~فالبداءة بذكره مما لا ريب في فضله ومزيته، أي إذا سلم عليكم من ~~جهة المؤمنين { فحيوا بأحسن منها } أي بتحية أحسن منها ~~بأن تقولوا: وعليكم السلام ورحمة الله إن اقتصر المسلم على الأول ~~وبأن تزيدوا وبركاته إن جمعهما المسلم وهي النهاية لانتظامها لجميع ~~فنون المطالب التي هي السلامة عن المضار ونيل المنافع ودوامها ~~ونماؤها. # { أو ردوها } أي أجيبوها بمثلها. روي # " أن رجالا قال أحدهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم: السلام عليك، ~~فقال: " وعليك السلام ورحمة الله " ، وقال الآخر: السلام عليك ورحمة ~~الله، فقال: " وعليك السلام ورحمة الله وبركاته " ، وقال الآخر: ~~السلام عليك ورحمة الله وبركاته، فقال: " وعليك " فقال الرجل: نقصتني ~~فأين ما قال الله تعالى؟ وتلا الآية، فقال عليه الصلاة والسلام: " إنك لم ~~تترك لي فضلا فرددت عليك مثله " # ، وجواب التسليم واجب وإنما التخيير بين الزيادة وتركها، وعن ~~النخعي: أن السلام سنة والرد فريضة، وعن ابن عباس رضي الله تعالى ~~عنهما: «الرد واجب وما من رجل يمر على قوم مسلمين فيسلم عليهم ولا ~~يردون عليه إلا نزع الله منهم روح القدس وردت عليه الملائكة» ولا ~~يرد في الخطبة وتلاوة القرآن جهرا، ورواية الحديث وعند دراسة ~~العلم والآذان والإقامة، ولا يسلم على لاعب النرد والشطرنج ~~والمغني والقاعد لحاجته ومطير الحمام والعاري في الحمام وغيره، ~~قالوا: ويسلم الرجل على امرأته لا على الأجنبية، والسنة أن يسلم ~~الماشي على القاعد والراكب على الماشي وراكب الفرس على راكب الحمار، ~~والصغير على الكبير والقليل على الكثير، وإذا التقيا ابتدرا. وعن ~~أبي حنيفة رضي الله عنه لا يجهر بالرد يعني الجهر الكثير، وعن النبي ~~عليه الصلاة والسلام: # " إذا سلم عليكم أهل الكتاب فقولوا: وعليكم " # أي وعليكم ما قلتم حيث كان يقول بعضهم: السام عليكم. وروي (لا تبدأ ~~اليهودي بالسلام وإذا بدأك فقل: وعليك)، وعن الحسن: أنه يجوز أن يقول ~~للكافر وعليك السلام دون الزيادة، وقيل: التحية بالأحسن عند كون ~~المسلم ms0741 مسلما ورد مثلها عند كونه كافرا. # { إن الله كان على كل شىء حسيبا } فيحاسبكم على كل ~~شيء من أعمالكم التي من جملتها ما أمرتم به من التحية فحافظوا على ~~مراعاتها حسبما أمرتم به. ### || [4.87] # { الله لا إله إلا هو } مبتدأ وخبر وقوله تعالى: { ~~ليجمعنكم إلى يوم القيمة } جواب قسم محذوف أي ~~والله ليحشرنكم من قبوركم إلى يوم حساب يوم القيامة، وقيل: إلى ~~بمعنى في والجملة القسمية إما مستأنفة لا محل لها من الإعراب أو ~~خبر ثان للمبتدأ أو هي الخبر، و { لا إله إلا هو } اعتراض ~~وقوله تعالى: { لا ريب فيه } أي في يوم القيامة أو في الجمع حال ~~من اليوم أو صفة للمصدر أي جمعا لا ريب فيه { ومن أصدق من ~~الله حديثا } إنكار لأن يكون أحد أصدق منه تعالى في وعده وسائر ~~أخباره وبيان لاستحالته كيف لا والكذب محال عليه سبحانه دون ~~غيره. ### || [4.88] # { فما لكم } مبتدأ وخبر، والاستفهام للإنكار والنفي، والخطاب ~~لجميع المؤمنين لكن ما فيه من معنى التوبيخ متوجه إلى بعضهم، وقوله ~~تعالى: { فى المنفقين } متعلق إما بما تعلق به الخبر، أي أي ~~شيء كائن لكم فيهم أي في أمرهم وشأنهم، فحذف المضاف وأقيم المضاف ~~إليه مقامه، وإما بما يدل عليه قوله تعالى: { فئتين } من معنى ~~الافتراق أي فما لكم تفترقون في المنافقين، وإما بمحذوف وقع حالا من ~~فئتين أي كائنتين في المنافقين لأنه في الأصل صفة فلما قدمت انتصبت ~~على الحال كما هو شأن صفات النكرات على الإطلاق، أو من الضمير في ~~تفترقون وانتصاب فئتين عند البصريين على الحالية من المخاطبين ~~والعامل ما في لكم من معنى الفعل، كما في قوله تعالى: # فما لهم عن التذكرة معرضين # [المدثر، الآية 49] وعند الكوفيين على خبرية كان مضمرة أي فما لكم في ~~المنافقين كنتم فئتين، والمراد إنكار أن يكون للمخاطبين شيء يصحح ~~اختلافهم في أمر المنافقين وبيان وجوب بت القول بكفرهم، وإجرائهم ~~مجرى المجاهرين بالكفر في جميع الأحكام. وذكرهم بعنوان النفاق ~~باعتبار وصفهم السابق. روي (أنهم قوم من ms0742 المنافقين استأذنوا رسول الله ~~عليه الصلاة والسلام في الخروج إلى البدو معتلين باجتواء المدينة فلما ~~خرجوا لم يزالوا راحلين مرحلة فمرحلة حتى لحقوا بالمشركين، فاختلف ~~المسلمون في أمرهم) وقيل: هم قوم هاجروا من مكة إلى المدينة ثم بدا لهم ~~فرجعوا وكتبوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم إنا على دينك وما ~~أخرجنا إلا اجتواء المدينة والاشتياق إلى بلدنا، وقيل: (هم ناس ~~أظهروا الإسلام وقعدوا عن الهجرة)، وقيل: (هم قوم خرجوا مع رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم يوم أحد ثم رجعوا)، ويأباه ما سيأتي من جعل هجرتهم ~~غاية للنهي عن توليهم، وقيل: هم العرنيون الذين أغاروا على ~~السرح وقتلوا راعي رسول الله صلى الله عليه وسلم ويرده ما سيأتي من ~~الآيات الناطقة بكيفية المعاملة معهم من السلم والحرب وهؤلاء قد أخذوا ~~وفعل بهم ما فعل من المثلة والقتل ولم ينقل في أمرهم اختلاف ~~المؤمنين. # { والله أركسهم } حال من المنافقين مفيدة لتأكيد الإنكار ~~السابق واستبعاد وقوع المنكر ببيان وجود النافي بعد بيان عدم ~~الداعي، وقيل: من ضمير المخاطبين والرابط هو الواو أي أي شيء يدعوكم ~~إلى الاختلاف في كفرهم مع تحقق ما يوجب اتفاقكم على كفرهم، وهو أن الله ~~تعالى قد ردهم في الكفر كما كانوا { بما كسبوا } بسبب ما كسبوه من ~~الارتداد واللحوق بالمشركين والاحتيال على رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، والعائد إلى الموصول محذوف، وقيل: ما مصدرية أي بكسبهم، وقيل: ~~معنى أركسهم نكسهم بأن صيرهم للنار وأصل الركس رد الشيء ~~مقلوبا، وقرىء ركسهم مشددا وركسهم أيضا مخففا { أتريدون ~~أن تهدوا من أضل الله } تجريد للخطاب وتخصيص له ~~بالقائلين بإيمانهم من الفئتين وتوبيخ لهم على زعمهم ذلك وإشعار بأنه ~~يؤدي إلى محاولة المحال الذي هو هداية من أضله الله تعالى، وذلك بأن ~~الحكم بإيمانهم وادعاء اهتدائهم وهم بمعزل من ذلك سعي في ~~هدايتهم وإرادة لها، ووضع الموصول موضع ضمير المنافقين لتشديد ~~الإنكار وتأكيد استحالة الهداية بما ذكر في حيز الصلة. # وتوجيه الإنكار إلى الإرادة لا إلى متعلقها بأن ms0743 يقال: أتهدون الخ، ~~للمبالغة في إنكاره ببيان أنه مما لا يمكن إرادته فضلا عن إمكان ~~نفسه، وحمل الهداية والإضلال على الحكم بهما يأباه قوله تعالى: { ~~ومن يضلل الله فلن تجد له سبيلا } أي ومن يخلق ~~فيه الضلال كائنا من كان فلن تجد له سبيلا من السبل فضلا عن أن ~~تهديه إليه، وفيه من الإفصاح عن كمال الاستحالة ما ليس في قوله تعالى: # ومن يضلل الله فما له من هاد # [الرعد، الآية 33. وسورة الزمر، الآية 23و 36. وسورة غافر، الآية 33] ~~ونظائره. وحمل إضلاله تعالى على حكمه وقضائه بالضلال مخل بحسن ~~المقابلة بين الشرط والجزاء، وتوجيه الخطاب إلى كل واحد من ~~المخاطبين للإشعار بشمول عدم الوجدان للكل على طريق التفصيل، ~~والجملة إما حال من فاعل تريدون أو تهدوا والرابط هو الواو أو اعتراض ~~تذييلي مقرر للإنكار السابق ومؤكد لاستحالة الهداية فحينئذ يجوز ~~أن يكون الخطاب لكل أحد ممن يصلح له من المخاطبين أولا ومن غيرهم. ### || [4.89-90] # { ودوا لو تكفرون } كلام مستأنف لبيان غلوهم وتماديهم ~~في الكفر وتصديهم لإضلال غيرهم إثر بيان كفرهم وضلالهم في ~~أنفسهم، وكلمة لو مصدرية غنية عن الجواب، وهي مع ما بعدها نصب على ~~المفعولية، أي ودوا أن تكفروا، وقوله تعالى: { كما كفروا } نصب ~~على أنه نعت لمصدر محذوف أي كفرا مثل كفرهم، أو حال من ضمير ذلك ~~المصدر كما هو رأي سيبويه وقوله تعالى: { فتكونون سواء } عطف ~~على تكفرون داخل في حكمه أي ودوا أن تكفروا فتكونوا سواء مستوين في ~~الكفر والضلال، وقيل: كلمة لو على بابها، وجوابها محذوف كمفعول ودوا ~~لتقدير ودوا كفركم لو تكفرون كما كفروا لسخروا بذلك { فلا ~~تتخذوا منهم أولياء } الفاء جواب شرط محذوف وجمع ~~أولياء لمراعاة جمع المخاطبين فإن المراد نهي أن يتخذ واحد من ~~المخاطبين وليا واحدا منهم أي إذا كان حالهم ما ذكر من ودادة كفركم ~~فلا توالوهم { حتى يهاجروا فى سبيل الله } أي حتى يؤمنوا ~~ويحققوا إيمانهم بهجرة كائنة لله تعالى ورسوله عليه الصلاة والسلام ~~لا لغرض من أغراض الدنيا. # { فإن ms0744 تولوا } أي عن الإيمان المؤيد بالهجرة الصحيحة ~~المستقيمة { فخذوهم } أي إذا قدرتم عليهم { واقتلوهم حيث ~~وجدتموهم } من الحل والحرم فإن حكمهم حكم سائر المشركين ~~أسرا وقتلا { ولا تتخذوا منهم وليا ولا نصيرا } ~~أي جانبوهم مجانبة كلية ولا تقبلوا منهم ولاية ولا نصرة أبدا { ~~إلا الذين يصلون إلى قوم بينكم وبينهم ~~ميثق } استثناء من قوله تعالى: { فخذوهم واقتلوهم } ~~[النساء، الآية: 89] ، أي إلا الذين يتصلون وينتهون إلى قوم عاهدوكم ولم ~~يحاربوكم وهم الأسلميون (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم وقت خروجه ~~من مكة قد وادع هلال ابن عويمر الأسلمي على أنه لا يعينه ~~ولا يعين عليه وعلى أن من وصل إلى هلال ولجأ إليه فله من الجوار ~~مثل الذي لهلال)، وقيل: هم بنو بكر بن زيد مناة، وقيل: هم خزاعة. # { أو جاءوكم } عطف على الصلة أي أو الذين جاءوكم كافين عن قتالكم ~~وقتال قومهم. استثني من المأمور بأخذهم وقتلهم فريقان: أحدهما من ~~ترك المحاربين ولحق بالمعاهدين، والآخر من أتى المؤمنين وكف عن قتال ~~الفريقين. # أو على صفة قوم كأنه قيل: إلا الذين يصلون إلى قوم معاهدين أو إلى ~~قوم كافين عن القتال لكم والقتال عليكم، والأول هوالأظهر لما سيأتي ~~من قوله تعالى: { فإن اعتزلوكم } [النساء، الآية 90] الخ، فإنه ~~صريح في أن كفهم عن القتال أحد سببي استحقاقهم لنفي التعرض ~~لهم، وقرىء جاءوكم بغير عاطف على أنه صفة بعد صفة أو بيان ليصلون ~~أو استئناف { حصرت صدورهم } حال بإضمار قد بدليل أنه قرىء ~~حصرة صدورهم وحصرات صدورهم، وقيل: هو بيان لجاءوكم وهم بنو ~~مدلج جاءوا رسول الله صلى الله عليه وسلم غير مقاتلين، والحصر الضيق ~~والانقباض { أن يقتلوكم أو يقتلوا قومهم } أي من ~~أن يقاتلوكم أي لأن يقاتلوكم أو كراهة أن يقاتلوكم الخ { ولو شاء ~~الله لسلطهم عليكم } جملة مبتدأة جارية مجرى التعليل ~~لاستثناء الطائفة الأخيرة من حكم الأخذ والقتل ونظمهم في سلك ~~الطائفة الأولى الجارية مجرى المعاهدين مع عدم تعلقهم بنا ولا بمن ~~عاهدونا كالطائفة الأولى، أي لو شاء الله لسلطهم ms0745 عليكم ببسط صدورهم ~~وتقوية قلوبهم وإزالة الرعب عنها { فلقتلوكم } عقيب ذلك ~~ولم يكفوا عنكم، واللام جواب لو على التكرير أو الإبدال من الأولى، ~~وقرىء فلقتلوكم بالتخفيف والتشديد { فإن اعتزلوكم } ولم ~~يتعرضوا لكم { فلم يقتلوكم } مع ما علمتم من تمكنهم من ذلك ~~بمشيئة الله عزو وجل { وألقوا إليكم السلم } أي الانقياد ~~والاستسلام وقرىء بسكون اللام { فما جعل الله لكم عليهم ~~سبيلا } طريقا بالأسر أو بالقتل فإن كفهم عن قتالكم وأن يقاتلوا ~~قومهم أيضا وإلقاءهم إليكم السلم وإن لم يعاهدوكم كافية في ~~استحقاقهم لعدم تعرضكم لهم. ### || [4.91] # { ستجدون ءاخرين يريدون أن يأمنوكم ويأمنوا ~~قومهم } هم قوم من أسد وغطفان كانوا إذا أتوا المدينة أسلموا ~~وعاهدوا ليأمنوا المسلمين فإذا رجعوا إلى قومهم ونكثوا عهودهم ~~ليأمنوا قومهم، وقيل: هم بنو عبد الدار وكان ديدنهم ما ذكر { ~~كلما ردوا إلى الفتنة } أي دعوا إلى الكفر وقتال ~~المسلمين { أركسوا فيها } قلبوا فيها أقبح قلب وأشنعه ~~وكانوا فيها شرا من كل عدو شرير { فإن لم يعتزلوكم } ~~بالكف عن التعرض لكم بوجه ما { ويلقوا إليكم السلم } أي ~~لم يلقوا إليكم الصلح والعهد بل نبذوه إليكم { ويكفوا ~~أيديهم } أي لم يكفوها عن قتالكم { فخذوهم واقتلوهم ~~حيث ثقفتموهم } أي تمكنتم منهم { وأولئكم } الموصوفون ~~بما ذكر من الصفات القبيحة { جعلنا لكم عليهم سلطنا ~~مبينا } حجة واضحة في الإيقاع بهم قتلا وسبيا لظهور عداوتهم ~~وانكشاف حالهم في الكفر والغدر وإضرارهم بأهل الإسلام أو تسلطا ~~ظاهرا حيث أذنا لكم في أخذهم وقتلهم. ### || [4.92] # { وما كان لمؤمن } أي وما صح له ولا لاق بحاله { أن يقتل ~~مؤمنا } بغير حق فإن الإيمان زاجر عن ذلك { إلا خطأ } فإنه ربما ~~يقع لعدم دخول الاحتراز عنه بالكلية تحت الطاقة البشرية، وانتصابه ~~إما على أنه حال أي وما كان له أن يقتل مؤمنا في حال من الأحوال إلا ~~في حال الخطأ أو على أنه المفعول له أي وما كان له أن يقتله لعلة من ~~العلل إلا للخطأ أو على أنه صفة للمصدر أي إلا قتلا خطأ، وقيل: إلا ms0746 ~~بمعنى ولا، والتقدير وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا عمدا ولا خطأ، ~~وقيل: { ما كان } نفي في معنى النهي، والاستثناء منقطع أي لكن إن ~~قتله خطأ فجزاؤه ما يذكر، والخطأ ما لا يقارنه القصد إلى الفعل أو ~~إلى الشخص، أو لا يقصد به زهوق الروح غالبا أو لا يقصد به محظور ~~كرمي مسلم في صف الكفار مع الجهل بإسلامه، وقرىء خطاء بالمد وخطا ~~كعصا بتخفيف الهمزة. روي أن عياش بن أبي ربيعة وكان أخا أبي جهل ~~لأمه أسلم وهاجر إلى المدينة خوفا من أهله وذلك قبل هجرة النبي عليه ~~الصلاة والسلام فأقسمت أمه لا تأكل ولا تشرب ولا يأويها سقف حتى ~~يرجع فخرج أبو جهل ومعه الحارث بن زيد بن أبي أنيسة فأتياه وهو في ~~أطم ففتل منه أبو جهل في الذروة والغارب وقال: أليس محمد يحثك على ~~صلة الرحم؟ انصرف وبر أمك وأنت على دينك حتى نزل وذهب معهما ~~فلما فسحا من المدينة كتفاه وجلده كل واحد منهما مائة جلدة فقال ~~للحارث: هذا أخي فمن أنت يا حارث؟ لله علي إن وجدتك خاليا أن أقتلك، ~~وقدما به على أمه فحلفت لا يحل كتافه أو يرتد ففعل بلسانه ثم ~~هاجر بعد ذلك، وأسلم الحارث وهاجر فلقيه عياش بظهر قباء ولم يشعر ~~بإسلامه فأنحى عليه فقتله ثم أخبر بإسلامه فأتى رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فقال: قتلته ولم أشعر بإسلامه فنزلت { ومن قتل ~~مؤمنا خطئا فتحرير رقبة } أي فعليه أو فجزاؤه تحرير ~~رقبة أي إعتاق نسمة عبر عنها بها كما يعبر بالرأس { مؤمنة } أي ~~محكوم بإسلامها وإن كانت صغيرة { ودية مسلمة إلى أهله ~~} مؤداة إلى ورثته يقتسمونها كسائر المواريث لقول الضحاك بن سفيان ~~الكلابي: كتب إلي رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرني أن أورث ~~امرأة أشيم الضبابي من عقل زوجها { إلا أن يصدقوا } أي ~~إلا أن يتصدق أهله عليه سمي العفو عنها صدقة حثا عليه وتنبيها ~~على فضله، وعن النبي عليه الصلاة والسلام: # " كل معروف صدقة " # وقرىء إلا أن ms0747 يتصدقوا وهو متعلق بعليه أو بمسلمة أي تجب الدية أو ~~يسلمها إلى أهله إلا وقت تصدقهم عليه فهو في محل النصب على الظرفية أو ~~إلا حال كونهم متصدقين عليه فهو حال من الأهل أو القاتل { فإن ~~كان } أي المقتول { من قوم عدو لكم } كفار محاربين { ~~وهو مؤمن } ولم يعلم به القاتل لكونه بين أظهر قومه بأن ~~أسلم فيما بينهم ولم يفارقهم أو بأن أتاهم بعدما فارقهم لمهم من ~~المهمات { فتحرير رقبة مؤمنة } أي فعلى قاتله الكفارة ~~دون الدية إذ لا وراثة بينه وبين أهله لأنهم محاربون { وإن كان ~~} أي المقتول المؤمن { من قوم } كفرة { بينكم وبينهم ~~ميثق } أي عهد مؤقت أو مؤبد { فدية } أي فعلى قاتله دية { ~~مسلمة إلى أهله } من أهل الإسلام إن وجدوا. # ولعل تقديم هذا الحكم ههنا مع تأخيره فيما سلف للإشعار بالمسارعة إلى ~~تسليم الدية تحاشيا عن توهم نقض الميثاق { وتحرير رقبة ~~مؤمنة } كما هو حكم سائر المسلمين، ولعل إفراده بالذكر مع ~~اندراجه في حكم ما سبق من قوله تعالى: { ومن قتل مؤمنا خطأ } ~~الخ، لبيان أن كونه فيما بين المعاهدين لا يمنع وجوب الدية كما ~~منعه كونه فيما بين المحاربين، وقيل: المراد بالمقتول الذمي أو ~~المعاهد لئلا يلزم التكرار بلا فائدة ولا التوريث بين المسلم ~~والكافر، وقد عرفت عدم لزومهما { فمن لم يجد } أي رقبة ~~ليحررها بأن لم يملكها ولا ما يتوصل به إليها من الثمن { ~~فصيام } أي فعليه صيام { شهرين متتابعين } لم يتخلل ~~بين يومين من أيامهما إفطار { توبة } نصب على أنه مفعول له أي ~~شرع لكم ذلك توبة أي قبولا لها، من تاب الله عليه إذا قبل توبته، ~~أو مصدر مؤكد لفعل محذوف، أي تاب عليكم توبة، وقيل: على أنه حال من ~~الضمير المجرور في عليه بحذف المضاف أي فعليه صيام شهرين حال كونه ~~ذا توبة، وقوله تعالى: { من الله } متعلق بمحذوف وقع صفة لتوبة ~~أي كائنة منه تعالى { وكان الله عليما } بجميع الأشياء التي ~~من جملتها حاله { حكيما } في كل ما شرع ms0748 وقضى من الشرائع والأحكام ~~التي من جملتها ما شرعه في شأنه. ### || [4.93] # { ومن يقتل مؤمنا متعمدا } لما بين حكم القتل ~~خطأ وفصل أقسامه الثلاثة عقب ذلك ببيان القتل عمدا خلا أن حكمه ~~الدنيوي لما بين في سورة البقرة اقتصر ههنا على حكمه ~~الأخروي. روي أن مقيس بن صبابة الكناني وكان قد أسلم هو ~~وأخوه هشام وجد أخاه قتيلا في بني النجار، فأتى رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وذكر له القصة فأرسل عليه السلام معه زبير بن عياض ~~الفهري وكان من أصحاب بدر إلى بني النجار يأمرهم بتسليم القاتل إلى ~~مقيس ليقتص منه إن علموه وبأداء الدية إن لم يعلموه، فقالوا: سمعا ~~وطاعة لله تعالى ولرسوله عليه السلام ما نعلم له قاتلا ولكنا نؤدي ~~ديته فأتوه بمائة من الإبل فانصرفا راجعين إلى المدينة حتى إذا ~~كانا ببعض الطريق أتى الشيطان مقيسا فوسوس إليه فقال: أتقبل دية ~~أخيك فيكون مسبة عليك؟ اقتل الذي معك فيكون نفسا بنفس وفضل ~~الدية فتغفل الفهري فرماه بصخرة فشدخه ثم ركب بعيرا من الإبل ~~واستاق بقيتها راجعا إلى مكة كافرا وهو يقول: [الطويل] # قتلت به فهرا وحملت عقله # سراة بني النجار أصحاب قارع # وأدركت ثأري واضطجعت موسدا # وكنت إلى الأوثان أول راجع # فنزلت، وهو الذي استثناه رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الفتح ممن ~~أمنه فقتل وهو متعلق بأستار الكعبة، وقوله تعالى: { متعمدا } ~~[النساء، الآية: 93] حال من فاعل يقتل، وروي عن الكسائي سكون التاء ~~كأنه فر من توالي الحركات { فجزاؤه } الذي يستحقه بجنايته { ~~جهنم } وقوله تعالى: { خالدا فيها } حال مقدرة من فاعل فعل ~~مقدر يقتضيه المقام كأنه قيل: فجزاؤه أن يدخل جهنم خالدا فيها، ~~وقيل: هو حال من ضمير يجزاها، وقيل: من مفعول جازاه، وأيد ذلك بأنه ~~أنسب بعطف ما بعده عليه لموافقته له صيغة، ولا يخفى أن ما يقدر للحال ~~أو للعطف عليه حقه أن يكون مما يقتضيه المقام اقتضاء ظاهرا ويدل ~~عليه الكلام دلالة بينة، وظاهر أن كون جزائه ما ذكر لا يقتضي ms0749 ~~وقوع الجزاء البتة كما ستقف عليه حتى يقدر يجزاها أو جازاه بطريق ~~الإخبار عن وقوعه، وأما قوله تعالى: { وغضب الله عليه } ~~فمعطوف على مقدر يدل عليه الشرطية دلالة واضحة كأنه قيل بطريق ~~الاستئناف تقريرا وتأكيدا لمضمونها: حكم الله بأن جزاءه ذلك وغضب ~~عليه أي انتقم منه { ولعنه } أي أبعده عن الرحمة بجعل جزائه ما ~~ذكر، وقيل: هو وما بعده معطوف على الخبر بتقدير أن، وحمل الماضي على ~~معنى المستقبل كما في قوله تعالى: # ونفخ فى الصور # [الكهف، الآية 99. ويس، الآية 51. والزمر، الآية 68. وق، الآية 20] ~~ونظائره أي فجزاؤه جهنم وأن يغضب الله عليه الخ { وأعد له } ~~في جهنم { عذابا عظيما } لا يقادر قدره ولما ترى في الآية ~~الكريمة من التهديد الشديد والوعيد الأكيد وفنون الإبراق والإرعاد ~~وقد تأيدت بما روي من الأخبار الشداد كقوله عليه الصلاة والسلام: # " والذي نفسي بيده لزوال الدنيا عند الله أهون من قتل مؤمن " # وقوله عليه الصلاة والسلام: # " لو أن رجلا قتل بالمشرق وآخر رضي بالمغرب لأشرك في دمه " # وقوله عليه الصلاة والسلام: # " من أعان على قتل مؤمن ولو بشطر كلمة جاء يوم القيامة مكتوب بين ~~عينيه آيس من رحمة الله تعالى " # وبنحو ذلك من القوارع تمسكت الخوارج والمعتزلة بها في خلود من قتل ~~المؤمن عمدا في النار ولا متمسك لهم فيها إلا لما قيل من أنها في ~~حق المستحل كما هو رأي عكرمة وأضرابه بدليل أنها نزلت في مقيس ~~بن ضبابة الكناني المرتد حسبما مرت حكايته فإن العبرة بعموم ~~اللفظ لا بخصوص السبب بل لأن المراد بالخلود هو المكث الطويل لا ~~الدوام لتظاهر النصوص الناطقة بأن عصاة المؤمنين لا يدوم عذابهم، ~~وما روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما (أنه لا توبة لقاتل المؤمن ~~عمدا) وكذا ما روي عن سفيان أن أهل العلم كانوا إذا سئلوا قالوا: لا ~~توبة له محمول على الاقتداء بسنة الله تعالى في التشديد والتغليظ ~~وعليه يحمل ما روي عن أنس رضي الله تعالى عنه أن النبي عليه الصلاة ~~والسلام قال: ms0750 # " أبى الله أن يجعل لقاتل المؤمن توبة " # كيف لا وقد روي عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رجلا سأله: ألقاتل ~~المؤمن توبة؟ قال: لا، وسأله آخر؟ ألقاتل المؤمن توبة؟ فقال: نعم، ~~فقيل له: قلت لذلك كذا ولهذا كذا، قال: كان الأول لم يقتل بعد فقلت ما ~~قلت كيلا يقتل وكان هذا قد قتل فقلت له ما قلت لئلا ييأس، وقد روي ~~عنه جواز المغفرة بلا توبة أيضا حيث قال في قوله تعالى: { فجزاؤه ~~جهنم } [النساء، الآية 93] الآية، هي جزاؤه فإن شاء عذبه وإن شاء ~~غفر له، وروي مرفوعا عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " هو جزاؤه إن جازاه " # وبه قال عون بن عبد الله وبكر بن عبد الله المزني وأبو صالح ~~قالوا: قد يقول الإنسان لمن يزجره عن أمر إن فعلته فجزاؤك القتل ~~والضرب ثم إن لم يجازه بذلك لم يكن ذلك منه كذبا، قال الواحدي: ~~والأصل في ذلك أن الله عز وجل يجوز أن يخلف الوعيد وإن امتنع أن ~~يخلف الوعد. بهذا وردت السنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديث ~~أنس رضي الله عنه أنه عليه الصلاة والسلام قال: # " من وعده الله تعالى على عمله ثوابا فهو منجزه له، ومن أوعده على ~~عمله عقابا فهو بالخيار " # والتحقيق أنه لا ضرورة إلى تفريع ما نحن فيه على الأصل المذكور لأنه ~~إخبار منه تعالى بأن جزاءه ذلك لا بأنه يجزيه بذلك. كيف لا وقد قال ~~الله تعالى: # وجزاء سيئة سيئة مثلها # [الشورى، الآية 40] ولو كان هذا إخبارا بأنه تعالى يجزي كل سيئة ~~بمثلها لعارضه قوله تعالى: # ويعفوا عن كثير # [الشورى، الآية 30. والمائدة، الآية 15]. ### || [4.94] # { يأيها الذين آمنوا } إثر ما بين حكم القتل بقسميه وأن ~~ما يتصور صدوره عن المؤمن إنما هو القتل خطأ شرع في التحذير عما ~~يؤدي إليه من قلة المبالاة في الأمور { إذا ضربتم فى سبيل ~~الله } أي سافرتم في الغزو، ولما في إذا من معنى الشرط صدر ~~قوله تعالى: { فتبينوا } بالفاء، فاطلبوا ms0751 بيان الأمر في كل ~~ما تأتون وما تذرون ولا تعجلوا فيه بغير تدبر وروية، وقرىء فتثبتوا ~~أي اطلبوا إثباته وقوله تعالى: { ولا تقولوا لمن ألقى ~~إليكم السلم } نهي عما هو نتيجة لترك المأمور به وتعيين ~~لمادة مهمة من المواد التي يجب فيها التبيين، وقرىء السلم ~~بغير ألف وبكسر السين وسكون اللام أي لا تقولوا بغير تدبر لمن حياكم ~~بتحية الإسلام أو لمن ألقى إليكم مقاليد الاستسلام والانقياد { ~~لست مؤمنا } وإنما أظهرت ما أظهرت متعوذا بل اقبلوا منه ما ~~أظهره وعاملوه بموجبه، وقرىء مؤمنا بالفتح أي مبذولا لك الأمان، ~~وهذا أنسب بالقراءتين الأخيرتين، والاقتصار على ذكر تحية الإسلام في ~~القراءة الأولى مع كونها مقرونة بكلمتي الشهادة كما سيأتي في سبب ~~النزول للمبالغة في النهي والزجر والتنبيه على كمال ظهور خطئهم ~~ببيان أن تحية الإسلام كانت كافية في المكافة والانزجار عن التعرض ~~لصاحبها فكيف وهي مقرونة بهما، وقوله تعالى: { تبتغون عرض ~~الحيوة الدنيا } حال من فاعل لا تقولوا منبىء عما يحملهم على ~~العجلة وترك التأني لكن لا على أن يكون النهي راجعا إلى القيد فقط ~~كما في قولك: لا تطلب العلم تبتغي به الجاه، بل إليهما جميعا أي لا ~~تقولوا له ذلك حال كونكم طالبين لماله الذي هو حطام سريع النفاد، ~~وقوله تعالى: { فعند الله مغانم كثيرة } تعليل للنهي عن ~~ابتغاء ماله بما فيه من الوعد الضمني كأنه قيل: لا تبتغوا ماله فعند ~~الله مغانم كثيرة يغنمكموها فيغنيكم عن ارتكاب ما ارتكبتموه، وقوله ~~تعالى: { كذلك كنتم من قبل فمن الله عليكم } ~~تعليل للنهي عن القول المذكور، ولعل تأخيره لما فيه من نوع تفصيل ربما ~~يخل تقديمه بتجاوب أطراف النظم الكريم، مع ما فيه من مراعاة ~~المقارنة بين التعليل السابق وبين ما علل به كما في قوله تعالى: # يوم تبيض وجوه وتسود وجوه فأما الذين ~~اسودت وجوههم # [آل عمران، الآية 106] الخ، وتقديم خبر كان للقصر المقيد لتأكيد ~~المشابهة بين طرفي التشبيه، وذلك إشارة إلى الموصول باعتبار اتصافه ~~بما في حيز الصلة والفاء في ms0752 فمن للعطف على كنتم أي مثل ذلك الذي ألقى ~~إليكم السلام كنتم أيضا في بدء إسلامكم لا يظهر منكم للناس غير ما ~~ظهر منه لكم من تحية الإسلام ونحوها فمن الله عليكم بأن قبل منكم تلك ~~المرتبة وعصم بها دماءكم وأموالكم ولم يأمر بالتفحص عن سرائركم، ~~والفاء في قوله تعالى: { فتبينوا } فصيحة أي إذا كان الأمر ~~كذلك فاطلبوا بيان هذا الأمر البين وقيسوا حاله بحالكم وافعلوا ~~به ما فعل بكم في أوائل أموركم من قبول ظاهر الحال من غير وقوف ~~على تواطؤ الظاهر والباطن، هذا هو الذي تقتضيه جزالة التنزيل ~~وتستدعيه فخامة شأنه الجليل، و { من } حسب أن المعنى أول ما ~~دخلتم في الإسلام سمعت من أفواهكم كلمة الشهادة فحصنت دماءكم ~~وأموالكم من غير انتظار الاطلاع على مواطأة قلوبكم لألسنتكم فمن ~~الله عليكم بالاستقامة والاشتهار بالإيمان والتقدم فيه، وأن صرتم ~~أعلاما فيه، فعليكم أن تفعلوا بالداخلين في الإسلام كما فعل بكم وأن ~~تعتبروا ظاهر الإسلام في الكف ولا تقولوا الخ فقد أبعد عن الحق، ~~لأن المراد كما عرفت بيان أن تحصين الدماء والأموال حكم ~~مترتب على ما فيه المماثلة بينه وبينهم من مجرد التفوه بكلمة ~~الشهادة وإظهار أن ترتبه عليه في حقهم يقتضي ترتبه عليه في حقه ~~أيضا إلزاما لهم وإظهارا لخطئهم، ولا يخفى أن ذلك إنما يتأتى ~~بتفسير منه تعالى عليهم المترتب على كونهم مثله بتحصين دمائهم ~~وأموالهم حسبما ذكر حتى يظهر عندهم وجوب تحصين دمه وماله أيضا ~~بحكم المشاركة فيما يوجبه، وحيث لم يفعل ذلك بل فسره به لم يبق في ~~النظم الكريم ما يدل على ترتب تحصين دمائهم وأموالهم على ما ذكر ~~فمن أين له أن يقول: فحصنت دماءكم وأموالكم حتى يتأتى البيان ~~وارتكاب تقديره بناء على اقتضاء ما ذكر في تفسير المن إياه بناء ~~على أساس واه؟ كيف لا وإنما ذكره بصدد التفسير وإن كان أمرا متفرعا ~~على ما فيه المماثلة مبنيا عليه في حقهم لكنه ليس بحكم أريد إثباته في ~~حقه بناء على ثبوته في ms0753 حقهم كالتحصين المذكور حتى يستحق أن يتعرض ~~له ولا بأمر له دخل في وجوب اعتبار ظاهر الإسلام من الداخلين فيه حتى ~~يصح نظمه في سلك ما فرع عليه قوله: فعليكم أن تفعلوا الخ. # وحمل الكلام على معنى أنكم في أول الأمر كنتم مثله في قصور الرتبة ~~في الإسلام فمن الله عليكم وبلغتم هذه الرتبة العالية منه فلا ~~تستقصروا حالته نظرا إلى حالتكم هذه بل اعتدوا بها نظرا إلى حالتكم ~~السابقة يرده أن قتله لم يكن لاستقصار إسلامه بل لتوهم عدم ~~مطابقة قلبه للسانه فإن الآية الكريمة # " نزلت في شأن مرداس بن نهيك من أهل فدك وكان قد أسلم ولم يسلم ~~من قومه غيره فغزتهم سرية لرسول الله صلى الله عليه وسلم عليهم غالب ~~بن فضالة الليثي فهربوا وبقي مرداس لثقته بإسلامه فلما رأى الخيل ~~ألجأ غنمه إلى عاقول من الجبل وصعد فلما تلاحقوا وكبروا كبر وقال: لا ~~إله إلا الله محمد رسول الله السلام عليكم فقتله أسامة بن زيد ~~واستاق غنمه فأخبروا رسول الله صلى الله عليه وسلم فوجد وجدا شديدا ~~وقال: " قتلتموه إرادة ما معه " فقال أسامة: إنه قال بلسانه دون قلبه ~~وفي رواية إنما قالها خوفا من السلاح، فقال عليه الصلاة والسلام: " هلا ~~شققت عن قلبه " وفي رواية " أفلا شققت عن قلبه " ثم قرأ الآية على ~~أسامة فقال: يا رسول الله استغفر لي، فقال: " كيف بلا إله إلا الله ~~" قال أسامة: فما زال عليه الصلاة والسلام يعيدها حتى وددت أن لم أكن ~~أسلمت إلا يومئذ، ثم استغفر لي وقال: " أعتق رقبة " # وقيل: # " نزلت في رجل قال: يا رسول الله كنا نطلب القوم وقد هزمهم الله تعالى ~~فقصدت رجلا فلما أحس بالسيف قال: إني مسلم فقتلته، فقال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: «أقتلت مسلما؟ قال: إنه كان متعوذا، فقال ~~عليه الصلاة والسلام: " أفلا شققت عن قلبه " # { إن الله كان بما تعملون } من الأعمال الظاهرة ~~والخفية وبكيفياتها { خبيرا } فيجازيكم بحسبها إن خيرا فخير وإن ~~شرا فشر فلا تتهاونوا في ms0754 القتل واحتاطوا فيه، والجملة تعليل لما ~~قبلها بطريق الاستئناف وقرىء بفتح إن على أنها معموله لتبينوا أو ~~على حذف لام التعليل. ### || [4.95] # { لا يستوى القعدون } بيان لتفاوت طبقات المؤمنين بحسب ~~تفاوت درجات مساعيهم في الجهاد بعد ما مر من الأمر به وتحريض المؤمنين ~~عليه ليأنف القاعد عنه ويترفع بنفسه عن انحطاط رتبته فيهتز له ~~رغبة في ارتفاع طبقته، والمراد بهم الذين أذن لهم في القعود عن ~~الجهاد اكتفاء بغيرهم. قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: هم القاعدون ~~عن بدر والخارجون إليها، وهو الظاهر الموافق لتاريخ النزول لا ما روي ~~عن مقاتل من أنهم الخارجون إلى تبوك، فإنه مما لا يوافقه التاريخ ولا ~~يساعده الحال إذا لم يكن للمتخلفين يومئذ هذه الرخصة. # وقوله تعالى: { من المؤمنين } متعلق بمحذوف وقع حالا من ~~القاعدين أي كائنين من المؤمنين وفائدتها الإيذان من أول الأمر بعدم ~~إخلال وصف القعود بإيمانهم، والإشعار بعلة استحقاقهم لما سيأتي من ~~الحسنى { غير أولى الضرر } صفة للقاعدين لجريانه مجرى ~~النكرة حيث لم يقصد به قوم بأعيانهم، أو بدل منه، وقرىء بالنصب على ~~أنه حال منه أو استثناء، وبالجر على أنه صفة للمؤمنين أو بدل منه ~~والضرر المرض أو العاهة من عمى أو عرج أو زمانة أو نحوها، وفي ~~معناه العجز عن الأهبة. عن زيد بن ثابت رضي الله تعالى عنه أنه قال: ~~كنت إلى جنب رسول الله صلى الله عليه وسلم فغشيته السكينة فوقعت ~~فخذه على فخذي حتى خشيت أن ترضها ثم سري عنه فقال: «اكتب» ~~فكتبت { لا يستوى القعدون من المؤمنين ~~والمجهدون } فقال ابن أم مكتوم وكان أعمى: يا رسول الله ~~وكيف بمن لا يستطيع الجهاد من المؤمنين فغشيته السكينة كذلك ثم سري ~~عنه فقال: «اكتب» { لا يستوى القعدون من المؤمنين ~~غير أولى الضرر } { والمجهدون } إيرادهم بهذا ~~العنوان دون الخروج المقابل لوصف المعطوف عليه كما وقع في عبارة ابن ~~عباس رضي الله تعالى عنهما وكذا تقييد المجاهدة بكونها { فى سبيل ~~الله بأمولهم وأنفسهم } لمدحهم بذلك والإشعار بعلة ~~استحقاقهم ms0755 لعلو المرتبة مع ما فيه من حسن موقع السبيل في مقابلة ~~القعود وتقديم القاعدين في الذكر، والإيذان من أول الأمر بأن القصور ~~الذي ينبىء عنه عدم الاستواء من جهتهم لا من جهة مقابليهم، فإن مفهوم ~~عدم الاستواء بين الشيئين المتفاوتين زيادة ونقصانا وإن جاز ~~اعتباره بحسب زيادة الزائد لكن المتبادر اعتباره بحسب قصور ~~القاصر، وعليه قوله تعالى: # هل يستوى الأعمى والبصير أم هل تستوى ~~الظلمت والنور # [الرعد، الآية 16] إلى غير ذلك وأما قوله تعالى: # هل يستوى الذين يعلمون والذين لا يعلمون # [الزمر، الآية 9] فلعل تقديم الفاضل فيه لأن صلته ملكة لصلة ~~المفضول، وقوله عز وجل: { فضل الله المجهدين ~~بأمولهم وأنفسهم على القعدين درجة } استئناف ~~مسوق لتفصيل ما بين الفريقين من التفاضل المفهوم من ذكر عدم ~~استوائهما إجمالا ببيان كيفيته وكميته مبني على سؤال ينساق إليه ~~المقال كأنه قيل: كيف وقع ذلك؟ فقيل: فضل الله الخ، وأما تقدير ما لهم ~~لا يستوون فإنما يليق بجعل الاستئناف تعليلا لعدم الاستواء مسوقا ~~لإثباته، وفيه عكس ظاهر فإن الذي يحق أن يكون مقصودا بالذات إنما ~~هو بيان تفاضل الفريقين على درجات متفاوتة، وأما عدم استوائهما ~~فقصارى أمره أن يكون توطئة لذكره، ولام المجاهدين والقاعدين للعهد، ~~فقيد كون الجهاد في سبيل الله معتبر في الأول كما أن قيد عدم ~~الضرر معتبر في الثاني، و { درجة } نصب على المصدرية لوقوعها ~~موقع المرة من التفضيل أي فضل الله تفضيلة أو على نزع الخافض أي ~~بدرجة، وقيل: على التمييز، وقيل: على الحالية من المجاهدين أي ذوي درجة ~~وتنوينها للتفخيم، وقوله تعالى: { وكلا } مفعول أول لما يعقبه ~~قدم عليه لإفادة القصر تأكيدا للوعد أي كل واحد من المجاهدين ~~والقاعدين { وعد الله الحسنى } أي المثوبة الحسنى وهي الجنة ~~لا أحدهما فقط كما في قوله تعالى: # وأرسلنك للناس رسولا # [النساء، الآية 79] على أن اللام متعلقة برسولا والجملة اعتراض جيء ~~به تداركا لما عسى أن يوهمه تفضيل أحد الفريقين على الآخر من ~~حرمان المفضول، وقوله عز وجل: { وفضل الله المجهدين ~~على القعدين ms0756 } عطف على قوله تعالى: { فضل الله } الخ، ~~واللام في الفريقين مغنية لهما عن ذكر القيود التي تركت على سبيل ~~التدريج وقوله تعالى: { أجرا عظيما } مصدر مؤكد لفضل على أنه ~~بمعنى أجر، وإيثاره على ما هو مصدر من فعله للإشعار بكون ذلك ~~التفضيل أجر لأعمالهم، أو مفعول ثان له بتضمينه معنى الإعطاء أي ~~أعطاهم زيادة على القاعدين أجرا عظيما، وقيل: هو منصوب بنزع الخافض ~~أي فضلهم بأجر عظيم. ### || [4.96] # وقوله تعالى: { درجت } بدل من أجرا بدل الكل مبين لكمية ~~التفضيل، وقوله تعالى: { منه } متعلق بمحذوف وقع صفة لدرجات دالة ~~على فخامتها وجلالة قدرها أي درجات كائنة منه تعالى. قال ابن ~~محيريز: هي سبعون درجة ما بين كل درجتين عدو الفرس الجواد ~~المضمر سبعين خريفا. وقال السدي: هي سبعمائة درجة، وعن أبي هريرة ~~رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " إن في الجنة مائة درجة أعدها الله تعالى للمجاهدين في سبيله ما ~~بين الدرجتين كما بين السماء والأرض " # ويجوز أن يكون انتصاب درجات على المصدرية كما في قولك: ضربه أسواطا ~~أي ضربات كأنه قيل: فضلهم تفضيلا، وقوله تعالى: { ومغفرة } بدل ~~من أجرا بدل البعض لأن بعض الأجر ليس من باب المغفرة، أي مغفرة لما ~~فرط منهم من الذنوب التي لا يكفرها سائر الحسنات التي يأتي بها ~~القاعدون أيضا حتى تعد من خصائصهم وقوله تعالى: { ورحمة } بدل ~~الكل من أجرا ومثله درجات ويجوز أن يكون انتصابهما بإضمار فعلهما ~~أي غفر لهم مغفرة ورحمهم رحمة. # هذا ولعل تكرير التفضيل بطريق العطف المنبىء عن المغايرة، وتقييده ~~تارة بدرجة وأخرى بدرجات مع اتحاد المفضل والمفضل عليه حسبما يقتضيه ~~الكلام ويستدعيه حسن النظام إما التنزيل الاختلاف العنواني بين ~~التفضيلين وبين الدرجة والدرجات منزلة الاختلاف الذاتي تمهيدا ~~لسلوك طريق الإبهام ثم التفسير روما لمزيد التحقيق والتقرير كما ~~في قوله تعالى: # ولما جاء أمرنا نجينا هودا والذين ءامنوا ~~معه برحمة منا ونجيناهم من عذاب غليظ # [هود، الآية 58] كأنه قيل: فضل الله المجاهدين على القاعدين درجة لا ms0757 ~~يقادر قدرها ولا يبلغ كنهها وحيث كان تحقق هذا البون البعيد ~~بينهما موهما لحرمان القاعدين قيل: وكلا وعد الله الحسنى ثم أريد ~~تفسير ما أفاده التنكير بطريق الإبهام بحيث يقطع احتمال كونه ~~للوحدة فقيل ما قيل، ولله در شأن التنزيل وإما للاختلاف بالذات ~~بين التفضيلين وبين الدرجة والدرجات على أن المراد بالتفضيل الأول ~~ما خولهم الله تعالى عاجلا في الدنيا من الغنيمة والظفر والذكر ~~الجميل الحقيق بكونه درجة واحدة وبالتفضيل الثاني ما أنعم به في ~~الآخرة من الدرجات العالية الفائتة للحصر، كما ينبىء عنه تقديم الأول ~~وتأخير الثاني وتوسيط الوعد بالجنة بينهما كأنه قيل: وفضلهم عليهم ~~في الدنيا درجة واحدة، وفي الآخرة درجات لا تحصى، وقد وسط بينهما ~~في الذكر ما هو متوسط بينهما في الوجود أعني الوعد بالجنة توضيحا ~~لحالهما ومسارعة إلى تسلية المفضول والله سبحانه أعلم. هذا ما بين ~~المجاهدين وبين القاعدين غير أولي الضرر، وأما أولو الضرر فهم مساوون ~~للمجاهدين عند القائلين بمفهوم الصفة وبأن الاستثناء من النفي إثبات، ~~وأما عند من لا يقول بذلك فلا دلالة لعبارة النص عليه وقد روي عن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم # " لقد خلفتم في المدينة أقواما ما سرتم مسيرا ولا قطعتم واديا إلا ~~كانوا معكم " # وهم الذين صحت نياتهم ونصحت جيوبهم وكانت أفئدتهم تهوى إلى ~~الجهاد، وبهم ما يمنعهم من المسير من ضرر أو غيره. وبعبارة أخرى # " " إن في المدينة لأقواما ما سرتم من مسير ولا قطعتم من واد إلا ~~كانوا معكم فيه " قالوا: يا رسول الله وهم بالمدينة؟ قال: " نعم وهم ~~بالمدينة حبسهم العذر " # قالوا: هذه المساواة مشروطة بشريطة أخرى سوى الضرر قد ذكرت في قوله ~~تعالى: # ليس على الضعفاء ولا على المرضى # [التوبة، الآية: 91] إلى قوله: # إذا نصحوا لله ورسوله # [التوبة، الآية 91] وقيل: القاعدون الأول هم الأضراء والثاني غيرهم ~~وفيه من تفكيك النظم الكريم ما لا يخفى، ولا ريب في أن الأضراء أفضل ~~من غيرهم درجة كما لا ريب في أنهم دون المجاهدين بحسب الدرجة الدنيوية ~~{ وكان ms0758 الله غفورا رحيما } تذييل مقرر لما وعد من ~~المغفرة والرحمة. ### || [4.97] # { إن الذين توفهم الملئكة } بيان لحال القاعدين ~~عن الهجرة بعد بيان حال القاعدين عن الجهاد، وتوفاهم يحتمل أن يكون ~~ماضيا ويؤيده قراءة من قرأ توفتهم وأن يكون مضارعا قد حذف منه إحدى ~~التاءين وأصله تتوفاهم على حكاية الحال الماضية والقصد إلى استحضار ~~صورتها، ويعضده قراءة من قرأ توفاهم على مضارع وفيت بمعنى أن ~~الله تعالى يوفي الملائكة أنفسهم فيتوفونها أي يمكنهم من استيفائها ~~فيستوفونها { ظالمى أنفسهم } حال من ضمير توفاهم فإنه وإن كان ~~مضافا إلى المعرفة إلا أنه نكرة في الحقيقة لأن المعنى على الانفصال ~~وإن كان موصولا في اللفظ كما في قوله تعالى: # غير محلى الصيد # [المائدة، الآية 1] و # هديا بلغ الكعبة # [المائدة، الآية 95] و # ثانى عطفه # [الحج، الآية 9] أي محلين الصيد وبالغا الكعبة وثانيا عطفه ~~كأنه قيل: ظالمين أنفسهم وذلك بترك الهجرة واختيار مجاورة الكفار ~~الموجبة للإخلال بأمور الدين فإنها نزلت في ناس من أهل مكة قد أسلموا ~~ولم يهاجروا حين كانت الهجرة فريضة { قالوا } أي الملائكة ~~للمتوفين تقريرا لهم بتقصيرهم في إظهار إسلامهم وإقامة أحكامه من ~~الصلاة ونحوها وتوبيخا لهم بذلك { فيم كنتم } أي في أي شيء كنتم ~~من أمور دينكم { قالوا } استئناف مبني على سؤال نشأ من حكاية ~~سؤال الملائكة، كأنه قيل: فماذا قالوا في الجواب؟ فقيل: قالوا: ~~متجانفين عن الإقرار الصريح بما هم فيه من التقصير متعللين بما يوجبه ~~على زعمهم { كنا مستضعفين فى الأرض } أي في أرض مكة ~~عاجزين عن القيام بمواجب الدين فيما بين أهلها { قالوا } إبطالا ~~لتعللهم وتبكيتا لهم { ألم تكن أرض الله وسعة ~~فتهجروا فيها } إلى قطر منها تقدرون فيه على إقامة أمور ~~الدين كما فعله من هاجر إلى المدينة وإلى الحبشة، وأما حمل تعللهم ~~على إظهار العجز عن الهجرة وجعل جواب الملائكة تكذيبا لهم في ذلك ~~فيرده أن سبب العجز عنها لا ينحصر في فقدان دار الهجرة بل قد يكون ~~لعدم الاستطاعة للخروج بسبب الفقر أو لعدم تمكين الكفرة ms0759 منه فلا يكون ~~بيان سعة الأرض تكذيبا لهم وردا عليهم بل لا بد من بيان ~~استطاعتهم أيضا حتى يتم التبكيت، وقيل: كانت الطائفة المذكورة قد ~~خرجت مع المشركين إلى بدر منهم قيس بن الفاكه بن المغيرة وقيس ~~بن الوليد بن المغيرة وأشباههما فقتلوا فيها فضربت الملائكة ~~وجوههم وأدبارهم، وقالوا لهم ما قالوا فيكون ذلك منهم تقريعا ~~وتوبيخا لهم بما كانوا فيه من مساعدة الكفرة وانتظامهم في عسكرهم، ~~ويكون جوابهم بالاستضعاف تعللا بأنهم مقهورين تحت أيديهم وأنهم ~~أخرجوهم كارهين فرد عليهم بأنهم كانوا بسبيل من الخلاص عن قهرهم ~~متمكنين من المهاجرة { فأولئك } الذين حكيت أحوالهم الفظيعة ~~{ مأواهم } أي في الآخرة { جهنم } كما أن مأواهم في الدنيا ~~دار الكفر لتركهم الفريضة المحتومة فمأواهم مبتدأ وجهنم خبره، ~~والجملة خبر لأولئك، وهذه الجملة خبر إن والفاء فيه لتضمن اسمها ~~معنى الشرط، وقوله تعالى: { قالوا فيم كنتم } [النساء، الآية: ~~97] حال من الملائكة بإضمار قد عند من يشترطه، أو هو الخبر والعائد ~~منه محذوف أي قالوا لهم، والجملة المصدرة بالفاء معطوفة عليه ~~مستنتجة منه ومما في حيزه { وساءت مصيرا } أي مصيرا لهم أي ~~جهنم، وفي الآية الكريمة إرشاد إلى وجوب المهاجرة من موضع لا يتمكن ~~الرجل من إقامة أمور دينه بأي سبب كان، وعن النبي صلى الله عليه ~~وسلم: ### || [4.98-99] # { إلا المستضعفين } استثناء منقطع لعدم دخولهم في الموصول ~~وضميره والإشارة إليه. ومن في قوله تعالى: { من الرجال ~~والنساء والولدن } متعلقة بمحذوف وقع حالا من المستضعفين أي ~~كائنين منهم، وذكر الولدان إن أريد بهم المماليك أو المراهقون ظاهر، ~~وأما إن أريد بهم الأطفال فللمبالغة في أمر الهجرة والإيذان بأنها ~~بحيث لو استطاعها غير المكلفين لوجبت علهم، والإشعار بأنهم لا محيص ~~لهم عنها البتة تجب عليهم [إذا] بلغوا حتى كأنها واجبة عليهم قبل ~~البلوغ لو استطاعوا أن يهاجروا بهم متى أمكنت، وقوله تعالى: { لا ~~يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلا } صفة للمستضعفين ~~فإن ما فيه من اللام ليس للتعريف، أو حال منه أو من الضمير المستكن ~~فيه، وقيل: تفسير ms0760 لنفس المستضعفين لكثرة وجوه الاستضعاف، واستطاعة ~~الحيلة وجدان أسباب الهجرة ومباديها، واهتداء السبيل معرفة ~~طريق الموضع المهاجر إليه بنفسه أو بدليل { فأولئك } إشارة ~~إلى المستضعفين الموصوفين بما ذكر من صفات العجز { عسى الله أن ~~يعفو عنهم } جيء بكلمة الإطماع ولفظ العفو إيذانا بأن ~~الهجرة من تأكد الوجوب بحيث ينبغي أن يعد تركها ممن تحقق عدم ~~وجوبها عليه ذنبا يجب طلب العفو عنه رجاء وطمعا لا جزما وقطعا { ~~وكان الله عفوا غفورا } تذييل مقرر لما قبله. ### || [4.100-101] # { ومن يهاجر فى سبيل الله يجد فى الأرض مراغما ~~كثيرا } ترغيب في المهاجرة وتأنيس لها أي يجد فيها متحولا ~~ومهاجرا وإنما عبر عنه بذلك تأكيدا للترغيب لما فيه من الإشعار بكون ~~ذلك المتحول بحيث يصل فيه المهاجر من الخير والنعمة إلى ما يكون ~~سببا لرغم أنف قومه الذين هاجرهم، والرغم الذل والهوان وأصله ~~لصوق الأنف بالرغام وهو التراب، وقيل: يجد فيها طريقا يراغم ~~بسلوكه قومه أي يفارقهم على رغم أنوفهم { وسعة } أي من الرزق { ~~ومن يخرج من بيته مهجرا إلى الله ورسوله ~~ثم يدركه الموت } أي قبل أن يصل إلى المقصد وإن كان ذلك ~~خراج بابه كما ينبىء عنه إيثار الخروج من بيته على المهاجرة، وهو ~~عطف على فعل الشرط وقرىء بالرفع على أنه خبر مبتدإ محذوف، وقيل: هو ~~حركة الهاء نقلت إلى الكاف على نية الوقف، كما في قوله: [الرجز] # من عنزي سبني لم أضربه # عجبت والدهر كثير عجبه # وقرىء بالنصب على إضمار أن كما في قوله: [الوافر] # [سأترك منزلي لبني تميم] # وألحق بالحجاز فأستريحا # { فقد وقع أجره على الله } أي ثبت ذلك عنده تعالى ثبوت ~~الأمر الواجب. روي (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما بعث ~~بالآيات المتقدمة إلى مسلمي مكة قال جندب بن ضمرة لبنيه وكان ~~شيخا كبيرا: احملوني فإني لست من المستضعفين وإني لأهتدي الطريق ~~والله لا أبيت الليلة بمكة فحملوه على سرير متوجها إلى المدينة ~~فلما بلغ التنعيم أشرف على الموت فصفق بيمينه على شماله ثم قال: اللهم ms0761 ~~هذه لك وهذه لرسولك أبايعك على ما بايعك رسولك فمات حميدا فبلغ خبره ~~أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: لو توفي بالمدينة لكان ~~أتم أجرا فنزلت. قالوا: كل هجرة في غرض ديني من طلب علم أو حج ~~أو جهاد أو نحو ذلك فهي هجرة إلى الله عز وجل وإلى رسوله عليه الصلاة ~~والسلام. # { وكان الله غفورا } مبالغا في المغفرة فيغفر له ما فرط ~~منه من الذنوب التي من جملتها القعود عن الهجرة إلى وقت الخروج { ~~رحيما } مبالغا في الرحمة فيرحمه بإتمام ثواب هجرته. # { وإذا ضربتم فى الأرض } شروع في بيان كيفية الصلاة عند ~~الضرورات من السفر ولقاء العدو والمرض والمطر، وفيه تأكيد لعزيمة ~~المهاجر على المهاجرة وترغيب له فيها لما فيه من تخفيف المؤنة، أي ~~إذا سافرتم أي مسافرة كانت ولذلك لم يقيد بما قيد به المهاجرة ~~{ فليس عليكم جناح } أي لا حرج [ولا] مأثم { أن ~~تقصروا } أي في أن تقصروا، والقصر خلاف المد يقال: قصرت ~~الشيء أي جعلته قصيرا بحذف بعض أجزائه أو أوصافه، فمتعلق القصر ~~حقيقة إنما هو ذلك الشيء لا بعضه فإنه متعلق الحذف دون القصر ~~وعلى هذا فقوله تعالى: { من الصلوة } ينبغي أن يكون مفعولا ~~لتقصروا على زيادة من حسبما رآه الأخفش، وأما على تقدير أن تكون ~~تبعيضية ويكون المفعول محذوفا كما هو رأي سيبويه أي شيئا من ~~الصلاة فينبغي أن يصار إلى وصف الجزء بصفة الكل أو يراد بالقصر ~~معنى الحبس، يقال: قصرت الشيء إذا حبسته أو يراد بالصلاة الجنس ~~ليكون المقصور بعضا منها وهي الرباعيات، أي فليس عليكم جناح في أن ~~تقصروا بعض الصلاة بتنصيفها، وقرىء تقصروا من الإقصار وتقصروا ~~من التقصير، والكل بمعنى. # وأدنى مدة السفر الذي يتعلق به القصر عند أبي حنيفة مسيرة ثلاثة ~~أيام ولياليها بسير الإبل، ومشي الأقدام بالاقتصاد، وعند الشافعي ~~مسيرة يومين، وظاهر الآية الكريمة التخيير وأفضلية الإتمام وبه قال ~~الشافعي وبما روي عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه أتم في السفر. وعن ~~عائشة رضي الله عنها ms0762 أنها أتمت تارة وقصرت أخرى. وعن عثمان رضي الله ~~عنه أنه كان يتم ويقصر، وعندنا يجب القصر لا محالة خلا أن بعض ~~مشايخنا سماه عزيمة وبعضهم رخصة إسقاط بحيث لا مساغ للإتمام لا ~~رخصة ترفيه، إذ لا معنى للتخيير بين الأخف والأثقل وهو قول عمر ~~وعلي وابن عباس وابن عمر وجابر رضوان الله عليهم وبه قال الحسن ~~وعمر بن عبد العزيز وقتادة وهو قول مالك. # وقد روي # " عن عمر رضي الله عنه (صلاة السفر ركعتان تمام غير قصر على لسان ~~نبيكم عليه السلام) " # وعن أنس رضي الله عنه # " خرجنا مع النبي صلى الله عليه وسلم من المدينة إلى مكة فكان يصلي ~~ركعتين ركعتين حتى رجعنا إلى المدينة " # وعن عمران بن حصين رضي الله عنه # " ما رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يصلي في السفر إلا ركعتين وصلى ~~بمكة ركعتين ثم قال: " أتموا فإنا قوم سفر " # وحين سمع ابن مسعود أن عثمان رضي الله عنه صلى بمنى أربع ركعات ~~استرجع ثم قال: صليت مع رسول الله عليه الصلاة والسلام بمنى ركعتين ~~وصليت مع أبي بكر رضي الله عنه بمنى ركعتين وصليت مع عمر رضي الله ~~عنه بمنى ركعتين فليت حظي من أربع ركعات ركعتان متقبلتان. وقد اعتذر ~~عثمان رضي الله عنه عن إتمامه بأنه تأهل بمكة، وعن الزهري أنه إنما ~~أتم لأنه أزمع الإقامة بمكة، وعن عائشة رضي الله عنها أول ما فرضت ~~الصلاة فرضت ركعتين ركعتين فأقرت في السفر وزيدت في الحضر. وفي ~~صحيح البخاري أنها قالت: # " فرض الله الصلاة حين فرضها ركعتين في الحضر والسفر، وزيد في صلاة ~~الحضر " # ، وأما ما روي عنها من الإتمام فقد اعتذر عنه وقالت: أنا أم المؤمنين ~~فحيث حللت فهي داري، وإنما ورد ذلك بنفي الجناح لما أنهم ألفوا ~~الإتمام فكانوا مظنة أن يخطر ببالهم أن عليهم نقصانا في القصر فصرح ~~بنفي الجناح عنهم لتطيب به نفوسهم ويطمئنوا إليه كما في قوله تعالى: # فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن ~~يطوف بهما ms0763 # [البقرة، الآية 158] مع أن ذلك الطواف واجب عندنا ركن عند الشافعي. ~~وقوله تعالى: { إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا } ~~جوابه محذوف لدلالة ما قبله عليه أي إن خفتم أن يتعرضوا لكم بما ~~تكرهونه من القتال وغيره فليس عليكم جناح الخ، وهو شرط معتبر في ~~شرعية ما يذكر بعده من صلاة الخوف المؤداة بالجماعة، وأما في حق ~~مطلق القصر فلا اعتبار له اتفاقا لتظاهر السنن على مشروعيته حسبما ~~وقفت على تفاصيلها. وقد ذكر الطحاوي في شرح الآثار مسندا إلى # " يعلى بن أمية أنه قال: قلت لعمر بن الخطاب رضي الله عنه إنما قال ~~الله: { فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلوة ~~إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا } [النساء، الآية ~~101] وقد أمن الناس، فقال عمر رضي الله عنه: عجبت مما عجبت منه فسألت ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: " صدقة تصدق الله بها عليكم ~~فاقبلوا صدقته " # وفيه دليل على عدم جواز الإكمال لأن التصدق بما لا يحتمل التمليك ~~إسقاط محض لا يحتمل الرد كما حقق في موضعه، ولا يتوهمن أنه ~~مخالف للكتاب لأن التقييد بالشرط عندنا إنما يدل على ثبوت الحكم عند ~~وجود الشرط وأما عدمه عند عدمه فمسكوت عنه فإن وجد له دليل ثبت ~~عنده أيضا وإلا بقي على حاله لعدم تحقق دليله لا لتحقق دليل عدمه، ~~وناهيك بما سمعت من الأدلة الواضحة، وأما عند القائلين بالمفهوم فلأنه ~~إنما يدل على نفي الحكم عند عدم الشرط إذا لم يكن له فائدة أخرى وقد ~~خرج الشرط ههنا مخرج الأغلب كما في قوله تعالى: # ولا تكرهوا فتيتكم على البغاء إن أردن ~~تحصنا # [النور، الآية: 33] بل نقول: إن الآية الكريمة مجملة في حق مقدار ~~القصر وكيفيته وفي حق ما يتعلق به من الصلوات وفي مقدار مدة الضرب ~~الذي نيط به القصر فكل ما ورد عنه صلى الله عليه وسلم من القصر في حال ~~الأمن وتخصيصه بالرباعيات على وجه التنصيف وبالضرب في المدة المعينة ~~بيان لإجمال الكتاب، وقد قيل: إن قوله تعالى: { إن خفتم ms0764 } الخ، ~~متعلق بما بعده من صلاة الخوف منفصل عما قبله فإنه روي عن أبي أيوب ~~الأنصاري رضي الله عنه أنه قال: نزل قوله تعالى: { وإذا ضربتم ~~فى الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من ~~الصلوة } [النساء، الآية: 101] ثم سألوا رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم بعد حول فنزل: { إن خفتم أن يفتنكم الذين ~~كفروا } { فليس عليكم جناح } [النساء، الآية: 101] الخ، ~~وقد قرىء من الصلاة أن يفتنكم بغير إن خفتم على أنه مفعول له لما دل عليه ~~الكلام، كأنه قيل: شرع لكم ذلك كراهة أن يفتنكم الخ، فإن استمرار ~~الاشتغال بالصلاة مظنة لاقتدارهم على إيقاع الفتنة، وقوله تعالى: { ~~إن الكفرين كانوا لكم عدوا مبينا } تعليل لذلك ~~باعتبار تعلله بما ذكر أو لما يفهم من الكلام من كون فتنتهم ~~متوقعة فإن كمال عداوتهم للمؤمنين من موجبات التعرض لهم بسوء. ### || [4.102] # وقوله تعالى: { وإذا كنت فيهم } بيان لما قبله من النص ~~المجمل الوارد في مشروعية القصر بطريق التفريع، وتصوير لكيفيته عند ~~الضرورة التامة. وتخصيص البيان بهذه الصورة مع الاكتفاء فيما عداها ~~بالبيان بطريق السنة لمزيد حاجتها إليه لما فيها من كثرة التغيير عن ~~الهيئة الأصلية، ومن هنا ظهر لك أن مورد النص الشريف على المقصورة، ~~وحكم ما عداها مستفاد من حكمها، والخطاب لرسول الله صلى الله عليه ~~وسلم بطريق التجريد، وبظاهره يتعلق من لا يرى صلاة الخوف بعده عليه ~~السلام، ولا يخفى أن الأئمة بعده نوابه عليه السلام قوام بما كان ~~يقوم به فيتناولهم حكم الخطاب الوارد له عليه السلام كما في قوله ~~تعالى: # خذ من أمولهم صدقة # [التوبة، الآية 103] وقد روي أن سعيد بن العاص لما أراد أن يصلي ~~بطبرستان صلاة الخوف قال: من شهد منكم صلاة الخوف مع رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم؟ فقام حذيفة بن اليمان رضي الله عنه فوصف له ذلك ~~فصلى بهم كما وصف، وكان ذلك بحضرة الصحابة رضي الله عنهم فلم ~~ينكره أحد فحل محل الإجماع. وروي في السنن أنهم غزوا مع عبد ~~الرحمن بن سمرة ms0765 كابل فصلى بهم صلاة الخوف { فأقمت لهم ~~الصلاة } أي أردت أن تقيم بهم الصلاة. # { فلتقم طائفة منهم معك } بعد أن جعلتهم طائفتين ~~ولتقف الطائفة الأخرى بإزاء العدو ليحرسوكم منهم، وإنما لم يصرح ~~به لظهوره { وليأخذوا } أي الطائفة القائمة معك { أسلحتهم ~~} أي لا يضعوها ولا يلقوها إنما عبر عن ذلك بالأخذ للإيذان بالاعتناء ~~باستصحابها كأنهم يأخذونها ابتداء { فإذا سجدوا } أي القائمون ~~معك وأتموا الركعة { فليكونوا من ورائكم } أي فلينصرفوا ~~إلى مقابلة العدو للحراسة { ولتأت طائفة أخرى لم ~~يصلوا } بعد، وهي الطائفة الواقفة تجاه العدو للحراسة وإنما لم ~~تعرف لما أنها لم تذكر فيما قبل { فليصلوا معك } الركعة ~~الباقية، ولم يبين في الآية الكريمة حال الركعة الباقية لكل من ~~الطائفتين، وقد بين ذلك بالسنة حيث روي عن ابن عمر وابن مسعود رضي ~~الله عنهم أن النبي صلى الله عليه وسلم حين صلى صلاة الخوف صلى ~~بالطائفة الأولى ركعة وبالطائفة الأخرى ركعة كما في الآية الكريمة، ثم ~~جاءت الطائفة الأولى وذهبت هذه إلى مقابلة العدو حتى قضت الأولى ~~الركعة الأخيرة بلا قراءة وسلموا، ثم جاءت الطائفة الأخرى وقضوا ~~الركعة الأولى بقراءة حتى صار لكل طائفة ركعتان { وليأخذوا } أي ~~هذه الطائفة { حذرهم وأسلحتهم } لعل زيادة الأمر بالحذر ~~في هذه المرة لكونها مظنة لوقوف الكفرة على كون الطائفة القائمة ~~مع النبي صلى الله عليه وسلم في شغل شاغل وأما قبلها فربما يظنونهم ~~قائمين للحرب، وتكليف كل من الطائفتين بما ذكر لما أن الاشتغال ~~بالصلاة مظنة لإلقاء السلاح والإعراض عن غيرها، ومظنة لهجوم العدو ~~كما ينطق به قوله تعالى: { ود الذين كفروا لو تغفلون ~~عن أسلحتكم وأمتعتكم فيميلون عليكم ميلة ~~وحدة } فإنه استئناف مسوق لتعليل الأمر المذكور والخطاب ~~للفريقين بطريق الالتفات أي تمنوا أن ينالوا منكم غرة وينتهزوا ~~فرصة فيشدوا عليكم شدة واحدة، والمراد بالأمتعة ما يتمتع به في ~~الحرب لا مطلقا، وهذا الأمر للوجوب لقوله تعالى: { ولا جناح ~~عليكم إن كان بكم أذى من مطر أو كنتم مرضى أن ~~تضعوا أسلحتكم } حيث رخص لهم في ms0766 وضعها إذا ثقل عليهم ~~استصحابها بسبب مطر أو مرض، وأمروا مع ذلك بالتيقظ والاحتياط فقيل: ~~{ وخذوا حذركم } لئلا يهجم العدو عليكم غيلة. # روى الكلبي عن أبي صالح # " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم غزا محاربا وبني أنمار فنزلوا ولا ~~يرون من العدو أحدا فوضع الناس أسلحتهم وخرج رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم لحاجة له وقد وضع سلاحه حتى قطع الوادي والسماء ترش فحال ~~الوادي بينه عليه السلام وبين أصحابه فجلس رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فبصر به غورث بن الحارث المحاربي فقال: قتلني الله إن لم ~~أقتلك، ثم انحدر من الجبل ومعه السيف فلم يشعر به رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم إلا هو قائم على رأسه وقد سل سيفه من غمده فقال: يا ~~محمد من يعصمك مني الآن؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " الله عز ~~وجل " ثم قال: " اللهم اكفني غورث بن الحارث بما شئت " ثم أهوى ~~بالسيف إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليضربه فأكب لوجهه من زلخة ~~زلخها بين كتفيه فبدر سيفه فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخذه ثم ~~قال: " يا غورث من يمنعك مني الآن؟ " قال: لا أحد، قال عليه الصلاة ~~والسلام: " تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله وأعطيك ~~سيفك؟ " ، قال: لا، ولكن أشهد أن لا أقاتلك أبدا ولا أعين عليك ~~عدوا، فأعطاه رسول الله صلى الله عليه وسلم سيفه فقال غورث: والله ~~لأنت خير مني، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أنا أحق بذلك ~~منك " # فرجع غورث إلى أصحابه فقص عليهم قصته فآمن بعضهم، قال: وسكن ~~الوادي فقطع عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أصحابه وأخبرهم ~~بالخبر. وقوله تعالى: { إن الله أعد للكفرين عذابا ~~مهينا } تعليل للأمر بأخذ الحذر أي أعد لهم عذابا مهينا بأن ~~يخذلهم وينصركم عليهم فاهتموا بأموركم ولا تهملوا في مباشرة الأسباب ~~ليحل بهم عذابه بأيديكم، وقيل: لما كان الأمر بالحذر من العدو ~~موهما لتوقع غلبته واعتزازه ms0767 نفي ذلك الإيهام بأن الله تعالى ~~ينصرهم ويهين عدوهم لتقوى قلوبهم. ### || [4.103-104] # { فإذا قضيتم الصلوة } أي صلاة الخوف أي أديتموها على ~~الوجه المبين وفرغتم منها { فاذكروا الله قيما ~~وقعودا وعلى جنوبكم } أي فداوموا على ذكر الله تعالى ~~وحافظوا على مراقبته ومناجاته ودعائه في جميع الأحوال حتى في حال ~~المسايفة والقتال، كما في قوله تعالى: # إذا لقيتم فئة فاثبتوا واذكروا الله كثيرا ~~لعلكم تفلحون # [الأنفال، الآية 45] { فإذا اطمأننتم } سكنت قلوبكم من الخوف ~~وأمنتم بعدما وضعت الحرب أوزارها { فأقيموا الصلاة } أي الصلاة ~~التي دخل وقتها حينئذ أي أدوها بتعديل أركانها ومراعاة شرائطها، ~~وقيل: المراد بالذكر في الأحوال الثلاثة الصلاة فيها أي فإذا أردتم ~~أداء الصلاة فصلوا قياما عند المسايفة وقعودا جاثين على الركب ~~عند المراماة وعلى جنوبكم مثخنين بالجراح، فإذا اطمأننتم في الجملة ~~فاقضوا ما صليتم في تلك الأحوال التي هي [من] أحوال القلق والانزعاج، ~~وهو رأي الشافعي رحمه الله وفيه من البعد ما لا يخفى. # { إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا } ~~أي فرضا موقتا، قال مجاهد: وقته الله عليهم فلا بد من إقامتها في ~~حالة الخوف أيضا على الوجه المشروح، وقيل: مفروضا مقدرا في الحضر ~~أربع ركعات وفي السفر ركعتين فلا بد أن تؤدى في كل وقت حسبما ~~قدر فيه. # { ولا تهنوا فى ابتغاء القوم } أي لا تضعفوا ولا ~~تتوانوا في طلب الكفار بالقتال والتعرض لهم بالحراب، وقوله تعالى: { ~~إن تكونوا تألمون فإنهم يألمون كما تألمون ~~وترجون من الله ما لا يرجون } تعليل للنهي وتشجيع لهم، ~~أي ليس ما تقاسونه من الآلام مختصا بكم بل هو مشترك بينكم وبينهم، ~~ثم إنهم يصبرون على ذلك فما لكم لا تصبرون؟ مع أنكم أولى به منهم حيث ~~ترجون من الله من إظهار دينكم على سائر الأديان ومن الثواب في الآخرة ~~ما لا يخطر ببالهم. وقرىء أن تكونوا بفتح الهمزة أي لا تهنوا لأن ~~تكونوا تألمون، وقوله تعالى: { فإنهم } تعليل للنهي عن الوهن ~~لأجله، والآية نزلت في بدر الصغرى { وكان الله عليما } ~~مبالغا في ms0768 العلم فيعلم أعمالكم وضمائركم { حكيما } فيما يأمر ~~وينهى فجدوا في الامتثال بذلك فإن فيه عواقب حميدة. ### || [4.105-108] # { إنا أنزلنا إليك الكتب بالحق } روي (أن رجلا ~~من الأنصار يقال له طعمة بن أبيرق من بني ظفر سرق درعا من ~~جاره قتادة بن النعمان في جراب دقيق فجعل الدقيق ينتثر من ~~خرق فيه فخبأها عند زيد ابن السمين اليهودي فالتمست [بنو ظفر] الدرع ~~عند طعمة فلم توجد، وحلف ما أخذها وما له بها علم فتركوه واتبعوا أثر ~~الدقيق حتى انتهى إلى منزل اليهودي فأخذوها فقال: دفعها إلي طعمة ~~وشهد له ناس من اليهود، فقالت بنو ظفر: انطلقوا بنا إلى رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فسألوه أن يجادل عن صاحبهم وشهدوا ببراءته وسرقة ~~اليهودي فهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يفعل فنزلت). وروي (أن ~~طعمة هرب إلى مكة وارتد ونقب حائطا بمكة ليسرق أهله فسقط ~~الحائط عليه فقتله). وقيل: (نزل على رجل من بني سليم من أهل مكة يقال له ~~الحجاج بن علاط فنقب بيته فسقط عليه حجر فلم يستطع الدخول ولا ~~الخروج فأخذ ليقتل فقيل: دعه فإنه قد لجأ إليك فتركه وأخرجوه من مكة ~~فالتحق بتجار من قضاعة نحو الشام فنزلوا منزلا فسرق بعض متاعهم ~~وهرب فأخذوه ورجموه بالحجارة حتى قتلوه). وقيل (إنه ركب سفينة إلى جدة ~~فسرق فيها كيسا فيه دنانير فأخذ وألقي في البحر). # { لتحكم بين الناس بما أراك الله } أي بما عرفك ~~وأوحى به إليك { ولا تكن للخائنين } أي لأجلهم والذب عنهم ~~وهم طعمة ومن يعينه من قومه، أو هو ومن يسير بسيرته { خصيما } ~~مخاصما للبراءة أي لا تخاصم اليهود لأجلهم، والنهي معطوف على أمر ~~ينسحب عليه النظم الكريم كأنه قيل: فاحكم به ولا تكن الخ { ~~واستغفر الله } مما هممت به تعويلا على شهادتهم { إن ~~الله كان غفورا رحيما } مبالغا في المغفرة والرحمة لمن ~~يستغفره. # { ولا تجدل عن الذين يختانون أنفسهم } أي ~~يخونونها بالمعصية كقوله تعالى: # علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم # [البقرة، الآية 187] جعلت معصية ms0769 العصاة خيانة منهم لأنفسهم كما ~~جعلت ظلما لها لرجوع ضررها إليهم، والمراد بالموصول إما طعمة ~~وأمثاله وأما هو ومن عاونه وشهد ببراءته من قومه فإنهم شركاء في الإثم ~~والخيانة { إن الله لا يحب من كان خوانا } مفرطا ~~في الخيانة مصرا عليها { أثيما } منهمكا فيه، وتعليق عدم ~~المحبة الذي هو كناية عن البغض والسخط بالمبالغ في الخيانة ~~والإثم ليس لتخصيصه به، بل لبيان إفراط طعمة وقومه فيهما. # { يستخفون من الناس } يستترون منهم حياء وخوفا من ضررهم { ~~ولا يستخفون من الله } أي لا يستحيون منه سبحانه وتعالى وهو ~~أحق بأن يستحيا منه ويخاف من عقابه { وهو معهم } عالم بهم ~~وبأحوالهم فلا طريق إلى الاستخفاء منه سوى ترك ما يستقبحه ويؤاخذ ~~به { إذ يبيتون } يدبرون ويزورون { ما لا يرضى من ~~القول } من رمي البريء والحلف الكاذب وشهادة الزور { وكان ~~الله بما يعملون } من الأعمال الظاهرة والخافية { محيطا } ~~لا يعزب عنه شيء منها ولا يفوت. ### || [4.109-112] # { هأنتم هؤلاء } تلوين للخطاب وتوجيه له إليهم بطريق الالتفات ~~إيذانا بأن تعديد جناياتهم يوجب مشافهتهم بالتوبيخ والتقريع ~~والجملة مبتدأ وخبر وقوله تعالى: { جدلتم عنهم فى ~~الحيوة الدنيا } جملة مبينة لوقوع أولاء خبرا ويجوز أن ~~يكون أولاء اسما موصولا بمعنى الذين وجادلتم الخ صلة له، والمجادلة ~~أشد المخاصمة، والمعنى هبوا أنكم خاصمتم عن طعمة وأمثاله في ~~الدنيا { فمن يجدل الله عنهم يوم القيمة } فمن ~~يخاصم عنهم يومئذ عند تعذيبهم وعقابهم { أم من يكون عليهم ~~وكيلا } حافظا ومحاميا من بأس الله تعالى وانتقامه. # { ومن يعمل سوءا } قبيحا ليسوء به غيره كما فعل طعمة ~~بقتادة واليهودي { أو يظلم نفسه } بما يختص به كالحلف ~~الكاذب، وقيل: السوء ما دون الشرك، وقيل: هما الصغيرة والكبيرة { ~~ثم يستغفر الله } بالتوبة الصادقة { يجد الله غفورا ~~} لذنوبه كائنة ما كانت { رحيما } متفضلا عليه. وفيه مزيد ترغيب ~~لطعمة وقومه في التوبة والاستغفار لما أن مشاهدة التائب لآثار ~~المغفرة والرحمة نعمة زائدة كما مر. # { ومن يكسب إثما } من الآثام { فإنما يكسبه على ~~نفسه } حيث لا يتعدى ضرره ووباله ms0770 إلى غيره فليحترز عن تعريضها ~~للعقاب والعذاب عاجلا وآجلا { وكان الله عليما } مبالغا في ~~العلم { حكيما } مراعيا للحكمة في كل ما قدر وقضى، ولذلك لا ~~تحمل وازرة وزر أخرى { ومن يكسب خطيئة } صغيرة أو ما لا ~~عمد فيه من الذنوب وقرىء ومن يكسب بكسر الكاف وتشديد السين وأصله ~~يكتسب { أو إثما } كبيرة أو ما كان عن عمد { ثم يرم به } ~~أي يقذف به ويسنده [إليه]، وتوحيد الضمير مع تعدد المرجع لمكان { ~~أو } وتذكيره لتغليب الإثم على الخطيئة كأنه قيل: ثم يرم بأحدهما، ~~وقرىء يرم بهما، وقيل: الضمير للكسب المدلول عليه بقوله تعالى: { ~~يكسب } ، وثم للتراخي في الرتبة { بريئا } أي مما رماه به ~~ليحمله عقوبته العاجلة كما فعله طعمة بزيد { فقد احتمل } ~~أي بما فعل من تحميل جريرته على البريء { بهتنا } وهو الكذب على ~~الغير بما يبهت منه ويتحير عند سماعه لفظاعته وهوله، وقيل: هو ~~الكذب الذي يتحير في عظمه { وإثما مبينا } أي بينا ~~فاحشا وهو صفة لإثما وقد اكتفي في بيان عظم البهتان بالتنكير ~~التفخيمي كأنه قيل: بهتانا لا يقادر قدره وإثما مبينا على أن ~~وصف الإثم بما ذكر بمنزلة وصف البهتان به لأنهما عبارة عن أمر واحد ~~هو رمي البريء بجناية نفسه، قد عبر عنه بهما تهويلا لأمره وتفظيعا ~~لحاله، فمدار العظم والفخامة كون المرمي به للرامي فإن رمي ~~البريء بجناية ما خطيئة كانت أو إثما بهتان وإثم في نفسه، أما ~~كونه بهتانا فظاهر وأما كونه إثما فلأن كون الذنب بالنسبة إلى ~~من فعله خطيئة لا يلزم منه كونه بالنسبة إلى من نسبه إلى البريء ~~منه أيضا كذلك بل لا يجوز ذلك قطعا، كيف لا وهو كذب محرم في جميع ~~الأديان فهو في نفسه بهتان وإثم لا محالة وبكون تلك الجناية للرامي ~~يتضاعف ذلك شدة ويزداد قبحا لكن لا لانضمام جنايته المكسوبة إلى ~~رمي البريء وإلا لكان الرمي بغير جناية مع تبرئة نفسه كذلك في ~~العظم، بل لاشتماله على قصد تحميل جنايته على البريء وإجراء ~~عقوبتها عليه كما ينبىء ms0771 عنه إيثار الاحتمال على الاكتساب ونحوه لما ~~فيه من الإيذان بانعكاس تقديره مع ما فيه من الإشعار بثقل الوزر ~~وصعوبة الأمر. # نعم بما ذكر من انضمام كسبه وتبرئة نفسه إلى رمي البريء تزداد ~~الجناية قبحا لكن تلك الزيادة وصف للمجموع لا للإثم. ### || [4.113] # { ولولا فضل الله عليك ورحمته } بإعلامك ما هم عليه ~~بالوحي وتنبيهك على الحق، وقيل: بالنبوة والعصمة { لهمت ~~طائفة منهم } أي من بني ظفر وهم الذابون عن طعمة، وقد ~~جوز أن يكون المراد بالطائفة كلهم، ويكون الضمير راجعا إلى ~~الناس وقيل: هم وفد بني ثقيف قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وقالوا: جئناك لنبايعك على أن لا تكسر أصنامنا ولا تعشرنا فردهم ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم { أن يضلوك } أي بأن يضلوك عن ~~القضاء بالحق مع علمهم بكنه الأمر، والجملة جواب لولا وإنما نفى ~~همهم مع أن المنفي إنما هو تأثيره فقط إيذانا بانتفاء تأثيره ~~بالكلية، وقيل: المراد هم الهم المؤثر، ولا ريب في انتفائه حقيقة، ~~وقيل: الجواب محذوف أي لأضلوك، وقوله تعالى: { لهمت } جملة ~~مستأنفة أي لقد همت طائفة الخ { وما يضلون إلا أنفسهم } ~~لاقتصار وبال مكرهم عليهم من غير أن يصيبك منه شيء والجملة ~~اعتراض، وقوله تعالى: { وما يضرونك من شىء } عطف عليه ~~ومحل الجار والمجرور النصب على المصدرية أي وما يضرونك شيئا من ~~الضرر لما أنه تعالى عاصمك، وأما ما خطر ببالك فكان عملا منك بظاهر ~~الحال ثقة بأقوال القائلين من غير أن يخطر ببالك أن الحقيقة على خلاف ~~ذلك { وأنزل الله عليك الكتب والحكمة } أي ~~القرآن الجامع بين العنوانين، وقيل: المراد بالحكمة السنة { ~~وعلمك } بالوحي من خفيات الأمور التي من جملتها وجوه إبطال ~~كيد المنافقين، أو من أمور الدين وأحكام الشرع { ما لم تكن ~~تعلم } ذلك إلى وقت التعليم { وكان فضل الله عليك ~~عظيما } إذ لا فضل أعظم من النبوة العامة والرياسة التامة. ### || [4.114-115] # { لا خير فى كثير من نجواهم } أي في كثير من تناجي ~~الناس { إلا من أمر } أي إلا ms0772 في نجوى من أمر { بصدقة ~~أو معروف } وقيل: المراد بالنجوى المتناجون بطريق المجاز، وقيل: ~~النجوى جمع نجا نقله الكرماني وأيا ما كان فالاستثناء متصل ويجوز ~~الانقطاع أيضا على معنى لكن من أمر بصدقة الخ، ففي نجواه الخير. ~~والمعروف كل ما يستحسنه الشرع ولا ينكره العقل فينتظم أصناف ~~الجميل وفنون أعمال البر، وقد فسر ههنا بالقرض وإغاثة ~~الملهوف وصدقة التطوع على أن المراد بالصدقة الصدقة الواجبة { أو ~~إصلح بين الناس } عند وقوع المشاقة والعداء بينهم من ~~غير أن يجاوز في ذلك حدود الشرع الشريف، وبين إما متعلق بنفس ~~إصلاح، يقال: أصلحت بين القوم أو بمحذوف هو صفة له أي كائن بين ~~الناس. عن أبي أيوب الأنصاري رضي الله تعالى عنه # " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له: " ألا أدلك على صدقة خير ~~لك من حمر النعم " ، قال: بلى يا رسول الله، قال: " تصلح بين ~~الناس إذا تفاسدوا وتقرب بينهم إذا تباعدوا " # ، قالوا: ولعل السر في إفراد هذه الأقسام الثلاثة بالذكر أن عمل ~~الخير المتعدي إلى الناس إما لإيصال المنفعة أو لدفع المضرة، ~~والمنفعة إما جسمانية كإعطاء المال وإليه الإشارة بقوله تعالى: { ~~إلا من أمر بصدقة } [النساء، الآية: 114] وإما روحانية ~~وإليه الإشارة بالأمر بالمعروف، وأما دفع الضرر فقد أشير إليه بقوله ~~تعالى: { أو إصلح بين الناس } [النساء، الآية: 114]. # { ومن يفعل ذلك } إشارة إلى الأمور المذكورة أعني الصدقة ~~والمعروف والإصلاح فإنه يشار به إلى متعدد، وما فيه من معنى البعد مع ~~قرب العهد بها للإيذان ببعد منزلتها ورفعة شأنها، وترتيب الوعد ~~على فعلها إثر بيان خيرية الأمر بها لما أن المقصود الأصلي هو ~~الترغيب في الفعل وبيان خيرية الأمر به للدلالة على خيريته بالطريق ~~الأولى لما أن مدار حسن الأمر وقبحه حسن المأمور به وقبحه فحيث ~~ثبت خيرية الأمر بالأمور المذكورة فخيرية فعلها أثبت، وفيه تحريض ~~للأمر بها على فعلها أو إشارة إلى الأمر بها كأنه قيل: ومن يأمر بها، ~~والكلام في ترتيب الوعد على فعلها كالذي مر في الخيرية فإن ms0773 استتباع ~~الأمر بها الأجر العظيم إنما هو لكونه ذريعة [وسببا] إلى فعلها ~~فاستتباعه له أولى وأحق. { ابتغاء مرضات الله } علة للفعل، ~~والتقييد به لأن الأعمال بالنيات وأن من فعل خيرا لغير ذلك لم ~~يستحق به غير الحرمان { فسوف نؤتيه } بنون العظمة على ~~الالتفات وقرىء بالياء { أجرا عظيما } يقصر عنه الوصف { ومن ~~يشاقق الرسول } التعرض لعنوان الرسالة لإظهار كمال شناعة ما ~~اجترأوا عليه من المشاقة والمخالفة، وتعليل الحكم الآتي بذلك { من ~~بعد ما تبين له الهدى } ظهر له الحق بالوقوف على المعجزات ~~الدالة على ثبوته { ويتبع غير سبيل المؤمنين } أي غير ~~ما هم مستمرون عليه من عقد وعمل وهو الدين القيم { نوله ما ~~تولى } أي نجعله واليا لما تولى من الضلال ونخذله بأن ~~نخلي بينه وبين ما اختاره { ونصله جهنم } أي ندخله ~~إياها، وقرىء بفتح النون من صلاه { وساءت مصيرا } أي جهنم، وفيها ~~دلالة على حجية الإجماع وحرمة مخالفته. ### || [4.116-118] # { إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ~~ذلك لمن يشاء } قد مر تفسيره فيما سبق، وهو تكرير للتأكيد ~~والتشديد، أو لقصة طعمة وقد مر موته كافرا. وروي عن ابن عباس رضي ~~الله تعالى عنهما (أن شيخا من العرب جاء إلى رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فقال: إني شيخ منهمك في الذنوب إلا أني لم أشرك بالله شيئا ~~منذ عرفته وآمنت به ولم أتخذ من دونه وليا ولم أواقع المعاصي جراءة ~~على الله تعالى وما توهمت طرفة عين أني أعجز الله هربا وإني ~~لنادم تائب مستغفر فما ترى حالي عند الله تعالى فنزلت) { ومن ~~يشرك بالله فقد ضل ضللا بعيدا } عن الحق فإن ~~الشرك أعظم أنواع الضلالة وأبعدها عن الصواب والاستقامة كما أنه ~~افتراء وإثم عظيم، ولذلك جعل الجزاء في هذه الشرطية فقد ضل الخ، ~~فيما سبق فقد افترى إثما عظيما حسبما يقتضيه سياق النظم الكريم ~~وسياقه. # { إن يدعون من دونه } أي ما يعبدون من دونه عز وجل { إلا ~~إنثا } يعني اللات والعزى ومناة ونحوها. عن الحسن أنه ms0774 لم يكن ~~من أحياء العرب حي إلا كان لهم صنم يعبدونه يسمونه أنثى بني فلان، ~~قيل: لأنهم كانوا يقولون في أصنامهم هن بنات الله، وقيل: لأنهم كانوا ~~يلبسونها أنواع الحلي ويزينونها على هيئات النسوان، وقيل: ~~المراد الملائكة، لقولهم: الملائكة بنات الله، وقيل: تسميتها إناثا ~~لتأنيث أسمائها أو لأنها في الأصل جماد والجمادات تؤنث من حيث أنها ~~ضاهت الإناث لانفعالها، وإيرادها بهذا الاسم للتنبيه على فرط حماقة ~~عبدتها وتناهي جهلهم، والإناث جمع أنثى كرباب وربى وقرىء على ~~التوحيد، وأنثا أيضا على أنه جمع أنيث كقليب وقلب، أو جمع أنث ~~كثمار وثمر وقرىء وثنا واثنا بالتخفيف والتثقيل جمع وثن كقولك: أسد وأسد ~~وآسد على الأصل وقلب الواو ألفا نحو أجوه في وجوه { وإن يدعون } ~~وما يعبدون بعبادتها { إلا شيطنا مريدا } إذ هو الذي أمرهم ~~بعبادتها وأغراهم عليها فكانت طاعتهم له عبادة والمريد والمارد هو ~~الذي لا يتعلق بخير، وأصل التركيب للملاسة ومنه صرح ممرد وشجرة ~~مرداء للتي تناثر ورقها { لعنه الله } صفة ثانية لشيطانا { ~~وقال لاتخذن من عبادك نصيبا مفروضا } عطف على ~~الجملة المتقدمة أي شيطانا مريدا جامعا بين لعنة الله وهذا القول ~~الشنيع الصادر عنه عند اللعن ولقد برهن على أن عبادة الأصنام غاية ~~الضلال بطريق التعليل بأن ما يعبدونها ينفعل ولا يفعل فعلا اختياريا ~~وذلك ينافي الألوهية غاية المنافاة ثم استدل عليه بأن ذلك عبادة ~~للشيطان وهو أفظع الضلال من وجوه ثلاثة: الأول منهمك في الغي لا ~~يكاد يعلق بشيء من الخير والهدى فتكون طاعته ضلالا بعيدا عن الحق، ~~والثاني أنه ملعون لضلاله فلا تستتبع مطاوعته سوى اللعن والضلال، ~~والثالث أنه في غاية السعي في إهلاكهم وإضلالهم، فموالاة من هذا ~~شأنه غاية الضلال فضلا عن عبادته، والمفروض: المقطوع أي نصيبا ~~قدر لي وفرض، من قولهم: فرض له في العطاء. ### || [4.119-121] # { ولأضلنهم ولأمنينهم } الأماني الباطلة كطول ~~الحياة وألا بعث ولا عقاب ونحو ذلك { ولآمرنهم ~~فليبتكن ءاذان الأنعم } أي فليقطعنها بموجب أمري ~~ويشقنها من غير تلعثم في ذلك ولا تأخير وذلك ما ms0775 كانت العرب تفعله ~~بالبحائر والسوائب { ولآمرنهم فليغيرن } ممتثلين به { ~~خلق الله } عن نهجه صورة أو صفة وينتظم فيه ما قيل من فقء عين ~~الحامي وخصاء العبيد والوشم والوشر ونحو ذلك، وعموم اللفظ يمنع ~~الخصاء مطلقا لكن الفقهاء رخصوا في البهائم لمكان الحاجة وهذه ~~الجمل المحكية عن اللعين مما نطق به لسانه مقالا أو حالا وما فيها ~~من اللامات كلها للقسم، والمأمور به في الموضعين محذوف ثقة بدلالة ~~النظم عليه { ومن يتخذ الشيطن وليا من دون الله ~~} بإيثار ما يدعو إليه على ما أمر الله تعالى به ومجاوزته عن طاعة الله ~~تعالى إلى طاعته { فقد خسر خسرانا مبينا } لأن ضيع رأس ~~ماله بالكلية واستبدل بمكانه من الجنة مكانه من النار { يعدهم } ~~أي ما لا يكاد ينجزه { ويمنيهم } أي الأماني الفارغة أو يفعل ~~لهم الوعد والتمنية على طريقة فلان يعطي ويمنع والضميران لمن والجمع ~~باعتبار معناها كما أن الإفراد في يتخذ وخسر باعتبار لفظها. # { وما يعدهم الشيطن إلا غرورا } وهو إظهار النفع ~~فيما فيه الضرر، وهذا الوعد إما بإلقاء الخواطر الفاسدة أو بألسنة ~~أوليائه، وغرورا إما مفعول ثان للوعد أو مفعول لأجله أو نعت لمصدر ~~محذوف أي وعدا ذا غرور أو مصدر على غير لفظ المصدر لأن { ~~يعدهم } في قوة يغرهم بوعده، والجملة اعتراض وعدم التعرض ~~للتمنية لأنها باب من الوعد { أولئك } إشارة إلى أولياء ~~الشيطان، وما فيه من معنى البعد للإشعار ببعد منزلتهم في الخسران، ~~وهو مبتدأ وقوله تعالى: { مأواهم } مبتدأ ثان وقوله تعالى: { ~~جهنم } خبر للثاني والجملة من الثاني [وخبره] خبر للأول { ولا ~~يجدون عنها محيصا } أي معدلا ومهربا من حاص الحمار إذا ~~عدل، وقيل: خلص ونجا، وقيل: الحيص هو الروغان بنفور، و { ~~عنها } متعلق بمحذوف وقع حالا من محيصا أي كائنا عنها، ولا مساغ ~~لتعلقه بمحيصا، أما إذا كان اسم مكان فظاهر، وأما إذا كان مصدرا ~~فلأنه لا يعمل فيما قبله. ### || [4.122-123] # { والذين ءامنوا وعملوا الصلحات } مبتدأ خبره ~~قوله تعالى: { سندخلهم جنت تجرى من تحتها ~~الأنهر خلدين فيها أبدا ms0776 } قرن وعيد الكفرة بوعد ~~المؤمنين زيادة لمسرة هؤلاء ومساءة أولئك { وعد الله حقا ~~} أي وعده وعدا وحق ذلك حقا، فالأول مؤكد لنفسه لأن مضمون ~~الجملة الاسمية وعد، والثاني مؤكد لغيره ويجوز أن ينتصب الموصول ~~بمضمر يفسره ما بعده وينتصب { وعد الله } بقوله تعالى: { ~~سندخلهم } لأنه في معنى نعدهم إدخال جنات الخ، وحقا على أنه ~~حال من المصدر { ومن أصدق من الله قيلا } جملة مؤكدة ~~بليغة، والمقصود من الآية معارضة مواعيد الشيطان الكاذبة لقرنائه ~~بوعد الله الصادق لأوليائه والمبالغة في تأكيده ترغيبا للعباد في ~~تحصيله، والقيل مصدر كالقول والقال، وقال ابن السكيت: القيل ~~والقال اسمان لا مصدران ونصبه على التمييز وقرىء بإشمام الصاد، ~~وكذا كل صاد ساكنة بعدها دال. # { ليس بأمنيكم ولا أمانى أهل الكتب } أي ليس ~~ما وعد الله تعالى من الثواب يحصل بأمانيكم أيها المسلمون ولا بأماني ~~أهل الكتاب وإنما يحصل بالإيمان والعمل الصالح، ولعل نظم أماني ~~أهل الكتاب في سلك أماني المسلمين مع ظهور حالها للإيذان بعدم ~~إجداء أماني المسلمين أصلا كما في قوله تعالى: # ولا الذين يموتون وهم كفار # [النساء، الآية 18] كما سلف، وعن الحسن ليس الإيمان بالتمني ولكن ما ~~وقر في القلب وصدقه العمل، إن قوما ألهتهم أماني المغفرة حتى ~~خرجوا من الدنيا ولا حسنة لهم وقالوا: نحسن الظن بالله وكذبوا لو ~~أحسنوا الظن به لأحسنوا العمل. وقيل: (إن المسلمين وأهل الكتاب ~~افتخروا فقال أهل الكتاب: نبينا قبل نبيكم وكتابنا قبل كتابكم ~~فنحن أولى بالله تعالى منكم، فقال المسلمون: نحن أولى منكم نبينا ~~خاتم النبيين وكتابنا يقضي على الكتب المتقدمة فنزلت). وقيل: ~~(الخطاب للمشركين) ويؤيده تقدم ذكرهم أي ليس الأمر بأماني ~~المشركين وهو قولهم: لا جنة ولا نار، وقولهم: إن كان الأمر كما ~~يزعم هؤلاء لنكونن خيرا منهم وأحسن حالا، وقولهم: لأوتين مالا ~~وولدا، ولا أماني أهل الكتاب، وهو قولهم: # لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصرى # [البقرة، الآية 111] وقولهم # لن تمسنا النار إلا أياما معدودة # [البقرة، الآية 80] ثم قرر ذلك بقوله تعالى: { من ms0777 يعمل سوءا ~~يجز به } عاجلا أو آجلا لما روي أنه # " لما نزلت قال أبو بكر رضي الله تعالى عنه: فمن ينجو مع هذا يا رسول ~~الله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أما تحزن أو تمرض أو ~~يصيبك البلاء؟ " ، قال: بلى يا رسول الله، قال: " هو ذاك " # { ولا يجد له من دون الله } أي مجاوزا لموالاة الله ~~ونصرته { وليا } يواليه { ولا نصيرا } ينصره في دفع العذاب ~~عنه. ### || [4.124-125] # { ومن يعمل من الصلحت } أي بعضها أو شيئا منها فإن ~~كل أحد لا يتمكن من كلها وليس مكلفا بها { من ذكر أو أنثى ~~} في موضع الحال من المستكن في { يعمل } ومن للبيان أو من ~~الصالحات فمن للابتداء أي كائنة من ذكر الخ، { وهو مؤمن } حال، ~~شرط اقتران العمل بها في استدعاء الثواب المذكور تنبيها على أنه ~~لا اعتداد به دونه { فأولئك } إشارة إلى { من } بعنوان ~~اتصافه بالإيمان والعمل الصالح، والجمع باعتبار معناها كما أن ~~الإفراد فيما سبق باعتبار لفظها وما فيه من معنى البعد لما مر غير ~~مرة من الإشعار بعلو رتبة المشار إليه وبعد منزلته في الشرف { ~~يدخلون الجنة } وقرىء يدخلون مبنيا للمفعول من الإدخال { ~~ولا يظلمون نقيرا } أي لا ينقصون شيئا حقيرا من ثواب ~~أعمالهم فإن النقير علم في القلة والحقارة وإذا لم ينقص ثواب ~~المطيع فلأن لا يزاد عقاب العاصي أولى وأحرى، كيف لا والمجازي [هو] ~~أرحم الراحمين، وهو السر في الاقتصار على ذكره عقيب الثواب. # { ومن أحسن دينا ممن أسلم وجهه لله } أي أخلص ~~نفسه له تعالى لا يعرف له ربا سواه، وقيل: بذل وجهه له في السجود، ~~وقيل: أخلص عمله له عز وجل، وقيل: فوض أمره إليه تعالى، وهذا إنكار ~~واستبعاد لأن يكون أحد أحسن دينا ممن فعل ذلك أو مساويا له وإن لم ~~يكن سبك التركيب متعرضا لإنكار المساواة، ونفيها يرشدك إليه ~~العرف المطرد والاستعمال الفاشي، فإنه إذا قيل: من أكرم من فلان ~~أو لا أفضل من فلان، فالمراد به حتما أنه أكرم من كل ms0778 كريم وأفضل من ~~كل فاضل، وعليه مساق قوله تعالى: # ومن أظلم ممن افترى # [العنكبوت، الآية 68] ونظائره، ودينا نصب على التمييز من أحسن ~~منقول من المبتدأ، والتقدير ومن دينه أحسن من دين من أسلم الخ، ~~فالتفضيل في الحقيقة جار بين الدينين لا بين صاحبيهما ففيه تنبيه ~~على أن ذلك أقصى ما تنتهي إليه القوة البشرية { وهو محسن } أي ~~آت بالحسنات تارك للسيئات، أو آت بالأعمال الصالحة على الوجه اللائق ~~الذي هو حسنها الوصفي المستلزم لحسنها الذاتي، وقد فسره عليه الصلاة ~~والسلام بقوله: # " أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فهو يراك " # والجملة حال من فاعل أسلم { واتبع ملة إبرهيم } الموافقة ~~لدين الإسلام المتفق على صحتها وقبولها { حنيفا } مائلا عن ~~الأديان الزائغة وهو حال من فاعل اتبع أو [حال] من إبراهيم. # { واتخذ الله إبرهيم خليلا } اصطفاه وخصه بكرامات ~~تشبه كرامات الخليل عند خليله، وإظهاره عليه الصلاة والسلام في موقع ~~الإضمار لتفخيم شأنه والتنصيص على أنه الممدوح، وتأكيد استقلال ~~الجملة الاعتراضية، والخلة من الخلال فإنه ود تخلل النفس ~~وخالطها. # وقيل: من الخلل فإن كل واحد من الخليلين يسد خلل الآخر، أو من الخل ~~وهو الطريق في الرمل فإنهما يتوافقان في الطريقة أو من الخلة بمعنى ~~الخصلة فإنهما يتوافقان في الخصال، وفائدة الاعتراض جمة من ~~جملتها الترغيب في اتباع ملته عليه السلام فإن من بلغ من الزلفى عند ~~الله تعالى مبلغا مصححا لتسميته خليلا حقيق بأن يكون اتباع ~~طريقته أهم ما يمتد إليه أعناق الهمم وأشرف ما يرمق نحوه أحداق ~~الأمم، قيل: (إنه عليه الصلاة والسلام بعث إلى خليل له بمصر في أزمة ~~أصابت الناس يمتار منه، فقال خليله: لو كان إبراهيم يطلب الميرة ~~لنفسه لفعلت، ولكنه يريدها للأضياف، وقد أصابنا ما أصاب الناس من ~~الشدة، فرجع غلمانه عليه الصلاة والسلام فاجتازوا ببطحاء لينة فملأوا ~~منها الغرائر حياء من الناس وجاءوا بها إلى منزل إبراهيم عليه الصلاة ~~والسلام وألقوها فيه وتفرقوا وجاء أحدهم فأخبر إبراهيم بالقصة فاغتم ~~لذلك غما شديدا لا سيما ms0779 لاجتماع الناس ببابه رجاء الطعام فغلبته ~~عيناه وعمدت سارة إلى الغرائر فإذا فيها أجود ما يكون من الحوارى ~~فاختبزت، وفي رواية فأطعمت الناس وانتبه إبراهيم عليه الصلاة والسلام ~~فاشتم رائحة الخبز فقال: من أين لكم، قالت سارة: من خليلك المصري، ~~فقال: بل من عند خليلي الله عز وجل فسماه الله تعالى خليلا). ### || [4.126-127] # { ولله ما فى السموات وما في الأرض } جملة مبتدأة ~~سيقت لتقرير وجوب طاعة الله تعالى على أهل السموات والأرض ببيان أن ~~جميع ما فيهما من الموجودات له تعالى خلقا وملكا لا يخرج عن ~~ملكوته شيء منها فيجازي كلا بموجب أعماله خيرا أو شرا، وقيل: ~~لبيان أن اتخاذه عز وجل لإبراهيم عليه السلام خليلا ليس لاحتياجه ~~سبحانه إلى ذلك في شأن من شؤونه كما هو دأب الآدميين فإن مدار ~~خلتهم افتقار بعضهم إلى بعض في مصالحهم، بل لمجرد تكرمته وتشريفه ~~عليه السلام، وقيل: لبيان أن الخلة لا تخرجه عن رتبة العبودية، وقيل: ~~لبيان أن اصطفاءه عليه السلام للخلة بمحض مشيئته تعالى أي له تعالى ~~ما فيهما جميعا يختار منهما ما يشاء لمن يشاء وقوله عز وجل: { وكان ~~الله بكل شىء محيطا } تذييل مقرر لمضمون ما قبله على ~~الوجوه المذكورة فإن إحاطته تعالى علما وقدرة بجميع الأشياء التي ~~من جملتها ما فيهما من المكلفين وأعمالهم مما يقرر ذلك أكمل تقرير. # { ويستفتونك فى النساء } أي في حقهن على الإطلاق كما ينبىء ~~عنه الأحكام الآتية لا في حق ميراثهن خاصة فإنه صلى الله عليه وسلم قد ~~سئل عن أحوال كثيرة مما يتعلق بهن، فما بين حكمه فيما سلف أحيل ~~بيانه على ما ورد في ذلك من الكتاب، وما لم يبين حكمه بعد ~~بين ههنا، وذلك قوله تعالى: { قل الله يفتيكم فيهن ~~وما يتلى عليكم فى الكتب } بإسناد الإفتاء الذي هو ~~بيان المبهم وتوضيح المشكل إليه تعالى وإلى ما تلي من الكتاب ~~فيما سبق باعتبارين على طريقة قولك: أغناني زيد وعطاؤه بعطف { ما } ~~على المبتدأ أو ضميره في الخبر لمكان الفصل بالمفعول ms0780 والجار ~~والمجرور، وإيثار صيغة المضارع للإيذان باستمرار التلاوة ودوامها و { ~~فى الكتب } إما متعلق بيتلى أو بمحذوف وقع حالا من المستكن ~~فيه أي يتلى كائنا فيه ويجوز أن يكون ما يتلى عليكم مبتدأ وفي الكتاب ~~خبره على أن المراد به اللوح المحفوظ، والجملة معترضة مسوقة ~~لبيان عظم شأن المتلو عليهم وأن العدل في الحقوق المبنية فيه من ~~عظائم الأمور التي يجب مراعاتها والمحافظة عليها فيما يتلى حينئذ ~~متناول لما تلي وما سيتلى ويجوز أن يكون مجرورا على القسم المنبىء ~~عن تعظيم المقسم به وتفخيمه كأنه قيل: قل الله يفتيكم فيهن وأقسم ~~بما يتلى عليكم في الكتاب، فالمراد بقوله تعالى: { يفتيكم } ~~بيانه السابق واللاحق ولا مساغ لعطفه على المجرور من فيهن لاختلاله ~~لفظا ومعنى، وقوله تعالى: { فى يتمى النساء } على الوجه الأول ~~وهو الأظهر متعلق بيتلى أي ما يتلى عليكم في شأنهن، وعلى الأخيرين ~~بدل من فيهن، وهذه الإضافة بمعنى من لأنها إضافة الشيء إلى جنسه ~~وقرىء ييامى بقلب همزة أيامى ياء. # { اللتى لا تؤتونهن ما كتب لهن } أي ما فرض لهن ~~من الميراث وغيره { وترغبون } عطف على الصلة عطف جملة مثبتة ~~على جملة منفية، وقيل: حال من فاعل تؤتونهن بتأويل وأنتم ترغبون، ولا ريب ~~في أنه لا يظهر لتقييد عدم الإيتاء بذلك فائدة إلا إذا أريد ~~بما كتب لهن صداقهن { أن تنكحوهن } أي في أن تنكحوهن لا لأجل ~~التمتع بهن بل لأكل مالهن أو في أن تنكحوهن بغير إكمال الصداق وذلك ~~ما روي عن عائشة رضي الله تعالى عنها من أنها اليتيمة تكون في حجر ~~وليها فيرغب في مالها وجمالها ويرد أن ينكحها بأدنى من سنة ~~نسائها فنهوا أن ينكحوهن إلا أن يقسطوا لهن في إكمال الصداق أو ~~عن أن تنكحوهن، وذلك ما روي عنها رضي الله عنها أنها يتيمة يرغب ~~وليها عن نكاحها ولا ينكحها فيعضلها طمعا في ميراثها، وفي رواية ~~عنها رضي الله عنها هو الرجل يكون عنده يتيمة هو وليها ووارثها ~~وشريكها في المال حتى في العذق ms0781 فيرغب أن ينكحها ويكره أن يزوجها ~~رجلا فيشركه في ماله بما شركته فيعضلها، فالمراد بما كتب لهن ~~على الوجه الأول والأخير ميراثهن وبما يتلى في حقهن قوله تعالى: # وءاتوا اليتمى أمولهم # [النساء، الآية 2] وقوله تعالى: # ولا تأكلوها # [النساء، الآية 6] ونحوهما من النصوص الدالة على عدم التعرض ~~لأموالهم وعلى الوجه الثاني صداقهن وبما يتلى فيهن قوله تعالى: # وإن خفتم ألا تقسطوا فى اليتمى # [النساء، الآية: 3]. # { والمستضعفين من الولدن } عطف على يتامى النساء وما ~~يتلى في حقهم وقوله تعالى: # يوصيكم الله # [النساء، الآية 11] الخ، وقد كانوا في الجاهلية لا يورثونهم كما لا ~~يورثون النساء، وإنما يورثون الرجال القوامين بالأمور. روي # " أن عيينة بن حصن الفزاري جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فقال: أخبرنا بأنك تعطي الابنة النصف والأخت النصف وإنما كنا نورث ~~من يشهد القتال ويجوز الغنيمة، فقال عليه الصلاة والسلام: " كذلك ~~أمرت " # { وأن تقوموا لليتمى بالقسط } بالجر عطف على ما ~~قبله، وما يتلى في حقهم قوله تعالى: # ولا تتبدلوا الخبيث بالطيب ولا تأكلوا ~~أمولهم إلى أمولكم # [النساء، الآية: 2] ونحو ذلك مما لا يكاد يحصر هذا على تقدير كون { ~~فى يتمى النساء } [النساء، الآية: 127] متعلقا بيتلى، وأما على ~~تقدير كونه بدلا من فيهن فالوجه نصبه عطفا على موضع { فيهن } أي ~~يفتيكم أن تقوموا ويجوز نصبه بإضمار فعل، أي ويأمركم، وهو خطاب للولاة ~~أو الأولياء والأوصياء { وما تفعلوا } في حقوق المذكورين { من ~~خير } حسبما أمرتم به أو ما تفعلوه من خير على الإطلاق، فيندرج فيه ~~ما يتعلق بهم اندراجا أوليا { فإن الله كان به عليما } ~~فيجازيكم بحسبه. ### || [4.128] # { وإن امرأة خفت } شروع في بيان ما لم يبين فيما سلف ~~من الأحكام أي إن توقعت امرأة { من بعلها نشوزا } أي تجافيا ~~عنها وترفعا عن صحبتها كراهة لها ومنعا لحقوقها { أو إعراضا } ~~بأن يقل محادثتها ومؤانستها لما يقتضي ذلك من الدواعي والأسباب { ~~فلا جناح عليهما } حينئذ { أن يصلحا بينهما صلحا ~~} أي في أن يصلحا بينهما بأن تحط عنه المهر أو بعضه أو القسم ms0782 ~~كما فعلت سودة بنت زمعة حين كرهت أن يفارقها رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فوهبت يومها لعائشة رضي الله عنها أو بأن تهب له شيئا ~~تستميله، وقرىء يصالحا من يتصالحا ويصلحا من يصطلحا ويصالحا من ~~المفاعلة، وصلحا إما منصوب بالفعل المذكور على كل تقدير على أنه ~~مصدر منه بحذف الزوائد، وقد يعبر عنه باسم المصدر كأنه قيل: إصلاحا ~~أو تصالحا أو اصطلاحا حسبما قرىء الفعل أو بفعل مترتب على المذكور ~~أي فيصلح حالهما صلحا، وبينهما ظرف للفعل أو حال من صلحا، ~~والتعرض لنفي الجناح عنهما مع أنه ليس من جنابها الأخذ الذي هو ~~المظنة للجناح لبيان أن هذا الصلح ليس من قبيل الرشوة ~~المحرمة للمعطي والآخذ. # { والصلح خير } أي من الفرقة أو من سوء العشرة أو من الخصومة ~~فاللام للعهد أو هو خير من الخيور فاللام للجنس والجملة اعتراض ~~مقرر لما قبله وكذا قوله تعالى: { وأحضرت الأنفس الشح } ~~أي جعلت حاضرة له مطبوعة عليه لا تنفك عنه أبدا، فلا المرأة تسمح ~~بحقوقها من الرجل ولا الرجل يجود بحسن المعاشرة مع دمامتها فإن فيه ~~تحقيقا للصلح وتقريرا له بحث كل منهما عليه لكن لا بالنظر إلى حال ~~نفسه فإن ذلك يستدعي التمادي في المماسكة والشقاق بل بالنظر إلى حال ~~صاحبه فإن شح نفس الرجل وعدم ميلها عن حالتها الجبلية بغير ~~استمالة مما يحمل المرأة على بذل بعض حقوقها إليه لاستمالته وكذا ~~شح نفسها بحقوقها مما يحمل الرجل على أن يقتنع من قبلها بشيء يسير ~~ولا يكلفها بذل الكثير فيتحقق بذلك الصلح { وإن تحسنوا } في ~~العشرة { وتتقوا } النشوز والإعراض مع تعاضد الأسباب الداعية ~~إليهما وتصبروا على ذلك مراعاة لحقوق الصحبة ولم تضطروهن إلى ~~بذل شيء من حقوقهن { فإن الله كان بما تعملون } أي من ~~الإحسان والتقوى أو بما تعملون جميعا فيدخل ذلك فيه دخولا أوليا { ~~خبيرا } فيجازيكم ويثبتكم على ذلك البتة لاستحالة أن يضيع أجر ~~المحسنين. وفي خطاب الأزواج بطريق الالتفات والتعبير عن رعاية ~~حقوقهن بالإحسان ولفظ التقوى المنبىء عن كون ms0783 النشوز والإعراض مما ~~يتوقى منه وترتيب الوعد الكريم عليه من لطف الاستمالة والترغيب في ~~حسن المعاملة ما لا يخفى. روي أنها نزلت في عمرة بنت محمد ابن ~~مسلمة وزوجها سعد بن الربيع تزوجها وهي شابة فلما علاها الكبر ~~تزوج شابة وآثرها عليها وجفاها فأتت رسول الله صلى الله عليه وسلم وشكت ~~إليه ذلك، وقيل: نزلت في أبي السائب، كانت له امرأة قد كبرت وله منها ~~أولاد فأراد أن يطلقها ويتزوج غيرها فقالت: لا تطلقني ودعني على ~~أولادي فاقسم لي من كل شهرين وإن شئت فلا تقسم لي، فقال: إن كان ~~يصلح ذلك فهو أحب إلي فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر له ذلك ~~فنزلت. ### || [4.129-131] # { ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء } أي محال أن ~~تقدروا على أن تعدلوا بينهن بحيث لا يقع ميل ما إلى جانب إحداهن في ~~شأن من الشؤون البتة وقد # " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقسم بين نسائه فيعدل ثم ~~يقول: " اللهم هذا قسمي فيما أملك فلا تؤاخذني فيما تملك ولا ~~أملك " # وفي رواية # " وأنت أعلم بما لا أملك " # يعني فرط محبته لعائشة رضي الله عنها { ولو حرصتم } أي على ~~إقامة العدل وبالغتم في ذلك { فلا تميلوا كل الميل } أي ~~فلا تجوروا على المرغوب عنها كل الجور واعدلوا ما استطعتم فإن ~~عجزكم عن حقيقة العدل إنما يصحح عدم تكليفكم بها لا بما دونها من ~~المراتب الداخلة تحت استطاعتكم { فتذروها } أي التي ملتم عنها { ~~كالمعلقة } التي ليست ذات بعل أو مطلقة وقرىء كالمسجونة وفي ~~الحديث: # " من كانت له امرأتان يميل مع إحداهما جاء يوم القيامة وأحد شقيه ~~مائل " # { وإن تصلحوا } ما كنتم تفسدون من أمورهن { وتتقوا } ~~الميل فيما يستقبل { فإن الله كان غفورا } يغفر لكم ما ~~فرط منكم من الميل { رحيما } يتفضل عليكم برحمته. # { وإن يتفرقا } وقرىء يتفارقا أي وإن يفارق كل منهما صاحبه ~~بأن لم يتفق بينهما وفاق بوجه ما من الصلح وغيره { يغن الله ~~كلا } منهما أي يجعله مستغنيا عن الآخر ويكفه ms0784 مهماته { من ~~سعته } من غناه وقدرته، وفيه زجر لهما عن المفارقة رغما لصاحبه { ~~وكان الله وسعا حكيما } مقتدرا متقنا في أفعاله ~~وأحكامه، وقوله تعالى: { ولله ما فى السموات وما في ~~الأرض } أي من الموجودات كائنا ما كان من الخلائق وأرزاقهم وغير ~~ذلك، جملة مستأنفة منبهة على كمال سعته وعظم قدرته { ولقد ~~وصينا الذين أوتوا الكتب من قبلكم } أي أمرناهم ~~في كتابهم وهم اليهود والنصارى ومن قبلهم من الأمم، واللام في الكتاب ~~للجنس، و { من } متعلقة بوصينا أو بأوتوا { وإيكم } عطف على ~~الموصول { أن اتقوا الله } أي وصينا كلا منكم ومنهم بأن اتقوا ~~الله على أن أن مصدرية حذف منها الجار ويجوز أن تكون مفسرة، لأن ~~التوصية في معنى القول فقوله تعالى: { وإن تكفروا فإن ~~لله ما فى السموات وما في الأرض } حينئذ من تتمة ~~القول المحكي أي ولقد قلنا لهم ولكم: اتقوا الله وإن تكفروا إلى آخر ~~الآية، وعلى تقدير كون أن مصدرية مبني الكلام وإرادة القول أي أمرناهم ~~وإياكم بالتقوى وقلنا لهم ولكم: إن تكفروا الآية، وقيل: هي جملة ~~مستأنفة خوطب بها هذه الأمة، وأيا ما كان فالمترتب على كفرهم ليس ~~مضمون قوله تعالى: { فإن الله } [النساء، الآية: 129] الآية، بل ~~هو الأمر بعلمه كأنه قيل: وإن تكفروا فاعلموا أن لله ما في السموات وما ~~في الأرض من الخلائق قاطبة مفتقرون إليه في الوجود وسائر النعم ~~المتفرعة عليه لا يستغنون عن فيضه طرفة عين فحقه أن يطاع ولا ~~يعصى ويتقى عقابه ويرجى ثوابه وقد قرر ذلك بقوله تعالى: { ~~وكان الله غنيا } أي عن الخلق وعبادتهم { حميدا } محمودا ~~في ذاته حمدوه أو لم يحمدوه فلا يتضرر بكفرهم ومعاصيهم كما لا ينتفع ~~بشكرهم وتقواهم وإنما وصاهم بالتقوى لرحمته لا لحاجته. ### || [4.132-134] # { ولله ما فى السموات وما في الأرض } كلام مبتدأ ~~مسوق للمخاطبين توطئة لما بعده من الشرطية غير داخل تحت القول ~~المحكي أي له سبحانه ما فيهما من الخلائق خلقا وملكا يتصرف فيهم ~~كيفما يشاء إيجادا وإعداما وإحياء وإماتة. # { وكفى بالله وكيلا ms0785 } في تدبير أمور الكل وكل الأمور ~~فلا بد من أن يتوكل عليه لا على أحد سواه { إن يشأ يذهبكم ~~أيها الناس } أي يفنكم ويستأصلكم بالمرة { ويأت ~~بآخرين } أي ويوجد دفعة مكانكم قوما آخرين من البشر أو خلقا ~~آخرين مكان الإنس، ومفعول المشيئة محذوف لكونه مضمون الجزاء أي إن ~~يشأ إفناءكم وإيجاد آخرين يذهبكم الخ، يعني أن إبقاءكم على ما أنتم ~~عليه من العصيان إنما هو لكمال غناه عن طاعتكم ولعدم تعلق مشيئته ~~المبنية على الحكم البالغة بإفنائكم لا لعجزه سبحانه، تعالى عن ذلك ~~علوا كبيرا { وكان الله على ذلك } أي على إفنائكم بالمدة ~~وإيجاد آخرين دفعة مكانكم { قديرا } بليغ القدرة فيه لا سيما في ~~توسط الخطاب بين الجزاء وما عطف عليه من تشديد التهديد ما لا ~~يخفى، وقيل: خطاب لمن عادى رسول الله صلى الله عليه وسلم من العرب، أي ~~إن يشأ يمتكم ويأت بأناس آخرين يوالونه فمعناه هو معنى قوله تعالى: # وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم ثم لا ~~يكونوا أمثلكم # [محمد صلى الله عليه وسلم، الآية 38] ويروى # " أنها لما نزلت ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده على ظهر ~~سلمان وقال: " إنهم قوم هذا يريد أبناء فارس " # { من كان يريد ثواب الدنيا } كالمجاهد يريد بجهاده ~~الغنيمة { فعند الله ثواب الدنيا والآخرة } أي فعنده ~~تعالى ثوابهما له إن أراده فما له يطلب أخسهما فليطلبهما كمن يقول: ~~ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة أو ليطلب أشرفهما فإن ~~من جاهد خالصا لوجه الله تعالى لم تخطئه الغنيمة وله في الآخرة ما ~~هي في جنبه كلا شيء أي فعند الله ثواب الدارين فيعطي كلا ما يريده ~~كقوله تعالى: # من كان يريد حرث الآخرة نزد له فى حرثه # [الشورى، الآية 20] الآية، { وكان الله سميعا بصيرا } ~~عالما بجميع المسموعات والمبصرات فيندرج فيها ما صدر عنهم من ~~الأقوال والأعمال المتعلقة بمراداتهم اندراجا أوليا. ### || [4.135-136] # { يأيها الذين ءامنوا كونوا قوامين بالقسط } ~~مبالغين في العدل وإقامة القسط في جميع الأمور مجتهدين في ذلك حق ~~الاجتهاد ms0786 { شهداء الله } بالحق تقيمون شهاداتكم لوجه الله تعالى ~~وهو خبر ثان وقيل: حال { ولو على أنفسكم } أي لو كانت ~~الشهادة على أنفسكم بأن تقروا عليها على أن الشهادة عبارة عن ~~الإخبار بحق الغير سواء كان ذلك عليه أو على ثالث بأن تكون الشهادة ~~مستتبعة لضرر ينالكم من جهة المشهود عليه { أو الولدين ~~والأقربين } أي ولو كانت على والديكم وأقاربكم { إن يكن } ~~أي المشهود عليه { غنيا } يبتغى في العادة رضاه ويتقى سخطه { ~~أو فقيرا } يترحم عليه غالبا، وقرىء إن يكن غني أو فقير على ~~أن كان تامة وجواب الشرط محذوف لدلالة قوله تعالى: { فالله ~~أولى بهما } عليه فلا يمتنعوا عنها طلبا لرضا الغنى أو ترحما ~~على الفقير فإن الله تعالى أولى بجنسي الغني والفقير المدلول عليهما ~~بما ذكر ولو أن الشهادة عليهما مصلحة لهما لما شرعها وقرىء أولى بهم ~~{ فلا تتبعوا الهوى أن تعدلوا } أي مخافة أن تعدلوا ~~عن الحق فإن اتباع الهوى من مظان الجور الذي حقه أن يخاف ~~ويحذر، وقيل: كراهة أن تعدلوا بين الناس أو إرادة أن تعدلوا بين ~~الناس أو إرادة أن تعدلوا عن الحق { وإن تلووا } أي ألسنتكم عن ~~شهادة الحق أو حكومة العدل بأن تأتوا بها لا على وجهها، وقرىء وإن ~~تلوا من الولاية والتصدي أي وإن وليتم إقامة الشهادة { أو ~~تعرضوا } أي عن إقامتها رأسا { فإن الله كان بما ~~تعملون } من لي الألسنة والإعراض بالكلية أو من جميع ~~الأعمال التي من جملتها ما ذكر { خبيرا } فيجازيكم لا محالة على ذلك ~~فهو على القراءة المشهورة وعيد محض وعلى القراءة الأخيرة متضمن ~~للوعيد. # { يأيها الذين آمنوا } خطاب لكافة المسلمين فمعنى قوله تعالى: ~~{ آمنوا بالله ورسوله والكتب الذى نزل على ~~رسوله والكتب الذى أنزل من قبل } اثبتوا على ~~الإيمان بذلك ودوموا عليه وازدادوا فيه طمأنينة ويقينا أو آمنوا ~~بما ذكر متصلا بناء على أن إيمان بعضهم إجمالي، والمراد بالكتاب ~~الثاني الجنس المنتظم لجميع الكتب السماوية لقوله تعالى: # وكتبه # [البقرة: 285، النساء: 136، التحريم: 12] وبالإيمان به الإيمان بأن ~~كل كتاب ms0787 من تلك الكتب منزل منه تعالى على رسول معين لإرشاد أمته ~~إلى ما شرع لهم من الدين بالأوامر والنواهي لكن لا على أن مدار ~~الإيمان بكل واحد من تلك الكتب خصوصية ذلك الكتاب، ولا على أن ~~أحكام تلك الكتب وشرائعها باقية بالكلية ولا على أن الباقي منها ~~معتبر بالإضافة إليها بل على أن الإيمان بالكل مندرج تحت الإيمان ~~بالكتاب المنزل على رسوله وأن أحكام كل منها كانت حقة ثابتة إلى ~~ورود ما نسخها وأن ما لم ينسخ منها إلى الآن من الشرائع والأحكام ~~ثابتة من حيث إنها من أحكام هذا الكتاب الجليل المصون عن النسخ ~~والتبديل كما مر في تفسير خاتمة سورة البقرة، وقرىء نزل وأنزل على ~~البناء للمفعول، وقيل: (هو خطاب لمؤمني أهل الكتاب لما أن عبد الله ~~بن سلام وابن أخته سلامة وابن أخيه سلمة وأسدا وأسيدا بني ~~كعب وثعلبة بن قيس ويامين بن يامين أتوا رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وقالوا: يا رسول الله إنا نؤمن بك وبكتابك وبموسى والتوراة ~~وعزير، ونكفر بما سواه من الكتب والرسل، فقال عليه السلام: # " بل آمنوا بالله ورسوله محمد وكتابه القرآن وبكل كتاب كان قبله " # ، فقالوا: لا نفعل فنزلت) فآمنوا كلهم فأمرهم بالإيمان بالكتاب ~~المتناول للتوراة مع أنهم مؤمنون بها من قبل ليس لكون المراد ~~بالإيمان ما يعم إنشاءه والثبات عليه ولا لأن متعلق الأمر حقيقة ~~هو الإيمان بما عداها كأنه قيل: آمنوا بالكل ولا تخصوه بالبعض بل ~~لأن المأمور له إنما هو الإيمان بها في ضمن الإيمان بالقرآن على الوجه ~~الذي أشير إليه آنفا لا إيمانهم السابق، ولأن فيه حملا لهم على ~~التسوية بينها وبين سائر الكتب في التصديق لاشتراك الكل فيما يوجبه ~~وهو النزول من عند الله تعالى، وقيل: خطاب لأهل الكتابين فالمعنى ~~آمنوا بالكل لا ببعض دون بعض وأمر لكل طائفة بالإيمان بكتابه في ضمن ~~الأمر بالإيمان بجنس الكتاب لما ذكر، وقيل: هو للمنافقين، فالمعنى ~~آمنوا بقلوبكم لا بألسنتكم فقط { ومن يكفر بالله ~~وملئكته وكتبه ورسله واليوم ms0788 الآخر } أي بشيء من ~~ذلك { فقد ضل ضللا بعيدا } عن المقصد بحيث لا يكاد يعود ~~إلى طريقه، وزيادة الملائكة واليوم الآخر في جانب الكفر لما أنه ~~بالكفر بأحدهما لا يتحقق الإيمان أصلا، وجمع الكتب والرسل لما أن ~~الكفر بكتاب أو برسول كفر بالكل، وتقديم الرسول فيما سبق لذكر ~~الكتاب بعنوان كونه منزلا عليه، وتقديم الملائكة والكتب على الرسل ~~لأنهم وسائط بين الله عز وجل وبين الرسل في إنزال الكتب. ### || [4.137-138] # { إن الذين ءامنوا } قال قتادة: هم اليهود آمنوا بموسى { ~~ثم كفروا } بعبادتهم العجل { ثم آمنوا } عند عوده إليهم { ~~ثم كفروا } بعيسى والإنجيل { ثم ازدادوا كفرا } بكفرهم ~~بمحمد صلى الله عليه وسلم، وقيل: هم قوم تكرر منهم الارتداد وأصروا ~~على الكفر وازدادوا تماديا في الغي { لم يكن الله ليغفر ~~لهم ولا ليهديهم سبيلا } لما أنه يستبعد منهم أن يتوبوا ~~عن الكفر ويثبتوا على الإيمان فإن قلوبهم قد ضربت بالكفر وتمرنت على ~~الردة، وكان الإيمان عندهم أهون شيء وأدونه لا أنهم لو أخلصوا ~~الإيمان لم يقبل منهم ولم يغفر لهم، وخبر كان محذوف أي مريدا ~~ليغفر لهم. وقوله عز وجل: { بشر المنفقين بأن لهم ~~عذابا أليما } يدل على أن المراد بالمذكورين الذين آمنوا في ~~الظاهر نفاقا وكفروا في السر مرة بعد أخرى ثم ازدادوا كفرا ونفاقا، ~~ووضع التبشير موضع الإنذار تهكما بهم. ### || [4.139-140] # { الذين يتخذون الكفرين أولياء } في محل نصب أو ~~الرفع على الذم بمعنى أريد بهم الذين، أو هم الذين، وقيل: نصب على أنه ~~صفة للمنافقين وقوله تعالى: { من دون المؤمنين } حال من فاعل ~~يتخذون أي يتخذون الكفرة أنصارا متجاوزين ولاية المؤمنين وكانوا ~~يوالونهم ويقول بعضهم لبعض: لا يتم أمر محمد عليه الصلاة والسلام ~~فتولوا اليهود { أيبتغون عندهم العزة } إنكار لرأيهم ~~وإبطال له وبيان لخيبة رجائهم وقطع لأطماعهم الفارغة، والجملة ~~معترضة مقررة لما قبلها أي أيطلبون بموالاة الكفرة القوة والغلبة؟ ~~قال الواحدي: أصل العزة الشدة ومنه قيل للأرض الشديدة الصلبة: عزاز، ~~وقوله تعالى: { فإن العزة لله جميعا } تعليل لما يفيده ~~الاستفهام ms0789 الإنكاري من بطلان رأيهم وخيبة رجائهم فإن انحصار جميع ~~أفراد العزة في جنابه عز وعلا بحيث لا ينالها إلا أولياؤه الذين كتب ~~لهم العزة والغلبة، قال تعالى: # ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين # [المنافقون، الآية 8] يقضي ببطلان التعزز بغيره سبحانه وتعالى ~~واستحالة الانتفاع به، وقيل: هو جواب شرط محذوف كأنه قيل: إن يبتغوا ~~عندهم العزة فإن العزة لله، وجميعا حال من المستكن في قوله تعالى: { ~~لله } لاعتماده على المبتدأ { وقد نزل عليكم } خطاب ~~للمنافقين بطريق الالتفات مفيد لتشديد التوبيخ الذي يستدعيه تعداد ~~جناياتهم وقرىء مبنيا للمفعول من التنزيل والإنزال ونزل أيضا ~~مخففا والجملة حال من ضمير يتخذون أيضا مفيدة لكمال قباحة حالهم ~~ونهاية استعصائهم عليه سبحانه ببيان أنهم فعلوا ما فعلوا من موالاة ~~الكفرة مع تحقق ما يمنعهم من ذلك وهو ورود النهي الصريح عن مجالستهم ~~المستلزم للنهي عن موالاتهم على أبلغ وجه وآكده إثر بيان انتفاء ~~ما يدعوهم إليه بالجملة المعترضة، كأنه قيل: تتخذونهم أولياء والحال ~~أنه تعالى قد نزل عليكم قبل هذا بمكة { فى الكتب } أي القرآن ~~الكريم { أن إذا سمعتم آيات الله يكفر بها ~~ويستهزأ بها فلا تقعدوا معهم حتى يخوضوا في ~~حديث غيره } وذلك قوله تعالى: # وإذا رأيت الذين يخوضون فى ءايتنا فأعرض ~~عنهم # [الأنعام، الآية 68] الآية، وهذا يقتضي الانزجار عن مجالستهم في تلك ~~الجالة القبيحة فكيف بموالاتهم والاعتزاز بهم؟. # وأن هي المخففة من أن وضمير الشأن الذي هو اسمها محذوف، والجملة ~~الشرطية خبرها، وقوله تعالى: { يكفر بها } حال من آيات الله، ~~وقوله تعالى: { ويستهزأ بها } عطف عليه داخل في حكم الحالية، ~~وإضافة الآيات إلى الاسم الجليل لتشريفها وإبانة خطرها وتهويل أمر ~~الكفر بها، أي نزل عليكم في الكتاب أنه إذا سمعتم آيات الله مكفورا ~~بها ومستهزأ بها، وفيه دلالة على أن المنزل على النبي عليه السلام ~~وإن خوطب به خاصة منزل على الأمة وأن مدار الإعراض عنهم هو العلم ~~بخوضهم في الآيات ولذلك عبر عن ذلك تارة بالرؤية وأخرى بالسماع، وأن ~~المراد بالإعراض إظهار المخالفة بالقيام عن ms0790 مجالسهم لا الإعراض ~~بالقلب أو بالوجه فقط والضمير في معهم للكفرة المدلول عليهم بقوله ~~تعالى: { يكفر بها ويستهزأ بها }. # { إنكم أذن مثلهم } جملة مستأنفة سيقت لتعليل النهي غير ~~داخلة تحت التنزيل وإذن ملغاة عن العمل لوقوعها بين المبتدأ والخبر، ~~أي لا تقعدوا معهم في ذلك الوقت إنكم إن فعلتموه كنتم مثلهم في الكفر ~~واستتباع العذاب، وإفراد المثل لأنه كالمصدر أو للاستغناء بالإضافة ~~إلى الجمع وقرىء شاذا مثلهم بالفتح لإضافته إلى غير متمكن كما في قوله ~~تعالى: # مثل ما أنكم تنطقون # [الذاريات، الآية 23] وقيل: هو منصوب على الظرفية أي في مثل حالهم وقوله ~~تعالى: { إن الله جامع المنفقين والكفرين فى ~~جهنم جميعا } تعليل لكونهم مثلهم في الكفر ببيان ما يستلزمه ~~من شركتهم لهم في العذاب والمراد بالمنافقين إما المخاطبون وقد وضع ~~موضع ضميرهم الظاهر تسجيلا بنفاقهم وتعليلا للحكم بمأخذ ~~الاشتقاق، وإما الجنس وهم داخلون تحته دخولا أوليا، وتقديم ~~المنافقين على الكافرين لتشديد الوعيد على المخاطبين ونصب جميعا مثل ~~ما قبله. ### || [4.141-142] # { الذين يتربصون بكم } تلوين للخطاب وتوجيه له إلى ~~المؤمنين بتعديد بعض آخر من جنايات المنافقين وقبائحهم وهو إما بدل ~~من الذين يتخذون أو صفة للمنافقين فقط إذ هم المتربصون دون الكافرين، أو ~~مرفوع أو منصوب على الذم أي ينتظرون أمركم وما يحدث لكم من ظفر أو ~~إخفاق، والفاء في قوله تعالى: { فإن كان لكم فتح من الله ~~} لترتيب مضمونه على ما قبلها فإن حكاية تربصهم مستتبعة لحكاية ما ~~يقع بعد ذلك كما أن نفس التربص يستدعي شيئا ينتظر المتربص وقوعه. # { قالوا } أي لكم { ألم نكن معكم } أي مظاهرين لكم ~~فأسهموا لنا في الغنيمة { وإن كان للكفرين نصيب } من ~~الحرب فإنها سجال { قالوا } أي للكفرة { ألم نستحوذ ~~عليكم } أي ألم نغلبكم ونتمكن من قتلكم وأسركم فأبقينا عليكم { ~~ونمنعكم من المؤمنين } بأن ثبطناهم عنكم وخيلنا لهم ما ~~ضعفت به قلوبهم ومرضوا في قتالكم وتوانينا في مظاهرتهم وإلا لكنتم ~~نهبة للنوائب فهاتوا نصيبا لنا مما أصبتم، وتسمية ظفر المسلمين ~~فتحا وما للكافرين نصيبا ms0791 لتعظيم شأن المسلمين وتحقير حظ الكافرين، ~~وقرىء ونمنعكم بإضمار أن { فالله يحكم بينكم يوم ~~القيمة } حكما يليق بشأن كل منكم من الثواب والعقاب، وأما في ~~الدنيا فقد أجري على من تفوه بكلمة الإسلام حكمه ولم يضع السيف على ~~من تكلم بها نفاقا { ولن يجعل الله للكفرين على ~~المؤمنين سبيلا } حينئذ كما قد يجعل ذلك في الدنيا بطريق ~~الابتلاء والاستدراج أو في الدنيا على أن المراد بالسبيل الحجة. # { إن المنفقين يخدعون الله وهو خادعهم } ~~كلام مبتدأ سيق لبيان طرف آخر من قبائح أعمالهم أي يفعلون ما يفعل ~~المخادع من إظهار الإيمان وإبطان نقيضه والله فاعل بهم ما يفعل ~~الغالب في الخداع حيث تركهم في الدنيا معصومي الدماء والأموال وأعد ~~لهم في الآخرة الدرك الأسفل من النار، وقد مر التحقيق في صدر سورة ~~البقرة، وقيل: يعطون على الصراط نورا كما يعطى المؤمنون فيمضون ~~بنورهم ثم يطفأ نورهم ويبقى نور المؤمنين فينادون انظرونا نقتبس من ~~نوركم. # { وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى } متثاقلين كالمكره على ~~الفعل، وقرىء بفتح الكاف وهما جمعا كسلان { يراءون الناس } ~~ليحسبوهم مؤمنين والمراءاة مفاعلة بمعنى التفعيل كنعم وناعم أو ~~للمقابلة فإن المرائي يري غيره عمله وهو يريه استحسانه، والجملة ~~إما استئناف مبني على سؤال نشأ من الكلام كأنه قيل: فماذا يريدون ~~بقيامهم إليها كسالى؟ فقيل: يراءون الخ، أو حال من ضمير قاموا { ولا ~~يذكرون الله إلا قليلا } عطف على يراءون أي لا يذكرونه ~~سبحانه إلا ذكرا قليلا وهو ذكرهم باللسان فإنه بالإضافة إلى الذكر ~~بالقلب قليل أو إلا زمانا قليلا أو لا يصلون إلا قليلا لأنهم لا ~~يصلون إلا بمرأى من الناس وذلك قليل، وقيل: لا يذكرونه تعالى في الصلاة ~~إلا قليلا عند التكبير والتسليم. ### || [4.143-144] # { مذبذبين بين ذلك } حال من فاعل يراءون أو منصوب على ~~الذم وذلك إشارة إلى الإيمان والكفر المدلول عليهما بمعونة المقام ~~أي مترددين بينهما متحيرين قد ذبذبهم الشيطان، وحقيقة المذبذب ما ~~يذب ويدفع عن كلا الجانبين مرة بعد أخرى، وقرىء بكسر الذال أي ~~مذبذبين ms0792 قلوبهم أو رأيهم أو دينهم أو بمعنى متذبذبين كما جاء ~~صلصل بمعنى تصلصل وفي مصحف ابن مسعود رضي الله عنه متذبذبين ~~وقرىء مدبدبين بالدال غير المعجمة وكأن المعنى أخذ بهم تارة في دبة ~~أي طريقة وأخرى في أخرى. # { لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء } أي لا منسوبين إلى ~~المؤمنين ولا منسوبين إلى الكافرين أو لا صائرين إلى الأولين ولا إلى ~~الآخرين فمحله النصب على أنه حال من ضمير مذبذبين، أو على أنه بدل ~~منه أو بيان وتفسير له { ومن يضلل الله } لعدم استعداده ~~للهداية والتوفيق { فلن تجد له سبيلا } موصلا إلى الحق ~~والصواب فضلا عن أن تهديه إليه، والخطاب لكل من يصلح له كائنا من ~~كان { يأيها الذين ءامنوا لا تتخذوا الكفرين ~~أولياء من دون المؤمنين } نهوا عن موالاة الكفرة صريحا ~~وإن كان في بيان حال المنافقين زجر عن ذلك مبالغة في الزجر والتحذير ~~{ أتريدون أن تجعلوا لله عليكم سلطانا مبينا ~~} أي أتريدون بذلك أن تجعلوا لله عليكم حجة بينة على أنكم منافقون ~~فإن موالاتهم أوضح أدلة النفاق أو سلطانا يسلط عليكم عقابه. # وتوجيه الإنكار إلى الإرادة دون متعلقها بأن يقال: أتجعلون الخ، ~~للمبالغة في إنكاره وتهويل أمره ببيان أنه مما لا يصدر عن العاقل ~~إرادته فضلا عن صدور نفسه كما في قوله عز وجل: # أم تريدون أن تسئلوا رسولكم # [البقرة، الآية 108]. ### || [4.145-148] # { إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار } وهو ~~الطبقة التى في قعر جهنم وإنما كان ذلك لأنهم أخبث الكفرة حيث ضموا إلى ~~الكفر الاستهزاء بالإسلام وأهله وخداعهم وأما قوله صلى الله عليه ~~وسلم # " ثلاث من كن فيه فهو منافق وإن صام وصلى وزعم أنه مسلم من إذا ~~حدث كذب وإذا وعد أخلف وإذا ائتمن خان " # ونحوه فمن باب التشديد والتهديد والتغليظ مبالغة في الزجر وتسمية ~~طبقاتها السبع دركا لكونها متداركة متتابعة بعضها تحت بعض وقرئ ~~بفتح الراء وهو لغة كالسطر والسطر ويعضده أن جمعه أدراك { ولن تجد ~~لهم نصيرا } يخلصهم منه والخطاب كما سبق. # { إلا الذين تابوا ms0793 } أى عن النفاق وهو استثناء من المنافقين بل من ~~ضميرهم فى الخبر { وأصلحوا } ما أفسدوا من أحوالهم فى حال النفاق { ~~واعتصموا بالله } أى وثقوا به وتمسكوا بدينه { وأخلصوا دينهم } أى جعلوه ~~خالصا { لله } لا يبتغون بطاعتهم إلا وجهه { فأولئك } إشارة إلى الموصول ~~باعتبار اتصافه بما في حيز الصلة وما فيه من معنى البعد للإيذان ببعد ~~المنزلة وعلو الطبقة { مع المؤمنين } أى المؤمنين المعهودين الذين لم ~~يصدر عنهم نفاق أصلا منذ آمنوا وإلا فهم أيضا مؤمنون أى معهم فى الدرجات ~~العالية من الجنة وقد بين ذلك بقوله تعالى { وسوف يؤت الله ~~المؤمنين أجرا عظيما } لا يقادر قدره فيساهمونهم فيه. # { ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم وآمنتم } استئناف مسوق لبيان أن مدار ~~تعذيبهم وجودا وعدما إنما هو كفرهم لا شيء آخر فيكون مقررا لما ~~قبله من إثابتهم عن توبتهم وما استفهامية مقيدة للنفي على أبلغ وجه ~~وآكده أي أي شيء يفعل الله سبحانه بتعذيبكم أيتشفى به من الغيظ أم ~~يدرك به الثأر أم يستجلب به نفعا أم يستدفع به ضررا كما هو شأن الملوك ~~وهو الغني المتعالى عن أمثال ذلك وإنما هو أمر يقتضيه كفركم فإذا زال ~~ذلك بالإيمان والشكر انتفى التعذيب لا محالة وتقديم الشكر على الإيمان ~~لما أنه طريق موصل إليه فإنه يدرك أولا ما عليه من النعم الأنفسية ~~والآفاقية فيشكر شكرا مبهما ثم يترقى إلى معرفة المنعم فيؤمن به ~~وجواب الشرط محذوف لدلالة ما قبله عليه { وكان الله شاكرا } الشكر من ~~الله سبحانه هو الرضا باليسير من طاعة عباده وإضعاف الثواب بمقابلته { ~~عليما } مبالغا فى العلم بجميع المعلومات التي من جملتها شكركم ~~وإيمانكم فيستحيل أن لا يوفيكم أجوركم. # { لا يحب الله الجهر بالسوء من القول } عدم ~~محبته تعالى لشيء كناية عن سخطه والباء متعلقة بالجهر، ومن ~~بمحذوف وقع حالا من السوء أي لا يحب الله تعالى أن يجهر أحد بالسوء ~~كائنا من القول { إلا من ظلم } أي إلا جهر من ظلم بأن يدعو ~~على ظالمه أو يتظلم منه ويذكره ms0794 بما فيه من السوء فإن ذلك غير مسخوط ~~عنده سبحانه، وقيل: هو أن يبدأ بالشتيمة فيرد على الشاتم # ولمن انتصر بعد ظلمه # [الشورى، الآية 41]، وقيل: (ضاف رجل قوما فلم يطعموه فاشتكاهم ~~فعوتب على الشكاية فنزلت). وقرىء إلا من ظلم على البناء للفاعل ~~فالاستثناء منقطع أي ولكن الظالم يرتكب ما لا يحبه الله تعالى ~~فيجهر بالسوء { وكان الله سميعا } لجميع المسموعات فيندرج ~~فيها كلام المظلوم والظالم { عليما } بجميع المعلومات التي من ~~جملتها حال المظلوم والظالم، فالجملة تذييل مقرر لما يفيده ~~الاستثناء. ### || [4.149-151] # { إن تبدوا خيرا } أي خير كان من الأقوال والأفعال { أو ~~تخفوه أو تعفوا عن سوء } مع ما سوغ لكم من مؤاخذة المسيء ~~والتنصيف عليه مع اندراجه في إبداء الخير وإخفائه لما أنه الحقيق ~~بالبيان، وإنما ذكر إبداء الخير وإخفاؤه بطريق التسبيب له كما ينبىء ~~عنه قوله عز وجل: { فإن الله كان عفوا قديرا } فإن ~~إيراده في معرض جواب الشرط يدل على أن العمدة هو العفو مع القدرة ~~أي كان مبالغا في العفو مع كمال قدرته على المؤاخذة. وقال الحسن: يعفو ~~عن الجانين مع قدرته على الانتقام فعليكم أن تقتدوا بسنة الله تعالى، ~~وقال الكلبي: هو أقدر على عفو ذنوبكم منكم على عفو ذنوب من ظلمكم، ~~وقيل: عفوا عمن عفا قديرا على إيصال الثواب إليه { إن الذين ~~يكفرون بالله ورسله } أي يؤدي إليه مذهبهم ويقتضيه ~~رأيهم لا أنهم يصرحون بذلك كما ينبىء عنه قوله تعالى: { ويريدون ~~أن يفرقوا بين الله ورسله } أي بأن يؤمنوا به تعالى ~~ويكفروا بهم لكن لا بأن يصرحوا بالإيمان به تعالى وبالكفر بهم قاطبة ~~بل بطريق الاستلزام كما يحكيه قوله تعالى: { ويقولون نؤمن ~~ببعض ونكفر ببعض } أي نؤمن ببعض الأنبياء ونكفر ببعضهم ~~كما قالت اليهود بموسى والتوراة وعزير، ونكفر بما وراء ذلك وما ذاك ~~إلا كفر بالله تعالى ورسله وتفريق بين الله تعالى ورسله في الإيمان ~~لأنه تعالى قد أمرهم بالإيمان بجميع الأنبياء عليهم السلام وما من ~~نبي من الأنبياء إلا وقد أخبر قومه بحقية دين ms0795 نبينا صلى الله تعالى ~~عليه وسلم وعليهم أجمعين، فمن كفر بواحد منهم فقد كفر بالكل وبالله تعالى ~~أيضا من حيث لا يحتسب { ويريدون } بقولهم ذلك { أن يتخذوا ~~بين ذلك } أي بين الإيمان والكفر { سبيلا } يسلكونه مع أنه ~~لا واسطة بينهما قطعا إذ الحق لا يتعدد وماذا بعد الحق إلا ~~الضلال. # { أولئك } الموصوفون بالصفات القبيحة { هم الكفرون } ~~الكاملون في الكفر لا عبرة بما يدعونه ويسمونه إيمانا أصلا { حقا ~~} مصدر مؤكد لمضمون الجملة أي حق ذلك أي كونهم كاملين في الكفر ~~حقا، أو صفة لمصدر الكافرين أي هم الذين كفروا كفرا حقا أي ثابتا ~~يقينا لا ريب فيه { وأعتدنا للكفرين } أي لهم وإنما وضع ~~المظهر مكان المضمر ذما لهم وتذكيرا لوصفهم أو لجميع الكافرين وهم ~~داخلون في زمرتهم دخولا أوليا { عذابا مهينا } سيذوقونه عند ~~حلوله. ### || [4.152-153] # { والذين ءامنوا بالله ورسله } أي على الوجه الذي ~~بين في تفسير قوله تعالى: # يأيها الذين ءامنوا ءامنوا بالله ورسوله # [النساء، الآية 136] الآية، { ولم يفرقوا بين أحد ~~منهم } بأن يؤمنوا ببعضهم ويكفروا بآخرين كما فعله الكفرة، ودخول { ~~بين } على أحد قد مر تحقيقه في سورة البقرة بما لا مزيد عليه { ~~أولئك } المنعوتون بالنعوت الجليلة المذكورة { سوف ~~يؤتيهم أجورهم } الموعودة لهم وتصديره بسوف لتأكيد الوعد ~~والدلالة على أنه كائن لا محالة وإن تراخى، وقرىء نؤتيهم بنون ~~العظمة { وكان الله غفورا } لما فرط منهم { رحيما } ~~مبالغا في الرحمة بتضعيف حسناتهم. # { يسألك أهل الكتب أن تنزل عليهم كتبا ~~من السماء } نزلت (في أحبار اليهود حين قالوا لرسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: إن كنت نبيا فأتنا بكتاب من السماء جملة كما أتى به موسى ~~عليه الصلاة والسلام) وقيل: كتابا محررا بخط سماوي على اللوح كما ~~نزلت التوراة، أو كتابا نعاينه حين ينزل، أو كتابا إلينا ~~بأعياننا بأنك رسول الله، وما كان مقصدهم بهذه العظيمة إلا التحكم ~~والتعنت. قال الحسن: ولو سألوه لكي يتبينوا الحق لأعطاهم وفيما ~~آتاهم كفاية { فقد سألوا موسى أكبر من ذلك } جواب ~~شرط مقدر، أي إن استكبرت ms0796 ما سألوه منك فقد سألوا موسى شيئا أكبر ~~منه، وقيل: تعليل للجواب أي فلا تبال بسؤالهم فقد سألوا موسى أكبر ~~منه، وهذه المسألة وإن صدرت عن أسلافهم لكنهم لما كانوا مقتدين بهم في ~~كل ما يأتون وما يذرون أسندت إليهم،والمعنى أن لهم في ذلك عرقا ~~راسخا وأن ما اقترحوه عليك ليس أول جهالاتهم { فقالوا أرنا ~~الله جهرة } أي أرناه نره جهرة أي عيانا أو مجاهرين ~~معاينين له، والفاء تفسيرية { فأخذتهم الصعقة } أي ~~النار التي جاءتهم من السماء فأهلكتهم، وقرىء الصعقة { بظلمهم } ~~أي بسبب ظلمهم وهو تعنتهم وسؤالهم لما يستحيل في تلك الحالة التي ~~كانوا عليها، وذلك لا يقتضي امتناع الرؤية مطلقا { ثم اتخذوا ~~العجل من بعد ما جاءتهم البينت } أي المعجزات التي ~~أظهرها لفرعون من العصا واليد البيضاء وفلق البحر وغيرها، لا ~~التوراة، لأنها لم تنزل عليهم بعد { فعفونا عن ذلك } ولم ~~نستأصلهم وكانوا أحقاء به. قيل: هذا استدعاء لهم إلى التوبة كأنه ~~قيل: إن أولئك الذين أجرموا تابوا فعفونا عنهم فتوبوا أنتم أيضا حتى ~~نعفو عنكم. # { وآتينا موسى سلطانا مبينا } سلطانا ظاهرا حيث أمرهم ~~بأن يقتلوا أنفسهم توبة عن معصيتهم. ### || [4.154-155] # { ورفعنا فوقهم الطور بميثقهم } أي بسبب ميثاقهم ~~ليعطوه على ما روي أنهم هموا بنقضه فرفع الله تعالى عليهم الجبل فجاؤا ~~وأقلعوا عن النقض وهو الأنسب بما سيأتي من قوله عز وجل: # وأخذنا منهم ميثقا غليظا # [الأحزاب: 9، النساء: 154] { وقلنا لهم } على لسان موسى عليه ~~السلام والطور يظللهم { ادخلوا الباب } قال قتادة: كنا نحدث ~~أنه باب من أبواب بيت المقدس، وقيل: هو إيليا، وقيل: هو أريحا، وقيل: ~~هو اسم قرية، وقيل: باب القبة التي كانوا يصلون إليها فإنهم لم ~~يدخلوا بيت المقدس في حياة موسى عليه السلام { سجدا } أي ~~متطامنين خاضعين { وقلنا لهم لا تعدوا } أي لا تظلموا ~~باصطياد الحيتان { فى السبت } وقرىء لا تعتدوا ولا تعدوا بفتح ~~العين وتشديد الدال على أن أصله تعتدوا فأدغمت التاء في الدال لتقاربهما ~~في المخرج بعد نقل حركتها إلى العين { وأخذنا منهم } على ms0797 ~~الامتثال بما كلفوه { ميثقا غليظا } مؤكدا وهو العهد الذي ~~أخذه الله عليهم في التوراة، قيل: إنهم أعطوا الميثاق على أنهم إن ~~هموا بالرجوع عن الدين فالله تعالى يعذبهم بأي أنواع العذاب أراد. # { فبما نقضهم ميثقهم } ما مزيدة للتأكيد أو نكرة تامة ~~ونقضهم بدل منها والباء متعلقة بفعل محذوف أي فسبب نقضهم ميثاقهم ~~ذلك فعلنا بهم ما فعلنا من اللعن والمسخ وغيرهما من العقوبات النازلة ~~عليهم أو على أعقابهم. روي أنهم اعتدوا في السبت في عهد داود عليه ~~السلام فلعنوا ومسخوا قردة، وقيل: متعلقة بحرمنا على أن قوله ~~تعالى: # فبظلم # [النساء: 153] بدل من قوله تعالى: { فبما } وما عطف عليه فيكون ~~التحريم معللا بالكل، ولا يخفى أن قولهم: إنا قتلنا المسيح وقولهم ~~على مريم البهتان متأخر عن التحريم ولا مساغ لتعلقها بما دل عليه ~~قوله تعالى: { بل طبع الله عليها بكفرهم } [النساء: ~~155] لأنه رد لقولهم: { قلوبنا غلف } [النساء: 155] فيكون من صلة ~~قوله تعالى: { وقولهم } المعطوف على المجرور فلا يعمل في جاره { ~~وكفرهم بئايت الله } أي بالقرآن أو بما في كتابهم { ~~وقتلهم الأنبياء بغير حق } كزكريا ويحيى عليهما ~~السلام { وقولهم قلوبنا غلف } جمع أغلف أي هي مغشاة ~~بأغشية جبلية لا يكاد يصل إليها ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم ~~أو هو تخفيف غلف جمع غلاف أي هي أوعية للعلوم فنحن مستغنون بما ~~عندنا عن غيره قاله ابن عباس وعطاء، وقال الكلبي: يعنون أن قلوبنا بحيث ~~لا يصل إليها حديث إلا وعته ولو كان في حديثك خير لوعته أيضا { بل ~~طبع الله عليها بكفرهم } كلام معترض بين المعطوفين ~~جيء به على وجه الاستطراد مسارعة إلى رد زعمهم الفاسد أي ليس كفرهم ~~وعدم وصول الحق إلى قلوبهم لكونها غلفا بحسب الجبلة بل الأمر ~~بالعكس حيث ختم الله عليها بسبب كفرهم أو ليست قلوبهم كما زعموا بل هي ~~مطبوع عليها بسبب كفرهم { فلا يؤمنون إلا قليلا } منهم ~~كعبد الله بن سلام وأضرابه أو إلا إيمانا قليلا لا يعبأ به. ### || [4.156-157] # { وبكفرهم } أي بعيسى عليه ms0798 السلام، وهو عطف على { قولهم } ~~وإعادة الجار لطول ما بينهما بالاستطراد، وقد جوز عطفه على ~~بكفرهم فيكون هو وما عطف عليه من أسباب الطبع، وقيل: هذا المجموع ~~معطوف على مجموع ما قبله، وتكرير ذكر الكفر للإيذان بتكرر كفرهم ~~حيث كفروا بموسى ثم بعيسى ثم بمحمد عليهم الصلاة والسلام { وقولهم ~~على مريم بهتنا عظيما } لا يقادر قدره حيث نسبوها إلى ~~ما هي عنه بألف منزل { وقولهم إنا قتلنا المسيح عيسى ~~ابن مريم رسول الله } نظم قولهم هذا في سلك جناياتهم التي ~~نعيت عليهم ليس لمجرد كونه كذبا بل لتضمنه لابتهاجهم بقتل النبي ~~عليه السلام والاستهزاء به فإن وصفهم له عليه السلام بعنوان الرسالة ~~إنما هو بطريق التهكم به عليه السلام كما في قوله تعالى: # يأيها الذى نزل عليه الذكر # [الحجر، الآية 6] الخ، ولإنبائه عن ذكرهم له عليه السلام بالوجه ~~القبيح على ما قيل من أن ذلك وضع للذكر الجميل من جهته تعالى مدحا ~~له ورفعا لمحله عليه السلام، وإظهارا لغاية جراءتهم في تصديهم ~~لقتله ونهاية وقاحتهم في افتخارهم بذلك { وما قتلوه وما ~~صلبوه } حال أو اعتراض. # { ولكن شبه لهم } (روي أن رهطا من اليهود سبوه عليه ~~السلام وأمه فدعا عليهم فمسخهم الله تعالى قردة وخنازير فأجمعت ~~اليهود على قتله فأخبره الله تعالى بأنه سيرفعه إلى السماء فقال ~~لأصحابه: أيكم يرضى بأن يلقى عليه شبهي فيقتل ويصلب ويدخل ~~الجنة؟ فقال رجل منهم: أنا، فألقى الله تعالى عليه شبهه فقتل وصلب)، ~~وقيل: كان رجل ينافق عيسى عليه السلام فلما أرادوا قتله قال: أنا ~~أدلكم عليه فدخل بيت عيسى عليه السلام فرفع عيسى عليه السلام ~~وألقي شبهه على المنافق فدخلوا عليه وقتلوه وهم يظنون أنه عيسى عليه ~~السلام. وقيل: إن ططيانوس اليهودي دخل بيتا كان هو فيه فلم يجده ~~وألقى الله تعالى عليه شبهه فلما خرج ظن أنه عيسى عليه السلام فأخذ ~~وقتل، وأمثال هذه الخوارق لا تستبعد في عصر النبوة، وقيل: إن اليهود ~~لما هموا بقتله عليه السلام فرفعه الله تعالى إلى السماء ms0799 خاف رؤساء ~~اليهود من وقوع الفتنة بين عوامهم فأخذوا إنسانا وقتلوه وصلبوه ~~ولبسوا على الناس وأظهروا لهم أنه هو المسيح وما كانوا يعرفونه إلا ~~بالاسم لعدم مخالطته عليه السلام لهم إلا قليلا، وشبه مسند إلى ~~الجار والمجرور كأنه قيل: ولكن وقع لهم التشبيه بين عيسى عليه السلام ~~والمقتول، أو في الأمر على قول من قال: لم يقتل أحد ولكن أرجف ~~بقتله فشاع بين الناس، أو إلى ضمير المقتول لدلالة { إنا ~~قتلنا } [النساء، الآية: 157] على أن ثم مقتولا. # { وإن الذين اختلفوا فيه } أي في شأن عيسى عليه السلام ~~فإنه لما وقعت تلك الواقعة اختلف الناس فقال بعض اليهود: إنه كان ~~كاذبا فقتلناه حتما، وتردد آخرون فقال بعضهم: إن كان عيسى فأين ~~صاحبنا، وقال بعضهم: الوجه وجه عيسى والبدن بدن صاحبنا، وقال من ~~سمع منه عليه السلام إن الله يرفعني إلى السماء: إن رفع إلى السماء، ~~وقال قوم: صلب الناسوت وصعد اللاهوت (وقد مر) { لفى شك منه } ~~لفي تردد، والشك كما يطلق على ما لم يترجح أحد طرفيه يطلق على مطلق ~~التردد وعلى ما يقابل العلم ولذلك أكد بقوله تعالى: { ما لهم به ~~من علم إلا اتباع الظن } استثناء منقطع أي لكنهم يتبعون ~~الظن، ويجوز أن يفسر الشك بالجهل والعلم بالاعتقاد الذي تسكن إليه ~~النفس جزما كان أو غيره فالاستثناء حينئذ متصل { وما قتلوه ~~يقينا } أي قتلا يقينا كما زعموا بقولهم: إنا قتلنا المسيح، وقيل: ~~معناه وما علموه يقينا كما في قول من قال: # كذاك تخبر عنها العالمات بها # وقد قتلت بعلمي ذلكم يقنا # من قولهم: قتلت الشيء علما ونحرته علما إذا تبالغ علمك فيه، ~~وفيه تهكم بهم لإشعاره بعلمهم في الجملة وقد نفي ذلك عنهم بالكلية. ### || [4.158-159] # { بل رفعه الله إليه } رد وإنكار لزعمهم قتله وإثبات ~~لرفعه { وكان الله عزيزا } لا يغالب فيما يريده { حكيما } ~~في جميع أفعاله فيدخل فيها تدبيراته تعالى في أمر عيسى عليه السلام ~~دخولا أوليا { وإن من أهل الكتب } أي من اليهود والنصارى، ~~وقوله تعالى: { إلا ليؤمنن ms0800 به قبل موته } جملة ~~قسمية وقعت صفة لموصوف محذوف إليه يرجع الضمير الثاني والأول لعيسى ~~عليه السلام، أي وما من أهل الكتاب أحد إلا ليؤمنن بعيسى عليه السلام ~~ قبل أن تزهق روحه بأنه عبد الله ورسوله ولات حين إيمان ~~لانقطاع وقت التكليف، ويعضده أنه قرىء ليؤمنن به قبل موتهم بضم ~~النون لما أن أحدا في معنى الجمع، وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما ~~(أنه فسره كذلك فقال له عكرمة: فإن أتاه رجل فضرب عنقه؟ قال: لا ~~تخرج نفسه حتى يحرك بها شفتيه. قال: فإن خر من فوق بيت أو احترق ~~أو أكله سبع؟ قال: يتكلم بها في الهواء ولا تخرج روحه حتى يؤمن ~~به). وعن شهر بن حوشب (قال لي الحجاج: آية ما قرأتها إلا تخالج ~~في نفسي شيء منها يعني هذه الآية، وقال: إني أوتى بالأسير من اليهود ~~والنصارى فأضرب عنقه فلا أسمع منه ذلك، فقلت: إن اليهودي إذا حضره ~~الموت ضربت الملائكة دبره ووجهه وقالوا: يا عدو الله أتاك عيسى ~~عليه السلام نبيا فكذبت به، فيقول: آمنت أنه عبد نبي، وتقول ~~للنصراني: أتاك عيسى عليه السلام نبيا فزعمت أنه الله أو ابن الله ~~فيؤمن أنه عبد الله ورسوله حيث لا ينفعه إيمانه، قال: وكان متكئا ~~فاستوى جالسا فنظر إلي وقال: ممن سمعت هذا؟ قلت: حدثني محمد بن ~~علي بن الحنفية فأخذ ينكث الأرض بقضيبه ثم قال: لقد أخذتها من عين ~~صافية)، والإخبار بحالهم هذه وعيد لهم وتحريض على المسارعة إلى ~~الإيمان به قبل أن يضطروا إليه مع انتفاء جدواه، وقيل: كلا الضميرين ~~لعيسى، والمعنى وما من أهل الكتاب الموجودين عند نزول عيسى عليه السلام ~~أحد إلا ليؤمنن به قبل موته. روي (أنه عليه السلام ينزل من السماء ~~في آخر الزمان فلا يبقى أحد من أهل الكتاب إلا يؤمن به حتى تكون ~~الملة واحدة وهي ملة الإسلام، ويهلك الله في زمانه الدجال وتقع ~~الأمنة حتى ترتع الأسود مع الإبل والنمور مع البقر، والذئاب مع ~~الغنم ويلعب الصبيان بالحيات ms0801 ويلبث في الأرض أربعين سنة ثم ~~يتوفى ويصلي عليه المسلمون ويدفنونه)، وقيل: الضمير الأول يرجع ~~إلى الله تعالى، وقيل: إلى محمد صلى الله عليه وسلم { ويوم ~~القيمة يكون } أي عيسى عليه السلام { عليهم } على أهل ~~الكتاب { شهيدا } فيشهد على اليهود بالتكذيب وعلى النصارى بأنهم ~~دعوه ابن الله، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا. ### || [4.160-162] # { فبظلم من الذين هادوا } لعل ذكرهم بهذا العنوان ~~للإيذان بكمال عظم ظلمهم بتذكير وقوعه بعد ما هادوا أي تابوا من ~~عبادة العجل مثل تلك التوبة الهائلة المشروطة ببخع النفوس إثر ~~بيان عظمه في حد ذاته بالتنوين التفخيمي، أي بسبب ظلم عظيم ~~خارج عن حدود الأشباه والأشكال صادر عنهم { حرمنا عليهم ~~طيبت أحلت لهم } ولمن قبلهم لا بشيء غيره كما زعموا ~~فإنهم كانوا كلما ارتكبوا معصية من المعاصي التي اقترفوها يحرم عليهم ~~نوع من الطيبات التي كانت محللة لهم ولمن تقدمهم من أسلافهم عقوبة ~~لهم، وكانوا مع ذلك يفترون على الله سبحانه [الكذب] ويقولون: لسنا بأول ~~من حرمت عليه وإنما كانت محرمة على نوح وإبراهيم ومن بعدهم حتى ~~انتهى الأمر إلينا فكذبهم الله عز وجل في مواقع كثيرة وبكتهم بقوله ~~تعالى: # كل الطعام كان حلا لبنى إسرءيل إلا ما حرم ~~إسرءيل على نفسه من قبل أن تنزل التوراة ~~فاتلوها إن كنتم صدقين # [آل عمران، الآية 93] أي في ادعائكم أنه تحريم قديم. روي أنه عليه ~~السلام لما كلفهم إخراج التوراة لم يجسر أحد على إخراجها لما أن ~~كون التحريم بظلمهم كان مسطورا فيها فبهتوا وانقلبوا صاغرين { ~~وبصدهم عن سبيل الله كثيرا } أي ناسا كثيرا أو صدا ~~كثيرا { وأخذهم الربا وقد نهوا عنه } فإن الربا كان ~~محرما عليهم كما هو محرم علينا، وفيه دليل على أن النهي يدل على ~~حرمة المنهي عنه { وأكلهم أمول الناس بالبطل } ~~بالرشوة وسائر الوجوه المحرمة { وأعتدنا للكفرين ~~منهم } أي للمصرين على الكفر لا لمن تاب وآمن من بينهم { ~~عذابا أليما } سيذوقونه في الآخرة كما ذاقوا في الدنيا عقوبة ~~التحريم. # { لكن الراسخون فى العلم منهم ms0802 } استدراك من قوله ~~تعالى: { وأعتدنا } الخ، وبيان لكون بعضهم على خلاف حالهم ~~عاجلا وآجلا أي لكن الثابتون في العلم منهم المتقنون المستبصرون فيه ~~غير التابعين للظن كأولئك الجهلة والمراد بهم عبد الله بن سلام ~~وأصحابه { والمؤمنون } أي منهم وصفوا بالإيمان بعدما وصفوا ~~بما يوجبه من الرسوخ في العلم بطريق العطف المنبىء عن المغايرة بين ~~المعطوفين تنزيلا للاختلاف العنواني منزلة الاختلاف الذاتي، وقوله ~~تعالى: { يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك ~~} حال من المؤمنين مبينة لكيفية إيمانهم، وقيل: اعتراض مؤكد لما ~~قبله، وقوله عز وجل: { والمقيمين الصلوة } قيل: نصب بإضمار ~~فعل تقديره وأعني المقيمين الصلاة على أن الجملة معترضة بين ~~المبتدأ والخبر، وقيل: هو عطف على ما أنزل إليك على أن المراد بهم ~~الأنبياء عليهم السلام أي يؤمنون بالكتب وبالأنبياء أو الملائكة. قال ~~مكي: أي ويؤمنون بالملائكة الذين صفتهم إقامة الصلاة لقوله تعالى: # يسبحون الليل والنهار لا يفترون # [الأنبياء، الآية 20] وقيل: عطف على الكاف في إليك أي يؤمنون بما أنزل ~~إليك وإلى المقيمين الصلاة وهم الأنبياء، وقيل: على الضمير المجرور ~~في منهم أي لكن الراسخون في العلم منهم ومن المقيمين الصلاة، وقرىء ~~بالرفع على أنه معطوف على المؤمنون بناء على ما مر من تنزيل التغاير ~~العنواني منزلة التغاير الذاتي وكذا الحال فيما سيأتي من ~~المعطوفين فإن قوله تعالى: { والمؤتون الزكوة } عطف على ~~المؤمنون مع اتحاد الكل ذاتا، وكذا الكلام في قوله تعالى: { ~~والمؤمنون بالله واليوم الآخر } فإن المراد بالكل ~~مؤمنوا أهل الكتاب قد وصفوا أولا بكونهم راسخين في علم الكتاب ~~إيذانا بأن ذلك موجب للإيمان حتما وأن من عداهم إنما بقوا مصرين ~~على الكفر لعدم رسوخهم فيه ثم بكونهم مؤمنين بجميع الكتب المنزلة على ~~الأنبياء ثم بكونهم عاملين بما فيها من الشرائع والأحكام، واكتفي من ~~بينها بذكر إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة المستتبعين لسائر العبادات ~~البدنية والمالية ثم بكونهم مؤمنين بالمبدأ والمعاد تحقيقا لحيازتهم ~~الإيمان بفطرته وإحاطتهم به من طرفيه وتعريضا بأن من عداهم من أهل ~~الكتاب ليسوا بمؤمنين بواحد منهما ms0803 حقيقة فإنهم مشركون بالله سبحانه ~~بقولهم: عزير ابن الله، وبقولهم: لن تمسنا النار إلا أياما معدودة ~~كافرون باليوم الآخر، وقوله تعالى: { أولئك } إشارة إليهم ~~باعتبار اتصافهم بما عدد من الصفات الجميلة، وما فيه من معنى ~~البعد للإشعار بعلو درجتهم وبعد منزلتهم في الفضل، وهو مبتدأ وقوله ~~تعالى: { سنؤتيهم أجرا عظيما } خبره، والجملة خبر للمبتدأ ~~الذي هو الراسخون وما عطف عليه، والسين لتأكيد الوعد، وتنكير الأجر ~~للتفخيم وهذا أنسب بتجاوب طرفي الاستدراك حيث أوعد الأولون ~~بالعذاب الأليم ووعد الآخرون بالأجر العظيم، كأنه قيل إثر قوله ~~تعالى: # وأعتدنا للكفرين منهم عذابا أليما # [النساء، الآية 161] لكن المؤمنون منهم سنؤتهم أجرا عظيما. وأما ما ~~جنح إليه الجمهور من جعل قوله تعالى: # يؤمنون بما أنزل إليك # [البقرة، الآية 4] الخ، خبرا للمبتدأ ففي كمال السداد أنه غير ~~متعرض لتقابل الطرفين وقرىء سيؤتيهم بالياء مراعاة لظاهر قوله ~~تعالى: { والمؤمنون بالله }. ### || [4.163] # { إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح ~~والنبيين من بعده } جواب لأهل الكتاب عن سؤالهم رسول الله ~~عليه الصلاة والسلام أن ينزل عليهم كتابا من السماء، واحتجاج عليهم ~~بأنه ليس بدعا من الرسل وإنما شأنه في حقيقة الإرسال وأصل الوحي ~~كشأن سائر مشاهير الأنبياء الذين لا ريب لأحد في نبوتهم، والكاف ~~في محل نصب على أنه نعت لمصدر محذوف أي إيحاء مثل إيحائنا إلى نوح، ~~أو على أنه حال من ذلك المصدر المقدر معرفا كما هو رأي سيبويه أي ~~أوحينا الايحاء حال كونه مشبها لإيحائنا الخ، ومن بعده متعلق ~~بأوحينا وإنما بدىء بذكر نوح لأنه أبو البشر وأول نبي شرع الله ~~تعالى على لسانه الشرائع والأحكام وأول نبي عذبت أمته لردهم ~~دعوته وقد أهلك الله بدعائه أهل الأرض { وأوحينا إلى ~~إبرهيم } عطف على أوحينا إلى نوح داخل معه في حكم التشبيه أي ~~وكما أوحينا إلى إبراهيم { وإسمعيل وإسحق ويعقوب ~~والأسباط } وهم أولاد يعقوب عليهم السلام { وعيسى وأيوب ~~ويونس وهرون وسليمن } خصوا بالذكر مع ظهور انتظامهم ~~في سلك النبيين تشريفا لهم وإظهارا لفضلهم كما في قوله تعالى: ms0804 # من كان عدوا لله وملئكته ورسله وجبريل ~~وميكل # [البقرة، الآية 98] وتصريحا بمن ينتمي إليهم اليهود من الأنبياء، ~~وتكرير الفعل لمزيد تقرير الإيحاء والتنبيه على أنهم طائفة خاصة ~~مستقلة بنوع مخصوص من الوحي. # { وءاتينا داود زبورا } قال القرطبي: كان فيه مائة وخمسون ~~سورة ليس فيها حكم من الأحكام وإنما هي حكم ومواعظ وتحميد وتمجيد ~~وثناء على الله تعالى، وقرىء بضم الزاء وهو جمع زبر بمعنى مزبور، ~~والجملة عطف على أوحينا داخل في حكمه لأن إيتاء الزبور من باب ~~الإيحاء أي وكما آتينا داود زبورا، وإيثاره على أوحينا إلى داود ~~لتحقيق المماثلة في أمر خاص هو إيتاء الكتاب بعد تحقيقها في مطلق ~~الإيحاء ثم أشير إلى تحقيقها في أمر لازم لهما لزوما كليا وهو ~~الإرسال فإن قوله تعالى ### || [4.164] # { ورسلا } نصب بمضمر يدل عليه أوحينا معطوف عليه داخل معه في ~~حكم التشبيه كما قبله أي وكما أرسلنا رسلا لا بما يفسره قوله ~~تعالى: { قد قصصنهم عليك } أي وقصصنا رسلا كما قالوا ~~وفرعوا عليه أن قوله تعالى: { قد قصصنهم } على الوجه الأول ~~منصوب على أنه صفة لرسلا وعلى الوجه الثاني لا محل له من الإعراب فإنه ~~مما لا سبيل إليه كما ستقف عليه، وقرىء برفع رسل وقوله تعالى: { من ~~قبل } متعلق بقصصنا أي قصصنا من قبل هذه السورة أو اليوم. # { ورسلا لم نقصصهم عليك } عطف على رسلا منصوب ~~بناصبه، وقيل: كلاهما منصوب بنزع الخافض والتقدير كما أوحينا إلى نوح ~~وإلى رسل الخ، والحق أن يكون انتصابهما بأرسلنا فإن فيه تحقيقا ~~للمماثلة بين شأنه عليه الصلاة والسلام وبين شؤون من يعترفون بنبوته ~~من الأنبياء عليهم السلام في مطلق الإيحاء ثم إيتاء الكتاب ثم في ~~الإرسال، فإن قوله تعالى: # إنا أوحينا إليك # [النساء، الآية: 162] منتظم لمعنى آتيناك وأرسلناك حتما، كأنه قيل: ~~إنا أوحينا إليك إيحاء مثل ما أوحينا إلى نوح ومثل ما أوحينا إلى ~~إبراهيم ومن بعده، وآتيناك الفرقان إيتاء مثل ما آتينا داود ~~زبورا وأرسلناك إرسالا مثل ما أرسلنا رسلا قد قصصناهم عليك من ms0805 قبل ~~ورسلا آخرين لم نقصصهم عليك من غير تفاوت بينك وبينهم في حقيقة ~~الإيحاء، وأصل الإرسال، فما للكفرة يسألونك شيئا لم يعطه أحد من ~~هؤلاء الرسل عليهم السلام؟ ومن ههنا اتضح أن رسلا لا يمكن نصبه ~~بقصصنا فإن ناصبه يجب أن يكون معطوفا على أوحينا داخلا معه في حكم ~~التشبيه الذي يدور فلك الاحتجاج على الكفرة ولا ريب في أن قصصنا لا ~~تعلق له بشيء من الإيحاء والإيتاء حتى يمكن اعتباره في ضمن قوله ~~تعالى: { إنا أوحينا إليك } ثم يعتبر بينه وبين المذكور ~~مماثلة مصححة للتشبيه على أن تقديره في رسلا الأول يقتضي تقدير ~~نفيه في الثاني وذلك أشد استحالة وأظهر بطلانا. # { وكلم الله موسى } برفع الجلالة ونصب موسى، وقرىء على ~~القلب، وقوله تعالى: { تكليما } مصدر مؤكد رافع لاحتمال المجاز. ~~قال الفراء: العرب تسمي ما وصل إلى الإنسان كلاما بأي طريق وصل ما ~~لم يؤكد بالمصدر فإذا أكد به لم يكن إلا حقيقة الكلام، والجملة ~~إما معطوفة على قوله تعالى: # إنا أوحينا إليك # [النساء: الآية 163] عطف القصة على القصة لا على آتينا وما عطف عليه، ~~وإما حال بتقدير قد كما ينبىء عنه تغيير الأسلوب بالالتفات، والمعنى ~~أن التكليم بغير واسطة منتهى مراتب الوحي خص به موسى من بينهم ~~فلم يكن ذلك قادحا في نبوة سائر الأنبياء عليهم السلام فكيف يتوهم ~~كون نزول التوراة عليه السلام جملة قادحا في صحة نبوة من أنزل ~~عليه الكتاب مفصلا مع ظهور أن نزولها كذلك لحكم مقتضية لذلك من ~~جملتها أن بني إسرائيل كانوا في العناد وشدة الشكيمة بحيث لو لم يكن ~~نزولها كذلك لما آمنوا بها، ومع ذلك ما آمنوا بها إلا بعد اللتيا والتي ~~وقد فضل الله تعالى نبينا محمدا صلى الله عليه وسلم بأن أعطاه مثل ما ~~أعطى كل واحد منهم صلى الله عليهم وسلم تسليما كثيرا. ### || [4.165] # { رسلا مبشرين ومنذرين } نصب على المدح أو بإضمار ~~أرسلنا أو على الحال بأن يكون رسلا موطئا لما بعده أو على البدلية من ~~رسلا الأول ms0806 أي مبشرين لأهل الطاعة بالجنة ومنذرين للعصاة بالنار، { ~~لئلا يكون للناس على الله حجة } أي معذرة يعتذرون ~~بها قائلين: لولا أرسلت إلينا رسولا فيبين لنا شرائعك ويعلمنا ما ~~لم نكن نعلم من أحكامك، لقصور القوة البشرية عن إدراك جزئيات المصالح ~~وعجز أكثر الناس عن إدراك كلياتها كما في قوله عز وجل: # ولو أنا أهلكنهم بعذاب من قبله لقالوا ~~ربنا لولا أرسلت إلينا رسولا فنتبع ءايتك # [طه، الآية 134] الآية، وإنما سميت حجة مع استحالة أن يكون لأحد ~~عليه سبحانه حجة في فعل من أفعاله بل له أن يفعل ما يشاء كما يشاء ~~للتنبيه على أن المعذرة في القبول عنده تعالى بمقتضى كرمه ورحمته ~~لعباده بمنزلة الحجة القاطعة التي لا مرد لها ولذلك قال تعالى: # وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا # [الإسراء، الآية 15] قال النبي صلى الله عليه وسلم: # " ما أحد أغير من الله تعالى، ولذلك حرم الفواحش ما ظهر منها وما ~~بطن، وما أحد أحب إليه المدح من الله تعالى ولذلك مدح نفسه، وما ~~أحد أحب إليه الإعذار من الله تعالى ولذلك أرسل الرسل وأنزل ~~الكتب " # فاللام متعلقة بأرسلنا، وقيل: بقوله تعالى: { مبشرين ~~ومنذرين } [النساء، الآية: 165] وحجة اسم كان وللناس خبرها وعلى ~~الله متعلق بمحذوف وقع حالا من حجة أي كائنة على الله أو هو الخبر ~~وللناس حال على الوجه المذكور، ويجوز أن يتعلق كل منهما بما تعلق به ~~الآخر الذي هو الخبر ولا يجوز التعلق بحجة لأن معمول المصدر لا ~~يتقدم عليه، وقوله تعالى: { بعد الرسل } أي بعد إرسالهم وتبليغ ~~الشرائع إلى الأمم على ألسنتهم، متعلق بحجة أو بمحذوف وقع صفة لها لأن ~~الظلاروف يوصف بها الأحداث كما يخبر بها عنها نحو القتال يوم الجمعة ~~{ وكان الله عزيزا } لا يغالب في أمر من أموره ومن قضيته ~~الامتناع عن الإجابة إلى مسألة المتعنتين { حكيما } في جميع أفعاله ~~التي من جملتها إرسال الرسل وإنزال الكتب فإن تعدد الرسل والكتب ~~واختلالها في كيفية النزول وتغايرها في بعض الشرائع والأحكام إنما ~~هو لتفاوت طبقات ms0807 الأمم في الأحوال التي عليها يدور فلك التكليف، فكما ~~أنه سبحانه وتعالى برأهم على أنحاء شتى وأطوار متباينة حسبما تقتضيه ~~الحكمة التكوينية كذلك تعبدهم بما يليق بشأنهم وتقتضيه أحوالهم ~~المتخالفة واستعداداتهم المتغايرة من الشرائع والأحكام حسبما تستدعيه ~~الحكمة التشريعية، وراعى في إرسال الرسل وإنزال الكتب وغير ذلك ~~من الأمور المتعلقة بمعاشهم ومعادهم ما فيه مصلحتهم، فسؤال تنزيل ~~الكتاب جملة اقتراح فاسد إذ حينئذ تتفاقم التكاليف فيثقل على ~~المكلف قبولها والخروج عن عهدتها، وأما التنزيل المنجم ~~الواقع حسب الأمور الداعية إليه فهو أيسر قبولا وأسهل امتثالا. ### || [4.166-168] # { لكن الله يشهد } بتخفيف النون ورفع الجلالة، وقرىء ~~بتشديد النون ونصب الجلالة، وهو استدراك عما يفهم مما قبله كأنهم لما ~~تعنتوا عليه بما سبق من السؤال واحتج عليهم بقوله تعالى: # إنا أوحينا # [النساء، الآية: 163] الخ، قيل: إنهم لا يشهدون بذلك لكن الله يشهد { ~~بما أنزل إليك } على البناء للفاعل، وقرىء على البناء للمفعول ~~والباء صلة للشهادة أي يشهد بحقية ما أنزل إليك من القرآن المعجز ~~الناطق بنبوتك، وقيل: (لما نزل قوله تعالى: # إنا أوحينا إليك # [النساء، الآية: 163] قالوا: ما نشهد لك بذلك فنزل) لكن الله يشهد. # { أنزله بعلمه } أي ملتبسا بعلمه الخاص الذي لا يعلمه غيره ~~وهو تأليفه على نمط بديع يعجز عنه كل بليغ، أو بعلمه بحال من ~~أنزله عليه واستعداده لاقتباس الأنوار القدسية، أو بعلمه الذي يحتاج ~~إليه الناس في معاشهم ومعادهم، فالجار والمجرور على الأولين حال من ~~الفاعل وعلى الثالث من المفعول، والجملة في موقع التفسير لما قبلها ~~وقرىء نزله، وقوله تعالى: { والملئكة يشهدون } أي بذلك، ~~مبتدأ وخبر والجملة عطف على ما قبلها، وقيل: حال من مفعول أنزله، أي ~~أنزله والملائكة يشهدون بصدقه وحقيته { وكفى بالله شهيدا ~~} على صحة نبوتك حيث نصب لها معجزات باهرة وحججا ظاهرة مغنية ~~عن الاستشهاد بغيرها. # { إن الذين كفروا } أي بما أنزل الله تعالى وشهد به أو بكل ~~ما يجب الإيمان به وهو داخل فيه دخولا أوليا، والمراد بهم اليهود ~~حيث كفروا به { وصدوا عن سبيل ms0808 الله } وهو دين الإسلام ~~من أراد سلوكه بقولهم: ما نعرف صفة محمد في كتابنا، وقرىء صدوا ~~مبنيا للمفعول { قد ضلوا } بما فعلوا من الكفر والصد عن طريق ~~الحق { ضللا بعيدا } لأنهم جمعوا بين الضلال والإضلال ولأن ~~المضل يكون أعرق في الضلال وأبعد من الإقلاع عنه. # { إن الذين كفروا } أي بما ذكر آنفا { وظلموا } أي ~~محمدا صلى الله عليه وسلم بإنكار نبوته وكتمان نعوته الجليلة ووضع ~~غيرها مكانها، أو الناس بصدهم عما فيه صلاحهم في المعاش والمعاد { ~~لم يكن الله ليغفر لهم } لاستحالة تعلق المغفرة ~~بالكافر { ولا ليهديهم طريقا }. ### || [4.169-170] # { إلا طريق جهنم } لعدم استعدادهم للهداية إلى الحق ~~والأعمال الصالحة التي هي طريق الجنة، والمراد بالهداية المفهومة ~~من الاستثناء بطريق الإشارة خلقه تعالى لأعمالهم السيئة المؤدية بهم ~~إلى جهنم عند صرف قدرتهم واختيارهم إلى اكتسابها، أو سوقهم إليها ~~يوم القيامة بواسطة الملائكة والطريق على عمومه، والاستثناء متصل، ~~وقيل: خاص بطريق الحق والاستثناء منقطع { خلدين فيها } حال ~~مقدرة من الضمير المنصوب والعامل فيها ما دل عليه الاستثناء دلالة ~~واضحة كأنه قيل: يدخلهم جهنم خالدين فيها الخ، وقوله تعالى: { أبدا ~~} نصب على الظرفية رافع لاحتمال حمل الخلود على المكث الطويل { ~~وكان ذلك } أي جعلهم خالدين في جهنم { على الله يسيرا } ~~لاستحالة أن يتعذر عليه شيء من مراداته تعالى. # { يأيها الناس } بعد ما حكى لرسول الله صلى الله عليه وسلم ~~تعلل اليهود بالأباطيل واقتراحهم الباطل تعنتا ورد عليهم ذلك ~~بتحقيق نبوته عليه الصلاة والسلام وتقرير رسالته ببيان أن شأنه عليه ~~الصلاة والسلام في أمر الوحي والإرسال كشؤون من يعترفون بنبوته من ~~مشاهير الأنبياء عليهم السلام وأكد ذلك بشهادته سبحانه وشهادة ~~الملائكة أمر المكلفين كافة على طريق تلوين الخطاب بالإيمان بذلك ~~أمرا مشفوعا بالوعد بالإجابة، والوعيد على الرد تنبيها على أن ~~الحجة قد لزمت ولم يبق بعد ذلك لأحد عذر في عدم القبول، وقوله عز ~~وجل: { قد جاءكم الرسول بالحق من ربكم } تكرير ~~للشهادة وتقرير لحقية المشهود به وتمهيد لما يعقبه من الأمر ~~بالإيمان، وإيراده ms0809 عليه الصلاة والسلام بعنوان الرسالة لتأكيد وجوب ~~طاعته، والمراد بالحق هو القرآن الكريم، والباء متعلقة بجاءكم فهي ~~للتعدية أو بمحذوف وقع حالا من الرسول أي ملتبسا بالحق، ومن أيضا ~~متعلقة إما بالفعل وإما بمحذوف هو حال من الحق، أي جاءكم به من عنده ~~تعالى أو جاءكم بالحق كائنا من عنده تعالى، والتعرض لعنوان ~~الربوبية مع الإضافة إلى ضمير المخاطبين للإيذان بأن ذلك لتربيتهم ~~وتبليغهم إلى كمالهم اللائق بهم ترغيبا لهم في الامتثال بما بعده من ~~الأمر، والفاء في قوله عز وجل: { فآمنوا } للدلالة على إيجاب ما ~~قبلها لما بعدها أي فآمنوا به وبما جاء به من الحق، وقوله تعالى: { ~~خيرا لكم } منصوب على أنه مفعول لفعل واجب الإضمار كما هو رأي ~~الخليل وسيبويه، أي اقصدوا أو ائتوا أمرا خيرا لكم مما أنتم فيه من ~~الكفر، أو على أنه نعت لمصدر محذوف كما هو رأي الفراء أي آمنوا إيمانا ~~خيرا لكم أو على أنه خبر كان المضمرة الواقعة جوابا للأمر لا جزاء ~~للشرط الصناعي وهو رأي الكسائي وأبي عبيدة أي يكن الإيمان خيرا ~~لكم { وإن تكفروا } أي أن تصروا وتستمروا على الكفر به { ~~فإن لله ما فى السموات والأرض } من الموجودات سواء ~~كانت داخلة في حقيقتهما وبذلك يعلم حال أنفسهما على أبلغ وجه ~~وآكده أو خارجة عنهما مستقرة فيهما من العقلاء وغيرهم فيدخل في ~~جملتهم المخاطبون دخولا أوليا، أي كلها له عز وجل خلقا وملكا ~~وتصرفا لا يخرج من ملكوته وقهره شيء منها. # فمن هذا شأنه فهو قادر على تعذيبكم بكفركم لا محالة أو فمن كان كذلك ~~فهو غني عنكم وعن غيركم لا يتضرر بكفركم ولا ينتفع بإيمانكم، وقيل: ~~فمن كان كذلك فله عبيد يعبدونه وينقادون لأمره { وكان الله ~~عليما } مبالغا في العلم فهو عالم بأحوال الكل فيدخل في ذلك ~~علمه تعالى بكفرهم دخولا أوليا { حكيما } مراعيا للحكمة في جميع ~~أفعاله التي من جملتها تعذيبه تعالى إياهم بكفرهم. ### || [4.171] # { يا أهل الكتب } تجريد للخطاب وتخصيص له بالنصارى زجرا ~~لهم عما هم ms0810 عليه من الكفر والضلال { لا تغلوا فى دينكم } ~~بالإفراط في رفع شأن عيسى عليه السلام وادعاء ألوهيته، وأما غلو ~~اليهود في حط رتبته عليه السلام ورميهم له بأنه ولد لغير رشدة فقد ~~نعى عليهم ذلك فيما سبق { ولا تقولوا على الله إلا ~~الحق } أي لا تصفوه بما يستحيل اتصافه به من الحلول والاتحاد ~~واتخاذ الصاحبة والولد، بل نزهوه عن جميع ذلك { إنما المسيح ~~} قد مر تفسيره في سورة آل عمران، وقرىء بكسر الميم وتشديد السين ~~كالسكيت على صيغة المبالغة وهو مبتدأ، وقوله تعالى: { عيسى } بدل ~~منه أو عطف بيان له، وقوله تعالى: { ابن مريم } صفة له مفيدة ~~لبطلان ما وصفوه عليه السلام به من بنوته لله تعالى، وقوله تعالى: { ~~رسول الله } خبر للمبتدأ، والجملة مستأنفة مسوقة لتعليل النهي ~~عن القول الباطل المستلزم للأمر بضده، أعني الحق، أي إنه مقصور على ~~رتبة الرسالة لا يتخطاها { وكلمته } عطف على رسول الله أي ~~مكون بكلمته وأمره الذي هو كن من غير واسطة أب ولا نطفة { ~~ألقها إلى مريم } أي أوصلها إليها وجعلها فيها بنفخ جبريل ~~عليه السلام، وقيل: أعلمها إياها وأخبرها بها بطريق البشارة وذلك ~~قوله تعالى: # إن الله يبشرك بكلمة منه اسمه المسيح عيسى ~~ابن مريم # [آل عمران، الآية 45] وقيل: الجملة حال من ضميره عليه السلام ~~المستكن فيما دل عليه وكلمته من معنى المشتق الذي هو العامل فيها وقد ~~مقدرة معها. # { وروح منه } قيل: هو الذي نفخ جبريل عليه السلام في درع مريم ~~فحملت بإذن الله تعالى، سمي النفخ روحا لأنه ريح تخرج من الروح، ~~ومن لابتداء الغاية مجازا لا تبعيضية كما زعمت النصارى. يحكى أن ~~طبيبا حاذقا نصرانيا للرشيد ناظر علي بن حسين الواقدي ~~المروذي ذات يوم فقال له: إن في كتابكم ما يدل على أن عيسى عليه ~~السلام جزء منه تعالى وتلا هذه الآية فقرأ الواقدي: # وسخر لكم ما فى السموات والأرض جميعا منه # [الجاثية، الآية 13] فقال: إذن يلزم أن يكون جميع تلك الأشياء جزءا ~~منه، تعالى علوا كبيرا، فانقطع ms0811 النصراني فأسلم وفرح الرشيد فرحا ~~شديدا، ووصل الواقدي بصلة فاخرة. وهي متعلقة بمحذوف وقع صفة لروح أي ~~كائنة من جهته تعالى جعلت منه تعالى وإن كانت بنفخ جبريل عليه السلام ~~لكون النفخ بأمره سبحانه، وقيل: سمي روحا لإحيائه الأموات، وقيل: ~~لإحيائه القلوب، كما سمي به القرآن لذلك في قوله تعالى: # وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا # [الشورى، الآية 52] وقيل: أريد بالروح الوحي الذي أوحي إلى مريم ~~بالبشارة، وقيل: جرت العادة بأنهم إذا أرادوا وصف شيء بغاية الطهارة ~~والنظافة قالوا: إنه روح، فلما كان عيسى عليه السلام متكونا من النفخ ~~لا من النطفة وصف بالروح، وتقديم كونه عليه السلام رسول الله في ~~الذكر من تأخره عن كونه كلمته تعالى وروحا منه في الوجود لتحقيق ~~الحق من أول الأمر بما هو نص فيه غير محتمل للتأويل، وتعيين ~~مآل ما يحتمله وسد باب التأويل الزائغ. # { فآمنوا بالله } وخصوه بالألوهية { ورسله } أجمعين وصفوهم ~~بالرسالة ولا تخرجوا بعضهم عن سلكهم بوصفه بالألوهية { ولا ~~تقولوا ثلثة } أي الألهة ثلاثة: الله والمسيح ومريم كما ~~ينبىء عنه قوله تعالى: # أأنت قلت للناس اتخذونى وأمى إلهين من دون ~~الله # [المائدة، الآية 116] أو الله ثلاثة إن صح أنهم يقولون: الله جوهر ~~واحد ثلاثة أقانيم: أقنوم الأب وأقنوم الابن وأقنوم روح القدس، ~~وأنهم يريدون بالأول الذات، وقيل: الوجود وبالثاني العلم وبالثالث ~~الحياة { انتهوا } أي عن التثليث { خيرا لكم } قد مر وجوه ~~انتصابه { إنما الله إله وحد } أي بالذات منزه عن ~~التعدد بوجه من الوجوه، فالله مبتدأ وإله خبره وواحد نعت أي ~~منفرد في ألوهيته { سبحنه أن يكون له ولد } أي أسبحه ~~تسبيحا من أن يكون له ولد أو سبحوه تسبيحا من ذلك فإنه إنما ~~يتصور فيمن يماثله شيء ويتطرق إليه فناء، والله سبحانه منزه عن ~~أمثاله، وقرىء إن يكون أي سبحانه ما يكون له ولد، وقوله تعالى: { له ~~ما في السموات وما في الأرض } جملة مستأنفة مسوقة ~~لتعليل التنزيه وتقريره، أي له ما فيهما من الموجودات خلقا وملكا ~~وتصرفا لا يخرج ms0812 عن ملكوته شيء من الأشياء التي من جملتها عيسى عليه ~~السلام فكيف يتوهم كونه ولدا له تعالى؟ { وكفى بالله ~~وكيلا } إليه يكل الخلق أمورهم وهو غني عن العالمين فأنى ~~يتصور في حقه اتخاذ الولد الذي هو شأن العجزة المحتاجين في ~~تدبير أمورهم إلى من يخلفهم ويقوم مقامهم. ### || [4.172] # { لن يستنكف المسيح } استئناف مقرر لما سبق من التنزيه، ~~والاستنكاف الأنفة والترفع من نكفت الدمع إذا نحيته عن وجهك ~~بالأصبع أي لن يأنف ولن يترفع { أن يكون عبدا لله } أي عن أن ~~يكون عبدا له تعالى مستمرا على عبادته وطاعته حسبما هو وظيفة ~~العبودية، كيف وإن ذلك أقصى مراتب الشرف، والاقتصار على ذكر عدم ~~استنكافه عليه السلام عنه مع أن شأنه عليه السلام المباهاة به كما يدل ~~عليه أحواله ويفصح عنه أقواله، ألا يرى أن أول مقالة قالها للناس ~~قوله: # قال إنى عبد الله ءاتانى الكتب وجعلنى نبيا # [مريم، الآية 30] لوقوعه في موقع الجواب عما قاله الكفرة. روي ( # " أن وفد نجران قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم: لم تعيب ~~صاحبنا، قال: " ومن صاحبكم؟ " ، قالوا: عيسى، قال: " وأي شيء أقول؟ " ~~قالوا: تقول له عبد الله، قال: " إنه ليس بعار أن يكون عبدا لله " # ، قالوا: بلى فنزلت)، وهو السر في جعل المستنكف عنه كونه عليه ~~السلام عبدا له تعالى دون أن يقال عن عبادة الله ونحو ذلك مع إفادة ~~فائدة جليلة هي كمال نزاهته عليه السلام عن الاستنكاف بالكلية فإن ~~كونه عبدا له تعالى حالة مستمرة مستتبعة لدوام العبادة قطعا، ~~فعدم الاستنكاف عنه مستلزم لعدم الاستنكاف عن عبادته تعالى كما أشير ~~إليه بخلاف عبادته تعالى فإنها حالة متجددة غير مستلزمة للدوام ~~يكفي في اتصاف موصوفها بما يحققها مرة، فعدم الاستنكاف عنها لا ~~يستلزم عدم الاستنكاف عن دوامها. # { ولا الملئكة المقربون } عطف على المسيح أي ولا ~~يستنكف الملائكة المقربون أن يكونوا عبيدا لله تعالى، وقيل: إن أريد ~~بالملائكة كل واحد منهم لم يحتج إلى التقدير، واحتج بالآية من زعم ~~فضل الملائكة على الأنبياء عليهم ms0813 السلام وقال: مساقه لرد النصارى في ~~رفع المسيح عن مقام العبودية، وذلك يقتضي أن يكون المعطوف أعلى درجة ~~من المعطوف عليه حتى يكون عدم استنكافهم مستلزما لعدم استنكافه عليه ~~السلام، وأجيب بأن مناط كفر النصارى ورفعهم له عليه السلام عن رتبة ~~العبودية لما كان اختصاصه عليه السلام وامتيازه عن سائر أفراد ~~البشر بالولادة من غير أب وبالعلم بالمغيبات وبالرفع إلى السماء ~~عطف على عدم استنكافه عن عبوديته تعالى عدم استنكاف من هو أعلى ~~درجة منه فيما ذكر، فإن الملائكة مخلوقون من غير أب ولا أم، وعالمون ~~بما لا يعلمه البشر من المغيبات، ومقارهم السموات العلا، ولا نزاع ~~لأحد في علو درجتهم من هذه الحيثية وإنما النزاع في علوها من حيث ~~كثرة الثواب على الطاعات، وبأن الآية ليست للرد على النصارى فقط بل ~~على عبدة الملائكة أيضا فلا اتجاه لما قالوا حينئذ وإن سلم ~~اختصاصها بالرد على النصارى فلعله أريد بالعطف المبالغة باعتبار ~~التكثير والتفصيل لا باعتبار التكبير والتفضيل، كما في قولك: أصبح ~~الأمير لا يخالفه رئيس ولا مرؤوس، ولئن سلم إرادة التفضيل فغاية ~~الأمر الدلالة على أفضلية المقربين منهم، وهم الكروبيون الذين حول ~~العرش أو من هو أعلى منهم رتبة من الملائكة عليهم السلام على المسيح من ~~الأنبياء عليهم السلام وليس يلزم من ذلك فصل أحد الجنسين على الآخر ~~مطلقا، وهل التشاجر إلا فيه؟ { ومن يستنكف عن عبادته } ~~أي عن طاعته فيشمل جميع الكفرة لعدم طاعتهم له تعالى مما لا سبيل ~~لهم إلى إنكار اتصافهم به. # إن قيل: لم عبر عن عدم طاعتهم له تعالى بالاستنكاف عنها مع أن ذلك ~~منهم كان بطريق إنكار كون الأمر من جهته تعالى لا بطريق الاستنكاف، ~~قلنا: لأنهم كانوا يستنكفون عن طاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم وهل ~~هو إلا استنكاف عن طاعة الله تعالى؟ إذ لا أمر له عليه الصلاة والسلام ~~سوى أمره تعالى # من يطع الرسول فقد أطاع الله # [النساء، الآية 80] { ويستكبر } الاستكبار الأنفة عما لا ~~ينبغي أن يؤنف عنه وأصله ms0814 طلب الكبر لنفسه بغير استحقاق له لا ~~بمعنى طلب تحصيله مع اعتقاد عدم حصوله فيه بل بمعنى عد نفسه ~~كبيرا واعتقاده كذلك، وإنما عبر عنه بما يدل على الطلب للإيذان بأن ~~مآله محض الطلب بدون حصول المطلوب وقد عبر عن مثل ذلك بنفس الطلب في ~~قوله تعالى: # يصدون عن سبيل الله ويبغونها عوجا # [الأعراف، الآية 45. وسورة هود، الآية 19] فإنهم ما كانوا يطلبون ثبوت ~~العوج لسبيل الله مع اعتقادهم لاستقامتها بل كانوا يعدونها ~~ويعتقدونها معوجة ويحكمون بذلك ولكن عبر عن ذلك بالطلب لما ذكر من ~~الإشعار بأن ليس هناك شيء سوى الطلب والاستكبار دون الاستنكاف ~~المنبىء عن توهم لحوق العار والنقص من المستنكف عنه. # { فسيحشرهم إليه جميعا } أي المستنكفين ومقابليهم ~~المدلول عليهم، ذكر عدم استنكاف المسيح والملائكة عليهم السلام، ~~وقد ترك ذكر أحد الفريقين في المفصل تعويلا على إنباء التفصيل ~~عنه وثقة بظهور اقتضاء حشر أحدهما لحشر الآخر ضرورة عموم الحشر ~~للخلائق كافة، كما ترك ذكر أحد الفريقين في التفصيل عند قوله تعالى: # فأما الذين ءامنوا بالله # [النساء، الآية 175] الآية، مع عموم الخطاب لهما اعتمادا على ظهور ~~اقتضاء إثابة أحدهما لعقاب الآخر ضرورة شمول الجزاء للكل، وقيل: ~~الضمير للمستنكفين وهناك مقدر معطوف عليه، والتقدير فسيحشرهم إليه ~~يوم يحشر العباد لمجازاتهم، وفيه أن الأنسب بالتفصيل الآتي اعتبار ~~حشر الكل في الإجمال على نهج واحد، وقرىء فسيحشرهم بكسر السين وهي ~~لغة وقرىء فسنحشرهم بنون العظمة بطريق الالتفات. ### || [4.173-174] # { فأما الذين ءامنوا وعملوا الصلحت } بيان ~~لحال الفريق المنوي ذكره في الإجمال، قدم على بيان حال ما يقابله ~~إبانة لفضله ومسارعة إلى بيان كون حشره أيضا معتبرا في الإجمال، ~~وإيراده بعنوان الإيمان والعمل الصالح لا يوصف عدم الاستنكاف ~~المناسب لما قبله وما بعده للتنبيه على أنه المستتبع لما يعقبه من ~~الثمرات { فيوفيهم أجورهم } من غير أن ينقص منها شيئا أصلا ~~{ ويزيدهم من فضله } بتضعيفها أضعافا مضاعفة وبإيفاء ما لا ~~عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر { وأما الذين ~~استنكفوا } أي من عبادته ms0815 عز وجل { واستكبروا فيعذبهم ~~} بسبب استنكافهم واستكبارهم { عذابا أليما } لا يحيط به الوصف ~~{ ولا يجدون لهم من دون الله وليا } يلي أمورهم ~~ويدبر مصالحهم { ولا نصيرا } ينصرهم من بأسه تعالى وينجيهم من ~~عذابه. # { يا أيها الناس } تلوين للخطاب وتوجيه إلى كافة المكلفين ~~إثر بيان بطلان ما عليه الكفرة من فنون الكفر والضلال وإلزامهم ~~بالبراهين القاطعة التي تخر لها صم الجبال، وإزاحة شبههم ~~الواهية بالبينات الواضحة، وتنبيه لهم على أن الحجة قد تمت [عليهم] ~~فلم يبق بعد ذلك علة لمتعلل ولا عذر لمعتذر. # { قد جاءكم } أي وصل إليكم وتقرر في قلوبكم بحيث لا سبيل لكم ~~إلى الإنكار { برهان } البرهان ما يبرهن به على المطلوب، ~~والمراد به القرآن الدال على صحة نبوة النبي عليه الصلاة والسلام ~~المثبت لما فيه من الأحكام التي من جملتها ما أشير إليه مما أثبتته ~~الآيات الكريمة من حقية الحق وبطلان الباطل. وروي عن ابن عباس رضي ~~الله تعالى عنهما أن النبي عليه الصلاة والسلام عبر عنه به لما معه من ~~المعجزات التي تشهد بصدقه، وقيل: هو المعجزات التي أظهرها، وقيل: هو ~~دين الحق الذي أتى به، وقوله تعالى: { من ربكم } إما متعلق ~~بجاءكم أو بمحذوف وقع صفة مشرفة لبرهان مؤكدة لما أفاده التنوين من ~~الفخامة الذاتية بالفخامة الإضافية أي كائن منه تعالى، على أن من ~~لابتداء الغاية مجازا، وقد جوز على الثاني كونها تبعيضية بحذف ~~المضاف أي كائن من براهين ربكم. والتعرض لعنوان الربوبية مع ~~الإضافة إلى ضمير المخاطبين لإظهار اللطف بهم والإيذان بأن مجيئه ~~إليهم لتربيتهم وتكميلهم { وأنزلنا إليكم نورا مبينا } ~~أريد به أيضا القرآن الكريم، عبر عنه تارة بالبرهان لما أشير إليه ~~آنفا وأخرى بالنور النير بنفسه المنور لغيره إيذانا بأنه بين ~~بنفسه مستغن في ثبوت حقيته وكونه من عند الله تعالى بإعجازه، غير ~~محتاج إلى غيره مبين لغيره من الأمور المذكورة وإشعارا بهدايته ~~للخلق وإخراجهم من ظلمات الكفر إلى نور الإيمان، وقد سلك به مسلك ~~العطف المبني على تغاير الطرفين تنزيلا للمغايرة العنوانية منزلة ms0816 ~~المغايرة الذاتية، وعبر عن لابسته للمخاطبين تارة بالمجيء ~~المسند إليه المنبىء عن كمال قوته في البرهانية كأنه يجيء بنفسه ~~فيثبت أحكامه من غير أن يجيء به أحد، ويجيء على شبه الكفرة ~~بالإبطال وأخرى بالإنزال الموقع عليه الملائم لحيثية كونه نورا ~~توفيرا له باعتبار كل واحد من عنوانية حظه اللائق به، وإسناد ~~إنزاله إليه تعالى بطريق الالتفات لكمال تشريفه، هذا على تقدير كون ~~البرهان عبارة عن القرآن العظيم، وأما على تقدير كونه عبارة عن ~~الرسول صلى الله عليه وسلم أو عن المعجزات الظاهرة على يده أو عن الدين ~~الحق فالأمر هين، وقوله تعالى: { إليكم } متعلق بأنزلنا فإن ~~إنزاله بالذات وإن كان النبي صلى الله عليه وسلم لكنه منزل إليهم ~~أيضا بواسطته عليه الصلاة والسلام، وإنما اعتبر حاله بالواسطة دون ~~حاله بالذات كما في قوله تعالى: # إنا أنزلنا إليك الكتب بالحق لتحكم بين ~~الناس # [النساء، الآية 105] ونظائره لإظهار كمال اللطف بهم والتصريح ~~بوصوله إليهم مبالغة في الإعذار، وتقديمه على المفعول الصريح مع أن ~~حقه التأخر عنه لما مر غير مرة من الاهتمام بما قدم والتشويق إلى ~~ما أخر، وللمحافظة على فواصل الآي الكريمة. ### || [4.175-176] # { فأما الذين ءامنوا بالله } حسبما يوجبه البرهان الذي ~~أتاهم { واعتصموا به } أي عصموا به أنفسهم مما يرديها من زيغ ~~الشيطان وغيره { فسيدخلهم رحمة منه وفضل } قال ابن ~~عباس رضي الله تعالى عنهما: هي الجنة وما يتفضل عليهم [به] مما لا ~~عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر. وعبر عن إفاضة الفضل ~~بالإدخال على طريقة قوله: # علفتها تبنا وماء باردا # وتنوين رحمة وفضل تفخيمي ومنه متعلق بمحذوف وقع صفة مشرفة ~~لرحمة { ويهديهم إليه } أي إلى الله عز وجل، وقيل: إلى ~~الموعود، وقيل: إلى عبادته { صرطا مستقيما } هو الإسلام ~~والطاعة في الدنيا وطريق الجنة في الآخرة. وتقديم ذكر الوعد بإدخال ~~الجنة على الوعد بالهداية إليها على خلاف الترتيب في الوجود بين ~~الموعودين للمسارعة إلى التبشير بما هو المقصد الأصلي. قيل: انتصاب ~~صراطا على أنه مفعول لفعل محذوف ms0817 ينبىء عنه يهديهم أي يعرفهم ~~صراطا مستقيما. # { يستفتونك } أي في الكلالة، استغني عن ذكره بوروده في قوله ~~تعالى: { قل الله يفتيكم فى الكللة } وقد مر تفسيرها ~~في مطلع السورة الكريمة، والمستفتي جابر بن عبد الله رضي الله تعالى ~~عنه، يروى أنه أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم في طريق مكة عام ~~حجة الوداع فقال: إن لي أختا فكم آخذ من ميراثها إن ماتت؟، وقيل: ~~(كان مريضا فعاده رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إني كلالة فكيف ~~أصنع في مالي؟). وروي عنه رضي الله عنه أنه قال: (عادني رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وأنا مريض لا أعقل، فتوضأ وصب من وضوئه علي ~~فعقلت فقلت: يا رسول الله لمن الميراث وإنما يرثني كلالة فنزلت) ~~وقوله تعالى: { إن امرؤ هلك } استئناف مبين للفتيا، وارتفع ~~امرؤ بفعل يفسره المذكور، وقوله تعالى: { ليس له ولد } صفة ~~له، وقيل: حال من الضمير في هلك. ورد بأنه مفسر للمحذوف غير ~~مقصود في الكلام أي إن هلك امرؤ غير ذي ولد ذكرا كان أو أنثى ~~واقتصر على ذكر عدم الولد مع أن عدم الوالد أيضا معتبر في الكلالة ~~ثقة بظهور الأمر ودلالة تفضيل الورثة عليه، وقوله تعالى: { وله ~~أخت } عطف عطف على قوله تعالى: { ليس له ولد } أو حال ~~والمراد بالأخت من ليست لأم فقط فإن فرضها السدس، وقد مر بيانه في ~~صدر السورة الكريمة { فلها نصف ما ترك } أي بالفرض والباقي ~~للعصبة، أو لها بالرد إن لم يكن عصبة { وهو } أي المرء المفروض ~~{ يرثها } أي أخته المفروضة إن فرض هلاكها مع بقائه { إن لم ~~يكن لها ولد } ذكرا كان أو أنثى، فالمراد بإرثه لها إحراز ~~جميع ما لها إذ هو المشروط بانتفاء الولد بالكلية لا إرثه لها في ~~الجملة فإنه يتحقق مع وجود بنتها، وليس في الآية ما يدل على سقوط ~~الإخوة بغير الولد ولا على عدم سقوطهم، وإنما دلت السنة الشريفة ~~على سقوطهم في الأب { فإن كانتا اثنتين } عطف على الشرطية ~~الأولى أي ms0818 اثنتين فصاعدا { فلهما الثلثان مما ترك } ~~الضمير لمن يرث بالأخوة، والتأنيث والتثنية باعتبار المعنى، قيل: ~~وفائدة الإخبار عنها باثنتين مع دلالة ألف التثنية على ~~الاثنينية التنبيه على أن المعتبر في اختلاف الحكم هو العدد ~~دون الصغر والكبر وغيرهما { وإن كانوا } أي من يرث بطريق ~~الأخوة { إخوة } أي مختلطة { رجالا ونساء } بدل من إخوة ~~والأصل وإن كانوا إخوة وأخوات فغلب المذكر على المؤنث { ~~فللذكر } أي فللذكر منهم { مثل حظ الأنثيين } يقتسمون ~~التركة على طريقة التعصيب، وهذا آخر ما أنزل من كتاب الله تعالى في ~~الأحكام، روي أن الصديق رضي الله تعالى عنه قال في خطبته: ألا إن ~~الآية التي أنزلها الله تعالى في سورة النساء في الفرائض فأولها في ~~الولد والوالد وثانيها في الزوج والزوجة والأخوة من الأم والآية التي ~~ختم بها السورة في الأخوة والأخوات لأبوين أو لأب والآية التي ختم ~~بها سورة الأنفال أنزلها في أولي الأرحام. # { يبين الله لكم } أي حكم الكلالة أو أحكامه وشرائعه التي ~~من جملتها حكمها { أن تضلوا } أي كراهة أن تضلوا في ذلك وهذا ~~رأي البصريين صرح به المبرد، وذهب الكسائي والفراء وغيرهما من ~~الكوفيين إلى تقدير اللام ولا في طرفي أن، أي لئلا تضلوا، وقال الزجاج: ~~هو مثل قوله تعالى: # إن الله يمسك السموات والأرض أن تزولا # [فاطر، الآية: 41] وقال أبو عبيد: رويت للكسائي حديث ابن عمر رضي ~~الله تعالى عنهما وهو لا يدعون أحدكم على ولده أن يوافق من الله ~~إجابة أي لئلا يوافق، فاستحسنه وليس ما ذكر من الآية والحديث نصا ~~فيما ذهب إليه الكسائي وأضرابه فإن التقدير فيهما عند البصريين ~~كراهة أن تزولا وكراهة أن يوافق الخ، وقيل: ليس هناك حذف ولا تقدير ~~وإنما هو مفعول يبين أي يبين لكم ضلالكم الذي هو من شأنكم إذا ~~خليتم وطباعكم لتحترزوا عنه وتتحروا خلافه. وأنت خبير بأن ذلك ~~إنما يليق بما إذا كان بيانه تعالى التعيين، على طريقة مواقع الخطأ ~~والضلال من غير تصريح بما هو الحق والصواب وليس كذلك. # { والله بكل ms0819 شيء } من الأشياء التي من جملتها أحوالكم ~~المتعلقة بمحياكم ومماتكم { عليم } مبالغ في العلم فيبين لكم ~~ما فيه مصلحتكم ومنفعتكم. عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " من قرأ سورة النساء فكأنما تصدق على كل مؤمن ومؤمنة ورث ~~ميراثا، وأعطي من الأجر كمن اشترى محررا أو برىء من الشرك وكان في ~~مشيئة الله تعالى من الذين يتجاوز عنهم " # والله أعلم. ### | [5 - سورة المائدة] ### || [5.1] # (سورة المائدة مدنية وهي مائة وعشرون آية) # { بسم الله الرحمن الرحيم } # { يأيها الذين ءامنوا أوفوا بالعقود } الوفاء ~~القيام بموجب العقد، وكذا الإيفاء، والعقد هو العهد الموثق ~~المشبه بعقد الحبل ونحوه، والمراد بالعقود ما يعم جميع ما ألزمه الله ~~تعالى عباده وعقده عليهم من التكاليف والأحكام الدينية وما يعقدونه ~~فيما بينهم من عقود الأمانات والمعاملات ونحوها، مما يجب الوفاء به، أو ~~يحسن دينا بأن يحمل الأمر على معنى يعم الوجوب والندب. أمر ~~بذلك أولا على وجه الإجمال، ثم شرع في تفصيل الأحكام التي أمر ~~بالإيفاء بها وبدىء بما يتعلق بضروريات معايشهم فقيل: # { أحلت لكم بهيمة الأنعام } البهيمة كل ذات أربع، ~~وإضافتها إلى الأنعام للبيان كثوب الخز، وإفرادها لإرادة الجنس، أي ~~أحل لكم أكل البهيمة من الأنعام، وهي الأزواج الثمانية المعدودة في ~~سورة الأنعام، وألحق بها الظباء وبقر الوحش ونحوهما، وقيل: هي ~~المرادة بالبهيمة ههنا لتقدم بيان حل الأنعام، والإضافة لما ~~بينهما من المشابهة والمماثلة في الاجترار وعدم الأنياب، وفائدتها ~~الإشعار بعلة الحكم المشتركة بين المضافين، كأنه قيل: أحلت لكم ~~البهيمة الشبيهة بالأنعام التي بين إحلالها فيما سبق، المماثلة ~~لها في مناط الحكم. وتقديم الجار والمجرور على القائم مقام الفاعل ~~لما مر مرارا من إظهار العناية بالمقدم، لما فيه من تعجيل المسرة ~~والتشويق إلى المؤخر، فإن ما حقه التقديم إذا أخر تبقى النفس ~~مترقبة إلى وروده، فيتمكن عندها فضل تمكن. # { إلا ما يتلى عليكم } استثناء من (بهيمة) أي إلا ~~محرم ما يتلى عليكم من قوله تعالى: { حرمت عليكم ~~الميتة } ونحوه، أو إلا ما يتلى عليكم آية تحريمه. { غير ms0820 ~~محلى الصيد } أي الاصطياد في البر أو أكل صيده، وهو نصب على ~~الحالية من ضمير لكم، ومعنى عدم إحلالهم له تقرير حرمته عملا ~~واعتقادا، وهو شائع في الكتاب والسنة، وقوله تعالى: { وأنتم حرم ~~} أي محرمون، حال من الضمير في محلي، وفائدة تقييد إحلال بهيمة ~~الأنعام بما ذكر من عدم إحلال الصيد حال الإحرام على تقدير كون ~~المراد بها الظباء ونظائرها ظاهرة، لما أن إحلالها غير مطلق، كأنه ~~قيل: أحل لكم الصيد حال كونكم ممتنعين عنه عند إحرامكم. # وأما على التقدير الأول ففائدته إتمام النعمة وإظهار الامتنان ~~بإحلالها بتذكير احتياجهم إليه، فإن حرمة الصيد في حالة الإحرام من ~~مظان حاجتهم إلى إحلال غيره حينئذ، كأنه قيل: أحلت لكم الأنعام مطلقا ~~حال كونكم ممتنعين عن تحصيل ما يغنيكم عنها في بعض الأوقات محتاجين ~~إلى إحلالها. وفي إسناد عدم الإحلال إليهم بالمعنى المذكور مع حصول ~~المراد بأن يقال: غير محلل لكم، أو محرما عليكم الصيد حال إحرامكم ~~ مزيد تربية للامتنان، وتقرير للحاجة ببيان علتها القريبة، فإن ~~تحريم الصيد عليهم إنما يوجب حاجتهم إلى إحلال ما يغنيهم عنه باعتبار ~~تحريمهم له عملا واعتقادا، مع ما في ذلك من وصفهم بما هو اللائق بهم، { ~~إن الله يحكم ما يريد } من الأحكام حسبما تقتضيه مشيئته ~~المبنية على الحكم البالغة، فيدخل فيها ما ذكر من التحليل والتحريم ~~دخولا أوليا، ومعنى الإيفاء بهما الجريان على موجبهما عقدا وعملا، ~~والاجتناب عن تحليل المحرمات وتحريم بعض المحللات كالبحيرة ~~ونظائرها التي سيأتي بيانها. ### || [5.2] # { يأيها الذين ءامنوا لا تحلوا شعائر الله } ~~لما بين حرمة إحلال الإحرام الذي هو من شعائر الحج عقب ذلك ببيان ~~حرمة إحلال سائر الشعائر، وإضافتها إلى الله عز وجل لتشريفها وتهويل ~~الخطب في إحلالها، وهي جمع شعيرة وهي اسم لما أشعر، أي جعل شعارا ~~وعلما للنسك من مواقيت الحج ومرامي الجمار والمطاف والمسعى، ~~والأفعال التي هي علامات الحج يعرف بها، من الإحرام والطواف والسعي ~~والحلق والنحر، وإحلالها أن يتهاون بحرمتها ويحال بينها وبين ~~المتنسكين بها ويحدث في ms0821 أشهر الحج ما يصد به الناس عن الحج. ~~وقيل: المراد بها دين الله لقوله تعالى: # ومن يعظم شعئر الله # [الحج، الآية 32] أي دينه، وقيل: حرمات الله، وقيل: فرائضه التي ~~حدها لعباده، وإحلالها الإخلال بها، والأول أنسب بالمقام. { ولا ~~الشهر الحرام } أي لا تحلوه بالقتال فيه، وقيل: بالنسيء، ~~والأول هو الأولى بحالة المؤمنين، والمراد به شهر الحج، وقيل: الأشهر ~~الأربعة الحرم، والإفراد لإرادة الجنس { ولا الهدى } بأن يتعرض ~~له بالغضب أو بالمنع عن بلوغ محله، وهو ما أهدي إلى الكعبة من ~~إبل أو بقر أو شاء، جمع هدية كجدي وجدية { ولا القلئد ~~} هي جمع قلادة، وهي ما يقلد به الهدي من نعل أو لحاء شجر ~~ليعلم به أنه هدي فلا يتعرض له، والمراد النهي عن التعرض لذوات ~~القلائد من الهدي وهي البدن، وعطفها على الهدي مع دخولها فيه لمزيد ~~التوصية بها لمزيتها على ما عداها، كما عطف جبريل وميكال على ~~الملائكة عليهم السلام، كأنه قيل: والقلائد منه خصوصا، أو النهي عن ~~التعرض لنفس القلائد مبالغة في النهي عن التعرض لأصحابها، على معنى لا ~~تحلوا قلائدها فضلا عن أن تحلوها، كما نهى عن إبداء الزينة بقوله ~~تعالى: # ولا يبدين زينتهن # [النور، الآية 31] مبالغة في النهي عن إبداء مواقعها { ولا آمين ~~البيت الحرام } أي لا تحلوا قوما قاصدين زيارته بأن تصدوهم ~~عن ذلك بأي وجه كان، وقيل: هناك مضاف محذوف أي قتال قوم أو أذى قوم ~~آمين الخ، وقرىء ولا آمي البيت الحرام بالإضافة، وقوله تعالى: { ~~يبتغون فضلا من ربهم ورضونا } حال من المستكن في ~~آمين لا صفة له، لأن المختار أن اسم الفاعل إذا وصف بطل عمله أي ~~قاصدين زيارته حال كونهم طالبين أن يثيبهم الله تعالى ويرضى عنهم. ~~وتنكير (فضلا ورضوانا) للتفخيم، و(من ربهم) متعلق بنفس الفعل، أو ~~بمحذوف وقع صفة لفضلا مغنية عن وصف ما عطف عليه بها، أي فضلا ~~كائنا من ربهم ورضوانا كذلك. # والتعرض لعنوان الربوبية مع الإضافة إلى ضميرهم لتشريفهم والإشعار ~~بحصول مبتغاهم. وقرىء (تبتغون) على الخطاب، ms0822 فالجملة حينئذ حال من ضمير ~~المخاطبين في (لا تحلوا) على أن المراد بيان منافاة حالهم هذه ~~للمنهي عنه لا تقييد النهي بها، وإضافة الرب إلى ضمير الآمين ~~للإيماء إلى اقتصار التشريف عليهم، وحرمان المخاطبين عنه وعن نيل ~~المبتغى، وفي ذلك من تعليل النهي وتأكيده والمبالغة في استنكار ~~المنهي عنه ما لا يخفى، ومن ههنا قيل: المراد بالآمين هم المسلمون ~~خاصة، وبه تمسك من ذهب إلى أن الآية محكمة، وقد روي أن النبي عليه ~~الصلاة والسلام قال: # " سورة المائدة من آخر القرآن نزولا فأحلوا حلالها وحرموا ~~حرامها " # وقال الحسن رحمه الله تعالى: ليس فيها منسوخ، وعن أبي ميسرة: فيها ~~ثماني عشرة فريضة وليس فيها منسوخ. # وقد قيل: هم المشركون خاصة لأنهم المحتاجون إلى نهي المؤمنين عن إحلالهم ~~دون المؤمنين، على أن حرمة إحلالهم ثبتت بطريق دلالة النص، ويؤيده أن ~~الآية نزلت في الحطم بن ضبيعة البكري وقد كان أتى المدينة فخلف ~~خيله خارجها فدخل على النبي عليه الصلاة والسلام وحده ووعده أن يأتي ~~بأصحابه فيسلموا، ثم خرج من عنده عليه السلام فمر بسرح المدينة ~~فاستاقه، فلما كان في العام القابل خرج من اليمامة حاجا في حجاج بكر ~~بن وائل ومعه تجارة عظيمة وقد قلدوا الهدي، فسأل المسلمون النبي صلى ~~الله عليه وسلم أن يخلي بينهم وبينه فأباه النبي عليه الصلاة ~~والسلام فأنزل الله عز وجل: { ياأيها الذين ءامنوا لا ~~تحلوا شعائر الله } الآية، وفسر ابتغاء الفضل بطلب الرزق ~~بالتجارة، وابتغاء الرضوان بأنهم كانوا يزعمون أنهم على سداد من ~~دينهم، وأن الحج يقربهم إلى الله تعالى، فوصفهم الله تعالى بظنهم، ~~وذلك الظن الفاسد وإن كان بمعزل من استتباع رضوانه تعالى لكن لا بعد ~~في كونه مدارا لحصول بعض مقاصدهم الدنيوية وخلاصهم عن المكاره العاجلة ~~لا سيما في ضمن مراعاة حقوق الله تعالى وتعظيم شعائره، وقال قتادة: هو أن ~~يصلح معايشهم في الدنيا ولا يعجل لهم العقوبة فيها، وقيل: هم ~~المسلمون والمشركون، لما روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن ~~المسلمين ms0823 والمشركين كانوا يحجون جميعا فنهى الله المسلمين أن يمنعوا ~~أحدا عن حج البيت بقوله تعالى: { لا تحلوا } الآية، ثم نزل بعد ~~ذلك، # إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد ~~الحرام # [التوبة، الآية 28] وقوله تعالى: # ما كان للمشركين أن يعمروا مساجد الله # [التوبة، الآية 17] وقال مجاهد والشعبي: (لا تحلوا) نسخ بقوله تعالى: # فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم # [التوبة، الآية 5] ولا ريب في تناول الآمين للمشركين قطعا، إما ~~استقلالا وإما اشتراكا لما سيأتي من قوله تعالى: { ولا ~~يجرمنكم شنآن قوم } الخ، فيتعين النسخ كلا أو بعضا، ~~ولا بد في الوجه الأخير من تفسير الفضل والرضوان بما يناسب الفريقين، ~~فقيل: ابتغاء الفضل أي الرزق للمؤمنين والمشركين عامة، وابتغاء الرضوان ~~للمؤمنين خاصة، ويجوز أن يكون الفضل على إطلاقه شاملا للفضل الأخروي ~~أيضا، ويختص ابتغاؤه بالمؤمنين { وإذا حللتم فاصطدوا } ~~تصريح بما أشير إليه بقوله تعالى: { وأنتم حرم } من انتهاء حرمة ~~الصيد بانتفاء موجبها، والأمر للإباحة بعد الحظر كأنه قيل: إذا ~~حللتم فلا جناح عليكم في الاصطياد، وقرىء أحللتم، وهو لغة في حل، ~~وقرىء بكسر الفاء بإلقاء حركة همزة الوصل عليها وهو ضعيف جدا. # { ولا يجرمنكم } نهى عن إحلال قوم من الآمين خصوا به مع ~~اندراجهم في النهي عن إحلال الكل كافة، لاستقلالهم بأمور ربما ~~يتوهم كونها مصححة لإحلالهم، داعية إليه. وجرم جار مجرى ~~كسب في المعنى وفي التعدي إلى مفعول واحد وإلى اثنين، يقال: جرم ~~ذنبا نحو كسبه، وجرمته ذنبا نحو كسبته إياه، خلا أن جرم ~~يستعمل غالبا في كسب ما لا خير فيه، وهو السبب في إيثاره ههنا على ~~الثاني. وقد ينقل الأول من كل منهما بالهمزة إلى معنى الثاني، فيقال: ~~أجرمته ذنبا وأكسبته إياه، وعليه قراءة من قرأ يجرمنكم بضم الياء { ~~شنآن قوم } بفتح النون وقرىء بسكونها، وكلاهما مصدر أضيف إلى ~~مفعوله، لا إلى فاعله كما قيل، وهو شدة البغض وغاية المقت { أن ~~صدوكم } متعلق بالشنآن بإضمار لام العلة أي لئن صدوكم عام ~~الحديبية { عن المسجد الحرام } عن زيارته والطواف به ~~للعمرة، وهذه آية بينة ms0824 في عموم آمين للمشركين قطعا، وقرىء إن ~~صدوكم على أنه شرط معترض أغنى عن جوابه (لا يجرمنكم)، قد أبرز الصد ~~المحقق فيما سبق في معرض المفروض، للتوبيخ والتنبيه على أن حقه ألا ~~يكون وقوعه إلا على سبيل الفرض والتقدير { أن تعتدوا } أي عليهم، ~~وإنما حذف تعويلا على ظهوره وإيماء إلى أن المقصد الأصلي من النهي ~~منع صدور الاعتداء عن المخاطبين محافظة على تعظيم الشعائر، لا منع ~~وقوعه على القوم مراعاة لجانبهم، وهو ثاني مفعولي (يجرمنكم)، أي لا ~~يكسبنكم شدة بغضكم لهم لصدهم إياكم عن المسجد الحرام ~~اعتداءكم عليهم وانتقامكم منهم للتشفي، وهذا وإن كان بحسب الظاهر ~~نهيا للشنآن عن كسب الاعتداء للمخاطبين، لكنه في الحقيقة نهي لهم عن ~~الاعتداء على أبلغ وجه وآكده، فإن النهي عن أسباب الشيء ومباديه ~~المؤدية إليه نهي عنه بالطريق البرهاني، وإبطال للسببية، وقد يوجه ~~النهي إلى المسبب ويراد النهي عن السبب كما في قوله: لا أرينك ~~ههنا. يريد به نهي مخاطبه عن الحضور لديه، ولعل تأخير هذا النهي عن ~~قوله تعالى: { وإذا حللتم فاصطدوا } مع ظهور تعلقه بما ~~قبله للإيذان بأن حرمة الاعتداء لا تنتهي بالخروج عن الإحرام كانتهاء ~~حرمة الاصطياد به، بل هي باقية ما لم تنقطع علاقتهم عن الشعائر بالكلية ~~وبذلك يعلم بقاء حرمة التعرض لسائر الآمين بالطريق الأولى. # { وتعاونوا على البر والتقوى } لما كان الاعتداء ~~غالبا بطريق التظاهر والتعاون أمروا إثر ما نهوا عنه بأن يتعاونوا ~~على كل ما هو من باب البر والتقوى، ومتابعة الأمر ومجانبة الهوى، فدخل ~~فيه ما نحن بصدده من التعاون على العفو والإغضاء عما وقع منهم دخولا ~~أوليا، ثم نهوا عن التعاون في كل ما هو من مقولة الظلم والمعاصي ~~بقوله تعالى: { ولا تعاونوا على الإثم والعدوان } ~~فاندرج فيه النهي عن التعاون على الاعتداء والانتقام بالطريق البرهاني، ~~وأصل (لا تعاونوا) لا تتعاونوا فحذف منه إحدى التاءين تخفيفا، وإنما ~~أخر النهي عن الأمر مع تقدم التخلية على التحلية مسارعة إلى ~~إيجاب ما هو مقصود بالذات، فإن المقصود من ms0825 إيجاب ترك التعاون على الإثم ~~والعدوان إنما هو تحصيل التعاون على البر والتقوى، ثم أمروا بقوله ~~تعالى: { واتقوا الله } بالاتقاء في جميع الأمور التي من جملتها ~~مخالفة ما ذكر من الأوامر والنواهي، فثبت وجوب الاتقاء فيها بالطريق ~~البرهاني ثم علل ذلك بقوله تعالى: { أن الله شديد العقاب } ~~أي لمن لا يتقيه فيعاقبكم لا محالة إن لم تتقوه، وإظهار الاسم الجليل ~~لما مر مرارا من إدخال الروعة وتربية المهابة وتقوية استقلال ~~الجملة. ### || [5.3] # { حرمت عليكم الميتة } شروع في بيان المحرمات التي ~~أشير إليها بقوله تعالى: { إلا ما يتلى عليكم } والميتة ما ~~فارقه الروح من غير ذبح { والدم } أي المسفوح منه لقوله تعالى: { ~~أو دما مسفوحا } وكان أهل الجاهلية يصبونه في الأمعاء ~~ويشوونه، ويقولون: لم يحرم من فزد له أي من فصد له { ~~ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به } أي رفع ~~الصوت لغير الله عند ذبحه، كقولهم: باسم اللات والعزى { ~~والمنخنقة } أي التي ماتت بالخنق { والموقوذة } أي التي ~~قتلت بالضرب بالخشب ونحوه، من وقذته إذا ضربته { ~~والمتردية } أي التي تردت من علو أو إلى بئر فماتت { ~~والنطيحة } أي التي نطحتها أخرى فماتت بالنطح، والتاء للنقل، وقرىء ~~والمنطوحة { وما أكل السبع } أي وما أكل منه السبع فمات وقرىء ~~بسكون الباء، وقرىء وأكيل السبع، وفيه دليل على أن جوارح الصيد إذا ~~أكلت مما صادته لم يحل { إلا ما ذكيتم } إلا ما أدركتم ~~ذكاته وفيه بقية حياة يضطرب اضطراب المذبوح. وقيل: الاستثناء ~~مخصوص بما أكل السبع. # والذكاة في الشرع بقطع الحلقوم والمريء بمحدد { وما ذبح ~~على النصب } قيل: هو مفرد، وقيل: جمع نصاب، وقرىء بسكون الصاد، ~~وأيا ما كان فهو واحد الأنصاب، وهي أحجار كانت منصوبة حول البيت ~~يذبحون عليها ويعدون ذلك قربة، وقيل: هي الأصنام { وأن ~~تستقسموا بالأزلام } جمع زلم وهو القدح أي وحرم عليكم ~~الاستقسام بالقداح وذلك أنهم إذا قصدوا فعلا ضربوا ثلاثة قداح مكتوب ~~على أحدها أمرني ربي، وعلى الثاني نهاني ربي، وعلى الثالث غفل، فإن ~~خرج الآمر مضوا ذلك، وإن ms0826 خرج الناهي اجتنبوا عنه، وإن خرج الغافل ~~أجالوها مرة أخرى، فمعنى الاستقسام طلب معرفة ما قسم لهم بالأزلام، ~~وقيل: هو استقسام الجزور بالأقداح على الأنصباء المعهودة { ذلكم ~~} إشارة إلى الاستقسام بالأزلام، ومعنى البعد فيه للإشارة إلى بعد ~~منزلته في الشر { فسق } تمرد وخروج عن الحد ودخول في علم الغيب، ~~وضلال باعتقاد أنه طريق إليه، وافتراء على الله سبحانه إن كان هو المراد ~~بقولهم ربي، وشرك وجهالة إن كان هو الصنم، وقيل: ذلكم إشارة إلى تناول ~~المحرمات المعدودة لأن معنى تحريمها تحريم تناولها. # { اليوم } اللام للعهد، والمراد به الزمان الحاضر وما يتصل به من ~~الأزمنة الماضية والآتية وقيل: يوم نزولها، وقد نزلت بعد عصر الجمعة ~~يوم عرفة في حجة الوداع والنبي صلى الله عليه وسلم واقف ~~بعرفات على العضباء، فكادت عضد الناقة تندق لثقلها فبركت، وأيا ~~ما كان فهو منصوب على أنه ظرف لقوله تعالى: { يئس الذين كفروا ~~من دينكم } أي من إبطاله ورجوعكم عنه بتحليل هذه الخبائث أو ~~غيرها، أو من أن يغلبوكم عليه لما شاهدوا من أن الله عز وجل وفى ~~بوعده حيث أظهره على الدين كله وهو الأنسب بقوله تعالى: { فلا ~~تخشوهم } أي أن يظهروا عليكم { واخشون } أي وأخلصوا إلي ~~الخشية { اليوم أكملت لكم دينكم } بالنصر والإظهار على ~~الأديان كلها، أو بالتنصيص على قواعد العقائد، والتوقيف على أصول ~~الشرائع وقوانين الاجتهاد. # وتقديم الجار والمجرور للإيذان من أول الأمر بأن الإكمال لمنفعتهم ~~ومصلحتهم، كما في قوله تعالى: # ألم نشرح لك صدرك # [الشرح، الآية 1] وعليكم في قوله تعالى: { وأتممت عليكم ~~نعمتى } متعلق بأتممت لا بنعمتي لأن المصدر لا يتقدم عليه ~~معموله، وتقديمه على المفعول الصريح لما مر مرات، أي أتممتها بفتح ~~مكة ودخولها آمنين ظاهرين، وهدم منار الجاهلية ومناسكها والنهي عن ~~حج المشرك وطواف العريان، أو بإكمال الدين والشرائع، أو بالهداية ~~والتوفيق، قيل: معنى أتممت عليكم نعمتي أنجزت لكم وعدي بقولي: # ولأتم نعمتى عليكم # [البقرة، الآية 150] { ورضيت لكم الإسلام دينا } أي ~~اخترته لكم من بين الأديان وهو الدين عند الله ms0827 لا غير. عن عمر بن ~~الخطاب رضي الله تعالى عنه أن رجلا من اليهود قال له: يا أمير المؤمنين ~~آية في كتابكم تقرؤنها لو علينا معشر اليهود نزلت لاتخذنا ذلك اليوم ~~عيدا، قال: أي آية؟ قال: { اليوم أكملت لكم دينكم ~~وأتممت عليكم نعمتى } الآية. قال عمر رضي الله تعالى عنه: ~~قد عرفنا ذلك اليوم والمكان الذي أنزلت فيه على النبي عليه الصلاة ~~والسلام وهو قائم بعرفة يوم الجمعة، أشار رضي الله تعالى عنه إلى أن ~~ذلك اليوم عيد لنا، وروي أنه # " لما نزلت هذه الآية بكى عمر رضي الله تعالى عنه فقال له النبي ~~عليه الصلاة والسلام: «ما يبكيك يا عمر؟» قال: أبكاني أنا كنا في زيادة ~~من ديننا، فإذا كمل فإنه لا يكمل شيء إلا نقص، فقال عليه الصلاة ~~والسلام: «صدقت» " # فكانت هذه الآية نعي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فما لبث بعد ~~ذلك إلا أحدا وثمانين يوما. # { فمن اضطر } متصل بذكر المحرمات، وما بينهما اعتراض بما ~~يوجب أن يجتنب عنه، وهو أن تناولها فسوق، وحرمتها من جملة الدين ~~الكامل والنعمة التامة والإسلام المرضي، أي فمن اضطر إلى تناول ~~شيء من هذه المحرمات { فى مخمصة } أي في مجاعة يخاف معها الموت ~~أو مباديه { غير متجانف لإثم } قيل: غير مائل ومنحرف ~~إليه، بأن يأكلها تلذذا أو مجاوز حد الرخصة أو ينتزعها من ~~مضطر آخر كقوله تعالى: { غير باغ ولا عاد } { فإن ~~الله غفور رحيم } لا يؤاخذه بذلك. ### || [5.4] # { يسألونك ماذا أحل لهم } شروع في تفصيل المحللات ~~التي ذكر بعضها على وجه الإجمال إثر بيان المحرمات كأنهم سألوا ~~عنها عند بيان أضدادها، ولتضمن السؤال معنى القول أوقع على ~~الجملة، ف (ماذا) مبتدأ و(أحل لهم) خبره، وضمير الغيبة لما أن ~~يسألون بلفظ الغيبة فإنه كما يعتبر حال المحكي عنه فيقال: أقسم ~~زيد لأفعلن، يعتبر حال الحاكي، فيقال: أقسم زيد ليفعلن، ~~والمسؤول ما أحل لهم من المطاعم { قل أحل لكم الطيبت } ~~أي ما لم تستخبثه الطباع السليمة ولم تنفر عنه كما في ms0828 قوله تعالى: { ~~ويحل لهم الطيبت ويحرم عليهم الخبئث } ~~{ وما علمتم من الجوارح } عطف على الطيبات بتقدير المضاف ~~على أن (ما) موصول والعائد محذوف، أي وصيد ما علمتموه، أو مبتدأ على ~~أن (ما) شرطية والجواب فكلوا، وقد جوز كونها مبتدأ على تقدير ~~كونها موصولة أيضا والخبر كلوا، وإنما دخلته الفاء تشبيها للموصول ~~باسم الشرط و(من الجوارح) حال من الموصول أو ضميره المحذوف، والجوارح ~~الكواسب من سباع البهائم والطير، وقيل: سميت بها لأنها تجرح الصيد ~~غالبا { مكلبين } أي معلمين لها الصيد والمكلب مؤدب ~~الجوارح ومضريها بالصيد، مشتق من الكلب لأن التأديب كثيرا ما يقع ~~فيه، أو لأن كل سبع يسمى كلبا لقوله عليه الصلاة والسلام في حق ~~عتبة بن أبي لهب حين أراد سفر الشأم، فقال النبي عليه الصلاة ~~والسلام: # " اللهم سلط عليه كلبا من كلابك " # فأكله الأسد. وانتصابه على الحالية من فاعل (علمتم) وفائدتها ~~المبالغة في التعليم لما أن اسم المكلب لا يقع إلا على التحرير في ~~علمه. وقرىء مكلبين بالتخفيف والمعنى واحد { تعلمونهن } حال ~~ثانية منه أو حال من ضمير مكلبين أو استئناف { مما علمكم ~~الله } من الحيل وطرق التعليم والتأديب، فإن العلم به إلهام من ~~الله تعالى أو مكتسب بالعقل الذي هو منحة منه أو مما عرفكم أن ~~تعلموه من اتباع الصيد بإرسال صاحبه وانزجاره بزجره وانصرافه ~~بدعائه وإمساك الصيد عليه وعدم أكله منه { فكلوا مما ~~أمسكن عليكم } قد مر فيما سبق أن هذه الجملة على تقدير كون ~~ما شرطية جواب الشرط، وعلى تقدير كونها موصولة مرفوعة على ~~الابتداء خبر لها، وأما على تقدير كونها عطفا على الطيبات فهي جملة ~~متفرعة على بيان حل صيد الجوارح المعلمة مبينة للمضاف ~~المقدر الذي هو المعطوف، وبه يتعلق الإحلال حقيقة، ومشيرة إلى ~~نتيجة التعليم وأثره، داخلة تحت الأمر، فالفاء فيها كما في قوله: ~~[البسيط] # أمرتك الخير فافعل ما أمرت به # [فقد تركتك ذا مال وذا نشب] # ومن تبعيضية لما أن البعض مما لا يتعلق به الأكل كالجلود والعظام ~~والريش وغير ذلك، وما ms0829 موصولة أو موصوفة حذف عائدها و(على) متعلقة ~~بأمسكن أي فكلوا بعض ما أمسكنه عليكم وهو الذي لم يأكلن منه، وأما ما ~~أكلن منه فهو مما أمسكنه على أنفسهن لقوله عليه الصلاة والسلام لعدي ~~بن حاتم: # " وإن أكل منه فلا تأكل، إنما أمسك على نفسه " # وإليه ذهب أكثر الفقهاء. # وقال بعضهم: لا يشترط عدم الأكل في سباع الطير لما أن تأديبها إلى ~~هذه الدرجة متعذر، وقال آخرون: لا يشترط ذلك مطلقا، وقد روي عن ~~سلمان وسعد بن أبي وقاص، وأبي هريرة، رضي الله تعالى عنهم أنه إذا ~~أكل الكلب ثلثيه وبقي ثلثه وقد ذكرت اسم الله عليه فكل { ~~واذكروا اسم الله عليه } الضمير لما علمتم أي سموا ~~عليه عند إرساله، أو لما أمسكنه، أي سموا عليه إذا أدركتم ذكاته { ~~واتقوا الله } في شأن محرماته { إن الله سريع ~~الحساب } أي سريع إتيان حسابه، أو سريع تمامه، إذا شرع فيه ~~يتم في أقرب ما يكون من الزمان، والمعنى على التقديرين أنه يؤاخذكم ~~سريعا في كل ما جل ودق، وإظهار الاسم الجليل في موقع الإضمار لتربية ~~المهابة وتعليل الحكم. ### || [5.5] # { اليوم أحل لكم الطيبت } قيل: المراد بالأيام ~~الثلاثة وقت واحد، وإنما كرر للتأكيد، ولاختلاف الأحداث الواقعة فيه ~~حسن تكريره، والمراد بالطيبات ما مر { وطعام الذين أوتوا ~~الكتب } أي اليهود والنصارى واستثنى علي رضي الله تعالى عنه ~~نصارى بني تغلب، وقال: ليسوا على النصرانية، ولم يأخذوا منها إلا ~~شرب الخمر، وبه أخذ الشافعي رضي الله عنه، والمراد بطعامهم ما يتناول ~~ذبائحهم وغيرها { حل لكم } أي حلال، وعن ابن عباس رضي الله ~~تعالى عنهما أنه سئل عن ذبائح نصارى العرب فقال: لا بأس، وهو قول عامة ~~التابعين، وبه أخذ أبو حنيفة رضي الله عنه وأصحابه، وحكم الصابئين ~~حكم أهل الكتاب عنده. وقال صاحباه: هما صنفان، صنف يقرؤون الزبور ~~ويعبدون الملائكة عليهم السلام، وصنف لا يقرؤون كتابا، ويعبدون ~~النجوم، فهؤلاء ليسوا من أهل الكتاب. وأما المجوس فقد سن بهم سنة ~~أهل الكتاب في أخذ الجزية منهم دون ms0830 أكل ذبائحهم ونكاح نسائهم، لقوله ~~عليه الصلاة والسلام: # " سنوا بهم سنة أهل الكتاب غير ناكحي نسائهم " # { وطعامكم حل لهم } فلا عليكم أن تطعموهم وتبيعوه ~~منهم، ولو حرم عليهم لم يجز ذلك. # { والمحصنت من المؤمنت } رفع على أنه مبتدأ حذف ~~خبره لدلالة ما تقدم عليه أي حل لكم أيضا، والمراد بهن الحرائر ~~العفائف، وتخصيصهن بالذكر للبعث على ما هو الأولى لا لنفي ما ~~عداهن، فإن نكاح الإماء المسلمات صحيح بالاتفاق، وكذا نكاح غير ~~العفائف منهن، وأما الإماء الكتابيات فهن كالمسلمات عند أبي حنيفة ~~رضي الله عنه، خلافا للشافعي رضي الله عنه { والمحصنت من ~~الذين أوتوا الكتب من قبلكم } أي هن أيضا حل لكم، ~~وإن كن حربيات، وقال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: «لا تحل ~~الحربيات» { إذآ آتيتموهن أجورهن } أي مهورهن، ~~وتقييد الحل بإيتائها لتأكيد وجوبها، والحث على الأولى، وقيل: ~~المراد بإيتائها التزامها، وإذا ظرفية عاملها حل المحذوف، وقيل: ~~شرطية حذف جوابها، أي إذا آتيتموهن أجورهن حللن لكم { ~~محصنين } حال من فاعل آتيتموهن أي حال كونكم أعفاء بالنكاح وكذا ~~قوله تعالى: { غير مسفحين } وقيل: حال من ضمير محصنين، وقيل: ~~صفة لمحصنين، أي غير مجاهرين بالزنا { ولا متخذى أخدان } ~~أي ولا مسرين به والخدن الصديق يقع على الذكر والأنثى، وهو إما ~~مجرور عطفا على مسافحين وزيدت لا لتأكيد النفي المستفاد من غير، أو ~~منصوب عطفا على (غير مسافحين) باعتبار أوجهه الثلاثة { ومن ~~يكفر بالإيمن } أي ومن ينكر شرائع الإسلام التي من جملتها ما ~~بين ههنا من الأحكام المتعلقة بالحل والحرمة، ويمتنع عن قبولها ~~{ فقد حبط عمله } الصالح الذي عمله قبل ذلك { وهو فى ~~الآخرة من الخسرين } هو مبتدأ (من الخاسرين) خبره، و(في) ~~متعلقة بما تعلق به الخبر من الكون المطلق، وقيل: بمحذوف دل عليه ~~المذكور أي خاسر في الآخرة، وقيل: بالخاسرين على أن الألف واللام ~~للتعريف لا موصولة، لأن ما بعدها لا يعمل في ما قبلها، وقيل: يغتفر في ~~الظرف ما لا يغتفر في غيره كما في قوله: [الرجز] # ربيته حتى إذا ms0831 تمعددا # كان جزائي بالعصا أن أجلدا ### || [5.6] # { يأيها الذين آمنوا } شروع في بيان الشرائع المتعلقة بدينهم بعد ~~بيان ما يتعلق بدنياهم { إذا قمتم إلى الصلاة } أي أردتم القيام ~~إليها كما في قوله تعالى: # فإذا قرأت القرءان فاستعذ بالله # [النحل، الآية: 98] عبر عن إرادة الفعل بالفعل المسبب عنها مجازا ~~للإيجاز، والتنبيه على أن من أراد الصلاة حقه أن يبادر إليها بحيث ~~لا ينفك عن إرادتها، أو إذا قصدتم الصلاة إطلاقا لاسم أحد لازميها ~~على لازمها الآخر، وظاهر الآية الكريمة يوجب الوضوء على كل قائم ~~إليها وإن لم يكن محدثا، لما أن الأمر للوجوب قطعا، والإجماع على ~~خلافه، وقد روي # " أن النبي عليه الصلاة والسلام صلى الصلوات الخمس يوم الفتح ~~بوضوء واحد، فقال عمر رضي الله تعالى عنه: صنعت شيئا لم تكن ~~تصنعه، فقال عليه الصلاة والسلام: «عمدا فعلته يا عمر» " # يعني بيانا للجواز، وحمل الأمر بالنسبة إلى غير المحدث على الندب ~~مما لا مساغ له، فالوجه أن الخطاب خاص بالمحدثين بقرينة ~~دلالة الحال، واشتراط الحدث في التيمم الذي هو بدله، وما نقل عن ~~النبي عليه الصلاة والسلام والخلفاء من أنهم كانوا يتوضؤون لكل صلاة ~~فلا دلالة فيه على أنهم كانوا يفعلونه بطريق الوجوب أصلا، كيف لا وما ~~روي عنه عليه الصلاة والسلام من قوله: # " من توضأ على طهر كتب الله له عشر حسنات " # صريح في أن ذلك كان منهم بطريق الندب، وما قيل من أنه كان ذلك أول ~~الأمر ثم نسخ يرده قوله عليه الصلاة والسلام: # " المائدة من آخر القرآن نزولا فأحلوا حلالها وحرموا حرامها " # { فاغسلوا وجوهكم } أي أمروا عليها الماء، ولا حاجة إلى ~~الدلك خلافا لمالك { وأيديكم إلى المرافق } الجمهور على ~~دخول المرفقين في المغسول، ولذلك قيل: (إلى) بمعنى مع كما في قوله ~~تعالى: # ويزدكم قوة إلى قوتكم # [هود، الآية 52] وقيل: هي إنما تفيد معنى الغاية مطلقا، وأما دخولها ~~في الحكم أو خروجها منه فلا دلالة لها عليه، وإنما هو أمر يدور على ~~الدليل الخارجي، كما في حفظت القرآن من ms0832 أوله إلى آخره، وقوله ~~تعالى: # فنظرة إلى ميسرة # [البقرة، الآية 280] فإن الدخول في الأول والخروج في الثاني متيقن ~~بناء على تحقق الدليل، وحيث لم يتحقق ذلك في الآية وكانت الأيدي ~~متناولة للمرافق حكم بدخولها فيها احتياطا، وقيل: (إلى) من حيث ~~إفادتها للغاية تقتضي خروجها، لكن لما لم تتميز الغاية ههنا عن ذي ~~الغاية وجب إدخالها احتياطيا. # { وامسحوا برؤوسكم } الباء مزيدة وقيل: للتبعيض، فإنه ~~الفارق بين قولك مسحت المنديل ومسحت بالمنديل، وتحقيقه أنها ~~تدل على تضمين الفعل معنى الإلصاق، فكأنه قيل: وألصقوا المسح ~~برؤوسكم، وذلك لا يقتضي الاستيعاب كما يقتضيه ما لو قيل: وامسحوا ~~رؤوسكم، فإنه كقوله تعالى: { فاغسلوا وجوهكم } واختلف العلماء ~~في القدر الواجب، فأوجب الشافعي أقل ما ينطلق عليه الاسم أخذا ~~باليقين، وأبو حنيفة ببيان رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث مسح على ~~ناصيته وقدرها بربع الرأس، ومالك مسح الكل أخذا بالاحتياط { ~~وأرجلكم إلى الكعبين } بالنصب عطفا على (وجوهكم)، ~~ويؤيده السنة الشائعة وعمل الصحابة وقول أكثر الأئمة والتحديد، ~~إذ المسح لم يعهد محدودا، وقرىء بالجر على الجوار، ونظيره في ~~القرآن كثير، كقوله تعالى: # عذاب يوم أليم # [هود، الآية 26] ونظائره، وللنحاة في ذلك باب مفرد، وفائدته ~~التنبيه على أنه ينبغي أن يقتصد في صب الماء عليها ويغسلها غسلا ~~قريبا من المسح، وفي الفصل بينه وبين أخواته إيماء إلى أفضلية ~~الترتيب، وقرىء بالرفع أي وأرجلكم مغسولة { وإن كنتم جنبا ~~فاطهروا } أي فاغتسلوا وقرىء (فاطهروا) أي فطهروا أبدانكم ~~وفي تعليق الأمر بالطهارة الكبرى بالحدث الأكبر إشارة إلى اشتراط ~~الأمر بالطهارة الصغرى بالحدث الأصغر. # { وإن كنتم مرضى } مرضا يخاف به الهلاك أو ازدياده ~~باستعمال الماء { أو على سفر } أي مستقرين عليه { أو جاء ~~أحد منكم من الغائط أو لمستم النساء فلم ~~تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا فامسحوا ~~بوجوهكم وأيديكم منه } من لابتداء الغاية، وقيل: ~~للتبعيض، وهي متعلقة بامسحوا، وقرىء فأموا صعيدا وقد مر تفسير الآية ~~الكريمة مشبعا في سورة النساء فليرجع إليه،ولعل التكرير ليتصل ~~الكلام في أنواع الطهارة { ما يريد الله } أي ms0833 ما يريد بالأمر ~~بالطهارة للصلاة أو بالأمر بالتيمم { ليجعل عليكم من حرج ~~} من ضيق في الامتثال به. # { ولكن يريد } ما يريد بذلك { ليطهركم } أي لينظفكم ~~أو ليطهركم عن الذنوب، فإن الوضوء مكفر لها، أو ليطهركم بالتراب ~~إذا أعوزكم التطهر بالماء، فمفعول (يريد) في الموضعين محذوف، ~~واللام للعلة، وقيل: مزيدة، والمعنى ما يريد الله أن يجعل عليكم من حرج ~~في باب الطهارة حتى لا يرخص لكم في التيمم، ولكن يريد أن يطهركم ~~بالتراب إذا أعوزكم التطهر بالماء { وليتم } بشرعه ما هو ~~مطهرة لأبدانكم ومكفرة لذنوبكم { نعمته عليكم } في ~~الدين، أو ليتم برخصه إنعامه عليكم بعزائمه { لعلكم ~~تشكرون } نعمته. # ومن لطائف الآية الكريمة أنها مشتملة على سبعة أمور كلها مثنى، ~~طهارتان: أصل وبدل، والأصل اثنان: مستوعب وغير مستوعب، وغير ~~المستوعب باعتبار الفعل غسل ومسح، وباعتبار المحل محدود وغير ~~محدود، وأن آلتهما مائع وجامد، وموجبهما حدث أصغر وأكبر، وأن ~~المبيح للعدول إلى البدل مرض وسفر، وأن الموعود عليهما تطهير ~~الذنوب وإتمام النعمة. ### || [5.7] # { واذكروا نعمة الله عليكم } بالإسلام لتذكركم ~~المنعم وترغبكم في شكره { وميثقه الذى واثقكم به } ~~أي عهده المؤكد الذي أخذه عليكم وقوله تعالى: { إذ قلتم ~~سمعنا وأطعنا } ظرف ل (واثقكم به)، أو لمحذوف وقع حالا من ~~الضمير المجرور في به، أو من ميثاقه، أي كائنا وقت قولكم سمعنا ~~وأطعنا، وفائدة التقييد به تأكيد وجوب مراعاته بتذكر قبولهم ~~والتزامهم بالمحافظة عليه وهو الميثاق الذي أخذه على المسلمين حين بايعهم ~~رسول الله عليه الصلاة والسلام على السمع والطاعة في حال العسر واليسر ~~والمنشط والمكره، وقيل: هو الميثاق الواقع ليلة العقبة وفي ~~بيعة الرضوان، وإضافته إليه مع صدوره عنه عليه الصلاة والسلام، ~~لكن المرجع إليه كما نطق به قوله تعالى: # إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله # [الفتح، الآية 10] وقال مجاهد: هو الميثاق الذي أخذه الله تعالى على ~~عباده حين أخرجهم من صلب آدم عليه السلام { واتقوا الله } أي ~~في نسيان نعمته ونقض ميثاقه، أو في كل ما تأتون وما تذرون، فيدخل ~~فيه ما ذكر ms0834 دخولا أوليا { إن الله عليم بذات الصدور } ~~أي بخفياتها الملابسة لها ملابسة تامة مصححة لإطلاق الصاحب ~~عليها فيجازيكم عليها، فما ظنكم بجليات الأعمال، والجملة ~~اعتراض تذييلي وتعليل للأمر بالاتقاء، وإظهار الاسم الجليل في ~~موقع الإضمار لتربية المهابة وتعليل الحكم وتقوية استقلال الجملة. ### || [5.8-10] # { يا أيها الذين آمنوا } شروع في بيان الشرائع المتعلقة ~~بما يجري بينهم وبين غيرهم إثر بيان ما يتعلق بأنفسهم { كونوا ~~قوامين لله } مقيمين لأوامره ممتثلين لها معظمين لها مراعين ~~لحقوقها { شهداء بالقسط } أي بالعدل { ولا يجرمنكم } ~~أي لا يحملنكم { شنآن قوم } أي شدة بغضكم لهم { على ألا ~~تعدلوا } فلا تشهدوا في حقوقهم بالعدل أو فتعتدوا عليهم بارتكاب ما ~~لا يحل كمثلة وقذف وقتل نساء وصبية ونقض عهد تشفيا ~~وغير ذلك { اعدلوا هو } أي العدل { أقرب للتقوى } الذي ~~أمرتم به، صرح لهم بالأمر بالعدل وبين أنه بمكان من التقوى بعد ما ~~نهاهم عن الجور، وبين أنه مقتضى الهوى، وإذا كان وجوب العدل في ~~حق الكفار بهذه المثابة فما ظنك بوجوبه في حق المسلمين { واتقوا ~~الله } أمر بالتقوى إثر ما بين أن العدل أقرب له اعتناء بشأنه ~~وتنبيها على أنه ملاك الأمر { إن الله خبير بما ~~تعملون } من الأعمال فيجازيكم بذلك وتكرير هذا الحكم إما لاختلاف ~~السبب، كما قيل إن الأول نزل في المشركين وهذا في اليهود، أو لمزيد ~~الاهتمام بالعدل والمبالغة في إطفاء ثائرة الغيظ والجملة تعليل لما ~~قبلها وإظهار الجلالة لما مر مرات. # وحيث كان مضمونها منبئا عن الوعد والوعيد عقب بالوعد لمن يحافظ على ~~طاعته تعالى وبالوعيد لمن يخل بها فقيل: { وعد الله الذين ~~ءامنوا وعملوا الصلحت } التي من جملتها العدل والتقوى. ~~{ لهم مغفرة وأجر عظيم } حذف ثاني مفعولي وعد ~~استغناء عنه بهذه الجملة، فإنه استئناف مبين له وقيل: الجملة في ~~موقع المفعول، فإن الوعد ضرب من القول، فكأنه قيل: وعدهم هذا القول { ~~والذين كفروا وكذبوا بآيتنا } التي من جملتها ما ~~تلي من النصوص الناطقة بالأمر بالعدل والتقوى { أولئك } ~~الموصوفون بما ذكر من الكفر وتكذيب الآيات ms0835 { أصحب الجحيم } ~~ملابسوها ملابسة مؤبدة. من السنة السنية القرآنية شفع الوعد ~~بالوعيد، والجمع بين الترغيب والترهيب، إيفاء لحق الدعوة بالتبشير ~~والإنذار. ### || [5.11] # { يأيها الذين ءامنوا اذكروا نعمة الله ~~عليكم } تذكير لنعمة الإنجاء من الشر إثر تذكير نعمة إيصال ~~الخير الذي هو نعمة الإسلام وما يتبعها من الميثاق، وعليكم متعلق ~~بنعمة الله، أو بمحذوف وقع حالا منها وقوله تعالى: { إذ هم قوم ~~} على الأول ظرف لنفس النعمة، وعلى الثاني لما تعلق به عليكم، ولا ~~سبيل إلى كونه ظرفا لاذكروا لتنافي زمانيهما، أي اذكروا إنعامه ~~تعالى عليكم، أو اذكروا نعمته كائنة عليكم في وقت همهم { أن ~~يبسطوا إليكم أيديهم } أي بأن يبطشوا بكم بالقتل ~~والإهلاك، يقال: بسط إليه يده، وبسط إليه لسانه إذا شتمه، وتقديم ~~الجار والمجرور على المفعول الصريح للمسارعة إلى بيان رجوع ضرر البسط ~~وغائلته إليهم، حملا لهم من أول الأمر على الاعتداد بنعمة دفعه، كما ~~أن تقديم (لكم) في قوله عز وجل: # هو الذى خلق لكم ما فى الأرض # [البقرة، الآية 29] للمبادرة إلى بيان كون المخلوق من منافعهم ~~تعجيلا للمسرة { فكف أيديهم عنكم } عطف على هم، وهو ~~النعمة التي أريد تذكيرها، وذكرا لهم للإيذان بوقوعها عند مزيد ~~الحاجة إليها، والفاء للتعقيب المفيد لتمام النعمة وكمالها، وإظهار ~~(أيديهم) في موقع الإضمار لزيادة التقرير، أي منع أيديهم أن تمد ~~إليكم عقيب همهم بذلك، لا أنه كفها عنكم بعد ما مدوها إليكم، وفيه من ~~الدلالة على كمال النعمة من حيث إنها لم تكن مشوبة بضرر الخوف ~~والانزعاج الذي قلما يعرى عنه الكف بعد المد ما لا يخفى مكانه، ~~وذلك (ما روي أن المشركين لما رأوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وأصحابه بعسفان في غزوة ذي أنمار، وهي غزوة ذات الرقاع وهي ~~السابعة من مغازيه عليه الصلاة والسلام، قاموا إلى الظهر معا فلما ~~صلوا ندم المشركون ألا كانوا قد أكبوا عليهم، فقالوا إن لهم بعدها ~~صلاة هي أحب إليهم من آبائهم وأبنائهم يعنون صلاة العصر، وهموا أن ~~يوقعوا بهم إذا قاموا إليها، ms0836 فرد الله تعالى كيدهم بأن أنزل صلاة ~~الخوف)، وقيل: هو ما روي # " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتى بني قريظة ومعه الشيخان ~~وعلي رضي الله تعالى عنهم، يستقرضهم لدية مسلمين قتلهما عمرو ~~بن أمية الضمري خطأ يحسبهما مشركين، فقالوا: نعم يا أبا ~~القاسم، اجلس حتى نطعمك ونعطيك ما سألت، فأجلسوه في صفة وهموا ~~بالفتك به، وعمد عمرو بن جحاش إلى رحا عظيمة يطرحها عليه فأمسك ~~الله تعالى يده، ونزل جبريل عليه السلام فأخبره، فخرج عليه الصلاة ~~والسلام " # وقيل: هو ما روي # " أنه عليه الصلاة والسلام، نزل منزلا وتفرق أصحابه في العضاة ~~يستظلون بها، فعلق رسول الله صلى الله عليه وسلم سيفه بشجرة، فجاء ~~أعرابي فأخذه وسله فقال: من يمنعك مني، فقال صلى الله عليه وسلم: ~~«الله تعالى» فأسقطه جبريل عليه السلام من يده، فأخذه الرسول عليه ~~الصلاة والسلام فقال: «من يمنعك مني» فقال: لا أحد، أشهد أن لا إله إلا ~~الله وأن محمدا رسول الله " # { واتقوا الله } عطف على (اذكروا) أي اتقوه في رعاية حقوق ~~نعمته ولا تخلوا بشكرها أو في كل ما تأتون وما تذرون، فيدخل فيه ~~ما ذكر دخولا أوليا { وعلى الله } أي عليه تعالى خاصة دون ~~غيره استقلالا واشتراكا { فليتوكل المؤمنون } فإنه ~~يكفيهم في إيصال كل خير ودفع كل شر، والجملة تذييل مقرر لما ~~قبله، وإيثار صيغة أمر الغائب وإسنادها إلى المؤمنين لإيجاب التوكل ~~على المخاطبين بالطريق البرهاني، وللإيذان بأن ما وصفوا به عند ~~الخطاب من وصف الإيمان داع إلى ما أمروا به من التوكل والتقوى، وازع ~~عن الإخلال بهما، وإظهار الاسم الجليل في موقع الإضمار لتعليل الحكم ~~وتقوية استقلال الجملة التذييلية. ### || [5.12] # { ولقد أخذ الله ميثق بنى إسرءيل } كلام مستأنف ~~مشتمل على ذكر بعض ما صدر عن بني إسرائيل من الخيانة ونقض الميثاق ~~وما أدى إليه ذلك من التبعات، مسوق لتقرير المؤمنين على ذكر نعمة ~~الله تعالى ومراعاة حق الميثاق الذي واثقهم به، وتحذيرهم من نقضه، ~~أو لتقرير ما ذكر من الهم بالبطش وتحقيقه، ms0837 على تقدير كون ذلك من بني ~~قريظة حسبما مر من الرواية ببيان أن الغدر والخيانة عادة لهم قديمة ~~توارثوها من أسلافهم، وإظهار الاسم الجليل لتربية المهابة وتفخيم ~~الميثاق وتهويل الخطب في نقضه، مع ما فيه من رعاية حق الاستئناف ~~المستدعي للإنقطاع عما قبله، والالتفات في قوله تعالى: { وبعثنا ~~منهم اثنى عشر نقيبا } للجري على سنن الكبرياء، أو لأن ~~البعث كان بواسطة موسى عليه السلام كما سيأتي، وتقديم الجار والمجرور ~~على المفعول الصريح لما مر مرارا من الاهتمام بالمقدم والتشويق إلى ~~المؤخر، والنقيب فعيل بمعنى فاعل مشتق من النقب، وهو التفتيش، ~~ومنه قوله تعالى: # فنقبوا فى البلد # [ سورة ق، الآية 36] سمي بذلك لتفتيشه عن أحوال القوم وأسرارهم. ~~قال الزجاج: وأصله من النقب وهو الثقب الواسع. روي (أن بني إسرائيل ~~لما استقروا بمصر بعد مهلك فرعون أمرهم الله عز وجل بالمسير إلى ~~أريحاء أرض الشام، وكان يسكنها الجبابرة الكنعانيون، وقال لهم: ~~إني كتبتها لكم دارا وقرارا فاخرجوا إليها وجاهدوا من فيها وإني ~~ناصركم، وأمر موسى عليه السلام أن يأخذ من كل سبط نقيبا أمينا ~~يكون كفيلا على قومه بالوفاء بما أمروا به توثقة عليهم، فاختار ~~النقباء وأخذ الميثاق على بني إسرائيل وتكفل إليهم النقباء، وسار ~~بهم، فلما دنا من أرض كنعان بعث النقباء يتجسسون فرأوا أجراما ~~عظيمة وقوة وشوكة، فهابوا ورجعوا وحدثوا قومهم بما رأوا، وقد ~~نهاهم موسى عن ذلك، فنكثوا الميثاق إلا كالب بن يوقنا نقيب سبط ~~يهوذا، ويوشع بن نون نقيب سبط أفراييم بن يوسف الصديق ~~عليه الصلاة والسلام)، قيل: لما توجه النقباء إلى أرضهم للتجسس لقيهم ~~عوج بن عنق، وكان طوله ثلاثة آلاف وثلاثمائة وثلاثة وثلاثين ذراعا ~~وقد عاش ثلاثة آلاف سنة، وكان على رأسه حزمة حطب، فأخذهم وجعلهم في ~~الحزمة وانطلق بهم إلى امرأته، وقال: انظري إلى هؤلاء الذين يزعمون ~~أنهم يريدون قتالنا، فطرحهم بين يديها وقال: ألا أطحنهم برجلي، ~~فقالت: لا بل خل عنهم حتى يخبروا قومهم بما رأوا، ففعل فجعلوا ~~يتعرفون أحوالهم، وكان لا يحمل عنقود ms0838 عنبهم إلا خمسة رجال، أو ~~أربعة، فلما خرج النقباء قال بعضهم لبعض: إن أخبرتم بني إسرائيل بخبر ~~القوم ارتدوا عن نبي الله، ولكن اكتموه إلا عن موسى وهارون عليهما ~~السلام، فيكونان هما يريان رأيهما، فأخذ بعضهم على بعض الميثاق ثم ~~انصرفوا إلى موسى عليه السلام وكان معهم حبة من عنبهم وقر رجل، ~~فنكثوا عهدهم وجعل كل منهم ينهى سبطه عن قتالهم، ويخبرهم بما رأى ~~إلا كالب ويوشع، وكان معسكر موسى فرسخا في فرسخ فجاء عوج حتى نظر ~~إليهم ثم رجع إلى الجبل، فقور منه صخرة عظيمة على قدر المعسكر ثم حملها ~~على رأسه ليطبقها عليهم فبعث الله تعالى الهدهد فقور من الصخرة ~~وسطها المحاذي لرأسه، فانتقبت فوقعت في عنق عوج، وطوقته فصرعته، ~~وأقبل موسى عليه السلام وطوله عشرة أذرع، وكذا طول العصا، فترامى ~~في السماء عشرة أذرع، فما أصاب العصا إلا كعبه وهو مصروع فقتله، ~~قالوا: فأقبلت جماعة ومعهم الخناجر حتى حزوا رأسه. # { وقال الله } أي لبني إسرائيل فقط إذ هم المحتاجون إلى ما ذكر ~~من الترغيب والترهيب كما ينبىء عنه الالتفات مع ما فيه من تربية ~~المهابة وتأكيد ما يتضمنه الكلام من الوعد { إنى معكم } أي بالعلم ~~والقدرة والنصرة، لا بالنصرة فقط، فإن تنبيههم على علمه تعالى بكل ~~ما يأتون وما يذرون وعلى كونهم تحت قدرته وملكوته مما يحملهم على ~~الجد في الامتثال بما أمروا به والانتهاء عما نهوا عنه، كأنه قيل: إني ~~معكم أسمع كلامكم وأرى أعمالكم وأعلم ضمائركم، فأجازيكم بذلك، هذا ~~وقد قيل: المراد بالميثاق هو الميثاق بالإيمان والتوحيد، وبالنقباء ~~ملوك بني إسرائيل الذين ينقبون أحوالهم، ويلون أمورهم بالأمر ~~والنهي، وإقامة العدل، وهو الأنسب بقوله تعالى: { لئن أقمتم ~~الصلوة وءاتيتم الزكوة وآمنتم برسلي } أي بجميعهم ~~واللام موطئة للقسم المحذوف وتأخير الإيمان عن إقامة الصلاة ~~وإيتاء الزكاة مع كونهم من الفروع المترتبة عليه لما أنهم كانوا ~~معترفين بوجوبهما مع ارتكابهم لتكذيب بعض الرسل عليهم السلام، ~~ولمراعاة المقارنة بينه وبين قوله تعالى: { وعزرتموهم } أي ~~نصرتموهم وقويتموهم، وأصله الذب وقيل: ms0839 التعظيم والتوقير والثناء ~~بخير. وقرىء (وعززتموهم) بالتخفيف { وأقرضتم الله } ~~بالإنفاق في سبيل الخير، أو بالتصدق بالصدقات المندوبة، وقوله تعالى: { ~~قرضا حسنا } إما مصدر مؤكد وارد على غير صيغة المصدر، كما في ~~قوله تعالى: # فتقبلها ربها بقبول حسن وأنبتها نباتا ~~حسنا # [آل عمران، الآية 37] أو مفعول ثان لأقرضتم على أنه اسم للمال ~~المقرض، وقوله تعالى: { لأكفرن عنكم سيئتكم } جواب ~~للقسم المدلول عليه باللام ساد مسد جواب الشرط { سيئتكم ~~ولادخلنكم جنت تجرى من تحتها الأنهر } عطف ~~على ما قبله داخل معه في حكم الجواب، متأخر عنه في الحصول أيضا، ~~ضرورة تقدم التخلية على التحلية. { فمن كفر } أي برسلي أو بشيء ~~مما عدد في حيز الشرط، والفاء لترتيب بيان حكم من كفر على ~~بيان حكم من آمن، تقوية للترغيب بالترهيب { بعد ذلك } الشرط ~~المؤكد المعلق به الوعد العظيم الموجب للإيمان قطعا { منكم ~~} متعلق بمضمر وقع حالا من فاعل كفر، ولعل تغيير السبك ~~حيث لم يقل وإن كفرتم عطفا على الشرطية السابقة لإخراج كفر الكل عن ~~حيز الاحتمال، وإسقاط من كفر عن رتبة الخطاب، وليس المراد إحداث ~~الكفر بعد الإيمان، بل ما يعم الاستمرار عليه أيضا، كأنه قيل: فمن ~~اتصف بالكفر بعد ذلك، خلا أنه قصد بإيراد ما يدل على الحدوث ~~بيان ترقيهم في مراتب الكفر، فإن الاتصاف بشيء بعد ورود ما يوجب ~~الإقلاع عنه، وإن كان استمرارا عليه لكنه بحسب العنوان فعل جديد ~~وصنع حادث { فقد ضل سواء السبيل } أي وسط الطريق الواضح ~~ضلالا بينا، وأخطأه خطأ فاحشا، لا عذر معه أصلا، بخلاف من كفر ~~قبل ذلك، إذ ربما يمكن أن يكون له شبهة، ويتوهم له معذرة. ### || [5.13-14] # { فبما نقضهم ميثقهم } الباء سببية، و(ما) مزيدة لتأكيد ~~الكلام وتمكينه في النفس، أي بسبب نقضهم ميثاقهم المؤكد لا بشيء ~~آخر استقلالا أو انضماما { لعنهم } طردناهم وأبعدناهم من ~~رحمتنا، أو مسخناهم قردة وخنازير، أو أذللناهم بضرب الجزية عليهم. ~~وتخصيص البيان بما ذكر مع أن حقه أن يبين بعد بيان تحقق نفس ~~اللعن والنقض، بأن يقال مثلا: ms0840 فنقضوا ميثاقهم فلعناهم ضرورة ~~تقدم هيئة الشيء البسيطة على هيئته المركبة للإيذان بأن ~~تحققهما أمر جلي غني عن البيان، وإنما المحتاج إلى ذلك ما ~~بينهما من السببية والمسببية { وجعلنا قلوبهم قاسية ~~} بحيث لا تتأثر من الآيات والنذر، وقيل: أملينا لهم ولم نعاجلهم ~~بالعقوبة حتى قست، أو خذلناهم ومنعناهم الألطاف حتى صارت كذلك وقرىء ~~(قسية)، وهي إما مبالغة قاسية، وإما بمعنى رديئة، من قولهم: درهم ~~قسي، أي رديء، إذا كان مغشوشا له يبس وخشونة، وقرىء بكسر القاف ~~إتباعا لها بالسين { يحرفون الكلم عن موضعه } استئناف ~~لبيان مرتبة قساوة قلوبهم فإنه لا مرتبة أعظم مما يصحح الاجتراء ~~على تغيير كلام الله عز وجل والافتراء عليه، وصيغة المضارع للدلالة ~~على التجدد والاستمرار، وقيل: حال من مفعول لعناهم { ونسوا حظا ~~} أي تركوا نصيبا وافرا { مما ذكروا به } من التوراة ومن ~~اتباع محمد عليه الصلاة والسلام، وقيل: حرفوا التوراة وزلت أشياء ~~منها عن حفظهم، وعن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه: (قد ينسى المرء بعض ~~العلم بالمعصية) وتلا هذه الآية { ولا تزال تطلع على ~~خائنة منهم } أي خيانة على أنها مصدر كلاغية وكاذبة أو ~~فعلة خائنة، أي ذات خيانة، أو طائفة خائنة، أو شخص خائنة، على أن ~~التاء للمبالغة، أو نفس خائنة، و(منهم) متعلق بمحذوف وقع صفة لها، ~~خلا أن (من) على الوجهين الأولين ابتدائية، أي على خيانة أو على ~~فعلة خائنة كائنة منهم صادرة عنهم، وعلى الوجوه الباقية تبعيضية، ~~والمعنى أن الغدر والخيانة عادة مستمرة لهم ولأسلافهم بحيث لا يكادون ~~يتركونها ويكتمونها فلا تزال ترى ذلك منهم. # { إلا قليلا منهم } استثناء من الضمير المجرور في (منهم) على ~~الوجوه كلها، وقيل: من خائنة على الوجوه الثلاثة الأخيرة، والمراد ~~بهم الذين آمنوا منهم كعبد الله بن سلام وأضرابه، وقيل: من خائنة ~~على الوجه الثاني، فالمراد بالقليل الفعل القليل، ومن ابتدائية كما ~~مر، أي إلا فعلا قليلا كائنا منهم { فاعف عنهم واصفح } أي ~~إن تابوا وآمنوا أو عاهدوا والتزموا الجزية، وقيل: مطلق نسخ بآية ~~السيف { إن الله ms0841 يحب المحسنين } تعليل للأمر وحث على ~~الامتثال به، وتنبيه على أن العفو على الإطلاق من باب الإحسان. # { ومن الذين قالوا إنا نصرى أخذنا ميثقهم ~~} بيان لقبائح النصارى وجناياتهم إثر بيان قبائح اليهود وخياناتهم، ~~و(من) متعلقة (بأخذنا)، إذ التقدير وأخذنا من الذين قالوا إنا نصارى ~~ميثاقهم، وتقديم الجار والمجرور للاهتمام به، ولأن ذكر حال إحدى ~~الطائفتين مما يوقع في ذهن السامع أن حال الأخرى ماذا؟ فكأنه قيل: ومن ~~الطائفة الأخرى أيضا أخذنا ميثاقهم، وقيل: هي متعلقة بمحذوف وقع خبرا ~~لمبتدأ محذوف قامت صفته أو صلته مقامه، أي ومنهم قوم أخذنا ميثاقهم، ~~أو من أخذنا ميثاقهم، وضمير (ميثاقهم) راجع إلى الموصوف المقدر، ~~وأما في الوجه الأول فراجع إلى الموصول، وقيل: راجع إلى بني إسرائيل، ~~أي أخذنا من هؤلاء ميثاق أولئك، أي مثل ميثاقهم من الإيمان بالله والرسل، ~~وبما يتفرع على ذلك من أفعال الخير، وإنما نسب تسميتهم نصارى إلى ~~أنفسهم دون أن يقال ومن النصارى إيذانا بأنهم في قولهم نحن أنصار الله ~~بمعزل من الصدق، وإنما هو تقول محض منهم، وليسوا من نصرة الله ~~تعالى في شيء، أو إظهارا لكمال سوء صنيعهم ببيان التناقض بين أقوالهم ~~وأفعالهم، فإن ادعاءهم لنصرته تعالى يستدعي ثباتهم على طاعته تعالى ~~ومراعاة ميثاقه { فنسوا } عقيب أخذ الميثاق من غير تلعثم { حظا ~~} وافرا { مما ذكروا به } في تضاعيف الميثاق من الإيمان بالله ~~تعالى وغير ذلك حسبما مر آنفا، وقيل: هو ما كتب عليهم في الإنجيل من ~~أن يؤمنوا بمحمد عليه الصلاة والسلام فتركوه ونبذوه وراء ظهورهم، ~~واتبعوا أهواءهم فاختلفوا وتفرقوا نسطورية ويعقوبية وملكانية أنصارا ~~للشيطان، { فأغرينا } أي ألزمنا وألصقنا، من غري بالشيء إذا ~~لزمه ولصق به، وأغراه غيره، ومنه الغراء، وقوله تعالى: { بينهم } ~~إما ظرف لأغرينا أو متعلق بمحذوف وقع حالا من مفعوله، أي أغرينا { ~~العداوة والبغضاء } كائنة بينهم، ولا سبيل إلى جعله ظرفا ~~لهما، لأن المصدر لا يعمل فيما قبله، وقوله تعالى: { إلى يوم ~~القيمة } إما غاية للإغراء أو للعداوة والبغضاء، أي يتعادون ~~ويتباغضون إلى يوم القيامة ms0842 حسبما تقتضيه أهواؤهم المختلفة وآراؤهم ~~الزائغة المؤدية إلى التفرق إلى الفرق الثلاثة، فضمير (بينهم) لهم خاصة، ~~وقيل: لهم ولليهود، أي أغرينا العداوة والبغضاء بين اليهود والنصارى { ~~وسوف ينبئهم الله بما كانوا يصنعون } وعيد شديد ~~بالجزاء والعذاب كقول الرجل لمن يتوعده: سأخبرك بما فعلت، أي يجازيهم ~~بما عملوه على الاستمرار من نقض الميثاق ونسيان الحظ الوافر مما ذكروا ~~به، و(سوف) لتأكيد الوعيد، والالتفات إلى ذكر الاسم الجليل لتربية ~~المهابة وإدخال الروعة لتشديد الوعيد، والتعبير عن العمل بالصنع ~~للإيذان برسوخهم في ذلك، وعن المجازاة بالتنبئة للتنبيه على أنهم لا ~~يعلمون حقيقة ما يعملونه من الأعمال السيئة واستتباعها للعذاب، فيكون ~~ترتيب العذاب عليها في إفادة العلم بحقيقة حالها بمنزلة الإخبار بها. ### || [5.15] # { يا أهل الكتب } التفات إلى خطاب الفريقين على أن الكتاب ~~جنس شامل للتوراة والإنجيل إثر بيان أحوالهما من الخيانة وغيرها من ~~فنون القبائح ودعوة لهم إلى الإيمان برسول الله صلى الله عليه وسلم ~~والقرآن، وإيرادهم بعنوان أهلية الكتاب لانطواء الكلام المصدر به على ~~ما يتعلق بالكتاب وللمبالغة في التشنيع، فإن أهلية الكتاب من موجبات ~~مراعاته والعمل بمقتضاه وبيان ما فيه من الأحكام، وقد فعلوا من الكتم ~~والتحريف ما فعلوا وهم يعلمون { قد جاءكم رسولنا } الإضافة ~~للتشريف، والإيذان بوجوب اتباعه وقوله تعالى: { يبين لكم } حال ~~من رسولنا، وإيثار الجملة الفعلية على غيرها للدلالة على تجدد ~~البيان، أي قد جاءكم رسولنا حال كونه مبينا لكم على التدريج حسبما ~~تقتضيه المصلحة { كثيرا مما كنتم تخفون من الكتب } ~~أي التوراة والإنجيل كبعثة محمد عليه الصلاة والسلام، وآية الرجم في ~~التوراة وبشارة عيسى بأحمد عليهما السلام في الإنجيل، وتأخير (كثيرا) ~~عن الجار والمجرور لما مر مرارا من إظهار العناية بالمقدم، لما فيه ~~من تعجيل المسرة والتشويق إلى المؤخر لأن ما حقه التقديم إذا ~~أخر لا سيما مع الإشعار بكونه من منافع المخاطب تبقى النفس ~~مترقبة إلى وروده، فيتمكن عندها إذا ورد فضل تمكن، ولأن في المؤخر ~~ضرب تفصيل ربما يخل تقديمه بتجاذب أطراف النظم الكريم، فإن ms0843 (مما) ~~متعلق بمحذوف وقع صفة لكثيرا، و(ما) موصولة اسمية وما بعدها صلتها، ~~والعائد إليها محذوف، و(من الكتاب) متعلق بمحذوف هو حال من العائد ~~المحذوف، والجمع بين صيغتي الماضي والمستقبل للدلالة على استمرارهم على ~~الكتم والإخفاء، أي يبين لكم كثيرا من الذي تخفونه على الاستمرار حال ~~كونه من الكتاب الذي أنتم أهله والمتمسكون به { ويعفوا عن كثير ~~} أي ولا يظهر كثيرا مما تخفونه، إذا لم تدع إليه داعية دينية صيانة ~~لكم عن زيادة الافتضاح كما يفصح عنه التعبير عن عدم الإظهار بالعفو، ~~وفيه حث لهم على عدم الإخفاء ترغيبا وترهيبا، والجملة معطوفة على ~~الجملة الحالية داخلة في حكمها، وقيل: يعفو عن كثير منكم ولا يؤاخذه، ~~وقوله تعالى: { قد جاءكم من الله نور } جملة مستأنفة مسوقة ~~لبيان أن فائدة مجيء الرسول ليست منحصرة فيما ذكر من بيان ما ~~كانوا يخفونه، بل له منافع لا تحصى، و(من الله) متعلق بجاء، و(من) ~~لابتداء الغاية مجازا، أو بمحذوف وقع حالا من نور، وأيا ما كان فهو ~~تصريح بما يشعر به إضافة الرسول من مجيئه من جنابه عز وجل، وتقديم ~~الجار والمجرور على الفاعل للمسارعة إلى بيان كون المجيء من جهته ~~العالية، والتشويق إلى الجائي، ولأن فيه نوع تطويل يخل تقديمه ~~بتجاوب أطراف النظم الكريم، كما في قوله تعالى: # وجاءك فى هذه الحق وموعظة وذكرى ~~للمؤمنين # [هود، الآية:120] وتنوين (نور) للتفخيم، والمراد به وبقوله تعالى: { ~~وكتب مبين } القرآن، لما فيه من كشف ظلمات الشرك والشك وإبانة ~~ما خفي على الناس من الحق والإعجاز البين، والعطف لتنزيل المغايرة ~~بالعنوان منزلة المغايرة بالذات، وقيل: المراد بالأول هو الرسول عليه ~~الصلاة والسلام وبالثاني القرآن. ### || [5.16] # { يهدى به الله } توحيد الضمير المجرور لاتحاد المرجع بالذات ~~أو لكونهما في حكم الواحد أو أريد يهدي بما ذكر، وتقديم الجار والمجرور ~~للاهتمام، وإظهار الجلالة لإظهار كمال الاعتناء بأمر الهداية، ومحل ~~الجملة الرفع على أنها صفة ثانية لكتاب، أو النصب على الحالية منه ~~لتخصصه بالصفة { من اتبع رضوانه } أي رضاه بالإيمان به، ~~و(من) موصولة ms0844 أو موصوفة { سبل السلم } أي طرق السلامة من ~~العذاب والنجاة من العقاب، أو سبل الله تعالى وهي شريعته التي شرعها ~~للناس، قيل: هو مفعول ثان (ليهدي)، والحق أن انتصابه بنزع الخافض على ~~طريقة قوله تعالى: # واختار موسى قومه # [الأعراف، الآية: 155] وإنما يعدى إلى الثاني بإلى أو باللام كما في ~~قوله تعالى: # إن هذا القرءان يهدى للتي هي أقوم # [الإسراء، الآية: 9] { ويخرجهم } الضمير لمن، والجمع باعتبار ~~المعنى كما أن الإفراد في (اتبع) باعتبار اللفظ { من الظلمت } ~~أي ظلمات فنون الكفر والضلال { إلى النور } إلى الإيمان { ~~بإذنه } بتيسيره أو بإرادته { ويهديهم إلى صرط ~~مستقيم } هو أقرب الطرق إلى الله تعالى، ومؤد إليه لا محالة، ~~وهذه الهداية عين الهداية إلى سبل السلام، وإنما عطفت عليها تنزيلا ~~للتغاير الوصفي منزلة التغاير الذاتي كما في قوله تعالى: # ولما جاء أمرنا نجينا هودا والذين ءامنوا ~~معه برحمة منا ونجيناهم من عذاب غليظ # [هود، الآية: 58]. ### || [5.17] # { لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ~~ابن مريم } أي لا غير، كما يقال: الكرم هو التقوى، وهم ~~اليعقوبية القائلون بأنه تعالى قد يحل في بدن إنسان معين، أو في ~~روحه، وقيل: لم يصرح به أحد منهم، لكن حيث اعتقدوا اتصافه بصفات ~~الله الخاصة وقد اعترفوا بأن الله تعالى موجود، فلزمهم القول بأنه ~~المسيح لا غير، وقيل: لما زعموا أن فيه لاهوتا وقالوا: لا إله إلا ~~واحد، لزمهم أن يكون هو المسيح، فنسب إليهم لازم قولهم توضيحا ~~لجهلهم، وتفضيحا لمعتقدهم { قل } أي تبكيتا لهم وإظهارا لبطلان ~~قولهم الفاسد وإلقاما لهم الحجر، والفاء في قوله تعالى: { فمن ~~يملك من الله شيئا } فصيحة، و(من) استفهامية للإنكار ~~والتوبيخ، والملك الضبط والحفظ التام عن حزم، و(من) متعلقة به ~~على حذف المضاف، أي إن كان الأمر كما تزعمون فمن يمنع من قدرته تعالى ~~وإرادته شيئا؟ وحقيقته فمن يستطيع أن يمسك شيئا منهما { إن ~~أراد أن يهلك المسيح ابن مريم وأمه ومن في ~~الأرض جميعا }. # ومن حق من يكون إلها ألا يتعلق به ولا بشأن من ms0845 شؤونه، بل بشيء من ~~الموجودات قدرة غيره بوجه من الوجوه، فضلا عن أن يعجز عن دفع شيء ~~منها عند تعلقها بهلاكه، فلما كان عجزه بينا لا ريب فيه ظهر كونه ~~بمعزل مما تقولوا في حقه. والمراد بالإهلاك الإماتة والإعدام ~~مطلقا، لا بطريق السخط والغضب، وإظهار المسيح على الوجه الذي نسبوا ~~إليه الألوهية في مقام الإضمار لزيادة التقرير، والتنصيص على أنه من تلك ~~الحيثية بعينها داخل تحت قهره وملكوته تعالى ونفي المالكية ~~المذكورة بالاستفهام الإنكاري عن كل أحد مع تحقق الإلزام والتبكيت ~~بنفيها عن المسيح فقط، بأن يقال: فهل يملك شيئا من الله إن أراد الخ ~~لتحقيق الحق بنفي الألوهية عن كل ما عداه سبحانه. وإثبات المطلوب في ~~ضمنه بالطريق البرهاني، فإن انتفاء المالكية المستلزم لاستحالة ~~الألوهية متى ظهر بالنسبة إلى الكل ظهر بالنسبة إلى المسيح على أبلغ ~~وجه وآكده فيظهر استحالة ألوهيته قطعا. وتعميم إرادة الإهلاك ~~للكل، مع حصول ما ذكر من التحقق بقصرها عليه، بأن يقال: فمن يملك من ~~الله شيئا إن أراد أن يهلك المسيح، لتهويل الخطب وإظهار كمال العجز ~~ببيان أن الكل تحت قهره تعالى وملكوته، لا يقدر أحد على دفع ما ~~أريد به فضلا عن دفع ما أريد بغيره، وللإيذان بأن المسيح أسوة لسائر ~~المخلوقات في كونه عرضة للهلاك كما أنه أسوة لها فيما ذكر من العجز ~~وعدم استحقاق الألوهية، وتخصيص أمه بالذكر مع اندراجها في ضمن من ~~في الأرض لزيادة تأكيد عجز المسيح، ولعل نظمها في سلك من فرض ~~إرادة إهلاكهم مع تحقق هلاكها قبل ذلك لتأكيد التبكيت وزيادة تقرير ~~مضمون الكلام، بجعل حالها أنموذجا لحال بقية من فرض إهلاكه، ~~كأنه قيل: قل فمن يملك من الله شيئا إن أراد أن يهلك المسيح وأمه ~~ومن في الأرض، وقد أهلك أمه فهل مانعه أحد، فكذا حال من عداها من ~~الموجودين وقوله تعالى: { ولله ملك السموات والأرض ~~وما بينهما } أي ما بين قطري العالم الجسماني لا بين وجه ~~الأرض ومقعر فلك القمر فقط، فيتناول ما في السموات ms0846 من الملائكة ~~عليهم السلام وما في أعماق الأرض والبحار من المخلوقات، تنصيص على كون ~~الكل تحت قهره تعالى وملكوته إثر الإشارة إلى كون البعض أي من في ~~الأرض كذلك، أي له تعالى وحده ملك جميع الموجودات والتصرف المطلق ~~فيها إيجادا وإعداما وإحياء وإماتة لا لأحد سواه استقلالا، ولا ~~اشتراكا فهو تحقيق لاختصاص الألوهية به تعالى إثر بيان انتفائها عن ~~كل ما سواه. # وقوله تعالى: { يخلق ما يشاء } جملة مستأنفة مسوقة لبيان بعض ~~أحكام الملك والألوهية على وجه يزيح ما اعتراهم من الشبهة في أمر ~~المسيح لولادته من غير أب، وخلق الطير وإحياء الموتى وإبراء الأكمه ~~والأبرص، أي يخلق ما يشاء من أنواع الخلق والإيجاد على أن (ما) نكرة ~~موصوفة محلها النصب على المصدرية، لا على المفعولية، كأنه قيل: يخلق ~~أي خلق يشاؤه فتارة يخلق من غير أصل كخلق السموات والأرض، وأخرى من ~~أصل كخلق ما بينهما، فينشىء من أصل ليس من جنسه كخلق آدم وكثير من ~~الحيوانات، ومن أصل يجانسه إما من ذكر وحده كخلق حواء أو أنثى ~~وحدها، كخلق عيسى عليه السلام، أو منهما كخلق سائر الناس، ويخلق بلا توسط ~~شيء من المخلوقات كخلق عامة المخلوقات، وقد يخلق بتوسط مخلوق آخر كخلق ~~الطير على يد عيسى عليه السلام معجزة له وإحياء الموتى وإبراء الأكمه ~~والأبرص وغير ذلك فيجب أن ينسب كله إليه تعالى لا إلى من أجرى ~~ذلك على يده { والله على كل شيء قدير } اعتراض تذييلي ~~مقرر لمضمون ما قبله، وإظهار الاسم الجليل للتعليل وتقوية استقلال ~~الجملة. ### || [5.18] # { وقالت اليهود والنصرى نحن أبناء الله ~~وأحباؤه } حكاية لما صدر عن الفريقين من الدعوى الباطلة وبيان ~~لبطلانها بعد ذكر ما صدر عن أحدهما وبيان بطلانه أي قالت اليهود: نحن ~~أشياع ابنه عزير، وقالت النصارى: نحن أشياع ابنه المسيح، كما ~~قيل لأشياع أبي خبيب وهو عبد الله بن الزبير: الخبيبيون، وكما ~~يقول أقارب الملوك عند المفاخرة: نحن الملوك، وقال ابن عباس رضي الله ~~تعالى عنهما: إن النبي عليه الصلاة والسلام دعا ms0847 جماعة من اليهود إلى دين ~~الإسلام وخوفهم بعقاب الله تعالى فقالوا: كيف تخوفنا به ونحن أبناء ~~الله وأحباؤه؟ وقيل: إن النصارى يتلون في الإنجيل أن المسيح قال لهم: ~~إني ذاهب إلى أبي وأبيكم، وقيل: أرادوا أن الله تعالى كالأب لنا في ~~الحنو والعطف، ونحن كالأبناء له في القرب والمنزلة، وبالجملة أنهم ~~كانوا يدعون أن لهم فضلا ومزيدية عند الله تعالى على سائر الخلق، ~~فرد عليهم ذلك، وقيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم: { قل } إلزاما ~~لهم وتبكيتا { فلم يعذبكم بذنوبكم } أي إن صح ما زعمتم ~~فلأي شيء يعذبكم في الدنيا بالقتل والأسر والمسخ، وقد اعترفتم بأنه ~~تعالى سيعذبكم في الآخرة بالنار أياما بعدد أيام عبادتكم العجل، ولو ~~كان الأمر كما زعمتم لما صدر عنكم ما صدر، ولما وقع عليكم ما وقع، وقوله ~~تعالى: { بل أنتم بشر } عطف على مقدر ينسحب عليه الكلام، أي لستم ~~كذلك بل أنتم بشر { ممن خلق } أي من جنس من خلقه الله تعالى من ~~غير مزية لكم عليهم { يغفر لمن يشاء } أن يغفر له من أولئك ~~المخلوقين، وهم الذين آمنوا به تعالى وبرسله { ويعذب من يشاء } ~~أن يعذبه منهم، وهم الذين كفروا به وبرسله مثلكم { ولله ملك ~~السموات والأرض وما بينهما } من الموجودات لا ينتمي ~~إليه سبحانه شيء منها إلا بالملوكية والعبودية والمقهورية تحت ملكوته، ~~يتصرف فيهم كيف يشاء إيجادا وإعداما، إحياء وإماتة، وإثابة وتعذيبا، ~~فأنى لهم ادعاء ما زعموا { وإليه المصير } في الآخرة خاصة لا ~~إلى غيره استقلالا أو اشتراكا فيجازي كلا من المحسن والمسيء بما ~~يستدعيه عمله من غير صارف يثنيه ولا عاطف يلويه. ### || [5.19] # { يا أهل الكتب } تكرير للخطاب بطريق الالتفات ولطف في ~~الدعوة { قد جاءكم رسولنا يبين لكم } حال من رسولنا، ~~وإيثاره على مبينا لما مر فيما سبق، أي يبين لكم الشرائع ~~والأحكام الدينية المقرونة بالوعد والوعيد، ومن جملتها ما بين في ~~الآيات السابقة من بطلان أقاويلكم الشنعاء، وما سيأتي من أخبار الأمم ~~السالفة، وإنما حذف تعويلا على ظهور أن مجيء الرسول ms0848 إنما هو لبيانها، ~~أو يفعل لكم البيان، ويبذله لكم في كل ما تحتاجون فيه إلى البيان من ~~أمور الدين، وأما تقدير مثل ما سبق في قوله تعالى: { كثيرا مما ~~كنتم تخفون من الكتب } كما قيل فمع كونه تكريرا من غير ~~فائدة، يرده قوله عز وجل: { على فترة من الرسل } فإن فتور ~~الإرسال وانقطاع الوحي إنما يحوج إلى بيان الشرائع والأحكام لا إلى ~~بيان ما كتموه و(على فترة) متعلق (بجاءكم) على الظرفية كما في قوله ~~تعالى: # واتبعوا ما تتلوا الشيطين على ملك سليمن # [البقرة، الآية 102] أي جاءكم على حين فتور من الإرسال وانقطاع من ~~الوحي، ومزيد احتياج إلى بيان الشرائع والأحكام الدينية، أو بمحذوف ~~وقع حالا من ضمير يبين، أو من ضمير لكم، أي يبين لكم ما ذكر حال كونه ~~على فترة من الرسل، أو حال كونكم عليها أحوج ما كنتم إلى البيان، و(من ~~الرسل) متعلق بمحذوف وقع صفة لفترة، أي كائنة من الرسل مبتدأة من ~~جهتهم. # قوله تعالى: { أن تقولوا } تعليل لمجيء الرسول بالبيان على حذف ~~المضاف أي كراهة أن تقولوا معتذرين عن تفريطكم في مراعاة أحكام الدين { ~~ما جاءنا من بشير ولا نذير } وقد انطمست آثار الشرائع ~~السابقة، وانقطعت أخبارها، وزيادة (من) في الفاعل للمبالغة في نفي ~~المجيء، وتنكير بشير ونذير للتقليل، وهذا كما ترى يقتضي أن المقدر أو ~~المنوي فيما سبق هو الشرائع والأحكام لا كيفما كانت، بل مشفوعة بما ذكر ~~من الوعد والوعيد، وقوله تعالى: { فقد جاءكم بشير ونذير } ~~متعلق بمحذوف ينبىء عنه الفاء الفصيحة وتبين أنه معلل به، ~~وتنوين (بشير ونذير) للتفخيم أي لا تعتذروا بذلك فقد جاءكم بشير أي ~~بشير ونذير أي نذير { والله على كل شيء قدير } فيقدر ~~على الإرسال تترى كما فعله بين موسى وعيسى عليهما السلام حيث كان ~~بينهما ألف وسبعمائة سنة وألف نبي وعلى الإرسال بعد الفترة كما ~~فعله بين عيسى ومحمد عليهما الصلاة والسلام، حيث كان بينهما ستمائة ~~سنة أو خمسمائة وتسع وستون سنة أو خمسمائة وست وأربعون سنة ~~وأربعة ms0849 أنبياء على ما روى الكلبي ثلاثة من بني إسرائيل وواحد ~~من العرب خالد بن سنان العبسي، وقيل: لم يكن بعد عيسى عليه السلام إلا ~~رسول الله عليه السلام وهو الأنسب بما في تنوين (فترة) من التفخيم ~~اللائق بمقام الامتنان عليهم بأن الرسول قد بعث إليهم عند كمال حاجتهم ~~إليه بسبب مضي زمان طويل بعد انقطاع الوحي ليهشوا إليه ويعدوه ~~أعظم نعمة من الله تعالى، وفتح باب إلى الرحمة، وتلزمهم الحجة فلا ~~يعتلوا غدا بأنه لم يرسل إليهم من ينبههم من غفلتهم. ### || [5.20] # { وإذ قال موسى لقومه } جملة مستأنفة مسوقة لبيان ما ~~فعلت بنو إسرائيل بعد أخذ الميثاق منهم، وتفصيل كيفية نقضهم له ~~وتعلقه بما قبله، من حيث إن ما ذكر فيه من الأمور التي وصف النبي ~~عليه السلام بيانها، ومن حيث اشتماله على انتفاء فترة الرسل فيما ~~بينهم، و(إذ) نصب على أنه مفعول لفعل مقدر خوطب به النبي عليه ~~الصلاة والسلام بطريق تلوين الخطاب، وصرفه عن أهل الكتاب ليعدد ~~عليهم ما صدر عن بعضهم من الجنايات. أي واذكر لهم وقت قول موسى لقومه ~~ناصحا لهم ومستميلا لهم بإضافتهم إليه { ياقوم اذكروا نعمة ~~الله عليكم } وتوجيه الأمر بالذكر إلى الوقت دون ما وقع فيه من ~~الحوادث مع أنها المقصودة بالذات للمبالغة في إيجاب ذكرها، لما أن ~~إيجاب ذكر الوقت إيجاب لذكر ما وقع فيه بالطريق البرهاني، ولأن الوقت ~~مشتمل على ما وقع فيه تفصيلا، فإذا استحضر كان ما وقع فيه حاضرا ~~بتفاصيله، كأنه مشاهد عيانا، و(عليكم) متعلق بنفس النعمة إذا جعلت ~~مصدرا، وبمحذوف وقع حالا منها إذا جعلت اسما، أي اذكروا إنعامه ~~عليكم، وكذا (إذ) في قوله تعالى: { إذ جعل فيكم أنبياء } أي ~~اذكروا إنعامه تعالى عليكم في وقت جعله أو اذكروا نعمته تعالى كائنة ~~عليكم في وقت جعله فيما بينكم من أقربائكم أنبياء ذوي عدد كثير ~~وأولي شأن خطير، حيث لم يبعث من أمة من الأمم ما بعث من بني ~~إسرائيل من الأنبياء { وجعلكم ملوكا } عطف على (جعل) فيكم ~~أو ms0850 منكم ملوكا كثيرة، فإنه قد تكاثر فيهم الملوك تكاثر الأنبياء، ~~وإنما حذف الظرف تعويلا على ظهور الأمر أو جعل الكل في مقام ~~الامتنان عليهم ملوكا، لما أن أقارب الملوك يقولون عند المفاخرة: نحن ~~الملوك، وإنما لم يسلك ذلك المسلك فيما قبله لما أن منصب النبوة ~~من عظم الخطر وعزة المطلب وصعوبة المنال بحيث ليس يليق أن ~~ينسب إليه ولو مجازا من ليس ممن اصطفاه الله تعالى له. وقيل: ~~كانوا مملوكين في أيدي القبط فأنقذهم الله تعالى فسمى إنقاذهم ~~ملكا، وقيل: الملك من له مسكن واسع فيه ماء جار، وقيل: من له ~~بيت وخدم، وقيل: من له مال لا يحتاج معه إلى تكلف الأعمال وتحمل ~~المشاق { وآتاكم ما لم يؤت أحدا من العالمين } من ~~فلق البحر وإغراق العدو وتظليل الغمام وإنزال المن والسلوى وغير ذلك ~~مما آتاهم الله تعالى من الأمور العظام، والمراد بالعالمين الأمم ~~الخالية إلى زمانهم، وقيل: من عالمي زمانهم. ### || [5.21-22] # { ياقوم ادخلوا الأرض المقدسة } كرر النداء بالإضافة ~~التشريفية اهتماما بشأن الأمر ومبالغة في حثهم على الامتثال به، ~~والأرض هي أرض بيت المقدس، سميت بذلك لأنها كانت قرار الأنبياء ~~ومسكن المؤمنين. # وقيل: هي الطور وما حوله، وقيل: دمشق وفلسطين وبعض الأردن، وقيل: ~~هي الشام { التى كتب الله لكم } أي كتب في اللوح المحفوظ ~~أنها تكون مسكنا لكم إن آمنتم وأطعتم لقوله تعالى لهم بعد ما عصوا: # فإنها محرمة عليهم # [المائدة، الآية 26] وقوله تعالى: { ولا ترتدوا على ~~أدبركم فتنقلبوا خسرين } فإن ترتيب الخيبة ~~والخسران على الارتداد يدل على اشتراط الكتب بالمجاهدة المترتبة على ~~الإيمان والطاعة قطعا، أي لا ترجعوا مدبرين خوفا من الجبابرة، فالجار ~~والمجرور متعلق بمحذوف هو حال من فاعل ترتدوا، ويجوز أن يتعلق بنفس ~~الفعل، قيل: لما سمعوا أحوالهم من النقباء بكوا وقالوا: يا ليتنا ~~متنا بمصر، تعالوا نجعل لنا رأسا ينصرف بنا إلى مصر، أو لا ~~ترتدوا عن دينكم بالعصيان وعدم الوثوق بالله تعالى، وقوله: (فتنقلبوا) ~~إما مجزوم عطفا على ترتدوا، أو منصوب على جواب النهي، والخسران ms0851 ~~خسران الدين والدنيا لا سيما دخول ما كتب لهم. # { قالوا } استئناف مبني نشأ من مساق الكلام كأنه قيل: فماذا قالوا ~~بمقابلة أمره عليه السلام ونهيه؟ فقيل: قالوا غير ممتثلين بذلك: { ~~ياموسى إن فيها قوما جبارين } متغلبين لا يتأتى ~~منازعتهم ولا يتسنى مناصبتهم. والجبار العاتي الذي يجبر الناس ~~ويقسرهم كائنا من كان على ما يريده كائنا ما كان، فعال من جبره على ~~الأمر أي أجبره عليه { وإنا لن ندخلها حتى يخرجوا ~~منها } من غير صنع من قبلنا، فإنه لا طاقة لنا بإخراجهم منها { ~~فإن يخرجوا منها } بسبب من الأسباب التي لا تعلق لنا بها { ~~فإنا دخلون } حينئذ، أتوا بهذه الشرطية مع كون مضمونها مفهوما ~~مما سبق من توقيت عدم الدخول بخروجهم منها تصريحا بالمقصود وتنصيصا ~~على أن امتناعهم من دخولها ليس إلا لمكانهم فيها، وأتوا في الجزاء ~~بالجملة الاسمية المصدرة بحرف التحقيق دلالة على تقرر الدخول وثباته ~~عند تحقق الشرط لا محالة، وإظهارا لكمال الرغبة فيه، وفي الامتثال ~~بالأمر. ### || [5.23-24] # { قال رجلان } استئناف كما سبق كأنه قيل: هل اتفقوا على ذلك أو ~~خالفهم البعض؟ فقيل: قال رجلان: { من الذين يخافون } أي يخافون ~~الله تعالى دون العدو ويتقونه في مخالفة أمره ونهيه، وبه قرأ ابن ~~مسعود، وفيه تعريض بأن من عداهما لا يخافونه تعالى. بل يخافون العدو. ~~وقيل: من الذين يخافون العدو أي منهم في النسب لا في الخوف وهما ~~يوشع بن نون وكالب بن يوقنا من النقباء، وقيل: هما رجلان من الجبابرة ~~أسلما وسارا إلى موسى عليه السلام، فالواو حينئذ لبني إسرائيل، والموصول ~~عبارة عن الجبابرة، وإليهم يعود العائد المحذوف، أي من الذين يخافهم بنو ~~إسرائيل ويعضده قراءة من قرأ (يخافون) على صيغة المبني للمفعول أي ~~المخوفين، وعلى الأول يكون هذا من الإحافة أي من الذين يخوفون من ~~الله تعالى بالتذكير أو يخوفهم الوعيد { أنعم الله عليهما ~~} أي بالتثبيت وربط الجأش والوقوف على شؤونه تعالى والثقة بوعده، أو ~~بالإيمان وهو صفة ثانية لرجلان، أو اعتراض، وقيل: حال من الضمير في ~~يخافون ms0852 أو من رجلان لتخصصه بالصفة، أي قالا مخاطبين لهم ومشجعين { ~~ادخلوا عليهم الباب } أي باب بلدهم، وتقديم الجار والمجرور ~~عليه للاهتمام به لأن المقصود إنما هو دخول الباب وهم في بلدهم أي ~~باغتوهم وضاغطوهم في المضيق وامنعوهم من البروز إلى الصحراء لئلا ~~يجدوا للحرب مجالا { فإذا دخلتموه } أي باب بلدهم وهم فيه { ~~فإنكم غلبون } من غير حاجة إلى القتال فإنا قد رأيناهم ~~وشاهدنا أن قلوبهم ضعيفة، وإن كانت أجسادهم عظيمة، فلا تخشوهم ~~واهجموا عليهم في المضايق فإنهم لا يقدرون فيها على الكر والفر. وقيل: ~~إنما حكما بالغلبة لما علماها من جهة موسى عليه السلام ومن قوله ~~تعالى: # كتب الله لكم # [المائدة، الآية 21] أو لما علما من سنته تعالى في نصره ورسله وما ~~عهدا من صنعه تعالى لموسى عليه السلام من قهر أعدائه، والأول أنسب ~~بتعليق الغلبة بالدخول. # { وعلى الله } تعالى خاصة { فتوكلوا } بعد ترتيب الأسباب ~~ولا تعتمدوا عليها فإنها بمعزل من التأثير، وإنما التأثير من عند الله ~~العزيز القدير { إن كنتم مؤمنين } أي مؤمنين به تعالى مصدقين ~~لوعده فإن ذلك مما يوجب التوكل عليه حتما { قالوا } استئناف كما ~~سبق أي قالوا غير مبالين بهما وبمقالتهما مخاطبين لموسى عليه السلام ~~إظهارا لإصرارهم على القول الأول وتصريحا بمخالفتهم له عليه السلام { ~~يموسى إنا لن ندخلها } أي أرض الجبابرة فضلا عن دخول ~~بابهم وهم في بلدهم { أبدا } أي دهرا طويلا { ما داموا فيها ~~} أي في أرضهم وهو بدل من (أبدا) بدل البعض أو عطف بيان { فاذهب ~~} الفاء فصيحة أي فإذا كان الأمر كذلك فاذهب { أنت وربك فقاتلا ~~} أي فقاتلاهم، إنما قالوا ذلك استهانة واستهزاء به سبحانه وبرسوله، ~~وعدم مبالاة بهما، وقصدوا ذهابهما حقيقة كما ينبىء عنه غاية ~~جهلهم وقسوة قلوبهم، وقيل: أرادوا إرادتهما وقصدهما كما تقول: ~~كلمته فذهب يجيبني، كأنهم قالوا: فأريدا قتالهم واقصداهم. وقيل: ~~التقدير فاذهب أنت وربك يعينك، ولا يساعده قوله تعالى: { فقاتلا } ~~ولم يذكروا هارون ولا الرجلين كأنهم لم يجزموا بذهابهم أو لم يعبأوا ~~بقتالهم وقوله تعالى: { إنا ههنا قعدون ms0853 } يؤيد الوجه الأول ~~وأرادوا بذلك عدم التقدم لا عدم التأخر. ### || [5.25-26] # { قال } عليه السلام لما رأى منهم ما رأى من العناد على طريقة البث ~~والحزن والشكوى إلى الله تعالى مع رقة القلب التي بمثلها تستجلب ~~الرحمة وتستنزل النصرة { رب إنى لا أملك إلا نفسى ~~وأخى } عطف على نفسي، وقيل: على الضمير في (إني) على معنى إني لا أملك ~~إلا نفسي وإن أخي لا يملك إلا نفسه، وقيل: على الضمير في (لا أملك) ~~للفصل { فافرق بيننا } يريد نفسه وأخاه، والفاء لترتيب الفرق أو ~~الدعاء به على ما قبله { وبين القوم الفسقين } الخارجين ~~عن طاعتك المصرين على عصيانك بأن تحكم لنا بما نستحقه وعليهم بما ~~يستحقونه، وقيل: بالتبعيد بيننا وبينهم وتخليصنا من صحبتهم. # { قال فإنها } أي الأرض المقدسة، والفاء لترتيب ما بعدها على ما ~~قبلها من الدعاء { محرمة عليهم } تحريم منع لا تحريم ~~تعبد، لا يدخلونها ولا يملكونها لأن كتابتها لهم كانت مشروطة ~~بالإيمان والجهاد، وحيث نكصوا على أدبارهم حرموا ذلك وانقلبوا خاسرين، ~~وقوله تعالى: { أربعين سنة } إن جعل ظرفا (لمحرمة) يكون ~~التحريم مؤقتا لا مؤبدا، فلا يكون مخالفا لظاهر قوله تعالى: # كتب الله لكم # [المائدة، الآية 21] فالمراد بتحريمها عليهم أنه لا يدخلها أحد منهم في ~~هذه المدة، لكن لا بمعنى أن كلهم يدخلونها بعدها بل بعضهم بقي حسبما ~~روي أن موسى عليه السلام سار بمن بقي من بني إسرائيل إلى أريحا، وكان ~~يوشع ابن نون على مقدمته ففتحها وأقام بها ما شاء الله تعالى ثم قبض ~~عليه السلام، وقيل: لم يدخلها أحد ممن قال: (لن ندخلها أبدا)، وإنما ~~دخلها مع موسى عليه السلام النواشىء من ذرياتهم، فالمؤقت بالأربعين في ~~الحقيقة تحريمها على ذرياتهم، وإنما جعل تحريمها عليهم لما بينهما من ~~العلاقة التامة المتاخمة للاتحاد، وقوله تعالى: { يتيهون فى ~~الأرض } أي يتحيرون في البرية، استئناف لبيان كيفية حرمانهم، أو ~~حال من ضمير عليهم، وقيل: الظرف متعلق بيتيهون فيكون التيه مؤقتا ~~والتحريم مطلقا، قيل: كانوا ستمائة ألف مقاتل، وكان طول البرية تسعين ~~فرسخا، ms0854 وقد تاهوا في ستة فراسخ أو تسعة فراسخ في ثلاثين فرسخا، وقيل: ~~في ستة فراسخ في اثني عشر فرسخا. # روي أنهم كانوا كل يوم يسيرون جادين حتى إذا أمسوا إذا هم بحيث ~~ارتحلوا، وكان الغمام يظلهم من حر الشمس، ويطلع بالليل عمود من نور ~~يضيء لهم، وينزل عليهم المن والسلوى، ولا تطول شعورهم، وإذا ولد لهم ~~مولود كان عليه ثوب كالظفر يطول بطوله، وهذه الإنعامات عليهم مع أنهم ~~معاقبون لما أن عقابهم كان بطريق العراك والتأديب. قيل: كان موسى ~~وهارون معهم ولكن كان ذلك لهما روحا وسلامة كالنار لإبراهيم وملائكة ~~العذاب عليهم السلام، وروي أن هارون مات في التيه ومات موسى بعده فيه ~~بسنة، ودخل يوشع أريحا بعد موته بثلاثة أشهر، ولا يساعده ظاهر النظم ~~الكريم، فإنه تعالى بعد ما أقبل على بني إسرائيل وعذبهم بالتيه بعيد أن ~~ينجي بعض المدعو عليهم أو ذراريهم ويقدر وفاتهما في محل العقوبة ~~ظاهرا، وإن كان ذلك لهما منزل روح وراحة وقد قيل: إنهما لم يكونا ~~معهم في التيه وهو الأنسب بتفسير الفرق بالمباعدة، ومن قال بأنهما كانا ~~معهم فيه فقد فسر الفرق بما ذكر من الحكم بما يستحقه كل فريق. # { فلا تأس } فلا تحزن { على القوم الفسقين } روي أنه ~~عليه السلام ندم على دعائه عليهم فقيل: لا تندم ولا تحزن فإنهم ~~أحقاء بذلك لفسقهم. ### || [5.27] # { واتل عليهم } عطف على مقدر تعلق به قوله تعالى: # وإذ قال موسى # [المائدة، الآية 19] الخ، وتعلقه به من حيث إنه تمهيد لما سيأتي من ~~جنايات بني إسرائيل بعد ما كتب عليهم ما كتب وجاءتهم الرسل بما جاءت ~~به من البينات { نبأ ابني آدم } هما قابيل وهابيل، ونقل عن ~~الحسن والضحاك أنهما رجلان من بني إسرائيل بقرينة آخر القصة، وليس ~~كذلك. أوحى الله عز وجل إلى آدم أن يزوج كلا منهما توأمة الآخر وكانت ~~توأمة قابيل أجمل واسمها إقليما فحسده عليها أخاه وسخط، وزعم أن ~~ذلك ليس من عند الله تعالى بل من جهة آدم عليه السلام فقال لهما ms0855 عليه ~~السلام: قربا قربانا فمن أيكما قبل تزوجها، ففعلا، فنزلت نار ~~على قربان هابيل فأكلته ولم تتعرض لقربان قابيل، فازداد ~~قابيل حسدا وسخطا وفعل ما فعل، { بالحق } متعلق بمحذوف وقع ~~صفة لمصدر محذوف، أي تلاوة ملتبسة بالحق والصحة، أو حالا من فاعل ~~(اتل) أو من مفعوله، أي ملتبسا أنت أو [اتل] نبأهما بالحق والصدق ~~حسبما تقرر في كتب الأولين { إذ قربا قربنا } منصوب بالنبأ ~~ظرف له أي اتل قصتهما ونبأهما في ذلك الوقت، وقيل: بدل منه على حذف ~~المضاف أي اتل عليهم نبأهما نبأ ذلك الوقت، ورد عليه بأن (إذ) لا ~~يضاف إليها غير الزمان كوقتئذ وحينئذ، والقربان اسم لما يتقرب به ~~إلى الله تعالى من نسك أو صدقة كالحلوان اسم لما يحلى أي ~~يعطى، وتوحيده لما أنه في الأصل مصدر، وقيل: تقديره إذ قرب كل ~~منهما قربانا { فتقبل من أحدهما } هو هابيل، قيل: كان هو ~~صاحب ضرع وقرب جملا سمينا فنزلت نار فأكلته { ولم ~~يتقبل من الآخر } هو قابيل، قيل: كان هو صاحب زرع وقرب ~~أردأ ما عنده من القمح فلم تتعرض له النار أصلا. # { قال } استئناف مبني على سؤال نشأ من سوق الكلام كأنه قيل: ~~فماذا قال من لم يتقبل قربانه؟ فقيل: قال لأخيه لتضاعف سخطه ~~وحسده لما ظهر فضله عليه عند الله عز وجل { لأقتلنك } أي ~~والله لأقتلنك بالنون المشددة وقرىء بالمخففة { قال } استئناف كما ~~قبله أي قال الذي تقبل قربانه لما رأى أن حسده لقبول قربانه ~~وعدم قبول قربان نفسه { إنما يتقبل الله } أي القربان ~~{ من المتقين } لا من غيرهم، وإنما تقبل قرباني ورد ~~قربانك لما فينا من التقوى وعدمه، أي إنما أتيت من قبل نفسك لا ~~من قبلي فلم تقتلني، خلا أنه لم يصرح بذلك بل سلك مسلك التعريض ~~حذرا من تهييج غضبه وحملا له على التقوى والإقلاع عما نواه ولذلك ~~أسند الفعل إلى الاسم الجليل لتربية المهابة، ثم صرح بتقواه على وجه ~~يستدعي سكون غيظه لو كان له عقل وازع حيث قال بطريق التوكيد. ms0856 ### || [5.28-29] # { لئن بسطت إلى يدك لتقتلنى ما أنا بباسط ~~يدى إليك لأقتلك } حيث صدر الشرطية باللام الموطئة ~~للقسم وقدم الجار والمجرور على المفعول الصريح إيذانا من أول الأمر ~~برجوع ضرر البسط وغائلته إليه، ولم يجعل جواب القسم الساد ~~مسد جواب الشرط جملة فعلية موافقة لما في الشرط، بل اسمية مصدرة ~~بما الحجازية المفيدة لتأكيد النفي بما في خبرها من الباء للمبالغة في ~~إظهار براءته عن بسط اليد ببيان استمراره على نفي البسط كما في قوله ~~تعالى: # وما هم بمؤمنين # [البقرة، الآية: 8] وقوله: # وما هم بخرجين منها # [المائدة، الآية: 37] فإن الجملة الاسمية الإيجابية كما تدل بمعونة ~~المقام على دوام الثبوت كذلك السلبية تدل بمعونته على دوام الانتفاء لا ~~على انتفاء الدوام، وذلك باعتبار الدوام والاستمرار بعد اعتبار النفي ~~لا قبله حتى يرد النفي على المقيد بالدوام فيرفع قيده. أي والله ~~لئن باشرت قتلي حسبما أوعدتني به وتحقق ذلك منك ما أنا بفاعل مثله لك ~~في وقت من الأوقات ثم علل ذلك بقوله: # { إنى أخاف الله رب العلمين } وفيه من إرشاد قابيل ~~إلى خشية الله تعالى على أبلغ وجه وآكده ما لا يخفى، كأنه قال: إني ~~أخافه تعالى إن بسطت يدي إليك لأقتلك أن يعاقبني وإن كان ذلك مني ~~لدفع عداوتك عني فما ظنك بحالك وأنت البادىء العادي، وفي وصفه تعالى ~~بربوبية العالمين تأكيد للخوف. قيل: كان هابيل أقوى منه ولكن تحرج ~~عن قتله واستسلم خوفا من الله تعالى لأن القتل للدفع لم يكون مباحا ~~حينئذ، وقيل: تحريا لما هو الأفضل حسبما قال عليه السلام: # " كن عبد الله المقتول ولا تكن عبد الله القاتل " # ويأباه التعليل بخوفه تعالى إلا أن يدعى أن ترك الأولى عنده ~~بمنزلة المعصية في استتباع الغائلة مبالغة في التنزه، وقوله تعالى: { ~~إنى أريد أن تبوء بإثمي وإثمك } تعليل آخر لامتناعه عن ~~المعارضة على أنه غرض متأخر عنه كما أن الأول باعث متقدم عليه، ~~وإنما لم يعطف عليه تنبيها على كفاية كل منهما في العلية والمعنى ~~إني أريد باستسلامي ms0857 لك وامتناعي عن التعرض لك أن ترجع بإثمي أي بمثل ~~إثمي لو بسطت يدي إليك وإثمك ببسط يدك إلي، كما في قوله عليه السلام: # " المستبان ما قالا فعلى البادىء ما لم يعتد ~~المظلوم " # أي على البادىء عين إثم سبه ومثل سب صاحبه بحكم كونه سببا له، ~~وقيل: معنى (بإثمي) إثم قتلي ومعنى (بإثمك) إثمك الذي لأجله لم ~~يتقبل قربانك، وكلاهما نصب على الحالية أي ترجع ملتبسا بالإثمين ~~حاملا لهما ولعل مراده بالذات إنما هو عدم ملابسته للإثم لا ملابسة ~~أخيه له، وقيل: المراد بالإثم عقوبته ولا ريب في جواز إرادة عقوبة ~~العاصي ممن علم أنه لا يرعوي عن المعصية أصلا، ويأباه قوله تعالى: { ~~فتكون من أصحب النار } فإن كونه منهم إنما يترتب على ~~رجوعه بالإثمين لا على ابتلائه بعقوبتهما، وحمل العقوبة على نوع آخر ~~يترتب عليها العقوبة النارية يرده قوله تعالى: { وذلك جزاء ~~الظلمين } فإنه صريح في أن كونه من أصحاب النار تمام العقوبة ~~وكمالها، والجملة تذييل مقرر لمضمون ما قبلها، ولقد سلك في صرفه ~~عما نواه من الشر كل مسلك من العظة والتذكير بالترغيب تارة والترهيب ~~أخرى، فما أورثه ذلك إلا الإصرار على الغي والانهماك في الفساد. ### || [5.30-31] # { فطوعت له نفسه قتل أخيه } أي وسعته وسهلته، من ~~طاع له المرتع إذا اتسع، وترتيب التطويع على ما حكي من مقالات ~~هابيل مع تحققه قبلها أيضا كما يفصح عنه قوله: { لأقتلنك } ~~لما أن بقاء الفعل بعد تقرر ما يزيله من الدواعي القوية وإن كان ~~استمرارا عليه بحسب الظاهر، لكنه في الحقيقة أمر حادث وصنع جديد، كما ~~في قولك: وعظته فلم يتعظ، أو لأن هذه المرتبة من التطويع لم تكن ~~حاصلة قبل ذلك بناء على تردده في قدرته على القتل، لما أنه كان ~~أقوى منه. وإنما حصلت بعد وقوفه على استسلام هابيل وعدم معارضته له، ~~والتصريح بأخوته لكمال تقبيح ما سولته نفسه. وقرىء (فطاوعت) على ~~أنه فاعل بمعنى فعل، أو على أن قتل أخيه كأنه دعا نفسه إلى الإقدام ~~عليه فطاوعته ولم ms0858 تمتنع، و(له) لزيادة الربط كقولك: حفظت لزيد ماله { ~~فقتله } قيل: (لم يدر قابيل كيف يقتل هابيل، فتمثل إبليس وأخذ ~~طائرا ووضع رأسه على حجر ثم شدخها بحجر آخر فتعلم منه فرضخ رأس ~~هابيل بين حجرين وهو مستسلم لا يستعصي عليه)، وقيل: اغتاله وهو نائم، ~~وكان لهابيل يوم قتل عشرون سنة واختلف في موضع قتله، فقيل: عند ~~عقبة حراء، وقيل: بالبصرة في موضع المسجد الأعظم، وقيل: في جبل بود، ~~ولما قتله تركه بالعراء لا يدري ما يصنع به فخاف عليه السباع فحمله في ~~جراب على ظهره أربعين يوما، وقيل: سنة، حتى أروح وعكفت عليه الطيور ~~والسباع تنظر متى يرمي به فتأكله { فأصبح من الخسرين } ~~دينا ودنيا. # { فبعث الله غرابا يبحث فى الأرض ليريه كيف ~~يوارى سوأة أخيه } روي (أنه تعالى بعث غرابين فاقتتلا فقتل ~~أحدهما الآخر فحفر له بمنقاره ورجليه حفرة فألقاه فيها)، والمستكن في ~~(يريه) لله تعالى أو للغراب، واللام على الأول متعلقة ببعث حتما، ~~وعلى الثاني بيبحث، ويجوز تعلقها ببعث أيضا و(كيف) حال من ضمير ~~(يواري) والجملة ثاني مفعولي يري، والمراد بسوءة أخيه جسده ~~الميت { قال } استئناف مبني على سؤال نشأ من سوق الكلام كأنه ~~قيل: فماذا قال عند مشاهدة حال الغراب؟ فقيل: قال: { يا ويلتى } هي ~~كلمة جزع وتحسر والألف بدل من ياء المتكلم والمعنى يا ويلتي ~~احضري فهذا أوانك، والويل والويلة الهلكة { أعجزت أن أكون ~~} أي عن أن أكون { مثل هذا الغراب فأواري سوأة أخى ~~} تعجب من عدم اهتدائه إلى ما اهتدى إليه الغراب، وقوله تعالى: { ~~فأواري } بالنصب عطف على أن أكون، وقرىء بالرفع أي فأنا أواري { ~~فأصبح من الندمين } أي على قتله لما كابد فيه من التحير ~~في أمره وحمله على رقبته مدة طويلة. روي أنه لما قتله اسود جسده وكان ~~أبيض، فسأله آدم عن أخيه فقال: ما كنت عليه وكيلا، قال: بل قتلته ~~ولذلك اسود جسدك، ومكث آدم بعده مائة سنة لا يضحك، وقيل: لما قتل ~~قابيل هابيل هرب إلى عدن من أرض اليمن، فأتاه ms0859 إبليس فقال له: إنما ~~أكلت النار قربان هابيل لأنه كان يخدمها ويعبدها، فإن عبدتها ~~أيضا حصل مقصودك، فبنى بيت نار فعبدها وهو أول من عبد النار. ### || [5.32] # { من أجل ذلك } شروع فيما هو المقصود من تلاوة النبأ من بيان ~~بعض آخر من جنايات بني إسرائيل ومعاصيهم، وذلك إشارة إلى عظم شأن ~~القتل وإفراط قبحه المفهومين مما ذكر في تضاعيف القصة من استعظام ~~هابيل له وكمال اجتنابه عن مباشرته، وإن كان ذلك بطريق الدفع عن نفسه ~~واستسلامه لأن يقتل خوفا من عقابه وبيان استتباعه لتحمل القاتل ~~لإثم المقتول ومن كون قابيل بمباشرته من جملة الخاسرين دينهم ودنياهم ~~ومن ندامته على فعله مع ما فيه من العتو وشدة الشكيمة وقساوة القلب، ~~والأجل في الأصل مصدر أجل شرا إذا جناه، استعمل في تعليل الجنايات ~~كما في قولهم: من جراك فعلته أي من أن جررته وجنيته، ثم اتسع فيه ~~واستعمل في كل تعليل، وقرىء من إجل بكسر الهمزة وهي لغة فيه، وقرىء ~~من اجل بحذف الهمزة وإلقاء فتحتها على النون، ومن لابتداء الغاية ~~متعلقة بقوله تعالى: { كتبنا على بنى إسرءيل } وتقديمها ~~عليه للقصر أي من ذلك ابتداء الكتب، ومنه نشأ لا من شيء آخر، أي ~~قضينا عليهم وبينا { أنه من قتل نفسا } واحدة من النفوس { ~~بغير نفس } أي بغير قتل نفس يوجب الاقتصاص { أو فساد في ~~الأرض } أي فساد يوجب إهدار دمها، وهو عطف على ما أضيف إليه (غير) ~~على معنى نفي كلا الأمرين، كما في قولك: من صلى بغير وضوء أو تيمم ~~بطلت صلاته، لا نفي أحدهما، كما في قولك: من صلى بغير وضوء أو ثوب ~~بطلت صلاته، ومدار الاستعمالين اعتبار ورود النفي على ما يستفاد من ~~كلمة أو من الترديد بين الأمرين المنبىء عن التخيير والإباحة، واعتبار ~~العكس، ومناط الاعتبارين اختلاف حال ما أضيف إليه (غير) من الأمرين ~~بحسب اشتراط نقيض الحكم بتحقق أحدهما، واشتراطه بتحققهما معا، ففي ~~الأول يرد النفي على الترديد الواقع بين الأمرين قبل وروده فيفقد ~~نفيهما معا وفي ms0860 الثاني يرد الترديد على النفي فيفيد نفي أحدهما حتما ~~إذ ليس قبل ورود النفي ترديد حتى يتصور عكسه. # وتوضيحه أن كل حكم شرط بتحقق أحد شيئين مثلا فنقيضه مشروط ~~بانتفائهما معا، وكل حكم شرط بتحققهما معا فنقيضه مشروط بانتفاء ~~أحدهما ضرورة أن نقيض كل شيء مشروط بنقيض شرطه، ولا ريب في أن ~~نقيض الإيجاب الجزئي كما في الحكم الأول هو السلب الكلي، ونقيض ~~الإيجاب الكلي، كما في الحكم الثاني هو رفعه المستلزم للسلب ~~الجزئي، فثبت اشتراط نقيض الأول بانتفائهما معا واشتراط نقيض ~~الثاني بانتفاء أحدهما، ولما كان الحكم في قولك: من صلى بوضوء أو ~~تيمم صحت صلاته مشروطا بتحقق أحدهما مبهما كان نقيضه في قولك: من ~~صلى بغير وضوء أو تيمم بطلت صلاته مشروطا بنقيض الشرط المذكور ~~البتة، وهو انتفاؤهما معا، فتعين ورود النفي المستفاد من (غير) على ~~الترديد الواقع بين الوضوء والتيمم بكلمة (أو) فانتفى تحققهما معا ~~ضرورة عموم النفي الوارد على المبهم، وعلى هذا يدور ما قالوا إنه إذا ~~قيل: جالس العلماء أو الزهاد ثم أدخل عليه لا الناهية امتنع فعل ~~الجميع، نحو # ولا تطع منهم ءاثما أو كفورا # [الإنسان، الآية 24] إذ المعنى لا تفعل أحدهما فأيهما فعله فهو ~~أحدهما وأما قولك: من صلى بوضوء أو ثوب صحت صلاته فحيث كان الحكم ~~فيه مشروطا بتحقق كلا الأمرين كان نقيضه في قولك: من صلى بغير وضوء أو ~~ثوب بطلت صلاته مشروطا بنقيض الشرط المذكور وهو انتفاء أحدهما ~~فتعين ورود الترديد على النفي فأفاد نفي أحدهما، ولا يخفى أن إباحة ~~القتل مشروطة بأحد ما ذكر من القتل والفساد، ومن ضرورته اشتراط حرمته ~~بانتفائهما معا فتعين ورود النفي على الترديد لا محالة، كأنه قيل: من ~~قتل نفسا بغير أحدهما { فكأنما قتل الناس جميعا } فمن ~~قال في تفسيره أو بغير فساد فقد أبعد عن توفية النظم الكريم حقه، وما ~~في (كأنما) كافة مهيئة لوقوع الفعل بعدها، وجميعا حال من الناس أو ~~تأكيد، ومناط التشبيه اشتراك الفعلين في هتك حرمة الدماء والاستعصاء ~~على ms0861 الله تعالى وتجسير الناس على القتل وفي استتباع القود واستجلاب ~~غضب الله تعالى وعذابه العظيم. # { ومن أحيها } أي تسبب لبقاء نفس واحدة موصوفة بعدم ما ذكر ~~من القتل والفساد في الأرض إما بنهي قاتلها أو استنقاذها من سائر ~~أسباب الهلكة بوجه من الوجوه { فكأنما أحيا الناس ~~جميعا } وجه التشبيه ظاهر والمقصود تهويل أمر القتل وتفخيم ~~شأن الإحياء بتصوير كل منهما بصورة لائقة به في إيجاب الرهبة والرغبة، ~~ولذلك صدر النظم الكريم بضمير الشأن المنبىء عن كمال شهرته ونباهته ~~وتبادره إلى الأذهان عند ذكر الضمير الموجب لزيادة تقرير ما بعده في ~~الذهن، فإن الضمير لا يفهم منه من أول الأمر إلا شأن مبهم له خطر ~~فيبقى الذهن مترقبا لما يعقبه فيتمكن عند وروده فضل تمكن كأنه ~~قيل: إن الشأن الخطير هذا { ولقد جاءتهم رسلنا ~~بالبينت } جملة مستقلة غير معطوفة على كتبنا أكدت بالتوكيد ~~القسمي وحرف التحقيق لكمال العناية بتحقق مضمونها، وإنما لم يقل ~~ولقد أرسلنا الخ للتصريح بوصول الرسالة إليهم، فإنه أدل على تناهيهم ~~في العتو والمكابرة، أي وبالله لقد جاءتهم رسلنا حسبما أرسلناهم بالآيات ~~الواضحة الناطقة بتقرير ما كتبنا عليهم تأكيدا لوجوب مراعاته ~~وتأييدا لتحتم المحافظة عليه. # { ثم إن كثيرا منهم بعد ذلك } أي بعد ما ذكر من ~~الكتب وتأكيد الأمر بإرسال الرسل تترى وتجديد العهد مرة بعد أخرى، ~~ووضع اسم الإشارة موضع الضمير للإيذان بكمال تميزه وانتظامه بسبب ~~ذلك في سلك الأمور المشاهدة، وما فيه من معنى البعد للإيماء إلى علو ~~درجته وبعد منزلته في عظم الشأن، وثم للتراخي في الرتبة والاستبعاد { ~~فى الأرض } متعلق بقوله تعالى: { لمسرفون } وكذا الظرف ~~المتقدم، ولا يقدح فيه توسط اللام بينه وبينهما لأنها لام الابتداء ~~وحقها الدخول على المبتدأ، وإنما دخولها على الخبر لمكان إن، فهي في ~~حيزها الأصلي، والإسراف في كل أمر التباعد عن حد الاعتدال مع عدم ~~مبالاة به، أي مسرفون في القتل غير مبالين به، ولما كان إسرافهم في أمر ~~القتل مستلزما لتفريطهم في شأن الإحياء وجودا وذكرا وكان هو ms0862 أقبح ~~الأمرين وأفظعهما اكتفي بذكره في مقام التشنيع. ### || [5.33] # { إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله } كلام ~~مستأنف سيق لبيان حكم نوع من أنواع القتل وما يتعلق به من الفساد ~~بأخذ المال ونظائره وتعيين موجبه العاجل والآجل إثر بيان عظم ~~شأن القتل بغير حق، وأدرج فيه بيان ما أشير إليه إجمالا من الفساد ~~المبيح للقتل، قيل: أي يحاربون رسوله، وذكر الله تعالى للتمهيد ~~والتنبيه على رفعة محله عنده عز وجل ومحاربة أهل شريعته وسالكي ~~طريقته من المسلمين محاربة له عليه السلام فيعم الحكم من يحاربهم ولو ~~بعد أعصار بطريق العبارة دون الدلالة والقياس، لأن ورود النص ليس ~~بطريق خطاب المشافهة حتى يختص حكمه بالمكلفين عند النزول فيحتاج ~~في تعميمه لغيرهم إلى دليل آخر، وقيل: جعل محاربة المسلمين محاربة لله ~~تعالى ورسوله تعظيما لهم والمعنى يحاربون أولياءهما، وأصل الحرب ~~السلب والمراد ههنا قطع الطريق، وقيل: المكابرة بطريق اللصوصية وإن ~~كانت في مصر { ويسعون فى الأرض } عطف على يحاربون، والجار ~~والمجرور متعلق به وقوله تعالى: { فسادا } إما مصدر وقع موقع ~~الحال من فاعل يسعون أي مفسدين أو مفعول له أي للفساد أو مصدر مؤكد ~~ليسعون لأنه في معنى يفسدون على أنه مصدر من أفسد بحذف الزوائد أو اسم ~~مصدر. # قيل: (نزلت الآية في قوم هلال بن عويمر الأسلمي وكان وادعه رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم على ألا يعينه ولا يعين عليه، ومن أتاه من ~~المسلمين فهو آمن لا يهاج، ومن مر بهلال إلى رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فهو آمن لا يهاج، فمر قوم من بني كنانة يريدون الإسلام بناس من ~~قوم هلال ولم يكن هلال يومئذ شاهدا فقطعوا عليهم وقتلوهم وأخذوا ~~أموالهم)، وقيل: (نزلت في العرنيين وقصتهم مشهورة)، وقيل: (في قوم من ~~أهل الكتاب بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد فنقضوا ~~العهد وقطعوا السبيل، وأفسدوا في الأرض)، ولما كانت المحاربة والفساد ~~على مراتب متفاوتة ووجوه شتى من القتل بدون أخذ المال، ومن القتل مع ~~أخذه، وأخذه بدون ms0863 القتل، ومن الإخافة بدون قتل وأخذ، شرعت لكل مرتبة ~~من تلك المراتب عقوبة معينة بطريق التوزيع فقيل: { أن يقتلوا } ~~أي حدا من غير صلب إن أفردوا القتل، ولو عفا الأولياء لا يلتفت إلى ~~ذلك، لأنه حق الشرع، ولا فرق بين أن يكون القتل بآلة جارحة أو لا { ~~أو يصلبوا } أي مع القتل إن جمعوا بين القتل والأخذ بأن ~~يصلبوا أحياء وتبعج بطونهم برمح إلى أن يموتوا، وفي ظاهر الرواية ~~أن الإمام مخير إن شاء اكتفى بذلك، وإن شاء قطع أيديهم وأرجلهم من خلاف ~~وقتلهم وصلبهم، وصيغة التفعيل في الفعلين للتكثير وقرىء بالتخفيف فيهما ~~{ أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلف } أي أيديهم ~~اليمنى وأرجلهم اليسرى إن اقتصروا على أخذ المال من مسلم أو ذمي، وكان ~~المقدار بحيث لو قسم عليهم أصاب كلا منهم عشرة دراهم أو ما يساويها ~~قيمته، أما قطع أيديهم فلأخذ المال وأما قطع أرجلهم فلإخافة الطريق ~~بتفويت أمنه { أو ينفوا من الأرض } إن لم يفعلوا غير ~~الإخافة والسعي للفساد، والمراد بالنفي عندنا هو الحبس فإنه نفي عن ~~وجه الأرض لدفع شرهم عن أهلها ويعزرون أيضا لمباشرتهم منكر الإخافة ~~وإزالة الأمن، وعند الشافعي رضي الله عنه النفي من بلد إلى بلد لا يزال ~~يطلب وهو هارب فزعا، وقيل: هو النفي عن بلده فقط، وكانوا ينفونهم إلى ~~دهلك وهو بلد في أقصى تهامة، وناصع وهو بلد من بلاد الحبشة. # { ذلك } أي ما فصل من الأحكام والأجزية، قيل: هو مبتدأ وقوله تعالى: ~~{ لهم خزى } جملة من خبر مقدم على المبتدأ وقوله تعالى: { فى ~~الدنيا } متعلق بمحذوف وقع صفة لخزي أو متعلق بخزي على الظرفية، ~~والجملة في محل الرفع على أنها خبر لذلك، وقيل: خزي خبر لذلك و(لهم) ~~متعلق بمحذوف وقع حالا من خزي، لأنه في الأصل صفة له، فلما قدم ~~انتصب حالا، وفي الدنيا إما صفة لخزي أو متعلق به على ما مر، والخزي ~~الذل والفضيحة { ولهم فى الآخرة } غير هذا { عذاب عظيم } ~~لا يقادر قدره لغاية عظم جنايتهم فقوله تعالى: ms0864 { لهم } خبر ~~مقدم و { عذاب } مبتدأ مؤخر و { فى الآخرة } متعلق بمحذوف وقع ~~حالا من عذاب، لأنه في الأصل صفة له فلما قدم انتصب حالا أي كائنا في ~~الآخرة. ### || [5.34-35] # { إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم } ~~استثناء مخصوص بما هو من حقوق الله عز وجل كما ينبىء عنه قوله تعالى: { ~~فاعلموا أن الله غفور رحيم } أما ما هو من حقوق ~~الأولياء من القصاص ونحوه فإليهم ذلك إن شاءوا عفوا وإن أحبوا ~~استوفوا، وإنما يسقط بالتوبة وجوب استيفائه لا جوازه، وعن علي رضي ~~الله عنه أن الحرث بن بدر جاءه تائبا بعد ما كان يقطع الطريق فقبل ~~توبته ودرأ عنه العقوبة. # { يأيها الذين ءامنوا اتقوا الله } لما ذكر ~~عظم شأن القتل والفساد وبين حكمهما وأشير في تضاعيف ذلك إلى ~~مغفرته تعالى لمن تاب من جنايته أمر المؤمنون بأن يتقوه تعالى في كل ~~ما يأتون وما يذرون بترك ما يجب اتقاؤه من المعاصي التي من جملتها ما ~~ذكر من القتل والفساد، وبفعل الطاعات التي من زمرتها السعي في إحياء ~~النفوس ودفع الفساد والمسارعة إلى التوبة والاستغفار { وابتغوا } ~~أي اطلبوا لأنفسكم { إليه } أي إلى ثوابه والزلفى منه { ~~الوسيلة } هي فعيلة بمعنى ما يتوسل به ويتقرب إلى الله تعالى ~~من فعل الطاعات وترك المعاصي من وسل إلى كذا أي تقرب إليه بشيء، ~~و(إليه) متعلق بها قدم عليها للاهتمام به، وليست بمصدر حتى لا تعمل ~~فيما قبلها، ولعل المراد بها الاتقاء المأمور به فإنه ملاك الأمر ~~كله كما أشير إليه، وذريعة لنيل كل خير ومنجاة من كل ضير، ~~فالجملة حينئذ جارية مما قبلها مجرى البيان والتأكيد. أو مطلق ~~الوسيلة وهو داخل فيها دخولا أوليا. وقيل: الجملة الأولى أمر بترك ~~المعاصي والثانية أمر بفعل الطاعات، وحيث كان في كل من ترك المعاصي ~~المشتهاة للنفس وفعل الطاعات المكروهة لها كلفة ومشقة عقب الأمر ~~بهما بقوله تعالى: { وجهدوا فى سبيله } بمحاربة أعدائه ~~البارزة والكامنة { لعلكم تفلحون } بنيل مرضاته والفوز ~~بكراماته. ### || [5.36] # { إن الذين كفروا } كلام مبتدأ ms0865 مسوق لتأكيد وجوب ~~الامتثال بالأوامر السابقة وترغيب المؤمنين في المسارعة إلى تحصيل ~~الوسيلة إليه عز وجل قبل انقضاء أوانه ببيان استحالة توسل الكفار ~~يوم القيامة بأقوى الوسائل إلى النجاة من العذاب فضلا عن نيل الثواب. # { لو أن لهم } أي لكل واحد منهم كما في قوله تعالى: { ولو ~~أن لكل نفس ظلمت } الخ، لا لجميعهم إذ ليس في ذلك هذه ~~المرتبة من تهويل الأمر وتفظيع الحال { ما فى الأرض } أي من ~~أصناف أموالها وذخائرها وسائر منافعها قاطبة وهو اسم أن ولهم ~~خبرها ومحلها الرفع بلا خلاف، خلا أنه عند سيبويه رفع على الابتداء ~~ولا حاجة فيه إلى الخبر لاشتمال صلتها على المسند والمسند إليه، ~~وقد اختصت من بين سائر ما يؤول بالاسم بالوقوع بعد لو، وقيل: ~~الخبر محذوف ثم قيل: يقدر مقدما، أي لو ثابت كون ما في الأرض ~~لهم. وقيل: يقدر مؤخرا أي لو كون ما في الأرض لهم ثابت، وعند المبرد ~~والزجاج والكوفيين رفع على الفاعلية والفعل مقدر بعد لو أي لو ~~ثبت أن لهم ما في الأرض. وقوله تعالى: { جميعا } توكيد للموصول أو ~~حال منه { ومثله } بالنصب عطف عليه وقوله تعالى: { معه } ظرف ~~وقع حالا من المعطوف، والضمير راجع إلى الموصول وفائدته التصريح ~~بفرض كينونتهما لهم بطريق المعية لا بطريق التعاقب تحقيقا لكمال ~~فظاعة الأمر مع ما فيه من نوع إشعار بكونهما شيئا واحدا وتمهيدا ~~لإفراد الضمير الراجع إليهما، واللام في قوله تعالى: { ليفتدوا ~~به } متعلقة بما تعلق به خبر أن، أعني الاستقرار المقدر في (لهم) ~~وبالخبر المقدر عند من يرى تقدير الخبر مقدما أو مؤخرا، وبالفعل ~~المقدر بعد لو على رأي المبرد ومن نحا نحوه، ولا ريب في أن مدار ~~الافتداء بما ذكر هو كونه لهم لا ثبوت كونه لهم وإن كان مستلزما ~~له، والباء في (به) متعلقة بالافتداء، والضمير راجع إلى الموصول ~~و(مثله) معا، وتوحيده إما لما أشير إليه، وإما لإجرائه مجرى اسم ~~الإشارة كأنه قيل بذلك كما في قوله: [الرجز] # [فيها خطوط من سواد وبلق] ms0866 # كأنه في الجلد توليع البهق # أي كأن ذلك، وقيل: هو راجع إلى الموصول، والعائد إلى المعطوف أعني ~~(مثله) محذوف، كما حذف الخبر من قيار في قوله [الطويل]: # [فمن تك أمسى بالمدينة رحله] # فإني وقيار بها لغريب # أي وقيار أيضا غريب، وقد جوز أن يكون نصب و(مثله) على أنه مفعول ~~معه ناصبه الفعل المقدر بعد لو تفريعا على مذهب المبرد، ومن رأى ~~رأيه، وأنت خبير بأنه يؤدي إلى كون الرافع للفاعل غير الناصب ~~للمفعول معه لأن المعنى على اعتبار المعية بين (ما في الأرض ومثله) في ~~الكينونة لهم، لا في ثبوت تلك الكينونة وتحققها، ولا مساغ لجعل ~~ناصبه الاستقرار المقدر في (لهم)، لما أن سيبويه قد نص على { أن ~~} اسم الإشارة وحرف الجر المتضمن للاستقرار لا يعملان في المفعول ~~معه وأن قوله: هذا لك وأباك قبيح وإن جوزه بعض النحاة في الظروف وحرف ~~الجر، وقوله تعالى: { من عذاب يوم القيمة } متعلق ~~بالافتداء أيضا، أي لو أن (ما في الأرض مثله) ثابت لهم ليجعلوه فدية ~~لأنفسهم من العذاب الواقع يومئذ. # { ما تقبل منهم } ذلك، وهو جواب لو وترتيبه على كون ذلك لهم ~~لأجل افتدائهم به من غير ذكر الافتداء بأن يقال: وافتدوا به مع أن ~~الرد والقبول إنما يترتب عليه لا على مباديه، للإيذان بأنه أمر ~~محقق الوقوع غني عن الذكر، وإنما المحتاج إلى الفرض قدرتهم على ~~ما ذكر أو للمبالغة في تحقيق الرد وتخييل أنه وقع قبل الافتداء ~~على منهاج ما في قوله تعالى: # أنا ءاتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك فلما ~~رآه مستقرا عنده # [النمل، الآية 40] حيث لم يقل: فأتى به فلما رآه الخ، وما في قوله ~~تعالى: # وقالت اخرج عليهن فلما رأينه أكبرنه # [يوسف، الآية 31] من غير ذكر خروجه عليه السلام عليهن ورؤيتهن له. ~~والجملة الامتناعية بحالها خبر إن الذين كفروا، والمراد تمثيل لزوم ~~العذاب لهم واستحالة نجاتهم منه بوجه من الوجوه المحققة والمفروضة. ~~وعن النبي عليه الصلاة والسلام: # " يقال للكافر أرأيت لو كان لك ملء الأرض ذهبا ms0867 أكنت تفتدي به؟ فيقول: ~~نعم، فيقال له: قد سئلت أيسر من ذلك وهو كلمة الشهادة " # وقوله تعالى: { ولهم عذاب أليم } تصريح بما أشير إليه بعدم ~~قبول فديتهم لزيادة تقريره وبيان هوله وشدته، قيل: محله ~~النصب على الحالية وقيل: الرفع عطفا على خبر إن، وقيل: عطف على إن ~~الذين فلا محل له كالمعطوف عليه. ### || [5.37-38] # { يريدون أن يخرجوا من النار } استئناف مسوق لبيان ~~حالهم في أثناء مكابدة العذاب مبني على سؤال نشأ مما قبله، كأنه قيل: ~~فكيف يكون حالهم؟ أو ماذا يصنعون؟ فقيل: يريدون الخ، وقد بين في ~~تضاعيفه أن عذابهم عذاب النار، قيل: إنهم يقصدون ذلك ويطلبون المخرج ~~فيلفحهم لهب النار ويرفعهم إلى فوق، فهناك يريدون الخروج ولات حين ~~مناص، وقيل: يكادون يخرجون منها لقوة النار وزيادة رفعها إياهم، وقيل: ~~يتمنونه ويريدونه بقلوبهم وقوله عز وجل: { وما هم بخرجين ~~منها } إما حال من فاعل يريدون، أو اعتراض، وأيا ما كان فإيثار ~~الجملة الاسمية على الفعلية مصدرة بما الحجازية الدالة بما في خبرها من ~~الباء على تأكيد النفي لبيان كمال سوء حالهم باستمرار عدم خروجهم ~~منها، فإن الجملة الاسمية الإيجابية كما تفيد بمعونة المقام دوام ~~الثبوت تفيد السلبية أيضا بمعونة دوام النفي لا نفي الدوام، كما ~~مر في قوله تعالى: # ما أنا بباسط # [المائدة، الآية 28] الخ، وقرىء (أن يخرجوا) على بناء المفعول من ~~الإخراج { ولهم عذاب مقيم } تصريح بما أشير إليه آنفا من عدم ~~تناهي مدته بعد بيان شدته. # { والسارق والسارقة } شروع في بيان حكم السرقة الصغرى ~~بعد بيان أحكام الكبرى، وقد عرفت اقتضاء الحال لإيراد ما توسط بينهما ~~من المقال، ولما كانت السرقة معهودة من النساء كالرجال صرح بالسارقة ~~أيضا مع أن المعهود في الكتاب والسنة إدراج النساء في الأحكام الواردة ~~في شأن الرجال بطريق الدلالة لمزيد الاعتناء بالبيان والمبالغة في ~~الزجر، وهو مبتدأ خبره عند سيبويه محذوف تقديره وفيما يتلى عليكم أو ~~وفيما فرض عليكم السارق والسارقة أي حكمهما وعند المبرد قوله ~~تعالى: { فاقطعوا أيديهما } والفاء لتضمن المبتدأ معنى ms0868 ~~الشرط، إذ المعنى الذي سرق والتي سرقت، وقرىء بالنصب وفضلها سيبويه ~~على قراءة الرفع، لأن الإنشاء لا يقع خبرا إلا بتأويل وإضمار، والسرقة ~~أخذ مال الغير خفية، وإنما توجب القطع إذا كان الأخذ من حرز ~~والمأخوذ يساوي عشرة دراهم فما فوقها مع شروط فصلت في موقعها، ~~والمراد (بأيديهما) أيمانهما كما يفصح عنه قراءة ابن مسعود رضي الله ~~تعالى عنه: والسارقات فاقطعوا أيمانهم، ولذلك ساغ وضع الجمع موضع ~~المثنى كما في قوله تعالى: # فقد صغت قلوبكما # [التحريم، الآية 4] اكتفاء بتثنية المضاف إليه، واليد اسم لتمام ~~الجارحة، ولذلك ذهب الخوارج إلى أن المقطع هو المنكب، والجمهور على ~~أنه الرسغ، لأنه عليه الصلاة والسلام أتي بسارق فأمر بقطع يمينه ~~منه. # { جزاء } نصب على أنه مفعول له أي فاقطعوا للجزاء، أو مصدر مؤكد ~~لفعله الذي يدل عليه فاقطعوا، أي فجاوزوهما جزاء، وقوله تعالى: { بما ~~كسبا } على الأول متعلق بجزاء وعلى الثاني فاقطعوا، و(ما) مصدرية، ~~أي بسبب كسبهما أو موصولة أي ما كسباه من السرقة التي تباشر بالأيدي، ~~وقوله تعالى: { نكلا } مفعول له أيضا على البدلية من (جزاء) ~~لأنهما من نوع واحد، وقيل: القطع معلل بالجزاء، والقطع المعلل ~~معلل بالنكال، وقيل: هو منصوب بجزاء على طريقة الأحوال ~~المتداخلة، فإنه علة للجزاء، والجزاء علة للقطع كما إذا قلت: ~~ضربته تأديبا له إحسانا إليه، فإن الضرب معلل بالتأديب والتأديب ~~معلل بالإحسان، وقد أجازوا في قوله عز وجل: # أن يكفروا بما أنزل الله بغيا أن ينزل الله من ~~فضله على من يشاء من عباده # [البقرة، الآية 90] أن يكون (بغيا) مفعولا له ناصبه أن يكفروا، ثم ~~قالوا: إن قوله تعالى: { أن ينزل الله } مفعول له ناصبه بغيا ~~على أن التنزيل علة للبغي، والبغي علة للكفر، وقوله تعالى: { من ~~الله } متعلق بمحذوف وقع صفة لنكالا كائنا منه تعالى { والله ~~عزيز } غالب على أمره يمضيه كيف يشاء من غير ند ينازعه ولا ضد ~~يمانعه { حكيم } في شرائعه لا يحكم إلا بما تقتضيه الحكمة ~~والمصلحة، ولذلك شرع هذه الشرائع المنطوية على فنون ms0869 الحكم ~~والمصالح. ### || [5.39-40] # { فمن تاب } أي من السراق إلى الله تعالى { من بعد ظلمه } ~~الذي هو سرقته، والتصريح به مع أن التوبة لا تتصور قبله لبيان ~~عظم نعمته تعالى بتذكير عظم جنايته { وأصلح } أي أمره ~~بالتقصي عن تبعات ما باشره والعزم على ترك المعاودة إليها { فإن ~~الله يتوب عليه } أي يقبل توبته فلا يعذبه في الآخرة، وأما ~~القطع فلا تسقطه التوبة عندنا، لأن فيه حق المسروق منه، وتسقطه ~~عند الشافعي في أحد قوليه: { إن الله غفور رحيم } مبالغ ~~في المغفرة والرحمة ولذلك يقبل توبته، وهو تعليل لما قبله، وإظهار ~~الاسم الجليل للإشعار بعلة الحكم وتأييد استقلال الجملة وكذا ~~في قوله عز وجل: { ألم تعلم أن الله له ملك ~~السموات والأرض } فإن عنوان الألوهية مدار أحكام ~~ملكوتهما، والجار والمجرور خبر مقدم، وملك السموات والأرض مبتدأ، ~~والجملة خبر لأن، وهي مع ما في حيزها سادة مسد مفعولي (تعلم) ~~عند الجمهور، وما فيه من تكرير الإسناد لتقوية الحكم، والخطاب لرسول ~~الله صلى الله عليه وسلم بطريق التلوين. وقيل: لكل أحد صالح للخطاب، ~~والاستفهام الإنكاري لتقرير العلم، والمراد به الاستشهاد بذلك على ~~قدرته تعالى على ما سيأتي من التعذيب والمغفرة على أبلغ وجه وأتمه، ~~أي ألم تعلم أن الله له السلطان القاهر والاستيلاء الباهر المستلزمان ~~للقدرة التامة على التصرف الكلي فيهما وفيما فيهما إيجادا وإعداما ~~وإحياء وإماتة إلى غير ذلك حسبما تقتضيه مشيئته { يعذب من ~~يشاء } أن يعذبه { ويغفر لمن يشاء } أن يغفر له من غير ~~ند يساهمه ولا ضد يزاحمه، وتقديم التعذيب على المغفرة لمراعاة ~~ما بين سببيهما من الترتيب، والجملة إما تقرير لكون ملكوت السموات ~~والأرض له سبحانه، أو خبر آخر لأن. { والله على كل شيء ~~قدير } فيقدر على ما ذكر من التعذيب والمغفرة، والإظهار في موقع ~~الإضمار لما مر مرارا والجملة تذييل مقرر لما قبلها. ### || [5.41] # { يأيها الرسول لا يحزنك الذين يسارعون في ~~الكفر } خوطب عليه الصلاة والسلام بعنوان الرسالة للتشريف ~~والإشعار بما يوجب عدم الحزن، والمسارعة في الشيء الوقوع فيه ms0870 بسرعة ~~ورغبة، وإيثار كلمة (في) على كلمة (إلى) الواقعة في قوله تعالى: # وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة # [آل عمران، الآية:133] الخ للإيماء إلى أنهم مستقرون في الكفر لا ~~يبرحونه، وإنما ينتقلون بالمسارعة عن بعض فنونه وأحكامه إلى بعض ~~آخر منها كإظهار موالاة المشركين، وإبراز آثار الكيد للإسلام ونحو ~~ذلك، كما في قوله تعالى: # أولئك يسرعون فى الخيرت # [المؤمنون: 61] فإنهم مستمرون على الخير مسارعون في أنواعه وأفراده، ~~والتعبير عنهم بالموصول للإشارة بما في حيز صلته إلى مدار الحزن، ~~وهذا وإن كان بحساب الظاهر نهيا للكفرة عن أن يحزنوه عليه الصلاة ~~والسلام بمسارعتهم في الكفر لكنه في الحقيقة نهي له عليه الصلاة والسلام ~~عن التأثر من ذلك والمبالاة بهم على أبلغ وجه وآكده، فإن النهي عن ~~أسباب الشيء ومباديه المؤدية إليه نهي عنه بالطريق البرهاني، وقلع له ~~من أصله، وقد يوجه النهي إلى المسبب ويراد به النهي عن السبب، ~~كما في قوله: لا أرينك ههنا يريد نهي مخاطبه عن الحضور بين يديه ~~وقرىء (لا يحزنك) من أحزنه منقولا من حزن بكسر الزاي وقرىء ~~(يسرعون) يقال: أسرع فيه الشيب أي وقع سريعا أي لا تحزن ولا تبال ~~بتهافتهم في الكفر بسرعة وقوله تعالى: { من الذين قالوا ~~ءامنا بأفوههم } بيان للمسارعين في الكفر، وقيل: متعلق ~~بمحذوف وقع حالا من فاعل يسارعون، وقيل: من الموصول أي كائنين من الذين ~~الخ، والباء متعلقة بقالوا لا بآمنا وقوله تعالى: { ولم تؤمن ~~قلوبهم } جملة حالية من ضمير (قالوا) وقيل: عطف على قالوا وقوله ~~تعالى: { ومن الذين هادوا } عطف على (من الذين قالوا) الخ، وبه ~~يتم بيان المسارعين في الكفر بتقسيمهم إلى قسمين: المنافقين واليهود، ~~فقوله تعالى: { سمعون للكذب } خبر لمبتدأ محذوف راجع إلى ~~الفريقين أو إلى المسارعين، وأما رجوعه إلى الذين هادوا فمخل بعموم ~~الوعيد الآتي ومباديه للكل كما ستقف عليه، وكذا جعل قوله: { ومن ~~الذين } الخ، خبرا على أن قوله سماعون صفة لمبتدأ محذوف أي ومنهم ~~قوم سماعون الخ، لأدائه إلى اختصاص ما عدد من القبائح ms0871 وما يترتب ~~عليها من الغوائل الدنيوية والأخروية بهم، فالوجه ما ذكر أولا أي هم ~~سماعون، واللام إما لتقوية العمل وإما لتضمين السماع معنى القبول، وإما ~~لام كي والمفعول محذوف والمعنى هم مبالغون في سماع الكذب، أو في قبول ~~ما يفتريه أحبارهم من الكذب على الله سبحانه وتحريف كتابه، أو سماعون ~~أخباركم وأحاديثكم ليكذبوا عليكم بأن يمسخوها بالزيادة والنقص ~~والتبديل والتغيير، أو أخبار الناس وأقاويلهم الدائرة فيما بينهم ~~ليكذبوا فيها بأن يرجعوا بقتل المؤمنين وانكسار سراياهم ونحو ذلك مما ~~يضر بهم، وأيا ما كان فالجملة مستأنفة جارية مجرى التعليل للنهي، ~~فإن كونهم سماعين للكذب على الوجوه المذكورة وابتناء أمورهم على ما لا ~~أصل له من الأباطيل والأراجيف مما يقتضي عدم المبالاة بهم وترك ~~الاعتداد بما يأتون وما يذرون للقطع بظهور بطلان أكاذيبهم واختلال ما ~~بنوا عليها من الأفاعيل الفاسدة المؤدية إلى الخزي والعذاب كما ~~سيأتي، وقرىء (سماعين) للكذب بالنصب على الذم، وقوله تعالى: { ~~سمعون لقوم آخرين } خبر ثان للمبتدأ المقدر مقرر للأول ~~ومبين لما هو المراد بالكذب على الوجهين الأولين، واللام مثل من في ~~سمع الله لمن حمده في الرجوع إلى معنى من أي قبل منه حمده، والمعنى ~~مبالغون في قبول كلام قوم آخرين، وأما كونها لام التعليل بمعنى ~~سماعون منه عليه الصلاة والسلام لأجل قوم آخرين وجهوهم عيونا ~~ليبلغوهم ما سمعوا منه عليه الصلاة والسلام، أو كونها متعلقة بالكذب ~~على أن سماعون الثاني مكرر للتأكيد بمعنى سماعون ليكذبوا لقوم آخرين ~~فلا يكاد يساعده النظم الكريم أصلا وقوله تعالى: { لم يأتوك } ~~صفة أخرى لقوم أي لم يحضروا مجلسك وتجافوا عنك تكبرا وإفراطا في ~~البغضاء، قيل: هم يهود خيبر والسماعون بنو قريظة وقوله تعالى: { ~~يحرفون الكلم من بعد موضعه } صفة أخرى لقوم وصفوا ~~أولا بمغايرتهم للسماعين تنبيها على استقلالهم وأصالتهم في الرأي ~~والتدبير، ثم بعدم حضورهم مجلس الرسول عليه الصلاة والسلام إيذانا ~~بكمال طغيانهم في الضلال، ثم باستمرارهم على التحريف بيانا لإفراطهم في ~~العتو والمكابرة والاجتراء على الافتراء على الله تعالى وتعيينا ms0872 ~~للكذب الذي سمعه السماعون، أي يميلونه ويزيلونه عن مواضعه بعد أن وضعه ~~الله تعالى فيها إما لفظا بإهماله أو تغيير وضعه، وإما معنى بحمله ~~على غير المراد وإجرائه في غير مورده، وقيل: الجملة مستأنفة لا محل ~~لها من الإعراب ناعية عليهم شنائعهم. # وقيل: خبر مبتدأ محذوف راجع إلى القوم وقوله تعالى: { يقولون } ~~كالجملة السابقة في الوجوه المذكورة، ويجوز أن يكون حالا من ضمير ~~(يحرفون) وأما تجويز كونها صفة لسماعون أو حالا من الضمير فيه فما لا ~~سبيل إليه أصلا، كيف لا وإن مقول القول ناطق بأن قائله ممن لا يحضر ~~مجلس الرسول صلى الله عليه وسلم، والمخاطب به ممن يحضره فكيف يمكن أن ~~يقوله السماعون المترددون عليه عليه الصلاة والسلام لمن يحوم حوله ~~قطعا؟ وادعاء قول السماعين لأعقابهم المخالطين للمسلمين تعسف ظاهر ~~مخل بجزالة النظم الكريم، والحق الذي لا محيد عنه أن المحرفين ~~والقائلين هم القوم الآخرون، أي يقولون لأتباعهم السماعين لهم عند ~~إلقائهم إليهم أقاويلهم الباطلة مشيرين إلى كلامهم الباطل { إن ~~أوتيتم } من جهة الرسول عليه الصلاة والسلام { هذا فخذوه } ~~واعملوا بموجبه فإنه الحق { وإن لم تؤتوه } بل أوتيتم غيره { ~~فاحذروا } أي فاحذروا قبوله، وإياكم وإياه، وفي ترتيب الأمر ~~بالحذر على مجرد عدم إيتاء المحرف من المبالغة في التحذير ما لا ~~يخفى. # روي (أن شريفا من خيبر زنى بشريفة وهما محصنان وحدهما الرجم ~~في التوراة فكرهوا رجمهما لشرفهما فبعثوا رهطا منهم إلى بني قريظة ~~ليسألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك وقالوا: إن أمركم بالجلد ~~والتحميم فاقبلوا، وإن أمركم بالرجم فلا تقبلوا، وأرسلوا الزانيين ~~معهم فأمرهم بالرجم فأبوا أن يأخذوا به فقال جبريل عليه السلام: ~~اجعل بينك وبينهم ابن صوريا ووصفه له فقال عليه الصلاة والسلام: # " " هل تعرفون شابا أبيض أعور يسكن فدك يقال له ابن صوريا؟ " ~~قالوا: نعم، وهو أعلم يهودي على وجه الأرض بما أنزل الله على موسى بن ~~عمران في التوراة، قال: " فأرسلوا إليه " ففعلوا، فأتاهم، فقال له ~~النبي عليه الصلاة والسلام: " أنت ابن ms0873 صوريا؟ " قال: نعم، قال عليه ~~الصلاة والسلام: " وأنت أعلم اليهود؟ " قال: كذلك يزعمون، قال لهم: " ~~أترضون به حكما؟ " قالوا: نعم، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~" أنشدك الله الذي لا إله إلا هو الذي فلق البحر وأنجاكم وأغرق آل ~~فرعون وظلل عليكم الغمام وأنزل عليكم المن والسلوى ورفع فوقكم الطور ~~وأنزل عليكم التوراة فيها حلاله وحرامه هل تجدون في كتابكم الرجم ~~على من أحصن؟ " قال: نعم، والذي ذكرتني به لولا خشيت أن تحرقني ~~التوراة إن كذبت أو غيرت ما اعترفت لك، ولكن كيف هي في كتابك يا ~~محمد؟ قال عليه الصلاة والسلام: " إذا شهد أربعة رهط عدول أنه أدخل ~~فيها كما يدخل الميل في المكحلة وجب عليه الرجم " قال ابن صوريا: ~~والذي أنزل التوراة على موسى هكذا أنزل الله في التوراة على موسى، فوثب ~~عليه سفلة اليهود، فقال: خفت إن كذبته أن ينزل علينا العذاب، ثم ~~سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أشياء كان يعرفها من أعلامه فقال: ~~أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله النبي الأمي العربي الذي ~~بشر به المرسلون. وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالزانيين فرجما ~~عند باب المسجد " # { ومن يرد الله فتنته } أي ضلالته أو فضيحته كائنا من كان ~~فيندرج فيه المذكورون اندراجا أوليا، وعدم التصريح بكونهم كذلك ~~للإشعار بكمال ظهوره واستغنائه عن ذكره { فلن تملك له } فلن ~~تستطيع له { من الله شيئا } في دفعها، والجملة مستأنفة مقررة ~~لما قبلها ومبينة لعدم انفكاكهم عن القبائح المذكورة أبدا { ~~أولئك } إشارة إلى المذكورين من المنافقين واليهود، وما في اسم ~~الإشارة من معنى البعد للإيذان ببعد منزلتهم في الفساد، وهو مبتدأ ~~خبره قوله تعالى: { الذين لم يرد الله أن يطهر ~~قلوبهم } أي من رجس الكفر وخبث الضلالة لأنهماكهم فيهما ~~وإصرارهم عليهما وإعراضهم عن صرف اختيارهم إلى تحصيل الهداية بالكلية ~~كما ينبىء عنه وصفهم بالمسارعة في الكفر أولا، وشرح فنون ضلالتهم ~~آخرا، والجملة استئناف مبين لكون إرادته تعالى لفتنتهم منوطة ~~بسوء اختيارهم ms0874 وقبح صنيعهم الموجب لها لا واقعة منه تعالى ابتداء { ~~لهم فى الدنيا خزى } أما المنافقون فخزيهم فضيحتهم وهتك ~~سترتهم بظهور نفاقهم فيما بين المسلمين، وأما خزي اليهود فالذل ~~والجزية والافتضاح بظهور كذبهم في كتمان نص التوراة، وتنكير ~~(خزي) للتفخيم وهو مبتدأ ولهم خبره وفي الدنيا متعلق بما تعلق به ~~الخبر من الاستقرار، وكذا الحال في قوله تعالى: { ولهم في ~~الآخرة } أي مع الخزي الدنيوي { عذاب عظيم } هو الخلود في ~~النار، وضمير (لهم) في الجملتين للمنافقين واليهود جميعا لا لليهود ~~خاصة، كما قيل، وتكرير (لهم) مع اتحاد المرجع لزيادة التقرير والتأكيد، ~~والجملتان استئناف مبني على سؤال نشأ من تفصيل أفعالهم وأحوالهم ~~الموجبة للعقاب، كأنه قيل: فما لهم من العقوبة؟ فقيل لهم: في الدنيا. # .، الآية. ### || [5.42] # { سمعون للكذب } خبر آخر للمبتدأ المقدر كرر تأكيدا ~~لما قبله وتمهيدا لما بعده من قوله تعالى: { أكلون للسحت } ~~وهو أيضا خبر آخر للمقدر وارد على طريقة الذم، أو بناء على أن ~~المراد بالكذب ما يفتعله الراشون عند الأكالين، والسحت بضم السين ~~وسكون الحاء في الأصل كل ما لا يحل كسبه، وقيل: هو الحرام مطلقا ~~من سحته إذا استأصله، سمي به لأنه مسحوت البركة، والمراد به ههنا ~~إما الرشا التي كان يأخذها المحرفون على تحريفهم وسائر أحكامهم ~~الزائغة، وهو المشهور، أو ما كان يأخذه فقراؤهم من أغنيائهم من المال ~~ليقيموا على اليهودية كما قيل، وإما مطلق الحرام المنتظم لما ذكر ~~انتظاما أوليا، وقرىء (للسحت) بضم السين والحاء وبفتحهما وبفتح السين ~~وسكون الحاء وبكسر السين وسكون الحاء، وعن النبي عليه الصلاة والسلام: # " كل لحم أنبته السحت فالنار أولى به " # { فإن جاءوك } لما بين تفاصيل أمورهم الواهية وأحوالهم ~~المختلفة الموجبة لعدم المبالاة بهم وبأفاعيلهم حسبما أمر به عليه ~~الصلاة والسلام خوطب عليه الصلاة والسلام ببعض ما يبتنى عليه من ~~الأحكام بطريق التفريع، والفاء فصيحة، أي وإذا كان حالهم كما شرح فإن ~~جاءوك متحاكمين إليك فيما شجر بينهم من الخصومات { فاحكم ~~بينهم أو أعرض عنهم } غير مبال بهم ولا خائف ms0875 من جهتهم ~~أصلا، وهذا كما ترى تخيير له عليه الصلاة والسلام بين الأمرين، فقيل: ~~هو في أمر خاص هو ما ذكر من زنا المحصن، وقيل: في قتيل قتل من ~~اليهود في بني قريظة والنضير، فتحاكموا إلى رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فقال بنو قريظة: إخواننا بنو النضير، أبونا واحد وديننا واحد، ~~وإذا قتلوا منا قتيلا لم يرضوا بالقود وأعطونا سبعين وسقا من ~~تمر، وإذا قتلنا منهم قتلوا القاتل وأخذوا منا الضعف مائة وأربعين ~~وسقا من تمر، وإن كان القتيل امرأة قتلوا بها الرجل منا وبالرجل منهم ~~الرجلين منا، وبالعبد منهم الحر منا، فاقض بيننا. فجعل عليه الصلاة ~~والسلام الدية سواء، وقيل: هو عام في جميع الحكومات، ثم اختلفوا فمن ~~قائل إنه ثابت وهو المروي عن عطاء والنخعي والشعبي وقتادة ~~وأبي بكر الأصم وأبي مسلم، وقائل إنه منسوخ وهو قول ابن عباس ~~والحسن ومجاهد وعكرمة، قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: لم ينسخ ~~من المائدة إلا آيتان: قوله تعالى: # لا تحلوا شعائر الله # [المائدة، الآية 2] نسخها قوله تعالى: # فاقتلوا المشركين # [التوبة، الآية 5] وقوله تعالى: { فإن جاءوك فاحكم بينهم ~~أو أعرض عنهم } نسخها قوله تعالى: # وأن احكم بينهم بما أنزل الله # [المائدة، الآية 49] وعليه مشايخنا { وإن تعرض عنهم } بيان ~~لحال الأمرين إثر تخييره عليه الصلاة والسلام بينهما، وتقديم حال ~~الإعراض للمسارعة إلى بيان أن لا ضرر فيه حيث كان مظنة الضرر لما ~~أنهم كانوا لا يتحاكمون إليه عليه الصلاة والسلام إلا لطلب الأيسر ~~والأهون عليهم، فإذا أعرض عنهم وأبى الحكومة بينهم شق ذلك عليهم، ~~فتشتد عداوتهم ومضارتهم له عليه الصلاة والسلام، فأمنه الله عز وجل ~~بقوله: { فلن يضروك شيئا } من الضرر فإن الله عاصمك من الناس. # { وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط } بالعدل الذي أمرت ~~به كما حكمت بالرجم { إن الله يحب المقسطين } ومن ضرورته ~~أن يحفظهم عن كل مكروه ومحذور. ### || [5.43-44] # { وكيف يحكمونك وعندهم التوراة فيها حكم ~~الله } تعجب من تحكيمهم لمن يؤمنون به وبكتابه والحال أن الحكم ~~منصوص عليه ms0876 في كتابهم الذي يدعون الإيمان به وتنبيه على أنهم ما ~~قصدوا بالتحكيم معرفة الحق وإقامة الشرع وإنما طلبوا به ما هو أهون ~~عليهم وإن لم يكن ذلك حكم الله على زعمهم، فقوله تعالى: { وعندهم ~~التوراة } حال من فاعل يحكمونك، وقوله تعالى: { فيها حكم ~~الله } حال من التوراة إن جعلت مرتفعة بالظرف، وإن جعلت مبتدأ ~~فهو حال من ضميرها المستكن في الخبر، وقيل: استئناف مسوق لبيان ~~أن عندهم ما يغنيهم عن التحكيم، وتأنيثها لكونها نظيرة المؤنث في ~~كلامهم كموماة ودوداة { ثم يتولون } عطف على يحكمونك داخل ~~في حكم التعجيب، و(ثم) للتراخي في الرتبة وقوله تعالى: { من بعد ~~ذلك } أي من بعد ما حكموك، تصريح بما علم قطعا بتأكيد الاستبعاد ~~والتعجيب، أي ثم يعرضون عن حكمك الموافق لكتابهم من بعد ما رضوا بحكمك ~~وقوله تعالى: { وما أولئك بالمؤمنين } تذييل مقرر ~~لفحوى ما قبله، ووضع اسم الإشارة موضع ضميرهم للقصد إلى إحضارهم في ~~الذهن بما وصفوا به من القبائح إيماء إلى علة الحكم وإلى أنهم قد ~~تميزوا بذلك عن غيرهم أكمل تمييز حتى انتظموا في سلك الأمور المشاهدة، ~~و(ما) فيه من معنى البعد للإيذان ببعد درجتهم في العتو والمكابرة أي ~~وما أولئك الموصوفون بما ذكر بالمؤمنين أي بكتابهم، لإعراضهم عنه أولا، ~~وعن حكمك الموافق له ثانيا أو بهما، وقيل: وما أولئك بالكاملين في ~~الإيمان تهكما بهم. # { إنا أنزلنا التوراة } كلام مستأنف سيق لبيان علو شأن ~~التوراة ووجوب مراعاة أحكامها وأنها لم تزل مرعية فيما بين ~~الأنبياء ومن يقتدي بهم كابرا عن كابر، مقبولة لكل أحد من الحكام ~~والمتحاكمين محفوظة عن المخالفة والتبديل تحقيقا لما وصف به ~~المحرفون من عدم إيمانهم بها، وتقريرا لكفرهم وظلمهم، وقوله تعالى: { ~~فيها هدى ونور } حال من التوراة، فإن ما فيها من الشرائع ~~والأحكام من حيث إرشادها للناس إلى الحق الذي لا محيد عنه هدى ~~ومن حيث إظهارها وكشفها نور ما استبهم من الأحكام وما يتعلق بها ~~من الأمور المستورة بظلمات الجهل، وقوله تعالى: { يحكم بها ~~النبيون } أي أنبياء ms0877 بني إسرائيل، وقيل: موسى ومن بعده من ~~الأنبياء، جملة مستأنفة مبينة لرفعة رتبتها وسمو طبقتها، وقد ~~جوز كونه حالا من التوراة فيكون حالا مقدرة، أي يحكمون بأحكامها ~~ويحملون الناس عليها، وبه تمسك من ذهب إلى أن شريعة من قبلنا ~~شريعة لنا ما لم تنسخ، وتقديم الجار والمجرور على الفاعل لما مر ~~مرارا من الاعتناء بشأن المقدم والتشويق إلى المؤخر، ولأن في ~~المؤخر وما يتعلق به نوع طول ربما يخل تقديمه بتجاوب أطراف ~~النظم الكريم، وقوله تعالى: { الذين أسلموا } صفة أجريت على ~~النبيين على سبيل المدح دون التخصيص والتوضيح، لكن لا للقصد إلى مدحهم ~~بذلك حقيقة، فإن النبوة أعظم من الإسلام قطعا، فيكون وصفهم به بعد ~~وصفهم بها تنزلا من الأعلى إلى الأدنى، بل لتنويه شأن الصفة فإن إبراز ~~وصف في معرض مدح العظماء منبىء عن عظم قدر الوصف لا محالة كما ~~في وصف الأنبياء بالصلاح ووصف الملائكة بالإيمان عليهم السلام، ولذلك ~~قيل: أوصاف الأشراف أشراف الأوصاف، وفيه رفع لشأن المسلمين وتعريض ~~باليهود وأنهم بمعزل من الإسلام، والاقتداء بدين الأنبياء عليهم ~~السلام لا سيما مع ملاحظة ما وصفوا به في قوله تعالى. # { للذين هادوا } وهو متعلق (بيحكم) أي يحكمون فيما بينهم، ~~واللام إما لبيان اختصاص الحكم بهم أعم من أن يكون لهم أو عليهم، ~~كأنه قيل: لأجل الذين هادوا، وإما للإيذان بنفعه للمحكوم عليه أيضا ~~بإسقاط التبعة عنه، وإما للإشعار بكمال رضاهم به وانقيادهم له كأنه أمر ~~نافع لكلا الفريقين، ففيه تعريض بالمحرفين، وقيل: التقدير للذين ~~هادوا وعليهم فحذف ما حذف لدلالة ما ذكر عليه، وقيل: هو متعلق ~~(بأنزلنا) وقيل: (بهدى ونور) وفيه فصل بين المصدر ومفعوله، وقيل: ~~متعلق بمحذوف وقع صفة لهما أي هدى ونور كائنان للذين هادوا { ~~والربانيون والأحبار } أي الزهاد والعلماء من ولد ~~هارون الذين التزموا طريقة النبيين وجانبوا دين اليهود. # وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: الربانيون الذين يسوسون الناس ~~بالعلم ويربونهم بصغاره قبل كباره، والأحبار هم الفقهاء واحده ~~حبر بالفتح والكسر والثاني أفصح، وهو رأي ms0878 الفراء، مأخوذ من التحبير ~~والتحسين، فإنهم يحبرون العلم ويزينونه ويبينونه، وهو عطف على ~~(النبيون) أي هم أيضا يحكمون بأحكامها، وتوسيط المحكوم لهم بين ~~المعطوفين للإيذان بأن الأصل في الحكم بها وحمل الناس على ما فيها ~~هم النبيون، وإنما الربانيون والأحبار خلفاء ونواب لهم في ذلك كما ~~ينبىء عنه قوله تعالى: { بما استحفظوا } أي بالذي استحفظوه من ~~جهة النبيين وهو التوراة، حيث سألوهم أن يحفظوها من التغيير ~~والتبديل على الإطلاق، ولا ريب في أن ذلك منهم عليهم السلام استخلاف لهم ~~في إجراء أحكامها من غير إخلال بشيء منها، وفي إبهامها أولا ثم ~~بيانها ثانيا بقوله تعالى: { من كتب الله } من تفخيمها ~~وإجلالها ذاتا وإضافة، وتأكيد إيجاب حفظها والعمل بما فيها ما لا ~~يخفى، وإيرادها بعنوان الكتاب للإيماء إلى إيجاب حفظها عن التغيير ~~من جهة الكتابة، والباء الداخلة على الموصول متعلقة (بيحكم) لكن لا ~~على أنها صلة كالتي في قوله تعالى: { بها } ، ليلزم تعلق حرفي جر ~~متحدي المعنى بفعل واحد، بل على أنها سببية أي ويحكم الربانيون ~~والأحبار أيضا بسبب ما حفظوه من كتاب الله حسبما وصاهم به أنبياؤهم ~~وسألوهم أن يحفظوه، وليس المراد بسببيته لحكمهم ملك سببيته من حيث ~~الذات بل من حيث كونه محفوظا، فإن تعليق حكمهم بالموصول مشعر ~~بسببية الحفظ المترتب لا محالة على ما في حيز الصلة من الاستحفاظ له، ~~وقيل: الباء صلة لفعل مقدر معطوف على قوله تعالى: { يحكم بها ~~النبيون } عطف جملة على جملة، أي ويحكم الربانيون والأحبار ~~بحكم كتاب الله الذي سألهم أنبياؤهم أن يحفظوه من التغيير. # { وكانوا عليه شهداء } أي رقباء يحمونه من أن يحوم حوله ~~التغيير والتبديل بوجه من الوجوه، فتغيير الأسلوب لما ذكر من ~~المزايا، وقيل: (بما استحفظوا) بدل من قوله تعالى: { بها } بإعادة ~~العامل وهو بعيد، وكذا تجويز كون الضمير في استحفظوا للأنبياء ~~والربانيين والأحبار جميعا على أن الاستحفاظ من جناب الله عز وجل أي ~~كلفهم الله تعالى أن يحفظوه ويكونوا عليه شهداء، وقوله تعالى وتقدس: { ~~فلا تخشوا الناس } خطاب لرؤساء ms0879 اليهود وعلمائهم بطريق ~~الالتفات، وأما حكام المسلمين فيتناوبهم النهي بطريق الدلالة دون ~~العبارة، والفاء لترتيب النهي على ما فصل من حال التوراة، وكونها ~~معتنى بشأنها فيما بين الأنبياء عليهم السلام ومن يقتدى بهم من ~~الربانيين والأحبار المتقدمين عملا وحفظا، فإن ذلك مما يوجب ~~الاجتناب عن الإخلال بوظائف مراعاتها والمحافظة عليها بأي وجه كان ~~فضلا عن التحريف والتغيير، ولما كان مدار جراءتهم على ذلك خشية ذي ~~سلطان أو رغبة في الحظوظ الدنيوية نهوا عن كل منهما صريحا، أي إذا ~~كان شأنهما كما ذكر فلا تخشوا الناس كائنا من كان واقتدوا في مراعاة ~~أحكامها وحفظها بمن قبلكم من الأنبياء وأشياعهم { واخشون } في ~~الإخلال بحقوق مراعاتها فكيف بالتعرض لها بسوء. # { ولا تشتروا بآيتي } الاشتراء استبدال السلعة بالثمن أي ~~أخذها بدلا منه لا بذل الثمن لتحصيلها كما قيل، ثم استعير لأخذ شيء ~~بدلا مما كان له، عينا كان أو معنى أخذا منوطا بالرغبة فيما أخذ، ~~والإعراض عما أعطي ونبذ، كما فصل في تفسير قوله تعالى: # أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى # [البقرة، الآية 16و 175] فالمعنى لا تستبدلوا بآياتي التي فيها بأن ~~تخرجوها منها أو تتركوا العمل بها وتأخذوا لأنفسكم بدلا منها { ~~ثمنا قليلا } من الرشوة والجاه وسائر الحظوظ الدنيوية، فإنها ~~وإن جلت قليلة مسترذلة في نفسها، لا سيما بالنسبة إلى ما فات ~~عنهم بترك العمل بها، وإنما عبر عن المشترى الذي هو العمدة في عقود ~~المعاوضة والمقصد الأصلي بالثمن الذي شأنه أن يكون وسيلة إلى ~~تحصيله، وأبرزت الآيات التي حقها أن يتنافس فيها المتنافسون في ~~معرض الآلات والوسائط حيث قرنت بالباء التي تصحب الوسائل إيذانا ~~بمبالغتهم في التعكيس بأن جعلوا المقصد الأقصى وسيلة والوسيلة ~~الأدنى مقصدا { ومن لم يحكم بما أنزل الله } كائنا من ~~كان دون المخاطبين خاصة فإنهم مندرجون فيه اندراجا أوليا أي من لم ~~يحكم بذلك مستهينا به منكرا كما يقتضيه ما فعلوه من تحريف آيات الله ~~تعالى اقتضاء بينا { فأولئك } إشارة إلى (من)، والجمع باعتبار ~~معناها كما أن الإفراد فيما سبق باعتبار ms0880 لفظها { هم الكفرون } ~~لاستهانتهم به، و(هم) إما ضمير الفعل أو مبتدأ وما بعده خبره، والجملة ~~لأولئك، وقد مر تفصيله في مطلع سورة البقرة، والجملة تذييل مقرر ~~لمضمون ما قبلها أبلغ تقرير، وتحذير عن الإخلال به أشد تحذير حيث ~~علق فيه الحكم بالكفر بمجرد ترك الحكم بما أنزل الله تعالى، فكيف وقد ~~انضم إليه الحكم بخلافه، لا سيما مع مباشرة ما نهوا عنه من تحريفه ووضع ~~غيره موضعه، وادعاء أنه من عند الله ليشتروا به ثمنا قليلا؟ ### || [5.45] # { وكتبنا } عطف على (أنزلنا التوراة) { عليهم } أي على الذين ~~هادوا، وقرىء وأنزل الله على بني إسرائيل { فيها } أي في التوراة { ~~أن النفس بالنفس } أي تقاد بها إذا قتلتها بغير حق { ~~والعين } تفقأ { بالعين } إذا فقئت بغير حق { والأنف } ~~يجدع { بالأنف } المقطوع بغير حق { والأذن } تصلم { ~~بالأذن } المقطوعة ظلما { والسن } تقلع { بالسن } المقلوعة ~~بغير حق { والجروح قصاص } أي ذات قصاص إذا كانت بحيث تعرف ~~المساواة، وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنهم كانوا لا يقتلون ~~الرجل بالمرأة فنزلت، وقرىء (وإن الجروح قصاص) وقرىء (والعين) إلى ~~آخره بالرفع عطفا على محل (أن النفس) لأن المعنى كتبنا عليهم: النفس ~~بالنفس إما لإجراء كتبنا مجرى قلنا، وإما لأن معنى الجملة التي هي ~~قولك: النفس بالنفس مما يقع عليه الكتب كما يقع عليه القراءة، تقول: ~~كتبت (الحمد لله) وقرأت # سورة أنزلنها # [النور، الآية 1] { فمن تصدق } أي من المستحقين { به } أي ~~بالقصاص، أي فمن عفا عنه، والتعبير عنه بالتصديق للمبالغة في الترغيب ~~فيه { فهو } أي التصديق { كفارة له } أي للمتصدق يكفر الله ~~تعالى بها ذنوبه، وقيل: للجاني إذا تجاوز عنه صاحب الحق سقط عنه ما ~~لزمه، وقرىء (فهو كفارته له)، أي فالمتصدق كفارته التي يستحقها ~~بالتصدق له لا ينقص منها شيء وهو تعظيم لما فعل، كقوله تعالى: # فأجره على الله # [الشورى، الآية: 40]. # { ومن لم يحكم } كائنا من كان فيتناول من لا يرى قتل الرجل ~~بالمرأة من اليهود تناولا بينا { بما أنزل الله } من الأحكام ~~والشرائع كائنا ما كان ms0881 فيدخل فيها الأحكام المحكية دخولا أوليا { ~~فأولئك هم الظلمون } المبالغون في الظلم المتعدون ~~لحدوده تعالى الواضعون للشيء في غير موضعه، والجملة تذييل مقرر ~~لإيجاب العمل بالأحكام المذكورة. ### || [5.46-47] # { وقفينا على ءاثرهم } شروع في بيان أحكام الإنجيل ~~إثر بيان أحكام التوراة وهو عطف على (أنزلنا التوراة) أي آثار ~~النبيين المذكورين، يقال: قفيته بفلان إذا أتبعته إياه، فحذف ~~المفعول لدلالة الجار والمجرور عليه أي قفيناهم { بعيسى ابن ~~مريم } أي أرسلناه عقيبهم { مصدقا لما بين يديه من ~~التوراة } حال من عيسى عليه السلام { وآتيناه الإنجيل } عطف ~~على قفينا وقرىء بفتح الهمزة { فيه هدى ونور } كما في التوراة ~~وهو في محل النصب على أنه حال من الإنجيل أي كائنا فيه ذلك كأنه قيل: ~~مشتملا على هدى ونور، وتنوين هدى ونور للتفخيم، ويندرج في ذلك شواهد ~~نبوته عليه السلام { ومصدقا لما بين يديه من ~~التوراة } عطف عليه داخل في حكم الحالية وتكرير (ما بين يديه من ~~التوراة) لزيادة التقرير { وهدى وموعظة للمتقين } عطف ~~على مصدقا منتظم معه في سلك الحالية جعل كله هدى بعد ما جعل ~~مشتملا عليه حيث قيل: (فيه هدى) وتخصيص كونه هدى وموعظة بالمتقين ~~لأنهم المهتدون بهداه والمنتفعون بجدواه. # { وليحكم أهل الإنجيل بما أنزل الله فيه } أمر ~~مبتدأ لهم بأن يحكموا ويعملوا بما فيه من الأمور التي من جملتها دلائل ~~رسالته عليه الصلاة والسلام وشواهد نبوته وما قررت الشريعة الشريفة ~~من أحكامه، وأما أحكامه المنسوخة فليس الحكم بهما حكما بما أنزل الله ~~فيه بل هو إبطال وتعطيل له، إذ هو شاهد بنسخها وانتهاء وقت العمل ~~بها، لأن شهادته بصحة ما ينسخها من الشريعة شهادة بنسخها، وبأن ~~أحكامه ما قررته تلك الشريعة التي شهد بصحتها كما سيأتي في قوله ~~تعالى: # يأهل الكتب لستم على شىء حتى تقيموا ~~التوراة والإنجيل # [المائدة، الآية 68] الآية، وقيل: هو حكاية للأمر الوارد عليهم بتقدير ~~فعل معطوف على آتيناه أي وقلنا: ليحكم أهل الإنجيل الخ، وقرىء (وأن) ~~ليحكم على أن (أن) موصولة بالأمر كما في قولك: أمرته بأن قم، ms0882 كأنه ~~قيل: وآتيناه الإنجيل وأمرنا بأن يحكم أهل الإنجيل الخ، وقرىء على ~~صيغة المضارع ولام التعليل على أنها متعلقة بمقدر كأنه قيل: ~~وليحكم أهل الإنجيل بما أنزل الله فيه آتيناه إياه، وقد عطف على ~~(هدى وموعظة) على أنهما مفعول لهما، كأنه قيل: وللهدى والموعظة آتيناه ~~إياه وللحكم بما أنزل الله فيه. # { ومن لم يحكم بما أنزل الله } منكرا له مستهينا به { ~~فأولئك هم الفسقون } المتمردون الخارجون عن الإيمان، ~~والجملة تذييل مقرر لمضمون الجملة السابقة ومؤكد لوجوب الامتثال ~~بالأمر، وفيه دلالة على أن الإنجيل مشتمل على الأحكام، وأن عيسى عليه ~~السلام كان مستقلا بالشرع مأمورا بالعمل بما فيه من الأحكام قلت أو ~~كثرت، لا بما في التوراة خاصة، وحمله على معنى وليحكم بما أنزل الله ~~فيه من إيجاب العمل بأحكام التوراة خلاف الظاهر. ### || [5.48] # { وأنزلنا إليك الكتب } أي الفرد الكامل الحقيقي بأن ~~يسمى كتابا على الإطلاق لحيازته جميع الأوصاف الكمالية لجنس الكتاب ~~السماوي وتفوقه على بقية أفراده وهو القرآن الكريم، فاللام للعهد ~~والجملة عطف على (أنزلنا) وما عطف عليه، وقوله تعالى: { بالحق } ~~متعلق بمحذوف وقع حالا مؤكدة من الكتاب أي ملتبسا بالحق والصدق، ~~وقيل: من فاعل أنزلنا، وقيل: من الكاف في (إليك) وقوله تعالى: { ~~مصدقا لما بين يديه } حال من الكتاب أي حال كونه مصدقا ~~لما تقدمه إما من حيث إنه نازل حسبما نعت فيه، أو من حيث إنه ~~موافق له في القصص والمواعيد والدعوة إلى الحق والعدل بين الناس ~~والنهي عن المعاصي والفواحش، وأما ما يتراءى من مخالفته له في بعض ~~جزئيات الأحكام المتغيرة بسبب تغير الأعصار فليست بمخالفة في ~~الحقيقة بل هي موافقة لها من حيث إن كلا من تلك الأحكام حق ~~بالإضافة إلى عصره، متضمن للحكمة التي عليها يدور أمر الشريعة، وليس ~~في المتقدم دلالة على أبدية أحكامه المنسوخة حتى يخالفه الناسخ ~~المتأخر، وإنما يدل على مشروعيتها مطلقا من غير تعرض لبقائها ~~وزوالها، بل نقول: هو ناطق بزوالها لما أن النطق بصحة ما ينسخها نطق ~~بنسخها وزوالها وقوله ms0883 تعالى: { من الكتب } بيان (لما)، ~~واللام للجنس، إذ المراد هو الكتاب السماوي وهو بهذا العنوان جنس ~~برأسه، وإن كان في نفسه نوعا مخصوصا من مدلول لفظ الكتاب، وعن هذا ~~قالوا: اللام للعهد، إلا أن ذلك لا ينتهي إلى خصوصية الفردية بل إلى ~~خصوصية النوعية التي هي أخص من مطلق الكتاب وهو ظاهر، ومن الكتاب ~~السماوي أيضا حيث خص بما عدا القرآن { ومهيمنا عليه } أي ~~رقيبا على سائر الكتب المحفوظة من التغيير لأنه يشهد بالصحة والثبات ~~ويقرر أصول شرائعها وما يتأبد من فروعها، ويعين أحكامها المنسوخة ~~ببيان انتهاء مشروعيتها المستفادة من تلك الكتب وانقضاء وقت العمل ~~بها، ولا ريب في أن تمييز أحكامها الباقية على المشروعية أبدا عما ~~انتهى وقت مشروعيته وخرج عنها من أحكام كونه مهيمنا عليه، وقرىء ~~(ومهيمنا عليه) على صيغة المفعول أي هومن عليه وحوفظ من التغيير ~~والتبديل كقوله عز وجل: # لا يأتيه البطل من بين يديه ولا من خلفه # [فصلت، الآية 42] والحافظ إما من جهته تعالى كما في قوله: # إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون # [الحجر، الآية 9] أو الحفاظ في الأعصار والأمصار والفاء في قوله تعالى: ~~{ فاحكم بينهم } لترتيب ما بعدها على ما قبلها، فإن كون شأن ~~القرآن العظيم حقا مصدقا لما قبله من الكتب المنزلة على الأمم ~~مهيمنا عليه من موجبات الحكم المأمور به، أي إذا كان القرآن كما ذكر ~~فاحكم بين أهل الكتابين عند تحاكمهم إليك { بما أنزل الله } ~~أي بما أنزله إليك، فإنه مشتمل على جميع الأحكام الشرعية الباقية في ~~الكتب الإلهية، وتقديم (بينهم) للاعتناء ببيان تعميم الحكم لهم، ~~ووضع الموصول موضع الضمير للتنبيه على علية ما في حيز الصلة ~~للحكم، والالتفات بإظهار الاسم الجليل لتربية المهابة والإشعار بعلة ~~الحكم. # { ولا تتبع أهواءهم } الزائغة { عما جاءك من الحق ~~} الذي لا محيد عنه، و(عن) متعلقة بلا تتبع على تضمين معنى العدول ~~ونحوه، كأنه قيل: ولا تعدل عما جاءك من الحق متبعا أهواءهم، وقيل: ~~بمحذوف وقع حالا من فاعله، أي لا تتبع أهواءهم عادلا عما ms0884 جاءك، وفيه ~~أن ما وقع حالا لا بد أن يكون فعلا عاما، ووضع الموصول موضع ضمير ~~الموصول الأول للإيماء بما في حيز الصلة من مجيء الحق إلى ما يوجب كمال ~~الاجتناب عن اتباع الأهواء. وقوله تعالى: { لكل جعلنا منكم ~~شرعة ومنهجا } كلام مستأنف جيء به لحمل أهل الكتابين من ~~معاصريه عليه الصلاة والسلام على الانقياد لحكمه بما أنزل إليه من ~~القرآن الكريم ببيان أنه هو الذي كلفوا العمل به دون غيره من ~~الكتابين، وإنما الذين كلفوا العمل بهما من مضى قبل نسخهما من ~~الأمم السالفة، والخطاب بطريق التلوين والالتفات للناس كافة لكن لا ~~للموجودين خاصة بل للماضين أيضا بطريق التغليب، واللام متعلقة (بجعلنا) ~~المتعدي لواحد، وهو إخبار بجعل، ماض لا إنشاء، وتقديمها عليه ~~للتخصيص و(منكم) متعلق بمحذوف وقع صفة لما عوض عنه تنوين كل، ~~ولا ضير في توسط (جعلنا) بين الصفة والموصوف كما في قوله تعالى: # أغير الله أتخذ وليا فاطر السموات # [الأنعام، الآية 14] الخ، والمعنى لكل أمة كائنة منكم أيها الأمم ~~الباقية والخالية جعلنا أي عينا ووضعنا شرعة ومنهاجا خاصين بتلك ~~الأمة لا تكاد أمة تتخطى شرعيتها التي عينت لها، فالأمة التي كانت ~~من مبعث موسى إلى مبعث عيسى عليهما السلام شرعيتهم التوراة والتي ~~كانت من مبعث عيسى إلى مبعث النبي عليهما الصلاة والسلام شرعتهم ~~الإنجيل، وأما أنتم أيها الموجودون فشرعتكم القرآن ليس إلا، فآمنوا ~~به واعملوا بما فيه، والشرعة والشريعة هي الطريقة إلى الماء شبه ~~بها الدين لكونه سبيلا موصولا إلى ما هو سبب للحياة الأبدية، كما أن ~~الماء سبب للحياة الفانية، والمنهاج الطريق الواضح في الدين من نهج ~~الأمر إذا وضح، وقرىء (شرعة) بفتح الشين، قيل: فيه دليل على أنا ~~غير متعبدين بشرائع من قبلنا، والتحقيق أنا متعبدون بأحكامها ~~الباقية من حيث إنها أحكام شرعتنا لا من حيث إنها شرعة للأولين. # { ولو شاء الله لجعلكم أمة وحدة } متفقة على دين ~~واحد في جميع الأعصار من غير اختلاف بينكم وبين من قبلكم من الأمم في ~~شيء من الأحكام ms0885 الدينية، ولا نسخ ولا تحويل، ومفعول المشيئة محذوف على ~~دلالة الجزاء عليه، أي ولو شاء الله أن يجعلكم أمة واحدة لجعلكم الخ، ~~وقيل: المعنى لو شاء الله اجتماعكم على الإسلام لأجبركم عليه. # { ولكن ليبلوكم } متعلق بمحذوف يستدعيه النظام، أي ولكن ~~لم يشأ ذلك أي أن يجعلكم أمة واحدة بل شاء ما عليه السنة الإلهية ~~الجارية فيما بين الأمم ليعاملكم معاملة من يبتليكم { فيما ~~ءاتكم } من الشرائع المختلفة المناسبة لأعصارها وقرونها هل تعملون ~~بها مذعنين لها معتقدين أن اختلافها بمقتضى المشيئة الإلهية ~~المبنية على أساس الحكم البالغة والمصالح النافعة لكم في معاشكم ~~ومعادكم أو تزيغون عن الحق وتتبعون الهوى وتستبدلون المضرة ~~بالجدوى وتشترون الضلالة بالهدى، وبهذا اتضح أن مدار عدم المشيئة ~~المذكورة ليس مجرد الابتلاء، بل العمدة في ذلك ما أشير إليه من انطواء ~~الاختلاف على ما فيه مصلحتهم معاشا ومعادا كما ينبىء عنه قوله عز وجل: ~~{ فاستبقوا الخيرات } أي إذا كان الأمر كما ذكر فسارعوا إلى ما ~~هو خير لكم في الدارين من العقائد الحقة والأعمال الصالحة المندرجة ~~في القرآن الكريم، وابتدروها انتهازا للفرصة وإحرازا لسابقة الفضل ~~والتقدم، ففيه من تأكيد الترغيب في الإذعان للحق وتشديد التحذير عن ~~الزيغ ما لا يخفى، وقوله تعالى: { إلى الله مرجعكم } استئناف ~~مسوق مساق التعليل لاستباق الخيرات بما فيه من الوعد والوعيد، وقوله ~~تعالى: { جميعا } حال من ضمير الخطاب، والعامل فيه إما المصدر ~~المنحل إلى حرف مصدري وفعل مبني للفاعل أو مبني للمفعول وإما ~~الاستقرار المقدر في الجار { فينبئكم بما كنتم فيه ~~تختلفون } أي فيفعل بكم من الجزاء الفاصل بين المحق والمبطل ~~ما لا يبقى لكم معه شائبة شك فيما كنتم فيه تختلفون في الدنيا، وإنما ~~عبر عن ذلك بما ذكر لوقوعه موقع إزالة الاختلاف التي هي وظيفة الإخبار. ### || [5.49] # { وأن احكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع ~~أهواءهم } عطف على الكتاب، أي أنزلنا إليك الكتاب والحكم بما ~~فيه، والتعرض لعنوان إنزاله تعالى إياه لتأكيد وجوب الامتثال بالأمر، ~~أو على الحق أي أنزلناه بالحق ms0886 وبأن احكم، وحكاية إنزال الأمر بهذا الحكم ~~بعد ما مر من الأمر الصريح بذلك تأكيد له وتمهيد لما يعقبه من قوله ~~تعالى: { واحذرهم أن يفتنوك عن بعض ما أنزل الله ~~إليك } أي يصرفونك عن بعضه ولو كان أقل قليل بتصوير الباطل بصورة ~~الحق، وإظهار الاسم الجليل لتأكيد الأمر بتهويل الخطب، و(أن) بصلته ~~بدل اشتمال من ضمير (هم) أي احذر فتنتهم، أو مفعول له أي احذرهم مخافة ~~أن يفتنوك، وإعادة ما أنزل الله لتأكيد التحذير بتهويل الخطب. # روي (أن أحبار اليهود قالوا: اذهبوا بنا إلى محمد فلعلنا نفتنه عن ~~دينه، فذهبوا إليه صلى الله عليه وسلم وقالوا: يا أبا القاسم قد عرفت ~~أنا أحبار اليهود وأنا إن اتبعناك اتبعنا اليهود كلهم، وإن بيننا ~~وبين قومنا خصومة فنتحاكم إليك فتقضي لنا عليهم ونحن نؤمن بك ونصدقك، ~~فأبى رسول الله صلى الله عليه وسلم فنزلت) { فإن تولوا } أي ~~أعرضوا عن الحكم بما أنزل الله تعالى وأرادوا غيره { فاعلم أنما ~~يريد الله أن يصيبهم ببعض ذنوبهم } أي بذنب توليهم ~~عن حكم الله عز وجل، وإنما عبر بذلك إيذانا بأن لهم ذنوبا كثيرة، هذا ~~مع كمال عظمة واحد من جملتها، وفي هذا الإبهام تعظيم للتولي كما ~~في قول لبيد: [الكامل] # [ترك أمكنة إذا لم أرضها] # أو يرتبط بعض النفوس حمامها # يريد به نفسه أي نفسا كبيرة ونفسا أي نفس { وإن كثيرا من ~~الناس لفسقون } أي متمردون في الكفر مصرون عليه خارجون عن ~~الحدود المعهودة وهو اعتراض تذييلي مقرر لمضمون ما قبله. ### || [5.50-51] # { أفحكم الجهلية يبغون } إنكار وتعجيب من حالهم ~~وتوبيخ لهم، والفاء للعطف على مقدر يقتضيه المقام، أي أيتولون عن حكمك ~~فيبغون حكم الجاهلية؟ وتقديم المفعول للتخصيص المفيد لتأكيد الإنكار ~~والتعجيب، لأن التولي عن حكمه عليه الصلاة والسلام وطلب حكم آخر ~~منكر عجيب، وطلب حكم الجاهلية أقبح وأعجب، والمراد بالجاهلية إما ~~الملة الجاهلية التي هي متابعة الهوى الموجبة للميل والمداهنة في ~~الأحكام فيكون تعييرا لليهود بأنهم مع كونهم أهل كتاب وعلم يبغون ~~حكم الجاهلية التي ms0887 هي هوى وجهل لا يصدر عن كتاب ولا يرجع إلى وحي، ~~وإما أهل الجاهلية، وحكمهم ما كانوا عليه من التفاضل فيما بين القتلى، ~~حيث # " روي أن بني النضير لما تحاكموا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في ~~خصومة قتل وقعت بينهم وبين بني قريظة طلبوا إليه عليه الصلاة والسلام ~~أن يحكم بينهم بما كان عليه أهل الجاهلية من التفاضل، فقال عليه الصلاة ~~والسلام: " القتلى سواء " # فقال بنو النضير: نحن لا نرضى بذلك فنزلت)، وقرىء برفع (الحكم) على أنه ~~مبتدأ ويبغون خبره والراجع محذوف حذفه في قوله تعالى: # أهذا الذى بعث الله رسولا # [الفرقان، الآية 41] وقد استضعف ذلك في غير الشعر، وقرىء بتاء الخطاب ~~إما بالالتفات لتشديد التوبيخ وإما بتقدير القول أي قل لهم أفحكم الخ، ~~وقرىء بفتح الحاء والكاف أي أفحاكما كحكام الجاهلية يبغون { ومن ~~أحسن من الله حكما } إنكار لأن يكون أحد حكمه أحسن من ~~حكمه تعالى أو مساو له، وإن كان ظاهر السبك غير متعرض لنفي ~~المساواة وإنكارها، وقد مر تفصيله في تفسير قوله تعالى: # ومن أحسن دينا ممن أسلم وجهه لله # [النساء، الآية 125] { لقوم يوقنون } أي عندهم، واللام كما في ~~(هيت لك)، أي هذا الاستفهام لهم فإنهم الذين يتدبرون الأمور بأنظارهم، ~~فيعلمون يقينا أن حكم الله عز وجل أحسن الأحكام وأعدلها. { يأيها ~~الذين آمنوا } خطاب يعم حكمه كافة المؤمنين من المخلصين وغيرهم، وإن ~~كان سبب وروده بعضا منهم كما سيأتي، ووصفهم بعنوان الإيمان لحملهم ~~من أول الأمر على الانزجار عما نهوا عنه بقوله عز وجل: { لا ~~تتخذوا اليهود والنصرى أولياء } فإن تذكير ~~اتصافهم بضد صفات الفريقين من أقوى الزواجر عن موالاتهما، أي لا يتخذ ~~أحد منكم أحدا منهم وليا، بمعنى لا تصافوهم ولا تعاشروهم مصافاة ~~الأحباب ومعاشرتهم لا بمعنى لا تجعلوهم أولياء لكم حقيقة، فإنه أمر ~~ممتنع في نفسه لا يتعلق به النهي { بعضهم أولياء بعض } أي ~~بعض كل فريق من ذينك الفريقين أولياء بعض آخر من ذلك الفريق ~~لا من الفريق الآخر، وإنما أوثر الإجمال ms0888 في البيان تعويلا على ظهور ~~المراد لوضوح انتفاء الموالاة بين فريقي اليهود والنصارى رأسا، ~~والجملة مستأنفة مسوقة لتعليل النهي وتأكيد إيجاب الاجتناب عن ~~المنهي عنه أو (بعضهم أولياء بعض) متفقون على كلمة واحدة في كل ما ~~يأتون وما يذرون ومن ضرورته إجماع الكل على مضادتكم ومضارتكم بحيث ~~يسومونكم السوء ويبغونكم الغوائل، فكيف يتصور بينكم وبينهم موالاة؟ ~~وقوله تعالى: { ومن يتولهم منكم فإنه منهم } حكم ~~مستنتج منه، فإن انحصار الموالاة فيما بينهم يستدعي كون من يواليهم ~~منهم، ضرورة أن الاتحاد في الدين الذي عليه يدور أمر الموالاة حيث لم ~~يكن بكونهم ممن يواليهم من المؤمنين، تعين أن يكون ذلك بكون من ~~يواليهم منهم، وفيه زجر شديد للمؤمنين عن إظهار صورة الموالاة لهم وإن ~~لم تكن موالاة في الحقيقة وقوله تعالى: { إن الله لا يهدى ~~القوم الظلمين } تعليل لكون من يتولاهم منهم أي لا يهديهم ~~إلى الإيمان بل يخليهم وشأنهم فيقعون في الكفر والضلالة، وإنما وضع ~~المظهر موضع ضميرهم تنبيها على أن توليهم ظلم، لما أنه تعريض ~~لأنفسهم للعذاب الخالد ووضع للشيء في غير موضعه. ### || [5.52] # وقوله تعالى: { فترى الذين فى قلوبهم مرض } بيان ~~لكيفية توليهم، وإشعار بسببه وبما يؤول إليه أمرهم، والفاء للإيذان ~~بترتبه على عدم الهداية، والخطاب إما للرسول صلى الله عليه وسلم بطريق ~~التلوين، وإما لكل أحد ممن له أهلية له، وفيه مزيد تشنيع للتشنيع، أي ~~لا يهديهم بل يذرهم وشأنهم فتراهم الخ، وإنما وضع موضع الضمير ~~الموصول ليشار بما في حيز صلته إلى أن ما ارتكبوه من التولي بسبب ما ~~في قلوبهم من مرض النفاق ورخاوة العقد في الدين، وقوله تعالى: { ~~يسرعون فيهم } حال من الموصول والرؤية بصرية، وقيل: مفعول ~~ثان والرؤية قلبية، والأول هو الأنسب بظهور نفاقهم، أي تراهم مسارعين ~~في موالاتهم، وإنما قيل: فيهم مبالغة في بيان رغبتهم فيها وتهالكهم ~~عليها، وإيثار كلمة (في) على كلمة (إلى) للدلالة على أنهم مستقرون في ~~الموالاة، وإنما مسارعتهم من بعض مراتبها إلى بعض آخر منها كما في ~~قوله تعالى: ms0889 # أولئك يسرعون فى الخيرت # [المؤمنون، الآية 61] لا أنهم خارجون عنها متوجهون إليها كما في قوله ~~تعالى: # وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة # [آل عمران، الآية 133] وقرىء (فيري) بياء الغيبة على أن الضمير لله ~~سبحانه، وقيل: لمن تصح منه الرؤية، وقيل: الفاعل هو الموصول والمفعول ~~هو الجملة على حذف أن المصدرية، والرؤية قلبية أي ويرى القوم الذين في ~~قلوبهم مرض أن يسارعوا فيهم، فلما حذفت أن انقلب الفعل مرفوعا كما في ~~قول من قال: # ألا أيهذا الزاجري أحضر الوغى # [وأن أشهد اللذات هل أنت مخلدي] # والمراد بهم عبد الله بن أبي وأضرابه الذين كانوا يسارعون في ~~موادة اليهود ونصارى نجران، وكانوا يعتذرون إلى المؤمنين بأنهم لا ~~يأمنون أن تصيبهم صروف الزمان وذلك قوله تعالى: { يقولون نخشى ~~أن تصيبنا دائرة } وهو حال من ضمير يسارعون، والدائرة من ~~الصفات الغالبة التي لا يذكر معها موصوفها، أي تدور علينا دائرة من ~~دوائر الدهر ودولة من دوله بأن ينقلب الأمر وتكون الدولة للكفار، ~~وقيل: نخشى أن يصيبنا مكروه من مكاره الدهر كالجدب والقحط فلا يعطونا ~~الميرة والقرض. روي (أن عبادة بن الصامت رضي الله تعالى عنه قال ~~لرسول الله صلى الله عليه وسلم: إن لي موالي من اليهود كثيرا عددهم ~~وإني أبرأ إلى الله ورسوله من ولايتهم، وأوالي الله ورسوله. فقال عبد ~~الله بن أبي: إني رجل أخاف الدوائر لا أبرأ من ولاية موالي) وهم ~~يهود بني قينقاع، ولعله يظهر للمؤمنين أنه يريد بالدوائر المعنى ~~الأخير ويضمر في نفسه المعنى الأول وقوله تعالى: { فعسى الله ~~أن يأتى بالفتح } رد من جهة الله تعالى لعللهم الباطلة وقطع ~~لأطماعهم الفارغة وتبشير للمؤمنين بالظفر، فإن (عسى) منه سبحانه وعد ~~محتوم، لما أن الكريم إذا أطمع أطعم لا محالة فما ظنك بأكرم ~~الأكرمين؟ و(أن يأتي) في محل النصب على أنه خبر عسى وهو رأي الأخفش، أو ~~على أنه مفعول به وهو رأي سيبويه، لئلا يلزم الإخبار عن الجثة ~~بالحدث كما في قولك: عسى زيد أن يقوم، والمراد بالفتح فتح ms0890 مكة، قاله ~~الكلبي والسدي، وقال الضحاك: فتح قرى اليهود من خيبر وفدك، ~~وقال قتادة ومقاتل: هو القضاء الفصل بنصره عليه الصلاة والسلام على ~~من خالفه وإعزاز الدين { أو أمر من عنده } بقطع شأفة اليهود ~~من القتل والإجلاء { فيصبحوا } أي أولئك المنافقون المتعللون بما ~~ذكر وهو عطف على ما يأتي داخل معه في حيز خبر عسى، وإن لم يكن فيه ~~ضمير يعود إلى اسمها، فإن فاء السببية مغنية عن ذلك، فإنها تجعل ~~الجملتين كجملة واحدة { على ما أسروا فى أنفسهم ~~ندمين } وهو ما كانوا يكتمونه في أنفسهم من الكفر والشك في أمره ~~عليه الصلاة والسلام، وتعليق الندامة به لا بما كانوا يظهرونه من ~~موالاة الكفرة لما أنه الذي كان يحملهم على الموالاة ويغريهم عليها ~~فدل ذلك على ندامتهم عليها بأصلها وسببها. ### || [5.53] # { ويقول الذين ءامنوا } كلام مبتدأ مسوق لبيان كمال سوء ~~حال الطائفة المذكورة وقرىء بغير واو على أنه جواب سؤال نشأ مما سبق ~~كأنه قيل: فماذا يقول المؤمنون حينئذ؟ وقرىء (ويقول) بالنصب عطفا على ~~يصبحوا، وقيل: على (يأتي) باعتبار المعنى كأنه قيل: فعسى أن يأتي الله ~~بالفتح ويقول الذين آمنوا والأول أوجه، لأن هذا القول إنما يصدر عن ~~المؤمنين عند ظهور ندامة المنافقين لا عند إتيان الفتح فقط، والمعنى ~~ويقول الذين آمنوا مخاطبين لليهود مشيرين إلى المنافقين الذين كانوا ~~يوالونهم ويرجون دولتهم ويظهرون لهم غاية المحبة وعدم المفارقة عنهم ~~في السراء والضراء عند مشاهدتهم لخيبة رجائهم وانعكاس تقديرهم بوقوع ~~ضد ما كانوا يترقبونه ويتعللون به، تعجيبا للمخاطبين من حالهم ~~وتعريضا بهم { أهؤلاء الذين أقسموا بالله جهد ~~أيمنهم إنهم لمعكم } أي بالنصر والمعونة كما قالوا ~~فيما حكي عنهم # وإن قوتلتم لننصرنكم # [الحشر، الآية: 11] واسم الإشارة مبتدأ وما بعده خبره، والمعنى إنكار ~~ما فعلوه واستبعاده وتخطئتهم في ذلك، أو يقول بعض المؤمنين لبعض ~~مشيرين إلى المنافقين أيضا أهؤلاء الذين أقسموا للكفرة إنهم لمعكم؟ ~~فالخطاب في (معكم) لليهود على التقديرين إلا أنه على الأول من جهة ~~المؤمنين وعلى الثاني من جهة المقسمين، وهذه ms0891 الجملة لا محل لها من ~~الإعراب لأنها تفسير وحكاية لمعنى أقسموا لكن لا بألفاظهم وإلا لقيل: ~~إنا معكم، وجهد الأيمان أغلظها وهو في الأصل مصدر ونصبه على الحال ~~على تقدير وأقسموا بالله يجهدون جهد أيمانهم، فحذف الفعل وأقيم ~~المصدر مقامه، ولا يبالى بتعريفه لفظا لأنه مؤول بنكرة أي ~~مجتهدين في أيمانهم أو على المصدر أي أقسموا إقسام اجتهاد في اليمين ~~وقوله تعالى: { حبطت أعملهم فأصبحوا خسرين } إما ~~جملة مستأنفة مسوقة من جهته تعالى لبيان مآل ما صنعوه من ادعاء ~~الولاية والإقسام على المعية في المنشط والمكره إثر الإشارة إلى ~~بطلانه بالاستفهام الإنكاري، وإما خبر ثان للمبتدأ عند من يجوز ~~كونه جملة كما في قوله تعالى: # فإذا هى حية تسعى # [طه، الآية 20] أو هو الخبر والموصول مع ما في حيز صلته صفة لاسم ~~الإشارة، فالاستفهام حينئذ للتقرير، وفيه معنى التعجب كأنه قيل: ما ~~أحبط أعمالهم فما أخسرهم، والمعنى بطلت أعمالهم التي عملوها في ~~شأن موالاتكم وسعوا في ذلك سعيا بليغا حيث لم تكن لكم دولة فينتفعوا ~~بما صنعوا من المساعي وتحملوا من مكابدة المشاق، وفيه من الاستهزاء ~~بالمنافقين والتقريع للمخاطبين ما لا يخفي، وقيل: قاله بعض المؤمنين ~~مخاطبا لبعض تعجبا من سوء حال المنافقين واغتباطا بما من الله تعالى ~~على أنفسهم من التوفيق للإخلاص: أهؤلاء الذين أقسموا لكم بأغلظ ~~الأيمان أنهم أولياؤكم ومعاضدوكم على الكفار؟ بطلت أعمالهم التي ~~كانوا يتكلفونها في رأي أعين الناس، وأنت خبير بأن هذا الكلام من ~~المؤمنين إنما يليق بما لو أظهر المنافقون حينئذ خلاف ما كانوا ~~يدعونه ويقسمون عليه من ولاية المؤمنين ومعاضدتهم على الكفار فظهر ~~كذبهم وافتضحوا بذلك على رؤوس الأشهاد وبطلت أعمالهم التي كانوا ~~يتكلفونها في رأي أعين المؤمنين، ولا ريب في أنهم يومئذ أشد ادعاء ~~وأكثر إقساما منهم قبل ذلك، فضلا عن أن يظهروا خلاف ذلك، وإنما الذي ~~يظهر منهم الندامة على ما صنعوا وليس ذلك علامة ظاهرة الدلالة على ~~كفرهم وكذبهم في ادعائهم، فإنهم يدعون أن ليست ندامتهم إلا على ما ~~أظهروه ms0892 من موالاة الكفرة خشية إصابة الدائرة. ### || [5.54] # { يأيها الذين ءامنوا من يرتد منكم عن دينه } ~~وقرىء (يرتدد) بالفك على لغة الحجاز، والإدغام لغة تميم، لما نهي ~~فيما سلف عن موالاة اليهود والنصارى وبين أن موالاتهم مستدعية ~~للارتداد عن الدين وفصل مصير أمر من يواليهم من المنافقين شرع في ~~بيان حال المرتدين على الإطلاق وهذا من الكائنات التي أخبر عنها القرآن ~~قبل وقوعها. (روي أنه ارتد عن الإسلام إحدى عشرة فرقة، ثلاث في عهد ~~رسول الله عليه الصلاة والسلام بنو مدلج ورئيسهم ذو الخمار، وهو ~~الأسود العنسي، كان كاهنا تنبأ باليمن واستولى على بلاده فأخرج منها ~~عمال رسول الله صلى الله عليه وسلم فكتب عليه الصلاة والسلام إلى ~~معاذ بن جبل وإلى سادات اليمن فأهلكه الله تعالى على يدي فيروز ~~الديلمي، بيته فقتله، وأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقتله ~~ليلة قتل، فسر به المسلمون وقبض عليه الصلاة والسلام من الغد، ~~وأتى خبره في آخر شهر ربيع الأول، وبنو حنيفة قوم مسيلمة الكذاب ~~تنبأ وكتب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم: من مسيلمة رسول الله إلى ~~محمد رسول الله أما بعد فإن الأرض نصفها لي ونصفها لك. # فأجاب عليه الصلاة والسلام: # " من محمد رسول الله إلى مسيلمة الكذاب، أما بعد فإن الأرض لله ~~يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين " # فحاربه أبو بكر رضي الله عنه بجنود المسلمين، وقتل على يدي وحشي ~~قاتل حمزة رضي الله عنه. وكان يقول: قتلت في جاهليتي خير الناس وفي ~~إسلامي شر الناس، وبنو أسد قوم طليحة بن خويلد، تنبأ فبعث إليه أبو ~~بكر رضي الله عنه خالد بن الوليد فانهزم بعد القتال إلى الشام فأسلم ~~وحسن إسلامه، وسبع في عهد أبي بكر رضي الله عنه فزارة قوم ~~عيينة بن حصن، وغطفان قوم قرة بن سلمة القشيري، وبنو سليم ~~قوم الفجاءة بن عبد ياليل، وبنو يربوع قوم مالك بن نويرة، ~~وبعض تميم قوم سجاح بنت المنذر المتنبئة، التي زوجت نفسها من ~~مسيلمة الكذاب، وفيها ms0893 يقول أبو العلاء المعري في كتاب [استغفر ~~واستغفري]: [البسيط] # آمت سجاح ووالاها مسيلمة # كذابة في بني الدنيا وكذاب # وكندة قوم الأشعث بن قيس، وبنو بكر بن وائل بالبحرين قوم الحطم ~~بن زيد، وكفى الله تعالى أمرهم على يد أبي بكر رضي الله عنه، وفرقة ~~واحدة في عهد عمر رضي الله عنه غسان قوم جبلة بن الأيهم نصرته ~~اللطمة، وسيرته إلى بلاد الروم وقصته مشهورة وقوله تعالى: { فسوف ~~يأتى الله } جواب الشرط والعائد إلى اسم الشرط محذوف أي فسوف يأتي ~~الله مكانهم بعد إهلاكهم { بقوم يحبهم } أي يريد بهم خيري ~~الدنيا والآخرة، ومحل الجملة الجر على أنها صفة لقوم، وقوله تعالى: { ~~ويحبونه } أي يريدون طاعته ويتحرزون عن معاصيه، معطوف عليها ~~داخل في حكمها، قيل: هم أهل اليمن لما روي أن النبي عليه الصلاة ~~والسلام أشار إلى أبي موسى الأشعري وقال قوم هذا، وقيل: هم الأنصار ~~رضي الله عنهم، وقيل: هم الفرس لما روي أنه عليه السلام سئل عنهم فضرب ~~بيده الكريمة على عاتق سلمان رضي الله عنه وقال: «هذا وذووه» ثم قال: ~~«لو كان الإيمان معلقا بالثريا لناله رجال من أبناء فارس» وقيل: (هم ~~ألفان من النخع وخمسة آلاف من كندة وثلاثة آلاف من أفياء الناس ~~جاهدوا يوم القادسية). # { أذلة على المؤمنين } جمع ذليل لا ذلول، فإن جمعه ذلل ~~أي أرقاء رحماء متذللين ومتواضعين لهم، واستعماله (بعلى) إما لتضمين ~~معنى العطف والحنو، أو للتنبيه على أنهم مع علو طبقتهم وفضلهم على ~~المؤمنين خافضون لهم أجنحتهم، أو لرعاية المقابلة بينه وبين على في ~~قوله تعالى: { أعزة على الكفرين } أي أشداء متغلبين عليهم ~~من عزه إذ غلبه كما في قوله عز وعلا: # أشداء على الكفار رحماء بينهم # [الفتح، الآية 29] وهما صفتان أخريان لقوم ترك بينهما العاطف ~~للدلالة على استقلالهم بالاتصاف بكل منهما، وفيه دليل على صحة تأخير ~~الصفة الصريحة من الجملة والظرف، كما في قوله تعالى: # وهذا كتب أنزلنه مبارك # [الأنعام، الآية 92, 155] وقوله تعالى: # ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث # [الأنبياء، الآية ms0894 2] وقوله تعالى: # ما يأتيهم من ذكر من الرحمن محدث # [الشعراء، الآية 5] وما ذهب إليه من لا يجوزه من أن قوله تعالى: { ~~يحبهم ويحبونه } كرم معترض وأن (مبارك) خبر بعد خبر أو ~~خبر لمبتدأ محذوف وأن (من ربهم) و(من الرحمن) حالان مقدمتان من ضمير ~~(محدث) تكلف لا يخفى، وقرىء (أذلة) و(أعزة) بالنصب على الحالية من ~~قوم لتخصصه بالصفة. # { يجهدون فى سبيل الله } صفة أخرى لقوم مترتبة على ما ~~قبلها مبينة مع ما بعدها لكيفية عزتهم، أو حال من ضمير في (أعزة) ~~{ ولا يخفون لومة لائم } عطف على يجاهدون بمعنى أنهم ~~جامعون بين المجاهدة في سبيل الله وبين التصلب في الدين وفيه تعريض ~~بالمنافقين، فإنهم كانوا إذا خرجوا في جيش المسلمين خافوا أولياءهم ~~اليهود فلا يكادون يعملون شيئا يلحقهم فيه لوم من جهتهم، وقيل: هو حال ~~من فاعل يجاهدون بمعنى أنهم يجاهدون وحالهم خلاف حال المنافقين، ~~واعترض عليه بأنهم نصوا على أن المضارع المنفي بلا أو ما ~~كالمثبت في عدم جواز مباشرة واو الحال له واللومة المرة من ~~اللوم، وفيها وفي تنكير لائم مبالغة لا تخفى. # { ذلك } إشارة إلى ما تقدم من الأوصاف الجليلة وما فيه من معنى البعد ~~للإيذان ببعد منزلتها في الفضل { فضل الله } أي لطفه وإحسانه لا ~~أنهم مستقلون في الاتصاف بها { يؤتيه من يشاء } إيتاء إياه ~~ويوفقه لكسبه وتحصيله حسبما تقتضيه الحكمة والمصلحة { والله ~~وسع } كثير الفواضل والألطاف { عليم } مبالغ في العلم بجميع ~~الأشياء التي من جملتها من هو أهل للفضل والتوفيق، والجملة اعتراض ~~تذييلي مقرر لما قبله، وإظهار الاسم الجليل للإشعار بالعلة ~~وتأكيد استقلال الجملة الاعتراضية. ### || [5.55-56] # { إنما وليكم الله ورسوله والذين ءامنوا } ~~لما نهاهم الله عز وجل عن موالاة الكفرة وعلله بأن بعضهم أولياء بعض ~~لا يتصور ولايتهم للمؤمنين، وبين أن من يتولاهم يكون من جملتهم، ~~بين ههنا من هو وليهم بطريق قصر الولاية عليه كأنه قيل: لا ~~تتخذوهم أولياء، لأن بعضهم أولياء بعض وليسوا بأوليائكم، إنما ~~أولياؤكم الله ورسوله والمؤمنون فاختصوهم بالموالاة ولا تتخطوهم إلى ms0895 ~~غيرهم، وإنما أفرد الولي مع تعدده للإيذان بأن الولاية أصالة لله ~~تعالى وولايته عليه السلام، وكذا ولاية المؤمنين بطريق التبعية ~~لولايته عز وجل { الذين يقيمون الصلوة ويؤتون ~~الزكوة } صفة للذين آمنوا لجريانه مجرى الاسم أو بدل منه أو ~~نصب على المدح أو رفع عليه { وهم راكعون } حال من فاعل الفعلين ~~أي يعملون ما ذكر من إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وهم خاشعون ومتواضعون ~~لله تعالى، وقيل: هو حال مخصوصة بإيتاء الزكاة، والركوع ركوع الصلاة، ~~والمراد بيان كمال رغبتهم في الإحسان ومسارعتهم إليه، وروي أنها نزلت ~~في علي رضي الله عنه حين سأله سائل وهو راكع فطرح إليه خاتمه كأنه كان ~~مرجا في خنصره غير محتاج في إخراجه إلى كثير عمل يؤدي إلى فساد ~~الصلاة، ولفظ الجمع حينئذ لترغيب الناس في مثل فعله رضي الله عنه، وفيه ~~دلالة على أن صدقة التطوع تسمى زكاة { ومن يتول الله ~~ورسوله والذين ءامنوا } أوثر الإظهار على أن يقال: ومن ~~يتولهم رعاية لما مر من نكتة بيان أصالته تعالى في الولاية كما ~~ينبىء عنه قوله تعالى: { فإن حزب الله هم الغلبون } ~~حيث أضيف الحزب إليه تعالى خاصة وهو أيضا من باب وضع الظاهر ~~موضع الضمير العائد إلى (من)، أي فإنهم الغالبون لكنهم جعلوا حزب ~~الله تعالى تعظيما لهم وإثباتا لغلبتهم بالطريق البرهاني، كأنه قيل: ~~ومن يتول هؤلاء فإنهم حزب الله وحزب الله هم الغالبون. ### || [5.57-59] # { يأيها الذين ءامنوا لا تتخذوا الذين ~~اتخذوا دينكم هزوا ولعبا } روي (أن رفاعة بن زيد ~~وسويد بن الحارث، أظهرا الإسلام ثم نافقا، وكان رجال من المؤمنين ~~يوادونهما) فنهوا عن موالاتهما، ورتب النهي على وصف يعمهما ~~وغيرهما تعميما للحكم وتنبيها على العلة وإيذانا بأن من هذا شأنه ~~جدير بالمعاداة فكيف بالموالاة؟ { من الذين أوتوا الكتب ~~من قبلكم } بيان للمستهزئين، والتعرض لعنوان إيتاء الكتاب ~~لبيان كمال شناعتهم وغاية ضلالتهم، لما أن إيتاء الكتاب وازع لهم ~~عن الاستهزاء بالدين المؤسس على الكتاب المصدق لكتابهم { ~~والكفار } أي المشركين خصوا به لتضاعف كفرهم، وهو عطف على ms0896 ~~الموصول الأول ففيه إشعار بأنهم ليسوا بمستهزئين كما ينبىء عنه تخصيص ~~الخطاب بأهل الكتاب في قوله تعالى: # يأهل الكتب هل تنقمون منا # [المائدة، الآية 59] الآية، وقرىء بالجر عطفا على الموصول الأخير ~~ويعضده قراءة أبي { ومن الكفار } وقراءة عبد الله { ~~ومن الذين أشركوا } [البقرة، الآية96. وسورة آل عمران، الآية ~~186] فهم أيضا من جملة المستهزئين { أولياء } وجانبوهم كل ~~المجانبة. # { واتقوا الله } في ذلك بترك موالاتهم أو بترك المناهي على ~~الإطلاق فيدخل فيه ترك موالاتهم دخولا أوليا { إن كنتم ~~مؤمنين } أي حقا، فإن قضية الإيمان توجب الاتقاء لا محالة { ~~وإذا نديتم إلى الصلوة اتخذوها } أي الصلاة أو ~~المناداة، ففيه دلالة على شرعية الأذان { هزوا ولعبا } بيان ~~لاستهزائهم بالدين على الإطلاق إظهارا لكمال شقاوتهم. روي (أن نصرانيا ~~بالمدينة كان إذا سمع المؤذن يقول: أشهد أن محمدا رسول الله، يقول: أحرق ~~الله الكاذب، فدخل خادمه ذات ليلة بنار وأهله نيام فتطايرت منه ~~شرارة في البيت فأحرقته وأهله جميعا) { ذلك } أي الاستهزاء ~~المذكور { بأنهم } بسبب أنهم { قوم لا يعقلون } فإن ~~السفه يؤدي إلى الجهل بمحاسن الحق والهزؤ به، ولو كان لهم عقل ~~في الجملة لما اجترءوا على تلك العظيمة { قل } أمر لرسول الله صلى ~~الله عليه وسلم بطريق تلوين الخطاب بعد نهي المؤمنين عن تولي ~~المستهزئين بأن يخاطبهم ويبين أن الدين منزه عما يصحح صدور ما ~~صدر عنهم من الاستهزاء، ويظهر لهم سبب ما ارتكبوه ويلقمهم الحجر، ~~أي قل لأولئك الفجرة { يا أهل الكتب } وصفوا بأهلية الكتاب ~~تمهيدا لما سيأتي من تبكيتهم وإلزامهم بكفرهم بكتابهم { هل تنقمون ~~منا } من نقم منه كذا إذا عابه وأنكره وكرهه، ينقمه من حد ضرب، ~~وقرىء بفتح القاف من حد علم وهي أيضا لغة، أي ما تعيبون وما تنكرون ~~منا { إلا أن آمنا بالله وما أنزل إلينا } من القرآن ~~المجيد { وما أنزل من قبل } أي من قبل إنزاله من التوراة ~~والإنجيل المنزلين عليكم وسائر الكتب الإلهية { وأن ~~أكثركم فسقون } أي متمردون خارجون عن الإيمان بما ذكر فإن ~~الكفر بالقرآن مستلزم بما ms0897 يصدقه لا محالة وهو عطف على (أن آمنا) على ~~أنه مفعول له لتنقمون، والمفعول الذي هو الدين محذوف ثقة بدلالة ما ~~قبله وما بعده عليه دلالة واضحة، فإن اتخاذ الدين هزوا ولعبا عين ~~نقمه وإنكاره، والإيمان بما فصل عين الدين الذي نقموه خلا أنه ~~أبرز في معرض علة نقمهم له تسجيلا عليهم بكمال المكابرة والتعكيس ~~حيث جعلوه موجبا لنقمه مع كونه في نفسه موجبا لقبوله وارتضائه، ~~فالاستثناء من أعم العلل أي ما تنقمون منا ديننا لعلة من العلل إلا ~~لأنا آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل من قبل من كتبكم، ولأن ~~أكثركم متمردون غير مؤمنين بواحد مما ذكر حتى لو كنتم مؤمنين بكتابكم ~~الناطق بصحة كتابنا لآمنتم به، وإسناد الفسق إلى أكثرهم لأنهم ~~الحاملون لأعقابهم على التمرد والعناد، وقيل: عطف عليه على أنه مفعول ~~لتنقمون منا، لكن لا على أن المستثنى مجموع المعطوفين بل هو ما ~~يلزمهما من المخالفة كأنه قيل: ما تنقمون منا إلا مخالفتكم حيث دخلنا ~~الإيمان وأنتم خارجون عنه، وقيل: على حذف المضاف، أي واعتقاد أن ~~أكثركم فاسقون، وقيل: عطف على (ما) أي ما تنقمون منا إلا أن آمنا بالله ~~وما أنزل إلينا وبأنكم فاسقون، وقيل: عطف على علة محذوفة أي لقلة ~~إنصافكم ولأن أكثركم فاسقون، وقيل: الواو بمعنى مع أي ما تنقمون منا ~~إلا الإيمان مع أن أكثركم الخ، وقيل: هو مرفوع على الابتداء والخبر ~~محذوف أي وفسقكم معلوم أي ثابت، والجملة حالية أو معترضة، وقرىء بإن ~~المكسورة والجملة مستأنفة مبينة لكون أكثرهم فاسقين متمردين. ### || [5.60] # { قل هل أنبئكم بشر من ذلك } لما أمر عليه الصلاة ~~والسلام بإلزامهم وتبكيتهم ببيان أن مدار نقمهم للدين إنما هو ~~اشتماله على ما يوجب ارتضاءه عندهم أيضا وكفرهم بما هو مسلم لهم. ~~أمر عليه الصلاة والسلام عقيبه بأن يبكتهم ببيان أن الحقيق بالنقم ~~والعيب حقيقة ما هم عليه من الدين المحرف وينعى عليهم في ضمن ~~البيان جناياتهم وما حاق بهم من تبعاتها وعقوباتها على منهاج التعريض ~~لئلا يحملهم التصريح ms0898 بذلك على ركوب متن المكابرة والعناد، ~~ويخاطبهم قبل البيان بما ينبىء عن عظم شأن المبين، ويستدعي ~~إقبالهم على تلقيه من الجملة الاستفهامية المشوقة إلى المخبر به ~~والتنبئة المشعرة بكونه أمرا خطيرا لما أن النبأ هو الخبر الذي له ~~شأن وخطر، وحيث كان مناط النقم شرية المنقوم حقيقة أو ~~اعتقادا وكان مجرد النقم غير مفيد لشريته البتة، قيل: (بشر) من ~~ذلك ولم يقل: بأنقم من ذلك تحقيقا لشرية ما سيذكر وزيادة تقرير ~~لها، وقيل: إنما قيل ذلك لوقوعه في عبارة المخاطبين حيث # " أتى نفر من اليهود فسألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن دينه فقال ~~عليه الصلاة والسلام: " أومن بالله وما أنزل إلينا " إلى قوله: { ~~ونحن له مسلمون } " # فحين سمعوا ذكر عيسى عليه السلام قالوا: لا نعلم شرا من دينكم، وإنما ~~اعتبر الشرية بالنسبة إلى الدين وهو منزه عن شائبة الشرية ~~بالكلية مجاراة معهم على زعمهم الباطل المنعقد على كمال شريته ~~ليثبت أن دينهم شر من كل شر، أي هل أخبركم بما هو شر في الحقيقة مما ~~تعتقدونه شرا، وإن كان في نفسه خيرا محضا { مثوبة عند الله } ~~أي جزاء ثابتا في حكمه، وقرىء (مثوبة) وهي لغة فيها كمشورة ومشورة وهي ~~مختصة بالخير كما أن العقوبة مختصة بالشر، وإنما وضعت ههنا موضعها على ~~طريقة قوله: [الوافر] # [وخيل قد دلفت لها بخيل] # تحية بينهم ضرب وجيع # ونصبها على التمييز من (بشر) وقوله عز وجل: { من لعنه الله ~~وغضب عليه } خبر لمبتدأ محذوف بتقدير مضاف قبله مناسب لما ~~أشير إليه بكلمة ذلك أي: دين من لعنه الخ، أو بتقدير مضاف قبلها ~~مناسب لمن، أي بشر من أهل ذلك، والجملة على التقديرين استئناف وقع ~~جوابا عن سؤال نشأ من الجملة الاستفهامية إما على حالها وهو الظاهر ~~المناسب لسياق النظم الكريم، وإما باعتبار التقدير فيها فكأنه قيل: ما ~~الذي هو شر من ذلك؟ فقيل: هو دين من لعنه الله الخ، أو قيل في ~~السؤال: من ذا الذي هو شر من أهل ذلك؟ فقيل: هو ms0899 من لعنه الله، ووضع ~~الاسم الجليل موضع الضمير لتربية المهابة وإدخال الروعة وتهويل أمر ~~اللعن وما تبعه، والموصول عبارة عن المخاطبين حيث أبعدهم الله تعالى ~~من رحمته وسخط عليهم بكفرهم وانهماكهم في المعاصي بعد وضوح الآيات ~~وسنوح البينات. # { وجعل منهم القردة والخنازير } أي مسخ بعضهم قردة ~~وهم أصحاب السبت وبعضهم خنازير وهم كفار مائدة عيسى عليه السلام، ~~وقيل: كلا المسخين في أصحاب السبت مسخت شبانهم قردة وشيوخهم ~~خنازير وجمع الضمير الراجع إلى الموصول في (منهم) باعتبار معناه كما أن ~~إفراد الضميرين الأولين باعتبار لفظه، وإيثار وضعه موضع ضمير الخطاب ~~المناسب لأنبئكم للقصد إلى إثبات الشرية بما عدد في حيز صلته من ~~الأمور الهائلة الموجبة لها على الطريقة البرهانية مع ما فيه من ~~الاحتراز عن تهييج لجاجهم { وعبد الطغوت } عطف على صلة ~~(من) وإفراد الضمير لما مر وكذا عبد الطاغوت على قراءة البناء ~~للمفعول ورفع الطاغوت وكذا عبد الطاغوت بمعنى صار معبودا، فالراجع إلى ~~الموصول محذوف على القراءتين، أي عبد فيهم أو بينهم، وتقديم أوصافهم ~~المذكورة بصدد إثبات شرية دينهم على وصفهم هذا مع أنه الأصل ~~المستتبع لها في الوجود وأن دلالته على شريته بالذات، لأن عبادة ~~الطاغوت عين دينهم البين البطلان ودلالتها عليها بطريق الاستدلال ~~بشرية الآثار على شرية ما يوجبها من الاعتقاد، والعمل، إما للقصد ~~إلى تبكيتهم من أول الأمر بوصفهم بما لا سبيل لهم إلى الجحود لا ~~بشريته وفظاعته ولا باتصافهم به، وإما للإيذان باستقلال كل من المقدم ~~والمؤخر بالدلالة على ما ذكر من الشرية، ولو روعي ترتيب الوجود، ~~وقيل: من عبد الطاغوت ولعنه الله وغضب عليه الخ، لربما فهم أن علة ~~الشرية هو المجموع، وقد قرىء (عابد الطاغوت) وكذا (عبد الطاغوت) ~~بالإضافة على أنه نعت كفطن ويقظ، وكذا (عبدة الطاغوت)، وكذا ~~(عبد الطاغوت) بالإضافة على أنه جمع عابد كخدم، أو على أن أصله ~~(عبدة) حذفت تاؤه للإضافة، بالنصب في الكل عطفا على القردة والخنازير، ~~وقرىء (عبد الطاغوت) بالجر عطفا على (من) بناء على أنه مجرور ~~بتقدير المضاف، ms0900 وقد قيل: إن (من) مجرور على أنه بدل من شر على أحد ~~الوجهين المذكورين في تقدير المضاف، وأنت خبير بأن ذلك مع اقتضائه ~~إخلاء النظم الكريم عن المزايا المذكورة بالمرة مما لا سبيل إليه قطعا ~~ضرورة أن المقصود الأصلي ليس مضمون الجملة الاستفهامية بل هو كما مر ~~مقدمة سيقت أمام المقصود لهزؤ المخاطبين وتوجيه أذهانهم نحو تلقي ما ~~يلقى إليهم عقيبها بجملة خبرية موافقة في الكيفية للسؤال الناشىء ~~عنها وهو المقصود إفادته، وعليه يدور ذلك الإلزام والتبكيت حسبما ~~شرح، فإذا جعل الموصول بما في حيز صلته من تتمة الجملة الاستفهامية ~~فأين الذي يلقى إليهم عقيبها جوابا عما نشأ منها من السؤال ليحصل به ~~الإلزام والتبكيت؟ وأما الجملة الآتية فبمعزل من صلاحية الجواب، كيف لا ~~ولا بد من موافقته في الكيفية للسؤال الناشىء عن الجملة الاستفهامية، وقد ~~عرفت أن السؤال الناشىء عنها يستدعي وقوع الشر من تتمة المخبر عنه لا ~~خبرا كما في الجملة المذكورة، وسيتضح ذلك مزيد اتضاح بإذن الله تعالى، ~~والمراد بالطاغوت العجل، وقيل: هو الكهنة وكل من أطاعوه في معصية ~~الله عز وجل فيعم الحكم دين النصارى أيضا، ويتضح وجه تأخير ذكر ~~عبادته عن العقوبات المذكورة، إذ لو قدمت عليها لتوهم اشتراك ~~الفريقين في تلك العقوبات ولما كان مآل ما ذكر بصدر التبكيت أن ما هو ~~شر مما نقموه دينهم أو أن من هو شر من أهل ما نقموه أنفسهم بحسب ~~ما قدر من المضافين، وكانت الشرية على كلا الوجهين من تتمة الموضوع ~~غير مقصودة الإثبات لدينهم أو لأنفسهم عقب ذلك بإثباتها لهم على وجه ~~يشعر بعلية ما ذكر من القبائح لثبوتها لهم بجملة مستأنفة ~~مسوغة من جهته سبحانه شهادة عليهم بكمال الشرارة والضلال، أو داخلة ~~تحت الأمر تأكيدا للإلزام وتشديدا للتبكيت فقيل: { أولئك شر ~~مكانا } فاسم الإشارة عبارة عمن ذكرت صفاتهم الخبيثة وما فيه من ~~معنى البعد للإيذان ببعد منزلتهم في الشرارة أي أولئك الموصوفون بتلك ~~القبائح والفضائح شر مكانهم، جعل مكانا شرا ليكون أبلغ في ~~الدلالة ms0901 على شرارتهم، وقيل: شر مكانا أي منصرفا { وأضل عن ~~سواء السبيل } عطف على شر، مقرر له أي أكثر ضلالا عن الطريق ~~المستقيم وفيه دلالة على كون دينهم شرا محضا بعيدا عن الحق لأن ما ~~يسلكونه من الطريق دينهم، فإذا كانوا أضل كان دينهم ضلالا مبينا ~~لا غاية وراءه، وصيغة التفضيل في الموضعين للزيادة مطلقا لا بالإضافة ~~إلى من يشاركهم في أصل الشرارة والضلال. ### || [5.61] # { وإذا جآؤوكم قالوا ءامنا } نزلت في ناس من اليهود كانوا ~~يدخلون على رسول الله صلى الله عليه وسلم ويظهرون له الإيمان نفاقا، ~~فالخطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم، والجمع للتعظيم، أو له مع ~~من عنده من المسلمين، أي إذا جاؤوكم أظهروا الإسلام { وقد ~~دخلوا بالكفر وهم قد خرجوا به } أي يخرجون من عندك ~~ملتبسين بالكفر كما دخلوا، لم يؤثر فيهم ما سمعوا منك، والجملتان ~~حالان من فاعل قالوا، وبالكفر وبه حالان من فاعل دخلوا وخرجوا، وقد وإن ~~دخلت لتقريب الماضي من الحال ليصح أن يقع حالا، أفادت أيضا بما فيها من ~~معنى التوقع أن أمارات النفاق كانت لائحة، وكان الرسول صلى الله عليه ~~وسلم يظنه ويتوقع أن يظهره الله تعالى، ولذلك قيل: { والله أعلم ~~بما كانوا يكتمون } أي من الكفر، وفيه وعيد شديد لهم. ### || [5.62-64] # { وترى } خطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم أو لكل أحد ممن يصلح ~~للخطاب والرؤية بصرية { كثيرا منهم } من اليهود والمنافقين، ~~وقوله تعالى: { يسرعون فى الإثم } حال من كثيرا، وقيل: ~~مفعول ثان والرؤية قلبية، والأول أنسب بحالهم وظهور نفاقهم، ~~والمسارعة المبادرة والمباشرة للشيء بسرعة، وإيثار كلمة (في) على كلمة ~~(إلى) الواقعة في قوله تعالى: { وسارعوا إلى مغفرة } الخ، ~~لما ذكر في قوله تعالى: { فترى الذين فى قلوبهم مرض ~~يسرعون فيهم } والمراد بالإثم الكذب على الإطلاق، وقيل: ~~الحرام، وقيل: كلمة الشرك وقولهم: عزير ابن الله، وقيل: هو ما يختص ~~بهم من الآثام { والعدوان } أي الظلم المتعدي إلى الغير أو مجاوزة ~~الحد في المعاصي { وأكلهم السحت } أي الحرام، خصه بالذكر مع ~~اندراجه ms0902 في الإثم للمبالغة في التقبيح { لبئس ما كانوا ~~يعملون } أي لبئس شيئا كانوا يعملونه، والجمع بين صيغتي الماضي ~~والمستقبل للدلالة على الاستمرار. # { لولا ينههم الربنيون والأحبار } قال الحسن: ~~الربانيون علماء الإنجيل، والأحبار علماء التوراة، وقيل: كلهم في اليهود ~~وهو تحضيض للذين يقتدي بهم أفناؤهم ويعلمون قباحة ما هم فيه ~~وسوء مغبته على نهي أسافلهم عن ذلك مع توبيخ لهم على تركه { عن ~~قولهم الإثم وأكلهم السحت } مع علمهم بقبحهما ومشاهدتهم ~~لمباشرتهم لهما { لبئس ما كانوا يصنعون } وهذا أبلغ مما قيل ~~في حق عامتهم لما أن العمل لا يبلغ درجة الصنع ما لم يتدرب فيه ~~صاحبه ولم يحصل فيه مهارة تامة، ولذلك ذم به خواصهم، ولأن ترك ~~الحسنة أقبح من مواقعة المعصية، لأن النفس تلتذ بها وتميل إليها، ولا ~~كذلك ترك الإنكار عليها، فكان جديرا بأبلغ ذم، وفيه مما ينعى على ~~العلماء توانيهم في النهي عن المنكرات ما لا يخفى. وعن ابن عباس رضي الله ~~عنهما أنها أشد آية في القرآن، وعن الضحاك: ما في القرآن آية أخوف عندي ~~منها. # { وقالت اليهود } قال ابن عباس وعكرمة والضحاك: إن الله تعالى ~~كان قد بسط على اليهود حتى كانوا من أكثر الناس مالا وأخصبهم ناحية ~~فلما عصوا الله سبحانه بأن كفروا برسول الله صلى الله عليه وسلم وكذبوه ~~كف عنهم ما بسط عليهم، فعند ذلك قال فنحاص بن عازوراء: { يد ~~الله مغلولة } وحيث لم ينكر عليه الآخرون ورضوا به نسبت تلك ~~العظيمة إلى الكل كما يقال: بنو فلان قتلوا فلانا، وإنما القاتل واحد ~~منهم وأرادوا بذلك لعنهم الله أنه قال: ممسك يقتر بالرزق، فإن ~~كلا من غل اليد وبسطها مجاز عن محض البخل والجود من غير قصد في ~~ذلك إلى إثبات يد وغل أو بسط، ألا يرى أنهم يستعملونه حيث لا يتصور ~~فيه ذلك كما في قوله: [الكامل] # جاد الحمى بسط اليدين بوابل # شكرت نداه تلاعه ووهاده # وقد سلك لبيد المسلك السديد حيث قال: [الكامل] # وغداة ريح قد شهدت وقرة # إذ أصبحت بيد ms0903 الشمال زمامها # فإنه إنما أراد بذلك إثبات القدرة التامة للشمال على التصرف في ~~القرة كيفما تشاء على طريقة المجاز من غير أن يخطر بباله أن يثبت ~~لها يدا ولا للقرة زماما، وأصله كناية فيمن يجوز عليه إرادة المعنى ~~الحقيقي كما مر في قوله تعالى: # ولا ينظر إليهم يوم القيمة # في سورة آل عمران [الآية: 77]، وقيل: أرادوا ما حكي عنهم بقوله تعالى: # لقد سمع الله قول الذين قالوا إن الله ~~فقير ونحن أغنياء # [آل عمران، الآية 181]. { غلت أيديهم } دعاء عليهم بالبخل ~~المذموم والمسكنة أو بالفقر والنكد أو بغل الأيدي حقيقة، بأن ~~يكونوا أسارى مغلولين في الدنيا ويسحبوا إلى النار بأغلالها في ~~الآخرة، فتكون المطابقة حينئذ من حيث اللفظ وملاحظة المعنى الأصلي كما ~~في سبني سب الله دابره { ولعنوا } عطف على الدعاء الأول أي ~~أبعدوا من رحمة الله تعالى { بما قالوا } أي بسبب ما قالوا من ~~الكلمة الشنعاء، وقيل: كلاهما خبر. # { بل يداه مبسوطتان } عطف على مقدر يقتضيه المقام أي: ~~كلا ليس كذلك بل هو في غاية ما يكون من الجود، وإليه أشير بتثنية ~~اليد، فإن أقصى ما ينتهي إليه همم الأسخياء أن يعطوا ما يعطونه بكلتا ~~يديهم، وقيل: التثنية للتنبيه على منحه تعالى لنعمتي الدنيا والآخرة، ~~وقيل: على إعطائه إكراما، وعلى إعطائه استدراجا { ينفق كيف ~~يشاء } جملة مستأنفة واردة لتأكيده كمال وجوده وللتنبيه على سر ~~ما ابتلوا به من الضيق الذي اتخذوه من غاية جهلهم وضلالهم ذريعة إلى ~~الاجتراء على تلك الكفرة العظيمة، والمعنى أن ذلك ليس لقصور في فيضه، ~~بل لأن إنفاقه تابع لمشيئته المبنية على الحكم التي عليها يدور ~~أمر المعاش والمعاد، وقد اقتضت الحكمة بسبب ما فيهم من شؤم المعاصي أن ~~يضيق عليهم كما يشير إليه ما سيأتي من قوله عز وجل: { ولو ~~أنهم أقاموا التوراة والإنجيل } الآية، و(كيف) ظرف ~~ليشاء، والجملة في محل النصب على الحالية من ضمير (ينفق) أي ينفق كائنا ~~على أي حال يشاء أي كائنا على مشيئته أي مريدا، وترك ذكر ما ينفقه ~~لقصد ms0904 التعميم. # { وليزيدن كثيرا منهم } وهم علماؤهم ورؤساؤهم { ما ~~أنزل إليك } من القرآن المشتمل على الآيات، وتقديم المفعول ~~للاعتناء به، وتخصيص الكثير منهم بهذا الحكم لما أن بعضهم ليس كذلك { ~~من ربك } متعلق بأنزل كما أن (إليك) كذلك، وتأخيره عنه مع أن حق ~~المبتدىء أن يتقدم على المنتهي لاقتضاء المقام الاهتمام ببيان ~~المنتهي، لأن مدار الزيادة هو النزول إليه عليه السلام كما في قوله ~~تعالى: # وأنزل لكم من السماء ماء # [النمل، الآية 60] والتعرض لعنوان الربوبية مع الإضافة إلى ضميره عليه ~~السلام لتشريفه عليه السلام { طغينا وكفرا } مفعول ثان للزيادة ~~أي ليزيدنهم طغيانا على طغيانهم وكفرا على كفرهم القديمين إما من حيث ~~الشدة والغلو وإما من حيث الكم والكثرة، إذ كلما نزلت آية كفروا بها ~~فيزداد طغيانهم وكفرهم بحسب المقدار كما أن الطعام الصالح للأصحاء ~~يزيد المرضى مرضا. # { وألقينا بينهم } أي بين اليهود، فإن بعضهم جبرية ~~وبعضهم قدرية وبعضهم مرجئة وبعضهم مشبهة { العداوة ~~والبغضاء } فلا يكاد تتوافق قلوبهم ولا تتطابق أقوالهم، والجملة ~~مبتدأة مسوقة لإزاحة ما عسى يتوهم من ذكر طغيانهم وكفرهم من ~~الاجتماع على أمر يؤدي إلى الإضرار بالمسلمين، قيل: العداوة أخص من ~~البغضاء، لأن كل عدو مبغض بلا عكس كلي { إلى يوم القيمة ~~} متعلق بألقينا وقيل: بالبغضاء. # { كلما أوقدوا نارا للحرب أطفأها الله } تصريح ~~بما أشير إليه من عدم وصول غائلة ما هم فيه إلى المسلمين، أي كلما ~~أرادوا محاربة الرسول عليه الصلاة والسلام ورتبوا مباديها وركبوا في ~~ذلك متن كل صعب وذلول ردهم الله تعالى وقهرهم، أو كلما أرادوا حرب ~~أحد غلبوا، فإنهم لما خالفوا حكم التوراة سلط الله تعالى عليهم بخت ~~نصر، ثم أفسدوا فسلط الله عليهم فطرس الرومي، ثم أفسدوا فسلط الله ~~عليهم المجوس، ثم أفسدوا فسلط الله عليهم المسلمين، و(للحرب) إما صلة ~~لأوقدوا أو متعلق بمحذوف وقع صفة (لنارا)، أي كائنة للحرب { ~~ويسعون في الأرض فسادا } أي يجتهدون في الكيد للإسلام وأهله ~~وإثارة الشر والفتنة فيما بينهم مما يغاير ما عبر عنه بإيقاد نار ~~الحرب، و(فسادا) ms0905 إما مفعول له أو في موقع المصدر أي يسعون للفساد أو ~~يسعون سعي فساد { والله لا يحب المفسدين } ولذلك أطفأ ~~ثائرة إفسادهم، واللام إما للجنس وهم داخلون فيه دخولا أوليا، وإما ~~للعهد، ووضع المظهر مقام الضمير للتعليل وبيان كونهم راسخين في ~~الإفساد. ### || [5.65-66] # { ولو أن أهل الكتب } أي اليهود والنصارى، على أن المراد ~~بالكتاب الجنس المنتظم للتوراة والإنجيل، وإنما ذكروا بذلك العنوان ~~تأكيدا للتشنيع، فإن أهلية الكتاب توجب إيمانهم به، وإقامتهم له لا ~~محالة، فكفرهم به وعدم إقامتهم له وهم أهله أقبح من كل قبيح وأشنع ~~من كل شنيع، فمفعول قوله تعالى: { ءامنوا } محذوف ثقة بظهوره مما ~~سبق من قوله تعالى: # هل تنقمون منا إلا أن ءامنا بالله وما أنزل ~~إلينا وما أنزل من قبل وأن أكثركم فسقون # [المائدة، الآية 59] وما لحق من قوله تعالى: { ولو أنهم ~~أقاموا التوراة } الخ، أي لو أنهم مع صدور ما صدر عنهم من ~~فنون الجنايات قولا وفعلا آمنوا بما نفي عنهم الإيمان به فيندرج ~~فيه فرض إيمانهم برسول الله صلى الله عليه وسلم، وأما إرادة إيمانهم به ~~عليه السلام خاصة فيأباها المقام، لأن ما ذكر فيما سبق وما لحق من ~~كفرهم به عليه السلام إنما ذكر مشفوعا بكفرهم بكتابهم أيضا قصدا إلى ~~الإلزام والتبكيت ببيان أن الكفر به عليه الصلاة والسلام مستلزم للكفر ~~بكتابهم، فحمل الإيمان ههنا على الإيمان به عليه السلام خاصة مخل ~~بتجاوب أطراف النظم الكريم. { واتقوا } ما عددنا من معاصيهم ~~التي من جملتها مخالفة كتابهم { لكفرنا عنهم سيئتهم } ~~التي اقترفوها وإن كانت في غاية العظم ونهاية الكثرة ولم نؤاخذهم ~~بها { ولأدخلنهم } مع ذلك { جنت النعيم } وتكرير ~~الام لتأكيد الوعد، وفيه تنبيه على كمال عظم ذنوبهم وكثرة معاصيهم ~~وأن الإسلام يجب ما قبله من السيئات وإن جلت وجاوزت كل حد معهود. # { ولو أنهم أقاموا التوراة والإنجيل } بمراعاة ما ~~فيهما من الأحكام التي من جملتها شواهد نبوة النبي صلى الله عليه وسلم ~~ومبشرات بعثته، فإن إقامتهما إنما تكون بذلك لا بمراعاة جميع ما ms0906 فيهما ~~من الأحكام لانتساخ بعضها بنزول القرآن فليست مراعاة الكل من ~~إقامتهما في شيء { وما أنزل إليهم من ربهم } من القرآن ~~المجيد المصدق لكتبهم، وإيراده بهذا العنوان للإيذان بوجوب إقامته ~~عليهم لنزوله إليهم، وللتصريح ببطلان ما كانوا يدعونه من عدم نزوله إلى ~~بني إسرائيل، وتقديم (إليهم) لما مر من قبل، وفي إضافة الرب إلى ضمير ~~(هم) مزيد لطف بهم في الدعوة إلى الإقامة، وقيل: المراد بما أنزل إليهم ~~كتب أنبياء بني إسرائيل مثل كتاب (شعياء) وكتاب (حبقوق) وكتاب ~~(دانيال) فإنها مملوءة بالبشارة بمبعثه صلى الله عليه وسلم { لأكلوا ~~من فوقهم ومن تحت أرجلهم } أي لوسع عليهم أرزاقهم بأن ~~يفيض عليهم بركات السماء والأرض، أو بأن يكثر ثمرات الأشجار وغلال ~~الزروع أو بأن يرزقهم الجنان اليانعة الثمار فيجتنوا ما تهدل منها من ~~رؤوس الأشجار ويلتقطوا ما تساقط منها على الأرض، وقيل: المراد المبالغة ~~في شرح السعة والخصب لا تعيين الجهتين، كأنه قيل: لأكلوا من كل ~~جهة، ومفعول (أكلوا) محذوف بقصد التعميم، أو للقصد إلى نفس الفعل كما في ~~قوله: فلان يعطي ويمنع، و(من) في الموضعين لابتداء الغاية وفي هاتين ~~الشرطيتين من حثهم على ما ذكر من الإيمان والتقوى والإقامة بالوعد ~~بنيل سعادة الدارين وزجرهم عن الإخلال به بما ذكر ببيان إفضائه إلى ~~الحرمان عنها وتنبيههم على أن ما أصابهم من الضنك والضيق إنما هو من ~~شؤم جناياتهم لا لقصور في فيض الفياض ما لا يخفى. # { منهم أمة مقتصدة } جملة مستأنفة مبنية على سؤال ~~نشأ من مضمون الجملتين المصدرتين بحرف الامتناع الدالتين على انتفاء ~~الإيمان والاتقاء وإقامة الكتب المنزلة من أهل الكتاب، كأنه قيل: هل ~~كلهم كذلك مصرون على عدم الإيمان؟ الخ، فقيل: (منهم أمة مقتصدة) إما ~~على أن(منهم) مبتدأ باعتبار مضمونه أي بعضهم أمة، وإما بتقدير الموصوف أي ~~بعض كائن منهم كما مر في قوله تعالى: { ومن الناس من يقول ~~ءامنا بالله } الآية، أي طائفة معتدلة وهم المؤمنون منهم كعبد ~~الله بن سلام وأضرابه، وثمانية وأربعون من النصارى، وقيل: طائفة ~~حالهم ms0907 أمم في عداوة رسول الله صلى الله عليه وسلم { وكثير ~~منهم } مبتدأ لتخصصه بالصفة خبره { ساء ما يعملون } أي ~~مقول في حقهم هذا القول، أي بئسما يعملون وفيه معنى التعجب أي ما أسوأ ~~عملهم من العناد والمكابرة وتحريف الحق والإعراض عنه، والإفراط في ~~العداوة، وهم الأجلاف المتعصبون ككعب بن الأشرف وأشباهه والروم. ### || [5.67] # { يأيها الرسول } نودي عليه السلام بعنوان الرسالة تشريفا له وإيذانا ~~بأنها من موجبات الإتيان بما أمر به من تبليغ ما أوحي إليه { بلغ ~~ما أنزل إليك } أي جميع ما أنزل إليك من الأحكام وما يتعلق بها ~~كائنا ما كان، وفي قوله تعالى: { من ربك } أي مالك أمورك ~~ومبلغك إلى كمالك اللائق بك، عدة ضمنية بحفظه عليه السلام ~~وكلاءته، أي بلغه غير مراقب في ذلك أحدا ولا خائف أن ينالك ~~مكروه أبدا { وإن لم تفعل } ما أمرت به من تبليغ الجميع ~~بالمعنى المذكور كما ينبىء عنه قوله تعالى: { فما بلغت ~~رسالته } فإن ما لا تتعلق به الأحكام أصلا من الأسرار الخفية ليست ~~مما يقصد تبليغه إلى الناس، أي فما بلغت شيئا من رسالته وانسلخت ~~مما شرفت به من عنوان الرسالة بالمرة، لما أن بعضها ليس أولى بالأداء ~~من بعض، فإذا لم تؤد بعضها فكأنك أغفلت أداءها جميعا كما أن من لم ~~يؤمن ببعضها كان كمن لم يؤمن بكلها، لإدلاء كل منها بما يدليه غيرها، ~~وكونها لذلك في حكم شيء واحد، ولا ريب في أن الواحد لا يكون مبلغا ~~غير مبلغ مؤمنا به غير مؤمن به، ولأن كتمان بعضها إضاعة لما ~~أدي منها كترك بعض أركان الصلاة فإن عرض الدعوة ينتقض بذلك، وقيل: ~~فكأنك ما بلغت شيئا منها كقوله تعالى: # فكأنما قتل الناس جميعا # [المائدة، الآية 32] من حيث أن كتمان البعض والكل سواء في الشناعة ~~واستجلاب العقاب، وقرىء (فما بلغت رسالاتي) وعن ابن عباس رضي الله عنهما ~~إن كتمت آية لم تبلغ رسالاتي، وروي عن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: # " بعثني الله برسالاته فضقت بها ذرعا فأوحى الله ms0908 إلي إن لم ~~تبلغ رسالاتي عذبتك وضمن لي العصمة فقويت " # وذلك قوله تعالى: { والله يعصمك من الناس } فإنه كما ترى ~~عدة كريمة بعصمته من لحوق ضررهم بروحه العزيز باعثة له عليه ~~السلام على الجد في تحقيق ما أمر به من التبليغ غير مكترث بعداوتهم ~~وكيدهم. وعن أنس رضي الله عنه أنه عليه السلام كان يحرس حتى نزلت ~~فأخرج رأسه من قبة أدم فقال: # " انصرفوا أيها الناس فقد عصمني الله من الناس " # وقوله تعالى: { إن الله لا يهدى القوم الكفرين } ~~تعليل لعصمته تعالى له عليه السلام أي لا يمكنهم مما يريدون بك من ~~الإضرار، وإيراد الآية الكريمة في تضاعيف الآيات الواردة في حق أهل ~~الكتاب لما أن الكل قوارع يسوء الكفار سماعها، ويشق على الرسول صلى ~~الله عليه وسلم مشافهتهم بها، وخصوصا ما يتلوها من النص الناعي عليهم ~~كمال ضلالتهم ولذلك أعيد الأمر فقيل: ### || [5.68] # { قل يأهل الكتب } مخاطبا الفريقين { لستم على ~~شىء } أي دين يعتد به ويليق بأن يسمى شيئا لظهور بطلانه ووضوح ~~فساده، وفي هذا التعبير من التحقير والتصغير ما لا غاية وراءه { ~~حتى تقيموا التوراة والإنجيل } أي تراعوهما وتحافظوا على ~~ما فيهما من الأمور التي من جملتها دلائل رسالة الرسول صلى الله عليه ~~وسلم وشواهد نبوته، فإن إقامتهما إنما تكون بذلك، وأما مراعاة أحكامهما ~~المنسوخة فليست من إقامتهما في شيء، بل هي تعطيل لهما ورد لشهادتهما، ~~لأنهما شاهدان بنسخها وانتهاء وقت العمل بها، لأن شهادتهما بصحة ما ~~ينسخها شهادة بنسخها وخروجها عن كونها من أحكامهما، وأن أحكامهما ما ~~قرره النبي الذي بشر فيهما ببعثه، وذكر في تضاعيفهما نعوته، فإذن ~~إقامتهما بيان شواهد النبوة والعمل بما قررته الشريعة من الأحكام ~~كما يفصح عنه قوله تعالى: { وما أنزل إليكم من ربكم } ~~أي القرآن المجيد بالإيمان به، فإن إقامة الجميع لا تتأتى بغير ذلك، ~~وتقديم إقامة الكتابين على إقامته مع أنها المقصودة بالذات لرعاية ~~حق الشهادة واستنزالهم عن رتبة الشقاق، وإيراده بعنوان الإنزال ~~إليهم لما مر من التصريح بأنهم مأمورون بإقامته ms0909 والإيمان به لا كما ~~يزعمون من اختصاصه بالعرب، وفي إضافة الرب إلى ضميرهم ما أشير إليه من ~~اللطف في الدعوة، وقيل: المراد بما أنزل إليهم كتب أنبياء بني ~~إسرائيل كما مر، وقيل: الكتب الإلهية فإنها بأسرها آمرة بالإيمان ~~لمن صدقته المعجزة ناطقة بوجوب الطاعة له. روي عن ابن عباس رضي ~~الله عنهما أن جماعة من اليهود قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~ألست تقرأ أن التوراة حق من عند الله تعالى؟ فقال عليه السلام: «بلى»، ~~فقالوا: فإنا مؤمنون بها ولا نؤمن بغيرها فنزلت، قوله تعالى: { ~~وليزيدن كثيرا منهم ما أنزل إليك من ربك ~~طغينا وكفرا } جملة مستأنفة مبينة لشدة شكيمتهم ~~وغلوهم في المكابرة والعناد وعدم إفادة التبليغ نفعا، وتصديرها ~~بالقسم لتأكيد مضمونها وتحقيق مدلولها، والمراد بالكثير المذكور ~~علماؤهم ورؤساؤهم، ونسبة الإنزال إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم مع ~~نسبته فيما مر إليهم للإنباء عن انسلاخهم عن تلك النسبة { فلا تأس ~~على القوم الكفرين } أي لا تتأسف ولا تحزن عليهم لإفراطهم ~~في الطغيان والكفر بما تبلغه إليهم، فإن غائلته آيلة إليهم وتبعته ~~حائقة لا تتخطاهم، وفي المؤمنين مندوحة لك عنهم، ووضع المظهر موضع ~~المضمر للتسجيل عليهم بالرسوخ في الكفر. ### || [5.69] # { إن الذين ءامنوا } كلام مستأنف مسوق لترغيب من عدا ~~المذكورين في الإيمان والعمل الصالح أي الذين آمنوا بألسنتهم فقط وهم ~~المنافقون، وقيل: أعم من أن يواطئها قلوبهم أو لا { والذين ~~هادوا } أي دخلوا في اليهودية { والصبئون والنصرى } ~~جمع نصران وقد مر تفصيله في سورة البقرة، وقوله تعالى: { ~~والصبئون } رفع على الابتداء وخبره محذوف والنية به التأخر ~~عما في حيز إن والتقدير إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى حكمهم ~~كيت وكيت والصابئون كذلك كقوله: [الطويل] # فإني وقيار بها لغريب # وقوله: [الوافر] # وإلا فاعلموا أنا وأنتم # بغاة ما بقينا في شقاق # خلا أنه وسط بين اسم إن وخبرها دلالة على أن الصابئين مع ظهور ~~ضلالهم وزيغهم عن الأديان كلها حيث قبلت توبتهم إن صح منهم ~~الإيمان والعمل الصالح، فغيرهم أولى بذلك، ms0910 وقيل: الجملة الآتية خبر ~~للمبتدأ المذكور، وخبر إن مقدر كما في قوله: [المنسرح] # نحن بما عندنا وأنت بما # عندك راض والرأي مختلف # وقيل: (النصارى) مرفوع على الابتداء كقوله تعالى: { والصبئون } ~~، عطفا عليه وهو مع خبره عطف على الجملة المصدرة بإن ولا مساغ ~~لعطفه وحده على محل إن واسمها لاشتراط ذلك بالفراغ عن الخبر وإلا لارتفع ~~الخبر بإن والابتداء معا، واعتذر عنه بأن ذلك إذا كان المذكور خبرا ~~لهما، وأما إذا كان خبر المعطوف محذوفا فلا محذور فيه ولا على الضمير ~~في هادوا لعدم التأكيد والفصل، ولاستلزامه كون الصابئين هودا، وقرىء ~~(والصابيون) بياء صريحة بتخفيف الهمزة، وقرىء (والصابون) وهو من صبا ~~يصبو لأنهم صبوا إلى اتباع الهوى والشهوات في دينهم، وقرىء(والصابئين)، ~~وقرىء يا أيها الذين آمنوا والذين هادوا والصابئون، وقوله تعالى: { من ~~ءامن بالله واليوم الآخر وعمل صلحا } إما في محل ~~الرفع على أنه مبتدأ خبره { فلا خوف عليهم ولا هم ~~يحزنون } والفاء لتضمن المبتدأ معنى الشرط، وجمع الضمائر الأخيرة ~~باعتبار معنى الموصول كما أن إفراد ما في صلته باعتبار لفظه، والجملة ~~خبر إن والعائد إلى اسمها محذوف، أي من آمن منهم، وإما في محل النصب على ~~أنه بدل من اسم إن وما عطف عليه، والخبر قوله تعالى: { فلا خوف } ~~والفاء كما في قوله عز وعلا: # إن الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنت ثم لم ~~يتوبوا فلهم عذاب جهنم # [البروج، الآية: 10] الآية، فالمعنى على تقديم كون المراد بالذين آمنوا ~~المنافقين وهو الأظهر أي من أحدث من هذه الطوائف إيمانا خالصا بالمبدأ ~~والمعاد على الوجه اللائق لا كما يزعمه أهل الكتاب فإن ذلك بمعزل من أن ~~يكون إيمانا بهما، وعمل عملا صالحا حسبما يقتضيه الإيمان بهما فلا ~~خوف عليهم حين يخاف الكفار العقاب ولا هم يحزنون حيث يحزن المقصرون على ~~تضييع العمر وتفويت الثواب، والمراد بيان دوام انتفائهما لا بيان ~~انتفاء دوامهما كما يوهمه كون الخبر في الجملة الثانية مضارعا لما مر ~~مرارا لأن النفي وإن دخل على نفس المضارع يفيد الدوام والاستمرار بحسب ms0911 ~~المقام، وأما على تقدير كون المراد بالذين آمنوا مطلق المتدينين بدين ~~الإسلام المخلصين منهم والمنافقين، فالمراد بمن آمن من اتصف منهم ~~بالإيمان الخالص بالمبدأ والمعاد على الإطلاق سواء كان ذلك بطريق ~~الثبات والدوام عليه كما هو شأن المخلصين أو بطريق إحداثه وإنشائه كما هو ~~حال من عداهم من المنافقين وسائر الطوائف، وفائدة التعميم للمخلصين ~~المبالغة في ترغيب الباقين في الإيمان ببيان أن تأخرهم في الاتصاف به ~~غير مخل بكونهم أسوة لأولئك الأقدمين الأعلام، وأما ما قيل: المعنى ~~من كان منهم في دينه قبل أن ينسخ مصدقا بقلبه بالمبدأ أو المعاد ~~عاملا بمقتضى شرعه فمما لا سبيل إليه أصلا كما مر تفصيله في سورة ~~البقرة. ### || [5.70] # { لقد أخذنا ميثاق بنى إسرءيل } كلام مبتدأ مسوق ~~لبيان بعض آخر من جناياتهم المنادية باستبعاد الإيمان منهم أي بالله ~~لقد أخذنا ميثاقهم بالتوحيد وسائر الشرائع والأحكام المكتوبة عليهم في ~~التوراة. { وأرسلنا إليهم رسلا } ذوي عدد كثير وأولي شأن ~~خطير ليقرروهم على مراعاة حقوق الميثاق ويطلعوهم على ما يأتون وما ~~يذرون في دينهم ويتعهدوهم بالعظة والتذكير، وقوله تعالى: { كلما ~~جاءهم رسول بما لا تهوى أنفسهم } جملة شرطية ~~مستأنفة وقعت جوابا عن سؤال نشأ من الإخبار بأخذ الميثاق وإرسال ~~الرسل، وجواب الشرط محذوف، كأنه قيل: فما فعلوا بالرسل؟ فقيل: كلما جاءهم ~~رسول من أولئك الرسل بما لا تحبه أنفسهم المنهمكة في الغي والفساد ~~من الأحكام الحقة والشرائع عصوه وعادوه، وقوله تعالى: { فريقا ~~كذبوا وفريقا يقتلون } جواب مستأنف عن استفسار كيفية ما ~~أظهروه من آثار المخالفة المفهومة من الشرطية على طريقة الإجمال كأنه ~~قيل: كيف فعلوا بهم؟ فقيل: فريقا منهم كذبوهم من غير أن يتعرضوا لهم ~~بشيء آخر من المضار وفريقا آخر منهم لم يكتفوا بتكذيبهم بل قتلوهم ~~أيضا، وإنما أوثر عليه صيغة المضارع على حكاية الحال الماضية لاستحضار ~~صورتها الهائلة للتعجيب منها وللتنبيه على أن ذلك ديدنهم المستمر، ~~وللمحافظة على رؤوس الآي الكريمة، وتقديم فريقا في الموضعين للاهتمام به ~~وتشويق السامع إلى ما فعلوا به لا للقصر ms0912 هذا، وأما جعل الشرطية صفة ~~(لرسلا) كما ذهب إليه الجمهور فلا يساعده المقام أصلا ضرورة أن الجملة ~~الخبرية إذا جعلت صفة أو صلة ينسخ ما فيها من الحكم وتجعل عنوانا ~~للموصوف تتمة له في إثبات أمر آخر له ولذلك يجب أن يكون الوصف ~~معلوم الانتساب إلى الموصوف عند السامع قبل جعله وصفا له، ومن ههنا ~~قالوا: إن الصفات قبل العلم بها أخبار، والأخبار بعد العلم بها ~~أوصاف، ولا ريب في أن ما سبق له النظم إنما هو بيان أنهم جعلوا كل من ~~جاءهم من رسل الله تعالى عرضة للقتل أو التكذيب حسبما يفيده جعلها ~~استئنافا على أبلغ وجه وآكده، لا بيان أنه تعالى أرسل إليهم رسلا ~~موصوفين بكون كل منهم كذلك كما هو مقتضى جعلها صفة. ### || [5.71] # { وحسبوا ألا تكون فتنة } أي حسب بنو إسرائيل أن لا ~~يصيبهم من الله تعالى بما أتوا من الداهية الدهياء والخطة الشنعاء ~~بلاء وعذاب، وقرىء (لا تكون) بالرفع على أن أن هي المخففة من أن، ~~واسمها ضمير الشأن المحذوف، وأصله أنه لا تكون فتنة، وتعليق فعل ~~الحسبان بها وهي للتحقيق لتنزيله منزلة العلم لكمال قوته، و(أن) بما في ~~حيزها ساد مسد مفعوليه. # { فعموا } عطف على (حسبوا) والفاء للدلالة على ترتب ما بعدها على ~~ما قبلها أي أمنوا بأس الله تعالى فتمادوا في فنون الغي والفساد ~~وعموا عن الدين بعد ما هداهم الرسل إلى معالمه الظاهرة وبينوا لهم ~~مناهجه الواضحة { وصموا } عن استماع الحق الذي ألقوه عليهم ولذلك ~~فعلوا بهم ما فعلوا، وهذا إشارة إلى المرة الأولى من مرتي إفساد بني ~~إسرائيل حين خالفوا أحكام التوراة وركبوا المحارم وقتلوا شعياء، وقيل: ~~حبسوا أرمياء عليهما السلام لا إلى عبادتهم العجل كما قيل، فإنها وإن ~~كانت معصية عظيمة ناشئة عن كمال العمى والصمم لكنها في عصر موسى عليه ~~السلام، ولا تعلق لها بما حكي عنهم مما فعلوا بالرسل الذين جاؤوهم ~~بعده عليه السلام بأعصار { ثم تاب الله عليهم } حين تابوا ~~ورجعوا عما كانوا عليه من الفساد بعد ms0913 ما كانوا ببابل دهرا طويلا تحت ~~قهر بخت نصر أسارى في غاية الذل والمهانة فوجه الله عز وجل ملكا ~~عظيما من ملوك فارس إلى بيت المقدس ليعمره ونجى بقايا بني إسرائيل ~~من أسر بخت نصر بعد مهلكه وردهم إلى وطنهم وتراجع من تفرق منهم ~~في الأكناف فعمروه ثلاثين سنة فكثروا وكانوا كأحسن ما كانوا عليه، ~~وقيل: لما ورث بهمن بن اسفنديار الملك من جده كستاسف ألقى الله ~~عز وجل في قلبه شفقة عليهم فردهم إلى الشام وملك عليهم دانيال عليه ~~السلام، فاستولوا على من كان فيها من أتباع بخت نصر فقامت فيهم ~~الأنبياء فرجعوا إلى أحسن ما كانوا عليه من الحال، وذلك قوله تعالى: # ثم رددنا لكم الكرة عليهم # [الإسراء، الآية 6] وأما ما قيل من أن المراد قبول توبتهم عن عبادة ~~العجل فقد عرفت أن ذلك لا تعلق له بالمقام ولم يسند التوبة إليهم ~~كسائر أحوالهم من الحسبان والعمى والصمم تجافيا عن التصريح بنسبة ~~الخير إليهم وإنما أشير إليها في ضمن بيان توبته تعالى عليهم تمهيدا ~~لبيان نقضهم إياها بقوله تعالى: { ثم عموا وصموا } وهو إشارة ~~إلى المرة الآخرة من مرتي إفسادهم وهو اجتراؤهم على قتل زكريا ويحيى ~~وقصدهم قتل عيسى عليهم السلام لا إلى طلبهم الرؤية كما قيل لما عرفت ~~سره، فإن فنون الجنايات الصادرة عنهم لا تكاد تتناهى خلا أن انحصار ما ~~حكي عنهم ههنا في المرتين وترتبه على حكاية ما فعلوا بالرسل عليهم ~~السلام يقضي بأن المراد ما ذكرناه والله عنده علم الكتاب، وقرىء (عموا ~~وصموا) بالضم على تقدير أعماهم الله وصمهم أي رماهم وضربهم بالعمى ~~والصمم، كما يقال: نزكته إذا ضربته بالنيزك وركبته إذا ~~ضربته بركبتك، وقوله تعالى: { كثير منهم } بدل من الضمير في ~~الفعلين، وقيل: خبر مبتدأ محذوف أي أولئك كثير منهم. # { والله بصير بما يعملون } أي بما عملوا، وصيغة المضارع ~~لحكاية الحال الماضية استحضارا لصورتها الفظيعة ورعاية للفواصل، ~~والجملة تذييل أشير به إلى بطلان حسبانهم المذكور ووقوع العذاب من ~~حيث لم يحتسبوا، إشارة إجمالية ms0914 اكتفي بها تعويلا على ما فصل نوع ~~تفصيل في سورة بني إسرائيل، والمعنى حسبوا أن لا يصيبهم عذاب ففعلوا ما ~~فعلوا من الجنايات العظيمة المستوجبة لأشد العقوبات والله بصير ~~بتفاصيلها فكيف لا يؤاخذهم بها؟ ومن أين لهم ذلك الحسبان الباطل؟ ولقد ~~وقع ذلك في المرة الأولى حيث سلط الله تعالى عليهم بخت نصر عامل ~~لهراسب على بابل، وقيل: جالوت الجزري، وقيل: سنحاريب من أهل نينوى، ~~والأول هو الأظهر فاستولى على بيت المقدس فقتل من أهله أربعين ألفا ممن ~~يقرأ التوراة، وذهب بالبقية إلى أرضه فبقوا هناك على أقصى ما يكون من ~~الذل والنكد إلى أن أحدثوا توبة صحيحة، فردهم الله عز وجل إلى ما حكي ~~عنهم من حسن الحال، ثم عادوا إلى المرة الآخرة من الإفساد، فبعث الله ~~تعالى عليهم الفرس فغزاهم ملك بابل من ملوك الطوائف اسمه خيدرود، ~~وقيل: خيدروس، ففعل بهم ما فعل، قيل: دخل صاحب الجيش مذبح قرابينهم ~~فوجد فيه دما يغلي فسألهم، فقالوا: دم قربان لم يقبل منا، فقال: ما ~~صدقوني، فقتل عليه ألوفا منهم، ثم قال: إن لم تصدقوني ما تركت منكم ~~أحدا، فقالوا: إنه دم يحيى عليه السلام، فقال: بمثل هذا ينتقم الله ~~منكم، ثم قال: يا يحيى قد علم ربي وربك ما أصاب قومك من أجلك فاهدأ ~~بإذن الله تعالى قبل ألا أبقي أحدا منهم، فهدأ. ### || [5.72] # { لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ~~ابن مريم } شروع في تفصيل قبائح النصارى وإبطال أقوالهم الفاسدة ~~بعد تفصيل قبائح اليهود، وهؤلاء هم الذين قالوا: إن مريم ولدت إلها، ~~قيل: هم الملكانية والمار يعقوبية منهم، وقيل: هم اليعقوبية خاصة، ~~قالوا: ومعنى هذا أن الله تعالى حل في ذات عيسى واتحد بذاته، تعالى الله ~~عن ذلك علوا كبيرا. # { وقال المسيح } حال من فاعل قالوا بتقدير قد، مفيدة لمزيد ~~تقبيح حالهم ببيان تكذيبهم للمسيح وعدم انزجارهم عما أصروا عليه بما ~~أوعدهم به، أي قالوا ذلك، وقد قال المسيح مخاطبا لهم: { يابنى ~~إسرءيل اعبدوا الله ربى وربكم } فإني ms0915 عبد مربوب ~~مثلكم، فاعبدوا خالقي وخالقكم { إنه } أي الشأن { من يشرك ~~بالله } أي شيئا في عبادته أو فيما يختص به من صفات الألوهية { ~~فقد حرم الله عليه الجنة } فلن يدخلها أبدا، كما لا ~~يصل المحرم عليه إلى المحرم، فإنها دار الموحدين، وإظهار الاسم الجليل في ~~موضع الإضمار لتهويل الأمر وتربية المهابة { ومأواه النار } ~~فإنها هي المعدة للمشركين، وهذا بيان لابتلائهم بالعقاب إثر بيان ~~حرمانهم الثواب. # { وما للظلمين من أنصار } أي ما لهم من أحد ينصرهم ~~بإنقاذهم من النار، إما بطريق المغالبة أو بطريق الشفاعة، والجمع لمراعاة ~~المقابلة بالظالمين، واللام إما للعهد والجمع باعتبار معنى (من) كما أن ~~الإفراد في الضمائر الثلاثة باعتبار لفظها، وإما للجنس وهم داخلون فيه ~~دخولا أوليا، ووضعه على الأول موضع الضمير للتسجيل عليهم بأنهم ظلموا ~~بالإشراك وعدلوا عن طريق الحق، والجملة تذييل مقرر لما قبله، وهو إما من ~~تمام كلام عيسى عليه السلام، وإما وارد من جهته تعالى تأكيدا لمقالته ~~عليه السلام، وتقريرا لمضمونها، وقد قيل: إنه من كلامه عز وجل على معنى ~~أنهم ظلموا وعدلوا عن سبيل الحق فيما تقولوا على عيسى عليه السلام، ~~فلذلك لم يساعدهم عليه ولم ينصر قولهم، ورده وأنكره، وإن كانوا ~~معظمين له بذلك، ورافعين من مقداره. أو من قول عيسى عليه السلام على ~~معنى لا ينصركم أحد فيما تقولون ولا يساعدكم عليه لاستحالته وبعده عن ~~المعقول، وأنت خبير بأن التعبير عما حكي عنه عليه السلام من ~~مقابلته لقولهم الباطل بصريح الرد والإنكار، والوعيد بحرمان الجنة ودخول ~~النار بمجرد عدم مساعدته على ذلك، ونفي نصرته له، مع خلوه عن ~~الفائدة تصوير للقوي بصورة الضعيف وتهوين للخطب في مقام تهويله، بل ~~ربما يوهم ذلك بحسب الظاهر ما لا يليق بشأنه عليه السلام من توهم ~~المساعدة والنصرة، لا سيما مع ملاحظة قوله: وإن كانوا معظمين له الخ، ~~إلا أن يحمل الكلام على التهكم بهم، وكذا الحال على تقدير كونه من تمام ~~كلامه عليه السلام، فإن زجره عليه السلام إياهم عن قولهم الفاسد بما ms0916 ~~ذكر من عدم الناصر والمساعد بعد زجره إياهم بما مر من الرد الأكيد ~~والوعيد الشديد بمعزل من الإفادة والتأثير، ولا سبيل ههنا إلى ~~الاعتذار بالتهكم. ### || [5.73] # { لقد كفر الذين قالوا إن الله ثلث ثلثة ~~} شروع في بيان كفر طائفة أخرى منهم، ومعنى قولهم: ثالث ثلاثة ورابع ~~أربعة ونحو ذلك أحد هذه الأعداد مطلقا لا الثالث والرابع خاصة، ولذلك ~~منع الجمهور أن ينصب ما بعده بأن يقال: ثالث ثلاثة ورابع أربعة، ~~وإنما ينصبه إذا كان ما بعده دونه بمرتبة، كما في قولك: عاشر تسعة ~~وتاسع ثمانية، قيل: إنهم يقولون إن الإلهية مشتركة بين الله سبحانه ~~وتعالى وعيسى ومريم، وكل واحد من هؤلاء إله، ويؤكده قوله تعالى: # أأنت قلت للناس اتخذونى وأمى إلهين من دون ~~الله # [المائدة، الآية 116] فقوله تعالى: { ثلث ثلثة } أي أحد ~~ثلاثة آلهة، وهو المتبادر من ظاهر قوله تعالى: { وما من إله ~~إلا إله وحد } أي والحال أنه ليس في الوجود ذات واجب مستحق ~~للعبادة من حيث إنه مبدأ جميع الموجودات إلا إله موصوف بالوحدانية ~~متعال عن قبول الشركة، و(من) مزيدة للاستغراق، وقيل: إنهم يقولون: ~~الله جوهر واحد ثلاثة أقانيم، أقنوم الأب وأقنوم الابن وأقنوم روح ~~القدس، وإنهم يريدون بالأول الذات وقيل: الوجود، وبالثاني العلم، ~~وبالثالث الحياة، فمعنى قوله تعالى: # وما من إله إلا إله وحد # [المائدة، الآية 73] إلا إله واحد بالذات، منزه عن شائبة التعدد بوجه ~~من الوجوه. # { وإن لم ينتهوا عما يقولون } من الكفر الشنيع ولم ~~يوحدوا، وقوله تعالى: { ليمسن الذين كفروا } جواب قسم ~~محذوف ساد مسد جواب الشرط، أي وبالله إن لم ينتهوا ليمسنهم، وإنما وضع ~~موضع ضمير (هم) الموصول لتكرير الشهادة عليهم بالكفر (فمن)، في قوله ~~تعالى: { منهم } بيانية، أي ليمسن الذين بقوا منهم على ما كانوا ~~عليه من الكفر فمن تبعيضية، وإنما جيء بالفعل المنبىء عن الحدوث تنبيها ~~على أن الاستمرار عليه بعد ورود ما ينحى عليه بالقلع عن نص عيسى عليه ~~السلام وغيره كفر جديد وغلو زائد على ما كانوا عليه من أصل ms0917 الكفر { ~~عذاب أليم } أي نوع شديد الألم من العذاب، وهمزة الاستفهام في قوله ~~تعالى: ### || [5.74-75] # { أفلا يتوبون إلى الله ويستغفرونه } لإنكار ~~الواقع واستبعاده لا لإنكار الوقوع، وفيه تعجيب من إصرارهم، والفاء للعطف ~~على مقدر يقتضيه المقام، أي ألا ينتهون عن تلك العقائد الزائغة ~~والأقاويل الباطلة؟ أفلا يتوبون إلى الله ويستغفرونه بالتوحيد والتنزيه ~~عما نسبوه إليه من الاتحاد والحلول؟ فمدار الإنكار والتعجيب عدم ~~الانتهاء وعدم التوبة معا، أو أيسمعون هذه الشهادات المكررة ~~والتشديدات المقررة فلا يتوبون عقب ذلك، فمدارهما عدم التوبة عقيب ~~تحقق ما يوجبها من سماع تلك القوارع الهائلة، وقوله عز وجل: { ~~والله غفور رحيم } جملة حالية من فاعل يستغفرونه مؤكدة ~~للإنكار والتعجيب من إصرارهم على الكفر وعدم مسارعتهم إلى الاستغفار، أي ~~والحال أنه تعالى مبالغ في المغفرة فيغفر لهم عند استغفارهم ويمنحهم ~~من فضله. # { ما المسيح ابن مريم إلا رسول } استئناف مسوق ~~لتحقيق الحق الذي لا محيد عنه، وبيان حقيقة حاله عليه السلام وحال أمه ~~بالإشارة أولا إلى أشرف ما لهما من نعوت الكمال التي بها صارا من زمرة ~~أكمل أفراد الجنس، وآخرا إلى الوصف المشترك بينهما وبين جميع أفراد ~~البشر، بل أفراد الحيوان استنزالا لهم بطريق التدريج عن رتبة الإصرار ~~على ما تقولوا عليهما وإرشادا لهم إلى التوبة والاستغفار، أي هو مقصور ~~على الرسالة لا يكاد يتخطاها، وقوله تعالى: { قد خلت من قبله ~~الرسل } صفة لرسول منبئة عن اتصافه بما ينافي الألوهية. فإن خلو ~~الرسل السالفة عليهم السلام منذر بخلوه المقتضي لاستحالة ألوهيته أي ما ~~هو إلا رسول كالرسل الخالية من قبله خصه الله تعالى ببعض من الآيات كما ~~خص كلا منهم ببعض آخر منها، فإن أحيا الموتى على يده فقد أحيا العصا ~~في يد موسى عليه السلام وجعلت حية تسعى، وهو أعجب منه، وإن خلق من غير ~~أب فقد خلق آدم من غير أب ولا أم، وهو أغرب منه، وكل ذلك من جنابه عز ~~وجل، وإنما موسى وعيسى مظاهر لشؤونه وأفعاله { وأمه صديقة } أي ~~وما أمه أيضا ms0918 إلا كسائر النساء اللاتي يلازمن الصدق أو التصديق، ~~ويبالغن في الاتصاف به فما رتبتهما إلا رتبة بشرين، أحدهما نبي ~~والآخر صحابي، فمن أين لكم أن تصفوها بما لا يوصف به سائر الأنبياء ~~وخواصهم؟ { كانا يأكلان الطعام } استئناف مبين لما أشير ~~إليه من كونهما كسائر أفراد البشر في الاحتياج إلى ما يحتاج إليه كل فرد ~~من أفراده بل من أفراد الحيوان، وقوله عز وجل: { انظر كيف نبين ~~لهم الآيت } تعجيب من حال الذين يدعون لهما الربوبية ولا يرعوون ~~في ذلك بعد ما بين لهم حقيقة حالهما بيانا لا يحوم حوله شائبة ريب، ~~و(كيف) معمول لنبين، والجملة في حيز النصب معلقة لانظر، أي انظر كيف ~~نبين لهم الآيات الباهرة المنادية ببطلان ما تقولوا عليهما نداء ~~يكاد يسمعه صم الجبال { ثم انظر أنى يؤفكون } أي كيف ~~يصرفون عن استماعها والتأمل فيها، والكلام فيه كما فيما قبله، وتكرير ~~الأمر بالنظر للمبالغة في التعجيب، و(ثم) لإظهار ما بين العجبين من ~~التفاوت أي إن بياننا للآيات أمر بديع في بابه بالغ لأقاصي الغايات ~~القاصية من التحقيق والإيضاح، وإعراضهم عنها مع انتفاء ما يصححه بالمرة ~~وتعاضد ما يوجب قبولها أعجب وأبدع. ### || [5.76-77] # { قل } أمر عليه الصلاة والسلام بإلزامهم وتبكيتهم إثر تعجيبه من ~~أحوالهم { أتعبدون من دون الله } أي متجاوزين إياه، وتقديمه ~~على قوله تعالى: { ما لا يملك لكم ضرا ولا نفعا } لما ~~مر مرارا من الاهتمام بالمقدم والتشويق إلى المؤخر، والموصول عبارة عن ~~عيسى عليه السلام، وإيثاره على كلمة من لتحقيق ما هو المراد من كونه ~~بمعزل من الألوهية رأسا، ببيان انتظامه عليه السلام في سلك الأشياء ~~التي لا قدرة لها على شيء أصلا، وهو عليه السلام وإن كان يملك ذلك ~~بتمليكه تعالى إياه لكنه لا يملكه من ذاته، ولا يملك مثل ما يضر به ~~الله تعالى من البلايا والمصائب، وما ينفع به من الصحة. وتقديم الضرر ~~على النفع لأن التحرز عنه أهم من تحري النفع، ولأن أدنى درجات التأثير ~~دفع الشر، ثم جلب الخير. وقوله تعالى: ms0919 { والله هو السميع ~~العليم } حال من فاعل (أتعبدون) مؤكد للإنكار والتوبيخ، ومقرر ~~للإلزام والتبكيت، والرابط هو الواو أي أتشركون بالله تعالى ما لا يقدر ~~على شيء من ضركم ونفعكم، والحال أن الله تعالى هو المختص بالإحاطة ~~التامة بجميع المسموعات والمعلومات التي من جملتها ما أنتم عليه من ~~الأقوال الباطلة، والعقائد الزائغة، والأعمال السيئة، وبالقدرة الباهرة ~~على جميع المقدورات التي من جملتها مضاركم ومنافعكم في الدنيا ~~والآخرة؟ # { قل يأهل الكتب } تلوين للخطاب وتوجيه له إلى فريقي أهل ~~الكتاب، بطريق الالتفات على لسان النبي عليه الصلاة والسلام بعد إبطال ~~مسلك كل منهما، للمبالغة في زجرهم عما سلكوه من المسلك الباطل، وإرشادهم ~~إلى الأمم المئتاء { لا تغلوا فى دينكم } أي لا تتجاوزوا ~~الحد، وهو نهي للنصارى عن رفع عيسى عن رتبة الرسالة إلى ما تقولوا في ~~حقه من العظيمة، ولليهود عن وضعهم له عليه السلام عن رتبته العلية إلى ما ~~تقولوا عليه من الكلمة الشنعاء، وقيل: هو خاص بالنصارى كما في سورة ~~النساء فذكرهم بعنوان أهلية الكتاب لتذكير أن الإنجيل أيضا ينهاهم عن ~~الغلو، وقوله تعالى: { غير الحق } نصب على أنه نعت لمصدر محذوف ~~أي لا تغلوا في دينكم غلوا غير الحق، أي غلوا باطلا، أو حال من ضمير ~~الفاعل أي لا تغلوا مجاوزين الحق، أو من دينكم أي لا تغلوا في دينكم حال ~~كونه باطلا، وقيل: نصب على الاستثناء المتصل، وقيل: على المنقطع { ~~ولا تتبعوا أهواء قوم قد ضلوا من قبل } هم ~~أسلافهم وأئمتهم الذين ضلوا من الفريقين، أو من النصارى على القولين قبل ~~مبعث النبي عليه الصلاة والسلام في شريعتهم. { وأضلوا كثيرا } ~~أي قوما كثيرا ممن شايعهم في الزيغ والضلال، أو إضلالا كثيرا، ~~والمفعول محذوف { وضلوا } عند بعثة النبي عليه الصلاة والسلام ~~وتوضيح محجة الحق وتبيين مناهج الإسلام { عن سواء السبيل ~~} حين كذبوه وحسدوه وبغوا عليه، وقيل: الأول إشارة إلى ضلالهم عن ~~مقتضى العقل والثاني إلى ضلالهم عما جاء به الشرع. ### || [5.78-79] # { لعن الذين كفروا } أي لعنهم الله عز وجل، وبناء ms0920 الفعل ~~للمفعول للجري على سنن الكبرياء { من بنى إسرءيل } متعلق ~~بمحذوف وقع حالا من الموصول أو من فاعل كفروا، وقوله تعالى: { على ~~لسان داود وعيسى ابن مريم } متعلق بلعن أي لعنهم الله ~~تعالى في الزبور والإنجيل على لسانهما، وقيل: إن أهل أيلة لما اعتدوا ~~في السبت دعا عليهم داود عليه السلام وقال: اللهم العنهم واجعلهم آية، ~~فمسخهم الله قردة، وأصحاب المائدة لما كفروا قال عيسى عليه السلام: ~~اللهم عذب من كفر بعدما أكل من المائدة عذابا لم تعذبه أحدا من ~~العالمين، والعنهم كما لعنت أصحاب السبت، فأصبحوا خنازير وكانوا خمسة ~~آلاف رجل ما فيهم امرأة ولا صبي { ذلك } إشارة إلى اللعن المذكور ~~وإيثاره على الضمير للتنبيه على كمال ظهوره وامتيازه عن نظائره ~~وانتظامه بسببه في سلك الأمور المشاهدة، وما فيه من معنى البعد للإيذان ~~بكمال فظاعته وبعد درجته في الشناعة، وهو مبتدأ خبره قوله تعالى: { بما ~~عصوا وكانوا يعتدون } والجملة مستأنفة واقعة موقع الجواب ~~عما نشأ من الكلام كأنه قيل: بأي سبب وقع ذلك؟ فقيل: ذلك اللعن الهائل ~~الفظيع بسبب عصيانهم واعتدائهم المستمر، كما يفيده الجمع بين صيغتي ~~الماضي والمستقبل، وينبىء عنه قوله تعالى: { كانوا لا يتنهون ~~عن منكر فعلوه } فإنه استئناف مفيد بعبارته لاستمرار عدم ~~التناهي عن المنكر، ولا يمكن استمراره إلا باستمرار تعاطي المنكرات، ~~وليس المراد بالتناهي أن ينهى كل واحد منهم الآخر عما يفعله من ~~المنكر كما هو المعنى المشهور لصيغة التفاعل، بل مجرد صدور النهي عن ~~أشخاص متعددة، من غير اعتبار أن يكون كل واحد منهم ناهيا ومنهيا معا، ~~كما في تراءوا الهلال، وقيل: التناهي بمعنى الانتهاء، يقال: تناهى عن ~~الأمر وانتهى عنه إذا امتنع عنه وتركه، فالجملة حينئذ مفسرة لما قبلها ~~من المعصية والاعتداء، ومفيدة لاستمرارهما صريحا، وعلى الأول مفيدة ~~لاستمرار انتفاء النهي عن المنكر، بأن لا يوجد فيما بينهم من يتولاه في ~~وقت من الأوقات، ومن ضرورته استمرار فعل المنكر حسبما سبق، وعلى كل ~~تقدير فما يفيده تنكير المنكر من الوحدة نوعية لا شخصية، ms0921 فلا يقدح وصفه ~~بالفعل الماضي في تعلق النهي به، لما أن متعلق الفعل إنما هو فرد من ~~أفراد ما يتعلق به النهي، والانتهاء من مطلق المنكر باعتبار تحققه في ~~ضمن أي فرد كان من أفراده على أن المضي المعتبر في الصفة إنما هو ~~بالنسبة إلى زمان النزول لا إلى زمان النهي حتى يلزم كون النهي بعد ~~الفعل، فلا حاجة إلى تقدير المعاودة أو المثل أو جعل الفعل عبارة عن ~~الإرادة، على أن المعاودة كالنهي لا تتعلق بالمنكر المفعول فلا بد من ~~المصير إلى أحد ما ذكر من الوجهين، أو إلى تقدير المثل، أو إلى جعل ~~الفعل عبارة عن إرادته، وفي كل ذلك تعسف لا يخفى. # { لبئس ما كانوا يفعلون } تقبيح لسوء أعمالهم وتعجيب منه ~~بالتوكيد القسمي، كيف لا وقد أداهم إلى ما شرح من اللعن الكبير وليس في ~~تسببه بذلك دلالة على خروج كفرهم عن السببية، مع الإشارة إلى سببيته ~~له فيما سبق من قوله تعالى: # لعن الذين كفروا # [المائدة، الآية 78] فإن إجراء الحكم على الموصول مشعر بعلية ما في ~~حيز الصلة له، لما أن ما ذكر في حيز السببية مشتمل على كفرهم أيضا. ### || [5.80-81] # { ترى كثيرا منهم } أي من أهل الكتاب ككعب بن الأشرف ~~وأضرابه حيث خرجوا إلى مشركي مكة ليتفقوا على محاربة النبي عليه ~~الصلاة والسلام، والرؤية بصرية وقوله تعالى: { يتولون الذين ~~كفروا } حال من (كثيرا) لكونه موصوفا، أي يوالون المشركين بغضا ~~لرسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين، وقيل: من منافقي أهل الكتاب ~~يتولون اليهود. وهو قول ابن عباس رضي الله تعالى عنهما ومجاهد والحسن، ~~وقيل: يوالون المشركين ويصافونهم { لبئس ما قدمت لهم ~~أنفسهم } لبئس شيئا قدموا ليردوا عليه يوم القيامة { أن سخط ~~الله عليهم } هو المخصوص بالذم على حذف المضاف وإقامة المضاف ~~إليه مقامه، تنبيها على كمال التعلق والارتباط بينهما كأنهما شيء ~~واحد، ومبالغة في الذم أي موجب سخطه تعالى، ومحله الرفع على الابتداء ~~والجملة قبله خبره، والرابط عند من يشترطه هو العموم، أو لا حاجة ms0922 إليه، ~~لأن الجملة عين المبتدأ، أو على أنه خبر لمبتدأ محذوف ينبىء عنه الجملة ~~المتقدمة، كأنه قيل: ما هو؟ أو أي شيء هو؟ فقيل: هو أن سخط الله ~~عليهم، وقيل: المخصوص بالذم محذوف و(ما) اسم تام معرفة في محل رفع ~~بالفاعلية لفعل الذم، و(قدمت لهم أنفسهم) جملة في محل الرفع على أنها صفة ~~للمخصوص بالذم قائمة مقامه، والتقدير لبئس الشيء شيء قدمته لهم ~~أنفسهم، فقوله تعالى: { أن سخط الله عليهم } بدل من (شيء) ~~المحذوف، وهذا مذهب سيبويه { وفى العذاب } أي عذاب جهنم { هم ~~خلدون } أبد الآبدين { ولو كانوا } أي الذين يتولون المشركين ~~من أهل الكتاب { يؤمنون بالله والنبى } أي نبيهم { وما ~~أنزل إليه } من الكتاب، أو لو كان المنافقون يؤمنون بالله ~~ونبينا إيمانا صحيحا { ما اتخذوهم } أي المشركين واليهود { ~~أولياء } فإن الإيمان بما ذكر وازع عن توليهم قطعا { ~~ولكن كثيرا منهم فسقون } خارجون عن الدين والإيمان ~~بالله ونبيهم وكتابهم أو متمردون في النفاق مفرطون فيه. ### || [5.82] # { لتجدن أشد الناس عداوة للذين ءامنوا ~~اليهود والذين أشركوا } جملة مستأنفة مسوقة لتقرير ما ~~قبلها من قبائح اليهود وعراقتهم في الكفر، وسائر أحوالهم الشنيعة التي ~~من جملتها موالاتهم للمشركين. أكدت بالتوكيد القسمي اعتناء ببيان ~~تحقق مضمونها، والخطاب إما لرسول الله صلى الله عليه وسلم، أو لكل أحد ~~صالح له، إيذانا بأن حالهم مما لا يخفى على أحد من الناس. والوجدان ~~متعد إلى اثنين، أحدهما أشد الناس والثاني اليهود وما عطف عليه، ~~وقيل: بالعكس لأنهما في الأصل مبتدأ وخبر، ومصب الفائدة هو الخبر لا ~~المبتدأ، ولا ضير في التقديم والتأخير إذ دل على الترتيب دليل، وههنا ~~دليل واضح عليه، وهو أن المقصود بيان كون الطائفتين أشد الناس عداوة ~~للمؤمنين، لا كون أشدهم عداوة لهم الطائفتين المذكورتين، وأنت خبير ~~بأنه بمعزل من الدلالة على ذلك، كيف لا والإفادة في الصورة الثانية أتم ~~وأكمل مع خلوها عن تعسف التقديم والتأخير، إذ المعنى أنك إن قصدت أن ~~تعرف من أشد الناس عداوة للمؤمنين وتتبعت أحوال الطوائف طرا ~~وأحطت ms0923 بما لديهم خبرا، وبالغت في تعرف أحوالهم الظاهرة ~~والباطنة، وسعيت في تطلب ما عندهم من الأمور البارزة والكامنة، ~~لتجدن الأشد تينك الطائفتين لا غير فتأمل. # واللام الداخلة على الموصول متعلقة (بعداوة) مقوية لعملها، ولا يضر ~~كونها مؤنثة بالتاء مبنية عليها، كما في قوله: ورهبة عقابك، وقيل: ~~متعلقة بمحذوف هو صفة لعداوة، أي كائنة للذين آمنوا، وصفهم الله تعالى ~~بذلك لشدة شكيمتهم وتضاعف كفرهم، وانهماكهم في اتباع الهوى، وقربهم ~~إلى التقليد، وبعدهم عن التحقيق، وتمرنهم على التمرد والاستعصاء على ~~الأنبياء، والاجتراء على تكذيبهم ومناصبتهم. وفي تقديم اليهود على ~~المشركين بعد لزهما في قرن واحد إشعار بتقدمهم عليهم في العداوة، ~~كما أن في تقديمهم عليهم في قوله تعالى: # ولتجدنهم أحرص الناس على حيوة ومن الذين ~~أشركوا # [البقرة، الآية 96] إيذانا بتقدمهم عليهم في الحرص، { ولتجدن ~~أقربهم مودة للذين ءامنوا } أعيد الموصول مع صلته ~~روما لزيادة التوضيح والبيان { الذين قالوا إنا نصرى ~~} عبر عنهم بذلك إشعارا بقرب مودتهم حيث يدعون أنهم أنصار الله ~~وأوداء أهل الحق وإن لم يظهروا اعتقاد حقية الإسلام، وعلى هذه ~~النكتة مبنى الوجه الثاني في تفسير قوله تعالى: # ومن الذين قالوا إنا نصرى أخذنا ميثقهم # [المائدة، الآية 14] والكلام في مفعولي لتجدن وتعلق اللام كالذي سبق، ~~والعدول عن جعل ما فيه التفاوت بين الفريقين شيئا واحدا قد تفاوتا ~~فيه بالشدة والضعف أو بالقرب والبعد بأن يقال آخرا: ولتجدن أضعفهم ~~عداوة الخ، أو بأن يقال: أولا لتجدن أبعد الناس مودة الخ، للإيذان بكمال ~~تباين ما بين الفريقين من التفاوت ببيان أن أحدهما في أقصى مراتب ~~أحد النقيضين، والآخر في أقرب مراتب النقيض الآخر. # { ذلك } أي كونهم أقرب مودة للمؤمنين { بأن منهم } أي بسبب ~~أن منهم { قسيسين } وهم علماء النصارى وعبادهم ورؤساؤهم، ~~والقسيس صيغة مبالغة من تقسس الشيء إذا تتبعه وطلبه بالليل، ~~سموا به لمبالغتهم في تتبع العلم، قاله الراغب، وقيل: القس بفتح ~~القاف تتبع الشيء ومنه سمي عالم النصارى قسيسا لتتبعه العلم، وقيل: ~~قص الأثر وقسه بمعنى، وقيل: إنه أعجمي، وقال قطرب: ms0924 القس ~~والقسيس العالم بلغة الروم، وقيل: ضيعت النصارى الإنجيل وما فيه، ~~وبقي منهم رجل يقال له: قسيس لم يبدل دينه، فمن راعى هديه ودينه ~~قيل له: قسيس. { ورهبانا } وهو جمع راهب كراكب وركبان وفارس ~~وفرسان، وقيل: إنه يطلق على الواحد وعلى الجمع وأنشد فيه قول من ~~قال: [الرجز] # لو عاينت رهبان دير في قلل # لأقبل الرهبان يعدو ونزل # والترهب التعبد في الصومعة، قال الراغب: الرهبانية الغلو في تحمل ~~التعبد من فرط الخوف، والتنكير لإفادة الكثرة، ولا بد من اعتبارها في ~~القسيسين أيضا، إذ هي التي تدل على مودة جنس النصارى للمؤمنين، فإن ~~اتصاف أفراد كثيرة لجنس بخصلة مظنة لاتصاف الجنس بها، وإلا فمن ~~اليهود أيضا قوم مهتدون، ألا يرى إلى عبد الله بن سلام وأضرابه، قال ~~تعالى: # من أهل الكتب أمة قائمة يتلون ءايت الله ~~ءاناء اليل وهم يسجدون # [آل عمران، الآية 113] الخ، لكنهم لما لم يكونوا في الكثرة كالذين من ~~النصارى لم يتعد حكمهم إلى جنس اليهود { وأنهم لا ~~يستكبرون } عطف على (أن منهم)، أي وبأنهم لا يستكبرون عن قبول ~~الحق إذا فهموه، ويتواضعون ولا يتكبرون كاليهود، وهذه الخصلة شاملة ~~لجميع أفراد الجنس فسببيتها لأقربيتهم مودة للمؤمنين واضحة، وفيه ~~دليل على أن التواضع والإقبال على العلم والعمل والإعراض عن الشهوات ~~محمود وإن كان ذلك من كافر. ### || [5.83-84] # { وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول } عطف على لا ~~يستكبرون أي ذلك بسبب أنهم لا يستكبرون، وأن أعينهم تفيض من الدمع عند ~~سماع القرآن، وهو بيان لرقة قلوبهم وشدة خشيتهم، ومسارعتهم إلى قبول ~~الحق وعدم إبائهم إياه { ترى أعينهم تفيض من الدمع } أي ~~تمتلىء بالدمع، فاستعير له الفيض الذي هو الانصباب عن امتلاء ~~مبالغة، أو جعلت أعينهم من فرط البكاء كأنها تفيض بأنفسها { مما ~~عرفوا من الحق } (من) الأولى لابتداء الغاية، والثانية لتبيين ~~الموصول، أي ابتدأ الفيض ونشأ من معرفة الحق وحصل من أجله وبسببه، ويحتمل ~~أن تكون الثانية تبعيضية، لأن ما عرفوه بعض الحق، وحيث أبكاهم ذلك فما ~~ظنك بهم لو ms0925 عرفوا كله، وقرأوا القرآن، وأحاطوا بالسنة؟ وقرىء (ترى ~~أعينهم) على صيغة المبني للمفعول { يقولون } استئناف مبني على ~~سؤال نشأ من حكاية حالهم عند سماع القرآن كأنه قيل: ماذا يقولون؟ فقيل: ~~يقولون: { ربنا ءامنا } بهذا أو بمن أنزل هذا عليه أو بهما، وقيل: ~~حال من الضمير في عرفوا أو من الضمير المجرور في أعينهم، لما أن المضاف ~~جزؤه، كما في قوله تعالى: # ونزعنا ما فى صدورهم من غل إخوانا # [الحجر، الآية 47] { فاكتبنا مع الشهدين } أي الذين شهدوا ~~بأنه حق أو بنبوته، أو مع أمته الذين هم شهداء على الأمم يوم القيامة، ~~وإنما قالوا ذلك لأنهم وجدوا ذكرهم في الإنجيل كذلك. # { وما لنا لا نؤمن بالله وما جاءنا من الحق } ~~كلام مستأنف قالوه تحقيقا لإيمانهم، وتقريرا له بإنكار سبب انتفائه ~~ونفيه بالكلية، على أن قوله تعالى: { لا نؤمن } حال من الضمير في ~~(لنا)، والعامل ما فيه من الاستقرار أي أي شيء حصل لنا غير مؤمنين؟ ~~على توجيه الإنكار والنفي إلى السبب والمسبب جميعا، كما في قوله ~~تعالى: # وما لي لا أعبد الذى فطرنى # [يس، الآية 22] ونظائره لا إلى السبب فقط مع تحقق المسبب كما في قوله ~~تعالى: # فما لهم لا يؤمنون # [الانشقاق، الآية 20] وأمثاله فإن همزة الاستفهام كما تكون تارة لإنكار ~~الواقع كما في أتضرب أباك؟ وأخرى لإنكار الوقوع كما في أأضرب أبي؟ ~~كذلك ما الاستفهامية قد تكون لإنكار سبب الواقع ونفيه فقط كما في الآية ~~الثانية، وقوله تعالى: # ما لكم لا ترجون لله وقارا # [نوح، الآية 13] فيكون مضمون الجملة الحالية محققا، فإن كلا من عدم ~~الإيمان وعدم الرجاء أمر محقق قد أنكروا نفي سببه، وقد يكون الإنكار ~~سبب الوقوع ونفيه، فيسريان إلى المسبب أيضا كما في الآية الأولى، ~~فيكون مضمون الجملة الحالية مفروضا قطعا، فإن عدم العبادة أمر مفروض ~~حتما، وقوله تعالى: { ونطمع أن يدخلنا ربنا مع ~~القوم الصلحين } حال أخرى من الضمير المذكور بتقدير مبتدأ، ~~والعامل فيها هو العامل في الأولى مقيدا بها، أي أي شيء حصل لنا غير ~~مؤمنين؟ ms0926 ونحن نطمع في صحبة الصالحين، أو من الضمير في (لا نؤمن) على معنى ~~أنهم أنكروا على أنفسهم عدم إيمانهم، مع أنهم يطمعون في صحبة المؤمنين، ~~وقيل: معطوف على (نؤمن) على معنى وما لنا نجمع بين ترك الإيمان وبين ~~الطمع المذكور؟ ### || [5.85-87] # { فأثابهم الله بما قالوا } أي عن اعتقاد، من قولك: هذا ~~قول فلان أي معتقده، وقرىء (فآتاهم الله) { جنت تجري من ~~تحتها الأنهر خلدين فيها وذلك جزاء ~~المحسنين } أي الذين أحسنوا النظر والعمل أو الذين اعتادوا الإحسان ~~في الأمور، والآيات الأربع، روي (أنها نزلت في النجاشي وأصحابه بعث إليه ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم بكتابه فقرأه ثم دعا جعفر بن أبي طالب ~~والمهاجرين معه وأحضر القسيسين والرهبان، فأمر جعفر أن يقرأ عليهم القرآن ~~فقرأ سورة مريم، فبكوا وآمنوا بالقرآن)، وقيل: نزلت في ثلاثين أو ~~سبعين رجلا من قومه وفدوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقرأ عليهم ~~سورة مريم فبكوا وآمنوا. # { والذين كفروا وكذبوا بئايتنا أولئك ~~أصحب الجحيم } عطف التكذيب بآيات الله على الكفر مع أنه ضرب ~~منه لما أن القصد إلى بيان حال المكذبين، وذكرهم بمقابلة المصدقين ~~بها جمعا بين الترغيب والترهيب. # { يأيها الذين ءامنوا لا تحرموا طيبت ما ~~أحل الله لكم } أي ما طاب ولذ منه، كأنه لما تضمن ما سلف من ~~مدح النصارى على الترهب وترغيب المؤمنين في كسر النفس ورفض الشهوات، ~~عقب ذلك بالنهي عن الإفراط في الباب، أي لا تمنعوها أنفسكم كمنع التحريم ~~أو لا تقولوا حرمناها على أنفسنا مبالغة منكم في العزم على تركها تزهدا ~~منكم وتقشفا. وروي # " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وصف القيامة لأصحابه يوما فبالغ ~~وأشبع الكلام في الإنذار فرقوا واجتمعوا في بيت عثمان بن مظعون، ~~واتفقوا على ألا يزالوا صائمين قائمين وألا يناموا على الفرش، ولا ~~يأكلوا اللحم والودك، ولا يقربوا النساء والطيب، ويرفضوا الدنيا ~~ويلبسوا المسوح، ويسيحوا في الأرض، ويجبوا مذاكيرهم، فبلغ ذلك ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لهم: " إني لم أومر بذك، ms0927 إن لأنفسكم ~~عليكم حقا، فصوموا وأفطروا، وقوموا وناموا، فإني أقوم وأنام، وأصوم ~~وأفطر، وآكل اللحم والدسم، وآتي النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني " # فنزلت. # { ولا تعتدوا } أي لا تتعدوا حدود ما أحل لكم إلى ما حرم عليكم، ~~أو ولا تسرفوا في تناول الطيبات، أو جعل تحريم الطيبات اعتداء ~~وظلما، فنهى عن مطلق الاعتداء ليدخل تحته النهي عن تحريمها دخولا ~~أوليا لوروده عقيبه، أو أريد ولا تعتدوا بذلك { إن الله لا ~~يحب المعتدين } تعليل لما قبله. ### || [5.88-89] # { وكلوا مما رزقكم الله حللا طيبا } أي ما حل ~~لكم وطاب مما رزقكم الله، فحلالا مفعول (كلوا)، ومما رزقكم إما حال منه ~~تقدمت عليه لكونه نكرة، أو متعلق بكلوا، ومن ابتدائية، أو هو المفعول ~~وحلالا حال من الموصول، أو من عائده المحذوف، أو صفة لمصدر محذوف، ~~أي أكلا حلالا، وعلى الوجوه كلها لو لم يقع الرزق على الحرام لم يكن ~~لذكر الحلال فائدة زائدة { واتقوا الله الذى أنتم به ~~مؤمنون } توكيد للوصية بما أمر به، فإن الإيمان به تعالى يوجب ~~المبالغة في التقوى والانتهاء عما نهى عنه. # { لا يؤاخذكم الله باللغو فى أيمنكم } اللغو ~~في اليمين الساقط الذي لا يتعلق به حكم، وهو عندنا أن يحلف على شيء ~~يظن أنه كذلك وليس كما يظن، وهو قول مجاهد، قيل: كانوا حلفوا على تحريم ~~الطيبات على ظن أنه قربة، فلما نزل النهي قالوا: كيف بأيماننا؟ ~~فنزلت، وعند الشافعي رحمه الله تعالى، ما يبدو من المرء من غير قصد ~~كقوله: لا والله وبلى والله، وهو قول عائشة رضي الله تعالى عنها، و(في ~~أيمانكم) صلة يؤاخذكم أو اللغو لأنه مصدر، أو حال منه { ولكن ~~يؤاخذكم بما عقدتم الأيمن } أي بتعقيدكم الأيمان ~~وتوثيقها عليه بالقصد والنية، والمعنى ولكن يؤاخذكم بما عقدتموه إذا ~~حنثتم أو بنكث ما عقدتم، فحذف للعلم به، وقرىء بالتخفيف، وقرىء ~~(عاقدتم) بمعنى عقدتم { فكفارته } أي فكفارة نكثه وهي الفعلة ~~التي من شأنها أن تكفر الخطيئة وتسترها، واستدل بظاهره عن جواز ~~التكفير قبل الحنث، وعندنا لا ms0928 يجوز ذلك لقوله عليه الصلاة والسلام: # " من حلف على يمين ورأى غيرها خيرا فليأت الذي هو خير ثم ~~ليكفر عن يمينه " # { إطعام عشرة مسكين من أوسط ما تطعمون ~~أهليكم } أي ما أقصده في النوع أو المقدار، وهو نصف صاع من بر ~~لكل مسكين، ومحله النصب لأنه صفة مفعول محذوف تقديره أن تطعموا ~~عشرة مساكين طعاما كائنا من أوسط ما تطعمون، أو الرفع على أنه بدل من ~~إطعام، وأهلون جمع أهل كأرضون جمع أرض، وقرىء (أهاليكم) بسكون الياء ~~على لغة من يسكنها في الحالات الثلاث كالألف، وهذا أيضا جمع أهل ~~كالأراضي في جمع أرض والليالي في جمع ليل، وقيل: جمع أهلاة { أو ~~كسوتهم } عطف على (إطعام) أو على محل (من أوسط) على تقدير كونه ~~بدلا من (إطعام) وهو ثوب يغطي العورة، وقيل: ثوب جامع قميص أو رداء أو ~~إزار، وقرىء بضم الكاف وهي لغة كقدوة في قدوة وإسوة في أسوة، وقرىء أو ~~(كأسوتهم) على أن الكاف في محل الرفع تقديره أو إطعامهم كأسوتهم بمعنى ~~أو كمثل ما تطعمون أهليكم إسرافا وتقتيرا تواسون بينهم وبينهم إن لم ~~تطعموهم الأوسط { أو تحرير رقبة } أي أو إعتاق إنسان كيفما ~~كان، وشرط الشافعي رضي الله تعالى عنه فيه الإيمان قياسا على كفارة ~~القتل، ومعنى (أو) إيجاب إحدى الخصال مطلقا وخيار التعيين للمكلف. # { فمن لم يجد } أي شيئا من الأمور المذكورة { فصيام } أي ~~فكفارته صيام { ثلثة أيام } والتتابع شرط عندنا لقراءة (ثلاثة ~~أيام متتابعات)، والشافعي رضي الله عنه لا يرى للشواذ حجة { ذلك } أي ~~الذي ذكر { كفارة أيمنكم إذا حلفتم } أي وحنثتم { ~~واحفظوا أيمنكم } بأن تضنوا بها ولا تبذلوها كما يشعر به ~~قوله تعالى: { إذا حلفتم } ، وقيل: بأن تبروا فيها ما استطعتم ~~ولم يفت بها خير، أو بأن تكفروها إذا حنثتم، وقيل: احفظوها كيف حلفتم ~~بها ولا تنسوها تهاونا بها { كذلك } إشارة إلى مصدر الفعل الآتي لا ~~إلى تبيين آخر مفهوم مما سبق، والكاف مقحمة لتأكيد ما أفاده اسم ~~الإشارة من الفخامة، ومحله في الأصل النصب ms0929 على أنه نعت لمصدر محذوف وأصل ~~التقدير: يبين الله تبيينا كائنا مثل ذلك التبيين، فقدم على ~~الفعل لإفادة القصر، واعتبرت الكاف مقحمة للنكتة المذكورة، فصار نفس ~~المصدر لا نعتا له، وقد مر تفصيله في قوله تعالى: # وكذلك جعلنكم أمة وسطا # [البقرة، الآية 143] أي ذلك البيان البديع { يبين الله لكم ~~آيته } أعلام شريعته وأحكامه لا بيانا أدنى منه، وتقديم (لكم) على ~~المفعول لما مر مرارا { لعلكم تشكرون } نعمته فيما يعلمكم ~~ويسهل عليكم المخرج. ### || [5.90] # { يأيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر ~~والأنصاب } أي الأصنام المنصوبة للعبادة { والأزلام } سلف ~~تفسيرها في أوائل السورة الكريمة { رجس } قذر تعاف عنه العقول، ~~وإفراده لأنه خبر الخمر، وخبر المعطوفات محذوف ثقة بالمذكور، أو ~~المضاف محذوف أي شأن الخمر والميسر، الخ { من عمل الشيطن } ~~في محل الرفع على أنه صفة (رجس)، أي كائن من عمله لأنه مسبب من ~~تسويله وتزيينه { فاجتنبوه } أي الرجس أو ما ذكر { لعلكم ~~تفلحون } أي راجين فلاحكم، وقيل: لكي تفلحوا بالاجتناب عنه وقد مر ~~تحقيقه في تفسير قوله تعالى: # لعلكم تتقون # [البقرة، الآية 21. والآية 179. والآية 183] ولقد أكد تحريم الخمر ~~والميسر في هذه الآية الكريمة بفنون التأكيد حيث صدرت الجملة بإنما ~~وقرنا بالأصنام والأزلام، وسميا رجسا من عمل الشيطان تنبيها على ~~أن تعاطيها شر بحت، وأمر بالاجتناب عن عينهما وجعل ذلك سببا ~~يرجى عنه الفلاح، فيكون ارتكابهما خيبة ومحقة، ثم قرر ذلك ببيان ~~ما فيهما من المفاسد الدنيوية والدينية المقتضية للتحريم، فقيل: ### || [5.91-93] # { إنما يريد الشيطن أن يوقع بينكم العداوة ~~والبغضاء فى الخمر والميسر } وهو إشارة إلى مفاسدهما ~~الدنيوية { ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلوة } إشارة ~~إلى مفاسدهما الدينية، وتخصيصهما بإعادة الذكر وشرح ما فيهما من الوبال ~~للتنبيه على أن المقصود بيان حالهما، وذكر الأصنام والأزلام للدلالة ~~على أنهما مثلهما في الحرمة والشرارة لقوله عليه الصلاة والسلام: # " شارب الخمر كعابد الوثن " # وتخصيص الصلاة بالإفراد مع دخولها في الذكر للتعظيم والإشعار بأن ~~الصاد عنها كالصاد عن الإيمان لما أنها عماده، ثم أعيد الحث على ~~الانتهاء بصيغة ms0930 الاستفهام مرتبا على ما تقدم من أصناف الصوارف، فقيل: ~~{ فهل أنتم منتهون } أيذانا بأن الأمر في الزجر والتحذير ~~وكشف ما فيهما من المفاسد والشرور قد بلغ الغاية وأن الأعذار قد انقطعت ~~بالكلية. # { وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول } عطف على اجتنبوه أي ~~أطيعوهما في جميع ما أمرا به ونهيا عنه { واحذروا } أي مخالفتهما ~~في ذلك فيدخل فيه مخالفة أمرهما ونهيهما في الخمر والميسر دخولا ~~أوليا { فإن توليتم } أي أعرضتم عن الامتثال بما أمرتم به من ~~الاجتناب عن الخمر والميسر وعن طاعة الله تعالى وطاعة رسوله عليه الصلاة ~~والسلام والاحتراز عن مخالفتهما { فاعلموا أنما على ~~رسولنا البلغ المبين } وقد فعل ذلك بما لا مزيد عليه وخرج ~~عن عهدة الرسالة أي خروج، وقامت عليكم الحجة وانتهت الأعذار وانقطعت ~~العلل، وما بقي بعد ذلك إلا العقاب. وفيه من عظم التهديد وشدة الوعيد ما ~~لا يخفى، وأما ما قيل من أن المعنى فاعلموا أنكم لم تضروا بتوليكم ~~الرسول لأنه ما كلف إلا البلاغ المبين بالآيات وقد فعل؛ وإنما ~~ضررتم أنفسكم حين أعرضتم عما كلفتموه، فلا يساعده المقام، إذ لا ~~يتوهم منهم ادعاء أنهم بتوليهم يضرونه عليه الصلاة والسلام حتى يرد ~~عليهم بأنهم لا يضرونه وإنما يضرون أنفسهم. # { ليس على الذين ءامنوا وعملوا الصلحت ~~جناح } أي إثم وحرج { فيما طعموا } أي تناولوا أكلا أو شربا ~~فإن استعماله في الشرب أيضا مستفيض، منه قوله تعالى: # ومن لم يطعمه فإنه منى # [البقرة، الآية 249] قيل: (لما أنزل الله تعالى تحريم الخمر بعد غزوة ~~الأحزاب قال رجال من أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام: أصيب فلان يوم ~~بدر وفلان يوم أحد وهم يشربونها، ونحن نشهد أنهم في الجنة)، وفي رواية ~~أخرى: (لما نزل تحريم الخمر والميسر قالت الصحابة رضي الله تعالى عنهم: ~~يا رسول الله فكيف بإخواننا الذين ماتوا وهم يشربون الخمر ويأكلون ~~الميسر؟)، وفي رواية أخرى: (قال أبو بكر رضي الله تعالى عنه: يا رسول ~~الله كيف بإخواننا الذين ماتوا وقد شربوا الخمر وفعلوا القمار؟ فنزلت)، ~~وليست كلمة (ما) في ما ms0931 طعموا عبارة عن المباحات الخاصة، والإلزام ~~تقييد إباحتها باتقاء ما عداها من المحرمات لقوله تعالى: { إذا ما ~~اتقوا } واللازم منتف بالضرورة، بل هي على عمومها موصولة كانت أو ~~موصوفة، وإنما تخصصت بذلك القيد الطارىء عليها، والمعنى ليس عليهم جناح ~~فيما تناولوه من المأكول والمشروب كائنا ما كان إذا اتقوا أن يكون في ~~ذلك شيء من المحرمات، وإلا لم يكن نفي الجناح في كل ما طعموه بل في ~~بعضه ولا محذور فيه، إذ اللازم منه تقييد إباحة الكل بأن لا يكون فيه ~~محرم لا تقيد إباحة بعضه باتقاء بعض آخر منه كما هو اللازم من الأول { ~~وآمنوا وعملوا الصالحات } أي واستمروا على الإيمان والأعمال ~~الصالحة، وقوله تعالى: { ثم اتقوا } عطف على (اتقوا) داخل معه في ~~حيز الشرط، أي اتقوا ما حرم عليهم بعد ذلك مع كونه مباحا فيما سبق { ~~وءامنوا } أي بتحريمه، وتقديم الاتقاء عليه إما للاعتناء به أو لأنه ~~الذي يدل على التحريم الحادث الذي هو المؤمن به، أو واستمروا على ~~الإيمان { ثم اتقوا } أي ما حرم عليهم بعد ذلك مما كان مباحا من ~~قبل، على أن المشروط بالاتقاء في كل مرة إباحة كل ما طعموه في ذلك ~~الوقت لا إباحة كل ما طعموه قبله، لانتساخ إباحة بعضه حينئذ { ~~وأحسنوا } أي عملوا الأعمال الحسنة الجميلة المنتظمة لجميع ما ذكر ~~من الأعمال القلبية والقالبية، وليس تخصيص المرات بالذكر لتخصيص الحكم ~~بها، بل لبيان التعدد والتكرر بالغا ما بلغ، والمعنى أنهم إذا اتقوا ~~المحرمات واستمروا على ما هم عليه من الإيمان والأعمال الصالحة، وكانوا ~~في طاعة الله ومراعاة أوامره ونواهيه بحيث كلما حرم عليهم شيء من ~~المباحات اتقوه، ثم. # .. وثم.. فلا جناح عليهم فيما طعموه في كل مرة من المطاعم والمشارب، إذ ~~ليس فيها شيء محرم عند طعمه. # وأنت خبير بأن ما عدا اتقاء المحرمات من الصفات الجميلة المذكورة لا ~~دخل لها في انتفاء الجناح، وإنما ذكرت في حيز (إذا) شهادة باتصاف ~~الذين سئل عن حالهم بها، ومدحا لهم بذلك وحمدا لأحوالهم، ms0932 وقد أشير إلى ~~ذلك حيث جعلت تلك الصفات تبعا للاتقاء في كل مرة تمييزا بينها ~~وبين ما له دخل في الحكم، فإن مساق النظم الكريم بطريق العبارة وإن ~~كان لبيان حال المتصفين بما ذكر من النعوت فيما سيأتي بقضية كلمة (إذا ~~ما)، لكنه قد أخرج مخرج الجواب عن حال الماضين لإثبات الحكم في حقهم ~~في ضمن التشريع الكلي على الوجه البرهاني بطريق دلالة النص، بناء على ~~كمال اشتهارهم بالاتصاف بها، فكأنه قيل: ليس عليهم جناح فيما طعموه إذ ~~كانوا في طاعته تعالى مع ما لهم من الصفات الحميدة، بحيث كلما أمروا ~~بشيء تلقوه بالامتثال. وإنما كانوا يتعاطون الخمر والميسر في حياتهم ~~لعدم تحريمها إذ ذاك، ولو حرما في عصرهم لاتقوهما بالمرة. # هذا وقد قيل: التكرير باعتبار الأوقات الثلاثة، أو باعتبار الحالات ~~الثلاث: استعمال الإنسان التقوى بينه وبين نفسه، وبينه وبين الناس، ~~وبينه وبين الله عز وجل، ولذلك جيء بالإحسان في الكرة الثالثة بدل ~~الإيمان إشارة إلى ما قاله عليه الصلاة والسلام في تفسيره، أو باعتبار ~~المراتب الثلاث: المبدأ والوسط والمنتهى، أو باعتبار ما يتقى، فإنه ~~ينبغي أن يترك المحرمات توقيا من العقاب، والشبهات توقيا من الوقوع ~~في الحرام، وبعض المباحات حفظا للنفس عن الخسة وتهذيبا لها عن دنس ~~الطبيعة، وقيل: التكرير لمجرد التأكيد كما في قوله تعالى: # كلا سوف تعلمون ثم كلا سوف تعلمون # [التكاثر، الآية 3، 4] ونظائره، وقيل: المراد بالأول اتقاء الكفر، ~~وبالثاني اتقاء الكبائر، وبالثالث اتقاء الصغائر. ولا ريب في أنه ~~تعلق لهذه الاعتبارات بالمقام فأحسن التأمل { والله يحب ~~المحسنين } تذييل مقرر لمضمون ما قبله أبلغ تقرير. ### || [5.94] # { يأيها الذين ءامنوا ليبلونكم الله } جواب ~~قسم محذوف أي والله ليعاملنكم معاملة من يختبركم ليتعرف ~~أحوالكم { بشىء من الصيد } أي من صيد البر مأكولا أو غير ~~مأكول ما عدا المستثنيات من الفواسق، فاللام للعهد، نزلت عام ~~الحديبية. ابتلاهم الله تعالى بالصيد وهم محرمون كانت الوحوش ~~تغشاهم في رحالهم بحيث كانوا متمكنين من صيدها أخذا بأيديهم وطعنا ~~برماحهم وذلك قوله تعالى: { تناله ms0933 أيديكم ورمحكم } ~~فهموا بأخذها فنزلت، وروي أنه عن لهم حمار وحش فحمل عليه أبو ~~اليسر بن عمرو فطعنه برمحه وقتله، فقيل له: قتلته وأنت محرم، فأتى ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم وسأله عن ذلك فأنزل الله تعالى الآية، ~~فالتأكيد القسمي في (ليبلونكم) إنما هو لتحقيق أن ما وقع من عدم ~~توحش الصيد عنهم ليس إلا لابتلائهم لا لتحقيق وقوع المبتلى به كما ~~لو كان النزول قبل الابتلاء، وتنكير (شيء) للتحقير المؤذن بأن ذلك ليس ~~من الفتن الهائلة التي تزل فيها أقدام الراسخين كالابتلاء بقتل ~~الأنفس وإتلاف الأموال، وإنما هو من قبيل ما ابتلي به أهل أيلة ~~من صيد البحر، وفائدته التنبيه على أن من لم يثبت في مثل هذا كيف ~~يثبت عند شدائد المحن؟ (فمن) في قوله تعالى: { من الصيد } بيانية ~~قطعا أي بشيء حقير هو الصيد، وجعلها تبعيضية يقتضي اعتبار قلته ~~وحقارته بالنسبة إلى كل الصيد لا بالنسبة إلى عظائم البلايا فيعرى ~~الكلام عن التنبيه المذكور. # { ليعلم الله من يخافه بالغيب } أي ليتميز الخائف من ~~عقابه الأخروي وهو غائب مترقب لقوة إيمانه، فلا يتعرض للصيد، ممن لا ~~يخافه كذلك لضعف إيمانه فيقدم عليه، وإنما عبر عن ذلك بعلم الله تعالى ~~اللازم له إيذانا بمدار الجزاء ثوابا وعقابا فإنه أدخل في حملهم ~~على الخوف، وقيل: المعنى ليتعلق علمه تعالى بمن يخافه بالفعل، فإن علمه ~~تعالى بأنه سيخافه وإن كان متعلقا به قبل خوفه لكن تعلقه بأنه خائف ~~بالفعل وهو الذي يدور عليه أمر الجزاء إنما يكون عند تحقق الخوف بالفعل، ~~وقيل: هناك مضاف محذوف، والتقدير ليعلم أولياء الله، وقرىء (ليعلم) ~~من الإعلام على حذف المفعول الأول أي ليعلم الله عباده الخ، والعلم ~~على القراءتين متعد إلى واحد، وإظهار الاسم الجليل في موقع الإضمار ~~لتربية المهابة وإدخال الروعة { فمن اعتدى بعد ذلك } أي ~~بعد بيان أن ما وقع ابتلاء من جهته تعالى لما ذكر من الحكمة لا بعد ~~تحريمه أو النهي عنه كما قاله بعضهم، إذ النهي والتحريم ليس أمرا ms0934 ~~حادثا يترتب عليه الشرطية، بالفاء، ولا بعد الابتلاء كما اختاره آخرون، ~~لأن نفس الابتلاء لا يصلح مدارا لتشديد العذاب، بل ربما يتوهم كونه ~~عذرا مسوغا لتخفيفه، وإنما الموجب للتشديد بيان كونه ابتلاء، لأن ~~الاعتداء بعد ذلك مكابرة صريحة، وعدم مبالاة بتدبير الله تعالى، ~~وخروج عن طاعته، وانخلاع عن خوفه وخشيته بالكلية. # أي: فمن تعرض للصيد بعد ما بينا أن ما وقع من كثرة الصيد وعدم توحشه ~~منهم ابتلاء مؤد إلى تمييز المطيع من العاصي { فله عذاب أليم ~~} لما ذكر من أنه مكابرة محضة ولأن من لا يملك زمام نفسه ولا يراعي حكم ~~الله تعالى في أمثال هذه البلايا الهينة لا يكاد يراعيه في عظائم ~~المداحض. والمراد بالعذاب الأليم عذاب الدارين، قال ابن عباس رضي الله ~~تعالى عنهما: يوسع ظهره وبطنه جلدا وينزع ثيابه. ### || [5.95] # { يا أيها الذين آمنوا } شروع في بيان ما يتدارك به ~~الاعتداء من الأحكام إثر بيان ما يلحقه من العذاب، والتصريح بالنهي في ~~قوله تعالى: { لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم } مع كونه ~~معلوما لا سيما من قوله تعالى: { غير محلى الصيد وأنتم ~~حرم } لتأكيد الحرمة وترتيب ما يعقبه عليه، واللام في الصيد للعهد ~~حسبما سلف، وحرم جمع حرام، وهو المحرم وإن كان في الحل، وفي حكمه من ~~في الحرم وإن كان حلالا، كردح جمع رادح، والجملة حال من فاعل لا ~~تقتلوا، أي لا تقتلوه وأنتم محرمون { ومن قتله } أي الصيد المعهود، ~~وذكر القتل في الموضعين دون الذبح للإيذان بكونه في حكم الميتة { ~~منكم } متعلق بمحذوف وقع حالا من فاعل قتله أي كائنا منكم. # { متعمدا } حال منه أيضا أي ذاكرا لإحرامه عالما بحرمة قتل ما ~~يقتله، والتقييد بالتعمد مع أن محظورات الإحرام يستوي فيها العمد ~~والخطأ لما أن الآية نزلت في المتعمد كما مر من قصة أبي اليسر، ~~ولأن الأصل فعل المتعمد والخطأ لاحق به للتغليظ، وعن الزهري: نزل ~~الكتاب بالعمد ووردت السنة بالخطأ. وعن سعيد بن جبير رضي الله عنه: لا ~~أرى في الخطأ شيئا أخذا باشتراط ms0935 التعمد في الآية، وهو قول داود عن ~~مجاهد والحسن: أن المراد بالتعمد هو تعمد القتل مع نسيان الإحرام، أما ~~إذا قتله عمدا وهو ذاكرا لإحرامه فلا حكم عليه، وأمره إلى الله عز ~~وجل، لأنه أعظم من أن يكون له كفارة. { فجزاء مثل ما قتل } ~~برفعهما، أي فعليه جزاء مماثل لما قتله، وقرىء برفع الأول ونصب الثاني ~~على إعمال المصدر، وقرىء بجر الثاني على إضافته إلى مفعوله، وقرىء ~~(فجزاؤه مثل) ما قتل على الابتداء والخبرية، وقرىء بنصبهما على تقدير ~~فليجز جزاء أو فعليه أن يجزى جزاء مثل ما قتل، والمراد به عند ~~أبي حنيفة وأبي يوسف رضي الله عنهما المثل باعتبار القيمة، يقوم ~~الصيد حيث صيد أو في أقرب الأماكن إليه، فإن بلغت قيمته قيمة هدي ~~يخير الجاني بين أن يشتري بها قيمة الصيد فيهديه إلى الحرم، وبين ~~أن يشتري بها طعاما فيعطي كل مسكين نصف صاع من بر أو صاعا من غيره، ~~وبين أن يصوم عن طعام كل مسكين يوما، فإن فضل ما لا يبلغ طعام مسكين ~~تصدق به أو صام عنه يوما كاملا، إذ لم يعهد في الشرع صوم ما دونه ~~فيكون قوله تعالى: { من النعم } بيانا للهدي المشترى بالقيمة ~~على أحد وجوه التخيير، فإن من فعل ذلك يصدق عليه أنه جزي بمثل ما ~~قتل من النعم، وعن مالك والشافعي رحمهما الله تعالى ومن يرى رأيهما: هو ~~المثل باعتبار الخلقة والهيئة لأن الله تعالى أوجب مثل المقتول ~~مقيدا بالنعم، فمن اعتبر المثل بالقيمة فقد خالف النص، وعن الصحابة ~~رضي الله عنهم: أنهم أوجبوا في النعامة بدنة، وفي الظبي شاة، وفي ~~حمار الوحش بقرة، وفي الأرنب عناقا، وعن النبي عليه الصلاة والسلام ~~أنه قال: # " الضبع صيد وفيه شاة إذا قتله المحرم " # ولنا أن النص أوجب المثل، والمثل المطلق في الكتاب والسنة ~~وإجماع الأمة والمعقول يراد به إما المثل صورة ومعنى، وإما المثل ~~معنى. وأما المثل صورة بلا معنى فلا اعتبار له في الشرع أصلا، وإذا ~~لم يمكن إرادة الأول إجماعا ms0936 تعينت إرادة الثاني لكونه معهودا في ~~الشرع كما في حقوق العباد، ألا يرى أن المماثلة بين أفراد نوع واحد مع ~~كونها في غاية القوة والظهور لم يعتبرها الشرع، ولم يجعل الحيوان عند ~~الإتلاف مضمونا بفرد آخر من نوعه مماثل له في عامة الأوصاف بل ~~مضمونا بقيمته مع أن المنصوص عليه في أمثاله إنما هو المثل، قال تعالى: ~~{ فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم } فحيث لم ~~تعتبر تلك المماثلة القوية مع تيسر معرفتها وسهولة مراعاتها ~~فلأن لا تعتبر ما بين أفراد أنواع مختلفة من المماثلة الضعيفة ~~الخفية مع صعوبة مأخذها وتعسر المحافظة عليها أولى وأحرى، ولأن ~~القيمة قد أريدت فيما لا نظير له إجماعا فلم يبق غيره مرادا، إذ لا ~~عموم للمشترك في مواقع الإثبات، والمراد بالمروي إيجاب النظير ~~باعتبار القيمة لا باعتبار العين، ثم الموجب الأصلي للجناية والجزاء ~~المماثل للمقتول إنما هو قيمته، لكن لا باعتبار أن يعمد الجاني إليها ~~فيصرفها إلى المصارف ابتداء، بل باعتبار أن يجعلها معيارا فيقدر ~~بها إحدى الخصال الثلاث فيقيمها مقامها، فقوله تعالى: { مثل ما ~~قتل } وصف لازم للجزاء، غير مفارق عنه بحال، وأما قوله تعالى: { ~~من النعم } فوصف له معتبر في ثاني الحال بناء على وصفه الأول ~~الذي هو المعيار له ولما بعده من الطعام والصيام، فحقهما أن يعطفا ~~على الوصف المفارق لا على الوصف اللازم فضلا عن العطف على الموصوف كما ~~سيأتي بإذن الله تعالى. ومما يرشدك إلى أن المراد بالمثل هو القيمة قوله ~~عز وجل: { يحكم به } أي بمثل ما قتل { ذوا عدل منكم } أي ~~حكمان عادلان من المسلمين لكن لا لأن التقويم هو الذي يحتاج إلى النظر ~~والاجتهاد من العدول دون الأشياء المشاهدة التي يستوي في معرفتها كل ~~أحد من الناس، فإن ذلك ناشىء من الغفلة عما أرادوا بما به المماثلة، بل ~~لأن ما جعلوه مدار المماثلة بين الصيد وبين النعم من ضرب مشاكلة ~~ومضاهاة في بعض الأوصاف والهيئات مع تحقق التباين بينهما في بقية ~~الأحوال مما لا يهتدي إليه، من ms0937 أساطين أئمة الاجتهاد، وصناديد أهل ~~الهداية والإرشاد، إلا المؤيدون بالقوة القدسية، ألا يرى أن الإمام ~~الشافعي رضي الله عنه أوجب في قتل الحمامة شاة بناء على ما أثبت ~~بينهما من المماثلة من حيث أن كلا منهما يعب ويهدر، مع أن النسبة ~~بينهما من سائر الحيثيات كما بين الضب والنون، فكيف يفوض معرفة ~~أمثال هذه الدقائق العويصة إلى رأي عدلين من آحاد الناس؟ على أن الحكم ~~بهذا المعنى إنما يتعلق بالأنواع لا بالأشخاص، فبعد ما عين، بمقابلة ~~كل نوع من أنواع الصيد، نوع من أنواع النعم يتم الحكم ولا يبقى عند ~~وقوع خصوصيات الحوادث حاجة إلى حكم أصلا. # وقرىء (يحكم به ذو عدل) على إرادة جنس العادل دون الوحدة، وقيل: بل ~~على إرادة الإمام، والجملة صفة لجزاء أو حال منه لتخصصه بالصفة، وقوله ~~تعالى: { هديا } حال مقدرة من الضمير في (به)، أو في (جزاء) لما ذكر ~~من تخصصه بالصفة، أو بدل من (مثل) فيمن نصبه، أو من محله فيمن جره، ~~أو نصب على المصدر أي يهديه هديا، والجملة صفة أخرى لجزاء. # { بلغ الكعبة } صفة (لهديا) لأن الإضافة غير حقيقية { أو ~~كفارة } عطف على مل (من النعم) على أنه خبر مبتدأ محذوف، والجملة ~~صفة ثانية (لجزاء) كما أشير إليه، وقوله تعالى: { طعام مسكين } ~~عطف بيان لكفارة عند من لا يخصصه بالمعارف، أو بدل منه أو خبر مبتدأ ~~محذوف، أي هي طعام مساكين، وقوله تعالى: { أو عدل ذلك صياما } ~~عطف على طعام الخ، كأنه قيل: فعليه جزاء مماثل للمقتول هو من النعم ~~أو طعام مساكين أو صيام أيام بعددهم، فحينئذ تكون الماثلة وصفا ~~لازما للجزاء يقدر به الهدي والطعام والصيام، أما الأولان فبلا ~~واسطة، وأما الثالث فبواسطة الثاني، فيختار الجاني كلا منها بدلا من ~~الآخرين، هذا وقد قيل: إن قوله تعالى: { أو كفارة } عطف على ~~(جزاء) فلا يبقى حينئذ في النظم الكريم ما يقدر به الطعام والصيام، ~~والالتجاء إلى القياس على الهدي تعسف لا يخفى، هذا على قراءة (جزاء) ~~بالرفع على سائر القراءات، ms0938 فقوله تعالى: { أو كفارة } خبر مبتدأ ~~محذوف، والجملة معطوفة على جملة هو (من النعم). وقرىء أو(كفارة طعام ~~مساكين) بالإضافة لتبيين نوع الكفارة وقرىء طعام مسكين على أن ~~التبيين يحصل بالواحد الدال على الجنس وقرىء (أو عدل) بكسر العين ~~والفرق بينهما أن عدل الشيء ما عادله من غير جنسه كالصوم والإطعام ~~وعدله ما عدل به في المقدار كأن المفتوح تسمية بالمصدر والمكسور ~~بمعنى المفعول وذلك إشارة إلى الطعام و(صياما) تمييز للعدل، والخيار ~~في ذلك للجاني عند أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله وللحكمين عند ~~محمد رحمه الله. # { ليذوق وبال أمره } متعلق بالاستقرار في الجار والمجرور، أي ~~فعليه جزاء ليذوق الخ، وقيل: بفعل يدل عليه الكلام، كأنه قيل: شرع ذلك ~~عليه ليذوق وبال أمره أي سوء عاقبة هتكه لحرمة الإحرام، والوبال في ~~الأصل: المكروه والضرر الذي ينال في العاقبة من عمل سوءا لثقله، ~~ومنه قوله تعالى: # فأخذنه أخذا وبيلا # [المزمل، الآية16] ومنه الطعام الوبيل وهو الذي لا تستمرئه المعدة ~~{ عفا الله عما سلف } من قتل الصيد محرما قبل أن يسألوا ~~رسول الله عليه الصلاة والسلام، وقيل: عما سلف منه في الجاهلية، لأنهم ~~كانوا متعبدين بشرائع من قبلهم وكان الصيد فيها محرما { ومن عاد ~~} إلى قتل الصيد بعد النهي عنه وهو محرم { فينتقم الله منه } ~~خبر مبتدأ محذوف تقديره فهو ينتقم الله منه، ولذلك دخلت الفاء كقوله ~~تعالى: # فمن يؤمن بربه فلا يخاف بخسا ولا رهقا # [الجن، الآية 13] أي فذلك لا يخاف الخ، وقوله تعالى: # ومن كفر فأمتعه # [البقرة: 126] أي فأنا أمتعه، والمراد بالانتقام التعذيب في الآخرة، ~~وأما الكفارة فعن عطاء وإبراهيم وسعيد بن جبير والحسن أنها واجبة على ~~العائد، وعن ابن عباس رضي الله عنهما وشريح أنه لا كفارة عليه تعلقا ~~بالظاهر { والله عزيز } غالب لا يغالب { ذو انتقام } شديد ~~فينتقم ممن أصر على المعصية والاعتداء. ### || [5.96] # { أحل لكم } الخطاب للمحرمين { صيد البحر } أي ما يصاد ~~في المياه كلها بحرا كان أو نهرا أو غديرا، وهو ما لا يعيش إلا في ~~الماء ms0939 مأكولا أو غير مأكول { وطعامه } أي وما يطعم من صيده، وهو ~~تخصيص بعد تعميم والمعنى أحل لكم التعرض لجميع ما يصاد في المياه ~~والانتفاع به، وأكل ما يؤكل منه وهو السمك عندنا، وعند ابن أبي ليلى ~~جميع ما يصاد فيه، على أن تفسير الآية عنده أحل لكم صيد حيوان البحر ~~وأن تطعموه، وقرىء (وطعمه)، وقيل: صيد البحر ما صيد فيه، وطعامه ~~ما قذفه أو نضب عنه { متعا لكم } نصب على أنه مفعول له مختص ~~بالطعام كما أن (نافلة) في قوله تعالى: # ووهبنا له إسحق ويعقوب نافلة # [الأنبياء، الآية 72] حال مختصة بيعقوب عليه السلام، أي أحل لكم ~~طعامه تمتيعا للمقيمين منكم يأكلونه طريا { وللسيارة } منكم ~~يتزودونه قديدا، وقيل: نصب على أنه مصدر مؤكد لفعل مقدر، أي متعكم ~~به متاعا، وقيل: مؤكد لمعنى (أحل لكم) فإنه في قوة متعكم به تمتيعا ~~كقوله تعالى: # كتب الله عليكم # [النساء، الآية 24] { وحرم عليكم صيد البر } وقرىء على ~~بناء الفعل للفاعل ونصب (صيد البر)، وهو ما يفرخ فيه وإن كان ~~يعيش في الماء في بعض الأوقات كطير الماء { ما دمتم حرما } أي ~~محرمين، وقرىء بكسر الدال من دام يدام، وظاهره يوجب حرمة ما صاده ~~الحلال على المحرم وإن لم يكن له مدخل فيه، وهو قول [ابن] عمر ~~وابن عباس رضي الله عنهم. وعن أبي هريرة وعطاء ومجاهد وسعيد بن ~~جبير رضي الله عنهم أنه يحل له أكل ما صاده الحلال وإن صاده لأجله ~~إذا لم يشر إليه ولم يدل عليه، وكذا ما ذبحه قبل إحرامه وهو مذهب ~~أبي حنيفة، لأن الخطاب للمحرمين، فكأنه قيل: وحرم عليكم ما صدتم في ~~البر فيخرج منه مصيد غيرهم، وعند مالك والشافعي وأحمد لا يباح ما ~~صيد له { واتقوا الله } فيما نهاكم عنه أو في جميع المعاصي ~~التي من جملتها ذلك { الذى إليه تحشرون } لا إلى غيره حتى ~~يتوهم الخلاص من أخذه تعالى بالالتجاء إليه. ### || [5.97] # { جعل الله الكعبة } قال مجاهد: سميت كعبة لكونها مكعبة ~~مربعة، وقيل: لانفرادها من البناء، وقيل: ms0940 لارتفاعها من الأرض ونتوئها، ~~وقوله تعالى: { البيت الحرام } عطف بيان على جهة المدح دون ~~التوضيح كما تجيء الصفة كذلك، وقيل: مفعول ثان لجعل، وقوله تعالى: { ~~قياما للناس } نصب على الحال، ويرده عطف ما بعده على المفعول ~~الأول كما سيجيء، بل هذا هو المفعول الثاني، وقيل: الجعل بمعنى الإنشاء ~~والخلق وهو حال كما مر. ومعنى كونه قياما لهم أنه مدار لقيام دينهم ~~ودنياهم إذ هو سبب لانتعاشهم في أمور معاشهم ومعادهم، يلوذ به ~~الخائف، ويأمن فيه الضعيف، ويربح فيه التجار، ويتوجه إليه الحجاج ~~والعمار، وقرىء (قيما) على أنه مصدر على وزن شبع أعل عينه بما ~~أعل في فعله { والشهر الحرام } أي الذي يؤدى فيه الحج وهو ~~ذو الحجة وقيل: جنس الشهر الحرام، وهو وما بعده عطف على الكعبة، فالمفعول ~~الثاني محذوف ثقة بما مر، أي وجعل الشهر الحرام { والهدى ~~والقلئد } أيضا قياما لهم، والمراد بالقلائد ذوات القلائد ~~وهي البدن، خصت بالذكر لأن الثواب فيها أكثر، وبهاء الحج بها ~~أظهر { ذلك } إشارة إلى الجعل المذكور خاصة أو مع ما ذكر من الأمر ~~بحفظ حرمة الإحرام وغيره، ومحله النصب بفعل مقدر يدل عليه السياق وهو ~~العامل في اللام بعده أي شرع ذلك. # { لتعلموا أن الله يعلم ما فى السموات وما ~~في الأرض } فإن تشريع هذه الشرائع المستتبعة لدفع المضار ~~الدينية والدنيوية قبل وقوعها وجلب المنافع الأولوية والأخروية من أوضح ~~الدلائل على حكمة الشارع، وعدم خروج شيء عن علمه المحيط، وقوله تعالى: ~~{ وأن الله بكل شىء عليم } تعميم إثر تخصيص للتأكيد، ~~ويجوز أن يراد بما في السموات والأرض الأعيان الموجودة فيهما، و(بكل ~~شيء) الأمور المتعلقة بتلك الموجودات من العوارض والأحوال التي هي من ~~قبيل المعاني. ### || [5.98-100] # { اعلموا أن الله شديد العقاب } وعيد لمن انتهك ~~محارمه أو أصر على ذلك، وقوله تعالى: { وأن الله غفور ~~رحيم } وعد لمن حافظ على مراعاة حرماته تعالى أو أقلع عن الانتهاك ~~بعد تعاطيه، ووجه تقديم الوعيد ظاهر { ما على الرسول إلا ~~البلغ } تشديد في إيجاب القيام بما أمر به، ms0941 أي الرسول قد أتى ~~بما يوجب عليه من التبليغ بما لا مزيد عليه، وقامت عليكم الحجة ولزمتكم ~~الطاعة، فلا عذر لكم من بعد في التفريط { والله يعلم ما ~~تبدون وما تكتمون } فيؤاخذكم بذلك نقيرا وقطميرا. # { قل لا يستوى الخبيث والطيب } حكم عام في نفي المساواة ~~عند الله تعالى بين الرديء من الأشخاص والأعمال والأموال، وبين ~~جيدها، قصد به الترغيب في جيد كل منها والتحذير عن رديئها، وإن ~~كان سبب النزول شريح ابن ضبيعة البكري الذي مرت قصته في تفسير ~~قوله تعالى: # يأيها الذين ءامنوا لا تحلوا شعائر الله # [المائدة، الآية 2] الخ، وقيل: نزلت في # " رجل سأل رسول الله عليه الصلاة والسلام: إن الخمر كانت تجارتي، وإني ~~اعتقدت من بيعها مالا، فهل ينفعني من ذلك المال إن عملت فيه بطاعة ~~الله تعالى؟ فقال النبي عليه الصلاة والسلام: " إن أنفقته في حج أو جهاد ~~أو صدقة لم يعدل جناح بعوضة، إن الله لا يقبل إلا الطيب " # ، وقال عطاء والحسن رضي الله عنهما: الخبيث والطيب الحرام والحلال، ~~وتقديم الخبيث في الذكر للإشعار من أول الأمر بأن القصور الذي ينبىء ~~عنه عدم الاستواء فيه لا في مقابله، فإنه مفهوم عدم الاستواء بين ~~الشيئين المتفاوتين زيادة ونقصانا وإن جاز اعتباره بحسب زيادة الزائد، ~~لكن المتبادر اعتباره بحسب قصور القاصر كما في قوله تعالى: # هل يستوى الأعمى والبصير # [الأنعام، الآية 50. والرعد، الآية 16] إلى غير ذلك، وأما قوله تعالى: # هل يستوى الذين يعلمون والذين لا يعلمون # [الزمر، الآية 9] فلعل تقديم الفاضل فيه لما أن صلته ملكة لصلة ~~المفضول { ولو أعجبك كثرة الخبيث } أي وإن سرك كثرته، ~~والخطاب لكل واحد من الذين أمر النبي صلى الله عليه وسلم بخطابهم، ~~والواو لعطف الشرطية على مثلها المقدر، وقيل: للحال وقد مر، أي ولو لم ~~تعجبك كثرة الخبيث ولو أعجبتك، وكلتاهما في موقع الحال من فاعل لا ~~يستوي، أي لا يستويان كائنين على كل حال مفروض كما في قولك: أحسن إلى ~~فلان وإن أساء إليك، أي أحسن إليه وإن لم يسىء ms0942 إليك وإن أساء إليك، أي ~~كائنا على كل حال مفروض، وقد حذفت الأولى حذفا مطردا لدلالة ~~الثانية عليها دلالة واضحة، فإن الشيء إذا تحقق مع المعارض فلأن يتحقق ~~بدونه أولى، وعلى هذا السر يدور ما في لو وإن الوصليتين من المبالغة ~~والتأكيد، وجواب لو محذوف في الجملتين لدلالة ما قبلهما عليه، وسيأتي ~~تمام تحقيقه في مواقع عديدة بإذن الله عز وجل. # { فاتقوا الله يأولى الألبب } أي في تحري الخبيث ~~وإن كثر، وآثروا عليه الطيب وإن قل، فإن مدار الاعتبار هو الجودة ~~والرداءة لا الكثرة والقلة، فالمحمود القليل خير من المذموم ~~الكثير، بل كلما كثر الخبيث كان أخبث { لعلكم تفلحون } ~~راجين أن تنالوا الفلاح. ### || [5.101] # { يأيها الذين ءامنوا لا تسألوا عن أشياء } هو ~~اسم جمع على رأي الخليل وسيبويه وجمهور البصريين، كطرفاء وقصباء أصله ~~شيآء بهمزتين بينهما ألف، فقلبت الكلمة بتقديم لامها على فائها فصار ~~وزنها لفعاء، ومنعت الصرف لألف التأنيث الممدودة، وقيل: هو جمع شيء ~~على أنه مخفف من شييء كهين مخفف من هين، والأصل أشيئاء ~~كأهوناء بزنة أفعلاء، فاجتمعت همزتان لام الكلمة والتي للتأنيث، إذ ~~الألف كالهمزة فخففت الكلمة بأن قلبت الهمزة الأولى ياء لانكسار ما قبلها ~~فصارت أشياء وزنها أفلاء، ونعت الصرف لألف التأنيث، وقيل: إنما حذفت من ~~أشيياء الياء المنقلبة من الهمزة التي هي لام الكلمة وفتحت الياء ~~المكسورة لتسلم ألف الجمع فوزنها أفعاء، وقوله تعالى: { إن تبد ~~لكم تسؤكم } صفة لأشياء داعية إلى الانتهاء عن السؤال عنها، ~~وحيث كانت المساءة في هذه الشرطية معلقة بإبدائها لا بالسؤال عنها ~~عقبت بشرطية أخرى ناطقة باستلزام السؤال عنها لإبدائها الموجب ~~للمحذور قطعا، فقيل: { وإن تسألوا عنها حين ينزل القرآن ~~تبد لكم } أي تلك الأشياء الموجبة للمساءة بالوحي كما ينبىء عنه ~~تقييد السؤال بحين التنزيل، والمراد بها ما يشق عليهم ويغمهم من ~~التكاليف الصعبة التي لا يطيقونها، والأسرار الخفية التي يفتضحون ~~بظهورها، ونحو ذلك مما لا خير فيه، فكما أن السؤال عن الأمور الواقعة ~~مستتبع لإبدائها كذلك السؤال عن تلك ms0943 التكاليف مستتبع لإيجابها ~~عليهم بطريق التشديد لإساءتهم الأدب، واجترائهم على المسألة والمراجعة، ~~وتجاوزهم عما يليق بشأنهم من الاستسلام لأمر الله عز وجل من غير بحث فيه ~~ولا تعرض لكيفيته وكميته، أي لا تكثروا مساءلة رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم عما لا يعنيكم من نحو تكاليف شاقة عليكم إن أفتاكم بها ~~وكلفكم إياها حسبما أوحي إليه لم تطيقوها، ونحو بعض أمور مستورة ~~تكرهون بروزها، وذلك مثل ما روي # " عن علي رضي الله تعالى عنه أنه قال: خطبنا رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فحمد الله تعالى وأثنى عليه ثم قال: " إن الله تعالى كتب عليكم ~~الحج " فقام رجل من بني أسد يقال له: عكاشة بن محصن، وقيل: ~~سراقة بن مالك، فقال: أفي كل عام يا رسول الله؟ فأعرض عنه حتى أعاد ~~مسألته ثلاث مرات، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ويحك وما ~~يؤمنك أن أقول نعم؟ والله لو قلت نعم لوجبت، ولو وجبت ما استطعتم، ~~ولو تركتم لكفرتم، فاتركوني ما تركتكم. فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة ~~سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم، فإذا أمرتكم بأمر فخذوا منه ما ~~استطعتم، وإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه " # ومثل ما روي عن أنس وأبي هريرة رضي الله عنهما، # " أنه سأل الناس رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أشياء حتى أحفوه ~~في المسألة، فقام عليه الصلاة والسلام مغضبا خطيبا فحمد الله تعالى ~~وأثنى عليه وقال: " سلوني فوالله ما تسألوني عن شيء ما دمت في مقامي ~~هذا إلا بينته لكمفأشفق أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام أن يكون ~~بين يدي أمر قد حضر، قال أنس رضي الله عنه: فجعلت ألتفت يمينا ~~وشمالا فلا أجد رجلا إلا وهو لاف رأسه في ثوبه يبكي، فقام رجل من ~~قريش من بني سهم يقال له: عبد الله بن حذافة، وكان إذا لاحى ~~الرجال يدعى إلى غير أبيه وقال: يا نبي الله، من أبي؟ فقال عليه ~~الصلاة والسلام: «أبوك حذافة بن قيس الزهري»، وقام آخر وقال: أين ~~أبي؟ قال عليه الصلاة ms0944 والسلام: «في النار»، ثم قام عمر رضي الله عنه ~~فقال: رضينا بالله تعالى ربا وبالإسلام دينا وبمحمد رسولا نبيا، ~~نعوذ بالله تعالى من الفتن، إنا حديثو عهد بجاهلية وشرك فاعف عنا يا ~~رسول الله، فسكن غضبه عليه الصلاة والسلام " # { عفا الله عنها } استئناف مسوق لبيان أن نهيهم عنها لم يكن ~~لمجرد صيانتهم عن المساءة، بل لأنها في نفسها معصية مستتبعة ~~للمؤاخذة وقد عفا عنها، وفيه من حثهم على الجد في الانتهاء عنها ما ~~لا يخفى، وضمير (عنها) للمسألة المدلول عليها بلا تسألوا، أي عفا الله ~~تعالى عن مسائلكم السالفة حيث لم يفرض عليكم الحج في كل عام جزاء ~~بمسألتكم، وتجاوز عن عقوبتكم الأخروية بسائر مسائلكم، فلا تعودوا إلى ~~مثلها. وأما جعله صفة أخرى (لأشياء) على أن الضمير (لها) بمعنى لا ~~تسألوا عن أشياء عفا الله عنها ولم يكلفكم إياها فمما لا سبيل إليه ~~أصلا، لاقتضائه أن يكون الحج قد فرض أولا في كل عام ثم نسخ بطريق ~~العفو وأن يكون ذلك معلوما للمخاطبين ضرورة أن حق الوصف أن يكون ~~معلوم الثبوت للموصوف عند المخاطب قبل جعله وصفا له، وكلاهما ضروري ~~الانتفاء قطعا، على أنه يستدعي اختصاص النهي بمسألة الحج ونحوها إن ~~سلم وقوعها، مع أن النظم الكريم صريح في أنه مسوق للنهي عن السؤال ~~عن الأشياء التي يسوؤهم إبداؤها، سواء كانت من قبيل الأحكام ~~والتكاليف الموجبة لمساءتهم بإنشائها وإيجابها بسبب السؤال عقوبة ~~وتشديدا كمسألة الحج لولا عفوه تعالى عنها، أو من قبيل الأمور ~~الواقعة قبل السؤال الموجبة للمساءة بالإخبار بها كمسألة من قال: أين ~~أبي؟ # إن قلت تلك الأشياء غير موجبة للمساءة البتة، بل هي محتملة ~~لإيجاب المسرة أيضا، لأن إيجابها للأولى إن كانت من حيث وجودها فهي ~~من حيث عدمها موجبة للأخرى قطعا، وليست إحدى الحيثيتين محققة عند ~~السائل وإنما غرضه من السؤال ظهورها كيف كانت، بل ظهورها بحيثية ~~إيجابها للمساءة؟ قلت: لتحقيق المنهي عنه كما ستعرفه مع ما فيه من ~~تأكيد النهي وتشديده، لأن تلك الحيثية هي الموجبة ms0945 للانتهاء ~~والانزجار، لا حيثية إيجابها للمسرة ولا حيثية ترددها بين ~~الإيجابين. # إن قيل: الشرطية الثانية ناطقة بأن السؤال عن تلك الأشياء الموجبة ~~للمساءة مستلزم لإبدائها البتة كما مر فلم تخلف الإبداء عن السؤال ~~في مسألة الحج حيث لم يفرض في كل عام؟ قلنا: لوقوع السؤال قبل ورود ~~النهي، وما ذكر في الشرطية إنما هو السؤال الواقع بعد وروده، إذ هو ~~الموجب للتغليظ والتشديد ولا تخلف فيه، إن قيل: ما ذكرته إنما يتمشى ~~فيما إذا السؤال عن الأمور المترددة بين الوقوع وعدمه كما ذكر من ~~التكاليف الشاقة، وأما إذا كان عن الأمور الواقعة قبله فلا يكاد ~~يتسنى، لأن ما يتعلق به الإبداء هو الذي وقع في نفس الأمر ولا مرد له، ~~سواء كان السؤال قبل النهي أو بعده، وقد يكون الواقع ما يوجب المسرة ~~كما في مسألة عبد الله بن حذافة، فيكون هو الذي يتعلق به الإبداء ~~لا غير، فيتعين التخلف حتما، قلنا: لا احتمال للتخلف فضلا عن ~~التعين، فإن المنهي عنه في الحقيقة إنما هو السؤال عن الأشياء ~~الموجبة للمساءة الواقعة في نفس الأمر قبل السؤال، كسؤال من قال: أين ~~أبي؟ لا عما يعمها وغيرها مما ليس بواقع، لكنه محتمل للوقوع عند ~~المكلفين حتى يلزم التخلف في صورة عدم الوقوع. # وجملة الكلام أن مدلول النظم الكريم بطريق العبارة إنما هو النهي عن ~~السؤال عن الأشياء التي يوجب إبداؤها المساءة البتة، إما بأن تكون تلك ~~الأشياء بعرضية الوقوع فتبدى عند السؤال بطريق الإنشاء عقوبة ~~وتشديدا كما في صورة كونها من قبيل التكاليف الشاقة، وإما بأن تكون ~~واقعة في نفس الأمر قبل السؤال فتبدى عنده بطريق الإخبار بها، فالتخلف ~~ممتنع في الصورتين معا، ومنشأ توهمه عدم الفرق بين المنهي عنه ~~وبين غيره بناء على عدم امتياز ما هو موجود أو بعرضية الوجود من ~~تلك الأشياء في نفس الأمر وما ليس كذلك عند المكلفين وملاحظتهم للكل ~~باحتمال الوجود والعدم، وفائدة هذا الإبهام الانتهاء عن السؤال عن تلك ~~الأشياء على الإطلاق حذار إبداء المكروه ms0946 { والله غفور حليم } ~~اعتراض تذييلي مقرر لعفوه تعالى أي مبالغ في مغفرة الذنوب ~~والإغضاء عن المعاصي، ولذلك عفا عنكم ولم يؤاخذكم بعقوبة ما فرط ~~منكم. ### || [5.102-103] # { قد سألها قوم } أي سألوا هذه المسألة لكن لا عينها بل ~~مثلها في كونها محظورة ومستتبعة للوبال، وعدم التصريح بالمثل ~~للمبالغة في التحذير { من قبلكم } متعلق بسألها { ثم ~~أصبحوا بها } أي بسببها أو بمرجوعها { كفرين } فإن بني ~~إسرائيل كانوا يستفتون أنبياءهم في أشياء، فإذا أمروا بها تركوها ~~فهلكوا. # { ما جعل الله من بحيرة ولا سآئبة ولا وصيلة ~~ولا حام } رد وإبطال لما ابتدعه أهل الجاهلية حيث كانوا إذا ~~نتجت الناقة خمسة أبطن آخرها ذكر بحروا أذنها أي شقوها ~~وحرموا ركوبها ودرها، ولا تطرد عن ماء ولا عن مرعى، وكان يقول ~~الرجل: إذا قدمت من سفري أو برئت من مرضي فناقتي سائبة، وجعلها ~~كالبحيرة في تحريم الانتفاع بها، وقيل: كان الرجل إذا أعتق عبدا قال: ~~هو سائبة، فلا عقل بينهما ولا ميراث، وإذا ولدت الشاة أنثى فهي لهم ~~وإن ولدت ذكرا فهو لآلهتهم، وإن ولدت ذكرا وأنثى قالوا: وصلت أخاها ~~فلم يذبحوا الذكر لآلهتهم، وإذا نتجت من صلب الفحل عشرة أبطن ~~قالوا: قد حمى ظهره فلا يركب ولا يحمل عليه ولا يمنع من ماء ولا ~~مرعى. ومعنى (ما جعل) ما شرع وما وضع، ولذلك عدي إلى مفعول واحد هو ~~بحيرة وما عطف عليها، و(من) مزيدة لتأكيد النفي، فإن الجعل التكويني ~~كما يجيء تارة متعديا إلى مفعولين وأخرى إلى واحد كذلك الجعل ~~التشريعي يجيء مرة متعديا إلى مفعولين كما في قوله تعالى: # جعل الله الكعبة البيت الحرام قياما للناس # [المائدة، الآية 97] وأخرى إلى واحد كما في الآية الكريمة. { ~~ولكن الذين كفروا يفترون على الله الكذب } ~~حيث يفعلون ما يفعلون ويقولون: الله أمرنا بهذا، وإمامهم عمرو بن ~~لحي، فإنه أول من فعل هذه الأفاعيل الباطلة، هذا شأن رؤسائهم ~~وكبرائهم { وأكثرهم } وهم أراذلهم الذين يتبعونهم من معاصري ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم كما يشهد به سياق النظم ms0947 الكريم { لا ~~يعقلون } أنه افتراء باطل حتى يخالفوهم ويهتدوا إلى الحق بأنفسهم ~~فيبقون في أسر التقليد، وهذا بيان لقصور عقولهم وعجزهم عن الاهتداء ~~بأنفسهم. ### || [5.104-105] # وقوله عز وجل: { وإذا قيل لهم } أي للذين عبر عنهم (بأكثرهم) ~~على سبيل الهداية والإرشاد { تعالوا إلى ما أنزل الله } ~~من الكتاب المبين للحلال والحرام { وإلى الرسول } الذي أنزل هو ~~عليه لتقفوا على حقيقة الحال وتميزوا الحرام من الحلال { قالوا ~~حسبنا ما وجدنا عليه ءاباءنا } بيان لعنادهم واستعصائهم ~~على الهادي إلى الحق وانقيادهم للداعي إلى الضلال { أو لو كان ~~آباؤهم لا يعلمون شيئا ولا يهتدون } قيل: الواو للحال ~~دخلت عليها الهمزة للإنكار والتعجيب، أي أحسبهم ذلك ولو كان آباؤهم ~~جهلة ضالين؟ وقيل: للعطف على شرطية أخرى مقدرة قبلها وهو الأظهر، ~~والتقدير أحسبهم ذلك أو أيقولون هذا القول لو لم يكن آباؤهم لا يعقلون ~~شيئا من الدين ولا يهتدون الصواب؟ ولو كانوا لا يعلمون الخ. وكلتاهما في ~~موقع الحال أي أحسبهم ما وجدوا عليه آباؤهم كائنين على كل حال مفروض؟ # وقد حذفت الأولى في الباب حذفا مطردا لدلالة الثانية عليها دلالة ~~واضحة، كيف لا وأن للشيء إذا تحقق عند المانع فلأن يتحقق عند عدمه ~~أولى كما في قولك: أحسن إلى فلان وإن أساء إليك، أي أحسن إليه إن لم ~~يسىء إليك وإن أساء، أي أحسن إليه كائنا على كل حال مفروض، وقد حذفت ~~الأولى لدلالة الثانية عليها دلالة ظاهرة إذ الإحسان حيث أمر به ~~عند المانع، فلأن يؤمر به عند عدمه أولى، وعلى هذا السر يدور ما ~~في إن ولو الوصليتين من المبالغة والتأكيد، وجواب لو محذوف لدلالة ما ~~سبق عليه، أي لو كان آباؤهم لا يعلمون شيئا ولا يهتدون حسبهم ذلك أو ~~يقولون ذلك، وما في (لو) من معنى الامتناع والاستبعاد إنما هو بالنظر إلى ~~زعمهم لا إلى نفس الأمر، وفائدته المبالغة في الإنكار والتعجيب ببيان ~~أن ما قالوه موجب للإنكار والتعجيب إذا كان كون آبائهم جهلة ضالين في ~~حيز الاحتمال البعيد، فكيف إذا كان ms0948 ذلك واقعا لا ريب فيه؟ وقيل: مآل ~~الوجهين واحد، لأن الجملة المقدرة حال فكذا ما عطف عليها، وأنت خبير ~~بأن الحال على الوجه الأخير مجموع الجملتين لا الأخيرة فقط، وأن الواو ~~للعطف لا للحال، وقد مر التحقيق في قوله تعالى: # أو لو كان آباؤهم لا يعقلون شيئا ولا يهتدون # [البقرة، الآية 170]، فتدبر { يأيها الذين ءامنوا عليكم ~~أنفسكم } أي الزموا أمر أنفسكم وإصلاحها، وقرىء بالرفع على ~~الابتداء أي واجبة عليكم أنفسكم، وقوله عز وجل: { لا يضركم من ~~ضل إذا اهتديتم } إما مجزوم على أنه جواب للأمر، أو نهي ~~مؤكد له، وإنما ضمت الراء إتباعا لضمه الضاد المنقولة إليها من ~~الراء المدغمة، إذ الأصل لا يضرركم، ويؤيده القراءة بفتح الراء، ~~وقراءة من قرأ (لا يضركم) بكسر الضاد وضمها من ضاره يضيره، وإما ~~مرفوع على أنه كلام مستأنف في موقع التعليل لما قبله، ويعضده قراءة ~~من قرأ (لا يضيركم ضلال من ضل إذا كنتم مهتدين) ولا يتوهمن أن ~~فيه رخصة في ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مع استطاعتهما، كيف لا ~~ومن جملة الاهتداء أن ينكر على المنكر حسبما تفي به الطاقة، قال عليه ~~الصلاة والسلام: # " من رأى منكم منكرا فاستطاع أن يغيره فليغيره بيده، فإن لم يستطع ~~فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه " # وقد روي أن الصديق رضي الله تعالى عنه قال يوما على المنبر: «يا ~~أيها الناس إنكم تقرءون هذه الآية وتضعونها غير موضعها ولا ~~تدرون ما هي، وإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: # " إن الناس إذا رأوا منكرا فلم يغيروه عمهم الله بعقاب، فأمروا ~~بالمعروف وانهوا عن المنكر، ولا تغتروا بقول الله عز وجل: { يا أيها ~~الذين آمنوا } الخ. فيقول أحدكم: علي نفسي، والله لتأمرن بالمعروف ~~وتنهون عن المنكر، أو ليستعملن الله عليكم شراركم فيسومونكم سوء ~~العذاب، ثم ليدعون خياركم فلا يستجاب لهم " # وعنه عليه الصلاة والسلام: # " ما من قوم عمل فيهم منكر أو سن فيهم قبيح فلم يغيروه ولم ~~ينكروه إلا وحق على الله تعالى أن يعمهم ms0949 بالعقوبة جميعا ثم لا ~~يستجاب لهم " # ، والآية نزلت لما كان المؤمنون يتحسرون على الكفرة، وكانوا يتمنون ~~إيمانهم من الضلال بحيث لا يكادون يرعوون عنه بالأمر والنهي، وقيل: كان ~~الرجل إذا أسلم لاموه وقالوا: سفهت آباءك وضللتهم أي نسبتهم إلى ~~السفاهة والضلال، فنزلت تسلية له بأن ضلال آبائه لا يضره ولا ~~يشينه { إلى الله } لا إلى أحد سواه { مرجعكم } رجوعكم يوم ~~القيامة { جميعا } بحيث لا يتخلف عنه أحد من المهتدين وغيرهم { ~~فينبئكم بما كنتم تعملون } في الدنيا من أعمال الهداية ~~والضلال، فهو وعد ووعيد للفريقين، وتنبيه على أن أحدا لا يؤاخذ بعمل ~~غيره. ### || [5.106] # { يا أيها الذين آمنوا } استئناف مسوق لبيان الأحكام ~~المتعلقة بأمور دنياهم إثر بيان الأحوال المتعلقة بأمور دينهم، ~~وتصديره بحرفي النداء والتنبيه لإظهار كمال العناية بمضمونه، وقوله ~~عز وجل: { شهدة بينكم } بالرفع والإضافة إلى الظرف توسعا، ~~إما باعتبار جريانها بينهم، أو باعتبار تعلقها بما يجري بينهم من ~~الخصومات، مبتدأ، وقوله تعالى: { إذا حضر أحدكم الموت } أي ~~شارفه وظهرت علائمه، ظرف لها، وتقديم المفعول لإفادة كمال تمكن ~~الفاعل عند النفس وقت وروده عليها، فإنه أدخل في تهوين أمر الموت، ~~وقوله تعالى: { حين الوصية } بدل منه لا ظرف للموت كما ~~توهم، ولا لحضوره كما قيل، فإن في الإبدال تنبيها على أن الوصية من ~~المهمات المقررة التي لا ينبغي أن يتهاون بها المسلم ويذهل عنها، ~~وقوله تعالى: { اثنان } خبر للمبتدأ بتقدير المضاف، أي شهادة بينكم ~~حينئذ شهادة اثنين، أو فاعل (شهادة بينكم) على أن خبرها محذوف، أي ~~فيما نزل عليكم أن يشهد بينكم اثنان، وقرىء (شهادة) بالرفع والتنوين، ~~والإعراب كما سبق، وقرىء (شهادة) بالنصب والتنوين على أن عاملها ~~المضمر هو العامل في اثنان أيضا أي ليقم شهادة بينكم اثنان { ~~ذوا عدل منكم } أي من أقاربكم لأنهم أعلم بأحوال الميت وأنصح ~~له، وأقرب إلى تحري ما هو أصلح له. وقيل: من المسلمين وهما صفتان ~~لاثنان. # { أو آخران } عطف على اثنان تابع له فيما ذكر من الخبرية ~~والفاعلية، أي أو شهادة آخرين أو ms0950 أن يشهد بينكم آخران، أو ليقم ~~(شهادة بينكم) آخران، وقوله تعالى: { من غيركم } صفة (لآخران) ~~أي كائنان من غيركم أي من الأجانب، وقيل: من أهل الذمة، وقد كان ذلك في ~~بدء الإسلام لعزة وجود المسلمين لا سيما في السفر، ثم نسخ. وعن مكحول أنه ~~نسخها قوله تعالى: # وأشهدوا ذوى عدل منكم # [الطلاق، الآية 2]. # { إن أنتم } مرفوع بمضمر يفسره ما بعده تقديره إن ضربتم، فلما ~~حذف الفعل انفصل الضمير، وهذا رأي جمهور البصريين، وذهب الأخفش ~~والكوفيون إلى أنه مبتدأ بناء على جواز وقوع المبتدأ بعد إن الشرطية ~~كجواز وقوعه بعد إذا، فقوله تعالى: { ضربتم في الأرض } أي ~~سافرتم فيها، لا محل له من الإعراب عند الأولين لكونه مفسرا، ومرفوع ~~على الخبرية عند الباقين. وقوله تعالى: { فأصابتكم مصيبة ~~الموت } عطف على الشرطية، وجوابه محذوف لدلالة ما قبله عليه، أي ~~إن سافرتم فقاربكم الأجل حينئذ، وما معكم من الأقارب أو من أهل الإسلام ~~من يتولى أمر الشهادة كما هو الغالب المعتاد في الأسفار، فليشهد ~~آخران أو فاستشهدوا آخرين أو فالشاهدان آخران كذا قيل، والأنسب أن ~~يقدر عين ما سبق، أي فآخران على معنى شهادة بينكم شهادة ~~آخرين، أو فأن يشهد آخران، على الوجوه المذكورة ثمة، وقوله ~~تعالى: { تحبسونهما } استئناف وقع جوابا عما نشأ من اشتراط ~~العدالة كأنه قيل: فكيف نصنع إن ارتبنا بالشاهدين؟ فقيل: تحبسونهما ~~وتصبرونهما للتحليف { من بعد الصلاة } وقيل: هو صفة (لآخران)، ~~والشرط بجوابه المحذوف اعتراض فائدته الدلالة على أن اللائق إشهاد ~~الأقارب أو أهل الإسلام، وأما إشهاد الآخرين فعند الضرورة الملجئة ~~إليه، وأنت خبير بأنه يقتضي اختصاص الحبس بالآخرين مع شموله للأولين ~~أيضا قطعا، على أن اعتبار اتصافهما بذلك يأباه مقام الأمر بإشهادهما، ~~إذ مآله فآخران شأنهما الحبس والتحليف، وإن أمكن إتمام التقريب ~~باعتبار قيد الارتياب بهما كما يفيده الاعتراض الآتي، والمراد ~~بالصلاة صلاة العصر، وعدم تعيينها لتعينها عندهم بالتحليف بعدها ~~لأنه وقت اجتماع الناس ووقت تصادم ملائكة الليل وملائكة النهار، ولأن ~~جميع أهل الأديان يعظمونه ويجتنبون فيه الحلف الكاذب. ms0951 # وقد روي أن النبي عليه الصلاة والسلام وقتئذ حلف من حلف كما سيأتي، ~~وقيل: بعد أي صلاة كانت لأنها داعية إلى النطق بالصدق، وناهية عن ~~الكذب والزور # إن الصلاة تنهى عن الفحشآء والمنكر # [العنكبوت، الآية 45]. # { فيقسمان بالله } عطف على تحبسونهما وقوله تعالى: { إن ~~ارتبتم } شرطية محذوفة الجواب لدلالة ما سبق من الحبس والإقسام ~~عليه، سيقت من جهته تعالى معترضة بين القسم وجوابه للتنبيه على ~~اختصاص الحبس والتحليف بحال الارتياب، أي إن ارتاب بهما الوارث منكم ~~بخيانة وأخذ شيء من التركة فاحبسوهما وحلفوهما بالله، وقوله ~~تعالى: { لا نشترى به ثمنا } جواب للقسم، وليس هذا من قبيل ~~ما اجتمع فيه قسم وشرط، فاكتفي بذكر جواب سابقهما عن جواب الآخر ~~كما هو الواقع غالبا، فإن ذلك إنما يكون عند سد جواب السابق مسد ~~جواب اللاحق لاتحاد مضمونها كما في قولك: والله إن أتيتني لأكرمنك، ولا ~~ريب في استحالة ذلك ههنا لأن القسم وجوابه كلاهما [منفصل] وقد عرفت أن ~~الشرط من جهته تعالى، والاشتراء هو استبدال السلعة بالثمن أي أخذها ~~بدلا منه لا بذله لتحصيلها كما قيل، وإن كان مستلزما له، فإن ~~المعتبر في عقد الشراء ومفهومه هو الجلب دون السلب المعتبر في عقد ~~البيع، ثم استعير لأخذ شيء بإزالة ما عنده عينا كان أو معنى على وجه ~~الرغبة في المأخوذ والإعراض عن الزائل، كما هو المعتبر في المستعار منه ~~حسبما مر تفصيله في تفسير قوله تعالى: # أولئك الذين اشتروا الضللة بالهدى # [البقرة، الآية 16. والآية 175] والضمير في (به) لله، والمعنى لا نأخذ ~~لأنفسنا بدلا من الله، أي من حرمته عرضا من الدنيا بأن نهتكها ~~ونزيلها بالحلف الكاذب، أي لا نحلف بالله كاذبين لأجل المال، وقيل: ~~الضمير للقسم، فلا بد من تقدير مضاف البتة، أي لا نستبدل بصحة القسم ~~بالله، أي لا نأخذ لأنفسنا بدلا منها عرضا من الدنيا بأن نزيل عنه ~~وصف الصدق ونصفه بالكذب، أي لا نحلف كاذبين كما ذكر وإلا فلا سداد ~~للمعنى، سواء أريد به القسم الصادق أو الكاذب، أما إن ms0952 أريد به ~~الكاذب فلأنه يفوت حينئذ ما هو المعتبر في الاستعارة من كون الزائل ~~شيئا مرغوبا فيه عند الحالف كحرمة اسم الله تعالى ووصف الصحة والصدق ~~في القسم، ولا ريب في أن القسم الكاذب ليس كذلك، وأما إن أريد به ~~الصادق فلأنه وإن أمكن أن يتوسل باستعماله إلى عرض الدنيا ~~كالقسم الكاذب لكن لا محذور فيه، وأما التوسل إليه بترك استعماله فلا ~~إمكان له ههنا حتى يصح التبروء منه، وإنما يتوسل إليه باستعمال ~~القسم الكاذب، وليس استعماله من لوازم ترك استعمال الصادق ضرورة ~~جواز تركهما معا حتى يتصور جعل ما أخذ باستعماله مأخوذا ~~بترك استعمال الصادق كما في صورة تقدير المضاف، فإن إزالة وصف ~~الصدق عن القسم مع بقاء الموصوف مستلزمة لثبوت وصف الكذب له البتة ~~فتأمل، وقوله تعالى: { ولو كان } أي المقسم له المدلول عليه ~~بفحوى الكلام { ذا قربى } أي قريبا منا، تأكيد لتبرئهم من الحلف ~~كاذبا ومبالغة في التنزه عنه، كأنهما قالا: لا نأخذ لأنفسنا بدلا من ~~حرمة اسمه تعالى مالا ولو انضم إليه رعاية جانب الأقرباء، فكيف إذا ~~لم يكن كذلك، وصيانة أنفسهما وإن كانت أهم من رعاية الأقرباء لكنها ~~ليست ضميمة للمال، بل هي راجعة إليه، وجواب (لو) محذوف ثقة بدلالة ما ~~سبق عليه، أي لا نشتري به ثمنا، والجملة معطوفة على أخرى مثلها، كما ~~فصل في تفسير قوله تعالى: # ولو أعجبك # [المائدة، الآية 100] الخ، وقوله عز وجل: { ولا نكتم شهدة ~~الله } أي الشهادة التي أمرنا الله تعالى بإقامتها، معطوف على (لا ~~نشتري به) داخل معه في حكم القسم، وعن الشعبي أنه وقف على شهادة، ثم ~~ابتدأ (آلله) بالمد على حذف حرف القسم وتعويض حرف الاستفهام منه بغير مد، ~~كقولهم: الله لأفعلن { إنا إذا لمن الآثمين } أي إن ~~كتمناها، وقرىء (لملاثمين) بحذف الهمزة وإلقاء حركتها على اللام وإدخال ~~النون فيها. ### || [5.107] # { فإن عثر } أي اطلع بعد التحليف { على أنهما ~~استحقا إثما } حسبما اعترفا به بقولهما: إنا إذا لمن الآثمين، ~~أي فعلا ما يوجب إثما من تحريف ms0953 وكتم بأن ظهر بأيديهما شيء من التركة ~~وادعيا استحقاقهما له بوجه من الوجوه كما وقع في سبب النزول حسبما ~~سيأتي { فآخران } أي رجلان آخران، وهو مبتدأ خبره { يقومان ~~مقامهما } ولا محذور في الفصل بالخبر بين المبتدأ وبين وصفه ~~الذي هو الجار والمجرور بعده، أي يقومان مقام اللذين عثر على ~~خيانتهما، وليس المراد بمقامهما مقام أداء الشهادة التي تولياها ولم ~~يؤدياها كما هي، بل هو مقام الحبس والتحليف على الوجه المذكور لإظهار ~~الحق وإبراز كذبهما فيما ادعيا من استحقاقهما لما في أيديهما { من ~~الذين استحق } على البناء للفاعل على قراءة علي وابن عباس ~~وأبي رضي الله عنهم، أي من أهل البيت الذين استحق { عليهم ~~الأوليان } من بينهم، أي الأقربان إلى الميت، الوارثان له، ~~الأحقان بالشهادة أي باليمين كما ستعرفه، ومفعول (استحق) محذوف أي ~~استحقا عليهم أن يجردوهما للقيام بها، لأنها حقهما ويظهروا بهما ~~كذب الكاذبين، وهما في الحقيقة الآخران القائمان مقام الأولين ~~على وضع المظهر مقام المضمر، وقرىء على البناء للمفعول وهو الأظهر، ~~أي من الذين استحق عليهم الإثم أي جني عليهم، وهم أهل الميت ~~وعشيرته، فالأوليان مرفوع على أنه خبر لمبتدأ محذوف كأنه قيل: ومن ~~هما؟ فقيل: الأوليان، أو بدل من الضمير في (يقومان) أو من (آخران) وقد ~~جوز ارتفاعه باستحق على حذف المضاف، أي استحق عليهم انتداب ~~الأولين منهم للشهادة، وقرىء (الأولين) على أنه صفة للذين الخ، ~~مجرور أو منصوب على المدح، ومعنى الأولية التقدم على الأجانب في الشهادة ~~لكونهم أحق بها، وقرىء (الأولين) على التثنية وانتصابه على المدح، ~~وقرىء (الأولان). # { فيقسمان بالله } عطف على يقومان { لشهدتنا } ~~المراد بالشهادة اليمين كما في قوله تعالى: # فشهدة أحدهم أربع شهدات بالله # [النور، الآية 6] أي ليميننا على أنهما كاذبان فيما ادعيا من ~~الاستحقاق مع كونها حقة صادقة في نفسها { أحق } بالقبول { من ~~شهدتهما } أي من يمينهما مع كونها كاذبة في نفسها لما أنه قد ~~ظهر للناس استحقاقهما للإثم، ويميننا منزهة عن الريب والريبة، ~~فصيغة التفضيل مع أنه لا حقية في يمينهما رأسا ms0954 إنما هي لإمكان ~~قبولها في الجملة باعتبار احتمال صدقهما في ادعاء تملكهما لما ~~ظهر في أيديهما { وما اعتدينا } عطف على جواب القسم أي ما تجاوزنا ~~فيها الحق أو ما اعتدينا عليهما بإبطال حقهما { أنا إذن لمن ~~الظلمين } استئناف مقرر لما قبله، أي إنا إن اعتدينا في ~~يميننا لمن الظالمين أنفسهم بتعريضها لسخط الله تعالى وعذابه بسبب هتك ~~حرمة اسم الله تعالى، أو لمن الواضعين الحق في غير موضعه، ومعنى النظم ~~الكريم أن المحتضر ينبغي أن يشهد على وصيته عدلين من ذوي نسبه أو ~~دينه، فإن لم يجدهما بأن كان في سفر فآخران من غيرهم، ثم إن وقع ارتياب ~~بهما أقسما على أنهما ما كتما من الشهادة ولا من التركة شيئا بالتغليظ ~~في الوقت، فإن اطلع بعد ذلك على كذبهما بأن ظهر بأيديهما شيء من ~~التركة، وادعيا تملكه من جهة الميت حلف الورثة وعمل بأيمانهم. # ولعل تخصص الاثنين لخصوص الواقعة، فإنه روي (أن تميم بن أوس الداري ~~وعدي بن بداء خرجا إلى الشام للتجارة وكانا حينئذ نصرانيين ومعهما ~~بديل بن أبي مريم مولى عمرو بن العاص وكان مسلما مهاجرا، فلما ~~قدموا الشام مرض بديل فكتب كتابا فيه جميع ما معه وطرحه في متاعه ~~ولم يخبرهما بذلك، وأوصى إليهما بأن يدفعا متاعه إلى أهله، ومات، ~~ففتشاه، فوجدوا فيه إناء من فضة وزنه ثلثمائة مثقال منقوشا بالذهب، ~~فغيباه ودفعا المتاع إلى أهله، فأصابوا فيه الكتاب، فطلبوا منهما ~~الإناء فقالا: ما ندري، إنما أوصى إلينا بشيء وأمرنا أن ندفعه إليكم ~~ففعلنا، وما لنا بالإناء من علم، فرفعوهما إلى رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فنزل # يا أيها الذين آمنوا # [المائدة، الآية 106] الآية، فاستحلفهما بعد صلاة العصر عند المنبر ~~بالله الذي لا إله إلا هو أنهما لم يختانا شيئا مما دفع ولا كتما ~~فحلفا على ذلك فخلى عليه الصلاة والسلام سبيلهما، ثم إن الإناء وجد ~~بمكة فقال من بيده: اشتريته من تميم وعدي، وقيل: لما طالت المدة ~~أظهراه فبلغ ذلك بني سهم فطلبوه منهما فقالا: ms0955 كنا اشتريناه من بديل، ~~فقالوا: ألم نقل لكما: هل باع صاحبنا من متاعه شيئا، فقلتما: لا؟ ~~قالا: ما كان لنا بينة فكرهنا أن نقر به، فرفعوهما إلى رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فنزل قوله عز وجل: { فإن عثر } [المائدة، الآية ~~107] الآية، فقام عمرو بن العاص والمطلب بن أبي وداعة ~~السهميان فحلفا بالله بعد العصر أنهما كذبا وخانا، فدفع الإناء ~~إليهما). وفي رواية إلى أولياء الميت. # واعلم أنهما إن كانا وارثين (لبديل) فلا نسخ إلا في وصف اليمين، فإن ~~الوارث لا يحلف على البتات، وإلا فهو منسوخ. ### || [5.108] # { ذلك } كلام مستأنف سيق لبيان أن ما ذكر مستتبع للمنافع وارد ~~على مقتضى الحكمة والمصلحة، أي الحكم الذي تقدم تفصيله { أدنى ~~أن يأتوا بالشهدة على وجهها } أي أقرب أن يؤدي ~~الشهود الشهادة عن وجهها الذي تحملوها عليه من غير تحريف ولا خيانة ~~خوفا من العذاب الأخروي، وهذه كما ترى حكمة شرعية التحليف بالتغليظ ~~المذكور، وقوله تعالى: { أو يخفوا أن ترد أيمن بعد ~~أيمنهم } بيان لحكمة شرعية رد اليمين على الورثة، معطوف ~~على مقدر ينبىء عنه المقام كأنه قيل: ذلك أدنى أن يأتوا بالشهادة ~~على وجهها ويخافوا عذاب الآخرة بسبب اليمين الكاذبة أو يخافوا الافتضاح ~~على رؤوس الأشهاد بإبطال أيمانهم والعمل بأيمان الورثة فينزجروا عن ~~الخيانة المؤدية إليه، فأي الخوفين وقع حصل المقصد الذي هو الإتيان ~~بالشهادة على وجهها. وقيل: هو عطف على (يأتوا) على معنى أن ذلك أقرب ~~إلى أن يأتوا بالشهادة على وجهها أو إلى أن يخافوا الافتضاح برد اليمين ~~على الورثة فلا يحلفوا على موجب شهادتهم إن لم يأتوا بها على وجهها، ~~فيظهر كذبهم بنكولهم، وأما ما قيل من أن المعنى أن ذلك أقرب إلى أحد ~~الأمرين اللذين أيهما وقع كان فيه الصلاح، وهو أداء الشهادة على ~~الصدق، والامتناع عن أدائها على الكذب، فيأباه المقام، إذ لا تعلق له ~~بالحادثة أصلا ضرورة أن الشاهد مضطر فيها إلى الجواب، فالامتناع عن ~~الشهادة الكاذبة مستلزم للإتيان بالصادقة قطعا، فليس هناك أمران ~~أيهما ms0956 وقع كان فيه الصلاح حتى يتوسط بينهما كلمة (أو) وإنما ~~يتأتى ذلك في شهود لم يتهموا بخيانة، على أن إضافة الامتناع عن ~~الشهادة الكاذبة إلى خوف رد اليمين على الورثة ونسبة الإتيان بالصادقة ~~إلى غيره مع أن ما يقتضي أحدهما يقتضي الآخر لا محالة تحكم بحت ~~فتأمل { واتقوا الله } في مخالفة أحكامه التي من جملتها هذا ~~الحكم { واسمعوا } ما تؤمرون به كائنا ما كان سمع طاعة وقبول { ~~والله لا يهدى القوم الفسقين } الخارجين عن الطاعة، ~~أي فإن لم تتقوا ولم تسمعوا كنتم فاسقين (والله لا يهدي القوم الفاسقين) ~~أي إلى طريق الجنة أو إلى ما فيه نفعهم. ### || [5.109] # { يوم يجمع الله الرسل } نصب على أنه بدل اشتمال من ~~مفعول اتقوا لما بينهما من الملابسة، فإن مدار البداية ليس ملابسة ~~الظرفية والمظروفية ونحوها فقط، بل هو تعلق ما، مصحح لانتقال ~~الذهن من المبدل منه إلى البدل بوجه إجمالي كما فيما نحن فيه، فإن ~~كونه تعالى خالق الأشياء كافة مالك يوم الدين خاصة كاف في الباب، ~~مع أن الأمر بتقوى الله تعالى يتبادر منه إلى الذهن أن المتقى أي ~~شأن من شؤونه وأي فعل من أفعاله. وقيل: هناك مضاف محذوف به يتحقق ~~الاشتمال، أي اتقوا عذاب الله فحينئذ يجوز انتصابه منه بطريق الظرفية، ~~وقيل: منصوب بمضمر معطوف على (اتقوا) وما عطف عليه، أي واحذروا أو ~~اذكروا يوم الخ، فإن تذكير ذلك اليوم الهائل مما يضطرهم إلى تقوى ~~الله عز وجل وتلقي أمره بسمع الإجابة والطاعة، وقيل: هو ظرف لقوله ~~تعالى: { لا يهدى } ، أي لا يهديهم يومئذ إلى طريق الجنة كما يهدي ~~إليه المؤمنين، وقيل: منصوب بقوله تعالى: { واسمعوا } بحذف مضاف، أي ~~اسمعوا خبر ذلك اليوم، وقيل: منصوب بفعل مؤخر قد حذف للدلالة على ضيق ~~العبارة عن شرحه وبيانه لكمال فظاعة ما يقع فيه من الطامة التامة ~~والدواهي العامة، كأنه قيل: (يوم يجمع الله الرسل فيقول) الخ، يكون من ~~الأحوال والأهوال ما لا يفي ببيانه نطاق المقال، وإظهار الاسم الجليل ~~في موضع الإضمار ms0957 لتربية المهابة وتشديد التهويل، وتخصيص الرسل بالذكر ~~ليس لاختصاص الجمع بهم دون الأمم، كيف لا و # ذلك يوم مجموع له الناس وذلك يوم مشهود # [هود، الآية: 103] وقد قال الله تعالى: # يوم ندعوا كل أناس بإممهم # [الإسراء، الآية: 71] بل لإبانة شرفهم وأصالتهم، والإيذان بعدم الحاجة ~~إلى التصريح بجمع غيرهم بناء على ظهور كونهم أتباعا لهم، ولإظهار ~~سقوط منزلتهم وعدم لياقتهم بالانتظام في سلك جمع الرسل، كيف لا وهم ~~عليهم السلام يجمعون على وجه الإجلال، وأولئك يسحبون على وجوههم ~~بالأغلال! # { فيقول } لهم مشيرا إلى خروجهم عن عهدة الرسالة كما ينبغي حسبما ~~يعرب عنه تخصيص السؤال بجواب الأمم إعرابا واضحا، وإلا لصدر الخطاب ~~بأن يقال: هل بلغتم رسالاتي؟ وماذا في قوله عز وجل: { ماذا أجبتم ~~} عبارة عن مصدر الفعل، فهو نصب على المصدرية أي أي إجابة أجبتم ~~من جهة أممكم إجابة قبول أو إجابة رد؟ وقيل: عبارة عن الجواب فهو في ~~محل النصب بعد حذف الجار عنه أي بأي جواب أجبتم؟ وعلى التقديرين ~~ففي توجيه السؤال عما صدر عنهم وهم شهود إلى الرسل عليهم السلام كسؤال ~~الموؤودة بمحضر من الوائد، والعدول عن إسناد الجواب إليهم بأن يقال: ~~ماذا أجابوا؟ من الأنباء عن كمال تحقير شأنهم وشدة الغيظ والسخط عليهم ~~ما لا يخفى { قالوا } استئناف مبني على سؤال نشأ من سوق الكلام كأنه ~~قيل: فماذا يقول الرسل عليهم السلام هنالك؟ فقيل: يقولون: { لا علم ~~لنا } وصيغة الماضي للدلالة على التقرر والتحقق كما في قوله تعالى: # ونادى أصحب الجنة # [الأعراف، الآية: 44] # ونادى أصحب الأعراف # [الأعراف، الآية: 48] ونظائرهما، وإنما يقولون ذلك تفويضا للأمر إلى ~~علمه تعالى وإحاطته بما اعتراهم من جهتهم من مقاساة الأهوال ومعاناة ~~الهموم والأوجال وعرضا لعجزهم عن بيانه لكثرته وفظاعته { إنك ~~أنت علم الغيوب } تعليل لذلك، أي فتعلم ما أجابوا وأظهروا ~~لنا وما لم نعلمه مما أضمروه في قلوبهم، وفيه إظهار للشكاة ورد ~~للأمر إلى علمه تعالى بما لقوا من قبلهم من الخطوب، وكابدوا من الكروب، ~~والتجاء إلى ربهم في الانتقام منهم، وقيل: ms0958 المعنى لا علم لنا بما أحدثوا ~~بعدنا، وإنما الحكم للخاتمة ورد ذلك بأنهم يعرفونهم بسيماهم فكيف يخفى ~~عليهم أمرهم؟ وأنت خبير بأن مرادهم حينئذ أن بعضهم كانوا في زمانهم ~~على الحق ثم صاروا كفرة، وعن ابن عباس ومجاهد والسدي رضي الله عنهم ~~أنهم يفزعون من أول الأمر ويذهلون عن الجواب ثم يجيبون بعدما ثابت ~~إليهم عقولهم بالشهادة على أممهم، ولا يلائمه التعليل المذكور. وقيل: ~~المراد به المبالغة في تحقيق فضيحتهم، وقرىء (علام الغيوب) بالنصب على ~~النداء أو الاختصاص بالمدح، على أن الكلام قد تم عند قوله تعالى: { أنت ~~} أي إنك أنت المنعوت بنعوت كمالك المعروف بذلك. ### || [5.110] # { إذ قال الله يعيسى عيسى ابن مريم } شروع في بيان ~~ما جرى بينه تعالى وبين واحد من الرسل المجموعين من المفاوضة على ~~التفصيل إثر بيان ما جرى بينه تعالى وبين الكل على وجه الإجمال ~~ليكون ذلك كالأنموذج لتفاصيل أحوال الباقين، وتخصيص شأن عيسى عليه ~~السلام بالبيان تفصيلا من بين شؤون سائر الرسل عليهم السلام مع ~~دلالتها على كمال هول ذلك اليوم ونهاية سوء حال المكذبين بالرسل لما ~~أن شأنه عليه السلام متعلق بكلا الفريقين من أهل الكتاب الذين ~~نعيت عليهم في السورة الكريمة جناياتهم، فتفصيله أعظم عليهم وأجلب ~~لحسرتهم وندامتهم وأفت في أعضادهم وأدخل في صرفهم عن غيهم وعنادهم، ~~و(إذ) بدل من (يوم يجمع الله) الخ، وصيغة الماضي لما ذكر من الدلالة ~~على تحقق الوقوع، وإظهار الاسم الجليل في مقام الإضمار لما مر من ~~المبالغة في التهويل [وتربية المهابة]. وكلمة على في قوله تعالى: { ~~اذكر نعمتى عليك وعلى ولدتك } متعلقة بنفس النعمة إن ~~جعلت مصدرا، أي اذكر إنعامي عليكما، أو بمحذوف هو حال منها إن جعلت ~~اسما، أي اذكر نعمتي كائنة عليكما، وليس المراد بأمره عليه السلام ~~يومئذ بذكر النعمة المنتظمة في سلك التعديد تكليفه عليه السلام شكرها ~~والقيام بمواجبها ولات حين تكليف، مع خروجه عليه السلام عن عهدة الشكر ~~في أوله أي خروج، بل إظهار أمره عليه السلام بتعداد تلك النعم حسبما ms0959 ~~بينه الله تعالى اعتدادا بها وتلذذا بذكرها على رؤوس الأشهاد، لتكون ~~حكاية ذلك على ما أنبأ عنه النظم الكريم توبيخا ومزجرة للكفرة ~~المختلفين في شأنه عليه السلام إفراطا وتفريطا وإبطالا لقولهما ~~جميعا. # { إذ أيدتك } ظرف لنعمتي أي اذكر إنعامي عليكما وقت تأييدي لك ~~أو حال منها، أي اذكرها كائنة وقت تأييدي لك، وقرىء (آيدتك) والمعنى ~~واحد أي قويتك { بروح القدس } بجبريل عليه السلام لتثبيت الحجة ~~أو بالكلام الذي يحيى به الدين وإضافته إلى القدس لأنه سبب الطهر عن ~~أوضار الآثام، أو يحيى به الموتى أو النفوس حياة أبدية، وقيل: ~~الأرواح مختلفة الحقائق، فمنها طاهرة نورانية، ومنها خبيثة ~~ظلمانية، ومنها مشرقة، ومنها كدرة، ومنها حرة، ومنها نذلة، وكان ~~روحه عليه الصلاة والسلام طاهرة مشرقة نورانية علوية، وأيا ما كان ~~فهو نعمة عليهما { تكلم الناس فى المهد وكهلا } استئناف ~~مبين لتأييده عليه السلام أو حال من الكاف، وذكر تكليمه عليه السلام في ~~حال الكهولة لبيان أن كلامه عليه السلام في تينك الحالتين كان على نسق ~~واحد بديع صادرا عن كمال العقل مقارنا لرزانة الرأي والتدبير، وبه ~~استدل على أنه عليه السلام سينزل من السماء لما أنه عليه السلام رفع ~~قبل التكهل، قال ابن عباس رضي الله عنهما: أرسله الله تعالى وهو ابن ~~ثلاثين سنة، ومكث في رسالته ثلاثين شهرا، ثم رفعه الله تعالى إليه { ~~وإذ علمتك الكتب } عطف على قوله تعالى: { إذ ~~أيدتك } منصوب بما نصبه، أي اذكر نعمتي عليكما وقت تعليمي لك ~~الكتاب { والحكمة } أي جنسهما { والتوراة والإنجيل } ~~خصا بالذكر مما تناوله الكتاب والحكمة إظهارا لشرفهما، وقيل: الخط ~~والحكمة الكلام المحكم الصواب. # { وإذ تخلق من الطين كهيئة الطير } أي تصور منه ~~هيئة مماثلة لهيئة الطير { بإذنى } بتسهيلي وتيسيري، لا على أن يكون ~~الخلق صادرا عنه عليه السلام حقيقة، بل على أن يظهر ذلك على يده عليه ~~السلام عند مباشرة الأسباب مع كون الخلق حقيقة لله تعالى كما ينبىء عنه ~~قوله تعالى: { فتنفخ فيها } أي في الهيئة المصورة { فتكون } ~~أي تلك الهيئة ms0960 { طيرا بإذنى } فإن إذنه تعالى لو لم يكن عبارة عن ~~تكوينه تعالى للطير بل عن محض تيسيره مع صدور الفعل حقيقة عما أسند ~~إليه لكان هذا تكونا من جهة الهيئة، وتكرير قوله: { بإذنى } في ~~الطير مع كونه شيئا واحدا، للتنبيه على أن كلا من التصوير والنفخ ~~أمر معظم بديع لا يتسنى ولا يترتب عليه شيء إلا بإذنه تعالى { ~~وتبرىء الأكمه والأبرص بإذني } عطف على (تخلق). # { وإذ تخرج الموتى بإذنى } عطف على (إذ تخلق) أعيد فيه ~~إذ، لكون إخراج الموتى من قبورهم لا سيما بعد ما صارت رميما، معجزة ~~باهرة ونعمة جليلة حقيقة بتذكير وقتها صريحا، قيل: أخرج سام بن نوح ~~ورجلين وامرأة وجارية، وتكرير قوله: { بإذنى } في المواضع الأربعة ~~للاعتناء بتحقيق الحق ببيان أن تلك الخوارق ليست من قبل عيسى عليه ~~الصلاة والسلام بل من جهته سبحانه قد أظهرها على يديه معجزة له ونعمة ~~خصها به، وأما ذكره في سورة آل عمران مرتين لما أن ذلك موضع ~~الإخبار، وهذا موضع تعداد النعم { وإذ كففت بنى إسرءيل ~~عنك } عطف على (إذ تخرج) أي منعت اليهود الذين أرادوا بك السوء عن ~~التعرض لك { إذ جئتهم بالبينت } بالمعجزات الواضحة مما ~~ذكر وما لم يذكر، كالإخبار بما يأكلون وما يدخرون في بيوتهم ونحو ~~ذلك، وهو ظرف لكففت، لكن لا باعتبار المجيء بها فقط بل باعتبار ما ~~يعقبه من قوله تعالى: { فقال الذين كفروا منهم إن ~~هذا إلا سحر مبين } فإن قولهم ذلك مما يدل على أنهم قصدوا ~~اغتياله عليه السلام المحوج إلى الكف، أي كففتهم عنك حين قالوا ذلك ~~عند مجيئك إياهم بالبينات، وإنما وضع موضع ضميرهم الموصول لذمهم ~~بما في حيز الصلة، فكلمة (من) بيانية، وهذا إشارة إلى ما جاء به، ~~والتذكير لأن إشارتهم إلى ما رأوه من نفس المسمى من حيث هو، أو من حيث ~~هو سحر لا من حيث هو مسمى بالبينات، وقرىء (إن هذا إلا ساحر مبين) فهذا ~~حينئذ إشارة إلى عيسى عليه السلام. ### || [5.111-112] # { وإذ أوحيت إلى الحواريين } عطف ms0961 على ما قبله من ~~أخواتها الواقعة ظروفا للنعمة التي أمر بذكرها، وهي وإن كانت في ~~الحقيقة عين ما يفيده الجمل التي أضيفت إليها تلك الظروف من ~~التأييد بروح القدس وتعليم الكتاب والحكمة وسائر الخوارق المعدودة، ~~لكنها لمغايرتها لها بعنوان منبىء عن غاية الإحسان أمر بذكرها من ~~تلك الحيثية، وجعلت عاملة في تلك الظروف لكفاية المغايرة الاعتبارية ~~في تحقيق ما اعتبر في مدلول كلمة (إذ) من تعدد النسبة، فإنه ظرف موضوع ~~لزمان نسبتين ماضيتين واقعتين فيه إحداهما معلومة الوقوع فيه للمخاطب ~~دون الأخرى، فيراد إفادة وقوعها أيضا له، فيضاف إلى الجملة المفيدة ~~للنسبة الأولى، ويجعل ظرفا معمولا للنسبة الثانية، ثم قد تكون ~~المغايرة بين النسبتين بالذات كما في قولك: اذكر إحساني إليك إذ ~~أحسنت إلي. تريد تنبيه المخاطب على وقوع إحسانه إليك وهما نسبتان ~~متغايرتان بالذات، وقد تكون بالاعتبار كما في قولك: اذكر إحساني إليك إذ ~~منعتك من المعصية، تريد تنبيهه على كون منعه منها إحسانا إليه لا على ~~إحسان آخر واقع حينئذ، ومن هذا القبيل عامة ما وقع في التنزيل من ~~قوله تعالى: # يقوم اذكروا نعمة الله عليكم إذ جعل فيكم ~~أنبياء وجعلكم ملوكا # [المائدة، الآية 20] الآية، وقوله تعالى: # يأيها الذين ءامنوا اذكروا نعمة الله ~~عليكم إذ هم قوم أن يبسطوا إليكم أيديهم ~~فكف أيديهم عنكم # [المائدة، الآية 11] إلى غير ذلك من النظائر. ومعنى إيحائه تعالى إليهم ~~أمره تعالى إياهم في الإنجيل على لسانه عليه السلام. وقيل: إلهامه ~~تعالى إياهم كما في قوله تعالى: # وأوحينا إلى أم موسى # [القصص، الآية 7] و(أن) في قوله تعالى: { أن آمنوا بي ~~وبرسولي } مفسرة لما في الإيحاء من معنى القول، وقيل: مصدرية، ~~وإيراده عليه السلام بعنوان الرسالة للتنبيه على كيفية الإيمان به عليه ~~السلام كأنه قيل: آمنوا بوحدانيتي في الألوهية والربوبية وبرسالة رسولي ~~ولا تزيلوه عن حيزه حطا ولا رفعا، وقوله تعالى: { قالوا } ~~استئناف مبني على سؤال نشأ من سوق الكلام كأنه قيل: فماذا قالوا حين ~~أوحي إليهم ذلك؟ فقيل: قالوا: { آمنا } أي بما ذكر ms0962 من وحدانيته تعالى ~~وبرسالة رسوله كما يؤذن به قولهم: { واشهد بأننا ~~مسلمون } أي مخلصون في إيماننا، من أسلم وجهه لله، وهذا القول ~~منهم بمقتضى وحيه تعالى وأمره لهم بذلك نعمة جليلة كسائر النعم ~~الفائضة عليه عليه الصلاة والسلام، وكل ذلك نعمة على والدته أيضا. روي ~~أنه عليه السلام لما علم أنه سيؤمر بذكر هاتيك النعم العظام جعل ~~يلبس الشعر ويأكل الشجر ولا يدخر شيئا لغد، يقول: لكل يوم رزقه، ~~لم يكن له بيت فيخرب ولا ولد فيموت، أينما أمسى بات. # { إذ قال الحواريون } كلام مستأنف مسوق لبيان بعض ما جرى ~~بينه عليه السلام وبين قومه، منقطع عما قبله كما ينبىء عنه الإظهار ~~في موقع الإضمار و(إذ) منصوب بمضمر خوطب به النبي عليه الصلاة والسلام ~~بطريق تلوين الخطاب والالتفات، لكن لا لأن الخطاب السابق لعيسى عليه ~~السلام فإنه ليس بخطاب وإنما هو حكاية خطاب، بل لأن الخطاب لمن خوطب ~~بقوله تعالى: # واتقوا الله # [المائدة، الآية 108] الآية، فتأمل، كأنه قيل للنبي صلى الله عليه وسلم ~~عقيب حكاية ما صدر عن الحواريين من المقالة المعدودة من نعم الله ~~تعالى الفائضة على عيسى عليه السلام: اذكر للناس وقت قولهم الخ، وقيل: ~~هو ظرف لقالوا، أريد به التنبيه على أن ادعاءهم الإيمان والإخلاص لم ~~يكن عن تحقيق وإيقان، ولا يساعده النظم الكريم { يعيسى ابن ~~مريم هل يستطيع ربك أن ينزل علينا مائدة ~~من السماء } اختلف في أنهم هل كانوا مؤمنين أو لا؟ فقيل: كانوا ~~كافرين شاكين في قدرة الله تعالى على ما ذكروا، وفي صدق عيسى عليه ~~السلام، كاذبين في دعوى الإيمان والإخلاص، وقيل: كانوا مؤمنين وسؤالهم ~~للاطمئنان والتثبت لا لإزاحة الشك، و(هل يستطيع) سؤال عن الفعل دون ~~القدرة عليه تعبيرا عنه بلازمه، وقيل: الاستطاعة على ما تقتضيه الحكمة ~~والإرادة، لا على ما تقتضيه القدرة، وقيل: المعنى هل يطيع ربك؟ بمعنى هل ~~يجيبك؟ واستطاع بمعنى أطاع كاستجاب بمعنى أجاب، وقرىء (هل تستطيع ربك) ~~أي سؤال ربك، والمعنى هل تسأله ذلك من غير صارف يصرفك عنه؟ ms0963 وهي قراءة ~~علي وعائشة وابن عباس ومعاذ رضي الله عنهم، وسعيد بن جبير في آخرين، ~~والمائدة الخوان الذي عليه الطعام، من ماده إذا أعطاه ورفده، كأنها ~~تميد من تقدم إليه، ونظيره قولهم: شجرة مطعمة، وقال أبو عبيد: ~~هي فاعلة بمعنى مفعولة كعيشة راضية { قال } استئناف مبني على سؤال ~~ناشىء مما قبله، كأنه قيل: فماذا قال لهم عيسى عليه السلام حين قالوا ~~ذلك؟ فقيل: قال: { اتقوا الله } أي من أمثال هذا السؤال { إن ~~كنتم مؤمنين } أي بكمال قدرته تعالى وبصحة نبوتي أو إن صدقتم ~~في ادعاء الإيمان والإسلام فإن ذلك مما يوجب التقوى والاجتناب عن أمثال ~~هذه الاقتراحات وقيل أمرهم بالتقوى ليصير ذلك ذريعة لحصول المسؤول، ~~كقوله تعالى: # ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من ~~حيث لا يحتسب # [الطلاق، الآية 2] وقوله تعالى: # ياأيها الذين ءامنوا اتقوا الله وابتغوا ~~إليه الوسيلة # [المائدة، الآية 35]. ### || [5.113] # { قالوا } استئناف كما سبق { نريد أن نأكل منها } تمهيد ~~عذر وبيان لما دعاهم إلى السؤال، أي لسنا نريد بالسؤال إزاحة ~~شبهتنا في قدرته سبحانه على تنزيلها أو في صحة نبوتك، حتى يقدح ذلك في ~~الإيمان والتقوى، بل نريد أن نأكل منها أي أكل تبرك، وقيل: أكل ~~حاجة وتمتع { وتطمئن قلوبنا } بكمال قدرته تعالى وإن كنا ~~مؤمنين به من قبل، فإن انضمام علم المشاهدة إلى العلم الاستدلالي مما ~~يوجب ازدياد الطمأنينة وقوة اليقين { ونعلم } أي علما يقينيا ~~لا يحوم حوله شائبة شبهة أصلا، وقرىء (ليعلم) على البناء للمفعول ~~{ أن قد صدقتنا } (أن) هي المخففة من أن، وضمير الشأن محذوف، ~~أي ونعلم أنه قد صدقتنا في دعوى النبوة وأن الله يجيب دعوتنا وإن كنا ~~عالمين بذلك من قبل { ونكون عليها من الشهدين } نشهد ~~عليها عند الذين لم يحضروها من بني إسرائيل ليزداد المؤمنون منهم ~~بشهادتنا طمأنينة ويقينا، ويؤمن بسببها كفارهم، أو (من الشاهدين) ~~للعين دون السامعين للخبر، و(عليها) متعلق بالشاهدين إن جعل اللام ~~للتعريف، وبيان لما يشهدون عليه إن جعلت موصولة، كأنه قيل: على أي ~~شيء يشهدون؟ فقيل: عليها، ms0964 فإن ما يتعلق بالصلة لا يتقدم على الموصول، أو ~~هو حال من اسم كان، أو هو متعلق بمحذوف يفسره من الشاهدين. ### || [5.114-115] # { قال عيسى ابن مريم } لما رأى عليه السلام أن لهم غرضا ~~صحيحا في ذلك، وأنهم لا يقلعون عنه، أزمع على استدعائها واستنزالها، ~~وأراد أن يلزمهم الحجة بكمالها. # روي # " أنه عليه الصلاة والسلام اغتسل ولبس المسح وصلى ركعتين فطأطأ رأسه ~~وغض بصره ثم قال: { اللهم ربنآ } " # ، ناداه سبحانه وتعالى مرتين، مرة بوصف الألوهية الجامعة لجميع ~~الكمالات، ومرة بوصف الربوبية المنبئة عن التربية، وإظهارا لغاية ~~التضرع، ومبالغة في الاستدعاء { أنزل علينا } تقديم الظرف على ~~قوله: { مائدة } لما مر مرارا من الاهتمام بالمقدم والتشويق إلى ~~المؤخر، وقوله: { من السماء } متعلق بأنزل أو بمحذوف هو صفة ~~لمائدة، أي كائنة من السماء نازلة منها. # وقوله: { تكون لنا عيدا } في محل النصب على أنه صفة لمائدة، ~~واسم تكون ضمير المائدة، وخبرها إما عيدا و(لنا) حال منه، أو من ضمير ~~(تكون) عند من يجوز إعمالها في الحال، وإما (لنا)، وعيدا حال من ~~الضمير في لنا، لأنه وقع خبرا فيحمل ضميرا، أو من ضمير (تكون) عند من ~~يرى ذلك، أي يكون يوم نزولها عيدا نعظمه، وإنما أسند ذلك إلى المائدة ~~لأن شرف اليوم مستعار من شرفها، وقيل: العيد السرور العائد، ولذلك ~~سمي يوم العيد عيدا، وقرىء (تكن) بالجزم على جواب الأمر كما في ~~قوله: # فهب لى من لدنك وليا يرثني # [مريم، الآية 46] خلا أن قراءة الجزم هناك متواترة وههنا من الشواذ { ~~لأولنا وءاخرنا } بدل من (لنا) بإعادة العامل، أي عيدا ~~لمتقدمينا ومتأخرينا. روي أنها نزلت يوم الأحد، ولذلك اتخذه النصارى ~~عيدا، وقيل: للرؤساء منا والأتباع، وقيل: يأكل منها أولنا وآخرنا، ~~وقرىء (لأولانا وأخرانا) بمعنى الأمة والطائفة { وءاية } عطف على ~~عيدا { منك } متعلق بمحذوف وهو صفة لآية، أي كائنة منك دالة على ~~كمال قدرتك وصحة نبوتي { وارزقنا } أي المائدة أو الشكر عليها { ~~وأنت خير الرازقين } تذييل جار مجرى التعليل، أي خير من ~~يرزق لأنه خالق الأرزاق ومعطيها ms0965 بلا عوض، وفي إقباله عليه السلام على ~~الدعاء بتكرير النداء المنبىء عن كمال الضراعة والابتهال وزيادته ~~ما لم يخطر ببال السائلين من الأمور الداعية إلى الإجابة والقبول ~~دلالة واضحة على أنهم كانوا مؤمنين، وأن سؤالهم كان لتحصيل الطمأنينة، ~~كما في قول إبراهيم عليه السلام. # { قال الله } استئناف كما سبق { إني منزلها عليكم } ~~ورود الإجابة منه تعالى بصيغة التفعيل المنبئة عن التكثير مع كون ~~الدعاء منه عليه السلام بصيغة الإفعال لإظهار كمال اللطف والإحسان، كما ~~في قوله تعالى: # قل الله ينجيكم منها ومن كل كرب # [الأنعام، الآية 64] الخ، بعد قوله تعالى: # لئن أنجنا من هذه # [الأنعام، الآية 63] الخ، مع ما فيه من مراعاة ما وقع في عبارة ~~السائلين، وفي تصدير الجملة بكلمة التحقيق وجعل خبرها اسما، تحقيق ~~للوعد وإيذان بأنه تعالى منجز له لا محالة من غير صارف يثنيه ولا ~~مانع يلويه، وإشعار بالاستمرار أي إني منزل المائدة عليكم مرات ~~كثيرة، وقرىء بالتخفيف، وقيل: الإنزال والتنزيل بمعنى واحد { فمن ~~يكفر بعد } أي بعد تنزيلها { منكم } متعلق بمحذوف وقع حالا ~~من فاعل (يكفر) { فإنى أعذبه } بسبب كفره بعد معاينة هذه الآية ~~الباهرة { عذابا } اسم مصدر بمعنى التعذيب، وقيل: مصدر بحذف الزوائد، ~~وانتصابه على المصدرية بالتقديرين المذكورين، وجوز أن يكون الفعل ~~مفعولا به على الاتساع، وقوله تعالى: { لا أعذبه } في محل النصب ~~على أنه صفة لعذابا، والضمير له أي (أعذبه) تعذيبا لا أعذب مثل ذلك ~~التعذيب { أحدا من العلمين } أي من عالمي زمانهم أو من ~~العالمين جميعا، قيل: لما سمعوا هذا الوعيد الشديد خافوا أن يكفر ~~بعضهم، فاستعفوا وقالوا: لا نريدها فلم تنزل، وبه قال مجاهد والحسن ~~رحمهما الله: والصحيح الذي عليه جماهير الأمة ومشاهير الأئمة أنها قد ~~نزلت. # روي (أنه عليه السلام لما دعا بما دعا وأجيب بما أجيب، إذا بسفرة ~~حمراء نزلت بين غمامتين، غمامة من فوقها وغمامة من تحتها، وهم ينظرون ~~إليها حتى سقطت بين أيديهم، فبكى عيسى عليه الصلاة والسلام وقال: اللهم ~~اجعلني من الشاكرين، اللهم اجعلها رحمة للعالمين، ms0966 ولا تجعلها مثلة ~~وعقوبة، ثم قام وتوضأ وصلى وبكى، ثم كشف المنديل وقال: بسم الله خير ~~الرازقين، فإذا سمكة مشوية بلا فلوس ولا شوك تسيل دسما، وعند ~~رأسها ملح وعند ذنبها خل، وحولها من ألوان البقول ما خلا ~~الكراث، وإذا خمسة أرغفة على واحد منها زيتون، وعلى الثاني ~~عسل، وعلى الثالث سمن، وعلى الرابع جبن، وعلى الخامس قديد، ~~فقال شمعون رأس الحواريين: يا روح الله أمن طعام الدنيا أو من طعام ~~الآخرة؟ قال: ليس منهما ولكنه شيء اخترعه الله تعالى بالقدرة العالية، ~~كلوا ما سألتم واشكروا يمددكم الله ويزدكم من فضله، فقالوا: يا روح ~~الله لو أريتنا من هذه الآية آية أخرى؟ فقال: يا سمكة احيي ~~بإذن الله، فاضطربت، ثم قال لها: عودي كما كنت، فعادت مشوية ثم طارت ~~المائدة، ثم عصوا فمسخوا قردة وخنازير). # وقيل: كانت تأتيهم أربعين يوما غبا، يجتمع عليها الفقراء والأغنياء، ~~والصغار والكبار، يأكلون حتى إذا فاء الفيء طارت وهم ينظرون في ظللها. ~~ولم يأكل منها فقير إلا غني مدة عمره، ولا مريض إلا برىء ولم ~~يمرض أبدا، ثم أوحى الله تعالى إلى عيسى عليه الصلاة والسلام: أن ~~اجعل مائدتي في الفقراء والمرضى دون الأغنياء والأصحاء، فاضطرب الناس ~~لذلك فمسخ منهم من مسخ، فأصبحوا خنازير يسعون في الطرقات ~~والكناسات، ويأكلون العذرة في الحشوش، فلما رأى الناس ذلك فزعوا إلى ~~عيسى عليه السلام وبكوا الممسوخين، فلما أبصرت الخنازير عيسى عليه ~~السلام بكت وجعلت تطيف به، وجعل يدعوهم بأسمائهم واحدا بعد واحد، ~~فيبكون ويشيرون برؤوسهم، ولا يقدرون على الكلام، فعاشوا ثلاثة أيام ~~ثم هلكوا. # وروي عن ابن عباس رضي الله عنهما: أن عيسى عليه السلام قال لهم: صوموا ~~ثلاثين يوما ثم سلوا الله ما شئتم يعطكم، فصاموا فلما فرغوا قالوا: ~~إنا لو عملنا لأحد فقضينا عمله لأطعمنا، وسألوا الله تعالى ~~المائدة، فأقبلت الملائكة بمائدة يحملونها عليها سبعة أرغفة وسبعة ~~أحوات، حتى وضعتها بين أيديهم، فأكل منها آخر الناس كما أكل منها ~~أولهم. قال كعب: نزلت منكوسة تطير بها ms0967 الملائكة بين السماء والأرض، ~~عليها كل الطعام إلا اللحم. وقال قتادة: كان عليها ثمر من ثمار ~~الجنة. وقال عطية العوفي: نزلت من السماء سمكة فيها طعم كل شيء. وقال ~~الكلبي ومقاتل: نزلت سمكة وخمسة أرغفة فأكلوا ما شاء الله تعالى ~~والناس ألف ونيف، فلما رجعوا إلى قراهم ونشروا الحديث ضحك من لم ~~يشهد وقالوا: ويحكم إنما سحر أعينكم، فمن أراد الله به الخير ثبته ~~على بصيرة، ومن أراد فتنته رجع إلى كفره، فمسخوا خنازير، فمكثوا كذلك ~~ثلاثة أيام ثم هلكوا لم يتوالدوا، ولم يأكلوا ولم يشربوا، وكذلك كل ~~ممسوخ. ### || [5.116] # { وإذ قال الله يعيسى ابن مريم } معطوف على (إذ قال ~~الحواريون) منصوب بما نصبه من المضمر المخاطب به النبي صلى الله ~~عليه وسلم، أو بمضمر مستقل معطوف على ذلك، أي اذكر للناس وقت قول ~~الله عز وجل له عليه السلام في الآخرة توبيخا للكفرة وتبكيتا لهم، ~~فإقراره عليه السلام على رؤوس الأشهاد بالعبودية، وأمره لهم بعبادته عز ~~وجل، وصيغة الماضي لما مر من الدلالة على التحقق والوقوع { أأنت ~~قلت للناس اتخذونى وأمى إلهين } الاتخاذ إما ~~متعد إلى مفعولين (فإلهين) ثانيهما، وإما إلى واحد فهو حال من ~~المفعول، وليس مدار أصل الكلام أن القول متيقن، والاستفهام ~~لتعيين القائل كما هو المتبادر من إيلاء الهمزة المبتدأ على ~~الاستعمال الفاشي، وعليه قوله تعالى: # أأنت فعلت هذا بآلهتنا # [الأنبياء، الآية 62] ونظائره، بل على أن المتيقن هو الاتخاذ ~~والاستفهام لتعيين أنه بأمره عليه السلام، أو من تلقاء أنفسهم كما في ~~قوله تعالى: # أأنتم أضللتم عبادى هؤلاء أم هم ضلوا ~~السبيل # [الفرقان، الآية 17] وقوله تعالى: { من دون الله } متعلق بالاتخاذ ~~ومحله النصب على أنه حال من فاعله، أي متجاوزين الله، أو بمحذوف هو صفة ~~لإلهين، أي كائنين من دونه تعالى، وأيا ما كان فالمراد اتخاذهما ~~بطريق إشراكهما به سبحانه كما في قوله تعالى: # ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا # [البقرة، الآية 165] وقوله عز وجل: # ويعبدون من دون الله ما لا يضرهم ولا ينفعهم ~~ويقولون ms0968 هؤلاء شفعؤنا عند الله # [سورة يونس، الآية 18] إلى قوله سبحانه وتعالى: # عما يشركون # [سورة يونس، الآية 18] إذ به يتأتى التوبيخ ويتسنى التقريع ~~والتبكيت. ومن توهم أن ذلك بطريق الاستقلال، ثم اعتذر عنه بأن النصارى ~~يعتقدون أن المعجزات التي ظهرت على يد عيسى ومريم عليهما الصلاة ~~والسلام لم يخلقها الله تعالى، بل هما خلقاها فصح أنهم اتخذوهما في حق ~~بعض الأشياء إلهين مستقلين، ولم يتخذوه تعالى إلها في حق ذلك ~~البعض، فقد أبعد عن الحق بمراحل، وأما من تعمق فقال: إن عبادته تعالى ~~مع عبادة غيره كلا عبادة، فمن عبده تعالى مع عبادتهما كأنه عبدهما، ومن ~~لم يعبده تعالى فقد غفل عما يجديه واشتغل بما لا يعنيه كدأب من ~~قبلة، فإن توبيخهم إنما يحصل بما يعتقدونه ويعترفون به صريحا، لا بما ~~يلزمه بضرب من التأويل، وإظهار الاسم الجليل لكونه في حيز القول ~~المسند إلى عيسى عليه السلام. # { قال } استئناف مبني على سؤال نشأ من صدر الكلام كأنه قيل: فماذا ~~يقول عيسى عليه السلام حينئذ؟ فقيل: يقول، وإيثار صيغة الماضي لما مر ~~مرارا { سبحنك } (سبحان) علم للتسبيح، وانتصابه على ~~المصدرية، ولا يكاد يذكر ناصبه، وفيه من المبالغة في التنزيه من حيث ~~الاشتقاق، من السبح الذي هو الذهاب والإبعاد في الأرض، ومن جهة النقل ~~إلى صيغة التفعيل، ومن جهة العدول من المصدر إلى الاسم الموضوع له ~~خاصة، المشير إلى الحقيقة الحاضرة في الذهن، ومن جهة إقامته مقام ~~المصدر مع الفعل ما لا يخفى، أي أنزهك تنزيها لائقا بك من أن أقول ذلك ~~أو من أن يقال في حقك ذلك، وأما تقدير من أن يكون لك شريك في ~~الألوهية فلا يساعده سياق النظم الكريم وسياقه، وقوله تعالى: { ما ~~يكون لى أن أقول ما ليس لى بحق } استئناف مقرر ~~للتنزيه ومبين للمنزه منه، و(ما) عبارة عن القول المذكور، أي ما ~~يستقيم وما ينبغي لي أن أقول قولا لا يحق لي أن أقوله، وإيثار ليس ~~على الفعل المنفي لظهور دلالته على استمرار انتفاء الحقية وإفادة ~~التأكيد ms0969 بما في حيزه من الباء، فإن اسمه ضميره العائد إلى (ما)، وخبره ~~(بحق) والجار والمجرور فيما بينهما للتبيين كما في سقيا لك أو نحوه. # وقوله تعالى: { إن كنت قلته فقد علمته } استئناف مقرر ~~لعدم صدور القول المذكور عنه عليه السلام بالطريق البرهاني، فإن صدوره ~~عنه مستلزم لعلمه تعالى به قطعا، فحيث انتفى علمه تعالى به انتفى ~~صدوره عنه حتما ضرورة أن عدم اللازم مستلزم لعدم الملزوم { ~~تعلم ما فى نفسى } استئناف جار مجرى التعليل لما قبله كأنه ~~قيل: لأنك تعلم ما أخفيه في نفسي، فكيف بما أعلنه؟ وقوله تعالى: { ~~ولا أعلم ما فى نفسك } بيان للواقع وإظهار لقصوره، أي ولا ~~أعلم ما تخفيه من معلوماتك، وقوله: { فى نفسك } للمشاكلة. وقيل: ~~المراد بالنفس هو الذات، ونسبة المعلومات إليها لما أنها مرجع الصفات ~~التي من جملتها العلم المتعلق بها، فلم يكن كنسبتها إلى الحقيقة. ~~وقوله تعالى: { إنك أنت علم الغيوب } تعليل لمضمون ~~الجملتين منطوقا ومفهوما. ### || [5.117] # وقوله تعالى: { ما قلت لهم إلا ما أمرتنى به } ~~استئناف مسوق لبيان ما صدر عنه قد أدرج فيه عدم صدور القول ~~المذكور عنه على أبلغ وجه وآكده، حيث حكم بانتفاء صدور جميع ~~الأقوال المغايرة للمأمور به، فدخل فيه انفاء صدور القول المذكور ~~دخولا أوليا، أي ما أمرتهم إلا بما أمرتني به، وإنما قيل: (ما قلت ~~لهم) نزولا على قضية حسن الأدب، ومراعاة لما ورد في الاستفهام. وقوله ~~تعالى: { أن اعبدوا الله ربى وربكم } تفسير للمأمور ~~به، وقيل: عطف بيان للضمير في به، وقيل: بدل منه، وليس من شرط البدل ~~جواز طرح المبدل منه مطلقا ليلزم بقاء الموصول بلا عائد، وقيل: ~~خبر مضمر أو مفعوله مثل هو أو أعني. { وكنت عليهم شهيدا ~~} رقيبا أراعي أحوالهم وأحملهم على العمل بموجب أمرك، وأمنعهم عن ~~المخالفة، أو مشاهدا لأحوالهم من كفر وإيمان { ما دمت فيهم } ما ~~مصدرية ظرفية تقدر بمصدر مضاف إليه زمان، ودمت صلتها، أي كنت شهيدا ~~عليهم مدة دوامي فيما بينهم { فلما توفيتنى } بالرفع إلى ~~السماء كما في ms0970 قوله تعالى: # إني متوفيك ورافعك إلي # [آل عمران، الآية 55] فإن التوفي أخذ الشيء وافيا، والموت نوع منه، ~~قال تعالى: # الله يتوفى الأنفس حين موتها والتى لم تمت ~~فى منامها # [الزمر، الآية 42] { كنت أنت الرقيب عليهم } لا غيرك، ~~(فأنت) ضمير الفصل أو تأكيد، وقرىء (الرقيب) بالرفع على أنه خبر ~~(أنت) والجملة خبر لكان وعليهم متعلق به، أي أنت كنت الحافظ لأعمالهم ~~والمراقب فمنعت من أردت عصمته عن المخالفة، بالإرشاد إلى الدلائل ~~والتنبيه عليها، بإرسال الرسل وإنزال الآيات، وخذلت من خذلت من ~~الضالين فقالوا ما قالوا { وأنت على كل شىء شهيد } اعتراض ~~تذييلي مقرر لما قبله، فيه إيذان بأنه تعالى كان هو الشهيد على ~~الكل حين كونه عليه السلام فيما بينهم، و(على) متعلقة بشهيد، والتقديم ~~لمراعاة الفاصلة. ### || [5.118-119] # { إن تعذبهم فإنهم عبادك } وقد استحقوا ذلك حيث عبدوا ~~غيرك { وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز } أي القوي ~~القادر على جميع المقدورات، ومن جملتها الثواب والعقاب { الحكيم } ~~الذي لا يريد ولا يفعل إلا ما فيه حكمة ومصلحة، فإن المغفرة مستحسنة ~~لكل مجرم، فإن عذبت فعدل، وإن غفرت ففضل، وعدم غفران الشرك إنما ~~هو بمقتضى الوعيد، فلا امتناع فيه لذاته ليمنع الترديد بالنسبة إلى ~~فرقتين، والمعنى إن تعذبهم أي من كفر منهم، وإن تغفر لهم أي من آمن ~~منهم. # { قال الله } كلام مستأنف ختم به حكاية ما حكي، مما يقع ~~يوم يجمع الله الرسل عليهم الصلاة والسلام، وأشير إلى نتيجته ومآله، أي ~~يقول الله تعالى يومئذ عقيب جواب عيسى عليه السلام، مشيرا إلى صدقه في ~~ضمن بيان حال الصادقين الذين هو في زمرتهم، وصيغة الماضي لما مر في ~~نظائره مرارا، وقوله تعالى: { هذا } إشارة إلى ذلك اليوم، وهو مبتدأ ~~خبره ما بعده، أي هذا اليوم الذي حكي بعض ما يقع فيه إجمالا وبعضه ~~تفصيلا { يوم ينفع الصدقين } بالرفع والإضافة، والمراد ~~بالصادقين كما ينبىء عنه الاسم، المستمرون في الدارين على الصدق في ~~الأمور الدينية التي معظمها التوحيد الذي نحن بصدده، والشرائع ~~والأحكام المتعلقة به من الرسل ms0971 الناطقين بالحق والصدق الداعين إلى ذلك، ~~وبه تحصل الشهادة بصدق عيسى عليه السلام، ومن الأمم المصدقين لهم ~~المقتدين بهم عقدا وعملا، وبه يتحقق المقصود بالحكاية من ترغيب ~~السامعين في الإيمان برسول الله صلى الله عليه وسلم لا كل من صدق في ~~أي شيء كان، ضرورة أن الجاني المعترف في الدنيا بجنايته لا ينفعه ~~يومئذ اعترافه وصدقه { صدقهم } أي صدقهم فيما ذكر من أمور ~~الدين في الدنيا، إذ هو المستتبع للنفع يومئذ، واعتبار استمراره في ~~الدارين مع أنه لا حاجة إليه كما عرفت، ولا دخل له في استتباع النفع ~~والجزاء مما لا وجه له، وهذه القراءة هي التي أطبق عليها الجمهور وهي ~~الأليق بسياق النظم الكريم وسباقه، وقد قرىء (يوم) بالنصب إما على أنه ~~ظرف لقال، فهذا حينئذ إشارة إلى قوله تعالى: { أأنت قلت } الخ، ~~وإما على أنه خبر لهذا، فهو حينئذ إشارة إلى جواب عيسى عليه السلام، أي ~~هذا الجواب منه عليه السلام واقع يوم ينفع الخ، أو إلى السؤال والجواب ~~معا، وقيل: هو خبر ولكنه بني على الفتح، وليس بصحيح عند البصريين لأنه ~~مضاف إلى متمكن، وقرىء (يوم) بالرفع والتنوين كقوله تعالى: # واتقوا يوما لا تجزي # [البقرة: الآيتان، الآية 48 و123]. # { لهم جنت تجرى من تحتها الأنهر خلدين ~~فيها أبدا } استئناف مسوق لبيان النفع المذكور كأنه قيل: ما لهم ~~من النفع؟ فقيل: لهم نعيم دائم وثواب خالد، وقوله تعالى: { رضى ~~الله عنهم } استئناف آخر لبيان أنه عز وجل أفاض عليهم غير ما ~~ذكر من الجنات ما لا قدر لها عنده، وهو رضوانه الذي لا غاية وراءه ~~كما ينبىء عنه قوله تعالى: { ورضوا عنه } إذ لا شيء أعز منه حتى ~~يمتد إليه أعناق الهمم { وذلك } إشارة إلى نيل رضوانه تعالى، ~~وقيل: إلى نيل الكل { الفوز العظيم } لما أن عظم شأن الفوز ~~تابع لعظم شأن المطلوب الذي تعلق به الفوز. وقد عرفت ألا مطلب وراء ~~ذلك أصلا. ### || [5.120] # وقوله تعالى: { لله ملك السموات والأرض وما فيهن ~~} تحقيق للحق وتنبيه على كذب ms0972 النصارى وفساد ما زعموا في حق المسيح ~~وأمه، أي له تعالى خاصة ملك السموات والأرض وما فيهما من العقلاء ~~وغيرهم، يتصرف فيها كيف يشاء، إيجادا وإعداما، إحياء وإماتة، ~~وأمرا ونهيا، من غير أن يكون لشيء من الأشياء مدخل في ذلك، وفي إيثار ~~(ما) على (من) المختصة بالعقلاء على تقدير تناولها للكل، مراعاة للأصل ~~وإشارة إلى تساوي الفريقين في استحالة الربوبية حسب تساويهما في ~~تحقق المربوبية، وعلى تقدير اختصاصها بغير العقلاء تنبيه على كمال ~~قصورهم عن رتبة الألوهية، وإهابة بهم بتغليب غيرهم عليهم { وهو ~~على كل شىء } من الأشياء { قدير } مبالغ في القدرة. عن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: # " من قرأ سورة المائدة أعطي من الأجر عشر حسنات، ومحي عنه عشر ~~سيئات، ورفع له عشر درجات، بعدد كل يهودي ونصراني يتنفس في الدنيا ~~" ### | [6 - سورة الأنعام] ### || [6.1] # (مكية غير ست آيات أو ثلاث من قوله تعالى { قل تعالوا أتل }. وهى ~~مائة وخمس وستون آية). # { بسم الله الرحمن الرحيم } # { الحمد لله } تعليق الحمد المعرف بلام الحقيقة أولا باسم ~~الذات عليه يدور كافة ما يوجبه من صفات الكمال، وإليه يؤول جميع نعوت ~~الجلال والجمال، للإيذان بأنه عز وجل هو المستحق له بذاته، لما مر من ~~اقتضاء اختصاص الحقيقة به سبحانه، لاقتصار جميع أفرادها عليه بالطريق ~~البرهاني، ووصفه تعالى ثانيا بما ينبىء عن تفصيل بعض موجباته ~~المنتظمة في سلك الإجمال من عظائم الآثار وجلائل الأفعال، من قوله عز ~~وجل: { الذى خلق السموات والأرض } للتنبيه على ~~استحقاقه تعالى له واستقلاله به باعتبار أفعاله العظام، وآلائه ~~الجسام أيضا. وتخصيص خلقهما بالذكر لاشتمالهما على جملة الآثار ~~العلوية والسفلية وعامة الآلاء الجلية والخفية، التي أجلها نعمة ~~الوجود الكافية في إيجاب حمده تعالى على كل موجود، فكيف بما يتفرع ~~عليها من فنون النعم الأنفسية والآفاقية، المنوط بها مصالح العباد في ~~المعاش والمعاد؟ أي أنشأهما على ما هما عليه من النمط الفائق والطراز ~~الرائق، منطويتين من أنواع البدائع وأصناف الروائع على ما تتحير ~~فيه العقول والأفكار، من تعاجيب العبر ms0973 والآثار، تبصرة وذكرى لأولي ~~الأبصار. وجمع السموات لظهور تعدد طبقاتها واختلاف آثارها وحركاتها، ~~وتقديمها لشرفها وعلو مكانها وتقدمها وجودا على الأرض كما هي. # { وجعل الظلمت والنور } عطف على (خلق) مترتب عليه ~~لكون جعلهما مسبوقا بخلق منشئهما ومحلهما، داخل معه في حكم ~~الإشعار بعلة الحمد، فكما أن خلق السموات والأرض وما بينهما ~~لكونه أثرا عظيما ونعمة جليلة موجب لاختصاص الحمد بخالقهما جل ~~وعلا، كذلك جعل الظلمات والنور لكونه أمرا خطيرا ونعمة عظيمة مقتض ~~لاختصاصه بجاعلهما، والجعل هو الإنشاء والإبداع كالخلق، خلا أن ذلك ~~مختص بالإنشاء التكويني، وفيه معنى التقدير والتسوية، وهذا عام له ~~كما في الآية الكريمة، والتشريعي أيضا كما في قوله تعالى: # ما جعل الله من بحيرة # [المائدة، الآية 103] الآية. وأيا ما كان فهو إنباء عن ملابسة ~~مفعوله بشيء آخر بأن يكون فيه، أو له، أو منه، أو نحو ذلك، ~~ملابسة مصححة لأن يتوسط بينهما شيء من الظروف لغوا كان أو ~~مستقرا، لكن لا على أن يكون عمدة في الكلام بل قيدا فيه، كما في ~~قوله عز وجل: # وجعل بينهما برزخا # [الفرقان، الآية 53] وقوله تعالى: # وجعل فيها رواسى # [فصلت، الآية 10] وقوله تعالى: # واجعل لنا من لدنك وليا # [النساء، الآية 75] الآية، فإن كل واحد من هذه الظروف، إما متعلق بنفس ~~الجعل أو بمحذوف وقع حالا من مفعوله تقدمت عليه لكونه نكرة، وأيا ما ~~كان فهو قيد في الكلام حتى إذا اقتضى الحال وقوعه عمدة فيه يكون ~~الجعل متعديا إلى اثنين هو ثانيهما، كما في قوله تعالى: # يجعلون أصبعهم فى ءاذانهم # [البقرة، الآية 19] وربما يشتبه الأمر فيظن أنه عمدة فيه، وهو في ~~الحقيقة قيد بأحد الوجهين كما سلف في قوله تعالى: # إني جاعل فى الأرض خليفة # [البقرة، الآية 30] حيث قيل: إن الظرف مفعول ثان لجاعل، وقد أشير هناك ~~إلى أن الذي يقضي به الذوق السليم وتقتضيه جزالة النظم الكريم، أنه ~~متعلق بجاعل أو بمحذوف وقع حالا من المفعول، وأن المفعول الثاني هو ~~خليفة، وأن الأول محذوف على ما مر تفصيله. وجمع الظلمات ms0974 لظهور كثرة ~~أسبابها ومحالها عند الناس، ومشاهدتهم لها على التفصيل، وتقديمها على ~~النور لتقدم الإعدام على الملكات مع ما فيه من رعاية حسن المقابلة بين ~~القرينتين، وقوله تعالى: { ثم الذين كفروا بربهم ~~يعدلون } معطوف على الجملة السابقة الناطقة بما مر من موجبات ~~اختصاصه تعالى بالحمد، المستدعي لاقتصار العبادة عليه، كما حقق في ~~تفسير الفاتحة الكريمة، مسوق لإنكار ما عليه الكفرة واستبعاده من ~~مخالفتهم لمضمونها واجترائهم على ما تقضي ببطلانه بديهة العقول. ~~والمعنى أنه تعالى مختص باستحقاق الحمد والعبادة باعتبار ذاته ~~وباعتبار ما فصل من شؤونه العظيمة الخاصة به، الموجبة لقصر الحمد ~~والعبادة عليه، ثم هؤلاء الكفرة لا يعملون بموجبه ويعدلون به سبحانه، ~~أي يسوون به غيره في العبادة التي هي أقصى غايات الشكر الذي رأسه ~~الحمد، مع كون كل ما سواه مخلوقا له غير متصف بشيء من مبادىء ~~الحمد، وكلمة (ثم) لاستبعاد الشرك بعد وضوح ما ذكر من الآيات التكوينية ~~القاضية ببطلانه، لا بعد بيانه بالآيات التنزيلية، والموصول عبارة ~~عن طائفة الكفار جار مجرى الاسم لهم، من غير أن يجعل كفرهم بما ~~يجب أن يؤمن به كلا أو بعضا عنوانا للموضوع، فإن ذلك مخل ~~باستبعاد ما أسند إليهم من الإشراك، والباء متعلقة بيعدلون، ووضع ~~الرب موضع ضميره تعالى لزيادة التشنيع والتقبيح، والتقديم لمزيد ~~الاهتمام والمسارعة إلى تحقيق مدار الإنكار والاستبعاد، والمحافظة ~~على الفواصل، وترك المفعول لظهوره أو لتوجيه الإنكار إلى نفس الفعل ~~بتنزيله منزلة اللازم، إيذانا بأنه المدار في الاستبعاد والاستنكار لا ~~خصوصية المفعول، هذا هو الحقيق بجزالة التنزيل والخليق بفخامة شأنه ~~الجليل. وأما جعل الباء صلة لكفروا على أن (يعدلون) من العدول، ~~والمعنى أن الله تعالى حقيق بالحمد على ما خلقه نعمة على العباد، ثم ~~الذين كفروا به يعدلون فيكفرون نعمته فيرده أن كفرهم به تعالى لا ~~سيما باعتبار ربوبيته تعالى لهم، أشد شناعة وأعظم جناية من عدولهم ~~عن حمده عز وجل لتحققه، مع إغفاله أيضا، فجعل أهون الشرين عمدة في ~~الكلام مقصود الإفادة، وإخراج أعظمهما مخرج القيد المفروغ ms0975 عنه مما ~~لا عهد له في الكلام السديد، فكيف بالنظم التنزيلي؟ هذا وقد قيل: إنه ~~معطوف على (خلق السموات) والمعنى أنه تعالى خلق ما خلق مما لا يقدر ~~عليه أحد سواه، ثم هم يعدلون به سبحانه ما لا يقدر على شيء منه، لكن ~~لا على قصد أنه صلة مستقلة ليكون بمنزلة أن يقال: الحمد لله الذي ~~عدلوا به، بل على أنه داخل تحت الصلة بحيث يكون الكل صلة واحدة، ~~كأنه قيل: الحمد لله الذي كان منه تلك النعم العظام، ثم من الكفرة ~~الكفر، وأنت خبير بأن ما ينتظم في سلك الصلة المنبئة عن موجبات ~~حمده عز وجل حقه أن يكون له دخل في ذلك الإنباء ولو في الجملة، ولا ~~ريب في أن كفرهم بمعزل منه، وادعاء أن له دخلا فيه لدلالته على كمال ~~الجود، كأنه قيل: الحمد لله الذي أنعم بمثل هذه النعم العظام على من لا ~~يحمده، تعسف لا يساعده النظام، وتعكيس يأباه المقام، كيف لا ومساق ~~النظم الكريم كما تفصح عنه الآيات الآتية تشنيع الكفرة وتوبيخهم ~~ببيان غاية إساءتهم مع نهاية إحسانه تعالى إليهم، لا بيان نهاية ~~إحسانه تعالى إليهم مع غاية إساءتهم في حقه تعالى، كما يقتضيه الادعاء ~~المذكور، وبهذا اتضح أنه لا سبيل إلى جعل المعطوف من روادف المعطوف ~~عليه، لما أن حق الصلة أن تكون غير مقصودة الإفادة، فما ظنك بما هو ~~من روادفها؟ وقد عرفت أن المعطوف هو الذي سيق له الكلام فتأمل وكن على ~~الحق المبين. ### || [6.2] # { هو الذى خلقكم من طين } استئناف مسوق لبيان بطلان ~~كفرهم بالبعث، مع مشاهدتهم لما يوجب الإيمان به إثر بيان بطلان ~~إشراكهم به تعالى، مع معاينتهم لموجبات توحيده، وتخصيص خلقهم بالذكر ~~من بين سائر دلائل صحة البعث، مع أن ما ذكر من خلق السموات والأرض من ~~أوضحها وأظهرها، كما ورد في قوله تعالى: # أوليس الذى خلق السموات والأرض بقدر على ~~أن يخلق مثلهم # [يس، الآية 81] لما أن محل النزاع بعثهم، فدلالة بدء خلقهم على ~~ذلك أظهر وهم ms0976 بشؤون أنفسهم أعرف، والتعامي عن الحجة النيرة أقبح، ~~والالتفات لمزيد التشنيع والتوبيخ، أي ابتدأ خلقكم منه، فإنه المادة ~~الأولى للكل لما أنه منشأ آدم عليه السلام، وهو المخلوق منه حقيقة بأن ~~يقال: هو الذي خلق أباكم الخ، مع كفاية علمهم بخلقه عليه السلام منه في ~~إيجاب الإيمان بالبعث وبطلان الامتراء لتوضيح منهاج القياس، ~~وللمبالغة في إزاحة الاشتباه والالتباس، مع ما فيه من تحقيق الحق ~~والتنبيه على حكمة خفية هي أن كل فرد من أفراد البشر له حظ من ~~إنشائه عليه السلام منه، حيث لم تكن فطرته البديعة مقصورة على نفسه بل ~~كانت أنموذجا منطويا على فطرة سائر آحاد الجنس انطواء إجماليا ~~مستتبعا لجريان آثارها على الكل، فكأن خلقه عليه السلام من الطين ~~خلق لكل أحد من فروعه منه، ولما كان خلقه على هذا النمط الساري إلى ~~جميع أفراد ذريته أبدع من أن يكون ذلك مقصورا على نفسه كما هو ~~المفهوم من نسبة الخلق المذكور إليه وأدل على عظم قدرة الخلاق ~~العليم وكمال علمه وحكمته وكان ابتداء حال المخاطبين أولى بأن يكون ~~معيارا لانتهائها فعل ما فعل، ولله در شأن التنزيل، وعلى هذا السر ~~مدار قوله تعالى: # ولقد خلقنكم ثم صورنكم # [الأعراف، الآية 11] الخ، وقوله تعالى: # وقد خلقتك من قبل ولم تك شيئا # [مريم، الآية 9] كما سيأتي، وقيل: المعنى خلق أباكم منه على حذف المضاف. ~~وقيل: المعنى خلقهم من النطفة الحاصلة من الأغذية المتكونة من الأرض، ~~وأيا ما كان ففيه من وضوح الدلالة على كمال قدرته تعالى على البعث ما ~~لا يخفى، فإن من قدر على إحياء ما لم يشم رائحة الحياة قط كان على ~~إحياء ما قارنها مدة أظهر قدرة. # { ثم قضى } أي كتب لموت كل واحد منكم { أجلا } خاصا به أي ~~حدا معينا من الزمان يفنى عند حلوله لا محالة، وكلمة (ثم) للإيذان ~~بتفاوت ما بين خلقهم وبين تقدير آجالهم حسبما تقتضيه الحكم ~~البالغة { وأجل مسمى } أي حد معين لبعثكم جميعا وهو مبتدأ ~~لتخصصه بالصفة كما في قوله تعالى: ms0977 # ولعبد مؤمن # [البقرة، الآية 221] ولوقوعه في موقع التفصيل كما في قول من قال: ~~[الطويل] # إذا ما بكى من خلفها انصرفت له # بشق وشق عندنا لم يحول # وتنوينه لتفخيم شأنه وتهويل أمره، ولذلك أوثر تقديمه على الخبر الذي ~~هو { عنده } مع أن الشائع المستفيض هو التأخير كما في قولك: عندي ~~كلام حق ولي كتاب نفيس كأنه قيل: وأي أجل مسمى مثبت معين في ~~علمه لا يتغير ولا يقف على وقت حلوله أحد لا مجملا ولا مفصلا، ~~وأما أجل الموت فمعلوم إجمالا وتقريبا بناء على ظهور أماراته أو ~~على ما هو المعتاد في أعمار الإنسان، وتسميته أجلا إنما هي باعتبار ~~كونه غاية لمدة لبثهم في القبور، لا باعتبار كونه مبدأ لمدة ~~القيامة، كما أن مدار التسمية في الأجل الأول هو كونه آخر مدة الحياة ~~لا كونه أول مدة الممات لما أن الأجل في اللغة عبارة عن آخر ~~المدة لا عن أولها، وقيل: الأجل الأول ما بين الحياة والموت، والثاني ~~ما بين الموت والبعث من البرزخ، فإن الأجل كما يطلق على آخر المدة ~~يطلق على كلها وهو الأوفق، لما روي عن ابن عباس رضي الله عنهما: (أن ~~الله تعالى قضى لكل أحد أجلين: أجلا من مولده إلى موته، وأجلا من موته ~~إلى مبعثه، فإن كان برا تقيا وصولا للرحم زيد له من أجل البعث في ~~أجل العمر، وإن كان فاجرا قاطعا نقص من أجل العمر وزيد في أجل ~~البعث، وذلك قوله تعالى: # وما يعمر من معمر ولا ينقص من عمره إلا فى ~~كتب # [فاطر، الآية 11] فمعنى عدم تغيير الأجل حينئذ عدم تغير آخره، ~~والأول هو الأشهر الأليق بتفخيم الأجل الثاني المنوط باختصاصه بعلمه ~~تعالى، والأنسب بتهويله المبني على مقارنته للطامة الكبرى، فإن كون ~~بعضه معلوما للخلق ومضيه من غير أن يقع فيه شيء من الدواهي كما ~~يستلزمه الحمل على المعنى الثاني مخل بذلك قطعا، ومعنى زيادة ~~الأجل ونقصه فيما روي تأخير الأجل الأول وتقديمه. # { ثم أنتم تمترون } استبعاد واستنكار لامترائهم في البعث ~~بعد ms0978 معاينتهم لما ذكر من الحجج الباهرة الدالة عليه، أي تمترون في ~~وقوعه وتحققه في نفسه مع مشاهدتكم في أنفسكم من الشواهد ما يقطع ~~مادة الامتراء بالكلية، فإن من قدر على إفاضة الحياة وما يتفرع ~~عليها من العلم والقدرة وسائر الكمالات البشرية على مادة غير ~~مستعدة لشيء منها أصلا كان أوضح اقتدارا على إفاضتها على مادة قد ~~استعدت لها وقارنتها مدة، ومن ههنا تبين أن ما قيل من أن الأجل ~~الأول هو النوم والثاني هو الموت أو أن الأول أجل الباقين أو أن ~~الأول مقدار ما مضى من عمر كل أحد والثاني مقدار ما بقي منه ~~مما لا وجه له أصلا، لما رأيت من أن مساق النظم الكريم استبعاد ~~امترائهم في البعث الذي عبر عن وقته بالأجل المسمى، فحيث أريد به ~~أحد ما ذكر من الأمور الثلاثة ففي أي شيء يمترون؟ ووصفهم بالامتراء ~~الذي هو الشك، وتوجيه الاستبعاد إليه مع أنهم جازمون بانتفاء البعث ~~مصرون على إنكاره كما ينبىء عنه قولهم: # أءذا متنا وكنا ترابا وعظما أءنا لمبعوثون # [الصافات، الآية 16] ونظائره للدلالة على أن جزمهم المذكور في أقصى ~~مراتب الاستبعاد والاستنكار. ### || [6.3] # وقوله تعالى: { وهو الله } جملة من مبتدأ وخبر، معطوفة على ما ~~قبلها مسوقة لبيان شمول أحكام إلاهيته تعالى لجميع المخلوقات ~~وإحاطة علمه بتفاصيل أحوال العباد وأعمالهم المؤدية إلى الجزاء إثر ~~الإشارة إلى تحقق المعاد في تضاعيف بيان كيفية خلقهم وتقدير ~~آجالهم، وقوله تعالى: { في السموات وفي الأرض } متعلق ~~بالمعنى الوصفي الذي ينبىء عنه الاسم الجليل، إما باعتبار أصل ~~اشتقاقه وكونه علما للمعبود بالحق كأنه قيل: وهو المعبود فيهما، ~~وإما باعتبار أنه اسم اشتهر بما اشتهرت به الذات من صفات الكمال ~~فلوحظ معه منها ما يقتضيه المقام من المالكية الكلية والتصرف الكامل ~~حسبما تقتضيه المشيئة المبنية على الحكم البالغة، فعلق به الظرف ~~من تلك الحيثية فصار كأنه قيل: وهو المالك أو المتصرف المدبر فيهما ~~كما في قوله تعالى: # وهو الذي في السماء إله وفي الأرض إله # [الزخرف، الآية 84] وليس المراد ms0979 بما ذكر من الاعتبارين أن الاسم ~~الجليل يحمل على معناه اللغوي أو على معنى المالك أو المتصرف أو ~~نحو ذلك، بل مجرد ملاحظة أحد المعاني المذكورة في ضمنه كما لوحظ مع ~~اسم الأسد في قوله: (أسد علي) الخ، ما اشتهر به من وصف الجراءة ~~التي اشتهر بها مسماه، فجرى مجرى جريء علي، وبهذا تبين أن ما ~~قيل بصدد التصوير والتفسير أي هو المعروف بذلك في السموات وفي الأرض، ~~أو هو المعروف المشتهر بالصفات الكمالية، بالإلهية فيهما أو نحو ذلك ~~ بمعزل من التحقيق، فإن المعتبر مع الاسم هو نفس الوصف الذي اشتهر ~~به، إذ هو الذي يقتضيه المقام حسبما بين آنفا لاشتهاره به. ألا يرى ~~أن كلمة (علي) في المثال المذكور لا يمكن تعليقها باشتهار الاسم ~~بالجراءة قطعا، وقيل: هو متعلق بما يفيده التركيب الحصري من ~~التوحد والتفرد كأنه قيل: وهو المتوحد بالإلهية فيهما، وقيل: بما ~~تقرر عند الكل من إطلاق هذا الاسم عليه خاصة كأنه قيل: وهو الذي يقال له: ~~الله فيهما لا يشرك به شيء في هذا الاسم على الوجه الذي سبق، من اعتبار ~~معنى التوحد أو القول في فحوى الكلام بطريق الاستتباع، لا على حمل الاسم ~~الجليل على معنى المتوحد بالإلهية، أو على تقدير القول. وقد جوز أن ~~يكون الظرف خبرا ثانيا على أن كونه سبحانه فيهما عبارة عن كونه ~~تعالى مبالغا في العلم بما فيهما بناء على تنزيل علمه المقدس عن ~~حصول الصور والأشباح لكونه حضوريا منزلة كونه تعالى فيهما، وتصويره ~~به على طريقة التمثيل المبني على تشبيه حالة علمه تعالى بما فيهما ~~بحالة كونه تعالى فيهما، فإن العالم إذا كان في مكان كان عالما به ~~وبما فيه على وجه لا يخفى عليه منه شيء فعلى هذا يكون قوله عز وجل. # { يعلم سركم وجهركم } أي ما أسررتموه وما جهرتم به من ~~الأقوال أو ما أسررتموه وما أعلنتموه كائنا ما كان من الأقوال والأعمال ~~بيانا وتقريرا لمضمونه وتحقيقا للمعنى المراد منه، وتعليق علمه عز ~~وجل بما ذكر خاصة ms0980 مع شموله لجميع ما فيهما حسبما تفيده الجملة ~~السابقة لانسياق النظم الكريم إلى بيان حال المخاطبين وكذا على الوجه ~~الثاني فإن ملاحظة الاسم الجليل من حيث المالكية الكلية والتصرف ~~الكامل الجاري على النمط المذكور مستتبعة لملاحظة علمه المحيط حتما، ~~فيكون هذا بيانا وتقريرا له بلا ريب، وأما على الأوجه الثلاثة ~~الباقية فلا سبيل إلى كونه بيانا، لكن لا لما قيل من أنه لا دلالة ~~لاستواء السر والجهر في علمه تعالى على ما اعتبر فيهما من المعبودية ~~والاختصاص بهذا الاسم، إذ ربما يعبد ويختص به من ليس له كمال العلم ~~فإنه باطل قطعا، إذ المراد بما ذكره هو المعبودية بالحق والاختصاص ~~بالاسم الجليل، لا ريب في أنهما مما لا يتصور فيمن ليس له كمال العلم ~~بديهة، بل لأن ما ذكر من العلم غير معتبر في مدلول شيء من المعبودية ~~بالحق والاختصاص بالاسم حتى يكون هذا بيانا له، وبهذا تبين أنه ليس ~~ببيان على الوجه الثالث أيضا، لما أن التوحد بالإلهية لا يعتبر في ~~مفهومه العلم الكامل ليكون هذا بيانا له، بل هو معتبر فيما صدق ~~عليه المتوحد وذلك غير كاف في البيانية. وقيل: هو خبر بعد خبر عند من ~~يجوز كون الخبر الثاني جملة كما في قوله تعالى: # فإذا هى حية تسعى # [طه، الآية 20] وقيل: هو الخبر، والاسم الجليل بدل من (هو)، وبه يتعلق ~~الظرف المتقدم، ويكفي في ذلك كون المعلوم فيهما كما في قولك: رميت ~~الصيد في الحرم، إذا كان هو فيه وأنت في خارجه، ولعل جعل سرهم ~~وجهرهم فيهما لتوسيع الدائرة وتصوير أنه لا يعزب عن علمه شيء منهما في ~~أي مكان كان، لا لأنهما قد يكونان في السموات أيضا، وتعميم الخطاب ~~لأهلها تعسف لا يخفى. # { ويعلم ما تكسبون } أي ما تفعلونه لجلب نفع أو دفع ضر ~~من الأعمال المكتسبة بالقلوب أو بالجوارح سرا أو علانية، وتخصيصها ~~بالذكر مع اندراجها فيما سبق على التفسير الثاني للسر والجهر لإظهار كمال ~~الاعتناء بها، لأنها التي يتعلق بها الجزاء وهو السر في ms0981 إعادة يعلم. ### || [6.4-5] # { وما تأتيهم من ءاية من ءايت ربهم } كلام مستأنف ~~وارد لبيان كفرهم بآيات الله وإعراضهم عنها بالكلية بعد ما بين في ~~الآية الأولى إشراكهم بالله سبحانه وإعراضهم عن بعض آيات التوحيد، وفي ~~الآية الثانية امتراءهم في البعث وإعراضهم عن بعض آياته. والالتفات ~~للإشعار بأن ذكر قبائحهم قد اقتضى أن يضرب عنهم الخطاب صفحا، ~~وتعدد جناياتهم لغيرهم ذما لهم وتقبيحا لحالهم، فما نافية، وصيغة ~~المضارع لحكاية الحال الماضية، أو للدلالة على الاستمرار التجددي، ~~و(من) الأولى مزيدة للاستغراق، والثانية تبعيضية واقعة مع مجرورها ~~صفة لآية، وإضافة الآيات إلى اسم الرب المضاف إلى ضميرهم لتفخيم ~~شأنها المستتبع لتهويل ما اجترأوا عليه في حقها. والمراد بها إما ~~الآيات التنزيلية فإتيانها نزولها، والمعنى ما ينزل إليهم آية من ~~الآيات القرآنية التي من جملتها هاتيك الآيات الناطقة بما فصل من ~~بدائع صنع الله عز وجل المنبئة عن جريان أحكام ألوهيته تعالى على ~~كافة الكائنات، وإحاطة علمه بجميع أحوال الخلق وأعمالهم الموجبة ~~للإقبال عليها والإيمان بها { إلا كانوا عنها معرضين } أي ~~على وجه التكذيب والاستهزاء كما ستقف عليه، وأما الآيات التكوينية ~~الشاملة للمعجزات وغيرها من تعاجيب المصنوعات فإتيانها ظهورها لهم. # والمعنى ما يظهر لهم آية من الآيات التكوينية التي من جملتها ما ذكر ~~من جلائل شؤونه تعالى الشاهدة بوحدانيته إلا كانوا عنها معرضين تاركين ~~للنظر الصحيح فيها. المؤدي إلى الإيمان بمكونها، وإيثاره على أن ~~يقال: إلا أعرضوا عنها كما وقع مثله في قوله تعالى: # وإن يروا ءاية يعرضوا ويقولوا سحر مستمر # [القمر، الآية 2] للدلالة على استمرارهم على الإعراض حسب استمرار ~~إتيان الآيات، و(عن) متعلقة (بمعرضين) قدمت عليه مراعاة للفواصل، ~~والجملة في محل النصب على أنها حال من مفعول تأتي أو من فاعله ~~المتخصص بالوصف لاشتمالها على ضمير كل منهما. وأيا ما كان ففيها ~~دلالة بينة على كمال مسارعتهم إلى الإعراض، وإيقاعها له في آن ~~الإتيان كما يفصح عنه كلمة (لما) في قوله تعالى: { فقد كذبوا ~~بالحق لما جاءهم } فإن الحق عبارة عن القرآن الذي ms0982 أعرضوا عنه ~~حين أعرضوا عن كل آية منه، عبر عنه بذلك إبانة لكمال قبح ما فعلوا به، ~~فإن تكذيب الحق مما لا يتصور صدوره عن أحد، والفاء لترتيب ما ~~بعدها على ما قبلها لكن لا على أنها شيء مغاير له في الحقيقة واقع ~~عقيبه أو حاصل بسببه، بل على أن الأول هو عين الثاني حقيقة، وإنما ~~الترتيب بحسب التغاير الاعتباري، و(قد) لتحقيق ذلك المعنى في قوله ~~تعالى: # فقد جاءوا ظلما وزورا # [الفرقان، الآية 4] بعد قوله تعالى: # وقال الذين كفروا إن هذا إلا إفك افتراه ~~وأعانه عليه قوم ءاخرون # [الفرقان، الآية 4] فإن ما جاؤوه أي فعلوه من الظلم والزور عين قولهم ~~المحكي، لكنه لما كان مغايرا له مفهوما وأشنع منه حالا رتب ~~عليه بالفاء ترتيب اللازم على الملزوم تهويلا لأمره، كذلك مفهوم ~~التكذيب بالحق حيث كان أشنع من مفهوم الإعراض المذكور أخرج مخرج ~~اللازم البين البطلان، فرتب عليه بالفاء إظهارا لغاية بطلانه، ~~ثم قيد ذلك بكونه بلا تأمل تأكيدا لشناعته وتمهيدا لبيان أن ما كذبوا ~~به آثر ذي أثير له عواقب جليلة ستبدو لهم البتة، والمعنى أنهم حيث ~~أعرضوا عن تلك الآيات عند إتيانها فقد كذبوا بما لا يمكن تكذيبه أصلا ~~من غير أن يتدبروا في حاله ومآله، ويقفوا على ما في تضاعيفه من الشواهد ~~الموجبة لتصديقه، كقوله تعالى: # بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه ولما يأتهم ~~تأويله # [يونس، الآية 39] كما ينبىء عنه قوله تعالى: { فسوف يأتيهم ~~أنباء ما كانوا به يستهزئون } فإن (ما) عبارة عن الحق ~~المذكور عنه بذلك تهويلا لأمره بإبهامه، وتعليلا للحكم بما في حيز ~~الصلة، وإنباؤه عبارة عما سيحيق بهم من العقوبات العاجلة التي نطقت ~~بها آيات الوعيد، وفي لفظ (الأنباء) إيذان بغاية العظم لما أن ~~النبأ لا يطلق إلا على خبر عظيم الوقع، وحملها على العقوبات ~~الآجلة أو على ظهور الإسلام وعلو كلمته تأباه الآيات الآتية، و(سوف) ~~لتأكيد مضمون الجملة وتقريره، أي فسيأتيهم البتة وإن تأخر مصداق ~~أنباء الشيء الذي كانوا يكذبون به قبل من غير ms0983 أن يتدبروا في ~~عواقبه، وإنما قيل: (يستهزئون) إيذانا بأن تكذيبهم كان مقرونا ~~بالاستهزاء كما أشير إليه. هذا على أن يراد بالآيات الآيات القرآنية ~~وهو الأظهر، وأما إن أريد بها الآيات التكوينية فالفاء داخلة على ~~علة جواب شرط محذوف، والإعراض على حقيقته كأنه قيل: إن كانوا ~~معرضين عن تلك الآيات فلا تعجب فقد فعلوا بما هو أعظم منها ما هو أعظم ~~من الإعراض، حيث كذبوا بالحق الذي هو أعظم الآيات، ولا مساغ لحمل ~~الآيات في هذا الوجه على الآيات كلها أصلا، وأما ما قيل من أن المعنى ~~أنهم لما كانوا معرضين عن الآيات كلها كذبوا بالقرآن فمما ينبغي ~~تنزيه التنزيل عن أمثاله. ### || [6.6] # { ألم يروا كم أهلكنا من قبلهم من قرن } ~~استئناف مسوق لتعيين ما هو المراد بالإنباء التي سبق بها الوعيد، ~~وتقرير إتيانها بطريق الاستشهاد، وهمزة الإنكار لتقرير الرؤية، وهي ~~عرفانية مستدعية لمفعول واحد، و(كم) استفهامية كانت أو خبرية ~~معلقة لها عن العمل مقيدة للتكثير سادة مع ما في حيزها مسد ~~مفعولها، منصوبة بأهلكنا على المفعولية على أنها عبارة عن الأشخاص، ~~و(من قرن) مميز لها على أنه عبارة عن أهل عصر من الأعصار، سموا ~~بذلك لاقترانهم برهة من الدهر كما في قوله عليه الصلاة والسلام: # " خير القرون قرني ثم الذين يلونهم " # الحديث. وقيل: هو عبارة عن مدة من الزمان والمضاف محذوف، أي من أهل ~~قرن، وأما انتصابها على المصدرية أو على الظرفية على أنها عبارة عن ~~المصدر أو عن الزمان فتعسف ظاهر، و(من) الأولى ابتدائية متعلقة بأهلكنا ~~أي ألم يعرفوا بمعاينة الآثار وسماع الأخبار كم أمة أهلكنا من ~~قبل أهل مكة؟ أي من قبل خلقهم، أو من قبل زمانهم على حذف المضاف، ~~وإقامة المضاف إليه مقامه، كعاد وثمود وأضرابهم، وقوله تعالى: { ~~مكنهم في الأرض } استئناف لبيان كيفية الإهلاك وتفصيل ~~مباديه مبني على سؤال نشأ من صدر الكلام، كأنه قيل: كيف كان ذلك؟ ~~فقيل: مكناهم الخ، وقيل: هو صفة لقرن لما أن النكرة مفتقرة إلى ~~مخصص، فإذا وليها ما يصلح مخصصا ms0984 لها تعين وصفيته لها، وأنت ~~خبير بأن تنوينه التفخيمي مغن له عن استدعاء الصفة، على أن ذلك مع ~~اقتضائه أن يكون مضمونه ومضمون ما عطف عليه من الجمل أمرا مفروغا ~~عنه غير مقصود بسياق النظم، مؤد إلى اختلال النظم الكريم، كيف لا ~~والمعنى حينئذ ألم يروا كم أهلكنا من قبلهم من قرن موصوفين بكذا وكذا، ~~وبإهلاكنا إياهم بذنوبهم، وأنه بين الفساد. وتمكين الشيء في الأرض ~~جعله قارا فيها، ولما لزمه جعلها مقرا له، ورد الاستعمال بكل ~~منهما فقيل: تارة مكنه في الأرض، ومنه قوله تعالى: # ولقد مكنهم فيما إن مكنكم فيه # [الأحقاف، الآية 26] وأخرى مكن له في الأرض ومنه قوله تعالى: # إنا مكنا له في الأرض # [الكهف، الآية 84] حتى أجري كل منهما مجرى الآخر. # ومنه قوله تعالى: { ما لم نمكن لكم } بعد قوله تعالى: { ~~مكنهم فى الأرض } ، كأنه قيل في الأول: مكنا لهم، وفي ~~الثاني: ما لم نمكنكم. و(ما) نكرة موصوفة بما بعدها من الجملة ~~المنفية، والعائد محذوف، محلها النصب على المصدرية، أي مكناهم تمكينا ~~لم نمكنه لكم، والالتفات لما في مواجهتهم بضعف الحال مزيد بيان ~~لشأن الفريقين، ولدفع الاشتباه من أول الأمر عن مرجعي الضميرين { ~~وأرسلنا السماء } أي المطر أو السحاب أو الظلة لأنها مبدأ ~~المطر { عليهم } متعلق بأرسلنا { مدرارا } أي مغزارا حال من ~~السماء { وجعلنا الأنهر } أي صيرناها فقوله تعالى: { تجرى ~~من تحتهم } مفعول ثان لجعلنا، أو أنشأناها فهو حال من مفعوله، ~~و(من تحتهم) متعلق بتجري وفيه من الدلالة على كونها مسخرة لهم مستمرة ~~على الجريان على الوجه المذكور ما ليس في أن يقال: وأجرينا الأنهار من ~~تحتهم، وليس المراد بتعداد هاتيك النعم العظام الفائضة عليهم بعد ~~ذكر تمكينهم بيان عظم جنايتهم في كفرانها واستحقاقهم بذلك لأعظم ~~العقوبات بل بيان حيازتهم لجميع أسباب نيل المآرب ومبادي الأمن ~~والنجاة من المكاره والمعاطب، وعدم إغناء ذلك عنهم شيئا. # والمعنى: أعطيناهم من البسطة في الأجسام والامتداد في الأعمار ~~والسعة من الأموال والاستظهار بأسباب الدنيا في استجلاب المنافع ~~واستدفاع المضار ما لم ms0985 نعط أهل مكة ففعلوا ما فعلوا { ~~فأهلكنهم بذنوبهم } أي أهلكنا كل قرن من تلك القرون ~~بسبب ما يخصهم من الذنوب، فما أغنى عنهم تلك العدد والأسباب، ~~فسيحل بهؤلاء مثل ما حل بهم من العذاب، وهذا كما ترى آخر ما به ~~الاستشهاد والاعتبار، وأما قوله سبحانه: { وأنشأنا من ~~بعدهم } أي أحدثنا من بعد إهلاك كل قرن { قرنا آخرين } بدلا ~~من الهالكين فلبيان كمال قدرته تعالى وسعة سلطانه وأن ما ذكر من ~~إهلاك الأمم الكثيرة لم ينقص من ملكه شيئا بل كلما أهلك أمة أنشأ ~~بدلها أخرى. ### || [6.7-8] # { ولو نزلنا عليك } جملة مستأنفة سيقت بطريق تلوين الخطاب ~~لبيان شدة شكيمتهم في المكابرة وما يتفرع عليها من الأقاويل ~~الباطلة إثر بيان إعراضهم عن آيات الله تعالى وتكذيبهم بالحق ~~واستحقاقهم بذلك لنزول العذاب، ونسبة التنزيل ههنا إليه عليه السلام ~~ مع نسبة إتيان الآيات ومجيء الحق فيما سبق إليهم للإشعار ~~بقدحهم في نبوته عليه السلام في ضمن قدحهم فيما نزل عليه صريحا. وقال ~~الكلبي ومقاتل: نزلت في النضر بن الحارث وعبد الله بن أبي ~~أمية ونوفل بن خويلد حيث قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم: لن ~~نؤمن لك حتى تأتينا بكتاب من عند الله ومعه أربعة من الملائكة يشهدون ~~أنه من عند الله تعالى، وأنك رسوله { كتبا } إن جعل اسما كالإمام ~~فقوله: { فى قرطاس } متعلق بمحذوف وقع صفة له، أي كتابا كائنا في ~~صحيفة. وإن جعل مصدرا بمعنى المكتوب فهو متعلق بنفسه { فلمسوه } ~~أي الكتاب وقيل: القرطاس، وقوله تعالى: { بأيديهم } مع ظهور أن ~~اللمس لا يكون عادة إلا بالأيدي لزيادة التعيين ودفع احتمال التجوز ~~الواقع في قوله تعالى: # وأنا لمسنا السماء # [الجن، الآية 8] أي تفحصنا، أي فمسوه بأيديهم بعد ما رأوه بأعينهم، ~~بحيث لم يبق لهم في شأنه اشتباه، ولم يقدروا على الاعتذار بتكسير ~~الأبصار { لقال الذين كفروا } أي لقالوا، وإنما وضع الموصول ~~موضع الضمير للتنصيص على اتصافهم بما في حيز الصلة من الكفر الذي لا ~~يخفى حسن موقعه باعتبار مفهومه اللغوي أيضا { إن ms0986 هذا } أي ما ~~هذا مشيرين إلى ذلك الكتاب { إلا سحر مبين } أي بين كونه ~~سحرا، تعنتا وعنادا للحق بعد ظهوره كما هو دأب المفحم المحجوج، ~~وديدن المكابر اللجوج. # { وقالوا لولا أنزل عليه ملك } شروع في قدحهم في نبوته ~~عليه السلام صريحا بعد ما أشير إلى قدحهم فيها ضمنا. وقيل: هو معطوف ~~على جواب (لو)، وليس بذاك، لما أن تلك المقالة الشنعاء ليست مما ~~يقدر صدوره عنهم على تقدير تنزيل الكتاب المذكور، بل هي من ~~أباطيلهم المحققة، وخرافاتهم الملفقة، التي يتعللون بها كلما ضاقت ~~عليهم الحيل وعيت بهم العلل، أي هلا أنزل عليه عليه السلام ملك ~~بحيث نراه ويكلمنا أنه نبي حسبما نقل عنهم فيما روي عن الكلبي ~~ومقاتل، ونظيره قولهم: # لولا أنزل إليه ملك فيكون معه نذيرا # [الفرقان، الآية 7] ولما كان مدار هذا الاقتراح على شيئين: إنزال ~~الملك كما هو وجعله معه عليه السلام نذيرا، أجيب عنه بأن ذلك مما لا ~~يكاد يدخل تحت الوجود أصلا، لاشتماله على أمرين متباينين لا يجتمعان في ~~الوجود: لما أن إنزال الملك على صورته يقتضي انتفاء جعله نذيرا، ~~وجعله نذيرا يستدعي عدم إنزاله على صورته لا محالة. # وقد أشير إلى الأول بقوله: { ولو أنزلنا ملكا لقضي ~~الأمر } أي لو أنزلنا ملكا على هيئته حسبما اقترحوه والحال أنه ~~من هول المنظر بحيث لا تطيق بمشاهدته قوى الآحاد البشرية. ألا يرى ~~أن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام كانوا يشاهدون الملائكة ويفاوضونهم ~~على الصور البشرية كضيف إبراهيم ولوط وخصم داود عليهم السلام وغير ~~ذلك. وحيث كان شأنهم كذلك وهم مؤيدون بالقوى القدسية فما ظنك بمن ~~عداهم من العوام؟ فلو شاهدوه كذلك لقضي أمر هلاكهم بالكلية، واستحال ~~جعله نذيرا، وهو مع كونه خلاف مطلوبهم مستلزم لإخلاء العالم عما ~~عليه يدور نظام الدنيا والآخرة من إرسال الرسل، وتأسيس الشرائع، وقد ~~قال سبحانه: # وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا # [الإسراء، الآية 15] وفيه كما ترى إيذان بأنهم في ذلك الاقتراح ~~كالباحث عن حتفه بظلفه، وأن عدم الإجابة إليه للبقيا عليهم، وبناء ~~الفعل ms0987 الأول في الجواب للفاعل الذي هو نون العظمة مع كونه في السؤال ~~مبنيا للمفعول لتهويل الأمر وتربية المهابة، وبناء الثاني للمفعول ~~للجري على سنن الكبرياء، وكلمة (ثم) في قوله تعالى: { ثم لا ~~ينظرون } أي لا يمهلون بعد نزوله طرفة عين فضلا عن أن ~~ينذروا به كما هو المقصود بالإنذار، للتنبيه على تفاوت ما بين ~~قضاء الأمر وعدم الإنظار، فإن مفاجأة العذاب أشد من نفس العذاب ~~وأشق. وقيل: في سبب إهلاكهم أنهم إذا عاينوا الملك قد نزل على رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم في صورته وهي آية لا شيء أبين منها ثم لم يؤمنوا ~~لم يكن بد من إهلاكهم، وقيل: إنهم إذا رأوه يزول الاختيار الذي هو ~~قاعدة التكليف، فيجب إهلاكهم، وإلى الثاني أشير بقوله تعالى: ### || [6.9] # { ولو جعلنه ملكا لجعلنه رجلا } على أن ~~الضمير الأول للتقدير المفهوم من فحوى الكلام بمعونة المقام، وإنما لم ~~يجعل للملك المذكور قبله بأن يعكس ترتيب المفعولين ويقال: ولو جعلناه ~~نذيرا لجعلناه رجلا مع فهم المراد منه أيضا لتحقيق أن مناط إبراز ~~الجعل الأول في معرض الفرض والتقدير، ومدار استلزامه الثاني إنما هو ~~ملكية النذير، لا نذيرية الملك، وذلك لأن الجعل حقه أن يكون ~~مفعوله الأول مبتدأ والثاني خبرا، لكونه بمعنى التصيير المنقول من ~~(صار) الداخل على المبتدأ والخبر. # ولا ريب في أن مصب الفائدة ومدار اللزوم بين طرفي الشرطية هو ~~محمول المقدم لا موضوعه، فحيث كانت امتناعية أريد بها بيان ~~انتفاء الجعل الأول لاستلزامه المحذور الذي هو الجعل الثاني وجب أن ~~يجعل مدار الاستلزام في الأول مفعولا ثانيا لا محالة، ولذلك جعل ~~مقابله في الجعل الثاني كذلك، إبانة لكمال التنافي بينهما الموجب ~~لانتفاء الملزوم، والضمير الثاني للملك لا لما رجع إليه الأول. والمعنى: ~~لو جعلنا النذير الذي اقترحوه ملكا لمثلنا ذلك الملك رجلا لما مر ~~من عدم استطاعة الآحاد لمعاينة الملك على هيكله، وفي إيثار (رجلا) ~~على (بشرا) إيذان بأن الجعل بطريق التمثيل لا بطريق قلب الحقيقة، ~~وتعيين لما يقع به التمثيل، وقوله ms0988 تعالى: { وللبسنا عليهم } ~~عطف على جواب لو مبني على الجواب الأول، وقرىء بحذف لام الجواب اكتفاء ~~بما في المعطوف عليه، يقال: لبست الأمر على القوم ألبسه إذا ~~شبهته وجعلته مشكلا عليهم، وأصله الستر بالثوب، وقرىء الفعلان ~~بالتشديد للمبالغة، أي ولخلطنا عليهم بتمثيله رجلا { ما يلبسون ~~} على أنفسهم حينئذ بأن يقولوا له: إنما أنت بشر ولست بملك، ولو ~~استدل على ملكيته بالقرآن المعجز الناطق بها أو بمعجزات أخر ~~غير ملجئة إلى التصديق لكذبوه كما كذبوا النبي عليه الصلاة والسلام، ~~ولو أظهر لهم صورته الأصلية لزم الأمر الأول، والتعبير عن تمثيله تعالى ~~رجلا باللبس إما لكونه في صورة اللبس، أو لكونه سببا للبسهم، أو ~~لوقوعه في صحبته بطريق المشاكلة، وفيه تأكيد لاستحالة جعل النذير ~~ملكا كأنه قيل: لو فعلناه لفعلنا ما لا يليق بشأننا من لبس الأمر ~~عليهم، وقد جوز أن يكون المعنى وللبسنا عليهم حينئذ مثل ما يلبسون ~~على أنفسهم الساعة في كفرهم بآيات الله البينة. ### || [6.10-12] # { ولقد استهزىء برسل من قبلك } تسلية لرسول الله صلى ~~الله عليه وسلم عما يلقاه من قومه، وفي تصدير الجملة بلام القسم وحرف ~~التحقيق من الاعتناء به ما لا يخفى، وتنوين (رسل) للتفخيم والتكثير، ~~و(من) ابتدائية متعلقة بمحذوف وقع صفة لرسل، أي وبالله لقد استهزىء ~~برسل أولي شأن خطير وذوي عدد كثير كائنين من زمان قبل زمانك، على ~~حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه { فحاق } عقيبه أي أحاط أو ~~نزل أو حل أو نحو ذلك، فإن معناه يدور على الشمول واللزوم، ولا يكاد ~~يستعمل إلا في الشر، والحيق ما يشتمل على الإنسان من مكروه فعله ~~وقوله تعالى: { بالذين سخروا منهم } أي استهزأوا بهم من ~~أولئك الرسل عليهم السلام متعلق بحاق، وتقديمه على فاعله الذي هو قوله ~~تعالى: { ما كانوا به } للمسارعة إلى بيان لحوق الشر بهم، و(ما) ~~إما موصولة مفيدة للتهويل، أي فأحاط بهم الذي كانوا يستهزؤون به حيث ~~أهلكوا لأجله، وإما مصدرية أي فنزل بهم وبال استهزائهم، وتقديم الجار ~~والمجرور على الفعل لرعاية الفواصل. ms0989 # { قل سيروا في الأرض } بعد بيان ما فعلت الأمم الخالية وما ~~فعل بهم خوطب رسول الله صلى الله عليه وسلم بإنذار قومه، وتذكيرهم ~~بأحوالهم الفظيعة تحذيرا لهم عما هم عليه، وتكملة للتسلية بما في ~~ضمنه من العدة اللطيفة بأنه سيحيق بهم مثل ما حاق بأضرابهم ~~الأولين، ولقد أنجز ذلك يوم بدر أي إنجاز، أي سيروا في الأرض ~~لتعرفوا أحوال أولئك الأمم { ثم انظروا } أي تفكروا { كيف ~~كان عقبة المكذبين } وكلمة (ثم) إما لأن النظر في آثار ~~الهالكين لا يتسنى إلا بعد انتهاء السير إلى أماكنهم، وإما لإبانة ما ~~بينهما من التفاوت في مراتب الوجوب وهو الأظهر، فإن وجوب السير ليس إلا ~~لكونه وسيلة إلى النظر كما يفصح عنه العطف بالفاء في قوله عز وجل: # فانظروا # [سورة آل عمران: الآية 137] الآية، وإما أن الأمر الأول لإباحة السير ~~للتجارة ونحوها، والثاني لإيجاب النظر في آثارهم، و(ثم) لتباعد ما ~~بين الواجب والمباح فلا يناسب المقام، و(كيف) معلقة لفعل النظر، ~~ومحل الجملة النصب بنزع الخافض أي تفكروا في أنهم كيف أهلكوا بعذاب ~~الاستئصال، والعاقبة مصدر كالعافية ونظائرها، وهي منتهى الأمر ~~ومآله، ووضع المكذبين موضع المستهزئين لتحقيق أن مدار إصابة ما ~~أصابهم هو التكذيب لينزجر السامعون عنه لا عن الاستهزاء فقط، مع بقاء ~~التكذيب بحاله بناء على توهم أنه المدار في ذلك. # { قل } لهم بطريق الإلجاء والتبكيت { لمن ما فى السموات ~~والأرض } من العقلاء وغيرهم، أي لمن الكائنات جميعا خلقا وملكا ~~وتصرفا؟ وقوله تعالى: { قل لله } تقرير لهم وتنبيه على أنه ~~المتعين للجواب بالاتفاق بحيث لا يتأتى لأحد أن يجيب بغيره كما نطق ~~به قوله تعالى: # ولئن سألتهم من خلق السموات والأرض ~~ليقولن الله # [لقمان، الآية 25] وقوله تعالى: { كتب على نفسه الرحمة } ~~جملة مستقلة داخلة تحت الأمر ناطقة بشمول رحمته الواسعة لجميع الخلق ~~شمول ملكه وقدرته للكل، مسوقة لبيان أنه تعالى رؤوف بعباده لا ~~يعجل عليهم بالعقوبة بل يقبل منهم التوبة والإنابة، وأن ما سبق ذكره ~~وما لحق من أحكام الغضب ليس من مقتضيات ذاته ms0990 تعالى، بل من جهة ~~الخلق، كيف لا ومن رحمته أن خلقهم على الفطرة السليمة وهداهم إلى ~~معرفته وتوحيده بنصب الآيات الأنفسية والآفاقية، وإرسال الرسل، ~~وإنزال الكتب المشحونة بالدعوة إلى موجبات رضوانه، والتحذير عن ~~مقتضيات سخطه، وقد بدلوا فطرة الله تبديلا، وأعرضوا عن الآيات ~~بالمرة، وكذبوا بالكتب واستهزأوا بالرسل، وما ظلمهم الله ولكن كانوا هم ~~الظالمين، ولولا شمول رحمته لسلك بهؤلاء أيضا مسلك الغابرين. ومعنى ~~كتب على نفسه الرحمة أنه تعالى قضاها وأوجبها بطريق التفضل والإحسان ~~على ذاته المقدسة بالذات لا بتوسط شيء أصلا، وقيل: هو ما روي عن ~~أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " لما قضى الله تعالى الخلق كتب في كتاب فهو عنده فوق العرش، إن ~~رحمتي غلبت غضبي " # وعن عمر رضي الله عنه # " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لكعب: «ما أول شيء ابتدأه الله ~~تعالى من خلقه؟» فقال كعب: كتب الله كتابا لم يكتبه بقلم ولا مداد ~~كتابة الزبرجد واللؤلؤ والياقوت: «إني أنا الله لا إله إلا أنا ~~سبقت رحمتي غضبي» " # ومعنى سبق الرحمة وغلبتها أنها أقدم تعلقا بالخلق وأكثر ~~وصولا إليهم مع أنها من مقتضيات الذات المفضية للخير، وفي التعبير ~~عن الذات بالنفس حجة على من ادعى أن لفظ النفس لا يطلق على الله ~~تعالى وإن أريد به الذات إلا مشاكلة لما ترى من انتفاء المشاكلة ~~ههنا بنوعيها، وقوله تعالى: { ليجمعنكم إلى يوم ~~القيمة } جواب قسم محذوف، والجملة استئناف مسوق للوعيد على ~~إشراكهم وإغفالهم النظر، أي والله ليجمعنكم في القبور مبعوثين أو ~~محشورين إلى يوم القيامة فيجازيكم على شرككم وسائر معاصيكم وإن أمهلكم ~~بموجب رحمته ولم يعاجلكم بالعقوبة الدنيوية وقيل: (إلى) بمعنى اللام، ~~أي ليجمعنكم ليوم القيامة كقوله تعالى: # إنك جامع الناس ليوم لا ريب فيه # [آل عمران، الآية 9] وقيل: هي بمعنى في أي ليجمعنكم في يوم القيامة { ~~لا ريب فيه } أي في اليوم أو في الجمع. # وقوله تعالى: { الذين خسروا أنفسهم } أي بتضييع رأس مالهم ~~وهو ms0991 الفطرة الأصلية والعقل السليم والاستعداد القريب الحاصل من ~~مشاهدة الرسول عليه الصلاة والسلام، واستماع الوحي وغير ذلك من آثار ~~الرحمة، في موضع النصب أو الرفع على الذم أي أعني الذين الخ، أو هو ~~مبتدأ والخبر قوله تعالى: { فهم لا يؤمنون } والفاء لتضمن ~~المبتدأ معنى الشرط، والإشعار بأن عدم إيمانهم بسبب خسرانهم، فإن ~~إبطال العقل باتباع الحواس والوهم والانهماك في التقليد، وإغفال ~~النظر أدى بهم إلى الإصرار على الكفر، والامتناع من الإيمان. والجملة ~~تذييل مسوق من جهته تعالى لتقبيح حالهم غير داخل تحت الأمر. ### || [6.13-15] # { وله } أي لله عز وجل خاصة { ما سكن فى اليل والنهار ~~} نزل الملوان منزلة المكان فعبر عن نسبة الأشياء الزمانية إليهما ~~بالسكنى فيهما، وتعديته بكلمة (في) كما في قوله تعالى: # وسكنتم فى مسكن الذين ظلموا أنفسهم # [إبراهيم، الآية 45] أو السكون مقابل الحركة، والمراد ما سكن فيهما ~~أو تحرك فاكتفي بأحد الضدين عن الآخر { وهو السميع } المبالغ ~~في سماع كل مسموع { العليم } المبالغ في العلم بكل معلوم، فلا ~~يخفى عليه شيء من الأقوال والأفعال. # { قل } لهم بعد ما بكتهم بما سبق من الخطاب { أغير الله ~~أتخذ وليا } أي معبودا بطريق الاستقلال أو الاشتراك، وإنما ~~سلطت الهمزة على المفعول الأول لا على الفعل إيذانا بأن المنكر هو ~~اتخاذ غير الله وليا، لا اتخاذ الولي مطلقا كما في قوله تعالى: # أغير الله أبغى ربا # [الأنعام، الآية 164] وقوله تعالى: # أفغير الله تأمرونى أعبد # [الزمر، الآية 64] الخ { فاطر السموات والأرض } أي ~~مبدعهما، بالجر صفة للجلالة مؤكدة للإنكار لأنه بمعنى الماضي، ~~ولذلك قرىء (فطر) ولا يضر الفصل بينهما بالجملة لأنها ليست ~~بأجنبية إذ هي عاملة في عامل الموصوف أو بدل فإن الفصل بينه وبين ~~المبدل منه أسهل لأن البدل على نية تكرير العامل وقرىء بالرفع والنصب ~~على المدح، وعن ابن عباس رضي الله عنهما: ما عرفت معنى الفاطر حتى ~~اختصم إلي أعرابيان في بئر فقال أحدهما: أنا فطرتها أي ابتدأتها ~~{ وهو يطعم ولا يطعم } أي يرزق الخلق ولا يرزق، وتخصيص ~~الطعام بالذكر ms0992 لشدة الحاجة إليه أو لأنه معظم ما يصل إلى المرزوق من ~~الرزق، ومحل الجملة النصب على أن الضمير لغير الله والمعنى أأشرك ~~بمن هو فاطر السموات والأرض ما هو نازل عن رتبة الحيوانية؟ وببنائهما ~~للفاعل على أن الثاني بمعنى يستطعم أو معنى أنه يطعم تارة ولا يطعم أخرى ~~كقوله تعالى: # يقبض ويبسط # [البقرة، الآية 245]. # { قل } بعد بيان اتخاذ غيره تعالى وليا مما يقضي ببطلانه بديهة ~~العقول { إنى أمرت } من جنابه عز وجل { أن أكون أول من ~~أسلم } وجهه لله مخلصا له لأن النبي إمام أمته في الإسلام ~~كقوله تعالى: # وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين # [الأنعام، الآية 163] وقوله تعالى: # سبحنك تبت إليك وأنا أول المؤمنين # [الأعراف، الآية 143] { ولا تكونن } أي وقيل لي: ولا تكونن { ~~من المشركين } أي في أمر من أمور الدين، ومعناه أمرت بالإسلام ~~ونهيت عن الشرك، وقد جوز عطفه على الأمر { قل إنى أخاف إن ~~عصيت ربى } أي بمخالفة أمره ونهيه أي عصيان كان فيدخل فيه ما ~~ذكر دخولا أوليا وفيه بيان لكمال اجتنابه عليه السلام عن المعاصي على ~~الإطلاق وقوله تعالى: { عذاب يوم عظيم } أي عذاب يوم القيامة، ~~مفعول أخاف، والشرطية معترضة بينهما، والجواب محذوف لدلالة ما قبله ~~عليه وفيه قطع لأطماعهم الفارغة وتعريض بأنهم عصاة مستوجبون للعذاب ~~العظيم. ### || [6.16-19] # { من يصرف عنه } على البناء للمفعول أي العذاب، وقرىء على ~~البناء للفاعل والضمير لله سبحانه، وقد قرىء بالإظهار، والمفعول محذوف ~~وقوله تعالى: { يومئذ } ظرف للصرف، أي في ذلك اليوم العظيم، وقد جوز ~~أن يكون هو المفعول على قراءة البناء للفاعل بحذف المضاف أي عذاب يومئذ { ~~فقد رحمه } أي نجاه وأنعم عليه وقيل: فقد أدخله الجنة كما في قوله ~~تعالى: # فمن زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز # [آل عمران، الآية 185] والجملة مستأنفة مؤكدة لتهويل العذاب، وضمير ~~عنه ورحمه (لمن)، وهو عبارة عن غير العاصي { وذلك } إشارة إلى الصرف ~~أو الرحمة، لأنها مؤولة بأن مع الفعل وما فيه من معنى البعد للإيذان ~~بعلو درجته، وبعد مكانه في الفضل، وهو ms0993 مبتدأ خبره قوله تعالى: { ~~الفوز المبين } أي الظاهر كونه فوزا وهو الظفر بالبغية، ~~والألف واللام لقصره على ذلك. # { وإن يمسسك الله بضر } أي ببلية كمرض وفقر ونحو ذلك { ~~فلا كشف له } أي فلا قادر على كشفه عنك { إلا هو } وحده { ~~وإن يمسسك بخير } من صحة ونعمة ونحو ذلك { فهو على ~~كل شىء قدير } ومن جملته ذلك، فيقدر عليه فيمسسك به ويحفظه ~~عليك من غير أن يقدر علي دفعه، أو على رفعه أحد، كقوله تعالى: # فلا راد لفضله # [يونس، الآية 107] وحمله على تأكيد الجوابين يأباه الفاء. # روي # " عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: أهدي للنبي صلى الله عليه وسلم ~~بغلة أهداها له كسرى، فركبها بحبل من شعر ثم أردفني خلفه ثم سار بي ~~ميلا، ثم التفت إلي فقال: «يا غلام» فقلت: لبيك يا رسول الله. فقال: " ~~أحفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده أمامك، تعرف إلى الله في الرخاء ~~يعرفك في الشدة، وإذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، ~~فقد مضى القلم بما هو كائن، فلو جهد الخلائق أن ينفعوك بما لم ~~يقضه الله لك لم يقدروا عليه، ولو جهدوا أن يضروك بما لم يكتب الله ~~عليك ما قدروا عليه، فإن استطعت أن تعمل بالصبر مع اليقين فافعل، فإن ~~لم تستطع فاصبر، فإن في الصبر على ما تكره خيرا كثيرا، واعلم أن ~~النصر مع الصبر، وأن مع الكرب فرجا، وأن مع العسر يسرا " " # { وهو القاهر فوق عباده } تصوير لقهره وعلوه بالغلبة ~~والقدرة { وهو الحكيم } في كل ما يفعله ويأمر به { الخبير } ~~بأحوال عباده وخفايا أمورهم، واللام في المواضع الثلاثة للقصر. # { قل أى شىء أكبر شهدة } روي (أن قريشا قالوا لرسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: يا محمد لقد سألنا عنك اليهود والنصارى فزعموا ~~أن ليس عندهم ذكر ولا صفة فأرنا من يشهد لك أنك رسول الله فنزلت). # (فأي) مبتدأ و(أكبر) خبره و(شهادة) نصب على التمييز وقوله تعالى: { ~~قل الله } أمر له عليه الصلاة والسلام بأن يتولى الجواب بنفسه، ~~إما ms0994 للإيذان بتعينه وعدم قدرتهم على أن يجيبوا بغيره، أو لأنهم ربما ~~يتلعثمون فيه لا لترددهم في أنه أكبر من كل شيء، بل في كونه شهيدا في ~~هذا الشأن، وقوله تعالى: { شهيد } خبر مبتدأ محذوف، أي هو شهيد { ~~بينى وبينكم } ويجوز أن يكون (الله شهيد بيني وبينكم) هو ~~الجواب، لأنه إذا كان هو الشهيد بينه وبينهم كان أكبر شيء شهادة ~~شهيدا له عليه الصلاة والسلام، وتكرير (البين) لتحقيق المقابلة { ~~وأوحى إلى } أي من جهته تعالى { هذا القرءان } الشاهد ~~بصحة رسالتي { لأنذركم به } بما فيه من الوعيد، والاقتصار على ~~ذكر الإنذار لما أن الكلام مع الكفرة { ومن بلغ } عطف على ضمير ~~المخاطبين أي لأنذركم به يا أهل مكة وسائر من بلغه من الأسود ~~والأحمر أو من الثقلين، أو لأنذركم به أيها الموجودون ومن سيوجد إلى ~~يوم القيامة، وهو دليل على أن أحكام القرآن تعم الموجودين يوم نزوله ~~ومن سيوجد بعد إلى يوم القيامة، خلا أن ذلك بطريق العبارة في الكل عند ~~الحنابلة، وبالإجماع عندنا في غير الموجودين وفي غير المكلفين يومئذ كما ~~مر في أول سورة النساء { أئنكم لتشهدون أن مع الله ~~آلهة أخرى } تقرير لهم مع إنكار واستبعاد { قل لا أشهد } ~~بذلك وإن شهدتم به فإنه باطل صرف { قل } تكرير للأمر للتأكيد { ~~إنما هو إله واحد } أي بل إنما أشهد أنه تعالى لا إله إلا ~~هو { وإننى برىء مما تشركون } من الأصنام أو من إشراككم. ### || [6.20-21] # { الذين ءاتينهم الكتب } جواب عما سبق من قولهم لقد ~~سألنا عنك اليهود والنصارى أخر عن تعيين الشهيد مسارعة إلى إلزامهم ~~بالجواب عن تحكمهم بقولهم: فأرنا من يشهد لك الخ، والمراد بالموصول ~~اليهود والنصارى، وبالكتاب الجنس المنتظم للتوراة والإنجيل، وإيرادهم ~~بعنوان إيتاء الكتاب للإيذان بمدار ما أسند إليهم بقوله تعالى: { ~~يعرفونه } أي يعرفون رسول الله صلى الله عليه وسلم من جهة ~~الكتابين بحليته ونعوته المذكورة فيهما { كما يعرفون ~~أبناءهم } بحلاهم بحيث لا يشكون في ذلك أصلا. روي أن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم لما قدم ms0995 المدينة قال عمر رضي الله عنه لعبد الله ~~بن سلام: أنزل الله تعالى على نبيه هذه الآية وكيف هذه المعرفة؟ فقال: ~~يا عمر، لقد عرفته فيكم حين رأيته كما أعرف ابني، ولأنا أشد معرفة ~~بمحمد مني بابني، لأني لا أدري ما صنع النساء، وأشهد أنه حق من الله ~~تعالى. # { الذين خسروا أنفسهم } من أهل الكتابين والمشركين بأن ~~ضيعوا فطرة الله التي فطر الناس عليها وأعرضوا عن البينات الموجبة ~~للإيمان بالكلية { فهم لا يؤمنون } لما أنهم مطبوع على قلوبهم، ~~ومحل الموصول الرفع على الابتداء وخبره الجملة المصدرة بالفاء لشبه ~~الموصول بالشرط، وقيل: على أنه خبر مبتدأ محذوف، أي هم الذين خسروا الخ، ~~وقيل: على أنه نعت للموصول الأول، وقيل: النصب على الذم، فقوله تعالى: ~~{ فهم لا يؤمنون } على الوجوه الأخيرة عطف على جملة { ~~الذين ءاتينهم الكتب } الخ. # { ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا } بوصفهم ~~النبي الموعود في الكتابين بخلاف أوصافه عليه الصلاة والسلام فإنه ~~افتراء على الله سبحانه وبقولهم: الملائكة بنات الله، وقولهم: # هؤلاء شفعؤنا عند الله # [يونس، الآية 18]، ونحو ذلك، وهو إنكار واستبعاد لأن يكون أحد أظلم ~~ممن فعل ذلك أو مساويا له، وإن كان سبك التركيب غير متعرض لإنكار ~~المساواة ونفيها يشهد به العرف الفاشي، والاستعمال المطرد، فإنه إذا ~~قيل: من أكرم من فلان أو لا أفضل من فلان فالمراد به حتما أنه أكرم ~~من كل كريم، وأفضل من كل فاضل، ألا يرى إلى قوله عز وجل: # لا جرم أنهم فى الآخرة هم الأخسرون # [هود، الآية 22] بعد قوله تعالى: { ومن أظلم ممن افترى ~~على الله كذبا } الخ، والسر في ذلك أن النسبة بين الشيئين ~~إنما تتصور غالبا لا سيما في باب المغالبة بالتفاوت زيادة ~~ونقصانا، فإذا لم يكن أحدهما أزيد يتحقق النقصان لا محالة { أو ~~كذب بآياته } كأن كذبوا بالقرآن الذي من جملته الآية الناطقة ~~بأنهم يعرفونه عليه الصلاة والسلام كما يعرفون أبناءهم، وبالمعجزات ~~وسموها سحرا، وحرفوا التوراة وغيروا نعوته عليه الصلاة والسلام، ~~فإن ذلك تكذيب بآياته تعالى، ms0996 وكلمة (أو) للإيذان بأن كلا من الافتراء ~~والتكذيب وحده بالغ غاية الإفراط في الظلم، فكيف وهم قد جمعوا بينهما ~~فأثبتوا ما نفاه الله تعالى ونفوا ما أثبته، قاتلهم الله أنى يؤفكون. # { إنه } الضمير للشأن، ومدار وضعه موضعه ادعاء شهرته ~~المغنية عن ذكره، وفائدة تصدير الجملة به الإيذان بفخامة مضمونها ~~مع ما فيه من زيادة تقريره في الذهن فإن الضمير لا يفهم منه من أول ~~الأمر إلا شأن مبهم له خطر فيبقى الذهن مترقبا لما يعقبه فيتمكن ~~عند وروده له فضل تمكن فكأنه قيل: إن الشأن الخطير هذا هو { لا ~~يفلح الظلمون } أي لا ينجون من مكروه ولا يفوزون بمطلوب، ~~وإذا كان حال الظالمين هذا فما ظنك بمن في الغاية القاصية من الظلم. ### || [6.22] # { ويوم نحشرهم جميعا } منصوب على الظرفية بمضمر مؤخر ~~قد حذف إيذانا بضيق العبارة عن شرحه وبيانه، وإيماء إلى عدم استطاعة ~~السامعين لسماعه لكمال فظاعة ما يقع فيه من الطامة والداهية التامة، ~~كأنه قيل: ويوم نحشرهم جميعا { ثم نقول } لهم ما نقول كان من ~~الأحوال والأهوال ما لا يحيط به دائرة المقال، وتقدير صيغة الماضي ~~للدلالة على التحقق ولحسن موقع عطف قوله تعالى: # ثم لم تكن # [الأنعام، الآية 23] الخ عليه، وقيل: منصوب على المفعولية بمضمر مقدم، ~~أي واذكر لهم للتخويف والتحذير يوم نحشرهم الخ، وقيل: وليتقوا أو ليحذروا ~~يوم نحشرهم الخ، والضمير للكل، وجميعا حال منه وقرىء (يحشرهم جميعا ~~ثم يقول) بالياء فيهما { للذين أشركوا } أي نقول لهم خاصة ~~للتوبيخ والتقريع على رؤوس الأشهاد { أين شركاؤكم } أي آلهتكم ~~التي جعلتموها شركاء لله سبحانه، وإضافتها إليهم لما أن شركتها ليست ~~إلا بتسميتهم وتقولهم الكاذب كما ينبىء عنه قوله تعالى: { الذين ~~كنتم تزعمون } أي تزعمونها شركاء، فحذف المفعولان معا، وهذا ~~السؤال المنبىء عن غيبة الشركاء مع عموم الحشر لها لقوله تعالى: # احشروا الذين ظلموا وأزوجهم وما كانوا ~~يعبدون من دون الله # [الصافات، الآية 22] وغير ذلك من النصوص إنما يقع بعد ما جرى بينها ~~وبينهم من التبرؤ من الجانبين، وتقطع ما ms0997 بينهم من الأسباب ~~والعلائق حسبما يحكيه من قوله تعالى: # فزيلنا بينهم # [يونس، الآية 28] الخ، ونحو ذلك من الآيات الكريمة، إما بعدم حضورها ~~حينئذ في الحقيقة بإبعادها من ذلك الموقف، وإما بتنزيل عدم حضورها ~~بعنوان الشركة والشفاعة منزلة عدم حضورها في الحقيقة، إذ ليس السؤال ~~عنها من حيث ذواتها، بل إنما هو من حيث إنها شركاء كما يعرب عنه ~~الوصف بالموصول، ولا ريب في أن عدم الوصف يوجب عدم الموصوف من حيث هو ~~موصوف، فهي من حيث هي شركاء غائبة لا محالة وإن كانت حاضرة من حيث ~~ذواتها أصناما كانت أو غيرها، وأما ما يقال من أنه يحال بينها ~~وبينهم في وقت التوبيخ ليفقدوهم في الساعة التي علقوا بها الرجاء ~~فيها فيروا مكان خزيهم وحسرتهم فربما يشعر بعدم شعورهم بحقيقة ~~الحال وعدم انقطاع حبال رجائهم عنها بعد. وقد عرفت أنهم شاهدوها قبل ~~ذلك، وانصرمت عروة أطماعهم عنها بالكلية، على أنها معلومة لهم من حين ~~الموت والابتلاء بالعذاب في البرزخ، وإنما الذي يحصل يوم الحشر ~~الانكشاف الجلي واليقين القوي، المترتب على المحاضرة والمحاورة. ### || [6.23-24] # { ثم لم تكن فتنتهم } بتأنيث الفعل ورفع (فتنتهم) على ~~أنه اسم له والخبر { إلا أن قالوا } وقرىء بنصب (فتنتهم) على ~~أنها الخبر والاسم إلا أن قالوا، والتأنيث للخبر كما في قولهم: من كانت ~~أمك؟ وقرىء بالتذكير مع رفع الفتنة ونصبها، ورفعها أنسب بحسب المعنى، ~~والجملة عطف على ما قدر عاملا في يوم نحشرهم كما أشير إليه فيما سلف، ~~والاستثناء مفرغ من أعم الأشياء، وفتنتهم إما كفرهم مرادا به ~~عاقبته أي لم تكن عاقبة كفرهم الذي لزموه مدة أعمارهم وافتخروا به ~~شيئا من الأشياء إلا جحوده والتبرؤ منه بأن يقولوا: { والله ~~ربنا ما كنا مشركين } وإما جوابهم، عبر عنه بالفتنة لأنه ~~كذب، ووصفه تعالى بربوبيته لهم للمبالغة في التبرؤ من الإشراك وقرىء ~~(ربنا) على النداء، فهو لإظهار الضراعة والابتهال في استدعاء قبول ~~المعذرة، وإنما يقولون ذلك مع علمهم بأنه بمعزل من النفع رأسا من فرط ~~الحيرة والدهش، وحمله على ms0998 معنى ما كنا مشركين عند أنفسنا وما علمنا ~~في الدنيا أنا على خطأ في معتقدنا مما لا ينبغي أن يتوهم أصلا، فإنه ~~يوهم أن لهم عذرا ما، وأن لهم قدرة على الاعتذار في الجملة، وذلك ~~مخل بكمال هول اليوم قطعا، على أنه قد قضى ببطلانه قوله تعالى: { ~~انظر كيف كذبوا على أنفسهم } فإنه تعجيب من كذبهم ~~الصريح بإنكار صدور الإشراك عنهم في الدنيا، أي انظر كيف كذبوا على ~~أنفسهم في قولهم ذلك، فإنه أمر عجيب في الغاية، وأما حمله على كذبهم ~~في الدنيا فتمحل يجب تنزيه ساحة التنزيل عنه وقوله تعالى: { وضل ~~عنهم ما كانوا يفترون } عطف على كذبوا داخل معه في حكم ~~التعجيب، و(ما) مصدرية أو موصولة قد حذف عائدها، والمعنى انظر كيف ~~كذبوا باليمين الفاجرة المغلظة على أنفسهم بإنكار صدور ما صدر عنهم، ~~وكيف ضل عنهم أي زال وذهب افتراؤهم أو ما كانوا يفترونه من الإشراك حتى ~~نفوا صدوره عنهم بالكلية، وتبرأوا منه بالمرة. وقيل: (ما) عبارة عن ~~الشركاء، وإيقاع الافتراء عليها مع أنه في الحقيقة واقع على أحوالها من ~~الإلهية والشركة والشفاعة ونحوها للمبالغة في أمرها كأنها نفس ~~المفترى، وقيل: الجملة كلام مستأنف غير داخل في حيز التعجيب. ### || [6.25] # { ومنهم من يستمع إليك } كلام مبتدأ مسوق لحكاية ما ~~صدر في الدنيا عن بعض المشركين من أحكام الكفر، ثم بيان ما سيصدر عنهم ~~يوم الحشر تقريرا لما قبله وتحقيقا لمضمونه، والضمير للذين أشركوا، ~~ومحل الظرف الرفع على أنه مبتدأ باعتبار مضمونه أو بتقدير الموصوف، كما ~~في قوله تعالى: # ومنا دون ذلك # [الجن، الآية 11] أي وجمع منا الخ و(من) موصولة أو موصوفة محلها الرفع ~~على الخبرية، والمعنى وبعضهم أو وبعض منهم الذي يستمع إليك أو فريق ~~يستمع إليك على أن مناط الإفادة اتصافهم بما في حيز الصلة أو الصفة لا ~~كونهم ذوات أولئك المذكورين وقد مر في تفسير قوله تعالى: # ومن الناس من يقول # [البقرة، الآية 8] الخ. # روي أنه اجتمع أبو سفيان والوليد والنضر وعتبة وشيبة وأبو جهل ~~وأضرابهم ms0999 يستمعون تلاوة رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا للنضر ~~وكان صاحب أخبار: ياأبا قتيلة ما يقول محمد؟ فقال: والذي جعلها بيته ~~ما أدري ما يقول إلا أنه يحرك لسانه ويقول أساطير الأولين مثل ما ~~حدثتكم من القرون الماضية، فقال أبو سفيان: إني لأراه حقا، فقال أبو ~~جهل: كلا فنزلت. # { وجعلنا على قلوبهم أكنة } من الجعل بمعنى الإنشاء ~~و(على) متعلقة به وضمير قلوبهم راجع إلى (من) وجمعيته بالنظر إلى ~~معناها كما أن إفراد ضمير يستمع بالنظر إلى لفظها وقد روعي جانب ~~المعنى في قوله تعالى: # ومنهم من يستمعون إليك # [يونس، الآية 42] الآية، والأكنة جمع كنان وهو ما يستر به الشيء، ~~وتنوينها للتفخيم، والجملة إما مستأنفة للإخبار بما تضمنه من الختم ~~أو حال من فاعل يستمع بإضمار قد عند من يقدرها قبل الماضي الواقع ~~حالا أي يستمعون إليك وقد ألقينا على قلوبهم أغطية كثيرة لا يقادر ~~قدرها خارجة عما يتعارفه الناس { أن يفقهوه } أي كراهة أن ~~يفقهوا ما يستمعونه من القرآن المدلول عليه بذكر الاستماع، ويجوز أن ~~يكون مفعولا لما ينبىء عنه الكلام أي منعناهم أن يفقهوه { وفي ~~آذانهم وقرا } صمما وثقلا مانعا من سماعه، والكلام فيه كما ~~في قوله تعالى: # على قلوبهم أكنة # [الإسراء، الآية 46] وهذا تمثيل معرب عن كمال جهلهم بشؤون النبي ~~عليه الصلاة والسلام وفرط نبوة قلوبهم عن فهم القرآن الكريم ومج ~~أسماعهم له، وقد مر تحقيقه في أول سورة البقرة وقيل: هو حكاية لما ~~قالوا: # قلوبنا فى أكنة مما تدعونا إليه وفى ءاذاننا ~~وقر # [فصلت، الآية 5] الآية، وأنت خبير بأن مرادهم بذلك الإخبار بما ~~اعتقدوه في حق القرآن والنبي عليه الصلاة والسلام جهلا وكفرا من ~~اتصافهما بأوصاف مانعة من التصديق والإيمان، ككون القرآن سحرا وشعرا ~~وأساطير الأولين، وقس على ما تخيلوه في حق النبي صلى الله عليه وسلم، ~~لا الإخبار بأن هناك أمرا وراء ذلك قد حال بينهم وبين إدراكه حائل ~~من قبلهم حتى يمكن حمل النظم الكريم على ذلك { وإن يروا ~~كل آية } من الآيات القرآنية ms1000 أي يشاهدوها بسماعها { لا ~~يؤمنوا بها } على عموم النفي لا على نفي العموم أي كفروا بكل ~~واحدة منها لعدم اجتلائهم إياها كما هي لما مر من حالهم { حتى إذا ~~جاءوك يجدلونك } هي حتى التي تقع بعدها الجمل، والجملة هي قوله ~~تعالى: { إذا جاءوك } { يقول الذين كفروا } وما بينهما ~~حال من فاعل جاءوا وإنما وضع الموصول موضع الضمير ذما لهم بما في ~~حيز الصلة وإشعارا بعلة الحكم، أي بلغوا من التكذيب والمكابرة إلى ~~أنهم إذا جاءوك مجادلين لك لا يكتفون بمجرد عدم الإيمان بما سمعوا من ~~الآيات الكريمة بل يقولون: { إن هذا } أي ما هذا { إلا ~~أسطير الأولين } فإن عد أحسن الحديث وأصدقه الذي لا ~~يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه من قبيل الأباطيل والخرافات ~~رتبة من الكفر لا غاية وراءها، ويجوز أن تكون (حتى) جارة و(إذا) ~~ظرفية بمعنى وقت مجيئهم، ويجادلونك حال كما سبق وقوله تعالى: { يقول ~~الذين كفروا } الخ، تفسير للمجادلة والأساطير جمع أسطورة أو ~~أسطارة أو جمع أسطار وهو جمع سطر بالتحريك وأصل الكل السطر بمعنى ~~الخط. ### || [6.26-27] # { وهم ينهون عنه } الضمير المرفوع للمذكورين، والمجرور ~~للقرآن أي لا يقتنعون بما ذكر من تكذيبه وعده من قبيل الأساطير، بل ~~ينهون الناس عن استماعه لئلا يقفوا على حقيته فيؤمنوا به { ~~وينأون عنه } أي يتباعدون عنه بأنفسهم إظهارا لغاية نفورهم عنه ~~وتأكيدا لنهيهم عنه، فإن اجتناب الناهي عن المنهي عنه من متممات ~~النهي، ولعل ذلك هو السر في تأخير النأي عن النهي وقيل: الضمير ~~المجرور للنبي عليه الصلاة والسلام وقيل: المرفوع لأبي طالب، ولعل ~~جمعيته باعتبار استتباعه لأتباعه، فإنه كان ينهى قريشا عن التعرض لرسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، وينآى عنه فلا يؤمن به، وروي أنهم اجتمعوا إليه ~~وأرادوا برسول الله صلى الله عليه وسلم سوءا فقال: [الكامل] # والله لن يصلوا إليك بجمعهم # حتى أوسد في التراب دفينا # فاصدع بأمرك ما عليك غضاضة # وابشر بذاك وقر منه عيونا # ودعوتني وزعمت أنك ناصحي # ولقد صدقت وكنت ثم أمينا # وعرضت ms1001 دينا لا محالة إنه # من خير أديان البرية دينا # لولا الملامة أو حذاري سبة # لوجدتني سمحا بذاك مبينا # فنزلت { وإن يهلكون } أي ما يهلكون بما فعلوا من النهي والنأي { ~~إلا أنفسهم } بتعريضها لأشد العذاب وأفظعه عاجلا وآجلا وهو ~~عذاب الضلال والإضلال وقوله تعالى: { وما يشعرون } حال من ضمير ~~(يهلكون) أي يقصرون الإهلاك على أنفسهم والحال أنهم ما يشعرون أي لا ~~بإهلاكهم أنفسهم ولا باقتصار ذلك عليها من غير أن يضروا بذلك شيئا من ~~القرآن والرسول عليه الصلاة والسلام والمؤمنين. وإنما عبر عنه بالإهلاك ~~ مع أن النفي عن غيرهم مطلق الضرر إذ غاية ما يؤدي إليه ما فعلوا من ~~القدح في القرآن الكريم الممانعة في تمشي أحكامه وظهور أمر الدين ~~للإيذان بأن ما يحيق بهم هو الهلاك لا الضرر المطلق، على أن مقصدهم ~~لم يكن مطلق الممانعة فبما ذكر بل كانوا يبغون الغوائل لرسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وللمؤمنين. ويجوز أن يكون الإهلاك معتبرا بالنسبة إلى ~~الذين يضلونهم بالنهي، فقصره على أنفسهم حينئذ مع شموله للفريقين ~~مبني على تنزيل عذاب الضلال عند عذاب الإضلال منزلة العدم. # { ولو ترى إذ وقفوا على النار } شروع في حكاية ما ~~سيصدر عنهم يوم القيامة من القول المناقض لما صدر عنهم في الدنيا من ~~القبائح المحكية مع كونه كذبا في نفسه، والخطاب إما لرسول الله ~~صلى الله عليه وسلم أو لكل أحد من أهل المشاهدة والعيان قصدا إلى ~~بيان كمال سوء حالهم وبلوغها من الشناعة والفظاعة إلى حيث لا يختص ~~استغرابها براء دون راء ممن اعتاد مشاهدة الأمور العجيبة، بل كل ~~من يتأتى منه الرؤية يتعجب من هولها وفظاعتها، وجواب (لو) محذوف ~~ثقة بظهوره وإيذانا بقصور العبارة عن تفصيله، وكذا مفعول (ترى) ~~لدلالة ما في حيز الظرف عليه أي لو تراهم حين يوقفون على النار حتى ~~يعاينوها لرأيت ما لا يسعه التعبير، وصيغة الماضي للدلالة على ~~التحقق أو حين يطلعون عليها اطلاعا وهي تحتهم أو يدخلونها فيعرفون ~~مقدار عذابها، من قولهم: وقفته على كذا إذا ms1002 فهمته وعرفته. # وقرىء (وقفوا) على البناء للفاعل من وقف عليه وقوفا. # { فقالوا يليتنا نرد } أي إلى الدنيا تمنيا للرجوع ~~والخلاص، وهيهات، ولات حين مناص { ولا نكذب بئايت ~~ربنا } أي بآياته الناطقة بأحوال النار وأهوالها، الآمرة باتقائها ~~إذ هي التي تخطر حينئذ ببالهم، ويتحسرون على ما فرطوا في حقها أو بجميع ~~آياته المنتظمة لتلك الآيات انتظاما أوليا { ونكون من ~~المؤمنين } بها العاملين بمقتضاها حتى لا نرى هذا الموقف الهائل ~~أو نكون من فريق المؤمنين الناجين من العذاب الفائزين بحسن المآب، ~~ونصب الفعلين على جواب التمني بإضمار أن بعد الواو وإجرائها مجرى ~~الفاء ويؤيده قراءة ابن مسعود وابن إسحاق (فلا نكذب) والمعنى إن ~~رددنا لم نكذب ونكن من المؤمنين. وقيل: ينسبك من أن المصدرية ومن ~~الفعل بعدها مصدر ويقدر قبله مصدر متوهم فيعطف هذا عليه كأنه قيل: ~~ليت لنا ردا وانتفاء تكذيب وكونا من المؤمنين، وقرىء برفعهما على أنه ~~كلام مستأنف كقوله: دعني ولا أعود أي وأنا لا أعود تركتني أو لم ~~تتركني، أو عطف على (نرد) أو حال من ضميره فيكون داخلا في حكم التمني ~~كالوجه الأخير للنصب، وتعلق التكذيب الآتي به لما تضمنه من العدة ~~بالإيمان وعدم التكذيب كما قال: ليتني رزقت مالا فأكافئك على صنيعك ~~فإنه متمن في معنى الواعد فلو رزق مالا ولم يكافىء صاحبه يكون ~~مكذبا لا محالة، وقرىء برفع الأول ونصب الثاني وقد مر وجههما. ### || [6.28] # { بل بدا لهم ما كانوا يخفون من قبل } إضراب عما ~~ينبىء عنه التمني من الوعد بتصديق الآيات والإيمان بها أي ليس ذلك عن ~~عزيمة صادقة ناشئة عن رغبة في الإيمان وسوق إلى تحصيله والاتصاف به ~~بل لأنه ظهر لهم في موقفهم ذلك ما كانوا يخفونه في الدنيا من الداهية ~~الدهياء وظنوا أنهم مواقعوها فلخوفها وهول مطلعها قالوا ما قالوا ~~والمراد بها النار التي وقفوا عليها إذ هي التي سيق الكلام لتهويل ~~أمرها والتعجب من فظاعة حال الموقوفين عليها وبإخفائها تكذيبهم بها، ~~فإن التكذيب بالشيء كفر به وإخفاء له لا محالة ms1003 وإيثاره على صريح ~~التكذيب الوارد في قوله عز وجل: # هذه جهنم التى يكذب بها المجرمون # [الرحمن، الآية 43] وقوله تعالى: # هذه النار التى كنتم بها تكذبون # [الطور، الآية 14] مع كونه أنسب بما قبله من قولهم: # ولا نكذب بئايت ربنا # [الأنعام، الآية 27] لمراعاة ما في مقابلته من البدو، هذا هو الذي ~~تستدعيه جزالة النظم الكريم، وأما ما قيل من أن المراد بما يخفون ~~كفرهم ومعاصيهم أو قبائحهم وفضائحهم التي كانوا يكتمونها من الناس ~~فتظهر في صحفهم وبشهادة جوارحهم عليهم أو شركهم الذي يجحدون به في ~~بعض مواقف القيامة بقولهم: # والله ربنا ما كنا مشركين # [الأنعام، الآية 23] ثم يظهر بما ذكر من شهادة الجوارح عليهم أو ما ~~أخفاه رؤساء الكفرة عن أتباعهم من أمر البعث والنشور أو ما كتمه علماء ~~أهل الكتابين من صحة نبوة النبي عليه الصلاة والسلام ونعوته الشريفة ~~عن عوامهم، على أن الضمير المجرور للعوام والمرفوع للخواص، أو ~~كفرهم الذي أخفوه عن المؤمنين والضمير المجرور للمؤمنين والمرفوع ~~للمنافقين، فبعد الإغضاء عما في كل منها من الاعتساف والاختلال لا ~~سبيل إلى شيء من ذلك أصلا لما عرفت من أن سوق النظم الشريف لتهويل ~~أمر النار وتفظيع حال أهلها وقد ذكر وقوفهم عليها وأشير إلى أنه ~~اعتراهم عند ذلك من الخوف والخشية والحيرة والدهشة ما لا يحيط به ~~الوصف، ورتب عليه تمنيهم المذكور بالفاء القاضية بسببية ما قبلها ~~لما بعدها، فإسقاط النار بعد ذلك من تلك السببية وهي في نفسها أدهى ~~الدواهي وأزجر الزواجر، وإسنادها إلى شيء من الأمور المذكورة التي ~~دونها في الهول والزجر مع عدم جريان ذكرها ثمة أمر يجب تنزيه ~~ساحة التنزيل عن أمثاله، وأما ما قيل من أن المراد جزاء ما كانوا ~~يخفون فمن قبيل دخول البيوت من ظهورها وأبوابها مفتوحة فتأمل. # { ولو ردوا } أي من موقفهم ذلك إلى الدنيا حسبما تمنوه وغاب ~~عنهم ما شاهدوه من الأهوال { لعدوا لما نهوا عنه } من فنون ~~القبائح التي من جملتها التكذيب المذكور ونسوا ما عاينوه بالكلية ~~لاقتصار أنظارهم على الشاهد ms1004 دون الغائب { وإنهم لكذبون } ~~أي لقوم ديدنهم الكذب في كل ما يأتون وما يذرون. ### || [6.29-30] # { وقالوا } عطف على (عادوا) داخل في حيز الجواب، وتوسيط قوله ~~تعالى: { وإنهم لكذبون } بينهما لأنه اعتراض مسوق ~~لتقرير ما أفاده الشرطية من كذبهم المخصوص، ولو أخر لأوهم أن ~~المراد تكذيبهم في إنكارهم البعث. والمعنى لو ردوا إلى الدنيا لعادوا ~~لما نهوا عنه وقالوا: { إن هى } أي ما الحياة { إلا حياتنا ~~الدنيا وما نحن بمبعوثين } بعدما فارقنا هذه الحياة كأن ~~لم يروا ما رأوا من الأحوال التي أولها البعث والنشور { ولو ~~ترى إذ وقفوا على ربهم } الكلام فيه كالذي مر في نظيره، ~~خلا أن الوقوف ههنا مجاز عن الجنس للتوبيخ والسؤال كما يوقف العبد ~~الجاني بين يدي سيده للعقاب وقيل: عرفوا ربهم حق التعريف، وقيل: ~~وقفوا على جزاء ربهم، وقوله تعالى: { قال } استئناف مبني على سؤال ~~نشأ من الكلام السابق كأنه قيل: فماذا قال لهم ربهم إذ ذاك؟ فقيل: قال: { ~~أليس هذا } مشيرا إلى ما شاهدوه من البعث وما يتبعه من الأمور ~~العظام { بالحق } تقريعا لهم على تكذيبهم لذلك وقولهم عند سماع ما ~~يتعلق به ما هو بحق وما هو إلا باطل { قالوا } استئناف كما سبق { ~~بلى وربنا } أكدوا اعترافهم باليمين إظهارا لكمال يقينهم ~~بحقيته وإيذانا بصدور ذلك عنهم بالرغبة والنشاط طمعا في نفعه. # { قال } استئناف كما مر { فذوقوا العذاب } الذي عاينتموه، ~~والفاء لترتيب التعذيب على اعترافهم بحقية ما كفروا به في الدنيا لكن لا ~~على أن مدار التعذيب هو اعترافهم بذلك بل هو كفرهم السابق بما ~~اعترفوا بحقيته الآن كما نطق به قوله عز وجل: { بما كنتم ~~تكفرون } أي بسبب كفركم في الدنيا بذلك أو بكل ما يجب الإيمان به ~~فيدخل كفرهم به دخولا أوليا، ولعل هذا التوبيخ والتقريع إنما يقع ~~بعد ما وقفوا على النار فقالوا ما قالوا إذ الظاهر أنه لا يبقى بعد ~~هذا الأمر إلا العذاب. ### || [6.31-32] # { قد خسر الذين كذبوا بلقاء الله } هم الذين حكيت ~~أحوالهم، لكن وضع الموصول موضع الضمير ms1005 للإيذان بسبب خسرانهم بما في ~~حيز الصلة من التكذيب بلقائه تعالى بقيام الساعة وما يترتب عليه من البعث ~~وأحكامه المتفرعة عليه واستمرارهم على ذلك، فإن كلمة (حتى) في قوله ~~تعالى: { حتى إذا جاءتهم الساعة } غاية لتكذيبهم لا ~~لخسرانهم فإنه أبدي لا حد له { بغتة } البغت والبغتة مفاجأة ~~الشيء بسرعة من غير شعور به يقال: بغته بغتا وبغتة أي فجأة، ~~وانتصابها إما على أنها مصدر واقع موقع الحال من فاعل جاءتهم أي ~~مباغتة أو من مفعوله أي مبغوتين وإما على أنها مصدر مؤكد على غير ~~الصدر فإن (جاءتهم) في معنى بغتتهم كقولهم: أتيته ركضا أو مصدر مؤكد ~~لفعل محذوف وقع حالا من فاعل (جاءتهم) أي جاءتهم الساعة تبغتهم بغتة. # { قالوا } جواب إذا { يا حسرتنا } تعالي فهذا أوانك، والحسرة شدة ~~الندم، وهذا التحسر وإن كان يعتريهم عند الموت لكن لما كان ذلك من ~~مبادي الساعة سمي باسمها ولذلك قال عليه الصلاة والسلام: # " من مات فقد قامت قيامته " # أو جعل مجيء الساعة بعد الموت كالواقع بغير فترة لسرعته { على ما ~~فرطنا فيها } أي على تفريطنا في شأن الساعة وتقصيرنا في مراعاة ~~حقها والاستعداد لها بالإيمان بها واكتساب الأعمال الصالحة كما في قوله ~~تعالى: # على ما فرطت فى جنب الله # [الزمر، الآية 56] وقيل: الضمير للحياة الدنيا وإن لم يجر لها ذكر ~~لكونها معلومة، والتفريط التقصير في الشيء مع القدرة على فعله وقيل: هو ~~التضييع وقيل: الفرط السبق ومنه الفارط أي السابق ومعنى فرط: خلى ~~السبق لغيره فالتضعيف فيه للسلب كما في جلدت البعير وقوله تعالى: { ~~وهم يحملون أوزارهم على ظهورهم } حال من فاعل ~~(قالوا) فائدته الأيذان بأن عذابهم ليس مقصورا على ما ذكر من الحسرة ~~على ما فات وزال، بل يقاسون مع ذلك تحمل الأوزار الثقال، والإيماء ~~إلى أن تلك الحسرة من الشدة بحيث لا تزول ولا تنسى بما يكابدونه من ~~فنون العقوبات. والسر في ذلك أن العذاب الروحاني أشد من ~~الجسماني نعوذ برحمة الله عز وجل منهما، والوزر في الأصل الحمل ~~الثقيل سمي ms1006 به الإثم والذنب لغاية ثقله على صاحبه، وذكر الظهور ~~كذكر الأيدي في قوله تعالى: # فبما كسبت أيديكم # [الشورى، الآية 30] فإن المعتاد حمل الأثقال على الظهور كما أن ~~المألوف هو الكسب بالأيدي، والمعنى أنهم يتحسرون على ما لم يعملوا من ~~الحسنات، والحال أنهم يحملون أوزار ما عملوا من السيئات { ألا ساء ~~ما يزرون } تذييل مقرر لما قبله وتكملة له أي بئس شيئا ~~يزرونه وزرهم. # { وما الحيوة الدنيا إلا لعب ولهو } لما حقق ~~فيما سبق أن وراء الحياة الدنيا حياة أخرى يلقون فيها من الخطوب ما ~~يلقون بين بعده حال تينك الحياتين في أنفسهما، واللعب عمل يشغل ~~النفس ويفترها عما تنتفع به، واللهو صرفها عن الجد إلى الهزل، ~~والمعنى إما على حذف المضاف أو على جعل الحياة الدنيا نفس اللعب ~~واللهو مبالغة كما في قول الخنساء: [البسيط] # [ترتع ما رتعت حتى إذا ادكرت] # فإنما هي إقبال وإدبار # أي وما أعمال الدنيا أي الأعمال المتعلقة بها من حيث هي هي، أو وما ~~هي من حيث إنها محل لكسب تلك الأعمال إلا لعب يشغل الناس ويلهيهم بما ~~فيه من منفعة سريعة الزوال ولذة وشيكة الاضمحلال عما يعقبهم من منفعة ~~جليلة باقية ولذة حقيقية غير متناهية من الإيمان والعمل الصالح { ~~وللدار الآخرة } التي هي محل الحياة الأخرى { خير للذين ~~يتقون } الكفر والمعاصي، لأن منافعها خالصة عن المضار ~~ولذاتها غير منغصة بالآلام، مستمرة على الدوام { أفلا ~~تعقلون } ذلك حتى تتقوا ما أنتم عليه من الكفر والعصيان، والفاء ~~للعطف على مقدر أي أتغفلون فلا تعقلون؟ أو ألا تتفكرون فتعقلون وقرىء ~~(يعقلون) على الغيبة. ### || [6.33] # { قد نعلم إنه ليحزنك الذى يقولون } استئناف ~~مسوق لتسلية رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الحزن الذي يعتريه مما ~~حكي عن الكفرة من الإصرار على التكذيب والمبالغة فيه ببيان أنه عليه ~~الصلاة والسلام بمكانة من الله عز وجل وأن ما يفعلون في حقه فهو راجع ~~إليه تعالى في الحقيقة وأنه ينتقم منهم لا محالة أشد انتقام، وكلمة ~~(قد) لتأكيد العلم بما ذكر ms1007 المفيد لتأكيد الوعيد كما في قوله تعالى: # قد يعلم ما أنتم عليه # [النور، الآية 64] وقوله تعالى: # قد يعلم الله المعوقين # [الأحزاب، الآية 18] ونحوهما بإخراجها إلى معنى التكثير حسبما يخرج ~~إليه ربما في مثل قوله: # وإن تمس مهجور الفناء فربما # أقام به بعد الوفود وفود # جريا على سنن العرب عند قصد الإفراط في التكثير تقول لبعض قواد ~~العساكر: كم عندك من الفرسان؟ فيقول: رب فارس عندي، وعنده مقانب ~~جمة يريد بذلك التمادي في تكثير فرسانه ولكنه يروم إظهار براءته عن ~~التزيد وإبراز أنه ممن يقلل كثير ما عنده فضلا عن تكثير القليل ~~وعليه قوله عز وجل: # ربما يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين # [الحجر، الآية 2] وهذه طريقة إنما تسلك عند كون الأمر من الوضوح بحيث ~~لا تحوم حوله شائبة ريب حقيقة، كما في الآيات الكريمة المذكورة، أو ~~ادعاء كما في البيت وقوله: [البسيط] # قد أترك القرن مصفرا أنامله # [كأن أثوابه مجت بفرصاد] # وقوله [الطويل] # ولكنه قد يهلك المال نائله # والمراد بكثرة علمه تعالى كثرة تعلقه وهو متعد إلى اثنين وما بعده ~~ساد مسدها واسم (إن) ضمير الشأن وخبرها الجملة المفسرة له ~~والموصول فاعل (يحزنك) وعائده محذوف أي الذي يقولونه وهو ما حكي عنهم ~~من قولهم: # إن هذا إلا أسطير الأولين # [المؤمنون، الآية 83] ونحو ذلك وقرىء (ليحزنك) من أحزن المنقول من ~~حزن اللازم وقوله تعالى: { فإنهم لا يكذبونك } تعليل لما ~~يشعر به الكلام السابق من النهي عن الاعتداد بما قالوا لكن لا بطريق ~~التشاغل عنه وعده هينا والإقبال التام على ما هو أهم منه من ~~استعظام جحودهم بآيات الله عز وجل كما قيل فإنه مع كونه بمعزل من التسلية ~~بالكلية مما يوهم كون حزنه عليه الصلاة والسلام لخاصة نفسه بل بطريق ~~التسلي بما يفيده من بلوغه عليه الصلاة والسلام في جلالة القدر ~~ورفعة المحل والزلفى من الله عز وجل إلى حيث لا غاية وراءه حيث لم ~~يقتصر على جعل تكذيبه عليه الصلاة والسلام تكذيبا لآياته سبحانه على ~~طريقة قوله تعالى: # من يطع ms1008 الرسول فقد أطاع الله # [النساء، الآية 80] بل نفى تكذيبهم عنه عليه الصلاة والسلام وأثبت ~~لآياته تعالى على طريقة قوله تعالى: # إن الذين يبايعونك يبايعون الله # [الفتح، الآية 10] أيذانا بكمال القرب واضمحلال شؤونه عليه الصلاة ~~والسلام في شأن الله عز وجل. # نعم فيه استعظام لجنايتهم منبىء عن عظم عقوبتهم كأنه قيل: لا ~~تعتد به وكله إلى الله تعالى فإنهم في تكذيبهم ذلك لا يكذبونك في ~~الحقيقة. # { ولكن الظلمين بئايت الله يجحدون } أي ~~ولكنهم بآياته تعالى يكذبون فوضع المظهر موضع المضمر تسجيلا ~~عليهم بالرسوخ في الظلم الذي يعتبر جحودهم هذا فنا من فنونه، ~~والالتفات إلى الاسم الجليل لتربية المهابة واستعظام ما أقدموا عليه من ~~جحود آياته تعالى، وإيراد الجحود في مورد التكذيب للإيذان بأن آياته ~~تعالى من الوضوح بحيث يشاهد صدقها كل أحد وأن من ينكرها فإنما ينكرها ~~بطريق الجحود الذي هو عبارة عن الإنكار مع العلم بخلافه كما في قوله ~~تعالى: # وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم # [النمل، الآية 14] وهو المعني بقول من قال: إنه نفي ما في القلب ~~إثباته، أو إثبات ما في القلب نفيه، والباء متعلقة بيجحدون ويقال: ~~جحد حقه وبحقه إذا أنكره وهو يعلمه، وقيل: هو لتضمين الجحود معنى ~~التكذيب، وأيا ما كان فتقديم الجار والمجرور للقصر وقيل: المعنى ~~فإنهم لا يكذبونك بقلوبهم ولكنهم يجحدون بألسنتهم، ويعضده ما روي من أن ~~الأخنس بن شريق قال لأبي جهل: يا أبا الحكم أخبرني عن محمد ~~أصادق هو أم كاذب؟ فإنه ليس عندنا أحد غيرنا فقال له: والله إن محمدا ~~لصادق وما كذب قط ولكن إذا ذهب بنو قصي باللواء والسقاية ~~والحجابة والنبوة فماذا يكون لسائر قريش؟ فنزلت. # وقد روي عن ابن عباس رضي الله عنهما # " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يسمى الأمين " # فعرفوا أنه لا يكذب في شيء ولكنهم كانوا يجحدون وقيل: فإنهم لا ~~يكذبونك لأنك عندهم الصادق الموسوم بالصدق، ولكنهم يجحدون بآيات الله ~~كما يروى أن أبا جهل كان يقول لرسول الله صلى الله عليه وسلم: ما ~~نكذبك، ms1009 وإنك عندنا لصادق ولكنا نكذب ما جئتنا به فنزلت. وكأن ~~صدق المخبر عند الخبيث بمطابقة خبره لاعتقاده، والأول هو الذي ~~تستدعيه الجزالة التنزيلية، وقرىء لا يكذبونك من الإكذاب فقيل: كلاهما ~~بمعنى واحد كأكثر وكثر وأنزل ونزل وهو الأظهر وقيل: معنى أكذبه وجده ~~كاذبا، ونقل عن الكسائي أن العرب تقول: كذبت الرجل أي نسبت الكذب ~~إليه وأكذبته أي نسبت الكذب إلى ما جاء به لا إليه. ### || [6.34] # وقوله تعالى: { ولقد كذبت رسل من قبلك } افتنان في ~~تسليته عليه الصلاة والسلام فإن عموم البلية ربما يهون أمرها بعض ~~تهوين، وإرشاد له عليه الصلاة والسلام إلى الاقتداء بمن قبله من الرسل ~~الكرام عليهم الصلاة والسلام في الصبر على ما أصابهم من أممهم من فنون ~~الأذية، وعدة ضمنية له عليه الصلاة والسلام بمثل ما منحوه من ~~النصر. وتصدير الكلام بالقسم لتأكيد التسلية وتنوين (رسل) للتفخيم ~~والتكثير، و(من) إما متعلقة بكذبت أو بمحذوف وقع صفة (لرسل) أي ~~وبالله لقد كذبت من قبل تكذيبك رسل أولو شأن خطير وذوو عدد كثير أو ~~كذبت رسل كانوا من زمان قبل زمانك { فصبروا على ما كذبوا ~~} ما مصدرية وقوله تعالى { وأوذوا } عطف على (كذبوا) داخل في حكمه ~~فأنسبك منهما مصدران من المبني للمفعول أي فصبروا على تكذيبهم وإيذائهم ~~فتأس بهم واصطبر على ما نالك من قومك، والمراد بإيذائهم إما عين ~~تكذيبهم وإما ما يقارنه من فنون الإيذاء لم يصرح به ثقة باستلزام ~~التكذيب إياه غالبا، وأيا ما كان ففيه تأكيد للتسلية، وقيل: عطف على ~~صبروا وقيل: على كذبت، وقيل: هو استئناف وقوله تعالى: { حتى ~~أتهم نصرنا } غاية للصبر، وفيه إيذان بأن نصره تعالى إياهم ~~أمر مقرر لا مرد له وأنه متوجه إليهم لا بد من إتيانه البتة، ~~والالتفات إلى نون العظمة لإبراز الاعتناء بشأن النصر وقوله تعالى: { ~~ولا مبدل لكلمت الله } اعتراض مقرر لما قبله من إتيان ~~نصره إياهم والمراد بكلماته تعالى ما ينبىء عنه قوله تعالى: # ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين * إنهم ~~لهم المنصورون * وإن جندنا لهم الغلبون ms1010 # [الصافات، الآية 171 - 173] وقوله تعالى: # كتب الله لأغلبن أنا ورسلى # [المجادلة، الآية 21] من المواعيد السابقة للرسل عليهم الصلاة والسلام ~~الدالة على نصرة رسول الله أيضا لا نفس الآيات المذكورة ونظائرها، ~~فإن الإخبار بعدم تبدلها إنما يفيد عدم تبدل المواعيد الواردة إلى ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم خاصة دون المواعيد السابقة للرسل عليهم ~~الصلاة والسلام ويجوز أن يراد بكلماته تعالى جميع كلماته التي من ~~جملتها تلك المواعيد الكريمة ويدخل فيها المواعيد الكريمة، ويدخل فيها ~~المواعيد الواردة في حقه عليه الصلاة والسلام دخولا أوليا، والالتفات ~~إلى الاسم الجليل للإشعار بعلة الحكم فإن الألوهية من موجبات أن لا ~~يغالبه أحد في فعل من الأفعال ولا يقع منه تعالى خلف في قول من ~~الأقوال وقوله تعالى: { ولقد جاءك من نبإ المرسلين } ~~جملة قسمية جيء بها لتحقيق ما منحوا من النصر وتأكيد ما في ضمنه ~~من الوعد لرسول الله صلى الله عليه وسلم أو لتقرير جميع ما ذكر من تكذيب ~~الأمم وما ترتب عليه من الأمور. # والجار والمجرور في محل الرفع على أنه فاعل إما باعتبار مضمونه أي ~~بعض نبأ المرسلين كما مر في تفسير قوله تعالى: # ومن الناس من يقول ءامنا بالله # [العنكبوت، الآية 10] الآية، وأيا ما كان فالمراد بنبئهم عليهم ~~السلام على الأول نصره تعالى إياهم بعد اللتيا والتي، وعلى الثاني ~~جميع ما جرى بينهم وبين أممهم على ما ينبىء عنه قوله تعالى: # أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل ~~الذين خلوا من قبلكم مستهم البأساء والضراء ~~وزلزلوا # [البقرة، الآية 214] الآية، وقيل: في محل النصب على الحالية من (الضمير) ~~المستكن في جاء العائد إلى ما يفهم من الجملة السابقة أي ولقد جاءك ~~هذا الخبر كائنا من نبأ المرسلين. ### || [6.35] # { وإن كان كبر عليك إعراضهم } كلام مستأنف مسوق ~~لتأكيد إيجاب الصبر المستفاد من التسلية ببيان أنه أمر لا محيد عنه ~~أصلا أي إن كان عظم عليك وشق إعراضهم عن الإيمان بما جئت به من ~~القرآن الكريم حسبما يفصح عنه ما حكي عنهم ms1011 من تسميتهم له أساطير ~~الأولين وتنائيهم عنه ونهيهم الناس عنه، وقيل: إن الحارث بن عامر ~~بن نوفل بن عبد مناف أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم في محضر من ~~قريش، فقال: يا محمد ائتنا بآية من عند الله كما كانت الأنبياء تفعل ~~وأنا أصدقك فأبى الله أن يأتي بآية مما اقترحوا، فأعرضوا عن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فشق ذلك عليه لما أنه عليه الصلاة والسلام كان شديد ~~الحرص على إيمان قومه، فكان إذا سألوا آية يود أن ينزلها الله ~~تعالى طمعا في إيمانهم فنزلت، فقوله تعالى: { إعراضهم } مرتفع ~~بكبر وتقديم الجار والمجرور عليه لما مر مرارا من الاهتمام بالمقدم ~~والتشويق إلى المؤخر، والجملة في محل النصب على أنها خبر لكان مفسرة ~~لاسمها الذي هو ضمير الشأن ولا حاجة إلى تقدير قد، وقيل: اسم كان ~~إعراضهم وكبر جملة فعلية في محل النصب على أنها خبر لها مقدم على اسمها ~~لأنه فعل رافع لضمير مستتر كما هو المشهور وعلى التقديرين فقوله تعالى: # { فإن استطعت } الخ، شرطية أخرى محذوفة الجواب وقعت جوابا ~~للشرط الأول، والمعنى إن شق عليك إعراضهم عن الإيمان بما جئت به من ~~البينات وعدم عدهم لها من قبيل الآيات وأحببت أن تجيبهم إلى ما ~~سألوه اقتراحا فإن استطعت { أن تبتغي نفقا } أي سربا ~~ومنفذا { في الأرض } تنفذ فيه إلى جوفها { أو سلما } أي ~~مصعدا { فى السماء } تعرج به فيها { فتأتيهم } منهما { ~~بئاية } مما اقترحوه فافعل وقد جوز أن يكون ابتغاؤهما نفس ~~الإتيان بالآية فالفاء في (فتأتيهم) حينئذ تفسيرية وتنوين (آية) ~~للتفخيم أي فإن استطعت أن تبتغيهما فتجعل ذلك آية لهم فافعل، والظرفان ~~متعلقان بمحذوفين هما نعتان (لنفقا وسلما) والأول لمجرد التأكيد إذ ~~النفق لا يكون إلا في الأرض، أو بتبتغي، وقد جوز تعلقهما بمحذوف وقع ~~حالا من فاعل تبتغي أي أن تبتغي نفقا كائنا في الأرض أو سلما كائنا ~~في السماء، وفيه من الدلالة على تبالغ حرصه عليه الصلاة والسلام على ~~إسلام قومه وتراميه إلى حيث لو ms1012 قدر على أن يأتي بآية من تحت الأرض أو ~~من فوق السماء لفعل رجاء لإيمانهم ما لا يخفى، وإيثار الابتغاء على ~~الاتخاذ ونحوه للإيذان بأن ما ذكر من النفق والسلم مما لا يستطاع ~~ابتغاؤه فكيف باتخاذه. # { ولو شاء الله لجمعهم على الهدى } أي لو شاء الله ~~تعالى أن يجمعهم على ما أنتم عليه من الهدى لفعله بأن يوقفهم للإتيان ~~فيؤمنوا معكم ولكن لم يشأ لعدم صرف اختيارهم إلى جانب الهدى مع ~~تمكنهم التام منه في مشاهدتهم للآيات الداعية إليه لا أنه تعالى لم ~~يوقفهم له مع توجههم إلى تحصيله. # وقيل: لو شاء الله لجمعهم عليه بأن يأتيهم بآية ملجئة إليه ولكن لم ~~يفعله لخروجه عن الحكمة. # وقوله تعالى: { فلا تكونن من الجهلين } نهي لرسول الله ~~صلى الله عليه وسلم عما كان عليه من الحرص الشديد على إسلامهم والميل ~~إلى إتيان ما يقترحونه من الآيات طمعا في إيمانهم، مرتب على بيان ~~عدم تعلق مشيئته تعالى بهدايتهم، والمعنى وإذا عرفت أنه تعالى لم يشأ ~~هدايتهم وإيمانهم بأحد الوجهين فلا تكونن بالحرص الشديد على إسلامهم ~~أو الميل إلى نزول مقترحاتهم من الجاهلين بدقائق شؤونه تعالى التي من ~~جملتها ما ذكر من عدم تعلق مشيئته تعالى بإيمانهم، أما اختيارا ~~فلعدم توجههم إليه، وأما اضطرارا فلخروجه عن الحكمة التشريعية ~~المؤسسة على الاختيار، ويجوز أن يراد بالجاهلين على الوجه الثاني ~~المقترحون، ويراد بالنهي منعه عليه الصلاة والسلام من المساعدة على ~~اقتراحهم، وإيرادهم بعنوان الجهل دون الكفر ونحوه لتحقيق مناط ~~النهي الذي هو الوصف الجامع بينه عليه الصلاة والسلام وبينهم. ### || [6.36] # { إنما يستجيب الذين يسمعون } تقرير لما مر من أن ~~على قلوبهم أكنة مانعة من الفقه، وفي آذانهم وقرا حاجزا من السماع، ~~وتحقيق لكونهم بذلك من قبيل الموتى لا يتصور منهم الإيمان البتة، ~~والاستجابة الإجابة المقارنة للقبول، أي إنما يقبل دعوتك إلى ~~الإيمان الذين يسمعون ما يلقى إليهم سماع تفهم وتدبر دون الموتى ~~الذين هؤلاء منهم كقوله تعالى: # فإنك لا تسمع الموتى # [الروم، الآية 52]. # وقوله تعالى: { والموتى ms1013 يبعثهم الله } تمثيل لاختصاصه ~~تعالى بالقدرة على توفيقهم للإيمان باختصاصه تعالى بالقدرة على بعث ~~الموتى من القبور، وقيل: بيان لاستمرارهم على الكفر وعدم إقلاعهم عنه ~~أصلا على أن الموتى من القبور. # وقيل: بيان مستعار للكفرة بناء على تشبيه جهلهم بموتهم، أي وهؤلاء ~~الكفرة يبعثهم الله تعالى من قبورهم { ثم إليه يرجعون } ~~للجزاء، فحينئذ يستجيبون وأما قبل ذلك فلا سبيل إليه وقرىء (يرجعون) ~~على البناء للفاعل من رجع رجوعا والمشهور أوفى بحق المقام لإنبائه عن ~~كون مرجعهم إليه تعالى بطريق الاضطرار. ### || [6.37] # { وقالوا لولا نزل عليه ءاية من ربه } حكاية ~~لبعض آخر من أباطيلهم بعد حكاية ما قالوا في حق القرآن الكريم ~~وبيان ما يتعلق به والقائلون رؤساء قريش وقيل: الحارث بن عامر بن ~~نوفل وأصحابه، ولقد بلغت بهم الضلالة والطغيان إلى حيث لم يقتنعوا ~~بما شاهدوه من البينات التي تخر لها صم الجبال حتى اجترأوا على ~~ادعاء أنها ليست من قبيل الآيات وإنما هي ما اقترحوه من الخوارق ~~الملجئة أو المعقبة للعذاب كما قالوا: # اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر ~~علينا حجارة من السماء # [الأنفال، الآية 32] الآية، والتنزيل بمعنى الإنزال كما ينبىء عنه ~~القراءة بالتخفيف فيما سيأتي، وما يفيده التعرض لعنوان ربوبيته تعالى ~~له عليه الصلاة والسلام من الإشعار بالعلية إنما هو بطريق التعريض ~~بالتهكم من جهتهم، وإطلاق الآية في قوله تعالى: { قل إن الله ~~قادر على أن ينزل ءاية } مع أن المراد بها ما هو من ~~الخوارق المذكورة لا آية ما من الآيات، لفساد المعنى مجاراة معهم على ~~زعمهم، ويجوز أن يراد بها آية موجبة لهلاكهم كإنزال ملائكة العذاب ~~ونحوه على أن تنوينها للتفخيم والتهويل كما أن إظهار الاسم الجليل ~~لتربية المهابة مع ما فيه من الإشعار بعلة القدرة الباهرة، ~~والاقتصار في الجواب على بيان قدرته تعالى على تنزيلها مع أنها ليست في ~~حيز الإنكار للإيذان بأن عدم تنزيله إياها مع قدرته عليه لحكمة بالغة ~~يجب معرفتها وهم عنها غافلون، كما ينبىء عنه الاستدراك بقوله تعالى: ms1014 { ~~ولكن أكثرهم لا يعلمون } أي ليسوا من أهل العلم على ~~أن المفعول مطروح بالكلية، أو لا يعلمون شيئا على أنه محذوف مدلول ~~عليه بقرينة المقام. والمعنى أنه تعالى قادر على أن ينزل آية من ذلك أو ~~آية أي آية ولكن أكثرهم لا يعلمون فلا يدرون أن عدم تنزيلها مع ظهور ~~قدرته عليه لما أن في تنزيلها قلعا لأساس التكليف المبني على قاعدة ~~الاختيار، أو استئصالا لهم بالكلية فيقترحونها جهلا ويتخذون عدم ~~تنزيلها ذريعة إلى التكذيب، وتخصيص عدم العلم بأكثرهم لما أن بعضهم ~~واقفون على حقيقة الحال وإنما يفعلون مكابرة وعنادا. ### || [6.38-39] # وقوله تعالى: { وما من دابة في الأرض } الخ، كلام مستأنف ~~مسوق لبيان كمال قدرته عز وجل وشمول علمه وسعة تدبيره ليكون ~~كالدليل على أنه تعالى قادر على تنزيل الآية، وإنما لا ينزلها ~~محافظة على الحكم البالغة، وزيادة (من) لتأكيد الاستغراق وهي ~~متعلقة بمحذوف هو وصف لدابة مفيد لزيادة التعميم، كأنه قيل: وما فرد ~~من أفراد الدواب يستقر في قطر من أقطار الأرض وكذا زيادة الوصف في ~~قوله تعالى: { ولا طائر يطير بجناحيه } مع ما فيه من زيادة ~~التقرير أي ولا طائر من الطيور يطير في ناحية من نواحي الجو بجناحيه كما ~~هو المشاهد المعتاد، وقرىء ولا طائر بالرفع عطفا على محل الجار ~~والمجرور كأنه قيل: وما دابة ولا طائر { إلا أمم } أي طوائف ~~متخالفة، والجمع باعتبار المعنى كأنه قيل: وما من دواب ولا طير إلا ~~أمم { أمثلكم } أي كل أمة منها مثلكم في أن أحوالها محفوظة ~~وأمورها مقننة ومصالحها مرعية جارية على سنن السداد، ومنتظمة ~~في سلك التقديرات الإلهية والتدبيرات الربانية { ما فرطنا فى ~~الكتب من شىء } يقال: فرط في الشيء أي ضيعه وتركه، قال ساعدة ~~بن حوية: [الكامل] # معه سقاء لا يفرط حمله # [صفن وأخراص يلحن ومسأب] # أي لا يتركه ولا يفارقه ويقال: فرط في الشيء أي أهمل ما ينبغي أن يكون ~~فيه وأغفله فقوله تعالى: { فى الكتب } أي في القرآن على الأول ~~ظرف لغو، وقوله تعالى: { من ms1015 شىء } مفعول لفرطنا و(من) مزيدة ~~للاستغراق أي ما تركنا في القرآن شيئا من الأشياء المهمة التي من ~~جملتها بيان أنه تعالى مراع لمصالح جميع مخلوقاته على ما ينبغي، ~~وعلى الثاني مفعول للفعل ومن شيء في موضع المصدر، أي ما جعلنا الكتاب ~~مفرطا فيه شيئا من التفريط بل ذكرنا فيه كل ما لا بد من ذكره. ~~وأيا ما كان فالجملة اعتراض مقرر لمضمون ما قبلها، وقيل: الكتاب ~~اللوح، فالمراد بالاعتراض الإشارة إلى أن أحوال الأمم مستقصاة في ~~اللوح المحفوظ غير مقصورة على هذا القدر المجمل، وقرىء فرطنا ~~بالتخفيف. # وقوله تعالى: { ثم إلى ربهم يحشرون } بيان لأحوال ~~الأمم المذكورة في الآخرة بعد بيان أحوالها في الدنيا. وإيراد ضميرها ~~على صيغة جمع العقلاء لإجرائها مجراهم، والتعبير عنها بالأمم أي إلى ~~مالك أمورهم يحشرون يوم القيامة كدأبكم لا إلى غيره فيجازيهم فينصف ~~بعضهم من بعض حتى يبلغ من عدله أن يأخذ للجماء من القرناء. وقيل: ~~حشرها موتها. ويأباه مقام تهويل الخطب وتفظيع الحال. # وقوله تعالى: { والذين كذبوا بئايتنا } متعلق بقوله ~~تعالى: { ما فرطنا فى الكتب من شىء } والموصول عبارة عن ~~المعهودين في قوله تعالى: { ومنهم من يستمع إليك ~~الآيت } ومحله الرفع على الابتداء خبره ما بعده أي أوردنا في ~~القرآن جميع الأمور المهمة وأزحنا به العلل والأعذار والذين كذبوا ~~بآياتنا التي هي منه { صم } لا يسمعونها سمع تدبر وفهم فلذلك ~~يسمونها أساطير الأولين ولا يعدونها من الآيات ويقترحون غيرها { ~~وبكم } لا يقدرون على أن ينطقوا بالحق ولذلك لا يستجيبون دعوتك بها ~~وقوله تعالى: { فى الظلمت } إما متعلق بمحذوف وقع حالا من ~~المستكن في الخبر كأنه قيل: ضالون كائنين في الظلمات أو صفة لبكم أي ~~بكم كائنون في الظلمات، والمراد به بيان كمال عراقتهم في الجهل وسوء ~~الحال فإن الأصم الأبكم إذا كان بصيرا ربما يفهم شيئا بإشارة ~~غيره وإن لم يفهمه بعبارته، وكذا يشعر غيره بما في ضميره بالإشارة ~~وإن كان معزولا عن العبارة، وأما إذا كان مع ذلك أعمى أو كان في ~~الظلمات ms1016 فينسد عليه باب الفهم والتفهيم بالكلية، وقوله تعالى: { من ~~يشإ الله يضلله } تحقيق للحق وتقرير لما سبق من حالهم ~~ببيان أنهم من أهل الطبع لا يتأتى منهم الإيمان أصلا، فمن ~~مبتدأ خبره ما بعده ومفعول المشيئة محذوف على القاعدة المستمرة من ~~وقوعها شرطا وكون مفعولها مضمون الجزاء وانتفاء الغرابة في تعلقها به ~~أي من يشأ الله إضلاله أي أن يخلق فيه الضلال يضلله أي يخلقه فيه ~~ولكن لا ابتداء بطريق الجبر من غير أن يكون له دخل ما في ذلك بل عند ~~صرف اختياره إلى كسبه وتحصيله وقس عليه قوله تعالى: { ومن ~~يشأ يجعله على صرط مستقيم } لا يضل من ذهب إليه ~~ولا يزل من ثبت قدمه عليه. ### || [6.40-41] # { قل أرأيتكم } أمر لرسول الله صلى الله عليه وسلم بأن ~~يبكتهم ويلقمهم الحجر بما لا سبيل لهم إلى النكير، والكاف حرف ~~جيء به لتأكيد الخطاب لا محل له من الإعراب ومبنى التركيب وإن كان ~~على الاستخبار عن الرؤية قلبية كانت أو بصرية لكن المراد به ~~الاستخبار عن متعلقها أي أخبروني { إن أتكم عذاب الله ~~} حسبما أتى الأمم السابقة من أنواع العذاب الدنيوي { أو أتتكم ~~الساعة } التي لا محيص عنها البتة { أغير الله تدعون } ~~هذا مناط الاستخبار ومحط التبكيت وقوله تعالى: { إن كنتم ~~صدقين } متعلق بأرأيتكم مؤكد للتبكيت كاشف عن كذبهم، وجواب ~~الشرط محذوف ثقة بدلالة المذكور عليه أي إن كنتم صادقين في أن أصنامكم ~~آلهة كما أنها دعواكم المعروفة، أو إن كنتم قوما صادقين فأخبروني ~~أغير الله تدعون إن أتاكم عذاب الله الخ، فإن صدقهم بأي معنى كان من ~~موجبات إخبارهم بدعائهم غيره سبحانه، وأما جعل الجواب ما يدل عليه ~~قوله تعالى: { أغير الله تدعون } أعني فادعوه على أن الضمير ~~لغير الله فمخل بجزالة النظم الكريم، كيف لا والمطلوب منهم إنما هو ~~الإخبار بدعائهم غيره تعالى عند إتيان ما يأتي لا نفس دعائهم إياه، ~~وقوله تعالى: { بل إيه تدعون } عطف على جملة منفية ينبىء ~~عنها الجملة التي تعلق بها الاستخبار إنباء ms1017 جليا كأنه قيل: لا غيره ~~تعالى تدعون بل إياه تدعون وقوله تعالى { فيكشف ما تدعون ~~إليه } أي إلى كشفه، عطف على تدعون أي فيكشفه إثر دعائكم، وقوله ~~تعالى: { إن شاء } أي إن شاء كشفه لبيان أن قبول دعائهم غير ~~مطرد، بل هو تابع لمشيئته المبنية على حكم خفية قد استأثر الله ~~تعالى بعلمها فقد يقبله كما في بعض دعواتهم المتعلقة بكشف العذاب ~~الدنيوي، وقد لا يقبله كما في بعض آخر منها وفي جميع ما يتعلق بكشف ~~العذاب الأخروي الذي من جملته الساعة. وقوله تعالى: { وتنسون ~~ما تشركون } أي تتركون ما تشركونه به تعالى من الأصنام تركا ~~كليا. عطف على تدعون أيضا وتوسيط الكشف بينهما مع تقارنهما وتأخر ~~الكشف عنهما لإظهار كمال العناية بشأن الكشف والأيذان بترتبه على ~~الدعاء خاصة. ### || [6.42-44] # وقوله تعالى: { ولقد أرسلنا } كلام مستأنف مسوق لبيان أن ~~منهم من لا يدعو الله تعالى عند إتيان العذاب أيضا لتماديهم في الغي ~~والضلال لا يتأثرون بالزواجر التكوينية كما لا يتأثرون بالزواجر ~~التنزيلية. وتصديره بالجملة القسمية لإظهار مزيد الاهتمام بمضمونه، ~~ومفعول (أرسلنا) محذوف لما أن مقتضى المقام بيان حال المرسل إليهم لا ~~حال المرسلين، أي وبالله لقد أرسلنا رسلا { إلى أمم } كثيرة { ~~من قبلك } أي كائنة من زمان قبل زمانك { فأخذنهم } أي ~~فكذبوا رسلهم فأخذناهم { بالبأساء } أي بالشدة والفقر { ~~والضراء } أي الضرر والآفات وهما صيغتا تأنيث لا مذكر لهما { ~~لعلهم يتضرعون } أي لكي يدعوا الله تعالى في كشفها ~~بالتضرع والتذلل ويتوبوا إليه من كفرهم ومعاصيهم { فلولا إذ ~~جاءهم بأسنا تضرعوا } أي فلم يتضرعوا حينئذ مع تحقق ما ~~يستدعيه { ولكن قست قلوبهم } استدراك عما قبله أي فلم ~~يتضرعوا إليه تعالى برقة القلب والخضوع، مع تحقق ما يدعوهم إليه، ولكن ~~ظهر منهم نقيضه حيث قست قلوبهم أي استمرت على ما هي عليه من القساوة ~~أو ازدادت قساوة كقولك: لم يكرمني إذ جئته ولكن أهانني { ~~وزين لهم الشيطن ما كانوا يعملون } من الكفر ~~والمعاصي فلم يخطروا ببالهم أن ما اعتراهم من البأساء والضراء ما ms1018 ~~اعتراهم إلا لأجله وقيل: الاستدراك لبيان أنه لم يكن لهم في ترك ~~التضرع عذر سوى قسوة قلوبهم والإعجاب بأعمالهم التي زينها الشيطان ~~لهم وقوله تعالى: { فلما نسوا ما ذكروا به } عطف على ~~مقدر ينساق إليه النظم الكريم أي فانهمكوا فيه ونسوا ما ذكروا به ~~من البأساء والضراء، فلما نسوه { فتحنا عليهم أبواب كل ~~شىء } من فنون النعماء على منهاج الاستدراج، لما روي أنه عليه ~~الصلاة والسلام قال: # " مكر بالقوم ورب الكعبة " # وقرىء (فتحنا) بالتشديد للتكثير وفي ترتيب الفتح على النسيان المذكور ~~إشعار بأن التذكر في الجملة غير خال عن النفع، و(حتى) في قوله تعالى: { ~~حتى إذا فرحوا بما أوتوا } هي التي يبتدأ بها الكلام ~~دخلت على الجملة الشرطية كما في قوله تعالى: # حتى إذا جاء أمرنا # [هود، الآية 40] الآية ونظائره، وهي مع ذلك غاية لقوله تعالى: { ~~فتحنا } أو لما يدل هم عليه كأنه قيل: ففعلوا ما فعلوا حتى إذا ~~اطمأنوا بما أتيح لهم وبطروا وأشروا { أخذنهم بغتة } أي ~~نزل بهم عذابنا فجأة ليكون أشد عليهم وقعا وأفظع هولا { فإذا ~~هم مبلسون } متحسرون غاية الحسرة آيسون من كل خير، واجمون، وفي ~~الجملة الاسمية دلالة على استقرارهم على تلك الحالة الفظيعة. ### || [6.45-47] # { فقطع دابر القوم الذين ظلموا } أي آخرهم بحيث لم ~~يبق منهم أحد، من دبره دبرا أي تبعه، ووضع الظاهر موضع الضمير ~~للإشعار بعلة الحكم فإن هلاكهم بسبب ظلمهم الذي هو وضع الكفر موضع ~~الشكر وإقامة المعاصي مقام الطاعات { والحمد لله رب ~~العلمين } على ما جرى عليهم من النكال، فإن إهلاك الكفار ~~والعصاة من حيث أنه تخليص لأهل الأرض من شؤم عقائدهم الفاسدة، ~~وأعمالهم الخبيثة نعمة جليلة مستجلبة للحمد، لا سيما مع ما فيه من ~~إعلاء كلمة الحق التي نطقت بها رسلهم عليهم السلام. # { قل أرءيتم } أمر لرسول الله صلى الله عليه وسلم بتكرير ~~التبكيت عليهم وتثنية الإلزام بعد تكملة الإلزام الأول ببيان أنه ~~أمر مستمر لم يزل جاريا في الأمم، وهذا أيضا استخبار عن متعلق ~~الرؤية وإن كان بحسب الظاهر ms1019 استخبارا عن نفس الرؤية { إن أخذ ~~الله سمعكم وأبصركم } بأن أصمكم وأعماكم بالكلية { ~~وختم على قلوبكم } بأن غطى عليها بما لا يبقى لكم معه ~~عقل وفهم أصلا وتصيرون مجانين، ويجوز أن يكون الختم عطفا تفسيريا ~~للأخذ المذكور فإن السمع والبصر طريقان للقلب، منهما يرد ما يرده من ~~المدركات، فأخذهما سد لبابه بالكلية، وهو السر في تقديم أخذهما على ~~ختمها، وأما تقديم السمع على الإبصار فلأنه مورد الآيات القرآنية، ~~وإفراده لما أن أصله مصدر وقوله تعالى: { من إله } مبتدأ وخبر ~~و(من) استفهامية، وقوله تعالى: { غير الله } صفة للخبر، وقوله ~~تعالى: { يأتيكم به } أي بذاك على أن الضمير مستعار لاسم ~~الإشارة، أو بما أخذ وختم عليه، صفة أخرى له والجملة متعلق ~~الرؤية ومناط الاستخبار أي أخبروني إن سلب الله مشاعركم من إله غيره ~~تعالى يأتيكم بها. وقوله تعالى: { انظر كيف نصرف الآيت } ~~تعجيب لرسول الله صلى الله عليه وسلم من عدم تأثرهم بما عاينوا من ~~الآيات الباهرة أي انظر كيف نكررها ونقررها مصروفة من أسلوب إلى ~~أسلوب، تارة بترتيب المقدمات العقلية وتارة بطريق الترغيب والترهيب، ~~وتارة بالتنبيه والتذكير { ثم هم يصدفون } عطف على نصرف ~~داخل في حكمه، وهو العمدة في التعجيب و(ثم) لاستبعاد صدوفهم أي ~~إعراضهم عن تلك الآيات بعد تصريفها على هذا النمط البديع الموجب ~~للإقبال عليها. # { قل أرأيتكم } تبكيت آخر لهم بإلجائهم إلى الاعتراف ~~باختصاص العذاب بهم { إن أتكم عذاب الله } أي عذابه ~~العاجل الخاص بكم كما أتى من قبلكم من الأمم { بغتة } أي فجأة ~~من غير أن يظهر منه مخايل الإتيان وحيث تضمن هذا معنى الخفية قوبل ~~بقوله تعالى: { أو جهرة } أي بعد ظهور أماراته وعلائمه، وقيل: ~~ليلا أو نهارا كما في قوله تعالى: # بياتا أو نهارا # [يونس، الآية 50] لما أن الغالب فيما أتى ليلا البغتة وفيما أتى ~~نهارا الجهرة، وقرىء بغتة أو جهرة وهما في موضع المصدر أي إتيان بغتة ~~أو إتيان جهرة، وتقديم البغتة لكونها أهول وأفظع، وقوله تعالى: { ~~هل يهلك } متعلق الاستخبار، والاستفهام للتقرير أي قل ms1020 لهم ~~تقريرا لهم باختصاص الهلاك بهم أخبروني إن أتاكم عذابه تعالى حسبما ~~تستحقونه هل يهلك بذلك العذاب إلا أنتم؟ أي هل يهلك غيركم ممن لا ~~يستحقه؟ وإنما وضع موضعه { إلا القوم الظلمون } تسجيلا ~~عليهم بالظلم وإيذانا بأن مناط إهلاكهم ظلمهم الذي هو وضعهم الكفر ~~موضع الإيمان. # وقيل: المراد بالظالمين الجنس وهم داخلون في الحكم دخولا أوليا. قال ~~الزجاج: هل يهلك إلا أنتم ومن أشبهكم؟ ويأباه تخصيص الإتيان بهم، وقيل: ~~الاستفهام بمعنى النفي فمتعلق الاستخبار حينئذ محذوف كأنه قيل: ~~أخبروني إن أتاكم عذابه تعالى بغتة أو جهرة ماذا يكون الحال؟ ثم قيل ~~بيانا لذلك: ما يهلك إلا القوم الظالمون أي ما يهلك بذلك العذاب ~~الخاص بكم إلا أنتم. فمن قيد الهلاك بهلاك التعذيب والسخط لتحقيق ~~الحصر بإخراج غير الظالمين لما أنه ليس بطريق التعذيب والسخط بل ~~بطريق الإثابة ورفع الدرجة فقد أهمل ما يجديه واشتغل بما لا يعنيه ~~وأخل بجزالة النظم الكريم وقرىء هل يهلك من الثلاثي. ### || [6.48] # { وما نرسل المرسلين } كلام مستأنف مسوق لبيان وظائف ~~منصب الرسالة على الإطلاق وتحقيق ما في عهدة الرسل عليهم السلام، ~~وإظهار أن ما يقترحه الكفرة عليه عليه السلام ليس مما يتعلق ~~بالرسالة أصلا، وصيغة المضارع لبيان أن ذلك أمر مستمر جرت عليه ~~العادة الإلهية، وقوله تعالى: { إلا مبشرين ومنذرين } ~~حالان مقدرتان من المرسلين أي ما نرسلهم إلا مقدرا تبشيرهم ~~وإنذارهم ففيهما معنى العلة الغائية قطعا أي ليبشروا قومهم بالثواب ~~على الطاعة وينذروهم بالعقاب على المعصية أي ليخبروهم بالخبر السار ~~والخبر الضار دنيويا كان أو أخرويا من غير أن يكون لهم دخل ما في ~~وقوع المخبر به أصلا، وعليه يدور القصر والإلزام أن لا يكون بيان ~~الشرائع والأحكام من وظائف الرسالة، والفاء في قوله تعالى: { فمن ~~ءامن وأصلح } لترتيب ما بعدها على ما قبلها و(من) موصوله والفاء ~~في قوله تعالى: { فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون } ~~لشبه الموصول بالشرط أي لا خوف عليهم من العذاب الذي أنذروه دنيويا ~~كان أو أخرويا ولا هم يحزنون بفوات ms1021 ما بشروا به من الثواب العاجل ~~والآجل. وتقديم نفي الخوف على نفي الحزن لمراعاة حق المقام، ~~وجمع الضمائر الثلاثة الراجعة إلى (من) باعتبار معناها، كما أن إفراد ~~الضميرين السابقين باعتبار لفظهما، أي لا يعتريهم ما يوجب ذلك لا أنه ~~يعتريهم لكنهم لا يخافون ولا يحزنون، والمراد بيان دوام انتفائهما ~~لا بيان انتفاء دوامهما كما يوهمه كون الخبر في الجملة الثانية ~~مضارعا لما تقرر في موضعه من أن النفي وإن دخل على نفس المضارع يفيد ~~الدوام والاستمرار بحسب المقام، ألا يرى أن الجملة الاسمية تدل بمعونة ~~المقام على استمرار الثبوت فإذا دخل عليها حرف النفي دلت على استمرار ~~الانتفاء لا على انتفاء الاستمرار، كذلك المضارع الخالي عن حرف النفي ~~يفيد استمرار الثبوت فإذا دخل عليه حرف النفي يفيد استمرار الانتفاء ~~لا انتفاء الاستمرار ولا بعد في ذلك، فإن قولك: ما زيدا ضربت مفيد ~~لاختصاص النفي لا نفي الاختصاص، كما بين في محله. ### || [6.49-50] # وقوله عز وجل: { والذين كذبوا } عطف على من آمن داخل في ~~حكمه وقوله تعالى: { بئايتنا } إشارة إلى أن ما ينطق له الرسل ~~عليهم السلام عند التبشير والإنذار ويبلغونه إلى الأمم آياته تعالى، ~~وأن من آمن به فقد آمن بآياته تعالى، ومن كذب به فقد كذب بها، وفيه من ~~الترغيب في الإيمان والتحذير عن تكذيبه ما لا يخفى. والمعنى ما نرسل ~~المرسلين إلا ليخبروا أممهم من جهتنا بما سيقع منا من الأمور السارة ~~والضارة لا ليوقعوها استقلالا من تلقاء أنفسهم، أو استدعاء من ~~قبلنا، حتى يقترحوا، فإذا كان الأمر كذلك فمن آمن بما أخبروا به من ~~قبلنا تبشيرا أو إنذارا في ضمن آياتنا، وأصلح ما يجب إصلاحه من ~~أعماله، أو دخل في الصلاح فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون. والذين كذبوا ~~بآياتنا التي بلغوها عند التبشير والإنذار { يمسهم العذاب } ~~أي العذاب الذي أنذروه عاجلا، أو آجلا، أو حقيقة العذاب وجنسه ~~المنتظم له انتظاما أوليا { بما كانوا يفسقون } أي بسبب ~~فسقهم المستمر الذي هو الإصرار على الخروج عن التصديق والطاعة. ms1022 # { قل لا أقول لكم عندى خزائن الله } استئناف مبني ~~على ما أسس من السنة الإلهية في شأن إرسال الرسل وإنزال الكتب، ~~مسوق لإظهار تبرئته صلى الله عليه وسلم عما يدور عليه مقترحاتهم، ~~أي قل للكفرة الذين يقترحون عليك تارة تنزيل الآيات وأخرى غير ذلك لا ~~أدعي أن خزائن مقدوراته تعالى مفوضة إلي أتصرف فيها كيفما ~~أشاء استقلالا أو استدعاء، حتى تقترحوا علي تنزيل الآيات أو إنزال ~~العذاب، أو قلب الجبال ذهبا، أو غير ذلك مما لا يليق بشأني، وجعل هذا ~~تبرؤا عن دعوى الإلهية مما لا وجه له قطعا، وقوله تعالى: { ولا ~~أعلم الغيب } عطف على محل (عندي خزائن الله)، أي لا أدعي ~~أيضا أني أعلم الغيب من أفعاله تعالى حتى تسألوني عن وقت الساعة أو وقت ~~نزول العذاب أو نحوهما { ولا أقول لكم إنى ملك } حتى تكلفوني ~~من الأفاعيل الخارقة للعادات ما لا يطيق البشر من الرقي في السماء ~~ونحوه، أو تعدوا عدم اتصافي بصفاتهم قادحا في أمري كما ينبىء عنه ~~قولهم: # ما لهذا الرسول يأكل الطعام ويمشى في ~~الأسواق # [الفرقان، الآية 7] والمعنى إني لا أدعي شيئا من هذه الأشياء ~~الثلاثة حتى تقترحوا علي ما هو من آثارها وأحكامها، وتجعلوا عدم ~~إجابتي إلى ذلك دليلا على عدم صحة ما أدعيه من الرسالة التي لا ~~تعلق لها بشيء مما ذكر قطعا بل إنما هي عبارة عن تلقي الوحي من ~~جهة الله عز وجل، والعمل بمقتضاه فحسب، حسبما ينبىء عنه قوله تعالى: ~~{ إن أتبع إلا ما يوحى إلى } لا على معنى تخصيص اتباعه ~~صلى الله عليه وسلم بما يوحى إليه دون غيره بتوجيه القصر إلى المفعول ~~بالقياس إلى مفعول آخر كما هو الاستعمال الشائع الوارد على توجيه ~~القصر إلى ما يتعلق بالفعل باعتبار النفي في الأصل، والإثبات في القيد، ~~بل على معنى تخصيص حاله صلى الله عليه وسلم باتباع ما يوحى إليه بتوجيه ~~القصر إلى نفس الفعل بالقياس إلى ما يغره من الأفعال، لكن لا باعتبار ~~النفي والإثبات معا في خصوصية، ms1023 فإن ذلك غير ممكن قطعا، بل باعتبار ~~النفي فيما يتضمنه من مطلق الفعل، والإثبات فيما يقارنه من المعنى ~~المخصوص، فإن كل فعل من الأفعال الخاصة كنصر مثلا ينحل عند ~~التحقيق إلى معنى مطلق هو مدلول لفظ الفعل وإلى معنى خاص يقوم به ~~فإن معناه فعل النصر، يرشدك إلى ذلك قولهم: فلان يعطي ويمنع ~~بمعنى يفعل الإعطاء والمنع، فمورد القصر في الحقيقة ما يتعلق بالفعل ~~بتوجيه النفي إلى الأصل والإثبات إلى القيد، كأنه قيل: ما أفعل إلا ~~اتباع ما يوحى إلي من غير أن يكون لي مدخل ما في الوحي أو في ~~الموحى بطريق الاستدعاء، أو بوجه آخر من الوجوه أصلا. # { قل هل يستوى الأعمى والبصير } مثل للضال والمهتدي ~~على الإطلاق، والاستفهام إنكاري والمراد إنكار استواء من لا يعلم ما ~~ذكر من الحقائق ومن يعلمها وفيه من الإشعار بكمال ظهورها ومن التنفير ~~عن الضلال والترغيب في الاهتداء ما لا يخفى، وتكرير الأمر لتثنية ~~التبكيت وتأكيد الإلزام، وقوله تعالى: { أفلا تتفكرون } ~~تقريع وتوبيخ داخل تحت الأمر، والفاء للعطف على مقدر يقتضيه ~~المقام، أي ألا تسمعون هذا الكلام الحق فلا تتفكرون فيه، أو أتسمعون ~~فلا تتفكرون فيه، فمناط التوبيخ في الأول عدم الأمرين معا، وفي ~~الثاني عدم التفكر مع تحقق ما يوجبه. ### || [6.51] # { وأنذر به الذين يخافون أن يحشروا إلى ربهم ~~} بعد ما حكي لرسول الله صلى الله عليه وسلم أن من الكفرة قوما لا ~~يتعظون بتصريف الآيات الباهرة، ولا يتأثرون بمشاهدة المعجزات القاهرة، قد ~~إيفت مشاعرهم بالكلية، والتحقوا بالأموات، وقرر ذلك بأن كرر عليهم ~~من فنون التبكيت والإلزام ما يلقمهم الحجر أي إلقام فأبوا إلا ~~الإباء والنكير، وما نجع فيهم عظة ولا تذكير، وما أفادهم الإنذار ~~إلا إصرارا على الإنكار، أمر عليه الصلاة والسلام بتوجيه الإنذار إلى ~~من يتوقع منهم التأثر في الجملة وهم المجوزون منهم لحشر على الوجه ~~الآتي، سواء كانوا جازمين بأصله كأهل الكتاب وبعض المشركين المعترفين ~~بالبعث، المترددين في شفاعة آبائهم الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ~~كالأولين أو في شفاعة ms1024 الأصنام كالآخرين أو مترددين فيهما معا كبعض ~~الكفرة الذين يعلم من حالهم أنهم إذا سمعوا بحديث البعث يخافون أن يكون ~~حقا، وأما المنكرون للحشر رأسا والقائلون به القاطعون بشفاعة آبائهم أو ~~بشفاعة الأصنام فهم خارجون ممن أمر بإنذراهم، وقد قيل: هم المفرطون في ~~الأعمال من المؤمنين، ولا يساعده سباق النظم الكريم ولا سياقه، بل فيه ~~ما يقضي باستحالة صحته كما ستقف عليه، والضمير المجرور لما يوحى أو ~~لما دل هو عليه من القرآن، والمفعول الثاني للإنذار إما العذاب ~~الأخروي المدلول عليه بما في حيز الصلة وإما مطلق العذاب الذي ورد به ~~الوعيد، والتعرض لعنوان الربوبية المنبئة عن المالكية المطلقة ~~والتصرف الكلي لتربية المهابة وتحقيق المخافة، وقوله تعالى: { ليس ~~لهم من دونه ولى ولا شفيع } في حيز النصب على الحالية ~~من ضمير (يحشروا)، و(من) متعلقة بمحذوف وقع حالا من اسم ليس، لأنه في ~~الأصل صفة له فلما قدم عليه انتصب حالا، خلا أن الحال الأولى لإخراج ~~الحشر الذي لم يقيد بها عن حيز الخوف، وتحقيق أن ما نيط به الخوف ~~هو الحشر على تلك الحالة لا الحشر كيفما كان، ضرورة أن المعترفين به ~~الجازمين بنصرة غيره تعالى بمنزلة المنكرين له في عدم الخوف الذي ~~عليه يدور أمر الإنذار، وأما الحال الثانية فليست لإخراج الولي ~~الذي لم يقيد بها عن حيز الانتفاء لفساد المعنى لاستلزام ثبوت ~~ولايته تعالى لهم كما في قوله تعالى: # وما لكم من دون الله من ولي ولا نصير # [البقرة، الآية 107] بل لتحقيق مدار خوفهم وهو فقدان ما علقوا به ~~رجاءهم، وذلك إنما هو ولاية غيره سبحانه وتعالى في قوله تعالى: # ومن لا يجب داعى الله فليس بمعجز فى الأرض ~~وليس له من دونه أولياء # [الأحقاف، الآية 32] والمعنى أنذر به الذين يخافون أن يحشروا غير ~~منصورين من جهة أنصارهم على زعمهم، ومن هذا اتضح ألا سبيل إلى كون ~~المراد بالخائفين المفرطين من المؤمنين، إذ ليس لهم ولي سواه تعالى ~~ليخافوا الحشر بدون نصرته وإنما الذين يخافون الحشر بدون نصرته ms1025 عز ~~وجل، وقوله تعالى: { لعلهم يتقون } تعليل الأمر، أي أنذرهم ~~لكي يتقوا الكفر والمعاصي أو حال من ضمير الأمر، أي أنذرهم راجيا ~~تقواهم أو من الموصول أي أنذرهم مرجوا منهم التقوى. ### || [6.52] # { ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة ~~والعشى } لما أمر صلى الله عليه وسلم بإنذار المذكورين لينتظموا في ~~سلك المتقين نهي صلى الله عليه وسلم عن كون ذلك بحيث يؤدي إلى طردهم. # " روي أن رؤساء من المشركين قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم: لو ~~طردت هؤلاء الأعبد وأرواح جبابهم يعنون فقراء المسلمين كعمار ~~وصهيب وخباب وسلمان وأضرابهم رضي الله تعالى عنهم جلسنا إليك ~~وحادثناك. فقال صلى الله عليه وسلم: " ما أنا بطارد المؤمنين " فقالوا: ~~فأقمهم عنا إذا جئنا، فإذا قمنا فأقعدهم معك إن شئت، قال صلى الله ~~عليه وسلم: «نعم» طمعا في إيمانهم. وروي أن عمر رضي الله تعالى عنه قال ~~له عليه الصلاة والسلام: " لو فعلت حتى تنظر إلى ما يصيرون؟ " # وقيل: إن عتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة ومطعم بن عدي ~~والحارث بن نوفل وقرصة بن عبيد وعمرو بن نوفل وأشراف بني عبد ~~مناف من أهل الكفر أتوا أبا طالب فقالوا: يا أبا طالب لو أن ابن أخيك ~~محمدا يطرد موالينا وحلفاءنا وهم عبيدنا وعتقاؤنا كان أعظم في ~~صدورنا، وأدنى لاتباعنا إياه، فأتى أبو طالب إلى النبي صلى الله عليه ~~وسلم فحدثه بالذي كلموه، فقال عمر رضي الله عنه: لو فعلت ذلك حتى تنظر ~~ما الذي يريدون، وإلام يصيرون؟ وقال سلمان وخباب: فينا نزلت هذه الآية، ~~جاء الأقرع بن حابس التميمي وعيينة بن حصن الفزاري وعباس ~~بن مرداس وذووهم من المؤلفة قلوبهم فوجدوا النبي صلى الله عليه ~~وسلم جالسا مع أناس من ضعفاء المؤمنين، فلما رأوهم حوله صلى الله عليه ~~وسلم حقروهم فأتوه عليه الصلاة والسلام فقالوا: يا رسول الله لو جلست ~~في صدر المسجد، ونفيت عنا هؤلاء وأرواح جبابهم فجالسناك وحادثناك ~~وأخذنا عنك فقال صلى الله عليه وسلم: # " ما أنا بطارد المؤمنين " # قالوا: فإنا نحب ms1026 أن تجعل لنا معك مجلسا تعرف لنا به العرب فضلنا ~~فإن وفود العرب تأتيك فنستحي أن ترانا مع هؤلاء الأعبد، فإذا نحن جئناك ~~فأقمهم عنا، فإذا نحن فرغنا فاقعد معهم إن شئت قال صلى الله عليه وسلم: ~~«نعم» قالوا: فاكتب لنا كتابا فدعا بالصحيفة وبعلي رضي الله تعالى عنه ~~ليكتب ونحن قعود في ناحية، فنزل جبريل عليه السلام بالآية، فرمى عليه ~~السلام بالصحيفة ودعانا فأتيناه وجلسنا عنده، وكنا ندنو منه حتى تمس ~~ركبنا ركبته، وكان يقوم عنا إذا أراد القيام فنزلت # واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم # [الكهف، الآية 28] فترك القيام عنا إلى أن نقوم عنه وقال: # " الحمد لله الذي لم يمتني حتى أمرني أن أصبر نفسي مع قوم من أمتي ~~معكم المحيا ومعكم الممات " # والمراد بذكر الوقتين الدوام وقيل: صلاة الفجر والعصر وقرىء ~~(بالغدوة) وقوله تعالى: { يريدون وجهه } حال من ضمير (يدعون) أي ~~يدعونه تعالى مخلصين له فيه، وتقييده به لتأكيد عليته للنهي، فإن ~~الإخلاص من أقوى موجبات الإكرام المضاد للطرد، وقوله تعالى: { ما ~~عليك من حسابهم من شىء } اعتراض وسط بين النهي وجوابه ~~تقريرا له ودفعا لما عسى يتوهم كونه مسوغا لطردهم من أقاويل ~~الطاعنين في دينهم، كدأب قوم نوح حيث قالوا: # ما نراك اتبعك إلا الذين هم أراذلنا بادى ~~الرأى # [هود، الآية 27] أي ما عليك شيء ما من حساب إيمانهم وأعمالهم ~~الباطنة حتى تتصدى له وتنبي على ذلك ما تراه من الأحكام، وإنما ~~وظيفتك حسبما هو شأن منصب النبوة اعتبار ظواهر الأعمال وإجراء ~~الأحكام على موجبها، وأما بواطن الأمور فحسابها على العليم بذات الصدور ~~كقوله تعالى: # إن حسابهم إلا على ربى # [الشعراء، الآية 113] وذكر قوله تعالى: { وما من حسابك ~~عليهم من شىء } مع أن الجواب قد تم بما قبله للمبالغة في بيان ~~انتفاء كون حسابهم عليه صلى الله عليه وسلم بنظمه في سلك ما لا شبهة ~~فيه أصلا، وهو انتفاء كون حسابه عليه السلام عليهم على طريقة قوله ~~تعالى: # لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون # [الأعراف، الآية 34] وأما ms1027 ما قيل من أن ذلك لتنزيل الجملتين منزلة ~~جملة واحدة لتأدية معنى واحد على نهج قوله تعالى: # ولا تزر وازرة وزر أخرى # [فاطر، الآية 18] فغير حقيق بجلالة شأن التنزيل، وتقديم (عليك) في ~~الجملة الأولى للقصد إلى إيراد النفي على اختصاص حسابهم به صلى الله عليه ~~وسلم إذ هو الداعي إلى تصديه عليه الصلاة والسلام لحسابهم، وقيل: الضمير ~~للمشركين، والمعنى: أنك لا تؤاخذ بحسابهم حتى يهمك إيمانهم ~~ويدعوك الحرص عليه إلى أن تطرد المؤمنين، وقوله تعالى: { ~~فتطردهم } جواب النفي وقوله تعالى: { فتكون من ~~الظلمين } جواب النهي وقد جوز عطفه على (فتطردهم) على طريقة ~~التسبيب وليس بذاك. ### || [6.53] # { وكذلك فتنا بعضهم ببعض } استئناف مبين لما نشأ ~~عنه ما سبق من النهي، وذلك إشارة إلى مصدر ما بعده من الفعل الذي هو ~~عبارة عن تقديمه تعالى لفقراء المؤمنين في أمر الدين بتوفيقهم للإيمان ~~مع ما هم عليه في أمر الدنيا من كمال سوء الحال، وما فيه من معنى البعد ~~للإيذان بعلو درجة المشار إليه، وبعد منزلته في الكمال، والكاف ~~مقحمة لتأكيد ما أفاده اسم الإشارة من الفخامة، ومحلها في الأصل ~~النصب على أنه نعت لمصدر مؤكد محذوف، والتقدير فتنا بعضهم ببعض ~~فتونا كائنا مثل ذلك الفتون، ثم قدم على الفعل لإفادة القصر ~~المفيد لعدم القصور فقط، واعتبرت الكاف مقحمة فصار نفس المصدر ~~المؤكد لا نعتا له. والمعنى ذلك الفتون الكامل البديع فتنا، أي ~~ابتلينا بعض الناس ببعضهم لا فتونا غيره، حيث قدمنا الآخرين في أمر ~~الدين على الأولين المتقدمين عليهم في أمر الدنيا تقدما كليا، ~~واللام في قوله تعالى: { ليقولوا } للعاقبة، أي ليقول البعض الأولون ~~مشيرين إلى الآخرين محقرين لهم نظرا إلى ما بينهما من التفاوت ~~الفاحش الدنيوي، وتعاميا عما هو مناط التفضيل حقيقة { أهؤلاء ~~من الله عليهم من بيننا } بأن وفقهم لإصابة الحق ولما ~~يسعدهم عنده تعالى من دوننا، ونحن المقدمون والرؤساء، وهم العبيد ~~والفقراء، وغرضهم بذلك إنكار وقوع المن رأسا على طريقة قولهم: # لو كان خيرا ما سبقونا إليه # [الأحقاف، الآية ms1028 11] لا تحقير الممنون عليهم مع الاعتراف بوقوعه بطريق ~~الاعتراض عليه تعالى، وقوله تعالى: { أليس الله بأعلم ~~بالشكرين } رد لقولهم ذلك وإبطال له، وإشارة إلى أن مدار ~~استحقاق الإنعام معرفة شأن النعمة والاعتراف بحق المنعم، ~~والاستفهام لتقرير علمه البالغ بذلك، أي أليس الله بأعلم بالشاكرين ~~لنعمه حتى تستبعدوا إنعامه عليهم؟ وفيه من الإشارة إلى أن أولئك ~~الضعفاء عارفون بحق نعم الله تعالى في تنزيل القرآن والتوفيق ~~للإيمان، شاكرون له تعالى على ذلك مع التعريض بأن القائلين بمعزل من ذلك ~~كله ما لا يخفى. ### || [6.54] # { وإذا جاءك الذين يؤمنون بئايتنا } هم الذين ~~نهي عن طردهم، وصفوا بالإيمان بآيات الله عز وجل كما وصفوا ~~بالمداومة على عبادته تعالى بالإخلاص تنبيها على إحرازهم لفضيلتي ~~العلم والعمل، وتأخير هذا الوصف مع تقدمه على الوصف الأول لما أن ~~مدار الوعد بالرحمة والمغفرة هو الإيمان بها كما أن مناط النهي عن ~~الطرد فيما سبق هو المداومة على العبادة وقوله تعالى: { فقل سلم ~~عليكم } أمر بتبشيرهم بالسلامة عن كل مكروه بعد إنذار مقابليهم، ~~وقيل: بتبليغ سلامه تعالى إليهم، وقيل: بأن يبدأهم بالسلام، وقوله ~~تعالى: { كتب ربكم على نفسه الرحمة } أي قضاها ~~وأوجبها على ذاته المقدسة بطريق التفضل والإحسان بالذات، لا بتوسط ~~شيء ما أصلا، تبشيرا لهم بسعة رحمته تعالى، وبنيل المطالب إثر ~~تبشيرهم بالسلامة من المكاره وقبوله التوبة منهم، وفي التعرض لعنوان ~~الربوبية مع الإضافة إلى ضميرهم إظهار اللطف بهم والإشعار بعلة ~~الحكم. وقيل: إن قوما جاءوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: ~~إنا أصبنا ذنوبا عظاما، فلم يرد عليهم شيئا فانصرفوا، فنزلت ~~وقوله تعالى: { أنه من عمل منكم سوءا } بدل من الرحمة، ~~وقرىء بكسر (إنه) على أنه تفسير للرحمة بطريق الاستئناف وقوله تعالى: { ~~بجهالة } حال من فاعل (عمل) أي عمله وهو جاهل بحقيقة ما يتبعه من ~~المضار، والتقييد بذلك للإيذان بأن المؤمن لا يباشر ما يعلم أنه ~~يؤدي إلى الضرر، أو عمله متلبسا بجهالة { ثم تاب من بعده } ~~أي من عمله أو بعد سفهه { وأصلح } أي ms1029 ما أفسده تداركا وعزما ~~على أن لا يعود إليه أبدا { فأنه غفور رحيم } أي فأمره ~~أنه غفور رحيم، وقرىء (فإنه) بالكسر على أنه استئناف وقع في صدر الجملة ~~الواقعة خبرا (لمن) على أنها موصولة أو جوابا لها عن أنها شرطية. ### || [6.55-57] # { وكذلك نفصل الآيت } قد مر آنفا ما فيه من الكلام أي هذا ~~التفصيل البديع تفصل الآيات في صفة أهل الطاعة وأهل الإجرام ~~المصرين منهم والأولين { ولتستبين سبيل المجرمين } ~~بتأنيث الفعل بناء على تأنيث الفاعل وقرىء بالتذكير بناء على تذكيره ~~فإن السبيل مما يذكر ويؤنث، وهو عطف على علة محذوفة للفعل المذكور ~~لم يقصد تعليله بها بعينها وإنما قصد الإشعار بأن له فوائد جمة ~~من جملتها ما ذكر، أو علة لفعل مقدر هو عبارة عن المذكور فيكون ~~مستأنفا أي ولتستبين سبيلهم نفعل ما نفعل من التفصيل. وقرىء بنصب ~~السبيل على أن الفعل متعد وتاؤه للخطاب أي ولتستوضح أنت يا محمد ~~سبيل المجرمين فتعاملهم بما يليق بهم. # { قل إنى نهيت } أمر عليه الصلاة والسلام بالرجوع إلى مخاطبة ~~المصرين على الشرك إثر ما أمر بمعاملة من عداهم من أهل الإنذار ~~والتبشير بما يليق بحالهم أي قل لهم قطعا لأطماعهم الفارغة عن ركونه ~~عليه الصلاة والسلام إليهم، وبيانا لكون ما هم عليه من الدين هوى ~~محضا وضلالا بحتا، إني صرفت وزجرت بما نصب لي من الأدلة وأنزل ~~علي من الآيات في أمر التوحيد { أن أعبد الذين تدعون } أي ~~عن عبادة ما تعبدونه { من دون الله } كائنا ما كان. # { قل } كرر الأمر مع قرب العهد اعتناء بشأن المأمور به أو إيذانا ~~باختلاف المقولين من حيث إن الأول حكاية لما من جهته تعالى من ~~النهي، والثاني حكاية لما من جهته صلى الله عليه وسلم من الانتهاء عما ~~ذكر من عبادة ما يعبدونه وإنما قيل: { لا أتبع أهواءكم } ~~استجهالا لهم وتنصيصا على أنهم فيما هم فيه تابعون لأهواء باطلة ~~وليسوا على شيء مما ينطلق عليه الدين أصلا، وإشعارا بما يوجب النهي ~~والانتهاء، وقوله تعالى: { قد ضللت ms1030 إذا } استئناف مؤكد ~~لانتهائه عما نخي عنه مقرر لكونهم في غاية الضلال والغواية، أي إن ~~اتبعت أهواءكم فقد ضللت، وقوله تعالى: { وما أنا من ~~المهتدين } عطف على ما قبله، والعدول إلى الجملة الاسمية للدلالة ~~على الدوام والاستمرار أي دوام النفي واستمراره لا نفي الدوام ~~والاستمرار كما مر مرارا أي ما أنا في شيء من الهدى حين أكون في عدادهم ~~وقوله تعالى: { قل إنى على بينة } تحقيق للحق الذي عليه ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم وبيان لاتباعه إياه إثر إبطال الذي ~~عليه الكفرة وبيان عدم اتباعه له والبينة الحجة الواضحة التي ~~تفصل بين الحق والباطل والمراد بها القرآن والوحي وقيل: هي الحجج ~~العقلية أو ما يعمها، ولا يساعده المقام، والتنوين للتفخيم، وقوله ~~تعالى: { من ربى } متعلق بمحذوف هو صفة (لبينة) مؤكدة لما أفاده ~~التنوين من الفخامة الذاتية بالفخامة الإضافية، وفي التعرض لعنوان ~~الربوبية مع الإضافة إلى ضميره صلى الله عليه وسلم من التشريف ورفع ~~المنزلة ما لا يخفى، وقوله تعالى: { وكذبتم به } إما جملة ~~مستأنفة أو حالية بتقدير قد أو بدونه، جيء بها لاستقباح مضمونها ~~واستبعاد وقوعه مع تحقق ما يقتضي عدمه من غاية وضوح البينة، والضمير ~~المجرور للبينة، والتذكير باعتبار المعنى المراد، والمعنى إني على ~~بينة عظيمة كائنة من ربي وكذبتم بها وبما فيها من الأخبار التي من ~~جمتلها الوعيد بمجيء العذاب، وقوله تعالى: { ما عندى ما ~~تستعجلون به } استئناف مبين لخطئهم في شأن ما جعلوه منشأ ~~لتكذيبهم بها، وهو عدم مجيء ما وعد فيها من العذاب الذي كانوا ~~يستعجلونه بقولهم: # متى هذا الوعد إن كنتم صدقين # [سبأ، الآية 29] بطريق الاستهزاء أو بطريق الإلزام على زعمهم أي ليس ~~ما تستعجلونه من العذاب الموعود في القرآن وتجعلون تأخره ذريعة ~~إلى تكذيبه في حكمي وقدرتي حتى أجيء به وأظهر لكم صدقه، أو ليس ~~أمره بمفوض إلي { إن الحكم } أي ما الحكم في ذلك تعجيلا ~~وتأخيرا أو ما الحكم في جميع الأشياء، فيدخل فيه ما ذكر دخولا ~~أوليا { إلا لله } وحده من ms1031 غير أن يكون لغيره دخل ما فيه بوجه ~~من الوجوه، وقوله تعالى: { يقص الحق } أي يتبعه، بيان ~~لشؤونه تعالى في الحكم المعهود أو في جميع أحكامه المنتظمة له ~~انتظاما أوليا، أي لا يحكم إلا بما هو حق فيثبت حقيقة التأخير. ~~وقرىء (يقضي) فانتصاب (الحق) حينئذ على المصدرية أي يقضي القضاء ~~الحق أو على المفعولية أي يصنع الحق ويدبره من قولهم: قضى ~~الدرع إذا صنعها، وأصل القضاء الفصل بتمام الأمر، وأصل الحكم ~~المنع فكأنه يمنع الباطل عن معارضة الحق أو الخصم عن التعدي على ~~صاحبه { وهو خير الفصلين } اعتراض تذييلي مقرر ~~لمضمون ما قبله، مشير إلى أن قص الحق ههنا بطريق خاص هو الفصل ~~بين الحق والباطل، هذا هو الذي تستدعيه جزالة التنزيل. وقد قيل: ~~إن المعنى إني من معرفة ربي وأنه لا معبود سواه على حجة واضحة ~~وشاهد صدق وكذبتم به أنتم حيث أشركتم به تعالى غيره. وأنت خبير بأن ~~مساق النظم الكريم فيما سبق وما لحق على وصفهم بتكذيب آيات الله ~~تعالى بسبب عدم مجيء العذاب الموعود فيها، فتكذيبهم به سبحانه في أمر ~~التوحيد مما لا تعلق له بالمقام أصلا. ### || [6.58] # { قل لو أن عندى } أي في قدرتي ومكنتي { ما تستعجلون ~~به } من العذاب الذي ورد به الوعيد بأن يكون أمره مفوضا إلي من جهته ~~تعالى { لقضى الأمر بينى وبينكم } أي بأن ينزل ذلك ~~عليكم إثر استعجالكم بقولكم: متى هذا الوعد ونظائره، وفي بناء الفعل ~~للمفعول من الإيذان بتعين الفاعل الذي هو الله تعالى وتهويل الأمر ~~ومراعاة حسن الأدب ما لا يخفى. فما قيل في تفسيره لأهلكتكم عاجلا ~~غضبا لربي ولتخلصت منكم سريعا بمعزل من توفية المقام حقه. ~~وقوله تعالى: { والله أعلم بالظلمين } اعتراض مقرر ~~لما أفادته الجملة الامتناعية من انتفاء كون أمر العذاب مفوضا ~~إليه صلى الله عليه وسلم المستتبع لانتفاء قضاء الأمر، وتعليل له ~~والمعنى والله تعالى أعلم بحال الظالمين وبأنهم مستحقون للإمهال بطريق ~~الاستدراج لتشديد العذاب ولذلك لم يفوض الأمر إلي فلم يقض الأمر ~~بتعجيل العذاب ms1032 والله أعلم. ### || [6.59-60] # { وعنده مفاتح الغيب } بيان لاختصاص المقدورات الغيبية ~~به تعالى من حيث العلم إثر بيان اختصاص كلها به تعالى من حيث ~~القدرة، والمفاتح إما جمع مفتح بفتح الميم وهو المخزن فهو مستعار ~~لمكان الغيب كأنها مخازن خزنت فيها الأمور الغيبية يغلق عليها ~~ويفتح، وإما جمع مفتح بكسرها، وهو المفتاح، ويؤيده قراءة من قرأ ~~(مفاتيح الغيب) فهو مستعار لما يتوصل به إلى تلك الأمور بناء على ~~الاستعارة الأولى، أي عنده تعالى خاصة خزائن غيوبه أو يتوصل به ~~إليها، وقوله عز وجل: { لا يعلمها إلا هو } تأكيد لمضمون ~~ما قبله، وإيذان بأن المراد هو الاختصاص من حيث العلم لا من حيث ~~القدرة، والمعنى أن ما تستعجلونه من العذاب ليس مقدورا لي حتى ~~ألزمكم بتعجيله، ولا معلوما لدي لأخبركم وقت نزوله، بل هو مما ~~يختص به تعالى قدرة وعلما فينزله حسبما تقتضيه مشيئته المبنية ~~على الحكم والمصاله، وقوله تعالى: { ويعلم ما فى البر ~~والبحر } بيان لتعلق علمه تعالى بالمشاهدات إثر بيان تعلقه ~~بالمغيبات تكملة له وتنبيها على أن الكل بالنسبة إلى علمه ~~المحيط سواء في الجلاء، أي يعلم ما فيهما من الموجودات مفصلة على ~~اختلاف أجناسها وأنواعها وتكثر أفرادها، وقوله تعالى: { وما ~~تسقط من ورقة إلا يعلمها } بيان لتعلقه بأحوالها ~~المتغيرة بعد بيان تعلقه بذواتها، فإن تخصيص حال السقوط بالذكر ~~ليس إلا بطريق الاكتفاء بذكرها عن ذكر سائر الأحوال، كما أن ذكر حال ~~الورقة وما عطف عليها خاصة دون أحوال سائر ما فيهما من فنون ~~الموجودات الفائتة للحصر باعتبار أنها أنموذج لأحوال سائرها، وقوله ~~تعالى: { ولا حبة } عطف على (ورقة) وقوله تعالى: { فى ~~ظلمت الأرض } متعلق بمحذوف هو صفة لحبة مفيدة لكمال نفوذ ~~علمه تعالى أي ولا حبة كائنة في بطون الأرض إلا يعلمها، وكذا قوله ~~تعالى: { ولا رطب ولا يابس } معطوفان عليها داخلان في حكمها ~~وقوله تعالى: { إلا فى كتب مبين } بدل من الاستثناء ~~الأول بدل الكل [من الكل] على أن الكتاب المبين عبارة عن علمه ~~تعالى أو بدل الاشتمال ms1033 على أنه عبارة عن اللوح المحفوظ، وقرىء ~~الأخيران بالرفع عطفا على محل (من ورقة) وقيل: رفعهما بالابتداء ~~والخبر (إلا في كتاب مبين) وهو الأنسب بالمقام لشمول الرطب واليابس ~~حينئذ لما ليس من شأنه السقوط، وقد نقل قراءة الرفع في (ولا حبة) ~~أيضا. # { وهو الذى يتوفكم باليل } أي ينيمكم فيه على ~~استعارة التوفي من الإماتة للإنامة لما بين الموت والنوم من ~~المشاركة في زوال الإحساس والتمييز، وأصله قبض الشيء بتمامه { ~~ويعلم ما جرحتم بالنهار } أي ما كسبتم فيه والمراد ~~بالليل والنهار الجنس المتحقق في كل فرد من أفرادهما، إذ بالتوفي ~~والبعث الموجودين فيها يتحقق قضاء الأجل المسمى المترتب عليها لا ~~في بعضها، والمراد بعلمه تعالى ذلك علمه قبل الجرح كما يلوح به ~~تقديم ذكره على البعث أي يعلم ما تجرحون بالنهار، وصيغة الماضي ~~للدلالة على التحقق، وتخصيص التوفي بالليل والجرح بالنهار مع تحقق ~~كل منهما فيما خص بالآخر للجري على سنن العادة { ثم ~~يبعثكم فيه } أي يوقظكم في النهار، عطف على يتوفاكم، وتوسيط ~~قوله تعالى: { ويعلم } الخ، بينهما لبيان ما في بعثهم من عظيم ~~الإحسان إليهم بالتنبيه على أن ما يكتسبونه من السيئات مع كونها موجبة ~~لإبقائهم على التوفي بل لإهلاكهم بالمرة يفيض عليهم الحياة ويمهلهم ~~كما ينبىء عنه كلمة التراخي، كأنه قيل: هو الذي يتوفاكم في جنس الليالي ~~ثم يبعثكم في جنس النهار مع علمه بما ستجرحون فيها { ليقضى أجل ~~مسمى } معين لكل فرد فرد بحيث لا يكاد يتخطى أحد ما عين له ~~طرفة عين { ثم إليه مرجعكم } أي رجوعكم بالموت لا إلى ~~غيره أصلا { ثم ينبئكم بما كنتم تعملون } بالمجازاة ~~بأعمالكم التي كنتم تعملونها في تلك الليالي والأيام، وقيل: الخطاب ~~مخصوص بالكفرة، والمعنى أنكم ملقون كالجيف بالليل كاسبون للآثام ~~بالنهار، وأنه تعالى مطلع على أعمالكم يبعثكم الله من القبور في شأن ما ~~قطعتم به أعماركم من النوم بالليل وكسب الآثام بالنهار ليقضى ~~الأجل الذي سماه وضربه لبعث الموتى وجزائهم على أعمالهم. # وفيه ما لا يخفى من التكلف والإخلال، لإفضائه ms1034 إلى كون البعث معللا ~~بقضاء الأجل المضروب له. ### || [6.61] # { وهو القاهر فوق عباده } أي هو المتصرف في أمورهم لا ~~غيره يفعل بهم ما يشاء إيجادا وإعداما وإحياء وإماتة وتعذيبا ~~وإثابة إلى غير ذلك { ويرسل عليكم } خاصة أيها المكلفون { ~~حفظة } من الملائكة وهم الكرام الكاتبون و(عليكم) متعلق بيرسل لما ~~فيه من معنى الاستيلاء، وتقديمه على المفعول الصريح لما مر مرارا من ~~الاعتناء بالمقدم والتشويق إلى المؤخر، وقيل: متعلق بمحذوف هو حال من ~~(حفظة) إذ لو تأخر لكان صفة أي كائنين عليكم، وقيل: متعلق بحفظة ~~والمحفوظ محذوف على كل حال أي يرسل عليكم ملائكة يحفظون أعمالكم ~~كائنة ما كانت، وفي ذلك حكمة جميلة ونعمة جليلة لما أن المكلف إذا ~~علم أن أعماله تحفظ عليه وتعرض على رؤوس الأشهاد كان ذلك أزجر له عن ~~تعاطي المعاصي والقبائح وأن العبد إذا وثق بلطف سيده واعتمد على ~~عفوه وستره لم يحتشمه احتشامه من خدمه الواقفين على أحواله و(حتى) في ~~قوله تعالى: { حتى إذا جاء أحدكم الموت } هي التي يبتدأ ~~بها الكلام وهي مع ذلك تجعل ما بعدها من الجملة الشرطية غاية لما ~~قبلها كأنه قيل: ويرسل عليكم حفظة يحفظون أعمالكم مدة حياتكم حتى ~~إذا انتهت مدة أحدكم كائنا من كان وجاءه أسباب الموت ومباديه { ~~توفته رسلنا } الآخرون المفوض إليهم ذلك، وهم ملك الموت ~~وأعوانه وانتهى هناك حفظ الحفظة، وقرىء توفاه ماضيا أو مضارعا بطرح ~~إحدى التاءين { وهم } أي الرسل { لا يفرطون } أي بالتواني ~~والتأخير، وقرىء مخففا من الإفراط أي لا يجاوزون ما حد لهم بزيادة أو ~~نقصان، والجملة حال من (رسلنا) وقيل: مستأنفة سيقت لبيان اعتنائهم ~~بما أمروا به. ### || [6.62-64] # وقوله تعالى: { ثم ردوا } عطف على توفته، والضمير للكل ~~المدلول عليه بأحدكم، وهو السر في مجيئه بطريق الالتفات تغليبا، ~~والإفراد أولا والجمع آخرا لوقوع التوفي على الانفراد والرد على ~~الاجتماع أي ثم ردوا بعد البعث بالحشر { إلى الله } أي إلى حكمه ~~وجزائه في موقف الحساب { مولهم } أي مالكهم الذي يلي أمورهم على ~~الإطلاق لا ناصرهم ms1035 كما في قوله تعالى: # وأن الكفرين لا مولى لهم # [محمد، الآية 11] { الحق } الذي لا يقضي إلا بالعدل، وقرىء بالنصب ~~على المدح { ألا له الحكم } يومئذ صورة ومعنى لا لأحد غيره ~~بوجه من الوجوه { وهو أسرع الحسبين } يحاسب جميع الخلائق ~~في أسرع زمان وأقصره لا يشغله حساب ولا شأن عن شأن، وفي الحديث # " إن الله تعالى يحاسب الكل في مقدار حلب شاة " # { قل من ينجيكم من ظلمت البر والبحر } أي قل ~~تقريرا لهم بانحطاط شركائهم عن رتبة الإلهية من ينجيكم من ~~شدائدهما الهائلة التي تبطل الحواس وتدحض العقول، ولذلك استعير ~~لها الظلمات المبطلة لحاسة البصر، يقال لليوم الشديد: يوم مظلم ~~ويوم ذو كواكب أو من الخسف في البر والغرق في البحر، وقرىء ينجيكم من ~~الإنجاء والمعنى واحد وقوله تعالى: { تدعونه } نصب على الحالية من ~~مفعول (ينجيكم) والضمير (لمن) أي من ينجيكم منها حال كونكم داعين ~~له، أو من فاعله أي من ينجيكم منها حال كونه مدعوا من جهتكم وقوله ~~تعالى: { تضرعا وخفية } إما حال من فاعل تدعونه أو مصدر ~~مؤكد له، أي تدعونه متضرعين جهارا ومسرين أو تدعونه دعاء إعلان ~~وإخفاء، وقرىء (خفية) بكسر الخاء وقوله تعالى: { لئن أنجنا } ~~حال من الفاعل أيضا على تقدير القول أي تدعونه قائلين: لئن أنجيتنا { ~~من هذه } الشدة والورطة التي عبر عنها بالظلمات { لنكونن ~~من الشكرين } أي الراسخين في الشكر المداومين عليه لأجل هذه ~~النعمة أو جميع النعماء التي من جملتها هذه، وقرىء لئن أنجانا مراعاة ~~لقوله تعالى: { تدعونه } { قل الله ينجيكم منها ومن ~~كل كرب } أمر صلى الله عليه وسلم بتقرير الجواب مع كونه من وظائفهم ~~للإيذان بأنه متعين عندهم، ولبناء قوله تعالى: { ثم أنتم ~~تشركون } عليه، أي الله تعالى وحده ينجيكم مما تدعونه إلى كشفه من ~~الشدائد المذكورة وغيرها من الغموم والكرب ثم أنتم بعد ما تشاهدون ~~هذه النعم الجليلة تشركون بعبادته تعالى غيره، وقرىء ينجيكم ~~بالتخفيف. ### || [6.65-66] # وقوله تعالى: { قل هو القادر على أن يبعث عليكم ~~عذابا } استئناف مسوق لبيان أنه تعالى ms1036 هو القادر على إلقائهم في ~~المهالك إثر بيان أنه هو المنجي لهم منها، وفيه وعيد ضمني ~~بالعذاب لإشراكهم المذكور على طريقة قوله عز وجل: # أفأمنتم أن يخسف بكم جانب البر # [الإسراء، الآية 68 ] إلى قوله تعالى: # أم أمنتم أن يعيدكم فيه تارة أخرى # [الإسراء، الآية 69] ، و(عليكم) متعلق (بيبعث) وتقديمه على مفعوله ~~الصريح للاعتناء به والمسارعة إلى بيان كون المبعوث مما يضرهم، ~~ولتهويل أمر المؤخر. وقوله تعالى: { من فوقكم } متعلق به أيضا ~~أو بمحذوف وقع صفة لعذابا أي عذابا كائنا من جهة الفوق كما فعل بمن ~~فعل من قوم لوط وأصحاب الفيل وأضرابهم { أو من تحت ~~أرجلكم } أو من جهة السفل كما فعل بفرعون وقارون، وقيل: ~~(من فوقكم) أكابركم ورؤسائكم و(من تحت أرجلكم) سفلتكم وعبيدكم، ~~وكلمة أو لمنع الخلو دون الجمع، فلا منع لما كان من الجهتين معا، ~~كما فعل بقوم نوح { أو يلبسكم شيعا } أي يخلطكم فرقا ~~متحزبين على أهواء شتى، كل فرقة مشايعة لإمام فينشب بينكم ~~القتال فتختلطوا في الملاحم كقول الحماسي: [الكامل] # وكتيبة لبستها بكتيبة # حتى إذا التبست نفضت لها يدي # { ويذيق بعضكم بأس بعض } عطف على (يبعث) وقرىء بنون ~~العظمة على طريقة الالتفات لتهويل الأمر والمبالغة في التحذير، والبعض ~~الأول الكفار والآخر المؤمنون ففيه وعد ووعيد. عن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم (أنه قال عند قوله تعالى: { عذابا من فوقكم }: ~~«أعوذ بوجهك». وعند قوله تعالى: { أو من تحت أرجلكم }: ~~«أعوذ بوجهك». وعند قوله تعالى: { أو يلبسكم شيعا ويذيق ~~بعضكم بأس بعض }: هذا أهون أو هذا أيسر»). وعنه صلى الله ~~عليه وسلم أنه قال: # " سألت ربي أن لا يبعث على أمتي عذابا من فوقهم أو من تحت أرجلهم ~~فأعطاني ذلك، وسألته أن لا يجعل بأسهم بينهم فمنعني ذلك " # { انظر كيف نصرف الآيت } من حال إلى حال { لعلهم ~~يفقهون } كي يفقهوا ويقفوا على جلية الأمر فيرجعوا عماهم عليه ~~من المكابرة والعناد. # { وكذب به } أي بالعذاب الموعود أو القرآن المجيد الناطق ~~بمجيئه، { قومك } أي المعاندون منهم، ولعل إيرادهم بهذا ms1037 العنوان ~~للإيذان بكمال سوء حالهم، فإن تكذيبهم بذلك مع كونهم من قومه عليه ~~الصلاة والسلام مما يقضي بغاية عتوهم ومكابرتهم، وتقديم الجار ~~والمجرور على الفاعل لما مر مرارا من إظهار الاهتمام بالمقدم ~~والتشويق إلى المؤخر، وقوله تعالى: { وهو الحق } حال من الضمير ~~المجرور أي كذبوا به والحال أنه الواقع لا محالة، أو أنه الكتاب ~~الصادق في كل ما نطق به، وقيل: هو استئناف، وأيا ما كان ففيه دلالة ~~على عظم جنايتهم ونهاية قبحها { قل } لهم منبها على ما يؤول ~~إليه أمرهم وعلى أنك قد أديت ما عليك من وظائف الرسالة { لست ~~عليكم بوكيل } بحفيظ وكل إلي أمركم لأمنعكم من ~~التكذيب وأجبركم على التصديق، إنما أنا منذر وقد خرجت عن العهدة ~~حيث أخبرتكم بما سترونه. ### || [6.67-69] # { لكل نبإ } أي لكل شيء ينبأ به من الأنباء التي من جملتها ~~عذابكم أو لكل خبر من الأخبار التي من جملتها خبر مجيئه { ~~مستقر } أي وقت استقرار ووقوع البتة، أو وقت استقرار بوقوع ~~مدلوله { وسوف تعلمون } أي حال نبئكم في الدنيا أو في ~~الآخرة أو فيهما معا، وسوف للتأكيد كما في قوله تعالى: # ولتعلمن نبأه بعد حين # [ص، الآية 88]. # { وإذا رأيت الذين يخوضون فى ءايتنا } أي بالتكذيب ~~والاستهزاء بها والطعن فيها كما هو دأب قريش وديدنهم { ~~فأعرض عنهم } بترك مجالستهم والقيام عنهم وقوله تعالى: { ~~حتى يخوضوا فى حديث غيره } غاية للإعراض أي استمر ~~على الإعراض إلى أن يخوضوا في حديث غير آياتنا، والتذكير باعتبار ~~كونها حديثا فإن وصف الحديث بمغايرتها مشير إلى اعتبارها بعنوان ~~الحديثية وقيل: باعتبار كونها قرآنا. # { وإما ينسينك الشيطن } بأن يشغلك فتنسى النهي ~~فتجالسهم ابتداء أو بقاء، وقرىء ينسينك من التنسية { فلا ~~تقعد بعد الذكرى } أي بعد تذكر النهي { مع القوم ~~الظلمين } أي معهم فوضع المظهر موضع المضمر نعيا عليهم ~~أنهم بذلك الخوض ظالمون، واضعون للتكذيب والاستهزاء موضع التصديق ~~والتعظيم راسخون في ذلك { وما على الذين يتقون } روي عن ~~ابن عباس رضي الله عنهما أن المسلمين حين نهوا عن مجالستهم عند خوضهم ms1038 ~~في الآيات قالوا: لئن كنا نقول كلما استهزؤا بالقرآن لم نستطع أن ~~نجلس في المسجد الحرام ونطوف بالبيت فنزلت. أي ما على الذين يتقون ~~قبائح أعمال الخائضين وأحوالهم { من حسابهم } أي مما يحاسبون ~~عليه من الجرائر { من شىء } أي شيء ما على أنه في محل الرفع على أنه ~~مبتدأ، وما تميمية أو اسم لها وهي حجازية و(من) مزيدة للاستغراق و(من ~~حسابهم) حال منه و(على الذين يتقون) في محل الرفع على أنه خبر للمبتدأ أو ~~لما الحجازية على رأي من لا يجيز إعمالها في الخبر المقدم مطلقا، أو ~~في محل النصب على رأي من يجوز إعمالها في الخبر المقدم عند كونه ~~ظرفا أو حرف جر. # { ولكن ذكرى } استدراك من النفي السابق أي ولكن عليهم أن ~~يذكروهم ويمنعوهم عما هم عليه من القبائح بما أمكن من العظة والتذكير ~~ويظهروا لهم الكراهة والنكير، ومحل (ذكرى) إما النصب على أنه مصدر ~~مؤكد للفعل المحذوف أي عليهم أن يذكروهم تذكيرا أو الرفع على أنه ~~مبتدأ محذوف الخبر، أي ولكن عليهم ذكرى { لعلهم يتقون } أي ~~يجتنبون الخوض حياء أو كراهة لمساءتهم، وقد جوز كون الضمير ~~للموصول أي يذكروهم رجاء أن يثبتوا على تقواهم أو يزدادوها. ### || [6.70] # { وذر الذين اتخذوا دينهم } الذي كلفوه وأمروا ~~بإقامة مواجبه { لعبا ولهوا } حيث سخروا به واستهزأوا أو بنوا ~~أمر دينهم على ما لا يكاد يتعاطاه العاقل بطريق الجد وإنما يصدر ~~عنه لو صدر بطريق اللعب واللهو كعبادة الأصنام وتحريم البحائر ~~والسوائب ونحو ذلك، والمعنى أعرض عنهم ولا تبال بأفعالهم وأقوالهم ~~وقيل: هو تهديد لهم كقوله تعالى: # ذرهم يأكلوا ويتمتعوا # [الحجر، الآية 3]، { وغرتهم الحيوة الدنيا } واطمأنوا ~~بها حتى زعموا أن لا حياة بعدها أبدا { وذكر به } أي بالقرآن ~~من يصلح للتذكير { أن تبسل نفس بما كسبت } أي لئلا ~~تبسل كقوله تعالى: # أن تضلوا # [النساء، الآية 44 ، 176]، أو مخافة أن تبسل أو كراهة أن تبسل نفوس ~~كثيرة كما في قوله تعالى: # علمت نفس ما أحضرت # [التكوير، الآية 14] وترتهن لسوء عملها، وأصل الإبسال والبسل ms1039 ~~المنع، ومنه أسد باسل لأن فريسته لا تفلت منه أو لأنه ممتنع، ~~والباسل الشجاع لامتناعه من قرنه وهذا بسل عليك أي حرام ممنوع وقد ~~جوز أن يكون الضمير المجرور في (به) راجعا إلى الإبسال مع عدم جريان ~~ذكره كما في ضمير الشأن وتكون الجملة بدلا منه مفسرا له، لما في ~~الإبهام أولا والتفسير ثانيا من التفخيم وزيادة التقرير كما في قوله: ~~[الطويل] # [على حالة لو أن في القوم حاتما] # على جوده لضن بالماء حاتم # بجر حاتم على أنه بدل من ضمير جوده فالمعنى وذكر بارتهان النفوس وحبسها ~~بما كسبت وقوله تعالى: { ليس لها من دون الله ولى ولا ~~شفيع } استئناف مسوق للإخبار بذلك وقيل: في محل النصب على أنه حال ~~من ضمير (كسبت) وقيل: في محل الرفع على أنه وصف (لنفس) والأظهر أنه ~~حال من (نفس) فإنه في قوة نفس كافرة أو نفوس كثيرة كما في قوله ~~تعالى: { علمت نفس ما أحضرت } و(من دون الله) متعلق ~~بمحذوف هو حال من (ولي) كما بين في تفسير قوله تعالى: # وأنذر به # [الأنعام، الآية 51]، وقيل: هو خبر لليس فيكون (لها) حينئذ متعلقا ~~بمحذوف على البيان { وإن تعدل } أي إن تفد تلك النفس { كل ~~عدل } أي كل فداء على أنه مصدر مؤكد { لا يؤخذ منها } ~~على إسناد الفعل إلى الجار والمجرور لا إلى ضمير العدل كما في قوله ~~تعالى: # ولا يؤخذ منها عدل # [البقرة، الآية 48] فإنه المفدي به لا المصدر كما نحن فيه { ~~أولئك } إشارة إلى الموصول باعتبار اتصافه بما في حيز الصلة، وما ~~فيه من معنى البعد للإيذان ببعد درجتهم في سوء الحال، ومحله الرفع على ~~الابتداء والخبر قوله تعالى: { الذين أبسلوا بما كسبوا } ~~والجملة مستأنفة سيقت إثر تحذيرهم من الإبسال المذكور لبيان أنهم ~~المبتلون بذلك أي أولئك المتخذون دينهم لعبا ولهوا المغترون ~~بالحياة الدنيا هم الذين أبسلوا بما كسبوا، وقوله تعالى: { لهم ~~شراب من حميم } استئناف آخر مبين لكيفية الإبسال المذكور ~~وعاقبته، مبني على سؤال نشأ من الكلام كأنه قيل: ماذا لهم ms1040 حين أبسلوا ~~بما كسبوا؟ فقيل: لهم شراب من ماء مغلي يتجرجر في بطونهم ~~وتتقطع به أمعاؤهم { وعذاب أليم } بنار تشتعل بأبدانهم { بما ~~كانوا يكفرون } أي بسبب كفرهم المستمر في الدنيا وقد جوز أن ~~يكون (لهم شراب) الخ، حالا من ضمير (أبسلوا) وترتيب ما ذكر من ~~العذابين على كفرهم مع أنهم معذبون بسائر معاصيهم أيضا حسبما ينطق ~~به قوله تعالى: { بما كسبوا } لأنه العمدة في إيجاب العذاب ~~والأهم في باب التحذير، أو أريد بكفرهم ما هو أعم منه ومن مستتبعاته ~~من المعاصي والسيئات هذا، وقد جوز أن يكون أولئك إشارة إلى النفوس ~~المدلول عليها (بنفس) محله الرفع بالابتداء والموصول الثاني صفته ~~أو بدل منه ولهم شراب الخ خبره والجملة مسوقة لبيان تبعة ~~الإبسال. ### || [6.71] # { قل أندعوا من دون الله ما لا ينفعنا ولا ~~يضرنا } قيل: نزلت في أبي بكر رضي الله عنه حين دعاه ابنه عبد ~~الرحمن إلى عبادة الأصنام فتوجيه الأمر إلى رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم حينئذ للإيذان بما بينهما من الاتصال والاتحاد تنويها بشأن ~~الصديق رضي الله تعالى عنه أي أنعبد متجاوزين عبادة الله الجامع ~~لجميع صفات الألوهية التي من جملتها القدرة على النفع والضرر ما لا ~~يقدر على نفعنا إذا عبدناه ولا على ضرنا إذا تركناه وأدنى مراتب ~~المعبودية القدرة على ذلك. وقوله تعالى: { ونرد على ~~أعقبنا } عطف على (ندعوا) داخل في حكم الإنكار والنفي أي ~~ونرد إلى الشرك، والتعبير عنه بالرد على الأعقاب لزيادة تقبيحه ~~بتصويره بصورة ما هو علم في القبح مع ما فيه من الإشارة إلى كون ~~الشرك حالة قد تركت ونبذت وراء الظهر، وإيثار (نرد) على نرتد ~~لتوجيه الإنكار إلى الارتداد برد الغير تصريحا بمخالفة المضلين ~~وقطعا لأطماعهم الفارغة وإيذانا بأن الارتداد من غير راد ليس في حيز ~~الاحتمال ليحتاج إلى نفيه وإنكاره، وقوله تعالى: { بعد إذ ~~هدانا الله } أي إلى الإسلام وأنقذنا من الشرك متعلق بنرد ~~مسوق لتأكيد النكير لا لتحقيق معنى الرد وتصويره فقط وإلا لكفى أن ~~يقال: بعد إذ ms1041 اهتدينا كأنه قيل: ونرد إلى الشرك بإضلال المضل بعد ~~إذ هدانا الله الذي لا هادي سواه وقوله تعالى: { كالذى ~~استهوته الشيطين } في محل النصب على أنه حال من مرفوع ~~(نرد) أي أنرد على أعقابنا مشبهين بالذي استهوته مردة الجن ~~واستغوته إلى المهامه والمهالك، أو على أنه نعت لمصدر محذوف أي أنرد ~~ردا مثل رد الذي استهوته الخ، والاستهواء استفعال من هوى في الأرض ~~إذا ذهب فيها كأنها طلبت هويه وحرصت عليه وقرىء استهواه بألف ممالة، ~~وقوله تعالى: { فى الأرض } إما متعلق باستهوته أو بمحذوف هو حال من ~~مفعوله أي كائنا في الأرض وكذا قوله تعالى: { حيران } حال منه على ~~أنها بدل من الأولى أو حال ثانية عند من يجيزها أو من (الذي) أو من ~~المستكن في الظرف أي تائها ضالا عن الجادة لا يدري ما يصنع وقوله ~~تعالى: { له أصحب } جملة في محل النصب على أنها صفة لحيران أو ~~حال من الضمير فيه أو مستأنفة سيقت لبيان حاله، وقوله تعالى: { ~~يدعونه إلى الهدى } صفة لأصحاب أي لذلك المستهوى رفقة ~~يهدونه إلى الطريق المستقيم، تسمية له بالمصدر مبالغة كأنه نفس الهدى { ~~ائتنا } على إرادة القول على أنه بدل من (يدعونه) أو حال من فاعله ~~أي يقولون: ائتنا، وفيه إشارة إلى أنهم مهتدون ثابتون على الطريق ~~المستقيم وأن من يدعونه ليس ممن يعرف الطريق المستقيم ليدعى إلى ~~إتيانه، وإنما يدرك سمت الداعي ومورد النعيق فقط { قل إن هدى ~~الله } الذي هدانا إليه وهو الإسلام { هو الهدى } وحده وما ~~عداه ضلال محض وغي بحت كقوله تعالى: # فماذا بعد الحق إلا الضلال # [يونس، الآية 32] ونحوه، وتكرير الأمر للاعتناء بشأن المأمور به ولأن ~~ما سبق للزجر عن الشرك وهذا حث على الإسلام، وهو توطئة لما بعده، ~~فإن اختصاص الهدى بهداه تعالى مما يوجب الامتثال بالأوامر الواردة ~~بعده { وأمرنا } عطف على (إن هدى الله هو الهدى) داخل تحت القول، ~~واللام في { لنسلم لرب العلمين } لتعليل الأمر المحكي ~~وتعيين ما أريد به من الأوامر الثلاثة كما في ms1042 قوله تعالى: # قل لعبادى الذين ءامنوا يقيموا الصلاة ~~وينفقوا # [إبراهيم، الآية 31]، كأنه قيل: أمرنا وقيل لنا: أسلموا لأجل أن نسلم ~~وقيل: هي بمعنى الباء أي أمرنا بأن نسلم، وقيل: زائدة أي أمرنا أن ~~نسلم على حذف الباء. ### || [6.72-73] # وقوله تعالى: { وأن أقيموا الصلوة واتقوه } أي الله ~~تعالى في مخالفة أمره، عطف على نسلم على الوجوه الثلاثة على أن أن ~~المصدرية إذا وصلت بالأمر يتجرد هو عن معنى الأمر نحو تجرد الصلة ~~الفعلية عن معنى المضي والاستقبال، فالمعنى على الأول أمرنا أي قيل ~~لنا: أسلموا وأقيموا الصلاة واتقوا الله لأجل أن نسلم ونقيم الصلاة ~~ونتقيه تعالى، وعلى الأخيرين أمرنا بأن نسلم ونقيم الصلاة ونتقيه ~~تعالى والتعرض لوصف ربوبيته تعالى للعالمين لتعليل الأمر وتأكيد ~~وجوب الامتثال به كما أن قوله تعالى: { وهو الذى إليه ~~تحشرون } جملة مستأنفة موجبة للامتثال بما أمر به من الأمور ~~الثلاثة. # { وهو الذى خلق السموات والأرض } أريد بخلقهما ~~خلق ما فيهما أيضا، وعدم التصريح بذلك لظهور اشتمالهما على جميع ~~العلويات والسفليات، وقوله تعالى: { بالحق } متعلق بمحذوف هو ~~حال من فاعل (خلق) أو من مفعوله، أو صفة لمصدره المؤكد له أي قائما ~~بالحق أو متلبسا بالحق أو متلبسة به. وقوله تعالى: { ويوم ~~يقول كن فيكون قوله الحق } استئناف لبيان أن خلقه ~~تعالى لما ذكر من السموات والأرض ليس مما يتوقف على مادة أو ~~مدة بل يتم بمحض الأمر التكويني من غير توقف على شيء آخر ~~أصلا وأن ذلك الأمر المتعلق بكل فرد فرد من أفراد المخلوقات في ~~حين معين من أفراد الأحيان حق في نفسه متضمن للحكمة، (ويوم) ظرف ~~لمضمون جملة (قوله الحق) والواو بحسب المعنى داخل عليها وتقديمه ~~عليها للاعتناء به من حيث إنه مدار الحقية، وترك ذكر المقول له ~~للثقة بغاية ظهوره، والمراد بالقول كلمة (كن) تحقيقا أو تمثيلا كما ~~هو المشهور فالمعنى وأمره المتعلق بكل شيء يريد خلقه من الأشياء ~~في حين تعلقه به لا قبله ولا بعده من أفراد الأحيان الحق أي ~~المشهود له بالحقية ms1043 المعروف بها، هذا وقد قيل: (قوله) مبتدأ و(الحق) ~~صفته و(يوم يقول) خبره مقدما عليه كقولك: يوم الجمعة القتال ~~وانتصابه بمعنى الاستقرار. # وحاصل المعنى قوله الحق كائن حين يقول لشيء من الأشياء كن ~~فيكون ذلك الشيء، وقيل: يوم منصوب بالعطف على السموات أو على الضمير ~~في (واتقوه) أو بمحذوف دل عليه (بالحق) وقوله الحق مبتدأ وخبر، أو فاعل ~~(يكون) على معنى حين يقول لقوله الحق، أي لقضائه الحق كن فيكون، ~~والمراد حين يكون الأشياء ويحدثها أو حين تقوم القيامة فيكون ~~التكوين حشر الأجساد وإحياءها فتأمل حق التأمل. # { وله الملك يوم ينفخ فى الصور } تقييد اختصاص ~~الملك به تعالى بذلك اليوم مع عموم الاختصاص لجميع الأوقات لغاية ~~ظهور ذلك بانقطاع العلائق المجازية الكائنة في الدنيا، المصححة ~~للمالكية المجازية في الجملة كقوله تعالى: # لمن الملك اليوم لله الوحد القهار # [غافر، الآية 16]. # { علم الغيب والشهدة } أي هو عالمهما { وهو ~~الحكيم } في كل ما يفعله { الخبير } بجميع الأمور الجلية ~~والخفية. ### || [6.74-75] # { وإذ قال إبرهيم } منصوب على المفعولية بمضمر خوطب به ~~النبي عليه الصلاة والسلام معطوف على # قل أندعوا # [الأنعام، الآية 71] لا على أقيموا كما قيل لفساد المعنى أي واذكر لهم ~~بعد ما أنكرت عليهم عبادة ما لا يقدر على نفع وضر وحققت أن الهدى ~~هو هدى الله وما يتبعه من شؤونه تعالى وقت قول إبراهيم الذي يدعون ~~أنهم على ملته موبخا { لأبيه ءازر } على عبادة الأصنام فإن ذلك ~~مما يبكتهم وينادي بفساد طريقتهم، وتوجيه الأمر بالذكر إلى الوقت ~~دون ما وقع فيه من الحوادث مع أنها المقصودة لما مر مرارا من المبالغة ~~في إيجاب ذكرها، وآزر بزنة آدم وعابر وعازر وفالغ وكذلك تارح، ~~ذكره محمد بن إسحاق والضحاك والكلبي وكان من قرية من سواد ~~الكوفة، ومنع صرفه للعجمة والعلمية، وقيل: اسمه بالسريانية ~~تارح وآزر لقبه المشهور وقيل: اسم صنم لقب هو به للزومه ~~عبادته، فهو عطف بيان (لأبيه) أو بدل منه وقال الضحاك: معناه الشيخ ~~الهرم، وقال الزجاج: المخطىء وقال الفراء وسليمان التيمي: المعوج ~~فهو ms1044 نعت له كما إذا جعل مشتقا من الأزر أو الوزر أو أريد به عابد ~~آزر على حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه وقرىء آزر على ~~النداء وهو دليل العلمية إذ لا يحذف حرف النداء إلا من الأعلام، { ~~أتتخذ } متعد إلى مفعولين هما { أصناما آلهة } أي أتجعلها ~~لنفسك آلهة على توجيه الإنكار إلى اتخاذ الجنس من غير اعتبار الجمعية، ~~وإنما إيراد صيغة الجمع باعتبار الوقوع، وقرىء أازرا بفتح الهمزة ~~وكسرها بعد همزة الاستفهام وزاء ساكنة وراء منونة منصوبة وهو اسم ~~صنم، ومعناه أتعبد أزرا ثم قيل: أتتخذ أصناما آلهة؟ تثبيتا لذلك ~~وتقريرا، وهو داخل تحت الإنكار لكونه بينا له، وقيل: الأزر القوة، ~~والمعنى ألأجل القوة والمظاهرة تتخذ أصناما آلهة؟ إنكارا ~~لتعززه بها على طريقة قوله تعالى: # أيبتغون عندهم العزة # [النساء، الآية 139] { إنى أراك وقومك } الذين يتبعونك في ~~عبادتها { فى ضلل } عن الحق { مبين } أي بين كونه ضلالا ~~لا اشتباه فيه أصلا، والرؤية إما علمية فالظرف مفعولها الثاني وإما ~~بصرية فهو حال من المفعول والجملة تعليل للإنكار والتوبيخ. # { وكذلك نرى إبرهيم } هذه الإراءة من الرؤية البصرية ~~المستعارة للمعرفة ونظر البصيرة، أي عرفناه وبصرناه، وصيغة ~~الاستقبال حكاية للحال الماضية لاستحضار صورتها، وذلك إشارة إلى ~~مصدر (نري) لا إلى إراءة أخرى مفهومة من قوله: (إني أراك) وما فيه من ~~معنى البعد للإيذان بعلو درجة المشار إليه وبعد منزلته في الفضل ~~وكمال تمييزه بذلك وانتظامه بسببه في سلك الأمور المشاهدة، والكاف ~~لتأكيد ما أفاده اسم الإشارة من الفخامة، ومحلها في الأصل النصب على ~~أنه نعت لمصدر محذوف وأصل التقدير نري إبراهيم إراءة كائنة مثل تلك ~~الإراءة فقدم على الفعل لإفادة القصر، واعتبرت الكاف مقحمة للنكتة ~~المذكورة فصار المشار إليه نفس المؤكد لا نعتا له أي ذلك التبصير ~~البديع نبصره عليه السلام { ملكوت السموات والأرض } أي ~~ربوبيته تعالى ومالكيته لهما وسلطانه القاهر عليهما وكونهما بما ~~فيهما مربوبا ومملوكا له تعالى لا تبصيرا آخر أدنى منه، والملكوت ~~مصدر على زنة المبالغة كالرهبوت والجبروت، ومعناه الملك العظيم ~~والسلطان ms1045 القاهر، ثم هل هو مختص بملك الله عز سلطانه أو لا فقد ~~قيل، وقيل: والأول هو الأظهر، وبه قال الراغب، وقيل: ملكوتهما عجائبهما ~~وبدائعهما، روي أنه كشف له عليه السلام عن السموات والأرض حتى العرش ~~وأسفل الأرضين، وقيل: آياتهما. # وقيل: ملكوت السموات: الشمس والقمر والنجوم، وملكوت الأرض الجبال ~~والأشجار والبحار. وهذه الأقوال لا تقتضي أن تكون الإراءة بصرية إذ ~~ليس المراد بإراءة ما ذكر من الأمور الحسية مجرد تمكينه عليه السلام ~~من إبصارها ومشاهدتها في أنفسها بل اطلاعه على حقائقها وتعريفها من ~~حيث دلالتها على شؤونه عز وجل، ولا ريب في أن ذلك ليس مما يدرك ~~حسيا كما ينبىء عنه اسم الإشارة المفصح عن كون المشار إليه أمرا ~~بديعا، فإن الإراءة البصرية المعتادة بمعزل من تلك المثابة، وقرىء ~~(تري) بالتاء وإسناد الفعل إلى الملكوت أي تبصره عليه السلام دلائل ~~الربوبية واللام في قوله تعالى: { وليكون من الموقنين } ~~متعلقة بمحذوف مؤخر، والجملة اعتراض مقرر لما قبلها أي وليكون من ~~زمرة الراسخين في الإيقان البالغين درجة عين اليقين من معرفة الله ~~تعالى، فعلنا ما فعلنا من التبصير البديع المذكور لا لأمر آخر فإن ~~الوصول إلى تلك الغاية القاصية كمال مترتب على ذلك التبصير لا عينه ~~وليس القصر لبيان انحصار فائدته في ذلك، كيف لا وإرشاد الخلق وإلزام ~~المشركين كما سيأتي من فوائده بلا مرية بل لبيان أنه الأصل الأصيل ~~والباقي من مستتبعاته. وقيل: هي متعلقة بالفعل السابق والجملة معطوفة ~~على علة أخرى محذوفة ينسحب عليها الكلام أي ليستدل بها وليكون ~~الخ، فينبغي أن يراد بملكوتهما بدائعهما وآياتهما لأن الاستدلال من ~~غايات إراءتها لا من غايات إراءة نفس الربوبية. ### || [6.76] # وقوله تعالى: { فلما جن عليه اليل } على الأول وهو الحق ~~المبين عطف على (قال إبراهيم) داخل تحت ما أمر بذكره بالأمر بذكر ~~وقته، وما بينهما اعتراض مقرر لما سبق وما لحق، فإن تعريفه عليه ~~السلام ربوبيته ومالكيته للسموات والأرض وما فيهما وكون الكل ~~مقهورا تحت ملكوته مفتقرا إليه في الوجود وسائر ما يترتب ms1046 عليه من ~~الكمالات، وكونه من الراسخين في معرفة شؤونه تعالى، الواصلين إلى ذروة ~~عين اليقين مما يقضي بأن يحكم عليه السلام باستحالة إلهية ما سواه ~~سبحانه من الأصنام والكواكب، وعلى الثاني هو تفصيل لما ذكر من إراءة ~~ملكوت السموات والأرض، وبيان لكيفية استدلاله عليه السلام، ووصوله ~~إلى رتبة الإيقان، ومعنى (جن عليه الليل) ستره بظلامه، وقوله تعالى: { ~~رأى كوكبا } جواب لما، فإن رؤيته إنما تتحقق بزوال نور الشمس ~~عن الحس، وهذا صريح في أنه لم يكن في ابتداء الطلوع بل كان غيبته عن ~~الحس بطريق الاضمحلال بنور الشمس، والتحقيق أنه كان قريبا من الغروب ~~كما ستعرفه، قيل: كان ذلك الكوكب هو الزهرة، وقيل: هو المشتري. # وقوله تعالى: { قال هذا ربى } استئناف مبني على سؤال نشأ من ~~(الجملة) الشرطية السابقة المتفرعة على بيان إراءته عليه السلام ~~ملكوت السموات والأرض فإن ذلك مما يحمل السامع على استكشاف ما ظهر ~~منه عليه السلام من آثار تلك الإراءة وأحكامها، كأنه قيل: فماذا صنع ~~عليه السلام حين رأى الكوكب؟ فقيل: قال على سبيل الوضع والفرض: هذا ~~ربي مجاراة مع أبيه وقومه الذين كانوا يعبدون الأصنام والكواكب، ~~فإن المستدل على فساد قول يحكيه على رأي خصمه، ثم يكر عليه ~~بالإبطال، ولعل سلوك هذه الطريقة في بيان استحالة ربوبية الكواكب ~~دون بيان استحالة إلهية الأصنام لما أن هذا أخفى بطلانا ~~واستحالة من الأول، فلو صدع بالحق من أول الأمر كما فعله في حق ~~عبادة الأصنام لتمادوا في المكابرة والعناد، ولجوا في طغيانهم ~~يعمهون. وقيل: قاله عليه السلام على وجه النظر والاستدلال، وكان ذلك في ~~زمان مراهقته وأول أوان بلوغه، وهو مبني على تفسير الملكوت ~~بآياتهما، وعطف قوله تعالى: { ليكون } على ما ذكر من العلة ~~المقدرة، وجعل قوله تعالى: { فلما جن } الخ، تفصيلا لما ذكر ~~من الإراءة وبيانا لكيفية الاستدلال، وأنت خبير بأن كل ذلك مما ~~يخل بجزالة النظم الجليل، وجلالة منصب الخليل عليه الصلاة ~~والسلام. # { فلما أفل } أي غرب { قال لا أحب الآفلين } أي ~~الأرباب المنتقلين من ms1047 مكان إلى مكان، المتغيرين من حال إلى حال، ~~المحتجبين بالأستار، فإنهم بمعزل من استحقاق الربوبية قطعا. ### || [6.77-78] # { فلما رأى القمر بازغا } أي مبتدئا في الطلوع إثر ~~غروب الكوكب { قال هذا ربى } على الأسلوب السابق { فلما ~~أفل } كما أفل النجم { قال لئن لم يهدنى ربى } إلى ~~جنابه الذي هو الحق الذي لا محيد عنه { لأكونن من القوم ~~الضالين } فإن شيئا مما رأيته لا يليق بالربوبية، وهذا مبالغة منه ~~عليه السلام في إظهار النصفة، ولعله عليه السلام كان إذ ذاك في موضع ~~كان في جانبه الغربي جبل شامخ يستتر به الكوكب والقمر وقت الظهر من ~~النهار أو بعده بقليل، وكان الكوكب قريبا منه وأفقه الشرقي مكشوف ~~أولا وإلا فطلوع القمر بعد أفول الكوكب ثم أفوله قبل طلوع الشمس كما ~~ينبىء عنه قوله تعالى: { فلما رأى الشمس بازغة } أي ~~مبتدئة في الطلوع مما لا يكاد يتصور { قال } أي على النهج السابق { ~~هذا ربى } وإنما لم يؤنث لما أن المشار إليه والمحكوم عليه ~~بالربوبية هو الجرم المشاهد من حيث هو لا من حيث هو مسمى باسم من ~~الأسامي فضلا عن حيثية تسميته بالشمس، أو لتذكير الخبر وصيانة الرب ~~عن وصمة التأنيث، وقوله تعالى: { هذا أكبر } تأكيد لما رامه ~~عليه السلام من إظهار النصفة مع إشارة خفية إلى فساد دينهم من جهة ~~أخرى، ببيان أن الأكبر أحق بالربوبية من الأصغر { فلما أفلت ~~} هي أيضا كما أفل الكوكب والقمر { قال } مخاطبا للكل صادعا ~~بالحق بين أظهرهم { قال يقوم إنى برىء مما تشركون } ~~أي من الذي تشركونه من الأجرام المحدثة المتغيرة من حالة إلى أخرى ~~المسخرة لمحدثها، أو من إشراككم، وترتيب هذا الحكم ونظيريه على ~~الأفول دون البزوغ والظهور من ضروريات سوق الاحتجاج على هذا المساق ~~الحكيم، فإن كلا منهما وإن كان في نفسه انتقالا منافيا لاستحقاق ~~معروضه للربوبية قطعا، لكن لما كان الأول حالة موجبة لظهور الآثار ~~والأحكام ملائمة لتوهم الاستحقاق في الجملة رتب عليها الحكم ~~الأول على الطريقة المذكورة، وحيث كان الثاني حالة مقتضية لانطماس ms1048 ~~الآثار وبطلان الأحكام المنافية للاستحقاق المذكور منافاة بينة يكاد ~~يعترف بها كل مكابر عنيد رتب عليها ما رتب، ثم لما تبرأ عليه ~~السلام منهم توجه إلى مبدع هذي المصنوعات ومنشئها. ### || [6.79-80] # فقال: # { إنى وجهت وجهى للذى فطر السموات } التي هذه ~~الأجرام التي تعبدونها من أجزائها { والأرض } التي تغيب هي فيها { ~~حنيفا } أي مائلا عن الأديان الباطلة والعقائد الزائغة كلها { ~~وما أنا من المشركين } في شيء من الأفعال والأقوال { ~~وحاجه قومه } أي شرعوا في مغالبته في أمر التوحيد. # { قال } استئناف وقع جوابا عن سؤال نشأ من حكاية محاجتهم، كأنه ~~قيل: فماذا قال عليه السلام حين حاجوه؟ فقيل: قال منكرا لما اجترأوا ~~عليه من محاجته مع قصورهم عن تلك الرتبة وعزة المطلب وقوة الخصم ~~{ أتحاجونى فى الله } بإدغام نون الجمع في نون الوقاية، ~~وقرىء بحذف الأولى وقوله تعالى: { وقد هدان } حال من ضمير المتكلم ~~مؤكدة للإنكار، فإن كونه عليه السلام مهديا من جهة الله تعالى ~~ومؤيدا من عنده مما يوجب استحالة محاجته عليه السلام أي ~~أتجادلونني في شأنه تعالى ووحدانيته والحال أنه تعالى هداني إلى الحق ~~بعد ما سلكت طريقتكم بالفرض والتقدير وتبين بطلانها تبينا تاما ~~كما شاهدتموه، وقوله تعالى: { ولا أخاف ما تشركون به } ~~جواب عما خوفوه عليه السلام في أثناء المحاجة من إصابة مكروه من جهة ~~أصنامهم كما قال لهود عليه السلام قومه: # إن نقول إلا اعتراك بعض ءالهتنا بسوء # [هود، الآية 54] ولعلهم فعلوا ذلك حين فعل عليه السلام بآلهتهم ما فعل، ~~و(ما) موصولة اسمية حذف عائدها، وقوله تعالى: { إلا أن يشاء ~~ربى شيئا } استثناء مفرغ من أعم الأوقات، أي لا أخاف ما ~~تشركونه به سبحانه من معبوداتكم في وقت من الأوقات إلا في وقت مشيئته ~~تعالى شيئا من إصابة مكروه بي من جهتها، وذلك إنما هو من جهته تعالى ~~من غير دخل لآلهتكم فيه أصلا، وفي التعرض لعنوان الربوبية مع ~~الإضافة إلى ضميره عليه السلام إظهار منه لانقياده لحكمه سبحانه ~~وتعالى، واستسلامه لأمره واعترافه بكونه تحت ملكوته وربوبيته. ~~وقوله ms1049 تعالى: { وسع ربي كل شيء علما } كأنه تعليل ~~للاستثناء، أي أحاط بكل شيء علما فلا يبعد أن يكون في علمه تعالى أن ~~يحيق بي مكروه من قبلها بسبب من الأسباب، وفي الإظهار في موضع ~~الإضمار تأكيد للمعنى المذكور، واستلذاذ بذكره تعالى { أفلا ~~تتذكرون } أي أتعرضون عن التأمل في أن آلهتكم جمادات غير ~~قادرة على شيء ما من نفع ولا ضرر؟ فلا تتذكرون أنها غير قادرة على ~~إضراري، وفي إيراد التذكر دون التفكر ونظائره إشارة إلى أن أمر ~~أصنامهم مركوز في العقول لا يتوقف إلا على التذكر. ### || [6.81] # وقوله تعالى: { وكيف أخاف ما أشركتم } استئناف مسوق ~~لنفي الخوف عنه عليه السلام بحسب زعم الكفرة بالطريق الإلزامي كما ~~سيأتي بعد نفيه عنه بحسب الواقع ونفس الأمر، والاستفهام لإنكار الوقوع ~~ونفيه بالكلية، كما في قوله تعالى: # كيف يكون للمشركين عهد عند الله # [التوبة، الآية 7]، لا لإنكار الواقع واستبعاده مع وقوعه، كما في ~~قوله: # كيف تكفرون بالله # [البقرة، الآية 28] الخ، وفي توجيه الإنكار إلى كيفية الخوف من ~~المبالغة ما ليس في توجيهه إلى نفسه بأن يقال أأخاف لما أن كل موجود ~~يجب أن يكون وجوده على حال من الأحوال وكيفية من الكيفيات قطعا، فإذا ~~انتفى جميع أحواله وكيفياته فقد انتفى وجوده من جميع الجهات بالطريق ~~البرهاني، وقوله تعالى: { ولا تخافون أنكم أشركتم ~~بالله } حال من ضمير (أخاف) بتقدير مبتدأ والواو كافية في الربط من ~~غير حاجة إلى الضمير العائد إلى ذي الحال، وهو مقرر لإنكار الخوف ~~ونفيه عنه عليه السلام ومفيد لاعترافهم بذلك، فإنهم حيث لم يخافوا في ~~محل الخوف فلأن لا يخاف عليه السلام في محل الأمن أولى وأحرى، أي ~~كيف أخاف أنا ما ليس في حيز الخوف أصلا وأنتم لا تخافون غائلة ما هو ~~أعظم المخلوقات وأهولها، وهو إشراككم بالله الذي ليس كمثله شيء في ~~الأرض ولا في السماء ما هو من جملة مخلوقاته، وإنما عبر عنه بقوله ~~تعالى: { ما لم ينزل به } أي بإشراكه { عليكم سلطنا ~~} على طريقة التهكم مع الإيذان ms1050 بأن الأمور الدينية لا يعول فيها إلا ~~على الحجة المنزلة من عند الله تعالى، وفي تعليق الخوف الثاني ~~بإشراكهم من المبالغة ومراعاة حسن الأدب ما لا يخفى. # هذا، وأما ما قيل من أن قوله تعالى: { ولا تخافون } الخ، معطوف ~~على أخاف داخل معه في حكم الإنكار والتعجيب فمما لا سبيل إليه أصلا، ~~لإفضائه إلى فساد المعنى قطعا، كيف لا وقد عرفتك أن الإنكار بمعنى ~~النفي بالكلية فيؤول المعنى إلى نفي الخوف عنه عليه الصلاة والسلام، ~~ونفي نفيه عنهم، وأنه بين الفساد، وحمل الإنكار في الأول على معنى ~~نفي الوقوع وفي الثاني على استبعاد الواقع مما لا مساغ له، على أن ~~قوله تعالى: { فأى الفريقين أحق بالأمن } ناطق ~~ببطلانه حتما، فإنه كلام مرتب على إنكار خوفه عليه الصلاة والسلام ~~في محل الخوف، مسوق لإلجائهم إلى الاعتراف باستحقاقه عليه الصلاة ~~والسلام لما هو عليه من الأمن، وبعدم استحقاقهم لما هم عليه، وإنما جيء ~~بصيغة التفضيل المشعرة باستحقاقهم له في الجملة لاستنزالهم عن رتبة ~~المكابرة والاعتساف بسوق الكلام على سنن الإنصاف، والمراد بالفريقين ~~الفريق الآمن في محل الأمن والفريق الآمن في محل الخوف، فإيثار ما ~~عليه النظم الكريم على أن يقال فأينا أحق بالأمن أنا أم أنتم؟ ~~لتأكيد الإلجاء إلى الجواب الحق بالتنبيه على علة الحكم، والتفادي ~~عن التصريح بتخطئتهم لا لمجرد الاحتراز عن تزكية النفس { إن كنتم ~~تعلمون } المفعول إما محذوف تعويلا على ظهوره بمعونه المقام، أي ~~إن كنتم تعلمون من أحق بذلك، أو قصدا إلى التعميم أي إن كنتم تعلمون ~~شيئا، وإما متروك بالمرة، أي إن كنتم من أولي العلم، وجواب الشرط ~~محذوف أي فأخبروني. ### || [6.82-83] # { الذين آمنوا } استئناف من جهته تعالى مبين للجواب الحق ~~الذي لا محيد عنه أي الفريق الذين آمنوا { ولم يلبسوا ~~إيمنهم } ذلك أي لم يخلطوه { بظلم } أي بشرك كما يفعله ~~الفريق المشركون حيث يزعمون أنهم يؤمنون بالله عز وجل وأن عبادتهم ~~للأصنام من تتمات إيمانهم وأحكامه لكونها لأجل التقريب والشفاعة كما ~~قالوا: # ما نعبدهم إلا ليقربونا ms1051 إلى الله زلفى # [الزمر، الآية 3] وهذا معنى الخلط { أولئك } إشارة إلى ~~الموصول من حيث اتصافه بما في حيز الصلة، وفي الإشارة إليه بعد وصفه ~~بما ذكر إيذان بأنهم تميزوا بذلك عن غيرهم، وانتظموا في سلك الأمور ~~المشاهدة، وما فيه من معنى البعد للإشعار بعلو درجتهم وبعد ~~منزلتهم في الشرف، وهو مبتدأ ثان، وقوله تعالى: { لهم الأمن } ~~جملة من خبر مقدم ومبتدأ مؤخر وقعت خبرا لأولئك، وهو مع خبره خبر ~~للمبتدأ الأول الذي هو الموصول، ويجوز أن يكون (أولئك) بدلا من الموصول ~~أو عطف بيان له، ولهم خبرا للموصول، والأمن فاعلا للظرف لاعتماده ~~على المبتدأ، ويجوز أن يكون لهم خبرا مقدما، والأمن مبتدأ والجملة ~~خبرا للموصول، ويجوز أن يكون أولئك مبتدأ ثانيا (لهم) خبره والأمن ~~فاعلا له، والجملة خبرا للموصول، أي أولئك الموصوفون بما ذكر من ~~الإيمان الخالص عن شوب الشرك لهم الأمن فقط { وهم مهتدون } ~~إلى الحق، ومن عداهم في ضلال مبين. روي أنه لما نزلت الآية شق ذلك ~~على الصحابة رضوان الله عليهم وقالوا: أينا لم يظلم نفسه؟ فقال عليه ~~الصلاة والسلام: # " ليس ما تظنون، إنما هو ما قال لقمان لابنه: يا بني لا تشرك بالله ~~إن الشرك لظلم عظيم " # وليس الإيمان به أن يصدق بوجود الصانع الحكيم ويخلط بهذا ~~التصديق الإشراك به، وليس من قضية الخلط بقاء الأصل بعد الخلط ~~حقيقة، وقيل: المراد بالظلم المعصية التي تفسق صاحبها، والظاهر ~~هو الأول لوروده مورد الجواب عن حال الفريقين. # { وتلك } إشارة إلى ما احتج به إبراهيم عليه السلام من قوله ~~تعالى: # فلما جن # [الأنعام، الآية 76] وقيل: من قوله: # أتحاجونى # [الأنعام، الآية 80] إلى قوله: # مهتدون # [الأنعام، الآية 80] وما في اسم الإشارة من معنى البعد لتفخيم شأن ~~المشار إليه والإشعار بعلو طبقته وسمو منزلته في الفضل، وهو مبتدأ، ~~وقوله تعالى: { حجتنا } خبره، وفي إضافتها إلى نون العظمة من ~~التفخيم ما لا يخفى، وقوله تعالى: { آتيناها إبرهيم } أي ~~أرشدناه إليها أو علمناه إياها في محل النصب على أنه حال من (حجتنا)، ~~والعامل فيها ms1052 معنى الإشارة كما في قوله تعالى: # فتلك بيوتهم خاوية بما ظلموا # [النمل الآية 52] أو في محل الرفع على خبر ثان، أو هو الخبر و(حجتنا) ~~بدل أو [عطف] بيان للمبتدأ، و(إبراهيم) مفعول أول لآتينا قدم ~~عليه الثاني لكونه ضميرا، وقوله تعالى: { على قومه } متعلق ~~بحجتنا إن جعل خبرا (لتلك)، أو بمحذوف إن جعل بدلا، أي آتينا ~~إبراهيم حجة على قومه، وقيل: بقوله: آتينا { نرفع } بنون العظمة، ~~وقرىء بالياء على طريقة الالتفات وكذا الفعل الآتي { درجت } أي ~~رتبا عظيمة عالية من العلم، وانتصابها على المصدرية أو الظرفية أو على ~~نزع الخافض، أي إلى درجات أو على التمييز، والمفعول قوله تعالى: { ~~من نشاء } وتأخيره على الوجوه الثلاثة الأخيرة لما مر من الاعتناء ~~بالمقدم والتشويق إلى المؤخر، ومفعول المشيئة محذوف، أي من نشاء ~~رفعه حسبما تقتضيه الحكمة وتستدعيه المصلحة، وإيثار صيغة ~~الاستقبال للدلالة على أن ذلك سنة مستمرة جارية فيما بين ~~المصطفين الأخيار غير مختصة بإبراهيم عليه السلام، وقرىء ~~بالإضافة إلى (من)، والجملة مستأنفة مقررة لما قبلها لا محل لها من ~~الإعراب، وقيل: هي في محل النصب على أنها حال من فاعل (آتينا) أي حال ~~كوننا رافعين الخ. # { إن ربك حكيم } في كل ما فعل من رفع وخفض { عليم } ~~بحال من يرفعه واستعداده له على مراتب متفاوتة، والجملة تعليل لما ~~قبلها، وفي وضع الرب مضافا إلى ضميره عليه السلام موضع نون العظمة ~~بطريق الالتفات في تضاعيف بيان أحوال إبراهيم عليه السلام إظهار ~~لمزيد لطف وعناية به عليه السلام. ### || [6.84] # { ووهبنا له إسحق ويعقوب } عطف على قوله [تعالى]: { ~~وتلك حجتنا } الخ، فإن عطف كل من الجملة الفعلية والاسمية ~~على الأخرى مما لا نزاع في جوازه ولا مساغ لعطفه على (آتيناها)، لأن له ~~محلا من الإعراب نصبا ورفعا حسبما بين من قبل، فلو عطف هذا ~~عليه لكان في حكمه من الحالية والخبرية المستدعيتين للرابط ولا سبيل ~~إليه ههنا { كلا } مفعول لما بعده، وتقديمه عليه للقصر، لكن لا ~~بالنسبة إلى غيرهما مطلقا، بل بالنسبة إلى أحدهما أي ms1053 كل واحد منهما { ~~هدينا } لا أحدهما دون الآخر، وترك ذكر المهدى إليه لظهور أنه ~~الذي أوتي إبراهيم وأنهما مقتديان به { ونوحا } منصوب بمضمر ~~يفسره { هدينا من قبل } أي من قبل إبراهيم عليه السلام، ~~عد هداه نعمة على إبراهيم عليه السلام لأن شرف الوالد سار إلى ~~الولد { ومن ذريته } الضمير لإبراهيم، لأن مساق النظم الكريم ~~لبيان شؤونه العظيمة من إيتاء الحجة ورفع الدرجات وهبة الأولاد ~~الأنبياء وإبقاء هذه الكرامة في نسله إلى يوم القيامة، كل ذلك ~~لإلزام من ينتمي إلى ملته عليه السلام من المشركين واليهود، وقيل: ~~لنوح، لأنه أقرب، ولأن يونس ولوطا ليسا من ذرية إبراهيم، فلو كان ~~الضمير له لاختص بالمعدودين في هذه الآية والتي بعدها، وأما المذكورون ~~في الآية الثالثة فعطف على (نوحا) وروي عن ابن عباس أن هؤلاء ~~الأنبياء كلهم مضافون إلى ذرية إبراهيم وإن كان منهم من لم ~~يلحقه بولادة من قبل أم ولا أب، لأن لوطا ابن أخي إبراهيم، ~~والعرب تجعل العم أبا، كما أخبر الله تعالى عن أبناء يعقوب أنهم ~~قالوا: # نعبد إلهك وإله آبائك إبرهيم وإسمعيل ~~وإسحق # [البقرة، الآية 133] مع أن إسماعيل عم يعقوب. # { داود وسليمن } منصوبان بمضمر مفهوم مما سبق وكذا ما ~~عطف عليهما، وبه يتعلق (من ذريته) وتقديمه على المفعول الصريح للاهتمام ~~بشأنه مع ما في المفاعيل من نوع طول ربما يخل تأخيره بتجاوب ~~النظم الكريم، أي وهدينا من ذريته داود وسليمان { وأيوب } هو ابن ~~أموص من أسباط عيص بن إسحاق { ويوسف وموسى وهرون } أو ~~بمحذوف وقع حالا من المذكورين أي وهديناهم حال كونهم من ذريته { ~~وكذلك } إشارة إلى ما يفهم من النظم الكريم من جزاء إبراهيم ~~عليه السلام، ومحل الكاف النصب على أنه نعت لمصدر محذوف، وأصل ~~التقدير { نجزى المحسنين } جزاء مثل ذلك الجزاء، والتقديم ~~للقصر، وقد مر تحقيقه مرارا، والمراد بالمحسنين الجنس، وبمماثلة ~~جزائهم لجزائه عليه السلام مطلق المشابهة في مقابلة الإحسان ~~بالإحسان والمكافأة بين الأعمال والأجزية من غير بخس لا المماثلة ~~من كل وجه، ضرورة أن الجزاء بكثرة ms1054 الأولاد الأنبياء مما اختص به ~~إبراهيم عليه السلام، والأقرب أن لام المحسنين للعهد، وذلك إشارة إلى ~~مصدر الفعل الذي بعده، وهو عبارة عما أوتي المذكورون من فنون ~~الكرامات، وما فيه من معنى البعد للإيذان بعلو طبقته، والكاف لتأكيد ما ~~أفاده اسم الإشارة من الفخامة، ومحلها في الأصل النصب على أنه نعت ~~لمصدر محذوف وأصل التقدير ونجزي المحسنين المذكورين جزاء كائنا مثل ~~ذلك الجزاء فقدم الفعل لإفادة القصر واعتبرت الكاف مقحمة للنكتة ~~المذكورة، فصار المشار إليه نفس المصدر المؤكد لا نعتا له، أي وذلك ~~الجزاء البديع نجزي المحسنين المذكورين لا جزاء آخر أدنى منه، ~~والإظهار في موضع الإضمار للثناء عليهم بالإحسان الذي هو عبارة عن ~~الإتيان بالأعمال الحسنة على الوجه اللائق الذي هو حسنها الوصفي ~~المقارن لحسنها الذاتي، وقد فسره عليه الصلاة والسلام بقوله: # " أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك " # والجملة اعتراض مقرر لما قبلها. ### || [6.85-86] # { وزكريا } وهو ابن آذن { ويحيى } ابنه { وعيسى } هو ~~ابن مريم، وفيه دليل على أن الذرية تتناول أولاد البنات { وإلياس ~~} قيل: هو إدريس جد نوح، فيكون البيان مخصوصا (بمن) في الآية ~~الأولى، وقيل: هو من أسباط هارون أخي موسى عليهما السلام { كل } أي ~~كل واحد من أولئك المذكورين { من الصلحين } أي من الكاملين ~~في الصلاح الذي هو عبارة عن الإتيان بما ينبغي، والتحرز عما لا ~~ينبغي، والجملة اعتراض جيء به للثناء عليهم بالصلاح { وإسمعيل ~~واليسع } وهو ابن أخطوب بن العجوز، وقرىء والليسع وهو على ~~القراءتين علم أعجمي أدخل عليه اللام ولا اشتقاق له، ويقال: إنه ~~يوشع بن نون، وقيل: إنه منقول من مضارع وسع واللام كما في يزيد في ~~قوله من قال: # رأيت الوليد بن اليزيد مباركا # شديدا بأعباء الخلافة كاهله # { ويونس } وهو ابن متى { ولوطا } هو ابن هارون بن أخي ~~إبراهيم عليه السلام { وكلا } أي وكل واحد من أولئك المذكورين { ~~فضلنا } بالنبوة لا بعضهم دون بعض { على العلمين } على ~~عالمي عصرهم، والجملة اعتراض كأختيها. ### || [6.87-89] # وقوله تعالى: { ومن ءابائهم وذريتهم ms1055 وإخونهم } ~~إما متعلق بما تعلق به (من ذريته) ومن ابتدائية، والمفعول محذوف، أي ~~وهدينا من آبائهم وذرياتهم وإخوانهم جماعات كثيرة، وإما معطوف على ~~(كلا) ومن تبعيضية، أي وفضلنا بعض آبائهم الخ { واجتبينهم } ~~عطف على (فضلنا) أي اصطفيناهم { وهدينهم إلى صرط ~~مستقيم } تكرير للتأكيد وتمهيد لبيان ما هدوا إليه. # { ذلك } إشارة إلى ما يفهم من النظم الكريم من مصادر الأفعال ~~المذكورة وقيل: ما دانوا به، وما في ذلك من معنى البعد لما مر مرارا { ~~هدى الله } الإضافة للتشريف { يهدى به من يشاء من ~~عباده } وهم المستعدون للهداية والإرشاد، وفيه إشارة إلى أنه تعالى ~~متفضل بالهداية { ولو أشركوا } أي هؤلاء المذكورون { ~~لحبط عنهم } مع فضلهم وعلو طبقاتهم { ما كانوا ~~يعملون } من الأعمال المرضية الصالحة، فكيف بمن عداهم وهم هم ~~وأعمالهم أعمالهم { أولئك } إشارة إلى المذكورين من الأنبياء ~~الثمانية عشر، والمعطوفين عليهم عليهم السلام باعتبار اتصافهم بما ~~ذكر من الهداية وغيرها من النعوت الجليلة الثابتة لهم، وما فيه من ~~معنى البعد لما مر غير مرة من الإيذان بعلو طبقتهم وبعد منزلتهم ~~في الفضل والشرف، وهو مبتدأ خبره قوله تعالى: { الذين ~~ءاتينهم الكتب } أي جنس الكتاب المتحقق في ضمن أي ~~فرد كان من أفراد الكتب السماوية، والمراد بإتيانه التفهيم التام، ~~بما فيه من الحقائق، والتمكين من الإحاطة بالجلائل والدقائق أعم من ~~أن يكون ذلك بالإنزال ابتداء، أو بالإيراث بقاء، فإن المذكورين لم ~~ينزل على كل واحد منهم كتاب معين { والحكم } أي الحكمة أو ~~فصل الأمر على ما يقتضيه الحق والصواب { والنبوة } أي الرسالة ~~{ فإن يكفر بها } أي بهذه الثلاثة أو بالنبوة الجامعة للباقين { ~~هؤلاء } أي كفار قريش فإنهم بكفرهم برسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وما أنزل عليه من القرآن كافرون بما يصدقه جميعا، وتقديم الجار ~~والمجرور على الفاعل لما مر مرارا من الاهتمام بالمقدم والتشويق إلى ~~المؤخر { فقد وكلنا بها } أي أمرنا بمراعاتها ووفقنا ~~للإيمان بها والقيام بحقوقها { قوما ليسوا بها بكفرين ~~} أي في وقت من الأوقات، بل مستمرون على الإيمان بها، فإن ms1056 الجملة ~~الاسمية الإيجابية كما تفيد دوام الثبوت كذلك السلبية تفيد دوام ~~النفي بمعونة المقام، لا نفي الدوام كما حقق في مقامه، قال ابن ~~عباس ومجاهد رضي الله تعالى عنهما: هم الأنصار وأهل المدينة، وقيل: ~~أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وقيل: كل مؤمن من بني آدم، وقيل: ~~الفرس، فإن كلا من هؤلاء الطوائف موفقون للإيمان بالأنبياء وبالكتب ~~المنزلة إليهم، عاملون بما فيها من أصول الشرائع وفروعها الباقية في ~~شريعتنا، وبه يتحقق الخروج عن عهدة التوكيل والتكليف دون المنسوخة ~~منها، فإنها بانتساخها خارجة عن كونها من أحكامها، وقد مر تحقيقه في ~~تفسير سورة المائدة. # وقيل: هو الأنبياء المذكورون، فالمراد بالتوكيل الأمر بما هو أعم ~~من إجراء أحكامها كما هو شأنها في حق كتابهم ومن اعتقاد حقيتها ~~كما هو شأنها في حق سائر الكتب التي من جملتها القرآن الكريم، وقيل: ~~هم الملائكة فالتوكيل هو الأمر بإنزالها وحفظها واعتقاد أحقيتها، ~~وأيا ما كان فتنكير (قوما) للتفخيم. والباء الأولى صلة وكلنا على ~~مفعوله الصريح، فلما ذكر آنفا من الاهتمام بالمقدم والتشويق إلى ~~المؤخر، ولأن فيه نوع طول ربما يؤدي تقديمه إلى الإخلال بتجاوب ~~النظم الكريم، أو إلى الفصل بين الصفة والموصوف، وجواب الشرط محذوف ~~يدل عليه المذكور، أي فإن يكفر بها هؤلاء فلا اعتداد به أصلا، فقد ~~وفقنا للإيمان بها قوما فخاما ليسوا بكافرين بها قطعا، بل مستمرون ~~على الإيمان بها، والعمل بما فيها، ففي إيمانهم بها مندوحة عن إيمان ~~هؤلاء، ومن هذا تبين أن الوجه أن يكون المراد بالقوم إحدى الطوائف ~~المذكورة، إذ بإيمانهم بالقرآن والعمل بأحكامه تتحقق الغنية عن ~~إيمان الكفرة به والعمل بأحكامه وأما الأنبياء والملائكة عليهم ~~السلام فإيمانهم به ليس من قبيل إيمان آحاد الأمة كما أشير إليه. ### || [6.90-91] # { أولئك } إشارة إلى الأنبياء المذكورين، وما فيه من معنى ~~البعد للإيذان بعلو رتبتهم، وهو مبتدأ خبره قوله تعالى: { الذين ~~هدى الله } أي إلى الحق والنهج المستقيم، والالتفات إلى الاسم ~~الجليل للإشعار بعلة الهداية { فبهداهم اقتده } أي فاختص ~~هداهم بالاقتداء، ولا تقتد ms1057 بغيرهم والمراد بهداهم طريقتهم في الإيمان ~~بالله تعالى وتوحيده وأصول الدين دون الشرائع القابلة للنسخ، فإنها ~~بعد النسخ لا تبقى هدى والهاء في (اقتده) للوقف حقها أن تسقط في ~~الدرج، واستحسن إثباتها فيه أيضا إجراء له مجرى الوقف واقتداء ~~بالإمام، وقرىء بإشباعها على أنها كناية المصدر. # { قل لا أسألكم عليه } أي على القرآن أو على التبليغ، فإن ~~مساق الكلام يدل عليهما وإن لم يجر ذكرهما { أجرا } من جهتكم ~~كما لم يسأله من قبلي من الأنبياء عليهم السلام، وهذا من جملة ما ~~أمر صلى الله عليه وسلم بالاقتداء بهم فيه { إن هو } أي ما القرآن ~~{ إلا ذكرى للعلمين } أي عظة وتذكير لهم كافة من جهته ~~سبحانه فلا يختص بقوم دون آخرين. # { وما قدروا الله } لما بين شأن القرآن العظيم وأنه نعمة ~~جليلة منه تعالى على كافة الأمم حسبما نطق به قوله تعالى: # وما أرسلنك إلا رحمة للعلمين # [الأنبياء، الآية 107] عقب ذلك ببيان غمطهم إياها، وكفرهم بها على ~~وجه سرى ذلك إلى الكفر بجميع الكتب الإلهية، وأصل القدر السبر ~~والحزر، يقال: قدر الشيء يقدره بالضم قدرا إذا سبره وحزره ليعرف ~~مقداره ثم استعمل في معرفة الشيء في مقداره وأحواله وأوصافه. # وقوله تعالى: { حق قدره } نصب على المصدرية، وهو في الأصل صفة ~~للمصدر أي قدره الحق، فلما أضيف إلى موصوفه انتصب على ما كان ينتصب ~~عليه موصوفه، أي ما عرفوه تعالى حق معرفته في اللطف بعباده والرحمة ~~عليهم، ولم يراعوا حقوقه تعالى في ذلك، بل أخلوا بها إخلالا { إذ ~~قالوا } منكرين لبعثة الرسل وإنزال الكتب كافرين بنعمته الجليلة ~~فيهما # ما أنزل الله على بشر من شىء # [آل عمران، الآية 32] فنفى معرفتهم لقدره سبحانه كناية عن حطهم ~~لقدره الجليل ووصفهم له تعالى بنقيض نعته الجميل كما أن نفي المحبة ~~في مثل { إن الله لا يحب الكفرين } كناية عن البغض ~~والسخط، وإلا فنفي معرفة قدره تعالى يتحقق مع عدم التعرض لحطه، بل ~~مع السعي في تحصيل المعرفة كما في قول من يناجي مستقصرا لمعرفته ~~وعبادته ms1058 : سبحانك ما عرفناك حق معرفتك، وما عبدناك حق عبادتك. أو ~~ما عرفوه حق معرفته في السخط على الكفار وشدة بطشه تعالى بهم ~~حسبما نطق به القرآن حين اجترأوا على التفوه بهذه العظيمة ~~الشنعاء، فالنفي بمعناه الحقيقي والقائلون هم اليهود وقد قالوه ~~مبالغة في إنكار إنزال القرآن على رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فألزموا بما لا سبيل إلى إنكاره أصلا حيث قيل: # { قل من أنزل الكتب الذى جاء به موسى } أي قل لهم ~~ذلك على طريقة التبكيت وإلقام الحجر، و # " روي أن مالك بن الصيف من أحبار اليهود ورؤسائهم قال له رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: " أنشدك الله الذي أنزل التوراة على موسى هل تجد ~~فيها الله يبغض الحبر السمين؟ فأنت الحبر السمين، قد سمنت من ~~مالك الذي تطعمك اليهود " فضحك القوم فغضب ثم التفت إلى عمر رضي ~~الله عنه فقال: ما أنزل الله على بشر من شيء فنزعوه وجعلوا مكانه كعب ~~بن الأشرف " # ، وقيل: هم المشركون وإلزامهم إنزال التوراة لما أنه كان عندهم من ~~المشاهير الذائعة، ولذلك كانوا يقولون: # لو أنا أنزل علينا الكتب لكنا أهدى منهم # [الأنعام، الآية 157] ووصف الكتاب بالوصول إليهم لزيادة التقريع ~~وتشديد التبكيت، وكذا تقييده بقوله تعالى: { نورا وهدى } فإن ~~كونه بينا بنفسه ومبينا لغيره مما يؤكد الإلزام أي تأكيد، ~~وانتصابهما على الحالية من الكتاب، والعامل (أنزل) أو من الضمير في ~~(به)، والعامل (جاء) واللام في قوله تعالى: { للناس } إما متعلق ~~بهدى، أو بمحذوف هو صفة له، أي هدى كائنا للناس وليس المراد بهذا ~~مجرد إلزامهم بالاعتراف بإنزال التوراة فقط بل إنزال القرآن أيضا، ~~فإن الاعتراف بإنزالها مستلزم للاعتراف بإنزاله قطعا، لما فيها من ~~الشواهد الناطقة به، وقد نعى عليهم ما فعلوا بها من التحريف والتغيير ~~حيث قيل: { تجعلونه قرطيس } أي تضعونه في قراطيس مقطعة، ~~وورقات مفرقة، بحذف الجار بناء على تشبيه القراطيس بالظرف ~~المبهم، أو تجعلونه نفس القراطيس المقطعة، وفيه زيادة توبيخ لهم ~~بسوء صنيعهم كأنهم أخرجوه من جنس الكتاب ونزلوه منزلة القراطيس ms1059 ~~الخالية عن الكتابة، والجملة حال كما سبق وقوله تعالى: { تبدونها ~~} صفة لقراطيس، وقوله تعالى: { وتخفون كثيرا } معطوف عليه، ~~والعائد إلى الموصول محذوف، أي كثيرا منها، وقيل: كلام مبتدأ لا محل ~~له من الإعراب، والمراد بالكثير نعوت النبي عليه الصلاة والسلام ~~وسائر ما كتموه من أحكام التوراة، وقرىء الأفعال الثلاثة بالياء حملا ~~على قالوا وما قدروا. # وقوله تعالى: { وعلمتم ما لم تعلموا أنتم ولا ~~ءاباؤكم } قيل: هو حال من فاعل تجعلونه بإضمار قد، أو بدونه على ~~اختلاف الرأيين. قلت: فينبغي أن يجعل (ما) عبارة عما أخذوه من الكتاب ~~من العلوم والشرائع ليكون التقييد بالحال مفيدا لتأكيد التوبيخ ~~وتشديد التشنيع، فإن ما فعلوه بالكتاب من التفريق والتقطيع لما ذكر من ~~الإبداء والإخفاء شناعة عظيمة في نفسها، ومع ملاحظة كونه مأخذا ~~لعلومهم ومعارفهم أشنع وأعظم، لا عما تلقوه من جهة النبي صلى الله ~~عليه وسلم زيادة على ما في التوراة وبيانا لما التبس عليهم وعلى ~~آبائهم من مشكلاتها حسبما ينطق به قوله تعالى: # إن هذا القرءان يقص على بنى إسرءيل أكثر ~~الذى هم فيه يختلفون # [النمل، الآية 76] كما قالوا لأن تلقيهم لذلك من القرآن الكريم ليس ~~مما يزجرهم عما صنعوا بالتوراة أما ما ورد فيه زيادة على ما فيها فلأنه ~~لا تعلق له بها نفيا ولا إثباتا، وأما ما ورد بطريق البيان فلأن ~~مدار ما فعلوا بالتوراة من التبديل والتحريف ليس ما وقع فيها من التباس ~~الأمر واشتباه الحال حتى يقلعوا عن ذلك بإيضاحه وبيانه فتكون ~~الجملة حينئذ خالية عن تأكيد التوبيخ، فلا تستحق أن تقع موقع الحال ~~بل الوجه حينئذ أن تكون استئنافا مقررا لما قبلها من مجيء الكتاب ~~بطريق التكملة والاستطراد والتمهيد لما يعقبه من مجيء القرآن، ولا ~~سبيل إلى جعل (ما) عبارة عما كتموه من أحكام التوراة كما يفصح عنه ~~قوله تعالى: # قد جاءكم رسولنا يبين لكم كثيرا مما كنتم ~~تخفون من الكتب # [المائدة، الآية 15] فإن ظهوره وإن كان مزجرة لهم عن الكتم مخافة ~~الافتضاح ومصححا لوقوع الجملة في موقع ms1060 الحال لكن ذلك مما يعلمه ~~الكاتمون حتما. هذا، وقد قيل: الخطاب لمن آمن من قريش كما في قوله ~~تعالى: # لتنذر قوما ما أنذر ءاباؤهم # [يس، الآية 6]. وقوله تعالى: { قل الله } أمر لرسول الله صلى ~~الله عليه وسلم بأن يجيب عنهم إشعارا بتعين الجواب بحيث لا محيد عنه ~~وإيذانا بأنهم أفحموا ولم يقدروا على التكلم أصلا { ثم ذرهم ~~فى خوضهم } في باطلهم الذي يخوضون فيه ولا عليك بعد إلزام الحجة ~~وإلقام الحجر { يلعبون } حال من الضمير الأول، والظرف صلة للفعل ~~المقدم أو المؤخر أو متعلق بمحذوف هو حال من مفعول الأول أو من فاعل ~~الثاني أو من الضمير الثاني لأنه فاعل في الحقيقة والظرف متصل ~~بالأول. ### || [6.92] # { وهذا كتب أنزلنه } تحقيق لنزول القرآن الكريم بعد ~~إنزال ما بشر به من التوراة، وتكذيب لهم في كلمتهم الشنعاء إثر ~~تكذيب { مبارك } أي كثير الفوائد وجم المنافع { مصدق ~~الذى بين يديه } من التوراة لنزوله حسبما وصف فيها أو ~~الكتب التي قبله فإنه مصدق للكل في إثبات التوحيد والأمر به ونفي ~~الشرك والنهي عنه وفي سائر أصول الشرائع التي لا تنسخ { ولتنذر ~~أم القرى } عطف على ما دل عليه (مبارك) أي للبركات ولإنذارك أهل ~~مكة وإنما ذكرت باسمها المنبىء عن كونها أعظم القرى شأنا وقبلة ~~لأهلها قاطبة إيذانا بأن إنذار أهلها أصل مستتبع لإنذار أهل ~~الأرض كافة، وقرىء (لينذر) بالياء على أن الضمير للكتاب { ومن ~~حولها } من أهل المدر والوبر في المشارق والمغارب { والذين ~~يؤمنون بالآخرة } وبما فيها من أفانين العذاب { يؤمنون ~~به } أي بالكتاب لأنهم يخافون العاقبة ولا يزال الخوف يحملهم على ~~النظر والتأمل حتى يؤمنوا به { وهم على صلاتهم يحافظون ~~} تخصيص محافظتهم على الصلاة بالذكر من بين سائر العبادات التي لا بد ~~للمؤمنين من أدائها للإيذان بإنافتها من بين سائر الطاعات وكونها ~~أشرف العبادات بعد الإيمان. ### || [6.93-94] # { ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا } فزعم أنه ~~تعالى بعثه نبيا كمسيلمة الكذاب والأسود العنسي أو اختلق عليه ~~أحكاما من الحل والحرمة كعمرو بن لحي ms1061 ومتابعيه أي هو أظلم ~~من كل ظالم وإن كان سبك التركيب على نفي الأظلم منه وإنكاره من ~~غير تعرض لنفي المساوي وإنكاره فإن الاستعمال الفاشي في قولك: من ~~أفضل من زيد أو لا أكرم منه على أنه أفضل من كل فاضل وأكرم من كل ~~كريم، وقد مر تمام الكلام فيه { أو قال أوحى إلى } من جهته ~~تعالى { ولم يوح إليه } أي والحال أنه لم يوح إليه { شىء } ~~أصلا (كعبد الله بن سعد بن أبي سرح كان يكتب للنبي صلى الله ~~عليه وسلم فلما نزلت # ولقد خلقنا الإنسن من سللة من طين # فلما بلغ # ثم أنشأناه خلقا آخر # [المؤمنون، الآية 14] قال عبد الله: تبارك الله أحسن الخالقين تعجبا ~~من تفصيل خلق الإنسان ثم قال عليه الصلاة والسلام: «اكتبها كذلك» فشك ~~عبد الله وقال: لئن كان محمد صادقا فقد أوحي إلي كما أوحي إليه ~~ولئن كان كاذبا فقد قلت كما قال). { ومن قال سأنزل مثل ما ~~أنزل الله } كالذين قالوا: # لو نشاء لقلنا مثل هذا # [الأنفال، الآية 31]. # { ولو ترى إذ الظلمون } حذف مفعول ترى لدلالة الظرف ~~عليه أي ولو ترى الظالمين إذ هم { فى غمرات الموت } أي شدائده ~~من غمره إذا غشيه { والملئكة باسطوا أيديهم } بقبض ~~أرواحهم كالمتقاضي الملظ الملح يبسط يده إلى من عليه الحق ~~ويعنف عليه في المطالبة من غير إمهال وتنفيس، أو باسطوها بالعذاب ~~قائلين: { أخرجوا أنفسكم } أي أخرجوا أرواحكم إلينا من ~~أجسادكم أو خلصوا أنفسكم من العذاب { اليوم } أي وقت الإماتة أو ~~الوقت الممتد بعده إلى ما لا نهاية له { تجزون عذاب الهون } ~~أي العذاب المتضمن لشدة وإهانة فإضافته إلى الهون وهو الهوان ~~لعراقته فيه { بما كنتم تقولون على الله غير الحق } ~~كاتخاذ الولد له ونسبة الشريك إليه وادعاء النبوة والوحي كاذبا { ~~وكنتم عن ءايته تستكبرون } فلا تتأملون فيها ولا ~~تؤمنون بها. # { ولقد جئتمونا } للحساب { فرادى } منفردين عن الأموال ~~والأولاد وغير ذلك مما آثرتموه من الدنيا أو عن الأعوان والأصنام ~~التي كنتم تزعمون أنها شفعاؤكم وهو جمع فرد ms1062 والألف للتأنيث ككسالى ~~وقرىء (فرادا) كرجال وفراد كثلاث وفردى كسكرى { كما ~~خلقنكم أول مرة } بدل من فرادى أي على الهيئة التي ولدتم ~~عليها في الانفراد أو حال ثانية عند من يجوز تعددها أو حال من ~~الضمير في فرادى أي مشبهين ابتداء خلقكم عراة حفاة غرلا ~~بهما أو صفة مصدر (جئتمونا) أي مجيئا كخلقنا لكم أول مرة { ~~وتركتم ما خولنكم } تفضلناه عليكم في الدنيا فشغلتم ~~به عن الآخرة { وراء ظهوركم } ما قدمتم منه شيئا ولم تحملوا ~~نقيرا { وما نرى معكم شفعاءكم الذين زعمتم ~~أنهم فيكم شركاء } أي شركاء الله تعالى في الربوبية ~~واستحقاق العبادة { لقد تقطع بينكم } أي وقع التقطع ~~بينكم كما يقال: جمع بين الشيئين أي أوقع الجمع بينهما وقرىء ~~(بينكم) بالرفع على إسناد الفعل إلى الظرف كما يقال: قوتل أمامكم ~~وخلفكم أو على أن البين اسم للفصل والوصل أي تقطع وصلكم وقرىء ما ~~بينكم { وضل عنكم } أي ضاع أو غاب { ما كنتم تزعمون } ~~أنها شفعاؤكم أو أن لا بعث ولا جزاء. ### || [6.95-96] # { إن الله فالق الحب والنوى } شروع في تقرير بعض ~~أفاعيله تعالى الدالة على كمال علمه وقدرته ولطف صنعه وحكمته ~~إثر تقرير أدلة التوحيد، والفلق الشق بإبانة، أي شاق الحب ~~بالنبات والنوى بالشجر، وقيل: المراد به الشق الذي في الحبوب ~~والنوى، أي خالقهما كذلك كما في قولك: ضيق فم الركية ووسع ~~أسفلها، وقيل: الفلق بمعنى الخلق، قال الواحدي: ذهبوا بفالق مذهب ~~فاطر { يخرج الحى من الميت } أي يخرج ما ينمو من النطفة ~~والحب، والجملة مستأنفة مبينة لما قبلها وقيل: خبر ثان لأن قوله ~~تعالى: { ومخرج الميت } كالنطفة والحب { من الحى } ~~كالحيوان والنبات، عطف على (فالق الحب) لا على (يخرج) على الوجه الأول ~~لأن إخراج الميت من الحي ليس من قبيل فلق الحب والنوى { ذلكم ~~} القادر العظيم الشأن هو { الله } المستحق للعبادة وحده { ~~فأنى تؤفكون } فكيف تصرفون عن عبادته إلى غيره ولا سبيل ~~إليه أصلا. # { فالق الإصباح } خبر آخر لإن، أو لمبتدإ محذوف والإصباح ~~مصدر سمي به الصبح وقرىء ms1063 بفتح الهمزة على أنه جمع صبح أي فالق ~~عمود الفجر عن بياض النهار وإسفاره، أو فالق ظلمة الإصباح وهي ~~الغبش الذي يلي الصبح وقرىء (فالق) بالنصب على المدح { وجعل ~~اليل سكنا } يسكن إليه التعب بالنهار لاستراحته فيه من سكن ~~إليه إذا اطمأن إليه استئناسا به أو يسكن فيه الخلق من قوله تعالى: # لتسكنوا فيه # [يونس، الآية 67] وقرىء (جاعل الليل) فانتصاب (سكنا) بفعل دل عليه ~~جاعل وقيل: بنفسه على أن المراد به الجعل المستمر في الأزمنة ~~المتجددة حسب تجددها لا الجعل الماضي فقط وقيل: اسم الفاعل من الفعل ~~المتعدي إلى اثنين يعمل في الثاني وإن كان بمعنى الماضي لأنه لما أضيف ~~إلى الأول تعين نصبه للثاني لتعذر الإضافة بعد ذلك { والشمس ~~والقمر } معطوفان على الليل وعلى القراءة الأخيرة قيل: هما معطوفان ~~على محله والأحسن نصبهما حينئذ بفعل مقدر وقد قرئا بالجر وبالرفع ~~أيضا على الابتداء والخبر محذوف أي مجعولان { حسبانا } أي على ~~أدوار مختلفة يحسب بها الأوقات التي نيط بها العبادات والمعاملات أو ~~محسوبان حسبانا، والحسبان بالضم مصدر حسب كما أن الحساب بالكسر ~~مصدر حسب { ذلك } إشارة إلى جعلهما كذلك وما فيه من معنى البعد ~~للإيذان بعلو رتبة المشار إليه وبعد منزلته أي ذلك التسيير ~~البديع { تقدير العزيز } الغالب القاهر الذي لا يستعصي عليه ~~شيء من الأشياء التي من جملتها تسييرهما على الوجه المخصوص { ~~العليم } بجميع المعلومات التي من جملتها ما في ذلك التسيير من ~~المنافع والمصالح المتعلقة بمعاش الخلق ومعادهم. ### || [6.97-98] # { وهو الذى جعل لكم النجوم } شروع في بيان نعمته ~~تعالى في الكواكب إثر بيان نعمته تعالى في النيرين والجعل ~~متعد إلى واحد واللام متعلقة به، وتأخير المفعول الصريح عن الجار ~~والمجرور لما مر غير مرة من الاهتمام بالمقدم والتشويق إلى المؤخر ~~أي أنشأها وأبدعها لأجلكم، فقوله تعالى: { لتهتدوا بها } بدل من ~~المجرور بإعادة العامل بدل اشتمال كما في قوله تعالى: # لجعلنا لمن يكفر بالرحمن لبيوتهم سقفا # [الزخرف، الآية 33] والتقدير جعل لكم النجوم لاهتدائكم لكن لا على أن ~~غاية خلقها ms1064 اهتداؤهم فقط بل على طريقة إفراد بعض منافعها وغاياتها ~~بالذكر حسبما يقتضيه المقام، وقد جوز أن يكون مفعولا ثانيا للجعل، ~~وهو بمعنى التصيير أي جعلها كائنة لاهتدائكم في أسفاركم عند دخولكم ~~المفاوز أو البحار كما ينبىء عنه قوله تعالى: { فى ظلمت ~~البر والبحر } أي في ظلمات الليل في البر والبحر، وإضافتها ~~إليهما للملابسة فإن الحاجة إلى الاهتداء بها إنما تتحقق عند ذلك أو في ~~مشتبهات الطرق، عبر عنها بالظلمات على طريقة الاستعارة { قد ~~فصلنا الآيت } أي بينا الآيات المتلوة المذكرة ~~لنعمه التي هذه النعمة من جملتها أو الآيات التكوينية الدالة على ~~شؤونه تعالى مفصلة { لقوم يعلمون } أي معاني الآيات ~~المذكورة ويعملون بموجبها أو يتفكرون في الآيات التكوينية فيعلمون ~~حقيقة الحال، وتخصيص التفصيل بهم مع عمومه للكل لأنهم المنتفعون به. # { وهو الذي أنشأكم من نفس وحدة } تذكير لنعمة أخرى ~~من نعمه تعالى دالة على عظيم قدرته ولطيف صنعه وحكمته أي أنشأكم ~~مع كثرتكم من نفس آدم عليه السلام { فمستقر ومستودع } أي ~~فلكم استقرار في الأصلاب أو فوق الأرض واستيداع في الأرحام أو تحت ~~الأرض أو موضع استقرار واستيداع فيما ذكر، والتعبير عن كونهم في ~~الأصلاب أو فوق الأرض بالاستقرار لأنهما مقرهم الطبيعي كما أن ~~التعبير عن كونهم في الأرحام أو تحت الأرض بالاستيداع لما أن كلا ~~منهما ليس بمقرهم الطبيعي، وقد حمل الاستيداع على كونهم في ~~الأصلاب وليس بواضح، وقرىء (فمستقر) بكسر القاف أي فمنكم مستقر ومنكم ~~مستودع فإن الاستقرار منا، بخلاف الاستيداع { قد فصلنا ~~الآيت } المبينة لتفاصيل خلق البشر من هذه الآية ونظائرها { ~~لقوم يفقهون } غوامض الدقائق باستعمال الفطنة وتدقيق النظر ~~فإن لطائف صنع الله عز وجل في أطوار تخليق بني آدم مما تحار في فهمه ~~الألباب وهو السر في إيثار (يفقهون) على يعلمون كما ورد في شأن ~~النجوم. ### || [6.99] # { وهو الذى أنزل من السماء ماء } تذكير لنعمة أخرى من ~~نعمه تعالى منبئة عن كمال قدرته تعالى وسعة رحمته أي أنزل من ~~السحاب أو من سمت السماء ماء خاصا هو ms1065 المطر، وتقديم الجار والمجرور ~~على المفعول الصريح لما مر مرارا { فأخرجنا به } التفات إلى ~~التكلم إظهارا لكمال العناية بشأن ما أنزل الماء لأجله أي فأخرجنا ~~بعظمتنا بذلك الماء مع وحدته { نبات كل شىء } من الأشياء التي ~~من شأنها النمو من أصناف النجم والشجر وأنواعها المختلفة في الكم ~~والكيف والخواص والآثار اختلافا متفاوتا في مراتب الزيادة والنقصان ~~حسبما يفصح عنه قوله تعالى: # يسقى بماء وحد ونفضل بعضها على بعض فى ~~الأكل # [الرعد، الآية 4]. وقوله تعالى: { فأخرجنا منه خضرا } ~~شروع في تفصيل ما أجمل من الإخراج، وقد بدىء بتفصيل حال النجم أي ~~فأخرجنا من النبات الذي لا ساق له شيئا غضا أخضر، يقال: شيء أخضر ~~وخضر كأعور وعور، وأكثر ما يستعمل الخضر فيما تكون خضرته ~~خلقية وهو ما تشعب من أصل النبات الخارج من الحبة. وقوله تعالى: { ~~نخرج منه } صفة لخضرا وصيغة المضارع لاستحضار الصورة لما ~~فيها من الغرابة أي نخرج من ذلك الخضر { حبا متراكبا } هو ~~السنبل المنتظم للحبوب المتراكبة بعضها فوق بعض على هيئة مخصوصة ~~وقرىء يخرج منه حب متراكب وقوله تعالى: { ومن النخل } شروع ~~في تفصيل حال الشجر إثر بيان حال النجم. فقوله تعالى: { من ~~النخل } خبر مقدم وقوله تعالى: { من طلعها } بدل منه بإعادة ~~العامل كما في قوله تعالى: # لقد كان لكم فى رسول الله أسوة حسنة لمن ~~كان يرجو الله # [الأحزاب، الآية 21] الخ، والطلع شيء يخرج من النخل كأنه نعلان ~~مطبقان، والحمل بينهما منضود. وقوله تعالى: { قنون } مبتدأ أي ~~وحاصلة من طلع النخل قنوان، ويجوز أن يكون الخبر محذوفا لدلالة ~~أخرجنا عليه أي ومخرجة من طلع النخل قنوان ومن قرأ يخرج منه حب ~~متراكب كان (قنوان) عنده معطوفا على (حب) وقيل: المعنى وأخرجنا من ~~النخل نخلا من طلعها قنوان أو ومن النخل شيء من طلعها قنوان، وهو جمع ~~قنو، وهو عنقود النخلة كصنو وصنوان، وقرىء بضم القاف كذئب ~~وذؤبان وبفتحها أيضا على أنه اسم جمع لأن فعلان ليس من أبنية الجمع { ~~دانية } سهلة المجتنى قريبة من القاطف ms1066 فإنها وإن كانت صغيرة ~~ينالها القاعد تأتي بالثمر لا ينتظر الطول، أو ملتفة متقاربة، ~~والاقتصار على ذكرها لدلالتها على مقابلها كقوله تعالى: # سرابيل تقيكم الحر # [النحل، الآية 81] ولزيادة النعمة فيها { وجنت من أعنب } ~~عطف على (نبات كل شيء) أي وأخرجنا به جنات كائنة من أعناب، وقرىء ~~جنات بالرفع على الابتداء أي ولكم أو ثمة جنات، وقد جوز عطفه على ~~(قنوان) كأنه قيل: وحاصلة أو مخرجة من النخل قنوان وجنات من نبات ~~وأعناب، ولعل زيادة الجنات ههنا من غير اكتفاء بذكر اسم الجنس كما ~~فيما تقدم وما تأخر لما أن الانتفاع بهذا الجنس لا يتأتى غالبا إلا عند ~~اجتماع طائفة من أفراده { والزيتون والرمان } منصوبان على ~~الاختصاص لعزة هذين الصنفين عندهم أو على العطف على (نبات) وقوله تعالى: ~~{ مشتبها وغير متشبه } حال من الزيتون اكتفي به عن حال ~~ما عطف عليه كما يكتفى بخبر المعطوف عليه عن خبر المعطوف في نحو قوله ~~تعالى: # والله ورسوله أحق أن يرضوه # [التوبة، الآية 62] وتقديره والزيتون مشتبها وغير متشابه والرمان ~~كذلك، وقد جوز أن يكون حالا من الرمان لقربه ويكون المحذوف حال ~~الأول والمعنى بعضه متشابها وبعضه غير متشابه في الهيئة والمقدار ~~واللون والطعم وغير ذلك من الأوصاف الدالة على كمال قدرة صانعها وحكمة ~~منشئها ومبدعها { انظروا إلى ثمره إذا أثمر } أي ~~انظروا إليه نظر اعتبار واستبصار إذا أخرج ثمره كيف يخرجه ضئيلا لا ~~يكاد ينتفع به، وقرىء إلى ثمره { وينعه } أي وإلى حال نضجه كيف ~~يصير إلى كماله اللائق به ويكون شيئا جامعا لمنافع جمة والينع ~~في الأصل مصدر ينعت الثمرة إذا أدركت وقيل: جمع يانع كتاجر وتجر ~~وقرىء بالضم وهي لغة فيه وقرىء يانعه { إن فى ذلكم } إشارة ~~إلى ما أمر بالنظر إليه، وما في اسم الإشارة من معنى البعد للإيذان بعلو ~~رتبة المشار إليه وبعد منزلته { لآيت لقوم يؤمنون } أي ~~لآيات عظيمة أو كثيرة دالة على وجود القادر الحكيم ووحدته فإن ~~حدوث هاتيك الأجناس المختلفة والأنواع المتشعبة من أصل واحد ~~وانتقالها من ms1067 حال إلى حال على نمط بديع تحار في فهمه الألباب لا يكاد ~~يكون إلا بإحداث صانع يعلم تفاصيلها ويرجح ما تقتضيه حكمته من الوجوه ~~الممكنة على غيره ولا يعوقه عن ذلك ضد يناوئه أو ند يقاويه، ~~ولذلك عقب بتوبيخ من أشرك به والرد عليه حيث قيل. ### || [6.100] # { وجعلوا لله شركاء } أي جعلوا في اعتقادهم لله الذي شأنه ~~ما فصل في تضاعيف هذه الآية الجليلة شركاء { الجن } أي ~~الملائكة حيث عبدوهم وقالوا: الملائكة بنات الله وسموا جنا ~~لاجتنانهم تحقيرا لشأنهم بالنسبة إلى مقام الألوهية، أو الشياطين حيث ~~أطاعوهم كما أطاعوا الله تعالى أو عبدوا الأوثان بتسويلهم وتحريضهم أو ~~قالوا: الله خالق الخير وكل نافع، والشيطان خالق الشر وكل ~~ضار، كما هو رأي الثنوية ومفعولا (جعلوا) قوله تعالى: { شركاء ~~الجن } قدم ثانيهما على الأول لاستعظام أن يتخذ لله سبحانه ~~شريك ما، كائنا ما كان، ولله متعلق بشركاء قدم عليه للنكتة المذكورة ~~وقيل: هما لله شركاء والجن بدل من شركاء مفسر له نص عليه ~~الفراء وأبو إسحاق، أو منصوب بمضمر وقع جوابا عن سؤال مقدر نشأ ~~من قوله تعالى: { وجعلوا لله شركاء } كأنه قيل: من جعلوه ~~شركاء لله تعالى؟ فقيل: الجن أي جعلوا الجن، ويؤيده قراءة أبي حيوة ~~ويزيد بن قطيب (الجن) بالرفع على تقدير: هم الجن في جواب من قال: ~~من الذين جعلوهم شركاء لله تعالى؟ وقد قرىء بالجر على أن الإضافة ~~للتبيين { وخلقهم } حال من فاعل (جعلوا) بتقدير قد أو بدونه على ~~اختلاف الرأيين، مؤكدة لما في جعلهم ذلك من كمال القباحة والبطلان ~~باعتبار علمهم بمضمونها، أي وقد علموا أنه تعالى خالقهم خاصة، وقيل: ~~الضمير للشركاء أي والحال أنه تعالى خلق الجن فكيف يجعلون مخلوقه ~~شريكا له تعالى؟ وقرىء خلقهم عطفا على (الجن) أي وما يخلقونه من ~~الأصنام أو على (شركاء) أي وجعلوا له اختلاقهم الإفك حيث نسبوه إليه ~~تعالى. # { وخرقوا له } أي افتعلوا وافتروا له يقال: خلق الإفك ~~واختلقه وخرقه واخترقه بمعنى وقرىء خرقوا بالتشديد للتكثير وقرىء ~~وحرفوا له أي ms1068 زوروا { بنين وبنات } فقالت اليهود: عزير ابن ~~الله، وقالت النصارى: المسيح ابن الله، وقالت طائفة من العرب: ~~الملائكة بنات الله { بغير علم } أي بحقيقة ما قالوه من خطأ أو ~~صواب رميا بقوله عن عمى وجهالة من غير فكر وروية أو بغير علم ~~بمرتبة ما قالوه وأنه من الشناعة والبطلان بحيث لا يقادر قدره، والباء ~~متعلقة بمحذوف هو حال من فاعل خرقوا أو نعت لمصدر مؤكد له أي خرقوا ~~ملتبسين بغير علم أو خرقا كائنا بغير علم { سبحنه } استئناف ~~مسوق لتنزيهه عز وجل عما نسبوه إليه، وسبحانه علم للتسبيح الذي هو ~~التبعيد عن السوء اعتقادا وقولا أي اعتقاد البعد عنه والحكم به، ~~من سبح في الأرض والماء إذا أبعد فيهما وأمعن ومنه فرس سبوح أي ~~واسع الجري، وانتصابه على المصدرية ولا يكاد يذكر ناصبه أي أسبح ~~سبحانه أي أنزهه عما لا يليق به عقدا أو عملا تنزيها خاصا به حقيقا ~~بشأنه، وفيه مبالغة من جهة الاشتقاق من السبح ومن جهة النقل إلى ~~التفعيل ومن جهة العدول عن المصدر الدال على الجنس إلى الاسم الموضوع له ~~خاصة، لا سيما العلم المشير إلى الحقيقة الحاضرة في الذهن ومن جهة ~~إقامته مقام المصدر مع الفعل وقيل: هو مصدر كغفران لأنه سمع له فعل ~~من الثلاثي كما ذكر في القاموس أريد به التنزه التام والتباعد ~~الكلي، ففيه مبالغة من حيث إسناد التنزه إلى ذاته المقدسة أي تنزه ~~بذاته تنزها لائقا به وهو الأنسب بقوله سبحانه: { وتعالى } ~~فإنه معطوف على الفعل المضمر لا محالة ولما في السبحان والتعالي من ~~معنى التباعد قيل: { عما يصفون } أي تباعد عما يصفونه من أن له ~~شريكا أو ولدا. ### || [6.101] # { بديع السموات والأرض } أي مبدعهما ومخترعهما بلا ~~مثال يحتذيه ولا قانون ينتحيه، فإن البديع كما يطلق على المبدع ~~(بكسر الدال) يطلق على المبدع (بفتح الدال) نص عليه أئمة اللغة ~~كالصريخ بمعنى المصرخ وقد جاء: بدعه كمنعه بمعنى أنشأه كابتدعه، على ~~ما ذكر في القاموس وغيره، ونظيره السميع بمعنى المسمع في قوله: ms1069 ~~[الوافر] # أمن ريحانة الداعي السميع # [يؤرقني وأصحابي هجوع] # وقيل: هو من إضافة الصفة المشبهة إلى الفاعل للتخفيف بعد نصبه ~~تشبيها لها باسم الفاعل كما هو المشهور أي بديع سمواته وأرضه من ~~بدع إذا كان على نمط عجيب وشكل فائق وحسن رائق، أو إلى الظرف كما ~~في قولهم: ثبت العذر بمعنى أنه عديم النظير فيهما، والأول هو الوجه، ~~والمعنى أنه تعالى مبدع لقطري العالم العلوي والسفلي بلا مادة فاعل ~~على الإطلاق منزه عن الانفعال بالمرة، والوالد عنصر الولد منفعل ~~بانتقال مادته عنه فكيف يمكن أن يكون له ولد؟ وقرىء بديع بالنصب على ~~المدح وبالجر على أنه بدل من الاسم الجليل أو من الضمير المجرور في ~~سبحانه على رأي من يجيزه، وارتفاعه في القراءة المشهورة على أنه خبر ~~مبتدإ محذوف أو فاعل تعالى، وإظهاره في موضع الإضمار لتعليل الحكم، ~~وتوسيط الظرف بينه وبين الفعل للاهتمام ببيانه، أو مبتدأ خبره ~~قوله تعالى: { أنى يكون له ولد } وهو على الأولين جملة ~~مستقلة مسوقة لما قبلها لبيان استحالة ما نسبوه إليه تعالى وتقرير ~~تنزهه عنه وقوله تعالى: { ولم تكن له صحبة } حال ~~مؤكدة للاستحالة المذكورة فإن انتفاء أن يكون له تعالى صاحبة مستلزم ~~لانتفاء أن يكون له ولد ضرورة استحالة وجود الولد بلا والدة، وإن ~~أمكن وجوده بلا والد، وانتفاء الأول مما لا ريب فيه لأحد فمن ضرورته ~~انتفاء الثاني أي من أين أو كيف يكون له ولد كما زعموا والحال أنه ليس ~~له على زعمهم أيضا صاحبة يكون الولد منها؟ وقرىء لم يكن بتذكير الفعل ~~للفصل أو لأن الاسم ضميره تعالى، والخبر هو الظرف وصاحبة مرتفع به ~~على الفاعلية لاعتماده على المبتدإ، أو الظرف خبر مقدم وصاحبة مبتدأ ~~مؤخر والجملة خبر للكون وعلى هذا الوجه يجوز أن يكون الاسم ضمير ~~الشأن لصلاحية الجملة حينئذ لأن تكون مفسرة لضمير الشأن لا على ~~الوجه الأول لما بين في موضعه أن ضمير الشأن لا يفسر إلا بجملة ~~صريحة، وقوله تعالى: { وخلق كل شىء } إما جملة مستأنفة أخرى ms1070 ~~سيقت لتحقيق ما ذكر من الاستحالة أو حال أخرى مقررة لها أي أنى يكون ~~له ولد والحال أنه خلق كل شيء انتظمه التكوين والإيجاد من ~~الموجودات التي من جملتها ما سموه ولدا له تعالى فكيف يتصور أن ~~يكون المخلوق ولدا لخالقه؟ { وهو بكل شىء } من شأنه أن يعلم ~~كائنا ما كان مخلوقا أو غير مخلوق كما ينبىء عنه ترك الإضمار إلى ~~الإظهار { عليم } مبالغ في العلم أزلا وأبدا حسبما يعرب عنه ~~العدول إلى الجملة الاسمية فلا يخفى عليه خافية مما كان وما سيكون من ~~الذوات والصفات والأحوال التي من جملتها ما يجوز عليه تعالى وما لا ~~يجوز من المحالات التي ما زعموه فرد من أفرادها، والجملة استئناف ~~مقرر لمضمون ما قبلها من الدلائل القاطعة ببطلان مقالتهم الشنعاء ~~التي اجترأوا عليها بغير علم. ### || [6.102] # { ذلكم } إشارة إلى المنعوت بما ذكر من جلائل النعوت وما فيه من ~~معنى البعد للإيذان بعلو شأن المشار إليه وبعد منزلته في ~~العظمة، والخطاب للمشركين المعهودين بطريق الالتفات، وهو مبتدأ وقوله ~~تعالى: { الله ربكم لا إله إلا هو خلق كل شيء ~~} أخبار أربعة مترادفة أي ذلك الموصوف بتلك الصفات العظيمة هو الله ~~المستحق للعبادة خاصة، مالك أمركم لا شريك له أصلا، خالق كل ~~شيء مما كان ومما سيكون، فلا تكرار، إذ المعتبر في عنوان الموضوع ~~إنما هو خالقيته لما كان فقط كما ينبىء عنه صيغة الماضي، وقيل: الخبر ~~هو الأول، والبواقي أبدال، وقيل: الاسم الجليل بدل من المبتدأ ~~والبواقي أخبار، وقيل: يقدر لكل من الأخبار الثلاثة مبتدأ، وقيل: ~~يجعل الكل بمنزلة اسم واحد. # وقوله تعالى: { فاعبدوه } حكم مترتب على مضمون الجملة، فإن من ~~جمع هذه الصفات كان هو المستحق للعبادة خاصة، وقوله تعالى: { وهو ~~على كل شىء وكيل } عطف على الجملة المتقدمة أي هو مع ما فصل ~~من الصفات الجليلة متولي أمور جميع مخلوقاته التي أنتم من جملتها ~~فكلوا أموركم إليه وتوسلوا بعبادته إلى نجاح مآربكم الدنيوية ~~والأخروية. ### || [6.103-105] # { لا تدركه الأبصر } البصر حاسة النظر، وقد تطلق ms1071 على ~~العين من حيث أنها محلها، وإدراك الشيء عبارة عن الوصول إليه ~~والإحاطة به أي لا تصل إليه الأبصار ولا تحيط به كما قال سعيد بن ~~المسيب، وقال عطاء: كلت أبصار المخلوقين عن الإحاطة به فلا متمسك ~~فيه لمنكري الرؤية على الإطلاق. وقد روي عن ابن عباس ومقاتل رضي الله ~~عنهم: لا تدركه الأبصار في الدنيا وهو يرى في الآخرة { وهو يدرك ~~الأبصر } أي يحيط بها علمه إذ لا تخفى عليه خافية { وهو ~~اللطيف الخبير } فيدرك ما لا تدركه الأبصار، ويجوز أن يكون ~~تعليلا للحكمين السابقين على طريقة اللف أي لا تدركه الأبصار لأنه ~~اللطيف وهو يدرك الأبصار لأنه الخبير فيكون اللطيف مستفادا من ~~مقابل الكثيف لما لا يدرك بالحاسة ولا ينطبع فيها. # وقوله تعالى: { قد جاءكم بصائر من ربكم } استئناف وارد ~~على لسان النبي عليه الصلاة والسلام، والبصائر جمع بصيرة وهي النور ~~الذي به تستبصر النفس كما أن البصر نور به تبصر العين، والمراد ~~بها الآية الواردة ههنا أو جميع الآية المنتظمة لها انتظاما ~~أوليا، ومن لابتداء الغاية مجازا سواء تعلقت بجاء أو بمحذوف هو صفة ~~لبصائر، والتعرض لعنوان الربوبية مع الإضافة إلى ضمير المخاطبين ~~لإظهار كمال اللطف بهم أي قد جاءكم من جهة مالككم ومبلغكم إلى ~~كمالكم اللائق بكم من الوحي الناطق بالحق والصواب ما هو كالبصائر ~~للقلوب أو قد جاءكم بصائر كائنة من ربكم { فمن أبصر } أي الحق ~~بتلك البصائر وآمن به { فلنفسه } أي فلنفسه أبصر، أو فإبصاره ~~لنفسه لأن نفعه مخصوص بها { ومن عمي } أي ومن لم يبصر الحق بعد ~~ما ظهر له بتلك البصائر ظهورا بينا وضل عنه، وإنما عبر عنه ~~بالعمى تقبيحا له وتنفيرا عنه { فعليها } أي فعليها عمي أو ~~فعماه عليها أو وبال عمله { وما أنا عليكم بحفيظ } ~~وإنما أنا منذر، والله هو الذي يحفظ أعمالكم ويجازيكم عليها. # { وكذلك نصرف الآيت } أي مثل ذلك التصريف البديع نصرف ~~الآيات الدالة على المعاني الرائقة الكاشفة عن الحقائق الفائقة لا ~~تصريفا أدنى منه، وقوله تعالى: { وليقولوا ms1072 درست } علة لفعل ~~قد حذف تعويلا على دلالة السياق عليه، أو وليقولوا درست نفعل ما نفعل ~~من التصريف المذكور، واللام للعاقبة، والواو اعتراضية وقيل: هي ~~عاطفة على علة محذوفة واللام متعلقة بنصرف أي مثل ذلك التصريف ~~نصرف الآيات لنلزمهم الحجة وليقولوا الخ، وقيل: اللام لام ~~الأمر، وتنصره القراءة بسكون اللام كأنه قيل: وكذلك نصرف الآيات ~~وليقولوا هم ما يقولون فإنه لا احتفال بهم ولا اعتداد بقولهم، وهذا ~~أمر معناه الوعيد والتهديد وعدم الاكتراث بقولهم ورد عليه بأن ما ~~بعده يأباه، ومعنى درست قرأت وتعلمت، وقرىء دارست أي دارست ~~العلماء، ودرست أي تقدمت هذه الآيات وعفت كما قالوا أساطير ~~الأولين ودرست بضم الراء مبالغة في درست أي اشتد دروسها ودرست ~~على البناء للمفعول بمعنى قرئت أو عفيت ودارست وفسروها بدارست ~~اليهود محمدا صلى الله عليه وسلم. # وجاز الإضمار لاشتهارهم بالدراسة، وقد جوز إسناد الفعل إلى الآيات ~~وهو في الحقيقة لأهلها أي دارس أهل الآيات وحملتها محمدا صلى الله ~~عليه وسلم وهم أهل الكتاب ودرس أي درس محمد ودارسات أي هي دارسات ~~أي قديمات أو ذات درس كعيشة راضية وقوله تعالى: { ولنبينه } ~~عطف على ليقولوا واللام على الأصل لأن التبيين غاية التصريف، ~~والضمير للآيات باعتبار المعنى أو للقرآن وإن لم يذكر، أو للمصدر أي ~~ولنفعل التبيين، واللام في قوله تعالى: { لقوم يعلمون } ~~متعلقة بالتبيين، وتخصيصه بهم لما أنهم المنتفعون به، قال ابن عباس: ~~هم أولياؤه الذين هداهم إلى سبيل الرشاد، ووصفهم بالعلم للإيذان ~~بغاية جهل الأولين وخلوهم عن العلم بالمرة. ### || [6.106-108] # { اتبع ما أوحي إليك من ربك } لما حكي عن المشركين ~~قدحهم في تصريف الآيات عقب ذلك بأمره عليه السلام بالثبات على ما هو ~~عليه وبعدم الاعتداد بهم وبأباطيلهم، أي دم على ما أنت عليه من اتباع ~~ما أوحي إليك من الشرائع والأحكام التي عمدتها التوحيد، وفي التعرض ~~لعنوان الربوبية مع الإضافة إلى ضميره عليه السلام من إظهار اللطف به ~~ما لا يخفى، وقوله تعالى: { لا إله إلا هو } اعتراض بين ~~الأمرين ms1073 المتعاطفين مؤكد لإيجاب اتباع الوحي لا سيما في أمر ~~التوحيد، وقد جوز أن يكون حالا من ربك أي منفردا في الألوهية { ~~وأعرض عن المشركين } لا تحتفل بهم وبأقاويلهم الباطلة ~~التي من جملتها ما حكي عنهم آنفا. ومن جعله منسوخا بآية السيف حمل ~~الإعراض على ما يعم الكف عنهم. # { ولو شاء الله } أي عدم إشراكهم حسبما هو القاعدة المستمرة ~~في حذف مفعول المشيئة من وقوعها شرطا وكون مفعولها مضمون الجزاء { ~~ما أشركوا } وهذا دليل على أنه تعالى لا يريد إيمان الكافر لكن ~~لا بمعنى أنه تعالى يمنعه عنه من توجهه إليه بل بمعنى أنه تعالى لا ~~يريده منه لعدم صرف اختياره الجزئي نحو الإيمان، وإصراره على ~~الكفر، والجملة اعتراض مؤكد للإعراض وكذا قوله تعالى: { وما ~~جعلنك عليهم حفيظا } أي رقيبا مهيمنا من قبلنا تحفظ ~~عليهم أعمالهم، وكذا قوله تعالى: { وما أنت عليهم بوكيل } ~~من جهتهم تقوم بأمورهم وتدبر مصالحهم، وعليهم في الموضعين متعلق بما ~~بعده، قدم عليه للاهتمام أو لرعاية الفواصل. # { ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله } أي لا ~~تشتموهم من حيث عبادتهم لآلهتهم كأن تقولوا: تبا لكم ولما تعبدونه ~~مثلا { فيسبوا الله عدوا } تجاوزا عن الحق إلى الباطل بأن ~~يقولوا لكم مثل قولكم لهم { بغير علم } أي بجهالة بالله تعالى ~~وبما يجب أن يذكر به، وقرىء عدوا يقال: عدا يعدو عدوا ~~وعدوا وعداء وعدوانا. روي أنهم قالوا لرسول الله صلى الله عليه ~~وسلم عند نزول قوله تعالى: # إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم # [الأنبياء، الآية 98]: لتنتهين عن سب آلهتنا أو لنهجون إلهك. ~~وقيل: كان المسلمون يسبونهم فنهوا عن ذلك لئلا يستتبع سبهم سبه ~~سبحانه وتعالى، وفيه أن الطاعة إذا أدت إلى معصية راجحة وجب تركها ~~فإن ما يؤدي إلى الشر شر. # { كذلك } أي مثل ذلك التزيين القوي { زينا لكل أمة ~~عملهم } من الخير والشر بإحداث ما يمكنهم منه ويحملهم عليه ~~توفيقا أو تخذيلا، ويجوز أن يراد بكل أمة أمم الكفرة إذ الكلام ~~فيهم وبعملهم شرهم وفسادهم، والمشبه ms1074 به تزيين سب الله تعالى لهم ~~{ ثم إلى ربهم } مالك أمرهم { مرجعهم } أي رجوعهم وهو ~~البعث بعد الموت { فينبئهم } من غير تأخير { بما كانوا ~~يعملون } في الدنيا على الاستمرار من السيئات المزينة لهم، وهو ~~وعيد بالجزاء والعذاب، كقول الرجل لمن يتوعده: سأخبرك بما فعلت، وفيه ~~نكتة سرية مبنية على حكمة أبية، وهو أن كل ما يظهر في هذه ~~النشأة من الأعيان والأعراض فإنما يظهر بصورة مستعارة مخالفة لصورته ~~الحقيقية التي بها يظهر في النشأة الآخرة، فإن المعاصي سموم قاتلة قد ~~برزت في الدنيا بصورة ما تستحسنها نفوس العصاة، كما نطقت به هذه الآية ~~الكريمة، وكذا الطاعات فإنها مع كونها أحسن الأحاسن قد ظهرت عندهم ~~بصورة مكروهة، ولذلك قال عليه السلام: # " حفت الجنة بالمكاره وحفت النار بالشهوات " # فأعمال الكفرة قد برزت لهم في النشأة بصورة مزينة يستحسنها الغواة ~~ويستحبها الطغاة، وستظهر في النشأة الآخرة بصورتها الحقيقية المنكرة ~~الهائلة فعند ذلك يعرفون أن أعمالهم ماذا فعبر عن إظهارها بصورها ~~الحقيقية بالإخبار بها لما أن كلا منهما سبب للعلم بحقيقتها كما هي. ### || [6.109] # فليتدبر قوله تعالى: { وأقسموا بالله } # " روي أن قريشا اقترحوا بعض آيات، فقال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: " فإن فعلت بعض ما تقولون أتصدقونني؟ " فقالوا: نعم، وأقسموا ~~لئن فعلته ليؤمنن جميعا فسأل المسلمون رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم أن ينزلها طمعا في إيمانهم فهم عليه الصلاة والسلام بالدعاء فنزلت ~~" # وقوله تعالى: { جهد أيمنهم } مصدر في موقع الحال أي أقسموا ~~به تعالى جاهدين في أيمانهم { لئن جاءتهم ءاية } من مقترحاتهم أو ~~من جنس الآيات وهو الأنسب بحالهم في المكابرة والعناد وترامي أمرهم في ~~العتو والفساد، حيث كانوا لا يعدون ما يشاهدونه من المعجزات الباهرة ~~من جنس الآيات { ليؤمنن بها } وما كان مرمى غرضهم في ذلك ~~إلا التحكم على رسول الله صلى الله عليه وسلم في طلب المعجزة وعدم ~~الاعتداد بما شاهدوا منه من البينات الحقيقة بأن تقطع بها الأرض ~~وتسير بها الجبال { قل إنما الآيت } أي كلها، فيدخل ~~فيها ما ms1075 اقترحوه دخولا أوليا { عند الله } أي أمرها في حكمه ~~وقضائه خاصة يتصرف فيها حسب مشيئته المبنية على الحكم البالغة ~~لا تتعلق بها ولا بشأن من شؤونها قدرة أحد ولا مشيئته لا استقلالا ~~ولا اشتراكا بوجه من الوجوه حتى يمكنني أن أتصدى لاستنزالها ~~بالاستدعاء. # وهذا كما ترى سد لباب الاقتراح على أبلغ وجه وأحسنه ببيان علو ~~شأن الآيات وصعوبة منالها وتعاليها من أن تكون عرضة للسؤال ~~والاقتراح، وأما ما قيل من أن المعنى إنما الآيات عند الله تعالى لا ~~عندي فكيف أجيبكم إليها أو آتيكم بها وهو القادر عليها لا أنا حتى ~~آتيكم بها فلا مناسبة له بالمقام كيف لا وليس مقترحهم مجيئها بغير ~~قدرة الله تعالى وإرادته حتى يجابوا بذلك وقوله تعالى: { وما ~~يشعركم أنها إذا جاءت لا يؤمنون } كلام مستأنف ~~غير داخل تحت الأمر مسوق من جهته تعالى لبيان الحكمة الداعية إلى ~~ما أشعر به الجواب السابق من عدم مجيء الآيات خوطب به المسلمون إما ~~خاصة بطريق التلوين لما كانوا راغبين في نزولها طمعا في إسلامهم، ~~وإما معه عليه الصلاة والسلام بطريق التعميم لما روي عنه صلى الله عليه ~~وسلم من الهم بالدعاء. وقد بين فيه أن أيمانهم فاجرة وإيمانهم مما ~~لا يدخل تحت الوجود وإن أجيب إلى ما سألوه. # و(ما) استفهامية إنكارية لكن لا على أن مرجع الإنكار هو وقوع ~~المشعر به بل هو نفس الإشعار مع تحقق المشعر به في نفسه. أي وأي ~~شيء يعلمكم أن الآية التي يقترحونها إذا جاءت لا يؤمنون بل يبقون ~~على ما كانوا عليه من الكفر والعناد أي لا تعلمون ذلك فتتمنون مجيئها ~~طمعا في إيمانهم فكأنه بسط عذر من جهة المسلمين في تمنيهم نزول ~~الآيات، وقيل: (لا) مزيدة فيتوجه الإنكار إلى الإشعار به جميعا، أي ~~أي شيء يعلمكم إيمانهم عند مجيء الآيات حتى تتمنوا مجيئها طمعا ~~في إيمانهم؟ فيكون تخطئة لرأي المسلمين، وقيل: (أن) بمعنى لعل، يقال: ~~ادخل السوق أنك تشتري اللحم وعنك وعلك ولعلك كلها بمعنى، ويؤيده ~~أنه قرىء لعلها ms1076 إذا جاءت لا يؤمنون على أن الكلام قد تم قبله، ~~والمفعول الثاني ليشعركم محذوف كما في قوله تعالى: # وما يدريك لعله يزكى # [عبس، الآية 3] والجملة استئناف لتعليل الإنكار وتقريره، أي أي شيء ~~يعلمكم حالهم وما سيكون عند مجيء الآيات لعلها إذا جاءت لا يؤمنون بها ~~فما لكم تتمنون مجيئها؟ فإن تمنيهم إنما يليق بما إذا كان إيمانهم ~~بها محقق الوجود عند مجيئها لا مرجو العدم. وقرىء إنها بالكسر على ~~أنه استئناف حسبما سبق مع زيادة تحقيق لعدم إيمانهم وقرىء لا تؤمنون ~~بالفوقانية، فالخطاب في وما يشعركم للمشركين وقرىء وما يشعرهم أنها إذا ~~جاءتهم لا يؤمنون، فمرجع الإنكار إقدام المشركين على الإقسام ~~المذكور مع جهلهم بحال قلوبهم عند مجيء الآيات وبكونها حينئذ كما هي ~~الآن. ### || [6.110] # { ونقلب أفئدتهم وأبصرهم } عطف على لا يؤمنون ~~داخل في حكم ما يشعركم مقيد بما قيد به أي وما يشعركم أنا نقلب ~~أفئدتهم عن إدراك الحق فلا يفقهونه وأبصارهم عن اجتلائه فلا يبصرونه ~~لكن لا مع توجهها إليه واستعدادها لقبوله بل لكمال نبوها عنه ~~وإعراضها بالكلية ولذلك أخر ذكره عن ذكر عدم إيمانهم إشعارا ~~بأصالتهم في الكفر وحسما لتوهم أن عدم إيمانهم ناشىء من تقليبه ~~تعالى مشاعرهم بطريق الإجبار { كما لو يؤمنوا به } أي بما ~~جاء من الآيات { أول مرة } أي عند ورود الآيات السابقة، ~~والكاف في محل النصب على أنه نعت لمصدر محذوف منصوب بلا يؤمنون وما ~~مصدرية أي لا يؤمنون بل يكفرون كفرا كائنا ككفرهم أول مرة، وتوسيط ~~تقليب الأفئدة والأبصار بينهما لأنه من متممات عدم إيمانهم { ~~ونذرهم } عطف على لا يؤمنون داخل في حكم الاستفهام الإنكاري ~~مقيد بما قيد به مبين لما هو المراد بتقليب الأفئدة والأبصار، ~~ومعرب عن حقيقته بأنه ليس على ظاهره بأن يقلب الله سبحانه ~~مشاعرهم عن الحق مع توجههم إليه واستعدادهم له بطريق الإجبار بل بأن ~~يخليهم وشأنهم بعد ما علم فساد استعدادهم وفرط نفورهم عن الحق، ~~وعدم تأثير اللطف فيهم أصلا، ويطبع على قلوبهم حسبما يقتضيه ~~استعدادهم كما ms1077 أشرنا إليه، وقوله تعالى: { في طغينهم } ~~متعلق بنذرهم، وقوله تعالى: { يعمهون } حال من الضمير المنصوب ~~في نذرهم أي ندعهم في طغيانهم متحيرين لا نهديهم هداية المؤمنين، أو ~~مفعول ثان لنذرهم أي نصيرهم عامهين وقرىء يقلب ويذر بالياء ~~على إسنادهما إلى ضمير الجلالة وقرىء تقلب بالتاء والبناء للمفعول ~~على إسناده إلى أفئدتهم. ### || [6.111] # { ولو أننا نزلنا إليهم الملئكة } تصريح بما ~~أشعر به قوله عز وجل: # وما يشعركم أنها إذا جاءت لا يؤمنون # [الأنعام، الآية 109] من الحكمة الداعية إلى ترك الإجابة إلى ما ~~اقترحوه من الآيات إثر بيان أنها في حكمه وقضائه المبني على ~~الحكم البالغة لا مدخل لأحد في أمرها بوجه من الوجوه، وبيان لكذبهم ~~في أيمانهم الفاجرة على أبلغ وجه وآكده أي ولو أننا لم نقتصر على ~~إيتاء ما اقترحوه ههنا من آية واحدة من الآيات بل نزلنا إليهم ~~الملائكة كما سألوه بقولهم: # لولا أنزل علينا الملئكة # [الفرقان، الآية 21] وقولهم: # لو ما تأتينا بالملئكة # [الحجر، الآية 7] { وكلمهم الموتى } وشهدوا بحقية الإيمان ~~بعد أن أحييناهم حسبما اقترحوه بقولهم: فأتوا بآبائنا { وحشرنا } ~~أي جمعنا { عليهم كل شىء قبلا } بضمتين وقرىء بسكون الباء ~~أي كفلاء الأمر وصدق النبي صلى الله عليه وسلم، على أنه جمع ~~قبيل بمعنى الكفيل كرغيف ورغف وقضيب وقضب وهو الأنسب بقوله تعالى: # أو تأتى بالله والملئكة قبيلا # [الإسراء، الآية 92] أي لو لم نقتصر على ما اقترحوه بل زدنا على ذلك ~~بأن أحضرنا لديهم كل شيء يتأتى منه الكفالة والشهادة بما ذكر لا ~~فرادى بل بطريق المعية. أو جماعات على أنه جمع قبيل وهو جمع ~~قبيلة، وهو الأوفق لعموم كل شيء وشموله للأنواع والأصناف أي حشرنا ~~كل شيء نوعا نوعا وصنفا صنفا وفوجا فوجا، وانتصابه على الحالية ~~وجمعيته باعتبار الكل المجموعي اللازم للكل الإفرادي أو مقابلة ~~وعيانا على أنه مصدر كقبلا، وقد قرىء كذلك، وانتصابه على الوجهين ~~على أنه مصدر في موقع الحال، وقد نقل عن المبرد وجماعة من أهل اللغة ~~أن الأخير بمعنى الجهة كما في قولك: لي قبل ms1078 فلان حق، وأن انتصابه ~~على الظرفية { ما كانوا ليؤمنوا } أي ما صح وما استقام لهم ~~الإيمان لتماديهم في العصيان وغلوهم في التمرد والطغيان، وأما ما ~~سبق القضاء عليهم بالكفر فمن الأحكام المترتبة على ذلك حسبما ينبىء ~~عنه قوله عز وجل: # ونذرهم فى طغيانهم يعمهون # [الأنعام، الآية 110] وقوله تعالى: { إلا أن يشاء الله } ~~استثناء مفرغ من أعم الأحوال، والالتفات إلى الاسم الجليل لتربية ~~المهابة وإدخال الروعة، أي ما كانوا ليؤمنوا بعد اجتماع ما ذكر من ~~الأمور الموجبة للإيمان في حال من الأحوال الداعية إليه المتممة ~~لموجباته المذكورة إلا في حال مشيئته تعالى لإيمانهم أو من أعم العلل ~~أي ما كانوا ليؤمنوا لعلة من العلل المعدودة وغيرها إلا لمشيئته تعالى ~~له، وأيا ما كان فليس المراد بالاستثناء بيان أن إيمانهم على خطر ~~الوقوع بناء على كون مشيئته تعالى أيضا كذلك بل بيان استحالة ~~وقوعه بناء على استحالة وقوعها كأنه قيل: ما كانوا ليؤمنوا إلا أن ~~يشاء الله وهيهات ذلك وحالهم حالهم بدليل ما سبق من قوله تعالى: # ونقلب أفئدتهم # [الأنعام، الآية 110] الآية، كيف لا وقوله عز وجل: { ولكن ~~أكثرهم يجهلون } استدراك من مضمون الشرطية بعد ورود ~~الاستثناء لا قبله، ولا ريب في أن الذي يجهلونه سواء أريد بهم ~~المسلمون وهو الظاهر، أو المقسمون ليس عدم إيمانهم بلا مشيئة الله ~~تعالى كما هو اللازم من حمل النظم الكريم على المعنى الأول فإنه ~~ليس مما يعتقده الأولون ولا مما يدعيه الآخرون بل إنما هو عدم إيمانهم ~~لعدم مشيئته إيمانهم ومرجعه إلى جهلهم بعدم مشيئته إياه فالمعنى أن ~~حالهم كما شرح ولكن أكثر المسلمين يجهلون عدم إيمانهم عند مجيء ~~الآيات لجهلهم عدم مشيئته تعالى لإيمانهم فيتمنون مجيئها طمعا ~~فيما لا يكون. فالجملة مقررة لمضمون قوله تعالى: # وما يشعركم # [الأنعام، الآية 109] الخ، على القراءة المشهورة، أو ولكن أكثر ~~المشركين يجهلون عدم إيمانهم عند مجيء الآيات لجهلهم عدم مشيئته تعالى ~~لإيمائهم حينئذ فيقسمون بالله جهد أيمانهم على ما لا يكاد يكون، ~~فالجملة على القراءة السابقة بيان مبتدأ ms1079 لمنشأ خطأ المقسمين ومناط ~~إقسامهم وتقرير له على قراءة لا تؤمنون بالتاء الفوقانية وكذا على قراءة ~~{ وما يشعرهم أنها إذا جاءتهم لا يؤمنون }. ### || [6.112] # { وكذلك جعلنا لكل نبى عدوا } كلام مبتدأ مسوق ~~لتسلية رسول الله صلى الله عليه وسلم عما كان يشاهده من عداوة قريش له ~~عليه الصلاة والسلام وما بنوا عليها مما لا خير فيه من الأقاويل ~~والأفاعيل ببيان أن ذلك ليس مختصا بل هو أمر ابتلي به كل من ~~سبقك من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، ومحل الكاف النصب على أنه ~~نعت لمصدر محذوف أشير إليه بذلك منصوب بفعله المحذوف مؤكد لما بعده ~~وذلك إشارة إلى ما يفهم مما قبله أي جعلنا لكل نبي عدوا والتقديم ~~على الفعل المذكور للقصر المفيد للمبالغة أي مثل ذلك الجعل الذي ~~جعلنا في حقك لك عدوا يضادونك ويضارونك ولا يؤمنون ويبغونك ~~الغوائل ويدبرون في إبطال أمرك مكايد جعلنا لكل نبي تقدمك عدوا ~~فعلوا بهم ما فعل بك أعداؤك لا جعلا أنقص منه. # وفيه دليل على أن عداوة الكفرة للأنبياء عليهم السلام بخلقه تعالى ~~للابتلاء { شيطين الإنس والجن } أي مردة الفريقين على أن ~~الإضافة بمعنى من البيانية، وقيل: هي إضافة الصفة إلى الموصوف ~~والأصل الإنس والجن والشياطين، وقيل: هي بمعنى اللام أي الشياطين ~~التي للإنس والتي للجن، وهو بدل من عدوا والجعل متعد إلى واحد أو إلى ~~اثنين وهو أول مفعوليه قدم عليه الثاني مسارعة إلى بيان العداوة، ~~واللام على التقديرين متعلقة بالجعل أو بمحذوف هو حال من عدوا، وقوله ~~تعالى: { يوحى بعضهم إلى بعض } كلام مستأنف مسوق لبيان ~~أحكام عداوتهم، وتحقيق وجه الشبه بين المشبه والمشبه به، أو ~~حال من الشياطين أو نعت لعدوا، وجمع الضمير باعتبار المعنى فإنه ~~عبارة عن الأعداء كما في قوله: [الطويل] # إذا أنا لم أنفع صديقي بوده # فإن عدوي لم يضرهمو بغضي # والوحي عبارة عن الإيماء والقول السريع، أي يلقي ويوسوس شياطين ~~الجن إلى شياطين الإنس، أو بعض كل من الفريقين إلى بعض آخر { ~~زخرف القول } أي المموه ms1080 منه المزين ظاهره الباطل باطنه. ~~من زخرفه إذا زينه. { غرورا } مفعول له ليوحي أي ليغروهم، أو ~~مصدر في موقع الحال أي غارين أو مصدر مؤكد لفعل مقدر هو حال من فاعل ~~يوحي أي يغرون غرورا { ولو شاء ربك } رجوع إلى بيان الشؤون ~~الجارية بينه صلى الله عليه وسلم وبين قومه المفهومة من حكاية ما ~~جرى بين الأنبياء عليهم السلام وبين أممهم كما ينبىء عنه ~~الالتفات، والتعرض لوصف الربوبية مع الإضافة إلى ضميره صلى الله ~~عليه وسلم المعربة عن كمال اللطف في التسلية أي ولو شاء ربك عدم ~~الأمور المذكورة لا إيمانهم كما قيل فإن القاعدة المستمرة أن مفعول ~~المشيئة إنما يحذف عند وقوعها شرطا وكون مفعولها مضمون الجزاء وهو ~~قوله تعالى: { ما فعلوه } أي ما فعلوا ما ذكر من عداوتك، وإيحاء ~~بعضهم إلى بعض مزخرفات الأقاويل الباطلة المتعلقة بأمرك خاصة لا بما ~~يعمه وأمور الأنبياء عليهم السلام أيضا كما قيل فإن قوله تعالى: { ~~فذرهم وما يفترون } صريح في أن المراد بهم الكفرة ~~المعاصرون له عليه الصلاة والسلام أي إذا كان ما فعلوه من أحكام عداوتك ~~من فنون المفاسد بمشيئته تعالى فاتركهم وافتراءهم أو ما يفترونه من ~~أنواع المكايد فإن لهم في ذلك عقوبات شديدة ولك عواقب حميدة لابتناء ~~مشيئته تعالى على الحكم البالغة البتة. ### || [6.113-114] # { ولتصغى إليه } أي إلى زخرف القول وهو على الوجه الأول علة ~~أخرى للإيحاء معطوفة على غرورا وما بينهما اعتراض وإنما لم ينصب ~~لفقد شرطه إذ الغرور فعل الموحي وصغو الأفئدة فعل الموحى إليه أي ~~يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول ليغررهم به ولتميل إليه { ~~أفئدة الذين لا يؤمنون بالآخرة } إنما خص بالذكر ~~عدم إيمانهم بالآخرة دون ما عداها من الأمور التي يجب الإيمان بها وهم ~~بها كافرون إشعارا بما هو المدار في صغو أفئدتهم إلى ما يلقى إليهم، ~~فإن لذات الآخرة محفوفة في هذه النشأة بالمكاره، وآلامها مزينة ~~بالشهوات فالذين لا يؤمنون بها وبأحوال ما فيها لا يدرون أن وراء تلك ~~المكاره لذات ودون هذه ms1081 الشهوات آلاما وإنما ينظرون إلى ما بدا لهم ~~في الدنيا بادىء الرأي فهم مضطرون إلى حب الشهوات التي من جملتها ~~مزخرفات الأقاويل ومموهات الأباطيل وأما المؤمنون بها فحيث كانوا ~~واقفين على حقيقة الحال ناظرين إلى عواقب الأمور لم يتصور منهم ~~الميل إلى تلك المزخرفات لعلمهم ببطلانها ووخامة عاقبتها. # وأما على الوجهين الأخيرين فهو علة لفعل محذوف يدل عليه المقام أي ~~ولكون ذلك جعلنا ما جعلنا، والمعتزلة جعلوا اللام لام العاقبة أو لام ~~القسم أو لام الأمر وضعفه في غاية الظهور { وليرضوه } لأنفسهم ~~بعد ما مالت إليه أفئدتهم { وليقترفوا } أي يكتسبوا بوجب ~~ارتضائهم له { ما هم مقترفون } له من القبائح التي لا يليق ~~ذكرها. # { أفغير الله أبتغي حكما } كلام مستأنف وارد على ~~إرادة القول، والهمزة للإنكار والفاء للعطف على مقدر يقتضيه الكلام أي ~~قل لهم: أأميل إلى زخارف الشياطين فأبتغي حكما غير الله يحكم ~~بيننا ويفصل المحق منا من المبطل؟ وقيل: إن مشركي قريش قالوا لرسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: اجعل بيننا وبينك حكما من أحبار اليهود أو ~~من أساقفة النصارى ليخبرنا عنك بما في كتابهم من أمرك فنزلت. وإسناد ~~الابتغاء المنكر إلى نفسه صلى الله عليه وسلم لا إلى المشركين كما في ~~قوله تعالى: # أفغير دين الله يبغون # [آل عمران، الآية 83] مع أنهم الباغون لإظهار كمال النصفة أو ~~لمراعاة قولهم: اجعل بيننا وبينك حكما. وغير إما مفعول أبتغي ~~وحكما حال منه وإما بالعكس، وأيا ما كان فتقديمه على الفعل الذي هو ~~المعطوف بالفاء حقيقة كما أشير إليه للإيذان بأن مدار الإنكار هو ~~ابتغاء غيره تعالى حكما لا مطلق الابتغاء. وقيل: حكما تمييز لما ~~في (غير) من الإبهام كقولهم: إن لنا غيرها إبلا. قالوا: الحكم أبلغ ~~من الحاكم وأدل على الرسوخ لما أنه لا يطلق إلا على العادل وعلى من ~~تكرر منه الحكم بخلاف الحاكم وقوله تعالى: { وهو الذى أنزل ~~إليكم الكتب } جملة حالية مؤكدة لإنكار ابتغاء غيره ~~تعالى حكما، ونسبة الإنزال إليهم خاصة مع أن مقتضى المقام إظهار ~~تساوي ms1082 نسبته إلى المتحاكمين لاستمالتهم نحو المنزل واستنزالهم ~~إلى قبول حكمه بإيهام قوة نسبته إليهم، أي أغيره تعالى أبتغي حكما ~~والحال أنه هو الذي أنزل إليكم. # وأنتم أمة أمية لا تدرون ما تأتون وما تذرون فإن القرآن الناطق ~~بالحق والصواب الحقيق بأن يخص به اسم الكتاب { مفصلا } أي ~~مبينا فيه الحق والباطل والحلال والحرام وغير ذلك من الأحكام بحيث ~~لم يبق في أمور الدين شيء من التخليط والإبهام فأي حاجة بعد ذلك ~~إلى الحكم؟ وهذا كما ترى صريح في أن القرآن الكريم كاف في أمر ~~الدين مغن عن غيره ببيانه وتفصيله وأما أن يكون لإعجازه دخل في ذلك ~~كما قيل فلا، وقوله تعالى: { والذين ءاتينهم الكتب ~~يعلمون أنه منزل من ربك بالحق } كلام مستأنف ~~غير داخل تحت القول المقدر مسوق من جهته سبحانه لتحقيق حقية ~~الكتاب الذي نيط به أمر الحكمية وتقرير كونه منزلا من عنده عز وجل ~~ببيان أن الذين وثقوا بهم ورضوا بحكميتهم حسبما نقل آنفا من علماء ~~اليهود والنصارى عالمون بحقيته ونزوله من عنده تعالى، وفي التعبير عن ~~التوراة والإنجيل باسم الكتاب إيماء إلى ما بينهما وبين القرآن من ~~المجانسة المقتضية للاشتراك في الحقية والنزول من عنده تعالى مع ما فيه ~~من الإيجاز، وإيراد الطائفتين بعنوان إيتاء الكتاب للإيذان بأنهم ~~علموه من جهة كتابهم حيث وجدوه حسبما نعت فيه وعاينوه موافقا له في ~~الأصول وما لا يختلف من الفروع ومخبرا عن أمور لا طريق إلى معرفتها ~~سوى الوحي. والمراد بالموصول إما علماء الفريقين وهو الظاهر فالإيتاء ~~هو التفهيم بالفعل وإما الكل وهم داخلون فيه دخولا أوليا فهو أعم ~~مما ذكر من التفهيم بالقوة، ولا ريب في أن الكل متمكنون من ذلك، وقيل: ~~المراد مؤمنو أهل الكتاب، وقرىء منزل من الإنزال، والتعرض لعنوان ~~الربوبية مع الإضافة إلى ضميره صلى الله عليه وسلم لتشريفه عليه الصلاة ~~والسلام، والباء في قوله تعالى بالحق متعلق بمحذوف وقع حالا من الضمير ~~المستكن في منزل أي ملتبسا بالحق. # { فلا تكونن من الممترين } أي في ms1083 أنهم يعلمون ذلك لما لا ~~تشاهد منهم آثار العلم وأحكام المعرفة، فالفاء لترتيب النهي على ~~الإخبار بعلم أهل الكتاب بشأن القرآن أو في أنه منزل من ربك بالحق ~~فيكون من باب التهييج والإلهاب كقوله تعالى: # ولا تكونن من المشركين # [الأنعام، الآية 14] وقيل: الخطاب في الحقيقة للأمة وإن كان له صلى ~~الله عليه وسلم صورة، وقيل: الخطاب لكل أحد على معنى أن الأدلة قد ~~تعاضدت وتظاهرت فلا ينبغي لأحد أن يمتري فيه، والفاء على هذه الوجوه ~~لترتيب النهي على نفس علمهم بحال القرآن. ### || [6.115-116] # { وتمت كلمت ربك } شروع في بيان كمال الكتاب المذكور ~~من حيث ذاته إثر بيان كماله من حيث إضافته إليه تعالى بكونه منزلا ~~منه بالحق، وتحقيق ذلك بعلم أهل الكتاب به، وإنما عبر عنه بالكلمة ~~لأنها الأصل في الاتصاف بالصدق والعدل وبها تظهر الآثار من الحكم، ~~وقرىء كلمات ربك { صدقا وعدلا } مصدران نصبا على الحال وقيل: على ~~التمييز وقيل: على العلة وقوله تعالى: { لا مبدل لكلمته } ~~إما استئناف مبين لفضلها على غيرها إثر بيان فضلها في نفسها، وإما ~~حال أخرى من فاعل تمت على أن الظاهر مغن عن الضمير الرابط، والمعنى ~~أنها بلغت الغاية القاصية صدقا في الإخبار والمواعيد وعدلا في ~~الأقضية والأحكام لا أحد يبدل شيئا من ذلك بما هو أصدق وأعدل ولا ~~بما هو مثله فكيف يتصور ابتغاء حكم غيره تعالى { وهو السميع ~~} لكل ما يتعلق به السمع { العليم } بكل ما يمكن أن يعلم فيدخل في ~~ذلك أقوال المتحاكمين وأحوالهم الظاهرة والباطنة دخولا أوليا، هذا ~~وقد قيل: المعنى لا أحد يقدر على أن يحرفها كما فعل بالتوراة، ~~فيكون ضمانا لها من الله عز وجل بالحفظ كقوله تعالى: # إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحفظون # [الحجر، الآية 9] أو لا نبي ولا كتاب بعدها ينسخها. # { وإن تطع أكثر من فى الأرض } لما تحقق اختصاصه تعالى ~~بالحكمية لاستقلاله بما يوجبها من إنزال الكتاب الكامل الفاصل بين ~~الحق والباطل وتمام صدق كلامه وكمال عدالة أحكامه وامتناع ~~وجود من يبدل شيئا ms1084 منها واستبداده تعالى بالإحاطة التامة بجميع ~~المسموعات والمعلومات عقب ذلك ببيان أن الكفرة متصفون بنقائض تلك ~~الكمالات من النقائص التي هي الضلال والإضلال واتباع الظنون ~~الفاسدة الناشىء من الجهل والكذب على الله سبحانه وتعالى إبانة لكمال ~~مباينة حالهم لما يرومونه وتحذيرا عن الركون إليهم والعمل بآرائهم، ~~والمراد بمن في الأرض الناس وبأكثرهم الكفار، وقيل: أهل مكة والأرض ~~أرضها أي إن تطعهم بأن جعلت منهم حكما { يضلوك عن سبيل ~~الله } عن الطريق الموصل إليه أو عن الشريعة التي شرعها لعباده { إن ~~يتبعون إلا الظن } وهو ظنهم أن آباءهم كانوا على الحق ~~فهم على آثارهم يهتدون أو جهالاتهم وآراؤهم الباطلة على أن المراد ~~بالظن ما يقابل العلم، والجملة استئناف مبني على سؤال نشأ من الشرطية ~~كأنه قيل: كيف يضلون؟ فقيل: لا يتبعون في أمور دينهم إلا الظن وإن ~~الظن لا يغني من الحق شيئا فيضلون ضلالا مبينا، ولا ريب في أن ~~الضال المتصدي للإرشاد إنما يرشد غيره إلى مسلك نفسه فهم ضالون ~~مضلون وقوله تعالى: { وإن هم إلا يخرصون } عطف على ما ~~قبله داخل في حكمه أي يكذبون على الله سبحانه فيما ينسبون إليه تعالى ~~كاتخاذ الولد وجعل عبادة الأوثان ذريعة إليه تعالى وتحليل الميتة ~~وتحريم البحائر ونظائرها، أو يقدرون أنهم على شيء وأنى لهم ذلك ~~ودونه مناط العيوق وحقيقته ما يقال عن ظن وتخمين. ### || [6.117-119] # { إن ربك هو أعلم من يضل عن سبيله وهو ~~أعلم بالمهتدين } تقرير لمضمون الشرطية وما بعدها وتأكيد ~~لما يفيده من التحذير، أي هو أعلم بالفريقين فاحذر أن تكون من الأولين، ~~و(من) موصولة أو موصوفة في محل النصب لا بنفس أعلم فإن أفعل ~~التفضيل لا ينصب الظاهر في مثل هذه الصور بل بفعل دل هو عليه، أو ~~استفهامية مرفوعة بالابتداء والخبر يضل والجملة معلق عنها الفعل ~~المقدر، وقرىء يضل بضم الياء على أن (من) فاعل ليضل ومفعوله محذوف ~~ومحلها النصب بما ذكر من الفعل المقدر أي هو أعلم يعلم من يضل الناس ~~فيكون تأكيدا للتحذير عن طاعة ms1085 الكفرة. وأما أن الفاعل هو الله تعالى ~~ومن منصوبة بما ذكر أي يعلم من يضله أو مجرورة بإضافة أعلم ~~إليها أي أعلم المضلين من قوله تعالى: # من يضلل الله # [النساء، الآية 88] أو من قولك: أضللته إذا وجدته ضالا فلا يساعده ~~السباق والسياق والتفضيل في العلم بكثرته وإحاطته بالوجوه التي يمكن ~~تعلق العلم بها ولزومه وكونه بالذات لا بالغير. # { فكلوا مما ذكر اسم الله عليه } أمر مترتب على ~~النهي عن اتباع المضلين الذين من جملة إضلالهم تحليل الحرام وتحريم ~~الحلال، وذلك أنهم كانوا يقولون للمسلمين: إنكم تعبدون الله فما قتله ~~الله أحق أن تأكلوه مما قتلتم أنتم فقيل للمسلمين: كلوا مما ذكر ~~اسمه تعالى خاصة على ذبحه لا مما ذكر عليه اسم غيره فقط أو مع اسمه ~~تعالى أو مات حتف أنفه { إن كنتم بآيته } التي من جملتها ~~الآيات الواردة في هذا الشأن { مؤمنين } فإن الإيمان بها يقتضي ~~استباحة ما أحله الله والاجتناب عما حرمه، وجواب الشرط محذوف لدلالة ~~ما قبله عليه. # { وما لكم أن لا تأكلوا مما ذكر اسم الله ~~عليه } إنكار لأن يكون لهم شيء يدعوهم إلى الاجتناب عن أكل ما ذكر ~~عليه اسم الله تعالى من البحائر والسوائب ونحوها وقوله تعالى: { ~~وقد فصل لكم } الخ، جملة حالية مؤكدة للإنكار كما في قوله ~~تعالى: # وما لنا أن لا نقتل فى سبيل الله وقد أخرجنا ~~من ديرنا وأبنائنا # [البقرة، الآية 246] أي وأي سبب حاصل لكم في ألا تأكلوا مما ذكر ~~اسم الله عليه، أو وأي غرض يحملكم على أن لا تأكلوا ويمنعكم من ~~أكله والحال أنه قد فصل لكم { ما حرم عليكم } بقوله تعالى: # قل لا أجد فيما أوحى إلى محرما # [الأنعام، الآية 145] الخ، فبقي ما عدا ذلك على الحل لا بقوله تعالى: # حرمت عليكم الميتة # [المائدة، الآية 3] الخ، لأنها مدنية، وأما التأخر في التلاوة فلا ~~يوجب التأخر في النزول، وقرىء الفعلان على البناء للمفعول وقرىء الأول ~~على البناء للفاعل والثاني للمفعول { إلا ما اضطررتم إليه ~~} مما حرم فإنه أيضا ms1086 حلال حينئذ { وإن كثيرا } أي من الكفار { ~~ليضلون } الناس بتحريم الحلال وتحليل الحرام كعمرو بن لحي ~~وأضرابه وقرىء يضلون { بأهوائهم } الزائغة وشهواتهم الباطلة ~~{ بغير علم } مقتبس من الشريعة الشريفة مستند إلى الوحي { إن ~~ربك هو أعلم بالمعتدين } المتجاوزين لحدود الحق إلى ~~الباطل والحلال إلى الحرام. ### || [6.120-122] # { وذروا ظهر الإثم وباطنه } أي ما يعلن من الذنوب وما ~~يسر أو ما يعمل منها بالجوارح وما بالقلب، وقيل: الزنا في الحوانيت ~~واتخاذ الأخذان { إن الذين يكسبون الإثم } أي يكتسبونه من ~~الظاهر والباطن { سيجزون بما كانوا يقترفون } كائنا ما ~~كان فلا بد من اجتنابهما، والجملة تعليل للأمر. # { ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه } ~~ظاهر في تحريم متروك التسمية عمدا كان أو نسيانا، وإليه ذهب داود، ~~وعن أحمد بن حنبل مثله، وقال مالك والشافعي بخلافه لقوله عليه السلام: # " ذبيحة المسلم حلال وإن لم يذكر اسم الله عليها " # وفرق أبو حنيفة بين العمد والنسيان وأوله بالميتة أو بما ذكر عليه ~~اسم غيره تعالى لقوله: { وإنه لفسق } فإن الفسق ما أهل به ~~لغير الله والضمير لما، ويجوز أن يكون للأكل المدلول عليه بلا تأكلوا، ~~والجملة مستأنفة وقيل: حالية { وإن الشيطين ليوحون ~~إلى أوليائهم } المراد بالشياطين إبليس وجنوده فإيحاؤهم ~~وسوستهم إلى المشركين، وقيل: مردة المجوس فإيحاؤهم إلى أوليائهم ما ~~أنهوا إلى قريش بالكتاب أن محمدا وأصحابه يزعمون أنهم يتبعون أمر ~~الله ثم يزعمون أن ما يقتلونه حلال وما يقتله الله حرام { ~~ليجدلوكم } أي بالوساوس الشيطانية أو بما نقل من أباطيل ~~المجوس وهو يؤيد التأويل بالميتة { وإن أطعتموهم } في ~~استحلال الحرام وساعدتموهم على أباطيلهم { إنكم لمشركون } ~~ضرورة أن من ترك طاعة الله إلى طاعة غيره واتبعه في دينه فقد أشركه به ~~تعالى، بل آثره عليه سبحانه. # { أو من كان ميتا } وقرىء ميتا على الأصل { فأحيينه ~~} تمثيل مسوق لتنفير المسلمين عن طاعة المشركين إثر تحذيرهم عنها ~~بالإشارة إلى أنهم مستضيئون بأنوار الوحي الإلهي والمشركون خابطون في ~~ظلمات الكفر والطغيان فكيف يعقل إطاعتهم لهم؟ والهمزة للإنكار ~~والنفي، والواو لعطف ms1087 الجملة الاسمية على مثلها الذي يدل عليه الكلام، ~~أي أأنتم مثلهم ومن كان ميتا فأعطيناه الحياة وما يتبعها من القوى ~~المدركة والمحركة؟ { وجعلنا له } مع ذلك من الخارج { نورا ~~} عظيما { يمشي به } أي بسببه، والجملة استئناف مبني على سؤال ~~نشأ من الكلام كأنه قيل: فماذا يصنع بذلك النور؟ فقيل: يمشي به { فى ~~الناس } أي فيما بينهم آمنا من جهتهم أو صفة له { كمن مثله ~~} أي صفته العجيبة وهو مبتدأ وقوله تعالى: { في الظلمت } خبره ~~على أن المراد بهما اللفظ لا المعنى كما في قولك: زيد صفته اسمر، ~~وهذه الجملة صلة لمن وهي مجرورة بالكاف وهي مع مجرورها خبر لمن ~~الأولى وقوله تعالى: { ليس بخارج منها } حال من المستكن في ~~الظرف وقيل: من الموصول أي غير خارج منها بحال، وهذا كما ترى مثل أريد ~~به من بقي في الضلالة بحيث لا يفارقها أصلا كما أن الأول مثل أريد به ~~من خلقه الله تعالى على فطرة الإسلام وهداه بالآيات البينة إلى طريق ~~الحق يسلكه كيف يشاء لكن لا على أن يدل على كل واحد من هذه المعاني ~~بما يليق به من الألفاظ الواردة في المثلين بواسطة تشبيهه بما يناسبه ~~من معانيها، فإن ألفاظ المثل باقية في معانيها الأصلية، بل على أنه ~~قد انتزعت من الأمور المتعددة المعتبرة في كل واحد من جانبي ~~المثلين هيئة على حدة فشبهت بهما الأوليان ونزلتا منزلتيهما ~~فاستعمل فيهما ما يدل على الأخريين بضرب من التجوز، وقد أشير في ~~تفسير قوله تعالى: # ختم الله على قلوبهم # [البقرة، الآية 7] ، إلى أن التمثيل قسم برأسه لا سبيل إلى جعله من ~~باب الاستعارة حقيقة وأن الاستعارة التمثيلية من عبارات المتأخرين. ~~نعم قد يجري ذلك على سنن الاستعارة بأن لا يذكر المشبه كهذين ~~التمثيلين ونظائرهما وقد يجري على منهاج التشبيه كما في قوله: [الطويل] # وما الناس إلا كالديار وأهلها # بها يوم حلوها وغدوا بلاقع # { كذلك } أي مثل ذلك التزيين البليغ { زين } أي من جهة الله ~~تعالى بطريق الخلق عند إيحاء الشياطين أو ms1088 من جهة الشياطين بطريقة ~~الزخرفة والتسويل { للكفرين } التابعين للوساوس الشيطانية ~~الآخذين بالمزخرفات التي يوحونها إليهم { ما كانوا يعملون } ~~ما استمروا على عمله من فنون الكفر والمعاصي التي من جملتها ما حكي ~~عنهم من القبائح فإنها لو لم تكن مزينة لهم لما أصروا عليها ولما ~~جادلوا بها الحق، وقيل: الآية نزلت في حمزة رضي الله عنه، وأبي جهل ~~وقيل: في عمر أو عمار رضي الله عنهما وأبي جهل. ### || [6.123] # { وكذلك } قيل: معناه كما جعلنا في مكة أكابر مجرميها ليمكروا ~~فيها { جعلنا في كل قرية } من سائر القرى { أكبر ~~مجرميها ليمكروا فيها } ومفعولا جعلنا أكابر مجرميها على ~~تقديم المفعول الثاني والظرف لغو أو هما الظرف وأكابر على أن مجرميها ~~بدل أو مضاف إليه فإن أفعل التفضيل إذا أضيف جاز الإفراد والمطابقة ~~ولذلك قرىء أكبر مجرميها وقيل: أكابر مجرميها مفعوله الأول والثاني ~~ليمكروا فيها، ولا يخفى أن أي معنى يراد من هذه المعاني لا بد أن يكون ~~مشهور التحقق عند الناس معهودا فيما بينهم حتى يصلح أن تصرف ~~الإشارة عن سباق النظم الكريم وتوجه إليه ويجعل مقياسا لنظائره ~~بإخراجه مخرج المصدر التشبيهي وظاهر أن ليس الأمر كذلك ولا ~~سبيل إلى توجيهها إلى ما يفهم من قوله تعالى: # كذلك زين للكفرين ما كانوا يعملون # [الأنعام، الآية 122] وإن كان المراد بهم أكابر مكة لأن مآل المعنى ~~حينئذ بعد اللتيا والتي كما جعلنا أعمال أهل مكة مزينة لهم جعلنا في ~~كل قرية أكابر مجرميها الخ، فإذن الأقرب أن ذلك إشارة إلى الكفرة ~~المعهودين باعتبار اتصافهم بصفاتهم، والإفراد بتأويل الفريق أو ~~المذكور، ومحل الكاف النصب على أن المفعول الثاني لجعلنا قدم عليه ~~لإفادة التخصيص كما في قوله تعالى: # كذلك كنتم من قبل # [النساء، الآية 94]، والأول أكابر مجرميها، والظرف لغة أي ومثل أولئك ~~الكفرة الذين هم صناديد مكة ومجرموها جعلنا في كل قرية أكابرها ~~المجرمين أي جعلناهم متصفين بصفات المذكورين مزينا لهم أعمالهم ~~مصرين على الباطل مجادلين به الحق ليمكروا فيها أي ليفعلوا المكر ~~فيها، وهذا تسلية لرسول ms1089 الله صلى الله عليه وسلم وقوله تعالى: { وما ~~يمكرون إلا بأنفسهم } اعتراض على سبيل الوعد لرسول الله ~~عليه الصلاة والسلام والوعيد للكفرة أي وما تحيق غائلة مكرهم إلا بهم ~~{ وما يشعرون } حال من ضمير يمكرون مع اعتبار ورود الاستئناء ~~على النفي أي إنما يمكرون بأنفسهم والحال أنهم ما يشعرون بذلك أصلا بل ~~يزعمون أنهم يمكرون بغيرهم. ### || [6.124] # وقوله تعالى: { وإذا جاءتهم ءاية } رجوع إلى بيان حال مجرمي ~~أهل مكة بعد ما بين بطريق التسلية أن حال غيرهم أيضا كذلك وأن ~~عاقبة مكر الكل ما ذكر، فإن العظيمة المنقولة إنما صدرت عنهم لا ~~عن سائر المجرمين، أي إذا جاءتهم آية بواسطة الرسول عليه الصلاة ~~والسلام { قالوا لن نؤمن حتى تؤتى مثل ما أوتى ~~رسل الله } قال ابن عباس رضي الله عنهما: حتى يوحي إلينا ويأتينا ~~جبريل عليه السلام فيخبرنا أن محمدا صادق كما قالوا: # أو تأتى بالله والملئكة قبيلا # [الإسراء، الآية 92] وعن الحسن البصري مثله. # وهذا كما ترى صريح في أن ما علق بإيتاء ما أوتي الرسل عليهم الصلاة ~~والسلام هو إيمانهم برسول الله صلى الله عليه وسلم وبما أنزل إليه ~~إيمانا حقيقيا كما هو المتبادر منه عند الإطلاق خلا أنه يستدعي أن ~~يحمل ما أوتي رسل الله على مطلق الوحي ومخاطبة جبريل عليه السلام في ~~الجملة وأن تصرف الرسالة في قوله تعالى: { الله أعلم حيث ~~يجعل رسالته } عن ظاهرها، وتحمل على رسالة جبريل عليه السلام ~~بالوجه المذكور، ويراد بجعلها تبليغها إلى المرسل إليه لا وضعها في ~~موضعها الذي هو الرسول ليتأتى كونه جوابا عن اقتراحهم وردا له بأن ~~يكون معنى الاقتراح: لن نؤمن بكون تلك الآية نازلة من عند الله ~~تعالى إلى الرسول حتى يأتينا بالذات عيانا كما يأتي الرسول فيخبرنا ~~بذلك، ومعنى الرد: الله أعلم من يليق بإرسال جبريل عليه السلام إليه ~~لأمر من الأمور إيذانا بأنهم بمعزل من استحقاق ذلك التشريف، وفيه من ~~التمحل ما لا يخفى. وقال مقاتل: نزلت في أبي جهل حين قال: زاحمنا ~~بني عبد ms1090 مناف في الشرف حتى إذا صرنا كفرسي رهان قالوا: منا ~~نبي يوحى إليه، والله لا نرضى به ولا نتبعه أبدا حتى يأتينا وحي ~~كما يأتيه. # وقال الضحاك: سأل كل واحد من القوم أن يخص بالرسالة والوحي كما ~~أخبر الله تعالى عنهم في قوله: # بل يريد كل امرىء منهم أن يؤتى صحفا منشرة # [الإسراء، الآية 92] ولا يخفى أن كل واحد من هذين القولين وإن كان ~~مناسبا للرد المذكور لكنه يقتضي أن يراد بالإيمان المعلق بإيتاء ما ~~أوتي الرسل مجرد تصديقهم برسالته عليه الصلاة والسلام في الجملة من ~~غير شمول لكافة الناس وأن تكون كلمة حتى في قول اللعين حتى يأتينا ~~وحي كما يأتيه الخ، غاية لعدم الرضا لا لعدم الاتباع فإنه مقرر على ~~تقديري إيتاء الوحي وعدمه، فالمعنى لن نؤمن برسالته أصلا حتى ~~نؤتى نحن من الوحي والنبوة مثل ما أوتي رسل الله، أو إيتاء رسل ~~الله، وأما ما قيل من أن الوليد بن المغيرة قال لرسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: لو كانت النبوة حقا لكنت أولى بها منك لأني أكبر منك سنا ~~وأكثر منك مالا وولدا، فنزلت فلا تعلق له بكلامهم المردود إلا أن ~~يراد بالإيمان المعلق بما ذكر مجرد الإيمان بكون الآية النازلة ~~وحيا صادقا لا الإيمان بكونها نازلة إليه عليه الصلاة والسلام. # فيكون المعنى وإذا جاءتهم آية نازلة إلى الرسول قالوا: لن نؤمن ~~بنزولها من عند الله حتى يكون نزولها إلينا لا إليه، لأنا نحن ~~المستحقون دونه، فإن ملخص معنى قوله: لو كانت النبوة حقا الخ: لو ~~كان ما تدعيه من النبوة حقا لكنت أنا النبي لا أنت، وإذا لم يكن ~~الأمر كذلك فليست بحق وما له تعليق الإيمان بحقية النبوة بكون نفسه ~~نبيا. # و { مثل ما أوتي } نصب على أنه نعت لمصدر محذوف، وما مصدرية أي ~~حتى نؤتاها إيتاء مثل إيتاء رسل الله وإضافة الإيتاء إليهم لأنهم ~~منكرون لإيتائه عليه الصلاة والسلام، و(حيث) نصب على المفعولية توسعا ~~لا بنفس (أعلم) لما عرفت من أنه لا يعمل ms1091 في الظاهر بل بفعل دل هو ~~عليه أي هو أعلم يعلم الموضع الذي يضعها فيه والمعنى أن منصب ~~الرسالة ليس مما ينال بكثرة المال والولد وتعاضد الأسباب والعدد، ~~وإنما ينال بفضائل نفسانية يخصها الله تعالى بمن يشاء من خلص ~~عباده، وقرىء رسالاته { سيصيب الذين أجرموا } استئناف ~~آخر ناع عليهم ما سيلقونه من فنون الشر بعد ما نعى عليهم حرمانهم ~~مما أملوه، والسين للتأكيد، ووضع الموصول موضع الضمير للإشعار بأن ~~إصابة ما يصيبهم لإجرامهم المستتبع لجميع الشرور والقبائح، أي ~~يصيبهم البتة مكان ما تمنوه وعلقوا به أطماعهم الفارغة من عزة ~~النبوة وشرف الرسالة { صغار } أي ذلة وحقارة بعد كبرهم { عند ~~الله } أي يوم القيامة وقيل: من عند الله { وعذاب شديد } في ~~الآخرة أو في الدنيا { بما كانوا يمكرون } أي بسبب مكرهم ~~المستمر أو بمقابلته، وحيث كان هذا من معظم مواد إجرامهم صرح ~~بسببيته. ### || [6.125] # { فمن يرد الله أن يهديه } أي يعرفه طريق الحق ~~ويوفقه للإيمان { يشرح صدره للإسلم } فيتسع له ~~وينفتح، وهو كناية عن جعل النفس قابلة للحق مهيأة لحلوله فيها مصفاة ~~عما يمنعه وينافيه، وإليه أشار عليه الصلاة والسلام حين سئل فقال: # " " نور يقذفه الله في قلب المؤمن فينشرح له وينفتح " فقالوا: هل لذلك ~~من أمارة يعرف بها؟ فقال: " نعم، الإنابة إلى دار الخلود والإعراض عن ~~دار الغرور والاستعداد للموت قبل نزوله " # { ومن يرد أن يضله } أي يخلق فيه الضلال بصرف اختياره ~~إليه { يجعل صدره ضيقا حرجا } بحيث ينبو عن قبول الحق ~~فلا يكاد يدخله الإيمان، وقرىء ضيقا بالتخفيف، وحرجا بكسر الراء أي ~~شديد الضيق والأول مصدر وصف به مبالغة. # { كأنما يصعد } (ما) هذه مهيئة لدخول كأن على الجمل ~~الفعلية { فى السماء } شبه للمبالغة في ضيق صدره بمن يزاول ما لا ~~يكاد يقدر عليه فإن صعود السماء مثل فيما هو خارج عن دائرة ~~الاستطاعة، وفيه تنبيه على أن الإيمان يمتنع منه كما يمتنع منه الصعود ~~وقيل: معناه كأنما يتصاعد إلى السماء نبوا عن الحق وتباعدا في الهرب ~~منه، وأصل يصعد ms1092 يتصعد وقد قرىء به وقرىء يصاعد وأصله يتصاعد { ~~كذلك } أي مثل ذلك الجعل الذي هو جعل الصدر حرجا على الوجه ~~المذكور { يجعل الله الرجس } أي العذاب أو الخذلان. قال ~~مجاهد: الرجس ما لا خير فيه. وقال الزجاج: الرجس اللعنة في الدنيا ~~والعذاب في الآخرة { على الذين لا يؤمنون } أي عليهم، ووضع ~~المفعول موضع المضمر للإشعار بأن جعله تعالى معلل بما في حيز ~~الصلة من كمال نبوهم عن الإيمان وإصرارهم على الكفر. ### || [6.126-128] # { وهذا } أي البيان الذي جاء به القرآن أو الإسلام أو ما سبق ~~من التوفيق والخذلان { صرط ربك } أي طريقه الذي ارتضاه أو عادته ~~وطريقته التي اقتضتها حكمته، وفي التعرض لعنوان الربوبية إيذان ~~بأن تقويم ذلك الصراط للتربية وإفاضة الكمال { مستقيما } لا ~~عوج فيه أو عادلا مطردا، أو هو حال مؤكدة كقوله تعالى: # وهو الحق مصدقا # [البقرة، الآية 91] والعامل فيها معنى الإشارة { قد فصلنا ~~الآيت } بيناها مفصلة { لقوم يذكرون } يتذكرون ما في ~~تضاعيفها فيعلمون أن كل ما يحدث من الحوادث خيرا كان أو شرا فإنما ~~يحدث بقضاء الله تعالى وخلقه وأنه تعالى عالم بأحوال العباد حكيم ~~عادل فيما يفعل بهم، وتخصيص القوم المذكورين بالذكر لأنهم المنتفعون ~~بتفصيل الآيات { لهم دار السلم } أي للمتذكرين دار السلامة ~~من كل المكاره وهي الجنة { عند ربهم } أي في ضمانه، أو ذخيرة لهم ~~عنده لا يعلم كنهها غيره تعالى { وهو وليهم } أي مولاهم ~~وناصرهم { بما كانوا يعملون } بسبب أعمالهم الصالحة، أو ~~متوليهم بجزائها يتولى إيصاله إليهم. # { ويوم يحشرهم جميعا } منصوب بمضمر إما على المفعولية أو ~~الظرفية وقرىء بنون العظمة على الالتفات لتهويل الأمر، والضمير ~~المنصوب لمن يحشر من الثقلين، أي واذكر يوم يحشر الثقلين قائلا: { ~~يا معشر الجن } أو ويوم يحشرهم يقول: يا معشر الجن أو ويوم ~~يحشرهم ويقول: يا معشر الجن يكون من الأحوال والأهوال ما لا يساعده ~~الوصف لفظاعته، والمعشر الجماعة، والمراد بمعشر الجن الشياطين { ~~قد استكثرتم من الإنس } أي من إغوائهم وإضلالهم أو منهم بأن ~~جعلتموهم أتباعكم فحشروا معكم كقولهم: استكثر ms1093 الأمير من الجنود، وهذا ~~بطريق التوبيخ والتقريع { وقال أولياؤهم } أي الذين أطاعوهم، ~~و(من) في قوله تعالى: { من الإنس } إما لبيان الجنس أي أولياؤهم ~~الذين هم الإنس أو متعلقة بمحذوف هو حال من أولياؤهم أي كائنين من ~~الإنس { ربنا استمتع بعضنا ببعض } أي انتفع الإنس ~~بالجن بأن دلوهم على الشهوات وما يتوصل به إليها، وقيل: بأن ألقوه ~~إليهم من الأراجيف والسحر والكهانة والجن والإنس بأن أطاعوهم وحصلوا ~~مرادهم بقبول ما ألقوه إليهم، وقيل: استمتاع الإنس بهم أنهم كانوا ~~يعوذون بهم في المفاوز والمخاوف واستمتاعهم بالإنس اعترافهم بأنهم ~~قادرون على إجارتهم { وبلغنا أجلنا الذى أجلت لنا } ~~وهو يوم القيامة قالوه اعترافا بما فعلوه من طاعة الشياطين واتباع ~~الهوى وتكذيب البعث، وإظهارا للندامة عليها وتحسرا على حالهم ~~واستسلاما لربهم، ولعل الاقتصار على حكاية كلام الضالين للإيذان بأن ~~المضلين قد أفحموا بالمرة فلم يقدروا على التكلم أصلا. # { قال } استئناف مبني على سؤال نشأ من حكاية كلامهم كأنه قيل: فماذا ~~قال الله تعالى حينئذ؟ فقيل: قال: { النار مثواكم } أي منزلكم ~~أو ذات ثوائكم كما أن دار السلام مثوى المؤمنين { خلدين فيها ~~} حال والعامل مثواكم إن جعل مصدرا، ومعنى الإضافة إن جعل مكانا { ~~إلا ما شاء الله } قال ابن عباس رضي الله عنهما: استثنى الله ~~تعالى قوما قد سبق في علمه أنهم يسلمون ويصدقون النبي عليه الصلاة ~~والسلام، وهذا مبني على أن الاستثناء ليس من المحكي، و(ما) بمعنى ~~من وقيل: المعنى إلا الأوقات التي ينقلون فيها من النار إلى ~~الزمهرير، فقد روي أنهم يدخلون واديا فيه من الزمهرير ما يميز بعض ~~أوصالهم من بعض فيتعاوون ويطلبون الرد إلى الجحيم وقيل: يفتح لهم ~~وهم في النار باب إلى الجنة فيسرعون نحوه حتى إذا صاروا إليه سد ~~عليهم الباب. # وعلى التقديرين فالاستثناء تهكم بهم وقيل: إلا ما شاء الله قبل ~~الدخول كأنه قيل: النار مثواكم أبدا إلا ما أمهلكم ولا يخفى بعده { ~~إن ربك حكيم } في أفاعيله { عليم } بأحوال الثقلين ~~وأعمالهم وبما يليق بها من الجزاء. ### || [6.129-130] # { وكذلك ms1094 } أي مثل ما سبق من تمكين الجن من إغواء الإنس ~~وإضلالهم { نولى بعض الظلمين } من الإنس { بعضا } آخر ~~منهم أي نجعلهم بحيث يتولونهم بالإغواء والإضلال أو نجعل بعضهم ~~قرناء بعض في العذاب كما كانوا كذلك في الدنيا عند اقتراف ما يؤدي ~~إليه من القبائح { بما كانوا يكسبون } بسبب ما كانوا مستمرين ~~على كسبه من الكفر والمعاصي. # { يا معشر الجن والإنس } شروع في حكاية ما سيكون من توبيخ ~~المعشرين وتقريعهم بتفريطهم فيما يتعلق بخاصة أنفسهم إثر حكاية ~~توبيخ معشر الجن بإغواء الإنس وإضلالهم وبيان مآل أمرهم { ~~ألم يأتكم } أي في الدنيا { رسل } أي من عند الله عز وجل لكن ~~لا على أن يأتي كل رسول كل واحدة من الأمم، بل على أن يأتي كل ~~أمة رسول خاص بها، أي ألم يأت كل أمة منكم رسول معين؟ وقوله ~~تعالى: { منكم } متعلق بمحذوف وقع صفة لرسل أي كائنة من جملتكم لكن ~~لا على أنهم من جنس الفريقين معا بل من الإنس خاصة، وإنما جعلوا منهما ~~إما لتأكيد وجوب اتباعهم والإيذان بتقاربهما ذاتا واتحادهما تكليفا ~~وخطابا، كأنهما جنس واحد، ولذلك تمكن أحدهما من إضلال الآخر، وإما ~~لأن المراد بالرسل ما يعم رسل الرسل وقد ثبت أن الجن قد استمعوا ~~القرآن وأنذروا به قومهم حيث نطق به قوله تعالى: # وإذ صرفنا إليك نفرا من الجن يستمعون ~~القرءان # [الأحقاف، الآية 29] إلى قوله تعالى: # ولوا إلى قومهم منذرين # [الأحقاف، الآية 29]. # وقوله تعالى: { يقصون عليكم ءايتى } صفة أخرى لرسل ~~محققة لما هو المراد من إرسال الرسل من التبليغ والإنذار، وقد حصل ذلك ~~بالنسبة إلى الثقلين { وينذرونكم } بما في تضاعيفها من القوارع { ~~لقاء يومكم هذا } يوم الحشر الذي قد عاينوا فيه ما أعد ~~لهم من أفانين العقوبات الهائلة { قالوا } استئناف مبني على سؤال ~~نشأ من الكلام السابق كأنه قيل: فماذا قالوا عند ذلك التوبيخ الشديد؟ ~~فقيل: قالوا: { شهدنا على أنفسنا } أي بإتيان الرسل ~~وإنذارهم وبمقابلتهم إياهم بالكفر والتكذيب وباستحقاقهم بسبب ذلك للعذاب ~~المخلد حسبما فصل في حكاية جوابهم عن ms1095 سؤال خزنة النار، حيث ~~قالوا: # بلى قد جاءنا نذير فكذبنا وقلنا ما نزل ~~الله من شىء إن أنتم إلا فى ضلل كبير # [الملك، الآية 9] وقد أجمل ههنا في الحكاية كما أجمل في حكاية ~~جوابهم حيث قالوا: # بلى ولكن حقت كلمة العذاب على الكفرين # [الزمر، الآية 71] وقوله تعالى: { وغرتهم الحيوة الدنيا ~~} مع ما عطف عليه اعتراض لبيان ما أداهم في الدنيا إلى ارتكابهم ~~للقبائح التي ارتكبوها وإلجائهم بعد ذلك في الآخرة إلى الاعتراف بالكفر ~~واستيجاب العذاب، وذم لهم بذلك، أي واغتروا في الدنيا بالحياة ~~الدنيئة واللذات الخسيسة الفانية وأعرضوا عن النعيم المقيم الذي بشرت ~~به الرسل، واجترأوا على ارتكاب ما يجرهم إلى العذاب المؤبد الذي ~~أنذروهم إياه { وشهدوا } في الآخرة { على أنفسهم أنهم ~~كانوا } في الدنيا { كفرين } أي بالآيات والنذر التي أتى بها ~~الرسل على التفصيل المذكور آنفا واضطروا إلى الاستسلام لأشد العذاب ~~كما ينبىء عنه ما حكي عنهم بقوله تعالى: # وقالوا لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا فى ~~أصحب السعير # [الملك، الآية 10] وفيه من تحسيرهم وتحذير السامعين عن مثل صنيعهم ما ~~لا مزيد عليه. ### || [6.131] # { ذلك } إشارة إلى ما ذكر من شهادتهم على أنفسهم بالكفر واستيجاب ~~العذاب والخطاب للرسول صلى الله عليه وسلم بطريق التلوين، وهو مبتدأ ~~خبره قوله تعالى: { أن لم يكن ربك مهلك القرى } ~~بحذف اللام على أن (أن) مصدرية أو مخففة من أن وضمير الشأن الذي هو ~~اسمها محذوف وقوله تعالى: { بظلم } متعلق إما بمهلك أي بسبب ظلم ~~أو بمحذوف وقع حالا من القرى أي ملتبسة بظلم فإن ملابسة أهلها للظلم ~~ملابسة للقرية له بواسطتهم، أوما كونه حالا من ربك أو من ضميره في ~~مهلك كما قيل فيأباه أن غفلة أهلها مأخوذة في معنى الظلم وحقيقته ~~لا محالة، فلا يحسن تقييده بقوله تعالى: { وأهلها غفلون } ~~والمعنى ذلك ثابت لانتفاء كون ربك أو لأن الشأن لم يكن ربك ~~مهلك القرى بسبب أي ظلم فعلوه من أفراد الظلم قبل أن ينهوا عنه ~~وينبهوا على بطلانه برسول وكتاب وإن ms1096 قضى به بديهة العقول، ~~وينذروا عاقبة جناياتهم أي لولا انتفاء كونه تعالى معذبا لهم قبل ~~إرسال الرسل وإنزال الكتب لما أمكن التوبيخ بما ذكر ولما شهدوا ~~على أنفسهم بالكفر واستيجاب العذاب، ولا اعتذروا بعدم إتيان الرسل كما ~~في قوله تعالى: # ولو أنا أهلكنهم بعذاب من قبله لقالوا ~~ربنا لولا أرسلت إلينا رسولا فنتبع ءايتك ~~من قبل أن نذل ونخزى # [طه، الآية 134] وإنما علل ما ذكر بانتفاء التعذيب الدنيوي الذي ~~هو إهلاك القرى قبل الإنذار مع أن التقريب في تعليله بانتفاء مطلق ~~التعذيب من غير بعث الرسل أتم على ما نطق به قوله تعالى: # وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا # [الإسراء، الآية 15] لبيان كمال نزاهته سبحانه وتعالى عن كلا ~~التعذيبين الدنيوي والأخروي معا من غير إنذار على أبلغ وجه وآكده ~~حيث اقتصر على نفي التعذيب الدنيوي عنه تعالى ليثبت نفي التعذيب ~~الأخروي عنه تعالى على الوجه البرهاني بطريق الأولوية، فإنه تعالى حيث ~~لم يعذبهم بعذاب يسير منقطع بدون إنذار فلأن لا يعذبهم بعذاب ~~شديد مخلد أولى وأجلى، ولو علل بما ذكر من نفي التعذيب لانصرف بحسب ~~المقام إلى ما فيه الكلام من نفي التعذيب الأخروي، ونفذ التعذيب ~~الدنيوي غير متعرض له لا صريحا ولا دلالة ضرورة أن نفذ الأعلى ~~لا يدل على نفذ الأدنى ولأن ترتب التعذيب الدنيوي على الإنذار عند ~~عدم تأثر المنذرين منه معلوم مشاهد عند السامعين فيستدلون بذلك على ~~أن التعذيب الأخروي أيضا كذلك فينزجرون عن الإخلال بمواجب الإنذار ~~أشد انزجار، هذا هو الذي تستدعيه جزالة النظم الكريم، وأما جعل ذلك ~~إشارة إلى إرسال الرسل عليهم السلام وإنذارهم، وخبر المبتدأ محذوف ~~كما أطبق عليه الجمهور فبمعزل من مقتضى المقام، والله سبحانه أعلم. ### || [6.132-134] # { ولكل } أي من المكلفين من الثقلين { درجت } متفاوتة ~~وطبقات متباينة { مما عملوا } من أعمالهم صالحة كانت أو سيئة ~~فإن أعمالهم درجات في أنفسها أو من جزاء أعمالهم فإن كل جزاء ~~مرتبة معينة لهم أو من أجل أعمالهم { وما ربك بغفل عما ~~يعملون } فيخفى عليه عمل ms1097 من أعمالهم أو قدر ما يستحقون بها من ~~ثواب أو عقاب، وقرىء بالتاء تغليبا للخطاب على الغيبة. # { وربك الغنى } مبتدأ وخبر أي هو المعروف بالغني عن كل ما ~~سواه كائنا من كان وما كان، فيدخل فيه غناه عن العباد وعن عبادتهم، ~~وفي التعرض لوصف الربوبية في الموضعين لا سيما في الثاني لكونه موقع ~~الإضمار مع الإضافة إلى ضميره عليه الصلاة والسلام من إظهار اللطف به ~~عليه السلام وتنزيه ساحته عن توهم شمول الوعيد الآتي لها أيضا ما لا ~~يخفى، وقوله تعالى: { ذو الرحمة } خبر آخر أو هو الخبر، ~~والغني صفة أي يترحم عليهم بالتكليف تكميلا لهم ويمهلهم على ~~المعاصي، وفيه تنبيه على أن ما سلف ذكره من الإرسال ليس لنفعه بل ~~لترحمه على العباد وتمهيد لقوله تعالى: { إن يشأ يذهبكم } أي ~~ما به حاجة إليكم إن يشأ يذهبكم أيها العصاة، وفي تلوين الخطاب من ~~تشديد الوعيد ما لا يخفى { ويستخلف من بعدكم } أي من بعد ~~إذهابكم { ما يشاء } من الخلق، وإيثار ما على من لإظهار كمال ~~الكبرياء وإسقاطهم عن رتبة العقلاء { كما أنشأكم من ذرية ~~قوم ءاخرين } أي من نسل قوم آخرين لم يكونوا على مثل صفتكم وهم ~~أهل سفينة نوح عليه الصلاة والسلام لكنه أبقاكم ترحما عليكم، و(ما) ~~في كما مصدرية ومحل الكاف النصب على أنه مصدر تشعيبي على غير ~~المصدر فإن يستخلف في معنى ينشىء كأنه قيل: وينشىء إنشاء كائنا ~~كإنشائكم الخ أو نعت لمصدر الفعل المذكور أي يستخلف استخلافا كائنا ~~كإنشائكم الخ والشرطية استئناف مقرر لمضمون ما قبلها من الغنى ~~والرحمة. # { إن ما توعدون } أي الذي توعدونه من البعث وما يتفرع عليه من ~~الأمور الهائلة، وصيغة الاستقبال للدلالة على الاستمرار التجددي { ~~لآت } لواقع لا محالة كقوله تعالى: # إنما توعدون لوقع # [المرسلات، الآية 7] وإيثاره عليه لبيان كمال سرعة وقوعه بتصويره ~~بصورة طالب حثيث لا يفوته هارب حسبما يعرب عنه قوله تعالى: { وما ~~أنتم بمعجزين } أي بفائتين ذلك وإن ركبتم في الهرب متن كل ~~صعب وذلول كما أن إيثار ms1098 صيغة الفاعل على المستقبل للإيذان بكمال ~~قرب الإتيان، والمراد بيان دوام انتفاء الإعجاز لا بيان انتفاء ~~دوام الإعجاز فإن الجملة الاسمية كما تدل على دوام الثبوت تدل بمعونة ~~المقام إذا دخل عليها حرف النفذ على دوام الانتفاء لا على انتفاء ~~الدوام كما حقق في موضعه. ### || [6.135-136] # { قل يقوم اعملوا على مكانتكم } إثر ما بين لهم ~~حالهم ومآلهم بطريق الخطاب أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بطريق ~~التلوين بأن يواجههم بتشديد التهديد وتكرير الوعيد، ويظهر لهم ما هو ~~عليه من غاية النصاب في الدين ونهاية الوثوق بأمره وعدم المبالاة بهم ~~أي اعملوا على غاية تمكنكم واستطاعتكم، يقال: مكن مكانة إذا تمكن ~~أبلغ التمكن، أو على جهتكم وحالتكم التي أنتم عليها، من قولهم: مكان ~~ومكانة كمقام ومقامة، وقرىء مكاناتكم والمعنى اثبتوا على كفركم ~~ومعاداتكم { إنى عمل } ما أمرت به من الثبات على الإسلام ~~والاستمرار على الأعمال الصالحة والمصابرة، وإيراد التهديد بصيغة ~~الأمر مبالغة في الوعيد كأن المهدد يريد تعذيبه مجمعا عليه فيحمله ~~بالأمر على ما يؤدي إليه، وتسجيل بأن المهدد لا يتأتى منه إلا الشر ~~كالذي أمر به بحيث لا يجد إلى التقصي عنه سبيلا { فسوف ~~تعلمون من تكون له عقبة الدار } سوف لتأكيد مضمون ~~الجملة، والعلم عرفاني و(من) إما استفهامية معلقة بفعل العلم ~~محلها الرفع على الابتداء و(تكون) باسمها وخبرها خبر لها وهي مع ~~خبرها في محل نصب لسدها مسد مفعول تعلمون أي فسوف تعلمون أينا تكون ~~له العاقبة الحسنى التي خلق الله تعالى هذه الدار لها، وإما موصولة ~~فمحلها النصب على أنها مفعول لتعلمون أي فسوف تعلمون الذي له عاقبة ~~الدار، وفيه مع الإنذار إنصاف في المقال وتنبيه على كمال وثوق ~~المنذر بأمره، وقرىء بالياء لأن تأنيث العاقبة غير حقيقي { إنه ~~} أي الشأن { لا يفلح الظلمون } وضع الظلم موضع الكفر ~~إيذانا بأن امتناع الفلاح يترتب على أي فرد كان من أفراد الظلم فما ~~ظنك بالكفر الذي هو أعظم أفراده؟ # { وجعلوا } شروع في تقبيح أحوالهم الفظيعة بحكاية أقوالهم ~~وأفعالهم الشنيعة ms1099 (وهم مشركو العرب كانوا يعينون أشياء من حرث ~~ونتاج لله تعالى وأشياء منهما لآلهتهم فإذا رأوا ما جعلوه لله تعالى ~~زاكيا ناميا يزيد في نفسه خيرا رجعوا فجعلوه لآلهتهم، وإذا زكا ما ~~جعلوه لآلهتهم تركوه معتلين بأن الله تعالى غني وما ذاك إلا لحب ~~آلهتهم وإيثارهم لها)، والجعل إما متعد إلى واحد فالجاران في قوله ~~تعالى: { لله مما ذرأ } متعلقان به، ومن في قوله تعالى: { ~~من الحرث والأنعام } بيان لما، وفيه تنبيه على فرط ~~جهالتهم حيث أشركوا الخالق في خلقه جمادا لا يقدر على شيء ثم رجحوه ~~عليه بأن جعلوا الزكي له، أي عينوا له تعالى مما خلقه من الحرث ~~والأنعام { نصيبا } يصرفونه إلى الضيفان والمساكين، وتأخيره عن ~~المجرورين لما مر مرارا من الاهتمام بالمقدم والتشويق إلى ~~المؤخر، وإما إلى مفعولين أولهما مما ذرأ على أن من تبعيضية أي جعلوا ~~بعض ما خلقه نصيبا له وما قيل من أن الأول نصيبا والثاني لله لا ~~يساعده سداد المعنى، وحكاية جعلهم له تعالى نصيبا تدل على أنهم ~~جعلوا لشركائهم أيضا نصيبا، ولم يذكر اكتفاء بقوله تعالى: { ~~فقالوا هذا لله بزعمهم وهذا لشركائنا } ~~وقرىء بضم الزاء، وهو لغة فيه، وإنما قيد به الأول للتنبيه على ~~أنه في الحقيقة ليس بجعل لله تعالى، غير مستتبع لشيء من الثواب ~~كالتطوعات التي يبتغى بها وجه الله تعالى لا لما قيل من أنه للتنبيه ~~على أن ذلك مما اخترعوه ولم يأمرهم الله تعالى به فإن ذلك مستفاد من ~~الجعل، ولذلك لم يقيد به الثاني، ويجوز أن يكون ذلك تمهيدا لما بعده ~~على معنى أن قولهم هذا لله مجرد زعم منهم لا يعملون بمقتضاه الذي هو ~~اختصاصه به تعالى فقوله تعالى: { فما كان لشركائهم فلا ~~يصل إلى الله وما كان لله فهو يصل إلى ~~شركائهم } بيان وتفصيل له أي فما عينوه لشركائهم لا يصرف ~~إلى الوجوه التي يصرف إليها ما عينوه لله تعالى من قرى الضيفان ~~والتصدق على المساكين وما عينوه لله تعالى إذا وجدوه زاكيا يصرف إلى ms1100 ~~الوجوه التي يصرف إليها ما عينوه لآلهتهم من إنفاق عليها وذبح نسائك ~~عندها والإجراء على سدنتها ونحو ذلك { ساء ما يحكمون } فيما ~~فعلوا من إيثار آلهتهم على الله تعالى وعملهم بما لم يشرع لهم و(ما) ~~بمعنى الذي، والتقدير ساء الذي يحكمون حكمهم فيكون حكمهم مبتدأ وما ~~قبله الخبر وحذف لدلالة يحكمون عليه. ### || [6.137] # { وكذلك } ومثل ذلك التزيين وهو تزيين الشرك في قسمة ~~القربان بين الله تعالى وبين آلهتهم، أو مثل ذلك التزيين البليغ ~~المعهود من الشياطين { زين لكثير من المشركين قتل ~~أولدهم } بوأدهم ونحرهم لآلهتهم. كان الرجل يحلف في الجاهلية ~~لئن ولد له كذا غلاما لينحرن أحدهم كما حلف عبد المطلب وهو مشهور { ~~شركاؤهم } أي أولياؤهم من الجن أو من السدنة وهو فاعل زين ~~أخر عن الظرف والمفعول لما مر غير مرة، وقرىء على البناء للمفعول ~~الذي هو القتل ونصب الأولاد وجر الشركاء بإضافة القتل إليه مفصولا ~~بينهما بمفعوله وقرىء على البناء للمفعول ورفع قتل وجر أولادهم ~~ورفع شركاؤهم بإضمار فعل دل عليه زين كأنه لما قيل: زين لهم قتل ~~أولادهم قيل: من زينه؟ فقيل: زينه شركاؤهم { ليردوهم } أن ~~يهلكوهم بالإغواء { وليلبسوا عليهم دينهم } وليخلطوا ~~عليهم ما كانوا عليه من دين إسماعيل عليه السلام أو ما وجب عليهم أن ~~يتدينوا به واللام للتعليل إن كان التزيين من الشياطين وللعاقبة إن ~~كان من السدنة { ولو شاء الله } أي عدم فعلهم ذلك { ما ~~فعلوه } أي ما فعل المشركون ما زين لهم من القتل أو الشركاء من ~~التزيين أو الإرداء واللبس، أو الفريقان جميع ذلك على إجراء الضمير ~~مجرى اسم الإشارة { فذرهم وما يفترون } الفاء فصيحة أي ~~إذا كان ما فعلوه بمشيئة الله تعالى فدعهم وافتراءهم أو وما يفترونه من ~~الإفك فإن فيما شاء الله تعالى حكما بالغة إنما نملي لهم ليزدادوا ~~إثما ولهم عذاب مهين، وفيه من شدة الوعيد ما لا يخفى. ### || [6.138-139] # { وقالوا } حكاية لنوع آخر من أنواع كفرهم { هذه } إشارة ~~إلى ما جعلوه لآلهتهم والتأنيث للخبر { أنعم وحرث حجر } أي ms1101 ~~حرام، فعل بمعنى مفعول كالذبح يستوي فيه الواحد والكثير والذكر ~~والأنثى لأن أصله المصدر، ولذلك وقع صفة لأنعام وحرث، وقرىء حجر ~~بالضم وبضمتين وحرج أي ضيق وأصله حرج وقيل: هو مقلوب من حجر { لا ~~يطعمها إلا من نشاء } يعنون خدم الأوثان من الرجال دون ~~النساء والجملة صفة أخرى لأنعام وحرث { بزعمهم } متعلق ~~بمحذوف وهو حال من فاعل قالوا أي قالوه ملتبسين بزعمهم الباطل من غير ~~حجة { وأنعم } خبر مبتدأ محذوف والجملة معطوفة على قوله ~~تعالى: { هذه أنعم } الخ، أي قالوا مشيرين إلى طائفة أخرى من ~~أنعامهم وهذه أنعام { حرمت ظهورها } يعنون بها البحائر ~~والسوائب والحوامي { وأنعم } أي وهذه أنعام كما مر وقوله ~~تعالى: { لا يذكرون اسم الله عليها } صفة لأنعام لكنه ~~غير واقع في كلامهم المحكي كنظيره بل مسوق من جهته تعالى تعيينا ~~للموصوف وتمييزا له عن غيره كما في قوله تعالى: # وقولهم إنا قتلنا المسيح عيسى ابن مريم ~~رسول الله # [النساء، الآية 57] على أحد التفاسير، كأنه قيل: وأنعام ذبحت على ~~الأصنام فإنها التي لا يذكر عليها اسم الله وإنما يذكر عليها اسم ~~الأصنام، وقيل: لا يحجون عليها فإن الحج لا يعرى عن ذكر الله ~~تعالى. وقال مجاهد: كانت لهم طائفة من أنعامهم لا يذكرون اسم الله ~~عليها ولا في شيء من شأنها لا إن ركبوا ولا إن حلبوا ولا إن نتجوا ولا ~~إن باعوا ولا إن حملوا { افتراء عليه } نصب على المصدر إما على ~~أن ما قالوه تقول على الله تعالى، وإما على تقدير عامل من لفظه، أي ~~افتروا افتراء والجار متعلق بقالوا أو بافتروا المقدر، أو بمحذوف ~~هو صفة له لا بافتراء لأن المصدر المؤكد لا يعمل، أو على الحال من ~~فاعل قالوا، أي مفترين أو على العلة أي للافتراء فالجار متعلق به { ~~سيجزيهم بما كانوا يفترون } أي بسببه أو بدله وفي إبهام ~~الجزاء من التهويل ما لا يخفى. # { وقالوا } حكاية لفن آخر من فنون كفرهم { ما فى بطون ~~هذه الأنعم } يعنون به أجنة البحائر والسوائب { خالصة ~~لذكورنا ms1102 } حلال لهم خاصة والتاء للنقل إلى الاسمية أو للمبالغة، ~~أو لأن الخالصة مصدر كالعافية وقع موقع الخالص مبالغة أو بحذف ~~المضاف أي ذو خالصة، أو للتأنيث بناء على أن (ما) عبارة عن الأجنة ~~والتذكير في قوله تعالى: { ومحرم على أزوجنا } أي جنس ~~أزواجنا وهن الإناث باعتبار اللفظ، وفيه كما ترى حمل للنظم الكريم على ~~خلاف المعهود الذي هو الحمل على اللفظ أولا وعلى المعنى ثانيا كما في ~~قوله تعالى: # ومنهم من يستمع إليك وجعلنا على قلوبهم # [الأنعام، الآية 25] الخ ونظائره، وإما العكس فقد قالوا إنه لا نظير ~~له في القرآن، وهذا الحكم منهم إن ولد ذلك حيا وهو الظاهر المعتاد { ~~وإن يكن ميتة } أي إن ولدت ميتة { فهم } أي الذكور والإناث ~~{ فيه } أي فيما في بطون الأنعام، وقيل: المراد بالميتة ما يعم ~~الذكر والأنثى فغلب الأول على الثاني { شركاء } يأكلون منه جميعا ~~وقرىء خالصة بالنصب على أنه مصدر مؤكد، والخبر لذكورنا، أو حال من ~~الضمير الذي في الظرف لا من الذي في ذكورنا ولا من الذكور لأنه لا يتقدم ~~على العامل المعنوي ولا على صاحبه المجرور وقرىء خالصه بالرفع ~~والإضافة إلى الضمير على أنه بدل من (ما) أو مبتدأ ثان { سيجزيهم ~~وصفهم } أي جزاء وصفهم الكذب على الله تعالى في أمر التحليل ~~والتحريم من قوله تعالى: # وتصف ألسنتهم الكذب # [النحل، الآية 62] { إنه حكيم عليم } تعليل للوعيد بالجزاء، ~~فإن الحكيم العليم بما صدر عنهم لا يكاد يترك جزاءهم الذي هو من ~~مقتضيات الحكمة. ### || [6.140-141] # { قد خسر الذين قتلوا أولدهم } جواب قسم محذوف ~~وقرىء بالتشديد وهم ربيعة ومضر وأضرابهم من العرب الذين كانوا يئدون ~~بناتهم مخافة السبي والفقر أي خسروا دينهم ودنياهم { سفها ~~بغير علم } متعلق بقتلوا على أنه علة له أي لخفة عقلهم وجهلهم ~~بأن الله هو الرزاق لهم ولأولادهم، أو نصب على الحال ويؤيده أنه قرىء ~~سفهاء، أو مصدر { وحرموا ما رزقهم الله } من البحائر ~~والسوائب ونحوهما { افتراء على الله } نصب على أحد الوجوه ~~المذكورة، وإظهار الاسم الجليل في موقع ms1103 الإضمار لإظهار كمال عتوهم ~~وطغيانهم { قد ضلوا } عن الطريق المستقيم { وما كانوا ~~مهتدين } إليه وإن هدوا بفنون الهدايات أو وما كانوا مهتدين من ~~الأصل لسوء سيرتهم فالجملة حينئذ اعتراض، وعلى الأول عطف على ضلوا. # { وهو الذى أنشأ جنت معروشت } تمهيد لما سيأتي ~~من تفصيل أحوال الأنعام أي هو الذي أنشأهن من غير شركة لأحد في ذلك بوجه ~~من الوجوه والمعروشات من الكروم المرفوعات على ما يحملها { وغير ~~معروشت } وهن الملقيات على وجه الأرض وقيل: المعروشات ما ~~غرسه الناس وعرشوه وغير المعروشات ما نبت في البوادي والجبال { ~~والنخل والزرع } عطف على جنات أي أنشأهما { مختلفا ~~أكله } وقرىء أكله بسكون الكاف أي ثمره الذي يؤكل في الهيئة ~~والكيفية، والضمير إما للنخل والزرع داخل في حكمه أو للزرع والباقي ~~مقيس عليه، أو للجميع على تقدير كل ذلك أو كل واحد منهما ومختلفا ~~حال مقدرة إذ ليس كذلك وقت الإنشاء { والزيتون والرمان } أي ~~أنشأهما وقوله تعالى: { متشبها وغير متشبه } نصب على ~~الحالية أي يتشابه بعض أفرادهما في اللون والهيئة أو الطعم ولا يتشابه ~~بعضها { كلوا من ثمره } أي من ثمر كل واحد من ذلك { إذا ~~أثمر } وإن لم يدرك ولم يينع بعد وقيل: فائدته رخصة المالك في الأكل ~~منه قبل أداء حق الله تعالى { وآتوا حقه يوم حصاده } أريد ~~به ما كان يتصدق به يوم الحصاد بطريق الواجب من غير تعيين المقدار ~~لا الزكاة المقدرة فإنها فرضت بالمدينة والسورة مكية وقيل: الزكاة ~~والآية مدنية والأمر بإيتائها يوم الحصاد ليهتم به حينئذ حتى لا ~~يؤخر عن وقت الأداء وليعلم أن الوجوب بالإدراك لا بالتصفية، وقرىء ~~يوم حصاده بكسر الحاء وهو لغة فيه { ولا تسرفوا } أي في التصدق ~~كما روي عن ثابت بن قيس أنه صرم خمسمائة نخلة ففرق ثمرها كلها ~~ولم يدخل منه شيئا إلى منزله. كقوله تعالى: # ولا تبسطها كل البسط # [الإسراء، الآية 29] { إنه لا يحب المسرفين } أي لا ~~يرتضي إسرافهم. ### || [6.142-143] # { ومن الأنعم حمولة وفرشا } شروع في تفصيل حال ~~الأنعام وإبطال ما تقولوا ms1104 على الله تعالى في شأنها بالتحريم ~~والتحليل، وهو عطف على مفعول أنشأ، ومن متعلقة به أي وأنشأ من ~~الأنعام ما يحمل عليه الأثقال وما يفرش للذبح أو ما يفرش المصنوع من ~~شعره وصوفه ووبره، وقيل: الكبار الصالحة للحمل والصغار الدانية من ~~الأرض كأنها فرش مفروش عليها { كلوا مما رزقكم الله } ~~(ما) عبارة عما ذكر من الحمولة والفرش ومن تبعيضية أي كلوا بعض ~~ما رزقكم الله تعالى أي حلاله، وفيه تصريح بأن إنشاءها لأجلهم ~~ومصلحتهم { ولا تتبعوا } في أمر التحليل والتحريم بتقليد ~~أسلافكم المجازفين في ذلك من تلقاء أنفسهم المفترين على الله سبحانه { ~~خطوت الشيطن } فإن ذلك منهم بإغوائه واستتباعه إياهم { ~~إنه لكم عدو مبين } ظاهر العداوة. # { ثمنية أزوج } الزوج ما معه آخر من جنسه يزاوجه ويحصل ~~منهما النسل والمراد بها الأنواع الأربعة، وإيرادها بهذا العنوان ~~وهذا العدد تمهيد لما سيق له الكلام من الإنكار المتعلق بتحريم كل ~~واحد من الذكر والأنثى وبما في بطنها، وهو بدل من حمولة وفرشا ~~منصوب بما نصبهما، وجعله مفعولا لكلوا على أن قوله تعالى: { ولا ~~تتبعوا } الآية، معترض بينهما، أو حال من ما بمعنى مختلفة ~~أو متعددة يأباه جزالة النظم الكريم لظهور أنه مسوق لتوضيح حال ~~الأنعام بتفصيلها أولا إلى حمولة وفرش ثم بتفصيلها إلى ثمانية أزواج ~~حاصلة من تفصيل الأولى إلى الإبل والبقر وتفصيل الثاني إلى الضأن ~~والمعز ثم تفصيل كل من الأقسام الأربعة إلى الذكر والأنثى كل ذلك ~~لتحرير المواد التي تقولوا فيها عليه سبحانه وتعالى. # { من الضأن اثنين } بدل من ثمانية أزواج منصوب بناصبه وهو ~~العامل في من، أي أنشأ من الضأن زوجين الكبش والنعجة وقرىء اثنان على ~~الابتداء، والضأن اسم جنس كالإبل وجمعه ضئين كأمير أو جمع ضائن ~~كتاجر وتجر وقرىء بفتح الهمزة { ومن المعز اثنين } عطف على ~~مثله شريك له في حكمه أي وأنشأ من المعز زوجين التيس والعنز وقرىء بفتح ~~العين وهو جمع ماعز كصاحب وصحب وحارس وحرس، وقرىء ومن المعزى، وهذه ~~الأزواج الأربعة تفصيل للفرش ولعل تقديمها في ms1105 التفصيل مع تأخر ~~أصلها في الإجمال لكون هذين النوعين عرضة للأكل الذي هو معظم ما يتعلق ~~به الحل والحرمة، وهو السر في الاقتصار على الأمر به في قوله ~~تعالى: { كلوا مما رزقكم الله } [الأنعام، الآية 142] من ~~غير تعرض للانتفاع بالحمل والركوب وغير ذلك مما حرموه في السائبة ~~وأخواتها. # { قل } تلوين للخطاب وتوجيه له إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~إثر تفصيل أنواع الأنعام التي أنشأها، أي قل تبكيتا لهم وإظهارا ~~لانقطاعهم عن الجواب { آلذكرين } من ذينك النوعين وهما الكبش والتيس ~~{ حرم } أي الله عز وجل كما تزعمون أنه هو المحرم { أم ~~الأنثيين } وهما النعجة والعنز؟ ونصب الذكرين والأنثيين بحرم ~~وهو مؤخر عنهما بحسب المعنى وإن توسط بينهما صورة، وكذا قوله تعالى: ~~{ أما اشتملت عليه أرحام الأنثيين } أي أم ما حملت ~~إناث النوعين حرم ذكرا كان أو أنثى؟ وقوله تعالى: { نبئوني ~~بعلم } الخ، تكرير للإلزام وتثنية للتبكيت والإفحام أي أخبروني ~~بأمر معلوم من جهة الله تعالى من الكتاب أو أخبار الأنبياء يدل على ~~أنه تعالى حرم شيئا مما ذكر، أو نبئوني تنبئة ملتبسة بعلم صادرة عنه ~~{ إن كنتم صدقين } أي في دعوى التحريم عليه سبحانه. ### || [6.144] # وقوله تعالى: { ومن الإبل اثنين } عطف على قوله تعالى: { ~~من الضأن اثنين } أي وأنشأ من الإبل اثنين هما الجمل والناقة { ~~ومن البقر اثنين } ذكر وأنثى { قل } إفحاما لهم في أمر ~~هذين النوعين أيضا { ءآلذكرين } منهما { حرم أم ~~الأنثيين أما اشتملت عليه أرحام الأنثيين } من ~~ذينك النوعين، والمعنى إنكار أن الله سبحانه حرم عليهم شيئا من ~~الأنواع الأربعة وإظهار كذبهم في ذلك وتفصيل ما ذكر من الذكور ~~والإناث وما في بطونها للمبالغة في الرد عليهم بإيراد الإنكار على كل ~~مادة من مواد افترائهم فإنهم كانوا يحرمون ذكور الأنعام تارة ~~وإناثها تارة وأولادها كيفما كانت تارة أخرى مسندين ذلك كله إلى الله ~~سبحانه، وإنما عقب تفصيل كل واحد من نوعي الصغار ونوعي الكبار ~~بما ذكر من الأمر بالاستفهام والإنكار مع حصول التبكيت بإيراد الأمر ~~عقيب تفصيل ms1106 الأنواع الأربعة بأن يقال: قل آلذكور حرم أم الإناث أم ~~ما اشتملت عليه أرحام الإناث لما في التثنية والتكرير من المبالغة في ~~التبكيت والإلزام وقوله تعالى: { أم كنتم شهداء } تكرير للإفحام ~~كقوله تعالى: { نبئوني بعلم } وأم منقطعة، ومعنى الهمزة ~~الإنكار والتوبيخ ومعنى بل الإضراب عن التوبيخ بما ذكر إلى التوبيخ ~~بوجه آخر أي بل أكنتم حاضرين مشاهدين { إذ وصكم الله ~~بهذا } أي حين وصاكم بهذا التحريم إذ أنتم لا تؤمنون بنبي فلا ~~طريق لكم حسبما يقود إليه مذهبكم إلى معرفة أمثال ذلك إلا المشاهدة ~~والسماع، وفيه من تركيك عقولهم والتهكم بهم ما لا يخفى { فمن ~~أظلم ممن افترى على الله كذبا } فنسب إليه تحريم ~~ما لم يحرم، والمراد كبراؤهم المقررون لذلك، أو عمرو بن لحي ~~بن قمعة وهو المؤسس لهذا الشر، أو الكل لاشتراكهم في الافتراء ~~عليه سبحانه وتعالى أي فأي فريق أظلم من فريق افتروا الخ، ولا يقدح ~~في أظلمية الكل كون بعضهم مخترعين له وبعضهم مقتدين بهم، والفاء ~~لترتيب ما بعدها على ما سبق من تبكيتهم وإظهار كذبهم وافترائهم أي هو ~~أظلم من كل ظالم وإن كان المنفي صريحا في الأظلمية دون المساواة كما ~~مر غير مرة { ليضل الناس } متعلق بالافتراء { بغير علم } ~~متعلق بمحذوف وقع حالا من فاعل افترى، أي افترى عليه تعالى جاهلا ~~بصدور التحريم عنه تعالى، وإنما وصفوا بعدم العلم بذلك مع أنهم عالمون ~~بعدم صدوره عنه تعالى إيذانا بخروجهم في الظلم عن الحدود والنهايات ~~فإن من افترى عليه تعالى بغير علم بصدوره عنه تعالى مع احتمال الصدور ~~عنه إذا كان أظلم كان أظلم من كل ظالم فما ظنك بمن افترى عليه تعالى ~~وهو يعلم أنه لم يصدر عنه ويجوز أن يكون حالا من فاعل يضل أي ~~ملتبسا بغير علم بما يؤدي بهم إليه { إن الله لا يهدى ~~القوم الظلمين } كائنا من كان إلى ما فيه صلاح حالهم عاجلا ~~أو آجلا وإذا كان هذا حال المتصفين بالظلم في الجملة فما ظنك بمن هو ~~في أقصى ms1107 غاياته؟ ### || [6.145] # { قل } أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد إلزام المشركين ~~وتبكيتهم وبيان أن ما يتقولونه في أمر التحريم افتراء بحت لا أصل ~~له قطعا بأن يبين لهم ما حرمه عليهم وفي قوله تعالى: { لا أجد ~~فيما أوحي إلى محرما } إيذان بأن مناط الحل والحرمة ~~هو الوحي وأنه صلى الله عليه وسلم قد تتبع جميع ما أوحي إليه وتفحص ~~عن المحرمات فلم يجد غير ما فصل، وفيه مبالغة في بيان انحصارها في ~~ذلك و(محرما) صفة لمحذوف أي لا أجد ريثما تصفحت ما أوحي إلى طعاما ~~محرما من المطاعم التي حرموها { على طاعم } أي أي طاعم كان ~~من ذكر أو أنثى ردا على قولهم: # محرم على أزوجنا # [الأنعام، الآية 139] وقوله تعالى: { يطعمه } لزيادة التقرير { ~~إلا أن يكون } أي ذلك الطعام { ميتة } وقرىء تكون بالتاء ~~لتأنيث الخبر وقرىء ميتة بالرفع على أن كان تامة وقوله تعالى: { أو ~~دما مسفوحا } حينئذ عطف على أن مع ما في حيزه، أي إلا وجود ~~ميتة أو دما مسفوحا أي مصبوبا كالدماء التي في العروق لا كالطحال ~~والكبد { أو لحم خنزير فإنه } أي الخنزير { رجس } أي ~~لحمه قذر لتعوده أكل النجاسات أو خبيث { أو فسقا } عطف على ~~لحم خنزير وما بينهما اعتراض مقرر لحرمته { أهل لغير ~~الله به } صفة له موضحة أي ذبح على اسم الأصنام، وإنما سمي ~~ذلك فسقا لتوغله في الفسق، ويجوز أن يكون فسقا مفعولا له لأهل وهو ~~عطف على يكون والمستكن راجع إلى ما رجع إليه المستكن في يكون. # { فمن اضطر } أي أصابته الضرورة الداعية إلى أكل الميتة بوجه ~~من الوجوه المضطرة { غير باغ } في ذلك على مضطر آخر مثله { ولا ~~عاد } قدر الضرورة { فإن ربك غفور رحيم } مبالغ في ~~المغفرة والرحمة لا يؤاخذه بذلك، وليس التقييد بالحال الأولى لبيان ~~أنه لو لم يوجد القيد لتحققت الحرمة المبحوث عنها بل للتحذير من حرام ~~آخر هو أخذه حق مضطر آخر فإن من أخذ لحم الميتة من يد مضطر آخر ~~فأكله فإن حرمته ms1108 ليست باعتبار كونه لحم الميتة بل باعتبار كونه حقا ~~للمضطر الآخر، وأما الحال الثانية فلتحقيق زوال الحرمة المبحوث ~~عنها قطعا، فإن التجاوز عن القدر الذي يسد به الرمق حرام من حيث ~~إنه لحم الميتة، وفي التعرض لوصفي المغفرة والرحمة إيذان بأن ~~المعصية باقية لكنه تعالى يغفر له ويرحمه، والآية محكمة لأنها تدل ~~على أنه صلى الله عليه وسلم لم يجد فيما أوحي إليه إلى تلك الغاية ~~غيره، ولا ينافيه ورود التحريم بعد ذلك في شيء آخر فلا يصح ~~الاستدلال بها على نسخ الكتاب بخبر الواحد ولا على حل الأشياء التي ~~هي غيرها إلا مع الاستصحاب. ### || [6.146] # { وعلى الذين هادوا } خاصة لا على من عداهم من الأولين ~~والآخرين { حرمنا كل ذى ظفر } أي كل ما له أصبع من ~~الإبل والسباع والطيور وقيل: كل ذي مخلب وحافر، وسمي الحافر ~~ظفرا مجازا والمسبب عن الظلم هو تعميم التحريم حيث كان بعض ~~ذوات الظفر حلالا لهم فلما ظلموا عم التحريم كلها وهذا تحقيق لما ~~سلف من حصر المحرمات فيما فصل بإبطال ما يخالفه من فرية اليهود ~~وتكذيبهم في ذلك فإنهم كانوا يقولون: لسنا أول من حرمت عليه وإنما ~~كانت محرمة على نوح وإبراهيم ومن بعدهما حتى انتهى الأمر إلينا. # { ومن البقر والغنم حرمنا عليهم شحومهما } ~~لا لحومهما فإنها باقية على الحل، والشحوم الثروب وشحوم الكلى ~~والإضافة لزيادة الربط { إلا ما حملت ظهورهما } استئناء ~~من الشحوم مخرج لما علق من الشحم بظهورهما عن حكم التحريم. # { أو الحوايا } عطف على ظهورهما أي ما حملته الحوايا وهي جمع ~~حاوية أو حاوياء كقاصعاء وقواصع أو حواية كسفينة وسفائن { أو ما ~~اختلط بعظم } عطف على ما حملت وهو شحم الألية واختلاطه ~~بالعظم اتصاله بعجب الذنب، وقيل: هو كل شحم متصل بالعظم من ~~الأضلاع وغيرها { ذلك } إشارة إلى الجزاء أو التحريم، فهو على الأول ~~نصب على أنه مصدر مؤكد لما بعده وعلى الثاني على أنه مفعول ثان له ~~أي ذلك التحريم { جزينهم ببغيهم } بسبب ظلمهم وهو قتلهم ~~الأنبياء بغير حق ms1109 وأكلهم الربا وقد نهوا عنه وأكلهم أموال الناس ~~بالباطل، كقوله تعالى: # فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبت ~~أحلت لهم # [النساء، الآية 160] وكانوا كلما أتوا بمعصية عوقبوا بتحريم شيء مما ~~أحل لهم وهم ينكرون ذلك ويدعون أنها لم تزل محرمة على الأمم، فرد ~~ذلك عليهم وأكد بقوله تعالى: { وإنا لصدقون } أي في جميع ~~أخبارنا التي من جملتها هذا الخبر، ولقد ألقمهم الحجر قوله تعالى: # كل الطعام كان حلا لبني إسرائيل إلا ما ~~حرم إسرائيل على نفسه من قبل أن تنزل ~~التوراة قل فأتوا بالتوراة فاتلوها إن كنتم ~~صادقين # [آل عمران، الآية 93] روي أنه صلى الله عليه وسلم لما قال لهم ذلك ~~بهتوا ولم يجسروا أن يخرجوا التوراة، كيف وقد بين فيها جميع ما ~~يحذرون أوضح بيان. ### || [6.147-149] # { فإن كذبوك } قيل: الضمير لليهود لأنهم أقرب ذكرا ولذكر ~~المشركين بعد ذلك بعنوان الإشراك، وقيل: للمشركين، فالمعنى على الأول إن ~~كذبتك اليهود في الحكم المذكور وأصروا على ما كانوا عليه من ادعاء ~~قدم التحريم { فقل } لهم { ربكم ذو رحمة وسعة } لا ~~يؤاخذكم بكل ما تأتونه من المعاصي ويمهلكم على بعضها { ولا يرد ~~بأسه } بالكلية { عن القوم المجرمين } فلا تنكروا ما وقع ~~منه تعالى من تحريم بعض الطيبات عليكم عقوبة وتشديدا، وعلى الثاني ~~فإن كذبك المشركون فيما فصل من أحكام التحليل والتحريم فقل لهم: ربكم ~~ذو رحمة واسعة لا يعاجلكم بالعقوبة على تكذيبكم فلا تغتروا بذلك فإنه ~~إمهال لا إهمال، وقيل: ذو رحمة للمطيعين وذو بأس شديد على المجرمين ~~فأقيم مقامه قوله تعالى: { ولا يرد بأسه } الخ، لتضمنه ~~التنبيه على إنزال البأس عليهم مع الدلالة على أنه لا حق بهم البتة ~~من غير صارف يصرفه عنهم أصلا. # { سيقول الذين أشركوا } حكاية لفن آخر من كفرهم، وإخباره ~~قبل وقوعه ثم وقوعه حسبما أخبر به كما يحكيه قوله تعالى عند وقوعه: # وقال الذين أشركوا لو شآء الله ما عبدنا من ~~دونه من شىء # [النمل، الآية 35] صريح في أنه من عند الله تعالى { لو شاء الله ~~ما ms1110 أشركنا } أي لو شاء خلاف ذلك مشيئة ارتضاء لما فعلنا الإشراك ~~نحن { ولا آباؤنا ولا حرمنا من شىء } أرادوا به أن ما ~~فعلوه حق مرضي عند الله تعالى لا الاعتذار من ارتكاب هذه القبائح ~~بإرادة الله تعالى إياها منهم حتى ينتهض ذمهم به دليلا للمعتزلة، ألا ~~يرى إلى قوله تعالى: { كذلك كذب الذين من قبلهم } أي ~~مثل ما كذبك هؤلاء في أنه تعالى منع من الشرك ولم يحرم ما حرموه ~~كذب متقدموهم الرسل فإنه صريح فيما قلنا، وعطف آباؤنا على الضمير ~~للفصل بلا { حتى ذاقوا بأسنا } الذي أنزلنا عليهم بتكذيبهم { ~~قل هل عندكم من علم } من أمر معلوم يصح الاحتجاج به على ~~ما زعمتم { فتخرجوه لنا } أي فتظهروه لنا { إن تتبعون ~~إلا الظن } أي ما تتبعون في ذلك إلا الظن الباطل الذي لا يغني ~~من الحق شيئا { وإن أنتم إلا تخرصون } تكذبون على الله ~~عز وجل وليس فيه دلالة على المنع من اتباع الظن على الإطلاق بل فيما ~~يعارضه قطعي. # { قل فلله الحجة البلغة } الفاء جواب شرط محذوف ~~أي وإذ قد ظهر أن لا حجة لكم فلله الحجة البالغة أي البينة الواضحة ~~التي بلغت غاية المتانة والثبات أو بلغ بها صاحبها صحة دعواه، ~~والمراد بها الكتاب والرسول والبيان، وهي من الحج بمعنى القصد ~~كأنها تقصد إثبات الحكم وتطلبه { فلو شاء } هدايتكم جميعا { ~~لهداكم أجمعين } بالتوفيق لها والحمل عليها ولكن لم يشأ ~~هداية الكل بل هداية البعض الصارفين هممهم إلى سلوك طريق الحق ~~وضلال آخرين صرفوا اختيارهم إلى خلاف ذلك من غير صارف يلويهم ولا ~~عاطف يثنيهم. ### || [6.150-151] # { قل هلم شهداءكم } أي أحضروهم وهو اسم فعل لا يتصرف ~~على لغة أهل الحجاز، وفعل يؤنث ويجمع على لغة بني تميم على رأي ~~الجمهور وقد خالفهم البعض في فعليته وليس بشيء، وأصله عند البصريين ~~هالم من لم إذا قصد حذفت الألف لتقدير السكون في اللام فإنه الأصل ~~وعند الكوفيين هل أم فحذفت الهمزة بإلقاء حركتها على اللام وهو ~~بعيد لأن هل تدخل على ms1111 الأمر ويكون متعديا كما في الآية ولازما كما في ~~قوله تعالى: { هلم إلينا } { الذين يشهدون أن ~~الله حرم هذا } وهم قدوتهم الذين ينصرون قولهم وإنما ~~أمروا باستحضارهم ليلزمهم الحجة ويظهر بانقطاعهم ضلالتهم وأنه لا ~~متمسك لهم كمن يقلدهم ولذلك قيد الشهداء بالإضافة ووصفوا بما يدل ~~على أنهم شهداء معروفون بالشهادة لهم وبنصرة مذهبهم { فإن شهدوا ~~} بعد ما حضروا بأن الله حرم هذا { فلا تشهد معهم } أي فلا ~~تصدقهم فإنه كذب بحت وافتراء صرف وبين لهم فساده فإن ~~تسليمه منهم موافقة لهم في الشهادة الباطلة { ولا تتبع أهواء ~~الذين كذبوا بآيتنا } من وضع المظهر مقام المضمر ~~للدلالة على أن من كذب بآيات الله تعالى وعدل به غيره فهو متبع لا ~~غير، وأن من اتبع الحجة لا يكون إلا مصدقا بها { والذين لا ~~يؤمنون بالآخرة } كعبدة الأوثان، عطف على الموصول الأول بطريق ~~عطف الصفة على الصفة مع اتحاد الموصوف كما في قوله: [المتقارب] # إلى الماجد القرم وابن الهمام # وليث الكتائب في المزدحم # فإن من يكذب بآياته تعالى لا يؤمن بالآخرة وبالعكس { وهم بربهم ~~يعدلون } أي يجعلون له عديلا، عطف على لا يؤمنون، والمعنى لا تتبع ~~أهواء الذين يجمعون بين تكذيب آيات الله وبين الكفر بالآخرة وبين ~~الإشراك به سبحانه. لكن لا على أن يكون مدار النهي الجمع المذكور بل ~~على أن أولئك جامعون لها متصفون بكلها. # { قل تعالوا } لما ظهر بطلان ما ادعوا من أن إشراكهم ~~وإشراك آبائهم وتحريم ما حرموه بأمر الله تعالى ومشيئته بظهور ~~عجزهم عن إخراج شيء يتمسك به في ذلك وإحضار شهداء يشهدون بما ~~ادعوا في أمر التحريم بعد ما كلفوه مرة بعد أخرى عجزا بينا أمر ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن يبين لهم من المحرمات ما يقتضي ~~الحال بيانه على الأسلوب الحكيم إيذانا بأن حقهم الاجتناب عن هذه ~~المحرمات، وأما الأطعمة المحرمة فقد بينت بقوله تعالى: # قل لا أجد # [الأنعام، الآية 145] الآية، وتعال أمر من التعالي والأصل فيه أن ~~يقوله من مكان عال لمن هو ms1112 في أسفل منه ثم اتسع فيه بالتعميم، كما أن ~~الغنيمة في الأصل إصابة الغنم من العدو ثم استعملت في إصابة كل ما ~~يصاب منهم اتساعا ثم في الفوز بكل مطلب من غير مشقة { اتل } جواب ~~الأمر وقوله تعالى: { ما حرم ربكم } منصوب به على أن (ما) ~~موصولة والعائد محذوف، أي اقرأ الذي حرمه ربكم أي الآيات ~~المشتملة عليه، أو مصدرية أي الآيات المشتملة على تحريمه أو بحرم على ~~أنها استفهامية، والجملة مفعول لأتل لأن التلاوة من باب القول، كأنه ~~قيل: أقل أي شيء حرم ربكم { عليكم } متعلق بحرم على كل حال، ~~وقيل: بأتل والأول أنسب بمقام الاعتناء بإيجاب الانتهاء عن المحرمات ~~المذكورة وهو السر في العرض لعنوان الربوبية مع الإضافة إلى ضميرهم، ~~فإن تذكير كونه تعالى ربا لهم ومالكا لأمرهم على الإطلاق من أقوى ~~الدواعي إلى انتهائهم عما نهاهم عنه أشد انتهاء وأن في قوله تعالى: { ~~أن لا تشركوا به } مفسرة لفعل التلاوة المعلق بما حرم، ~~و(لا) ناهية كما ينبىء عنه عطف ما بعده من الأوامر والنواهي عليه، وليس ~~من ضرورة كون المعطوف عليه تفسيرا لتلاوة المحرمات بحسب منطوقه كون ~~المعطوفات أيضا كذلك حتى يمتنع انتظام الأوامر في سلك العطف عليه بل ~~يكفي في ذلك كونها تفسيرا لها باعتبار لوازمها التي هي النواهي ~~المتعلقة بأضداد ما تعلقت هي به، فإن الأمر بالشيء مستلزم للنهي عن ~~ضده بل هو عينه عند البعض، كأن الأوامر ذكرت وقصد لوازمها، فإن عطف ~~الأوامر على النواهي الواقعة بعد أن المفسر لتلاوة المحرمات مع ~~القطع بأن المأمور به لا يكون محرما دليل واضح على أن التحريم ~~راجع إلى الأضداد على الوجه المذكور فكأنه قيل: أتل ما حرم ربكم أن لا ~~تشركوا ولا تسيئوا إلى الوالدين خلا أنه قد أخرج مخرج الأمر ~~بالإحسان إليهما بين النهيين المكتنفين له للمبالغة في إيجاب مراعاة ~~حقوقهما فإن مجرد ترك الإساءة إليهما غير كاف في قضاء حقوقهما، ~~ولذلك عقب به النهي عن الإشراك الذي هو أعظم المحرمات وأكبر ~~الكبائر ههنا في ms1113 سائر المواقع، وقيل: (أن) ناصبة ومحلها النصب ~~بعليكم على أنه للإغراء، وقيل: النصب على البدلية مما حرم وقيل: من ~~عائدها المحذوف على أن لا زائدة، وقيل: الجر بتقدير اللام وقيل: الرفع ~~بتقدير المتلو أن لا تشركوا، أو المحرم أن لا تشركوا بزيادة لا ~~وقيل: والذي عليه التعويل هو الأول لأمور من جملتها أن في إخراج ~~المفسر على صورة النهي مبالغة في بيان التحريم وقوله تعالى: { ~~شيئا } نصب على المصدرية أو المفعولية أي لا تشركوا به شيئا من ~~الإشراك أو شيئا من الأشياء { وبالولدين } أي وأحسنوا بهما { ~~إحسنا } وقد مر تحقيقه { ولا تقتلوا أولادكم } ~~تكليف متعلق بحقوق الأولاد عقب به التكليف المتعلق بحقوق الوالدين ~~أي لا تقتلوهم بالوأد { من إملق } أي من أجل فقر كما في قوله ~~تعالى: # خشية إملق # [الإسراء، الآية 31] وقيل: هذا في الفقر الناجز وذا في المتوقع وقوله ~~تعالى: { نحن نرزقكم وإياهم } استئناف مسوق لتعليل ~~النهي وإبطال سببية ما اتخذوه سببا لمباشرة المنهي عنه وضمان منه ~~تعالى لأرزاقهم أي نحن نرزق الفريقين لا أنتم فلا تخافوا الفقر بناء ~~على عجزكم عن تحصيل الرزق وقوله تعالى: { ولا تقربوا الفوحش ~~} كقوله تعالى: # ولا تقربوا الزنى إنه كان فاحشة # [الإسراء، الآية 32]، إلا أنه جيء ههنا بصيغة الجمع قصدا إلى النهي ~~عن أنواعها ولذلك أبدل عنها قوله تعالى: { ما ظهر منها وما ~~بطن } أي ما يفعل منها علانية في الحوانيت كما هو دأب أراذلهم وما ~~يفعل سرا باتخاذ الأخدان كما هو عادة أشرافهم. وتعليق النهي ~~بقربانها إما للمبالغة في الزجر عنها لقوة الدواعي إليها وإما لأن ~~قربانها داع إلى مباشرتها، وتوسيط النهي عنها بين النهي عن قتل ~~الأولاد والنهي عن القتل مطلقا كما وقع في سورة بني إسرائيل باعتبار ~~أنها مع كونها في نفسها جناية عظيمة في حكم قتل الأولاد فإن أولاد ~~الزنا في حكم الأموات وقد # " قال صلى الله عليه وسلم في حق العزل: " إن ذاك وأد خفي " # ومن ههنا تبين أن حمل الفواحش على الكبائر مطلقا وتفسير ما ظهر ~~منها ms1114 وما بطن بما فسر به ظاهر الإثم وباطنه فيما سلف من قبيل ~~الفصل بين الشجر ولحائه. # { ولا تقتلوا النفس التى حرم الله } أي حرم قتلها ~~بأن عصمها بالإسلام أو بالعهد فيخرج منها الحربي وقوله تعالى: { ~~إلا بالحق } استثناء مفرغ من أعم الأحوال أي لا تقتلوها في ~~حال من الأحوال إلا حال ملابستكم بالحق الذي هو أمر الشرع بقتلها، ~~وذلك بالكفر بعد الإيمان، والزنا بعد الإحصان، وقتل النفس المعصومة، ~~أو من أعم الأسباب أي لا تقتلوها بسبب من الأسباب إلا بسبب الحق وهو ~~ما ذكر، أو من أعم المصادر أي لا تقتلوها قتلا ما إلا قتلا كائنا ~~بالحق وهو القتل بأحد الأمور المذكورة { ذلكم } إشارة إلى ما ذكر ~~من التكاليف الخمسة، وما في ذلك من معنى البعد للإيذان بعلو طبقاتها ~~بين التكاليف الشرعية، وهو مبتدأ وقوله تعالى: { وصكم به } أي ~~أمركم به ربكم أمرا مؤكدا خبره، والجملة استئناف جيء به تجديدا ~~للعهد وتأكيدا لإيجاب المحافظة على ما كلفوه ولما كانت الأمور ~~المنهي عنها مما تقضي بديهة العقول بقبحها فصلت الآية الكريمة ~~بقوله تعالى: { لعلكم تعقلون } أي تستعملون عقولكم التي ~~تعقل نفوسكم وتحبسها عن مباشرة القبائح المذكورة. ### || [6.152] # { ولا تقربوا مال اليتيم } توجيه النهي إلى قربانه من ~~المبالغة في النهي عن أكله ولإخراج القربان النافع عن حكم النهي بطرق ~~الاستثناء، أي لا تتعرضوا له بوجه من الوجوه { إلا بالتى هى ~~أحسن } إلا بالخصلة التي هي أحسن ما يكون من الحفظ والتثمير ونحو ~~ذلك، والخطاب للأولياء والأوصياء لقوله تعالى: { حتى يبلغ ~~أشده } فإنه غاية لما يفهم من الاستثناء لا للنهي كأنه قيل: ~~احفظوه حتى يصير بالغا رشيدا فحينئذ سلموه إليه كما في قوله تعالى: # فإن آنستم منهم رشدا فادفعوا إليهم ~~أموالهم # [النساء، الآية 6] والأشد جمع شدة كنعمة وأنعم أو شد ككلب وأكلب ~~أو شد كصر وآصر وقيل: هو مفرد كآنك { وأوفوا الكيل ~~والميزان بالقسط } أي بالعدل والتسوية { لا نكلف نفسا ~~إلا وسعها } إلا ما يسعها ولا يعسر عليها، وهو اعتراض جيء به ~~عقيب ms1115 الأمر بالأمر للإيذان بأن مراعاة العدل كما هو عسير كأنه قيل: ~~عليكم بما في وسعكم وما وراءه معفو عنكم { وإذا قلتم } قولا في ~~حكومة أو شهادة أو نحوهما { فاعدلوا } فيه { ولو كان } أي ~~المقول له أو عليه { ذا قربى } أي ذا قرابة منكم ولا تميلوا نحوهم ~~أصلا وقد مر تحقيق معنى لو في مثل هذا الموضع مرارا { وبعهد ~~الله أوفوا } أي ما عهد إليكم من الأمور المعدودة، أو أي عهد ~~كان فيدخل فيه ما ذكر دخولا أوليا أو ما عاهدتم الله عليه من الإيمان ~~والنذور، وتقديمه للاعتناء بشأنه { ذلكم } إشارة إلى ما فصل من ~~التكاليف، ومعنى البعد لما ذكر فيما قبل { وصكم به } أمركم به ~~أمرا مؤكدا { لعلكم تذكرون } تتذكرون ما في تضاعيفه ~~وتعملون بمقتضاه، وقرىء بتشديد الذال وهذه أحكام عشرة لا تختلف ~~باختلاف الأمم والأعصار. # عن ابن عباس رضي الله عنهما (هذه آيات محكمات لم ينسخهن شيء من جميع ~~الكتب وهن محرمات على بني آدم كلهم وهن أم الكتاب، من عمل بهن ~~دخل الجنة ومن تركهن دخل النار). وعن كعب الأحبار والذي نفس كعب ~~بيده إن هذه الآيات لأول شيء في التوراة بسم الله الرحمن الرحيم قل: ~~تعالوا الآيات... ### || [6.153-154] # { وأن هذا صرطي } إشارة إلى ما ذكر في الآيتين من الأمر ~~والنهي، قاله مقاتل وقيل: إلى ما ذكر في السورة فإنها بأسرها في إثبات ~~التوحيد والنبوة وبيان الشريعة، وقرىء صراطي بفتح الياء، ومعنى ~~إضافته إلى ضميره عليه الصلاة والسلام انتسابه إليه عليه الصلاة ~~والسلام من حيث السلوك لا من حيث الوضع كما في صراط الله، والمراد ~~بيان أن ما فصل من الأوامر والنواهي غير مختصة بالمتلو عليهم بل ~~متعلقة به عليه الصلاة والسلام أيضا وأنه صلى الله عليه وسلم مستمر ~~على العمل بها ومراعاتها وقوله تعالى: { مستقيما } حال مؤكدة، ~~ومحل أن مع ما في حيزها الجر بحذف لام العلة أي ولأن هذا صراطي أي ~~مسلكي مستقيما { فاتبعوه } كقوله تعالى: # وأن المسجد لله فلا تدعوا مع الله أحدا # [الجن، الآية ms1116 18] وتعليل إتباعه بكونه صراطه عليه الصلاة والسلام لا ~~بكونه صراط الله تعالى مع أنه في نفسه كذلك من حيث سلوكه صلى الله ~~عليه وسلم فيه داع للخلق إلى الاتباع إذ بذلك يتضح عندهم كونه صراط ~~الله عز وجل، وقرىء بكسر الهمزة على الاستئناف، وقرىء أن هذا مخففة من ~~أن، على أن اسمها الذي هو ضمير الشأن محذوف وقرىء صراطي وقرىء هذا ~~صراطي وقرىء وهذا صراط ربكم وهذا صراط ربك { ولا تتبعوا ~~السبل } الأديان المختلفة أو طرق البدع والضلالات { فتفرق ~~بكم } بحذف إحدى التاءين، والباء للتعدية أي فتفرقكم حسب ~~تفرقها أيادي سبا فهو كما ترى أبلغ من تفرقكم كما قيل من أن ذهب ~~به لما فيه من الدلالة على الاستصحاب أبلغ من أذهبه { عن سبيله ~~} أي سبيل الله الذي لا عوج فيه ولا حرج، وهو دين الإسلام الذي ذكر ~~بعض أحكامه وقيل: هو اتباع الوحي واقتفاء البرهان، وفيه تنبيه على ~~أن صراطه عليه الصلاة والسلام عين سبيل الله تعالى { ذلكم } ~~إشارة إلى ما مر من اتباع سبيله تعالى وترك اتباع سائر السبل { ~~وصكم به لعلكم تتقون } اتباع سبل الكفر والضلالة. # { ثم ءاتينا موسى الكتب } كلام مسوق من جهته تعالى ~~تقريرا للوصية وتحقيقا لها وتمهيدا لما يعقبه من ذكر القرآن المجيد ~~كما ينبىء عنه تغيير الأسلوب بالالتفات إلى التكلم معطوف على مقدر ~~يقتضيه المقام ويستدعيه النظام كأنه قيل بعد قوله تعالى: # ذلكم وصكم به # [الأنعام، الآية 151 و152 و153] بطريق الاستئناف تصديقا له وتقريرا ~~لمضمونه: فعلنا ذلك ثم آتينا الخ، كما أن قوله تعالى: # ونطبع على قلوبهم # [الأعراف، الآية 100] معطوف على ما يدل عليه معنى # أو لم يهد # [الأعراف، الآية 100] الخ، كأنه قيل: يغفلون عن الهداية ونطبع الخ، ~~وأما عطفه على ذلكم وصاكم به ونظمه معه في سلك الكلام الملقن كما ~~أجمع عليه الجمهور فمما لا يليق بجزالة النظم الكريم فتدبر. # و(ثم) للتراخي في الإخبار كما في قولك: بلغني ما صنعت اليوم ثم ما ~~صنعت أمس أعجب، أو للتفاوت في الرتبة كأنه ms1117 قيل: ذلكم وصاكم به قديما ~~وحديثا ثم أعظم من ذلك أنا آتينا موسى التوراة فإن إيتاءها مشتملة ~~على الوصية المذكورة وغيرها أعظم من التوصية بها فقط { تماما } ~~للكرامة والنعمة أي إتماما لهما على أنه مصدر من أتم بحذف الزوائد { ~~على الذى أحسن } أي على من أحسن القيام به كائنا من كان، ~~ويؤيده أنه قرىء { على الذين أحسنوا } وتماما على المحسنين أو على الذي ~~أحسن تبليغه وهو موسى عليه السلام أو تماما على ما أحسنه موسى عليه ~~السلام أي أجاده من العلم والشرائع أي زيادة على علمه على وجه التتميم، ~~وقرىء بالرفع على أنه خبر مبتدإ محذوف أي على الذي هو أحسن دين ~~وأرضاه أو آتينا موسى الكتاب تماما أي تاما كاملا على أحسن ما يكون ~~عليه الكتب { وتفصيلا لكل شىء } وبيانا مفصلا لكل ما ~~يحتاج إليه في الدين وهو عطف على تماما ونصبهما إما على العلية أو ~~على المصدرية كما أشير إليه أو على الحالية وكذا قوله تعالى: { وهدى ~~ورحمة } وضمير { لعلهم } لبني إسرائيل المدلول عليهم بذكر ~~موسى وإيتاء الكتاب والباء في قوله تعالى: { بلقاء ربهم } ~~متعلقة بقوله تعالى: { يؤمنون } قدمت عليه محافظة على الفواصل قال ~~ابن عباس رضي الله عنهما: كي يؤمنوا بالبعث ويصدقوا بالثواب والعذاب. ### || [6.155-156] # { وهذا } أي الذي تليت عليكم أوامره ونواهيه أي القرآن { كتاب ~~} عظيم الشأن لا يقادر قدره وقوله تعالى: { أنزلنه مبارك ~~} أي كثير المنافع دينا ودنيا، صفتان لكتاب، وتقديم وصف الإنزال مع ~~كونه غير صريح لأن الكلام مع منكريه، أو خبران آخران لاسم الإشارة أي ~~أنزلناه مشتملا على فنون الفوائد الدينية والدنيوية التي فصلت عليكم ~~طائفة منها، والفاء في قوله تعالى: { فاتبعوه } لترتيب ما بعدها ~~على ما قبلها فإن عظم شأن الكتاب في نفسه وكونه منزلا من جنابه عز ~~وجل مستتبعا للمنافع الدينية والدنيوية موجب لاتباعه أي إيجاب { ~~واتقوا } مخالفته { لعلكم ترحمون } بواسطة اتباعه ~~والعمل بموجبه { أن تقولوا } علة لأنزلناه المدلول عليه بالمذكور ~~لا لنفسه، للزوم الفصل حينئذ بين العامل والمعمول بأجنبي هو مبارك ms1118 ~~وصفا كان أو خبرا أي أنزلناه كذلك كراهة أن تقولوا يوم القيامة لو لم ~~تنزله { إنما أنزل الكتب } الناطق بتلك الأحكام العامة ~~لكل الأمم { على طائفتين } كائنتين { من قبلنا } وهما ~~اليهود والنصارى، وتخصيص الإنزال بكتابيهما لأنهما الذي اشتهر حينئذ ~~فيما بين الكتب السماوية بالاشتمال على الأحكام لا سيما الأحكام ~~المذكورة { وإن كنا } إن هي المخففة من إن واللام فارقة بينها ~~وبين النافية وضمير الشأن محذوف ومرادهم بذلك دفع ما يرد عليهم من ~~أن نزوله عليهما لا ينافي عموم أحكامه فلم لم تعملوا بأحكامه ~~العامة؟ أي وإنه كنا { عن دراستهم لغفلين } لا ندري ما في ~~كتابهم إذ لم يكن على لغتنا حتى نتلقى منه تلك الأحكام العامة ونحافظ ~~عليها وإن لم يكن منزلا علينا، وبهذا تبين أن معذرتهم هذه مع أنهم ~~غير مأمورين بما في الكتابين لاشتمالهما على الأحكام المذكورة ~~المتناولة لكافة الأمم كما أن قطع تلك المعذرة بإنزال القرآن ~~لاشتماله أيضا عليها لا على سائر الشرائع والأحكام فقط. ### || [6.157] # { أو تقولوا } عطف على تقولوا وقرىء كلاهما بالياء على الالتفات ~~من خطاب { فاتبعوه واتقوا } { لو أنا أنزل علينا ~~الكتب } كما أنزل عليهم { لكنا أهدى منهم } إلى الحق ~~الذي هو المقصد الأقصى أو إلى ما في تضاعيفه من جلائل الأحكام والشرائع ~~ودقائقها لحدة أذهاننا وثقابة أفهامنا ولذلك تلقفنا من فنون العلم ~~ كالقصص والأخبار والخطب والأشعار ونحو ذلك طرفا صالحا ونحن ~~أميون، وقوله تعالى: { فقد جاءكم } متعلق بمحذوف ينبىء عنه ~~الفاء الفصيحة إما معلل به أي لا تعتذروا بذلك فقد جاءكم الخ، وإما ~~شرط له أي إن صدقتم فيما كنتم تعدون من أنفسكم من كونكم أهدى من ~~الطائفتين على تقدير نزول الكتاب عليكم فقد حصل ما فرضتم وجاءكم { ~~بينة } أي حجة واضحة لا يكتنه كنهها وقوله تعالى: { من ~~ربكم } متعلق بجاءكم أو بمحذوف هو صفة لبينة أي بينة كائنة منه ~~تعالى وأيا ما كان ففيه دلالة على فضلها الإضافي كما أن في تنوينها ~~التفخيمي دلالة على فضلها الذاتي وفي التعرض لوصف الربوبية مع ms1119 ~~الإضافة إلى ضميرهم مزيد تأكيد لإيجاب الاتباع { وهدى ورحمة } ~~عطف على بينة وتنوينهما أيضا تفخيمي عبر عن القرآن بالبينة ~~إيذانا بكمال تمكنهم من دراسته، ثم بالهدى والرحمة تنبيها على أنه ~~مشتمل على ما اشتمل عليه التوراة من هداية الناس ورحمتهم بل هو عين ~~الهداية والرحمة. # { فمن أظلم } الفاء لترتيب ما بعدها على ما قبلها فإن مجيء ~~القرآن المشتمل على الهدى والرحمة موجب لغاية أظلمية من يكذبه، أي ~~وإذا كان الأمر كذلك فمن أظلم { ممن كذب بآيت الله } ~~وضع الموصول موضع ضميرهم بطريق الالتفات تنصيصا على اتصافهم بما في ~~حيز الصلة وإشعارا بعلة الحكم وإسقاطا لهم عن رتبة الخطاب، وعبر ~~عما جاءهم بآيات الله تهويلا للأمر وتنبيها على أن تكذيب أي آية ~~كانت من آيات الله تعالى كاف في الأظلمية فما ظنك بتكذيب القرآن ~~المنطوي على الكل، والمعنى إنكار أن يكون أحد أظلم ممن فعل ذلك أو ~~مساويا له وإن لم يكن سبك التركيب متعرضا لإنكار المساواة ونفيها، ~~فإذا قيل: من أكرم من فلان أو لا أفضل منه فالمراد به حتما بحكم ~~العرف الفاشي والاستعمال المطرد أنه أكرم من كل كريم وأفضل من كل فاضل، ~~وقد مر مرارا { وصدف عنها } أي صرف الناس عنها فجمع بين ~~الضلال والإضلال { سنجزى الذين يصدفون } الناس { عن ~~آيتنا } وعيد لهم ببيان جزاء إضلالهم بحيث يفهم منه جزاء ~~ضلالهم أيضا، ووضع الموصول المضمر لتحقيق مناط الجزاء { سوء ~~العذاب } أي العذاب السيء الشديد النكاية { بما كانوا ~~يصدفون } أي بسبب ما كانوا يفعلون من الصدف والصرف على التجدد ~~والاستمرار، وهذا تصريح بما أشعر به إجراء الحكم على الموصول من ~~علية ما في حيز الصلة له. ### || [6.158] # { هل ينظرون } استئناف مسوق لبيان أنه لا يتأتى منهم الإيمان ~~بإنزال ما ذكر من البينات والهدى وأنهم لا يرعوون عن التمادي في ~~المكابرة واقتراح ما ينافي الحكمة التشريعية من الآيات الملجئة وأن ~~الإيمان عند إتيانها مما لا فائدة له أصلا مبالغة في التبليغ ~~والإنذار وإزاحة العلل والأعذار، أي ما ينتظرون { إلا أن ms1120 تأتيهم ~~الملئكة أو يأتى ربك } حسبما اقترحوا بقولهم: # لولا أنزل علينا الملئكة أو نرى ربنا # [الفرقان، الآية 21] وبقولهم: # أو تأتى بالله والملئكة قبيلا # [الإسراء، الآية 92] وبقولهم: # لولا أنزل عليه ملك # [الأنعام، الآية 8] ونحو ذلك أو إلا أن تأتيهم ملائكة العذاب أو يأتي ~~أمر ربك بالعذاب، والانتظار محمول على التمثيل كما سيجيء وقرىء ~~يأتيهم بالياء لأن تأنيث الملائكة غير حقيقي. # { أو يأتي بعض آيات ربك } أي غير ما ذكر كما اقترحوا بقولهم: # أو تسقط السماء كما زعمت علينا كسفا # [الإسراء، الآية 92] ونحو ذلك من عظائم الآيات التي علقوا بها ~~إيمانهم، والتعبير عنها بالبعض للتهويل والتفخيم، كما أن إضافة ~~الآيات في الموضعين إلى اسم الرب المنبىء عن المالكية الكلية لذلك. ~~وإضافته إلى ضميره عليه الصلاة والسلام للتشريف، وقيل: المراد ~~بالملائكة ملائكة الموت وبإتيانه سبحانه وتعالى إتيان كل آياته بمعنى ~~آيات القيامة والهلاك الكلي بقرينة ما بعده من إتيان بعض آياته ~~تعالى على أن المراد به أشراط الساعة التي هي (الدخان ودابة الأرض ~~وخسف بالمشرق وخسف بالمغرب وخسف بجزيرة العرب والدجال وطلوع الشمس ~~من مغربها ويأجوج ومأجوج ونزول عيسى عليه السلام ونار تخرج من ~~عدن) كما نطق به الحديث الشريف المشهور وحيث لم يكن إتيان هذه ~~الأمور مما ينتظرونه كإتيان ما اقترحوه من الآيات فإن تعليق إيمانهم ~~بإتيانها انتظار منهم له ظاهرا، حمل الانتظار على التمثيل المبني على ~~تشبيه حالهم في الإصرار على الكفر والتمادي في العناد إلى أن تأتيهم ~~تلك الأمور الهائلة التي لا بد لهم من الإيمان عند مشاهدتها البتة ~~بحال المنتظرين لها. وأنت خبير بأن النظم الكريم بسباقه المنبىء عن ~~تماديهم في تكذيب آيات الله تعالى وعدم الاعتداد بها وسياقه الناطق ~~بعدم نفع الإيمان عند إتيان ما ينتظرونه يستدعي أن يحمل ذلك على أمور ~~هائلة مخصوصة بهم إما بأن تكون عبارة عما اقترحوه أو عن عقوبات ~~مترتبة على جناياتهم كإتيان ملائكة العذاب وإتيان أمره تعالى بالعذاب ~~وهو الأنسب لما سيأتي من قوله تعالى: { قل انتظروا إنا ~~منتظرون } [الأنعام، الآية 158]. # وإما ms1121 حمله على ما ذكر من إتيان ملائكة الموت وإتيان كل آيات ~~القيامة وظهور أشراط الساعة مع شمول إتيانها لكل بر وفاجر، واشتمال ~~غائلتها على كل مؤمن وكافر فمما لا يساعده المقام على أن بعض أشراط ~~الساعة ليس مما ينسد به باب الإيمان والطاعة، نعم يجوز حمل بعض ~~الآيات في قوله عز وجل: { يوم يأتى بعض ءايت ربك } على ~~ما يعم مقترحاتهم وغيرها من الدواعي العظام السالبة للاختيار الذي ~~عليه يدور فلك التكليف فإنه بمنزلة الكبرى من الشكل الأول فيتم ~~التقريب عند وقوعها بدخول ما ينتظرونه في ذلك دخولا أوليا، ويوم ~~منصوب بقوله تعالى: { لا ينفع } فإن امتناع عمل ما بعد (لا) فيما ~~قبلها عند وقوعها جواب القسم، وقرىء يوم بالرفع على الابتداء والخبر ~~هو الجملة والعائد محذوف أي لا تنفع فيه { نفسا } من النفوس { ~~إيمانها } حينئذ لانكشاف الحال وكون الأمر عيانا، ومدار قبول ~~الإيمان أن يكون بالغيب كقوله تعالى: # فلم يك ينفعهم إيمنهم لما رأوا بأسنا # [غافر، الآية 85] وقرىء لا تنفع بالتاء الفوقانية لاكتساب الإيمان من ~~ملابسة المضاف إليه تأنيثا وقوله تعالى: { لم تكن ءامنت من ~~قبل } أي من قبل إتيان بعض الآيات، صفة لنفسا فصل بينهما ~~بالفاعل لاشتماله على ضمير الموصوف ولا ضير فيه لأنه غير أجنبي منه ~~لاشتراكهما في العامل. # { أو كسبت في إيمنها خيرا } عطف على آمنت بإيراد ~~الترديد على النفي المفيد لكفاية أحد النفيين في عدم النفع، والمعنى ~~أنه لا ينفع الإيمان حينئذ نفسا لم يقدم إيمانها أو قدمته ولم ~~تكسب فيه خيرا، ومن ضرورته اشتراط النفع بتحقق الأمرين، أي الإيمان ~~المقدم والخير المكسوب فيه معا، بمعنى أن النافع هو تحققهما ~~والإيمان المؤخر لغو وتحصيل للحاصل لا أنه هو النافع وتحققهما شرط ~~في نفعه كما لو كان المقدم غير المؤخر بالذات، فإن قولك: لا ينفع ~~الصوم والصدقة من لم يؤمن قبلهما معناه أنهما ينفعانه عند ~~وقوعهما بعد الإيمان وقد استدل به أهل الاعتزال على عدم اعتبار ~~الإيمان المجرد عن الأعمال وليس بناهض ضرورة صحة حمله على ms1122 نفي ~~الترديد المستلزم لعمومه المفيد بمنطوقه لاشتراط عدم النفع بعدم ~~الأمرين معا وبمفهومه لاشتراط النفع بتحقق أحدهما بطريق منع الخلو ~~دون الانفصال الحقيقي، فالمعنى أنه لا ينفع الإيمان حينئذ نفسا لم ~~يصدر عنها من قبل أحد الأمرين، أما الإيمان المجرد أو الخير ~~المكسوب فيه فيتحقق النفع بأيهما كان حسبما تنطق به النصوص الكريمة ~~من الآيات والأحاديث وما قيل من أن عدم الإيمان السابق مستلزم لعدم ~~كسب الخير فيه بالضرورة فيكون ذكره تكرارا بلا فائدة على أن الموجب ~~للخلود في النار هو العدم الأول من غير أن يكون للثاني دخل ما في ذلك ~~قطعا فيكون ذكره بصدد بيان ما يوجب الخلود لغوا من الكلام - لغو من ~~الكلام - مبني على توهم أن المقصود بوصف النفس بالعدمين المذكورين ~~مجرد بيان إيجابهما للخلود فيها وعدم نفع الإيمان الحادث في ~~إنجائها عنه وليس كذلك، وإلا لكفى في البيان أن يقال: لا ينفع نفسا ~~إيمانها الحادث، بل المقصد الأصلي من وصفها بذينك العدمين في أثناء ~~بيان عدم نفع الإيمان الحادث تحقيق أن موجب النفع إحدى ملكتيهما، ~~أعني الإيمان السابق والخير المكسوب فيه بما ذكر من الطريقة ~~والترغيب في تحصيلهما في ضمن التحذير من تركهما، ولا سبيل إلى أن ~~يقال كما أن عدم الأول مستقل في إيجاب الخلود في النار فليغلو ذكر ~~عدم الثاني، كذلك وجوده مستقل في إيجاب الخلاص عنها فيكون ذكر الثاني ~~لغوا لما أنه قياس مع الفارق كيف لا والخلود فيها أمر لا يتصور فيه ~~تعدد العلل، وأما الخلاص عنها مع دخول الجنة فله مراتب بعضها ~~مترتب على نفس الإيمان وبعضها على فروعه المتفاوتة كما وكيفا، وإنما ~~لم يقتصر على بيان ما يوجب أصل النفع وهو المقابل لما لا يوجبه ~~أصلا أعني الإيمان الحادث - بل قرن به ما يوجب النفع الزائد ~~أيضا، إرشادا إلى تحري الأعلى وتنبيها على كفاية الأدنى وإقناطا ~~للكفرة عما علقوا به أطماعهم الفارغة من أعمال البر التي عملوها في ~~الكفر من صلة الأرحام وإعتاق الرقاب وفك العناة وإغاثة الملهوفين ~~وقرى ms1123 الأضياف وغير ذلك مما هو من باب المكارم ببيان أن كل ذلك لغو ~~بحت لابتنائه على غير أساس حسبما نطق به قوله تعالى: # والذين كفروا أعملهم كرماد اشتدت به ~~الريح # [إبراهيم، الآية 18]، ونحو ذلك من النصوص الكريمة، وأن الإيمان ~~الحادث كما لا ينفعهم وحده لا ينفعهم بانضمام أعمالهم السابقة ~~واللاحقة، ولك أن تقول: المقصود بوصف النفس بما ذكر من العدمين ~~التعريض بحال الكفرة في تمردهم وتفريطهم في كل واحد من الأمرين ~~الواجبين عليهم وإن كان وجوب أحدهما منوطا بالآخر كما في قوله عز ~~وجل: # فلا صدق ولا صلى # [القيامة، الآية 31] تسجيلا بكمال طغيانهم وإيذانا بتضاعف عقابهم ~~لما تقرر من أن الكفار مخاطبون بفروع الشرائع في حق المؤاخذة كما ~~ينبىء عنه قوله تعالى: # وويل للمشركين الذين لا يؤتون الزكوة # [فصلت، الآية 6 و7] إذا تحققت هذا وقفت على أن الآية الكريمة أحق ~~بأن تكون حجة على المعتزلة من أن تكون حجة لهم هذا وقد قيل: إنها من ~~باب اللف التقديري، أي لا ينفع نفسا إيمانها ولا كسبها في الإيمان ~~لم تكن آمنت من قبل أو كسبت فيه، وليس بواضح فإن مبنى اللف التقديري ~~أن يكون المقدر من متممات الكلام ومقتضيات المقام قد ترك ذكره ~~تعويلا على دلالة الملفوظ عليه واقتضائه إياه كما مر في تفسير قوله ~~عز وجل: # ومن يستنكف عن عبادته ويستكبر فسيحشرهم ~~إليه جميعا # [النساء، الآية 172] فإنه قد طوي في المفصل ذكر حشر المؤمنين ثقة ~~بإنباء التفصيل عنه أعني قوله تعالى: # فأما الذين ءامنوا # [البقرة، الآية 26 و137. وسورة النساء، الآية 173 و175. # وسورة الجاثية، الآية 30] ، ولا ريب في أن ما قدر ههنا ليس مما ~~يستدعيه قوله تعالى: { أو كسبت فى إيمنها خيرا } ~~[الأنعام، الآية 158] ولا هو من مقتضيات المقام لأنه ليس مما وعدوه ~~وعلقوه بإتيان ما ذكر من الآيات كالإيمان حتى يرد عليهم ببيان عدم ~~نفعه إذ ذاك، على أن ذلك مشعر بأن لهم بعد ما أصابهم من الدواهي ما ~~أصابهم بقاء على السلامة وزمانا يتأتى منهم الكسب ms1124 والعمل فيه، وفيه ~~من الإخلال بمقام تهويل الخطب وتفظيع الحال ما لا يخفي. # وقد أجيب عن الاستدلال بوجوه أخر قصارى أمرها إسقاط الآية ~~الكريمة عن رتبة المعارضة للنصوص القطعية المتون القوية الدلالة ~~على ما ذكر من كفاية الإيمان المجرد عن العمل في الإنجاء من العذاب ~~الخالد ولو بعد اللتيا والتي لما تقرر من أن الظني بمعزل من معارضة ~~القطعي. # { قل } لهم بعد بيان حقيقة الحال على وجه التهديد { انتظروا } ~~ما تنتظرونه من إتيان أحد الأمور الثلاثة لتروا أي شيء تنتظرون { ~~إنا منتظرون } لذلك لنشاهد ما يحل بكم من سوء العاقبة، وفيه ~~تأييد لكون المراد بما ينتظرونه إتيان ملائكة العذاب أو إتيان ~~أمره تعالى بالعذاب كما أشير إليه، وعدة ضمنية لرسول الله صلى الله ~~عليه وسلم والمؤمنين بمعاينتهم لما يحيق بالكفرة من العقاب، ولعل ذلك هو ~~الذي شاهدوه يوم بدر والله سبحانه أعلم. ### || [6.159] # { إن الذين فرقوا دينهم } استئناف لبيان أحوال أهل ~~الكتابين إثر بيان حال المشركين أي بددوه وبعضوه فتمسك بكل بعض ~~منه فرقة منهم، وقرىء فارقوا أي باينوا، فإن ترك بعضه وإن كان بأخذ ~~بعض آخر منه ترك للكل ومفارقة له { وكانوا شيعا } أي فرقا ~~تشيع كل فرقة إماما لها قال عليه الصلاة والسلام: # " افترقت اليهود والنصارى على إحدى وسبعين فرقة كلهم في الهاوية إلا ~~واحدة " # واستثناء الواحدة من فرق كل من أهل الكتابين إنما هو بالنظر إلى ~~العصر الماضي قبل النسخ وأما بعده فالكل في الهاوية وإن اختلفت أسباب ~~دخولهم فمعنى قوله تعالى: { لست منهم فى شىء } لست من البحث ~~عن تفرقهم والتعرض لمن يناصرك منهم بالمناقشة والمؤاخذة، وقيل: من ~~قتالهم في شيء سوى تبليغ الرسالة وإظهار شعائر الدين الحق الذي ~~أمرت بالدعوة إليه فيكون منسوخا بآية السيف، وقوله تعالى: { إنما ~~أمرهم إلى الله } تعليل للنفي المذكور أي هو يتولى وحده أمر ~~أولاهم وأخراهم ويدبره كيف يشاء حسبما تقتضيه الحكمة يؤاخذهم في الدنيا ~~التي شاء ويأمر بقتالهم إذا أراد وقيل: المفرقون أهل البدع والأهواء ~~الزائغة من هذه الأمة ms1125 ويرده أنه عليه الصلاة والسلام مأمور بمؤاخذتهم ~~والاعتذار بأن معنى لست منهم في شيء حينئذ أنت بريء منهم ومن مذهبهم وهم ~~برآء منك يأباه التعليل المذكور { ثم ينبئهم } أي يوم القيامة { ~~بما كانوا يفعلون } عبر عن إظهاره بالتنبئة لما بينهما من ~~الملابسة في أنهما سببان للعلم تنبيها على أنهم كانوا جاهلين بحال ما ~~ارتكبوه غافلين عن سوء عاقبته أي يظهر لهم على رؤوس الأشهاد ويعلمهم أي ~~شيء شنيع كانوا يفعلونه في الدنيا على الاستمرار ويرتب عليه ما يليق به ~~من الجزاء. ### || [6.160-161] # وقوله تعالى: { من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها } ~~استئناف مبين لمقادير أجزية العاملين وقد صدر ببيان أجزية المحسنين ~~المدلول عليهم بذكر أضدادهم. قال عطاء عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهم: ~~(يريد من عمل من المصدقين حسنة كتبت له عشر حسنات) أي من جاء يوم القيامة ~~بالأعمال الحسنة من المؤمنين إذ لا حسنة بغير إيمان فله عشر حسنات ~~أمثالها تفضلا من الله عز وجل وقرىء عشر بالتنوين وأمثالها بالرفع على ~~الوصف وهذا أقل ما وعد من الأضعاف وقد جاء الوعد بسبعين وبسبعمائة وبغير ~~حساب ولذلك قيل: المراد بذكر العشر بيان الكثرة لا الحصر في العدد الخاص ~~{ ومن جاء بالسيئة } أي بالأعمال السيئة كائنا من كان من ~~العاملين { فلا يجزى إلا مثلها } بحكم الوعد واحدة بواحدة { ~~وهم لا يظلمون } بنقص الثواب وزيادة العقاب { قل إننى ~~هدانى ربى } أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن يبين لهم ما هو ~~عليه من الدين الحق الذي يدعون أنهم عليه وقد فارقوه بالكلية وتصدير ~~الجملة بحرف التحقيق لإظهار كمال الاعتناء بمضمونها والتعرض لعنوان ~~الربوبية مع الإضافة إلى ضميره صلى الله عليه وسلم لمزيد تشريفه أي قل ~~لأولئك المفرقين: أرشدني ربي بالوحي وبما نصب في الآفاق والأنفس من ~~الآيات التكوينية { إلى صرط مستقيم } موصل إلى الحق وقوله ~~تعالى: { دينا } بدل من إلى صراط فإن محله النصب كما في قوله تعالى: # ويهديك صرطا مستقيما # [الفتح، الآية 2] أو مفعول لفعل مضمر يدل عليه المذكور { قيما ms1126 } ~~مصدر نعت به مبالغة والقياس قوما كعوض فاعل لإعلال فعله ~~كالقيام وقرىء قيما وهو فيعل من قام كسيد من ساد وهو أبلغ من ~~المستقيم باعتبار الزنة وإن كان هو أبلغ منه باعتبار الصيغة { ملة ~~إبرهيم } عطف بيان لدينا { حنيفا } حال من إبراهيم أي ~~مائلا عن الأديان الباطلة، وقوله تعالى: { وما كان من ~~المشركين } اعتراض مقرر لنزاهته عليه السلام عما عليه ~~المفرقون لدينه من عقد وعمل أي ما كان منهم في أمر من أمور دينهم ~~أصلا وفرعا، صرح بذلك ردا على الذين يدعون أنهم على ملته عليه ~~السلام من أهل مكة واليهود المشركين بقولهم: عزير ابن الله والنصارى ~~المشركين بقولهم: المسيح ابن الله. ### || [6.162-164] # { قل إن صلاتى ونسكى } أعيد الأمر لما أن المأثور به ~~متعلق بفروع الشرائع وما سبق بأصولها، أي عبادتي كلها وقيل: وذبحي، ~~جمع بينه وبين الصلاة كما في قوله تعالى: # فصل لربك وانحر # [الكوثر، الآية 2] وقيل: صلاتي وحجي { ومحياى ومماتى } أي وما ~~أنا عليه في حياتي وما أكون عليه عند موتي من الإيمان والطاعة أو طاعات ~~الحياة والخيرات المضافة إلى الممات كالوصية والتدبير، وقرىء محياي ~~بسكون الياء إجراء للوصل مجرى الوقف { لله رب العلمين } ~~{ لا شريك له } خالصة له لا أشرك فيها غيره { وبذلك } ~~إشارة إلى الإخلاص، وما فيه من معنى البعد للإشعار بعلو رتبته وبعد ~~منزلته في الفضل أي بذلك الإخلاص { أمرت } لا بشيء غيره وقوله ~~تعالى: { وأنا أول المسلمين } لبيان مسارعته عليه السلام ~~إلى الامتثال بما أمر به وأن ما أمر به ليس من خصائصه عليه السلام بل ~~الكل مأمورون به ويقتدي به عليه السلام من أسلم منهم. # { قل أغير الله أبغى ربا } آخر فأشركه في العبادة { ~~وهو رب كل شىء } جملة حالية مؤكدة للإنكار أي والحال أن كل ~~ما سواه مربوب له مثلي فكيف يتصور أن يكون شريكا له في المعبودية { ~~ولا تكسب كل نفس إلا عليها } كانوا يقولون للمسلمين: ~~اتبعوا سبيلنا ولنحمل خطاياكم إما بمعنى ليكتب علينا ما عملتم ~~من الخطايا لا عليكم وإما ms1127 بمعنى لنحمل يوم القيامة ما كتب عليكم من ~~الخطايا فهذا رد له بالمعنى الأول، أي لا تكون جناية نفس من النفوس ~~إلا عليها ومحال أن يكون صدورها عن شخص وقرارها على شخص آخر حتى ~~يتأتى ما ذكرتم وقوله تعالى: { ولا تزر وازرة وزر أخرى ~~} رد له بالمعنى الثاني أي لا تحمل يومئذ نفس حاملة حمل نفس ~~أخرى حتى يصح قولكم { ثم إلى ربكم مرجعكم } تلوين ~~للخطاب وتوجيه له إلى الكل لتأكيد الوعد وتشديد الوعيد إلى مالك ~~أموركم ورجوعكم يوم القيامة { فينبئكم } يومئذ { بما كنتم ~~فيه تختلفون } ببيان الرشد من الغي وتمييز الحق من ~~الباطل. ### || [6.165] # { وهو الذى جعلكم خلئف الأرض } حيث خلفتم الأمم ~~السالفة أو يخلف بعضكم بعضا أو جعلكم خلفاء الله تعالى في أرضه ~~تتصرفون فيها على أن الخطاب عام { ورفع بعضكم } في الشرف ~~والغنى { فوق بعض درجت } كثيرة متفاوتة { ليبلوكم ~~فيما ءاتكم } من المال والجاه أي ليعاملكم معاملة من يبتليكم ~~لينظر ماذا تعملون من الشكر وضده { إن ربك } تجريد الخطاب ~~لرسول الله صلى الله عليه وسلم مع إضافة اسم الرب إلى ضميره عليه ~~الصلاة والسلام لإبراز مزيد اللطف به عليه السلام { سريع العقاب ~~} أي عقابه سريع الإتيان لمن لم يراع حقوق ما آتاه الله تعالى ولم ~~يشكره لأن كل آت قريب أو سريع التمام عند إرادته لتعاليه عن ~~استعمال المبادي والآلات { وإنه لغفور رحيم } لمن راعاها ~~كما ينبغي وفي جعل خبر هذه الجملة من الصفات الذاتية الواردة على ~~بناء المبالغة مؤكدا باللام مع جعل خبر الأولى صفة جارية على غير ~~من هي له من التنبيه على أنه تعالى غفور رحيم بالذات مبالغ فيهما ~~فاعل للعقوبة بالعرض مسامح فيها ما لا يخفي والله أعلم. # عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " أنزلت علي سورة الأنعام جملة واحدة يشيعها سبعون ألف ملك ~~لهم زجل بالتسبيح والتحميد فمن قرأ الأنعام صلى عليه واستغفر له ~~أولئك السبعون ألف ملك بعد كل آية من سورة الأنعام يوما وليلة " # والله تعالى أعلم. ### | [7 - سورة ms1128 الأعراف] ### || [7.1-2] # (مكية غير ثماني آيات من قوله { واسألهم } إلى قوله { وإذ نتقنا الجبل } ~~وآيها مائتان وخمس) # { المص } إما مسرود على نمط التعديد بأحد الوجهين المذكورين في فاتحة ~~سورة البقرة فلا محل له من الإعراب، وإما اسم للسورة فمحله الرفع ~~على أنه خبر مبتدإ محذوف، والتقدير هذا ألمص أي مسمى به، وتذكير ~~اسم الإشارة مع تأنيث المسمى لما أن الإشارة إليه من حيث إنه مسمى ~~بالاسم المذكور لا من حيث إنه مسمى بالسورة وإنما صحت الإشارة إليه مع ~~عدم سبق ذكره لما أنه باعتبار كونه بصدد الذكر صار في حكم الحاضر ~~المشاهد وقوله عز وجل: { كتاب } على الوجه الأول خبر مبتدإ محذوف ~~وهو ما ينبىء عنه تعديد الحروف كأنه قيل: المؤلف من جنس هذه الحروف ~~مرادا به السورة كتاب الخ، أو اسم إشارة أشير به إليه تنزيلا لحضور ~~المؤلف منه منزلة حضور نفس المؤلف، أي هذا كتاب الخ، وعلى الوجه ~~الثاني خبر بعد خبر جيء به إثر بيان كونه مترجما له باسم بديع ~~منبىء عن غرابته في نفسه إبانة لجلالة محله ببيان كونه فردا من ~~أفراد الكتب الإلهية حائزا للكمالات المختصة بها وقد جوز كونه ~~خبرا، وألمص مبتدأ أي المسمى بألمص كتاب وقد عرفت ما فيه من أن ما ~~يجعل عنوانا للموضوع حقه أن يكون قبل ذلك معلوم الانتساب إليه عند ~~المخاطب، وإذ لا عهد بالتسمية قبل فحقها الإخبار بها { أنزل ~~إليك } أي من جهته تعالى بني الفعل للمفعول جريا على سنن ~~الكبرياء وإيذانا بالاستغناء عن التصريح بالفاعل لغاية ظهور تعينه ~~وهو السر في ترك ذكر مبدأ الإنزال كما في قوله جل ذكره: # بلغ ما أنزل إليك من ربك # [المائدة، الآية 67] ونظائره والجملة صفة لكتاب مشرفة له ولمن ~~أنزل إليه وجعله خبرا له على معنى: كتاب عظيم الشأن أنزل إليك ~~خلاف الأصل { فلا يكن فى صدرك حرج } أي شك كما في قوله ~~تعالى: # فإن كنت في شك مما أنزلنا إليك # [يونس، الآية 94] خلا أنه عبر عنه بما يلازمه من الحرج ms1129 فإن الشاك ~~يعتريه ضيق الصدر كما أن المتيقن يعتريه انشراحه وانفساخه مبالغة ~~في تنزيه ساحته عليه الصلاة والسلام، وما قد يقع من نسبته إليه في ضمن ~~النهي فعلى طريقة التهيج والإلهاب والمبالغة في التنفير والتحذير ~~بإيهام أن ذلك من القبح والشرية بحيث ينهى عنه من لا يمكن صدوره عنه ~~أصلا فكيف بمن يمكن ذلك منه، والتنوين للتحقير والجر في قوله تعالى: ~~{ منه } متعلق بحرج يقال: حرج منه أي ضاق به صدره أو بمحذوف وقع ~~صفة به أي حرج كائن منه أي لا يكن فيك ما في حقيته أو في كونه ~~كتابا منزلا إليك من عنده تعالى، فالفاء على الأول لترتيب النهي أو ~~الانتهاء على مضمون الجملة فإنه مما يوجب انتفاء الشك فيما ذكر ~~بالكلية وحصول اليقين به قطعا، وأما على الثاني فهي لترتيب ما ذكر ~~على الإخبار بذلك لا على نفسه فتدبر. # وتوجيه النهي إلى الحرج مع أن المراد نهيه عليه الصلاة والسلام عنه ~~إما لما مر من المبالغة في تنزيهه عليه الصلاة والسلام عن الشك فيما ذكر ~~فإن النهي عن الشيء مما يوهم إمكان صدور المنهي عنه عن المنهي، ~~وإما للمبالغة في النهي فإن وقوع الشك في صدره عليه الصلاة والسلام ~~سبب لاتصافه عليه الصلاة والسلام به، والنهي عن السبب نهي عن المسبب ~~بالطريق البرهاني ونفي له من أصله بالمرة كما في قوله تعالى: # ولا يجرمنكم شنآن قوم # [المائدة، الآية 2]، وليس هذا من قبيل لا أرينك ههنا فإن النهي ~~هناك وارد على المسبب مراد به النهي عن السبب فيكون المآل نهيه ~~عليه الصلاة والسلام عن تعاطي ما يورث الحرج فتأمل. وقيل: الحرج ~~على حقيقته أي لا يكن فيك ضيق صدر من تبليغه مخافة أن يكذبوك وأن ~~تقصر في القيام بحقه فإنه عليه الصلاة والسلام كان يخاف تكذيب قومه ~~له وإعراضهم عنه فكان يضيق صدره من الأداء ولا ينبسط له فآمنه الله ~~تعالى ونهاه عن المبالاة بهم، فالفاء حينئذ للترتيب على مضمون الجملة ~~أو على الإخبار به فإن كلا منهما ms1130 موجب للإقدام على التبليغ وزوال ~~الخوف قطعا وإن كان إيجابه الثاني بواسطة الأول، وقوله تعالى: { ~~لتنذر به } أي بالكتاب المنزل متعلق بأنزل وما بينهما اعتراض ~~توسط بينهما تقريرا لما قبله وتمهيدا لما بعده وحسما لتوهم أو مورد ~~الشك هو الإنزال للإنذار وقيل: متعلق بالنهي فإن انتفاء الشك في ~~كونه منزلا من عنده تعالى موجب للإنذار به قطعا وكذا انتفاء الخوف ~~منهم أو العلم بأنه موفق للقيام بحقه موجب للتجاسر على ذلك. وأنت ~~خبير بأنه لا يتأتى على التفسير الأول لأن تعليل النهي عن الشك بما ~~ذكر من الإنذار والتذكير مع إيهامه لإمكان صدوره عنه عليه الصلاة ~~والسلام مشعر بأن المنهي عنه ليس محذورا لذاته بل لإفضائه إلى ~~فوات الإنذار والتذكير لا أقل من الإيذان بأن ذلك معظم غائلته ولا ريب ~~في فساده، وأما على التفسير الثاني فإنما يتأتى التعليل بالإنذار لا ~~بتذكير المؤمنين إذ ليس فيه شائبة خوف حتى يجعل غاية لانتفائه، وقوله ~~تعالى: { وذكرى للمؤمنين } في حيز النصب بإضمار فعله ~~معطوفا على تنذر أي وتذكر المؤمنين تذكيرا، أو الجر عطفا على محل ~~أن تنذر أي للإنذار والتذكير، وقيل: مرفوع عطفا على كتاب أو خبر ~~لمبتدإ محذوف، وتخصيص التذكير بالمؤمنين للإيذان باختصاص الإنذار ~~بالكفرة أي لتنذر به المشركين وتذكر المؤمنين، وتقديم الإنذار لأنه ~~أهم بحسب المقام. ### || [7.3] # { اتبعوا ما أنزل إليكم } كلام مستأنف خوطب به كافة ~~المكلفين بطريق التلوين وأمروا باتباع ما أمر النبي صلى الله عليه ~~وسلم قبل تبليغه بطريق الإنذار والتذكير، وجعله منزلا إليهم بواسطة ~~إنزاله إليه عليه الصلاة والسلام إثر ذلك ما يصححه من الإنذار والتذكير ~~ لتأكيد وجوب اتباعه، وقوله تعالى: { من ربكم } متعلق بأنزل ~~على أن (من) لابتداء الغاية مجازا أو بمحذوف وقع حالا من الموصول أو ~~من ضميره في الصلة، وفي التعرض لوصف الربوبية مع الإضافة إلى ضمير ~~المخاطبين مزيد لطف بهم وترغيب لهم في الامتثال بما أمروا به ~~وتأكيد لوجوبه، وجعل ما أنزل ههنا عاما للسنة القولية والفعلية ~~بعيد. نعم يعمهما حكمه بطريق الدلالة ms1131 لا بطريق العبادة ولما كان ~~اتباع ما أنزله الله تعالى اتباعا له تعالى عقب الأمر بذلك بالنهي ~~عن اتباع غيره تعالى فقيل: { ولا تتبعوا من دونه } أي من ~~دون ربكم الذي أنزل إليكم ما يهديكم إلى الحق، ومحله النصب على أنه ~~حال من فاعل فعل النهي أي لا تتبعوا متجاوزين الله تعالى { أولياء ~~} من الجن والإنس بأن تقبلوا منهم ما يلقونه إليكم بطريق الوسوسة ~~والإغواء من الأباطيل ليضلوكم عن الحق ويحملوكم على البدع والأهواء ~~الزائغة أو من أولياء قدم عليه لكونه نكرة إذ لو أخر عنه لكان ~~صفة له أي أولياء كائنة غيره تعالى، وقيل: الضمير للموصول على حذف ~~المضاف في أولياء ولا تتبعوا من دون ما أنزل أباطيل أولياء كأنه قيل: ~~ولا تتبعوا من دون دين ربكم دين أولياء وقرىء ولا تبتغوا كما في ~~قوله تعالى: # ومن يبتغ غير الإسلم دينا # [آل عمران، الآية 85] وقوله تعالى: { قليلا ما تذكرون } ~~بحذف إحدى التاءين وتخفيف الذال، وقرىء بتشديدها على إدغام التاء ~~المهموسة في الذال المجهورة، وقرىء يتذكرون على صيغة الغيبة، وقليلا ~~نصب إما بما بعده على أنه نعت لمصدر محذوف مقدم للقصر، أو لزمان ~~كذلك محذوف و(ما) مزيدة لتأكيد القلة، أي تذكرا قليلا أو زمانا ~~قليلا تذكرون لا كثيرا حيث لا تتأثرون بذلك ولا تعملون بموجبه وتتركون ~~دين الله تعالى وتتبعون غيره، ويجوز أن يراد بالقلة العدم كما قيل في ~~قوله تعالى: # فقليلا ما يؤمنون # [البقرة، 88] والجملة اعتراض تذييلي مسوق لتقبيح حال ~~المخاطبين، والالتفات على القراءة الأخيرة للإيذان باقتضاء سوء ~~حالهم في عدم الامتثال بالأمر والنهي على صرف الخطاب عنهم وحكاية ~~جناياتهم لغيرهم بطريق المباثة، وإما نصب على أنه حال من فاعل لا ~~تتبعوا وما مصدرية مرتفعة به أي لا تتبعوا من دونه أولياء قليلا ~~تذكركم لكن لا على توجيه النهي إلى المقيد فقط كما في قوله تعالى: # لا تقربوا الصلوة وأنتم سكرى # [النساء، الآية 43] بل إلى المقيد والقيد جميعا، وتخصيصه بالذكر ~~لمزيد تقبيح حالهم بجمعهم بين المنكرين. ### || [7.4] # { وكم من ms1132 قرية أهلكنها } شروع في إنذارهم بما جرى على ~~الأمم الماضية بسبب إعراضهم عن اتباع دين الله تعالى وإصرارهم على ~~اتباع دين أوليائهم، وكم خبرية للتكثير في موضع رفع على الابتداء كما ~~في قولك: زيد ضربته، والخبر هو الجملة بعدها ومن قرية تمييز والضمير ~~في أهلكناها راجع إلى معنى كم أي كثير من القرى أهلكناها أو في موضع ~~نصب بأهلكناها كما في قوله تعالى: # إنا كل شىء خلقنه بقدر # [القمر، الآية 49] والمراد بإهلاكها إرادة إهلاكها كما في قوله ~~تعالى: # إذا قمتم إلى الصلاة # [المائدة، الآية 6] أي أردنا إهلاكها { فجاءها } أي فجاء أهلها { ~~بأسنا } أي عذابنا { بياتا } مصدر بمعنى الفاعل واقع موقع ~~الحال أي بائتين كقوم لوط { أو هم قائلون } عطف عليه أي ~~وقائلين من القيلولة نصف النهار كقوم شعيب وإنما حذفت الواو من الحال ~~المعطوفة على أختها استثقالا لاجتماع العاطفين فإن واو الحال حرف ~~عطف قد استعيرت للوصل لا اكتفاء بالضمير كما في جاءني زيد هو فارس فإنه ~~غير فصيح، وتخصيص الحالتين بالعذاب لما أن نزول المكروه عند الغفلة ~~والدعة أفظع وحكايته للسامعين أزجر وأردع عن الاغترار بأسباب ~~الأمن والراحة، ووصف الكل بوصفي البيات والقيلولة مع أن بعض ~~المهلكين بمعزل منهما لا سيما القيلولة للإيذان بكمال غفلتهم ~~وأمنهم. ### || [7.5-8] # { فما كان دعواهم } أي دعاؤهم واستغاثتهم ربهم أو ما كانوا ~~يدعونه من دينهم وينتحلونه من مذهبهم { إذ جاءهم بأسنا } ~~عذابنا وعاينوا أماراته { إلا أن قالوا } جميعا { إنا ~~كنا ظلمين } أي إلا اعترافهم بظلمهم فيما كانوا عليه وشهادتهم ~~ببطلانه تحسرا عليه وندامة وطمعا في الخلاص، وهيهات ولات حين نجاة ~~{ فلنسئلن الذين أرسل إليهم } بيان لعذابهم ~~الأخروي إثر بيان عذابهم الدنيوي خلا أنه قد تعرض لبيان مبادي ~~أحوال المكلفين جميعا لكونه أدخل في التهويل، والفاء لترتيب الأحوال ~~الأخروية على الدنيوية ذكرا حسب ترتبها عليها وجودا، أي لنسألن ~~الأمم قاطبة قائلين: ماذا أجبتم المرسلين؟ { ولنسألن ~~المرسلين } عما أجيبوا قال تعالى: # يوم يجمع الله الرسل فيقول ماذا أجبتم # [المائدة، الآية 109] والمراد بالسؤال توبيخ الكفرة وتقريعهم، والذي ms1133 ~~نفي بقوله تعالى: # ولا يسأل عن ذنوبهم المجرمون # [القصص الآية:78] سؤال الاستعلام أو الأول في موقف الحساب والثاني في ~~موقف العقاب { فلنقصن عليهم } أي على الرسل حين يقولون: لا علم ~~لنا إنك أنت علام الغيوب، أو عليهم وعلى المرسل إليهم جميعا ما كانوا ~~عليه { بعلم } أي عالمين بظواهرهم وبواطنهم أو بعلومنا منهم { وما ~~كنا غائبين } عنهم في حال من الأحوال فيخفى علينا شيء من أعمالهم ~~وأحوالهم، والجملة تذييل مقرر لما قبلها. # { والوزن } أي وزن الأعمال والتمييز بين راجحها وخفيفها ~~وجيدها ورديئها، ورفعه على الابتداء، وقوله تعالى: { يومئذ } ~~خبره وقوله تعالى: { الحق } صفته، أي والوزن الحق ثابت يوم إذ ~~يكون السؤال والقص، وقيل: خبر مبتدأ محذوف كأنه قيل: ما ذلك الوزن؟ ~~فقيل: الحق أي العدل السوي، وقرىء القسط واختلف في كيفية الوزن ~~والجمهور على أن صحائف الأعمال هي التي توزن بميزان له لسان وكفتان ~~ينظر إليه الخلائق إظهارا للمعدلة وقطعا للمعذرة كما يسألهم عن ~~أعمالهم فتعترف بها ألسنتهم وجوارحهم ويشهد عليهم الأنبياء ~~والملائكة والأشهاد وكما يثبت في صحائفهم فيقرءونها في موقف الحساب، ~~ويؤيده ما روي # " أن الرجل يؤتى به إلى الميزان فينشر له تسعة وتسعون سجلا مدى ~~البصر فيخرج له بطاقة فيها كلمتا الشهادة فتوضع السجلات في كفة ~~والبطاقة في كفة فتطيش السجلات وتثقل البطاقة " # وقيل: يوزن الأشخاص لما روي عنه عليه الصلاة والسلام: # " أنه ليأتي العظيم السمين يوم القيامة لا يزن عند الله جناح بعوضة ~~" # وقيل: الوزن عبارة عن القضاء السوي والحكم العادل وبه قال مجاهد ~~والأعمش والضحاك واختاره كثير من المتأخرين بناء على أن استعمال لفظ ~~الوزن في هذا المعنى شائع في اللغة والعرف بطريق الكناية قالوا: إن ~~الميزان إنما يراد به التوصل إلى معرفة مقادير الشيء، ومقادير ~~أعمال العباد لا يمكن إظهارها بذلك لأنها أعراض قد فنيت وعلى تقدير ~~بقائها لا تقبل الوزن، وقيل: إن الأعمال الظاهرة في هذه النشأة بصور ~~عرضية تبرز في النشأة الآخرة بصور جوهرية مناسبة لها في الحسن ~~والقبح حتى إن الذنوب والمعاصي تتجسم ms1134 هناك وتتصور بصورة النار، وعلى ~~ذلك حمل قوله تعالى: # وإن جهنم لمحيطة بالكفرين # [التوبة، الآية 49] وقوله تعالى: # الذين يأكلون أمول اليتمى ظلما إنما ~~يأكلون فى بطونهم نارا # [النساء، الآية 10] وكذا # " قوله عليه الصلاة والسلام في حق من يشرب من إناء الذهب والفضة: " ~~إنما يجرجر في بطنه نار جهنم " # ولا بعد في ذلك، ألا يرى أن العلم يظهر في عالم المثال على صورة ~~اللبن كما لا يخفى على من له خبرة بأحوال الحضرات الخمس. وقد روي عن ~~ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه يؤتى بالأعمال الصالحة على صور ~~حسنة وبالأعمال السيئة على صور قبيحة فتوضع في الميزان إن قيل: إن ~~المكلف يوم القيامة إما مؤمن بأنه تعالى حكيم منزه عن الجور ~~فكيفية حكمه تعالى بكيفيات الأعمال وكمياتها ظاهرة، وإما منكر له ~~فلا يسلم حينئذ أن رجحان بعض الأعمال على بعض لخصوصيات راجعة إلى ~~ذوات تلك الأعمال بل يسنده إلى إظهار الله تعالى إياه على ذلك الوجه ~~فما الفائدة في الوزن؟ أجيب بأنه ينكشف الحال يومئذ وتظهر جميع ~~الأشياء بحقائقها على ما هي عليه وبأوصافها وأحوالها في أنفسها من الحسن ~~والقبح وغير ذلك وتنخلع عن الصور المستعارة التي بها ظهرت في الدنيا ~~فلا يبقى لأحد ممن يشاهدها شبهة في أنها هي التي كانت في الدنيا ~~بعينها وأن كل واحد منها قد ظهر في هذه النشأة بصورته الحقيقية ~~المستتبعة لصفاته، ولا يخطر بباله خلاف ذلك والله تعالى أعلم. # { فمن ثقلت موزينه } تفصيل للأحكام المترتبة على الوزن، ~~والموازين إما جمع ميزان أو جمع موزون على أن المراد به ما له وزن ~~وقدر وهو الحسنات، فإن رجحان أحدهما مستلزم لرجحان الآخر، أي فمن ~~رجحت موازينه التي توزن بها حسناته أو أعماله التي لها قدر وزنة، ~~وعن الحسن البصري وحق لميزان توضع فيه السيئات أن يخف { ~~فأولئك } إشارة إلى الموصول باعتبار اتصافه بثقل الميزان، ~~والجمعية باعتبار معناه كما أن جمع الموازين لذلك، وأما ضمير ~~موازينه فراجع إليه باعتبار لفظه، وما فيه من معنى البعد للإيذان ms1135 ~~بعلو طبقتهم وبعد منزلتهم في الفصل والشرف { هم المفلحون } ~~الفائزون بالنجاة والثواب، وهم إما ضمير فصل يفصل بين الخبر والصفة ~~ويؤكد النسبة ويفيد اختصاص المسند بالمسند إليه أو مبتدأ خبره ~~المفلحون والجملة خبر لأولئك، وتعريف المفلحون للدلالة على أنهم ~~الناس الذين بلغك أنهم مفلحون في الآخرة، أو إشارة إلى ما يعرفه كل ~~أحد من حقيقة المفلحين وخصائصهم. ### || [7.9] # { ومن خفت موزينه } أي موازين أعماله أو أعماله التي لا ~~وزن لها ولا اعتداد بها وهي أعماله السيئة { فأولئك } إشارة ~~إليهم باعتبار اتصافهم بتلك الصفة القبيحة، والجمعية ومعنى البعد ~~لما مر آنفا في نظيره وهو مبتدأ خبره { الذين خسروا ~~أنفسهم } أي ضيعوا الفطرة السليمة التي فطروا عليها وقد أيدت ~~بالآيات البينة وقوله تعالى: { بما كانوا بآيتنا ~~يظلمون } متعلق بخسروا وما مصدرية وبآياتنا متعلق بيظلمون على ~~تضمين معنى التكذيب قدم عليه لمراعاة الفواصل، والجمع بين صيغتي ~~الماضي والمستقبل للدلالة على استمرار الظلم في الدنيا أي فأولئك ~~الموصوفون بخفة الموازين خسروا أنفسهم بسبب تكذيبهم المستمر بآياتنا ~~ظالمون. ### || [7.10-11] # { ولقد مكنكم فى الأرض } لما أمر الله سبحانه أهل ~~مكة باتباع ما أنزل إليهم ونهاهم عن اتباع غيره وبين لهم وخامة ~~عاقبته بالإهلاك في الدنيا والعذاب المخلد في الآخرة ذكرهم ما أفاض ~~عليهم من فنون النعم الموجبة للشكر ترغيبا في الامتثال بالأمر والنهي ~~إثر ترهيب أي جعلنا لكم فيها مكانا وقرارا أو ملكناكم فيها وأقدرناكم ~~على التصرف فيها { وجعلنا لكم فيها معيش } المعايش جمع ~~معيشة وهي ما يعاش به من المطاعم والمشارب وغيرها، أو ما يتوصل به ~~إلى ذلك والوجه في قراءته إخلاص الياء وعن ابن عامر أنه همزة ~~تشبيها له بصحائف ومدائن، والجعل بمعنى الإنشاء والإبداع، أي أنشأنا ~~وأبدعنا لمصالحكم ومنافعكم فيها أسبابا تعيشون بها، وكل واحد من ~~الظرفين متعلق به أو بمحذوف وقع حالا من مفعوله المنكر، إذ لو تأخر ~~لكان صفة له وتقديمهما على المفعول من أن حقهما التأخير عنه لما مر ~~غير مرة من الاعتناء بشأن المقدم والتشويق إلى المؤخر، فإن النفس ms1136 ~~عند تأخير ما حقه التقديم لا سيما عند كون المقدم منبئا عن منفعة ~~للسامع تبقى مترقبة لورود المؤخر فيتمكن فيها عند الورود فضل ~~تمكن، وأما تقديم اللام على في فلما أنه المنبىء عما ذكر من المنفعة ~~فالاعتناء بشأنه أتم والمسارعة إلى ذكره أهم. # هذا وقيل: إن الجعل متعد إلى مفعولين ثانيهما أحد الظرفين على أنه ~~مستقر، قدم على الأول، والظرف الآخر إما لغو متعلق بالجعل أو ~~بالمحذوف الواقع حالا من المفعول الأول كما مر، وأنت خبير بأنه لا ~~فائدة معتد بها في الإخبار بجعل المعايش حاصلة لهم أو حاصلة في ~~الأرض، وقوله تعالى: { قليلا ما تشكرون } أي تلك النعمة، ~~تذييل مسوق لبيان سوء حال المخاطبين وتحذيرهم وبقية الكلام ~~فيه عين ما مر في تفسير قوله تعالى: # ما تذكرون # [الأعراف، الآية 3]. # { ولقد خلقنكم ثم صورنكم } تذكير لنعمة عظيمة ~~فائضة على آدم عليه السلام سارية إلى ذريته موجبة لشكرهم كافة، ~~وتأخيره عن تذكير ما وقع قبله من نعمة التمكين إما لأنها فائضة على ~~المخاطبين بالذات وهذه بالواسطة، وإما للإيذان بأن كلا منهما نعمة ~~مستقلة مستوجبة للشكر على حيالها، فإن رعاية الترتيب الوقوعي ربما ~~تؤدي إلى توهم عد الكل نعمة واحدة كما ذكر في قصة آدم. وتصدير ~~الجملتين بالقسم وحرف التحقيق لإظهار كمال العناية بمضمونها، وإنما ~~نسب الخلق والتصوير إلى المخاطبين مع أن المراد بهما خلق آدم عليه ~~السلام وتصويره حتما توفية لمقام الامتنان حقه وتأكيدا لوجوب ~~الشكر عليهم بالرمز إلى أن لهم حظا من خلقه عليه السلام وتصويره لما ~~أنهما ليسا من الخصائص المقصورة عليه عليه السلام كسجود الملائكة له ~~عليه السلام بل من الأمور السارية إلى ذريته جميعا إذ الكل مخلوق في ~~ضمن خلقه على نمطه ومصنوع على شاكلته فكأنهم الذي تعلق به خلقه ~~وتصويره، أي خلقنا أباكم آدم طينا غير مصور ثم صورناه أبدع ~~تصوير وأحسن تقويم سار إليكم جميعا { ثم قلنا ~~للملئكة اسجدوا لآدم } صريح في أنه ورد بعد خلقه عليه ~~الصلاة والسلام وتسويته ونفخ الروح فيه أمر منجز ms1137 غير الأمر ~~المعلق الوارد قبل ذلك بقوله تعالى: # فإذا سويته ونفخت فيه من روحى فقعوا له ~~سجدين # [الأعراف، الآية 3] وهو المراد بما حكي بقوله تعالى: { وإذ قلنا ~~للملئكة اسجدوا لآدم } الآية، في سورة البقرة وسورة بني ~~إسرئيل وسورة الكهف وسورة طه من غير تعرض لوقته، وكلمة ثم ههنا ~~تقتضي تراخيه عن التصوير من غير تعرض لبيان ما جرى بينهما من الأمور ~~وقد بينا في سورة البقرة أن ذلك ظهور فضل آدم عليه السلام بعد ~~المحاورة المسبوقة بالإخبار باستخلافه عليه السلام حسبما نطق به عز وجل: # وإذ قال ربك للملئكة إني جاعل فى الأرض ~~خليفة # [البقرة، الآية 30] إلى قوله: # وما كنتم تكتمون # [البقرة، الآية 30] فإن ذلك أيضا من جملة ما نيط به الأمر المعلق من ~~التسوية ونفخ الروح، وعدم ذكره عند الحكاية لا يقتضي عدم ذكره عند ~~وقوع المحكي كما أن عدم ذكر الأمر المنجز لا يستلزم عدم ~~مسبوقيته به فإن حكاية كلام واحد على أساليب مختلفة يقتضيها ~~المقام ليست بعزيزة في الكلام العزيز، فلعله قد ألقى إلى الملائكة ~~عليهم السلام أو إلى جميع ما يتوقف عليه الأمر المنجز إجمالا بأن قيل ~~مثلا: إني خالق بشرا من طين وجاعل إياه خليفة في الأرض فإذا سويته ~~ونفخت فيه من روحي وتبين لكم فضله فقعوا له ساجدين، فخلقه فسواه ~~فنفخ فيه من روحه فقالوا عند ذلك ما قالوا، أو ألقي إليهم خبر الخلافة ~~بعد تحقق الشرائط المذكورة بأن قيل إثر نفخ الروح: إني جاعل هذا ~~خليفة في الأرض فهنالك ذكروا في حقه عليه السلام ما ذكروا فأيده الله ~~تعالى بتعليم الأسماء فشاهدوا منه عليه السلام ما شاهدوا فعند ذلك ورد ~~الأمر المنجز اعتناء بشأن المأمور به وإيذانا بوقته، وقد حكي بعض ~~الأمور المذكورة في بعض المواطن وبعضها في بعضها اكتفاء بما ذكر في كل ~~موطن عما ترك في موطن آخر. # والذي يرفع غشاوة الاشتباه عن البصائر السليمة أن ما في سورة (ص) من ~~قوله تعالى: # إذ قال ربك للملئكة # [ص، الآية 71] الآيات، بدل ms1138 من قوله: { إذ يختصمون } فيما قبله ~~من قوله: # ما كان لى من علم بالملإ الأعلى إذ يختصمون # [ص، الآية 69] أي بكلامهم عند اختصامهم، ولا ريب في أن المراد بالملأ ~~الأعلى الملائكة وآدم عليهم السلام وإبليس حسبما أطبق عليه جمهور ~~المفسرين، وباختصامهم ما جرى بينهم في شأن الخلافة من التقاول الذي ~~جملته ما صدر عنه عليه السلام من الإنباء بالأسماء، ومن قضية البدلية ~~وقوع الاختصام المذكور في تضاعيف ما شرح فيه مفصلا من الأمر المعلق ~~وما علق به من الخلق والتسوية ونفخ الروح فيه وما ترتب عليه من سجود ~~الملائكة وعناد إبليس ولعنه وإخراجه من بين الملائكة وما جرى بعده ~~من الأفعال والأقوال، وإذ ليس تمام الاختصام بعد سجود الملائكة ~~وعناد إبليس ومكابرة إبليس وطرده من البين لما عرفت من أنه أحد ~~المختصمين كما أنه ليس قبل الخلق ضرورة فإذن هو بعد نفخ الروح وقبل ~~السجود بأحد الطريقين المذكورين والله تعالى أعلم. # { فسجدوا } أي الملائكة عليهم السلام بعد الأمر من غير تلعثم { ~~إلا إبليس } استثناء متصل لما أنه كان جنيا مفردا مغمورا ~~بألوف من الملائكة متصفا بصفاتهم فغلبوا عليه في (فسجدوا) ثم ~~استثني استثناء واحد منهم، أو لأن من الملائكة جنسا يتوالدون يقال ~~لهم: الجن كما مر في سورة البقرة فقوله تعالى: { لم يكن من ~~السجدين } أي ممن سجد لآدم كلام مستأنف مبين لكيفية عدم ~~السجود المفهوم من الاستثناء فإن عدم السجود قد يكون للتأمل ثم يقع ~~السجود، وبه علم أنه لم يقع قط. # وقيل: منقطع فحينئذ يكون متصلا بما بعده أي لكن إبليس لم يكن من ~~الساجدين. ### || [7.12] # { قال } استئناف مسوق للجواب عن سؤال نشأ من حكاية عدم سجود، كأنه ~~قيل: فماذا قال الله تعالى حينئذ؟ وبه يظهر وجه الالتفات إلى الغيبة ~~إذ لا وجه لتقدير السؤال على وجه المخاطبة، وفيه فائدة أخرى هي ~~الإشعار بعدم تعلق المحكي بالمخاطبين كما في حكاية الخلق ~~والتصوير { ما منعك ألا تسجد } أي أن تسجد كما وقع في سورة ~~ص، و(لا) مزيدة مؤكدة لمعنى ms1139 الفعل الذي دخلت عليه كما في قوله تعالى: # لئلا يعلم أهل الكتب # [الحديد، الآية 29] منبهة على أن الموبخ عليه ترك السجود، وقيل: ~~الممنوع عن الشيء مصروف إلى خلافه فالمعنى ما صرفك إلى أن تسجد { إذ ~~أمرتك } قيل: فيه دلالة على أن مطلق الأمر للوجوب والفور، وفي ~~سورة الحجر: { قال يإبليس ما لك ألا تكون مع ~~السجدين } وفي سورة ص: { ما منعك أن تسجد لما ~~خلقت بيدى } واختلاف العبارات عند الحكاية يدل على أن اللعين ~~قد أدمج في معصية واحدة ثلاث معاص مخالفة الأمر ومفارقة الجماعة ~~والإباء عن الانتظام في سلك أولئك المقربين والاستكبار مع تحقير آدم ~~عليه السلام، وقد وبخ حينئذ على كل واحدة منها، لكن اقتصر عند ~~الحكاية في كل موطن على ما ذكر فيه اكتفاء بما ذكر في موطن آخر ~~وإشعارا بأن كل واحدة منها كافية في التوبيخ وإظهار بطلان ما ~~ارتكبه، وقد تركت حكاية التوبيخ رأسا في سورة البقرة وسورة بني ~~إسرائيل وسورة الكهف وسورة طه. # { قال } استئناف كما سبق مبني على سؤال نشأ من حكاية التوبيخ ~~كأنه قيل: فماذا قال اللعين عند ذلك؟ فقيل: قال: { أنا خير منه ~~} متجانفا عن تطبيق جوابه على السؤال بأن يقول: منعني كذا مدعيا ~~لنفسه بطريق الاستئناف شيئا بين الاستلزام لمنعه من السجود على ~~زعمه، ومشعرا بأن من شأنه هذا لا يحسن أن يسجد لمن دونه فكيف ~~يحسن أن يؤمر به؟ كما ينبىء عنه ما في سورة الحجر من قوله: { لم ~~أكن لأسجد لبشر خلقته من صلصل من حمإ ~~مسنون } فهو أول من أسس بنيان التكبر، واخترع القول بالحسن ~~والقبح العقليين، وقوله تعالى: { خلقتني من نار ~~وخلقته من طين } تعليل لما ادعاه من فضله، ولقد أخطأ اللعين ~~حيث خص الفضل بما من جهة المادة والعنصر، وزل عنه ما من جهة الفاعل، ~~كما أنبأ عنه قوله تعالى: # ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدى # [ص، الآية 75] أي بغير واسطة على وجه الاعتناء به وما من جهة الصورة ~~كما نبه عليه بقوله تعالى: ms1140 # ونفخت فيه من روحى # [الحجر، الآية 29] وما من جهة الغاية وهو ملاك الأمر ولذلك أمر ~~الملائكة بالسجود له عليه السلام حين ظهر لهم أنه أعلم منهم بما يدور ~~عليه أمر الخلافة في الأرض وأن له خواص ليست لغيره، وفي الآية دليل ~~على الكون والفساد وأن الشياطين أجسام كائنة، ولعل إضافة خلق البشر ~~إلى الطين، والشياطين إلى النار باعتبار الجزء الغالب. ### || [7.13-15] # { قال } استئناف كما سلف، والفاء في قوله تعالى: { فاهبط منها ~~} لترتيب الأمر على ما ظهر من اللعين من مخالفة الأمر وتعليله ~~بالأباطيل وإصراره على ذلك، أي فاهبط من الجنة، والإضمار قبل ذكرها ~~لشهرة كونه من سكانها قال ابن عباس رضي الله عنهما: كانوا في عدن لا ~~في جنة الخلد، وقيل: من زمرة الملائكة المعززين فإن الخروج من زمرتهم ~~هبوط وأي هبوط، وفي سورة الحجر: { فاخرج منها } وأما ما قيل من ~~أن المراد الهبوط من السماء فيرده أن وسوسته لآدم عليه السلام كانت ~~بعد هذا الطرد فلا بد أن يحمل على أحد الوجهين قطعا، وتكون وسوسته ~~على الوجه الأول بطريق النداء من باب الجنة كما روي عن الحسن البصري، ~~وقوله تعالى: { فما يكون لك } أي فما يصح ولا يستقيم لك ولا يليق ~~بشأنك { أن تتكبر فيها } أي في الجنة أو في زمرة الملائكة. ~~تعليل للأمر بالهبوط فإن عدم صحة أن يتكبر فيها علة للأمر المذكور، ~~فإنها مكان المطيعين الخاشعين ولا دلالة فيه على جواز التكبر في ~~غيرها، وفيه تنبيه على أن التكبر لا يليق بأهل الجنة وأنه تعالى إنما ~~طرده لتكبره لا لمجرد عصيانه وقوله تعالى: { فاخرج } تأكيد للأمر ~~بالهبوط متفرغ على علته وقوله تعالى: { إنك من الصغرين } ~~تعليل للأمر بالخروج مشعر بأنه لتكبره، أي من الأذلاء وأهل الهوان ~~على الله تعالى وعلى أوليائه لتكبرك. وعن عمر رضي الله عنه (من تواضع ~~لله رفع الله حكمته وقال: انتعش أنعشك الله، ومن تكبر وعدا طوره ~~وهصه الله إلى الأرض). # { قال } استئناف كما مر مبني على سؤال نشأ مما قبله، كأنه قيل: ms1141 ~~فماذا قال اللعين بعد ما سمع هذا الطرد المؤكد؟ فقيل: قال: { ~~أنظرنى } أي أمهلني ولا تمتني { إلى يوم يبعثون } أي ~~آدم وذريته للجزاء بعد فنائهم، وهو وقت النفخة الثانية، وأراد ~~اللعين بذلك أن يجد فسحة لإغوائهم ويأخذ منهم ثأره وينجو من ~~الموت لاستحالته بعد البعث { قال } استئناف كما سلف { إنك من ~~المنظرين } ورود الجواب بالجملة الاسمية مع التعرض لشمول ما سأله ~~لآخرين على وجه يشعر بأن السائل تبع لهم في ذلك صريح في أنه إخبار ~~بالإنظار المقدر لهم أزلا لا إنشاء لإنظار خاص به إجابة لدعائه وأن ~~استنظاره كان طلبا لتأخير الموت إذ به يتحقق كونه من جملتهم لا ~~لتأخير العقوبة كما قيل أي إنك من جملة الذين أخرت آجالهم أزلا ~~حسبما تقتضيه الحكمة التكوينية إلى وقت فناء غير ما استثناه الله ~~تعالى من الخلائق وهو النفخة الأولى لا إلى وقت البعث الذي هو المسؤول، ~~وقد ترك التوقيت للإيجاز ثقة بما وقع في سورة الحجر وسورة ص كما ترك ~~ذكر النداء والفاء في الاستنظار والإنظار تعويلا على ما ذكر فيهما ~~بقوله عز وجل: # رب فأنظرنى إلى يوم يبعثون * قال فإنك من ~~المنظرين * إلى يوم الوقت المعلوم # [الحجر، الآية 36 - 38] وفي إنظاره ابتلاء للعباد وتعريض للثواب. # إن قلت لا ريب في أن الكلام المحكي له عند صدوره عن المتكلم حالة ~~مخصوصة تقتضي وروده على وجه خاص من وجوه النظم بحيث لو أخل بشيء من ~~ذلك سقط الكلام عن رتبة البلاغة البتة، فالكلام الواحد المحكي على ~~وجوه شتى إن اقتضى الحال وروده على وجه معين من تلك الوجوه الواردة ~~عند الحكاية فذلك الوجه هو المطابق لمقتضى الحال والبالغ إلى رتبة ~~البلاغة دون ما عداه من الوجوه، إذا تمهد هذا فنقول: لا يخفى أن ~~استنظار اللعين إنما صدر عنه مرة واحدة لا غير، فمقامه إن اقتضى ~~إظهار الضراعة وترتيب الاستنظار على ما حاق به من اللعن والطرد على ~~نهج استدعاء الجبر في مقابلة الكسر كما هو المتبادر من قوله: رب ~~فأنظرني حسبما حكي ms1142 عنه في السورتين، فما حكي ههنا يكون بمعزل من ~~المطابقة لمقتضى الحال فضلا عن العروج إلى معارج الإعجاز، قلنا: مقام ~~استنظاره مقتض لما ذكر من إظهار الضراعة وترتيب الاستنظار على ~~الحرمان المدلول عليه بالطرد والرجم، وكذا مقام الإنظار مقتض لترتيب ~~الإخبار بالإنظار على الاستنظار وقد طبق الكلام عليه في تينك ~~السورتين ووفي كل واحد من مقامي الحكاية والمحكي جميعا حظه. ~~وأما ههنا فحيث اقتضى مقام الحكاية مجرد الإخبار بالاستنظار ~~والإنظار سيقت الحكاية على نهج الإيجاز والاختصار من غير تعرض ~~لبيان كيفية كل واحد منهما عند المخاطبة والحوار، إن قلت: فإذن لا ~~يكون ذلك نقلا للكلام على ما هو عليه ولا مطابقا لمقتضى المقام قلنا: ~~الذي يجب اعتباره في نقل الكلام إنما هو أصل معناه ونفس مدلوله الذي ~~يفيده، وأما كيفية إفادته له فليس مما يجب مراعاته عند النقل البتة، ~~بل قد تراعى وقد لا تراعى حسب اقتضاء المقام، ولا يقدح في أصل ~~الكلام تجريده عنها بل قد يراعى عند نقله كيفيات وخصوصيات لم ~~يراعها المتكلم أصلا ولا يخل ذلك بكون المنقول أصل المعنى، ألا ~~يرى أن جميع المقالات المنقولة في القرآن الكريم إنما تحكى بكيفيات ~~واعتبارات لا يكاد يقدر على مراعاتها من تكلم بها حتما، وإلا ~~لأمكن صدور الكلام المعجز عن البشر فيما إذا كان المحكي كلاما، ~~وأما عدم مطابقته لمقتضى الحال فمنشؤه الغفلة عما يجب توفير مقتضاه ~~من الأحوال، فإن ملاك الأمر هو مقام الحكاية، وأما مقام وقوع ~~المحكي فإن كان مقتضاه موافقا لمقتضى مقام الحكاية يوفى كل ~~واحد من المقامين حقه كما في سورة الحجر وسورة ص، فإن مقام الحكاية ~~فيهما لما كان مقتضيا لبسط الكلام وتفصيله على الكيفيات التي وقع ~~عليها روعي حق المقامين معا، وأما في هذه السورة الكريمة فحيث ~~اقتضى مقام الحكاية الإيجاز روعي جانبه. # ألا يرى أن المخاطب المنكر إذا كان ممن لا يفهم إلا أصل المعنى وجب ~~على المتكلم أن يجرد كلامه عن التأكيد وسائر الخواص والمزايا التي ~~يقتضيها المقام ويخاطبه بما يناسبه ms1143 من الوجوه لكنه مع ذلك يجب أن ~~يقصد معنى زائدا يفهمه سامع آخر بليغ هو تجريده عن الخواص ~~رعاية لمقتضى حال المخاطب في الفهم، وبذلك يرتقي كلامه عن رتبة ~~أصوات الحيوانات كما حقق في مقامه فإذا وجب مراعاة مقام الحكاية ~~مع إفضائها إلى تجريد الكلام عن الخواص والمزايا بالمرة فما ظنك بوجوب ~~مراعاته مع تحلية الكلام بمزايا أخر يرتقي بها إلى رتبة الإعجاز لا ~~سيما إذا وفي حق مقام وقوع المحكي في السورتين الكريمتين وكان ~~هذا الإيجاز مبنيا عليه وثقة به؟ ### || [7.16] # { قال } استئناف كأمثاله { فبما أغويتنى } الباء للقسم كما ~~في قوله تعالى: # فبعزتك لأغوينهم # [ص، الآية 82] فإن إغواءه تعالى إياه أثر من آثار قدرته عز وجل ~~وحكم من أحكام سلطانه تعالى، فمآل الإقسام بهما واحد، فلعل اللعين ~~أقسم بهما جميعا فحكى تارة قسمه بأحدهما وأخرى بالآخر، والفاء ~~لترتيب مضمون الجملة على الإنظار، وما مصدرية أي فأقسم بإغوائك إياي { ~~لأقعدن لهم } أو للسببية على أن الباء متعلقة بفعل القسم ~~المحذوف لا بقوله: { لأقعدن لهم } كما في الوجه الأول، فإن ~~اللام تصد عن ذلك أي فبسبب إغوائك إياي لأجلهم أقسم بعزتك لأقعدن ~~لآدم وذريته ترصدا بهم كما يقعد القطاع للقطع على السابلة { ~~صرطك المستقيم } الموصل إلى الجنة وهو دين الإسلام، ~~فالقعود مجاز متفرع على الكناية، وانتصابه على الظرفية كما في ~~قوله: [الكامل] # [لدن بهز الكف يعسل متنه] # [فيه] كما عسل الطريق الثعلب # وقيل: على نزع الجار تقديره على صراطك كقولك: ضرب زيد الظهر ~~والبطن. ### || [7.17-19] # { ثم لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن ~~أيمنهم وعن شمائلهم } أي من الجهات الأربع التي يعتاد ~~هجوم العدو منها مثل قصده إياهم للتسويل والإضلال من أي وجه يتيسر ~~بإتيان العدو من الجهات الأربع ولذلك لم يذكر الفوق والتحت. وعن ~~ابن عباس رضي الله عنهما (من بين أيديهم) من قبل الآخرة. ~~و(من خلفهم) من جهة الدنيا، و(عن أيمانهم وعن شمائلهم) من جهة حسناتهم ~~وسيئاتهم. وقيل: من بين أيديهم من حيث يعلمون ويقدرون على التحرز منه، ~~ومن ms1144 خلفهم من حيث لا يعلمون ولا يقدرون، وعن أيمانهم وعن شمائلهم من حيث ~~يتيسر لهم أن يعلموا ويتحرزوا ولكن لم يفعلوا لعدم تيقظهم واحتياطهم ~~ومن حيث لا يتيسر لهم ذلك، وإنما عدي الفعل إلى الأولين بحرف ~~الابتداء لأنه منهما متوجه إليهم وإلى الآخرين بحرف المجاوزة فإن ~~الآتي منهما كالمنحرف المتجافي عنهم المار على عرضهم، ونظيره جلست ~~عن يمينه { ولا تجد أكثرهم شكرين } أي مطيعين وإنما ~~قاله ظنا لقوله تعالى: # ولقد صدق عليهم إبليس ظنه # [سبأ، الآية 20] لما رأى منهم مبدأ الشر متعددا ومبدأ الخير ~~واحدا، وقيل: سمعه من الملائكة عليهم السلام. # { قال } استئناف كما سلف مرارا { اخرج منها } أي من الجنة أو ~~من السماء أو من بين الملائكة { مذءوما } أي مذموما من ذأمه إذا ~~ذمه، وقرىء مذوما كمسول في مسؤول، أو كمكول في مكيل، من ذامه ~~يذيمه ذيما { مدحورا } مطرودا { لمن تبعك منهم } ~~اللام موطئة للقسم وجوابه { لأملان جهنم منكم أجمعين } ~~وهو ساد مسد جواب الشرط، وقرىء لمن تبعك بكسر اللام على أنه خبر ~~(لأملأن) على معنى لمن تبعك هذا الوعيد، أو علة لاخرج و(لأملأن) ~~جواب محذوف ومعنى (منكم) منك ومنهم على تغليب المخاطب { و يا ءادم ~~} أي وقلنا كما وقع في سورة البقرة، وتصدير الكلام بالنداء للتنبيه ~~على الاهتمام بتلقي المأمور به، وتخصيص الخطاب به عليه السلام ~~للإيذان بأصالته في تلقي الوحي وتعاطي المأمور به { اسكن أنت ~~وزوجك الجنة } هو من السكن الذي هو عبارة عن اللبث ~~والاستقرار والإقامة لا من السكون الذي هو ضد الحركة، وأنت ضمير ~~أكد به المستكن ليصح العطف عليه، والفاء في قوله تعالى: { ~~فكلا من حيث شئتما } لبيان المراد مما في سورة البقرة من ~~قوله تعالى: # وكلا منها رغدا حيث شئتما # [البقرة: 35] من أن ذلك كان جمعا مع الترتيب، وقوله تعالى: { من ~~حيث شئتما } في معنى منها حيث شئتما، ولم يذكر ههنا (رغدا) ~~ثقة بما ذكر هناك، وتوجيه الخطاب إليهما لتعميم التشريف والإيذان ~~بتساويهما في مباشرة المأمور به فإن حواء أسوة له عليه السلام ms1145 في حق ~~الأكل بخلاف السكن فإنها تابعة له فيه ولتعليق النهي بها صريحا في ~~قوله تعالى: { ولا تقربا هذه الشجرة } وقرىء هذي وهو ~~الأصل لتصغيره على ذيا والهاء بدل من الياء { فتكونا من ~~الظلمين } إما جزم على العطف أو نصب على الجواب. ### || [7.20-22] # { فوسوس لهما الشيطن } أي فعل الوسوسة لأجلهما أو تكلم ~~لهما كلاما خفيا متداركا متكررا، وهي في الأصل الصوت الخفي ~~كالهيمنة والخشخشة ومنه وسوس الحلي وقد سبق بيان كيفية وسوسته ~~في سورة البقرة { ليبدي لهما } أي ليظهر لهما واللام للعاقبة ~~أو للغرض على أنه أراد بوسوسته أن يسوءهما بانكشاف عورتيهما، ولذلك عبر ~~عنهما بالسوأة وفيه دليل على أن كشف العورة في الخلوة وعند الزوج من ~~غير حاجة قبيح مستهجن في الطباع { ما وري عنهما من ~~سوءاتهما } ما غطي وستر عنهما من عوراتهما وكانا لا يريانها من ~~أنفسهما ولا أحدهما من الآخر، وإنما لم تقلب الواو المضمومة همزة في ~~المشورة كما قلبت في أويصل: تصغير واصل لأن الثانية مدة، وقرىء ~~سواتهما بحذف الهمزة وإلقاء حركتها على الواو، وبقلبها واوا وإدغام ~~الواو الساكنة فيها { وقال } عطف على وسوس بطريق البيان { ما ~~نهكما ربكما عن هذه الشجرة } أي عن أكلها { إلا ~~أن تكونا ملكين } أي إلا كراهة أن تكونا ملكين { أو تكونا ~~من الخلدين } الذين لا يموتون أو يخلدون في الجنة، وليس فيه ~~دلالة على أفضلية الملائكة عليهم السلام لما أن من المعلوم أن الحقائق ~~لا تنقلب وإنما كانت رغبتهما في أن يحصل لهما أوصاف الملائكة من ~~الكمالات الفطرية والاستغناء عن الأطعمة والأشربة وذلك بمعزل من ~~الدلالة على الأفضلية بالمعنى المتنازع فيه. # { وقاسمهما إني لكما لمن النصحين } أي أقسم لهما، ~~وصيغة المغالبة للمبالغة، وقيل: أقسما له بالقبول وقيل: قالا له: أتقسم ~~بالله أنك لمن الناصحين؟ وأقسم لهما فجعل ذلك مقاسمة { فدلهما } ~~فنزلهما على الأكل من الشجرة، وفيه تنبيه على أنه أهبطهما بذلك من ~~درجة عالية فإن التدلية والإدلاء إرسال الشيء من الأعلى إلى الأسفل { ~~بغرور } بما غرهما به من القسم، فإنهما ms1146 ظنا أن أحدا لا يقسم ~~بالله كاذبا أو ملتبسين الغرور { فلما ذاقا الشجرة بدت ~~لهما سوآتهما } أي فلما وجدا طعمها آخذين في الأكل منها ~~أخذتهما العقوبة وشؤم المعصية فتهافت عنهما لباسهما وظهرت لهما ~~عوراتهما، واختلف في أن الشجرة كانت السنبلة أو الكرم أو غيرهما وأن ~~اللباس كان نورا أو ظفرا { وطفقا يخصفان } طفق من أفعال ~~الشروع والتلبس كأخذ وجعل وأنشأ وعلق وهب وانبرى أي أخذا يرقعان ~~ويلزقان ورقة فوق ورقة { عليهما من ورق الجنة } قيل: ~~كان ذلك ورق التين وقرىء يخصفان من أخصف أي يخصفان أنفسهما ~~ويخصفان من التخصيف ويخصفان أصله يختصفان. # { وناداهما ربهما } مالك أمرهما بطريق العتاب والتوبيخ { ~~ألم أنهكما } وهو تفسير للنداء فلا محل له من الإعراب أو معمول ~~لقول محذوف أي وقال أو قائلا: ألم أنهكما؟ { عن تلكما ~~الشجرة } ما في اسم الإشارة من معنى البعد لما أنه إشارة إلى ~~الشجرة التي نهي عن قربانها { وأقل لكما } عطف على أنهكما أي ~~ألم أقل لكما: { إن الشيطن لكما عدو مبين } وهذا ~~عتاب وتوبيخ على الاغترار بقول العدو كما أن الأول عتاب على ~~مخالفة النهي، قيل: فيه دليل على أن مطلق النهي للتحريم، ولكما متعلق ~~بعدو لما فيه من معنى الفعل أو بمحذوف هو حال من عدو، ولم يحك هذا ~~القول ههنا، وقد حكي في سورة طه بقوله تعالى: # إن هذا عدو لك ولزوجك # [طه، الآية 117] الآية. روي أنه تعالى قال لآدم: ألم يكن فيما منحتك ~~من شجر الجنة مندوحة عن هذه الشجرة؟ فقال: بلى، وعزتك ولكن ما ظننت أن ~~أحدا من خلقك يحلف بك كاذبا، قال: فبعزتي لأهبطنك إلى الأرض ثم لا ~~تنال العيش إلا كدا فأهبط وعلم صنعة الحديد وأمر بالحرث ~~فحرث وسقى وحصد وداس وذرى وعجن وخبز. ### || [7.23-25] # { قالا ربنا ظلمنا أنفسنا } أي ضررناها بالمعصية ~~والتعريض للإخراج من الجنة { وإن لم تغفر لنا } ذلك { ~~وترحمنا لنكونن من الخسرين } وهو دليل على أن ~~الصغائر يعاقب عليها إن لم تغفر، وقالت المعتزلة: لا يجوز المعاقبة ~~عليها مع اجتناب ms1147 الكبائر، ولذلك حملوا قولهما ذلك على عادات المقربين ~~في استعظام الصغير من السيئات واستصغار العظيم من الحسنات. # { قال } استئناف كما مر مرارا { اهبطوا } خطاب لآدم وحواء ~~وذريتهما، أو لهما ولإبليس، كرر الأمر تبعا لهما ليعلم أنهم قرناء ~~أبدا، أو أخبر عما قال لهم مفرقا كما في قوله تعالى: # يأيها الرسل كلوا من الطيبت # [المؤمنون، الآية 51] ولم يذكر ههنا قبول توبتهما ثقة بما ذكر في ~~سائر المواضع { بعضكم لبعض عدو } جملة حالية من فاعل ~~اهبطوا أي متعادين { ولكم فى الأرض مستقر } أي استقرار ~~أو موضع استقرار { ومتع } أي تمتع وانتفاع { إلى حين } هو ~~حين انقضاء آجالكم. # { قال } أعيد الاستئناف إما للإيذان بعدم اتصال ما بعده بما قبله ~~كما في قوله تعالى: # قال فما خطبكم أيها المرسلون # [الحجر، الآية 57] إثر قوله تعالى: # قال ومن يقنط من رحمة ربه إلا الضآلون # [الحجر، الآية 56] وقوله تعالى: # قال أرءيتك هذا الذى كرمت على # [الإسراء، الآية 62] بعد قوله تعالى: # قال أءسجد لمن خلقت طينا # [الإسراء، الآية 61] وإما لإظهار الاعتناء بمضمون ما بعده من قوله ~~تعالى: { فيها تحيون وفيها تموتون ومنها تخرجون } ~~أي للجزاء كقوله تعالى: # منها خلقنكم وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم ~~تارة أخرى # [طه، الآية 55]. ### || [7.26-27] # { يا بني آدم } خطاب للناس كافة، وإيرادهم بهذا العنوان مما لا يخفى ~~سره { قد أنزلنا عليكم لباسا } أي خلقناه لكم بتدبيرات ~~سماوية وأسباب نازلة منها، ونظيره # وأنزل لكم من الأنعام # [الزمر، الآية 6] الخ، وقوله تعالى: # وأنزلنا الحديد # الحديد، الآية 25] { يورى سوآتكم } التي قصد إبليس إبداءها من ~~أبويكم حتى اضطروا إلى خصف الأوراق وأنتم مستغنون عن ذلك. وروي أن العرب ~~كانوا يطوفون بالبيت عرايا ويقولون: لا نطوف بثياب عصينا الله تعالى ~~فيها فنزلت. ولعل ذكر قصة آدم عليه السلام حينئذ للإيذان بأن انكشاف ~~العورة أول سوء أصاب الإنسان من قبل الشيطان، وأنه أغواهم في ذلك كما ~~أغوى أبويهم { وريشا } ولباسا تتجملون به، والريش الجمال وقيل: ~~مالا، ومنه تريش الرجل أي تمول وقرىء رياشا وهو جمع ريش كشعب ~~وشعاب { ولباس التقوى } أي ms1148 خشية الله تعالى، وقيل: الإيمان، ~~وقيل: السمت الحسن، وقيل: لباس الحرب، ورفعه بالابتداء خبره جملة ~~{ ذلك خير } أو خبر وذلك صفته كأنه قيل: ولباس التقوى المشار ~~إليه خير وقرىء ولباس التقوى بالنصب عطفا على لباسا { ذلك } أي ~~إنزال اللباس { من آيت الله } دالة على عظيم فضله وعميم ~~رحمته { لعلهم يذكرون } فيعرفون نعمته أو يتعظون ~~فيتورعون عن القبائح. # { يا بني آدم } تكرير النداء للإيذان بكمال الاعتناء بمضمون ما صدر ~~به، وإيرادهم بهذا العنوان مما لا يخفى سببه { لا يفتننكم ~~الشيطن } أي لا يوقعنكم في الفتنة والمحنة بأن يمنعكم من دخول ~~الجنة { كما أخرج أبويكم من الجنة } نعت لمصدر محذوف ~~أي لا يفتننكم فتنة مثل إخراج أبويكم، وقد جوز أن يكون التقدير ~~لا يخرجنكم بفتنته إخراجا مثل إخراجه لأبويكم، والنهي وإن كان ~~متوجها إلى الشيطان لكنه في الحقيقة متوجه إلى المخاطبين كما في ~~قولك: لا أرينك ههنا، وقد مر تحقيقه مرارا { ينزع عنهما ~~لباسهما ليريهما سوآتهما } حال من أبويكم أو من فاعل أخرج، ~~وإسناد النزع إليه للتسبيب، وصيغة المضارع لاستحضار الصورة، وقوله ~~تعالى: { إنه يراكم هو وقبيله } أي جنوده وذريته ~~استئناف لتعليل النهي وتأكيد التحذير لا منه { من حيث لا ~~ترونهم } (من) لابتداء غاية الرؤية، وحيث ظرف لمكان انتفاء ~~الرؤية ولا ترونهم في محل الجر بإضافة الظرف إليه، ورؤيتهم لنا من ~~حيث لا نراهم لا تقتضي امتناع رؤيتنا لهم مطلقا واستحالة تمثلهم ~~لنا. # { إنا جعلنا الشيطين } جعل قبيله من جملته فجمع { ~~أولياء للذين لا يؤمنون } أي جعلناهم بما أوجدنا بينهم ~~من المناسبة أو بإرسالهم عليهم وتمكينهم من إغوائهم وحملهم على ما ~~سولوا لهم أولياء أي قرناء مسلطين عليهم، والجملة تعليل آخر للنهي ~~وتأكيد للتحذير إثر تحذير. ### || [7.28-29] # { وإذا فعلوا فحشة } جملة مبتدأة لا محل لها من الإعراب، ~~وقد جوز عطفها على الصلة، والفاحشة الفعلة المتناهية في القبح، ~~والتاء لأنها مجراة على الموصوف المؤنث أو للنقل من الوصفية إلى ~~الاسمية، والمراد بها عبادة الأصنام وكشف العورة في الطواف ونحوهما. # { قالوا } جوابا للناهين عنها ms1149 { وجدنا عليها ءاباءنا ~~والله أمرنا بها } محتجين بأمرين: تقليد الآباء والافتراء ~~على الله سبحانه، ولعل تقديم المقدم للإيذان منهم بأن آباءهم إنما ~~كانوا يفعلونها بأمر الله تعالى بها على أن ضمير (أمرنا) لهم ولآبائهم، ~~فحينئذ يظهر وجه الإعراض عن الأول في رد مقالتهم بقوله تعالى: { قل ~~إن الله لا يأمر بالفحشاء } فإن عادته تعالى جارية على ~~الأمر بمحاسن الأعمال والحث على مراضي الخصال، ولا دلالة فيه على ~~أن قبح الفعل بمعنى ترتب الذم عليه عاجلا والعقاب آجلا عقلي ~~فإن المراد بالفاحشة ما ينفر عنه الطبع السليم ويستنقصه العقل ~~المستقيم، وقيل: هما جوابا سؤالين مترتبين كأنه قيل لما فعلوها: لم ~~فعلتم؟ فقالوا: وجدنا عليها آباءنا، فقيل: لم فعلها آباؤكم؟ فقالوا: ~~الله أمرنا بها، وعلى الوجهين يمنع التقليد إذا قام الدليل بخلافه لا ~~مطلقا { أتقولون على الله ما لا تعلمون } من تمام ~~القول المأمور به، والهمزة لإنكار الواقع واستقباحه وتوجيه ~~الإنكار والتوبيخ إلى قولهم عليه تعالى ما لا يعلمون صدوره عنه تعالى ~~ مع أن بعضهم يعلمون عدم صدوره عنه تعالى مبالغة في إنكار تلك ~~الصورة فإن إسناد ما لم يعلم عنه تعالى إليه تعالى إذا كان منكرا ~~فإسناد ما علم عدم صدوره عنه إليه عز وجل أشد قبحا وأحق ~~بالإنكار. # { قل أمر ربي بالقسط } بيان للمأمور به إثر نفي ما أسند ~~أمره إليه تعالى من الأمور المنهي عنها، والقسط العدل وهو الوسط ~~من كل شيء، المتجافي عن طرفي الإفراط والتفريط. # { وأقيموا وجوهكم } وتوجهوا إلى عبادته مستقيمين غير عادلين ~~إلى غيرها، أو أقيموا وجوهكم نحو القبلة { عند كل مسجد } في كل ~~وقت سجود أو مكان سجود وهو الصلاة أو في أي مسجد حضرتكم الصلاة ~~وعنده ولا تؤخروها حتى تعودوا إلى مساجدكم { وادعوه } واعبدوه { ~~مخلصين له الدين } أي الطاعة فإن مصيركم إليه بالآخرة { كما ~~بدأكم } أي أنشأكم ابتداء { تعودون } إليه بإعادته فيجازيكم ~~على أعمالكم وإنما شبه الإعادة بالإبداء تقريرا لإمكانها والقدرة ~~عليها، وقيل: كما بدأكم من التراب تعودون إليه، وقيل: حفاة عراة غرلا ~~تعودون ms1150 إليه وقيل: كما بدأكم مؤمنا وكافرا يعيدكم. ### || [7.30-33] # { فريقا هدى } بأن وفقهم للإيمان { وفريقا حق عليهم ~~الضللة } بمقتضى القضاء السابق التابع للمشيئة المبنية على ~~الحكم البالغة، وانتصابه بفعل مضمر يفسره ما بعده أي وخذل فريقا ~~{ إنهم اتخذوا الشيطين أولياء من دون الله } ~~تعليل لخذلانه أو تحقيق لضلالتهم { ويحسبون أنهم ~~مهتدون } فيه دلالة على أن الكافر المخطىء والمعاند سواء ~~في استحقاق الذم وللفارق أن يحمله على المقصر في النظر. # { يبنى ءادم خذوا زينتكم } أي ثيابكم لمواراة عورتكم { ~~عند كل مسجد } أي طواف أو صلاة، ومن السنة أن يأخذ الرجل ~~أحسن هيئته للصلاة وفيه دليل على وجوب ستر العورة في الصلاة { ~~وكلوا واشربوا } مما طاب لكم. روي أن بني عامر كانوا في أيام ~~حجهم لا يأكلون الطعام إلا قوتا ولا يأكلون دسما يعظمون بذلك حجهم ~~فهم المسلمون بمثله فنزلت { ولا تسرفوا } بتحريم الحلال أو ~~بالتعدي إلى الحرام أو بالإفراط في الطعام والشره عليه، وعن ابن عباس ~~رضي الله تعالى عنهما: كل ما شئت والبس ما شئت ما أخطأتك خصلتان: ~~سرف ومخيلة. وقال علي بن الحسين بن واقد: (جمع الله الطب في نصف ~~آية) فقال: { كلوا واشربوا ولا تسرفوا } { إنه لا ~~يحب المسرفين } أي لا يرتضي فعلهم. # { قل من حرم زينة الله } من الثياب وما يتجمل به { ~~التى أخرج لعباده } من النبات كالقطن والكتان، والحيوان ~~كالحرير والصوف، والمعادن كالدروع { والطيبت من الرزق } ~~أي المستلذات من المآكل والمشارب، وفيه دليل على أن الأصل في المطاعم ~~والملابس وأنواع التجملات الإباحة، لأن الاستفهام في من إنكاري ~~{ قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا } بالأصالة، ~~والكفرة وإن شاركوهم فيها فبالتبع { خالصة يوم القيمة ~~} لا يشاركهم فيها غيرهم وانتصابه على الحالية، وقرىء بالرفع على أنه ~~خبر بعد خبر { كذلك نفصل الآيت لقوم يعلمون } أي ~~مثل هذا التفصيل نفصل سائر الأحكام لقوم يعلمون ما في تضاعيفها من ~~المعاني الرائقة. # { قل إنما حرم ربي الفوحش } أي ما تفاحش قبحه من ~~الذنوب، وقيل: ما يتعلق منها بالفروج { ما ظهر منها وما ms1151 بطن ~~} بدل من الفواحش أي جهرها وسرها { والإثم } أي ما يوجب الإثم ~~وهو تعميم بعد تخصيص، وقيل: هو شرب الخمر { والبغي } أي الظلم أو ~~الكبر أفرد بالذكر للمبالغة في الزجر عنه { بغير الحق } متعلق ~~بالبغي مؤكد له معنى { وأن تشركوا بالله ما لم ينزل ~~به سلطنا } تهكم بالمشركين وتنبيه على تحريم اتباع ما لا ~~يدل عليه برهان { وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون } ~~بالإلحاد في صفاته والافتراء عليه كقولهم: # والله أمرنا بها # [الأعراف، الآية 28] وتوجيه التحريم إلى قولهم عليه تعالى ما لا يعلمون ~~وقوعه لا ما يعلمون عدم وقوعه قد مر سره. ### || [7.34-35] # { ولكل أمة } من الأمم المهلكة { أجل } حد معين من ~~الزمان مضروب لمهلكهم { فإذا جاء أجلهم } إن جعل الضمير ~~للأمم المدلول عليها بكل أمة فإظهار الأجل مضافا إليه لإفادة المعنى ~~المقصود الذي هو بلوغ كل أمة أجلها الخاص بها ومجيئه إياها ~~بواسطة اكتساب الأجل بالإضافة عموما يفيده معنى الجمعية كأنه قيل: إذا ~~جاءهم آجالهم بأن يجيء كل واحدة من تلك الأمم أجلها الخاص بها، وإن ~~جعل لكل أمة خاصة كما هو الظاهر فالإظهار في موقع الإضمار لزيادة ~~التقرير، والإضافة إلى الضمير لإفادة أكمل التمييز أي إذا جاءها ~~أجلها الخاص بها. # { لا يستأخرون } عن ذلك الأجل { ساعة } أي شيئا قليلا من ~~الزمان فإنها مثل في غاية القلة منه لا يتأخرون أصلا، وصيغة ~~الاستفعال للإشعار بعجزهم وحرمانهم عن ذلك مع طلبهم له { ولا ~~يستقدمون } أي ولا يتقدمون عليه وهو عطف على يستأخرون لكن لا ~~لبيان انتفاء التقدم مع إمكانه في نفسه كالتأخر، بل للمبالغة في ~~انتفاء التأخر بنظمه في سلك المستحيل عقلا كما في قوله سبحانه: # وليست التوبة للذين يعملون السيئت حتى ~~إذا حضر أحدهم الموت قال إنى تبت الآن ولا ~~الذين يموتون وهم كفار # [النساء، الآية 18] فإن من مات كافرا مع ظهور أن لا توبة له رأسا قد ~~نظم في عدم القبول في سلك من سوفها إلى حضور الموت إيذانا بتساوي ~~وجود التوبة حينئذ وعدمها بالمرة. وقيل: المراد ms1152 بالمجيء الدنو بحيث ~~يمكن التقدم في الجملة كمجيء اليوم الذي ضرب لهلاكهم ساعة فيه وليس ~~بذاك. وتقديم بيان انتفاء الاستئخار لما أن المقصود بالذات بيان ~~عدم خلاصهم من العذاب، وأما ما في قوله تعالى: # ما تسبق من أمة أجلها وما يستأخرون # [الحجر، الآية 5] من سبق السبق في الذكر فلما أن المراد هناك ~~بيان تأخير إهلاكهم مع استحقاقهم له حسبما ينبىء عنه قوله تعالى: # ذرهم يأكلوا ويتمتعوا ويلههم الأمل فسوف ~~يعلمون # [الحجر، الآية 3] فالأهم هناك بيان انتفاء السبق. # { يا بني آدم } تلوين للخطاب وتوجيه له إلى كافة الناس اهتماما بشأن ~~ما في حيزه { إما يأتينكم } هي إن الشرطية ضمت إليها ~~(ما) لتأكيد معنى الشرط، ولذلك لزمت فعلها النون الثقيلة أو ~~الخفيفة، وفيه تنبيه على أن إرسال الرسل أمر جائز لا واجب عقلا { ~~رسل منكم } الجار متعلق بمحذوف هو صفة لرسل أي كائنون من ~~جنسكم، وقوله تعالى: { يقصون عليكم ءايتى } صفة أخرى ~~لرسل أي يبينون لكم أحكامي وشرائعي، وقوله تعالى: { فمن اتقى ~~وأصلح فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون } جملة ~~شرطية وقعت جوابا للشرط أي فمن اتقى منكم التكذيب وأصلح عمله فلا خوف ~~الخ، وكذا قوله تعالى: ### || [7.36-37] # { والذين كذبوا بئايتنا واستكبروا عنها ~~أولئك أصحب النار هم فيها خلدون } أي والذين ~~كذبوا منكم بآياتنا، وإيراد الاتقاء في الأول للإيذان بأن مدار ~~الفلاح ليس مجرد عدم التكذيب بل هو الاتقاء والاجتناب عنه، وإدخال ~~الفاء في الجزء الأول دون الثاني للمبالغة في الوعد والمسامحة في ~~الوعيد. # { فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو ~~كذب بئايته } أي تقول عليه تعالى ما لم يقله أو كذب ما ~~قاله، أي هو أظلم من كل ظالم وقد مر تحقيقه مرارا { أولئك } ~~إشارة إلى الموصول، والجمع باعتبار معناه كما أن إفراد الفعلين ~~باعتبار لفظه، وما فيه من معنى البعد للإيذان بتماديهم في سوء الحال، ~~أي أولئك الموصوفون بما ذكر من الافتراء والتكذيب { ينالهم ~~نصيبهم من الكتب } أي مما كتب لهم من الأرزاق والأعمار، ~~وقيل: الكتاب اللوح، أي ما ms1153 أثبت لهم فيه وأيا ما كان فمن ~~الابتدائية متعلقة بمحذوف وقع حالا من نصيبهم، أي ينالهم نصيبهم ~~كائنا من الكتاب وقيل: نصيبهم من العذاب وسواد الوجه وزرقة العيون، ~~وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: كتب لمن يفتري على الله سواد ~~الوجه قال تعالى: { ويوم القيمة ترى الذين كذبوا ~~على الله وجوههم مسودة } وقوله تعالى: { حتى إذا ~~جاءتهم رسلنا } أي ملك الموت وأعوانه { يتوفونهم } ~~أي حال كونهم متوفين لأرواحهم يؤيد الأول، فإن حتى وإن كانت هي التي ~~يبتدأ بها الكلام لكنها غاية لما قبلها فلا بد أن يكون نصيبهم مما ~~يتمتعون بها إلى حين وفاتهم أي ينالهم نصيبهم من الكتاب إلى أن يأتيهم ~~ملائكة الموت فإذا جاءتهم { قالوا } لهم { أين ما كنتم ~~تدعون من دون الله } أي أين الآلهة التي كنتم تعبدونها في ~~الدنيا؟ و(ما) وقعت موصولة بأين في خط المصحف وحقها الفصل لأنها ~~موصولة { قالوا } استئناف وقع جوابا عن سؤال نشأ من حكاية سؤال ~~الرسل، كأنه قيل: فماذا قالوا عند ذلك؟ فقيل: قالوا: { ضلوا عنا ~~} أي غابوا عنا أي لا ندري مكانهم { وشهدوا على أنفسهم } ~~عطف على قالوا أي اعترفوا على أنفسهم { أنهم كانوا } أي في ~~الدنيا { كفرين } عابدين لما لا يستحق العبادة أصلا حيث شاهدوا ~~حاله وضلاله ولعله أريد بوقت مجيء الرسل وحال التوفي الزمان ~~الممتد من ابتداء المجيء والتوفي إلى انتهائه يوم الجزاء بناء على ~~تحقق المجيء والتوفي في كل ذلك الزمان بقاء وإن كان حدوثهما في أوله ~~فقط، أو قصد بيان غاية سرعة وقوع البعث والجزاء كأنهما حاصلان عند ~~ابتداء التوفي كما ينبىء عنه قوله عليه الصلاة والسلام: # " من مات فقد قامت قيامته " # وإلا فهذا السؤال والجواب وما ترتب عليهما من الأمر بدخول النار وما ~~جرى بين أهلها من التلاعن والتقاول إنما يكون بعد البعث لا محالة. ### || [7.38-40] # { قال } أي الله عز وجل يوم القيامة بالذات أو بواسطة الملك { ~~ادخلوا فى أمم قد خلت من قبلكم } أي كائنين من جملة ~~أمم مصاحبين لهم { من الجن والإنس ms1154 } يعني كفار الأمم ~~الماضية من النوعين { فى النار } متعلق بقوله: { أدخلوا } { ~~كلما دخلت أمة } من الأمم السابقة واللاحقة فيها { ~~لعنت أختها } التي ضللت بالاقتداء بها { حتى إذا ~~اداركوا فيها جميعا } أي تداركوا وتلاحقوا في النار { قالت ~~أخراهم } دخولا أو منزلة وهو الأتباع { لأولهم } أي ~~لأجلهم إذ الخطاب مع الله تعالى لا معهم { ربنا هؤلاء ~~أضلونا } سنوا لنا الضلال فاقتدينا بهم { فآتهم عذابا ~~ضعفا } أي مضاعفا { من النار } لأنهم ضلوا وأضلوا { قال ~~لكل ضعف } أما القادة فلما ذكر من الضلال والإضلال، وأما ~~الأتباع فلكفرهم وتقليدهم { ولكن لا تعلمون } أي مالكم ~~وما لكل فريق من العذاب وقرىء بالياء { وقالت أولهم } أي ~~مخاطبين { لأخراهم } حين سمعوا جواب الله تعالى لهم { فما ~~كان لكم علينا من فضل } أي فقد ثبت أن لا فضل لكم علينا ~~وإنا وإياكم متساوون في الضلال واستحقاق العذاب { فذوقوا العذاب ~~} أي العذاب المعهود المضاعف { بما كنتم تكسبون } من قول ~~القادة. # { إن الذين كذبوا بئايتنا } مع وضوحها { ~~واستكبروا عنها } أي عن الإيمان بها والعمل بمقتضاها { لا ~~تفتح لهم أبوب السماء } أي لا تقبل أدعيتهم ولا ~~أعمالهم أو لا تعرج إليها أرواحهم كما هو شأن أدعية المؤمنين ~~وأعمالهم وأرواحهم والتاء في (تفتح) لتأنيث الأبواب على أن الفعل ~~للآيات، وبالياء على أنه لله تعالى { ولا يدخلون الجنة ~~حتى يلج الجمل فى سم الخياط } أي حتى يدخل ما هو ~~مثله في عظم الجرم فيما هو علم في ضيق المسلك وهو ثقبة الإبرة، ~~وفي كون الجمل مما ليس من شأنه الولوج في سم الإبرة مبالغة في ~~الاستبعاد. وقرىء الجمل كالقمل والجمل كالنغر والجمل كالقفل ~~والجمل كالنصب والجمل كالحبل وهي الحبل الغليظ من القنب وقيل: حبل ~~السفينة، وسم بالضم والكسر وقرىء في سم المخيط وهو الخياط أي ما ~~يخاط به كالحزام والمحزم { وكذلك } أي ومثل ذلك الجزاء الفظيع { ~~نجزي المجرمين } أي جنس المجرمين وهم داخلون في زمرتهم دخولا ~~أوليا. ### || [7.41-43] # { لهم من جهنم مهاد } أي فراش من تحتهم، والتنوين للتفخيم ~~ومن تجريدية { ومن فوقهم غواش } أي ms1155 أغطية والتنوين للبدل عن ~~الإعلال عند سيبويه وللصرف عند غيره، وقرىء غواش على إلغاء المحذوف ~~كما في قوله تعالى: # وله الجوار المنشئات # [الرحمن، الآية 24] { وكذلك } ومثل ذلك الجزاء الشديد { نجزى ~~الظلمين } عبر عنهم بالمجرمين تارة وبالظالمين أخرى إشعارا ~~بأنهم بتكذيبهم الآيات اتصفوا بكل واحد من ذينك الوصفين القبيحين، ~~وذكر الجرم مع الحرمان من دخول الجنة والظلم مع التعذيب بالنار ~~للتنبيه على أنه أعظم الجرائم والجرائر. { والذين ءامنوا } ~~أي بآياتنا أو بكل ما يجب أن يؤمن به فيدخل فيه الآيات دخولا ~~أوليا وقوله تعالى: { وعملوا الصلحات } أي الأعمال ~~الصالحة التي شرعت بالآيات، وهذا بمقابلة الاستكبار عنها { لا ~~نكلف نفسا إلا وسعها } اعتراض وسط بين المبتدإ الذي ~~هو الموصول والخبر الذي هو الجملة { أولئك أصحب ~~الجنة } للترغيب في اكتساب ما يؤدي إلى النعيم المقيم ببيان سهولة ~~مناله وتيسر تحصيله، وقرىء لا تكلف نفس، واسم الإشارة مبتدأ، ~~وأصحاب الجنة خبره والجملة خبر للمبتدإ الأول، أو اسم الإشارة ~~بدل من المبتدأ الأول الذي هو الموصول والخبر أصحاب الجنة. وما فيه ~~من معنى البعد للإيذان ببعد منزلتهم في الفضل والشرف { هم فيها ~~خلدون } حال من أصحاب الجنة وقد جوز كونه حالا من الجنة ~~لاشتماله على ضميرها والعامل معنى الإضافة أو اللام المقدرة أو خبر ~~ثان لأولئك على رأي من جوزه وفيها متعلق بخالدون. # { ونزعنا ما فى صدورهم من غل } أي نخرج من قلوبهم أسباب ~~الغل أو نطهرها منه حتى لا يكون بينهم إلا التواد. وصيغة الماضي ~~للإيذان بتحققه وتقرره، وعن علي رضي الله عنه: إني لأرجو أن أكون أنا ~~وعثمان وطلحة والزبير منهم { تجرى من تحتهم الأنهر } ~~زيادة في لذتهم وسرورهم، والجملة حال من الضمير في صدورهم والعامل ~~إما معنى الإضافة وإما العامل في المضاف أو حال من فاعل نزعنا والعامل ~~نزعنا وقيل: هي مستأنفة للإخبار عن صفة أحوالهم { وقالوا الحمد ~~لله الذى هدانا لهذا } أي لما جزاؤه هذا { وما كنا ~~لنهتدي } أي لهذا المطلب الأعلى أو لمطلب من المطالب التي هذا من ~~جملتها { لولا ms1156 أن هدانا الله } ووفقنا له، واللام لتأكيد النفي ~~وجواب لولا محذوف ثقة بدلالة ما قبله عليه، ومفعول نهتدي وهدانا ~~الثاني محذوف لظهور المراد أو لإرادة التعميم كما أشير إليه، والجملة ~~مستأنفة أو حالية وقرىء ما كنا لنهتدي الخ، بغير واو على أنها ~~مبينة ومفسرة للأولى. # { لقد جاءت رسل ربنا } جواب قسم مقدر قالوه تبجحا ~~واغتباطا بما نالوه وابتهاجا بإيمانهم بما جاءتهم الرسل عليهم السلام ~~والباء في قوله تعالى: { بالحق } إما للتعدية فهي متعلقة بجاءت أو ~~للملابسة فهي متعلقة بمقدر وقع حالا من الرسل أي والله لقد جاءوا ~~بالحق أو لقد جاءوا ملتبسين بالحق { ونودوا } أي نادتهم الملائكة ~~عليهم السلام { أن تلكم الجنة } أن مفسرة لما في النداء من ~~معنى القول أو مخففة من أن وضمير الشأن محذوف، ومعنى البعد في اسم ~~الإشارة إما لأنهم نودوا عند رؤيتهم إياها من مكان بعيد، وإما رفع ~~منزلتها وبعد رتبتها، وإما للإشعار بأنها تلك الجنة التي وعدوها في ~~الدنيا { أورثتموها بما كنتم تعملون } في الدنيا من ~~الأعمال الصالحة أي أعطيتموها بسبب أعمالكم أو بمقابلة أعمالكم ~~والجملة حال من الجنة والعامل معنى الإشارة على أن (تلكم الجنة) ~~مبتدأ وخبر، أو الجنة صفة والخبر أورثتموها. ### || [7.44-46] # { ونادى أصحب الجنة أصحب النار } تبجحا بحالهم ~~وشماتة بأصحاب النار وتحسيرا لهم لا لمجرد الإخبار بحالهم والاستخبار ~~عن حال مخاطبيهم { أن قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقا } ~~حيث نلنا هذا المنال الجليل { فهل وجدتم ما وعد ربكم ~~حقا } حذف المفعول من الفعل الثاني إسقاطا لهم عن رتبة التشريف ~~بالخطاب عند الوعد، وقيل: لأن ما ساءهم من الموعود لم يكن بأسره مخصوصا ~~بهم وعدا كالبعث والحساب ونعيم الجنة، فإنهم قد وجدوا جميع ذلك حقا ~~وإن لم يكن وعده مخصوصا بهم { قالوا نعم } أي وجدناه حقا، وقرىء ~~بكسر العين وهي لغة فيه { فأذن مؤذن } قيل: هو صاحب الصور { ~~بينهم } أي بين الفريقين { أن لعنة الله على ~~الظلمين } بأن المخففة أو المفسرة، وقرىء بأن المشددة ~~ونصب (لعنة) وقرى إن بكسر الهمزة على إرادة ms1157 القول أو إجراء أذن ~~مجرى قال { الذين يصدون عن سبيل الله } صفة مقررة ~~للظالمين، أو رفع على الذم أو نصب عليه { ويبغونها عوجا } أي ~~يبغون لها عوجا بأن يصفوها بالزيغ والميل عن الحق وهو أبعد شيء ~~منهما والعوج بالكسر في المعاني والأعيان ما لم يكن منتصبا وبالفتح ~~ما كان في المنتصب كالرمح والحائط { وهم بالآخرة كفرون } ~~غير معترفين. # { وبينهما حجاب } أي بين الفريقين كقوله تعالى: # فضرب بينهم بسور # [الحديد، الآية 13] أو بين الجنة والنار ليمنع وصول أثر إحداهما إلى ~~الأخرى { وعلى الأعراف } أي على أعراف الحجاب وأعاليه وهو السور ~~المضروب بينهما جمع عرف مستعار من عرف الفرس وقيل: العرف ما ارتفع ~~من الشيء فإنه بظهوره أعرف من غيره { رجال } طائفة من الموحدين ~~قصروا في العمل فيجلسون بين الجنة والنار حتى يقضي الله تعالى فيهم ~~ما يشاء، وقيل: قوم علت درجاتهم كالأنبياء والشهداء والأخيار ~~والعلماء من المؤمنين، أو ملائكة يرون في صور الرجال { يعرفون ~~كلا } من أهل الجنة والنار { بسيمهم } بعلامتهم التي أعلمهم ~~الله تعالى بها كبياض الوجه وسواده، فعلى من سام إبله إذا أرسلها ~~في المرعى معلمة، أو من وسم، بالقلب، كالجاه من الوجه، وإنما ~~يعرفون ذلك بالإلهام أو بتعليم الملائكة { ونادوا } أي رجال ~~الأعراف { أصحب الجنة } حين رأوهم { أن سلم عليكم ~~} بطريق الدعاء والتحية أو بطريق الإخبار بنجاتهم من المكارة { لم ~~يدخلوها } حال من فاعل نادوا أو من مفعوله وقوله تعالى: { وهم ~~يطمعون } حال من فاعل يدخلوها أي نادوهم وهم لم يدخلوها حال كونهم ~~طامعين في دخولها مترقبين له، أي لم يدخلوها وهم في وقت عدم الدخول ~~طامعون. ### || [7.47-49] # { وإذا صرفت أبصرهم تلقاء أصحب النار } أي ~~إلى جهتهم، وفي عدم التعرض لتعلق أنظارهم بأصحاب الجنة والتعبير عن ~~تعلق أبصارهم بأصحاب النار بالصرف إشعار بأن التعلق الأول بطريق ~~الرغبة والميل الثاني بخلافه { قالوا } متعوذين بالله تعالى من سوء ~~حالهم { ربنا لا تجعلنا مع القوم الظلمين } أي ~~في النار، وفي وصفهم بالظلم دون ما هم عليه حينئذ من العذاب وسوء الحال ms1158 ~~الذي هو الموجب للدعاء إشعار بأن المحذور عندهم ليس نفي العذاب فقط ~~بل مع ما يوجبه ويؤدي إليه من الظلم. # { ونادى أصحب الأعراف } كرر ذكرهم مع كفاية الإضمار ~~لزيادة التقرير { رجالا } من رؤساء الكفار حين رأوهم فيما بين ~~أصحاب النار { يعرفونهم بسيمهم } الدالة على سوء حالهم ~~يومئذ وعلى رياستهم في الدنيا { قالوا } بدل من نادى { ما أغنى ~~عنكم } (ما) استفهامية للتوبيخ والتقريع أو نافية { جمعكم } أي ~~أتباعكم وأشياعكم أو جمعكم للمال { وما كنتم تستكبرون } ~~ما مصدرية أي ما أغنى عنكم جمعكم واستكباركم المستمر عن قبول ~~الحق، أو على الخلق وهو الأنسب بما بعده، وقرىء تستكثرون من الكثرة أي ~~من الأموال والجنود. # { أهؤلاء الذين أقسمتم لا ينالهم الله ~~برحمة } من تتمة قولهم للرجال، والإشارة إلى ضعفاء المؤمنين الذين ~~كانت الكفرة يحتقرونهم في الدنيا ويحلفون صريحا أنهم لا يدخلون ~~الجنة أو يفعلون ما ينبىء عن ذلك كما في قوله تعالى: # أو لم تكونوا أقسمتم من قبل ما لكم من زوال # [إبراهيم، الآية 44] { ادخلوا الجنة } تلوين للخطاب وتوجيه ~~له إلى أولئك المذكورين أي ادخلوا الجنة على رغم أنوفهم { لا خوف ~~عليكم } بعد هذا { ولا أنتم تحزنون } أو قيل لأصحاب ~~الأعراف: ادخلوا الجنة بفضل الله تعالى بعد أن حبسوا وشاهدوا أحوال ~~الفريقين وعرفوهم وقالوا لهم ما قالوا. والأظهر أن لا يكون المراد ~~بأصحاب الأعراف المقصرين في العمل لأن هذه المقالات وما تتفرع هي ~~عليه من المعرفة لا يليق بمن لم يتعين حاله بعد، وقيل: لما عيروا ~~أصحاب النار أقسموا أن أصحاب النار أقسموا أن أصحاب الأعراف لا ~~يدخلون الجنة فقال الله تعالى أو الملائكة ردا عليهم: { أهؤلاء } ~~الخ، وقرىء ادخلوا ودخلوا على الاستئناف وتقديره دخلوا الجنة مقولا ~~في حقهم لا خوف عليكم. ### || [7.50-52] # { ونادى أصحب النار أصحب الجنة } بعد أن استقر ~~بكل من الفريقين القرار واطمأنت به الدار { أن أفيضوا علينا ~~من الماء } أي صبوه، وفي دلالة على أن الجنة فوق النار { أو ~~مما رزقكم الله } من سائر الأشربة ليلائم الإفاضة، أو من ~~الأطعمة ms1159 على أن الإفاضة عبارة عن الإعطاء بكثرة { قالوا } استئناف ~~مبني على السؤال كأنه قيل: فماذا قالوا؟ فقيل: قالوا: { إن الله ~~حرمهما على الكفرين } أي منعهما منهم منعا كليا فلا ~~سبيل إلى ذلك قطعا { الذين اتخذوا دينهم لهوا ~~ولعبا } كتحريم البحيرة والسائبة ونحوهما والتصدية حول البيت، ~~واللهو صرف الهم إلى ما لا يحسن أن يصرف إليه، واللعب طلب ~~الفرح بما لا يحسن أن يطلب { وغرتهم الحيوة الدنيا } ~~بزخارفها العاجلة { فاليوم ننسهم } نفعل بهم ما يفعل الناسي ~~بالمنسي من عدم الاعتداد بهم وتركهم في النار تركا كليا، والفاء في ~~فاليوم فصيحة وقوله تعالى: { كما نسوا لقاء يومهم هذا } ~~في محل النصب على أنه نعت لمصدر محذوف، أي ننساهم نسيانا مثل ~~نسيانهم لقاء يومهم هذا حيث لم يخطروه ببالهم ولم يعتدوا له، ~~وقوله تعالى: { وما كانوا بئايتنا يجحدون } عطف على ~~ما نسوا أي وكما كانوا منكرين بأنها من عند الله تعالى إنكارا مستمرا. # { ولقد جئنهم بكتب فصلنه } أي بينا معانيه ~~من العقائد والأحكام والمواعظ، والضمير للكفرة قاطبة والمراد بالكتاب ~~الجنس أو للمعاصرين منهم والكتاب هو القرآن { على علم } حال من ~~فاعل فصلناه أي عالمين بوجه تفصيله حتى جاء حكيما أو من مفعوله أي ~~مشتملا على علم كثير، وقرىء فضلناه أي على سائر الكتب عالمين بفضله { ~~هدى ورحمة } حال من المفعول { لقوم يؤمنون } لأنهم ~~المغتنمون لآثاره المقتبسون من أنواره. ### || [7.53-54] # { هل ينظرون إلا تأويله } أي ما ينتظر هؤلاء الكفرة ~~بعدم إيمانهم به إلا ما يؤول إليه أمره من تبين صدقه بظهور ما أخبر ~~به من الوعد والوعيد { يوم يأتي تأويله } وهو يوم القيامة { ~~يقول الذين نسوه من قبل } أي تركوه ترك المنسي من قبل ~~إتيان تأويله { قد جاءت رسل ربنا بالحق } أي قد تبين ~~أنهم قد جاءوا بالحق { فهل لنا من شفعاء فيشفعوا لنا } ~~اليوم ويدفعوا عنا العذاب { أو نرد } أي هل نرد إلى الدنيا وقرىء ~~بالنصب عطفا على فيشفعوا أو لأن أو بمعنى إلى أن، فعلى الأول المسؤول ~~أحد الأمرين، إما الشفاعة الدفع ms1160 للعذاب أو الرد إلى الدنيا وعلى الثاني ~~أن يكون لهم شفعاء إما لأحد الأمرين أو لأمر واحد هو الرد { فنعمل ~~} بالنصب على أنه جواب الاستفهام الثاني وقرىء بالرفع أي فنحن نعمل { ~~غير الذى كنا نعمل } أي في الدنيا { قد خسروا ~~أنفسهم } بصرف أعمارهم التي هي رأس مالهم إلى الكفر والمعاصي { ~~وضل عنهم ما كانوا يفترون } أي ظهر بطلان ما كانوا ~~يفترونه من أن الأصنام شركاء الله تعالى وشفعاؤهم يوم القيامة. # { إن ربكم الله الذى خلق السموات والأرض ~~في ستة أيام } شروع في بيان مبدأ الفطرة إثر بيان معاد ~~الكفرة أي إن خالقكم ومالككم الذي خلق الأجرام العلوية والسفلية في ~~ستة أوقات كقوله تعالى: # ومن يولهم يومئذ دبره # [الأنفال، الآية 16] أو في مقدار ستة أيام فإن المتعارف أن اليوم ~~زمان طلوع الشمس إلى غروبها، ولم تكن هي حينئذ وفي خلق الأشياء مدرجا ~~مع القدرة على إبداعها دفعة دليل على الاختيار واعتبار للنظار وحث ~~على التأني في الأمور { ثم استوى على العرش } أي استوى ~~أمره واستولى وعن أصحابنا أن الاستواء على العرش صفة الله تعالى بلا ~~كيف والمعنى أنه تعالى استوى على العرش على الوجه الذي عناه منزها عن ~~الاستقرار والتمكن، والعرش الجسم المحيط بسائر الأجسام سمي به لارتفاعه ~~أو للتشبيه بسرير الملك فإن الأمور والتدابير تنزل منه وقيل: الملك. # { يغشى الليل النهار } أي يغطيه به ولم يذكر العكس للعلم ~~به أو لأن اللفظ يحتملهما ولذلك قرىء بنصب الليل ورفع النهار وقرىء ~~بالتشديد للدلالة على التكرار { يطلبه حثيثا } أي يعقبه سريعا ~~كالطالب له لا يفصل بينهما شيء، والحثيث فعيل من الحث وهو صفة مصدر ~~محذوف، أو حال من الفاعل أو من المفعول بمعنى حاثا أو محثوثا { ~~والشمس والقمر والنجوم مسخرت بأمره } أي خلقهن ~~حال كونهن مسخرات بقضائه وتصريفه، وقرىء كلها بالرفع على الابتداء ~~والخبر { ألا له الخلق والأمر } فإنه الموجد للكل ~~والمتصرف فيه على الإطلاق { تبارك الله رب العلمين } ~~أي تعالى بالوحدانية في الألوهية وتعظم بالتفرد في الربوبية. # وتحقيق الآية الكريمة والله ms1161 تعالى أعلم أن الكفرة كانوا متخذين ~~أربابا فبين لهم أن المستحق للربوبية واحد هو الله تعالى لأنه ~~الذي له الخلق والأمر فإنه تعالى خلق العالم على ترتيب قويم وتدبير ~~حكيم فأبدع الأفلاك ثم زينها بالشمس والقمر والنجوم كما أشار إليه ~~بقوله تعالى: # فقضاهن سبع سموات فى يومين # [فصلت، الآية 12] وعمد إلى الأجرام السفلية فخلق جسما قابلا للصور ~~المتبدلة والهيئات المختلفة ثم قسمها لصور نوعية متباينة الآثار ~~والأفعال وأشار إليه بقوله تعالى: { خلق الأرض فى يومين } ~~أي ما في جهة السفل في يومين ثم أنشأ أنواع المواليد الثلاثة ~~بتركيب موادها أولا وتصويرها ثانيا كما قال بعد قوله تعالى: # خلق الأرض فى يومين # [فصلت، الآية 9]: # وجعل فيها رواسى من فوقها وبرك فيها وقدر ~~فيها أقوتها فى أربعة أيام # [فصلت، الآية 10] أي مع اليومين الأولين لما فصل في سورة السجدة ثم ~~لما تم له عالم الملك عمد إلى تدبيره كالملك الجالس على سريره فدبر ~~الأمر من السماء إلى الأرض بتحريك الأفلاك وتسيير الكواكب وتكوير ~~الليالي والأيام، ثم صرح بما هو فذلكة التقرير ونتيجته فقال تعالى: ~~{ ألا له الخلق والأمر تبارك الله رب ~~العلمين } ثم أمر بأن يدعوه مخلصين متذللين فقال: ### || [7.55-56] # { ادعوا ربكم } الذي قد عرفتم شؤونه الجليلة { تضرعا ~~وخفية } أي ذوي تضرع وخفية فإن الإخفاء دليل الإخلاص { إنه ~~لا يحب المعتدين } أي لا يحب دعاء المجاوزين لما أمروا به ~~في كل شيء، فيدخل فيه الاعتداء في الدعاء دخولا أوليا، وقد نبه به ~~على أن الداعي يجب أن لا يطلب ما لا يليق به كرتبة الأنبياء والصعود ~~إلى السماء، وقيل: هو الصياح في الدعاء والإسهاب فيه. وعن النبي صلى ~~الله عليه وسلم: # " سيكون قوم يعتدون في الدعاء وحسب المرء أن يقول: اللهم إني ~~أسألك الجنة وما قرب إليها من قول وعمل، وأعوذ بك من النار وما ~~قرب إليها من قول وعمل " # ثم [قرأ] «إنه لا يحب المعتدين». # { ولا تفسدوا فى الأرض } بالكفر والمعاصي { بعد ~~إصلحها } ببعث الأنبياء عليهم السلام وشرع الأحكام { ~~وادعوه خوفا ms1162 وطمعا } أي ذوي خوف نظرا لقصور أعمالكم وعدم ~~استخقاقكم، وطمع نظرا إلى سعة رحمته ووفور فضله وإحسانه { إن ~~رحمة الله قريب من المحسنين } في كل شيء، ومن الإحسان في ~~الدعاء أن يكون مقرونا بالخوف والطمع، وتذكير قريب لأن الرحمة بمعنى ~~الرحم أو لأنه صفة لمحذوف أي أمر قريب أو على تشبيهه بفعيل الذي هو ~~بمعنى مفعول أو الذي هو مصدر كالنقيض والصهيل، أو للفرق بين القريب من ~~النسب والقريب من غيره أو لاكتسابه التذكير من المضاف إليه كما أن ~~المضاف يكتسب التأنيث من المضاف إليه. ### || [7.57-58] # { وهو الذى يرسل الرياح } عطف على الجملة السابقة وقرىء ~~الريح { بشرا } تخفيف بشر جمع بشير أو مبشرات، وقرىء بفتح الباء ~~على أنه مصدر بشره، بمعنى باشرات أو للبشارة، وقرىء نشرا بالنون ~~المضمومة جمع نشور أي ناشرات ونشرا على أنه مصدر في موقع الحال ~~بمعنى ناشرات أو مفعول مطلق، فإن الإرسال والنشر متقاربان { بين ~~يدي رحمته } قدام رحمته التي هي المطر فإن الصبا تثير ~~السحاب والشمال تجمعه والجنوب تدره والدبور تفرقه { حتى ~~إذا أقلت } أي حملت، واشتقاقه من القلة فإن المقل للشيء ~~يستقله { سحابا ثقالا } بالماء، جمعه لأنه بمعنى السحائب { ~~سقنه } أي السحاب، وإفراد الضمير لإفراد اللفظ { لبلد ~~ميت } أي لأجله ولمنفعته أو لإحيائه أو لسقيه وقرىء ميت { ~~فأنزلنا به الماء } أي بالبلد أو بالسحاب أو بالسوق أو ~~بالريح، والتذكير بتأويل المذكور وكذلك قوله تعالى: { فأخرجنا ~~به } ويحتمل أن يعود الضمير إلى الماء وهو الظاهر، وإذا كان للبلد ~~فالباء للإلصاق في الأول والظرفية في الثاني وإذا كان لغيره فهي ~~للسببية { من كل الثمرت } أي من كل أنواعها (وألوانها) { ~~كذلك نخرج الموتى } الإشارة إلى إخراج الثمرات أو إلى ~~إحياء البلد الميت، أي كما نحييه بإحداث القوة النامية فيه ~~وتطريتها بأنواع النبات والثمرات نخرج الموتى من الأحداث ونحييها ~~برد النفوس إلى مواد أبدانها بعد جمعها وتطريتها بالقوى والحواس ~~{ لعلكم تذكرون } بطرح إحدى التاءين أي تتذكرون فتعلمون أن ~~من قدر على ذلك قدر على هذا من غير شبهة. ms1163 # { والبلد الطيب } أي الأرض الكريمة التربة { يخرج ~~نباته بإذن ربه } بمشيئته وتيسيره، عبر عن كثرة النبات ~~وحسنه وغزارة نفعه لأنه أوقعه في مقابلة قوله تعالى: { والذي ~~خبث } من البلاد كالسبخة والحرة { لا يخرج إلا نكدا } ~~قليلا عديم النفع، ونصبه على الحال والتقدير والبلد الذي خبث لا ~~يخرج نباته إلا نكدا، فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه فصار ~~مرفوعا مستترا وقرىء لا يخرج إلا نكدا أي لا يخرجه البلد إلا نكدا ~~فيكون إلا نكدا مفعوله، وقرىء نكدا على المصدر أي ذا نكد، ~~ونكدا بالإسكان للتخفيف { كذلك } أي مثل ذلك التصريف البديع { ~~نصرف الآيت } أي نرددها ونكررها { لقوم يشكرون } نعمة ~~الله تعالى فيتفكرون فيها ويعتبرون بها، وهذا كما ترى مثل لإرسال الرسل ~~عليهم السلام بالشرائع التي هي ماء حياة القلوب إلى المكلفين ~~المنقسمين إلى المقتبسين من أنوارها والمحرومين من مغانم آثارها، وقد ~~عقب ذلك بما يحققه ويقرره من قصص الأمم الخالية بطريق الاستئناف ~~فقيل: ### || [7.59-61] # { لقد أرسلنا نوحا إلى قومه } هو جواب قسم محذوف أي ~~والله لقد أرسلنا الخ، واطراد استعمال هذه اللام مع قد لكون مدخولها ~~مظنة للتوقع الذي هو معنى قد، فإن الجملة القسمية إنما تساق ~~لتأكيد الجملة المقسم عليها، ونوح هو ابن لمك بن متوشلح بن أخنوخ ~~وهو إدريس النبي عليهما السلام. قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: ~~بعث عليه السلام على رأس أربعين سنة من عمره ولبث يدعو قومه ~~تسعمائة وخمسين سنة وعاش بعد الطوفان مائتين وخمسين سنة فكان عمره ~~ألفا ومائتين وأربعين سنة. وقال مقاتل: بعث وهو ابن مائة سنة وقيل: ~~وهو ابن مائتين وخمسين سنة ومكث يدعو قومه تسعمائة وخمسين سنة وعاش ~~بعد الطوفان مائتين وخمسين سنة فكان عمره ألفا وأربعمائة وخمسين ~~سنة { فقال يقوم اعبدوا الله } أي اعبدوه وحده، وترك ~~التقييد به للإيذان بأنها العبادة حقيقة، وأما العبادة بالإشراك ~~فليست من العبادة في شيء وقوله تعالى: { ما لكم من إله ~~غيره } أي من مستحق للعبادة، استئناف مسوق لتعليل العبادة ~~المذكورة أو الأمر بها، وغيره ms1164 بالرفع صفة لإله باعتبار محله الذي ~~هو الرفع على الابتداء أو الفاعلية، وقرى بالجر باعتبار لفظه، وقرىء ~~بالنصب على الاستثناء وحكم غير حكم الاسم الواقع بعد إلا أي ما لكم ~~من إله إلا إياه كقولك: ما في الدار من أحد إلا زيدا أو غير زيد، فمن ~~إله إن جعل مبتدأ فلكم خبره، أو خبره محذوف ولكم للتخصيص ~~والتبيين أي ما لكم في الوجود أو في العالم إله غير الله { إنى ~~أخاف عليكم } أي إن لم تعبدوه حسبما أمرت به { عذاب يوم ~~عظيم } هو يوم القيامة أو يوم الطوفان، والجملة تعليل للعبادة ~~ببيان الصارف عن تركها إثر تعليلها ببيان الداعي إليها، ووصف ~~اليوم بالعظم لبيان عظيم ما يقع فيه وتكميل الإنذار. # { قال الملأ من قومه } استئناف مبني على سؤال نشأ من حكاية ~~قوله عليه الصلاة والسلام كأنه قيل: فماذا قالوا له عليه الصلاة والسلام ~~في مقابلة نصحه؟ فقيل: قال الرؤساء من قومه والأشراف الذين يملأون ~~صدور المحافل بإجرامهم والقلوب بجلالهم وهيبتهم والأبصار بجمالهم ~~وأبهتهم { إنا لنراك في ضلل } أي ذهاب عن طريق الحق ~~والصواب، والرؤية قلبية ومفعولاها الضمير والظرف { مبين } ~~بين كونه ضلالا. # { قال } استئناف كما سبق { ياقوم } ناداهم بإضافتهم إليه استمالة ~~لقلوبهم نحو الحق { ليس بى ضللة } أي شيء ما من الضلال، قصد ~~عليه الصلاة والسلام تحقيق الحق في نفي الضلال عن نفسه ردا على الكفرة ~~حيث بالغوا في إثباته له عليه الصلاة والسلام حيث جعلوه مستقرا في ~~الضلال الواضح كونه ضلالا، وقوله تعالى: { ولكني رسول من ~~رب العلمين } استدراك مما قبله باعتبار ما يستلزمه من كونه ~~في أقصى مراتب الهداية، فإن رسالة رب العالمين مستلزمة لا محالة، ~~كأنه قيل: ليس بي شيء من الضلال ولكني في الغاية القاصية من الهداية. ~~ومن لابتداء الغاية مجازا متعلقة بمحذوف هو صفة لرسول مؤكدة لما ~~يفيده التنوين من الفخامة الذاتية بالفخامة الإضافية أي رسول وأي ~~رسول كائن من رب العالمين. ### || [7.62-64] # { أبلغكم رسلت ربى } استئناف مسوق لتقرير رسالته ~~وتفصيل أحكامها وأحوالها وقيل: صفة ms1165 أخرى لرسول على طريقة: [الرجز] # أنا الذي سمتني أمي حيدره # [ضرغام آجام وليت قسوره] # وقرىء أبلغكم من الإبلاغ، وجمع الرسالات لاختلاف أوقاتها أو ~~لتنوع معانيها، أو لأن المراد بها ما أوحي إليه وإلى النبيين من ~~قبله، وتخصيص ربوبيته تعالى به عليه الصلاة والسلام بعد بيان ~~عمومها للعالمين للإشعار بعلة الحكم الذي هو تبليغ رسالته تعالى ~~إليهم فإن ربوبيته تعالى به عليه الصلاة والسلام من موجبات امتثاله ~~بأمره تعالى بتبليغ رسالته تعالى إليهم { وأنصح لكم } عطف على ~~أبلغكم مبين لكيفية أداء الرسالة، وزيادة اللام مع تعدي النصح ~~بنفسه للدلالة على إمحاض النصيحة لهم وأنها لمنفعتهم ومصلحتهم خاصة، ~~وصيغة المضارع للدلالة على تجدد نصيحته لهم كما يعرف عنه قوله تعالى: # رب إنى دعوت قومى ليلا ونهارا # [نوح، الآية 5] وقوله تعالى: { وأعلم من الله ما لا ~~تعلمون } عطف على ما قبله وتقرير لرسالته عليه الصلاة والسلام، أي ~~أعلم من جهة الله تعالى بالوحي ما لا تعلمونه من الأمور الآتية، أو أعلم ~~من شؤونه عز وجل وقدرته القاهرة وبطشه الشديد على أعدائه وأن بأسه ~~يرد عن القوم المجرمين ما لا تعلمون. قيل: كانوا لا يسمعون بقوم حل بهم ~~العذاب قبلهم فكانوا غافلين آمنين لا يعلمون ما علمه نوح عليه السلام ~~بالوحي. # { أو عجبتم أن جاءكم ذكر من ربكم } جواب ورد لما ~~اكتفي عن ذكره بقولهم: # إنا لنراك في ضلل مبين # [الأعراف، الآية 60] من قولهم: # ما نراك إلا بشرا مثلنا # [هود، الآية 27] وقولهم: # لو شاء الله لأنزل ملئكة # [المؤمنون، الآية 24] والهمزة للإنكار والواو للعطف على مقدر ينسحب ~~عليه الكلام كأنه قيل: استبعدتم وعجبتم من أن جاءكم ذكر أي وحي أو ~~موعظة من مالك أموركم ومربيكم { على رجل منكم } أي على لسان ~~رجل من جنسكم كقوله تعالى: # ما وعدتنا على رسلك # [آل عمران: 194] وقلتم لأجل ذلك ما قلتم من أن الله تعالى لو شاء لأنزل ~~ملائكة { لينذركم } علة للمجيء أي ليحذركم عاقبة الكفر والمعاصي ~~{ ولتتقوا } عطف على العلة الأولى مترتبة عليها { ولعلكم ~~ترحمون } عطف على العلة ms1166 الثانية مترتبة عليها، أي ولتتعلق بكم ~~الرحمة بسبب تقواكم. وفائدة حرف الترجي التنبيه على عزة المطلب وأن ~~التقوى غير موجبة للرحمة بل هي منوطة بفضل الله تعالى وأن المتقي ~~ينبغي أن لا يعتمد على تقواه ولا يأمن عذاب الله عز وجل. # { فكذبوه } أجمعوا على تكذيبه في دعوى النبوة وما نزل عليه من ~~الوحي الذي بلغه إليهم وأنذرهم بما في تضاعيفه، واستمروا على ذلك هذه ~~المدة المتطاولة بعد ما كرر عليه الصلاة والسلام عليهم الدعوة مرارا، ~~فلم يزدهم دعاؤه إلا فرارا حسبما نطق به قوله تعالى: # رب إنى دعوت قومي ليلا ونهارا # [نوح، الآية 5]، إذ هو الذي يعقبه الإنجاء والإغراق لا مجرد ~~التكذيب { فأنجينه والذين معه } من المؤمنين، قيل: كانوا ~~أربعين رجلا وأربعين امرأة وقيل: تسعة: أبناؤه الثلاثة وستة ممن ~~آمن به، وقوله تعالى: { في الفلك } متعلق بالاستقرار في الظرف أي ~~استقروا في الظرف، أي استقروا معه في الفلك أو صحبوه فيه، أو بفعل ~~الإنجاء أي أنجيناهم في السفينة، ويجوز أن يتعلق بمضمر وقع حالا من ~~الموصول أو من ضميره في الظرف { وأغرقنا الذين كذبوا بآياتنا ~~} أي استمروا على تكذيبها، وليس المراد بهم الملأ المتصدين للجواب ~~فقط بل كل من أصر على التكذيب منهم ومن أعقابهم، وتقديم ذكر ~~الإنجاء على الإغراق للمسارعة إلى الإخبار به، والإيذان بسبق الرحمة ~~التي هي مقتضى الذات، وتقدمها على الغضب الذي يظهر أثره بمقتضى ~~جرائمهم { إنهم كانوا قوما عمين } عمي القلوب غير ~~مستبصرين. قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: عميت قلوبهم عن معرفة ~~التوحيد والنبوة والمعاد، وقرىء عامين والأول أدل على الثبات ~~والقرار. ### || [7.65] # { وإلى عاد } متعلق بمضمر معطوف على قوله تعالى: { أرسلنا ~~} في قصة نوح عليه السلام وهو الناصب لقوله تعالى: { أخهم } أي ~~وأرسلنا إلى عاد أخاهم أي واحدا منهم في النسب لا في الدين كقولهم: يا ~~أخا العرب، وقيل: العامل فيهما الفعل المذكور فيما سبق وأخاهم معطوف ~~على نوحا والأول أدنى وأيا ما كان فلعل تقديم المجرور ههنا على ~~المفعول الصريح للحذار عن ms1167 الإضمار قبل الذكر يرشدك إلى ذلك ما سيأتي من ~~قوله تعالى: { ولوطا } الخ، فإن قومه لما لم يعهدوا باسم معروف ~~يقتضي الحال ذكره عليه السلام مضافا إليهم كما في قصة عاد وثمود ~~ومدين خولف في النظم الكريم بين قصته عليه السلام وبين القصص ~~الثلاث، وقوله تعالى: { هودا } عطف بيان لأخاهم وهو هود بن عبد ~~الله بن رباح بن الخلود بن عاذ بن غوص بن إرم بن سام بن ~~نوح عليه السلام، وقيل: هود بن شالخ بن أرفخشد بن سام بن نوح بن عم أبي ~~عاد وإنما جعل منهم لأنهم أفهم لكلامه وأعرف بحاله في صدقه وأمانته ~~وأقرب إلى اتباعه { قال } استئناف مبني على سؤال نشأ من حكاية ~~إرساله عليه السلام إليهم كأنه قيل: فماذا قال لهم؟ فقيل: قال: { يا ~~قوم اعبدوا الله } أي وحده كما يعرب عنه قوله تعالى: { ما ~~لكم من إله غيره } فإنه استئناف جار مجرى البيان ~~للعبادة المأمور بها. والتعليل لها أو للأمر بها كأنه قيل: خصوه ~~بالعبادة ولا تشركوا به شيئا إذ ليس لكم إله سواه. وغيره بالرفع صفة ~~لإله باعتبار محله، وقرىء بالجر حملا له على لفظه { أفلا ~~تتقون } إنكار واستبعاد لعدم اتقائهم عذاب الله تعالى بعد ما ~~علموا ما حل بقوم نوح، والفاء للعطف على مقدر يقتضيه المقام أي ألا ~~تتفكرون أو أتغفلون فلا تتقون، فالتوبيخ على المعطوفين معا أو ~~أتعلمون ذلك فلا تتقون فالتوبيخ على المعطوف فقط وفي سورة هود [51]: # أفلا تعقلون # ولعله عليه السلام خاطبهم بكل منهما وقد اكتفي بحكاية كل منهما في ~~موطن عن حكايته في موطن آخر كما لم يذكر ههنا ما ذكر هناك من قوله ~~تعالى: # إن أنتم إلا مفترون # [هود، الآية 50] وقس على ذلك حال بقية ما ذكر وما لم يذكر من ~~أجزاء القصة بل حال نظائره في سائر القصص لا سيما في المحاورات ~~الجارية في الأوقات المتعددة والله أعلم. ### || [7.66-69] # { قال الملأ الذين كفروا من قومه } استئناف كما مر ~~وإنما وصف الملأ بالكفر إذ لم يكن كلهم ms1168 على الكفر كملأ قوم نوح بل ~~كان منهم من آمن به عليه السلام ولكن كان يكتم إيمانه كمرثد بن سعد، ~~وقيل: وصفوا به لمجرد الذم { إنا لنراك في سفاهة } أي ~~متمكنا في خفة عقل راسخا فيها حيث فارقت دين آبائك، ألا إنهم هم ~~السفهاء ولكن لا يعلمون { وإنا لنظنك من الكذبين } ~~أي فيما ادعيت من الرسالة، قالوه لعراقتهم في التقليد وحرمانهم من ~~النظر الصحيح { قال } مستعطفا لهم ومستميلا لقلوبهم مع ما سمع منهم ~~ما سمع من الكلمة الشنعاء الموجبة لتغليظ القول والمشافهة بالسوء { ~~يقوم ليس بى سفاهة } أي شيء منها ولا شائبة من شوائبها { ~~ولكني رسول من رب العلمين } استدراك مما قبله باعتبار ~~ما يستلزمه ويقتضيه من كونه في الغاية القصوى من الرشد والأناة ~~والصدق والأمانة، فإن الرسالة من جهة رب العالمين موجبة لذلك حتما، ~~كأنه قيل: ليس بي شيء مما نسبتموني إليه ولكني في غاية ما يكون الرشد ~~والصدق. ولم يصرح بنفي الكذب اكتفاء بما في حيز الاستدراك. و(من) ~~لابتداء الغاية مجازا متعلقة بمحذوف وقع صفة لرسول مؤكدة لما أفاده ~~التنوين من الفخامة الذاتية بالفخامة الإضافية، وقوله تعالى: { ~~أبلغكم رسلت ربى } استئناف سيق لتقرير رسالته وتفصيل ~~أحوالها، وقيل: صفة أخرى لرسول والكلام في إضافة الرب إلى نفسه عليه ~~السلام بعد إضافته إلى العالمين وكذا في جمع الرسالات كالذي مر في قصة ~~نوح عليه السلام، وقرىء أبلغكم من الإبلاغ { وأنا لكم ~~ناصح أمين } معروف بالنصح والأمانة مشهور بين الناس بذلك، ~~وإنما جيء بالجملة الاسمية دلالة على الثبات والاستمرار وإيذانا بأن ~~من هذا حاله لا يحوم حوله شائبة السفاهة والكذب. # { أو عجبتم أن جاءكم ذكر من ربكم } الكلام فيه ~~كالذي مر في قصة نوح عليه السلام { على رجل منكم } أي من جنسكم ~~{ لينذركم } ويحذركم عاقبة ما أنتم عليه من الكفر والمعاصي حتى ~~نسبتموني إلى السفاهة والكذب، وفي إجابة الأنبياء صلوات الله وسلامه ~~عليهم أجمعين من يشافههم بما لا خير فيه من أمثال تلك الأباطيل بما ~~حكي عنهم من المقالات الحقة المعربة ms1169 عن نهاية الحلم والرزانة وكمال ~~الشفقة والرأفة، من الدلالة على حيازتهم القدح المعلى من مكارم ~~الأخلاق ما لا يخفى مكانه. # { واذكروا إذ جعلكم خلفاء } شروع في بيان ترتيب أحكام ~~النصح والأمانة والإنذار وتفصيلها، وإذ منصوب باذكروا على المفعولية ~~دون الظرفية، وتوجيه الأمر بالذكر إلى الوقت دون ما وقع فيه من الحوادث ~~مع أنها المقصودة بالذات للمبالغة في إيجاب ذكرها لما أن إيجاب ذكر ~~الوقت إيجاب لذكر ما فيه بالطريق البرهاني، ولأن الوقت مشتمل عليها، ~~فإذا استحضر كانت هي حاشرة بتفاصيلها كأنها مشاهدة عيانا، ولعله ~~معطوف على مقدر كأنه قيل: لا تعجبوا من ذلك أو تدبروا في أمركم واذكروا ~~وقت جعله تعالى إياكم خلفاء { من بعد قوم نوح } أي في ~~مساكنهم أو الأرض بأن جعلكم ملوكا، فإن شداد بن عاد ممن ملك معمورة ~~الأرض من رمل عالج إلى شجر عمان { وزادكم فى الخلق } أي في ~~الإبداع والتصوير أو في الناس { بسطة } قامة وقوة فإنه لم يكن في ~~زمانهم مثلهم في عظم الأجرام، قال الكلبي والسدي كانت قامة الطويل ~~منهم مائة ذراع وقامة القصير ستين ذراعا { فاذكروا ءالآء ~~الله } التي أنعم بها الله عليكم من فنون النعماء التي هذه من ~~جملتها. # وهذا تكرير للتذكير لزيادة التقرير، وتعميم إثر تخصيص { لعلكم ~~تفلحون } كي يؤديكم ذلك إلى الشكر المؤدي إلى النجاة من الكروب ~~والفوز بالمطلوب. ### || [7.70-71] # { قالوا } مجيبين عن تلك النصائح العظيمة { أجئتنا لنعبد ~~الله وحده } أي لنخصه بالعبادة { ونذر ما كان يعبد ~~ءاباؤنا } أنكروا عليه عليه السلام مجيئه لتخصيصه تعالى بالعبادة ~~والإعراض عن عبادة الأوثان انهماكا في التقليد وحبا لما ألفوه ~~وألفوا أسلافهم عليه. ومعنى المجيء إما مجيئه عليه السلام من ~~متعبده ومنزله وإما من السماء على التهكم وإما القصد والتصدي ~~مجازا كما يقال في مقابله: ذهب يشتمني من غير إرادة معنى الذهاب { ~~فأتنا بما تعدنا } من العذاب المدلول عليه بقوله تعالى: { ~~أفلا تتقون } { إن كنت من الصدقين } أي في الإخبار ~~بنزول العذاب، وجواب (إن) محذوف لدلالة المذكور عليه أي فائت به. # { قال ms1170 قد وقع عليكم } أي وجب وحق أو نزل بإصراركم هذا بناء على تنزيل ~~المتوقع منزلة الواقع كما في قوله تعالى: # أتى أمر الله # [النحل، الآية 1] { من ربكم } أي من جهته تعالى. وتقديم الظرف الأول ~~على الثاني مع أن مبدأ الشيء متقدم على منتهاه للمسارعة إلى بيان ~~إصابة المكروه لهم، وكذا تقديمه على الفاعل الذي هو قوله تعالى: { رجس ~~} مع ما فيه من التشويق إلى المؤخر، ولأن فيه نوع طول بما عطف عليه ~~من قوله تعالى: { وغضب } فربما يخل تقديمها بتجاوب النظم الكريم، ~~والرجس العذاب من الارتجاس الذي هو الاضطراب، والغضب إرادة ~~الانتقام، وتنوينهما للتفخيم والتهويل { أتجادلونني في أسماء } عارية ~~عن المسمى { سميتموها } أي سميتم بها { أنتم وآباؤكم } إنكار واستقباح ~~لإنكارهم مجيئه عليه السلام داعيا لهم إلى عبادة الله تعالى وحده وترك ~~عبادة الأصنام أي أتجادلونني في أشياء سميتموها آلهة ليست هي إلا ~~محض الأسماء من غير أن يكون فيها من مصداق الإلهية شيء ما لأن ~~المستحق للمعبودية بالذات ليس إلا من أوجد الكل وأنها لو استحقت ~~لكان ذلك بجعله تعالى إما بإنزال آية أو نصب حجة وكلاهما مستحيل، ~~وذلك قوله تعالى: { ما نزل الله بها من سلطان } وإذ ليس ذلك في حيز ~~الإمكان تحقق بطلان ما هم عليه { فانتظروا } مترتب على قوله تعالى: ~~{ قد وقع عليكم } أي فانتظروا ما تطلبونه بقولكم: فائتنا بما تعدنا، الخ ~~{ إني معكم من المنتظرين } لما يحل بكم. والفاء في قوله تعالى: ### || [7.72] # { فأنجيناه } فصيحة كما في قوله تعالى: # فانفجرت # [البقرة، الآية 60] أي فوقع ما وقع فأنجيناه { والذين معه } أي في الدين ~~{ برحمة } أي عظيمة لا يقادر قدرها، وقوله تعالى: { منا } أي من جهتنا ~~متعلق بمحذوف هو نعت لرحمة مؤكد لفخامتها الذاتية المنفهمة من ~~تنكيرها بالفخامة الإضافية { وقطعنا دابر الذين كذبوا بآياتنا } أي ~~استأصلنا بالكلية ودمرناهم عن آخرهم { وما كانوا مؤمنين } عطف على ~~كذبوا داخل معه في حكم الصلة، أي أصروا على الكفر والتكذيب ولم ~~يرعووا عن ذلك أبدا، وتقديم حكاية الإنجاء على حكاية الإهلاك قد ms1171 مر ~~سره، وفيه تنبيه على أن مناط النجاة هو الإيمان بالله تعالى ~~وتصديق آياته كما أن مدار البوار هو الكفر والتكذيب. وقصتهم أن ~~عادا قوم كانوا باليمن بالأحقاف، وكانوا قد تبسطوا في البلاد ما بين ~~عمان إلى حضرموت، وكانت لهم أصنام يعبدونها صدا وصمود والهبا ~~فبعث الله تعالى إليهم هودا نبيا وكان من أوسطهم وأفضلهم حسبا فكذبوه ~~وازدادوا عتوا وتجبرا فأمسك الله عنهم القطر ثلاث سنين حتى ~~جهدوا وكان الناس إذا نزل بهم بلاء طلبوا إلى الله الفرج منه عند ~~بيته الحرام مسلمهم ومشركهم، وأهل مكة [كانوا] إذ ذاك العماليق ~~أولاد عمليق بن لاوذ بن سام بن نوح وسيدهم معاوية بن بكر ~~فجهزت عاد إلى مكة من أماثلهم سبعين رجلا منهم قيل بن عنز ومرثد ~~بن سعد الذي كان يكتم إسلامه فلما قدموا نزلوا على معاوية بن بكر ~~وهو بظاهر مكة خارجا عن الحرم فأنزلهم وأكرمهم وكانوا أخواله وأصهاره ~~فأقاموا عنده شهرا يشربون الخمر وتغنيهم قينتا معاوية فلما رأى طول ~~مقامهم وذهولهم باللهو عما قدموا له أهمه ذلك وقال: قد هلك أخوالي ~~وأصهاري وهؤلاء على ما هم عليه وكان يستحيي أن يكلمهم خشية أن يظنوا به ~~ثقل مقامهم عليه فذكر ذلك للقينتين فقالتا: قل شعرا نغنيهم به لا ~~يدرون من قاله، فقال معاوية: [الوافر] # ألا يا قيل ويحك قم فهينم # لعل الله يسقينا غماما # فيسقي أرض عاد إن عادا # قد أمسوا لا يبينون الكلاما # فلما غنتا به قال: إن قومكم يتغوثون من البلاء الذي نزل بهم وقد ~~أبطأتم عليهم فادخلوا الحرم واستسقوا لقومكم فقال لهم مرثد بن سعد: ~~والله لا تسقون بدعائكم ولكن إن أطعتم نبيكم إلى الله تعالى سقيتم ~~وأظهر إسلامه فقالوا لمعاوية: احبس عنا مرثدا لا يقدمن معنا فإنه قد ~~اتبع دين هود وترك ديننا ثم دخلوا مكة فقال قيل: اللهم اسق عادا ما ~~كنت تسقيهم فأنشأ الله تعالى سحابات ثلاثا: بيضاء وحمراء وسوداء ثم ~~ناداه مناد من السماء: يا قيل اختر لنفسك ولقومك فقال: اخترت السوداء ~~فإنها ms1172 أكثرهن ماء فخرجت على عاد من واد يقال له: المغيث فاستبشروا بها ~~وقالوا: هذا عارض ممطرنا فجاءتهم منها ريح عقيم فأهلكتهم ونجا هود ~~والمؤمنون معه فأتوا مكة فعبدوا الله تعالى فيها إلى أن ماتوا. ### || [7.73] # { وإلى ثمود أخاهم صالحا } عطف على ما سبق من قوله تعالى: { وإلى عاد ~~أخاهم هودا } موافق له في تقديم المجرور على المنصوب، وثمود قبيلة ~~من العرب سموا باسم أبيهم الأكبر ثمود بن عابر بن إرم بن سام ~~بن نوح عليه السلام وقيل: إنما سموا بذلك لقلة مائهم من الثمد ~~وهو الماء القليل، وقرىء بالصرف بتأويل الحي وكانت مساكنهم الحجر ~~بين الحجاز والشام إلى وادي القرى وإخوة صالح عليه السلام لهم من حيث ~~النسب كهود عليه السلام فإنه صالح بن عبيد بن أسف بن ماسح بن ~~عبيد بن حاذر بن ثمود، ولما كان الإخبار بإرساله عليه السلام إليهم ~~مظنة لأن يسأل ويقال: فماذا قال لهم؟ قيل جوابا عنه بطريق الاستئناف ~~{ قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره } وقد مر الكلام في ~~نظائره { قد جاءتكم بينة } أي آية ومعجزة ظاهرة شاهدة بنبوتي، وهي ~~من الألفاظ الجارية مجرى الأبطح والأبرق في الاستغناء عن ذكر ~~موصوفاتها حالة الإفراد، والجمع كالصالح إفرادا وجمعا وكذلك الحسنة ~~والسيئة سواء كانتا صفتين للأعمال أو المثوبة أو الحالة من الرخاء ~~والشدة، ولذلك أوليت العوامل وقوله تعالى: { من ربكم } متعلق ~~بجاءتكم أو بمحذوف هو صفة لبينة كما مر مرارا، والمراد بها الناقة ~~وليس هذا الكلام منه عليه السلام أول ما خاطبهم إثر دعوتهم إلى ~~التوحيد، بل إنما قاله بعد ما نصحهم وذكرهم بنعم الله تعالى فلم يقبلوا ~~كلامه وكذبوه، ألا يرى إلى ما في سورة هود من قوله تعالى: { هو أنشأكم ~~من الأرض واستعمركم فيها } إلى آخر الآيات. روي أنه لما أهلكت عاد ~~عمرت ثمود بلادها وخلفوهم في الأرض وكثروا وعمروا أعمارا ~~طوالا حتى إن الرجل كان يبني المسكن المحكم فينهدم في حياته ~~فنحتوا البيوت من الجبال وكانوا في سعة ورخاء من ms1173 العيش فعتوا على ~~الله تعالى وأفسدوا في الأرض وعبدوا الأوثان فبعث الله تعالى إليهم ~~صالحا وكانوا قوما عربا وصالح من أوسطهم نسبا، فدعاهم إلى الله عز ~~وجل فلم يتبعه إلا قليل منهم مستضعفون فحذرهم وأنذرهم فسألوه آية ~~فقال: أية آية تريدون؟ قالوا: تخرج معنا إلى عيدنا في يوم معلوم لهم ~~من السنة فتدعو إلهك وندعو آلهتنا فإن استجيب لنا اتبعتنا فقال صالح ~~عليه السلام: نعم، فخرج معهم ودعوا أوثانهم وسألوا الإجابة فلم ~~تجبهم ثم قال سيدهم جندع بن عمرو وأشار إلى صخرة منفردة في ناحية ~~الجبل يقال لها الكاثبة: أخرج لنا من هذه الصخرة ناقة مخترجة ~~جوفاء وبراء، والمخترجة التي شاكلت البخت، فإن فعلت صدقناك وأجبناك ~~فأخذ صالح عليه السلام عليهم المواثيق: لئن فعلت ذلك لتؤمنن ~~ولتصدقن قالوا: نعم، فصلى ودعا ربه فتمخضت الصخرة تمخض النتوج ~~بولدها فانصدعت عن ناقة عشراء جوفاء وبراء كما وصفوا لا يعلم ما بين ~~جنبيها إلا الله تعالى، وعظماؤهم ينظرون ثم نتجت ولدا مثلها في ~~العظم، فآمن به جندع ورهط من قومه ومنع أعقابهم ناس من رؤوسهم أن ~~يؤمنوا فمكثت الناقة مع ولدها ترعى الشجر وتشرب الماء وكانت ترد ~~غبا، فإذا كان يومها وضعت رأسها في البئر فما ترفعها حتى تشرب ~~كل ما فيها ثم تتفحج فيحتلبون ما شاؤوا حتى تمتلىء أوانيهم فيشربون ~~ويدخرون وكانت إذا وقع الحر تصيفت بظهر الوادي فيهرب منها أنعامها ~~فتهبط إلى بطنه، وإذا وقع البرد تشتت بطن الوادي فتهرب مواشيهم إلى ~~ظهره، فشق ذلك عليهم وزينت عقرها لهم امرأتان عنيزة أم غنم ~~وصدفة بنت المختار لما أضرت به من مواشيهما وكانتا كثيرتي المواشي ~~فعقروها واقتسموا لحمها وطبخوه فانطلق سقبها حتى رقي جبلا اسمه ~~قارة فرغا ثلاثا وكان صالح عليه السلام قال لهم: أدركوا الفصيل عسى ~~أن يرفع عنكم العذاب فلم يقدروا عليه فانفجت الصخور بعد رغائه فدخلها ~~فقال لهم صالح: تصبحون غدا ووجوهكم مصفرة، وبعد غد ووجوهكم محمرة ~~واليوم الثالث ووجوهكم مسودة ثم يصبحكم العذاب فلما رأوا العلامات ~~طلبوا أن ms1174 يقتلوه فأنجاه الله تعالى إلى أرض فلسطين، ولما كان اليوم ~~الرابع وارتفع الضحى تحنطوا بالصبر وتكفنوا بالأنطاع فأتتهم صيحة من ~~السماء ورجفة من الأرض فتقطعت قلوبهم فهلكوا وقوله تعالى: { هذه ناقة ~~الله لكم آية } استئناف مسوق لبيان البينة وإضافة الناقة إلى الاسم ~~الجليل لتعظيمها ولمجيئها من جهته تعالى بلا أسباب معهودة ووسائط ~~معتادة ولذلك كانت آية وأي آية، ولكم بيان لمن هي آية له، وانتصاب ~~آية على الحالية والعامل فيها معنى الإشارة، ويجوز أن يكون (ناقة ~~الله) بدلا من هذه أو عطف بيان له أو مبتدأ ثانيا، ولكم خبرا ~~عاملا في آية { فذروها } تفريع على كونها آية من آيات الله تعالى فإن ~~ذلك مما يوجب عدم التعرض لها { تأكل في أرض الله } جواب الأمر أي ~~الناقة ناقة الله والأرض أرض الله تعالى فاتركوها تأكل ما تأكل في ~~أرض ربها فليس لكم أن تحولوا بينها وبينها. # وقرىء تأكل بالرفع على أنه في موضع الحال أي آكلة فيها، وعدم التعرض ~~للشرب إما للاكتفاء عنه بذكر الأكل أو لتعميمه له أيضا كما في قوله: ~~[الرجز] # علفتها تبنا وماء باردا # [حتى غدت همالة عيناها] # وقد ذكرت ذلك في قوله تعالى: # لها شرب ولكم شرب يوم معلوم # [الشعراء، الآية 155] { ولا تمسوها بسوء } نهي عن المس الذي هو مقدمة ~~الإصابة بالشر الشامل لأنواع الأذية ونكر السوء مبالغة في النهي، ~~أي لا تتعرضوا لها بشيء مما يسوؤها أصلا ولا تطردوها ولا تريبوها ~~إكراما لآية الله { فيأخذكم عذاب أليم } جواب للنهي. ويروى # " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين مر بالحجر في غزوة تبوك قال ~~لأصحابه: " لا يدخلن أحد منكم القرية ولا تشربوا من مائها ولا ~~تدخلوا على هؤلاء المعذبين إلا أن تكونوا باكين أن يصيبكم مثل الذي " ~~وقال عليه الصلاة والسلام لعلي رضي الله عنه: " يا علي أتدري من أشقى ~~الأولين؟ " قال: الله ورسوله أعلم، قال: " عاقر ناقة صالح، أتدري من ~~أشقى الآخرين؟ " قال: الله ورسوله أعلم، قال: " قاتلك ". ### || [7.74] # { واذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد ms1175 عاد } أي خلفاء في الأرض أو خلفا ~~لهم كما مر { وبوأكم في الأرض } أي جعل لكم مباءة ومنزلا في أرض ~~الحجر بين الحجاز والشام { تتخذون من سهولها قصورا } استئناف ~~مبين لكيفية التبوئة أي تبنون في سهولها قصورا رفيعة أو تبنون من ~~سهولة الأرض بما تعملون منها من الرهص واللبن والآجر { وتنحتون ~~الجبال } أي الصخور وقرىء تنحتون بفتح الحاء وتنحاتون بإشباع الفتحة ~~كما في قوله: [الكامل] # ينباع من ذفرى أسيل حرة # [مشدودة مثل الفنيق المقرم] # والنحت نجر الشيء الصلب، فانتصاب الجبال على المفعولية وانتصاب ~~قوله تعالى: { بيوتا } على أنها حال مقدرة منها كما تقول: خطت هذا ~~الثوب قميصا، وقيل: انتصاب الجبال على إسقاط الجار أي من الجبال ~~وانتصاب بيوتا على المفعولية، وقد جوز أن يضمن النحت معنى ~~الاتخاذ فانتصابهما على المفعولية، وقيل: كانوا يسكنون السهول في ~~الصيف والجبال في الشتاء { فاذكروا آلاء الله } التي أنعم بها عليكم مما ~~ذكر أو جميع آلائه التي هذه من جملتها { ولا تعثوا في الأرض مفسدين } ~~فإن حق آلائه تعالى أن تشكر ولا تهمل ولا يغفل عنها فكيف ~~بالكفر والعثي في الأرض بالفساد. ### || [7.75-77] # { قال الملأ الذين استكبروا من قومه } أي عتوا وتكبروا، استئناف كما ~~سلف وقرىء بالواو عطفا على ما قبله من قوله تعالى: { يا قوم } الخ، ~~واللام في قوله تعالى: { للذين استضعفوا } للتبليغ وقوله تعالى: { لمن ~~آمن منهم } بدل من الموصول بإعادة العامل بدل الكل إن كان ضمير ~~منهم لقومه، وبدل البعض إن كان للذين استضعفوا على أن من المستضعفين ~~من لم يؤمن، والأول هو الوجه، إذ لا داعي إلى توجيه الخطاب أولا ~~إلى جميع المستضعفين مع أن المجاوبة مع المؤمنين منهم على أن الاستضعاف ~~مختص بالمؤمنين، أي قالوا للمؤمنين الذين استضعفوهم واسترذلوهم: { ~~أتعلمون أن صالحا مرسل من ربه } وإنما قالوه بطريق الاستهزاء بهم { ~~قالوا إنا بما أرسل به مؤمنون } عدلوا عن الجواب الموافق لسؤالهم بأن ~~يقولوا: نعم أو نعلم أنه مرسل منه تعالى مسارعة إلى تحقيق الحق ~~وإظهار ما لهم من الإيمان الثابت ms1176 المستمر الذي تنبىء عنه الجملة ~~الاسمية وتنبيها على أن أمر إرساله من الظهور بحيث لا ينبغي أن ~~يسأل عنه، وإنما الحقيق بالسؤال عنه هو الإيمان به { قال الذين ~~استكبروا } أعيد الموصول مع صلته مع كفاية الضمير إيذانا بأنهم قد ~~قالوا ما قالوه بطريق العتو والاستكبار { إنا بالذي آمنتم به كافرون } ~~وإنما لم يقولوا: إنا بما أرسل به كافرون إظهارا لمخالفتهم إياهم وردا ~~لمقالتهم { فعقروا الناقة } أي نحروها، أسند العقر إلى الكل مع أن ~~المباشر بعضهم للملابسة أو لأن ذلك لما كان برضاهم فكأنه فعله ~~كلهم، وفيه من تهويل الأمر وتفظيعه بحيث أصابت غائلته الكل ما لا ~~يخفى { وعتوا عن أمر ربهم } أي استكبروا عن امتثاله وهو ما بلغهم صالح ~~عليه السلام من الأمر والنهي. # { وقالوا } مخاطبين له عليه السلام بطريق التعجيز والإفحام على ~~زعمهم { يا صالح ائتنا بما تعدنا } أي من العذاب، والإطلاق للعلم به ~~قطعا { إن كنت من المرسلين } فإن كونك من جملتهم يستدعي صدق ما تقول ~~من الوعد والوعيد. ### || [7.78-80] # { فأخذتهم الرجفة } أي الزلزلة لكن لا إثر ما قالوا بعد ما جرى عليهم ~~من مبادىء العذاب في الأيام الثلاثة حسبما مر تفصيله { فأصبحوا في ~~دارهم } أي صاروا في أرضهم وبلدهم أو في مساكنهم { جاثمين } خامدين ~~موتى لا حراك بهم، وأصل الجثوم البروك، يقال: الناس جثوم أي قعود ~~لا حراك بهم ولا ينبسون نبسة، قال أبو عبيدة: الجثوم للناس والطير، ~~والبروك للإبل، والمراد كونهم كذلك عند ابتداء نزول العذاب بهم من ~~غير اضطراب ولا حركة كما يكون عند الموت المعتاد، ولا يخفى ما فيه من ~~شدة الأخذ وسرعة البطش. # اللهم إنا بك نعوذ من نزول سخطك وحلول غضبك. وجاثمين خبر لأصبحوا ~~والظرف متعلق به، ولا مساغ لكونه خبرا وجاثمين حالا لإفضائه إلى كون ~~الإخبار بكونهم في دارهم مقصودا بالذات وكونهم جاثمين قيدا تابعا له ~~غير مقصود بالذات. قيل: حيث ذكرت الرجفة وحدت الدار، وحيث ذكرت ~~الصيحة جمعت لأن الصيحة كانت من السماء فبلوغها أكثر وأبلغ من ~~الزلزلة فقرن كل ms1177 منهما بما هو أليق به { فتولى عنهم } إثر ما شاهد ~~ما جرى عليهم تولى مغتما متحسرا على ما فاتهم من الإيمان متحزنا ~~عليهم { وقال يا قوم لقد أبلغتكم رسالة ربي ونصحت لكم } بالترغيب ~~والترهيب وبذلت فيكم وسعي ولكن لم تقبلوا مني ذلك وصيغة المضارع في ~~قوله تعالى: { ولكن لا تحبون الناصحين } حكاية حال ماضية أي شأنكم ~~الاستمرار على بغض الناصحين وعداوتهم، خاطبهم عليه الصلاة والسلام بذلك ~~خطاب رسول الله عليه الصلاة والسلام أهل قليب بدر حيث قال: # " إنا وجدنا ما وعدنا ربنا حقا فهل وجدتم ما وعد ربكم حقا؟ " # وقيل: إنما تولى عنهم قبل نزول العذاب بهم عند مشاهدته عليه الصلاة ~~والسلام لعلاماته تولى ذاهبا عنهم منكرا لإصرارهم على ما هم عليه. وروي ~~أن عقرهم الناقة كان يوم الأربعاء ونزل بهم العذاب يوم السبت، ~~وروي أنه خرج في مائة وعشرة من المسلمين وهو يبكي فالتفت فرأى الدخان ~~ساطعا فعلم أنهم قد هلكوا وكانوا ألفا وخمسمائة دار، وروي أنه رجع ~~بمن معه فسكنوا ديارهم. # { ولوطا } منصوب بفعل مضمر على ما سبق، وعدم التعرض للمرسل إليهم ~~مقدما على المنصوب حسبما وقع فيما سبق وما لحق قد مر بيانه في قصة ~~هود عليه السلام، وهو لوط بن هاران بن تارح بن أخي إبراهيم كان من ~~أرض بابل من العراق مع عمه إبراهيم فهاجر إلى الشام فنزل فلسطين وأنزل ~~لوطا الأردن وهي كورة بالشام فأرسله الله تعالى إلى أهل سدوم وهي ~~بلد بحمص، وقوله تعالى: { إذ قال لقومه } ظرف للمضمر المذكور أي ~~أرسلنا لوطا إلى قومه وقت قوله لهم الخ، ولعل تقييد إرساله عليه ~~السلام بذلك لما أن إرساله إليهم لم يكن في أول وصوله إليهم، وقيل: هو ~~بدل من لوطا بدل اشتمال على أن انتصابه باذكر، أي اذكر وقت قوله ~~عليه السلام لقومه: { أتأتون الفاحشة } بطريق الإنكار التوبيخي ~~التقريعي أي أتفعلون تلك الفعلة المتناهية في القبح المتمادية في ~~الشرية والسوء { ما سبقكم بها } ما عملها قبلكم على أن الباء للتعدية ~~كما في قوله ms1178 تعالى: { من أحد } مزيدة لتأكيد النفي وإفادة معنى ~~الاستغراق، وفي قوله تعالى: { من العالمين } للتبعيض، والجملة مستأنفة ~~مسوقة لتأكيد النكير وتشديد التوبيخ والتقريع، فإن مباشرة القبيح ~~قبيح واختراعه أقبح، ولقد أنكر الله تعالى عليهم أولا إتيان ~~الفاحشة ثم وبخهم بأنهم أول من عملها فإن سبك النظم الكريم وإن كان ~~على نفي كونهم مسبوقين من غير تعرض لكونهم سابقين، لكن المراد أنهم ~~سابقون لكل من عداهم من العالمين كما مر تحقيقه مرارا في نحو قوله ~~تعالى: # ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا # [الأنعام، الآية 21 والآية 93] أو مسوقة جوابا عن سؤال مقدر كأنه قيل ~~من جهتهم: لم لا نأتيها؟ فقيل بيانا للعلة وإظهارا للزاجر: ما سبقكم ~~بها أحد لغاية قبحها وسوء سبيلها فكيف تفعلونها؟ قال عمرو بن ~~دينار: ما نزا ذكر على ذكر حتى كان قوم لوط. قال محمد بن إسحاق: كانت ~~لهم ثمار وقرى لم يكن في الدنيا مثلها فقصدهم الناس فآذوهم فعرض ~~لهم إبليس في صورة شيخ فقال: إن فعلتم بهم كذا وكذا نجوتم منهم ~~فأبوا فلما ألح الناس عليهم قصدوهم فأصابوا غلمانا صباحا ~~فأخبثوا فاستحكم فيهم ذلك، قال الحسن: كانوا لا يفعلون ذلك إلا بالغرباء، ~~وقال الكلبي: أول من فعل به ذلك الفعل إبليس الخبيث حيث تمثل لهم ~~في صورة شاب جميل فدعاهم إلى نفسه ثم عبثوا بذلك العمل. ### || [7.81-82] # { إنكم لتأتون الرجال } خبر مستأنف لبيان تلك الفاحشة ~~وقرىء بهمزتين صريحتين وبتليين الثانية بغير مد وبمد أيضا على أنه ~~تأكيد للإنكار السابق وتشديد للتوبيخ، وفي زيادة إن واللام مزيد ~~توبيخ وتقريع، وكان ذلك أمر لا يتحقق صدوره عن أحد فيؤكد تأكيدا ~~قويا، وفي إيراد لفظ الرجال دون الغلمان والمردان ونحوهما مبالغة ~~في التوبيخ وقوله تعالى: { شهوة } مفعول له أو مصدر في موقع ~~الحال، وفي التقييد بها وصفهم بالبهيمية الصرفة وتنبيه على أن ~~العاقل ينبغي له أن يكون الداعي له المباشر طلب الولد وبقاء النوع ~~لا قضاء الشهوة. ويجوز أن يكون المراد الإنكار عليهم وتقريعهم على ~~اشتهائهم تلك ms1179 الفعلة الخبيثة المكروهة كما ينبىء عنه قوله تعالى: { ~~من دون النساء } أي متجاوزين النساء اللاتي هن محل الاشتهاء كما ~~ينبىء عنه قوله تعالى: # هن أطهر لكم # [هود، الآية 78] { بل أنتم قوم مسرفون } إضراب عن ~~الإنكار المذكور إلى الإخبار بحالهم التي أفضتهم إلى ارتكاب أمثالها ~~وهي اعتياد الإسراف في كل شيء أو عن الإنكار عليها إلى الذم على جميع ~~معايبهم، أو عن محذوف أي لا عذر لكم فيه بل أنتم قوم عادتكم الإسراف. # { وما كان جواب قومه } أي المستكبرين منهم المتولين للأمر ~~والنهي المتصدين للعقد والحل وقوله تعالى: { إلا أن قالوا } ~~استثناء مفرغ من أعم الأشياء أي ما كان جوابا من جهة قومه شيء من ~~الأشياء إلا قولهم أي لبعضهم الآخرين المباشرين للأمور معرضين عن ~~مخاطبته عليه السلام { أخرجوهم } أي لوطا ومن معه من أهله المؤمنين ~~{ من قريتكم } أي إلا هذا القول الذي يستحيل أن يكون جوابا ~~لكلام لوط عليه السلام. وقرىء برفع جواب على أنه اسم كان و(إلا أن ~~قالوا) الخ، خبرها وهو أظهر وإن كان الأول أقوى في الصناعة لأن ~~الأعرف أحق بالاسمية. # وأيا ما كان فليس المراد أنه لم يصدر عنهم بصدد الجواب عن مقالات ~~لوط عليه السلام ومواعظه إلا هذه المقالة الباطلة كما هو المتسارع ~~إلى الإفهام بل أنه لم يصدر عنهم في المرة الأخيرة من مرات المحاورات ~~الجارية بينهم وبينه عليه السلام إلا هذه الكلمة الشنيعة، وإلا فقد ~~صدر عنهم قبل ذلك كثير من الترهات حسبما حكي عنهم في سائر السور ~~الكريمة وهذا هو الوجه في نظائره الواردة بطريق القصر، وقوله تعالى: { ~~إنهم أناس يتطهرون } تعليل للأمر بالإخراج، ووصفهم ~~بالتطهر للاستهزاء والسخرية بهم وبتطهرهم من الفواحش والخبائث والافتخار ~~بما هم فيه من القذارة كما هو ديدن الشطار والدعار. ### || [7.83-85] # { فأنجينه وأهله } أي المؤمنين منهم { إلا امرأته ~~} استثناء من أهله فإنها كانت تسر بالكفر { كانت من ~~الغبرين } أي الباقين في ديارهم الهالكين فيها، والتذكير ~~للتغليب ولبيان استحقاقها لما يستحقه المباشرون للفاحشة، والجملة ~~استئناف وقع جوابا عن سؤال ms1180 نشأ عن استثنائها من حكم الإنجاء، كأنه ~~قيل: فماذا كان حالها؟ فقيل: كانت من الغابرين { وأمطرنا ~~عليهم مطرا } أي نوعا من المطر عجيبا وقد بينه قوله تعالى: # وأمطرنا عليهم حجارة من سجيل # [الحجر، الآية 74] قال أبو عبيدة: مطر في الرحمة وأمطر في العذاب. ~~وقال الراغب: مطر في الخير وأمطر في العذاب، والصحيح أن أمطرنا بمعنى ~~أرسلنا عليهم إرسال المطر. قيل: كانت المؤتفكة خمس مدائن، وقيل: ~~كانوا أربعة آلاف بين الشام والمدينة فأمطر الله عليهم الكبريت ~~والنار، وقيل: خسف بالمقيمين منهم وأمطرت الحجارة على مسافريهم ~~وشذاذهم، وقيل: أمطر عليهم ثم خسف بهم. وروي أن تاجرا منهم كان في ~~الحرم فوقف الحجر له أربعين يوما حتى قضى تجارته وخرج من الحرم فوقع ~~عليه، وروي أن امرأته التفتت نحو ديارها فأصابها حجر فماتت { ~~فانظر كيف كانت عقبة المجرمين } خطاب لكل من يتأتى ~~منه التأمل والنظر تعجيبا من حالهم وتحذيرا من أعمالهم. # { وإلى مدين أخهم شعيبا } عطف على قوله: # وإلى عاد أخاهم هودا # [الأعراف، الآية 65] وما عطف عليه، وقد روعي ههنا ما في المعطوف عليه ~~في تقديم المجرور على المنصوب، أي وأرسلنا إليهم وهم أولاد مدين بن ~~إبراهيم عليه السلام وشعيب بن ميكائيل بن يشجر بن مدين، وقيل: ~~شعيب بن ثويب بن مدين، وقيل: شعيب بن يثرون بن مدين، وكان يقال ~~له: خطيب الأنبياء لحسن مراجعته قومه وكانوا أهل بخس للمكاييل ~~والموازين مع كفرهم { قال } استئناف مبني على سؤال نشأ عن حكاية ~~إرساله إليهم كأنه قيل: فماذا قال لهم؟ فقيل: قال: { يقوم ~~اعبدوا الله ما لكم من إله غيره } مر تفسيره ~~مرارا { قد جاءتكم بينة } أي معجزة وقوله تعالى: { من ~~ربكم } متعلق بجاءتكم أو بمحذوف هو صلة لفاعله مؤكدة لفخامته ~~الذاتية المستفادة من تنكيره بفخامته الإضافية، أي بينة عظيمة ~~ظاهرة كائنة من ربكم ومالك أموركم ولم يذكر معجزته عليه السلام في ~~القرآن العظيم كما لم يذكر أكثر معجزات النبي صلى الله عليه وسلم ~~فمنها ما روي من محاربة عصا موسى عليه السلام التنين حين ms1181 دفع إليه ~~غنمه ومنها ولادة الغنم الدرع خاصة حين وعد أن يكون له الدرع من ~~أولادها، ومنها وقوع عصا آدم عليه السلام على يده في المرات السبع لأن ~~كل ذلك كان قبل أن يستنبأ موسى عليه السلام. وقيل: البينة مجيئه ~~عليه السلام كما في قوله تعالى: # يقوم أرأيتم إن كنت على بينة من ربي # [هود: 38 ، 88] أي حجة واضحة وبرهان نير، عبر بهما عما آتاه الله ~~من النبوة والحكمة { فأوفوا الكيل } أي المكيال كما وقع في ~~سورة هود ويؤيده قوله تعالى: { والميزان } فإن المتبادر منه ~~الآلة وإن جاز كونه مصدرا كالمعيار وقيل: آلة الكيل والوزن على ~~الإضمار، والفاء لترتيب الأمر على مجيء البينة ويجوز أن تكون عاطفة ~~على اعبدوا فإن عبادة الله تعالى موجبة للاجتناب عن المناهي التي ~~معظمها بعد الكفر البخس الذي كانوا يباشرونه { ولا تبخسوا ~~الناس أشياءهم } التي تشترونها بهما معتمدين على تمامهما أي ~~شيء كان وأي مقدار كان، فإنهم كانوا يبخسون الجليل والحقير ~~والقليل والكثير، وقيل: كانوا مكاسين لا يدعون شيئا إلا مكسوه، قال ~~زهير: [الطويل] # أفي كل أسواق العراق إتاوة # وفي كل ما باع امرؤ مكس درهم # { ولا تفسدوا في الأرض } أي بالكفر والحيف { بعد ~~إصلحها } بعد ما أصلح أمرها وأهلها الأنبياء وأتابعهم بإجراء ~~الشرائع، أو أصلحوا فيها وإضافته إليها كإضافة مكر الليل والنهار { ~~ذلكم خير لكم } إشارة إلى العمل بما أمرهم به ونهاهم عنه، ~~ومعنى الخيرية إما الزيادة مطلقا أو في الإنسانية وحسن الأحدوثة وما ~~يطلبونه من التكسب والربح لأن الناس إذا عرفوهم بالأمانة رغبوا في ~~معاملتهم ومتاجرتهم { إن كنتم مؤمنين } أي مصدقين لي في ~~قولي هذا. ### || [7.86] # { ولا تقعدوا بكل صرط توعدون } أي بكل طريق من طرق ~~الدين كالشيطان. وصراط الحق وإن كان واحدا لكنه يتشعب إلى معارف ~~وحدود وأحكام وكانوا إذا رأوا أحدا يشرع في شيء منها منعوه. وقيل: ~~كانوا يجلسون على المراصد فيقولون لمن يريد شعيبا إنه كذاب لا ~~يفتننك عن دينك ويتوعدون لمن آمن به وقيل: يقطعون الطريق { ~~وتصدون عن سبيل ms1182 الله } أي السبيل الذي قعدوا عليه فوقع ~~المظهر موقع المضمر بيانا لكل صراط ودلالة على عظم ما يصدون عنه ~~وتقبيحا لما كانوا عليه، أو الإيمان بالله أو بكل صراط على أنه عبارة ~~عن طرق الدين وقوله تعالى: { من ءامن به } مفعول تصدون على إعمال ~~الأقرب، ولو كان مفعول توعدون لقيل: وتصدونهم، وتوعدون حال من ~~الضمير في تقعدوا { وتبغونها عوجا } أي وتطلبون لسبيل الله ~~عوجا بإلقاء الشبه أو بوصفها للناس بأنها معوجة وهي أبعد شيء من ~~شائبة الاعوجاج. # { واذكروا إذ كنتم قليلا فكثركم } بالبركة في النسل ~~والماء { وانظروا كيف كان عقبة المفسدين } من الأمم ~~الماضية كقوم نوح ومن بعدهم من عاد وثمود وأضرابهم واعتبروا بهم. ### || [7.87-88] # { وإن كان طائفة منكم ءامنوا بالذى أرسلت به } ~~من الشرائع والأحكام { وطائفة لم يؤمنوا } أي به أو لم ~~يفعلوا الإيمان { فاصبروا حتى يحكم الله بيننا } أي ~~بين الفريقين بنصر المحقين على المبطلين فهو وعد للمؤمنين ووعيد ~~للكافرين { وهو خير الحكمين } إذ لا معقب لحكمه ولا ~~حيف فيه. # { قال الملا الذين استكبروا من قومه } استئناف ~~مبني على سؤال ينساق إليه المقال كأنه قيل: فماذا قالوا بعد ما سمعوا ~~هذه المواعظ من شعيب عليه السلام؟ فقل: قال أشراف قومه المستكبرون ~~متطاولين عليه عليه السلام غير مكتفين بمجرد الاستعصاء عليه ~~والامتناع من الطاعة له بل بالغين من العتو والاستكبار إلى أن قصدوا ~~استتباعه عليه السلام فيما هم فيه وأتباعه المؤمنين واجترأوا على ~~إكراههم عليه بوعيد النفي وخاطبوه بذلك على طريقة التوكيد القسمي: { ~~لنخرجنك يشعيب والذين ءامنوا } بنسبة الإخراج ~~إليه عليه السلام أولا وإلى المؤمنين ثانيا بعطفهم عليه تنبيها على ~~أصالته عليه السلام في الإخراج وتبعيتهم له فيه كما ينبىء عنه قوله ~~تعالى: { معك } فإنه متعلق بالإخراج لا بالإيمان وتوسيط النداء ~~باسمه العلمي بين المعطوفين لزيادة التقرير والتهديد الناشئة من ~~غاية الوقاحة والطغيان، أي والله لنخرجنك وأتباعك { من قريتنا ~~} بغضا لكم ودفعا لفتنتكم المترتبة على المساكنة والجوار، وقوله ~~تعالى: { أو لتعودن فى ملتنا } عطف على جواب القسم، أي ~~والله ms1183 ليكونن أحد الأمرين ألبتة، على أن المقصد الأصلي هو العود، ~~وإنما ذكر النفي والإجلاء لمحض القسر والإلجاء كما يفصح عنه عدم ~~تعرضه عليه السلام لجواب الإخراج كأنهم قالوا: لا ندعكم فيما بيننا ~~حتى تدخلوا في ملتنا، وإدخالهم له عليه السلام في خطاب العود مع ~~استحالة كونه عليه السلام في ملتهم قبل ذلك إنما هو بطريق تغليب ~~الجماعة على الواحد وإنما لم يقولوا: أو لنعيدنكم على طريقة ما قبله ~~لما أن مرادهم أن يعودوا إليها بصورة الطواعية حذار الإخراج ~~باختيار أهون الشرين لا إعادتهم بسائر وجوه الإكراه والتعذيب. # { قال } استئناف كما سبق أي قال عليه السلام ردا لمقالتهم الباطلة ~~وتكذيبا لهم في أيمانهم الفاجرة: { أو لو كنا كرهين } ~~على أن الهمزة لإنكار الوقوع ونفيه لا لإنكار الواقع واستقباحه ~~كالتي في قوله تعالى: # أو لو جئتك بشىء مبين # [الشعراء: 30] ويجوز أن يكون الاستفهام فيه باقيا على حاله وقد مر ~~مرارا أن كلمة لو في مثل هذا المقام ليست لبيان انتفاء الشيء في ~~الزمن الماضي لانتفاء غيره فيه فلا يلاحظ لها جواب قد حذف تعويلا على ~~دلالة ما قبلها عليه ملاحظة قصدية إلا عند القصد إلى بيان الإعراب ~~على القواعد الصناعية بل هي لبيان تحقق ما يفيده الكلام السابق ~~بالذات أو بالواسطة من الحكم الموجب أو المنفي على كل حال مفروض من ~~الأحوال المقارنة له على الإجمال بإدخالها على أبعدها منه وأشدها ~~منافاة له ليظهر بثبوته أو انتفائه معه ثبوته أو انتفاؤه مع ما عداه ~~من الأحوال بطريق الأولوية لما أن الشيء متى تحقق مع المنافي القوي ~~فلأن يتحقق مع غيره أولى ولذلك لا يذكر معه شيء من سائر الأحوال ~~ويكتفى عنه بذكر الواو العاطفة للجملة على نظيرتها المقابلة لها ~~الشاملة لجميع الأحوال المغايرة لها عند تعددها، وهذا معنى قولهم: ~~إنها لاستقصاء الأحوال على سبيل الإجمال، وهذا المعنى ظاهر في الخبر ~~الموجب والمنفي والأمر والنهي كما في قولك: فلان جواد يعطي ولو ~~كان فقيرا أو بخيل لا يعطي ولو كان غنيا، وكقولك: أحسن ms1184 إليه ولو أساء ~~إليك ولا تهنه ولو أهانك لبقائه على حاله سالما عما يغيره، وأما ~~فيما نحن فيه ففيه نوع خفاء لتغيره بورود الإنكار عليه، لكن الأصل ~~في الكل واحد إلا أن كلمة لو في الصور المذكورة متعلقة بنفس الفعل ~~المذكور قبلها وأن ما يقصد بيان تحققه على كل حال هو نفس مدلوله ~~وأن الجملة حال من ضميره أو مما يتعلق به وأن ما في حيز لو مقرر على ~~ما هو عليه من الاستبعاد، بخلاف ما نحن فيه، لما أن كلمة لو متعلقة فيه ~~بفعل مقدر يقتضيه المذكور وأن ما يقصد بيان تحققه على كل حال هو ~~مدلوله لا مدلول المذكور وأن الجملة حال من ضميره لا من ضمير ~~المذكور كما سيأتي أو المقصود الأصلي إنكار مدلوله من حيث مقارنته ~~للحالة المذكورة، وأما تقدير مقارنته لغيرها فلتوسيع الدائرة وأن ما ~~في حيز (لو) لا يقصد استبعاده في نفسه بل يقصد الإشعار بأنه أمر ~~مقرر إلا أنه أخرج مخرج الاستبعاد مبالغة في الإنكار من جهة أن ~~العود مما ينكر عند كون الكراهة أمرا مستعدا فكيف به عند كونها ~~أمرا محققا ومعاملة مع المخاطبين على معتقدهم لاستنزالهم من رتبة ~~العناد؟ وليس المراد بالكراهة مجرد كراهة المؤمنين للعود في ملة ~~الكفر ابتداء حتى يقال إنها معلومة لهم فكيف تكون مستبعدة عندهم بل ~~إنما هي كراهتهم له بعد وعيد الإخراج الذي جعل قرينا للقتل في قوله ~~تعالى: # ولو أنا كتبنا # [النساء: 66] الآية، فإنهم كانوا يستبعدونها ويطمعون في أنهم حينئذ ~~يختارون العود خشية الإخراج، إذ رب مكروه يختار عند حلول ما هو ~~أشد منه وأفظع، والتقدير: أنعود فيها لو لم نكن كارهين ولو كنا ~~كارهين غير مبالين بالإكراه؟ فالجملة في محل النصب على الحالية من ضمير ~~الفعل المقدر حسبما أشير إليه، إذ مآله: أنعود فيها حال عدم ~~الكراهة، وحال الكراهة إنكار لما تفيده كلمتهم الشنيعة بإطلاقها من ~~العود على أي حالة كانت، غير أنه اكتفي بذكر الحالة الثانية التي ~~هي أشد الأحوال منافاة للعود وأكثرها ms1185 بعدا منه تنبيها على أنها ~~هي الواقعة في نفس الأمر، وثقة بإغنائها عن ذكر الأولى إغناء واضحا ~~لأن العود الذي تعلق به الإنكار حين تحقق مع الكراهة على ما يوجبه ~~كلامهم فلأن يتحقق مع عدمها أولى. # إن قلت: النفي المستفاد من الاستفهام الإنكاري فيما نحن فيه بمنزلة ~~صريح النفي ولا ريب في أن الأولوية هناك معتبرة بالنسبة إلى النفي، ~~ألا يرى أن الأولى بالتحقق فيما ذكر من مثال النفي عند الحالة ~~المسكوت عنها أعني عدم الغنى هو عدم الإعطاء لا نفسه فكان ينبغي أن ~~يكون الأولى بالتحقيق فيما نحن فيه عند عدم الكراهة عدم العود لا ~~نفسه، إذ هو الذي يدل عليه قولنا: أنعود؟ لأنه في معنى لا نعود، فلم ~~اختلف الحال بينهما؟ قلت: لما أن مناط الأولوية هو الحكم الذي ~~أريد بيان تحققه على كل حال وذلك في مثال النفي عدم الإعطاء ~~المستفاد من الفعل المنفي المذكور، وأما فيما نحن فيه فهو نفس العود ~~المستفاد من الفعل المقدر إذ هو الذي يقتضيه الكلام السابق أعني ~~قولهم: (لتعودن) وأما الاستفهام فخارج عنه وارد عليه لإبطال ما ~~يفيده ونفي ما يقتضيه لا أنه من تمامه كما في صورة النفي، وتوضيحه أن ~~بين النفيين فرقا معنويا تختلف به أحكامهما التي من جملتها ما ذكر ~~من اعتبار الأولوية في أحدهما بالنسبة إلى نفسه، وفي الآخر بالنسبة إلى ~~متعلقه ولذلك لا تستقيم إقامة أحدهما مقام الآخر على وجه الكلية، ~~ألا يرى أنك لو قلت مكان أنعود فيها الخ، لا نعود فيها ولو كنا كارهين ~~لاختل المعنى اختلالا فاحشا، لأن مدلول الأول نفي العود المقيد ~~بحال الكراهة ومدلول الثاني تقييد العود المنفي بها وذلك لأن حرف ~~النفي يباشر نفس الفعل وينفيه، وما يذكر بعده يرجع إليه من حيث هو ~~منفي. وأما همزة الاستفهام فإنها تباشر الفعل بعد تقيده بما ~~بعده، لما أن دلالتها على الإنكار والنفي ليست بدلالة وضعية كدلالة ~~حرف النفي حتى يتعلق معناها بنفس الفعل الذي يليها، ويكون ما بعده ~~راجعا إليه من ms1186 حيث هو منفي، بل هي دلالة عقلية مستفادة من سياق ~~الكلام فلا بد أن يكون ما يذكر بعد الفعل من موانعه ودواعي إنكاره ~~ونفيه حتما ليكون قرينة صارفة للهمزة عن حقيقتها إلى معنى الإنكار ~~والنفي، ثم لما كان المقصود نفي الحكم على كل حال مع الاقتصار على ذكر ~~بعض منها مغن عن ذكر ما عداها لاستلزام تحققه معه تحققه مع غيره ~~بطريق الأولوية وكانت حال الكراهة عند كونها قيدا لنفس العود كذلك ~~أي مغنيا عن ذكر سائر الأحوال ضرورة أن تحقق العود في حال ~~الكراهة مستلزم لتحققه في حال عدمها ألبتة، وعند كونها قيدا لنفيه ~~بخلاف ذلك أي غير مغن عن ذكر غيرها ضرورة أن نفي العود في حال ~~الكراهة لا يستلزم بقية في غيرها بل الأمر بالعكس فإن نفيه في حال ~~الإرادة مستلزم لنفيه في حال الكراهة قطعا. # استقام الأول لإفادته نفي العود في الحالتين مع الاقتصار على ذكر ما ~~هو مغن عن ذكر الآخر، ولم يستقم الثاني لعدم إفادته إياه على الوجه ~~المذكور. إن قيل: فما وجه استقامتهما جميعا عند ذكر المعطوفين معا ~~حيث يصح أن يقال: لا نعود فيها لو لم نكن كارهين ولو كنا كارهين كما ~~يصح أن يقال: أنعود فيها لو لم نكن كارهين ولو كنا كارهين مع أن المقدر ~~في حكم الملفوظ قلنا: وجهها أن كلا منهما يفيد معنى صحيحا في نفسه ~~لا أن معنى أحدهما عين معنى الآخر أو متلازمان متفقان في جميع ~~الأحكام، كيف لا ومدلول الأول أن العود منتف في الحالتين ومدلول ~~الثاني أن العود في الحالتين منتف وكلا المعنيين صحيح في نفسه ~~مصحح لنفي العود في الحالتين مع الاقتصار على ذكر حالة الكراهة على ~~عكس المعنى الأول فإنه مصحح لنفيه فيهما مع الاقتصار على ذكر حالة ~~الإرادة. ### || [7.89] # { قد افترينا على الله كذبا } أي كذبا عظيما لا ~~يقادر قدره { إن عدنا فى ملتكم } التي هي الشرك، وجواب ~~الشرط محذوف لدلالة ما قبله عليه أي إن عدنا في ملتكم { بعد إذ ms1187 ~~نجانا الله منها } فقد افترينا على الله كذبا عظيما حيث ~~نزعم حينئذ أن لله تعالى ندا وليس كمثله شيء وأنه قد تبين لنا أن ما ~~كنا عليه من الإسلام باطل وأن ما كنتم عليه من الكفر حق وأي افتراء ~~أعظم من ذلك؟ وقيل: إنه جواب قسم حذف عنه اللام تقديره والله لقد ~~افترينا الخ { وما يكون لنا } أي وما يصح وما يستقيم لنا { أن ~~نعود فيها } في حال من الأحوال أو في وقت من الأوقات { إلا أن ~~يشاء الله } أي إلا حال مشيئة الله تعالى أي وقت مشيئته تعالى ~~لعودنا فيها وذلك مما لا يكاد يكون كما ينبىء عنه قوله تعالى: { ~~ربنا } فإن التعرض لعنوان ربوبيته تعالى لهم مما ينبىء عن استحالة ~~مشيئته تعالى لارتدادهم قطعا وكذا قوله تعالى: # بعد إذ نجانا الله منها # فإن تنجيته تعالى لهم منها من دلائل عدم مشيئته لعودهم فيها وقيل: ~~معناه إلا أن يشاء الله خذلاننا. وقيل: فيه دليل على أن الكفر ~~بمشيئته تعالى وأيا ما كان فليس المراد بذلك بيان أن العود فيها في ~~حيز الإمكان وخطر الوقوع بناء على كون مشيئته تعالى كذلك بل بيان ~~استحالة وقوعها كأنه قيل: وما كان لنا أن نعود فيها إلا أن يشاء الله ~~ربنا وهيهات ذلك بدليل ما ذكر من موجبات عدم مشيئته تعالى له { ~~وسع ربنا كل شيء علما } فهو محيط بكل ما كان وما سيكون ~~من الأشياء التي من جملتها أحوال عباده وعزائمهم ونياتهم وما هو ~~اللائق بكل واحد منهم فمحال من لطفه أن يشاء عودنا فيها بعد ما ~~نجانا منها مع اعتصامنا به خاصة حسبما ينطق به قوله تعالى: { على ~~الله توكلنا } أي في أن يثبتنا على ما نحن عليه من الإيمان ~~ويتم علينا نعمته بإنجائنا من الإشراك بالكلية، وإظهار الاسم ~~الجليل في موقع الإضمار للمبالغة في التضرع والجؤار، وقوله تعالى: { ~~ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق } إعراض عن ~~مقاولتهم إثر ما ظهر له عليه الصلاة والسلام أنهم من العتو والعناد ~~بحيث لا ms1188 يتصور منهم الإيمان أصلا، وإقبال على الله تعالى بالدعاء ~~لفصل ما بينه وبينهم بما يليق بحال كل من الفريقين أي احكم بيننا ~~بالحق، والفتاحة الحكومة، أو أظهر أمرنا حتى ينكشف ما بيننا ~~وبينهم ويتميز المحق من المبطل من فتح المشكل إذا بينه { ~~وأنت خير الفتحين } تذييل مقرر لمضمون ما قبله على ~~المعنيين. ### || [7.90] # { وقال الملأ الذين كفروا من قومه } عطف على قال ~~الملأ الذين الخ، ولعل هؤلاء غير المستكبرين ودونهم في الرتبة شأنهم ~~الوساطة بينهم وبين العامة والقيام بأمورهم حسبما يراه المستكبرون، ~~ويجوز أن يكون عين الأولين، وتغيير الصلة لما أن مدار قولهم هذا هو ~~الكفر كما أن مناط قولهم السابق هو الاستكبار أي قال أشرافهم الذين ~~أصروا على الكفر لأعقابهم بعد ما شاهدوا صلابة شعيب عليه السلام ومن ~~معه من المؤمنين في الإيمان وخافوا أن يستتبعوا قومهم تثبيطا لهم عن ~~الإيمان به وتنفيرا لهم عنه على طريقة التوكيد القسمي والله { لئن ~~اتبعتم شعيبا } ودخلتم في دينه وتركتم دين آبائكم { ~~إنكم إذا لخسرون } أي في الدين لاشترائكم الضلالة بهداكم ~~أو في الدنيا لفوات ما يحصل لكم بالبخس والتطفيف، وإذن حرف جواب ~~وجزاء معترض بين اسم إن وخبرها والجملة سادة مسد جوابي الشرط ~~والقسم الذي وطأته اللام. ### || [7.91-94] # { فأخذتهم الرجفة } أي الزلزلة وهكذا في سورة العنكبوت وفي ~~سورة هود: # وأخذت الذين ظلموا الصيحة # [هود: 94] أي صيحة جبريل عليه السلام، ولعلها من مبادىء الرجفة ~~فأسند هلاكهم إلى السبب القريب تارة وإلى البعيد أخرى { ~~فأصبحوا في دارهم } أي في مدينتهم, وفي سورة هود في ديارهم { ~~جثمين } أي ميتين لازمين لأماكنهم لا براح لهم منها { الذين ~~كذبوا شعيبا } استئناف لبيان ابتلائهم بشؤم قولهم فيما سبق: # لنخرجنك يشعيب والذين ءامنوا معك من ~~قريتنا # [الأعراف: 88] وعقوبتهم بمقابلته، والموصول مبتدأ خبره قوله تعالى: ~~{ كأن لم يغنوا فيها } أي استؤصلوا بالمرة وصاروا كأنهم لم ~~يقيموا بقريتهم أصلا أي عوقبوا بقولهم ذلك وصاروا هم المخرجين من ~~القرية إخراجا لا دخول بعده أبدا وقوله تعالى: { الذين كذبوا ~~شعيبا كانوا هم ms1189 الخسرين } استئناف آخر لبيان ~~ابتلائهم بعقوبة قولهم الأخير، وإعادة الموصول والصلة كما هي ~~لزيادة التقرير والإيذان بأن ما ذكر في حيز الصلة هو الذي استوجب ~~العقوبتين أي الذين كذبوه عليه السلام عوقبوا بمقالتهم الأخيرة فصاروا هم ~~الخاسرين للدنيا والدين لا المتبعون له عليه الصلاة والسلام، وبهذا القصر ~~اكتفي عن التصريح بإنجائه عليه الصلاة والسلام كما وقع في سورة هود من ~~قوله تعالى: # ولما جاء أمرنا نجينا شعيبا والذين ءامنوا ~~معه # [هود: 94] الخ. # { فتولى عنهم وقال يقوم لقد أبلغتكم ~~رسلت ربى ونصحت لكم } قاله عليه الصلاة والسلام بعد ما ~~هلكوا تأسفا بهم لشدة حزنه عليهم ثم أنكر على نفسه ذلك فقال: { ~~فكيف ءاسى } أحزن حزنا شديدا { على قوم كفرين } أي ~~مصرين على الكفر ليسوا أهل حزن لاستحقاقهم ما نزل عليهم بكفرهم، أو ~~قاله اعتذارا عن عدم شدة حزنه عليهم، والمعنى لقد بالغت في الإبلاغ ~~والإنذار وبذلت وسعي في النصح والإشفاق فلم تصدقوا قولي فكيف آسى ~~عليكم وقرىء إيسى بإمالتين. # { وما أرسلنا فى قرية من نبى } إشارة إجمالية إلى ~~بيان أحوال سائر الأمم إثر بيان أحوال الأمم المذكورة تفصيلا، ~~ومن مزيدة لتأكيد النفي والصفة محذوفة أي من نبي كذب أو كذبه ~~أهلها { إلا أخذنا أهلها } استثناء مفرغ من أعم الأحوال، ~~وأخذنا في محل النصب من فاعل أرسلنا والفعل الماضي لا يقع بعد إلا بأحد ~~شرطين إما تقدير قد كما في هذه الآية أو مقارنة قد، كما في قولك: ما ~~زيد إلا قد قام والتقدير وما أرسلنا في قرية من القرى المهلكة نبيا ~~من الأنبياء في حال من الأحوال إلا حال كوننا آخذين أهلها { ~~بالبأساء } بالبؤس والفقر { والضراء } بالضر والمرض، لكن ~~لا على معنى أن ابتداء الإرسال مقارن للأخذ المذكور بل على أنه ~~مستتبع له غير منفك عنه بالآخرة لاستكبارهم عن اتباع نبيهم ~~وتعززهم عليه حسبما فعلت الأمم المذكورة { لعلهم يضرعون ~~} كي يتضرعوا ويتذللوا ويحطوا أردية الكبر والعزة عن أكتافهم كقوله ~~تعالى: # ولقد أرسلنا إلى أمم من قبلك فأخذنهم ~~بالبأساء والضراء لعلهم يتضرعون ms1190 # [الأنعام: 42]. ### || [7.95-97] # ثم بدلنا } عطف على أخذنا داخل في حكمه { مكان السيئة ~~} التي أصابتهم للغاية المذكورة { الحسنة } أي أعطيناهم بدل ما ~~كانوا فيه من البلاء والمحنة الرخاء والسعة كقوله تعالى: # وبلونهم بالحسنت والسيئات # [الأعراف: 168] { حتى عفوا } أي كثروا عددا وعددا من عفا ~~النبات إذا كثر وتكاثف وأبطرتهم النعمة { وقالوا } غير واقفين على ~~أن ما أصابهم من الأمرين ابتلاء من الله سبحانه { قد مس ءاباءنا ~~الضراء والسراء } كما مسنا ذلك، وما هو إلا من عادة الدهر ~~يعاقب في الناس بين الضراء والسراء من غير أن يكون هناك داعية تؤدي ~~إليهما أو تبعة تترتب عليهما، ولعل تأخير السراء للإشعار بأنها تعقب ~~الضراء فلا ضير فيها { فأخذنهم } إثر ذلك { بغتة } فجأة ~~أشد الأخذ وأفظعه { وهم لا يشعرون } بذلك ولا يخطر ~~ببالهم شيئا من المكاره كقوله تعالى: # حتى إذا فرحوا بما أوتوا # [الأنعام: 44] الآية، وليس المراد بالأخذ بغتة إهلاكهم طرفة عين ~~كإهلاك عاد وقوم لوط بل ما يعمه وما يمضي بين الأخذ وإتمام ~~الإهلاك أياما كدأب ثمود. # { ولو أن أهل القرى } أي القرى المهلكة المدلول عليها ~~بقوله تعالى: # فى قرية # وقيل: هي مكة وما حولها من القرى المنتظمة لما ذكر ههنا انتظاما ~~أوليا { ءامنوا } بما أوحي إلى أنبيائهم معتبرين بما جرى عليهم من ~~الابتلاء بالضراء والسراء { واتقوا } أي الكفر والمعاصي أو ~~اتقوا ما أنذروا به على ألسنة الأنبياء ولم يصروا على ما فعلوا ~~من القبائح ولم يحملوا ابتلاء الله تعالى على عادات الدهر وقال ابن عباس ~~رضي الله تعالى عنهما: وحدوا الله واتقوا الشر { لفتحنا ~~عليهم بركت من السماء والأرض } لوسعنا عليهم الخير ~~ويسرناه لهم من كل جانب مكان ما أصابهم من فنون العقوبات التي بعضها ~~من السماء وبعضها من الأرض. وقيل: المراد المطر والنبات وقرىء ~~لفتحنا بالتشديد للتكثير { ولكن كذبوا } أي ولكن لم يؤمنوا ~~ولم يتقوا وقد اكتفي بذكر الأول لاستلزامه للثاني { فأخذنهم ~~بما كانوا يكسبون } من أنواع الكفر والمعاصي التي من جملتها ~~قولهم: قد مس آباءنا الخ، وهذا الأخذ عبارة عما في ms1191 قوله تعالى: # فأخذنهم بغتة # لا عن الجدب والقحط كما قيل فإنهما قد زالا بتبديل الحسنة مكان ~~السيئة. # { أفأمن أهل القرى } أي أهل القرى المذكورة، على وضع ~~المظهر موضع المضمر للإيذان بأن مدار التوبيخ أمن كل طائفة ~~ما أتاهم من البأس لا أمن مجموع الأمم، فإن كل طائفة منهم أصابهم ~~بأس خاص بهم لا يتعداهم إلى غيرهم كما سيأتي، والهمزة لإنكار الواقع ~~واستقباحه لا لإنكار الوقوع ونفيه كما قاله أبو شامة وغيره لقوله ~~تعالى: # فلا يأمن مكر الله إلا القوم الخسرون # [الأعراف: 99] والفاء للعطف على أخذناهم وما بينهما اعتراض توسط ~~بينهما للمسارعة إلى بيان أن الأخذ المذكور مما كسبته أيديهم ~~والمعنى أبعد ذلك الأخذ أمن أهل القرى { أن يأتيهم بأسنا ~~بيتا } أي تبييتا أو وقت بيات أي مبيتا أو مبيتين وهو في ~~الأصل مصدر بمعنى البيتوتة ويجيء بمعنى التبييت كالسلام بمعنى ~~التسليم { وهم نائمون } حال من ضميرهم البارز أو المستتر في ~~بياتا. ### || [7.98-100] # { أو أمن أهل القرى } إنكار بعد إنكار للمبالغة في ~~التوبيخ والتشديد ولذلك لم يقل: أفأمن أهل القرى أي يأتيهم بأسنا ~~بياتا وهم نائمون أو ضحى وهم يلعبون، وقرىء أو بسكون الواو على ~~الترديد { أن يأتيهم بأسنا ضحى } أي ضحوة النهار وهو في ~~الأصل ضوء الشمس إذا ارتفعت { وهم يلعبون } أي يلهون من فرط ~~الغفلة أو يشتغلون بما لا ينفعهم كأنهم يلعبون { أفأمنوا مكر ~~الله } تكرير للنكير لزيادة التقرير، ومكر الله تعالى استعارة ~~لاستدراجه العبد وأخذه من حيث لا يحتسب، والمراد به إتيان بأسه ~~تعالى في الوقتين المذكورين ولذلك عطف الأول والثالث بالفاء فالإنكار ~~فيهما متوجه إلى ترتب الأمن على الأخذ المذكور، وأما الثاني فمن تتمة ~~الأول { فلا يأمن مكر الله إلا القوم الخسرون ~~} أي الذين خسروا أنفسهم وأضاعوا فطرة الله التي فطر الناس عليها ~~والاستعداد القريب المستفاد من النظر في الآيات { أو لم يهد ~~للذين يرثون الارض من بعد أهلها } أي يخلفون من ~~خلا قبلهم من الأمم المهلكة ويرثون ديارهم والمراد بهم أهل مكة ~~ومن حولها، وتعدية فعل ms1192 الهداية باللام إما لتنزيلها منزلة اللازم ~~كأنه قيل: أغفلوا ولم يغفل الهداية لهم؟ الخ، وإما لأنها بمعنى ~~التبيين والمفعول محذوف والفاعل على التقديرين هو الجملة الشرطية ~~أي أو لم يبين لهم مآل أمرهم { أن لو نشاء أصبنهم ~~بذنوبهم } أي أن الشأن لو نشاء أصبناهم بجزاء ذنوبهم أو بسبب ~~ذنوبهم كما أصبنا من قبلهم وقرىء نهد بنون العظمة فالجملة مفعوله { ~~ونطبع على قلوبهم } عطف على ما يفهم من قوله تعالى: { ~~أو لم يهد } كأنه قيل: لا يهتدون أو يغفلون عن الهداية أو عن ~~التفكر والتأمل، أو منقطع عنه بمعنى ونحن نطبع ولا يجوز عطفه على ~~أصبناهم على أنه بمعنى طبعنا لإفضائه إلى نفي الطبع عنهم لأنه في سياق ~~جواب لو { فهم لا يسمعون } أي أخبار الأمم المهلكة فضلا عن ~~التدبر والنظر فيها والاغتنام بما في تضاعيفها من الهداية. ### || [7.101] # { تلك القرى } جملة مستأنفة جارية مجرى الفذلكة لما قبلها من ~~القصص منبئة عن غاية غواية الأمم المذكورة وتماديهم فيها بعد ما ~~أتتهم الرسل بالمعجزات الباهرة، وتلك إشارة إلى قرى الأمم المهلكة ~~على أن اللام للعهد وهو مبتدأ وقوله تعالى: { نقص عليك من ~~أنبائها } خبره، وصيغة المضارع للإيذان بعدم انقضاء القصة بعد، ~~ومن للتبعيض، أي بعض أخبارها التي فيها عظة وتذكير. # وقيل: تلك مبتدأ والقرى خبره وما بعده حال أو خبر بعد خبر عند من ~~يجوز كون الخبر الثاني جملة كما في قوله تعالى: # فإذا هى حية تسعى # [طه: 20] وتصدير الكلام بذكر القرى وإضافة الأنباء إليها مع أن ~~المقصوص أنباء أهلها والمقصود بيان أحوالهم حسبما يعرب عنه قوله ~~تعالى: { ولقد جاءتهم رسلهم بالبينت } لما أن حكاية ~~هلاكهم بالمرة على وجه الاستئصال بحيث يشمل أماكنهم أيضا بالخسف ~~بها والرجفة وبقائها خاوية معطلة أهول وأفظع. والباء في قوله ~~تعالى: { بالبينت } متعلقة إما بالفعل المذكور على أنها ~~للتعدية وإما بمحذوف وقع حالا من فاعله أي ملتبسين بالبينات لكن لا بأن ~~يأتي كل رسول ببينة واحدة بل ببينات كثيرة خاصة به معينة حسب ~~اقتضاء الحكمة، فإن مراعاة ms1193 انقسام الآحاد إنما هي فيما بين الرسل ~~وضمير الأمم، والجملة مستأنفة مبينة لكمال عتوهم وعنادهم أي ~~وبالله لقد جاء كل أمة من تلك الأمم المهلكة رسولهم الخاص بهم ~~بالمعجزات البينة المتكثرة المتواردة عليهم الواضحة الدلالة على ~~صحة رسالته الموجبة للإيمان حتما، وقوله تعالى: { فما كانوا ~~ليؤمنوا } بيان لاستمرار عدم إيمانهم في الزمان الماضي لا لعدم ~~استمرار إيمانهم، وترتيب حالتهم هذه على مجيء الرسل بالبينات ~~بالفاء لما أن الاستمرار على فعل من الأفعال بعد ورود ما يوجب الإقلاع ~~عنه وإن كان استمرارا على فعل من الأفعال بعد ورود ما يوجب الإقلاع ~~عنه وإن كان عليه في الحقيقة لكنه بحسب العنوان فعل جديد وصنع ~~حادث نحو وعظته فلم ينزجر ودعوته فلم يجب، واللام لتأكيد النفي ~~أي فما صح وما استقام لقوم من أولئك الأقوام في وقت من الأوقات أن ~~يؤمنوا بكل، وكان ذلك ممتنعا منهم إلى أن لقوا ما لقوا لغاية ~~عتوهم وشدة شكيمتهم في الكفر والطغيان، ثم إن كان المحكي عنهم آخر ~~حال كل قوم منهم فالمراد بعدم إيمانهم المذكور ههنا إصرارهم على ~~ذلك بعد اللتيا والتي وبما أشير إليه بقوله تعالى: { بما كذبوا ~~من قبل } تكذيبهم من لدن مجيء الرسل إلى وقت الإصرار والعناد، ~~وإنما لم يجعل ذلك مقصودا بالذات كالأول بل جعل صلة للموصول إيذانا ~~بأنه بين بنفسه، وإنما المحتاج إلى البيان عدم إيمانهم بعد تواتر ~~البينات الظاهرة وتظاهر المعجزات الباهرة التي كانت تضطرهم إلى ~~القبول لو كانوا من أصحاب العقول، والموصول الذي تعلق به الإيمان ~~والتكذيب سلبا وإيجابا عبارة عن جميع الشرائع التي جاء بها كل ~~رسول أصولها وفروعها، وإن كان المحكي جميع أحوال كل قوم منهم ~~فالمراد بما ذكر أولا كفرهم المستمر من حين مجيء الرسل الخ، وبما ~~أشير إليه آخرا تكذيبهم قبل مجيئهم فلا بد من جعل الموصول المذكور ~~عبارة عن أصول الشرائع التي أجمعت عليها الرسل قاطبة ودعوا أممهم ~~إليها آثر ذي أثير لاستحالة تبدلها وتغيرها، مثل ملة التوحيد ~~ولوازمها، ومعنى تكذيبهم بها قبل مجيء ms1194 رسلهم أنهم ما كانوا في زمن ~~الجاهلية بحيث لم يسمعوا كلمة التوحيد قط بل كانت كل أمة من أولئك ~~الأمم يتسامعون بها من بقايا من قبلهم فيكذبونها، ثم كانت حالتهم بعد ~~مجيء رسلهم كحالتهم قبل ذلك كأن لم يبعث إليهم أحد، وتخصيص التكذيب ~~وعدم الإيمان بما ذكر من الأصول لظهور حال الباقي بدلالة النص، ~~فإنهم حين لم يؤمنوا بما أجمعت عليه كافة الرسل فلأن لا يؤمنوا بما ~~تفرد به بعضهم أولى، وعدم جعل التكذيب مقصودا بالذات لما أن ما ~~عليه يدور فلك العذاب والعقاب هو التكذيب الواقع بعد الدعوة حسبما ~~يعرب عنه قوله تعالى: # وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا # [الإسراء: 15] وإنما ذكر ما وقع قبلها بيانا لعراقتهم في الكفر ~~والتكذيب، وعلى كلا التقديرين فالضمائر الثلاثة متوافقة في المرجع، ~~وقيل: ضمير كذبوا راجع إلى أسلافهم، والمعنى فما كان الأبناء ليؤمنوا ~~بما كذب به الآباء، ولا يخفى ما فيه من التعسف، وقيل: المراد ما كانوا ~~ليؤمنوا لو أحييناهم بعد إهلاكهم ورددناهم إلى دار التكليف بما كذبوا ~~من قبل كقوله تعالى: # ولو ردوا لعدوا لما نهوا عنه # [الأنعام: 28] وقيل: الباء للسببية وما مصدرية أي بسبب تعودهم ~~تكذيب الحق وتمرنهم عليه قبل بعثة الرسل، ولا يرد عليه ههنا ما ~~ورد في سورة يونس من مخالفة الجمهور بجعل ما المصدرية من قبيل ~~الأسماء كما هو رأي الأخفش وابن السراج ليرجع إليه الضمير في به. # { كذلك } أي مثل ذلك الطبع الشديد المحكم { يطبع الله ~~على قلوب الكفرين } أي من المذكورين وغيرهم فلا يكاد يؤثر ~~فيها الآيات والنذر، وفيه تحذير للسامعين، وإظهار الاسم الجليل بطريق ~~الالتفات لتربية المهابة وإدخال الروعة. ### || [7.102-103] # { وما وجدنا لاكثرهم } أي أكثر الأمم المذكورين، واللام ~~متعلقة بالوجدان كما في قولك: ما وجدت له مالا أي ما صادفت له مالا ~~ولا لقيته، أو بمحذوف وقع حالا من قوله تعالى: { من عهد } لأنه ~~في الأصل صفة للنكرة فلما قدمت عليها انتصبت حالا، والأصل ما وجدنا ~~عهدا كائنا لأكثرهم ومن وفاء عهد فإنهم نقضوا ما ms1195 عاهدوا الله عليه ~~عند مساس البأساء والضراء قائلين: لئن أنجيتنا من هذه لنكونن من ~~الشاكرين، فتخصيص هذا الشأن بأكثرهم ليس لأن بعضهم كانوا يوفون ~~بعهودهم بل لأن بعضهم كانوا لا يعهدون ولا يوفون، وقيل: المراد بالعهد ~~ما عهد الله تعالى إليهم من الإيمان والتقوى بنصب الآيات وإنزال ~~الحجج، وقيل: ما عهدوا عند خطاب # ألست بربكم # [الأعراف: 172] فالمراد بأكثرهم كلهم، وقيل: الضمير للناس والجملة ~~اعتراض فإن أكثرهم لا يوفون بالعهد بأي معنى كان { وإن وجدنا ~~أكثرهم } أي أكثر الأمم أي علمناهم كما في قولك: وجدت زيدا ذا ~~حفاظ وقيل: الأول أيضا كذلك، وإن مخففة من إن وضمير الشأن محذوف أي ~~إن الشأن وجدناهم { لفسقين } خارجين عن الطاعة ناقضين للعهود، ~~وعند الكوفيين أن إن نافية واللام بمعنى إلا أي ما وجدناهم إلا ~~فاسقين. # { ثم بعثنا من بعدهم موسى } أي أرسلناه من بعد انقضاء ~~وقائع الرسل المذكورين أو من بعد هلاك الأمم المحكية، والتصريح بذلك ~~مع دلالة (ثم) على التراخي للإيذان بأن بعثه عليه الصلاة والسلام جرى ~~على سنن السنة الإلهية من إرسال الرسل تترى، وتقديم الجار ~~والمجرور على المفعول الصريح لما مر مرارا من الاعتناء بالمقدم ~~والتشويق إلى المؤخر { بئايتنا } متعلق بمحذوف وقع حالا من ~~مفعول بعثنا، أو صفة لمصدره أي بعثناه عليه الصلاة والسلام ملتبسا ~~بآياتنا أو بعثناه بعثا ملتبسا بها، وهي الآيات التسع ~~المفصلات التي هي: العصا، واليد البيضاء، والسنون، ونقص ~~الثمرات، والطوفان، والجراد، والقمل، والضفادع، والدم، حسبما ~~سيأتي على التفصيل { إلى فرعون } هو لقب لكل من ملك مصر من ~~العمالقة كما أن كسرى لقب لكل من ملك فارس، وقيصر لكل من ملك الروم ~~واسمه قابوس، وقيل: الوليد بن مصعب بن الريان { وملئه } أي ~~أشراف قومه، وتخصيصهم بالذكر مع عموم رسالته عليه الصلاة والسلام ~~لقومه كافة حيث كانوا جميعا مأمورين بعبادة رب العالمين عز ~~سلطانه، وترك العظيمة الشنعاء التي كان يدعيها الطاغية وتقبلها منه ~~فئته الباغية لأصالتهم في تدبير الأمور واتباع غيرهم لهم في الورود ~~والصدور { فظلموا بها } أي كفروا ms1196 بها، أجري الظلم مجرى الكفر ~~لكونهما من واد واحد، أو ضمن معنى الكفر أو التكذيب أي ظلموا كافرين ~~بها أو مكذبين بها، أو كفروا بها مكان الإيمان الذي هو من حقها ~~لوضوحها ولهذا المعنى وضع ظلموا موضع كفروا وقيل: ظلموا أنفسهم ~~بسببها بأن عرضوها للعذاب الخالد، أو ظلموا الناس بصدهم عن الإيمان ~~بها، والمراد به الاستمرار على الكفر بها إلى أن لقوا من العذاب ما ~~لقوا، ألا يرى إلى قوله تعالى: { فانظر كيف كان عقبة ~~المفسدين } فكما أن ظلمهم بها مستتبع لتلك العاقبة الهائلة كذلك ~~حكاية ظلمهم بها مستتبع للأمر بالنظر إليها، وكيف خبر كان قدم على ~~اسمها لاقتضائه الصدارة والجملة في حيز النصب بإسقاط الخافض أي فانظر ~~بعين عقلك إلى كيفية ما فعلنا بهم، ووضع المفسدين موضع ضميرهم ~~للإيذان بأن الظلم مستلزم للإفساد. ### || [7.104-105] # { وقال موسى } كلام مبتدأ مسوق لتفصيل ما أجمل فيما قبله من ~~كيفية إظهار الآيات وكيفية عاقبة المفسدين { يفرعون إني رسول ~~} أي إليك { من رب العلمين } على الوجه الذي مر بيانه { ~~حقيق على أن لا أقول على الله إلا الحق } جواب عما ~~ينساق إليه الذهن من حكاية ظلمهم بالآيات من تكذيبه إياه عليه الصلاة ~~والسلام في دعوى الرسالة وكان أصله حقيق على أن لا أقول الخ، كما هو ~~قراءة نافع فقلب للأمن من الإلباس كما في قول من قال: # [ونركب خيلا لا هوادة بينها] # وتشقى الرماح بالضياطرة الحمر # أو لأن ما لزمك فقد لزمته، أو للإغراق في الوصف بالصدق، والمعنى ~~واجب علي القول الحق أن أكون أنا قائله لا يرضى إلا بمثلي ناطقا ~~به، أو ضمن حقيق معنى حريص، أو وضع على موضع الباء لإفادة ~~التمكن كقولهم: رميت على القوس وجئت على حال حسنة، ويؤيده قراءة أبي ~~بالباء وقرىء حقيق أن لا أقول وقوله تعالى: { قد جئتكم ببينة ~~من ربكم } استئناف مقرر لما قبله من كونه رسولا من رب ~~العالمين وكونه حقيقا بقول الحق ولم يكن هذا القول منه عليه الصلاة ~~والسلام وما بعده من جواب ms1197 فرعون إثر ما ذكر ههنا بل بعد ما جرى بينهما ~~من المحاورة المحكية بقوله تعالى: # قال فمن ربكما # [طه: 49] الآيات، وقوله تعالى: # وما رب العلمين # [الشعراء: 23] الآيات، وقد طوي ههنا ذكره للإيجاز، ومن متعلقة إما ~~بجئتكم على أنها لابتداء الغاية مجازا وإما بمحذوف وقع صفة لبينة ~~مفيدة لفخامتها الإضافية المؤكدة لفخامتها الذاتية المستفادة من ~~التنوين التفخيمي، وإضافة اسم الرب إلى المخاطبين بعد إضافته فيما ~~قبله إلى العالمين لتأكيد وجوب الإيمان بها { فأرسل معى بنى ~~إسرءيل } أي فخلهم حتى يذهبوا معي إلى الأرض المقدسة التي هي وطن ~~آبائهم وكان قد استعبدهم بعد انقراض الأسباط يستعملهم ويكلفهم ~~الأفاعيل الشاقة فأنقذهم الله تعالى بموسى عليه الصلاة والسلام وكان ~~بين اليوم الذي دخل يوسف مصر واليوم الذي دخله موسى عليهما السلام ~~أربعمائة عام، والفاء لترتيب الإرسال أو الأمر به على ما قبله من ~~رسالته عليه السلام ومجيئه بالبينة. ### || [7.106-109] # { قال } استئناف وقع جوابا عن سؤال ينساق إليه الكلام كأنه قيل: ~~فماذا قال فرعون له عليه السلام حين قال له ما قال؟ فقيل: قال: { قال ~~إن كنت جئت بآية } أي من عند من أرسلك كما تدعيه { فأت بها ~~} أي فأحضرها حتى تثبت بها رسالتك { إن كنت من الصدقين } ~~في دعواك، فإن كونك من جملة المعروفين بالصدق يقتضي إظهار الآية لا ~~محالة { فألقى عصاه فإذا هى ثعبان مبين } أي ظاهر ~~أمره لا يشك في كونه ثعبانا وهو الحية العظيمة، وإيثار الجملة ~~الاسمية للدلالة على كمال سرعة الانقلاب وثبات وصف الثعبانية فيها ~~كأنها في الأصل كذلك. وروي أنه لما ألقاها صارت ثعبانا أشعر فاغرا ~~فاه بين لحييه ثمانون ذراعا وضع لحيه الأسفل على الأرض ~~والأعلى على سور القصر، ثم توجه نحو فرعون فهرب منه وأحدث فانهزم الناس ~~مزدحمين فمات منهم خمسة وعشرون ألفا فصاح فرعون: يا موسى أنشدك بالذي ~~أرسلك خذه وأنا أؤمن بك وأرسل معك بني إسرائيل فأخذه فعاد عصا { ~~ونزع يده } أي من جيبه أو من تحت إبطه { فإذا هى بيضاء ~~للنظرين } أي بيضاء بياضا ms1198 نورانيا خارجا عن العادة يجتمع ~~عليه النظارة تعجبا من أمرها، وذلك ما يروى أنه أرى فرعون يده ~~وقال: ما هذه؟ فقال: يدك، ثم أدخلها جيبه وعليه مدرعة صوف ونزعها ~~فإذا هي بيضاء بياضا نورانيا غلب شعاعه شعاع الشمس وكان عليه ~~السلام آدم شديد الأدمة، وقيل: بيضاء للناظرين لا أنها كانت بيضاء ~~في جبلتها. # { قال الملأ من قوم فرعون } أي الأشراف منهم وهم أصحاب ~~مشورته { إن هذا لسحر عليم } أي مبالغ في علم السحر ~~ماهر فيه، قالوه تصديقا لفرعون وتقريرا لكلامه فإن هذا القول بعينه ~~معزي في سورة الشعراء إليه. ### || [7.110-114] # { يريد أن يخرجكم من أرضكم } أي من أرض مصر { فماذا ~~تأمرون } بفتح النون وما في ماذا في محل النصب على أنه مفعول ثان ~~لتأمرون بحذف الجار، والأول محذوف والتقدير بأي شيء تأمرونني، وهذا من ~~كلام فرعون كما في قوله تعالى: # ذلك ليعلم أنى لم أخنه بالغيب # [يوسف: 52] أي فإذا كان كذلك فماذا تشيرون علي في أمره؟ وقيل: قاله ~~الملأ بطريق التبليغ إلى العامة فقوله تعالى: { قالوا أرجه ~~وأخاه } على الأول وهو الأظهر حكاية لكلام الملأ الذين شاورهم ~~فرعون وعلى الثاني لكلام العامة الذين خاطبهم الملأ ويأباه أن الخطاب ~~لفرعون وأن المشاورة ليست وظائفهم أي أخره وأخاه، وعدم التعرض ~~لذكره لظهور كونه معه حسبما تنادي به الآيات الأخر، والمعنى أخر ~~أمرهما وأصدرهما عنك حتى ترى رأيك فيهما وتدبر شأنهما، وقرىء أرجئه ~~وأرجه من أرجأه وأرجاه { وأرسل فى المدائن حشرين ~~} قيل: هي مدائن صعيد مصر وكان رؤساء السحرة ومهرتهم بأقصى ~~مدائن الصعيد. وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنهم كانوا سبعين ~~ساحرا أخذوا السحر من رجلين مجوسيين من أهل نينوى مدينة يونس عليه ~~السلام بالموصل، ورد ذلك بأن المجوسية ظهرت بزرادشت وهو إنما جاء ~~بعد موسى عليه الصلاة والسلام { يأتوك بكل سحر عليم } أي ~~ماهر في السحر، وقرىء بكل سحار عليم، والجملة جواب الأمر. # { وجاء السحرة فرعون } بعد ما أرسل إليهم الحاشرين وإنما لم ~~يصرح به حسبما في قوله تعالى: # فأرسل ms1199 فرعون فى المدائن حشرين # [الشعراء: 53] للإيذان بمسارعة فرعون إلى الإرسال ومبادرة الحاشرين ~~والسحرة إلى الامتثال. # { قالوا } استئناف منوط بسؤال نشأ من مجيء السحرة كأنه قيل: فماذا ~~قالوا له عند مجيئهم إياه؟ فقيل: قالوا مدلين بما عندهم واثقين ~~بغلبتهم: { إن لنا لأجرا إن كنا نحن الغلبين } ~~بطريق الإخبار بثبوت الأجروإيجابه كأنهم قالوا: لا بد لنا من أجر عظيم ~~حينئذ، أو بطريق الاستفهام التقريري بحذف الهمزة وقرىء بإثباتها، ~~وقولهم: (إن كنا) لمجرد تعيين مناط ثبوت الأجر لا لترددهم في ~~الغلبة، وتوسيط الضمير وتحلية الخبر باللام للقصر أي إن كنا نحن ~~الغالبين لا موسى { قال نعم } وقوله تعالى: { وإنكم لمن ~~المقربين } عطف على محذوف سد مسده حرف الإيجاب كأنه قال: إن ~~لكم لأجرا وإنكم مع ذلك لمن المقربين للمبالغة في الترغيب. روي أنه قال ~~لهم: تكونون أول من يدخل مجلسي وآخر من يخرج منه. ### || [7.115-120] # { قالوا } استئناف كما مر كأنه قيل: فماذا فعلوا بعد ذلك؟ فقيل: ~~قالوا متصدين لشأنهم مخاطبين لموسى عليه السلام: { يموسى إما ~~أن تلقى } ما تلقي أولا { وإما أن نكون نحن ~~الملقين } أي لما نلقي أولا، أو الفاعلين للإلقاء أولا، خيروه ~~عليه السلام بالبدء بالإلقاء مراعاة للأدب وإظهارا للجلادة وأنه لا ~~يختلف حالهم بالتقديم والتأخير، ولكن كانت رغبتهم في التقديم كما ينبىء ~~عنه تغييرهم للنظم بتعريف الخبر، وتوسيط ضمير الفصل وتأكيد الضمير ~~المتصل { قال ألقوا } غير مبال بأمرهم أي ألقوا ما تلقون { ~~فلما ألقوا } ما ألقوا { سحروا أعين الناس } بأن ~~خيلوا إليهم ما لا حقيقة له { واسترهبوهم } أي بالغوا في ~~إرهابهم { وجاءوا بسحر عظيم } في بابه. روي أنهم ألقوا حبالا ~~غلاظا وخشبا طوالا كأنها حيات ملأت الوادي وركب بعضها بعضا. # { وأوحينا إلى موسى أن ألق عصاك فإذا هى ~~تلقف ما يأفكون } الفاء فصيحة أي فألقاها فصارت حية فإذا هي ~~الآية وإنما حذف للإشعار بمسارعة موسى عليه السلام إلى الإلقاء وبغاية ~~سرعة الانقلاب كأن لقفها لما يأفكون قد حصل متصلا بالأمر بالإلقاء، ~~وصيغة المضارع لاستحضار صورة اللقف الهائلة والإفك الصرف ~~والقلب ms1200 عن الوجه المعتاد، وما موصولة أو موصوفة والعائد محذوف أي ما ~~يأفكونه ويزورونه، أو مصدرية وهي مع الفعل بمعنى المفعول. روي أنها ~~لما تلقفت ملء الوادي من الخشب والحبال ورفعها موسى فرجعت عصا كما ~~كانت وأعدم الله تعالى بقدرته الباهرة تلك الأجرام العظام أو فرقها ~~أجزاء لطيفة قالت السحرة: لو كان هذا سحرا لبقيت حبالنا ~~وعصينا { فوقع الحق } أي فثبت لظهور أمره { وبطل ما ~~كانوا يعملون } أي ظهر بطلان ما كانوا مستمرين على عمله { ~~فغلبوا } أي فرعون وقومه { هنالك } أي في مجلسهم { ~~وانقلبوا صغرين } أي صاروا أذلاء مبهوتين أو رجعوا إلى ~~المدينة أذلاء مقهورين، والأول هو الظاهر لقوله تعالى: { وألقى ~~السحرة سجدين } فإن ذلك كان بمحضر من فرعون قطعا أي خروا ~~سجدا كأنما ألقاهم ملق لشدة خرورهم كيف لا وقد بهرهم الحق ~~واضطرهم إلى ذلك. ### || [7.121-125] # { قالوا ءامنا برب العلمين * رب موسى وهرون ~~} أبدلوا الثاني من الأول لئلا يتوهم أن مرادهم فرعون. عن ابن عباس ~~رضي الله عنهما أنه قال: لما آمنت السحرة اتبع موسى من بني إسرائيل ~~ستمائة ألف. # { قال فرعون } منكرا على السحرة موبخا لهم على ما فعلوه: { ~~آمنتم به } بهمزة واحدة إما على الإخبار المحض المتضمن للتوبيخ ~~أو على الاستفهام التوبيخي بحذف الهمزة كما مر في إن لنا لأجرا، وقد ~~قرىء بتحقيق الهمزتين معا بتحقيق الأولى وتسهيل الثانية بين بين ~~أي آمنتم بالله تعالى { قبل أن ءاذن لكم } أي بغير أن آذن لكم ~~كما في قوله تعالى: # لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربي # [الكهف: 109] لا أن الإذن منه ممكن في ذلك { إن هذا لمكر ~~مكرتموه } يعني أن ما صنعتموه ليس مما اقتضى الحال صدوره عنكم ~~لقوة الدليل وظهور المعجزة بل هو حيلة احتملتموها مع مواطأة موسى { فى ~~المدينة } يعني مصر قبل أن تخرجوا إلى الميعاد. روي أن موسى عليه ~~الصلاة والسلام وأمير السحرة التقيا فقال له موسى: أرأيتك إن غلبتك ~~أتؤمن بي وتشهد أن ما جئت به الحق، فقال الساحر: والله لئن غلبتني ~~لأومنن بك وفرعون ms1201 يسمعهما، وهو الذي نشأ عنه هذا القول { ~~لتخرجوا منها أهلها } أي القبط وتخلص هي لك ولبني ~~إسرائيل، وهاتان شبهتان ألقاهما إلى أسماع عوام القبط عند معاينتهم ~~لارتفاع أعلام المعجزة ومشاهدتهم لخضوع أعناق السحرة لها وعدم ~~تمالكهم من أن يؤمنوا بها ليمنعهم بهما عن الإيمان بنبوة موسى عليه ~~الصلاة والسلام بإراءة أن إيمان السحرة مبني على المواضعة بينهم ~~وبين موسى وأن غرضهم بذلك إخراج القوم من المدينة وإبطال ملكهم، ~~ومعلوم أن مفارقة الأوطان المألوفة والنعمة المعروفة مما لا يطاق ~~به فجمع اللعين بين الشبهتين تثبيتا للقبط على ما هم عليه ~~وتهييجا لعداوتهم له عليه الصلاة والسلام ثم عقبهما بالوعيد ليريهم ~~أن له قوة وقدرة على المدافعة فقال: { فسوف تعلمون } أي عاقبة ~~ما فعلتم، وهذا وعيد ساقه بطريق الإجمال للتهويل ثم عقبه بالتفصيل ~~فقال: { لاقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف } أي من ~~كل شق طرفا { ثم لاصلبنكم أجمعين } تفصيحا لكم ~~وتنكيلا لأمثالكم. وقيل: هو أول من سن ذلك فشرعه الله تعالى لقطاع ~~الطريق تعظيما لجرمهم ولذلك سماه الله تعالى محاربة لله ورسوله. # { قالوا } استئناف مسوق للجواب عن سؤال ينساق إليه الذهن كأنه ~~قيل: فماذا قال السحرة عندما سمعوا وعيد فرعون؟ هل تأثروا به أو ~~تصلبوا فيما هم فيه من الدين؟ فقيل: قالوا ثابتين على ما أحدثوا من ~~الإيمان: { إنا إلى ربنا منقلبون } أي بالموت لا محالة ~~فسواء كان ذلك من قبلك أو لا فلا نبالي بوعيدك أو إنا إلى رحمة ربنا ~~وثوابه منقلبون إن فعلت بنا ذلك كأنهم استطابوه شغفا على لقاء الله ~~تعالى أو إنا جميعا إلى ربنا منقلبون فيحكم بيننا وبينك. ### || [7.126-128] # { وما تنقم منا } أي وما تنكر وتعيب منا { إلا أن ءامنا ~~بئايت ربنا لما جآءتنا } وهو خير الأعمال وأصل ~~المفاخر ليس مما يتأتى لنا العدول عنه طلبا لمرضاتك ثم أعرضوا عن ~~مخاطبته إظهارا لما في قلوبهم من العزيمة على ما قالوا وتقريرا له ~~ففزعوا إلى الله عز وجل وقالوا: { ربنا أفرغ علينا صبرا ~~} أي أفض علينا من الصبر ما ms1202 يغمرنا كما يغمر الماء أو صب علينا ما ~~يطهرنا من أوضار الأوزار وأدناس الآثام وهو الصبر على وعيد فرعون { ~~وتوفنا مسلمين } ثابتين على ما رزقنا من الإسلام غير مفتونين ~~من الوعيد. قيل: فعل بهم ما أوعدهم به وقيل: لم يقدر عليه لقوله تعالى: # أنتما ومن اتبعكما الغلبون # [القصص: 35] { وقال الملأ من قوم فرعون } مخاطبين له ~~بعد ما شاهدوا من أمر موسى عليه السلام { أتذر موسى وقومه ~~ليفسدوا فى الأرض } أي في أرض مصر بتغيير الناس عليك ~~وصرفهم عن متابعتك { ويذرك } عطف على يفسدوا، أو جواب الاستفهام ~~بالواو كما في قول الحطيئة: # ألم أك جاركم ويكون بيني # وبينكم المودة والإخاء # أي أيكون منك ترك موسى ويكون تركه إياك؟ وقرىء بالرفع عطفا على ~~أنذر أو استئنافا أو حالا، وقرىء بالسكون كأنه قيل: يفسدوا ويذرك ~~كقوله تعالى: # فأصدق وأكن # { وءالهتك } ومعبوداتك، قيل: إنه كان يعبد الكواكب وقيل: صنع ~~لقومه أصناما وأمرهم بأن يعبدوها تقربا إليه ولذلك قال: أنا ربكم ~~الأعلى، وقرىء وإلهتك أي عبادتك { قال } مجيبا لهم { سنقتل ~~أبناءهم ونستحيى نساءهم } كما كنا نفعل بهم ذلك من قبل ~~ليعلم أنا على ما كنا عليه من القهر والغلبة ولا يتوهم أنه ~~المولود الذي حكم المنجمون والكهنة بذهاب ملكنا على يديه وقرىء سنقتل ~~بالتخفيف { وإنا فوقهم قهرون } كما كنا لم يتغير حالنا ~~أصلا وهم مقهورون تحت أيدينا كذلك { قال موسى لقومه } تسلية ~~لهم وعدة بحسن العاقبة حين سمعوا قول فرعون وتضجروا منه { ~~استعينوا بالله واصبروا } على ما سمعتم من أقاويله الباطلة ~~{ إن الأرض لله } أي أرض مصر أو جنس الأرض وهي داخلة فيها ~~دخولا أوليا { يورثها من يشاء من عباده والعقبة ~~للمتقين } الذين أنتم منهم وفيه إيذان بأن الاستعانة بالله ~~تعالى والصبر من باب التقوى وقرىء والعاقبة بالنصب عطفا على اسم إن. ### || [7.129-130] # { قالوا } أي بنو إسرائيل { أوذينا } أي من جهة فرعون { من ~~قبل أن تأتينا } أي بالرسالة، يعنون بذلك قتل أبنائهم قبل ~~مولد موسى عليه الصلاة والسلام وبعده { ومن بعد ما جئتنا } ~~أي رسولا، ms1203 يعنون به ما توعدهم به من إعادة قتل الأبناء وسائر ما كان ~~يفعل بهم لعداوة موسى عليه السلام من فنون الجور والظلم والعذاب، وأما ~~ما كانوا يستعبدون به ويمتهنون فيه من أنواع الخدم والمهن كما قيل ~~فليس مما يلحقهم بواسطته عليه السلام فليس لذكره كثير ملابسة بالمقام { ~~قال } أي موسى عليه الصلاة والسلام لما رأى شدة جزعهم مما شاهدوه ~~مسليا لهم بالتصريح بما لوح به في قوله: إن الأرض لله، الخ { عسى ~~ربكم أن يهلك عدوكم } الذي فعل بكم ما فعل وتوعدكم ~~بإعادته { ويستخلفكم فى الأرض } أي يجعلكم خلفاء في أرض ~~مصر { فينظر كيف تعملون } أحسنا أم قبيحا فيجازيكم ~~حسبما يظهر منكم من الأعمال، وفيه تأكيد للتسلية وتحقيق للأمر. قيل: ~~لعل الإتيان بفعل الطمع لعدم الجزم منه عليه السلام بأنهم هم ~~المستخلفون بأعيانهم أو أولادهم، فقد روي أن مصر إنما فتحت في زمن ~~داود عليه السلام ولا يساعده قوله تعالى: # وأورثنا القوم الذين كانوا يستضعفون مشرق ~~الأرض ومغربها # فإن المتبادر استخلاف أنفس المستضعفين لا استخلاف أولادهم، وإنما ~~مجيء فعل الطمع للجري على سنن الكبرياء. # { ولقد أخذنا ءال فرعون بالسنين } شروع في تفصيل ~~مبادي الهلاك الموعود وإيذان بأنه تعالى لم يمهلهم بعد ذلك ولم ~~يكونوا في خفض ودعة بل رتبت أسباب هلاكهم فتحولوا من حال إلى ~~حال إلى أن حل بهم عذاب الاستئصال، وتصدير الجملة بالقسم لإظهار ~~الاعتناء بمضمونها، والسنون جمع سنة والمراد بها عام القحط وفيها ~~لغتان أشهرهما إجراؤها مجرى المذكر السالم فيرفع بالواو وينصب ~~ويجر بالياء ويحذف نونه بالإضافة. واللغة الثانية إجراء الإعراب ~~على النون ولكن مع الياء خاصة إما بإثبات تنوينها أو بحذفه. قال ~~الفراء: هي في هذه اللغة مصروفة عند بني عامر وغير مصروفة عند بني ~~تميم، ووجه حذف التنوين التخفيف وحينئذ لا يحذف النون للإضافة وعلى ~~ذلك جاء قوله الشاعر: # دعاني من نجد فإن سنينه # لعبن بنا شيبا وشيبننا مردا # وجاء الحديث: # " اللهم اجعلها عليهم سنين كسني يوسف " # ، وسنين كسنين يوسف باللغتين { ونقص من الثمرات } بإصابة ms1204 ~~العاهات. عن كعب يأتي على الناس زمان لا تحمل النخلة إلا ثمرة، قال ~~ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: أما السنون فكانت لباديتهم وأهل ~~ماشيتهم وأما نقص الثمرات فكان في أمصارهم { لعلهم يذكرون ~~} كي يتذكروا ويتعظوا بذلك ويقفوا على أن ذلك لأجل معاصيهم وينزجروا عما ~~هم عليه من العتو والعناد. قال الزجاج: إن أحوال الشدة ترقق ~~القلوب وترغب فيما عند الله عز وجل وفي الرجوع إليه تعالى، ألا يرى إلى ~~قوله تعالى: # وإذا مسه الشر فذو دعاء عريض # [فصلت: 51] وقد مر تحقيق القول في لعل وفي محلها في تفسير قوله تعالى: # لعلكم تتقون # في أوائل سورة البقرة. ### || [7.131-132] # وقوله تعالى: { فإذا جاءتهم الحسنة } الخ، بيان لعدم ~~تذكرهم وتماديهم في الغي أي فإذا جاءتهم السعة والخصب وغيرهما من ~~الخيرات { قالوا لنا هذه } أي لأجلنا واستحقاقنا لها { وإن ~~تصبهم سيئة } أي جدب وبلاء { يطيروا بموسى ومن ~~معه } أي يتشاءموا بهم ويقولوا: ما أصابتنا إلا بشؤمهم وهذا كما ترى ~~شاهد بكمال قساوة قلوبهم ونهاية جهلهم وغباوتهم فإن الشدائد ~~ترقق القلوب وتلين العرائك لا سيما بعد مشاهدة الآيات وقد كانوا ~~بحيث لم يؤثر فيهم شيء منها بل ازدادوا عتوا وعنادا، وتعريف ~~الحسنة وذكرها بأداة التحقيق للإيذان بكثرة وقوعها وتعلق الإرادة ~~بها بالذات كما أن تنكير السيئة وإيرادها بحرف الشك للإشعار بندرة ~~وقوعها وعدم تعلق الإرادة بها إلا بالعرض وقوله تعالى: { ألا ~~إنما طائرهم عند الله } استئناف مسوق من قبله تعالى ~~لرد مقالتهم الباطلة وتحقيق الحق في ذلك، وتصديره بكلمة التنبيه ~~لإبراز كمال العناية بمضمونه، أي ليس سبب خيرهم إلا عنده تعالى وهو ~~حكمه ومشيئته المتضمنة للحكم والمصالح، أو ليس شؤمهم وهو ~~أعمالهم السيئة إلا عنده تعالى أي مكتوبة لديه فإنها التي ساقت ~~إليهم ما يسوؤهم لا ما عداها، وقرىء إنما طيرهم وهو اسم جمع طائر ~~وقيل: جمع له { ولكن أكثرهم لا يعلمون } ذلك فيقولون ~~ما يقولون مما حكي عنهم، وإسناد عدم العلم إلى أكثرهم للإشعار بأن ~~بعضهم يعلمون أن ما أصابهم من الخير والشر ms1205 من جهة الله تعالى أو ~~يعلمون أن ما أصابهم من المصائب والبلايا ليس إلا بما كسبت أيديهم ولكن ~~لا يعلمون بمقتضاه عنادا واستكبارا. # { وقالوا } شروع في بيان بعض آخر مما أخذ به آل فرعون من ~~فنون العذاب التي هي في أنفسها آيات بينات. وعدم ارعوائهم مع ذلك ~~عما كانوا عليه من الكفر والعناد أي قالوا بعد ما أرادوا ما أرادوا من ~~شأن العصا والسنين ونقص الثمرات: { مهما تأتنا به } كلمة ~~مهما تستعمل للشرط والجزاء وأصلها ما الجزائية ضمت إليها ما المزيدة ~~للتأكيد كما ضمت إلى أين وإن في # أينما تكونوا # [النساء, الآية 78] # أما نذهبن بك # [الزخرف, الآية 41] خلا أن ألف الأولى قلبت هاء حذرا من تكرير ~~المتجانسين. هذا هو الرأي السديد، وقيل: مه كلمة يصوت بها الناهي ~~ضمت إليها ما الشرطية ومحلها الرفع بالابتداء أو النصب بفعل يفسره ~~ما بعدها، أي أي شيء تظهره لدينا وقوله تعالى: { من ءاية } بيان ~~لهما، وتسميتهم إياها آية لمجاراتهم على رأي موسى عليه السلام ~~واستهزائهم بها وللإشعار بأن عنوان كونها آية لا يؤثر فيهم وقوله ~~تعالى: { لتسحرنا بها } إظهار لكمال الطغيان والغلو فيه ~~وتسمية الإرشاد إلى الحق بالسحر وتسكير الأبصار، والضميران المجروران ~~راجعان إلى مهما وتذكير الأول لمراعاة جانب اللفظ لإبهامه، وتأنيث ~~الثاني للمحافظة على جانب المعنى لتبيينه بآية كما في قوله تعالى: # ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها ~~وما يمسك فلا مرسل له # [فاطر: 2] { فما نحن لك بمؤمنين } بمصدقين لك ومؤمنين ~~لنبوتك. ### || [7.133-134] # { فأرسلنا عليهم } عقوبة لجرائمهم لا سيما لقولهم هذا { ~~الطوفان } أي الماء الذي طاف بهم وغشي أماكنهم وحروثهم من مطر ~~أو سيل، وقيل: هو الجدري. وقيل: الموتان. وقيل: الطاعون { ~~والجراد والقمل } قيل: هو كبار القردان وقيل: أولاد الجراد ~~قبل نبات أجنحتها { والضفادع والدم } روي أنهم مطروا ~~ثمانية أيام في ظلمة شديدة لا يستطيع أن يخرج أحد من بيته ودخل ~~الماء بيوتهم حتى قاموا فيه إلى تراقيهم ولم يدخل بيوت بني إسرائيل ~~منه قطرة وهي في خلال بيوتهم وفاض ms1206 الماء على أرضهم وركد فمنعهم من ~~الحرث والتصرف ودام ذلك سبعة أيام فقالوا له عليه الصلاة والسلام: ~~ادع لنا ربك يكشف عنا ونحن نؤمن بك فدعا فكشف عنهم فنبت من العشب ~~والكلأ ما لم يعهد قبله، ولم يؤمنوا فبعث الله عليهم الجراد فأكل ~~زروعهم وثمارهم وأبوابهم وسقوفهم وثيابهم ففزعوا إليه عليه الصلاة ~~والسلام لما ذكر فخرج إلى الصحراء وأشار بعصاه نحو المشرق والمغرب ~~فرجعت إلى النواحي التي جاءت منها فلم يؤمنوا فسلط الله تعالى عليهم ~~القمل فأكل ما أبقته الجراد وكان يقع في أطعمتهم ويدخل بين ثيابهم ~~وجلودهم فيمصها ففزعوا إليه ثالثا فرفع عنهم فقالوا: قد تحققنا الآن ~~أنك ساحر ثم أرسل الله عليهم الضفادع بحيث لا يكشف ثوب ولا طعام إلا ~~وجدت فيه وكانت تمتلىء منها مضاجعهم وتثب إلى قدورهم وهي تغلي وإلى ~~أفواههم عند التكلم ففزعوا إليه رابعا وتضرعوا فأخذ عليهم العهود فدعا ~~فكشف الله عنهم فنقضوا العهد فأرسل الله عليهم الدم فصارت مياههم دماء ~~حتى كان يجتمع القبطي والإسرائيلي على إناء فيكون ما يليه دما وما ~~يلي الإسرائيلي ماء على حاله ويمص من فم الإسرائيلي فيصير دما في ~~فيه، وقيل: سلط الله عليهم الرعاف { ءايت } حال من المنصوبات ~~المذكورة { مفصلات } مبينات لا يشكل على عاقل أنها آيات الله ~~تعالى ونقمته وقيل: مفرقات بعضها من بعض لامتحان أحوالهم وكان بين كل ~~آيتين منها شهر وكان امتداد كل واحدة منها أسبوعا وقيل: إنه عليه السلام ~~لبث فيهم بعد ما غلب السحرة عشرين سنة يريهم هذه الآيات على مهل { ~~فاستكبروا } أي عن الإيمان بها { وكانوا قوما مجرمين ~~} جملة معترضة مقررة لمضمون ما قبلها. # { ولما وقع عليهم الرجز } أي العذاب المذكور على التفصيل ~~فاللام للجنس المنتظم لكل واحدة من الآيات المفصلة، أي كلما وقع عليهم ~~عقوبة من تلك العقوبات قالوا في كل مرة { قالوا يا موسى ادع ~~لنا ربك بما عهد عندك } أي بعهده عندك وهو النبوة أو ~~بالذي عهد إليك أن تدعوه فيجيبك كما أجابك في آياتك، وهو صلة لادع ms1207 ~~أو حال من الضمير فيه، بمعنى ادع الله متوسلا إليه بما عهد عندك، أو ~~متعلق بمحذوف دل عليه التماسهم، مثل أسعفنا إلى ما نطلب بحق ما عندك ~~أو قسم أجيب بقوله تعالى: { لئن كشفت عنا الرجز } الذي وقع ~~علينا { لنؤمنن لك ولنرسلن معك بنى إسرءيل } ~~أي أقسمنا بعهد الله عندك لئن كشفت الخ. ### || [7.135-137] # { فلما كشفنا عنهم الرجز إلى أجل هم بلغوه ~~} أي إلى حد من الزمان هم بالغوه فمعذبون بعده أو مهلكون { إذا ~~هم ينكثون } جواب لما أي فلما كشفنا عنهم فاجأوا النكث من غير ~~تأمل وتوقف { فانتقمنا منهم } أي فأردنا أن ننتقم منهم لما ~~أسلفوا من المعاصي والجرائم، فإن قوله تعالى: { فأغرقنهم } ~~عين الانتقام منهم فلا يصح دخول الفاء بينهم ويجوز أن يكون المراد ~~مطلق الانتقام منهم والفاء تفسيرية كما في قوله تعالى: # ونادى نوح ربه فقال رب # [هود, الآية 45] الخ { في اليم } في البحر الذي لا يدرك قعره ~~وقيل: في لجته { بأنهم كذبوا بآياتنا وكانوا عنها ~~غافلين } تعليل للإغراق أي كان إغراقهم بسبب تكذيبهم بآيات الله ~~تعالى وإعراضهم عنها وعدم تفكرهم فيها بحيث صاروا كالغافلين عنها ~~بالكلية، والفاء وإن دلت على ترتب الإغراق على ما قبله من النكث لكنه ~~صرح بالتعليل إيذانا بأن مدار جميع ذلك تكذيب آيات الله تعالى ~~والإعراض عنها ليكون ذلك مزجرة للسامعين عن تكذيب الآيات الظاهرة ~~على يد رسول الله صلى الله عليه وسلم والإعراض عنها. # { وأورثنا القوم الذين كانوا يستضعفون } أي ~~بالاستبعاد وذبح الأبناء، والجمع بين صيغتي الماضي والمستقبل ~~للدلالة على استمرار الاستضعاف وتجدده وهم بنو إسرائيل ذكروا بهذا ~~العنوان إظهارا لكمال لطفه تعالى بهم وعظيم إحسانه إليهم في رفعهم ~~من حضيض المذلة إلى أوج العزة { مشرق الأرض ومغربها } ~~أي جانبيها الشرقي والغربي حيث ملكها بنو إسرائيل بعد الفراعنة ~~والعمالقة وتصرفوا في أكنافها الشرقية والغربية كيف شاؤوا، وقوله ~~تعالى: { التى باركنا فيها } أي بالخصب وسعة الأرزاق، صفة ~~للمشارق والمغارب، وقيل: للأرض وفيه ضعف للفصل بين الصفة والموصوف ~~بالمعطوف كما في قولك: قام ms1208 أم هند وأبوها العاقلة { وتمت كلمت ~~ربك الحسنى } وهي وعده تعالى إياهم بالنصر والتمكين كما ينبىء ~~عنه قوله تعالى: # ونريد أن نمن على الذين استضعفوا فى الأرض ~~ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين # [القصص: 5] وقرىء كلمات لتعدد المواعيد ومعنى تمت مضت واستمرت { ~~على بنى إسرءيل بما صبروا } أي بسبب صبرهم على الشدائد ~~التي كابدوها من جهة فرعون وقومه { ودمرنا } أي خربنا وأهلكنا { ~~ما كان يصنع فرعون وقومه } من العمارات والقصور أي ~~ودمرنا الذي كان فرعون يصنعه على أن فرعون اسم كان ويصنع خبر مقدم ~~والجملة الكونية صلة ما والعائد محذوف، وقيل: اسم كان ضمير عائد ~~إلى ما الموصولة ويصنع مسند إلى فرعون والجملة خبر كان والعائد ~~محذوف أيضا والتقدير ودمرنا الذي كان هو يصنعه فرعون الخ، وقيل: كان ~~زائدة وما مصدرية والتقدير ما يصنع فرعون الخ، وقيل: كان زائدة كما ~~ذكر وما موصولة اسمية والعائد محذوف تقديره ودمرنا الذي يصنعه فرعون ~~الخ أي صنعه، والعدول إلى صيغة المضارع على هذين القولين لاستحضار ~~الصورة { وما كانوا يعرشون } من الجنات أو ما كانوا يرفعونه من ~~البنيان كصرح هامان وقرىء يعرشون بضم الراء والكسر أفصح وهذا آخر ~~قصة فرعون وقومه. ### || [7.138-139] # وقوله عز وجل: { وجاوزنا ببنى إسرءيل البحر } شروع في ~~قصة بني إسرائيل وشرح ما أحدثوه من الأمور الشنيعة بعد أن أنقذهم الله ~~عز وجل من ملكة فرعون ومن عليهم من النعم العظام الموجبة للشكر ~~وأراهم من الآيات الكبار ما تخر له شم الجبال تسلية لرسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وإيقاظا للمؤمنين حتى لا يغفلوا عن محاسبة أنفسهم ~~ومراقبة أحوالهم. وجاوز بمعنى جاز، وقرىء جوزنا بالتشديد وهو أيضا ~~بمعنى جاز فعدي بالباء أي قطعنا بهم البحر. روي أنه عبر بهم موسى عليه ~~السلام يوم عاشوراء بعد ما أهلك الله تعالى فرعون فصاموه شكرا لله عز ~~وجل { فاتوا } أي مروا { على قوم } قيل: كانوا من لخم، وقيل: ~~من العمالقة الكنعانيين الذين أمر موسى عليه السلام بقتالهم { ~~يعكفون على أصنام لهم } أي يواظبون على عبادتها ~~ويلازمونها، ms1209 وقرىء بكسر الكاف، قال ابن جريج: كانت أصنامهم تماثيل بقر ~~وهو أول شأن العجل { قالوا } عندما شاهدوا أحوالهم { يموسى ~~اجعل لنا إلها } مثالا نعبده { كما لهم ءالهة } ~~الكاف متعلقة بمحذوف وقع صفة لإلها وما موصولة ولهم صلتها وآلهة بدل ~~من وما والتقدير اجعل لنا إلها كائنا كالذي استقر هو لهم { قال ~~إنكم قوم تجهلون } تعجب (عليه السلام) من قولهم هذا إثر ما ~~شاهدوا من الآية الكبرى والمعجزة العظمى فوصفهم بالجهل المطلق إذ لا ~~جهل أعظم مما ظهر منهم، وأكده بقوله: { إن هؤلآء } يعني القوم ~~الذين يعبدون تلك التماثيل { متبر } أي مدمر مكسر { ما ~~هم فيه } أي من الدين الباطل أي يتبر الله تعالى ويهدم دينهم ~~الذي هم عليه عن قريب ويحطم أصنامهم ويتركها رضاضا، وإنما جيء ~~بالجملة الاسمية للدلالة على التحقق { وبطل } أي مضمحل بالكلية ~~{ ما كانوا يعملون } من عبادتها وإن كان قصدهم بذلك التقريب ~~إلى الله تعالى فإنه كفر محض، وليس هذا كما في قوله تعالى: # وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء ~~منثورا # [الفرقان: 23] كما توهم فإن المراد به أعمال البر التي عملوها في ~~الجاهلية فإنها في أنفسها حسنات لو قارنت الإيمان لاستتبعت أجورها ~~وإنما بطلت لمقارنتها الكفر، وفي إيقاع (هؤلاء) اسما لإن وتقديم ~~الخبر من الجملة الواقعة خبرا لها وسم لعبدة الأصنام بأنهم هم ~~المعرضون للتبار وأنه لا يعدوهم البتة وأنه لهم ضربة لازب ليحذرهم ~~عاقبة ما طلبوا ويبغض إليهم ما أحبوا. ### || [7.140-142] # { قال أغير الله أبغيكم إلها } شروع في بيان ~~شؤون الله تعالى الموجبة لتخصيص العبادة به تعالى بعد بيان أن ما ~~طلبوا عبادته مما لا يمكن طلبه أصلا لكونه هالكا باطلا، ولذلك وسط ~~بينهما قال مع كون كل منهما كلام موسى عليه الصلاة والسلام، ~~والاستفهام للإنكار والتعجب والتوبيخ وإدخال الهمزة على غير للإيذان ~~بأن المنكر هو كون المبغي غيره تعالى لما أنه لاختصاص الإنكار ~~بغيره تعالى دون إنكار الاختصاص بغيره تعالى، وانتصاب غير على أنه ~~مفعول أبغي بحذف اللام أي أبغي لكم أي أطلب ms1210 لكم غير الله تعالى، ~~وإلها تمييز أو حال أو على الحالية من إلها وهو المفعول لأبغي على ~~أن الأصل أبغي لكم إلها غير الله فغير الله صفة لإلها فلما ~~قدمت صفة النكرة انتصبت حالا { وهو فضلكم على ~~العلمين } أي والحال أنه تعالى خصكم بنعم لم يعطها غيركم، ~~وفيه تنبيه على ما صنعوا من سوء المعاملة حيث قابلوا تخصيص الله ~~تعالى إياهم من بين أمثالهم بما لم يستحقوه تفضلا بأن عمدوا إلى أخس ~~شيء من مخلوقاته فجعلوه شريكا له تعالى. تبا لهم ولما يعبدون. # { وإذ أنجينكم } تذكير لهم من جهته سبحانه بنعمة الإنجاء ~~من ملكة فرعون وقرىء نجينا كم من التنجية، وقرىء أنجاكم فيكون مسوقا ~~من جهة موسى عليه الصلاة والسلام أي واذكروا وقت إنجائنا إياكم { من ~~ءال فرعون } من ملكتهم لا بمجرد تخليصكم من أيديهم وهم على حالهم ~~في المكنة والقدرة بل بإهلاكهم بالكلية وقوله تعالى: { يسومونكم ~~سوء العذاب } من سامه خسفا أي أولاه إياه أو كلفه إياه، وهو إما ~~استئناف لبيان ما أنجاهم منه أو حال من المخاطبين أو من آل فرعون أو ~~منهما معا لاشتماله على ضميريهما وقوله تعالى: { يقتلون ~~أبناءكم ويستحيون نساءكم } بدل من يسومونكم مبين أو ~~مفسر له { وفى ذلكم } الإنجاء أو سوء العذاب { بلاء } أي ~~نعمة أو محنة { من ربكم } من مالك أمركم فإن النعمة والنقمة ~~كلتاهما منه سبحانه وتعالى { عظيم } لا يقادر قدره { ووعدنا ~~موسى ثلثين ليلة } روي أن موسى عليه السلام وعد بني ~~إسرائيل وهم بمصر إن أهلك الله عدوهم أتاهم بكتاب فيه بيان ما ~~يأتون وما يذرون فلما هلك فرعون سأل موسى عليه السلام ربه الكتاب فأمره ~~بصوم ثلاثين يوما وهو شهر ذي القعدة فلما أتم الثلاثين أنكر خلوف ~~فيه فتسوك فقالت الملائكة: كنا نشم من فيك رائحة المسك فأفسدته ~~بالسواك، وقيل: أوحى الله تعالى إليه أما علمت أن ريح فم الصائم ~~أطيب عندي من ريح المسك فأمره الله تعالى بأن يزيد عليها عشرة أيام ~~من ذي الحجة لذلك، وذلك قوله تعالى: ms1211 { وأتممناها بعشر } ~~والتعبير عنها بالليالي لأنها غرر الشهور، وقيل: أمره الله تعالى بأن ~~يصوم ثلاثين يوما وأن يعمل فيها بما يقربه من الله تعالى ثم أنزلت عليه ~~التوراة في العشر وكلم فيها وقد أجمل ذكر الأربعين في سورة البقرة ~~وفصل ههنا وواعدنا بمعنى وعدنا وقد قرىء كذلك وقيل: الصيغة على ~~بابها بناء على تنزيل قبول موسى عليه السلام منزلة الوعد، وثلاثين ~~مفعول ثان لواعدنا بحذف المضاف أي إتمام ثلاثين ليلة { فتم ~~ميقت ربه أربعين ليلة } أي بإلغاء أربعين ليلة { ~~وقال موسى لأخيه هرون } حين توجه إلى المناجاة حسبما أمر ~~به { اخلفنى } أي كن خليفتي { فى قومى } وراقبهم فيما يأتون ~~وما يذرون { وأصلح } ما يحتاج إلى الإصلاح من أمورهم أو كن مصلحا { ~~ولا تتبع سبيل المفسدين } أي لا تتبع من سلك الإفساد ~~ولا تطع من دعاك إليه. ### || [7.143] # { ولما جاء موسى لميقتنا } لوقتنا الذي وقتناه، واللام ~~للاختصاص، أي اختص مجيئه بميقاتنا { وكلمه ربه } من غير ~~واسطة كما يكلم الملائكة عليهم السلام، وفيما روي أنه عليه الصلاة ~~والسلام كان يسمع ذلك من كل جهة تنبيه على أن سماع كلامه عز وجل ليس ~~من جنس سماع كلام المحدثين { قال رب أرنى أنظر إليك } أي ~~أرني ذاتك بأن تمكنني من رؤيتك أو تتجلى لي فأنظر إليك وأراك. هو ~~دليل على أن رؤيته تعالى جائزة في الجملة لما أن طلب المستحيل ~~مستحيل من الأنبياء لا سيما ما يقتضي الجهل بشؤون الله تعالى ولذلك ~~رده بقوله: لن تراني دون لن أرى ولن أريك ولن تنظر إلي تنبيها ~~على أنه قاصر عن رؤيته لتوقفها على معد في الرائي ولم يوجد فيه ذلك ~~بعد، وجعل السؤال لتبكيت قومه الذين قالوا: أرنا الله جهرة خطأ إذ ~~لو كانت الرؤية ممتنعة لوجب أن يجهلهم ويزيح شبهتهم كما فعل ذلك ~~حين قالوا: # اجعل لنا إلها # وأن لا يتبع سبيلهم كما قال لأخيه: ولا تتبع سبيل المفسدين، ~~والاستدلال بالجواب على استحالتها أشد خطأ إذ لا يدل الإخبار بعدم ~~رؤيته إياه على أنه ms1212 لا يراه أبدا وأنه لا يراه غيره أصلا فضلا عن أن ~~يدل على استحالتها دعوى الضرورة مكابرة أو جهل لحقيقة الرؤية. # { قال } استئناف مبني على سؤال نشأ من الكلام كأنه قيل: فماذا قال ~~رب العزة حين قال موسى عليه السلام ما قال؟ فقيل: قال: { لن ترانى ~~ولكن انظر إلى الجبل فإن استقر مكانه ~~فسوف ترانى } استدراك لبيان أنه لا يطيق بها، وفي تعليقها ~~باستقرار الجبل أيضا دليل على الجواز ضرورة أن المعلق بالممكن ~~ممكن, والجبل قيل: هو جبل أردن { فلما تجلى ربه ~~للجبل } أي ظهرت له عظمته وتصدى له اقتداره وأمره وقيل: أعطي ~~الجبل حياة ورؤية حتى رآه { جعله دكا } مدكوكا مفتتا، ~~والدك والدق أخوان كالشك والشق وقرىء دكا أي أرضا مستوية ومنه ~~ناقة دكاء للتي لا سنام لها، وقرىء دكا جمع دكاء أي قطعا { ~~وخر موسى صعقا } مغشيا عليه من هول ما رآه { فلما أفاق ~~} الإفاقة رجوع العقل والفهم إلى الإنسان بعد ذهابهما بسبب من ~~الأسباب { قال } تعظيما لما شاهده { سبحنك } أي تنزيها لك من ~~أن أسألك شيئا بغير إذن منك { تبت إليك } أي من الجراءة ~~والإقدام على السؤال بغير إذن { وأنا أول المؤمنين } أي ~~بعظمتك وجلالك وقيل: أول من آمن بأنك لا ترى في الدنيا وقيل: بأنه لا ~~يجوز السؤال بغير إذن منك. ### || [7.144-145] # { قال يا موسى } استئناف مسوق لتسليته عليه الصلاة والسلام من ~~عدم الإجابة إلى سؤال الرؤية كأنه قيل: إن منعتك الرؤية فقد أعطيتك ~~من النعم العظام ما لم أعط أحدا من العالمين فاغتنمها وثابر على ~~شكرها { إنى اصطفيتك } أي اخترتك واتخذتك صفوة وآثرتك { ~~على الناس } أي المعاصرين لك. وهارون وإن كان نبيا كان مأمورا ~~باتباعه وما كان كليما ولا صاحب شرع { برسلتي } أي بأسفار ~~التوراة وقرىء برسالتي { وبكلمي } وبتكليمي إياك بغير واسطة { ~~فخذ ما ءاتيتك } من شرف النبوة والحكمة { وكن من ~~الشكرين } على ما أعطيت من جلائل النعم، قيل: كان سؤال الرؤية ~~يوم عرفة وإعطاء التوراة يوم النحر { وكتبنا له فى ~~الألواح من كل شىء ms1213 } أي مما يحتاجون إليه من أمور دينهم { ~~موعظة وتفصيلا لكل شىء } بدل من الجار والمجرور أي ~~كتبنا له كل شيء من المواعظ وتفصيل الأحكام، واختلف في عدد الألواح ~~وفي جوهرها ومقدارها فقيل: إنها كانت عشرة ألواح وقيل: سبعة وقيل: ~~لوحين وأنها كانت من زمرذة جاء بها جبريل عليه السلام وقيل: من ~~زبرجدة خضراء أو ياقوتة حمراء. وقيل: أمر الله تعالى موسى بقطعها ~~من صخرة صماء لينها له فقطعها بيده وشققها بأصابعه. وعن الحسن رضي ~~الله عنه كانت من خشب نزلت من السماء فيها التوراة وأن طولها كان ~~عشرة أذرع. وقيل: أنزلت التوراة وهي سبعون وقر بعير يقرأ الجزء ~~منه في سنة لم يقرأها إلا أربعة نفر: موسى ويوشع وعزير وعيسى عليهم ~~السلام. وعن مقاتل رضي الله عنه كتب في الألواح إني أنا الله الرحمن ~~الرحيم لا تشركوا بي شيئا ولا تقطعوا السبيل ولا تزنوا ولا تعقوا ~~الوالدين { فخذها } على إضمار قول معطوف على كتبنا أي فقلنا خذها { ~~بقوة } بجد وعزيمة وقيل: هو بدل من قوله تعالى: { فخذ ما ~~ءاتيتك } والضمير للألواح أو لكل شيء لأنه بمعنى الأشياء أو ~~للرسالة أو للتوراة. # { وأمر قومك يأخذوا بأحسنها } أي بأحسن ما فيها ~~كالعفو والصبر لالإضافة إلى الاقتصاص والانتصار على طريقة الندب ~~والحث على اختيار الأفضل كما في قوله تعالى: # واتبعوا أحسن ما أنزل إليكم من ربكم # [الزمر: 55] أو بواجباتها فإنها أحسن من المباح، وقيل: المعنى يأخذوا ~~بها، و(أحسن) صلة. قال قطرب: أي بحسنها وكلها حسن كقوله تعالى: # ولذكر الله أكبر # [العنكبوت: 45] وقيل: هو أن تحمل الكلمة المحتملة لمعنيين أو لمعان ~~على أشبه محتملاتها بالحق وأقربها إلى الصواب { سأوريكم دار ~~الفسقين } تلوين للخطاب وتوجيه له إلى قومه عليه الصلاة والسلام ~~بطريق الالتفات حملا لهم على الجد في الامتثال بنا أمروا به، إما على ~~نهج الوعيد والترهيب على أن المراد بدار الفاسقين أرض مصر وديار ~~عاد وثمود وأضرابهم فإن رؤيتها وهي خالية عن أهلها خاوية على عروشها ~~موجبة للاعتبار والانزجار عن مثل أعمال أهلها كيلا ms1214 يحل بهم ما حل ~~بأولئك وإما على نهج الوعد والترغيب على أن المراد بدار الفاسقين ~~إما أرض مصر خاصة أو مع أرض الجبابرة والعمالقة بالشام فإنها أيضا ~~مما أتيح لبني إسرائيل وكتب لهم حسبما ينطق به قوله عز وجل: # اياقوم ادخلوا الأرض المقدسة التى كتب الله ~~لكم # [المائدة: 21] ومعنى الإراءة الإدخال بطريق الإيراث، ويؤيده قراءة ~~من قرأ سأورثكم بالثاء المثلثة كما في قوله تعالى: # وأورثنا القوم الذين كانوا يستضعفون مشرق ~~الأرض ومغربها # [الأعراف: 137] وقرىء سأوريكم ولعله من أوريت الزند أي سأبينها ~~بكم. ### || [7.146] # وقوله تعالى: { سأصرف عن ءايتي الذين يتكبرون في ~~الأرض } استئناف مسوق لتحذيرهم عن التكبر الموجب لعدم التفكر في ~~الآيات التي هي ما كتب في ألواح التوراة من المواعظ والأحكام أو ما ~~يعمها وغيرها من الآيات التكوينية التي من جملتها ما وعد إراءته من ~~الفاسقين ومعنى صرفهم عنها الطبع على قلوبهم بحيث لا يكادون يتفكرون ~~فيها ولا يعتبرون بها لإصرارهم على ما هم عليه من التكبر والتجبر كقوله ~~تعالى: # فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم # وتقديم الجار والمجرور على المفعول الصريح لإظهار الاعتناء بالمقدم ~~والتشويق إلى المؤخر مع أن في المؤخر نوع طول يخل تقديمه ~~بتجاوب أطراف النظم الجليل أي سأطبع على قلوب الذين يعدون أنفسهم ~~كبراء ويرون لهم على الخلق مزية وفضلا فلا ينتفعون بآياتي ~~التنزيلية والتكوينية ولا يغتنمون مغانم آثارها، فلا تسلكوا مسلكهم ~~فتكونوا أمثالهم، وقي: المعنى سأصرفهم عن إبطالها وإن اجتهدوا كما ~~اجتهد فرعون في إبطال ما رآه من الآيات فأبى الله تعالى إلا إحقاق ~~الحق وإزهاق الباطل، وعلى هذا فالأنسب أن يراد بدار الفاسقين أرض ~~الجبابرة والعمالقة المشهورين بالفسق والتكبر في الأرض وبإراءتها ~~للمخاطبين إدخالهم الشام وإسكانهم في مساكنهم ومنازلهم حسبما نطق ~~به قوله تعالى: # ياقوم ادخلوا الأرض المقدسة التى كتب الله ~~لكم # [المائدة: 21] ويكون قوله تعالى: { سأصرف عن ءايتي } الخ، ~~جوابا عن سؤال مقدر ناشىء من الوعد بإدخال الشام على أن المراد ~~بالآيات ما تلي آنفا ونظائره، وبصرفهم عنها إزالتهم عن مقام ~~معارضتها وممانعتها ms1215 لوقوع أخبارها وظهور أحكامها وآثارها بإهلاكهم ~~على يد موسى عليه الصلاة والسلام حين سار بعد التيه بمن بقي من بني ~~إسرائيل أو بذرياتهم على اختلاف الروايتين إلى أريحا ويوشع بن نون في ~~مقدمته ففتحها واستقر بنو إسرائيل بالشام وملكوا مشارقها ومغاربها ~~كأنه قيل: كيف يرون دارهم وهم فيها؟ فقيل: سأهلكهم، وإنما عدل إلى ~~الصرف ليزدادوا ثقة بالآيات واطمئنانا بها وقوله تعالى: { بغير ~~الحق } إما صلة للتكبر أي يتكبرون بما ليس بحق وهو دينهم الباطل ~~وظلمهم المفرط أو متعلق بمحذوف هو حال من فاعله أي يتكبرون ملتبسين ~~بغير الحق وقوله تعالى { وإن يروا كل آية لا يؤمنوا بها } ~~عطف على يتكبرون داخل معه في حكم الصلة والمراد بالآية إما المنزلة ~~فالمراد برؤيتها مشاهدتها بسماعها أو ما يعمها من المعجزات فالمراد ~~برؤيتها مطلق المشاهدة المنتظمة للسماع والإبصار، أي وإن يشاهدوا ~~كل آية من الآيات لا يؤمنوا بها على عموم النفي لا على نفي العموم أي ~~كفروا بكل واحدة منها لعدم اجتلائهم إياها كما هي وهذا كما ترى يؤيد ~~كون الصرف بمعنى الطبع وقوله تعالى: { وإن يروا سبيل ~~الرشد لا يتخذوه سبيلا } عطف على ما قبله داخل في حكمه ~~أي لا يتوجهون إلى الحق ولا يسلكون سبيله أصلا لاستيلاء الشيطنة ~~عليهم ومطبوعيتهم على الانحراف والزيغ، وقرىء بفتحتين وقرىء الرشاد ~~وثلاثتها لغات كالسقم والسقام { وإن يروا سبيل الغى ~~يتخذوه سبيلا } أي يختارونه لأنفسهم مسلكا مستمرا لا يكادون ~~يعدلون عنه لموافقته لأهوائهم الباطلة وإفضائه بهم إلى شهواتهم { ~~ذلك } إشارة إلى ما ذكر من تكبرهم وعدم إيمانهم بشيء من الآيات ~~وإعراضهم عن سبيل الرشد وإقبالهم التام إلى سبيل الغي، وهو ~~مبتدأ خبره قوله تعالى: { بأنهم } أي حاصل بسبب أنهم { ~~كذبوا بئايتنا } الدالة على بطلان ما اتصفوا به من القبائح ~~وعلى حقية أضدادها { وكانوا عنها غفلين } لا يتفكرون فيها ~~وإلا لما فعلوا ما فعلوا من الأباطيل، ويجوز أن يكون إشارة إلى ما ذكر ~~من الصرف ولا يمنعه الإشعار بعلية ما في حيز الصلة كيف لا وقد مر ms1216 أن ~~ذلك في قوله تعالى: # ذلك بما عصوا # [البقرة: 61, المائدة: 78] الآية، يجوز أن يكون إشارة إلى ضرب الذلة ~~والمسكنة والبوء بالغضب العظيم مع كون ذلك معللا بالكفر بآيات الله ~~صريحا، وقيل: محل اسم الإشارة النصب على المصدر، أي سأصرفهم ذلك ~~الصرف بسبب تكذيبهم بآياتنا وغفلتهم عنها. ### || [7.147-148] # { والذين كذبوا بئايتنا ولقاء الأخرة } أي ~~وبلقائهم الدار الآخرة أو لقائهم ما وعده الله تعالى في الآخرة من ~~الجزاء ومحل الموصول الرفع على الابتداء وقوله تعالى: { حبطت ~~أعملهم } خبره أي ظهر بطلان أعمالهم التي كانوا عملوها من ~~صلة الأرحام وإغاثة الملهوفين ونحو ذلك، أو حبطت بعد ما كانت ~~مرجوة النفع على تقدير إيمانهم بها { هل يجزون } أي لا ~~يجزون { إلا ما كانوا يعملون } أي الإجزاء ما كانوا ~~يعملونه من الكفر والمعاصي. # { واتخذ قوم موسى من بعده } أي من بعد ذهابه إلى الطور ~~{ من حليهم } متعلق باتخذ كالجار الأول لاختلاف معنييهما فإن ~~الأول للابتداء والثاني للتبعيض أو للبيان، أو الثاني متعلق بمحذوف ~~وقع حالا مما بعده إذ لو تأخر لكان صفة له وإضافة الحلي إليهم مع ~~أنها كانت للقبط لأدنى الملابسة حيث كانوا استعاروها من أربابها قبيل ~~الغرق فبقيت في أيديهم. وأما أنهم ملكوها بعد الغرق فذلك منوط ~~بتملك بني إسرائيل غنائم القبط وهم مستأمنون فيما بينهم فلا ~~يساعده قولهم: # حملنا أوزارا من زينة القوم # والحلي بضم الحاء وكسر اللام جمع حلي كثدي وثدي وقرىء بكسر ~~الحاء بالإتباع كدلي وقرىء حليهم على الإفراد وقوله تعالى: { ~~عجلا } مفعول اتخذ أخر عن المجرور لما مر من الاعتناء بالمقدم ~~والتشويق إلى المؤخر مع ما فيه من نوع طول يخل تقديمه بتجاوب ~~أطراف النظم الكريم، وقيل: هو متعد إلى اثنين بمعنى التصيير والمفعول ~~الثاني محذوف أي إلها وقوله تعالى: { جسدا } بدل من عجلا أي ~~جثة ذات دم ولحم أو جسدا من ذهب لا روح معه وقوله تعالى: { له ~~خوار } أي صوت بقر، وقرىء بالجيم والهمزة وهو الصياح نعت لعجلا. ~~روي أن السامري لما صاغ العجل ألقى في فمه ms1217 ترابا من أثر فرس جبريل ~~عليه الصلاة والسلام وقد كان أخذه عنه فلق البحر أو عند توجهه إلى ~~الطور، فصار حيا وقيل: صاغه بنوع من الحيل فيدخل الريح في جوفه ~~فيصوت، والأنسب بما في سورة طه هو الأول وإنما نسب اتخاذه إليهم ~~وهو فعله إما لأنه واحد وإما لأنهم رضوا به فكأنهم فعلوه وإما لأن ~~المراد بالاتخاذ اتخاذهم إياه إلها لا صنعه وإحداثه { ألم ~~يروا أنه لا يكلمهم } استئناف مسوق لتقريعهم وتشنيعهم ~~وتركيك عقولهم وتسفيههم فيما أقدموا عليه من المنكر الذي هو اتخاذه ~~إلها، أي ألم يروا أنه ليس فيه شيء من أحكام الألوهية حيث لا يكلمهم ~~{ ولا يهديهم سبيلا } بوجه من الوجوه فكيف اتخذوه إلها وقوله ~~تعالى: { اتخذوه } أي فعلوا ذلك { وكانوا ظلمين } أي ~~واضعين للأشياء في غير موضعها فلم يكن هذا أول منكر فعلوه، والجملة ~~اعتراض تذييلي وتكرير اتخذوه لتثنية التشنيع وترتيب الاعتراض ~~عليه. ### || [7.149] # { ولما سقط فى أيديهم } أي ندموا على ما فعلوا غاية ~~الندم فإن ذلك كناية عنه لأن النادم المتحسر يعض يده غما ~~فتصير يده مسقوطا فيها، وقرىء سقط على البناء للفاعل بمعنى وقع ~~العض فيها فاليد حقيقة، وقال الزجاج: معناه سقط الندم في أنفسهم ~~إما بطريق الاستعارة بالكناية أو بطريق التمثيل { ورأوا أنهم ~~قد ضلوا } باتخاذ العجل أي تبينوا بحيث تيقنوا بذلك حتى كأنهم ~~رأوه بأعينهم، وتقديم ذكر ندمهم على هذه الرؤية مع كونه متأخرا ~~عنها للمسارعة إلى بيانه والإشعار بغاية سرعته كأنه سابق على الرؤية ~~{ قالوا } والله { لئن لم يرحمنا ربنا } بإنزال التوبة ~~المكفرة { ويغفر لنا } ذنوبنا بالتجاوز عن خطيئتنا، وتقديم ~~الرحمة على المغفرة مع أن التخلية حقها أن تقدم على التحلية إما ~~للمسارعة إلى ما هو المقصود الأصلي وإما لأن المراد بالرحمة مطلق ~~إرادة الخير بهم وهو مبدأ لإنزال التوبة المكفرة لذنوبهم، واللام في ~~لئن موطئة للقسم كما أشير إليه وفي قوله تعالى: { لنكونن من ~~الخسرين } لجواب القسم، وما حكي عنهم من الندامة والرؤية ~~والقول وإن كان بعد ما رجع موسى عليه ms1218 الصلاة والسلام إليهم كما ينطق ~~به الآيات الواردة في سورة طه لكن أريد بتقديمه عليه حكاية ما صدر عنهم ~~من القول والفعل في موضع واحد. ### || [7.150] # { ولما رجع موسى إلى قومه } شروع في بيان ما جرى من ~~موسى عليه السلام بعد رجوعه من الميقات إثر بيان ما وقع من قومه ~~بعده، وقوله تعالى: { غضبن أسفا } حالان من موسى عليه السلام ~~أو الثاني من المستكن في غضبان والآسف الشديد الغضب وقيل: الحزين { ~~قال بئسما خلفتمونى من بعدى } أي بئسما فعلتم من بعد ~~غيبتي حيث عبدتم العجل بعد ما رأيتم فعلي من توحيد الله تعالى ونفي ~~الشركاء عنه وإخلاص العبادة له أو من حملكم على ذلك وكفكم عما ~~طمحت نحوه أبصاركم حيث قلتم: اجعل لنا إلها كما لهم آلهة ومن حق ~~الخلفاء أن يسيروا بسيرة المستخلف فالخطاب للعبدة من السامري ~~وأشياعه، أو بئسما قمتم مقامي ولم ترعوا عهدي حيث لم تكفوا العبدة ~~عما فعلوا، فالخطاب لهارون ومن معه من المؤمنين كما ينبىء عنه قوله ~~تعالى: # قال يا هرون ما منعك إذ رأيتهم ضلوا أن لا ~~تتبعن أفعصيت أمرى # [طه: 92 - 93] ويجوز أن يكون الخطاب للكل على أن المراد بالخليفة ما ~~يعم الأمرين المذكورين، وما نكرة موصوفة مفسرة لفاعل بئس المستكن ~~فيه والمخصوص بالذم محذوف تقديره بئس خلافة خلفتمونيها من بعدي ~~خلافتكم { أعجلتم أمر ربكم } أي تركتموه غير تام على ~~تضمين عجل معنى سبق، يقال: عجل عن الأمر إذا تركه غير تام أو ~~أعجلتم وعد ربكم الذي وعدنيه من الأربعين وقدرتم موتي وغيرتم بعدي ~~كما غيرت الأمم بعد أنبيائهم { وألقى الألواح } طرحها من شدة ~~الغضب وفرط الضجر حمية للدين. روي أن التوراة كانت سبعة أسباع في ~~سبعة ألواح فلما ألقاها انكسرت فرفعت ستة أسباعها التي كان فيها تفصيل ~~كل شيء وبقي سبع كان فيه المواعظ والأحكام { وأخذ برأس ~~أخيه } بشعر رأسه عليهما السلام { يجره إليه } حال من ~~(أخذ)، فعله عليه السلام توهما أنه قصر في كفهم، وهارون كان أكبر منه ~~عليهما السلام بثلاث ms1219 سنين وكان حمولا ولذلك كان أحب إلى بني ~~إسرائيل. # { قال } أي هارون لموسى عليهما السلام { ابن أم } بحذف حرف ~~النداء، وتخصيص الأم بالذكر مع كونهما شقيقين لما أن حق الأم أعظم ~~وأحق بالمراعاة مع أنها كانت مؤمنة وقد قاست فيه المخاوف والشدائد ~~وقرى بكسر الميم بإسقاط الياء تخفيفا كالمنادى لمضاف إلى الياء ~~وقراءة الفتح لزيادة التخفيف أو لتشبيهه بخمسة عشر { إن القوم ~~استضعفونى وكادوا يقتلوننى } إزاحة لتوهم التقصير في ~~حقه، والمعنى بذلت جهدي في كفهم حتى قهروني واستضعفوني وقاربوا قتلي { ~~فلا تشمت بى الأعداء } أي فلا تفعل بي ما يكون سببا ~~لشماتتهم بي { ولا تجعلنى مع القوم الظلمين } أي ~~معدودا في عدادهم بالمؤاخذة أو النسبة إلى التقصير، وهذا يؤيد كون ~~الخطاب للكل، أو لا تعتقد أني واحد من الظالمين مع براءتي منهم ومن ~~ظلمهم. ### || [7.151-152] # { قال } استئناف مبني على سؤال نشأ من حكاية اعتذار هارون عليه ~~السلام كأنه قيل: فماذا قال موسى عند ذلك؟ فقيل: قال: { رب اغفر لى ~~} أي ما فعلت بأخي من غير ذنب مقرر من قبله { ولأخى } إن فرط ~~منه تقصير ما في كفهم عما فعلوه من العظيمة، استغفر عليه السلام لنفسه ~~ليرضي أخاه ويظهر للشامتين رضاه لئلا تتم شماتتهم به ولأخيه للإيذان ~~بأنه محتاج إلى الاستغفار حيث كان يجب عليه أن يقاتلهم { وأدخلنا ~~في رحمتك } بمزيد الإنعام بعد غفران ما سلف منا { وأنت ~~أرحم الراحمين } فلا غرو في انتظامنا في سلك رحمتك الواسعة ~~في الدنيا والآخرة، والجملة اعتراض تذييلي مقرر لما قبله. { ~~إن الذين اتخذوا العجل } أي تموا على اتخاذه واستمروا ~~على عبادته كالسامري وأشياعه من الذين أشربوه في قلوبهم كما يفصح ~~عنه كون الموصول الثاني عبارة عن التائبين فإن ذلك صريح في أن ~~الموصول الأول عبارة عن المصرين { سينالهم } أي في الآخرة { ~~غضب } أي عظيم لا يقادر قدره مستتبع لفنون العقوبات لما أن ~~جريمتهم أعظم الجرائم وأقبح الجرائر وقوله تعالى: { من ربهم } ~~أي مالكهم، متعلق بينالهم أو بمحذوف هو نعت لغضب مؤكد لما أفاده ~~التنوين ms1220 من الفخامة الذاتية بالفخامة الإضافية، أي كائن من ربهم { ~~وذلة فى الحيوة الدنيا } هي ذلة الاغتراب التي تضرب بها ~~الأمثال والمسكنة المنتظمة لهم ولأولادهم جميعا، والذلة التي اختص ~~بها السامري من الانفراد عن الناس والابتلاء بلا مساس. يروى أن ~~بقاياهم اليوم يقولون ذلك، وإذا مس أحدهم أحد غيرهم حما جميعا في ~~الوقت، وإيراد ما نالهم في حيز السين مع مضيه بطريق تغليب حال ~~الأخلاف على حال الأسلاف، وقيل: المراد بهم التائبون، وبالغضب ما ~~أمروا به من قتل أنفسهم، واعتذر عن السين بأن ذلك حكاية عما أخبر ~~الله تعالى به موسى عليه السلام حين أخبره بافتتان قومه واتخاذهم ~~العجل بأنه سينالهم غضب من ربهم وذلة فيكون سابقا على الغضب، وأنت ~~خبير بأن سباق النظم الكريم وسياقه نابيان عن ذلك نبوا ظاهرا، ~~كيف لا وقوله تعالى: { وكذلك نجزى المفترين } ينادي على ~~خلافه فإنهم شهداء تائبون فكيف يمكن وصفهم بعد ذلك بالافتراء؟ وأيضا ~~ليس يجزي الله تعالى كل المفترين بهذا الجزاء الذي ظاهره قهر ~~وباطنه لطف ورحمة، وقيل: المراد بهم أبناؤهم المعاصرون لرسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فإن تعيير الأبناء بأفاعيل الآباء مشهور معروف، ~~منه قوله تعالى: # وإذ قتلتم نفسا # [البقرة: 72] الآية، وقوله تعالى: # وإذ قلتم يموسى # [البقرة: 55, 61] الآية، والمراد بالغضب الغضب الأخروي وبالذلة ما ~~أصابهم من القتل والإجلاء وضرب الجزية عليهم، وقيل: المراد بالموصول ~~المتخذون حقيقة وبالضمير في ينالهم أخلافهم ولا ريب في أن توسيط ~~حال هؤلاء في تضاعيف بيان حال المتخذين من قبيل الفصل بين الشجر ~~ولحائه. ### || [7.153-155] # { والذين عملوا السيئات } أي سيئة كانت. { ثم ~~تابوا } عن تلك السيئات { من بعدها } أي من بعد عملها { ~~وءامنوا } إيمانا صحيحا خالصا واشتغلوا بإقامة ما هو من مقتضياته ~~من الأعمال الصالحة ولم يصروا على ما فعلوا كالطائفة الأولى { إن ~~ربك من بعدها } أي من بعد تلك التوبة المقرونة بالإيمان { ~~لغفور } للذنوب وإن عظمت وكثرت { رحيم } مبالغ في إفاضة ~~فنون الرحمة الدنيوية والأخروية، والتعرض لعنوان الربوبية مع ~~الإضافة إلى ضميره عليه السلام للتشريف. # { ولما ms1221 سكت عن موسى الغضب } شروع في بيان بقية ~~الحكاية إثر ما بين تحزب القوم إلى مصر وتائب والإشارة إلى مآل كل ~~منهما إجمالا أي لما سكن عنه الغضب باعتذار أخيه وتوبة القوم، وهذا ~~صريح في أن ما حكي عنهم من الندم وما يتفرع عليه كان بعد مجيء موسى ~~عليه الصلاة والسلام، وفي هذا النظم الكريم من البلاغة والمبالغة ~~بتنزيل الغضب الحامل له على ما صدر عنه من الفعل والقول منزلة الآمر ~~بذلك المغري عليه بالتحكم والتشديد، والتعبير عن سكوته بالسكوت ما لا ~~يخفى، وقرىء سكن وسكت وأسكت على أن الفاعل هو الله تعالى أو أخوه أو ~~التائبون { أخذ الألواح } التي ألقاها { وفى نسختها } أي ~~فيما نسخ فيها وكتب، فعلة بمعنى مفعول كالخطبة وقيل: فيما نسخ منها ~~أي من الألواح المنكسرة { هدى } أي بيان للحق { ورحمة } للخلق ~~بإرشادهم إلى ما فيه الخير والصلاح { للذين هم لربهم ~~يرهبون } اللام الأولى متعلقة بمحذوف هو صفة لرحمة أي كائنة لهم ~~أو هي لام الأجل أي هدى ورحمة لأجلهم، والثانية لتقوية عمل الفعل ~~المؤخر كما في قوله تعالى: # إن كنتم للرؤيا تعبرون # [يوسف: 43] أو هي أيضا لام العلة والمفعول محذوف أي يرهبون المعاصي ~~لأجل ربهم لا للرياء والسمعة { واختار موسى قومه } شروع في ~~بيان كيفية استدعاء التوبة وكيفية وقوعها واختار يتعدى إلى اثنين ~~ثانيهما مجرور بمن أي اختار من قومه بحذف الجار والمجرور وإيصال الفعل ~~إلى المجرور كما في قوله: # اختارك الناس إذ رثت خلائقهم # واعتل من كان يرجى عنده السول # أي اختارك من الناس { سبعين رجلا } مفعول لاختار أخر عن ~~الثاني لما مر مرارا من الاعتناء بالمقدم والتشويق إلى المؤخر { ~~لميقتنا } الذي وقتناه بعد ما وقع من قومه ما وقع لا لميقات ~~الكلام الذي ذكر قبل ذلك كما قيل. قال السدي: أمره الله تعالى بأن يأتيه ~~في ناس من بني إسرائيل يعتذرون إليه من عبادة العجل ووعدهم موعدا ~~فاختار عليه السلام من قومه سبعين رجلا. وقال محمد بن إسحاق: اختارهم ~~ليتوبوا إليه تعالى مما ms1222 صنعوه ويسألوه التوبة على من تركوهم وراءهم من ~~قومهم، قالوا: اختار عليه الصلاة والسلام من كل سبط ستة فزاد اثنان ~~فقال: ليتخلف منكم رجلان فتشاحوا فقال عليه الصلاة والسلام: إن لمن ~~قعد مثل أجر من خرج فقعد كالب ويوشع وذهب من الباقين وأمرهم أن ~~يصوموا ويتطهروا ويطهروا ثيابهم فخرج بهم إلى طور سينا فلما دنوا ~~من الجبل غشيه غمام فدخل موسى بهم الغمام وخروا سجدا فسمعوه ~~تعالى يكلم موسى يأمره وينهاه حسبما يشاء وهو الأمر بقتل أنفسهم ~~توبة { فلما أخذتهم الرجفة } مما اجترأوا عليه من طلب ~~الرؤية فإنه يروى أنه لما انكشف الغمام أقبلوا إلى موسى عليه السلام ~~وقالوا: لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة فأخذتهم الرجفة أي الصاعقة أو ~~رجفة الجبل فصعقوا منها أي ماتوا ولعلهم أرادوا بقولهم: لن نؤمن لك، ~~لن نصدقك في أن الآمر بما سمعنا الأمر بقتل أنفسهم هو الله تعالى ~~حتى نراه حيث قاسوا رؤيته تعالى على سماع كلامه قياسا فاسدا. # فحين شاهد موسى تلك الحالة الهائلة. # { قال رب لو شئت أهلكتهم من قبل } أي حين فرطوا في ~~النهي عن عبادة العجل وما فارقوا عبدته حين شاهدوا إصرارهم عليها { ~~وإيى } أيضا حين طلبت منك الرؤية أي لو شئت إهلاكنا بذنوبنا ~~لأهلكتنا حينئذ، أراد به عليه السلام تذكير العفو السابق لاستجلاب ~~العفو اللاحق فإن الاعتراف بالذنب والشكر على النعمة مما يربط ~~العتيد ويستجلب المزيد، يعني إنا كنا مستحقين للإهلاك ولم يكن من موانعه ~~إلا عدم مشيئتك إياه فحيث لطفت بنا وعفوت عنا تلك الجرائم فلا ~~غرو في أن تعفو عنا هذه الجريمة أيضا، وحمل الكلام على التمني يأباه ~~قوله تعالى: { أتهلكنا بما فعل السفهاء منا } أي الذين ~~لا يعلمون تفاصيل شؤونك ولا يتثبتون في المداحض، والهمزة إما لإنكار ~~وقوع الإهلاك ثقة بلطف الله عز وجل كما قاله ابن الأنباري أو ~~للاستعطاف كما قاله المبرد أي لا تهلكنا { إن هى إلا فتنتك } ~~استئناف مقرر لما قبله واعتذار عما صنعوا ببيان منشأ غلطهم أي ما ~~الفتنة التي ms1223 وقع فيها السفهاء وقالوا بسببها ما قالوا من العظيمة إلا ~~فتنتك أي محنتك وابتلاؤك حيث أسمعتهم كلامك فافتتنوا بذلك ولم يتثبتوا ~~فطمعوا فيما فوق ذلك تابعين للقياس الفاسد وقوله تعالى: { تضل بها ~~من تشاء وتهدى من تشاء } إما استئناف مبين لحكم الفتنة أو ~~حال من فتنتك أي حال كونها مضلا بها الخ، أي تضل بسببها من تشاء ~~إضلاله فلا يهتدي إلى التثبت وتهدي من تشاء هدايته إلى الحق فلا ~~يتزلزل في أمثالها فيقوى بها إيمانه { أنت ولينا } أي القائم ~~بأمورنا الدنيوية والأخروية وناصرنا وحافظنا لا غيرك { فاغفر ~~لنا } ما قارفناه من المعاصي والفاء لترتيب الدعاء على ما قبله من ~~الولاية كأنه قيل: فمن شأن الولي المغفرة والرحمة، وقيل: إن إقدامه ~~عليه الصلاة والسلام على أن يقول: إن هي إلا فتنتك الخ، جراءة عظيمة ~~فطلب من الله تعالى غفرانها والتجاوز عنها { وارحمنا } بإفاضة ~~آثار الرحمة الدنيوية والأخروية علينا { وأنت خير ~~الغفرين } اعتراض تذييلي مقرر لما قبله من الدعاء، وتخصيص ~~المغفرة بالذكر لأنها الأهم بحسب المقام. ### || [7.156] # { واكتب لنا } أي عين لنا وقيل: أوجب وحقق وأثبت { فى ~~هذه الدنيا حسنة } أي نعمة وعافية أو خصلة حسنة. قال ~~ابن عباس رضي الله عنهما: اقبل وفادتنا وردنا بالمغفرة والرحمة { ~~وفي الأخرة } أي واكتب لنا فيها أيضا حسنة وهي المثوبة الحسنى ~~والجنة { إنا هدنا إليك } أي تبنا وأنبنا إليك، من هاد ~~يهود إذا رجع وقرىء بكسر الهاء من هاده يهيده إذا حركه وأماله ~~ويحتمل أن يكون مبنيا للفاعل أو للمفعول بمعنى أملنا أنفسنا أو ~~أملنا إليك، وتجويز أن تكون القراءة المشهورة على بناء المفعول على ~~لغة من يقول: عود المريض مع كونها لغة ضعيفة مما لا يليق بشأن ~~التنزيل الجليل، والجملة استئناف مسوق لتعليل الدعاء فإن التوبة ~~مما يوجب قبوله بموجب الوعد المحتوم، وتصديرها بحرف التحقيق لإظهار ~~كمال النشاط والرغبة في التوبة، والمعنى إنا تبنا ورجعنا عما صنعنا ~~من المعصية العظيمة التي جئناك للاعتذار عنها وعما وقع ههنا من طلب ~~الرؤية، فبعيد من لطفك وفضلك ms1224 أن لا تقبل توبة التائبين. قيل: لما ~~أخذتهم الرجفة ماتوا جميعا فأخذ موسى عليه الصلاة والسلام يتضرع إلى ~~الله تعالى حتى أحياهم، وقيل: رجفوا وكادت تبين مفاصلهم وأشرفوا على ~~الهلاك فخاف موسى عليه الصلاة والسلام فبكى فكشفها الله تعالى عنهم. # { قال } استئناف وقع جوابا عن سؤال ينساق إليه الكلام كأنه قيل: ~~فماذا قال الله تعالى عند دعاء موسى عليه السلام؟ فقيل: قال: { عذابى ~~أصيب به من أشاء } لعله عز وجل حين جعل توبة عبدة العجل ~~بقتلهم أنفسهم ضمن موسى عليه السلام دعاءه التخفيف والتيسير حيث قال: ~~واكتب لنا في هذه الدنيا حسنة أي خصلة حسنة عارية عن المشقة والشدة ~~فإن في قتل أنفسهم من العذاب والتشديد ما لا يخفى، فأجاب تعالى بأن ~~عذابي شأنه أن أصيب به من أشاء تعذيبه من غير دخل لغيري فيه وهم ممن ~~تناولته مشيئتي، ولذلك جعلت توبتهم مشوبة بالعذاب الدنيوي { ~~ورحمتى وسعت كل شىء } أي شأنها أن تسع في الدنيا ~~المؤمن والكافر بل كل ما يدخل تحت الشيئية من المكلفين وغيرهم وقد ~~نال قومك نصيب منها في ضمن العذاب الدنيوي، وفي نسبة الإصابة إلى ~~العذاب بصيغة المضارع ونسبة السعة إلى الرحمة بصيغة الماضي إيذان بأن ~~الرحمة مقتضى الذات وأما العذاب فبمقتضى معاصي العباد، والمشيئة ~~معتبرة في جانب الرحمة أيضا وعدم التصريح بها للإشعار بغاية الظهور، ~~ألا يرى إلى قوله تعالى: { فسأكتبها } أي أثبتها وأعينها ~~فإنه متفرع على اعتبار المشيئة كأنه قيل: فإذا كان الأمر كذلك أي كما ~~ذكر من إصابة عذابي وسعة رحمتي لكل من أشاء فسأكتبها كتبة كائنة ~~كما دعوت بقولك: واكتب لنا في هذه الخ، أي سأكتبها خالصة غير مشوبة ~~بالعذاب الدنيوي { للذين يتقون } أي الكفر والمعاصي إما ابتداء ~~أو بعد ملامستها وفيه تعريض بقومه كأنه قيل: لا لقومك لأنهم غير متقين ~~فيكفيهم ما قدر لهم من الرحمة وإن كانت مقارنة للعذاب الدنيوي { ~~ويؤتون الزكوة } وفيه أيضا تعريض بهم حيث كانت الزكاة شاقة ~~عليهم، ولعل الصلاة إنما لم تذكر مع إنافتها على سائر ms1225 العبادات ~~اكتفاء عنها بالاتقاء الذي هو عبارة عن فعل الواجبات بأسرها وترك ~~المنكرات عن آخرها، وإيراد إيتاء الزكاة لما مر من التعريض { ~~والذين هم بئايتنا } جميعا { يؤمنون } إيمانا ~~مستمرا من غير إخلال بشيء منها، وفيه تعريض بهم وبكفرهم بالآيات ~~العظام التي جاء بها موسى عليه الصلاة والسلام وبما سيجيء بعد ذلك من ~~الآيات البينات كتظليل الغمام وإنزال المن والسلوى وغير ذلك. # وتكرير الموصول مع أن المراد به عين ما أريد بالموصول الأول دون أن ~~يقال: ويؤمنون بآياتنا عطفا على يؤتون الزكاة كما عطف هو على يتقون لما ~~أشير إليه من القصر بتقديم الجار والمجرور أي هم بجميع آياتنا يؤمنون ~~لا ببعضها دون بعض. ### || [7.157] # { الذين يتبعون الرسول } الذي نوحي إليه كتابا مختصا به ~~{ النبى } أي صاحب المعجزة، وقيل: عنوان الرسالة بالنسبة إليه ~~تعالى وعنوان النبوة بالنسبة إلى الأمة { الأمى } بضم الهمزة نسبة ~~إلى الأم، كأنه باق على حالته التي ولد عليها من أمه، أو إلى أمة ~~العرب كما قال عليه الصلاة والسلام: # " إنا أمة لا نحسب ولا نكتب " # أو إلى أم القرى، وقرىء بفتح الهمزة أي الذي لم يمارس القراءة والكتابة ~~وقد جمع مع ذلك علوم الأولين والآخرين، والموصول بدل من الموصول ~~الأول بدل الكل أو منصوب على المدح أو مرفوع عليه أي أعني الذين، أو ~~هم الذين، وأما جعله مبتدأ على أن خبره يأمرهم أو أولئك هم المفلحون ~~فغير سديد { الذى يجدونه مكتوبا } باسمه ونعوته بحيث لا ~~يشكون أنه هو لذلك عدل عن أن يقال: يجدون اسمه أو وصفه مكتوبا { ~~عندهم } زيد هذا لزيادة التقرير وأن شأنه عليه الصلاة والسلام حاضر ~~عندهم لا يغيب عنهم أصلا { في التوراة والإنجيل } اللذين ~~تعبد بهما بنو إسرائيل سابقا ولاحقا والظرفان متعلقان بيجدونه أو ~~بمكتوبا وذكر الإنجيل قبل نزوله من قبيل ما نحن فيه من ذكر النبي ~~عليه الصلاة والسلام والقرآن الكريم قبل مجيئهما { يأمرهم ~~بالمعروف وينههم عن المنكر } كلام مستأنف لا محل ~~له من الإعراب قاله الزجاج متضمن لتفصيل بعض أحكام الرحمة ms1226 التي وعد ~~فيما سبق بكتبها إجمالا، فإن ما بين فيه من الأمر بالمعروف والنهي عن ~~المنكر وإحلال الطيبات وتحريم الخبائث وإسقاط التكاليف الشاقة كلها ~~من آثار رحمته الواسعة، وقيل: في محل النصب على أنه حال مقدرة من ~~مفعول يجدونه أو من النبي أو من المستكن في مكتوبا، أو مفسر ~~لمكتوبا أي لما كتب { ويحل لهم الطيبت } التي حرمت ~~عليهم بشؤم ظلمهم { ويحرم عليهم الخبئث } كالدم ولحم ~~الخنزير والربا والرشوة { ويضع عنهم إصرهم والاغلل ~~التى كانت عليهم } أي يخفف عنهم ما كلفوه من التكاليف ~~الشاقة التي هي من قبيل ما كتب عليهم حينئذ من كون التوبة بقتل ~~النفس وتعيين القصاص في العمد والخطأ من غير شرع الدية، وقطع ~~الأعضاء الخاطئة وقرض موضع النجاسة من الجلد والثوب وإحراق الغنائم ~~وتحريم السبت. وعن عطاء أنه كانت بنو إسرائيل إذا قاموا يصلون لبسوا ~~المسوح وغلوا أيديهم إلى أعناقهم، وربما ثقب الرجل ترقوته ~~وجعل فيها طرف السلسلة وأثقلها إلى السارية يحبس نفسه على العبادة، ~~وقرىء آصارهم، أصل الإصر الثقل الذين يأسر صاحبه من الحراك. # { فالذين ءامنوا به } تعليم لكيفية اتباعه عليه الصلاة ~~والسلام وبيان لعلو رتبة متبعيه واغتنامهم مغانم الرحمة الواسعة ~~في الدارين إثر بيان نعوته الجليلة والإشارة إلى إرشاده عليه الصلاة ~~والسلام إياهم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وإحلال الطيبات وتحريم ~~الخبائث، أي فالذين آمنوا بنبوته وأطاعوه في أوامره ونواهيه { ~~وعزروه } أي عظموه ووقروه وأعانوه بمنع أعدائه عنه وقرىء ~~بالتخفيف وأصله المنع ومنه التعزير { ونصروه } على أعدائه في ~~الدين { واتبعوا النور الذى أنزل معه } أي مع نبوته ~~وهو القرآن، عبر عنه بالنور المنبىء عن كونه ظاهرا بنفسه ومظهرا ~~لغيره أو مظهرا للحقائق كاشفا عنها لمناسبة الاتباع، ويجوز أن يكون ~~معه متعلقا باتبعوا أي واتبعوا القرآن المنزل مع اتباعه عليه الصلاة ~~والسلام بالعمل بسنته وبما أمر به ونهى عنه أو اتبعوا القرآن مصاحبين ~~له في اتباعه { أولئك } إشارة إلى المذكورين من حيث اتصافهم بما ~~فصل من الصفات الفاضلة للإشعار بعليتها للحكم، وما فيه من معنى ms1227 ~~البعد للإيذان بعلو درجتهم وسمو طبقتهم في الفضل والشرف أو أولئك ~~المنعوتون بتلك النعوت الجليلة { هم المفلحون } أي هم الفائزون ~~بالمطلوب الناجون عن الكروب لا غيرهم من الأمم فيدخل فيهم قوم موسى ~~عليه الصلاة والسلام دخولا أوليا حيث لم ينجوا عما في توبتهم من ~~المشقة الهائلة وبه يتحقق التحقيق ويتأتى التوفيق والتطبيق بين ~~دعائه عليه الصلاة والسلام وبين الجواب لا بمجرد ما قيل من أنه لما ~~دعا لنفسه ولبني إسرائيل أجيب بما هو منطو على توبيخ بني إسرائيل على ~~استجازتهم الرؤية على الله عز وجل وعلى كفرهم بآياته العظام التي ~~أجراها على يد موسى عليه الصلاة والسلام وعرض بذلك في قوله تعالى: # والذين هم بئايتنا يؤمنون # [الأعراف: 156] وأريد أن يكون استماع أوصاف أعقابهم الذين آمنوا ~~برسول الله صلى الله عليه وسلم وبما جاء به كعبد الله بن سلام وغيره ~~من أهل الكتابين لطفا بهم وترغيبا في إخلاص الإيمان والعمل الصالح. ### || [7.158] # { قل يأيها الناس إنى رسول الله إليكم } لما ~~حكي ما في الكتابين من نعوت رسول الله صلى الله عليه وسلم وشرف من ~~يتبعه من أهلهما ونيلهم لسعادة الدارين أمر عليه الصلاة والسلام ~~ببيان أن تلك السعادة غير مختصة بهم بل شاملة لكل من يتبعه كائنا ~~من كان ببيان عموم رسالته للثقلين مع اختصاص رسالة سائر الرسل ~~عليهم السلام بأقوامهم وإرسال موسى عليه السلام إلى فرعون وملئه ~~بالآيات التسع إنما كان لأمرهم بعبادة رب العالمين عز سلطانه وترك ~~العظيمة التي كان يدعيها الطاغية ويقبلها منه فئته الباغية وبإرسال ~~بني إسرائيل من الأسر والقسر، وأما العمل بأحكام التوراة فمختص ~~ببني إسرائيل { جميعا } حال من الضمير في إليكم { الذى له ~~ملك السموات والأرض } منصوب أو مرفوع على المدح أو ~~مجرور على أنه صفة للجلالة وإن حيل بينهما بما هو متعلق بما أضيف ~~إليه فإنه في حكم المتقدم عليه وقوله تعالى: { لا إله إلا ~~هو } بيان لما قبله فإن من ملك العالم كان هو الإله لا غيره ~~وقوله تعالى: { يحيي ويميت } لزيادة ألوهيته ms1228 والفاء في قوله ~~تعالى: { فآمنوا بالله ورسوله } لتفريع الأمر على ما تمهد ~~وتقرر من رسالته عليه الصلاة والسلام، وإيراد نفسه عليه الصلاة ~~والسلام بعنوان الرسالة على طريقة الالتفات إلى الغيبة للمبالغة في ~~إيجاب الامتثال بأمره، وصف الرسول بقوله: { النبى الأمى } لمدحه ~~عليه الصلاة والسلام بهما ولزيادة تقرير أمره وتحقيق أنه المكتوب في ~~الكتابين، ووصفه بقوله تعالى: { الذى يؤمن بالله ~~وكلمته } أي ما أنزل إليه وإلى سائر الرسل عليهم السلام من ~~كتبه ووحيه لحمل أهل الكتابين على الامتثال بما أمروا به، ~~والتصريح بإيمانه بالله تعالى للتنبيه على أن الإيمان به تعالى لا ~~ينفك عن الإيمان بكلماته ولا يتحقق إلا به، وقرىء وكلمته على إرادة ~~الجنس أو القرآن تنبيها على أن المأمور به هو الإيمان به عليه ~~الصلاة والسلام من حيث أنزل عليه القرآن لا من حيثية أخرى، أو على أن ~~المراد بها عيسى عليه الصلاة والسلام تعريضا باليهود وتنبيها على أن ~~من لم يؤمن به لم يعتد بإيمانه { واتبعوه } أي في كل ما يأتي ~~وما يذر من أمور الدين { لعلكم تهتدون } علة للفعلين أو حال ~~من فاعليها أي رجاء لاهتدائكم إلى المطلوب أو راجين له، وفي تعليقه بهما ~~إيذان بأن من صدقه ولم يتبعه بالتزام أحكام شريعته فهو بمعزل من ~~الاهتداء مستمر على الغي والضلالة. ### || [7.159] # { ومن قوم موسى } كلام مبتدأ مسوق لدفع ما عسى يوهمه تخصيص ~~كتب الرحمة والتقوى والإيمان بالآيات بمتبعي رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم من حرمان أسلاف قوم موسى عليه السلام من كل خير وبيان أن ~~كلهم ليسوا كما حكيت أحوالهم بل منهم { أمة يهدون } أي ~~الناس { بالحق } أي ملتبسين به أو يهدونهم بكلمة الحق { وبه } أي ~~بالحق { يعدلون } أي في الأحكام الجارية فيما بينهم، وصيغة ~~المضارع في الفعلين لحكاية الحال الماضية، وقيل: هم الذين آمنوا ~~بالنبي صلى الله عليه وسلم ويأباه أنه قد مر ذكرهم فيما سلف، وقيل: إن ~~بني إسرائيل لما بالغوا في العتو والطغيان حتى اجترأوا على قتل ~~الأنبياء عليهم السلام تبرأ سبط ms1229 منهم مما صنعوا واعتذروا وسألوا ~~الله تعالى أن يفرق بينهم وبين أولئك الطاغين ففتح الله تعالى لهم ~~نفقا في الأرض فساروا فيه سنة ونصفا حتى خرجوا من وراء الصين، وهم ~~اليوم هنالك حنفاء مسلمون يستقبلون قبلتنا وقد ذكر عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم أن جبريل عليه السلام ذهب به ليلة الإسراء نحوهم فكلمهم ~~فقال جبريل عليه السلام: هل تعرفون من تكلمون؟ قالوا: لا، قال: هذا ~~محمد النبي الأمي، فآمنوا به وقالوا: يا رسول الله إن موسى أوصانا من ~~أدرك منكم أحمد فليقرأ مني عليه السلام فرد محمد على موسى عليهما ~~السلام ثم أقرأهم عشر سور من القرآن نزلت بمكة ولم تكن نزلت يومئذ ~~فريضة غير الصلاة والزكاة وأمرهم أن يقيموا مكانهم وكانوا يسبتون ~~فأمرهم أن يجمعوا ويتركوا السبت هذا، وأنت خبير بأن تخصيصهم ~~بالهداية من بين قومه عليه السلام مع أن منهم من آمن بجميع الشرائع ~~لا يخلو عن بعد. ### || [7.160] # { وقطعنهم } أي قوم موسى لا الأمة المذكورة منهم، وقرىء ~~بالتخفيف وقوله تعالى: { اثنتى عشرة } ثاني مفعولي قطع لتضمنه ~~معنى التصيير، والتأنيث للحمل على الأمة أو القطعة، أي صيرناهم اثنتي ~~عشرة أمة أو قطعة متميزا بعضها من بعض، أو حال من مفعوله أي ~~فرقناهم معدودين هذا العدد، وقوله تعالى: { أسباطا } بدل منه ولذلك ~~جمع، أو مميز له على أن كل واحدة من اثنتي عشرة قطعة أسباط لا سبط ~~وقرىء عشرة بكسر الشين وقوله تعالى: { أمما } على الأول بدل بعد بدل ~~أو نعت لأسباطا وعلى الثاني بدل من أسباطا { وأوحينا إلى ~~موسى إذ استسقه قومه } حين استولى عليهم العطش في التيه ~~الذي وقعوا فيه بسوء صنيعهم لا بمجرد استسقائهم إياه عليه الصلاة ~~والسلام بل باستسقائه لهم لقوله تعالى: # وإذ استسقى موسى لقومه # [البقرة: 60] وقوله تعالى: { أن اضرب بعصاك الحجر } مفسر ~~لفعل الإيحاء وقد مر بيان شأن الحجر في تفسير سورة البقرة { ~~فانبجست } عطف على مقدر ينسحب عليه الكلام قد حذف تعويلا على ~~كمال الظهور وإيذانا بغاية مسارعته عليه السلام إلى ms1230 الامتثال وإشعارا ~~بعدم تأثير الضرب حقيقة وتنبيها على كمال سرعة الانبجاس وهو ~~الانفجار كأنه حصل إثر الأمر قبل تحقق الضرب كما في قوله تعالى: # اضرب بعصاك البحر فانفلق # [الشعراء: 63] أي فضرب فانبجست { منه اثنتا عشرة عينا } ~~بعدد الأسباط وأما ما قيل من أن التقدير فإن ضربت فقد انبجست فغير ~~حقيق بجزالة النظم التنزيلي، وقرىء عشرة بكسر الشين وفتحها { قد ~~علم كل أناس } كل سبط، عبر عنهم بذلك إيذانا بكثرة كل ~~واحد من الأسباط { مشربهم } أي عينهم الخاصة بهم { ~~وظللنا عليهم الغمم } أي جعلناها بحيث تلقي عليهم ~~ظلها تسير في التيه بسيرهم وتسكن بإقامتهم وكان ينزل بالليل عمود من ~~نار يسيرون بضوئه. # { وأنزلنا عليهم المن والسلوى } أي الترنجين ~~والسمانى. قيل: كان ينزل عليهم المن مثل الثلج من الفجر إلى الطلوع ~~لكل إنسان صاع وتبعث الجنوب عليهم السمانى فيذبح الرجل منهم ما ~~يكفيه { كلوا } أي وقلنا لهم: كلوا { من طيبات ما ~~رزقنكم } أي مستلذاته، وما موصولة كانت أو موصوفة عبارة عن ~~المن والسلوى { وما ظلمونا } رجوع إلى سنن الكلام الأول بعد ~~حكاية خطابهم، وهو معطوف على جملة محذوفة للإيجاز والإشعار بأنه ~~أمر محقق غني عن التصريح به أي فظلموا بأن كفروا بتلك النعم الجليلة ~~وما ظلمونا بذلك { ولكن كانوا أنفسهم يظلمون } إذ لا ~~يتخطاهم ضرره، وتقديم المفعول لإفادة القصر الذي يقتضيه النفي ~~السابق وفيه ضرب من التهكم بهم، والجمع بين صيغتي الماضي والمستقبل ~~للدلالة على تماديهم فيما هم فيه من الظلم والكفر. ### || [7.161-162] # { وإذ قيل لهم } منصوب بمضمر خوطب به النبي عليه الصلاة ~~والسلام وإيراد الفعل على البناء للمفعول مع استناده إليه تعالى كما ~~يفصح عنه ما وقع في سورة البقرة من قوله تعالى: # وإذ قلنا # [البقرة: 34, 58] للجري على سنن الكبرياء والإيذان بالغنى عن التصريح ~~به لتعين الفاعل، وتغيير النظم بالأمر بالذكر للتشديد في التوبيخ أي ~~اذكر لهم وقت قوله تعالى لأسلافهم: { اسكنوا هذه القرية } ~~منصوب على المفعولية، يقال: سكنت الدار وقيل: على الظرفية اتساعا، وهي ~~بيت المقدس وقيل: أريحا وهي قرية ms1231 الجبارين وكان فيها قوم من بقية ~~عاد يقال لهم: العمالقة (على) رأسهم عوج بن عنق وفي قوله تعالى: { ~~اسكنوا } إيذان بأن المأمور به في سورة البقرة هو الدخول على وجه ~~السكنى والإقامة، ولذلك اكتفي به عن ذكر رغدا في قوله تعالى: { ~~وكلوا منها } أي من مطاعمها وثمارها على أن من تبعيضية أو منها ~~على أنها ابتدائية { حيث شئتم } أي من نواحيها من غير أن يزاحمكم ~~فيها أحد فإن الأكل المستمر على هذا الوجه لا يكون إلا رغدا واسعا، ~~وعطف كلوا على اسكنوا بالواو لمقارنتها زمانا بخلاف الدخول فأنه ~~مقدم على الأكل ولذلك قيل هناك: فكلوا { وقولوا حطة } أي ~~مسألتنا أو أمرك حطة لذنوبنا وهي فعلة من الحط كالجلسة { ~~وادخلوا الباب } أي باب القرية { سجدا } أي متطامنين ~~مخبتين أو ساجدين شكرا على إخراجهم من التيه، وتقديم الأمر بالدخول ~~على الأمر بالقول المذكور في سورة البقرة غير مخل بهذا الترتيب لأن ~~المأموربه هو الجمع بين الفعلين من غير اعتبار الترتيب بينهما ثم ~~إن كان المراد بالقرية أريحاء فقد روي أنهم دخلوها حيث سار إليها موسى ~~عليه السلام بمن بقي من بني إسرائيل أو بذراريهم على اختلاف الروايتين ~~ففتحها كما مر في سورة المائدة، وأما إن كان بيت المقدس فقد روي أنهم ~~لم يدخلوه في حياة موسى عليه السلام فقيل: المراد بالباب باب القبة ~~التي كانوا يصلون إليها { نغفر لكم خطيئتكم } وقرىء ~~خطاياكم كما في سورة البقرة، وتغفر لكم خطيئاتكم وخطاياكم وخطيئتكم ~~على البناء للمفعول { سنزيد المحسنين } عدة بشيئين بالمغفرة ~~وبالزيادة، وطرح الواوا ههنا لا يخل بذلك لأنه استئناف مترتب على ~~تقدير سؤال نشأ من الإخبار بالغفران كأنه قيل: فماذا لهم بعد الغفران؟ ~~فقيل: سنزيد وكذلك زيادة منهم زيادة بيان. # { فبدل الذين ظلموا منهم } بما أمروا به من التوبة ~~والاستغفار حيث أعرضوا عنه ووضعوا موضعه { قولا } آخر مما لا خير ~~فيه. روي أنهم دخلوه زاحفين على أستاههم وقالوا مكان حطة: حنطة وقيل: ~~قالوا بالنبطية حطا شمقاثا يعنون حنطة حمراء استخفافا بأمر الله ~~تعالى ms1232 واستهزاء بموسى عليه الصلاة والسلام، وقوله تعالى: { غير ~~الذى قيل لهم } نعت لقولا، صرح بالمغايرة مع دلالة التبديل ~~عليها قطعا تحقيقا للمخالفة وتنصيصا على المغايرة من كل وجه { ~~فأرسلنا عليهم } إثر ما فعلوا ما فعلوا من غير تأخير، وفي ~~سورة البقرة # على الذين ظلموا # والمعنى واحد والإرسال من فوق فيكون كالإنزال { رجزا من ~~السماء } عذابا كائنا منها والمراد الطاعون. روي أنه مات منهم في ~~ساعة واحدة أربعة وعشرون ألفا { بما كانوا يظلمون } بسبب ~~ظلمهم المستمر السابق واللاحق حسبما يفيده الجمع بين صيغتي الماضي ~~والمستقبل لا بسبب التبديل فقط كما يشعر به ترتيب الإرسال عليه ~~بالفاء، والتصريح بهذا التعليل لما أن الحكم ههنا مترتب على المضمر ~~دون الموصول بالظلم كما في سورة البقرة، وأما التعليل بالفسق بعد ~~الإشعار بعلية الظلم فقد مر وجهه هناك والله تعالى أعلم. ### || [7.163] # { وسئلهم } عطف على المقدر في إذ قيل أي واسأل اليهود المعاصرين ~~لك سؤال تقريع وتقرير كفرهم وتجاوزهم لحدود الله تعالى وإعلاما لهم ~~بأن ذلك مع كونه من علومهم الخفية التي لا يقف عليها إلا من مارس كتبهم ~~قد أحاط به النبي عليه الصلاة والسلام خبرا، وإذ ليس ذلك بالتلقي ~~من كتبهم لأنه عليه الصلاة والسلام بمعزل من ذلك تعين أنه من جهة الوحي ~~الصريح { عن القرية } أي عن حالها وخبرها وما جرى على أهلها من ~~الداهية الدهياء وهي أيلة، قرية بين مدين والطور، وقيل: هي ~~مدين وقيل: طبرية، والعرب تسمي المدينة قرية { التى كانت ~~حاضرة البحر } أي قريبة منه مشرفة على شاطئه { إذ يعدون ~~فى السبت } أي يتجاوزون حدود الله تعالى بالصيد يوم السبت، وإذ ~~ظرف للمضاف المحذوف أو بدل منه، وقيل: ظرف لكانت أو حاضرة، وليس بذاك ~~إذ لا فائدة في تقييد الكون أو الحضور بوقت العدوان، وقرىء يعدون ~~وأصله يعتدون ويعدون من الإعداد حيث كانوا يعدون آلات الصيد يوم ~~السبت وهم منهيون عن الاشتغال فيه بغير العبادة. # { إذ تأتيهم حيتانهم } ظرف ليعدون أو بدل بعد بدل ~~والأول هو الأولى لأن السؤال ms1233 عن عدوانهم أدخل في التقريع، والحيتان ~~جمع حوت قلبت الواو ياء لانكسار ما قبلها كنون ونينان لفظا ~~ومعنى، وإضافتها إليهم للإشعار باختصاصها بهم لاستقلالها بما لا يكاد ~~يوجد في سائر أفراد الجنس من الخواص الخارقة للعادة، أو لأن المراد ~~بها الحيتان الكائنة في تلك الناحية وأن ما ذكر من الإتيان وعدمه ~~لاعتيادها أحوالهم في عدم التعرض يوم السبت { يوم سبتهم } ظرف ~~لتأتيهم أي تأتيهم يوم تعظيمهم لأمر السبت وهو مصدر سبتت اليهود ~~إذا عظمت السبت بالتجرد للعبادة، وقيل: اسم لليوم، والإضافة ~~لاختصاصهم بأحكام فيه ويؤيد الأول قراءة من قرأ يوم أسباتهم وقوله ~~تعالى: { شرعا } جمع شارع من شرع عليه إذا دنا وأشرف، وهو حال من ~~حيتانهم أي تأتيهم يوم سبتهم ظاهرة على وجه الماء قريبة من الساحل { ~~ويوم لا يسبتون } أي لا يراعون أمر السبت لكن لا بمجرد عدم ~~المراعاة مع تحقق يوم السبت كما هو المتبادر بل مع انتفائهما معا أي ~~لا سبت ولا مراعاة كما في قوله: # [لا تفزع الأرنب أهوالها] # ولا ترى الضب بها ينجحر # وقرىء لا يسبتون من أسبت ولا يسبتون على البناء للمفعول بمعنى لا ~~يدخلون في السبت ولا يدار عليهم حكم السبت ولا يؤمرون فيه بما أمروا ~~به يوم السبت { لا تأتيهم } كما كانت تأتيهم يوم السبت حذار من ~~صيدهم، وتغيير السبك حيث لم يقل: ولا تأتيهم يوم لا يسبتون لما أن ~~الإخبار بإتيانها يوم سبتهم مظنة أن يقال: فماذا حالها يوم لا ~~يسبتون؟ فقيل: يوم لا يسبتون لا تأتيهم { كذلك نبلوهم } أي مثل ~~ذلك البلاء العجيب الفظيع نعاملهم معاملة من يختبرهم ليظهر ~~عداوتهم ونؤاخذهم به، وصيغة المضارع لحكاية الحال الماضية لاستحضار ~~صورتها والتعجيب منها { بما كانوا يفسقون } أي بسبب فسقهم ~~المستمر المدلول عليه بالجمع بين صيغتي الماضي والمستقبل لكن لا في ~~تلك المادة فإن فسقهم فيها لا يكون سببا للبلوى بل بسبب فسقهم المستمر ~~في كل ما يأتون وما يذرون، وقيل: (كذلك) متصل بما قبله أي لا تأتيهم ~~مثل ما تأتيهم يوم سبتهم ms1234 فالجملة بعده حينئذ استئناف مبني على ~~السؤال عن حكمة اختلاف حال الحيتان بالإتيان تارة وعدمه أخرى. ### || [7.164] # { وإذ قالت } عطف على إذ يعدون مسوق لتماديهم في العدوان وعدم ~~انزجارهم عند بعد العظات والإنذارات { أمة منهم } أي جماعة من ~~صلحائهم الذين ركبوا في عظتهم متن كل صعب وذلول حتى يئسوا من احتمال ~~القبول لآخرين لا يقلعون عن التذكير رجاء للنفع والتأثير مبالغة في ~~الإعذار وطمعا في فائدة الإنذار { لم تعظون قوما الله ~~مهلكهم } أي مخترمهم بالكلية ومطهر الأرض منهم { أو ~~معذبهم عذابا شديدا } دون الاستئصال بالمرة وقبل مهلكهم ~~مخزيهم في الدنيا أو معذبهم في الآخرة لعدم إقلاعهم عما كانوا عليه من ~~الفسق والطغيان والترديد لمنع الخلو دون منع الجمع فإنهم مهلكون في ~~الدنيا ومعذبون في الآخرة، وإيثار صيغة اسم الفاعل مع أن كلا من ~~الإهلاك والتعذيب مترقب للدلالة على تحققهما وتقررهما البتة، ~~كأنهما واقعان وإنما قالوه مبالغة في أن الوعظ لا ينجع فيهم أو ترهيبا ~~للقوم أو سؤالا عن حكمة الوعظ ونفعه، ولعلهم إنما قالوه بمحضر من ~~القوم حثا لهم على الاتعاظ، فإن بت القول بهلاكهم وعذابهم مما يلقي ~~في قلوبهم الخوف والخشية، وقيل: المراد طائفة من الفرقة الهالكة ~~أجابوا به وعاظهم ردا عليهم وتهكما بهم وليس بذاك كما ستقف عليه { ~~قالوا } أي الوعاظ { معذرة إلى ربكم } أي نعظهم معذرة ~~إليه تعالى على أنه مفعول له وهو الأنسب بظاهر قولهم لم تعظون، أو ~~نعتذر معذرة على أنه مصدر لفعل محذوف، وقرىء بالرفع على أنه خبر ~~مبتدإ محذوف، أي موعظتنا معذرة إليه تعالى حتى لا ننسب إلى نوع ~~تفريط في النهي عن المنكر، وفي إضافة الرب إلى ضمير المخاطبين نوع ~~تعريض بالسائلين { ولعلهم يتقون } عطف على معذرة أي ~~ورجاء لأن يتقوا بعض التقاة، وهذا صريح في أن القائلين: (لم تعظون) ~~الخ، ليسوا من الفرقة الهالكة وإلا لوجب الخطاب. ### || [7.165-166] # { فلما نسوا ما ذكروا به } أي تركوا ما ذكرهم به صلحاؤهم ~~ترك الناسي للشيء وأعرضوا عنه إعراضا كليا بحيث لم يخطر ببالهم شيء ms1235 ~~من تلك المواعظ أصلا { أنجينا الذين ينهون عن السوء } ~~وهم الفريقان المذكوران، وإخراج إنجائهم مخرج الجواب الذي حقه ~~الترتب على الشرط وهو نسيان المعتدين المستتبع لإهلاكهم لما أن ما ~~في حيز الشرط شيآن: النسيان والتذكير كأنه قيل: فلما تذكر ~~المذكورون ولم يتذكر المعتدون أنجينا الأولين وأخذنا الآخرين، وأما ~~تصدير الجواب بإنجائهم فلما مر مرارا من المسارعة إلى بيان نجاتهم من ~~أول الأمر مع ما في المؤخر من نوع طول { وأخذنا الذين ~~ظلموا } بالاعتداء ومخالفة الأمر { بعذاب بئيس } أي شديد ~~وزنا ومعنى، من بؤس يبؤس بأسا إذا اشتد، وقرىء بيئس على وزن فيعل ~~بفتح العين وكسرها، وبئس على تخفيف العين ونقل حركتها إلى الفاء ~~ككبد في كبد وبيس بقلب الهمزة ياء كذيب في ذئب وبيس كريس بقلب ~~همزة بئيس ياء وإدغام الياء فيها وبيس على تخفيف بيس كهين في ~~هين، وتنكير العذاب للتفخيم والتهويل { بما كانوا يفسقون } ~~متعلق بأخذنا كالباء الأولى ولا ضير فيه لاختلافهما معنى أي أخذناهم ~~بما ذكر من العذاب بسبب تماديهم في الفسق الذي هو الخروج عن الطاعة وهو ~~الظلم والعدوان أيضا، وإجراء الحكم على الموصول وإن أشعر بعلية ~~ما في حيز الصلة له لكنه صرح بالتعليل المذكور إيذانا بأن العلة هو ~~الاستمرار على الظلم والعدوان مع اعتبار كون ذلك خروجا عن طاعة الله ~~عز وجل لا نفس الظلم والعدوان، وإلا لما أخروا عن ابتداء المباشرة ~~ساعة، ولعله تعالى قد عذبهم بعذاب شديد دون الاستئصال فلم يقلعوا عما ~~كانوا عليه بل ازدادوا في الغي فمسخهم بعد ذلك لقوله تعالى: { فلما ~~عتوا عن ما نهوا عنه } أي تمردوا وتكبروا وأبوا أن ~~يتركوا ما نهوا عنه { قلنا لهم كونوا قردة خسئين } ~~صاغرين أذلاء بعداء عن الناس، والمراد بالأمر هو الأمر التكويني ~~لا القولي، وترتيب المسخ على العتو عن الانتهاء عما نهوا عنه للإيذان ~~بأنه ليس لخصوصية الحوت بل العمدة في ذلك هو مخالفة الأمر ~~والاستعصاء عليه تعالى. وقيل: المراد بالعذاب البئيس هو المسخ ~~والجملة الثانية تقرير للأولى. روي أن اليهود ms1236 أمروا باليوم الذين ~~أمرنا به وهو يوم الجمعة فتركوه واختاروا السبت وهو المعني بقوله ~~تعالى: # إنما جعل السبت على الذين اختلفوا فيه # [النحل: 124] فابتلوا به وحرم عليهم الصيد فيه وأمروا بتعظيمه ~~فكانت الحيتان تأتيهم يوم السبت كأنها المخاض لا يرى وجه الماء ~~لكثرتها ولا تأتيهم في سائر الأيام فكانوا على ذلك برهة من الدهر ثم ~~جاءهم إبليس فقال لهم: إنما نهيتم عن أخذها يوم السبت فاتخذوا حياضا ~~سهلة الورود صعبة الصدور ففعلوا فجعلوا يسوقون الحيتان إليها يوم ~~السبت فلا تقدر على الخروج منها ويأخذونها يوم الأحد، وأخذ رجل منهم ~~حوتا وربط في ذنبه خيطا إلى خشبة في الساحل ثم شواه يوم الأحد فوجد ~~جاره ريح السمك فتطلع في تنوره فقال له: إني أرى الله سيعذبك، فلما لم ~~يره عذب أخذ في يوم السبت القابل حوتين فلما رأوا أن العذاب لا ~~يعاجلهم استمروا على ذلك فصادوا وأكلوا وملحوا وباعوا وكانوا نحوا من ~~سبعين ألفا فصار أهل القرية أثلاثا ثلث استمروا على النهي، وثلث ~~ملوا التذكير وسئموه وقالوا للواعظين: لم تعظون الخ، وثلث باشروا ~~الخطيئة فلما لم ينتهوا قال المسلمون: نحن لا نساكنكم فقسموا القرية ~~بجدار، للمسلمين باب وللمعتدين باب ولعنهم داود عليه السلام فأصبح ~~الناهون ذات يوم في مجالسهم ولم يخرج من المعتدين أحد فقالوا: إن لهم ~~لشأنا فعلوا الجدار فنظروا فإذا هم قردة ففتحوا الباب ودخلوا عليهم ~~فعرفت القردة أنسباءهم من الإنس وهم لا يعرفونها فجعل القرد يأتي ~~نسيبه فيشم ثيابه فيبكي فيقول له نسيبه: ألم ننهكم؟ فيقول القرد ~~برأسه: بلى، ثم ماتوا عن ثلاث، وقيل: صار الشبان قردة والشيوخ خنازير، ~~وعن مجاهد رضي الله عنه: مسخت قلوبهم، وقال الحسن البصري: أكلوا والله ~~أوخم أكلة أكلها أهلها أثقلها خزيا في الدنيا وأطولها عذابا في ~~الآخرة هاه وأيم الله ما حوت أخذه قوم فأكلوه أعظم عند الله من قتل ~~رجل مسلم ولكن الله تعالى جعل موعدا والساعة أدهى وأمر. ### || [7.167-168] # { وإذ تأذن ربك } منصوب على المفعولية بمضمر معطوف على ~~قوله تعالى: ms1237 { واسألهم } وتأذن بمعنى آذن كما أن توعد بمعنى أوعد أو ~~بمعنى عزم فإن العازم على الأمر يحدث به نفسه، وأجري مجرى فعل القسم ~~كعلم الله وشهد الله فلذلك أجيب بجوابه حيث قيل: { ليبعثن ~~عليهم إلى يوم القيمة } أي واذكر لهم وقت إيجابه ~~تعالى على نفسه أن يسلط على اليهود البتة { من يسومهم سوء ~~العذاب } كالإذلال وضرب الجزية وغير ذلك من فنون العذاب وقد بعث ~~الله تعالى عليهم بعد سليمان عليه السلام بخت نصر فخرب ديارهم وقتل ~~مقاتلتهم وسبى نساءهم وذراريهم وضرب الجزية على من بقي منهم وكانوا ~~يؤدونها إلى المجوس حتى بعث النبي عليه الصلاة والسلام ففعل ما فعل ثم ~~ضرب الجزية عليهم فلا تزال مضروبة إلى آخر الدهر { إن ربك ~~لسريع العقاب } يعاقبهم في الدنيا { وإنه لغفور ~~رحيم } لمن تاب وآمن منهم. # { وقطعنهم } أي فرقنا بني إسرائيل { فى الأرض } وجعلنا ~~كل فرقة منهم في قطر من أقطارها بحيث لا تخلو ناحية منها منهم تكملة ~~لأدبارهم حتى لا تكون لهم شوكة، وقوله تعالى: { أمما } إما مفعول ~~ثان لقطعنا أو حال من مفعوله { منهم الصلحون } صفة لأمما ~~أو بدل منه وهم الذين آمنوا بالمدينة ومن يسير بسيرتهم { ومنهم ~~دون ذلك } أي ناس دون ذلك الوصف أي منحطون عن الصلاح وهم ~~كفرتهم وفسقتهم { وبلونهم بالحسنت والسيئات ~~} بالنعم والنقم { لعلهم يرجعون } عما كانوا فيه من الكفر ~~والمعاصي. ### || [7.169-170] # { فخلف من بعدهم } أي من بعد المذكورين { خلف } أي بدل ~~سوء، مصدر نعت به ولذلك يقع على الواحد والجمع، وقيل: جمع وهو شائع في ~~الشر والخلف بفتح اللام في الخير، والمراد به الذين كانوا في عصر ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم { ورثوا الكتب } أي التوراة من ~~أسلافهم يقرؤونها ويقفون على ما فيها { يأخذون عرض هذا ~~الأدنى } استئناف مسوق لبيان ما يصنعون بالكتاب بعد وراثتهم إياه ~~أي يأخذون حطام هذا الشيء الأدنى أي الدنيا من الدنو أو الدناءة، ~~والمراد به ما كانوا يأخذونه من الرشا في الحكومات وعلى تحريف الكلام ~~وقيل: حال من واو ورثوا ms1238 { ويقولون سيغفر لنا } ولا يؤاخذنا ~~الله تعالى بذلك ويتجاوز عنه، والجملة تحتمل العطف والحالية، والفعل ~~مسند إلى الجار والمجرور، أو مصدر يأخذون { وإن يأتهم عرض ~~مثله يأخذوه } حال من الضمير في لنا أي يرجون المغفرة والحال ~~أنهم مصرون على الذنب عائدون إلى مثله غير تائبين عنه { ألم ~~يؤخذ عليهم ميثاق الكتب } أي الميثاق الوارد في ~~الكتاب { أن لا يقولوا على الله إلا الحق } عطف ~~بيان للميثاق أو متعلق به أي بأن لا يقولوا الخ، والمراد به الرد ~~عليهم والتوبيخ على بتهم القول بالمغفرة بلا توبة والدلالة على ~~أنها افتراء على الله تعالى وخروج عن ميثاق الكتاب { ودرسوا ما ~~فيه } عطف على ألم يؤخذ من حيث المعنى فإنه تقرير أو على ورثوا وهو ~~اعتراض { والدار الأخرة خير للذين يتقون } ما فعل ~~هؤلاء، { أفلا تعقلون } فتعلموا ذلك فلا تستبدلوا الأدنى المؤدي ~~إلى العقاب بالنعيم المخلد، وقرىء بالياء وفي الالتفات تشديد للتوبيخ. # { والذين يمسكون بالكتب } أي يتمسكون في أمور دينهم، ~~يقال: مسك بالشيء وتمسك به. قال مجاهد: هم الذين آمنوا من أهل الكتاب ~~كعبد الله بن سلام وأصحابه تمسكوا بالكتاب الذي جاء به موسى عليه ~~السلام فلم يحرفوه ولم يكتموه ولم يتخذوه مأكلة، وقال عطاء: هم أمة ~~محمد عليه الصلاة والسلام وقرىء يمسكون من الإمساك وقرىء تمسكوا ~~واستمسكوا موافقا لقوله تعالى: { وأقاموا الصلاة } ولعل ~~التغيير في المشهورة للدلالة على أن التمسك بالكتاب أمر مستمر في ~~جميع الأزمنة بخلاف إقامة الصلاة فإنها مختصة بأوقاتها، وتخصيصها ~~بالذكر من بين سائر العبادات لإنافتها عليها، ومحل الموصول إما ~~الجر نسقا على الذين يتقون وقوله: أفلا تعقلون اعتراض مقرر لما ~~قبله وإما الرفع على الابتداء والخبر قوله تعالى: { إنا لا ~~نضيع أجر المصلحين } والرابط إما الضمير المحذوف كما هو ~~رأي جمهور البصريين، والتقدير أجر المصلحين منهم، وأما الألف ~~واللام كما هو رأي الكوفيين فإنه في حكم مصلحيهم كما في قوله تعالى: # فإن الجنة هى المأوى # [النازعات: 41] أي مأواهم وقوله تعالى: # مفتحة لهم الأبواب # [ص: 50] أي أبوابها، وأما العموم ms1239 في مصلحين فإنه من الروابط، ومنه نعم ~~الرجل زيد على أحد الوجوه. وقيل: الخبر محذوف, والتقدير: والذين ~~يمسكون بالكتاب مأجورون أو مثابرون وقوله تعالى: { إنا لا نضيع } ~~الخ، اعتراض مقرر لما قبله. ### || [7.171-172] # { وإذ نتقنا الجبل فوقهم } أي قلعناه من مكانه ورفعناه ~~عليهم { كأنه ظلة } أي سقيفة وهي كل ما أظلك { وظنوا } ~~أي تيقنوا { أنه واقع بهم } ساقط عليهم لأن الجبل لا يثبت ~~في الجو لأنهم كانوا يوعدون به، وإطلاق الظن في الحكاية لعدم وقوع ~~متعلقه وذلك أنهم أبوا أن يقبلوا أحكام التوراة لثقلها فرفع الله ~~تعالى عليهم الطور وقيل لهم: إن قبلتم ما فيها وإلا ليقعن عليكم { ~~خذوا ما ءاتينكم } أي وقلنا أو قائلين: خذوا ما آتيناكم من ~~الكتاب { بقوة } بجد وعزيمة على تحمل مشاقه وهو حال من الواو { ~~واذكروا ما فيه } بالعمل ولا تتركوه كالمنسي { لعلكم ~~تتقون } بذلك قبائح الأعمال ورذائل الأخلاق أو راجين أن تنتظموا ~~في سلك المتقين. # { وإذ أخذ ربك } منصوب بمضمر معطوف على ما انتصب به إذ ~~نتقنا مسوق للاحتجاج على اليهود بتذكير الميثاق العام المنتظم للناس ~~قاطبة وتوبيخهم بنقضه إثر الاحتجاج عليهم بتذكير ميثاق الطور، ~~وتعليق الذكر بالوقت مع أن المقصود تذكير ما وقع فيه من الحوادث قد مر ~~بيانه مرارا أي واذكر لهم (وقت) أخذ ربك { من بنى ءادم } ~~المراد بهم الذين ولدهم كائنا من كان نسلا بعد نسل سوى من لم ~~يولد له بسبب من الأسباب كالعقم وعدم التزوج والموت صغيرا، وإيثار ~~الأخذ على الإخراج للإيذان بالاعتناء بشأن المأخوذ لما فيه من الإنباء ~~عن الاجتباء والاصطفاء وهو السبب في إسناده إلى اسم الرب بطريق ~~الالتفات مع ما فيه من التمهيد للاستفهام الآتي، وإضافته إلى ضميره ~~عليه الصلاة والسلام للتشريف وقوله تعالى: { من ظهورهم } بدل من ~~بني آدم بدل البعض بتكرير الجار كما في قوله تعالى: # للذين استضعفوا لمن ءامن منهم # [الأعراف: 75] و(من) في الموضعين ابتدائية وفيه مزيد تقرير لابتنائه ~~على البيان بعد الإبهام، والتفصيل غب الإجمال تنبيه على أن ~~الميثاق قد أخذ ms1240 منهم وهم في أصلاب الآباء ولم يستودعوا في أرحام ~~الأمهات، وقوله تعالى: { ذريتهم } مفعول أخذ أخر عن المفعول ~~بواسطة الجار لاشتماله على ضمير راجع إليه، ولمراعاة أصالته ~~ومنشئيته، ولما مر مرارا من التشويق إلى المؤخر، وقرىء ذرياتهم ~~والمراد بهم أولادهم على العموم فيندرج فيهم اليهود المعاصرون لرسول ~~الله صلى الله عليه وسلم اندراجا أوليا كما اندرج أسلافهم في بني آدم ~~كذلك، وتخصيصهما باليهود سلفا وخلفا مع أن ما أريد بيانه من بديع ~~صنع الله تعالى عز وجل شامل للكل كافة مخل بفخامة التنزيل وجزالة ~~التمثيل { وأشهدهم على أنفسهم } أي أشهد كل واحدة من ~~أولئك الذريات المأخوذين من ظهور آبائهم على نفسها لا على غيرها تقريرا ~~لهم بربوبيته التامة وما تستتبعه من المعبودية على الاختصاص وغير ذلك ~~من أحكامها وقوله تعالى: { ألست بربكم } على إرادة القول، أي ~~قائلا: ألست بربكم ومالك أمركم ومربيكم على الإطلاق من غير أن يكون ~~لأحد مدخل في شأن من شؤونكم؟ فينتظم استحقاق المعبودية ويستلزم ~~اختصاصه به تعالى. # { قالوا } استئناف مبني على سؤال نشأ من الكلام كأنه قيل: فماذا ~~قالوا حينئذ؟ فقيل: قالوا: { بلى شهدنا } أي على أنفسنا بأنك ~~ربناوإلهنا لا رب لنا غيرك كما ورد في الحديث الشريف وهذا تمثيل ~~لخلقه تعالى إياهم جميعا في (مبدأ) الفطرة مستعدين للاستدلال بالدلائل ~~المنصوبة في الآفاق والأنفس المؤدية إلى التوحيد والإسلام كما ينطق ~~به قوله عليه الصلاة والسلام: # " كل مولود يولد على الفطرة " # الحديث، مبني على تشبيه الهيئة المنتزعة من تعريضه تعالى إياهم ~~لمعرفة ربوبيته بعد تمكينهم منها بما ركز فيهم من العقول والبصائر ~~ونصب لهم في الآفاق والأنفس من الدلائل تمكينا تاما، ومن تمكنهم ~~تمكنا كاملا وتعرضهم لها تعرضا قويا بهيئة منتزعة من حمله تعالى ~~إياهم على الاعتراف بها بطريق الأمر ومن مسارعتهم إلى ذلك من غير تلعثم ~~أصلا من غير أن يكون هناك أخذ وإشهاد وسؤال وجواب كما في قوله تعالى: # فقال لها وللأرض ائتيا طوعا أو كرها قالتا ~~أتينا طائعين # [فصلت: 11]. # وقوله تعالى: { أن تقولوا } بالتاء ms1241 على تلوين الخطاب وصرفه عن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى معاصريه من اليهود تشديدا في الإلزام، ~~أو إليهم وإلى متقدميهم بطريق التغليب لكن لا من حيث إنهم مخاطبون ~~بقوله تعالى: { ألست بربكم } فإنه ليس من الكلام المحكي، وقرىء ~~بالياء على أن الضمير للذرية، وأيا ما كان فهو مفعول له لما قبله من ~~الأخذ والإشهاد أي فعلنا ما فعلنا كراهة أن تقولوا أو لئلا تقولوا أيها ~~الكفرة أو يقولوا هم { يوم القيمة } عند ظهور الأمر { إنا ~~كنا عن هذا } عن وحدانية الربوبية وأحكامها { غفلين } ~~لم ننبه عليه، فإنهم حيث جبلوا على ما ذكر من التهيؤ التام لتحقيق ~~الحق والقوة القريبة من الفعل صاروا محجوبين عاجزين عن الاعتذار بذلك ~~إذ لا سبيل لأحد إلى إنكار ما ذكر من خلقهم على الفطرة السليمة. ### || [7.173] # وقوله تعالى: { أو تقولوا إنما أشرك ءاباؤنا } عطف ~~على تقولوا و(أو) لمنع الخلو دون الجمع، أي هم اخترعوا الإشراك وهم ~~سنوه { من قبل } أي من قبل زماننا { وكنا } نحن { ذرية ~~من بعدهم } لا نهتدي إلى السبيل ولا نقدر على الاستدلال بالدليل ~~{ أفتهلكنا بما فعل المبطلون } من آبائنا المضلين ~~بعد ظهور أنهم المجرمون ونحن عاجزون عن التدبير والاستبداد بالرأي، أو ~~أتؤاخذنا فتهلكنا الخ، فإن ما ذكر من استعدادهم الكامل يسد عليهم باب ~~الاعتذار بهذا أيضا فإن التقليد عند قيام الدلائل والقدرة على ~~الاستدلال بها مما لا مساغ له أصلا. # هذا وقد حملت هذه المقاولة على الحقيقة كما روي عن ابن عباس رضى الله ~~عنهما من أنه لما خلق الله تعالى آدم عليه السلام مسح ظهره فأخرج منه ~~كل نسمة هو خالقها إلى يوم القيامة فقال: ألست بربكم قالوا: بلى ~~فنودي يومئذ جف القلم بما هو كائن إلى يوم القيامة. وقد روي عن عمر ~~رضى الله عنه أنه سئل عن الآية الكريمة فقال: سمعت رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم سئل عنها فقال: # " إن الله تعالى خلق آدم ثم مسح ظهره بيمينه فاستخرج منه ذرية ~~فقال: خلقت هؤلاء للجنة ms1242 وبعمل أهل الجنة يعملون، ثم مسح ظهره فاستخرج ~~منه ذرية فقال: خلقت هؤلاء للنار وبعمل أهل النار يعملون " # ، وليس المعنى أنه تعالى أخرج الكل من ظهره عليه الصلاة والسلام ~~بالذات بل أخرج من ظهره عليه السلام أبناءه الصلبية ومن ظهرهم ~~أبناءهم الصلبية وهكذا إلى آخر السلسلة لكن لما كان المظهر الأصلي ~~ظهره عليه الصلاة والسلام وكان مساق الحديثين الشريفين بيان حال ~~الفريقين إجمالا من غير أن يتعلق بذكر الوسائط غرض على نسب إخراج ~~الكل إليه، وأما الآية الكريمة فحيث كانت مسوقة للاحتجاج على الكفرة ~~المعاصرين لرسول الله صلى الله عليه وسلم وبيان عدم إفادة الاعتذار ~~بإسناد الإشراك إلى آبائهم اقتضى الحال نسبة إخراج كل واحد منهم ~~إلى ظهر أبيهم من غير تعرض لإخراج الأبناء الصلبية لآدم عليه ~~السلام من ظهره قطعا، وعدم بيان الميثاق في حديث عمر رضى الله تعالى ~~عنه ليس بيانا لعدمه ولا مستلزما له، وأما ما قالوا من أن أخذ ~~الميثاق لإسقاط عذر الغفلة حسبما ينطق به قوله تعالى: { أن ~~تقولوا يوم القيمة إنا كنا عن هذا غفلين ~~} ومعلوم أنه غير دافع لغفلتهم في دار التكليف إذ لا فرد من أفراد ~~البشر يذكر ذلك فمردود لكن لا بما قيل من أن الله عز وجل قد أوضح ~~الدلائل على وحدانيته وصدق رسله فيما أخبروا به فمن أنكره كان ~~معاندا ناقضا للعهد ولزمته الحجة، ونسيانهم وعدم حفظهم لا يسقط ~~الاحتجاج بعد إخبار المخبر الصادق بل بأن قوله تعالى: { أن ~~تقولوا } الخ، ليس مفعولا له لقوله تعالى: { وأشهدهم } وما ~~يتفرع عليه من قولهم: (بلى شهدنا) حتى يجب كون ذلك الإشهاد والشهادة ~~محفوظا لهم في إلزامهم بل لفعل مضمر ينسحب عليه الكلام والمعنى فعلنا ~~ما فعلنا من الأمر بذكر الميثاق وبيانه كراهة أن تقولوا أو لئلا ~~تقولوا أيها الكفرة يوم القيامة: إنا كنا غافلين عن ذلك الميثاق لم ~~ننبه عليه في دار التكليف وإلا لعملنا بموجبه. # هذا على قراءة الجمهور، وأما على القراءة بالياء فهو مفعول له لنفس ~~الأمر المضمر العامل ms1243 في إذ أخذ، والمعنى اذكر لهم الميثاق المأخوذ ~~منهم فيما مضى لئلا يعتذروا يوم القيامة بالغفلة عنه أو بتقليد الآباء، ~~هذا على تقدير كون قوله تعالى: { شهدنا } من كلام الذرية وهو ~~الظاهر، فأما على تقدير كونه من كلامه تعالى فهو العامل في أن تقولوا ~~ولا محذور أصلا، إذ المعنى شهدنا قولكم هذا لئلا تقولوا يوم القيامة ~~الخ لأنا نردكم ونكذبكم حينئذ. ### || [7.174-175] # { وكذلك } إشارة إلى مصدر الفعل المذكور بعده، وما فيه من معنى ~~البعد للإيذان بعلو شأن المشار إليه وبعد منزلته، والكاف مقحمة ~~مؤكدة لما أفاده اسم الإشارة من الفخامة، والتقديم على الفعل لإفادة ~~القصر ومحله النصب على المصدرية أي ذلك التفصيل البليغ المستتبع ~~للمنافع الجليلة { نفصل الآيت } المذكورة لا غير (ذلك) { ~~ولعلهم يرجعون } وليرجعوا عما هم عليه من الإصرار على الباطل ~~وتقليد الآباء نفعل التفصيل المذكور. قالوا: وإن ابتدائيتان، ويجوز أن ~~تكون الثانية عاطفة على مقدر مترتب على التفصيل أي وكذلك نفصل الآيات ~~ليقفوا على ما فيها من المرغبات والزواجر وليرجعوا الخ. # { واتل عليهم } عطف على المضمر العامل في إذ أخذ وارد على ~~نمطه في الإنباء عن الحور بعد الكور والضلالة بعد الهدى أي واتل على ~~اليهود { نبأ الذى آتيناه آياتنا } أي خبره الذي له شأن ~~وخطر، وهو أحد علماء بني إسرائيل. وقيل: هو بلعم بن باعوراء أو ~~بلعام بن باعر من الكنعانيين أوتي علم بعض كتب الله تعالى، وقيل هو ~~أمية بن أبي الصلت وكان قد قرأ الكتب وعلم أن الله تعالى مرسل ~~في ذلك الزمان رسولا، ورجا أن يكون هو الرسول فلما بعث الله تعالى ~~النبي صلى الله عليه وسلم حسده وكفر به، والأول هو الأنسب بمقام ~~توبيخ اليهود بهناتهم { فانسلخ منها } أي من تلك الآيات ~~انسلاخ الجلد من الشاة ولم يخطرها بباله أصلا أو أخرج منها ~~بالكلية بأن كفر بها ونبذها رواء ظهره، وأيا ما كان فالتعبير عنه ~~بالانسلاخ المنبىء عن اتصال المحيط بالمحاط خلقة وعن عدم الملاقاة ~~بينهما أبدا للإيذان بكمال مباينته للآيات بعد أن ms1244 كان بينهما كمال ~~الاتصال { فأتبعه الشيطن } أي تبعه حتى لحقه وأدركه فصار ~~قرينا له وهو المعنى على قراءة فاتبعه من الافتعال، وفيه تلويح بأنه ~~أشد من الشيطان غواية أو أتبعه خطواته { فكان من الغاوين ~~} فصار من زمرة الضالين الراسخين في الغواية بعد أن كان من المتهدين، ~~وروي أن قومه طلبوا إليه أن يدعو على موسى عليه السلام فقال: كيف أدعوا ~~على من معه الملائكة؟ فلم يزالوا به حتى فعل، فبقوا في التيه، ويرده ~~أن التيه كان لموسى عليه السلام روحا وراحة، وإنما عذب به بنو ~~إسرائيل وقد كان ذلك بدعائه عليه السلام عليهم كما مر في سورة المائدة. ### || [7.176] # { ولو شئنا } كلام مستأنف مسوق لبيان مناط ما ذكر من ~~انسلاخه من الآيات ووقوعه في مهاوي الغواية، ومفعول المشيئة محذوف ~~لوقوعها شرطا وكون مفعولها مضمون الجزاء على القاعدة المستمرة، أي ~~ولو شئنا رفعه { لرفعنه } أي إلى المنازل العالية للأبرار ~~العالمين بتلك الآيات العاملين بموجبها، لكن لا بمحض مشيئتنا من غير أن ~~يكون له دخل في ذلك أصلا فإنه مناف للحكمة التشريعية المؤسسة على ~~تعليق الأجزية بالأفعال الاختيارية للعباد، بل مع مباشرته للعمل ~~المؤدي إلى الرفع بصرف اختياره إلى تحصيله كما ينبىء عنه قوله تعالى: ~~{ بها } أي بسبب تلك الآيات بأن عمل بموجبها فإن اختياره وإن لم يكن ~~مؤثرا في حصوله ولا في ترتب الرفع عليه بل كلاهما بخلق الله تعالى لكن ~~خلقه تعالى منوط بذلك البتة حسب جريان العادة الإلهية، وقد أشير ~~إلى ذلك في الاستدراك بأن أسند ما يؤدي إلى نقيض التالي إليه حيث قيل: { ~~ولكنه أخلد إلى الأرض } مع أن الإخلاد إليها أيضا مما ~~لا يتحقق عند صرف اختياره إليه بخلقه تعالى كأنه قيل: لو شئنا رفعه ~~بمباشرته لسببه لرفعناه بسبب تلك الآيات التي هي أقوى أسباب الرفع ولكن ~~لم نشأه لمباشرته لسبب نقيضه فترك في كل من المقامين ما ذكر في الآخر ~~تعويلا على إشعار المذكور بالمطوي كما في قوله تعالى: # وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له ms1245 إلا هو وإن ~~يردك بخير فلا راد لفضله # [يونس: 107] وتخصيص كل من المذكورين بمقامه للإيذان بأن الرفع مراد ~~له تعالى بالذات وتفضل محض عليه لا دخل فيه لفعله حقيقة، كيف لا ~~وجميع أفعاله ومباديها من نعمه تعالى وتفضلاته، وإن نقيضه إنما أصابه ~~بسوء اختياره على موجب الوعيد لا بالإرادة الذاتية له سبحانه كما قيل ~~في وجه ذكر الإرادة مع الخير، والمس مع الضر في الآية المذكورة وهو ~~الشر في جريان السنة القرآنية على إسناد الخير إليه تعالى وإضافة ~~الشر إلى الغير كما في قوله تعالى: # وإذا مرضت فهو يشفين # [الشعراء: 80] ونظائره، والإخلاد إلى الشيء الميل إليه مع الاطمئنان ~~به والمراد بالأرض الدنيا وقيل: السفالة، والمعنى ولكنه آثر الدنيا ~~الدنية على المنازل السنية، أو الضعة والسفالة على الرفعة ~~والجلالة { واتبع هواه } معرضا عن تلك الآيات الجليلة فانحط ~~أبلغ انحطاط وارتد أسفل سافلين وإلى ذلك أشير بقوله تعالى: { ~~فمثله كمثل الكلب } لما أنه أخس الحيوانات وأسفلها، وقد ~~مثل حاله بأخس أحواله وأذلها حيث قيل: { إن تحمل عليه ~~يلهث أو تتركه يلهث } أي فحاله التي هي مثل في السوء ~~كصفته في أرذل أحواله وهي حالة دوام اللهث به في حالتي التعب ~~والراحة فكأنه قيل: فتردى إلى ما لا غاية وراءه في الخسة والدناءة، ~~وإيثار الجملة الاسمية على الفعلية بأن يقال: فصار مثله كمثل الكلب ~~الخ للإيذان بدوام اتصافه بتلك الحالة الخسيسة وكمال استمراره عليها، ~~والخطاب في فعل الشرط لكل أحد ممن له حظ من الخطاب فإنه أدخل في ~~إشاعة فظاعة حاله، واللهث إدلاع اللسان بالتنفس الشديد، أي هو ~~ضيق الحال مكروب دائم اللهث سواء هيجته وأزعجته بالطرد العنيف ~~أو تركته على حاله فإنه في الكلاب طبع لا تقدر على نفض الهواء ~~المتسخن وجلب الهواء البارد بسهولة لضعف قلبها وانقطاع فؤادها بخلاف ~~سائر الحيوانات فإنها لا تحتاج إلى التنفس الشديد ولا يلحقها الكرب ~~والمضايقة إلا عند التعب والإعياء، والشرطية مع أختها تفسير لما ~~أبهم في المثل وتفصيل لما أجمل فيه وتوضيح للتمثيل ببيان وجه ms1246 ~~الشبه، لا محل له من الإعراب على منهاج قوله تعالى: # خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون # [آل عمران: 59] إثر قوله تعالى: # إن مثل عيسى عند الله كمثل ءادم # [آل عمران: 59] وقيل: هي في محل النصب على الحالية من الكلب بناء على ~~خروجهما من حقيقة الشرط وتحولهما إلى معنى التسوية حسب تحول ~~الاستفهامين المتناقضين إليه في مثل قوله تعالى: # أأنذرتهم أم لم تنذرهم # [البقرة: 6] كأنه قيل: لاهثا في الحالتين وأيا ما كان فالأظهر أنه ~~تشبيه للهيئة المنتزعة مما اعتراه بعد الانسلاخ من سوء الحال ~~واضطرام القلب ودوام القلق والاضطراب وعدم الاستراحة بحال من الأحوال ~~بالهيئة المنتزعة مما ذكر من حال الكلب. وقيل: لما دعا بلعم على موسى ~~عليه السلام خرج لسانه فتدلى على صدره وجعل يلهث كالكلب إلى أن هلك. # { ذلك } إشارة إلى ما ذكر من الحالة الخسيسة منسوبة إلى الكلب أو ~~إلى المنسلخ، وما فيه من معنى البعد للإيذان ببعد منزلتها في الخسة ~~والدناءة أي ذلك المثل السيء { مثل القوم الذين كذبوا ~~بئايتنا } وهم اليهود حيث أوتوا من نعوت النبي عليه الصلاة ~~والسلام وذكر القرآن المعجز وما فيه فصدقوه وبشروا الناس باقتراب ~~مبعثه وكانوا يستفتحون به فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به وانسلخوا من ~~حكم التوراة { فاقصص القصص } القصص مصدر وسمي به المفعول ~~كالسلب واللام للعهد والفاء لترتيب ما بعدها على ما قبلها أي إذا تحقق ~~أن المثل المذكور مثل هؤلاء المكذبين فاقصصه عليهم حسبما أوحي إليك { ~~لعلهم يتفكرون } فيقفون على جلية الحال وينزجرون عما هم ~~عليه من الكفر والضلال ويعلمون أنك قد علمته من جهة الوحي فيزدادون ~~إيقانا بك. والجملة في محل النصب على أنها حال من ضمير المخاطب أو ~~على أنها مفعول له أي فاقصص القصص راجيا لتفكرهم أي أو رجاء لتفكرهم. ### || [7.177-178] # { ساء مثلا } استئناف مسوق لبيان كمال قبح حال المكذبين بعد ~~بيان كونه كحال الكلب أو المنسلخ، وساء بمعنى بئس وفاعلها مضمر ~~فيها ومثلا تمييز مفسر له والمخصوص بالذم قوله تعالى: { القوم ~~الذين كذبوا ms1247 بئايتنا } وحيث وجب التصادق بينه وبين ~~الفاعل والتمييز وجب المصير إلى تقدير مضاف إما إليه وهو الظاهر أي ~~ساء مثلا مثل القوم الخ، أو إلى التمييز أي ساء أصحاب مثل القوم ~~الخ، وقرىء ساء مثل القوم، وإعادة القوم موصوفا بالموصول مع كفاية ~~الضمير بأن يقال: ساء مثلا مثلهم للإيذان بأن مدار السوء ما في حيز ~~الصلة ولربط قوله تعالى: { وأنفسهم كانوا يظلمون } به ~~فإنه إما معطوف على كذبوا داخل معه في حكم الصلة بمعنى جمعوا بين ~~تكذيب آيات الله بعد قيام الحجة عليها وعلمهم بها وبين ظلمهم ~~لأنفسهم خاصة أو منقطع عنه بمعنى وما ظلموا بالتكذيب إلا أنفسهم، فإن ~~وباله لا يتخطاها. وأيا ما كان ففي يظلمون لمح إلى أن تكذيبهم ~~بالآيات متضمن للظلم بها وأن ذلك أيضا معتبر في القصر المستفاد من ~~تقديم المفعول. # { من يهد الله فهو المهتدى } لما أمر النبي عليه ~~الصلاة والسلام بأن يقص قصص المنسلخ على هؤلاء الضالين الذين مثلهم ~~كمثله ليتفكروا فيه ويتركوا ما هم عليه من الإخلاد إلى الضلالة ويهتدوا ~~إلى الحق عقب ذلك بتحقيق أن الهداية والضلالة من جهة الله عز وجل ~~وإنما العظة والتذكير من قبل الوسائط العادية في حصول الاهتداء من ~~غير تأثير لها فيه سوى كونها دواعي، إلى صرف العبد اختياره نحو ~~تحصيله حسبما نيط به خلق الله تعالى إياه كسائر أفعال العباد، ~~فالمراد بهذه الهداية ما يوجب الاهتداء قطعا لكن لا لأن حقيقتها ~~الدلالة الموصلة إلى البغية البتة، بل لأنها الفرد الكامل من حقيقة ~~الهداية التي هي الدلالة إلى ما يوصل إلى البغية أي ما من شأنه ~~الإيصال إليها كما سبق تحقيقه في تفسير قوله تعالى # هدى للمتقين # [البقرة: 2]. وليس المراد مجرد الإخبار باهتداء من هداه الله تعالى ~~حتى يتوهم عدم الإفادة بحسب الظاهر لظهور استلزام هدايته تعالى ~~للاهتداء، ويحمل النظم الكريم على تعظيم شأن الأهتداء والتنبيه على ~~أنه في نفسه كمال جسيم ونفع عظيم لو لم يحصل له غيره لكفاه بل هو ~~قصر الاهتداء على من هداه ms1248 الله تعالى حسبما يقتضي به تعريف الخبر، ~~فالمعنى من يهده الله أي يخلق فيه الاهتداء على الوجه المذكور. فهو ~~المهتدي لا غير كائنا من كان { ومن يضلل } بأن لم يخلق فيه ~~الاهتداء بل خلق فيه الضلالة لصرف اختيارها نحوها { فأولئك } ~~الموصوفون بالضلالة على الوجه المذكور { هم الخسرون } أي ~~الكاملون في الخسران لا غير، وإفراد المهتدي نظرا إلى معناها للإيذان ~~باتحاد منهاج الهدى وتفرق طرق الضلال. ### || [7.179] # { ولقد ذرأنا } كلام مستأنف مقرر لمضمون ما قبله بطريق ~~التذييل أي خلقنا { لجهنم } أي لدخولها والتعذيب بها، وتقديمه ~~على قوله تعالى: { كثيرا } أي خلقا كثيرا مع كونه مفعولا به لما في ~~توابعه من نوع طول يؤدي توسيطه بينهما وتأخيره عنها إلى الإخلال ~~بجزالة النظم الكريم وقوله تعالى: { من الجن والإنس } متعلق ~~بمحذوف هو صفة لكثيرا أي كائنا منهما وتقديم الجن لأنهم أعرق من ~~الإنس في الاتصاف بما نحن فيه من الصفات وأكثر عددا وأقدم خلقا، ~~والمراد بهم الذين حقت عليهم الكلمة الأزلية بالشقاوة لكن لا بطريق ~~الجبر من غير أن يكون من قبلهم ما يؤدي إلى ذلك بل لعلمه تعالى ~~بأنهم لا يصرفون اختيارهم نحو الحق أبدا بل يصرون على الباطل من ~~غير صارف يلويهم ولا عاطف يثنيهم من الآيات والنذر فبهذا الاعتبار ~~جعل خلقهم مغيا بها كما أن جميع الفريقين باعتبار استعدادهم ~~الكامل الفطري للعبادة وتمكنهم التام منها جعل خلقهم مغيا بها ~~كما نطق به قوله تعالى: # وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون # [الذاريات: 56] وقوله تعالى: { لهم قلوب } في محل النصب على أنه ~~صفة أخرى لكثيرا { لا يفقهون بها } في محل الرفع على أنه ~~صفة لقلوب مؤكدة لما يفيده تنكيرها وإبهامها من كونها غير معهودة ~~مخالفة لسائر أفراد الجنس فاقدة لكماله بالكلية لكن لا بحسب الفطرة ~~حقيقة بل بسبب امتناعهم عن صرفها إلى تحصيله، وهذا وصف لها بكمال ~~الإغراق في القساوة فإنها حيث لم يتأت منها الفقه بحال فكأنها خلقت ~~غير قابلة له رأسا وكذا الحال في أعينهم وآذانهم، وحذف المفعول ~~للتعميم أي ms1249 لهم قلوب ليس من شأنها أن يفقهوا بها شيئا مما من شأنه أن ~~يفقه، فيدخل فيه ما يليق بالمقام من الحق ودلائله دخولا أوليا، ~~وتخصيصه بذلك مخل بالإفصاح عن كنه حالهم { ولهم أعين لا ~~يبصرون بها } الكلام فيه كما فيما عطف هو عليه، والمراد ~~بالأبصار والسمع المنفيين ما يختص بالعقلاء من الإدراك على ما هو ~~وظيفة الثقلين لا ما يتناول مجرد الإحساس بالشبح والصوت كما هو ~~وظيفة الأنعام، أي لا يبصرون بها شيئا من المبصرات فيندرج فيه الشواهد ~~التكوينية الدالة على الحق اندراجا أوليا { ولهم آذان لا ~~يسمعون بها } أي شيئا من المسموعات فيتناول الآيات التنزيلية ~~تناولا أوليا، وإعادة الخبر في الجملتين المعطوفتين مع انتظام ~~الكلام بأن يقال: وأعين لا يبصرون بها وآذان لا يسمعون بها لتقرير ~~سوء حالهم، وفي إثبات المشاعر الثلاثة لهم ثم وصفها بعدم الشعور دون ~~سلبها عنهم ابتداء بأن يقال: ليس لهم قلوب يفقهون بها ولا أعين ~~يبصرون بها ولا آذان يسمعون بها من الشهادة بكمال رسوخهم في الجهل ~~والغواية ما لا يخفى { أولئك } إشارة إلى المذكورين باعتبار ~~اتصافهم بما ذكر من الصفات، وما فيه من معنى البعد للإيذان ببعد ~~منزلتهم في الضلال أي أولئك الموصوفون بالأوصاف المذكورة { ~~كالأنعم } أي في انتفاء الشعور على الوجه المذكور، أو في أن ~~مشاعرهم متوجهة إلى أسباب التعيش مقصورة عليها { بل هم أضل } ~~فإنها تدرك ما من شأنها أن تدركه من المنافع والمضار فتجتهد في ~~جلبها وسلبها غاية جهدها مع كونها بمعزل من الخلود، وهؤلاء ليسوا كذلك ~~حيث لا يميزون بين المنافع والمضار بل يعكسون الأمر فيتركون ~~النعيم المقيم ويقدمون على العذاب الخالد، وقيل: لأنها تعرف ~~صاحبها وتذكره وتطيعه، وهؤلاء لا يعرفون ربهم ولا يذكرونه ولا ~~يطيعونه وفي الخبر # " كل شيء أطوع لله من ابن آدم " # { أولئك } المنعوتون بما مر من مثلية الأنعام والشرية ~~منها { هم الغفلون } الكاملون في الغفلة المستحقون لأن ~~يخص بهم الاسم ولا يطلق على غيرهم، كيف لا وإنهم لا يعرفون من ~~شؤون الله عز وجل ولا ms1250 من شؤون ما سواه شيئا فيشركون به سبحانه وليس ~~كمثله شيء وهو السميع البصير أصنامهم التي هي من أخس مخلوقاته ~~تعالى. ### || [7.180-181] # { ولله الأسماء الحسنى } تنبيه للمؤمنين على كيفية ذكره ~~تعالى وكيفية المعاملة مع المخلين بذلك الغافلين عنه سبحانه عما يليق ~~به من الأمور وما لا يليق به إثر بيان غفلتهم التامة وضلالتهم ~~الطامة، والحسنى تأنيث الأحسن أي الأسماء التي هي أحسن الأسماء ~~وأجلها لإنبائها عن أحسن المعاني وأشرفها { فادعوه بها } أي ~~فسموه بتلك الأسماء { وذروا الذين يلحدون فى أسمئه ~~} الإلحاد واللحد: الميل والانحراف يقال: لحد وألحد إذا مال عن ~~القصد، وقرىء يلحدون من الثلاثي أي يميلون في شأنها عن الحق إلى ~~الباطل، إما بأن يسموه تعالى بما لا توقيف فيه أو بما يوهم معنى فاسدا ~~كما في قول أهل البدو: يا أبا المكارم يا أبيض الوجه يا سخي ونحو ~~ذلك، فالمراد بالترك المأمور به: الاجتناب عن ذلك، وبأسمائه: ما أطلقوه ~~عليه تعالى وسموه به على زعمهم لا أسماؤه تعالى حقيقة وعلى ذلك ~~يحمل ترك الإضمار بأن يقال: يلحدون فيها، وإما بأن يعدلون عن تسميته ~~تعالى ببعض أسمائه الكريمة كما قالوا: وما الرحمن؟ ما نعرف سوى ~~رحمان اليمامة. فالمراد بالترك الاجتناب أيضا وبالأسماء أسماؤه ~~تعالى حقيقة فالمعنى سموه تعالى بجميع أسمائه الحسنى واجتنبوا إخراج ~~بعضها من البين، وإما بأن يطلقوها على غيره تعالى كما سموا أصنامهم ~~آلهة، وإما بأن يشتقوا من بعضها أسماء أصنامهم كما اشتقوا اللات من ~~الله تعالى والعزى من العزيز، فالمراد بالأسماء أسماؤه تعالى حقيقة ~~كما في الوجه الثاني. والإظهار في موقع الإضمار مع التجريد عن الوصف في ~~الكل للإيذان بأن إلحادهم في نفس الأسماء من غير اعتبار الوصف، وليس ~~المراد بالترك حينئذ الاجتناب عن ذلك إذا لا يتوهم صدور مثل هذا ~~الإلحاد عن المؤمنين ليؤمروا بتركه بل هو الإعراض عنهم وعدم ~~المبالاة بما فعلوا ترقبا لنزول العقوبة بهم عن قريب كما هو المتبادر ~~من قوله: { سيجزون ما كانوا يعملون } فإنه استئناف وقع ~~جوابا عن سؤال نشأ ms1251 من الأمر بعدم المبالاة والإعراض عن المجازاة، كأنه ~~قيل: لم لا نبالي بإلحادهم ولا نتصدى لمجازاتهم؟ فقيل: لأنه سينزل بهم ~~عقوبته وتتشفون بذلك عن قريب. وأما على الوجهين الأولين فالمعنى ~~اجتنبوا إلحادهم كيلا يصيبكم ما أصابهم فإنه سينزل بهم عقوبة ~~إلحادهم. # { وممن خلقنا أمة يهدون بالحق وبه يعدلون ~~} بيان إجمالي لحال من عدا المذكورين من الثقلين الموصوفين بما ~~ذكر من الضلال والإلحاد عن الحق، ومحل الظرف الرفع على أنه مبتدأ، ~~إما باعتبار مضمونه أو بتقدير الموصوف وما بعده خبره كما مر في تفسير ~~قوله تعالى: # ومن الناس # الخ، أي وبعض من خلقنا أو وبعض ممن خلقنا أمة أي طائفة كثيرة ~~يهدون الناس ملتبسين بالحق أو يهدونهم بكلمة الحق ويدلونهم على ~~الاستقامة، وبالحق يحكمون في الحكومات الجارية فيما بينهم ولا يجورون ~~فيها. # عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول إذا قرأها: # " هذه لكم وقد أعطي بين أيديكم مثلها " # ومن قوم موسى أمة الآية وعنه عليه الصلاة والسلام: # " إن من أمتي قوما على الحق حتى ينزل عيسى " # وروي: # " لا تزال من أمتي طائفة على الحق إلى أن يأتي أمر الله " # وروي: # " لا تزال من أمتي أمة قائمة بأمر الله لا يضرهم من خذلهم ولا من ~~خالفهم حتى يأتي أمر الله وهم ظاهرون " # وفيه من الدلالة على صحة الإجماع ما لا يخفى. والاقتصار على نعتهم ~~بهداية الناس للإيذان بأن اهتداءهم في أنفسهم أمر محقق غني عن ~~التصريح به. ### || [7.182-183] # { والذين كذبوا بئايتنا } شروع في تحقيق الحق الذي ~~به يهدي الهادون وبه يعدل العادلون، وحمل الناس على الأهتداء به على ~~وجه الترهيب، ومحل الموصول الرفع على أنه مبتدأ خبره ما بعده من ~~الجملة الاستقبالية، وإضافة الآيات إلى نون العظمة لتشريفها واستعظام ~~الإقدام على تكذيبها، أي والذين كذبوا بآياتنا التي هي معيار الحق ~~ومصداق الصدق والعدل { سنستدرجهم } أي نستدنيهم البتة إلى ~~الهلاك شيئا فشيئا، والاستدراج استفعال من درج إما بمعنى صعد ثم ~~اتسع فيه فاستعمل في كل نقل تدريجي سواء كان بطريق الصعود ms1252 أو ~~الهبوط أو الاستقامة، وإما بمعنى مشى مشيا ضعيفا، وإما بمعنى طوى، ~~والأول هو الأنسب بالمعنى المراد الذي هو النقل إلى أعلى درجات ~~المهلك ليبلغ أقصى مراتب العقوبة والعذاب، ثم استعير لطلب كل نقل ~~تدريجي من حال إلى حال من الأحوال الملائمة للمنتقل الموافقة لهواه ~~بحيث يزعم أن ذلك ترق في مراقي منافعه مع أنه في الحقيقة ترد في ~~مهاوي مصارعه، فاستدراجه سبحانه إياهم أن يواتر عليهم بالنعم مع ~~انهماكهم في الغي فيحسبوا أنها لطف لهم منه تعالى فيزدادوا بطرا ~~وطغيانا لكن لا على أن المطلوب تدرجهم في مراتب النعم بل هو ~~تدرجهم في مدارج المعاصي إلى أن يحق عليهم كلمة العذاب على أفظع ~~حال وأشنعها، والأول وسيلة إليه وقوله تعالى: { من حيث لا ~~يعلمون } متعلق بمضمر وقع صفة لمصدر الفعل المذكور، أي سنستدرجهم ~~استدراجا كائنا من حيث لا يعلمون أنه كذلك بل يحسبون أنه أثرة من ~~الله عز وجل وتقريب منه، وقيل: لا يعلمون ما يراد بهم. # { وأملى لهم } عطف على سنستدرجهم غير داخل في حكم السين، لما ~~أن الإملاء الذي هو عبارة عن الإمهال والإطالة ليس من الأمور التدريجية ~~كالاستدراج الحاصل في نفسه شيئا فشيئا، بل هو فعل يحصل دفعة، وإنما ~~الحاصل بطريق التدريج آثاره وأحكامه لا نفسه كما يلوح به تغيير ~~التعبير بتوحيد الضمير مع ما فيه من الافتتان المنبىء عن مزيد ~~الاعتناء بمضمون الكلام لابتنائه على تجديد القصد والعزيمة، وأما أن ~~ذلك للإشعار بأنه بمحض التقدير الإلهي والاستدراج بتوسط المدبرات ~~فمبناه دلالة نون العظمة على الشركة وأنى ذلك، وإلا لاحترز عن ~~إيرادها في قوله تعالى: # ولا يحسبن الذين كفروا أنما نملى لهم # [آل عمران: 178] الآية، بل إنما إيرادها في أمثال هذه الموارد بطريق ~~الجريان على سنن الكبرياء { إن كيدى متين } تقرير للوعيد ~~وتأكيد له أي قوي لا يدافع بقوة ولا بحيلة، والمراد به إما ~~الإستدراج والإملاء مع نتيجتهما التي هي الآخذ الشديد على غرة ~~فتسميته كيدا لما أن ظاهره لطف وباطنه قهر، وإما نفس ذلك الأخذ ms1253 ~~فقط فالتسمية لكون مقدماته كذلك، وأما أن حقيقة الكيد، هو الأخذ على ~~خفاء من غير أن يعتبر فيه إظهار خلاف ما أبطنه فمما لا تعويل عليه مع ~~عدم مناسبته للمقام ضرورة استدعائه لاعتبار القيد المذكور حتما. ### || [7.184] # { أو لم يتفكروا ما بصاحبهم من جنة } كلام ~~مبتدأ مسوق لإنكار عدم تفكرهم في شأنه عليه الصلاة والسلام وجهلهم ~~بحقيقة حاله الموجبة للإيمان به وبما أنزل عليه من الآيات التي كذبوا ~~بها، والهمزة للإنكار والتعجيب والتوبيخ، والواو للعطف على مقدر ~~يستدعيه سباق النظم الكريم وسياقه، و(ما) إما استفهامية إنكارية في ~~محل الرفع بالابتداء والخبر بصاحبهم، وإما نافية اسمها جنة وخبرها ~~بصاحبهم، والجنة من المصادر التي يراد بها الهيئة كالرغبة ~~والجلسة، وتنكيرها للتقليل والتحقير، والجملة معلقة لفعل التفكر ~~لكونه من أفعال القلوب ومحلها على الوجهين النصب على نزع الجار أي ~~أكذبوا بها ولم يتفكروا في أي شيء من جنون ما كائن بصاحبهم الذي هو ~~أعظم الأمة الهادية بالحق وعليه أنزلت تلك الآيات، أو في أنه ليس ~~بصاحبهم شيء من جنة حتى يؤديهم التفكر في ذلك إلى الوقوف على صدقه ~~وصحة نبوته فيؤمنوا به وبما أنزل عليه من الآيات، وقيل قد تم الكلام ~~عند قوله تعالى: { أو لم يتفكروا } أي أكذبوا بها ولم يفعلوا ~~التفكر؟ ثم ابتدىء فقيل: أي شيء بصاحبهم من جنة ما على طريقة ~~الإنكار والتعجيب والتبكيت، أو قيل: ليس بصاحبهم شيء منها، والتعبير ~~عنه عليه الصلاة والسلام بصاحبهم للإيذان بأن طول مصاحبتهم له عليه ~~الصلاة والسلام عن شائبة ما ذكر ففيه تأكيد للنكير وتشديد له، والتعرض ~~لنفي الجنون عنه عليه الصلاة والسلام مع وضوح استحالة ثبوته له عليه ~~الصلاة والسلام لما أن التكلم بما هو خارق لقضية العقول والعادات لا ~~يصدر إلا عمن به مس الجنون كيفما اتفق من غير أن يكون له أصل ومعنى، ~~أو عمن له تأييد إلهي يخبر به عن الأمور الغيبية، وإذ ليس به عليه ~~السلام شائبة الأول تعين أنه عليه الصلاة والسلام مؤيد من عند الله ~~تعالى، ms1254 وقيل: إنه عليه الصلاة والسلام علا الصفا ليلا فجعل يدعو قريشا ~~فخذا فخذا يحذرهم بأس الله تعالى فقال قائلهم: إن صاحبكم هذا ~~لمجنون بات يهوت إلى الصباح فنزلت. فالتصريح بنفي الجنون حينئذ للرد ~~على عظيمتهم الشنعاء، والتعبير عنه عليه الصلاة والسلام بصاحبهم وارد ~~على شاكلة كلامهم مع ما فيه من النكتة المذكورة، وقوله تعالى: { إن ~~هو إلا نذير مبين } جملة مقررة لمضمون ما قبلها ومبينة ~~لحقيقة حاله عليه الصلاة والسلام على منهاج قوله تعالى: # إن هذا إلا ملك كريم # [يوسف: 31] بعد قوله تعالى: # ما هذا بشرا # أي ما هو صلى الله عليه وسلم إلا مبالغ في الإنذار مظهر له غاية ~~الإظهار إبرازا لكمال الرأفة ومبالغة في الإعذار. ### || [7.185] # وقوله تعالى: { أو لم ينظروا فى ملكوت السموات ~~والأرض } استئناف آخر مسوق للإنكار والتوبيخ بإخلالهم بالتأمل في ~~الآيات التكوينية المنصوبة في الآفاق والأنفس الشاهدة بصحة مضمون ~~الآيات المنزلة إثر ما نعي عليهم إخلالهم بالتفكر في شأنه عليه ~~الصلاة والسلام، والهمزة لما ذكر من الإنكار والتعجب والتوبيخ، ~~والواو للعطف على المقدر المذكور أو على الجملة المنفية بلم، ~~والملكوت الملك العظيم، أي أكذبوا بها أو ألم يتفكروا فيما ذكر ولم ~~ينظروا نظر تأمل فيما تدل عليه السموات والأرض من عظم الملك وكمال ~~القدرة { وما خلق الله } أي وفيما خلق فيهما على أنه عطف على ~~ملكوت، وتخصيصه بهما لكمال ظهور عظم الملك فيهما، أو وفي ملكوت ما ~~خلق على أنه عطف على السموات والأرض، والتعميم لاشتراك الكل في ~~الدلالة على عظم الملك في الحقيقة وعليه قوله تعالى: # فسبحن الذى بيده ملكوت كل شىء # [يس: 83] وقوله تعالى: { من شىء } بيان لما خلق مفيد لعدم اختصاص ~~الدلالة المذكورة بجلائل المصنوعات دون دقائقها، والمعنى أولم ينظروا ~~في ملكوت السموات والأرض وما خلق فيهما من جليل ودقيق مما ينطلق عليه ~~اسم الشيء ليدلهم ذلك على العلم بوحدانيته تعالى وبسائر شؤونه التي ~~ينطق بها تلك الآيات فيؤمنوا بها لاتحادهما في المدلول فإن كل فرد ~~من أفراد الأكوان مما عز وهان ms1255 دليل لائح على الصانع المجيد وسبيل ~~واضح إلى عالم التوحيد، وقوله تعالى: { وأن عسى أن يكون قد ~~اقترب أجلهم } عطف على ملكوت، وأن مخففة من أن، واسمها ضمير ~~الشأن وخبرها عسى مع فاعلها الذي هو أن يكون، واسم يكون أيضا ضمير ~~الشأن، والخبر قد اقترب أجلهم والمعنى أولم ينظروا في أن الشأن عسى أن ~~يكون الشأن قد اقترب أجلهم وقد جوز أن يكون اسم يكون (أجلهم) وخبرها ~~(قد اقترب) على أنها جملة من فعل وفاعل هو ضمير أجلهم لتقدمه حكما ~~وأيا ما كان فمناط الإنكار والتوبيخ تأخيرهم للنظر والتأمل أي ~~لعلهم يموتون عما قريب فما لهم لا يسارعون إلى التدبر في الآيات ~~التكوينية الشاهدة بما كذبوه من الآيات القرآنية، وقد جوز أن يكون ~~الأجل عبارة عن الساعة والإضافة إلى ضميرهم لملابستهم لها من جهة ~~إنكارهم لها وبحثهم عنها. # وقوله تعالى: { فبأي حديث بعده يؤمنون } قطع لاحتمال ~~إيمانهم رأسا ونفي له بالكلية مترتب على ما ذكر من تكذيبهم بالآيات ~~وإخلالهم بالتفكر والنظر، والباء متعلقة بيؤمنون وضمير بعده للآيات ~~على حذف المضاف المفهوم من كذبوا والتذكير باعتبار كونها قرآنا أو ~~بتأويلها بالمذكور وإجراء الضمير مجرى اسم الإشارة والمعنى أكذبوا بها ~~ولم يتفكروا فيما يوجب تصديقها من أحواله عليه الصلاة والسلام وأحوال ~~المصنوعات فبأي حديث يؤمنون بعد تكذيبه ومعه مثل هذه الشواهد القوية ~~كلا وهيهات، وقيل: الضمير للقرآن والمعنى فبأي حديث بعد القرآن يؤمنون ~~إذا لم يؤمنوا به وهو النهاية في البيان، وقيل هو إنكار وتبكيت لهم ~~مترتب على إخلالهم بالمسارعة إلى التأمل فيما ذكر كأنه قيل: لعل أجلهم ~~قد اقترب فما لهم لا يبادرون إلى الإيمان بالقرآن قبل الفوت، وماذا ~~ينتظرون بعد وضوح الحق وبأي حديث أحق منه يريدون أن يؤمنوا؟ وقيل: ~~الضمير لأجلهم، والمعنى فبأي حديث بعد انقضاء أجلهم يؤمنون؟ وقيل: ~~للرسول عليه الصلاة والسلام على حذف مضاف أي فبأي حديث بعد حديثه ~~يؤمنون وهو أصدق الناس. ### || [7.186-187] # وقوله تعالى: { من يضلل الله فلا هادي له } استئناف ~~مقرر لما قبله منبىء ms1256 عن الطبع على قلوبهم وقوله تعالى: { ويذرهم ~~فى طغينهم } بالياء والرفع على الاستئناف أي وهو يذرهم، وقرىء ~~بنون العظمة على طريقة الالتفات، أي ونحن نذرهم، وقرىء بالياء والجزم ~~عطفا على محل فلا هادي له كأنه قيل: من يضلل الله لا يهده أحد ~~ويذرهم، وقد روي الجزم بالنون عن نافع وأبي عمرو في الشواذ وقوله ~~تعالى: { يعمهون } أي يترددون ويتحيرون، حال من مفعول يذرهم، ~~وتوحيد الضمير في حيز النفي نظرا إلى لفظ من وجمعه في حيز الإثبات ~~نظرا إلى معناها للتنصيص على شمول النفي والإثبات للكل. # { يسئلونك عن الساعة } استئناف مسوق لبيان بعض أحكام ~~ضلالهم وطغيانهم أي عن القيامة، وهي من الأسماء الغالبة وإطلاقها ~~عليها إما لوقوعها بغتة أو لسرعة ما فيها من الحساب، أو لأنها ساعة عند ~~الله تعالى مع طولها في نفسها. قيل: إن قوما من اليهود قالوا: يا محمد ~~أخبرنا متى الساعة إن كنت نبيا؟ فإنا نعلم متى هي، وكان ذلك امتحانا ~~منهم مع علمهم أنه تعالى قد استأثر بعلمها، وقيل: السائلون قريش وقوله ~~تعالى: { أيان مرسها } بفتح الهمزة وقد قرىء بكسرها وهو ظرف ~~زمان متضمن لمعنى الاستفهام، ويليه المبتدأ أو الفعل المضارع دون ~~الماضي بخلاف متى حيث يليها كلاهما، قيل: اشتقاقه من أي فعلان منه ~~لأن معناه أي وقت وهو من أويت إلى الشيء لأن البعض آو إلى الكل ~~متساند إليه، ومحله الرفع على أنه خبر مقدم ومرساها مبتدأ مؤخر ~~أي متى إرساؤها أي إثباتها وتقريرها، فإنه مصدر ميمي من أرساه إذا ~~أثبته وأقره، ولا يكاد يستعمل إلا في الشيء الثقيل كما في قوله تعالى: # والجبال أرسها # [النازعات: 32] ومنه مرساة السفن، ومحل الجملة قيل: الجر على ~~البدلية من الساعة، والتحقيق أن محلها النصب بنزع الخافض لأنها بدل ~~من الجار والمجرور لا من المجرور فقط كأنه قيل: يسألونك عن الساعة عن ~~أيان مرساها، وفي تعليق السؤال بنفس الساعة أولا وبوقت وقوعها ~~ثانيا تنبيه على أن المقصد الأصلي من السؤال نفسها باعتبار ~~حلولها في وقتها المعين لا وقتها باعتبار ms1257 كونه محلا لها وقد سلك ~~هذا المسلك في الجواب الملقن أيضا حيث أضيف العلم المطلوب بالسؤال ~~إلى ضميرها فأخبرها باختصاصه به عز وجل حيث قيل: { قل إنما ~~علمها } أي علمها بالاعتبار المذكور { عند ربى } ولم يقل إنما ~~علم وقت إرسائها ومن لم يتنبه لهذه النكتة حمل النظم الكريم على ~~حذف المضاف، والتعرض لعنوان الربوبية مع الإضافة إلى ضميره عليه ~~الصلاة والسلام للإيذان بأن توفيقه عليه الصلاة والسلام للجواب على الوجه ~~المذكور من باب التربية والإرشاد، ومعنى كونه عنده تعالى خاصة أنه ~~تعالى قد استأثر به بحيث لم يخبر به أحدا من ملك مقرب أو نبي ~~مرسل وقوله تعالى: { لا يجليها لوقتها إلا هو } بيان ~~لاستمرار تلك الحالة إلى حين قيامها وإقناط كلي عن إظهار أمرها ~~بطريق الإخبار من جهته تعالى أو من جهة غيره لاقتضاء الحكمة ~~التشريعية إياه فإنه أدعى إلى الطاعة وأزجر عن المعصية، كما أن إخفاء ~~الأجل الخاص للإنسان كذلك، والمعنى لا يكشف عنها ولا يظهر للناس ~~أمرها الذي تسألونني عنه إلا هو بالذات من غير أن يشعر به أحدا من ~~المخلوقين فيتوسط في إظهاره لهم لكن لا بأن يخبرهم بوقتها قبل مجيئه ~~كما هو المسؤول بل بأن يقيمها فيشاهدوها عيانا كما يفصح عنه ~~التجلية المنبئة عن الكشف التام المزيل للإبهام بالكلية، وقوله ~~تعالى: { لوقتها } أي في وقتها، قيد للتجلية بعد ورود الاستثناء ~~عليها لا قبله كأنه قيل: لا يجليها إلا هو في وقتها إلا أنه قدم على ~~الاستثناء للتنبيه من أول الأمر على أن تجليتها ليست بطريق الإخبار ~~بوقتها، بل بإظهار عينها في وقتها الذي يسألون عنه وقوله تعالى: { ~~ثقلت فى السموات والأرض } استئناف كما قبله مقرر ~~لمضمون ما قبله أي كبرت وشقت على أهلهما من الملائكة والثقلين كل ~~منهم أهمه خفاؤها وخروجها عن دائرة العقول وقيل: عظمت عليهم حيث ~~يشفقون منها ويخافون شدائدها وأهوالها وقيل: ثقلت فيهما إذ لا يطيقها ~~منهما ومما فيهما شيء أصلا والأول هو الأنسب بما قبله وبما بعده من ~~قوله تعالى: { لا ms1258 تأتيكم إلا بغتة } فإنه أيضا استئناف ~~مقرر لمضمون ما قبله فلا بد من اعتبار الثقل من حيث الخفاء أي لا ~~تأتيكم إلا فجأة على غفلة كما قال عليه الصلاة والسلام: # " إن الساعة تهيج بالناس والرجل يصلح حوضه والرجل يسقي ماشيته ~~والرجل يقوم سلعته في سوقه والرجل يخفض ميزانه ويرفعه " # { يسئلونك كأنك حفي عنها } استئناف مسوق لبيان ~~خطئهم في توجيه السؤال إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بناء على ~~زعمهم أنه عليه الصلاة والسلام عالم بالمسؤول عنه أو أن العلم بذلك من ~~مواجب الرسالة إثر بيان خطئهم في أصل السؤال بإعلام شأن المسؤول ~~عنه، والجملة التشبيهية في محل النصب على أنها حال من الكاف جيء بها ~~بيانا لما يدعوهم إلى السؤال على زعمهم وإشعارا بخطئهم في ذلك أي ~~يسألونك مشبها حالك عندهم بحال من هو حفي عنها أي مبالغ في العلم ~~بها فعيل من حفي، وحقيقته كأنك مبالغ في السؤال عنها فإن ذلك في حكم ~~المبالغة في العلم بها لما أن من بالغ في السؤال عن الشيء والبحث ~~عنه استحكم علمه به، ومبنى التركيب على المبالغة والاستقصاء، ومنه ~~إحفاء الشارب واحتفاء البقل أي استئصاله والإحفاء في المسألة أي ~~الإلحاف فيها، وقيل: (عن) متعلقة بيسألونك وقوله تعالى: { كأنك ~~حفى } معترض، وصلة حفي محذوفة أي حفي بها وقد قرىء كذلك وقيل: هو ~~من الحفاوة بمعنى البر والشفقة فإن قريشا قالوا له عليه الصلاة ~~والسلام: إن بيننا وبينك قرابة فقل لنا متى الساعة؟ والمعنى يسألونك ~~كأنك حفي تتحفى بهم فتخصهم بتعليم وقتها لأجل القرابة وتزوي ~~أمرها عن غيرهم، ففيه تخطئة لهم من جهتين، وقيل: هو من حفي بالشيء ~~بمعنى فرح به والمعنى كأنك فرح بالسؤال عنها تحبه مع أنك كاره له، ~~لما أنه تعرض لحرم الغيب الذي استأثر الله عز وجل بعلمه. # { قل إنما علمها عند الله } أمر صلى الله عليه وسلم ~~بإعادة الجواب الأول تأكيدا للحكم وتقريرا له وإشعارا بعلته على ~~الطريقة البرهانية بإيراد اسم الذات المنبىء عن استتباعها لصفات ~~الكمال التي ms1259 من جملتها العلم وتمهيدا للتعريض بجهلهم بقوله تعالى: { ~~ولكن أكثر الناس لا يعلمون } أي لا يعلمون ما ذكر ~~من اختصاص علمها به تعالى فبعضهم ينكرونها رأسا فلا يعلمون شيئا مما ~~ذكر قطعا وبعضهم يعلمون أنها واقعة البتة ويزعمون أنك واقف على وقت ~~وقوعها فيسألونك عنه جهلا، وبعضهم يدعون أن العلم بذلك من مواجب ~~الرسالة فيتخذون السؤال عنه ذريعة إلى القدح في رسالتك، والمستثنى من ~~هؤلاء هم الواقفون على جلية الحال من المؤمنين، وأما السائلون عنها من ~~اليهود بطريق الامتحان فهم منتظمون في سلك الجاهلين حيث لم يعملوا ~~بعلمهم. ### || [7.188-189] # وقوله تعالى: # { قل لا أملك لنفسى نفعا ولا ضرا } شروع في الجواب عن ~~السؤال ببيان عجزه عن علمها إثر بيان عجز الكل عنه وإبطال زعمهم ~~الذي بنوا عليه سؤالهم من كونه عليه الصلاة والسلام ممن يعلمها، ~~وإعادة الأمر لإظهار كمال العناية بشأن الجواب والتنبيه على ~~استقلاله ومغايرته للأول، والتعرض لبيان عجزه عما ذكر من النفع ~~والضر لإثبات عجزه عن علمها بالطريق البرهاني، واللام إما متعلق ~~بأملك أو بمحذوف وقع حالا من نفعا أي لا أقدر لأجل نفسي على جلب نفع ~~ما ولا على دفع ضر ما { إلا ما شاء الله } أن أملكه من ذلك ~~بأن يلهمنيه فيمكنني منه ويقدرني عليه أو لكن ما شاء الله من ~~ذلك كائن، فالاستثناء منقطع وهذا أبلغ في إظهار العجز { ولو كنت ~~أعلم الغيب } أي جنس الغيب الذي من جملته ما بين الأشياء من ~~المناسبات المصححة عادة للسببية والمسببة، ومن المباينات المستتبعة ~~للممانعة والمدافعة { لاستكثرت من الخير } أي لحصلت ~~كثيرا من الخير الذي نيط تحصيله بالأفعال الاختيارية للبشر بترتيب ~~أسبابه ودفع موانعه { وما مسنى السوء } أي السوء الذي يمكن ~~التقصي عنه بالتوقي عن موجباته والمدافعة بموانعه لا سوء ما فإن منه ~~ما لا مدفع له. # { إن أنا إلا نذير وبشير } أي ما أنا إلا عبد مرسل ~~للإنذار والبشارة شأني حيازة ما يتعلق بهما من العلوم الدينية ~~والدنيوية لا الوقوف على الغيوب التي لا علاقة بينها وبين ms1260 الأحكام ~~والشرائع وقد كشفت من أمر الساعة ما يتعلق به الإنذار من مجيئها لا ~~محالة واقترابها، وأما تعيين وقتها فليس مما يستدعيه الإنذار بل هو ~~مما يقدح فيه لما مر من أن إبهامه أدعى إلى الانزجار عن المعاصي ~~وتقديم النذير على البشير لما أن المقام مقام الإنذار وقوله تعالى: ~~{ لقوم يؤمنون } إما متعلق بهما جميعا لأنهم ينتفعون بالإنذار ~~كما ينتفعون بالبشارة، وإما بالبشير فقط وما يتعلق بالنذير للكافرين أي ~~الباقين على الكفر، وبشير لقوم يؤمنون أي في أي وقت كان ففيه ترغيب ~~للكفرة في إحداث الإيمان وتحذير عن الإصرار على الكفر والطغيان. # هو الذى خلقكم } استئناف سيق لبيان كمال عظم جناية ~~الكفرة في جراءتهم على الإشراك بتذكير مبادىء أحوالهم المنافية له، ~~وإيقاع الموصول خبرا لتفخيم شأن المبتدأ، أي هو ذلك العظيم الشأن ~~الذي خلقكم جميعا وحده من غير أن يكون لغيره مدخل في ذلك بوجه من ~~الوجوه { من نفس وحدة } هو آدم عليه الصلاة والسلام، وهذا نوع ~~تفصيل لما أشير إليه في مطلع السورة الكريمة إشارة إجمالية من خلقهم ~~وتصويرهم في ضمن خلق آدم وتصويره وبيان لكيفيته { وجعل } عطف ~~على خلقكم داخل في حكم الصلة، ولا ضير في تقدمه عليه وجودا لما أن ~~الواو لا تستدعي الترتيب في الوجود { منها } أي من جنسها كما في ~~قوله تعالى: # جعل لكم من أنفسكم أزواجا # [النحل: 72] أو من جسدها لما يروى أنه تعالى خلق حواء من ضلع من ~~أضلاع آدم عليه الصلاة والسلام، والأول هو الأنسب إذ الجنسية هي ~~المؤدية إلى الغاية الآتية لا الجزئية، والجعل إما بمعنى التصيير ~~فقوله تعالى: { زوجها } مفعوله الأول والثاني هو الظرف المقدم، ~~وإما بمعنى الإنشاء والظرف متعلق بجعل قدم على المفعول الصريح لما ~~مر مرارا من الاعتناء بالمقدم والتشويق إلى المؤخر، أو بمحذوف هو حال ~~من المفعول والأول هو الأولى وقوله تعالى: { ليسكن إليها } ~~علة غائية للجعل باعتبار تعلقه بمفعوله الثاني أي ليستأنس بها ~~ويطمئن إليها اطمئنانا مصححا للازدواج كما يلوح به تذكير الضمير ~~ويفصح عنه قوله ms1261 تعالى: { فلما تغشاها } أي جامعها { حملت ~~حملا خفيفا } في مبادىء الأمر فإنه عند كونه نطفة أو علقة أو ~~مضغة أخف عليها بالنسبة إلى ما بعد ذلك من المراتب لذكر خفته للإشارة ~~إلى نعمته تعالى عليهم في إنشائه تعالى إياهم متدرجين في أطوار الخلق من ~~العدم إلى الوجود ومن الضعف إلى القوة { فمرت به } أي فاستمرت ~~به كما كانت قبل حيث قامت وقعدت وأخذت وتركت، وعليه قراءة ابن عباس رضي ~~الله تعالى عنه وقرىء (فمرت) بالتخفيف و(فمارت) من المور وهو ~~المجيء والذهاب أو من المرية فظنت الحمل وارتابت به، وأما ما قيل من ~~أن المعنى حملت حملا خف عليها ولم تلق منه ما يلقى بعض الحبالى ~~من حملهن من الكرب والأذية ولم تستثقله كما يستثقلنه فمرت به أي ~~فمضت به إلى ميلاده من غير إخداج ولا إزلاق فيرده قوله تعالى: { ~~فلما أثقلت } إذ معناه فلما صارت ذات ثقل لكبر الولد في ~~بطنها، ولا ريب في أن الثقل بهذا المعنى ليس مقابلا للخفة بالمعنى ~~المذكور إنما يقابلها الكرب الذي يعتري بعضهن من أول الحمل إلى آخره ~~دون بعض أصلا، وقرىء أثقلت على البناء للمفعول أي أثقلها حملها { ~~دعوا الله } أي آدم وحواء عليهما السلام لما دهمهما أمر لم ~~يعهداه ولم يعرفا مآله فاهتما به وتضرعا إليه عز وجل وقوله تعالى: { ~~ربهما } أي مالك أمرهما الحقيق بأن يخص به الدعاء إشارة ~~إلى أنهما قد صدرا به دعاءهما كما في قولهما: # ربنا ظلمنا أنفسنا # [الأعراف: 23] الآية، ومتعلق الدعاء محذوف تعويلا على شهادة ~~الجملة القسمية به، أي دعواه تعالى أنه يؤتيهما صالحا ووعدا ~~بمقابلته الشكر على سبيل التوكيد القسمي وقالا أو قائلين: # { لئن ءاتيتنا صلحا } أي ولدا من جنسنا سويا { ~~لنكونن } نحن ومن يتناسل من ذريتنا { من الشكرين } ~~الراسخين في الشكر على نعمائك التي من جملتها هذه النعمة، وترتيب هذا ~~الجواب على الشرط المذكور لما أنهما قد علما أن ما علقا به دعاءهما ~~أنموذج لسائر أفراد الجنس ومعيار لها ذاتا وصفة وجوده مستتبع ~~لوجودها وصلاحه ms1262 مستلزم لصلاحها فالدعاء في حقه متضمن للدعاء في حق ~~الكل مستتبع له كأنهما قالا: لئن آتيتنا وذريتنا أولادا صالحة، وقيل: ~~إن ضمير آتيتنا أيضا لهما ولكل من يتناسل من ذريتهما فالوجه ظاهر، ~~وأنت خبير بأن نظم الكل في سلك الدعاء أصالة يأباه مقام المبالغة ~~في الاعتناء بشأن ما هما بصدده، وأما جعل ضمير لنكونن للكل فلا محذور ~~فيه لأن توسيع دائرة الشكر غير مخل بالاعتناء المذكور بل مؤكد له. # وأيا ما كان فمعنى قوله تعالى: ### || [7.190] # { فلما ءاتهما صلحا } لما آتاهما ما طلباه أصالة ~~واستتباعا من الولد وولد الولد ما تناسلوا فقوله تعالى: { جعلا } أي ~~جعل أولادهما { له } تعالى { شركاء } على حذف المضاف وإقامة ~~المضاف إليه مقامه ثقة بوضوح الأمر وتعويلا على ما يعقبه من البيان ~~وكذا الحال في قوله تعالى: { فيما ءاتهما } أي فيما آتى أولادهما ~~من الأولاد حيث سموهم بعبد مناف وعبد العزى ونحو ذلك وتخصيص ~~إشراكهم هذا بالذكر في مقام التوبيخ مع أن إشراكهم بالعبادة أغلظ ~~منه جناية وأقدم وقوعا لما أن مساق النظم الكريم لبيان إخلالهم ~~بالشكر في مقابلة نعمة الولد الصالح، وأول كفرهم في حقه إنما هو ~~تسميتهم إياه بما ذكر، وقرىء شركا أي شركة أو ذوي شركة أي شركاء. # إن قيل ما ذكر من حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه إنما يصار ~~إليه فيما يكون للفعل ملابسة ما بالمضاف إليه أيضا بسرايته إليه حقيقة ~~أو حكما وتتضمن نسبته إليه صورة مزية يقتضيها المقام كما في قوله ~~تعالى: # وإذ نجينكم من ءال فرعون # [البقرة: 49] الآية، فإن الإنجاء منهم مع أن تعلقه حقيقة ليس إلا ~~بأسلاف اليهود قد نسب إلى أخلافهم بحكم سرايته إليهم توفية لمقام ~~الامتنان حقه، وكذا في قوله تعالى: # قل فلم تقتلون أنبياء الله # [البقرة: 91] الآية، فإن القتل حقيقة مع كونه من جناية آبائهم قد ~~أسند إليهم بحكم رضاهم به أداء لحق مقام التوبيخ والتبكيت، ولا ريب ~~في أنهما عليهما الصلاة والسلام بريئان من سراية الجعل المذكور إليهما ~~بوجه من الوجوه، فما وجه ms1263 إسناده إليهما صورة؟ قلنا: وجهه الإيذان ~~بتركهما الأولى حيث أقدما على نظم أولادهما في سلك أنفسهما والتزما ~~شكرهم في ضمن شكرهما وأقسما على ذلك قبل تعرف أحوالهم ببيان أن ~~إخلالهم بالشكر الذي وعداه وعدا مؤكدا باليمين بمنزلة إخلالهما ~~بالذات في استيجاب الحنث والخلف مع ما فيه من الاشعار بتضاعف ~~جنايتهم ببيان أنهم بجعلهم المذكور أوقعوهما في ورطة الحنث والخلف ~~وجعلوهما كأنهما باشراه بالذات فجمعوا بين الجناية على الله تعالى ~~والجناية عليهما عليهما السلام. # { فتعلى الله عما يشركون } تنزيه فيه معنى التعجب، ~~والفاء لترتيبه على ما فصل من أحكام قدرته تعالى وآثار نعمته ~~الزاجرة عن الشرك الداعية إلى التوحيد، وصيغة الجمع لما أشير إليه من ~~تعين الفاعل وتنزيه آدم وحواء عن ذلك و(ما) في (عما) إما مصدرية أي ~~عن إشراكهم أو موصولة أو موصوفة أي عما يشركونه به سبحانه، والمراد ~~بإشراكهم إما تسميتهم المذكورة أو مطلق إشراكهم المنتظم لها ~~انتظاما أوليا وقرىء تشركون بتاء الخطاب بطريق الالتفات، وقيل: ~~الخطاب لآل قصي من قريش، والمراد بالنفس الواحدة نفس قصي فإنهم ~~خلقوا منه وكان له زوج من جنسه عربية قرشية وطلبا من الله تعالى ~~ولدا صالحا فأعطاهما أربعة بنين فسمياهم عبد مناف وعبد شمس ~~وعبد قصي وعبد الدار، وضمير يشركون لهما ولأعقابهما المقتدين بهما. # وأما ما قيل: من أنه لما حملت حواء أتاها إبليس في صورة رجل فقال لها: ~~ما يدريك ما في بطنك لعله بهيمة أو كلب أو خنزير وما يدريك من أين ~~يخرج فخافت من ذلك فذكرته لآدم فأهمهما ذلك ثم عاد إليها وقال: إني من ~~الله تعالى بمنزلة فإن دعوته أن يجعله خلقا مثلك ويسهل عليك خروجه ~~تسميه عبد الحارث وكان اسمه حارثا في الملائكة فقبلت فلما ولدته ~~سمته عبد الحارث فمما لا تعويل عليه، كيف لا وأنه عليه الصلاة ~~والسلام كان علما في علم الأسماء والمسميات فعدم علمه بإبليس ~~واسمه واتباعه إياه في مثل هذا الشأن الخطير أمر قريب من المحال ~~والله تعالى أعلم بحقيقة الحال. ### || [7.191-193] # { أيشركون } استئناف ms1264 مسوق لتوبيخ كافة المشركين واستقباح ~~إشراكهم على الإطلاق وإبطاله بالكلية ببيان شأن ما أشركوه به سبحانه، ~~وتفصيل أحواله القاضية ببطلان ما اعتقدوه في حقه أي أيشركون به تعالى ~~{ ما لا يخلق شيئا } أي لا يقدر على أن يخلق شيئا من الأشياء ~~أصلا ومن حق المعبود أن يكون خالقا لعابده لا محالة، وقوله تعالى: { ~~وهم يخلقون } عطف على (لا يخلق) وإيراد الضميرين بجمع العقلاء ~~مع رجوعهما إلى (ما) المعبر بها عن الأصنام إنما هو بحسب اعتقادهم ~~فيها وإجرائهم لها مجرى العقلاء وتسميتهم لها آلهة، وكذا حال سائر ~~الضمائر الآتية ووصفها بالمخلوقية بعد وصفها بنفي الخالقية لإبانة ~~كمال منافاة حالها لما اعتقدوه في حقها وإظهار غاية جهلهم، فإن ~~إشراك ما لا يقدر على خلق شيء ما بخالقه وخالق جميع الأشياء مما لا ~~يمكن أن يسوغه من له عقل في الجملة وعدم التعرض لخالقها للإيذان ~~بتعينه والاستغناء عن ذكره. # { ولا يستطيعون لهم } أي لعبدتهم إذا حز بهم أمر مهم ~~وخطب ملم { نصرا } أي نصرا ما بجلب منفعة أو دفع مضرة { ولا ~~أنفسهم ينصرون } إذا اعتراهم حادثة من الحوادث أي لا يدفعونها ~~عن أنفسهم، وإيراد النصر للمشاكلة، وهذا بيان لعجزهم عن إيصال منفعة ~~ما من المنافع الوجودية والعدمية إلى عبدتهم وأنفسهم بعد بيان ~~عجزهم عن إيصال منفعة الوجود إليهم وإلى أنفسهم، خلا أنهم وصفوا هناك ~~بالمخلوقية لكونهم أهلا لها وههنا لم يوصفوا بالمنصورية لأنهم ليسوا ~~أهلا لها. وقوله تعالى: { وإن تدعوهم إلى الهدى } بيان ~~لعجزهم عما هو أدنى من النصر المنفي عنهم وأيسر، وهو مجرد الدلالة ~~على المطلوب والإرشاد إلى طريق حصوله من غير أن يحصله الطالب، ~~والخطاب للمشركين بطريق الالتفات المنبىء عن مزيد الاعتناء بأمر ~~التوبيخ والتبكيت أي إن تدعوهم أيها المشركون إلى أن يهدوكم إلى ما ~~تحصلون به المطالب أو تنجون به عن المكاره { لا يتبعوكم } إلى ~~مرادكم وطلبتكم، وقرىء بالتخفيف وقوله تعالى: { سواء عليكم ~~أدعوتموهم أم أنتم صمتون } استئناف مقرر لمضمون ما ~~قبله ومبين لكيفية عدم الاتباع، أي مستو عليكم في ms1265 عدم الإفادة ~~دعاؤكم لهم وسكوتكم البحت فإنه لا يتغير حالكم في الحالين كما لا ~~يتغير حالهم بحكم الجمادية، وقوله تعالى: { أم أنتم صمتون } ~~جملة اسمية في معنى الفعلية معطوفة على الفعلية لأنها في قوة أم ~~صمتم. عدل عنها للمبالغة في عدم إفادة الدعاء ببيان مساواته ~~للسكوت الدائم المستمر، وما قيل من أن الخطاب للمسلمين والمعنى وإن ~~تدعوا المشركين إلى الهدى أي الإسلام لا يتبعوكم الخ، مما لا يساعده ~~سباق النطم الكريم وسياقه أصلا على أنه لو كان كذلك لقيل عليهم مكان ~~عليكم كما في قوله تعالى: # سواء عليهم ءأنذرتهم أم لم تنذرهم # [البقرة: 6] فإن استواء الدعاء وعدمه إنما هو بالنسبة إلى المشركين ~~لا بالنسبة إلى الداعين فإنهم فائزون بفضل الدعوة. ### || [7.194-195] # { إن الذين تدعون من دون الله } تقرير لما قبله من ~~عدم اتباعهم لهم أي إن الذين تعبدونهم من دونه تعالى من الأصنام ~~وتسمونهم آلهة { عباد أمثالكم } أي مماثلة لكم لكن لا من كل ~~وجه بل من حيث إنها مملوكة لله عز وجل مسخرة لأمره عاجزة عن النفع ~~والضرر وتشبيهها بهم في ذلك مع كون عجزها عنهما أظهر وأقوى من عجزهم ~~إنما هو لاعترافهم بعجز أنفسهم وادعائهم لقدرتها عليهما إذ هو الذي ~~يدعوهم إلى عبادتها والاستعانة بها وقوله تعالى: { فادعوهم ~~فليستجيبوا لكم } تحقيق لمضمون ما قبله بتعجيزهم وتبكيتهم ~~أي فادعوهم في جلب نفع أو كشف ضر { إن كنتم صدقين } في ~~زعمكم أنهم قادرون على ما أنتم عاجزون عنه، وقوله تعالى: { ألهم ~~أرجل يمشون بها } الخ تبكيت إثر تبكيت مؤكد لما يفيده ~~الأمر التعجيزي من عدم الاستجابة ببيان فقدان آلاتها بالكلية فإن ~~الاستجابة من الهياكل الجسمانية إنما تتصور إذا كان لها حياة وقوى ~~محركة ومدركة وما ليس له شيء من ذلك فهو بمعزل من الأفاعيل بالمرة ~~كأنه قيل: ألهم هذه الآلات التي بها تتحقق الاستجابة حتى يمكن ~~استجابتهم لكم؟ وقد وجه الإنكار إلى كل واحدة من هذه الآلات الأربع ~~على حدة تكريرا للتبكيت وتثنية للتقريع وإشعارا بأن انتفاء كل ~~واحدة منها ms1266 بحيالها كاف في الدلالة على استحالة الاستجابة، ووصف ~~الأرجل بالمشي بها للإيذان بأن مدار الإنكار هو الوصف وإنما وجه ~~إلى الأرجل لا إلى الوصف بأن يقال: أيمشون بأرجلهم؟ لتحقيق أنها حيث لم ~~يظهر منها ما يظهر من سائر الأرجل فهي ليست بأرجل في الحقيقة وكذا ~~الكلام فيما بعده من الجوارح الثلاث الباقية، وكلمة أم في قوله ~~تعالى: { أم لهم أيد يبطشون بها } منقطعة، وما فيها من ~~الهمزة لما مر من التبكيت والإلزام وبل للإضراب المفيد للانتقال من فن ~~من التبكيت بعد تمامه إلى فن آخر منه لما ذكر من المزايا، والبطش ~~الأخذ بقوة، وقرىء يبطشون بضم الطاء وهي لغة فيه والمعنى: بل ألهم أيد ~~يأخذون بها ما يريدون أخذه؟ وتأخير هذا عما قبله لما أن المشي حالهم ~~في أنفسهم والبطش حالهم بالنسبة إلى الغير، وأما تقديمه على قوله ~~تعالى: { أم لهم أعين يبصرون بها أم لهم آذان ~~يسمعون بها } مع أن الكل سواء في أنها من أحوالهم بالنسبة إلى ~~الغير فلمراعاة المقابلة بين الأيدي والأرجل، ولأن انتفاء المشي ~~والبطش أظهر والتبكيت بذلك أقوى، وأما تقديم الأعين فلما أنها أشهر ~~من الآذان وأظهر عينا وأثرا. # هذا وقد قرىء إن الذين تدعون من دون الله عبادا أمثالكم على إعمال ~~إن النافية عمل ما الحجازية أي ما الذين تدعون من دونه تعالى عبادا ~~أمثالكم بل أدنى منكم فيكون قوله تعالى: { ألهم } الخ، تقريرا ~~لنفي المماثلة بإثبات القصور والنقصان { قل ادعوا شركاءكم } ~~بعد ما بين أن شركاءهم لا يقدرون على شيء ما أصلا أمر رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم بأن يناصبهم للمحاجة ويكرر عليهم التبكيت ~~وإلقام الحجر، أي ادعوا شركاءكم واستعينوا بهم علي { ثم كيدون ~~} جميعا أنتم وشركاؤكم وبالغوا في ترتيب ما يقدرون عليه من مبادىء ~~الكيد والمكر { فلا تنظرون } أي فلا تمهلوني ساعة بعد ترتيب ~~مقدمات الكيد فإني لا أبالي بكم أصلا. ### || [7.196-198] # { إن وليى الله الذى نزل الكتب } تعليل لعدم ~~المبالاة المنفهم من السوق انفهاما جليا، ووصفه تعالى بتنزيل ~~الكتاب للإشعار ms1267 بدليل الولاية والإشارة إلى علة أخرى لعدم المبالاة ~~كأنه قيل: لا أبالي بكم وبشركائكم لأن وليي هو الله الذي أنزل الكتاب ~~الناطق بأنه وليي وناصري وبأن شركاءكم لا يستطيعون نصر أنفسهم ~~فضلا عن نصركم، وقوله تعالى: { وهو يتولى الصلحين } ~~تذييل مقرر لمضمون ما قبله أي ومن عادته أن يتولى الصالحين من عباده ~~وينصرهم ولا يخذلهم { والذين تدعون } أي تعبدونهم { من ~~دونه } تعالى أو تدعونهم للاستعانة بهم علي حسبما أمرتكم به { لا ~~يستطيعون نصركم } أي في أمر من الأمور أو في خصوص الأمر ~~المذكور { ولا أنفسهم ينصرون } إذا نابتهم نائبة { وإن ~~تدعوهم إلى الهدى } إلى أن يهدوكم إلى ما تحصلون به مقاصدكم ~~على الإطلاق أو في خصوص الكيد المعهود { لا يسمعوا } أي دعاءكم ~~فضلا عن المساعدة والإمداد، وهذا أبلغ من نفي الاتباع، وقوله تعالى: ~~{ وتراهم ينظرون إليك وهم لا يبصرون } بيان ~~لعجزهم عن الإبصار بعد بيان عجزهم عن السمع وبه يتم التعليل فلا ~~تكرار أصلا، والرؤية بصرية، وقوله تعالى: { ينظرون إليك } ~~حال من المفعول، والجملة الاسمية حال من فاعل ينظرون، أي وترى ~~الأصنام رأي العين يشبهون الناظرين إليك ويخيل إليك بأنهم يبصرونك ~~لما أنهم صنعوا لها أعينا مركبة بالجواهر المضيئة المتلألئة وصوروها ~~بصورة من قلب حدقته إلى الشيء ينظر إليه، والحال أنهم غير قادرين ~~على الإبصار، وتوحيد الضمير في تراهم مع رجوعه إلى المشركين لتوجيه ~~الخطاب إلى كل واحد منهم لا إلى الكل من حيث هو كل كالخطابات ~~السابقة تنبيها على أن رؤية الأصنام على الهيئة المذكورة لا تتسنى ~~للكل معا بل لكل من يواجهها، وقيل: ضمير الفاعل في تراهم لرسول الله ~~صلى الله عليه وسلم وضمير المفعول على حاله، وقيل: للمشركين على أن ~~التعليل قد تم عند قوله تعالى: { لا يسمعوا } أي وترى المشركين ~~ينظرون إليك والحال أنهم لا يبصرونك كما أنت عليه. وعن الحسن أن ~~الخطاب في قوله تعالى: { وأن تدعوا } للمؤمنين على أن التعليل ~~قد تم عند قوله تعالى: { ينصرون } أي وإن تدعوا أيها المؤمنون ~~المشركين إلى الإسلام ms1268 لا يلتفتوا إليكم، ثم خوطب عليه السلام بطريق ~~التجريد بأنك تراهم ينظرون إليك والحال أنهم لا يبصرونك حق الإبصار ~~تنبيها على أن ما فيه عليه السلام من شواهد النبوة ودلائل الرسالة ~~من الجلاء بحيث لا يكاد يخفى على الناظرين. ### || [7.199-201] # { خذ العفو } بعد ما عد من أباطيل المشركين وقبائحهم ما لا ~~يطاق تحمله أمر عليه الصلاة والسلام بمجامع مكارم الأخلاق التي من ~~جملتها الإغضاء عنهم، أي خذ ما عفا لك من أفعال الناس وتسهل ولا ~~تكلفهم ما يشق عليهم، من العفو الذي هو ضد الجهد، أو خذ العفو ~~من المذنبين أو الفضل من صدقاتهم وذلك قبل وجوب الزكاة { وأمر ~~بالعرف } بالجميل المستحسن من الأفعال فإنها قريبة من قبول الناس ~~من غير نكير { وأعرض عن الجهلين } من غير مماراة ولا ~~مكافأة، قيل: (لما نزلت سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم جبريل عليه ~~السلام فقال: لا أدري حتى أسأل ثم رجع فقال: يا محمد إن ربك أمرك أن ~~تصل من قطعك وتعطي من حرمك وتعفو عمن ظلمك) وعن جعفر الصادق: ~~أمر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم بمكارم الأخلاق، وروي أنه لما ~~نزلت الآية الكريمة قال عليه الصلاة والسلام: # " كيف يا رب والغضب متحقق؟ " # فنزل قوله تعالى: { وإما ينزغنك من الشيطن نزغ } ~~النزغ والنسغ والنخس: الغرز شبهت وسوسته للناس وإغراؤه لهم على ~~المعاصي بغرز السائق لما يسوقه، وإسناده إلى النزغ من قبيل جد ~~جده أي وإما يحملنك من جهته وسوسة ما على خلاف ما أمرت به من ~~اعتراء غضب أو نحوه { فاستعذ بالله } فالتجىء إليه تعالى من ~~شره { إنه سميع } يسمع استعاذتك به قولا { عليم } يعلم ~~تضرعك إليه قلبا في ضمن القول أو بدونه فيعصمك من شره. وقد جوز ~~أن يراد بنزغ الشيطان اعتراء الغضب على نهج الاستعارة كما في قول ~~الصديق رضي الله عنه: إن لي شيطانا يعتريني. ففيه زيادة تنفير عنه ~~وفرط تحذير عن العمل بموجبه، وفي الأمر بالاستعاذة بالله تعالى تهويل ~~لأمره وتنبيه على أنه من الغوائل ms1269 الصعبة التي لا يتخلص من ~~مضرتها إلا بالالتجاء إلى حرم عصمته عز وجل، وقيل: يعلم ما فيه ~~صلاح أمرك فيحملك عليه، أو سميع بأقوال من آذاك عليم بأفعاله ~~فيجازيه عليها. # { إن الذين اتقوا } استئناف مقرر لما قبله ببيان أن ما ~~أمر به عليه الصلاة والسلام من الاستعاذة بالله تعالى سنة مسلوكة ~~للمتقين والإخلال بها ديدن الغاوين، أي إن الذين اتصفوا بوقاية أنفسهم ~~عما يضرها { إذا مسهم طئف من الشيطن } أدنى لمة ~~منه، على أن تنوينه للتحقير وهو اسم فاعل يطوف، كأنها تطوف بهم وتدور ~~حولهم لتوقع بهم، أو من طاف به الخيال يطيف طيفا أي ألم وقرىء ~~طيف على أنه مصدر، أو تخفيف من طيف من الواوي أو اليائي كهين ولين، ~~والمراد الشيطان الجنس ولذلك جمع ضميره فيما سيأتي { تذكروا } ~~أي الاستعاذة به تعالى والتوكل عليه { فإذا هم } بسبب ذلك التذكر ~~{ مبصرون } مواقع الخطأ ومكايد الشيطان فيحترزون عنها ولا ~~يتبعونه. ### || [7.202-203] # { وإخونهم } أي إخوان الشياطين وهم المنهمكون في الغي المعرضون ~~عن وقاية أنفسهم عن المضار { يمدونهم فى الغى } أي يكون ~~الشياطين مددا لهم فيه ويعضدونهم بالتزيين والحمل عليه، وقرىء ~~يمدونهم من الإمداد ويمادونهم كأنهم يعينونهم بالتسهيل والإغراء، ~~وهؤلاء بالاتباع والامتثال { ثم لا يقصرون } أي لا يمسكون عن ~~الإغواء حتى يردوهم بالكلية ويجوز أن يكون الضمير للإخوان أي لا يرعون عن ~~الغي ولا يقصرون كالمتقين، ويجوز أن يراد بالإخوان الشياطين ويرجع ~~الضمير إلى الجاهلين فيكون الخبر جاريا على من هو له. # { وإذا لم تأتهم بئاية } من القرآن عند تراخي الوحي أو ~~بآية مما اقترحوه { قالوا لولا اجتبيتها } اجتبى الشيء ~~بمعنى جباه لنفسه، أي هلا جمعتها من تلقاء نفسك تقولا، يرون بذلك أن ~~سائر الآيات أيضا كذلك أو هلا تلقيتها من ربك استدعاء { قل } ردا ~~عليهم { إنما أتبع ما يوحى إلى من ربى } من غير أن ~~يكون لي دخل ما في ذلك أصلا على معنى تخصيص حاله عليه الصلاة والسلام ~~باتباع ما يوحى إليه بتوجيه للقصر المستفاد من كلمة إنما إلى نفس ms1270 ~~الفعل بالنسبة إلى مقابله الذي كلفوه إياه عليه الصلاة والسلام لا على ~~معنى تخصيص اتباعه عليه الصلاة والسلام بما يوحى إليه بتوجيه القصر ~~إلى المفعول بالقياس إلى مفعول آخر كما هو الشائع في موارد الاستعمال ~~وقد مر تحقيقه في قوله تعالى # إن أتبع إلا ما يوحى إلى # [الأنعام: 50, يونس: 15, الأحقاف: 9] كأنه قيل: ما أفعل إلا اتباع ما ~~يوحى إلي منه تعالى وفي التعرض لوصف الربوبية المنبئة عن المالكية ~~والتبليغ إلى الكمال اللائق مع الإضافة إلى ضميره عليه الصلاة والسلام ~~من تشريفه عليه الصلاة والسلام والتنبيه على تأييده ما لا يخفى { ~~هذا } إشارة إلى القرآن الكريم المدلول عليه بما يوحى إلي { ~~بصائر من ربكم } بمنزلة البصائر للقلوب بها تبصر الحق ~~وتدرك الصواب، وقيل: حجج بينة وبراهين نيرة. و(من) متعلقة بمحذوف ~~هو صفة لبصائر مفيدة لفخامتها أي بصائر كائنة منه تعالى، والتعرض ~~لعنوان الربوبية مع الإضافة إلى ضميرهم لتأكيد وجوب الإيمان بها ~~وقوله تعالى: { وهدى ورحمة } عطف على بصائر، وتقديم الظرف ~~عليهما وتعقيبهما بقوله تعالى: { لقوم يؤمنون } للإيذان بأن ~~كون القرآن بمنزلة البصائر للقلوب متحقق بالنسبة إلى الكل وبه تقوم ~~الحجة على الجميع، وأما كونه هدى ورحمة فمختص بالمؤمنين به إذ هم ~~المقتبسون من أنواره والمغتنمون بآثاره، والجملة من تمام القول ~~المأمور به. ### || [7.204-206] # { وإذا قرىء القرءان فاستمعوا له } إرشاد إلى طريق ~~الفوز بما أشير إليه من المنافع الجليلة التي ينطوي عليها القرآن، أي ~~وإذا قرىء القرآن الذي ذكرت شؤونه العظيمة فاستمعوا له استماع ~~تحقيق وقبول { وأنصتوا } أي واسكتوا في خلال القراءة وراعوها ~~إلى انقضائها تعظيما له وتكميلا للاستماع { لعلكم ترحمون } ~~أي تفوزون بالرحمة التي هي أقصى ثمراته. وظاهر النظم الكريم يقتضي ~~وجوب الاستماع والإنصات عند قراءة القرآن في الصلاة وغيرها وقيل: ~~معناه إذا تلا عليكم الرسول القرآن عند نزوله فاستمعوا له وجمهور ~~الصحابة رضي الله تعالى عنهم على أنه في استماع المؤتم، وقد روي أنهم ~~كانوا يتكلمون في الصلاة فأمروا باستماع قراءة الإمام والإنصات له. ~~وعن ابن عباس رضي الله تعالى ms1271 عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ في ~~المكتوبة وقرأ أصحابه خلفه فنزلت وأما خارج الصلاة فعامة العلماء على ~~استحبابهما والآية إما من تمام القول المأمور به أو استئناف من جهته ~~تعالى. # { واذكر ربك في نفسك } على الأول عطف على قل وعلى الثاني ~~فيه تجريد للخطاب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو عام في الأذكار ~~كافة فإن الإخفاء أدخل في الإخلاص وأقرب من الإجابة { تضرعا ~~وخيفة } أي متضرعا وخائفا { ودون الجهر من القول } أي ~~ومتكلما كلاما دون الجهر فإنه أقرب إلى حسن التفكر { بالغدو ~~والاصال } متعلق باذكر أي اذكره في وقت الغدوات والعشيات وقرىء ~~والإيصال وهو مصدر آصل أي دخل في الآصيل موافق للغدو { ولا تكن ~~من الغفلين } عن ذكر الله تعالى { إن الذين عند ربك ~~} وهم الملائكة عليهم السلام ومعنى كونهم عنده سبحانه وتعالى قربهم من ~~رحمته وفضله لتوفرهم على طاعته تعالى { لا يستكبرون عن ~~عبادته } بل يؤدونها حسبما أمروا به { ويسبحونه } أي ~~ينزهونه عن كل ما لا يليق بجناب كبريائه { وله يسجدون } أي ~~يخصونه بغاية العبودية والتذلل لا يشركون به شيئا وهو تعريض بسائر ~~المكلفين ولذلك شرع السجود عند قراءته. عن النبي صلى الله عليه وسلم: # " إذا قرأ ابن آدم آية السجدة فسجد اعتزل الشيطان يبكي فيقول: يا ~~ويله أمر هذا بالسجود فسجد فله الجنة، وأمرت بالسجود فعصيت فلي النار ~~" # وعنه عليه الصلاة والسلام: # " من قرأ سورة الأعراف جعل الله تعالى يوم القيامة بينه وبين إبليس ~~سترا وكان آدم عليه السلام شفيعا له يوم القيامة " ### | [8 - سورة الأنفال] ### || [8.1] # (سورة الأنفال مدنية. وهى خمس وسبعون آية) # { بسم الله الرحمن الرحيم } { يسألونك عن ~~الأنفال } النفل الغنيمة سميت به لأنها عطية من الله تعالى زائدة ~~على ما هو أصل الأجر في الجهاد من الثواب الأخروي، ويطلق على ما يعطى ~~بطريق التنفيل زيادة على السهم من المغنم وقرىء علنفال بحذف الهمزة ~~وإلقاء حركتها على اللام وإدغام نون عن في اللام. روي أن المسلمين ~~اختلفوا في غنائم بدر وفي ms1272 قسمتها فسألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~كيف تقسم ولمن الحكم فيها أللمهاجرين أم للأنصار أم لهم جميعا؟ وقيل: ~~إن الشبان قد أبلوا يومئذ بلاء حسنا فقتلوا سبعين وأسروا سبعين ~~فقالوا: نحن المقاتلون ولنا الغنائم، وقال الشيوخ والوجوه الذين كانوا ~~عند الرايات: كنا ردءا لكم وفئة تنحازون إليها حتى قال سعد بن معاذ ~~لرسول الله صلى الله عليه وسلم: والله ما منعنا أن نطلب ما طلب هؤلاء ~~زهادة في الأجر ولا جبن من العدو ولكن كرهنا أن نعري مصافك ~~فيعطف عليك خيل من المشركين فنزلت. # وقيل: كان النبي صلى الله عليه وسلم قد شرط لمن كان له بلاء أن ~~ينفله، ولذلك فعل الشبان ما فعلوا من القتل والأسر فسألوه عليه ~~الصلاة والسلام ما شرطه لهم فقال الشيوخ: المغنم قليل والناس كثير ~~وإن تعط هؤلاء ما شرطت لهم حرمت أصحابك فنزلت. والأول هو الظاهر ~~لما أن السؤال استعلام لحكم الأنفال بقضية كلمة (عن) لا استعطاء ~~لنفسها كما نطق به الوجه الأخير وادعاء زيادة عن تعسف ظاهر، ~~والاستدلال عليه بقراءة ابن مسعود، وسعد بن أبي وقاص، وعلي بن ~~الحسين وزيد، ومحمد الباقر، وجعفر الصادق، وعكرمة، وعطاء، يسألونك ~~الأنفال، غير منتهض فإن مبناها كما قالوا على الحذف والإيصال كما ~~يعرب عنه الجواب بقوله عز وجل: { قل الأنفال لله والرسول ~~} أي حكمها مختص به تعالى يقسمها الرسول عليه الصلاة والسلام كيفما ~~أمر به من غير أن يدخل فيه رأي أحد ولو كان السؤال استعطاء لما كان ~~هذا جوابا له فإن اختصاص حكم ما شرط لهم من الأنفال بالله والرسول لا ~~ينافي إعطاءها إياهم بل يحققه لأنهم إنما يسألونها بموجب شرط الرسول ~~عليه الصلاة والسلام الصادر عنه بإذن الله تعالى لا بحكم سبق أيديهم ~~إليها ونحو ذلك مما يخل بالاختصاص المذكور، وحمل الجواب على معنى ~~أن الأنفال بالمعنى المذكور مختصة برسول الله صلى الله عليه وسلم لا حق ~~فيها للمنفل كائنا من كان مما لا سبيل إليه قطعا ضرورة ثبوت ~~الاستحقاق بالتنفيل، وادعاء أن ms1273 ثبوته بدليل متأخر التزام لتكرر ~~النسخ من غير علم بالناسخ الأخير، ولا مساغ للمصير إلى ما ذهب إليه ~~مجاهد وعكرمة والسدي من أن الأنفال كانت لرسول الله صلى الله عليه ~~وسلم خاصة ليس لأحد فيها شيء بهذه الآية فنسخت بقوله تعالى: # فأن لله خمسه وللرسول # [الأنفال: 41] لما أن المراد بالأنفال فيما قالوا هو المعنى الأول ~~حتما كما نطق قوله تعالى: # واعلموا أنما غنمتم من شىء # [الأنفال: 41] الآية، على أن الحق أنه لا نسخ حينئذ أيضا حسبما قاله ~~عبد الرحمن بن زيد بن أسلم بل بين في صدر السورة الكريمة إجمالا ~~أن أمرها مفوض إلى الله تعالى ورسوله ثم بين مصاريفها وكيفية ~~قسمتها على التفصيل، وادعاء اقتصار هذا الحكم أعني الاختصاص برسول ~~الله صلى الله عليه وسلم على الأنفال المشروطة يوم بدر بجعل اللام ~~للعهد مع بقاء استحقاق المنفل في سائر الأنفال المشروطة يأباه ~~مقام بيان الأحكام كما ينبي عنه إظهار الأنفال في موقع الإضمار ~~على أن الجواب عن سؤال الموعود ببيان كونه له عليه الصلاة والسلام ~~خاصة مما لا يليق بشأنه الكريم أصلا، وقد روي # " عن سعد بن أبي وقاص أنه قال: قتل أخي عمير يوم بدر فقتلت به ~~(سعيد بن العاص) وأخذت سيفه فأعجبني فجئت به رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فقلت: إن الله تعالى قد شفى صدري من المشركين فهب لي هذا ~~السيف، فقال عليه الصلاة والسلام: " ليس هذا لي ولا لك اطرحه في القبض ~~" فطرحته وبي ما لا يعلمه إلا الله من قتل أخي وأخذ سلبي فما جاوزت ~~إلا قليلا حتى نزلت سورة الأنفال فقال لي رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: " يا سعد إنك سألتني السيف وليس لي وقد صار لي فاذهب فخذه " # وهذا كما ترى يقتضي عدم وقوع التنفيل يومئذ، وإلا لكان سؤال السيف ~~من سعد بموجب شرطه ووعده عليه السلام لا بطريق الهبة المبتدأة، ~~وحمل ذلك من سعد على مراعاة الأدب مع كون سؤاله بموجب الشرط يرده ~~عليه الصلاة والسلام قبل النزول، وتعليله ms1274 بقوله: «ليس هذا لي» لاستحالة ~~أن يعد عليه الصلاة والسلام بما لا يقدر على إنجازه، وإعطاؤه صلى ~~الله عليه وسلم بعد النزول وترتيبه على قوله: «وقد صار لي» ضرورة أن ~~مناط صيرورته له عليه الصلاة السلام قوله تعالى: { الأنفال لله ~~والرسول } والفرض أنه المانع من إعطاء المسؤول ومما هو نص في ~~الباب قوله عز وجل: { فاتقوا الله } أي إذا كان أمر الغنائم لله ~~تعالى ورسوله فاتقوه تعالى واجتنبوا ما كنتم من المشاجرة فيها والاختلاف ~~الموجب لسخط الله تعالى أو فاتقوه في كل ما تأتون وما تذرون فيدخل ~~فيه دخولا أوليا ولو كان السؤال طلبا للمشروط لما كان فيه محذور ~~يجب اتقاؤه، وإظهار الاسم الجليل لتربية المهابة وتعليل الحكم { ~~وأصلحوا ذات بينكم } جعل ما بينهم من الحال لملابستها ~~التامة لبينهم صاحبة له كما جعلت الأمور المضمرة في الصدور ذات ~~الصدور أي أصلحوا ما بينكم من الأحوال بالمواساة والمساعدة فيما رزقكم ~~الله تعالى وتفضل به عليكم. # وعن عبادة بن الصامت نزلت فينا معشر أصحاب بدر حين اختلفنا في النفل ~~وساءت فيه أخلاقنا فنزعه الله تعالى من أيدينا فجعله لرسوله فقسمه بين ~~المسلمين على السواء وكان في ذلك تقوى الله وطاعة رسوله وإصلاح ذات ~~البين وعن عطاء كان الإصلاح بينهم أن دعاهم وقال اقسموا: غنائمكم ~~بالعدل فقالوا: قد أكلنا وأنفقنا فقال: ليرد بعضكم على بعض { ~~وأطيعوا الله ورسوله } بتسليم أمره ونهيه، وتوسيط الأمر ~~بإصلاح ذات البين بين الأمر بالتقوى والأمر بالطاعة لإظهار كمال ~~العناية بالإصلاح بحسب المقام وليندرج الأمر به بعينه تحت الأمر ~~بالطاعة { إن كنتم مؤمنين } متعلق بالأوامر الثلاثة والجواب ~~محذوف ثقة بدلالة المذكور عليه أو هو الجواب على الخلاف المشهور، ~~وأيا ما كان فالمقصود تحقيق المعلق بناء على تحقيق المعلق به، وفيه ~~تنشيط للمخاطبين وحث لهم على المسارعة إلى الامتثال، والمراد ~~بالإيمان كماله أي إن كنتم كاملي الإيمان فإن كمال الإيمان يدور على ~~هذه الخصال الثلاث: طاعة الأوامر واتقاء المعاصي وإصلاح ذات ~~البين بالعدل والإحسان. ### || [8.2-4] # { إنما المؤمنون } جملة مستأنفة مسوقة ms1275 لبيان من أريد ~~بالمؤمنين بذكر أوصافهم الجليلة المستتبعة لما ذكر من الخصال ~~الثلاث، وفيه مزيد ترغيب لهم في الامتثال بالأوامر المذكورة أي إنما ~~الكاملون في الإيمان المخلصون فيه { الذين إذا ذكر الله ~~وجلت قلوبهم } أي فزعت لمجرد ذكره من غير أن يذكر هناك ما ~~يوجب الفزع من صفاته وأفعاله واستعظاما لشأنه الجليل وتهيبا منه ~~وقيل: هو الرجل يهم بمعصية فيقال له: اتق الله فينزع عنها خوفا من ~~عقابه، وقرىء وجلت بفتح الجيم وهي لغة وقرىء فرقت أي خافت { وإذا ~~تليت عليهم آياته } أي آية كانت { زادتهم إيمنا ~~} أي يقينا وطمأنينة نفس فإن تظاهر الأدلة وتعاضد الحجج ~~والبراهين موجب لزيادة الاطمئنان وقوة اليقين، وقيل: إن نفس الإيمان ~~لا يقبل الزيادة والنقصان وإنما زيادته باعتبار زيادة المؤمن به ~~فإنه كلما نزلت صدق بها المؤمن فزاد إيمانه عدا، وأما نفس الإيمان ~~فهو بحاله وقيل: باعتبار أن الأعمال تجعل من الإيمان فيزيد بزيادتها، ~~والأصوب أن نفس التصديق يقبل القوة وهي التي عبر عنها بالزيادة للفرق ~~النير بين يقين الأنبياء وأرباب المكاشفات ويقين آحاد الأمة، ~~وعليه مبنى ما قال علي رضي الله عنه: لو كشف الغطاء ما ازددت يقينا، ~~وكذا بين ما قام عليه دليل واحد وما قامت عليه أدلة كثيرة { وعلى ~~ربهم } مالكهم ومدبر أمورهم خاصة { يتوكلون } يفوضون ~~أمورهم لا إلى أحد سواه والجملة معطوفة على الصلة، وقوله تعالى: { ~~الذين يقيمون الصلوة ومما رزقنهم ينفقون } ~~مرفوع على أنه نعت للموصول الأول أو بدل منه أو بيان له أو منصوب ~~على القطع المنبىء عن المدح ذكر أولا من أعمالهم الحسنة أعمال ~~القلوب من الخشية والإخلاص والتوكل ثم عقب بأعمال الجوارح من الصلاة ~~والصدقة. # { أولئك } إشارة إلى من ذكرت صفاتهم الحميدة من حيث أنهم ~~متصفون بها، وفيه دلالة على أنهم متميزون بذلك عمن عداهم أكمل تميز ~~منتظمون بسببه في سلك الأمور المشاهدة، وما فيه من معنى البعد للإيذان ~~بعلو رتبتهم وبعد منزلتهم في الشرف { هم المؤمنون حقا } ~~لأنهم حققوا إيمانهم بأن ضموا إليه ما فصل من ms1276 أفاضل الأعمال القلبية ~~والقالبية، وحقا صفة لمصدر محذوف، أي أولئك هم المؤمنون إيمانا ~~حقا، أو مصدر مؤكد للجملة أي حق ذلك حقا كقولك: هو عبد الله حقا ~~{ لهم درجت } من الكرامة والزلفى وقيل: درجات عالية في ~~الجنة، وهو إما جملة مبتدأة مبنية على سؤال نشأ من تعداد مناقبهم كأنه ~~قيل: ما لهم بمقابلة هذه الخصال؟ فقيل: لهم كيت وكيت أو خبر ثان ~~لأولئك، وقوله تعالى: { عند ربهم } إما متعلق بمحذوف وقع صفة ~~لدرجات مؤكدة لما أفاده التنوين من الفخامة الذاتية بالفخامة ~~الإضافية أي كائنة عنده تعالى أو بما تعلق به الخبر أعني لهم من ~~الاستقرار، وفي إضافة الظرف إلى الرب المضاف إلى ضميرهم مزيد تشريف ~~ولطف لهم وإيذان بأن ما وعد لهم متيقن الثبوت والحصول مأمون ~~الفوات { ومغفرة } لما فرط منهم { ورزق كريم } لا ينقضي ~~أمده ولا ينتهي عدده وهو ما أعد لهم من نعيم الجنة. ### || [8.5] # { كما أخرجك ربك من بيتك بالحق } الكاف في محل ~~الرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف تقديره: هذه الحال كحال إخراجك يعني ~~أن حالهم في كراهتهم لما رأيت مع كونه حقا كحالهم في كراهتهم لخروجك ~~للحرب وهو حق أو في محل النصب على أنه صفة لمصدر مقدر في قوله ~~تعالى: { الأنفال لله } أي الأنفال ثبتت لله والرسول مع ~~كراهتهم ثباتا مثل ثبات إخراج ربك إياك من بيتك في المدينة أو من ~~المدينة إخراجا ملتبسا بالحق { وإن فريقا من المؤمنين ~~لكارهون } أي والحال أن فريقا منهم كارهون للخروج إما لنفرة ~~الطبع عن القتال أو لعدم الاستعداد (وذلك أن عير قريش أقبلت من ~~الشام وفيها تجارة عظيمة ومعها أربعون راكبا منهم أبو سفيان، وعمرو ~~بن العاص، وعمرو بن هشام، فأخبر جبريل رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فأخبر المسلمين فأعجبهم تلقي العير لكثرة الخير وقلة القوم، ~~فلما خرجوا بلغ أهل مكة خبر خروجهم فنادى أبو جهل فوق الكعبة يا ~~أهل مكة النجاء النجاء على كل صعب وذلول عيركم أموالكم إن ~~أصابها محمد لم تفلحوا بعدها أبدا، ms1277 وقد رأت أخت العباس بن عبد ~~المطلب رضي الله عنه رؤيا فقالت لأخيها: إني رأيت عجبا رأيت كأن ~~ملكا نزل من السماء فأخذ صخرة من الجبل ثم حلق بها فلم يبق بيت من ~~بيوت مكة إلا أصابه حجر من تلك الصخرة فحدث بها العباس رضي الله عنه ~~فقال أبو جهل: ما يرضى رجالهم أن يتنبأوا حتى تتنبأ نساؤهم فخرج أبو ~~جهل بجميع أهل مكة وهم النفير فقيل له: إن العير أخذت طريق ~~الساحل ونجحت فارجع بالناس إلى مكة فقال: لا واللات لا يكون أبدا ~~ننحر الجزور ونشرب الخمور ونقيم القينات والمعازف ببدر فيتسامع ~~جميع العرب بمخرجنا وأن محمدا لم يصب العير وأنا قد أعضضناه ~~فمضى بهم إلى بدر، ماء كانت العرب تجتمع فيه لسوقهم يوما في السنة ~~فنزل جبريل عليه السلام فقال: يا محمد إن الله وعدكم إحدى الطائفتين ~~إما العير وإما قريشا فاستشار النبي عليه الصلاة والسلام أصحابه ~~فقال: # " ما تقولون؟ إن القوم قد خرجوا من مكة على كل صعب وذلول ~~فالعير أحب إليكم أم النفير؟ " # فقالوا: بل العير أحب إلينا من لقاء العدو فتغير وجه رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم ثم ردد عليهم، فقال: # " إن العير قد مضت على ساحل البحر، وهذا أبو جهل قد أقبل " # فقالوا: يا رسول الله عليك بالعير ودع العدو فقام عندما غضب ~~النبي صلى الله عليه وسلم أبو بكر وعمر رضي الله عنهما فأحسنا ثم قام ~~سعد بن عبادة فقال: انظر أمرك فامض فوالله لو سرت إلى عدن ~~أبين ما تخلف عنك رجل من الأنصار. # ثم قال المقداد بن عمرو رضي الله عنه: يا رسول الله امض لما أمرك ~~الله فإنا معك حيثما أحببت، لا نقول لك كما قال بنو إسرائيل لموسى ~~عليه السلام: اذهب أنت وربك فقاتلا إنا ههنا قاعدون ولكن اذهب أنت ~~وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون ما دامت عين منا تطرف، فضحك رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم ثم قال: # " أشيروا علي أيها الناس " # وهو يريد الأنصار لأنهم قالوا ms1278 له حين بايعوه على العقبة: إنا برآء من ~~ذمامك حتى تصل إلى ديارنا فإذا وصلت إلينا فأنت في ذمامنا نمنعك مما ~~نمنع منه أبناءنا ونساءنا فكان النبي عليه الصلاة والسلام يتخوف أن ~~تكون الأنصار لا ترى عليهم نصرته إلا على عدو دهمه بالمدينة فقام ~~سعد بن معاذ فقال: لكأنك تريدنا يا رسول الله قال: «أجل»، قال: قد آمنا ~~بك وصدقناك وشهدنا أن ما جئت به هو الحق وأعطيناك على ذلك عهودنا ~~ومواثيقنا على السمع والطاعة فامض يا رسول الله لما أردت فوالذي ~~بعثك بالحق لو استعرضت بنا هذا البحر فخضته لخضناه معك ما تخلف منا ~~رجل واحد وما نكره أن تلقى بنا عدونا وإنا لصبر عند الحرب صدق عند ~~اللقاء ولعل الله يريك منا ما تقر به عينك فسر بنا على بركة الله ~~ففرح رسول الله صلى الله عليه وسلم وبسطه قول سعد ثم قال: # " سيروا على بركة الله وأبشروا فإن الله قد وعدني إحدى الطائفتين، ~~والله لكأني الآن أنظر إلى مصارع القوم " # وروي: (أنه قيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم حين فرغ من بدر: عليك ~~بالعير ليس دونها شيء فناداه العباس رضي الله عنه وهو في وثاقه لا ~~يصلح، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «لم؟» قال: لأن الله وعدك إحدى ~~الطائفتين وقد أعطاك ما وعدك). ### || [8.6-7] # { يجدلونك في الحق } الذي هو تلقي النفير لإيثارهم عليه ~~تلقي العير، والجملة استئناف أو حال ثانية أي أخرجك في حال مجادلتهم ~~إياك ويجوز أن يكون حالا من الضمير في لكارهون وقوله تعالى: { بعد ~~ما تبين } منصوب بيجادلونك، وما مصدرية أي بعد تبين الحق لهم ~~بإعلامك أنهم ينصرون أينما تواجهوا ويقولون: ما كان خروجنا إلا ~~للعير، وهلا قلت لنا لنستعد ونتأهب وكان ذلك لكراهتهم القتال { ~~كأنما يساقون إلى الموت } الكاف في محل النصب على ~~الحالية من الضمير في لكارهون أي مشبهين بالذين يساقون بالعنف ~~والصغار إلى القتل { وهم ينظرون } حال من ضمير يساقون أي ~~والحال أنهم ينظرون إلى أسباب الموت ويشاهدونها عيانا، وما ms1279 كانت هذه ~~المرتبة من الخوف والجزع إلا لقلة عددهم وعدم تأهبهم وكونهم ~~رجالة. روي أنه لم يكن فيهم إلا فارسان. # { وإذ يعدكم الله إحدى الطائفتين } كلام مستأنف ~~مسوق لبيان جميل صنع الله عز وجل بالمؤمنين مع ما بهم من قلة الحزم ~~ودناءة الهمة وقصور الرأي والخوف والجزع، وإذ منصوب على ~~المفعولية بمضمر خوطب به المؤمنون بطريق التلوين والالتفات، وإحدى ~~الطائفتين مفعول ثان ليعدكم أي اذكروا وقت وعد الله إياكم إحدى ~~الطائفتين، وتذكير الوقت مع أن المقصود تذكير ما فيه من الحوادث لما ~~مر مرارا من المبالغة في إيجاب ذكرها لما أن إيجاب ذكر الوقت إيجاب ~~لذكر ما وقع فيه بالطريق البرهاني ولأن الوقت مشتمل على ما وقع فيه من ~~الحوادث بتفاصيلها، فإذا استحضر كان ما وقع فيه حاضرا مفصلا كأنه ~~مشاهد عيانا، وقرىء يعدكم بسكون الدال تخفيفا، وصيغة المضارع ~~لحكاية الحال الماضية لاستحضار صورتها وقوله تعالى: { أنها لكم ~~} بدل اشتمال من إحدى الطائفتين مبين لكيفية الوعد أي يعدكم أن ~~إحدى الطائفتين كائنة لكم مختصة بكم مسخرة لكم تتسلطون عليها تسلط ~~الملاك وتتصرفون فيهم كيف شئتم { وتودون } عطف على يعدكم داخل ~~تحت الأمر بالذكر أي تحبون { أن غير ذات الشوكة تكون ~~لكم } من الطائفتين لا ذات الشوكة وهي النفير ورئيسهم أبو جهل ~~وهم ألف مقاتل، وغير ذات الشوكة هي العير إذ يكن فيها إلا أربعون ~~فارسا ورأسهم أبو سفيان. والتعبير عنهم بهذا العنوان للتنبيه على ~~سبب ودادتهم لملاقاتهم وموجب كراهتهم ونفرتهم عن موافاة النفير، ~~والشوكة: العدة، مستعارة من واحدة الشوك وشوك القنا سباها { ~~ويريد الله } عطف على تودون منتظم معه في سلك التذكير ~~ليظهر لهم عظيم لطف الله بهم مع دناءة هممهم وقصور آرائهم، أي ~~اذكروا وقت وعده تعالى إياكم إحدى الطائفتين وودادتكم لأدناهما ~~وإرادته تعالى لأعلاهما وذلك قوله تعالى: { أن يحق الحق } أي ~~يثبته ويعليه { بكلمته } أي بآياته المنزلة في هذا الشأن ~~أو بأوامره للملائكة بالإمداد وبما قضى من أسرهم وقتلهم وطرحهم في ~~قليب بدر، وقرىء بكلمته { ويقطع دابر الكفرين ms1280 } أي ~~آخرهم ويستأصلهم بالمرة، المعنى أنتم تريدون سفساف الأمور والله ~~عز وعلا يريد معاليها وما يرجع إلى علو كلمة الحق وسمو رتبة ~~الدين، وشتان بين المرادين. ### || [8.8-9] # وقوله تعالى: { ليحق الحق ويبطل البطل } جملة ~~مستأنفة سيقت لبيان الحكمة الداعية إلى اختيار ذات الشوكة ونصرهم ~~عليها مع إرادتهم لغيرها، واللام متعلقة بفعل مقدر مؤخر عنها، أي لهذه ~~الغاية الجليلة فعل ما فعل لا لشيء آخر وليس فيه تكرار إذ الأول ~~لبيان تفاوت ما بين الإرادتين، وهذا لبيان الحكمة الداعية إلى ما ~~ذكر، ومعنى إحقاق الحق إظهار حقيته لا جعله حقا بعد أن لم يكن ~~كذلك وكذا حال إبطال الباطل { ولو كره المجرمون } أي ~~المشركون ذلك أي إحقاق الحق وإبطال الباطل { إذ تستغيثون ~~ربكم } بدل من إذ يعدكم معمول لعامله، فالمراد تذكير استمدادهم ~~منه سبحانه والتجائهم إليه تعالى حين ضاقت عليهم الحيل وعيت بهم ~~العلل، وإمداده تعالى حينئذ وقيل: متعلق بقوله تعالى ليحق الحق على ~~الظرفية، وما قيل من أن قوله تعالى ليحق مستقبل لأنه منصوب بأن فلا ~~يمكن عمله في إذا لأنه ظرف لما مضى ليس بشيء لأن كونه مستقبلا إنما ~~هو بالنسبة إلى زمان ما هو غاية له في الفعل المقدر لا بالنسبة إلى ~~زمان الاستغاثة حتى لا يعمل فيه بل هما في وقت واحد وإنما عبر عن ~~زمانها بإذ نظرا إلى زمان النزول، وصيغة الاستقبال في تستغيثون ~~لحكاية الحال الماضية لاستحضار صورتها العجيبة، وقيل: متعلق بمضمر ~~مستأنف أي اذكروا وقت استغاثتكم وذلك أنهم لما علموا أنه لا بد من ~~القتال جعلوا يدعون الله تعالى قائلين: أي رب انصرنا على عدوك يا ~~غياث المستغيثين أغثنا، (وعن عمر رضي الله عنه أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم نظر إلى المشركين وهم ألف وإلى أصحابه وهو ثلثمائة ~~وبضعة عشر فاستقبل القبلة ومد يديه يدعو: # " اللهم أنجز لي ما وعدتني اللهم إن تهلك هذه العصابة لا ~~تعبد في الأرض " # فما زال كذلك حتى سقط رداؤه فأخذه أبو بكر رضى الله عنه فألقاه ms1281 على ~~منكبه والتزمه من ورائه وقال: يا نبي الله كفاك مناشدتك ربك فإنه ~~سينجز لك ما وعدك). # { فاستجاب لكم } عطف على تستغيثون داخل معه في حكم التذكير ~~لما عرفت أنه ماض وصيغة الاستقبال لاستحضار الصورة { أني ~~ممدكم } أي بأني، فحذف الجار وسلط عليه الفعل فنصب محله، ~~وقرىء بكسر الهمزة على إرادة القول أو على إجراء استجاب مجرى قال لأن ~~الاستجابة من مقولة القول { بألف من الملئكة مردفين } ~~أي جاعلين غيرهم من الملائكة رديفا لأنفسهم فالمراد بهم رؤساؤهم ~~المستتبعون لغيرهم، وقد اكتفي ههنا بهذا البيان الإجمالي وبين ~~في سورة آل عمران مقدار عدهم، وقيل: معناه متبعين أنفسهم ~~ملائكة آخرين أو متبعين المؤمنين أو بعضهم بعضا، من أردفته إذا جئت ~~بعده، أو متبعين بعضهم بعض المؤمنين أو أنفسهم المؤمنين، من أردفته ~~إياه فردفه، وقرىء مردفين بفتح الدال أي متبعين أو متبعين بمعنى ~~أنهم كانوا مقدمة الجيش أو ساقتهم وقرىء مردفين بكسر الراء وضمها ~~وتشديد الدال وأصلهما مرتدفين بمعنى مترادفين فأدغمت التاء في الدال ~~فالتقى الساكنان فحركت الراء بالكسر على الأصل أو بالضم على الإتباع، ~~وقرى بآلاف ليوافق ما في سورة آل عمران. # ووجه التوفيق بينه وبين المشهور أن المراد بالألف الذين كانوا على ~~المقدمة أو الساقة أو وجوههم وأعيانهم أو من قاتل منهم واختلف في ~~مقاتلتهم وقد روي أخبار تدل على وقوعها. ### || [8.10] # { وما جعله الله } كلام مستأنف سيق لبيان أن الأسباب ~~الظاهرة بمعزل من التأثير وإنما التأثير مختص به عز وجل ليثق ~~المؤمنون ولا يقنطوا من النصر عند فقدان أسبابه، والجعل متعد إلى ~~مفعول واحد هو الضمير العائد إلى مصدر فعل مقدر يقتضيه المقام ~~اقتضاء ظاهرا مغنيا عن التصريح به، كأنه قيل: فأمدكم بهم وما جعل ~~إمدادكم بهم { إلا بشرى } وهو استثناء مفرغ من أعم العلل أي ~~وما جعل إمدادكم بإنزال الملائكة عيانا لشيء من الأشياء إلا للبشرى لكم ~~بأنكم تنصرون { ولتطمئن به } أي بالإمداد { قلوبكم } ~~وتسكن إليه نفوسكم كما كانت السكينة لبني إسرائيل كذلك، فكلاهما ~~مفعول له للجعل، وقد نصب ms1282 الأول لاجتماع شرائطه وبقي الثاني على حاله ~~لفقدانها، وقيل: للإشارة إلى أصالته في العلية وأهميته في نفسه كما ~~قيل في قوله تعالى: # والخيل والبغال والحمير لتركبوها وزينة # [النحل: 8] وفي قصر الإمداد عليهما إشعار بعدم مباشرة الملائكة ~~للقتال وإنما كان إمدادهم بتقويه قلوب المباشرين وتكثير سوادهم ونحوه ~~كما هو رأي بعض السلف وقيل: الجعل متعد إلى اثنين ثانيهما إلا بشرى ~~على أنه استثناء من أعم المفاعيل، أي وما جعله الله شيئا من الأشياء ~~إلا بشارة لكم فاللام في ولتطمئن متعلقة بمحذوف مؤخر تقديره ولتطمئن به ~~قلوبكم فعل ذلك لا لشيء آخر { وما النصر } أي حقيقة النصر ~~على الإطلاق { إلا من عند الله } أي إلا كائن من عنده عز وجل ~~من غير أن يكون فيه شركة من جهة الأسباب والعدد، وإنما هي مظاهر له ~~بطريق جريان السنة الإلهية { أن الله عزيز } لا يغالب في ~~حكمه ولا ينازع في أقضيته { حكيم } يفعل كل ما يفعل حسبما تقتضيه ~~الحكمة والمصلحة، والجملة تعليل لما قبلها متضمن للإشعار بأن ~~النصر الواقع على الوجه المذكور من مقتضيات الحكم البالغة. ### || [8.11] # { إذ يغشيكم النعاس } أي يجعله غاشيا لكم ومحيطا بكم وهو ~~بدل ثان من إذ يعدكم لإظهار نعمة أخرى، وصيغة الاستقبال فيه وفيما ~~عطف عليه لحكاية الحال الماضية كما في تستغيثون، أو منصوب بإضمار ~~اذكروا، وقيل: هو متعلق بالنصر أو بما في (من عند الله) من معنى ~~الفعل، أو بالجعل وليس بواضح، وقرىء يغشيكم من الإغشاء بمعنى التغشية، ~~والفاعل في الوجهين هو الباري تعالى وقرىء يغشاكم على إسناد الفعل إلى ~~النعاس وقوله تعالى: { أمنة منه } على القراءتين الأوليين ~~منصوب على العلية بفعل مترتب على الفعل المذكور أي يغشيكم النعاس ~~فتنعسون أمنا كائنا من الله تعالى لا كلالا وإعياء أو على أنه ~~مصدر لفعل آخر كذلك أي فتأمنون أمنا كما في قوله تعالى: # وأنبتها نباتا حسنا # [آل عمران: 37] على أحد الوجهين، وقيل: منصوب بنفس الفعل المذكور، ~~والأمنة بمعنى الأمان وعلى القراءة الأخيرة منصوب على العلية ~~بيغشاكم باعتبار المعنى فإنه ms1283 في حكم تنعسون أو على أنه مصدر لفعل ~~مترتب عليه كما مر، وقرىء أمنة كرحمة { وينزل عليكم من ~~السماء ماء } تقديم الجار والمجرور على المفعول به لما مر مرارا ~~من الاهتمام بالمقدم والتشويق إلى المؤخر فإن ما حقه التقديم إذا ~~أخر تبقى النفس مترقبة له، فعند وروده يتمكن عندها فضل تمكن، ~~وتقديم عليكم لما أن بيان كون التنزيل عليهم أهم من بيان كونه من ~~السماء وقرىء بالتخفيف من الإنزال { ليطهركم به } أي من الحديث ~~الأصغر والأكبر. # { ويذهب عنكم رجز الشيطن } الكلام في تقديم الجار ~~والمجرور كما مر آنفا، والمراد برجز الشيطان وسوسته وتخويفه إياهم ~~من العطش. (روي أنهم نزلوا في كثيب أعفر تسوخ فيه الأقدام على غير ~~ماء وناموا فاحتلم أكثرهم وقد غلب المشركون على الماء فتمثل لهم ~~الشيطان فوسوس إليهم وقال: أنتم يا أصحاب محمد تزعمون أنكم على الحق، ~~وإنكم تصلون على غير وضوء وعلى الجنابة وقد عطشتم ولو كنتم على الحق ما ~~غلبكم هؤلاء على الماء، وما ينتظرون بكم إلا أن يجهدكم العطش فإذا ~~قطع أعناقكم مشوا إليكم فقتلوا من أحبوا وساقوا بقيتكم إلى مكة ~~فحزنوا حزنا شديدا وأشفقوا فأنزل الله عز وجل المطر فمطروا ليلا ~~حتى جرى الوادي فاغتسلوا وتوضأوا وسقوا الركاب وتلبد الرمل الذي ~~كان بينهم وبين العدو حتى ثبتت عليه الأقدام وزالت وسوسة الشيطان ~~وطابت النفوس وقويت القلوب) وذلك قوله تعالى: { وليربط على ~~قلوبكم } أي يقويها بالثقة بلطف الله تعالى فيما بعد بمشاهدة ~~طلائعه { ويثبت به الأقدام } فلا تسوخ في الرمل، فالضمير ~~للماء كالأول ويجوز أن يكون للربط فإن القلب إذا قوي وتمكن فيه الصبر ~~والجراءة لا تكاد تزل القدم في معارك الحروب. ### || [8.12] # وقوله تعالى: { إذ يوحى ربك إلى الملئكة } منصوب ~~بمضمر مستأنف خوطب به النبي عليه الصلاة والسلام بطريق التجريد ~~حسبما تنطق به الكاف لما أن المأمور به مما لا يستطيعه غيره عليه ~~الصلاة والسلام فإن الوحي المذكور قبل ظهوره بالوحي المتلو على ~~لسانه عليه الصلاة والسلام ليس من النعم التي يقف عليها ms1284 عامة الأمة ~~كسائر النعم السابقة التي أمروا بذكر وقتها بطريق الشكر، وقيل: منصوب ~~بقوله تعالى: # ويثبت به الأقدام # فلا بد حينئذ من عود الضمير المجرور في به إلى الربط على القلوب ~~ليكون المعنى: ويثبت أقدامكم بتقوية قلوبكم وقت إيحائه إلى الملائكة ~~وأمره بتثبيتهم إياكم وهو وقت القتال، ولا يخفى أن تقييد التثيبت ~~المذكور بوقت مبهم عندهم ليس فيه مزيد فائدة، وأما انتصابه على أنه ~~بدل ثالث من إذ يعدكم كما قيل فيأباه تخصيص الخطاب به عليه الصلاة ~~والسلام مع ما عرفت من أن المأمور به ليس من الوظائف العامة للكل ~~كسائر أخواته. وفي التعرض لعنوان الربوبية مع الإضافة إلى ضميره عليه ~~الصلاة والسلام من التنويه والتشريف ما لا يخفى، والمعنى اذكر وقت ~~إيحائه تعالى إلى الملائكة { إنى معكم } أي بالإمداد والتوفيق في ~~أمر التثبيت فهو مفعول يوحي، وقرىء بالكسر على إرادة القول أو إجراء ~~الوحي مجراه. وما يشعر به دخول كلمة مع من متبوعية الملائكة إنما ~~هي من حيث إنهم المباشرون للتثبيت صورة فلهم الأصالة من تلك الحيثية ~~كما في أمثال قوله تعالى: # إن الله مع الصبرين # [البقرة: 153] والفاء في قوله تعالى: { فثبتوا الذين ~~ءامنوا } لترتيب ما بعدها على ما قبلها فإن إمداده تعالى إياهم من ~~أقوى موجبات التثبيت، واختلفوا في كيفية التثبيت فقالت جماعة: إنما ~~أمروا بتثبيتهم بالبشارة وتكثير السواد ونحوهما مما تقوى به ~~قلوبهم وتصح عزائمهم ونياتهم ويتأكد جدهم في القتال وهو الأنسب ~~بمعنى التثبيت وحقيقته التي هي عبارة عن الحمل على الثبات في موطن ~~الحرب والجد في مقاساة شدائد القتال. وقد روي أنه كان الملك يتشبه ~~بالرجل الذي يعرفونه بوجهه فيأتي ويقول: إنى سمعت المشركين يقولون: ~~والله لئن حملوا علينا لننكشفن ويمشي بين الصفين فيقول: أبشروا فإن ~~الله تعالى ناصركم وقال آخرون: أمروا بمحاربة أعدائهم وجعلوا قوله ~~تعالى: { سألقى في قلوب الذين كفروا الرعب } تفسيرا ~~لقوله تعالى: { إنى معكم } وقوله تعالى: { فاضربوا } الخ، ~~تفسيرا لقوله تعالى: { فثبتوا } مبينا لكيفية التثبيت. وقد روي ~~عن أبي داود المازنى رضي ms1285 الله عنه وكان ممن شهد بدرا أنه قال: اتبعت ~~رجلا من المشركين يوم بدر لأضربه فوقعت رأسه بين يدي قبل أن ~~يصل إليه سيفي. وعن سهل بن حنيف رضي الله عنه أنه قال: لقد رأيتنا ~~يوم بدر وإن أحدنا يشير بسيفه إلى المشرك فتقع رأسه عن جسده قبل أن ~~يصل إليه السيف. # وأنت خبير بأن قتلهم للكفرة مع عدم ملاءمته لمعنى تثبيت المؤمنين ~~ مما لا يتوقف على الإمداد بإلقاء الرعب فلا يتجه ترتيب الأمر به ~~عليه بالفاء وقد اعتذر الأولون بأن قوله تعالى: { فثبتوا الذين ~~ءامنوا } تلقينا للملائكة ما يثبتونهم به، كأنه قيل: قولوا لهم ~~قولي: سألقي في قلوب الذين كفروا الرعب فاضربوا الخ فالضاربون هم ~~المؤمنون، وأما ما قيل من أن ذلك خطاب منه تعالى للمؤمنين بالذات على ~~طريق التلوين فمبناه توهم وروده قبل القتال وأنى ذلك والسورة ~~الكريمة إنما نزلت بعد تمام الوقعة، وقوله تعالى: { فوق الاعنق ~~} أي أعاليها التي هي المذابح أو الهامات { واضربوا منهم كل ~~بنان } قيل: البنان أطراف الأصابع من اليدين والرجلين، وقيل: هي ~~الأصابع من اليدين والرجلين وقال أبو الهيثم البنان: المفاصل، وكل ~~مفصل بنانه وقال ابن جريج والضحاك: يعني الأطراف أي اضربوهم في جميع ~~الأعضاء من أعاليها إلى أسافلها. وقيل: المراد بالبنان الأداني وبفوق ~~الأعناق الأعالي والمعنى فاضربوا الصناديد والسفلة وتكرير الأمر ~~بالضرب لمزيد الاعتناء بأمره و(منهم) متعلق به أو بمحذوف وقع حالا مما ~~بعده. ### || [8.13-14] # { ذلك } إشارة إلى ما أصابهم من العقاب، وما فيه من معنى البعد ~~للإيذان ببعد درجته في الشدة والفظاعة، والخطاب لرسول الله صلى الله ~~عليه وسلم أو لكل أحد ممن يليق بالخطاب، ومحله الرفع على الابتداء ~~وخبره قوله تعالى: { بأنهم شاقوا الله ورسوله } أي ~~ذلك العقاب الفظيع واقع عليهم بسبب مشاقتهم ومغالبتهم من لا ~~سبيل إلى مغالبته أصلا، واشتقاق المشاقة من الشق لما أن كلا من ~~المشاقين في شق الآخر كما أن اشتقاق المعاداة والمخاصمة من ~~العدوة والخصم أي الجانب لأن كلا من المتعاديين والمتخاصمين في ~~عدوة وخصم ms1286 غير عدوة الآخر وخصمه { ومن يشاقق الله ~~ورسوله } الإظهار في موضع الإضمار لتربية المهابة وإظهار كمال ~~شناعة ما اجترأوا عليه والإشعار بعلة الحكم. وقوله تعالى: { فإن ~~الله شديد العقاب } إما نفس الجزاء قد حذف منه العائد إلى ~~(من) عند من يلتزمه، أي شديد العقاب له، أو تعليل للجزاء المحذوف أي ~~يعاقبه الله فإن الله شديد العقاب، وأيا ما كان فالشرطية تكملة لما ~~قبلها وتقرير لمضمونه وتحقيق للسببية بالطريق البرهاني، كأنه قيل: ذلك ~~العقاب الشديد بسبب مشاقتهم لله تعالى ورسوله وكل من يشاقق الله ~~ورسوله كائنا من كان فله بسبب ذلك عقاب شديد فإذن لهم بسبب ~~مشاقتهم لهما عقاب شديد، وأما أنه وعيد لهم بما أعد لهم في الآخرة ~~بعد ما حاق بهم في الدنيا كما قيل فيرده ما بعده من قوله تعالى: { ~~ذلكم فذوقوه وأن للكفرين عذاب النار } فإنه ~~مع كونه هو المسوق للوعيد بما ذكر ناطق بكون المراد بالعقاب ~~المذكور ما أصابهم عاجلا سواء جعل ذلكم إشارة إلى نفس العقاب أو ~~إلى ما تفيده الشرطية من ثبوت العقاب لهم، أما على الأول فلأن الأظهر ~~أن محله النصب بمضمر يستدعيه قوله تعالى: { فذوقوه } ، والواو في ~~قوله تعالى: { وأن للكفرين } الخ بمعنى مع فالمعنى باشروا ~~ذلكم العقاب الذي أصابكم فذوقوه عاجلا مع أن لكم عذاب النار آجلا، ~~فوضع الظاهر موضع الضمير لتوبيخهم بالكفر وتعليل الحكم به، وأما ~~على الثاني فلأن الأقرب أن محله الرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف، ~~وقوله تعالى: { وأن للكفرين } الخ معطوف عليه، والمعنى ~~حكم الله ذلكم، أي ثبوت هذا العقاب لكم عاجلا وثبوت عذاب النار ~~آجلا، وقوله تعالى: { فذوقوه } اعتراض وسط بين المعطوفين ~~للتهديد، والضمير على الأول لنفس المشار إليه وعلى الثاني لما في ضمنه، ~~وقد ذكر في إعراب الآية الكريمة وجوه أخر، ومدار الكل على أن ~~المراد بالعقاب ما أصابهم عاجلا والله تعالى أعلم، وقرىء بكسر إن على ~~الاستئناف. ### || [8.15-16] # { يا أيها الذين آمنوا } خطاب للمؤمنين بحكم كلي جار فيما ~~سيقع من الوقائع والحروب جيء به ms1287 في تضاعيف القصة إظهارا للاعتناء ~~بشأنه ومبالغة في حثهم على المحافظة عليه { إذا لقيتم الذين ~~كفروا زحفا } الزحف الدبيب يقال: زحف الصبي زحفا إذا دب ~~على إسته قليلا قليلا، سمي به الجيش الداهم المتوجه إلى العدو ~~لأنه لكثرته وتكاثفه يرى كأنه يزحف وذلك لأن الكل يرى كجسم واحد ~~متصل فيحس حركته بالقياس إليه في غاية البطء وإن كانت في نفس ~~الأمر على غاية السرعة قال قائلهم: # وأرعن مثل الطود تحسب أنهم # وقوف لجاج والركاب تهملج # ونصبه إما على أنه إما حال من مفعول لقيتم أي زاحفين نحوكم وإما على ~~أنه مصدر مؤكد لفعل مضمر هو الحال منه أي يزحفون زحفا، وأما كونه ~~حالا من فاعله أو منه ومن مفعوله معا كما قيل فيأباه قوله تعالى: { ~~فلا تولوهم الأدبار } إذ لا معنى لتقييد النهي عن الإدبار ~~بتوجههم السابق إلى العدو أو بكثرتهم بل توجه العدو إليهم وكثرتهم ~~هو الداعي إلى الإدبار عادة والمحوج إلى النهي عنه، وحمله على ~~الإشعار بما سيكون منهم يوم حنين حيث تولوا مدبرين وهم زحف من ~~الزحوف اثنا عشر ألفا بعيد، والمعنى إذ لقيتموهم للقتال وهم كثير ~~جم وأنتم قليل فلا تولوهم أدباركم فضلا عن الفرار بل قابلوهم ~~وقاتلوهم مع قلتكم فضلا عن أن تدانوهم في العدد أو تساووهم { ومن ~~يولهم يومئذ } أي يوم اللقاء { دبره } فضلا عن الفرار، ~~وقرىء بسكون الباء { إلا متحرفا لقتال } إما بالتوجه إلى ~~قتال طائفة أخرى أهم من هؤلاء وإما بالفر للكر بأن يخيل لعدوه أنه ~~منهزم ليغره ويخرجه من بين أعوانه ثم يعطف عليه وحده أو مع ~~من في الكمين من أصحابه وهو باب من خدع الحرب ومكايدها { أو ~~متحيزا إلى فئة } أي منحازا إلى جماعة أخرى من المؤمنين ~~لينضم إليهم ثم يقاتل معهم العدو. # " عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: إن سرية فروا وأنا معهم فلما رجعوا ~~إلى المدينة استحيوا ودخلوا البيوت فقلت: يا رسول الله نحن الفرارون ~~فقال صلى الله عليه وسلم: " بل أنتم العكارون أي الكرارون من ms1288 عكر أي ~~رجع وأنا فئتكم " # ، وانهزم رجل من القادسية فأتى المدينة إلى عمر رضي الله عنه فقال: ~~يا أمير المؤمنين هلكت ففررت من الزحف فقال رضي الله عنه: أنا ~~فئتك، ووزن متحيز متفيعل لا متفعل وإلا لكان متحوزا لأنه من حاز ~~يحوز وانتصابهما إما على الحالية وإلا لغو لا عمل لها وإما على ~~الاستثناء من المولين أي ومن يولهم دبره إلا رجلا منهم متحرفا أو ~~متحيزا { فقد باء } أي رجع { بغضب } عظيم لا يقادر قدره و(من) ~~في قوله تعالى: { من الله } متعلقة بمحذوف هو صفة لغضب مؤكدة لما ~~أفاده التنوين من الفخامة والهول بالفخامة الإضافية أي بغضب كائن منه ~~تعالى { ومأواه جهنم } أي بدل ما أراد بفراره أن يأوي إليه ~~من مأوى ينجيه من القتل { وبئس المصير } في إيقاع البوء في ~~موقع جواب الشرط الذي هو التولية مقرونا بذكر المأوى والمصير من ~~الجزالة ما لا مزيد عليه. # عن ابن عباس رضي الله عنهما أن الفرار من الزحف من أكبر الكبائر وهذا ~~إذا لم يكن العدو أكثر من الضعف لقوله تعالى: # الئن خفف الله عنكم # [الأنفال: 66] الآية، وقيل: الآية مخصوصة بأهل بيته والحاضرين معه في ~~الحرب. ### || [8.17] # { فلم تقتلوهم } رجوع إلى بقية أحكام الوقعة وأحوالها ~~وتقرير ما سبق منها والفاء جواب شرط مقدر يستدعيه ما مر من ذكر ~~إمداده تعالى وأمره بالتثبيت وغير ذلك، كأنه قيل: إذا كان الأمر ~~كذلك فلم تقتلوهم أنتم بقوتكم وقدرتكم { ولكن الله ~~قتلهم } بنصركم وتسليطكم عليهم وإلقاء الرعب في قلوبهم ويجوز أن ~~يكون التقدير: إذا علمتم ذلك فلم تقتلوهم أي فاعلموا، أو فأخبركم أنكم ~~لم تقتلوهم، وقيل: التقدير إن افتخرتم بقتلهم فلم تقتلوهم على أحد ~~التأويلين، لما (روي أنهم لما انصرفوا من المعركة غالبين غانمين أقبلوا ~~يتفاخرون يقولون: قتلت وأسرت وفعلت وتركت فنزلت)، وقد كان رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم حين طلعت قريش من العقنقل قال: # " هذه قريش جاءت بخيلائها وفخرها يكذبون رسولك، اللهم إني أسألك ما ~~وعدتني " # فأتاه جبريل عليه السلام فقال: خذ قبضة ms1289 من تراب فارمهم بها فلما ~~التقى الجمعان قال لعلي رضي الله تعالى عنه: # " أعطني قبضة من حصباء الوادي " # فرمى بها في وجوههم وقال: # " شاهت الوجوه فلم يبق مشرك إلا شغل بعينيه " # فانهزموا) وذلك قوله عز وجل بطريق تلوين الخطاب: { وما رميت إذ ~~رميت ولكن الله رمى } تحقيقا لكون الرمي الظاهر على ~~يده عليه الصلاة والسلام حينئذ من أفعاله عز وجل، وتجريد الفعل عن ~~المفعول به لما أن المقصود الأصلي بيان حال الرمي نفيا وإثباتا، ~~إذ هو الذي ظهر منه ما ظهر وهو المنشأ لتغير المرمي به في نفسه ~~وتكثره إلى حيث أصاب عيني كل واحد من أولئك الأمة الجمة شيء من ~~ذلك، أي وما فعلت أنت يا محمد تلك الرمية المستتبعة لهذه الآثار ~~العظيمة حقيقة حين فعلتها صورة وإلا لكان أثرها من جنس آثار ~~الأفاعيل البشرية ولكن الله فعلها أي خلقها حيث باشرتها لكن لا على ~~نهج عادته تعالى في خلق أفعال العباد بل وجه غير معتاد ولذلك أثرت ~~هذا التأثير الخارج عن طوق البشر ودائرة القوى والقدر، فمدار ~~إثباتها لله تعالى ونفيها عنه عليه الصلاة والسلام كون أثرها من ~~أفعاله عليه الصلاة والسلام. وقرىء ولكن الله بالتخفيف والرفع في ~~المحلين. # واللام في قوله تعالى: { وليبلى المؤمنين منه } أي ~~ليعطيهم من عنده تعالى { بلاء حسنا } أي عطاء جميلا غير مشوب ~~بمقاساة الشدائد والمكاره، واللام إما متعلقة بمحذوف متأخر فالواو ~~اعتراضية أي وللإحسان إليهم بالنصر والغنيمة فعل ما فعل، لا لشيء غير ~~ذلك مما لا يجديهم نفعا، وإما برمى فالواو للعطف على علة محذوفة ~~أي ولكن الله رمى ليمحق الكافرين وليبلي الخ، وقوله تعالى: { إن ~~الله سميع } أي لدعائهم واستغاثتهم { عليم } أي بنياتهم ~~وأحوالهم الداعية إلى الإجابة، تعليل للحكم. ### || [8.18-20] # { ذلكم } إشارة إلى البلاء الحسن ومحله الرفع على أنه خبر ~~مبتدأ محذوف وقوله تعالى: { وأن الله موهن كيد ~~الكفرين } بالإضافة معطوف عليه أي المقصد إبلاء المؤمنين ~~وتوهين كيد الكافرين وإبطال حيلهم، وقيل: المشار إليه القتل ~~والرمي والمبتدأ الأمر، أي القتل فيكون ms1290 قوله تعالى: { وأن الله } ~~الآية، من قبيل عطف البيان، وقرىء موهن بالتنوين مخففا ومشددا ~~ونصب كيد الكافرين. # { إن تستفتحوا } خطاب لأهل مكة على سبيل التهكم بهم وذلك ~~أنهم حين أرادوا الخروج تعلقوا بأستار الكعبة وقالوا: اللهم انصر ~~أعلى الجندين وأهدي الفئتين وأكرم الحزبين، أي إن تستنصروا لأعلى ~~الجندين { فقد جاءكم الفتح } حيث نصر أعلاهما وقد زعمتم أنكم ~~الأعلى فالتهكم في المجيء، أو فقد جاءكم الهزيمة والقهر فالتهكم في ~~نفس الفتح حيث وضع موضع ما يقابله { وإن تنتهوا } عما كنتم عليه ~~من الحراب ومعاداة الرسول صلى الله عليه وسلم { فهو } أي الانتهاء ~~{ خير لكم } أي من الحراب الذي ذقتم غائلته لما فيه من السلامة ~~من القتل والأسر، ومبنى اعتبار أصل الخيرية في المفضل عليه هو التهكم ~~{ وإن تعودوا } أي إلى حرابه عليه الصلاة والسلام { نعد } لما ~~شاهدتموه من الفتح { ولن تغنى } بالتاء الفوقانية وقرىء بالياء ~~التحتانية لأن تأنيث الفئة غير حقيقي وللفصل أي لن تدفع أبدا { ~~عنكم فئتكم } جماعتكم التي تجمعونهم وتستعينون بهم { شيئا } ~~أي من الإغناء أو من المضاربة وقوله تعالى: { ولو كثرت } جملة ~~حالية وقد مر التحقيق { وأن الله مع المؤمنين } أي ولأن ~~الله معين المؤمنين كان ذلك، أو والأمر أن الله مع المؤمنين، ويقرب منه ~~بحسب المعنى قراءة الكسر على الاستئناف، وقيل: الخطاب للمؤمنين والمعنى ~~إن تستنصروا فقد جاءكم النصر وإن تنتهوا عن التكاسل والرغبة عما يرغب ~~فيه الرسول صلى الله عليه وسلم فهو خير لكم من كل شيء لما أنه مناط لنيل ~~سعادة الدارين وإن تعودوا إليه نعد عليكم بالإنكار وتهييج العدو ولن ~~تغني حينئذ كثرتكم إذا لم يكن الله معكم بالنصر والأمر أن الله مع ~~الكاملين في الإيمان. # { يا أيها الذين ءامنوا أطيعوا الله ورسوله ~~ولا تولوا } بطرح إحدى التاءين وقرىء بإدغامها { عنه } أي لا ~~تتولوا عن الرسول، فإن المراد هو الأمر بطاعته والنهي عن الإعراض عنه، ~~وذكر طاعته تعالى للتمهيد والتنبيه على أن طاعته تعالى في طاعة ~~رسوله عليه الصلاة والسلام # من يطع الرسول فقد ms1291 أطاع الله # [النساء: 80] وقيل: الضمير للجهاد وقيل: للأمر الذي دل عليه الطاعة ~~وقوله تعالى: { وأنتم تسمعون } جملة حالية واردة للتأكيد ~~بوجوب الانتهاء عن التولي مطلقا كما في قوله تعالى: # فلا تجعلوا لله أندادا وأنتم تعلمون # [البقرة: 22] لا لتقييد النهي عنه بحال السماع كما في قوله تعالى: # لا تقربوا الصلوة وأنتم سكرى # أي لا تتولوا عنه والحال أنكم تسمعون القرآن الناطق بطاعته والمواعظ ~~الزاجرة عن مخالفته أي سماع فهم وإذعان. ### || [8.21-23] # { ولا تكونوا } تقرير للنهي السابق وتحذير عن مخالفته بالتنبيه ~~على أنه مؤدية إلى انتظامهم في سلك الكفرة بكون سماعهم كلا سماع أي ~~لا تكونوا بمخالفة الأمر والنهي { كالذين قالوا سمعنا } ~~بمجرد الادعاء من غير فهم وإذعان كالكفرة والمنافقين الذي يدعون ~~السماع { وهم لا يسمعون } حال من ضمير قالوا أي قالوا ذلك ~~والحال أنهم لا يسمعون حيث لا يصدقون ما سمعوه ولا يفهمونه حق فهمه ~~فكأنهم لا يسمعونه رأسا. # { إن شر الدواب } استئناف مسوق لبيان كمال سوء حال ~~المشبه بهم مبالغة في التحذير وتقريرا للنهي إثر تقرير، أي إن شر ~~ما يدب على الأرض أو شر البهائم { عند الله } أي في حكمه وقضائه { ~~الصم } الذين لا يسمعون الحق { البكم } الذين لا ينطقون به، ~~وصفوا بالصمم والبكم لأن ما خلق له الأذن واللسان سماع الحق ~~والنطق به، وحيث لم يوجد فيهم شيء من ذلك صاروا كأنهم فاقدون للجارحتين ~~رأسا، وتقديم الصم على البكم لما أن صمهم متقدم على بكمهم، فإن ~~السكوت عن النطق لما لحق من فروع عدم سماعهم له كما أن النطق به ~~من فروع سماعه ثم وصفوا بعدم التعقل فقيل: { الذين لا ~~يعقلون } تحقيقا لكمال سوء حالهم فإن الأصم الأبكم إذا كان له ~~عقل ربما يفهم بعض الأمور ويفهمه غيره بالإشارة ويهتدي بذلك إلى بعض ~~مطالبه، وأما إذا كان فاقدا للعقل أيضا فهو الغاية في الشرية وسوء ~~الحال، وبذلك يظهر كونهم شرا من البهائم حيث أبطلوا ما به يمتازون ~~عنها وبه يفضلون على كثير من خلق الله عز وجل فصاروا ms1292 أخس من كل خسيس { ~~ولو علم الله فيهم خيرا } شيئا من جنس الخير الذي من ~~جملته صرف قواهم إلى تحري الحق واتباع الهدى { لاسمعهم } سماع ~~تفهم وتدبر ولوقفوا على حقية الرسول عليه الصلاة والسلام وأطاعوه ~~وآمنوا به ولكن لم يعلم فيهم شيئا من ذلك لخلوهم عنه بالمرة فلم ~~يسمعهم كذلك لخلوه عن الفائدة وخروجه عن الحكمة وإليه أشير بقوله ~~تعالى: { ولو أسمعهم لتولوا } أي لو أسمعهم سماع تفهم ~~وهم على هذه الحالة العارية من الخير بالكلية لتولوا عما سمعوه من الحق ~~ولم ينتفعوا به قط أو ارتدوا بعد ما صدقوه وصاروا كأن لم يسمعوه أصلا ~~وقوله تعالى: { وهم معرضون } إما حال من ضمير تولوا أي لتولوا ~~على أدبارهم والحال أنهم معرضون عما سمعوه بقلوبهم، وإما اعتراض ~~تذييلي أي وهم قوم عادتهم الإعراض وقيل: كانوا يقولون لرسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: أحي قصيا فإنه كان شيخا مباركا حتى يشهد لك ~~ونؤمن بك فالمعنى ولو أسمعهم كلام قصي الخ وقيل: هم بنو عبد الدار بن ~~قصي، لم يسلم منهم إلا مصعب بن عمير وسويد بن حرملة كانوا يقولون: ~~نحن صم بكم عمي عما جاء به محمد لا نسمعه ولا نجيبه قاتلهم الله ~~تعالى فقتلوا جميعا بأحد وكانوا أصحاب اللواء وعن ابن جريج أنهم ~~المنافقون وعن الحسن رضي الله عنه أنهم أهل الكتاب. ### || [8.24-25] # { يا أيها الذين آمنوا } تكرير النداء مع وصفهم بنعت ~~الإيمان لتنشيطهم إلى الإقبال على الامتثال بما يرد بعده من الأوامر ~~وتنبيههم على أن فيهم ما يوجب ذلك { استجيبوا لله ~~وللرسول } بحسن الطاعة { إذا دعاكم } أي الرسول إذ هو ~~المباشر لدعوة الله تعالى { لما يحييكم } من العلوم الدينية ~~التي هي مناط الحياة الأبدية كما أن الجهل مدار الموت الحقيقي أو ~~هي ماء حياة القلب كما أن الجهل موجب موته، وقيل: لمجاهدة الكفار ~~لأنهم لو رفضوها لغلبوهم وقتلوهم كما في قوله تعالى: # ولكم في القصاص حيوة # [البقرة: 179] روي # " أنه عليه الصلاة والسلام (مر على أبي بن كعب وهو يصلي فدعاه ms1293 فعجل ~~في صلاته ثم جاء فقال عليه الصلاة والسلام: " ما منعك من إجابتي؟ " قال: ~~كنت في الصلاة قال: " ألم تخبر فيما أوحي إلي { استجيبوا ~~لله وللرسول إذا دعاكم } " " # الخ). واختلف فيه فقيل: هذا من خصائص دعائه عليه الصلاة والسلام وقيل: ~~لأن إجابته عليه الصلاة والسلام لا تقطع الصلاة وقيل: كان ذلك الدعاء ~~لأمر مهم لا يحتمل التأخير وللمصلي أن يقطع الصلاة لمثله { ~~واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه } تمثيل ~~لغاية قربه تعالى من العبد كقوله تعالى: # ونحن أقرب إليه من حبل الوريد # [ق: 16] وتنبيه على أنه تعالى مطلع من مكنونات القلوب على ما عسى ~~يغفل عنه صاحبها أو حث على المبادرة إلى إخلاص القلوب وتصفيتها قبل ~~إدراك المنية فإنها حائلة بين المرء وقلبه أو تصوير وتخييل ~~لتملكه على العبد قلبه بحيث يفسخ عزائمه ويغير نياته ومقاصده ويحول ~~بينه وبين الكفر إن إراد سعادته ويبدله بالأمن خوفا وبالذكر نسيانا ~~وما أشبه ذلك من الأمور المعترضة المفوتة للفرصة، وقرىء (بين المر) ~~بتشديد الراء على حذف الهمزة وإلقاء حركتها على الراء وإجراء الوصل مجرى ~~الوقف { وأنه } أي الله عز وجل أو الشأن { إليه تحشرون } ~~لا إلى غيره فيجازيكم بحسب مراتب أعمالكم فسارعوا إلى طاعته تعالى ~~وطاعة رسوله وبالغوا في الاستجابة لهما. # { واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم ~~خاصة } أي لا تختص إصابتها بمن يباشر الظلم منكم بل يعمه وغيره ~~كإقرار المنكر بين أظهرهم والمداهنة في الأمر بالمعروف والنهي عن ~~المنكر وافتراق الكلمة وظهور البدع والتكاسل في الجهاد، على أن قوله: ~~لا تصيبن الخ إما جواب الأمر على معنى أن إصابتكم لا تصيبن الخ وفيه أن ~~جواب الشرط متردد فلا يليق به النون المؤكدة لكنه لما تضمن معنى ~~النهي ساغ فيه كقوله تعالى: # ادخلوا مسكنكم لا يحطمنكم # [النحل: 18] وإما صفة لفتنة ولا للنفي وفيه شذوذ لأن النون لا تدخل ~~المنفي في غير القسم، أو للنهي على إرادة القول كقول من قال: # حتى إذا جن الظلام واختلط # جاؤوا بمذق هل رأيت الذئب قط ms1294 # وأما جواب قسم محذوف كقراءة من قرأ: لتصيبن وإن اختلف المعنى فيهما، ~~وقد جوز أن يكون نهيا عن التعرض للظلم بعد الأمر باتقاء الذنب فإن ~~وباله يصيب الظالم خاصة ويعود عليه ومن في منكم على الوجوه الأول ~~للتبعيض وعلى الأخرين للتبيين، وفائدته التنبيه على أن الظلم منكم ~~أقبح منه من غيركم { واعلموا أن الله شديد العقاب } ~~ولذلك يصيب بالعذاب من لم يباشر سببه. ### || [8.26-27] # { واذكروا إذ أنتم قليل } أي وقت كونكم قليلا في العدد، ~~وإيثار الجملة الاسمية للإيذان باستمرار ما كانوا فيه من القلة وما ~~يتبعها من الضعف والخوف، وقوله تعالى: { مستضعفون } خبر ثان أو ~~صفة لقليل وقوله تعالى: { فى الأرض } أي في أرض مكة تحت أيدى قريش ~~والخطاب للمهاجرين، أو تحت أيدي فارس والروم، والخطاب للعرب كافة ~~فإنهم كانوا أذلاء تحت أيدي الطائفتين، وقوله تعالى: { تخافون أن ~~يتخطفكم الناس } خبر ثالث أو صفة ثانية لقليل وصف ~~بالجملة بعد ما وصف بالمفرد، أو حال من المستكن في مستضعفون والمراد ~~بالناس على الأول وهو الأظهر إما كفار قريش وإما كفار العرب لقربهم ~~منهم وشدة عداوتهم لهم، وعلى الثاني فارس والروم أي واذكروا وقت قلتكم ~~وذلتكم وهوانكم على الناس وخوفكم من اختطافهم { فآواكم } إلى ~~المدينة أو جعل لكم مأوى تتحصنون به من أعدائكم { وأيدكم ~~بنصره } على الكفار أو بمظاهرة الأنصار أو بإمداد الملائكة { ~~ورزقكم من الطيبات } من الغنائم { لعلكم تشكرون } ~~هذه النعم الجليلة. # { يأيها الذين ءامنوا لا تخونوا الله والرسول } ~~أصل الخون النقص كما أن أصل الوفاء التمام، واستعماله في ضد ~~الأمانة لتضمنه إياه أي لا تخونوهما بتعطيل الفرائض والسنن أو بأن ~~تضمروا خلاف ما تظهرون، أو في الغلول في الغنائم، روي (أنه عليه ~~الصلاة والسلام حاصر بني قريظة إحدى وعشرين ليلة فسألوا الصلح ~~كما صالح بني النضير على أن يسيروا إلى إخوانهم بأذرعات وأريحاء من ~~الشام، فأبى إلا أن ينزلوا على حكم سعد بن معاذ رضي الله عنه فأبوا ~~وقالوا: أرسل إلينا أبا لبابة وكان مناصحا لهم لما أن ماله وعياله ms1295 ~~كانا في أيديهم، فبعثه إليهم فقالوا: ما ترى هل ننزل على حكم سعد فأشار ~~إلى حلقه إنه الذبح قال أبو لبابة: فما زالت قدماي حتى عملت أني خنت ~~الله ورسوله فنزلت فشد نفسه على سارية من سواري المسجد وقال: والله لا ~~أذوق طعاما ولا شرابا حتى أموت أو يتوب الله علي فمكث سبعة أيام ~~حتى خر مغشيا عليه ثم تاب الله عليه، فقيل له: قد تيب عليك فحل ~~نفسك، قال: لا والله لا أحلها حتى يكون رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم هو الذي يحلني فجاءه عليه الصلاة والسلام فحله فقال: إن من تمام ~~توبتي أن أهجر دار قومي التي أصبت فيها الذنب وأن أنخلع من مالي ~~فقال عليه الصلاة والسلام: # " يجزئك الثلث أن تتصدق به " # { وتخونوا أمنتكم } فيما بينكم وهو مجزوم معطوف على ~~الأول أو منصوب على الجواب بالواو { وأنتم تعلمون } أنكم ~~تخونون أو وأنتم علماء تميزون الحسن من القبيح. ### || [8.28-30] # { واعلموا أنما أمولكم وأولدكم فتنة } ~~لأنها سبب الوقوع في الإثم والعقاب أو محنة من الله عز وجل ليبلوكم ~~في ذلك فلا يحملنكم حبهما على الخيانة كأبي لبابة { وأن ~~الله عنده أجر عظيم } لمن آثر رضاه تعالى عليهما وراعى ~~حدوده فيهما فنيطوا هممكم بما يؤديكم إليه. { يا أيها الذين ~~آمنوا } تكرير الخطاب والوصف بالإيمان لإظهار كمال العناية بما ~~بعده والإيذان بأنه مما يقتضي الإيمان يقتضي الإيمان مراعاته ~~والمحافظة عليه كما في الخطابين السابقين { إن تتقوا الله } ~~أي في كل ما تأتون وما تذرون { يجعل لكم } بسبب ذلك { فرقانا ~~} هداية في قلوبكم تفرقون بها بين الحق والباطل أو نصرا يفرق ~~بين المحق والمبطل بإعزاز المؤمنين وإذلال الكافرين، أو مخرجا من ~~الشبهات أو نجاة عما تحذرون في الدارين أو ظهورا يشهر أمركم وينشر ~~صيتكم، من قولهم بت أفعل كذا حتى سطع الفرقان أي الصبح { ~~ويكفر عنكم سيئاتكم } أي يسترها { ويغفر لكم } ~~ذنوبكم بالعفو والتجاوز عنها، وقيل: السيئات الصغائر والذنوب ~~الكبائر، وقيل: المراد ما تقدم وما تأخر لأنها في أهل بدر وقد ms1296 غفرها ~~الله تعالى لهم وقوله تعالى: { والله ذو الفضل العظيم } ~~تعليل لما قبله وتنبيه على أن ما وعده الله تعالى لهم على التقوى ~~تفضل منه وإحسان لا أنه مما يوجبه التقوى كما إذا وعد السيد عبده ~~إنعاما على عمل. # { وإذ يمكر بك الذين كفروا } منصوب على المفعولية ~~بمضمر خوطب به النبي صلى الله عليه وسلم معطوف على قوله تعالى: ~~واذكروا إذ أنتم الخ مسوق لتذكير النعمة العامة للكل، أي ~~واذكر وقت مكرهم بك { ليثبتوك } بالوثاق، ويعضده قراءة من ~~قرأ: ليقيدوك، أو الإثخان بالجرح، من قولهم: ضربه حتى أثبته لا حراك به ~~ولا براح، وقرىء ليثبتوك بالتشديد وليبيتوك من البيات. # { أو يقتلوك } أي بسيوفهم { أو يخرجوك } أي من مكة (وذلك ~~أنهم لما سمعوا بإسلام الأنصار ومبايعتهم له عليه الصلاة والسلام ~~فرقوا واجتمعوا في دار الندوة يتشاورون في أمره صلى الله عليه وسلم فدخل ~~إبليس عليهم في صورة شيخ وقال: أنا من نجد سمعت باجتماعكم فأردت أن ~~أحضركم ولن تعدموا مني رأيا ونصحا فقال أبو البحتري: رأيي أن ~~تحبسوه في بيت وتسدوا منافذه غير كوة تلقون إليه طعامه وشرابه ~~منها حتى يموت فقال الشيخ: بئس الرأي يأتيكم من يقاتلكم من قومه ~~ويخلصه من أيديكم فقال هشام بن عمرو: رأيي أن تحملوه على جمل ~~وتخرجوه من أرضكم فلا يضركم ما صنع فقال: وبئس الرأي يفسد قوما ~~غيركم ويقاتلكم بهم فقال أبو جهل: أنا أرى أن تأخذوا من كل بطن غلاما ~~وتعطوه سيفا فيضربوه ضربة واحدة فيتفرق دمه في القبائل فلا يقوى ~~بنو هاشم على حرب قريش كلهم فإذا طلبوا العقل عقلناه فقال: صدق هذا ~~الفتى فتفرقوا على رأيه فأتى جبريل النبي عليهما الصلاة والسلام وأخبره ~~بالخبر وأمره بالهجرة فبيت عليا رضي الله تعالى عنه على مضجعه وخرج ~~هو مع أبي بكر رضي الله عنه إلى الغار) { ويمكرون ويمكر ~~الله } أي يرد مكرهم عليهم أو يجازيهم عليه أو يعاملهم معاملة ~~الماكرين وذلك بأن أخرجهم إلى بدر وقلل المسلمين في أعينهم حتى حملوا ~~عليهم فلقوا ms1297 منهم ما لقوا { والله خير المكرين } لا ~~يعبأ بمكرهم عند مكره، وإسناد أمثال هذا إليه سبحانه مما يحسن ~~للمشاكلة، ولا مساغ له ابتداء لما فيه من إيهام ما لا يليق به سبحانه. ### || [8.31-33] # { وإذا تتلى عليهم ءايتنا } التي حقها أن يخر لها ~~صم الجبال { قالوا قد سمعنا لو نشاء لقلنا مثل ~~هذا } قاله اللعين النضر بن الحارث، وإسناده إلى الكل لما أنه ~~كان رئيسهم وقاضيهم الذي يقولون بقوله ويأخذون برأيه وقيل: قاله الذين ~~ائتمروا في أمره صلى الله عليه وسلم في دار الندوة، وهذا كما ترى غاية ~~المكابرة ونهاية العناد كيف لا ولو استطاعوا شيئا من ذلك فما الذي كان ~~يمنعهم من المشيئة وقد تحدوا عشر سنين وقرعوا على العجز وذاقوا من ~~ذلك الأمرين ثم قورعوا بالسيف فلم يعارضوا بما سواه مع أنفتهم وفرط ~~استنكافهم أن يغلبوا لاسيما في باب البيان { إن هذا إلا ~~أسطير الأولين } أي ما يسطرونه من القصص. # { وإذا قالوا اللهم إن كان هذا هو الحق من ~~عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا ~~بعذاب أليم } هذا أيضا من أباطيل ذلك اللعين. روي أنه لما قال: ~~إن هذا إلا أساطير الأولين قال له النبي صلى الله عليه وسلم: # " ويلك إنه كلام الله تعالى " # فقال ذلك والمعنى أن القرآن إن كان حقا منزلا من عندك فأمطر علينا ~~الحجارة عقوبة على إنكارنا أو ائتنا بعذاب أليم سواه، والمراد منه ~~التهكم وإظهار اليقين والجزم التام على أنه ليس كذلك وحاشاه، وقرىء ~~الحق بالرفع على أن هو مبتدأ لا فصل، وفائدة التعريف فيه الدلالة ~~على أن المعلق به كونه حقا على الوجه الذي يدعيه صلى الله عليه وسلم ~~وهو تنزيله لا الحق مطلقا لتجويزهم أن يكون مطابقا للواقع غير ~~منزل كالأساطير { وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم } ~~جواب لكلمتهم الشنعاء وبيان للموجب لإمهالهم والتوقف في إجابة ~~دعائهم واللام لتأكيد النفي والدلالة على أن تعذيبهم عذاب استئصال ~~والنبي عليه الصلاة والسلام بين أظهرهم خارج عن عادته تعالى غير ~~مستقيم في حكمه ms1298 وقضائه، والمراد باستغفارهم في قوله تعالى: { وما ~~كان الله معذبهم وهم يستغفرون } إما استغفار من ~~بقي منهم من المؤمنين أو قولهم: اللهم اغفر أو فرضه على معنى لو ~~استغفروا لم يعذبوا كقوله تعالى: # وما كان ربك ليهلك القرى بظلم وأهلها ~~مصلحون # [هود: 117]. ### || [8.34-36] # { وما لهم أن لا يعذبهم الله } بيان لاستحقاقهم ~~العذاب بعد بيان أن المانع ليس من قبلهم، أي وما لهم مما يمنع ~~تعذيبهم متى زال ذلك وكيف لا يعذبون { وهم يصدون عن ~~المسجد الحرام } أي وحالهم ذلك، ومن صدهم عنه إلجاء رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم إلى الهجرة وإحصارهم عام الحديبية { وما ~~كانوا أولياءه } حال من ضمير يصدون مفيدة لكمال قبح ما صنعوا ~~من الصد فإن مباشرتهم للصد عنه مع عدم استحقاقهم لولاية أمره في غاية ~~القبح وهو رد لما كانوا يقولون: نحن ولاة البيت والحرم فنصد من ~~نشاء وندخل من نشاء { إن أولياؤه إلا المتقون } من ~~الشرك الذين لا يعبدون فيه غيره تعالى { ولكن أكثرهم لا ~~يعلمون } أنه لا ولاية لهم عليه، وفيه إشعار بأن منهم من يعلم ذلك ~~ولكنه يعاند، وقيل: أريد بأكثرهم كلهم كما يراد بالقلة العدم { وما ~~كان صلاتهم عند البيت } أي دعاؤهم أو مايسمونه صلاة أو ما ~~يضعون موضعها { إلا مكاء } أي صفيرا فعال من مكا يمكو إذا صفر ~~وقرىء بالقصر كالبكى { وتصدية } أي تصفيقا، تفعلة من الصدى ~~أو من الصد على إبدال أحد حرفي التضعيف بالياء، وقرىء صلاتهم بالنصب ~~على أنه الخبر لكان، ومساق الكلام لتقرير استحقاقهم العذاب أو عدم ~~ولايتهم للمسجد فإنها لا تليق بمن هذه صلاته. روي أنهم كانوا يطوفون ~~عراة الرجال والنساء مشبكين بين أصابعهم يصفرون فيها ويصفقون وقيل: ~~كانوا يفعلون ذلك إذا أراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يصلي يخلطون ~~عليه ويرون أنهم يصلون أيضا { فذوقوا العذاب } أي القتل ~~والأسر يوم بدر وقيل: عذاب الآخرة، واللام يحتمل أن تكون للعهد ~~والمعهود ائتنا بعذاب أليم { بما كنتم تكفرون } اعتقادا ~~وعملا. # { إن الذين كفروا ينفقون أمولهم ليصدوا عن ms1299 ~~سبيل الله } نزلت في المطعمين يوم بدر( وكانوا اثني عشر رجلا ~~من قريش يطعم واحد منهم كل يوم عشر جزر، أو في أبي سفيان استأجر ~~ليوم أحد ألفين سوى من استجاش من العرب وأنفق فيهم أربعين أوقية أو في ~~أصحاب العير فإنه لما أصيب قريش يوم بدر قيل لهم: أعينوا بهذا المال ~~على حرب محمد لعلنا ندرك ثأرنا منه ففعلوا والمراد بسبيل الله دينه ~~واتباع رسوله { فسينفقونها } بتمامها، ولعل الأول إخبار عن ~~إنفاقهم في تلك الحال وهو إنفاق يوم بدر، والثاني إخبار عن إنفاقهم ~~فيما يستقبل وهو إنفاق يوم أحد، ويحتمل أن يراد بهما واحد على مساق ~~الأول لبيان الغرض من الانفاق، ومساق الثاني لبيان عاقبته وأنه لم ~~يقع بعد { ثم تكون عليهم حسرة } ندما وغما لفواتها من ~~غير حصول المقصود، جعل ذاتها حسرة وهي عاقبة إنفاقها مبالغة { ثم ~~يغلبون } آخر الأمر وإن كان الحرب بينهم سجالا قبل ذلك { ~~والذين كفروا } أي تموا على الكفر وأصروا عليه { إلى ~~جهنم يحشرون } أي يساقون لا إلى غيرها. ### || [8.37-40] # { ليميز الله الخبيث من الطيب } أي الكافر من المؤمن، ~~أو الفساد من الصلاح واللام متعلقة بيحشرون أو بيغلبون أو ما أنفقه ~~المشركون في عداوته صلى الله عليه وسلم مما أنفقه المسلمون في نصرته ~~واللام متعلقة بقوله: ثم تكون عليهم حسرة وقرىء ليميز بالتشديد { ~~ويجعل الخبيث بعضه على بعض فيركمه جميعا } ~~أي يضم بعضه إلى بعض حتى يتراكموا لفرط ازدحامهم فيجمعه أو يضم إلى ~~الكافر ما أنفقه ليزيد به عذابه كما للكافرين { فيجعله فى ~~جهنم } كله. # { أولئك } إشارة إلى الخبيث إذ هو عبارة عن الفريق أو إلى ~~المنفقين، وما فيه من معنى البعد للإيذان ببعد درجتهم في الخبث { هم ~~الخسرون } الكاملون في الخسران لأنهم خسروا أنفسهم وأموالهم. # { قل للذين كفروا } هم أبو سفيان وأصحابه أي قل لأجلهم { ~~إن ينتهوا } عما هم فيه من معاداة النبي صلى الله عليه وسلم ~~بالدخول في الإسلام { يغفر لهم ما قد سلف } من الذنوب ~~وقرىء إن تنتهوا يغفر لكم ويغفر ms1300 لكم على البناء للفاعل وهو الله ~~تعالى { وإن يعودوا } إلى قتالهم { فقد مضت سنت ~~الأولين } الذين تحزبوا على الأنبياء عليهم السلام بالتدمير كما ~~جرى على أهل بدر فليتوقعوا مثل ذلك { وقتلوهم } عطف على قل، وقد ~~عمم الخطاب لزيادة ترغيب المؤمنين في القتال لتحقيق ما يتضمنه قوله ~~تعالى: { فقد مضت سنت الأولين } من الوعيد { حتى لا ~~تكون فتنه } أي لا يوجد منهم شرك { ويكون الدين ~~كله لله } وتضمحل الأديان الباطلة إما بإهلاك أهلها جميعا ~~أو برجوعهم عنها خشية القتل { فإن انتهوا } عن الكفر بقتالكم { ~~فإن الله بما يعملون بصير } فيجازيهم على انتهائهم عنه ~~وإسلامهم، وقرىء بتاء الخطاب أي بما تعملون من الجهاد المخرج لهم إلى ~~الإسلام، وتعليقه بانتهائهم للدلالة على أنهم يثابون بالسببية كما يثاب ~~المباشرون بالمباشرة { وإن تولوا } ولم ينتهوا عن ذلك { ~~فاعلموا أن الله مولاكم } ناصركم فثقوا به ولا تبالوا ~~بمعاداتهم { نعم المولى } لا يضيع من تولاه { ونعم ~~النصير } لا يغلب من نصره. ### || [8.41] # { واعلموا أنما غنمتم } عن الكلبي أنها نزلت ببدر وقال ~~الواقدي: كان الخمس في غزوة بني قينقاع بعد بدر بشهر وثلاثة أيام ~~للنصف من شوال على رأس عشرين شهرا من الهجرة، وما موصولة وعائدها ~~محذوف أي الذي أصبتموه من الكفار عنوة وأصل الغنيمة إصابة الغنم ~~من العدو ثم اتسع وأطلق على كل ما أصيب منهم كائنا ما كان، وقوله ~~تعالى: { من شىء } بيان للموصول محله النصب على أنه حال من عائد ~~الموصول قصد به الاعتناء بشأن الغنيمة وأن لا يشذ عنها شيء أي ما ~~غنمتموه كائنا مما يقع عليه اسم الشيء حتى الخيط والمخيط خلا أن ~~سلب المقتول للقاتل إذا نفله الإمام وأن الأسارى يخير فيها ~~الإمام وكذا الأراضي المغنومة، وقوله تعالى: { فأن لله خمسه ~~} مبتدأ خبره محذوف أي فحق أو واجب أن له تعالى خمسه، وهذه ~~الجملة خبر لأنما الخ وقرىء بالكسر والأولى آكد وأقوى في الإيجاب ~~لما فيه من تكرر الإسناد كأنه قيل: فلا بد من ثبات الخمس ولا سبيل ~~إلى الإخلال به، وقرىء ms1301 فلله خمسه وقرىء خمسه بسكون الميم والجمهور ~~على أن ذكر الله تعالى للتعظيم كما في قوله تعالى: # والله ورسوله أحق أن يرضوه # [التوبة: 63] وأن المراد قسمة الخمس على المعطوفين عليه بقوله ~~تعالى: { وللرسول ولذى القربى واليتمى ~~والمسكين وابن السبيل } وإعادة اللام في ذي القربى دون ~~غيرهم من الأصناف الثلاثة لدفع توهم اشتراكهم في سهم النبي صلى ~~الله عليه وسلم لمزيد اتصالهم به عليه الصلاة والسلام وهم بنو هاشم ~~وبنو المطلب دون بني عبد شمس وبني نوفل لما روي عن عثمان وجبير بن ~~مطعم رضي الله عنهما أنهما قالا لرسول الله صلى الله عليه وسلم: هؤلاء ~~إخوتك بنو هاشم لا ننكر فضلهم لمكانك الذي جعلك الله منهم أرأيت ~~إخواننا بني المطلب أعطيتهم وحرمتنا وإنما نحن وهم بمنزلة واحدة فقال ~~صلى الله عليه وسلم: # " إنهم لم يفارقونا في جاهلية ولا إسلام إنما بنو هاشم وبنو المطلب ~~شيء واحد " # وشبك بين أصابعه. وكيفية قسمتها عندنا أنها كانت في عهد رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم على خمسة أسهم، سهم له عليه الصلاة والسلام وسهم ~~للمذكورين من ذوي قرباه، وثلاثة أسهم للأصناف الثلاثة الباقية وأما ~~بعده صلى الله عليه وسلم فسهمه ساقط وكذا سهم ذوي القربى وإنما ~~يعطون لفقرهم فهم أسوة لسائر الفقراء ولا يعطي أغنياؤهم فيقسم على ~~الأصناف الثلاثة، ويؤيده ما روي عن أبي بكر رضى الله عنه أنه منع بني ~~هاشم الخمس وقال: إنما لكم أن يعطى فقيركم وتزوج أيمكم ~~ويخدم من لا خادم له منكم. ومن عداهم فهو بمنزلة ابن السبيل الغني لا ~~يعطى من الصدقة شيئا وعن زيد بن علي مثله قال: ليس بنا أن نبني منه ~~قصورا ولا نركب منه البراذين وقيل: سهم الرسول صلى الله عليه وسلم ~~لولي الأمر بعده، وأما عند الشافعي رحمه الله فيقسم على خمسة أسهم: ~~سهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم يصرف إلى ما كان يصرفه عليه الصلاة ~~والسلام من مصالح المسلمين كعدة الغزاة من الكراع والسلاح ونحو ~~ذلك، وسهم لذوي القربى من ms1302 أغنيائهم وفقرائهم يقسم بينهم للذكر مثل ~~حظ الأنثيين والباقي للفرق الثلاث، وعند مالك رحمه الله الأمر فيه ~~مفوض إلى اجتهاد الإمام إن رأى قسمه بين هؤلاء وإن رأى أعطاه ~~بعضا منهم دون بعض وإن رأى غيرهم أولى وأهم فغيرهم. # وتعلق أبو العالية بظاهر الآية الكريمة فقال: يقسم ستة أسهم ويصرف ~~سهم الله تعالى إلى رتاج الكعبة لما روي (أنه عليه الصلاة والسلام كان ~~يأخذ منه قبضة فيجعلها لمصالح الكعبة ثم يقسم ما بقي على خمسة أسهم) ~~وقيل: سهم الله لبيت المال وقيل: هو مضموم إلى سهم الرسول عليه ~~الصلاة والسلام هذا شأن الخمس وأما الأخماس الأربعة فتقسم بين ~~الغانمين للراجل سهم وللفارس سهمان عند أبي حنيفة رضى الله عنه وثلاثة ~~أسهم عندهما رحمهما الله. قال القرطبي: لما بين الله تعالى حكم ~~الخمس وسكت عن الباقي دل ذلك على أنه ملك للغانمين وقوله تعالى: { إن ~~كنتم آمنتم بالله } متعلق بمحذوف ينبىء عنه المذكور أي إن كنتم ~~آمنتم به تعالى فاعلموا أن الخمس من الغنيمة يجب التقرب به إلى الله ~~فاقطعوا أطماعكم منه واقتنعوا بالأخماس الأربعة، وليس المراد به مجرد ~~العلم بذلك بل العلم المشفوع بالعمل والطاعة لأمره تعالى. # { وما أنزلنا } عطف على الاسم الجليل أي إن كنتم آمنتم بالله وبما ~~أنزلناه { على عبدنا } وقرىء عبدنا وهو اسم جمع أريد به ~~الرسول عليه الصلاة والسلام والمؤمنون فإن بعض ما نزل نازل عليهم ~~بالذات كما ستعرفه { يوم الفرقان } يوم بدر سمي به لفرقه بين ~~الحق والباطل، وهو منصوب بأنزلنا أو بآمنتم { يوم التقى ~~الجمعان } أي الفريقان من المؤمنين والكافرين وهو بدل من (يوم ~~الفرقان) أو منصوب بالفرقان، والمراد ما أنزل عليه عليه الصلاة ~~والسلام يومئذ من الوحي والملائكة والفتح، على أن المراد بالإنزال ~~مجرد الإيصال والتيسير فينتظم الكل انتظاما حقيقيا، وجعل الإيمان ~~بإنزال هذه الأشياء من موجبات العلم بكون الخمس لله تعالى على الوجه ~~المذكور من حيث أن الوحي ناطق بذلك وأن الملائكة والفتح لما كانا من ~~جهته تعالى وجب أن يكون ما ms1303 حصل بسببهما من الغنيمة مصروفة إلى الجهات ~~التي عينها الله تعالى { والله على كل شيء قدير } يقدر ~~على نصر القليل على الكثير والذليل على العزيز كما فعل بكم ذلك اليوم. ### || [8.42] # { إذ أنتم بالعدوة الدنيا } بدل ثان من (يوم الفرقان) ~~والعدوة بالضم شط الوادي وكذا بالفتح والكسر وقد قرىء بهما أيضا { ~~وهم بالعدوة القصوى } أي البعدى من المدينة وهي تأنيث ~~الأقصى وكان القياس قلب الواو ياء كالدنيا والعليا مع كونهما من بنات ~~الواو، لكنها جاءت على الأصل كالقود واستصوب وهو أكثر استعمالا من ~~القصيا { والركب } أي العير أو قوادها { أسفل منكم } ~~أي في مكان أسفل من مكانكم يعني الساحل وهو نصب على الظرفية واقع ~~موقع الخبر والجملة حال من الظرف قبله وفائدتها للدلالة على قوة ~~العدو واستظهارهم بالركب وحرصهم على المقاتلة عنها وتوطين نفوسهم ~~على أن لا يخلوا مراكزهم ويبذلوا منتهى جهدهم وضعف شأن المسلمين ~~والتياث أمرهم واستبعاد غلبتهم عادة وكذا ذكر مراكز الفريقين، ~~فإن العدوة الدنيا كانت رخوة تسوخ فيها الأرجل ولا يمشى فيها إلا ~~بتعب ولم يكن فيها ماء بخلاف العدوة القصوى وكذا قوله تعالى: { ولو ~~تواعدتم لاختلفتم في الميعد } أي لو تواعدتم أنتم ~~وهم القتال ثم علمتم حالكم وحالهم لاختلفتم أنتم في الميعاد هيبة ~~منهم ويأسا من الظفر عليهم ليتحققوا أن ما اتفق لهم من الفتح ليس إلا ~~صنعا من الله عز وجل خارقا للعادات فيزدادوا إيمانا وشكرا وتطمئن ~~نفوسهم بفرض الخمس { ولكن } جمع بينكم على هذه الحال من غير ~~ميعاد { ليقضي الله أمرا كان مفعولا } حقيقا بأن يفعل ~~من نصر أوليائه وقهر أعدائه، أو مقدرا في الأزل وقوله تعالى: { ~~ليهلك من هلك عن بينة ويحى من حى عن بينة } ~~بدل منه أو متعلق بمفعولا أي ليموت من يموت عن بينة عاينها ويعيش ~~من يعيش عن بينة شاهدها لئلا يكون له حجة ومعذرة فإن وقعة بدر من ~~الآيات الواضحة أو ليصدر كفر من كفر وإيمان من آمن عن وضوح بينة ~~على استعارة الهلاك والحياة للكفر والإيمان، والمراد ms1304 بمن هلك ومن ~~حيي المشارف للهلاك والحياة أو من حاله في علم الله تعالى ~~الهلاك والحياة، وقرىء ليهلك بالفتح وحيي بفك الإدغام حملا على ~~المستقبل { وإن الله لسميع عليم } أي بكفر من كفر وعقابه ~~وإيمان من آمن وثوابه، ولعل الجمع بين الوصفين لاشتمال الأمرين على ~~القول والاعتقاد. ### || [8.43-44] # { إذ يريكهم الله فى منامك قليلا } منصوب باذكر أو ~~بدل آخر من (يوم الفرقان) أو متعلق بعليم أي يعلم المصالح إذ ~~يقللهم في عينك في رؤياك وهو أن تخبر به أصحابكم فيكون تثبيتا لهم ~~وتشجيعا على عدوهم { ولو أراكهم كثيرا لفشلتم } أي ~~لجبنتم وهبتم الإقدام { ولتنزعتم فى الأمر } أي أمر ~~القتال وتفرقت آراؤكم في الثبات والقرار { ولكن الله سلم ~~} أي أنعم بالسلامة من الفشل والتنازع { إنه عليم بذات ~~الصدور } يعلم ما سيكون فيها من الجراءة والجبن والصبر والجزع ~~ولذلك دبر ما دبر { وإذ يريكموهم إذ التقيتم فى ~~أعينكم قليلا } منصوب بمضمر خوطب به الكل بطريق التلوين ~~والتعميم معطوف على المضمر السابق، والضميران مفعولا يري وقليلا ~~حال من الثاني وإنما قللهم في أعين المسلمين حتى قال ابن مسعود رضي الله ~~عنه لمن إلى جنبه: أتراهم سبعين فقال: أراهم مائة تثبيتا لهم وتصديقا ~~لرؤيا الرسول صلى الله عليه وسلم { ويقللكم فى أعينهم } ~~حتى قال أبو جهل: إنما أصحاب محمد أكلة جزور. قللهم في أعينهم قبل ~~التحام القتال ليجترئوا عليهم ولا يستعدوا لهم ثم كثرهم حتى رأوهم ~~مثليهم لتفاجئهم الكثرة فيبهتوا ويهابوا، وهذه من عظائم آيات تلك ~~الوقعة فإن البصر قد يرى الكثير قليلا والقليل كثيرا لكن لا على ~~هذا الوجه ولا إلى هذا الوجه ولا إلى هذا الحد وإنما ذلك بصد الله تعالى ~~الأبصار عن إبصار بعض دون بعض مع التساوي في الشرائط { ليقضي ~~الله أمرا كان مفعولا } كرر لاختلاف الفعل المعلل به أو ~~لأن المراد بالأمر ثمة الالتقاء على الوجه المذكور وههنا إعزاز ~~الإسلام وأهله وإذلال الكفر وحزبه { وإلى الله ترجع ~~الأمور } كلها يصرفها كيفما يريد لا راد لأمره ولا معقب ~~لحكمه وهو ms1305 الحكيم المجيد. ### || [8.45-47] # { يا أيها الذين آمنوا } صدر الخطاب بحرفي النداء ~~والتنبيه إظهارا لكمال الاعتناء بمضمون ما بعده { إذا لقيتم ~~فئة } أي حاربتم جماعة من الكفرة وإنما لم يوصفوا بالكفر لظهور أن ~~المؤمنين لا يحاربون إلا الكفرة، واللقاء مما غلب في القتال { ~~فاثبتوا } أي للقائهم في مواطن الحرب { واذكروا الله ~~كثيرا } أي في تضاعيف القتال مستمدين منه مستعينين به مستظهرين ~~بذكره مترقبين لنصره { لعلكم تفلحون } أي تفوزون بمرامكم ~~وتظفرون بمرادكم من النصرة والمثوبة، وفيه تنبيه على أن العبد ~~ينبغي أن لا يشغله شيء عن ذكر الله تعالى وأن يلتجيء عند الشدائد ~~ويقبل إليه بكليته فارغ البال واثقا بأن لطفه لا ينفك عنه في حال ~~من الأحوال { وأطيعوا الله ورسوله } في كل ما تأتون وما ~~تذرون فيندرج فيه ما أمروا به ههنا اندراجا أوليا { ولا ~~تنزعوا } باختلاف الآراء كما فعلتم ببدر أو أحد { فتفشلوا ~~} جواب للنهي وقيل: عطف عليه { وتذهب ريحكم } بالنصب عطف على ~~جواب النهي وقرىء بالجزم على تقدير عطف فتفشلوا على النهي أي تذهب ~~دولتكم وشوكتكم فإنها مستعارة للدولة من حيث إنها في تمشي أمرها ~~ونفاذه مشبهة بها في هبوبها وجريانها. وقيل: المراد بها الحقيقة ~~فإن النصرة لا تكون إلا بريح يبعثها الله تعالى وفي الحديث # " نصرت بالصبا وأهكلت عاد بالدبور " # { واصبروا } على شدائد الحرب { إن الله مع الصبرين ~~} بالنصرة والكلاءة وما يفهم من كلمة مع من أصالتهم إنما هي من حيث ~~إنهم المباشرون للصبر فهم متبعون من تلك الحيثية، ومعيته تعالى إنما ~~هي من حيث الإمداد والإعانة. # { ولا تكونوا كالذين خرجوا من ديرهم } بعد ما ~~أمروا بما أمروا به من أحاسن الأعمال ونهوا عما يقابلها من قبائحها، ~~والمراد بهم أهل مكة حين خرجوا لحماية العير { بطرا } أي فخرا ~~وأشرا { ورئاء الناس } ليثنوا عليهم بالشجاعة والسماحة، وذلك ~~أنهم لما بلغوا جحفة أتاهم رسول أبي سفيان وقال: ارجعوا فقد سلمت ~~عيركم فأبوا إلا إظهار آثار الجلادة فلقوا ما لقوا حسبما ذكر في ~~أوائل السورة الكريمة فنهي المؤمنون أن يكونوا أمثالهم ms1306 مرائين بطرين ~~وأمروا بالتقوى والإخلاص من حيث إن النهي عن الشيء مستلزم للأمر بضده ~~{ ويصدون عن سبيل الله } عطف على بطر إن جعل مصدرا في ~~موضع الحال وكذا إن جعل مفعولا له لكن على تأويل المصدر { والله ~~بما يعملون محيط } فيجازيهم عليه. ### || [8.48-49] # { وإذ زين لهم الشيطن أعملهم } منصوب بمضمر ~~خوطب به النبي صلى الله عليه وسلم بطريق التلوين، أي واذكر وقت ~~تزيين الشيطان أعمالهم في معاداة المؤمنين وغيرها بأن وسوس إليهم { ~~وقال لا غالب لكم اليوم من الناس وإني جار ~~لكم } أي ألقى في روعهم وخيل إليهم أنهم لا يغلبون ولا يطاقون ~~لكثرة عددهم وعددهم، وأوهمهم أن اتباعهم إياه فيما يظنون أنها قربات ~~مجير لهم حتى قالوا: اللهم انصر إحدى الفئتين وأفضل الدينين، ولكم ~~خبر (لا غالب) أو صفته وليس صلته، وإلا لانتصب كقولك: لا ضاربا زيدا ~~عندنا. # { فلما تراءت الفئتان } أي تلاقى الفريقان { نكص على ~~عقبيه } رجع القهقرى أي بطل كيده وعاد ما خيل إليهم أنه ~~مجيرهم سببا لهلاكهم { وقال إني برىء منكم إني أرى ما ~~لا ترون إني أخاف الله } أي تبرأ منهم وخاف عليهم ويئس من ~~حالهم لما رأى إمداد الله تعالى للمسلمين بالملائكة، وقيل: لما اجتمعت ~~قريش على المسير ذكرت ما بينهم وبين كنانة من الإحنة فكاد ذلك ~~يثنيهم فتمثل لهم إبليس في صورة سراقة بن مالك الكناني وقال: لا ~~غالب لكم اليوم من الناس وإني مجيركم من كنانة فلما رأى الملائكة ~~تنزل نكص وكان يده في يد الحارث بن هشام فقال له: إلى أين؟ أتخذلنا ~~في هذه الحالة فقال: إني أرى مالا ترون ودفع في صدر الحارث وانطلق ~~فانهزموا فلما بلغوا مكة قالوا: هزم الناس سراقة، فبلغه ذلك فقال: ~~والله ما شعرت بمسيركم حتى بلغتني هزيمتكم فلما أسلموا علموا أنه ~~الشيطان وعلى هذا يحتمل أن يكون معنى قوله: إني أخاف الله أخافه أن ~~يصيبني بمكروه من الملائكة أو يهلكني ويكون الوقت هو الوقت ~~الموعود إذ رأى فيه ما لم يره قبله، والأول ما قاله ms1307 الحسن واختاره ابن ~~بحر { والله شديد العقاب } يجوز أن يكون من كلامه أو مستأنفا ~~من جهة الله عز وجل. # { إذ يقول المنفقون } منصوب بزين أو بنكص أو بشديد ~~العقاب { والذين في قلوبهم مرض } أي الذين لم تطمئن ~~قلوبهم بالإيمان بعد وبقي فيها نوع شبهة وقيل: هم المشركون وقيل: هم ~~المنافقون في المدينة، والعطف لتغاير الوصفين كما في قوله: # يالهف زيابة للحارث # الصابح فالغانم فالآيب # { غر هؤلاء } يعنون المؤمنين { دينهم } حتى تعرضوا لما طاقة ~~لهم به فخرجوا وهم ثلثمائة وبضعة عشر إلى زهاء ألف { ومن ~~يتوكل على الله } جواب لهم من جهته تعالى ورد لمقالتهم { ~~فإن الله عزيز } غالب لا يذل من توكل عليه واستجار به وإن ~~قل { حكيم } يفعل بحكمته البالغة ما تستبعده العقول وتحار في فهمه ~~ألباب الفحول، وجواب الشرط محذوف لدلالة المذكور عليه. ### || [8.50-52] # { ولو ترى } أي ولو رأيت، فإن لو الامتناعية ترد المضارع ~~ماضيا كما أن إن ترد الماضي مضارعا، والخطاب إما لرسول الله صلى ~~الله عليه وسلم أو لكل أحد ممن له حظ من الخطاب وقد مر تحقيقه في ~~قوله تعالى: # ولو ترى إذ وقفوا على النار # (سورة الأنعام، الآية 27) وكلمة إذ في قوله تعالى: { إذ يتوفى ~~الذين كفروا الملئكة } ظرف لترى والمفعول محذوف أي ولو ~~ترى الكفرة، أو حال الكفرة حين يتوفاهم الملائكة ببدر، وتقديم ~~المفعول للاهتمام به، وقيل: الفاعل ضمير عائد إلى الله عز وجل، ~~والملائكة مبتدأ وقوله تعالى: { يضربون وجوههم } خبره، ~~والجملة حال من الموصول قد استغني فيها بالضمير عن الواو، وهو على ~~الأول حال منه أو من الملائكة أو منهما لاشتماله على ضميريهما { ~~وأدبرهم } أي وأستاههم أو ما أقبل منهم وما أدبر من الأعضاء ~~{ وذوقوا عذاب الحريق } على إرادة القول معطوفا على يضربون ~~أو حالا من فاعله أي ويقولون أو قائلين: ذوقوا بشارة لهم بعذاب الآخرة ~~وقيل: كانت معهم مقامع من حديد كلما ضربوا التهبت النار منها، وجواب ~~لو محذوف للإيذان بخروجه عن حدود البيان أي لرأيت أمرا فظيعا لا ~~يكاد يوصف. ms1308 # { ذلك } إشارة إلى ما ذكر من الضرب والعذاب، وما فيه من معنى ~~البعد للإشعار بكونهما في الغاية القاصية من الهول والفظاعة، وهو ~~مبتدأ خبره { بما قدمت أيديكم } أي ذلك الضرب واقع بسبب ~~ما كسبتم من الكفر والمعاصي، ومحل أن في قوله: { وأن الله ~~ليس بظلم للعبيد } الرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف أي ~~والأمر أنه تعالى ليس بمعذب لعبيده بغير ذنب من قبلهم والتعبير عن ~~ذلك بنفي الظلم مع أن تعذيبهم بغير ذنب ليس بظلم قطعا على ما تقرر من ~~قاعدة أهل السنة فضلا عن كونه ظلما بالغا قد مر تحقيقه في سورة آل ~~عمران، والجملة اعتراض تذييلي مقرر لمضمون ما قبلها، وأما ما قيل ~~من أنها معطوفة على ما للدلالة على أن سببيته مقيدة بانضمامه إليه إذ ~~لولاه لأمكن أن يعذبهم بغير ذنوبهم فليس (ذلك) بسديد لما أن إمكان ~~تعذيبه تعالى لعبيده بغير ذنب بل وقوعه لا ينافي كون تعذيب هؤلاء ~~الكفرة المعينة بسبب ذنوبهم حتى يحتاج إلى اعتبار عدمه معه، نعم لو ~~كان المدعى كون جميع تعذيباته تعالى بسبب ذنوب المعذبين لاحتيج ~~إلى ذلك. # { كدأب ءال فرعون } في محل الرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف ~~والجملة استئناف مسوق لبيان أن ما حل بهم من العذاب بسبب كفرهم لا ~~بشيء آخر، من جهة غيرهم بتشبيه حالهم بحال المعروفين بالإهلاك بسبب ~~جرائمهم لزيادة تقبيح حالهم وللتنبيه على أن ذلك سنة مطردة فيما ~~بين الأمم المهلكة أي شأنهم الذي استمروا عليه مما فعلوا وفعل بهم ~~من الأخذ كدأب آل فرعون المشهورين بقباحة الأعمال وفظاعة العذاب ~~والنكال { والذين من قبلهم } أي من قبل آل فوعون من الأمم ~~التي فعلوا من المعاصي ما فعلوا ولقوا من العقاب ما لقوا كقوم نوح ~~وعاد وأضرابهم من أهل الكفر والعناد وقوله تعالى: { كفروا ~~بئايت الله } تفسير لدأبهم الذي فعلوه لا لدأب آل فرعون ~~ونحوهم كما قيل، فإن ذلك معلوم منه بقضية التشبيه، وقوله تعالى: { ~~فأخذهم الله } تفسير لدأبهم الذي فعل بهم، وإلقاء لبيان ~~كونه من لوازم ms1309 جناياتهم وتبعاتها المتفرعة عليها، وقوله تعالى: { ~~بذنوبهم } لتأكيد ما أفاده الفاء من السببية مع الإشارة إلى أن ~~لهم مع كفرهم ذنوبا أخر لها دخل في استتباع العقاب، ويجوز أن يكون ~~المراد بذنوبهم معاصيهم المتفرعة على كفرهم فتكون الباء للملابسة ~~أي فأخذهم متلبسين بذنوبهم غير تائبين عنها فدأبهم مجموع ما فعلوا ~~وفعل بهم لا ما فعلوه فقط كما قيل. # قال ابن عباس رضي الله عنهما: إن آل فرعون أيقنوا أن موسى عليه السلام ~~نبي الله فكذبوه كذلك هؤلاء جاء محمد صلى الله عليه وسلم بالصدق ~~فكذبوه فأنزل الله تعالى بهم عقوبته كما أنزل بآل فرعون، وجعل العذاب ~~من جملة دأبهم مع أنه ليس مما يتصور مداومتهم عليه واعتيادهم ~~إياه كما هو المعتبر في مدلول الدأب إما لتغليب ما فعلوه على ما فعل ~~بهم أو لتنزيل مداومتهم على ما يوجبه من الكفر والمعاصي منزلة ~~مداومتهم عليه لما بينهما من الملابسة التامة، وقوله تعالى: { إن ~~الله قوى شديد العقاب } اعتراض مقرر لمضمون ما قبله من ~~الأخذ. ### || [8.53] # وقوله تعالى: { ذلك } الخ استئناف مسوق لتعليل ما يفيده النظم ~~الكريم من كون ما حل بهم من العذاب منوطا بأعمالهم السيئة غير واقع ~~بلا سابقة ما يقتضيه وهو المشار إليه لا نفس ما حل بهم من العذاب ~~والانتقام كما قيل، فإنه مع كونه معللا بما ذكر من كفرهم وذنوبهم لا ~~يتصور تعليله بجريان عادته تعالى على عدم تغيير نعمته على قوم قبل ~~تغييرهم لحالهم وتوهم أن السبب ليس ما ذكر كما هو منطوق النظم ~~الكريم بل ما يستفاد من مفهوم الغاية من جريان عادته تعالى على تغيير ~~نعمتهم عند تغيير حالهم بناء على تخيل أن المعلل ترتب عقابهم ~~على كفرهم من غير تخلف عنه ركوب شطط هائل وإبعاد عن الحق بمراحل، ~~وتهوين لأمر الكفر بآيات الله وإسقاط له عن رتبة إيجاب العقاب في مقام ~~تهويله والتحذير منه، فالمعنى ذلك أي ترتب العقاب على أعمالهم السيئة ~~دون أن يقع ابتداء مع قدرته تعالى على ذلك { بأن الله ms1310 } أي بسبب ~~أنه تعالى { لم يك } في حد ذاته { مغيرا نعمة أنعمها } ~~أي لم ينبغ له سبحانه ولم يصح في حكمته أن يكون بحيث يغير نعمة ~~أنعم بها { على قوم } من الأقوام أي نعمة كانت جلت أو هانت { ~~حتى يغيروا ما بأنفسهم } من الأعمال والأحوال التي كانوا ~~عليها وقت ملابستهم بالنعمة ويتصفوا بما ينافيها سواء كانت أحوالهم ~~السابقة مرضية صالحة أو قريبة من الصلاح بالنسبة إلى الحادثة كدأب ~~هؤلاء الكفرة حيث كانوا قبل البعثة كفرة عبدة أصنام مستمرين على ~~حالة مصححة لإفاضة نعمة الإمهال وسائر النعم الدنيوية عليهم فلما ~~بعث إليهم النبي صلى الله عليه وسلم بالبينات غيروها إلى أسوأ ~~منها وأسخط حيث كذبوه عليه الصلاة والسلام وعادوه ومن تبعه من المؤمنين ~~وتحزبوا عليهم يبغونهم الغوائل فغير الله تعالى ما أنعم به عليهم من ~~نعمة الإمهال وعاجلهم بالعذاب والنكال، وأصل يك يكن فحذفت النون ~~تخفيفا لشبهها بالحروف اللينة { وأن الله سميع عليم } عطف ~~على أن الله الخ داخل معه في حيز التعليل أي وبسبب أنه تعالى سميع عليم ~~يسمع ويعلم جميع ما يأتون وما يذرون من الأقوال والأفعال السابقة ~~واللاحقة فيرتب على كل منها ما يليق بها من إبقاء النعمة وتغييرها، ~~وقرىء وإن الله بكسر الهمزة فالجملة حينئذ استئناف مقرر لمضمون ما ~~قبلها. ### || [8.54] # وقوله تعالى: { كدأب ءال فرعون والذين من قبلهم } ~~في محل النصب على أنه نعت لمصدر محذوف أي حتى يغيروا ما بأنفسهم ~~تغييرا كائنا كدأب آل فرعون أي كتغييرهم على أن دأبهم عبارة عما ~~فعلوه فقط كما هو الأنسب بمفهوم الدأب وقوله تعالى: { كذبوا ~~بآيت ربهم } تفسير بتمامه وقوله تعالى: { فأهلكنهم } ~~إخبار بترتب العقوبة عليه لا أنه من تمام تفسيره، ولا ضير في توسط ~~قوله تعالى: { وأن الله سميع عليم } بينهما كما مر نظيره ~~في سورة آل عمران حيث جوزوا انتصاب محل الكاف بلن تغني مع ما ~~بينهما من قوله تعالى: # وأولئك هم وقود النار # وهذا على تقدير عطف الجملة على ما قبلها وأما على تقدير كونها ms1311 ~~اعتراضا فلا غبار في توسطها قطعا وقيل: في محل الرفع على أنه خبر ~~مبتدأ محذوف كما قبله فالجملة حينئذ استئناف آخر مسوق لتقرير ما ~~سبق له الاستئناف الأول بتشبيه دأبهم بدأب المذكورين لكن لا بطريق ~~التكرير المحض بل بتغيير العنوان، وجعل الدأب في الجانبين عبارة ~~عما يلازم معناه الأول من تغيير الحال وتغيير النعمة أخذا مما نطق ~~به قوله تعالى: { ذلك بأن الله لم يك مغيرا نعمة } ~~الآية، أي دأب هؤلاء وشأنهم الذي هو عبارة عن التغييرين المذكورين ~~كدأب أولئك حيث غيروا حالهم فغير الله تعالى نعمته عليهم فقوله تعالى: ~~{ كذبوا بآيت ربهم } تفسير لدأبهم الذي فعلوه من تغيير ~~لحالهم، وقوله تعالى { فأهلكنهم } تفسير لدأبهم الذي فعل بهم ~~من تغييره تعالى ما بهم من نعمته، وأما دأب قريش فمستفاد منه بحكم ~~التشبيه فلله در شأن التنزيل حيث اكتفى في كل من التشبيهين بتفسير ~~أحد الطرفين. # وإضافة الآيات إلى الرب المضاف إلى ضميرهم لزيادة تقبيح ما فعلوا ~~بها من التكذيب، والالتفات إلى نون العظمة في أهلكنا جريا على سنن ~~الكبرياء لتهويل الخطب، والكلام في الفاء وفي قوله تعالى: { ~~بذنوبهم } كالذي مر، وعطف قوله تعالى: # وإذ فرقنا بكم # على أهلكنا مع اندراجه تحته للإيذان بكمال هول الإغراق وفظاعته كعطف ~~جبريل عليه السلام على الملائكة { وكل } أي وكل من الفرق ~~المذكورين أو كل من هؤلاء وأولئك أو كل من غرقى القبط وقتلى قريش { ~~كانوا ظالمين } أي أنفسهم بالكفر والمعاصي حيث عرضوها للهلاك ~~أو واضعين للكفر والتكذيب مكان الإيمان والتصديق ولذلك أصابهم ما ~~أصابهم. ### || [8.55-57] # { إن شر الدواب } بعد ما شرح أحوال المهلكين من شرار ~~الكفرة شرع في بيان أحوال الباقين منهم وتفصيل أحكامهم. # وقوله تعالى: { عند الله } أي في حكمه وقضائه { الذين ~~كفروا } أي أصروا على الكفر ولجوا فيه، جعلوا شر الدواب لا ~~شر الناس إيماء إلى أنهم بمعزل من مجانستهم وإنما هم من جنس الدواب ~~ومع ذلك شر من جميع أفرادها حسبما نطق به قوله تعالى: # إن هم إلا كالأنعم بل هم ms1312 أضل # (سورة الفرقان، الآية 44) وقوله تعالى: { فهم لا يؤمنون } حكم ~~مترتب على تماديهم في الكفر ورسوخهم فيه وتسجيل عليهم بكونهم من أصل ~~الطبع لا يلويهم صارف ولا يثنيهم عاطف أصلا جيء به على وجه الاعتراض ~~لا أنه عطف على كفروا داخل معه في حيز الصلة التي لا حكم فيها ~~بالفعل، وقوله تعالى: { الذين عهدت منهم } بدل من ~~الموصول الأول أو عطف بيان له أو نصب على الذم أي عاهدتهم، ومن ~~للإيذان بأن المعاهدة التي هي عبارة عن إعطاء العهد وأخذه من ~~الجانبين معتبرة ههنا من حيث أخذه عليه الصلاة والسلام عهدهم إذ هو ~~المناط لقباحة ما نعي عليهم من النقض لا إعطاؤه عليه الصلاة والسلام ~~إياهم عهده كأنه قيل: الذين أخذت منهم عهدهم، وقيل: هي للتبعيض لأن ~~المباشر بالذات للعهد بعضهم لا كلهم { ثم ينقضون عهدهم ~~} عطف على عاهدت داخل معه في حكم الصلة، وصيغة الاستقبال للدلالة ~~على تجدد النقض وتعدده وكونهم على نيته في كل حال، أي ينقضون ~~عهدهم الذي أخذته منهم { في كل مرة } أي من مرات المعاهدة إذ ~~هي التي يتوقع فيها عدم النقض ويستقبح وجوده لا من مرات المحاربة ~~كما قيل إذ لا يتوقع فيها عدم النقض بل لا يتصور أصلا حتى يستقبح ~~فيها وجوده لكونها مظنة لعدمه، فلا فائدة في تقييد النقض بالوقوع ~~في كل مرة من مراتها بل لا صحة له قطعا لأن النقض لا يتحقق إلا في ~~المرة الواردة على المعاهدة لا في المرات الواقعة بعدها بلا معاهدة، ~~ولئن سلم أن المراد هي المرات الواقعة إثر المعاهدة يبقى النقض ~~الواقع بلا محاربة كبيع السلاح ونحوه خارجا من البيان، ولئن عد ~~ذلك من المحاربة فلا محيص من لزوم خلو الكلام عن الفائدة بالمرة لأن ~~المحاربة بهذا المعنى عين النقض فيؤول الأمر إلى أن يقال: ينقضون ~~عهدهم في كل مرة من مرات النقض، وحمل المحاربة على محاربة غيرهم ~~ليكون المعنى ينقضون عهدهم في كل مرة من مرات محاربة الأعداء مع كونه ~~في غاية البعد والركاكة ms1313 يستلزم خروج بدئهم بالنقض من البيان { ~~وهم لا يتقون } حال من فاعل ينقضون أي يستمرون على النقض ~~والحال أنهم لا يتقون سبة الغدر ولا يبالون بما فيه من العار ~~والنار، وقوله تعالى: { فإما تثقفنهم } شروع في بيان ~~أحكامهم بعد تفصيل أحوالهم والفاء لترتيب ما بعدها على ما قبلها أي ~~فإذا كان حالهم كما ذكر فإما تصادفنهم وتظفرن بهم { فى ~~الحرب } أي في تضاعيفهم { فشرد بهم } أي ففرق عن مناصبتك ~~تفريقا عنيفا موجبا للاضطرار والاضطراب ونكل عنها بأن تفعل بهم من ~~النكاية والتعذيب ما يوجب أن تنكل { من خلفهم } أي من ~~وراءهم من الكفرة، وفيه إيماء إلى أنهم بصدد الحرب قريب من هؤلاء، ~~وقرىء شرذ بالذال المعجمة، ولعله مقلوب شذر بمعنى فرق، وقرىء من ~~خلفهم أي افعل التشريد من ورائهم، والمعنى واحد لأن إيقاع التشريد ~~في الوراء لا يتحقق إلا بتشريد من وراءهم { لعلهم ~~يذكرون } يتعظون بما شاهدوا مما نزل بالناقضين فيرتدعوا عن النقض ~~أو عن الكفر. ### || [8.58-59] # وقوله تعالى: { وإما تخافن من قوم خيانة } بيان ~~لأحكام المشرفين إلى نقض العهد إثر بيان أحكام الناقضين له بالفعل، ~~والخوف مستعار للعلم أي وإما تعلمن من قوم من المعاهدين نقض عهد ~~فيما سيأتي بما لاح لك منهم من دلائل الغدر ومخايل الشر { فانبذ ~~إليهم } أي فاطرح إليهم عهدهم { على سواء } على طريق مستو ~~قصد بأن تظهر لهم النقص وتخبرهم إخبارا مكشوفا بأنك قد قطعت ~~ما بينك وبينهم من الوصلة ولا تناجزهم الحرب وهم على توهم بقاء ~~العهد كيلا يكون من قبلك شائبة خيانة أصلا فالجار متعلق بمحذوف ~~هو حال من النابذ أي فانبذ إليهم ثابتا على سواء وقيل: على استواء ~~في العلم بنقض العهد بحيث يستوى فيه أقصاهم وأدناهم، أو تستوى فيه أنت ~~وهم فهو على الأول حال من المنبوذ إليهم وعلى الثاني من الجانبين { ~~إن الله لا يحب الخئنين } تعليل للأمر بالنبذ إما ~~باعتبار استلزامه للنهي عن المناجزة التي هي خيانة فيكون تحذيرا ~~لرسول الله صلى الله عليه وسلم منها وإما باعتبار ms1314 استتباعه للقتال ~~بالآخرة فيكون حثا له عليه الصلاة والسلام على النبذ أولا وعلى قتالهم ~~ثانيا، كأنه قيل: وإما تعلمن من قوم خيانة فانبذ إليهم ثم قاتلهم ~~إن الله لا يحب الخائنين وهم من جملتهم لما علمت من حالهم. # { ولا يحسبن الذين كفروا } أي أنفسهم فحذف للتكرار ~~وقوله تعالى { سبقوا } أي فاتوا وأفلتوا من أن يظفر بهم مفعول ~~ثان ليحسبن والمراد إقناطهم من الخلاص وقطع أطماعهم الفارغة من ~~الانتفاع بالنبذ والاقتصار على دفع هذا التوهم مع أن مقاومة المؤمنين ~~بل الغلبة عليهم أيضا مما تتعلق به أمانيهم الباطلة للتنبيه على أن ~~ذلك مما لا يحوم حوله وهمهم وحسبانهم وإنما الذي يمكن أن يدور في ~~خلدهم حسبان المناص فقط، وقيل: الفعل مسند إلى أحد أو إلى من خلفهم ~~والمفعول الأول الموصول المتناول لهم أيضا وقيل: هو الفاعل وأن ~~محذوفة من سبقوا، وهي مع ما في حيزها سادة مسد المفعولين، ~~والتقدير ولا يحسبن الذين كفروا أن سبقوا ويعضده قراءة من قرأ أنهم ~~سبقوا ونظيره في الحذف قوله تعالى: # ومن ءايته يريكم البرق خوفا # [الروم: 24] وقوله تعالى: # أفغير الله تأمرونى أعبد # [الروم: 64] الآية، قاله الزجاج وقرىء بالتاء على خطاب رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وهي قراءة واضحة وقرىء ولا تحسبن الذين بكسر الباء ~~وبفتحها على حذف النون الخفيفة وقوله تعالى { إنهم لا يعجزون ~~} أي لا يفوتون ولا يجدون طالبهم عاجزا عن إدراكهم، تعليل للنهي على ~~طريقة الاستئناف، وقرىء بفتح الهمزة على حذف لام التعليل، وقيل: الفعل ~~واقع عليه ولا زائدة، وسبقوا حال بمعنى سابقين أي مفلتين هاربين ~~وهذا على قراءة الخطاب لإزاحة ما عسى يحذر من عاقبة النبذ لما أنه ~~إيقاظ للعدو وتمكين لهم الهرب والخلاص من أيدي المؤمنين وفيه نفي ~~لقدرتهم على المقاومة والمقابلة على أبلغ وجه وآكده كما أشير إليه، ~~وقيل: نزلت فيمن أفلت من فل المشركين وقرىء لا يعجزون بكسر النون ولا ~~يعجزون بالتشديد. ### || [8.60-61] # { وأعدوا لهم } توجيه الخطاب إلى المؤمنين لما أن المأمور به ~~من وظائف الكل كما أن ms1315 توجيهه فيما سبق وما لحق إلى رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم لكون ما في حيزه من وظائفه عليه الصلاة والسلام أي ~~أعدوا لقتال الذين نبذ إليهم العهد وهيئوا لحرابهم أو لقتال ~~الكفار على الإطلاق وهو الأنسب بسياق النظم الكريم { ما استطعتم ~~من قوة } من كل ما يتقوى به في الحرب كائنا ما كان وعن عقبة بن ~~عامر رضي الله عنه سمعته عليه الصلاة والسلام يقول على المنبر: # " ألا إن القوة الرمي " # قالها ثلاثا. ولعل تخصيصه عليه الصلاة والسلام إياه بالذكر لإنافته ~~على نظائره من القوى { ومن رباط الخيل } الرباط اسم للخيل ~~التي تربط في سبيل الله تعالى فعال بمعنى مفعول أو مصدر سميت هي به ~~يقال: ربط ربطا ورباطا ورابط مرابطة ورباطا، أو جمع ربيط ~~كفصيل وفصال، أو جمع ربط ككعب وكعاب وكلب وكلاب، وقرىء ربط الخيل ~~بضم الباء وسكونها جمع رباط، وعطفها على القوة مع كونها من جملتها ~~للإيذان بفضلها على بقية أفرادها كعطف جبريل وميكائيل على الملائكة { ~~ترهبون به } أي تخوفون وقرىء ترهبون بالتشديد وقرىء تخزون به ~~والضمير لما استطعتم أو للإعداد وهو الأنسب ومحل الجملة النصب على ~~الحالية من فاعل أعدوا مرهبين به أو من الموصول أو من عائده المحذوف ~~أي أعدوا ما استطعتموه مرهبا به { عدو الله وعدوكم } ~~وهم كفار مكة خصوا بذلك من بين الكفار مع كون الكل كذلك لغاية ~~عتوهم ومجاوزتهم الحد في العداوة { وأعدوا لهم ما } من ~~غيرهم من الكفرة وقيل: هم اليهود وقيل: المنافقون وقيل: الفرس { لا ~~تعلمونهم } أي لا تعرفونهم بأعيانهم أو لا تعلمونهم كما هم عليه ~~من العداوة وهو الأنسب بقوله تعالى: { الله يعلمهم } أي لا ~~غيره تعالى أيضا: { وما تنفقوا من شىء } لإعداد العتاد قل ~~أو جل: { فى سبيل الله } الذي أوضحه الجهاد { يوف إليكم ~~} أي جزاؤه كاملا { وأنتم لا تظلمون } بترك الإثابة أو بنقض ~~الثواب، والتعبير عن تركها بالظلم مع أن الأعمال غير موجبة للثواب ~~حتى يكون ترك ترتيبه عليها ظلما لبيان كمال نزاهته سبحانه عن ذلك ms1316 ~~بتصويره بصورة ما يستحيل صدوره عنه تعالى من القبائح، وإبراز الإثابة ~~في معرض الأمور الواجبة عليه تعالى كما مر في تفسير قوله تعالى: # فاستجاب لهم ربهم أنى لا أضيع عمل عامل ~~منكم # [آل عمران: 95] { وإن جنحوا } الجنوح الميل ومنه الجناح ~~ويعدى باللام وبإلى، أي إن مالوا { للسلم } أي للصلح بوقوع الرهبة ~~في قلوبهم بمشاهدة ما بكم من الاستعداد وإعتاد العتاد { فاجنح ~~لها } أي للسلم، والتأنيث لحمله على نقيضه قال: # السلم تأخذ منها ما رضيت به # والحرب يكفيك من أنفاسها جرع # وقرىء فاجنح بضم النون { وتوكل على الله } ولا تخف أن ~~يظهروا لك السلم وجوانحهم مطوية على المكر والكيد { إنه } تعالى { ~~هو السميع } فيسمع ما يقولون في خلواتهم من مقالات الخداع { ~~العليم } فيعلم نياتهم فيؤاخذهم بما يستحقونه ويرد كيدهم في ~~نحرهم والآية خاصة باليهود وقيل: عامة نسختها آية السيف. ### || [8.62-64] # { وإن يريدوا أن يخدعوك } بإظهار السلم وإبطال الحراب { ~~فإن حسبك الله } أي فاعلم بأن محسبك الله من شرورهم وناصرك ~~عليهم { هو الذى أيدك بنصره } تعليل لكفايته تعالى إياه ~~عليه الصلاة والسلام بطريق الاستئناف، فإن تأييده تعالى إياه عليه ~~الصلاة والسلام فيما سلف على ما ذكر من الوجه البعيد من الوقوع من دلائل ~~تأييده تعالى فيما سيأتي أي هو الذي أيدك بإمداد من عنده بلا واسطة ~~كقوله تعالى: # وما النصر إلا من عند الله # [آل عمران: 126] أو بالملائكة مع خرقه للعادات { وبالمؤمنين } ~~من المهاجرين والأنصار { وألف بين قلوبهم } مع ما كان ~~بينهم قبل ذلك من العصبية والضغينة والتهالك على الانتقام بحيث لا ~~يكاد يأتلف فيهم قلبان حتى صاروا بتوفيقه تعالى كنفس واحدة، وهذا من أبهر ~~معجزاته عليه الصلاة والسلام { لو أنفقت ما فى الأرض ~~جميعا } أي لتأليف ما بينهم { ما ألفت بين قلوبهم } ~~استئناف مقرر لما قبله ومبين لعزة المطلب وصعوبة المأخذ أي تناهي ~~التعادي فيما بينهم إلى حد لو أنفق منفق في إصلاح ذات البين جميع ~~ما في الأرض من الأموال والذخائر لم يقدر على التأليف والإصلاح، وذكر ~~القلوب للإشعار بأن ms1317 التأليف بينها لا يتسنى وإن أمكن التأليف ظاهرا { ~~ولكن الله ألف بينهم } قلبا وقالبا بقدرته الباهرة ~~{ إنه عزيز } كامل القدرة والغلبة لا يستعصي عليه شيء مما ~~يريده { حكيم } يعلم كيفية تسخير ما يريده وقيل: الآية في الأوس ~~والخزرج كان بينهم إحن لا أمد لها ووقائع أفنت ساداتهم وأعاظمهم ~~ودقت أعناقهم وجماجمهم فأنسى الله عز وجل جميع ذلك وألف بينهم ~~بالإسلام حتى تصافوا وأصبحوا يرمون عن قوس واحدة وصاروا أنصارا. # { يأيها النبى } شروع في بيان كفايته تعالى إياه عليه ~~الصلاة والسلام في مادة خاصة وتصدير الجملة بحرفي النداء والتنبيه ~~للتنبيه على مزيد الاعتناء بمضمونها، وإيراده عليه الصلاة والسلام ~~بعنوان النبوة للإشعار بعليتها للحكم { حسبك الله } أي كافيك في ~~جميع أمورك أو فيما بينك وبين الكفرة من الحراب { ومن اتبعك ~~من المؤمنين } في محل النصب على أنه مفعول معه أي كفاك وكفي ~~أتباعك الله ناصرا كما في قول من قال: # [إذا كانت الهيجاء وانشقت العصا] # فحسبك والضحاك عضب مهند # وقيل: في موضع الجر عطفا على الضمير كما هو رأي الكوفيين أي كافيك ~~وكافيهم أو في محل الرفع عطفا على اسم الله تعالى أي كفاك الله ~~والمؤمنين والآية نزلت في البيداء في غزوة بدر قبل القتال. وقيل: ~~أسلم مع النبي صلى الله عليه وسلم ثلاثة وثلاثون رجلا وست نسوة ثم ~~أسلم عمر رضى الله عنه فنزلت ولذلك قال ابن عباس رضي الله عنهما: نزلت ~~في إسلام عمر رضي الله عنه. ### || [8.65] # { يأيها النبى } بعد ما بين كفايته إياهم بالنصر والإمداد ~~أمر عليه الصلاة والسلام بترتيب مبادي نصره وإمداده وتكرير الخطاب ~~على الوجه على المذكور لإظهار كمال الاعتناء بشأن المأمور به { حرض ~~المؤمنين على القتال } أي بالغ في حثهم عليه وترغيبهم ~~فيه بكل ما أمكن من الأمور المرغبة التي أعظمها تذكير وعده تعالى ~~بالنصر وحكمه بكفايته تعالى أو بكفايتهم وأصل التحريض الحرض وهو ~~أن ينهكه المرض حتى يشفي على الموت وقال الراغب: كأنه في الأصل إزالة ~~الحرض وهو ما لا خير فيه ولا يعتد ms1318 به قلت: فالأوجه حينئذ أن يجعل ~~الحرض عبارة عن ضعف القلب الذي هو من باب نهك المرض، وقيل: معنى ~~تحريضهم تسميتهم حرضا بأن يقال: إني أراك في هذا الأمر حرضا أي ~~محرضا فيه لتهييجه إلى الأقدام وقرىء حرص بالصاد المهملة وهو واضح. # { إن يكن منكم عشرون صبرون يغلبوا مائتين } ~~وعد كريم منه تعالى بتغليب كل جماعة من المؤمنين على عشرة أمثالهم ~~بطريق الاستئناف بعد الأمر بتحريضهم، وقوله تعالى: { وإن يكن ~~منكم مائة يغلبوا ألفا } مع انفهام مضمونه مما قبله لكون ~~كل منهما عدة بتأييد الواحد على العشرة لزيادة التقرير المفيدة ~~لزيادة الاطمئنان على أنه قد يجري بين الجمعين القليلين ما لا يجري بين ~~الجمعين الكثيرين مع أن التفاوت فيما بين كل من الجمعين القليلين ~~والكثيرين على نسبة واحدة فبين أن ذلك لا يتفاوت في الصورتين وقوله ~~تعالى: { من الذين كفروا } بيان للألف وهذا القيد معتبر في ~~المائتين أيضا وقد ترك ذكره تعويلا على ذكره ههنا كما ترك قيد ~~الصبر ههنا مع كونه معتبرا حتما ثقة بذكره هناك { بأنهم قوم ~~لا يفقهون } متعلق بيغلبوا أي بسبب أنهم قوم جهلة بالله تعالى ~~وباليوم الآخر لا يقاتلون احتسابا وامتثالا بأمر الله تعالى وإعلاء ~~لكلمته وابتغاء لرضوانه كما يفعله المؤمنون وإنما يقاتلون للحمية ~~الجاهلية واتباع خطوات الشيطان وإثارة ثائرة البغي والعدوان فلا ~~يستحقون إلا القهر والخذلان، وأما ما قيل من أن من لا يؤمن بالله ~~واليوم الآخر لا يؤمن بالميعاد فالسعادة عنده ليست إلا هذه الحياة ~~الدنيوية فيشح بها ولا يعرضها للزوال بمزاولة الحروب واقتحام ~~موارد الخطوب فيميل إلى ما فيه السلامة فيفر فيغلب، وأما من اعتقد أن ~~لا سعادة في هذه الحياة الفانية وإنما السعادة هي الحياة الباقية فلا ~~يبالي بهذه الحياة الدنيا ولا يقيم لها وزنا فيقدم على الجهاد بقلب ~~قوي وعزم صحيح فيقوم الواحد من مثله مقام الكثير فكلام حق لكنه لا ~~يلائم المقام. ### || [8.66-67] # { الئن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفا } ~~لما كان الوعد السابق متضمنا ألا يجاب مقاومة ms1319 الواحد للعشرة ~~وثباته لهم كما نقل عن ابن جريج أنه كان عليهم أن لا يفروا ويثبت ~~الواحد للعشرة وقد بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم حمزة في ثلاثين ~~راكبا فلقي أبو جهل في ثلمثمائة راكب فهزمهم ثقل عليهم ذلك وضجوا منه ~~بعد مدة فنسخ وخفف عنهم بمقاومة الواحد للاثنين وقيل: قلة في ~~الابتداء ثم لما كثروا نزل التخفيف والمراد بالضعف ضعف البدن وقيل: ~~ضعف البصيرة وكانوا متفاوتين في الاهتداء إلى القتال لا الضعف في ~~الدين كما قيل، وقرىء ضعفا بضم الضاد وهي لغة فيه كالفقر والفقر ~~والمكث والمكث وقيل: الضعف بالفتح ما في الرأي والعقل، وبالضم ما في ~~البدن وقرىء ضعفاء جمع ضعيف والمراد بعلمه تعالى بضعفهم علمه تعالى ~~به من حيث هو متحقق بالفعل لا علمه تعالى به مطلقا كيف لا وهو ثابت ~~في الأزل، وقوله تعالى: { فإن يكن منكم مائة صابرة ~~يغلبوا مائتين } تفسير للتخفيف وبيان لكيفيته وقرىء (تكن) ~~ههنا وفيما سبق بالتاء الفوقانية { وإن يكن منكم ألف ~~يغلبوا ألفين بإذن الله } أي بتيسيره وتسهيله وهذا ~~القيد معتبر فيما سبق من غلبة المائة المائتين والألف وغلبة العشرين ~~المائتين كما أن قيد الصبر معتبر ههنا وإنما ترك ذكره ثقة بما مر ~~وبقوله تعالى { والله مع الصبرين } فإنه اعتراض تذييلي ~~مقرر لمضمون ما قبله والمراد بالمعية معية نصره وتأييده، ولم ~~يتعرض ههنا لحال الكفرة من الخذلان كما لم يتعرض هناك لحال المؤمنين ~~مع أن مدار الغلبة في الصورتين مجموع الأمرين أعني نصر المؤمنين ~~وخذلان الكفرة اكتفاء بما ذكر في كل مقام عما ترك في المقام الآخر ~~وما تشعر به كلمة مع من متبوعية مدخولها لأصالتهم من حيث إنهم ~~المباشرون للصبر كما مر مرارا. # { ما كان لنبى } وقرىء للنبي على العهد والأول أبلغ لما فيه ~~من بيان أن ما يذكر سنة مطردة فيما بين الأنبياء عليهم الصلاة ~~والسلام أي ما صح وما استقام لنبي من الأنبياء عليهم السلام { أن ~~يكون له أسرى } وقرىء بتأنيث الفعل وأسارى أيضا { حتى ~~يثخن في ms1320 الأرض } أي يكثر القتل ويبالغ فيه حتى يذل الكفر ~~ويقل حزبه ويعز الإسلام ويستولي أهله، من أثخنه المرض والجرح ~~إذا أثقله وجعله بحيث لا حراك به ولا براح، وأصله الثخانة التي هي ~~الغلظ والكثافة وقرىء بالتشديد للمبالغة { تريدون عرض ~~الدنيا } استئناف مسوق للعتاب أي تريدون حطامها يأخذكم الفداء ~~وقرىء يريدون بالياء { والله يريد الآخرة } أي يريد لكم ثواب ~~الآخرة الذي لا مقدار عنده للدنيا وما فيها أو يريد سبب نيل الآخرة من ~~إعزاز دينه وقمع أعدائه وقرىء بجر الآخرة على إضمار المضاف كما في ~~قوله: # أكل امرىء تحسبين أمرا # ونار توقد بالليل نارا # { والله عزيز } يغلب أولياءه على أعدائه { حكيم } يعلم ما ~~يليق بكل حال ويخصصه بها كما أمر بالإثخان ونهى عن أخذ الفداء حين كانت ~~الشوكة للمشركين وخير بينه وبين المن بقوله تعالى: { فإما ~~منا بعد وإما فداء } لما تحولت الحال وصارت الغلبة ~~للمؤمنين. روي # " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتي بسبعين أسيرا فيهم العباس ~~وعقيل بن أبي طالب فاستشار فيهم فقال أبو بكر: قومك وأهلك استبقهم ~~لعل الله يتوب عليهم وخذ منهم فدية تقوي أصحابك، وقال عمر: اضرب ~~فلنضرب أعناقهم فإنهم أئمة الكفر والله أغناك من الفداء، مكن عليا ~~من عقيل وحمزة من العباس، ومكني من فلان نسيب له فلنضرب ~~أعناقهم، فقال عليه الصلاة والسلام: " إن الله ليلين قلوب رجال حتى ~~تكون ألين من اللبن وإن الله ليشدد قلوب رجال حتى تكون أشد من ~~الحجارة وإن مثلك يا أبا بكر مثل إبراهيم قال: فمن تبعني فإنه مني ومن ~~عصاني فإنك غفور رحيم ومثلك يا عمر مثل نوح قال: رب لا تذر على ~~الأرض من الكافرين ديارا " فخير أصحابه فأخذوا الفداء فنزلت فدخل ~~عمر رضي الله عنه على رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا هو وأبو بكر ~~يبكيان فقال: يا رسول الله أخبرني فإني إن وجدت بكاء بكيت وإلا ~~تباكيت فقال: " أبكي على أصحابك في أخذهم الفداء ولقد عرض علي ~~عذابهم أدنى هذه الشجرة " # لشجرة قريبة ms1321 منه وروي أنه عليه الصلاة والسلام قال: # " لو نزل عذاب من السماء لما نجا غير عمر وسعد بن معاذ " # وكان هو أيضا ممن أشار بالإثخان. ### || [8.68-70] # { لولا كتب من الله سبق } أي لولا حكم منه تعالى سبق ~~إثباته في اللوح المحفوظ وهو أن لا يعاقب المخطىء في اجتهاده أو أن ~~لا يعذب أهل بدر أو قوما لم يصرح لهم بالنهي، وأما أن الفدية التي ~~أخذوها ستحل لهم فلا يصلح أن يعد من موانع مساس العذاب فإن الحل ~~اللاحق لا يرفع حكم الحرمة السابقة كما أن الحرمة اللاحقة كما في ~~الخمر مثلا لا ترفع حكم الإباحة السابقة على أنه قادح في تهويل ما ~~نعي عليهم من أخذ الفداء { لمسكم } أي لأصابكم { فيما ~~أخذتم } أي لأجل ما أخذتم من الفداء { عذاب عظيم } لا يقادر ~~قدره. # { فكلوا مما غنمتم } روي أنهم أمسكوا عن الغنائم فنزلت ~~قالوا: الفاء لترتيب ما بعدها على سبب محذوف أي قد أبحت لكم الغنائم ~~فكلوا ما غنمتم والأظهر أنها للعطف على مقدر يقتضيه المقام أي دعوه ~~فكلوا مما غنمتم وقيل: ما عبارة عن الفدية فإنها من جملة الغنائم ويأباه ~~سباق النظم الكريم وسياقه { حللا } حال من المغنوم أو صفة ~~للمصدر أي أكلا حلالا وفائدته الترغيب في أكلها وقوله تعالى: { ~~طيبا } صفة لحلالا مفيدة لتأكيد الترغيب { واتقوا الله } ~~أي في مخالفة أمره ونهيه { إن الله غفور رحيم } فيغفر ~~لكم ما فرط منكم من استباحة الفداء قبل ورود الإذن فيه ويرحمكم ~~ويتوب عليكم إذا اتقيتموه { يأيها النبى قل لمن فى ~~أيديكم } أي في ملكتكم كأن أيديكم قابضة عليهم { من الأسرى ~~} وقرىء من الأسارى { إن يعلم الله في قلوبكم خيرا } ~~خلوص إيمان وصحة نية { يؤتكم خيرا مما أخذ منكم } ~~من الفداء، وقرىء أخذ على البناء للفاعل. روي أنها نزلت في العباس كلفه ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يفدي ابني أخيه عقيل بن أبي طالب ~~ونوفل بن الحارث فقال: يا محمد تركتني أتكفف قريشا ما بقيت فقال له ~~عليه الصلاة والسلام: ms1322 # " فأين الذهب الذي دفعته إلى أم الفضل وقت خروجك من مكة وقلت لها: ~~ما أدري ما يصيبني في وجهي هذا فإن حدث بي حدث فهو لك ولعبد الله ~~وعبيد الله والفضل " # فقال العباس: ما يدريك؟ فقال: «أخبرني به ربي»، قال العباس: فأنا أشهد ~~أنك صادق وأن لا إله إلا الله وأنك عبده ورسوله، والله لم يطلع عليه ~~أحد إلا الله ولقد دفعته إليها في سواد الليل ولقد كنت مرتابا في أمرك ~~فأما إذا أخبرتني بذلك فلا ريب، قال العباس بعد حين: فأبدلني الله خيرا ~~من ذلك لي الآن عشرون عبدا وإن أدناهم ليضرب في عشرين ألفا وأعطاني ~~زمزم ما أحب أن لي بها جميع أموال أهل مكة وأنا أنتظر المغفرة من ~~ربي، يتأول به ما في قوله تعالى: { ويغفر لكم والله غفور ~~رحيم } فإنه وعد بالمغفرة مؤكد بما بعده من الاعتراض التذييلي. ### || [8.71-72] # { وإن يريدوا خيانتك } أي نكث ما بايعوك عليه من الإسلام ~~وهذا كلام مسوق من جهته تعالى لتسليته عليه الصلاة والسلام بطريق ~~الوعد له والوعيد لهم { فقد خانوا الله من قبل } بكفرهم ~~ونقض ما أخذ على كل عاقل من ميثاقه { فأمكن منهم } أي أقدرك ~~عليهم حسبما رأيت يوم بدر فإن أعادوا الخيانة فاعلم أنه سيمكنك منهم ~~أيضا، وقيل: المراد بالخيانة منع ما ضمنوا من الفداء وهو بعيد { ~~والله عليم } فيعلم ما في نياتهم وما يستحقونه من العقاب { ~~حكيم } يفعل كل ما يفعله حسبما تقتضيه حكمته البالغة { إن ~~الذين ءامنوا وهاجروا } هم المهاجرون هاجروا أوطانهم حبا ~~لله تعالى ولرسوله { وجهدوا بأمولهم } بأن صرفوها إلى ~~الكراع والسلاح وأنفقوها على المحاويج { وأنفسهم } بمباشرة القتال ~~واقتحام المعارك والخوض في المهالك { فى سبيل الله } متعلق ~~بجاهدوا، قيد لنوعي الجهاد، ولعل تقديم الأموال على الأنفس لما أن ~~المجاهدة بالأموال أكثر وقوعا وأتم دفعا للحاجة حيث لا يتصور ~~المجاهدة بالنفس بلا مجاهدة بالمال { والذين ءاووا ونصروا ~~} هم الأنصار آووا المهاجرين وأنزلوهم منازلهم وبذلوا إليهم أموالهم ~~وآثروهم على أنفسهم ولو كانت بهم خصاصة ونصروهم على أعدائهم ms1323 { ~~أولئك } إشارة إلى الموصوفين بما ذكر من النعوت الفاضلة، وما ~~فيه من معنى البعد للإيذان بعلو طبقتهم وبعد منزلتهم في الفضيلة وهو ~~مبتدأ وقوله تعالى: { بعضهم } إما بدل منه وقوله تعالى: { ~~أولياء بعض } خبره وإما مبتدأ ثان وأولياء بعض خبره ~~والجملة خبر للمبتدأ الأول أي بعضهم أولياء بعض في الميراث، وقد كان ~~المهاجرون والأنصار يتوارثون بالهجرة والنصرة دون الأقارب حتى نسخ ~~بقوله تعالى: # وأولو الأرحام # [الأنفال: 75, الأحزاب:6] الآية، وقيل: في النصرة والمظاهرة، ويرده ~~قوله تعالى: { فعليكم النصر } بعد نفي موالاتهم { والذين ~~آمنوا ولم يهاجروا } كسائر المؤمنين { ما لكم من ~~وليتهم من شىء } أي من توليهم في الميراث وإن كانوا من أقرب ~~أقاربكم { حتى يهاجروا } وقرىء بكسر الواو تشبيها بالعمل ~~والصناعة كالكتابة والإمارة { وإن استنصروكم فى الدين ~~فعليكم النصر } فواجب عليكم أن تنصروهم على المشركين { ~~إلا على قوم } منهم { بينكم وبينهم ميثق } ~~معاهدة فإنه لا يجوز نقض عهدهم بنصرهم عليهم { والله بما ~~تعملون بصير } فلا تخالفوا أمره كيلا يحل بكم عقابه. ### || [8.73-75] # { والذين كفروا بعضهم أولياء بعض } آخر منهم أي في ~~الميراث أو في المؤازرة وهذا بمفهومة مفيد لنفي الموارثة والمؤازرة ~~بينهم وبين المسلمين وإيجاب المباعدة والمصارمة وإن كانوا أقارب. # { إلا تفعلوه } أي ما أمرتم به من التواصل بينكم وتولي بعضكم ~~بعضا حتى التوارث ومن قطع العلائق بينكم وبين الكفار { تكن ~~فتنة فى الأرض } أن تحصل فتنة عظيمة فيها وهي ضعف الإيمان ~~وظهور الكفر { وفساد كبير } في الدارين وقرىء كثير { والذين ~~ءامنوا وهاجروا وجهدوا في سبيل الله والذين ~~ءاووا ونصروا أولئك هم المؤمنون حقا } كلام ~~مسوق للثناء عليهم والشهادة لهم بفوزهم بالقدح المعلى من الإيمان مع ~~الوعد الكريم بقوله تعالى: { لهم مغفرة ورزق كريم } لا ~~تبعة له ولا منة فيه فلا تكرار لما أن مساق الأول لإيجاب التواصل ~~بينهم { والذين ءامنوا من بعد وهاجروا } بعد هجرتكم { ~~وجهدوا معكم } في بعض مغازيكم { فأولئك منكم } أي ~~من جملتكم أيها المهاجرون والأنصار وهم الذين جاؤوا من بعدهم يقولون: ~~ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا ms1324 بالإيمان ألحقهم الله تعالى ~~بالسابقين وجعلهم منهم تفضلا منه وترغيبا في الإيمان والهجرة وفي توجيه ~~الخطاب إليهم بطريق الالتفات من تشريفهم ورفع محلهم ما لا يخفى { ~~وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض } آخر منهم في ~~التوارث من الأجانب { فى كتب الله } أي في حكمه أو في اللوح أو ~~في القرآن واستدل به على توريث ذوي الأرحام { إن الله بكل ~~شىء عليم } ومن جملته ما في تعليق التوارث بالقرابة الدينية أولا ~~وبالقرابة النسبية آخرا من الحكم البالغة. عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم: # " من قرأ سورة الأنفال وبراءة فأنا شفيع له يوم القيامة وشاهد أنه ~~بريء من النفاق، وأعطي عشر حسنات بعدد كل منافق ومنافقة وكان ~~العرش وحملته يستغفرون له أيام حياته " # والله تعالى أعلم. ### | [9 - سورة التوبة] ### || [9.1] # (سورة براءة مدنية وهى مائة وتسع وعشرون آية) # { براءة } خبر مبتدأ محذوف وتنوينه للتفخيم وقرىء بالنصب أي ~~اسمعوا براءة ومن في قوله تعالى: { من الله ورسوله } ~~ابتدائية متعلقة بمحذوف وقع صفة لها ليفيدها زيادة تفخيم وتهويل ~~أي هذه براءة مبتدأة من جهة الله تعالى ورسوله واصلة { إلى الذين ~~عاهدتم من المشركين } وإنما لم يذكر ما تعلق به للبراءة ~~حسبما ذكر في قوله تعالى: { أن الله برىء من المشركين } ~~اكتفاء بما في حيز الصلة فإنه منبىء عنه إنباء ظاهرا واحترازا عن ~~تكرير لفظة من، وقيل: هي مبتدأ لتخصصها بالصفة وخبره إلى الذين الخ ~~والذي تقتضيه جزالة النظم هو الأول لأن هذه البراءة أمر حادث لم ~~يعهد عند المخاطبين ذاتها ولا عنوان ابتدائها من الله تعالى ~~ورسوله حتى يخرج ذلك العنوان مخرج الصفة لها ويجعل المقصود ~~بالذات، والعمدة في الإخبار شيئا آخر هو وصولها إلى المعاهدين، ~~وإنما الحقيق بأن يعتنى بإفادته حدوث تلك البراءة من جهته تعالى ~~ووصولها إليهم فإن حق الصفات قبل علم المخاطب بثبوتها لموصوفاتها أن ~~تكون أخبارا، وحق الأخبار بعد العلم بثبوتها لما هي له أن تكون ~~صفات كما حقق في موضعه، وقرىء من الله بكسر النون على أن الأصل في ~~تحريك ms1325 الساكن الكسر ولكن الوجه هو الفتح في لام التعريف خاصة لكثرة ~~الوقوع، والعهد العقد الموثق باليمين والخطاب في عاهدتم للمسلمين وقد ~~كانوا قد عاهدوا مشركي العرب من أهل مكة وغيرهم بإذن الله تعالى ~~واتفاق الرسول صلى الله عليه وسلم فنكثوا إلا بني ضمرة وبني ~~كنانة فأمر المسلمون بنبذ العهد إلى الناكثين وأمهلوا أربعة أشهر ~~ليسيروا أين شاؤوا، وإنما نسبت البراءة إلى الله ورسوله مع شمولها ~~للمسلمين واشتراكهم في حكمها ووجوب العمل بموجبها وعلقت المعاهدة ~~بالمسلمين خاصة مع كونها بإذن الله تعالى واتفاق الرسول صلى الله عليه ~~وسلم للإنباء عن تنجزها وتحتمها من غير توقف على رأي المخاطبين ~~لأنها عبارة عن إنهاء حكم الأمان ورفع الحظر المترتب على العهد ~~السابق من التعرض للكفرة، وذلك منوط بجناب الله عز وجل لأنه أمر ~~كسائر الأوامر الجارية على حسب حكمة تقتضيها وداعية تستدعيها تترتب ~~عليها آثارها من غير توقف على شيء أصلا، واشتراك المسلمين في حكمها ~~ووجوب العمل بموجبها إنما هو طريقة الامتثال بالأمر لا على أن يكون ~~لهم مدخل في إتمامها أو في ترتب أحكامها عليها، وأما المعاهدة فحيث ~~كانت عقدا كسائر العقود الشرعية لا تتحصل في نفسها ولا تترتب عليها ~~أحكامها إلا بمباشرة المتعاقدين على وجوه مخصوصة اعتبرها الشرع لم ~~يتصور صدورها عنه سبحانه وإنما الصادر عنه في شأنها هو الإذن فيها ~~وإنما الذي يباشرها ويتولى أمرها المسلمون. # ولا يخفى أن البراءة إنما تتعلق بالعهد لا بالإذن فيه فنسبت كل ~~واحدة منهما إلى من هو أصل فيها على أن في ذلك تفخيما لشأن البراءة ~~وتهويلا لأمرها وتسجيلا على الكفرة بغاية الذل والهوان ونهاية ~~الخزي والخذلان وتنزيها لساحة السبحان والكبرياء عما يوهم شائبة ~~النقص والبداء تعالى عن ذلك علوا كبيرا وإدراجه عليه الصلاة والسلام ~~في النسبة الأولى وإخراجه عن الثانية لتنويه شأنه الرفيع وإجلال قدره ~~المنيع في كلا المقامين صلى الله عليه وسلم، وإيثار الجملة الاسمية على ~~الفعلية كأن يقال: قد برىء الله ورسوله من الذين أو نحو ذلك للدلالة ~~على دوامها واستمرارها ms1326 وللتوسل إلى تهويلها بالتنوين التفخيمي كما ~~أشير إليه. ### || [9.2] # { فسيحوا } السياحة والسيح الذهاب في الأرض والسير فيها ~~بسهولة على مقتضى المشيئة كسيح الماء على موجب الطبيعة ففيه من ~~الدلالة على كمال التوسعة والتوفية ما ليس في سيروا ونظائره، وزيادة ~~قوله عز وجل { فى الأرض } لقصد التعميم لأقطارها من دار الإسلام ~~وغيرها والمراد إباحة ذلك لهم وتخليتهم وشأنهم من الاستعداد للحرب ~~أو تحصين الأهل والمال وتحصيل المهرب أو غير ذلك لا تكليفهم ~~بالسياحة فيها، وتلوين الخطاب بصرفه عن المسلمين وتوجيهه إليهم مع حصول ~~المقصود بصيغة أمر الغائب أيضا للمبالغة في الإعلام بالإمهال حسما ~~لمادة تعللهم بالغفلة وقطعا لشأفة اعتذارهم بعدم الاستعداد، وإيثار ~~صيغة الأمر مع تسني إفادة ذلك المعنى بطريق الإخبار أيضا كأن يقال ~~مثلا: فلكم أن تسيحوا أو نحو ذلك لإظهار كمال القوة والغلبة وعدم ~~الاكتراث لهم ولاستعدادهم فكأن ذلك أمر مطلوب منهم والفاء لترتيب ~~الأمر بالسياحة وما يعقبه على ما تؤذن به البراءة المذكورة من ~~الحراب، على أن الأول مترتب على نفسه والثاني بكلا متعلقيه على ~~عنوان كونه من الله العزيز لا لترتيب الأول عليه والثاني على الأول كما ~~في قوله تعالى: # قل سيروا فى الأرض فانظروا # [النحل: 69] الخ كأنه قيل: هذه براءة موجبة لقتالكم فاسعوا في تحصيل ~~العدد والأسباب وبالغوا في إعتاد العتاد من كل باب { أربعة ~~أشهر واعلموا أنكم } بسياحتكم في أقطار الأرض في العرض ~~والطول وإن ركبتم متن كل صعب وذلول { غير معجزي الله } أي لا ~~تفوتونه بالهرب والتحصن. # { وأن الله } وضع الاسم الجليل موضع المضمر لتربية ~~المهابة وتهويل أمر الإخزاء وهو الإذلال بما فيه فضيحة وعار { ~~مخزى الكفرين } أي مخزيكم ومذلكم في الدنيا بالقتل والأسر ~~وفي الآخرة بالعذاب، وإيثار الإظهار على الإضمار لذمهم بالكفر بعد ~~وصفهم بالإشراك وللإشعار بأن علة الإخزاء هي كفرهم ويجوز أن يكون ~~المراد جنس الكافرين فيدخل فيه المخاطبون دخولا أوليا والمراد ~~بالأشهر الأربعة هي الأشهر الحرم التي علق القتال بانسلاخها فقيل: ~~هي شوال وذو القعدة وذو الحجة والمحرم، وقيل: هي عشرون ms1327 من ذي ~~الحجة والمحرم وصفر وشهر ربيع الأول وعشر من ربيع الآخر، ~~وجعلت حرما لحرمة قتالهم فيها أو لتغليب ذي الحجة والمحرم على ~~البقية، وقيل: من عشر ذي القعدة إلى عشر من شهر ربيع الأول لأن الحج ~~في تلك السنة كان في ذلك الوقت للنسيء الذي كان فيهم ثم صار في العام ~~القابل في ذي الحجة، وذلك قوله عليه الصلاة والسلام: # " إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض " # روي أنه عليه الصلاة والسلام أمر أبا بكر رضي الله تعالى عنه على موسم ~~سنة تسع ثم أتبعه عليا رضي الله تعالى عنه على العضباء ليقرأها على ~~أهل الموسم فقيل له عليه الصلاة والسلام: لو بعثت بها إلى أبي بكر فقال ~~صلى الله عليه وسلم: # " لا يؤدي عني إلا رجل مني " # وذلك لأن عادة العرب أن لا يتولى أمر العهد والنقض علي القبيلة إلا ~~رجل منها فلما دنا علي سمع أبو بكر الرغاء فوقف فقال: هذا رغاء ~~ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما لحقه قال: أمير أو مأمور ~~قال: مأمور فمضيا فلما كان قبل يوم التروية خطب أبو بكر رضي الله عنه ~~وحدثهم عن مناسكهم وقام علي رضي الله عنه يوم النحر عند جمرة العقبة ~~فقال: يا أيها الناس إني رسول رسول الله صلى الله عليه وسلم إليكم ~~فقالوا: بماذا؟ فقرأ عليهم ثلاثين أو أربعين آية ثم قال: أمرت بأربع أن ~~لا يقرب البيت بعد العام مشرك ولا يطوف بالبيت عريان ولا يدخل ~~الجنة إلا كل نفس مؤمنة وأن يتم إلى كل ذي عهد عهده. ### || [9.3] # { وأذان من الله ورسوله } أي إعلام منهما فعال بمعنى ~~الإفعال كالعطاء بمعنى الإعطاء ورفعه كرفع براءة والجملة معطوفة على ~~مثلها وإنما قيل: { إلى الناس } أي كافة لأن الأذان غير مختص ~~بقوم دون آخرين كالبراءة الخاصة بالناكثين بل هو شامل لعامة الكفرة ~~وللمؤمنين أيضا { يوم الحج الأكبر } هو يوم العيد لأن فيه ~~تمام الحج ومعظم أفعاله ولأن الإعلام كان فيه ولما روي ms1328 # " أنه عليه الصلاة والسلام وقف يوم النحر عند الجمرات في حجة الوداع ~~فقال: " هذا يوم الحج الأكبر " # وقيل: يوم عرفة لقوله عليه الصلاة والسلام: # " الحج عرفة " # ووصف الحج بالأكبر لأن العمرة تسمى الحج الأصغر أو لأن المراد ~~بالحج ما يقع في ذلك اليوم من أعماله فإنه أكبر من باقي الأعمال، أو لأن ~~الحج اجتمع فيه المسلمون والمشركون أو لأنه ظهر فيه عز المسلمين وذل ~~المشركين { أن الله } أي بأن الله وقرىء بالكسر لما أن الأذان ~~فيه معنى القول { برىء من المشركين } أي المعاهدين الناكثين { ~~ورسوله } عطف على المستكن في بريء أو على محل أن واسمها على ~~قراءة الكسر وقرىء بالنصب عطفا على اسم أن أو لأن الواو بمعنى مع أي ~~بريء معه منهم، وبالجر على الجوار وقيل: على القسم { فإن تبتم } ~~من الشرك والغدر التفات من الغيبة إلى الخطاب لزيادة التهديد ~~والتشديد، والفاء لترتيب مقدم الشرطية على الأذان بالبراءة المذيلة ~~بالوعيد الشديد المؤذن بلين عريكتهم وانكسار شدة شكيمتهم { ~~فهو } أي فالتوب { خير لكم } في الدارين { وإن توليتم ~~} عن التوبة أو ثبتم على التولي عن الإسلام والوفاء { فاعلموا ~~أنكم غير معجزى الله } غير سابقين ولا فائتين { وبشر ~~الذين كفروا } تلوين للخطاب وصرف له عنهم إلى رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم لأن البشارة { بعذاب أليم } وإن كانت بطريق ~~التهكم إنما تليق بمن يقف على الأسرار الإلهية. ### || [9.4] # { إلا الذين عهدتم من المشركين } استدراك من ~~النبذ السابق الذي أخر فيه القتال أربعة أشهر كأنه قيل: لا تمهلوا ~~الناكثين فوق أربعة أشهر لكن الذين عاهدتموهم ثم لم ينكثوا عهدهم فلا ~~تجروهم مجرى الناكثين في المسارعة إلى قتالهم بل أتموا إليه عهدهم، ~~ولا يضر في ذلك تخلل الفاصل بقوله تعالى: # وأذان من الله ورسوله # الخ لأنه ليس بأجنبي بالكلية بل هو أمر بإعلام تلك البراءة كأنه قيل: ~~وأعلموها، وقيل: هو استثناء متصل من المشركين الأول، ويرده بقاء ~~الثاني على العموم مع كونهما عبارة عن فريق واحد وجعله استثناء من ~~الثاني يأباه بقاء الأول كذلك ms1329 وقيل: هو استدارك من المقدر في (فسيحوا) ~~أي قولوا لهم: سيحوا أربعة أشهر لكن الذين عاهدتم منهم { ثم لم ~~ينقصوكم شيئا } من شروط الميثاق ولم يقتلوا منكم أحدا ولم ~~يضروكم قط وقرىء بالمعجمة أي لم ينقضوا عهدكم شيئا من النقض، وكلمة ثم ~~للدلالة على ثباتهم على عهدهم مع تمادي المدة { ولم يظهروا } ~~أي لم يعاونوا { عليكم أحدا } من أعدائكم كما عدت بنو بكر على ~~خزاعة في غيبة رسول الله صلى الله عليه وسلم فظاهرتهم قريش ~~بالسلاح { فأتموا إليهم عهدهم } أي أدوه إليهم كاملا { ~~إلى مدتهم } ولا تفاجئوهم بالقتال عند مضي الأجل المضروب ~~للناكثين ولا تعاملوهم معاملتهم. قال ابن عباس رضي الله عنهما: بقي ~~لحي من بني كنانة من عهدهم تسعة أشهر فأتم إليهم عهدهم { إن ~~الله يحب المتقين } تعليل لوجوب الامتثال وتنبيه على أن ~~مراعاة حقوق العهد من باب التقوى وأن التسوية بين الوفي والغادر ~~منافية لذلك وإن كان المعاهد مشركا. ### || [9.5] # { فإذا انسلخ } أي انقضى، استعير له من الانسلاخ الواقع بين ~~الحيوان وجلده والأغلب إسناده إلى الجلد، والمعنى إذا انقضى { ~~الأشهر الحرم } وانفصلت عما كانت مشتملة عليه ساترة له انفصال ~~الجلد عن الشاة وانكشف عنه انكشاف الحجاب عما وراءه كما ذكره أبو ~~الهيثم من أنه يقال: أهللنا شهر كذا أي دخلنا فيه ولبسناه فنحن نزداد ~~كل ليلة لباسا منه إلى مضي نصفه ثم نسلخه عن أنفسنا جزءا ~~فجزءا حتى نسلخه عن أنفسنا كله فينسلخ وأنشد: # إذا ما سلخت الشهر أهللت مثله # كفى قاتلا سلخي الشهور وإهلالي # وتحقيقه أن الزمان محيط بما فيه من الزمانيات مشتمل عليه اشتمال ~~الجلد للحيوان وكذا كل جزء من أجزائه الممتدة من الأيام والشهور ~~والسنين فإذا مضى فكأنه انسلخ عما فيه، وفيه مزيد لطف لما فيه من ~~التلويح بأن تلك الأشهر كانت حرزا لأولئك المعاهدين عن غوائل أيدي ~~المسلمين فنيط قتالهم بزوالها والمراد بها إما ما مر من الأشهر ~~الأربعة فقط، ووضع المظهر موضع المضمر ليكون ذريعة إلى وصفها ~~بالحرمة تأكيدا لما ينبىء عنه إباحة ms1330 السياحة من حرمة التعرض لهم مع ~~ما فيه من مزيد الاعتناء بشأنها، أو هي مع ما فهم من قوله تعالى: # فأتموا إليهم عهدهم إلى مدتهم # من تتمة مدة بقيت لغير الناكثين فعلى الأول يكون المراد بالمشركين ~~في قوله تعالى: { فاقتلوا المشركين } الناكثين خاصة فلا يكون ~~قتال البالغين مفهوما من عبارة النص من دلالته، وعلى الثاني مفهوما ~~من العبارة إلا أنه يكون الانسلاخ وما نيط به من القتال حينئذ شيئا ~~فشيئا لا دفعة واحدة كأنه قيل: فإذا تم ميقات كل طائفة فاقتلوهم، ~~وحملها على الأشهر المعهودة الدائرة في كل سنة لا يساعده النظم ~~الكريم، وأما أنه يستدعي بقاء حرمة القتال فيها إذ ليس فيما نزل ~~بعد ما ينسخها فلا اعتداد به لا لأنها نسخت بقوله تعالى: # وقتلوهم حتى لا تكون فتنة # [الأنفال: 39] كما توهم فإنه رجم بالغيب لأنه إن أريد به ما في سورة ~~الأنفال فإنه نزل عقيب غزوة بدر وقد صح أن المراد بالذين كفروا في ~~قوله تعالى: # قل للذين كفروا # [الأنفال: 38] أبو سفيان وأصحابه وقد أسلم في أواسط رمضان عام الفتح ~~سنة ثمان وسورة التوبة إنما نزلت في شوال سنة تسع وإن أريد ما في ~~سورة البقرة فإنه أيضا نزل قبل الفتح كما يعرب عنه ما قبله من قوله ~~تعالى: # وأخرجوهم من حيث أخرجوكم # [البقرة: 191] أي من مكة وقد فعل ذلك يوم الفتح فكيف ينسخ به ما ينزل ~~بعده؟ بل لأن انعقاد الإجماع على انتساخها كاف في الباب من غير حاجة ~~إلى كون سنده منقولا إلينا. وقد صح أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~حاصر الطائف لعشر بقين من المحرم { حيث وجدتموهم } من حل ~~وحرم { وخذوهم } أي أسروهم والأخيذ: الأسير { واحصروهم ~~} أي قيدوهم أو امنعوهم من التقلب في البلاد. # قال ابن عباس رضي الله عنهما: حيلوا بينهم وبين المسجد الحرام { ~~واقعدوا لهم كل مرصد } أي كل ممر ومجتاز يجتازون منه ~~في أسفارهم، وانتصابه على الظرفية أي ارصدوهم وارقبوهم حتى لا يمروا ~~به، وفائدته على التفسير الثاني دفع احتمال أن ms1331 يراد بالحصر المحاصرة ~~المعهودة. # { فإن تابوا } عن الشرك بالإيمان بعد ما اضطروا بما ذكر من القتل ~~والأسر والحصر { وأقاموا الصلوة وآتوا الزكاة } تصديقا ~~لتوبتهم وإيمانهم، واكتفى بذكرهما عن ذكر بقية العبادات لكونهما رأسي ~~العبادات البدنية والمالية { فخلوا سبيلهم } فدعوهم وشأنهم ~~ولا تتعرضوا لهم بشيء مما ذكر { إن الله غفور رحيم } يغفر ~~لهم ما سلف من الكفر والغدر ويثبتهم بإيمانهم وطاعاتهم وهو تعليل للأمر ~~بتخلية السبيل. ### || [9.6-7] # { وإن أحد } شروع في بيان حكم المتصدين لمبادي التوبة من سماع ~~كلام الله تعالى والوقوف على شعائر الدين إثر بيان حكم التائبين ~~عن الكفر والمصرين عليه وهو مرتفع بشرط مضمر يفسره الظاهر لا ~~بالابتداء لأن إن لا تدخل إلا على الفعل { من المشركين ~~استجارك } بعد انقضاء الأجل المضروب أي سألك أن تؤمنه وتكون ~~له جارا { فأجره } أي أمنه { حتى يسمع كلام الله } ~~ويتدبره ويطلع على حقيقة ما يدعو إليه. والاقتصار على ذكر السماع ~~لعدم الحاجة إلى شيء آخر في الفهم لكونهم من أهل اللسن والفصاحة، ~~و(حتى) سواء كانت للغاية أو للتعليل متعلقة بما بعدها لا بقوله تعالى: ~~{ استجارك } لأنه يؤدي إلى إعمال حتى في المضمر وذلك مما لا يكاد ~~يرتكب في غير ضرورة الشعر كما في قوله: # فلا والله لا يلفى أناس # فتى حتاك يا ابن أبي يزيد # كذا قيل إلا أن تعلق الإجارة بسماع كلام الله تعالى بأحد الوجهين ~~يستلزم تعلق الاستجارة أيضا بذلك أو بما في معناه من أمور الدين، ~~وما روي عن علي رضي الله عنه أنه أتاه رجل من المشركين فقال: إن أراد ~~الرجل منا أن يأتي محمدا بعد انقضاء هذا الأجل لسماع كلام الله تعالى ~~أو لحاجة قتل؟ قال: لا لأن الله تعالى يقول: { وإن أحد من ~~المشركين استجارك فأجره } الخ فالمراد بما فيه من ~~الحاجة هي الحاجة المتعلقة بالدين لا ما يعمها وغيرها من الحاجات ~~الدنيوية كما ينبىء عنه قوله: أن يأتي محمدا، فإن من يأتيه عليه السلام ~~إنما يأتيه للأمور المتعلقة بالدين { ثم أبلغه } بعد استماعه ~~له ms1332 إن لم يؤمن { مأمنه } أي مسكنه الذي يأمن فيه وهو دار قومه ~~{ ذلك } يعنى الأمر بالإجارة وإبلاغ المأمن { بأنهم } بسبب ~~أنهم { قوم لا يعلمون } ما الإسلام وما حقيقته، أو قوم ~~جهلة فلا بد من إعطاء الأمان حتى يفهموا الحق ولا يبقى لهم معذرة ~~أصلا. { كيف يكون للمشركين عهد } شروع في تحقيق حقيقة ~~ما سبق من البراءة وأحكامها المتفرعة عليها وتبيين الحكمة الداعية ~~إلى ذلك، والمراد بالمشركين الناكثون لأن البراءة إنما هي في شأنهم، ~~والاستفهام إنكاري لا بمعنى إنكار الواقع كما في قوله تعالى # كيف تكفرون بالله # [البقرة: 28] الخ، بل بمعنى إنكار الوقوع ويكون من الكون التام وكيف ~~في محل النصب على التشبيه بالحال أو الظرف وقيل: من الكون الناقص وكيف ~~خبر يكون قدم على اسمه وهو عهد لاقتضائه الصدارة، وللمشركين متعلق ~~بمحذوف وقع حالا من عهد ولو كان مؤخرا لكان صفة له أو بيكون عند من ~~يجوز عمل الأفعال الناقصة في الظروف، وعند متعلق بمحذوف وقع صفة ~~لعهد أو بنفسه لأنه مصدر أو بيكون كما مر، ويجوز أن يكون الخبر ~~للمشركين وعند كما ذكر أو متعلق بالاستقرار الذي تعلق به للمشركين ويجوز ~~أن يكون الخبر عند الله، وللمشركين إما تبيين وإما حال من عهد وإما ~~متعلق بيكون أو بالاستقرار الذي تعلق به الخبر ولا يبالى بتقديم ~~معمول الخبر على الاسم لكونه حرف جر، وكيف على الوجهين الأخيرين نصب ~~على التشبيه بالظرف أو الحال كما في صورة الكون التام وهو الأولى لأن في ~~إنكار ثبوت العهد في نفسه من المبالغة ما ليس في إنكار ثبوته للمشركين، ~~لأن ثبوته الرابطي فرع ثبوته العيني فانتفاء الأصل يوجب انتفاء ~~الفرع رأسا، وفي توجيه الإنكار إلى كيفية ثبوت العهد من المبالغة ما ~~ليس في توجهه إلى ثبوته لأن كل موجود يجب أن يكون وجوده على حال من ~~الأحوال قطعا، فإذا انتفى جميع أحوال وجوده فقد انتفى وجوده على ~~الطريق البرهاني أي أو في أي حال يوجد لهم عهد معتد به؟ { عند ~~الله وعند رسوله } يستحق ms1333 أن يراعى حقوقه ويحافظ عليه ~~إلى إتمام المدة ولا يتعرض لهم بحسبه قتلا ولا أخذا، وأما أن ~~يأمنوا به من عذاب الآخرة كما قيل فلا سبيل إلى اعتباره أصلا إذ لا ~~دخل لعهدهم في ذلك الأمن قطعا وإن كان مرعيا عند الله تعالى وعند ~~رسوله كعهد غير الناكثين، وتكرير كلمة عند للإيذان بعدم الاعتداد به ~~عند كل منهما على حدة { إلا الذين } استدراك من النفي المفهوم ~~من الاستفهام المتبادر شموله لجميع المعاهدين أي لكون الذين { ~~عهدتم عند المسجد الحرام } وهم المستثنون فيما سلف، ~~والتعرض لكون المعاهدة عند المسجد الحرام لزيادة بيان أصحابها ~~والإشعار بسبب وكادتها، ومحله الرفع على الابتداء خبره قوله تعالى: # { فما استقموا لكم فاستقيموا لهم } والفاء لتضمنه ~~معنى الشرط وما إما منصوبة المحل على الظرفية فتقدير المضاف أي ~~فاستقيموا لهم مدة استقامتهم لكم وإما شرطية منصوبة المحل على ~~الظرفية الزمانية أي أي زمان استقاموا لكم فاستقيموا لهم، أو مرفوعة ~~على الابتداء والعائد محذوف أي أي زمان استقاموا لكم فيه فاستقيموا ~~لهم فيه وقيل: الاستثناء متصل محله النصب على الأصل أو الجر على ~~البدل من المشركين والمراد بهم الجنس لا المعهود وأيا ما كان فحكم ~~الأمر بالاستقامة ينتهي بانتهاء مدة العهد لأن استقامتهم التي وقت ~~بوقتها الاستقامة المأمور بها عبارة عن مراعاة حقوق العهد، وبعد ~~انقضاء مدته لا عهد ولا استقامة فصار عين الأمر الوارد فيما سلف ~~حيث قيل: فأتموا إليهم عهدهم إلى مدتهم خلا أنه فد صرح به هناك مع ~~كونه معتبرا قطعا وهو تقييد الإتمام المأمور به ببقائهم على ما ~~كانوا عليه من من الوفاء { إن الله يحب المتقين } تعليل ~~للأمر بالاستقامة وإشعار بأن القيام بموجب العهد من أحكام التقوى كما ~~مر. ### || [9.8] # { كيف } تكرير لاستنكار ما مر من أن يكون للمشركين عهد حقيق ~~بالمراعاة عند الله سبحانه وعند رسوله صلى الله عليه وسلم، وأما ما قيل ~~من أنه لاستبعاد ثباتهم على العهد فكما ترى لأن ما يذكر بصدد التعليل ~~للاستبعاد عين عدم ثباتهم على العهد لا ms1334 أنه شيء يستدعيه، وإنما أعيد ~~الاستنكار والاستبعاد تأكيدا لهما وتمهيدا لتعداد العلل الموجبة ~~لهما لإخلال تخلل ما في البين من الارتباط والتقريب، وحذف الفعل ~~المستنكر للإيذان بأن النفس مستحضرة له مترقبة لورود ما يوجب ~~استنكاره لا لمجرد كونه معلوما كما في قوله: # وخبرتماني أنما الموت بالقرى # فكيف وهاتا هضبة وقليب # فإنه علة مصححة لا مرجحة أي كيف يكون لهم عهد متعد به عند الله ~~تعالى وعند رسوله صلى الله عليه وسلم { وإن يظهروا عليكم } ~~أي وحالهم أنهم إن يظهروا عليكم أي يظفروا بكم { لا يرقبوا ~~فيكم } أي لا يراعوا في شأنكم، وأصل الرقوب النظر بطريق الحفظ ~~والرعاية ومنه الرقيب ثم استعمل في مطلق الرعاية، والمراقبة أبلغ ~~منه كالمراعاة، وفي نفي الرقوب من المبالغة ما ليس في نفيها { إلا ~~ولا ذمة } أي حلفا وقيل: قرابة ولا عهدا، أو حقا يعاب على ~~إغفاله مع ما سبق لهم من تأكيد الأيمان والمواثيق، يعني أن وجوب ~~مراعاة حقوق العهد على كل من المتعاهدين مشروط بمراعاة الآخر لها ~~فإذا لم يراعها المشركون فكيف تراعونها؟ على منوال قول من قال: # علام تقبل منهم فدية وهم # لا فضة قبلوا منا ولا ذهبا # وقيل: الإل من أسماء الله عز وجل أي لا يراعوا حق الله تعالى وقيل: ~~الجوار ومآله الحلف لأنهم إذا تماسحوا وتحالفوا رفعوا به أصواتهم ~~لتشهيره، ولما كان تعليق عدم رعاية العهد بالظفر موهما للرعاية عند ~~عدمه كشف عن حقيقة شؤونهم الجلية والخفية بطريق الاستئناف وبين ~~أنهم في حالة العجز أيضا ليسوا من الوفاء في شيء، وأن ما يظهرونه ~~مداهنة لا مهادنة فقيل: # { يرضونكم بأفوههم } حيث يظهرون الوفاء والمصافاة ~~ويعدون لكم بالإيمان والطاعة ويؤكدون ذلك بالأيمان الفاجرة ويتعللون ~~عند ظهور خلافه بالمعاذير الكاذبة، ونسبة الإرضاء إلى الأفواه ~~للإيذان بأن كلامهم مجرد ألفاظ يتفوهون بها من غير أن يكون لها ~~مصداق في قلوبهم { وتأبى قلوبهم } ما يفيد كلامهم { ~~وأكثرهم فسقون } خارجون عن الطاعة فإن مراعاة حقوق العهد ~~من باب الطاعة متمردون ليست لهم مروءة رادعة ولا عقيدة ms1335 وازعة ولا ~~يتسترون كما يتعاطاه بعضهم ممن يتفادى عن الغدر ويتعفف عما يجر ~~أحدوثة السوء. ### || [9.9] # { اشتروا بئايت الله } بآياته الآمرة بالإيفاء بالعهود ~~والاستقامة في كل أمر أو بجميع آياته فيدخل فيها ما ذكر دخولا ~~أوليا أي تركوها وأخذوا بدلها { ثمنا قليلا } أي شيئا حقيرا من ~~حطام الدنيا وهو أهواؤهم وشهواتهم التي اتبعوها، أو ما أنفقه أبو ~~سفيان من الطعام وصرفه إلى الأعراب { فصدوا } أي عدلوا ونكبوا، ~~من صد صدودا أو صرفوا غيرهم من صد صدا والفاء للدلالة على سببية ~~الاشتراء لذلك { عن سبيله } أي الدين الحق الذي لا محيد عنه، ~~والإضافة للتشريف أو سبيل بيته الحرام حيث كانوا يصدون الحجاج ~~والعمار عنه { إنهم ساء ما كانوا يعملون } أي بئس ما ~~كانوا يعملونه أو عملهم المستمر، والمخصوص بالذم محذوف وقد جوز أن ~~تكون كلمة ساء على أصلها من التصرف لازمة بمعنى قبح، أو متعدية ~~والمفعول محذوف أي ساءهم الذي يعملونه أو عملهم. ### || [9.10-12] # وقوله عز وعلا: { لا يرقبون فى مؤمن إلا ولا ذمة } ~~ناع عليهم عدم مراعاة حقوق عهد المؤمنين على الإطلاق فلا تكرار، ~~وقيل: هذا في اليهود أو في الأعراب المذكورين ومن يحذو حذوهم، وأما ما ~~قيل من أنه تفسير لقوله تعالى: { يعملون } أو دليل على ما هو ~~مخصوص بالذم فمشعر باختصاص الذم والسوء بعملهم هذا دون غيره { ~~وأولئك } الموصوفون بما عدد من الصفات السيئة { هم ~~المعتدون } المجاوزون الغاية القصوى من الظلم والشرارة { فإن ~~تابوا } أي عما هم عليه من الكفر وسائر العظائم، والفاء للإيذان ~~بأن تقريعهم بما نعي عليهم من مساوىء أعمالهم مزجرة عنه ومظنة ~~للتوبة { وأقاموا الصلوة وآتوا الزكاة } أي التزموهما ~~وعزموا على إقامتهما { فإخوانكم } أي فهم إخوانكم وقوله تعالى: { ~~فى الدين } متعلق بإخوانكم لما فيه من معنى الفعل أي لهم ما لكم ~~وعليهم ما عليكم فعاملوهم معاملة الإخوان، وفيه من استمالتهم واستجلاب ~~قلوبهم ما لا مزيد عليه، والاختلاف بين جواب هذه الشرطية وجواب ~~التي مرت من قبل مع اتحاد الشرط فيهما لما أن الأولى سيقت إثر ms1336 الأمر ~~بالقتل ونظائره فوجب أن يكون جوابها أمرا بخلاف ذلك وهذه سيقت بعد ~~الحكم عليهم بالاعتداء وأشباهه فلا بد من كون جوابها حكما بخلافه ~~البتة { ونفصل الأيت } أي نبينها، والمراد بها إما ما مر من ~~الآيات المتعلقة بأحوال المشركين من الناكثين وغيرهم وأحكامهم حالتي ~~الكفر والإيمان وإما جميع الآيات فيندرج فيها تلك الآيات اندراجا ~~أوليا { لقوم يعلمون } أي ما فيها من الأحكام أو لقوم عالمين ~~وهو اعتراض للحث على التأمل في الأحكام المندرجة في تضاعيفها ~~والمحافظة عليها. # { وإن نكثوا } عطف على قوله تعالى: { فإن تابوا } أي وإن ~~لم يفعلوا ذلك بل نقضوا { أيمنهم من بعد عهدهم } الموثق ~~بها وأظهروا ما في ضمائرهم من الشر وأخرجوه من القوة إلى الفعل حسبما ~~ينبىء عنه قوله تعالى: { وإن يظهروا عليكم لا يرقبوا } ~~الآية، أو ثبتوا على ما هم عليه من النكث لا أنهم ارتدوا بعد الإيمان ~~كما قيل { وطعنوا فى دينكم } قدحوا فيه بصريح التكذيب ~~وتقبيح الأحكام { فقتلوا أئمة الكفر } أي فقاتلوهم، ~~وإنما أوثر ما عليه النظم الكريم للإيذان بأنهم صاروا بذلك ذوي رياسة ~~وتقدم في الكفر أحقاء بالقتل والقتال، وقيل: المراد بأئمتهم رؤساؤهم ~~وصناديدهم، وتخصيصهم بالذكر إما لأهمية قتلهم أو للمنع من مراقبتهم ~~لكونهم مظنة لها أو للدلالة على استئصالهم، فإن قتلهم غالبا يكون ~~بعد قتل من دونهم، وقرىء (أئمة) بتحقيق الهمزتين على الأصل والأفصح ~~إخراج الثانية بين بين وأما التصريح بالياء فلحن ظاهر عند الفراء ~~{ إنهم لا أيمن لهم } أي على الحقيقة حيث لا يراعونها ولا ~~يعدون نقضها محذورا وإن أجروها على ألسنتهم، وإنما علق النفي بها ~~كالنكث فيما سلف لا بالعهد المؤكد بها لأنها العمدة في المواثيق، ~~وجعل الجملة تعليلا للأمر بالقتال لا يساعده تعليقه بالنكث والطعن ~~لأن حالهم في أن لا أيمان لهم حقيقة بعد النكث والطعن كحالهم قبل ذلك ~~وحمله على معنى عدم بقاء أيمانهم بعد النكث والطعن مع أنه لا ~~حاجة إلى بيانه خلاف الظاهر، ولعل الأولى جعلها تعليلا لمضمون ~~الشرط كأنه قيل: وإن نكثوا وطعنوا كما ms1337 هو المتوقع منهم إذ لا أيمان ~~لهم حقيقة حتى لا ينكثوها أو لاستمرار القتال المأمور به المستفاد ~~من سياق الكلام، كأنه قيل: فقاتلوهم إلى أن يؤمنوا إنهم لا أيمان لهم ~~حتى يعقد معهم عهد آخر، وقرىء بكسر الهمزة على أنه مصدر بمعنى إعطاء ~~الأمان أي لا سبيل إلى أن تعطوهم أمانا بعد ذلك أبدا وأما العكس ~~كما قيل فلا وجه له لإشعاره بأن معاهدتهم معنا على طريقة أن يكون إعطاء ~~الأمان من قبلهم وذلك بين البطلان أو بمعنى الإسلام ففي كونه ~~تعليلا للأمر بالقتال إشكال بل استحالة لأنه إن حمل على انتفاء ~~الإسلام مطلقا فهو بمعزل عن العلية للقتال أو للأمر به كما قبل ~~النكث والطعن، وإن حمل على انتفائه فيما سيأتي فلا يلائم جعل ~~الانتهاء غاية للقتال فيما سيجيء فالوجه أن يجعل تعليلا لما ذكر من ~~مضمون الشرط كأنه قيل: إن نكثوا وطعنوا وهو الظاهر من حالهم لأنه لا ~~إسلام لهم حتى يرتدعوا عن نقض جنس أيمانهم وعن الطعن في دينكم { ~~لعلهم ينتهون } متعلق بقوله تعالى: { فقاتلوا } أي قاتلوهم ~~إرادة أن ينتهوا أي ليكن غرضكم من القتال انتهاءهم عما هم عليه من ~~الكفر وسائر العظائم التي يرتكبونها لا إيصال الأذية بهم كما هو ديدن ~~المؤذين. ### || [9.13] # { ألا تقتلون } الهمزة الداخلة على انتفاء مقاتلتهم ~~للإنكار والتوبيخ تدل على تخصيصهم على المقاتلة بطريق حملهم على ~~الإقرار بانتفائها كأنه أمر لا يمكن أن يعترف به طائعا لكمال شناعته ~~فيلجأون إلى ذلك ولا يقدرون على الإقرار به فيختارون المقاتلة { قوما ~~نكثوا أيمنهم } التي حلفوها عند المعاهدة على أن لا ~~يعاونوا عليهم فعاونوا بني بكر على خزاعة { وهموا بإخراج ~~الرسول } من مكة حين تشاوروا في أمره بدار الندوة حسبما ذكر في قوله ~~تعالى # وإذ يمكر بك الذين كفروا # [الأنفال: 30] فيكون نعيا عليهم جنايتهم القديمة وقيل: هم اليهود ~~نكثوا عهد الرسول صلى الله عليه وسلم وهموا بإخراجه من المدينة { وهم ~~بدءوكم } بالمعاداة والمقاتلة { أول مرة } لأن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم جاءهم أولا بالكتاب ms1338 المبين وتحداهم به فعدلوا عن ~~المحاجة لعجزهم عنها إلى المقاتلة أو بدءوا بقتال خزاعة حلفاء النبي ~~صلى الله عليه وسلم لأن إعانة بني بكر عليهم قتال معهم { ~~أتخشونهم } أي أتخشون أن ينالكم منهم مكروه حتى تتركوا ~~قتالهم، وبخهم أولا بترك مقاتلتهم وحضهم عليها ثم وصفهم بما يوجب ~~الرغبة فيها ويحقق أن من كان على تلك الصفات السيئة حقيق بأن لا ~~تترك مصادمته ويوبخ من فرط فيها { فالله أحق أن تخشوه ~~} بمخالفة أمره وترك قتال أعدائه { إن كنتم مؤمنين } فإن ~~قضية الإيمان تخصيص الخشية به تعالى وعدم المبالاة بمن سواه وفيه من ~~التشديد ما لا يخفى. ### || [9.14-16] # { قتلوهم } تجريد للأمر بالقتال بعد التوبيخ على تركه ووعد ~~بنصرهم وبتعذيب أعدائهم وإخزائهم وتشجيع لهم { يعذبهم الله ~~بأيديكم ويخزهم } قتلا وأسرا { وينصركم عليهم ~~} أي يجعلكم جميعا غالبين عليهم أجمعين ولذلك أخر عن التعذيب ~~والإخزاء { ويشف صدور قوم مؤمنين } ممن لم يشهد القتال ~~وهم خزاعة، قال ابن عباس رضي الله عنهما: هم بطون من اليمن وسبأ ~~قدموا مكة فأسلموا فلقوا من أهلها أذى كثيرا فبعثوا إلى رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم يشكون إليه فقال عليه والسلام: # " أبشروا فإن الفرج قريب " # { ويذهب غيظ قلوبهم } بما كابدوا من المكاره والمكايد ~~ولقد أنجز الله سبحانه جميع ما وعدهم به على أجمل ما يكون فكان إخباره ~~عليه الصلاة والسلام بذلك قبل وقوعه معجزة عظيمة { ويتوب الله ~~على من يشاء } كلام مستأنف ينبىء عما سيكون من بعض أهل مكة من ~~التوبة المقبولة بحسب مشيئته تعالى المبنية على الحكم البالغة فكان ~~كذلك حيث أسلم ناس منهم وحسن إسلامهم. وقرىء بالنصب بإضمار أن ودخول ~~التوبة في جملة ما أجيب به الأمر بحسب المعنى فإن القتال كما هو سبب ~~لفشل شوكتهم وإلانة شكيمتهم فهو سبب للتدبر في أمرهم وتوبتهم من ~~الكفر والمعاصي وللاختلاف في وجه السببية غير السبك والله تعالى ~~أعلم { والله } إيثار إظهار الجلالة على الإضمار لتربية المهابة ~~وإدخال الروعة { عليم } لا يخفى عليه خافية { حكيم } لا يفعل ولا ~~يأمر إلا ms1339 بما فيه حكمة ومصلحة { أم حسبتم } أم منقطة جيء بها ~~للدلالة على الانتقال من التوبيخ السابق إلى آخر وما فيها من همزة ~~الاستفهام الإنكاري توبيخ لهم على الحسبان المذكور أي بل أحسبتم ~~{ أن تتركوا } على ما أنتم عليه ولا تؤمروا بالجهاد ولا تبتلوا ~~بما يمحصكم والخطاب إما لمن شق عليهم القتال من المؤمنين أو ~~للمنافقين { ولما يعلم الله الذين جهدوا منكم } ~~الواو حالية ولما للنفي مع التوقع، والمراد من نفي العلم نفي المعلوم ~~بالطريق البرهاني إذ لو شم رائحة الوجود لعلم قطعا فلما لم يعلم ~~لزم عدمه قطعا أي أم حسبتم أن تتركوا والحال أنه لم يتبين الخلص ~~من المجاهدين منكم من غيرهم، وما في لما من التوقع منبه على أن ذلك ~~سيكون، وفائدة التعبير عما ذكر من عدم التبين بعدم علم الله تعالى أن ~~المقصود هو التبين من حيث كونه متعلقا للعلم ومدارا للثواب، وعدم ~~التعرض لحال المقصرين لما أن ذلك بمعزل من الاندراج تحت إرادة أكرم ~~الأكرمين. # { ولم يتخذوا } عطف على جاهدوا داخل في حيز الصلة أو حال من ~~فاعله أي جاهدوا حال كونهم غير متخذين { من دون الله ولا ~~رسوله ولا المؤمنين وليجة } أي بطانة وصاحب سر، وهو ~~الذي تطلعه على ما في ضميرك من الأسرار الخفية، من الولوج وهو الدخول ~~ومن دون الله متعلق بالاتخاذ إن أبقي على حاله أو مفعول ثان إن جعل ~~بمعنى التصيير { والله خبير بما تعملون } أي بجميع ~~أعمالكم وقرىء على الغيبة وهو تذييل يزيح ما يتوهم من ظاهر قوله ~~تعالى: { ولما يعلم } الخ، أو حال متداخلة من فاعله أو من ~~مفعوله، والمعنى ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم والحال أنه يعلم ~~جميع أعمالكم لا يخفى عليه شيء منها. ### || [9.17] # { ما كان للمشركين } أي ما صح وما استقام لهم على معنى نفي ~~الوجود والتحقق، لا نفي الجواز كما في قوله تعالى: # أولئك ما كان لهم أن يدخلوها إلا خائفين # [البقرة: 114] أي ما وقع وما تحقق لهم { أن يعمروا } عمارة ~~معتدا بها { مسجد ms1340 الله } أي المسجد الحرام وإنما جمع لأنه ~~قبلة المساجد وإمامها فعامره كعامرها أو لأن كل ناحية من نواحيه ~~المختلفة الجهات مسجد على حياله بخلاف سائر المساجد إذ ليس في ~~نواحيها اختلاف الجهة ويؤيده القراءة بالتوحيد وقيل: ما كان لهم أن ~~يعمروا شيئا من المساجد فضلا عن المسجد الحرام الذي هو صدر الجنس، ~~ويأباه أنهم لا يتصدون لتعمير سائر المساجد ولا يفتخرون بذلك على ~~أنه مبني على كون النفي بمعنى نفي الجواز واللياقة دون نفي الوجود { ~~شهدين على أنفسهم بالكفر } أي بإظهار آثار الشرك من ~~نصب الأوثان حول البيت والعبادة لها فإن ذلك شهادة صريحة على أنفسهم ~~بالكفر وإن أبوا أن يقولوا: نحن كفار كما نقل عن الحسن رضي الله عنه، ~~وهو حال من الضمير في يعمروا أي محال أن يكون ما سموه عمارة ~~عمارة بيت الله مع ملابستهم لما ينافيها ويحبطها من عبادة غيره ~~تعالى فإنها ليست من العمارة في شيء وأما ما قيل من أن المعنى ما استقام ~~لهم أن يجمعوا بين أمرين متنافيين: عمارة بيت الله تعالى وعبادة ~~غيره تعالى فليس بمعرب عن كنه المرام فإن عدم استقامة الجمع بين ~~المتنافيين إنما يستدعي انتفاء أحدهما بعينه لا انتفاء العمارة الذي ~~هو المقصود. روي أن المهاجرين والأنصار أقبلوا على أسارى بدر ~~يعيرونهم بالشرك وطفق علي رضي الله تعالى عنه يوبخ العباس بقتال ~~النبي صلى الله عليه وسلم وقطيعة الرحم وأغلظ له في القول فقال ~~العباس: تذكرون مساوينا وتكتمون محاسننا فقال: ولكم محاسن؟ قالوا: نعم، ~~إنا لنعمر المسجد الحرام ونحجب الكعبة ونسقي الحجيج ونفك العاني ~~فنزلت { أولئك } الذين يدعون عمارة المسجد وما يضاهيها من ~~أعمال البر مع ما بهم من الكفر { حبطت أعملهم } أي التي ~~يفتخرون بها بما قارنها من الكفر فصارت هباء منثورا { وفى النار ~~هم خلدون } لكفرهم ومعاصيهم، وإيراد الجملة الاسمية للمبالغة ~~في الدلالة على الخلود، والظرف متعلق بالخبر قدم عليه للاهتمام به، ~~ومراعاة الفاصلة، وكلتا الجملتين مستأنفة لتقرير النفي السابق. الأولى ~~من جهة نفي استتباع الثواب والثانية ms1341 من جهة نفي استدفاع العذاب. ### || [9.18-19] # { إنما يعمر مسجد الله } الكلام في إيراد صيغة ~~الجمع كما مر فيما مر، خلا أن إرادة جميع المساجد وإدراج الحرام في ~~ذلك غير مخالفة لمقتضى الحال، فإن الإيجاب ليس كالسلب وقد قرىء ~~بالإفراد أيضا والمراد ههنا أيضا قصر تحقق العمارة ووجودها على ~~المؤمنين لا قصر جوازها ولياقتها أي إنما يصح ويستقيم أن يعمرها عمارة ~~يعتد بها { من ءامن بالله } وحده { واليوم الأخر } بما ~~فيه من البعد والحساب والجزاء حسبما نطق به الوحي { وأقام ~~الصلاة وآتى الزكاة } على ما علم من الدين فيندرج فيه ~~الإيمان بنبوة النبي صلى الله عليه وسلم حتما وقيل: هو مندرج تحت ~~الإيمان بالله خاصة فإن أحد جزأي كلمتي الشهادة علم للكل أي إنما ~~يعمرها من جمع هذه الكمالات العلمية والعملية، والمراد بالعمارة ~~ما يعم مرمة ما استرم منها وقمها وتنظيفها وتزيينها بالفرش ~~وتنويرها بالسرج وإدامة العبادة والذكر ودراسة العلوم فيها ونحو ~~ذلك وصيانتها مما لم تبن له كحديث الدنيا. وعن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: # " الحديث في المسجد يأكل الحسنات كما تأكل البهيمة الحشيش " # وقال عليه الصلاة والسلام: # " قال الله تعالى: «إن بيوتي في أرضي المساجد وإن زواري فيها ~~عمارها فطوبى لعبد تطهر في بيته ثم زارني في بيتي فحق على ~~المزور أن يكرم زائره " # وعنه عليه الصلاة والسلام: # " من ألف المسجد ألفه الله تعالى " # وقال عليه الصلاة والسلام: # " إذا رأيتم الرجل يعتاد المساجد فاشهدوا له بالإيمان " # وعن أنس رضى الله عنه: «من أسرج في مسجد سراجا لم تزل الملائكة ~~وحملة العرش تستغفر له ما دام في ذلك المسجد ضوؤه» { ولم يخش } ~~في أمور الدين { إلا الله } فعمل بموجب أمره ونهيه غير آخذ له ~~في الله لومة لائم ولا خشية ظالم فيندرج فيه عدم الخشية عن القتال ~~ونحو ذلك، وأما الخوف الجبلي من الأمور المخوفة فليس من هذا ~~الباب ولا مما يدخل تحت التكليف والخطاب، وقيل: كانوا يخشون الأصنام ~~ويرجونها فأريد نفي تلك الخشية عنهم { فعسى أولئك } ~~المنعوتون بتلك ms1342 النعوت الجميلة { أن يكونوا من المهتدين } ~~إلى مباغيهم من الجنة وما فيها من فنون المطالب العلية، وإبراز ~~اهتدائهم مع ما بهم من الصفات السنية في معرض التوقع لقطع أطماع ~~الكفرة عن الوصول إلى مواقف الاهتداء والانتفاع بأعمالهم التي يحسبون ~~أنهم في ذلك محسنون، ولتوبيخهم بقطعهم بأنهم مهتدون، فإن المؤمنين مع ~~ما بهم من هذه الكمالات، إذا كان أمرهم دائرا بين لعل وعسى فما ~~بال الكفرة وهم هم، وأعمالهم أعمالهم وفيه لطف للمؤمنين وترغيب لهم ~~في ترجيح جانب الخوف على جانب الرجاء ورفض الاعتذار بالله تعالى. # { أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام ~~} أي في الفضيلة وعلو الدرجة { كمن ءامن بالله واليوم ~~الأخر وجهد فى سبيل الله } السقاية والعمارة مصدران ~~لا يتصور تشبيههما بالأعيان فلا بد من تقدير مضاف في أحد الجانبين أي ~~أجعلتم أهلهما كمن آمن بالله الخ، ويؤيده قراءة من قرأ سقاة الحاج ~~وعمرة المسجد الحرام أو أجعلتموهما كإيمان من آمن الخ، وعلى التقديرين ~~فالخطاب إما للمشركين على طريقة الالتفات وهو المتبادر من تخصيص ذكر ~~الإيمان بجانب المشبه به، وإما لبعض المؤمنين المؤثرين للسقاية ~~والعمارة ونحوهما على الهجرة والجهاد ونظائرهما وهو المناسب ~~للاكتفاء في الرد عليهم ببيان عدم مساواتهم عند الله للفريق الثاني ~~وبيان أعظمية درجتهم عند الله تعالى على وجه يشعر بعدم حرمان ~~الأولين بالكلية، وجعل معنى التفضيل بالنسبة إلى زعم الكفرة لا يجدي ~~كثير نفع لأنه إن لم يشعر بعدم الحرمان فليس بمشعر بالحرمان ~~أيضا أما على الأول فهو توبيخ للمشركين ومداره على إنكار تشبيه ~~أنفسهم من حيث اتصافهم بوصفيهم المذكورين مع قطع النظر عما هم عليه من ~~الشرك بالمؤمنين من حيث اتصافهم بالإيمان والجهاد، أو على إنكار تشبيه ~~وصفيهم المذكورين في حد ذاتهما مع الإغماض عن مقارنتهما للشرك بالإيمان ~~والجهاد، وأما اعتبار مقارنتهما له كما قيل فيأباه المقام، كيف لا ~~وقد بين آنفا حبوط أعمالهم بذلك الاعتبار بالمرة وكونها بمنزلة ~~العدم، فتوبيخهم بعد ذلك على تشبيههما بالإيمان والجهاد ثم رد ذلك ~~بما يشعر بعدم حرمانهم عن أصل ms1343 الفضيلة بالكلية كما أشير إليه، مما لا ~~يساعده النظم التنزيلي ولو اعتبر ذلك لما احتيج إلى تقرير إنكار ~~التشبيه وتأكيده بشيء آخر إذ لا شيء أظهر بطلانا من تشبيه ~~المعدوم بالموجود، فالمعنى أجعلتم أهل السقاية والعمارة في الفضيلة ~~كمن آمن بالله واليوم الآخر وجاهد في سبيله أو أجعلتموهما في ذلك ~~كالإيمان والجهاد وشتان بينهما فإن السقاية والعمارة وإن كانتا في ~~أنفسهما من أعمال البر والخير لكنهما وإن خلتا عن القوادح ~~بمعزل عن صلاحية أن يشبه أهلهما بأهل الإيمان والجهاد أو يشبه ~~أنفسهما بنفس الإيمان والجهاد، وذلك قوله عز وجل: { لا يستوون ~~عند الله } أي لا يساوي الفريق الأول الثاني من حيث اتصاف كل ~~منهما بوصفيهما ومن ضرورته عدم التساوي بين الوصفين الأولين وبين ~~الآخرين لأنه المدار في التفاوت بين الموصوفين، وإسناد عدم ~~الاستواء إلى الموصوفين، لأن الأهم بيان تفاوتهم، وتوجيه النفي ~~ههنا والإنكار فيما سلف إلى الاستواء والتشبيه مع أن دعوى المفتخرين ~~بالسقاية والعمارة من المشركين والمؤمنين إنما هي الأفضلية دون التساوي ~~والتشابه للمبالغة في الرد عليهم فإن نفي التساوي والتشابه نفي ~~للأفضلية بالطريق الأولى، والجملة استئناف لتقرير الإنكار المذكور ~~وتأكيده، أو حال من مفعولي الجعل، والرابط هو الضمير كأنه قيل: ~~أسويتم بينهم حال كونهم متفاوتين عنده تعالى وقوله تعالى: { ~~والله لا يهدى القوم الظلمين } حكم عليهم بأنهم مع ~~ظلمهم بالإشراك ومعاداة الرسول صلى الله عليه وسلم ضالون في هذا الجعل ~~غير مهتدين إلى طريق معرفة الحق وتمييز الراجح من المرجوح، ~~وظالمون بوضع كل منهما موضع الآخر وفيه زيادة تقرير لعدم التساوي ~~بينهم. ### || [9.20] # وقوله تعالى: { الذين ءامنوا وهاجروا فى سبيل الله ~~بأمولهم وأنفسهم } استئناف لبيان مراتب فضلهم إثر ~~بيان عدم الاستواء وضلال المشركين وظلمهم. وزيادة الهجرة وتفصيل ~~نوعي الجهاد للإيذان بأن ذلك من لوازم الجهاد لا أنه اعتبر بطريق ~~التدارك أمرا لم يعتبر فيما سلف أي هم باعتبار اتصافهم بهذه الأوصاف ~~الجميلة { أعظم درجة عند الله } أي أعلى رتبة وأكثر ~~كرامة ممن لم يتصف بها كائنا من كان وإن ms1344 حاز جميع ما عداها من ~~الكمالات التي من جملتها السقاية والعمارة { وأولئك } أي ~~المنعوتون بتلك النعوت الفاضلة، وما في اسم الإشارة من معنى البعد ~~للدلالة على بعد منزلتهم في الرفعة { هم الفائزون } المختصون ~~بالفوز العظيم أو بالفوز المطلق كأن فوز من عداهم ليس بفوز بالنسبة ~~إلى فوزهم، وأما على الثاني فهو توبيخ لمن يؤثر السقاية والعمارة ~~من المؤمنين على الهجرة والجهاد، روي أن عليا قال للعباس رضي الله عنهما ~~بعد إسلامه: يا عم ألا تهاجرون ألا تلحقون برسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، فقال: ألست في أفضل من الهجرة أسقي حاج بيت الله وأعمر ~~المسجد الحرام؟ فلما نزلت قال: ما أراني إلا تارك سقايتنا فقال عليه ~~السلام: # " أقيموا على سقايتكم فإن لكم فيها خيرا " # وروى النعمان بن بشير قال: كنت عند منبر رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فقال رجل: ما أبالي ألا أعمل عملا بعد أن أسقي الحاج، وقال ~~آخر: ما أبالي ألا أعمل عملا بعد أن أعمر المسجد الحرام، وقال ~~آخر: الجهاد في سبيل الله أفضل مما قلتم، فزجرهم عمر رضي الله عنه ~~وقال: لا ترفعوا أصواتكم عند منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ~~يوم الجمعة ولكن إذا صليتم استفتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما ~~اختلفتم فيه فدخل فأنزل الله عز وجل هذه الآية، والمعنى أجعلتم أهل ~~السقاية والعمارة من المؤمنين في الفضيلة والرفعة كمن آمن بالله ~~واليوم الآخر وجاهد في سبيله، أو أجعلتموهما كالإيمان والجهاد، وإنما ~~لم يذكر الإيمان في جانب المشبه مع كونه معتبرا فيه قطعا ~~تعويلا على ظهور الأمر وإشعارا بأن مدار إنكار التشبيه هو السقاية ~~والعمارة دون الإيمان وإنما لم يترك ذكره في جانب المشبه به أيضا ~~تقوية للإنكار وتذكيرا لأسباب الرجحان ومبادىء الأفضلية وإيذانا ~~بكمال التلازم بين الإيمان وما تلاه، ومعنى عدم الاستواء عند الله ~~تعالى على هذا التقدير ظاهر وكذا أعظمية درجة الفريق الثاني، وأما ~~قوله تعالى: # والله لا يهدى القوم الظلمين # فالمراد به عدم هدايته تعالى إلى ms1345 معرفة الراجح من المرجوح وظلمهم ~~بوضع كل منهما موضع الآخر لا عدم الهداية مطلقا ولا الظلم عموما، ~~والقصر في قوله تعالى: { وأولئك هم الفائزون } بالنسبة ~~إلى درجة الفريق الثاني، أو إلى الفوز المطلق ادعاء كما مر والله أعلم. ### || [9.21-22] # { يبشرهم } وقرىء بالتخفيف { ربهم برحمة } عظيمة { ~~منه ورضون } كبير { وجنت } عالية { لهم فيها } في ~~تلك الجنات { نعيم مقيم } نعم لا نفاد لها، وفي التعرض ~~لعنوان الربوبية تأكيد للمبشر به وتربية له { خلدين فيها ~~} أي في الجنات { أبدا } تأكيد للخلود لزيادة توضيح المراد به إذ ~~قد يراد به المكث الطويل { إن الله عنده أجر عظيم } لا ~~قدر عنده لأجور الدنيا أو للأعمال التي في مقابلته، والجملة استئناف ~~وقع تعليلا لما سبق. ### || [9.23-24] # { يأيها الذين ءامنوا لا تتخذوا ءاباءكم ~~وإخونكم أولياء } نهي لكل فرد من أفراد المخاطبين عن ~~موالاة فرد من المشركين بقضية مقابلة الجمع بالجمع الموجبة لانقسام ~~الآحاد إلى الآحاد كما في قوله عز وجل: # وما للظلمين من أنصار # [البقرة: 270] لا عن موالاة طائفة منهم فإن ذلك مفهوم من النظم ~~دلالة لا عبارة والآية نزلت في المهاجرين فإنهم لما أمروا بالهجرة ~~قالوا: إن هاجرنا قطعنا آباءنا وأبناءنا وعشيرتنا وذهبت تجارتنا ~~وهلكت أموالنا وخربت ديارنا وبقينا ضائعين فنزلت فهاجروا فجعل ~~الرجل يأتيه ابنه أو أبوه أو أخوه أو بعض أقاربه فلا يلتفت إليه ولا ~~ينزله ولا ينفق عليه ثم رخص لهم في ذلك. وقيل: نزلت في التسعة ~~الذين ارتدوا ولحقوا بمكة نهيا عن موالاتهم، وعن النبي صلى الله عليه ~~وسلم: # " لا يطعم أحدكم طعم الإيمان حتى يحب في الله أبعد الناس منه ~~ويبغض في الله أقرب الناس إليه " # { إن استحبوا الكفر } أي اختاروه { على الإيمن } ~~وأصروا عليه إصرارا لا يرجى معه الإقلاع عنه أصلا، وتعليق النهي عن ~~الموالاة بذلك لما أنها قبل ذلك ربما تؤدي بهم إلى الإسلام بسبب شعورهم ~~بمحاسن الدين { ومن يتولهم } أي واحدا منهم كما أشير إليه، ~~وإفراد الضمير في الفعل لمراعاة لفظ الموصول وللإيذان باستقلال كل ~~واحد منهم في ms1346 الاتصاف بالظلم لا أن المراد تولي فرد واحد، وكلمة ~~من في قوله تعالى: { منكم } للجنس لا للتبعيض { فأولئك } أي ~~أولئك المتولون { هم الظلمون } بوضعهم الموالاة في غير ~~موضعها كأن ظلم غيرهم كلا ظلم عند ظلمهم. # { قل } تلوين للخطاب وأمر له عليه الصلاة والسلام بأن يثبت ~~المؤمنين ويقوي عزائمهم على الانتهاء عما نهوا عنه من موالاة الآباء ~~والإخوان ويزهدهم فيهم وفيمن يجري مجراهم من الأبناء والأزواج ويقطع ~~علائقهم عن زخارف الدنيا وزينتها على وجه التوبيخ والترهيب { إن ~~كان ءاباؤكم وأبناؤكم وإخونكم وأزواجكم } لم ~~يذكر الأبناء والأزواج فيما سلف لأن موالاة الأبناء والأزواج غير ~~معتادة بخلاف المحبة { وعشيرتكم } أي أقرباؤكم مأخوذ من العشرة ~~أي الصحبة وقيل: من العشرة فإنهم جماعة ترجع إلى عقد كعقد العشرة، ~~وقرىء عشيراتكم وعشائركم { وأمول اقترفتموها } أي ~~اكتسبتموها وإنما وصفت بذلك إيماء إلى عزتها عندهم لحصولها بكد اليمين { ~~وتجرة } أي أمتعة اشتريتموها للتجارة والربح { تخشون ~~كسادها } بفوات وقت رواجها بغيبتكم عن مكة المعظمة في أيام ~~الموسم { ومسكن ترضونها } أي منازل تعجبكم الإقامة فيها ~~من الدور والبساتين، والتعرض للصفات المذكورة للإيذان بأن اللوم على ~~محبة ما ذكر من زينة الحياة الدنيا ليس لتناسي ما فيها من مبادي المحبة ~~وموجبات الرغبة فيها وأنها مع ما لها من فنون المحاسن بمعزل عن أن ~~يؤثر حبها على حبه تعالى وحب رسوله عليه الصلاة والسلام كما في ~~قوله عز وجل: # ما غرك بربك الكريم # [الانفطار: 6] { أحب إليكم من الله ورسوله } بالحب ~~الاختياري المستتبع لأثره الذي هو الملازمة وعدم المفارقة لا الحب ~~الجبلي الذي لا يخلو عنه البشر فإنه غير داخل تحت التكليف ~~الدائر على الطاقة. # { وجهاد في سبيله } نظم حبه في سلك حب الله عز وجل وحب ~~رسوله صلى الله عليه وسلم تنويها لشأنه وتنبيها على أنه مما يجب أن ~~يحب فضلا عن أن يكره وإيذانا بأن محبته راجعة إلى محبتهما فإن ~~الجهاد عبارة عن قتال أعدائهما لأجل عداوتهم فمن يحبهما يجب أن ~~يحب قتال من لا يحبهما { فتربصوا } أي انتظروا { حتى ~~يأتى ms1347 الله بأمره } عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه فتح مكة ~~وقيل: هي عقوبة عاجلة أو آجلة { والله لا يهدى القوم ~~الفسقين } الخارجين عن الطاعة في موالاة المشركين أو القوم ~~الفاسقين كافة فيدخل في زمرتهم هؤلاء دخولا أوليا، أي لا يرشدهم إلى ~~ما هو خير لهم وفي الآية الكريمة من الوعيد ما لا يكاد يتخلص منه إلا ~~من تداركه لطف من ربه والله المستعان. ### || [9.25] # { لقد نصركم الله } الخطاب للمؤمنين خاصة { فى مواطن ~~كثيرة } من الحروب وهي مواقعها ومقاماتها والمراد بها وقعات بدر ~~وقريظة والنضير والحديبية وخيبر وفتح مكة { ويوم حنين ~~} عطف على محل (في مواطن) بحذف المضاف في أحدهما أي وموطن يوم حنين، ~~أو في أيام مواطن كثيرة ويوم حنين ولعل التغيير للإيماء إلى ما وقع ~~فيه من قلة الثبات من أول الأمر وقيل: المراد بالموطن الوقت كمقتل ~~الحسين، وقيل: يوم حنين منصوب بمضمر معطوف على نصركم أي ونصركم يوم ~~حنين. # { إذ أعجبتكم كثرتكم } بدل من يوم حنين ولا منع فيه ~~من عطفه على محل الظرف بناء على أنه لم يكن في المعطوف عليه كثرة ولا ~~إعجاب إذ ليس من قضية العطف مشاركة المعطوفين فيما أضيف إليه ~~المعطوف، أو منصوب بإضمار اذكر، (وحنين واد بين مكة والطائف ~~كانت فيه الوقعة بين المسليمن وهم اثنا عشر ألفا، عشرة آلاف منهم ~~ممن شهد فتح مكة من المهاجرين والأنصار وألفان من الطلقاء، وبين ~~هوازن وثقيف وكانوا أربعة آلاف فيمن ضامهم من أمداد سائر العرب ~~وكانوا الجم الغفير فلما التقوا قال رجل من المسلمين اسمه سلمة ~~بن سلامة الأنصاري: لن نغلب اليوم من قلة فساءت رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فاقتتلوا قتالا شديدا فانهزم المشركون وخلوا الذراري ~~فأكب المسلمون على الغنائم فتنادى المشركون يا حماة السوء اذكروا ~~الفضائح فتراجعوا فأدركت المسلمين كلمة الإعجاب فانكشفوا وذلك قوله عز ~~وجل: { فلم تغن عنكم شيئا } والإغناء إعطاء ما يدفع به ~~الحاجة أي لم تعطكم تلك الكثرة ما تدفعون به حاجتكم شيئا من ~~الإغناء { وضاقت عليكم ms1348 الأرض بما رحبت } أي برحبها ~~وسعتها على أن (ما) مصدرية والباء بمعنى مع أي لا تجدون فيها مفرا ~~تطمئن إليه نفوسكم من شدة الرعب ولا تثبتون فيها كمن لا يسعه مكان { ~~ثم وليتم مدبرين } روي أنه بلغ فلهم مكة وبقي رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم وحده ليس معه إلا عمه العباس آخذا بلجام ~~بغلته وابن عمه أبو سفيان بن الحارث آخذا بركابه وهو يركض البغلة ~~نحو المشركين وهو يقول: # " أنا النبي لا كذب أنا ابن عبد المطلب " # روي أنه عليه الصلاة والسلام كان يحمل على الكفار فيفرون ثم ~~يحملون عليه فيقف لهم فعل ذلك بضع عشرة مرة قال العباس: كنت أكف ~~البغلة لئلا تسرع به نحو المشركين، وناهيك بهذه الواحدة شهادة صدق ~~على أنه عليه الصلاة والسلام كان في الشجاعة ورباطة الجأش سباقا ~~للغايات القاصية وما كان ذلك إلا لكونه مؤيدا من عند الله العزيز ~~الحكيم فعند ذلك قال: # " يا رب ائتني بما وعدتني " # وقال للعباس وكان صيتا: «صح بالناس» فنادى الأنصار فخذا فخذا ~~ثم نادى يا أصحاب الشجرة يا أصحاب سورة البقرة فكروا عنقا واحدا ~~وهم يقولون: لبيك لبيك وذلك قوله تعالى: { ثم أنزل الله ~~سكينته على رسوله }. ### || [9.26-27] # { ثم أنزل الله سكينته على رسوله } أي رحمته التي ~~تسكن بها القلوب وتطمئن إليها اطمئنانا كليا مستتبعا للنصر ~~القريب، وأما مطلق السكينة فقد كانت حاصلة له عليه الصلاة والسلام ~~قبل ذلك أيضا { وعلى المؤمنين } عطف على رسوله، وتوسيط ~~الجار بينهما للدلالة على ما بينهما من التفاوت أي المؤمنين الذين ~~انهزموا وقيل: على الذين ثبتوا مع النبي صلى الله عليه وسلم أو على الكل ~~وهو الأنسب ولا ضير في تحقيق أصل السكينة في الثابتين من قبل، ~~والتعرض لوصف الإيمان للإشعار بعلية الإنزال { وأنزل جنودا ~~لم تروها } أي بأبصاركم كما يرى بعضكم بعضا وهم الملائكة عليهم ~~السلام عليهم البياض على خيول بلق فنظر النبي صلى الله عليه وسلم ~~إلى قتال المسلمين فقال هكذا حين حمي الوطيس فأخذ كفا من التراب ~~فرمى ms1349 به نحو المشركين وقال: # " شاهت الوجوه " # فلم يبق منهم أحد إلا امتلأت به عيناه ثم قال عليه الصلاة والسلام: # " انهزموا ورب الكعبة " # واختلفوا في عدد الملائكة يومئذ فقيل: خمسة آلاف، وقيل: ثمانية ~~آلاف، وقيل: ستة عشر ألفا، وفي قتالهم أيضا فقيل: قاتلوا، وقيل: لم ~~يقاتلوا إلا يوم بدر وإنما كان نزولهم لتقوية قلوب المؤمنين بإلقاء ~~الخواطر الحسنة وتأييدهم بذلك وإلقاء الرعب في قلوب المشركين. قال ~~سعيد بن المسيب: حدثني رجل كان في المشركين يوم حنين قال: لما كشفنا ~~المسلمين جعلنا نسوقهم فلما انتهينا إلى صاحب البغلة الشهباء تلقانا ~~رجال بيض الوجوه فقالوا: شاهت الوجوه ارجعوا فرجعنا فركبوا ~~أكتافنا { وعذب الذين كفروا } بالقتل والأسر والسبي { ~~وذلك } أي ما فعل بهم مما ذكر { جزاء الكفرين } لكفرهم في ~~الدنيا { ثم يتوب الله من بعد ذلك على من يشاء } ~~أن يتوب عليه منهم لحكمة تقتضيه أي يوفقه للإسلام { والله غفور } ~~يتجاوز عما سلف منهم من الكفر والمعاصي { رحيم } يتفضل عليهم ~~ويثيبهم. (روي # " أن ناسا منهم جاءوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وبايعوه على ~~الإسلام وقالوا: يا رسول الله أنت خير الناس وأبر الناس وقد سبي ~~أهلونا وأولادنا وأخذت أموالنا. قيل: سبي يومئذ ستة آلاف نفس ~~وأخذ من الإبل والغنم ما لا يحصى فقال عليه الصلاة والسلام: " إن عندي ~~ما ترون إن خير القول أصدقه، اختاروا إما ذراريكم ونساءكم وإما ~~أموالكم " قالوا: ما كنا نعدل بالأحساب شيئا فقام النبي صلى الله ~~عليه وسلم فقال: " إن هؤلاء جاءونا مسلمين وإنا خيرناهم بين الذراري ~~والأموال فلم يعدلوا بالأحساب شيئا فمن كان بيده سبي وطابت نفسه ~~أن يرده فشأنه، ومن لا فليعطنا وليكن قرضا علينا حتى نصيب ~~شيئا فنعطيه مكانه " ، قالوا: قد رضينا وسلمنا فقال عليه الصلاة ~~والسلام: " إنا لا ندري لعل فيكم من لا يرضى فمروا عرفاءكم فليرفعوا ~~ذلك إلينا " فرفعت إليه العرفاء أنهم قد رضوا ". ### || [9.28] # { يأيها الذين ءامنوا إنما المشركون نجس } ~~وصفوا بالمصدر مبالغة كأنهم عين النجاسة أو هم ذوو نجس لخبث ~~باطنهم أو ms1350 لأن معهم الشرك الذي هو بمنزلة النجس أو لأنهم لا يتطهرون ~~ولا يغتسلون ولا يجتنبون النجاسات فهي ملابسة لهم. عن ابن عباس رضى ~~الله عنهما أن أعيانهم نجسة كالكلاب والخنازير، وعن الحسن من صافح ~~مشركا توضأ، وأهل المذاهب على خلاف هذين القولين، وقرىء نجس بكسر ~~النون وسكون الجيم وهو تخفيف نجس ككبد في كبد كأنه قيل: إنما ~~المشركون جنس نجس أو ضرب نجس، وأكثر ما جاء تابعا لرجس { فلا ~~يقربوا المسجد الحرام } تفريع على نجاستهم وإنما نهي عن ~~القرب للمبالغة أو للمنع عن دخول الحرم، وهو مذهب عطاء، وقيل: ~~المراد به النهي عن الدخول مطلقا، وقيل: المراد المنع عن الحج ~~والعمرة وهو مذهب أبي حنيفة رحمه الله تعالى ويؤيده قوله عز وجل: { ~~بعد عامهم هذا } فإن تقييد النهي بذلك يدل على اختصاص ~~المنهي عنه بوقت من أوقات العام، أي لا يحجوا ولا يعتمروا بعد حج ~~عامهم هذا، وهو عام تسعة من الهجرة حين أمر أبو بكر رضي الله عنه ~~على الموسم ويدل عليه قول علي رضي الله عنه حين نادى ببراءة: ألا لا ~~يحج بعد عامنا هذا مشرك، ولا يمنعون من دخول الحرم والمسجد الحرام ~~وسائر المساجد عنده، وعند الشافعي يمنعون من المسجد الحرام خاصة، وعند ~~مالك يمنعون من جميع المساجد، ونهي المشركين أن يقربوه راجع إلى نهي ~~المسلمين عن تمكينهم من ذلك، وقيل: المراد أن يمنعوا من تولي المسجد ~~الحرام والقيام بمصالحه ويعزلوا عن ذلك. # { وإن خفتم عيلة } أي فقرا بسبب منعهم من الحج وانقطاع ما ~~كانوا يجلبونه إليكم من الإرفاق والمكاسب، وقرىء عائلة على أنها مصدر ~~كالعافية أو حالا عائلة { فسوف يغنيكم الله من فضله } ~~من عطائه أو من تفضله بوجه آخر فأرسل الله تعالى السماء عليهم مدرارا ~~أغزر بها خيرهم وأكثر ميرهم وأسلم أهل تبالة وجرش فحملوا إلى مكة ~~الطعام وما يعاش به فكان ذلك أعود عليهم مما خافوا العيلة لفواته ثم ~~فتح عليهم البلاد والغنائم وتوجه إليهم الناس من أقطار الأرض { إن ~~شاء } أن يغنيكم مشيئة ms1351 تابعة للحكمة الداعية إليها وإنما قيد ذلك ~~بها لتنقطع الآمال إلى الله تعالى ولأن الإغناء ليس مطردا بحسب ~~الأفراد والأحوال والأوقات { إن الله عليم } بمصالحكم { حكيم ~~} فيما يعطي ويمنع. ### || [9.29] # { قتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم ~~الأخر } أمرهم بقتال أهل الكتابين إثر أمرهم بقتال المشركين ~~وبمنعهم من أن يحرموا حول ما كانوا يفعلونه من الحج والعمرة غير خائفين ~~من الفاقة المتوهمة من انقطاعهم، ونبههم في تضاعيف ذلك على بعض طرق ~~الإغناء الموعود على الوجه الكلي وأرشدهم إلى سلوكه ابتغاء لفضله ~~واستنجازا لوعده، والتعبير عنهم بالموصول للإيذان بعلية ما في حيز ~~الصلة للأمر بالقتال وبانتظامهم بسبب ذلك في سلك المشركين، فإن اليهود ~~مثنية والنصارى مثلثة، فهم بمعزل من أن يؤمنوا بالله سبحانه ~~وباليوم الآخر فإن علمهم بأحوال الآخرة كلا علم، فإيمانهم المبني ~~عليه ليس بإيمان به { ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ~~} أي ما ثبت تحريمه بالوحي متلوا أو غير متلو. وقيل: المراد برسوله ~~الرسول الذي يزعمون اتباعه أي يخالفون أصل دينهم المنسوخ اعتقادا ~~وعملا { ولا يدينون دين الحق } الثابت الذي هو ناسخ لسائر ~~الأديان وهو دين الإسلام وقيل: دين الله { من الذين أوتوا ~~الكتب } من التوراة والإنجيل، فمن بيانية لا تبعيضية حتى يكون ~~بعضهم على خلاف ما نعت { حتى يعطوا } أي يقبلوا أن يعطوا { ~~الجزية } أي ما تقرر عليهم أن يعطوه، مشتق من جزى دينه أي ~~قضاه، أو لأنهم يجزون بها من من عليهم بالإعفاء عن القتل { عن ~~يد } حال من الضمير في يعطوا أي عن يد مؤاتية مطيعة بمعنى منقادين، ~~أو من يدهم بمعنى مسلمين بأيديهم غير باعثين بأيدي غيرهم ولذلك منع ~~من التوكيل فيه، أو عن غنى ولذلك لم تجب الجزية على الفقير العاجز، ~~أو عن يد قاهرة عليهم أي بسبب يد بمعنى عاجزين أذلأ أو عن إنعام عليهم، ~~فإن إبقاء مهجتهم بما بذلوا من الجزية نعمة عظيمة عليهم، أو من ~~الجزية أي نقدا مسلمة عن يد إلى يد، وغاية القتال ليست نفس هذا ~~الإعطاء بل قبوله ms1352 كما أشير إليه { وهم صغرون } أي أذلاء وذلك ~~بأن يأتي بها بنفسه ماشيا غير راكب ويسلمها وهو قائم والمتسلم ~~جالس ويؤخذ بتلبيبه ويقال له: أد الجزية وإن كان يؤديها، وهي ~~تؤخذ عند أبي حنيفة رضي الله عنه من أهل الكتاب مطلقا ومن مشركي العجم ~~لا من مشركي العرب، وعند أبي يوسف رضي الله عنه لا تؤخذ من الأعجمي ~~كتابيا كان أو مشركا وعند الشافعي رضي الله عنه تؤخذ من أهل الكتاب ~~عربيا أو عجميا، ولا تؤخذ من أهل الأوثان مطلقا، وذهب مالك ~~والأوزاعي إلى أنها تؤخذ من جميع الكفار، وأما المجوس فقد اتفقت ~~الصحابة رضي الله عنهم على أخذ الجزية منهم لقوله عليه الصلاة والسلام: # " سنوا بهم سنة أهل الكتاب " # وروي عن علي رضي الله عنه أنه كان لهم كتاب يدرسونه فأصبحوا وقد أسرى ~~على كتابهم فرفع من بين أظهرهم، واتفقوا على تحريم ذبيحتهم ~~ومناكحتهم لقوله عليه الصلاة والسلام في آخر ما نقل من الحديث # " غير ناكحي نسائهم ولا آكلي ذبيحتهم " # ووقت الأخذ عند أبي حنيفة رضي الله عنه أول السنة وتسقط بالموت ~~والإسلام، ومقدارها على الفقير المعتمل اثنا عشر درهما وعلى المتوسط ~~الحال أربعة وعشرون درهما وعلى الفتى ثمانية وأربعون درهما ولا ~~جزية على فقير عاجز عن الكسب ولا على شيخ فان أو زمن أو صبي أو ~~امرأة، وعند الشافعي رضي الله عنه تؤخذ في آخر السنة من كل واحد دينار ~~غنيا كان أو فقيرا كان له كسب أو لم يكن. ### || [9.30] # { وقالت اليهود } جملة مبتدأة سيقت لتقرير ما من عدم إيمان ~~أهل الكتابين بالله سبحانه وانتظامهم بذلك في سلك المشركين { عزير ~~ابن الله } مبتدأ وخبر وقرىء بغير تنوين على أنه اسم أعجمي ~~كعازر وعزار غير منصرف للعجمة والتعريف، وأما تعليله بالتقاء ~~الساكنين أو بجعل الابن وصفا على أن الخبر محذوف فتعسف مستغنى عنه. ~~قيل: هو قول قدمائهم ثم انقطع فحكى الله تعالى ذلك عنهم، ولا عبرة ~~بإنكار اليهود وقيل: قول بعض ممن كان بالمدينة. عن ابن عباس رضي ms1353 الله ~~عنهما أنه جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم ناس منهم وهم سلام بن ~~مشكم ونعمان بن أوفى وشاس بن قيس ومالك بن الصيف فقالوا ذلك ~~وقيل: قاله فنحاص بن عازوراء وهو الذي قال: (إن الله فقير ونحن ~~أغنياء) وسبب هذا القول أن اليهود قتلوا الأنبياء بعد موسى عليه ~~السلام فرفع الله تعالى عنهم التوراة ومحاها من قلوبهم، فخرج عزير وهو ~~غلام يسيح في الأرض فأتاه جبريل عليه السلام فقال له: أين تذهب، قال: ~~أطلب العلم فحفظه التوراة فأملاها عليهم عن ظهر لسانه لا يخرم حرفا، ~~فقالوا: ما جمع الله التوراة في صدره وهو غلام إلا أنه ابنه. قال ~~الإمام الكلبي: لما قتل بخت نصر علماءهم جميعا وكان عزير إذ ~~ذاك صغيرا فاستصغره ولم يقتله فلما رجع بنو إسرائيل إلى بيت المقدس ~~وليس فيهم من يقرأ التوارة بعث الله تعالى عزيرا ليجدد لهم التوراة ~~ويكون آية بعد ما أماته مائة عام، يقال إنه أتاه ملك بإناء فيه ماء ~~فسقاه فمثلت في صدره فلما أتاهم فقال لهم: إني عزير كذبوه فقالوا: إن ~~كنت كما تزعم فأمل علينا التوراة ففعل فقالوا: إن الله تعالى لم ~~يقذف التوراة في قلب رجل إلا لأنه ابنه تعالى الله عن ذلك علوا ~~كبيرا. وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن اليهود أضاعوا التوارة ~~وعملوا بغير الحق فأنساهم الله تعالى التوراة ونسخها من صدورهم ورفع ~~التابوت فتضرع عزير إلى الله تعالى وابتهل إليه فعاد حفظ التوراة إلى ~~قلبه فأنذر قومه به ثم إن التابوت نزل فعرضوا ما تلاه عزير على ما فيه ~~فوجدوه مثله فقالوا ما قالوا. # { وقالت النصرى المسيح ابن الله } هو أيضا قول ~~لبعضهم وإنما قالوه استحالة لأن يكون ولد بغير أب أو لأن يفعل ما ~~فعله من إبراء الأكمه والأبرص وإحياء الموتى من لم يكن إلها { ~~ذلك } إشارة إلى ما صدر عنهم من العظيمتين، وما فيه معنى البعد ~~للدلالة على بعد درجة المشار إليه في الشناعة والفظاعة { قولهم ~~بأفوههم } إما تأكيد لنسبة ms1354 القول المذكور إليهم ونفي التجوز ~~عنها أو إشعار بأنه قول مجرد عن برهان وتحقيق مماثل للمهمل الموجود ~~في الأفواه من غير أن يكون له مصداق في الخارج { يضهئون } أي في ~~الكفر والشناعة وقرىء بغير همز { قول الذين كفروا } أي يشابه ~~قولهم على حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه عند انقلابه ~~مرفوعا قول الذين كفروا { من قبل } أي من قبلهم وهم المشركون ~~الذين يقولون: الملائكة بنات الله أو اللات والعزى بنات الله لا ~~قدماؤهم كما قيل إذ لا تعدد في القول حتى يتأتى التشبيه، وجعله بين ~~قولي الفريقين مع اتحاد المقول ليس فيه مزيد مزية وقيل: الضمير ~~للنصارى أي يضاهي قولهم: المسيح ابن الله قول اليهود عزير الخ ~~لأنهم أقدم منهم وهو أيضا كما ترى فإنه يستدعي اختصاص الرد ~~والإبطال بقوله تعالى: { ذلك قولهم بأفوههم } بقول ~~النصارى: { قتلهم الله } دعاء عليهم جميعا بالإهلاك فإن من ~~قاتله الله هلك، أو تعجب من شناعة قولهم { أنى يؤفكون } كيف ~~يصرفون من الحق إلى الباطل والحال أنه لا سبيل إليه أصلا. ### || [9.31] # { اتخذوا } زيادة تقرير لما سلف من كفرهم بالله تعالى { ~~أحبرهم } وهم علماء اليهود، واختلف في واحده، قال الأصمعي: لا ~~أدري أهو حبر أم حبر وقال أبو الهيثم: بالفتح لا غير، وكان الليث ~~وابن السكيت يقولان: حبر وحبر للعالم ذميا كان أو مسلما ~~بعد أن كان من أهل الكتاب { ورهبنهم } وهم علماء النصارى من ~~أصحاب الصوامع أي اتخذ كل واحد من الفريقين علماءهم لا الكل الكل ~~{ أربابا من دون الله } بأن أطاعوهم في تحريم ما أحله الله ~~تعالى وتحليل ما حرمه أو بالسجود لهم ونحوه تسمية اتباع الشيطان ~~عبادة له كما في قوله تعالى: # يأبت لا تعبد الشيطن # [مريم: 44] وقوله تعالى: # بل كانوا يعبدون الجن # [سبأ: 41] # " قال عدي بن حاتم: أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي عنقي صليب ~~من ذهب وكان إذ ذاك على دين يسمى الركوسية فريق من النصارى وهو ~~يقرأ سورة براءة فقال: " يا عدي اطرح هذا الوثن " فطرحته فلما ms1355 ~~انتهى إلى قوله تعالى: { اتخذوا أحبرهم ورهبنهم ~~أربابا من دون الله } قلت: يا رسول الله لم يكونوا يعبدونهم، ~~فقال عليه الصلاة والسلام: " أليس يحرمون ما أحل الله فتحرمونه ~~ويحلون ما حرم الله فتستحلونه؟ " فقلت: بلى، قال: " ذلك عبادتهم " # قال الربيع: قلت لأبي العالية: كيف كانت تلك الربوبية في بني ~~إسرائيل؟ قال: إنهم ربما وجدوا في كتاب الله تعالى ما يخالف أقوال ~~الأحبار فكانوا يأخذون بأقوالهم ويتركون حكم كتاب الله { ~~والمسيح ابن مريم } عطف على رهبانهم أي اتخذه النصارى ربا ~~معبودا بعد ما قالوا إنه ابنه، تعالى عن ذلك علوا كبيرا، وتخصيص ~~الاتخاذ به يشير إلى أن اليهود ما فعلوا ذلك بعزير، وتأخيره في الذكر ~~مع أن اتخاذهم له عليه الصلاة والسلام ربا معبودا أقوى من مجرد ~~الإطاعة في أمر التحليل والتحريم كما هو المراد باتخاذهم الأحبار ~~والرهبان أربابا، لأنه مختص بالنصارى، ونسبته عليه الصلاة والسلام ~~إلى أمه من حيث دلالتها على مربوبيته المنافية للربوبية للإيذان ~~بكمال ركاكة رأيهم والقضاء عليهم بنهاية الجهل والحماقة. # { وما أمروا } أي والحال أن أولئك الكفرة ما أمروا في كتابيهم ~~{ إلا ليعبدوا إلها وحدا } عظيم الشأن هو الله سبحانه ~~وتعالى ويطيعوا أمره ولا يطيعوا أمر غيره بخلافه، فإن ذلك مخل ~~بعبادته تعالى فإن جميع الكتب السماوية متفقة على ذلك قاطبة وقد قال ~~المسيح عليه السلام: (إنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة) وأما ~~إطاعة الرسول صلى الله عليه وسلم وسائر من أمر الله تعالى بطاعته فهي ~~في الحقيقة إطاعة لله عز وجل أو وما أمر الذين اتخذهم الكفرة أربابا ~~من المسيح والأحبار والرهبان إلا ليوحدوا الله تعالى فكيف يصح أن ~~يكونوا أربابا وهم مأمورون مستعبدون مثلهم ولا يقدح في ذلك كون ~~ربوبية الأحبار والرهبان بطريق الإطاعة فإن تخصيص العبادة به تعالى ~~لا يتحقق إلا بتخصيص الطاعة أيضا به تعالى وحيث لم يخصوها به تعالى ~~لم يخصوا العبادة به سبحانه { لا إله إلا هو } صفة ثانية ~~لإلها أو استئناف مقرر للتوحيد { سبحنه عما يشركون ~~} عن ms1356 الإشراك به في العبادة والطاعة. ### || [9.32-33] # { يريدون أن يطفئوا نور الله } إطفاء النار عبارة عن ~~إزالة لهبها الموجبة لزوال نورها لا عن إزالة نورها كما قيل، لكن ~~لما كان الغرض من إطفاء نار لا يراد بها إلا النور كالمصباح ~~إزالة نورها جعل إطفاؤها عبارة عنها ثم شاع ذلك حتى كان عبارة عن ~~مطلق إزالة النور وإن كان لغير النار، والسر في ذلك انحصار إمكان ~~الإزالة في نورها والمراد بنور الله سبحانه إما حجته النيرة الدالة ~~على وحدانيته وتنزهه عن الشركاء والأولاد أو القرآن العظيم الناطق ~~بذلك أي يريد أهل الكتابين أن يردوا القرآن ويكذبوه فيما نطق به ~~من التوحيد والتنزه عن الشركاء والأولاد والشرائع التي من جملتها ما ~~خالفوه من أمر الحل والحرمة { بأفوههم } بأقاويلهم الباطلة ~~الخارجة منها من غير أن يكون لها مصداق تنطبق عليه أو أصل تستند ~~إليه حسبما حكي عنهم. وقيل: المراد به نبوة النبي صلى الله عليه ~~وسلم، هذا وقد قيل: مثلت حالهم فيما ذكر بحال من يريد طمس نور ~~عظيم منبث في الآفاق بنفخة { ويأبى الله } أي لا يريد { إلا ~~أن يتم نوره } بإعلاء كلمة التوحيد وإعزاز دين الإسلام ~~وإنما صح الاستثناء المفرغ من الموجب لكونه بمعنى النفي كما أشير ~~إليه لوقوعه في مقابلة قوله تعالى: { يريدون } وفيه من المبالغة ~~والدلالة على الامتناع ما ليس في نفي الإرادة، أي لا يريد شيئا من ~~الأشياء إلا إتمام نوره فيندرج في المستثنى منه بقاؤه على ما كان عليه ~~فضلا عن الإطفاء، وفي إظهار النور في مقام الإضمار مضافا إلى ضميره ~~عز وجل زيادة اعتناء بشأنه وتشريف له على تشريف وإشعار بعلة الحكم ~~{ ولو كره الكفرون } جواب لو محذوف لدلالة ما قبله عليه، ~~والجملة معطوفة على جملة قبلها مقدرة وكلتاهما في موقع الحال، أي لا ~~يريد الله إلا إتمام نوره لو لم يكره الكافرون ذلك ولو كرهوه، أي على ~~كل حال مفروض وقد حذفت الأولى في الباب حذفا مطردا لدلالة الثانية ~~عليها دلالة واضحة لأن الشيء إذا تحقق ms1357 عند المانع فلأن يتحقق عند ~~عدمه أولى وعلى هذا السر يدور ما في أن ولو الوصليتين من التأكيد وقد ~~مر زيادة تحقيق لهذا مرارا. # { هو الذي أرسل رسوله } ملتبسا { بالهدى } أي القرآن ~~الذي هو هدى للمتقين { ودين الحق } الثابت وهو دين الإسلام { ~~ليظهره } أي رسوله { على الدين كله } أي على أهل الأديان ~~كلهم أو ليظهر الدين الحق على سائر الأديان بنسخه إياها حسبما ~~تقتضيه الحكمة، والجملة بيان وتقرير لمضمون الجملة السابقة، ~~والكلام في قوله عز وجل: { ولو كره المشركون } كما فيما سبق ~~خلا أن وصفهم بالشرك بعد وصفهم بالكفر للدلالة على أنهم ضموا الكفر ~~بالرسول إلى الكفر بالله. ### || [9.34-35] # { يأيها الذين آمنوا } شروع في بيان حال الأحبار والرهبان في ~~إغوائهم لأراذلهم إثر بيان سوء حال الأتباع في اتخاذهم (لهم) ~~أربابا يطيعونهم في الأوامر والنواهي واتباعهم لهم فيما يأتون وما ~~يذرون { إن كثيرا من الأحبار والرهبان ليأكلون ~~أموال الناس بالبطل } يأخذونها بطريق الرشوة لتغيير ~~الأحكام والشرائع والتخفيف والمسامحة فيها، وإنما عبر عن ذلك بالأكل ~~بناء على أنه معظم الغرض منه وتقبيحا لحالهم وتنفيرا للسامعين ~~عنهم { ويصدون } الناس { عن سبيل الله } عن دين الإسلام أو ~~عن المسلك المقرر في التوراة والإنجيل إلى ما افتروه وحرفوه بأخذ ~~الرشا ويصدون عنه بأنفسهم بأكلهم الأموال بالباطل { والذين ~~يكنزون الذهب والفضة } أي يجمعونهما ويحفظونهما سواء ~~كان ذلك بالدفن أو بوجه آخر والموصول عبارة إما عن الكثير من الأحبار ~~والرهبان فيكون مبالغة في الوصف بالحرص والضن بهما بعد وصفهم بما ~~سبق من أخذ الرشا والبراطيل في الأباطيل وإما عن المسلمين الكانزين غير ~~المنفقين وهو الأنسب بقوله عز وجل { ولا ينفقونها في سبيل ~~الله } فيكون نظمهم في قرن المرتشين من أهل الكتاب تغليظا ~~ودلالة على كونهم أسوة لهم في استحقاق البشارة بالعذاب الأليم، ~~فالمراد بالإنفاق في سبيل الله الزكاة (لما روي أنه لما نزل كبر ~~ذلك على المسلمين فذكر عمر لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: # " إن الله تعالى لم يفرض الزكاة إلا ليطيب بها ما بقي ms1358 من أموالكم ~~" # ولقوله عليه الصلاة والسلام: # " ما أدي زكاته فليس بكنز " # أي بكنز أوعد عليه فإن الوعيد عليه مع عدم الإنفاق فيما أمر الله ~~بالإنفاق فيه. وأما قوله عليه الصلاة والسلام: # " من ترك صفراء أو بيضاء كوي بها " # ونحوه فالمراد بها ما لم يؤد حقها لقوله عليه الصلاة والسلام: # " ما من صاحب ذهب ولا فضة لا يؤدي منها حقها إلا إذا كان يوم ~~القيامة صفحت له صفائح من نار فيكوى بها جنبه وجبينه وظهره " # { فبشرهم بعذاب أليم } خبر للموصول والفاء لتضمنه معنى ~~الشرط ويجوز أن يكون الموصول منصوبا بفعل يفسره فبشرهم { يوم } ~~منصوب بعذاب أليم أو بمضمر يدل عليه ذلك أي يعذبون أو باذكر { ~~يحمى عليها فى نار جهنم } أي يوم توقد النار ذات ~~حمي شديد عليها، وأصله تحمى النار فجعل الإحماء للنار مبالغة ثم ~~حذفت النار وأسند الفعل إلى الجار والمجرور تنبيها على المقصود ~~فانتقل من صيغة التأنيث إلى التذكير كما تقول: رفعت القصة إلى الأمير ~~فإن طرحت القصة قلت: رفع إلى الأمير وإنما قيل: عليها والمذكور ~~شيآن لأن المراد بهما دنانير ودراهم كثيرة (كما قال علي رضي الله ~~عنه: أربعة آلاف وما دونها نفقة، وما فوقها كنز) وكذا الكلام في قوله ~~تعالى: { ولا ينفقونها } وقيل: الضمير للأموال والكنوز فإن ~~الحكم عام وتخصيصهما بالذكر لأنهما قانون التمول، أو للفضة ~~وتخصيصها لقربها ودلالة حكمها على أن الذهب كذلك بل أولى { ~~فتكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم } لأن جمعهم ~~لها وإمساكهم كان لطلب الوجاهة بالغنى والتنعم بالمطاعم الشهية ~~والملابس البهية أو لأنهم ازوروا عن السائل وأعرضوا عنه وولوه ~~ظهورهم أو لأنها أشرف الأعضاء الظاهرة فإنها المشتملة على الأعضاء ~~الرئيسية التي هي الدماغ والقلب والكبد أو لأنها أصول الجهات ~~الأربعة التي هي مقاديم البدن ومآخره وجنباه { هذا ما ~~كنزتم } على إرادة القول { لأنفسكم } لمنفعتها فكان عين ~~مضرتها وسبب تعذيبها { فذوقوا ما كنتم تكنزون } أي ~~وبال كنزكم أو ما تكنزونه وقرىء بضم النون. ### || [9.36] # { إن عدة الشهور } أي عددها { عند الله } أي في حكمه ms1359 ~~وهو معمول لها لأنها مصدر { اثنا عشر } خبر لأن { شهرا } ~~تمييز مؤكد كما في قولك: عندي من الدنانير عشرون دينارا والمراد ~~الشهور القمرية إذ عليها يدور فلك الأحكام الشرعية { فى كتب ~~الله } في اللوح المحفوظ أو فيما أثبته وأوجبه، وهو صفة اثنا عشر ~~أي اثنا عشر شهرا مثبتا في كتاب الله، وقوله عز وجل: { يوم خلق ~~السموات والأرض } متعلق بما في الجار والمجرور من معنى ~~الاستقرار أو بالكتاب على أنه مصدر والمعنى إن هذا أمر ثابت في نفس ~~الأمر منذ خلق الله تعالى الأجرام والحركات والأزمنة { منها } أي ~~من تلك الشهور الاثنى عشر { أربعة حرم } هي ذو القعدة وذو ~~الحجة والمحرم ورجب ومنه قوله عليه الصلاة والسلام في خطبته في حجة ~~الوداع: # " ألا إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض ~~السنة اثنا عشر شهرا منها أربعة حرم ثلاث متواليات: ذو القعدة ~~وذو الحجة والمحرم، ورجب مضر الذي بين جمادى وشعبان " # والمعنى رجعت الأشهر إلى ما كانت عليه من الحل والحرمة وعاد الحج ~~إلى ذي الحجة بعد ما كانوا أزالوه عن محله بالنسيء الذي أحدثوه في ~~الجاهلية وقد وافقت حجة الوداع ذا الحجة، وكانت حجة أبي بكر رضي ~~الله عنه قبلها في ذي القعدة { ذلك } أي تحريم الأشهر الأربعة ~~المعينة المعدودة، وما في ذلك من معنى البعد لتفخيم المشار إليه هو { ~~الدين القيم } المستقيم دين إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام ~~وكانت العرب قد تمسكت به وراثة منهما وكانوا يعظمون الأشهر الحرم ~~ويكرهون القتال فيها حتى إنه لو لقي رجل قاتل أبيه أو أخيه لم ~~يهجه وسموا رجبا الأصم ومنصل الأسنة حتى أحدثوا النسيء فغيروا { ~~فلا تظلموا فيهن أنفسكم } بهتك حرمتهن وارتكاب ما حرم ~~فيهن، والجمهور على أن حرمة القتال فيهن منسوخة وأن الظلم ارتكاب ~~المعاصي فيهن فإنه أعظم وزرا كارتكابها في الحرم وعن عطاء أنه لا ~~يحل للناس أن يغزوا في الحرم ولا في الأشهر الحرم إلا أن يقاتلوا وما ~~نسخت ويؤيد الأول أنه عليه الصلاة والسلام حصر طائفا ms1360 وغزا هوازن ~~بحنين في شوال وذي القعدة. # { وقاتلوا المشركين كافة كما يقتلونكم ~~كافة } أي جميعا وهو مصدر كف عن الشيء فإن الجميع مكفوف عن ~~الزيادة وقع موقع الحال { واعلموا أن الله مع ~~المتقين } أي معكم بالنصر والإمداد فيما تباشرونه من القتال وإنما ~~وضع المظهر موضعه مدحا لهم بالتقوى وحثا للقاصرين عليه وإيذانا ~~بأنه المدار في النصر وقيل: هي بشارة وضمان لهم بالنصرة بسبب تقواهم. ### || [9.37] # { إنما النسىء } هو مصدر نسأه إذا أخره نسأ ونساء ~~ونسيئا نحو مس مسا ومساسا ومسيسا وقرىء بهن جميعا وقرىء بقلب ~~الهمزة ياء وتشديد الياء الأولى فيها كانوا إذا جاء شهر حرام وهم ~~محاربون أحلوه وحرموا مكانه شهرا آخر حتى رفضوا خصوص الأشهر ~~واعتبروا مجرد العدد وربما زادوا في عدد الشهور بأن يجعلوها ثلاثة ~~عشر أو أربعة عشر ليتسع لهم الوقت ويجعلوا أربعة أشهر من السنة ~~حرما ولذلك نص على العدد المعين في الكتاب والسنة أي إنما تأخير ~~حرمة شهر إلى شهر آخر { زيادة فى الكفر } لأنه تحليل ما حرمه ~~الله وتحريم ما حلله فهو كفر آخر مضموم إلى كفرهم { يضل به ~~الذين كفروا } ضلالا على ضلالهم القديم، وقرىء على البناء ~~للفاعل من الأفعال على أن الفعل لله سبحانه أي يخلق فيهم الضلال عند ~~مباشرتهم لمباديه وأسبابه وهو المعني على القراءة الأولى أيضا، ~~وقيل: المضلون حينئذ رؤساؤهم والموصول عبارة عن أتباعهم، وقرىء ~~يضل بفتح الياء والضاد من ضلل ونضل بنون العظمة { يحلونه ~~} أي الشهر المؤخر { عاما } من الأعوام ويحرمون مكانه شهرا آخر ~~مما ليس بحرام { ويحرمونه } أي يحافظون على حرمته كما كانت، ~~والتعبير عن ذلك بالتحريم باعتبار إحلالهم له في العام الماضي أو ~~لإسنادهم له إلى آلهتهم كما سيجيء { عاما } آخر إذا لم يتعلق ~~بتغييره غرض من أغراضهم. قال الكلبي: أول من فعل ذلك رجل من كنانة ~~يقال له نعيم بن ثعلبة وكان إذا هم الناس بالصدر من الموسم يقوم ~~فيخطب ويقول: لا مرد لما قضيت وأنا الذي لا أعاب ولا أجاب فيقول له ~~المشركون: لبيك ms1361 ثم يسألونه أن ينسئهم شهرا يغيرون فيه فيقول: إن ~~صفر العام حرام فإذا قال ذلك حلوا الأوتار ونزعوا الأسنة والأزجة ~~وإن قال: حلال عقدوا الأوتار وشدوا الأزجة وأغاروا، وقيل: هو جنادة ~~بن عوف الكناني وكان مطاعا في الجاهلية كان يقوم على جمل في الموسم ~~فينادي بأعلى صوته: إن آلهتكم قد أحلت لكم المحرم فأحلوه ثم يقوم ~~في العام القابل فيقول: إن آلهتكم قد حرمت عليكم المحرم فحرموه، ~~وقيل: هو رجل من كنانة يقال له القلمس قال قائلهم: # ومنا ناسىء الشهر القلمس # وعن ابن عباس رضي الله عنهما أول من سن النسيء عمر بن قمعة بن ~~خندف والجملتان تفسير للضلال أو حال من الموصول والعامل عامله { ~~ليواطئوا } أي ليوافقوا { عدة ما حرم الله } من الأشهر ~~الأربعة واللام متعلقة بالفعل الثاني أو بما يدل عليه مجموع الفعلين { ~~فيحلوا ما حرم الله } بخصوصه من الأشهر المعينة { زين ~~لهم سوء أعملهم } وقرىء على البناء للفاعل وهو الله سبحانه ~~والمعنى جعل أعمالهم مشتهاة للطبع محبوبة للنفس وقيل: خذلهم حتى ~~حسبوا قبيح أعمالهم حسنا فاستمروا على ذلك { والله لا يهدي ~~القوم الكفرين } هداية موصلة إلى المطلوب البتة وإنما ~~يهديهم إلى ما يوصل إليه عند سلوكه وهم قد صدوا عنه بسوء اختيارهم ~~فتاهوا في تيه الضلال. ### || [9.38-39] # { يأيها الذين آمنوا } رجوع إلى حث المؤمنين وتجريد عزائمهم على قتال ~~الكفرة إثر بيان طرف من قبائحهم الموجبة لذلك { ما لكم } ~~استفهام فيه معنى الإنكار والتوبيخ { إذا قيل لكم انفروا ~~فى سبيل الله اثاقلتم } تباطأتم وتقاعستم أصله تثاقلتم وقد ~~قرىء كذلك، أي أي شيء حصل أو حاصل لكم أو ما تصنعون حين قال لكم ~~النبي صلى الله عليه وسلم: «انفروا» أي اخرجوا إلى الغزو في سبيل ~~الله متثاقلين، على أن الفعل ماض لفظا مضارع معنى كأنه قيل: ~~تتثاقلون، فالعامل في الظرف الاستقرار المقدر في لكم أو معنى الفعل ~~المدلول عليه بذلك ويجوز أن يعمل فيه الحال أي ما لكم متثاقلين حين ~~قيل لكم: انفروا وقرىء أثاقلتم على الاستفهام الإنكاري التوبيخي، ms1362 ~~فالعامل في الظرف حينئذ إنما هو الأول { إلى الأرض } متعلق ~~باثاقلتم على تضمينه معنى الميل والإخلاد أي اثاقلتم مائلين إلى ~~الدنيا وشهواتها الفانية عما قليل، وكرهتم مشاق الغزو ومتاعبه ~~المستتبعة للراحة الخالدة، كقوله تعالى: # أخلد إلى الأرض واتبع هواه # [الأعراف: 176] أو إلى الإقامة بأرضكم ودياركم وكان ذلك في غزوة تبوك ~~في سنة عشر بعد رجوعهم من الطائف استنفروا في وقت عسرة وقحط ~~وقيظ، وقد أدركت ثمار المدينة وطابت ظلالها مع بعد الشقة وكثرة ~~العدو فشق عليهم ذلك، وقيل: ما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في ~~غزوة غزاها إلا ورى بغيرها إلا في غزوة تبوك فإنه عليه الصلاة والسلام ~~بين لهم المقصد فيها ليستعدوا لها { أرضيتم بالحياة ~~الدنيا } وغرورها { من الأخرة } أي بدل الآخرة ونعيمها ~~الدائم { فما متاع الحياة الدنيا } أظهر في مقام الإضمار ~~لزيادة التقرير أي فما التمتع بها وبلذائذها { فى الأخرة } أي في ~~جنب الآخرة { إلا قليل } أي مستحقر لا يؤبه له، وفي ترشيح ~~الحياة الدنيا بما يوذن بنفاستها ويستدعي الرغبة فيها وتجريد الآخرة ~~عن مثل ذلك مبالغة في بيان حقارة الدنيا ودناءتها وعظم شأن الآخرة ~~وعلوها { إلا تنفروا } أي إن لا تنفروا إلى ما استنفرتم إليه ~~{ يعذبكم } أي الله عز وجل { عذابا أليما } أي يهلككم بسبب ~~فظيع هائل كقحط ونحوه { ويستبدل } بكم بعد إهلاككم { قوما ~~غيركم } وصفهم بالمغايرة لهم لتأكيد الوعيد والتشديد في التهديد ~~بالدلالة على المغايرة الوصفية والذاتية المستلزمة للاستئصال، أي ~~قوما مطيعين مؤثرين للآخرة على الدنيا ليسوا من أولادكم ولا أرحامكم ~~كأهل اليمن وأبناء فارس، وفيه من الدلالة على شدة السخط ما لا يخفى ~~{ ولا تضروه شيئا } أي لا يقدح تثاقلكم في نصرة دينه أصلا ~~فإنه الغني عن كل شيء في كل شيء، وقيل: الضمير للرسول صلى الله عليه ~~وسلم فإن الله عز وجل وعده بالعصمة والنصرة وكان وعده مفعولا لا محالة ~~{ والله على كل شيء قدير } فيقدر على إهلاككم والإتيان ~~بقوم آخرين. ### || [9.40] # { إلا تنصروه فقد نصره الله } أي إن لم تنصروه ~~فسينصره ms1363 الله الذي قد نصره في وقت ضرورة أشد من هذه المرة، فحذف ~~الجزاء وأقيم سببه مقامه أو إن لم تنصروه فقد أوجب له النصرة حتى ~~نصره في مثل ذلك الوقت فلن يخذله في غيره { إذ أخرجه الذين ~~كفروا } أي تسببوا لخروجه حيث أذن له عليه الصلاة والسلام في ذلك ~~حين هموا بإخراجه { ثاني اثنين } حال من ضميره عليه الصلاة ~~والسلام، وقرىء بسكون الياء على لغة من يجري الناقص مجرى المقصور في ~~الإعراب، أي أحد اثنين من غير اعتبار كونه عليه الصلاة والسلام ثانيا ~~فإن معنى قولهم: ثالث ثلاثة ورابع أربعة ونحو ذلك أحد هذه ~~الأعداد مطلقا لا الثالث والرابع خاصة، ولذلك منع الجمهور أن ~~ينصب ما بعده بأن يقال: ثالث ثلاثة ورابع أربعة، وقد مر في قوله ~~تعالى: # لقد كفر الذين قالوا إن الله ثلث ثلثة # [المائدة: 73] من سورة المائدة وجعله عليه الصلاة والسلام ثانيهما ~~لمشي الصديق أمامه ودخوله في الغار أولا لكنسه وتسوية البساط له ~~كما ذكر في الأخبار تمحل مستغنى عنه { إذ هما فى الغار } ~~بدل من إذ أخرجه بدل البعض إذ المراد به زمان متسع والغار ثقب في ~~أعلى ثور وهو جبل في يمنى مكة على مسيرة ساعة مكثا فيه ثلاثا. # { إذ يقول } بدل ثان أو ظرف لثاني { لصاحبه } أي الصديق ~~{ لا تحزن إن الله معنا } بالعون والعصمة والمراد ~~بالمعية الولاية الدائمة التي لا تحوم حول صاحبها شائبة شيء من ~~الحزن، وما هو المشهور من اختصاص مع بالمتبوع فالمراد بما فيه من ~~المتبوعية في الأمر المباشر، (روي # " أن المشركين لما طلعوا فوق الغار فأشفق أبو بكر رضي الله عنه على رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فقال: إن نصب اليوم ذهب دين الله فقال ~~عليه الصلاة والسلام: " ما ظنك باثنين الله ثالثهما؟ " # وقيل: (لما دخلا الغار بعث الله تعالى حمامتين فباضتا في أسفله ~~والعنكبوت فنسجت عليه وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " اللهم أعم أبصارهم " # فجعلوا يترددون حول الغار ولا يفطنون قد أخذ الله تعالى أبصارهم ms1364 عنه)، ~~وفيه من الدلالة على علو طبقة الصديق رضي الله عنه وسابقة صحبته ~~ما لا يخفى، ولذلك قالوا: من أنكر صحبة أبي بكر رضى الله عنه فقد كفر ~~لإنكاره كلام الله سبحانه وتعالى { فأنزل الله سكينته } ~~أمنته التي تسكن عندها القلوب { عليه } على النبي صلى الله عليه ~~وسلم فالمراد بها ما لا يحوم حوله شائبة الخوف أصلا أو على صاحبه إذ ~~هو المنزعج، وأما النبي صلى الله عليه وسلم فكان على طمأنينة من ~~أمره { وأيده بجنود لم تروها } عطف على نصره الله ~~والجنود هم الملائكة النازلون يوم بدر والأحزاب وحنين، وقيل: هم ~~الملائكة أنزلهم الله ليحرسوه في الغار ويأباه وصفهم بعدم رؤية ~~المخاطبين لهم وقوله عز وعلا: { وجعل كلمة الذين كفروا ~~السفلى } يعني الشرك أو دعوة الكفر فإن ذلك الجعل لا يتحقق ~~بمجرد الأنجاء بالقتل والأسر ونحو ذلك { وكلمة الله } أي ~~التوحيد أو دعوة الإسلام { هى العليا } لا يدانيها شيء، ~~وتغيير الأسلوب للدلالة على أنها في نفسها كذلك لا يتبدل شأنها ولا ~~يتغير حالها دون غيرها من الكلم ولذلك وسط ضمير الفصل، وقرىء ~~بالنصب عطفا على كلمة الذين { والله عزيز } لا يغالب { حكيم } ~~في حكمه وتدبيره. ### || [9.41-42] # { انفروا } تجريد للأمر بالنفور بعد التوبيخ على تركه الإنكار ~~على المساهلة فيه وقوله تعالى: { خفافا وثقالا } حالان من ضمير ~~المخاطبين أي على أي حال كان من يسر وعسر حاصلين بأي سبب كان من ~~الصحة والمرض، أو الغنى والفقر، وقلة العيال وكثرتهم أو غير ذلك مما ~~ينتظمه مساعدة الأسباب وعدمها بعد الإمكان والقدرة في الجملة، وما ذكر ~~في تفسيرهما من قولهم: خفافا لقلة عيالكم وثقالا لكثرتها أو خفافا ~~من السلاح وثقالا منه أو ركبانا ومشاة أو شبانا وشيوخا أو ~~مهازيل وسمانا أو صحاحا ومراضا ليس لتخصيص الأمرين المتقابلين ~~بالإرادة من غير مقارنة للباقي وعن ابن أم مكتوم أنه قال لرسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: أعلي أن أنفر؟ قال عليه الصلاة والسلام: «نعم» حتى ~~نزل # ليس على الأعمى حرج # وعن ابن عباس رضي الله ms1365 عنهما نسخت بقوله عز وجل: # ليس على الضعفاء ولا على المرضى # [التوبة: 91] الآية { وجهدوا بأمولكم وأنفسكم فى ~~سبيل الله } إيجاب للجهاد بهما إن أمكن وبأحدهما عند إمكانه ~~وإعواز الآخر، حتى إن من ساعده النفس والمال يجاهد بهما ومن ساعده ~~المال دون النفس يغزو مكانه من حاله على عكس حاله. إلى هذا ذهب ~~كثير من العلماء وقيل: هو إيجاب للقسم الأول فقط { ذلكم } أي ما ~~ذكر من النفير والجهاد، وما في اسم الإشارة من معنى البعد للإيذان ~~ببعد منزلته في الشرف { خير لكم } أي خير عظيم في نفسه أو خبر ~~مما يبتغى بتركه من الراحة والدعة وسعة العيش والتمتع بالأموال ~~والأولاد { إن كنتم تعلمون } أي تعلمون الخير علمتم أنه خير ~~أو إن كنتم تعلمون أنه خير إذ لا احتمال لغير الصدق في أخبار الله ~~تعالى فبادروا إليه. # { لو كان } صرف للخطاب عنهم وتوجيه له إلى رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم تعديدا لما صدر عنهم من الهنات قولا وفعلا على طريق ~~المباثة وبيانا لدناءة هممهم وسائر رذائلهم أي لو كان ما دعوا ~~إليه { عرضا قريبا } العرض ما عرض لك من منافع الدنيا أي لو ~~كان ذلك غنما سهل المأخذ قريب المنال { وسفرا قاصدا } (ذا ~~قصد) بين القريب والبعيد { لاتبعوك } في النفير طمعا في الفوز ~~بالغنيمة، وتعليق الاتباع بكلا الأمرين يدل على عدم تحققه عند توسط ~~السفر فقط { ولكن بعدت عليهم الشقة } أي المسافة ~~الشاطة التي تقطع بمشقة وقرىء بكسر العين والشين { وسيحلفون } ~~أي المتخلفون عن الغزو وقوله تعالى: { بالله } إما متعلق بسيحلفون ~~أو هو من جملة كلامهم والقول مراد على الوجهين أي سيحلفون بالله ~~اعتذارا عند قفولك قائلين: { لو استطعنا } أو سيحلفون قائلين: ~~بالله لو استطعنا الخ، أي ولو كان لنا استطاعة من جهة الصحة أو من ~~جهتهما جميعا حسبما عن لهم من الكذب والتعلل، وعلى كلا التقديرين ~~فقوله تعالى: { لخرجنا معكم } ساد مسد جوابي القسم والشرط ~~جميعا. # أما على الثاني فظاهر وأما على الأول فلأن قولهم: لو استطعنا في قوة ms1366 ~~بالله لو استطعنا لأنه بيان لقوله تعالى: { سيحلفون بالله } ~~وتصديق له، والإخبار بما سيكون منهم بعد القفول وقد وقع حسبما ~~أخبر به من جملة المعجزات الباهرة، وقرىء لو استطعنا بضم الواو ~~تشبيها لها بواو الجمع كما في قوله عز وجل: # فتمنوا الموت # [البقرة: 94] { يهلكون أنفسهم } بدل من سيحلفون لأن الحلف ~~الكاذب إهلاك للنفس ولذلك قال عليه الصلاة والسلام: # " اليمين الفاجرة تدع الديار بلاقع " # أو حال من فاعله أي مهلكين أنفسهم أو من فاعل خرجنا، جيء به على ~~طريقة الإخبار عنهم كأنه قيل: نهلك أنفسنا أي لخرجنا معكم مهلكين ~~أنفسنا كما في قولك: حلف ليفعلن مكان لأفعلن { والله يعلم ~~إنهم لكذبون } أي في مضمون الشرطية وفيما ادعوا ضمنا من ~~انتفاء تحقق المقدم حيث كانوا مستطيعين للخروج ولم يخرجوا. ### || [9.43] # { عفا الله عنك } صريح في أنه سبحانه وتعالى قد عفا عنه عليه ~~الصلاة والسلام ما وقع منه عند استئذان المتخلفين في التخلف معتذرين ~~بعدم الاستطاعة، وإذنه كان اعتمادا على أيمانهم ومواثيقهم لخلوها ~~عن المزاحم من ترك الأولى والأفضل الذي هو التأني والتوقف إلى انجلاء ~~الأمر وانكشاف الحال، وقوله عز وجل: { لم أذنت لهم } أي لأي ~~سبب أذنت لهم في التخلف حين اعتلوا بعللهم بيان لما أشير إليه ~~بالعفو من ترك الأولى وإشارة إلى أنه ينبغي أن تكون أموره عليه الصلاة ~~والسلام منوطة بأسباب قوية موجبة لها أو مصححة وأن ما أبرزوه في معرض ~~التعلل والاعتذار مشفوعا بالأيمان كان بمعزل من كونه سببا للإذن قبل ~~ظهور صدقه، وكلتا اللامين متعلقة بالإذن لاختلافهما في المعنى فإن ~~الأولى للتعليل والثانية للتبليغ، والضمير المجرور لجميع المستأذنين، ~~وتوجه الإنكار إلى الإذن باعتبار شموله للكل لا باعتبار تعلقه بكل ~~فرد لتحقق عدم استطاعة بعضهم كما ينبىء عنه قوله سبحانه: { حتى ~~يتبين لك الذين صدقوا } أي فيما أخبروا به عند ~~الاعتذار من عدم الاستطاعة من جهة المال أو من جهة البدن أو من جهتهما ~~معا حسبما عن لهم هناك. # { وتعلم الكذبين } في ذلك فتعامل كلا من الفريقين بما ~~يستحقه ms1367 وهو بيان لذلك الأولى والأفضل، وتحضيض له عليه الصلاة والسلام ~~عليه، فإن كلمة حتى سواء كانت بمعنى اللام أو بمعنى إلى لا يمكن ~~تعلقها بقوله تعالى: { لم أذنت } لاستلزامه أن يكون إذنه عليه ~~الصلاة والسلام لهم معللا أو مغيا بالتبين والعلم ويكون توجه ~~الاستفهام إليه من تلك الحيثية وذلك بين الفساد بل بما يدل عليه ~~ذلك، كأنه قيل: لم سارعت إلى الإذن لهم وهلا تأنيت حتى ينجلي الأمر ~~كما هو قضية الحزم # قال قتادة وعمرو بن ميمون: اثنان فعلهما رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~لم يؤمر فيهما بشيء: إذنه للمنافقين وأخذه الفداء من الأسارى فعاتبه ~~الله تعالى كما تسمعون. وتغيير الأسلوب بأن عبر عن الفريق الأول ~~بالموصول الذي صلته فعل دال على الحدوث وعن الفريق الثاني باسم ~~الفاعل المفيد للدوام للإيذان بأن ما ظهر من الأولين صدق حادث في ~~أمر خاص غير مصحح لنظمهم في سلك الصادقين، وأن ما صدر من الآخرين ~~وإن كان كذبا حادثا متعلقا بأمر خاص لكنه أمر جار على عادتهم ~~المستمرة ناشىء عن رسوخهم في الكذب. والتعبير عن ظهور الصدق ~~بالتبين وعما يتعلق بالكذب بالعلم لما هو المشهور من أن مدلول الخبر ~~هو الصدق والكذب احتمال عقلي فظهور صدقه إنما هو تبين ذلك ~~المدلول وانقطاع احتمال نقيضه بعد ما كان محتملا له احتمالا ~~عقليا وأما كذبه فأمر حادث لا دلالة للخبر عليه في الجملة حتى يكون ~~ظهوره تبينا له بل هو نقيض لمدلوله فما يتعلق به يكون علما ~~مستأنفا، وإسناده إلى ضميره عليه الصلاة والسلام لا إلى المعلومين ~~ببناء الفعل للمفعول مع إسناد التبين إلى الأولين لما أن المقصود ~~ههنا علمه عليه الصلاة والسلام بهم ومؤاخذتهم بموجبه بخلاف الأولين ~~حيث لا مؤاخذة عليهم ومن لم يتنبه لهذا قال: حتى يتبين لك من صدق ~~في عذره ممن كذب فيه، وإسناد التبين إلى الأولين وتعليق العلم ~~بالآخرين مع أن مدار الإسناد والتعلق أو لا وبالذات هو وصف الصدق ~~والكذب كما أشير إليه لما أن المقصد هو العلم ms1368 بكلا الفريقين باعتبار ~~اتصافهما بوصفهما المذكورين ومعاملتهما بحسب استحقاقهما لا العلم ~~بوصفيهما بذاتيهما أو باعتبار قيامهما بموصوفيهما. # هذا وفي تصدير فاتحة الخطاب ببشارة العفو دون ما يوهم العتاب من ~~مراعاة جانبه عليه الصلاة والسلام وتعهده بحسن المفاوضة ولطف ~~المراجعة ما لا يخفى على أولي الألباب. قال سفيان بن عيينة: انظر إلى ~~هذا اللطف بدأ بالعفو قبل ذكر المعفو. # ولقد أخطأ وأساء الأدب وبئسما فعل فيما قال وكتب من زعم أن ~~الكلام كناية عن الجناية وأن معناه أخطأت وبئسما فعلت. هب أنه كناية ~~أليس إيثارها على التصريح بالجناية للتلطيف في الخطاب والتخفيف في ~~العتاب، وهب أن العفو مستلزم للخطأ فهل هو مستلزم لكونه من القبح ~~واستتباع اللائمة بحيث يصحح هذه المرتبة من المشافهة بالسوء أو ~~يسوغ إنشاء الاستقباح بكلمة بئسما المنبئة عن بلوغ القبح إلى ~~رتبة يتعجب منها ولا يخفى أنه لم يكن في خروجهم مصلحة للدين أو ~~منفعة للمسلمين بل كان فسادا وخبالا حسبما نطق به قوله عز وجل: # لو خرجوا # [التوبة: 47] الخ، وقد كرهه سبحانه كما يفصح عنه قوله تعالى: # ولكن كره الله انبعاثهم # [التوبة: 46] الآية. نعم كان الأولى تأخير الإذن حتى يظهر كذبهم آثر ~~ذي أثير ويفتضحوا على رؤوس الأشهاد ولا يتمكنوا من التمتع بالعيش على ~~الأمن والدعة ولا يتسنى لهم الابتهاج فيما بينهم بأنهم غروه عليه ~~الصلاة والسلام وأرضوه بالأكاذيب على أنه لم يهنأ لهم عيش ولا قرت لهم ~~عين إذ لم يكونوا على أمن واطمئنان بل كانوا على خوف من ظهور أمرهم ~~وقد كان. ### || [9.44] # { لا يستأذنك الذين يؤمنون بالله واليوم ~~الأخر } تنبيه على أنه كان ينبغي أن يستدل باستئذانهم على حالهم ~~ولا يؤذن لهم أي ليس من عادة المؤمنين أن يستأذنوك في { أن ~~يجهدوا بأمولهم وأنفسهم } وإن الخلص منهم ~~يبادرون إليه من غير توقف على الإذن فضلا عن أن يستأذنوك في التخلف، ~~وحيث استأذنك هؤلاء في التخلف كان ذلك مئنة للتأني في أمرهم بل ~~دليلا على نفاقهم، وقيل: المستأذن فيه محذوف ومعنى قوله تعالى: { أن ms1369 ~~يجهدوا } كراهة أن يجاهدوا ثم قيل: المحذوف هو التخلف والمعنى ~~لا يستأذنك المؤمنون في التخلف كراهة الجهاد، فيتوجه النفي إلى القيد ~~وبه يمتاز المؤمن من المنافق، وهو وإن كان في نفسه أمرا خفيا لا يوقف ~~عليه بادىء الأمر لكن عامة أحوالهم لما كانت منبئة عن ذلك جعل ~~أمرا ظاهرا مقررا وقيل: هو الجهاد أي لا يستأذنك المؤمنون في الجهاد ~~كراهة أن يجاهدوا بناء على أن الاستئذان في الجهاد ربما يكون لكراهته ~~ولا يخفى أن الاستئذان في الشيء لكراهته مما لا يقع بل لا يعقل ولو ~~سلم وقوعه، فالاستئذان لعلة الكراهة مما لا يمتاز بحسب الظاهر من ~~الاستئذان لعلة الرغبة ولو سلم فالذي نفي عن المؤمنين يجب أن يثبت ~~للمنافقين وظاهر أنهم لم يستأذنوا في الجهاد لكراهتهم له بل إنما ~~استأذنوا في التخلف { والله عليم بالمتقين } شهادة لهم ~~بالانتظام في سلك المتقين وعدة لهم بأجزل الثواب وتقرير لمضمون ما ~~سبق، كأنه قيل: والله عليم بأنهم كذلك وإشعار بأن ما صدر عنهم معلل ~~بالتقوى. ### || [9.45-46] # { إنما يستأذنك } أي في التخلف مطلقا على الأول أو لكراهة ~~الجهاد على الثاني { الذين لا يؤمنون بالله واليوم ~~الأخر } تخصيص الإيمان بهما في الموضعين للإيذان بأن الباعث على ~~الجهاد ببذل النفس والمال إنما هو الإيمان بهما إذ به يتسنى للمؤمنين ~~استبدال الحياة الأبدية والنعيم المقيم الخالد بالحياة الفانية ~~والمتاع الكاسد { وارتابت قلوبهم } عطف على الصلة، وإيثار ~~صيغة الماضي للدلالة على تحقق الريب وتقرره { فهم } حال كونهم { ~~فى ريبهم } وشكهم المستقر في قلوبهم { يترددون } أي ~~يتحيرون فإن التردد ديدن المتحير كما أن الثبات ديدن المستبصر، ~~والتعبير عنه به مما لا يخفى حسن موقعه { ولو أرادوا ~~الخروج } يدل على أن بعضهم قالوا عند الاعتذار: كنا نريد الخروج ~~لكن لم نتهيأ له، وقد قرب الرحيل بحيث لا يمكننا الاستعداد، فقيل ~~تكذيبا لهم: لو أرادوه { لأعدوا له } أي للخروج في وقته { ~~عدة } أي أهبة من العتاد والراحلة والسلاح وغير ذلك مما لا بد ~~منه للسفر، وقرىء عده بحذف التاء، والإضافة إلى ms1370 ضمير الخروج كما فعل ~~بالعدة من قال: # [إن الخليط أجدوا البين فانجردوا] # وأخلفوك عد الأمر الذي وعدوا # أي عدته وقرىء عدة بكسر العين وعده بالإضافة { ولكن ~~كره الله انبعاثهم } أي نهوضهم للخروج. قيل: هو استدراك عما ~~يفهم من مقدم الشرطية فإن انتفاء إرادتهم للخروج يستلزم انتفاء ~~خروجهم، وكراهة الله تعالى انبعاثهم تستلزم تثبيطهم عن الخروج، ~~فكأنه قيل: ما خرجوا ولكن تثبطوا والاتفاق في المعنى لا يمنع الوقوع ~~بين طرفي لكن بعد تحقق الاختلاف نفيا وإثباتا في اللفظ كقولك: ما ~~أحسن إلى زيد ولكن أساء والأظهر أن يكون استدراكا من نفس المقدم عن ~~نهج ما في الأقيسة الاستثنائية والمعنى لو أرادوا الخروج لأعدوا له ~~عدة ولكن ما أرادوه لما أنه تعالى كره انبعاثهم لما فيه من المفاسد ~~التي ستبين { فثبطهم } أي حبسهم بالجبن والكسل فثبطوا عنه ~~ولم يستدعوا له { وقيل اقعدوا مع القعدين } تمثيل ~~لإلقاء الله تعالى كراهة الخروج في قلوبهم أو لوسوسة الشيطان بالأمر ~~بالقعود أو هو حكاية قول بعضهم لبعض أي هو إذن الرسول صلى الله عليه ~~وسلم لهم في القعود، والمراد بالقاعدين إما المعذورون أو غيرهم، وأيا ~~ما كان فغير خال عن الذم. ### || [9.47-48] # { لو خرجوا فيكم } بيان لسر كراهته تعالى لانبعاثهم أي لو ~~خرجوا مخالطين لكم { ما زادوكم } أي ما أورثوكم شيئا من الأشياء { ~~إلا خبالا } أي فسادا وشرا فالاستثناء مفرغ متصل وقيل: ~~منقطع وليس بذلك { ولأوضعوا خللكم } أي ولسعوا فيما ~~بينكم بالنمائم والتضريب وإفساد ذات البين من وضع البعير وضعا ~~إذا أسرع وأوضعته أنا أي حملته على الإسراع والمعنى لأوضعوا ركائبهم ~~بينكم، والمراد به المبالغة في الإسراع بالنمائم لأن الراكب أسرع من ~~الماشي وقرىء ولأوقصوا من وقصت الناقة أسرعت وأوقصتها أنا وقرىء ~~ولأوفضوا أي أسرعوا { يبغونكم الفتنة } يحاولون أن يفتنوكم ~~بإيقاع الخلاف فيما بينكم وإلقاء الرعب في قلوبكم وإفساد نياتكم، ~~والجملة حال من ضمير أوضعوا أو استئناف { وفيكم سمعون ~~لهم } أي نمامون يسمعون حديثكم لأجل نقله إليهم أو فيكم قوم ~~ضعفة يسمعون للمنافقين أي يطيعونهم، والجملة ms1371 حال من مفعول يبغونكم ~~أو من فاعله لاشتمالها على ضميريهما، أو مستأنفة، ولعلهم لم يكونوا في ~~كمية العدد وكيفية الفساد بحيث يخل مكانهم فيما بين المؤمنين بأمر ~~الجهاد إخلالا عظيما، ولم يكن فساد خروجهم معادلا لمنفعته، ولذلك ~~لم تقتض الحكمة عدم خروجهم فخرجوا مع المؤمنين، ولكن حيث كان انضمام ~~المنافقين القاعدين إليهم مستتبعا لخلل كلي كره الله انبعاثهم فلم ~~يتسن اجتماعهم فاندفع فسادهم. ووجه العتاب على الأذن في قعودهم مع ~~تقرره لا محالة وتضمن خروجهم لهذه المفاسد أنهم لو قعدوا بغير إذن ~~منه عليه الصلاة والسلام لظهر نفاقهم فيما بين المسلمين من أول الأمر ~~ولم يقدروا على مخالطتهم والسعي فيما بينهم بالأراجيف ولم يتسن لهم ~~التمتع بالعيش إلى أن يظهر حالهم بقوارع الآيات النازلة { والله ~~عليم بالظلمين } علما محيطا بضمائرهم وظواهرهم وما فعلوا ~~فيما مضى وما يتأتى منهم فيما سيأتي، ووضع المظهر موضع المضمر ~~للتسجيل عليهم بالظلم والتشديد في الوعيد والإشعار بترتبه على الظلم ~~ولعله شامل للفريقين السماعين والقاعدين. # { لقد ابتغوا الفتنة } تشتيت شملك وتفريق أصحابك منك { ~~من قبل } أي يوم أحد حين انصرف عبد الله بن أبي بن ~~سلول المنافق بمن معه وقد تخلف بمن معه عن تبوك أيضا بعدما خرج مع ~~النبي صلى الله عليه وسلم إلى ذي جدة، أسفل من ثنية الوداع، وعن ابن ~~جريج رضي الله عنه وقفوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم على الثنية ليلة ~~العقبة وهم اثنا عشر رجلا من المنافقين ليفتكوا به عليه الصلاة ~~والسلام فردهم الله تعالى خاسئين { وقلبوا لك الأمور } ~~تقليب الأمر تصريفه من وجه إلى وجه وترديده لأجل التدبير والاجتهاد ~~في المكر والحيلة، يقال للرجل المتصرف في وجوه الحيل: حول ~~وقلب، أي اجتهدوا ودبروا لك الحيل والمكايد ودوروا الآراء في ~~إبطال أمرك، وقرىء بالتخفيف { حتى جاء الحق } أي النصر ~~والتأييد الإلهي { وظهر أمر الله } غلب دينه وعلا شرعه { ~~وهم كرهون } والحال أنهم كارهون لذلك أي على رغم منهم والآيتان ~~لتسلية الرسول صلى الله عليه وسلم والمؤمنين عن تخلف المتخلفين ms1372 وبيان ~~ما ثبطهم الله تعالى لأجله وهتك أستارهم وكشف أسرارهم، وإزاحة ~~أعذارهم تداركا لما عسى يفوت بالمبادرة إلى الإذن وإيذانا بأن ما فات ~~بها ليس مما لا يمكن تلافيه تهوينا للخطب. ### || [9.49-50] # { ومنهم من يقول ائذن لي } في القعود { ولا تفتنى } ~~أي لا توقعني في الفتنة وهي المعصية والإثم يريد إني متخلف لا ~~محالة أذنت أو لم تأذن فائذن لي حتى لا أقع في المعصية بالمخالفة أو ~~لا تلقني في الهلكة فإني إن خرجت معك هلك مالي وعيالي لعدم من يقوم ~~بمصالحهم. وقيل: قال الجد بن قيس: قد علمت الأنصار أني مشتهر ~~بالنساء فلا تفتني ببنات الأصفر، يعنى نساء الروم ولكن أعينك بمالي ~~فاتركني، وقرىء ولا تفتني من أفتنه بمعنى فتنه { ألا فى ~~الفتنة } أي في عينها ونفسها وأكمل أفرادها الغني عن الوصف ~~بالكمال الحقيق باختصاص اسم الجنس به { سقطوا } لا في شيء مغاير ~~لها فضلا عن أن يكون مهربا ومخلصا عنها وذلك بما فعلوا من العزيمة ~~على التخلف والجراءة على الاستئذان بهذه الطريقة الشنيعة ومن القعود ~~بالإذن المبني عليه وعلى الاعتذارات الكاذبة وقرىء بإفراد الفعل ~~محافظة على لفظ (من) وفي تصدير الجملة بحرف التنبيه مع تقديم الظرف ~~إيذان بأنهم وقعوا فيها وهم يحسبون أنها منجى من الفتنة زعما منهم ~~أن الفتنة إنما هي التخلف بغير إذن، وفي التعبير عن الافتتان بالسقوط ~~في الفتنة تنزيل لها منزلة المهواة المهلكة المفصحة عن ترديهم ~~في دركات الردى أسفل سافلين. # وقوله عز وجل: { وإن جهنم لمحيطة بالكفرين } ~~وعيد لهم على ما فعلوا معطوف على الجملة السابقة داخل تحت التنبيه ~~أي جامعة لهم يوم القيامة من كل جانب، وإيثار الجملة الاسمية ~~للدلالة على الثبات والاستمرار أو محيطة بهم الآن تنزيلا لشيء سيقع ~~عن قريب منزلة الواقع أو وضعا لأسباب الشيء موضعه فإن مباديء ~~إحاطة النار بهم من الكفر والمعاصي محيطة بهم الآن من جميع الجوانب ~~ومن جملتها ما فروا منه وما سقطوا فيه من الفتنة، وقيل: تلك المبادىء ~~المتشكلة بصور الأعمال والأخلاق هي النار ms1373 بعينها ولكن لا يظهر ذلك في ~~هذه النشأة وإنما يظهر عند تشكلها بصورها الحقيقية في النشأة ~~الآخرة، والمراد بالكافرين إما المنافقون وإيثار وضع المظهر موضع ~~المضمر للتسجيل عليهم بالكفر والإشعار بأنه معظم أسباب الإحاطة ~~المذكورة وإما جميع الكافرين الشاملين للمنافقين شمولا أوليا. # { إن تصبك } في بعض مغازيك { حسنة } من الظفر والغنيمة { ~~تسؤهم } تلك الحسنة أي تورثهم مساءة لفرط حسدهم وعداوتهم لك { ~~وإن تصبك } في بعضها { مصيبة } من نوع شدة { يقولوا } ~~متبجحين بما صنعوا حامدين لآرائهم { قد أخذنا أمرنا } أي ~~تلافينا ما يهمنا من الأمر، يعنون به الاعتزال عن المسلمين والقعود ~~عن الحرب والمداراة مع الكفرة وغير ذلك من أمور الكفر والنفاق قولا ~~وفعلا { من قبل } أي من قبل إصابة المصيبة في وقت تداركه، ~~يشيرون بذلك إلى أن المعاملة المذكورة إنما تروج عند الكفرة بوقوعها ~~حال قوة الإسلام لا بعد إصابة المصيبة { ويتولوا } عن مجلس ~~الاجتماع والتحدث إلى أهاليهم أو يعرضوا عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم { وهم فرحون } بما صنعوا من أخذ الأمر وبما أصابه عليه ~~الصلاة والسلام، والجملة حال من الضمير في (يقولوا) و(يتولوا) لا في ~~الأخير فقط، لمقارنة الفرح لهما معا، وإيثار الجملة الاسمية ~~للدلالة على دوام السرور، وإسناد المساءة إلى الحسنة والمسرة إلى ~~أنفسهم دون المصيبة بأن يقال: وإن تصبك مصيبة تسررهم للإيذان ~~باختلاف حاليهم حالتي عروض المساءة والمسرة بأنهم في الأولى مضطرون ~~وفي الثانية مختارون. ### || [9.51-52] # { قل } بيانا لبطلان ما بنوا عليه مسرتهم من الاعتقاد { لن ~~يصيبنا } أبدا وقرىء هل يصيبنا وهل يصيبنا من فيعل لا من فعل ~~لأنه واوي، يقال: صاب السهم يصوب واشتقاقه من الصواب { إلا ما ~~كتب الله لنا } أي أثبته لمصلحتنا الدنيوية أو الأخروية من ~~النصرة عليكم أو الشهادة المؤدية إلى النعيم الدائم { هو ~~مولنا } ناصرنا ومتولي أمورنا { وعلى الله } وحده { ~~فليتوكل المؤمنون } التوكل تفويض الأمر إلى الله والرضا ~~بما فعله وإن كان ذلك بعد ترتيب المبادي العادية، والفاء للدلالة على ~~السببية والأصل ليتوكل المؤمنون على الله، قدم الظرف على الفعل ~~لإفادة ms1374 القصر ثم أدخل الفاء للدلالة على استيجابه تعالى للتوكل عليه ~~كما في قوله تعالى: # وإيى فارهبون # [البقرة: 4] والجملة إن كانت من تمام الكلام المأمور به فإظهار ~~الاسم الجليل في مقام الإضمار لإظهار التبرك والتلذذ به وإن كانت ~~مسوقة من قبله تعالى أمرا للمؤمنين بالتوكل إثر أمره عليه الصلاة ~~والسلام بما ذكر فالأمر ظاهر وكذا إعادة الأمر في قوله وجل: # { قل هل تربصون بنا } لانقطاع حكم الأمر الأول بالثاني ~~وإن كان أمر الغائب وأما على الوجه الأول فهي لإبراز كمال العناية ~~بشأن المأمور به والإشعار بما بينه وبين ما أمر به أولا من الفرق ~~في السياق، والتربص التمكث مع انتظار مجيء شيء خيرا كان أو ~~شرا، والباء للتعدية وإحدى التاءين محذوفة أي ما تنتظرون بنا { إلا ~~إحدى الحسنيين } أي العاقبتين اللتين كل واحدة منهما هي ~~حسنى العواقب وهما النصر والشهادة وهذا نوع بيان لما أبهم في ~~الجواب الأول وكشف لحقيقة الحال بإعلام أن ما يزعمونه مضرة ~~للمسلمين من الشهادة أنفع مما يعدونه منفعة من النصر والغنيمة { ~~ونحن نتربص بكم } أحدى السوأيين من العواقب إما { أن ~~يصيبكم الله بعذاب من عنده } كما أصاب من قبلكم من ~~الأمم المهلكة والظرف صفة عذاب، ولذلك حذف عامله وجوبا { أو } ~~بعذاب { بأيدينا } وهو القتل على الكفر { فتربصوا } الفاء ~~فصيحة أي إذا كان الأمر كذلك فتربصوا بنا ما هو عاقبتنا { إنا ~~معكم متربصون } ما هو عاقبتكم فإذا لقي كل منا ومنكم ما ~~يتربصه لا تشاهدون إلا ما يسرنا ولا نشاهد إلا ما يسوءكم. ### || [9.53-56] # { قل أنفقوا } أموالكم في سبيل الله { طوعا أو كرها } ~~مصدران وقعا موقع الفاعل أي طائعين أو كارهين وهو أمر في معنى الخبر ~~كقوله تعالى: # استغفر لهم أو لا تستغفر لهم # [التوبة: 80] والمعنى أنفقتم طوعا أو كرها { لن يتقبل منكم ~~} ونظم الكلام في سلك الأمر للمبالغة في بيان تساوي الأمرين في عدم ~~القبول كأنهم أمروا بأن يمتحنوا الحال فينفقوا على الحالين فينظروا هل ~~يتقبل منهم فيشاهدوا عدم القبول وهو جواب قول جد بن قيس: ms1375 ولكن ~~أعينك بمالي، ونفي التقبل يحتمل أن يكون بمعنى عدم الأخذ منهم وأن ~~يكون بمعنى عدم الإثابة عليه وقوله عز وجل: { إنكم كنتم ~~قوما فسقين } أي عانين متمردين تعليل لرد إنقاقهم { وما ~~منعهم أن تقبل منهم } وقرىء بالتحتانية { نفقتهم ~~إلا أنهم كفروا بالله وبرسوله } استثناء من أعم ~~الأشياء أي ما منعهم قبول نفقاتهم منهم شيء من الأشياء إلا كفرهم، ~~وقرىء يقبل على البناء للفاعل وهو الله تعالى { ولا يأتون ~~الصلوة إلا وهم كسالى } أي لا يأتونها في حال من الأحوال ~~إلا حال كونهم متثاقلين { ولا ينفقون إلا وهم كرهون } ~~لأنهم لا يرجون بهما ثوابا ولا يخافون على تركهما عقابا فقوله تعالى: { ~~طوعا } أي رغبة من غير إلزام من جهته عليه الصلاة والسلام أو هو ~~فرضي لتوسيع الدائرة. # { فلا تعجبك أمولهم ولا أولدهم } فإن ذلك ~~استدراج لهم ووبال عليهم حسبما ينبىء عنه قوله عز وجل: { فلا ~~تعجبك أمولهم ولا أولدهم إنما يريد الله ~~} بما يكابدون لجمعها وحفظها من المتاعب وما يقاسون فيها من الشدائد ~~والمصائب { وتزهق أنفسهم وهم كفرون } فيموتوا كافرين ~~مشتغلين بالتمتع عن النظر في العاقبة فيكون ذلك لهم نقمة لا نعمة وأصل ~~الزهوق الخروج بصعوبة { ويحلفون بالله إنهم لمنكم } ~~في الدين والإسلام { وما هم منكم } في ذلك { ولكنهم ~~قوم يفرقون } يخافون أن يفعل بهم ما يفعل بالمشركين فيظهرون ~~الإسلام تقية ويؤيدونه بالأيمان الفاجرة. ### || [9.57-59] # { لو يجدون ملجأ } استئناف مقرر لمضمون ما سبق من أنهم ~~ليسوا من المسلمين وأن التجاءهم إلى الانتماء إليهم إنما هو للتقية ~~اضطرارا حتى إنهم لو وجدوا غير ذلك ملجأ أي مكانا حصينا يلجأون إليه ~~من رأس جبل أو قلعة أو جزيرة، وإيثار صيغة الاستقبال في الشرط وإن ~~كان المعنى على المضي لإفادة استمرار عدم الوجدان فإن المضارع ~~المنفي الواقع موقع الماضي ليس نصا في إفادة انتفاء استمرار ~~الفعل كما هو الظاهر بل قد يفيد استمرار انتفائه أيضا حسبما يقتضيه ~~المقام فإن معنى قولك: لو تحسن إلي لشكرتك أن انتفاء الشكر بسبب ~~استمرار انتفاء الإحسان لا ms1376 أنه بسبب انتفاء استمرار الإحسان فإن ~~الشكر يتوقف على وجود الإحسان لا على استمراره كما حقق في موضعه { ~~أو مغرات } أي غيرانا وكهوفا يخفون فيها أنفسهم وقرىء بضم ~~الميم من أغار الرجل إذا دخل الغور وقيل: هو متعد من غار إذا دخل الغور ~~أي أمكنة يغيرون فيها أشخاصهم وأهليهم يجوز أن يكون من أغار الثعلب إذا ~~أسرع بمعنى مهارب ومفار { أو مدخلا } أي نفقا يندسون فيه ~~وينجحرون وهو مفتعل من الدخول وقرىء مدخلا من الدخول ومدخلا من ~~الإدخال، أي مكانا يدخلون فيه أنفسهم وقرىء متدخلا ومندخلا من ~~التدخل والاندخال { لولوا } أي لصرفوا وجوههم وأقبلوا، وقرىء ~~لوالوا أي لالتجأوا { إليه } أي إلى أحد ما ذكر { وهم ~~يجمحون } أي يسرعون بحيث لا يردهم شيء من الفرس الجموح وهو ~~الذي لا يثنيه اللجام، وفيه إشعار بكمال عتوهم وطغيانهم وقرىء ~~يجمزون بمعنى يجمحون ويشتدون ومنه الجمازة. # { ومنهم من يلمزك } بكسر الميم وقرىء بضمها أي يعيبك سرا ~~وقرىء يلمزك ويلامزك مبالغة { في الصدقت } أي في شأنها ~~وقسمتها { فإن أعطوا منها } بيان لفساد لمزهم وأنه لا منشأ ~~له سوى حرصهم على حطام الدنيا أي إن أعطوا منها قدر ما يريدون { ~~رضوا } بما وقع من القسمة واستحسنوها { وإن لم يعطوا منها ~~} ذلك المقدار { إذا هم يسخطون } أي يفاجئون بالسخط، وإذا ~~نائب مناب فاء الجزاء. قيل: نزلت الآية في أبي الجواظ المنافق حيث ~~قال: ألا ترون إلى صاحبكم، يقسم صدقاتكم في رعاة الغنم ويزعم أنه ~~يعدل. وقيل: في ابن ذي الخويصرة واسمه حرقوص بن زهير التميمي ~~رأس الخوارج كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقسم غنائم حنين ~~فاستعطف قلوب أهل مكة بتوفير الغنائم عليهم فقال: اعدل يا رسول الله ~~فقال عليه الصلاة السلام: # " ويلك إن لم أعدل فمن يعدل؟ " # وقيل: هم المؤلفة قلوبهم والأول هو الأظهر { ولو أنهم ~~رضوا ما ءاتهم الله ورسوله } أي ما أعطاهم الرسول صلى ~~الله عليه وسلم من الصدقات طيبي النفوس به وإن قل، وذكر الله عز ~~وجل للتعظيم والتنبيه على أن ما ms1377 فعله الرسول صلى الله عليه وسلم كان ~~بأمره سبحانه { وقالوا حسبنا الله } أي كفانا فضله وصنعه ~~بنا وما قسمه لنا { سيؤتينا الله من فضله ورسوله } بعد ~~هذا حسبما نرجو ونؤمل { إنا إلى الله رغبون } في أن ~~يخولنا فضله، والآية بأسرها في حيز الشرط، والجواب محذوف بناء ~~على ظهوره أي لكان خيرا لهم. ### || [9.60] # { إنما الصدقت } شروع في تحقيق حقية ما صنعه الرسول صلى ~~الله عليه وسلم من القسمة ببيان المصارف ورد لمقالة القالة في ذلك ~~وحسم لأطماعهم الفارغة المبنية على زعمهم الفاسد ببيان أنهم بمعزل من ~~الاستحقاق، أي جنس الصدقات المشتملة على الأنواع المختلفة { ~~للفقراء والمسكين } أي مخصوصة بهؤلاء الأصناف الثمانية ~~الآتية لا تتجاوزهم إلى غيرهم، كأنه قيل: إنما هي لهم لا لغيرهم فما ~~للذين لا علاقة بينها وبينهم يقولون فيها ما يقولون وما سوغ لهم أن ~~يتكلموا فيها وفي قاسمها؟ والفقير من له أدنى شيء والمسكين من لا شيء ~~له هو المروي عن أبي حنيفة رضي الله عنه وقد قيل: على العكس ولكل ~~منهما وجه يدل عليه { والعملين عليها } الساعين في جمعها ~~وتحصليها { والمؤلفة قلوبهم } هم أصناف فمنهم أشراف من ~~العرب كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يستألفهم ليسلموا فيرضخ لهم ~~ومنهم قوم أسلموا ونياتهم ضعيفة فيؤلف قلوبهم بإجزال العطاء ~~كعيينة بن حصن، والأقرع بن حابس، والعباس بن مرداس، ومنهم من ~~يترقب بإعطائهم إسلام نظرائهم، ولعل الصنف الأول كان يعطيهم ~~الرسول صلى الله عليه وسلم من خمس الخمس الذي هو خالص ماله، وقد عد ~~منهم من يؤلف قلبه بشيء منها على قتال الكفار وما نعي الزكاة وقد سقط ~~سهم هؤلاء بالإجماع لما أن ذلك كان لتكثير سواد الإسلام فلما أعزه ~~الله عز وعلا وأعلى كلمته استغني عن ذلك { وفي الرقاب } أي ~~وللصرف في فك الرقاب بأن يعان المكاتبون بشيء منها على أداء ~~نجومهم، وقيل: بأن يفدى الأسارى وقيل: بأن يبتاع منها الرقاب ~~فتعتق، وأيا ما كان فالعدول عن اللام لعدم ذكرهم بعنوان مصحح ~~للمالكية والاختصاص كالذين من قبلهم ms1378 أو للإيذان بعدم قرار ملكهم فيما ~~أعطوا كما في الوجهين الأولين أو بعدم ثبوته رأسا كما في الوجه الأخير ~~أو للإشعار برسوخهم في استحقاق الصدقة لما أن (في) للظرفية المنبئة عن ~~إحاطتهم بها وكونهم محلها ومركزها. # { والغرمين } أي الذين تداينوا لأنفسهم في غير معصية إذا لم ~~يكن لهم نصاب فاضل عن ديونهم وكذلك عند الشافعي رضي الله عنه غرم ~~لإصلاح ذات البين وإطفاء الثائرة بين القبيلتين وإن كانوا أغنياء { ~~وفى سبيل الله } أي فقراء الغزاة والحجيج والمنقطع بهم { ~~وابن السبيل } أي المسافر المنقطع عن ماله، وتكرير الظرف في ~~الأخيرين للإيذان بزيادة فضلهما في الاستحقاق أو لما ذكر من إيرادهما ~~بعنوان غير مصحح للمالكية والاختصاص فهذه مصارف الصدقات، فللمتصدق ~~أن يدفع صدقته إلى كل واحد منهم وأن يقتصر على صنف منهم لأن اللام ~~لبيان أنهم مصارف لا تخرج عنهم لا لإثبات الاستحقاق، وقد روي ذلك عن ~~عمر وابن عباس وحذيفة رضي الله عنهم وعند الشافعي لا يجوز إلا أن ~~يصرف إلى ثلاثة من تلك الأصناف { فريضة من الله } مصدر مؤكد ~~لما دل عليه صدر الآية أي فرض لهم الصدقات فريضة. ونقل عن سيبويه ~~أنه منصوب بفعله مقدرا أي فرض الله ذلك فريضة أو حال من الضمير ~~المستكن في قوله: للفقراء، أي إنما الصدقات كائنة لهم حال كونها ~~فريضة أي مفروضة { والله عليم } بأحوال الناس ومراتب ~~استحقاقهم { حكيم } لا يفعل إلا ما تقتضيه الحكمة من الأمور ~~الحسنة التي من جملتها سوق الحقوق إلى مستحقيها. ### || [9.61] # { ومنهم الذين يؤذون النبى } نزلت في فرقة من ~~المنافقين قالوا في حقه عليه الصلاة والسلام ما لا ينبغي فقال بعضهم: لا ~~تفعلوا فإنا نخاف أن يبلغه ذلك فيقع بنا فقال الجلاس بن سويد: ~~نقول ما شئنا ثم نأتيه فننكر ما قلنا ونحلف فيصدقنا بما نقول، إنما ~~محمد أذن سامعة وذلك قوله عز وجل { ويقولون هو أذن } أي سمع ~~كل ما قيل من غير أن يتدبر فيه ويميز بين ما يليق بالقبول ~~لمساعدة أمارات الصدق له وبين ما ms1379 لا يليق به، وإنما قالوه لأنه عليه ~~الصلاة والسلام كان لا يواجههم بسوء ما صنعوا ويصفح عنهم حلما وكرما ~~فحملوه على سلامة القلب وقالوا ما قالوا { قل أذن خير لكم } ~~من قبيل رجل صدق في الدلالة على المبالغة في الجودة والصلاح، كأنه ~~قيل: نعم هو أذن ولكن نعم الأذن، ويجوز أن يكون المراد أذنا في ~~الخير والحق وفيما ينبغي سماعه وقبوله لا في غير ذلك كما يدل عليه ~~قراءة رحمة بالجر عطفا عليه أي هو أذن خير ورحمة لا يسمع غيرهما ~~ولا يقبله، وقرىء أذن بسكون الذال فيهما وقرىء أذن خير على أنه صفة أو ~~خبر ثان وقوله عز وجل { يؤمن بالله } تفسير لكونه أذن خير ~~لهم أي يصدق بالله تعالى لما قام عنده من الأدلة الموجبة له، وكون ذلك ~~خيرا للمخاطبين كما أنه خير للعالمين مما لا يخفى { ويؤمن ~~للمؤمنين } أي يصدقهم لما علم فيهم من الخلوص، واللام مزيدة ~~للتفرقة بين الإيمان المشهور وبين الإيمان بمعنى التسليم والتصديق ~~كما في قوله تعالى: # أنؤمن لك # [الشعراء: 111] الخ وقوله تعالى: # فما ءامن لموسى # [يونس: 83] الخ. # { ورحمة } عطف على أذن خير أي وهو رحمة بطريق إطلاق المصدر ~~على الفاعل للمبالغة { للذين ءامنوا منكم } أي للذين أظهروا ~~الإيمان منكم حيث يقبله منهم لكن لا تصديقا لهم في ذلك بل رفقا بهم ~~وترحما عليهم ولا يكشف أسرارهم ولا يهتك أستارهم، وإسناد الإيمان ~~إليهم بصيغة الفعل بعد نسبته إلى المؤمنين بصيغة الفاعل المنبئة عن ~~الرسوخ والاستمرار للإيذان بأن إيمانهم أمر حادث ما له من قرار، ~~وقرىء بالنصب على أنها علة لفعل دل عليه أذن خير أي يأذن لكم رحمة ~~{ والذين يؤذون رسول الله } بما نقل عنهم من قولهم: هو ~~أذن ونحوه، وفي صيغة الاستقبال المشعرة بترتب الوعيد على الاستمرار ~~على ما هم عليه إشعار بقبول توبتهم كما أفصح عنه قوله تعالى فيما ~~سيأتي: # فإن يتوبوا يك خيرا لهم # [التوبة: 74] { لهم } بما يجترئون عليه من أذيته عليه الصلاة ~~والسلام كما ينبىء عنه بناء الحكم على الموصول ms1380 { عذاب أليم } ~~وهذا اعتراض مسوق من قبله عز وجل على نهج الوعيد غير داخل تحت ~~الخطاب وفي تكرير الإسناد بإثبات العذاب الأليم لهم ثم جعل الجملة ~~خبرا للموصول ما لا يخفى من المبالغة، وإيراده عليه الصلاة والسلام ~~بعنوان الرسالة مضافا إلى الاسم الجليل لغاية التعظيم والتنبيه على ~~أن أذيته راجعة إلى جنابه عز وجل موجبة لكمال السخط والغضب. ### || [9.62-63] # { يحلفون بالله لكم } الخطاب للمؤمنين خاصة وكان ~~المنافقون يتكلمون بالمطاعن ثم يأتونهم فيعتذرون إليهم ويؤكدون معاذيرهم ~~بالأيمان ليعذروهم ويرضوا عنهم أي يحلفون لكم أنهم ما قالوا ما نقل ~~إليهم مما يورث أذاة النبي صلى الله عليه وسلم وأما التخلف عن ~~الجهاد فليس بداخل في هذا الاعتذار { ليرضوكم } بذلك، وإفراد ~~إرضائهم بالتعليل مع أن عمدة أغراضهم إرضاء الرسول صلى الله عليه ~~وسلم وقد قبل عليه الصلاة والسلام ذلك منهم ولم يكذبهم للإيذان بأن ~~ذلك بمعزل من أن يكون وسيلة إلى إرضائه عليه الصلاة والسلام وأنه صلى ~~الله عليه وسلم إنما لم يكذبهم رفقا بهم وسترا لعيوبهم لا عن رضا بما ~~فعلوه كما أشير إليه { والله ورسوله أحق أن يرضوه } أي ~~أحق بالإرضاء ولا يتسنى ذلك إلا بالطاعة والمتابعة وإيفاء حقوقه ~~عليه الصلاة والسلام في باب الإجلال والإعظام مشهدا ومغيبا وأما ما ~~أتوا به من الأيمان الفاجرة فإنما يرضى به من انحصر طريق علمه في ~~الأخبار إلى أن يجيء الحق ويزهق الباطل. والجملة نصب على الحالية ~~من ضمير يحلفون أي يحلفون لكم لإرضائكم والحال أنه تعالى ورسوله أحق ~~بالإرضاء منكم أي يعرضون عما يهمهم ويجديهم ويشتغلون بما لا ~~يعنيهم، وإفراد الضمير في يرضوه إما للإيذان بأن رضاه عليه الصلاة ~~السلام مندرج تحت رضاه سبحانه وإرضاؤه عليه الصلاة والسلام إرضاء له ~~تعالى لقوله تعالى: # من يطع الرسول فقد أطاع الله # [النساء: 80] وإما لأنه مستعار لاسم الإشارة الذي يشار به إلى الواحد ~~والمتعدد بتأويل المذكور كما في قول رؤبة: # فيها خطوط من سواد وبلق # كأنه في الجلد توليع البهق # أي كأن ذلك. لا يقال أي ms1381 حاجة إلى الاستعارة بعد التأويل المذكور ~~لأنا نقول: لولا الاستعارة لم يتسن التأويل لما أن الضمير لا يتعرض ~~إلا لذات ما يرجع إليه من غير تعرض لوصف من أوصافه التي من جملتها ~~المذكورية وإنما المتعرض لها اسم الإشارة وإما لأنه عائد إلى رسوله، ~~والكلام جملتان حذف خبر الأولى لدلالة خبر الثانية عليه كما ذهب إليه ~~سيبويه، ومنه قول من قال: # نحن بما عندنا وأنت بما # عندك راض والرأي مختلف # أو إلى الله على أن المذكور خبر الجملة الأولى وخبر الثانية محذوف ~~كما هو رأي المبرد { إن كانوا مؤمنين } جوابه محذوف تعويلا ~~على دلالة ما سبق عليه أي إن كانوا مؤمنين فليرضوا الله ورسوله بما ~~ذكر فإنهما أحق بالإرضاء. # { ألم يعلموا } أي أولئك المنافقون، والاستفهام للتوبيخ على ~~ما أقدموا عليه من العظيمة مع علمهم بسوء عاقبتها، وقرىء بالتاء على ~~الالتفات لزيادة التقريع والتوبيخ أي ألم يعلموا بما سمعوا من رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم من فنون القوارع والإنذارات { أنه } أي ~~الشأن { من يحادد الله ورسوله } المحادة من الحد ~~كالمشاقة من الشق والمعاداة من العدوة بمعنى الجانب فإن كل ~~واحد من مباشري كل الأفعال المذكورة في محل غير محل صاحبه، ومن ~~شرطية جوابها قوله تعالى: { فأن له نار جهنم } على أن ~~خبره محذوف أي فحق أن له نار جهنم، وقرىء بكسر الهمزة والجملة ~~الشرطية في محل الرفع على أنها خبر لأن وهي مع خبرها سادة مسد ~~مفعولي يعلموا، وقيل: المعنى فله، وإن تكرير للأولى تأكيدا لطول ~~العهد لا من باب التأكيد اللفظي المانع للأولى من العمل، ودخول ~~الفاء كما في قول من قال: # لقد علم الحي اليمانون أنني # إذا قلت: أما بعد، أني خطيبها # وقد جوز أن يكون فإن له معطوفا على أنه، وجواب الشرط محذوف تقديره ~~ألم يعلموا أنه من يحادد الله ورسوله يهلك فإن له الخ، ورد بأن ذلك ~~إنما يجوز عند كون فعل الشرط ماضيا أو مضارعا مجزوما بلم { خالدا ~~فيها } حال مقدرة من الضمير المجرور إن اعتبر ms1382 في الظرف ابتداء ~~الاستقرار وحدوثه وإن اعتبر مطلق الاستقرار فالأمر ظاهر { ذلك } ~~أشير إلى ما ذكر من العذاب الخالد بذلك إيذانا ببعد درجته في الهول ~~والفظاعة { الخزى العظيم } الخزي الذل والهوان المقارن ~~للفضيحة والندامة، وهي ثمرات نفاقهم حيث يفتضحون على رؤوس الأشهاد ~~بظهورها ولحوق العذاب الخالد بهم، والجملة تذييل لما سبق. ### || [9.64-65] # { يحذر المنفقون أن تنزل عليهم } في شأنهم فإن ~~ما نزل في حقهم نازل عليهم { سورة تنبئهم بما في قلوبهم ~~} من الأسرار الخفية فضلا عما كانوا يظهرونه فيما بينهم من أقاويل ~~الكفر والنفاق، ومعنى تنبئتها إياهم بما في قلوبهم مع أنه معلوم ~~لهم وأن المحذور عندهم إطلاع المؤمنين على أسرارهم لا إطلاع أنفسهم ~~عليها أنها تذيع ما كانوا يخفونه من أسرارهم فتنتشر فيما بين الناس ~~فيسمعونها من أفواه الرجال مذاعة، فكأنها تخبرهم بها أو المراد ~~بالتنبئة المبالغة في كون السورة مشتملة على أسرارهم كأنها تعلم من ~~أحوالهم الباطنة ما لا يعلمونه فتنبئهم بها وتنعي عليهم قبائحهم، وقيل: ~~معنى يحذر ليحذر، وقيل: الضميران الأولان للمؤمنين والثالث للمنافقين ~~ولا يبالى بالتفكيك عند ظهور الأمر بعود المعنى إليه أي يحذر ~~المنافقون أن تنزل على المؤمنين سورة تخبرهم بما في قلوب المنافقين ~~وتهتك عليهم أستارهم. قال أبو مسلم: كان إظهار الحذر منهم بطريق ~~الاستهزاء فإنهم كانوا إذا سمعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكر ~~كل شيء ويقول إنه بطريق الوحي يكذبونه ويستهزئون به ولذلك قيل: { قل ~~استهزءوا } أي افعلوا الاستهزاء وهو أمر تهديد { إن الله ~~مخرج } أي من القوة إلى الفعل أو من الكمون إلى البروز { ما ~~تحذرون } أي ما تحذرونه من إنزال السورة ومن مخازيكم ومثالبكم ~~المستكنة في قلوبكم الفاضحة لكم على ملأ الناس، والتأكيد لرد ~~إنكارهم بذلك لا لدفع ترددهم في وقوع المحذور إذ ليس حذرهم بطريق ~~الحقيقة { ولئن سألتهم } عما قالوا { ليقولن إنما ~~كنا نخوض ونلعب } روي # " أنه عليه الصلاة والسلام كان يسير في غزوة تبوك وبين يديه ركب من ~~المنافقين يستهزئون بالقرآن وبالرسول صلى الله عليه وسلم ويقولون: ms1383 ~~انظروا إلى هذا الرجل يريد أن يفتتح حصون الشام وقصورها هيهات ~~هيهات. فأطلع الله تعالى نبيه على ذلك فقال: «احبسوا على الركب» فأتاهم ~~فقال: «قلتم كذا، وكذا؟» فقالوا: يا نبي الله لا والله ما كنا في شيء ~~من أمرك ولا من أمر أصحابك ولكن كنا في شيء مما يخوض فيه الركب ليقصر ~~بعضنا على بعض السفر " # { قل } غير ملتفت إلى اعتذارهم ناعيا عليهم جناياتهم منزلا لهم ~~منزلة المعترف بوقوع الاستهزاء موبخا لهم على أخطائهم موقع الاستهزاء ~~{ أبالله ورسوله كنتم تستهزئون } حيث عقب حرف التقرير ~~بالمستهزأ به ولا يستقيم ذلك إلا بعد تحقق الاستهزاء وثبوته. ### || [9.66-68] # { لا تعتذروا } لا تشتغلوا بالاعتذار وهو عبارة عن محو أثر ~~الذنب فإنه معلوم الكذب بين البطلان { قد كفرتم } أظهرتم ~~الكفر بإيذاء الرسول صلى الله عليه وسلم والطعن فيه { بعد ~~إيمنكم } بعد إظهاركم له { إن نعف عن طائفة منكم } ~~لتوبتهم وإخلاصهم أو تجنبهم (عن) الإيذاء والاستهزاء، وقرىء إن يعف ~~على إسناد الفعل إلى الله سبحانه وقرىء على البناء للمفعول مسندا إلى ~~الظرف بتذكير الفعل وبتأنيثه أيضا ذهابا إلى المعنى كأنه قيل: إن ترحم ~~طائفة { نعذب } بنون العظمة وقرىء بالياء على البناء للفاعل وبالتاء ~~على البناء للمفعول مسندا إلى ما بعده { طائفة بأنهم كانوا ~~مجرمين } مصرين على الإجرام وهو غير التائبين أو مباشرين له ~~وهم غير المجتنبين. قال محمد بن إسحاق: الذي عفي عنه رجل واحد هو ~~يحيى بن حمير الأشجعي لما نزلت هذه الآية تاب عن نفاقه وقال: ~~اللهم إني لا أزال أسمع آية تقشعر منها الجلود وتجب منها القلوب ~~اللهم اجعل وفاتي قتلا في سبيلك لا يقول أحد: أنا غسلت أنا كفنت ~~أنا دفنت فأصيب يوم اليمامة فما أحد من المسلمين إلا عرف مصرعه ~~غيره. # { المنفقون والمنفقات } التعرض لأحوال الإناث ~~للإيذان بكمال عراقتهم في الكفر والنفاق { بعضهم من بعض } أي ~~متشابهون في النفاق والبعد عن الإيمان كأبعاض الشيء الواحد بالشخص، ~~وقيل: أريد به نفي أن يكونوا من المؤمنين وتكذيبهم في حلفهم بالله إنهم ~~لمنكم وتقرير ms1384 لقوله تعالى: # وما هم منكم # وقوله تعالى: { يأمرون بالمنكر } أي بالكفر والمعاصي { ~~وينهون عن المعروف } أي عن الإيمان والطاعة استئناف مقرر ~~لمضمون ما سبق ومفصح عن مضادة حالهم لحال المؤمنين أو خبر ثان { ~~ويقبضون أيديهم } أي عن المبرات والإنفاق في سبيل الله فإن ~~قبض اليد كناية عن الشح { نسوا الله } أغفلوا ذكره { ~~فنسيهم } فتركهم من رحمته وفضله وخذلهم، والتعبير عنه بالنسيان ~~للمشاكلة { إن المنفقين هم الفسقون } الكاملون في ~~التمرد والفسق الذي هو الخروج عن الطاعة والانسلاخ عن كل خير ~~والإظهار في موقع الإضمار لزيادة التقرير كما في قوله تعالى: # { وعد الله المنفقين والمنفقات والكفار } أي ~~المجاهرين { نار جهنم خلدين فيها } مقدرين الخلود فيها { ~~هى حسبهم } عقابا وجزاء وفيه دليل على عظم عقابها وعذابها { ~~ولعنهم الله } أي أبعدهم من رحمته وأهانهم، وفي إظهار الاسم ~~الجليل من الإيذان بشدة السخط ما لا يخفى { ولهم عذاب مقيم } ~~أي نوع من العذاب غير عذاب النار دائم لا ينقطع أبدا أو لهم عذاب ~~مقيم في الدنيا لا ينفك عنهم وهو ما يقاسونه من تعب النفاق الذي هم منه ~~في بلية دائمة لا يأمنون ساعة من خوف الفضيحة ونزول العذاب إن اطلع ~~عن أسرارهم. ### || [9.69] # { كالذين من قبلكم } التفات من الغيبة إلى الخطاب للتشديد ~~والكاف في محل الرفع على الخبرية، أي أنتم مثل الذين من قبلكم { ~~كانوا أشد منكم قوة وأكثر أمولا وأولدا } ~~تفسير وبيان لشبههم بهم وتمثيل لحالهم بحالهم { فاستمتعوا ~~} تمتعوا، وفي صيغة الاستفعال ما ليس في صيغة التفعل من الاستزادة ~~والاستدامة في التمتع { بخلقهم } بنصيبهم من ملاذ الدنيا، ~~واشتقاقه من الخلق بمعنى التقدير وهو ما قدر لصاحبه { ~~فاستمتعتم بخلقكم كما استمتع } الكاف في محل ~~النصب على أنه نعت لمصدر محذوف أي استمتاعا كاستمتاع { الذين ~~من قبلكم بخلقهم } ذم الأولين باستمتاعهم بحظوظهم ~~الخسيسة من الشهوات الفانية والتهائهم بها عن النظر في العواقب الحقة ~~واللذائذ الحقيقية تمهيدا لذم المخاطبين بمشابهتهم إياهم واقتفائهم ~~أثرهم { وخضتم } أي دخلتم في الباطل { كالذي خاضوا } أي ~~كالذين بإسقاط النون أو كالفوج ms1385 الذي أو كالخوض الذي خاضوه { ~~أولئك } إشارة إلى المتصفين بالأوصاف المعدودة من المشبهين ~~والمشبهة بهم لا إلى الفريق الأخير فقط فإن ذلك يقتضي أن يكون حبوط ~~أعمال المشبهين وخسرانهم مفهومين ضمنا لا صريحا ويؤدي إلى خلو ~~تلوين الخطاب عن الفائدة إذ الظاهر حينئذ أولئكم والخطاب لرسول الله ~~صلى الله عليه وسلم أو لكل من يصلح للخطاب أي أولئك الموصوفون بما ذكر ~~من الأفعال الذميمة. # { حبطت أعملهم } ليس المراد بها أعمالهم المعدودة كما ~~يشعر به التعبير عنهم باسم الإشارة فإن غائلتها غنية عن البيان بل ~~أعمالهم التي كانوا يستحقون بها أجورا حسنة لو قارنت الإيمان، أي ضاعت ~~وبطلت بالكلية ولم يترتب عليها أثر { فى الدنيا والأخرة } ~~بطريق المثوبة والكرامة، أما في الآخرة فظاهر وأما في الدنيا فلأن ما ~~يترتب على أعمالهم فيها من الصحة والسعة وغير ذلك حسبما ينبىء عنه ~~قوله عز وجل: # من كان يريد الحيوة الدنيا وزينتها نوف ~~إليهم أعمالهم فيها وهم فيها لا يبخسون # [هود: 15] ليس ترتبه عليها على طريقه المثوبة والكرامة بل بطريق ~~الاستدراج { وأولئك } أي الموصوفون بحبوط الأعمال في الدارين { ~~هم الخسرون } الكاملون في الخسران في الدارين الجامعون لمباديه ~~وأسبابه طرا فإنه قد ذهبت رؤوس أموالهم التي هي أعمالهم فيما ضرهم ~~ولم تنفعهم قط ولو أنها ذهبت فيما لا يضرهم ولا ينفعهم لكفى به ~~خسرانا، وإيراد اسم الأشارة في الموضعين للإشعار بعلية الأوصاف ~~المشار إليها للحبوط والخسران. ### || [9.70-71] # { ألم يأتهم } أي المنافقين { نبأ الذين من قبلهم ~~} أي خبرهم الذي له شأن وهو ما فعل بهم والاستفهام للتقرير والتحذير { ~~قوم نوح وعاد وثمود وقوم إبرهيم وأصحب ~~مدين } وهم قوم شعيب { والمؤتفكت } قريات قوم لوط ~~ائتفكت بهم أي انقلبت بهم فصار عاليها سافلها وأمطروا حجارة من سجيل ~~وقيل: قريات المكذبين بهم وائتفاكهن انقلاب أحوالهن من الخير إلى ~~الشر { أتتهم رسلهم بالبينت } استئناف لبيان نبئهم { ~~فما كان الله ليظلمهم } الفاء للعطف على مقدر ينسحب عليه ~~الكلام ويستدعيه النظام أي فكذبوهم فأهلكهم الله تعالى فما ظلمهم بذلك، ~~وإيثار ما عليه ms1386 النظم الكريم للمبالغة في تنزيه ساحة السبحان عن ~~الظلم، أي ما صح وما استقام له أن يظلمهم ولكنهم ظلموا أنفسهم، والجمع ~~بين صيغتي الماضي والمستقبل في قوله عز وجل: { ولكن كانوا ~~أنفسهم يظلمون } للدلالة على استمرار ظلمهم حيث لم يزالوا ~~يعرضونها للعقاب بالكفر والتكذيب، وتقديم المفعول لمجرد الاهتمام به ~~مع مراعاة الفاصلة من غير قصد إلى قصر المظلومية عليهم على رأي من لا ~~يرى التقديم موجبا للقصر فيكون كما في قوله تعالى: # وما ظلمنهم ولكن ظلموا أنفسهم # [هود: 101] من غير قصر للظلم على الفاعل أو المفعول وسيجيء لهذا مزيد ~~بيان في قوله سبحانه: # إن الله لا يظلم الناس شيئا ولكن الناس ~~أنفسهم يظلمون # [يونس: 44] { والمؤمنون والمؤمنت بعضهم أولياء ~~بعض } بيان لحسن حال المؤمنين والمؤمنات حالا ومآلا إثر بيان ~~قبح حال أضدادهم عاجلا وآجلا، والتعبير عن نسبة هؤلاء بعضهم إلى ~~بعض بالولاية وعن نسبة أولئك بمن الاتصالية للإيذان بأن نسبة هؤلاء ~~بطريق القرابة الدينية المبنية على المعاقدة المستتبعة للآثار من ~~المعونة والنصرة وغير ذلك ونسبة أولئك بمقتضى الطبيعة والعادة { ~~يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر } أي جنس ~~المعروف والمنكر المنتظمين لكل خير وشر { ويقيمون الصلوة } ~~فلا يزالون يذكرون الله سبحانه فهو في مقابلة ماسبق من قوله تعالى: نسوا ~~الله { ويؤتون الزكوة } بمقابلة قوله تعالى: # ويقبضون أيديهم # { ويطيعون الله ورسوله } أي في كل أمر ونهي، وهو بمقابله ~~وصف المنافقين بكمال الفسق والخروج عن الطاعة { أولئك } إشارة ~~إلى المؤمنين والمؤمنات باعتبار اتصافهم بما سلف من الصفات الفاضلة وما ~~فيه من معنى البعد للإشعار ببعد درجتهم في الفضل أي أولئك المنعوتون ~~بما فصل من النعوت الجليلة { سيرحمهم الله } أي يفيض عليهم ~~آثار رحمته من التأييد والنصرة البتة لما أن السين مؤكدة للوقوع كما ~~في قولك: سأنتقم منك { أن الله عزيز } تعليل للوعد أي قوي ~~قادر على إعزاز أوليائه وقهر أعدائه { حكيم } يبني أحكامه على أساس ~~الحكمة الداعية إلى إيصال الحقوق من النعمة والنقمة إلى مستحقيها من ~~أهل الطاعة وأهل المعصية وهذا وعد للمؤمنين متضمن لوعيد ms1387 المنافقين ~~كما أن ما سبق في شأن المنافقين من قوله تعالى: { فنسيهم } وعيد ~~لهم متضمن لوعد المؤمنين فإن منع لطفه تعالى عنهم لطف في حق ~~المؤمنين. ### || [9.72] # { وعد الله المؤمنين والمؤمنت } تفصيل لآثار ~~رحمته الدنيوية، والإظهار في موقع الإضمار لزيادة التقرير والإشعار ~~بعلية وصف الإيمان لحصول ماتعلق به الوعد، وعدم التعرض لذكر ما مر من ~~الأمر بالمعروف وغير ذلك للإيذان بأنه من لوازمه ومستتبعاته أي وعدهم ~~وعدا شاملا لكل أحد منهم على اختلاف طبقاتهم في مراتب الفضل كيفا ~~وكما { جنت تجرى من تحتها الأنهار خالدين ~~فيها } فإن كل أحد منهم فائز بها لا محالة { ومسكن طيبة ~~} أي وعد بعض الخواص الكمل منهم منازل تستطيبها النفوس أو يطيب فيها ~~العيش. في الخبر (أنها قصور من اللؤلؤ والزبرجد والياقوت الأحمر) { ~~فى جنت عدن } هي أبهى أماكن الجنات وأسناها. عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم: # " عدن دار الله لم ترها عين ولم تخطر على قلب بشر لا يسكنها غير ~~ثلاثة النبيون والصديقون والشهداء يقول الله تعالى: طوبى لمن دخلك " # وعن ابن عمرو رضى الله عنهما إن في الجنة قصرا يقال له عدن حوله ~~البروج والمروج وله خمسة آلاف باب على كل باب خمسة آلاف حوراء لا ~~يدخله إلا نبي أو صديق أو شهيد، وعن ابن مسعود رضى الله عنه هي ~~بطنان الجنة وسرتها. فعدن على هذا علم. وقيل: هو بمعناه اللغوي ~~أعني الإقامة والخلود فمرجع العطف إلى اختلاف الوصف وتغايره فكأنه ~~وصفه أولا بأنه من جنس ما هو أشرف الأماكن المعروفة عندهم من الجنات ~~ذات الأنهار الجارية ليميل إليها طباعهم أول ما يقرع أسماعهم، ثم ~~وصفه بأنه محفوف بطيب العيش معرى عن شوائب الكدورات التي لا تكاد ~~تخلو عنها أماكن الدنيا وفيها ما تشتهي الأنفس وتلذ الأعين ثم وصفه ~~بأنه دار إقامة وثبات في جوار العليين لا يعتريهم فيها فناء ولا ~~تغير ثم وعدهم بما هو أعلى من ذلك كله فقال: { ورضون من ~~الله } أي وشيء يسير من رضوانه تعالى { أكبر } إذ عليه ms1388 يدور فوز ~~كل خير وسعادة وبه يناط نيل كل شرف وسيادة ولعل عدم نظمه في سلك ~~الوعد مع عزته في نفسه لأنه متحقق في ضمن كل موعود ولأنه مستمر في ~~الدارين. روي أنه تعالى يقول لأهل الجنة: (هل رضيتم؟ فيقولون: ما لنا لا ~~نرضى وقد أعطيتنا ما لم تعط أحدا من خلقك فيقول: أنا أعطيكم أفضل من ~~ذلك قالوا: وأي شيء أفضل من ذلك قال: أحل عليكم رضواني فلا أسخط ~~عليكم أبدا. # { ذلك } إشارة إلى ما سبق ذكره وما فيه من معنى البعد للإيذان ~~ببعد درجته في العظم والفخامة { هو الفوز العظيم } دون ~~مايعده الناس فوزا من حظوظ الدنيا فإنها مع قطع النظر عن فنائها ~~وتغيرها وتنغصها وتكدرها ليست بالنسبة إلى أدنى شيء من نعيم ~~الآخرة بمثابة جناح البعوض، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " لو كانت الدنيا تزن عند الله جناح بعوضة ما سقى ~~الكافر منها شربة ماء " # ونعما قال من قال: # تالله لو كانت الدنيا بأجمعها # تبقي علينا ويأتي رزقها رغدا # ما كان من حق حر أن يذل بها # فكيف وهي متاع يضمحل غدا ### || [9.73-74] # { يأيها النبى جهد الكفر } أي المجاهرين منهم ~~بالسيف { والمنفقين } بالحجة وإقامة الحدود { واغلظ ~~عليهم } في ذلك ولا تأخذك بهم رأفة. قال عطاء: نسخت هذه الآية ~~كل شيء من العفو والصفح { ومأواهم جهنم } جملة مستأنفة ~~لبيان آجل أمرهم إثر بيان عاجله، وقيل: حالية { وبئس ~~المصير } تذييل لما قبله والمخصوص بالذم محذوف { يحلفون ~~بالله ما قالوا } استئناف لبيان ما صدر عنهم من الجرائم ~~الموجبة لما مر من الأمر بالجهاد والغلظة عليهم ودخول جهنم. (روي أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم أقام في غزوة تبوك شهرين ينزل عليه ~~القرآن ويعيب المنافقين المتخلفين فيسمعه من كان منهم معه عليه ~~الصلاة والسلام فقال الجلاس بن سويد منهم: لئن كان ما يقول محمد حقا ~~لإخواننا الذين خلفناهم وهم سادتنا وأشرافنا فنحن شر من الحمير)، ~~فقال عامر بن قيس الأنصاري للجلاس: أجل والله إن محمدا لصادق وأنت شر ms1389 ~~من الحمار، فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستحضر فحلف بالله ~~ما قال فرفع عامر يده فقال: اللهم أنزل على عبدك ونبيك تصديق ~~الصادق وتكذيب الكاذب فنزل. وإيثار صيغة الاستقبال في يحلفون ~~لاستحضار الصورة أو للدلالة على تكرير الحلف، وصيغة الجمع في قالوا مع ~~أن القائل هو الجلاس للإيذان بأن بقيتهم برضاهم بقوله: صاروا بمنزلة ~~القائل. # { ولقد قالوا كلمة الكفر } هي ما حكي آنفا والجملة مع ~~ما عطف عليها اعتراض { وكفروا بعد إسلمهم } أي وأظهروا ~~ما في قلوبهم من الكفر بعد إظهارهم الإسلام { وهموا بما لم ~~ينالوا } هو الفتك برسول الله صلى الله عليه وسلم بعد وذلك أنه ~~(توافق خمسة عشر منهم على أن يدفعوه عليه الصلاة والسلام عن راحلته ~~إذا تسنم العقبة بالليل وكان عمار بن ياسر آخذا بخطام راحلته ~~يقودها وحذيفة بن اليمان خلفها يسوقها فبينما هما كذلك إذ سمع حذيفة ~~بوقع أخفاف الإبل وبقعقعة السلاح فالتفت فإذا قوم متلثمون فقال: ~~إليكم إليكم يا أعداء الله فهربوا). وقيل: هم المنافقون هموا بقتل عامر ~~لرده على الجلاس، وقيل: أرادوا أن يتوجوا عبد الله بن أبي بن ~~سلول وإن لم يرض به رسول الله صلى الله عليه وسلم { وما نقموا } ~~أي وما أنكروا وما عابوا أو ما وجدوا ما يورث نقمتهم { إلا أن ~~أغناهم الله ورسوله من فضله } سبحانه وتعالى وذلك أنهم ~~كانوا حين قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة في غاية ما يكون ~~من ضنك العيش لا يركبون الخيل ولا يحوزون الغنيمة فأثروا بالغنائم ~~وقتل للجلاس مولى فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بديته اثني عشر ~~ألف درهم فاستغنى، والاستثناء مفرغ من أعم المفاعيل أو من أعم العلل ~~أي وما أنكروا شيئا من الأشياء إلا إغناء الله تعالى إياهم أو وما ~~أنكروا لعلة من العلل إلا لإغناء الله إياهم { فإن يتوبوا } عما هم ~~عليه من الكفر والنفاق { يك خيرا لهم } في الدارين. # قيل: لما تلاها رسول الله صلى الله عليه وسلم قال الجلاس: يا ms1390 رسول الله ~~لقد عرض الله علي التوبة والله لقد قلت وصدق عامر فتاب الجلاس وحسنت ~~توبته { وإن يتولوا } أي استمروا على ما كانوا عليه من التولي ~~والإعراض عن الدين أو أعرضوا عن التوبة بعد هذا العرض { يعذبهم ~~الله عذابا أليما فى الدنيا } بالقتل والأسر والنهب وغير ~~ذلك من فنون العقوبات { والأخرة } بالنار وغيرها من أفانين العقاب { ~~وما لهم فى الأرض } مع سعتها وتباعد أقطارها وكثرة أهلها ~~المصححة لوجدان ما نفي بقوله عز وجل: { من ولي ولا نصير } ~~ينقذهم من العذاب بالشفاعة أو المدافعة. ### || [9.75-77] # { ومنهم } بيان لقبائح بعض آخر منهم { من عهد الله ~~لئن ءاتنا من فضله لنصدقن } لنؤتين الزكاة وغيرها ~~من الصدقات { ولنكونن من الصلحين } قال ابن عباس رضى ~~الله تعالى عنهما: يريد الحج وقرىء بالنون الخفيفة فيهما. قيل: نزلت في ~~ثعلبة بن حاطب أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله: ادع ~~الله أن يرزقني مالا فقال عليه الصلاة والسلام: # " يا ثعلبة قليل تؤدي حقه خير من كثير لا تطيقه " # فراجعه وقال: والذي بعثك بالحق لئن رزقني الله مالا لأعطين كل ذي حق ~~حقه فدعا له فاتخذ غنما فنمت كما ينمي الدود حتى ضاقت بها المدينة ~~فنزل واديا وانقطع عن الجماعة والجمعة فسأل عنه رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فقيل: كثر ماله حتى لا يسعه واد فقال: «يا ويح ثعلبة» ~~فبعث مصدقين لأخذ الصدقات فاستقبلها الناس بصدقاتهم ومرا بثعلبة ~~فسألاه الصدقة وأقرآه كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي فيه ~~الفرائض فقال: ما هذه إلا أخت الجزية وقال: ارجعا حتى أرى رأيي وذلك ~~قوله عز وجل: { فلما ءاتاهم من فضله بخلوا به } أي ~~منعوا حق الله منه { وتولوا } أي أعرضوا عن طاعة الله سبحانه فلما ~~رجعا قال لهما رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أن يكلماه: «يا ويح ~~ثعلبة» مرتين فنزلت فجاء ثعلبة بالصدقة فقال عليه الصلاة والسلام: «إن ~~الله منعني أن أقبل منك» فجعل يحثو التراب على رأسه فقال عليه الصلاة ~~والسلام: ms1391 «هذا عملك قد أمرتك فلم تطعني» فقبض عليه الصلاة والسلام ~~فجاء بها إلى أبي بكر رضى الله عنه فلم يقبلها وجاء بها إلى عمر رضي ~~الله عنه في خلافته فلم يقبلها وهلك في خلافة عثمان رضي الله عنه وقيل: ~~نزلت فيه وفي سهل بن الحارث وجد بن قيس ومعتب بن قشير والأول هو ~~الأشهر { وهم معرضون } جملة معترضة أي وهم قوم عادتهم الإعراض ~~أو حالية أي تولوا بإجرامهم وهم معرضون بقلوبهم. # { فأعقبهم } أي جعل الله عاقبة فعلهم ذلك { نفاقا } راسخا ~~{ فى قلوبهم إلى يوم يلقونه } إلى يوم موتهم الذي ~~يلقون الله تعالى عنده أو يلقون فيه جزاء عملهم وهو يوم القيامة ~~وقيل: فأورثهم البخل نفاقا متمكنا في قلوبهم ولا يلائمه قوله عز وجل: ~~{ بما أخلفوا الله ما وعدوه } أي بسبب إخلافهم ما وعده ~~تعالى من التصدق والسلاح { وبما كانوا يكذبون } أي وبكونهم ~~مستمرين على الكذب في جميع المقالات التي من جملتها وعدهم المذكور، ~~وتخصيص الكذب به يؤدي إلى تخلية الجمع بين صيغتي الماضي والمستقبل ~~عن المزية فإن تسبب الإعقاب المذكور بالإخلاف والكذب يقضي بإسناده إلى ~~الله عز وجل إذ لا معنى لكونهما سببين لإعقاب البخل للنفاق، والتحقيق ~~أنه لما كانت الفاء الدالة على الترتيب والتفريع منبئة عن ترتب ~~إعقاب النفاق المخلد على أفعالهم المحكية عنهم من المعاهدة بالتصدق ~~والصلاح والبخل والتولي والإعراض وفيها ما لا دخل له في الترتيب ~~المذكور كالمعاهدة أزيح ما في ذلك من الإبهام بتعيين ما هو المدار في ~~ذلك والله تعالى أعلم وقرىء بتشديد الذال. ### || [9.78-79] # { ألم يعلموا } أي المنافقون أو من عاهد الله وقرىء بالتاء ~~الفوقانية خطابا للمؤمنين فالهمزة على الأول للإنكار والتوبيخ ~~والتهديد أي ألم يعلموا { أن الله يعلم سرهم ~~ونجواهم } أي ما أسروا به في أنفسهم وما تناجوا به فيما بينهم ~~من المطاعن وتسمية الصدقة جزية وغير ذلك مما لا خير فيه، وسر ~~تقديم السر على النجوى سيظهر في قوله سبحانه: # وستردون إلى علم الغيب والشهدة # { وأن الله علم الغيوب } فلا يخفى عليه ms1392 شيء من ~~الأشياء حتى اجترأوا على ما اجترأوا عليه من العظائم، وإظهار اسم ~~الجلالة في الموقعين لإلقاء الروعة وتربية المهابة، وفي إيراد العلم ~~المتعلق بسرهم ونجواهم بصيغة الفعل الدال على الحدوث والتجدد، ~~والعلم المتعلق بالغيوب الكثيرة الدائمة بصيغة الاسم الدال على ~~الدوام والمبالغة من الفخامة والجزالة ما لا يخفى وعلى الثاني لتقرير ~~علم المؤمنين بذلك وتنبههم على أنه تعالى مؤاخذهم ومجازيهم بما علم ~~من أعمالهم { الذين يلمزون } نصب أو رفع على الذم، ويجوز جره ~~على البدلية من الضمير في سرهم ونجواهم وقرىء بضم الميم وهي لغة أي ~~يعيبون { المطوعين } أي المتطوعين المتبرعين { من ~~المؤمنين } حال من المطوعين وقوله تعالى: { في الصدقت } ~~متعلق بيلمزون. (روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حث الناس على ~~الصدقة فأتى عبد الرحمن بن عوف بأربعين أوقية من ذهب وقيل: بأربعة ~~آلاف درهم وقال: لي ثمانية آلاف فأقرضت ربي أربعة وأمسكت لعيالي ~~أربعة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «بارك الله لك فيما أعطيت ~~وفيما أمسكت» فبارك له حتى صولحت تماضر رابعة نسائه عن ربع الثمن ~~على ثمانين ألفا، وتصدق عاصم بن عدي بمائة وسق من تمر وجاء أبو ~~عقيل الأنصاري بصاع من تمر، فقال: بت ليلتي أجر بالجرير على صاعين ~~فتركت صاعا لعيالي وجئت بصاع فأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ~~ينثره على الصدقات فلمزهم المنافقون وقالوا: ما أعطى عبد الرحمن ~~وعاصم إلا رياء وإن كان الله ورسوله لغنيين عن صاع أبي عقيل ~~ولكنه أحب أن يذكر بنفسه ليعطى من الصدقات فنزلت). # { والذين لا يجدون إلا جهدهم } عطف على المطوعين أي ~~ويلمزون الذين لا يجدون إلا طاقاتهم وقرىء بفتح الجيم وهو مصدر جهد في ~~الأمر إذا بالغ فيه وقيل: هو بالضم الطاقة وبالفتح المشقة { ~~فيسخرون منهم } عطف على يلمزون أي يهزءون بهم والمراد بهم ~~الفريق الأخير { سخر الله منهم } إخبار بمجازاته تعالى إياهم ~~على ما فعلوا من السخرية والتعبير عنها بذلك للمشاكلة { ولهم } أي ~~ثابت لهم { عذاب أليم } التنوين للتهويل والتفخيم، ms1393 وإيراد ~~الجملة اسمية للدلالة على الاستمرار. ### || [9.80] # { استغفر لهم أو لا تستغفر لهم } إخبار باستواء ~~الأمرين الاستغفار لهم وتركه في استحالة المغفرة، وتصويره بصورة ~~الأمر للمبالغة في بيان استوائهما كأنه عليه الصلاة والسلام أمر ~~بامتحان الحال بأن يستغفر تارة ويترك أخرى ليظهر له جلية الأمر كما ~~في قوله عز وجل: # قل أنفقوا طوعا أو كرها لن يتقبل منكم # [التوبة: 53] { إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن ~~يغفر الله لهم } بيان لاستحالة المغفرة بعد المبالغة في ~~الاستغفار إثر بيان الاستواء بينه وبين عدمه. (روي أن عبد الله ~~بن عبد الله بن أبي وكان من المخلصين سأل رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم في مرض أبيه أن يستغفر له ففعل عليه الصلاة والسلام فنزلت ~~فقال عليه الصلاة والسلام محافظة على ما هو الأصل من أن مراتب الأعداد ~~حدود معينة يخالف حكم كل منها حكم ما فوقها: # " إن الله قد رخص لي فسأزيد على السبعين " # فنزلت # سواء عليهم أستغفرت لهم أم لم تستغفر لهم ~~لن يغفر الله لهم # [المنافقون: 6] وقد شاع استعمال السبعة والسبعين والسبعمائة في مطلق ~~التكثير لاشتمال السبعة على جملة أقسام العدد فكأنها العدد بأسره ~~وقيل: هي أكمل الأعداد لجمعها معانيها ولأن الستة أول عدد تام ~~لتعادل أجزائها الصحيحة إذ نصفها ثلاثة وثلثها اثنان وسدسها واحد ~~وجملتها ستة وهي مع الواحد سبعة فكانت كاملة إذ لا مرتبة بعد التمام ~~إلا الكمال ثم السبعون غاية الكمال إذ الآحاد غايتها العشرات ~~والسبعمائة غاية الغايات. # { ذلك } إشارة إلى امتناع المغفرة لهم ولو بعد المبالغة في ~~الاستغفار، أي ذلك الامتناع ليس لعدم الاعتداد باستغفارك بل { ~~بأنهم } أي بسبب أنهم { كفروا بالله ورسوله } كفرا ~~متجاوزا عن الحد كما يلوح به وصفهم بالفسق في قوله تعالى عز وجل: { ~~والله لا يهدى القوم الفسقين } فإن الفسق في كل شيء ~~عبارة عن التمرد والتجاوز عن حدوده أي لا يهديهم هداية موصلة إلى ~~المقصد البتة لمخالفة ذلك للحكمة التي عليها يدور فلك التكوين ~~والتشريع، وأما الهداية بمعنى الدلالة على ما يوصل ms1394 إليه فهي متحققة ~~لا محالة ولكنهم بسوء اختيارهم لم يقبلوها فوقعوا فيما وقعوا، وهو ~~تذييل مؤكد لما قبله من الحكم فإن مغفرة الكافر إنما هي بالإقلاع ~~عن الكفر والإقبال إلى الحق، والمنهمك فيه المطبوع عليه بمعزل من ذلك، ~~وفيه تنبيه على عذر النبي صلى الله عليه وسلم في استغفاره لهم وهو ~~عدم يأسه من إيمانهم حيث لم يعلم أنهم مطبوعون على الغي والضلال إذ ~~الممنوع هو الاستغفار لهم بعد تبين حالهم كما سيتلى من قوله عز ~~وجل: # ما كان للنبى # [التوبة: 113] الآية. ### || [9.81-82] # { فرح المخلفون } أي الذين خلفهم النبي صلى الله عليه ~~وسلم بالإذن لهم في القعود عند استئذانهم أو خلفهم الله بتثبيطه إياهم ~~لما علم في ذلك من الحكمة الخفية أو خلفهم كسلهم أو نفاقهم { ~~بمقعدهم } متعلق بفرح أي بقعودهم وتخلفهم عن الغزو { ~~خلف رسول الله } أي خلفه وبعد خروجه حيث خرج ولم يخرجوا ~~يقال: أقام خلاف الحي أي بعدهم، ظعنوا ولم يظعن، ويؤيده قراءة من ~~قرأ خلف رسول الله، فانتصابه على أنه ظرف لمقعدهم إذ لا فائدة في ~~تقييد فرحهم بذلك، وقيل: هو بمعنى المخالفة ويعضده قراءة من قرأ خلف ~~رسول الله بضم الخاء فانتصابه على أنه مفعول له والعامل إما (فرح) أي ~~فرحوا لأجل مخالفته عليه الصلاة والسلام بالقعود وإما (مقعدهم) أي ~~فرحوا بقعودهم لأجل مخالفته عليه الصلاة والسلام أو على أنه حال والعامل ~~أحد المذكورين أي فرحوا مخالفين له عليه الصلاة والسلام أو فرحوا ~~بالقعود مخالفين له عليه الصلاة والسلام { وكرهوا أن يجهدوا ~~بأمولهم وأنفسهم فى سبيل الله } لا إيثارا للدعة ~~والخفض على طاعة الله تعالى فقط بل مع ما في قلوبهم من الكفر والنفاق، ~~فإن إيثار أحد الأمرين قد يتحقق بأدنى رجحان منه من غير أن يبلغ ~~الآخر مرتبة الكراهية وإنما أوثر ما عليه النظم الكريم على أن يقال: ~~وكرهوا أن يخرجوا إلى الغزو إيذانا بأن الجهاد في سبيل الله مع كونه ~~من أجل الرغائب وأشرف المطالب التي يجب أن يتنافس فيها المتنافسون ~~قد كرهوه ms1395 كما فرحوا بأقبح القبائح الذي هو القعود خلاف رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم { وقالوا } أي لإخوانهم تثبيتا لهم على التخلف ~~والقعود وتواصيا فيما بينهم بالشر والفساد أو للمؤمنين تثبيطا لهم ~~عن الجهاد ونهيا عن المعروف وإظهارا لبعض العلل الداعية لهم إلى ما ~~فرحوا به من القعود، فقد جمعوا ثلاث خلال من خصال الكفر والضلال: ~~الفرح بالقعود وكراهية الجهاد ونهي الغير عن ذلك { لا تنفروا ~~فى الحر } فإنه لا يستطاع شدته { قل } ردا عليهم وتجهيلا لهم { ~~نار جهنم } التي ستدخلونها بما فعلتم { أشد حرا } مما ~~تحذرون من الحر المعهود وتحذرون الناس منه، فما لكم لا تحذرونها ~~وتعرضون أنفسكم لها بإيثار القعود على النفير { لو كانوا ~~يفقهون } اعتراض تذييلي من جهته سبحانه وتعالى غير داخل تحت ~~القول المأمور به مؤكد لمضمونه وجواب لو إما مقدر أي لو كانوا يفقهون ~~أنها كذلك، أو كيف هي أو إن آل مآلهم إليها لما فعلوا، أو لتأثروا ~~بهذا الإلزام، وإما غير منوي على أن لو لمجرد التمني المنبىء عن ~~امتناع تحقق مدخولها أي لو كانوا من أهل الفطانة والفقه كما في قوله ~~عز وجل: # قل انظروا ماذا فى السموات والأرض وما تغنى ~~الآيت والنذر عن قوم لا يؤمنون # [يونس: 101] { فليضحكوا قليلا وليبكوا كثيرا } ~~إخبار عن عاجل أمرهم وآجله من الضحك القليل والبكاء الطويل ~~المؤدي إليه أعمالهم السيئة التي من جملتها ما ذكر من الفرح، والفاء ~~لسببية ما سبق للإخبار بما ذكر من الضحك والبكاء لا لنفسهما، إذ لا ~~يتصور السببية في الأول أصلا، وقليلا وكثيرا منصوبان على ~~المصدرية أو الظرفية أي ضحكا قليلا وبكاء كثيرا أو زمانا قليلا ~~وزمانا كثيرا، وإخراجه في صورة الأمر للدلالة على تحتم وقوع ~~المخبر به، فإن أمر الآمر المطاع مما لا يكاد يتخلف عنه المأمور ~~به خلا أن المقصود إفادته في الأول هو وصف القلة فقط وفي الثاني وصف ~~الكثرة مع الموصوف. # يروى أن أهل النفاق يبكون في النار عمر الدنيا لا يرقأ لهم دمع ولا ~~يكتحلون بنوم. ويجوز أن ms1396 يكون الضحك كناية عن الفرح والبكاء عن الغم ~~وأن تكون القلة عبارة عن العدم والكثرة عن الدوام { جزاء بما ~~كانوا يكسبون } من فنون المعاصي، والجمع بين صيغتي الماضي ~~والمستقبل للدلالة على الاستمرار التجددي ما داموا في الدنيا، وجزاء ~~مفعول له للفعل الثاني أي ليبكوا جزاء أو مصدر حذف ناصبه أي يجزون ~~بما ذكر من البكاء الكثير جزاء بما كسبوا من المعاصي المذكورة. ### || [9.83-84] # { فإن رجعك الله } الفاء لتفريع الأمر الآتي على ما بين ~~من أمرهم والفعل من الرجع المتعدي دون الرجوع اللازم أي فإن ردك الله ~~تعالى { إلى طائفة منهم } أي إلى المنافقين من المتخلفين في ~~المدينة فإن تخلف بعضهم إنما كان لعذر عائق مع الإسلام أو إلى من بقي ~~من المنافقين المتخلفين بأن ذهب بعضهم بالموت أو بالغيبة عن البلد أو ~~بأن لم يستأذن البعض. عن قتادة أنهم كانوا اثني عشر رجلا قيل فيهم ~~ما قيل { فاستأذنوك للخروج } معك إلى غزوة أخرى بعد غزوتك ~~هذه { فقل } إخراجا لهم عن ديوان الغزاة وإبعادا لمحلهم عن محفل ~~صحبتك { لن تخرجوا معى أبدا ولن تقتلوا معى ~~عدوا } من الأعداء، وهو إخبار في معنى النهي للمبالغة وقد وقع كذلك { ~~إنكم } تعليل لما سلف أي لأنكم { رضيتم بالقعود } أي عن ~~الغزوة وفرحتم بذلك { أول مرة } هي غزوة تبوك { فاقعدوا ~~} الفاء لتفريع الأمر بالقعود بطريق العقوبة على ما صدر عنهم من الرضا ~~بالقعود أي إذا رضيتم بالقعود أول مرة فاقعدوا من بعد { مع ~~الخلفين } أي المتخلفين الذين ديدنهم القعود والتخلف دائما ~~وقرىء الخلفين على القصر، فكان محو أساميهم من دفتر المجاهدين ولزهم ~~في قرن الخالفين عقوبة لهم أي عقوبة، وتذكير اسم التفضيل المضاف ~~إلى المؤنث هو الأكثر الدائر على الألسنة فإنك لا تكاد تستمع قائلا ~~يقول: هي كبرى امرأة أو أولى مرة. # { ولا تصل على أحد منهم مات } صفة لأحد وإنما جيء ~~بصيغة الماضي تنبيها على تحقق الوقوع لا محالة { أبدا } متعلق ~~بالنهي أي لا تدع ولا تستغفر لهم أبدا { ولا تقم على ~~قبره } أي ms1397 لا تقف عليه للدفن أو للزيارة والدعاء. # " روي أنه عليه الصلاة والسلام كان يقوم على قبور المنافقين ويدعو لهم ~~فلما مرض رأس النفاق عبد الله بن أبي بن سلول بعث إلى رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم ليأتيه فلما دخل عليه قال عليه السلام: " أهلكك ~~حب اليهود " فقال: يا رسول بعثت إليك لتستغفر لي لا لتؤنبني وسأله ~~أن يكفنه في شعاره الذي يلي جلده ويصلي عليه، فلما مات دعاه ابنه ~~وكان مؤمنا صالحا فأجابه عليه السلام تسلية له ومراعاة لجانبه وأرسل ~~إليه قميصه فكفن فيه فلما هم بالصلاة أو صلى نزلت " # وعن عمر رضي الله عنه أنه قال: لما هلك عبد الله بن أبي ووضعناه ~~ليصلى عليه قام رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت: أتصلي على عدو ~~الله القائل يوم كذا كذا وكذا والقائل يوم كذا كذا وكذا وعددت ~~أيامه الخبيثة فتبسم عليه السلام وصلى عليه ثم مشى معه وقام على ~~حفرته حتى دفن فوالله ما لبث إلا يسيرا حتى نزل { ولا تصل } الخ ~~فما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد ذلك على منافق ولا قام على ~~قبره، وإنما لم ينه عن التكفين بقميصه صلى الله عليه وسلم لأن ~~الضنة بالقميص كانت مظنة الإخلال بالكرم على أنه كان مكافأة ~~لقميصه الذي كان ألبسه العباس رضي الله تعالى عنه حين أسر ببدر والخبر ~~مشهور { إنهم كفروا بالله ورسوله } تعليل للنهي على ~~معنى أن الاستغفار للميت والوقوف على قبره إنما يكون لاستصلاحه وذلك ~~مستحيل في حقهم لأنهم استمروا على الكفر بالله ورسوله مدة حياتهم { ~~وماتوا وهم فسقون } أي متمردون في الكفر خارجون عن حدوده ~~كما بين من معنى الفسق. ### || [9.85-86] # { ولا تعجبك أمولهم وأولدهم } تكرير لما سبق ~~وتقرير لمضمونه بالإخبار بوقوعه ويجوز أن يكون هذا في حق فريق غير ~~الفريق الأول، وتقديم الأموال في أمثال هذه المواقع على الأولاد مع ~~كونهم أعز منها إما لعموم مساس الحاجة إليها بحسب الذات وبحسب ~~الأفراد والأوقات، فإنها مما لا بد منه لكل ms1398 أحد من الآباء والأمهات ~~والأولاد في كل وقت وحين حتى إن من له أولاد ولا مال له فهو وأولاده ~~في ضيق ونكال وأما الأولاد فإنما يرغب فيهم من بلغ مبلغ الأبوة ~~وإما لأن المال مناط لبقاء النفس والأولاد لبقاء النوع وإما لأنها ~~أقدم في الوجود من الأولاد لأن الأجزاء المنوية إنما تحصل من ~~الأغذية كما سيأتي في سورة الكهف { أنما يريد الله } بما متعهم ~~به من الأموال والأولاد { أن يعذبهم بها فى الدنيا } بسبب ~~معاناتهم المشاق ومكابدتهم الشدائد في شأنها { وتزهق ~~أنفسهم وهم كفرون } أي فيموتوا كافرين باشتغالهم بالتمتع ~~بها والالتهاء عن النظر والتدبر في العواقب. # { وإذا أنزلت سورة } من القرآن ويجوز أن يراد بها بعضها { ~~أن آمنوا بالله } (أن) مفسرة لما في الإنزال من معنى القول ~~والوحي، أو مصدرية حذف عنها الجار أي بأن آمنوا { وجهدوا مع ~~رسوله } لإعزاز دينه وإعلاء كلمته { استأذنك أولوا ~~الطول منهم } أي ذوو الفضل والسعة والقدرة على الجهاد بدنا ~~ومالا { وقالوا } عطف تفسيري لاستأذنك مغن عن ذكر ما استأذنوا ~~فيه يعني القعود { ذرنا نكن مع القعدين } أي الذين ~~قعدوا عن الغزو لما بهم من عذر. ### || [9.87-90] # { رضوا } استئناف لبيان سوء صنيعهم وعدم امتثالهم لكلا الأمرين ~~وإن لم يردوا الأول صريحا { بأن يكونوا مع الخولف } مع ~~النساء اللاتي شأنهن القعود ولزوم البيوت، جمع خالفة وقيل: ~~الخالفة من لا خير فيه { وطبع على قلوبهم فهم } بسبب ذلك ~~{ لا يفقهون } ما في الإيمان بالله وطاعته في أوامره ونواهيه ~~واتباع رسوله عليه السلام والجهاد من السعادة وما في أضداد ذلك من ~~الشقاوة { لكن الرسول والذين ءامنوا معه } بالله ~~وبما جاء من عنده تعالى، وفيه إيذان بأنهم ليسوا من الإيمان بالله في ~~شيء وإن لم يعرضوا عنه صريحا إعراضهم عن الجهاد باستئذانهم في القعود ~~{ جهدوا بأمولهم وأنفسهم } أي إن تخلف هؤلاء عن ~~الغزو فقد نهد إليه ونهض له من هو خير منهم وأخلص نية ومعتقدا ~~وأقاموا أمر الجهاد بكلا نوعيه كقوله تعالى: # فإن يكفر بها هؤلاء فقد وكلنا بها ms1399 قوما ~~ليسوا بها بكفرين # [الأنعام: 89] { وأولئك } المنعوتون بالنعوت الجليلة { لهم } ~~بواسطة نعوتهم المزبورة { الخيرات } أي منافع الدارين النصر ~~والغنيمة في الدنيا والجنة والكرامة في العقبى، وقيل: الحور كقوله عز ~~قائلا: # فيهن خيرت حسان # [الرحمن: 70] وهي جمع خيرة تخفيف خيرة { وأولئك هم ~~المفلحون } أي الفائزون بالمطلوب لا من حاز بعضا من الحظوظ ~~الفانية عما قليل، وتكرير اسم الإشارة تنويه لشأنهم وربء لمكانهم { ~~أعد الله لهم } استئناف لبيان كونهم مفلحين أي هيأ لهم في ~~الآخرة { جنت تجرى من تحتها الأنهار خالدين ~~فيها } حال مقدرة من الضمير المجرور والعامل أعد { ذلك } إشارة ~~إلى ما فهم من إعداد الله سبحانه لهم الجنات المذكورة من نيل الكرامة ~~العظمى { الفوز العظيم } الذي لا فوز وراءه. # { وجاء المعذرون من الأعراب ليؤذن لهم } شروع في ~~بيان أحوال منافقي الأعراب إثر بيان منافقي أهل المدينة، ~~والمعذرون من عذر في الأمر إذا قصر فيه وتوانى ولم يجد، وحقيقته ~~أن يوهم أن له عذرا فيما يفعل ولا عذر له أو المعتذرون بإدغام التاء ~~في الذال ونقل حركتها إلى العين وهم المعتذرون بالباطل، وقرىء ~~المعذرون من الإعذار وهو الاجتهاد في العذر والاحتشاد فيه، قيل: هم ~~أسد وغطفان قالوا: إن لنا عيالا وإن بنا لجهدا فائذن لنا في ~~التخلف. وقيل: هم رهط عامر بن الطفيل قالوا: إن غزونا معك أغار ~~أعراب طيء على أهالينا ومواشينا فقال عليه السلام: # " سيغنيني الله تعالى عنكم " # وعن مجاهد: نفر من غفار اعتذروا فلم يعذرهم الله سبحانه. وعن قتادة: ~~اعتذروا بالكذب. وقرىء المعذرون بتشديد العين والذال من تعذر بمعنى ~~اعتذر وهو لحن إذ التاء لا تدغم في العين إدغامها في الطاء والزاي ~~والصاد في المطوعين وازكى واصدق. وقيل: أريد بهم المعتذرون بالصحة وبه ~~فسر المعذرون والمعذرون أي الذين لم يفرطوا في العذر { وقعد ~~الذين كذبوا الله ورسوله } وهم منافقو الأعراب الذين لم ~~يجيئوا ولم يعتذروا فظهر أنهم كذبوا الله ورسوله بادعائهم الإيمان ~~والطاعة { سيصيب الذين كفروا منهم } أي من الأعراب أو من ~~المعذرين فإن منهم من اعتذر لكسله ms1400 لا لكفره { عذاب أليم } بالقتل ~~والأسر في الدنيا والنار في الآخرة. ### || [9.91-92] # { ليس على الضعفاء ولا على المرضى } كالهرمى ~~والزمنى { ولا على الذين لا يجدون ما ينفقون } ~~لفقرهم كمزينة وجهينة وبني عذرة { حرج } إثم في التخلف { إذا ~~نصحوا لله ورسوله } وهو عبارة عن الإيمان بهما والطاعة ~~لهما في السر والعلن وتوليهما في السراء والضراء والحب فيهما ~~والبغض فيهما كما يفعل المولى الناصح بصاحبه { ما على ~~المحسنين من سبيل } استئناف مقرر لمضمون ما سبق أي ليس ~~عليهم جناح ولا إلى معاتبتهم سبيل، ومن مزيدة للتأكيد، ووضع ~~المحسنين موضع الضمير للدلالة على انتظامهم بنصحهم لله ورسوله في ~~سلك المحسنين، أو تعليل لنفي الحرج عنهم، أي ما على جنس المحسنين من ~~سبيل وهم من جملتهم { والله غفور رحيم } تذييل مؤيد ~~لمضمون ما ذكر مشير إلى أن بهم حاجة إلى المغفرة وإن كان تخلفهم ~~بعذر. # { ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم } عطف على ~~المحسنين كما يؤذن به قوله عز وجل فيما سيأتي: { إنما السبيل ~~} الآية، وقيل: عطف على الضعفاء وهم البكاؤون، سبعة من الأنصار: ~~معقل بن يسار وصخر بن خنساء وعبد الله بن كعب وسالم بن ~~عمير وثعلبة بن غنمة وعبد الله بن معقل وعلبة بن زيد أتوا ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: نذرنا الخروج فاحملنا على ~~الخفاف المرقوعة والنعال المخصوفة نغز معك فقال عليه السلام: «لا ~~أجد»، فتولوا وهم يبكون، وقيل: هم بنو مقرن معقل وسويد ونعمان ~~وقيل: أبو موسى الأشعري وأصحابه رضي الله عنه تعالى عنهم { قلت لا ~~أجد ما أحملكم عليه } حال من الكاف في أتوك بإضمار قد وما ~~عامة لما سألوه عليه السلام وغيره مما يحمل عليه عادة وفي إيثار (لا ~~أجد) على ليس عندي من تلطيف الكلام وتطييب قلوب السائلين ما لا يخفى ~~كأنه عليه السلام يطلب ما يسألونه على الاستمرار فلا يجده { تولوا ~~} جواب إذا { وأعينهم تفيض } أي تسيل بشدة { من الدمع ~~} أي دمعا فإن من البيانية مع مجرورها في حيز النصب على التمييز وهو ms1401 ~~أبلغ من يفيض دمعها لإفادتها أن العين بعينها صارت دمعا فياضا ~~والجملة حالية وقوله عز اسمه: { حزنا } نصب على العلية أو ~~الحالية أوالمصدرية لفعل دل عليه ما قبله أي تفيض للحزن فإن الحزن يسند ~~إلى العين مجازا كالفيض، أو تولوا له أو حزنين أو يحزنون حزنا فتكون ~~هذه الجملة حالا من الضمير في تفيض { ألا يجدوا } على حذف لام ~~متعلقة بحزنا أو تفيض أي لئلا يجدوا { ما ينفقون } في شراء ما ~~يحتاجون إليه إذ لم يجدوه عندك. ### || [9.93-94] # { إنما السبيل } بالمعاتبة { على الذين يستأذنونك ~~} في التخلف { وهم أغنياء } واجدون لأهبة الغزو مع سلامتهم { ~~رضوا } استئناف تعليلي لما سبق كأنه قيل: ما بالهم استأذنوا وهم ~~أغنياء؟ فقيل: رضوا { بأن يكونوا مع الخولف } الذين شأنهم ~~الضعة والدناءة { وطبع الله على قلوبهم } أي خذلهم ~~فغفلوا عن وخامة العاقبة { فهم } بسبب ذلك { لا يعلمون } ~~أبدا غائلة ما رضوا به وما يستتبعه آجلا كما لم يعلموا بخساسة شأنه ~~عاجلا. # { يعتذرون إليكم } استئناف لبيان ما يتصدون له عند ~~القفول إليهم. روي أنهم كانوا بضعة وثمانين رجلا فلما رجع عليه السلام ~~إليهم جاؤوا يعتذرون إليه بالباطل والخطاب لرسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وأصحابه فإنهم كانوا يعتذرون إليهم أيضا لا إلى رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فقط أي يعتذرون إليكم في التخلف { إذا رجعتم } من ~~الغزو منتهين { إليهم } وإنما لم يقل إلى المدينة إيذانا بأن مدار ~~الاعتذار هو الرجوع إليهم لا إلى الرجوع إلى المدينة فلعل منهم من ~~بادر إلى الاعتذار قبل الرجوع إليها { قل } تخصيص هذا الخطاب برسول ~~الله صلى الله عليه وسلم بعد تعميمه فيما سبق لأصحابه أيضا لما أن ~~الجواب وظيفته عليه السلام، وأما اعتذارهم فكان شاملا للمسلمين شمول ~~الرجوع لهم { لا تعتذروا } أي لا تفعلوا الاعتذار كقوله تعالى: # اخسئوا فيها ولا تكلمون # [المؤمنون: 108] أو لا تعتذروا بما عندكم من المعاذير، وأما التعرض ~~لعنوان كذبها فلا يساعده قوله تعالى: { لن نؤمن لكم } أي لن ~~نصدقكم في ذلك أبدا فإنه استئناف تعليلي للنهي مبني ms1402 على سؤال ~~نشأ من قبلهم متفرع على ادعاء الصدق في الاعتذار كأنهم قالوا: لم ~~نعتذر؟ فقيل: لأنا لا نصدقكم أبدا فيكون عبثا إذ لا يترتب عليه غرض ~~المعتذر وقوله عز وجل: { قد نبأنا الله من أخباركم } ~~تعليل لانتفاء التصديق أي أعلمنا بالوحي بعض أخباركم المنافية ~~للتصديق مما باشرتموه من الشر والفساد وأضمرتموه في ضمائركم وهيأتموه ~~للإبراز في معرض الاعتذار من الأكاذيب، وجمع ضمير المتكلم في ~~الموضعين للمبالغة في حسم أطماعهم من التصديق رأسا ببيان عدم رواج ~~اعتذارهم عند أحد من المؤمنين أصلا فإن تصديق البعض لهم ربما يطمعهم ~~في تصديق الرسول صلى الله عليه وسلم أيضا بواسطة المصدقين وللإيذان ~~بأن افتضاحهم بين المؤمنين كافة { وسيرى الله عملكم } فيما ~~سيأتي أتنيبون إليه تعالى مما أنتم فيه من النفاق أم تثبتون وكأنه ~~استتابة وإمهال للتوبة، وتقديم مفعول الرؤية على ما عطف على فاعله من ~~قوله تعالى: { ورسوله } للإيذان باختلاف حال الرؤيتين وتفاوتهما ~~وللإشعار بأن مدار الوعيد هو علمه عز وجل بأعمالهم { ثم تردون ~~} يوم القيامة { إلى علم الغيب والشهدة } للجزاء بما ~~ظهر منكم من الأعمال، ووضع المظهر موضع المضمر لتشديد الوعيد فإن ~~علمه سبحانه وتعالى بجميع أعمالهم الظاهرة والباطنة وإحاطته ~~بأحوالهم البارزة والكامنة مما يوجب الزجر العظيم { فينبئكم } ~~عند ردكم إليه ووقوفكم بين يديه { بما كنتم تعملون } أي ~~بما كنتم تعملونه في الدنيا على الاستمرار من الأعمال السيئة السابقة ~~واللاحقة، على أن ما موصولة والعائد إليها محذوف أو بعملكم على أنها ~~مصدرية، والمراد بالتنبئة بذلك المجازاة به، وإيثارها عليها لمراعاة ~~ما سبق من قوله تعالى: # قد نبأنا الله # الخ، فإن المنبأ به الأخبار المتعلقة بأعمالهم وللإيذان بأنهم ما ~~كانوا عالمين في الدنيا بحقيقة أعمالهم وإنما يعلمونها يومئذ. ### || [9.95-96] # { سيحلفون بالله لكم } تأكيدا لمعاذيرهم الكاذبة ~~وتقريرا لها، والسين للتأكيد، والمحلوف عليه محذوف يدل عليه الكلام ~~وهو ما اعتذروا به من الأكاذيب، والجملة بدل من يعتذرون أو بيان له { ~~إذا انقلبتم } أي انصرفتم من الغزو { إليهم } ومعنى ~~الانقلاب هو الرجوع والانصراف مع زيادة معنى ms1403 الوصول والاستيلاء، ~~وفائدة تقييد حلفهم به الإيذان بأنه ليس لدفع ما خاطبهم النبي ~~عليه السلام به من قوله تعالى: # لا تعتذروا # الخ، بل هو أمر متبدأ { لتعرضوا } وتصفحوا { عنهم } صفح رضا ~~فلا توبخوهم ولا تعاتبوهم كما يفصح عنه قوله تعالى: { لترضوا ~~عنهم } { فأعرضوا عنهم } لكن لا إعراض رضا كما هو ~~طلبتهم بل إعراض اجتناب ومقت كما يعرب عنه قوله عز وجل: { ~~إنهم رجس } فإنه صريح في أن المراد بالإعراض عنهم إما ~~الاجتناب عنهم لما فيهم من الرجس الروحاني، وإما ترك استصلاحهم بترك ~~المعاتبة لأن المقصود بها التطهير بالحمل على الإنابة، وهؤلاء أرجاس ~~لا تقبل التطهير، فلا يتعرض لهم بها وقوله عز وعلا: { ومأواهم ~~جهنم } إما من تمام التعليل فإن كونهم من أهل النار من دواعي ~~الاجتناب عنهم وموجبات ترك استصلاحهم باللوم والعتاب، وإما تعليل ~~مستقل أي وكفتهم النار عتابا وتوبيخا فلا تتكلفوا أنتم في ذلك { ~~جزاء } نصب على أنه مصدر مأكد لفعل مقدر من لفظه وقع حالا أي ~~يجزون جزاء أو لمضمون الجملة السابقة فإنها مفيدة لمعنى المجازاة ~~قطعا كأنه قيل: مجزيون جزاء { بما كانوا يكسبون } في الدنيا ~~من فنون السيئات أو على أنه مفعول له { يحلفون لكم } بدل مما ~~سبق، وعدم ذكر المحلوف به لظهوره أي يحلفون به لظهوره أي يحلفون به ~~تعالى { لترضوا عنهم } بحلفهم وتستديموا عليهم ما كنتم تفعلون ~~بهم. # { فإن ترضوا عنهم } حسبما راموا وساعدتموهم في ذلك { فإن ~~الله لا يرضى عن القوم الفسقين } أي فإن رضاكم عنهم ~~لا يجديهم نفعا لأن الله ساخط عليهم ولا أثر لرضاكم عند سخطه ~~سبحانه، ووضع الفاسقين موضع ضميرهم للتسجيل عليهم بالخروج عن الطاعة ~~المستوجب لما حل بهم من السخط وللإيذان بشمول الحكم لمن شاركهم في ~~ذلك والمراد به نهي المخاطبين عن الرضا عنهم والاغترار بمعاذيرهم ~~الكاذبة على أبلغ وجه وآكده فإن الرضا عمن لا يرضى عنه الله تعالى ~~مما لا يكاد يصدر عن المؤمن، وقيل ذلك لئلا يتوهم متوهم أن رضا ~~المؤمنين من دواعي رضا الله تعالى. قيل: هم ms1404 جد بن قيس ومعتب بن قشير ~~وأصحابهما وكانوا ثمانين منافقا فقال النبي صلى الله عليه وسلم ~~للمؤمنين حين قدم المدينة: # " لا تجالسوهم ولا تكلموهم " # ، وقيل: جاء عبد الله بن أبي يحلف أن لا يتخلف عنه أبدا. ### || [9.97-98] # { الأعراب } هي صيغة جمع وليست بجمع للعرب قاله سيبويه لئلا يلزم ~~كون الجمع أخص من الواحد فإن العرب هو هذا الجيل الخاص سواء سكن ~~البوادي أم القرى، وأما الأعراب فلا يطلق إلا على من يسكن البوادي ~~ولهذا نسب إلى الأعراب على لفظه فقيل: أعرابي وقال أهل اللغة: رجل ~~عربي وجمعه العرب كما يقال: مجوسي ويهودي ثم يحذف ياء النسب ~~في الجمع فيقال: المجوس واليهود ورجل أعرابي ويجمع على الأعراب ~~والأعاريب أي أصحاب البدو { أشد كفرا ونفاقا } من أهل الحضر ~~لجفائهم وقسوة قلوبهم وتوحشهم ونشئهم في معزل من مشاهدة العلماء ~~ومفاوضتهم، وهذا من باب وصف الجنس بوصف بعض أفراده كما في قوله تعالى: # وكان الإنسن كفورا # [الإسراء: 67] إذ ليس كلهم كما ذكر على ما ستحيط به خبرا { ~~وأجدر أن لا يعلموا } أي أحق وأخلق بأن لا يعلموا { ~~حدود ما أنزل الله على رسوله } لبعدهم عن مجلسه صلى ~~الله عليه وسلم وحرمانهم من مشاهدة معجزاته ومعاينة ما ينزل عليه من ~~الشرائع في تضاعيف الكتاب والسنة { والله عليم } بأحوال كل من ~~أهل الوبر والمدر { حكيم } فيما يصيب به مسيئهم ومحسنهم من العقاب ~~والثواب. # { ومن الأعراب } شروع في بيان تشعب جنس الأعراب إلى فريقين ~~وعدم انحصارهم في الفريق المذكور كما يتراءى من ظاهر النظم الكريم، ~~وشرح لبعض مثالب هؤلاء المتفرعة على الكفر والنفاق بعد بيان تماديهم ~~فيهما، وحمل الأعراب على الفريق المذكور خاصة وإن ساعده كون من يحكي ~~حاله بعضا منهم وهم الذين بصدد الإنفاق من أهل النفاق دون فقرائهم ~~أو أعراب أسد وغطفان وتميم كما قيل لكن لا يساعده ما سيأتي من قوله ~~تعالى: # ومن الأعراب من يؤمن # [التوبة: 99] الخ، فإن أولئك ليسوا من هؤلاء قطعا وإنما هم من الجنس أي ~~ومن جنس الأعراب الذي نعت ms1405 بنعت بعض أفرده { من يتخذ ما ~~ينفق } من المال أي يعد ما يصرفه في سبيل الله ويتصدق به صورة { ~~مغرما } أي غرامة وخسرانا لازما إذ لا ينفقه احتسابا ورجاء ~~لثواب الله تعالى ليكون له مغنما وإنما ينفقه رياء وتقية فهي غرامة ~~محضة، وما في صيغة الاتخاذ من معنى الاختيار والانتفاع بما يتخذ إنما ~~هو باعتبار غرض المنفق من الرياء والتقية لا باعتبار ذات منفقة ~~أعني كونها غرامة { ويتربص بكم الدوائر } أصل الدائرة ~~ما يحيط بالشيء والمراد ما لا محيص عنه من مصائب الدهر أي ينتظر بكم ~~دوائر الدهر ونوبه ودوله ليذهب غلبتكم عليه فليتخلص مما ابتلي ~~به { عليهم دائرة السوء } دعاء عليهم بنحو ما أرادوا ~~بالمؤمنين على نهج الاعتراض كقوله سبحانه: # غلت أيديهم # [المائدة: 64] بعد قول اليهود ما قالوا والسوء مصدر ثم أطلق على كل ~~ضر وشر وأضيفت إليه الدائرة ذما كما يقال: رجل سوء لأن من دارت ~~عليه يذمها، وهي من باب إضافة الموصوف إلى صفته فوصفت في الأصل ~~بالمصدر مبالغة ثم أضيفت إلى صفتها كقوله عز وجل: # ما كان أبوك امرأ سوء # [مريم: 28] وقيل: معنى الدائرة يقتضي معنى السوء فإنما هي إضافة ~~بيان وتأكيد كما قالوا: «شمس النهار ولحيا رأسه» وقرىء بالضم وهو ~~العذاب كما قيل له سيئة { والله سميع } لما يقولونه عند الإنفاق ~~مما لا خير فيه { عليم } بما يضمرونه من الأمور الفاسدة التي من ~~جملتها أن يتربصوا بكم الدوائر وفيه من شدة الوعيد ما لا يخفى. ### || [9.99] # { ومن الأعراب } أي من جنسهم على الإطلاق { من يؤمن ~~بالله واليوم الأخر ويتخذ } أي يأخذ لنفسه على وجه ~~الاصطفاء والادخار { ما ينفق } أي ينفقه في سبيل الله تعالى { ~~قربت } أي ذرائع إليها وللإيذان بما بينهما من كمال الاختصاص ~~جعل كأنه نفس القربات، والجمع باعتبار أنواع القربات أو أفرادها، ~~وهي ثاني مفعولي يتخذ وقوله تعالى: { عند الله } صفتها أو ظرف ~~ليتخذ { وصلوت الرسول } أي وسائل إليها فإنه عليه الصلاة ~~والسلام كان يدعو للمتصدقين بالخير والبركة ويستغفر لهم ولذلك سن ~~للمصدق ms1406 أن يدعو للمتصدق عند أخذ صدقته لكن ليس له أن يصلي عليه ~~كما فعله عليه الصلاة والسلام حين قال: # " اللهم صل على آل أبي أوفى " # فإن ذلك منصبه فله أن يتفضل به على من يشاء، والتعرض لوصف الإيمان ~~بالله واليوم الآخر في الفريق الأخير مع أن مساق الكلام لبيان الفرق ~~بين الفريقين في شأن اتخاذ ما ينفقانه حالا ومآلا وأن ذكر اتخاذه ~~ذريعة إلى القربات والصلوات مغن عن التصريح بذلك لكمال العناية ~~بإيمانهم وبيان اتصافهم به وزيادة الاعتناء بتحقيق الفرق بين ~~الفرقين من أول الأمر، وأما الفريق الأول فاتصافهم بالكفر والنفاق ~~معلوم من سياق النظم الكريم صريحا { ألا إنها قربة لهم } ~~شهادة لهم من جناب الله تعالى بصحة ما اعتقدوه وتصديق لرجائهم، ~~والضمير لما ينفق والتأنيث باعتبار الخبر مع ما مر من تعدده بأحد ~~الوجهين، والتنكير للتفخيم المغني عن الجمع أي قربة عظيمة لا يكتنه ~~كنهها. وفي إيراد الجملة اسمية وتصديرها بحرفي التنبية والتحقيق ~~من الجزالة ما لا يخفى، والاقتصار على بيان كونها قربة لهم لأنها ~~الغاية القصوى وصلوات الرسول من ذرائعها، وقوله تعالى: { ~~سيدخلهم الله فى رحمته } وعد لهم بإحاطة رحمته ~~الواسعة بهم وتفسير للقربة كما أن قوله عز وعلا: # والله سميع عليم # وعيد للأولين عقيب الدعاء عليهم والسين للدلالة على تحقق ذلك ~~وتقرره البتة وقوله تعالى: { إن الله غفور رحيم } تعليل ~~لتحقق الوعد على نهج الاستئناف التحقيقي قيل هذا في عبد الله ذي ~~البجادين وقومه، وقيل: في بني مقرن من مزينة وقيل: في أسلم ~~وغفار وجهينة. وروى أبو هريرة رضى الله عنه أنه قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: # " أسلم وغفار وشيء من جهينة ومزينة خير عند الله يوم القيامة ~~من تميم وأسد بن خزيمة وهوازن وغطفان " ### || [9.100-101] # { والسبقون الأولون من المهجرين } بيان لفضائل ~~أشراف المسلمين إثر بيان فضيلة طائفة منهم، والمراد بهم الذين ~~صلوا إلى القبلتين أو الذين شهدوا بدرا أو الذين أسلموا قبل الهجرة ~~{ والأنصر } أهل بيعة العقبة الأولى وكانوا سبعين رجلا ~~والذين آمنوا حين ms1407 قدم عليهم أبو زرارة مصعب بن عمير. وقرىء بالرفع ~~عطفا على والسابقون { والذين اتبعوهم بإحسان } أي ~~ملتبسين به، والمراد به كل خصلة حسنة وهم اللاحقون بالسابقين من ~~الفريقين على أن (من) تبعيضية أو الذين اتبعوهم بالإيمان والطاعة إلى ~~يوم القيامة، فالمراد بالسابقين جميع المهاجرين والأنصار ومن بيانية ~~{ رضى الله عنهم } خبر للمبتدأ أي رضي الله عنهم بقبول ~~طاعتهم وارتضاء أعمالهم { ورضوا عنه } بما نالوه من رضاه ~~المستتبع لجميع المطالب طرا { وأعد لهم } في الآخرة { ~~جنت تجري تحتها الأنهر } وقرىء من تحتها كما في سائر ~~المواقع { خلدين فيها أبدا } من غير انتهاء { ذلك ~~الفوز العظيم } الذي لا فوز وراءه وما في اسم الإشارة من معنى ~~البعد لبيان بعد منزلتهم في مراتب الفضل وعظم الدرجة من مؤمني ~~الأعراب. # { وممن حولكم من الأعراب } شروع في بيان أحوال منافقي ~~أهل المدينة ومن حولها من الأعراب بعد بيان حال أهل البادية أي ممن ~~حول بلدتكم { منفقون } «وهم جهينة ومزينة وأسلم وأشجع ~~وغفار» كانوا نازلين حولها { ومن أهل المدينة } عطف على ممن ~~حولكم عطف مفرد على مفرد وقوله تعالى: { مردوا على النفاق } ~~إما جملة مستأنفة لا محل لها من الإعراب مسوقة لبيان غلوهم في ~~النفاق إثر بيان اتصافهم به وإما صفة للمبتدأ المذكور فصل بينهما ~~وبينه بما عطف على خبره، أو صفة لمحذوف أقيمت هي مقامه وهو مبتدأ ~~خبره من أهل المدينة كما في قوله: # أنا ابن جلا وطلاع الثنايا # [متى أضع العمامة تعرفوني] # والجملة عطف على الجملة السابقة أي ومن أهل المدينة قوم مردوا على ~~النفاق أي تمهروا. فيه من مرن فلان على عمله ومرد عليه إذا درب به ~~وضري حتى لان عليه ومهر فيه، غير أن مرد لا يكاد يستعمل إلا في ~~الشر، فالتمرد على الوجهين الأولين شامل للفريقين حسب شمول النفاق ~~وعلى الوجه الأخير خاص بمنافقي أهل المدينة وهو الأظهر والأنسب بذكر ~~منافقي أهل البادية أولا ثم ذكر منافقي الأعراب المجاورين للمدينة ثم ~~ذكر منافقي أهلها والله تعالى أعلم وقوله عز شأنه: { لا ms1408 تعلمهم ~~} بيان لتمردهم أي تعرفهم أنت لكن لا بأعيانهم وأسمائهم وأنسابهم ~~بل بعنوان نفاقهم يعني أنهم بلغوا من المهارة في النفاق والتنوق في ~~مراعاة التقية والتحامي عن مواقع التهم إلى مبلغ يخفى عليك حالهم مع ~~ما أنت عليه من علو الكعب وسمو الطبقة في كمال الفطنة وصدق ~~الفراسة، وفي تعليق نفي العلم بهم مع أنه متعلق بحالهم مبالغة في ~~ذلك وإيماء إلى أن ما هم فيه من صفة النفاق لعراقتهم ورسوخهم فيها ~~صارت بمنزلة ذاتياتهم أو مشخصاتهم بحيث لا يعد من لا يعرفهم بتلك ~~الصفة عالما بهم، وحمل عدم علمه عليه الصلاة والسلام بأعيانهم على عدم ~~علمه عليه الصلاة والسلام بعد مجيء هذا البيان على أنه عليه الصلاة ~~والسلام يعلم أن فيهم منافقين لكن لا يعلمهم بأعيانهم وهو مع كونه خلاف ~~الظاهر عار عما ذكر من المبالغة. # وقوله عز وجل: { نحن نعلمهم } تقرير لما سبق من مهارتهم في فن ~~النفاق أي لا يقف على سرائرهم المركوزة في ضمائرهم إلا من لا تخفى ~~عليه خافية لما هم عليه من شدة الاهتمام بإبطان الكفر وإظهار ~~الإخلاص، وفي تعليق العلم بهم مع أن المقصود بيان تعلقه بحالهم ما ~~مر في تعليق نفيه بهم، وقوله عز شأنه: { سنعذبهم } وعيد لهم ~~وتحقيق لعذابهم حسبما علم الله فيهم من موجباته، والسين للتأكيد { ~~مرتين } عن ابن عباس رضى الله عنهما # " أن النبي صلى الله عليه وسلم قام خطيبا يوم الجمعة فقال: «اخرج يا ~~فلان فإنك منافق اخرج يا فلان فإنك منافق» فأخرج ناسا وفضحهم " # فهذا هو العذاب الأول، والثاني إما القتل وإما عذاب القبر أو ~~الأول هو القتل والثاني عذاب القبر أو الأول أخذ الزكاة لما أنهم ~~يعدونها مغرما بحتا والثاني نهك الأبدان وإتعابها بالطاعات ~~الفارغة عن الثواب. ولعل تكرير عذابهم لما فيهم من الكفر المشفوع ~~بالنفاق أو النفاق المؤكد بالتمرد فيه، ويجوز أن يكون المراد بالمرتين ~~مجرد التكثير كما في قوله تعالى: # ثم ارجع البصر كرتين # [الملك: 4] أي كرة بعد أخرى { ثم يردون } يوم القيامة { إلى ms1409 ~~عذاب عظيم } هو عذاب النار، وفي تغيير السبك بإسناد عذابهم ~~السابق إلى نون العظمة حسب إسناد ما قبله من العلم وإسناد ردهم إلى ~~العذاب الللاحق إلى أنفسهم إيذان باختلافهم حالا وأن الأول خاص بهم ~~وقوعا وزمانا يتولاه سبحانه وتعالى والثاني شامل لعامة الكفرة وقوعا ~~وزمانا وإن اختلفت طبقات عذابهم. ### || [9.102] # { وءاخرون } بيان لحال طائفة من المسلمين ضعيفة الهمم في ~~أمور الدين وهو عطف على منافقون أي ومنهم يعني وممن حولكم ومن أهل ~~المدينة قوم آخرون { اعترفوا بذنوبهم } التي هي تخلفهم عن ~~الغزو، وإيثار الدعة عليه والرضا بسوء جوار المنافقين، وندموا على ~~ذلك ولم يعتذروا بالمعاذير الكاذبة ولم يخفوا ما صدر عنهم من الأعمال ~~السيئة كما فعله من اعتاد إخفاء ما فيه وإبراز ما ينافيه من المنافقين ~~الذين اعتذروا بما لا خير فيه من المعاذير المؤكدة بالأيمان الفاجرة ~~حسب ديدنهم المألوف (وهم رهط من المتخلفين أوثقوا أنفسهم على سواري ~~المسجد عندما بلغهم ما نزل في المتخلفين فقدم رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فدخل المسجد فصلى ركعتين حسب عادته الكريمة ورآهم كذلك فسأل عن ~~شأنهم فقيل: أنهم أقسموا أن لا يحلوا أنفسهم حتى تحلهم فقال عليه ~~الصلاة والسلام: # " وأنا أقسم أن لا أحلهم حتى أومر فيهم " # فنزلت) { خلطوا عملا صلحا } هو ما سبق منهم من الأعمال ~~الصالحة والخروج إلى المغازي السابقة وغيرها وما لحق من الاعتراف ~~بذنوبهم في التخلف عن هذه المرة وتذممهم وندامتهم على ذلك وتخصيصه ~~بالاعتراف لا يناسب الخلط لا سيما على وجه يؤذن بتوارد المختلطين ~~وكون كل منهما مخلوطا ومخلوطا به كما يؤذن به تبديل الواو بالباء ~~في قوله تعالى: { وآخر سيئا } فإن قولك: خلطت الماء باللبن ~~يقتضي إيراد الماء على اللبن دون العكس وقولك: خلطت الماء واللبن ~~معناه إيقاع الخلط بينهما من غير دلالة على اختصاص أحدهما بكونه ~~مخلوطا والآخر بكونه مخلوطا به، وترك تلك الدلالة للدلالة على جعل ~~كل منهما متصفا بالوصفين جميعا وذلك فيما نحن فيه بورود كل من ~~العملين على الآخر مرة بعد أخرى، ms1410 والمراد بالعمل السيء ما صدر عنهم من ~~الأعمال السيئة أولا وآخرا. وعن الكلبي التوبة والإثم وقيل: الواو ~~بمعنى الباء كما في قولهم: بعت الشاء شاة ودرهما بمعنى شاة بدرهم { ~~عسى الله أن يتوب عليهم } أي يقبل توبتهم المفهومة من ~~اعترافهم بذنوبهم { إن الله غفور رحيم } يتجاوز عن سيئات ~~التائب ويتفضل عليه وهو تعليل لما تفيده كلمة عسى من وجوب القبول ~~فإنها للإطماع الذي هو من أكرم الأكرمين إيجاب وأي إيجاب. ### || [9.103] # { خذ من أمولهم صدقة } روي أنهم لما أطلقوا قالوا: يا ~~رسول الله هذه أموالنا التي خلفتنا عنك فتصدق بها وطهرنا فقال ~~عليه الصلاة والسلام: # " ما أمرت أن آخذ من أموالكم شيئا " # فنزلت فليست هي الصدقة المفروضة لكونها مأمورا بها ولما روي أنه ~~عليه الصلاة والسلام أخذ منهم الثلث وترك لهم الثلثين فوقع ذلك بيانا ~~لما في صدقة من الإجمال، وإنما هي كفارة لذنوبهم حسبما ينبىء عنه ~~قوله عز وجل: { تطهرهم } أي عما تلطخوا به من أوضار التخلف، ~~والتاء للخطاب والفعل مجزوم على أنه جواب للأمر وقرىء بالرفع على أنه ~~حال من ضمير المخاطب في خذ أو صفة لصدقة والتاء للخطاب أو للصدقة ~~والعائد على الأول محذوف ثقة بما بعده وقرىء تطهرهم من أطهره ~~بمعنى طهره { وتزكيهم بها } بإثبات الياء وهو خبر لمبتدإ ~~محذوف والجملة حال من الضمير في الأمر أو في جوابه، أي وأنت تزكيهم بها ~~أي تنمي بتلك الصدقة حسناتهم إلى مراتب المخلصين أو أموالهم أو ~~تبالغ في تطهيرهم، هذا على قراءة الجزم في تطهرهم وأما على قراءة الرفع ~~فسواء جعلت التاء للخطاب أو للصدقة وكذا جعلت الجملة الأولى حالا من ~~ضمير المخاطب أو صفة للصدقة على الوجهين فالثانية عطف على الأولى ~~حالا وصفة من غير حاجة إلى تقدير المبتدأ لتوجيه دخول الوالو في ~~الجملة الحالية { وصل عليهم } أي واعطف عليهم بالدعاء ~~والاستغفار لهم { إن صلاتك } وقرىء صلواتك مراعاة لتعدد المدعو لهم { ~~سكن لهم } تسكن نفوسهم إليها وتطمئن قلوبهم بها ويثقون بأنه ~~سبحانه قبل توبتهم، والجملة تعليل للأمر ms1411 بالصلاة عليهم { والله ~~سميع } يسمع ماصدر عنهم من الاعتراف بالذنب والتوبة والدعاء { ~~عليم } بما في ضمائرهم من الندم والغم لما فرط منهم ومن الإخلاص في ~~التوبة والدعاء أو سميع يجيب دعاءك لهم عليم بما تقتضيه الحكمة، ~~والجملة حينئذ تذييل للتعليل مقرر لمضمونه، وعلى الأول تذييل لما ~~سبق من الآيتين محقق لما فيهما. ### || [9.104-105] # { ألم يعلموا } وقرىء بالتاء، والضمير إما للتائبين فهو تحقيق ~~لما سبق من قبول توبتهم وتطهير الصدقة وتزكيتها لهم، وتقرير لذلك ~~وتوطين لقلوبهم ببيان أن المتولي لقبول توبتهم وأخذ صدقاتهم هو ~~الله سبحانه وإن أسند الأخذ والتطهير والتزكية إليه عليه الصلاة ~~والسلام أي ألم يعلم أولئك التائبون { أن الله هو يقبل ~~التوبة } الصحيحة الخالصة { عن عباده } المخلصين فيها ~~ويتجاوز عن سيئاتهم كما يفصح عنه كلمة عن والمراد بهم إما أولئك ~~التائبون، ووضع المظهر في موضع المضمر للإشعار بعلية العبادة ~~لقبولها، وإما كافة العباد وهم داخلون في ذلك دخولا أوليا { ~~ويأخذ الصدقت } أي يقبل صدقاتهم على أن اللام عوض عن ~~المضاف إليه أو جنس الصدقات المندرج تحته صدقاتهم اندراجا أوليا أي ~~هو الذي يتولى قبول التوبة وأخذ الصدقات وما يتعلق بها من التطهير ~~والتزكية، وإن كنت أنت المباشر لها ظاهرا، وفيه من تقرير ما ذكر ~~ورفع شأن النبي صلى الله عليه وسلم على نهج قوله تعالى: # إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله # [الفتح: 10] ما لا يخفى { وأن الله هو التواب الرحيم ~~} تأكيد لما عطف عليه وزيادة تقرير لما يقرره مع زيادة معنى ليس ~~فيه، أي ألم يعلموا أنه المختص المستأثر ببلوغ الغاية القصوى من قبول ~~التوبة والرحمة وأن ذلك سنة مستمرة له وشأن دائم، والجملتان في حيز ~~النصب بيعلموا بسد كل واحدة منهما مسد مفعوليه. وإما لغير ~~التائبين من المؤمنين فقد روي أنهم قالوا لما تيب على الأولين: هؤلاء ~~الذين تابوا كانوا بالأمس معنا لا يكلمون ولا يجالسون فما لهم فنزلت. ~~أي ألم يعلموا ما للتائبين من الخصال الداعية إلى التكرمة والتقريب ~~والانتظام في سلك المؤمنين والتلقي يحسن القبول ms1412 والمجالسة فهو ترغيب ~~لهم في التوبة والصدقة. # وقوله تعالى: { وقل اعملوا } زيادة ترغيب لهم في العمل الصالح ~~الذي من جملته التوبة وللأولين في الثبات على ما هم عليه أي قل لهم بعد ~~ما بان لهم شأن التوبة: اعملوا ما تشاؤون من الأعمال فظاهره ترخيص ~~وتخيير وباطنه ترغيب وترهيب وقوله عز وجل: { فسيرى الله ~~عملكم } أي خيرا كان أو شرا وتعليل لما قبله وتأكيد للترغيب ~~والترهيب، والسين للتأكيد { ورسوله } عطف على الاسم الجليل ~~وتأخيره عن المفعول للإشعار بما بين الرؤيتين من التفاوت. # { والمؤمنون } في الخبر (لو أن رجلا عمل في صخرة لا باب لها ولا ~~كوة لخرج عمله إلى الناس كائنا ما كان). والمعنى أن أعمالكم غير ~~خافية عليهم كما رأيتم وتبين لكم، ثم إن كان المراد بالرؤية معناها ~~الحقيقي فالأمر ظاهر وإن أريد بها مآلها من الجزاء خيرا أو شرا ~~فهو خاص بالدنيوي من إظهار المدح والثناء والذكر الجميل والإعزاز ~~ونحو ذلك من الأجزية وأضدادها { وستردون } أي بعد الموت { إلى ~~علم الغيب والشهدة } في وضع الظاهر موضع المضمر ~~من تهويل الأمر وتربية المهابة ما لا يخفى. # ووجه تقديم الغيب في الذكر لسعة عالمه وزيادة خطره على الشهادة ~~غني عن البيان. وقيل: إن الموجودات الغائبة عن الحواس علل أو ~~كالعلل للموجودات المحسوسة والعلم بالعلل علة للعلم بالمعلومات فوجب ~~سبق العلم بالغيب على العلم بالشهادة. وعن ابن عباس رضي الله عنهما ~~الغيب ما يسرونه من الأعمال، والشهادة ما يظهرونه كقوله تعالى: # يعلم ما يسرون وما يعلنون # [البقرة: 77, وهود: 5, والنحل: 23] فالتقديم حينئذ لتحقيق أن نسبة ~~علمه المحيط بالسر والعلن واحدة على أبلغ وجه وآكده لا لإيهام أن ~~علمه سبحانه بما يسرونه أقدم منه بما يعلنونه كيف لا وعلمه سبحانه ~~بمعلوماته منزه عن أن يكون بطريق حصول الصورة بل وجود كل شيء وتحققه ~~في نفسه علم بالنسبة إليه تعالى، وفي هذا المعنى لا يختلف الحال بين ~~الأمور البارزة والكامنة، وإما للإيذان بأن رتبة السر متقدمة على ~~رتبة العلن، إذ ما من شيء يعلن إلا ms1413 وهو أو مباديه القريبة أو البعيدة ~~مضمر قبل ذلك في القلب فتعلق علمه تعالى به في حالته الأولى متقدم ~~على تعلقه به في حالته الثانية { فينبئكم } عقب الرد الذي هو ~~عبارة عن الأمر الممتد إلى يوم القيامة { بما كنتم تعملون } ~~قبل ذلك في الدنيا والمراد بالتنبئة بذلك الجزاء بحسبه إن خيرا فخير ~~وإن شرا فشر فهو وعد ووعيد. ### || [9.106-107] # { وءاخرون } عطف على آخرون قبله أي ومن المتخلفين من أهل المدينة ~~ومن حولها من الأعراب قوم آخرون غير المعترفين المذكورين { ~~مرجون } وقرىء مرجئون من أرجيته وأرجأته أي أخرته ومنه ~~المرجئة الذين لا يقطعون بقبول التوبة { لأمر الله } في شأنهم. ~~قال ابن عباس رضي الله عنهما: هم كعب بن مالك ومرارة بن الربيع ~~وهلال بن أمية لم يسارعوا إلى التوبة والاعتذار كما فعل أبو لبابة ~~وأصحابه من شد أنفسهم على السواري وإظهار الغم والجزع والندم على ~~ما فعلوا فوقفهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ونهى أصحابه عن أن ~~يسلموا عليهم ويكلموهم وكانوا من أصحاب بدر فهجروهم، والناس في شأنهم ~~على اختلاف فمن قائل: هلكوا وقائل: عسى الله أن يغفر لهم فصاروا عندهم ~~مرجئين لأمره تعالى { إما يعذبهم } إن بقوا على ما هم عليه ~~من الحال وقيل: إن أصروا على النفاق وليس بذاك فإن المذكورين ليسوا من ~~المنافقين { وإما يتوب عليهم } إن خلصت نيتهم وصحت توبتهم ~~والجملة في محل النصب على الحالية أي منهم هؤلاء إما معذبين وإما ~~متوبا عليهم، وقيل: آخرون مبتدأ ومرجون صفته وهذه الجملة خبره { ~~والله عليم } بأحوالهم { حكيم } فيما فعل بهم من الإرجاء وما ~~بعده وقرىء والله غفور رحيم { والذين اتخذوا مسجدا } عطف ~~على ما سبق أي ومنهم الذين أو نصب على الذم وقرىء بغير واو لأنها قصة ~~على حيالها { ضرارا } أي مضارة للمؤمنين وانتصابه على أنه مفعول ~~ثان لاتخذوا أو على أنه مصدر مؤكد لفعل مقدر منصوب على الحالية أي ~~يضارون بذلك ضرارا أو على أنه مصدر بمعنى الفاعل وقع حالا من ضمير ~~اتخذوا أي مضارين للمؤمنين. ms1414 (روي # " أن بني عمرو بن عوف لما بنوا مسجد قباء بعثوا إلى رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم أن يأتيهم فيصلي بهم في مسجدهم فلما فعله عليه ~~الصلاة والسلام حسدتهم إخوتهم بنو غنم بن عوف وقالوا: نبني مسجدا ~~ونرسل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي فيه، ويصلي فيه أبو عامر ~~الراهب أيضا إذا قدم من الشام) وهو الذي سماه رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم الفاسق (وقد كان قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد: لا ~~أجد قوما يقاتلونك إلا قاتلتك معهم فلم يزل يفعل ذلك إلى يوم حنين فلما ~~انهزمت هوازن يومئذ ولى هاربا إلى الشام وأرسل إلى المنافقين أن ~~استعدوا بما استعدتم من قوة وسلاح فإني ذاهب إلى قيصر وآت بجنود ~~ومخرج محمدا وأصحابه من المدينة) (فبنوا مسجدا إلى جنب مسجد قباء ~~وقالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: بنينا مسجدا لذي العلة والحاجة ~~والليلة المطيرة والشاتية ونحن نحب أن تصلي لنا فيه وتدعو لنا بالبركة ~~فقال عليه الصلاة والسلام: " إني على جناح سفر وحال شغل وإذا قدمنا ~~إن شاء الله تعالى صلينا فيه " فلما قفل عليه الصلاة والسلام من غزوة ~~تبوك سألوه إتيان المسجد فنزلت عليه فدعا بمالك بن الدخشم ومعن بن ~~عدي وعامر بن السكن ووحشي فقال لهم: " انطلقوا إلى هذا المسجد الظالم ~~أهله فاهدموه وأحرقوه " ففعلوا وأمر أن يتخذ مكانه كناسة تلقى فيها ~~الجيف والقمامة وهلك أبو عامر الفاسق بالشام بقنسرين) " # { وكفرا } تقوية للكفر الذي يضمرونه { وتفريقا بين ~~المؤمنين } الذين كانوا يصلون في مسجد قباء مجتمعين فيغص بهم ~~فأرادوا أن يتفرقوا وتختلف كلمتهم { وإرصادا } إعدادا وانتظارا ~~وترقبا { لمن حارب الله ورسوله } وهو الراهب الفاسق أي ~~لأجله حتى يجيء فيصلي فيه ويظهر على رسول الله صلى الله عليه وسلم { ~~من قبل } متعلق باتخذوا أي اتخذوا من قبل أن ينافقوا بالتخلف حيث ~~كانوا بنوه قبل غزوة تبوك، أو بحارب أي جار بهما قبل اتخاذ هذا المسجد ~~{ وليحلفن إن أردنا } أي ما أردنا ببناء هذا ms1415 المسجد { ~~إلا الحسنى } إلا الخصلة الحسنى وهي الصلاة وذكر الله ~~والتوسعة على المصلين أو إلا الإرادة الحسنى { والله يشهد ~~إنهم لكذبون } في حلفهم ذلك. ### || [9.108] # { لا تقم } للصلاة { فيه } في ذلك المسجد حسبما دعوك إليه { ~~أبدا لمسجد أسس } أي بني أصله { على التقوى } يعني ~~مسجد قباء أسسه رسول الله صلى الله عليه وسلم وصلى فيه أيام مقامه ~~بقباء وهي يوم الاثنين والثلاثاء والأربعاء والخميس وخرج يوم ~~الجمعة، وقيل: هو مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة وعن أبي ~~سعيد رضي الله عنه سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن المسجد الذي أسس ~~على التقوى فأخذ حصباء فضرب بها الأرض وقال: «مسجدكم هذا مسجد ~~المدينة»، واللام إما للابتداء أو للقسم المحذوف أي والله لمسجد، ~~وعلى التقديرين فمسجد مبتدأ وما بعده صفته وقوله تعالى: { من ~~أول يوم } أي من أيام تأسيسه، متعلق بأسس وقوله تعالى: { ~~أحق أن تقوم فيه } أي للصلاة وذكر الله تعالى خبره وقوله ~~تعالى: { فيه رجال } جملة مستأنفة مبينة لأحقيته لقيامه عليه ~~الصلاة والسلام فيه من جهة الحال بعد بيان أحقيته له من حيث المحل، ~~أو صفة أخرى للمبتدأ أو حال من الضمير في فيه وعلى كل حال ففيه تحقيق ~~وتقرير لاستحقاقه القيام فيه والمراد بكونه أحق نفس كونه حقيقا به إذ ~~لا استحقاق في مسجد الضرار رأسا وإنما عبر عنه بصيغة التفضيل لفضله ~~في نفسه أو الأفضلية في الاستحقاق المتناول لما يكون باعتبار زعم ~~الباني ومن يشايعه في الاعتقاد وهو الأنسب بما سيأتي { يحبون أن ~~يتطهروا } من المعاصي والخصال الذميمة لمرضاة الله سبحانه وقيل: ~~من الجنابة فلا ينامون عليه. # { والله يحب المطهرين } أي يرضى عنهم ويدنيهم من ~~جنابه إدناء المحب حبيبه. قيل: (لما نزلت مشى رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ومعه المهاجرون حتى وقف على باب مسجد قباء فإذا الأنصار ~~جلوس فقال: # " أمؤمنون أنتم؟ " # فسكت القوم ثم أعادها فقال عمر رضي الله تعالى عنه: يا رسول الله ~~إنهم لمؤمنون وأنا معهم فقال عليه الصلاة والسلام: # " أترضون ms1416 بالقضاء؟ " # قالوا نعم قال أتشكرون في الرخاء؟ قالوا: نعم، قال عليه الصلاة والسلام: # " أتصبرون على البلاء؟ " # قالوا: نعم، قال عليه الصلاة والسلام: # " مؤمنون ورب الكعبة " # فجلس ثم قال: # " يا معشر الأنصار إن الله عز وجل قد أثنى عليكم فما الذي تصنعون عند ~~الوضوء وعند الغائط؟ " # فقالوا: نتبع الغائط الأحجار الثلاثة ثم نتبع الأحجار الماء، فتلا ~~النبي عليه الصلاة والسلام { فيه رجال يحبون أن ~~يتطهروا } وقرىء أن يطهروا بالإدغام وقيل: هو عام في التطهر عن ~~النجاسات كلها وكانوا يتبعون الماء إثر البول. وعن الحسن رضي الله ~~عنه هو التطهر عن الذنوب بالتوبة وقيل: يحبون أن يتطهروا بالحمى ~~المكفرة لذنوبهم فحموا عن آخرهم. ### || [9.109] # { أفمن أسس بنيانه } على بناء الفعل للفاعل والنصب، ~~وقرىء على البناء للمفعول والرفع وقرىء أسس بنيانه على الإضافة جمع ~~أساس، وإءساس بالفتح والكسر جمع أس وقرىء أساس بنيانه جمع أس ~~أيضا وأس بنيانه، وهي جملة مستأنفة مبينة لخيرية الرجال ~~المذكورين من أهل مسجد قباء والهمزة للإنكار والفاء للعطف على مقدر أي ~~أبعد ما علم حالهم: من أسس بنيان دينه { على تقوى من ~~الله ورضوان } أي على قاعدة محكمة هي التقوى من الله وابتغاء ~~مرضاته بالطاعة، والمراد بالتقوى درجتها الثانية التي هي التوقي عن ~~كل ما يؤثم من فعل أو ترك، وقرىء تقوى بالتنوين على أن الألف للإلحاق ~~دون التأنيث { خير أمن أسس بنيانه } ترك الإضمار للإيذان ~~باختلاف البنيانين ذاتا مع اختلافهما وصفا وإضافة { على شفا ~~جرف هار } الشفا الحرف والشفير والجرف ما جرفه السيل أي ~~استأصله واحتفر ما تحته فبقى واهيا يريد الانهدام، والهار الهائر ~~المتصدع المشرف إلى السقوط من هار يهور ويهار أو هار يهير قدمت ~~لامه على عينه فصار كغاز ورام وقيل: حذفت عينه اعتباطا أي بغير موجب ~~فجرى وجوه الإعراب على لامه { فانهار به فى نار جهنم } ~~مثل ما بنوا عليه أمر دينهم في البطلان وسرعة الانطماس بما ذكر ~~ثم رشح بانهياره في النار، ووضع بمقابلة الرضوان تنبيها على أن ~~تأسيس ذلك على أمر يحفظه ms1417 من النار ويوصله إلى الرضوان ومقتضياته التي ~~أدناها الجنة وتأسيس هذا على ما هو بصدر الوقوع في النار ساعة فساعة ~~ثم مصيرهم إليها لا محالة. وقرىء جرف بسكون الراء { والله لا ~~يهدى القوم الظالمين } أي لأنفسهم أو الواضعين للأشياء في ~~غير مواضعها أي لا يرشدهم إلى ما فيه نجاتهم وصلاحهم إرشادا موجبا ~~له لا محالة، وأما الدلالة على ما يرشدهم إليه إن استرشدوا به فهو ~~متحقق بلا اشتباه. ### || [9.110-111] # { لا يزال بنيانهم الذى بنوا } البنيان مصدر أريد ~~به المفعول، ووصفه بالموصول الذي صلته فعله للإيذان بكيفية بنائهم له ~~وتأسيسه على أوهن قاعدة وأوهى أساس وللإشعار بعلة الحكم، أي لا يزال ~~مسجدهم ذلك مبنيا ومهدوما { ريبة فى قلوبهم } أي سبب ريبة ~~وشك في الدين كأنه نفس مريبه. أما حال بنيانه فظاهر لما أن ~~اعتزالهم من المؤمنين واجتماعهم في مجمع على حياله يظهرون فيه ما في ~~قلوبهم من آثار الكفر والنفاق ويدبرون فيه أمورهم ويتشاورون في ذلك، ~~ويلقي بعضهم إلى بعض ما سمعوا من أسرار المؤمنين مما يزيدهم ريبة وشكا ~~في الدين، وأما حال هدمه فلما أنه رسخ به ما كان في قلوبهم من الشر ~~وتضاعفت آثاره وأحكامه أو سبب ريبة في أمرهم حيث ضعفت قلوبهم ووهى ~~اعتقادهم بخفاء أمرهم على أمر المؤمنين لأنهم أظهروا من أمرهم بعد ~~البناء أكثر مما كانوا يظهرونه قبل ذلك وقت اختلاطهم بالمؤمنين وساءت ~~ظنونهم بأنفسهم فلما هدم بنيانهم تضاعف ذلك الضعف وتقوى وصاروا ~~مرتابين في أن رسول الله صلى الله عليه وسلم هل يتركهم على ما كانوا ~~عليه من قبل أو يأمر بقتلهم ونهب أموالهم. وقال الكلبي: معنى ريبة ~~حسرة وندامة. وقال السدي وحبيب والمبرد: لا يزال هدم بنيانهم حزازة ~~وغيظا في قلوبهم { إلا أن تقطع } من التفعل بحذف إحدى التاءين ~~أي إلا أن تتقطع { قلوبهم } قطعا وتتفرق أجزاء بحيث لا يبقى ~~لها قابلية إدراك وإضمار قطعا، وهو استثناء من أعم الأوقات أو أعم ~~الأحوال ومحله النصب على الظرفية أي لا يزال بنيانهم ريبة في كل ms1418 ~~الأوقات أو كل الأحوال إلا وقت تقطع قلوبهم أو حال تقطع قلوبهم، ~~فحينئذ يسلون عنها وأما ما دامت سالمة فالريبة باقية فيها فهو ~~تصوير لامتناع زوال الريبة عن قلوبهم، ويجوز أن يكون المراد حقيقة ~~تقطعها عند قتلهم أو في القبور أو في النار، وقرىء تقطع على بناء ~~المجهول من التفعيل وعلى البناء للفاعل منه على خطاب النبي صلى الله ~~عليه وسلم أي إلا أن تقطع أنت قلوبهم بالقتل، وقرىء على البناء ~~للمجهول من الثلاثي مذكرا ومؤنثا وقرىء إلى تقطع قلوبهم وإلى أن ~~تقطع قلوبهم على الخطاب، وقرىء ولو قطعت قلوبهم على إسناد الفعل ~~مجهولا إلى قلوبهم ولو قطعت قلوبهم على الخطاب للرسول صلى الله ~~عليه وسلم أو لكل أحد يصلح للخطاب. وقيل: إلا أن يتوبوا توبة تتقطع ~~بها قلوبهم ندما وأسفا على تفريطهم { والله عليم } بجميع ~~الأشياء التي من جملتها ما ذكر من أحوالهم { حكيم } في جميع أفعاله ~~التي من زمرتها أمره الوارد في حقهم. # { إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم ~~وأمولهم } ترغيب للمؤمنين في الجهاد ببيان فضيلته إثر بيان ~~حال المتخلفين عنه، ولقد بولغ في ذلك على وجه لا مزيد عليه حيث عبر عن ~~قبول الله تعالى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم التي بذلوها في سبيله ~~تعالى وإثابته إياهم بمقابلتها الجنة بالشراء على طريقة الاستعارة ~~التبعية ثم جعل المبيع الذي هو العمدة والمقصد في العقد أنفس ~~المؤمنين وأموالهم والثمن الذي هو الوسيلة في الصفقة الجنة ولم يجعل ~~الأمر على العكس بأن يقال: إن الله باع الجنة من المؤمنين بأنفسهم ~~وأموالهم ليدل على أن المقصد في العقد هو الجنة وما بذله المؤمنون في ~~مقابلتها من الأنفس والأموال وسيلة إليها إيذانا بتعليق كمال العناية ~~بهم وبأموالهم ثم إنه لم يقل بالجنة بل قيل: { بأن لهم الجنة ~~} مبالغة في تقرير وصول الثمن إليهم واختصاصه بهم كأنه قيل: بالجنة ~~الثابتة لهم المختصة بهم. # وأما ما يقال من أن ذلك لمدح المؤمنين بأنهم بذلوا أنفسهم وأموالهم ~~بمجرد الوعد لكمال ثقتهم بوعده تعالى وأن تمام الاستعارة ms1419 موقوف على ~~ذلك إذ لو قيل: بالجنة لاحتمل كون الشراء حقيقة لأنها صالحة للعوضية ~~بخلاف الوعيد بها فليس بشيء لأن مناط دلالة ما عليه النظم الكريم ~~على الوعد ليس كونه جملة ظرفية مصدرة بأن فإن ذلك بمعزل من الدلالة ~~على الاستقبال بل هو الجنة التي يستحيل وجودها في الدنيا ولو سلم ذلك ~~يكون العوض الجنة الموعود بها { يقتلون فى سبيل الله } ~~استئناف لكن لا لبيان ما لأجله الشراء ولا لبيان نفس الاشتراء لأن ~~قتالهم في سبيل الله تعالى ليس باشتراء الله تعالى منهم أنفسهم ~~وأموالهم بل هو بذل لهما في ذلك بل لبيان البيع الذي يستدعيه ~~الاشتراء المذكور كأنه قيل: كيف يبيعون أنفسهم وأموالهم بالجنة؟ ~~فقيل: يقاتلون في سبيل الله وهو بدل منهم لأنفسهم وأموالهم إلى جهة ~~الله سبحانه وتعريض لهما للهلاك وقوله تعالى: { فيقتلون ~~ويقتلون } بيان لكون القتال في سبيل الله بذلا للنفس وأن ~~المقاتل في سبيله باذل لها وإن كانت سالمة غانمة، فإن الإسناد في ~~الفعلين ليس بطريق اشتراط الجمع بينهما ولا اشتراط الاتصاف بأحدهما ~~البتة بل بطريق وصف الكل بحال البعض فإنه يتحقق القتال من الكل ~~سواء وجد الفعلان أو أحدهما منهم أو من بعضهم بل يتحقق ذلك وإن لم ~~يصدر منهم أحدهما أيضا كما إذا وجدت المضاربة ولم يوجد القتل من ~~أحد الجانبين أو لم توجد المضاربة أيضا فإنه يتحقق للجهاد بمجرد ~~العزيمة والنفير وتكثير السواد، وتقديم حالة القاتلية على حالة ~~المقتولية للإيذان بعدم الفرق بينهما في كونهما مصداقا لكون القتال ~~بذلا للنفس وقرىء بتقديم المبني للمفعول رعاية لكون الشهادة عريقة ~~في الباب وإيذانا بعدم مبالاتهم بالموت في سبيل الله تعالى بل بكونه ~~أحب إليهم من السلامة كما قيل في حقهم: # لا يفرحون إذا نالت رماحهم # قوما وليسوا مجازيعا إذا نيلوا # لا يقع الطعن إلا في نحورهم # وما لهم عن حياض الموت تهليل # وقيل: في يقاتلون الخ معنى الأمر كما في قوله تعالى: # وتجهدون فى سبيل الله بأمولكم وأنفسكم # [الصف: 11] { وعدا عليه } مصدر مؤكد لما يدل ms1420 عليه كون الثمن ~~مؤجلا { حقا } نعت لوعدا والظرف حال منه لأنه لو تأخر لكان صفة ~~له وقوله تعالى: { في التوراة والإنجيل والقرءان } متعلق ~~بمحذوف وقع صفة لوعدا أي وعدا مثبتا في التوراة والإنجيل كما هو ~~مثبت في القرآن { ومن أوفى بعهده من الله } اعتراض ~~مقرر لمضمون ما قبله من حقية الوعد على نهج المبالغة في كونه سبحانه ~~أوفى بالعهد من كل واف فإن اختلاف الميعاد مما لا يكاد يصدر عن كرام ~~الخلق مع إمكان صدوره عنهم فكيف بجناب الخلاق الغني عن العالمين جل ~~جلاله وسبك التركيب وإن كان على إنكار أن يكون أحد أوفى بالعهد منه ~~تعالى من غير تعرض لإنكار المساواة ونفيها لكن المقصود به قصدا ~~مطردا إنكار المساواة ونفيها قطعا فإذا قيل: من أكرم من فلان؟ أو ~~لا أفضل منه، فالمراد به حتما أنه أكرم من كل كريم وأفضل من كل ~~فاضل { فاستبشروا } التفات إلى الخطاب تشريفا لهم على تشريف ~~وزيادة لسرورهم على سرور، والاستبشار إظهار السرور، والسين فيه ليس ~~للطلب، كاستوقد وأوقد، والفاء لترتيب الاستبشار أو الأمر به على ما ~~قبله أي فإذا كان كذاك فسروا نهاية السرور وافرحوا غاية الفرح بما ~~فزتم به من الجنة، وإنما قيل: { ببيعكم } مع أن الابتهاج به ~~باعتبار أدائه إلى الجنة لأن المراد ترغيبهم في الجهاد الذي عبر عنه ~~بالبيع وإنما لم يذكر العقد بعنوان الشراء لأن ذلك من قبل الله ~~سبحانه لا من قبلهم، والترغيب إنما يكون فيما يتم من قبلهم، وقوله ~~تعالى: { الذى بايعتم به } لزيادة تقرير بيعهم وللإشعار ~~بكونه مغايرا لسائر البياعات فإنه بيع للفاني بالباقي ولأن كلا ~~البدلين له سبحانه وتعالى. عن الحسن رضي الله عنه أنفسا هو خلقها ~~وأموالا هو رزقها. روي # " أن الأنصار لما بايعوه عليه الصلاة والسلام على العقبة قال عبد ~~الله بن رواحة رضي الله تعالى عنه: اشترط لربك ولنفسك ما شئت. قال ~~عليه الصلاة والسلام: " أشترط لربي أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئا، ~~وأشترط لنفسي أن تمنعوني مما تمنعون به أنفسكم " ، قال: ms1421 فإذا فعلنا ذلك ~~فما لنا؟ قال: «لكم الجنة»، قالوا: ربح البيع لا نقيل ولا نستقيل " # ومر برسول الله صلى الله عليه وسلم أعرابي وهو يقرأها قال: كلام ~~من؟ قال: «كلام الله عز وجل» قال: بيع والله مربح لا نقيله ولا ~~نستقيله، فخرج إلى الغزو واستشهد. { وذلك } أي الجنة التي جعلت ~~ثمنا بمقابلة ما بذلوا من أنفسهم وأموالهم { هو الفوز العظيم ~~} الذي لا فوز أعظم منه، وما في ذلك من معنى البعد إشارة إلى بعد ~~منزلة المشار إليه وسمو رتبته في الكمال، ويجوز أن يكون ذلك إشارة ~~إلى البيع الذي أمروا بالاستبشار به ويجعل ذلك كأنه نفس الفوز العظيم ~~أو يجعل فوزا في نفسه، فالجملة على الأول تذييل للآية الكريمة وعلى ~~الثاني لقوله تعالى: { فاستبشروا } مقرر لمضمونه. ### || [9.112] # { التئبون } رفع على المدح أي هم التائبون يعني المؤمنين ~~المذكورين كما يدل عليه القراءة بالياء نصبا على المدح ويجوز أن يكون ~~مجرورا على أنه صفة للمؤمنين، وقد جوز الرفع على الابتداء والخبر ~~محذوف أي التائبون من أهل الجنة أيضا وإن لم يجاهدوا كقوله تعالى: # وكلا وعد الله الحسنى # [التوبة: 111] ويجوز أن يكون خبره قوله تعالى: { العبدون } وما ~~بعده خبر بعد خبر أي التائبون من الكفر على الحقيقة هم الجامعون لهذه ~~النعوت الفاضلة أي المخلصون في عبادة الله تعالى { الحمدون } ~~لنعمائه أو لما نابهم من السراء والضراء { السئحون } الصائمون ~~لقوله عليه الصلاة والسلام: # " سياحة أمتي الصوم " # شبه بها لأنه عائق عن الشهوات أو لأنه رياضة نفسانية يتوسل بها ~~إلى العثور على خفايا الملك والملكوت وقيل: هم السائحون في الجهاد ~~وطلب العلم { الركعون السجدون } في الصلاة { الأمرون ~~بالمعروف } بالإيمان والطاعة { والناهون عن المنكر } عن ~~الشرك والمعاصي، والعطف فيه للدلالة على أن المتعاطفين بمنزلة ~~خصلة واحدة وأما قوله تعالى: { والحفظون لحدود الله } ~~أي فيما بينه وعينه من الحقائق والشرائع عملا وحملا للناس عليه ~~فلئلا يتوهم اختصاصه بأحد الوجهين { وبشر المؤمنين } أي ~~الموصوفين بالنعوت المذكورة، ووضع المؤمنين موضع ضميرهم للتنبيه على ~~أن ملاك الأمر هو الأيمان وأن ms1422 المؤمن الكامل من كان كذلك، وحذف ~~المبشر به للإيذان بخروجه عن حد البيان، وفي تخصيص الخطاب بالأولين ~~إظهار زيادة اعتناء بأمرهم من الترغيب والتسلية. ### || [9.113-114] # { ما كان للنبى والذين ءامنوا } بالله وحده، أي ما صح ~~لهم في حكم الله عز وجل وحكمته وما استقام { أن يستغفروا ~~للمشركين } به سبحانه { ولو كانوا } أي المشركين { أولى ~~قربى } أي ذوي قرابة لهم، وجواب لو محذوف لدلالة ما قبله عليه ~~والجملة معطوفة على جملة أخرى قبلها محذوفة حذفا مطردا كما بين ~~في قوله تعالى: # ولو كره الكفرون # [التوبة: 32] ونظائره. روي # " أنه عليه الصلاة والسلام قال لعمه أبي طالب لما حضرته الوفاة: " يا ~~عم قل كلمة أحاج لك بها عند الله " فأبي فقال عليه الصلاة والسلام: ~~" لا أزال أستغفر لك ما لم أنه عنه " # فنزلت. وقيل: لما افتتح مكة خرج إلى الأبواء فزار قبر أمه ثم قام ~~مستعبرا فقال: # " إني استأذنت ربي في زيارة قبر أمي فأذن لي، واستأذنته في ~~الاستغفار لها فلم يأذن لي، وأنزل علي الآيتين " # { من بعد ما تبين لهم } أي للنبي عليه الصلاة والسلام ~~والمؤمنين { أنهم } أي المشركين { أصحب الجحيم } بأن ~~ماتوا على الكفر أو نزل الوحي بأنهم يموتون على ذلك { وما كان ~~استغفار إبرهيم لأبيه } بقوله: # واغفر لأبى # [الشعراء: 86] والجملة استئناف مسوق لتقرير ما سبق ودفع ما يتراءى ~~بحسب الظاهر من المخالفة، وقرىء وما استغفر إبراهيم لأبيه، وقرىء وما ~~يستغفر إبراهيم على حكاية الحال الماضية وقوله تعالى: { إلا عن ~~موعدة } استثناء مفرع من أعم العلل أي لم يكن استغفاره عليه ~~السلام لأبيه آزر ناشئا عن شيء من الأشياء إلا عن موعدة { وعدها } ~~إبراهيم عليه الصلاة والسلام { إيه } أي أباه وقد قرىء كذلك ~~بقوله: # لأستغفرن لك # [الممتحنة: 4] وقوله: # سأستغفر لك ربي # [مريم: 47] بناء على رجاء إيمانه لعدم تبين حقيقة أمره وإلا لما ~~وعدها إياه كأنه قيل: وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة ~~مبنية على عدم تبين أمره كما ينبىء عنه قوله تعالى: { فلما ~~تبين له } أي لإبراهيم بأن أوحي ms1423 إليه أنه مصر على الكفر ~~غير مؤمن أبدا، وقيل: بأن مات على الكفر والأول هو الأنسب بقوله ~~تعالى: { أنه عدو لله } فإن وصفه بالعداوة مما يأباه حالة ~~الموت { تبرأ منه } أي تنزه عن الاستغفار له وتجانب كل ~~التجانب، وفيه من المبالغة ما ليس في تركه ونظائره { إن إبرهيم ~~لأواه } لكثير التأوه وهو كناية عن كمال الرأفة ورقة القلب { ~~حليم } صبور على الأذية والمحنة، وهو استئناف لبيان ما كان يدعوه ~~عليه الصلاة والسلام إلى ما صدر عنه من الاستغفار، وفيه إيذان بأن ~~إبراهيم عليه الصلاة والسلام كان أواها حليما فلذلك صدر عنه ما صدر ~~من الاستغفار قبل التبين فليس لغيره أن يأتسي به في ذلك، وتأكيد ~~لوجوب الاجتناب عنه بعد التبين بأنه عليه الصلاة والسلام تبرأ منه بعد ~~التبين وهو في كمال رقة القلب والحلم، فلا بد أن يكون غيره أكثر ~~منه اجتنابا وتبرؤا، وأما أن الاستغفار قبل التبين لو كان غير ~~محظور لما استثني من الائتساء به في قوله تعالى: # إلا قول إبرهيم لأبيه لاستغفرن لك # [الممتحنة: 4] فقد حقق في سورة مريم بإذن الله تعالى. ### || [9.115-117] # { وما كان الله ليضل قوما } أي ليس من عادته أن يصفهم ~~بالضلال عن طريق الحق ويجري عليهم أحكامه { بعد إذ هداهم } ~~للإسلام { حتى يبين لهم } بالوحي صريحا أو دلالة { ما ~~يتقون } أي ما يجب اتقاؤه من محظورات الدين فلا ينزجروا عما نهوا ~~عنه، وأما قبل ذلك فلا يسمى ما صدر عنهم ضلالا ولا يؤاخذون به فكأنه ~~تسلية للذين استغفروا للمشركين قبل ذلك، وفيه دليل على أن الغافل غير ~~مكلف بما لا يستبد بمعرفته العقل { إن الله بكل شىء ~~عليم } تعليل لما سبق أي أنه تعالى عليم بجميع الأشياء التي من ~~جملتها حاجتهم إلى بيان قبح ما لا يستقل العقل في معرفته ~~فيبين لهم ذلك كما فعل ههنا { إن الله له ملك ~~السموات والأرض } من غير شريك له فيه { إن الله له ~~ملك السموت والأرض يحى ويميت وما لكم من ~~دون الله من ولي ولا ms1424 نصير } لما منعهم من الاستغفار ~~للمشركين وإن كانوا أولي قربى وضمن ذلك التبرؤ منهم رأسا بين ~~لهم أن الله تعالى مالك كل موجود ومتولي أموره والغالب عليه، ولا ~~يتأتى لهم نصر ولا ولاية إلا منه تعالى ليتوجهوا إليه متبرئين عما ~~سواه غير قاصدين إلا إياه { لقد تاب الله على النبى } قال ~~ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: هو العفو عن إذنه للمنافقين في التخلف ~~عنه { والمهجرين والأنصر } قيل: هو في حق زلات سبقت منهم ~~يوم أحد ويوم حنين، وقيل: المراد بيان فضل التوبة وأنه ما من ~~مؤمن إلا وهو محتاج إليها حتى النبي صلى الله عليه وسلم لما صدر ~~عنه في بعض الأحوال من ترك الأولى { الذين اتبعوه } ولم ~~يتخلفوا عنه ولم يخلوا بأمر من أوامره { فى ساعة العسرة } أي ~~في وقتها، والتعبير عنه بالساعة لزيادة تعيينه وهي حالهم في غزوة ~~تبوك كانوا في عسرة من الظهر، يعتقب عشرة على بعير واحد، ومن ~~الزاد تزودوا التمر المدود والشعير المسوس والإهالة الزنخة، ~~وبلغت بهم الشدة إلى أن اقتسم التمرة اثنان وربما مصها الجماعة ~~ليشربوا عليها الماء المتغير، وفي عسرة من الماء، حتى نحروا الإبل ~~واعتصروا فروثها وفي شدة زمان من حمارة القيظ ومن الجدب والقحط ~~والضيقة الشديدة، ووصف المهاجرين والأنصار بما ذكر من اتباعهم له عليه ~~الصلاة والسلام في مثل هاتيك المراتب من الشدة للمبالغة في بيان ~~الحاجة إلى التوبة فإنه ذلك حيث لم يغنهم عنها فلأن لا يستغني عنها ~~غيرهم أولى وأحرى { من بعد ما كاد يزيغ قلوب فريق ~~منهم } بيان لتناهي الشدة وبلوغها إلى ما لا غاية وراءها وهو ~~إشراف بعضهم على أن يميلوا إلى التخلف عن النبي عليه الصلاة والسلام ~~وفي كاد ضمير الشأن أو ضمير القوم الراجع إليه الضمير في منهم، ~~وقرىء بتأنيث الفعل وقرىء من بعد ما زاغت قلوب فريق منهم يعني ~~المتخلفين من المؤمنين كأبي لبابة وأضرابه { ثم تاب عليهم ~~} تكرير للتأكيد وتنبيه على أنه يتاب عليهم من أجل ما كابدوا من ~~العسرة والمراد أنه ms1425 تاب عليهم لكيدودتهم { إنه بهم رءوف ~~رحيم } استئناف تعليلي فإن صفة الرأفة والرحمة من دواعي التوبة ~~والعفو ويجوز كون الأول عبارة عن إزالة الضرر والثاني عن إيصال ~~المنفعة وأن يكون أحدهما للسوابق والآخر للواحق. ### || [9.119-120] # { يأيها الذين آمنوا } خطاب عام يندرج فيه التائبون اندراجا أوليا ~~وقيل: لمن تخلف عليه من الطلقاء عن غزوة تبوك خاصة { اتقوا الله ~~} في كل ما تأتون وما تذرون فيدخل فيه المعاملة مع رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم في أمر المغازي دخولا أوليا { وكونوا مع ~~الصدقين } في إيمانهم وعهودهم أو في دين الله نية وقولا وعملا ~~أو في كل شأن من الشؤون فيدخل ما ذكر، أو في توبتهم وإنابتهم فيكون ~~المراد بهم حينئذ هؤلاء الثلاثة وأضرابهم. وعن ابن عباس رضي الله ~~عنهما أنه خطاب لمن آمن من أهل الكتاب أي كونوا مع المهاجرين والأنصار ~~وانتظموا في سلكهم في الصدق وسائر المحاسن، وقرىء من الصادقين. # { ما كان لأهل المدينة } ما صح وما استقام لهم { ومن ~~حولهم من الأعراب } كمزينة وجهينة وأشجع وغفار وأضرابهم ~~{ أن يتخلفوا عن رسول الله } عند توجهه عليه الصلاة ~~والسلام إلى الغزو { ولا يرغبوا } على النصب وقد جوز الجزم { ~~بأنفسهم عن نفسه } أي لا يصرفوها عن نفسه الكريمة ولا ~~يصونوها عما لم يصن عنه نفسه بل يكابدوا معه ما يكابده من الأهوال ~~والخطوب، والكلام في معنى النهي وإن كان على صورة الخبر { ذلك } ~~إشارة إلى ما دل عليه الكلام من وجوب المشايعة { بأنهم } بسبب ~~أنهم { لا يصيبهم ظمأ } أي عطش يسير { ولا نصب } ولا تعب ~~ما { ولا مخمصة } أي مجاعة وهي ما لا يستباح عنده المحرمات من ~~مراتبها، فإن الظمأ والنصب اليسيرين حين لم يخلوا من الثواب فلأن ~~لا يخلو ذلك منه أولى فلا حاجة إلى تأكيد النفي بتكرير كلمة لا، ويجوز أن ~~يراد بها تلك المرتبة ويكون الترتيب بناء على كثرة الوقوع وقلته ~~فإن الظمأ أكثر وقوعا من المخمصة بالمعنى المذكور فتوسيط كلمة لا ~~حينئذ ليس لتأكيد النفي بل للدلالة على استقلال ms1426 كل واحد منها بالفضيلة ~~والاعتداد به { فى سبيل الله } وإعلاء كلمته { ولا يطأون ~~موطئا يغيظ الكفار } أي لا يدوسون بأرجلهم وحوافر خيولهم ~~وأخفاف رواحلهم دوسا أو مكانا يداس { ولا ينالون من عدو ~~نيلا } مصدر كالقتل والأسر والنهب أو مفعول أي شيئا ينال من ~~قبلهم { إلا كتب لهم به } أي بكل واحد من الأمور المعدودة ~~{ عمل صالح } وحسنة مقبولة مستوجبة بحكم الوعد الكريم للثواب ~~الجميل ونيل الزلفى، والتنوين للتفخيم وكون المكتوب عين ما فعلوه ~~من الأمور لا يمنع دخول الباء، فإن اختلاف العنوان كاف في ذلك { إن ~~الله لا يضيع أجر المحسنين } على إحسانهم، تعليل لما ~~سلف من الكتب والمراد بالمحسنين إما المبحوث عنهم ووضع المظهر موضع ~~المضمر لمدحهم والشهادة عليهم بالانتظام في سلك المحسنين وأن أعمالهم ~~من قبيل الإحسان وللإشعار بعلية المأخذ للحكم، وإما جنس المحسنين وهم ~~داخلون فيه دخولا أوليا. ### || [9.121-122] # { ولا ينفقون نفقة صغيرة } ولو تمرة أو علاقة سوط { ~~ولا كبيرة } كما أنفق عثمان رضى الله عنه والترتيب باعتبار ما ~~ذكر من كثرة الوقوع وقلته وتوسيط لا للتنصيص على استبداد كل منهما ~~بالكتب والجزاء لا لتأكيد النفي كما في قوله عز وجل: { ولا ~~يقطعون } أي لا يجتازون في مسيرهم { واديا } وهو في الأصل كل ~~منفرج من الجبال والآكام يكون منفذا للسيل، اسم فاعل من ودى إذا ~~سال ثم شاع في الأرض على الإطلاق { إلا كتب لهم } ذلك الذي ~~فعلوه من الإنفاق والقطع { ليجزيهم الله } بذلك { أحسن ما ~~كانوا يعملون } أحسن جزاء أعمالهم أو جزاء أحسن أعمالهم. # { وما كان المؤمنون لينفروا كافة } أي ما صح وما ~~استقام لهم أن ينفروا جميعا لنحو غزو أو طلب علم كما لا يستقيم لهم ~~أن يتثبطوا جميعا فإن ذلك مخل بأمر المعاش. # { فلولا نفر } فهلا نفر { من كل فرقة } أي طائفة كثيرة { ~~منهم } كأهل بلدة أو قبيلة عظيمة { طائفة } أي جماعة قليلة { ~~ليتفقهوا فى الدين } أي يتكلفوا الفقاهة فيه ويتجشموا ~~مشاق تحصيلها { ولينذروا قومهم } أي وليجعلوا غاية سعيهم ~~ومرمى غرضهم من ذلك إرشاد ms1427 القوم وإنذارهم { إذا رجعوا ~~إليهم } وتخصيصه بالذكر لأنه أهم، وفيه دليل على أن التفقه في ~~الدين من فروض الكفاية وأن يكون غرض المتعلم الاستقامة والإقامة لا ~~الترفع على العباد والتبسط في التلاد كما هو ديدن أبناء الزمان والله ~~المستعان { لعلهم يحذرون } إرادة أن يحذروا عما ينذرون ~~واستدلوا به على أن أخبار الآحاد حجة لأن عموم كل فرقة يقتضي أن ~~ينفر من كل ثلاثة تفردوا بقرية طائفة إلى التفقه لتنذر قرقتها كي ~~يتذكروا ويحذروا فلو لم يعتبر الإخبار ما لم يتواتر لم يفد ذلك، وقد ~~قيل: للآية وجه آخر وهو أن المؤمنين لما سمعوا ما نزل في المتخلفين ~~سارعوا إلى النفير رغبة ورهبة وانقطعوا عن التفقه فأمروا أن ينفر من ~~كل فرقة طائفة إلى الجهاد ويبقى أعقابهم يتفقهون حتى لا ينقطع الفقه ~~الذي هو الجهاد الأكبر لأن الجدال بالحجة هو الأصل والمقصود من ~~البعثة، فالضمير في ليتفقهوا ولينذروا لبواقي الفرق بعد الطوائف ~~النافرة للغزو، وفي رجعوا للطوائف، أي ولينذر البواقي قومهم النافرين ~~إذا رجعوا إليهم بما حصلوا في أيام غيبتهم من العلوم. ### || [9.123-124] # { يأيها الذين ءامنوا قاتلوا الذين يلونكم ~~من الكفار } أمروا بقتال الأقرب منهم فالأقرب كما أمر عليه ~~الصلاة والسلام أولا بإنذار عشيرته فإن الأقرب أحق بالشفقة ~~والاستصلاح. قيل: هم اليهود حوالي المدينة كبني قريظة والنضير ~~وخيبر، وقيل: الروم فإنهم كانوا يسكنون الشام وهو قريب من المدينة ~~بالنسبة إلى العراق وغيره { وليجدوا فيكم غلظة } أي شدة ~~وصبرا على القتال وقرىء بفتح الغين كسخطة وبضمها وهما لغتان فيها { ~~واعلموا أن الله مع المتقين } بالعصمة والنصرة ~~والمراد بهم إما المخاطبون، ووضع الظاهر موضع الضمير للتنصيص على أن ~~الإيمان والقتال على الوجه المذكور من باب التقوى والشهادة بكونه من ~~ومرة المتقين، وإما الجنس وهم داخلون فيه دخولا أوليا والمراد بالمعية ~~الولاية الدائمة، وقد ذكر وجه دخول مع على المتبوع في قوله تعالى: # إن الله معنا # [التوبة: 40] { وإذا ما أنزلت سورة } من سور القرآن { ~~فمنهم } أي من المنافقين { من يقول } لإخوانه ليثبتهم على ~~النفاق ms1428 أو لعوام المؤمنين وضعفتهم ليصدهم عن الإيمان { أيكم ~~زادته هذه } السورة { إيمنا } وقرىء بنصب أيكم على ~~تقدير فعل يفسره المذكور أي أيكم زادته هذه الخ، وإيراد الزيادة ~~مع أنه لا إيمان فيهم أصلا باعتبار اعتقاد المؤمنين حسبما نطق به ~~قوله تعالى: # إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت ~~قلوبهم وإذا تليت عليهم ءايته زادتهم ~~إيمنا # [الأنفال: 2] { فأما الذين ءامنوا } جواب من جهته سبحانه ~~وتحقيق للحق وتعيين لحالهم عاجلا وآجلا أي فأما الذين آمنوا بالله ~~تعالى وبما جاء من عنده { فزادتهم إيمنا } بزيادة العلم ~~اليقيني الحاصل من التدبر فيها. والوقوف على ما فيها من الحقائق ~~وانضمام إيمانهم بما فيها بإيمانهم السابق { وهم يستبشرون } ~~بنزولها وبما فيه من المنافع الدينية والدنيوية. ### || [9.125-127] # { وأما الذين فى قلوبهم مرض } أي كفر وسوء عقيدة { ~~فزادتهم رجسا إلى رجسهم } أي كفرا بها مضموما إلى ~~الكفر بغيرها وعقائد باطلة وأخلاقا ذميمة كذلك { وماتوا وهم ~~كفرون } واستحكم ذلك إلى أن يموتوا عليه { أو لا يرون } ~~الهمزة للإنكار والتوبيخ والواو للعطف على مقدر أي ألا ينظرون ولا ~~يرون { أنهم } أي المنافقين { يفتنون فى كل عام } من ~~الأعوام { مرة أو مرتين } والمراد مجرد التكثير لا ~~بيان الوقوع حسب العد المزبور، أي يبتلون بأفانين البليات من ~~المرض والشدة وغير ذلك مما يذكر الذنوب والوقوف بين يدي رب العزة ~~فيؤدي إلى الإيمان به تعالى أو بالجهاد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فيعاينون ما ينزل عليه من الآيات لا سيما القوارع الزائدة للإيمان ~~الناعية عليهم ما فيهم من القبائح المخزية لهم { ثم لا يتوبون ~~} عطف على لا يرون داخل تحت الإنكار والتوبيخ وكذا قوله تعالى: { ~~ولا هم يذكرون } والمعنى أو لا يرون افتتانهم الموجب ~~لإيمانهم ثم لا يتوبون عما هم عليه من النفاق ولا هم يتذكرون بتلك الفتن ~~الموجبة للتذكر والتوبة، وقرىء بالتاء والخطاب للؤمنين والهمزة ~~للتعجيب أي ألا تنظرون ولا ترون أحوالهم العجيبة التي هي افتتانهم ~~على وجه التتابع وعدم التنبه لذلك فقوله تعالى: { ثم لا ~~يتوبون } وما عطف عليه ms1429 معطوف على يفتنون. # { وإذا ما أنزلت سورة } بيان لأحوالهم عند نزولها وهم في ~~مجال تبليغ الوحي كما أن الأول بيان لمقالاتهم وهم غائبون عنه { ~~نظر بعضهم إلى بعض } تغامزوا بالعيون إنكارا لها أو ~~سخرية بها أو غيظا لما فيها من مخازيهم { هل يراكم من أحد } ~~أي قائلين: هل يراكم أحد من المسلمين لننصرف، مظهرين أنهم لا يصطبرون ~~على استماعها ويغلب عليهم الضحك فيفتضحون أو ترامقوا يتشاورون في ~~تدبير الخروج والانسلال لواذا يقولون: هل يراكم من أحد إن قمتم من ~~المجلس، وإيراد ضمير الخطاب لبعث المخاطبين على الجد في انتهاز ~~الفرصة فإن المرء بشأنه أكثر اهتماما منه بشأن أصحابه كما في قوله ~~تعالى: # وليتلطف ولا يشعرن بكم أحدا # [الكهف: 19] وقيل: المعنى وما أنزلت سورة في عيوب المنافقين { ثم ~~انصرفوا } عطف على نظر بعضهم والتراخي باعتبار وجدان الفرصة ~~والوقوف على عدم رؤية أحد من المؤمنين، أي انصرفوا جميعا عن محفل ~~الوحي خوفا من الافتضاح أو غير ذلك { صرف الله قلوبهم } أي ~~عن الإيمان حسب انصرافهم عن المجلس، والجملة اختبارية أو دعائية { ~~بأنهم } أي بسبب أنهم { قوم لا يفقهون } لسوء الفهم أو ~~لعدم التدبر. ### || [9.128-129] # { لقد جاءكم } الخطاب للعرب { رسول } أي رسول عظيم الشأن { ~~من أنفسكم } من جنسكم عربي قرشي مثلكم وقرىء بفتح الفاء أي ~~أشرفكم وأفضلكم { عزيز عليه ما عنتم } أي شاق شديد ~~عليه عنتكم ولقاؤكم المكروه فهو يخاف عليكم سوء العاقبة والوقوع ~~في العذاب، وهذا من نتائج ما سلف من المجانسة { حريص عليكم } في ~~إيمانكم وصلاح حالكم { بالمؤمنين } منكم ومن غيركم { رءوف ~~رحيم } قدم الأبلغ منهما وهي الرأفة التي هي عبارة عن شدة ~~الرحمة محافظة على الفواصل { فإن تولوا } تلوين للخطاب ~~وتوجيه له إلى النبي صلى الله عليه وسلم تسلية له أي إن أعرضوا عن ~~الإيمان بك { فقل حسبى الله } فإنه يكفيك ويعينك عليهم { لا ~~إله إلا هو } استئناف مقرر لمضمون ما قبله { عليه ~~توكلت } فلا أرجو ولا أخاف إلا منه { وهو رب العرش ~~العظيم } أي الملك العظيم أو الجسم الأعظم ms1430 المحيط الذي تنزل منه ~~الأحكام والمقادير، وقرىء العظيم بالرفع. وعن أبي هريرة أن آخر ما ~~نزل هاتان الآيتان. وعن النبي صلى الله عليه وسلم: # " ما نزل القرآن إلا آية آية وحرفا حرفا ما خلا سورة براءة ~~وسورة { قل هو الله أحد } فإنهما أنزلتا علي ومعهما سبعون ~~ألف صف من الملائكة " ### | [10 - سورة يونس] ### || [10.1] # (سورة يونس عليه السلام مكية وهى مائة وتسع آيات). # { بسم الله الرحمن الرحيم } { الر } بتفخيم الراء ~~المفتوحة وقرىء بالإمالة إجراء للأصلية مجرى المنقلبة عن الياء وقرىء ~~بين بين وهو إما مسرود على نمط التعديد بطريق التحدي على أحد ~~الوجهين المذكورين في فاتحة سورة البقرة فلا محل له من الإعراب وإما ~~اسم للسورة كما عليه إطباق الأكثر فمحله الرفع على أنه خبر لمبتدأ ~~محذوف أي هذه السورة مسماة بألر، وهو أظهر من الرفع على الابتداء ~~لعدم سبق العلم بالتسمية بعد، فحقها الإخبار بها لا جعلها عنوان ~~الموضوع لتوقفه على علم المخاطب بالانتساب كما مر. والإشارة إليها قبل ~~جريان ذكرها لما أنها باعتبار كونها على جناح الذكر وبصدده صارت ~~في حكم الحاضر كما يقال: هذا ما اشترى فلان، أو النصب بتقدير فعل لائق ~~بالمقام نحو اذكر أو اقرأ، وكلمة { تلك } إشارة إليها إما على ~~تقدير كون الر مسرودة على نمط التعديد فقد نزل حضور مادتها التي ~~هي الحروف المذكورة منزلة ذكرها فأشير إليها كأنه قيل: هذه الكلمات ~~المؤلفة من جنس هذه الحروف المبسوطة الخ، وأما تقدير كونه اسما ~~للسورة فقد نوهت بالإشارة إليها بعد تنويهها بتعيين اسمها أو الأمر ~~بذكرها أو بقراءتها، وما في اسم الإشارة من معنى البعد للتنبيه على ~~بعد منزلتها في الفخامة ومحله الرفع على أنه مبتدأ خبره قوله ~~تعالى: { آيات الكتب } وعلى تقدير كون الر مبتدأ فهو مبتدأ ثان ~~أو بدل من الأول والمعنى هي آيات مخصوصة منه مترجمة باسم مستقل ~~والمقصود ببيان بعضيتها منه وصفها بما اشتهر اتصافه به من النعوت ~~الفاضلة والصفات الكاملة، والمراد بالكتاب إما جميع القرآن العظيم ~~وإن لم ينزل ms1431 الكل حينئذ إما باعتبار تعينه وتحققه في علم الله عز ~~وعلا أو في اللوح أو باعتبار أنه أنزل جملة إلى السماء الدنيا كما هو ~~المشهور فإن فاتحة الكتاب كانت مسماة بهذا الاسم وبأم القرآن في عهد ~~النبوة ولما يحصل المجموع الشخصي إذ ذاك فلا بد من ملاحظة كل من ~~الكتاب القرآن بأحد الاعتبارات المذكورة وما جميع القرآن النازل ~~وقتئذ المتفاهم بين الناس إذ ذاك فإنه كما يطلق على المجموع الشخصي ~~يطلق على مجموع ما نزل في كل عصر، ألا يرى إلى ما روي عن جابر رضي ~~الله عنه أنه قال: # " كان النبي صلى الله عليه وسلم يجمع بين الرجلين من قتلى أحد في ~~ثوب واحد ثم يقول: «أيهم أكثر أخذا للقرآن؟» فإذا أشير له إلى أحدهما ~~قدمه في اللحد " # فإن ما يفهمه الناس من القرآن في ذلك الوقت ويحافظون على التفاوت في ~~أخذه إنما هو المجموع النازل حينئذ من غير ملاحظة لتحقق المجموع ~~الشخصي في علم الله سبحانه أو في اللوح ولا لنزوله جملة إلى السماء ~~الدنيا. # { الحكيم } ذي الحكمة وصف به لاشتماله على فنون الحكم الباهرة ~~ونطقه بها، أو هو من باب وصف الكلام بصفة صاحبه أو من باب الاستعارة ~~المكنية المبنية على تشبيه الكتاب بالحكيم الناطق بالحكمة، هذا وقد ~~جعل الكتاب عبارة عن نفس السورة، وكلمة تلك إشارة إلى ما في ضمنها ~~من الآي فإنها في حكم الحاضر لا سيما بعد ذكر ما يتضمنها من السورة عند ~~بيان اسمها أو الأمر بذكرها أو بقراءتها، وينبغي أن يكون المشار إليه ~~حينئذ كل واحدة منها لا جميعها من حيث هو جميع لأنه عين السورة ~~فلا يكون للإضافة وجه ولا لتخصيص الوصف بالمضاف إليه حكمة فلا يتأتى ~~ما قصد من مدح المضاف بما للمضاف إليه من صفات الكمال ولأن في بيان ~~اتصاف كل منها بالكمال من المبالغة ما ليس في بيان اتصاف الكل ~~بذلك، والمتبادر من الكتاب عند الإطلاق وإن كان كله بأحد الوجهين ~~المذكورين لكن صحة إطلاقه على بعضه أيضا ms1432 مما لا ريب فيها، والمعهود ~~المشهور وإن كان اتصاف الكل بأحد الاعتبارين بما ذكر من نعوت الكمال ~~إلا أن شهرة اتصاف كل سورة منه بما اتصف به الكل مما لا ينكر، وعليه ~~يدور تحقق مدح السورة بكونها بعضا من القرآن الكريم إذ لولا أن بعضه ~~منعوت بنعت كله داخل تحت حكمه لما تسنى ذلك، وفيه ما لا يخفى من ~~التكلف والتعسف. ### || [10.2] # { أكان للناس عجبا } الهمزة لإنكار تعجبهم ولتعجب السامعين ~~منه لكونه في غير محله، والمراد بالناس كفار مكة، وإنما عبر عنهم ~~باسم الجنس من غير تعرض لكفرهم مع أنه المدار لتعجبهم كما ~~تعرض له في قوله عز وجل: { قال الكفرون } الخ لتحقيق ما ~~فيه الشركة بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم وتعيين مدار ~~التعجب في زعمهم ثم تبيين خطئهم وإظهار بطلان زعمهم بإيراد ~~الإنكار والتعجيب، واللام متعلقة بمحذوف وقع حالا من عجبا وقيل: ~~بعجبا على التوسع المشهور في الظروف، وقيل: المصدر إذا كان بمعنى اسم ~~الفاعل أو اسم المفعول جاز تقديم معموله عليه، وقيل: متعلقة بكان ~~وهو مبني على دلالة كان الناقصة على الحدث { أن أوحينا } اسم ~~كان قدم عليه خبرها اهتماما بشأنه لكونه مدار الإنكار والتعجيب ~~وتشويقا إلى المؤخر ولأن في الاسم ضرب تفصيل ففي مراعاة الأصل نوع ~~إخلال يتجاوب أطراف الكلام، وقرىء برفع عجب على أنه الاسم وهو نكرة ~~والخبر أن أوحينا وهو معرفة لأن أن مع الفعل في تأويل المصدر المضاف ~~إلى المعرفة البتة والمختار حينئذ أن تجعل كان تامة وأن أوحينا ~~متعلقا بعجب على حذف حرف التعليل أي أحدث للناس عجب لأن أوحينا أو من ~~أن أوحينا، أو بدلا من عجب لكن لا على توجيه الإنكار والتعجيب إلى ~~حدوثه بل إلى كونه عجبا، فإن كون الإبدال في حكم تنحية المبدل منه ~~ليس معناه إهداره بالمرة وإنما قيل: للناس لا عند الناس للدلالة على ~~أنهم اتخذوه أعجوبة لهم، وفيه من زيادة تقبيح حالهم ما لا يخفى { ~~إلى رجل منهم } أي إلى بشر من جنسهم ms1433 كقولهم: أبعث الله بشرا ~~رسولا أو من حيث المال لا من عظمائهم كقولهم: # لولا نزل هذا القرءان على رجل من القريتين ~~عظيم # [الزخرف: 31] وكلا الوجهين من ظهور البطلان بحيث لا مزيد عليه. أما ~~الأول فلأن بعث الملك إنما يكون عند كون المبعوث إليهم ملائكة كما ~~قال سبحانه: # قل لو كان فى الأرض ملئكة يمشون مطمئنين ~~لنزلنا عليهم من السماء ملكا رسولا # [الإسراء: 95] وأما عامة البشر فهم بمعزل من استحقاق المفاوضة الملكية ~~كيف لا وهي منوطة بالتناسب والتجانس، فبعث الملك إليهم مزاحم ~~للحكمة التي عليها يدور فلك التكوين والتشريع وإنما الذي تقتضيه الحكمة ~~أن يبعث الملك من بينهم إلى الخواص المختصين بالنفوس الزكية ~~المؤيدين بالقوة القدسية المتعلقين بكلا العالمين الروحاني ~~والجسماني ليتلقوا من جانب ويلقوا إلى جانب. وأما الثاني فلما أن ~~مناط الاصطفاء للنبوة والرسالة هو التقدم في الاتصاف بما ذكر من ~~النعوت الجميلة والصفات الجليلة والسبق في إحراز الفضائل العلية ~~وحيازة الملكات السنية جبلة واكتسابا، ولا ريب لأحد منهم في أنه ~~عليه الصلاة والسلام في ذلك الشأن في غاية الغايات القاصية ونهاية ~~النهايات النائية، وأما التقدم في الرياسات الدنيوية والسبق في نيل ~~الحظوظ الدنية فلا دخل له في ذلك قطعا بل له إخلال به غالبا قال ~~عليه الصلاة والسلام: # " لو كانت الدنيا تزن عند الله جناح بعوضة ما سقى الكافر منها ~~شربة ماء " # { أن أنذر الناس } أن مصدرية لجواز كون صلتها أمرا كما في ~~قوله تعالى: # وأن أقم وجهك # [يونس: 105] وذلك لأن الخبر والإنشاء في الدلالة على المصدر سيان ~~فساغ وقوع الأمر والنهي صلة حسب وقوع الفعل فلا يجرد عند ذلك عن ~~معنى الأمر والنهي نحو تجرد الصلة الفعلية عن معنى المضي ~~والاستقبال، ووجوب كون الصلة في الموصول الاسمي خبرية إنما هو ~~للتوصل بها إلى وصف المعارف بالجمل لا لقصور في دلالة الإنشاء على ~~المصدر، أو مفسرة إذ الإيحاء فيه معنى القول وقد جوز كونها مخففة من ~~المثقلة على حذف ضمير الشأن والقول من الخبر والمعنى أن الشأن ~~قولنا: أنذر ms1434 الناس، والمراد به جميع الناس كافة لا ما أريد بالأول ~~وهو النكتة في إيثار الإظهار على الإضمار، وكون الثاني عين الأول ~~عند إعادة المعرفة ليس على الإطلاق { وبشر الذين ءامنوا } ~~بما أوحيناه وصدقوه { أن لهم } أي بأن لهم { قدم صدق } أي ~~سابقة ومنزلة رفيعة { عند ربهم } وإنما عبر عنها بها إذ بها ~~يحصل السبق والوصول إلى المنازل الرفيعة كما يعبر عن النعمة باليد ~~لأنها تعطى بها، وقيل: مقام صدق، والوجه أن الوصول إلى المقام إنما ~~يحصل بالقدم وإضافتها إلى الصدق للدلالة على تحققها وثباتها، ~~وللتنبيه على أن مدار نيل ما نالوه من المراتب العلية هو صدقهم فإن ~~التصديق لا ينفك عن الصدق { قال الكفرون } هم المتعجبون، ~~وإيرادهم ههنا بعنوان الكفر مما لا حاجة إلى ذكر سببه، وترك العاطف ~~لجريانه مجرى البيان للجملة التي دخلت عليها همزة الإنكار أو لكونه ~~استئنافا مبنيا على السؤال، كأنه قيل: ماذا صنعوا بعد التعجب هل بقوا ~~على التردد والاستبعاد أو قطعوا فيه بشيء؟ فقيل: قال: الكافرون على ~~طريقة التأكيد: { إن هذا } يعنون به ما أوحي إلى رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم من القرآن الحكيم المنطوي على الإنذار والتبشير { ~~لسحر مبين } أي ظاهر وقرىء لساحر على أن الإشارة إلى رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم وقرىء ما هذا إلا سحر مبين، وهذا اعتراف من ~~حيث لا يشعرون بأن ما عاينوه خارج عن طوق البشر نازل من جناب خلاق ~~القوى والقدر ولكنهم سموه بما قالوا تماديا في العناد كما هو ديدن ~~المكابر اللجوج ودأب المفحم المحجوج. ### || [10.3] # { إن ربكم } كلام مستأنف سيق لإظهار بطلان تعجبهم المذكور ~~وما بنوا عليه من المقالة الباطلة غب الإشارة إليه بالإنكار ~~والتعجيب وحقق فيه حقية ما تعجبوا منه وصحة ما أنكروه بالتنبيه ~~الإجمالي على بعض ما يدل عليها من شؤون الخلق والتقدير وأحوال ~~التكوين والتدبير، ويرشدهم إلى معرفتها بأدنى تذكير لاعترافهم به من ~~غير نكير لقوله تعالى: # قل من رب السموات السبع ورب العرش العظيم ~~سيقولون لله قل أفلا تتقون # [المؤمنون: ms1435 86 - 87] وقوله تعالى: # قل من يرزقكم من السماء والأرض # [يونس: 31] إلى قوله تعالى: # ومن يدبر الأمر فسيقولون الله # أي إن ربكم ومالك أمركم الذي تتعجبون من أن يرسل إليكم رجلا منكم ~~بالإنذار والتبشير وتعدون ما أوحي إليه من الكتاب الحكيم سحرا هو { ~~الله الذى خلق السموات والأرض } وما فيهما من أصول ~~الكائنات { في ستة أيام } أي في ستة أوقات أو في مقدار ستة ~~أيام معهودة فإن نفس اليوم الذي هو عبارة عن زمان كون الشمس فوق ~~الأرض مما لا يتصور تحققه حين لا أرض ولا سماء، وفي خلقها مدرجا مع ~~القدرة التامة على إبداعها دفعة دليل على الاختيار واعتبار للنظار ~~وحث لهم على التأني في الأحوال والأطوار، وأما تخصيص ذلك بالعدد ~~المعين فأمر قد استأثر بعلم ما يستدعيه علام الغيوب جلت قدرته ودقت ~~حكمته وإيثار صيغة الجمع في السموات لما هو المشهور من الإيذان ~~بأنها أجرام مختلفة الطباع متباينة الآثار والأحكام { ثم ~~استوى على العرش } العرش هو الجسم المحيط بسائر الأجسام ~~سمي به لارتفاعه أو للتشبيه بسرير الملك فإن الأوامر والتدابير منه ~~تنزل، وقيل: هو الملك ومعنى استوائه سبحانه عليه استيلاؤه عليه أو ~~استواء أمره. وعن أصحابنا أن الاستواء على العرش صفة له سبحانه بلا ~~كيف. والمعنى أنه سبحانه استوى على العرش على الوجه الذي عناه منزها ~~عن التمكن والاستقرار، وهذا بيان لجلالة ملكه وسلطانه بعد زمان عظمة ~~شأنه وسعة قدرته بما مر من خلق هاتيك الأجرام العظام. # { يدبر الأمر } التدبير النظر في أدبار الأمور وعواقبها ~~لتقع على الوجه المحمود والمراد ههنا التقدير على الوجه الأتم ~~الأكمل والمراد بالأمر أمر ملكوت السموات والأرض والعرش وغير ذلك ~~من الجزيئات الحادثة شيئا فشيئا على أطوار شتى وأنحاء لا تكاد تحصى من ~~المناسبات والمباينات في الذوات والصفات والأزمنة والأوقات أي يقدر ~~ما ذكر من أمر الكائنات الذي ما تعجبوا منه من أمر البعث والوحي فرد ~~من جملته وشعبة من دوحته، ويهييء أسباب كل منها حدوثا وبقاء في ~~أوقاتها المعينة ويرتب مصالحها على الوجه ms1436 الفائق والنمط اللائق ~~حسبما تقتضيه الحكمة وتستدعيه المصلحة، والجملة في محل النصب على ~~أنها حال من ضمير استوى وقد جوز كونها خبرا ثانيا لإن أو مستأنفة ~~لا محل لها من الإعراب مبنية على سؤال نشأ من ذكر الاستواء على العرش ~~المنبىء عن إجراء أحكام الملك. # وعلى كل حال فإيثار صيغة المضارع للدلالة على تجدد التدبير ~~واستمراره وقوله عز وجل: { ما من شفيع } بيان لاستبداده سبحانه ~~في التقدير والتدبير ونفي للشفاعة على أبلغ الوجوه فإن نفي جميع ~~أفراد الشفيع بمن الاستغراقية يستلزم نفي الشفاعة على أتم الوجوه كما ~~في قوله تعالى: # لا عاصم اليوم من أمر الله # [هود: 43] وهذا بعد قوله تعالى: { يدبر الأمر } جار مجرى قوله ~~تعالى: # وهو يجير ولا يجار عليه # عقيب قوله تعالى: # قل من بيده ملكوت كل شىء # وقوله تعالى { إلا من بعد إذنه } استثناء مفرغ من أعم ~~الأوقات أي ما من شفيع يشفع لأحد في وقت من الأوقات إلا بعد إذنه ~~المبني على الحكمة الباهرة، وذلك عند كون الشفيع من المصطفين ~~الأخيار والمشفوع له ممن يليق بالشفاعة كقوله تعالى: # يوم يقوم الروح والملئكة صفا لا يتكلمون ~~إلا من أذن له الرحمن وقال صوابا # [النبأ: 38] وفيه من الدلالة على عظمة جلاله سبحانه ما لا يخفى { ~~ذلكم } إشارة إلى المعلوم بتلك العظمة أي ذلكم العظيم الشأن ~~المنعوت بما ذكر من نعوت الكمال التي عليها يدور استحقاق الألوهية { ~~الله } وقوله تعالى: { ربكم } بيان له أو بدل منه أو خبر ~~ثان لاسم الإشارة، وهذا بعد بيان أن ربهم الله الذي خلق السموات ~~والأرض الخ، لزيادة التقرير والمبالغة في التذكير ولتفريع الأمر ~~بالعبادة عليه بقوله تعالى: { فاعبدوه } أي وحدوه من غير أن تشركوا ~~به شيئا من ملك أو نبي فضلا عن جماد لا يبصر ولا يسمع ولا يضر ولا ~~ينفع وآمنوا بما أنزله إليكم { أفلا تذكرون } أي تعلمون أن ~~الأمر كما فصل فلا تتذكرون ذلك حتى تقفوا على فساد ما أنتم عليه ~~فترتدوا عنه. ### || [10.4] # { إليه } لا إلى أحد سواه استقلالا ms1437 أو اشتراكا { مرجعكم } ~~أي بالبعث كما ينبىء عنه قوله تعالى: { جميعا } فإنه خال من الضمير ~~المجرور لكونه فاعلا في المعنى أي إليه رجوعكم مجتمعين والجملة ~~كالتعليل لوجوب العبادة { وعد الله } مصدر مؤكد لنفسه لأن قوله ~~عز وجل: { إليه مرجعكم } وعد منه سبحانه بالبعث أو لفعل مقدر ~~أي وعد الله وعدا، وأيا ما كان فهو دليل على أن المراد بالمرجع هو ~~الرجوع بالبعث لأن ما بالموت بمعزل من الوعد كما أنه بمعزل من الاجتماع ~~وقرىء بصيغة الفعل { حقا } مصدر آخر مؤكد لما دل عليه الأول { ~~إنه يبدأ الخلق } وقرىء يبدىء { ثم يعيده } وهو ~~استئناف علل به وجوب المرجع إليه سبحانه وتعالى فإن غاية البدء ~~والإعادة وهو جزاء المكلفين بأعمالهم حسنة أو سيئة، وقرىء بالفتح أي ~~لأنه، ويجوز كونه منصوبا بما نصب وعد الله أي وعد الله وعدا بدء ~~الخلق الخلق ثم إعادته، ومرفوعا بما نصب حقا أي حق بدء الخلق الخ { ~~ليجزى الذين آمنوا وعملوا الصالحات بالقسط } أي بالعدل ~~وهو حال من فاعل يجزي أي ملتبسا بالعدل أو متعلق بيجزي أي ليجزيهم ~~بقسطه ويوفيهم أجورهم، وإنما أجمل ذلك إيذانا بأنه لا يفي به الحصر ~~أو بقسطهم وعدلهم عند إيمانهم ومباشرتهم للأعمال الصالحة وهو الأنسب ~~بقوله عز وجل: { والذين كفروا لهم شراب من حميم ~~وعذاب أليم بما كانوا يكفرون } فإن معناه ويجزي الذين ~~كفروا بسبب كفرهم، وتكرير الإسناد بجعل الجملة الظرفية خبرا للموصول ~~لتقوية الحكم والجمع بين صيغتي الماضي والمستقبل للدلالة على ~~مواظبتهم على الكفر، وتغيير النظم للإيذان بكمال استحقاقهم للعقاب ~~وأن التعذيب بمعزل عن الانتظام في سلك العلة الغائية للخلق بدءا ~~وإعادة وإنما يحيق ذلك بالكفرة على موجب سوء اختيارهم، وأما ~~المقصود الأصلي من ذلك فهو الإثابة. ### || [10.5] # { هو الذى جعل الشمس ضياء } تنبيه على الاستدلال على ~~وجوده تعالى ووحدته وعلمه وقدرته وحكمته بآثار صنعه في النيرين ~~بعد التنبيه على الاستدلال بما مر من إبداع السموات والأرض والاستواء ~~على العرش وغير ذلك وبيان لبعض أفراد التدبير الذي أشير إليه ~~إشارة إجمالية ms1438 وإرشاد إلى أنه حيث دبرت أمورهم المتعلقة بمعاشهم هذا ~~التدبير البديع فلأن يدبر مصالحهم المتعلقة بالمعاد بإرسال ~~الرسول وإنزال الكتاب وتبيين طرائق الهدى وتعيين مهاوي الردى ~~أولى وأحرى، والجعل إن جعل بمعنى الإنشاء والإبداع فضياء حال من ~~مفعوله أي خلقها حال كونها ذات ضياء على حذف المضاف أو ضياء محضا ~~للمبالغة، وإن جعل بمعنى التصيير فهو مفعوله الثاني أي جعلها ضياء ~~على أحد الوجهين المذكورين لكن لا بعد أن كانت خالية عن تلك الحالة بل ~~أبدعها كذلك كما في قولهم: ضيق فم الركية ووسع أسفلها، والضياء ~~مصدر كقيام أو جمع ضوء كسياط وسوط وياؤه منقلبة من الواو لانكسار ما ~~قبلها وقرىء ضئاء بهمزتين بينهما ألف بتقديم اللام على العين. # { والقمر نورا } الكلام فيه كالكلام في الشمس والضياء أقوى من ~~النور وقيل: ما بالذات ضوء وما بالعرض نور، ففيه إشعار بأن نوره ~~مستفاد من الشمس { وقدره } أي قدر له وهيأ { منازل } أو قدر ~~مسيره في منازل أو قدره ذا منازل على تضمين التقدير معنى التصيير، ~~وتخصيص القمر بهذا التقدير لسرعة سيره ومعاينة منازله وتعلق أحكام ~~الشريعة به وكونه عمدة في تواريخ العرب، وقد جعل الضمير لكل منهما ~~وهي ثمانية وعشرون منزلا، ينزل القمر كل ليلة في واحد منها لا ~~يتخطاه ولا يتقاصر عنه على تقدير مستو لا يتفاوت، يسير فيها من ليلة ~~المستهل إلى الثامنة والعشرين فإذا كان في آخر منازله دق واستقوس ثم ~~يستسر ليلتين أو ليلة إذا نقص الشهر ويكون مقام الشمس في كل منزلة ~~منها ثلاثة عشر يوما، وهذه المنازل هي مواقع النجوم التي نسبت ~~إليها العرب الأنواء المستمطرة وهي السرطان والبطين والثريا ~~الدبران الهقعة الهنعة الذراع النثرة الطرف الجبهة الزبرة ~~الصرفة العواء السماك الغفر الزبانى الإكليل القلب الشولة ~~النعائم البلدة سعد الذابح سعد بلع سعد السعود سعد الأخبية ~~فرغ الدلو المقدم فرغ الدلو المؤخر الرشا وهو بطن الحوت { ~~لتعلموا } إما بتعاقب الليل والنهار المنوطين بطلوع الشمس ~~وغروبها أو باعتبار نزول كل منهما في تلك المنازل { عدد السنين ms1439 ~~} التي يتعلق بها غرض علمي لإقامة مصالحكم الدينية والدنيوية { ~~والحساب } أي حساب الأوقات من الأشهر والأيام والليالي وغير ذلك ~~مما نيط به شيء من المصالح المذكورة، وتخصيص العدد بالسنين والحساب ~~بالأوقات لما أنه لم يعتبر في السنين المعدودة معنى مغاير لمراتب ~~الأعداد كما اعتبر في الأوقات المحسوبة، وتحقيقه أن الحساب إحصاء ما ~~له كمية انفصالية بتكرير أمثاله من حيث يتحصل بطائفة معينة منها ~~حد معين له اسم خاص وحكم مستقل كالسنة المتحصلة من اثنى ~~عشر شهرا قد تحصل كل من ذلك من ثلاثين يوما قد تحصل كل من ذلك من ~~أربع وعشرين ساعة مثلا، والعد مجرد إحصائه بتكرير أمثاله من غير ~~اعتبار أن يتحصل بذلك شيء كذلك، ولما لم يعتبر في السنين المعدودة ~~تحصل حد معين له اسم خاص غير أسامي مراتب الأعداد وحكم ~~مستقل أضيف إليها العدد وتحصل مراتب الأعداد من العشرات والمئات ~~والألوف اعتباري لا يجدي في تحصل المعدود نفعا وحيث اعتبر في ~~الأوقات المحسوبة وتحصل ما ذكر من المراتب التي لها أسام خاصة ~~وأحكام مستقلة علق بها الحساب المنبىء عن ذلك والسنة من حيث ~~تحققها في نفسها مما يتعلق به الحساب وإنما الذي يتعلق به العد ~~طائفة منها وتعلقه في ضمن ذلك بكل واحدة من تلك الطائفة ليس من ~~الحيثية المذكورة أعني حيثية تحصلها من عدة أشهر قد تحصل كل واحد ~~منها من عدة أيام قد حصل كل منها بطائفة من الساعات فإن ذلك وظيفة ~~الحساب بل من حيث إنها فرد من تلك الطائفة المعدودة من غير أن ~~يعتبر معها شيء غير ذلك، وتقديم العدد على الحساب مع أن الترتيب ~~بين متعلقيهما وجودا وعلما على العكس لأن العلم المتعلق بعدد ~~السنين علم إجمالي بما تعلق به الحساب تفصيلا وإن لم تتحد الجهة، ~~أو لأن العدد من حيث إنه لم يعتبر فيه تحصل أمر آخر حسبما حقق ~~آنفا نازل من الحساب الذي اعتبر فيه ذلك منزلة البسيط من المركب { ~~ما خلق الله ذلك } أي ما ذكر من الشمس ms1440 والقمر على ما حكي من ~~الأحوال وفيه إيذان بأن معنى جعلهما على تلك الأحوال والهيئات ليس ~~إلا خلقهما كذلك كما أشير إليه، ولا يقدح في ذلك أن استفادة القمر ~~النور من الشمس أمر حادث فإن المراد بجعله نورا إنما هو جعله بحيث ~~يتصف بالنور عند وجود شرائط الاتصاف به بالفعل { إلا بالحق } ~~استثناء مفرغ من أعم أحوال الفاعل أو المفعول أي ما خلق ذلك ملتبسا ~~بشيء من الأشياء إلا ملتبسا بالحق مراعيا لمقتضى الحكمة البالغة أو ~~مراعى فيه ذلك، وهو ما أشير إليه إجمالا من العلم بأحوال السنين ~~والأوقات المنوط به أمور معاملاتهم وعباداتهم { يفصل الآيت ~~} أي الآيات التكوينية المذكورة أو جميع الآيات فيدخل فيها الآيات ~~المذكورة دخولا أوليا أو يفصل الآيات التنزيلية المنبهة على ذلك، ~~وقرىء بنون العظمة { لقوم يعلمون } الحكمة في إبداع الكائنات ~~فيستدلون بذلك على شؤون مبدعها جل وعلا أو يعلمون ما في تضاعيف الآيات ~~المنزلة فتؤمنون بها، وتخصيص التفصيل بهم لأنهم المنتفعون به. ### || [10.6] # { إن فى اختلف اليل والنهار } تنبيه آخر إجمالي ~~على ما ذكر أي في تعاقبهما وكون كل منهما خلفة للآخر بحسب طلوع ~~الشمس وغروبها التابعين لحركات السموات وسكون الأرض أو في تفاوتهما ~~في أنفسهما بازدياد كل منهما بانتقاص الآخر وانتقاصه بازدياده باختلاف ~~حال الشمس بالنسبة إلينا قربا وبعدا بحسب الأزمنة، أو في اختلافهما ~~وتفاوتهما بحسب الأمكنة إما في الطول والقصر فإن البلاد القريبة من ~~القطب الشمالي أيامها الصيفية أطول ولياليها الصيفية أقصر من أيام ~~البلاد البعيدة منه ولياليها، وإما في أنفسها فإن كروية الأرض تقضي أن ~~يكون بعض الأماكن ليلا وفي مقابله نهارا { وما خلق الله فى ~~السموت والأرض } من أصناف المصنوعات { لأيات } عظيمة أو ~~كثيرة دالة على وجود الصانع تعالى ووحدته وكمال علمه وقدرته ~~وبالغ حكمته التي من جملة مقتضياتها ما أنكروه من إرسال الرسول صلى ~~الله عليه وسلم وإنزال الكتاب والبعث والجزاء { لقوم يتقون ~~} خصهم بذلك لأن الداعي إلى النظر والتدبر إنما هو تقوى الله تعالى ~~والحذر من العاقبة فهم الواقفون ms1441 على أن جميع المخلوقات آيات دون ~~غيرهم # وكأين من ءاية فى السموت والأرض يمرون ~~عليها وهم عنها معرضون # [يونس: 105]. ### || [10.7] # { إن الذين لا يرجون لقاءنا } بيان لمآل أمر من كفر ~~بالبعث وأعرض عن البينات الدالة عليه بعد تحقيق أن مرجع الكل ~~إليه تعالى وأنه يعيدهم بعد بدئهم للجزاء ثوابا وعقابا وتفصيل بعض ~~الآيات الشاهدة بذلك، والمراد بلقائه إما الرجوع إليه تعالى بالبعث أو ~~لقاء الحساب كما في قوله عز وعلا: # إنى ظننت أنى ملق حسابيه # [الحاقة: 20] وأيا ما كان ففيه مع الالتفات إلى ضمير الجلالة من تهويل ~~الأمر ما لا يخفى والمراد بعدم الرجاء عدم التوقع مطلقا المنتظم ~~لعدم الأمل وعدم الخوف فإن عدمهما لا يستدعي عدم اعتقاد وقوع ~~المأمول والخوف أي لا يتوقعون الرجوع إلينا أو لقاء حسابنا المؤدي ~~إما إلى حسن الثواب أو إلى سوء العذاب فلا يأملون الأول وإليه أشير ~~بقوله عز وجل: { ورضوا بالحيوة الدنيا } فإنه منبىء عن ~~إيثار الأدنى الخسيس على الأعلى النفيس كقوله تعالى: # أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة # [التوبة: 38] ولا يخافون الثاني وإليه أشير بقوله تعالى: { ~~واطمأنوا بها } أي سكنوا فيها سكون من لا براح له منها ~~آمنين من اعتراء المزعجات غير مخطرين ببالهم ما يسوؤهم من عذابنا، ~~وقيل: المراد بالرجاء معناه الحقيقي وباللقاء حسن اللقاء أي لا ~~يأملون حسن لقائنا بالبعث والإحياء بالحياة الأبدية ورضوا بدلا ~~منها ومما فيها من فنون الكرامات السنية بالحياة الدنيا الدنية ~~الفانية واطمأنوا بها أي سكنوا إليها مكبين عليها قاصرين مجامع ~~هممهم على لذائذها وزخارفها من غير صارف يلويهم ولا عاطف يثنيهم، ~~وإيثار الباء على كلمة إلى المنبئة عن مجرد الوصول والانتهاء للإيذان ~~بتمام الملابسة ودوام المصاحبة والمؤانسة، وحمل الرجاء على الخوف فقط ~~يأباه كلمة الرضا بالحياة الدنيا فإنها منبئة عما ذكر من ترك الأعلى ~~وأخذ الأدنى، واختيار صيغة الماضي في الصلتين الأخيرتين للدلالة على ~~التحقق والتقرر كما أن اختيار صيغة المستقبل في الأولى للإيذان ~~باستمرار عدم الرجاء. # { والذين هم عن ءايتنا } المفصلة في صحائف الأكوان ~~حسبما ms1442 أشير إلى بعضها أو آياتنا المنزلة المنبهة على الاستشهاد بها ~~المتفقة معها في الدلالة على حقية ما لا يرجونه من اللقاء المترتب على ~~البعث وعلى بطلان ما رضوا به واطمأنوا إليه من الحياة الدنيا { ~~غفلون } يتفكرون فيها أصلا وإن نبهوا على ذلك وذكروا بأنواع ~~القوارع لانهماكهم فيما يصدهم عنها من الأحوال المعدودة، وتكرير ~~الموصول للتوسل به إلى جعل صلته جملة اسمية منبئة عما هم عليه من ~~استمرار الغفلة ودوامها، وتنزيل التغاير الوصفي منزلة التغاير ~~الذاتي إيذانا بمغايرة الوصف الأخير للأوصاف الأول واستقلاله ~~باستتباع العذاب. # هذا وأما ما قيل من أن العطف إما لتغاير الوصفين والتنبيه على أن ~~الوعيد على الجمع بين الذهول عن الآيات رأسا والانهماك في الشهوات ~~بحيث لا يخطر ببالهم الآخرة أصلا وإما لتغاير الفريقين والمراد ~~بالأولين من أنكر البعث ولم يرد إلا الحياة الدنيا وبالآخرين من ~~ألهاه حب العاجل عن التأمل في الآجل فكلام ناء عن السداد فليتأمل. ### || [10.8-9] # { أولئك } الموصوفون بما ذكر من صفات السوء { مأواهم } أي ~~مسكنهم ومقرهم الذي لا براح لهم منه { النار } لا ما اطمأنوا بها ~~من الحياة الدنيا ونعيمها { بما كانوا يكسبون } من الأعمال ~~القلبية المعهودة وما يستتبعه من أصناف المعاصي والسيئات أو بكسبهم ~~إياها، والجمع بين صيغتي الماضي والمستقبل للدلالة على الاستمرار ~~التجددي والباء متعلقة بمضمون الجملة الأخيرة الواقعة خبرا عن اسم ~~الإشارة وهو مع خبره خبر لإن في قوله تعالى: { إن الذين لا ~~يرجون لقاءنا } الخ. # { إن الذين ءامنوا } أي فعلوا الإيمان أو آمنوا بما يشهد به ~~الآيات التي غفل عنها الغافلون أو بكل ما يجب أن يؤمن به فيندرج فيه ~~ذلك اندراجا أوليا { وعملوا الصلحات } أي الأعمال ~~الصالحة في أنفسها اللائقة بالإيمان، وإنما ترك ذكر الموصوف لجريانها ~~مجرى الأسماء { يهديهم ربهم } أوثر الالتفات تشريفا لهم ~~بإضافة الرب وإشعارا بعلة الهداية { بإيمانهم } أي يهديهم بسبب ~~إيمانهم إلى مأواهم ومقصدهم وهي الجنة، وإنما لم تذكر تعويلا على ~~ظهورها وانسياق النفس إليها لا سيما بملاحظة ما سبق من بيان مأوى ~~الكفرة وما ms1443 آواهم إليه من أعمالهم السيئة ومشاهدة ما لحق من التلويح ~~والتصريح، وفي النظم الكريم إشعار بأن مجرد الإيمان والعمل الصالح ~~لا يكفي في الوصول إلى الجنة بل لا بد بعد ذلك من الهداية الربانية وأن ~~الكفر والمعاصي كافية في دخول النار ثم إنه لا نزاع في أن المراد ~~بالإيمان الذي جعل سببا لتلك الهداية هو إيمانهم الخاص المشفوع ~~بالأعمال الصالحة لا الإيمان المجرد عنها ولا ما هو أعم منهما، إلا ~~أن ذلك بمعزل عن الدلالة على خلاف ما عليه أهل السنة والجماعة من أن ~~الإيمان الخالي عن العمل الصالح يفضي إلى الجنة في الجملة ولا يخلد ~~صاحبه في النار فإن منطوق الآية الكريمة أن الإيمان المقرون بالعمل ~~الصالح سبب للهداية إلى الجنة، وأما أن كل ما هو سبب لها يجب أن ~~يكون كذلك فلا دلالة لها ولا لغيرها عليه قطعا، كيف لا وقوله عز وجل: # الذين ءامنوا ولم يلبسوا إيمنهم بظلم ~~أولئك لهم الأمن وهم مهتدون # [الأنعام: 82] مناد بخلافه فإن المراد بالظلم هو الشرك كما أطبق عليه ~~المفسرون والمعنى لم يخلطوا إيمانهم بشرك، ولئن حمل على ظاهره أيضا ~~يدخل في الاهتداء من آمن ولم يعمل صالحا ثم مات قبل أن يظلم بفعل حرام ~~أو بترك واجب { تجرى من تحتهم الأنهر } أي بين أيديهم ~~كقوله سبحانه: # وهذه الأنهر تجرى من تحتى # [الزخرف: 51] وهم على سرر مرفوعة وأرائك مصفوفة، والجملة مستأنفة ~~أو خبر ثان لإن أو حال من مفعول يهديهم على تقدير كون المهدي إليه ~~ما يريدونه في الجنة كما قيل، وقيل: يهديهم ويسددهم للاستقامة على سلوك ~~السبيل المؤدي إلى الثواب والجنة، وقوله: { تجرى من تحتهم ~~الأنهر } جار مجرى التفسير والبيان فإن التمسك بحبل السعادة ~~في حكم الوصول إليها وقيل: يهديهم إلي إدراك الحقائق البديعة بحسب ~~القوة العملية كما قال عليه الصلاة والسلام: # " من عمل بما علم ورثه الله علم ما لم يعلم " # { في جنت النعيم } خبر آخر أو حال أخرى منه أو من الأنهار أو ~~متعلق بتجري أو بيهدي فالمراد بالمهدى ms1444 إليه إما منازلهم في الجنة أو ما ~~يريدونه فيها. ### || [10.10-11] # { دعواهم } أي دعاؤهم وهو مبتدأ وقوله عز وجل: { فيها } متعلق ~~به وقوله تعالى: { سبحنك اللهم } خبره أي دعاؤهم هذا ~~الكلام وهو معمول لمقدر لا يجوز إظهاره والمعنى اللهم إنا نسبحك ~~تسبيحا، ولعلهم يقولونه عندما عاينوا فيها من تعاجيب آثار قدرته ~~تعالى ونتائج رحمته ورأفته ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر ~~على قلب بشر تقديسا لمقامه تعالى عن شوائب العجز والنقصان وتنزيها ~~لوعده الكريم عن سمات الخلف { وتحيتهم فيها } التحية ~~التكرمة بالحالة الجليلة أصلها أحياك الله حياة طيبة، أي ما يحيي به ~~بعضهم بعضا أو تحية الملائكة إياهم كما في قوله تعالى: # يدخلون عليهم من كل باب سلم # [الرعد: 23] أو تحية الله عز وجل لهم كما في قوله تعالى: # سلام قولا من رب رحيم # [يس: 58] { سلم } أي سلامة من كل مكروه { دعوهم فيها } أي ~~خاتمة دعائهم { أن الحمد لله رب العلمين } أي أن ~~يقولوا ذلك نعتا له عز وجل بصفات الإكرام إثر نعته تعالى بصفات ~~الجلال، أي دعاؤهم منحصر فيما ذكر إذ ليس لهم مطلب مترقب حتى ~~ينتظموا في سلك الدعاء، وأن هي المخففة من أن المثقلة أصله أنه الحمد ~~لله فحذف ضمير الشأن كما في قوله: # أن هالك كل من يحفى وينتعل # وقرىء أن الحمد لله بالتشديد ونصب الحمد ولعل توسيط ذكر تحيتهم ~~عند الحكاية بين دعائهم وخاتمته للتوسل إلى ختم الحكاية بالتحميد ~~تبركا مع أن التحية ليست بأجنبية على الإطلاق، ودعوى كون ترتيب ~~الوقوع أيضا كذاك بأن كانوا حين دخلوا الجنة وعاينوا عظمة الله ~~تعالى وكبرياءه مجدوه ونعتوه بنعوت الجلال ثم حياهم الملائكة ~~بالسلامة من الآفات والفوز بأصناف الكرامات أو حياهم بذلك رب العزة ~~فحمدوه تعالى وأثنوا عليه يأباها إضافة الآخر إلى دعواهم وقد جوز ~~أن يكون المراد بالدعاء العبادة كما في قوله تعالى: # وأعتزلكم وما تدعون # [مريم: 48] الخ، إيذانا بأن لا تكليف في الجنة أي ما عبادتهم إلا أن ~~يسبحوه ويحمدوه وليس ذلك بعبادة إنما ms1445 يلهمونه وينطقونه تلذذا ولا ~~يساعده تعيين الخاتمة. # { ولو يعجل الله للناس } هم الذين لا يرجون لقاء الله ~~تعالى لإنكارهم البعث وما يترتب عليه من الحساب والجزاء، أشير إلى بعض ~~من عظائم معاصيهم المتفرعة على ذلك وهو استعجالهم بما أوعدوا به من ~~العذاب تكذيبا واستهزاء وإيرادهم باسم الجنس لما أن تعجيل الخير ~~لهم ليس دائرا على وصفهم المذكور إذ ليس كل ذلك بطريق الاستدراج أي ~~لو يعجل الله لهم { الشر } الذي كانوا يستعجلون به فإنهم كانوا ~~يقولون: # اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر ~~علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم # [الأنفال: 32] ونحو ذلك وقوله تعالى { استعجالهم بالخير } ~~نصب على أنه مصدر تشبيهي وضع موضع مصدر ناصبه دلالة على ~~اعتبار الاستعجال في جانب المشبه كاعتبار التعجيل في جانب المشبه به ~~وإشعارا بسرعة إجابته تعالى لهم حتى كان استعجالهم بالخير نفس ~~تعجيله لهم، والتقدير ولو يعجل الله لهم الشر عند استعجالهم به ~~تعجيلا مثل تعجيله لهم الخير عند استعجالهم به فحذف ما حذف تعويلا ~~على دلالة الباقي عليه { لقضى إليهم أجلهم } لأدى إليهم ~~الأجل الذي عين لعذابهم وأميتوا وأهلكوا بالمرة وما أمهلوا طرفة ~~عين، وفي إيثار صيغة المبني للمفعول جري على سنن الكبرياء مع ~~الإيذان بتعيين الفاعل، وقرىء على البناء للفاعل كما قرىء لقضينا، ~~واختيار صيغة الاستقبال في الشرط وإن كان المعنى على المضي لإفادة أن ~~عدم قضاء الأجل لاستمرار عدم التعجيل، فإن المضارع المنفي الواقع ~~موقع الماضي ليس بنص في إفادة انتفاء استمرار الفعل بل قد يفيد ~~استمرار انتفائه أيضا بحسب المقام كما حقق في موضعه، واعلم أن مدار ~~الإفادة في الشرطية أن يكون التالي أمرا مغايرا للمقدم في نفسه ~~مترتبا عليه في الوجود كما في قوله عز وجل: # لو يطيعكم فى كثير من الأمر لعنتم # [الحجرات: 7] فإن العنت أي الوقوع في المشقة والهلاك أمر مغاير ~~لطاعته عليه الصلاة والسلام لهم مترتب عليها في الوجود أو يكون فردا ~~كاملا من أفراده ممتازا عن البقية بأمر يخصه كما في ms1446 الأجزية المحذوفة ~~في مثل قوله تعالى: # ولو ترى إذ وقفوا على ربهم # [الأنعام: 30] وقوله تعالى: # ولو ترى إذ وقفوا على النار # [الأنعام: 27] وقوله تعالى: # ولو ترى إذ المجرمون # [السجدة: 12] ونظائرها أي لرأيت أمرا هائلا فظيعا أو نحو ذلك وكما ~~في قوله تعالى: # ولو يؤاخذ الله الناس بما كسبوا ما ترك على ~~ظهرها من دابة # [فاطر: 45] إذا فسر الجواب بالاستئصال فإنه فرد كامل من أفراد مطلق ~~المؤاخذة قد عبر عنه بما لا مزيد عليه في الدلالة على الشدة والفظاعة، ~~فحسن موقعه في معرض التالي للمؤاخذة المطلقة وأما ما نحن فيه من ~~القضاء فليس بأمر مغاير لتعجيل الشر في نفسه، وهو ظاهر بل هو إما ~~نفسه أو جزئي منه كسائر جزئياته من غير مزية له على البقية إذا لم ~~يعتبر في مفهومه ما ليس مفهوم تعجيل الشر من الشدة والهول فلا يكون ~~في ترتبه عليه وجودا أو عدما مزيد فائدة مصححة لجعله تاليا له ~~فالحق أن المقدم ليس نفس التعجيل المذكور بل هو إرادته المستتبعة ~~للقضاء المذكور وجودا وعدما كما في قوله تعالى: # لو يؤاخذهم بما كسبوا لعجل لهم العذاب # [الكهف: 58] أي لو يريد مؤاخذتهم، فإن تعجيل العذاب لهم نفس المؤاخذة ~~أو جزئي من جزئياتها غير ممتاز عن البقية فليس في بيان ترتبه عليها ~~وجودا أو عدما مزيد وإنما الفائدة في ترتبه على إرادتها حسبما ذكر، ~~وأيضا في ترتب التالي على إرادة المقدم ما ليس في ترتبه على نفسه من ~~الدلالة على المبالغة وتهويل الأمر والدلالة على أن الأمور منوطة ~~بإرادته تعالى المبنية على الحكم البالغة { فنذر الذين لا ~~يرجون لقاءنا } بنون العظمة الدالة على التشديد في الوعيد وهو ~~عطف على مقدر تنبىء عنه الشرطية كأنه قيل: لكن لا نفعل ذلك لما تقتضيه ~~الحكمة فنتركهم إمهالا واستدراجا { في طغينهم } الذي هو عدم ~~رجاء اللقاء، وإنكار البعث والجزاء وما يتفرع على ذلك من أعمالهم ~~السيئة ومقالاتهم الشنيعة { يعمهون } أي يترددون ويتحيرون ففي وضع ~~الموصول موضع الضمير نوع بيان للطغيان بما في حيز الصلة ms1447 وإشعار ~~بعليته للترك والاستدارج. ### || [10.12-13] # { وإذا مس الإنسن الضر } أي أصابه جنس الضر من مرض ~~وفقر وغيرهما من الشدائد إصابة يسيرة { دعانا } لكشفه وإزالته { ~~لجنبه } حال من فاعل دعا بشهادة ما عطف عليه من الحالين واللام ~~بمعنى على كما في قوله تعالى: # يخرون للأذقان # [الإسراء: 107] أي دعانا كائنا على جنبه أي مضطجعا { أو قاعدا ~~أو قائما } أي في جميع الأحوال مما ذكر وما لم يذكر، وتخصيص ~~المعدودات بالذكر لعدم خلو الإنسان عنها عادة أو دعانا في جميع ~~أحوال مرضه على أنه المراد بالضر خاصة مضجعا عاجزا عن القعود ~~وقاعدا غير قادر على النهوض وقائما لا يستطيع الحراك { فلما ~~كشفنا عنه ضره } الذي مسه غب ما دعانا حسبما ينبىء عنه ~~الفاء { مر } أي مضى واستمر على طريقته التي كان ينتحيها قبل مساس ~~الضر ونسي حالة الجهد والبلاء، أو مر عن موقف الضراعة ~~والابتهال ونأى بجانبه { كأن لم يدعنا } أي كأنه لم يدعنا ~~فخفف وحذف ضمير الشأن كما في قوله: # كأن لم يكن بين الحجون إلى الصفا # والجملة التشبيهية في محل النصب على الحالية من فاعل مر أي مر ~~مشبها بمن لم يدعنا { إلى ضر } أي إلى كشف ضر { مسه } وهذا ~~وصف للجنس باعتبار حال بعض أفراده ممن هو متصف بهذه الصفات { ~~كذلك } نصب على المصدرية وذلك إشارة إلى مصدر الفعل الآتي، وما ~~فيه من معنى البعد للتفخيم والكاف مقحمة للدلالة على زيادة فخامة ~~المشار إليه إقحاما لا يكاد يترك في لغة العرب ولا في غيرها ومن ذلك ~~قولهم: مثلك لا يبخل مكان أنت لا تبخل أي مثل ذلك التزيين العجيب { ~~زين للمسرفين } أي للموصوفين بما ذكر من الصفات الذميمة ~~وإسرافهم لما إن الله تعالى إنما أعطاهم القوى والمشاعر ليصرفوها إلى ~~مصارفها ويستعملوها فيما خلقت له من العلوم والأعمال الصالحة، فلما ~~صرفوها إلى ما لا ينبغي وهي رأس مالهم فقد أتلفوها وأسرفوا إسرافا ~~ظاهرا، والتزيين إما من جهة الله سبحانه على طريقه التخلية ~~والخذلان أو من الشيطان بالوسوسة والتسويل { ما كانوا يعملون ms1448 ~~} من الاعراض عن الذكر والدعاء والانهماك في الشهوات، وتعلق الآية ~~الكريمة بما قبلها من حيث إن في كل منهما إملاء للكفرة على طريقة ~~الاستدراج بعد الأنقاذ من الشر المقدر في الأولى ومن الضر المقرر ~~في الأخرى. # { ولقد أهلكنا القرون } أي القرون الخالية مثل قوم ~~نوح وعاد وأضرابهم و(من) في قوله تعالى: { من قبلكم } متعلقة ~~بأهلكنا أي أهلكناهم من قبل زمانكم والخطاب لأهل مكة على طريقة ~~الالتفات للمبالغة في تشديد التهديد بعد تأييده بالتوكيد القسمي { ~~لما ظلموا } ظرف للإهلاك أي أهلكناهم حين فعلوا الظلم بالتكذيب ~~والتمادي في الغي والضلال من غير تأخير، وقوله تعالى: { وجاءتهم ~~رسلهم } حال من ضمير ظلموا بإضمار قد، وقوله تعالى: { ~~بالبينت } متعلق بجاءتهم على أن الباء للتعدية أو بمحذوف وقع ~~حالا من رسلهم، دالة على إفراطهم في الظلم وتناهيهم في المكابرة، أي ~~ظلموا بالتكذيب وقد جائتهم رسلهم بالآيات البينة الدالة على صدقهم أو ~~ملتبسين بها حين لا مجال للتكذيب، وقد جوز أن يكون قوله تعالى: { ~~وجاءتهم } عطفا على ظلموا فلا محل له من الإعراب عند سيبويه، ~~وعند غيره محله الجر لأنه معطوف على ما هو مجرور بإضافة الظرف ~~إليه، وليس الظلم منحصرا في التكذيب حتى يحتاج إلى الاعتذار بأن ~~الترتيب للذكرى لا يجب كونه على وفق الترتيب الوقوعي كما في قوله ~~تعالى: # ورفع أبويه على العرش وخروا له # [يوسف: 100] الخ، بل هو محمول على سائر أنواع الظلم والتكذيب مستفاد ~~من قوله تعالى: { وما كانوا ليؤمنوا } على أبلغ وجه وآكده ~~فإن اللام لتأكيد النفي أي وما صح وما استقام لهم أن يؤمنوا لفساد ~~استعدادهم وخذلان الله تعالى إياهم لعلمه بأن الألطاف لا تنجع فيهم، ~~والجملة على الأول عطف على ظلموا لأنه إخبار بإحداث التكذيب، وهذا ~~بالإصرار عليه، وعلى الثاني عطف على ما عطف عليه، وقيل: اعتراض بين ~~الفعل وما يجري مجرى مصدره التشبيهي أعني قوله تعالى: { كذلك ~~} فإن الجزاء المشار إليه عبارة عن مصدره أي مثل ذلك الجزاء الفظيع ~~أي الإهلاك الشديد الذي هو الاستئصال بالمرة { نجزي القوم ms1449 ~~المجرمين } أي كل طائفة مجرمة، وفيه وعيد شديد وتهديد أكيد ~~لأهل مكة لاشتراكهم لأولئك المهلكين في الجرائم والجرائر التي هي ~~تكذيب الرسول والإصرار عليه وتقرير لمضمون ما سبق من قوله تعالى: { ~~ولو يعجل الله للناس الشر استعجالهم بالخير ~~} وقرىء بالياء على الالتفات إلى الغيبة وقد جوز أن يكون المراد ~~بالقوم المجرمين أهل مكة على طريقة وضع الظاهر موضع ضمير الخطاب ~~إيذانا بأنهم أعلام في الإجرام ويأباه كل الإباء. ### || [10.14] # قوله عز وجل: { ثم جعلنكم خلئف فى الأرض من ~~بعدهم } فإنه صريح في أنه ابتداء تعرض لأمورهم وأن ما بين فيه ~~إنما هو مبادي أحوالهم لاختبار كيفيات أعمالهم على وجه يشعر ~~باستمالتهم نحو الإيمان والطاعة فمحال أن يكون ذلك إثر بيان منتهى ~~أمرهم وخطابهم ببت القول بإهلاكهم لكمال إجرامهم والمعنى ثم ~~استخلفناكم في الأرض من بعد إهلاك أولئك القرون التي تسمعون أخبارها ~~وتشاهدون آثارها استخلاف من يختبر { لننظر } أي لنعامل معاملة ~~من ينظر { كيف تعملون } فهي استعارة تمثيلية، وكيف منصوب على ~~المصدرية بتعملون لا بننظر فإن ما فيه من معنى الاستفهام مانع من تقدم ~~عامله عليه أي أي عمل أو على الحالية أي على أي حال تعملون ~~الأعمال اللائقة بالاستخلاف من أوصاف الحسن كقوله عز وعلا: # ليبلوكم أيكم أحسن عملا # [هود: 7, الملك: 2] ففيه إشعار بأن المراد بالذات والمقصود الأصلي ~~من الاستخلاف إنما هو ظهور الكيفيات الحسنة للأعمال الصالحة، وأما ~~الأعمال السيئة فبمعزل من أن تصدر عنهم لا سيما بعد ما سمعوا أخبار ~~القرون المهلكه وشاهدوا آثار بعضها فضلا عن أن ينظم ظهورها في ~~سلك العلة الغائية للاستخلاف، وقيل: منصوب على أنه مفعول به أي أي ~~عمل تعملون أخيرا أم شرا فنعاملكم بحسبه فلا يكون في كلمة كيف حينئذ ~~دلالة على أن المعتبر في الجزاء جهات الأعمال وكيفياتها لا ذواتها ~~كما هو رأي القائل بل تكون حينئذ مستعارة لمعنى أي شيء. ### || [10.15] # { وإذا تتلى عليهم } التفات من خطابهم إلى الغيبة إعراضا ~~عنهم وتوجيها للخطاب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بتعديد ms1450 جناياتهم ~~المضادة لما أريد منهم بالاستخلاف، من تكذيب الرسول والكفر بالآيات ~~البينات وغير ذلك كدأب من قبلهم من القرون المهلكة، وصيغة ~~المضارع للدلالة على تجدد جوابهم الآتي حسب تحدد التلاوة { ~~ءايتنا } الدالة على حقية التوحيد وبطلان الشرك، والإضافة ~~لتشريف المضاف والترغيب في الإيمان به والترهيب عن تكذيبه { ~~بينت } حال كونها واضحات الدلالة على ذلك، وإيراد فعل ~~التلاوة مبنيا للمفعول مسندا إلى الآيات دون رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ببنائه للفاعل للإشعار بعدم الحاجة لتعين التالي وللإيذان بأن ~~كلامهم في نفس المتلودون التالي { قال الذين لا يرجون ~~لقاءنا } وضع الموصول موضع الضمير إشعارا بعلية ما في حيز ~~الصلة العظيمة المحكية عنهم وأنهم إنما اجترءوا عليها لعدم خوفهم من ~~عقابه تعالى يوم اللقاء لإنكارهم له ولما هو من مباديه من البعث وذما ~~لهم بذلك أي قالوا لمن يتلوها عليهم وهو رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وإنما لم يذكر إيذانا بتعينه { ائت بقرءان غير هذا } ~~أشاروا بهذا إلى القرآن المشتمل على تلك الآيات لا إلى نفسها فقط ~~قصدا إلى إخراج الكل من البين أي ائت بكتاب آخر نقرؤه ليس فيه ما ~~نستبعده من البعث والحساب والجزاء وما نكرهه من ذم آلهتنا ومعايبها ~~والوعيد على عبادتها { أو بدله } بتغيير ترتيبه بأن تجعل مكان ~~الآية المشتملة على ذلك آية آخرى خالية عنها وإنما قالوه كيدا ~~وطمعا في المساعدة ليتوسلوا به إلى الإلزام والاستهزاء به { قل } لهم ~~{ ما يكون لى } أي ما يصح وما يستقيم لي ولا يمكنني أصلا { أن ~~أبدله من تلقاء نفسى } أي من قبل نفسي وهو مصدر استعمل ~~ظرفا، وقرىء بفتح التاء وقصر الجواب ببيان امتناع ما اقترحوه على ~~اقتراحهم الثاني للإيذان بأن استحالة ما اقترحوه أولا من الظهور بحيث ~~لا حاجة إلى بيانها وأن التصدي لذلك مع كونه ضائعا ربما يعد من ~~قبيل المجاراة مع السفهاء إذ لا يصدر مثل ذلك الاقتراح عن العقلاء، ~~ولأن ما يدل على استحالة الثاني يدل على استحالة الأول بالطريق الأولى. # { إن أتبع } أي ما ms1451 أتبع في شيء مما آتي وأذر { إلا ما ~~يوحى إلى } من غير تغيير له في شيء أصلا على معنى قصر حاله ~~عليه السلام على اتباع ما يوحى إليه لا قصر اتباعه على ما يوحى إليه ~~كما هو المتبادر من ظاهر العبارة كأنه قيل: ما أفعل إلا اتباع ما ~~يوحى إلي وقد مر تحقيق المقام في سورة الأنعام، وهو تعليل لصدر ~~الكلام، فإن من شأنه اتباع الوحي على ما هو عليه لا يستبد بشيء دونه ~~قطعا، وفيه جواب للنقض بنسخ بعض الآيات ببعض ورد لما عرضوا به ~~عليه الصلاة والسلام بهذا السؤال من أن القرآن كلامه عليه الصلاة ~~والسلام ولذلك قيد التبديل في الجواب بقوله: { من تلقاء نفسى } ~~وسماه عصيانا عظيما مستتبعا لعذاب عظيم بقوله تعالى: { إنى أخاف ~~إن عصيت ربى عذاب يوم عظيم } فإنه تعليل لمضمون ما ~~قبله من امتناع التبديل واقتصار أمره عليه الصلاة والسلام على اتباع ~~الوحي، أي أخاف إن عصيته تعالى بتعاطي ما ليس لي من التبديل من تلقاء ~~نفسي والإعراض عن اتباع الوحي عذاب يوم عظيم هو يوم القيامة أو يوم ~~اللقاء الذي لا يرجونه، وفيه إشعار بأنهم استوجبوه بهذا الاقتراح. # والتعرض لعنوان الربوبية مع الإضافة إلى ضميره عليه السلام لتهويل ~~أمر العصيان وإظهار كمال نزاهته عليه السلام عنه، وإيراد اليوم ~~بالتنوين التفخيمي ووصفه بالعظم لتهويل ما فيه من العذاب وتفظيعه، ولا ~~مساغ لحمل مقترحهم على التبديل والإتيان بقرآن آخر من جهة الوحي ~~بتفسير قوله تعالى: { ما يكون لى أن أبدله من تلقاء ~~نفسى } بأنه لا يتسهل لي أن أبدله بالاستدعاء من جهة الوحي، ما ~~أتبع إلا ما يوحى إلي من غير صنع ما من الاستدعاء وغيره من قبلي، ~~لأنه يرده التعليل المذكور لا لأن المقترح حينئذ ليس فيه معصية ~~أصلا كما توهم، فإن استدعاء تبديل الآيات النازلة حسبما تقتضيه ~~الحكمة التشريعية بعضها ببعض، لا سيما بموجب اقترح الكفرة مما لا ~~ريب في كونه معصية بل لأنه ليس فيه معصية الافتراء مع أنها المقصودة ~~بما ذكر ms1452 في التعليل، ألا يرى إلى ما بعده من الآيتين الكريمتين فإنه ~~صريح في أن مقترحهم الإتيان بغير القرآن وتبديله بطريق الافتراء ~~وأن زعمهم في الأصل أيضا كذلك. ### || [10.16] # وقوله عز وجل: { قل لو شاء الله ما تلوته عليكم } ~~تحقيق لحقية القرآن وكونه من عند الله تعالى إثر بيان بطلان ما ~~اقترحوا الإتيان به واستحالته عبارة ودلالة، وإنما صدر بالأمر ~~المستقل مع كونه داخلا تحت الأمر السابق إظهارا لكمال الاعتناء ~~بشأنه وإيذانا باستقلاله مفهوما وأسلوبا، فإنه برهان دال على كونه ~~بأمر الله تعالى ومشيئته كما سيأتي، وما سبق مجرد إخبار باستحالة ما ~~اقترحوه، ومفعول شاء محذوف ينبىء عنه الجزاء لا غير ذلك كما قيل فإن ~~مفعول المشيئة إنما يحذف إذا وقعت شرطا وكان مفعولها مضمون الجزاء ~~ولم يكن في تعلقها به غرابة كما في قوله: # لو شئت أن أبكي دما لبكيته # حيث لم يحذف لفقدان الشرط الأخير ولأن المستلزم للجزاء أعني عدم ~~تلاوته عليه الصلاة والسلام للقرآن عليهم إنما هو مشيئته تعالى له لا ~~مشيئته لغير القرآن، والمعنى أن الأمر كله منوط بمشيئته تعالى وليس ~~لي منه شيء قط، ولو شاء عدم تلاوتي له عليكم لا بأن شاء عدم تلاوتي ~~له من تلقاء نفسي بل بأن ينزله علي ولم يأمرني بتلاوته كما ينبىء ~~عنه إيثار التلاوة على القراءة ما تلوته عليكم { ولا أدراكم ~~به } أي ولا أعلمكم به بواسطتي، والتالي وهو عدم التلاوة والإدراء ~~منتف فينتفي المقدم أعني مشيئته عدم التلاوة، ولا يخفى أنها مستلزمة ~~لعدم مشيئته التلاوة قطعا، فانتفاؤها مستلزم لانتفائه حتما وانتفاء ~~عدم مشيئته التلاوة إنما يكون بتحقق مشيئة التلاوة فثبت أن تلاوته ~~عليه الصلاة والسلام للقرآن بمشيئته تعالى وأمره، وإنما قيدنا الإدراء ~~بكونه بواسطته عليه الصلاة والسلام لأن عدم الإعلام مطلقا ليس من ~~لوازم الشرط الذي هو مشيئة عدم تلاوته عليه السلام فلا يجوز نظمه في ~~سلك الجزاء، وفي إسناد عدم الإدراء إليه تعالى المنبىء عن استناد ~~الإدراء إليه تعالى إيذان بأن لا دخل له عليه السلام في ms1453 ذلك حسبما ~~يقتضيه المقام، وقرىء ولا أدرأنكم ولا أدرأكم بالهمزة فيهما على ~~لغة من يقول: أعطأت وأرضأت في أعطيت وأرضيت أو على أنه من الدرء بمعنى ~~الدفع أي ولا جعلتكم بتلاوته عليكم خصماء تدرؤني بالجدال، وقرىء ~~ولا أنذرتكم به وقرىء لأدراكم بلام الجواب، أي لو شاء الله ما تلوته ~~عليكم أنا ولأعلمكم به على لسان غيري، على معنى أنه الحق الذي لا ~~محيص عنه، لو لم أرسل به أنا لأرسل به غيري البتة، أو على معنى أنه ~~تعالى يمن على من يشاء فخصني بهذه الكرامة. # { فقد لبثت فيكم عمرا } تعليل للملازمة المستلزمة لكون ~~تلاوته بمشيئة الله تعالى وأمره حسبما بين آنفا، لكن لا بطريق ~~الاستدلال عليها بعدم تلاوته عليه الصلاة والسلام فيما سبق بسبب ~~مشيئته تعالى إياه بل بطريق الاستشهاد عليها بما شاهدوا منه عليه ~~الصلاة والسلام في تلك المدة الطويلة من الأمور الدالة على استحالة ~~كون التلاوة من جهته عليه الصلاة والسلام بلا وحي، وعمرا نصب على ~~التشبيه بظرف الزمان، والمعنى قد أقمت فيما بينكم دهرا مديدا ~~مقدار أربعين سنة تحفظون تفاصيل أحوالي طرا وتحيطون بما لدي خبرا ~~{ من قبله } أي من قبل نزول القرآن لا أتعاطى شيئا مما يتعلق به ~~لا من حيث نظمه المعجز ولا من حيث معناه الكاشف عن أسرار الحقائق ~~وأحكام الشرائع { أفلا تعقلون } أي ألا تلاحظون ذلك فلا تعقلون ~~امتناع صدوره عن مثلي، ووجوب كونه منزلا من عند الله العزيز الحكيم ~~فإنه غير خاف على من له عقل سليم. # والحق الذي لا محيد عنه أن من له أدنى مسكة من العقل إذا تأمل في ~~أمره عليه الصلاة والسلام وأنه نشأ فيما بينهم هذا الدهر الطويل من ~~غير مصاحبة العلماء في شأن من الشؤون ولا مراجعة إليهم في فن من الفنون ~~ولا مخالطة البلغاء في المفاوضة والحوار ولا خوض معهم في إنشاء ~~الخطب والأشعار ثم أتى بكتاب بهرت فصاحته كل فصيح فائق وبزت ~~بلاغته كل بليغ رائق أو علا نظمه كل منثور ومنظوم وحوى فحواه ms1454 ~~بدائع أصناف العلوم، كاشف أسرار الغيب من وراء أستار الكمون ~~ناطق بأخبار ما قد كان وما سيكون، مصدق لما بين يديه من الكتب ~~المنزلة مهيمن عليها في أحكامها المجملة والمفصلة لا يبقى عنده ~~شائبة اشتباه في أنه وحي منزل من عند الله، هذا هو الذي اتفقت عليه ~~كلمة الجمهور، ولكن الأنسب ببناء الجواب فيما سلف على مجرد امتناع ~~صدور التغيير والتبديل عنه عليه الصلاة والسلام لكونه معصية موجبة ~~للعذاب العظيم واقتصار حاله عليه الصلاة والسلام على اتباع الوحي ~~وامتناع الاستبداد بالرأي من غير تعرض هناك ولا ههنا لكون القرآن في ~~نفسه أمرا خارجا عن طوق البشر ولا لكونه عليه الصلاة والسلام غير ~~قادر على الإتيان بمثله أن يستشهد ههنا على المطلب بما يلائم ذلك ~~من أحواله المستمرة في تلك المدة المتطاولة من كمال نزاهته عليه ~~الصلاة والسلام عما يوهم شائبة صدور الكذب والافتراء عنه في حق أحد ~~كائنا من كان كما ينبىء عنه تعقيبه بتظليم المفتري على الله تعالى، ~~والمعنى قد لبثت فيما بين ظهرانيكم قبل الوحي لا أتعرض لأحد قط بتحكم ~~ولا جدال ولا أحوم حول مقال فيه شائبة شبهة فضلا عما فيه كذب أو ~~افتراء، ألا تلاحظون فلا تعقلون أن من هذا شأنه المطرد في هذا ~~العهد البعيد مستحيل أن يفتري على الله عز وجل ويتحكم على كافة الخلق ~~بالأوامر والنواهي الموجبة لسلب الأموال وسفك الدماء ونحو ذلك، وأن ~~ما أتى به وحي مبين تنزيل من رب العالمين. ### || [10.17-18] # وقوله عز وجل: { فمن أظلم ممن افترى على الله ~~كذبا } استفهام إنكاري معناه الجحد أي لا أحد أظلم منه على معنى ~~أنه أظلم من كل ظالم، وإن كان سبك التركيب مفيدا لإنكار أن يكون أحد ~~أظلم منه من غير تعرض لإنكار المساواة ونفيها، فإنه إذا قيل: من ~~أفضل من فلان أو لا أعلم منه يفهم منه حتما أنه أفضل من كل فاضل ~~وأعلم من كل عالم، وزيادة قوله تعالى: { كذبا } مع أن الافتراء لا ~~يكون إلا كذلك للإيذان بأن ms1455 ما أضافوه إليه ضمنا وحملوه عليه الصلاة ~~والسلام صريحا مع كونه افتراء على الله تعالى كذب في نفسه، فرب ~~افتراء يكون كذبه في الإسناد فقط كما إذا أسند ذنب زيد إلى عمرو، ~~وهذا للمبالغة منه عليه الصلاة والسلام في التفادي عما ذكر من الافتراء ~~على الله سبحانه { أو كذب بآياته } فكفر بها، وهذا تظليم ~~للمشركين بتكذيبهم للقرآن وحملهم على أنه من جهته عليه الصلاة والسلام، ~~والفاء لترتيب الكلام على ما سبق من بيان كون القرآن بمشيئته تعالى ~~وأمره، فلا مجال لحمل الافتراء باتخاذ الولد والشريك، أي وإذا كان ~~الأمر كذلك فمن افترى عليه تعالى بأن يختلق كلاما فيقول: هذا من عند ~~الله أو يبدل بعض آياته تعالى ببعض كما تجوزون ذلك في شأني، وكذلك من ~~كذب بآياته تعالى كما تفعلونه أظلم من كل ظالم { إنه } الضمير للشأن ~~وقع اسما لإن والخبر ما يعقبه من الجملة، ومدار وضعه موضعه ادعاء ~~شهرته المغنية عن ذكره، وفائدة تصديرها به الإيذان بفخامة مضمونها ~~مع ما فيه من زيادة تقريره في الذهن فإن الضمير لا يفهم منه من أول ~~الأمر إلا شأن مبهم له خطر فيبقى الذهن مترقبا لما يعقبه فيتمكن ~~عند وروده عليه فضل تمكن، فكأنه قيل: إن الشأن هذا أي { لا يفلح ~~المجرمون } أي لا ينجون من محذور ولا يظفرون بمطلوب، والمراد ~~جنس المجرمين فيندرج فيه المفتري والمكذب اندراجا أوليا. # { ويعبدون من دون الله } حكاية لجناية أخرى لهم نشأت عنها ~~جنايتهم الأولى معطوفة على قوله تعالى: { وإذا تتلى عليهم ~~} الآية، عطف قصة على قصة، ومن دون متعلق بيعبدون ومحله النصب على ~~الحالية من فاعله أي متجاوزين الله سبحانه لا بمعنى ترك عبادته بالكلية ~~بل بمعنى عدم الاكتفاء بها وجعلها قرينا لعبادة الأصنام كما يفصح عنه ~~سياق النظم الكريم { ما لا يضرهم ولا ينفعهم } أي ما ~~ليس من شأنه الضر والنفع من الأصنام التي هي جمادات، وما موصولة أو ~~موصوفة، وتقديم نفي الضرر لأن أدنى أحكام العبادة دفع الضرر الذي ~~هو أول المنافع، والعبادة ms1456 أمر حادث مسبوق بالعدم الذي هو مظنة ~~الضرر فحيث لم تقدر الأصنام على الضرر لم يوجد لإحداث العبادة سبب، ~~وقيل: لا يضرهم إن تركوا عبادتها ولا ينفعهم إن عبدوها. # كان أهل الطائف يعبدون اللات وأهل مكة عزى ومناة وهبل ~~وإسافا ونائلة { ويقولون هؤلاء شفعؤنا عند الله } ~~عن النضر بن الحارث إذا كان يوم القيامة يشفع لي اللات. قيل: إنهم ~~كانوا يعتقدون أن المتولي لكل إقليم روح معين من أرواح الأفلاك ~~فعينوا لذلك الروح صنما معينا من الأصنام واشتغلوا بعبادته ومقصودهم ~~ذلك الروح ثم اعتقدوا أن ذلك الروح يكون عند الإله الأعظم مشتغلا ~~بعبوديته وقيل: إنهم كانوا يعبدون الكواكب فوضعوا لها أصناما معينة ~~واشتغلوا بعبادتها قصدا إلى عبادة الكواكب، وقيل: إنهم وضعوا طلسمات ~~معينة على تلك الأصنام ثم تقربوا إليها، وقيل: إنهم وضعوا هذه الأصنام ~~على صور أنبيائهم وأكابرهم وزعموا أنهم متى اشتغلوا بعبادة هذه ~~التماثيل فإن أولئك الأكابر يشفعون لهم عند الله تعالى. # { قل } تبكيتا لهم { أتنبئون الله بما لا يعلم } أي ~~أتخبرونه بما لا وجود له أصلا وهو كون الأصنام شفعاءهم عند الله ~~تعالى إذ لولاه لعلمه علام الغيوب، وفيه تقريع لهم وتهكم بهم وبما ~~يدعونه من المحال الذي لا يكاد يدخل تحت الصحة والإمكان، وقرىء ~~أتنبيون بالتخفيف وقوله تعالى: { في السموات ولا فى ~~الأرض } حال من العائد المحذوف في يعلم مؤكدة للنفي، لأن ما لا ~~يوجد فيهما فهو منتف عادة { سبحانه وتعالى عما يشركون ~~} عن إشراكهم المستلزم لتلك المقالة الباطلة أو عن شركائهم الذين ~~يعتقدونهم شفعاءهم عند الله تعالى وقرىء تشركون بتاء الخطاب على أنه من ~~جملة القول المأمور به، وعلى الأول هو اعتراض تذييلي من جهته ~~سبحانه وتعالى. ### || [10.19] # { وما كان الناس إلا أمة واحدة } بيان لأن التوحيد ~~والإسلام ملة قديمة أجمعت عليها الناس قاطبة فطرة وتشريعا وأن ~~الشرك وفروعه جهالات ابتدعها الغواة خلافا للجمهور وشقا لعصا ~~الجماعة، وأما حمل اتحادهم على الاتفاق على الضلال عند الفترة ~~واختلافهم على ما كان منهم من الاتباع والإصرار فمما لا ms1457 احتمال له، أي ~~وما كان الناس كافة من أول الأمر إلا متفقين على الحق والتوحيد من غير ~~اختلاف، وذلك من عهد آدم عليه الصلاة والسلام إلى أن قتل قابيل ~~هابيل، وقيل: إلى زمن إدريس عليه السلام وقيل: إلى زمن نوح عليه ~~السلام وقيل: من حين الطوفان حين لم يذر الله من الكافرين ديارا إلى ~~أن ظهر فيما بينهم الكفر، وقيل: من لدن إبراهيم عليه الصلاة والسلام ~~إلى أن أظهر عمرو بن لحي عبادة الأصنام، فالمراد بالناس العرب ~~خاصة وهو الأنسب بإيراد الآية الكريمة إثر حكاية ما حكي عنهم من ~~الهنات وتنزيه ساحة الكبرياء عن ذلك { فاختلفوا } بأن كفر ~~بعضهم وثبت آخرون على ما هم عليه فخالف كل من الفريقين الآخر لا أن ~~كلا منهما أحدث ملة على حدة من ملل الكفر مخالفة لملة الآخر، فإن ~~الكلام ليس في ذلك الاختلاف إذ كل منهما مبطل حينئذ فلا يتصور ~~أن يقضى بينهما بإبقاء المحق وإهلاك المبطل، والفاء التعقيبية لا ~~تنافي امتداد زمان الاتفاق إذ المراد بيان وقوع الاختلاف عقيب ~~انصرام مدة الاتفاق لا عقيب حدوث الاتفاق { ولولا كلمة ~~سبقت من ربك } بتأخير القضاء بينهم أو بتأخير العذاب الفاصل ~~بينهم إلى يوم القيامة فإنه يوم الفصل { لقضي بينهم } عاجلا ~~{ فيما فيه يختلفون } بتمييز الحق من الباطل بإبقاء الحق ~~وإهلاك المبطل. وصيغة الاستقبال لحكاية الحال الماضية وللدلالة على ~~الاستمرار. ### || [10.20-21] # { ويقولون } حكاية لجناية أخرى لهم معطوفة على قوله تعالى: { ~~ويعبدون } وصيغة المضارع لاستحضار صورة مقالتهم الشنعاء ~~والدلالة على الاستمرار والقائلون أهل مكة { لولا أنزل عليه ~~ءاية من ربه } أرادوا آية من الآيات التي اقترحوها كأنهم لفرط ~~العتو والفساد ونهاية التمادي في المكابرة والعناد لم يعدوا ~~البينات النازلة عليه عليه الصلاة والسلام من جنس الآيات واقترحوا ~~غيرها مع أنه قد أنزل عليه من الآيات الباهرة والمعجزات المتكاثرة ~~ما يضطرهم إلى الانقياد والقبول لو كانوا من أرباب العقول { فقل } ~~لهم في الجواب { إنما الغيب لله } اللام للاختصاص العلمي ~~دون التكويني فإن الغيب والشهادة في ذلك الاختصاص ms1458 سيان والمعنى أن ~~ما اقترحتموه زعمتم أنه من لوازم النبوة وعلقتم إيمانكم بنزوله من ~~الغيوب المختصة بالله تعالى لا وقوف لي عليه { فانتظروا } نزوله { ~~إنى معكم من المنتظرين } أي لما يفعل الله بكم لاجترائكم ~~على مثل هذه العظيمة من جحود الآيات واقتراح غيرها وجعل الغيب ~~عبارة عن الصارف عن إنزال الآيات المقترحة يأباه ترتيب الأمر ~~بالانتظار على اختصاص الغيب به تعالى. { وإذا أذقنا الناس ~~رحمة } صحة وسعة { من بعد ضراء مستهم } أي خالطتهم ~~حتى أحسوا بسوء أثرها فيهم، وإسناد المساس إلى الضراء بعد إسناد ~~الإذاقة إلى ضمير الجلالة من الآداب القرآنية كما في قوله تعالى: # وإذا مرضت فهو يشفين # [الشعراء: 80] ونظائره. وقيل: سلط الله تعالى على أهل مكة القحط سبع ~~سنين حتى كادوا يهلكون ثم رحمهم بالحيا فطفقوا يطعنون في آياته تعالى ~~ويعادون رسوله عليه الصلاة والسلام ويكيدونه وذلك قوله تعالى: { وإذا ~~لهم مكر فى آياتنا } أي بالطعن فيها وعدم الاعتداد بها ~~والاحتيال في دفعها، وإذا الأولى شرطية والثانية جوابها كأنه قيل: ~~فاجأوا وقوع المكر منهم وتنكير مكر للتفخيم، وفي متعلقة بالاستقرار ~~الذي يتعلق به اللام { قل الله أسرع مكرا } أي أعجل عقوبة ~~أي عذابه أسرع وصولا إليكم مما يأتي منكم في دفع الحق، وتسمية ~~العقوبة بالمكر لوقوعها في مقابلة مكرهم وجودا أو ذكرا { إن ~~رسلنا } الذين يحفظون أعمالكم والإضافة للتشريف { يكتبون ما ~~تمكرون } أي مكركم أو ما تمكرونه وهو تحقيق للانتقام منهم ~~وتنبيه على أن ما دبروا في إخفائه غير خاف على الحفظة فضلا عن ~~العليم الخبير، وصيغة الاستقبال في الفعلين للدلالة على الاستمرار ~~التجددي والجملة تعليل من جهته تعالى لأسرعية مكره سبحانه غير داخل ~~في الكلام الملقن كقوله تعالى: # ولو جئنا بمثله مددا # [الكهف: 109] فإن كتابة الرسل لما يمكرون من مبادىء بطلان مكرهم ~~وتخلف أثره عنه بالكلية وفيه من المبالغة ما لا يوصف، وتلوين الخطاب ~~بصرفه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إليهم للتشديد في التوبيخ، وقرىء ~~على لفظ الغيبة فيكون حينئذ تعليلا لما ذكر أو للأمر. ms1459 ### || [10.22] # { هو الذى يسيركم } كلام مستأنف مسوق لبيان جناية أخرى ~~لهم مبنية على ما مر آنفا من اختلاف حالهم حسب اختلاف ما يعتريهم من ~~السراء والضراء، أي يمكنكم من السير تمكينا مستمرا عند الملابسة به ~~وقبلها { فى البر } مشاة وركبانا وقرىء ينشركم من النشر ومنه ~~قوله عز وجل: # بشر تنتشرون # [الروم: 20] { والبحر حتى إذا كنتم فى الفلك } أي ~~السفن فإنه جمع فلك على زنة أسد جمع أسد لا على وزن قفل، وغاية ~~التسيير ليست ابتداء ركوبهم فيها بل مضمون الشرطية بتمامه كما ~~ينبىء عنه إيثار الكون المؤذن بالدوام على الركوب المشعر بالحدوث { ~~وجرين } أي السفن { بهم } بالذين فيها، والالتفات إلى الغيبة ~~للإيذان مما لهم من سوء الحال الموجب للإعراض عنهم كأنه يذكر لغيرهم ~~مساوىء أحوالهم ليعجبهم منها ويستدعي منه الإنكار والتقبيح، ~~وقيل: ليس فيه التفات بل معنى قوله تعالى: { حتى إذا كنتم فى ~~الفلك } إذا كان بعضكم فيها إذ الخطاب للكل ومنهم المسيرون في ~~البر، فالضمير الغائب عائد إلى ذلك المضاف المقدر كما في قوله تعالى: # أو كظلمت فى بحر لجى يغشه # [النور: 40] أي أو كذي ظلمات يغشاه موج { بريح طيبة } لينة ~~الهبوب موافقة لمقصدهم { وفرحوا بها } بتلك الريح لطيبها ~~وموافقتها { جاءتها } جواب إذا والضمير المنصوب للريح الطيبة أي ~~تلقتها واستولت عليها من طرف مخالف لها فإن الهبوب على وفقها لا ~~يسمى مجيئا لريح أخرى عادة بل هو اشتداد للريح الأولى وقيل: للفلك ~~والأول أظهر لاستلزامه للثاني من غير عكس لأن الهبوب على طريقة الريح ~~اللينة يعد مجيئا بالنسبة إلى الفلك دون الريح اللينة مع أنه لا ~~يستتبع تلاطم الأمواج الموجب لمجيئها من كل مكان، ولأن التهويل في ~~بيان استيلائها على ما فرحوا به وعلقوا به حبال رجائهم أكثر { ~~ريح عاصف } أي ذات عصف وقيل: العصوف مختص بالريح فلا حاجة ~~إلى الفارق وقيل: الريح قد يذكر { وجاءهم الموج } في الفلك { ~~من كل مكان } أي من أمكنة مجيء الموج عادة ولا بعد في مجيئه ~~من جميع الجوانب أيضا إذ لا يجب ms1460 أن يكون مجيئه من جهة هبوب الريح فقط ~~بل قد يكون من غيرها بحسب أسباب تتفق له { وظنوا أنهم أحيط ~~بهم } أي هلكوا فإن ذلك مثل في الهلاك أصله إحاطة العدو بالحي أو ~~سدت عليهم مسالك الخلاص { دعوا الله } بدل من ظنوا بدل اشتمال ~~لما بينهما من الملابسة والتلازم أو استئناف مبني على سؤال ينساق ~~إليه الأذهان كأنه قيل: فماذا صنعوا؟ فقيل: دعوا الله { مخلصين ~~له الدين } من غير أن يشركوا به شيئا من آلهتهم لا مخصصين لدعاء به ~~تعالى فقط بل للعبادة أيضا فإنهم بمجرد تخصيص الدعاء به تعالى لا ~~يكونون مخلصين له الدين. # { لئن أنجيتنا } اللام موطئة للقسم على إرادة القول أي ~~قائلين: والله لئن أنجيتنا { من هذه } الورطة { لنكونن } ~~البتة بعد ذلك أبدا { من الشكرين } لنعمك التي من جملتها هذه ~~النعمة المسؤولة وقيل: الجملة مفعول دعوا لأن الدعاء من قبيل ~~القول والأول هو الأولى لاستدعاء الثاني لاقتصار دعائهم على ذلك فقط ~~وفي قوله: { لنكونن من الشكرين } من المبالغة في الدلالة ~~على كونهم ثابتين في الشكر مثابرين عليه منتظمين في سلك المنعوتين ~~بالشكر الراسخين فيه ما ليس في أن يقال لنشكرن. ### || [10.23] # { فلما أنجاهم } مما غشيهم من الكربة والفاء للدلالة على ~~سرعة الإجابة { إذا هم يبغون فى الأرض } أي فاجئوا الفساد ~~فيها وسارعوا إليه متراقين في ذلك متجاوزين عما كانوا عليه من حدود ~~العيث، من قولهم: بغى الجرح إذا ترامى في الفساد، وزيادة في الأرض ~~للدلالة على التجدد والاستمرار وقوله تعالى: { بغير الحق } ~~تأكيد لما يفيده البغي أو معناه أنه بغير الحق عندهم أيضا بأن يكون ~~ذلك ظلما ظاهرا لا يخفى قبحه على أحد كما في قوله تعالى: # ويقتلون النبيين بغير الحق # [البقرة: 61] وأما ما قيل من أنه للاحتراز عن البغي بحق كتخريب الغزاة ~~ديار الكفرة وقطع أشجارهم وإحراق زرعهم فلا يساعده النظم الكريم ~~لابتنائه على كون البغي بمعنى إفساد صورة الشيء وإبطال منفعته دون ما ~~ذكر من المعنى اللائق بحال المفسدين. # { يا أيها الناس } توجيه للخطاب إلى ms1461 أولئك الباغين للتشديد في ~~التهديد والمبالغة في الوعيد { إنما بغيكم } الذي تتعاطونه ~~وهو مبتدأ وقوله تعالى: { على أنفسكم } خبره أي عليكم في ~~الحقيقة لا على الذين تبغون عليهم وإن ظن كذلك وقوله تعالى: { ~~متاع الحيوة الدنيا } بيان لكون ما فيه من المنفعة ~~العاجلة شيئا غير معتد به سريع الزوال دائم الوبال، وهو نصب على ~~أنه مصدر مؤكد لفعل مقدر بطريق الاستئناف أي تتمتعون متاع الحياة ~~الدنيا وقيل: على أنه مصدر وقع موقع الحال أي متمتعين بالحياة الدنيا ~~والعامل هو الاستقرار الذي في الخبر لا نفس البغي لأنه يؤدي إلى الفصل ~~بين المصدر ومعموله بالخبر ولا يخبر عن الموصول إلا بعد تمام صلته ~~وأنت خبير بأنه ليس في تقييد كون بغيهم على أنفسهم بحال تمتعهم ~~بالحياة الدنيا معنى يعتد به، وقيل: على أنه ظرف زمان نحو مقدم ~~الحاج أي زمن متاع الحياة الدنيا وفيه ما مر بعينه، وقيل: على أنه ~~مفعول لفعل دل عليه المصدر أي تبغون متاع الحياة الدنيا ولا يخفى أنه ~~لا يدل على البغي بمعنى الطلب وجعل المصدر أيضا بمعناه مما يخل ~~بجزالة النظم الكريم لأن الاستئناف لبيان سوء عاقبة ما حكي عنهم ~~من البغي المفسر بالإفساد المفرط اللائق بحالهم فأي مناسبة بينه ~~وبين البغي بمعنى الطلب؟ وجعل الأول أيضا بمعناه مما يجب تنزيه ساحة ~~التنزيل عنه وقيل: على أنه مفعول له أي لأجل متاع الحياة الدنيا ~~والعامل ما ذكر من الاستقرار، وفيه أن المعلل بما ذكر نفس البغي لا ~~كونه على أنفسهم، وقيل: العامل فيه فعل مدلول عليه بالمصدر أي تبغون ~~لأجل متاع الحياة الدنيا على أن الجملة مستأنفة، وقيل: على أنه ~~مفعول صريح للمصدر وعلى أنفسكم ظرف لغو متعلق به، والمراد بالأنفس ~~الجنس والخبر محذوف لطول الكلام والتقدير إنما بغيكم على أبناء ~~جنسكم متاع الحياة الدنيا محذور أو ظاهر الفساد أو نحو ذلك، وفيه ما ~~مر من ابتنائه على ما يليق بالمقام من كون البغي بمعنى الطلب. # نعم لو جعل نصبه على العلة أي إنما بغيكم ms1462 على أبناء جنسكم لأجل ~~متاع الحياة الدنيا محذور كما اختاره بعضهم لكان له وجه في الجملة ~~لكن الحق الذي تقتضيه جزالة التنزيل إنما هو الأول وقرىء متاع ~~بالرفع على أنه الخبر والظرف صلة للمصدر أو خبر ثان لمبتدإ محذوف ~~أي هو متاع الخ، كما في قوله تعالى: # إلا ساعة من نهار بلاغ # [الأحقاف: 35] أي هذا بلاغ فالمراد بأنفسهم على الوجه الأول أبناء ~~جنسهم وإنما عبر عنهم بذلك هزا لشفقتهم عليهم وحثا لهم على ترك ~~إيثار التمتع المذكور على حقوقهم ولا مجال للحمل على الحقيقة لأن كون ~~بغيهم وبالا عليهم ليس بثابت عندهم حسبما يقتضيه ما حكي عنهم ولم ~~يخبر به بعد حتى يجعل من تتمة الكلام ويجعل كونه متاعا مقصود ~~الإفادة، على أن عنوان كونه وبالا عليهم قادح في كونه متاعا فضلا ~~عن كونه من مبادي ثبوته للمبتدأ كما هو المتبادر من السوق. # وأما كون البغي على أبناء الجنس فمعلوم الثبوت عندهم ومتضمن ~~لمبادىء التمتع من أخذ المال والاستيلاء على الناس وغير ذلك، وأما ~~على الوجهين الأخيرين فلا موجب للعدول عن الحقيقة فإن المبتدأ إما نفس ~~البغي أو الضمير العائد إليه من حيث هو هو لا من حيث كونه وبالا ~~عليهم كما في صورة كون الظرف صلة للمصدر فتدبر. وقرىء متاعا الحياة ~~الدنيا، أما نصب متاعا فعلى ما مر وأما نصب الحياة فعلى أنه بدل من ~~متاعا بدل اشتمال، وقيل: على أنه مفعول به لمتاعا إذا لم يكن ~~انتصابه على المصدرية لأن المصدر المؤكد لا يعمل. عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم أنه قال: # " لا تمكر ولا تعن ماكرا ولا تبغ ولا تعن باغيا ولا تنكث ولا ~~تعن ناكثا " # وكان يتلوها وقال محمد بن كعب: ثلاث من كن فيه كن عليه: البغي ~~والنكث والمكر قال تعالى: { إنما بغيكم على أنفسكم } # وما يمكرون إلا بأنفسهم # [الأنعام: 123] # فمن نكث فإنما ينكث على نفسه # [الفتح: 10] وعنه عليه الصلاة والسلام: # " وأسرع الخير ثوابا صلة الرحم وأعجل الشر عقابا البغي واليمين ~~الفاجرة " # وروي (ثنتان يعجلهما ms1463 الله تعالى في الدنيا البغي وعقوق الوالدين) وعن ~~ابن عباس رضى الله تعالى عنهما (لو بغى جبل على جبل لدك الباغي) { ~~ثم إلينا مرجعكم } عطف على ما مر من الجملة المستأنفة ~~المقدرة كأنه قيل: تتمتعون متاع الحياة الدنيا ثم ترجعون إلينا وإنما ~~غير السبك إلى الجملة الاسمية مع تقديم الجار والمجرور للدلالة على ~~الثبات والقصر { فننبئكم بما كنتم تعملون } في الدنيا ~~على الاستمرار من البغي وهو وعيد بالجزاء والعذاب كقول الرجل لمن ~~يتوعده: سأخبرك بما فعلت، وفيه نكتة خفية مبنية على حكمة أبية وهي ~~أن كل ما يظهر في هذه النشأة من الأعيان والأعراض فإنما يظهر بصورة ~~مغايرة لصورته الحقيقية التي بها يظهر في النشأة الآخرة فإن المعاصي ~~مثلا سموم قاتلة قد برزت في الدنيا بصورة تستحسنها نفوس العصاة وكذا ~~الطاعات مع كونها أحسن الأحاسن قد ظهرت عندهم بصور مكروهة ولذلك قال ~~عليه الصلاة والسلام: # " حفت الجنة بالمكاره وحفت النار بالشهوات " # فالبغي في هذه النشأة وإن برز بصورة تشتهيها البغاة وتستحسنها الغواة ~~لتمتعهم به من حيث أخذ المال والتشفي من الأعداء ونحو ذلك لكن ذلك ~~ليس بتمتع في الحقيقة بل هو تضرر من حيث لا يحتسبون وإنما يظهر لهم ذلك ~~عند إبراز ما كانوا يعملونه من البغي بصورته الحقيقية المضادة لما ~~كانوا يشاهدونه على ذلك من الصورة وهو المراد بالتنبئة المذكورة والله ~~سبحانه وتعالى أعلم. ### || [10.24-25] # { إنما مثل الحيوة الدنيا } كلام مستأنف مسوق لبيان ~~شأن الحياة الدنيا وقصر مدة التمتع بها وقرب زمان الرجوع الموعود، ~~وقد شبه حالها العجبية الشأن البديعة المثال المنتظمة لغرابتها ~~في سلك الأمثال في سرعة تقضيها وانصرام نعيمها غب إقبالها ~~واغترار الناس بها بحال ما على الأرض من أنواع النبات في زوال رونقها ~~ونضارتها فجأة وذهابها حطاما لم يبق لها أثر أصلا بعد ما كانت ~~غضة طرية قد التف بعضها ببعض وزينت الأرض بألوانها وتقوت بعد ~~ضعفها بحيث طمع الناس وظنوا أنها سلمت من الجوائح، وليس المشبه به ~~ما دخله الكاف في قوله عز وجل: { كماء ms1464 أنزلناه من السماء ~~فاختلط به نبات الأرض } بل ما يفهم من الكلام فإنه من ~~التشبيه المركب { مما يأكل الناس والأنعم } من البقول ~~والزروع والحشيش { حتى إذا أخذت الأرض زخرفها } جعلت ~~الأرض في تزينها بما عليها من أصناف النباتات وأشكالها وألوانها ~~المختلفة المونقة آخذة زخرفها على طريقة التمثيل بالعروس التي قد ~~أخذت من ألوان الثياب والزين فتزينت بها { وازينت } أصله ~~تزينت فأدغم، وقرىء على الأصل وقرىء وأزينت كأغيلت من غير إعلال ~~والمعنى صارت ذات زينة وازيانت كابياضت { وظن أهلها ~~أنهم قادرون عليها } متمكنون من حصدها ورفع غلتها { ~~أتاها أمرنا } جواب إذا أي ضرب زرعها ما يجتاحه من الآفات ~~والعاهات { ليلا أو نهارا فجعلناها } أي زرعها وسائر ما ~~عليها { حصيدا } أي شبيها بما حصد من أصله { كأن لم تغن } ~~كأن لم يغن زرعها والمضاف محذوف للمبالغة وقرىء بتذكير الفعل { ~~بالامس } أي فيما قبل بزمان قريب فإن الأمس مثل في ذلك كأنه قيل: ~~لم تغن آنفا { كذلك } أي مثل ذلك التفصيل البديع { نفصل ~~الآيت } أي الآيات القرآنية التي من جملتها هذه الآية المنبهة على ~~أحوال الحياة الدنيا أي نوضحها ونبينها { لقوم يتفكرون } ~~في تضاعيفها ويقفون على معانيها، وتخصيص تفصيلها بهم لأنهم المنتفعون ~~بها، ويجوز أن يراد بالآيات ما ذكر في أثناء التمثيل من الكائنات ~~والفاسدات وبتفصيلها تصريفها على الترتيب المحكي إيجادا وإعداما ~~فإنها آيات وعلامات يستدل بها من يتفكر فيها على أحوال الحياة الدنيا ~~حالا ومآلا. # { والله يدعو إلى دار السلام } ترغيب للناس في الحياة ~~الأخروية الباقية إثر ترغيبهم عن الحياة الدنيوية الفانية أي يدعو ~~الناس جميعا إلى دار السلامة عن كل مكروه وآفة وهي الجنة، وإنما ~~ذكرت بهذا الاسم لذكر الدنيا بما يقابله من كونها معرضا للآفات أو ~~إلى دار الله تعالى وتخصيص الإضافة التشريفية بهذا الاسم الكريم ~~للتنبيه على ذلك أو إلى دار يسلم الله أو الملائكة فيها على من يدخلها ~~أو يسلم بعضهم علي بعض { ويهدى من يشاء } هدايته منهم { إلى ~~صرط مستقيم } موصل إليها وهو الإسلام والتزود بالتقوى، وفي ms1465 ~~تعميم الدعوة وتخصيص الهداية بالمشيئة دليل على أن الأمر غير ~~الإرادة وإن من أصر على الضلالة لم يرد الله رشده. ### || [10.26-27] # { للذين أحسنوا } أي أعمالهم أي عملوها على الوجه اللائق ~~وهو حسنها الوصفي المستلزم لحسنها الذاتي، وقد فسره رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم بقوله: # " أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك " # { الحسنى } أي المثوبة الحسنى { وزيادة } أي ما يزيد على تلك ~~المثوبة تفضلا لقوله عز اسمه: # ويزيدهم من فضله # [النور: 38] وقيل: الحسنى مثل حسناتهم والزيادة عشر أمثالها إلى ~~سبعمائة ضعف وأكثر، وقيل: الزيادة مغفرة من الله ورضوان، وقيل: ~~الحسنى الجنة والزيادة اللقاء { ولا يرهق وجوههم } أي لا ~~يغشاها { قتر } غبرة فيها سواد { ولا ذلة } أي أثر هوان ~~وكسوف بال، والمعنى لا يرهقهم ما يرهق أهل النار أو لا يرهقهم ما ~~يوجب ذلك من الحزن وسوء الحال، والتنكير للتحقير أي شيء منهما ~~والجملة مستأنفة لبيان أمنهم من المكاره إثر بيان فوزهم بالمطالب ~~والثاني وإن اقتضى الأول إلا أنه ذكر إذكارا بما ينقذهم الله تعالى ~~منه برحمته، وتقديم المفعول على الفاعل للاهتمام بيان أن المصون من ~~الرهق أشرف أعضائهم وللتشويق إلى المؤخر فإن ما حقه التقديم إذا ~~أخر تبقى النفس مترقبة لوروده فعند وروده عليها يتمكن عندها فضل ~~تمكن ولأن في الفاعل ضرب تفصيل كما في قوله تعالى: # يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان # [الرحمن: 22] وقوله عز وجل: # وجاءك فى هذه الحق وموعظة وذكرى ~~للمؤمنين # [هود: 120] { أولئك } إشارة إلى المذكروين باعتبار اتصافهم ~~بالصفات المذكورة، وما في اسم الإشارة من معنى البعد للإيذان بعلو ~~درجتهم وسمو طبقتهم أي أولئك الموصوفون بما ذكر من النعوت الجميلة ~~الفائزون بالمثوبات الناجون عن المكاره { أصحب الجنة هم ~~فيها خلدون } بلا زوال دائمون بلا انتقال. # { والذين كسبوا السيئات } أي الشرك والمعاصي وهو مبتدأ ~~بتقدير المضاف خبره قوله تعالى: { جزاء سيئة بمثلها } أي ~~جزاء الذين كسبوا السيئات أن يجازى سيئة واحدة بسيئة مثلها، لا يزاد ~~عليها كما يزاد في الحسنة، وتغيير السبك حيث لم يقل: وللذين ms1466 كسبوا ~~السيئات السوآى لمراعاة ما بين الفريقين من كمال التنائي والتباين، ~~وإيراد الكسب للإيذان بأن ذلك إنما هو لسوء صنيعهم وبسبب جنايتهم على ~~أنفسهم، أو الموصول معطوف على الموصول الأول كأنه قيل: وللذين كسبوا ~~السيئات جزاء سيئة بمثلها كقولك: في الدار زيد والحجرة عمرو وفيه ~~دلالة على أن المراد بالزيادة الفضل { وترهقهم ذلة } وأي ~~ذلة كما ينبىء عنه التنوين التفخيمي، وفي إسناد الرهق إلى أنفسهم ~~دون وجوههم إيذان بأنها محيطة بهم غاشية لهم جميعا وقرىء يرهقهم ~~بالياء التحتانية { ما لهم من الله من عاصم } أي لا ~~يعصمهم أحد من سخطه وعذابه تعالى أو ما لهم من عنده تعالى من ~~يعصمهم كما يكون للمؤمنين، وفي نفي العاصم من المبالغة في نفي العصمة ~~ما لا يخفى، والجملة مستأنفة أو حال من ضمير ترهقهم { كأنما ~~أغشيت وجوههم قطعا من الليل } لفرط سوادها وظلمتها { ~~مظلما } حال من الليل والعامل فيه أغشيت لأنه العامل في قطعا ~~وهو موصوف بالجار والمجرور والعامل في الموصوف عامل في الصفة، أو معنى ~~الفعل في (من الليل) وقرىء قطعا بسكون الطاء وهو طائفة من الليل ~~قال: # افتحي الباب وانظري في النجوم # كم علينا من قطع ليل بهيم # فيجوز كون مظلما صفة له أو حالا منه وقرىء كأنما يغشى وجوههم ~~قطع من الليل مظلم، والجملة كما قبلها مستأنفة أو حال من ضمير ~~ترهقهم { أولئك } أي الموصوفون بما ذكر من الصفات الذميمة { ~~أصحب النار هم فيها خلدون } وحيث كانت الآية ~~الكريمة في حق الكفار بشهادة السياق والسباق لم يكن فيها تمسك ~~للوعيدية. ### || [10.28] # { ويوم نحشرهم } كلام مسأنف مسوق لبيان بعض آخر من ~~أحوالهم الفظيعة، وتأخيره في الذكر مع تقدمه في الوجود على بعض ~~أحوالهم المحكية سابقا للإيذان باستقلال كل من السابق واللاحق ~~بالاعتبار، ولو روعي الترتيب الخارجي لعد الكل شيئا واحدا كما ~~مر في قصة البقرة ولذلك فصل عما قبله، ويوم منصوب على المفعولية بمضمر ~~أي أنذرهم أو ذكرهم، وضمير نحشرهم لكلا الفريقين الذين أحسنوا والذين ~~كسبوا السيئات لأنه المتبادر من قوله ms1467 تعالى: { جميعا } ومن أفراد ~~الفريق الثاني بالذكر في قوله تعالى: { ثم نقول للذين ~~أشركوا } أي نقول للمشركين من بينهم ولأن توبيخهم وتهديدهم على ~~رؤوس الأشهاد أفظع والإخبار بحشر الكل في تهويل اليوم أدخل، ~~وتخصيص وصف إشراكهم بالذكر في حيز الصلة من بين سائر ما اكتسبوه من ~~السيئات لابتناء التوبيخ والتقريع عليه مع ما فيه من الإيذان بكونه ~~معظم جناياتهم وعمدة سيئاتهم، وقيل: للفريق الثاني خاصة فيكون وضع ~~الموصول موضع الضمير لما ذكر آنفا { مكانكم } نصب على أنه في ~~الأصل ظرف لفعيل أقيم مقامه لا على أنه اسم فعل، وحركته حركة بناء ~~كما هو رأي الفارسي، أي الزموه حتى تنظروا ما يفعل بكم { أنتم } ~~تأكيد للضمير المنتقل إليه من عامله لسده مسده { وشركاؤكم } ~~عطف عليه وقرىء بالنصب على أن الواو بمعنى مع { فزيلنا } من ~~زيلت الشيء مكانه أزيله أي أزلته، والتضعيف للتكثير لا للتعدية ~~وقرىء فزايلنا بمعناه نحو كلمته وكالمته وهو معطوف على نقول، وإيثار ~~صيغة الماضي للدلالة على التحقق المورث لزيادة التوبيخ والتحسير، ~~والفاء للدلالة على وقوع التزييل ومباديه عقيب الخطاب من غير مهلة ~~إيذانا بكمال رخاوة ما بين الفريقين من العلاقة والوصلة أي ففرقنا { ~~بينهم } وقطعنا أقرانهم والوصائل التي كانت بينهم في الدنيا لكن ~~لا من الجانبين بل من جانب العبدة فقط لعدم احتمال شمول الشركاء ~~للشياطين كما سيجيء فخابت آمالهم وانصرمت عرى أطماعهم وحصل لهم اليأس ~~الكلي من حصول ما كانوا يرجونه من جهتهم، والحال وإن كانت معلومة لهم ~~من حين الموت والابتلاء بالعذاب لكن هذه المرتبة من اليقين إنما حصلت ~~عند المشاهدة والمشافهة، وقيل: المراد بالتزييل التفريق الحسي أي ~~فباعدنا بينهم بعد الجمع في الموقف وتبرؤ شركائهم منهم ومن عبادتهم ~~كما في قوله تعالى: # أين ما كنتم تشركون من دون الله قالوا ضلوا ~~عنا # [غافر: 73] فالواو حينئذ في قوله تعالى: { وقال شركاؤهم } ~~حالية بتقدير كلمة قد عند من يشترطها وبدونه عند غيره ولا عاطفة كما ~~في التفسير الأول لاستدعاء المحاورة المحاضرة الفائتة بالمباعدة وليس ~~في ترتيب التزييل ms1468 بهذا المعنى على الأمر بلزوم المكان ما في ترتيبه ~~عليه بالمعنى الأول من النكتة المذكورة ليصار لأجل رعايتها إلى تغيير ~~الترتيب الخارجي فإن المباعدة بعد المحاورة حتما، وأما قطع ~~الأقران والعلائق فليس كذلك بل ابتداؤه حاصل من حين الحشر، بل بعض ~~مراتبه حاصل قبله أيضا وإنما الحاصل عند المحاورة أقصاها كما أشير ~~إليه اعتدادا بما في تقديمه من التغيير لا سيما مع رعاية ماذكر من ~~النكتة، ولو سلم تأخر جميع مراتبه عن المحاورة فمراعاة تلك النكتة ~~كافية في استدعاء تقديمه عليها ويجوز أن تكون حالية على هذا التقدير ~~أيضا، والمراد بالشركاء قيل: الملائكة وعزير والمسيح وغيرهم ممن ~~عبدوه من أولي العلم ففيه تأييد لرجوع الضمير إلى الكل. # وقولهم: { ما كنتم إيانا تعبدون } # عبارة عن تبرئهم من عبادتهم وأنهم إنما عبدوا في الحقيقة أهواءهم ~~وشياطينهم الذين أغووهم لأنها الآمرة لهم بالإشراك دونهم كقولهم: # سبحنك أنت ولينا من دونهم # [سبأ: 41] الآية، وقيل: الأصنام ينطقها الله الذي أنطق كل شيء ~~فتشافههم بذلك مكان الشفاعة التي كانوا يتوقعونها. ### || [10.29-30] # { فكفى بالله شهيدا بيننا وبينكم } فإنه العليم ~~الخبير { إن كنا عن عبادتكم لغفلين } أي عن عبادتكم ~~لنا، وتركه للظهور وللإيذان بكمال الغفلة عنها، والغفلة عبارة عن عدم ~~الارتضاء وإلا فعدم شعور الملائكة بعبادتهم لهم غير ظاهر وهذا يقطع ~~احتمال كون المراد بالشركاء الشياطين كما قيل فإن ارتضاءهم بإشراكهم ~~مما لا ريب فيه وإن لم يكونوا مجبرين لهم على ذلك وإن مخففة من إن ~~واللام فارقة { هنالك } أي في ذلك المقام الدهش، أو في ذلك الوقت ~~على استعارة ظرف المكان للزمان { تبلو } أي تختبر وتذوق { تكسب ~~كل نفس } مؤمنة كانت أو كافرة سعيدة أو شقية { ما أسلفت ~~} من العمل وتعاينه بكنهه مستتبعا لآثاره من نفع أوضر وخير أو شر، ~~وأما ما علمت من حالها من حين الموت والابتلاء بالعذاب في البرزخ ~~فأمر مجمل وقرىء نبلو بنون العظمة ونصب كل وإبدال ما منه أي ~~نعاملها معاملة من يبلوها ويتعرف أحوالها من السعادة والشقاوة ~~باختبار ما أسلفت من ms1469 العمل، ويجوز أن يراد نصيب بالبلاء أي العذاب ~~كل نفس عاصية بسبب ما أسلفت من الشر فيكون ما منصوبة بنزع الخافض ~~وقرىء تتلو أي تتبع لأن عملها هو الذي يهديها إلى طريق الجنة أو إلى ~~طريق النار، أو تقرأ في صحيفه أعمالها ما قدمت من خير أو شر { ~~وردوا } الضمير الذين أشركوا على أنه معطوف على زيلنا وما عطف عليه ~~قوله عز وجل: { هنالك تبلوا } الخ، اعتراض في أثناء الحكاية ~~مقرر لمضمونها { إلى الله } أي جزائه وعقابه { مولهم } ~~ربهم { الحق } أي المتحقق الصادق ربوبيته لا ما اتخذوه باطلا ~~وقرىء الحق بالنصب على المدح كقولهم: الحمد لله أهل الحمد أو على ~~المصدر المؤكد. # { وضل عنهم } وضاع أي ظهر ضياعه وضلاله لا أنه كان قبل ذلك ~~غير ضال، أو ضل في اعتقادهم أيضا { ما كانوا يفترون } من أن ~~آلهتهم تشفع لهم أو ما كانوا يدعون أنها آلهة، هذا وجعل الضمير في ~~ردوا للنفوس المدلول عليها بكل نفس على أنه معطوف على تبلو وأن ~~العدول إلى الماضي للدلالة على التحقق والتقرر، وأن إيثار صيغة ~~الجمع للإيذان بأن ردهم إلى الله يكون على طريقة الاجتماع لا يلائمه ~~التعرض لوصف الحقية في قوله تعالى: { مولهم الحق } فإنه ~~للتعريض بالمردودين حسبما أشير إليه، ولئن اكتفي فيه بالتعريض ببعضهم ~~أو حمل (الحق) على معنى العدل في الثواب والعقاب فقوله عز وجل: { ~~وضل عنهم ما كانوا يفترون } مما لا مجال فيه للتدارك ~~قطعا، فإن ما فيه من الضمائر الثلاثة للمشركين فليزم التفكيك حتما ~~وتخصيص (كل نفس) بالنفوس المشتركة مع عموم البلوى للكل يأباه مقام ~~تهويل المقام والله تعالى أعلم. ### || [10.31] # { قل } أي لأولئك المشركين الذين حكيت أحوالهم وبين ما يؤدي إليه ~~أعمالهم احتجاجا على حقية التوحيد وبطلان ما هم عليه من الإشراك { ~~من يرزقكم من السماء والأرض } أي منهما جميعا فإن ~~الأرزاق تحصل بأسباب سماوية ومواد أرضية أو من كل واحدة منهما ~~توسعة عليكم وقيل: من لبيان كلمة من على حذف المضاف أي من أهل ~~السماء والأرض { أم ms1470 من يملك السمع والأبصر } أم ~~منقطعة وما فيها من كلمة بل للإضراب عن الاستفهام الأول لكن لا على ~~طريقة الإبطال بل على وجه الانتقال وصرف الكلام عنه إلى استفهام آخر ~~تنبيها على كفايته فيما هو المقصود، أي من يستطيع خلقهما وتسويتهما ~~على هذه الفطرة العجبية أو من يحفظهما من الآفات مع كثرتها وسرعة ~~انفعالهما من أدنى شيء يصيبهما { ومن يخرج الحى من ~~الميت ويخرج الميت من الحى } أي ومن يحيي ويميت أو ~~ومن ينشىء الحيوان من النطفة والنطفة من الحيوان { ومن يدبر ~~الأمر } أي ومن يلي تدبير أمر العالم جميعا، وهو تعميم بعد ~~تخصيص بعض ما اندرج تحته من الأمور الظاهرة بالذكر { فسيقولون } ~~بلا تلعثم ولا تأخير { الله } إذ لا مجال للمكابرة لغاية وضوحه، ~~والخبر محذوف أي الله يفعل ما ذكر من الأفاعيل لا غيره. # { فقل } عند ذلك تبكيتا لهم { أفلا تتقون } الهمزة لإنكار ~~عدم الاتقاء بمعنى إنكار الواقع كما في أتضرب أباك؟ لا بمعنى إنكار ~~الوقوع في أأضرب أبي؟ والفاء للعطف على مقدر ينسحب عليه النظم الكريم ~~أي أتعلمون ذلك فلا تقون أنفسكم عذابه الذي ذكر لكم بما تتعاطونه من ~~إشراككم به ما لا يشاركه في شيء مما ذكر من خواص الإلهية. ### || [10.32-34] # { فذلكم } فذلكة لما تقدم أي ذلكم الذي اعترفتم باتصافه بالنعوت ~~المذكورة وهو مبتدأ وقوله تعالى: { الله } خبره وقوله تعالى: { ~~ربكم } أي مالككم ومتولي أموركم على الإطلاق بدل منه أو ~~بيان له، وقوله تعالى: { الحق } صفة له أي ربكم الثابت ربوبيته ~~والمتحقق ألوهيته تحققا لا ريب فيه { فماذا } يجوز أن يكون الكل ~~اسما واحدا قد غلب فيه الاستفهام على اسم الإشارة وأن يكون ذا ~~موصولا بمعنى الذي أي ما الذي { بعد الحق } أي غيره بطريق ~~الاستعارة، وإظهار الحق إما لأن المراد به غير الأول وإما لزيادة ~~التقرير ومراعاة كمال المقابلة بينه وبين الضلال، والاستفهام ~~إنكاري بمعنى الوقوع ونفيه أي ليس غير الحق { إلا الضلال } ~~الذي لا يختاره أحد فحيث ثبت أن عبادة من هو منعوت بما ذكر ms1471 من النعوت ~~الجميلة حق ظهر أن ما عداها من عبادة الأصنام ضلال محض إذ لا واسطة ~~بينهما، وإنما سميت ضلالا مع كونها من أعمال الجوارح باعتبار ~~ابتنائها على ما هو ضلال من الاعتقاد، والرأي هذا على تقدير كون ~~الحق عبارة عن التوحيد، وأما على تقدير كونه عبارة عن الأول ~~فالمراد بالضلال هو الأصنام لا عبادتها، والمعنى فماذا بعد الرب ~~الحق الثابت ربوبيته إلا الضلال أي الباطل الضائع المضمحل، ~~وإنما سمي بالمصدر مبالغة كأنه نفس الضلال والضياع وهذا أنسب بقوله ~~تعالى: { وضل عنهم ما كانوا يفترون } على التفسير ~~الثاني. # { فأنى تصرفون } استفهام إنكاري بمعنى إنكار الواقع ~~واستبعاده والتعجيب منه، وفيه من المبالغة ما ليس في توجيه الإنكار ~~إلى نفس الفعل لأن كل موجود لا بد من أن يكون وجوده على الحال من ~~الأحوال قطعا فإذا انتفى جميع أحوال وجوده فقد انتفى وجوده على ~~الطريق البرهاني كما مر مرارا، والفاء لترتيب الإنكار على ما قبله أي ~~كيف تصرفون من الحق الذي لا محيد عنه وهو التوحيد إلى الضلال عن ~~السبيل المستبين وهو الإشراك وعبادة الأصنام أو من عبادة ربكم ~~الحق الثابت ربوبيته إلى عبادة الباطل الذي سمعتم ضلاله وضياعه ~~في الآخرة، وفي إيثار صيغة المبني للمفعول إيذان بأن الانصراف من ~~الحق إلى الضلال مما لا يصدر عن العاقل بإرادته وإنما يقع عند وقوعه ~~بالقسر من جهة صارف خارجي. # { كذلك } أي كما حقت الربوبية لله تعالى أو كما أنه ليس بعد ~~الحق إلا الضلال أو أنهم مصروفون عن الحق { حقت كلمة ربك } ~~وحكمه وقضاؤه { على الذين فسقوا } أي تمردوا في الكفر وخرجوا ~~من أقصى حدوده { أنهم لا يؤمنون } بدل الكلمة أو تعليل ~~لحقيتها والمراد بها العدة بالعذاب. # { قل هل من شركائكم } احتجاج آخر على حقية التوحيد ~~وبطلان الإشراك بإظهار كون شركائهم بمعزل من استحقاق الإلهية ~~ببيان اختصاص خواصها من بدء الخلق وإعادته به سبحانه وتعالى وإنما ~~لم يعطف على ما قبله إيذانا باستقلاله في إثبات المطلوب، والسؤال ~~للتبكيت والإلزام وقد جعلت أهلية الإعادة ms1472 وتحققها لوضوح مكانها ~~وسنوح برهانها بمنزلة بدء الخلق فنظمت في سلكه حيث قيل: { من ~~يبدأ الخلق ثم يعيده } إيذانا بتلازمهما وجودا وعدما ~~يستلزم الاعتراف بها وإن صدهم عن ذلك ما بهم من المكابرة والعناد، ثم ~~أمر عليه الصلاة والسلام بأن يبين لهم من يفعل ذلك فقيل له: { قل ~~الله يبدأ الخلق ثم يعيده } أي هو يفعلهما لا غير ~~كائنا ما كان لا بأن ينوب عليه الصلاة والسلام عنهم في ذلك كما قيل لأن ~~القول المأمور به غير ما أريد منهم من الجواب وإن كان مستلزما له إذ ~~ليس المسؤول عنه من يبدأ الخلق ثم يعيده كما في قوله تعالى: # قل من رب السموات والأرض قل الله # [الرعد: 16] حتى يكون القول المأمور بين عين الجواب الذي أريد ~~منهم ويكون عليه الصلاة والسلام نائبا عنهم في ذلك بل إنما هو وجود ~~من يفعل البدء والإعادة من شركائهم فالجواب المطلوب منهم لا غير ~~نعم أمر عليه الصلاة والسلام بأن يضمنه مقالته إيذانا بتعينه وتحققه ~~وإشعارا بأنهم لا يجترئون على التصريح به مخافة التبكيت وإلقام الحجر ~~لا مكابرة ولجاجا فتدبر. وإعاده الجملة في الجواب السابق لمزيد ~~التأكيد والتحقيق { فأنى تؤفكون } الإفك الصرف والقلب عن ~~الشيء وقد يخص بالقلب عن الرأي وهو الأنسب بالمقام أي كيف تقلبون من ~~الحق إلى الباطل، والكلام فيه كما ذكر في تصرفون. ### || [10.35] # { قل هل من شركائكم } احتجاج آخر على ما ذكر جيء به ~~إلزاما لهم غب إلزام وإفحاما إثر إفحام وفصله عما قبله لما ذكر ~~من الدلالة على استقلاله { من يهدى إلى الحق } أي بوجه من ~~الوجوه فإن أدنى مراتب المعبودية هداية المعبود لعبدته إلى ما فيه ~~صلاح أمرهم وأما تعيين طريق الهداية وتخصيصه بنصب الحجج وإرسال ~~الرسل والتوفيق للنظر والتدبر كما قيل فمخل بما يقتضيه المقام من ~~كمال التبكيت والإلزام فإن العجز عن الهداية على وجه خاص لا يستلزم ~~العجز عن مطلق الهداية. وهدى كما يستعمل بكلمة إلى لتضمنه معنى ~~الانتهاء يستعمل باللام للدلالة على أن المنتهى غاية ms1473 الهداية وأنها ~~لم تتوجه نحوه على سبيل الاتفاق ولذلك استعمل بها ما أسند إلى الله ~~تعالى حيث قيل: { قل الله يهدى للحق } أي هو يهدي له دون ~~غيره وذلك بما ذكر من نصب الأدلة والحجج وإرسال الرسل وإنزال الكتب ~~والتوفيق للنظر والتدبر وغير ذلك من فنون الهدايات، والكلام في الأمر ~~بالسؤال والجواب كما مر فيما مر { أفمن يهدى إلى الحق } وهو ~~الله عز وجل { أحق أن يتبع أمن لا يهدى } بكسر الهاء ~~أصله يهتدي فأدغم وكسرت الهاء لالتقاء الساكنين وقرىء بكسر الياء ~~إتباعا لها لحركة الهاء وقرىء بفتح الهاء نقلا لحركة التاء إليها أي لا ~~يهتدي بنفسه فضلا عن هداية غيره، وفيه من المبالغة ما لا يخفى وإنما ~~نفي عنه الاهتداء مع أن المفهوم مما سبق نفي الهداية لما أن نفيها ~~مستتبع لنفيه غالبا فإن من اهتدى إلى الحق لا يخلو عن هداية غيره في ~~الجملة وأدناها كونه قدوة له بأن يراه فيسلك مسلكه من حيث لا يدري، ~~والفاء لترتيب الاستفهام على ما سبق من تحقق هدايته تعالى صريحا ~~وعدم هداية شركائهم المفهوم من القصر ومن عدم الجواب المنبىء عن ~~الجواب بالعدم فإن ذلك مما يضطرهم إلى الجواب الحق لا لتوجبه ~~الاستفهام إلى الترتيب كما يقع في بعض المواقع فإن ذلك مختص ~~بالإنكاري كما في قوله تعالى: # أفمن اتبع رضون الله # [آل عمران: 162] الخ ونحوه، والهمزة متأخرة في الاعتبار وإنما ~~تقديمها في الذكر لإظهار عراقتها في اقتضاء الصدارة كما هو رأي ~~الجمهور حتى لو كان السؤال بكلمة أي لأخرت حتما، ألا يرى إلى قوله ~~تعالى: # فأى الفريقين أحق بالأمن # [الأنعام: 83] إثر تقدير ما يلجىء المشركين إلى الجواب من حالهم ~~وحال رسول الله صلى الله عليه وسلم وقرىء لا يهدي بمعنى لا يهتدي لمجيئه ~~لازما أو لا يهدي غيره، وصيغة التفضيل إما على حقيقتها والمفضل عليه ~~محذوف كما اختاره مكي والتقدير أفمن يهدي إلى الحق أحق أن يتبع ممن لا ~~يهدي أم من لا يهدي أحق الخ. # وإما بمعنى حقيقتي كما ms1474 اختاره أبو حيان، وأيا ما كان فالاستفهام ~~للإلزام وأن يتبع في حيز النصب، أو الجر بعد حذف الجار على ~~الخلاف المعروف أي بأن يتبع { إلا أن يهدى } استثناء مفرغ من ~~أعم الأحوال أي لا يهتدي أو لا يهتدي غيره في حال من الأحوال إلا حال ~~هدايته تعالى له إلى الاهتداء أو إلى هداية الغير، وهذا حال أشراف ~~شركائهم من الملائكة والمسيح وعزير عليهم السلام وقيل: المعنى أم من ~~لا يهتدي من الأوثان إلى مكان فينتقل إليه إلا أن ينقل إليه أو إلا أن ~~ينقله الله تعالى من حاله إلى أن يجعله حيوانا مكلفا فيهديه. وقرىء ~~إلا أن يهتدي من التفعيل للمبالغة { فما لكم } أي أي شيء لكم في ~~اتخاذكم هؤلاء شركاء لله سبحانه وتعالى والاستفهام للإنكار التوبيخي ~~وفيه تعجيب من حالهم وقوله تعالى: { كيف تحكمون } أي بما يقضي ~~صريح العقل ببطلانه إنكار لحكمهم الباطل وتعجب منه وتشنيع لهم بذلك، ~~والفاء لترتيب كلا الإنكارين على ما ظهر من وجوب اتباع الهادي إلى ~~الحق. # إن قلت: التبكيت بالاستفهام السابق إنما يظهر في حق من يعكس جوابه ~~الصحيح فيحكم بأحقية من لا يهدي بالاتباع دون من يهدي، وهم ليسوا ~~حاكمين بأحقية شركائهم لذلك دون الله سبحانه وتعالى بل باستحقاقهما ~~جميعا مع رجحان جانبه تعالى حيث يقولون: هؤلاء شفعاؤنا عند الله قلت: ~~حكمهم باستحقاقه تعالى للاتباع بطريق الاشتراك حكم منهم بعدم ~~استحقاقه تعالى لذلك بطريق الاستقلال فصاروا حاكمين باستحقاق شركائهم ~~له دون الله تعالى من حيث لا يحتسبون. ### || [10.36] # { وما يتبع أكثرهم } كلام مبتدأ غير داخل في حيز ~~الأمر مسوق من قبله تعالى لبيان عدم فهمهم لمضمون ما أفحمهم ~~وألقمهم الحجر من البرهان النير الموجب لاتباع الهادي إلى الحق الناعي ~~عليهم بطلان حكمهم وعدم تأثرهم من ذلك لعدم اهتدائهم إلى طريق العلم ~~أصلا أي ما يتبع أكثرهم في معتقداتهم ومحارواتهم { إلا ظنا } ~~واهيا من غير التفات إلى فرد من أفراد العلم فضلا عن أن يسلكوا ~~مسالك الأدلة الصحيحة الهادية إلى الحق المبنية على المقدمات ms1475 ~~اليقينية الحقة فيفهموا مضمونها ويقفوا على صحتها وبطلان ما يخالفها ~~من أحكامهم الباطلة فيحصل التبكيت والإلزام فالمراد بالاتباع مطلق ~~الاعتقاد الشامل لما يقارن القبول والانقياد وما لا يقارنه، وبالقصر ~~ما أشير إليه من أن لا يكون لهم في أثنائه اتباع لفرد من أفراد العلم ~~والتفات إليه، ووجه تخصيص هذا الاتباع بأكثرهم الإشعار بأن بعضهم ~~قد يتبعون العلم فيقفون على حقية التوحيد وبطلان الشرك لا يقبلونه ~~مكابرة وعنادا فيحصل بالنسبة إليهم التأثر من البرهان المزبور وإن لم ~~يظهروه وكونهم أشد كفرا وأكثر عذابا من الفريق الأول لا يقدح ~~فيما يفهم من فحوى الكلام عرفا من كون أولئك أسوأ حالا من غيرهم، ~~إذ المعتبر سوء الحال من حيث الفهم والإدراك لا من حيث الكفر ~~والعذاب، أو ما يتبع أكثرهم مدة عمرهم إلا ظنا ولا يتركونه أبدا، ~~فإن حرف النفي الداخل على المضارع يفيد استمرار النفي بحسب المقام ~~فالمراد بالاتباع حينئذ هو الإذعان والانقياد والقصر باعتبار ~~الزمان، ووجه تخصيص هذا الاتباع بأكثرهم مع مشاركة المعاندين لهم في ~~ذلك التلويح بما سيكون من بعضهم من اتباع الحق والتوبة كما سيأتي هذا ~~وقد قيل: المعنى وما يتبع أكثرهم في إقرارهم بالله تعالى إلا ظنا غير ~~مستند إلى برهان عندهم وقيل: وما يتبع أكثرهم في قولهم للأصنام: إنها ~~آلهة إلا ظنا، والمراد بالأكثر الجميع فتأمل. وقيل: الضمير في ~~أكثرهم للناس فلا حاجة إلى التكلف { إن الظن لا يغنى من ~~الحق } من العلم اليقيني والاعتقاد الصحيح المطابق للواقع { ~~شيئا } من الإغناء، ويجوز أن يكون مفعولا به، ومن الحق حالا فيه ~~والجملة استئناف ببيان شأن الظن وبطلانه، وفيه دلالة على وجوب ~~العلم في الأصول وعدم جواز الاكتفاء بالتقليد { إن الله ~~عليم بما يفعلون } وعيد لهم على أفعالهم القبيحة فيندرج ~~تحتها ما حكي عنهم من الإعراض عن البراهين القاطعة والاتباع للظنون ~~الفاسدة اندراجا أوليا، وقرىء تفعلون بالالتفات إلى الخطاب لتشديد ~~الوعيد. ### || [10.37] # { وما كان هذا القرءان } شروع في بيان ردهم للقرآن ~~الكريم إثر بيان ردهم للأدلة العقلية المندرجة في ms1476 تضاعيفه، أي وما ~~صح وما استقام أن يكون هذا القرآن المشحون بفنون الهدايات المستوجبة ~~للاتباع التي من جملتها هاتيك الحجج البينة الناطقة بحقية التوحيد ~~وبطلان الشرك { أن يفترى من دون الله } أي افتراء من الخلق ~~أي مفترى منهم سمي بالمصدر مبالغة { ولكن تصديق الذى ~~بين يديه } من الكتب الإلهية المشهود على صدقها أي مصدقا لها ~~كيف لا وهو لكونه معجزا دونها عيار عليها شاهد بصحتها، ونصبه بأنه ~~خبر كان مقدرا وقد جوز كونه علة لفعل محذوف تقديره لكن أنزله الله ~~تصديق الخ وقرىء بالرفع على تقدير المبتدإ أي ولكن هو تصديق الخ { ~~وتفصيل الكتاب } عطف عليه نصبا ورفعا أي وتفصيل ما كتب ~~وأثبت من الحقائق والشرائع { لا ريب فيه } خبر ثالث داخل في حكم ~~الاستدراك أي منتفيا عنه الريب أو حال من الكتاب وإن كان مضافا إليه ~~فإنه مفعول في المعنى أو استئناف لا محل له من الإعراب { من رب ~~العلمين } خبر آخر أي كائنا من رب العالمين، أو متعلق بتصديق ~~أو بتفصيل أو بالفعل المعلل بهما، و(لا ريب فيه) اعتراض كما في قولك: ~~زيد لا شك فيه كريم أو حال من الكتاب أو من الضمير في فيه، ومساق ~~الآية الكريمة بعد المنع عن اتباع الظن لبيان ما يجب اتباعه. ### || [10.38-39] # { أم يقولون افتراه } أي بل أيقولون افتراه محمد عليه الصلاة ~~والسلام والهمزة لإنكار الواقع واستبعاده { قل } تبكيتا لهم ~~وإظهارا لبطلان مقالتهم الفاسدة إن كان الأمر كما تقولون { فأتوا ~~بسورة مثله } أي في البلاغة وحسن الصياغة وقوة المعنى على وجه ~~الافتراء فإنكم مثلي في العربية والفصاحة وأشد تمرنا مني في النظم ~~والعبارة، وقرىء بسورة مثله على الإضافة أي بسورة كتاب مثله { ~~وادعوا } للمظاهرة والمعاونة { من استطعتم } دعاءه ~~والاستعانة به من آلهتكم التي تزعمون بأنها ممدة لكم في المهمات ~~والملمات، ومدارهكم الذين تلجأون إلى آرائهم في كل ما تأتون وما ~~تذرون { من دون الله } متعلق بادعوا، ودون جار مجرى أداة ~~الاستثناء وقد مر تفصيله في قوله تعالى: # وادعوا شهداءكم من دون ms1477 الله # أي ادعوا سواه تعالى من استطعتم من خلقه فإنه لا يقدر عليه أحد ~~وأخرجه سبحانه من حكم الدعاء للتنصيص على براءتهم منه تعالى وكونهم في ~~عدوة المضادة والمشاقة لا لبيان استبداده تعالى بالقدرة على ما ~~كلفوه فإن ذلك مما يوهم أنهم لو دعوه تعالى لأجابهم إليه { إن ~~كنتم صدقين } أي في أني افتريته فإن ذلك مستلزم لإمكان ~~الإتيان بمثله وهو أيضا مستلزم لقدرتكم عليه، والجواب محذوف لدلالة ~~المذكور عليه. # { بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه } إضراب وانتقال ~~عن إظهار بطلان ما قالوا في حق القرآن العظيم بالتحدي إلى إظهاره ~~ببيان أنه كلام ناشيء عن جهلهم بشأنه الجليل (فما) عبارة عن كله لا ~~عما فيه من ذكر البعث والجزاء وما يخالف دينهم كما قيل، فإنه مما يجب ~~تنزيه ساحة التنزيل عن مثله أي سارعوا إلى تكذيبه آثر ذي أثير من ~~غير أن يتدبروا فيه ويقفوا على ما في تضاعيفه من الشواهد الدالة على ~~كونه كما وصف آنفا ويعلموا أنه ليس مما يمكن أن يكون له نظير يقدر ~~عليه المخلوق، والتعبير عنه بما لم يحيطوا بعلمه دون أن يقال: بل ~~كذبوا به من غير أن يحيطوا بعلمه أو نحو ذلك للإيذان بكمال جهلهم به ~~وأنهم لم يعلموه إلا بعنوان عدم العلم به وبأن تكذيبهم به إنما هو ~~بسبب عدم علمهم به لما أن إدارة الحكم على الموصول مشعرة بعلية ما في ~~حيز الصلة له { ولما يأتهم تأويله } عطف على الصلة أو ~~حال من الموصول أي ولم يقفوا بعد على تأويله ولم يبلغ أذهانهم ~~معانيه الرائقة المنبئة عن علو شأنه، والتعبير عن ذلك بإتيان ~~التأويل للإشعار بأن تأويله متوجه إلى الأذهان منساق إليها بنفسه أو ~~لم يأتهم بعد تأويل ما فيه من الإخبار بالغيوب حتى يتبين أنه صدق أم ~~كذب. والمعنى أن القرآن معجز من جهة النظم والمعنى ومن جهة الإخبار ~~بالغيب، وهم قد فاجأوا تكذيبه قبل أن يتدبروا نظمه ويتفكروا في معناه ~~أو ينتظروا وقوع ما أخبر به من الأمور المستقبلة، ms1478 ونفي إتيان التأويل ~~بكلمة لما الدالة على التوقع بعد نفي الإحاطة بعلمه بكلمة لم لتأكيد ~~الذم وتشديد التشنيع فإن الشناعة في تكذيب الشيء قبل علمه المتوقع ~~إتيانه أفحش منها في تكذيبه قبل علمه مطلقا، والمعنى أنه كان يجب ~~عليهم أن يتوقفوا إلى زمان وقوع المتوقع فلم يفعلوا، وأما أن ~~المتوقع قد وقع بعد وأنهم استمروا عند ذلك أيضا على ما هم عليه أو لا ~~فلا تعرض له ههنا والاستشهاد عليه بعدم انقطاع الذم أو ادعاء أن ~~قولهم افتراه تكذيب بعد التدبر ناشىء من عدم التدبر فتدبر، كيف لا وهم ~~لم يقولوه بعد التحدي بل قبل وادعاء كونه مسبوقا بالتحدي الوارد في ~~سورة البقرة يرده أنها مدنية وهذه مكية وإنما الذي يدل عليه ما سيتلى ~~عليك من قوله تعالى: { ومنهم من يؤمن به ومنهم } الخ، ~~وقوله تعالى: { كذلك } الخ، وصف لحالهم المحكي وبيان لما يؤدي ~~إليه من العقوبة أي مثل ذلك التكذيب المبني على بادي الرأي ~~والمجازفة من غير تدبر وتأمل { كذب الذين من قبلهم } أي ~~فعلوا التكذيب أو كذبوا ما كذبوا من المعجزات التي ظهرت على أيدي ~~أنبيائهم أو كذبوا أنبياءهم { فانظر كيف كان عقبة ~~الظلمين } وهم الذين من قبلهم من المكذبين، وإنما وضع المظهر ~~موضع المضمر للإيذان بكون التكذيب ظلما أو بعليته لإصابة ما أصابهم من ~~سوء العاقبة وبدخول هؤلاء الظالمين في زمرتهم جزما ووعيدا دخولا ~~أوليا. ### || [10.40] # وقوله عز وجل: { ومنهم } الخ، وصف لحالهم بعد إتيان التأويل ~~المتوقع، إذ حينئذ يمكن تنويعهم إلى المؤمن به وغير المؤمن ضرورة ~~امتناع الإيمان بشيء من غير علم به واشتراك الكل في التكذيب والكفر ~~به قبل ذلك حسبما أفاده قوله تعالى: { بل كذبوا بما لم ~~يحيطوا بعلمه } أي ومن هؤلاء المكذبين { من يؤمن به } ~~عند الإحاطة بعلمه وإتيان تأويله وظهور حقيته بعد ما سعوا في ~~المعارضة ورازوا قواهم فيها فتضاءلت دونها أو بعد ما شاهدوا وقوع ما ~~أخبر به كما أخبر به مرارا، ومعنى الإيمان به إما الاعتقاد بحقيته ~~فقط أي يصدق ms1479 به في نفسه ويعلم أنه حق ولكنه يعاند ويكابر وهؤلاء هم ~~الذين أشير بقصر اتباع الظن على أكثرهم إلى أنهم يعلمون الحق على ~~التفسير الأول كما أشير إليه فيما سلف، وإما الإيمان الحقيقي أي سيؤمن ~~به ويتوب عن الكفر وهم الذي أشير بالقصر المذكور على التفسير الثاني ~~إلى أنهم سيتبعون الحق كما مر { ومنهم من لا يؤمن به } ~~أي لا يصدق به في نفسه كما لا يصدق به ظاهرا لفرط غباوته المانعة عن ~~الإحاطة بعلمه كما ينبغي وإن كان فوق مرتبة عدم الإحاطة به أصلا أو ~~لسخافة عقله واختلال تمييزه وعجزه عن تخليص علومه من مخالطة ~~الظنون والأوهام التي ألفها فيبقى على ما كان عليه من الشك، وهذا ~~القدر من الإحاطة وإتيان التأويل كاف في مقابلة ما سبق من عدم ~~الإحاطة بالمرة، وهؤلاء هم الذين أريدوا فيما سلف بقوله عز وجل: # وما يتبع أكثرهم إلا ظنا # [يونس: 36] على التفسير الأول، أو لا يؤمن به فيما سيأتي بل يموت على ~~كفره معاندا كان أو شاركا، وهم المستمرون على اتباع الظن على التفسير ~~الثاني من غير إذعان للحق وانقياد له { وربك أعلم ~~بالمفسدين } أي بكلا الفريقين على الوجه الأول لا بالمعاندين فقط ~~كما قيل، لاشتراكهما في أصل الإفساد المستدعي لاشتراكهما في الوعيد، أو ~~بالمصرين الباقين على الكفر على الوجه الثاني من المعاندين والشاكين. ### || [10.41-43] # { وإن كذبوك } أي إن استمروا على تكذيبك وأصروا عليه حسبما أخبر ~~عنهم بعد إلزام الحجة بالتحدي { فقل لى عملى ولكم عملكم ~~} أي تبرأ منهم فقد أعذرت كقوله تعالى: # فإن عصوك فقل إنى برىء # [الشعراء: 216] والمعنى لي جزاء عملي ولكم جزاء عملكم حقا كان أو ~~باطلا، وتوحيد العمل المضاف إليهم باعتبار الاتحاد النوعي ولمراعاة ~~كمال المقابلة { أنتم بريئون مما أعمل وأنا برىء ~~مما تعملون } تأكيد لما أفادته لام الاختصاص من عدم تعدي ~~جزاء العمل إلى غير عامله أي لا تؤاخذون بعملي ولا أؤاخذ بعملكم، ولما ~~فيه من إيهام المتاركة وعدم التعرض لهم قيل: إنه منسوخ بآية السيف. # { ومنهم من ms1480 يستمعون إليك } بيان لكونهم مطبوعا على ~~قلوبهم بحيث لا سبيل إلى إيمانهم، وإنما جمع الضمير الراجع إلى كلمة ~~من رعاية لجانب المعنى كما أفرد فيما سيأتي محافظة على ظاهر اللفظ، ~~ولعل ذلك للإيماء إلى كثرة المستمعين بناء على عدم توقف الاستماع على ~~ما يتوقف عليه النظر من المقابلة وانتفاء الحجاب والظلمة، أي ومنهم ~~ناس يستمعون إليك عند قراءتك القرآن وتعليمك الشرائع { أفأنت ~~تسمع الصم } همزة الاستفهام إنكارية والفاء عاطفة وليس ~~الجمع بينهما لترتيب إنكار الإسماع كما هو رأي سيبوبه والجمهور على ~~أن يجعل تقديم الهمزة على الفاء لاقتضائها الصدارة كما تقرر في موضعه ~~بل لإنكار ترتبه عليه حسبما هو المعتاد لكن لا بطريق العطف على ~~الفعل المذكور لأدائه إلى اختلال المعنى، لأنه إما صلة أو صفة وأيا ~~ما كان فالعطف عليه يستدعي دخول المعطوف في حيزه وتوجه الإنكار ~~إليه من تلك الحيثية ولا ريب في فسادة، بل بطريق العطف على مقدر مفهوم ~~من فحوى النظم، كأنه قيل: أيستمعون إليك فأنت تسمعهم لا إنكارا ~~لاستماعهم فإنه أمر محقق بل إنكارا لوقوع الاستماع عقيب ذلك وترتبه ~~عليه حسب العادة الكلية بل نفيا لإمكانه أيضا كما ينبىء عنه وضع ~~الصم موضع ضميرهم ووصفهم بعدم العقل بقوله تعالى: { ولو ~~كانوا لا يعقلون } أي ولو انضم إلى صممهم عدم عقولهم لأن ~~الأصم العاقل ربما تفرس إذا وصل إلى صماخه صوت وأما إذا اجتمع ~~فقدان السمع فقد تم الأمر { ومنهم من ينظر إليك } ويعاين ~~دلائل نبوتك الواضحة { أفأنت } أي أعقيب ذلك أنت تهديهم وإنما ~~قيل: { تهدى العمى } تربية لإنكار هدايتهم وإبرازا لوقوعها في ~~معرض الاستحالة وقد أكد ذلك حيث قيل: { ولو كانوا لا يبصرون ~~} أي ولو انضم إلى عدم البصر عدم البصيرة فإن المقصود من الإبصار ~~الاعتبار والاستبصار، والعمدة في ذلك هي البصيرة ولذلك يحدس الأعمى ~~المستبصر ويتفطن لما لا يدركه البصير الأحمق فحيث اجتمع فيهم الحمق ~~والعمى فقد انسد عليهم باب الهدى، وجواب لو في الجملتين محذوف لدلالة ~~قوله تعالى: { تسمع الصم } و { تهدى العمى ms1481 } عليه وكل ~~منهما معطوفة على جملة مقدرة مقابلة لها في الفحوى كلتاهما في موضع ~~الحال من مفعول الفعل السابق، أي أفأنت تسمع الصم لو كانوا يعقلون ولو ~~كانوا لا يعقلون، أفأنت تهدي العمي لو كانوا يبصرون ولو كانوا لا ~~يبصرون، أي على كل حال مفروض، وقد حذفت الأولى في الباب حذفا مطردا ~~لدلالة الثانية عليها دلالة واضحة فإن الشيء إذا تحقق عند تحقق ~~المانع أو المانع القوي فلأن يتحقق عند عدمه أو عند تحقق المانع ~~الضعيف أولى، وعلى هذه النكتة يدور ما في لو وأن الوصلتين من التأكيد ~~وقد مر الكلام في قوله تعالى: { ولو كره } ونظائره مرارا. ### || [10.44] # { إن الله لا يظلم الناس } إشارة إلى أن ما حكي عنهم من ~~عدم اهتدائهم إلى طريق الحق وتعطل مشاعرهم من الإدراك ليس لأمر ~~مستند إلى الله عز وجل من خلقهم مؤفي المشاعر ونحو ذلك بل إنما هو من ~~قبلهم أي لا ينقصهم { شيئا } مما نيط به مصالحهم الدينية ~~والدنيوية وكمالاتهم الأولوية والأخروية من مبادىء إدراكهم وأسباب ~~علومهم من المشاعر الظاهرة والباطنة والإرشاد إلى الحق بإرسال الرسل ~~وإنزال الكتب بل يوفيهم ذلك من غير إخلال بشيء أصلا { ولكن ~~الناس } وقرىء بالتخفيف ورفع الناس، وضع الظاهر موضع الضمير لزيادة ~~تعيين وتقرير، أي لكنهم بعدم استعمال مشاعرهم فيما خلقت له ~~وإعراضهم عن قبول دعوة الحق وتكذيبهم للرسل والكتب { أنفسهم ~~يظلمون } أي ينقصون ما ينقصون مما يخلون به من مبادىء كمالهم ~~وذرائع اهتدائهم، وإنما لم يذكر لما أن مرمى الغرض إنما هو قصر ~~الظلم على أنفسهم لا بيان ما يتعلق به الظلم، والتعبير عن فعلهم ~~بالنقص مع كونه تفويتا بالكلية وإبطالا بالمرة لمراعاة جانب قرينته، ~~قوله عز وجل: { أنفسهم } إما تأكيد للناس فيكون بمنزلة ضمير ~~الفصل في قوله تعالى: # وما ظلمنهم ولكن كانوا هم الظلمين # [هود: 101] في قصر الظالمية عليهم وإما مفعول ليظلمون حسبما وقع سائر ~~المواقع، وتقديمه عليه لمجرد الاهتمام به مع مراعاة الفاصلة من غير ~~قصد إلى قصر المظلومية عليهم على رأي من ms1482 لا يرى التقديم موجبا للقصر ~~فيكون كما في قوله تعالى: # وما ظلمنهم ولكن ظلموا أنفسهم # [الزخرف: 76] من غير قصر للظلم لا على الفاعل ولا على المفعول، وأما على ~~رأي من يراه موجبا له فلعل إيثار قصرها دون قصر الظالمية عليهم ~~للمبالغة في بيان بطلان أفعالهم وسخافة عقولهم لما أن أقبح الأمرين ~~عند اتحاد الفاعل والمفعول وأشدهما إنكارا عند العقل ونفرة لدى ~~الطبع وأوجبهما حذرا منه عند كل أحد هو المظلومية لا الظالمية، على ~~أن قصر الأولى عليهم مستلزم لما يقتضيه ظاهر الحال من قصر الثانية ~~عليهم ضرورة أنه إذا لم يظلم أحد من الناس إلا نفسه يلزم أن لا ~~يظلمه إلا نفسه، إذ لو ظلمه غيره يلزم كون ذلك الغير ظالما لغير ~~نفسه، والمفروض أن لا يظلم أحد إلا نفسه فاكتفي بالقصر الأول عن ~~الثاني مع رعاية ما ذكر من الفائدة، وصيغة المضارع للاستمرار نفيا ~~وإثباتا، فإن حرف النفي إذا دخل على المضارع يفيد بحسب المقام ~~استمرار النفي لا نفي الاستمرار، ألا يرى أن قولك: ما زيدا ضربت يدل ~~على اختصاص النفي لا على نفي الاختصاص، ومساق الآية الكريمة لإلزام ~~الحجة ويجوز أن يكون للوعيد فالمضارع المنفي للاستقبال والمثبت ~~للاستمرار، والمعنى أن الله لا يظلمهم بتعذيبهم يوم القيامة شيئا من ~~الظلم ولكنهم أنفسهم يظلمون ظلما مستمرا، فإن مباشرتهم المستمرة ~~للسيئات الموجبة للتعذيب عين ظلمهم لأنفسهم، وعلى الوجهين فالآية ~~الكريمة تذييل لما سبق. ### || [10.45-46] # { ويوم يحشرهم } منصوب بمضمر وقرىء بالنون على الالتفات أي ~~اذكر لهم أو أنذرهم يوم يحشرهم { كأن لم يلبثوا } أي كأنهم ~~لم يلبثوا { إلا ساعة من النهار } أي شيئا قليلا منه فإنها ~~مثل في غاية القلة، وتخصيصها بالنهار لأن ساعاته أعرف حالا من ~~ساعات الليل، والجملة في موقع الحال من ضمير المفعول أي يحشرهم ~~مشبهين في أحوالهم الظاهرة للناس بمن لم يلبث في الدنيا ولم يتقلب ~~في نعيمها إلا ذلك القدر اليسير فإن من أقام بها دهرا وتمتع بمتاعها ~~لا يخلو عن بعض آثار نعمة وأحكام بهجة منافية ms1483 لما بهم من رثاثة ~~الهيئة وسوء الحال، أو بمن لم يلبث في البرزخ إلا ذلك المقدار ففائدة ~~التقييد بيان كمال يسر الحشر بالنسبة إلى قدرته تعالى ولو بعد ~~دهر طويل وإظهار بطلان استبعادهم وانكارهم بقولهم: أئذا متنا وكنا ~~ترابا وعظاما أئنا لمبعوثون؟ ونحو ذلك، أو بيان تمام الموافقة ~~بين النشأتين في الأشكال والصور فإن قلة اللبث في البرزخ من موجبات ~~عدم التبدل والتغير فيكون قوله عز وعلا: { يتعارفون بينهم ~~} بيانا وتقريرا له لأن التعارف مع طول العهد ينقلب تناكرا، وعلى ~~الأول يكون استئنافا أي يعرف بعضهم بعضا كأنهم لم يتفارقوا إلا ~~قليلا، وذلك أول ما خرجوا من القبور، إذ هم حينئذ على ما كانوا عليه ~~من الهيئة المتعارفة فيما بينهم ثم ينقطع التعارف بشدة الأهوال ~~المذهلة واعتراء الأحوال المعضلة المغيرة للصور والأشكال المبدلة ~~لها من حال إلى حال { قد خسر الذين كذبوا بلقاء الله ~~} شهادة من الله سبحانه وتعالى على خسرانهم وتعجب منه، وقيل: حال من ~~ضمير يتعارفون على إرادة القول، والتعبير عنهم بالموصول مع كون ~~المقام مقام إضمار لذمهم بما في حيز الصلة، والإشعار بعليته لما ~~أصابهم، والمراد بلقاء الله إن كان مطلق الحساب والجزاء أو حسن ~~اللقاء فالمراد بالخسران الوضيعة، والمعنى وضعوا في تجاراتهم ~~ومعاملاتهم واشترائهم الكفر بالإيمان والضلالة بالهدى ومعنى قوله ~~تعالى: { وما كانوا مهتدين } ما كانوا عارفين بأحوال التجارة ~~مهتدين لطرقها وإن كان سوء اللقاء فالخسار الهلاك والضلال أي قد ~~ضلوا وهلكوا بتكذيبهم وما كانوا مهتدين إلى طريق النجاة. # { وإما نرينك } أصله إن نرك وما مزيدة لتأكيد معنى الشرط ~~ومن ثمة أكد الفعل بالنون أي بنصرتك بأن نظهر لك { بعض ~~الذى نعدهم } أي وعدناهم من العذاب ونعجله في حياتك فتراه، ~~والعدول إلى صيغة الاستقبال لاستحضار الصورة أو للدلالة على التجدد ~~والاستمرار أي نعدهم وعدا متجددا حسبما تقتضيه الحكمة من إنذار ~~غب إنذار، وفي تخصيص البعض بالذكر رمز إلى العدة بإراءة بعض ~~الموعود، وقد أراه يوم بدر { أو نتوفينك } قبل ذلك { ~~فإلينا مرجعهم } أي كيفما دارت الحال ms1484 أريناك بعض ما وعدناهم ~~أو لا فإلينا مرجعهم في الدنيا والآخرة فننجز ما وعدناهم البتة، ~~وقيل: المذكور جواب للشرط الثاني كأنه قيل: فإلينا مرجعهم فنريكه في ~~الآخرة وجواب الأول محذوف لظهوره أي فذاك { ثم الله شهيد ~~على ما يفعلون } من الأفعال السيئة التي حكيت عنهم، والمراد ~~بالشهادة إما مقتضاها ونتيجتها وهي معاقبته تعالى إياهم وإما إقامتها ~~وأداؤها بإنطاق الجوارح، وإظهار اسم الجلالة لإدخال الروعة ~~وتربية المهابة وتأكيد التهديد، وقرىء ثمة أي هناك. ### || [10.47-49] # { ولكل أمة } من الأمم الخالية { رسول } يبعث إليهم بشريعة ~~خاصة مناسبة لأحوالهم ليدعوهم إلى الحق { فإذا جاء رسولهم } ~~فبلغهم ما أرسل به فكذبوه وخالفوه { قضى بينهم } أي بين كل ~~أمة ورسولها { بالقسط } بالعدل وحكم بنجاة الرسول والمؤمنين به ~~وإهلاك المكذبين كقوله تعالى: # وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا # [الإسراء: 15] { وهم لا يظلمون } في ذلك القضاء المستوجب ~~لتعذبهم لأنه من نتائج أعمالهم أو ولكل أمة من الأمم يوم القيامة ~~رسول تنسب إليه وتدعى به فإذا جاء رسولهم الموقف ليشهد عليهم ~~بالكفر والإيمان كقوله عز وجل: # وجىء بالنبيين والشهداء وقضى بينهم # [الزمر: 69] { ويقولون متى هذا الوعد } استعجالا لما ~~وعدوا من العذاب على طريقة الاستهزاء به والإنكار حسبما يرشد إليه ~~الجواب لا طلبا لتعيين وقت مجيئه على وجه الإلزام كما في سورة الملك ~~{ إن كنتم صدقين } أي في أنه يأتينا والخطاب للرسول صلى الله ~~عليه وسلم والمؤمنين يتلون عليهم الآيات المتضمنة للوعد المذكور، ~~وجواب الشرط محذوف اعتمادا على ما تقدم حسبما حذف في مثل قوله تعالى: # فأتنا بما تعدنا إن كنت من الصدقين # [الأعراف: 70] فإن الاستعجال في قوة الأمر بالإتيان عجلة كأنه قيل: ~~فليأتنا عجلة إن كنتم صادقين، ولما فيه من الإشعار بكون إتيانه ~~بواسطة النبي صلى الله عليه وسلم قيل: { قل لا أملك لنفسى ~~ضرا ولا نفعا } أي لا أقدر على شيء منهما بوجه من الوجوه، ~~وتقديم الضر لما أن مساق النظم لإظهار العجز عنه، وأما ذكر النفع ~~فلتوسيع الدائرة تكملة للعجز، وما وقع في سورة الأعراف من تقديم ms1485 ~~النفع للإشعار بأهميته والمقام مقامه، والمعنى إني لا أملك شيئا من ~~شؤوني ردا وإيرادا مع أن ذلك أقرب حصولا فكيف أملك شؤونكم حتى ~~أتسبب في إتيان عذابكم الموعود { إلا ما شاء الله } استثناء ~~منقطع أي ولكن ما شاء الله كائنا وحمله على الاتصال على معنى إلا ما ~~شاء الله أن املكه يأباه مقام التبرؤ من أن يكون له عليه السلام ~~دخل في إتيان الوعد فإن ذلك يستدعي بيان كون المتنازع فيه مما لا ~~يشاء الله أن يملكه عليه السلام، وجعل (ما) عبارة عن بعض الأحوال ~~المعهودة المنوطة بالأفعال الاختيارية المفوضة إلى العباد على أن يكون ~~المعنى لا أملك لنفسي شيئا من الضر والنفع إلا ما شاء الله أن أملكه ~~منهما من الضر والنفع المترتبين على الأكل والشرب عدما ووجودا ~~تعسف ظاهر، وقوله تعالى: { لكل أمة أجل } بيان لما أبهم ~~في الاستثناء وتقييد لما في القضاء السابق من الإطلاق المشعر بكون ~~المقضي به أمرا منجزا غير متوقف على شيء غير مجيء الرسول ~~وتكذيب الأمة أي لكل أمة أمة ممن قضي بينهم وبين رسولهم أجل معين ~~خاص بهم لا يتعدى إلى أمة أخرى مضروب لعذابهم يحل بهم عند حلوله { ~~إذا جاء أجلهم } إن جعل الأجل عبارة عن حد معين من الزمان ~~فمعنى مجيئه ظاهر، وإن أريد به ما امتد إليه من الزمان فمجيئه عبارة ~~عن انقضائه إذ هناك يتحقق مجيئه بتمامه، والضمير إن جعل للأمم ~~المدلول عليها بكل أمة فإظهار الأجل مضافا إليه لإفادة المعنى ~~المقصود الذي هو بلوغ كل أمة أجلها الخاص بها، ومجيئه إياها ~~بعينها من بين الأمم بواسطة اكتساب الأجل بالإضافة عموما يفيده معنى ~~الجمعية كأنه قيل: إذا جاءهم آجالهم بأن يجيء كل واحدة من تلك ~~الأمم أجلها الخاص بها، وإن جعل لكل أمة خاصة كما هو الظاهر ~~فالإظهار في موقع الإضمار لزيادة التقرير، والإضافة إلى الضمير ~~لإفادة كمال التعيين أي إذا جاءها أجلها الخاص بها { فلا ~~يستأخرون } عن ذلك الأجل { ساعة } أي شيئا قليلا من الزمان ~~فإنها مثل ms1486 في غاية القلة منه أي لا يتأخرون عنه أصلا، وصيغة ~~الاستفعال للإشعار بعجزهم عن ذلك مع طلبهم له { ولا يستقدمون } ~~أي لا يتقدمون عليه وهو عطف على يستأخرون لكن لا لبيان انتفاء التقدم ~~مع إمكانه في نفسه كالتأخر، بل للمبالغة في انتفاء التأخر بنظمه في سلك ~~المستحيل عقلا كما في قوله سبحانه وتعالى: # وليست التوبة للذين يعملون السيئت حتى ~~إذا حضر أحدهم الموت قال إنى تبت الأن ولا ~~الذين يموتون وهم كفار # [النساء: 18] فإن من مات كافرا مع ظهور أن لا توبة له رأسا قد نظم ~~في عدم قبول التوبة في سلك من سوفها إلى حضور الموت إيذانا بتساوي ~~وجود التوبة حينئذ وعدمها بالمرة، كما مر في سورة الأعراف، وقد جوز ~~أن يراد بمجيء الأجل دنوه بحيث يمكن التقدم في الجملة كمجيء اليوم ~~الذي ضرب لهلاكهم ساعة معينة منه لكن ليس في تقييد عدم الاستئخار ~~بدنوه مزيد فائدة، وتقديم بيان انتفاء الاستئخار على بيان انتفاء ~~الاستقدام لأن المقصود الأهم بيان عدم خلاصهم من العذاب ولو ~~ساعة وذلك بالتأخر، وأما ما في قوله تعالى: # ما تسبق من أمة أجلها وما يستأخرون # [الحجر: 5] من سبق السبق في الذكر فلما أن المراد هناك بيان سر ~~تأخير عذابهم مع استحقاقهم له حسبما ينبيء عنه قوله عز وجل: # ذرهم يأكلوا ويتمتعوا ويلههم الأمل فسوف ~~يعلمون # [الحجر: 3] فالأهم إذ ذاك بيان انتفاء السبق كما ذكر هناك. ### || [10.50] # { قل } لهم غب ما بينت كيفية جريان سنة الله عز وجل فيما ~~بين الأمم على الإطلاق ونبهتهم على أن عذابهم أمر مقرر محتوم لا ~~يتوقف إلا على مجيء أجله المعلوم إيذانا بكمال دنوه وتنزيلا له ~~منزلة إتيانه حقيقة { أرءيتم } أي أخبروني { إن أتاكم ~~عذابه } الذي تستعجلون به { بياتا } أي وقت بيات واشتغال ~~بالنوم { أو نهارا } أي عند اشتغالكم بمشاغلكم حسبما عين لكم من ~~الأجل بمقتضى المشيئة التابعة للحكمة كما عين لسائر الأمم المهلكة، ~~وقوله عز وجل: { ماذا يستعجل منه المجرمون } جواب ~~للشرط بحذف الفاء كما في قولك: إن أتيتك ms1487 ماذا تطعمني؟ والمجرمون موضوع ~~موضع المضمر لتأكيد الإنكار ببيان مباينة حالهم للاستعجال، فإن حق ~~المجرم أن يهلك فزعا من إتيان العذاب فضلا عن استعجاله، والجملة ~~الشرطية متعلقة بأرأيتم، والمعنى أخبروني إن أتاكم عذابه تعالى أي ~~شيء تستعجلون منه سبحانه والشيء لا يمكن استعجاله بعد إتيانه، ~~والمراد به المبالغة في إنكار استعجاله بإخراجه عن حيز الإمكان، ~~وتنزيله في الاستحالة منزلة استعجاله بعد إتيانه بناء على تنزيل ~~تقرر إتيانه ودنوه منزلة إتيانه حقيقة كما أشير إليه، وهذا الإنكار ~~بمنزلة النهي في قوله عز وعلا: # أتى أمر الله فلا تستعجلوه # [النحل: 1] خلا أن التنزيل هناك صريح وهنا ضمني كما في قول من قال ~~لغريمه الذي يتقضاه حقه: أرأيت إن أعطيتك حقك فماذا تطلب مني؟ ~~يريد المبالغة في إنكار التقاضي بنظمه في سلك التقاضي بعد الإعطاء ~~بناء على تنزيل تقرره منزلة نفسه. ### || [10.51-52] # وقوله عز وجل: { أثم إذا ما وقع ءامنتم به } إنكار ~~لإيمانهم بنزول العذاب بعد وقوعه حقيقة داخل مع ما قبله من إنكار ~~استعجالهم به بعد إتيانه حكما تحت القول المأمور به أي أبعد ما وقع ~~العذاب وحل بكم حقيقة آمنتم به حين لا ينفعكم الإيمان إنكارا ~~لتأخيره إلى هذا الحد وإيذانا باستتباعه للندم والحسرة ليقلعوا عما هم ~~عليه من العناد ويتوجهوا نحو التدارك قبل فوت الوقت، فتقديم الظرف ~~للقصر، وقيل: ماذا يستعجل منه متعلق بأرأيتم، وجواب الشرط محذوف أي ~~تندموا على الاستعجال أو تعرفوا خطأه، والشرطية اعتراض مقرر لمضمون ~~الاستخبار، وقيل: الجواب قوله تعالى: { أثم إذا ما وقع } الخ، ~~والاستفهامية الأولى اعتراض والمعنى أخبروني إن أتاكم عذابه آمنتم به ~~بعد وقوعه حين لا ينفعكم الإيمان ثم جيء بكلمة التراخي دلالة على ~~الاستبعاد، ثم زيد أداة الشرط دلالة على استقلاله بالاستبعاد وعلى أن ~~الأول كالتمهيد له وجيء (بإذا) مؤكدا (بما) ترشيحا لمعنى الوقوع ~~وزيادة للتجهيل وأنهم لم يؤمنوا إلا بعد أن لم ينفعهم الإيمان البتة. # وقوله تعالى: # { الئن } استئناف من جهته تعالى غير داخل تحت القول الملقن مسوق ~~لتقرير مضمون ما سبق ms1488 على إرادة القول، أي قيل لهم عند إيمانهم بعد ~~وقوع العذاب: آلآن آمنتم به؟ إنكارا للتأخير وتوبيخا عليه ببيان أنه ~~لم يكن ذلك لعدم سبق الإنذار به ولا للتأمل والتدبر في شأنه ولا لشيء ~~آخر مما عسى يعد عذرا في التأخير، كان ذلك على طريق التكذيب ~~والاستعجال به على وجه الاستهزاء، وقرىء آلان بحذف الهمزة وإلقاء ~~حركتها على اللام وقوله تعالى: { وقد كنتم به تستعجلون } ~~أي تكذيبا واستهزاء، جملة وقعت حالا من فاعل آمنتم المقدر لتشديد ~~التوبيخ والتقريع وزيادة التنديم والتحسير، وتقديم الجار ~~والمجرور على الفعل لمراعاة الفواصل دون القصر، وقوله تعالى: { ثم ~~قيل } الخ، تأكيد للتوبيخ والعتاب بوعيد العذاب والعقاب وهو عطف ~~على ما قدر قبل آلآن { للذين ظلموا } إن وضعوا الكفر ~~والتكذيب موضع الإيمان والتصديق، أو ظلموا أنفسهم بتعريضها للعذاب ~~والهلاك، ووضع الموصول موضع الضمير لذمهم بما في حيز الصلة والإشعار ~~بعليته لإصابة ما أصابهم { ذوقوا عذاب الخلد } المؤلم على ~~الدوام { هل تجزون } اليوم { إلا بما كنتم تكسبون } ~~في الدنيا من أصناف الكفر والمعاصي التي من جملتها ما مر من الاستعجال. ### || [10.53-54] # { ويستنبئونك } أي يستخبرونك فيقولون على طريقة الاستهزاء أو ~~الإنكار: { أحق هو } أحق خبر قدم على المبتدإ الذي هو الضمير ~~للاهتمام به ويؤيده قوله تعالى: { إنه لحق } أو مبتدأ والضمير ~~مرتفع به ساد مسد الخبر، والجملة في موقع النصب بيستنبئونك، وقرىء ~~أألحق هو، تعريضا بأنه باطل كأنه قيل: أهو الحق لا الباطل؟ أو أهو ~~الذي سميتموه الحق؟ { قل } لهم غير ملتفت إلى استهزائهم مغضيا عما ~~قصدوا وبانيا للأمر على أساس الحكمة { إى وربى } (إي) من حروف ~~الإيجاب بمعنى نعم في القسم خاصة كما أن هل بمعنى قد في الاستفهام ~~خاصة، ولذلك يوصل بواوه { إنه } أي العذاب الموعود { لحق } ~~لثابت البتة، أكد الجواب بأتم وجوه التأكيد حسب شدة إنكارهم ~~وقوته، وقد زيد تقريرا وتحقيقا بقوله عز اسمه: { وما أنتم ~~بمعجزين } أي بفائتين العذاب بالهرب وهو لاحق بكم لا محالة وهو ~~إما معطوف على جواب القسم أو مستأنف سيق ms1489 لبيان عجزهم عن الخلاص مع ~~ما في من التقدير المذكور { ولو أن لكل نفس ظلمت } ~~بالشرك أو التعدي على الغير أو غير ذلك من أصناف الظلم ولو مرة حسبما ~~يفيده كون الصفة فعلا { ما فى الأرض } أي ما في الدنيا من ~~خزائنها وأموالها ومنافعها قاطبة بما كثرت { لافتدت به } أي ~~لجعلته فدية لها من العذاب من افتداه بمعنى فداه { وأسروا } أي ~~النفوس المدلول عليها بكل نفس، والعدول إلى صيغة الجمع مع تحقق ~~العموم في صورة الإفراد أيضا لإفادة تهويل الخطب بكون الإسرار ~~بطريق المعية والاجتماع، وإنما لم يراع ذلك فيما سبق لتحقيق ما ~~يتوخى من فرض كون جميع ما في الأرض لكل واحدة من النفوس، وإيثار ~~صيغة جمع المذكر لحمل لفظ النفس على الشخص أو لتغليب ذكور مدلوله ~~على إناثه { الندامة } على ما فعلوا من الظلم أي أخفوها ولم ~~يظهروها لكن لا للاصطبار والتجلد هيهات ولات حين اصطبار بل لأنهم ~~بهتوا { لما رأوا العذاب } أي عند معاينتهم من فظاعة ~~الحال وشدة الأهوال ما لم يكونوا يحتسبوا فلم يقدروا على أن ينطقوا ~~بشيء، (فلما) بمعنى حين منصوب بأسروا أو حرف شرط حذف جوابه لدلالة ~~ما تقدم عليه، وقيل: أسرها رؤساؤهم ممن أضلوهم حياء منهم وخوفا من ~~توبيخهم، ولكن الأمر أشد من أن يعتريهم هناك شيء غير خوف ~~العذاب، وقيل: أسروا الندامة أخلصوها لأن إسرارها إخلاصها أو لأن سر ~~الشيء خالصته حيث تخفى ويضن بها، ففيه تهكم بهم. وقيل: أظهروا ~~الندامة من قولهم: أسر الشيء وأشره إذا أظهره حين عيل صبره وفني ~~تجلده { وقضى بينهم } أي أوقع القضاء بين الظالمين من ~~المشركين وغيرهم من أصناف أهل الظلم بأن أظهر الحق سواء كان من ~~حقوق الله سبحانه أو من حقوق العباد من العباد من الباطل، وعومل أهل كل ~~منهما بما يليق به { بالقسط } بالعدل، وتخصيص الظلم بالتعدي وحمل ~~القضاء على مجرد الحكومة بين الظالمين والمظلومين من غير أن يتعرض ~~لحال المشركين وهم أظلم الظالمين لا يساعده المقام فإن مقتضاه كون ~~الظلم عبارة عن ms1490 الشرك أو عما يدخل فيه دخولا أوليا { وهم } أي ~~الظالمون { لا يظلمون } فيما فعل بهم من العذاب بل هو من مقتضيات ~~ظلمهم ولوازمه الضرورية. ### || [10.55-57] # { ألا إن لله ما فى السموات والأرض } أي ما وجد ~~فيهما داخلا في حقيقتهما أو خارجا عنهما متمكنا فيهما، وكلمة ما ~~لتغليب غير العقلاء على العقلاء، فهو تقرير لكمال قدرته سبحانه على ~~جميع الأشياء وبيان لاندراج الكل تحت ملكوته يتصرف فيه كيفما يشاء ~~إيجادا وإعداما وإثابة وعقابا. # { ألا إن وعد الله } إظهار الاسم الجليل لتفخيم شأن ~~الوعد والإشعار بعلة الحكم، وهو إما بمعنى الموعود أي جميع ما وعد ~~به كائنا ما كان فيندرج فيه العذاب الذي استعجلوه وما ذكر في أثناء ~~بيان حاله اندراجا أوليا، أو بمعناه المصدري أي وعده بجميع ما ذكر ~~فمعنى قوله تعالى: { حق } على الأول ثابت واقع لا محالة وعلى ~~الثاني مطابق للواقع، وتصدير الجملتين بحرفي التنبيه والتحقيق ~~للتسجيل على تحقق مضمونها المقرر لمضمون ما سلف من الآيات الكريمة ~~والتنبيه على وجوب استحضاره والمحافظة عليه { ولكن ~~أكثرهم } لقصور عقولهم واستيلاء الغفلة عليهم والفهم بالأحوال ~~المحسوسة المعتادة { لا يعلمون } ذلك فيقولون ما يقولون ويفعلون ~~ما يفعلون { هو يحى ويميت } في الدنيا من غير دخل لأحد في ذلك ~~{ وإليه ترجعون } في الآخرة بالبعث والحشر { يا أيها ~~الناس } التفات ورجوع إلى استمالتهم نحو الحق واستنزالهم إلى ~~قبوله واتباعه غب تحذيرهم من غوائل الضلال بما تلي عليهم من ~~القوارع الناعية عليهم سوء عاقبتهم وإيذان بأن جميع ذلك مسوق ~~لمصالحهم ومنافعهم { قد جاءتكم موعظة } هي والوعظ والوعظة ~~التذكير بالعواقب سواء كان بالزجر والترهيب أو بالاستمالة والترغيب ~~وكلمة من في قوله تعالى: { من ربكم } ابتدائية متعلقة بجاءتكم أو ~~تبعيضية متعلقة بمحذوف وقع صفة لموعظة أي موعظة كائنة من مواعظ ~~ربكم، وفي التعرض لعنوان الربوبية من حسن الموقع ما لا يخفى { ~~وشفاء لما فى الصدور وهدى ورحمة للمؤمنين } أي ~~كتاب جامع لهذه الفوائد والمنافع فإنه كاشف عن أحوال الأعمال ~~حسناتها وسيئاتها مرغب في الأولى ورادع عن الأخرى ومبين ms1491 للمعارف ~~الحقة التي هي شفاء لما في الصدور من الأدواء القلبية كالجهل والشك ~~والشرك والنفاق وغيرها من العقائد الزائغة وهاد إلى طريق الحق ~~واليقين بالإرشاد إلى الاستدلال بالدلائل المنصوبة في الآفاق والأنفس ~~وفي مجيئه رحمة للمؤمنين حيث نجوا به من ظلمات الكفر والضلال إلى نور ~~الإيمان وتخلصوا من دركات النيران وارتقوا إلى درجات الجنان، ~~والتنكير في الكل للتفخيم. ### || [10.58-59] # { قل } تلوين للخطاب وتوجيه له إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~ليأمر الناس بأن يغتنموا ما في مجيء القرآن العظيم من الفضل والرحمة { ~~بفضل الله وبرحمته } المراد بهما إما ما في مجيء القرآن ~~من الفضل والرحمة وإما الجنس وهما داخلان فيه دخولا أوليا، والباء ~~متعلقة بمحذوف، وأصل الكلام ليفرحوا بفضل الله وبرحمته للإيذان ~~باستقلالها في استيجاب الفرح ثم قدم الجار والمجرور على الفعل ~~لإفادة القصر ثم أدخل عليه الفاء لإفادة معنى السببية فصار بفضل ~~الله وبرحمته فليفرحوا ثم قيل: { فبذلك فليفرحوا } للتأكيد ~~والتقرير ثم حذف الفعل الأول لدلالة الثاني عليه والفاء الأولى ~~جزائية والثانية للدلالة على السببية والأصل إن فرحوا بشيء فبذلك ~~ليفرحوا لا بشيء آخر، ثم أدخل الفاء للدلالة على السببية ثم حذف ~~الشرط، ومعنى البعد في اسم الإشارة للدلالة على بعد درجة فضل الله ~~تعالى ورحمته ويجوز أن يراد بفضل الله وبرحمته فليعتنوا فبذلك ~~فليفرحوا، ويجوز أن يتعلق الباء بجاءتكم أي جاءتكم موعظة بفضل الله ~~وبرحمته فبذلك أي فبمجيئها فليفرحوا وقرىء فلتفرحوا وقرأ أبي: ~~فافرحوا، وعن أبي بن كعب # " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تلا: «قل بفضل الله وبرحمته» ~~فقال: «بكتاب الله والإسلام» " # ، وقيل: فضله الإسلام ورحمته ما وعد عليه. # { هو } أي ما ذكر من فضل الله ورحمته { خير مما يجمعون } ~~من حطام الدنيا وقرىء تجمعون أي فبذلك فليفرح المؤمنون هو خير مما ~~تجمعون أيها المخاطبون. # { قل أرءيتم } أي أخبروني { ما أنزل الله لكم من ~~رزق } (ما) منصوبة المحل بما بعدها أو بما قبلها واللام للدلالة ~~على أن المراد بالرزق ما حل لهم، وجعله منزلا لأنه ms1492 مقدر في السماء ~~محصل هو أو ما يتوقف عليه وجودا أو بقاء بأسباب سماوية من المطر ~~والكواكب في الإنضاج والتلوين { فجعلتم منه } أي جعلتم بعضه { ~~حراما } أي حكمتم بأنه حرام { وحلالا } أي وجعلتم بعضه حلالا ~~أي حكمتم بحله مع كون كله حلالا وذلك قولهم: # هذه أنعم وحرث حجر # [الأنعام: 138] الآية، وقولهم: # ما فى بطون هذه الأنعم خالصة لذكورنا ~~ومحرم على أزوجنا # [الأنعام: 139] ونحو ذلك، وتقديم الحرام لظهور أثر الجعل فيه ~~ودوران التوبيخ عليه { قل } تكرير لتأكيد الأمر بالاستخبار أي ~~أخبروني { الله أذن لكم } في ذلك الجعل فأنتم فيه ممتثلون ~~بأمره تعالى { أم على الله تفترون } أم متصلة والاستفهام ~~للتقرير والتبكيت لتحقق العلم بالشق الأخير قطعا كأنه قيل: أم لم ~~يأذن لكم بل تفترون عليه سبحانه، فأظهر الاسم الجليل وقدم على الفعل ~~دلالة على كمال قبح افترائهم وتأكيدا للتبكيت إثر تأكيد مع مراعاة ~~الفواصل، ويجوز أن يكون الاستفهام للإنكار وأم منقطعة، ومعنى بل فيها ~~الإضراب والانتقال من التوبيخ والزجر بإنكار الإذن إلى ما تفيده ~~همزتها من التوبيخ على الافتراء عليه سبحانه وتقريره، وتقديم الجار ~~والمجرور على هذا يجوز أن يكون للقصر كأنه قيل: بل أعلى الله تعالى خاصة ~~تفترون. ### || [10.60-61] # { وما ظن الذين يفترون على الله الكذب } كلام ~~مسوق من قبله تعالى لبيان هول ما سيلقونه غير داخل تحت القول ~~المأمور به والتعبير عنهم بالموصول في موقع الإضمار لقطع احتمال ~~الشق الأول من التردد والتسجيل عليهم بالافتراء وزيادة الكذب مع أن ~~الافتراء لا يكون إلا كذبا لإظهار كمال قبح ما افتعلوا وكونه كذبا ~~في اعتقادهم أيضا، وكلمة (ما) استفهامية وقعت مبتدأ وظن خبرها ~~ومفعولاه محذوفان وقوله عز وجل: { يوم القيمة } ظرف لنفس ~~الظن، أي أي شيء ظنهم في ذلك اليوم، يوم عرض الأفعال والأقوال ~~والمجازاة عليها مثقالا بمثقال، والمراد تهويله وتفظيعه بهول ما ~~يتعلق به مما يصنع بهم يومئذ، وقيل: هو ظرف لما يتعلق به ظنهم اليوم ~~من الأمور التي ستقع يوم القيامة تنزيلا له ولما فيه من الأحوال ~~لكمال وضوح ms1493 أمره في التقرير والتحقق منزلة المسلم عندهم أي أي ~~شيء ظنهم لما سيقع يوم القيامة؟ أيحسبون أنهم لا يسألون عن افترائهم ~~أو لا يجازون عليه أو يجازون جزاء يسيرا ولأجل ذلك يفعلون ما يفعلون؟ ~~كلا إنهم لفي أشد العذاب لأن معصيتهم أشد المعاصي، ومن أظلم ممن ~~افترى على الله كذبا، وقرىء على لفظ الماضي، أي أي ظن ظنوا يوم ~~القيامة؟ وإيراد صيغة الماضي لأنه كائن فكأنه قد كان { إن الله ~~لذو فضل } أي عظيم لا يكتنه كنهه { على الناس } أي جميعا ~~حيث أنعم عليهم بالعقل المميز بين الحق والباطل والحسن والقبيح ~~ورحمهم بإنزال الكتب وإرسال الرسل وبين لهم الأسرار التي لا ~~تستقل العقول في إدراكها وأرشدهم إلى ما يهمهم من أمر المعاش ~~والمعاد { ولكن أكثرهم لا يشكرون } تلك النعمة ~~الجليلة فلا يصرفون قواهم ومشاعرهم إلى ما خلقت له ولا يتبعون دليل ~~الشرع فيما لا يدرك إلا به، وقد تفضل عليهم ببيان ما سيلقونه يوم ~~القيامة فلا يلتفتون إليه فيقعون فيما يقعون فهو تذييل لما سبق مقرر ~~لمضمونه. # { وما تكون فى شأن } أي في أمر، من شأنت شأنه أي قصدت ~~قصده مصدر بمعنى المفعول { وما تتلوا منه } الضمير للشأن ~~والظرف صفة لمصدر محذوف أي تلاوة كائنة من الشأن إذ هي معظم شؤونه ~~عليه السلام أو للتنزيل، والإضمار قبل الذكر لتفخيم شأنه، ومن ~~ابتدائية أو تبعيضية أو لله عز وجل ومن ابتدائية والتي في قوله تعالى: ~~{ من قرءان } مزيدة لتأكيد النفي أو ابتدائية على الوجه الأول ~~وبيانية أو تبعيضية على الثاني والثالث { ولا تعملون من ~~عمل } تعميم للخطاب إثر تخصيصه بمقتضى الكل وقد روعي في كل من ~~المقامين ما لا يليق به حيث ذكر أولا من الأعمال ما فيه فخامة وجلالة ~~وثانيا ما يتناول الجليل والحقير { إلا كنا عليكم شهودا ~~} استثناء مفرغ من أعم أحوال المخاطبين بالأفعال الثلاثة أي ما ~~تلابسون بشيء منها حال من الأحوال إلا حال كوننا رقباء مطلعين عليه ~~حافظين له { إذ تفيضون فيه } أي تخوضون وتندفعون فيه، وأصل ms1494 ~~الإفاضة الاندفاع بكثرة أو بقوة، وحيث أريد بالأفعال السابقة الحالة ~~المستمرة الدائمة المقارنة للزمان الماضي أيضا أوثر في الاستثناء ~~صيغة الماضي وفي الظرف كلمة إذ التي تفيد المضارع معنى الماضي { وما ~~يعزب عن ربك } أي لا يبعد ولا يغيب على علمه الشامل، وفي ~~التعرض لعنوان الربوبية من الإشعار باللطف ما لا يخفى وقرىء بكسر ~~الزاء { من مثقال ذرة } كلمة من مزيدة لتأكيد النفي أي ما ~~يعزب عنه ما يساوي في الثقل نملة صغيرة أو هباء { في الأرض ولا ~~فى السماء } أي في دائرة الوجود والإمكان فإن العامة لا تعرف ~~سواهما ممكنا ليس في أحدهما أو متعلقا بهما، وتقديم الأرض لأن ~~الكلام في حال أهلها والمقصود إقامة البرهان على إحاطة علمه تعالى ~~بتفاصيلها وقوله تعالى: { ولا أصغر من ذلك ولا أكبر ~~إلا فى كتاب مبين } كلام برأسه مقرر لما قبله ولا نافية ~~للجنس وأصغر اسمها وفي كتاب خبرها وقرىء بالرفع على الابتداء والخبر ~~(في كتاب). # ومن عطف على لفظ مثقال ذرة وجعل الفتح بدل الكسر لامتناع الصرف أو ~~على محله مع الجار جعل الاستثناء منقطعا كأنه قيل: لا يعزب عن ربك ~~شيء ما، لكن جميع الأشياء في كتاب مبين فكيف يعزب عنه شي منها؟ ~~وقيل: يجوز أن يكون الاستثناء متصلا ويعزب بمعنى يبين ويصدر ~~والمعنى لا يصدر عنه تعالى شيء إلا وهو في كتاب مبين. والمراد ~~بالكتاب المبين اللوح المحفوظ. ### || [10.62] # { ألا إن أولياء الله } بيان على وجه التبشير والوعد ~~نتيجة لأعمال المؤمنين وغاية لما ذكر قبله من كونه تعالى مهيمنا على ~~نبيه عليه السلام وأمته في كل ما يأتون وما يذرون وإحاطة علمه سبحانه ~~بجميع ما في السماء والأرض وكون الكل مثبتا في الكتاب المبين بعد ما ~~أشير إلى فظاعة حال المفترين على الله تعالى يوم القيامة وما سيعتريهم ~~من الهول إشارة إجمالية على طريق التهديد والوعيد، وصدرت الجملة ~~بحرفي التنبيه والتحقيق لزيادة تقرير مضمونها، والولي لغة القريب ~~والمراد بأولياء الله خلص المؤمنين لقربهم الروحاني منه سبحانه ~~وتعالى كما سيفصح ms1495 عنه تفسيرهم { لا خوف عليهم } في الدارين من ~~لحوق مكروه { ولا هم يحزنون } من فوات مطلوب أي لا يعتريهم ~~ما يوجب ذلك لا أنه يعتريهم لكنهم لا يخافون ولا يحزنون ولا أنه لا ~~يعتريهم خوف وحزن أصلا بل يستمرون على النشاط والسرور، كيف لا ~~واستشعار الخوف والخشية استعظاما لجلال الله سبحانه وهيبته ~~واستقصارا للجد والسعي في إقامة حقوق العبودية من خصائص الخواص ~~والمقربين، والمراد بيان دوام انتفائهما لا بيان انتفاء ~~دوامهما كما يوهمه كون الخبر في الجملة الثانية مضارعا لما مر ~~مرارا من أن النفي وإن دخل على نفس المضارع يفيد الاستمرار والدوام ~~بحسب المقام، وإنما لا يعتريهم ذلك لأن مقصدهم ليس إلا طاعة الله ~~تعالى ونيل رضوانه المستتبع للكرامة والزلفى، وذلك مما لا ريب في ~~حصوله ولا احتمال لفواته بموجب الوعد بالنسبة إليه تعالى، وأما ما عدا ~~ذلك من الأمور الدنيوية المترددة بين الحصول والفوات فهي بمعزل من ~~الانتظام في سلك مقصدهم وجودا وعدما حتى يخافوا من حصول ضارها أو ~~يحزنوا بفوات نافعها. ### || [10.63] # وقوله عز وجل: # { الذين ءامنوا } أي بكل ما جاء من عند الله تعالى: { وكانوا ~~يتقون } أي يقون أنفسهم عما يحق وقايتها عنه من الأفعال والتروك ~~وقاية دائمة حسبما يفيده الجمع بين صيغتي الماضي والمستقبل (وهو) ~~بيان وتفسير لهم وإشارة إلى ما به نالوا ما نالوا على طريقة ~~الاستئناف المبني على السؤال، ومحل الموصول الرفع على أنه خبر ~~لمبتدأ محذوف كأنه قيل: من أولئك وما سبب فوزهم بتلك الكرامة؟ ~~فقيل: هم الذين جمعوا بين الإيمان والتقوى المفضيين إلى كل خير ~~المنحيين عن كل شر وقيل: محله النصب أو الرفع على المدح أو على ~~أنه وصف مادح للأولياء، ولا يقدح في ذلك توسط الخبر، والمراد ~~بالتقوى المرتبة الثالثة منها الجامعة لما تحتها من مرتبة التوقي عن ~~الشرك التي يفيدها الإيمان أيضا ومرتبة التجنب عن كل ما يؤثم من فعل ~~وترك، أعني تنزه الإنسان عن كل ما يشغل سره عن الحق والتبتل إليه ~~بالكلية وهي التقوى الحقيقي المأمور ms1496 به في قوله تعالى: # يأيها الذين ءامنوا اتقوا الله حق تقاته # [آل عمران: 102] وبه يحصل الشهود والحضور والقرب الذي عليه يدور ~~إطلاق الاسم عليه، وهكذا كان حال كل من دخل معه عليه السلام تحت ~~الخطاب بقوله عز وجل: # ولا تعملون من عمل # [يونس: 61] خلا أن لهم في شأن التبتل والتنزه درجات متفاوتة حسب ~~تفاوت درجات استعدادتهم الفائضة عليهم بموجب المشيئة المبنية على ~~الحكم الأبية أقصاها ما انتهى إليه همم الأنبياء عليهم السلام حتى ~~جمعوا بذلك بين رياستي النبوة والولاية يعقهم التعلق بعالم الأشباح ~~عن الاستغراق في عالم الأرواح ولم تصدهم الملابسة بمصالح الخلق عن ~~التبتل إلى جناب الحق لكمال استعداد نفوسهم الزكية المؤيدة بالقوة ~~القدسية، فملاك أمر الولاية هو التقوى المذكور فأولياء الله هم ~~المؤمنون المتقون، ويقرب منه ما قيل من أنهم الذين تولى الله هدايتهم ~~بالبرهان وتولوا القيام بحق عبودية الله تعالى والدعوة إليه ولا ~~يخالفه ما قيل من أنهم الذين يذكر الله برؤيتهم لما روي عن سعيد بن ~~جبير # " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل من أولياء الله فقال: " هم ~~الذين يذكر الله برؤيتهم أي بسمتهم وإخباتهم وسكينتهم " # ، ولا ما قيل من أنهم المتحابون في الله لما روي (عن عمر رضي الله ~~عنه أنه قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: # " " إن من عباد الله عبادا ليسوا بأنبياء ولا شهداء يغبطهم ~~الأنبياء والشهداء يوم القيامة لمكانهم من الله " قالوا: يا رسول ~~الله خبرنا من هم وما أعمالهم فلعلنا نحبهم، قال: " هم قوم تحابوا ~~في الله على غير أرحام منهم ولا أموال يتعاطونها فوالله إن وجوههم ~~لنور وإنهم لعلى منابر من نور لا يخافون إذا خاف الناس ولا يحزنون إذا ~~حزن الناس " # فإن ما ذكر من حسن السمت والسكينة المذكرة لله تعالى والتحاب ~~في الله سبحانه من الأحكام الدنيوية اللازمة للإيمان والتقوى والآثار ~~الخاصة بهما الحقيقة بالتخصيص بالذكر لظهورها وقربها من أفهام الناس ~~قد أورد رسول الله صلى الله عليه وسلم كلا من ذلك حسبما يقتضيه ms1497 مقام ~~الإرشاد والتذكير ترغيبا للسائلين أو غيرهم من الحاضرين فيما خصه ~~بالذكر هناك من أحكامهم فلعل الحاضرين أولا كانوا محتاجين إلى إصلاح ~~الحال من جهة الأقوال والأفعال والملابس ونحو ذلك، والحاضرين ثانيا ~~مفتقرين إلى تأليف قلوبهم وعطفها نحو المؤمنين الذين لا علاقة بينهم ~~وبينهم من جهة النسب والقرابة وتأكيد ما بينهم من الأخوة الدينية ~~ببيان عظم شأنها ورفعة مكانتها وحسن عاقبتها ليراعوا حقوقها ~~ويهجروا من لا يوافقهم في الدين من أرحامهم، وأما ما ذكر من أنه ~~يغبطهم الأنبياء فتصوير لحسن حالهم على طريقة التمثيل. قال ~~الكواشي: وهذا مبالغة، والمعنى لو فرض قوم بهذه الصفة لكانوا هؤلاء ~~وقيل: أولياء الله الذين يتولونه بالطاعة ويتولاهم بالكرامة وجعل قوله ~~عز وجل: { الذين ءامنوا وكانوا يتقون } تفسيرا لتوليهم ~~إياه تعالى. ### || [10.64] # وقوله عز وجل: { لهم البشرى في الحيوة الدنيا وفي ~~الأخرة } تفسيرا لتوليه تعالى إياهم ولا ريب في أن اعتبار القيد ~~الأخير في مفهوم الولاية غير مناسب لمقام ترغيب المؤمنين في تحصيلها ~~والثبات عليها وبشارتهم بآثارها ونتائجها مخل بذلك إذ التحصيل إنما ~~يتعلق بالمقدور والاستبشار لا يحصل إلا بما علم بوجود سببه والقيد ~~المذكور ليس بمقدور لهم حتى يحصلوا الولاية بتحصيله ولا بمعلوم لهم عند ~~حصوله حتى يعرفوا حصول الولاية لهم ويستبشروا بمحاسن آثارها بل ~~التولي بالكرامة عين نتيجة الولاية فاعتباره في عنوان الموضوع ثم ~~الإخبار بعدم الخوف والحزن مما لا يليق بشأن التنزيل الجليل، فالذي ~~يقتضيه نظمه الكريم أن الأول تفسير للأولياء حسبما شرح والثاني ~~بيان لما أولاهم من خيرات الدارين بعد بيان إنجائهم من شرورهما ~~ومكارههما، والجملة مستأنفة كما سبق كأنه قيل: هل لهم وراء ذلك من نعمة ~~وكرامة؟ فقيل لهم ما يسرهم في الدارين، وتقديم الأول لما أن التخلية ~~سابقة على التحلية مع ما فيه من مراعاة حق المقابلة بين حسن حال ~~المؤمنين وسوء حال المفترين، وتعجيل إدخال المسرة بتبشير الخلاص عن ~~الأهوال وتوسيط البيان السابق بين بشارة الخلاص عن المحذور وبشارة ~~الفوز بالمطلوب لإظهار كمال العناية بتفسير الأولياء مع الإيذان ms1498 بأن ~~انتفاء الخوف والحزن لاتقائهم عما يؤدي إليهما من الأسباب، والبشرى ~~مصدر أريد به المبشر به من الخيرات العاجلة كالنصر والفتح والغنيمة ~~وغير ذلك والآجلة الغنية عن البيان، وإيثار الإبهام والإجمال ~~للإيذان بكونه وراء البيان والتفصيل، والظرفان في موقع الحال منه ~~والعامل ما في الخبر من معنى الاستقرار أي لهم البشرى حال كونها في ~~الحياة الدنيا وحال كونها في الآخرة أي عاجلة وآجلة، أو من الضمير ~~المجرور أي حال كونهم في الحياة الخ، ومن البشرى العاجلة الثناء ~~الحسن والذكر الجميل ومحبة الناس. # " عن أبي ذر رضي الله عنه قلت: يا رسول الله الرجل يعمل العمل لله ~~ويحبه الناس فقال عليه السلام: " تلك عاجل بشرى المؤمنين " # هذا وقيل: البشرى مصدر والظرفان متعلقان به. أما البشرى في الدنيا فهي ~~البشارات الواقعة للمؤمنين المتقين في غير موضع من الكتاب المبين. وعن ~~النبي صلى الله عليه وسلم: # " هي الرؤيا الصالحة يراها المؤمن أو ترى له " # وعنه عليه الصلاة والسلام: # " ذهبت النبوة وبقيت المبشرات " # وعن عطاء: لهم البشرى عند الموت تأتيهم الملائكة بالرحمة قال الله ~~تعالى: # تنزل عليهم الملئكة ألا تخافوا ولا ~~تحزنوا وأبشروا بالجنة # [فصلت: 30] وأما البشرى في الآخرة فتلقي الملائكة إياهم مسلمين ~~مبشرين بالفوز والكرامة وما يرون من بياض وجوههم وإعطاء الصحائف ~~بأيمانهم وما يقرؤون منها وغير ذلك من البشارات فتكون هذه بشارة بما ~~سيقع من البشارات العاجلة والآجلة المطلوبة لغاياتها لا لذواتها، ولا ~~يخفى أن صرف البشارة الناجزة عن المقاصد بالذات إلى وسائلها مما لا ~~يساعده جلالة شأن التنزيل الكريم { لا تبديل لكلمات الله ~~} لا تغيير لأقواله التي من جملتها مواعيده الواردة بشارة للمؤمنين ~~المتقين فتدخل فيها البشارات الواردة ههنا دخولا أوليا ويثبت ~~امتناع الإخلاف فيها ثبوتا قطعيا، وعلى تقدير كون المراد بالبشرى ~~الرؤيا الصالحة فالمراد بعدم تبديل كلماته تعالى ليس عدم الخلف ~~بينهما وبين نتائجها الدنيوية والأخروية بل عدم الخلف بينهما ~~وبين ما دل على ثبوتها ووقوعها فيما سيأتي بطريق الوعد من قوله تعالى: ~~{ لهم البشرى } فتدبر. # { ذلك } إشارة إلى ما ms1499 ذكر من أن لهم البشرى في الدارين { هو ~~الفوز العظيم } الذي لا فوز وراءه وفيه تفسير فيما سبق، ~~وهاتيك الجملة والتي قبلها اعتراض لتحقيق المبشر وتعظيم شأنه، وليس ~~من شرطه أن يكون بعده كلام متصل بما قبله، أو هذه تذييل والسابقة ~~اعتراض. ### || [10.65-66] # { ولا يحزنك قولهم } تسلية للرسول صلى الله عليه وسلم عما ~~كان يلقاه من جهتهم من الأذية الناشئة عن مقالاتهم الموحشة وتبشير له ~~عليه الصلاة والسلام بأنه عز وجل ينصره ويعزه عليهم، إثر بيان أن ~~له ولأتباعه أمنا من كل محذور وفوزا بكل مطلوب، وقرىء ولا يحزنك ~~من أحزنه وهو في الحقيقة نهي له عليه السلام عن الحزن كأنه قيل: لا ~~تحزن بقولهم ولا تبال بتكذيبهم وتشاورهم في تدبير هلاكك وإبطال ~~أمرك وسائر ما يتفوهون به في شأنك مما لا خير فيه، وإنما وجه ~~النهي إلى قولهم للمبالغة في نهيه عليه السلام عن الحزن لما أن النهي ~~عن التأثير نهي عن التأثر بأصله ونفي له بالمرة وقد يوجه النهي إلى ~~اللازم والمراد هو النهي عن الملزوم كما في قولك: لا أرينك ههنا، ~~وتخصيص النهي عن الحزن بالإيراد مع شمول النفي السابق للحزن أيضا لما ~~أنه لم يكن فيه عليه السلام شائبة خوف حتى ينهى عنه وربما كان يعنى ~~به عليه السلام في بعض الأوقات نوع حزن فسلي عن ذلك، وقوله تعالى: ~~{ إن العزة } تعليل للنهي على طريقة الاستئناف أي الغلبة ~~والقهر { لله جميعا } أي في ملكته وسلطانه لا يملك أحد شيئا ~~منها أصلا لا هم ولا غيرهم فهو يقهرهم ويعصمك منهم وينصرك عليهم ~~وقد كان كذلك فهي من جملة المبشرات العاجلة، وقرىء بفتح (أن) على صريح ~~التعليل أي لأن العزة لله { هو السميع العليم } يسمع ما ~~يقولون في حقك ويعلم ما يعزمون عليه وهو مكافئهم بذلك. { ألا إن ~~لله من فى السموات ومن فى الأرض } أي العقلاء من ~~الملائكة والثقلين، وتخصيصهم بالذكر للإيذان بعدم الحاجة إلى التصريح ~~بغيرهم فإنهم مع شرفهم وعلو طبقتهم إذا كانوا عبيدا له سبحانه ms1500 مقهورين ~~تحت قهره وملكته فما عداهم من الموجودات أولى بذلك وهو مع ما فيه من ~~التأكيد لما سبق من اختصاص العزة بالله تعالى الموجب لسلوته عليه السلام ~~وعدم مبالاته بالمشركين وبمقالاتهم تمهيد لما لحق من قوله تعالى: # { وما يتبع الذين يدعون من دون الله شركاء } ~~وبرهان على بطلان ظنونهم وأعمالهم المبنية عليها، وما إما نافية ~~وشركاء مفعول يتبع ومفعول يدعون محذوف لظهوره أي ما يتبع الذين ~~يدعون من دون الله شركاء شركاء في الحقيقة وإن سموها شركاء فاقتصر ~~على أحدهما لظهور دلالته على الآخر، ويجوز أن يكون المذكور مفعول ~~يدعون ويكون مفعول يتبع محذوفا لانفهامه من قوله تعالى: { إن ~~يتبعون إلا الظن } أي ما يتبعونه يقينا إنما يتبعون ظنهم ~~الباطل، وإما موصولة معطوفة على من كأنه قيل: والله ما يتبعه الذين ~~يدعون من دون الله شركاء أي وله شركاؤهم، وتخصيصهم بالذكر مع دخولهم ~~فيما سبق عبارة أو دلالة للمبالغة في بيان بطلان اتباعهم وفساد ما ~~بنوه عليه من ظنهم شركاءهم معبودين مع كونهم عبيدا له سبحانه، وإما ~~استفهامية أي وأي شيء يتبعون أي لا يتبعون إلا الظن والخيال ~~الباطل كقوله تعالى: # ما تعبدون من دونه إلا أسماء سميتموها # [يوسف: 40] الخ، وقرىء تدعون بالتاء فالاستفهام للتبكيت والتوبيخ كأنه ~~قيل: وأي شيء يتبع الذين تدعونهم شركاء من الملائكة والنبيين ~~تقريرا لكونهم متبعين لله تعالى مطيعين له وتوبيخا لهم على اقتدائهم ~~بهم في ذلك كقوله تعالى: # أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم ~~الوسيلة # [الإسراء: 57] ثم صرف الكلام عن الخطاب إلى الغيبة فقيل: إن يتبع ~~هؤلاء المشركون إلا الظن ولا يتبعون ما يتبعه الملائكة والنبيون من ~~الحق { وإن هم إلا يخرصون } يكذبون فيما ينسبونه إليه ~~سبحانه ويحزرون ويقدرون أنهم شركاء تقديرا باطلا. ### || [10.67-68] # { هو الذى جعل لكم اليل لتسكنوا فيه ~~والنهار مبصرا } تنبيه على تفرده تعالى بالقدرة الكاملة ~~والنعمة الشاملة ليدلهم على توحده سبحانه باستحقاق العبادة، وتقرير ~~لما سلف من كون جميع الموجودات الممكنة تحت قدرته وملكته المفصح عن ~~اختصاص العزة به سبحانه، والجعل ms1501 إن كان بمعنى الإبداع والخلق فمبصرا ~~حال وإلا (فلكم) مفعوله الثاني، أو هو حال كما في الوجه الأول ~~والمفعول الثاني لتسكنوا فيه، أو هو محذوف يدل عليه المفعول الثاني من ~~الجملة الثانية كما أن العلة الغائية منها محذوفة اعتمادا على ما ~~في الأولى، والتقدير هو الذي جعل لكم الليل مظلما لتسكنوا فيه ~~والنهار مبصرا لتتحركوا فيه لمصالحكم كما سيجيء نظيره في قوله تعالى: # وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو وإن ~~يردك بخير فلا راد لفضله # [يونس: 107] الآية، فحذف في كل واحد من الجانبين ما ذكر في الآخر ~~اكتفاء بالمذكور عن المتروك، وإسناد الإبصار إلى النهار مجازي كالذي ~~في: نهاره صائم { إن فى ذلك } أي في جعل كل منهما كما وصف أو ~~فيهما، وما في اسم الإشارة من معنى البعد للإيذان ببعد منزلة المشار ~~إليه وعلو رتبته { لأيات } عجيبة كثيرة أو آيات أخر غير ما ~~ذكر { لقوم يسمعون } أي هذه الآيات المتلوة ونظائرها ~~المنبهة على تلك الآيات التكوينية الآمرة بالتأمل فيها سماع تدبر ~~واعتبار فيعملون بمقتضاها، وتخصيص الآيات بهم مع أنها منصوبة لمصلحة ~~الكل لما أنهم المنتفعون بها { قالوا } شروع في ذكر ضرب آخر من ~~أباطيلهم وبيان بطلانه { اتخذ الله ولدا } أي تبناه { ~~سبحنه } تنزيه وتقديس له عما نسبوا إليه وتعجيب من كلمتهم ~~الحمقاء { هو الغنى } على الإطلاق عن كل شيء في كل شيء وهو علة ~~لتنزيهه سبحانه وإيذان بأن اتخاذ الولد من أحكام الحاجة وقوله عز ~~وجل: { له ما في السموات وما في الارض } أي من العقلاء ~~وغيرهم، تقرير لغناه وتحقيق لمالكيته تعالى لكل ما سواه وقوله تعالى: ~~{ إن عندكم من سلطان } أي حجة { بهذا } أي بما ذكر من ~~قولهم الباطل وتوضيح لبطلانه بتحقيق سلامة ما أقيم من البرهان الساطع ~~عن المعارض، فمن في قوله تعالى: { من سلطن } زائدة لتأكيد ~~النفي وهو مبتدأ والظرف المقدم خبره أو مرتفع على أنه فاعل للظرف ~~لاعتماده على النفي وبهذا متعلق إما بسلطان لأنه بمعنى الحجة والبرهان ~~وإما بمحذوف وقع صفة ms1502 له وإما بما في (عندكم) من معنى الاستقرار، كأنه ~~قيل: إن عندكم في هذا القول من سلطان، والالتفات إلى الخطاب لمزيد ~~المبالغة في الإلزام والإفحام وتأكيد ما في قوله تعالى: { أتقولون ~~على الله ما لا تعلمون } من التوبيخ والتقريع على جهلهم ~~واختلاقهم، وفيه تنبيه على أن كل مقالة لا دليل عليها فهي جهالة وأن ~~العقائد لا بد لها من برهان قطعي وأن التقليد بمعزل من الاعتداد به. ### || [10.69-70] # { قل } تلوين للخطاب وتوجيه له إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~ليبين لهم سوء مغبتهم ووخامة عاقبتهم { إن الذين ~~يفترون على الله الكذب } أي في كل أمر فيدخل ما نحن بصدده ~~من الافتراء بنسبة الولد والشريك إليه سبحانه دخولا أوليا { لا ~~يفلحون } أي لا ينجون من مكروه ولا يفوزون بمطلوب أصلا وتخصيص ~~عدم النجاة والفوز بما يندرج في ذلك من عدم النجاة من النار وعدم ~~الفوز بالجنة لا يناسب مقام المبالغة في الزجر عن الافتراء عليه سبحانه ~~{ متع فى الدنيا } كلام مستأنف سيق لبيان أن ما يتراءى فيهم ~~بحسب الظاهر من نيل المطالب والفوز بالحظوظ الدنيوية على الإطلاق أو ~~في ضمن افترائهم بمعزل من أن يكون من جنس الفلاح كأنه قيل: كيف لا ~~يفلحون وهم في غبطة ونعيم؟ فقيل: هو متاع يسير في الدنيا وليس بفوز ~~بالمطلوب، ثم أشير إلى انتفاء النجاة عن المكروه أيضا بقوله عز وعلا: { ~~ثم إلينا مرجعهم } أي بالموت. { ثم نذيقهم ~~العذاب الشديد بما كانوا يكفرون } فيبقون في الشقاء ~~المؤبد بسبب كفرهم المستمر أو بكفرهم في الدنيا فأين هم من الفلاح، ~~وقيل: المبتدأ المحذوف حياتهم أو تقلبهم، وقد قيل: إنه افتراؤهم، ~~ولا يخفى أن المتاع إنما يطلق على ما يكون مطبوعا عند النفس مرغوبا ~~فيه في نفسه يتمتع وينتفع به، وإنما عدم الاعتداد به لسرعة زواله، ~~ونفس الافتراء عليه سبحانه أقبح القبائح عند النفس فضلا عن أن يكون ~~مطبوعا عندها وعده كذلك باعتبار إجراء حكم ما يؤدي إليه من رياستهم ~~عليه مما لا وجه له، فالوجه ما ms1503 ذكر أولا، وليس ببعيد ما قيل: أن ~~المحذوف هو الخبر أي لهم متاع والآية إما مسوقة من جهة الله تعالى ~~لتحقيق عدم إفلاحهم غير داخلة في الكلام المأمور به كما يقتضيه ظاهر ~~قوله تعالى: { ثم نذيقهم } وإما داخلة فيه على أن النبي عليه ~~الصلاة والسلام مأمور بنقله وحكايته عنه عز وجل. ### || [10.71] # { واتل عليهم } أي على المشركين من أهل مكة وغيرهم لتحقيق ما ~~سبق من أنهم لا يفلحون وأن ما يتمعون به على جناح الفوات وأنهم مشرفون ~~على العذاب الخالد { نبأ نوح } أي خبره الذي له شأن وخطر مع قومه ~~الذين هم أضراب قومك في الكفر والعناد ليتدبروا ما فيه من زوال ما ~~تمتعوا به من النعيم وحلول عذاب الغرق الموصول بالعذاب المقيم ~~لينزجروا بذلك عما هم عليه من الكفر أو تنكسر شدة شكيمتهم أو يعترف ~~بعضهم بصحة نبوءتك بأن عرفوا أن ما تتلوه موافق لما ثبت عندهم من غير ~~مخالفة بينهما أصلا مع علمهم بأنك لم تسمع ذلك من أحد ليس إلا بطريق ~~الوحي، وفيه من تقرير ما سبق من كون الكل لله سبحانه واختصاص العزة ~~به تعالى وانتفاء الخوف والحزن عن أوليائه عز وعلا قاطبة وتشجيع ~~النبي صلى الله عليه وسلم وحمله على عدم المبالاة بهم وبأقوالهم ~~وأفعالهم ما لا يخفى. # { إذ قال } معمول لنبأ أو بدل منه بدل اشتمال، وأيا ما كان ~~فالمراد بعض نبئه عليه السلام لا كل ما جرى بينه وبين قومه ~~واللام في قوله تعالى: { لقومه } للتبليغ { يقوم إن كان ~~كبر } أي عظم وشق { عليكم مقامى } أي نفسي كما يقال: ~~فعلته لمكان فلان، أي لفلان ومنه قوله تعالى: # ولمن خاف مقام ربه # [الرحمن: 46] أي خاف ربه أو قيامي ومكثي بين ظهرانيكم مدة طويلة ~~أو قيامي { وتذكيرى بآيات الله } فإنهم كانوا إذا وعظوا ~~الجماعة يقومون على أرجلهم والجماعة قعود ليظهر حالهم ويسمع مقالهم ~~{ فعلى الله توكلت } جواب للشرط أي دمت على تخصيص التوكل ~~به تعالى، ويجوز أن يراد به إحداث مرتبة مخصوصة من مراتب التوكل ms1504 { ~~فأجمعوا أمركم } عطف على الجواب، والفاء لترتيب الأمر ~~بالإجماع على التوكل لا لترتيب نفس الإجماع عليه أو هو الجواب وما سبق ~~جملة معترضة، والإجماع العزم قيل: هو متعد بنفسه وقيل: فيه حذف ~~وإيصال. قال السدوسي: أجمعت الأمر أفصح من أجمعت عليه وقال أبو ~~الهيثم: أجمع أمره جعله مجموعا بعد ما كان متفرقا، وتفرقه أنه ~~يقول: مرة أفعل كذا وأخرى أفعل كذا وإذا عزم على أمر واحد فقد جمعه أي ~~جعله جميعا { وشركاءكم } بالنصب على أن الواو بمعنى مع كما تدل ~~عليه القراءة بالرفع عطفا على الضمير المتصل تنزيلا للفصل منزلة ~~التأكيد، وإسناد الإجماع إلى الشركاء على طريقة التهكم، وقيل: إنه ~~عطف على أمركم بحذف المضاف أي أمر شركائكم وقيل: منصوب بفعل محذوف ~~أي وادعوا شركاءكم وقد قرىء كذلك وقرىء فاجمعوا من الجمع، أي فاعزموا ~~على أمركم الذين تريدون بي من السعي في إهلاكي واحتشدوا فيه على أي وجه ~~يمكنكم { ثم لا يكن أمركم } ذلك { عليكم غمة } أي ~~مستورا من غمه إذا ستره، بل مكشوفا مشهورا تجاهرونني به فإن السر ~~إنما يصار إليه لسد باب تدارك الخلاص بالهرب أو نحوه، فحيث استحال ذلك ~~في حقي لم يكن للسر وجه وإنما خاطبهم عليه السلام بذلك إظهارا لعدم ~~المبالاة بهم وأنهم لم يجدوا إليه سبيلا وثقة بالله سبحانه وبما وعده ~~من عصمته وكلاءته، فكلمة ثم للتراخي في الرتبة، وإظهار الأمر في ~~موقع الإضمار لزيادة تقرير يقتضيها مقام الأمر بالإظهار الذي يستلزمه ~~النهي عن التستر والإسرار، قيل: المراد بأمرهم ما يعتريهم من جهته عليه ~~السلام من الحال الشديدة عليهم المكروهة لديهم، والغمة والغم ~~كالكربة والكرب وثم للتراخي الزماني، والمعنى لا يكن حالكم عليكم غمة ~~وتخلصوا بإهلاكي من ثقل مقامي وتذكيري، ولا يخفى أنه لا يساعده قوله ~~عز وجل { ثم اقضوا إلى ولا تنظرون } أي أدوا إلي أي ~~أحكموا ذلك الأمر الذي تريدون بي ولا تمهلوني كقوله تعالى: # وقضينآ إليه ذلك الأمر # [الحجر: 66] أو أدوا إلي ما هو حق عليكم عندكم من إهلاكي كما يقضي ms1505 ~~الرجل غريمه، فإن توسيط ما يحصل بعد الإهلاك بين الأمر بالعزم على ~~مباديه وبين الأمر بقضائه من قبيل الفصل بين الشجر ولحائه، وقرىء ~~أفضوا بالفاء أي انتهوا إلي بشركم أو ابرزوا إلي، من أفضى إذا خرج ~~إلى الفضاء. ### || [10.72-73] # { فإن توليتم } الفاء لترتيب التولي على ما سبق فالمراد به ~~إما الاستمرار عليه وإما إحداث التولي المخصوص، أي إن أعرضتم عن ~~نصيحتي وتذكيري إثر ما شاهدتم مني من مخايل صحة ما أقول ودلائلها التي ~~من جملتها دعوتي إياكم جميعا إلى تحقيق ما تريدون بي من السوء غير ~~مبال بكم وبما يأتي منكم وإحجامكم من الإجابة علما منكم بأني على الحق ~~المبين مؤيد من عند الله العزيز { فما سألتكم } بمقابلة وعظي ~~وتذكيري { من أجر } تؤدونه إلي حتى يؤدي ذلك إلى توليكم إما ~~لاتهامكم إياي بالطمع والسؤال وإما لثقل دفع المسؤول عليكم أو حتى ~~يضرني توليكم المؤدي إلى الحرمان، فالأول لإظهار بطلان التولي ببيان ~~عدم ما يصححه والثاني لإظهار عدم مبالاته عليه السلام بوجوده وعدمه، ~~وعلى التقديرين فالفاء الجزائية لسببية الشرط لإعلام مضمون الجزاء ~~لا لنفسه، والمعنى إن توليتم فاعلموا أن ليس في مصحح له ولا تأثر منه ~~وقوله عز وجل: { إن أجرى إلا على الله } ينتظم المعنيين ~~جميعا خلا أنه على الأول تأكيد وعلى الثاني تعليل لاستغنائه عليه ~~السلام عنه أي ما ثوابي على العظة والتذكير إلا عليه تعالى يثيبني به ~~آمنتم أو توليتم { وأمرت أن أكون من المسلمين } ~~المنقادين لحكمه لا أخالف أمره ولا أرجو غيره أو المستسلمين لكل ما ~~يصيب من البلاء في طاعة الله تعالى { فكذبوه } فأصروا على ما هم ~~عليه من التكذيب بعدما ألزمهم الحجة وبين لهم المحجة وحقق أن ~~توليهم ليس له سبب غير التمرد والعناد فلا جرم حقت عليهم كلمة ~~العذاب { فنجيناه ومن معه فى الفلك } من المسلمين ~~وكانوا ثمانين { وجعلناهم خلائف } من الهالكين { ~~وأغرقنا الذين كذبوا بآياتنا } أي بالطوفان، وتأخير ~~ذكره عن ذكر الإنجاء والاستخفاف حسبما وقع في قوله عز وعلا: # ولما جاء أمرنا نجينا ms1506 شعيبا والذين ءامنوا ~~معه برحمة منا وأخذت الذين ظلموا الصيحة # [هود: 94] وغير ذلك من الآيات الكريمة لإظهار كمال العناية بشأن ~~المقدم ولتعجيل المسرة للسامعين وللإيذان بسبق الرحمة التي هي من ~~مقتضيات الربوبية على الغضب الذي هو من مستتبعات جرائم المجرمين { ~~فانظر كيف كان عاقبة المنذرين } تهويل لما جرى عليهم ~~وتحذير لمن كذب الرسول عليه الصلاة والسلام وتسلية له صلى الله عليه ~~وسلم. ### || [10.74] # { ثم بعثنا } أي أرسلنا { من بعده } أي من بعد نوح عليه ~~السلام { رسلا } التنكير للتفخيم ذاتا ووصفا أي رسلا كراما ذوي ~~عدد كثير { إلى قومهم } أي إلى أقوامهم لكن لا بأن أرسلنا كل ~~رسول منهم إلى أقوام الكل أو إلى قوم ما، أي قوم كانوا بل كل رسول ~~إلى قومه خاصة مثل هود إلى عاد وصالح إلى ثمود وغير ذلك ممن قص ~~منهم ومن لم يقص { فجاءوهم } أي جاء كل رسول قومه المخصوصين به ~~{ بالبينت } أي المعجزات الواضحة الدالة على صدق ما قالوا ~~والباء إما متعلقة بالفعل المذكور على أنها للتعدية أو بمحذوف وقع ~~حالا من ضمير جاءوا أي ملتبسين بالبينات، لكن لا بأن يأتي كل رسول ~~ببينة واحدة بل ببينات كثيرة خاصة به معينة له حسب اقتضاء الحكمة ~~فإن مراعاة انقسام الآحاد إلى الآحاد إنما هي فيما بين ضميري جاءوهم ~~كما أشير إليه { فما كانوا ليؤمنوا } بيان لاستمرار عدم ~~إيمانهم في الزمان الماضي لا لعدم استمرار إيمانهم كما مر مثله في هذه ~~السورة الكريمة غير مرة أي فما صح وما استقام لقوم من أولئك الأقوام في ~~وقت من الأوقات أن يؤمنوا بل كان ذلك ممتنعا منهم لشدة شكيمتهم في ~~الكفر والعناد، ثم إن كان المحكي آخر حال كل قوم حسبما يدل عليه ~~حكاية قوم نوح فالمراد بعدم إيمانهم المذكور ههنا إصرارهم على ذلك ~~بعد اللتيا والتي وبما أشير إليه في قوله عز وجل: { بما كذبوا ~~به من قبل } تكذيبهم من حيث مجيء الرسل إلى زمان الإصرار ~~والعناد وإنما لم يجعل ذلك مقصودا بالذات كالأول حيث جعل ms1507 صلة للموصول ~~إيذانا بأنه بين بنفسه غني عن البيان، وإنما المحتاج إلى ذلك ~~عدم إيمانهم بعد تواتر البينات الظاهرة وتظاهر المعجزات ~~الباهرة التي كانت تضطرهم إلى القبول لو كانوا من أصحاب العقول، ~~والموصول الذي تعلق به الإيمان والتكذيب سلبا وإيمانا عبارة عن جميع ~~الشرائع التي جاء بها كل رسول أصولها وفروعها. # وإن كان المحكي جميع أحوال كل قوم منهم فالمراد بما ذكر أولا ~~كفرهم المستمر من حين مجيء الرسل إلى آخره، وبما أشير إليه آخرا ~~تكذيبهم قبل مجيئهم فلا بد من كون الموصول المذكور عبارة عن أصول ~~الشرائع التي أجمعت عليها الرسل قاطبة ودعوا أممهم إليها آثر ذي ~~أثير لاستحالة تبدلها وتغيرها مثل ملة التوحيد ولوازمها، ومعنى ~~تكذيبهم بها قبل مجيء رسلهم أنهم ما كانوا في زمن الجاهلية بحيث لم ~~يسمعوا بكلمة التوحيد قط بل كان كل قوم من أولئك الأقوام يتسامعون بها ~~من بقايا من قبلهم كثمود من بقايا عاد وعاد من بقايا قوم نوح عليه ~~السلام فيكذبونها ثم كانت حالتهم بعد مجيء الرسل كحالتهم قبل ذلك كأن ~~لم يبعث إليهم أحد، وتخصيص التكذيب وعدم الإيمان بما ذكر من الأصول ~~لظهور حال الباقي بدلالة النص، فإنهم حيث لم يؤمنوا بما أجمعت عليه ~~كافة الرسل فلأن لا يؤمنوا بما تفرد به بعضهم أولى، وعدم جعل هذا ~~التكذيب مقصودا بالذات لما أن عليه يدور أمر العذاب والعقاب عند ~~اجتماع المكذبين هو التكذيب الواقع بعد الدعوة حسبما يعرب عنه ~~قوله تعالى: # وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا # [الإسراء: 15] وإنما ذكر ما وقع قبلها بيانا لعراقتهم في الكفر ~~والتكذيب، وعلى التقديرين فالضمائر الثلاثة متوافقة في المرجع، وقيل: ~~ضمير كذبوا راجع إلى قوم نوح عليه السلام، والمعنى فما كان قوم ~~الرسل ليؤمنوا بما كذب بمثله قوم نوح، ولا يخفى ما فيه من التعسف، ~~وقيل: الباء للسببية أي بسبب تعودهم تكذيب الحق وتمرنهم عليه ~~قبل بعثة الرسل، ولا يخفى أن ذلك يؤدي إلى مخالفة الجمهور من جعل ما ~~المصدرية من قبيل الأسماء كما هو رأي ms1508 الأخفش وابن السراج ليرجع ~~إليها الضمير وفي إرجاعه إلى الحق بادعاء كونه مركوزا في الأذهان ما ~~لا يخفى من التعسف { كذلك } أي مثل ذلك الطبع المحكم { نطبع ~~} بنون العظمة وقرىء بالياء على أن الضمير لله سبحانه { على قلوب ~~المعتدين } المتجاوزين عن الحدود المعهودة في الكفر والعناد ~~المتجافين عن قبول الحق وسلوك طريق الرشاد، وذلك بخذلانهم وتخليتهم ~~وشأنهم لانهماكهم في الغي والضلال وفي أمثال هذا دلالة على أن ~~الأفعال واقعة بقدرة الله تعالى وكسب العبد. ### || [10.75-76] # { ثم بعثنا } عطف على قوله تعالى: { ثم بعثنا من ~~بعده رسلا إلى قومهم } عطف قصة على قصة { من ~~بعدهم } أي من بعد أولئك الرسل عليهم السلام { موسى وهرون ~~} خصت بعثتهما عليهما السلام بالذكر ولم يكتف باندراج خبرهما فيما ~~أشير إليه إجمالا من أخبار الرسل عليهم السلام مع أقوامهم وأوثر في ذلك ~~ضرب تفصيل إيذانا بخطر شأن القصة وعظم وقعها كما في نبأ نوح عليه ~~السلام { إلى فرعون وملإيه } أي أشراف قومه، وتخصيصهم ~~بالذكر لأصالتهم في إقامة المصالح والمهمات ومراجعة الكل إليهم في ~~النوازل والملمات { بئايتنا } أي ملتبسين بها وهي الآيات ~~المفصلات في الأعراف { فاستكبروا } الاستكبار ادعاء الكبر من ~~غير استحقاق والفاء فصيحة أي فأتياهم فبلغاهم الرسالة فاستكبروا عن ~~اتباعهما وذلك قول اللعين لموسى عليه السلام: # ألم نربك فينا وليدا ولبثت فينا من عمرك ~~سنين # [الشعراء: 18] الخ، { وكانوا قوما مجرمين } اعتراض ~~مقرر لمضمون ما قبله أي كانوا معتادين لارتكاب الذنوب العظام فإن ~~الإجرام مؤذن بعظم الذنب ومنه الجرم أي الجثة فلذلك اجترأوا على ما ~~اجترأوا عليه من الاستهانة برسالة الله تعالى، وحمل الاستكبار على ~~الامتناع عن قبول الآيات لا يساعده قوله عز وعلا: { فلما جاءهم ~~الحق من عندنا قالوا إن هذا لسحر مبين } فإنه ~~صريح في أن المراد باستكبارهم ما وقع منهم قبل مجيء الحق الذي ~~سموه سحرا أعني العصا واليد البيضاء كما ينبىء عنه سياق النظم ~~الكريم وذلك أول ما أظهره عليه السلام من الآيات العظام والفاء فيه ~~أيضا فصيحة معربة عما صرح به في ms1509 مواضع أخر كأنه قيل: قال موسى: # قد جئتكم ببينة من ربكم # [الأعراف: 105] إلى قوله تعالى: # فألقى عصاه فإذا هى ثعبان مبين ونزع يده ~~فإذا هى بيضاء للنظرين # [الأعراف: 107] فلما جاءهم الحق من عندنا وعرفوه قالوا من فرط ~~عتوهم وعنادهم: إن هذا لسحر مبين، أي ظاهر كونه سحرا، أو فائق ~~في بابه واضح فيما بين أضرابه، وقرىء لساحر. ### || [10.77-81] # { قال موسى } استئناف مبني على سؤال تنساق إليه الأذهان كأنه ~~قيل: فماذا قال لهم موسى حينئذ؟ فقيل: قال على طريقة الاستفهام ~~الإنكاري التوبيخي: { أتقولون للحق } الذي هو أبعد شيء من ~~السحر الذي هو الباطل البحت { لما جاءكم } أي حين مجيئه إياكم ~~ووقوفكم عليه أو من أول الأمر من غير تأمل وتدبر، وكلا الحالين مما ~~ينافي القول المذكور، والمقول محذوف ثقة بدلالة ما قبله وما بعده ~~عليه وإيذانا بأنه مما لا ينبغي أن يتفوه به ولو على نهج الحكاية، أي ~~أتقولون له ما تقولون من أنه سحر يعني به أنه مما لا يمكن أن يقوله ~~قائل ويتكلم به متكلم أو القول بمعنى العيب والطعن، من قولهم: فلان ~~يخاف القالة، وبين الناس تقاول إذا قال بعضهم لبعض ما يسوؤه ونظيره ~~الذكر في قوله تعالى: # سمعنا فتى يذكرهم # [الأنبياء: 60] الخ، فيستغنى عن المفعول أي أتعيبونه وتطعنون فيه وعلى ~~الوجهين فقوله عز وجل: { أسحر هذا } إنكار مستأنف من جهته عليه ~~السلام لكونه سحرا وتكذيب لقولهم وتوبيخ لهم على ذلك إثر توبيخ ~~وتجهيل بعد تجهيل، أما على الأول فظاهر وأما على الثاني فوجه إيثار ~~إنكار كونه سحرا على إنكار كونه معيبا بأن يقال مثلا: أفيه عيب ~~حسبما يقتضيه ظاهر الإنكار السابق التصريح بالرد عليهم في خصوصية ما ~~عابوه به بعد التنبيه بالإنكار السابق على أن ليس فيه شائبة عيب ما ~~وما في هذا من معنى القرب لزيادة تعيين المشار إليه واستحضار ما فيه ~~من الصفات الدالة على كونه آية باهرة من آيات الله المنادية على ~~امتناع كونه سحرا أي أسحر هذا الذي أمره واضح مكشوف وشأنه مشاهد ms1510 ~~معروف بحيث لا يرتاب فيه أحد ممن له عين مبصرة وتقديم الخبر ~~للإيذان بأنه منصب الإنكار ولما استلزم كونه سحرا كون من أتى ~~به ساحرا أكد الإنكار السابق وما فيه من التوبيخ والتجهيل بقوله عز ~~وجل: { ولا يفلح السحرون } وهو جملة حالية من ضمير ~~المخاطبين والرابط هو الواو بلا ضمير كما في قول من قال: # جاء الشتاء ولست أملك عدة # وقولك: جاء وحده زيد ولم تطلع الشمس أي أتقولون للحق إنه سحر ~~والحال أنه لا يفلح فاعله أي لا يظفر بمطلوب ولا ينجو من مكروه فكيف ~~يمكن صدوره من مثلي من المؤيدين من عند الله العزيز الحكيم الفائزين ~~بكل مطلب الناجين من كل محذور وقوله تعالى: { أسحر هذا } جملة ~~معترضة بين الحال وصاحبها أكد بها الإنكار السابق ببيان استحالة ~~كونه سحرا بالنظر إلى ذاته قبل بيان استحالته بالنظر إلى صدوره عنه ~~عليه السلام هذا، وأما تجويز أن يكون الكل مقول القول على أن المعنى ~~أجئتما السحر تطلبان به الفلاح ولا يفلح الساحرون؟ فمما لا يساعده ~~النظم الكريم أصلا أما أولا فلأن ما قالوا هو الحكم بأنه سحر من غير ~~أن يكون فيه دلالة على ما تعسف فيه من المعنى بوجه من الوجوه فصرف ~~جوابه عليه السلام عن صريح ما خاطبوه به إلى ما لا يفهم منه أصلا مما ~~يجب تنزيه النظم التنزيلي عن الحمل على أمثاله وأما ثانيا فلأن ~~التعرض لعدم إفلاح السحرة على الإطلاق من وظائف من يتمسك بالحق ~~المبين دون الكثرة المتشبثين بأذيال بعض منهم في معارضته عليه السلام ~~ولو كان ذلك من كلامهم لناسب تخصيص عدم الإفلاح بمن زعموه ساحرا بناء ~~على غلبة من يأتون به من السحرة وأما ثالثا فلأن قوله عز وجل: { ~~قالوا أجئتنا } الخ، مسوق لبيان أنه عليه السلام ألقمهم الحجر ~~فانقطعوا عن الإتيان بكلام له تعلق بكلامه عليه السلام فضلا عن الجواب ~~الصحيح واضطروا إلى التشبث بذيل التقليد الذي هو دأب كل عاجز محجوج ~~وديدن كل عاجز على أنه استئناف وقع جوابا عما ms1511 قبله من كلامه عليه ~~السلام على طريقة قوله تعالى: { قال موسى } الخ، حسبما أشير إليه، ~~كأنه قيل: فماذا قالوا لموسى عليه السلام عندما قال لهم ما قال؟ فقيل: ~~قالوا عاجزين عنه المحاجة: أجئتنا { لتلفتنا } أي لتصرفنا فإن ~~الفتل واللفت أخوان { عما وجدنا عليه ءاباءنا } أي من ~~عبادة الأصنام، ولا ريب في أن ذلك إنما يتسنى بكون ما ذكر من تتمة ~~كلامه عليه السلام على الوجه الذي شرح إذ على تقدير كونه محكيا من ~~قبلهم يكون جوابه عليه السلام خاليا من التبكيت الملجىء لهم إلى ~~العدول عن سنن المحاجة ولا ريب في أنه لا علاقة بين قولهم: أجئتنا ~~الخ، وبين انكاره عليه السلام لما حكي عنهم مصححة لكونه جوابا عنه ~~{ وتكون لكما الكبرياء } أي الملك أو التكبر على الناس ~~باستتباعهم وقرىء ويكون بالياء التحتانية. # وكلمة «في» في قوله تعالى: { فى الأرض } أي أرض مصر متعلقة بتكون ~~أو بالكبرياء أو بالاستقرار في لكما لوقوعه خبرا أو بمحذوف وقع حالا من ~~الكبرياء أو من الضمير في لكما لتحمله إياه { وما نحن لكما ~~بمؤمنين } أي بمصدقين فيما جئتما به وتثنية الضمير في هذين ~~الموضعين بعد إفراده فيما تقدم من المقامين باعتبار شمول الكبرياء ~~لهما عليهما السلام واستلزام التصديق لأحدهما التصديق للآخر، وأما ~~اللفت والمجيء له فحيث كانا من خصائص صاحب الشريعة أسند إلى موسى عليه ~~السلام خاصة { وقال فرعون } توحيد الفعل لأن الأمر من وظائف ~~فرعون أي قال لملئه يأمرهم بترتيب مبادي إلزامهما عليهما السلام الفعل ~~بعد اليأس من إلزامهما عليهما السلام بالفعل بعد اليأس من إلزامهما ~~بالقول: { ائتونى بكل سحر عليم } بفنون السحر حاذق ماهر ~~فيه، وقرىء سحار { فلما جاء السحرة } عطف على مقدر يستدعيه ~~المقام قد حذف إيذانا بسرعة امتثالهم لأمر فرعون كما هو شأن الفاء ~~الفصيحة في كل مقام أي فأتوا به فلما جاؤا { قال لهم موسى } ~~لكن لا في ابتداء مجيئهم بل بعد ما قالوا له عليه السلام ما حكي عنهم ~~في السور الأخر من قولهم: # إما أن تلقى وإما ms1512 أن نكون نحن الملقين # [الأعراف: 115] ونحو ذلك { ألقوا ما أنتم ملقون } أي ملقون ~~له كائنا ما كان من أصناف السحر { فلما ألقوا } ما ألقوا من ~~العصي والحبال واسترهبوا الناس وجاؤوا بسحر عظيم { قال } لهم { ~~موسى } غير مكترث بهم وبما صنعوا { ما جئتم به السحر } ~~ما موصولة وقعت مبتدأ والسحر خبره أي هو السحر لا ما سماه فرعون ~~وقومه من آيات الله سبحانه أو هو من جنس السحر يريهم أن حاله بين ~~لا يعبأ به كأنه قال: ما جئتم به مما لا ينبغي أن يجاء به، وقرىء أالسحر ~~على الاستفهام فما استفهامية أي أي شيء جئتم به أهو السحر الذي يعرف ~~حاله كل أحد ولا يتصدى له عاقل؟ وقرىء ما جئتم به سحر وقرىء ما ~~أتيتم به سحر ودلالتهما على المعنى الثاني في القراءة المشهورة أظهر { ~~إن الله سيبطله } أي سيمحقه بالكلية بما يظهره على يدي من ~~المعجزة فلا يبقى له أثر أصلا أو سيظهر بطلانه للناس والسين للتأكيد { ~~إن الله لا يصلح عمل المفسدين } أي عمل جنس ~~المفسدين على الإطلاق فيدخل فيه السحر دخولا أوليا أو عملكم فيكون من ~~باب وضع المظهر موضع المضمر للتسجيل عليهم بالإفساد والإشعار بعلة ~~الحكم، وليس المراد بعدم إصلاح عملهم عدم جعل فسادهم صلاحا بل عدم ~~إثباته وإتمامه أي لا يثبته ولا يكمله ولا يديمه بل يمحقه ويهلكه ~~ويسلط عليه الدمار، والجملة تعليل لما سبق من قوله: { إن الله ~~سيبطله } والكل اعتراض تذييلي وفيه دليل على أن السحر ~~إفساد وتمويه لا حقيقة له. ### || [10.82-83] # { ويحق الله الحق } عطف على قوله: سيبطله أي يثبته ~~ويقويه، وإظهار الاسم الجليل في المقامين الأخيرين لإلقاء الروعة ~~وتربية المهابة { بكلمته } بأوامره وقضاياه وقرىء بكلمته { ~~ولو كره المجرمون } ذلك والمراد بهم كل من اتصف بالإجرام ~~من السحرة وغيرهم. # { فما ءامن لموسى } معطوف على مقدر قد فصل في مواقع أخر، ~~أي فألقى عصاه فإذا هي تلقف ما يأفكون الخ، وإنما لم يذكر تعويلا على ~~ذلك وإيثارا للإيجاز وإيذانا بأن قوله تعالى: { إن ms1513 الله ~~سيبطله } مما لا يحتمل الخلف أصلا وعطفه على ذلك بالفاء مع ~~كونه عدما مستمرا من قبيل ما في قوله عز وجل: # فاتبعوا أمر فرعون # [هود: 97] وما في قولك: وعظته فلم يتعظ وصحت به فلم ينزجر والسر ~~في ذلك أن الإتيان بالشيء بعد ورود ما يوجب الإقلاع عنه وإن كان ~~استمرارا عليه لكنه بحسب العنوان فعل جديد وصنع حادث أي فما آمن له ~~عليه السلام بمشاهدة تلك الآيات القاهرة { إلا ذرية من ~~قومه } أي إلا أولاد من أولاد قومه بني إسرائيل حيث دعا الآباء ~~فلم يجيبوه خوفا من فرعون وأجابته طائفة من شبانهم، وقيل: الضمير ~~لفرعون والذرية طائفة من شبانهم آمنوا به عليه السلام أو مؤمن آل ~~فرعون وامرأته آسية وخازنه وامرأته وما شطته وهو بعيد { على ~~خوف } أي كائنين على خوف عظيم { من فرعون وملئهم } الضمير ~~لفرعون والجمع لما هو المعتاد في ضمائر العظماء ولا يأباه مقام ~~بيان علوه في الفساد وغلوه في الشر والتسلط على العباد، أو لأن ~~المراد به آله كما يقال: ربيعة ومضر أو للذرية أو للقوم أي على خوف ~~من فرعون ومن أشراف بني إسرائيل حيث كانوا يمنعون أعقابهم خوفا من ~~فرعون عليهم وعلى أنفسهم { أن يفتنهم } أي يعذبهم وهو بدل ~~اشتمال أو مفعول خوف فإن إعمال المصدر المنكر كثير كما في قوله عز ~~وجل: # أو إطعام فى يوم ذى مسغبة يتيما # [البلد: 14 - 15] أو مفعول له بعد حذف اللام، وإسناد الفعل إلى ~~فرعون خاصة لأنه الآمر بالتعذيب { وإن فرعون لعال في ~~الأرض } لغالب في أرض مصر { وإنه لمن المسرفين } في ~~الظلم والفساد بالقتل وسفك الدماء أو في الكبر والعتو حتى ادعى ~~الربوبية واسترق أسباط الأنبياء، والجملتان اعتراض تذييلي ~~مؤكد لمضمون ما سبق. ### || [10.84-87] # { وقال موسى } لما رأى تخوف المؤمنين منه { يقوم إن ~~كنتم آمنتم بالله } أي صدقتم به وبآياته { فعليه ~~توكلوا } وبه ثقوا ولا تخافوا أحدا غيره فإنه كافيكم كل شر ~~وضر { إن كنتم مسلمين } مستسلمين لقضاء الله تعالى مخلصين ~~له، وليس هذا من ms1514 تعليق الحكم بشرطين فإن المعلق بالإيمان وجوب ~~التوكل عليه تعالى فإنه المقتضي له، والمشروط بالإسلام وجوده فإنه لا ~~يتحقق مع التخليد، ونظيره: إن أحسن إليك زيد فأحسن إليه إن قدرت ~~عليه { فقالوا } مجيبين له عليه السلام من غير تعلثم في ذلك { على ~~الله توكلنا } لأنهم كانوا مؤمنين مخلصين ثم دعوا ربهم ~~قائلين: { ربنا لا تجعلنا فتنة } أي موقع فتنة { ~~للقوم الظلمين } أي لا تسلطهم علينا حتى يعذبونا أو ~~يفتنونا عن ديننا أو يفتتنوا بنا ويقولوا: لو كان هؤلاء على الحق لما ~~أصيبوا وقوله تعالى: { ونجنا برحمتك من القوم ~~الكفرين } دعاء منهم بالإنجاء من سوء جوارهم وشؤم مصاحبتهم ~~بعد الإنجاء من ظلمهم، عبر عنهم بالكفر بعدما وصفوا بالظلم، وفي ترتيب ~~الدعاء على التوكل تلويح بأن الداعي حقه أن يبني دعاءه على التوكل ~~على الله تعالى { وأوحينا إلى موسى وأخيه أن تبوءا ~~} أن مفسرة لأن في الوحي معنى القول أي اتخذا مباءة { ~~لقومكما بمصر بيوتا } تسكنون فيها وترجعون إليها للعبادة ~~{ واجعلوا } أنتما وقومكما { بيوتكم } تلك { قبلة } مصلى ~~وقيل: مساجد متوجهة نحو القبلة يعني الكعبة فإن موسى عليه السلام كان ~~يصلي إليها { وأقيموا الصلاة } أي فيها، أمروا بذلك في أول ~~أمرهم لئلا يظهر عليهم الكفرة فيؤذوهم ويفتنوهم عن دينهم { وبشر ~~المؤمنين } بالنصرة في الدنيا إجابة لدعوتهم والجنة في العقبى، ~~وإنما ثني الضمير أولا لأن التبوؤ للقوم واتخاذ المعابد مما ~~يتولاه رؤساء القوم بتشاور، ثم جمع لأن جعل البيوت مساجد والصلاة ~~فيها مما يفعله كل أحد، ثم وحد لأن بشارة الأمة وظيفة صاحب ~~الشريعة، ووضع المؤمنين موضع ضمير القوم لمدحهم بالإيمان والإشعار ~~بأنه المدار في التبشير. ### || [10.88-90] # { وقال موسى ربنا إنك ءاتيت فرعون وملأه ~~زينة } أي ما يتزين به من اللباس والمراكب ونحوها { ~~وأموالا } وأنواعا كثيرة من المال { في الحياة الدنيا ~~ربنا ليضلوا عن سبيلك } دعاء عليهم بلفظ الأمر بما علم ~~بممارسة أحوالهم أنه لا يكون غيره، كقولك: لعن الله إبليس، وقيل: ~~اللام للعاقبة وهي متعلقة بآتيت أو للعلة لأن إيتاء النعم على الكفر ms1515 ~~استدراج وتثبيت على الضلال ولأنهم لما جعلوها ذريعة إلى الضلال فكأنهم ~~أوتوها ليضلوا فيكون ربنا تكريرا للأول تأكيدا أو تنبيها على أن ~~المقصود عرض ضلالهم وكفرانهم تقدمة لقوله تعالى: { ربنا اطمس ~~على أمولهم } الطمس المحو وقرىء بضم الميم أي أهلكها { ~~واشدد على قلوبهم } أي اجعلها قاسية واطبع عليها حتى لا ~~تنشرح للإيمان كما هو قضية شأنهم { فلا يؤمنوا } جواب للدعاء ~~أو دعاء بلفظ النهي أو عطف على ليضلوا وما بينهما دعاء معترض { ~~حتى يروا العذاب الأليم } أي يعاينوه ويوقنوا به بحيث لا ~~ينفعهم ذلك إذ ذاك { قال قد أجيبت دعوتكما } يعني موسى ~~وهارون عليهما السلام لأنه كان يؤمن كما يشعر به إضافة الرب إلى ضمير ~~المتكلم مع الغير في المواقع الثلاثة { فاستقيما } فاثبتا على ما ~~أنتما عليه من الدعوة وإلزام الحجة ولا تستعجلا فإن ما طلبتما كائن في ~~وقته لا محالة.(روي أنه مكث فيهم بعد الدعاء أربعين سنة). # { ولا تتبعان سبيل الذين لا يعلمون } أي بعادات ~~الله سبحانه في تعليق الأمور بالحكم والمصالح أو سبيل الجهلة في ~~الاستعجال أو عدم الوثوق بوعد الله تعالى وقرىء بالنون الخفيفة وكسرها ~~لالتقاء الساكنين، ولا تتبعان من تبع ولا تتبعان أيضا { ~~وجاوزنا ببنى إسرءيل البحر } هو من جاوز المكان إذا ~~تخطاه وخلفه والباء للتعدية أي جعلناهم مجاوزين البحر بأن جعلناه يبسا ~~وحفظناهم حتى بلغوا الشط وقرىء جوزنا وهو من التجويز المرادف للمجاوزة ~~لا مما هو بمعنى التنفيذ نحو ما وقع في قول الأعشى: # كما جوز السكي في الباب فيتق # وإلا لقيل: وجوزنا بني إسرائيل في البحر ولخلا النظم الكريم عن ~~الإيذان بانفصالهم عن البحر وبمقارنة العناية الإلهية لهم عنوا ~~الجواز كما هو المشهور في الفرق بين أذهبه وذهب به { فأتبعهم } ~~يقال: تبعته حتى أتبعته إذا كان سبقك فسبقته أي أدركهم ولحقهم { ~~فرعون وجنوده } حتى تراءت الفئتان وكاد يجتمع الجمعان { ~~بغيا وعدوا } ظلما واعتداء أي باغين وعادين أو للبغي والعدوان ~~وقرىء وعدوا وذلك أن موسى عليه السلام خرج ببني إسرائيل على حين غفلة ~~من فرعون ms1516 فلما سمع به تبعهم حتى لحقهم ووصل إلى الساحل وهم قد خرجوا من ~~البحر ومسلكهم باق على حاله يبسا فسلكه بجنوده أجمعين فلما دخل آخرهم ~~وهم أولهم بالخروج غشيهم من اليم ما غشيهم { حتى إذا أدركه ~~الغرق } أي لحقه وألجمه { قال ءامنت أنه } أي بأنه والضمير ~~للشأن وقرىء أنه على الاستئناف بدلا من آمنت وتفسيرا له { لا إله ~~إلا الذى ءامنت به بنوا إسرءيل } لم يقل كما قاله ~~السحرة: آمنا برب العالمين رب موسى وهارون بل عبر عنه تعالى بالموصول ~~وجعل صلته إيمان بني إسرائيل به تعالى للإشعار برجوعه عن الاستعصاء ~~وباتباعه لمن كان يستتبعهم طمعا في القبول والانتظام معهم في سلك ~~النجاة { وأنا من المسلمين } أي الذين أسلموا نفوسهم لله أي ~~جعلوها سالمة خالصة له تعالى وأراد بهم إما بني إسرائيل خاصة وأما ~~الجنس وهم داخلون فيه دخولا أوليا، والجملة على الأول عطف على آمنت، ~~وإيثار الاسمية لادعاء الدوام والاستمرار وعلى الثاني يحتمل الحالية ~~أيضا من ضمير المتكلم أي آمنت مخلصا لله منتظما في سلك الراسخين ~~فيه، ولقد كرر المعنى الواحد بثلاث عبارات حرصا على القبول المفضي ~~إلى النجاة وهيهات هيهات بعد ما فات وأتى ما هو آت. ### || [10.91] # وقوله عز وجل: { الئن } مقول لقول مقدر معطوف على قال أي فقيل: ~~آلآن، وهو إلى قوله تعالى: { ءاية } حكاية لما جرى منه سبحانه من ~~الغضب على المخذول ومقابلة ما أظهره بالرد على وجه الإنكار التوبيخي ~~على تأخيره وتقريعه بالعصيان والإفساد وغير ذلك وفي حذف الفعل المذكور ~~وإبراز الخبر المحكي في صورة الإنشاء من الدلالة على عظم السخط ~~وشدة الغضب ما لا يخفى كما يفصح عنه ما روي من أن جبريل دس فاه عند ~~ذلك بحال البحر وسده به فإنه تأكيد للرد القولي بالرد الفعلي ولا ~~ينافيه تعليله بمخافة إدراك الرحمة فيما نقل أنه قال للنبي عليه ~~السلام: فلو رأيتني يا محمد وأنا آخذ من حال البحر فأدسه في فيه ~~مخافة أن تدركه الرحمة إذ المراد بها الرحمة الدنيوية أي النجاة ms1517 ~~التي هي طلبة المخذول وليس من ضرورة إدراكها صحة الإيمان كما في ~~إيقان قوم يونس عليه السلام حتى يلزم كراهته ما لا يتصور في شأن ~~جبريل عليه السلام من الرضا بالكفر إذ لا استحالة في ترتيب هذه الرحمة ~~على مجرد التفوه بكلمة الإيمان وإن كان ذلك في حالة البأس واليأس ~~فيحمل دسه عليه السلام على سد باب الاحتمال البعيد لكمال الغيظ وشدة ~~الحرد فتدبر والله الموفق، وحق العامل في الظرف أن يقدر مؤخرا ~~ليتوجه الإنكار والتوبيخ إلى تأخير الإيمان إلى حد يمتنع قبوله فيه ~~أي آلآن نؤمن حين يئست من الحياة وأيقنت بالممات وقوله عز وعلا: { ~~وقد عصيت قبل } حال من فاعل الفعل المقدر جيء به لتشديد ~~التوبيخ والتقريع على تأخير الإيمان إلى هذا الآن ببيان أنه لم يكن ~~تأخيره لعدم بلوغ الدعوة إليه ولا للتأمل والتدبر في دلائله وآياته ~~ولا لشيء آخر مما عسى يعد عذرا في التأخير بل كان ذلك على طريقة ~~الرد والاستعصاء والإفساد فإن قوله تعالى: { وكنت من ~~المفسدين } عطف على عصيت داخل في حيز الحال أي وكنت من الغالين ~~في الضلال والإضلال عن الإيمان كقوله تعالى: # الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله زدنهم ~~عذابا فوق العذاب بما كانوا يفسدون # [النحل: 88] فهذا عبارة عن فساده الراجع إلى نفسه والساري إلى غيره من ~~الظلم والتعدي وصد بني إسرائيل عن الإيمان والأول عن عصيانه الخاص ~~به. ### || [10.92-93] # { فاليوم ننجيك } أي نخرجك مما وقع فيه قومك من قعر البحر ~~ونجعلك طافيا وفي التعبير عنه بالتنجية تلويح بأن مراده بالإيمان هو ~~النجاة كما مر وتهكم به، أو نلقيك على نجوة من الأرض ليراك بنو ~~إسرائيل وقرىء ننجيك من الإنجاء وننحيك بالحاء من التنحية أو ~~نلقيك بناحية الساحل { ببدنك } في موضع الحال من ضمير المخاطب أي ~~ننجيك ملابسا ببدنك فقط لا مع روحك كما هو مطلوبك فهو تخييب له وحسم ~~لأطماعه بالمرة أو عاريا عن اللباس أو كاملا سويا أو بدرعك وكانت له ~~دروع من الذهب يعرف بها وقرىء بأبدانك أي ms1518 بأجزاء بدنك كلها كقولهم: هوى ~~بأجرامه أو بدروعك كأنه كان مظاهرا بينها { لتكون لمن ~~خلفك ءاية } لمن وراءك علامة وهم بنو إسرائيل إذ كان في نفوسهم ~~من عظمته ما خيل أنه لا يهلك حتى يروى أنهم لم يصدقوا موسى عليه ~~السلام حين أخبرهم بغرقه إلى أن عاينوه مطروحا على ممرهم من الساحل أو ~~تكون لمن يأتي بعدك من الأمم إذا سمعوا مآل أمرك ممن شاهدك عبرة ~~ونكالا من الطغيان أو حجة تدلهم على أن الإنسان وإن بلغ الغاية ~~القصوى من عظم الشأن وعلو الكبرياء وقوة السلطان فهو مملوك مقهور ~~بعيد عن مظان الربوبية وقرىء لمن خلفك فعلا ماضيا أي لمن خلفك من ~~الجبابرة، وقرىء لمن خلقك بالقاف أي لتكون لخالقك آية كسائر الآيات فإن ~~إفراده سبحانه إياك بالإلقاء إلى الساحل دليل على أنه قصد منه كشف ~~تزويرك وإماطة الشبهة في أمرك وبرهان نير على كمال علمه وقدرته ~~وحكمته وإرادته، وهذا الوجه محتمل على القراءة المشهورة أيضا وفي ~~تعليل تنجيته بما ذكر إيذان بأنها ليست لإعزازه أو لفائدة أخرى عائدة ~~إليه بل لكمال الاستهانة به وتفضيحه على رؤوس الأشهاد وزيادة تفظيع ~~حاله كمن يقتل ثم يجر جسده في الأسواق أو يدار برأسه في البلاد، ~~واللام الأولى متعلقة بننجيك والثانية بمحذوف وقع حالا من آية أي ~~كائنة لمن خلفك { وإن كثيرا من الناس عن آياتنا لغافلون ~~} لا يتفكرون بها ولا يعتبرون بها وهو اعتراض تذييلي جيء به عند ~~الحكاية تقريرا لفحوى الكلام المحكي { ولقد بوأنا بنى ~~إسرءيل } كلام مستأنف سيق لبيان النعم الفائضة عليهم إثر نعمة ~~الإنجاء على الإجمال وإخلالهم بشكرها وأداء حقوقها أي أسكناهم وأنزلناهم ~~بعدما أنجيناهم وأهلكنا أعداءهم { مبوأ صدق } أي منزلا صالحا ~~مرضيا وهو الشام ومصر ملكوهما بعد الفراعنة والعمالقة وتمكنوا في ~~نواحيهما حسبما نطق به قوله تعالى: # وأورثنا القوم الذين كانوا يستضعفون مشرق ~~الأرض ومغربها التى باركنا فيها # [الأعراف: 137] { ورزقناهم من الطيبات } أي اللذائذ { ~~فما اختلفوا } في أمر دينهم { حتى جاءهم العلم } أي ~~إلا بعد ما جاءهم العلم ms1519 بقراءتهم التوراة وعلمهم بأحكامها أو في أمر ~~محمد عليه الصلاة والسلام { إن ربك يقضى بينهم يوم ~~القيمة فيما كانوا فيه يختلفون } فيميز بين ~~المحق والمبطل بالإثابة والتعذيب. ### || [10.94-96] # { فإن كنت في شك } أي في شك ما يسير على الفرض والتقدير، فإن ~~مضمون الشرطية إنما هو تعليق شيء بشيء من غير تعرض لإمكان شيء ~~منهما كيف لا وقد يكون كلاهما ممتنعا كقوله عز وجل: # قل إن كان للرحمن ولد فأنا أول العبدين # [الزخرف: 81] وقوله تعالى: # لئن أشركت ليحبطن عملك # [الزمر: 65] ونظائرهما { مما أنزلنا إليك } من القصص التي ~~من جملتها قصة فرعون وقومه وأخبار بني إسرائيل { فاسأل الذين ~~يقرءون الكتب من قبلك } فإن ذلك محقق عندهم ثابت في ~~كتبهم حسبما ألقينا إليك والمراد إظهار نبوته عليه السلام بشهادة ~~الأحبار حسبما هو المسطور في كتبهم وإن لم يكن إليه حاجة أصلا أو وصف ~~أهل الكتاب بالرسوخ في العلم بصحة نبوته عليه السلام أو تهييجه عليه ~~السلام وزيادة تثبيته على ما هو عليه من اليقين لا تجويز صدور الشك ~~منه عليه السلام ولذلك قال عليه السلام: # " لا أشك ولا أسأل " # وقيل: المراد بالموصول مؤمنو أهل الكتاب كعبد الله بن سلام وتميم ~~الداري وكعب وأضرابهم وقيل: الخطاب للنبي عليه السلام والمراد أمته ~~أو لكل من يسمع أي إن كنت أيها السامع في شك مما أنزلنا إليك على لسان ~~نبينا، وفيه تنبيه على أن من خالجته شبهة في الدين ينبغي أن ~~يسارع إلى حلها بالرجوع إلى أهل العلم فاسأل الذين يقرؤون الكتاب { ~~لقد جاءك الحق } الذي لا محيد عنه ولا ريب في حقيته { من ~~ربك } وظهر ذلك بالآيات القاطعة التي لا يحوم حولها شائبة ~~الارتياب، وفي التعرض لعنوان الربوبية مع الإضافة إلى ضميره عليه ~~السلام من التشريف ما لا يخفى { فلا تكونن من الممترين } ~~بالتزلزل عما أنت عليه من الجزم واليقين ودم على ذلك كما كنت من قبل { ~~ولا تكونن من الذين كذبوا بآيت الله } من باب ~~التهييج والإلهاب، والمراد به إعلام أن التكذيب من القبح ms1520 ~~والمحذورية بحيث ينبغي أن ينهى عنه من لا يتصور إمكان صدوره عنه ~~فكيف بمن يمكن اتصافه به وفيه قطع لأطماع الكفرة { فتكون } بذلك { ~~من الخسرين } أنفسا وأعمالا { إن الذين حقت ~~عليهم } شروع في بيان سر إصرار الكفرة على ما هم عليه من الكفر ~~والضلال أي ثبتت ووجبت بمقتضى المشيئة على الحكمة البالغة { كلمة ~~ربك } حكمه وقضاؤه بأنهم يموتون على الكفر ويخلدون في النار كقوله ~~تعالى: # ولكن حق القول منى لأملأن جهنم # [السجدة: 13] إلى آخره { لا يؤمنون } أبدا إذ لا كذب لكلامه ~~ولا انتقاض لقضائه أي لا يؤمنون إيمانا نافعا واقعا في أوانه فيندرج ~~فيهم المؤمنون عند معاينة العذاب مثل فرعون باقيا عند الموت فيدخل ~~فيهم المرتدون. ### || [10.97-98] # { ولو جاءتهم كل ءاية } واضحة المدلول مقبولة لدى ~~العقول لأن سبب إيمانهم وهو تعلق إرادته تعالى به مفقود لكن ~~فقدانه ليس لمنع منه سبحانه مع استحقاقهم له بل لسوء اختيارهم ~~المتفرع على عدم استعدادهم لذلك { حتى يروا العذاب ~~الأليم } كدأب آل فرعون وأضرابهم { فلولا كانت } كلام ~~مستأنف لتقرير ما سبق من استحالة إيمان من حقت عليهم كلمته تعالى ~~لسوء اختيارهم مع تمكنهم من التدارك فيكون الاستثناء الآتي بيانا ~~لكون قوم يونس عليه السلام ممن لم يحق عليه الكلمة لاهتدائهم إلى ~~التدارك في وقته ولولا بمعنى هلا وقرىء كذلك أي فهلا كانت { قرية } ~~من القرى المهلكة { ءامنت } قبل معاينة العذاب ولم تؤخر إيمانها ~~إلى حين معاينته كما فعل فرعون وقومه { فنفعها إيمانها } بأن ~~يقبله الله تعالى منها ويكشف بسببه العذاب عنها { إلا قوم ~~يونس } استثناء منقطع أي لكن قوم يونس { لما ءامنوا } أول ~~ما رأوا أمارة العذاب ولم يؤخروا إلى حلوله { كشفنا عنهم ~~عذاب الخزى فى الحيوة الدنيا } بعد ما أظلهم وكاد يحل ~~بهم ويجوز أن تكون الجملة في معنى النفي كما يفصح عنه حرف التحضيض ~~فيكون الاستئناء متصلا إذ المراد بالقرى أهاليها كأنه قيل: ما آمنت ~~طائفة من الأمم الماضية فينفعهم إيمانهم إلا قوم يونس عليه السلام ~~فيكون قوله تعالى: { لما ءامنوا } استئنافا ms1521 لبيان نفع إيمانهم ~~ويؤيده قراءة الرفع على البدلية { ومتعناهم } بمتاع الدنيا بعد ~~كشف العذاب عنهم { إلى حين } مقدر لهم في علم الله سبحانه. روي ~~أن يونس عليه السلام بعث إلى نينوى من أرض الموصل فكذبوه فذهب عنهم ~~مغاضبا فلما فقدوه خافوا نزول العذاب فلبسوا المسوح وعجوا أربعين ~~ليلة وقيل: قال لهم يونس عليه السلام: أجلكم أربعون ليلة فقالوا: إن ~~رأينا أسباب الهلاك آمنا بك فلما مضت خمس وثلاثون أغامت السماء ~~غيما أسود هائلا يدخن دخانا شديدا ثم يهبط حتى يغشى مدينتهم ~~ويسود سطوحهم فلبسوا المسوح وبرزوا إلى الصعيد بأنفسهم ونسائهم ~~وصبيانهم وداوبهم وفرقوا بين النساء والصبيان والدواب وأولادها ~~فحن بعضها إلى بعض وعلت الأصوات والعجيج وأظهروا الإيمان والتوبة ~~وتضرعوا إلى الله تعالى فرحمهم وكشف عنهم وكان ذلك يوم عاشوراء يوم ~~الجمعة. وعن ابن مسعود رضي الله عنه بلغ من توبتهم أن ترادوا المظالم ~~حتى إن الرجل كان يقتلع الحجر وقد وضع عليه أساس بنائه فيرده إلى صاحبه ~~وقيل: خرجوا إلى شيخ من بقية علمائهم فقالوا: قد نزل بنا العذاب فما ~~ترى فقال لهم: قولوا: يا حي حين لا حي ويا حي محيي الموتى ويا ~~حي لا إله إلا أنت فقالوا، فكشف عنهم. وعن الفضيل بن عياض قالوا: إن ~~ذنوبنا قد عظمت وجلت وأنت أعظم منها وأجل افعل بنا ما أنت أهله ~~ولا تفعل بنا ما نحن أهله. ### || [10.99-100] # { ولو شاء ربك لآمن من فى الأرض } تحقيق لدروان إيمان ~~كافة المكلفين وجودا وعدما على قطب مشيئته تعالى مطلقا إثر بيان ~~تبعية كفر الكفرة لكلمته ومفعول المشيئة محذوف لوجود ما يقتضيه من ~~وقوعها شرطا وكون مفعولها مضمون الجزاء وأن لا يكون في تعلقها به ~~غرابة كما هو المشهور أي لو شاء سبحانه إيمان من في الأرض من الثقلين ~~لآمن { كلهم } بحيث لا يشذ عنهم أحد { جميعا } مجتمعين على ~~الإيمان لا يختلفون فيه لكنه لا يشاؤه لكونه مخالفا للحكمة التي عليها ~~بني أساس التكوين والتشريع وفيه دلالة على أنه من شاء الله إيمانه ms1522 ~~يؤمن لا محالة { أفأنت تكره الناس } على ما لم يشأ الله منهم ~~حسبما ينبىء عنه حرف الامتناع في الشرطية والفاء للعطف على مقدر ينسحب ~~عليه الكلام كأنه قيل: أربك لا يشاء ذلك فأنت تكرههم { حتى ~~يكونوا مؤمنين } فيكون الإنكار متوجها إلى ترتيب الإكراه ~~المذكور على عدم مشيئته تعالى ويجوز أن تكون الفاء لترتيب الإنكار على ~~عدم مشيئته تعالى بناء على أن الهمزة متأخرة في الاعتبار وإنما قدمت ~~لاقتضائها الصدارة كما هو رأي الجمهور وأيا ما كان فالمشيئة على ~~إطلاقها إذ لا فائدة بل لا وجه لاعتبار عدم مشيئة الإلجاء خاصة في ~~إنكار الترتيب عليه أو ترتيب الإنكار عليه وفي إيلاء الاسم حرف ~~الاستفهام إيذان بأن الإكراه أمر ممكن لكن الشأن في المكره من هو ~~وما هو إلا هو وحده لا يشارك فيه لأنه القادر على أن يفعل في قلوبهم ما ~~يضطرهم إلى الإيمان وذلك غير مستطاع للبشر وفيه إيذان باعتبار ~~الإلجاء في المشيئة كما أشير إليه { وما كان لنفس } بيان ~~لتبعية إيمان النفوس المؤمنة لمشيئته تعالى وجودا بعد بيان الدوران ~~الكلي عليها وجودا وعدما أي ما صح وما استقام لنفس من النفوس التي ~~علم الله تعالى أنها تؤمن { أن تؤمن إلا بإذن الله } أي ~~بتسهيله ومنحه للألطاف وإنما خصت النفس بمن ذكر ولم يجعل من قبيل ~~قوله تعالى: # وما كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله # [آل عمران: 145] لأن الاستثناء مفرغ من أعم الأحوال أي ما كان لنفس ~~أن تؤمن في حال من أحوالها إلا حال كونها ملابسة بإذنه تعالى فلا بد ~~من كون الإيمان مما يؤول إليه حالها كما أن الموت مآل لكل نفس بحيث ~~لا محيص لها عنه فلا بد من تخصيص النفس بمن ذكر فإن النفوس التي علم ~~الله أنها لا تؤمن ليس لها حال تؤمن فيها حتى يستثنى تلك الحال من ~~غيرها { ويجعل الرجس } أي الكفر بقرينة ما قبله عبر عنه بالرجس ~~الذي هو عبارة عن القبيح المستقذر المستكره لكونه علما في القبح ~~والاستكراه وقيل: هو ms1523 العذاب أو الخذلان المؤدي إليه وقرىء بنون العظمة ~~وقرىء بالزاي أي يجعل الكفر ويبقيه { على الذين لا يعقلون } ~~لا يستعملون عقولهم بالنظر في الحجج والآيات أو لا يعقلون دلائله وأحكامه ~~لما على قلوبهم من الطبع فلا يحصل لهم الهداية التي عبر عنها بالإذن ~~فيبقون مغمورين بقبائح الكفر والضلال أو مقهورين بالعذاب والنكال ~~والجملة معطوفة على مقدر ينسحب عليه النظم الكريم كأنه قيل: فيأذن لهم ~~بمنح الألطاف ويجعل الخ. ### || [10.101-103] # { قل } مخاطبا لأهل مكة بعثا لهم على التدبر في ملكوت السموات ~~والأرض وما فيهما من تعاجيب الآيات الأنفسية والآفاقية ليتضح لك أنهم ~~من الذين لا يعقلون وحقت عليهم الكلمة { انظروا } أي تفكروا وقرىء ~~بنقل حركة الهمزة إلى لام قل { ماذا فى السموات والأرض } ~~أي أي شيء بديع فيهما من عجائب صنعه الدالة على وحدته وكمال ~~قدرته على أن ماذا جعل بالتركيب اسما واحدا مغلبا فيه الاستفهام ~~على اسم الإشارة فهو مبتدأ خبره الظرف ويجوز أن يكون (ما) مبتدأ وذا ~~بمعنى الذي والظرف صلته والجملة خبر للمبتدأ وعلى التقديرين فالمبتدأ ~~والخبر في محل النصب بإسقاط الخافض وفعل النظر معلق بالاستفهام { ~~وما تغنى } أي ما تنفع وقرىء بالتذكير { الأيت } وهي التي عبر ~~عنها بقوله تعالى: { ماذا فى السموات والأرض } { ~~والنذر } جمع نذير على أنه فاعل بمعنى منذر أو على أنه مصدر أي لا ~~تنفع الآيات والرسل المنذرون أو الإنذارات { عن قوم لا يؤمنون ~~} في علم الله تعالى وحكمه فما نافية والجملة إما حالية أو اعتراضية ~~ويجوز كون ما استفهامية إنكارية في موضع النصب على المصدرية أي أي ~~إغناء تغني الخ، فالجملة حينئذ اعتراضية { فهل ينتظرون } أي ~~مشركوا مكة وأضرابهم { إلا مثل أيام الذين خلوا } أي ~~إلا يوما مثل أيام الذين خلوا { من قبلهم } من مشركي الأمم ~~الماضية أي مثل وقائعهم ونزول بأس الله بهم إذ لا يستحقون غيره من قولهم ~~أيام العرب لوقائعها { قل } تهديدا لهم { فانتظروا } ما هو ~~عاقبتكم { إنى معكم من المنتظرين } لذلك { ثم ننجى ~~رسلنا } بالتشديد وقرىء بالتخفيف وهو عطف ms1524 على مقدر يدل عليه قوله: ~~مثل أيام الذين خلوا وما بينهما اعتراض جيء به مسارعة إلى التهديد ~~ومبالغة في تشديد الوعيد كأنه قيل: أهلكنا الأمم نجينا رسلنا المرسلة ~~إليهم. # { والذين ءامنوا } وصيغة الاستقبال لحكاية الأحوال الماضية ~~لتهويل أمرها باستحضار صورها وتأخير حكاية التنجية عن حكاية الإهلاك ~~على عكس ما في قوله تعالى: # فنجيناه ومن معه فى الفلك # [يونس: 73] الخ، ونظائره الواردة في مواقع عديدة ليتصل به قوله عز ~~وجل: { كذلك } أي مثل ذلك الإنجاء { حقا علينا } اعتراض بين ~~العامل والمعمول أي حق ذلك حقا وقيل: بدل من المحذوف الذي ناب عنه كذلك ~~أي إنجاء مثل ذلك حقا والكاف متعلقة بقوله تعالى: { ننجى ~~المؤمنين } أي من كل شدة وعذاب والجملة تذييل لما قبلها مقرر ~~لمضمونه والمراد بالمؤمنين إما الجنس المتناول للرسل عليهم السلام وإما ~~الأتباع فقط وإنما لم يذكر إنجاء الرسل إيذانا بعدم الحاجة إليه وأيا ~~ما كان ففيه تنبيه على أن مدار النجاة هو الإيمان. ### || [10.104-106] # { قل } لجمهور المشركين { يأيها الناس } أوثر الخطاب باسم ~~الجنس مصدرا بحرف التنبيه تعميما للتبليغ وإظهارا لكمال العناية بشأن ~~ما بلغ إليهم { إن كنتم فى شك من دينى } الذي أتعبد الله عز ~~وجل به وأدعوكم إليه ولم تعلموا ما هو وما صفته { فلا أعبد ~~الذين تعبدون من دون الله } في وقت من الأوقات { ~~ولكن أعبد الله الذى يتوفاكم } ثم يفعل بكم ما ~~يفعل من فنون العذاب أي فاعلموا أنه تخصيص العبادة به ورفض عبادة ما ~~سواه من الأصنام وغيرها مما تعبدونه جهلا، وتقديم ترك عبادة الغير ~~على عبادته تعالى لتقدم التخلية على التحلية كما في كلمة التوحيد، ~~وللإيذان بالمخالفة من أول الأمر أو إن كنتم في شك من صحة ديني وسداده ~~فاعلموا أن خلاصته إخلاص العبادة لمن بيده الإيجاد والإعدام دون ما ~~هو بمعزل منهما من الأصنام فاعرضوها على عقولكم وأجيلوا فيها أفكاركم ~~وانظروا فيها بعين الإنصاف لتعلموا أنه حق لا ريب فيه بالشك مع كونهم ~~قاطعين بعدم الصحة للإيذان بأن أقصى ما يمكن عروضه ms1525 للعاقل في هذا الباب ~~هو الشك في صحته، وأما القطع بعدمها فمما لا سبيل إليه وإن كنتم في ~~شك من ثباتي على الدين فاعلموا أني لا أتركه أبدا { وأمرت أن ~~أكون من المؤمنين } بما دل عليه العقل ونطق به الوحي وهو ~~تصريح بأن ما هو عليه من دين التوحيد ليس بطريق العقل الصرف بل ~~بالإمداد السماوي والتوفيق الإلهي، وحذف حرف الجر من (أن) يجوز أن ~~يكون من باب الحذف المطرد مع أن وأن، وأن يكون خاصا بفعل الأمر كما ~~في قوله: # أمرتك الخير فافعل ما أمرت به # [فقد تركتك ذا مال وذا نشب] # { وأن أقم وجهك للدين } عطف على أن أكون خلا أن صلة أن ~~محكية بصيغة الأمر ولا ضير في ذلك لأن مناط جواز وصلها بصيغ الأفعال ~~دلالتها على المصدر، وذلك لا يختلف بالخبرية والطلبية، ووجوب كون ~~الصلة خبرية في الموصول الاسمي إنما هو للتوصل إلى وصف المعارف ~~بالجمل وهي لا توصف إلا بالجمل الخبرية، وليس الموصول الحرفي كذلك أي ~~وأمرت بالاستقامة في الدين والاستبداد فيه بأداء المأمور به ~~والانتهاء عن المنهي عنه أو باستقبال القبلة في الصلاة وعدم ~~الالتفات إلى اليمين والشمال { حنيفا } حال من الدين أو الوجه أي ~~مائلا عن الأديان الباطلة { ولا تكونن من المشركين } ~~عطف على أقم داخل تحت الأمر أي لا تكونن منهم اعتقادا ولا عملا ~~وقوله عز وعلا: { ولا تدع } عطف على قوله تعالى: { قل يأيها ~~الناس } غير داخل تحت الأمر وقيل: على ما قبله من النهي والوجه هو ~~الأول لأن ما بعده من الجمل إلى آخر الآيتين متسقة لا يمكن فصل بعضها ~~عن بعض كما ترى ولا وجه لإدراج الكل تحت الأمر، وهو تأكيد للنهي ~~المذكور وتفصيل لما أجمل فيه إظهارا لكمال العناية بالأمر وكشفا عن ~~وجه بطلان ما عليه المشركون أي لا تدع { من دون الله } ~~استقلالا ولا اشتراكا { ما لا ينفعك } إذا دعوته بدفع مكروه أو ~~جلب محبوب { ولا يضرك } إذا تركته بسلب المحبوب دفعا أو رفعا ~~أو بإيقاع المكروه، ms1526 وتقديم النفع على الضرر غني عن بيان السبب { ~~فإن فعلت } أي ما نهيت عنه من دعاء ما لا ينفع ولا يضر، كنى به ~~عنه تنويها لشأنه عليه السلام وتنبيها على رفعة مكانه من أن ينسب ~~إليه عبادة غير الله سبحانه ولو في ضمن الجملة الشرطية { فإنك ~~إذا من الظلمين } جزاء للشرط وجواب لسؤال من يسأل عن تبعة ~~ما نهي عنه. ### || [10.107-108] # { وإن يمسسك الله بضر } تقرير لما أورد في حيز الصلة من ~~سلب النفع من الأصنام وتصوير لاختصاصه به سبحانه { فلا كشف له ~~} عنك كائنا من كان وما كان { إلا هو } وحده فيثبت عدم كشف ~~الأصنام بالطريق البرهاني وهو بيان لعدم النفع برفع المكروه ~~المستلزم لعدم النفع بجلب المحبوب استلزاما ظاهرا فإن رفع ~~المكروه أدنى مراتب النفع فإذا انتفى انتفى النفع بالكلية. # { وإن يردك بخير } تحقيق لسلب الضرر الوارد في حيز الصلة، ~~أي إن يرد أن يصيبك بخير { فلا راد لفضله } الذي من جملته ~~ما أرادك به من الخير فهو دليل على جواب الشرط لا نفس الجواب، وفيه ~~إيذان بأن فيضان الخير منه تعالى بطريق التفضل من غير استحقاق عليه ~~سبحانه أي لا أحد يقدر على رده كائنا ما كان فيدخل فيه الأصنام ~~دخولا أوليا وهو بيان لعدم ضرها بدفع المحبوب قبل وقوعه ~~المستلزم لعدم ضرها برفعه أو بإيقاع المكروه استلزاما جليا، ولعل ~~ذكر الإرادة مع الخير والمس مع الضر مع تلازم الأمرين للإيذان بأن ~~الخير مراد بالذات وأن الضر إنما يمس من يمسه لما يوجبه من ~~الدواعي الخارجية لا بالقصد الأولي أو أريد معنى الفعلين في كل من ~~الضر والخير وأنه لا راد لما يريد منهما ولا مزيل لما يصيب به منهما ~~فأوجز الكلام بأن ذكر في أحدهما المس وفي الآخر الإرادة ليدل بما ~~ذكر في كل جانب على ما ترك في الجانب الآخر على أنه قد صرح بالإصابة ~~حيث قيل: { يصيب به } إظهارا لكمال العناية بجانب الخير كما ينبىء ~~عنه ترك الاستثناء فيه أي يصيب بفضله الواسع المنتظم ms1527 لما أرادك به من ~~الخير، وجعل الفضل عبارة عن ذلك الخير بعينه على أن يكون من باب وضع ~~المظهر في موضع المضمر لما ذكر من الفائدة يأباه قوله عز وجل: { ~~من يشاء من عباده } فإن ذلك ينادي بعموم الفضل، وقوله عز ~~قائلا: { وهو الغفور الرحيم } تذييل لقوله تعالى: { ~~يصيب به } الخ، مقرر لمضمونه، والكل تذييل للشرطية الأخيرة ~~محقق لمضمونها. # { قل } مخاطبا لأولئك الكفرة بعد ما بلغتهم ما أوحي إليك { ~~يأيها الناس قد جاءكم الحق من ربكم } وهو القرآن ~~العظيم المشتمل على محاسن الأحكام التي من جملتها ما مر آنفا من ~~أصول الدين واطلعتم على ما في تضاعيفه من البينات والهدى ولم يبق عذر ~~{ فمن اهتدى } بالإيمان به والعمل بما في مطاويه { فإنما ~~يهتدى لنفسه } أي منفعة اهتدائه لها خاصة { ومن ضل } ~~بالكفر به والإعراض عنه { فإنما يضل عليها } أي فوبال ~~الضلال مقصور عليها، والمراد تنزيه ساحة الرسالة عن شائبة غرض ~~عائد إليه عليه السلام من جلب نفع أو دفع ضر كما يلوح به إسناد المجيء ~~إلى الحق من غير إشعار بكون ذلك بواسطته { وما أنا عليكم ~~بوكيل } بحفيظ موصول إلى أمركم وإنما أنا بشير ونذير. ### || [10.109] # { واتبع } اعتقادا وعملا وتبليغا { ما يوحى إليك } على ~~نهج التجدد والاستمرار من الحق المذكور المتأكد يوما فيوما، وفي ~~التعبير عن بلوغه إليهم بالمجيء وإليه عليه السلام بالوحي تنبيه على ~~ما بين المرتبتين من التنائي { واصبر } على ما يعتريك من مشاق ~~التبليغ { حتى يحكم الله } بالنصرة عليهم أو بالأمر بالقتال ~~{ وهو خير الحاكمين } إذ لا يمكن الخطأ في حكمه لاطلاعه على ~~السرائر اطلاعه على الظواهر. عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " من قرأ سورة يونس أعطي له من الأجر عشر حسنات بعدد من صدق ~~بيونس وكذب به وبعدد من غرق مع فرعون " # والحمد لله وحده. ### | [11 - سورة هود] ### || [11.1] # (سورة هود عليه السلام) # (مكية وهى مائة وثلاث وعشرون آية) # { بسم الله الرحمن الرحيم } { الر } محله الرفع على أنه ~~خبر لمبتدأ محذوف، وقيل: على أنه ms1528 مبتدأ والأول هو الأظهر كما أشير ~~إليه في سورة يونس، أو النصب بتقدير فعل يناسب المقام نحو اذكر أو ~~اقرأ على تقدير كونه اسما للسورة على ما عليه إطباق الأكثر، أو لا ~~محل له من الإعراب مسرود على نمط التعديد حسبما فصل في أخواته، ~~وقوله تعالى: { كتاب } خبر له على الوجه الثاني، ولمبتدأ محذوف على ~~الوجوه الباقية { أحكمت آياته } نظمت نظما متقنا لا يعتريه ~~خلل بوجه من الوجوه أو جعلت حكيمة لانطوائها على جلائل الحكم ~~البالغة ودقائقها أو منعت من النسخ بمعنى التغيير مطلقا أو أيدت ~~بالحجج القاطعة الدالة على كونها من عند الله عز وجل أو على ثبوت ~~مدلولاتها فالمراد بالآيات جميعها أو على حقية ما تشتمل عليه من ~~الأحكام الشرعية فالمراد بها بعضها المشتمل عليها كما إذا فسر ~~الأحكام بالمنع من النسخ بمعنى تبديل الحكم الشرعي خاصة، وأما ~~تفسيره بالمنع من الفساد أخذا من قولهم: أحكمت الدابة إذا وضعت عليها ~~الحكمة لتمنعها من الجماح ففيه إيهام ما لا يكاد يليق بشأن الآيات ~~الكريمة من التداعي إلى الفساد لولا المانع، وفي إسناد الإحكام على ~~الوجوه المذكورة إلى آيات الكتاب دون نفسه لا سيما على الوجوه ~~الشاملة لكل آية منه من حسن الموقع والدلالة على كونه في أقصى غاية ~~منه ما لا يخفى { ثم فصلت } أي جعلت فصولا من الأحكام والدلائل ~~والمواعظ والقصص أو فصل فيها مهمات العباد في المعاش والمعاد ~~على الإسناد المجازي والتفسير بجعلها آية آية لا يساعده، لأن ذلك من ~~الأوصاف الأولية فلا يناسب عطفه على أحكامها بكلمة التراخي، وأما ~~المعنيان الأولان فهما وإن كانا مع الأحكام زمانا حيث لم تزل الآيات ~~محكمة مفصلة لا أنها أحكمت أو فصلت بعد أن لم تكن كذلك، إذ ~~الفعلان من قبيل قولهم: سبحان من صغر البعوض وكبر الفيل، إلا ~~أنهما حيث كانا من صفات الآيات باعتبار نسبة بعضها إلى بعض على وجه ~~يستتبع أحكاما مخصوصة وآثارا معتدا بها، وبملاحظة مصالح العباد ~~ناسب أن يشار إلى تراخي رتبتهما عن رتبة الإحكام، ms1529 وإن حمل جعلها آية ~~آية على معنى تفريق بعضها عن بعض يكون من هذا القبيل إلا أنه ليس في ~~مثابته في استتباع ما يستتبعه من الأحكام والآثار، أو فرقت في التنزيل ~~منجمة بحسب المصالح فإن أريد تنزيلها المنجم بالفعل فالتراخي ~~زماني وإن أريد جعلها في نفسها بحيث يكون نزولها منجما حسبما ~~تقتضيه الحكمة والمصلحة فهو رتبي لأن ذلك وصف لازم لها حقيق ~~بأن يرتب على وصف إحكامها وقرىء أحكمت آياته ثم فصلت على صيغة ~~التكلم وعن عكرمة والضحاك ثم فصلت أي فرقت بين الحق والباطل. # { من لدن حكيم خبير } صفة للكتاب وصف بها بعد ما وصف ~~بإحكام آياته وتفصيلها الدالين على رتبته من حيث الذات إبانة ~~لجلالة شأنه من حيث الإضافة، أو خبر للمبتدأ المذكور أو المحذوف، أو ~~صلة للفعلين وفي بنائها للمفعول ثم إيراد الفاعل بعنوان الحكمة ~~البالغة والإحاطة بجلائلها ودقائقها منكرا بالتنكير التفخيمي ~~وربطهما به لا على النهج المعهود في إسناد الأفاعيل إلى فواعلها مع ~~رعاية حسن الطباق من الجزالة والدلالة على فخامتهما وكونهما على أكمل ~~ما يكون ما لا يكتنه كنهه. ### || [11.2-3] # { ألا تعبدوا إلا الله } مفعول له حذف عنه اللام مع ~~فقدان الشرط، أعني كونه فعلا لفاعل الفعل المعلل جريا على سنن ~~القياس المطرد في حذف حرف الجر مع أن المصدرية، كأنه قيل: كتاب ~~أحكمت آياته ثم فصلت لئلا تعبدوا إلا الله، أي لتتركوا عبادة غير ~~الله عز وجل وتتمحضوا في عبادته، فإن الإحكام والتفصيل على ما فصل ~~من المعاني مما يدعوهم إلى الإيمان والتوحيد وما يتفرع عليه من الطاعات ~~قاطبة. وقيل: أن مفسرة لما في التفصيل من معنى القول أي قيل: لا ~~تعبدوا إلا الله { إننى لكم منه } من جهة الله تعالى { ~~نذير } أنذركم عذابه إن لم تتركوا ما أنتم عليه من الكفر وعبادة ~~غير الله تعالى { وبشير } أبشركم بثوابه إن آمنتم به وتمحضتم في ~~عبادته، ولما ذكر شؤون الكتاب من إحكام آياته وتفصيلها وكون ذلك من ~~قبل الله تعالى وأورد معظم ما نظم في ms1530 سلك الغاية والأمر من ~~التوحيد وترك الإشراك وسط بينه وبين قرينيه أعني الاستغفار ~~والتوبة ذكر أن من نزل عليه ذلك الكتاب مرسل من عند الله تعالى ~~لتبليغ أحكامه وترشيحها بالمؤيدات من الوعد والوعيد للإيذان بأن ~~التوحيد في أقصى مراتب الأهمية حتى أفرد بالذكر وأيد إيجابه ~~بالخطاب غب الكتاب مع تلويح بأنه كما لا يتحقق في نفسه إلا مقارنا ~~للحكم برسالته عليه السلام كذلك في الذكر لا ينفك أحدهما عن الآخر، ~~وقد روعي في سوق الخطاب بتقديم الإنذار على التبشير ما روعي في ~~الكتاب من تقديم النفي على الإثبات والتخلية على التحلية لتجاوب أطراف ~~الكلام، ويجوز أن يكون قوله تعالى: { ألا تعبدوا إلا الله ~~} كلاما منقطعا عما قبله واردا على لسانه عليه السلام إغراء لهم على ~~اختصاصه تعالى بالعبادة كأنه عليه السلام قال: # " ترك عبادة غير الله " # أي الزموه، على معنى اتركوا عبادة غير الله تركا مستمرا إنني لكم ~~من جهة الله تعالى نذير وبشير، أي نذير أنذركم من عقابه على تقدير ~~استمراركم على الكفر وبشير أبشركم بثوابه على تقدير ترككم له ~~وتوحيدكم، ولما سيق إليهم حديث التوحيد وأكد ذلك بخطاب الرسول صلى ~~الله عليه وسلم على وجه الإنذار والتبشير شرع في ذكر ما هو من تتماته ~~على وجه يتضمن تفصيل ما أجمل وصف البشير والنذير فقيل: # { وأن استغفروا ربكم } وهو معطوف على أن لا تعبدوا على ~~ما ذكر من الوجهين فعلى الأول أن مصدرية لجواز كون صلتها أمرا أو ~~نهيا كما في قوله تعالى: # وأن أقم وجهك للدين حنيفا # [يونس: 105] لأن مدار جواز كونها فعلا إنما هو دلالته على المصدر ~~وهو موجود فيهما، ووجوب كونها خبرية في صلة الموصول الاسمي إنما هو ~~للتوصل إلى وصف المعارف بالجمل وهي لا توصف بها إلا إذا كانت خبرية، ~~وأما الموصول الحرفي فليس كذلك، ولما كان الخبر والإنشاء في الدلالة ~~على المصدر سواء ساغ وقوع الأمر والنهي صلة حسبما ساغ وقوع الفعل ~~فيتجرد عند ذلك عن معنى الأمر والنهي نحو تجرد الصلة الفعلية عن ms1531 ~~معنى المضي والاستقبال { ثم توبوا إليه } عطف على استغفروا ~~والكلام فيه كالكلام فيه والمعنى فعل ما فعل من الإحكام والتفصيل ~~لتخصوا الله تعالى بالعبادة وتطلبوا منه ستر ما فرط منكم من الشرك ثم ~~ترجعوا إليه بالطاعة أو تستمروا على ما أنتم عليه من التوحيد ~~والاستغفار أو تستغفروا من الشرك وتتوبوا من المعاصي، وعلى الثاني أن ~~مفسرة أي قيل في أثناء تفصيل الآيات: لا تعبدوا إلا الله واستغفروه ~~ثم توبوا إليه، والتعرض لوصف الربوبية تلقين للمخاطبين وإرشاد ~~لهم إلى طريق الابتهال في السؤال وترشيح لما يعقبه من التمتيع وإيتاء ~~الفضل بقوله تعالى: { يمتعكم متاعا حسنا } أي تمتيعا، ~~وانتصابه على أنه مصدر حذف منه الزوائد كقوله تعالى: # أنبتكم من الأرض نباتا # [نوح: 17] أو على أنه مفعول به وهو اسم لما يتمتع به من منافع ~~الدنيا من الأموال والبنين وغير ذلك، والمعنى يعيشكم عيشا مرضيا ~~لا يفوتكم فيه شيء مما تشتهون ولا ينغصه شيء من المكدرات { إلى ~~أجل مسمى } مقدر عند الله عز وجل وهو آخر أعماركم، ولما كان ~~ذلك غاية لا يطمح وراءها طامح جرى التمتيع إليها مجرى التأييد ~~عادة أو لا يهلككم بعذاب الاستئصال { ويؤت كل ذي فضل } في ~~الطاعة والعمل { فضله } جزاء فضله إما في الدنيا أو في الآخرة، ~~وهذه تكملة لما أجمل من التمتيع إلى أجل مسمى وتبيين لما عسى ~~يعسر فهم حكمته من بعض ما يتفق في الدنيا من تفاوت الحال بين ~~العاملين، فرب إنسان له فضل طاعة وعمل لا يمتع في الدنيا أكثر مما ~~متع آخر دونه في الفضل، وربما يكون المفضول أكثر تمتيعا فقيل: ~~ويعط كل فاضل جزاء فضله، إما في الدنيا كما يتفق في بعض المواد ~~وإما في الآخرة، وذلك مما لا مرد له وهذا ضرب تفصيل لما أجمل فيما سبق ~~من البشارة، ثم شرع في الإنذار فقيل: { وإن تولوا } أي تتولوا ~~عما ألقي إليكم من التوحيد والاستغفار والتوبة، وإنما أخر عن البشارة ~~جريا على سنن تقدم الرحمة على الغضب أو لأن العذاب قد علق ms1532 بالتولي ~~عما ذكر من التوحيد والاستغفار والتوبة وذلك يستدعي سابقة ذكره، ~~وقرىء تولوا من ولى { فإني أخاف عليكم } بموجب الشفقة ~~والرأفة أو أتوقع { عذاب يوم كبير } هو القيامة وصف بالكبر ~~كما وصف بالعظم في قوله تعالى: # ألا يظن أولئك أنهم مبعوثون ليوم عظيم # [المطففين: 4]إما لكونه كذلك في نفسه أو وصف بوصف ما يكون فيه كما ~~وصف بالثقل في قوله تعالى: # ثقلت فى السموات والأرض # [الأعراف: 187] وقيل: يوم الشدائد وقد ابتلوا بقحط أكلوا فيه ~~الجيف، وأيا ما كان ففي إضافة العذاب إليه تهويل وتفظيع له. ### || [11.4] # { إلى الله مرجعكم } رجوعكم بالموت ثم البعث للجزاء في مثل ~~ذلك اليوم لا إلى غيره { وهو على كل شىء قدير } فيندرج في ~~تلك الكلية قدرته على إماتتكم ثم بعثكم وجزائكم فيعذبكم بأفانين ~~العذاب وهو تقرير لما سلف من كبر اليوم وتعليل للخوف، ولما ألقي ~~إليهم فحوى الكتاب على لسان النبي صلى الله عليه وسلم وسيق إليهم ما ~~ينبغي أن يساق من الترغيب والترهيب وقع في ذهن السامع أنهم بعدما ~~سمعوا مثل هذا المقال الذي تخر له صم الجبال هل قابلوه بالإقبال ~~أم تمادوا فيما كانوا عليه من الإعراض والضلال، فقيل مصدرا بكلمة ~~التنبيه إشعارا بأن ما يعقبها من هناتهم أمر يجب أن يفهم ~~ويتعجب منه. ### || [11.5] # { ألا إنهم يثنون صدورهم } يزورون عن الحق وينحرفون ~~عنه أي يستمرون على ما كانوا عليه من التولي والإعراض لأن من أعرض عن ~~شيء ثنى عنه صدره وطوى عنه كشحه، وهذا معنى جزل مناسب لما سبق، وقد ~~نحا نحوه العلامة الزمخشري ولكن حيث لم يصلح التولي سبيلا ~~للاستخفاء في قوله عز وجل: { ليستخفوا منه } التجأ إلى إضمار ~~الإرادة حيث قال: ويريدون ليستخفوا من الله تعالى فلا يطلع رسوله ~~والمؤمنين على إعراضهم، وجعله في قود المعنى إليه من قبيل الإضمار ~~في قوله تعالى: # اضرب بعصاك البحر فانفلق # [الشعراء: 63] أي فضرب فانفلق، ولا يخفى أن انسياق الذهن إلى توسيط ~~الإرادة بين ثني الصدور وبين الاستخفاء ليس كانسياقه إلى توسيط ~~الضرب بين ms1533 الأمر به وبين الانفلاق، ولعل الأظهر أن معناه يعطفون ~~صدورهم على ما فيها من الكفر والإعراض عن الحق وعداوة النبي صلى ~~الله عليه وسلم بحيث يكون ذلك مخفيا مستورا فيها كما تعطف الثياب على ~~ما فيها من الأشياء المستورة، وإنما لم يذكر ذلك استهجانا بذكره أو ~~إيماء إلى أن ظهوره مغن عن ذكره أو ليذهب ذهن السامع إلى كل ما لا ~~خير فيه من الأمور المذكورة، فيدخل فيه ما ذكر من توليهم عن الحق ~~الذي ألقي إليهم دخولا أوليا، فحينئذ يظهر وجه كون ذلك سببا ~~للاستخفاء، ويؤيده ما روي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنها نزلت في ~~الأخنس بن شريق وكان رجلا حلو المنطق حسن السياق للحديث يظهر ~~لرسول الله صلى الله عليه وسلم المحبة ويضمر في قلبه ما يضادها ~~وقال ابن شداد إنها نزلت في بعض المنافقين كان إذا مر برسول الله صلى ~~الله عليه وسلم ثنى صدره وظهره وطأطأ رأسه وغطى وجهه كيلا يراه ~~النبي صلى الله عليه وسلم فكأنه إنما كان يصنع ما يصنع لأنه رآه ~~النبي صلى الله عليه وسلم لم يمكنه التخلف عن حضور مجلسه ~~والمصاحبة معه، وربما يؤدي ذلك إلى ظهور ما في قلبه من الكفر والنفاق، ~~وقرىء يثنوني صدورهم بالياء والتاء من اثنونى افعوعل من الثني ~~كاحلولي من الحلاوة، وهو بناء مبالغة، وعن ابن عباس رضي الله عنهما ~~لتثنوني، وقرىء تثنون وأصله تثنون من تفعوعل من الثن ~~وهو ما هش من الكلأ وضعف يريد مطاوعة صدورهم للثني كما يثنى ~~الهش من النبات، أو أراد ضعف إيمانهم ورخاوة قلوبهم، وقرىء ~~تثنئن من اثنان افعال منه ثم همز، كما قيل: ابياضت وادهامت ~~وقرىء تثنوي بون ترعوي. # { ألا حين يستغشون ثيابهم } أي يتغطون بها للاستخفاء ~~على ما نقل عن ابن شداد، أو حين يأوون إلى فرشهم ويتدثرون بثيابهم ~~فإن ما يقع حينئذ حديث النفس عادة، وقيل: كان الرجل من الكفار يدخل ~~بيته ويرخي ستره ويحني ظهره ويتغشى بثوبه ويقول: هل يعلم الله ما ~~في قلبي؟ ms1534 { يعلم ما يسرون } أي يضمرون في قلوبهم { وما ~~يعلنون } أي يستوي بالنسبة إلى علمه المحيط سرهم وعلنهم فكيف ~~يخفى عليه ما عسى يظهرونه وإنما قدم السر على العلن نعيا عليهم من ~~أول الأمر ما صنعوا وإيذانا بافتضاحهم ووقوع ما يحذرونه وتحقيقا ~~للمساواة بين العلمين على أبلغ وجه فكأن علمه بما يسرونه أقدم منه ~~بما يعلنونه، ونظيره قوله تعالى: # قل إن تخفوا ما فى صدوركم أو تبدوه يعلمه ~~الله # [آل عمران: 29] حيث قدم فيه الإخفاء على الإبداء على عكس ما وقع في ~~قوله تعالى: # وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به ~~الله # [البقرة: 284] إذ لم يتعلق بإشعار أن المحاسبة بما يخفونه أولى منها ~~بما يبدونه غرض، بل الأمر بالعكس، وأما ههنا فقد تعلق بإشعار كون ~~تعلق علمه تعالى بما يسرونه أولى منه بما يعلنونه غرض مهم مع ~~كونهما على السوية، كيف لا وعلمه تعالى بمعلوماته ليس بطريق حصول ~~الصورة بل وجود كل شيء في نفسه علم بالنسبة إليه تعالى، وفي هذا ~~المعنى لا يختلف الحال بين الأشياء البارزة والكامنة، وأما قوله ~~تعالى: # وأعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون # [البقرة: 33] فحيث كان واردا بصدد الخطاب مع الملائكة عليهم السلام ~~المنزه مقامهم عن اقتضاء التأكيد والمبالغة في الإخبار بإحاطة علمه ~~تعالى بالظاهر والباطن لم يسلك فيه ذلك المسلك مع أنه وقع الغنية ~~عنه بما قبله من قوله عز وجل: # إني أعلم غيب السموات والأرض # [البقرة: 33] ويجوز أن يكون ذلك باعتبار أن مرتبة السر متقدمة على ~~مرتبة العلن إذ ما من شيء يعلن إلا وهو أو مباديه قبل ذلك مضمر في ~~القلب، فتعلق علمه سبحانه بحالته الأولى متقدم على تعلقه بحالته ~~الثانية { إنه عليم بذات الصدور } تعليل لما سبق وتقرير ~~له واقع موقع الكبرى من القياس، وفي صيغة الفعيل وتحلية الصدور بلام ~~الاستغراق والتعبير عن الضمائر بعنوان صاحبيها من البراعة ما لا يصفه ~~الواصفون كأنه قيل: إنه مبالغ في الإحاطة بمضمرات جميع الناس ~~وأسرارهم الخفية المستكنة في صدورهم بحيث لا تفارقها أصلا، ms1535 فكيف ~~يخفى عليه ما يسرون وما يعلنون، ويجوز أن يراد بذات الصدور القلوب ~~من قوله تعالى: # ولكن تعمى القلوب التى فى الصدور # [الحج: 46] والمعنى أنه عليم بالقلوب وأحوالها فلا يخفى عليه سر من ~~أسرارها. ### || [11.6] # { وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها } ~~غذاؤها اللائق بها من حيث الخلق ومن حيث الإيصال إليها بطريق طبيعي ~~أو إرادي لتكفله إياه تفضلا ورحمة، وإنما جيء به على طريق الوجوب ~~اعتبارا لسبق الوعد وتحقيقا لوصوله إليها البتة، وحملا للمكلفين على ~~الثقة به تعالى والإعراض عن إتعاب النفس في طلبه { ويعلم ~~مستقرها } محل قرارها في الأصلاب { ومستودعها } ~~موضعها في الأرحام وما يجري مجراها من البيض ونحوها، وإنما خص كل ~~من الاسمين بما خص به من المحلين لأن النطفة بالنسبة إلى الأصلاب ~~في حيزها الطبيعي ومنشئها الخلقي، وأما بالنسبة إلى الأرحام وما ~~يجري مجراها فهي مودعة فيها إلى وقت معين، أو مسكنها من الأرض حين ~~وجدت بالفعل ومودعها من المواد والمقار حين كانت بعد بالقوة، ولعل ~~تقديم محلها باعتبار حالتها الأخيرة لرعاية المناسبة بينها وبين ~~عنوان كونها دابة في الأرض والمعنى ما من دابة في الأرض إلا يرزقها ~~الله تعالى حيث كانت من أماكنها يسوقه إليها ويعلم موادها المتخالفة ~~المتدرجة في مراتب الاستعدادات المتفاوتة المتطورة في الأطوار ~~المتباينة ومقارها المتنوعة ويفيض عليها في كل مرتبة ما يليق بها من ~~مبادي وجودها وكمالاتها المتفرعة عليه، وقد فسر المستودع ~~بأماكنها في الممات، ولا يلائمه مقام التكفل بأرزاقها { كل } من ~~الدواب ورزقها ومستقرها ومستودعها { فى كتب مبين } أي ~~مثبت في اللوح المحفوظ البين لمن ينظر فيه من الملائكة عليهم ~~السلام أو المظهر لما أثبت فيه للناظرين، ولما انتهى الأمر إلى أنه ~~سبحانه محيط بجميع أحوال ما في الأرض من المخلوقات التي لا تكاد تحصى ~~من مبدأ فطرتها إلى منتهاها اقتضى الحال التعرض لمبدأ خلق السموات ~~والأرض والحكمة الداعية إلى ذلك فقيل: ### || [11.7] # { وهو الذى خلق السموات والأرض في ستة ~~أيام } السموات في يومين والأرض في يومين وما ms1536 عليها من أنواع ~~الحيوانات والنبات وغير ذلك في يومين حسبما فصل في سورة حم السجدة ~~ولم يذكر خلق ما في الأرض لكونه من تتمات خلقها وهو السر في جعل ~~زمان خلقه تتمة لزمان خلقها في قوله تعالى: # فى أربعة أيام # [فصلت: 10] أي في تتمة أربعة أيام. والمراد بالأيام الأوقات كما في ~~قوله تعالى: # ومن يولهم يومئذ دبره # [الأنفال: 16] أي في ستة أوقات أو مقدار ستة أيام فإن اليوم في ~~المتعارف زمان كون الشمس فوق الأرض، ولا يتصور ذلك حين لا أرض ~~ولا سماء، وفي خلقها مدرجا مع القدرة التامة على خلقها دفعة دليل ~~على أنه قادر مختار واعتبار للنظار وحث على التأني في الأمور. ~~وأما تخصيص ذلك بالعدد المعين فأمر استأثر بعلم ما يقتضيه علام ~~الغيوب جلت حكمته، وإيثار صيغة الجمع في السموات لما هو المشهور من ~~الإشارة إلى كونها أجراما مختلفة الطبائع ومتفاوتة الآثار والأحكام ~~{ وكان عرشه } قبل خلقهما { على الماء } ليس تحته شيء غيره ~~سواء كان بينهما فرجة أو كان موضوعا على متنه كما ورد في الأثر، فلا ~~دلالة فيه على إمكان الخلاء، كيف لا ولو دل لدل على وجوده لا على ~~إمكانه فقط ولا على كون الماء أول ما حدث في العالم بعد العرش، وإنما ~~يدل على أن خلقهما أقدم من خلق السموات والأرض من غير تعرض للنسبة ~~بينهما { ليبلوكم } متعلق بخلق أي خلق السموات والأرض وما ~~فيهما من المخلوقات التي من جملتها أنتم ورتب فيهما جميع ما تحتاجون إليه ~~من مبادي وجودكم وأسباب معايشكم وأودع في تضاعيفهما من تعاجيب ~~الصنائع والعبر ما تستدلون به على مطالبكم الدينية ليعاملكم معاملة ~~من يبتليكم { أيكم أحسن عملا } فيحازيكم بالثواب والعقاب ~~غب ما تبين المحسن من المسيء وامتازت درجات أفراد كل من الفريقين ~~حسب امتياز طبقات علومهم واعتقاداتهم المترتبة على أنظارهم فيما نصب ~~من الحجج والدلائل والأمارات والمخايل ومراتب أعمالهم المتفرعة على ~~ذلك فإن العمل غير مختص بعمل الجوارح، ولذلك فسره عليه السلام بقوله: # " أيكم أحسن عقلا وأورع عن محارم ms1537 الله وأسرع في طاعة الله؟ " # فإن لكل من القلب والقالب عملا مخصوصا به فكما أن الأول أشرف من ~~الثاني فكذا الحال في عمله كيف لا ولا عمل بدون معرفة الله عز وجل ~~الواجبة على العباد آثر ذي أثير وإنما طريقها النظري التفكر في ~~بدائع صنائع الملك الخلاق والتدبر في آياتة البينات المنصوبة في ~~الأنفس والآفاق، ولا طاعة بدون فهم ما في مطاوي الكتاب الحكيم من ~~الأوامر والنواهي وغير ذلك مما له مدخل في الباب. # وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " لا تفضلوني على يونس بن متى فإنه كان يرفع له كل يوم مثل عمل ~~أهل الأرض " # قالوا: وإنما كان ذلك التفكر في أمر الله عز وجل الذي هو عمل القلب ~~لأن أحدا لا يقدر على أن يعمل في اليوم بجوارحه مثل عمل أهل الأرض، ~~وتعليق فعل البلوى أي تعقيبه بحرف الاستفهام لا التعليق المشهور ~~الذي يقتضي عدم إيراد المفعول أصلا مع اختصاصه بأفعال القلوب لما ~~فيه من معنى العلم باعتبار عاقبته كالنظر ونظائره، ولذلك أجري ~~مجراه بطريق التمثيل أو الاستعارة التبعية، وإيراد صيغة التفضيل مع ~~أن الابتلاء شامل للفريقين باعتبار أعمالهم المنقسمة إلى الحسن ~~والقبيح أيضا لا إلى الحسن والأحسن فقط للإيذان بأن المراد بالذات ~~والمقصود الأصلي مما ذكر من إبداع تلك البدائع على ذلك النمط ~~الرائع إنما هو ظهور كمال إحسان المحسنين وأن ذلك لكونه على أتم ~~الوجوه اللائقة وأكمل الأساليب الرائقة يوجب العمل بموجبه بحيث لا ~~يحيد أحد عن سننه المستبين بل يهتدي كل فرد إلى ما يرشد إليه ~~من مطلق الإيمان والطاعة، وإنما التفاوت بينهم في مراتبهما بحسب ~~القوة والضعف والكثرة والقلة، وأما الإعراض عن ذلك والوقوع في ~~مهاوي الضلال فبمعزل من الاندراج تحت الوقوع فضلا عن أن ينتظم ~~ظهوره في سلك العلة الغائية لذلك الصنع البديع، وإنما هو عمل يصدر ~~عن عامله بسوء اختياره من غير مصحح له ولا تقريب، ولا يخفى ما فيه من ~~الترغيب في الترقي إلى معارج العلوم ومدارج ms1538 الطاعات والزجر عن مباشرة ~~نقائضها والله تعالى أعلم. { ولئن قلت إنكم مبعوثون ~~من بعد الموت } على ما يوجبه قضية الابتلاء ليترتب عليه ~~الجزاء المتفرع على ظهور مراتب الأعمال { ليقولن الذين ~~كفروا } إن وجه الخطاب في قوله تعالى: { إنكم } إلى جميع ~~المكلفين بالموصول مع صلته للتخصيص أي ليقولن الكافرون منهم، وإن وجه ~~إلى الكافرين منهم فهو وارد على طريقة الذم. # { إن هذا إلا سحر مبين } أي مثله في الخديعة أو ~~البطلان، وهذا إشارة إلى القول المذكور أو إلى القرآن فإن الإخبار عن ~~كونهم مبعوثين وإن لم يجب كونه بطريق الوحي المتلو إلا أنهم عند ~~سماعهم ذلك تخلصوا إلى القرآن لإنبائه عنه في كل موضع، وكونه علما ~~عندهم في ذلك فعمدوا إلى تكذيبه وتسميته سحرا تماديا منهم في العناد ~~وتفاديا عن سنن الرشاد، وقيل: هو إشارة إلى نفس البعث ولا يلائمه ~~التسمية بالسحر، فإنه إنما يطلق على شيء موجود ظاهرا لا أصل له في ~~الحقيقة، ونفس البعث عندهم معدوم بحت، وتعلق الآية الكريمة بما ~~قبلها إما من حيث إن البعث كما أشير إليه من تتمات الابتلاء المذكور ~~فكأنه قيل: الأمر كما ذكر ومع ذلك إن أخبرتهم بمقدمة فذة من مقدماته ~~وقضية فردة من تتماته لا يتلعثمون في الرد ويعدون ذلك من قبيل ما لا ~~صحة له أصلا فضلا عن تصديق ما هذه من تتماته، وإما من حيث إن البعث ~~خلق جديد فكأنه قيل: وهو الذي خلق جميع المخلوقات ابتداء لهذه الحكمة ~~البالغة ومع ذلك إن أخبرتهم بأنه يعيدهم تارة أخرى وهو أهون عليه ~~يقولون ما يقولون فسبحان الله عما يصفون، وقرأ حمزة والكسائي إلا ~~ساحر على أن الإشارة إلى القائل أو إلى القرآن على أسلوب شعر شاعر ~~وقرىء بالفتح على تضمين قلت معنى ذكرت أو على أن أنك بمعنى عنك في ~~علك، أي ولئن قلت: لعلكم مبعوثون على أن الرجاء والتوقع باعتبار حال ~~المخاطبين أي توقعوا ذلك ولا تبتوا القول بإنكاره أو على أنه ~~مجاراة معهم في الكلام على نهج المساعدة لئلا ms1539 يسارعوا إلى اللجاج ~~والعناد ريثما قرع أسماعهم بت القول بخلاف ما ألفوا وألفوا ~~عليه آباءهم من إنكار البعث ويكون ذلك أدعى لهم إلى التأمل والتدبر ~~وما فعلوه قاتلهم الله أنى يؤفكون. ### || [11.8-9] # { ولئن أخرنا عنهم العذاب } المترتب على بعثهم أو ~~العذاب الموعود في قوله تعالى: # وإن تولوا فإني أخاف عليكم عذاب يوم كبير # [هود: 3] وقيل: عذاب يوم بدر، وعن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قتل ~~جبريل عليه السلام للمستهزئين، والظاهر أن المراد به العذاب الشامل ~~للكفرة دون ما يخص ببعض منهم، على أنه لم يكن موعودا يستعجل منه ~~المجرمون { إلى أمة معدودة } إلى طائفة من الأيام قليلة ~~لأن ما يحصره العد قليل { ليقولن ما يحبسه } أي أي ~~شيء يمنعه من المجيء فكأنه يريده فيمنعه مانع وإنما كانوا يقولونه ~~بطريق الاستعجال استهزاء لقوله تعالى: { ما كانوا به ~~يستهزءون } ومرادهم إنكار المجيء والحبس رأسا لا الاعتراف ~~به والاستفسار عن حابسه { ألا يوم يأتيهم } ذلك { ليس ~~مصروفا } محبوسا { عنهم } على معنى أنه لا يرفعه رافع أبدا إن ~~أريد به عذاب الآخرة أو لا يدفعه عنكم دافع بل هو واقع بكم إن أريد به ~~عذاب الدنيا، ويوم منصوب بخبر ليس مقدما عليه، واستدل به البصريون ~~على جواز تقديمه على ليس إذ المعمول تابع للعامل فلا يقع إلا حيث يقع ~~متبوعه، ورد بأن الظرف يجوز فيه ما لا يجوز في غيره توسعا وبأنه ~~قد يقدم المعمول حيث لا مجال لتقدم العامل كما في قوله تعالى: # فأما اليتيم فلا تقهر وأما السائل فلا تنهر # [الضحى: 9, 10] فإن اليتيم والسائل مع كونهما منصوبين بالفعلين ~~المجزومين قد تقدما على لا الناهية مع امتناع تقدم الفعلين عليهما. قال ~~أبو حيان: وقد تتبعت جملة من دواوين العرب فلم أظفر بتقديم خبر ليس ~~عليها ولا بتقديم معموله إلا ما دل عليه ظاهر هذه الآية الكريمة ~~وقول الشاعر: # فيأبى فما يزداد إلا لجاجة # وكنت أبيا في الخنا لست أقدم # { وحاق بهم } أي أحاط بهم { ما كانوا به يستهزءون } أي ~~العذاب الذي كانوا ms1540 يستعجلون به استهزاء، وفي التعبير عنه بالموصول ~~تهويل لمكانه وإشعار بعلية ما ورد في حيز الصلة من استهزائهم به ~~لنزوله وإحاطته، والتعبير عنها بالماضي وارد على عادة الله تعالى في ~~أخباره لأنها في تحققها وتيقنها بمنزلة الكائنة الموجودة، وفي ذلك من ~~الفخامة والدلالة على علو شأن المخبر به ما لا يخفى. { ولئن ~~أذقنا الإنسن منا رحمة } أي أعطيناه نعمة من صحة ~~وأمن وجدة وغيرها وأوصلناها إليه بحيث يجد لذتها { ثم ~~نزعناها منه } أي سلبناه إياها، وإيراد النزع للإشعار بشدة ~~تعلقه بها وحرصه عليها { أنه } شديد القنوط من روح الله ~~قطوع رجاءه من عود أمثالها عاجلا أو آجلا بفضل الله تعالى لقلة ~~صبره وعدم توكله عليه وثقته به { ليئوس كفور } عظيم ~~الكفران لما سلف من النعم، وفيه إشارة إلى أن النزع إنما كان بسبب ~~كفرانهم بما كانوا يتقلبون فيه من نعم الله عز وجل، وتأخيره عن وصف ~~يأسهم مع تقدمه عليه لرعاية الفواصل على أن اليأس من فضل الله سبحانه ~~وقطع الرجاء عن إفاضة أمثاله في العاجل وإيصال أجره في الآجل من باب ~~الكفران للنعمة السالفة أيضا. ### || [11.10-11] # { ولئن أذقناه نعماء بعد ضراء مسته } كصحة بعد ~~سقم وجدة بعد عدم وفرج بعد شدة، وفي التعبير عن ملابسة الرحمة ~~والنعماء بالذوق المؤذن بلذتهما وكونهما مما يرغب فيه، وعن ~~ملابسة الضراء بالمس المشعر بكونها في أدنى ما ينطلق عليه اسم ~~الملاقاة من مراتبها، وإسناد الأول إلى الله عز وجل دون الثاني، ما لا ~~يخفى من الجزالة والدلالة على أن مراده تعالى إنما هو إيصال الخير ~~المرغوب فيه على أحسن ما يكون، وأنه إنما يريد بعباده اليسر دون ~~العسر وإنما ينالهم ذلك بسوء اختيارهم نيلا يسيرا كأنما يلاصق ~~البشرة من غير تأثير، وأما نزع الرحمة فإنما صدر عنه بقضية ~~الحكمة الداعية إلى ذلك وهي كفرانهم بها كما سبق، وتنكير الرحمة ~~باعتبار لحوق النزع بها { ليقولن ذهب السيئات عني } ~~أي المصائب التي تسوءني ولن يعتريني بعد أمثالها كما هو شأن أولئك ~~الأشرار، فإن الترقب لورود ms1541 أمثالها مما يكدر السرور وينغص العيش { ~~إنه لفرح } بطر وأشر بالنعم مغتر بها { فخور } على ~~الناس بما أوتي من النعم مشغول بذلك عن القيام بحقها، واللام في لئن ~~في الآيات الأربع موطئة للقسم، وجوابه ساد مسد جواب الشرط. # { إلا الذين صبروا } على ما أصابهم من الضراء سابقا أو ~~لاحقا إيمانا بالله واستسلاما لقضائه { وعملوا الصلحات } ~~شكرا على آلائه السالفة والآنفة، واللام في الإنسان إما لاستغراق ~~الجنس فالاستثناء متصل أو للعهد فمنقطع { أولئك } إشارة إلى ~~الموصول باعتبار اتصافه بما في حيز الصلة، وما فيه من معنى البعد ~~للإيذان بعلو درجتهم وبعد منزلتهم في الفضل أي أولئك الموصوفون بتلك ~~الصفات الحميدة { لهم مغفرة } عظيمة لذنوبهم وإن جمت { ~~وأجر } ثواب لأعمالهم الحسنة { كبير } ووجه تعلق الآيات ~~الثلاث بما قبلهن من حيث إن إذاقة النعماء ومساس الضراء فصل من ~~باب الابتلاء واقع موقع التفصيل من الإجمال الواقع في قوله تعالى: # ليبلوكم أيكم أحسن عملا # [هود: 7, الملك: 2] والمعنى أن كلا من إذاقة النعماء ونزعها مع ~~كونه ابتلاء للإنسان أيشكر أم يكفر لا يهتدي إلى سنن الصواب بل يحيد ~~في كلتا الحالتين عنه إلى مهاوي الضلال فلا يظهر منه حسن عمل إلا من ~~الصابرين الصالحين أو من حيث إن إنكارهم بالبعث واستهزاءهم بالعذاب ~~بسبب بطرهم وفخرهم كأنه قيل: إنما فعلوا ما فعلوا لأن طبيعة الإنسان ~~مجبولة على ذلك. ### || [11.12-13] # { فلعلك تارك بعض ما يوحى إليك } من البينات ~~الدالة على حقية نبوتك المنادية بكونها من عند الله عز وجل لمن له ~~أذن واعية { وضائق به صدرك } أي عارض لك ضيق صدر ~~بتلاوته عليهم وتبليغه إليهم في أثناء الدعوة والمحاجة { أن ~~يقولوا } لأن يقولوا تعاميا عن تلك البراهين التي لا تكاد تخفى ~~صحتها على أحد ممن له أدنى بصيرة، وتماديا في العناد على وجه ~~الاقتراح { لولا أنزل عليه كنز } مال خطير مخزون يدل على ~~صدقه { أو جاء معه ملك } يصدقه. قيل: قاله عبد الله بن ~~أمية المخزومي، وروي عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رؤساء مكة ~~قالوا: ms1542 يا محمد اجعل لنا جبال مكة ذهبا إن كنت رسولا، وقال آخرون: ~~ائتنا بالملائكة يشهدوا بنبوتك فقال: «لا أقدر على ذلك» فنزلت فكأنه ~~عليه الصلاة والسلام لما عاين اجتراءهم على اقتراح مثل هذه العظائم، ~~غير قانعين بالبينات الباهرة التي كانت تضطرهم إلى القبول لو ~~كانوا من أرباب العقول وشاهد ركوبهم من المكابرة متن كل صعب ~~وذلول مسارعين إلى المقابلة بالتكذيب والاستهزاء وتسميتها سحرا ~~مثل حاله عليه الصلاة والسلام بحال من يتوقع منه أن يضيق صدره ~~بتلاوة تلك الآيات الساطعة عليهم وتبليغها إليهم فحمل على الحذر منه ~~بما في لعل من الإشفاق فقيل: { إنما أنت نذير } ليس عليك إلا ~~الإنذار بما أوحي إليك غير مبال بما صدر عنهم من الرد والقبول { ~~والله على كل شىء وكيل } يحفظ أحوالك وأحوالهم فتوكل ~~عليه في جميع أمورك فإنه فاعل بهم ما يليق بحالهم، والاقتصار على ~~النذير في أقصى غاية من إصابة المحز { أم يقولون افتراه } ~~إضراب بأم المنقطعة عن ذكر ترك اعتدادهم بما يوحى وتهاونهم به ~~وعدم اقتناعهم بما فيه من المعجزات الظاهرة الدالة على كونه من عند ~~الله عز وجل وعلى حقية نبوته عليه الصلاة والسلام وشروع في ذكر ~~ارتكابهم لما هو أشد منه وأعظم، وما فيها من معنى الهمزة للتوبيخ ~~والإنكار والتعجيب، والضمير المستكن في افتراه للنبي صلى الله عليه ~~وسلم والبارز لما يوحى أي بل أيقولون افتراه وليس من عند الله. # { قل } إن كان الأمر كما تقولون { فاتوا } أنتم أيضا { بعشر ~~سور مثله } في البلاغة وحسن النظم وهو نعت لسور أي أمثاله، ~~وتوحيده إما باعتبار مماثلة كل واحدة منها أو لأن المطابقة ليست ~~بشرط، حتى يوصف المثنى بالمفرد كما في قوله تعالى: # أنؤمن لبشرين مثلنا # [المؤمنون: 47] أو للإيماء إلى أن وجه الشبه ومدار المماثلة في ~~الجميع شيء واحد هو البلاغة المؤدية إلى مرتبة الإعجاز فكأن الجميع ~~واحد { مفتريات } صفة أخرى لسور أخرت عن وصفها بالمماثلة لما ~~يوحى لأنها الصفة المقصودة بالتكليف إذ بها يظهر عجزهم وقعودهم عن ~~المعارضة، وأما وصف الافتراء ms1543 فلا يتعلق به غرض يدور عليه شيء في مقام ~~التحدي وإنما ذكر على نهج المساهلة وإرخاء العنان، ولأنه لو عكس ~~الترتيب لربما توهم أن المراد هو المماثلة في الافتراء، والمعنى ~~فأتوا بعشر سور مماثلة له في البلاغة مختلفات من عند أنفسكم إن صح ~~أني اختلقته من عندي، فإنكم أقدر على ذلك مني لأنكم عرب فصحاء ~~بلغاء قد مارستم مبادىء ذلك من الخطب والأشعار وحفظتم الوقائع ~~والأيام وزاولتم أساليب النظم والنثر. # { وادعوا } للاستظهار في المعارضة { من استطعتم } دعاءه ~~والاستعانة به من آلهتكم التي تزعمون أنها ممدة لكم في كل ما تأتون ~~وما تذرون، والكهنة ومدارهكم الذين تلجأون إلى آرائهم في الملمات ~~ليسعدوكم فيها { من دون الله } متعلق بادعوا أي متجاوزين الله ~~تعالى { إن كنتم صدقين } في أني افتريته فإن ذلك يستلزم ~~إمكان الإتيان بمثله وهو أيضا يسلزم قدرتكم عليه، والجواب محذوف ~~يدل عليه المذكور. ### || [11.14] # { فإن لم يستجيبوا لكم } أي لم يفعلوا ما كلفوه من ~~الإتيان بمثله كقوله تعالى: # فإن لم تفعلوا # [البقرة: 24, 279] وإنما عبر عنه بالاستجابة إيماء إلى أنه عليه ~~الصلاة والسلام على كمال أمن من أمره، كأن أمره لهم بالإتيان بمثله ~~دعاء لهم إلى أمر يريد وقوعه، والضمير في لكم للرسول عليه الصلاة ~~والسلام والجمع للتعظيم كما في قول من قال: # فإن شئت حرمت النساء سواكم # وإن شئت لم أطعم نقاخا ولا بردا # أو له وللمؤمنين لأنهم أتباع له عليه الصلاة والسلام في الأمر ~~بالتحدي، وفيه تنبيه لطيف على أن حقهم ألا ينفكوا عنه عليه الصلاة ~~والسلام ويناصبوا معه لمعارضة المعارضين كما كانوا يفعلونه في الجهاد ~~وإرشاد إلى أن ذلك مما يفيد الرسوخ في الإيمان والطمأنينة في ~~الإيقان، ولذلك رتب عليه قوله عز وجل: { فاعلموا } أي اعلموا حين ~~ظهر لكم عجزهم عن المعارضة مع تهالكهم عليها علما يقينا متاخما ~~لعين اليقين بحيث لا مجال معه لشائبة ريب بوجه من الوجوه، كأن ما عداه ~~من مراتب العلم ليس بعلم لكن لا للإشعار بانحطاط تلك المراتب بل ~~بارتفاع هذه المرتبة وبه ms1544 يتضح سر إيراد كلمة الشك مع القطع بعدم ~~الاستجابة فإن تنزيل سائر المراتب منزلة العدم مستتبع لتنزيل ~~الجزم بعدم الاستجابة منزلة الشك فيه، أو اثبتوا واستمروا على ~~ما كنتم عليه من العلم { إنما أنزل } ملتبسا { بعلم الله ~~} المخصوص به بحيث لا تحوم حوله العقول والأفهام مستبدا بخصائص ~~الإعجاز من جهتي النظم الرائق والإخبار بالغيب { وأن لا إله ~~إلا هو } أي واعلموا أيضا ألا شريك له في الألوهية وأحكامها ولا ~~يقدر على ما يقدر عليه أحد { فهل أنتم مسلمون } أي مخلصون ~~في الإسلام أو ثابتون عليه؟ وهذا من باب التثبيت والترقية إلى معارج ~~اليقين، ويجوز أن يكون الخطاب في الكل للمشركين من جهة الرسول صلى ~~الله عليه وسلم داخلا تحت الأمر بالتحدي، والضمير في لم يستجيبوا لمن ~~استطعتم أي فإن لم يستجب لكم آلهتكم وسائر من إليهم تجأرون في ~~مهماتكم وملماتكم إلى المعاونة والمظاهرة فاعلموا أن ذلك خارج عن ~~دائرة قدرة البشر وأنه منزل من خالق القوى والقدر، فإيراد كلمة ~~الشك حينئذ مع الجزم بعدم الاستجابة من جهة آلهتهم تهكم بهم ~~وتسجيل عليهم بكمال سخافة العقل، وترتيب الأمر بالعلم على مجرد عدم ~~الاستجابة من حيث إنه مسبوق بالدعاء المسبوق بعجزهم واضطرارهم فكأنه ~~قيل: فإن لم يستجيبوا لكم عند التجائكم إليهم بعد ما اضطررتم إلى ذلك ~~وضاقت عليكم الحيل وعيت بكم العلل أو من حيث إن من يستمدون بهم ~~أقوى منهم في اعتقادهم، فإذا ظهر عجزهم بعدم استجابتهم وإن كان ذلك ~~قبل ظهور عجز أنفسهم يكون عجزهم أظهر وأوضح، واعلموا أيضا أن ~~آلهتكم بمعزل عن رتبة الشركة في الألوهية وأحكامها فهل أنتم داخلون ~~في الإسلام إذ لم يبق بعد شائبة شبهة في حقيته وفي بطلان ما ~~كنتم فيه من الشرك فيدخل فيه الإذعان لكون القرآن من عند الله تعالى ~~دخولا أوليا أو منقادون للحق الذي هو كون القرآن من عند الله تعالى ~~وتاركون لما كنتم فيه من المكابرة والعناد، وفي هذا الاستفهام إيجاب ~~بليغ لما فيه من معنى الطلب والتنبيه على قيام ms1545 الموجب وزوال العذر ~~وإقناط من أن يجبرهم آلهتهم من بأس الله عز سلطانه، هذا والأول ~~أنسب لما سلف من قوله تعالى: # وضائق به صدرك # [هود: 12] ولما سيأتي من قوله تعالى: # فلا تك فى مرية منه # [هود: 17] وأشد ارتباطا بما يعقبه كما ستحيط به خبرا. ### || [11.15-16] # { من كان يريد الحيوة الدنيا وزينتها } أي ما ~~يزينها ويحسنها من الصحة والأمن والسعة في الرزق وكثرة الأولاد ~~والرياسة وغير ذلك، والمراد بالإرادة ما يحصل عند مباشرة الأعمال ~~لا مجرد الإرادة القلبية لقوله تعالى: { نوف إليهم ~~أعمالهم فيها } وإدخال كان عليها للدلالة على استمرارها منهم ~~بحيث لا يكادون يريدون الآخرة أصلا، وليس المراد بأعمالهم أعمال ~~كلهم فإنه لا يجد كل متمن ما يتمناه ولا كل أحد ينال كل ما ~~تهواه، فإن ذلك منوط بالمشيئة الجارية على قضية الحكمة كما نطق به ~~قوله تعالى: # من كان يريد العجلة عجلنا له فيها ما نشاء ~~لمن نريد # [الإسراء: 18] ولا كل أعمالهم بل بعضها الذي يترتب عليه الأمور ~~المذكورة بطريق الأجر والجزاء من أعمال البر وقد أطلقت وأريد بها ~~ثمراتها، فالمعنى نوصل إليهم ثمرات أعمالهم في الحياة الدنيا ~~كاملة، وقرىء يوف على الإسناد إلى الله عز وجل وتوف بالفوقانية ~~على البناء للمفعول ورفع أعمالهم، وقرىء نوفي بالتخفيف والرفع لكون ~~الشرط ماضيا كقوله: # وإن أتاه خليل يوم مسغبة # يقول لا غائب مالي ولا حرم # { وهم فيها } أي في (الحياة) الدنيا { لا يبخسون } أي لا ~~ينقصون، وإنما عبر عن ذلك بالبخس الذي هو نقص الحق مع أنه ليس لهم ~~شائبة حق فيما أوتوه كما عبر عن إعطائه بالتوفية التي هي إعطاء ~~الحقوق مع أن أعمالهم بمعزل من كونها مستوجبة لذلك بناء للأمر على ~~ظاهر الحال ومحافظة على صور الأعمال ومبالغة في نفي النقص، كأن ذلك ~~نقص لحقوقهم فلا يدخل تحت الوقوع والصدور عن الكريم أصلا، والمعنى ~~أنهم فيها خاصة لا ينقصون ثمرات أعمالهم وأجورها نقصا كليا مطردا ~~ولا يحرمونها حرمانا كليا، وأما في الآخرة فهم في الحرمان المطلق ~~واليأس المحقق كما ms1546 ينطق به قوله تعالى: { أولئك } فإنه إشارة ~~إلى المذكورين باعتبار إرادتهم الحياة الدنيا أو باعتبار توفيتهم ~~أجورهم من غير بخس أو باعتبارهما معا. وما فيه من معنى البعد ~~للإيذان ببعد منزلتهم في سوء الحال أي أولئك المريدون للحياة الدنيا ~~وزينتها الموفون فيها ثمرات أعمالهم من غير بخس { الذين ~~ليس لهم في الأخرة إلا النار } لأن هممهم كانت ~~مصروفة إلى الدنيا وأعمالهم مقصورة على تحصيلها وقد اجتنوا ثمرتها ~~ولم يكونوا يريدون بها شيئا آخر، فلا جرم لم يكن لهم في الآخرة إلا ~~النار وعذابها المخلد { وحبط ما صنعوا فيها } أي ظهر في ~~الآخرة حبوط ما صنعوه من الأعمال التي كانت تؤدي إلى الثواب لو كانت ~~معمولة للآخرة أو حبط ما صنعوه في الدنيا من أعمال البر إذ شرط ~~الاعتداد بها الإخلاص { وبطل } أي في نفسه { ما كانوا ~~يعملون } في أثناء تحصيل المطالب الدنيوية، ولأجل أن الأول من ~~شأنه استتباع الثواب والأجر وأن عدمه لعدم مقارنته للإيمان والنية ~~الصحيحة وأن الثاني ليس له جهة صالحة قط علق بالأول الحبوط ~~المؤذن بسقوط أجره بصيغة الفعل المنبىء عن الحدوث وبالثاني ~~البطلان المفصح عن كونه بحيث لا طائل تحته أصلا بالاسمية الدالة ~~على كون ذلك وصفا لازما له ثابتا فيه، وفي زيادة كان في الثاني دون ~~الأول إيماء إلى أن صدور البر منهم وإن كان لغرض فاسد ليس في ~~الاستمرار والدوام كصدور الأعمال التي هي من مقدمات مطالبهم الدنية، ~~وقرىء وبطل على الفعل أي ظهر بطلانه حيث علم هناك أن ذلك وما يستتبعه ~~من الحظوط الدنيوية مما لا طائل تحته أو انقطع أثره الدنيوي فبطل ~~مطلقا، وقرىء وباطلا ما كانوا يعملون على أن ما إبهامية أو في معنى ~~المصدر كقوله: # [على حلفة لا أشتم الدهر مسلما] # ولا خارجا من في زور كلام # وعن أنس رضي الله عنه أن المراد بقوله تعالى: { من كان يريد } ~~الخ اليهود والنصارى إن أعطوا سائلا أو وصلوا رحما عجل لهم جزاء ~~ذلك بتوسعة في الرزق وصحة في البدن، وقيل: هم ms1547 الذين جاهدوا من ~~المنافقين مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسهم لهم في الغنائم، وأنت ~~خبير بأن ذلك إنما كان بعد الهجرة، والسورة مكية، وقيل: هم أهل ~~الرياء. يقال للقراء منهم: أردت أن يقال فلان قارىء فقد قيل ذلك ~~وهكذا لغيره ممن يعمل أعمال البر لا لوجه الله تعالى فعلى هذا لا بد ~~من تقييد قوله: { الذين ليس لهم في الآخرة إلا ~~النار } بأن ليس لهم بسبب أعمالهم الريائية إلا ذلك، والذي تقتضيه ~~جزالة النظم الكريم أن المراد به مطلق الكفرة بحيث يندرج فيهم ~~القادحون في القرآن العظيم اندراجا أوليا فإنه عز وعلا لما أمر ~~نبيه عليه الصلاة والسلام والمؤمنين بأن يزدادوا علما ويقينا بأن ~~القرآن منزل بعلم الله وبأن لا قدرة لغيره على شيء أصلا وهيجهم على ~~الثبات على الإسلام والرسوخ فيه عند ظهور عجز الكفرة وما يدعون من ~~دون الله عن المعارضة وتبين أنهم ليسوا على شيء أصلا اقتضى الحال ~~أن يتعرض لبعض شؤونهم الموهمة لكونهم على شيء في الجملة من نيلهم ~~الحظوظ العاجلة واستيلائهم على المطالب الدنيوية وبيان أن ذلك بمعزل ~~عن الدلالة عليه، ولقد بين ذلك أي بيان ثم أعيد الترغيب فيما ~~ذكر من الإيمان بالقرآن والتوحيد والإسلام فقيل: ### || [11.17] # { أفمن كان على بينة من ربه } أي برهان نير عظيم ~~الشأن يدل على حقية ما رغب في الثبات عليه من الإسلام وهو القرآن، ~~وباعتباره أو بتأويل البرهان ذكر الضمير الراجع إليها في قوله تعالى: ~~{ ويتلوه } أي يتبعه { شاهد } يشهد بكونه من عند الله تعالى وهو ~~الإعجاز في نظمه المطرد في كل مقدار سورة منه أو ما وقع في بعض ~~آياته من الإخبار بالغيب، وكلاهما وصف تابع له شاهد بكونه من عند ~~الله عز وجل غير أنه على التقدير الأول يكون في الكلام إشارة إلى حال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين في تمسكهم بالقرآن عند ~~تبين كونه منزلا بعلم الله بشهادة الإعجاز { منه } أي من ~~القرآن غير خارج عنه أو من جهة الله تعالى ms1548 فإن كلا منهما وارد من ~~جهته تعالى للشهادة، ويجوز على هذا التقدير أن يراد بالشاهد المعجزات ~~الظاهرة على يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم فإن ذلك أيضا من ~~الشواهد التابعة للقرآن الواردة من جهته تعالى، فالمراد بمن في قوله ~~تعالى: { أفمن } كل من اتصف بهذه الصفة الحميدة فيدخل فيه ~~المخاطبون بقوله تعالى { فاعلموا فهل أنتم } دخولا أوليا ~~وقيل: هو النبي صلى الله عليه وسلم، وقيل: مؤمنو أهل الكتاب كعبد ~~الله بن سلام وأضرابه، وقيل: المراد بالبينة دليل العقل وبالشاهد ~~القرآن فالضمير في منه لله تعالى، أو البينة القرآن ويتلوه من ~~التلاوة والشاهد جبريل أو لسان النبي صلى الله عليه وسلم على أن ~~الضمير له أو من التلو والشاهد ملك يحفظ، والأولى هو الأول، ~~ولما كان المراد بتلو الشاهد للبرهان إقامة الشهادة بصحته وكونه من ~~عند الله تابعا له بحيث لا يفارقه في مشهد من المشاهد فإن القرآن ~~بينة باقية على وجه الدهر مع شاهدها الذي يشهد بأمرها إلى يوم ~~القيامة عند كل مؤمن وجاحد عطف كتاب موسى في قوله عز قائلا: { ~~ومن قبله كتاب موسى } على فاعله مع كونه مقدما عليه في ~~النزول فكأنه قيل: أفمن كان على بينة من ربه ويشهد به شاهد منه ~~وشاهد آخر من قبله هو كتاب موسى، وإنما قدم في الذكر المؤخر في ~~النزول لكونه وصفا لازما له غير مفارق عنه ولعراقته في وصف التلو، ~~والتنكير في (بينة) و(شاهد) للتفخيم { إماما } أي مؤتما به في ~~الدين ومقتدى، وفي التعرض لهذا الوصف بصدد بيان تلو الكتاب ما لا ~~يخفى من تفخيم شأن المتلو { ورحمة } أي نعمة عظيمة على من ~~أنزل إليهم ومن بعدهم إلى يوم القيامة باعتبار أحكامه الباقية ~~المؤيدة بالقرآن العظيم وهما حالان من الكتاب. # { أولئك } الموصوفون بتلك الصفة الحميدة وهو الكون على بينة ~~من الله، ولما أن ذلك عبارة عن مطلق التمسك بها وقد يكون ذلك بطريق ~~التقليد لمن سلف من عظماء الدين من غير عثور على دقائق الحقائق وصفهم ~~بأنهم { يؤمنون به ms1549 } أي يصدقونه حق التصديق حسبما تشهد به ~~الشواهد الحقة المعربة عن حقيته { ومن يكفر به } أي بالقرآن ~~ولم يصدق بتلك الشواهد الحقة { من الأحزاب } من أهل مكة ومن ~~تحزب معهم على رسول الله صلى الله عليه وسلم { فالنار موعده } ~~يردها لا محالة حسبما نطق به قوله تعالى: # ليس لهم فى الأخرة إلا النار # [هود: 16] وفي جعلها موعدا إشعار بأن له فيها ما لا يوصف من أفانين ~~العذاب { فلا تك فى مرية منه } أي في شك من أمر القرآن ~~وكونه من عند الله عز وجل حسبما شهدت به الشواهد المذكورة وظهر فضل ~~من تمسك به { أنه الحق من ربك } الذي يربيك في دينك ~~ودنياك { ولكن أكثر الناس لا يؤمنون } بذلك إما ~~لقصور أنظارهم واختلال أفكارهم وإما لعنادهم واستكبارهم، فمن في ~~قوله تعالى: { أفمن كان على بينة من ربه } مبتدأ حذف ~~خبره لإغناء الحال عن ذكره وتقديره أفمن كان على بينة من ربه كأولئك ~~الذين ذكرت أعمالهم وبين مصيرهم ومآلهم، يعني أن بينهما اتفاقا ~~عظيما بحيث لا يكاد يتراءى ناراهما، وإيراد الفاء بعد الهمزة لإنكار ~~ترتب توهم المماثلة على ما ذكر من صفاتهم وعدد من هناتهم كأنه ~~قيل: أبعد ظهور حالهم في الدنيا والآخرة كما وصف يتوهم المماثلة ~~بينهم وبين من كان على أحسن ما يكون في العاجل والآجل كما في قوله ~~تعالى: # أفاتخذتم من دونه أولياء # [الرعد: 16] أي أبعد أن علمتموه رب السموات والأرض اتخذتم من دونه ~~أولياء وقوله تعالى: # أفمن يعلم أنما أنزل إليك من ربك الحق كمن ~~هو أعمى # [الرعد: 19]. ### || [11.18-20] # { ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا } بأن نسب ~~إليه ما لا يليق به كقولهم للملائكة بنات الله تعالى الله عن ذلك علوا ~~كبيرا وقولهم لآلهتهم: # هؤلاء شفعؤنا عند الله # [يونس: 18] يعني أنهم مع كفرهم بآيات الله تعالى مفترون عليه كذبا، ~~وهذا التركيب وإن كان سبكه على إنكار أن يكون أحد أظلم منهم من غير ~~تعرض لإنكار المساواة ونفيها ولكن المقصود به قصدا مطردا إنكار ~~المساواة ونفيها وإفادة ms1550 أنهم أظلم من كل ظالم كما ينبىء عنه ما سيتلى ~~من قوله عز وجل: # لا جرم أنهم فى الأخرة هم الأخسرون # [هود: 22] فإذا قيل: من أكرم من فلان أو لا أفضل منه فالمراد منه ~~حتما أنه أكرم من كل كريم وأفضل من كل فاضل { أولئك } ~~الموصوفون بالظلم البالغ الذي هو الافتراء على الله تعالى، وبهذه ~~الإشارة حصلت الغنية عن إسناد العرض إلى أعمالهم واكتفي بإسناده ~~إليهم حيث قيل: { يعرضون } لأن عرضهم من تلك الحيثية وبذلك ~~العنوان عرض لأعمالهم على وجه أبلغ فإن عرض العامل بعمله أفظع من ~~عرض عمله مع غيبته { على ربهم } الحق، وفيه إيماء إلى بطلان ~~رأيهم في اتخاذهم أربابا من دون الله عز وجل { ويقول الأشهاد } ~~عند العرض من الملائكة والنبيين أو من جوارحهم وهو جمع شاهد أو شهيد ~~كأصحاب وأشراف { هؤلاء الذين كذبوا على ربهم } ~~بالافتراء عليه كأن ذلك أمر واضح غني عن الشهادة بوقوعه، وإنما ~~المحتاج إلى الشهادة تعيين من صدر عنه ذلك فلذلك لا يقولون: هؤلاء ~~كذبوا على ربهم ويجوز أن يكون المراد بالأشهاد الحضار وهم جميع أهل ~~الموقف على ما قاله قتادة ومقاتل ويكون قولهم: هؤلاء الذين كذبوا على ~~ربهم ذما لهم بذلك لا شهادة عليهم كما يشعر به قوله تعالى: { ~~ويقول } دون { ويشهد } الخ، وتوطئة لما يعقبه من قوله تعالى: ~~{ ألا لعنة الله على الظلمين } بالافتراء المذكور ~~ويجوز أن يكون هذا على الوجه الأول من كلام الله تعالى وفيه تهويل ~~عظيم لما يحيق بهم من عاقبة ظلمهم اللهم إنا نعوذ بك من الخزي على ~~رؤوس الأشهاد { الذين يصدون } أي كل من يقدرون على صده أو ~~يفعلون الصد { عن سبيل الله } عن دينه القويم { ويبغونها ~~عوجا } انحرافا أي يصفونها بذلك وهي أبعد شيء منه أو يبغون أهلها ~~أن ينحرفوا عنها يقال: بغيتك خيرا أو شرا أي طلبت لك، وهذا شامل ~~لتكذيبهم بالقرآن وقولهم إنه ليس من عند الله { وهم بالأخرة ~~هم كفرون } أي يصفونها بالعوج والحال أنهم كافرون بها لا ~~أنهم يؤمنون بها ms1551 ويزعمون أن لها سبيلا سويا يهدون الناس إليه، ~~وتكرير الضمير لتأكيد كفرهم واختصاصهم به كأن كفر غيرهم ليس بشيء ~~عند كفرهم { أولئك } مع ما وصف من أحوالهم الموجية للتدمير { ~~لم يكونوا معجزين } الله تعالى مفلتين بأنفسهم من أخذه لو ~~أراد ذلك { فى الأرض } مع سعتها وإن هربوا منها كل مهرب. # { وما كان لهم من دون الله من أولياء } ينصرونهم من ~~بأسه ولكن أخر ذلك لحكمة تقتضيه، والجمع إما باعتبار أفراد الكفرة ~~كأنه قيل: وما كان لأحد منهم من ولي أو باعتبار تعدد ما كانوا يدعون ~~من دونه الله تعالى فيكون ذلك بيانا لحال آلهتهم من سقوطها عن رتبة ~~الولاية { يضاعف لهم العذاب } استئناف يتضمن حكمة تأخير ~~المؤاخذة وقرأ ابن كثير، وابن عامر، ويعقوب بالتشديد { ما كانوا ~~يستطيعون السمع } لفرط تصامهم عن الحق وبغضهم له كأنهم ~~لا يقدرون على السمع، ولما كان قبح حالهم في عدم إذعانهم للقرآن ~~الذي طريق تلقيه السمع أشد منه في عدم قبولهم لسائر الآيات ~~المنوطة بالإبصار، بالغ في نفي الأول عنهم حيث نفى عنهم الاستطاعة ~~واكتفى في الثاني بنفي الإبصار فقال تعالى: { وما كانوا ~~يبصرون } لتعاميهم عن آيات الله المبسوطة في الأنفس والآفاق وهو ~~استئناف وقع تعليلا لمضاعفة العذاب وقيل: هو بيان لما نفي من ولاية ~~الآلهة فإن ما لا يسمع ولا يبصر بمعزل من الولاية، وقوله تعالى: { ~~يضاعف لهم العذاب } اعتراض وسط بينهما نعيا عليهم من أول ~~الأمر سوء العاقبة. ### || [11.21-23] # { أولئك } المنعوتون بما ذكر من القبائح { الذين خسروا ~~أنفسهم } باشتراء عبادة الآلهة بعبادة الله عز سلطانه { وضل ~~عنهم ما كانوا يفترون } من الآلهة وشفاعتها أو خسروا ما ~~بذلوا وضاع عنهم ما حصلوا فلم يبق معهم سوى الحسرة والندامة { لا ~~جرم } فيه ثلاثة أوجة: (الأول) أن لا نافية لما سبق وجرم فعل ~~بمعنى حق وأن مع ما في حيزه فاعله والمعنى لا ينفعهم ذلك الفعل حق ~~{ أنهم فى الأخرة هم الأخسرون } وهذا مذهب سيبويه، ~~(والثاني) جرم بمعنى كسب وما بعده مفعوله، وفاعله ما دل عليه ms1552 الكلام ~~أي كسب ذلك خسرانهم فالمعنى ما حصل من ذلك إلا ظهور خسرانهم ~~(والثالث) أن لا جرم بمعنى لا بد أنهم في الآخرة هم الأخسرون، وأيا ما ~~كان فمعناه أنهم أخسر من كل خاسر فتبين أنهم أظلم من كل ظالم، وهذه ~~الآيات الكريمة كما ترى مقررة لما سبق من إنكار المماثلة بين من ~~كان على بينة من ربه وبين من كان يريد الحياة الدنيا أبلغ تقرير ~~فإنهم حيث كانوا أظلم من كل ظالم وأخسر من كل خاسر لم يتصور ~~مماثلة بينهم وبين أحد من الظلمة الأخسرين فما ظنك بالمماثلة ~~بينهم وبين من هو في أعلى مدارج الكمال ولما ذكر فريق الكفار ~~وأعمالهم وبين مصيرهم ومآلهم شرع في بيان حال أضدادهم أعني ~~فريق المؤمنين وما يؤول إليه أمرهم من العواقب الحميدة تكملة لما سلف ~~من محاسنهم المذكورة في قوله تعالى: # أفمن كان على بينة من ربه # [هود: 17] الآية، ليتبين ما بينهما من التباين البين حالا ~~ومآلا فقيل: { إن الذين ءامنوا } أي بكل ما يجب أن يؤمن به ~~فيندرج تحته ما نحن بصدده من الإيمان بالقرآن الذي عبر عنه بالكون على ~~بينة من الله وإنما يحصل ذلك باستماع الوحي والتدبر فيه ومشاهدة ما ~~يؤدي إلى ذلك في الأنفس والآفاق، أو فعلوا الإيمان كما في يعطي ويمنع ~~{ وعملوا الصلحات وأخبتوا إلى ربهم } أي ~~اطمأنوا إليه وانقطعوا إلى عبادته بالخضوع والتواضع من الخبت وهي ~~الأرض المطمئنة ومعنى أخبت دخل في الخبت. وأنجد دخل في تهامة ~~ونجد { أولئك } المنعوتون بتلك النعوت الجميلة { أصحب ~~الجنة هم فيها خلدون } دائمون وبعد بيان تباين حاليهما ~~عقلا أريد بيان تباينهما حسا فقيل: ### || [11.24] # { مثل الفريقين } المذكورين أي حالهما العجيب لأن المثل لا ~~يطلق إلا على ما فيه غرابة من الأحوال والصفات { كالأعمى ~~والأصم والبصير والسميع } أي كحال هؤلاء فيكون ذواتهم ~~كذواتهم، والكلام وإن أمكن أن يحمل على تشبيه الفريق الأول ~~بالأعمى وبالأصم وتشبيه الفريق الثاني بالبصير وبالسميع لكن الأدخل ~~في المبالغة والأقرب إلى ما يشير إليه لفظ المثل والأنسب ms1553 بما سبق من ~~وصف الكفرة بعدم استطاعة السمع وبعدم الإبصار، أن يحمل على تشبيه ~~الفريق الأول بمن جمع بين العمى والصمم، وتشبيه الفريق الثاني ~~بمن جمع بين البصر والسمع على أن تكون الواو في قوله تعالى: { ~~والأصم } وفي قوله: { والسميع } لعطف الصفة على الصفة كما في ~~قول من قال: # إلى الملك القرم وابن الهمام # وليث الكتبية في المزدحم # وأيا ما كان فالظاهر أن المراد بالحال المدلول عليها بلفظ المثل ~~وهي التي يدور عليها أمر التشبيه ما يلائم الأحوال المذكورة ~~المعتبرة في جانب المشبه به من تعامي الفريق الأول عن مشاهدة آيات ~~الله المنصوبة في العالم والنظر إليها بعين الاعتبار وتصامهم عن ~~استماع آيات القرآن الكريم وتلقيها بالقبول حسبما ذكر في قوله تعالى: # ما كانوا يستطيعون السمع وما كانوا يبصرون # [هود: 20] وإنما لم يراع هذا الترتيب هنا لكون الأعمى أظهر وأشهر ~~في سوء الحال من الأصم، ومن استعمال الفريق الثاني لكل من أبصارهم ~~وأسماعهم فيما ذكر كما ينبغي المدلول عليه بما سبق من الإيمان والعمل ~~الصالح والإخبات حسبما فسر به فيما مر فلا يكون التشبيه تمثيليا لا ~~جميع الأحوال المعدودة لكل من الفريقين مما ذكر وما يؤدي إليه من العذاب ~~المضاعف والخسران البالغ في أحدهما ومن النعيم المقيم في الآخر، فإن ~~اعتبار ذلك ينزع إلى كون التشبيه تمثيليا بأن ينتزع من حال ~~الفريق الأول في تصامهم وتعاميهم المذكورين ووقوعهم بسبب ذلك في ~~العذاب المضاعف والخسران الذي لا خسران فوقه هيئة فتشبه بهيئة ~~منتزعة ممن فقد مشعري البصر والسمع فتخبط في مسلكه فوقع في ~~مهاوي الردى ولم يجد إلى مقصده سبيلا وينتزع من حال الفريق الثاني ~~ في استعمال مشاعرهم في آيات الله تعالى حسبما ينبغي وفوزهم بدار ~~الخلود هيئة فتشبه بهيئة متنزعة ممن له بصر وسمع يستعملهما في ~~مهماته فيتهدي إلى سبيله وينال مرامه { هل يستويان } يعني ~~الفريقين المذكورين والاستفهام إنكاري مذكر لما سبق من إنكار ~~المماثلة في قوله عز وجل: # أفمن كان على بينة # [هود: 17] الآية { مثلا } أي حالا وصفة وهو ms1554 تمييز من فاعل ~~يستويان { أفلا تذكرون } أي أتشكون في عدم الاستواء وما ~~بينهما من التباين أو أتغفلون عنه فلا تتذكرونه بالتأمل فيما ضرب لكم ~~من المثل فيكون الإنكار واردا على المعطوفين معا أو أتسمعون هذا فلا ~~تتذكرون فيكون راجعا إلى عدم التذكر بعد تحقق ما يوجب وجوده وهو المثل ~~المضروب كما في قوله تعالى: # أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم # [آل عمران: 144] فإن الفاء لإنكار الانقلاب بعد تحقق ما يوجب عدمه من ~~علمهم بخلو الرسل قبل رسول الله صلى الله عليه وسلم أو أفلا تفعلون ~~التذكر أو أفلا تعقلون ومعنى الهمزة إنكار عدم التذكر واستبعاد ~~صدوره عن المخاطبين وأنه ليس مما يصح أن يقع لا من قبيل الإنكار في ~~قوله تعالى: # أفمن كان على بينة من ربه # [هود: 17] وقوله تعالى: { هل يستويان } فإن ذلك لنفي المماثلة ~~ونفي الاستواء. ولما بين من فاتحة السورة الكريمة إلى هذا المقام ~~أنها كتاب محكم الآيات مفصلها نازل في شأن التوحيد وترك عبادة ~~غير الله سبحانه وأن الذي أنزل عليه نذير وبشير من جهته تعالى وقرر في ~~تضاعيف ذلك ما له مدخل في تحقيق هذا المرام من الترغيب والترهيب ~~وإلزام المعاندين بما يقارنه من الشواهد الحقة الدالة على كونه من عند ~~الله تعالى وتسلية الرسول صلى الله عليه وسلم مما عراه من ضيق الصدر ~~العارض له من اقتراحاتهم الشنيعة وتكذيبهم له وتسميتهم للقرآن تارة ~~سحرا وأخرى مفترى وتثبيته عليه الصلاة والسلام والمؤمنين على التمسك ~~به والعمل بموجبه على أبلغ وجه وأبدع أسلوب شرع في تحقيق ما ذكر ~~وتقريره بذكر قصص الأنبياء صلوات الله عليهم أجمعين المشتملة على ~~ما اشتمل عليه فاتحة السورة الكريمة ليتأكد ذلك بطريقين (أحدهما) أن ~~ما أمر به من التوحيد وفروعه مما أطبق عليه الأنبياء قاطبة، ~~(والثاني) أن ذلك إنما علمه رسول الله صلى الله عليه وسلم بطريق الوحي ~~فلا يبقى في حقيته كلام أصلا وليتسلى بما يشاهده من معاناة الرسل ~~قبله من أممهم ومقاساتهم الشدائد من جهتهم فقيل: ### || [11.25] # { ولقد ms1555 أرسلنا نوحا إلى قومه } الواو ابتدائية ~~واللام جواب قسم محذوف وحرفه الباء لا الواو كما في سورة الأعراف ~~لئلا يجتمع واوان، ولا يكاد تطلق هذه اللام إلا مع قد لأنها مظنة ~~التوقع وأن المخاطب إذا سمعها توقع وقوع ما صدر بها، ونوح هو ابن ~~لمك بن متوشلخ بن إدريس عليهما السلام وهو أول نبي بعث بعده. قال ابن ~~عباس رضي الله تعالى عنهما: بعث عليه الصلاة والسلام على رأس أربعين من ~~عمره ولبث يدعو قومه تسعمائة وخمسين سنة وعاش بعد الطوفان ستين سنة ~~وكان عمره ألفا وخمسين سنة، وقال مقاتل: بعث وهو ابن مائة سنة، ~~وقيل: وهو ابن خمسين سنة، وقيل: وهو ابن مائتين وخمسين سنة ومكث يدعو ~~قومه تسعمائة وخمسين سنة وعاش بعد الطوفان مائتين وخمسين سنة { إنى ~~لكم نذير } بالكسر على إرادة القول أي فقال أو قائلا، وقرأ ابن ~~كثير، وأبو عمرو، والكسائي، بالفتح على إضمار حرف الجر أي أرسلناه ~~ملتبسا بذلك الكلام وهو إني لكم نذير بالكسر فلما اتصل به الجار ~~فتح كما فتح في كأن والمعنى على الكسر وهو قولك: إن زيدا كالأسد ~~واقتصر على ذكر كونه عليه الصلاة والسلام نذيرا لا لأن دعوته عليه ~~الصلاة والسلام كانت بطريق الإنذار فقط، ألا يرى إلى قوله تعالى: # فقلت استغفروا ربكم إنه كان غفارا يرسل ~~السماء عليكم مدرارا # [نوح: 10, 11]الخ، بل لأنهم لم يغتنموا مغانم إبشاره عليه الصلاة ~~والسلام { مبين } أبين لكم موجبات العذاب ووجه الخلاص منه لأن ~~الإنذار إعلام المحذور لا لمجرد التخويف والإزعاج بل للحذر منه ~~فيتعلق صفته بكلا وصفيه. ### || [11.26-27] # { ألا تعبدوا إلا الله } أي بألا تعبدوا على أن أن ~~مصدرية والباء متعلقة بأرسلنا ولا ناهية أي أرسلناه ملتبسا بنهيهم عن ~~الشرك إلا أنه وسط بينهما بيان بعض أوصافه وأحواله عليه الصلاة ~~والسلام وهو كونه نذيرا مبينا ليكون أدخل في القبول ولم يفعل ذلك ~~في صدر السورة لئلا يفرق بين الكتاب ومضمونه بما ليس من أوصافه ~~وأحواله، أو مفسرة متعلقة به أو بنذير أو مفعول ms1556 لمبين وعلى قراءة ~~الفتح بدل من أني لكم نذير مبين وتعيين لما يوجب وقوع المحذور ~~وتبيين لوجه الخلاص وهو عبادة الله تعالى وقوله تعالى: { إنى ~~أخاف عليكم عذاب يوم أليم } تعليل لموجب النهي وتصريح ~~بالمحذور وتحقيق للإنذار، والمراد به يوم القيامة أو يوم الطوفان، ~~ووصفه بالأليم على الإسناد المجازي للمبالغة، كما في: نهاره صائم، ~~وهذه المقالة وما في معناها مما قاله عليه الصلاة والسلام في أثناء ~~الدعوة على ما عزي إليه في سائر السور لما لم تصدر عنه عليه الصلاة ~~والسلام مرة واحدة بل كان يكررها عليهم في تلك المدة المتطاولة على ~~ما نطق به قوله تعالى: # رب إنى دعوت قومى ليلا ونهارا # [نوح: 5] الآيات... عطف على فعل الإرسال المقارن لها أو القول ~~المقدر بعده جوابهم المتعرض لأحوال المؤمنين الذين اتبعوه عليه ~~الصلاة والسلام بعد اللتيا والتي بالفاء التعقيبية فقيل: { فقال ~~الملأ الذين كفروا من قومه } أي الأشراف منهم من قولهم: ~~فلان مليء بكذا أي مطيق له لأنهم ملئوا بكفايات الأمور أو لأنهم ~~ملأوا القلوب هيبة والمجالس أبهة أو لأنهم ملئوا بالأحلام ~~والآراء الصائبة، ووصفهم بالكفر لذمهم والتسجيل عليهم بذلك من أول ~~الأمر لا لأن بعض أشرافهم ليسوا بكفرة { ما نراك إلا بشرا ~~مثلنا } مرادهم ما أنت إلا بشر مثلنا ليس فيك مزية تخصك من ~~دوننا بما تدعيه من النبوة ولو كان كذلك لرأيناه لا أن ذلك محتمل ولكن ~~لا نراه وكذا الحال في قولهم: { وما نراك اتبعك إلا ~~الذين هم أراذلنا بادى الرأى } فالفعلان من رؤية العين ~~وقوله تعالى: { إلا بشرا مثلنا } حال من المفعول وكذا قوله: { ~~اتبعك } في موضع الحال منه إما على حاله أو بتقدير قد عند من يشترط ~~ذلك، ويجوز أن يكون من رؤية القلب وهو الظاهر فهما المفعول الثاني ~~وتعلق الرأي في الأول بالمثلية لا بالبشرية فقط، وإنما لم يبتوا ~~القول بذلك مع جزمهم به وإصرارهم عليه إراءة بأن ذلك لم يصدر عنه ~~جزافا بل بعد التأمل في الأمر والتدبر فيه ولذلك اقتصروا على ذكر ms1557 ~~الظن فيما سيأتي وتعريضا من أول الأمر برأي المتبعين فكأن قولهم: { ~~وما نراك } جواب عما يرد عليهم من أنه عليه الصلاة والسلام ليس ~~مثلهم حيث عاين دلائل نبوته واغتنم اتباعه من له عين تبصر وقلب ~~يدرك فزعموا أن هؤلاء أراذلنا أي أخساؤنا وأدانينا جمع أرذل فإنه ~~صار بالغلبة جاريا مجرى الاسم كالأكبر والأكابر أو جمع أرذل جمع ~~رذل كأكالب وأكلب وكلب يعنون أنه لا عبرة باتباعهم لك إذ ليس لهم ~~رزانة عقل ولا أصالة رأي وقد كان ذلك منهم في بادي الرأي أي ظاهره من ~~تعمق، من مبدو أو في أوله من البدء والياء مبدلة من الهمزة لانكسار ~~ما قبلها وقد قرأه أبو عمرو بها وانتصابه على الظرفية على حذف المضاف ~~أي وقت حدوث بادي الرأي والعامل فيه اتبعك وإنما استرذلوهم مع كونهم ~~أولي الألباب الراجحة لفقرهم فإنهم لما لم يعلموا إلا ظاهر الحياة ~~الدنيا كان الأشرف عندهم الأكثر منها حظا والأرذل من حرمها ولم ~~يفقهوا أن ذلك لا يزن عند الله جناح بعوضة وأن النعيم إنما هو نعيم ~~الآخرة والأشرف من فاز به والأرذل من حرمه نعوذ بالله تعالى من ذلك. # { وما نرى لكم } أي لك ولمتبعيك فغلب المخاطب على الغائبين ~~{ علينا من فضل } يعنون أن اتباعهم لك لا يدل على نبوتك ولا ~~يجديهم فضيلة تستتبع اتباعنا لكم واقتصارهم ههنا على ذكر عدم ~~رؤية الفضل بعد تصريحهم برذالتهم فيما سبق باعتبار حالهم السابق ~~واللاحق، ومرادهم أنهم كانوا أراذل قبل اتباعهم لك ولا نرى فيهم وفيك ~~بعد الاتباع فضيلة علينا { بل نظنكم كذبين } جميعا لكون ~~كلامكم واحدا ودعواكم واحدة، أو إياك في دعوى النبوة وإياهم في ~~تصديقك واقتصارهم على الظن احتراز منهم عن نسبتهم إلى المجازفة ~~ومجاراة معه عليه الصلاة والسلام بطريق الإرادة على نهج الإنصاف. ### || [11.28] # { قال يا قوم أرءيتم } أي أخبروني وفيه إيماء إلى ركاكة ~~رأيهم المذكور { إن كنت على بينة } برهان ظاهر { من ربى ~~} وشاهد يشهد بصحة دعواي { وآتانى رحمة من عنده } هي ~~النبوة، ويجوز أن تكون ms1558 هي البينة نفسها جيء بها إيذانا بأنها مع ~~كونها بينة من الله تعالى رحمة ونعمة عظيمة من عنده، فوجه إفراد ~~الضمير في قوله تعالى: { فعميت عليكم } حينئذ ظاهر وإن أريد ~~بها النبوة وبالبينة البرهان الدال على صحتها فالإفراد لإرادة كل ~~واحدة منهما أو لكون الضمير للبينة والاكتفاء بذلك لاستلزام خفائها ~~خفاء النبوة، أو لتقدير فعل آخر بعد البينة، ومعنى عميت أخفيت، ~~وقرىء عميت ومعناه خفيت، وحقيقته أن الحجة كما تجعل مبصرة ~~وبصيرة تجعل عمياء، لأن الأعمى لا يهتدي ولا يهدي غيره، وفي قراءة ~~أبي فعماهما عليكم على الإسناد إلى الله عز وجل { أنلزمكموها ~~} أي أنكرهكم على الاهتداء بها، وهو جواب أرأيتم وساد مسد جواب ~~الشرط، وقرأ أبو عمرو بإخفاء حركة الميم، وحيث اجتمع ضميران منصوبان ~~وقد قدم أعرفهما جاز في الثاني الوصل والفصل، فوصل كما في قوله ~~تعالى: # فسيكفيكهم الله # [البقرة: 137] { وأنتم لها كرهون } لا تختارونها ولا ~~تتأملون فيها، ومحصول الجواب أخبروني إن كنت على حجة ظاهرة الدلالة ~~على صحة دعواي إلا أنها خافية عليكم غير مسلمة عندكم، أيمكننا ~~أن نكرهكم على قبولها وأنتم معرضون عنها غير متدبرين فيها أي لا ~~يكون ذلك، وظاهره مشعر بصدوره عنه عليه الصلاة والسلام بطريق إظهار ~~اليأس عن إلزامهم القعود عن محاجتهم كقوله تعالى: # ولا ينفعكم نصحى # [هود: 34] الخ، لكنه محمول على أن مراده عليه الصلاة والسلام ردهم ~~عن الإعراض عنها وحثهم على التدبر فيها بصرف الإنكار إلى الإلزام ~~حال كراهتهم لها لا إلى الإلزام مطلقا، هذا ويجوز أن يكون المراد ~~بالبينة دليل العقل الذي هو ملاك الفضل، وبحسبه يمتاز أفراد البشر ~~بعضها من بعض وبه يناط الكرامة عند الله عز وجل والاجتباء للرسالة، ~~وبالكون عليها التسمك به والثبات عليه وبخفائها على الكفرة على أن ~~الضمير للبينة عدم إدراكهم لكونه عليه الصلاة والسلام عليها ~~وبالرحمة النبوة التي أنكروا اختصاصه عليه السلام بها بين ظهرانيهم، ~~والمعنى أنكم زعمتم أن عهد النبوة لا يناله إلا من له فضيلة على سائر ~~الناس مستتبعة لاختصاصه به دونهم، أخبروني ms1559 إن امتزت عنكم بزيادة ~~مزية وحيازة فضيلة من ربي وآتاني بحسبها نبوة منه فخفيت عليكم ~~تلك البينة ولم تصيبوها ولم تنالوها ولم تعلموا حيازتي لها وكوني ~~عليها إلى الآن حتى زعمتم أني مثلكم وهي متحققة في نفسها أنلزمكم قبول ~~نبوتي التابعة لها والحال أنكم كارهون لذلك فيكون الاستفهام للحمل على ~~الإقرار، وهو الأنسب بمقام المحاجة وحينئذ يكون كلامه عليه الصلاة ~~والسلام جوابا عن شبههم التي أدرجوها في خلال مقالهم من كونه عليه ~~السلام بشرا، قصارى أمره أن يكون مثلهم من غير فضل له عليهم وقطعا ~~لشأفة آرائهم الركيكة. ### || [11.29] # { ويا قوم لا أسئلكم عليه } أي على ما قلته في أثناء ~~دعوتكم { مالا } تؤدونه إلي بعد إيمانكم واتباعكم لي فيكون ذلك ~~أجرا لي في مقابلة اهتدائكم { إن أجرى إلا على الله } ~~الذي يثيبني في الآخرة، وفي التعبير عنه حين نسب إليهم بالمال ما لا ~~يخفى من المزية { وما أنا بطارد الذين ءامنوا } جواب ~~عما لوحوا به بقولهم: # وما نراك اتبعك إلا الذين هم أراذلنا # [هود: 27] من أنه لو اتبعه الأشراف لوافقوهم وأن اتباع الفقراء ~~مانع لهم عن ذلك كما صرحوا به في قولهم: # أنؤمن لك واتبعك الأرذلون # [الشعراء: 111] فكان ذلك التماسا منهم لطردهم وتعليقا لإيمانهم به ~~عليه الصلاة والسلام بذلك أنفة من الانتظام معهم في سلك واحد { ~~إنهم ملاقو ربهم } تعليل لامتناعه عليه السلام عن طردهم أي ~~إنهم فائزون في الآخرة بلقاء الله عز وجل كأنه قيل: لا أطردهم ولا ~~أبعدهم عن مجلسي لأنهم مقربون في حضرة القدس، والتعرض لوصف ~~الربوبية لتربية وجوب رعايتهم وتحتم الامتناع عن طردهم، أو ~~مصدقون في الدنيا بلقاء ربهم موقنون به عالمون أنهم ملاقوه لا محالة ~~فكيف أطردهم. وحمله على معنى أنهم يلاقونه فيجازيهم على ما في قلوبهم ~~من إيمان صحيح ثابت كما ظهر لي أو على خلاف ذلك مما تعرفونهم به من ~~بناء إيمانهم على بادي الرأي من غير نظر وتفكر، وما علي أن أشق عن ~~قلوبهم وأتعرف سر ذلك منهم حتى أطردهم إن كان ms1560 الأمر كما تزعمون ~~ يأباه الجزم بترتب غضب الله عز وجل على طردهم كما سيأتي وأيضا فهم ~~إنما قالوا إن اتباعهم لك إنما هو بحسب بادي الرأي بلا تأمل وتفكر، ~~وهذا لا يكاد يصلح مدارا للطرد في الدنيا ولا للمؤاخذة في الآخرة، ~~غايته أن لا يكونوا في مرتبة الموقنين، وادعاء أن بناء الإيمان على ~~ظاهر الرأي يؤدي إلى الرجوع عنه عند التأمل فكأنهم قالوا إنهم اتبعوك ~~بلا تأمل فلا يثبتون على دينك بل يرتدون عنه تعسف لا يخفى. # { ولكنى أراكم قوما تجهلون } بكل ما ينبغي أن يعلم، ~~ويدخل فيه جهلهم بلقاء الله عز وجل وبمنزلتهم عنده وباستيجاب طردهم ~~لغضب الله كما سيأتي وبركاكة رأيهم في التماس ذلك وتوقيف إيمانهم عليه ~~أنفة عن الانتظام معهم في سلك واحد وزعما منهم أن الرذالة بالفقر ~~والشرف بالغنى. وإيثار صيغة الفعل للدلالة على التجدد والاستمرار، ~~أو تتسافهون على المؤمنين بنسبتهم إلى الخساسة. ### || [11.30-31] # { ويقوم من ينصرنى من الله } بدفع حلول سخطه عني { ~~إن طردتهم } فإن ذلك أمر لا مرد له لكون الطرد ظلما موجبا ~~لحلول السخط قطعا، وإنما لم يصرح به إشعارا بأنه غني عن البيان ~~لا سيما غب ما قدم ما يلوح به من أحوالهم فكأنه قيل: من يدفع ~~عني غضب الله تعالى إن طردتهم وهم بتلك المثابة من الكرامة والزلفى ~~كما ينبىء عنه قوله تعالى: { أفلا تذكرون } أي أتستمرون على ما ~~أنتم عليه من الجهل المذكور فلا تتذكرون ما ذكر من حالهم حتى تعرفوا ~~أن ما تأتونه بمعزل عن الصواب، ولكون هذه العلة مستقلة بوجه مخصوص ~~ظاهر الدلالة على وجوب الامتناع عن الطرد أفردت عن التعليل السابق ~~وصدرت بيا قوم { ولا أقول لكم } حين أدعي النبوة { عندى ~~خزائن الله } أي رزقه وأمواله حتى تستدلوا بعدمها على كذبي ~~بقولكم: # وما نرى لكم علينا من فضل بل نظنكم كذبين # [هود: 27] فإن النبوة أعز من أن تنال بأسباب دنيوية ودعواها بمعزل ~~عن ادعاء المال والجاه { ولا أعلم الغيب } أي لا أدعي في قولي: # إنى لكم نذير ms1561 مبين # [هود: 25] # إنى أخاف عليكم عذاب يوم أليم # [هود: 26] علم الغيب حتى تسارعوا إلى الإنكار والاستبعاد. # { ولا أقول إنى ملك } حتى تقولوا: # ما نراك إلا بشرا مثلنا # [هود: 27] فإن البشرية ليست من موانع النبوة بل من مباديها يعني أنكم ~~اتخذتم فقدان هذه الأمور الثلاثة ذريعة إلى تكذيبي والحال أني لا ~~أدعي شيئا من ذلك ولا الذي أدعيه يتعلق بشيء منها وإنما يتعلق بالفضائل ~~النفسانية التي بها تتفاوت مقادير البشر { ولا أقول } مساعدة لكم ~~كما تقولون { للذين تزدرى أعينكم } أي تقتحمهم وتحتقرهم ~~من زراه إذا عابه، وإسناد الازدراء إلى أعينهم (إما) بالنظر إلى قولهم: # وما نراك اتبعك إلا الذين هم أراذلنا # [هود: 27] وإما للإشعار بأن ذلك لقصور نظرهم ولو تدبروا في شأنهم ما ~~فعلوا ذلك أي لا أقول في شأن الذين استرذلتموهم لفقرهم من المؤمنين { لن ~~يؤتيهم الله خيرا } في الدنيا أو في الآخرة فعسى الله أن ~~يؤتيهم خيري الدارين. # إن قلت: هذا القول ليس مما تستنكره الكفرة ولا مما يتوهمون صدوره ~~عنه عليه السلام أصالة أو استتباعا كادعاء الملكية وعلم الغيب ~~وحيازة الخزائن مما نفاه عليه الصلاة والسلام عن نفسه بطريق التبرؤ ~~والتنزه عنه فمن أي وجه عطف نفيه على نفيها؟ قلت: من جهة أن كلا ~~النفيين رد لقياسهم الباطل الذي تمسكوا به فيما سلف فإنهم زعموا ~~أن النبوة تستتبع الأمور المذكورة وأنها لا تتسنى ممن ليس على تلك ~~الصفات فإن العثور على مكانها واغتنام مغانمها ليس من دأب الأراذل ~~فأجاب عليه الصلاة والسلام بنفي ذلك جميعا فكأنه قال: «لا أقول وجود ~~تلك الأشياء من مواجب النبوة ولا عدم المال والجاه من موانع الخير» ~~{ الله أعلم بما فى أنفسهم } من الإيمان، وإنما اقتصر ~~على نفي القول المذكور من أنه عليه الصلاة والسلام جازم بأن الله ~~سبحانه سيؤتيهم خيرا عظيما في الدارين وأنهم على يقين راسخ في الإيمان ~~جريا على سنن الإنصاف من القوم واكتفاء بمخالفة كلامهم وإرشادا لهم ~~إلى مسلك الهداية بأن اللائق لكل أحد أن لا يبت القول إلا ms1562 فيما ~~يعلمه يقينا ويبني أموره على الشواهد الظاهرة ولا يجازف فيما ليس فيه ~~على بينة ظاهرة { إنى إذا } أي إذا قلت ذلك { لمن ~~الظلمين } لهم بحط مرتبتهم ونقص حقوقهم أو من الظالمين ~~لأنفسهم بذلك فإن وباله راجع إلى أنفسهم وفيه تعريض بأنهم ظالمون في ~~ازدرائهم واسترذالهم، وقيل: إذا قلت شيئا مما ذكر من ادعاء الملكية ~~وعلم الغيب وحيازة الخزائن، وهو بعيد لأن تبعة تلك الأقوال مغنية ~~عن التعليل بلزوم الانتظام في زمرة الظالمين. ### || [11.32-34] # { قالوا يا نوح قد جادلتنا } خاصمتنا { فأكثرت ~~جدالنا } أي أطلته أو أتيته بأنواعه فإن إكثار الجدال يتحقق بعد ~~وقوع أصله فلذلك عطف عليه بالفاء أو أردت ذلك فأكثرته كما في قوله ~~تعالى: # فإذا قرأت القرءان فاستعذ بالله # [النحل: 98] ولما حجهم عليه الصلاة والسلام وأبرز لهم بينات واضحة ~~المدلول وحججا تتلقاها العقول بالقبول وألقمهم الحجر برد شبههم ~~الباطلة ضاقت عليهم الحيل وعيت بهم العلل وقالوا: { فأتنا بما ~~تعدنا } من العذاب المعجل أو العذاب الذي أشير إليه في قوله: # إنى أخاف عليكم عذاب يوم أليم # [هود: 26] على تقدير أن لا يكون المراد باليوم يوم القيامة { إن ~~كنت من الصدقين } فيما تقول { قال إنما يأتيكم ~~به الله إن شاء } يعني أن ذلك ليس موكولا إلي ولا هو مما يدخل ~~تحت قدرتي وإنما يتولاه الله الذي كفرتم به وعصيتموه يأتيكم به عاجلا أو ~~آجلا إن تعلق به مشيئته التابعة للحكمة، وفيه ما لا يخفى من تهويل ~~الموعود فكأنه قيل: الإتيان به أمر خارج عن دائرة القوى البشرية ~~وإنما يفعله الله عز وجل. # { وما أنتم بمعجزين } بالهرب أو بالمدافعة كما تدافعونني في ~~الكلام { ولا ينفعكم نصحى } النصح كلمة جامعة لكل ما يدور ~~عليه الخير من قول أو فعل، وحقيقته إمحاض إرادة الخير والدلالة ~~عليه، ونقيضه الغش وقيل: هو إعلام موقع الغي ليتقى وموضع الرشد ~~ليقتفى { إن أردت أن أنصح لكم } شرط حذف جوابه ~~لدلالة ما سبق عليه، والتقدير إن أردت أن أنصح لكم لا ينفعكم نصحي ~~وهذه الجملة دليل على ما ms1563 حذف من جواب قوله تعالى: { إن كان الله ~~يريد أن يغويكم } والتقدير إن كان يريد أن يغويكم فإن ~~أردت أن أنصح لكم لا ينفعكم نصحي، هذا على ما ذهب إليه البصريون من عدم ~~تقديم الجزاء على الشرط، وأما على ما ذهب إليه الكوفيون من جوازه فقوله ~~عز وعلا: { ولا ينفعكم نصحى } جزاء للشرط الأول، والجملة ~~جزاء للشرط الثاني وعلى التقديرين فالجزاء متعلق بالشرط الأول ~~وتعلقه به معلق بالشرط الثاني، وهذا الكلام متعلق بقولهم: { قد ~~جادلتنا فأكثرت جدالنا } صدر عنه عليه الصلاة والسلام ~~إظهارا للعجز عن إلزامهم بالحجج والبينات لتماديهم في العناد، ~~وإيذانا بأن ما سبق منه ليس بطريق الجدال والخصام بل بطريق النصيحة ~~لهم والشفقة عليهم وبأنه لم يأل جهدا في إرشادهم إلى الحق وهدايتهم ~~إلى سبيله المستبين وإمحاض النصح لهم ولكن لا ينفعهم ذلك عند إرادة ~~الله تعالى لإغوائهم، وتقييد عدم نفع النصح بإرادته مع أنه محقق لا ~~محالة للإيذان بأن ذلك النصح منه مقارن للإرادة والاهتمام به ولتحقيق ~~المقابلة بين ذلك وبين ما وقع بإزائه من إرادته تعالى لإغوائهم، وإنما ~~اقتصر في ذلك على مجرد إرادة الإغواء دون نفسه حيث لم يقل: إن كان ~~الله يغويكم مبالغة في بيان غلبة جنابه عز وعلا حيث دل ذلك على أن ~~نصحه المقارن للاهتمام به لا يجديهم عند مجرد إرادة الله سبحانه ~~لإغوائهم، فكيف عند تحقيق ذلك وخلقه فيهم. # وزيادة كان للإشعار بتقدم إرادته تعالى زمانا كتقدمها رتبة ~~وللدلالة على تجددها واستمرارها، وإنما قدم على هذا الكلام ما يتعلق ~~بقولهم: { فأتنا بما تعدنا } من قوله تعالى: { إنما ~~يأتيكم به الله إن شاء } ردا عليهم من أول الأمر وتسجيلا ~~عليهم بحلول العذاب مع ما فيه من اتصال الجواب بالسؤال، وفيه دليل على ~~أن إرادته تعالى يصح تعلقها بالإغواء وأن خلاف مراده غير واقع، ~~وقيل: معنى أن يغويكم يهلككم، من غوى الفصيل غوى إذا بشم وهلك { ~~هو ربكم } خالقكم ومالك أمركم { وإليه ترجعون } ~~فيجازيكم على أعمالكم لا محالة. ### || [11.35-37] # { أم يقولون افتراه } قال ms1564 ابن عباس رضي الله عنهما: يعني ~~نوحا عليه الصلاة والسلام، ومعناه بل أيقول قوم نوح إن نوحا افترى ~~ما جاء به مسندا إياه إلى الله عز وجل { قل } يا نوح { إن ~~افتريته } بالفرض البحت { فعلى إجرامى } إثمي ووبال ~~إجرامي وهو كسب الذنب وقرىء بلفظ الجمع، وينصره أن فسره الأولون ~~بآثامي { وأنا برىء مما تجرمون } من إجرامكم في إسناد ~~الافتراء إلي، فلا وجه لإعراضكم عني ومعاداتكم لي. وقال مقاتل: يعني ~~محمدا عليه الصلاة والسلام ومعناه بل أيقول مشركو مكة افترى رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم خبر نوح فكأنه إنما جيء به في تضاعيف القصة ~~عند سوق طرف منها تحقيقا لحقيتها وتأكيدا لوقوعها وتشويقا للسامعين ~~إلى استماعها، لا سيما وقد قص منها طائفة متعلقة بما جرى بينه عليه ~~السلام وبين قومه من المحاجة وبقيت طائفة مستقلة متعلقة ~~بعذابهم. # { وأوحى إلى نوح أنه لن يؤمن من قومك } أي ~~المصرين على الكفر وهو إقناط له عليه السلام من إيمانهم وإعلام ~~لكونه كالمحال الذي لا يصح توقعه { إلا من قد آمن } إلا من ~~قد وجد منه ما كان يتوقع من إيمانه، وهذا الاستثناء على طريقة قوله ~~تعالى: # إلا ما قد سلف # [النساء: 23] { فلا تبتئس بما كانوا يفعلون } أي لا ~~تحزن حزن بائس مستكين ولا تغتم بما كانوا يتعاطونه من التكذيب ~~والاستهزاء والإيذاء في هذه المدة الطويلة فقد انتهى أفعالهم وحان ~~وقت الانتقام منهم { واصنع الفلك } ملتبسا { بأعيننا } ~~أي بحفظنا وكلاءتنا كأن معه من الله عز وجل حفاظا وحراسا يكلؤنه ~~بأعينهم من التعدي من الكفرة ومن الزيغ في الصنعة { ووحينا } إليك ~~كيف تصنعها وتعليمنا وإلهامنا. عن ابن عباس رضي الله عنهما لم يعلم ~~كيف صنعة الفلك، فأوحى الله تعالى إليه أن يصنعها مثل جؤجؤ الطائر، ~~والأمر للوجوب إذ لا سبيل إلى صيانة الروح من الغرق إلا به فيجب ~~كوجوبها، واللام إما للعهد بأن يحمل على أن هذا مسبوق بوحي الله ~~تعالى إليه عليه السلام أنه سيهلكهم بالغرق وينجيه ومن معه بشيء ~~سيصنعه بأمره تعالى ووحيه، ms1565 من شأنه كيت وكيت واسمه كذا، وإما للجنس. ~~قيل: صنعها عليه الصلاة والسلام في سنتين، وقيل: في أربعمائة سنة، وكانت ~~من خشب الساج وجعلت ثلاثة بطون حمل في البطن الأول الوحوش والسباع ~~والهوام، وفي البطن الأوسط الدواب والأنعام، وفي البطن الأعلى جنس ~~البشر هو ومن معه مع ما يحتاجون إليه من الزاد، وحمل معه جسد آدم ~~عليه الصلاة والسلام، وقيل: جعل في الأول الدواب والوحوش وفي الثاني ~~الإنس وفي الأعلى الطير، قيل: كان طولها ثلاثمائة ذراع وعرضها ~~خمسين ذراعا وسمكها ثلاثين ذراعا. # وقال الحسن: كان طولها ألفا ومائتي ذراع وعرضها ستمائة ذراع. ~~وقيل: إن الحواريين قالوا لعيسى عليه الصلاة والسلام: لو بعثت لنا ~~رجلا شهد السفينة يحدثنا عنها، فانطلق بهم حتى انتهى إلى كثيب من تراب ~~فأخذ كفا من ذلك التراب فقال: أتدرون من هذا؟ قالوا: الله ورسوله ~~أعلم، قال هذا كعب بن حام قال: فضرب بعصاه فقال: قم بإذن الله فإذا هو ~~قائم ينفض التراب عن رأسه وقد شاب، فقال له عيسى عليه الصلاة والسلام: ~~أهكذا هلكت؟ قال: لا، مت وأنا شاب ولكني ظننت أنها الساعة فمن ~~ثمة شبت، فقال: حدثنا عن سفينة نوح، قال: كان طولها ألفا ~~ومائتي ذراع وعرضها ستمائة ذراع، وكانت ثلاث طبقات طبقة للدواب ~~والوحش وطبقة للإنس وطبقة للطير، ثم قال: عد بإذن الله تعالى كما كنت ~~فعاد ترابا. # { ولا تخطبنى فى الذين ظلموا } أي لا تراجعني فيهم ~~ولا تدعني باستدفاع العذاب عنهم وفيه من المبالغة ما ليس فيما لو قيل: ~~ولا تدعني فيهم، وحيث كان فيه ما يلوح بالسبيبة أكد التعليل فقيل: { ~~إنهم مغرقون } أي محكوم عليهم بالإغراق قد مضى به القضاء ~~وجف القلم فلا سبيل إلى كفه ولزمتهم الحجة فلم يبق إلا أن ~~يجعلوا عبرة للمعتبرين ومثلا للآخرين. ### || [11.38] # { ويصنع الفلك } حكاية حال ماضية لاستحضار صورتها ~~العجيبة، وقيل: تقديره وأخذ يصنع الفلك أو أقبل بصنعها فاقتصر على ~~يصنع، وأيا ما كان ففيه ملاءمة للاستمرار المفهوم من الجملة الواقعة ~~حالا من ضميره، أعني قوله ms1566 تعالى: { وكلما مر عليه ملأ من ~~قومه سخروا منه } استهزأوا به لعمله السفينة إما لأنهم ما ~~كانوا يعرفونها ولا كيفية استعمالها والانتفاع بها فتعجبوا من ذلك ~~وسخروا منه، وإما لأنه كان يصنعها في برية بهماء في أبعد موضع من ~~الماء وفي وقت عزته عزة شديدة وكانوا يتضاحكون ويقولون: يا نوح ~~صرت نجارا بعد ما كنت نبيا، وقيل: لأنه عليه الصلاة والسلام كان ~~ينذرهم الغرق فلما طال مكثه فيهم ولم يشاهدوا منه عينا ولا أثرا ~~عدوه من باب المحال ثم لما رأوا اشتغاله بأسباب الخلاص من ذلك فعلوا ~~ما فعلوا، ومدار الجميع إنكار أن يكون لعمله عليه الصلاة والسلام ~~عاقبة حميدة مع ما فيه من تحمل المشاق العظيمة التي لا تكاد تطاق ~~واستجهاله عليه السلام في ذلك { قال إن تسخروا منا } ~~مستجهلين لنا فيما نحن فيه { فإنا نسخر منكم } أي نستجهلكم ~~فيما أنتم عليه، وإطلاق السخرية عليه للمشاكلة، وجمع الضمير في منا ~~إما لأن سخريتهم منه عليه الصلاة والسلام سخرية من المؤمنين أيضا أو ~~لأنهم كانوا يسخرون منهم أيضا إلا أنه اكتفي بذكر سخريتهم منه عليه ~~الصلاة والسلام، ولذلك تعرض الجميع للمجازاة في قوله تعالى: { فإنا ~~نسخر منكم } الخ، فتكافأ الكلام من الجانبين، وتعليق استجهاله ~~عليه الصلاة والسلام إياهم بما فعلوا من السخرية باعتبار إظهاره ~~ومشافهته عليه الصلاة والسلام إياهم بذلك وإلا فعده عليه الصلاة ~~والسلام إياهم جاهلين فيها يأتون ويذرون أمر مطرد لا تعلق له ~~بسخريتهم منهم لكنه عليه الصلاة والسلام لم يكن يتصدى لإظهاره جريا ~~على نهج الأخلاق الحميدة، وإنما أظهره جزاء بما صنعوا بعد اللتيا ~~والتي، فإن سخريتهم كانت مستمرة ومتجددة حسب تجدد مرورهم عليه، ~~ولم يكن يجيبهم في كل مرة، وإلا لقيل: ويقول إن تسخروا منا الخ، بل ~~إنما أجابهم بعد بلوغ أذاهم الغاية كما يؤذن به الاستئناف، فكأن ~~سائلا سأل فقال: فما صنع نوح عند بلوغهم منه هذا المبلغ؟ فقيل: قال: ~~إن تسخروا منا أي إن تنسبونا فيما نحن بصدده من التأهب والمباشرة ~~لأسباب الخلاص من ms1567 العذاب إلى الجهل وتسخروا منا لأجله فإنا ننسبكم ~~إليه فيما أنتم فيه من الإعراض عن استدفاعه بالإيمان والطاعة، ومن ~~الاستمرار على الكفر والمعاصي والتعرض لأسباب حلول سخط الله تعالى ~~التي من جملتها استجهالكم إيانا وسخريتكم منا. # والتشبيه في قوله تعالى: { كما تسخرون } إما في مجرد التحقق ~~والوقوع أو في التجدد والتكرر حسبما صدر عن ملإ غب ملإ لا في ~~الكيفيات والأحوال التي لا تليق بشأن النبي عليه الصلاة والسلام فكلا ~~الأمرين واقع في الحال، وقيل: نسخر منكم في المستقبل سخرية مثل ~~سخريتكم إذا وقع عليكم الغرق في الدنيا والحرق في الآخرة، ولعل ~~مراده نعاملكم معاملة من يفعل ذلك لأن نفس السخرية مما لا يكاد ~~يليق بمنصب النبوة، ومع ذلك لا سداد له لأن حالهم إذ ذاك ليس مما ~~يلائمه السخرية أو ما يجري مجراها فتأمل. ### || [11.39-40] # { فسوف تعلمون من يأتيه عذاب يخزيه } وهو عذاب ~~الغرق { ويحل عليه } حلول الدين المؤجل { عذاب ~~مقيم } هو عذاب النار الدائم وهو تهديد بليغ، و(من) عبارة ~~عنهم، وهي إما استفهامية في حيز الرفع أو موصولة في محل النصب ~~بتعلمون وما في حيزها ساد مسد مفعولين أو مفعول واحد إن جعل ~~العلم بمعنى المعرفة، ولما كان مدار سخريتهم استجهالهم إياه عليه ~~الصلاة والسلام في مكابدة المشاق الفادحة لدفع ما لا يكاد يدخل تحت ~~الصحة على زعمهم من الطوفان ومقاساة الشدائد في بناء السفينة ~~وكانوا يعدونه عذابا قيل بعد استجهالهم فسوف تعلمون من يأتيه ~~العذاب يعني أن أباشره ليس فيه عذاب لاحق بي فسوف تعلمون من ~~المعذب، ولقد أصاب العلم بعد استجهالهم محزه، ووصف العذاب ~~بالإخزاء لما في الاستهزاء والسخرية من لحوق الخزي والعار عادة، ~~والتعرض لحلول العذاب المقيم للمبالغة في التهديد، وتخصصه بالمؤجل ~~وإيراد الأول بالإتيان في غاية الجزالة. # { حتى إذا جاء أمرنا } حتى هي التي يبتدأ بها الكلام دخلت ~~على الجملة الشرطية وهي مع ذلك غاية لقوله: # ويصنع # وما بينهما حال من الضمير فيه، وسخروا منه جواب لكلما، وقال ~~استئناف على تقدير سؤال سائل كما ms1568 ذكرناه وقيل: هو الجواب وسخروا منه ~~بدل من مر أو صفة لملأ وقد عرفت أن الحق هو الأول لأن المقصود ~~بيان تناهيهم في إيذائه عليه الصلاة والسلام وتحمله لأذيتهم لا ~~مسارعته عليه الصلاة والسلام إلى جوابهم كلما وقع منهم ما يؤذيه من ~~الكلام { وفار التنور } نبع منه الماء وارتفع بشدة كما تفور ~~القدر بغليانها، والتنور تنور الخبز، وهو قول الجمهور. روي أنه ~~قيل لنوح عليه الصلاة والسلام: إذا رأيت الماء يفور من التنور فاركب ~~ومن معك في السفينة فلما نبع الماء أخبرته امرأته فركب، وقيل: كان ~~تنور آدم عليه الصلاة والسلام وكان من حجارة فصار إلى نوح، وإنما نبع ~~منه وهو أبعد شيء من الماء على خرق العادة وكان في الكوفة في موضع ~~مسجدها عن يمين الداخل مما يلي باب كندة، وكان عمل السفينة في ذلك ~~الموضع، أو في الهند أو في موضع بالشام يقال له عين وردة، وعن ابن عباس ~~رضى الله عنهما وعكرمة والزهري أن التنور وجه الأرض، وعن قتادة ~~أشرف موضع في الأرض أي أعلاه، وعن علي رضى الله تعالى عنه فار التنور ~~طلع الفجر { قلنا احمل فيها } أي في السفينة وهو جواب إذا { ~~من كل } أي من كل نوع لا بد منه في الأرض { زوجين } الزوج ما ~~له مشاكل من نوعه فالذكر زوج للأنثى كما هي زوج له وقد يطلق على ~~مجموعهما فيقابل الفرد، ولإزالة ذلك الاحتمال قيل: { اثنين } كل ~~منهما زوج للآخر وقرىء على الإضافة، وإنما قدم ذلك على أهله وسائر ~~المؤمنين لكونه عريقا فيما أمر به من الحمل لأنه يحتاج إلى مزاولة ~~الأعمال منه عليه الصلاة والسلام في تمييز بعضه من بعض وتعيين ~~الأزواج، فإنه روي أنه عليه الصلاة والسلام قال: يا رب كيف أحمل من كل ~~زوجين اثنين فحشر الله تعالى إليه السباع والطير وغيرهما فجعل يضرب ~~بيديه في كل جنس فيقع الذكر في يده اليمنى والأنثى في اليسرى فيجعلهما ~~في السفينة، وأما البشر فإنما يدخل الفلك باختياره فيخف فيه معنى ~~الحمل، أو ms1569 لأنها إنما تحمل بمباشرة البشر وهم إنما يدخلونها بعد ~~حلمهم إياها. # { وأهلك } عطف على زوجين أو على اثنين والمراد امرأته وبنوه ~~ونساؤهم { إلا من سبق عليه القول } بأنه من المغرقين ~~بسبب ظلمهم في قوله تعالى: # ولا تخطبنى فى الذين ظلموا # الآية، والمراد به ابنه كنعان وأمه واعلة فإنهما كانا كافرين ~~والاستثناء منقطع إن أريد بالأهل الأهل إيمانا وهو الظاهر كما ~~ستعرفه أو متصل إن أريد به الأهل قرابة ويكفي في صحة الاستثناء ~~المعلومية عند المراجعة إلى أحوالهم والتفحص عن أعمالهم، وجيء بعلى ~~لكون السابق ضارا لهم كما جيء باللام فيما هو نافع لهم من قوله عز ~~وجل: # ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين # [الصافات: 171] وقوله: # إن الذين سبقت لهم منا الحسنى # [الأنبياء: 101] { ومن ءامن } من غيرهم، وإفراد الأهل منهم ~~للاستثناء المذكور، وإيثار صيغة الإفراد في آمن محافظة على لفظ من ~~للإيذان بقلتهم كما أعرب عنه قوله عز قائلا: { وما ءامن معه ~~إلا قليل } قيل: كانوا ثمانية، نوح عليه الصلاة والسلام وأهله ~~وبنوه الثلاثة ونساؤهم. وعن ابن إسحاق كانوا عشرة، خمسة رجال وخمس ~~نسوة، وعنه أيضا أنهم كانوا عشرة سوى نسائهم وقيل: كانوا اثنين ~~وسبعين رجلا وامرأة، وأولاد نوح سام وحام ويافث ونساؤهم فالجميع ~~ثمانية وسبعون نصفهم رجال ونصفهم نساء، واعتبار المعية في إيمانهم ~~للإيماء إلى المعية في مقر الأمان والنجاة. ### || [11.41-42] # { وقال } أي نوح عليه الصلاة والسلام لمن معه من المؤمنين كما ينبىء ~~عنه قوله تعالى: { إن ربى لغفور رحيم } ولو رجع الضمير إلى ~~الله تعالى لناسب أن يقال: إن ربكم، ولعل ذلك بعد إدخال ما أمر بحمله ~~في الفلك من الأزواج كأنه قيل: فحمل الأزواج أو أدخلها في الفلك وقال ~~للؤمنين: { اركبوا فيها } كما يأتي مثله في قوله تعالى: { وهى ~~تجرى بهم } والركوب العلو على شيء متحرك، ويتعدى بنفسه، ~~واستعماله ههنا بكلمة في ليس لأن المأمور به كونهم في جوفها لا ~~فوقها كما ظن فإن أظهر الروايات أنه عليه السلام جعل الوحوش ~~ونظائرها في البطن الأسفل والأنعام في الأوسط وركب ms1570 هو ومن معه في ~~الأعلى بل لرعاية جانب المحلية والمكانية في الفلك، والسر فيه أن ~~معنى الركوب العلو على شيء له حركة إما إرادية كالحيوان أو قسرية ~~كالسفينة والعجلة ونحوهما، فإذا استعمل في الأول يوفر له حظ الأصل ~~فيقال: ركبت الفرس، وعليه قوله عز من قائل: # والخيل والبغال والحمير لتركبوها # [النحل: 8] وإن استعمل في الثاني يلوح بمحلية المفعول بكلمة في فيقال: ~~ركبت في السفينة، وعليه الآية الكريمة وقوله عز قائلا: # فإذا ركبوا فى الفلك # { العنكبوت: 65] وقوله تعالى: # فانطلقا حتى إذا ركبا فى السفينة خرقها # [الكهف: 71] { بسم الله } متعلق باركبوا حال من فاعله أي اركبوا ~~مسمين الله تعالى، أو قائلين: بسم الله { مجراها ومرساها } ~~نصب على الظرفية أي وقت إجرائها وإرسائها على أنهما اسما زمان أو ~~مصدران كالإجراء والإرساء بحذف الوقت كقولك: آتيك خفوق النجم أو اسما ~~مكان انتصبا بما في { بسم الله } من معنى الفعل أو إرادة القول، ~~ويجوز أن يكون { بسم الله مجراها ومرساها } مستقلة من ~~مبتدأ وخبر في موضع الحال من ضمير الفلك أي اركبوا فيها مجراة ~~ومرساة باسم الله بمعنى التقدير كقوله تعالى: # فادخلوها خلدين # [الزمر: 73] أو جملة مقتضبة على أن نوحا أمرهم بالركوب فيها ثم ~~أخبرهم بأن إجراءها وإرساءها باسم الله تعالى فيكونان كلامين له عليه ~~الصلاة والسلام. قيل: كان عليه السلام إذا أراد أن يجريها يقول: بسم ~~الله فتجري وإذا أراد أن يرسيها يقول: بسم الله فترسو، ويجوز أن يكون ~~الاسم مقحما كما في قوله: # إلى الحول ثم اسم السلام عليكما # [ومن يبك حولا كاملا فقد اعتذر] # ويراد بالله إجراؤها وإرساؤها أي بقدرته وأمره، وقرىء مجريها على ~~صيغة الفاعل مجروري المحل صفتين لله عز وجل ومجراها ومرساها بفتح ~~الميم مصدرين أو زمانين أو مكانين من جرى ورسا { إن ربى لغفور } ~~للذنوب والخطايا { رحيم } بعباده ولذلك نجاكم من هذه الطآمة ~~والداهية العامة، ولولا ذلك لما فعله وفيه دلالة على أن نجاتهم ليست ~~بسبب استحقاقهم لها بل بمحض فضل الله سبحانه وغفرانه ورحمته على ما ~~عليه رأي ms1571 أهل السنة. # { وهى تجرى بهم } متعلق بمحذوف دل عليه الأمر بالركوب أي ~~فركبوا فيها مسمين وهي تجري ملتبسة بهم { فى موج كالجبال } ~~وهو ما ارتفع من الماء عند اضطرابه، كل موجة من ذلك كجبل في ارتفاعها ~~وتراكمها، وما قيل من أن الماء طبق ما بين السماء والأرض وكانت ~~السفينة تجري في جوفه كالحوت فغير ثابت، والمشهور أنه علا شوامخ ~~الجبال خمسة عشر ذراعا أو أربعين ذراعا، ولئن صح ذلك فهذا الجريان ~~إنما هو قبل أن يتفاقم الخطب كما يدل عليه قوله تعالى: # { ونادى نوح ابنه } فإن ذلك إنما يتصور قبل أن تنقطع ~~العلاقة بين السفينة والبر، إذ حينئذ يمكن جريان ما جرى بين نوح ~~عليه الصلاة والسلام وبين ابنه من المفاوضة بالاستدعاء إلى السفينة ~~والجواب باعتصام بالجبل، وقرىء ابنها وابنه بحذف الألف على أن ~~الضمير لامرأته وكان ربيبه وما يقال من أنه كان لغير رشدة لقوله ~~تعالى: # فخانتاهما # فارتكاب عظيمة لا يقادر قدرها فإن جناب الأنبياء صلوات الله ~~تعالى عليهم وسلامه أرفع من أن يشار إليه بأصبع الطعن وإنما المراد ~~بالخيانة الخيانة في الدين، وقرىء ابناه على الندبة ولكونها حكاية ~~سوغ حذف حرفها. وأنت خبير بأنه لا يلائمه الاستدعاء إلى السفينة ~~فإنه صريح في أنه لم يقع في حياته يأس بعد { وكان فى معزل } ~~أي في كان عزل فيه نفسه عن أبيه وإخوته وقومه بحيث لم يتناوله ~~الخطاب باركبوا، واحتاج إلى النداء المذكور، وقيل: في معزل عن الكفار ~~قد انفرد عنهم وظن نوح أنه يريد مفارقتهم ولذلك دعاه إلى السفينة، ~~وقيل: كان ينافق أباه فظن أنه مؤمن، وقيل: كان يعلم أنه كافر إلى ذلك ~~الوقت لكنه عليه الصلاة والسلام ظن أنه عند مشاهدة تلك الأهوال ينزجر ~~عما كان عليه ويقبل الإيمان، وقيل: لم يكن الذي تقدم من قوله تعالى: # إلا من سبق عليه القول # [هود: 40] نصا في كون ابنه داخلا تحته بل كان كالمجمل فحملته شفقة ~~الأبوة على ذلك { أو بنى } بفتح الياء اقتصارا عليه من الألف ~~المبدلة من ياء ms1572 الإضافة في قولك: يا بنيا وقرىء بكسر الياء اقتصارا ~~عليه من ياء الإضافة أو سقطت الياء والألف لالتقاء الساكنين لأن الراء ~~بعدهما ساكنة { اركب معنا } قرأ أبو عمرو، والكسائي، وحفص، ~~بإدغام الباء في الميم لتقاربهما في المخرج، وإنما أطلق الركوب عن ذكر ~~الفلك لتعينها وللإيذان بضيق المقام حيث حال الجريض دون القريض مع ~~إغناء المعية عن ذلك { ولا تكن مع الكفرين } أي في المكان ~~وهو وجه الأرض خارج الفلك لا في الدين وإن كان ذلك مما يوجبه كما يوجب ~~ركوبه معه عليه الصلاة والسلام كونه معه في الإيمان لأنه عليه الصلاة ~~والسلام بصدد التحذير عن الهلكة فلا يلائمه النهي عن الكفر. ### || [11.43] # { قال سآوى إلى جبل } من الجبال { يعصمنى } بارتفاعه { ~~من الماء } زعما منه أن ذلك كسائر المياه في أزمنة السيول ~~المعتادة التي ربما يتقى منها بالصعود إلى الربى، وأنى له ذلك وقد ~~بلغ السيل الزبى وجهلا بأن ذلك إنما كان لإهلاك الكفرة وألا محيص ~~من ذلك الفكر المحال، وكان مقتضى الظاهر أن يجيب بما ينطبق عليه ~~كلامه ويتعرض لنفي ما أثبته للجبل من كونه عاصما له من الماء بأن ~~يقول: لا يعصمك منه مفيدا لنفي وصف العصمة عنه فقط من غير تعرض ~~لنفيه عن غيره ولا لنفي الموصوف (بالعصمة) أصلا لكنه عليه الصلاة ~~والسلام حيث { قال لا عاصم اليوم من أمر الله } سلك ~~طريقة نفي الجنس المنتظم لنفي جميع أفراد العاصم ذاتا وصفة كما ~~في قولهم: ليس فيه داع ولا مجيب أي أحد من الناس للمبالغة في نفي كون ~~الجبل عاصما بالوجهين المذكورين وزاد اليوم للتنبيه على أنه ليس ~~كسائر الأيام التي تقع فيها الوقائع وتلم فيها الملمات ~~المعتادة التي ربما يتخلص من ذلك بالالتجاء إلى بعض الأسباب العادية، ~~وعبر عن الماء في محل إضماره بأمر الله أي عذابه الذي أشير إليه حيث ~~قيل: حتى إذا جاء أمرنا تفخيما لشأنه وتهويلا لأمره وتنبيها لابنه ~~على خطئه في تسميته ماء ويوهم أنه كسائر المياه التي يتفصى منها ~~بالهرب إلى بعض ms1573 المهارب المعهودة وتعليلا للنفي المذكور فإن أمر ~~الله لا يغالب وعذابه لا يرد وتمهيدا لحصر العصمة في جناب الله ~~عز جاره بالاستثناء كأنه قيل: لا عاصم من أمر الله إلا هو إنما قيل: { ~~إلا من رحم } تفخيما لشأنه الجليل بالإبهام ثم التفسير ~~وبالإجمال ثم التفصيل، وإشعارا بعلية رحمته في ذلك بموجب سبقها على ~~غضبه وكل ذلك لكمال عنايته عليه الصلاة والسلام بتحقيق ما يتوخاه من ~~نجاة ابنه ببيان شأن الداهية وقطع أطماعه الفارغة وصرفه عن ~~التعليل بما لا يغني عنه شيئا وإرشاده إلى العياذ بالمعاذ الحق عز ~~حماه وقيل: لا مكان يعصم من أمر الله إلا مكان من رحمه الله وهو ~~الفلك، وقيل: معنى لا عاصم لا ذا عصمة إلا من رحمه الله تعالى { ~~وحال بينهما الموج } أي بين نوح وبين ابنه فانقطع ما ~~بينهما من المجاوبة لا بين ابنه وبين الجبل لقوله تعالى: { فكان ~~من المغرقين } إذ هو إنما يتفرع على حيلولة الموج بينه عليه ~~الصلاة والسلام وبين ابنه لا بينه وبين الجبل لأنه بمعزل من كونه ~~عاصما وإن لم يحل بينه وبين الملتجىء إليه موج، وفيه دلالة على ~~هلاك سائر الكفرة على أبلغ وجه فكان ذلك أمرا مقرر الوقوع غير ~~مفتقر إلى البيان، وفي إيراد كان دون صار مبالغة في كونه منهم. ### || [11.44] # { وقيل يأرض ابلعى } أي انشفي، استعير له من ازدراد الحيوان ~~ما يأكله للدلالة على أن ذلك ليس كالنشف المعتاد التدريجي { ماءك } ~~أي ما على وجهك من ماء الطوفان دون المياه المعهودة فيها من العيون ~~والأنهار، وعبر عنه فيما سلف بأمر الله تعالى لأن المقام مقام النقص ~~والتقليل لا مقام التفخيم والتهويل { ويسماء أقلعى } أي ~~أمسكي عن إرسال المطر، يقال: أقلعت السماء إذا انقطع مطرها وأقلعت ~~الحمى أي كفت { وغيض الماء } أي نقص ما بين السماء والأرض من ~~الماء { وقضى الأمر } أي أنجز ما وعد الله تعالى نوحا من إهلاك ~~قومه وإنجائه بأهله أو أتم الأمر { واستوت } أي استقرت ~~الفلك { على الجودى } هو جبل بالموصل أو ms1574 بالشام أو بآمل. روي ~~أنه عليه الصلاة والسلام ركب في الفلك في عاشر رجب ونزل عنها في عاشر ~~المحرم فصام ذلك اليوم شكرا فصار سنة { وقيل بعدا للقوم ~~الظلمين } أي هلاكا لهم، والتعرض لوصف الظلم للإشعار بعليته ~~للهلاك ولتذكيره ما سبق من قوله تعالى: # ولا تخطبنى فى الذين ظلموا إنهم مغرقون # ولقد بلغت الآية الكريمة من مراتب الإعجاز قاصيتها وملكت من غرر ~~المزايا ناصيتها وقد تصدى لتفصيلها المتقنون، ولعمري إن ذلك فوق ما ~~يصفه الواصفون فحري بنا أن نوجز الكلام في هذا الباب ونفوض الأمر ~~إلى تأمل أولي الألباب، والله عنده علم الكتاب. ### || [11.45-46] # { ونادى نوح ربه } أي أراد ذلك بدليل الفاء في قوله تعالى: { ~~فقال رب إن ابنى من أهلى } وقد وعدتني إنجاءهم في ضمن ~~الأمر بحملهم في الفلك أو النداء على الحقيقة والفاء لتفصيل ما فيه من ~~الإجمال، { وإن وعدك الحق } أي وعدك ذلك، أو إن كل وعده ~~حق لا يتطرق إليه خلف فيدخل فيه الوعد المعهود دخولا أوليا { ~~وأنت أحكم الحكمين } لأنك أعلمهم وأعدلهم أو أنت أكثر ~~حكمة من ذوي الحكم على أن الحاكم من الحكمة كالدارع من الدرع، ~~وهذا الدعاء منه عليه الصلاة والسلام على طريقة دعاء أيوب عليه الصلاة ~~والسلام: # إذ نادى ربه أنى مسنى الضر وأنت أرحم ~~الراحمين # [الأنبياء: 83] { قال يا نوح } لما كان دعاؤه عليه الصلاة والسلام ~~بتذكير وعده جل ذكره مبنيا على كون كنعان من أهله نفي أولا كونه ~~منهم بقوله تعالى: { إنه ليس من أهلك } أي ليس منهم أصلا ~~لأن مدار الأهلية هو القرابة الدينية ولا علاقة بين المؤمن والكافر ~~أو ليس من أهلك الذين أمرتك بحملهم في الفلك لخروجه عنهم بالاستثناء، ~~وعلى التقديرين ليس هو من الذين وعد بإنجائهم ثم علل عدم كونه منهم ~~على طريقة الاستئناف التحقيقي بقوله تعالى: { إنه عمل غير ~~صلح } أصله إنه ذو عمل غير صالح فجعل نفس العمل مبالغة كما في ~~قول الخنساء: # [ترتع ما رتعت حتى ادكرت] # فإنما هي إقبال وإدبار # وإيثار غير صالح ms1575 على فاسد إما لأن الفاسد ربما يطلق على ما فسد ومن ~~شأنه الصلاح فلا يكون نصا فيما هو من قبيل الفاسد المحض كالقتل ~~والمظالم، وإما للتلويح بأن نجاة من نجا إنما هي لصلاحه، وقرأ الكسائي، ~~ويعقوب، إنه عمل غير صالح أي عملا غير صالح، ولما كان دعاؤه عليه ~~الصلاة والسلام مبنيا على ما ذكر من اعتقاد كون كنعان من أهله وقد ~~نفي ذلك وحقق ببيان علته فرع على ذلك النهي عن سؤال إنجائه، ~~إلا أنه جيء بالنهي على وجه عام يندرج فيه ذلك اندراجا أوليا فقيل: { ~~فلا تسألنى } أي إذا وقفت على جلية الحال فلا تطلب مني { ما ~~ليس لك به علم } أي مطلبا لا تعلم يقينا أن حصوله صواب ~~وموافق للحكمة على تقدير كون (ما) عبارة عن المسؤول الذي هو مفعول ~~للسؤال أو طلبا لا تعلم أنه صواب على تقدير كونه عبارة عن المصدر ~~الذي هو مفعول مطلق فيكون النهي واردا بصريحه في كل من معلوم ~~الفساد ومشتبه الحال ويفهم، ويجوز أن يكون المعنى ما ليس لك علم ~~بأنه صواب أو غير صواب فيكون النهي واردا في مشتبه الحال ويفهم ~~منه حال معلوم الفساد بالطريق الأولى، وعلى التقديرين فهو عام يندرج ~~تحته ما نحن فيه كما ذكرناه، وهذا كما ترى صريح في أن نداءه عليه ~~الصلاة والسلام ربه عز وعلا ليس استفسارا عن سبب عدم إنجاء ابنه مع ~~سبق وعده بإنجاء أهله وهو منهم كما قيل، فإن النهي عن استفسار ما لم ~~يعلم غير موافق للحكمة، إذا عدم العلم بالشيء داع إلى الاستفسار ~~عنه لا إلى تركه بل هو دعاء منه لإنجاء ابنه حين حال الموج بينهما ~~ولم يعلم بهلاكه بعد، إما بتقريبه إلى الفلك بتلاطم الأمواج أو ~~بتقريبها إليه، وقيل: أو بإنجائه في قلة الجبل، ويأباه تذكير الوعد ~~في الدعاء فإنه مخصوص بالإنجاء في الفلك وقوله تعالى: # لا عاصم اليوم من أمر الله إلا من رحم # ومجرد حيلولة الموج بينهما لا يستوجب هلاكه فضلا عن العلم به ~~لظهور ms1576 إمكان عصمة الله تعالى إياه برحمته وقد وعد بإنجاء أهله ولم يكن ~~ابنه مجاهرا بالكفر كما ذكرناه حتى لا يجوز عليه السلام أن يدعوه إلى ~~الفلك أو يدعو ربه لإنجائه، واعتزاله عنه عليه الصلاة والسلام وقصده ~~الالتجاء إلى الجبل ليس بنص في الإصرار على الكفر لظهور جواز أن يكون ~~ذلك لجهله بانحصار النجاة في الفلك وزعمه أن الجبل أيضا يجري مجراه ~~أو لكراهة الاحتباس في الفلك بل قوله: # سآوى إلى جبل يعصمنى من الماء # [هود: 43] بعد ما قال نوح عليه الصلاة والسلام: # ولا تكن مع الكفرين # [هود: 42] ربما يطمعه عليه السلام في إيمانه حيث لم يقل: أكون معهم أو ~~سنأوي أو يعصمنا، فإن إفراد نفسه بنسبة الفعلين المذكورين بما يشعر ~~بانفراده من الكافرين واعتزاله عنهم وامتثاله ببعض ما أمره به نوح ~~عليه الصلاة والسلام، إلا أنه عليه الصلاة والسلام لو تأمل في شأنه حق ~~التأمل وتفحص عن أحواله في كل ما يأتي ويذر لما اشتبه عليه أنه ليس ~~بمؤمن وأنه المستثنى من أهله، ولذك قيل: { إنى أعظك أن تكون ~~من الجهلين } فعبر عن ترك الأولى بذلك، وقرىء فلا تسألن بغير ~~ياء الإضافة وبالنون الثقيلة بياء وبغير ياء. ### || [11.47] # { قال رب إنى أعوذ بك أن أسألك } أي أطلب منك من بعد ~~{ ما ليس لى به علم } أي مطلوبا لا أعلم أن حصوله مقتضي ~~الحكمة أو طلبا لا أعلم أنه صواب سواء كان معلوم الفساد أو مشتبه ~~الحال أو لا أعلم أنه صواب أو غير صواب على ما مر، وهذه توبة منه ~~عليه السلام مما وقع منه وإنما لم يقل: أعوذ بك منه أو من ذلك مبالغة ~~في التوبة وإظهارا للرغبة والنشاط فيها وتبركا بذكر ما لقنه الله ~~تعالى، لك أمرا هائلا محذورا لا محيص منه إلا بالعوذ بالله تعالى وأن ~~قدرته قاصرة عن النجاة من المكاره إلا بذلك { وإلا تغفر لى } ~~ما صدر عني من السؤال المذكور { وترحمنى } بقبول توبتي { أكن ~~من الخسرين } أعمالا بسبب ذلك، فإن الذهول عن شكر الله ms1577 تعالى ~~ لا سيما عند وصول مثل هذه النعمة الجليلة التي هي النجاة وهلاك ~~الأعداء والاشتغال بما لا يعني خصوصا بمبادي خلاص من قيل في شأنه ~~إنه عمل غير صالح والتضرع إلى الله تعالى في أمره معاملة غير ~~رابحة أو خسران مبين. # وتأخير ذكر هذا النداء عن حكاية الأمر الوارد على الأرض والسماء ~~وما يتلوه من زوال الطوفان وقضاء الأمر واستواء الفلك على الجودي ~~والدعاء بالهلاك على الظالمين مع أن حقه أن يذكر عقيب قوله ~~تعالى: { فكان من المغرقين } حسبما وقع في الخارج إذ حينئذ ~~يتصور الدعاء بالإنجاء لا بعد العلم بالهلاك ليس لما قيل من ~~استقلاله بغرض مهم هو جعل قرابة الدين غامرة لقرابة النسب، وأن لا ~~يقدم في الأمور الدينية الأصولية إلا بعد اليقين قياسا على ما وقع ~~في قصة البقرة من تقديم ذكر الأمر بذبحها على ذكر القتيل الذي هو ~~أول القصة وكان حقها أن يقال: وإذ قتلتم نفسا فادارأتم فيها ~~فقلنا: اذبحوا بقرة فاضربوه ببعضها كما قرر في موضعه فإن تغيير ~~الترتيب هناك للدلالة على كمال سوء حال اليهود بتعديد جناياتهم ~~المتنوعة وتثنية التقريع عليهم بكل نوع على حدة فقوله تعالى: # وإذ قال موسى لقومه إن الله يأمركم أن ~~تذبحوا بقرة # [البقرة: 67] الخ، لتقريعهم على الاستهزاء وترك المسارعة إلى الامتثال ~~وما يتبع ذلك وقوله تعالى: # وإذ قتلتم نفسا # [البقرة: 72] الخ، للتقريع على قتل النفس المحرمة وما يتبعه من الأمور ~~العظيمة، ولو قصت القصة على ترتيبها لفات الغرض الذي هو تثنية ~~التقريع ولظن أن المجموع تقريع واحد وأما ما نحن فيه فليس مما يمكن ~~أن يراعى فيه مثل تلك النكتة أصلا، وما ذكر من جعل القرابة الدينية ~~غامرة للقرابة النسبية الخ، لا يفوت على تقدير سوق الكلام على ~~ترتيب الووهو أبلغ من أن يقول: أتوب إليك أن أسألك لما فيه من ~~الدلالة على كون ذقوع أيضا بل لأن ذكر هذا النداء كما ترى مستدع ~~لذكر ما مر من الجواب المستدعي لذكر ما مر من توبته عليه الصلاة والسلام ms1578 ~~المؤدي ذكرها إلى ذكر قبولها في ضمن الأمر الوارد بنزوله عليه ~~الصلاة والسلام من الفلك بالسلام والبركات الفائضة عليه وعلى المؤمنين ~~حسبما سيجيء مفصلا، ولا ريب في أن هذه المعاني آخذ بعضها بحجزة ~~بعض بحيث لا يكاد يفرق الآيات الكريمة المنطوية عليها بعضها من بعض ~~وأن ذلك إنما يتم بتمام القصة، ولا ريب أن ذلك إنما يكون بتمام ~~الطوفان فلا جرم اقتضى الحال ذكر تمامها قبل هذا النداء وذلك إنما ~~يكون عند ذكر كون كنعان من المغرقين ولهذه النكتة ازداد حسن موقع ~~الإيجاز البليغ وفيه فائدة أخرى هي التصريح بهلاكه من أول الأمر إلى ~~أن يرد قوله: { إنه ليس من أهلك } أنه ينجو بدعائه عليه ~~الصلاة والسلام فنص على هلاكه من أول الأمر ثم ذكر الأمر الوارد على ~~الأرض والسماء الذي هو عبارة عن تعلق الإرادة الربانية الأزلية بما ~~ذكر من الغيض والإقلاع وبين بلوغ أمر الله محله وجريان قضائه ~~ونفوذ حكمه عليهم بهلاك من هلك ونجاة من نجا بتمام ذلك الطوفان ~~واستواء الفلك على الجودي فقصت القصة إلى هذه المرتبة وبين ~~ذلك أي بيان ثم تعرض لما وقع في تضاعيف ذلك مما جرى بين نوح عليه ~~السلام وبين رب العزة جلت حكمته فذكر بعد توبته عليه الصلاة ~~والسلام قبولها بقوله: ### || [11.48] # { قيل ينوح اهبط } أي انزل من الفلك وقرىء بضم الباء { ~~بسلام } ملتبسا بسلامة من المكاره كائنة { منا } أو بسلام وتحية ~~منا عليك كما قال: سلام على نوح في العالمين { وبركت عليك } ~~أي خيرات نامية في نسلك وما يقوم به معاشك ومعاشهم من أنواع الأرزاق، ~~وقرىء بركة، وهذا إعلام وبشارة من الله تعالى بقبول توبته وخلاصه ~~من الخسران بفيضان أنواع الخيرات عليه في كل ما يأتي وما يذر { ~~وعلى أمم } ناشئة { ممن معك } إلى يوم القيامة متشبعة ~~منهم، فمن ابتدائية، والمراد الأمم المؤمنة المتناسلة ممن معه إلى ~~يوم القيامة { وأمم سنمتعهم } أي ومنهم على أنه خبر حذف ~~لدلالة ما سبق عليه، فإن إيراد الأمم المبارك عليهم المتشعبة منهم ~~نكرة ms1579 يدل على أن بعض من يتشعب منهم ليسوا على صفتهم يعني ليس جميع ~~من تشعب منهم مسلما ومباركا عليه بل منهم أمم ممتعون في الدنيا ~~معذبون في الآخرة، وعلى هذا لا يكون الكائنون مع نوح عليه السلام مسلما ~~ومباركا عليهم صريحا وإنما يفهم ذلك من كونهم مع نوح عليه الصلاة ~~والسلام ومن كون ذرياتهم كذلك بدلالة النص، ويجوز أن تكون (من) ~~بيانية أي وعلى أمم هم الذين معك وإنما سموا أمما لأنهم أمم ~~متحزبة وجماعات متفرقة، أو لأن جميع الأمم إنما تشعبت منهم ~~فحينئذ يكون المراد بالأمم المشار إليهم في قوله تعالى: { وأمم ~~سنمتعهم } بعض الأمم المتشعبة منهم وهي الأمم الكافرة ~~المتناسلة منهم إلى يوم القيامة، ويبقى أمر الأمم المؤمنة الناشئة ~~منهم مبهما غير متعرض له ولا مدلول عليه، ومع ذلك ففي دلالة ~~المذكور على خبره المحذوف خفاء لأن (من) المذكورة بيانية ~~والمحذوفة تبعيضية أو ابتدائية فتأمل { ثم يمسهم } إما في ~~الأخرة أو في الدنيا أيضا { منا عذاب أليم }. عن محمد بن كعب ~~القرظي دخل في ذلك السلام كل مؤمن ومؤمنة إلى يوم القيامة، وفيما ~~بعده من المتاع والعذاب كل كافر، وعن ابن زيد هبطوا والله عنهم راض ~~ثم أخرج منهم نسلا منهم من رحم ومنهم من عذب. وقيل: المراد بالأمم ~~الممتعة قوم هود وصالح ولوط وشعيب عليهم السلام وبالعذاب ما نزل ~~بهم. ### || [11.49] # { تلك } إشارة إلى ما قص من قصة نوح عليه الصلاة والسلام إما ~~لكونها بتقضيها في حكم البعيد أو للدلالة على بعد منزلتها، وهي ~~مبتدأ خبره { من أنباء الغيب } أي من جنسها، أي ليست من قبيل ~~سائر الأنباء بل هي نسيج وحدها منفردة عما عداها أو بعضها { ~~نوحيها إليك } خبر ثان والضمير لها أي موحاة إليك أو هو ~~الخبر، ومن أنباء متعلق به، فالتعبير بصيغة المضارع لاستحضار الصورة ~~أو حال من أنباء الغيب أي موحاة إليك { ما كنت تعلمها أنت ~~ولا قومك } خبر آخر أي مجهولة عندك وعند قومك { من قبل ~~هذا } أي من قبل إيحائنا إليك ms1580 وإخبارك بها أو من قبل هذا العلم الذي ~~كسبته بالوحي أو من قبل هذا الوقت أو حال من الهاء في نوحيها، أو ~~الكاف في إليك، أي جاهلا أنت وقومك بها، وفي ذكر جهلهم تنبيه على ~~أنه عليه الصلاة والسلام لم يتعلمه، إذا لم يخالط غيرهم وأنهم مع ~~كثرتهم لم يعلموه فكيف بواحد منهم { فاصبر } متفرع على الإيحاء أو ~~العلم المستفاد منه المدلول عليه بقوله: { ما كنت تعلمها أنت ولا ~~قومك من قبل هذا } أي وإذ قد أوحيناها إليك أو علمتها بذلك فاصبر ~~على مشاق تبليغ الرسالة وأذية قومك كما صبر نوح على ما سمعته من ~~أنواع البلايا في هذه المدة المتطاولة، وهذا ناظر إلى ما سبق من قوله ~~تعالى: # فلعلك تارك بعض مايوحى إليك # [هود: 12] الخ { إن العاقبة } بالظفر في الدنيا وبالفوز في الآخرة { ~~للمتقين } كما شاهدته في نوح عليه الصلاة والسلام وقومه ولك فيه ~~أسوة حسنة فهي تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم وتعليل للأمر ~~بالصبر فإن كون العاقبة الحميدة للمتقين وهو في أقصى درجات التقوى ~~والمؤمنون كلهم متقون مما يسليه عليه الصلاة والسلام ويهون عليه ~~الخطوب ويذهب عنه ما عسى أن يعتريه من ضيق صدره، وهذا على تقدير أن ~~يراد بالتقوى الدرجة الأولى منه أعني التوقي من العذاب المخلد ~~بالتبرؤ من الشرك، وعليه قوله تعالى: # وألزمهم كلمة التقوى # [الفتح: 26] ويجوز أن يراد الدرجة الثالثة وهو أن يتنزه عما يشغل ~~سره عن الحق ويتبتل إليه بشراشره وهو التقوى الحقيقي المطلوب ~~بقوله تعالى: # اتقوا الله حق تقاته # [آل عمران: 102] فإن التقوى بهذا المعنى منطو على الصبر المذكور فكأنه ~~قيل: فاصبر فإن العاقبة للصابرين. ### || [11.50-52] # { وإلى عاد } متعلق بمضمر معطوف على قوله تعالى: # أرسلنا # في قصة نوح وهو الناصب لقوله تعالى: { أخاهم } أي وأرسلنا إلى عاد ~~أخاهم أي واحدا منهم في النسب كقولهم: يا أخا العرب، وتقديم المجرور ~~على المنصوب ههنا للحذار عن الإضمار قبل الذكر، وقيل: متعلق بالفعل ~~المذكور فيما سبق وأخاهم معطوف على نوحا وقد مر في سورة ms1581 الأعراف وقوله ~~تعالى: { هودا } عطف بيان لأخاهم وكان عليه الصلاة والسلام من ~~جملتهم فإن هود بن عبد الله بن رباح بن الخلود بن العوص بن إرم ~~بن سام بن نوح عليه الصلاة والسلام، وقيل: هود بن شالح بن أرفخشذ ~~بن سام بن نوح بن عم أبي عاد، وإنما جعل منهم لأنهم أفهم لكلامه ~~وأعرف بحاله وأرغب في اقتفائه { قال } لما كان ذكر إرساله عليه ~~الصلاة والسلام إليهم مظنة للسؤال عما قال لهم ودعاهم إليه أجيب عنه ~~بطريق الاستئناف فقيل: { يا قوم اعبدوا الله } أي وحده كما ينبىء ~~عنه قوله تعالى: { ما لكم من إله غيره } فإنه استئناف يجري ~~مجرى البيان للعبادة المأمور بها، والتعليل للأمر بها كأنه قيل: ~~خصوه بالعبادة ولا تشركوا به شيئا، إذ ليس لكم من إله سواه، وغيره ~~بالرفع صفة لإله باعتبار محله وقرىء بالجر حملا له على لفظه { إن ~~أنتم } ما أنتم باتخاذكم الأصنام شركاء له أو بقولكم: إن الله أمرنا ~~بعبادتها { إلا مفترون } عليه تعالى عن ذلك علوا كبيرا { يا ~~قوم لا أسألكم عليه أجرا إن أجري إلا على ~~الذي فطرني } خاطب به كل نبي قومه إزاحة لما عساهم ~~يتوهمونه وإمحاضا للنصيحة فإنها ما دامت مشوبة بالمطامع بمعزل عن ~~التأثير، وإيراد الموصول للتفخيم، وجعل الصلة فعل الفطرة لكونه ~~أقدام النعم الفائضة من جناب الله تعالى المستوجبة للشكر الذي لا ~~يتأتى إلا بالجريان على موجب أمره الغالب معرضا عن المطالب ~~الدنيوية التي من جملتها الأجر { أفلا تعقلون } أي أتغفلون عن ~~هذه القضية أو ألا تتفكرون فيها فلا تعقلونها أو أتجهلون كل شيء فلا ~~تعقلون شيئا أصلا فإن هذا مما لا ينبغي أن يخفى على أحد من العقلاء. # { ويا قوم استغفروا ربكم } اطلبوا مغفرته لما سلف منكم من ~~الذنوب بالإيمان والطاعة { ثم توبوا إليه } أي توسلوا إليه ~~بالتوبة، وأيضا التبرؤ من الغير إنما يكون بعد الإيمان بالله تعالى ~~والرغبة فيما عنده { يرسل السماء } أي المطر { عليكم ~~مدرارا } أي كثير الدرور { ويزدكم قوة } مضافة ومنضمة { ~~إلى قوتكم } أي ms1582 يضاعفها لكم، وإنما رغبهم بكثرة المطر لأنهم ~~كانوا أصحاب زروع وعمارات، وقيل: حبس الله تعالى عنهم القطر وأعقم ~~أرحام نسائهم ثلاث سنين فوعدهم عليه الصلاة والسلام كثرة الأمطار ~~وتضاعف القوة بالتناسل، على الإيمان والتوبة { ولا تتولوا } ~~أي لا تعرضوا عما دعوتكم إليه { مجرمين } مصرين على ما كنتم ~~عليه من الإجرام. ### || [11.53-54] # { قالوا يا هود ما جئتنا ببينة } أي بحجة تدل على صحة ~~دعواك وإنما قالوه لفرط عنادهم وعدم اعتدادهم بما جاءهم من البينات ~~الفائتة للحصر. # { وما نحن بتاركي آلهتنا } أي بتاركي عبادتها { عن ~~قولك } أي صادرين عنه أي صادرا تركنا عن ذلك بإسناد حال الوصف ~~إلى الموصوف ومعناه التعليل على أبلغ وجه لدلالته على كونه علة ~~فاعلية، ولا يفيده الباء واللام وهذا كقولهم المنقول عنهم في سورة ~~الأعراف # أجئتنا لنعبد الله وحده ونذر ما كان يعبد آباؤنا # [الأعراف: 70] { وما نحن لك بمؤمنين } أي بمصدقين في شيء ~~مما تأتي وتذر فيندرج تحته ما دعاهم إليه من التوحيد وترك عبادة ~~الآلهة، وفيه من الدلالة على شدة الشكيمة وتجاوز الحد في العتو ما لا ~~يخفى { إن نقول إلا اعتراك } أي ما نقول إلا قولنا اعتراك ~~أي أصابك { بعض آلهتنا بسوء } بجنون لسبك إياها وصدك عن ~~عبادتها وحطك لها عن رتبة الألوهية والمعبودية بما مر من قولك: { ما ~~لكم من إله غيره إن أنتم إلا مفترون } ، والتنكير في سوء للتقليل ~~كأنهم لم يبالغوا في السوء كما ينبىء عنه نسبة ذلك إلى بعض آلهتهم دون ~~كلها، والجملة مقول القول وإلا لغو لأن الاستثناء مفرغ، وهذا ~~الكلام مقرر لما مر من قولهم: { وما نحن بتاركي آلهتنا عن قولك وما ~~نحن لك بمؤمنين } فإن اعتقادهم بكونه عليه الصلاة والسلام كما قالوا ~~وحاشاه عن ذلك يوجب عدم الاعتداد بقوله وعده من قبيل الخرافات ~~فضلا عن التصديق والعمل بمقتضاه، يعنون إنا لا نعد كلامك إلا من ~~قبيل ما لا يحتمل الصدق والكذب من الهذيانات الصادرة عن المجانين ~~فكيف نصدقه ونؤمن به ونعمل بموجبه، ولقد سلكوا في طريقة المخالفة ~~والعناد ms1583 إلى سبيل الترقي من الأدنى إلى الأعلى حيث أخبروا أولا عن ~~عدم مجيئه بالبينة مع احتمال كون ما جاء به عليه الصلاة والسلام حجة ~~في نفسه وإن لم تكن واضحة الدلالة على المراد، وثانيا عن ترك ~~الامتثال بقوله عليه الصلاة والسلام بقولهم: { وما نحن بتاركي آلهتنا ~~عن قولك } مع إمكان تحقق ذلك بتصديقهم له عليه الصلاة والسلام في كلامه ~~ثم نفوا تصديقهم له عليه الصلاة والسلام بقولهم: { وما نحن لك بمؤمنين ~~} مع كون كلامه عليه الصلاة والسلام مما يقبل التصديق ثم نفوا عنه ~~تلك المرتبة أيضا حيث قالوا ما قالوا قاتلهم الله أنى يؤفكون { قال ~~إني أشهد الله واشهدوا أني بريء مما تشركون ~~}. ### || [11.55-56] # { من دونه } أي من إشراككم من دون الله أي من غير أن ينزل به ~~سلطانا كما قال في سورة الأعراف: # أتجادلونني في أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما نزل الله بها من ~~سلطان # [الأعراف: 71] أو مما تشركونه من آلهة غير الله، أجاب به عن مقالتهم ~~الحمقاء المبنية على اعتقاد كون آلهتهم مما يضر أو ينفع وأنها ~~بمعزل من ذلك، ولما كان ما وقع أولا منه عليه الصلاة والسلام في حق ~~آلهتهم من كونها بمعزل عن الألوهية إنما وقع في ضمن الأمر بعبادة الله ~~تعالى واختصاصه بها وقد شق عليهم ذلك وعدوه مما يورث شينا حتى ~~زعموا أنها تصيبه عليه الصلاة والسلام بسوء مجازاة لصنيعه معها صرح ~~عليه الصلاة والسلام بالحق وصدع به حيث أخبر ببراءته القديمة عنها ~~بالجملة الاسمية المصدرة بإن وأشهد الله على ذلك وأمرهم بأن يسمعوا ~~ذلك ويشهدوا به استهانة بهم ثم أمرهم بالاجتماع والاحتشاد مع آلهتهم ~~جميعا دون بعض منها حسبما يشعر به قولهم: # بعض آلهتنا # [هود: 54] والتعاون في إيصال الكيد إليه عليه الصلاة والسلام ونهاهم ~~عن الإنظار والإمهال في ذلك فقال: { فكيدوني جميعا ثم لا ~~تنظرون } أي إن صح ما لو حتم به من كون آلهتكم مما يقدر على إضرار ~~من ينال منها ويصد عن عبادتها ولو بطريق ضمني فإني بريء منها ~~فكونوا ms1584 أنتم معها جميعا وباشروا كيدي ثم لا تمهلوني ولا تسامحوني في ~~ذلك، فالفاء لتفريع الأمر على زعمهم في قدرة آلهتهم على ما قالوا وعلى ~~البراءة كليهما، وهذا من أعظم المعجزات، فإنه عليه الصلاة والسلام كان ~~رجلا مفردا بين الجم الغفير والجمع الكثير من عتاة عاد الغلاظ ~~الشداد، وقد خاطبهم بما خاطبهم وحقرهم وآلهتهم وهيجهم على مباشرة ~~مبادىء المضارة وحثهم على التصدي لأسباب المعازة والمعارة فلم ~~يقدروا على مباشرة شيء مما كلفوه وظهر عجزهم عن ذلك ظهورا بينا كيف ~~لا وقد التجأ إلى ركن منيع رفيع واعتصم بحبل متين حيث قال: # { إني توكلت على الله ربي وربكم } يعني أنكم وإن بذلتم ~~في مضارتي مجهودكم لا تقدرون على شيء مما تريدون بي فإني متوكل على ~~الله تعالى، وإنما جيء بلفظ الماضي لكونه أدل على الإنشاء المناسب ~~للمقام، وواثق بكلاءتي وحفظي عن غوائلكم وهو مالكي ومالككم لا يصدر ~~عنكم شيء ولا يصيبني أمر إلا بإرادته ومشيئته ثم برهن عليه بقوله: { ~~ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها } أي إلا هو مالك لها ~~قادر عليها يصرفها كيف يشاء غير مستعصية عليه فإن الأخذ بالناصية ~~تمثيل لذلك { إن ربي على صراط مستقيم } تعليل لما يدل ~~عليه التوكل من عدم قدرتهم على إضراره أي هو على الحق والعدل فلا ~~يكاد يسلطكم علي إذ لا يضيع عنده معتصم ولا يفتات عليه ظالم. ~~والاقتصار على إضافة الرب إلى نفسه إما بطريق الاكتفاء لظهور المراد ~~وإما لأن فائدة كونه تعالى مالكا لهم أيضا راجعة إليه عليه الصلاة ~~والسلام. ### || [11.57-59] # { فإن تولوا } أي تتولوا بحذف إحدى التاءين أي أن تستمروا ~~على ما كنتم عليه من التولي والإعراض { فقد أبلغتكم ما ~~أرسلت به إليكم } أي لم أعاتب على تفريط في الإبلاغ وكنتم ~~محجوجين بأن بلغتكم الحق فأبيتم إلا التكذيب والجحود { ~~ويستخلف ربي قوما غيركم } استئناف بالوعيد لهم بأن الله ~~تعالى يهلكهم ويستخلف في ديارهم وأموالهم قوما آخرين، أو عطف على ~~الجواب بالفاء، ويؤيده قراءة ابن مسعود رضي الله عنه بالجزم عطفا ms1585 على ~~الموضع، كأنه قيل: فإن تولوا يعذرني ويهلككم ويستخلف مكانكم آخرين، ~~وفي اقتصار إضافة الرب عليه عليه السلام رمز إلى اللطف به والتدمير ~~للمخاطبين { ولا تضرونه } بتوليكم { شيئا } من الضرر ~~لاستحالة ذلك عليه، ومن جزم (ويستخلف) أسقطت منه النون { إن ~~ربي على كل شيء حفيظ } أي رقيب مهيمن فلا تخفى عليه ~~أعمالكم فيجازيكم بحسبها أو حافظ مستول على كل شيء فكيف يضره شيء ~~وهو الحافظ للكل { ولما جاء أمرنا } أي نزل عذابنا، وفي ~~التعبير عنه بالأمر مضافا إلى ضميره جل جلاله وعن نزوله بالمجيء ما لا ~~يخفى من التفخيم والتهويل أو ورد أمرنا بالعذاب { نجينا هودا ~~والذين آمنوا معه } وكانوا أربعة آلاف { برحمة } عظيمة ~~كائنة لهم { منا } وهي الإيمان الذي أنعمنا به عليهم بالتوفيق له ~~والهداية إليه { ونجيناهم من عذاب غليظ } أي كانت تلك ~~التنجية تنجية من عذاب غليظ وهي السموم التي كانت تدخل أنوف الكفرة ~~وتخرج من أدبارهم فتقطعهم إربا إربا، وقيل: أريد بالثانية التنجية ~~من عذاب الآخرة ولا عذاب أغلظ وأشد، وهذه التنجية وإن لم تكن ~~مقيدة بمجيء الأمر لكن جيء بها تكملة للنعمة عليهم وتعريضا بأن ~~المهلكين كما عذبوا في الدنيا بالسموم فهم معذبون في الآخرة بالعذاب ~~الغليظ { وتلك عاد } أنث اسم الإشارة باعتبار القبيلة أو لأن ~~الإشارة إلى قبورهم وآثارهم { جحدوا بآيات ربهم } كفروا بها ~~بعد ما استيقنوها { وعصوا رسله } جمع الرسل مع أنه لم يرسل ~~إليهم غير هود عليه الصلاة والسلام تفظيعا لحالهم وإظهارا لكمال ~~كفرهم وعنادهم ببيان أن عصيانهم له عليه الصلاة والسلام عصيان لجميع ~~الرسل السابقين واللاحقين لاتفاق كلمتهم على التوحيد # لا نفرق بين أحد من رسله # [البقرة: 285] فيجوز أن يراد بالآت ما أتى به هود وغيره من الأنبياء ~~عليهم السلام، وفيه زيادة ملاءمة لما تقدم من جميع الآيات وما تأخر من ~~قوله: { واتبعوا أمر كل جبار عنيد } من كبرائهم ~~ورؤسائهم الدعاة إلى الضلال وإلى تكذيب الرسل فكأنه قيل: عصوا كل ~~رسول واتبعوا أمر كل جبار، وهذا الوصف ليس كما سبق من جحود ms1586 الآيات ~~وعصيان الرسل في الشمول لكل فرد فرد منهم فإن الاتباع للأمر من ~~أوصاف الأسافل دون الرؤساء، وعنيد فعيل من عند عندا وعندا إذا ~~طغى والمعنى عصوا من دعاهم إلى الهدى وأطاعوا من حداهم إلى الردى. ### || [11.60-61] # { وأتبعوا في هذه الدنيا لعنة } إبعادا عن الرحمة وعن ~~كل خير، أي جعلت اللعنة لازمة لهم، وعبر عن ذلك بالتبعية للمبالغة ~~فكأنها لا تفارقهم وإن ذهبوا كل مذهب بل تدور معهم حيثما داروا، ~~ولوقوعه في صحبة اتباعهم رؤساءهم يعني أنهم لما اتبعوهم أتبعوا ذلك ~~جزاء لصنيعهم جزاء وفاقا { ويوم القيامة } أي أتبعوا يوم ~~القيامة أيضا لعنة وهي عذاب النار المخلد حذفت لدلالة الأولى ~~عليها، وللإيذان بكون كل من اللغتين نوعا برأسه لم تجمعا في قرن واحد ~~بأن يقال: وأتبعوا في هذه الدنيا ويوم القيامة لعنة كما في قوله تعالى: # واكتب لنا في هذه الدنيا حسنة وفي الآخرة # [الأعراف: 156] إيذانا باختلاف نوعي الحسنتين، فإن المراد بالحسنة ~~الدنيوية نحو الصحة والكفاف والتوفيق للخير وبالحسنة الأخروية ~~الثواب والرحمة { ألا إن عادا كفروا ربهم } أي بربهم أو ~~نعمة ربهم حملا له على نقيضه الذي هو الشكر، أو جحدوه { ألا بعدا ~~لعاد } دعاء عليهم بالهلاك مع كونهم هالكين أي هلاك، تسجيلا عليهم ~~باستحقاق الهلاك واستيجاب الدمار، وتكرير حرف التنبيه وإعادة عاد ~~للمبالغة في تفظيع حالهم والحث على الاعتبار بقصتهم { قوم هود } ~~عطف بيان لعاد فائدته التمييز عن عاد إرم، والإيماء إلى أن ~~استحقاقهم للبعد بسبب ما جرى بينهم وبين هود عليه الصلاة والسلام وهم ~~قومه. # { وإلى ثمود أخاهم صالحا } عطف على ما سبق من قوله تعالى: { وإلى ~~عاد أخاهم هودا } وثمودهي قبيلة من العرب سموا باسم أبيهم ~~الأكبر ثمود بن عابر بن إرم بن سام وقيل: إنما سموا بذلك لقلة ~~مائهم من الثمد وهو الماء القليل، وصالح عليه الصلاة والسلام هو ~~ابن عبيد بن آسف بن ماشج بن عبيد بن جادر بن ثمود، ولما كان ~~الإخبار بإرساله إليهم مظنة لأن يسأل ويقال: ماذا قال لهم؟ قيل ~~جوابا عنه ms1587 بطريق الاستئناف: { قال يا قوم اعبدوا الله } أي وحده ~~وعلل ذلك بقوله: { ما لكم من إله غيره } ثم زيد فيما يبعثهم على ~~الإيمان والتوحيد ويحثهم على زيادة الإخلاص فيه بقوله: { هو ~~أنشأكم من الأرض } أي هو كونكم وخلقكم منها لا غيره، قصر ~~قلب أو قصر إفراد فإن خلق آدم عليه الصلاة والسلام منها خلق لجميع ~~أفراد البشر منها لما مر مرارا من أن خلقته عليه الصلاة والسلام لم ~~تكن مقصورة على نفسه بل كانت أنموذجا منطويا على خلق جميع ذرياته ~~التي ستوجد إلى يوم القيامة انطواء إجماليا، وقيل: إن خلق آدم عليه ~~الصلاة والسلام وإنشاء مواد النطف التي منها خلق نسله من التراب ~~إنشاء لجميع الخلق من الأرض فتدبر { واستعمركم } من العمر أي ~~عمركم واستبقاكم { فيها } أو من العمارة أي أقدركم على عمارتها أو ~~أمركم بها، وقيل: هو من العمرى بمعنى أعمركم فيها دياركم ويرثها ~~منكم بعد انصرام أعماركم أو جعلكم معمرين دياركم تسكنونها مدة ~~عمركم ثم تتركونها لمثلكم { فاستغفروه ثم توبوا إليه } فإن ما ~~فصل من فنون الإحسان داع إلى الاستغفار عما وقع منهم من التفريط ~~والتوبة عما كانوا يباشرونه من القبائح، وقد زيد في بيان ما يوجب ذلك ~~فقيل: { إن ربي قريب } أي قريب الرحمة كقوله تعالى: # إن رحمة الله قريب من المحسنين # [الاعراف: 56] { مجيب } لمن دعاه وسأله، وقد روعي في النظم الكريم ~~نكتة حيث قدم ذكر العلة الباعثة المتقدمة على الأمر بالاستغفار ~~والتوبة وأخر عنه ذكر الغائية المتأخرة عنهما في الوجود أعني ~~الإجابة. ### || [11.62-63] # { قالوا يا صالح قد كنت فينا مرجوا } أي كنا نرجو منك لما ~~كنا نرى منك من دلائل السداد ومخايل الرشاد أن تكون لنا سيدا ~~ومستشارا في الأمور. وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: فاضلا خيرا ~~نقدمك على جميعنا. وقيل: كنا نرجو أن تدخل في ديننا وتوافقنا على ما ~~نحن عليه. { قبل هذا } الذي باشرته من الدعوة إلى التوحيد وترك ~~عبادة الآلهة، أو قبل هذا الوقت فكأنهم لم يكونوا إلى الآن على يأس ms1588 من ~~ذلك ولو بعد الدعوة إلى الحق فالآن قد انصرم عنك رجاؤنا. وقرأ طلحة ~~مرجوءا بالمد والهمزة { أتنهانا أن نعبد ما يعبد آباؤنا } ~~أي عبدوه، والعدول إلى صيغة المضارع لحكاية الحال الماضية { ~~وإننا لفي شك مما تدعونا إليه } من التوحيد وترك ~~عبادة الأوثان وغير ذلك من الاستغفار والتوبة { مريب } أي موقع ~~في الريبة، من أرابه أي أوقعه في الريبة، أي قلق النفس وانتفاء ~~الطمأنينة أو من أراب إذا كان ذا ريبة وأيهما كان فالإسناد مجازي ~~والتنوين فيه وفي (شك) للتفخيم. # { قال يا قوم أرءيتم } أي أخبروني { إن كنت } في الحقيقة ~~{ على بينة } أي حجة ظاهرة وبرهان وبصيرة { من ربى } مالكي ~~ومتولي أمري { وآتانى منه } من جهته { رحمة } نبوة، وهذه ~~الأمور وإن كانت محققة الوقوع لكنها صدرت بكلمة الشك اعتبارا لحال ~~المخاطبين ورعاية لحسن المحاورة لاستنزالهم عن المكابرة { فمن ~~ينصرنى من الله } أي ينجيني من عذابه، والعدول إلى الإظهار ~~لزيادة التهويل والفاء لترتيب إنكار النصرة على ما سبق من إيتاء ~~النبوة وكونه على بينة من ربه على تقدير العصيان حسبما يعرب عنه ~~قوله تعالى: { إن عصيته } أي بالمساهلة في تبليغ الرسالة ~~والمجاراة معكم فيما تأتون وتذرون فإن العصيان ممن ذلك شأنه أبعد ~~والمؤاخذة عليه ألزم وإنكار نصرته أدخل { فما تزيدوننى } إذن ~~باستتباعكم إياي كما ينبىء عنه قولهم: { قد كنت فينا مرجوا ~~قبل هذا } أي لا تفيدونني إذ لم يكن فيه أصل الخسران حتى يزيدوه ~~{ غير تخسير } أي غير أن تجعلوني خاسرا بإبطال أعمالي وتعريضي ~~لسخط الله تعالى أو فما تزيدونني بما تقولون غير أن أنسبكم إلى ~~الخسران وأقول لكم: إنكم الخاسرون، فالزيادة على معناه، والفاء لترتيب ~~عدم الزيادة على انتفاء الناصر المفهوم من إنكاره على تقدير العصيان ~~مع تحقق ما ينفيه من كونه عليه الصلاة السلام على بينة من ربه وإيتائه ~~النبوة. ### || [11.64-65] # { ويا قوم هذه ناقة الله } الإضافة للتشريف والتنبيه ~~على أنها مفارقة لسائر ما يجانسها من حيث الخلقة ومن حيث الخلق { ~~لكم آية } معجزة دالة على صدق نبوتي وهي ms1589 حال من ناقة الله ~~والعامل ما في هذه من معنى الفعل ولكم حال من آية متقدمة عليها ~~لكونها نكرة، ولو تأخرت لكانت صفة لها ويجوز أن يكون ناقة الله بدلا ~~من هذه أو عطف بيان ولكم خبرا وعاملا في آية { فذروها } خلوها ~~وشأنها { تأكل فى أرض الله } ترعى نباتها وتشرب ماءها، ~~وإضافة الأرض إلى الله تعالى لتربية استحقاقها لذلك وتعليل الأمر ~~بتركها وشأنها { ولا تمسوها بسوء } بولغ في النهي عن التعرض ~~لها بما يضرها حيث نهي عن المس الذي هو من مبادىء الإصابة ونكر ~~السوء أي لا تضربوها ولا تطردوها ولا تقربوها بشيء من السوء فضلا عن ~~عقرها وقتلها { فيأخذكم عذاب قريب } أي قريب النزول. ~~وروي أنهم طلبوا منه أن يخرج من صخرة تسمى الكائبة ناقة عشراء ~~مخترجة جوفاء وبراء، وقالوا: إن فعلت ذلك صدقناك فأخذ صالح عليه ~~الصلاة والسلام عليهم مواثيقهم: لئن فعلت ذلك لتؤمنن؟ فقالوا: نعم، ~~فصلى ودعا ربه فتمخضت الصخرة تمخض النتوج بولدها فانصدعت عن ~~ناقة عشراء كما وصفوا وهم ينظرون ثم أنتجت ولدا مثلها في العظم ~~فآمن به جندع بن عمرو في جماعة، ومنع الباقين من الإيمان دوأب ~~بن عمرو والحباب صاحب أوثانهم ورباب كاهنهم فمكثت الناقة مع ولدها ~~ترعى الشجر وترد الماء غبا فما ترفع رأسها من البئر حتى تشرب ~~كل ما فيها ثم تتفحج فيحلبون ما شاءوا حتى تمتلىء أوانيهم فيشربون ~~ويدخرون وكانت تصيف بظهر الوادي فتهرب منها أنعامهم إلى بطنه وتشتو ~~ببطنه فتهرب مواشيهم إلى ظهره فشق عليهم ذلك. # { فعقروها } قيل: زينت عقرها لهم عنيزة أم غنم وصدقة ~~بنت المختار فعقروها واقتسموا لحمها فرقي سقبها جبلا اسمه قارة ~~فرغا ثلاثا، فقال صالح لهم: أدركوا الفصيل عسى أن يرفع عنكم العذاب ~~فلم يقدروا عليه وانفجرت الصخرة بعد رغائه فدخلها { فقال } لهم ~~صالح { تمتعوا } أي عيشوا { فى داركم } أي في منازلكم أو في ~~الدنيا { ثلثة أيام } قيل: قال لهم: تصبح وجوهكم غدا مصفرة ~~وبعد غد محمرة واليوم الثالث مسودة ثم يصبحكم العذاب { ذلك ~~} إشارة إلى ms1590 ما يدل عليه الأمر بالتمتع ثلاثة أيام من نزول العذاب ~~عقيبها، والمراد بما فيه من معنى البعد تفخيمه { وعد غير ~~مكذوب } أي غير مكذوب فيه فخذف الجار للاتساع المشهور كقوله: # ويوم شهدناه سليما وعامرا # [قليل سوى الطعن النهال نوافله # أو غير مكذوب، كأن الواعد قال له: أفي بك فإن وفى به صدقه وإلا ~~كذبه، أو وعد غير كذب على أنه مصدر كالمجلود والمعقول. ### || [11.66-68] # { فلما جاء أمرنا } أي عذابنا أو أمرنا بنزوله وفيه ما لا ~~يخفى من التهويل { نجينا صلحا والذين ءامنوا معه } ~~متعلق بنجينا أو بآمنوا { برحمة } بسبب رحمة عظيمة { منا } وهي ~~بالنسبة إلى صالح النبوة وإلى المؤمنين الإيمان كما مر أو ملتبسين ~~برحمة ورأفة منا { ومن خزى يومئذ } أي ونجيناهم من خزي ~~يومئذ، وهو هلاكهم بالصيحة كقوله تعالى: # ونجيناهم من عذاب غليظ # [هود: 58] على معنى أنه كانت تلك التنجية تنجية من خزي يومئذ، أي من ~~ذلته ومهانته أو ذلهم وفضيحتهم يوم القيامة كما فسر به العذاب ~~الغليظ فيما سبق فيكون المعنى ونجيناهم من عذاب يوم القيامة بعد ~~تنجيتنا إياهم من عذاب الدنيا، وعن نافع بالفتح على اكتساب المضاف ~~البناء من المضاف إليه هنا وفي المعارج في قوله تعالى: # من عذاب يومئذ # [المعارج: 11] وقرىء بالتنوين ونصب يومئذ { إن ربك } الخطاب ~~لرسول الله صلى الله عليه وسلم { هو القوى العزيز } القادر ~~على كل شيء والغالب عليه لا غيره ولكون الإخبار بتنجية الأولياء لا ~~سيما عند الإنباء بحلول العذاب أهم ذكرها أولا ثم أخبر بهلاك ~~الأعداء فقال: { وأخذ الذين ظلموا } عدل عن المضمر إلى ~~المظهر تسجيلا عليهم بالظلم وإشعارا بعليته لنزول العذاب بهم { ~~الصيحة } أي صيحة جبريل عليه الصلاة والسلام، وقيل: أتتهم من ~~السماء صحية فيها صوت كل صاعقة وصوت كل شيء في الأرض فتقطعت ~~قلوبهم في صدورهم وفي سورة الأعراف: { فأخذتهم الرجفة } ~~ولعلها وقعت عقيب الصيحة المستتبعة لتموج الهواء { فأصبحوا ~~} أي صاروا { فى ديارهم } أي بلادهم أو مساكنهم { جثمين } ~~هامدين موتى لا يتحركون، والمراد كونهم كذلك عند ابتداء نزول ~~العذاب ms1591 بهم من غير اضطراب وحركة كما يكون ذلك عند الموت المعتاد ولا ~~يخفى ما فيه من الدلالة على شدة الأخذ وسرعته، اللهم إنا نعوذ بك من ~~حلول غضبك. # قيل: لما رأوا العلامات التي بينها صالح من اصفرار وجوههم ~~واحمرارها واسودادها عمدوا إلى قتله عليه الصلاة والسلام فنجاه الله ~~تعالى إلى أرض فلسطين ولما كان ضحوة اليوم الرابع وهو يوم السبت تحنطوا ~~وتكفنوا بالأنطاع فأتتهم الصيحة فتقطعت قلوبهم فهلكوا { كأن لم ~~يغنوا } أي كأنهم لم يقيموا { فيها } في بلادهم أو في مساكنهم، ~~وهو في موقع الحال أي أصبحوا جاثمين مماثلين لمن لم يوجد ولم يقم ~~في مقام قط { ألا إن ثمود } وضع موضع الضمير لزيادة البيان، ~~ونونه أبو بكر هنا وفي النجم وقرأ حفص هنا وفي الفرقان والعنكبوت بغير ~~تنوين { كفروا ربهم } صرح بكفرهم مع كونه معلوما مما سبق من ~~أحوالهم تقبيحا لحالهم وتعليلا لاستحقاقهم بالدعاء عليهم بالبعد ~~والهلاك في قوله تعالى: { ألا بعدا لثمود } وقرأ الكسائي ~~بالتنوين. ### || [11.69-70] # { ولقد جاءت رسلنا إبرهيم } وهم الملائكة. عن ابن عباس ~~رضي الله عنهما أنهم جبريل وملكان. وقيل: هم جبريل وميكائيل ~~وإسرافيل عليهم السلام. وقال الضحاك: كانوا تسعة، وعن محمد بن كعب ~~جبريل ومعه سبعة. وعن السدي أحد عشر على صور الغلمان الوضاء ~~وجوههم. وعن مقاتل كانوا اثني عشر ملكا وإنما أسند إليهم مطلق ~~المجيء بالبشرى دون الإرسال لأنهم لم يكونوا مرسلين إليه عليه السلام ~~بل إلى قوم لوط لقوله تعالى: { إنا أرسلنا إلى قوم لوط ~~} ، وإنما جاؤوه لداعية البشرى ولما كان المقصود في السورة الكريمة ~~ذكر سوء صنيع الأمم السالفة مع الرسل المرسلة إليهم ولحوق العذاب ~~بهم بسبب ذلك ولم يكن جميع قوم إبراهيم عليه الصلاة والسلام ممن لحق ~~بهم العذاب بل إنما لحق بقوم لوط منهم خاصة غير الأسلوب المطرد ~~فيما سبق من قوله تعالى: # وإلى عاد أخاهم هودا # [الأعراف: 65] # وإلى ثمود أخاهم صلحا # [الأعراف: 73] ثم رجع إليه حيث قيل: # وإلى مدين أخهم شعيبا # [الأعراف: 85] # بالبشرى # أي ملتبسين بها قيل: هي مطلق ms1592 البشرى المنتظمة للبشارة بالولد من ~~سارة لقوله تعالى: { فبشرنها بإسحق } الآية، وقوله ~~تعالى: # فبشرنه بغلم حليم # [الصافات: 101] وقوله: # وبشروه بغلم عليم # وللبشارة بعدم لحوق الضرر به لقوله تعالى: { فلما ذهب عن ~~إبرهيم الروع وجاءته البشرى } لظهور تفرع المجادلة ~~على مجيئها كما سيأتي وقيل: هي البشارة بهلاك قوم لوط ويأباه مجادلته ~~عليه الصلاة والسلام في شأنهم، والأظهر أنها البشارة بالولد وستعرف ~~سر تفرع المجادلة على ذلك ولما كان الإخبار بمجيئهم بالبشرى ~~مظنة لسؤال السامع بأنهم ما قالوا أجيب بأنهم { قالوا سلاما } ~~أي سلمنا أو نسلم عليك سلاما ويجوز أن يكون نصبه بقالوا أي قالوا ~~قولا ذا سلام أو ذكروا سلاما { قال سلم } أي عليكم سلام أو ~~سلام عليكم حياهم بأحسن من تحيتهم وقرىء سلم كحرم في حرام، وقرأ ابن ~~أبي عبلة قال: سلاما وعنه أنه قرأ بالرفع فيهما { فما لبث } أي ~~إبراهيم { أن جاء بعجل } أي في المجيء به أو ما لبث مجيئه بعجل { ~~حنيذ } أي مشوي بالرضف في الأخدود وقيل: سمين يقطر ودكه ~~لقوله: بعجل سمين من حنذت الفرس إذا عرقته بالجلال. # { فلما رأى أيديهم لا تصل إليه } لا يمدون إليه ~~أيديهم للأكل { نكرهم } أي أنكرهم يقال: نكره وأنكره واستنكره ~~بمعنى، وإنما أنكرهم لأنهم كانوا إذا نزل بهم ضيف ولم يأكل من طعامهم ~~ظنوا أنه لم يجىء بخير، وقد روي أنهم كانوا ينكتون بقداح كانت في أيديهم ~~في اللحم ولا تصل إليه أيديهم وهذا الإنكار منه عليه الصلاة والسلام ~~راجع إلى فعلهم المذكور وأما إنكاره المتعلق بأنفسهم فلا تعلق له ~~برؤية عدم أكلهم، وإنما وقع ذلك عند رؤيته لهم لعدم كونهم من جنس ما ~~كان يعهده من الناس، ألا يرى إلى قوله تعالى في سورة الذاريات: # سلم قوم منكرون # { وأوجس منهم } أي أحس أو أضمر من جهتهم { خيفة } لما ~~ظن أن نزولهم لأمر أنكره الله تعالى عليه أو لتعذيب قومه، وإنما ~~أخر المفعول الصريح على الظرف، لأن المراد الإخبار بأنه عليه ~~الصلاة والسلام أوجس من جهتهم شيئا هو الخيفة لا ms1593 أنه أوجس الخيفة من ~~جهتهم لا من جهة غيرهم، وتحقيقه أن تأخير ما حقه التقديم يوجب ~~ترقب النفس إليه فيتمكن عند وروده عليها فضل تمكن { قالوا لا ~~تخف } ما قالوه بمجرد ما رأوا منه مخايل الخوف إزالة له منه بل بعد ~~إظهاره عليه الصلاة والسلام له قال تعالى في سورة الحجر: # قال إنا منكم وجلون # ولم يذكر ذلك ههنا اكتفاء بذلك { إنا أرسلنا } ظاهره أنه ~~استئناف في معنى التعليل للنهي المذكور كما أن قوله تعالى: # إنا نبشرك # [الحجر: 53] تعليل لذلك فإن إرسالهم إلى قوم آخرين يوجب أمنهم من ~~الخوف أي أرسلنا بالعذاب { إلى قوم لوط } خاصة إلا أنه ليس ~~كذلك فإن قوله تعالى: # قال فما خطبكم أيها المرسلون قالوا إنآ ~~أرسلنآ إلى قوم مجرمين # [الحجر: 57, 58] صريح في أنهم قالوه جوابا عن سؤاله عليه الصلاة ~~والسلام، وقد أوجز الكلام اكتفاء بذلك. ### || [11.71-72] # { وامرأته قائمة } وراء الستر بحيث تسمع محاورتهم أو على ~~رؤوسهم للخدمة حسبما هو المعتاد، والجملة حال من ضمير قالوا أي قالوه ~~وهي قائمة تسمع مقالتهم { فضحكت } سرورا بزوال الخوف أو بهلاك ~~أهل الفساد أو بهما جميعا، وقيل: بوقوع الأمر حسبما كانت تقول فيما ~~سلف، فإنها كانت تقول لإبراهيم اضمم إليك لوطا فإني أرى أن العذاب ~~نازل بهؤلاء القوم، وقيل: ضحكت حاضت، ومنه ضحكت الشجرة إذا سال ~~صمغها وهو بعيد، وقرىء بفتح الحاء { فبشرنها بإسحق } أي ~~عقبنا سرورها بسرور أتم منه على ألسنة رسلنا { ومن وراء ~~إسحق يعقوب } بالنصب على أنه مفعول لما دل عليه قوله: ~~بشرناها أي ووهبنا لها من وراء إسحاق يعقوب، وقرىء بالرفع على الابتداء ~~خبره الظرف أي من بعد إسحاق يعقوب مولود أو موجود، وكلا الاسمين ~~داخل في البشارة كيحيي أو واقع في الحكاية بعد أن ولدا فسميا بذلك، ~~وتوجيه البشارة ههنا إليها مع أن الأصل في ذلك إبراهيم عليه الصلاة ~~والسلام وقد وجهت إليه حيث قيل: # فبشرنه بغلم حليم # [الصافات: 101] # وبشروه بغلم عليم # [الذاريات: 28] للإيذان بأن ما بشر به يكون منهما ولكونها عقيمة ~~حريصة على ms1594 الولد. # { قالت } استئناف ورد جوابا عن سؤال من سأل وقال: فما فعلت إذ ~~بشرت بذلك؟ فقيل: قالت: { يويلتا } أصل الويل الخزي ثم شاع في ~~كل أمر فظيع، والألف مبدلة من ياء الإضافة كما في يا لهفا ويا ~~عجبا، وقرأ الحسن على الأصل، وأمالها أبو عمرو، وعاصم، في رواية ومعناه ~~يا ويلتي احضري فهذا أوان حضورك وقيل: هي ألف الندبة ويوقف عليها ~~بهاء السكت { ءألد وأنا عجوز } بنت تسعين أو تسع وتسعين ~~سنة { وهذا } الذي تشاهدونه { بعلى } أي زوجي، وأصل البعل ~~القائم بالأمر { شيخا } وكان ابن مائة وعشرين سنة، ونصبه على ~~الحال والعامل معنى الإشارة وقرىء بالرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف أي ~~هو شيخ أو خبر بعد خبر، أو هو الخبر وبعلي بدل من اسم الإشارة أو ~~بيان له، وكلتا الجملتين وقعت حالا من الضمير في أألد لتقرير ما فيه ~~من الاستبعاد وتعليله، أي أألد وكلانا على حالة منافية لذلك، وإنما ~~قدمت بيان حالها على بيان حاله عليه الصلاة والسلام لأن مباينة ~~حالها لما ذكر من الولادة أكثر، إذ ربما يولد للشيوخ من الشواب، أما ~~العجائز داؤهن عقام ولأن البشارة متوجهة إليها صريحا، ولأن العكس ~~في البيان ربما يوهم من أول الأمر نسبة المانع من الولادة إلى جانب ~~إبراهيم عليه الصلاة والسلام وفيه ما لا يخفى من المحذور، واقتصار ~~الاستبعاد على ولادتها من غير تعرض لحال النافلة لأنها المستبعد، ~~وأما ولادة ولدها فلا يتعلق بها استبعاد { إن هذا } أي ما ذكر ~~من حصول الولد من هرمين مثلنا { لشىء عجيب } بالنسبة إلى سنة ~~الله تعالى المسلوكة فيما بين عباده، وهذه الجملة لتعليل الاستبعاد ~~بالنسبة إلى قدرته سبحانه وتعالى. ### || [11.73-74] # { قالوا أتعجبين من أمر الله } أي قدرته وحكمته أو ~~تكوينه أو شأنه أنكروا عليها تعجيبا من ذلك لأنها كانت ناشئة في بيت ~~النبوة ومهبط الوحي والآيات، ومظهر المعجزة والأمور الخارقة ~~للعادات فكان حقها أن تتوقر ولا يزدهيها ما يزدهي سائر النساء من ~~أمثال هذه الخوارق من ألطاف الله تعالى الخفية ولطائف صنعه ms1595 الفائضة ~~على كل أحد مما يتعلق بذلك مشيئته الأزلية لا سيما على أهل بيت ~~النبوة الذين ليست مرتبتهم عند الله سبحانه كمراتب سائر الناس وأن ~~تسبح الله تعالى وتحمده وتمجده وإلى ذلك أشاروا بقوله تعالى: { ~~رحمة الله } التي وسعت كل شيء واستتبعت كل خير، وإنما ~~وضع المظهر موضع المضمر لزيادة تشريفها { وبركته } أي ~~خيراته النامية المتكاثرة في كل باب التي من جملتها هبة الأولاد، ~~وقيل: الرحمة النبوة والبركات الأسباط من بني إسرائيل لأن ~~الأنبياء منهم وكلهم من ولد إبراهيم عليهم الصلاة والسلام { ~~عليكم أهل البيت } نصب على المدح أو الاختصاص لأنهم أهل ~~بيت خليل الرحمن، وصرف الخطاب من صيغة الواحدة إلى جمع المذكر ~~لتعميم حكمه لإبراهيم عليه الصلاة والسلام أيضا ليكون جوابهم لها ~~جوابا له أيضا إن خطر بباله مثل ما خطر ببالها، والجملة كلام ~~مستأنف علل به إنكار تعجبها كأنه قيل: ليس المقام مقام التعجيب ~~فإن الله تعالى على كل شيء قدير ولستم يا أهل بيت النبوة والكرامة ~~والزلفى كسائر الطوائف بل رحمته المستتبعة لكل خير الواسعة لكل ~~شيء، وبركاته أي خيراته النامية الفائضة منه بواسطة تلك الرحمة ~~الواسعة لازمة لكم لا تفارقكم { إنه حميد } فاعل ما يستوجب ~~الحمد { مجيد } كثير الخير والإحسان إلى عباده. والجملة لتعليل ما ~~سبق من قوله: { رحمة الله وبركاته عليكم }. # { فلما ذهب عن إبرهيم الروع } أي ما أوجس منهم من ~~الخيفة واطمأن قلبه بعرفانهم وعرفان سبب مجيئهم، والفاء لربط بعض ~~أحوال إبراهيم عليه الصلاة والسلام ببعض غب انفصالها بما ليس ~~بأجنبي من كل وجه بل له مدخل تام في السباق والسياق، وتأخير ~~الفاعل عن الظرف لأنه مصب الفائدة، فإن بتأخير ما حقه التقديم ~~تبقى النفس منتظرة إلى وروده فيتمكن فيها عند وروده إليها فضل تمكن ~~{ وجاءته البشرى } إن فسرت البشرى بقولهم: لا تخف فسببيه ~~ذهاب الخوف ومجيء السرور للمجادلة المدلول عليها بقوله تعالى: { ~~يجدلنا فى قوم لوط } أي جادل رسلنا في شأنهم. وعدل إلى ~~صيغة الاستقبال لاستحضار صورتها أو طفق يجادلنا ظاهرة، وأما إن ms1596 ~~فسرت ببشاره الولد أو بما يعمها فلعل سببيتها لها من حيث إنها ~~تفيد زيادة اطمئنان قلبه بسلامته وسلامة أهله كافة، ومجادلته إياهم ~~أنه قال لهم حين قالوا له: إنا مهلكو أهل هذه القرية: أرأيتم لو كان ~~فيها خمسون رجلا من المؤمنين أتهلكونها؟ قالوا: لا، قال: فأربعون؟ ~~قالوا: لا، فثلاثون؟ قالوا: لا، حتى بلغ العشرة قالوا: لا، قال: أرأيتم ~~إن كان فيها رجل مسلم أتهلكونها؟ قالوا: لا، فعند ذلك قال: إن فيها ~~لوطا قالوا: نحن أعلم بمن فيها لننجينه وأهله. # إن قيل: المتبادر من هذا الكلام أن يكون إبراهيم عليه السلام قد علم ~~أنهم مرسلون لإهلاك قوم لوط قبل ذهاب الروع عن نفسه ولكن لم يقدر ~~على مجادلتهم في شأنهم لاشتغاله بشأن نفسه فلما ذهب عنه الروع فرغ لها ~~مع أن ذهاب الروع إنما هو قبل العلم بذلك لقوله تعالى: # قالوا لا تخف إنا أرسلنا إلى قوم لوط # [هود: 70] قلنا: كان لوط عليه السلام على شريعة إبراهيم عليه السلام ~~وقومه مكلفين بها فلما رأى من الملائكة ما رأى خاف على نفسه وعلى كافة ~~أمته التي من جملتهم قوم لوط، ولا ريب في تقدم هذا الخوف على قولهم: ~~لا تخف، وأما الذي علمه عليه السلام بعد النهي عن الخوف فهو اختصاص قوم ~~لوط بالهلاك لا دخولهم تحت العموم فتأمل والله الموفق. ### || [11.75-77] # { إن إبرهيم لحليم } غير عجول على الانتقام ممن أساء ~~إليه { أواه } كثير التأوه على الذنوب والتأسف على الناس { ~~منيب } راجع إلى الله تعالى والمقصود بتعداد صفاته الجميلة ~~المذكورة بيان ما حمله عليه السلام على ما صدر عنه من المجادلة. # { يا إبراهيم } أي قالت الملائكة: يا إبراهيم { أعرض عن ~~هذا } الجدال { إنه } أي الشأن { قد جاء أمر ربك } أي ~~قدره الجاري على وفق قضائه الأزلي الذي هو عبارة عن الإرادة ~~الأزلية والعناية الإلهية المقتضية لنظام الموجودات على ترتيب خاص ~~حسب تعلقها بالأشياء في أوقاتها، وهو المعبر عنه بالقدر { ~~وإنهم آتيهم عذاب غير مردود } لا بجدال ولا بدعاء ولا ~~بغيرهما. { ولما جاءت ms1597 رسلنا لوطا } قال ابن عباس رضي الله ~~عنهما: انطلقوا من عند إبراهيم عليه السلام إلى لوط عليه السلام وبين ~~القريتين أربعة فراسخ ودخلوا عليه في صور غلمان مرد حسان الوجوه ~~فلذلك { سىء بهم } أي ساءه مجيئهم لظنه أنهم أناس فخاف أن يقصدهم ~~قومه ويعجز عن مدافعتهم، وقرأ نافع وابن عامر، والكسائي وأبو عمرو: ~~سيء وسيئت بإشمام السين الضم. روي أن الله تعالى قال للملائكة: «لا ~~تهلكوهم حتى يشهد عليهم لوط أربع شهادات» فلما مشى معهم منطلقا بهم ~~إلى منزله قال لهم: أما بلغكم أمر هذه القرية؟ قالوا: وما أمرها؟ قال: ~~أشهد بالله إنها لشر قرية في الأرض عملا، يقول ذلك أربع مرات ~~فدخلوا معه منزله ولم يعلم بذلك أحد فخرجت امرأته فأخبرت به قومها ~~وقالت: إن في بيت لوط رجالا ما رأيت مثل وجوههم قط { وضاق ~~بهم ذرعا } أي ضاق بمكانهم صدره أو قلبه أو وسعه وطاقته وهو ~~كناية عن شدة الانقباض للعجز عن مدافعة المكروه والاحتيال فيه، وقيل: ~~ضاقت نفسه عن هذا الحادث، وذكر الذرع مثل وهو المساحة، وكأنه قدر ~~البدن مجازا أي إن بدنه ضاق قدره من احتمال ما وقع، وقيل: الذراع ~~اسم للجارحة من المرفق إلى الأنامل، والذرع مدها، ومعنى ضيق ~~الذرع في قوله تعالى: { وضاق بهم ذرعا } قصرها كما أن معنى ~~سعتها وبسطتها طولها، ووجه التمثيل بذلك أن القصير الذراع إذا مدها ~~ليتناول ما يتناول الطويل الذراع تقاصر عنه وعجز عن تعاطيه، فضرب ~~مثلا للذي قصرت طاقته دون بلوغ الأمر { وقال هذا يوم ~~عصيب } شديد، من عصبه إذا شده. ### || [11.78-80] # { وجاءه } أي لوطا وهو في بيته مع أضيافه { قومه يهرعون ~~إليه } أي يسرعون كأنما يدفعون دفعا لطلب الفاحشة من أضيافه، ~~والجملة حال من قومه وكذا قوله تعالى: { ومن قبل } أي من قبل هذا ~~الوقت { كانوا يعملون السيئات } أي جاءوا مسرعين والحال ~~أنهم كانوا منهمكين في علم السيئات فضروا بها وتمرنوا فيها حتى لم ~~يبق عندهم قباحتها ولذلك لم يستحيوا مما فعلوا من مجيئهم مهرعين ~~مجاهرين { قال ms1598 يا قوم هؤلاء بناتى هن أطهر لكم } ~~فتزوجوهن وكانوا يطلبونهن من قبل ولا يجيبهم لخبثهم وعدم كفاءتهم ~~لا لعدم مشروعيته فإن تزويج المسلمات من الكفار كان جائزا وقد زوج ~~النبي عليه الصلاة والسلام ابنتيه من عتبة بن أبي لهب، وأبي ~~العاص بن الربيع قبل الوحي وهما كافران، وقيل: كان لهم سيدان مطاعان ~~فأراد أن يزوجهما ابنتيه وأيا ما كان فقد أراد به وقاية ضيفه وذلك ~~غاية الكرم، وقيل: ما كان ذلك القول منه مجرى على الحقيقة من إرادة ~~النكاح بل كان ذلك مبالغة في التواضع لهم وإظهارا لشدة امتعاضه مما ~~أرادوه عليه طمعا في أن يستحيوا منه ويرقوا له إذا سمعوا ذلك فينزجروا ~~عما أقدموا عليه مع ظهور الأمر واستقرار العلم عنده وعندهم بأن لا ~~مناكحة بينهم وهو الأنسب بقولهم: لقد علمت ما لنا في بناتك من حق كما ~~ستقف عليه { فاتقوا الله } بترك الفواحش أو بإيثارهن عليهم { ~~ولا تخزون فى ضيفى } أي لا تفضحوني في شأنهم فإن إخزاء ضيف ~~الرجل وجاره إخزاء له أو لا تخجلوني من الخزاية وهي الحياء { أليس ~~منكم رجل رشيد } يهتدي إلى الحق الصريح ويرعوي عن الباطل ~~القبيح. # { قالوا } معرضين عما نصحهم به من الأمر بتقوى الله والنهي عن إخزائه ~~مجيبين عن أول كلامه { لقد علمت ما لنا فى بناتك من ~~حق } مستشهدين بعلمه بذلك يعنون إنك قد علمت ألا سبيل إلى المناكحة ~~بيننا وبينك وما عرضك إلا عرض سابري ولا مطمع لنا في ذلك { ~~وإنك لتعلم ما نريد } من إتيان الذكران، ولما يئس عليه ~~السلام من ارعوائهم عما هم عليه من الغي { قال لو أن لى بكم ~~قوة } أي لفعلت بكم ما فعلت وصنعت ما صنعت كقوله تعالى: # ولو أن قرانا سيرت به الجبال أو قطعت به ~~الأرض أو كلم به الموتى # [الرعد: 31] { أو آوى إلى ركن شديد } عطف على أن لي بكم ~~إلى آخره لما فيه من معنى الفعل أي لو قويت على دفعكم بنفسي أو أويت ~~إلى ناصر عزيز قوي أتمنع به ms1599 عنكم، شبهه بركن الجبل في الشدة ~~والمنعة. وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم: # " رحم الله أخي لوطا كان يأوي إلى ركن شديد " # روي أنه عليه السلام أغلق بابه دون أضيافه وأخذ يجادلهم من وراء الباب ~~فتسوروا الجدار فلما رأت الملائكة ما على لوط من الكرب. ### || [11.81] # { قالوا } أي الرسل لما شاهدوا عجزه عن مدافعة قومه { يلوط ~~إنا رسل ربك لن يصلوا إليك } بضرر ولا مكروه فافتح ~~الباب ودعنا وإياهم ففتح الباب فدخلوا فاستأذن جبريل عليه السلام ربه ~~رب العزة جل جلاله في عقوبتهم فأذن له فقام في الصورة التي يكون فيها ~~فنشر جناحه وله جناحان وعليه وشاح من در منظوم وهو براق الثنايا ~~فضرب بجناحه وجوههم فطمس أعينهم وأعماهم كما قال عز وعلا: # فطمسنا أعينهم # [القمر: 37] فصاروا لا يعرفون الطريق فخرجوا وهم يقولون: النجاء فإن ~~في بيت لوط قوما سحرة { فأسر بأهلك } بالقطع، من الإسراء، ~~وقرأ ابن كثير، ونافع، بالوصل حيث جاء في القرآن من السرى، والفاء ~~لترتيب الأمر بالإسراء على الإخبار برسالتهم المؤذنة بورود الأمر ~~والنهي من جنابه عز وجل إليه عليه السلام { بقطع من اليل } في ~~طائفة منه. # { ولا يلتفت منكم } أي لا يتخلف أو لا ينظر إلى ورائه { ~~أحد } منك ومن أهلك، وإنما نهوا عن ذلك ليجدوا في السير فإن من ~~يلتفت إلى ما وراءه لا يخلو عن أدنى وقفة أو لئلا تروا ما ينزل من ~~العذاب فترقوا لهم { إلا امرأتك } استثناء من قوله تعالى: { ~~فأسر بأهلك } ويؤيده أنه قرىء فأسر بأهلك بقطع من الليل إلا ~~امرأتك، وقرىء بالرفع على البدل من أحد، فالالتفات بمعنى التخلف، لا ~~بمعنى النظر إلى الخلف كيلا يلزم التناقض بين القراءتين المتواترتين ~~فإن النصب يقتضي كونه عليه السلام غير مأمور بالإسراء بها، والرفع ~~كونه مأمورا بذلك، والاعتذار بأن مقتضى الرفع إنما هو مجرد كونها ~~معهم وذلك لا يستدعي الأمر بالإسراء بها حتى يلزم المناقضة لجواز أن ~~تسري هي بنفسها كما يرى أنه عليه السلام لما أسرى بأهله تبعتهم ~~فلما سمعت هدة ms1600 العذاب التفتت وقالت: يا قوماه فأدركها حجر فقتلها وأن ~~يسري بها عليه السلام من غير أمر بذلك إذ موجب النصب إنما هو عدم ~~الأمر بالإسراء بها لا النهي عن الإسراء بها حتى يكون عليه السلام ~~بالإسراء بها مخالفا للنهي لا يجدي نفعا لأن انصراف الاستثناء إلى ~~الالتفات يستدعي بقاء الأهل على العموم فيكون الإسراء بها مأمورا به ~~قطعا، وفي حمل الأهلية في إحدى القراءتين على الأهلية الدينية وفي ~~الأخرى على النسبية مع أن فيه ما لا يخفى من التحكم والاعتساف كر ~~على ما فر منه من المناقضة، فالأولى حينئذ جعل الاستثناء على ~~القراءتين من قوله: { لا يلتفت } مثل الذي في قوله تعالى: # ما فعلوه إلا قليل منهم # [النساء: 66] فإن ابن عامر قرأه بالنصب وإن كان الأفصح الرفع على ~~البدل، ولا بعد في كون أكثر القراء على غير الأفصح ولا يلزم من ذلك ~~أمرها بالالتفات بل عدم نهيها عنه بطريق الاستصلاح ولذلك علله على ~~طريقة الاستئناف بقوله: { إنه مصيبها ما أصابهم } من ~~العذاب، وهو إمطار الأحجار وإن لم يصبها الخسف، والضمير في إنه للشأن ~~وقوله تعالى: { مصيبها } خبر وقوله: { ما أصبهم } مبتدأ ~~والجملة خبر لإن الذي اسمه ضمير الشأن، وفيه ما لا يخفى من تفخيم ~~شأن ما أصابهم، ولا يحسن جعل الاستثناء منقطعا على قراءة الرفع. # { إن موعدهم الصبح } أي موعد عذابهم وهلاكهم، تعليل ~~للأمر بالإسراء والنهي عن الالتفات المشعر بالحث على الإسراع { ~~أليس الصبح بقريب } تأكيد للتعليل فإن قرب الصبح داع إلى ~~الإسراع في الإسراء للتباعد عن مواقع العذاب، وروي أنه قال للملائكة: متى ~~موعد هلاكهم؟ قالوا: الصبح، قال: أريد أسرع من ذلك فقالوا ذلك. وإنما ~~جعل ميقات هلاكهم الصبح لأنه وقت الدعة والراحة فيكون حلول ~~العذاب حينئذ أفظع ولأنه أنسب بكون ذلك عبرة للناظرين. ### || [11.82-83] # { فلما جاء أمرنا } أي وقت عذابنا وموعده وهو الصبح { ~~جعلنا عليها } أي عالي قرى قوم لوط وهي التي عبر عنها ~~بالمؤتفكات، وهي خمس مدائن فيها أربعمائة ألف ألف { سافلها } ~~أي قلبناها على تلك الهيئة ms1601 وجعل عاليها مفعولا أول للجعل وسافلها ~~مفعولا ثانيا له وإن تحقق القلب بالعكس أيضا لتهويل الأمر وتفظيع ~~الخطب لأن جعل عاليها الذي هو مقارهم ومساكنهم سافلها أشد ~~عليهم وأشق من جعل سافلها عاليها وإن كان مستلزما له. روي أنه جعل ~~جبريل عليه السلام جناحه في أسفلها ثم رفعها إلى السماء حتى سمع أهل ~~السماء نباح الكلاب وصياح الديكة ثم قلبها عليهم، وإسناد الجعل ~~والإمطار إلى ضميره سبحانه باعتبار أنه المسبب لتفخيم الأمر وتهويل ~~الخطب { وأمطرنا عليها } على أهل المدائن أو شذاذهم { ~~حجارة من سجيل } من طين متحجر كقوله: # حجارة من طين # وأصله سنك كل فعرب وقيل: هو من أسجله إذا أرسله أو أدر عطيته ~~والمعنى: من مثل الشيء المرسل أو مثل العطية في الإدرار أو من ~~السجل أي مما كتب الله تعالى أن يعذبهم به، وقيل: أصله من سجين أي ~~من جهنم فأبدلت نونه لاما { منضود } نضد في السماء نضدا معدا ~~للعذاب، وقيل: يرسل بعضه إثر بعض كقطار الأمطار { مسومة } ~~معلمة للعذاب. وقيل: معلمة ببياض وحمرة أو بسيما تتميز به عن ~~حجارة الأرض أو باسم من ترمى به { عند ربك } في خزائنه التي لا ~~يتصرف فيها غيره عز وجل { وما هى } أي الحجارة الموصوفة { من ~~الظلمين } من كل ظالم { ببعيد } فإنهم بسبب ظلمهم مستحقون ~~لها وملابسون بها، وفيه وعيد شديد لأهل الظلم كافة. وعن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم أنه سأل جبريل عليه السلام فقال: يعني ظالمي أمتك ~~ما من ظالم منهم إلا وهو بمعرض حجر يسقط عليه من ساعة إلى ساعة. وقيل: ~~الضمير للقرى أي هي قريبة من ظالمي مكة يمرون بها في مسايرهم ~~وأسفارهم إلى الشام، وتذكير البعيد على تأويل الحجارة بالحجر أو ~~إجرائه على موصوف مذكر أي بشي بعيد أو بمكان بعيد فإنها وإن كانت في ~~السماء وهي في غاية البعد من الأرض إلا أنها حين هوت منها فهي أسرع ~~شيء لحوقا بهم فكأنها بمكان قريب منهم. أو لأنه على زنة المصدر ~~كالزفير والصهيل والمصادر يستوي ms1602 في الوصف بها المذكر والمؤنث. ### || [11.84-85] # { وإلى مدين } أي أولاد مدين بن إبراهيم عليه السلام أو جعل ~~اسما للقبيلة بالغلبة أو أهل مدين وهو بلد بناه مدين فسمي باسمه ~~{ أخهم } أي نسيبهم { شعيبا } وهو ابن ميكيل بن يشجر بن ~~مدين وكان يقال له خطيب الأنبياء لحسن مراجعته قومه، والجملة ~~معطوفة على قوله تعالى: # إلى ثمود أخاهم صلحا # [هود: 61] أي وأرسلنا إلى مدين أخاهم شعيبا { قال } استئناف وقع ~~جوابا عن سؤال نشأ عن صدر الكلام فكأنه قيل: فماذا قال لهم؟ فقيل: قال ~~كما قال من قبله من الرسل عليهم السلام { يا قوم اعبدوا الله ~~} وحده ولا تشركوا به شيئا { ما لكم من إله غيره } ~~تحقيق للتوحيد وتعليل للأمر به وبعد ما أمرهم بما هو ملاك أمر الدين ~~وأول ما يجب على المكلفين نهاهم عن ترتيب مبادىء ما اعتادوه من ~~البخس والتطفيف عادة مستمرة فقال: { ولا تنقصوا المكيال ~~والميزان } كي تتوسلوا بذلك إلى بخس حقوق الناس { إنى أراكم ~~بخير } أي ملتبسين بثروة واسعة تغنيكم عن ذلك أو بنعمة من الله ~~تعالى حقها أن تقابل بغير ما تأتونه من المسامحة والتفضل على الناس شكرا ~~عليها أو أراكم بخير فلا تزيلوه بما أنتم عليه من الشر على كل حال، علة ~~للنهي عقبت بعلة أخرى أعني قوله عز وجل: { وإنى أخاف عليكم ~~} إن لم تنتهوا عن ذلك { عذاب يوم محيط } لا يشذ منه شاذ ~~منكم، وقيل: عذاب يوم مهلك من قوله تعالى: # وأحيط بثمره # [الكهف: 42] وأصله من إحاطة العدو، والمراد عذاب يوم القيامة أو ~~عذاب الاستئصال، ووصف اليوم بالإحاطة وهي حال العذاب على الإسناد ~~المجازي وفيه من المبالغة ما لا يخفى، فإن اليوم زمان يشتمل على ما ~~وقع فيه من الحوادث فإذا أحاط بعذابه فقد اجتمع للمعذب ما اشتمل عليه ~~منه كما إذا أحاط بنعيمه، ويجوز أن يكون هذا تعليلا للأمر والنهي جميعا ~~{ ويقوم أوفوا المكيال والميزان بالقسط } أي ~~بالعدل من غير زيادة ولا نقصان فإن الزيادة في الكيل والوزن وإن كان ~~تفضلا مندوبا إليه ms1603 لكنها في الآلة محظورة كالنقص، فلعل الزائد ~~للاستعمال عند الاكتيال والناقص للاستعمال وقت الكيل، وإنما أمر ~~بتسويتهما وتعديلهما صريحا بعد النهي عن نقصهما مبالغة في الحمل على ~~الإيفاء والمنع من البخس وتنبيها على أنه لا يكفيهم مجرد الكف عن ~~النقص والبخس بل يجب عليهم إصلاح ما أفسدوه وجعلوه معيارا لظلمهم ~~وقانونا لعدوانهم { ولا تبخسوا الناس } بسبب نقصهما وعدم ~~اعتدالهما { أشياءهم } التي يشترونها بهما، وقد صرح بالنهي عن ~~البخس بعد ما علم ذلك في ضمن النهي عن نقص المعيار والأمر بإيفائه ~~اهتماما بشأنه وترغيبا في إيفاء الحقوق بعد الترهيب والزجر عن نقصها، ~~ويجوز أن يكون المراد بالأمر بإيفاء المكيال والميزان الأمر بإيفاء ~~المكيلات والموزونات، ويكون النهي عن البخس عاما للنقص في المقدار ~~وغيره تعميما بعد التخصيص كما في قوله تعالى: { ولا تعثوا فى ~~الأرض مفسدين } فإن العثى يعم نقص الحقوق وغيره من أنواع ~~الفساد، وقيل: البخس المكس كأخذ العشور في المعاملات. # قال زهير بن أبي سلمى: # أفي كل أسواق العراق إتاوة # وفي كل ما باع امرؤ مكس درهم # والعثى في الأرض السرقة وقطع الطريق والغارة، وفائدة الحال إخراج ~~ما يقصد به الإصلاح كما فعله الخضر عليه السلام من خرق السفينة وقتل ~~الغلام، وقيل: معناه ولا تعثوا في الأرض مفسدين أمر آخرتكم ومصالح ~~دينكم. ### || [11.86-87] # { بقيت الله } أي ما أبقاه لكم من الحلال بعد التنزة عن تعاطي ~~المحرمات { خير لكم } مما تجمعون بالبخس والتطفيف فإن ذلك هباء ~~منثور بل شر محض وإن زعمتم أن فيه خيرا كقوله تعالى: # يمحق الله الربوا ويربى الصدقت # [البقرة: 276] { إن كنتم مؤمنين } بشرط أن تؤمنوا فإن ~~خيريتها باستتباع الثواب مع النجاة، وذلك مشروط بالإيمان لا محالة أو ~~إن كنتم مصدقين لي في مقالتي لكم، وقيل: الطاعات كقوله عز وجل: # والبقيات الصلحات خير عند ربك # [الكهف: 46] وقرىء تقية الله بالفوقانية وهي تقواه عن المعاصي { وما ~~أنا عليكم بحفيظ } أحفظكم من القبائح أو أحفظ عليكم أعمالكم ~~فأجازيكم وإنما أنا ناصح مبلغ وقد أعذرت إذ أنذرت ولم آل في ذلك ms1604 ~~جهدا أو ما أنا بحافظ ومستبق عليكم نعم الله تعالى إن لم تتركوا ما ~~أنتم عليه من سوء الصنيع. # { قالوا يشعيب أصلوتك تأمرك أن نترك ما } من ~~الأوثان أجابوا بذلك أمره عليه السلام إياهم بعبادة الله وحده المتضمن ~~لنهيهم عن عبادة الأصنام ولقد بالغوا في ذلك وبلغوا أقصى مراتب الخلاعة ~~والمجون والضلال حيث لم يكتفوا بإنكار الوحي الآمر بذلك حتى ادعوا أن ~~لا أمر به من العقل واللب أصلا وأنه من أحكام الوسوسة والجنون، وعلى ~~ذلك بنوا استفهامهم وقالوا بطريق الاستهزاء: أصلاتك التي هي من نتائج ~~الوسوسة وأفاعيل المجانين تأمرك بأن نترك عبادة الأوثان التي ~~توارثناها أبا عن جد؟ وإنما جعلوه عليه السلام مأمورا مع أن الصادر ~~عنه إنما هو الأمر بعبادة الله وغير ذلك من الشرائع، لأنه عليه السلام ~~لم يكن يأمرهم بذلك من تلقاء نفسه بل من جهة الوحي وأنه كان يعلمهم بأنه ~~مأمور بتبليغه إليهم، وتخصيصهم بإسناد الأمر إلى الصلاة من بين سائر ~~أحكام النبوة لأنه عليه الصلاة والسلام كان كثير الصلاة معروفا بذلك، ~~وكانوا إذا رأوه يصلي يتغامزون ويتضاحكون فكانت هي من بين سائر شعائر ~~الدين ضحكة لهم وقرىء أصلواتك { أو أن نفعل فى ~~أموالنا ما نشآء } جواب عن أمره عليه السلام بإيفاء الحقوق ~~ونهيه عن البخس والنقص معطوف على ما، أي أو أن نترك أن نفعل في ~~أموالنا ما نشاء من الأخذ والإعطاء والزيادة والنقص، وقرىء بالتاء في ~~الفعلين عطفا على مفعول تأمرك أي أصلاتك تأمرك أن تفعل أنت في أموالنا ~~ما تشاء، وتجويز العطف على ما قيل يستدعي أن يراد بالترك معنيان ~~متخالفان، والمراد بفعله عليه السلام إيحاب الإيفاء والعدل في ~~معاملاتهم لا نفس الأيفاء، فإن ذلك ليس من أفعاله عليه السلام بل من ~~أفعالهم، وإنما لم نقل عطفا على أن نترك لأن الترك ليس مأمورا به ~~على الحقيقة، بل المأمور به تكليفه عليه السلام إياهم وأمره بذلك، ~~والمعنى أصلاتك تأمرك أن تكلفنا أن نترك ما يعبد آباؤنا، وحمله ~~على معنى أصلاتك تأمرك بما ms1605 ليس في وسعك وعهدتك من أفاعيل غيرك ليكون ~~ذلك تعريضا منهم بركاكة رأيه عليه السلام واستهزاء به من تلك الجهة ~~يأباه دخول الهمزة على الصلاة دون الأمر ويستدعي أن يصدر عنه عليه ~~السلام في أثناء الدعوة ما يدل على ذلك أو يوهمه وأبى ذلك فتأمل. # وقرىء بالنون في الأول والتاء في الثاني عطفا على أن نترك أي أو أن ~~نفعل نحن في أموالنا عند المعاملة ما تشاء أنت من التسوية والإيفاء. # { إنك لأنت الحليم الرشيد } وصفوه عليه السلام بالوصفين ~~على طريقة التهكم، وإنما أرادوا بذلك وصفه بضديهما كقول الخزنة: # ذق إنك أنت العزيز الكريم # [الدخان: 49] ويجوز أن يكون تعليلا لما سبق من استبعاد ما ذكروه على ~~معنى إنك لأنت الحليم الرشيد على زعمك، وأما وصفه بهما على الحقيقة ~~فيأباه مقام الاستهزاء، اللهم إلا أن يراد بالصلاة الدين كما قيل. ### || [11.88] # { قال يا قوم أرأيتم إن كنت على بينة } أي حجة ~~واضحة وبرهان نير، عبر عما آتاه الله تعالى من النبوة والحكمة ردا ~~على مقالتهم الشنعاء في جعلهم أمره ونهيه غير مستند إلى سند { من ~~ربى } ومالك أموري، وإيراد حرف الشرط مع جزمه عليه السلام بكونه ~~على ما هو عليه من البينات والحجج لاعتبار حال المخاطبين ومراعاة ~~حسن المحاورة معهم كما ذكرناه في نظائره { ورزقنى منه } أي من ~~لديه { رزقا حسنا } هو النبوة والحكمة أيضا عبر عنهما بذلك ~~تنبيها على أنهما مع كونهما بينة رزق حسن، كيف لا وذلك مناط ~~الحياة الأبدية له ولأمته، وجواب الشرط محذوف يدل عليه فحوى الكلام ~~أي أتقولون والمعنى إنكم نظمتموني في سلك السفهاء والغواة وعددتم ما ~~صدر عني من الأوامر والنواهي من قبيل ما لا يصح أن يتفوه به عاقل ~~وجعلتموه من أحكام الوسوسة والجنون واستهزأتم بي وبأفعالي حتى قلتم إن ~~أمرتكم به من التوحيد وترك عبادة الأصنام والاجتناب عن البخس ~~والتطفيف ليس مما يأمر به آمر العقل ويقضي به قاضي الفطنة، وإنما ~~تأمر به صلاتك التي هي من أحكام الوسوسة والجنون فأخبروني إن كنت ms1606 من ~~جهة ربي ومالك أموري ثابتا على النبوة والحكمة التي ليس وراءها ~~غاية للكمال ولا مطمح لطامح ورزقني بذلك رزقا حسنا أتقولون في شأني ~~وشأن أفعالي ما تقولون مما لا خير فيه ولا شر وراءه هذا هو الجواب ~~الذي يستدعيه السباق والسياق ويساعده النظم الكريم. # وأما ما قيل من أن المحذوف أيصح لي أن لا آمركم بترك عبادة ~~الأوثان والكف عن المعاصي، أو أهل يسع لي مع هذا الإنعام الجامع ~~للسعادات الروحانية والجسمانية أن أخون في وحيه وأخالفه في أمره ~~ونهيه فبمعزل من ذلك، وإنما يناسب تقديره إن حمل كلامهم على ~~الحقيقة وأريد بالصلاة الدين على معنى: أدينك يأمرك أن تكلفنا بترك ~~عبادة آلهتنا القديمة وترك التصرف المطلق في أموالنا وتخالفنا في ~~ذلك وتشق عصانا، وهذا مما لا ينبغي أن يصدر عنك فإنك أنت المشهور ~~بالحلم الفاضل والرشد الكامل فيما بيننا كما كان قول قوم صالح # قد كنت فينا مرجوا قبل هذا # [هود: 62] مسرودا على ذلك النمط فأجيبوا بما أجيبوا به، وعلى هذا ~~الوجه يكون المراد بالرزق الحسن الحلال الذي آتاه الله تعالى، ~~والمعنى حينئذ أخبروني إن كنت نبيا من عند الله تعالى ورزقني مالا ~~حلالا أستغني به عن العالمين أيصح أن أخالف أمره وأوافقكم فيما ~~تأتون وما تذرون. # { وما أريد } بنهيي إياكم عما أنهاكم عنه من البخس والتطفيف { ~~أن أخالفكم إلى ما أنهكم عنه } أي أقصده بعد ما ~~وليتم عنه وأستبد به دونكم. # يقال: خالفت زيدا إلى كذا إذا قصدته وهو مول عنه وخالفته عن كذا إذا ~~كان الأمر على العكس { إن أريد } بما أباشره من الأمر والنهي { ~~إلا الإصلح } إلا أن أصلحكم بالنصيحة والموعظة { ما ~~استطعت } أي مقدار ما استطعته من الإصلاح، والتقييد به للاحتراز ~~عن الاكتفاء بالإصلاح في الجملة لا عن إرادة ما ليس في وسعه منه { وما ~~توفيقى } أي كوني موفقا لتحقيق ما أنتحيه من إصلاحكم { إلا ~~بالله } أي بتأييده ومعونته بل الإصلاح من حيث الخلق مستند إليه ~~سبحانه وإنما أنا من مباديه الظاهرة قاله عليه ms1607 السلام تحقيقا للحق ~~وإزاحة لما عسى يوهمه إسناد الاستطاعة إليه بإرادته من استبداده بذلك ~~{ عليه توكلت } في ذلك معرضا عما عداه فإنه القادر على كل ~~مقدور وما عداه عاجز محض في حد ذاته بل معدوم ساقط عن درجة ~~الاعتبار بمعزل عن مرتبة الاستمداد به والاستظهار { وإليه أنيب ~~} أي أرجع فيما أنا بصدده، ويجوز أن يكون المراد وما كوني موفقا ~~لإصابة الحق والصواب في كل ما آتي وأذر إلا بهدايته ومعونته عليه ~~توكلت، وهو إشارة إلى محض التوحيد الذاتي والفعلي وإليه أنيب، أي ~~عليه أقبل بشراشر نفسي في مجامع أموري. وإيثار صيغة الاستقبال على ~~الماضي الأنسب للتقرر والتحقق كما في التوكل لاستحضار الصورة ~~والدلالة على الاستمرار، ولا يخفى ما في جوابه عليه السلام من مراعاة ~~لطف المراجعة ورفق الاستنزال والمحافظة على قواعد حسن المجاراة ~~والمحاورة وتمهيد معاقد الحق بطلب التوفيق من جناب الله تعالى ~~والاستعانة في أموره، وحسم أطماع الكفار وإظهار الفراغ عنهم وعدم ~~المبالاة بمعاداتهم، وأما تهديدهم بالرجوع إلى الله تعالى للجزاء كما ~~قيل فلا لأن الإنابة إنما هي الرجوع الاختياري بالفعل إلى الله تعالى ~~لا الرجوع الاضطراري للجزاء أو ما يعمه. ### || [11.89] # { ويقوم لا يجرمنكم } أي لا يكسبنكم، من جرمته ذنبا ~~مثل كسبته مالا { شقاقى } معاداتي وأصلهما أن أحد المتعاديين ~~يكون في عدوة وشق والآخر في آخر { أن يصيبكم } مفعول ثان ~~ليجرمنكم أي لا تكسبكم معاداتكم لي أن يصيبكم { مثل ما أصاب ~~قوم نوح } من الغرق { أو قوم هود } من الريح { أو قوم ~~صلح } من الصيحة والرجفة، وقرأ ابن كثير بضم الياء من أجرمته ~~ذنبا إذا جعلته جارما له أي كاسبا وهو منقول من جرم المتعدي إلى ~~مفعول واحد كما نقل أكسبه المال من كسب المال فكما لا فرق بين كسبته ~~مالا وأكسبته إياه لا فرق جرمته ذنبا وأجرمته إياه في المعنى، إلا أن ~~الأول أصح وأدور على ألسنة الفصحاء وقرأ أبو حيوة مثل ما أصاب بالفتح ~~لإضافته إلى غير متمكن كقوله: # لم يمنع الشرب منها غير أن نطقت ms1608 # حمامة في غصون ذات أوقال # وهذا وإن كان بحسب الظاهر نهيا للشقاق عن كسب إصابة العذاب لكنه في ~~الحقيقة نهي للكفرة عن مشاقته عليه السلام على ألطف أسلوب وأبدعه كما ~~مر في سورة المائدة عند قوله تعالى: # ولا يجرمنكم شنآن قوم # الآية { وما قوم لوط منكم ببعيد } زمانا أو مكانا، فإن ~~لم تعتبروا بمن قبلهم من الأمم المعدودة فاعتبروا بهم، فكأنه إنما غير ~~أسلوب التحذير بهم ولم يصرح بما أصابهم بل اكتفى بذكر قربهم إيذانا ~~بأن ذلك مغن عن ذكره لشهرة كونه منظوما في سمط ما ذكر من دواهي ~~الأمم المرقومة أو ليسوا ببعيد منكم في الكفر والمعاصي فلا يبعد أن ~~يصيبكم مثل ما أصابكم، وإفراد البعيد مع تذكيره لأن المراد وما ~~إهلاكهم على نية المضاف أو وما هم بشيء بعيد، لأن المقصود إفادة عدم ~~بعدهم على الإطلاق لا من حيث خصوصية كونهم قوما أو ما هم في زمان ~~بعيد أو مكان بعيد، ولا يبعد أن يكون ذلك لكونه على زنة المصادر كالنهيق ~~والشهيق، ولما أنذرهم عليه السلام بسوء عاقبة صنيعهم عقبه طمعا في ~~ارعوائهم عما كانوا فيه يعمهون من طغيانهم بالحمل على الاستغفار ~~والتوبة فقال: ### || [11.90-91] # { واستغفروا ربكم ثم توبوا إليه } مر تفسير مثله ~~في أول السورة { إن ربى رحيم } عظيم الرحمة للتائبين { ودود ~~} مبالغ في فعل ما يفعل البليغ المودة بمن يوده من اللطف والإحسان، ~~وهذا تعليل للأمر بالاستغفار والتوبة وحث عليهما { قالوا يا ~~شعيب ما نفقه كثيرا مما تقول } الفقه غرض المتكلم ~~من كلامه أي ما نفهم مرادك، وإنما قالوه بعد ما سمعوا منه دلائل الحق ~~المبين على أحسن وجه وأبلغه وضاقت عليهم الحيل وعيت بهم العلل، ~~فلم يجدوا إلى محاورته سبيلا سوى الصدود عن منهاج الحق والسلوك إلى ~~سبيل الشقاء كما هو ديدن المفحم المحجوج يقابل البينات بالسب ~~والإبراق والإرعاد، فجعلوا كلامه المشتمل على فنون الحكم والمواعظ ~~وأنواع العلوم والمعارف من قبيل ما لا يفقه معناه ولا يدرك فحواه ~~وأدمجوا في ضمن ذلك أن في تضاعيفه ms1609 ما يستوجب أقصى ما يكون من المؤاخذة ~~والعقاب، ولعل ذلك ما فيه من التحذير من عواقب الأمم السالفة ولذلك ~~قالوا: { وإنا لنراك فينا } فيما بيننا { ضعيفا } لا قوة ~~لك ولا قدرة على شيء من الضر والنفع والإيقاع والدفع { ولولا ~~رهطك } لولا مراعاة جانبهم لا لولاهم يمانعوننا ويدافعوننا { ~~لرجمنك } فإن ممانعة الرهط وهو اسم للثلاثة إلى السبعة أو ~~إلى العشرة لهم وهم ألوف مؤلفة مما لا يكاد يتوهم وقد أيد ذلك ~~بقوله عز وجل: { وما أنت علينا بعزيز } مكرم محترم حتى ~~نمتنع من رجمك، وإنما نكف عنه للمحافظة على حرمة رهطك الذين ثبتوا على ~~ديننا ولم يختاروك علينا ولم يتبعوك دوننا، وإيلاء الضمير حرف النفي ~~وإن لم يكن الخبر فعليا غير خال عن الدلالة على رجوع النفي إلى ~~الفاعل دون الفعل لا سيما قرينة قوله: ولولا رهطك كأنه قيل: وما أنت ~~علينا بعزيز بل رهطك هم الأعزة علينا وحيث كان غرضهم من عظيمتهم هذه ~~عائدا إلى نفي ما فيه عليه السلام من القوة والعزة الربانيتين حسبما ~~يوجبه كونه على بينة من ربه مؤيدا من عنده ويقتضيه قضية طلب ~~التوفيق منه والتوكل عليه والإنابة إليه وإلى إسقاط ذلك كله عن درجة ~~الاعتداد به والاعتبار. ### || [11.92-93] # { قال } عليه السلام في جوابهم { يقوم أرهطى أعز ~~عليكم من الله } فإن الاستهانة بمن لا يتعزز إلا به عز وجل ~~استهانة بجنابه العزيز وإنما أنكر عليهم أعزية رهطه منه تعالى مع ~~أن ما أثبتوه هو مطلق عزة رهطه لا أعزيتهم منه عز وجل مع الاشتراك ~~في أصل العزة لتثنية التقريع وتكرير التوبيخ حيث أنكر عليهم أولا ~~ترجيح جنب الرهط على جنبة الله تعالى حظا من العزة أصلا { ~~واتخذتموه } بسبب عدم اعتدادكم بمن لا يرد ولا يصدر إلا ~~بأمره { وراءكم ظهريا } أي شيئا منبوذا وراء الظهر منسيا لا ~~يبالى به، منسوب إلى الظهر، والكسر لتغيير النسب كالإمسي في النسبة ~~إلى الأمس { إن ربى بما تعملون } من الأعمال السيئة التي من ~~جملتها عدم مراعاتكم لجانبه { محيط } لا يخفى عليه ms1610 منها خافية وإن ~~جعلتموه منسيا فيجازيكم عليها. ويحتمل أن يكون الإنكار للرد والتكذيب ~~فإنهم لما ادعوا أنهم لا يكفون عن رجمه عليه السلام لقوته وعزته بل ~~لمراعاة جانب رهطه رد عليهم ذلك بأنكم ما قدرتم الله حق قدره ~~العزيز ولم تراعوا جنابه القوي فكيف تراعون جانب رهطي الأذلة. # { ويا قوم اعملوا } لما رأى عليه السلام إصرارهم على الكفر ~~وأنهم لا يرعوون عما هم عليه من المعاصي حتى اجترأوا على العظيمة التي هي ~~الاستهانة به والعزيمة على رجمه لولا حرمة رهطه، قال لهم على طريقة ~~التهديد: اعملوا { على مكانتكم } أي على غاية تمكنكم ~~واستطاعتكم يقال: مكن مكانة إذا تمكن أبلغ التمكن وإنما قاله عليه ~~السلام ردا لما ادعوا أنهم أقوياء قادرون على رجمه وأنه ضعيف فيما ~~بينهم لا عزة له، أو على ناحيتكم وجهتكم التي أنتم عليها من قولهم: ~~مكان ومكانة كمقام ومقامة، والمعنى اثبتوا على ما أنتم عليه من الكفر ~~والمشاقة لي وسائر ما أنتم عليه مما لا خير فيه وابذلوا جهدكم في ~~مضارتي وإيقافي ما في نيتكم وإخراج ما في أمنيتكم من القوة إلى الفعل { ~~إنى عمل } على مكانتي حسبما يؤيدني الله ويوفقني بأنواع التأييد ~~والتوفيق { سوف تعلمون } لما هددهم عليه السلام بقوله: اعملوا ~~على مكانتكم إني عامل كان مظنة أن يسأل منهم سائل فيقول: فماذا ~~يكون بعد ذلك؟ فقيل: سوف تعلمون { من يأتيه عذاب يخزيه } ~~وصف العذاب بالإخزاء تعريضا بما أوعدوه عليه السلام به من الرجم فإنه ~~مع كونه عذابا فيه خزي ظاهر حيث لا يكون إلا بجناية عظيمة توجبه { ~~ومن هو كاذب } عطف على من يأتيه لا على أنه قسيمه بل حيث ~~أوعدوه بالرجم وكذبوه قيل: سوف تعلمون من المعذب ومن الكاذب، وفيه ~~تعريض بكذبهم في ادعائهم القوة والقدرة على رجمه عليه السلام وفي ~~نسبته إلى الضعف والهوان وفي ادعائهم الإبقاء عليه جانب الرهط، ~~والاختلاف بين المعطوفين بالفعلية والاسمية لأن كذب الكاذب ~~بمرتقب كإتيان العذاب بل إنما المرتقب ظهور الكذب السابق المستمر. ~~و(من) إما استفهامية معلقة للعلم ms1611 عن العمل كأنه قيل: سوف تعلمون ~~أينا يأتيه عذاب يخزيه وأينا كاذب، وإما موصولة أي سوف تعرفون ~~الذي يأتيه عذاب والذي هو كاذب { وارتقبوا } وانتظروا مآل ما ~~أقول. { إنى معكم رقيب } منتظر، فعيل بمعنى الراقب كالصريم، أو ~~المراقب كالشعير أو المرتقب كالرفيع وفي زيادة معكم إظهار منه عليه ~~السلام لكمال الوثوق بأمره. ### || [11.94-95] # { ولما جاء أمرنا } أي عذابنا كما ينبىء عنه قوله تعالى: # سوف تعلمون من يأتيه عذاب يخزيه # [هود: 93] أو وقته فإن الارتقاب مؤذن بذلك { نجينا شعيبا ~~والذين ءامنوا معه برحمة منا } وهي الإيمان الذي ~~وفقناهم له أو بمرحمة كائنة منا لهم، وإنما ذكر بالواو كما في قصة عاد ~~لما أنه لم يسبقه فيها ذكر وعد يجري مجرى السبب المقتضي لدخول ~~الفاء في معلوله كما في قصتي صالح ولوط. فإنه قد سبق هنالك سابقة ~~الوعد بقوله: # ذلك وعد غير مكذوب # [هود: 65] وقوله: # إن موعدهم الصبح # [هود: 81]. { وأخذت الذين ظلموا } عدل إليه عن الضمير ~~تسجيلا عليهم بالظلم وإشعارا بأن ما أخذهم إنما أخذهم بسبب ظلمهم الذي ~~فصل فيما سبق فنونه { الصيحة } قيل: صاح بهم جبريل عليه السلام ~~فهلكوا، وفي سورة الأعراف # فأخذتهم الرجفة # ، وفي سورة العنكبوت # فأخذتهم الرجفة # أي الزلزلة، ولعلها من روادف الصيحة المستتبعة لتموج الهواء المفضي ~~إليها كما مر فيما قبل { فأصبحوا فى ديارهم جثمين } ~~ميتين لازمين لأماكنهم لا براح لهم منها، ولما لم يجعل متعلق ~~العلم في قوله تعالى: { فسوف تعلمون من يأتيه عذاب } ~~الخ، نفس مجيء العذاب بل من يجيئه ذلك جعل مجيئه بعد ذلك أمرا ~~مسلم الوقوع غنيا عن الإخبار به حيث جعل شرطا وجعل تنجية شعيب ~~عليه السلام وإهلاك الكفرة جوابا له ومقصود الإفادة، وإنما قدم ~~تنجيته اهتماما بشأنها وإيذانا بسبق الرحمة التي هي مقتضى الربوبية ~~على الغضب الذي يظهر أثره بموجب جرائرهم وجرائمهم { كأن لم ~~يغنوا } أي لم يقيموا { فيها } متصرفين في أطرافها متقلبين في ~~أكنافها { ألا بعدا لمدين كما بعدت ثمود } العدول عن ~~الإضمار إلى الإظهار ليكون أدل على طغيانهم الذي أداهم ms1612 إلى هذه ~~المرتبة وليكون أنسب بمن شبه هلاكهم بهلاكهم أعني ثمود، وإنما شبه ~~هلاكهم بهلاكهم لأنهما أهلكتا بنوع من العذاب وهو الصيحة، غير أن ~~هؤلاء صيح بهم من فوقهم وأولئك من تحتهم وقرىء بعدت بالضم على الأصل ~~فإن الكسر تغيير لتخصيص معنى البعد بما يكون سبب الهلاك والبعد ~~مصدر لهما والبعد مصدر للمكسور. ### || [11.96-97] # { ولقد أرسلنا موسى بئايتنا } وهي الآيات التسع ~~المفصلات التي هي العصا واليد البيضاء والطوفان والجراد والقمل ~~والضفادع والدم ونقص الثمرات والأنفس ومن جعلهما آية واحدة وعد ~~منها إظلال الجبل وليس كذلك فإنه لقبول أحكام التوراة حين أباه بنو ~~إسرائيل، والباء متعلقة بمحذوف وقع حالا من مفعول أرسلنا أو نعتا ~~لمصدره المؤكد أي أرسلناه حال كونه ملتبسا بآياتنا أو أرسلناه إرسالا ~~ملتبسا { وسلطن مبين } هو المعجزات الباهرة منها أو هو ~~العصا، والإفراد بالذكر لإظهار شرفها لكونها أبهرها أو المراد ~~بالآيات ما عداها أو هما عبارتان عن شيء واحد، أي أرسلناه بالجامع بين ~~كونه آياتنا وبين كونه سلطانا له على نبوته واضحا في نفسه أو ~~موضحا إياها، من أبان لازما ومتعديا، أو هو الغلبة والاستيلاء ~~كقوله تعالى: # ونجعل لكما سلطنا # [القصص: 35] ويجوز أن يكون المراد ما بينه عليه السلام في تضاعيف ~~دعوته حين قال له فرعون: # من ربكما # [طه: 49] # فما بال القرون الأولى # [طه: 51] من الحقائق الرائقة والدقائق اللائقة وجعله عبارة عن ~~التوراة وإدراجها في جملة الآيات يرده قوله عز وجل: { إلى ~~فرعون وملئه } فإن نزولها إنما كان بعد مهلك فرعون وقومه ~~قاطبة ليعمل بها بنو إسرائيل فيما يأتون وما يذرون، وأما فرعون وقومه ~~فإنما كانوا مأمورين بعبادة رب العالمين عز سلطانه وترك العظيمة ~~الشنعاء التي كان يدعيها الطاغية وتقبلها منه فئته الباغية، وبإرسال ~~بني إسرائيل من الأسر والقسر، وتخصيص ملئه بالذكر مع عموم رسالته ~~عليه السلام لقومه كافة لأصالتهم في الرأي وتدبير الأمور واتباع ~~غيرهم لهم في الورود والصدور، وإنما لم يصرح بكفر فرعون بآيات الله ~~تعالى وانهماكه فيما كان عليه من الضلال والإضلال بل اقتصر على ms1613 ذكر شأن ~~ملئه فقال: { فاتبعوا أمر فرعون } أي أمره بالكفر بما ~~جاء به موسى عليه السلام من الحق المبين للإيذان بوضوح حاله فكأن ~~كفره وأمر ملئه بذلك أمر محقق الوجود غير محتاج إلى الذكر ~~صريحا، وإنما المحتاج إلى ذلك شأن ملئه المترددين بين هاد إلى الحق ~~وداع إلى الضلال فنعى عليهم سوء اختيارهم، وإيراد الفاء في اتباعهم ~~المترتب على أمر فرعون المبني على كفره المسبوق بتبليغ الرسالة ~~للإشعار بمفاجأتهم في الاتباع ومسارعة فرعون إلى الكفر وأمرهم به، ~~فكأن ذلك كله لم يتراخ عن الإرسال والتبليغ بل وقع جميع ذلك في وقت ~~واحد فوقع إثر ذلك اتباعهم. ويجوز أن يراد بأمر فرعون شأنه المشهور ~~وطريقته الزائغة فيكون معنى فاتبعوا فاستمروا على الاتباع، والفاء ~~مثل ما في قولك: وعظته فلم يتعظ وصحت به فلم ينزجر، فإن الإتيان ~~بالشيء بعد ورود ما يوجب الإقلاع عنه وإن كان استمرارا عليه لكنه بحسب ~~العنوان فعل جديد وصنع حادث فتأمل. وترك الإضمار لدفع توهم ~~الرجوع إلى موسى عليه السلام من أول الأمر ولزيادة تقبيح حال ~~المتبعين، فإن فرعون علم في الفساد والإفساد والضلال والإضلال ~~فاتباعه لفرط الجهالة وعدم الاستبصار، وكذا الحال في قوله تعالى: { ~~وما أمر فرعون برشيد } الرشد ضد الغي وقد يراد به ~~محمودية العاقبة فهو على الأول بمعنى المرشد حقيقة لغوية والإسناد ~~مجازي وعلى الثاني مجاز والإسناد حقيقي. ### || [11.98-100] # { يقدم قومه } جميعا من الأشراف وغيرهم { يوم ~~القيمة } أي يتقدمهم، من قدمه بمعنى تقدمه وهو استئناف لبيان ~~حاله في الآخرة أي كما كان قدوة لهم في الضلال كذلك يتقدمهم إلى النار ~~وهم يتبعونه، أو لتوضيح عدم صلاح مآل أمره وسوء عاقبته { ~~فأوردهم النار } أي يوردهم، وإيثار صيغة الماضي للدلالة على ~~تحقق الوقوع لا محالة، شبه فرعون بالفارط الذي يتقدم الواردة إلى ~~الماء، وأتباعه بالواردة، والنار بالماء الذي يردونه ثم قيل: { ~~وبئس الورد المورود } أي بئس الورد الذي يردونه النار، ~~لأن الورد إنما يراد لتسكين العطش وتبريد الأكباد والنار على ضد ذلك. # { واتبعوا } أي الملأ الذين ms1614 اتبعوا أمر فرعون { فى هذه ~~} أي في الدنيا { لعنة } عظيمة حيث يلعنهم من بعدهم من الأمم إلى ~~يوم القيامة { ويوم القيمة } أيضا حيث يلعنهم أهل الموقف ~~قاطبة فهي تابعة لهم حيثما ساروا دائرة معهم أينما داروا في الموقف، ~~فكما اتبعوا فرعون اتبعتهم اللعنة في الدارين جزاء وفاقا، واكتفي ~~ببيان حالهم الفظيع وشأنهم الشنيع عن بيان حال فرعون إذ حين كان ~~حالهم هكذا فما ظنك بحال من أغواهم وألقاهم في هذا الضلال البعيد ~~وحيث كان شأن الأتباع أن يكونوا أعوانا للمتبوع جعلت اللعنة رفدا ~~لهم على طريقة التهكم فقيل: { بئس الرفد المرفود } أي بئس ~~العون المعان، وقد فسر الرفد بالعطاء ولا يلائمه المقام، وأصله ما ~~يضاف إلى غيره ليعمده والمخصوص بالذم محذوف أي رفدهم وهي اللعنة ~~في الدارين، وكونه مرفودا من حيث أن كل لعنة منها معينة ~~وممدة لصاحبتها ومؤيدة لها. # { ذلك } إشارة إلى ما قص من أنباء الأمم وبعده باعتبار تقضيه في ~~الذكر والخطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم وهو مبتدأ خبره { من ~~أنباء القرى } المهلكة بما جنته أيدي أهلها { نقصه ~~عليك } خبر بعد خبر أي ذلك النبأ بعض أنباء القرى مقصوص عليك { ~~منها } أي من تلك القرى { قائم وحصيد } أي ومنها حصيد، حذف ~~لدلالة الأول عليه، شبه ما بقي منها بالزرع القائم على ساقه وما عفا ~~وبطل بالحصيد، والجملة مستأنفة لا محل لها من الإعراب. ### || [11.101-104] # { وما ظلمنهم } بأن أهلكناهم { ولكن ظلموا ~~أنفسهم } بأن جعلوها عرضة للهلاك باقتراف ما يوجبه { فما ~~أغنت عنهم } فما نفعتهم ولا دفعت بأس الله تعالى عنهم { ~~التى يدعون من } أي يعبدونها { دون الله } أوثر صيغة ~~المضارع حكاية للحال الماضية أو دلالة على استمرار عبادتهم لها { ~~من شىء } في موضع المصدر أي شيئا من الإغناء { لما جاء أمر ~~ربك } أي حين مجيء عذابه وهو منصوب بأغنت، وقرىء آلهتهم اللاتي ~~ويدعون على البناء للمجهول { وما زادوهم غير تتبيب } أي ~~إهلاك وتخسير فإنهم إنما هلكوا وخسروا بسبب عبادتهم لها. # { وكذلك } أي ومثل ذلك الأخذ الذي مر ms1615 بيانه، وهو رفع على ~~الابتداء وخبره قوله: { أخذ ربك } وقرىء أخذ ربك فمحل الكاف ~~النصب على أنه مصدر مؤكد { إذا أخذ القرى } أي أهلها وإنما ~~أسند إليها للإشعار بسريان أثره إليها حسبما ذكر، وقرىء إذ أخذ { ~~وهى ظلمة } حال من القرى وهي في الحقيقة لأهلها لكنها لما ~~أقيمت مقامهم في الأخذ أجريت الحال عليها وفائدتها الإشعار بأنهم ~~إنما أخذوا بظلمهم ليكون ذلك عبرة لكل ظالم { إن أخذه أليم ~~شديد } وجميع صعب على المأخوذ لا يرجى منه الخلاص وفيه ما لا يخفى من ~~التهديد والتحذير { إن فى ذلك } أي في أخذه تعالى للأمم الغابرة ~~أو في قصصهم { لآية } لعبرة { لمن خاف عذاب الأخرة } فإنه ~~المعتبر به حيث يستدل بما حاق بهم من العذاب الشديد بسبب ما عملوا من ~~السيئات على أحوال عذاب الآخرة، وأما من أنكر الآخرة وأحال فناء ~~العالم وزعم أن ليس هو ولا شيء من أحواله مستندا إلى الفاعل المختار ~~وأن ما يقع فيه من الحوادث فإنما يقع لأسباب تقتضيه من أوضاع فلكية تتفق ~~في بعض الأوقات لا لما ذكر من المعاصي التي يقترفها الأمم الهالكة فهو ~~بمعزل من هذا الاعتبار، تبا لهم ولما لهم من الأفكار { ذلك } إشارة ~~إلى يوم القيامة المدلول عليه بذكر الآخرة { يوم مجموع له ~~الناس } للمحاسبة والجزاء، والتغيير للدلالة على ثبات معنى الجمع ~~وتحقق وقوعه لا محالة وعدم انفكاك الناس عنه فهو أبلغ من قوله تعالى: { ~~يوم يجمعكم ليوم الجمع } { وذلك } أي يوم القيامة ~~مع ملاحظة عنوان جمع الناس له { يوم مشهود } أي مشهود فيه حيث ~~يشهد فيه أهل السموات والأرضين فاتسع فيه بإجراء الظرف مجرى المفعول ~~به كما في قوله: # [ومشهد قد كفيت الغائبين به] # في محفل من نواصي الناس مشهود # أي كثير شاهدوه ولو جعل نفس اليوم مشهودا لفات ما هو الغرض من ~~تعظيم اليوم وتهويله وتمييزه عن غيره فإن سائر الأيام أيضا كذلك { ~~وما نؤخره } أي ذلك اليوم الملحوظ بعنواني الجمع والشهود { ~~إلا لأجل معدود } إلا لانقضاء مدة قليلة مضروبة حسبما ms1616 ~~تقتضيه الحكمة. ### || [11.105-107] # { يوم يأت } أي حين يأتي ذلك اليوم المؤخر بانقضاء أجله ~~كقوله تعالى: # أو تأتيهم الساعة # [يوسف: 107] وقيل: يوم يأتي الجزاء الواقع فيه، وقيل: أي الله عز وجل ~~فإن المقام مقام تفخيم شأن اليوم وقرىء بإثبات الياء على الأصل { لا ~~تكلم نفس } أي لا تتكلم بما ينفع وينجي من جواب أو شفاعة، وهو ~~العامل في الظرف أو الانتهاء المحذوف في قوله تعالى: { إلا لأجل ~~معدود } أي ينتهي الأجل يوم يأتي أو المضمر المعهود أعني أذكر { ~~إلا بإذنه } عز سلطانه في التكلم كقوله تعالى: # لا يتكلمون إلا من أذن له الرحمن # [النبأ: 38] وهذا في موطن من مواطن ذلك اليوم وقوله عز وجل: # هذا يوم لا ينطقون ولا يؤذن لهم فيعتذرون # [المرسلات: 35] في موقف آخر من مواقفه كما أن قوله سبحانه: # يوم تأتى كل نفس تجدل عن نفسها # [النحل: 111] في آخر منها أو المأذون فيه الجوابات الحقة والممنوع ~~عنه الأعذار الباطلة، نعم قد يؤذن فيها أيضا لإظهار بطلانها كما في ~~قول الكفرة: # والله ربنا ما كنا مشركين # [الأنعام: 23] ونظائره { فمنهم شقى } وجبت له النار بموجب ~~الوعيد { وسعيد } أي ومنهم سعيد، حذف الخبر لدلالة الأول عليه ~~وهو من وجبت له الجنة بمقتضى الوعد، والضمير لأهل الموقف المدلول ~~عليهم بقوله: { لا تكلم نفس } أو للناس، وتقديم الشقي على ~~السعيد لأن المقام مقام التحذير والإنذار. # { فأما الذين شقوا } أي سبقت لهم الشقاوة { ففى ~~النار } أي مستقرون فيها { لهم فيها زفير وشهيق } ~~الزفير إخراج النفس والشهيق رده وجاء استعمالهما في أول النهيق ~~وآخره قال الشماخ يصف حمار الوحش: # بعيد مدى التطريب، أول صوته # زفير ويتلوه شهيق محشرج # والمراد بهما وصف شدة كربهم وتشبيه حالهم بحال من استولت على ~~قلبه الحرارة وانحصر فيه روحه أو تشبيه صراخهم بأصوات الحمير ~~وقرىء شقوا بالضم والجملة مستأنفة كأن سائلا قال: ما شأنهم فيها؟ ~~فقيل: لهم فيها كذا وكذا، أو منصوبة المحل على الحالية من النار أو من ~~الضمير في الجار والمجرور كقوله عز اسمه: { خلدين فيها } خلا ~~أنه ms1617 إن أريد حدوث كونهم في النار فالحال مقدرة { ما دامت ~~السموات والأرض } أي مدة دوامها وهذا التوقيت عبارة عن ~~التأبيد ونفي الانقطاع بناء على منهاج قول العرب: ما دام تعار وما ~~أقام ثبير وما لاح كوكب وما اختلف الليل والنهار وما طما البحر ~~وغير ذلك من كلمات التأبيد لا تعليق قرارهم فيها بدوام هذه السموات ~~والأرض فإن النصوص القاطعة دالة على تأبيد قرارهم فيها وانقطاع ~~دوامهما وإن أريد التعليق فالمراد سموات الآخرة وأرضها كما يدل على ~~ذلك النصوص كقوله تعالى: # يوم تبدل الأرض غير الأرض # [إبراهيم: 48] وقوله تعالى: # وأورثنا الأرض نتبوأ من الجنة حيث نشاء # [الزمر: 74] وجزم كل أحد بأن أهل الآخرة لا بد لهم من مظلة ~~ومقلة دائمتين يكفي في تعليق دوام قرارهم فيها بدوامهما، ولا حاجة ~~إلى الوقوف على تفاصيل أحوالهما وكيفياتهما { إلا ما شاء ربك } ~~استثناء من الخلود على طريقة قوله تعالى: # لا يذوقون فيها الموت إلا الموتة الأولى # [الدخان: 56] وقوله: # ولا تنكحوا ما نكح ءاباؤكم من النساء إلا ما قد ~~سلف # [النساء: 22] وقوله تعالى: # حتى يلج الجمل فى سم الخياط # [الأعراف: 40] غير أن استحالة الأمور المذكورة معلومة بحكم العقل، ~~واستحالة تعلق المشيئة بعدم الخلود معلومة بحكم النقل يعني أنهم ~~مستقرون في النار في جميع الأزمنة إلا في زمان مشيئة الله تعالى لعدم ~~قرارهم فيها وإذ لا إمكان لتلك المشيئة ولا لزمانها بحكم النصوص ~~القاطعة الموجبة للخلود فلا إمكان لانتهاء مدة قرارهم فيها ولدفع ما ~~عسى يتوهم من كون استحالة تعلق مشيئة الله تعالى بعدم الخلود بطريق ~~الوجوب على الله تعالى قال: { إن ربك فعال لما يريد } ~~يعني أنه في تخليد الأشقياء في النار بحيث يستحيل وقوع خلافة فعال ~~بموجب إرادته قاض بمقتضى مشيئته الجارية على سنن حكمته الداعية إلى ~~ترتيب الأجزية على أفعال العباد، والعدول من الإضمار إلى الإظهار ~~لتربية المهابة وزيادة التقرير، وقيل: هو استثناء من الخلود في عذاب ~~النار فإنهم لا يخلدون فيه بل يعذبون بالزمهرير وبأنواع أخر من ~~العذاب وبما هو أغلظ منها ms1618 كلها وهو سخط الله تعالى عليهم وخسؤه ~~لهم وإهانته إياهم، وأنت تدري أنا وإن سلمنا أن المراد بالنار ليس ~~مطلق دار العذاب المشتملة على أنواع العذاب بل نفس النار فما خلا ~~عذاب الزمهرير من تلك الأنواع مقارن لعذاب النار فلا مصداق في ذلك ~~للاستثناء، ولك أن تقول إنهم ليسوا بمخلدين في العذاب الجسماني الذي هو ~~عذاب النار بل لهم من أفانين العذاب ما لا يعلمه إلا الله سبحانه وهي ~~العقوبات والآلام الروحانية التي لا يقف عليها في هذه الحياة الدنيا ~~المنغمسون في أحكام الطبيعة المقصور إدراكهم على ما ألفوا من ~~الأحوال الجسمانية، وليس لهم استعداد لتلقي ما وراء ذلك من الأحوال ~~الروحانية إذا ألقي إليهم، ولذلك لم يتعرض لبيانه واكتفي بهذه ~~المرتبة الإجمالية المنبئة عن التهويل، وهذه العقوبات وإن كانت ~~تعتريهم وهم في النار لكنهم ينسون بها عذاب النار ولا يحسون به، ~~وهذه المرتبة كافية في تحقيق معنى الاستثناء هذا، وقد قيل: إلا بمعنى ~~سوى وهو أوفق بما ذكر وقيل: ما بمعنى من على إرادة معنى الوصفية ~~فالمعنى إن الذين شقوا في النار مقدرين الخلود فيها إلا الذين شاء الله ~~عدم خلودهم فيها وهم عصاة المؤمنين. ### || [11.108] # { وأما الذين سعدوا ففى الجنة خلدين فيها ~~ما دامت السموات والأرض } الكلام فيه كالكلام فيما سبق ~~خلا أنه لم يذكر ههنا أن لهم فيها بهجة وسرورا كما ذكر في أهل النار ~~من أنه لهم فيها زفير وشهيق لأن المقام مقام التحذير والإنذار { ~~إلا ما شاء ربك } إن حمل على طريقة التعليق بالمحال فقوله ~~سبحانه: { عطاء غير مجذوذ } نصب على المصدرية من معنى الجملة ~~لأن قوله تعالى: { ففى الجنة خلدين فيها } يقتضي إعطاء ~~وإنعاما فكأنه قيل: يعطيهم عطاء وهو إما اسم مصدر هو الإعطاء أو ~~مصدر بحذف الزوائد كقوله تعالى: # أنبتكم من الأرض نباتا # وإن حمل على ما أعد الله لعباده الصالحين من النعيم الروحاني الذي عبر ~~عنه بما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر فهو نصب على ~~الحالية ms1619 من المفعول المقدر للمشيئة، أو تمييز فإن نسبة مشيئة الخروج ~~إلى الله تعالى يحتمل أن تكون على جهة عطاء مجذوذ وعلى جهة عطاء غير ~~مجذوذ فهو رافع للإبهام عن النسبة. قال ابن زيد: أخبرنا الله تعالى ~~بالذي يشاء لأهل الجنة فقال: { عطاء غير مجذوذ } ولم يخبرنا ~~بالذي يشاء لأهل النار ويجوز أن يتعلق بكلا النعيمين أو بالأول دفعا ~~لما يتوهم من ظاهر الاستثناء من انقطاعه. ### || [11.109-110] # { فلا تك فى مرية } أي في شك، والفاء لترتيب النهي على ما ~~قص من القصص وبين في تضاعيفها من العواقب الدنيوية والأخروية { ~~مما يعبد هؤلاء } أي من جهة عبادة هؤلاء المشركين وسوء ~~عاقبتها أو من حال ما يعبدونه من الأوثان في عدم نفعه لهم. ولما كان ~~مساق النظم الكريم قبيل الشروع في القصص لبيان غاية سوء حال ~~الكفرة وكمال حسن حال المؤمنين، وقد ضرب لهم مثل فقيل: # مثل الفريقين كالأعمى والأصم والبصير ~~والسميع هل يستويان مثلا أفلا تذكرون # [نوح: 17] وقد قص عقيب ذلك من أنباء الأمم السالفة مع رسلهم ~~المبعوثة إليهم ما يتذكر به المتذكر نهي رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم عن كونه في شك من مصير أمر هؤلاء المشركين في العاجل والآجل ثم ~~علل ذلك بطريق الاستئناف فقيل: { ما يعبدون إلا كما يعبد ~~ءاباؤهم } الذين قصت عليك قصصهم { من قبل } أي هم وآباؤهم ~~سواء في الشرك، ما يعبدون عبادة إلا كعبادتهم أو ما يعبدون شيئا إلا ~~مثل ما عبدوه من الأوثان، والعدول إلى صيغة المضارع لحكاية الحال ~~الماضية لاستحضار صورتها، أو مثل ما كانوا يعبدونه فحذف كان لدلالة ~~قوله: (من قبل) عليه، ولقد بلغك ما لحق بآبائهم فسيلحقهم مثل ذلك فإن ~~تماثل الأسباب يقتضي تماثل المسببات { وإنا لموفوهم } أي ~~هؤلاء الكفرة { نصيبهم } أي حظهم المعين لهم حسب جرائمهم ~~وجرائرهم من العذاب عاجلا وآجلا كما وفينا آباءهم أنصباءهم ~~المقدرة لهم، أو من الرزق المقسوم لهم فيكون بيانا لوجه تأخر ~~العذاب عنهم مع تحقق ما يوجبه { غير منقوص } حال مؤكدة من النصيب ~~كقوله تعالى: ms1620 # ثم وليتم مدبرين # [التوبة: 25] وفائدته دفع توهم التجوز وجعلها مقيدة له لدفع ~~احتمال كونه منقوصا في حد نفسه مبني على الذهول عن كون العامل هو ~~التوفية فتأمل. # { ولقد ءاتينا موسى الكتب } أي التوراة { فاختلف ~~فيه } أي في شأنه وكونه من عند الله تعالى فآمن به قوم وكفر به آخرون ~~فلا تبال باختلاف قومك فيما آتيناك من القرآن وقولهم: # لولا أنزل عليه كنز أو جاء معه ملك # [هود: 12] وزعمهم أنك افتريته { ولولا كلمة سبقت من ~~ربك } وهي كلمة القضاء بإنظارهم إلى يوم القيامة على حسب الحكمة ~~الداعية إلى ذلك { لقضي بينهم } أي لأوقع القضاء بين ~~المختلفين من قومك بإنزال العذاب الذي يستحقه المبطلون ليتميزوا به عن ~~المحقين، وقيل: بين قوم موسى وليس بذاك { وإنهم } أي وإن كفار ~~قومك أريد به بعض من رجع إليهم ضمير بينهم للأمن من الإلباس { لفى ~~شك } عظيم { منه } أي من القرآن وإن لم يجر له ذكر، فإن ذكر ~~إيتاء كتاب موسى ووقوع الاختلاف فيه لا سيما بصدد التسلية ينادي به ~~نداء غير خفي { مريب } موقع في الريبة. ### || [11.111-112] # { وإن كلا } التنوين عوض عن المضاف إليه أي وإن كل ~~المختلفين فيه المؤمنين منهم والكافرين، وقرأ ابن كثير، ونافع، وأبو ~~بكر، بالتخفيف مع الإعمال اعتبارا للأصل { لما ليوفينهم ~~ربك أعمالهم } أي أجزية أعمالهم، واللام الأولى موطئة ~~للقسم والثانية جواب للقسم المحذوف، ولما مركبة من من الجارة وما ~~الموصولة أو الموصوفة وأصلها لمن فقلبت النون ميما للإدغام فاجتمع ثلاث ~~ميمات فحذفت أولاهن، والمعنى لمن الذي أو لمن خلق أو لمن فريق ~~والله ليوفينهم ربك وقرىء لما بالتخفيف على أن ما مزيدة للفصل بين ~~اللامين والمعنى إن جميعهم والله ليوفينهم الآية وقرىء لما بالتنوين ~~أي جميعا كقوله سبحانه: # أكلا لما # [الفجر: 19] وقرأ أبي وإن كل لما ليوفينهم على أن نافية ولما بمعنى ~~إلا وقد قرىء به { إنه بما يعملون } أي بما يعمله كل فرد ~~من المختلفين من الخير والشر { خبير } بحيث لا يخفى عليه شيء من ~~جلائله ودقائقه، وهو تعليل ms1621 لما سبق من توفية أجزية أعمالهم فإن ~~الإحاطة بتفاصيل أعمال الفريقين وما يستوجبه كل عمل بمقتضى الحكمة ~~من الجزاء المخصوص توجب توفية كل ذي حق حقه إن خيرا فخير وإن ~~شرا فشر. # { فاستقم كما أمرت } لما بين في تضاعيف القصص المحكية عن ~~الأمم الماضية سوء عاقبة الكفر وعصيان الرسل وأشير إلى أن حال ~~هؤلاء الكفرة في الكفر والضلال واستحقاق العذاب مثل أولئك المعذبين ~~وأن نصيبهم من العذاب واصل إليهم من غير نقص وأن تكذيبهم للقرآن مثل ~~تكذيب قوم موسى عليه السلام للتوراة وأنه لو لم تسبق كلمة القضاء ~~بتأخير عقوبتهم العامة ومؤاخذتهم التامة إلى يوم القيامة لفعل بهم ~~ما فعل بآبائهم من قبل وأنهم يوفون نصيبهم غير منقوص وأن كل ~~واحد من المؤمنين والكافرين يوفى جزاء عمله أمر رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم بالاستقامة كما أمر به في العقائد والأعمال المشتركة ~~بينه وبين سائر المؤمنين ولا سيما الأعمال الخاصة به عليه السلام من ~~تبليغ الأحكام الشرعية والقيام بوظائف النبوة وتحمل أعباء الرسالة ~~بحيث يدخل تحته ما أمر به فيما سبق من قوله تعالى: # فلعلك تارك بعض ما يوحى إليك وضائق به ~~صدرك # [هود: 12] الآية، وبالجملة فهذا الأمر منتظم لجميع محاسن الأحكام ~~الأصلية والفرعية والكمالات النظرية والعملية والخروج من عهدته في ~~غاية ما يكون من الصعوبة ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " شيبتني سورة هود " # { ومن تاب معك } أي تاب من الشرك والكفر وشاركك في الإيمان وهو ~~المعني بالمعية وهو معطوف على المستكن في قوله: فاستقم، وحسن من غير ~~تأكيد لمكان الفاصل القائم مقامه، وفي الحقيقة هو من عطف الجملة ~~على الجملة إذ المعنى وليستقم من تاب معك، وقيل: هو منصوب على أنه ~~مفعول معه كما قاله أبو البقاء، والمعنى استقم مصاحبا لمن تاب معك { ~~ولا تطغوا } ولا تنحرفوا عما حد لكم بإفراط أو تفريط، فإن كلا ~~طرفي قصد الأمور ذميم، وإنما سمي ذلك طغيانا وهو تجاوز الحد ~~تغليظا أو تغليبا لحال سائر المؤمنين على حاله عليه السلام ms1622 { إنه ~~بما تعملون بصير } فيجازيكم على ذلك وهو تعليل للأمر والنهي، ~~وفي الآية دلالة على وجوب اتباع المنصوص عليه من غير انحراف بمجرد ~~الرأي فإنه طغيان وضلال، وأما العمل بمقتضى الاجتهاد التابع لعلل ~~النصوص فذلك من باب الاستقامة كما أمر على موجب النصوص الآمرة ~~بالاجتهاد. ### || [11.113-114] # { ولا تركنوا } أي لا تميلوا أدنى ميل { إلى الذين ~~ظلموا } أي إلى الذين وجد منهم الظلم في الجملة، ومدار النهي هو ~~الظلم، والجمع باعتبار جمعية المخاطبين وما قيل من أن ذلك للمبالغة ~~في النهي من حيث إن كونهم جماعة مظنة الرخصة في مداهنتهم إنما يتم لو ~~كان المراد النهي عن الركون إليهم من حيث أنهم جماعة وليس كذلك { ~~فتمسكم } بسبب ذلك { النار } وإذا كان حال الميل في الجملة ~~إلى من وجد منه ظلم ما في الإفضاء إلى مساس النار هكذا فما ظنك ~~بميل من يميل إلى الراسخين في الظلم والعدوان ميلا عظيما، ويتهالك على ~~مصاحبتهم ومنادمتهم ويلقي شراشره على مؤانستهم ومعاشرتهم، ويبتهج ~~بالتزيي بزيهم ويمد عينيه إلى زهرتهم الفانية ويغبطهم بما أوتوا ~~من القطوف الدانية وهو في الحقيقة من الحبة طفيف ومن جناح البعوض خفيف ~~بمعزل عن أن تميل إليه القلوب ضعف الطالب والمطلوب، والآية أبلغ ما ~~يتصور في النهي عن الظلم والتهديد عليه. وخطاب الرسول صلى الله عليه ~~وسلم ومن معه من المؤمنين للتثبيت على الاستقامة التي هي العدل فإن ~~الميل إلى أحد طرفي الإفراط والتفريط ظلم على نفسه أو على غيره. ~~وقرىء تركنوا على لغة تميم وتركنوا على صيغة البناء للمفعول من أركنه { ~~وما لكم من دون الله من أولياء } أي من أنصار ~~ينقذونكم من النار، والجملة نصب على الحاليه من قوله: فتمسكم النار، ~~ونفي الأولياء ليس بطريق نفي أن يكون لكل واحد منهم أولياء حتى ~~يصدق أن يكون له ولي بل لمكان (لكم) بطريق انقسام الآحاد على ~~الآحاد لكن لا على معنى نفي استقلال كل منهم بنصير، بل على معنى نفي ~~أن يكون لواحد منهم نصير بقرينة المقام { ثم لا تنصرون ms1623 } من جهة ~~الله سبحانه إذ قد سبق في حكمه أن يعذبكم بركونكم إليهم ولا يبقي ~~عليكم، وثم لتراخي رتبة كونهم غير منصورين من جهة الله بعدما أوعدهم ~~بالعذاب وأوجبه عليهم، ويجوز أن يكون منزلا منزلة الفاء بمعنى ~~الاستبعاد فإنه لما بين أن الله تعالى معذبهم وأن غيره لا ينقذهم ~~أنتج أنهم لا ينصرون أصلا. # { وأقم الصلوة طرفى النهار } أي غدوة وعشية، ~~وانتصابه على الظرفيه لكونه مضافا إلى الوقت { وزلفا من ~~اليل } أي ساعات منه قريبة من النهار، فإنه من أزلفه إذا قربه ~~جمع زلفة، عطف على طرفي النهار والمراد بصلاتهما صلاة الغداة ~~والعصر، وقيل: الظهر موضع العصر لأن ما بعد الزوال عشي، وبصلاة ~~الزلف المغرب والعشاء، وقرىء زلفا بضمتين وضمة وسكون كبسر وبسر ~~وزلفى بمعنى زلفة كقربى بمعنى قربة { إن الحسنت } التي من ~~جملتها بل عمدتها ما أمرت به من الصلوات { يذهبن السيئت ~~} التي قلما يخلو منها البشر، أي يكفرنها وفي الحديث # " إن الصلاة إلى الصلاة كفارة لما بينهما ما اجتنبت الكبائر " # وقيل: # " نزلت في أبي اليسر الأنصاري إذ قبل امرأة ثم ندم فأتى رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فأخبره بما فعل فقال عليه الصلاة والسلام: ~~«أنتظر أمر ربي» فلما صلى صلاة العصر نزلت قال عليه السلام: " نعم ~~اذهب فإنها كفارة لما عملت " # أو يمنعن من اقترافها كقوله تعالى: # اتل ما أوحى إليك من الكتب # { ذلك } إشارة إلى قوله تعالى: { فاستقم } فما بعده وقيل: إلى ~~القرآن { ذكرى للذكرين } أي عظة للمتعظين. ### || [11.115-116] # { واصبر } على مشاق ما أمرت به في تضاعيف الأوامر السابقة ~~وأما ما نهي عنه من الطغيان والركون إلى الذين ظلموا فليس في الانتهاء ~~عنه مشقة فلا وجه لتعميم الصبر له، اللهم إلا أن يراد به ما لا يمكن ~~عادة خلو البشر عنه من أدنى ميل بحكم الطبيعة عن الاستقامة ~~المأمور بها، ومن يسير ميل بحكم البشرية إلى من وجد منه ظلم ما فإن ~~في الاحتراز عن أمثاله من المشقة ما لا يخفى { فإن الله لا ~~يضيع أجر ms1624 المحسنين } أي يوفيهم أجور أعمالهم من غير بخس ~~أصلا، وإنما عبر عن ذلك بنفي الإضاعة مع أن عدم إعطاء الأجر ليس ~~بإضاعة حقيقة، كيف لا والأعمال غير موجبة للثواب حتى يلزم من تخلفه ~~عنها ضياعها، لبيان كمال نزاهته تعالى عن ذلك بتصويره بصورة ما يمتنع ~~صدوره عنه سبحانه من القبائح وإبراز الإثابة في معرض الأمور الواجبة ~~عليه، وإنما عدل عن الضمير ليكون كالبرهان على المقصود مع إفادة فائدة ~~عامة لكل من يتصف به، وهو تعليل للأمر بالصبر، وفيه إيماء إلى أن ~~الصبر على ما ذكر من باب الإحسان. # { فلولا كان } فهلا كان { من القرون } الكائنة { من ~~قبلكم } على رأي من جوز حذف الموصول مع بعض صلته أو كائنة من ~~قبلكم { أولو بقية } من الرأي والعقل أو أولو فضل وخير، ~~وسميا بها لأن الرجل إنما يستبقي مما يخرجه عادة أجوده وأفضله، فصار ~~مثلا في الجودة والفضل ويقال: فلان من بقية القوم أي من خيارهم، ~~ومنه ما قيل: «في الزوايا خبايا وفي الرجال بقايا»، ويجوز أن تكون ~~البقية بمعنى البقوى كالتقية من التقوى، أي فهلا كان منهم ذوو إبقاء ~~على أنفسهم وصيانة لها من سخط الله تعالى وعقابه، ويؤيده أنه قرىء أولو ~~بقية وهي المرة من مصدر بقاه يبقيه إذا راقبه وانتظره أي أولو ~~مراقبة وخشية من عذاب الله تعالى كأنهم ينتظرون نزوله لإشفاقهم { ~~ينهون عن الفساد فى الأرض } الواقع منهم حسب ما حكي ~~عنهم { إلا قليلا ممن أنجينا منهم } استثناء منقطع ~~أي لكن قليلا منهم أنجيناهم لكونهم على تلك الصفة على أن من للبيان ~~لا للتبعيض لأن جميع الناجين ناهون، ولا صحة للاتصال على ظاهر الكلام ~~لأنه يكون تحضيضا لأولي البقية على النهي المذكور إلا للقليل من ~~الناجين منهم كما إذا قلت هلا قرأ قومك القرآن إلا الصلحاء منهم ~~مريدا لاستثناء الصلحاء من المحضضين على القراءة نعم يصح ذلك إن جعل ~~استثناء من النفي اللازم للتحضيض، فكأنه قيل: ما كان من القرون أولو ~~بقية إلا قليلا منهم، لكن الرفع هو الأفصح ms1625 حينئذ على البدلية { ~~واتبع الذين ظلموا } بمباشرة الفساد وترك النهي عنه { ما ~~أترفوا فيه } أي أنعموا من الشهوات واهتموا بتحصيلها، وأما ~~المباشرون فظاهر وأما المساهلون فلما لهم في ذلك من نيل حظوظهم ~~الفاسدة. # وقيل: المراد بهم تاركو النهي، وأنت خبير بأنه يلزم منه عدم دخول ~~مباشري الفساد في الظلم والإجرام عبارة { وكانوا مجرمين } أي ~~كافرين فهو بيان لسبب استئصال الأمم المهلكة وهو فشو الظلم ~~واتباع الهوى فيهم وشيوع ترك النهي عن المنكرات مع الكفر، وقوله: ~~واتبع عطف على مضمر دل عليه الكلام، أي لم ينهوا واتبع الخ فيكون ~~العدول إلى المظهر لإدراج المباشرين معهم في الحكم والتسجيل عليهم ~~بالظلم، وللإشعار بعلية ذلك لما حاق بهم من العذاب، أو على استئناف ~~يترتب على قوله: إلا قليلا أي إلا قليلا ممن أنجينا منهم نهوا عن ~~الفساد وتاركي النهي عنه، فيكون الإظهار مقتضى الظاهر، وقوله: وكانوا ~~مجرمين عطف على أترفوا أي اتبعوا الإتراف، وكونهم مجرمين لأن تابع ~~الشهوات مغمور بالآثام، أو أريد بالإجرام إغفالهم للشكر، أو على اتبع ~~أي اتبعوا شهواتهم وكانوا بذلك الاتباع مجرمين، ويجوز أن يكون اعتراضا ~~وتسجيلا عليهم بأنهم قوم مجرمون، وقرىء وأتبع أي أتبعوا جزاء ما ~~أترفوا فتكون الواو للحال ويجوز أن يفسر به المشهورة، ويعضده تقدم ~~الإنجاء. ### || [11.117] # { وما كان ربك ليهلك القرى } أي ما صح وما استقام بل ~~استحال في الحكمة أن يهلك القرى التي أهلكها حسب ما بلغك أنباؤها ~~ويعلم من ذلك حال باقيها من القرى الظالمة واللام لتأكيد النفي وقوله: ~~{ بظلم } أي ملتبسا به، قيل: هو حال من الفاعل أي ظالما لها ~~والتنكير للتفخيم والإيذان بأن إهلاك المصلحين ظلم عظيم والمراد ~~تنزيه الله تعالى عن ذلك بالكلية بتصويره بصورة ما يستحيل صدوره عنه ~~تعالى وإلا فلا ظلم فيما فعله الله تعالى بعباده كائنا ما كان لما ~~تقرر من قاعدة أهل السنة وقد مر تفصيله في سورة آل عمران عند قوله ~~تعالى: # وأن الله ليس بظلم للعبيد # [آل عمران: 182] وقوله تعالى: { وأهلها مصلحون } حال من ~~المفعول ms1626 والعامل عامله ولكن لا باعتبار تقيده بما وقع حالا من فاعله ~~أعني بظلم لدلالته على تقيد نفي الإهلاك ظلما بحال كون أهلها مصلحين، ~~ولا ريب في فساده بل مطلقا عن ذلك، وقيل: المراد بالظلم الشرك والباء ~~للسببية أي لا يهلك القرى بسبب إشراك أهلها وهم مصلحون يتعاطون ~~الحق فيما بينهم ولا يضمون إلى شركهم فسادا آخر، وذلك لفرط رحمته ~~ومسامحته في حقوقه تعالى، ومن ذلك قدم الفقهاء عند تزاحم الحقوق ~~حقوق العباد الفقراء على حقوق الله تعالى الغني الحميد، وقيل: ~~الملك يبقى مع الشرك ولا يبقى مع الظلم، وأنت تدري أن مقام النهي عن ~~المنكرات التي أقبحها الإشراك بالله لا يلائمه، فإن الشرك داخل في ~~الفساد في الأرض دخولا أوليا، ولذلك كان ينهي كل من الرسل الذين ~~قصت أنباؤهم أمته أولا عن الإشراك ثم عن سائر المعاصي التي كانوا ~~يتعاطونها، فالوجه حمل الظلم على مطلق الفساد الشامل للشرك وغيره ~~من أصناف المعاصي، وحمل الإصلاح على إصلاحه والإقلاع عنه بكون بعضهم ~~متصدين للنهي عنه وبعضهم متوجهين إلى الاتعاظ غير مصرين على ما هم ~~عليه من الشرك وغيره من أنواع الفساد. ### || [11.118-120] # { ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة } مجتمعة ~~على الحق ودين الإسلام بحيث لا يكاد يختلف فيه أحد ولكن لم يشأ ذلك فلم ~~يكونوا متفقين على الحق { ولا يزالون مختلفين } في الحق أي ~~مخالفين له كقوله تعالى: # وما اختلف فيه إلا الذين أوتوه من بعد ما ~~جاءتهم البينت بغيا بينهم # [البقرة: 213] { إلا من رحم ربك } إلا قوما قد هداهم الله ~~تعالى بفضله إلى الحق فاتفقوا عليه ولم يختلفوا فيه أي لم يخالفوه، ~~وحمله على مطلق الاختلاف الشامل لما يصدر من المحق والمبطل يأباه ~~الاستثناء المذكور { ولذلك } أي ولما ذكر من الاختلاف { خلقهم ~~} أي الذين بقوا بعد الثنيا وهو المختلفون، فاللام للعاقبة أو للترحم ~~فالضمير لمن واللام في معناها أو لهما معا فالضمير للناس كافة واللام ~~بمعنى مجازي عام لكلا المعنيين { وتمت كلمت ربك } أي ~~وعيده أو قوله للملائكة { لأملأن جهنم ms1627 من الجنة ~~والناس أجمعين } أي من عصاتهما أجمعين أو منهما أجمعين لا من ~~أحدهما، { وكلا } أي وكل نبأ فالتنوين عوض عن المضاف إليه { ~~نقص عليك } نجبرك به وقوله تعالى: { من أنباء الرسل } ~~بيان لكلا وقوله تعالى: { ما نثبت به فؤادك } بدل منه ~~والأظهر أن يكون المضاف إليه المحذوف في كلا المفعول المطلق لنقص ~~أي كل أسلوب من أساليبه نقص عليك من أنباء الرسل، وقوله تعالى: { ~~ما نثبت به فؤادك } مفعول نقص وفائدته التنبيه على أن ~~المقصود بالاقتصاص زيادة يقينه عليه السلام وطمأنينة قلبه وثبات ~~نفسه على أداء الرسالة واحتمال أذية الكفار بالوقوف على تفاصيل أحوال ~~الأمم السالفة في تماديهم في الضلال وما لقي الرسل من جهتهم من مكابدة ~~المشاق { وجاءك فى هذه } السورة أو الأنباء المقصوصة عليك { ~~الحق } الذي لا محيد عنه { وموعظة وذكرى للمؤمنين } ~~أي الجامع بين كونه حقا في نفسه وكونه موعظة وذكرى للمؤمنين ولكون ~~الوصف الأول حالا له في نفسه حلي باللام دون ما هو وصف له بالقياس ~~إلى غيره، وتقديم الظرف أعني (في هذه) على الفاعل لأن المقصود بيان ~~منافع السورة أو الأنباء المقصوصة فيها واشتمالها على ما ذكر من ~~المنافع المفصلة لا بيان كون ذلك فيها لا في غيرها ولأن عند تأخير ~~ما حقه التقديم تبقى النفس مترقبة إليه فيتمكن فيها عند الورود ~~فضل تمكن ولأن في المؤخر نوع طول يخل تقديمه بتجاوب أطراف ~~النظم الكريم. ### || [11.121-123] # { وقل للذين لا يؤمنون } بهذا الحق ولا يتعظون به ولا ~~يتذكرون { اعملوا على مكانتكم } على حالكم وجهتكم التي هي ~~عدم الإيمان { إنا عاملون } على حالنا وهو الإيمان به والاتعاظ ~~والتذكر به { وانتظروا } بنا الدوائر { إنا منتظرون } أن ~~ينزل بكم نحو ما نزل بأمثالكم من الكفرة { ولله غيب ~~السموات والأرض وإليه يرجع الأمر كله } فيرجع ~~لا محالة أمرك وأمرهم إليه وقرىء على البناء للفاعل من رجع رجوعا { ~~فاعبده وتوكل عليه } فإنه كافيك، والفاء لترتيب الأمر ~~بالعبادة والتوكل على كون مرجع الأمور كلها إلى الله تعالى، وفي ~~تأخير الأمر بالتوكل ms1628 عن الأمر بالعبادة إشعار بأنه لا ينفع دونها { ~~وما ربك بغفل عما يعملون } فيجازيهم بموجبه وقرىء ~~تعملون على تغليب المخاطب أي أنت وهم فيجازي كلا منك ومنهم بموجب ~~الاستحقاق. عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " من قرأ سورة هود أعطي من الأجر عشر حسنات بعدد من صدق كل ~~واحد من الأنبياء المعدودين فيها عليهم الصلاة والسلام وبعدد من ~~كذبهم وكان يوم القيامة من السعداء بفضل الله سبحانه وتعالى " ### | [12 - سورة يوسف] ### || [12.1-3] # (سورة يوسف عليه السلام مكية إلا الآيات 1 و 2 و 3 و 7 فمدنية وآياتها ~~111) # { بسم الله الرحمن الرحيم } { الر } الكلام فيه وفي محله ~~وفيما أريد بالإشارة والآيات والكتاب في قوله تعالى: { تلك ءايت ~~الكتب } عين ما سلف في مطلع سورة يونس { المبين } من أبان ~~بمعنى بان أي الظاهر أمره في كونه من عند الله تعالى وفي إعجازه بنوعيه ~~لا سيما الإخبار عن الغيب، أو الواضح معانيه للعرب بحيث لا يشتبه عليهم ~~حقائقه ولا يلتبس لديهم دقائقه لنزوله على لغتهم أو بمعنى بين أي ~~المبين لما فيه من الأحكام والشرائع وخفايا الملك والملكوت وأسرار ~~النشأتين في الدارين وغير ذلك من الحكم والمعارف والقصص، وعلى تقدير ~~كون الكتاب عبارة عن السورة فإبانته إنباؤه عن قصة يوسف عليه ~~السلام، فإنه قد روي أن أحبار اليهود قالوا لرؤساء المشركين: سلوا ~~محمدا صلى الله عليه وسلم لماذا انتقل آل يعقوب من الشام إلى مصر، وعن ~~قصة يوسف عليه السلام ففعلوا ذلك. فيكون وصف الكتاب بالإبانة من قبيل ~~براعة الاستهلال لما سيأتي ولما وصف الكتاب بما يدل على الشرف ~~الذاتي عقب ذلك بما يدل على الشرف الإضافي فقيل: { إنا ~~أنزلنه } أي الكتاب المنعوت بما ذكر من النعوت الجليلة، فإن ~~كان عبارة عن الكل وهو الأظهر الأنسب بقوله تعالى: { قرءانا ~~عربيا } إذ هو المشهور بهذا الاسم المعروف بهذا النعت المتسارع ~~إلى الفهم عند إطلاقهما فالأمر ظاهر، وإن جعل عبارة عن السورة ~~فتسميتها قرآنا لما عرفته فيما سلف، والسر في ذلك أنه اسم ms1629 جنس في ~~الأصل يقع على الكل والبعض كالكتاب، أو لأنه مصدر بمعنى المفعول أي ~~أنزلناه حال كونه مقروءا بلغتكم { لعلكم تعقلون } أي لكي ~~تفهموا معانيه طرا وتحيطوا بما فيه من البدائع خبرا وتطلعوا على ~~أنه خارج عن طوق البشر منزل من عند خلاق القوى والقدر. { نحن ~~نقص عليك } أي نخبرك ونحدثك، واشتقاقه من قص أثره إذا ~~اتبعه لأن من يقص الحديث يتبع ما حفظ منه شيئا فشيئا كما يقال: ~~تلا القرآن لأنه يتبع ما حفظ منه آية بعد آية { أحسن القصص } ~~أي أحسن الاقتصاص فنصبه على المصدرية وفيه مع بيان الواقع إيهام لما ~~في اقتصاص أهل الكتاب من القبح والخلل، وترك المفعول إما للاعتماد ~~على انفهامه من قوله عز وجل: { بما أوحينا } أي بإيحائنا { ~~إليك هذا القرآن } أي هذه السورة فإن كونها موحاة منبىء ~~عن كون ما في ضمنها مقصوصا، والتعرض لعنوان قرآنيتها لتحقيق أن ~~الاقتصاص ليس بطريق الإلهام أو الوحي غير المتلو وإما لظهوره من ~~سؤال المشركين بتلقين علماء اليهود، وأحسنيته لأنه قد اقتص على ~~أبدع الطرائق الرائعة الرائقة وأعجب الأساليب الفائقة اللائقة كما ~~لا يكاد يخفى على من طالع القصة من كتب الأولين والآخرين وإن كان لا ~~يميز الغث من السمين، ولا يفرق بين الشمال واليمين، وفي كلمة هذا ~~إيماء إلى مغايرة هذا القرآن لما في قوله تعالى: { قرءانا ~~عربيا } بأن يكون المراد بذلك المجموع فتأمل. # أو نقص عليك أحسن ما نقص من الأنباء وهو قصة آل يعقوب عليه السلام ~~على أن القصص فعل بمعنى المفعول كالنبأ والخبر، أو مصدر سمي به ~~المفعول كالخلق والصيد، ونصب أحسن على المفعولية وأحسنيتها لتضمنها ~~من الحكم والعبر ما لا يخفى كمال حسنه { وإن كنت } إن مخففة من ~~الثقيلة، وضمير الشأن الواقع اسما لها محذوف واللام فارقة ~~والجملة خبر والمعنى وإن الشأن { من قبله } من قبل إيحائنا إليك ~~هذه السورة { لمن الغفلين } عن هذه القصة لم تخطر ببالك ولم ~~تقرع سمعك قط، وهو تعليل لكونه موحى، والتعبير عن عدم العلم ~~بالغفلة لإجلال ms1630 شأن النبي عليه السلام وإن غفل عنه بعض الغافلين. ### || [12.4] # { إذ قال يوسف } نصب بإضمار اذكر وشروع في القصة إنجازا ~~للوعد بأحسن الاقتصاص، أو بدل من أحسن القصص على تقدير كونه ~~مفعولا بدل اشتمال فإن اقتصاص الوقت المشتمل على المقصوص من حيث ~~اشتماله عليه اقتصاص للمقصوص، ويوسف اسم عبري لا عربي لخلوه ~~عن سبب آخر غير التعريف، وفتح السين وكسرها على بعض القراءات بناء على ~~التلعب به لا على أنه مضارع بني للمفعول أو الفاعل من آسف لشهادة ~~المشهورة بعجمته { لأبيه } يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم عليهم ~~الصلاة والسلام، وقد روي عنه عليه السلام: # " إن الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم يوسف بن يعقوب ~~بن إسحاق بن إبراهيم " # { يا أبت } أصله يا أبي فعوض عن الياء تاء التأنيث لتناسبهما في ~~الزيادة فلذلك قلبت هاء في الوقف على قراءة ابن كثير، وأبي عمرو، ~~ويعقوب، وكسرتها لأنها عوض عن حرف يناسبها وفتحها ابن عامر في كل ~~القرآن لأنها حركة أصلها، أو لأن الأصل يا أبتا فحذف الألف وبقيت ~~الفتحة، وإنما لم يجز يا أبتي لأنه جمع بين العوض والمعوض، وقرىء ~~بالضم إجراء لها مجرى الألفاظ المؤنثة بالتاء من غير اعتبار التعويض ~~وعدم تسكينها كأصلها لأنها حرف صحيح منزل منزلة الاسم فيجب تحريكها ~~ككاف الخطاب. # { إنى رأيت } من الرؤيا لا من الرؤية لقوله: # لا تقصص رءياك # [يوسف: 5] # هذا تأويل رؤيى # [يوسف: 100] ولأن الظاهر أن وقوع مثل هذه الأمور البديعة في عالم ~~الشهادة لا يختص برؤية راء دون راء فيكون طامة كبرى لا يخفى على أحد ~~من الناس { أحد عشر كوكبا والشمس والقمر } روي عن ~~جابر رضي الله عنه: # " أن يهوديا جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أخبرني يا ~~محمد عن النجوم التي رآهن يوسف عليه السلام، فسكت النبي عليه السلام ~~فنزل جبريل عليه السلام فأخبره بذلك فقال عليه السلام: " إذا أخبرتك ~~بذاك هل تسلم؟ " فقال: نعم، قال عليه السلام: " جريان والطارق والذيال ~~وقابس وعمودان والفليق والمصبح والضروح والفرع ووثاب ms1631 وذو ~~الكتفين، رآها يوسف عليه السلام والشمس والقمر ونزلن من السماء وسجدن ~~له " فقال اليهودي: إي والله إنها لأسماؤها " # وقيل: الشمس والقمر أبواه، وقيل: أبواه، وقيل: أبوه وخالته والكواكب ~~إخوته، وإنما أخر الشمس والقمر عن الكواكب لإظهار مزيتهما وشرفهما ~~على سائر الطوالع بعطفهما عليهما كما في عطف جبريل وميكائيل على ~~الملائكة عليهم السلام وقد جوز أن تكون الواو بمعنى مع أي رأيت ~~الكواكب مع الشمس والقمر، ولا يبعد أن يكون ذلك إشارة إلى تأخر ~~ملاقاته عليه السلام لهما عن ملاقاته لإخوته. وعن وهب أن يوسف عليه ~~السلام رأى وهو ابن سبع سنين أن إحدى عشرة عصا طوالا كانت مركوزة ~~في الأرض كهيئة الداوة وإذا عصا صغيرة تثب عليها حتى اقتلعتها ~~وغلبتها فوصف ذلك لأبيه فقال: إياك أن تذكر هذا لإخوتك، ثم رأى وهو ~~ابن ثنتي عشرة سنة الشمس والقمر والكواكب تسجد له فقصها على ~~أبيه، فقال: لا تقصها عليهم فيبغوا لك الغوائل، وقيل: كان بين رؤيا ~~يوسف ومصير إخوته إليه أربعون سنة، وقيل: ثمانون { رأيتهم لى ~~ساجدين } استئناف ببيان حالهم التي رآهم عليها كأن سائلا سأل ~~فقال: كيف رأيتهم؟ فأجاب بذلك، وإنما أجريت مجرى العقلاء في الضمير ~~لوصفها بوصف العقلاء السجود، وتقديم الجار والمجرور لإظهار العناية ~~والاهتمام بما هو الأهم مع ما في ضمنه من رعاية الفاصلة. ### || [12.5] # { قال يابنى } صغره للشفقة، أو لها ولصغر السن, وهو أيضا ~~استئناف مبني على سؤال من قال: فماذا قال يعقوب بعد سماع هذه الرؤيا ~~العجيبة؟ ولما عرف يعقوب عليه السلام من هذه الرؤيا أن يوسف يبلغه ~~الله تعالى مبلغا جليلا من الحكمة ويصطفيه للنبوة وينعم عليه بشرف ~~الدارين كما فعل بآبائه الكرام خاف عليه حسد الإخوة وبغيهم فقال ~~صيانة لهم من ذلك وله من معاناة المشاق ومقاساة الأحزان، وإن كان ~~واثقا بأن الله تعالى سيحقق ذلك لا محالة وطمعا في حصوله بلا مشقة: { ~~لا تقصص رءياك } هي ما في المنام كما أن الرؤية ما في اليقظة، ~~فرق بينهما بحرفي التأنيث كما في القربى ms1632 والقربة، وحقيقتها ارتسام ~~الصورة المنحدرة من أفق المتخيلة إلى الحس المشترك، والصادقة منها ~~إنما تكون باتصال النفس بالملكوت لما بينهما من التناسب عند فراغها من ~~تدبير البدن أدنى فراغ فتتصور بما فيها مما يليق من المعاني الحاصلة ~~هناك ثم إن المتخيلة تحاكيه بصورة تناسبه فترسلها إلى الحس المشترك ~~فتصير مشاهدة ثم إذا كانت شديدة المناسبة لذلك المعنى بحيث لا يكون ~~التفاوت إلا بالكلية والجزئية استغنت الرؤيا عن التعبير وإلا احتاجت ~~إليه { على إخوتك فيكيدوا } نصب بإضمار أن أي فيفعلوا { ~~لك } أي لأجلك ولإهلاكك { كيدا } متينا راسخا لا تقدر على التفصي ~~عنه، أو خفيا عن فهمك لا تتصدى لمدافعته وهذا أوفق بمقام التحذير وإن ~~كان يعقوب عليه السلام يعلم أنهم ليسوا بقادرين على تحويل ما دلت الرؤيا ~~على وقوعه، وهذا الأسلوب آكد من أن يقال: فيكيدوك كيدا، إذ ليس فيه ~~دلالة على كون نفس الفعل مقصود الإيقاع، وقد قيل: إنما جيء باللام ~~لتضمينه معنى الاحتيال المتعدي باللام ليفيد معنى المضمن والمضمن ~~فيه للتأكيد أي فيحتالوا لك ولإهلاكك حيلة وكيدا، والمراد بإخوته ~~ههنا الذين يخشى غوائلهم ومكايدهم بنو علاته الأحد عشر، وهم ~~يهوذا وروبيل وشمعون ولاوي وربالون ويشجر ودينة بنو بعقوب من ليا ~~بنت خالته ودان ونفتالي وجاد وآشر بنوه من سريتين زلفة وبلهة وهؤلاء هم ~~المشار إليهم بالكواكب الأحد عشر وأما بنيامين الذي هو شقيق يوسف ~~عليه السلام وأمهما راحيل التي تزوجها يعقوب عليه السلام بعد وفاة ~~أختها ليا أو في حياتها إذ لم يكن جمع الأختين إذ ذاك محرما فليس ~~بداخل تحت هذا النهي إذ لا يتوهم مضرته ولا يخشى معرته ولم يكن ~~معدودا معهم في الرؤيا إذ لم يكن معهم في السجود ليوسف والمراد نهيه ~~عن اقتصاص الرؤيا عليهم كلا أو بعضا. # { إن الشيطن للإنسن عدو مبين } ظاهر العداوة ~~فلا يألو جهدا في إغواء إخوتك وإضلالهم وحملهم على ما لا خير فيه، وهو ~~استئناف كأن يوسف عليه السلام قال: كيف يصدر ذلك عن إخوتي الناشئين في ~~بيت النبوة؟ فقيل: ms1633 إن الشيطان يحملهم على ذلك، ولما نبهه عليهما السلام ~~على أن لرؤياه شأنا عظيما يستتبع منافع وحذره إشاعتها المؤدية ~~إلى أن يحول إخوته بينها وبين ظهور آثارها وحصولها أو يوعروا ~~سبيل وصولها شرع في تعبيرها وتأويلها على وجه إجمالي فقال: ### || [12.6] # { وكذلك } أي ومثل ذلك الاجتباء البديع الذي شاهدت آثاره في ~~عالم المثال من سجود تلك الأجرام العلوية النيرة لك، وبحسبه وعلى ~~وفقه { يجتبيك ربك } يختارك لجناب كبريائه ويستنبئك افتعال ~~من جباه إذا جمعه، ويصطفيك على أشراف الخلائق وسراة الناس قاطبة ~~ويبرز مصداق تلك الرؤيا في عالم الشهادة حسب ما عاينته من غير قصور، ~~والمراد بالتشبيه بيان المضاهاة المتحققة بين الصور المرئية في ~~عالم المثال وبين ما وقعت هي صورا وأشباحا له من الكائنات الظاهرة ~~بحسبها في عالم الشهادة أي كما سخرت لك تلك الأجرام العظام يسخر ~~لك وجوه الناس ونواصيهم مذعنين لطاعتك خاضعين لك على وجه الاستكانة، ~~ومراده بيان إطاعة أبويه وإخوته له لكنه إنما لم يصرح به حذرا من ~~إذاعته { ويعلمك } كلام مبتدأ غير داخل تحت التشبيه أراد به ~~عليه السلام تأكيد مقالته وتحقيقها وتوطين نفس يوسف عليه السلام بما ~~أخبر به على طريقة التعبير والتأويل، كأنه قال وهو يعلمك { من ~~تأويل الأحاديث } أي ذلك الجنس من العلوم أو طرفا صالحا منه ~~فتطلع على حقية ما أقول، ولا يخفى ما فيه من تأكيد ما سبق والبعث على ~~تلقي ما سيأتي بالقبول، والمراد بتأويل الأحاديث تعبير الرؤيا إذ هي ~~أحاديث الملك إن كانت صادقة أو أحاديث النفس أو الشيطان إن لم تكن ~~كذلك، والأحاديث اسم جمع للحديث كالأباطيل اسم جمع للباطل لا جمع ~~أحدوثة، وقيل: كأنهم جمعوا حديثا على أحدثة ثم جمعوا الجمع على ~~أحاديث كقطيع وأقطعة وأقاطيع، وقيل: هو تأويل غوامض كتب الله تعالى ~~وسنن الأنبياء عليهم السلام، والأول هو الأظهر، وتسمية التعبير ~~تأويلا لأنه جعل المرئي آيلا إلى ما يذكره المعبر بصدد التعبير ~~ورجعه إليه فكأنه عليه الصلاة والسلام أشار بذلك إلى ما سيقع من يوسف ~~عليه ms1634 السلام من تعبيره لرؤيا صاحبي السجن ورؤيا الملك وكون ذلك ~~ذريعة إلى ما يبلغه الله تعالى إليه من الرياسة العظمى التي عبر عنها ~~بإتمام النعمة، وإنما عرف يعقوب عليه السلام ذلك منه من جهة الوحي، أو ~~أراد كون هذه الخصلة سببا لظهور أمره عليه السلام على الإطلاق فيجوز ~~حينئذ أن تكون معرفته عليه السلام لذلك بطريق الفراسة والاستدلال من ~~الشواهد والدلائل والأمارات والمخايل بأن من وفقه الله تعالى لمثل هذه ~~الرؤيا لا بد من توفيقه لتعبيرها وتأويل أمثالها وتمييز ما هو آفاقي ~~منها مما هو أنفسي. كيف لا وهي تدل على كمال تمكن نفسه عليه السلام ~~في عالم المثال وقوة تصرفاتها فيه فيكون أقبل لفيضان المعارف ~~المتعلقة بذلك العالم وبما يحاكيه من الأمور الواقعة بحسبها في عالم ~~الشهادة وأقوى وقوفا على النسب الواقعة بين الصور المعاينة في أحد ~~ذينك العالمين وبين الكائنات الظاهرة على وفقها في العالم الآخر، وأن ~~هذا الشأن البديل لا بد أن يكون أنموذجا لظهور أمر من اتصف به ~~ومدارا لجريان أحكامه فإن لكل نبي من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ~~معجزة بها تظهر آثاره وتجري أحكامه { ويتم نعمته عليك } ~~بأن يضم إلى النبوة المستفادة من الاجتباء الملك ويجعله تتمة لها، ~~وتوسيط ذكر التعليم المذكور بينهما لكونه من لوازم النبوة والاجتباء ~~ولرعاية ترتيب الوجود الخارجي ولما أشرنا إليه من كون أثره وسيلة إلى ~~تمام النعمة ويجوز أن يعد نفس الرؤيا من نعم الله تعالى عليه فيكون ~~جميع النعم الواصلة إليه من كون أثره وسيلة إلى تمام النعمة، ويجوز ~~أن يعد نفس الرؤيا من نعم الله تعالى عليه فيكون جميع النعم الواصلة ~~إليه بحسبها مصداقا لها تماما لتلك النعمة. # { وعلى ءال يعقوب } وهم أهله من بنيه وغيرهم فإن رؤية يوسف ~~عليه السلام إخوته كواكب يهتدى بأنوارها من نعم الله تعالى عليهم ~~لدلالتها على مصير أمرهم إلى النبوة فيقع كل ما يخرج من القوة إلى ~~الفعل من كمالاتهم بحسب ذلك تماما لتلك النعمة لا محالة، وأما إذا أريد ~~بتمام تلك ms1635 النعمة الملك فكونه كذلك بالنسبة إليهم باعتبار أنهم ~~يغتنمون آثاره من العز والجاه والمال، { كما أتمها على ~~أبويك } نصب على المصدرية أي ويتم نعمته عليك إتماما كائنا ~~كإتمام نعمته على أبويك وهي نعمة الرسالة والنبوة وإتمامها على ~~إبراهيم عليه السلام باتخاذه خليلا وإنجائه من النار ومن ذبح الولد، ~~وعلى إسحاق بإنجائه من الذبح وفدائه بذبح عظيم وبإخراج يعقوب ~~والأسباط من صلبه وكل ذلك نعم جليلة وقعت تتمة لنعمة النبوة. ولا ~~يجب في تحقيق التشبيه كون ذلك في جانب المشبه به مثل ما وقع في جانب ~~المشبه من كل وجه { من قبل } أي من قبل هذا الوقت أو من قبلك { ~~إبراهيم وإسحق } عطف بيان لأبويك، والتعبير عنهما بالأب ~~من كونهما أبا جده وأبا أبيه للإشعار بكمال ارتباطه بالأنبياء ~~الكرام عليهم الصلاة والسلام وتذكير معنى: الولد سر أبيه ليطمئن ~~قلبه بما أخبر به في ضمن التعبير الإجمالي لرؤياه، والاقتصار في ~~المشبه به على ذكر إتمام النعمة من غير تعرض للاجتباء من باب الاكتفاء ~~فإن إتمام النعمة يقتضي سابقة النعمة المستدعية للاجتباء لا محالة { ~~إن ربك } استئناف لتحقيق مضمون الجمل المذكورة أي يفعل ما ذكر ~~لأنه { عليم } بكل شيء فيعلم من يستحق الاجتباء وما يتفرع عليه من ~~التعليم المذكور وإتمام النعمة العامة على الوجه المذكور { حكيم } ~~فاعل لكل شيء حسبما تقتضيه الحكمة والمصلحة فيفعل ما يفعل كما يفعل ~~جريا على سنن علمه وحكمته، والتعرض لعنوان الربوبية في الموضعين ~~لتربية تحقق وقوع ما ذكر من الأفاعيل. هذا وقد قيل في تفسير الآية ~~الكريمة: أي وكما اجتباك لمثل هذه الرؤيا الدالة على شرف وعز وكمال ~~نفس يجتبيك ربك للنبوة والملك أو لأمور عظام ويتم نعمته عليك ~~بالنبوة أو بأن يصل نعمة الدنيا بنعمة الآخرة حيث جعلهم في الدنيا ~~أنبياء وملوكا ونقلهم عنها إلى الدرجات العلا في الجنة كما أتمها على ~~أبويك بالرسالة فتأمل والله الهادي. ### || [12.7-8] # { لقد كان فى يوسف وإخوته } أي في قصتهم والمراد بهم ~~ههنا إما جميعهم فإن لبنيامين أيضا حصة من القصة ms1636 أو بنو علاته ~~المعدودون فيما سلف إذ عليهم يدور رحاها { ءايت } علامات عظيمة ~~الشأن دالة على قدرة الله تعالى القاهرة { للسائلين } لكل من سأل ~~عن قصتهم وعرفها أو الطالبين للآيات المعتبرين بها فإنهم الواقفون عليها ~~والمنتفعون بها دون من عداهم ممن اندرج تحت قوله تعالى: # وكأين من ءاية فى السموات والأرض يمرون ~~عليها وهم عنها معرضون # [يوسف: 105] فالمراد بالقصة نفس المقصوص أو على نبوته عليه السلام لمن ~~سأله من المشركين أو اليهود عن قصتهم فأخبرهم بذلك على ما هي عليه من غير ~~سماع من أحد ولا ممارسة شيء من الكتب فالمراد بها اقتصاصها، وجمع ~~الآيات حينئذ للإشعار بأن اقتصاص كل طائفة من القصة آية بينة ~~كافية في الدلالة على نبوته عليه السلام على نحو ما ذكر في قوله تعالى: # مقام إبرهيم # [البقرة: 125] على تقدير كونه عطف بيان لقوله تعالى: { آيات ~~بينات } لا لما قيل من أنه لتعدد جهة الإعجاز لفظا ومعنى، وقرأ ابن ~~كثير آية وفي بعض المصاحف عبرة وقيل: إنما قص الله تعالى على النبي ~~صلى الله عليه وسلم خبر يوسف وبغي إخوته عليه لما رأى من بغي قومه ~~عليه ليتأسى به { إذ قالوا ليوسف وأخوه } أي شقيقه ~~بنيامين وإنما لم يذكر باسمه تلويحا بأن مدار المحبة أخوته ليوسف ~~من الطرفين، ألا يرى إلى أنهم كيف اكتفوا بإخراج يوسف من البين من ~~غير تعرض له حيث قالوا: اقتلوا يوسف { أحب إلى أبينا منا ~~} وحد الخبر مع تعدد المبتدأ لأن أفعل من كذا لا يفرق فيه بين الواحد ~~وما فوقه، ولا بين المذكر والمؤنث، نعم إذا عرف وجب الفرق وإذا أضيف ~~جاز الأمران، وفائدة لام الابتداء في يوسف تحقيق مضمون الجملة ~~وتأكيده { ونحن عصبة } أي والحال أنا جماعة قادرون على الحل ~~والعقد أحقاء بالمحبة، والعصبة والعصابة العشرة من الرجال فصاعدا ~~سموا بذلك لأن الأمور تعصب بهم { إن أبانا } في ترجيحهما ~~علينا في المحبة مع فضلنا عليهما وكونهما بمعزل من كفاية الأمور ~~بالصغر والقلة { لفى ضلل } أي ذهب عن طريق التعديل ms1637 اللائق ~~وتنزيل كل منا منزلته { مبين } ظاهر الحال. روي أنه كان أحب ~~إليه لما يرى فيه من مخايل الخير وكان إخوته يحسدونه فلما رأى الرؤيا ~~ضاعف له المحبة بحيث لم يصبر عنه فتضاعف حسدهم حتى حملهم على مباشرة ما ~~قص عنهم. ### || [12.9-10] # { اقتلوا يوسف أو اطرحوه أرضا } من جملة ما حكي بعد ~~قوله إذا قالوا وقد قاله بعض منهم مخاطبا للباقين بقضية الصيغة فكأنهم ~~رضوا بذلك كما يروى أن القائل شمعون أو دان، والباقون كانوا راضين إلا ~~من قال: لا تقتلوا الخ، فجعلوا كأنهم القائلون وأدرجوا تحت القول ~~المسند إلى الجميع أو قاله كل واحد منهم مخاطبا للبقية وهو أدل ~~على مسارعتهم إلى ذلك القول. وتنكير أرضا وإخلاؤها من الوصف للإبهام ~~أي أرضا منكورة مجهولة بعيدة من العمران ولذلك نصبت نصب الظروف ~~المبهمة { يخل } بالجزم جواب للأمر أي يخلص { لكم وجه ~~أبيكم } فيقبل عليكم بكليته ولا يلتفت عنكم إلى غيركم ولا يساهمكم ~~في محبته أحد فذكر الوجه لتصوير معنى إقباله عليهم { وتكونوا } ~~بالجزم عطفا على يخل أو بالنصب على إضمار أن أو الواو بمعنى مع مثل ~~قوله: # وتكتموا الحق # [البقرة: 42] وإيثار الخطاب في لكم وما بعده للمبالغة في حملهم على ~~القبول فإن اعتناء المرء بشأن نفسه واهتمامه بتحصيل منافعه أتم ~~وأكمل { من بعده } من بعد يوسف أي من بعد الفراغ من أمره أو طرحه ~~{ قوما صلحين } تائبين إلى الله تعالى عما جنيتم أو صالحين مع ~~أبيكم بإصلاح ما بينكم وبينه بعذر تمهدونه أو صالحين في أمور دنياكم ~~بانتظامها بعده بخلو وجه أبيكم { قال قائل منهم } هو يهوذا ~~وكان أحسنهم فيه رأيا وهو الذي قال: # فلن أبرح الأرض # [يوسف: 80] الخ، وقيل: روبيل وهو استئناف مبني على سؤال من سأل ~~وقال: اتفقوا على ما عرض عليهم من خصلتي الضيع أم خالفهم في ذلك أحد ~~فقيل: قال قائل منهم: { لا تقتلوا يوسف } أظهره في مقام الإضمار ~~استجلابا لشفقتهم عليه أو استعظاما لقتله وهو هو، فإنه يروى أنه قال ~~لهم: القتل عظيم ولم يصرح ms1638 بنهيهم عن الخصلة الأخرى وأحاله على أولوية ~~ما عرضه عليهم بقوله: { وألقوه فى غيابة الجب } أي في قعره ~~وغوره. سمي بها لغيبته عن عين الناظر، والجب البئر التي لم تطو ~~بعد لأنها أرض جبت جبا من غير أن يزاد على ذلك شيء، وقرأ نافع في ~~غيابات الجب في الموضعين كأن لتلك الجب غيابات أو أراد بالجب الجنس أي ~~في بعض غيابات الجب وقرىء غيابات وغيبة { يلتقطه } يأخذه على ~~وجه الصيانة عن الضياع والتلف فإن الالتقاط أخذ شيء مشرف على الضياع { ~~بعض السيارة } أي بعض طائفة تسير في الأرض واللام في السيارة ~~كما في الجب وما فيهما وفي البعض من الإبهام لتحقيق ما يتوخاه من ترويج ~~كلامه بموافقته لغرضهم الذي هو تنائي يوسف عنهم بحيث لا يدرى أثره ~~ولا يروى خبره وقرىء تلتقطه على التأنيث لأن بعض السيارة سيارة ~~كقوله: # [وتشرق بالقول الذي قد أذعته] # كما شرقت صدر القناة من الدم # ومنه قطعت بعض أصابعه { إن كنتم فعلين } بمشورتي، لم يبت ~~القول عليهم بل إنما عرض عليهم ذلك تألفا لقلبهم وتوجيها لهم إلى رأيه ~~وحذرا من نسبتهم له إلى التحكم والافتيات، أو إن كنتم فاعلين ما أزمعتم ~~عليه من إزالته من عند أبيه لا محالة ولما كان هذا مظنة لسؤال سائل ~~يقول: فما فعلوا بعد ذلك قبلوا ذلك منه أو لا؟ أجيب بطريق الاستئناف على ~~وجه أدرج في تضاعيفه قبولهم له بما سيجيء من قوله: # وأجمعوا أن يجعلوه فى غيابة الجب # [يوسف: 15] فقيل: ### || [12.11-13] # { قالوا يا أبانا } خاطبوه بذلك تحريكا لسلسلة النسب بينه ~~وبينهم وتذكيرا لرابطة الأخوة بينهم وبين يوسف عليه الصلاة والسلام ~~ليتسببوا بذلك إلى استنزاله عليه السلام عن رأية في حفظه منهم لما أحس ~~منه بأمارات الحسد والبغي فكأنهم قالوا: { ما لك } أي أي شيء لك { ~~لا تأمنا } أي لا تجعلنا أمناء { على يوسف } مع أنك أبونا ~~ونحن بنوك وهو أخونا { وإنا له لنصحون } مريدون له الخير ~~ومشفقون عليه ليس فينا ما يخل بالنصيحة والمقة قط والقراءة ~~المشهورة بالإدغام ms1639 والإشمام. وعن نافع رضي الله عنه ترك الإشمام ومن ~~الشواذ ترك الإدغام { أرسله معنا غدا } إلى الصحراء { يرتع ~~} أي يتسع في أكل الفواكه ونحوها فإن الرتع هو الاتساع في الملاذ { ~~ويلعب } بالاستباق والتناضل ونظائرهما مما يعد من باب التأهب ~~للغزو، وإنما عبروا عن ذلك باللعب لكونه على هيئته تحقيقا لما راموه من ~~استصحاب يوسف عليه السلام بتصويرهم له بصورة ما يلائم حاله عليه السلام، ~~وقرىء نرتع ونلعب بالنون، وقرأ ابن كثير نرتع من ارتعى ونافع بالكسر ~~والياء فيه وفي يلعب وقرىء يرتع من أرتع ماشيته ويرتع بكسر العين ~~ويلعب بالرفع على الابتداء { وإنا له لحفظون } من أن يناله ~~مكروه أكدوا مقالتهم بأصناف التأكيد من إيراد الجملة اسمية وتحليتها ~~بإن واللام وإسناد الحفظ إلى كلهم وتقديم له على الخبر احتيالا في ~~تحصيل مقصدهم. # { قال } استئناف مبني على سؤال من يقول: فماذا قال يعقوب عليه ~~السلام؟ فقيل: قال: { إنى ليحزننى } اللام للابتداء كما في قوله ~~عز وجل: # وإن ربك ليحكم بينهم # [النحل: 124] { أن تذهبوا به } لشدة مفارقته علي وقلة صبري ~~عنه { و } مع ذلك { أخاف أن يأكله الذئب } لأن الأرض كانت ~~مذأبة والحزن ألم القلب بفوت المحبوب والخوف انزعاج النفس لنزول ~~المكروه ولذلك أسند الأول إلى الذهاب به المفوت لاستمرار مصاحبته ~~ومواصلته ليوسف والثاني إلى ما يتوقع نزوله من أكل الذئب، وقيل: رأى ~~في المنام أنه قد شد عليه عليه السلام ذئب وكان يحذره فقال ذلك، ~~وقد لقنهم للعلة # إن البلاء موكل بالمنطق # وقرأ ابن كثير، ونافع، في رواية البزي بالهمزة على الأصل، وأبو عمرو به ~~وقفا. وعاصم، وابن عامر، وحمزة درجا وقيل: اشتقاقه من تذاءبت الريح ~~إذا هاجت من كل جانب، وقال الأصمعي: الأمر بالعكس وهو أظهر لفظا ومعنى ~~{ وأنتم عنه غفلون } لاشتغالكم بالرتع واللعب أو لقلة ~~اهتمامكم بحفظه. ### || [12.14-15] # { قالوا لئن أكله الذئب ونحن عصبة } أي والحال ~~أنا جماعة كثيرة جديرة بأن تعصب بنا الأمور العظام وتكفى الخطوب ~~بآرائنا وتدبيراتنا واللام الداخلة على الشرط موطئة للقسم وقوله: { ~~إنا إذا لخسرون ms1640 } جواب مجزىء عن الجزاء أي لها لكون ~~ضعفا وخورا وعجزا أو مستحقون للهلاك إذ لا غناء عندنا ولا جدوى في ~~حياتنا أو مستحقون لأن يدعى علينا بالخسار والدمار ويقال: خسرهم الله ~~تعالى ودمرهم حيث أكل الذئب بعضهم وهم حضور، وقيل: إن لم نقدر على ~~حفظه وهو أعز شيء عندنا فقد هلكت مواشينا إذن وخسرناها، وإنما اقتصروا ~~على جواب خوف يعقوب عليه السلام من أكل الذئب لأنه السبب القوي في ~~المنع دون الحزن لقصر مدته بناء على أنهم يأتون به عن قريب { فلما ~~ذهبوا به وأجمعوا } أي أزمعوا { أن يجعلوه } مفعول ~~لأجمعوا يقال: أجمع الأمر ومنه # فأجمعوا أمركم # [يونس: 71] ولا يستعمل ذلك إلا في الأفعال التي قويت الدواعي إلى فعلها ~~{ فى غيابة الجب } قيل: هي بئر بأرض الأردن، وقيل: بين مصر ~~ومدين، وقيل: على ثلاثة فراسخ من منزل يعقوب عليه السلام بكنعان التي ~~هي من نواحي الأردن كما أن مدين كذلك، وأما ما يقال من أنها بئر بيت ~~المقدس فيرده التعليل بالتقاط السيارة ومجيئهم أباهم عشاء ذلك اليوم ~~فإن بين منزل يعقوب عليه السلام وبين بيت المقدس مراحل. وجواب لما ~~محذوف إيذانا بظهوره وإشعارا بأن تفصيله مما لا يحويه فلك العبارة، ~~ومجمله فعلوا به من الأذية ما فعلوا. يروى أنهم لما برزوا إلى الصحراء ~~أخذوا يؤذونه ويضربونه حتى كادوا يقتلونه، فجعل يصيح ويستغيث، فقال ~~يهوذا: أما عاهدتموني ألا تقتلوه، فأتوا به إلى البئر فتعلق بثيايهم ~~فنزعوها من يديه فدلوه فيها فتعلق بشفيرها فربطوا يديه، ونزعوا قميصه ~~لما عزموا عليه من تلطيخه بالدم احتيالا لأبيه، فقال: يا إخوتاه ردوا ~~علي قميصي أتوارى به فقالوا: ادع الشمس والقمر والأحد عشر كوكبا ~~تؤنسك، فدلوه فيها، فلما بلغ نصفها ألقوه ليموت وكان في البئر ماء فسقط ~~فيه ثم أوى إلى صخرة فقام عليها وهو يبكي، فنادوه وظن أنها رحمة ~~أدركتهم. فأجابهم فأرادوا أن يرضخوه فمنعهم يهوذا، وكان يأتيه بالطعام ~~كل يوم. ويروى أن إبراهيم عليه السلام حين ألقي في النار وجرد عن ~~ثيابه أتاه جبريل ms1641 عليه السلام بقميص من حرير الجنة فألبسه إياه فدفعه ~~أبراهيم إلى إسحاق وإسحاق إلى يعقوب فجعله يعقوب في تميمة وعلقها في ~~عنق يوسف، فجاءه جبريل عليه السلام فأخرجه من التميمة فألبسه إياه. # { وأوحينا إليه } عند ذلك تبشيرا له بما يؤول إليه أمره ~~وإزالة لوحشته وإيناسا له، قيل: كان ذلك قبل إدراكه كما أوحي إلى ~~يحيى وعيسى، وقيل: كان إذ ذاك مدركا، قال الحسن رضي الله عنه: كان له ~~سبع عشرة سنة { لتنبئنهم بأمرهم هذا } أي ~~لتتخلصن مما أنت فيه من سوء الحال وضيق المجال ولتحدثن إخوتك ~~بما فعلوا بك { وهم لا يشعرون } بأنك يوسف لتباين حاليك: ~~حالك هذا وحالك يومئذ لعلو شأنك وكبرياء سلطانك وبعد حالك عن ~~أوهامهم، وقيل: لبعد العهد المبدل للهيئات المغير للأشكال، والأول ~~أدخل في التسلية، روي أنهم حين دخلوا عليه ممارين فعرفهم وهم له منكرون ~~دعا بالصواع فوضعه على يده ثم نقره فطن، فقال: إنه ليخبرني هذا ~~الجام أنه كان لكم أخ من أبيكم يقال له يوسف وكان يدنيه دونكم ~~أونكم انطلقتم به وألقيتموه في غيابة الجب وقلتم لأبيكم أكله الذئب ~~وبعتموه بثمن بخس، ويجوز أن يتعلق (وهم لا يشعرون) بالإيحاء على معنى أنا ~~آنسناه بالوحي وأزلنا عن قلبه الوحشة التي أورثوه إياها وهم لا يشعرون ~~بذلك ويحسبون أنه مرهق مستوحش لا أنيس له. # وقرىء لننبئنهم بالنون على أنه وعيد لهم فقوله تعالى: { وهم لا ~~يشعرون } متعلق بأوحينا لا غير. ### || [12.16-17] # { وجاءوا أباهم عشاء } آخر النهار وقرىء عشيا وهو تصغير ~~عشى وعشى بالضم والقصر جمع أعشى أي عشوا من البكاء { يبكون } ~~متباكين. روي أنه لما سمع يعقوب عليه السلام بكاءهم فزع وقال: ما لكم يا ~~بني وأين يوسف؟ { قالوا يأبانا إنا ذهبنا نستبق } أي ~~متسابقين في العدو والرمي وقد يشترك الافتعال والتفاعل كالانتضال ~~والتناضل ونظائرهما { وتركنا يوسف عند متعنا } أي ما ~~نتمتع به من الثياب والأزواد وغيرهما { فأكله الذئب } عقيب ~~ذلك من غير مضي زمان يعتاد فيه التفقد والتعهد. وحيث لا يكاد يطرح ~~المتاع عادة إلا ms1642 في مقام يؤمن فيه الغوائل لم يعد تركه عليه ~~السلام عنده من باب الغفلة وترك الحظ الملتزم لا سيما إذا لم يبرحوه ~~ولم يغيبوا عنه، فكأنهم قالوا: إنا لم نقصر في محافظته ولم نغفل عن ~~مراقبته بل تركناه في مأمننا ومجمعنا بمرأى منا لأن ميدان السباق لا ~~يكون عادة إلا بحيث يتراءى غايتاه وما فارقناه إلا ساعة يسيرة بيننا ~~وبينه مسافة قصيرة فكان ما كان { وما أنت بمؤمن لنا } ~~بمصدق لنا في هذه المقالة الدالة على عدم تقصيرنا في أمره { ولو ~~كنا } عندك وفي اعتقادك { صدقين } موصوفين بالصدق والثقة لشدة ~~محبتك ليوسف فكيف وأنت سيء الظن بنا غير واثق بقولنا، وكلمة لو في ~~أمثال هذه المواقع لبيان تحقق ما يفيده الكلام السابق من الحكم ~~الموجب أو المنفي على كل حال مفروض من الأحوال المقارنة له على ~~الإجمال بإدخالها على أبعدها منه وأشدها منافاة له ليظهر بثبوته أو ~~انتفائه معه ثبوته أو انتفاؤه مع غيره من الأحوال بطريق الأولوية، لما ~~أن الشيء متى تحقق مع المنافي القوي فلأن يتحقق مع غيره أولى، ~~ولذلك لا يذكر معه شي من سائر الأحوال ويكتفى عنه بذكر الواو ~~العاطفة للجملة على نظيرتها المقابلة لها الشاملة لجميع الأحوال ~~المغايرة لها عند تعددها، وقد مر تفصيله في سورة البقرة عند قوله ~~تعالى: # أولو كان آباؤهم لا يعقلون شيئا ولا يهتدون # وفي سورة الأعراف عند قوله تعالى: # أولو كنا كرهين # [الأعراف: 88]. ### || [12.18-19] # { وجاءوا على قميصه } محله النصب على الظرفية من قوله: { ~~بدم } أي جاءوا فوق قميصه بدم كما تقول: جاء على جماله بأحمال، أو ~~على الحالية منه والخلاف في تقدم الحال على المجرور فيما إذا لم يكن ~~الحال ظرفا { كذب } مصدر وصف به الدم مبالغة، أو مصدر بمعنى ~~المفعول أي مكذوب فيه أو بمعنى ذي كذب أي ملابس لكذب، وقرىء كذبا على ~~أنه حال من الضمير، أي جاءوا كاذبين أو مفعول له، وقرأت عائشة رضي ~~الله تعالى عنها بغير المعجمة أي كدر، وقيل: طري، قال ابن جني: أصله ms1643 من ~~الكدب وهو الفوف أي البياض الذي يخرج على أظفار الأحداث كأنه دم قد أثر ~~في قميصه. روي أنهم ذبحوا سخلة ولطخوه بدمها وزل عنهم أن يمزقوه، ~~فلما سمع يعقوب بخبر يوسف عليهما السلام صاح بأعلى صوته وقال: أين ~~القميص؟ فأخذه وألقاه على وجهه وبكى حتى خضب وجهه بدم القميص وقال: ~~تالله ما رأيت كاليوم ذئبا أحلم من هذا، أكل ابني ولم يمزق عليه ~~قميصه. وقيل: كان في قميص يوسف عليه السلام ثلاث آيات كان دليلا ~~ليعقوب على كذبهم وألقاه على وجهه فارتد بصيرا ودليلا على براءة يوسف ~~عليه السلام حين قد من دبر { قال } استئناف مبني على سؤال فكأنه ~~قيل: ما قال يعقوب هل صدقهم فيما قالوا أو لا؟ فقيل: لم يكن ذلك { بل ~~سولت لكم أنفسكم } أي زينت وسهلت قاله ابن عباس رضي الله ~~عنهما والتسويل تقدير شيء في النفس مع الطمع في إتمامه. قال الأزهري: ~~كأن التسويل تفعيل من سؤل الإنسان وهو أمنيته التي يطلبها فتزين ~~لطالبها الباطل وغيره، وأصله مهموز، وقيل: من السول وهو الاسترخاء { ~~أمرا } من الأمور منكرا لا يوصف ولا يعرف { فصبر جميل } أي ~~فأمري صبر جميل أو فصبر أجمل أو أمثل. وفي الحديث: # " الصبر الجميل الذي لا شكوى فيه " # أي إلى الخلق وإلا فقد قال يعقوب عليه السلام: إنما أشكو بثي وحزني إلى ~~الله، وقيل: سقط حاجباه على عينيه فكان يرفعهما بعصابة، فقيل له: ما هذا؟ ~~قال: طول الزمان وكثرة الأحزان فأوحى الله عز وجل إليه: «يا يعقوب ~~أتشكوني؟» قال: يا رب خطيئة فاغفرها لي، وقرأ أبي فصبرا جميلا { ~~والله المستعان } أي المطلوب منه العون وهو إنشاء منه عليه ~~السلام للاستعانة المستمرة { على ما تصفون } على إظهار حال ما ~~تصفون وبيان كونه كذبا، وإظهار سلامته فإنه علم في الكذب قال ~~سبحانه: # سبحن ربك رب العزة عما يصفون # [الصافات: 180] وهو الأليق بما سيجيء من قوله تعالى: # فصبر جميل عسى الله أن يأتينى بهم جميعا # [يوسف: 83] وتفسير المستعان عليه باحتمال ما يصفون من هلاك يوسف ms1644 ~~والصبر على الرزء فيه يأباه تكذيبه عليه السلام لهم في ذلك، ولا ~~تساعده الصيغة فإنها قد غلبت في وصف الشيء بما ليس فيه كما أشير إليه. # { وجاءت } شروع في بيان ما جرى على يوسف في الجب بعد الفراغ من ~~ذكر ما وقع بين إخوته وبين أبيه، والتعبير بالمجيء ليس بالنسبة إلى ~~مكانهم فإن كنعان ليس بالجانب المصري من مدين بل إلى مكان يوسف وفي ~~إيثاره على المرور أو الإتيان أو نحوهما إيماء إلى كونه عليه السلام في ~~الكرامة والزلفى عند مليك مقتدر والظاهر أن الجب كان في الأمم المئتاء ~~فإن المتبادر من إسناد المجيء إلى السيارة مطلقا في قوله عز وجل: { ~~سيارة } أي رفقة تسير من جهة مدين إلى مصر وقوعه باعتبار سيرهم ~~المعتاد وهو الذي يقتضيه قوله تعالى فيما سلف: # يلتقطه بعض السيارة # وقد قيل إنه كان في قفرة بعيدة من العمران لم تمكن إلا للرعاة ~~فأخطأوا الطريق فنزلوا قريبا منه، وقيل: كان ماؤه ملحا فعذب حين ~~ألقي فيه عليه السلام { فأرسلوا واردهم } الذي يرد الماء ~~ويستقي لهم وكان ذلك مالك بن ذعر الخزاعي وإنما لم يذكر منتهى ~~الإرسال كما لم يذكر منتهى المجيء أعني الجب للإيذان بأن ذلك معهود لا ~~يضرب عنه الذكر صفحا { فأدلى دلوه } أي أرسلها إلى الجب ~~والحذف لما عرفته فتدلى بها يوسف فخرج. # { قال } استئناف مبني على سؤال يقتضيه الحال { يبشرى هذا ~~غلام } كأنه نادى البشرى وقال: تعالي، فهذا أوانك حيث فاز بنعمة ~~باردة وأي نعمة مكان ما يوجد مباحا من الماء. وقيل: هو اسم صاحب ~~له ناداه ليعينه على إخراجه، وقرأ غير الكوفيين يا بشراي وأمال ~~فتحة الراء حمزة والكسائي وقرأ ورش بين اللفظين يا بشري ~~بالإدغام وهي لغة، وبشراي على قصد الوقف { وأسروه } أي أخفاه ~~الوارد وأصحابه عن بقية الرفقة، وقيل: أخفوا أمره ووجدانهم له في ~~الجب وقالوا لهم: دفعه إلينا أهل الماء لنبيعه لهم بمصر، وقيل: ~~الضمير لإخوة يوسف وذلك أن يهوذا كان يأتيه كل يوم بطعام فأتاه يومئذ ~~فلم يجده ms1645 فيها فأخبر إخوته فأتوا الرفقة وقالوا: هذا غلامنا أبق ~~منا فاشتروه منهم وسكت يوسف مخافة أن يقتلوه ولا يخفى ما فيه من ~~البعد { بضعة } نصب على الحالية أي أخفوه حال كونه بضاعة أي ~~متاعا للتجارة فإنها قطعة من المال بضعت عنه أي قطعت للتجارة { ~~والله عليم بما يعملون } وعيد لهم على ما صنعوا من جعلهم ~~مثل يوسف وهو هو عرضة للابتذال بالبيع والشراء وما دبروا في ذلك من ~~الحيل. ### || [12.20] # { وشروه } أي باعوه والضمير للوارد وأصحابه { بثمن بخس } ~~زيف ناقص العيار { درهم } بدل من ثمن أي لا دنانير { معدودة ~~} أي غير موزونة فهو بيان لقلته ونقصانه مقدارا بعد بيان نقصانه ~~في نفسه إذ المعتاد فيما لا يبلغ أربعين العد دون الوزن، فعن ابن ~~عباس رضي الله عنهما أنها كانت عشرين درهما وعن السدي رضي الله عنه أنها ~~كانت اثنين وعشرين درهما { وكانوا } أي البائعون { فيه } في يوسف ~~{ من الزهدين } من الذين لا يرغبون فيما بأيديهم فلذلك باعوه بما ~~ذكر من الثمن البخس، وسبب ذلك أنهم التقطوه، والملتقط للشيء متهاون ~~به، أو غير واثق بأمره يخاف أن يظهر له مستحق فينتزعه منه فيبيعه من ~~أول مساوم بأوكس ثمن، ويجوز أن يكون معنى شروه اشتروه من إخوته على ~~ما حكي وهم غير راغبين في شراه خشية ذهاب مالهم لما ظن في آذانهم ~~من الإباق، والعدول على صيغة الافتعال المنبئة عن الاتخاذ لما مر من أن ~~أخذهم إنما كان بطريق البضاعة دون الاجتباء والاقتناء، وفيه متعلق ~~بالزاهدين إن جعل اللام للتعريف وبيان لما زهدوا فيه إن جعلت ~~موصولة، كأنه قيل: في أي شيء زهدوا؟ فقيل: زهدوا فيه، لأن ما يتعلق ~~بالصلة لا يتقدم على الموصول. ### || [12.21] # { وقال الذى اشتراه من مصر } وهو العزيز الذي كان على ~~خزانته واسمه قطفير أو إطفير، وبيان كونه من مصر لتربية ما يفرع ~~عليه من الأمور مع الإشعار بكونه غير من اشتراه من الملتقطين بما ذكر من ~~الثمن البخس، وكان الملك يومئذ الريان بن الوليد العمليقي ومات في ms1646 ~~حياة يوسف عليه السلام بعد أن آمن به فملك بعده قابوس بن مصعب فدعاه ~~إلى الإسلام فأبى، وقيل: كان الملك في أيامه فرعون موسى عليه السلام ~~عاش أربعمائة سنة لقوله عز وجل: # ولقد جاءكم يوسف من قبل بالبينت # وقيل: فرعون موسى من أولاد فرعون يوسف، والآية من قبيل خطاب الأولاد ~~بأحوال الآباء، واختلف في مقدار ما اشتراه به العزيز فقيل: بعشرين ~~دينارا وزوجي نعل وثوبين أبيضين. وقيل: أدخلوه في السوق يعرضونه ~~فترافعوا في ثمنه حتى بلغ ثمنه وزنه مسكا ووزنه حريرا فاشتراه ~~قطفير بذلك المبلغ وكان سنه إذ ذاك سبع عشرة سنة وأقام في منزله مع ما ~~مر عليه من مدة لبثه في السجن ثلاث عشرة سنة واستوزره الريان وهو ابن ~~ثلاثين سنة وآتاه الله العلم والحكمة وهو ابن ثلاث وثلاثين سنة وتوفي ~~وهو ابن مائة وعشرين سنة { لامرأته } راعيل أو زليخا، وقيل: اسمها ~~هو الأول والثاني لقبها واللام متعلقة بقال لا باشتراه { أكرمى ~~مثواه } اجعلي محل إقامته كريما مرضيا والمعنى أحسني تعهده { ~~عسى أن ينفعنا } في ضياعنا وأموالنا ونستظهر به في مصالحنا { ~~أو نتخذه ولدا } أي نتبناه وكان ذلك لما تفرس فيه من مخايل ~~الرشد والنجابة، ولذلك قيل: (أفرس الناس ثلاثة عزيز مصر وابنة ~~شعيب التي قالت: # يأبت استأجره # [القصص: 26] وأبو بكر حين استخلف عمر رضي الله عنهما). # { وكذلك } نصب على المصدرية وذلك إشارة إلى ما يفهم من كلام ~~العزيز، وما فيه من معنى البعد لتفخيمه أي مثل ذلك التمكين البديع { ~~مكنا ليوسف فى الارض } أي جعلنا له فيها مكانا، يقال: ~~مكنه فيه أي أثبته فيه ومكن له فيه، أي جعل له فيه مكانا، ولتقاربهما ~~وتلازمهما يستعمل كل منهما في محل الآخر، قال عز وجل: # كم أهلكنا من قبلهم من قرن مكنهم فى ~~الأرض ما لم نمكن لكم # [الأنعام: 6] أي ما لم نمكنكم فيها أو مكنا لهم في الأرض الخ، والمعنى ~~كما جعلنا له مثوى كريما في منزل العزيز أو مكانا عليا في قبله حتى ~~أمر امرأته دون سائر ms1647 حواشيه بإكرام مثواه جعلنا له مكانة رفيعة في أرض ~~مصر، ولعله عبارة عن جعله وجيها بين أهلها ومحببا في قلوبهم كافة كما ~~في قلب العزيز لأنه الذي يؤدي إلى الغاية المذكورة في قوله تعالى: { ~~ولنعلمه من تأويل الأحاديث } أي نوفقه لتعبير بعض ~~المنامات التي عمدتها رؤيا الملك وصاحبي السجن لقوله تعالى: # ذلكما مما علمنى ربى # [يوسف: 37] سواء جعلناه معطوفا على غاية مقدرة ينساق إليها الكلام ~~ويستدعيها النظام كأنه قيل: ومثل ذلك التمكين مكنا ليوسف في الأرض ~~وجعلنا قلوب أهلها كافة مجال محبته ليترتب عليه ما ترتب مما جرى ~~بينه وبين امرأة العزيز ولنعلمه بعض تأويل الأحاديث وهو تأويل ~~الرؤيا المذكورة فيؤدي ذلك إلى الرياسة العظمى، ولعل ترك المعطوف عليه ~~للإشعار بعدم كونه مرادا بالذات أو جعلناه علة لمعلل محذوف كأنه قيل: ~~ولهذه الحكمة البالغة فعلنا ذلك التمكين دون غيرها مما ليس له عاقبة ~~حميدة. هذا ولا يخفى عليك أن الذي عليه تدور هذه الأمور إنما هو ~~التمكين في جانب العزيز. # وأما التمكين في جانب الناس كافة فتأديته إلى ذلك إنما هي باعتبار ~~اشتماله على ذلك التمكين فإذن الحق أن يكون ذلك إشارة إلى مصدر قوله ~~تعالى: { مكنا ليوسف } على أن يكون هو عبارة عن التمكين في قلب ~~العزيز أو في منزله، وكون ذلك تمكينا في الإرض بملابسة أنه عزيز فيها ~~لا عن تمكين آخر يشبه به كما مر في قوله تعالى: # وكذلك جعلنكم أمة وسطا # [البقرة: 143] من أن ذلك إشارة إلى مصدر الفعل المذكور بعده لا إلى ~~جعل آخر يقصد تشبيه هذا الجعل به فالكاف مقحم للدلالة على فخامة شأن ~~المشار إليه إقحاما لا يكاد يترك في لغة العرب ولا في غيرها. # ومن ذلك قولهم: مثلك لا يبخل، وهكذا ينبغي أن يحقق المقام، وأما ~~التمكين بمعنى جعله مالكا يتصرف في أرض مصر بالأمر والنهي فهو من ~~آثار ذلك التعليم ونتائجه المتفرعة كما عرفته لا من مباديه المؤدية ~~إليه، فلا سبيل إلى جعله غاية له ولم يعهد منه عليه السلام في ms1648 تضاعيف ~~قضاياه العمل بموجب المنامات المنبهة على الحوادث قبل وقوعها عهدا ~~مصححا لجعله غاية لولايته، وما وقع من التدارك في أمر السنين فإنما هو ~~عمل بموجب الرؤيا السابقة المعهودة اللهم إلا أن يراد بتعليم تأويل ~~الأحاديث ما سبق من تفهيم غوامض أسرار الكتب الإلهية ودقائق سنن ~~الأنبياء عليهم السلام فيكون المعنى حينئذ مكنا له أرض مصر ليتصرف فيها ~~بالعدل ولنعلمه معاني كتب الله تعالى وأحكامها ودقائق سنن الأنبياء ~~عليهم السلام فيقضي بها فيما بين أهلها، والتعليم الإجمالي لتلك ~~المعاني والأحكام وإن كان غير متأخر عن تمكنه بذلك المعنى ألا أن ~~تعليم كل معنى شخصي يتفق في ضمن الحوادث والإرشاد إلى الحق في كل ~~نازلة من النوازل متأخر عن ذلك صالح لأن يكون غاية له { والله ~~غالب على أمره } لا يستعصى عليه أمر ولا يمانعه شيء بل إنما ~~أمره لشيء إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون فيدخل في ذلك شؤونه ~~المتعلقة بيوسف دخولا أوليا، أو متول على أمر يوسف لا يكله إلى ~~غيره وقد أريد به من الفتنة ما أريد مرة غب مرة فلم يكن إلا ما أراد ~~الله له من العاقبة الحميدة { ولكن أكثر الناس لا ~~يعلمون } أن الأمر كذلك فيأتون ويذرون زعما منهم أن لهم من الأمر ~~شيئا وأنى لهم ذلك، وإن الأمر كله لله عز وجل، أو لا يعلمون لطائف ~~صنعه وخفايا فضله. ### || [12.22] # { ولما بلغ أشده } أي منتهى اشتداد جسمه وقوته وهو سن ~~الوقوف ما بين الثلاثين إلى الأربعين، وقيل: سن الشباب ومبدأ بلوغ ~~الحلم والأول هو الأظهر لقوله تعالى: { آتيناه حكما } حكمة ~~وهو العلم المؤيد بالعمل أو حكما بين الناس وفقها أو نبوة { ~~وعلما } أي تفقها في الدين، وتنكيرهما للتفخيم أي حكما وعلما لا ~~يكتنه كنههما ولا يقادر قدرهما فهما ما آتاه الله تعالى عند تكامل ~~قواه سواء كانا عبارة عن النبوة والحكم بين الناس أو غيرهما، كيف ~~لا وقد جعل إيتاؤهما جزاء لعمله عليه السلام حيث قيل: { وكذلك } ~~أي مثل الجزاء العجيب { نجزى ms1649 المحسنين } أي كل من يحسن في ~~عمله فيجب أن يكون ذلك بعد انقضاء أعماله الحسنة التي من جملتها ~~معاناة الأحزان والشدائد، وقد فسر العلم بعلم تأويل الأحاديث، ولا ~~صحة له إلا أن يخص بعلم تأويل رؤيا الملك فإن ذلك حيث كان عند ~~تناهي أيام البلاء صح أن يعد إيتاؤه من جملة الجزاء، وأما رؤيا ~~صاحبي السجن فقد لبث عليه السلام بعد تعبيرها في السجن بضع سنين. ~~وفي تعليق الجزاء المذكور بالمحسنين إشعار بعلية الإحسان له وتنبيه ~~على أنه سبحانه إنما آتاه ما آتاه لكونه محسنا في أعماله متقيا في ~~عنفوان أمره # هل جزاء الإحسن إلا الإحسن # [الرحمن: 60 ]. ### || [12.23] # { وراودته التى هو فى بيتها } رجوع إلى شرح ما جرى ~~عليه في منزل العزيز بعد ما أمر امرأته بإكرام مثواه. وقوله تعالى: # وكذلك مكنا ليوسف # إلى هنا اعتراض جيء به أنموذجا للقصة ليعلم السامع من أول الأمر أن ~~ما لقيه عليه السلام من الفتن التي ستحكى بتفاصيلها له غاية جميلة ~~وعاقبة حميدة وأنه عليه السلام محسن في جميع أعماله لم يصدر عنه في ~~حالتي السراء والضراء ما يخل بنزاهته، ولا يخفى أن مدار حسن ~~التخلص إلى هذا الاعتراض قبل تمام الآية الكريمة إنما هو التمكين ~~البالغ المفهوم من كلام العزيز، فإدراج الإنجاء السابق تحت الإشارة ~~بذلك في قوله تعالى: # وكذلك مكنا # كما فعله الجمهور ناء من التقريب فتأمل. والمراودة المطالبة من راد ~~يرود إذا جاء وذهب لطلب شيء ومنه الرائد لطالب الماء والكلأ، وهي ~~مفاعلة من واحد نحو مطالبة الدائن ومماطلة المديون ومداواة ~~الطبيب ونظائرها مما يكون من أحد الجانبين الفعل ومن الآخر سببه فإن ~~هذه الأفعال وإن كانت صادرة عن أحد الجانبين لكن لما كانت أسبابها ~~صادرة عن الجانب الآخر جعلت كأنها صادرة عنهما وهذا باب لطيف المسلك ~~مبني على اعتبار دقيق، تحقيقه أن سبب الشيء يقام مقامه ويطلق عليه ~~اسمه كما في قولهم: كما تدين تدان أي كما تجزي تجزى، فإن فعل البادي ~~وإن لم يكن جزاء لكنه لكونه ms1650 سببا للجزاء أطلق عليه اسمه وكذلك إرادة ~~القيام إلى الصلاة وإرادة قراءة القرآن حيث كانتا سببا للقيام ~~والقراءة عبر عنهما بهما فقيل: # إذا قمتم إلى الصلاة # [المائدة: 6] # فإذا قرأت القرءان # [النحل: 98] وهذه قاعدة مطردة مستمرة، ولما كانت أسباب الأفعال ~~المذكورة فيما نحن فيه صادرة عن الجانب المقابل لجانب فاعلها فإن ~~مطالبة الدائن للمماطلة التي هي من جانب الغريم وهي منه للمطالبة التي ~~هي من جانب الدائن وكذا مداواة الطبيب للمرض الذي هو من جانب المريض ~~وكذلك مراودتها فيما نحن فيه لجمال يوسف عليه السلام، نزل صدورها عن ~~محالها بمنزلة صدور مسبباتها التي هي تلك الأفعال فبني الصيغة على ~~ذلك وروعي جانب الحقيقة بأن أسند الفعل إلى الفاعل وأوقع على صاحب ~~السبب فتأمل، ويجوز أن يراد بصيغة المغالبة مجرد المبالغة، وقيل: ~~الصيغة على بابها بمعنى أنها طلبت منه الفعل وهو منها الترك، ويجوز ~~أن يكون من الرويد وهو الرفق والتحمل، وتعديتها بعن لتضمينها معنى ~~المخادعة فالمعنى خادعته. # { عن نفسه } أي فعلت ما يفعل المخادع لصاحبه عن شيء لا يريد ~~إخراجه من يده وهو يحتال أن يأخذه منه وهي عبارة عن التمحل في مواقعته ~~إياها، والعدول عن التصريح باسمها للمحافظة على السر أو للاستهجان ~~بذكره، وإيراد الموصول لتقرير المراودة فإن كونه في بيتها مما يدعو ~~إلى ذلك، قيل لواحدة: ما حملك على ما أنت عليه مما لا خير فيه؟ قالت: ~~قرب الوساد وطول السواد، ولإظهار كمال نزاهته عليه السلام فإن عدم ~~ميله إليها مع دوام مشاهدته لمحاسنها واستعصاءه عليها مع كونه تحت ~~ملكتها ينادي بكونه عليه السلام في أعلى معارج العفة والنزاهة { ~~وغلقت الأبواب } قيل: كانت سبعة ولذلك جاء الفعل بصيغة ~~التفعيل دون الإفعال، وقيل: للمبالغة في الإيثاق والإحكام { وقالت ~~هيت لك } قرىء بفتح الهاء وكسرها مع فتح التاء وبناؤه كبناء أين ~~وعيط، وهيت كجير وهيت كحيث اسم فعل معناه أقبل وبادر، واللام ~~للبيان أي لك أقول هذا كاللام في هلم لك وقرىء هئت لك على صيغة الفعل ~~بمعنى تهيأت، يقال: هاء ms1651 يهييء كجاء يجيء إذا تهيأ وهيئت لك ~~واللام صلة للفعل { قال معاذ الله } أي أعوذ بالله معاذا مما ~~تدعينني إليه وهذا اجتناب منه على أتم الوجوه وإشارة إلى التعليل بأنه ~~منكر هائل يجب أن يعاذ بالله تعالى للخلاص منه وما ذاك إلا لأنه عليه ~~السلام قد شاهده بما أراه الله تعالى من البرهان النير على ما هو عليه ~~في حد ذاته من غاية القبح ونهاية السوء، وقوله عز وجل: { إنه ~~ربى أحسن مثواى } تعليل للامتناع ببعض الأسباب الخارجية مما ~~عسى يكون مؤثرا عندها وداعيا لها إلى اعتباره بعد التنبيه على سببه ~~الذاتي الذي لا تكاد تقبله لما سولته لها نفسها، والضمير للشأن ~~ومدار وضعه موضعه ادعاء شهرته المغنية عن ذكره، وفائدة تصدير ~~الجملة به الإيذان بفخامة مضمونها مع ما فيه من زيادة تقريره في ~~الذهن، فإن الضمير لا يفهم منه من أول الأمر إلا شأن مبهم له خطر ~~فيبقى الذهن مترقبا لما يعقبه فيتمكن عند وروده له فضل تمكن، ~~فكأنه قيل: إن الشأن الخطير هذا وهو ربي أي سيدي العزيز أحسن مثواي ~~أي أحسن تعهدي حيث أمرك بإكرامي فكيف يمكن أن أسيء إليه بالخيانة في ~~حرمه وفيه إرشاد لها إلى رعاية حق العزيز بألطف وجه، وقيل: ~~الضمير لله عز وجل وربي خبر إن وأحسن مثواي خبر ثان أو هو الخبر ~~والأول بدل من الضمير، والمعنى أن الحال هكذا فكيف أعصيه بارتكاب تلك ~~الفاحشة الكبيرة وفيه تحذير لها من عقاب الله عز وجل، وعلى التقديرين ~~ففي الاقتصار على ذكر هذه الحالة من غير تعرض لاقتضائها الامتناع ~~عما دعته إليه إيذان بأن هذه المرتبة من البيان كافية في الدلالة ~~على استحالته وكونه مما لا يدخل تحت الوقوع أصلا وقوله تعالى: { إنه ~~لا يفلح الظلمون } تعليل للامتناع المذكور غب تعليل، ~~والفلاح الظفر وقيل: البقاء في الخير ومعنى أفلح دخل فيه كأصبح ~~وأخواته، والمراد بالظالم كل من ظلم كائنا من كان فيدخل في ذلك ~~المجازون للإحسان بالإساءة والعصاة لأمر الله تعالى دخولا أوليا، ~~وقيل: ms1652 الزناة لأنهم ظالمون لأنفسهم وللمزني بأهله. ### || [12.24] # { ولقد همت به } بمخالطته إذ الهم لا يتعلق بالأعيان أي ~~قصدتها وعزمت عليها عزما جازما لا يلويها عنه صارف بعد ما باشرت من ~~مباديها وفعلت ما فعلت من المراودة وتغليق الأبواب ودعوته عليه السلام ~~إلى نفسها بقولها: هيت لك، ولعلها تصدت هنالك لأفعال أخر من بسط ~~يدها إليه وقصد المعانقة وغير ذلك مما يضطره عليه السلام إلى الهرب ~~نحو الباب، والتأكيد لدفع ما عسى يتوهم من احتمال إقلاعها عما كانت ~~عليه بما في مقالته عليه السلام من الزواجر { وهم بها } بمخالطتها ~~أي مال إليها بمقتضى الطبيعة البشرية وشهوة الشباب وكونه ميلا جبليا ~~لا يكاد يدخل تحت التكليف لا أنه قصدها قصدا اختياريا، ألا يرى إلى ~~ما سبق من استعصامه المنبىء عن كمال كراهيته له ونفرته عنه وحكمه ~~بعدم إفلاح الظالمين وهل هو إلا تسجيل باستحالة صدور الهم منه عليه ~~السلام تسجيلا محكما وأنه عبر عنه بالهم لمجرد وقوعه في صحبة همها ~~في الذكر بطريق المشاكلة لا لشبهه به كما قيل، ولقد أشير إلى تباينهما ~~حيث لم يلزا في قرن واحد من التعبير بأن قيل: ولقد هما بالمخالطة ~~أو هم كل منهما بالآخر، وصدر الأول بما يقرر وجوده من التوكيد ~~القسمي وعقب الثاني بما يعفو أثره من قوله عز وجل: { لولا أن ~~رأى برهان ربه } أي حجته الباهرة الدالة على كمال قبح الزنى ~~وسوء سبيله، والمراد برؤيته لها كمال إيقانه بها ومشاهدته لها ~~مشاهدة واصلة إلى مرتبة عين اليقين الذي تتجلى هناك حقائق الأشياء ~~بصورها الحقيقية وتنخلع عن صورها المستعارة التي بها تظهر في هذه النشأة ~~على ما نطق به قوله عليه السلام: # " حفت الجنة بالمكاره وحفت النار بالشهوات " # وكأنه عليه السلام قد شاهد الزنى بموجب ذلك البرهان النير على ما هو ~~عليه في حد ذاته أقبح ما يكون وأوجب ما يجب أن يحذر منه ولذلك فعل ما ~~فعل من الاستعصام والحكم بعدم إفلاح من يرتكبه، وجواب لولا محذوف ~~يدل عليه الكلام أي لولا ms1653 مشاهدته برهان ربه في شأن الزنى لجرى على ~~موجب ميله الجبلي ولكنه حيث كان مشاهدا له من قبل استمر على ما هو ~~عليه من قضية البرهان، وفائدة هذه الشرطية بيان أن امتناعه عليه ~~السلام لم يكن لعدم مساعدة من جهة الطبيعة بل لمحض العفة والنزاهة مع ~~وفور الدواعي الداخلية وترتب المقدمات الخارجية الموجبة لظهور ~~الأحكام الطبيعية. # هذا وقد نص أئمة الصناعة على أن لولا في أمثال هذه المواقع جار من ~~حيث المعنى لا من حيث الصيغة مجرى التقييد للحكم المطلق كما في مثل ~~قوله تعالى: # إن كاد ليضلنا عن ءالهتنا لولا أن صبرنا ~~عليها # [الفرقان: 42] فلا يتحقق هناك هم أصلا. وقد جوز أن يكون (وهم بها) ~~جواب لولا جريا على قاعدة الكوفيين في جواز التقديم فالهم حينئذ على ~~معناه الحقيقي، فالمعنى لولا أنه قد شاهد برهان ربه لهم بها كما همت ~~به ولكن حيث انتفى عدم المشاهدة بدليل استعصامه وما يتفرع عليه انتفى ~~الهم رأسا، هذا وقد فسر همه عليه السلام بأنه عليه السلام حل ~~الهميان وجلس مجلس الختان وبأنه حل تكة سراويله وقعد بين ~~شعبها، ورؤيته للبرهان بأنه سمع صوتا: إياك وإياها فلم يكترث ثم وثم ~~إلى أن تمثل له يعقوب عليه السلام عاضا على أنملته وقيل: ضرب على ~~صدره فخرجت شهوته من أنامله، وقيل: بدت كف فيما بينهما ليس فيها ~~عضد ولا معصم مكتوب فيها: # وإن عليكم لحفظين كراما كتبين # [الانفطار: 10] فلم ينصرف، ثم رأى فيها: # ولا تقربوا الزنى إنه كان فاحشة وساء سبيلا # [الإسراء: 32] فلم ينته ثم رأى فيها: # واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله # [البقرة: 281] فلم ينجع، فقال الله عز وجل لجبريل: «أدرك عبدي قبل أن ~~يصيب الخطيئة» فانحط جبريل عليه السلام وهو يقول: يا يوسف أتعمل عمل ~~السفهاء وأنت مكتوب في ديوان الأنبياء؟ وقيل: رأى تمثال العزيز، وقيل: ~~إن كل ذلك إلا خرافات وأباطيل تمجها الآذان وتردها العقول ~~والأذهان ويل لمن لاكها ولفقها أو سمعها وصدقها. # { كذلك } الكاف منصوب المحل وذلك إشارة إلى الإراءة المدلول ms1654 ~~عليها بقوله تعالى: { لولا أن رأى برهان ربه } أي مثل ذلك ~~التبصير والتعريف عرفناه برهاننا فيما قبل، أو إلى التثبيت اللازم له ~~أي مثل ذلك التثبيت ثبتناه { لنصرف عنه السوء } على الإطلاق ~~فيدخل فيه خيانة السيد دخولا أوليا { والفحشاء } والزنى لأنه ~~مفرط في القبح وفيه آية بينة وحجة قاطعة على أنه عليه السلام لم ~~يقع منه هم بالمعصية ولا توجه إليها قط، وإلا لقيل: لنصرفه عن ~~السوء والفحشاء، وإنما توجه إليه ذلك من خارج فصرفه الله تعالى عنه بما ~~فيه من موجبات العفة والعصمة فتأمل. وقرىء ليصرف على إسناد الصرف ~~إلى ضمير الرب { إنه من عبادنا المخلصين } تعليل لما ~~سبق من مضمون الجملة بطريق التحقيق، والمخلصون هم الذين أخلصهم الله ~~تعالى لطاعته بأن عصمهم عما هو قادح فيها، وقرىء على صيغة الفاعل وهم ~~الذين أخلصوا دينهم لله سبحانه وعلى كلا المعنيين فهو منتظم في سلكهم ~~داخل في زمرتهم من أول أمره بقضية الجملة الاسمية لا أن ذلك حدث له ~~بعد أن لم يكن كذلك فانحسم مادة احتمال صدور الهم بالسوء منه عليه ~~السلام بالكلية. ### || [12.25] # { واستبقا الباب } متصل بقوله: # ولقد همت به وهم بها لولا أن رأى برهان ~~ربه # وقوله: كذلك إلى آخره، اعتراض جيء به بين المعطوفين تقريرا ~~لنزاهته عليه السلام كقوله تعالى: # وكذلك نرى إبرهيم ملكوت السموات والأرض # [الأنعام: 75] والمعنى لقد همت به وأبى هو واستبقا الباب أي تسابقا إلى ~~الباب البراني الذي هو المخلص، ولذلك وحد بعد الجمع فيما سلف وحذف ~~حرف الجر وأوصل الفعل إلى المجرور نحو وإذا كالوهم، أو ضمن ~~الاستباق معنى الابتدار، وإسناد السبق في ضمن الاستباق إليها مع أن ~~مرادها مجرد منع يوسف وذا لا يوجب الانتهاء إلى الباب لأنها لما رأته ~~يسرع إلى الباب ليتخلص منها أسرعت هي أيضا لتسبقه إليه وتمنعه عن ~~الفتح والخروج، أو عبر عن إسراعها إثره بذلك مبالغة. # { وقدت قميصه من دبر } اجتذبته من ورائه فانشق طولا وهو ~~القد كما أن الشق عرضا هو القط، وقد قيل في ms1655 وصف علي رضي الله ~~عنه: «إنه كان إذا اعتلى قد وإذا اعترض قط» وإسناد القد إليها خاصة ~~مع أن لقوة يوسف أيضا دخلا فيه إما لأنها الجزء الأخير للعلة ~~التامة وإما للإيذان بمبالغتها في منعه عن الخروج وبذل مجهودها في ذلك ~~لفوت المحبوب أو لخوف الافتضاح { وألفيا سيدها } أي صادفا ~~زوجها وإذ لم يكن ملكه ليوسف عليه السلام صحيحا لم يقل سيدهما. قيل: ~~ألفياه مقبلا وقيل: كان جالسا مع ابن عم للمرأة { لدى الباب } ~~أي البراني كما مر. روى كعب رضي الله عنه أنه لما هرب يوسف عليه السلام ~~جعل فراش القفل يتناثر ويسقط حتى خرج من الأبواب { قالت } ~~استئناف مبني على سؤال سائل يقول: فماذا كان حين ألفيا العزيز عند ~~الباب؟ فقيل: قالت: { ما جزاء من أراد بأهلك سوءا } من ~~الزنى ونحوه { إلا أن يسجن أو عذاب أليم } ما نافية أي ~~ليس جزاؤه إلا السجن أو العذاب الأليم، قيل: المراد به الضرب ~~بالسياط، أو استفهامية أي أي شيء جزاؤه غير ذاك أو ذلك، ولقد أتت ~~في تلك الحالة التي تدهش فيها الفطن حيث شاهدها العزيز على تلك ~~الهيئة المريبة بحيلة جمعت فيها غرضيها وهما تبرئة ساحتها مما يلوح من ~~ظاهر الحال واستنزال يوسف عن رأيه في استعصائه عليها وعدم مواتاته ~~على مرادها بإلقاء الرعب في قلبه من مكرها طمعا في مواقعته لها كرها ~~عند يأسها عن ذلك اختيارا كما قالت: # ولئن لم يفعل ما ءامره ليسجنن وليكونا من ~~الصغرين # [يوسف: 32] ثم إنها جعلت صدور الإرادة المذكورة عن يوسف عليه السلام ~~أمرا محققا مفروغا عنه غنيا عن الإخبار بوقوعه وأن ما هي عليه من ~~الأفاعيل لأجل تحقيق جزائها فهي تريد إيقاعه حسبما يقتضيه قانون ~~الإيالة، وفي إبهام المريد تهويل لشأن الجزاء المذكور بكونه قانونا ~~مطردا في حق كل أحد كائنا من كان، وفي ذكر نفسها بعنوان أهلية العزيز ~~إعظام للخطب وإغراء له على تحقيق ما تتوخاه بحكم الغضب والحمية. ### || [12.26] # { قال } استئناف وجواب عما يقال: فماذا قال يوسف حينئذ؟ فقيل: ms1656 قال: ~~{ هى راودتنى عن نفسى } أي طالبتني للمواتاة لا أني أردت ~~بها سوءا كما قالت وإنما قاله عليه السلام لتنزيه نفسه عما أسند إليه ~~من الخيانة وعدم معرفة حق السيد ودفع ما عرضته له من الأمرين، وفي ~~التعبير عنها بضمير الغيبة دون الخطاب أو اسم الإشارة مراعاة لحسن ~~الأدب مع الإيماء إلى الإعراض عنها { وشهد شاهد من أهلها } ~~قيل: هو ابن عمها، وقيل: هو الذي كان جالسا مع زوجها لدى الباب، وقيل: ~~كان حكيما يرجع إليه الملك ويستشيره، وقد جوز أن يكون بعض أهلها ~~قد بصر بها من حيث لا تشعر فأغضبه الله تعالى ليوسف عليه السلام ~~بالشهادة له والقيام بالحق، وإنما ألقى الله سبحانه الشهادة إلى من هو ~~من أهلها ليكون أدل على نزاهته عليه السلام وأنفى للتهمة، وقيل: كان ~~الشاهد ابن خال لها صبيا في المهد أنطقه الله تعالى ببراءته وهو ~~الأظهر، فإنه روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " تكلم أربعة وهم صغار، ابن ماشطة بنت فرعون، وشاهد يوسف، وصاحب ~~جريج، وعيسى عليه السلام " # رواه الحاكم عن أبي هريرة رضي الله عنه وقال: صحيح على شرط الشيخين، ~~وذكر كونه من أهلها لبيان الواقع إذ لا يختلف الحال في هذه الصورة ~~بين كون الشاهد من أهلها أو من غيرهم. # { إن كان قميصه قد من قبل } أي إن علم أنه قد من قبل، ~~ونظيره إن أحسنت إلى فقد أحسنت إليك فيما قبل، فإن معناه: إن تعتد ~~بإحسانك إلي فأعتد بإحساني السابق إليك { فصدقت } بتقدير قد، ~~لأنها تقرب الماضي إلى الحال أي فقد صدقت، وكذا الحال في قوله: { ~~فكذبت } وهي وإن لم تصرح بأنه عليه السلام أراد بها سوءا إلا أن ~~كلامها حيث كان واضح الدلالة عليه، أسند إليها الصدق والكذب بذلك ~~الاعتبار، فإنها كما يعرضان الكلام باعتبار منطوقه يعرضان له باعتبار ~~ما يستلزمه، وبذلك الاعتبار يعرضان للإنشاءات { وهو من ~~الكذبين } وهذه الشرطية حيث لا ملازمة عقلية ولا عادية بين ~~مقدمها وتاليها ليست من الشهادة في شيء وإنما ذكرت ms1657 توسيعا للدائرة ~~وإرخاء للعنان إلى جانب المرأة بإجراء ما عسى يحتمله الحال في الجملة ~~ بأن يقع القد من قبل بمدافعتها له عليه السلام عن نفسها عند ~~إرادته المخالطة والتكشف مجرى الظاهر الغالب الوقوع تقريبا لما ~~هو المقصود بإقامة الشهادة، أعني مضمون الشرطية الثانية التي هي قوله ~~عز وجل: ### || [12.27-28] # { وإن كان قميصه قد من دبر فكذبت وهو من ~~الصدقين } إلى التسليم والقبول عند السامع لكونه أقرب إلى ~~الوقوع وأدل على المطلوب وإن لم يكن بين طرفيها أيضا ملازمة، ~~وحكاية الشرطية بعد فعل الشهادة لكونها من قبيل الأقوال أو بتقدير ~~القول. أي شهد قائلا الخ وتسميتها شهادة مع أنه لا حكم فيها بالفعل ~~بالصدق والكذب لتأديتها مؤداها، بل لأنها شهادة على الحقيقة، وحكم ~~بصدقه وكذبها أما على تقدير كون الشاهد هو الصبي فظاهر إذ هو ~~إخبار بهما من قبل علام الغيوب، والتصوير بصورة الشرطية للإيذان بأن ~~ذلك ظاهر من العلائم أيضا وأما على تقدير كونه غيره فلأن الظاهر أن ~~صورة الحال معلومة له على ما هي عليه إما مشاهدة أو إخبارا فهو ~~متيقن بعدم مقدم الشرطية الأولى، وبوجود مقدم الشرطية الثانية ومن ~~ضرورته الجزم بانتفاء تالي الأولى وبوقوع تالي الثانية، فإذن هو إخبار ~~بكذبها وصدقه عليه السلام ولكنه ساق شهادته مساقا مأمونا من الجرح ~~والطعن حيث صورها بصورة الشرطية المترددة ظاهرا بين نفعها ونفعه، ~~وأما حقيقة فلا تردد فيها قطعا. لأن الشرطية الأولى تعليق لصدقها بما ~~يستحيل وجوده من قد القميص من قبل فيكون محالا لا محالة، ومن ~~ضرورته تقرر كذبها، والثانية تعليق لصدقه عليه السلام بأمر محقق ~~الوجود وهو القد من دبر فيكون محققا البتة، وهذا كما قيل فيمن قال ~~لامرأة: زوجيني نفسك، فقالت: لي زوج فكذبها في ذلك فقالت: إن لم يكن لي ~~زوج فقد زوجتك نفسي، فقبل الرجل فإذا لا زوج لها فهو نكاح، إذ تعليق ~~الشيء بأمر مقرر تنجيز له. وقرىء من قبل ومن دبر بالضم لأنهما ~~قطعا عن الإضافة كقبل وبعد وبالفتح كأنهما جعلا علمين للجهتين ms1658 فمنعا ~~الصرف للتأنيث والعلمية وقرىء بسكون العين. # { فلما رأى قميصه قد من دبر } كأنه لم يكن رأى ذلك ~~بعد أو لم يتدبره فلما تنبه له وعلم حقيقة الحال { قال إنه } ~~أي الأمر الذي وقع فيه التشاجر وهو عبارة عن إرادة السوء التي أسندت ~~إلى يوسف وتدبير عقوبته بقولها: ما جزاء من أراد بأهلك سوءا إلى آخره ~~لكن لا من حيث صدور تلك الإرادة والإسناد عنها بل مع قطع النظر عن ~~ذلك لئلا يخلو قوله تعالى { من كيدكن } أي من جنس حيلتكن ~~ومكركن أيتها النساء لا من غيركن عن الإفادة وتدبير العقوبة وإن لم ~~يمكن تجريده عن الإضافة إليها إلا أنها لما صورته بصورة الحق أفاد ~~الحكم بكونه من كيدهن إفادة ظاهرة فتأمل. وتعميم الخطاب للتنبيه على ~~أن ذلك خلق لهن عريق: # ولا تحسبا هندا لها الغدر وحدها # سجية نفس، كل غانية هند # ورجع الضمير إلى قولها: ما جزاء من أراد بأهلك سوءا فقط عدول عن ~~البحث عن أصل ما وقع فيه النزاع من أن إرادة السوء ممن هي إلى البحث ~~عن شعبة من شعبه، وجعله للسوء أو للأمر المعبر به عن طمعها في يوسف ~~عليه السلام يأباه الخبر فإن الكيد يستدعي أن يعتبر مع ذلك هنات ~~أخر من قبلها كما أشرنا إليه { إن كيدكن عظيم } فإنه ~~ألطف وأعلق بالقلب وأشد تأثيرا في النفس. وعن بعض العلماء إني أخاف ~~من النساء ما لا أخاف من الشيطان فإنه تعالى يقول: # إن كيد الشيطن كان ضعيفا # [النساء: 76] وقال للنساء: { إن كيدكن عظيم } ولأن الشيطان ~~يوسوس مسارقة وهن يواجهن به الرجال. ### || [12.29-30] # { يوسف } حذف منه حرف النداء لقربه وكمال تفطنه للحديث وفيه ~~تقريب له وتلطيف لمحله { أعرض عن هذا } أي عن هذا الأمر وعن ~~التحديث به واكتمه فقد ظهر صدقك ونزاهتك { واستغفرى } أنت يا ~~هذه { لذنبك } الذي صدر عنك وثبت عليك { إنك كنت } بسبب ذلك ~~{ من الخطئين } من جملة القوم المتعمدين للذنب أو من جنسهم، ~~يقال: خطىء إذا أذنب عمدا، وهو تعليل للأمر بالاستغفار، ms1659 والتذكير ~~لتغليب الذكور على الإناث وكان العزيز رجلا حليما فاكتفى بهذا القدر ~~من مؤاخذتها، وقيل: كان قليل الغيرة. # { وقال نسوة } أي جماعة من النساء وكن خمسا: امرأة الساقي ~~وامرأة الخباز وامرأة صاحب الدواب وامرأة صاحب السجن وامرأة ~~الحاجب، والنسوة اسم مفرد لجمع المرأة وتأنيثه غير حقيقي كتأنيث ~~اللمة وهي اسم لجماعة النساء والثبة وهي اسم لجماعة الرجال، ولذلك ~~لم يلحق فعله تاء التأنيث { فى المدينة } ظرف لقال أي أشعن ~~الأمر في مصر أو صفة النسوة { امرأة العزيز } أي الملك، ~~يردن قطفير، وإضافتهن لها إليه بذلك العنوان دون أن يصرحن باسمها ~~أو اسمه ليست لقصد المبالغة في إشاعة الخبر بحكم أن النفوس إلى سماع ~~أخبار ذوي الأخطار أميل كما قيل، إذ ليس مرادهن تفضيح العزيز بل هي ~~لقصد الإشباع في لومها بقولهن: { تراود فتها } أي تطالبه ~~بمواقعته لها وتتحمل في ذلك وتخادعه { عن نفسه } وقيل: تطلب منه ~~الفاحشة، وإيثارهن لصيغة المضارع للدلالة على دوام المراودة والفتى من ~~الناس الشاب وأصله فتي لقولهم: فتيان والفتوة شاذة وجمعه فتية وفتيان ~~ويستعار للمملوك وهو المراد ههنا وفي الحديث: # " لا يقل أحدكم عبدي وأمتي وليقل فتاي وفتاتي " # ، وتعبيرهن عن يوسف عليه السلام بذلك مضافا إليها لا إلى العزيز الذي ~~لا تستلزم الإضافة إليه الهوان بل ربما يشعر بنوع عزة لإبانة ما ~~بينهما من التباين البين الناشىء عن المالكية والمملوكية، وكل ~~ذلك لتربية ما مر من المبالغة والإشباع في اللوم فإن من لا زوج لها من ~~النساء أو لها زوج دنيء قد تعذر في مراودة الأخدان لا سيما إذا كان ~~فيهم علو الجناب، وأما التي لها زوج وأي زوج، عزيز مصر فمراودتها ~~لغيره لا سيما لعبدها الذي لا كفاءة بينها وبينه أصلا وتماديها في ~~ذلك غاية الغي ونهاية الضلال. # { قد شغفها حبا } أي شق حبه شغاف قلبها وهو حجابه أو جلدة ~~رقيقة يقال لها لسان القلب حتى وصل إلى فؤادها، وقرىء شعفها بالعين ~~من شعف البعير إذا هنأه فأحرقه بالقطران. وعن الضحاك عن ابن عباس رضي ms1660 ~~الله عنهما الشغف الحب القاتل والشعف حب دون ذلك، وكان الشعبي ~~يقول: الشغف حب والشعف جنون والجملة خبر ثان أو حال من فاعل ~~تراود أو من مفعوله، وأيا ما كان فهو تكرير للوم وتأكيد للعذل ~~ببيان اختلال أحوالها القلبية كأحوالها القالبية، وجعلها تعليلا ~~لدوام المراودة من حيث الإنية مصير إلى الاستدلال على الأجلي بالأخفى، ~~ومن حيث اللمية ميل إلى تمهيد العذر من قبلها ولسن بذلك المقام، ~~وانتصاب حبا على التمييز لنقله عن الفاعلية إذ الأصل قد شغفها حبه ~~كما أشير إليه { إنا لنراها } أي نعلمها علما متاخما للمشاهدة ~~والعيان فيما صنعت من المراودة والمحبة المفرطة مستقرة { فى ~~ضلل } عن طريق الرشد والصواب أو عن سنن العقل { مبين } واضح لا ~~يخفى كونه ضلالا على أحد أو مظهر لأمرها بين الناس، فالجملة ~~مقررة لمضمون الجملتين السابقتين المسوقتين للوم والتشنيع وتسجيل ~~عليها بأنها في أمرها على خطأ عظيم، وإنما لم يقلن إنها لفي ضلال مبين ~~إشعارا بأن ذلك الحكم غير صادر عنهن مجازفة بل عن علم ورأي مع ~~التلويح بأنهن متنزهات عن أمثال ما هي عليه. ### || [12.31] # { فلما سمعت بمكرهن } باغتيابهن وسوء قالتهن وقولهن: ~~امرأة العزيز عشقت عبدها الكنعاني وهو مقتها، وتسميته مكرا لكونه ~~خفية منها كمكر الماكر، وإن كان ظاهرا لغيرها. وقيل: استكتمتهن ~~سرها فأفشينه عليها، وقيل: إنما قلن ذلك لتريهن يوسف عليه ~~السلام { أرسلت إليهن } تدعوهن، قيل: دعت أربعين امرأة منهن ~~الخمس المذكورات { وأعتدت } أي أحضرت وهيأت { لهن } أي ما ~~يتكئن عليه من النمارق والوسائد، أو رتبت لهن مجلس شراب لأنهم كانوا ~~يتكئون للطعام والشراب والحديث كعادة المترفين، ولذلك نهي الرجل أن ~~يأكل متكئا. وقيل: متكأ طعاما من قولهم: تكأنا عند فلان أي طعمنا، ~~قال جميل: # فظللنا بنعمة واتكأنا # وشربنا الحلال من قلله # وعن مجاهد متكأ طعاما يحز حزا، كأن المعنى يعتمد بالسكين عند ~~القطع لأن القاطع يتكىء على المقطوع بالسكين، وقرىء بغير همز وقرىء ~~بالمد بإشباع حركة الكاف كمنتزاح في منتزح وينباع في ينبع وقرىء ~~متكا وهو الأترج وأنشدوا: # وأهدت ms1661 متكة لبني أبيها # تخب بها العثمثمة الوقاح # أو ما يقطع من متك الشيء إذا بتكه إذا تكى { وآتت كل واحدة ~~منهن سكينا } لتستعمله في قطع ما يعهد قطعه مما قدم بين ~~أيديهن وقرب إليهن من اللحوم والفواكه ونحوها وهن متكئات وغرضها من ~~ذلك ما سيقع من تقطيع أيديهن { وقالت } ليوسف وهن مشغولات بمعالجة ~~السكاكين وإعمالها فيما بأيديهن من الفواكه وأضرابها، والعطف بالواو ~~ربما يشير إلى أن قولها: { اخرج عليهن } أي ابرز لهن لم يكن ~~عقيب ترتيب أمورهن ليتم غرضها من استغفالهن { فلما رأينه } ~~عطف على مقدر يستدعيه الأمر بالخروج وينسحب عليه الكلام أي فخرج عليهن ~~فرأينه وإنما حذف تحقيقا لمفاجأة رؤيتهن كأنها تفوت عند ذكر خروجه ~~عليهن كما حذف لتحقيق السرعة في قوله عز وجل: # فلما رءاه مستقرا عنده # [النمل: 40] بعد قوله: # أنا آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك # وفيه إيذان بسرعة امتثاله عليه السلام بأمرها فيما لا يشاهد مضرته ~~من الأفاعيل { أكبرنه } عظمنه وهبن حسنه الفائق وجماله ~~الرائع الرائق فإن فضل جماله على جمال كل جميل كان كفضل القمر ~~ليلة البدر على سائر الكواكب. عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " رأيت يوسف ليلة المعراج كالقمر ليلة البدر " # وقيل: كان يرى تلألؤ وجهه على الجدران كما يرى نور الشمس على ~~الماء، وقيل: معنى أكبرن حضن والهاء للسكت أو ضمير راجع إلى يوسف ~~عليه السلام على حذف اللام أي حضن له من شدة الشبق كما قال المتنبي: # خف الله واستر ذا الجمال ببرقع # فإن لحت حاضت في الخدور العواتق # { وقطعن أيديهن } أي جرحنها بما في أيديهن من السكاكين ~~لفرط دهشتهن وخروج حركات جوارحهن ومع ذلك لم يبالين بذلك ولم يشعرن ~~به { وقلن حاش لله } تنزيها له سبحانه عن صفات النقص والعجز ~~وتعجبا من قدرته على مثل ذلك الصنع البديع، وأصله حاشا كما قرأه أبو ~~عمرو في الدرج فحذفت ألفه الأخيرة تخفيفا وهو حرف جر يفيد معنى ~~التنزيه في باب الاستثناء فلا يستثنى به إلا ما يكون موجبا للتنزيه ms1662 ~~فوضع موضعه، فمعنى حاشا الله تنزيه الله وبراءة الله وهي قراءة ابن ~~مسعود رضي الله عنه، واللام لبيان المنزه والمبرأ عز وجل كما في ~~سقيا لك، والدليل على وضعه موضع المصدر قراءة أبي السمال حاشا ~~بالتنوين وقراءة أبي عمرو بحذف الألف الأخيرة وقرأة الأعمش بحذف ~~الأولى فإن التصرف من خصائص الاسم فيدل على تنزيله منزلته، وعدم ~~التنوين لمراعاة أصله كما في قولك: جلست من عن يمينه. # وقوله: غدت من عليه منقلب الألف إلى الياء مع الضمير وقرىء حاش لله ~~بسكون الشين إتباعا للفتحة الألف في الإسقاط وحاش الإله، وقيل: حاشا ~~فاعل من الحشا الذي هو الناحية وفاعله ضمير يوسف أي صار في ناحية من ~~أن يقارف ما رمته به لله أي لطاعته أو لمكانه أو جانب المعصية لأجل ~~الله { ما هذا بشرا } على إعمال ما بمعنى ليس وهي لغة أهل ~~الحجاز لمشاركتهما في نفي الحال وقرىء بشر على لغة تميم وبشرى أي ~~بعبد مشترى لئيم، نفين عنه البشرية لما شاهدن فيه من الجمال العبقري ~~الذي لم يعهد مثاله في البشر وقصرنه على الملكية بقولهن: { إن ~~هذا إلا ملك كريم } بناء على ما ركز في العقول من ألا ~~حي أحسن من الملك كما ركب فيها أن لا أقبح من الشيطان ولذلك لا يزال ~~يشبه بهما كل متناه في الحسن والقبح وغرضهن وصفه بأقصى مراتب ~~الحسن والجمال. ### || [12.32] # { قالت فذلكن } الفاء فصيحة والخطاب للنسوة والإشارة إلى ~~يوسف بالعنوان الذي وصفنه به الآن من الخروج في الحسن والجمال عن ~~المراتب البشرية والانتصار على الملكية، فاسم الإشارة مبتدأ ~~والموصول خبره والمعنى إن كان الأمر قلتن فذلكن الملك الكريم ~~النائي عن المراتب البشرية هو { الذى لمتننى فيه } أي ~~عيرتنني في الافتتان به حيث ربأتن بمحلي بنسبتي إلى العزيز ~~ووضعتن قدره بكونه من المماليك أو بالعنوان الذي وصفنه به فيما سبق ~~بقولهن: امرأة العزيز عشقت عبدها الكنعاني فهو خبر لمبتدأ محذوف أي ~~فهو ذلك العبد الكنعاني الذي صورتن في أنفسكن وقلتن فيه وفي ما ~~قلتن فالآن ms1663 قد علمتن من هو وما قولكن فينا، وأما ما يقال تعني أنكن ~~لم تصورنه بحق صورته ولو صورتنه بما عاينتن لعذرتنني في ~~الافتتان به فلا يلائم المقام فإن مرادها بدعوتهن وتمهيد ما ~~مهدته لهن تبكيتهن وتنديمهن على ما صدر عنهن من اللوم وقد فعلت ذلك ~~بما لا مزيد عليه، وما ذكر من المقال فحق المعتذر قبل ظهور معذرته ~~وقد قيل في تعليل الملكية: أن الجمع بين الجمال الرائق والكمال ~~الفائق والعصمة البالغة من الخواص الملكية وهو أيضا لا يلائم قولها: ~~{ فذلكن الذى لمتننى فيه } فإن عنوان العصمة مما ~~ينافي تمشية مرامها ثم بعدما أقامت عليهن الحجة وأوضحت لديهن عذرها ~~وقد أصابهن من قبله عليه السلام ما أصابها باحت لهن ببقية سرها فقالت: # { ولقد راودته عن نفسه } حسبما قلتن وسمعتن { ~~فاستعصم } امتنع طالبا للعصمة وهو بناء مبالغة يدل على الامتناع ~~البليغ والتحفظ الشديد كأنه في عصمة وهو يجتهد في الاستزادة منها كما ~~في استمسك واستجمع الرأي وفيه برهان نير على أنه لم يصدر عنه عليه ~~السلام شيء مخل باستعصامه بقوله: معاذ الله من الهم وغيره. اعترفت ~~لهن أولا بما كن يسمعنه من مراودتها له وأكدته إظهارا لابتهاجها بذلك ~~ثم زادت على ذلك أنه أعرض عنها على أبلغ ما يكون ولم يمل إليها قط ثم ~~زادت عليه أيضا أنها مستمرة على ما كانت عليه غير مرغوبة عنه لا بلوم ~~العواذل ولا بإعراض الحبيب فقالت: # { ولئن لم يفعل ما ءامره } أي آمر به فيما سيأتي كما لم ~~يفعل فيما مضى فحذف الجار وأوصل الفعل إلى الضمير كما في أمرتك ~~الخير فالضمير للموصول أو أمري إياه أي موجب أمري ومقتضاه، فما مصدرية ~~والضمير ليوسف وعبرت عن مراودتها بالأمر إظهارا لجريان حكومتها عليه ~~واقتضاء للامتثال بأمرها { ليسجنن } بالنون المثقلة آثرت بناء ~~الفعل للمفعول جريا على رسم الملوك أو إيهاما لسرعة ترتب ذلك على عدم ~~امتثاله لأمرها كأنه لا يدخل بينهما فعل فاعل { وليكونا } ~~بالمخففة { من الصغرين } أي الأذلاء في السجن وقد قرىء الفعلان ~~بالتثقيل ولكن ms1664 المشهورة أولى لأن النون كتبت في المصحف ألفا على حكم ~~الوقف، واللام الداخلة على حرف الشرط موطئة للقسم وجوابه ساد مسد ~~الجوابين ولقد أتت بهذا الوعيد المنطوي على فنون التأكيد بمحضر منهن ~~ليعلم يوسف عليه السلام أنها ليست في أمرها على خفية ولا خفية من أحد ~~فتضيق عليه الحيل وتعيا به العلل وينصحن له ويرشدنه إلى موافقتها. ~~ولما كان هذا الإبراق والإرعاد منها مظنة لسؤال سائل يقول: فما صنع ~~يوسف حينئذ؟ قيل: ### || [12.33] # { قال } مناجيا لربه عز سلطانه { رب السجن } الذي أوعدتني ~~بالإلقاء فيه وقرأ يعقوب بالفتح على المصدر { أحب إلى } أي ~~آثر عندي لأنه مشقة قليلة نافذة إثرها راحات جليلة أبدية { ~~مما يدعوننى إليه } من مؤاتاتها التي تؤدي إلى الشقاء ~~والعذاب الأليم، وهذا الكلام منه عليه السلام مبني على ما مر من ~~انكشاف الحقائق لديه وبروز كل منها بصورتها اللائقة بها، فصيغة ~~التفضيل ليست على بابها إذ ليس له شائبة محبة لما دعته إليه، وإنما ~~هو والسجن شران أهونهما وأقربهما إلى الإيثار السجن. والتعبير عن ~~الإيثار بالمحبة لحسم مادة طمعها عن المساعدة خوفا من الحبس والاقتصار ~~على ذكر السجن من حيث إن الصغار من فروعه ومستتبعاته، وإسناد ~~الدعوة إليهن جميعا لأن النسوة رغبنه في مطاوعتها وخوفنه من ~~مخالفتها، وقيل: دعونه إلى أنفسهن، وقيل: إنما ابتلي عليه السلام ~~بالسجن لقوله هذا، وكان الأولى به أن يسأل الله تعالى العافية، ولذلك ~~رد رسول الله صلى الله عليه وسلم على من كان يسأل الصبر { وإلا ~~تصرف } أي إن لم تصرف { عنى كيدهن } في تحبيب ذلك إلي ~~وتحسينه لدي بأن تثبتني على ما أنا عليه من العصمة والعفة { ~~أصب إليهن } أي أمل إلى إجابتهن أو إلى أنفسهن على قضية ~~الطبيعة وحكم القوة الشهوية، وهذا فزع منه عليه السلام إلى ألطاف ~~الله تعالى جريا على سنن الأنبياء والصالحين في قصر نيل الخيرات ~~والنجاة عن الشرور على جناب الله عز وجل وسلب القوى والقدر عن أنفسهم، ~~ومبالغة في استدعاء لطفه في صرف كيدهن بإظهار أن ms1665 لا طاقة له ~~بالمدافعة كقول المستغيث: أدركنى وإلا هلكت لا أنه يطلب الإجبار ~~والإلجاء إلى العصمة والعفة وفي نفسه داعية تدعوه إلى هواهن، ~~والصبوة الميل إلى الهوى ومنه الصبا لأن النفوس تصبو إليها لطيب ~~نسيمها وروحها. وقرىء أصب إليهن من الصبابة وهي رقة الشوق { ~~وأكن من الجهلين } الذين لا يعملون بما يعلمون لأن من لا ~~جدوى لعلمه فهو والجاهل سواء أو من السفهاء بارتكاب ما يدعونني إليه من ~~القبائح لأن الحكيم لا يفعل القبيح. ### || [12.34-35] # { فاستجاب له ربه } دعاءه الذين تضمنه قوله: وإلا تصرف عني ~~كيدهن الخ، فإن فيه استدعاء لصرف كيدهن على أبلغ وجه وألطفه كما مر، ~~وفي إسناد الاستجابة إلى الرب مضافا إليه عليه السلام ما لا يخفى من ~~إظهار اللطف { فصرف عنه كيدهن } حسب دعائه وثبته على ~~العصمة والعفة { إنه هو السميع } لدعاء المتضرعين إليه { ~~العليم } بأحوالهم وما يصلحهم. # { ثم بدا لهم } أي ظهر للعزيز وأصحابه المتصدين للحل والعقد ~~ريثما اكتفوا بأمر يوسف بالكتمان والإعراض عن ذلك { من بعد ما ~~رأوا الآيت } الصارفة لهم عن ذلك البداء وهي الشواهد الدالة ~~على براءته عليه السلام، وفاعل بدا إما مصدره أو الرأي المفهوم من ~~السياق أو المصدر المدلول عليه بقوله: { ليسجننه } والمعنى بدا ~~لهم بداء أو رأي أو سجنه المحتوم قائلين: والله ليسجننه فالقسم ~~المحذوف وجوابه معمول للقول المقدر حالا من ضميرهم، وما كان ذلك البداء ~~إلا باستنزال المرأة لزوجها وقتلها منه في الذروة والغارب وكان مطواعة ~~لها تقوده حيث شاءت، قال السدي إنها قالت للعزيز: إن هذا العبد العبراني ~~فد فضحني في الناس يخبرهم بأني راودته عن نفسه فإما أن تأذن لي فأخرج ~~فأعتذر إلى الناس وإما أن تحبسه فحبسه، ولقد أرادت بذلك تحقيق وعيدها ~~لتلين به عريكته وتنقاد لها قرونته لما انصرمت حبال رجائها عن ~~استتباعه بعرض الجمال والترغيب بنفسها وبأعوانها. وقرىء لتسجننه على ~~صيغة الخطاب بأن خاطب بعضهم العزيز ومن يليه أو العزيز وحده على وجه ~~التعظيم أو خاطب العزيز ومن عنده من أصحاب الرأي المباشرين ms1666 للسجن ~~والحبس { حتى حين } إلى حين انقطاع قالة الناس وهذا بادي الرأي ~~عند العزيز وذويه، وأما عندها فحتى يذلله السجن ويسخره لها ويحسب ~~الناس أنه المجرم وقرىء عتى حين بلغة هذيل. ### || [12.36] # { ودخل معه } أى فى صحبته { السجن فتيان } من فتيان ~~الملك ومماليكه أحدهما شرابيه والآخر خبازه. روى أن جماعة من أهل مصر ~~ضمنوا لهما مالا ليسما الملك فى طعامه وشرابه فأجابهم إلى ذلك ثم إن ~~الساقى نكل عن ذلك ومضى عليه الخباز فسم الخبز فلما حضر الطعام قال ~~الساقى لا تأكل أيها الملك فإن الخبز مسموم وقال الخباز لا تشرب أيها ~~الملك فإن الشراب مسموم فقال الملك للساقى اشربه فشربه فلم يضره وقال ~~للخباز كله فأبى فجرب بدابة فهلكت فأمر بحبسهما فانفق أن أدخلاه معه ~~وتأخير الفاعل عن المفعول لما مر غير مرة من الاهتمام بالمقدم والتشويق ~~إلى المؤخر ليتمكن عند النفس حين وروده عليها فضل تمكن ونظيره تقديم ~~الظرف على المفعول الصريح فى قوله تعالى # فأوجس فى نفسه خيفة # [طه: 67] وتأخير السجن عن الظرف لإيهام العكس أن يكون الظرف خبرا مقدما ~~على المبتدأ وتكون الجملة حالا من فاعل دخل فتأمل { قال أحدهمآ } ~~استئناف مبنى على سؤال من يقول ما صنعا بعد ما دخلا معه السجن فأجيب بأنه ~~قال أحدهما وهو الشرابى { إني أراني } أى رأيتنى والتعبير ~~بالمضارع لاستحضار الصورة الماضية { أعصر خمرا } أى عنبا سماه ~~بما يؤول إليه لكونه المقصود من العصر وقيل الخبر بلغة عمان اسم للعنب ~~وفى قراءة ابن مسعود رضى الله عنه أعصر عنبا { وقال الآخر } وهو ~~الخباز { إني أراني أحمل فوق رأسي خبزا } تأخير ~~المفعول عن الظرف لما مر آنفا وقوله { تأكل الطير منه } أى ~~تنهس منه صفة للخبز أو استئناف مبنى على السؤال { نبئنا ~~بتأويله } بتأويل ما ذكر من الرؤ بين أو ما رئى بإجراء الضمير مجرى ~~ذلك بطريق الاستعارة فإن اسم الإشارة يشار به إلى متعدد كما فى قوله # فيها خطوط من سواد وبلق # كأنه فى الجلد توليع البهق # أي كائن ذلك ms1667 والسر فى المصير إلى إجراء الضمير مجرى اسم الإشارة مع أنه ~~لا حاجة إليه بعد تأويل المرجع بما ذكر أو بما رئى أن الضمير إنما يتعرض ~~لنفس المرجع من حيث هو من غير تعرض لحال من أحواله فلا يتسنى تأويله بأحد ~~الاعتبارين إلا بإجرائه مجرى اسم الإشارة الذى يدل على المشار إليه ~~بالاعتبار الذى جرى عليه فى الكلام فتأمل هذا إذا قالاه معا أو قاله ~~أحدهما من جهتهما ليتعدد المرجع بل عبارة كل منهما نبئنى بتأويله ~~مستفسرا لما رآه وصيغة المتكلم مع الغير واقعة فى الحكاية دون المحكى ~~على طريقة قوله عز وجل # يأيها الرسل كلوا من الطيبات # [المؤمنون: 51] فإنهم لم يخاطبوا بذلك دفعة بل خوطب كل منهم فى زمانه ~~بصيغة مفردة خاصة به { إنا نراك } تعليل لعرض رؤياهما عليه ~~واستفسارها منه عليه السلام { من المحسنين } من الذين يحيدون ~~عبارة الرؤيا لما رأياه يقص عليه بعض أهل السجن رؤياه فيؤو لها له تأويلا ~~حسنا أو من العلماء لما سمعاه يذكر للناس ما يدل على علمه وفضله أو من ~~المحسنين إلى أهل السجن أى فأحسن إلينا بكشف غمتنا إن كنت قادرا على ~~ذلك. # روى أنه عليه السلام كان إذا مرض منهم رجل قام عليه وإذا ضاق مكانه أوسع ~~له وإذا احتاج جمع له وعن قتادة رضى الله عنه كان فى السجن ناس قد انقطع ~~رجاؤهم وطال حزنهم فجعل يقول أبشروا واصبروا تؤجروا فقالوا بارك الله ~~عليك ما أحسن وجهك وما أحسن خلقك لقد بورك لنا فى جوارك فمن أنت يا فتى ~~فقال أنا يوسف بن صفى الله يعقوب بن ذبيح الله إسحق بن خليل الله إبراهيم ~~فقال له عامل السجن لو استطعت خليت سبيلك ولكنى أحسن جوارك فكن فى أى ~~بيوت السجن شئت. # وعن الشعبي أنهما تحالما له ليمتحناه فقال الشرابي أراني فى بستان فإذا ~~بأصل حبلة عليها ثلاثة عناقيد من عنب فقطعتها وعصرتها فى كأس الملك ~~وسقيته وقال الخباز إني أراني وفوق رأسي ثلاث سلال فيها أنواع الأطعمة ~~وإذا سباع ms1668 الطير تنهس منها. ### || [12.37] # { قال لا يأتيكما طعام ترزقانه } في مقامكما هذا حسب ~~عادتكما المطردة { إلا نبأتكما بتأويله } استثناء ~~مفرغ من أعم الأحوال أي لا يأتيكما طعام في حال من الأحوال إلا حال ~~ما نبأتكما به بأن بينت لكما ماهيته وكيفيته وسائر أحواله { قبل ~~أن يأتيكما } وإطلاق التأويل عليه إما بطريق الاستعارة فإن ذلك ~~بالنسبة إلى مطلق الطعام المبهم بمنزلة التأويل بالنظر إلى ما رئي ~~في المنام وشبيه له، وإما بطريق المشاكلة حسبما وقع في عبارتهما من ~~قولهما: # نبئنا بتأويله # ولا يبعد أن يراد بالتأويل الشيء الآئل لا المآل فإنه في الأصل جعل ~~شيء آئلا إلى شيء آخر فكما يجوز أن يراد به الأول فالمعنى إلا ~~نبأتكما بما يؤول إليه من الكلام والخبر المطابق للواقع وكان عليه ~~السلام يقول لهما: اليوم يأتيكما طعام صفته كيت وكيت فيجدانه كذلك، ~~ومراده عليه السلام بذلك بيان كل ما يهمهما من الأمور المترقبة ~~قبل وقوعها، وإنما تخصيص الطعام بالذكر لكونه عريقا في ذلك بحسب الحال ~~مع ما فيه من مراعاة حسن التخلص إليه مما استعبراه من الرؤييين ~~المتعلقتين بالشراب والطعام، وقد جعل الضمير لما قصا من الرؤييين على ~~معنى لا يأتيكما طعام ترزقانه حسب عادتكما إلا أخبرتكما بتأويل ما ~~قصصتما علي قبل أن يأتيكما ذلك الطعام الموقت مرادا به الإخبار ~~بالاستعجال في التنبئة. وأنت خبير بأن النظم الكريم ظاهر في تعدد ~~إتيان الطعام والإخبار بالتأويل وتجددهما وأن المقام مقام إظهار ~~فضله في فنون العلوم بحيث يدخل في ذلك تأويل رؤياهما دخولا أوليا، ~~وإنما لم يكتف عليه السلام بمجرد تأويل رؤياهما مع أن فيه دلالة على ~~فضلة لأنهما لما نعتاه عليه السلام بالانتظام في سمط المحسنين وأنهما ~~قد علما ذلك حيث قالا: إنا نراك من المحسنين توسم عليه السلام فيهما ~~خيرا وتوجها إلى قبول الحق فأريد أن يخرج آثر ذي أثير عما في ~~عهدته من دعوة الخلق إلى الحق فمهد قبل الخوض في ذلك مقدمة تزيدهما ~~علما بعظم شأنه وثقة بأمره ووقوفا على طبقته في ms1669 بدائع العلوم توسلا ~~بذلك إلى تحقيق ما يتوخاه، وقد تخلص إليها من كلامهما فكأنه قال: تأويل ~~ما قصصتماه علي في طرف التمام حيث رأيتما مثاله في المنام وإني أبين ~~لكما كل جليل ودقيق من الأمور المستقبلة وإن لم يكن هناك مقدمة إلمام ~~حتى إن الطعام الموظف الذي يأتيكما كل يوم أبينه قبل إتيانه، ثم ~~أخبرهما بأن عمله ذلك ليس من قبيل علوم الكهنة والعرافين، بل هو فضل ~~إلهي يؤتيه من يشاء ممن يصطفيه للنبوة فقال: # { ذلكما } أي ذلك التأويل والإخبار بالمغيبات ومعنى البعد في ~~ذلك للإشارة إلى علو درجته وبعد منزلته { مما علمنى ربى } ~~بالوحي والإلهام أي بعض منه أو من ذلك الجنس الذي لا يحوم حول ~~إدراكه العقول، ولقد دلهما بذلك على أن له علوما جمة، ما سمعاه قطعة ~~من جملتها وشعبة من دوحتها، ثم بين أن نيل تلك الكرامة بسبب اتباعه ~~ملة آبائه الأنبياء العظام وامتناعه عن الشرك فقال: { إنى ~~تركت ملة قوم لا يؤمنون بالله } وهو استئناف وقع ~~جوابا عن سؤال نشأ من قوله: ذلكما مما علمني ربي وتعليلا له لا ~~للتعليم الواقع صلة للموصول لتأديته إلى معنى أنه مما علمني ربي لهذا ~~السبب دون غيره، ولا لمضمون الجملة الخبرية لأن ما ذكر بصدد التعليل ~~ليس بعلة لكون التأويل المذكور بعضا مما علمه ربه أو لكونه من جنسه ~~بل لنفس تعليم ما علمه فكأنه قيل: لماذا علمك ربك تلك العلوم ~~البديعة؟ فقيل: لأني تركت ملة الكفرة أي دينهم الذي اجتمعوا عليه من ~~الشرك وعبادة الأوثان، والمراد بتركها الامتناع عنها رأسا كما يفصح ~~عنه قوله: # ما كان لنا أن نشرك بالله من شىء # لا تركها بعد ملابستها، وإنما عبر عنه بذلك لكونه أدخل بحسب الظاهر ~~في اقتدائهما به عليه السلام، والتعبير عن كفرهم بالله تعالى بسلب ~~الإيمان به للتنصيص على أن عبادتهم له تعالى مع عبادة الأوثان ليست ~~بإيمان به تعالى كما هو زعمهم الباطل على ما مر في قوله تعالى: # إنه عمل غير صلح # [هود: 46] { وهم بالأخرة ms1670 } وما فيها من الجزاء { هم ~~كفرون } على الخصوص دون غيرهم لإفراطهم في الكفر. ### || [12.38] # { واتبعت ملة ءاباءي إبرهيم وإسحق ويعقوب } ~~يعني أنه إنما حاز هذه الكمالات وفاز بتلك الكرامات بسبب أنه اتبع ملة ~~آبائه الكرام ولم يتبع ملة قوم كفروا بالمبدأ والمعاد وإنما قاله ~~عليه السلام ترغيبا لصاحبيه في الإيمان والتوحيد وتنفيرا لهما عما ~~كانا عليه من الشرك والضلال، وقدم ذكر تركه لملتهم على ذكر اتباعه ~~لملة آبائه لأن التخلية متقدمة على التحلية { ما كان } أي ما صح ~~وما استقام فضلا عن الوقوع { لنا } معاشر الأنبياء لقوة نفوسنا ~~ونور علومنا { أن نشرك بالله من شىء } أي شيء كان من ~~ملك أو جني أو إنسي فضلا عن الجماد البحت { ذلك } أي التوحيد ~~المدلول عليه بقوله: ما كان لنا أن نشرك بالله من شيء { من فضل ~~الله علينا } أي ناشىء من تأييده لنا بالنبوة وترشيحه إيانا ~~لقيادة الأمة وهدايتهم إلى الحق وذلك مع كونه من التوحيد ودواعيه نعمة ~~جليلة وفضل عظيم علينا بالذات { وعلى الناس } كافة بواسطتنا ~~وحيث عبر عن ذلك بذلك العنوان عبر عن التوحيد الذي يوجبه بالشكر فقيل: ~~{ ولكن أكثر الناس لا يشكرون } أي لا يوحدون فإن ~~التوحيد مع كونه من آثار ما ذكر من التأييد شكر لله عز وجل على ~~تلك النعمة وإنما وضع الظاهر موضع الضمير الراجع إلى الناس لزيادة ~~توضيح وبيان ولقطع توهم رجوعه إلى المجموع الموهم لعدم اختصاص ~~غير الشاكر بالناس، وقيل: ذلك التوحيد من فضل الله علينا حيث نصب لنا ~~أدلة ننظر فيها ونستدل بها على الحق. وقد نصب مثل تلك الأدلة لسائر ~~الناس أيضا ولكن أكثرهم لا ينظرون ولا يستدلون بها اتباعا لأهوائهم ~~فيبقون كافرين غير شاكرين ولك أن تقول: ذلك التوحيد من فضل الله ~~علينا حيث أعطانا عقولا ومشاعر نستعملها في دلائل التوحيد التي مهدها ~~في الأنفس والآفاق وقد أعطى سائر الناس أيضا مثلها ولكن أكثرهم لا ~~يشكرون أي لا يصرفون تلك القوى والمشاعر إلى ما خلقت هي له ولا ~~يستعملونها فيما ذكر ms1671 من أدلة التوحيد الآفاقية والأنفسية والعقلية ~~والنقلية. ### || [12.39-40] # { يصاحبى السجن } أي يا صاحبي في السجن كما تقول: يا سارق ~~الليلة ناداهما بعنوان الصحبة في مدار الأشجان ودار الأحزان التي تصفو ~~فيها المودة وتخلص النصيحة ليقبلا عليه ويقبلا مقالته وقد ضرب ~~لهما مثلا يتضح به الحق عندهما حق اتضاح فقال: { أأرباب ~~متفرقون } لا ارتباط بينهم ولا اتفاق يستعبد كما كل منهم ~~حسبما أراد غير مراقب للآخرين مع عدم استقلاله { خير } لكما { أم ~~الله } المعبود بالحق { الواحد } المتفرد بالألوهية { ~~القهار } الغالب الذي لا يغالبه أحد. وبعد ما نبههما على فساد ~~تعدد الأرباب بين لهما سقوط ألهتهما عن درجة الاعتبار رأسا فضلا عن ~~الألوهية فقال معمما للخطاب لهما ولمن على دينهما: { ما تعبدون ~~من دونه } أي من دون الله شيئا { إلا أسماء } فارغة لا ~~مطابق لها في الخارج لأن ما ليس فيه مصداق إطلاق الاسم عليه لا وجود ~~له أصلا فكانت عبادتهم لتلك الأسماء فقط { سميتموها } جعلتموها ~~أسماء وإنما لم يذكر المسميات تربية لما يقتضيه المقام من ~~إسقاطها عن مرتبة الوجود وإيذانا بأن تسميتهم في البطلان حيث كانت بلا ~~مسمى كعبادتهم حيث كانت بلا معبود { أنتم وءاباؤكم } بمحض ~~جهلكم وضلالتكم { ما أنزل الله بها } أي بتلك التسمية ~~المستتبعة للعبادة { من سلطن } من حجة تدل على صحتها { إن ~~الحكم } في أمر العبادة المتفرعة على تلك التسمية { إلا لله } ~~عز سلطانه لأنه المستحق لها بالذات إذ هو الواجب بالذات الموجد للكل ~~والمالك لأمره { أمر } استئناف مبني على سؤال ناشىء من قوله: إن ~~الحكم إلا لله فكأنه قيل: فماذا حكم الله في هذا الشأن؟ فقيل: أمر على ~~ألسنة الأنبياء عليهم السلام { ألا تعبدوا } أي بأن لا تعبدوا ~~{ إلا إياه } حسبما تقضي به قضية العقل أيضا { ذلك } أي ~~تخصيصه تعالى بالعبادة { الدين القيم } الثابت المستقيم الذي ~~تعاضدت عليه البراهين عقلا ونقلا { ولكن أكثر الناس لا ~~يعلمون } أن ذلك هو الدين القيم لجهلهم بتلك البراهين أو لا ~~يعلمون شيئا أصلا فيعبدون أسماء سموها من تلقاء أنفسهم معرضين عن ms1672 ~~البرهان العقلي والسلطان النقلي. # وبعد تحقيق الحق ودعوتهما إليه وبيانه لهما مقداره الرفيع ~~ومرتبة علمه الواسع شرع في تفسير ما استعبراه ولكونه بحثا مغايرا ~~لما سبق فصله عنه بتكرير الخطاب فقال: ### || [12.41-42] # { يصاحبى السجن أما أحدكما } وهو الشرابي وإنما لم ~~يعينه ثقة بدلالة التعبير وتوسلا بذلك إلى إبهام أمر صاحبه حذار ~~مشافهته بما يسوءه { فيسقى ربه } أي سيده { خمرا } روي أنه ~~عليه السلام قال له: ما رأيت من الكرمة وحسنها فالملك وحسن حالك عنده ~~وأما القضبان الثلاثة فثلاثة أيام تمضي في السجن ثم تخرج وتعود إلى ما ~~كنت عليه. وقرأ عكرمة فيسقى ربه على البناء للمفعول أي يسقى ما ~~يروى به { وأما الأخر } وهو الخباز { فيصلب فتأكل ~~الطير من رأسه } روي أنه عليه السلام قال له: ما رأيت من ~~السلال ثلاثة أيام تمر ثم تخرج فتقتل { قضى } أي تم وأحكم { ~~الأمر الذى فيه تستفتيان } وهو ما رأياه من الرؤييين ~~قطعا لا مآله الذي هو عبارة عن نجاة أحدهما وهلاك الآخر كما يوهمه ~~إسناد القضاء إليه إذ الاستفتاء إنما يكون في الحادثة لا في حكمها ~~يقال: استفتى الفقيه في الحادثة أي طلب منه بيان حكمها ولا يقال ~~استفتاه في حكمها، وكذا الإفتاء فإنه يقال: أفتى فلان في الواقعة ~~الفلانية بكذا ولا يقال أفتى في حكمها أو جوابها بكذا، ومما هو علم في ~~ذلك قوله تعالى: # يأيها الملأ أفتونى فى رؤيى # [يوسف: 43] ومعنى استفتائهما فيه طلبهما لتأويله بقولهما: نبئنا ~~بتأويله وإنما عبر عن عن ذلك بالأمر وعن طلب تأويله بالاستفتاء تهويلا ~~لأمره وتفخيما لشأنه إذ الاستفتاء إنما يكون في النوازل المشكلة ~~والحكم المبهم الجواب، وإيثار صيغة الاستقبال مع سبق استفتائهما في ~~ذلك لما أنهما بصدده إلى أن يقضي عليه السلام من الجواب وطره، وإسناد ~~القضاء إليه مع أنه من أحوال مآله لأنه في الحقيقة عين ذلك المآل وقد ~~ظهر في عالم المثال بتلك الصورة، وأما توحيده مع تعدد رؤياهما فوارد ~~على حسب ما وحداه في قولهما: نبئنا بتأويله لا لأن الأمر ما ms1673 اتهما به ~~وسجنا لأجله من سم الملك فإنهما لم يستفتيا فيه ولا فيما هو صورته ~~بل فيما هو صورة لمآله وعاقبته فتأمل. وإنما أخبرهما عليه السلام بذلك ~~تحقيقا لتعبيره وتأكيدا له، وقيل: لما عبر رؤياهما جحدا وقالا: ما ~~رأينا شيئا فأخبرهما إن ذلك كائن أصدقتما أو كذبتما، ولعل الجحود من ~~الخباز إذ لا داعي إلى جحود الشرابي إلا أن يكون ذلك لمراعاة جانبه. # { وقال } أي يوسف عليه السلام { للذى ظن أنه ناج } ~~أوثر على صيغة المضارع مبالغة في الدلالة على تحقق النجاة حسبما ~~يفيده قوله تعالى: { قضى الأمر الذى فيه تستفتيان } ~~وهو السر في إيثار ما عليه النظم الكريم على أن يقال للذي ظنه ناجيا ~~{ منهما } من صاحبيه، وإنما ذكر بوصف النجاة تمهيدا لمناط ~~التوصية بالذكر عند الملك وعنوان التقرب المفهوم من التعبير ~~المذكور وإن كان أدخل في ذلك وأدعى إلى تحقيق ما وصاه به لكنه ليس ~~بوصف فارق يدور عليه الامتياز بينه وبين صاحبه المذكور بوصف ~~الهلاك، والظان هو يوسف عليه السلام لا صاحبه لأن التوصية المذكورة ~~لا تدور على ظن الناجي بل على ظن يوسف وهو بمعنى اليقين كما في قوله ~~تعالى: # ظننت أنى ملق حسابيه # [الحاقة: 20] فالتعبير بالوحي كما ينبىء عنه قوله تعالى: # قضى الأمر # [إبراهيم: 22] الخ، وقيل: هو بمعناه والتعبير بالاجتهاد والحكم بقضاء ~~الأمر أيضا اجتهادي { اذكرنى } بما أنا عليه من الحال والصفة { ~~عند ربك } سيدك وصفني له بصفتي التي شاهدتها { فأنساه ~~الشيطن } أي أنسى الشرابي بوسوسته وإلقائه في قلبه أشغالا ~~تعوقه عن الذكر وإلا فالإنساء في الحقيقة لله عز وجل والفاء للسببية ~~فإن توصيته عليه السلام المتضمنة للاستعانة بغيره سبحانه كانت باعثة ~~لما ذكر من الإنساء { ذكر ربه } أي ذكر الشرابي له عليه السلام ~~عند الملك، والإضافة لأدنى ملابسة، أو ذكر إخبار ربه { فلبث } ~~أي يوسف عليه السلام بسبب ذلك الإنساء أو القول { فى السجن بضع ~~سنين } البضع ما بين الثلاث إلى التسع من البضع وهو القطع، ~~وأكثر الأقاويل أنه لبث فيه سبع سنين، وروي ms1674 عن النبي عليه السلام: # " رحم الله أخي يوسف لو لم يقل اذكرني عند ربك لما لبث في السجن ~~سبعا بعد الخمس " # والاستعانة بالعباد وإن كانت مرخصة لكن اللائق بمناصب الأنبياء ~~عليهم السلام الأخذ بالعزائم. ### || [12.43] # { وقال الملك } أي الريان { إنى أرى } أي رأيت وإيثار ~~صيغة المضارع لحكاية الحال الماضية { سبع بقرت سمان } جمع ~~سمين وسمينة ككرام في جمع كريم وكريمة، يقال: رجال كرام ونسوة كرام ~~{ يأكلهن } أي أكلهن والعدول إلى المضارع لاستحضار الصورة ~~تعجيبا والجملة حال من البقرات أو صفة لها { سبع عجاف } أي ~~سبع بقرات عجاف وهي جمع عجفاء والقياس عجف لأن فعلاء وأفعل لا ~~يجمع على فعال ولكن عدل به عن القياس حملا لأحد النقيضين على الآخر ~~وإنما لم يقل سبع عجاف بالإضافة لأن التمييز موضوع لبيان الجنس ~~والصفة ليست بصالحة لذلك فلا يقال ثلاثة ضخام وأربعة غلاظ، وأما ~~قولك: ثلاثة فرسان وخمسة ركبان فلجريان الفارس والراكب مجرى ~~الأسماء. روي أنه رأى سبع بقرات سمان خرجن من نهر يابس وخرج عقيبهن ~~سبع بقرات عجاف في غاية الهزال فابتلعت العجاف السمان { وسبع ~~سنبلت خضر } قد انعقد حبها { وأخر يبست } أي ~~وسبعا أخر يابسات قد أدركت والتوت على الخضر حتى غلبتها على ما ~~روي، ولعل عدم التعرض لذكره للاكتفاء بما ذكر من حال البقرات { ~~يأيها الملأ } خطاب للأشراف من العلماء والحكماء { أفتونى ~~فى رؤيى } هذه أي عبروها وبينوا حكمها وما تؤول إليه من ~~العاقبة والتعبير عن التعبير بالإفتاء لتشريفهم وتفخيم أمر رؤياه { ~~إن كنتم للرؤيا تعبرون } أي تعلمون عبارة جنس الرؤيا ~~علما مستمرا وهي الانتقال من الصور الخيالية المشاهدة في المنام إلى ~~ما هي صور وأمثلة لها من الأمور الآفاقية أو الأنفسية الواقعة في ~~الخارج من العبور وهو المجاوزة، تقول: عبرت النهر إذا قطعته ~~وجاوزته ونحوه أولتها أي ذكرت مآلها وعبرت الرؤيا عبارة أثبت من ~~عبرتها تعبيرا، والجمع بين الماضي والمستقبل للدلالة على الاستمرار ~~كما أشير إليه، واللام للبيان أو لتقوية العامل المؤخر لرعاية ~~الفواصل أو لتضمين تعبرون معنى فعل ms1675 متعد باللام كأنه قيل: إن كنتم ~~تنتدبون لعبارتها ويجوز أن يكون للرؤيا خبر كان كما يقال: فلان لهذا ~~الأمر إذا كان مستقلا به متمكنا منه وتعبرون خبر آخر. ### || [12.44-45] # { قالوا } استئناف مبني على السؤال كأنه قيل: فماذا قال الملأ ~~للملك؟ فقيل: قالوا: هي { أضغث أحلام } أي تخاليطها جمع ضغث ~~وهو في الأصل ما جمع من أخلاط النبات وحزم ثم استعير لما تجمعه القوة ~~المتخيلة من أحاديث النفس ووساوس الشيطان وتريها في المنام، والأحلام ~~جمع حلم وهي الرؤيا الكاذبة التي لا حقيقة لها والإضافة بمعنى من ~~أي هي التي أضغاث من أحلام، أخرجوها من جنس الرؤيا التي لها عاقبة ~~تؤول إليها ويعتنى بأمرها وجمعوها وهي رؤيا واحدة مبالغة في وصفها ~~بالبطلان كما في قولهم: فلان يركب الخيل ويلبس العمائم لمن لا يملك ~~إلا فرسا واحدا وعمامة فردة، أو لتضمنها أشياء مختلفة من البقرات ~~السبع السمان العجاف والسنابل السبع الخضر والأخر اليابسات فتأمل ~~حسن موقع الأضغاث مع السنابل فلله در شأن التتزيل { وما نحن ~~بتأويل الأحلم } أي المنامات الباطلة التي لا أصل لها { ~~بعلمين } لا لأن لها تأويلا ولكن لا نعلمه بل لأنه لا تأويل لها ~~وإنما التأويل للمنامات الصادقة ويجوز أن يكون ذلك اعترافا منهم بقصور ~~علمهم وأنهم ليسوا بنحارير في تأويل الأحلام مع أن لها تأويلا كما ~~يشعر به عدولهم عما وقع في كلام الملك من العبارة المعربة عن مجرد ~~الانتقال من الدال إلى المدلول حيث لم يقولوا بتعبير الأحلام أو ~~عبارتها إلى التأويل المنبىء عن التصرف والتكلف في ذلك لما بين ~~الآئل والمآل من البعد، ويؤيده قوله عز وجل: { أنا أنبئكم ~~بتأويله }. # { وقال الذى نجا منهما } أي من صاحبي يوسف وهو الشرابي ~~{ وادكر } بغير المعجمة وهو الفصيح، وعن الحسن بالمعجمة أي تذكر ~~يوسف عليه السلام وشؤونه التي شاهدها ووصيته بتقريب رؤيا الملك وإشكال ~~تأويلها على الملأ { بعد أمة } أي مدة طويلة وقرىء إمة بالكسر ~~وهي النعمة أي بعد ما أنعم عليه بالنجاة وأمة أي نسيان والجملة حال من ~~الموصول ms1676 أو من ضميره في الصلة، وقيل: معطوفة على نجا وليس ذلك لأن حق ~~كل من الصفة والصلة أن تكون معلومة الانتساب إلى الموصوف والموصول ~~عند المخاطب كما عند المتكلم، ولذلك قيل: إن الصفات قبل العلم بها ~~أخبار والأخبار بعد العلم بها صفات، وأنت تدري أن تذكره بعد أمة إنما ~~علم بهذه الجملة فلا مجال لنظمه مع نجاته المعلومة قبل في سلك الصلة { ~~أنا أنبئكم بتأويله } أي أخبركم به بالتلقي عمن عنده ~~علمه لا من تلقاء نفسي ولذلك لم يقل أنا أفتيكم فيها وعقبه بقوله: { ~~فأرسلون } أي إلى يوسف وإنما لم يذكره ثقة بما سبق من التذكر ~~وما لحق من قوله: ### || [12.46-47] # { يوسف أيها الصديق } أي أرسل إليه فأتاه فقال: يا يوسف ~~ووصفه بالمبالغة في الصدق حسبما شاهده وذاق أحواله وجربها لكونه بصدد ~~اغتنام آثاره واقتباس أنواره فهو من باب براعة الاستهلال { أفتنا ~~فى سبع بقرت سمان يأكلهن سبع عجاف وسبع ~~سنبلت خضر وأخر يبست } أي في رؤيا ذلك وإنما لم ~~يصرح به لوضوح مرامه بقرينة ما سبق من معاملتهما ولدلالة مضمون ~~الحادثة عليه حيث لا إمكان لوقوعه في عالم الشهادة، أي بين لنا ~~مآلها وحكمها، وحيث عاين علو رتبته عليه السلام في الفضل عبر عن ~~ذلك بالإفتاء ولم يقل كما قال هو وصاحبه أولا: نبئنا بتأويله وفي ~~قوله: أفتنا مع أنه المستفتي وحده وإشعار بأن الرؤيا ليست له بل لغيره ~~ممن له ملابسة بأمور العامة وأنه في ذلك معبر وسفير كما آذن بذلك ~~حيث قال: { لعلى أرجع إلى الناس } أي إلى الملك ومن عنده أو ~~إلى أهل البلد إن كان السجن في الخارج كما قيل فأنبئهم بذلك { ~~لعلهم يعلمون } ذلك ويعملون بمقتضاه أو يعلمون فضلك ومكانك ~~مع ما أنت فيه من الحال فتتخلص منه وإنما لم يبت القول في ذلك ~~مجاراة معه على نهج الأدب واحترازا عن المجازفة إذ لم يكن على يقين من ~~الرجوع فربما اخترم دونه أو لعل المنايا دون ما تعداني، ولا من علمهم ~~بذلك فربما لم ms1677 يعلموه. # { قال } استئناف مبني على السؤال كأنه قيل: فماذا قال يوسف عليه ~~السلام في التأويل؟ فقيل: قال: { تزرعون سبع سنين دأبا } ~~قرىء بفتح الهمزة وسكونها وكلاهما مصدر دأب في العمل إذ جد فيه وتعب، ~~وانتصابه على الحالية من فاعل تزرعون أي دائبين أو تدأبون دأبا على ~~أنه مصدر مؤكد لفعل هو الحال. # أول عليه السلام البقرات السمان والسنبلات الخضر بستين مخاصيب ~~والعجاف واليابسات بسنين مجدبة فأخبرهم بأنهم يواظبون سبع سنين على ~~الزراعة ويبالغون فيها إذ بذلك يتحقق الخصب الذي هو مصداق البقرات ~~السمان وتأويلها، ودلهم في تضاعيف ذلك على أمر نافع لهم فقال: { فما ~~حصدتم } أي في كل سنة { فذروه فى سنبله } ولا تذروه كيلا ~~يأكله السوس كما هو شأن غلال مصر ونواحيها، ولعله عليه السلام استدل ~~على ذلك بالسنبلات الخضر وإنما أمرهم بذلك إذ لم يكن معتادا فيما ~~بينهم، وحيث كانوا معتادين للزراعة لم يأمرهم بها وجعلها أمرا محقق ~~الوقوع وتأويلا للرؤيا مصداقا لما فيها من البقرات السمان { إلا ~~قليلا مما تأكلون } في تلك السنسن وفيه إرشاد منه عليه ~~السلام لهم إلى التقليل في الأكل والاقتصار على استثناء المأكول دون ~~البذر لكون ذلك معلوما من قوله: تزرعون سبع سنين، وبعد إتمام ما ~~أمرهم به شرع في بيان بقية التأويل التي يظهر منها حكمة الأمر ~~المذكور فقال: ### || [12.48-49] # { ثم يأتى } وهو عطف على تزرعون فلا وجه لجعله بمعنى الأمر حثا ~~لهم على الجد والمبالغة في الزراعة، على أنه يحصل بالإخبار بذلك أيضا { ~~من بعد ذلك } أي من بعد السنين السبع المذكورات وإنما لم يقل من ~~بعدهن قصدا إلى الإشارة إلى وصفهن فإن الضمير ساكت عن أوصاف المرجع ~~بالكلية { سبع شداد } أي سبع سنين صعاب على الناس { يأكلن ~~ما قدمتم لهن } من الحبوب المتروكة في سنابلها، وفيه تنبيه ~~على أن أمره عليه السلام بذلك كان لوقت الضرورة وإسناد الأكل إليهن ~~مع أنه حال الناس فيهن مجازي كما في نهاره صائم، وفيه تلويح بأنه ~~تأويل لأكل العجاف السمان واللام في لهن ترشيح ms1678 لذلك فكأن ما ادخر ~~في السنابل من الحبوب شيء قد هييء وقدم لهن كالذي يقدم للنازل ~~وإلا فهو في الحقيقة مقدم للناس فيهن { إلا قليلا مما ~~تحصنون } تحرزون مبذورا للزراعة. # { ثم يأتى من بعد ذلك } أي من بعد السنين الموصوفة بما ~~ذكر من الشدة وأكل الغلال المدخرة { عام } لم يعبر عنه بالسنة ~~تحاشيا عن المدلول الأصلي لها من عام القحط وتنبيها من أول الأمر ~~على اختلاف الحال بينه وبين السوابق { فيه يغاث الناس } من ~~الغيث أي يمطرون يقال: غيثت البلاد إذا مطرت في وقت الحاجة أو من ~~الغوث، يقال: أغاثنا الله تعالى أي أمدنا برفع المكاره حين أظلتنا { ~~وفيه يعصرون } أي ما من شأنه أن يعصر من العنب والقصب ~~والزيتون والسمسم ونحوها من الفواكة لكثرتها. والتعرض لذكر العصر مع ~~جواز الاكتفاء عنه بذكر الغيث المستلزم له عادة كما اكتفي به عن ذكر ~~تصرفهم في الحبوب إما لأن استلزام الغيث له ليس كاستلزامه للحبوب إذ ~~المذكورات يتوقف صلاحها على مباد أخرى غير المطر، وإما لمراعاة جانب ~~المستفتي باعتبار حالته الخاصة به بشارة له وهي التي يدور عليها حسن ~~موقع تغليبه على الناس في القراءة بالفوقانية، وقيل: معنى يعصرون يحلبون ~~الضروع، وتكرير فيه إما للإشعار باختلاف أوقات ما يقع فيه من الغيث ~~والعصر زمانا وهو ظاهر وعنوانا فإن الغيث والغوث من فضل الله ~~تعالى والعصر من فعل الناس، وإما لأن المقام مقام تعداد منافع ذلك ~~العام ولأجله قدم في الموضعين على الفعلين فإن المقصود الأصلي بيان ~~أنه يقع في ذلك العام هذا النفع وذاك النفع لا بيان أنهما يقعان في ~~ذلك العام يفيده التأخير، ويجوز أن يكون التقديم للقصر على معنى أن ~~غيثهم وعصرهم في سائر السنين بمنزلة العدم بالنسبة إلى عامهم ذلك وأن ~~يكون ذلك في الأخير لمراعاة الفواصل وفي الأول لرعاية حاله، وقرىء ~~يعصرون على البناء للمفعول من عصره إذا أنجاه وهو المناسب للإغاثة ~~ويجوز أن يكون المبني للفاعل أيضا منه كأنه قيل: فيه يغاث الناس وفيه ~~يغيثون أي يغيثهم ms1679 الله ويغيث بعضهم بعضا، وقيل: معنى يعصرون ~~يمطرون من أعصرت السحابة إما بتضمين أعصرت معنى مطرت وتعديته وإما ~~بحذف الجار وإيصال الفعل، على أن الأصل أعصرت عليهم، وأحكام هذا ~~العام المبارك ليست مستنبطة من رؤيا الملك وإنما تلقاها عليه السلام ~~من جهة الوحي فبشرهم بها بعد ما أول الرؤيا بما أول وأمرهم بالتدبير ~~اللائق في شأنه إبانة لعلو كعبه ورسوخ قدمه في الفضل وأنه محيط بما ~~لم يخطر ببال أحد فضلا عما يرى صورته في المنام على نحو قوله ~~لصاحبيه عند استفتائهما في منامهما: # لا يأتيكما طعام ترزقانه إلا نبأتكما ~~بتأويله # [يوسف: 37] وإتماما للنعمة عليهم حيث لم يشاركه عليه السلام في العلم ~~بوقوعها أحد ولو برؤية ما يدل عليها في المنام. ### || [12.50-51] # { وقال الملك } بعد ما جاءه السفير بالتعبير وسمع منه ما سمع ~~من نقير وقطمير { ائتونى به } لما علم من علمه وفضله { فلما ~~جاءه } أي يوسف { الرسول } واستدعاه إلى الملك { قال ارجع ~~إلى ربك } أي سيدك { فاسأله ما بال النسوة اللاتى ~~قطعن أيديهن } أي ففتشه عن شأنهن وإنما لم يقل: فاسأله أن ~~يفتش عن ذلك حثا للملك على الجد في التفتيش ليتبين براءته ويتضح ~~نزاهته إذ السؤال مما يهيج الإنسان على الاهتمام في البحث للتفصي عما ~~توجه إليه وأما الطلب فمما قد يتسامح ويتساهل فيه ولا يبالى به وإنما ~~لم يتعرض لامرأة العزيز مع ما لقي من مقاساة الأحزان ومعاناة الأشجان ~~محافظة على مواجب الحقوق واحترازا عن مكرها حيث اعتقدها مقيمة في ~~عدوة العداوة، وأما النسوة فقد كان يطمع في صدعهن بالحق وشهادتهن ~~بإقرارها بأنها راودته عن نفسه فاستعصم ولذلك اقتصر على وصفهن بتقطيع ~~الأيدي ولم يصرح بمراودتهن له وقولهن: أطع مولاتك واكتفي بالإيماء إلى ~~ذلك بقوله: { إن ربى بكيدهن عليم } مجاملة معهن ~~واحترازا عن سوء قالتهن عند الملك وانتصابهن للخصومة مدافعة عن ~~أنفسهن متى سمعن بنسبته لهن إلى الفساد { قال } استئناف مبني على ~~السؤال كأنه قيل: فماذا كان بعد ذلك؟ فقيل: قال الملك إثر ما بلغه ~~الرسول الخبر ms1680 وأحضرهن: { ما خطبكن } أي شأنكن وهو الأمر الذي ~~يحق لعظمه أن يخاطب المرء فيه صاحبه { إذ راودتن يوسف } ~~وخادعتنه { عن نفسه } ورغبتنه في إطاعة مولاته هل وجدتن فيه ~~شيئا من سوء وريبة؟ { قلن حاش لله } تنزيها له وتعجبا من ~~نزاهته وعفته { ما علمنا عليه من سوء } بالغن في نفي جنس ~~السوء عنه بالتنكير وزيادة من { قالت امرأت العزيز } وكانت ~~حاضرة في المجلس وقيل: أقبلت النسوة عليها يقررنها، وقيل: خافت أن ~~يشهدن عليها بما قالت لهن: # ولقد راودته عن نفسه فاستعصم ولئن لم ~~يفعل ما ءامره ليسجنن وليكونا من الصغرين # [يوسف: 32] فأقرت قائلة: { الآن حصحص الحق } أي ثبت واستقر ~~أو تبين وظهر بعد خفاء، قاله الخليل، وقيل: هو مأخوذ من الحصة وهي ~~القطعة من الجملة أي تبين حصة الحق من حصة الباطل كما تتبين حصص ~~الأراضي وغيرها، وقيل: بان وظهر من حص شعره إذا استأصله بحيث ظهرت ~~بشرة رأسه، وقرىء على البناء للمفعول من حصحص البعير مباركه أي ~~ألقاها في الأرض للإناخة قال: # فحصحص في صم الصفا ثفناته # وناء بسلمى نوأة ثم صمما # والمعنى أقر الحق في مقره ووضع في موضعه ولم ترد بذلك مجرد ~~ظهور ما ظهر بشهادتهن من مطلق نزاهته عليه السلام فيما أحاط به علمهن ~~من غير تعرض لنزاهته في سائر المواطن خصوصا فيما وقع فيه التشاجر ~~بمحضر العزيز، ولا بحث عن حال نفسها وما صنعت في ذلك بل أرادت ظهور ما ~~هو متحقق في نفس الأمر وثبوته من نزاهته عليه السلام في محل النزاع ~~وخيانتها فقالت: { أنا رودته عن نفسه } لا أنه راودني عن ~~نفسي { وإنه لمن الصدقين } أي في قوله حين افتريت عليه ~~ هي راودتني عن نفسي وأرادت بالآن زمان تكلمها بهذا الكلام لا زمان ~~شهادتهن فتأمل أيها المنصف هل ترى فوق هذه المرتبة نزاهة حيث لم ~~تتمالك الخصماء من الشهادة بها، والفضل ما شهدت به الخصماء وإنما ~~تصدى عليه السلام لتمهيد هذه المقدمة قبل الخروج ليظهر براءة ساحته ~~مما قذف به لا سيما عند العزيز ms1681 قبل أن يحل ما عقده كما يعرب عنه ~~قوله عليه السلام لما رجع إليه الرسول وأخبره بكلامهن. ### || [12.52-53] # { ذلك } أي ذلك التثبيت المؤدي إلى ظهور حقيقة الحال { ليعلم ~~} أي العزيز { أنى لم أخنه } في حرمته كما زعمه لا علما مطلقا ~~فإن ذلك لا يستدعي تقديم التفتيش على الخروج من السجن بل قبل ما ذكر من ~~نقص ما أبرمه ولعله لمراعاة حقوق السيادة لأن المباشرة للخروج من حبسه ~~قبل ظهور بطلان ما جعله سببا له وإن كان ذلك بأمر الملك مما يوهم ~~الافتيات على رأيه، وأما أن يكون ذلك لئلا يتمكن من تقبيح أمره عند ~~ذلك تمحلا لإمضاء ما قضاه فلا يليق بشأنه عليه السلام في الوثوق بأمره ~~والتوكل على ربه جل جلاله { بالغيب } أي بظهر الغيب وهو حال من ~~الفاعل أو المفعول أي لم أخنه وأنا غائب عنه أو وهو غائب عني أو ظرف ~~أي بمكان الغيب وراء الأستار والأبواب المغلقة، وأيا ما كان فالمقصود ~~بيان كمال نزاهته عن الخيانة وغاية اجتنابه عنها عند تعاضد أسبابها ~~{ وأن الله } أي وليعلم أنه تعالى { لا يهدى كيد ~~الخئنين } أي لا ينفذه ولا يسدده بل يبطله ويزهقه أو لا ~~يهديهم في كيدهم إيقاعا للفعل على الكيد مبالغة كما في قوله تعالى: # يضهئون قول الذين كفروا # [التوبة: 30] أي يضاهئونهم في قولهم، وفيه تعريض بامرأته في خيانتها ~~أمانته وبه في خيانته أمانة الله تعالى حين ساعدها على حبسه بعد ما ~~رأوا آيات نزاهته عليه السلام ويجوز أن يكون ذلك لتأكيد أمانته وأنه لو ~~كان خائنا لما هدى الله عز وجل أمره وأحسن عاقبته. # { وما أبرىء نفسى } أي لا أنزهها عن السوء قاله عليه السلام ~~هضما لنفسه الكريمة البريئة عن كل سوء وربأ بمكانها عن التزكية ~~والإعجاب بحالها عند ظهور كمال نزاهتها على أسلوب قوله عليه السلام: # " أنا سيد ولد آدم ولا فخر " # أو تحديثا بنعمة الله عز وجل عليه وإبرازا لسره المكنون في شأن أفعال ~~العباد أي لا أنزهها عن السوء من حيث هي هي، ms1682 ولا أسند هذه الفضيلة ~~إليها بمقتضى طبعها من غير توفيق من الله عز وعلا { أن النفس } ~~البشرية التي من جملتها نفسي في حد ذاتها { لامارة بالسوء } ~~مائلة إلى الشهوات مستعملة للقوى والآلات في تحصيلها بل إنما ذلك ~~بتوفيق الله وعصمته ورحمته كما يفيده قوله: { إلا ما رحم ربى } ~~من النفوس التي يعصمها من الوقوع في المهالك ومن جملتها نفسي أو هي ~~أمارة بالسوء في كل وقت إلا وقت رحمة ربي وعصمته لها، وقيل: ~~الاستثناء منقطع أي لكن رحمة بي هي التي تصرف عنها السوء كما في ~~قوله تعالى: # ولا هم ينقذون إلا رحمة # [يس: 43, 44] { إن ربى غفور رحيم } عظيم المغفرة لما يعتري ~~النفوس بموجب طباعها ومبالغ في الرحمة لها بعصمتها من الجريان بمقتضى ~~ذلك، وإيثار الإظهار في مقام الإضمار مع التعرض لعنوان الربوبية ~~لتربية مبادىء المغفرة والرحمة، وقيل: إلى هنا من كلام امرأة العزيز، ~~والمعنى ذلك الذي قلت ليعلم يوسف عليه السلام أني لم أخنه ولم أكذب ~~عليه في حال الغيبة وجئت بما هو الحق الواقع وما أبرىء نفسي مع ذلك ~~من الخيانة حيث قلت في حقه ما قلت وفعلت به ما فعلت، إن كل نفس لأمارة ~~بالسوء إلا ما رحم ربي أي إلا نفسا رحمها الله بالعصمة كنفس يوسف إن ~~ربي غفور لمن استغفر لذنبه واعترف به رحيم له، فعلى هذا يكون تأنيه ~~عليه السلام في الخروج من السجن لعدم رضاه عليه السلام بملاقاة الملك ~~وأمره بين بين ففعل ما فعل حتى يتبين نزاهته وأنه إنما سجن بظلم ~~عظيم مع ما له من الفضل ونباهة الشأن ليتلقاه الملك بما يليق به من ~~الإعظام والإجلال وقد وقع. ### || [12.54-55] # { وقال الملك ائتونى به أستخلصه } أجعله خالصا { ~~لنفسى } وخاصا بي { فلما كلمه } أي فأتوا به، فحذف ~~للإيذان بسرعة الإتيان به فكأنه لم يكن بين الأمر بإحضاره والخطاب ~~معه زمان أصلا، والضمير المستكن في (كلمه) ليوسف، والبارز للملك ~~أي فلما كلمه يوسف إثر ما أتاه فاستنطقه وشاهد منه ما شاهد { قال ~~إنك اليوم ms1683 لدينا مكين } ذو مكانة ومنزلة رفيعة { ~~أمين } مؤتمن على كل شيء، (واليوم) ليس بمعيار لمدة المكانة ~~والأمانة بل هو آن التكلم والمراد تحديد مبدئهما احترازا عن احتمال ~~كونهما بعد حين. روي أنه عليه السلام لما جاءه الرسول خرج من السجن ~~ودعا لأهله واغتسل ولبس ثيابا جددا فلما دخل على الملك قال: «اللهم ~~إني أسألك بخيرك من خيره، وأعوذ بعزتك وقدرتك من شره وشر غيره» ثم ~~سلم عليه ودعا له بالعبرانية فقال: ما هذا اللسان؟ قال: لسان آبائي، ~~وكان الملك يعرف سبعين لسانا فكلمه بها فأجابه بجميعها فتعجب منه ~~فقال: أحب أن أسمع منك رؤياي فحكاها ونعت له البقرات والسنابل ~~وأماكنها على ما رآها فأجلسه على السرير وفوض إليه أمره، وقيل: توفي ~~قطفير في تلك الليالي فنصبه منصبه وزوجه راعيل فوجدها عذراء وولدت له ~~إفراييم وميشا ولعل ذلك إنما كان بعد تعيينه عليه السلام لما عين ~~له من أمر الخزائن كما يعرب عنه قوله عز وجل: { قال اجعلنى على ~~خزائن الأرض } أي أرض مصر أي ولني أمرها من الإيراد والصرف { ~~إنى حفيظ } لها ممن لا يستحقها { عليم } بوجوه التصرف فيها، ~~وفيه دليل على جواز طلب الولاية إذا كان الطالب ممن يقدر على إقامة ~~العدل وإجراء أحكام الشريعة وإن كان من يد الجائر أو الكافر. # وعن مجاهد أنه أسلم الملك على يده عليه السلام، ولعل إيثاره عليه ~~السلام لتلك الولاية خاصة إنما كان للقيام بما هو أهم أمور السلطنة ~~إن ذاك من تدبير أمر السنين حسبما فصل في التأويل لكونه من فروع تلك ~~الولاية لا لمجرد عموم الفائدة كما قيل، وإنما لم يذكر إجابة الملك ~~إلى ما سأله عليه السلام من جعله على خزائن الأرض إيذانا بأن ذلك أمر ~~لا مرد له غني عن التصريح به لا سيما بعد تقديم ما يندرج تحته من ~~أحكام السلطنة بحذافيرها من قوله: إنك اليوم لدينا مكين أمين للتنبه على ~~أن كل ذلك من الله عز وجل وإنما الملك آلة في ذلك كما قيل. ### || [12.56-58] # { وكذلك ms1684 } أي مثل ذلك التمكين البليغ { مكنا ليوسف } أي ~~جعلنا له مكانا { فى الأرض } أي أرض مصر. روي أنها كانت أربعين ~~فرسخا في أربعين وفي التعبير عن الجعل المذكور بالتمكين في الأرض ~~مسندا إلى ضميره عز سلطانه من تشريفه عليه السلام والمبالغة في كمال ~~ولايته، والإشارة إلى حصول ذلك من أول الأمر لا أنه حصل بعد السؤال ما ~~لا يخفى { يتبوأ منها } ينزل من بلادها { حيث يشاء } ~~ويتخذه مباءة وهو عبارة عن كمال قدرته على التصرف فيها ودخولها تحت ~~ملكته وسلطانه فكأنها منزله يتصرف فيها كما يتصرف الرجل في منزله. وقرأ ~~ابن كثير بالنون. روي أن الملك توجه وختمه بخاتمه ورداه بسيفه ووضع له ~~سريرا من ذهب مكللا بالدر والياقوت فقال عليه السلام: أما السرير ~~فأشد به ملكك، وأما الخاتم فأدبر به أمرك، وأما التاج فليس من ~~لباسي ولا لباس آبائي، فقال: قد وضعته إجلالا لك وإقرارا بفضلك فجلس ~~على السرير ودانت له الملوك وفوض إليه الملك أمره وأقام العدل بمصر ~~وأحبته الرجال والنساء وباع من أهل مصر في سني القحط الطعام في ~~السنة الأولى بالدنانير والدراهم، وفي الثانية بالحلي والجواهر، وفي ~~الثالثة بالدواب ثم بالضياع والعقار ثم برقابهم حتى استرقهم جميعا ~~فقالوا: ما رأينا كاليوم ملكا أجل وأعظم منه ثم أعتقهم ورد إليهم ~~أموالهم وكان لا يبيع من أحد من الممتارين أكثر من حمل بعير تقسيطا ~~بين الناس { نصيب برحمتنا } بعطائنا في الدنيا من الملك ~~والغنى وغيرهما من النعم { من نشاء } بمقتضى الحكمة الداعية إلى ~~المشيئة { ولا نضيع أجر المحسنين } بل نوفيه بكماله، وفيه ~~إشعار بأن مدار المشيئة المذكورة إحسان من تصيبه الرحمة المرموقة ~~وأنها أجر له ولدفع توهم انحصار ثمرات الإحسان فيما ذكر من الأجر، قيل ~~على سبيل التوكيد: { ولأجر الاخرة } أي أجرهم في الآخرة ~~فالإضافة للملابسة وهو النعيم المقيم الذي لا نفاد له { خير } لهم أي ~~للمحسنين المذكورين وإنما وضع موضعه الموصول فقيل: { للذين ~~ءامنوا وكانوا يتقون } تنبيها على أن المراد بالإحسان إنما ~~هو الإيمان والثبات على التقوى ms1685 المستفاد من جمع صيغتي الماضي ~~والمستقبل. # { وجاء إخوة يوسف } ممتارين لما أصاب أرض كنعان وبلاد الشام ~~ما أصاب أرض مصر وقد كان أرسلهم يعقوب عليه السلام جميعا غير بنيامين ~~{ فدخلوا عليه } أي على يوسف وهو في مجلس ولايته { فعرفهم ~~} لقوة فهمه وعدم مباينة أحوالهم السابقة لحالهم يومئذ لمفارقته إياهم ~~وهم رجال وتشابه هيئاتهم وزيهم في الحالين ولكون همته معقودة ~~بهم وبمعرفة أحوالهم لا سيما في زمن القحط، وعن الحسن ما عرفهم حتى ~~تعرفوا له { وهم له منكرون } أي والحال أنهم منكرون له لطول ~~العهد وتباين ما بين حاليه عليه السلام في نفسه ومنزلته وزيه ~~ولاعتقادهم أنه هلك وحيث كان إنكارهم له أمرا مستمرا في حالتي المحضر ~~والمغيب أخبر عنه بالجملة الاسمية بخلاف عرفانه عليه السلام إياهم. ### || [12.59] # { ولما جهزهم بجهازهم } أي أصلحهم بعدتهم من الزاد وما ~~يحتاج إليه المسافر وأوقر ركائبهم بما جاءوا له من الميرة وقرىء بكسر ~~الجيم { قال ائتونى بأخ لكم من أبيكم } لم يقل بأخيكم ~~مبالغة في إظهار عدم معرفته لهم ولعله عليه السلام إنما قاله لما قيل ~~من أنهم سألوه عليه السلام جملا زائدا على المعتاد لبنيامين فأعطاهم ~~ذلك وشرطهم أن يأتوا به لا لما قيل من أنه لما رأوه وكلموه بالعبرية ~~قال لهم: من أنتم فإني أنكركم؟ فقالوا له: نحن قوم من أهل الشام رعاة ~~أصابنا الجهد فجئنا نمتار، فقال لهم: لعلكم جئتم عيونا؟ فقالوا: معاذ ~~الله نحن إخوة بنو أب واحد وهو شيخ كبير صديق نبي من الأنبياء ~~اسمه يعقوب، قال: كم أنتم؟ قالوا: كنا اثني عشر فهلك منا واحد، فقال: ~~كم أنتم ههنا؟ قالوا: عشرة، قال: فأين الحادي عشر؟ قالوا: هو عند أبيه ~~يتسلى به عن الهالك، قال: فمن يشهد لكم أنكم لستم عيونا وأن ما تقولون ~~حق؟ قالوا: نحن ببلاد لا يعرفنا فيها أحد فيشهد لنا، قال: فدعوا ~~بعضكم عندي رهينة وائتوني بأخيكم من أبيكم وهو يحمل رسالة من أبيكم ~~حتى أصدقكم، فاقترعوا فأصاب القرعة شمعون فخلفوه عنده... إذ لا ~~يساعده ورود ms1686 الأمر بالإتيان به عند التجهيز ولا الحث عليه بإيفاء ~~الكيل ولا الإحسان في الإنزال ولا الاقتصار على منع الكيل على تقدير ~~عدم الإتيان به ولا جعل بضاعتهم في رحالهم لأجل رجوعهم ولا عدتهم ~~بالإتيان به بطريق المراودة ولا تعليلهم عند أبيهم إرسال أخيهم بمنع ~~الكيل من غير ذكر الرسالة على أن استبقاء شمعون لو وقع لكان ذلك طامة ~~ينسى عندها كل قيل وقال. # { ألا ترون أنى أوفى الكيل } أتمه لكم، وإيثار صيغة ~~الاستقبال مع كون هذا الكلام بعد التجهيز للدلالة على أن ذلك عادة له ~~مستمرة { وأنا خير المنزلين } جملة حالية أي ألا ترون أني ~~أوفي الكيل لكم إيفاء مستمرا والحال أني في غاية الإحسان في إنزالكم ~~وضيافتكم وقد كان الأمر كذلك، وتخصيص الرؤية بالإيفاء لوقوع الخطاب ~~في أثنائه، وأما الإحسان في الإنزال فقد كان مستمرا فيما سبق ولحق ~~ولذلك أخبر عنه بالجملة الاسمية ولم يقل عليه السلام بطريق الامتنان ~~بل لحثهم على تحقيق ما أمرهم به، والاقتصار في الكيل على ذكر الإيفاء ~~لأن معاملته عليه السلام معهم في ذلك كمعاملته مع غيرهم في مراعاة مواجب ~~العدل، وأما الضيافة فليس للناس فيها حق فخصهم في ذلك بما شاء. ### || [12.60-63] # { فإن لم تأتونى به فلا كيل لكم عندى } (من بعد) ~~فضلا عن إيفائه { ولا تقربون } بدخول بلادي فضلا عن الإحسان في ~~الإنزال والضيافة وهو إما نهي أو نفي معطوف على محل الجزاء، وفيه ~~دليل على أنهم كانوا على نية الامتياز مرة بعد أخرى وأن ذلك كان ~~معلوما له عليه السلام { قالوا سنرود عنه أباه } أي ~~سنخادعه عنه ونحتال في انتزاعه من يده ونجتهد في ذلك، وفيه تنبيه على ~~عزة المطلب وصعوبة مناله { وإنا لفعلون } ذلك غير مفرطين ~~فيه ولا متوانين أو لقادرون عليه لا تتعانى به. # { وقال } يوسف { لفتيانه } غلمانه الكيالين جمع فتى وقرىء ~~لفتيته وهي جمع قلة له { اجعلوا بضعتهم فى رحالهم } ~~فإنه وكل بكل رجل رجلا يعبىء فيه بضاعتهم التي شروا بها الطعام ~~وكانت نعالا وأدما وإنما فعله عليه ms1687 السلام تفضلا عليهم وخوفا من أن ~~لا يكون عند أبيه ما يرجعون به مرة أخرى وكل ذلك لتحقيق ما يتوخاه من ~~رجوعهم بأخيه كما يؤذن به قوله: { لعلهم يعرفونها } أي ~~يعرفون حق ردها والتكرم في ذلك أو لكي يعرفوها وهو ظاهر التعلق ~~بقوله: { إذا انقلبوا إلى أهلهم } فإن معرفتهم لها ~~مقيدة بالرجوع وتفريغ الأوعية قطعا، وأما معرفة حق التكرم في ردها ~~فهي وإن كانت في ذاتها غير مقيدة بذلك لكن لما كان ابتداؤها حينئذ ~~قيدت به { لعلهم يرجعون } حسبما أمرتهم به فإن التفضل ~~عليهم بإعطاء البدلين ولا سيما عند إعواز البضاعة من أقوى الدواعي إلى ~~الرجوع، وما قيل إنما فعله عليه السلام لما لم ير من الكرم أن يأخذ من ~~أبيه وإخوته ثمنا فكلام حق في نفسه ولكن يأباه التعليل المذكور، ~~وأما أن علية الجعل المذكور للرجوع من حيث أن ديانتهم تحملهم على ~~رد البضاعة لأنهم لا يستحلون إمساكها فمداره حسبانهم أنها بقيت في ~~رحالهم نسيانا وظاهر أن ذلك مما لا يخطر ببال أحد أصلا فإن هيئة ~~التعبية تنادي بأن ذلك بطريق التفضل، ألا يرى أنهم كيف جزموا بذلك حين ~~رأوها وجعلوا ذلك دليلا على التفضلات السابقة كما ستحيط به خبرا. # { فلما رجعوا إلى أبيهم قالوا } قبل أن يشتغلوا بفتح ~~المتاع { قالوا يأبانا منع منا الكيل } أي فيما بعد، ~~وفيه ما لا يخفى من الدلالة على كون الامتيار مرة بعد مرة معهودا فيما ~~بينهم وبينه عليه السلام { فأرسل معنا أخانا } بنيامين إلى ~~مصر وفيه إيذان بأن مدار المنع عدم كونه معهم { نكتل } بسببه من ~~الطعام ما نشاء. وقرأ حمزة والكسائي بالياء على إسناده إلى الأخ لكونه ~~سببا للاكتيال أو يكتل لنفسه مع اكتيالنا { وإنا له ~~لحفظون } من أن يصيبه مكروه. ### || [12.64-65] # { قال هل ءامنكم عليه إلا كما أمنتكم على ~~أخيه } يوسف { من قبل } وقد قلتم في حقه أيضا ما قلتم ثم فعلتم ~~به ما فعلتم فلا أثق بكم ولا بحفظكم وإنما أفوض الأمر إلى الله { ~~فالله خير حفظا } وقرىء حفظا، ms1688 وانتصابهما على التمييز، ~~والحالية على القراءة الأولى توهم تقيد الخيرية بتلك الحالة { وهو ~~أرحم الراحمين } فأرجو أن يرحمني بحفظه ولا يجمع علي مصيبتين، ~~وهذا كما ترى ميل منه عليه السلام إلى الإذن والإرسال لما رأى فيه من ~~المصلحة. # { ولما فتحوا متعهم وجدوا بضعتهم ردت ~~إليهم } أي تفضلا وقد علموا ذلك بما مر من دلالة الحال وقرىء ~~بنقل حركة الدال المدغمة إلى الراء كما قيل في قيل وكيل { قالوا } ~~استئناف مبني على السؤال كأنه قيل: ماذا قالوا حينذ؟ فقيل: قالوا ~~لأبيهم ولعله كان حاضرا عند الفتح: { يأبانا ما نبغى } إذا ~~فسر البغي بالطلب فما إما استفهامية منصوبة به فالمعنى ماذا نبتغي ~~وراء ما وصفنا لك من إحسان الملك إلينا وكرمه الداعي إلى امتثال أمره ~~والمراجعة إليه في الحوايج وقد كانوا أخبروه بذلك وقالوا له: إنا قدمنا ~~على خير رجل أنزلنا وأكرمنا كرامة لو كان رجلا من آل يعقوب ما ~~أكرمنا كرامته، وقوله تعالى: { هذه بضعتنا ردت ~~إلينا } جملة مستأنفة موضحة لما دل عليه الإنكار من بلوغ ~~اللطف غايته كأنهم قالوا: كيف لا وهذه بضاعتنا ردها إلينا تفضلا من ~~حيث لا ندري بعد ما من عليها من المنن العظام هل من مزيد على هذا ~~فنطلبه؟ ولم يريدوا به الاكتفاء بذلك مطلقا أو التقاعد عن طلب ~~نظائره بل أرادوا الاكتفاء به في استيجاب الامتثال لأمره والالتجاء ~~إليه في استجلاب المزيد كما أشرنا إليه وقوله تعالى: { ردت ~~إلينا } حال من بضاعتنا والعامل معنى الإشارة وإيثار صيغة ~~البناء للمفعول للإيذان بكمال الإحسان الناشىء عن كمال الإخفاء ~~المفهوم من كمال غفلتهم عنه بحيث لم يشعروا به ولا بفاعله، وقوله عز ~~وجل: { ونمير أهلنا } أي نجلب إليهم الطعام من عند الملك، ~~معطوف على مقدر ينسحب عليه رد البضاعة أي فنستظهر بها ونمير أهلنا { ~~ونحفظ أخانا } من المكاره حسبما وعدنا فما يصيبه من مكروه { ~~ونزداد } أي بواسطته، ولذلك وسط الإخبار بحفظه بين الأصل ~~والمزيد { كيل بعير } أي وسق بعير زائدا على أوساق أباعرنا ~~على قضية التقسيط. # { ذلك } أي ms1689 ما يحمله أباعرنا { كيل يسير } أي مكيل قليل لا ~~يقوم بأودنا فهو استئناف، وقيل: تعليل لما سبق، كأنه قيل: أي حاجة ~~إلى الازدياد؟ فقيل ما قيل، أو ذلك الكيل الزائد شيء قليل لا يضايقنا ~~فيه الملك أو سهل عليه لا يتعاظمه أو أي مطلب نطلب من مهماتنا، ~~والجملة الواقعة بعده توضيح وبيان لما يشعر به الإنكار من كونهم ~~فائزين ببعض المطالب أو متمكنين من تحصيله فكأنهم قالوا: بضاعتنا ~~حاضرة فنستظهر بها ونمير أهلنا ونحفظ أخانا فما يصيبه شيء من المكاره ~~ونزداد بسببه غير ما نكتاله لأنفسنا كيل بعير فأي شيء نبتغي ~~وراء هذه المباغي، وقرىء ما تبغي على خطاب يعقوب عليه السلام أي أي ~~شيء تبغي وراء هذه المباغي المشتملة على سلامة أخينا وسعة ذات أيدينا ~~أو وراء ما فعل بنا الملك من الإحسان داعيا إلى التوجه إليه، ~~والجملة الاستئنافية موضحة لذلك أو أي شيء تبغي شاهدا على صدقنا ~~فيما وصفنا لك من إحسانه، والجملة المذكورة عبارة عن الشاهد المدلول ~~عليه بفحوى الإنكار. # وإما نافية فالمعنى ما نبغي شيئا غير ما رأينا من إحسان الملك في ~~وجوب المراجعة إليه، أو ما نبغي غير هذه المباغي، وقيل: ما نطلب منك ~~بضاعة أخرى والجملة المستأنفة تعليل له. وأما إذا فسر البغي ~~بمجاوزة الحد فما نافية فقط والمعنى ما نبغي في القول وما نتزيد فيما ~~وصفنا من إحسان الملك إلينا وكرمه الموجب لما ذكر، والجملة ~~المستأنفة لبيان ما ادعوا من عدم البغي، وقوله: ونمير أهلنا عطف ~~على ما نبغي أي ما نبغي فيما ذكرنا من إحسانه وتحصيل أمثاله من مير ~~أهلنا وحفظ أخينا فإن ذلك أهون شيء بواسطة إحسانه، وقد جوز أن يكون ~~كلاما مبتدأ أي جملة اعتراضية تذييلية على معنى وينبغي أن نمير ~~أهلنا، وشبه ذلك بقولك: سعيت في حاجة فلان ويجب أن أسعى. وأنت ~~خبير بأن شأن الجمل التذييلية أن تكون مؤكدة لمضمون مصدر ~~ومقررة له كما في المثال المذكور، وقولك: فلان ينطق بالحق فالحق ~~أبلج، وأن قوله: ونمير الخ، وإن ms1690 ساعدنا في حمله على معنى ينبغي أن نمير ~~أهلنا بمعزل من ذلك أو ما نبغي في الرأي وما نعدل عن الصواب فيما نشير ~~به عليك من إرسال أخينا معنا، والجمل إلى آخرها تفصيل وبيان لعدم ~~بغيهم وإصابة رأيهم، أي بضاعتنا حاضرة نستظهر بها ونمير أهلنا ونصنع ~~كيت وذيت فتأمل. ### || [12.66] # { قال لن أرسله معكم } بعد ما عاينت منكم ما عاينت { ~~حتى تؤتون موثقا من الله } أي ما أتوثق به من جهة الله ~~عز وجل، وإنما جعله موثقا منه تعالى لأن تأكيد العهود به مأذون فيه ~~من جهته تعالى فهو إذن منه عز وجل { لتأتننى به } جواب القسم ~~إذ المعنى حتى تحلفوا بالله لتأتنني به { إلا أن يحاط بكم } ~~أي إلا أن تغلبوا فلا تطيقوا به أو إلا أن تهلكوا وأصله من إحاطة ~~العدو فإن من أحاط به العدو فقد هلك غالبا وهو استئناء من أعم ~~الأحوال أو أعم العلل على تأويل الكلام بالنفي الذي ينساق إليه أي ~~لتأتنني به ولا تمتنعن منه في حال من الأحوال أو لعلة من العلل إلا ~~حال الإحاطة بكم، ونظيره قولهم: أقسمت عليك لما فعلت وإلا فعلت أي ~~ما أريد منك إلا فعلك، وقد جوز الأول بلا تأويل أيضا أي لتأتنني به ~~على كل حال إلا حال الإحاطة بكم. وأنت تدري أنه حيث لم يكن الإتيان به ~~من الأفعال الممتدة الشاملة للأحوال على سبيل المعية كما في قولك: ~~لألزمنك إلا أن تعطيني حقي، ولم يكن عليه السلام يريد مقارنته على ~~سبيل البدل لما عدا الحال المستثناة كما إذا قلت: صل إلا أن تكون ~~محدثا بل مجرد تحققه ووقوعه من غير إخلال به كما في قولك: لأحجن ~~العام إلا أن أحصر فإن مرادك إنما هو الإخبار بعدم منع ما سوى حال ~~الإحصار عن الحج لا الإخبار بمقارنته لتلك الأحوال على سبيل البدل ~~كما هو مرادك في مثال الصلاة كأن اعتبار الأحوال معه من حيث عدم ~~منعها منه، فآل المعنى إلى التأويل المذكور { فلما ءاتوه ~~موثقهم } عهدهم ms1691 من الله حسبما أراد يعقوب عليه السلام { قال ~~الله على ما نقول } أي على ما قلنا في أثناء طلب الموثق ~~وإيتائه من الجانبين. وإيثار صيغة الاستقبال لاستحضار صورته المؤدي ~~أي تثبتهم ومحافظتهم على تذكره ومراقبته { وكيل } مطلع رقيب يريد ~~به عرض ثقته بالله تعالى وحثهم على مراعاة ميثاقهم. ### || [12.67] # { وقال } ناصحا لهم لما أزمع على إرسالهم جميعا { الذين ~~ءامنوا لا تدخلوا } مصر { من باب واحد } نهاهم عن ذلك ~~حذارا من إصابة العين، فإنهم كانوا ذوي جمال وشارة حسنة وقد كانوا ~~تجملوا في هذه الكرة أكثر مما في المرة الأولى وقد اشتهروا في مصر ~~بالكرامة والزلفى لدى الملك بخلاف النوبة الأولى فكانوا مئنة ~~لدنو كل ناظر وطموح كل طامح، وإصابة معين بتقدير العزيز الحكيم ليست ~~مما ينكر وقد ورد عنه عليه السلام: # " إن العين حق " # وعنه عليه السلام: # " إن العين لتدخل الرجل القبر والجمل القدر " # وقد كان عليه السلام يعوذ الحسنين رضي الله عنهما بقوله: # " أعيذكما بكلمات الله التامة من كل شيطان وهامة ومن كل عين لامة " # وكان عليه السلام يقول: # " كان أبوكما يعوذ بها إسماعيل وإسحاق عليهم السلام " # رواه البخاري في صحيحه وقد شهدت بذلك التجارب. # ولما لم يكن عدم الدخول من باب واحد مستلزما للدخول من أبواب متفرقة ~~وكان في دخولهم من بابين أو ثلاثة بعض ما في الدخول من باب واحد من ~~نوع اجتماع مصحح لوقوع المحذور قال: { وادخلوا من أبواب ~~متفرقة } بيانا لما المراد بالنهي وإنما لم يكتف بهذا الأمر ~~مع كونه مستلزما له إظهارا لكمال العناية وإيذانا بأنه المراد ~~بالأمر المذكور لا تحقيقا لشيء آخر { وما أغنى عنكم } أي لا ~~أنفعكم ولا أدفع عنكم بتدبيري { من الله من شىء } أي شيئا مما ~~قضى عليكم فإن الحذر لا يمنع القدر ولم يرد به عليه السلام إلغاء ~~الحذر بالمرة كيف لا وقد قال عز قائلا: # ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة # [البقرة: 195] وقال: # خذوا حذركم # [النساء: 71] بل أراد بيان أن ما وصاهم به ليس مما يستوجب المراد لا ~~محالة ms1692 بل هو تديبر في الجملة وإنما التأثير وترتب المنفعة عليه من ~~العزيز القدير وأن ذلك ليس بمدافعة للقدر بل هو استعانة بالله تعالى ~~وهرب منه إليه. # { إن الحكم } مطلقا { ألا لله } لا يشاركه أحد ولا يمانعه ~~شيء { عليه } لا على أحد سواه { توكلت } في كل ما آتي وأذر، ~~وفيه دلالة على أن ترتيب الأسباب غير مخل بالتوكل { وعليه } ~~دون غيره { فليتوكل المتوكلون } جمع بين الحرفين في ~~عطف الجملة على الجملة مع تقديم الصلة للاختصاص مقيدا بالواو عطف ~~فعل غيره من تخصيص التوكل بالله عز وجل على فعل نفسه وبإلقاء ~~سببية فعله لكونه نبيا لفعل غيره من المقتدين به فيدخل فيهم بنوه ~~دخولا أوليا وفيه ما لا يخفى من حسن هدايتهم وإرشادهم إلى التوكل ~~فيما هم بصدده على الله عز وجل غير مغترين بما وصاهم من التدبير. ### || [12.68] # { ولما دخلوا من حيث أمرهم أبوهم } من الأبواب ~~المتفرقة من البلد، قيل: كانت له أربعة أبواب فدخلوا منها وإنما اكتفى ~~بذكره لاستلزامه الانتهاء عما نهوا عنه { ما كان } ذلك الدخول { ~~يغنى } فيما سيأتي عند وقوع ما وقع { عنهم } عن الداخلين لأن ~~المقصود به استدفاع الضرر عنهم، والجمع بين صيغتي الماضي والمستقبل ~~لتحقيق المقارنة الواجبة بين جواب لما ومدخوله فإن عدم الإغناء ~~بالفعل إنما يتحقق عند نزول المحذور لا وقت الدخول، وإنما المتحقق ~~حينئذ ما أفاده الجمع المذكور من عدم كون الدخول المذكور مغنيا ~~فيما سيأتي فتأمل { من الله } من جهته { من شىء } أي شيئا مما ~~قضاه مع كونه مظنة لذلك في بادي الرأي حيث وصاهم به يعقوب عليه ~~السلام وعملوا بموجبه واثقين بجدواه من فضل الله تعالى، فليس المراد ~~بيان سببية الدخول المذكور لعدم الإغناء كما في قوله تعالى: # فلما جاءهم نذير ما زادهم إلا نفورا # [فاطر: 42] فإن مجيء النذير هناك سبب لزيادة نفورهم بل بيان عدم ~~سببيته للإغناء مع كونها متوقعة في بادي الرأي كما في قولك: حلف أن ~~يعطيني حقي عند حلول الأجل فلما حل لم يعطني شيئا، فإن المراد ~~بيان ms1693 عدم سببية حلول الأجل للإعطاء مع كونها مرجوة بموجب الحلف ~~لا بيان سببيته لعدم الإعطاء فالمآل بيان عدم ترتب الغرض ~~المقصود على التدبير المعهود مع كونه مرجو الوجود لا بيان ترتب ~~عدمه عليه، ويجوز أن يراد ذلك أيضا بناء على ما ذكره عليه السلام في ~~تضاعيف وصيته من أنه لا يغني عنهم من الله شيئا فكأنه قيل: ولما ~~فعلوا ما وصاهم به لم يفد ذلك شيئا ووقع الأمر حسبما قال عليه السلام ~~فلقوا ما لقوا فيكون من باب وقوع المتوقع فتأمل. # { إلا حاجة } استثناء منقطع أي ولكن حاجة وحرازة كائنة { فى ~~نفس يعقوب قضاها } أي أظهرها ووصاهم بها دفعا للخاطرة غير ~~معتقد أن للتدبير تأثيرا في تغيير التقدير، وقد جعل ضمير الفاعل في ~~قضاها للدخول على معنى أن ذلك الدخول قضى حاجة في نفس يعقوب وهي ~~إرادته أن يكون دخولهم من أبواب متفرقة، فالمعنى ما كان ذلك الدخول ~~يغني عنهم من جهة الله تعالى شيئا ولكن قضى حاجة حاصلة في نفس يعقوب ~~بوقوعه حسب إرادته فالاستثناء منقطع أيضا وعلى التقديرين لم يكن ~~للتدبير فائدة سوى دفع الخاطرة، وأما إصابة العين فإنما لم تقع ~~لكونها غير مقدرة عليهم لا لأنها اندفعت بذلك مع كونها مقضية عليهم ~~{ وإنه لذو علم } جليل { لما علمناه } لتعليمنا إياه ~~بالوحي ونصب الأدلة لم يعتقد أن الحذر يدفع القدر وأن التديبر له ~~حظ من التأثير حتى يتبين الخلل في رأيه عند تخلف الأثر أو حيث بت ~~القول بأنه لا يغني عنهم من الله شيئا فكان الحال كما قال. وفي تأكيد ~~الجملة بإن واللام وتنكير العلم وتعليله بالتعليم المسند إلى ذاته ~~سبحانه من الدلالة على جلالة شأن يعقوب عليه السلام وعلو مرتبة علمه ~~وفخامته ما لا يخفى { ولكن أكثر الناس لا يعلمون } ~~أسرار القدر ويزعمون أنه يغني عنه الحذر، وأما ما يقال من أن المعنى ~~لا يعلمون إيجاب الحذر مع أنه لا يغني شيئا من القدر فيأباه مقام بيان ~~تخلف المطلوب عن المبادىء. ### || [12.69-71] # { ولما دخلوا على يوسف ms1694 آوى إليه أخاه } بنيامين ~~أي ضمه إليه في الطعام أو في المنزل أو فيهما. روي أنهم لما دخلوا عليه ~~قالوا له: هذا أخونا قد جئناك به، فقال لهم: أحسنتم وستجدون ذلك عندي ~~فأكرمهم ثم أضافهم وأجلسهم مثنى مثنى فبقي بنيامين وحيدا فبكى وقال: لو ~~كان أخي يوسف حيا لأجلسني معه، فقال يوسف: بقي أخوكم فريدا وأجلسه ~~معه على مائدته وجعل يؤاكله ثم أنزل كل اثنين منهم بيتا فقال: هذا لا ~~ثاني معه فيكون معي فبات يوسف يضمه إليه ويشم رائحته حتى أصبح وسأله ~~عن ولده فقال: لي عشرة بنين اشتققت أسماءهم من اسم أخ لي هلك، فقال ~~له: أتحب أن أكون أخاك بدل أخيك الهالك؟ قال: من يجد أخا مثلك ولكن ~~لم يلدك يعقوب ولا راحيل، فبكى يوسف وقام إليه وعانقه وتعرف إليه وعند ~~ذلك { قال إنى أنا أخوك } يوسف { فلا تبتئس } أي فلا ~~تحزن { بما كانوا يعملون } بنا فيما مضى فإن الله تعالى قد ~~أحسن إلينا وجمعنا بخير ولا تعلمهم بما أعلمتك، قاله ابن عباس رضي ~~الله تعالى عنهما، وعن وهب أنه لم يتعرف إليه بل قال له: أنا أخوك بدل ~~أخيك المفقود ومعنى فلا تبتئس لا تحزن بما كنت تلقى منهم من الحسد ~~والأذى فقد أمنتهم. وروي أنه قال له: فأنا لا أفارقك، قال: قد علمت ~~باغتمام والدي بي فإذا حبستك يزاد غمه ولا سبيل إلى ذلك إلا أن ~~أنسبك إلى ما لا يجمل، قال: لا أبالي فافعل ما بدا لك، قال: أدس ~~صاعي في رحلك ثم أنادي عليك بأنك سرقته ليتهيأ لي ردك بعد تسريحك ~~معهم، قال: افعل. # { فلما جهزهم بجهازهم جعل السقاية } أي ~~المشربة، قيل: كانت مشربة جعلت صاعا يكال به، وقيل: كانت تسقى بها ~~الدواب ويكال بها الحبوب وكانت من فضة، وقيل: من ذهب، وقيل: من فضة ~~مموهة بالذهب، وقيل: كانت إناء مستطيلا تشبه المكوك الفارسي الذي ~~يلتقي طرفاه يستعمله الأعاجم، وقيل: كانت مرصعة بالجواهر { فى رحل ~~أخيه } بنيامين وقرىء وجعل على حذف جواب لما ms1695 تقديره أمهلهم حتى ~~انطلقوا { ثم أذن مؤذن } نادى مناد { أيتها العير } ~~وهي الإبل التي عليها الأحمال لأنها تعير أي تذهب وتجيء، وقيل: هي ~~قافلة الحمير ثم كثر حتى قيل لكل قافلة عير كأنها جمع عير وأصلها ~~فعل مثل سقف وسقف ففعل به ما فعل ببيض وغيد، والمراد أصحابها كما ~~في قوله عليه السلام: # " يا خيل الله اركبي " # ، روي أنهم ارتحلوا وأمهلهم يوسف حتى انطلقوا منزلا، وقيل: خرجوا من ~~العمارة ثم أمر بهم فأدركوا ونودوا { إنكم لسارقون } هذا ~~الخطاب إن كان بأمر يوسف فلعله أريد بالسرقة أخذهم له من أبيه ودخول ~~بنيامين فيه بطريق التغليب وإلا فهو من قبل المؤذن بناء على زعمه ~~والأول هو الأظهر الأوفق للسياق، وقرأ اليماني سارقون بلا لام { ~~قالوا } أي الإخوة { وأقبلوا عليهم } جملة حالية من ضمير ~~قالوا جيء بها للدلالة على انزعاجهم مما سمعوه لمباينته لحالهم { ماذا ~~تفقدون } أي تعدمون، تقول: فقدت الشيء إذا عدمته بأن ضل عنك لا ~~بفعلك والمآل ماذا ضاع عنكم، وصيغة المستقبل لاستحضار الصورة وقرىء ~~تفقدون من أفقدته إذا وجدته فقيدا وعلى التقديرين فالعدول عما يقتضيه ~~الظاهر من قولهم: ماذا سرق منكم لبيان كمال نزاهتهم بإظهار أنه لم ~~يسرق منهم شيء فضلا أن يكونوا هم السارقين له وإنما الممكن أن يضيع ~~منهم شيء فيسألوهم أنه ماذا، وفيه إرشاد لهم إلى مراعاة حسن الأدب ~~والاحتراز عن المجازفة ونسبة البرآء إلى ما لا خير فيه لا سيما بطريق ~~التوكيد فلذلك غيروا كلامهم حيث ### || [12.72-73] # { قالوا } فى جوابهم { نفقد صواع الملك } ولم يقولوا ~~سرقتموه أو سرق وقرئ صاع وصوع وصوع بفتح الصاد وضمها وبإهمال العين ~~وإعجامها من الصياغة ثم قالوا تربية لما تلقوه من قبلهم وإراءة لاعتقاد ~~أنه إنما بقى فى رحلهم اتفاقا { ولمن جآء به } من عند نفسه مظهرا ~~له قبل التفتيش { حمل بعير } من الطعام جعلا له لا على نية تحقيق ~~الوعد لجزمهم بامتناع وجود الشرط وعزمهم على ما لا يخفى من أخذ من وجد فى ~~رحله { وأنا به زعيم } كفيل أؤديه ms1696 إليه وهو قول المؤذن. # { قالوا تالله } الجمهور على أن التاء بدل من الواو ولذلك لا ~~تدخل إلا على الجلالة المعظمة أو الرب المضاف إلى الكعبة أو الرحمن فى ~~قول ضعيف ولو قلت تالرحيم لم يجز وقيل من الباء وقيل أصل بنفسها وأيا ما ~~كان ففيه تعجب { لقد علمتم } علما جازما مطابقا للواقع { ما ~~جئنا لنفسد في الأرض } أى لنسرق فإنه من أعظم أنواع الإفساد ~~أو لنفسد فيها أى إفساد كان مما عز أو هان فضلا عما نسبتمونا إليه من ~~السرقة ونفى المجئ للإفساد وإن لم يكن مستلزما لما هو مقتضى المقام من ~~نفى الإفساد مطلقا لكنهم جعلوا المجئ الذى يترتب عليه ذلك ولو بطريق ~~الاتفاق مجيئا لغرض الإفساد مفعولا لأجله ادعاء إظهار لكمال قبحه عندهم ~~وتربية لاستحالة صدوره عنهم كما قيل فى قوله تعالى # ما يبدل القول لدى وما أنا بظلام للعبيد # [ق: 29] الدال بظاهره على نفى المبالغة فى الظلم دون نفى الظلم فى ~~الجملة الذى هو مقتضى المقام من أن المعنى إذا عذبت من لا يستحق التعذيب ~~كنت ظلاما مفرطا فى الظلم فكأنهم قالوا إن صدر عنا إفساد كان مجيئنا ~~لذلك مريدين به تقبيح حاله وإظهار كمال نزاهتهم عنه يعنون أنه قد شاع ~~بينكم فى كرتى مجيئنا ما نحن عليه وقد كانوا على غاية ما يكون من الديانة ~~والصيانة فيما يأتون ويذرون حتى روى أنهم دخلوا مصر وأفواه رواحلهم ~~مكمومة لئلا تتناول زرعا أو طعاما لأحد وكانوا مثابرين على فنون الطاعات ~~وعلمتم بذلك أنه لا يصدر عنا إفساد { وما كنا سارقين } أى ما ~~كنا نوصف بالسرقة قط وإنما حكموا بعلمهم ذلك لأن العلم بأحوالهم الشاهدة ~~يستلزم العلم بأحوالهم الغائبة وإنما لم يكتفوا بنفى الأمرين المذكورين ~~بل استشهدوا بعلمهم بذلك إلزاما للحجة عليهم وتحقيقا للتعجب المفهوم من ~~تاء القسم. ### || [12.74-76] # { قالوا } أي أصحاب يوسف عليه السلام { فما جزاؤه } الضمير ~~للصواع على حذف المضاف أي فما جزاء سرقته عندكم وفي شريعتكم { إن ~~كنتم كذبين } لا في دعوى البراءة عن السرقة فإنهم ms1697 صادقون فيها ~~بل فيما يستلزمه ذلك من نفي كون الصواع فيهم كما يؤذن به قوله عز وجل: ~~{ قالوا جزؤه من وجد } أي أخذ من وجد الصواع { فى ~~رحله } حيث ذكر بعنوان الوجدان في الرحل دون عنوان السرقة وإن كان ~~مستلزما لها في اعتقادهم المبني على قواعد العادة، ولذلك أجابوا بما ~~أجابوا فإن الأخذ والاسترقاق سنة إنما هو جزاء السارق دون من وجد ~~في يده مال غيره كيفما كان فتأمل واحمل كلام كل فريق على ما لا ~~يزاحم رأيه فإنه أقرب إلى معنى الكيد وأبعد من الافتراء، وقوله ~~تعالى: { فهو جزاؤه } تقرير لذلك الحكم أي فأخذه جزاؤه كقولك: ~~حق الضيف أن يكرم فهو حقه، ويجوز أن يكون جزاؤه مبتدأ والجملة الشرطية ~~كما هي خبره على إقامة الظاهر مقام المضمر، والأصل جزاؤه من وجد في ~~رحله، فهو على أن الأول لمن والثاني للظاهر الذي وضع موضعه { كذلك } ~~أي مثل ذلك الجزاء الأوفى { نجزى الظلمين } بالسرقة، تأكيد ~~للحكم المذكور غب تأكيد وبيان لقبح السرقة ولقد فعلوا ذلك ثقة ~~بكمال براءتهم عنها وهم عما فعل غافلون. # { فبدأ } يوسف بعد ما رجعوا إليه للتفتيش { بأوعيتهم } ~~بأوعية الإخوة العشرة أي بتفتيشها { قبل } تفتيش { وعاء أخيه } ~~بنيامين لنفي التهمة. روي أنه لما بلغت النوبة إلى وعائه قال: ما أظن ~~هذا أخذ شيئا، فقالوا: والله لا نتركه حتى تنظر في رحله فإن أطيب ~~لنفسك وأنفسنا { ثم استخرجها } أي السقاية أو الصواع فإنه ~~يذكر ويؤنث { من وعاء أخيه } لم يقل منه على رجع الضمير إلى ~~الوعاء أو من وعائه على رجعه إلى أخيه قصدا إلى زيادة كشف وبيان، ~~وقرىء بضم الواو بقلبها همزة كما في أشاح في وشاح { كذلك } نصب على ~~المصدرية والكاف مقحمة للدلالة على فخامة المشار إليه وكذا ما في ذلك ~~من معنى البعد أي مثل ذلك الكيد العجيب وهو عبارة عن إرشاد الإخوة ~~إلى الإفتاء المذكور بإجرائه على ألسنتهم وبحملهم عليه بواسطة المستفتين ~~من حيث لم يحتسبوا فمعنى قوله عز وجل: { كدنا ليوسف } صنعنا له ~~ودبرنا ms1698 لأجل تحصيل غرضه من المقدمات التي رتبها من دس الصواع وما ~~يتلوه، فاللام ليست كما في قوله: # فيكيدوا لك كيدا # [يوسف: 5] فإنها داخلة على المتضرر على ما هو الاستعمال الشائع وقوله ~~تعالى: { ما كان ليأخذ أخاه فى دين الملك } استئناف ~~وتعليل لذلك الكيد وصنعه لا تفسير وبيان له كما قيل، كأنه قيل: ~~لماذا فعل ذلك؟ فقيل: لأنه لم يكن ليأخذ أخاه بما فعله في دين الملك في ~~أمر السارق أي في سلطانه، قاله ابن عباس، أو في حكمه وقضائه، قاله ~~قتادة، إلا به لأن جزاء السارق في دينه إنما كان ضربه وتغريمه ضعف ~~ما أخذ دون الاسترقاق والاستعباد كما هو شريعة يعقوب عليه السلام فلم ~~يكن يتمكن بما صنعه من أخذ أخيه بالسرقة التي نسبها إليه حال من الأحوال ~~{ إلا أن يشاء الله } أي إلا حال مشيئته التي هي عبارة عن ~~إرادته لذلك الكيد أو إلا حال مشيئته للأخذ بذلك الوجه، ويجوز أن ~~يكون الكيد عبارة عنه وعن مباديه المؤدية إليه جميعا من إرشاد يوسف ~~وقومه إلى ما صدر عنهم من الأفعال والأقوال حسبما شرح مرتبا لكن لا ~~على أن يكون القصر المستفاد من تقديم المجرور مأخوذا بالنسبة إلى ~~غيره مطلقا على معنى مثل ذلك الكيد كدنا لا كيدا آخر إذ لا معنى ~~لتعليله بعجز يوسف عن أخذ أخيه في دين الملك في شأن السارق قطعا إذ ~~لا علاقة بين مطلق الكيد ودين الملك في أمر السارق أصلا بالنسبة إلى ~~بعضه على معنى مثل ذلك الكيد البالغ إلى هذا الحد كدنا له ولم نكتف ~~ببعض من ذلك لأنه لم يكن يأخذ أخاه في دين الملك به إلا حال مشيئتنا له ~~بإيجاد ما يجري مجرى الجزء الصوري من العلة التامة وهو إرشاد إخوته ~~إلى الإفتاء المذكور، وعلى هذا ينبغي أن يحمل القصر في تفسير من فسر ~~قوله تعالى: { كدنا ليوسف } بقوله: علمناه إياه وأوحينا به إليه ~~أي مثل ذلك التعليم المستتبع لما شرح مرتبا علمناه دون بعض من ذلك ~~فقط الخ، ms1699 وعلى كل حال فالاستئناء من أعم الأحوال كما أشير إليه، ويجوز ~~أن يكون من أعم العلل والأسباب أي لم يكن يأخذ أخاه لعلة من العلل أو ~~بسبب من الأسباب إلا لعلة مشيئته تعالى أو إلا بسبب مشيئته تعالى، ~~وأيا ما كان فهو متصل لأن أخذ السارق إذا كان ممن يرى ذلك ويعتقده ~~دينا لا سيما عند رضاه وإفتائه به ليس مخالفا لدين الملك، وقد قيل: ~~معنى الاستئناء إلا أن يشاء الله أن يجعل ذلك الحكم حكم الملك. # وأنت تدري أن المراد بدينه ما عليه حينئذ فتغييره مخل بالاتصال ~~وإرادة مطلق ما يتدين به أعم منه ومما يحدث تفضي إلى كون الاستثناء ~~من قبيل التطبيق بالمحال إذ المقصود بيان عجز يوسف عليه السلام ~~عن أخذ أخيه حينئذ ولم تتعلق المشيئة بالجعل المذكور إذ ذاك وإرادة ~~عجزه مطلقا تؤدي إلى خلاف المراد فإن استثناء حال المشيئة المذكورة ~~من أحوال عجزه عليه السلام مما يشعر بعدم الحاجة إلى الكيد المذكور ~~فتدبر. وقد جوز الانقطاع أي لكن أخذه بمشيئة الله تعالى وإذنه في ~~دين غير دين الملك. # { نرفع درجت } أي رتبا كثيرة عالية من العلم وانتصابها ~~على المصدرية أو الظرفية أو على نزع الخافض أي إلى درجات والمفعول قوله ~~تعالى: { من نشاء } أي نشاء رفعه حسبما تقتضيه الحكمة وتستدعيه ~~المصلحة كما رفعنا يوسف، وإيثار صيغة الاستقبال للإشعار بأن ذلك سنة ~~مستمرة غير مختصة بهذه المادة والجملة مستأنفة لا محل لها من ~~الإعراب { وفوق كل ذى علم } من أولئك المرفوعين { عليم } لا ~~ينالون شأوه واعلم أنه إن جعل الكيد عبارة عن المعنيين الأولين ~~فالمراد برفع يوسف عليه السلام ما اعتبر فيه بالشرطية أو الشطرية من ~~إرشاده عليه السلام إلى دس الصواع في رحل أخيه وما يتفرع عليه من ~~المقدمات المرتبة لاستبقاء أخيه مما يتم من قبله، والمعنى أرشدنا إخوته ~~إلى الإفتاء المذكور لأنه لم يكن متمكنا من أخذ أخيه بدونه، أو أرشدنا ~~كلا منهم ومن يوسف وأصحابه إلى ما صدر عنهم ولم نكتف بما تم ms1700 من قبل ~~يوسف فقط لأنه لم يكن متمكنا من أخذ أخيه بذلك فقوله تعالى: { نرفع ~~درجت } إلى قوله تعالى: { عليم } توضيح لذلك على معنى أن الرفع ~~المذكور لا يوجب تمام مرامه إذ ليس ذلك بحيث لا يعزب عن علمه شيء بل ~~إنما نرفع كل من نرفع حسب استعداده، وفوق كل واحد منهم عليم لا ~~يقادر علمه ولا يكتنه كنهه يرفع كلا منهم إلى ما يليق به من معارج ~~العلم ومدارجه وقد رفع يوسف إلى ما يليق به من الدرجات العالية وعلم ~~أن ما حواه دائرة علمه لا يفي بمرامه فأرشد إخوته إلى الإفتاء ~~المذكور فكان ما كان، وكأنه عليه السلام لم يكن على يقين من صدوره ~~الإفتاء المذكور عن إخوته وإن كان على طمع منه فإن ذلك إلى الله عز وجل ~~وجودا وعلما، والتعرض لوصف العلم لتعيين جهة الفوقية، وفي صيغة ~~المبالغة مع التنكير والالتفات إلى الغيبة من الدلالة على فخامة شأنه ~~عز وعلا وجلالة مقدار علمه المحيط ما لا يخفى. وأما إن جعل عبارة عن ~~التعليم المستتبع للإفتاء المذكور فالرفع عبارة عن ذلك التعليم ~~والإفتاء وإن لم يكن داخلا تحت قدرته عليه السلام لكنه كان داخلا تحت ~~علمه بواسطة الوحي والتعليم، والمعنى مثل ذلك التعليم البالغ إلى هذا ~~الحد علمناه ولم نقتصر على تعليم ما عدا الإفتاء الذي سيصدر عن إخوته ~~إذ لم يكن متمكنا من أخذ أخيه إلا بذلك فقوله: { نرفع درجت ~~من نشاء } توضيح لقوله: كدنا وبيان لأن ذلك من باب الرفع إلى ~~الدرجات العالية من العلم ومدح ليوسف برفعه إليها، وقوله وفوق كل ذي ~~علم عليم تذييل له أي نرفع درجات عالية من العلم من نشاء رفعه وفوق ~~كل منهم عليم هو أعلى درجة. قال ابن عباس رضي الله عنهما: فوق كل ~~عالم عالم إلى أن ينتهي العلم إلى الله تعالى، والمعنى إن إخوة يوسف ~~عليه السلام كانوا علماء إلا أن يوسف عليه السلام أفضل منهم، وقرىء ~~درجات من نشاء بالإضافة، والأول أنسب بالتذييل حيث نسب ms1701 فيه الرفع ~~إلى من نسب إليه الفوقية لا إلى درجته ويجوز أن يكون العليم في هذا ~~التفسير أيضا عبارة عن الله عز وجل أي وفوق كل من أولئك المرفوعين ~~عليم يرفع كلا منهم إلى درجته اللائقة به والله تعالى أعلم. ### || [12.77] # { قالوا إن يسرق } يعنون بنيامين { فقد سرق أخ له من ~~قبل } يريدون به يوسف عليه السلام وما جرى عليه من جهة عمته على ما ~~قيل من أنه كانت تحضنه فلما شب أراد يعقوب عليه السلام انتزاعه منها ~~وكانت لا تصبر عنه ساعة وكانت لها منطقة ورثتها من أبيها إسحاق عليه ~~السلام فاحتالت لاستبقاء يوسف عليه السلام فعمدت إلى المنطقة فحزمتها ~~عليه من تحت ثيابه ثم قالت: فقدت منطقة إسحاق عليه السلام فانظروا من ~~أخذها فوجدوها محزومة على يوسف فقالت: إنه لي سلم أفعل به ما أشاء ~~فخلاه يعقوب عليه السلام عندها حتى ماتت، وقيل: كان أخذ في صباه صنما ~~لأبي أمه فكسره وألقاه في الجيف، وقيل: دخل كنيسة فأخذ تمثالا صغيرا ~~من ذهب كانوا يعبدونه فدفنه { فأسرها يوسف } أي أكن الحزازة ~~الحاصلة مما قالوا { فى نفسه } لا أنه أسرها لبعض أصحابه كما في ~~قوله تعالى: # وأسررت لهم إسرارا # [نوح: 9] { ولم يبدها لهم } لا قولا ولا فعلا صفحا عنهم ~~وحلما وهو تأكيد لما سبق. # { قال } أي في نفسه وهو استئناف مبني على سؤال نشأ من الإخبار ~~بالإسرار المذكور كأنه قيل: فماذا قال في نفسه في تضاعيف ذلك الإسرار؟ ~~فقيل: قال: { أنتم شر مكانا } أي منزلة حيث سرقتم أخاكم من ~~أبيكم ثم طفقتم تفترون على البريء، وقيل: بدل من أسرها والضمير للمقالة ~~المفسرة بقوله: { أنتم شر مكانا } { والله أعلم ~~بما تصفون } أي عالم علما بالغا إلى أقصى المراتب بأن الأمر ~~ليس كما تصفون من صدور السرقة منا بل إنما هو افتراء علينا فالصيغة ~~لمجرد المبالغة لا لتفضيل علمه عز وجل على علمهم كيف لا وليس لهم بذلك ~~من علم. ### || [12.78-80] # { قالوا } عندما شاهدوا مخايل أخذ بنيامين مستعطفين { قالوا ~~يا أيها العزيز ms1702 إن له أبا } لم يريدوا بذلك الإخبار بأن ~~له أبا ذلك معلوم مما سبق وإنما أرادوا الإخبار بأن له أبا { شيخا ~~كبيرا } في السن لا يكاد يستطيع فراقه وهو علالة به يتعلل عن شقيقه ~~الهالك { فخذ أحدنا مكانه } فلسنا عنده بمنزلته من المحبة ~~والشفقة { إنا نراك من المحسنين } إلينا فأتمم إحسانك ~~بهذه التتمة أو المتعودين بالإحسان فلا تغير عادتك. # { قال معاذ الله } أي نعوذ بالله معاذا من { أن نأخذ } ~~فحذف الفعل وأقيم مقامه المصدر مضافا إلى المفعول به بعد حذف ~~الجار { إلا من وجدنا متعنا عنده } لأن أخذنا له ~~إنما هو بقضية فتواكم فليس لنا الإخلال بموجبها، وإيثار صيغة التكلم مع ~~الغير كون الخطاب من جانب إخوته على التوحيد من باب السلوك إلى سنن ~~الملوك، أو للإشعار بأن الأخذ والإعطاء ليس مما يستبد به بل هو منوط ~~بآراء أولي الحل والعقد، وإيثار (من وجدنا متاعنا عنده) دون من ~~سرق متاعنا لتحقيق الحق والاحتراز عن الكذب في الكلام مع تمام المرام ~~فإنهم لا يحملون وجدان الصواع في الرحل على محمل غير السرقة { ~~إنا إذا } أي إذا أخذنا غير من وجدنا متاعنا عنده ولو برضاه { ~~لظلمون } في مذهبكم وما لنا ذلك، وهذا المعنى هو الذي أريد ~~بالكلام في أثناء الحوار، وله معنى باطن هو أن الله عز وجل إنما أمرني ~~بالوحي أن آخذ بنيامين لمصالح علمها الله في ذلك فلو أخذت غيره كنت ~~ظالما وعاملا بخلاف الوحي. # { فلما استيأسوا منه } أي يئسوا من يوسف وإجابته لهم ~~أشد يأس بدلالة صيغة الاستفعال، وإنما حصلت لهم هذه المرتبة من ~~اليأس لما شاهدوه من عوذه بالله مما طلبوه الدال على كون ذلك عنده ~~في أقصى مراتب الكراهة وأنه مما يجب أن يحترز عنه ويعاذ منه بالله عز ~~وجل ومن تسميته ظلما بقوله: { إنا إذا لظلمون } { ~~خلصوا } اعتزلوا وانفردوا عن الناس { نجيا } أي ذوي نجوى على أن ~~يكون بمعنى النجوى والتناجي أو فوجا نجيا على أن يكون بمعنى المناجى ~~كالعشير والسمير بمعنى المعاشر والمسامر ومنه قوله ms1703 تعالى: # وقربناه نجيا # [مريم: 52] ويجوز أن يقال: هم نجي، كما يقال: هم صديق لأنه بزنة ~~المصادر من الزفير والزئير { قال كبيرهم } في السن وهو روبيل أو ~~في العقل وهو يهوذا أو رئيسهم وهو شمعون { ألم تعلموا } كأنهم ~~أجمعوا عند التناجي على الانقلاب جملة ولم يرض به فقال منكرا عليهم: ~~ألم تعلموا { أن أباكم قد أخذ عليكم موثقا من ~~الله } عهدا يوثق به وهو حلفهم بالله تعالى، وكونه من الله لإذنه ~~فيه وكون الحلف باسمه الكريم { ومن قبل } أي ومن قبل هذا { ما ~~فرطتم فى يوسف } قصرتم في شأنه ولم تحفظوا عهد أبيكم وقد ~~قلتم: وإنا له لناصحون، وإنا له لحافظون، وما مزيدة أو مصدرية، ومحل ~~المصدر النصب عطفا على مفعول تعلموا أي ألم تعلموا أخذ أبيكم عليكم ~~موثقا وتفريطكم السابق في شأن يوسف عليه السلام، ولا ضير في الفصل ~~بين العاطف والمعطوف بالظرف وقد جوز النصب عطفا على اسم أن والخبر ~~في يوسف أو من قبل على معنى ألم تعلموا أن تفريطكم السابق وقع في شأن ~~يوسف عليه السلام أو أن تفريطكم الكائن أو كائنا في شأن يوسف عليه ~~السلام وقع من قبل، وفيه أن مقتضى المقام إنما هو الإخبار بوقوع ذلك ~~التفريط لا بكون تفريطهم السابق واقعا في شأن يوسف كما هو مفاد ~~الأول، ولا بكون تفريطهم الكائن في شأنه واقعا من قبل كما هو مفاد ~~الثاني على أن الظرف المقطوع عن الإضافة لا يقع خبرا ولا صفة ولا صلة ~~ولا حالا عند البعض كما تقرر في موضعه، وقيل: محله الرفع على ~~الابتداء والخبر من قبل وفيه ما فيه، وقيل: ما موصولة أو موصوفة ~~ومحلها النصب أو الرفع والحق هو النصب عطفا على مفعول تعلموا أي ما ~~فرطتموه بمعنى قدمتموه في حقه من الخيانة، وأما النصب عطفا على اسم أن ~~أو الرفع على الابتداء فقد عرفت حاله { فلن أبرح الأرض } ~~متفرع على ما ذكره وذكره إياهم من ميثاق أبيه وقوله: # لتأتننى به إلا أن يحاط بكم # أي فلن أفارق ms1704 أرض مصر جاريا على قضية الميثاق { حتى يأذن لى ~~أبى } في البراح بالانصراف إليه وكأن أيمانهم كانت معقودة على عدم ~~الرجوع بغير إذن يعقوب عليه السلام { أو يحكم الله لى } ~~بالخروج منها على وجه لا يؤدي إلى نقض الميثاق أو بخلاص أخي بسبب من ~~الأسباب. روي أنهم كلموا العزيز في إطلاقه فقال روبيل: أيها الملك ~~لتردن إلينا أخانا أو لأصيحن صيحة لا تبقى بمصر حامل إلا ألقت ~~ولدها ووقعت كل شعرة في جسده فخرجت من ثيابه وكان بنو يعقوب إذا غضبوا ~~لا يطاقون خلا أنه إذا مس من غضب واحد منهم سكن غضبه، فقال يوسف ~~لابنه: قم إلى جنبه فمسه فمسه فقال روبيل: من هذا؟ إن في هذا ~~البلد بذرا من بذر يعقوب { وهو خير الحكمين } إذ لا ~~يحكم إلا بالحق والعدل. ### || [12.81] # { ارجعوا } أنتم { إلى أبيكم فقولوا يأبانا إن ~~ابنك سرق } على ظاهر الحال وقرىء سرق أي نسب إلى السرقة { وما ~~شهدنا } عليه { إلا بما علمنا } وشاهدنا أن الصواع ~~استخرجت من وعائه { وما كنا للغيب } أي باطن الحال { ~~حفظين } فما ندري أن حقيقة الأمر كما شاهدنا أم بخلافه، أو وما ~~كنا عالمين حين أعطيناك الموثق أنه سيسرق أو أن نلاقي هذا الأمر أو ~~أنك تصاب به كما أصبت بيوسف. ### || [12.82-84] # { واسئل القرية التى كنا فيها } أي مصر أو قرية ~~بقربها لحقهم المنادي عندها أي أرسل إلى أهلها واسألهم عن القصة { ~~والعير التى أقبلنا فيها } أي أصحابها فإن القصة معروفة ~~فيما بينهم وكانوا قوما من كنعان من جيران يعقوب عليه السلام، وقيل: ~~من صنعاء { وإنا لصدقون } تأكيد في محل القسم { قال } أي ~~يعقوب عليه السلام وهو استئناف مبني على سؤال نشأ مما سبق فكأنه قيل: ~~فماذا كان عند قول المتوقف لإخوته ما قال؟ فقيل: قال يعقوب عندما ~~رجعوا إليه فقالوا له ما قالوا وإنما حذف للإيذان بأن مسارعتهم إلى ~~قبوله ورجوعهم به إلى أبيهم أمر مسلم غني عن البيان، وإنما ~~المحتاج إليه جواب أبيهم { بل سولت } أي زينت وسهلت وهو ms1705 ~~إضراب لا عن صريح كلامهم فإنهم صادقون في ذلك عما يتضمنه من ادعاء ~~البراءة عن التسبب فيما نزل به وأنه لم يصدر عنهم ما يؤدي إلى ذلك من ~~قول أو فعل كأنه قيل: لم يكن الأمر كذلك بل زينت { لكم أنفسكم ~~أمرا } من الأمور فأتيتموه يريد بذلك فتياهم بأخذ السارق بسرقته { ~~فصبر جميل } أي فأمري صبر جميل أو فصبر جميل أجمل { عسى ~~الله أن يأتينى بهم جميعا } بيوسف وأخيه والمتوقف بمصر ~~{ إنه هو العليم } بحالي وحالهم { الحكيم } الذي لم ~~يبتلني إلا لحكمة بالغة. # { وتولى } أي أعرض { عنهم } كراهة لما سمع منهم { وقال ~~يا أسفا على يوسف } الأسف أشد الحزن والحسرة، أضافه إلى ~~نفسه والألف بدل من الياء فناداه أي يا أسفي تعال فهذا أوانك وإنما ~~تأسف على يوسف مع أن الحادث مصيبة أخويه لأن رزأه كان قاعدة ~~الأرزاء غضا عنده وإن تقادم عهده آخذا بمجامع قلبه لا ينساه ولأنه كان ~~واثقا بحياتهما عالما بمكانهما طامعا في إيابهما، وأما يوسف فلم يكن ~~في شأنه ما يحرك سلسلة رجائه سوى رحمة الله وفضله. # وفي الخبر: (لم تعط أمة من الأمم إنا لله وإنا إليه راجعون إلا أمة ~~محمد عليه الصلاة والسلام ألا يرى إلى يعقوب حين أصابه ما أصابه لم ~~يسترجع بل قال ما قال) والتجانس بين لفظي الأسف ويوسف مما يزيد ~~النظم الكريم بهجة كما في قوله عز وجل: # وهم ينهون عنه وينأون عنه # [الأنعام: 26] وقوله: # اثاقلتم إلى الأرض أرضيتم # [التوبة: 38] وقوله: # ثم كلى من كل الثمرت # [النحل: 69] # وجئتك من سبإ بنبإ يقين # [النمل: 22] ونظائرها { وابيضت عيناه من الحزن } ~~الموجب للبكاء فإن العبرة إذا كثرت محقت سواد العين وقلبته إلى ~~بياض كدر. قيل: قد عمي بصره، وقيل: كان يدرك إدراكا ضعيفا. روي أنه ~~ما جفت عينا يعقوب من يوم فراق يوسف إلى حين لقائه ثمانين عاما وما ~~على وجه الأرض أكرم على الله عز وجل من يعقوب عليه السلام، # " وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم: [أنه سأل جبريل عليه السلام: ms1706 " ما ~~بلغ من وجد يعقوب عليه السلام على يوسف؟» قال: وجد سبعين ثكلى، قال: ~~«فما كان له من الأجر؟» قال: أجر مائة شهيد وما ساء ظنه بالله ساعة ~~قط] " # وفيه دليل على جواز التأسف والبكاء عند النوائب فإن الكف عن ذلك مما ~~لا يدخل تحت التكليف فإنه قل من يملك نفسه عند الشدائد، ولقد بكى رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم على ولده إبراهيم وقال: # " القلب يحزن والعين تدمع ولا نقول ما يسخط الرب وإنا عليك يا ~~إبراهيم لمحزونون " # وإنما الذي لا يجوز ما يفعله الجهلة من الصياح والنياحة ولطم الخدود ~~والصدور وشق الجيوب وتمزيق الثياب، # " وعن النبي عليه السلام أنه بكى على ولد بعض بناته وهو يجود بنفسه، ~~فقيل: يا رسول الله تبكي وقد نهيتنا عن البكاء؟ فقال: " ما نهيتكم عن ~~البكاء وإنما نهيتكم عن صوتين أحمقين صوت عند الفرح وصوت عند الترح " # { فهو كظيم } مملوء من الغيظ على أولاده ممسك له في قلبه لا ~~يظهره، فعيل بمعنى مفعول بدليل قوله تعالى: # وهو مكظوم # [القلم: 48] من كظم السقاء إذا شده على ملئه أو بمعنى فاعل كقوله: # والكظمين الغيظ # [آل عمران: 134] من كظم الغيظ إذا اجترعه وأصله كظم البعير جرته ~~إذا ردها في جوفه. ### || [12.85-87] # { قالوا تالله تفتأ } أي لا تفتأ ولا تزال { تذكر يوسف } ~~تفجعا عليه فحذف النفي كما في قوله: # فقلت يمين الله أبرح قاعدا # [ولو قطعوا رأسي لديك وأوصالي] # لعدم الالتباس بالإثبات فإن القسم إذا لم يكن معه علامة الإثبات يكون ~~على النفي البتة { حتى تكون حرضا } مريضا مشفيا على ~~الهلاك، وقيل: الحرض من أذابه هم أو مرض وهو في الأصل مصدر ولذلك لا ~~يؤنث ولا يثنى ولا يجمع والنعت منه بالكسر كدنف وقد قرىء به وبضمتين ~~كجنب وغرب { أو تكون من الهلكين } أي الميتين { قال ~~إنما أشكو بثى } البث أصعب الهم الذي لا يصبر عليه صاحبه ~~فيبثه إلى الناس أي ينشره فكأنهم قالوا له ما قالوا بطريق التسلية ~~والإشكاء، فقال لهم: إني لا أشكو ما بي ms1707 إليكم أو إلى غيركم حتى تتصدوا ~~لتسليتي وإنما أشكو همي { وحزنى إلى الله } تعالى ملتجئا إلى ~~جنابه متضرعا لدى بابه في دفعه وقرىء بفتحتين وضمتين { وأعلم ~~من الله ما لا تعلمون } من لطفه ورحمته فأرجو أن يرحمني ~~ويلطف بي ولا يخيب رجائي أو أعلم وحيا أو إلهاما من جهته ما ~~لا تعلمون من حياة يوسف. قيل: رأى ملك الموت في المنام فسأله عنه فقال: ~~هو حي، وقيل: علم من رؤيا يوسف عليه السلام أنه سيخر له أبواه وإخوته ~~سجدا. # { يبنى اذهبوا فتحسسوا } أي تعرفوا وهو تفعل من ~~الحس وقرىء بالجيم من الجس وهو الطلب أي تطلبوا { من يوسف ~~وأخيه } أي من خبرهما ولم يذكر الثالث لأن غيبته اختيارية لا ~~يعسر إزالتها { ولا تايئسوا من روح الله } لا تقنطوا ~~من فرجه وتنفيسه وقرىء بضم الراء أي من رحمته التي يحيي بها العباد ~~وهذا إرشاد لهم إلى بعض ما أبهم في قوله: { وأعلم من الله ~~ما لا تعلمون } ثم حذرهم عن ترك العمل بموجب نهيه بقوله: { ~~يبنى اذهبوا فتحسسوا من يوسف وأخيه ولا ~~تايئسوا من } لعدم علمهم بالله تعالى وصفاته فإن العارف لا ~~يقنط في حال من الأحوال. ### || [12.88-89] # { فلما دخلوا عليه } أي على يوسف بعد ما رجعوا إلى مصر ~~بموجب أمر أبيهم وإنما لم يذكر ذلك إيذانا بمسارعتهم إلى ما أمروا به ~~وإشعارا بأن ذلك أمر محقق لا يفتقر إلى الذكر والبيان { قالوا ~~ياأيها العزيز } أي الملك القادر المتمنع { مسنا ~~وأهلنا الضر } الهزال من شدة الجوع { وجئنا ببضاعة ~~مزجاة } مدفوعة يدفعها كل تاجر رغبة عنها واحتقارا لها من ~~أزجيته إذا دفعته وطردته والريح تزجي السحاب. قيل: كانت بضاعتهم ~~من متاع الأعراب صوفا وسمنا، وقيل: الصنوبر وحبة الخضراء، وقيل: ~~سويق المقل والأقط، وقيل: دراهم زيوفا لا تؤخذ إلا بوضيعة وإنما ~~قدموا ذلك ليكون ذريعة إلى إسعاف مرامهم ببعث الشفقة وهو العطف ~~والرأفة وتحريك سلسلة المرحمة. # ثم قالوا { فأوف لنا الكيل } أي أتممه لنا { وتصدق ~~علينا } برد أخينا إلينا، قاله الضحاك وابن جريج ms1708 وهو الأنسب بحالهم ~~نظرا إلى أمر أبيهم، أو بالإيفاء أو بالمسامحة وقبول المزجاة أو ~~بالزيادة على ما يساويها تفضلا وإنما سموه تصدقا تواضعا أو أرادوا ~~التصدق فوق ما يعطيهم بالثمن بناء على اختصاص حرمة الصدقة بنبينا عليه ~~الصلاة والسلام وإنما لم يبدأوا بما أمروا به استجلابا للرأفة وللشفقة ~~ليبعثوا بما قدموا من رقة الحال رقة القلب والحنو على أن ما ساقوه ~~كلام ذو وجهين، فإن قولهم: وتصدق علينا { إن الله يجزى ~~المتصدقين } يحتمل الحمل على المحملين فلعله عليه السلام حمله ~~على المحمل الأول ولذلك { قال } مجيبا عما عرضوا به وضمنوه كلامهم ~~من طلب رد أخيهم { هل علمتم ما فعلتم بيوسف وأخيه ~~} وكان الظاهر أن يتعرض لما فعلوا بأخيه فقط، وإنما تعرض لما فعلوا ~~بيوسف لاشتراكهما في وقوع الفعل عليهما، فإن المراد بذلك إفرادهم له ~~عن يوسف وإذلاله بذلك حتى كان لا يستطيع أن يكلمهم إلا بعجز وذلة أي ~~هل تبتم عن ذلك بعد علمكم بقبحه؟ فهو سؤال عن الملزوم والمراد لازمه ~~{ إذ أنتم جهلون } بقبحه فلذلك أقدمتم على ذلك أو جاهلون ~~عاقبته وإنما قاله نصحا لهم وتحريضا على التوبة وشفقة عليهم لما رأى ~~عجزهم وتمسكنهم لا معاتبة وتثريبا، ويجوز أن يكون هذا الكلام منه ~~عليه السلام منقطعا عن كلامهم وتنبيها لهم على ما هو حقهم ووظيفتهم ~~من الإعراض عن جميع المطالب والتمحض في طلب بنيامين بل يجوز أن يقف عليه ~~السلام بطريق الوحي أو الإلهام على وصية أبيه وإرساله إياهم للتحسس منه ~~ومن أخيه فلما رآهم قد اشتغلوا عن ذلك قال ما قال، وقيل: أعطوه كتاب ~~يعقوب عليه السلام وقد كتب فيه: «كتاب من يعقوب إسرائيل الله بن ~~إسحاق ذبيح الله بن إبراهيم خليل الله إلى عزيز مصر أما بعد فإنا ~~أهل بيت موكل بنا البلاء أما جدي فشدت يداه ورجلاه فرمي به في ~~النار فنجاه الله تعالى وجعلت النار له بردا وسلاما وأما أبي فوضع ~~السكين على قفاه ليقتل ففداه الله تعالى وأما أنا فكان لي ابن وكان ~~أحب ms1709 أولادي إلى فذهب به إخوته إلى البرية ثم أتوني بقميصه ملطخا ~~بالدم فقالوا: قد أكله الذئب فذهبت عيناي من بكائي عليه ثم كان لي ابن ~~وكان أخاه من أمه وكنت أتسلى به فذهبوا به ثم رجعوا وقالوا: إنه سرق ~~وأنك حبسته وإنا أهل بيت لا نسرق ولا نلد سارقا فإن رددته علي ~~وإلا دعوت عليك دعوة تدرك السابع من ولدك والسلام». # فلما قرأه لم يتمالك وعيل صبره فقال لهم ما قال، وقيل: لما قرأه بكى ~~وكتب الجواب: اصبر كما صبروا تظفر كما ظفروا. ### || [12.90-92] # { قالوا أءنك لأنت يوسف } استفهام تقرير ولذلك أكدوه بأن ~~واللام قالوه استغرابا وتعجبا، وقرىء إنك بالإيجاب، قيل: عرفوه بروائه ~~وشمائله حين كلمهم به، وقيل: تبسم فعرفوه بثناياه، وقيل: رفع التاج عن ~~رأسه فرأوا علامة بقرنه تشبه الشامة البيضاء وكان لسارة ويعقوب ~~مثلها وقرىء أإنك أو أنت يوسف على معنى أئنك يوسف أو أنت يوسف، فحذف ~~الأول لدلالة الثاني عليه وفيه زيادة استغراب { قال أنا يوسف } ~~جوابا عن مسألتهم وقد زاد عليه قوله: { وهذا أخى } أي من أبوي ~~مبالغة في تعريف نفسه وتفخيما لشأن أخيه وتكملة لما أفاده قوله: هل ~~علمتم ما فعلتم بيوسف وأخيه؟ حسبما يفيده قوله: { قد من الله ~~علينا } فكأنه قال: هل علمتم ما فعلتم بنا من التفريق والإذلال؟ ~~فأنا يوسف وهذا أخي قد من الله علينا بالخلاص عما ابتلينا به، ~~والاجتماع بعد الفرقة، والعزة بعد الذلة، والأنس بعد الوحشة، ولا ~~يبعد أن يكون فيه إشارة إلى الجواب عن طلبهم لرد بنيامين بأنه أخي لا ~~أخوكم فلا وجه لطلبكم، ثم علل ذلك بطريق الاستئناف التعليلي بقوله: { ~~إنه من يتق } أي يفعل التقوى في جميع أحواله أو يق نفسه عما ~~يوجب سخط الله تعالى وعذابه { ويصبر } على المحن أو على مشقة ~~الطاعات أو عن المعاصي التي تستلذها النفس { فإن الله لا ~~يضيع أجر المحسنين } أي أجرهم، وإنما وضع المظهر موضع ~~المضمر تنبيها على أن المنعوتين بالتقوى والصبر موصوفون بالإحسان. # { قالوا تالله لقد آثرك الله علينا ms1710 } اختارك وفضلك ~~علينا بما ذكرت من النعوت الجليلة { وإن كنا } وإن الشأن كنا { ~~لخطئين } لمتعمدين للذنب إذ فعلنا بك ما فعلنا ولذلك أعزك ~~وأذلنا، وفيه إشعار بالتوبة والاستغفار ولذلك { قال لا تثريب } ~~أي لا عتب ولا تأنيب { عليكم } وهو تفعيل من الثرب وهو الشحم ~~الغاشي للكرش ومعناه إزالته كما أن التجليد إزالة الجلد والتقريع ~~إزالة القرع لأنه إذا ذهب كان ذلك غاية الهزال فضرب مثلا للتقريع الذي ~~يذهب بماء الوجوه وقوله عز وعلا: { اليوم } منصوب بالتثريب أو ~~بالمقدر خبرا للا أي لا أثر بكم أو لا تثريب مستقر عليكم اليوم الذي ~~هو مظنة له فما ظنكم بسائر الأيام أو بقوله: { يغفر الله ~~لكم } لأنه حينئذ صفح عن جريمتهم وعفا عن جريرتهم بما فعلوا من التوبة ~~{ وهو أرحم الراحمين } يغفر الصغائر والكبائر ويتفضل على ~~التائب بالقبول، ومن كرمه عليه الصلاة والسلام أن إخوته أرسلوا إليه ~~إنك تدعونا إلى طعامك بكرة وعشيا ونحن نستحيي منك بما فرط منا فيك، ~~فقال عليه الصلاة والسلام: إن أهل مصر وإن ملكت فيهم كانوا ينظرون إلي ~~بالعين الأولى ويقولون: سبحان من بلغ عبدا بيع بعشرين درهما ما بلغ، ~~ولقد شرفت بكم الآن وعظمت في العيون حيث علم الناس أنكم إخوتي وأني ~~من حفدة إبراهيم عليه السلام. ### || [12.93-96] # { اذهبوا بقميصى هذا } قيل: هو الذي كان عليه حينئذ، وقيل: ~~هو القميص المتوارث الذي كان في التعويذ أمره جبريل بإرساله إليه ~~وأوحى إليه أن فيح ريح الجنة لا يقع على مبتلى إلا عوفي { ~~فألقوه على وجه أبى يأت بصيرا } يكن بصيرا أو يأت ~~إلي بصيرا، وينصره قوله: { وأتونى بأهلكم أجمعين } أي ~~بأبي وغيره ممن ينتظمه لفظ الأهل جميعا من النساء والذراري. قيل: إنما ~~حمل القميص يهوذا وقال: أنا أحزنته بحمل القميص ملطخا بالدم إليه ~~فأفرحه كما أحزنته، وقيل: حمله وهو حاف حاسر من مصر إلى كنعان ~~وبينهما مسيرة ثمانين فرسخا. # { ولما فصلت العير } خرجت من عريش مصر، يقال: فصل من البلد ~~فصولا إذا انفصل منه وجاوز حيطانه، وقرأ ابن ms1711 عباس رضي الله تعالى عنهما ~~انفصل العير { قال أبوهم } يعقوب عليه الصلاة والسلام لمن عنده { ~~إنى لأجد ريح يوسف } أوجده الله سبحانه ما عبق بالقميص من ريح ~~يوسف من ثمانين فرسخا حين أقبل به يهوذا { لولا أن تفندون } أي ~~تنسبوني إلى الفند وهو الخرف وإنكار العقل وفساد الرأي من هرم، ~~يقال: شيخ مفند ولا يقال عجوز مفندة إذ لم تكن في شبيبتها ذات رأي ~~فتفند في كبرها، وجواب لولا محذوف أي لصدقتموني { قالوا } أي ~~الحاضرون عنده { تالله إنك لفى ضللك القديم } لفي ~~ذهابك عن الصواب قدما في إفراط محبتك ليوسف ولهجك بذكره ورجائك ~~للقائه وكان عندهم أنه قد مات. # { فلما أن جاء البشير } وهو يهوذا { ألقاه } أي ألقى ~~البشير القميص { على وجهه } أي وجه يعقوب أو ألقاه يعقوب على ~~وجه نفسه { فارتد } عاد { بصيرا } لما انتعش فيه من القوة { ~~قال ألم أقل لكم } يعني قوله: إني لأجد ريح يوسف، فالخطاب ~~لمن كان عنده بكنعان أو قوله: ولا تيأسوا من روح الله فالخطاب لبنيه ~~وهو الأنسب بقوله: { إنى أعلم من الله ما لا تعلمون } ~~فإن مدار النهي المذكور إنما هو العلم الذي أوتي يعقوب من جهة الله ~~سبحانه وعلى هذا يجوز أن يكون هذا مقول القول أي ألم أقل لكم حين ~~أرسلتكم إلى مصر وأمرتكم بالتحسس ونهيتكم عن اليأس من روح الله ~~تعالى وأعلم من الله ما لا تعلمون من حياة يوسف عليه الصلاة والسلام. ~~روي أنه سأل البشير: كيف يوسف؟ فقال: هو ملك مصر، قال: ما أصنع ~~بالملك، على أي دين تركته؟ قال: على دين الإسلام، قال: الآن تمت ~~النعمة. ### || [12.97-99] # { قالوا يا أبانا استغفر لنا ذنوبنا إنا كنا ~~خطئين } ومن حق من اعترف بذنبه أن يصفح عنه ويستغفر له فكأنهم ~~كانوا على ثقة من عفوه عليه الصلاة السلام ولذلك اقتصروا على استدعاء ~~الاستغفار وأدرجوا ذلك في الاستغفار. # { قال سوف أستغفر لكم ربى إنه هو الغفور ~~الرحيم } وهذا مشعر بعفوه، قيل: أخر الاستغفار إلى وقت السحر، ~~وقيل: إلى ليلة الجمعة ms1712 ليتحرى به وقت الإجابة، وقيل: أخره إلى أن ~~يستحل لهم من يوسف عليه الصلاة والسلام أو يعلم أنه قد عفا عنهم فإن ~~عفو المظلوم شرط المغفرة، ويعضده أنه روي عنه أنه استقبل القبلة ~~قائما يدعو وقام يوسف خلفه يؤمن وقاموا خلفهما أذلة خاشعين عشرين ~~سنة حتى إذا بلغ جهدهم وظنوا أنها الهلكة نزل جبريل عليه الصلاة والسلام ~~فقال: إن الله قد أجاب دعوتك في ولدك وعقدوا مواثيقهم بعدك على النبوة ~~فإن صح ثبتت نبوتهم وإن ما صدر عنهم إنما صدر قبل الاستنباء. وقيل: ~~المراد الاستمرار على الدعاء فقد روي أنه كان يستغفر كل ليلة جمعة ~~في نيف وعشرين سنة، وقيل: قام إلى الصلاة في وقت السحر، فلما فرغ رفع ~~يديه فقال: اللهم اغفر لي جزعي على يوسف وقلة صبري عنه واغفر لولدي ~~ما أتوا إلى أخيهم فأوحى الله إليه أن الله قد غفر لك ولهم أجمعين. # { فلما دخلوا على يوسف } روي أنه وجه يوسف إلى أبيه ~~جهازا ومائتي راحلة ليتجهز إليه بمن معه فاستقبله يوسف والملك في ~~أربعة آلاف من الجند والعظماء وأهل مصر بأجمعهم فتلقوا يعقوب عليه ~~الصلاة والسلام وهو يمشي متوكئا على يهوذا فنظر إلى الخيل والناس فقال: ~~يا يهوذا، أهذا فرعون مصر؟ قال: لا بل ولدك، فلما لقيه قال عليه ~~الصلاة والسلام: السلام عليك يا مذهب الأحزان، وقيل: قال له يوسف: يا ~~أبت بكيت علي حتى ذهب بصرك ألم تعلم أن القيامة تجمعنا؟ فقال: بلى، ~~ولكني خشيت أن يسلب دينك فيحال بيني وبينك، وقيل إن يعقوب ~~وولده دخلوا مصر وهم اثنان وسبعون ما بين رجل وامرأة وكانوا حين ~~خرجوا مع موسى ستمائة ألف وخمسمائة وبضعة وسبعين رجلا سوى الذرية ~~والهرمى وكانت الذرية ألف ألف ومائتي ألف. # { آوى إليه أبويه } أي أباه وخالته وتنزيلها منزلة الأم ~~كتنزيل العم منزلة الأب في قوله عز وجل: # وإله آبائك إبرهيم وإسمعيل وإسحق # [البقرة: 133] أو لأن يعقوب عليه الصلاة والسلام تزوجها بعد أمه، ~~وقال الحسن وابن إسحاق: كانت أمه في الحياة فلا ms1713 حاجة إلى التأويل، ~~ومعنى آوى إليه ضمهما إليه واعتنقهما وكأنه عليه الصلاة والسلام ضرب في ~~الملتقى مضربا فنزل فيه فدخلوا عليه فآواهما إليه { وقال ~~ادخلوا مصر إن شاء الله ءامنين } من الشدائد والمكاره ~~قاطبة والمشيئة متعلقة بالدخول على الأمن. ### || [12.100] # { ورفع أبويه } عند نزولهم بمصر { على العرش } على ~~السرير تكرمة لهما فوق ما فعله لإخوته { وخروا له } أي أبواه ~~وإخوته { سجدا } تحية له فإنه كان السجود عندهم جاريا مجرى ~~التحية والتكرمة كالقيام والمصافحة وتقبيل اليد ونحوها من عادات ~~الناس الفاشية في التعظيم والتوقير، وقيل: ما كان ذلك إلا انحناء دون ~~تعفير الجباه، ويأباه الخرور، وقيل: خروا لأجله سجدا لله شكرا ويرده ~~قوله تعالى: { وقال يأبت هذا تأويل رؤيى } التي ~~رأيتها وقصصتها عليك { من قبل } في زمن الصبا { قد جعلها ~~ربى حقا } صدقا واقعا بعينه، والاعتذار بجعل يوسف بمنزله القبلة ~~وجعل اللام كما في قوله: (أليس أول من صلى لقبلتكم) تعسف ~~لا يخفى، وتأخيره عن الرفع على العرش ليس بنص في ذلك لأن الترتيب ~~الذكري لا يجب كونه على وفق الترتيب الوقوعي فلعل تأخيره عنه ليصل ~~به ذكر كونه تعبيرا لرؤياه وما يتصل به من قوله: { وقد أحسن ~~بى } المشهور استعمال الإحسان بإلى، وقد يستعمل بالباء أيضا كما في ~~قوله عز اسمه: # وبالولدين إحسنا # [البقرة: 83] وقيل: هذا بتضمين لطف وهو الإحسان الخفي كما يؤذن به ~~قوله تعالى: { إن ربى لطيف لما يشاء } وفيه فائدة لا تخفى أي ~~لطف بي محسنا إلي غير هذا الإحسان { إذ أخرجنى من ~~السجن } بعدما ابتليت به ولم يصرح بقصة الجب حذارا من تثريب ~~إخوته لأن الظاهر حضورهم لوقوع الكلام عقيب خرورهم سجدا واكتفاء ~~بما يتضمنه قوله تعالى: { وجاء بكم من البدو } أي البادية { ~~من بعد أن نزغ الشيطن بينى وبين إخوتى } أي ~~أفسد بيننا بالإغواء وأصله من نخس الرائض الدابة وحملها على الجري، ~~يقال: نزغه ونسغه إذا نخسه ولقد بالغ عليه الصلاة والسلام في الإحسان ~~حيث أسند ذلك إلى الشيطان { إن ربى لطيف لما يشاء } أي ms1714 لطيف ~~التدبير لأجله رفيق حتى يجيء على وجه الحكمة والصواب، ما من صعب إلا ~~وهو بالنسبة إلى تدبيره سهل { إنه هو العليم } بوجود المصالح ~~{ الحكيم } الذي يفعل كل شيء على قضية الحكمة. روي أن يوسف أخذ بيد ~~يعقوب عليهما الصلاة والسلام فطاف به في خزائنه فأدخله في خزائن الورق ~~والذهب وخزائن الحلي وخزائن الثياب وخزائن السلاح وغير ذلك، فلما ~~أدخله خزائن القراطيس قال: يا بني ما أعقك، عندك هذه القراطيس وما ~~كتبت إلي على ثماني مراحل؟ قال: أمرني جبريل، قال: أو ما تسأله، قال: ~~أنا أبسط إليه مني فسأله قال جبريل: الله تعالى أمرني بذلك لقولك: أخاف ~~أن يأكله الذئب، قال: فهلا خفتني. وروي أن يعقوب عليه الصلاة والسلام ~~أقام معه أربعا وعشرين سنة ثم مات وأوصى أن يدفنه بالشام إلى جنب أبيه ~~إسحاق فمضى بنفسه ودفنه ثمة ثم عاد إلى مصر وعاش بعد أبيه ثلاثا ~~وعشرين سنة فلما تم أمره وعلم أنه لا يدوم له تاقت نفسه إلى الملك ~~الدائم الخالد فتمنى الموت فقال: ### || [12.101-102] # { رب قد آتيتنى من الملك } أي بعضا منه عظيما وهو ملك ~~مصر { وعلمتنى من تأويل الأحاديث } أي بعضا من ذلك ~~كذلك إن أريد بتعليم تأويل الأحاديث تفهيم غوامض أسرار الكتب ~~الإلهية ودقائق سنن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام فالترتيب ظاهر، ~~وأما إن أريد به تعليم تعبير الرؤيا كما هو الظاهر فلعل تقديم ~~إيتاء الملك عليه في الذكر لأنه بمقام تعداد النعم الفائضة عليه من ~~الله سبحانه والملك أعرق في كونه نعمة من التعليم المذكور وإن كان ~~ذلك أيضا نعمة جليلة في نفسه، ولا يمكن تمشية هذا الاعتذار فيما سبق ~~لأن التعليم هناك وارد على نهج العلة الغائية للتمكين فإن حمل على ~~معنى التمليك لزم تأخره عنه، وأما الواقع ههنا فمجرد التأخير في ~~الذكر والعطف بحرف الواو، ولا يستدعي ذلك الترتيب في الوجود { فاطر ~~السموات والأرض } مبدعهما وخالقهما، نصب على أنه صفة ~~للمنادى، أو منادى آخر وصفه تعالى به بعد وصفه بالربوبية مبالغة في ~~ترتيب مبادىء ms1715 ما يعقبه من قوله: أنت وليي } مالك أموري { فى ~~الدنيا والأخرة } أو الذي يتولاني بالنعمة فيهما وإذ قد أتممت ~~علي نعمة الدنيا { توفنى } اقبضني { مسلما وألحقنى ~~بالصلحين } من آبائي أو بعامة الصالحين في الرتبة والكرامة ~~فإنما تتم النعمة بذلك، قيل: لما دعا توفاه الله عز وجل طيبا طاهرا ~~فتخاصم أهل مصر في دفنه وتشاحوا في ذلك حتى هموا بالقتال فرأوا أن ~~يصنعوا له تابوتا من مرمر فجعلوه فيه ودفنوه في النيل ليمر عليه ثم ~~يصل إلى مصر ليكونوا شرعا واحدا في التبرك به، وولد له أفراييم ~~وميشا، ولأفراييم نون، ولنون يوشع فتى موسى عليه الصلاة والسلام ولقد ~~توارثت الفراعنة من العمالقة بعده مصر ولم يزل بنو إسرائيل تحت أيديهم ~~على بقايا دين يوسف وآبائه إلى أن بعث الله تعالى موسى عليه الصلاة ~~والسلام. # { ذلك } إشارة إلى ما سبق من نبأ يوسف، وما فيه من معنى البعد لما ~~مر مرارا من الدلالة على بعد منزلته أو كونه بالانقضاء في حكم ~~البعيد والخطاب للرسول صلى الله عليه وسلم وهو مبتدأ خبره { من ~~أنباء الغيب } الذي لا يحوم حوله أحد وقوله: { نوحيه إليك ~~} خبر بعد خبر أو حال من الضمير في الخبر ويجوز أن يكون ذلك اسما ~~موصولا و(من أنباء الغيب) صلته ويكون الخبر نوحيه إليك { وما كنت ~~لديهم } يريد إخوة يوسف عليه الصلاة والسلام { إذ أجمعوا ~~أمرهم } وهو جعلهم إياه في غيابة الجب { وهم يمكرون } به ~~ويبغون له الغوائل حتى تقف على ظواهر أسرارهم وبواطنها وتطلع على ~~سرائرهم طرا وتحيط بما لديهم خبرا، وليس المراد مجرد نفي حضوره ~~عليه الصلاة والسلام في مشهد إجماعهم ومكرهم فقط، بل في سائر المشاهد ~~أيضا، وإنما تخصيصه بالذكر لكونه مطلع القصة وأخفى أحوالها كما ~~ينبىء عنه قوله: وهم يمكرون، والخطاب وإن كان لرسول الله صلى الله عليه ~~وسلم لكن المراد إلزام المكذبين والمعنى ذلك من أنباء الغيب نوحيه ~~إليك، إذ لا سبيل إلى معرفتك إياه سوى ذلك إذ عدم سماعك ذلك من الغير ~~وعدم مطالعتك للكتب ms1716 أمر لا يشك فيه المكذبون أيضا ولم تكن بين ~~ظهرانيهم عند وقوع الأمر حتى تعرفه كما هو فتبلغه إليهم، وفيه تهكم ~~بالكفار فكأنهم يشكون في ذلك فيدفع شكهم، وفيه أيضا إيذان بأن ما ذكر ~~من النبأ هو الحق المطابق للواقع، وما ينقله أهل الكتاب ليس على ما ~~هو عليه يعني أن مثل هذا التحقيق بلا وحي لا يتصور إلا بالحضور ~~والمشاهدة وإذ ليس ذلك بالحضور فهو بالوحي، ومثله قوله تعالى: # وما لديهم إذ يلقون أقلمهم أيهم يكفل ~~مريم # [آل عمران: 44] وقوله: # وما كنت بجانب الغربى إذ قضينا إلى موسى ~~الأمر # [القصص: 44]. ### || [12.103-107] # { وما أكثر الناس } يريد به العموم أو أهل مكة { ولو ~~حرصت } أي على إيمانهم وبالغت في إظهار الآيات القاطعة الدالة على ~~صدقك { بمؤمنين } لتصميمهم على الكفر وإصرارهم على العناد، روي أن ~~اليهود وقريشا لما سألوا عن قصة يوسف وعدوا أن يسلموا فلما أخبرهم ~~بها على موافقة التوراة فلم يسلموا حزن النبي صلى الله عليه وسلم ~~فقيل له ذلك { وما تسألهم عليه } أي على الإنباء أو على ~~القرآن { من أجر } من جعل كما يفعله حملة الأخبار { إن هو ~~إلا ذكر } عظة من الله تعالى { للعلمين } كافة لا أن ذلك ~~مختص بهم. # { وكأين من ءاية } أي كأي عدد شئت من الآيات والعلامات الدالة ~~على وجود الصانع ووحدته وكمال علمه وقدرته وحكمته غير هذه الآية ~~التي جئت بها { في السموات والأرض } أي كائنة فيهما من ~~الأجرام الفلكية وما فيها من النجوم وتغير أحوالها ومن الجبال والبحار ~~وسائر ما في الأرض من العجائب الفائتة للحصر { يمرون عليها } ~~أي يشاهدونها ولا يعبأون بها، وقرىء برفع (الأرض) على الابتداء ويمرون ~~خبره وقرىء بنصبها على معنى ويطؤون الأرض يمرون عليها وفي مصحف عبد ~~الله { والأرض يمشون عليها } والمراد ما يرون فيها من آثار ~~الأمم الهالكة وغير ذلك من الآيات والعبر { وهم عنها معرضون ~~} غير ناظرين إليها ولا متفكرين فيها { وما يؤمن أكثرهم ~~بالله } في إقرارهم بوجوده وخالقيته { إلا وهم مشركون } ~~بعبادتهم لغيره أو باتخاذهم الأحبار ms1717 والرهبان أربابا أو بقولهم ~~باتخاذه تعالى ولدا سبحانه وتعالى عن ذلك علوا كبيرا، أو بالنور ~~والظلمة، وهي جملة حالية أي لا يؤمن أكثرهم إلا في حال شركهم، قيل: ~~نزلت الآية في أهل مكة، وقيل: في المنافقين، وقيل: في أهل الكتاب. # { أفأمنوا أن تأتيهم غاشية من عذاب الله } أي ~~عقوبة تغشاهم وتشملهم { أو تأتيهم الساعة بغتة } ~~فجأة من غير سابقة علامة { وهم لا يشعرون } بإتيانها غير ~~مستعدين لها. ### || [12.108-110] # { قل هذه سبيلى } وهي الدعوة إلى التوحيد والإيمان بالإخلاص ~~وفسرها بقوله: { أدعو إلى الله على بصيرة } بيان ~~وحجة واضحة غير عمياء أو هي حال من الضمير في سبيلي والعامل فيها ~~معنى الإشارة { أنا } تأكيد للمستكن في أدعو أو على بصيرة لأنه حال ~~منه، أو مبتدأ خبره على بصيرة { ومن اتبعنى } عطف عليه { ~~وسبحان الله وما أنا من المشركين } مؤكد لما سبق من ~~الدعوة إلى الله { وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا } رد ~~لقولهم # ولو شاء الله لأنزل ملئكة # [المؤمنون: 24] { نوحى إليهم } كما أوحينا إليك وقرىء بالياء { ~~من أهل القرى } لأنهم أعلم وأحلم، وأهل البوادي فيهم الجهل ~~والجفاء والقسوة. # { أفلم يسيروا فى الأرض فينظروا كيف كان ~~عقبة الذين من قبلهم } من المكذبين بالرسل والآيات ~~فيحذروا تكذيبك { ولدار الأخرة } أي الساعة أو الحياة الآخرة { ~~خير للذين اتقوا } الشرك والمعاصي { أفلا تعقلون } ~~فتستعملوا عقولكم لتعرفوا خيرية دار الآخرة، وقرىء بالياء على أنه ~~غير داخل تحت قل. { حتى إذا استيئس الرسل } غاية ~~لمحذوف دل عليه السياق أي لا يغرنهم تماديهم فيما هم فيه من الدعة ~~والرخاء فإن من قبلهم قد أمهلوا حتى أيس الرسل عن النصر عليهم في ~~الدنيا أو عن إيمانهم لانهماكم في الكفر وتماديهم في الطغيان من غير وازع ~~{ وظنوا أنهم قد كذبوا } كذبتهم أنفسهم حين حدثتهم ~~بأنهم ينصرون عليهم أو كذبهم رجاؤهم فإنه يوصف بالصدق والكذب والمعنى ~~أن مدة التكذيب والعداوة من الكفار وانتظار النصر من الله تعالى قد ~~تطاولت وتمادت حتى استشعروا القنوط وتوهموا أن لا نصر لهم في الدنيا { ~~جاءهم نصرنا ms1718 } فجأة، وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما وظنوا ~~أنهم قد أخلفوا ما وعدهم الله من النصر فإن صح ذلك عنه فلعله أراد ~~بالظن ما يخطر بالبال من شبه الوسوسة وحديث النفس، وإنما عبر عنه بالظن ~~تهويلا للخطب، وأما الظن الذي هو ترجح أحد الجانبين على الآخر فلا ~~يتصور ذلك من آحاد الأمة فما ظنك بالأنبياء عليهم الصلاة والسلام ~~وهم هم ومنزلتهم في معرفة شؤون الله سبحانه منزلتهم، وقيل: الضميران ~~للمرسل إليهم. وقيل: الأول لهم، والثاني للرسل، وقرىء بالتشديد أي ظن ~~الرسل أن القوم كذبوهم فيما وعدوهم وقرىء بالتخفيف على بناء الفاعل على ~~أن الضميرين للرسل أي ظنوا أنهم كذبوا عند قومهم فيما حدثوا به لما ~~تراخى ولم يروا له أثرا أو على أن الأول لقومهم { فنجى من ~~نشاء } هم الرسل والمؤمنون بهم وقرىء فننجي على لفظ المستقبل ~~بالتخفيف والتشديد وقرىء فنجا { ولا يرد بأسنا عن القوم ~~المجرمين } إذا نزل بهم وفيه بيان لمن تعلق بهم المشيئة. ### || [12.111] # { لقد كان فى قصصهم } أي قصص الأنبياء وأممهم، وينصره ~~قراءة من قرأ بكسر القاف أو قصص يوسف وإخوته { عبرة لأولى ~~الألبب } لذوي العقول المبرأة عن شوائب أحكام الحس { ما كان ~~} أي القرآن المدلول عليه بما سبق دلالة واضحة { حديثا يفترى ~~ولكن } كان { تصديق الذى بين يديه } من الكتب ~~السماوية، وقرىء بالرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف أي ولكن هو تصديق الذي ~~بين يديه { وتفصيل كل شىء } مما يحتاج إليه في الدين إذ ما من ~~أمر ديني إلا وهو يستند إلى القرآن بالذات أو بوسط { وهدى } من ~~الضلالة { ورحمة } ينال بها خير الدارين { لقوم يؤمنون } ~~أي يصدقونه لأنهم المنتفعون به، وأما من عداهم فلا يهتدون بهداه ولا ~~ينتفعون بجدواه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " علموا أرقاءكم سورة يوسف فإنه أيما مسلم تلاها وعلمها أهله ~~وما ملكت يمينه هون الله عليه سكرات الموت وأعطاه القوة أن لا يحسد ~~مسلما " ### | [13 - سورة الرعد] ### || [13.1-3] # (سورة الرعد) { المر } اسم للسورة ومحله إما الرفع على ms1719 أنه خبر ~~لمبتدأ محذوف أي هذه السورة بهذا الاسم وهو أظهر من الرفع على ~~الابتداء إذ لم يسبق العلم بالتسمية كما مر مرارا وقوله تعالى: { ~~تلك } على الوجه الأول مبتدأ مستقل وعلى الوجه الثاني مبتدأ ثان أو ~~بدل من الأول أشير به إليه إيذانا بفخامته. وإما النصب بتقدير فعل ~~يناسب المقام نحو اقرأ أو اذكر، فتلك مبتدأ كما إذا جعل آلمر مسرودا ~~على نمط التعديد أو بمعنى أنا الله أعلم وأرى على ما روي عن ابن عباس ~~رضي الله عنهما، والخبر على التقادير قوله تعالى: { آيات الكتب } ~~أي الكتاب العجيب الكامل الغني عن الوصف به المعروف بذلك من بين ~~الكتب الحقيق باختصاص اسم الكتاب فهو عبارة عن جميع القرآن أو عن ~~الجميع المنزل حينئذ حسبما مر في مطلع سورة يونس إذ هو المتبادر من ~~مطلق الكتاب المستغني عن النعت، وبه يظهر ما أريد من وصف الآيات بوصف ~~ما أضيفت إليه من نعوت الكمال بخلاف ما إذا جعل عبارة عن السورة فإنها ~~ليست بتلك المثابة من الشهرة في الاتصاف بذلك، المغنية عن التصريح بالوصف ~~على أنها عبارة عن جميع آياتها فلا بد من جعل (تلك) إشارة إلى كل ~~واحدة منها، وفيه ما لا يخفى من التعسف الذي مر تفصيله في سورة يونس. # { والذى أنزل إليك من ربك } أي الكتاب المذكور بكماله ~~لا هذه السورة وحدها { الحق } الثابت المطابق للواقع في كل ما نطق ~~به، الحقيق بأن يخص به الحقية لعراقته فيها، وليس فيه ما يدل على ~~أن ما عداه ليس بحق أصلا على أن حقيته مستتبعة لحقية سائر الكتب ~~السماوية لكونه مصدقا لما بين يديه ومهيمنا عليه، وفي التعبير عنه ~~بالموصول وإسناد الإنزال إليه بصيغة المبني للمفعول والتعرض لوصف ~~الربوبية مضافا إلى ضميره عليه السلام من الدلالة على فخامة المنزل ~~التابعة لجلالة شأن المنزل وتشريف المنزل إليه والإيماء إلى وجه ~~بناء الخبر ما لا يخفى { ولكن أكثر الناس لا ~~يؤمنون } بذلك الحق المبين، لإخلالهم بالنظر والتأمل فيه، فعدم ~~إيمانهم متعلق بعنوان ms1720 حقيته لأنه المرجع للتصديق والتكذيب لا بعنوان ~~كونه منزلا كما قيل ولأنه وارد على طريقة الوصف دون الإخبار. # { الله الذى رفع السموات } أي خلقهن مرتفعات على طريقة ~~قولهم: سبحان من كبر الفيل وصغر البعوض، لا أنه رفعها بعد أن لم تكن ~~كذلك، والجملة مبتدأ وخبر كقوله: # وهو الذى مد الأرض # [الرعد: 3] { بغير عمد } أي بغير دعائم جمع عماد كإهاب وأهب ~~وهو ما يعمد به أي يسند، يقال: عمدت الحائط أي أدعمته، وقرىء عمد ~~على جمع عمود بمعنى عماد كرسل ورسول، وإيراد صيغة الجمع لجمع ~~السموات، لا لأن المنفي عن كل واحدة منها عمد لا عماد { ترونها ~~} استئناف استشهد به على ما ذكر من رفع السموات بغير عمد، وقيل: صفة ~~لعمد جيء بها إيهاما لأن لها عمدا غير مرئية هي قدرة الله تعالى. # { ثم استوى } أي استولى { على العرش } بالحفظ والتدبير أو ~~استوى أمره وعن أصحابنا أن الاستواء على العرش صفة لله عز وجل بلا ~~كيف، وأيا ما كان فليس المراد به القصد إلى إيجاد العرش وخلقه فلا ~~حاجة إلى جعل كلمة ثم للتراخي في الرتبة { وسخر الشمس ~~والقمر } ذللهما وجعلهما طائعين لما أريد منهما من الحركات وغيرها ~~{ كل } من الشمس والقمر { يجرى } حسبما أريد منها { لأجل ~~مسمى } لمدة معينة فيها تتم دورته كالسنة للشمس والشهر للقمر، ~~فإن كلا منهما يجري كل يوم على مدار معين من المدارات اليومية أو ~~لمدة ينتهي فيها حركاتهما ويخرج جميع ما أريد منهما من القوة إلى ~~الفعل، أو لغاية يتم عندها ذلك والجملة بيان لحكم تسخيرهما. # { يدبر } بما صنع من الرفع والاستواء والتسخير أي يقضي ويقدر ~~حسبما تقتضيه الحكمة والمصلحة { الأمر } أمر الخلق كله وأمر ~~ملكوته وربوبيته { يفصل الآيت } الدالة على كمال قدرته ~~وبالغ حكمته أي يأتي بها مفصلة وهي ما ذكر من الأفعال العجيبة وما ~~يتلوها من الأوضاع الفلكية الحادثة شيئا فشيئا المستتبعة للآثار ~~الغريبة في السفليات على موجب التدبير والتقدير، فالجملتان إما ~~حالان من ضمير استوى وقوله: { وسخر الشمس والقمر } من تتمة ~~الاستواء ms1721 وإما مفسرتان له أو الأولى حال منه والثانية من الضمير فيه ~~أو كلاهما من ضمائر الأفعال المذكورة وقوله: { كل يجرى لأجل ~~مسمى } من تتمة التسخير أو خبران عن قوله: الله خبرا بعد خبر، ~~والموصول صفة للمبتدأ جيء به للدلالة على تحقيق الخبر وتعظيم شأنه ~~كما في قول الفرزدق # إن الذي سمك السماء بنى لنا # بيتا دعائمه أعز وأطول # { لعلكم } عند معاينتكم لها وعثوركم على تفاصيلها { بلقاء ~~ربكم } بملاقاته للجزاء { توقنون } فإن من تدبرها حق التدبر ~~أيقن أن من قدر على إبداع هذه الصنائع البديعة على كل شيء قدير وأن ~~لهذه التدبيرات المتينة عواقب وغايات لا بد من وصولها وقد بينت ~~على ألسنة الأنبياء عليهم السلام أن ذلك ابتلاء للمكلفين ثم جزاؤهم ~~حسب أعمالهم فإذن لا بد من الإيقان بالجزاء، ولما قرر الشواهد العلوية ~~أردفها بذكر الدلائل السفلية فقال: { وهو الذى مد الأرض } ~~أي بسطها طولا وعرضا، قال الأصم: المد هو البسط إلى ما لا يدرك ~~منتهاه فيه دلالة على بعد مداها وسعة أقطارها { وجعل فيها ~~رواسى } أي جبالا ثوابت في أحيازها من الرسو وهو ثبات الأجسام ~~الثقيلة، ولم يذكر الموصوف لإغناء غلبة الوصف بها عن ذلك، وانحصار ~~مجيء فواعل جمعا لفاعل في فوارس وهوالك ونواكس إنما هو في صفات ~~العقلاء وأما في غيرهم فلا يراعى ذلك أصلا كما في قوله تعالى: # أياما معدودت # [البقرة: 184] وقوله: # الحج أشهر معلومت # [البقرة: 197] إلى غير ذلك، فلا حاجة إلى أن يجعل مفردها صفة لجمع ~~القلة أعني أجبلا ويعتبر في جمع الكثرة أعني جبالا انتظامها ~~لطائفة من جموع القلة وتنزيل كل منها منزلة مفردها كما قيل على أنه لا ~~مجال لذلك فإن جمعية كل من صيغتي الجمعين إنما هي باعتبار الأفراد ~~التي تحتها لا باعتبار انتظام جمع القلة للأفراد وجمع الكثرة لجموع ~~القلة فكل منهما جمع جبل لا أن جبالا جمع أجبل، كما أن طوائف ~~جمع طائفة ولا إلى أن يلتجأ إلى جعل الوصف المذكور بالغلبة في عداد ~~الأسماء التي تجمع على فواعل كما ظن، ms1722 على أنه لا وجه له لما أن الغلبة ~~إنما هي في الجمع دون المفرد، والتعبير عن الجبال بهذا العنوان ~~لبيان تفرع قرار الأرض على ثباتها { وأنهرا } مجاري واسعة، ~~والمراد ما يجري فيها من المياه، وفي نظمها مع الجبال في مفعولية فعل ~~واحد إشارة إلى أن الجبال منشأ للأنهار وبيان لفائدة أخرى للجبال ~~غير كونها حافظة للأرض عن الاضطراب المخل بثبات الأقدام وتقلب ~~الحيوان متفرعة على تمكنه وتقلبه وهي تعيشه بالماء والكلأ. # { ومن كل الثمرت } متعلق بجعل في قوله تعالى: { جعل فيها ~~زوجين اثنين } أي اثنينية حقيقية وهما الفرادن اللذان كل ~~منهما زوج الآخر وأكد به الزوجين لئلا يفهم أن المراد بذلك الشفعان ~~إذ يطلق الزوج على المجموع ولكن اثنينية اعتبارية، أي جعل من كل نوع ~~من أنواع الثمرات الموجودة في الدنيا ضربين وصنفين إما في اللون ~~كالأبيض والأسود أو في الطعم كالحلو والحامض. أو في القدر كالصغير ~~والكبير، أو في الكيفية كالحار والبارد وما أشبه ذلك، ويجوز أن يتعلق ~~بجعل الأول، ويكون الثاني استئنافا لبيان كيفية ذلك الجعل { ~~يغشى اليل النهار } استعارة تبعية تمثيلية مبنية على ~~تشبيه إزالة نور الجو بالظلمة بتغطية الأشياء الظاهرة بالأغطية، أي ~~يستر النهار بالليل. والتركيب وإن احتمل العكس أيضا بالحمل على تقديم ~~المفعول الثاني على الأول فإن ضوء النهار أيضا ساتر لظلمة الليل إلا ~~أن الأنسب بالليل أن يكون هو الغاشي، وعد هذا في تضاعيف الآيات ~~السفلية وإن كان تعلقه بالآيات العلوية ظاهرا باعتبار أن ظهوره في ~~الأرض فإن الليل إنما هو ظلها وفيما فوق موقع ظلها لا ليل أصلا ولأن ~~الليل والنهار لهما تعلق بالثمرات من حيث العقد والإنضاج على أنهما ~~أيضا زوجان متقابلان مثلها وقرىء يغشي من التغشية { إن فى ذلك ~~} أي فيما ذكر من مد الأرض وإيتادها بالرواسي وإجراء الأنهار وخلق ~~الثمرات وإغشاء الليل النهار، وفي الإشارة بذلك تنبيه على عظم شأن ~~المشار إليه في بابه { لأيات } باهرة وهي آثار تلك الأفاعيل ~~البديعة جلت حكمة صانعها، (ففي) على معناها فإن تلك الآثار ms1723 مستقرة ~~في تلك الأفاعيل منوطة بها، ويجوز أن يشار بذلك إلى تلك الآثار ~~المدلول عليها بتلك الأفاعيل (ففي) تجريدية { لقوم يتفكرون } ~~فإن التفكر فيها يؤدي إلى الحكم بأن تكوين كل من ذلك على هذا النمط ~~الرائق والأسلوب اللائق لا بد له من مكون قادر حكيم يفعل ما يشاء ~~ويختار ما يريد لا معقب لحكمه وهو الحميد المجيد. ### || [13.4] # { وفى الأرض قطع } جملة مستأنفة مشتملة على طائفة أخرى من ~~الآيات أي بقاع كثيرة مختلفة في الأوصاف فمن طيبة إلى سبخة وكريمة ~~إلى زهيدة وصلبة إلى رخوة إلى غير ذلك { متجورت } أي ~~متلاصقات وفي بعض المصاحف (قطعا متجاورات) أي جعل في الأرض قطعا { ~~وجنت من أعنب } أي بساتين كثيرة منها { وزرع } من كل ~~نوع من أنواع الحبوب، وإفراده لمراعاة أصله، ولعل تقديم ذكر الجنات ~~عليه مع كونه عمود المعاش لظهور حالها في اختلافها ومباينتها لسائرها ~~ورسوخ ذلك فيها، وتأخير قوله تعالى: { ونخيل } لئلا يقع بينها ~~وبين صفتها وهي قوله تعالى: { صنون وغير صنون } فاصلة، ~~والصنوان جمع صنو كقنوان وقنو وهي النخلة التي لها رأسان وأصلها ~~واحد وقرىء بضم الصاد على لغة بني تميم وقيس، وقرىء جنات بالنصب عطفا ~~على زوجين وبالجر على كل الثمرات، فلعل عدم نظم قوله تعالى: { وفى ~~الأرض قطع متجورت } في هذا السلك مع أن اختصاص كل من ~~تلك القطع بما لها من الأحوال والصفات بمحض جعل الخالق الحكيم جلت ~~قدرته حين مد الأرض ودحاها للإيماء إلى كون تلك الأحوال صفات راسخة ~~لتلك القطع، وقرىء وزرع ونخيل بالجر عطفا على أعناب أو جنات { ~~يسقى } أي ما ذكر من القطع والجنات والزرع والنخيل، وقرىء بالتأنيث ~~مراعاة للفظ والأول أوفق بمقام بيان اتحاد الكل في حالة السقي { ~~بماء وحد } لا اختلاف في طبعه سواء كان السقي بماء الأمطار أو ~~بماء الأنهار. # { ونفضل } مع تآخذ أسباب التشابه بمحض قدرتنا واختيارنا { ~~بعضها على بعض } آخر منها { فى الأكل } فيما يحصل منها ~~من الثمر والطعم، وقرىء بالياء على بناء الفاعل ردا على يدبر ويفصل ms1724 ~~ويغشي، وعلى بناء المفعول وفيه ما لا يخفى من الفخامة والدلالة على أن ~~عدم احتمال استناد الفعل إلى فاعل آخر مغن عن بناء الفعل للفاعل { ~~إن فى ذلك } الذي فصل من أحوال القطع والجنات { لايات } ~~كثيرة عظيمة ظاهرة { لقوم يعقلون } يعلمون على قضية عقولهم، ~~فإن من عقل هذه الأحوال العجيبة لا يتلعثم في الجزم بأن من قدر على ~~إبداع هذه البدائع وخلق تلك الثمار المختلفة في الأشكال والألوان ~~والطعوم والروائح في تلك القطع المتباينة المتجاورة وجعلها حدائق ~~ذات بهجة قادر على إعادة ما أبداه بل هي أهون في القياس وهذه ~~الأحوال وإن كانت هي الآيات أنفسها لا أنها فيها إلا أنه قد جردت ~~عنها أمثالها مبالغة في كونها آية (ففي) تجريدية مثلها في قوله ~~تعالى: # لهم فيها دار الخلد # [فصلت: 28] أو المشار إليه الأحوال الكلية والآيات أفرادها الحادثة ~~شيئا فشيئا في الأزمنة وآحادها الواقعة في الأقطار والأمكنة ~~المشاهدة لأهلها (ففي) على معناها وحيث كانت دلالة هذه الأحوال على ~~مدلولاتها أظهر مما سبق علق كونها آيات بمحض التعقل ولذلك لم يتعرض ~~لغير تفضيل بعضها على بعض في الأكل الظاهر لكل عاقل مع تحقق ذلك في ~~الخواص والكيفيات مما يتوقع العثور عليه على نوع تأمل وتفكر كأنه لا ~~حاجة في ذلك إلى التفكر أيضا وفيه تعريض بأن المشركين غير عاقلين. ### || [13.5-6] # { وإن تعجب } يا محمد من شيء { فعجب } لا أعجب منه حقيق بأن ~~يقصر عليه التعجب { قولهم } بعد مشاهدة ما عدد لك من الآيات ~~الشاهدة بأنه تعالى على كل شيء قدير { أءذا كنا ترابا } على ~~طريقة الاستفهام الإنكاري المفيد لكمال الاستبعاد والاستنكار، وهو ~~في محل الرفع على البدلية من (قولهم) على أنه بمعنى المقول أو في محل ~~النصب على المفعولية منه على أنه مصدر فالعجب على الأول كلامهم وعلى ~~الثاني تكلمهم بذلك والعامل في (إذا) ما دل عليه قوله: { إءنا ~~لفى خلق جديد } وهو نبعث أو نعاد، وتقديم الظرف لتقوية ~~الإنكار بالبعث بتوجيهه إليه في حالة منافية له، وتكرير الهمزة في ~~قولهم: ms1725 أئنا لتأكيد الإنكار، وليس مدار إنكارهم كونهم ثابتين في الخلق ~~الجديد بالفعل عند كونهم ترابا بل كونهم بعريضة ذلك واستعدادهم له، ~~وفيه من الدلالة على عتوهم وتماديهم في النكير ما لا يخفى، وقيل: وإن ~~تعجب من قولهم في إنكار البعث فعجب قولهم، والمآل وإن تعجب فقد ~~تعجبت في موضع التعجب، وقيل: وإن تعجب من إنكارهم البعث فعجب ~~قولهم الدال عليه فتأمل. # وقد جوز كون الخطاب لكل من يصلح له أي إن تعجب يا من ينظر في هذه ~~الآيات من قدرة من هذه أفعاله فازدد تعجبا ممن ينكر مع هذه ~~الدلائل قدرته تعالى على البعث وهو أهون من هذه، والأنسب بقوله: ~~ويستعجلونك بالسيئة هو الأول وقوله تعالى: { فعجب } خبر قدم على ~~المبتدأ للقصر والتسجيل من أول الأمر بكون قولهم ذاك أمرا عجيبا، ويجوز ~~أن يكون مبتدأ لكونه موصوفا بالوصف المقدر كما أشير إليه فالمعنى وإن ~~تعجب فالعجب الذي لا عجب وراءه قولهم هذا فاعجب منه، وعلى الأول وإن ~~تعجب فقولهم هذا عجب لا عجب فوقه. # { أولئك } مبتدأ والموصول خبره أي أولئك المنكرون لقدرته ~~تعالى على البعث ريثما عاينوا ما فصل من الآيات الباهرة الملجئة لهم ~~إلى الإيمان لو كانوا يبصرون { الذين كفروا بربهم } ~~وتمادوا في ذلك فإن إنكارهم لقدرته عز وجل كفر به وأي كفر { ~~وأولئك } مبتدأ خبره قوله: { الأغلل فى أعنقهم } ~~أي مقيدون بقيود الضلال لا يرجى خلاصهم أو مغلولون يوم القيامة { ~~وأولئك } الموصوفون بما ذكر من الصفات { أصحب النار هم ~~فيها خلدون } لا ينفكون عنها، وتوسيط ضمير الفصل ليس لتخصيص ~~الخلود بمنكري البعث خاصة بل بالجمع المدلول عليه بقوله تعالى: { ~~أولئك الذين كفروا بربهم }. # { ويستعجلونك بالسيئة } بالعقوبة التي أنذروها وذلك ~~حين سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يأتيهم بالعذاب استهزاء ~~منهم بإنذاره { قبل الحسنة } أي العافية والإحسان إليهم ~~بالإمهال { وقد خلت من قبلهم المثلت } أي عقوبات ~~أمثالهم من المكذبين فما لهم لا يعتبرون بها ولا يحترزون حلول مثلها ~~بهم والجملة الحالية لبيان ركاكة رأيهم في الاستعجال بطريق ms1726 ~~الاستهزاء أي يستعجلونك بها مستهزئين بإنذارك منكرين لوقوع ما أنذرتهم ~~إياه والحال أنه قد مضت العقوبات النازلة على أمثالهم من المكذبين ~~والمستهزئين، والمثلة بوزن السمرة العقوبة، سميت بها لما بينها ~~وبين المعاقب عليه من المماثلة ومنه المثال للقصاص، وقرىء المثلات ~~بضمتين بإتباع الفاء العين، والمثلات بفتح الميم وسكون الثاء كما يقال: ~~السمرة، والمثلات بضم الميم وسكون الثاء تخفيف المثلات جمع مثلة ~~كركبة وركبات { وإن ربك لذو مغفرة } عظيمة { ~~للناس على ظلمهم } أنفسهم بالذنوب والمعاصي ومحله النصب ~~على الحالية أي ظالمين والعامل فيه المغفرة والمعنى إن ربك لغفور للناس ~~لا يعجل لهم العقوبة وإن كانوا ظالمين بل يمهلهم بتأخيرها { وإن ~~ربك لشديد العقاب } يعاقب من يشاء منهم حين يشاء فتأخير ما ~~استعجلوه ليس للإهمال. # وعنه عليه الصلاة والسلام: # " لولا عفو الله وتجاوزه ما هنأ لأحد العيش ولولا وعيده وعقابه ~~لائتكل كل أحد ". ### || [13.7-8] # { ويقول الذين كفروا } وهم المستعجلون أيضا، وإنما عدل عن ~~الإضمار إلى الموصول ذما لهم ونعيا عليهم كفرهم بآيات الله تعالى التي ~~تخر لها صم الجبال حيث لم يرفعوا لها رأسا ولم يعدوها من جنس ~~الآيات وقالوا: { لولا أنزل عليه ءاية من ربه } مثل ~~آيات موسى وعيسى عليهما الصلاة والسلام عنادا ومكابرة، وإلا ففي أدنى ~~آية أنزلت عليه عليه الصلاة والسلام غنية وعبرة لأولي الألباب { ~~إنما أنت منذر } مرسل للإنذار من سوء عاقبة ما يأتون ويذرون ~~كدأب من قبلك من الرسل وليس عليك إلا الإتيان بما يعلم به نبوتك، ~~وقد حصل ذلك بما لا مزيد عليه ولا حاجة إلى إلزامهم وإلقامهم الحجر ~~بالإتيان بما اقترحوا من الآيات { ولكل قوم هاد } معين لا ~~بالذات بل بعنوان الهداية يعني لكل قوم نبي مخصوص له هداية مخصوصة ~~يقتضي اختصاص كل منهم بما يختص به حكما لا يعلمها إلا الله أو لكل قوم ~~هاد عظيم الشأن قادر على ذلك هو الله سبحانه وما عليك إلا إنذارهم ~~فلا يهمنك عنادهم وإنكارهم للآيات المنزلة عليك وازدراؤهم بها ثم ~~عقبه بما يدل على كمال علمه وقدرته ms1727 وشمول قضائه وقدره المبنيين ~~على الحكم والمصالح تنبيها على أن تخصيص كل قوم ينبىء بجنس معين ~~من الآيات إنما هو للحكم الداعية إلى ذلك إظهارا لكمال قدرته على ~~هدايتهم لكن لا يهدي إلا من تعلق بهدايته مشيئته التابعة لحكم ~~استأثر بعلمها فقال: # { الله يعلم ما تحمل كل أنثى } أي تحمله فما موصولة ~~أريد بها ما في بطنها من حين العلوق إلى زمن الولادة لا بعد تكامل ~~الخلق فقط، والعلم متعد إلى واحد، أو أي شيء تحمل وعلى أي حال هو ~~من الأحوال المتواردة عليه طورا فطورا فهي استفهامية معلقة للعلم أو ~~حملها فهي مصدرية { وما تغيض الأرحام وما تزداد } أي ~~تنقصه وتزداده في الجثة كالخديج والتام وفي المدة كالمولود في أقل ~~مدة الحمل والمولود في أكثرها وفيما بينهما. قيل: إن الضحاك ولد في ~~سنتين، وهرم ابن حيان في أربع ومن ذلك سمي هرما، وفي العدد ~~كالواحد فما فوقه. يروى أن شريكا كان رابع أربعة، أو يعلم نقصها ~~وازديادها لما فيها فالفعلان متعديان كما في قوله تعالى: # وغيض الماء # [هود: 44] وقوله تعالى: # وازدادوا تسعا # [الكهف: 25] وقوله: # ونزداد كيل بعير # [يوسف: 65] أو لازمان قد أسندا إلى الأرحام مجازا وهما لما فيها { ~~وكل شىء } من الأشياء { عنده بمقدار } بقدر لا يمكن تجاوزه ~~عنه كقوله: # إنا كل شىء خلقنه بقدر # [القمر: 49] فإن كل حادث من الأعيان والأعراض له في كل مرتبة من ~~مراتب التكوين ومباديها وقت معين وحال مخصوص لا يكاد يجاوزه، ~~والمراد بالعندية الحضور العلمي بل العلم الحضوري فإن تحقيق ~~الأشياء في أنفسها في أي مرتبة كانت مراتب الوجود والاستعداد لذلك ~~علم له بالنسبة إلى الله عز وجل. ### || [13.9-11] # { علم الغيب } أي الغائب عن الحس { والشهدة } أي ~~الحاضر له عبر عنهما بهما مبالغة، وقيل: أريد بالغيب المعدوم ~~وبالشهادة الموجود وهو خبر مبتدإ محذوف أو خبر بعد خبر، وقرىء ~~بالنصب على المدح وهذا كالدليل على ما قبله من قوله تعالى: # الله يعلم # الخ { الكبير } العظيم الشأن الذي كل شيء دونه { المتعال } ~~المستعلي على كل ms1728 شيء بقدرته أو المنزه عن نعوت المخلوقات. # وبعد ما بين سبحانه أنه عالم بجميع أحوال الإنسان في مراتب فطرته ~~ومحيط بعالمي الغيب والشهادة بين أنه تعالى عالم بجميع ما يأتون وما ~~يذرون من الأفعال والأقوال وأنه لا فرق بالنسبة إليه بين السر والعلن ~~فقال: { سواء منكم من أسر القول } في نفسه { ومن ~~جهر به } أظهره لغيره { ومن هو مستخف } مبالغ في ~~الاختفاء كأنه مختف { باليل } وطالب للزيادة { وسارب } بارز ~~يراه كل أحد { بالنهار } من سرب سروبا أي برز وهو عطف على ~~من هو مستخف أو على مستخف و(من) عبارة عن الاثنين كما في قوله # تعال فإن عاهدتني لا تخونني # نكن مثل من يا ذئب يصطحبان # كأنه قيل: سواء منكم اثنان مستخف بالليل وسارب بالنهار، والاستواء ~~وإن أسند إلى من أسر ومن جهر وإلى المستخفي والسارب لكنه في الحقيقة ~~مسند إلى ما أسره وما جهر به أو إلى الفاعل من حيث هو فاعل كما في ~~الأخيرين، وتقديم الإسرار والاستخفاء لإظهار كمال علمه تعالى فكأنه ~~في التعلق بالخفيات أقدم منه بالظواهر وإلا فنسبته إلى الكل سواء لما ~~عرفته آنفا. # { له } أي لكل ممن أسر أو جهر والمستخفي أو السارب { معقبت } ~~ملائكة تعتقب في حفظه جمع معقبة من عقبه مبالغة عقبه إذا جاء على ~~عقبه كأن بعضهم يعقب بعضا أو لأنهم يعقبون أقواله وأفعاله ~~فيكتبونه أو اعتقب فأدغمت التاء في القاف والتاء للمبالغة، أو المراد ~~بالمعقبات الجماعات، وقرىء معاقيب جمع معقب أو معقبة على تعويض الياء ~~من إحدى القافين { من بين يديه ومن خلفه } من جميع ~~جوانبه أو من الأعمال ما قدم وأخر { يحفظونه من أمر ~~الله } من بأسه حين أذنب بالاستمهال والاستغفار له أو يحفظونه من ~~المضار أو يراقبون أحواله من أجل أمر الله تعالى، وقد قرىء به وقيل: ~~(من) بمعنى الباء، وقيل: من أمر الله صفة ثانية لمعقبات، وقيل: ~~المعقبات الحراس والجلاوزة حول السلطان يحفظونه في توهمه من قضاء ~~الله تعالى { إن الله لا يغير ما بقوم } من النعمة ~~والعافية { حتى ms1729 يغيروا ما بأنفسهم } من الأعمال الصالحة ~~أو ملكاتها التي هي فطرة الله التي فطر الناس عليها إلى أضدادها { ~~وإذا أراد الله بقوم سوءا } لسوء اختيارهم واستحقاقهم ~~لذلك { فلا مرد له } فلا رد له، والعامل في (إذا) ما دل عليه ~~الجواب { وما لهم من دونه من وال } يلي أمرهم ويدفع عنهم ~~السوء الذي أراده الله بهم بما قدمت أيديهم من تغيير ما بهم، وفيه ~~دلالة على أن تخلف مراده تعالى محال، وإيذان بأنهم بما باشروه من ~~إنكار البعث واستعجال السيئة واقتراح الآية قد غيروا ما بأنفسهم من ~~الفطرة واستحقوا لذلك حلول غضب الله تعالى وعذابه. ### || [13.12-13] # { هو الذى يريكم البرق خوفا } من الصاعقة { وطمعا } ~~في المطر، فوجه تقديم الخوف على الطمع ظاهر لما أن المخوف عليه ~~النفس أو الرزق العتيد والمطموع فيه الرزق المترقب، وقيل: الخوف ~~أيضا من المطر لكن الخائف منه غير الطامع فيه كالخزاف والحراث، ~~ويأباه الترتيب اللهم إلا أن يتكلف ما أشير إليه من أن المخوف عتيد ~~والمطموع فيه مترقب، وانتصابهما إما على المصدرية أي فتخافون خوفا ~~وتطمعون طمعا أو على الحالية من البرق أو المخاطبين بإضمار ذوي أو بجعل ~~المصدر بمعنى المفعول أو الفاعل مبالغة أو على العلية بتقدير المضاف ~~أي إرادة خوف وطمع، أو بتأويل الإخافة والإطماع ليتحد فاعل العلة ~~والفعل المعلل. وأما جعل المعلل هي الرؤية التي تتضمنها الإرادة على ~~طريقة قول النابغة # وحلت بيوتي في يفاع ممنع # تخال به راعي الحمولة طائرا # حذارا على أن لا ينال معاوني # ولا نسوتي حتى يمتن حرائرا # أي أحللت بيوتي حذارا فلا سبيل إليه لأن ما وقع في معرض العلة ~~الغائية لا سيما الخوف لا يصلح علة لرؤيتهم { وينشىء السحاب } ~~الغمام المنسحب في الجو { الثقال } بالماء وهي جمع ثقيلة وصف بها ~~السحاب لكونها اسم جنس في معنى الجمع والواحدة سحابة، يقال: سحابة ~~ثقيلة وسحاب ثقال، كما يقال: امرأة كريمة ونسوة كرام. # { ويسبح الرعد } أي سامعوه من العباد الراجين للمطر ملتبسين { ~~بحمده } أي يضجون بسبحان الله والحمد لله وإسناده ms1730 إلى الرعد ~~لحمله لهم على ذلك أو يسبح الرعد نفسه على أن تسبيحه عبارة عن دلالته ~~على وحدانيته تعالى وفضله المستوجب لحمده. وعن النبي صلى الله عليه ~~وسلم أنه كان يقول: # " سبحان من يسبح الرعد بحمده " # وإذا اشتد يقول: # " اللهم لا تقتلنا بغضبك ولا تهلكنا بعذابك وعافنا قبل ذلك ". # وعن علي رضي الله عنه: " سبحان من سبحت له ". وعن ابن عباس رضي الله ~~عنهما # " أن اليهود سألت النبي عليه الصلاة والسلام عن الرعد فقال: " ملك ~~من الملائكة موكل بالسحاب معه مخاريق من نار يسوق السحاب " # وعن الحسن: " خلق من خلق الله تعالى ليس بملك " { والملئكة } ~~أي يسبح الملائكة { من خيفته } من هيبته وإجلاله جل جلاله، وقيل: ~~الضمير للرعد. # { ويرسل الصوعق فيصيب بها من يشاء } فيهلكه بذلك { ~~وهم } أي الكفرة المخاطبون في قوله تعالى: # هو الذى يريكم البرق # [الرعد: 12] وقد التفت إلى الغيبة إيذانا بإسقاطهم عن درجة الخطاب ~~وإعراضا عنهم وتعديدا لجناياتهم لدى كل من يستحق الخطاب كأنه قيل: ~~هو الذي يفعل أمثال هذه الأفاعيل العجيبة من إراءة البرق وإنشاء ~~السحاب الثقال وإرسال الصواعق الدالة على كمال علمه وقدرته ~~ويعقلها من يعقلها من المؤمنين، أو الرعد نفسه أو الملك الموكل ~~به والملائكة ويعملون بموجب ذلك من التسبيح والحمد والخوف من هيبته ~~تعالى وهم أي الكفرة الذين حكيت هناتهم مع ذلهم وهوانهم وحقارة شأنهم ~~{ يجدلون فى الله } أي في شأنه تعالى حيث يفعلون ما يفعلون من ~~إنكار البعث واستعجال العذاب استهزاء واقتراح الآيات، فالواو لعطف ~~الجملة على ما قبلها من قوله تعالى: # هو الذى يريكم البرق # [الرعد: 12] الخ، أو على قوله: # الله يعلم ما تحمل # [الرعد: 8] الخ، وأما العطف على قوله تعالى: # ويقول الذين كفروا # [الرعد: 7] كما قيل فلا مجال له لأن قوله تعالى: # الله يعلم # الخ، استئناف لبيان بطلان قولهم ذلك ونظائره من استعجال العذاب ~~وإنكار البعث قاطع لعطف ما بعده على ما قبله، وقيل: للحال أي فيصيب ~~بالصواعق من يشاء وهم في الجدال. # (وقد أريد به ما أصاب «أربد بن ms1731 ربيعة» أخا لبيد فإنه أقبل مع «عامر ~~بن الطفيل» إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يبغيانه الغوائل فدخلا ~~المسجد وهو عليه الصلاة والسلام جالس في نفر من الأصحاب رضي الله عنهم ~~فاستشرفوا لجمال عامر وكان من أجمل الناس وقد كان أوصى إلى أربد أنه إذا ~~رأيتني أكلم محمدا عليه الصلاة والسلام فدر من خلفه واضربه بالسيف، ~~فجعل يكلمه عليه الصلاة والسلام فدار أربد من خلفه عليه الصلاة والسلام ~~فاخترط من سيفه شبرا فحبسه الله تعالى فلم يقدر على سله وجعل عامر ~~يومىء إليه فرأى النبي عليه الصلاة والسلام الحال، فقال: # " اللهم اكفنيهما بما شئت " # فأرسل الله عز وجل على أربد صاعقة في يوم صحو صائف فأحرقته وولى ~~عامر هاربا فنزل في بيت امرأة سلولية فلما أصبح ضم عليه سلاحه ~~وتغير لونه وركب فرسه فجعل يركض في الصحراء ويقول: ابرز يا ملك ~~الموت، ويقول الشعر، ويقول: واللات لئن أصحر لي محمد وصاحبه يعني ~~ملك الموت لأنفذنهما برمحي، فأرسل الله تعالى ملكا فلطمه بجناحه ~~فأرداه في التراب فخرجت على ركبته في الوقت غدة عظيمة فعاد إلى بيت ~~السلولية وهو يقول: غدة كغدة البعير وموت في بيت سلولية، ثم عاد ~~بفرسه فركبه فأجراه حتى مات على ظهره). وقيل: أريد به ما روي عن الحسن # " (أنه كان رجل من طواغيت العرب فبعث النبي عليه الصلاة والسلام ~~نفرا من أصحابه يدعونه إلى الله عز وجل، فقال لهم: أخبروني عما تدعونني ~~إليه ما هو ومم هو؟ من ذهب، أم من فضة، أم من نحاس، أم من حديد، أم من ~~در؟ فاستعظموا مقالته فرجعوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: ~~ما رأينا رجلا أكفر قلبا ولا أعتى على الله منه، فقال عليه الصلاة ~~والسلام: " ارجعوا إليه " فما زاد إلا مقالته الأولى وأخبث، فرجعوا ~~إليه عليه الصلاة والسلام وأخبروه بما صنع، فقال عليه الصلاة والسلام: " ~~ارجعوا إليه " فبينما هم عنده ينازعونه إذ ارتفعت سحابة ورعدت وبرقت ~~ورمت بصاعقة فاحترق الكافر فجاءوا يسعون ليخبروه عليه الصلاة ~~والسلام ms1732 بالخبر فاستقبلهم الأصحاب فقالوا: احترق صاحبكم، قالوا: من أين ~~علمتم؟ قالوا: أوحي إلى النبي صلى الله عليه وسلم) " # { وهو شديد المحال } أي والحال أنه شديد المماحلة ~~والمماكرة لأعدائه من محله إذا كاده وعرضه للهلاك، ومنه تمحل إذا ~~تلكف استعمال الحيل، وقيل: هو محال من المحل بمعنى القوة، وقيل: ~~محول من الحول أو الحيلة أعل على غير قياس، ويعضده أنه قرىء بفتح ~~الميم على أنه مفعل من حال يحول إذا احتال ويجوز أن يكون بمعنى الفقار ~~فيكون مثلا في القوة والقدرة كقولهم: فساعد الله أشد وموساه أحد. ### || [13.14-18] # { له دعوة الحق } أي الدعوة الثابتة الواقعة في محلها ~~المجابة عند وقوعها، والإضافة للإيذان بملابستها للحق واختصاصها به ~~وكونه بمعزل من شائبة البطلان والضياع والضلال كما يقال كلمة الحق، ~~وقيل: له دعوة الله سبحانه أي الدعوة اللائقة بحضرته كما في قوله عليه ~~الصلاة والسلام: # " فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله " # والتعرض لوصف الحقية لتربية معنى الاستجابة، والأولى هو الأول ~~لقوله تعالى: { وما دعاء الكفرين إلا فى ضلل } ~~وتعلق الجملتين بما قبلهما من حيث أن إهلاك أربد وعامر محال من الله ~~تعالى وإجابة لدعوة رسول الله صلى الله عليه وسلم عليهما إن كانت الآية ~~نزلت في شأنهما أو من حيث إنه وعيد للكفرة على مجادلة رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم بحلول محاله بهم وتحذير لهم بإجابة دعوته عليهم { ~~والذين يدعون } أي الأصنام الذين يدعوهم المشركون فحذف العائد ~~{ من دونه } من دون الله عز وجل { لا يستجيبون لهم بشىء ~~} من طلباتهم { إلا كبسط كفيه إلى الماء } أي إلا ~~استجابة كائنة كاستجابه الماء لمن بسط كفيه إليه من بعيد، فالاستجابة ~~مصدر من المبني للفاعل على ما يقتضيه الفعل الظاهر أعني لا يستجيبون، ~~ويجوز أن يكون من المبني للمفعول ويضاف إلى الباسط بناء على استلزام ~~المصدر من المنبي للفاعل للمصدر من المبني للمفعول وجودا وعدما، ~~فكأنه قيل: لا يستجيبون لهم بشيء فلا يستجاب لهم إلا استجابة كائنة ~~كاستجابة من بسط كفيه إلى ms1733 الماء كما في قوله # وعضة دهر يا ابن مروان لم تدع # من المال إلا مسحت أو مجلف # أي لم تدع فلم يبق إلا مسحت أو مجلف { ليبلغ } أي الماء بنفسه ~~من غير أن يؤخذ بشيء من إناء ونحوه { فاه وما هو } أي الماء { ~~ببالغه } ببالغ فيه أبدا لكونه جمادا لا يشعر بعطشه ولا ببسط ~~يده إليه فضلا عن الاستطاعة لما أراده من البلوغ إلى فيه، شبه حال ~~المشركين في عدم حصولهم في دعاء آلهتهم على شيء أصلا وركاكة رأيهم في ~~ذلك بحال عطشان هائم لا يدري ما يفعل قد بسط كفيه من بعيد إلى الماء ~~يبغي وصوله إلى فيه من غير ملاحظة التشبيه في جميع مفردات الأطراف، ~~فإن الماء في نفسه شيء نافع بخلاف آلهتهم، والمراد نفي الاستجابة ~~رأسا إلا أنه قد أخرج الكلام مخرج التهكم بهم فقيل: لا يستجيبون لهم ~~شيئا من الاستجابة إلا استجابة كائنة في هذه الصورة التي ليست فيها ~~شائبة الاستجابة قطعا فهو في الحقيقة من باب التعليق بالمحال، وقرىء ~~تدعون بالتاء وكباسط بالتنوين { وما دعاء الكفرين إلا فى ~~ضلل } أي ذهاب وضياع وخسار. # { ولله } وحده { يسجد } يخضع وينقاد لا لشيء غيره استقلالا ~~ولا اشتراكا فالقصر ينتظم القلب والإفراد { من فى السموات ~~والأرض } من الملائكة والثقلين { طوعا وكرها } أي طائعين ~~وكارهين وانقياد طوع وكره، أو حال طوع وكره، فإن خضوع الكل لعظمة ~~الله عز وجل وانقيادهم لإحداث ما أراده فيهم من أحكام التكوين والإعدام ~~شاءوا أو أبوا، وعدم مداخلة حكم غيره بل غير حكمه تعالى في تلك ~~الشؤون مما لا يخفى على أحد { وظللهم } أي وتنقاد له تعالى ظلال ~~من له ظل منهم أعني الإنس حيث تتصرف على مشيئته وتتأتى لإرادته في ~~الامتداد والتقلص والفيء والزوال { بالغدو والأصال } ظرف ~~للسجود المقدر أو حال من الظلال، وتخصيص الوقتين بالذكر مع أن ~~انقيادها متحقق في جميع أوقات وجودها لظهور ذلك فيهما، والغدو جمع ~~غداة كفتي في جمع فتاة والآصال جمع أصيل، وقيل: جمع أصل وهو جمع ~~أصيل، وهو ms1734 ما بين العصر والمغرب، وقيل: الغدو مصدر ويؤيده أنه قرىء ~~والإيصال أي الدخول في الأصيل. هذا وقد قيل إن المراد حقيقة السجود ~~فإن الكفرة حال الاضطرار وهو المعني بقوله تعالى: # وكرها # يخصون السجود به سبحانه، قال تعالى: # فإذا ركبوا فى الفلك دعوا الله مخلصين له ~~الدين # [العنكبوت: 65] ولا يبعد أن يخلق الله تعالى في الظلال أفهاما ~~وعقولا بها تسجد لله سبحانه كما خلقها للجبال حتى اشتغلت بالتسبيح ~~وظهر فيها آثار التجلي كما قاله ابن الأنباري، ويجوز أن يراد بسجودها ~~ما يشاهد فيها من هيئة السجود تبعا لأصحابها، وأنت خبير بأن اختصاص ~~سجود الكافر حالة الضرورة والشدة بالله سبحانه لا يجدي فإن سجودهم ~~لأصنامهم حالة الرخاء مخل بالقصر المستفاد من تقديم الجار والمجرور ~~فالوجه حمل السجود على الانقياد، ولأن تحقيق انقياد الكل في الإبداع ~~والإعدام له تعالى أدخل في التوبيخ على اتخاذ أولياء من دونه من ~~تحقيق سجودهم له تعالى، وتخصيص انقياد العقلاء بالذكر مع كون غيرهم ~~أيضا كذلك لأنهم العمدة وانقيادهم دليل انقياد غيرهم على أنه بين ذلك ~~بقوله عز وجل: # { قل من رب السموات والأرض } فإنه لتحقيق أن خالقهما ~~ومتولي أمرهما مع ما فيهما على الإطلاق هو الله سبحانه وقوله تعالى: { ~~قل الله } أمر بالجواب من قبله عليه الصلاة والسلام إشعارا بأنه ~~متعين للجوابية فهو والخصم في تقريره سواء، أو أمر بحكاية ~~اعترافهم إيذانا بأنه أمر لا بد لهم من ذلك كأنه قيل: احك اعترافهم ~~فبكتهم بما يلزمهم من الحجة وألقمهم الحجر، أو أمر بتلقينهم ذلك ~~إن تلعثموا في الجواب حذرا من الإلزام فإنهم لا يتمالكون إذ ذاك ولا ~~يقدرون على إنكاره { قل } إلزاما لهم وتبكيتا { أفاتخذتم } ~~لأنفسكم والهمزة لإنكار الواقع كما في قولك: أضربت أباك؟ لا لإنكار ~~الوقوع كما في قولك: أأضرب أبي؟ والفاء للعطف على مقدر بعد الهمزة أي ~~أعلمتم أن ربهما هو الله الذي ينقاد لأمره من فيهما كافة فاتخذتم ~~عقيبه { من دونه أولياء } عاجزين { لا يملكون ~~لأنفسهم نفعا } يستجلبونه { ولا ضرا } يدفعونه عن أنفسهم ~~فضلا ms1735 عن القدرة على جلب النفع لغيره ودفع الضرر عنه لا على أن يكون ~~الإنكار متوجها إلى المعطوفين معا كما في قوله تعالى: # أفلا تعقلون # [البقرة: 44] إذا قدر المعطوف عليه ألا تسمعون، بل إلى ترتب الثاني ~~على الأول مع وجوب أن يترتب عليه نقيضه كما إذا قدر أتسمعون، والمعنى ~~أبعد أن علمتم أن ربهما هو الله جل جلاله اتخذتم من دونه أولياء ~~عجزة؟ والحال أن قضية العلم بذلك إنما هو الاقتصار على توليه ~~فعكستم الأمر، كما في قوله تعالى: # كان من الجن ففسق عن أمر ربه أفتتخذونه ~~وذريته أولياء من دونى # [الكهف: 50] ووصف الأولياء ههنا بعدم المالكية للنفع والضر في ترشيح ~~الإنكار وتأكيده كتقييد الاتخاذ هناك بالجملة الحالية أعني قوله ~~تعالى: { وهم لكم عدو } فإن كلا منهما مما ينفي الاتخاذ ~~المذكور ويؤكد إنكاره. # { قل } تصوير لآرائهم الركيكة بصورة المحسوس { هل يستوى ~~الأعمى } الذي هو المشرك الجاهل بالعبادة ومستحقها { والبصير ~~} الذي هو الموحد العالم بذلك أو الأول عبارة عن المعبود الغافل ~~والثاني إشارة إلى المعبود العالم بكل شيء { أم هل تستوى ~~الظلمت } التي هي عبارة عن الكفر والضلال { والنور } الذي هو ~~عبارة عن التوحيد والإيمان، وقرىء بالياء. # ولما دل النظم الكريم على أن الكفرة فيما فعلوا من اتخاذ الأصنام ~~أولياء من دون الله سبحانه في الضلال المحض والخطأ البحت بحيث لا يخفى ~~بطلانه على أحد وأنهم في ذلك كالأعمى الذي لا يهتدي إلى شيء أصلا وليس ~~لهم في ذلك شبهة تصلح أن تكون منشأ لغلطهم وخطئهم فضلا عن الحجة أكد ~~ذلك فقيل: { أم جعلوا لله } أي بل أجعلوا له { شركاء ~~خلقوا كخلقه } سبحانه، والهمزة لإنكار الوقوع مع وقوعه وقوله: ~~{ خلقوا كخلقه } هو الذي يتوجه إليه الإنكار وأما نفس الجعل ~~فهو واقع لا يتعلق به الإنكار بهذا المعنى والمعنى أنهم لم يجعلوا لله ~~تعالى شركاء خلقوا كخلقه { فتشابه الخلق عليهم } بسبب ذلك ~~وقالوا: هؤلاء خلقوا كخلقه تعالى فاستحقوا بذلك العبادة كما استحقها ~~ليكون ذلك منشأ لخطئهم بل إنما جعلوا له شركاء ما هو ms1736 بمعزل من ذلك ~~بالمرة، وفيه ما لا يخفى من التعريض بركاكة رأيهم والتهكم بهم { قل } ~~تحقيقا للحق وإرشادا لهم إليه { الله خلق كل شىء } كافة ~~لا خالق سواه فيشاركه في استحقاق العبادة { وهو الواحد } ~~المتوحد بالألوهية المتفرد بالربوبية { القهار } لكل ما سواه ~~فكيف يتوهم أن يكون له شريك؟ وبعد ما مثل المشرك والشرك بالأعمى ~~والظلمات، والموحد والتوحيد بالبصير والنور مثل الحق الذي هو ~~القرآن العظيم في فيضانه من جناب القدس على قلوب خالية عنه متفاوتة ~~الاستعداد وفي جريانه عليها ملاحظة وحفظا وعلى الألسنة مذاكرة وتلاوة ~~وفي ثباته فيهما مع كونه ممدا لحياتها الروحانية وما يتلوها من ~~الملكات السنية والأعمال المرضية بالماء النازل من السماء السائل ~~في أودية يابسة لم تجر عادتها بذلك سيلانا مقدرا بمقدار اقتضته ~~الحكمة في إحياء الأرض وما عليها الباقي فيها حسبما يدور عليه منافع ~~الناس، وفي كونه حلية تتحلى به النفوس وتصل إلى البهجة الأبدية ~~ومتاعا يتمتع به في المعاش والمعاد بالذهب والفضة وسائر الفلزات التي ~~يتخذ منها أنواع الآلات والأدوات وتبقى منتفعا بها مدة طويلة، ~~ومثل الباطل الذي ابتلي به الكفرة لقصور نظرهم بما يظهر فيهما من ~~غير مداخلة له فيهما وإخلال بصفائهما من الزبد الرابي فوقهما المضمحل ~~سريعا فقيل: # { أنزل من السماء } أي من جهتها { ماء } أي كثيرا أو نوعا ~~منه وهو ماء المطر { فسالت } بذلك { أودية } واقعة مواقعه لا ~~جميع الأودية إذ الأمطار لا تستوعب الأقطار وهو جمع واد وهو مفرج ~~بين جبال أو تلال أو آكام على الشذوذ كناد وأندية وناج وأنجية، قالوا: ~~وجهه أن فاعلا يجيء بمعنى فعيل، كناصر ونصير، وشاهد وشهيد، وعالم وعليم، ~~وحيث جمع فعيل على أفعلة كجريب وأجربة جمع فاعل أيضا على أفعلة، فإن ~~أريد بها ما يسيل فيها مجازا فإسناد السيلان إليها حقيقي وإن أريد ~~معناها الحقيقي فالإسناد مجازي كما في جرى النهر، وإيثار التمثيل ~~بها على الأنهار المستمرة الجريان لوضوح المماثلة بين شأنها وشأن ما ~~مثل بها كما أشير إليه { بقدرها } أي سالت ملتبسة بمقدارها الذي ms1737 ~~عينه الله تعالى واقتضته حكمته في نفع الناس أو بمقدارها المتفاوت ~~قلة وكثرة بحسب تفاوت محالها صغرا وكبرا لا بكونها مالئة لها ~~منطبقة عليها بل بمجرد قلتها بصغرها المستلزم لقلة موارد الماء ~~وكثرتها بكبرها المستدعي لكثرة الموارد، فإن مورد السيل الجاري في ~~الوادي الصغير أقل من مورد السيل الجاري في الوادي الكبير، هذا إن ~~أريد بالأودية ما يسيل فيها، أما إن أريد بها معناها الحقيقي فالمعنى ~~سالت مياهها بقدر تلك الأودية على نحو ما عرفته آنفا، أو يراد بضميرها ~~مياهها بطريق الاستخدام ويراد بقدرها ما ذكر أولا من المعنيين { ~~فاحتمل السيل } الجاري في تلك الأودية أي حمل معه { زبدا } ~~أي غثاء ورغوة، وإنما وصف ذلك بقوله تعالى { رابيا } أي عاليا ~~منتفخا فوقه بيانا لما أريد بالاحتمال المحتمل لكون الحميل غير ~~طاف كالأشجار الثقيلة وإنما لم يدفع ذلك الاحتمال بأن يقال: فاحتمل ~~السيل فوقه للإيذان بأن تلك الفوقية مقتضى شأن الزبد لا من جهة ~~المحتمل تحقيقا للمماثلة بينه وبين ما مثل به من الباطل الذي شأنه ~~الظهور في بادي الرأي من غير مداخلة في الحق { ومما يوقدون ~~عليه فى النار } أي يفعلون الإيقاد عليه كائنا في النار ~~والضمير للناس أضمر مع عدم سبق الذكر لظهوره وقرىء بالخطاب { ~~ابتغاء حلية أو متع } أي لطلب اتخاذ حلية وهي ما يتزين ~~ويتجمل به كالحلي المتخذة من الذهب والفضة أو اتخاذ متاع وهو ما ~~يتمتع به من الأواني والآلات المتخذة من الرصاص والحديد وغير ذلك من ~~الفلزات { زبد } خبث { مثله } مثل ما ذكر من زبد الماء في كونه ~~رابيا فوقه، فقوله: زبد مبتدأ خبره الظرف المقدم، ومن ابتدائيه ~~دالة على مجرد كونه مبتدأ وناشئا منه لا تبعيضية معربة عن كونه ~~بعضا منه كما قيل، لإخلال ذلك بالتمثيل، وفي التعبير عن ذلك بالموصول ~~والتعرض لما في حيز الصلة من إيقاد النار عليه جري على سنن ~~الكبرياء بإظهار التهاون به كما في قوله تعالى: # فأوقد لى يهمن على الطين # [القصص: 38] وإشارة إلى كيفية حصول الزبد منه بذوبانه، ms1738 وفي زيادة (في ~~النار) إشعار بالمبالغة في الاعتمال للإذابة وحصول الزبد كما أشير ~~إليه، وعدم التعرض لإخراجه من الأرض لعدم دخل ذلك العنوان في التمثيل ~~كما أن لعنوان إنزال الماء من السماء دخلا فيه حسبما فصل فيما سلف بل ~~له إخلال بذلك. # { كذلك } أي مثل ذلك الضرب البديع المشتمل على نكت رائقة { ~~يضرب الله الحق والبطل } أي مثل الحق ومثل الباطل، ~~والحذف للإنباء عن كمال التماثل بين الممثل والممثل به كأنه المثل ~~المضروب عين الحق والباطل، وبعد تحقيق التمثيل مع الإيماء في ~~تضاعيف ذلك إلى وجوه المماثلة على أبدع وجوه وآنقها حسبما أشير إليه ~~في مواقعها بين عاقبة كل من الممثلين على وجه التمثيل مع التصريح ~~ببعض ما به المماثلة من الذهاب والبقاء تتمة للغرض من التمثيل من الحث ~~على اتباع الحق الثابت والردع عن الباطل الزائد فقيل: { فأما ~~الزبد } من كل منهما { فيذهب جفاء } أي مرميا به، وقرىء ~~جفالا والمعنى واحد { وأما ما ينفع الناس } منهما كالماء ~~الصافي والفلز الخالص { فيمكث فى الأرض } أما الماء فيثبت ~~بعضه في مناقعه ويسلك بعضه في عروق الأرض إلى العيون والقنا والآبار ~~وأما الفلز فيصاغ من بعضه أنواع الحلي ويتخذ من بعضه أصناف الآلات ~~والأدوات فينتفع بكل من ذلك أنواع الانتفاعات مدة طويلة، فالمراد ~~بالمكث في الأرض ما هو أعم من المكث في نفسها ومن البقاء في أيدي ~~المتقلبين فيها وتغيير ترتيب اللف الواقع في الفذلكة الموافق ~~للترتيب الواقع في التمثيل لمراعاة الملاءمة بين حالتي الذهاب ~~والبقاء وبين ذكريهما فإن المعتبر إنما هو بقاء الباقي بعد ذهاب ~~الذاهب لا قبله. # { كذلك يضرب الله } أي مثل ذلك الضرب العجيب يضرب { ~~الأمثال } في كل باب إظهارا لكمال اللطف والعناية في الإرشاد ~~والهداية، وفيه تفخيم لشأن هذا التمثيل وتأكيد لقوله: # كذلك يضرب الله الحق والبطل # إما باعتبار ابتناء هذا التمثيل الأول أو بجعل ذلك إشارة إليهما ~~جميعا، وبعد ما بين شأن كل من الحق والباطل حالا ومآلا أكمل ~~بيان شرع في بيان حال أهل كل منهما ms1739 مآلا تكميلا للدعوة ترغيبا ~~وترهيبا فقيل: # { للذين استجابوا لربهم } إذ دعاهم إلى الحق بفنون ~~الدعوة التي من جملتها ضرب الأمثال فإنه ألطف ذريعة إلى تفهيم القلوب ~~الغبية وأقوى وسيلة إلى تسخير النفوس الأبية، كيف لا وهو تصوير ~~للمعقول بصورة المحسوس وإبراز لأوابد المعاني في هيئة المأنوس فأي ~~دعوة أولى منه بالاستجابة والقبول { الحسنى } أي المثوبة الحسنى ~~وهي الجنة { والذين لم يستجيبوا له } وعاندوا الحق ~~الجلي { لو أن لهم ما فى الأرض } من أصناف الأموال { ~~جميعا } بحيث لم يشذ منه شاذ في أقطارها أو مجموعا غير متفرق ~~بحسب الأزمان { ومثله معه لافتدوا به } أي بما في الأرض ~~ومثله معه جميعا ليتخلصوا عما بهم، وفيه من تهويل ما يلقاهم ما لا ~~يحيط به البيان، فالموصول مبتدأ والشرطية كما هي خبره لكن لا على ~~أنها وضعت موضع السوآى فوقعت في مقابلة الحسنى الواقعة في القرينة ~~الأولى لمراعاة حسن المقابلة فصار كأنه قيل: وللذين لم يستجيبوا له ~~السوآى كما يوهم، فإن الشرطية وإن دلت على كمال سوء حالهم لكنها بمعزل ~~من القيام مقام لفظ السوآى مصحوبا باللام الداخلة على الموصول أو ~~ضميره، وعليه يدور حصول المرام، وإنما الواقع في تلك المقابلة سوء ~~الحساب في قوله تعالى: { أولئك لهم سوء الحسب } وحيث كان ~~اسم الإشارة الواقع مبتدأ في هذه الجملة عبارة عن الموصول الواقع ~~مبتدأ في الجملة السابقة كان خبرها أعني الجملة الظرفية خبرا عن ~~الموصول في الحقيقة ومبينا لإبهام مضمون الشرطية الواقعة خبرا ~~عنه أولا، ولذلك ترك العطف فصار كأنه قيل: والذين لم يستجيبوا له لهم ~~سوء الحساب، وذلك في قوة أن يقال: وللذين لم يستجيبوا له لهم سوء ~~الحساب مع زيادة تأكيد فتم حسن المقابلة على أبلغ وجه وآكده، ثم ~~بين مؤدى ذلك فقيل: { ومأواهم } أي مرجعهم { جهنم } وفيه ~~نوع تأكيد لتفسير الحسنى بالجنة { وبئس المهاد } أي المستقر، ~~والمخصوص بالذم محذوف، وقيل: اللام في قوله تعالى: { للذين ~~استجابوا لربهم } متعلقة بقوله: { يضرب الله ~~الأمثال } أي الأمثال السالفة وقوله: { الحسنى } صفة للمصدر ~~أي استجابوا ms1740 الاستجابة الحسنى وقوله: { والذين لم يستجيبوا ~~له } معطوف على الموصول الأول، وقوله: لو أن لهم الخ، كلام مستأنف ~~مسوق لبيان ما أعد لغير المستجيبين من العذاب، والمعنى كذلك يضرب ~~الله الأمثال للمؤمنين المستجيبين والكافرين المعاندين، أي هما مثلا ~~الفريقين. # وأنت خبير بأن عنوان الاستجابة وعدمها لا مناسبة بينه وبين ما يدور ~~عليه أمر التمثيل وأن الاستعمال المستفيض دخول اللام على من يقصد ~~تذكيره بالمثل، نعم قد يستعمل في هذا المعنى أيضا كما في قوله سبحانه: # وضرب الله مثلا للذين ءامنوا امرأة فرعون # [التحريم: 11] ونظائره، على أن بعض الأمثال المضروبة لا سيما المثل ~~الأخير الموصول بالكلام ليس مثل الفريقين بل مثل للحق والباطل ولا ~~مساغ لجعل الفريقين مضروبا لهم أيضا بأن يجعل في حكم أن يقال: كذلك ~~يضرب الله الأمثال للناس إذ لا وجه حينئذ لتنويعهم إلى المستجيبين ~~وغير المستجيبين فتأمل. ### || [13.19-20] # { أفمن يعلم أنما أنزل إليك من ربك } من القرآن ~~الذي مثل بالماء المنزل من السماء والإبريز الخالص في المنفعة والجدوى ~~{ الحق } الذي لا حق وراءه أو الحق الذي أشير إليه بالأمثال ~~المضروبة فيستجيب له { كمن هو أعمى } عمى القلب لا يشاهده ~~وهو نار على علم ولا يقدر قدره وهو في أقصى مراتب العلو والعظم ~~فيبقى حائرا في ظلمات الجهل وغياهب الضلال أو لا يتذكر بما ضرب من ~~الأمثال أي كمن لا يعلم ذلك إلا أنه أريد زيادة تقبيح حاله فعبر عنه ~~بالأعمى، وإيراد الفاء بعد الهمزة لتوجيه الإنكار إلى ترتيب توهم ~~المماثلة على ظهور حال كل منهما بما ضرب من الأمثال وبين المصير ~~والمآل، كأنه قيل: أبعد ما بين حال كل من الفريقين ومآلهما يتوهم ~~المماثلة بينهما ثم استؤنف فقيل: { إنما يتذكر } بما ذكر من ~~المذكرات فيقف على ما بينهما من التفاوت والتنائي { أولو ~~الألبب } أي العقول الخالصة المبرأة من مشايعة الإلف ومعارضة ~~الوهم. # { الذين يوفون بعهد الله } بما عقدوا على أنفسهم من ~~الاعتراف بربوبيته تعالى حين قالوا: بلى، أو ما عهد الله عليهم في كتبه ~~{ ولا ينقضون الميثق ms1741 } ما وثقوه على أنفسهم وقبلوه من ~~الإيمان بالله وغيره من المواثيق بينهم وبين الله وبين العباد وهو ~~تعميم بعد تخصيص، وفيه تأكيد للاستمرار المفهوم من صيغة المستقبل. ### || [13.21-25] # { والذين يصلون ما أمر الله به أن يوصل } من ~~الرحم وموالاة المؤمنين والإيمان بجميع الأنبياء المجمعين على الحق ~~من غير تفريق بين أحد منهم، ويندرج فيه مراعاة جميع حقوق الناس في ~~حقوق كل ما يتعلق بهم من الهر والدجاج { ويخشون ربهم } ~~خشية جلال وهيبة فلا يعصونه فيما أمر به { ويخافون سوء ~~الحساب } فيحاسبون أنفسهم قبل أن يحاسبوا، وفيه دلالة على كمال ~~فظاعته حسبما ذكر فيما قبل. # { والذين صبروا } على كل ما تكره النفس من الأفعال والتروك { ~~ابتغاء وجه ربهم } طلبا لرضاه خاصة من غير أن ينظروا إلى جانب ~~الخلق رياء وسمعة ولا إلى جانب النفس زينة وعجبا، وحيث كان ~~الصبر على الوجه المذكور ملاك الأمر في كل ما ذكر من الصلاة السابقة ~~واللاحقة أورد على صيغة الماضي اعتناء بشأنه ودلالة على وجوب تحققه ~~فإن ذلك مما لا بد منه إما في أنفس الصلات كما فيما عدا الأولى والرابعة ~~والخامسة أو في إظهار أحكامها كما في الصلات الثلاث المذكورات فإنها ~~وإن استغنت عن الصبر في أنفسها حيث لا مشقة على النفس في الاعتراف ~~بالربوبية والخشية والخوف لكن إظهار أحكامها والجري على موجبها غير ~~خال عن الاحتياج إليه { وأقاموا الصلاة } المفروضة { ~~وأنفقوا مما رزقناهم } أي بعضه الذي يجب عليهم إنفاقه { ~~سرا } لمن لم يعرف بالمال أو لمن لا يتهم بترك الزكاة أو عند ~~إنفاقه وإعطائه من تمنعه المروءة من أخذه ظاهرا { وعلانية } ~~لمن لم يكن كما ذكر أو الأول في التطوع والثاني في الفرض. # { ويدرؤن بالحسنة السيئة } أي يجازون الإساءة ~~بالإحسان أو يتبعون الحسنة السيئة فتمحوها. عن ابن عباس رضي الله ~~عنهما: يدفعون بالحسن من الكلام ما يرد عليهم من سييء غيرهم. وعن ~~الحسن: إذا حرموا أعطوا وإذا ظلموا عفوا وإذا قطعوا وصلوا. وعن ابن ~~كيسان: إذا أذنبوا تابوا. وقيل: إذا رأوا منكرا أمروا ms1742 بتغييره. وتقديم ~~المجرور على المنصوب لإظهار كمال العناية بالحسنة { أولئك } ~~المنعوتون بالنعوت الجليلة والملكات الجميلة وهو مبتدأ خبره الجملة ~~الظرفية أعني قوله تعالى: { لهم عقبى الدار } أي عاقبة الدنيا ~~وما ينبغي أن يكون مآل أمر أهلها وهي الجنة، وقيل: الجار والمجرور ~~خبر لأولئك و(عقبى الدار) فاعل الاستقرار وأيا ما كان فليس فيه قصر ~~حتى يرد أن بعض ما في حيز الصلة ليس من العزائم التي يخل إخلالها ~~بالموصول إلى حسن العاقبة، والجملة خبر للموصولات المتعاطفة، صفات ~~لأولي الألباب عن طريقة المدح من غير أن يقصد أن يكون للصلات المذكورة ~~مدخل في التذكر. # { جنت عدن } بدل من عقبى الدار أو مبتدأ خبره { ~~يدخلونها } والعدن الإقامة ثم صار علما لجنة من الجنات أي ~~جنات يقيمون فيها، وقيل: هو بطنان الجنة { ومن صلح من ~~ءابائهم } جمع أبوي كل واحد منهم فكأنه قيل: من آبائهم وأمهاتهم ~~{ وأزوجهم وذريتهم } وهو عطف على المرفوع في يدخلون، ~~وإنما ساغ ذلك للفصل بالضمير الآخر، أو مفعول معه، والمعنى إنه يلحق ~~بهم من صلح من أهلهم وإن لم يبلغ مبلغ فضلهم تبعا لهم تعظيما ~~لشأنهم، وهو دليل على أنه الدرجة تعلو بالشفاعة وأن الموصوف بتلك ~~الصفات يقرن بعضهم ببعض لما بينهم من القرابة والوصلة في دخول الجنة ~~زيادة في أنسهم، وفي التقييد بالصلاح قطع للأطماع الفارغة لمن يتمسك ~~بمجرد حبل الأنساب { والملئكة يدخلون عليهم من كل ~~باب } من أبواب المنازل أو من أبواب الفتوح والتحف قائلين: { سلم ~~عليكم } بشارة لهم بدوام السلامة { بما صبرتم } متعلق بعليكم ~~أو بمحذوف أي هذه الكرامة العظمى بما صبرتم أي بسبب صبركم أو بدل ما ~~احتملتم من مشاق الصبر ومتاعبه، والمعنى لئن تعبتم في الدنيا لقد ~~استرحتم الساعة، وتخصيص الصبر بما ذكر من بين الصلات السابقة لما ~~قدمناه من أن له دخلا في كل منها ومزية زائدة من حيث إنه ملاك الأمر ~~في كل منها وأن شيئا منها لا يعتد به إلا بأن يكون لابتغاء وجه الرب ~~تعالى وتقدس { فنعم عقبى الدار } أي فنعم ms1743 عقبي الدار ~~الجنة، وقرىء بفتح النون والأصل نعم فسكن العين بنقل حركتها إلى ~~النون تارة وبدونه أخرى. # " وعن النبي عليه السلام أنه كان يأتي قبور الشهداء على رأس كل حول ~~فيقول: " سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار " # وكذا عن الخلفاء الأربعة رضوان الله عليهم أجمعين. # { والذين ينقضون عهد الله } أريد بهم من يقابل الأولين ~~ويعاندهم في الاتصاف بنقائض صفاتهم { من بعد ميثقه } من بعدما ~~أوثقوه من الاعتراف والقبول { ويقطعون ما أمر الله به ~~أن يوصل } من الأيمان بجميع الأنبياء المجمعين على الحق حيث يؤمنون ~~ببعضهم ويكفرون ببعضهم، ومن حقوق الأرحام وموالاة المؤمنين وغير ذلك ~~مما لا يراعون حقوقه من الأمور المعدودة فيما سلف، وإنما لم يتعرض ~~لنفي الخشية والخوف عنهم صريحا لدلالة النقض والقطع على ذلك، وأما ~~عدم التعرض لنفي الصبر المذكور فلأنه إنما اعتبر تحققه في ضمن ~~الحسنات المعدودة ليقعن معتدا بهن فلا وجه لنفيه عمن بينه وبين ~~الحسنات بعد المشرقين، كما لا وجه لنفي الصلاة والزكاة ممن لا يحوم ~~حول أصل الإيمان بالله تعالى فضلا عن فروع الشرائع، وإن أريد بالإنفاق ~~التطوع فنفيه مندرج تحت قطع ما أمر الله تعالى بوصله، وأما درء ~~السيئة بالحسنة فانتفاؤه عنهم ظاهر مما سبق ولحق فإن من يجازي ~~إحسانه عز وجل بنقض العهد ومخالفة الأمر ويباشر الفساد بدءا حسبما ~~يحكيه قوله عز وعلا: { ويفسدون فى الأرض } أي بالظلم وتهييج ~~الفتن كيف يتصور منه مجازاة الإساءة بالإحسان على أن ذلك يشعر بأن له ~~دخلا في الإفضاء إلى العقوبة التي ينبىء عنها قوله تعالى: { ~~أولئك } الخ، أي أولئك الموصوفون بما ذكر من القبائح { لهم } ~~بسبب ذلك { اللعنة } أي الإبعاد من رحمة الله تعالى { ولهم } ~~مع ذلك { سوء الدار } أي سوء عاقبة الدنيا أو عذاب جهنم فإنها ~~دارهم، لأن ترتيب الحكم على الموصول مشعر بعلية الصلة له، ولا ~~يخفى أنه لا دخل له في ذلك على أكثر التفاسير، فإن مجازاة السيئة ~~بمثلها مأذون فيها. # ودفع الكلام السييء بالحسن وكذا الإعطاء عند الظلم والوصل عند ms1744 ~~القطع ليس مما يورث تركه تبعة، وأما ما اعتبر اندراجه تحت الصلة ~~الثانية من الإخلال ببعض الحقوق المندوبة فلا ضير في ذلك لأن اعتباره ~~من حيث إنه من مستتبعات الإخلال بالعزائم بالكفر ببعض الأنبياء وعقوق ~~الوالدين وترك سائر الحقوق الواجبة، وتكرير لهم للتأكيد والإيذان ~~باختلافهما واستقلال كل منهما في الثبوت. ### || [13.26-27] # { الله يبسط الرزق } أي يوسعه { لمن يشاء } من عباده { ~~ويقدر } أي يضيقه على ما يشاء حسبما تقتضيه الحكمة من غير أن يكون ~~لأحد مدخل في ذلك ولا شعور بحكمته فربما يبسطه للكافر إملاء ~~واستدراجا وربما يضيقه على المؤمن زيادة لأجره فلا يغتر ببسطه ~~للكافر كما لا يقنط بقدره المؤمن { وفرحوا } أي أهل مكة فرح ~~أشر وبطر، لا فرح سرور بفضل الله تعالى { بالحيوة الدنيا } ~~وما بسط لهم فيها من نعيمها { وما الحيوة الدنيا } وما ~~يتبعها من النعيم { فى الاخرة } أي في جنب نعيم الآخرة { إلا ~~متع } إلا شيء نزر يتمتع به كعجالة الراكب وزاد الراعي، ~~والمعنى أنهم رضوا بحظ الدنيا معرضين عن نعيم الآخرة، والحال أن ما ~~أشروا به في جنب ما أعرضوا عنه شيء قليل النفع سريع النفاد. # { ويقول الذين كفروا } أي أهل مكة، وإيثار هذه الطريقة ~~على الإضمار مع ظهور إرادتهم عقيب ذكر فرحهم بالحياة الدنيا لذمهم ~~والتسجيل عليهم بالكفر فيما حكي عنهم من قولهم: { لولا أنزل ~~عليه ءاية من ربه } فإن ذلك في أقصى مراتب المكابرة ~~والعناد كأن ما أنزل عليه عليه الصلاة والسلام من الآيات العظام ~~الباهرة ليس بآية حتى اقترحوا ما تقتضيه الحكمة من الآيات المحسوسة ~~التي لا يبقى لأحد بعد ذلك طاقة بعدم القبول ولذلك أمر في الجواب ~~بقوله تعالى: { قل إن الله يضل من يشاء } إضلاله مشيئة ~~تابعة للحكمة الداعية إليها أي يخلق فيه الضلال لصرفه اختياره إلى ~~تحصيله ويدعه منهمكا فيه لعلمه بأنه لا ينجع فيه اللطف ولا ينفعه ~~الإرشاد، كمن كان على صفتكم في المكابرة والعناد وشدة الشكيمة ~~والغلو في الفساد، فلا سبيل له إلى الاهتداء ولو جاءته كل آية ms1745 { ~~ويهدى إليه } أي إلى جنابه العلي الكبير هداية موصلة إليه ~~لا دلالة مطلقة على ما يوصل إليه فإن ذلك غير مختص بالمهتدين، وفيه ~~من تشريفهم ما لا يوصف { من أناب } أقبل إلى الحق وتأمل في تضاعيف ~~ما نزل من دلائله الواضحة، وحقيقة الإنابة الدخول في نوبة الخير، ~~وإيثار إيرادها في الصلة على إيراد المشيئة كما في الصلة الأولى لا ~~للتنبيه على الداعي إلى الهداية بل إلى مشيئتها والإشعار بما دعا إلى ~~المشيئة الأولى من المكابرة، وفيه حث للكفرة على الأقلاع عما هم عليه من ~~العتو والعناد، وإيثار صيغة الماضي للإيماء إلى استدعاء الهداية ~~لسابقة الإنابة كما أن إيثار صيغة المضارع في الصلة الأولى للدلالة ~~على استمرار المشيئة حسب استمرار مكابرتهم. ### || [13.28-30] # { الذين ءامنوا } بدل ممن أناب فإن أريد بالهداية الهداية ~~المستمرة فالأمر ظاهر لظهور كون الإيمان مؤديا إليها، وإن أريد ~~إحداثها فالمراد بالذين آمنوا الذين صار أمرهم إلى الإيمان كما في قوله ~~تعالى: # هدى للمتقين # [البقرة: 2] أي الصائرين إلى التقوى وإلا فالإيمان لا يؤدي إلى ~~الهداية نفسها، أو خبر مبتدأ محذوف أي هم الذين آمنوا أو منصوب على ~~المدح { وتطمئن قلوبهم } أي تستقر وتسكن { بذكر الله ~~} بكلامه المعجز الذي لا ريب فيه كقوله تعالى: # وهذا ذكر مبارك أنزلنه # [الأنبياء: 50] وقوله: # إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحفظون # [الحجر: 9] ويعلمون أن لا آية أعظم منه فيقترحوها، والعدول إلى صيغة ~~المضارع لإفادة دوام الاطمئنان وتجدده حسب تجدد الآيات وتعددها { ~~ألا بذكر الله } وحده { تطمئن القلوب } دون غيره من ~~الأمور التي تميل إليها النفوس من الدنيويات، وهذا ظاهر، وأما سائر ~~المعجزات فالقصر من حيث إنها ليست في إفادة الطمأنينة بالنسبة إلى من ~~لم يشاهدها بمثابة القرآن المجيد فإنه معجزة باقية إلى يوم القيامة ~~يشاهدها كل أحد وتطمئن به القلوب كافة، وفيه إشعار بأن الكفرة ليست ~~لهم قلوب تفقه وأفئدتهم هواء حيث لم يطمئنوا بذكر الله تعالى ولم ~~يعدوه آية وهو أظهر الآيات وأبهرها، وقيل: تطمئن قلوبهم بذكر ~~رحمته ومغفرته بعد القلق والاضطراب من ms1746 خشية الله كقوله تعالى: # ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله # [الزمر: 23] أو بذكر دلائله الدالة على وحدانيته أو بذكره جل وعلا ~~أنسا به وتبتلا إليه فالمراد بالهداية دوامها واستمرارها. # { الذين ءامنوا وعملوا الصلحات } بدل من القلوب على ~~حذف المضاف بدل الكل حسبما رمز إليه أي قلوب الذين آمنوا، وفيه ~~إيماء إلى أن الإنسان إنما هو القلب، أو مبتدأ خبره الجملة الدعائية ~~على التأويل أعني قوله: { طوبى لهم } أو خبر مبتدإ مضمر، أو نصب ~~على المدح فطوبى لهم حال عاملها الفعلان وطوبى مصدر من طاب كبشرى ~~وزلفى، والواو منقلبة من الياء كموقن وموسر وقرأ مكوزة الأعرابي ~~طيبى لتسلم الياء، والمعنى أصابوا خيرا ومحلها النصب كسلاما لك أو ~~الرفع على الابتداء وإن كانت نكرة لكونها في معنى الدعاء كسلام عليك، ~~يدل على ذلك القراءة في قوله تعالى: { وحسن مئاب } بالنصب والرفع ~~واللام في لهم للبيان مثلها في سقيا لك. # { كذلك } مثل ذلك الإرسال العظيم الشأن المصحوب بهذه المعجزة ~~الباهرة { أرسلناك فى أمة قد خلت } أي مضت { من ~~قبلها أمم } كثيرة قد أرسل إليهم رسل { لتتلو } لتقرأ { ~~عليهم الذى أوحينا إليك } من الكتاب العظيم الشأن ~~وتهديهم إلى الحق رحمة لهم، وتقديم المجرور على المنصوب من قبيل ~~الإبهام ثم البيان كما في قوله تعالى: # ووضعنا عنك وزرك # [الشرح: 2] وفيه ما لا يخفى من ترقب النفس إلى ما سيرد وحسن قولها ~~عند وروده عليها { وهم } أي والحالة أنهم { يكفرون ~~بالرحمن } بالبليغ الرحمة الذي وسعت كل شيء رحمته وأحاطت به ~~نعمته. # والعدول إلى المظهر المتعرض لوصف الرحمة من حيث أن الإرسال ناشىء ~~منها كما قال تعالى: # وما أرسلنك إلا رحمة للعلمين # [الأنبياء: 107] فلم يقدروا قدره ولم يشكروا نعمه لا سيما ما أنعم ~~به عليهم بإرسال مثلك إليهم وأنزل القرآن الذي هو مدار المنافع ~~الدينية والدنيوية عليهم، وقيل: نزلت في مشركي مكة حين أمروا بالسجود ~~فقالوا: وما الرحمن؟ # { قل هو } أي الرحمن الذي كفرتم به وأنكرتم معرفته { ربى } ~~الرب في الأصل بمعنى التربية وهي تبليغ الشيء ms1747 إلى كماله شيئا ~~فشيئا ثم وصف به مبالغة كالصوم والعدل، وقيل: هو نعت، أي خالقي ~~ومبلغي إلى مراتب الكمال، وإيراده قبل قوله: { لا إله إلا ~~هو } أي لا مستحق للعبادة سواه تنبيه على أن استحقاق العباد منوط ~~بالربوبية، وقيل: # " إن أبا جهل سمع النبي عليه الصلاة والسلام يقول: " يا ألله يا رحمن ~~" فرجع إلى المشركين فقال: إن محمدا يدعو إلهين فنزلت " # ، ونزل قوله تعالى: { قل ادعوا الله أو ادعوا ~~الرحمن } الآية { عليه توكلت } في جميع أموري لا سيما ~~في النصرة عليكم لا على أحد سواه { وإليه } خاصة { متاب } أي ~~توبتي كقوله تعالى: # واستغفر لذنبك # [محمد: 19, غافر: 55] أمر عليه السلام بذلك إبانة لفضل التوبة ومقدارها ~~عند الله تعالى وأنها صفة الأنبياء وبعثا للكفرة على الرجوع عما هم ~~عليه بأبلغ وجه وألطفه فإنه عليه السلام حيث أمر بها وهو منزه عن ~~شائبة اقتراف ما يوجبها من الذنب وإن قل فتوبتهم وهم عاكفون على أنواع ~~الكفر والمعاصي مما لا بد منه أصلا وقد فسر المتاب بمطلق الرجوع، ~~فقيل: مرجعي ومرجعكم وزيد: فيحكم بيني وبينكم، وقد قيل: فيثيبني ~~على مصابرتكم فتأمل. ### || [13.31] # { ولو أن قرانا } أي قرآنا ما وهو اسم أن والخبر قوله تعالى: ~~{ سيرت به الجبال } وجواب لو محذوف لانسياق الكلام إليه بحيث ~~يتلقفه السامع من التالي والمقصود إما بيان عظم شأن القرآن ~~العظيم وفساد رأي الكفرة حيث لم يقدروا قدره العلي ولم يعدوه من ~~قبيل الآيات فاقترحوا غيره مما أوتي موسى وعيسى عليهما السلام وإما ~~بيان غلوهم في المكابرة والعناد وتماديهم في الضلال والفساد فالمعنى ~~على الأول لو أن قرآنا سيرت به الجبال أي بإنزاله أو بتلاوته عليها ~~وزعزعت عن مقارها كما فعل ذلك بالطور لموسى عليه الصلاة والسلام { ~~أو قطعت به الأرض } أي شققت وجعلت أنهارا وعيونا كما ~~فعل بالحجر حين ضربه عليه السلام بعصاه أو جعلت قطعا متصدعة { أو ~~كلم به الموتى } أي بعد أن أحيي بقراءته عليها كما أحييت ~~لعيسى عليه السلام لكان ذلك هذا القرآن لكونه الغاية القصوى ms1748 في ~~الانطواء على عجائب آثار قدرة الله تعالى وهيبته عز وجل كقوله تعالى: # لو أنزلنا هذا القرءان على جبل لرأيته ~~خشعا متصدعا من خشية الله # [الحشر: 21] لا في الإعجاز إذ لا مدخل له في هذه الآثار ولا في التذكير ~~والإنذار والتخويف لاختصاصها بالعقلاء مع أنه لا علاقة لها بتكليم ~~الموتى، واعتبار فيض العقول إليها مخل بالمبالغة المقصودة، وتقديم ~~المجرور في المواضع الثلاثة على المرفوع لما مر غير مرة من قصد الإبهام ~~ثم التفسير لزيادة التقرير، لأن بتقديم ما حقه التأخير تبقى النفس ~~مستشرفة ومترقبة إلى المؤخر أنه ماذا؟ فيتمكن عند وروده عليها فضل ~~تمكن، وكلمة أو في الموضعين لمنع الخلو لا لمنع الجمع، واقتراحهم وإن ~~كان متعلقا بمجرد ظهور مثل هذه الأفاعيل العجيبة على يده عليه السلام ~~لا بظهورها بواسطة القرآن لكن ذلك حيث كان مبنيا على عدم اشتماله في ~~زعمهم على الخوارق نيط ظهورها به مبالغة في بيان اشتماله عليها وأنه ~~حقيق بأن يكون مصدرا لكل خارق، وإبانة لركاكة رأيهم في شأنه الرفيع ~~كأنه قيل: لو أن ظهور أمثال ما اقترحوه من مقتضيات الحكمة لكان ~~مظهرها هذا القرآن الذي لم يعدوه آية، وفيه من تفخيم شأنه العزيز ~~ووصفهم بركاكة العقل ما لا يخفى { بل لله الأمر جميعا } أي ~~له الأمر الذي عليه يدور فلك الأكوان وجودا وعدما يفعل ما يشاء ~~ويحكم ما يريد لما يدعو إليه من الحكم البالغة، وهو إضراب عما ~~تضمنته الشرطية من معنى النفي لا بحسب منطوقه بل باعتبار موجبه ~~ومؤداه أي لو أن قرآنا فعل به ما ذكر لكان ذلك هذا القرآن، ولكن لم ~~يفعل بل فعل ما عليه الشأن الآن لأن الأمر كله له وحده فالإضراب ~~ليس بمتوجه إلى كون الأمر لله سبحانه بل إلى ما يؤدي إليه ذلك من ~~كون الشأن على ما كان لما تقتضيه الحكمة من بناء التكليف على الاختبار. # { أفلم ييأس الذين آمنوا } أي أفلم يعلموا على لغة هوازن أو ~~قوم من النخع أو على استعمال اليأس في معنى العلم ms1749 لتضمنه له، ~~ويؤيده قراءة علي وابن عباس وجماعة من الصحابة والتابعين رضي الله عنهم ~~أفلم يتبين بطريقي التفسير. والفاء للعطف على مقدر أي أغفلوا عن كون ~~الأمر جميعا لله تعالى فلم يعلموا { أن لو يشاء الله } على ~~حذف ضمير الشأن وتخفيف أن { لهدى الناس جميعا } بإظهار ~~أمثال تلك الآثار العظيمة فالإنكار متوجه إلى المعطوفين جميعا، أو ~~أعلموا كون الأمر جميعا لله فلم يعلموا ما يوجبه ذلك العلم مما ذكر ~~فهو متوجه إلى ترتب المعطوف على المعطوف عليه، أي تخلف العلم الثاني ~~عن العلم الأول وعلى التقديرين فالإنكار إنكار الوقوع كما في قوله ~~تعالى: # ألم يعدكم ربكم وعدا حسنا # [طه: 86] لا إنكار الواقع كما في قولك ألم تخف الله حتى عصيته، ثم إن ~~مناط الإنكار ليس عدم علمهم بمضمون الشرطية فقط بل مع عدم علمهم بعدم ~~تحقق مقدمها، كأنه قيل: ألم يعلموا أن الله تعالى لو شاء هدايتهم ~~لهداهم وأنه لم يشأها وذلك لأنهم كانوا يؤيدون أن يظهر ما اقترحوا من ~~الآيات ليجتمعوا على الإيمان، وعلى الثاني لو أن قرآنا فعل به ما ~~فصل من التعاجيب لما آمنوا به كقوله تعالى: # ولو أننا نزلنا إليهم الملئكة وكلمهم ~~الموتى # [الأنعام: 111] الآية، فالإضراب حينئذ متوجه إلى ما سلف من اقتراحهم ~~مع كونهم في العناد على ما شرح أي فليس لهم ذلك بل لله الأمر جميعا إن ~~شاء الله أتى بما اقترحوا وإن شاء لم يأت به حسبما تستدعيه داعية ~~الحكمة من غير أن يكون لأحد عليه تحكم أو اقتراح واليأس بمعنى ~~القنوط، أي ألم يعلم الذين آمنوا حالهم هذه فلم يقنطوا من إيمانهم حتى ~~أحبوا ظهور مقترحاتهم؟ فالإنكار متوجه إلى المعطوفين أو أعلموا ذلك ~~فلم يقنطوا من إيمانهم؟ فهو متوجه إلى وقوع المعطوف بعد المعطوف عليه ~~أي إلى تخلف القنوط عن العلم المذكور، والإنكار على التقديرين إنكار ~~الواقع كما في قوله تعالى: # أفلا تتقون # [الأعراف: 65] ونظائره، لا إنكار الوقوع فإن عدم قنوطهم منه مما لا ~~مرد له، وقوله تعالى: { أن لو يشاء الله ms1750 } الخ، متعلق بمحذوف ~~أي أفلم ييأسوا من إيمانهم علما منهم أو عالمين بأنه لو يشاء الله لهدى ~~الناس جميعا وأنه لم يشأ ذلك أو لآمنوا أي أفلم يقنط الذين آمنوا بأن ~~لو يشاء الله لهدى الناس جميعا؟ على معنى أفلم ييأس من إيمانهم ~~المؤمنون؟ بمضمون الشرطية وبعدم تحقق مقدمها المنفهم من مكابرتهم حسبما ~~تحكيه كلمة لو فالوصف المذكور من دواعي إنكار يأسهم، وقيل: إن أبا ~~جهل وأضرابه قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم: إن كنت نبيا سير ~~بقرآنك الجبال عن مكة حتى تتسع لنا ونتخذ فيها البساتين والقطائع، وقد ~~سخرت لداود عليه السلام فلست بأهون على الله منه إن كنت نبيا كما ~~زعمت، أو سخر لنا به الريح كما سخرت لسليمان عليه السلام لنتجر ~~عليها إلى الشام فقد شق علينا قطع الشقة البعيدة أو ابعث لنا به رجلين ~~أو ثلاثة ممن مات من آبائنا فنزلت. # فمعنى تقطيع الأرض حينئذ قطعها بالسير ولا حاجة حينئذ إلى الاعذار في ~~إسناد الأفاعيل المذكورة إلى القرآن كما احتيج إليه في الوجهين الأولين، ~~وعن الفراء أنه متعلق بما قبله من قوله: # وهم يكفرون بالرحمن # [الرعد: 30] وما بينهما اعتراض وهو بالحقيقة دال على الجواب ~~والتقدير ولو أن قرآنا سيرت به الجبال أو قطعت به الأرض أو كلم به ~~الموتى لكفروا بالرحمن، والتذكير في كلم به الموتى لتغليب المذكر من ~~الموتى على غيره. # { ولا يزال الذين كفروا } من أهل مكة { تصيبهم بما ~~صنعوا } أي بسبب ما صنعوه من الكفر والتمادي فيه، وعدم بيانه إما ~~للقصد إلى تهويله أو استهجانه وهو تصريح بما أشعر به بناء الحكم على ~~الموصول من علية الصلة له مع منافي صيغة الصنع من الإيذان برسوخهم في ~~ذلك { قارعة } داهية تقرعهم وتقلقهم وهو ما كان يصيبهم من أنواع ~~البلايا والمصائب من القتل والأسر والنهب والسلب، وتقديم المجرور على ~~الفاعل لما مر مرارا من إرادة التفسير إثر الإبهام لزيادة التقرير ~~والإحكام مع ما فيه من بيان أن مدار الإصابة من جهتهم آثر ذي أثير ms1751 { ~~أو تحل } تلك القارعة { قريبا } أي مكانا قريبا { من ~~دارهم } فيفزعون منها ويتطاير إليهم شرارها، شبهت القارعة ~~بالعدو المتوجه إليهم فأسند إليها الإصابة تارة والحلول أخرى ففيه ~~استعارة بالكناية وتخييل وترشيح { حتى يأتى وعد الله } ~~أي موتهم أو القيامة فإن كلا منهما وعد محتوم لا مرد له، وفيه ~~دلالة على أن ما يصيبهم عند ذلك من العذاب في غاية الشدة وأن ما ذكر ~~سابقة نفحة يسيرة بالنسبة إليه ثم حقق ذلك بقوله تعالى: { إن ~~الله لا يخلف الميعاد } أي الوعد كالميلاد والميثاق بمعنى ~~الولادة والتوثقة لاستحالة ذلك على الله سبحانه. وقال ابن عباس رضي ~~الله تعالى عنهما: أراد بالقارعة السرايا التي كان رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يبعثها وكانوا بين إغارة واختطاف وتخويف بالهجوم عليهم في ~~ديارهم فالإصابة والحلول حينئذ من أحوالهم ويجوز على هذا أن يكون قوله ~~تعالى: { أو تحل قريبا من دارهم } خطابا للرسول صلى الله ~~عليه وسلم مرادا به حلوله الحديبية، والمراد بوعد الله ما وعد به من ~~فتح مكة. ### || [13.32] # { ولقد استهزىء برسل } كثيرة خلت { من قبلك ~~فأمليت للذين كفروا } أي تركتهم ملاوة من الزمان في أمن ~~ودعة كما يملى للبهمية في المرعى. وهذا تسلية لرسول الله صلى الله ~~عليه وسلم عما لقي من المشركين من التكذيب والاقتراح على طريقة ~~الاستهزاء به ووعيد لهم، والمعنى أن ذلك ليس مختصا بك بل هو أمر ~~مطرد قد فعل ذلك برسل كثيرة كائنة من قبلك فأمهلت الذين فعلوه بهم، ~~والعدول في الصلة إلى وصف الكفر ليس لأن المملى لهم غير المستهزئين ~~بل لإرادة الجمع بين الوصفين أي فأمليت للذين كفروا مع استهزائهم لا ~~باستهزائهم فقط { ثم أخذتهم فكيف كان عقاب } أي عقابي ~~إياهم، وفيه من الدلالة على تناهي كيفيته في الشدة والفظاعة ما لا يخفى. ### || [13.33] # { أفمن هو قائم } أي رقيب مهيمن { على كل نفس } ~~كائنة من كانت { بما كسبت } من خير أو شر لا يخفى عليه شيء من ذلك ~~بل يجازي كلا بعمله وهو الله تعالى والخبر ms1752 محذوف أي كمن ليس كذلك ~~إنكارا لذلك، وإدخال الفاء لتوجيه الإنكار إلى توهم المماثلة غب ما ~~علم مما فعل تعالى بالمستهزئين من الإملاء المديد والأخذ الشديد ومن ~~كون الأمر كله لله تعالى وكون هداية الناس جميعا منوطة بمشيئته تعالى ~~ومن تواتر القوارع على الكفرة إلى أن يأتي وعد الله كأنه قيل: الأمر ~~كذلك، فمن هذا شأنه كما ليس في عداد الأشياء حتى تشركوه به؟ فالإنكار ~~متوجه إلى ترتب المعطوف أعني توهم المماثلة على المعطوف عليه المقدر ~~أعني كون الأمر كما ذكر كما في قولك: أتعلم الحق فلا تعمل به؟ لا ~~إلى المعطوفين جميعا كما إذا قلت ألا تعلمه فلا تعمل به، وقوله تعالى: ~~{ وجعلوا لله شركاء } جملة مستقلة جيء بها للدلالة على الخبر ~~أو حالية، أي أفمن هذه صفاته كما ليس كذلك وقد جعلوا له شركاء لا ~~شريكا واحدا، أو معطوفة على الخبر إن قدر ما يصلح لذلك أي أفمن هذا ~~شأنه لم يوحدوه وجعلوا له شركاء؟ ووضع المظهر موضع المضمر للتنصيص ~~على وحدانيته ذاتا واسما وللتنبيه على اختصاصه باستحقاق العبادة مع ~~ما فيه من البيان بعد الإبهام بإيراده موصولا للدلالة على التفخيم، ~~وقوله تعالى: { قل سموهم } تبكيت لهم إثر تبكيت أي سموهم من ~~هم وماذا أسماؤهم أو صفوهم وانظروا هل لهم ما يستحقون به العبادة ~~ويستأهلون الشركة { أم تنبئونه } أي بل أتنبئون الله { بما ~~لا يعلم فى الأرض } أي بشركاء مستحقين للعبادة لا يعلمهم الله ~~تعالى ولا يعزب عنه مثقال ذرة في السموات والأرض وقرىء بالتخفيف { أم ~~بظهر من القول } أي بل أتسمونهم بشركاء بظاهر من القول من ~~غير أن يكون له معنى وحقيقة كتسمية الزنجي كافورا كقوله تعالى: # ذلك قولهم بأفوههم # [التوبة: 30] وهاتيك الأساليب البديعة التي ورد عليها الآية الكريمة ~~منادية على أنها خارجة عن قدرة البشر من كلام خلاق القوى والقدر ~~فتبارك الله رب العالمين. # { بل زين للذين كفروا } وضع الموصول موضع المضمر ذما ~~لهم وتسجيلا عليهم بالكفر { مكرهم } تمويههم الأباطيل أو كيدهم ~~للإسلام بشركهم { وصدوا عن ms1753 السبيل } أي سبيل الحق، من صده ~~صدا، وقرىء بكسر الصاد على نقل حركة الدال إليها وقرىء بفتحها أي صدوا ~~الناس أو من صد صدودا { ومن يضلل الله } أي يخلق فيه الظلال ~~بسوء اختياره أو يخذله { فما له من هاد } يوفقه للهدى. ### || [13.34-38] # { لهم عذاب } شاق # وقال إنما اتخذتم # بالقتل والأسر وسائر ما يصيبهم من المصائب فإنها إنما تصيبهم عقوبة ~~على كفرهم { ولعذاب الاخرة أشق } من ذلك بالشدة والمدة { ~~وما لهم من الله } من عذابه المذكور { من واق } من حافظ ~~يعصمهم من ذلك، فمن الأولى صلة للوقاية والثانية مزيدة للتأكيد. # { مثل الجنة } أي صفتها العجيبة الشأن التي في الغرابة ~~كالمثل { التى وعد المتقون } عن الكفر والمعاصي وهو مبتدأ ~~خبره محذوف عند سيبوبه أي فيما قصصنا عليك مثل الجنة وقوله تعالى: { ~~تجرى من تحتها الأنهر } تفسير لذلك المثل على أنه حال من ~~الضمير المحذوف من الصلة العائد إلى الجنة أي وعدها وهو الخبر عند ~~غيره، كقولك: شأن زيد يأتيه الناس ويعظمونه أو على حذف موصوف أي مثل ~~الجنة جنة تجري الخ { أكلها } ثمرها { دائم } لا ينقطع { ~~وظلها } أيضا كذلك لا تنسخه الشمس كما تنسخ ظلال الدنيا { تلك ~~} الجنة المنعوتة بما ذكر { عقبى الذين اتقوا } الكفر ~~والمعاصي أي ما لهم ومنتهى أمرهم { وعقبى الكفرين النار ~~} لا غير، وفيه ما لا يخفى من إطماع المتقين وإقناط الكافرين. # { والذين ءاتينهم الكتب } هم المسلمون من أهل الكتاب ~~كعبد الله بن سلام وكعب وأضرابهما ومن آمن من النصارى وهم ثمانون ~~رجلا: أربعون بنجران، وثمانية باليمن، واثنان وثلاثون بالحبشة { ~~يفرحون بما أنزل إليك } إذ هو الكتاب الموعود في التوراة ~~والإنجيل { ومن الأحزاب } أي من أحزابهم وهم كفرتهم الذين ~~تحزبوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم بالعداوة نحو كعب بن الأشرف ~~والسيد والعاقب أسقفي نجران وأتباعهما { من ينكر بعضه } ~~وهو الشرائع الحادثة إنشاء أو نسخا لا ما يوافق ما حرفوه وإلا لنعي ~~عليهم من أول الأمر أن مدار ذلك إنما هو جنايات أيديهم، وأما ما يوافق ~~كتبهم فلم ms1754 ينكروه وإن لم يفرحوا به، وقيل: يجوز أن يراد بالموصول الأول ~~عامتهم فإنهم أيضا يفرحون به لكونه مصداقا لكتبهم في الجملة فحينئذ ~~يكون قوله تعالى: { ومن الأحزاب } الخ، تتمة بمنزلة أن يقال: ~~ومنهم من ينكر بعضه. # { قل } إلزاما لهم وردا لإنكارهم { إنما أمرت أن أعبد ~~الله ولا أشرك به } أي شيئا من الأشياء أو لا أفعل الإشراك ~~به، والمراد قصر الأمر بالعبادة على الله تعالى لا قصر الأمر مطلقا ~~على عبادته تعالى خاصة، أي قل لهم: إنما أمرت فيما أنزل إلي بعبادة ~~الله وتوحيده، وظاهر أن لا سبيل لكم إلى إنكاره لإطباق جميع ~~الأنبياء والكتب على ذلك كقوله تعالى: # قل يأهل أهل الكتب تعالوا إلى كلمة سواء ~~بيننا وبينكم أن لا نعبد إلا الله ولا نشرك ~~به شيئا # [آل عمران: 64] فما لكم تشركون به عزيرا والمسيح؟ وقرىء ولا أشرك به ~~بالرفع على الاستئناف أي وأنا لا أشرك به { إليه } إلى الله تعالى ~~خاصة على النهج المذكور من التوحيد أو إلى ما أمرت به من التوحيد { ~~أدعو } الناس لا إلى غيره أو لا إلى شيء آخر مما يطبق عليه الكتب ~~الإلهية والأنبياء عليهم الصلاة والسلام فما وجه إنكاركم { ~~وإليه } إلى الله تعالى وحده { مئاب } مرجعي للجزاء، وحيث كانت ~~هذه الحجة الباهرة لازمة لهم لا يجدون عنها محيصا أمر عليه الصلاة ~~والسلام بأن يخاطبهم بذلك إلزاما وتبكيتا لهم، ثم شرع في رد إنكارهم ~~لفروع الشرائع الواردة ابتداء أو بدلا من الشرائع المنسوخة ببيان ~~الحكمة في ذلك فقيل: # { وكذلك أنزلنه } أي ما أنزل إليك، وذلك إشارة إلى مصدر ~~أنزلناه أو أنزل إليك، ومحله النصب على المصدرية أي مثل ذلك الإنزال ~~البديع المنتظم لأصول مجمع عليها وفروع متشعبة إلى موافقة ومخالفة ~~حسبما تقتضيه قضية الحكمة والمصلحة أنزلناه { حكما } حاكما يحكم في ~~القضايا والواقعات بالحق أو يحكم به كذلك، والتعرض لذلك العنوان مع أن ~~بعضه ليس بحكم لتربية وجوب مراعاته وتحتم المحافظة عليه { ~~عربيا } مترجما بلسان العرب، والتعرض لذلك للإشارة إلى أن ذلك ~~إحدى مواد ms1755 المخالفة للكتب السابقة مع أن ذلك مقتضى الحكمة إذ بذلك ~~يسهل فهمه وإدراك إعجازه، والاقتصار على اشتمال الإنزال على أصول ~~الديانات المجمع عليها حسبما يفيده قوله تعالى: { قل إنما ~~أمرت أن أعبد الله } الخ، يأباه التعرض لاتباع أهوائهم ~~وحديث المحو والإثبات، وأن لكل أجل كتاب فإن المجمع عليه لا يتصور ~~فيه الاستتباع والاتباع { ولئن اتبعت أهواءهم } التي ~~يدعونك إليها من تقرير الأمور المخالفة لما أنزل إليك من الحق كالصلاة ~~إلى بيت المقدس بعد التحويل { بعد ما جاءك من العلم } ~~العظيم الشأن الفائض من ذلك الحكم العربي أو العلم بمضمونه { ما ~~لك من الله } من جنابه العزيز، والالتفات من التكلم إلى الغيبة ~~وإيراد الاسم الجليل لتربية المهابة، قال الأزهري: لا يكون إلها حتى ~~يكون معبودا وحتى يكون خالقا ورازقا ومدبرا. # { من ولى } يلي أمرك وينصرك على من يبغيك الغوائل { ولا واق } ~~يقيك من مصارع السوء وحيث لم يستلزم نفي الناصر على العدو نفي الواقي ~~من نكايته أدخل على المعطوف حرف النفي للتأكيد، كقولك: ما لي دينار ~~ولا درهم، أو ما لك من بأس الله من ناصر وواق لاتباعك أهواءهم. وأمثال ~~هاتيك القوارع إنما هي لقطع أطماع الكفرة وتهييج المؤمنين على الثبات ~~في الدين، واللام في لئن موطئة وما لك ساد مسد جوابي الشرط والقسم. # { ولقد أرسلنا رسلا } كثيرة كائنة { من قبلك ~~وجعلنا لهم أزواجا وذرية } نساء وأولادا كما جعلناها ~~لك وهو رد لما كانوا يعيبونه صلى الله عليه وسلم بالزواج والولاد، كما ~~كانوا يقولون: ما لهذا الرسول يأكل الطعام؟ الخ { وما كان لرسول ~~} منهم أي ما صح وما استقام ولم يكن في وسعه { ولقد أرسلنا ~~رسلا } مما اقترح عليه وحكم مما التمس منه { إلا بإذن ~~الله } ومشيئته المبنية على الحكم والمصالح التي عليها يدور أمر ~~الكائنات لا سيما مثل هذه الأمور العظام، والالتفات لما قدمناه ~~ولتحقيق مضمون الجملة بالإيماء إلى العلة { لكل أجل } أي لكل مدة ~~ووقت من المدد والأوقات { كتاب } حكم معين يكتب على العباد حسبما ~~تقتضيه الحكمة فإن الشرائع ms1756 كلها لإصلاح أحوالهم في المبدأ والمعاد ومن ~~قضية ذلك أنه يختلف حسب اختلاف أحوالهم المتغيرة حسب تغير الأوقات ~~كاختلاف العلاج حسب اختلاف أحوال المرضى بحسب الأوقات. ### || [13.39-41] # { يمحو الله ما يشاء } أي ينسخ ما يشاء نسخه من الأحكام لما ~~تقتضيه الحكمة بحسب الوقت { ويثبت } بدله ما فيه المصلحة أو ~~يبقيه على حاله غير منسوخ أو يثبت ما شاء إثباته مطلقا أعم منهما ~~ومن الإنشاء ابتداء، أو يمحو من ديوان الحفظة الذين ديدنهم كتب ~~كل قول وعمل ما لا يتعلق به الجزاء ويثبت الباقي، أو يمحو سيئات ~~التائب ويثبت مكانها الحسنة أو يمحو قرنا ويثبت آخرين أو يمحو ~~الفاسدات من العالم الجسماني ويثبت الكائنات، أو يمحو الأجل أو ~~السعادة والشقاوة، وبه قال ابن مسعود وابن عمر رضى الله عنهم والقائلون ~~به يتضرعون إلى الله تعالى أن يجعلهم سعداء وهذا رواه جابر عن النبي ~~عليه الصلاة والسلام، والأنسب تعميم كل من المحو والإثبات ليشمل الكل، ~~ويدخل في ذلك مواد الإنكار دخولا أوليا وقرىء بالتشديد { وعنده ~~أم الكتب } أي أصله وهو اللوح المحفوظ إذ ما من شيء من ~~الذاهب والثابت إلا وهو مكتوب فيه كما هو. # { وإما نرينك } أصله إن نرك وما مزيدة لتأكيد معنى ~~الشرط، ومن ثمة ألحقت النون بالفعل { بعض الذى نعدهم } أو ~~وعدناهم من إنزال العذاب عليهم، والعدول إلى صيغة المضارع لحكاية ~~الحال الماضية أو نعدهم وعدا متجددا حسبما تقتضيه الحكمة من إنذار، ~~وفي إيراد البعض رمز إلى إراءة بعض الموعود { أو نتوفينك } ~~قبل ذلك { فإنما عليك البلغ } أي تبليغ أحكام الرسالة ~~بتمامها لا تحقيق مضمون ما بلغته من الوعيد الذي هو من جملتها { ~~وعلينا } لا عليك { الحساب } محاسبة أعمالهم السيئة ~~والمؤاخذة بها أي كيفما دارت الحال أريناك بعض ما وعدناهم من العذاب ~~الدنيوي أو لم نركه فعلينا ذلك وما عليك إلا تبليغ الرسالة فلا تهتم ~~بما وراء ذلك فنحن نكفيكه ونتم ما وعدناك من الظفر ولا يضجرك تأخره ~~فإن ذلك لما نعلم من المصالح الخفية ثم طيب نفسه عليه ms1757 الصلاة والسلام ~~بطلوع تباشيره فقال: { أولم يروا } استفهام إنكاري والواو للعطف ~~على مقدر يقتضيه المقام أي أأنكروا نزول ما وعدناهم أو أشكوا أو ألم ~~ينظروا في ذلك ولم يروا { أنا نأتى الأرض } أي أرض الكفر { ~~ننقصها من أطرافها } بأن نفتحها على المسلمين شيئا فشيئا ~~ونلحقها بدار الإسلام ونذهب منها أهلها بالقتل والأسر والإجلاء أليس ~~هذا من ذلك؟ ومثله قوله عز سلطانه: # أفلا يرون أنا نأتى الأرض ننقصها من أطرافها ~~أفهم الغلبون # [الأنبياء: 44] وقوله: ننقصها حال من فاعل نأتي أو من مفعوله، وقرىء ~~ننقصها بالتشديد وفي لفظ الإتيان المؤذن بالاستواء المحتوم ~~والاستيلاء العظيم من الفخامة ما لا يخفى كما في قوله عز وجل: # وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء ~~منثورا # [الفرقان: 23] { والله يحكم } ما يشاء وقد حكم للإسلام بالعزة ~~والإقبال، وعلى الكفر بالذلة والإدبار حسبما يشاهد من المخايل والآثار، ~~وفي الالتفات من التكلم إلى الغيبة وبناء الحكم على الاسم الجليل من ~~الدلالة على الفخامة وتربية المهابة وتحقيق مضمون الخبر بالإشارة إلى ~~العلة ما لا يخفى، وهي جملة اعتراضية جيء بها لتأكيد فحوى ما تقدمها ~~وقوله تعالى: { لا معقب لحكمه } اعتراض في اعتراض لبيان علو ~~شأن حكمه جل جلاله، وقيل: نصب على الحالية، كأنه قيل: والله يحكم ~~نافذا حكمه، كما تقول: جاء زيد لا عمامة على رأسه أي حاسرا، والمعقب ~~من يكر على الشيء فيبطله وحقيقته من يعقيه ويقفيه بالرد والإبطال، ~~ومنه قيل لصاحب الحق: معقب لأنه يقفي غريمه بالاقتصاء والطلب { وهو ~~سريع الحساب } فعما قليل يحاسبهم ويجازيهم في الآخرة بأفانين ~~العذاب غب ما عذبهم بالقتل والأسر والإجلاء حسبما يرى. # وقال ابن عباس رضي الله عنهما: سريع الانتقام. ### || [13.42] # { وقد مكر } الكفار { الذين } خلوا { من قبلهم } من ~~قبل كفار مكة بأنبيائهم والمؤمنين كما مكر هؤلاء، وهذا تسلية لرسول ~~الله صلى الله عليه وسلم بأنه لا عبرة بمكرهم ولا تأثير، بل لا وجود له ~~في الحقيقة ولم يصرح بذلك اكتفاء بدلالة القصر المستفاد من تعليله ~~أعني قوله تعالى: { فلله المكر } أي ms1758 جنس المكر { جميعا } لا ~~وجود لمكرهم أصلا، إذ هو عبارة عن إيصال المكروه إلى الغير من حيث لا ~~يشعر به وحيث كان جميع ما يأتون وما يذرون بعلم الله تعالى وقدرته ~~وإنما لهم مجرد الكسب من غير فعل ولا تأثير حسبما يبينه قوله عز وجل: ~~{ يعلم ما تكسب كل نفس } ومن قضيته عصمة أوليائه وعقاب ~~الماكرين بهم توفية لكل نفس جزاء ما تكسبه ظهر أن ليس لمكرهم ~~بالنسبة إلى من مكروا بهم عين ولا أثر وأن المكر كله لله تعالى حيث ~~يؤاخذهم بما كسبوا من فنون المعاصي التي من جملتها مكرهم من حيث لا ~~يحتسبون، أو لله المكر الذي باشروه جميعا لا لهم عل معنى أن ذلك ليس ~~مكرا منهم بالأنبياء بل هو بعينه مكر من الله تعالى بهم وهم لا يشعرون ~~حيث لا يحيق المكر السييء إلا بأهله { وسيعلم الكفر } ~~حين يقضي بمقتضى علمه فيوفي كل نفس جزاء ما تكسبه { لمن عقبى ~~الدار } أي العاقبة الحميدة من الفريقين وإن جهلوا ذلك يومئذ، ~~وقيل: السين لتأكيد وقوع ذلك وعلمهم به حينئد، وقرىء سيعلم الكافر ~~على إدارة الجنس والكافرون والكفر أي أهله والذين كفروا وسيعلم على ~~صيغة المجهول من الإعلام أي سيخبر. ### || [13.43] # { ويقول الذين كفروا لست مرسلا } قيل: قاله رؤساء ~~اليهود، وصيغة الاستقبال لاستحضار صورة كلمتهم الشنعاء تعجيبا منها ~~أو للدلالة على تجدد ذلك واستمراره منهم { قل كفى بالله ~~شهيدا بيني وبينكم } فإنه قد أظهر على رسالتي من الحجج ~~القاطعة والبينات الساطعة ما فيه مندوحة عن شهادة شاهد آخر { ومن ~~عنده علم الكتب } أي علم القرآن وما عليه من النظم المعجز ~~أو من هو من علماء أهل الكتاب الذين أسلموا لأنهم يشهدون بنعته عليه ~~الصلاة والسلام في كتبهم، والآية مدنية بالاتفاق أو من عنده علم ~~اللوح المحفوظ وهو الله سبحانه أي كفى به شاهدا بيننا بالذي يستحق ~~العبادة فإنه قد شحن كتابه بالدعوة إلى عبادته وأيدني بأنواع ~~التأييد، وبالذي يختص بعلم ما في اللوح من الأشياء الكائنة الثابتة ~~التي من ms1759 جملتها رسالتي، وقرىء من عنده بالكسر و(علم الكتاب) على الأول ~~مرتفع بالظرف المعتمد على الموصول، أو مبتدأ خبره الظرف وهو متعين على ~~الثاني، ومن عنده علم الكتاب بالكسر وبناء المفعول ورفع الكتاب. # عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " من قرأ سورة الرعد أعطي من الأجر عشر حسنات بوزن كل سحاب مضى ~~وكل سحاب يكون إلى يوم القيامة وبعث يوم القيامة من الموفين بعهد ~~الله عز وجل " # والله أعلم بالصواب. ### | [14 - سورة ابراهيم] ### || [14.1-2] # { الر } مر الكلام فيه وفي محله غير مرة وقوله تعالى: { كتاب } ~~خبر له على تقدير كون آلر مبتدأ أو لمبتدإ مضمر على تقدير كونه ~~خبرا لمبتدأ محذوف، أو مسرودا على نمط التعديد، ويجوز أن يكون خبرا ~~ثانيا لهذا المبتدأ المحذوف، وقوله تعالى: { أنزلنه إليك } ~~صفة له وقوله تعالى: { لتخرج الناس } متعلق بأنزلناه أي ~~لتخرجهم كافة بما في تضاعيفه من البينات الواضحة المفصحة عن كونه من ~~عند الله عز وجل الكاشفة عن العقائد الحقة، وقرىء ليخرج الناس { من ~~الظلمت } أي ليخرج به الناس من عقائد الكفر والضلال التي كلها ~~ظلمات محضة وجهالات صرفة { إلى النور } إلى الحق الذي هو نور ~~بحت لكن لا كيفما كان، فإنك لا تهدي من أحببت بل { بإذن ربهم } ~~أي بتيسيره وتوفيقه وللإنباء عن كون ذلك منوطا بإقبالهم إلى الحق كما ~~يفصح عنه قوله تعالى: # ويهدى إليه من أناب # [الرعد: 27] استعير له الإذن الذي هو عبارة عن تسهيل الحجاب لمن ~~يقصد الورود، وأضيف إلى ضميرهم اسم الرب المفصح عن التربية التي ~~هي عبارة عن تبليغ الشيء إلى كماله المتوجه إليه، وشمول الإذن بهذا ~~المعنى للكل واضح وعليه يدور كون الإنزال لإخراجهم جميعا، وعدم تحقق ~~الإذن بالفعل في بعضهم لعدم تحقق شرطه المستند إلى سوء اختيارهم ~~غير مخل بذلك والباء متعلقة بتخرج أو بمضمر وقع حالا من مفعوله أي ~~ملتبسين بإذن ربهم، وجعله حالا من فاعله يأباه إضافة الرب إليهم لا ~~إليه وحيث كان الحق مع وضوحه في نفسه وإيضاحه لغيره موصلا إلى الله ms1760 عز ~~وجل استعير له النور تارة والصراط أخرى، فقيل: { إلى صراط ~~العزيز الحميد } على وجه الإبدال بتكرير العامل كما في قوله ~~تعالى: # للذين استضعفوا لمن ءامن منهم # [الأعراف: 75] وإخلال البدل والبيان بالاستعارة إنما هو في الحقيقة ~~لا في المجاز كما في قوله سبحانه: # حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط ~~الأسود من الفجر # [البقرة: 187] وقيل: هو استئناف مبني على سؤال، كأنه قيل: إلى أي ~~نور؟ فقيل: إلى صراط العزيز الحميد، وإضافة الصراط إليه تعالى لأنه ~~مقصده أو المبين له، وتخصيص الوصفين بالذكر للترغيب في سلوكه ببيان ~~ما فيه من الأمن والعاقبة الحميدة. # { الله } بالجر عطف بيان للعزيز الحميد لجريانه مجرى الأعلام ~~الغالبة بالاختصاص بالمعبود بالحق كالنجم في الثريا. وقرىء بالرفع على ~~(تقدير) هو الله، أي العزيز الحميد الذي أضيف إليه صراط الله { الذى ~~له } ملكا وملكا { ما في السموات وما في الأرض } أي ~~ما وجد فيهما داخلا فيهما أو خارجا عنهما متمكنا فيهما كما مر في آية ~~الكرسي، ففيه على القراءتين بيان لكمال فخامة شأن الصراط وإظهار ~~لتحتم سلوكه على الناس قاطبة، وتجويز الرفع على الابتداء بجعل الموصول ~~خبرا مبناه الغفول عن هذه النكتة وقوله عز وجل: { وويل ~~للكفرين } وعيد لمن كفر بالكتاب ولم يخرج به من الظلمات إلى ~~النور بالويل وهو نقيض الوال وهو النجاة وأصله النصب كسائر المصادر ثم ~~رفع رفعها للدلالة على الثبات كسلام عليك { من عذاب شديد } ~~متعلق بويل على معنى يولون ويضجون منه قائلين: يا ويلاه، كقوله تعالى: # دعوا هنالك ثبورا # [الفرقان: 13]. ### || [14.3] # { الذين يستحبون الحيوة الدنيا } أي يؤثرونها ~~استفعال من المحبة فإن المؤثر للشيء على غيره كأنه يطلب من نفسه أن ~~يكون أحب إليها وأفضل عندها من غيره { على الأخرة } أي الحياة ~~الآخرة الأبدية { ويصدون } الناس { عن سبيل الله } التي ~~بين شأنها، والاقتصار على الإضافة إلى الاسم الجليل المنطوي على كل ~~وصف جميل لزوم الاختصار، وهو من صده صدا وقرىء يصدون من أصد ~~المنقول من صد صدودا إذا نكب وهو غير فصيح كأوقف فإن ms1761 في صده ووقفه ~~لمندوحة عن تكلف النقل { ويبغونها } أي يبغون لها فحذف الجار ~~وأوصل الفعل إلى الضمير أي يطلبون لها { عوجا } أي زيغا واعوجاجا ~~وهي أبعد شيء من ذلك أي يقولون لمن يريدون صده وإضلاله: إنها سبيل ~~ناكبة وزائغة غير مستقيمة، ومحل موصول هذه الصلات الجر على أنه ~~بدل من الكافرين أو صفة له فيعتبر كل وصف من أوصافهم بإزاء ما يناسبه ~~من المعاني المعتبرة في الصراط، فالكفر المنبىء عن الستر بإزاء كونه ~~نورا واستحباب الحياة الدنيا الفانية المفصحة عن وخامة العاقبة ~~بمقابلة كون سلوكه محمود العاقبة والصد عنه بإزاء كونه مأمونا، وفيه ~~من الدلالة على تماديهم في الغي ما لا يخفى. أو النصب على الذم أو ~~الرفع على الابتداء والخبر قوله تعالى: { أولئك فى ضلل ~~بعيد } وعلى الأول جملة مستأنفة وقعت معللة لما سبق من لحوق الويل ~~بهم تأكيدا لما أشعر به بناء الحكم على الموصول أي أولئك الموصوفون ~~بالقبائح المذكورة من استحباب الحياة الدنيا على الآخرة وصد الناس عن ~~سبيل الله المستقيمة ووصفها بالاعوجاج وهي منه بنزه في ضلال عن طريق ~~الحق بعيد بالغ في ذلك غاية الغايات القاصية، والبعد وإن كان من ~~أحوال الضال إلا أنه قد وصف به وصفه مجازا للمبالغة كجد جده ~~وداهية دهياء، ويجوز أن يكون المعنى في ضلال ذي بعد أو فيه بعد، فإن ~~الضال قد يضل عن الطريق مكانا قريبا وقد يضل بعيدا وفي جعل الضلال ~~محيطا بهم إحاطة الظرف بما فيه ما لا يخفى من المبالغة. ### || [14.4] # { وما أرسلنا } أي في الأمم الخالية من قبلك كما سيذكر إجمالا ~~{ من رسول إلا } ملتبسا { بلسان قومه } متكلما بلغة من ~~أرسل إليهم من الأمم المتفقة على لغة سواء بعث فيهم أو لا، وقرىء ~~بلسن وهو لغة فيه كريش ورياش وبلسن بضمتين وضمة وسكون كعمد ~~وعمد { ليبين لهم } ما أمروا به فيتلقوه منه بيسر وسرعة ~~ويعملوا بموجبه من غير حاجة إلى الترجمة ممن لم يؤمر به، وحيث لم يكن ~~مراعاة هذه القاعدة في شأن سيدنا ms1762 محمد صلى الله عليه وسلم وعليهم ~~أجمعين لعموم بعثته للثقلين كافة على اختلاف لغاتهم وكان تعدد نظم ~~الكتاب المنزل إليه حسب تعدد ألسنة الأمم أدعى إلى التنازع واختلاف ~~الكلمة وتطرق أيدي التحريف مع أن استقلال بعض من ذلك بالإعجاز دون ~~غيره مئنة لقدح القادحين واتفاق الجميع فيه أمر قريب من الإلجاء ~~وحصر البيان بالترجمة والتفسير اقتضت الحكمة اتحاد النظم المنبىء ~~عن العزة وجلالة الشأن المستتبع لفوائد غنية عن البيان، على أن ~~الحاجة إلى الترجمة تتضاعف عند التعدد إذ لا بد لكل أمة من معرفة توافق ~~الكل وتحاذيه حذو القذة بالقذة من مخالفة ولو في خصلة فذة، وإنما ~~يتم ذلك بمن يترجم عن الكل واحدا أو متعددا وفيه من التعذر ما يتاخم ~~الامتناع، ثم لما كان أشرف الأقوام وأولاهم بدعوته عليه الصلاة والسلام ~~قومه الذين بعث فيهم ولغتهم أفضل اللغات نزل الكتاب المتين بلسان ~~عربي مبين، وانتشرت أحكامه فيما بين الأمم أجمعين، وقيل: الضمير في ~~قومه لمحمد صلى الله عليه وسلم، فإنه تعالى أنزل الكتب كلها عربية ثم ~~ترجمها جبريل عليه الصلاة والسلام، أو كل من نزل عليه من الأنبياء ~~عليهم السلام بلغة من نزل عليهم، ويرده قوله تعالى: { ليبين لهم ~~} فإنه ضمير القوم وظاهر أن جميع الكتب لم تنزل لتبيين العرب وفي ~~رجعه إلى قوم كل نبي كأنه قيل: وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قوم ~~محمد عليه الصلاة والسلام ليبين الرسول لقومه الذين أرسل إليهم ما لا ~~يخفى من التكلف { فيضل الله من يشاء } إضلاله أي يخلق فيه ~~الضلال لمباشرة أسبابه المؤدية إليه أو يخذله ولا يلطف به لما يعلم ~~أنه لا ينجع فيه الإلطاف { ويهدى } بالتوفيق ومنح الإلطاف { من ~~يشآء } هدايته لما فيه من الإنابة والإقبال إلى الحق، والالتفات ~~بإسناد الفعلين إلى الاسم الجليل المنطوي على الصفات لتفخيم شأنهما ~~وترشيح مناط كل منهما، والفاء فصيحة مثلها في قوله تعالى: # فقلنا اضرب بعصاك البحر فانفلق # [الشعراء: 63] كأنه قيل: فبينوه لهم فأضل الله منهم من شاء إضلاله ~~لما لا يليق ms1763 إلا به وهدى من شاء هدايته لاستحقاقه لها، والحذف للإيذان ~~بأن مسارعة كل رسول إلى ما أمر به وجريان كل من أهل الخذلان ~~والهداية على سنته أمر محقق غني عن الذكر والبيان. # والعدول إلى صيغة الاستقبال لاستحضار الصورة أو للدلالة على التجدد ~~والاستمرار حسب تجدد البيان من الرسل المتعاقبة عليهم السلام، ~~وتقديم الإضلال على الهداية إما لأنه إبقاء ما كان على ما كان، ~~والهداية إنشاء ما لم يكن، أو للمبالغة في بيان أن لا تأثير ~~للتبيين والتذكير من قبل الرسل، وأن مدار الأمر إنما هو مشيئته ~~تعالى بإيهام أن ترتب الضلالة على ذلك أسرع من ترتب الاهتداء وهذا ~~محقق لما سلف من تقييد الإخراج من الظلمات إلى النور بإذن الله ~~تعالى { وهو العزيز } فلا يغالب في مشيئته { الحكيم } الذي ~~لا يفعل شيئا من الإضلال والهداية إلا لحكمة بالغة، وفيه أن ما فوض ~~إلى الرسل إنما هو تبليغ الرسالة وتبيين طريق الحق، وأما الهداية ~~والإرشاد إليه فذلك بيد الله سبحانه يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد. ### || [14.5] # { ولقد أرسلنا موسى } شروع في تفصيل ما أجمل في قوله عز ~~وجل: # وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين ~~لهم # الآية { بئايتنا } أي ملتبسا بها وهي معجزاته التي أظهرها ~~لبني إسرائيل { أن أخرج قومك } بمعنى أي أخرج لأن الإرسال ~~فيه معنى القول أو بأن أخرج كما في قوله تعالى: # وأن أقم وجهك # [يونس: 105] فإن صيغ الأفعال في الدلالة على المصدر سواء، وهو المدار ~~في صحة الوصل والمراد بذلك إخراج بني إسرائيل بعد مهلك فرعون { من ~~الظلمت } من الكفر والجهالات التي أدتهم إلى أن يقولوا: يا موسى ~~اجعل لن إلها كما لهم آلهة { إلى النور } إلى الإيمان بالله ~~وتوحيده وسائر ما أمروا به { وذكرهم بأيام الله } أي ~~بنعمائه وبلائه كما ينبىء عنه قوله: # اذكروا نعمة الله عليكم # [إبراهيم: 6] لكن لا بما جرى عليهم فقط بل عليهم وعلى من قبلهم من الأمم ~~في الأيام الخالية حسبما ينبىء عنه قوله تعالى: { ألم يأتكم ~~نبأ الذين من ms1764 قبلكم } الآيات، أو بأيامه المنطوية على ذلك ~~كما يلوح به قوله تعالى: { إذ أنجاكم } والالتفات من التكلم إلى ~~الغيبة بإضافة الأيام إلى الاسم الجليل للإيذان بفخامة شأنها والإشعار ~~بعدم اختصاص ما فيها من المعاملة بالمخاطب وقومه كما توهمه الإضافة ~~إلى ضمير المتكلم أي عظهم بالترغيب والترهيب والوعد الوعيد، وقيل: ~~أيام الله وقائعه التي وقعت على الأمم قبلهم، وأيام العرب وقائعها ~~وحروبها وملاحمها أي أنذرهم وقائعه التي دهمت الأمم الدارجة، ويرده ~~ما تصدى له عليه الصلاة والسلام بصدد الامتثال من التذكير بكل من السراء ~~والضراء مما جرى عليهم وعلى غيرهم حسبما يتلى عليك. # { إن فى ذلك } أي في التذكير بها أو في مجموع تلك النعماء ~~والبلاء أو في أيامها { لأيات } عظيمة أو كثيرة دالة على وحدانية ~~الله تعالى وقدرته وعلمه وحكمته، فهي على الأول عبارة عن الأيام سواء ~~أريد بها أنفسها أو ما فيها من النعماء والبلاء، ومعنى ظرفية التذكير ~~لها كونه مناطا لظهورها، وعلى الثالث عن تلك النعماء والبلاء ومعنى ~~الظرفية ظاهر، وأما على الثاني وهو كونه إشارة إلى مجموع النعماء فعن ~~كل واحدة من تلك النعماء والمشار إليه المجموع المشتمل عليها من حيث هو ~~مجموع وكلمة في تجريدية مثلها في قوله تعالى: # لهم فيها دار الخلد # [فصلت: 28] { لكل صبار } على بلائه { شكور } لنعمائه، وقيل: ~~لكل مؤمن، والتعبير عنهم بذلك للإشعار بأن الصبر والشكر عنوان ~~المؤمن أي لكل من يليق بكمال الصبر والشكر أو الإيمان ويصبر أمره ~~إليها، لا لمن اتصف بها بالفعل لأنه تعليل للأمر بالتذكير المذكور ~~السابق على التذكر المؤدي إلى تلك المرتبة، فإن من تذكر ما فاض أو نزل ~~عليه أو على من قبله من النعماء والبلاء وتنبه لعاقبة الشكر والصبر ~~أو الإيمان لا يكاد يفارقها، وتخصيص الآيات بهم لأنهم المنتفعون بها لا ~~لأنها خافية عن غيرهم، فإن التبيين حاصل بالنسبة إلى الكل، وتقديم ~~الصبار على الشكور لتقدم متعلق الصبر أعني البلاء على متعلق ~~الشكر أعني النعماء وكون الشكر عاقبة الصبر. ### || [14.6-7] # { وإذ قال موسى لقومه } شروع ms1765 في بيان تصديه عليه الصلاة ~~والسلام لما أمر به من التذكير للإخراج المذكور، وإذ منصوب على ~~المفعولية بمضمر خوطب به النبي عليه الصلاة والسلام، وتعليق الذكر ~~بالوقت مع أن المقصود تذكير ما وقع فيه من الحوادث قد مر سره غير ~~مرة أي اذكر لهم وقت قوله عليه الصلاة والسلام لقومه: { اذكروا ~~نعمة الله عليكم } بدأ عليه الصلاة والسلام بالترغيب لأنه ~~عند النفس أقبل وهي إليه أميل، والظرف متعلق بنفس النعمة إن جعلت ~~مصدرا أو بمحذوف وقع حالا منها إن جعلت اسما أي اذكروا إنعامه عليكم ~~أو اذكروا نعمته كائنة عليكم، وكذلك كلمة إذ في قوله تعالى: { إذا ~~أنجاكم من آل فرعون } أي اذكروا إنعامه عليكم وقت إنجائه إياكم من آل ~~فرعون أو اذكروا نعمة الله مستقرة عليكم وقت إنجائه إياكم منهم أو ~~بدل اشتمال من نعمة الله مرادا بها الإنعام أو العطية { ~~يسومونكم } يبغونكم من سامه خسفا إذا أولاه ظلما، وأصل ~~السوم الذهاب في طلب الشيء { سوء العذاب } السوء مصدر ساء يسوء ~~والمراد به جنس العذاب السييء أو استعبادهم واستعمالهم في الأعمال ~~الشاقة والاستهانة بهم وغير ذلك مما لا يحصر، ونصبه على أنه مفعول ~~ليسومونكم { ويذبحون أبناءكم } المولودين وإنما عطفه على ~~يسومونكم إخراجا له عن مرتبة العذاب المعتاد، وإنما فعلوا ذلك لأن فرعون ~~رأى في المنام أو قال له الكهنة أنه سيولد منهم من يذهب بملكه فاجتهدوا ~~في ذلك فلم يغن عنهم من قضاء الله شيئا. # { ويستحيون نساءكم } أي يبقونهن في الحياة مع الذل ~~والصغار ولذلك عد من جملة البلاء. والجمل أحوال من آل فرعون أو من ~~ضمير المخاطبين أو منهما جميعا لأن فيها ضمير كل منهما { وفى ~~ذلكم } أي فيما ذكر من أفعالهم الفظيعة { بلاء من ربكم } أي ~~ابتلاء منه لا أن البلاء عين تلك الأفعال اللهم إلا أن تجعل (في) ~~تجريدية فنسبته إلى الله تعالى إما من حيث الخلق أو الإقدار والتمكين ~~{ عظيم } لا يطاق، ويجوز أن يكون المشار إليه الإنجاء من ذلك، ~~والبلاء الابتلاء بالنعمة وهو الأنسب ms1766 كما يلوح به التعرض لوصف ~~الربوبية، وعلى الأول يكون ذلك باعتبار المآل الذي هو الإنجاء أو ~~باعتبار أن بلاء المؤمن تربية له. # { وإذ تأذن ربكم } من جملة مقال موسى عليه الصلاة والسلام ~~لقومه معطوف على نعمة الله أي اذكروا نعمة الله عليكم واذكروا حين ~~تأذن ربكم أي آذن إيذانا بليغا لا تبقى معه شائبة، لما في صيغة ~~التفعل من معنى التكلف المجعول في حقه سبحانه على غايته التي هي ~~الكمال، وقيل: هو معطوف على قوله تعالى: { إذ أنجاكم } ، أي ~~اذكروا نعمته تعالى في هذين الوقتين فإن هذا التأذن أيضا نعمة من ~~الله تعالى عليهم ينالون بها خيري الدنيا والآخرة، وفي قراءة ابن مسعود ~~رضي الله تعالى عنه: وإذا قال ربكم. # ولقد ذكرهم عليه الصلاة والسلام أولا بنعمائه تعالى عليهم صريحا ~~وضمنه تذكير ما أصابهم قبل ذلك من الضراء، ثم أمرهم ثانيا بذكر ما جرى ~~من الله سبحانه من الوعد بالزيادة على تقدير الشكر والوعيد بالعذاب على ~~تقدير الكفر، والمراد بتذكير الأوقات تذكير ما وقع فيها من الحوادث ~~مفصلة إذ هي محيطة بذلك فإذا ذكرت ذكر ما فيها كأنه مشاهد معاين { ~~لئن شكرتم } يا بني إسرائيل ما خولتكم من نعمة الإنجاء وإهلاك ~~العدو وغير ذلك من النعم والآلاء الفائتة للحصر وقابلتموه بالإيمان ~~والطاعة { لأزيدنكم } نعمة إلى نعمة { ولئن كفرتم } ذلك ~~وغمصتموه { إن عذابى لشديد } فعسى يصيبكم منه ما يصيبكم، ومن ~~عادة الكرام التصريح بالوعد والتعريض بالوعيد فما ظنك بأكرم ~~الأكرمين؟ ويجوز أن يكون المذكور تعليلا للجواب المحذوف أي لأعذبنكم ~~واللام في الموضعين موطئة للقسم وكل من الجوابين ساد مسد جوابي ~~الشرط والقسم، والجملة إما مفعول لتأذن لأنه ضرب من القول أو لقول ~~مقدر بعده، كأنه قيل: وإذ تأذن ربكم فقال، الخ. ### || [14.8-9] # { وقال موسى إن تكفروا } نعمه تعالى ولم تشكروها { أنتم ~~} يا بني إسرائيل { ومن فى الأرض } من الخلائق { جميعا فإن ~~الله لغنى } عن شكركم وشكر غيركم { حميد } مستوجب للحمد ~~بذاته لكثرة ما يوجبه من أياديه وإن لم يحمده أحد، أو ms1767 محمود يحمده ~~الملائكة بل كل ذرة من ذرات العالم ناطقة بحمده، والحمد حيث كان ~~بمقابلة النعمة وغيرها من الفضائل كان أدل على كماله سبحانه، وهو ~~تعليل لما حذف من جواب إن، أي إن تكفروا لم يرجع وباله إلا عليكم ~~فإن الله تعالى لغني عن شكر الشاكرين، ولعله عليه الصلاة والسلام إنما ~~قاله عندما عاين منهم دلائل العناد ومخايل الإصرار على الكفر والفساد ~~وتيقن أنه لا ينفعهم الترغيب ولا التعريض بالترهيب، أو قاله غب ~~تذكيرهم بما ذكر من قول الله عز سلطانه تحقيقا لمضمونه وتحذيرا لهم من ~~الكفران ثم شرع في الترهيب بتذكير ما جرى على الأمم الخالية فقال: { ~~ألم يأتكم نبأ الذين من قبلكم } ليتدبروا ما أصاب ~~كل واحد من حزبي المؤمن والكافر فيقلعوا عما هم عليه من الشر ~~وينيبوا إلى الله تعالى، وقيل: هو ابتداء كلام من الله تعالى خطابا ~~للكفرة في عهد النبي صلى الله عليه وسلم فيختص تذكير موسى عليه الصلاة ~~والسلام بما اختص ببني إسرائيل من السراء والضراء، والأيام بالأيام ~~الجارية عليهم فقط، وفيه ما لا يخفى من البعد، وأيضا لا يظهر حينئذ ~~وجه تخصيص تذكير الكفار الذين في عهد النبي عليه الصلاة والسلام بما ~~أصاب أولئك المعدودين مع أن غيرهم أسوة لهم في الخلو قبل هؤلاء { ~~قوم نوح } بدل من الموصول أو عطف بيان { وعاد } معطوف على قوم ~~نوح { وثمود والذين من بعدهم } أي من بعد هؤلاء المذكورين ~~عطف عام على قوم نوح وما عطف عليه وقوله تعالى: { لا يعلمهم ~~إلا الله } اعتراض أو الموصول مبتدأ ولا يعلمهم إلى آخره خبره، ~~والجملة اعتراض، والمعنى أنهم من الكثرة بحيث لا يعلم عددهم إلا الله ~~سبحانه. وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما بين عدنان وإسماعيل ثلاثون ~~أبا لا يعرفون. وكان ابن مسعود رضي الله تعالى عنه إذا قرأ هذه الآية ~~قال: كذب النسابون يعني أنهم يدعون علم الأنساب وقد نفى الله تعالى ~~علمها عن العباد { جاءتهم رسلهم } استئناف لبيان نبئهم { ~~بالبينت } بالمعجزات الظاهرة والبينات الباهرة فبين ms1768 كل ~~رسول لأمته طريق الحق وهداهم إليه ليخرجهم من الظلمات إلى النور { ~~فردوا أيديهم فى أفواههم } مشيرين بذلك إلى ألسنتهم ~~وما يصدر عنها من المقالة اعتناء منهم بشأنها وتنبيها للرسل على ~~تلقيها والمحافظة عليها وإقناطا لهم عن التصديق والإيمان بإعلام أن لا ~~جواب سواه. # { وقالوا إنا كفرنا بما أرسلتم به } أي على زعمكم ~~وهي البينات التي أظهروها حجة على صحة رسالاتهم كقوله تعالى: # ولقد أرسلنا موسى بئايتنا # [هود: 96] ومرادهم بالكفر بها الكفر بدلالتها على صحة رسالاتهم، أو ~~فعضوها غيظا وضجرا مما جاءت به الرسل كقوله تعالى: # عضوا عليكم الأنامل من الغيظ # [آل عمران: 119] أو وضعوها عليها تعجبا منه واستهزاء به كمن غلبه ~~الضحك أو إسكاتا للأنبياء عليهم السلام وأمرا لهم بإطباق الأفواه، ~~أو ردوها في أفواه الأنبياء عليهم الصلاة والسلام يمنعونهم من التكلم ~~تحقيقا أو تمثيلا، أو جعلوا أيدي الأنبياء في أفواههم تعجبا من ~~عتوهم وعنادهم كما ينبىء عنه تعجبهم بقولهم: # أفى الله شك # [ابراهيم: 10] وقيل: الأيدي بمعنى الأيادي عبر بها عن مواعظهم ونصائحهم ~~وشرائعهم التي هي مدار النعم الدينية والدنيوية لأنهم لما كذبوها فلم ~~يقبلوها فكأنهم ردوها إلى حيث جاءت منه { وإنا لفى شك } عظيم { ~~مما تدعوننا إليه } من الإيمان بالله والتوحيد فلا ينافي ~~شكهم في ذلك كفرهم القطعي بما أرسل به الرسل من البينات فإنهم ~~كفروا بها قطعا حيث لم يعتدوا بها ولم يجعلوها من جنس المعجزات ولذلك ~~قالوا: فأتونا بسلطان مبين، وقرىء تدعون بالإدغام { مريب } موقع ~~في الريبة من أرابه، أو ذي ريبة من أراب الرجل وهي قلق النفس وعدم ~~اطمئنانها بالشيء. ### || [14.10] # { قالت رسلهم } استئناف مبنى على سؤال ينساق إليه المقال ~~كأنه قيل: فماذا قالت لهم رسلهم؟ فأجيب بأنهم قالوا منكرين عليهم ~~ومتعجبين من مقالتهم الحمقاء: { أفى الله شك } بإدخال الهمزة ~~على الظرف للإيذان بأن مدار الإنكار ليس نفس الشك بل وقوعه فيما لا ~~يكاد يتوهم فيه الشك أصلا، منقادين عن تطبيق الجواب على كلام ~~الكفرة بأن يقولوا: أأنتم في شك مريب من الله تعالى؟ مبالغة ms1769 في تنزيه ~~ساحة السبحان عن شائبة الشك وتسجيلا عليهم بسخافة العقول، أي أفي شأنه ~~سبحانه من وجوده ووحدته ووجوب الإيمان به وحده شك وهو أظهر من كل ظاهر ~~وأجلى من كل جلي حتى تكونوا من قبله في شك مريب، وحيث كان مقصدهم ~~الأقصى الدعوة إلى الإيمان والتوحيد وكان إظهار البينات وسيلة إلى ~~ذلك لم يتعرضوا للجواب عن قول الكفرة: إنا كفرنا بما أرسلتم به، ~~واقتصروا علي بيان ما هو الغاية القصوى ثم عقبوا ذلك الإنكار بما ~~يوجبه من الشواهد الدالة على انتفاء المنكر فقالوا: { فاطر ~~السموات والأرض } أي مبدعهما وما فيها من المصنوعات على ~~نظام أنيق شاهد بتحقق ما أنتم منه في شك، وهو صفة للاسم الجليل أو بدل ~~منه وشك مرتفع بالظرف لاعتماده على الاستفهام، وجعله مبتدأ على أن ~~الظرف خبره يفضي إلى الفصل بين الموصوف والصفة بالأجنبي، أعني ~~المبتدأ والفاعل ليس بأجنبي من رافعه وقد جوز ذلك أيضا { ~~يدعوكم } إلى الإيمان بإرساله إيانا لا أنا ندعوكم إليه من تلقاء ~~أنفسنا كما يوهمه قولكم مما تدعوننا إليه { ليغفر لكم } بسببه ~~أو يدعوكم لأجل المغفرة، كقولك: دعوته ليأكل معي { من ذنوبكم } ~~أي بعضها وهو ما عدا المظالم مما بينهم وبينه تعالى فإن الإسلام ~~يجبه، قيل: هكذا وقع في جميع القرآن في وعد الكفرة دون وعد المؤمنين ~~تفرقة بين الوعدين، ولعل ذلك لما أن المغفرة حيث جاءت في خطاب الكفرة ~~مرتبة على محض الإيمان وفي شأن المؤمنين مشفوعة بالطاعة والتجنب عن ~~المعاصي ونحو ذلك فيتناول الخروج من المظالم، وقيل: المعنى ليغفر لكم ~~بدلا من ذنوبكم { ويؤخركم إلى أجل مسمى } إلى وقت ~~سماه الله تعالى وجعله منتهى أعماركم على تقدير الإيمان. # { قالوا } استئناف كما سبق { إن أنتم } أي ما أنتم { إلا ~~بشر مثلنا } من غير فضل يؤهلكم لما تدعونه من النبوة { ~~تريدون } صفة ثانية لبشر حملا على المعنى كقوله تعالى: # أبشر يهدوننا # [التغابن: 6] أو كلام مستأنف أي تريدون بما تتصدون له من الدعوة ~~والأرشاد { أن تصدونا } بتخصيص العبادة بالله سبحانه { عما ~~كان ms1770 يعبد ءاباؤنا } أي عن عبادة ما استمر آباؤنا على عبادته من ~~غير شيء يوجبه وإلا { فأتونا } أي وإن لم يكن الأمر كما قلنا بل ~~كنتم رسلا من جهة الله تعالى كما تدعونه فأتونا { بسلطن ~~مبين } يدل على فضلكم واستحقاقكم لتلك الرتبة، أو على صحة ما ~~تدعونه من النبوة حتى نترك ما لم نزل نعبده أبا عن جد. ولقد كانوا ~~آتوهم من الآيات الظاهرة والبينات الباهرة ما تخر له صم الجبال، ~~ولكنهم إنما يقولون من العظائم مكابرة وعنادا وإراءة لمن وراءهم أن ~~ذلك ليس من جنس ما ينطلق عليه السلطان المبين. ### || [14.11-12] # { قالت لهم رسلهم } مجاراة معهم في أول مقالتهم وإنما قيل ~~لهم لاختصاص الكلام بهم حيث أريد إلزامهم بخلاف ما سلف من إنكار وقوع ~~الشك في الله سبحانه فإن ذلك عام وإن اختص بهم ما يعقبه { إن ~~نحن إلا بشر مثلكم } كما تقولون { ولكن الله ~~يمن } بالنبوة { على من يشاء من عباده } يعنون أن ذلك ~~عطية من الله تعالى يعطيها من يشاء من عباده بمحض الفضل والامتنان من ~~غير داعية توجبه، قالوه تواضعا وهضما للنفس أو ما نحن من الملائكة بل ~~نحن بشر مثلكم في الصورة أو في الدخول تحت الجنس، ولكن الله يمن ~~بالفضائل والكمالات والاستعدادات على من يشاء المن بها وما يشاء ذلك ~~إلا لعلمه باستحقاقه لها، وتلك الفضائل والكمالات والاستعدادات هي التي ~~يدور عليها فلك الاصطفاء للنبوة { وما كان } وما صح وما استقام { ~~لنا أن نأتيكم بسلطن } أي بحجة من الحجج فضلا عن ~~السلطان المبين بشيء من الأشياء وسبب من الأسباب { إلا بإذن ~~الله } فإنه أمر يتعلق بمشيئته تعالى إن شاء كان وإلا فلا { وعلى ~~الله } وحده دون ما عداه مطلقا { فليتوكل المؤمنون } ~~أمر منهم للمؤمنين بالتوكل ومقصودهم حمل أنفسهم عليه آثر ذي أثير، ~~ألا يرى إلى قوله عز وجل: { وما لنا } أي عذر لنا { أن لا ~~نتوكل على الله } أي في أن لا نتوكل عليه، ولإظهار النشاط ~~بالتوكل عليه والاستلذاذ بذكر اسمه تعالى وتعليل التوكل { وقد ms1771 ~~هدانا } أي والحال أنه قد فعل بنا ما يوجبه ويستدعيه حيث هدانا { ~~سبلنا } أي أرشد كلا منا سبيله ومنهاجه الذي شرع له وأوجب عليه ~~سلوكه في الدين، وحيث كانت أذية الكفار مما يوجب القلق والاضطراب ~~القادح في التوكل، قالوا على سبيل التوكيد القسمي مظهرين لكمال ~~العزيمة: { ولنصبرن على ما اذيتمونا } بالعناد ~~واقتراح الآيات وغير ذلك مما لا خير فيه { وعلى الله } خاصة { ~~فليتوكل المتوكلون } فليثبت المتوكلون على ما أحدثوه من ~~التوكل، والمراد هو المراد مما سبق من إيجاب التوكل على أنفسهم، ~~والمراد بالمتوكلين المؤمنون، والتعبير عنهم بذلك لسبق ذكر اتصافهم ~~به ويجوز أن يراد وعليه فليتوكل من توكل دون غيره. ### || [14.13-14] # { وقال الذين كفروا } لعل هؤلاء القائلين بعض المتمردين ~~العاتين الغالين في الكفر من أولئك الأمم الكافرة التي نقلت مقالاتهم ~~الشنيعة دون جميعهم كقوم شعيب وأضرابهم ولذلك لم يقل وقالوا { ~~لرسلهم لنخرجنكم من أرضنا أو لتعودن فى ~~ملتنا } لم يقنعوا بعصيانهم الرسل ومعاندتهم الحق بعد ما رأوا ~~البينات الفائتة للحصر حتى اجترأوا على مثل هاتيك العظيمة التي لا ~~يكاد يحيط بها دائرة الإمكان فحلفوا على أن يكون أحد المحالين، ~~والعود إما بمعنى مطلق الصيرورة أو باعتبار تغليب المؤمنين على الرسل، ~~وقد مر في الأعراف وسيأتي في الكهف # فأوحى إليهم # أي إلى الرسل { ربهم } مالك أمرهم عند تناهي كفر الكفرة ~~وبلوغهم من العتو إلى غاية لا مطمع بعدها في إيمانهم { لنهلكن ~~الظلمين } على إضمار القول أو على إجراء الإيحاء مجراه لكونه ~~ضربا منه. # { ولنسكننكم الأرض } أي أرضهم وديارهم عقوبة لهم ~~بقولهم: لنخرجنكم من أرضنا كقوله تعالى: # وأورثنا القوم الذين كانوا يستضعفون مشرق ~~الأرض ومغربها # [الأعراف: 137] { من بعدهم } أي من بعد إهلاكهم، وقرىء ليهلكن ~~وليسكننكم بالياء اعتبارا لأوحى، كقولهم: حلف زيد ليخرجن غدا { ~~ذلك } إشارة إلى الموحى به وهو إهلاك الظالمين وإسكان المؤمنين ~~ديارهم أي ذلك الأمر محقق ثابت { لمن خاف مقامى } موقفي، وهو ~~الموقف الذي يقف فيه العباد يوم يقوم الناس لرب العالمين، أو قيامي ~~عليه وحفظي لأعماله، وقيل: لفظ المقام ms1772 مقحم { وخاف وعيد } ~~وعيدي بالعذاب أو عذابي الموعود للكفار، والمعنى أن ذلك حق للمتقين ~~كقوله: # والعقبة للمتقين # [الأعراف: 128]. ### || [14.15-17] # { واستفتحوا } أي استنصروا الله على أعدائهم كقوله تعالى: # إن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح # [الأنفال: 19] أو استحكموا وسألوه القضاء بينهم من الفتاحة وهي ~~الحكومة كقوله تعالى: # ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق # [الأعراف: 89] فالضمير للرسل، وقيل: للفريقين فإنهم سألوا أن ينصر ~~المحق ويهلك المبطل، وهو معطوف على أوحى إليهم وقرىء بلفظ الأمر ~~عطفا على لنهلكن الظالمين، أي أوحى إليهم ربهم لنهلكن، وقال لهم: ~~استفتحوا { وخاب } أي خسر وهلك { كل جبار عنيد } متصف ~~بضد ما اتصف به المتقون، أي فنصروا عنداستفتاحهم وظفروا بما سألوا ~~وأفلحوا وخاب كل جبار عنيد، وهم قومهم المعاندون فالخيبة بمعنى ~~مطلق الحرمان عن المطلوب، أو ذلك باعتبار أنهم كانوا يزعمون أنهم على ~~الحق، أو استفتح الكفار على الرسل وخابوا ولم يفلحوا، وإنما قيل: وخاب ~~كل جبار عنيد ذما لهم وتسجيلا عليهم بالتجبر والعناد لا أن بعضهم ~~ليسوا كذلك وأنه لم يصبهم الخيبة، أو استفتحوا جميعا فنصر الرسل ~~وأنجز لهم الوعد وخاب كل عات متمرد، فالخيبة بمعنى الحرمان غب ~~الطلب، وفي إسناد الخيبة إلى كل منهم ما لا يخفى من المبالغة. # { من ورائه جهنم } أي بين يديه فإنه مرصد لها واقف على ~~شفيرها في الدنيا مبعوث إليها في الآخرة، وقيل: من وراء حياته وحقيقته ~~ما توارى عنك { ويسقى } معطوف على مقدر جوابا عن سؤال سائل، كأنه ~~قيل: فماذا يكون إذن؟ فقيل: يلقى فيها ويسقى { من ماء } مخصوص لا ~~كالمياه المعهودة { صديد } وهو قيح أو دم مختلط بمدة يسيل من ~~الجرح، قال مجاهد وغيره: هو ما يسيل من أجساد أهل النار، وهو عطف ~~بيان لما أبهم أولا ثم بين بالصديد تهويلا لأمره وتخصيصه بالذكر ~~من بين عذابها يدور على أنه من أشد أنواعه. # { يتجرعه } قيل: هو صفة لماء أو حال منه والأظهر أنه استئناف ~~مبني على السؤال، كأنه قيل: فماذا يفعل به؟ فقيل: يتجرعه، أي يتكلف ~~جرعه مرة بعد أخرى لغلبة ms1773 العطش واستيلاء الحرارة عليه { ولا يكاد ~~يسيغه } أي لا يقارب أن يسيغه فضلا عن الإساغة بل يغص به فيشربه ~~بعد اللتيا والتي جرعة فيطول عذابه تارة بالحرارة والعطش وأخرى بشربه ~~على تلك الحال، فإن السوغ انحدار الشراب في الحلق بسهولة وقبول ~~نفس، ونفيه لا يوجب نفي ما ذكر جميعا، وقيل: لا يكاد يدخله في جوفه، ~~وعبر عنه بالإساغة لما أنها المعهودة في الأشربة وهو حال من فاعل ~~يتجرعه أو من مفعوله أو منهما جميعا { ويأتيه الموت } أي ~~أسبابه من الشدائد { من كل مكان } ويحيط به من جميع الجهات أو من ~~كل مكان من جسده حتى من أصول شعره وإبهام رجله { وما هو بميت } ~~أي والحال أنه ليس بميت كما هو الظاهر من مجيء أسبابه لا سيما من جميع ~~الجهات حتى لا يتألم بما غشيه من أصناف الموبقات { ومن ورائه } ~~من بين يديه { عذاب غليظ } يستقبل كل وقت عذابا أشد وأشق مما ~~كان قبله، ففيه دفع ما يتوهم من الخفة بحسب الاعتياد كما في عذاب ~~الدنيا، وقيل: هو الخلود في النار، وقيل: هو حبس الأنفاس، وقيل: ~~المراد بالاستفتاح والخيبة استسقاء أهل مكة في سنيهم التي أرسلها ~~الله تعالى عليهم بدعوته عليه الصلاة والسلام وخيبتهم في ذلك، وقد وعد ~~لهم بدل ذلك صديد أهل النار. ### || [14.18-21] # { مثل الذين كفروا بربهم } أي صفتهم وحالهم العجيبة ~~الشأن التي هي كالمثل في الغرابة، وهو مبتدأ خبره قوله تعالى: { ~~أعمالهم كرماد } كقولك: صفة زيد عرضه مهتوك وماله منهوب، ~~وهو استئناف مبني على سؤال من قال: ما بال أعمالهم التي عملوها في ~~وجوه البر من صلة الأرحام، وإعتاق الرقاب، وفداء الأسارى، وإغاثة ~~الملهوفين، وقرى الأضياف، وغير ذلك مما هو من باب المكارم حتى آل ~~أمرهم إلى هذا المآل؟ فأجيب بأن ذلك كرماد { اشتدت به الريح } ~~حملته وأسرعت الذهاب به { في يوم عاصف } العصف اشتداد الريح ~~وصف به زمانها مبالغة، كقولك: ليلة ساكرة وإنما السكور لريحها ~~شبهت صنائعهم المعدودة لابتنائها على غير أساس من معرفة الله تعالى ~~والإيمان ms1774 به والتوجه بها إليه تعالى برماد طيرته الريح العاصفة، أو ~~استئناف مسوق لبيان أعمالهم للأصنام، أو مبتدأ خبره محذوف كما هو ~~رأي سيبويه أي فيما يتلى عليك مثلهم، وقوله: أعمالهم بدل من مثل ~~الذين، وقوله: كرماد خبره { لا يقدرون } أي يوم القيامة { مما ~~كسبوا } من تلك الأعمال { على شىء } ما، أي لا يرون له أثرا ~~من ثواب أو تخفيف عذاب كدأب الرماد المذكور، وهو فذلكة التمثيل، ~~والاكتفاء ببيان عدم رؤية الأثر لأعمالهم للأصنام مع أن لها ~~عقوبات هائلة للتصريح ببطلان اعتقادهم وزعمهم أنها شفعاء لهم عند ~~الله تعالى وفيه تهكم بهم { ذلك } أي ما دل عليه التمثيل دلالة ~~واضحة من ضلالهم مع حسبانهم أنهم على شيء { هو الضلال البعيد ~~} عن طريق الصواب أو عن نيل الثواب. # { ألم تر } خطاب للرسول صلى الله عليه وسلم والمراد به أمته، ~~وقيل: لكل أحد من الكفرة لقوله تعالى: { يذهبكم } والرؤية رؤية ~~القلب وقوله تعالى: { أن الله خلق السموات والأرض } ~~ساد مسد مفعوليها، أي ألم تعلم أنه تعالى خلقهما { بالحق } ~~ملتبسة بالحكمة والوجه الصحيح الذي يحق أن تخلق عليه، وقرىء خالق ~~السموات والأرض { إن يشأ يذهبكم } يعدمكم بالمرة { ويأت ~~بخلق جديد } أي يخلق بدلكم خلقا آخر مستأنفا لا علاقة بينكم ~~وبينهم، رتب قدرته تعالى على ذلك على قدرته تعالى على خلق السموات ~~والأرض على هذا النمط البديع إرشادا إلى طريق الاستدلال فإن من قدر ~~على خلق مثل هاتيك الأجرام العظيمة كان على تبديل خلق آخر بهم أقدر ~~ولذلك قال: { وما ذلك } أي إذهابكم والإتيان بخلق جديد مكانكم { ~~على الله بعزيز } بمتعذر أم متعسر فإنه قادر بذاته على ~~الممكنات لا اختصاص له بمقدور دون مقدور، ومن هذا شأنه حقيق بأن ~~يؤمن به ويرجى ثوابه ويخشى عقابه. # { وبرزوا لله جميعا } أي يبرزون يوم القيامة، وإيثار صيغة ~~الماضي للدلالة على تحقق وقوعه كما في قوله سبحانه: # ونادى أصحب الجنة أصحب النار # [الأعراف: 44] أو لأنه لا مضي ولا استقبال بالنسبة إليه سبحانه، ~~والمراد بروزهم من قبورهم لأمر الله تعالى ms1775 ومحاسبته، أو لله على ظنهم ~~فإنهم كانوا يظنون عند ارتكابهم الفواحش سرا أنها تخفى على الله ~~سبحانه، فإذا كان يوم القيامة انكشفوا لله عند أنفسهم { فقال ~~الضعفاء } الأتباع جمع ضعيف، والمراد ضعف الرأي، وإنما كتب بالواو ~~على لفظ من يفخم الألف قبل الهمزة { للذين استكبروا } ~~لرؤسائهم الذين استتبعوهم واستغووهم { إنا كنا } في الدنيا { ~~لكم تبعا } في تكذيب الرسل عليهم السلام والإعراض عن نصائحهم، وهو ~~جمع تابع كغيب في جمع غائب، أو مصدر نعت به مبالغة، أو على إضمار أي ~~ذوي تبع { فهل أنتم مغنون } دافعون { عنا } والفاء ~~للدلالة على سببية الاتباع للإغناء، والمراد التوبيخ والعتاب ~~والتقريع والتبكيت { من عذاب الله من شىء } من الأولى ~~للبيان واقعة موقع الحال، والثانية للتبعيض واقعة موقع المفعول، أي ~~بعض الشيء الذي هو عذاب الله تعالى ويجوز كونهما للتبعيض أي بعض شيء ~~هو بعض عذاب الله والإعراب كما سبق ويجوز أن تكون الأولى مفعولا ~~والثانية مصدرا أي فهل أنتم مغنون عنا بعض العذاب بعض الإغناء، ويعضد ~~الأول قوله تعالى: { فهل أنتم مغنون عنا نصيبا من ~~النار }. # { قالوا } أي المستكبرون جوابا عن معاتبة الأتباع واعتذارا عما ~~فعلوا بهم { لو هدانا الله } أي للإيمان ووفقنا له { ~~لهديناكم } ولكن ضللنا فأضللناكم أي اخترنا لكم ما اخترناه ~~لأنفسنا، أو لو هدانا الله طريق النجاة من العذاب لهديناكم وأغنينا عنكم ~~كما عرضناكم له، ولكن سد دوننا طريق الخلاص ولات حين مناص { سواء ~~علينا أجزعنا } مما لقينا { أم صبرنا } على ذلك أي مستو ~~علينا الجزع والصبر في عدم الإنجاء، والهمزة وأم لتأكيد التسوية كما ~~في قوله تعالى: # سواء عليهم ءأنذرتهم أم لم تنذرهم # [البقرة: 6] وإنما أسندوهما ونسبوا استواءهما إلى ضمير المتكلم ~~المنتظم للمخاطبين أيضا مبالغة في النهي عن التوبيخ بإعلام أنهم ~~شركاء لهم فيها ابتلوا به وتسلية لهم، ويجوز أن يكون قوله: { سواء ~~علينا } الخ، من كلام الفريقين على منوال قوله تعالى: # ذلك ليعلم أنى لم أخنه # [يوسف: 52] ويؤيده ما روي (أنهم يقولون: تعالوا نجزع فيجزعون ~~خمسمائة عام فلا ينفعهم، فيقولون: ms1776 تعالوا نصبر فيصبرون كذلك فلا ~~ينفعهم فعند ذلك يقولون ذلك)، ولما كان عتاب الأتباع من باب الجزع ~~ذيلوا جوابهم ببيان أن لا جدوى في ذلك فقالوا: { ما لنا من ~~محيص } من منجى ومهرب من العذاب، من حاص الحمار إذا عدل بالفرار، ~~وهو إما اسم مكان كالمبيت والمصيف، أو مصدر كالمغيب والمشيب وهي ~~جملة مفسرة لإجمال ما فيه الاستواء فلا محل لها من الإعراب، أو حال ~~مؤكدة، أو بدل منه. ### || [14.22] # { وقال الشيطن } الذي أضل كلا الفريقين واستتبعهما عندما ~~عتباه بما قاله الأتباع للمستكبرين { لما قضى الأمر } أي ~~أحكم وفرغ منه، وهو الحساب ودخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار ~~خطيبا في محفل الأشقياء من الثقلين { إن الله وعدكم وعد ~~الحق } أي وعدا من حقه أن ينجز فأنجزه، أو وعدا أنجزه وهو الوعد ~~بالبعث والجزاء { ووعدتكم } أي وعد الباطل وهو أن لا بعث ولا ~~جزاء، ولئن كان فالأصنام شفعاؤكم ولم يصرح ببطلانه لما دل عليه ~~قوله: { فأخلفتكم } أي موعدي على حذف المفعول الثاني أي ~~نقضته، جعل خلف وعده كالإخلاف منه كأنه كان قادرا على إنجازه وأنى ~~له ذلك { وما كان لى عليكم من سلطن } أي تسلط أو ~~حجة تدل على صدقي { إلا أن دعوتكم } إلا دعائي إياكم إليه ~~وتسويله، وهو وإن لم يكن من باب السلطان لكنه أبرزه في مبروزه على طريقة # [وخيل قد دلفت لها بخيل] # تحية بينهم ضرب وجيع # مبالغة في نفي السلطان عن نفسه كأنه قال: إنما يكون لي عليكم سلطان ~~إذا كان مجرد الدعاء من بابه، ويجوز كون الاستثناء منقطعا { ~~فاستجبتم لى } فأسرعتم إجابتي { فلا تلومونى } بوعدي إياكم ~~حيث لم يكن ذلك على طريقة القسر والإلجاء كما يدل عليه الفاء، وقرىء ~~بالياء على وجه الالتفات كما في قوله تعالى: # حتى إذا كنتم فى الفلك وجرين بهم # [يونس: 22] { ولوموا أنفسكم } حيث استجبتم لي باختياركم حين ~~دعوتكم بلا حجة ولا دليل بمجرد تزيين وتسويل ولم تستجيبوا ربكم إذ ~~دعاكم دعوة الحق المقرونة بالبينات والحجج، وليس مراده التنصل عن ~~توجه ms1777 اللائمة إليه بالمرة بل بيان أنهم أحق بها منه وليس فيه ~~دلالة على استقلال العبد في أفعاله كما زعمت المعتزلة، بل يكفي في ذلك ~~أن يكون لقدرته الكاسبة التي عليها يدور فلك التكليف مدخل فيه، فإنه ~~سبحانه إنما يخلق أفعاله حسبما يختاره وعليه تترتب السعادة والشقاوة، ~~وما قيل من أنه يستدعي أن يقال: فلا تلوموني ولا أنفسكم فإن الله قضى ~~عليكم الكفر وأجبركم عليه مبني على عدم الفرق بين مذهب أهل الحق ~~وبين مسلك الجبرية { ما أنا بمصرخكم } أي بمغيثكم مما أنتم ~~فيه من العذاب { وما أنتم بمصرخى } مما أنا فيه، وإنما تعرض ~~لذلك مع أنه لم يكن في حيز الاحتمال مبالغة في بيان عدم إصراخه إياهم ~~وإيذانا بأنه أيضا مبتلى بما ابتلوا به ومحتاج إلى الإصراخ فكيف من ~~إصراخ الغير، ولذلك آثر الجملة الاسمية فكأن ما مضى كان جوابا منه ~~عن توبيخهم وتقريعهم، وهذا جواب عن استغاثتهم واستعانتهم به في ~~استدفاع ما دهمهم من العذاب وقرىء بكسر الياء. # { إنى كفرت } اليوم { بما أشركتمون من قبل } أي بإشراككم ~~إياي بمعنى تبرأت منه واستنكرته كقوله تعالى: # ويوم القيمة يكفرون بشرككم # [فاطر: 14] يعني أن إشراككم لي بالله سبحانه هو الذي يطمعكم في ~~نصرتي لكم بأن كان لكم علي حق حيث جعلتموني معبودا وكنت أود ذلك ~~وأرغب فيه، فاليوم كفرت بذلك ولم أحمده ولم أقبله منكم بل تبرأت منه ~~ومنكم فلم يبق بيني وبينكم علاقة، أو كفرت من قبل حين أبيت ~~السجود لآدم بالذي أشركتمونيه وهو الله تعالى كما في قوله: سبحان ما ~~سخركن لنا، فيكون تعليلا لعدم إصراخه فإن الكافر بالله سبحانه بمعزل ~~من الإغاثة والإعانة سواء كان ذلك بالمدافعة أو الشفاعة، وأما جعله ~~تعليلا لعدم إصراخهم إياه فلا وجه له إذ لا احتمال له حتى يحتاج إلى ~~التعليل، ولأن تعليل عدم إصراخهم بكفره يوهم أنهم بسبيل من ذلك لولا ~~المانع من جهته. # { إن الظلمين لهم عذاب أليم } تتمة كلامه، أو ~~ابتداء كلام من جهة الله عز وجل وفي حكاية أمثاله لطف ms1778 للسامعين ~~وإيقاظ لهم حتى يحاسبوا أنفسهم ويتدبروا عواقبهم. ### || [14.23-24] # { وأدخل الذين ءامنوا وعملوا الصلحات جنت ~~تجرى من تحتها الأنهر خلدين فيها بإذن ~~ربهم } أي بأمره أو بتوفيقه وهدايته، وفي التعرض لوصف الربوبية مع ~~الإضافة إلى ضميرهم إظهار مزيد اللطف بهم والمدخلون هم الملائكة ~~عليهم السلام، وقرىء على صيغة المتكلم فيكون قوله تعالى: { بإذن ~~ربهم } متعلقا بقوله تعالى: { تحيتهم فيها سلم } أي ~~يحييهم الملائكة بالسلام بإذن ربهم. # { ألم تر } الخطاب للرسول صلى الله عليه وسلم وقد علق بما بعده ~~من قوله تعالى: { كيف ضرب الله مثلا } أي كيف اعتمده ووضعه ~~في موضعه اللائق به { كلمة طيبة } منصوب بمضمر أي جعل كلمة ~~طيبة هي كلمة التوحيد أو كل كلمة حسنة كالتسبيحة والتحميدة ~~والاستغفار والتوبة والدعوة { كشجرة طيبة } أي حكم بأنها ~~مثلها لا أنه تعالى صيرها مثلها في الخارج وهو تفسير لقوله: { ضرب ~~الله مثلا } كقولك: شرف الأمير زيدا كساه حلة وحمله على فرس، ~~ويجوز أن يكون (كلمة) بدلا من مثلا وكشجرة صفتها، أو خبر مبتدأ ~~محذوف أي هي كشجرة وأن يكون أول مفعولي ضرب إجراء له مجرى جعل قد ~~أخر عن ثانيهما، أعني مثلا لئلا يبعد عن صفته التي هي كشجرة، وقد ~~قرئت بالرفع على الابتداء { أصلها ثابت } أي ضارب بعروقه في ~~الأرض، وقرأ أنس بن مالك رضي الله عنه كشجرة طيبة ثابت أصلها، ~~وقراءة الجماعة أقوى سبكا وأنسب بقرينته أعني قوله تعالى: { ~~وفرعها } أي أعلاها { فى السماء } في جهة العلو ويجوز أن يراد ~~وفروعها على الاكتفاء بلفظ الجنس عن الجمع. ### || [14.25-27] # { تؤتى أكلها } تعطي ثمرها { كل حين } وقته الله تعالى ~~لإثمارها { بإذن ربها } بإرادة خالقها، والمراد بالشجرة ~~المنعوتة إما النخلة كما روي مرفوعا أو شجرة في الجنة { ويضرب ~~الله الامثال للناس لعلهم يتذكرون } لأن في ضربها ~~زيادة إفهام وتذكير، فإنه تصوير للمعاني بصور المحسوسات. # { ومثل كلمة خبيثة } هي كلمة الكفر والدعاء إليه، أو ~~تكذيب الحق، أو ما يعم الكل، أو كل كلمة قبيحة { كشجرة } أي ~~كمثل شجرة خبيثة، قيل: هي كل ms1779 شجرة لا يطيب ثمرها كالحنظل والكشوث ~~ونحوهما، وتغيير الأسلوب للإيذان بأن ذلك غير مقصود الضرب والبيان ~~وإنما ذلك أمر ظاهر يعرفه كل أحد { خبيثة اجتثت } استؤصلت ~~وأخذت جثتها بالكلية { من فوق الأرض } لكون عروقها قريبة منه ~~{ ما لها من قرار } استقرار عليها. # { يثبت الله الذين ءامنوا بالقول الثابت } الذي ~~ثبت بالحجة عندهم وتمكن في قلوبهم وهو الكلمة الطيبة التي ذكرت ~~صفتها العجيبة { فى الحياة الدنيا } فلا يزالون عنه إذا افتتنوا ~~في دينهم كزكريا ويحيى وجرجيس وشمسون والذين فتنهم أصحاب الأخدود { ~~وفي الأخرة } فلا يتلعثمون إذا سئلوا عن معتقدهم في الموقف ولا ~~تدهشهم أهوال القيامة أو عند سؤال القبر. # " روي أنه عليه الصلاة والسلام ذكر قبض روح المؤمن فقال: " ثم يعاد ~~روحه في جسده فيأتيه ملكان فيجلسانه في قبره، فيقولان: من ربك وما ~~دينك ومن نبيك؟ فيقول: ربي الله وديني الإسلام ونبيي محمد عليه ~~الصلاة والسلام، فينادي مناد من السماء أنه صدق عبدي " # فذلك قوله تعالى: { يثبت الله الذين ءامنوا بالقول ~~الثابت } وهذا مثال إيتاء الشجرة المذكورة أكلها كل حين. قال ~~الثعلبي في تفسيره: أخبرني أبو القاسم بن حبيب في سنة ست وثمانين ~~وثلاثمائة، قال: سمعت أبا الطيب محمد بن علي الخياط يقول: سمعت (سهل ~~بن عمار العملي) يقول: رأيت (يزيد بن هارون) في منامي بعد موته فقلت: ~~ما فعل الله بك؟ قال: أتاني في قبري ملكان فظان فقالا: من ربك وما دينك ~~ومن نبيك؟ فأخذت بلحيتي البيضاء، فقلت لهما: ألمثلي يقال هذا، وقد ~~علمت الناس جوابكما ثمانين سنة؟ فدهبا. # { ويضل الله الظلمين } أي يخلق فيهما الضلال عن الحق ~~الذي ثبت المؤمنين عليه حسب إرادتهم واختيارهم، والمراد بهم الكفرة ~~بدليل ما يقابله ووصفهم بالظلم إما باعتبار وضعهم للشيء في غير موضعه ~~وإما باعتبار ظلمهم لأنفسهم حيث بدلوا فطرة الله التي فطر الناس عليها ~~فلم يهتدوا إلى القول الثابت، أو كل من ظلم نفسه بالاقتصار على التقليد ~~والإعراض عن البينات الواضحة فلا يتثبت في مواقف الفتن ولا يهتدي إلى ~~الحق، فالمراد بالذين ms1780 آمنوا حينئذ المخلصون في الإيمان والراسخون في ~~الإيقان كما ينبىء عنه التثبيت لكنه يوهم كون كلمة التوحيد إذا كانت ~~لا عن إيقان داخلة تحت ما لا قرار له من الشجرة المضروبة مثلا { ~~ويفعل الله ما يشاء } من تثبيت بعض وإضلال آخرين حسبما ~~توجبه مشيئته التابعة للحكم البالغة المقتضية لذلك، وفي إظهار الاسم ~~الجليل في الموضعين من الفخامة وتربية المهابة ما لا يخفى، مع ما فيه ~~من الإيذان بالتفاوت في مبدأ التثبيت والإضلال فإن مبدأ صدور كل ~~منهما عنه سبحانه وتعالى من صفاته العلا غير ما هو مبدإ صدور الآخر. ### || [14.28-30] # { ألم تر } تعجيب لرسول الله صلى الله عليه وسلم أو لكل أحد مما ~~صنع الكفرة من الأباطيل التي لا تكاد تصدر عمن له أدنى إدراك، أي ألم ~~تنظر { ألم تر إلى الذين بدلوا } أي شكر نعمته تعالى ~~بأن وضعوا موضعه { كفرا } عظيما وغمطا لها أو بدلوا نفس النعمة ~~كفرا، فإنهم لما كفروها سلبوها فصاروا مستبدلين بها كفرا كأهل مكة ~~حيث خلقهم الله سبحانه وأسكنهم حرمه الآمن الذي يجبى إليه ثمرات كل ~~شيء وجعلهم قوام بيته وشرفهم بمحمد عليه الصلاة والسلام فكفروا ذلك، ~~فقحطوا سبع سنين وقتلوا وأسروا يوم بدر، فصاروا أذلأ مسلوبي النعمة ~~باقين بالكفر بدلها. عن عمر وعلي رضي الله عنهما (هم الأفجران من قريش: ~~بنو المغيرة وبنو أمية أما بنو المغيرة فكفيتموهم يوم بدر وأما بنو ~~أمية فمتعوا إلى حين). كأنهما يتأولان ما سيتلى من قوله عز وجل: { ~~قل تمتعوا } الآية { وأحلوا } أي أنزلوا { قومهم } ~~بإرشادهم إياهم إلى طريقة الشرك والضلال، وعدم التعرض لحلولهم لدلالة ~~الإحلال عليه إذ هو فرع الحلول كقوله تعالى: # يقدم قومه يوم القيمة فأوردهم النار # [هود: 98] { دار البوار } دار الهلاك الذي لا هلاك وراءه. # { جهنم } عطف بيان لها، وفي الإبهام ثم البيان ما لا يخفى من ~~التهويل { يصلونها } حال منها أو من قومهم أي داخلين فيها مقاسين ~~لحرها، أو استئناف لبيان كيفية الحلول أو مفسر لفعل يقدر ناصبا ~~لجهنم، فالمراد بالإحلال المذكور حينئذ تعريضهم ms1781 للهلاك بالقتل والأسر ~~لكن قوله تعالى: { قل تمتعوا فإن مصيركم إلى النار ~~} أنسب بالتفسير الأول { وبئس القرار } على حذف المخصوص بالذم ~~أي بئس المقر جهنم أو بئس القرار قرارهم فيها، وفيه بيان أن حلولهم ~~وصليهم على وجه الدوام والاستمرار. # { وجعلوا } عطف على أحلوا وما عطف عليه داخل معهما في حيز الصلة ~~وحكم التعجيب أي جعلوا في اعتقادهم وحكمهم { لله } الفرد الصمد ~~الذي ليس كمثله شيء وهو الواحد القهار { أندادا } أشباها في التسمية ~~أو في العبادة { ليضلوا } قومهم الذين يشايعونهم حسبما ضلوا { عن ~~سبيله } القويم الذي هو التوحيد ويوقعوهم في ورطة الكفر والضلال، ~~ولعل تغيير الترتيب مع أن مقتضى ظاهر النظم أن يذكر كفرانهم نعمة ~~الله تعالى، ثم كفرهم بذاته تعالى باتخاذ الأنداد ثم إضلالهم لقومهم ~~المؤدي إلى إحلالهم دار البوار، لتثنية التعجيب وتكريره والإيذان بأن ~~كل واحد من وضع الكفر موضع الشكر وإحلال القوم دار البوار، واتخاذ ~~الأنداد للإضلال أمر يقضي منه العجب، ولو سيق النظم على نسق الوجود ~~لربما فهم التعجيب من مجموع الهنات الثلاث كما في قصة البقرة، وقرىء ~~ليضلوا بالفتح، وأيا ما كان فليس ذلك غرضا حقيقيا لهم من اتخاذ ~~الأنداد لكن لما كان ذلك نتيجة له شبه بالغرض وأدخل عليه اللام بطريق ~~الاستعارة التبعية. # { قل } تهديدا لأولئك الضالين المضلين ونعيا عليهم وإيذانا بأنهم ~~ لشدة إبائهم قبول الحق وفرط إنهماكهم في الباطل وعدم ارعوائهم عن ~~ذلك بحال أحقاء بأن يضرب عنهم صفحا ويعطف عنهم عنان العظة ~~ويخلوا وشأنهم ولا ينهوا عنه بل يؤمروا بمباشرته مبالغة في ~~التخلية والخذلان ومسارعة إلى بيان عاقبته الوخيمة ويقال لهم: { ~~تمتعوا } بما أنتم عليه من الشهوات التي جملتها كفران النعم ~~العظام واستتباع الناس في عبادة الأصنام { فإن مصيركم إلى ~~النار } ليس إلا، فلا بد لكم من تعاطي ما يوجب ذلك ويقتضيه من أحوالكم ~~بل هي في الحقيقة صورة لدخولها ومثال له حسبما يلوح به قوله سبحانه: # وأحلوا قومهم دار البوار # [إبراهيم: 28] الخ، فهو تعليل للأمر المأمور، وفيه من التهديد الشديد ~~والوعيد الأكيد ms1782 ما لا يوصف، أو قل لهم تصويرا لحالهم وتعبيرا عما ~~يلجئهم إلى ذلك: تمتعوا، إيذانا بأنهم لفرط انغماسهم في التمتع بما ~~هم فيه من غير صارف يلويهم ولا عاطف يثنيهم مأمورون بذلك من قبل آمر ~~الشهوة مذعنون لحكمه منقادون لأمره كدأب مأمور ساع في خدمة آمر ~~مطاع، فليس قوله تعالى: { فإن مصيركم إلى النار } حينئذ ~~تعليلا للأمر بل هو جواب شرط ينسحب عليه الكلام، كأنه قيل: هذه حالكم ~~فإن دمتم عليه فإن مصيركم إلى النار وفيه التهديد والوعيد لا في الأمر. ### || [14.31] # { قل لعبادى الذين ءامنوا } خصهم بالإضافة إليه تنويها ~~لهم وتنبيها على أنهم المقيمون لوظائف العبودية الموفون بحقوقها، ~~وترك العاطف بين الأمرين للإيذان بتباين حالهما باعتبار المقول ~~تهديدا وتشريفا، والمقول ههنا محذوف دل عليه الجواب أي قل لهم ~~أقيموا وأنفقوا { يقيموا الصلاة وينفقوا مما ~~رزقناهم } أي يداوموا على ذلك، وفيه إيذان بكمال مطاوعتهم ~~الرسول صلى الله عليه وسلم وغاية مسارعتهم إلى الامتثال بأوامره، وقد ~~جوزوا أن يكون المقول يقيموا وينفقوا بحذف لام الأمر عنهما، وإنما ~~حسن ذلك دون الحذف في قوله # محمد تفد نفسك كل نفس # إذا ما خفت من أمر تبالا # لدلالة قل عليه، وقيل: هما جوابا أقيموا وأنفقوا قد أقيما مقامهما وليس ~~بذاك { سرا وعلانية } منتصبان على المصدرية من الأمر المقدر لا ~~من جواب الأمر المذكور أي أنفقوا إنفاق سر وعلانية، والأحب في الإنفاق ~~إخفاء المتطوع به وإعلان الواجب، والمراد حث المؤمنين على الشكر ~~لنعم الله سبحانه بالعبادة البدنية والمالية وترك التمتع بمتاع الدنيا ~~والركون إليها كما هو صنيع الكفرة { من قبل أن يأتى يوم ~~لا بيع فيه } فيبتاع المقصر ما يتلافى به تقصيره أو يفتدي به ~~نفسه، والمقصود نفي عقد المعارضة بالمرة، وتخصيص البيع بالذكر ~~للإيجاز مع المبالغة في نفي العقد إذ انتفاء البيع يستلزم انتفاء ~~الشراء على أبلغ وجه، وانتفاؤه ربما يتصور مع تحقق الإيجاب من قبل ~~البائع { ولا خلل } ولا مخالة فيشفع له خليل أو يسامحه بمال ~~يفتدي به نفسه أو من قبل أن ms1783 يأتي يوم لا أثر فيه لما لهجوا بتعاطيه من ~~البيع والمخالة ولا انتفاع بذلك، وإنما الانتفاع والارتفاق فيه ~~بالإنفاق لوجه الله سبحانه، والظاهر أن من متعلقة بأنفقوا وتذكير ~~إتيان ذلك اليوم لتأكيد مضمونه كما في سورة البقرة من حيث إن كلا من ~~فقدان الشفاعة وما يتدارك به التقصير معاوضة وتبرعا، وانقطاع آثار ~~البيع والخلال الواقعين في الدنيا وعدم الانتفاع بهما من أقوى ~~الدواعي إلى الإتيان بما تبقى عوائده وتدوم فوائده من الإنفاق في ~~سبيل الله عز وجل، أو من حيث أن ادخار المال وترك إنفاقه إنما يقع ~~غالبا للتجارات والمهاداة فحيث لا يمكن ذلك في الآخرة فلا وجه ~~لادخاره إلى وقت الموت، وتخصيص التأكيد بذلك لميل الطباع إلى المال ~~وكونها مجبولة على حبه والضنة به، ولا يبعد أن يكون تأكيدا لمضمون ~~الأمر بإقامة الصلاة أيضا من حيث إن تركها كثيرا ما يكون بالاشتغال ~~بالبياعات والمخالات كما في قوله تعالى: # وإذا رأوا تجرة أو لهوا انفضوا إليها # [الجمعة: 11] وقرىء بالفتح فيهما على إرادة النفي العام ودلالة الرفع ~~على ذلك باعتبار خطابي هو وقوعه في جواب هل فيه بيع أو خلال؟ ### || [14.32] # { الله } مبتدأ خبره { الذى خلق السموات } وما فيها ~~من الأجرام العلوية { والأرض } وما فيها من أنواع المخلوقات. لما ~~ذكر أحوال الكافرين لنعم الله تعالى وأمر المؤمنين بإقامة مراسم ~~الطاعة شكرا لنعمه شرع في تفصيل ما يستوجب على كافة الأنام، ~~والمثابرة على الشكر والطاعة من النعم العظام والمنن الجسام حثا ~~للمؤمنين عليها وتقريعا للكفرة المخلين بها الواضعين موضعها الكفر ~~والمعاصي، وفي جعل المبتدإ الاسم الجليل والخبر الاسم الموصول بتلك ~~الأفاعيل العظيمة من خلق هذه الأجرام العظام وإنزال الأمطار وإخراج ~~الثمرات وما يتلوها من الآثار العجيبة ما لا يخفى من تربية المهابة ~~والدلالة على قوة السلطان { وأنزل من السماء } أي السحاب فإن ~~كل ما علاك سماء، أو من الفلك فإن المطر منه يبتدىء إلى السحاب ومنه ~~إلى الأرض على ما دلت عليه ظواهر النصوص أو من أسباب سماوية تثير ~~الأجزاء الرطبة من ms1784 أعماق الأرض إلى الجو فينعقد سحابا ماطرا، وأيا ~~ما كان فمن ابتدائية { ماء } أي نوعا منه هو المطر، وتقديم المجرور ~~على المنصوب إما باعتبار كونه مبدأ لنزوله أو لتشريفه كما في قولك: ~~أعطاه السلطان من خزانته مالا، أو لما مر مرارا من التشويق إلى ~~المؤخر { فأخرج به } بذلك الماء { من الثمرت } الفائتة ~~للحصر، إما لأن صيغ الجموع يتعاور بعضها موضع بعض، وإما لأنه أريد ~~بمفردها جماعة الثمرة التي في قولك: أدركت ثمرة بستان فلان { رزقا ~~لكم } تعيشون به وهو بمعنى المرزوق شامل للمطعوم والملبوس مفعول ~~لأخرج ومن للتبيين كقولك: أنفقت من الدراهم ألفا، ويجوز أن يكون من ~~الثمرات مفعولا ورزقا حالا منه، أو مصدرا من أخرج بمعنى رزق، أو ~~للتبعيض بدليل قوله تعالى: # فأخرجنا به ثمرات # [فاطر: 27] كأنه قيل: أنزل من السماء بعض الماء فأخرج به بعض الثمرات ~~ليكون بعض رزقكم إذ لم ينزل من السماء كل الماء ولا أخرج بالمطر كل ~~الثمار ولا جعل كل الرزق ثمرا، وخروج الثمرات وإن كان بمشيئته عز وجل ~~وقدرته لكن جرت عادته تعالى بإفاضة صورها وكيفياتها على المواد ~~الممتزجة من الماء والتراب وأودع في الماء قوة فاعلة وفي الأرض قوة ~~قابلة يتولد من اجتماعهما أنواع الثمار، وهو قادر على إيجاد الأشياء ~~بلا أسباب (ولا) مواد كما أبدع نفوس الأسباب كذلك لما أن له تعالى في ~~إنشائها مدرجا من طور إلى طور صنائع وحكما يجدد فيها لأولي ~~الأبصار عبرا وسكونا إلى عظيم قدرته ليس ذلك في إبداعها دفعة، ~~وقوله: لكم، صفة لقوله: رزقا، إن أريد به المرزوق، ومفعول به إن أريد ~~به المصدر كأنه قيل: رزقا إياكم. { وسخر لكم الفلك } بأن ~~أقدركم على صنعتها واستعمالها بما ألهمكم كيفية ذلك { لتجرى فى ~~البحر } جريا تابعا لإرادتكم { بأمره } بمشيئته التي نيط بها ~~كل شيء، وتخصيصه بالذكر للتنصيص على أن ذلك ليس بمزاولة الأعمال ~~واستعمال الآلات كما يتراءى من ظاهر الحال { وسخر لكم ~~الأنهر } إن أريد بها المياه العظيمة الجارية في الأنهار العظام ~~كما يومىء إليه ذكرها ms1785 عند البحر فتسخيرها جعلها معدة لانتفاع الناس ~~حيث يتخذون منها جداول يسقون منها زروعهم وجنانهم وما أشبه ذلك، وإن ~~أريد بها نفس الأنهار فتسخيرها تيسيرها لهم. ### || [14.33-34] # { وسخر لكم الشمس والقمر دائبين } يدأبان في سيرهما ~~وإنارتهما أصالة وخلافة وإصلاحهما لما نيط بهما صلاحه من المكونات { ~~وسخر لكم اليل والنهار } يتعاقبان خلفة لمنامكم ~~ومعاشكم ولعقد الثمار وإنضاجها، ذكر سبحانه وتعالى أنواع النعم ~~الفائضة عليهم وأبرز كل واحدة منها في جملة مستقلة تنويها لشأنها ~~وتنبيها على رفعة مكانها وتنصيصا على كون كل منها نعمة جليلة ~~مستوجبة للشكر، وفي التعبير عن التصريف المتعلق بما ذكر من الفلك ~~والأنهار والشمس والقمر والليل والنهار بالتسخير من الإشعار بما فيها ~~من صعوبة المأخذ وعزة المنال والدلالة على عظم السلطان وشدة المحال ~~ ما لا يخفى، وتأخير تسخير الشمس والقمر عن تسخير ما تقدمه من الأمور ~~المعدودة مع ما بينه وبين خلق السموات من المناسبة الظاهرة لاستتباع ~~ذكرها لذكر الأرض المستدعي لذكر إنزال الماء منها إليها الموجب لذكر ~~إخراج الرزق الذي من جملته ما يحصل بواسطة الفلك والأنهار أو ~~للتفادي عن توهم كون الكل أعني خلق السموات والأرض وتسخير الشمس ~~والقمر نعمة واحدة كما مر في سورة البقرة. # { وآتاكم من كل ما سألتموه } أي أعطاكم بعض جميع ما ~~سألتموه حسبما تقتضيه مشيئته التابعة للحكمة والمصلحة كقوله سبحانه: # من كان يريد العجلة عجلنا له فيها ما نشاء ~~لمن نريد # [الإسراء: 18] أو آتاكم من كل ذلك ما احتجتم إليه ونيط به انتظام ~~أحوالكم على الوجه المقدر فكأنكم سألتموه، أو كل ما طلبتموه بلسان ~~الاستعداد أو كل ما سألتموه، على أن (من) للبيان وكلمة كل للتكثير، ~~كقولك: فلان يعلم كل شيء وأتاه كل الناس وعليه قوله عز وجل: { ~~فتحنا عليهم أبواب كل شىء } وقيل: الأصل وآتاكم من كل ~~ما سألتموه وما لم تسألوه فحذف الثاني لدلالة ما أبقي على ما ألقي، ~~وقرىء بتنوين (كل) على أن ما نافيه ومحل سألتموه النصب على الحالية أي ~~آتاكم من كل غير سائليه. # { وإن تعدوا ms1786 نعمة الله } التي أنعم بها عليكم { لا ~~تحصوها } لا تطيقوا بحصرها ولو إجمالا فإنها غير متناهية، وأصل ~~الإحصاء أن الحاسب إذا بلغ عقدا معينا من عقود الأعداد وضع حصاة ~~ليحفظ بها، إيذان بعدم بلوغ مرتبة معتد بها من مراتبها فضلا عن بلوغ ~~غايتها، كيف لا وما من فرد من أفراد الناس وإن كان في أقصى مراتب ~~الفقر والإفلاس ممنوا بأصناف العنايا مبتلى بأنواع الرزايا فهو بحيث ~~لو تأملته ألفيته متقلبا في نعم لا تحد ومنن لا تحصى ولا تعد ~~كأنه قد أعطي كل ساعة وآن من النعماء ما حواه حيطة الإمكان، وإن ~~كنت في ريب من ذلك فقدر أنه ملك ملك أقطار العالم، ودانت له كافة ~~الأمم، وأذعنت لطاعته السراة، وخضعت لهيبته رقاب العتاة، وفاز بكل ~~مرام، ونال كل منال، وحاز جميع ما في الدنيا من أصناف الأموال من غير ~~ند يزاحمه، ولا شريك يساهمه، بل قدر أن جميع ما فيها من حجر ومدر ~~يواقيت غالية ونفائس درر، ثم قدر أنه قد وقع من فقد مشروب أو ~~مطعوم في حالة بلغت نفسه الحلقوم، فهل يشتري وهو في تلك الحال بجميع ~~ماله من الملك والمال لقمة تنجيه عن رواه، أو شربة ترويه من ظماه، ~~أم يختار الهلاك فتذهب الأموال والأملاك بغير بذل يبقى عليه ولا نفع ~~يعود إليه؟ كلا، بل يبذل لذلك كل ما تحويه اليدان كائنا ما كان وليس ~~في صفقته شائبة الخسران، فإذن تلك اللقمة والشربة خير مما في ~~الدنيا بألف رتبة مع أنهما في طرف الثمام ينالهما متى شاء من الليالي ~~والأيام، أو قدر أنه قد احتبس عليه النفس فلا دخل منه ما خرج ولا ~~خرج منه ما ولج، والحين قد حان وأتاه الموت من كل مكان أما يعطي ذلك ~~كله بمقابلة نفس واحد بل يعطيه وهو لرأيه حامد، فإذن هو خير من أموال ~~الدنيا بجملتها ومطالبها برمتها مع أنه قد أبيح له كل آن من آنات ~~الليالي والأيام حال اليقظة والمنام هذا من الظهور والجلاء بحيث لا ms1787 يكاد ~~يخفى على أحد من العقلاء، وإن رمت العثور على حقيقة الحق والوقوف على ~~كل ما جل من السر ودق فاعلم أن الإنسان بمقتضى حقيقته الممكنة بمعزل ~~عن استحقاق الوجود وما يتبعه من الكمالات اللائقة والملكات الرائقة ~~بحيث لو انقطع ما بينه وبين العناية الإلهية من العلاقة لما استقر له ~~القرار ولا اطمأنت به الدار إلا في مطمورة العدم والبوار، ومهاوي الهلاك ~~والدمار لكن يفيض عليه من الجناب الأقدس تعالى شأنه وتقدس في كل زمان ~~يمضي وكل آن يمر وينقضي من أنواع الفيوض المتعلقة بذاته ووجوده وسائر ~~صفاته الروحانية والنفسانية والجسمانية ما لا يحيط به نطاق التعبير ~~ولا يعلمه إلا العليم الخبير، وتوضيحه أنه كما لا يستحق الوجود ابتداء ~~لا يستحقه بقاء وإنما ذلك من جانب المبدأ الأول عز وجل، فكما لا يتصور ~~وجوده ابتداء ما لم ينسد عليه جميع أنحاء عدمه الأصلي لا يتصور ~~بقاؤه على الوجود بعد تحققه بعلته ما لم ينسد عليه جميع أنحاء عدمه ~~الطارىء لأن الاستمرار والدوام من خصائص الوجود الواجبي. # وأنت خبير بأن ما يتوقف عليه وجوده من الأمور الوجودية التي هي علله ~~وشرائطه وإن وجب كونها متناهية لوجوب تناهي ما دخل تحت الوجود لكن ~~الأمور العدمية التي لها دخل في وجوده ليست كذلك إذ لا استحالة في أن ~~يكون لشيء واحد موانع غير متناهية، وإنما الاستحالة في دخولها تحت ~~الوجود فارتفاع تلك الموانع التي لا تتناهى أعني بقاءها على العدم مع ~~إمكان وجودها في أنفسها في كل آن من آنات وجوده نعم غير متناهية ~~حقيقة لا ادعاء وكذا الحال في وجودات علله وشرائطه القريبة والبعيدة ~~ابتداء وبقاء وكذا في كمالاته التابعة لوجوده فاتضح أنه يفيض عليه ~~كل آن نعم لا تتناهى من وجوه شتى، فسبحانك سبحانك ما أعظم سلطانك لا ~~تلاحظك العيون بأنظارها ولا تطالعك العقول بأفكارها شأنك لا يضاهى ~~وإحسانك لا يتناهى ونحن في معرفتك حائرون وفي إقامة مراسم شكرك قاصرون ~~نسألك الهداية إلى مناهج معرفتك والتوفيق لأداء حقوق نعمتك لا نحصي ms1788 ~~ثناء عليك لا إله إلا أنت نستغفرك ونتوب إليك { إن الإنسان ~~لظلوم } يظلم النعمة بإغفال شكرها أو بوضعه إياها في غير موضعها ~~أو يظلم نفسه بتعريضها للحرمان { كفار } شديد الكفران، وقيل: ظلوم ~~في الشدة يشكو ويجزع، كفار في النعمة يجمع ويمنع، واللام في الإنسان ~~للجنس ومصداق الحكم بالظلم والكفران بعض من وجد فيه من أفراده ~~ويدخل في ذلك الذين بدلوا نعمة الله كفرا الخ دخولا أوليا. ### || [14.35] # { وإذ قال إبرهيم } أي واذكر وقت قوله عليه الصلاة والسلام، ~~والمقصود من تذكيره تذكير ما وقع فيه من مقالاته عليه السلام على نهج ~~التفصيل، والمراد به تأكيد ما سلف من تعجيبه عليه السلام ببيان فن ~~آخر من جناياتهم حيث كفروا بالنعم العامة وعصوا أباهم إبراهيم عليه ~~السلام حيث أسكنهم بمكة شرفها الله تعالى لإقامة الصلاة والاجتناب عن ~~عبادة الأصنام والشكر لنعم الله تعالى، وسأله تعالى أن يجعله بلدا آمنا ~~ويرزقهم من الثمرات وتهوي قلوب الناس إليهم من كل أوب سحيق فاستجاب ~~الله تعالى دعاءه وجعله حرما آمنا تجبى إليه ثمرات كل شيء فكفروا ~~بتلك النعم العظام واستبدلوا بالبلد الحرام دار البوار وجعلوا لله ~~أندادا وفعلوا ما فعلوا { رب اجعل هذا البلد } يعني مكة ~~شرفها الله سبحانه { من } أي ذا أمن أو آمنا أهله بحيث لا يخاف ~~فيه، على ما مر في سورة البقرة والفرق بينه وبين ما فيها من قوله: { ~~رب اجعل هذا بلدا آمنا } أن المسؤول هناك البلدية ~~والأمن معها، وههنا الأمن فقط حيث جعل هو المفعول الثاني للجعل ~~وجعل البلد صفة للمفعول الأول، فإن حمل على تعدد السؤال فلعله عليه ~~السلام سأل أولا كلا الأمرين فاستجيب له في أحدهما وتأخر الآخر إلى ~~وقته المقدر لما يقتضيه من الحكمة الداعية إليه، ثم كرر السؤال كما ~~هو المعتاد في الدعاء والابتهال، أو كان المسؤول أولا مجرد الأمن ~~المصحح للسكن كما في سائر البلاد وقد أجيب إليه، وثانيا الأمن ~~المعهود أو كان هو المسؤول فيهما وقد أجيب إليه أيضا لكن السؤال ~~الثاني للاستدامة، والاقتصار ms1789 على ذلك لأنه المقصود الأصلي أو لأن ~~المعتاد في البلدية الاستمرار بعد التحقق بخلاف الأمن، وإن حمل على ~~وحدة السؤال وتكرر الحكاية كما هو المتبادر فالظاهر أن المسؤول كلا ~~الأمرين، وقد حكي أولا واقتصر ههنا على حكاية سؤال الأمن لا لمجرد أن ~~نعمة الأمن أدخل في استيجاب الشكر فذكره أنسب بمقام تقريع الكفرة ~~على إغفاله كما قيل بل لأن سؤال البلدية قد حكي بقوله تعالى: # فاجعل أفئدة من الناس تهوى إليهم # [إبراهيم: 37] إذ المسؤول هويتها إليهم للمساكنة معهم لا للحج فقط ~~وهو عين سؤال البلدية قد حكي بعبارة أخرى وكان ذلك أول ما قدم عليه ~~السلام مكة، كما روى سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه ~~عليه الصلاة والسلام لما أسكن إسماعيل وهاجر هناك وعاد متوجها إلى ~~الشام تبعته هاجر وجعلت تقول: إلى من تكلنا في هذا البلقع؟ وهو لا ~~يرد عليها جوابا حتى قالت: آلله أمرك بهذا؟ فقال: نعم، قالت: إذا لا ~~يضيعنا فرضيت، ومضى حتى إذا استوى على ثنية كداء أقبل على الوادي ~~فقال: # ربنا إنى أسكنت # الآية، وإنما فصل ما بينهما تثنية للامتنان وإيذانا بأن كلا منهما ~~نعمة جليلة مستتبعة لشكر كثير في قصة البقرة. # { واجنبنى وبنى } بعدني وإياهم { أن نعبد الأصنام ~~} واجعلنا منها في جانب بعيد أي ثبتنا على ما كنا عليه من التوحيد وملة ~~الإسلام والبعد عن عبادة الأصنام، وقرىء وأجنبني من الإفعال، وهما لغة ~~أهل نجد، يقولون: جنبني شره وأجنبني شره، وأما أهل الحجاز ~~فيقولون: جنبني شره وفيه دليل على أن عصمة الأنبياء عليهم السلام ~~بتوفيق الله تعالى، والظاهر أن المراد ببنيه أولاد الصلبية فلا ~~احتجاج به لابن عيينة رضي الله عنه على أن أحدا من أولاد إسماعيل ~~عليه السلام لم يعبد الصنم وإنما كان لكل قوم حجر نصبوه، وقالوا: هو ~~حجر والبيت حجر، فكانوا يدورون به ويسمونه الدوار، فاستحب أن يقال: ~~طاف بالبيت ولا يقال دار بالبيت، وليت شعري كيف ذهب عليه ما في القرآن ~~العظيم من قوارع تنعي على ms1790 قريش عبادة الأصنام على أن فيما ذكره كر ~~على ما فر منه. ### || [14.36-37] # { رب إنهن } أي الأصنام { أضللن كثيرا من الناس } ~~أي تسببن له كقوله تعالى: # وغرتهم الحيوة الدنيا # [الأنعام: 70, 130] وهو تعليل لدعائه وإنما صدره بالنداء إظهارا ~~لاعتنائه به ورغبة في استجابته { فمن تبعنى } منهم فيما أدعو إليه ~~من التوحيد وملة الإسلام { فإنه منى } أي بعضي قاله عليه السلام ~~مبالغة في بيان اختصاصه به، أو متصل بي لا ينفك عني في أمر الدين { ~~ومن عصانى } أي لم يتبعني، والتعبير عنه بالعصيان للإيذان بأن ~~عليه السلام مستمر الدعوة وأن عدم اتباع من لم يتبعه إنما هو لعصيانه ~~لا لأنه لم يبلغه الدعوة { فإنك غفور رحيم } قادر على أن ~~تغفر له وترحمه ابتداء أو بعد توبته، وفيه أن كل ذنب فلله تعالى ~~أن يغفره حتى الشرك خلا أن الوعيد قضى بالفرق بينه وبين غيره. # { ربنا } آثر عليه السلام ضمير الجماعة لا لما قيل من تقدم ذكره ~~وذكر بنيه وإلا لراعاه في قوله: رب إنهن الخ، لأن الدعاء المصدر به ~~وما أورده بصدد تمهيد مبادي إجابته من قوله: { إنى أسكنت } ~~الآية، متعلق بذريته فالتعرض لوصف ربوبيته تعالى لهم أدخل في القبول ~~وإجابة المسؤول { من ذريتى } أي بعضهم أو ذرية من ذريتي فحذف ~~المفعول وهو إسماعيل عليه السلام وما سيولد له فإن إسكانه حيث كان على ~~وجه الاطمئنان متضمن لإسكانهم. روي أن هاجر أم إسماعيل عليه ~~السلام كانت لسارة فوهبتها من إبراهيم عليه السلام فلما ولدت له ~~إسماعيل عليه السلام غارت عليهما فناشدته أن يخرجهما من عندها ~~فأخرجهما إلى أرض مكة فأظهر الله تعالى عين زمزم { بواد غير ذى ~~زرع } لا يكون فيه زرع أصلا وهو وادي مكة شرفها الله تعالى { عند ~~بيتك } ظرف لأسكنت، كقولك: صليت بمكة عند الركن، لا أنه صفة ~~لواد أو بدل منه، إذ المقصود إظهار كون ذلك الإسكان مع فقدان مباديه ~~بالمرة لمحض التقرب إلى الله تعالى والالتجاء إلى جواره الكريم كما ~~ينبىء عنه التعرض لعنوان الحرمة المؤذن بعزة ms1791 الملتجأ وعصمته عن ~~المكاره في قوله تعالى: { المحرم } حيث حرم التعرض له والتهاون ~~به أو لم يزل معظما ممنعا يهابه الجبابرة في كل عصر، أو منع منه ~~الطوفان فلم يستول عليه ولذلك سمي عتيقا، وتسميته إذ ذاك بيتا ولم ~~يكن له بناء وإنما كان نشزا مثل الرابية تأتيه السيول فتأخد ~~ذات اليمين وذات الشمال ليست باعتبار ما سيؤول إليه الأمر من بنائه ~~عليه السلام فإنه ينزع إلى اعتبار عنوان الحرمة أيضا كذلك بل إنما هي ~~باعتبار ما كان من قبل فإن تعدد بناء الكعبة المعظمة مما لا ريب فيه ~~وإنما الاختلاف في كمية عدده وقد ذكرناها في سورة البقرة بفضل الله ~~تعالى. # { ربنا ليقيموا الصلاة } متوجهين إليه متبركين به، وهو ~~متعلق بأسكنت وتخصيصها بالذكر من بين سائر شعائر الدين لفضلها، ~~وتكرير النداء وتوسيطه لإظهار كمال العناية بإقامة الصلاة ~~والاهتمام بعرض أن الغرض من إسكانهم بذلك الوادي البلقع ذلك المقصد ~~الأقصى والمطلب الأسنى، وكل ذلك لتمهيد مبادىء إجابة دعائه وإعطاء ~~مسؤوله الذين لا يتسنى ذلك المرام إلا به، ولذلك أدخل عليه الفاء ~~فقال: { فاجعل أفئدة من الناس } أي أفئدة من أفئدتهم، فمن ~~للتبعيض، ولذلك قيل: لو قال: أفئدة الناس لازدحمت عليهم فارس والروم، ~~وأما ما زيد عليه من قولهم: ولحجت اليهود والنصارى فغير مناسب للمقام ~~إذ المسؤول توجيه القلوب إليهم للمساكنة معهم لا توجيهها إلى البيت ~~للحج، وإلا لقيل: تهوي إليه، فإنه عين الدعاء بالبلدية قد حكي بعبارة ~~أخرى كما مر، أو لابتداء الغاية كقولك: القلب مني سقيم أي أفئدة ~~ناس، وقرىء آفدة على القلب كآدر في أدؤر أو على أنه اسم فاعل من أفدت ~~الرحلة أي عجلت أي جماعة من الناس وأفدة بطرح الهمزة من الأفئدة أو ~~على النعت من أفد { تهوى إليهم } تسرع إليهم شوقا وودادا، ~~وقرىء على البناء للمفعول من أهواه غيره وتهوى من باب علم أي تحب، ~~وتعديته بإلى لتضمنه معنى الشوق والنزوع وأول آثار هذه الدعوة ما ~~روي أنه مرت رفقة من جرهم تريد الشام فرأوا ms1792 الطير تحوم على الجبل ~~فقالوا: إن هذا الطائر لعائف على الماء فأشرفوا فإذا هم بهاجر، فقالوا ~~لها: إن شئت كنا معك وآنسناك والماء ماؤك فأذنت لهم وكانوا معها إلى أن ~~شب إسماعيل عليه السلام وماتت هاجر فتزوج إسماعيل منهم كما هو ~~المشهور. # { وارزقهم } أي ذريتي الذين أسكنتهم هناك أو مع من ينحاز إليهم ~~من الناس. وإنما لم يخص الدعاء بالمؤمنين منهم كما في قوله: # وارزق أهله من الثمرت من ءامن منهم بالله ~~واليوم الأخر # [البقرة: 126] اكتفاء بذكر إقامة الصلاة { من الثمرت } من ~~أنواعها بأن يجعل بقرب منه قرى يحصل فيها ذلك أو يجبى إليه من ~~الأقطار الشاسعة وقد حصل كلاهما حتى إنه يجتمع فيه الفواكه الربيعية ~~والصيفية والخريفية في يوم واحد، روي عن ابن عباس رضي الله عنهما أن ~~الطائف كانت من أرض فلسطين فلما دعا إبراهيم عليه السلام بهذه الدعوة ~~رفعها الله تعالى ووضعها حيث وضعها رزقا للحرم. وعن الزهري رضي الله ~~عنه أنه تعالى نقل قرية من قرى الشام فوضعها بالطائف لدعوة إبراهيم ~~عليه السلام { لعلهم يشكرون } تلك النعمة بإقامة الصلاة ~~وأداء سائر مراسم العبودية، وقيل: اللام في ليقيموا لام الأمر ~~والمراد أمرهم بإقامة الصلاة والدعاء من الله تعالى بتوفيقهم لها ولا ~~يناسبه الفاء في قوله تعالى: { فاجعل } الخ، وفي دعائه عليه السلام ~~من مراعاة حسن الأدب والمحافظة على قوانين الضراعة وعرض الحاجة ~~واستنزال الرحمة واستجلاب الرأفة ما لا يخفى، فإنه عليه السلام بذكر ~~كون الوادي غير ذي زرع بين كمال افتقارهم إلى المسؤول، وبذكر كون ~~إسكانهم عند البيت المحرم أشار إلى أن جوار الكريم يستوجب إفاضة ~~النعيم، وبعرض كون ذلك الإسكان مع كمال إعواز مرافق المعاش لمحض ~~إقامة الصلاة وأداء حقوق البيت مهد جميع مبادي إجابة السؤال، ~~ولذلك قرنت دعوته عليه السلام بحسن القبول. ### || [14.38-39] # { ربنا إنك تعلم ما نخفى وما نعلن } من الحاجات ~~وغيرها، والمراد بما نخفي ما يقابل ما نعلن سواء تعلق به الإخفاء أو ~~لا، أي تعلم ما نظهره وما لا نظهره فإن علمه ms1793 تعالى متعلق بما لا يخطر ~~بباله مما فيه من الأحوال الخفية فضلا عن إخفائه، وتقديم ما نخفي على ~~ما نعلن لتحقيق المساواة بينهما في تعلق العلم بهما على أبلغ وجه فكأن ~~تعلقه بما يخفى أقدم منه بما يعلن، أو لأن مرتبة السر والخفاء ~~متقدمة على مرتبة العلن إذ ما من شيء يعلن إلا وهو قبل ذلك خفي ~~فتعلق علمه سبحانه بحالته الأولى أقدم من تعلقه بحالته الثانية، ~~وقصده عليه السلام أن إظهار هذه الحاجات وما هو من مباديها وتتماتها ~~ليس لكونها غير معلومة لك، بل إنما هو لإظهار العبودية والتخشع ~~لعظمتك، والتذلل لعزتك، وعرض الافتقار إلى ما عندك، والاستعجال لنيل ~~أياديك. وتكرير النداء للمبالغة في الضراعة والابتهال، وضمير الجماعة ~~لأن المراد ليس مجرد علمه تعالى بسره وعلنه بل بجميع خفايا الملك ~~والملكوت وقد حققه بقوله على وجه الاعتراض : # وما يخفى على الله من شىء فى الأرض ولا فى ~~السماء # لما أنه العالم بالذات فما من أمر يدخل تحت الوجود كائنا ما كان في ~~زمان من الأزمان إلا ووجوده في ذاته علم بالنسبة إليه سبحانه، وإنما ~~قال: وما يخفي على الله الخ، دون أن يقول: ويعلم ما في السموات والأرض ~~تحقيقا لما عناه بقوله: تعلم ما نخفي من أن علمه تعالى بذلك ليس على ~~وجه يكون فيه شائبة خفاء بالنسبة إلى علمه تعالى كما يكون ذلك بالنسبة ~~إلى علوم المخلوقات، وكلمة في متعلقة بمحذوف وقع صفة لشيء، أي من ~~شيء كائن فيهما، أعم من أن يكون ذلك على وجه الاستقرار فيهما، أو على ~~وجه الجزئية منهما أو بيخفى، وتقديم الأرض على السماء مع توسيط لا ~~بينهما باعتبار القرب والبعد منا المستدعيين للتفاوت بالنسبة إلى ~~علومنا، والالتفات من الخطاب إلى اسم الذات المستجمعة للصفات لتربية ~~المهابة والإشعار بعلة الحكم على نهج قوله تعالى: # ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير # [الملك: 14] والإيذان بعمومه لأنه ليس بشأن يختص به أو بمن يتعلق به، ~~بل شامل لجميع الأشياء فالمناسب ذكره تعالى بعنوان مصحح لمبدإ ms1794 ~~الكل، وقيل: هو من كلام الله عز وجل وارد بطريق الاعتراض لتصديقه عليه ~~السلام كقوله سبحانه: { وكذلك يفعلون } ومن للاستغراق على ~~الوجهين. # { الحمد لله الذى وهب لى على الكبر } أي مع كبري ~~ويأسي عن الولد، قيد الهبة به استعظاما للنعمة وإظهارا لشكرها { ~~إسمعيل وإسحق } روي أنه ولد له إسماعيل وهو ابن تسع ~~وتسعين سنة، وولد له إسحاق وهو ابن مائة واثنتي عشرة سنة أو مائة وسبع ~~عشرة سنة. # { إن ربى } ومالك أمري { لسميع الدعاء } لمجيبه، من ~~قولهم: سمع الملك كلامه إذا اعتد به، وهي من أبنية المبالغة العاملة ~~عمل الفعل أضيف إلى مفعوله أو فاعله بإسناد السماع إلى دعاء الله ~~تعالى مجازا، وهو مع كونه من تتمة الحمد والشكر إذ هو وصف له تعالى ~~بأن ذلك الجميل سنته المستمرة تعليل على طريقة التذييل للهبة ~~المذكورة، وفيه إيذان بتضاعف النعمة فيها حيث وقعت بعد الدعاء بقوله: # رب هب لى من الصلحين # [الصافات: 100] فاقترنت الهبة بقبول الدعوة، وتوحيد ضمير المتكلم وإن ~~كان عقيب ذكر هبتهما لما أن نعمة الهبة فائضة عليه خاصة وهما من ~~النعم لا من المنعم عليهم. ### || [14.40-42] # { رب اجعلنى مقيم الصلوة } مثابرا عليها معدلا لها، ~~وتوحيد ضمير المتكلم مع شمول دعوته لذريته أيضا حيث قال: { ومن ~~ذريتى } أي بعضهم من المذكورين ومن يسير سيرتهما من أولادهما ~~للإشعار بأنه المقتدى في ذلك وذريته أتباع له وإن ذكرهم بطريق ~~الاستطراد، لا كما في قوله: # ربنا إنى أسكنت # [ابراهيم: 37] الخ، فإن إسكانه مع عدم تحققه بلا ملابسة لمن أسكنه ~~إنما هو مذكور بطريق التمهيد للدعاء الذي هو مخصوص بذريته وإنما خص ~~هذا الدعاء ببعض ذريته لعلمه من جهة الله تعالى أن بعضا منهم لا يكون ~~مقيم الصلاة كقوله تعالى: # ربنا واجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنا أمة ~~مسلمة لك # [البقرة: 128] { ربنا وتقبل دعاء } أي دعائي هذا ~~المتعلق بجعلي وجعل بعض ذريتي مقيمي الصلاة ثابتين على ذلك ~~مجتنبين عن عبادة الأصنام، ولذلك جيء بضمير الجماعة. # { ربنا اغفر لى } أي ما فرط مني من ترك ms1795 الأولى في باب الدين ~~وغير ذلك مما لا يسلم منه البشر { ولوالدى } وقرىء بالتوحيد ~~ولأبوي، وهذا الاستغفار منه عليه السلام إنما كان قبل تبين الأمر له ~~عليه السلام، وقيل: أراد بوالديه آدم وحواء، وقيل: بشرط الإسلام ويرده ~~قوله تعالى: # إلا قول إبرهيم # [الممتحنة: 4] الآية، وقد مر في سورة التوبة نوع تحقيق للمقام سيأتي ~~تمامه في سورة مريم بفضل الله تعالى { وللمؤمنين } كافة من ذريته ~~وغيرهم وللإيذان باشتراك الكل في الدعاء بالمغفرة جيء بضمير الجماعة { ~~يوم يقوم الحساب } أي يثبت ويتحقق محاسبة أعمال المكلفين ~~على وجه العدل، استعير له من ثبوت القائم على الرجل بالاستقامة، ومنه ~~قامت الحرب على ساق، والمراد تهويله، وقيل: أسند إليه قيام أهله ~~مجازا أو حذف المضاف كما في { واسئل القرية } واعلم أن ما حكي ~~عنه عليه السلام من الأدعية والأذكار وما يتعلق بها ليس بصادر عنه على ~~الترتيب المحكي ولا على وجه المعية، بل صدر عنه في أزمنة متفرقة ~~حكي مرتبا للدلالة على سوء حال الكفرة بعد ظهور أمره في الملة ~~وإرشاد الناس إليها والتضرع إلى الله تعالى لمصالحهم الدينية ~~والدنيوية. # { ولا تحسبن الله غفلا عما يعمل الظلمون ~~} خطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم والمراد تثبيته على ما كان عليه ~~من عدم حسبانه عز وجل كذلك، نحو قوله: # ولا تكونن من المشركين # [الأنعام: 14] ونظائره، مع ما فيه من الإيذان بكونه واجب الاحتراز عنه ~~في الغاية حتى نهي عنه من لا يمكن تعاطيه، أو نهيه عليه السلام عن ~~حسبانه تعالى تاركا لعقابهم على طريقة العفو، والتعبير عنه بذلك ~~للمبالغة في النهي والإيذان بأن ذلك الحسبان بمنزلة حسبانه تعالى ~~غافلا عن أعمالهم إذ العلم بذلك مستوجب لعقابهم لا محالة فتركه لو ~~كان لكان للغفلة عما يوجبه من أعمالهم الخبيثة، وفيه تسلية لرسول الله ~~صلى الله عليه وسلم ووعد له أكيد ووعيد للكفرة وسائر الظالمين شديد، ~~أو لكل أحد ممن يستعجل عذابهم أو يتوهم إهمالهم للجهل بصفاته تعالى ~~والاغترار بإمهاله، وقيل: معناه لا تحسبنه تعالى يعاملهم معاملة ~~الغافل ms1796 عما عملوا بل معاملة من يحافظ على أعمالهم ويجازيهم بذلك نقيرا ~~وقطميرا، والمراد بالظالمين أهل مكة ممن عدت مساويهم من تبديل ~~نعمة الله تعالى كفرا وإحلال قومهم دار البوار واتخاذ الأنداد كما ~~يؤذن به التعرض لحكمة التأخير المنبىء عنه قوله تعالى: # قل تمتعوا # [إبراهيم: 30] الآية، أو جنس الظالمين وهم داخلون في الحكم دخولا ~~أوليا. # { إنما يؤخرهم } يمهلهم متمتعين بالحظوظ الدنيوية ولا يعجل ~~عقوبتهم حسبما يشاهد، وهو استئناف وقع تعليلا للنهي السابق أي دم على ~~ما كنت عليه من عدم حسبانه تعالى غافلا عن أعمالهم ولا تحزن بتأخير ~~ما تستوجبه من العذاب الأليم، إذ تأخيره للتشديد والتغليظ، أو لا ~~تحسبنه تعالى تاركا لعقوبتهم لما ترى من تأخيرها إنما ذلك لأجل هذا، أو ~~لا تحسبنه تعالى يعاملهم معاملة الغافل ولا يؤاخذهم بما عملوا لما ترى ~~من التأخير، إنما هو لهذه الحكمة وقرىء بالنون، وإيقاع التأخير عليهم ~~مع أن المؤخر إنما هو عذابهم لتهويل الخطب وتفظيع الحال ببيان أنهم ~~متوجهون إلى العذاب مرصدون لأمر ما لا أنهم باقون باختيارهم، ~~وللدلالة على أن حقهم من العذاب هو الاستئصال بالمرة وألا يبقى ~~منهم في الوجود عين ولا أثر، وللإيذان بأن المؤخر له من جملة العذاب ~~وعنوانه، ولو قيل: إنما يؤخر عذابهم الخ لما فهم ذلك { ليوم } هائل ~~{ تشخص فيه الأبصر } ترتفع أبصار أهل الموقف فيدخل في ~~زمرتهم الكفرة المعهودون دخولا أوليا، أي تبقى مفتوحة لا تتحرك ~~أجفانهم من هول ما يرونه، واعتبار عدم قرارها في أماكنها إما باعتبار ~~الارتفاع الحسي في جرم العين وإما بجعل الصيغة من شخص من بلد ~~إلى بلد وسار في ارتفاع. ### || [14.43] # { مهطعين } مسرعين إلى الداعي مقبلين عليه بالخوف والذل والخشوع ~~أو مقبلين بأبصارهم عليه لا يقلعون عنه ولا يطرفون هيبة وخوفا، وحيث ~~كان إدامة النظر ههنا بالنظر إلى الداعي قيل: { مقنعى رؤوسهم ~~} أي رافعيها مع إدامة النظر من غير التفات إلى شيء كذا قاله العتبي ~~وابن عرفة، أو ناكسيها ويقال: أقنع رأسه أي طأطأها ونكسها فهو من ~~الأضداد وهما حالان ms1797 مما دل عليه الأبصار من أصحابها، أو الثاني حال ~~متداخلة من الضمير في الأول، وإضافته غير حقيقية فلا ينافي الحالية { ~~لا يرتد إليهم طرفهم } أي لا يرجع إليهم تحريك ~~أجفانهم حسبما كان يرجع إليهم كل لحظة بل تبقى أعينهم مفتوحة لا ~~تطرف أو لا ترجع إليهم أجفانهم التي هي آلة الطرف، فيكون إسناد ~~الرجوع إلى الطرف مجازيا أو هو نفس الجفن. قال الفيروز آبادي: الطرف ~~العين لا يجمع لأنه مصدر في الأصل أو اسم جامع للعين. أو لا يرجع ~~نظرهم إلى أنفسهم فضلا عن أن يرجع إلى شيء آخر فيبقون مبهوتين، وهو ~~أيضا حال أو بدل من مقنعي الخ، أو استئناف والمعنى لا يزول ما اعتراهم ~~من شخوص الأبصار، وتأخيره عما هو تتمته من الإهطاع والإقناع مع ما ~~بينه وبين الشخوص المذكور من المناسبة لتربية هذا المعنى { ~~وأفئدتهم هواء } خالية من العقل والفهم لفرط الحيرة ~~والدهش، كأنها نفس الهواء الخالي من كل شاغل، ومنه قيل للجبان ~~والأحمق: قلبه هواء أي لا قوة ولا رأي فيه، واعتبار خلوها عن كل ~~خير لا يناسب المقام وهو إما حال عاملها لا يرتد مفيدة لكون شخوص ~~أبصارهم وعدم ارتداد طرفهم بلا فهم ولا اختيار أو جملة مستقلة. ### || [14.44] # { وأنذر الناس } خطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم بعد ~~إعلامه أن تأخيرهم لماذا، وأمر له بإنذارهم وتخويفهم منه، والمراد ~~بالناس الكفار المعبر عنهم بالظالمين كما يقتضيه ظاهر إتيان العذاب، ~~والعدول إليه من الإضمار للإشعار بأن المراد بالإنذار هو الزجر عما هم ~~عليه من الظلم شفقة عليهم لا التخويف للانزعاج والإيذاء، فالمناسب ~~عدم ذكرهم بعنوان الظلم، أو الناس جميعا فإن الإنذار عام للفريقين ~~كقوله تعالى: # إنما تنذر من اتبع الذكر # [يس: 11] والإتيان يعمهما من حيث كونهما في الموقف وإن كان لحوقه ~~بالكفار خاصة، أي أنذرهم وخوفهم { يوم يأتيهم العذاب } ~~المعهود وهو اليوم الذي وصف بما لا يوصف من الأوصاف الهائلة أعني يوم ~~القيامة، وقيل: هو يوم موتهم معذبين بالسكرات ولقاء الملائكة بلا ~~بشرى، أو يوم هلاكهم ms1798 بالعذاب العاجل، ويأباه القصر السابق { ~~فيقول الذين ظلموا } أي فيقولون، والعدول عنه إلى ما عليه ~~النظم الكريم للتسجيل عليهم بالظلم وللإشعار بأن ما لقوه من الشدة إنما ~~هو لظلمهم، وإيثاره على صيغة الفاعل حسبما ذكر، أو لا للإيذان بأن ~~الظلم في الجملة كاف في الإفضاء إلى ما ذكر من الأهوال من غير حاجة ~~إلى الاستمرار عليه كما ينبىء عنه صيغة الفاعل، وعلى تقدير كون ~~المراد بالناس من يعم المسلمين أيضا فالمعنى الذين ظلموا منهم وهم ~~الكفار، أو يقول: كل من ظلم بالشرك والتكذيب من المنذرين وغيرهم من ~~الأمم الخالية فإن إتيان العذاب يعمهم كما يشعر بذلك وعدهم باتباع ~~الرسل. # { ربنا أخرنا } ردنا إلى الدنيا وأمهلنا { إلى أجل ~~قريب } إلى أمد وحد من الزمان قريب { نجب دعوتك } أي ~~الدعوة إليك وإلى توحيدك أو دعوتك لنا على ألسنة الرسل، ففيه إيماء ~~إلى أنه صدقوهم في أنهم مرسلون من عند الله تعالى { ونتبع ~~الرسل } فيما جاءونا به أي نتدارك ما فرطنا فيه من إجابة الدعوة ~~واتباع الرسل، والجمع إما باعتبار اتفاق الجميع على التوحيد وكون ~~عصيانهم للرسول صلى الله عليه وسلم عصيانا لهم جميعا، وإما باعتبار أن ~~المحكي ظالمو الأمم جميعا والمقصود بيان وعد كل أمة باتباع ~~رسولها، { أولم تكونوا أقسمتم من قبل } على إضمار ~~القول معطوفا على (فيقول) أي فيقال لهم توبيخا وتبكيتا: ألم ~~تؤخروا في الدنيا ولم تكونوا أقسمتم إذ ذاك بألسنتكم بطرا وأشرا ~~وجهلا وسفها { ما لكم من زوال } مما أنتم عليه من التمتع ~~بالحظوظ الدنيوية أو بألسنة الحال حيث بنيتم مشيدا وأملتم بعيدا ولم ~~تحدثوا أنفسكم بالانتقال منها إلى هذه الحالة، وفيه إشعار بامتداد ~~زمان التأخير وبعد مداه أو ما لكم من زوال من هذه الدار إلى دار أخرى ~~للجزاء كقوله تعالى: # وأقسموا بالله جهد أيمنهم لا يبعث الله ~~من يموت # [النحل: 38] وصيغة الخطاب في جواب القسم لمراعاة حال الخطاب في أقسمتم ~~كما في قوله: حلف بالله ليخرجن، وهو أدخل في التوبيخ من أن يقال: ما ~~لنا مراعاة لحال ms1799 المقسم. ذكر البيهقي عن محمد بن كعب القرظي أنه ~~قال: لأهل النار خمس دعوات يجيبهم الله تعالى في أربع منها فإذا كانت ~~الخامسة لم يتكلموا بعدها أبدا يقولون: # ربنا أمتنا اثنتين وأحييتنا اثنتين ~~فاعترفنا بذنوبنا فهل إلى خروج من سبيل # [غافر: 11] فيجيبهم الله تعالى: # ذلكم بأنه إذا دعى الله وحده كفرتم وإن ~~يشرك به تؤمنوا فالحكم لله العلى الكبير # [غافر: 12] ثم يقولون: # ربنا أبصرنا وسمعنا فارجعنا نعمل صلحا ~~إنا موقنون # [السجدة: 12] فيجيبهم الله تعالى: # فذوقوا بما نسيتم لقاء يومكم هذا # [السجدة: 14] الآية، ثم يقولون: # ربنا أخرنا إلى أجل قريب نجب دعوتك ~~ونتبع الرسل # فيجيبهم الله تعالى: { أولم تكونوا أقسمتم } الآية، ثم ~~يقولون: # ربنا أخرجنا نعمل صلحا غير الذى كنا ~~نعمل # [فاطر: 37] فيجيبهم الله تعالى: # أولم نعمركم ما يتذكر فيه من تذكر وجاءكم ~~النذير فذوقوا فما للظلمين من نصير # [فاطر: 37] فيقولون: # ربنا غلبت علينا شقوتنا وكنا قوما ضالين # [المؤمنون: 106] فيجيبهم الله تعالى: # اخسئوا فيها ولا تكلمون # [المؤمنون: 108] فلا يتكلمون بعدها أبدا، إن هو إلا زفير وشهيق وعند ~~ذلك انقطع رجاؤهم وأقبل بعضهم ينبح في وجه بعض وأطبقت عليهم جهنم، ~~اللهم إنا بك نعوذ وبكنفك نلوذ عز جارك وجل ثناؤك ولا إله غيرك. ### || [14.45] # { وسكنتم } من السكنى بمعنى التبوؤ والإيطان، وإنما استعمل ~~بكلمة في حيث قيل: { فى مسكن الذين ظلموا أنفسهم } ~~جريا على الأصل لأنه منقول عن مطلق السكون الذي حقه التعدية بها أو ~~من السكون واللبث، أي قررتم في مساكنهم مطمئنين سائرين سيرتهم في ~~الظلم بالكفر والمعاصي غير محدثين لأنفسكم بما لقوا بسبب ما اجترحوا ~~من الموبقات، وفي إيقاع الظلم على أنفسهم بعد إطلاقه فيما سلفه إيذان ~~بأن غائلة الظلم آئلة إلى صاحبه، والمراد بهم إما جميع من تقدم من ~~الأمم المهلكة عن تقدير اختصاص الاستمهال، والخطاب السابق بالمنذرين، ~~وإما أوائلهم من قوم نوح وهود على تقدير عمومهما للكل، وهذا الخطاب ~~وما يتلوه باعتبار حال أواخرهم { وتبين لكم } بمشاهدة الآثار ~~وتواتر الأخبار { كيف فعلنا بهم } من الإهلاك والعقوبة بما ~~فعلوا من ms1800 الظلم والفساد، وكيف منصوب بما بعده من الفعل وليس الجملة ~~فاعلا لتبين كما قاله بعض الكوفيين، بل فاعله ما دلت هي عليه ~~دلالة واضحة أي فعلنا العجيب بهم، وفيه من المبالغة ما ليس في أن ~~يقال: ما فعلنا بهم كما مر في قوله تعالى: # ليسجننه # وقرىء وبين { وضربنا لكم الأمثال } أي بينا لكم في ~~القرآن العظيم على تقدير اختصاص الخطاب بالمنذرين أو على ألسنة ~~الأنبياء عليهم السلام على تقدير عمومه لجميع الظالمين صفات ما ~~فعلوا وما فعل بهم من الأمور التي هي في الغرابة كالأمثال المضروبة لكل ~~ظالم، لتعتبروا بها وتقيسوا أعمالكم على أعمالهم ومآلكم على مآلهم ~~وتنتقلوا من حلول العذاب العاجل إلى حلول العذاب الآجل فترتدعوا عما ~~كنتم فيه من الكفر والمعاصي، أو بينا لكم أنكم مثلهم في الكفر ~~واستحقاق العذاب، والجمل الثلاث في موقع الحال من ضمير أقسمتم، أي ~~أقسمتم بالخلود والحال أنكم سكنتم في مساكن المهلكين بظلمهم وتبين لكم ~~فعلنا العجيب بهم ونبهناكم على جلية الحال بضرب الأمثال. ### || [14.46] # وقوله عز وجل: # { وقد مكروا مكرهم } حال من الضمير الأول في فعلنا بهم أو ~~من الثاني أو منهما جميعا، وإنما قدم عليه قوله تعالى: { وضربنا ~~لكم الأمثال } لشدة ارتباطه بما قبله أي فعلنا، والحال أنهم قد ~~مكروا في إبطال الحق وتقدير الباطل مكرهم العظيم الذي استفرغوا في ~~عمله المجهود وجاوزوا فيه كل حد معهود، بحيث لا يقدر عليه غيرهم، ~~فالمراد بيان تناهيهم في استحقاق ما فعل بهم أو قد مكروا مكرهم ~~المذكور في ترتيب مبادىء البقاء ومدافعة أسباب الزوال، فالمقصود ~~إظهار عجزهم واضمحلال قدرتهم وحقارتها عند قدرة الله تعالى { وعند ~~الله مكرهم } أي جزاء مكرهم الذي فعلوه، على أن المكر مضاف ~~إلى فاعله، أو أخذه تعالى بهم على أنه مضاف إلى مفعوله، وتسميته مكرا ~~لكونه بمقابلة مكرهم وجودا وذكرا أو لكونه في صورة المكر في الإتيان ~~من حيث لا يشعرون، وعلى التقديرين فالمراد به ما أفاده قوله عز وجل: # كيف فعلنا بهم # [إبراهيم: 45] لا أنه وعيد مستأنف، والجملة ms1801 حال من الضمير في مكروا ~~أي مكروا مكرهم وعند الله جزاؤه أو ما هو أعظم منه، والمقصود بيان ~~فساد رأيهم حيث باشروا فعلا مع تحقق ما يوجب تركه { وإن كان ~~مكرهم } في العظم والشدة { لتزول منه الجبال } أي وإن ~~كان مكرهم في غاية المتانة والشدة، وعبر عن ذلك بكونه مسوى ~~ومعدا لإزالة الجبال عن مقارها لكونه مثلا في ذلك، والجملة ~~المصدرة بأن الوصلية معطوفة على جملة مقدرة والمعنى وعند الله جزاء ~~مكرهم أو المكر الذي يحيق بهم إن لم يكن مكرهم لتزول منه الجبال وإن ~~كان الخ، وقد حذف ذلك حذفا مطردا لدلالة المذكور عليه دلالة واضحة ~~فإن الشيء إذا تحقق عند وجود المانع القوي فلأن يتحقق عند عدمه ~~أولى، وعلى هذه النكتة يدور ما في أن الوصلية من التأكيد المعنوي، ~~والجواب محذوف دل عليه ما سبق وهو قوله تعالى: { وعند الله ~~مكرهم } وقيل: إن نافية واللام لتأكيدها كما في قوله تعالى: # وما كان الله ليعذبهم # [الأنفال: 33] وينصره قراءة ابن مسعود رضي الله عنه وما كان مكرهم، ~~فالجملة حينئذ حال من الضمير في مكروا لا من قوله تعالى: { وعند ~~الله مكرهم } أي مكروا مكرهم والحال أن مكرهم لم يكن لتزول ~~منه الجبال على أنها عبارة عن آيات الله تعالى وشرائعه ومعجزاته ~~الظاهرة على أيدي الرسل السالفة عليهم السلام التي هي بمنزلة الجبال ~~الراسيات في الرسوخ، وأما كونها عبارة عن أمر النبي صلى الله عليه ~~وسلم وأمر القرآن العظيم كما قيل فلا مجال له إذ الماكرون هم المهلكون ~~لا الساكنون في مساكنهم من المخاطبين وإن خص الخطاب بالمنذرين، وقيل: ~~هي مخففة من إن، والمعنى إنه كان مكرهم ليزول منه ما هو كالجبال في ~~الثبات مما ذكر في الآيات والشرائع والمعجزات والجملة كما هي حال من ~~ضمير مكروا أي مكروا مكرهم المعهود وإن الشأن كان مكرهم لإزالة ~~الآيات والشرائع على أنه لم يكن يصح أن يكون منهم مكر كذلك، وكان ~~شأن الآيات والشرائع مانعا من مباشرة المكر لإزالته، وقد قرأ ~~الكسائي لتزول ms1802 بفتح اللام على أنها الفارقة، والمعنى تعظيم مكرهم ~~فالجملة حال من قوله تعالى: { وعند الله مكرهم } أي عنده ~~تعالى جزاء مكرهم أو المكر بهم والحال أن مكرهم بحيث تزول منه الجبال ~~أي في غاية الشدة، وقرىء بالفتح والنصب على لغة من يفتح لام كي وقرىء ~~(وإن كاد مكرهم) هذا هو الذي يقتضيه النظم الكريم وينساق إليه الطبع ~~السليم. # وقد قيل إن الضمير في مكروا للمنذرين والمراد بمكرهم ما أفاده قوله عز ~~وجل: # وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو ~~يقتلوك أو يخرجوك # [الأنفال: 30] الآية، وغيره من أنواع مكرهم برسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، ولعل الوجه حينئذ أن يكون قوله تعالى: { وقد مكروا } الخ، ~~حالا من القول المقدر أي فيقال لهم ما يقال والحال أنهم مع ما فعلوا ~~من الإقسام المذكور، مع ما ينافيه من السكون في مساكن المهلكين وتبين ~~أحوالهم وضرب الأمثال قد مكروا مكرهم العظيم أي لم يكن الصادر عنهم ~~مجرد الإقسام الذي وبخوا به بل اجترؤا على مثل هذه العظيمة، وقوله ~~تعالى: { وعند الله مكرهم } حال من ضمير مكروا حسبما ذكرنا ~~من قبل، وقوله تعالى: { وإن كان مكرهم لتزول منه ~~الجبال } مسوق لبيان عدم تفاوت الحال في تحقيق الجزاء بين كون ~~مكرهم قويا أو ضعيفا كما مر هناك وعلى تقدير كون إن نافية فهو حال ~~من ضمير مكروا، والجبال عبارة عن أمر النبي صلى الله عليه وسلم أي وقد ~~مكروا، والحال أن مكرهم ما كان لتزول منه هاتيك الشرائع والآيات التي ~~هي في القوة كالجبال، وعلى تقدير كونها مخففة من الثقيلة واللام ~~مكسورة يكون حالا منه أيضا على معنى أن ذلك المكر العظيم منهم كان ~~لهذا الغرض، على معنى أنه لم يكن يصح أن يكون منهم مكر كذلك المكر لما ~~أن شأن الشرائع أعظم من أن يمكر بها ماكر، وعلى تقدير فتح اللام فهو ~~حال من قوله تعالى: { وعند الله مكرهم } كما ذكرنا من قبل ~~فليتأمل. ### || [14.47] # { فلا تحسبن الله مخلف وعده رسله } لم يرد به ~~والله ms1803 سبحانه أعلم ما وعده بقوله تعالى: # إنا لننصر رسلنا # [غافر: 51] الآية، وقوله: # كتب الله لأغلبن أنا ورسلى # [المجادلة: 21] كما قيل فإنه لا اختصاص له بالتعذيب لا سيما الأخروي، ~~بل ما سلف آنفا من وعده بتعذيب الظالمين بقوله تعالى: # إنما يؤخرهم # [إبراهيم: 42] الآية، كما يفصح عنه الفاء الداخلة على النهي الذي أريد ~~به تثبيته عليه الصلاة والسلام على ما كان عليه من الثقة بالله تعالى ~~والتيقن بإنجاز وعده المذكور المقرون بالأمر بإنذارهم يوم إتيان ~~العذاب المتضمن لذكر تعذيب الأمم السالفة، بسبب كفرهم وعصيانهم ~~رسلهم بعد ما وعدهم بذلك كما فصلت قصة كل منهم في القرآن العظيم، ~~فكأنه قيل: وإذ قد وعدناك بعذاب الظالمين يوم القيامة، وأخبرناك بما ~~يلقونه من الشدائد، وبما يسألونه من الرد إلى الدنيا، وبما أجبناهم ~~به وقرعناهم بعدم تأملهم في أحوال من سبقهم من الأمم الذين أهلكناهم ~~بظلمهم بعد ما وعدنا رسلهم بإهلاكهم، فدم على ما كنت عليه من اليقين ~~بعدم إخلافنا رسلنا وعدنا { أن الله عزيز } غالب لا يماكر ~~وقادر لا يقادر { ذو انتقام } لأوليائه من أعدائه، والجملة تعليل ~~للنهي المذكور وتذييل له، وحيث كان الوعد عبارة عما ذكرنا من تعذيبهم ~~خاصة لم يذيل بأن يقال: إن الله لا يخلف الميعاد، بل تعرض لوصف العزة ~~والانتقام المشعرين بذلك، والمراد بالانتقام ما أشير إليه بالفعل ~~وعبر عنه بالمكر. ### || [14.48-49] # { يوم تبدل الأرض غير الأرض } ظرف لمضمر مستأنف ~~ينسحب عليه النهي المذكور أي ينجزه يوم الخ، أو معطوف عليه نحو وارتقب ~~يوم تبدل الأرض غير الأرض، أو الانتقام وهو يوم يأتيهم العذاب بعينه ~~ولكن له أحوال جمة يذكر كل مرة بعنوان مخصوص، والتقييد به مع عموم ~~انتقامه للأوقات كلها للإفصاح عما هو المقصود من تعذيب الكفرة المؤخر ~~إلى ذلك اليوم بموجب الحكمة الداعية إليه، وقيل: بدل من # يوم يأتيهم العذاب # [إبراهيم: 44] أو نصب باذكر أو إضمار لا يخلف وعده يوم تبدل الخ، ~~وفيه أيضا ما في الوجه الثالث من الحاجة إلى الاعتذار، ولا يجوز أن ~~ينتصب بقوله: مخلف وعده ms1804 لأن ما قبل إن لا يعمل فيما بعده، وقيل: هو ~~غير مانع لأن قوله تعالى: { إن الله عزيز ذو انتقام } ~~جملة اعتراضية فلا يبالى بها فاصلا. # واعلم أن التبديل قد يكون في الذات كما في: بدلت الدراهم دنانير ~~وعليه قوله عز وجل: # بدلنهم جلودا غيرها # [النساء: 56] وقد يكون في الصفات كما في قولك: بدلت الحلقة خاتما ~~إذا غيرت شكلها ومنه قوله تعالى: # يبدل الله سيئاتهم حسنت # [الفرقان: 70] على بعض الأقوال، والآية الكريمة ليست بنص في أحد ~~الوجهين. فعن علي رضي الله عنه: " تبدل أرضا من فضة وسموات من ذهب " ~~وعن ابن مسعود رضي الله عنه " " تبدل الأرض بأرض كالفضة بيضاء نقية لم ~~يسفك فيها دم ولم يعمل عليها خطيئة " وعن ابن عباس رضي الله عنهما: " ~~هي تلك الأرض وإنما تغير صفاتها " وأنشد # وما الناس بالناس الذين عهدتهم # وما الدار بالدار التي كنت تعلم # وتبدل السموات بانتثار كواكبها وكسوف شمسها وخسوف قمرها وانشقاقها ~~وكونها أبوابا، ويدل عليه ما روي عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه عليه ~~الصلاة والسلام قال: # " تبدل الأرض غير الأرض فتبسط وتمد مد الأديم العكاظي لا ترى ~~فيها عوجا ولا أمتا " # { والسموت } أي وتبدل السموات غير السموات حسبما مر من ~~التفصيل، وتقديم تبديل الأرض لقربها منا ولكون تبديلها أعظم أثرا ~~بالنسبة إلينا. # { وبرزوا } أي الخلائق أو الظالمون المدلول عليهم بمعونة السباق، ~~والمراد بروزهم من أجداثهم التي في بطون الأرض أو ظهورهم بأعمالهم ~~التي كانوا يعملونها سرا ويزعمون أنها لا تظهر، أو يعملون عمل من ~~يزعم ذلك، ولعل إسناد البروز إليهم مع أنه لأعمالهم للإيذان بتشكلهم ~~بأشكال تناسبها، وهو معطوف على تبدل، والعدول إلى صيغة الماضي للدلالة ~~على تحقق وقوعه، أو حال من الأرض بتقدير قد والرابط بينها وبين ~~صاحبها الواو { لله الواحد القهار } للحساب والجزاء، ~~والتعرض للوصفين لتهويل الخطب وتربية المهابة وإظهار بطلان ~~الشرك، وتحقيق الانتقام في ذلك اليوم على تقدير كونه ظرفا له، ~~وتحقيق إتيان العذاب الموعود على تقدير كونه بدلا من يوم يأتيهم ~~العذاب فإن ms1805 الأمر إذا كان لواحد غلاب لا يعار وقادر لا يضار ولا ~~يغار كان في غاية ما يكون من الشدة والصعوبة. # { وترى المجرمين } عطف على برزوا، والعدول إلى صيغة المضارع ~~لاستحضار الصورة أو للدلالة على الاستمرار، وأما البروز فهو دفعي لا ~~استمرار فيه وعلى تقدير حالية برزوا فهو معطوف على تبدل ويجوز عطفه ~~على عامل الظرف المقدم على تقدير كونه ينجزه { يومئذ } يوم إذ ~~برزوا له عز وجل أو يوم إذ تبدل الأرض أو يوم ينجز وعده { ~~مقرنين } قرن بعضهم مع بعض حسب اقترانهم في الجرائم والجرائر، أو ~~قرنوا مع الشياطين الذين أغووهم أو قرنوا مع ما اقترفوا من العقائد ~~الزائغة والملكات الردية والأعمال السيئة غب تصور كل منها ~~وتشكلهما بما يناسبهما من الصور الموحشة والأشكال الهائلة، أو قرنت ~~أيديهم وأرجلهم إلى رقابهم وهو حال من المجرمين { فى الأصفاد } في ~~القيود أو الأغلال، وهو إما متعلق بقوله تعالى: { مقرنين } أو حال ~~من ضميره أي مصفدين. ### || [14.50-51] # { سرابيلهم } أي قمصانهم { من قطران } جملة من مبتدإ وخبر ~~محلها النصب على الحالية من المجرمين أو من ضميرهم في مقرنين رابطتها ~~الضمير فقط كما في كلمته فوه إلى في، أو مستأنفة، والقطران ما ينحلب ~~من الأيهل فيطبخ فتهنأ به الإبل الجربى فيحرق الجرب بما فيه من ~~الحدة الشديدة، وقد تصل حرارته إلى الجوف وهو أسود منتن يسرع فيه ~~اشتعال النار يطلى به جلود أهل النار حتى يعود طلاؤه لهم كالسراويل ~~ليجتمع عليهم الألوان الأربعة من العذاب لذعه وحرقته وإسراع النار في ~~جلودهم واللون الموحش والنتن على أن التفاوت بينه وبين ما نشاهده ~~وبين النارين لا يكاد يقادر قدره فكأن ما نشاهده منهما أسماء ~~مسمياتها في الآخرة، فبكرمه العميم نعوذ وبكنفه الواسع نلوذ ويحتمل ~~أن يكون ذلك تمثيلا لما يحيط بجوهر النفس من الملكات الردية والهنات ~~الوحشية فتجلب إليها الآلام والغموم بل وأن يكون القطران المذكور عين ~~ما لابسوه في هذه النشأة وجعلوا شعارا لهم من العقائد الباطلة والأعمال ~~السيئة المستجلبة لفنون العذاب قد تجسدت في ms1806 النشأة الآخرة بتلك الصورة ~~المستتبعة لاشتداد العذاب عصمنا الله سبحانه عن ذلك بمنه ولطفه، وقرىء ~~قطرآن أي نحاس مذاب متناه حره. # { وتغشى وجوههم النار } أي تعلوها وتحيط بها النار التي ~~تمس جسدهم المسربل بالقطران، وتخصيص الوجوه بالحكم المذكور مع ~~عمومه لسائر أعضائهم لكونها أعز الأعضاء الظاهرة وأشرفها كقوله ~~تعالى: # أفمن يتقى بوجهه سوء العذاب # [الزمر: 24] الخ، ولكونها مجمع المشاعر والحواس التي خلقت لإدراك ~~الحق وقد أعرضوا عنه ولم يستعملوها في تدبره، كما أن الفؤاد أشرف ~~الأعضاء الباطنة ومحل المعرفة وقد ملؤوها بالجهالات، ولذلك قيل: # تطلع على الأفئدة # [الهمزة: 7] أو لخلوها عن القطران المغني عن ذكر غشيان النار لها، ~~ولعل تخليتها عنه ليتعارفوا عند انكشاف اللهب أحيانا ويتضاعف عذابهم ~~بالخزي على رؤوس الأشهاد، وقرىء تغشى أي تتغشى بحذف إحدى التاءين، ~~والجملة نصب على الحالية لا على أن الواو حالية لأنه مضارع مثبت بل ~~على أنها معطوفة على الحال قاله أبو البقاء. # { ليجزى الله } متعلق بمضمر أي يفعل بهم ذلك ليجزي { كل ~~نفس } مجرمة { ما كسبت } من أنواع الكفر والمعاصي جزاء ~~موافقا لعملها، وفيه إيذان بأن جزاءهم مناسب لأعمالهم، أو بقوله: ~~برزوا على تقدير كونه معطوفا على تبدل، والضمير للخلق، وقوله: وترى ~~المجرمين الخ، اعتراض بين المتعلق والمتعلق به أي برزوا للحساب ~~ليجزي الله كل نفس مطيعة أو عاصية ما كسبت من خير أو شر، وقد اكتفي ~~بذكر عقاب العصاة تعويلا على شهادة الحال لا سيما مع ملاحظة سبق ~~الرحمة الواسعة { إن الله سريع الحساب } إذ لا يشغله شأن ~~عن شأن فيتمه في أعجل ما يكون من الزمان فيوفي الجزاء بحسبه، أو ~~سريع المجيء يأتي عن قريب، أو سريع الانتقام كما قال ابن عباس رضي الله ~~عنهما في قوله تعالى: # وهو سريع الحساب # [الرعد: 41]. ### || [14.52] # { هذا } أي ما ذكر من قوله سبحانه: # ولا تحسبن الله غفلا # إلى قوله: { سريع الحساب } { بلاغ } كفاية في العظة ~~والتذكير من غير حاجة إلى ما انطوى عليه السورة الكريمة أو كل القرآن ~~المجيد من فنون العظات والقوارع ms1807 { للناس } للكفار خاصة على تقدير ~~اختصاص الإنذار بهم في قوله تعالى: { وأنذر الناس } أو لهم ~~وللمؤمنين كافة على تقدير شموله لهم أيضا وإن كان ما شرح مختصا ~~بالظالمين { ولينذروا به } عطف على مقدر واللام متعلقة ~~بالبلاغ أي كفاية لهم في أن ينصحوا أو ينذروا به، أو هذا بلاغ لهم ~~ليفهموه ولينذروا به، على أن البلاغ بمعنى الإبلاغ كما في قوله تعالى: # وما على الرسول إلا البلغ # [النور: 54, العنكبوت: 18] أو متعلقة بمحذوف أي ولينذروا به أنزل أو ~~تلي، وقرىء لينذروا به من نذر بالشيء إذا علمه وحذره واستعد له. # { وليعلموا } بالتأمل فيما فيه من الدلائل الواضحة هي إهلاك ~~الأمم وإسكان آخرين (في) مساكنهم، وغيرهما مما سبق ولحق { إنما ~~هو إله واحد } لا شريك له، وتقديم الإنذار لأنه الداعي إلى ~~التأمل المؤدي إلى ما هو غاية له من العلم المذكور والتذكر في قوله ~~تعالى: { وليذكر أولوا الألبب } أي ليتذكروا ما كانوا ~~يعملونه من قبل من التوحيد وغيره من شؤون الله عز وجل ومعاملته مع ~~عباده فيرتدعوا عما يرديهم من الصفات التي يتصف بها الكفار ويتدرعوا ~~بما يحظيهم من العقائد الحقة والأعمال الصالحة، وفي تخصيص التذكر ~~بأولي الألباب تلويح باختصاص العلم بالكفار ودلالة على أن المشار ~~إليه بهذا ما ذكرنا من القوارع المسوقة لشأنهم لا كل السورة ~~المشتملة عليها على ما سيق للمؤمنين أيضا، فإن فيه ما يفيدهم فائدة ~~جديدة، وحيث كان ما يفيده البلاغ من التوحيد وما يترتب عليه من الأحكام ~~بالنسبة إلى الكفرة أمرا حادثا وبالنسبة إلى أولي الألباب الثبات على ~~ذلك حسبما أشير إليه عن الأول بالعلم وعن الثاني بالتذكر، وروعي ~~ترتيب الوجود مع ما فيه من الختم بالحسنى والله سبحانه أعلم.. ختم الله ~~لنا بالسعادة والحسنى ورزقنا الفوز بمرضاته في الأولى والعقبى آمين. # عن النبي صلى الله عليه وسلم: # " من قرأ سورة إبراهيم أعطي من الأجر عشر حسنات بعدد من عبد ~~الأصنام ومن لم يعبد " # والحمد لله وحده. ### | [15 - سورة الحجر] ### || [15.1-2] # سورة الحجر # مكية إلا آية 87 فمدنية ms1808 وآياتها تسع وتسعون آية # { الر } قد مر الكلام فيه وفي محله في مطلع سورة الرعد وأخواتها { ~~تلك } إشارة إليه أي تلك السورة العظيمة الشأن { آيات ~~الكتب } الكامل المعهود الغني عن الوصف به المشهور بذلك من ~~بين الكتب الحقيق باختصاص اسم الكتاب به على الإطلاق، أي بعض منه ~~مترجم مستقل باسم خاص فهو عبارة عن جميع القرآن أو عن الجميع ~~المنزل إذ ذاك إذ هو المتسارع إلى الفهم حينئذ عند الإطلاق وعليه ~~يترتب فائدة وصف الآيات بنعت ما أضيفت إليه من نعوت الكمال لا على ~~جعله عبارة عن السورة، إذ هي في الاتصاف بذلك ليست بتلك المرتبة من ~~الشهرة حتى يستغنى عن التصريح بالوصف على أنها عبارة عن جميع آياتها، ~~فلا بد من جعل (تلك) إشارة إلى كل واحد منها، وفيه من التكلف ما لا يخفى ~~كما ذكر في سورة الرعد { وقرءان } أي قرآن عظيم الشأن { مبين } ~~مظهر لما في تضاعيفه من الحكم والأحكام أو لسبيل الرشد والغي أو ~~فارق بين الحق والباطل والحلال والحرام، ولقد فخم شأنه العظيم مع ما ~~جمع فيه من وصفي الكتابية والقرآنية على الطريقتين، إحداهما اشتماله ~~على صفات كمال جنس الكتب الإلهية فكأنه كلها، والثانية طريقة ~~كونه ممتازا عن غيره نسيج وحده بديعا في بابه خارجا عن دائرة ~~البيان، وأخرت الثانية لما أن الإشارة إلى امتيازه عن سائر الكتب ~~بعد التنبيه على انطوائه على كمالات غيره من الكتب أدخل في المدح كيلا ~~يتوهم من أول الأمر أن امتيازه عن غيره لاستقلاله بأوصاف خاصة به ~~من غير اشتمال على نعوت كمال سائر الكتب الكريمة، وهكذا الكلام في ~~فاتحة سورة النمل خلا أنه قدم فيها القرآن على الكتاب لما سيذكر ~~هناك. ولما بين كون السورة الكريمة بعضا من الكتاب والقرآن ~~لتوجيه المخاطبين إلى حسن تلقي ما فيها من الأحكام والقصص والمواعظ ~~شرع في بيان ما تتضمنه فقيل: # { ربما } بضم الراء وتخفيف الباء المفتوحة، وقرىء بالتشديد وبفتح ~~الراء مخففا وبزيادة التاء مشددا، وفيه ثماني لغات: فتح الراء وضمها ~~مشددا ms1809 ومخففا وبزيادة التاء أيضا مشددا ومخففا، ورب حرف جر لا ~~يدخل إلا على الاسم، وما كافة مصححة لدخوله على الفعل وحقه الدخول ~~على الماضي، ودخوله على قوله تعالى: { يود الذين كفروا } ~~لما أن المترقب في أخباره تعالى كالماضي المقطوع في تحقيق الوقوع، ~~فكأنه قيل: ربما ود الذين كفروا، والمراد كفرهم بالكتاب والقرآن ~~وبكونه من عند الله تعالى { لو كانوا مسلمين } منقادين لحكمه ~~ومذعنين لأمره، وفيه إيذان بأن كفرهم إنما كان بالجحود بعد ما علموا ~~كونه من عند الله تعالى، وتلك الودادة يوم القيامة أو عند موتهم أو ~~عند معاينة حالهم وحال المسلمين، أو عند رؤيتهم خروج عصاة المسلمين ~~من النار. # روى أبو موسى الأشعري رضي الله عنه أنه قال النبي صلى الله عليه ~~وسلم: # " إذا كان يوم القيامة واجتمع أهل النار في النار ومعهم من شاء الله ~~تعالى من أهل القبلة قال لهم الكفار: ألستم مسلمين؟ قالوا: بلى، قالوا: ~~فما أغنى عنكم إسلامكم وقد صرتم معنا إلى النار؟ قالوا: كانت لنا ذنوب ~~فأخذنا بها، فيغضب الله سبحانه لهم بفضل رحمته فيأمر بكل من كان من ~~أهل القبلة في النار فيخرجون منها فحينئذ يود الذين كفروا لو كانوا ~~مسلمين " # وروى مجاهد عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: لا يزال الرب يرحم ~~ويشفع إليه حتى يقول من كان من المسلمين فليدخل الجنة، فعند ذلك ~~يتمنون الإسلام. والحق أن ذلك محمول على شدة ودادتهم وأما نفس ~~الودادة فليست بمختصة بوقت دون وقت بل هي مقررة مستمرة في كل آن يمر ~~عليهم، وأن المراد بيان ذلك على ما هو عليه من الكثرة وإنما جيء بصيغة ~~التقليل جريا على سنن العرب فيما يقصدون به الإفراط فيما يعكسون عنه، ~~تقول لبعض قواد العساكر: كم عندك من الفرسان؟ فيقول: رب فارس عندي، ~~أو لا تعدم عندي فارسا وعنده مناقب جمة من الكتائب، وقصده في ذلك ~~التماري في تكثير فرسانه ولكنه يريد إظهار براءته من التزيد وإبراز أنه ~~ممن يقلل لعلو الهمة كثير ما عنده فضلا ms1810 عن تكثير القليل، وهذه ~~طريقة إنما تسلك إذا كان الأمر من الوضوح بحيث لا يحوم حوله شائبة ريب ~~فيصار إليه هضما للحق، فدل النظم الكريم على ودادة الكافرين للإسلام ~~في كل آن من آنات اليوم الآخر، وأن ذلك من الظهور بحيث لا يشتبه على أحد ~~ولو جيء بكلام يدل على ضده وعلى أن تلك الودادة مع كثرتها في نفسها مما ~~يستقل بالنسبة إلى جناب الكبرياء، وهذا هو الموافق لمقام بيان ~~حقارة شأن الكفار وعدم الاعتداد بما هم فيه من الكفر والتكذيب كما ~~ينطق به قوله تعالى: { ذرهم يأكلوا } الآية، أو ذهابا إلى ~~الإشعار بأن من شأن العاقل إذا عن له أمر يكون مظنون الحمد، أو ~~قليلا ما يكون كذلك أن لا يفارقه ولا يقارف ضده، فكيف إذا كان متيقن ~~الحمد؟ كما في قولهم: لعلك ستندم على ما فعلت، وربما ندم الإنسان على ما ~~فعل، فإن المقصود ليس بيان كون الندم مرجو الوجود بلا تيقن به، أو ~~قليل الوقوع بل التنبيه على أن العاقل لا يباشر ما يرجى فيه الندم ~~أو يقل وقوعه فيه، فكيف بقطعي الوقوع؟ وأنه يكفي قليل الندم في كونه ~~حاجزا عن ذلك الفعل، فكيف كثيره؟ والمقصود من سلوك هذه الطريقة ~~إظهار الترفع والاستغناء عن التصريح بالغرض بناء على ادعاء ظهوره ~~فالمعنى لو كانوا يودون الإسلام مرة واحدة لوجب عليهم أن يفارقوه، فكيف ~~وهم يودونه كل آن؟ وهذا أوفق بمقام استنزالهم عما هم عليه من الكفر، ~~وهذان طريقان متمايزان ذاتا ومقاما فمن ظنهما واحدا فقد نأى عن ~~توفية المقام حقه. ### || [15.3] # { ذرهم } دعهم عن النهي عما هم عليه بالتذكرة والنصيحة إذ لا سبيل ~~إلى ارعوائهم عن ذلك، وبالغ في تخليتهم وشأنهم بل مرهم بتعاطي ما ~~يتعاطونه { يأكلوا ويتمتعوا } بدنياهم، وفي تقديم الأكل ~~إيذان بأن تمتعهم إنما هو من قبيل تمتع البهائم بالمآكل والمشارب، ~~والمراد دوامهم على ذلك لا إحداثه، فإنهم كانوا كذلك، أو تمتعهم بلا ~~استماع ما ينغص عيشهم من القوارع والزواجر، فإن التمتع على ذلك الوجه ~~أمر ms1811 حادث يصلح أن يكون مترتبا على تخليتهم وشأنهم { ويلههم } ~~ويشغلهم عن اتباعك أو عن التفكر فيما هم يصيرون إليه أو عن الإيمان ~~والطاعة، فإن الأكل والتمتع يفضيان إلى ذلك { الأمل } والتوقع لطول ~~الأعمار وبلوغ الأوطار واستقامة الأحوال وألا يلقوا في العاقبة ~~والمآل إلا خيرا، فالأفعال الثلاثة مجزومة على الجوابية للأمر حسبما ~~عرفت من تضمن الأمر بالترك للأمر بها على طريقة المجاز، أو على أن يكون ~~المراد بالأفعال المرقومة مباشرتهم لها غافلين عن وخامة عاقبتها غير ~~سامعين لسوء مغبتها أصلا ولا ريب في ترتب ذلك على الأمر بالترك فإن ~~النهي عما هم عليه من ارتكاب القبائح مما يشوش عليهم تمتعهم وينغص ~~عليهم عيشهم فأمر عليه السلام بتركه ليتمرغوا فيما هم فيه من حظوظهم ~~فيدهمهم وهم عنه غافلون { فسوف يعلمون } سوء صنيعهم أو وخامة ~~عاقبته أو حقيقة الحال التي ألجأتهم إلى التمني المذكور حيث لم يعلموا ~~ذلك من جهتك، وهو مع كونه وعيدا أيما وعيد وتهديدا غب تهديد، ~~تعليل للأمر بالترك فإن علمهم ذلك علة لترك النهي والنصيحة لهم، وفيه ~~إلزام للحجة ومبالغة في الإنذار إذ لا يتحقق الأمر بالصد إلا بعد ~~تكرر الإنذار وتقرر الجحود والإنكار، وكذلك ما ترتب عليه من الأكل ~~والتمتع والإلهاء. ### || [15.4-6] # { ومآ أهلكنا } شروع في بيان سر تأخير عذابهم إلى يوم ~~القيامة وعدم نظمهم في سلك الأمم الدارجة في تمحيل العذاب أي ما ~~أهلكنا { من قرية } من القرى بالخسف بها وبأهلها كما فعل ببعضها ~~أو بإخلائها عن أهلها غب إهلاكهم كما فعل بآخرين { إلا ولها } ~~في ذلك الشأن { كتاب } أي أجل مقدر مكتوب في اللوح واجب المراعاة ~~بحيث لا يمكن تبديله لوقوعه حسب الحكمة المقتضية له { معلوم } لا ~~ينسى ولا يغفل عنه حتى يتصور التخلف عنه بالتقدم والتأخر، فكتاب ~~مبتدأ خبره الظرف، والجملة حال من (قرية) فإنها لعمومها لا سيما ~~بعد تأكده بكلمة من في حكم الموصوفة كما أشير إليه، والمعنى ما ~~أهلكنا قرية من القرى في حال من الأحوال إلا حال أن يكون لها كتاب أي ms1812 ~~أجل موقت لمهلكها قد كتبناه لا نهلكها قبل بلوغه، معلوم لا يغفل ~~عنه حتى يمكن مخالفته بالتقدم والتأخر، أو مرتفع بالظرف والجملة كما ~~هي حال، أي ما أهلكنا قرية من القرى في حال من الأحوال إلا وقد كان لها ~~في حق هلاكها كتاب أي أجل مقدر مكتوب في اللوح معلوم لا يغفل ~~عنه، أو صفة لكن لا للقرية المذكورة بل للمقدرة التي هي بدل من المذكورة ~~على المختار فيكون بمنزلة كونه صفة للمذكورة، أي ما أهلكنا قرية من ~~القرى إلا قرية لها كتاب معلوم كما في قوله تعالى: # ليس لهم طعام إلا من ضريع * لا يسمن # [الغاشية: 6و7] فإن قوله تعالى: { لا يسمن } صفة لكن لا للطعام ~~المذكور لأنه إنما يدل على انحصار طعامهم الذي لا يسمن في الضريع، ~~وليس المراد ذلك بل للطعام المقدر بعد إلا، أي ليس لهم طعام من شيء من ~~الأشياء إلا طعام لا يسمن، فليس فيه فصل بين الموصوف والصفة بكلمة ~~إلا كما توهم، وأما توسيط الواو بينهما وإن كان القياس عدمه ~~فللإيذان بكمال الالتصاق بينهما من حيث إن الواو شأنها الجمع ~~والربط، فإن ما نحن فيه من الصفة أقوى لصوقا بالموصوف منها به في قوله ~~تعالى: # وما أهلكنا من قرية إلا لها منذرون # [الشعراء: 208] فإن امتناع الانفكاك والإهلاك عن الأجل المقدر ~~عقلي، وعن الإنذار عادي، جرى عليه السنة الإلهية. # ولما بين أن الأمم المهلكة كان لكل منهم وقت معين لهلاكهم وأن ~~هلاكهم لم يكن إلا حسبما كان مكتوبا في اللوح، بين أن كل أمة من ~~الأمم منهم ومن غيرهم لها كتاب لا يمكن التقدم عليه ولا التأخر عنه ~~فقيل: # { ما تسبق من أمة } من الأمم المهلكة وغيرهم { أجلها ~~} المكتوب في كتابها، أي لا يجيء هلاكها قبل مجيء كتابها، أو لا تمضي ~~أمة قبل مضي أجلها، فإن السبق إذا كان واقعا على زماني فمعناه ~~المجاوزة والتخليف، فإذا قلت: سبق زيد عمرا، فمعناه أنه جاوزه وخلفه ~~وراءه، وإذا كان واقعا على زمان كان الأمر بالعكس، والسر ms1813 في ذلك أن ~~الزمان يعتبر فيه الحركة والتوجه إلى المتكلم فما سبقه يتحقق قبل ~~تحققه، وأما الزماني فإنما يعتبر فيه الحركة والتوجه إلى ما سيأتي ~~من الزمان، فالسابق ما تقدم إلى المقصد، وإيراده بعنوان الأجل باعتبار ~~ما يقتضيه من السبق كما أن إيراده بعنوان الكتاب المعلوم باعتبار ما ~~يوجبه من الإهلاك { وما يستئخرون } أي وما يتأخرون، وصيغة ~~الاستفعال للإشعار بعجزهم عن ذلك مع طلبهم له، وإيثار صيغة المضارع في ~~الفعلين بعد ما ذكر نفي الإهلاك بصيغة الماضي، لأن المقصود بيان ~~دوامهما واستمرارهما فيما بين الأمم الماضية والباقية، وإسنادهما إلى ~~الأمة بعد إسناد الإهلاك إلى القرية لما أن السبق والاستئخار حال ~~الأمة دون القرية مع ما في الأمة من العموم لأهل تلك القرى وغيرهم ممن ~~أخرت عقوباتهم إلى الآخرة، وتأخير ذكر عدم سبقهم مع كون المقام ~~مقام المبالغة في بيان تحقق عذابهم، إما باعتبار تقدم السبق في ~~الوجود وإما باعتبار أن المراد بيان سر تأخير عذابهم مع استحقاقهم ~~لذلك، وإيراد الفعل على صيغة جمع المذكر للحمل على المعنى مع التغليب ~~ولرعاية الفواصل، ولذلك حذف الجار والمجرور، والجملة مبينة لما سبق ~~والمعنى أن تأخير عذابهم إلى يوم القيامة حسبما أشير إليه ببيان ~~ودادتهم للإسلام إذ ذاك، وبالأمر بتركهم وشأنهم إلى أن يعلموا حقيقة ~~الحال إنما هو لتأخر أجلهم المقدر لما يقتضيه من الحكم البالغة، ~~ومن جملتها ما علم الله تعالى من إيمان بعض من يخرج منهم إلى يوم ~~القيامة. # { وقالوا } شروع في بيان كفرهم بمن أنزل عليه الكتاب بعد بيان ~~كفرهم بالكتاب وما يؤول إليه حالهم، والقائلون مشركو مكة لغاية تماديهم ~~في العتو والغي { يأيها الذى نزل عليه الذكر } ~~خاطبوا به رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تسليما لذلك واعتقادا له، ~~بل استهزاء به عليه الصلاة والسلام وإشعارا بعلة حكمهم الباطل في ~~قولهم: { إنك لمجنون } كدأب فرعون إذ قال: # إن رسولكم الذى أرسل إليكم لمجنون # [الشعراء: 27] يعنون يا من يدعي مثل هذا الأمر البديع الخارق ~~للعادات، إنك بسبب تلك الدعوى أو ms1814 بشهادة ما يعتريك عندما تدعي أنه ينزل ~~عليك لمجنون، وتقديم الجار والمجرور على القائم مقام الفاعل لأن ~~إنكارهم متوجه إلى كون النازل ذكرا من الله تعالى، لا إلى كون ~~المنزل عليه رسول الله بعد تسليم كون النازل منه تعالى كما في قوله ~~تعالى: # لولا نزل هذا القرءان على رجل من القريتين ~~عظيم # [الزخرف: 31] فإن الإنكار هناك متوجه إلى كون المنزل عليه رسول ~~الله تعالى، وإيراد الفعل على صيغة المجهول لإيهام أن ذلك ليس بفعل له ~~فاعل أو لتوجيه الإنكار إلى كون التنزيل عليه لا إلى استناده إلى ~~الفاعل. ### || [15.7-8] # { لو ما تأتينا } كلمة لو عند تركبها مع (ما) تفيد ما تفيده عند ~~تركبها مع (لا) من معنى امتناع الشيء لوجود غيره ومعنى التحضيض، خلا ~~أنه عند إرادته لا يليها إلا فعل ظاهر أو مضمر، وعند إرادة المعنى ~~الأول لا يليها إلا اسم ظاهر أو مقدر عند البصريين، والمراد ههنا هو ~~الثاني أي هلا تأتينا { بالملئكة } يشهدون بصحة نبوتك ويعضدونك ~~في الإنذار كقوله تعالى: # لولا أنزل عليه ملك فيكون معه نذيرا # [الفرقان: 7] أو يعاقبونا على التكذيب كما تأتي الأمم المكذبة لرسلهم ~~{ إن كنت من الصدقين } في دعواك، فإن قدرة الله تعالى على ~~ذلك مما لا ريب فيه، وكذا احتياجك إليه في تمشية أمرك فإنا لا نصدقك ~~بدون ذلك، أو كنت من جملة تلك الرسل الصادقين الذين عذبت أممهم ~~المكذبة لهم. # { ما ننزل الملئكة } بالنون على بناء الفعل لضمير الجلالة ~~من التنزيل، وقرىء من الإنزال، وقرىء تنزل مضارعا من التنزيل على ~~صيغة البناء للمفعول، ومن التنزل بحذف إحدى التاءين، وماضيا منه ومن ~~التنزيل ومن الثلاثي، وهو كلام مسوق إلى النبي صلى الله عليه وسلم ~~جوابا لهم عن مقالتهم المحكية وردا لاقتراحهم الباطل، ولشدة ~~استدعاء ذلك للجواب قدم رده على ما هو جواب عن أولها أعني قوله: # إنا نحن نزلنا الذكر # [الحجر: 9] الآية، كما فعل في قوله تعالى: # قال إنما يأتيكم به الله # [هود: 33] فإنه مع كونه جوابا عن قولهم: # فأتنا بما تعدنا ms1815 # [هود: 32] قدم على قوله: # ولا ينفعكم نصحى # [هود: 34] الآية، مع كونه جوابا عن أول كلامهم الذي هو قولهم: # قالوا ينوح قد جادلتنا # [هود: 32] لما ذكر من شدة اقتضائه للجواب وليكون أحد الجوابين ~~متصلا بالسؤال، وفي العكس يلزم انفصال كل من الجوابين عن سؤاله، ~~والعدول عن تطبيقه لظاهر كلامهم بصدد الاقتراح وهو أن يقال: ما ~~تأتيهم بهم للإيذان بأنهم قد أخطأوا في التعبير حسبما أخطأوا في ~~الاقتراح، وأن الملائكة لعلو رتبتهم أعلى من أن ينسب إليهم مطلق ~~الإتيان الشامل للانتقال من أحد الأمكنة المتساوية إلى الآخر منها، بل ~~من الأسفل إلى الأعلى وأن يكون مقصد حركاتهم أولئك الكفرة وأن يدخلوا ~~تحت ملكوت أحد من البشر، وإنما الذي يليق بشأنهم النزول من مقامهم ~~العالي وكون ذلك بطريق التنزيل من جناب الرب الجليل { إلا بالحق ~~} أي ملتبسا بالوجه الذي يحق ملابسة التنزيل به مما تقتضيه الحكمة ~~وتجري به السنة الإلهية كقوله سبحانه: # وما خلقنا السموات والأرض وما بينهما إلا ~~بالحق # [الحجر: 85] والذي اقترحوه من التنزيل لأجل الشهادة لديهم وهم هم ~~ومنزلتهم في الحقارة والهوان منزلتهم، مما لا يكاد يدخل تحت الصحة ~~والحكمة أصلا، فإن ذلك من باب التنزيل بالوحي الذي لا يكاد يفتح على ~~غير الأنبياء الكرام من أفراد كمل المؤمنين، فكيف على أمثال أولئك ~~الكفرة اللئام؟ وإنما الذي يدخل في حقهم تحت الحكمة في الجملة هو ~~التنزيل للتعذيب والاستئصال كما فعل بأضرابهم من الأمم السالفة ولو ~~فعل ذلك لاستؤصلوا بالمرة. # { وما كانوا إذا منظرين } جزاء الشرط مقدر وفيه إيذان ~~بإنتاج مقدماتهم لنقيض مطلوبهم كما في قوله تعالى: # وأذن لا يلبثون خلفك إلا قليلا # [الإسراء: 76] قال صاحب النظم: لفظة إذن مركبة من إذ وهو اسم بمعنى ~~الحين، تقول: أتيتك إذ جئتني أي حين جئتني ثم ضم إليه أن فصار إذ أن ~~ثم استثقلوا الهمزة فحذفوها، فمجيء لفظة أن دليل على إضمار فعل بعدها ~~والتقدير وما كانوا إذ أن كان ما طلبوه منظرين، والمعنى لو ~~نزلناهم ما كانوا مؤخرين كدأب سائر الأمم المكذبة المستهزئة، ms1816 ومع ~~استحقاقهم لذلك قد جرى قلم القضاء بتأخير عذابهم إلى يوم القيامة حسبما ~~أجمل في قوله تعالى: # ذرهم يأكلوا ويتمتعوا ويلههم الأمل # [الحجر: 3] الخ، وحال حائل الحكمة بينهم وبين استئصالهم لتعلق ~~العلم والإرادة بازديادهم عذابا بإيمان بعض ذراريهم، وأما نظم إيمان ~~بعضهم في سمط الحكمة فيأباه مقام بيان تماديهم في الكفر والفساد ~~ولجاجهم في المكابرة والعناد، هذا هو الذي يستدعيه إعجاز التنزيل ~~الجليل، وأما ما قيل في تعليل عدم موافقة التنزيل للحكمة من أنهم حينئذ ~~يكونون مصدقين عن اضطرار، أو أنه لا حكمة في أن تأتيكم بصور تشاهدونها ~~فإنه لا يزيدكم إلا لبسا، أو أن إنزال الملائكة لا يكون إلا بالحق ~~وحصول الفائدة بإنزالهم، وقد علم الله تعالى من حال هؤلاء الكفار أنه ~~لو أنزل إليهم الملائكة لبقوا مصرين على كفرهم فيصير إنزالهم عبثا ~~باطلا ولا يكون حقا، فمع إخلال كل من ذلك بقطعية الباقي لا يلزم من ~~فرض وقوع شيء من ذلك تعجيل العذاب الذي يفيده قوله تعالى: { وما ~~كانوا إذا منظرين } هذا على تقدير كون اقتراحهم لإتيان ~~الملائكة لأجل الشهادة، أما على تقدير كون ذلك لتعذيبهم فالمعنى إنا ما ~~ننزل الملائكة للتعذيب إلا تنزيلا ملتبسا بالحق الذي تقتضيه الحكمة ~~وتستدعيه المصلحة حتما، بحيث لا محيد عنه، ولو نزلناهم حسبما اقترحوا ما ~~كان ذلك التنزيل ملتبسا بمقتضى الحكمة الموجبة لتأخير عذابهم إلى ~~يوم القيامة، لا رفقا بهم بل تشديدا عليهم كما مر من قبل، وحيث كان في ~~نسبة تنزيلهم للتعذيب إلى عدم موافقته الحكمة نوع إيهام لعدم ~~استحقاقهم التعذيب عدل عما يقتضيه الظاهر إلى ما عليه النظم الكريم، ~~فكأنه قيل: لو نزلناهم ما كانوا منظرين وذلك غير موافق للحكمة ~~الموجهة لتأخير عذابهم لتشديد عقابهم، وقيل: المراد بالحق الوحي، ~~وقيل: العذاب فتدبر. ### || [15.9-12] # { إنا نحن نزلنا الذكر } رد لإنكارهم التنزيل ~~واستهزائهم برسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك وتسلية له، أي نحن ~~بعظم شأننا وعلو جنابنا نزلنا ذلك الذكر الذي أنكروه وأنكروا ~~نزوله عليك ونسبوك بذلك إلى الجنون وعموا منزله، ms1817 حيث بنوا الفعل ~~للمفعول إيماء إلى أنه أمر لا مصدر له وفعل لا فاعل له { وإنا ~~له لحفظون } من كل ما لا يليق به، فيدخل فيه تكذيبهم له ~~واستهزاؤهم به دخولا أوليا فيكون وعيدا للمستهزئين، وأما الحفظ عن ~~مجرد التحريف والزيادة والنقص وأمثالها فليس بمقتضى المقام، فالوجه ~~الحمل على الحفظ من جميع ما يقدح فيه من الطعن فيه والمجادلة في ~~حقيته، ويجوز أن يراد حفظه بالإعجاز دليلا على التنزيل من عنده تعالى ~~إذ لو كان من عند غير الله لتطرق عليه الزيادة والنقص والاختلاف، وفي ~~سبك الجملتين من الدلالة على كمال الكبرياء والجلالة وعلى فخامة شأن ~~التنزيل ما لا يخفى، وفي إيراد الثانية بالجملة الاسمية دلالة على دوام ~~الحفظ والله سبحانه أعلم، وقيل: الضمير المجرور للرسول صلى الله عليه ~~وسلم كقوله تعالى: # والله يعصمك من الناس # [المائدة: 67] وتأخير هذا الكلام وإن كان جوابا عن أول كلامهم ~~الباطل، وردا له لما ذكر آنفا ولارتباطه بما يعقبه من قوله تعالى: # { ولقد أرسلنا } أي رسلا، وإنما لم يذكر لدلالة ما بعده عليه ~~{ من قبلك } متعلق بأرسلنا أو بمحذوف هو نعت للمفعول المحذوف أي ~~رسلا كائنة من قبلك { فى شيع الأولين } أي فرقهم وأحزابهم ~~جمع شيعة، وهي الفرقة المتفقة على طريقة ومذهب، من شاعه إذا تبعه، ~~وإضافته إلى الأولين من إضافة الموصوف إلى صفته عند الفراء، ومن حذف ~~الموصوف عند البصريين أي شيع الأمم الأولين، ومعنى إرسالهم فيهم جعل ~~كل منهم رسولا فيما بين طائفة منهم ليتابعوه في كل ما يأتي ويذر من ~~أمور الدين. # { وما يأتيهم من رسول } المراد نفي إتيان كل رسول لشيعته ~~الخاصة به لا نفي إتيان كل رسول لكل واحدة من تلك الشيع جميعا، أو على ~~سبيل البدل، وصيغة الاستقبال لاستحضار الصورة على طريقة حكاية ~~الحال الماضية، فإن (ما) لا تدخل في الأغلب على مضارع إلا وهو في معنى ~~الحال، ولا على ماض إلا وهو قريب من الحال، أي ما أتى شيعة من تلك ~~الشيع رسول خاص بها { إلا كانوا ms1818 به يستهزؤون } كما ~~يفعله هؤلاء الكفرة، والجملة في محل النصب على أنها حال مقدرة من ضمير ~~المفعول في يأتيهم إذا كان المراد بالإتيان حدوثه، أو في محل الرفع على ~~أنها صفة رسول فإنه محله الرفع على الفاعلية، أي إلا رسول كانوا به ~~يستهزؤون، وأما الجر على أنها صفة باعتبار لفظه فيفضي إلى زيادة ~~(من) الاستغراقية في الإثبات ويجوز أن يكون منصوبا على الوصفية بأن ~~يقدر الموصوف منصوبا على الاستثناء وإن كان المختار الرفع على ~~البدلية. # وهذا كما ترى تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم بأن هذه عادة ~~الجهال مع الأنبياء عليهم السلام، وحيث كان الرسول مصحوبا بكتاب من ~~عند الله تعالى تضمن ذكر استهزائهم بالرسول استهزاءهم بالكتاب ولذلك ~~قيل: { كذلك } إشارة إلى ما دل عليه الكلام السابق من إلقاء الوحي ~~مقرونا بالاستهزاء، أي مثل ذلك السلك الذي سلكناه في قلوب أولئك ~~المستهزئين برسلهم وبما جاءوا به من الكتب { نسلكه } أي الذكر { ~~فى قلوب المجرمين } أي أهل مكة أو جنس المجرمين، فيدخلون فيه ~~دخولا أوليا، ومحله النصب على أنه نعت لمصدر محذوف أو حال منه، أي ~~نسلكه سلكا مثل السلك أو نسلك السلك حال كونه مثله أي مقرونا ~~بالاستهزاء، غير مقبول لما تقتضيه الحكمة فإنهم من أهل الخذلان ليس ~~لهم استحقاق لقبول الحق، وصيغة المضارع لكون المشبه به مقدما في ~~الوجود وهو السلك الواقع في الأمم السالفة، أو للدلالة على استحضار ~~الصورة، والسلك إدخال الشيء في آخر، يقال: سلكت الخيط في ~~الإبرة والرمح في المطعون. ### || [15.13-17] # { لا يؤمنون به } أي بالذكر، حال من ضمير نسلكه أي غير مؤمن ~~به، أو بيان للجملة السابقة فلا محل لها، وقد جعل الضمير للاستهزاء ~~فيتعين البيانية إلا أن يجعل الضمير المجرور أيضا له، على أن الباء ~~للملابسة أي نسلك الاستهزاء في قلوبهم حال كونهم غير مؤمنين ~~بملابسته، والحال إما مقدرة أو مقارنة للإيذان بأن كفرهم مقارن ~~للإلقاء كما في قوله تعالى: # فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به # [البقرة الآية 89] { وقد خلت سنة الأولين } أي ms1819 قد مضت ~~طريقتهم التي سنها الله تعالى في إهلاكهم حين فعلوا ما فعلوا من التكذيب ~~والاستهزاء، وهو استئناف جيء به تكملة للتسلية وتصريحا بالوعيد ~~والتهديد. # { ولو فتحنا عليهم } أي على هؤلاء المقترحين المعاندين { ~~بابا من السماء } أي بابا ما، لا بابا من أبوابها المعهودة كما ~~قيل، ويسرنا لهم الرقي والصعود إليه { فظلوا فيه } في ذلك ~~الباب { يعرجون } بآلة أو بغيرها ويرون ما فيها من العجائب عيانا ~~كما يفيده الظلول، أو فظل الملائكة الذين اقترحوا إتيانهم يعرجون في ~~ذلك الباب وهم يرونه عيانا مستوضحين طول نهارهم. # { لقالوا } لفرط عنادهم وغلوهم في المكابرة وتفاديهم عن قبول ~~الحق { إنما سكرت أبصرنا } أي سدت من الإحساس من السكر ~~كما يدل عليه القراءة بالتخفيف، أو حيرت كما يعضده قراءة من قرأ ~~سكرت أي حارت. # { بل نحن قوم مسحورون } قد سحرنا محمد صلى الله عليه ~~وسلم كما قالوه عند ظهور سائر الآيات الباهرة، وفي كلمتي الحصر ~~والإضراب دلالة على أنهم يبتون القول بذلك، وأن ما يرونه لا حقيقة له ~~وإنما هو أمر خيل إليهم بالسحر، وفي اسمية الجملة الثانية دلالة ~~على دوام مضمونها، وإيرادها بعد تسكير الأبصار لبيان إنكارهم لغير ~~ما يرونه بعيونهم، فإن عروج كل منهم إلى السماء وإن كان مرئيا لغيره ~~فهو معلوم بطريق الوجدان مع قطع النظر عن الأبصار، فهم يدعون أن ذلك ~~نوع آخر من السحر غير تسكير الأبصار. # { ولقد جعلنا فى السماء بروجا } قصورا ينزلها السيارات، ~~وهي البروج الاثنا عشر المشهورة المختلفة الهيئات والخواص حسبما ~~يدل عليه الرصد والتجربة مع ما اتفق عليه الجمهور من بساطة السماء، ~~والجعل إن جعل بمعنى الخلق والإبداع وهو الظاهر فالجار متعلق ~~به، وإن جعل بمعنى التصيير فهو مفعول ثان له متعلق بمحذوف أي جعلنا ~~بروجا كائنة في السماء { وزينها } أي السماء بتلك البروج ~~المختلفة الأشكال والكواكب سيارات كانت أو ثوابت { للنظرين } ~~إليها، فمعنى التزيين ظاهر، أو للمتفكرين المعتبرين المستدلين بذلك ~~على قدرة مقدرها وحكمة مدبرها، فتزيينها بترتيبها على نظام بديع ~~مستتبع للآثار الحسنة. # { وحفظنها من ms1820 كل شيطن رجيم } مرمي بالنجوم فلا ~~يقدر أن يصعد إليها ويوسوس في أهلها ويتصرف فيها ويقف على أحوالها. ### || [15.18-20] # { إلا من استرق السمع } محله النصب على الاستثناء ~~المتصل إن فسر الحفظ بمنع الشياطين عن التعرض لها على الإطلاق ~~والوقوف على ما فيها في الجملة، أو المنقطع إن فسر ذلك بالمنع عن ~~دخولها والتصرف فيها. عن ابن عباس رضي الله عنهما: «أنهم كانوا لا يحجبون ~~عن السموات، فلما ولد عيسى عليه السلام منعوا من ثلاث سموات، ولما ولد ~~النبي صلى الله عليه وسلم منعوا من السموات كلها»، واستراق السمع ~~اختلاسه سرا، شبه به خطفتهم اليسيرة من قطان السموات بما ~~بينهم من المناسبة في الجوهر، أو بالاستدلال من الأوضاع { فأتبعه ~~} أي تبعه ولحقه { شهاب } لهب محروق وهو شعلة نار ساطعة، وقد ~~يطلق على الكواكب والسنان لما فيهما من البريق { مبين } ظاهر ~~أمره للمبصرين. قال معمر: قلت لابن شهاب الزهري: أكان يرمى بالنجوم في ~~الجاهلية؟ قال: نعم، وإن النجم ينقض ويرمى به الشيطان فيقتله أو ~~يخبله لئلا يعود إلى استراق السمع، ثم يعود إلى مكانه، قال: أفرأيت ~~قوله تعالى: # وأنا كنا نقعد منها مقعد # [الجن، الآية 9]، قال: غلظت وشدد أمرها حين بعث رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم. قال ابن قتيبة: إن الرجم كان قبل مبعثه عليه الصلاة ~~والسلام، ولكن لم يكن في شدة الحراسة كما بعد مبعثه عليه الصلاة ~~والسلام، قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: إن الشياطين يركب بعضهم ~~بعضا إلى السماء الدنيا يسترقون السمع من الملائكة، فيرمون بالكواكب ~~فلا يخطىء أبدا، فمنهم من يحرق وجهه وجنبه ويده حيث يشاء الله ~~تعالى، ومنهم من يخبله فيصير غولا فيضل الناس في البوادي. قال ~~القرطبي: اختلفوا في أن الشهاب هل يقتل أم لا؟ قال ابن عباس رضي الله ~~عنهما: يجرح ويحرق ويخبل ولا يقتل، وقال الحسن وطائفة: يقتل، قال: ~~والأول أصح. # { والأرض مددنها } بسطناها، وهو بالنصب على الحذف على شريطة ~~التفسير، ولم يقرأ بالرفع لرجحان النصب للعطف على الجملة الفعلية، أعني ~~قوله ms1821 تعالى: { ولقد جعلنا } الخ، وليوافق ما بعده، أعني قوله ~~تعالى: { وألقينا فيها روسي } أي جبالا ثوابت، وقد مر ~~بيانه في أول الرعد { وأنبتنا فيها } أي في الأرض أو فيها وفي ~~رواسيها { من كل شىء موزون } بميزان الحكمة ذاتا وصفة ~~ومقدارا، وقيل: ما يوزن من الذهب والفضة وغيرهما أو من كل شيء ~~مستحسن مناسب، أو ما يوزن ويقدر من أبواب النعمة. # { وجعلنا لكم فيها معيش } ما تعيشون به من المطاعم ~~والملابس وغيرهما مما يتعلق به البقاء، وهي بياء صريحة، وقرىء ~~بالهمزة تشبيها له بالشمائل { ومن لستم له برزقين } عطف ~~على معايش أو على محل لكم، كأنه قيل: جعلنا لكم معايش وجعلنا لكم من ~~لستم برازقيه من العيال والمماليك والخدم والدواب وما أشبهها على ~~طريقة التغليب، وذكرهم بهذا العنوان لرد حسبانهم أنهم يكفون ~~مؤناتهم، ولتحقيق أن الله تعالى هو الذي يرزقهم وإياهم، أو وجعلنا لكم ~~فيها معايش ولمن لستم له برازقين. ### || [15.21-23] # { وإن من شىء } إن للنفي ومن مزيدة للتأكيد وشيء في محل الرفع على ~~الابتداء، أي ما من شيء من الأشياء الممكنة، فيدخل فيه ما ذكر دخولا ~~أوليا { إلا عندنا خزائنه } الظرف خبر للمبتدأ، وخزائنه ~~مرتفع به على أنه فاعله لاعتماده، أو خبر له، والجملة خبر للمبتدأ ~~الأول، والخزائن جمع الخزانة وهي ما يحفظ فيه نفائس الأموال لا غير، ~~غلب في العرف على ما للملوك والسلاطين من خزائن أرزاق الناس، شبهت ~~مقدوراته تعالى الفائتة للحصر المندرجة تحت قدرته الشاملة في كونها ~~مستورة عن علوم العالمين ومصونة عن وصول أيديهم مع كمال افتقارهم ~~إليها ورغبتهم فيها، وكونها مهيأة متأتية لإيجاده وتكوينه، بحيث متى ~~تعلقت الإرادة بوجودها وجدت بلا تأخر بنفائس الأموال المخزونة في ~~الخزائن السلطانية فذكر الخزائن على طريقة الاستعارة التخييلية { ~~وما ننزله } أي ما نوجد وما نكون شيئا من تلك الأشياء ملتبسا ~~بشيء من الأشياء { إلا بقدر معلوم } أي إلا ملتبسا بمقدار ~~معين تقتضيه الحكمة وتستدعيه المشيئة التابعة لها، لا بما تقتضيه ~~القدرة فإن ذلك غير متناه، فإن تخصيص كل شيء ms1822 بصفة معينة وقدر معين ~~ووقت محدود دون ما عدا ذلك، مع استواء الكل في الإمكان واستحقاق ~~تعلق القدرة به، لا بد له من حكمة تقتضي اختصاص كل من ذلك بما اختص ~~به، وهذا البيان سر عدم تكوين الأشياء على وجه الكثرة حسبما هو في ~~خزائن القدرة، وهو إما عطف على مقدر أي ننزله وما ننزله الخ، أو حال ~~مما سبق أي عندنا خزائن كل شيء، والحال أنا ما ننزله إلا بقدر معلوم، ~~فالأول لبيان سعة القدرة والثاني لبيان بالغ الحكمة، وحيث كان ~~إنشاء ذلك بطريق التفضل من العالم العلوي إلى العالم السفلي كما في ~~قوله تعالى: # وأنزل لكم من الأنعم ثمنية أزوج # [الزمر: 6] وكان ذلك بطريق التدريج عبر عنه بالتنزيل، وصيغة المضارع ~~للدلالة على الاستمرار. # { وأرسلنا الرياح } عطف على جعلنا لكم فيها معايش، وما ~~بينها اعتراض لتحقيق ما سبق وترشيح ما لحق أي أرسلنا الرياح { ~~لواقح } أي حوامل، شبهت الريح التي تجيء بالخير من إنشاء سحاب ~~ماطر بالحامل كما شبه بالعقيم ما لا يكون كذلك، أو ملقحات بالشجر ~~والسحاب، ونظيره الطوائح بمعنى المطيحات في قوله: [الطويل] # [ليبك يزيد ضارع لخصومه] # ومختبط مما تطيح الطوائح # أي المهلكات، وقرىء وأرسلنا الريح على إرادة الجنس { فأنزلنا ~~من السمآء } بعد ما أنشأنا بتلك الرياح سحابا ماطرا { ماء ~~فأسقيناكموه } أي جعلناه لكم سقيا وهو أبلغ من سقيناكموه، ~~لما فيه من الدلالة على جعل الماء معدا لهم ينتفعون به متى شاءوا { ~~ومآ أنتم له بخزنين } نفى عنهم ما أثبته لجنابه بقوله: { ~~وإن من شىء إلا عندنا خزائنه } كأنه قيل: نحن القادرون ~~على إيجاده وخزنه في السحاب وإنزاله وما أنتم على ذلك بقادرين، وقيل: ~~ما أنتم بخازنين له بعدما أنزلناه في الغدران والآبار والعيون، بل نحن ~~نخزنه فيها لنجعلها سقيا لكم مع أن طبيعة الماء تقتضي الغور. # { وإنا لنحن نحيي } بإيجاد الحياة في بعض الأجسام القابلة ~~لها { ونميت } بإزالتها عنها، وقد يعمم الإحياء والإماتة لما ~~يشمل الحيوان والنبات، وتقديم الضمير للحصر، وهو إما تأكيد للأول أو ~~مبتدأ ms1823 خبره الفعل، والجملة خبر لإنا، ولا يجوز كونه ضمير الفصل لا ~~لأن اللام مانعة من ذلك كما قيل، فإن النحاة جوزوا دخول لام التأكيد ~~على ضمير الفصل كما في قوله تعالى: # إن هذا لهو القصص الحق # [آل عمران: 62] بل لأنه لم يقع بين اسمين { ونحن الورثون } أي ~~الباقون بعد فناء الخلق قاطبة، المالكون للملك عند انقضاء زمان ~~الملك المجازي، الحاكمون الكل أولا وآخرا، وليس لهم إلا التصرف ~~الصوري والملك المجازي، وفيه تنبيه على أن المتأخر ليس بوارث ~~للمتقدم كما يتراءى من ظاهر الحال. ### || [15.24-26] # { ولقد علمنا المستقدمين منكم } من تقدم منكم ~~ولادة وموتا { ولقد علمنا المستئخرين } من تأخر ~~ولادة وموتا أو من خرج من أصلاب الآباء ومن لم يخرج بعد، أو من ~~تقدم في الإسلام والجهاد وسبق إلى الطاعة ومن تأخر في ذلك، لا يخفى علينا ~~شيء من أحوالكم، وهو بيان لكمال علمه بعد الاحتجاج على كمال قدرته، ~~فإن ما يدل عليها دليل عليه، وفي تكرير قوله تعالى: { ولقد ~~علمنا } ما لا يخفى من الدلالة على كمال التأكيد، وقيل: رغب رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم في الصف الأول فازدحموا عليه فنزلت، وقيل: إن ~~امرأة حسناء كانت تصلي خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم فتقدم بعض ~~الناس لئلا يراها وتأخر آخرون ليروها فنزلت، والأول هو المناسب لما سبق ~~وما لحق من قوله تعالى: # { وإن ربك هو يحشرهم } أي للجزاء، وتوسيط ضمير ~~العظمة للدلالة على أنه هو القادر على حشرهم والمتولي له لا غير، ~~لأنهم كانوا يستبعدون ذلك ويستنكرونه ويقولون: من يحيي العظام وهي ~~رميم، أي هو يحشرهم لا غير، وفي الالتفات والتعرض لعنوان الربوبية ~~إشعار بعلة الحكم، وفي الإضافة إلى ضميره عليه الصلاة والسلام دلالة ~~على اللطف به عليه الصلاة والسلام { إنه حكيم } بالغ الحكمة ~~متقن في أفعاله، فإنها عبارة عن العلم بحقائق الأشياء على ما هي عليه، ~~والإتيان بالأفعال على ما ينبغي { عليم } وسع علمه كل شيء، ولعل ~~تقديم صفة الحكمة للإيذان باقتضائها للحشر والجزاء. # { ولقد خلقنا الإنسان ms1824 } أي هذا النوع بأن خلقناأصله وأول فرد ~~من أفراده خلقا بديعا منطويا على خلق اسئر أفراد انطواء اجماليا كما ~~مر تحقيقه في سورة الأنعام { من صلصال } من طين يابس غير مطبوخ ~~يصلصل أي يصوت عند نقرة قبل اذا توهمت في صوته مدا فهو صليل وإن توهمت ~~فيه ترجيعا فهو صلصلة وقيل هو تضعيف صل إذاانتين { من حمإ } من ~~طين تغير وأسود بطول مجاورة الماء وهو صفة لصلصال أي من صلصال كائن من ~~حما { مسنون } أي مصور من سنة الوجه وهي صورته أو مصبوب من سن الماء ~~صبه أي مفرغ على هيئة الآنسان كما يفرغ الصور من الجواهر المذابة في ~~القوالب وقيل منتن فهو صفة لحما و على الأولين حقه أن يكون صفة لصلصال ~~وإنما أخر عن حما نتبيها على أن ابتداء مسنونيته ليس في حال كونه صلصالا ~~بل في حال كونه حما كأنه سبحانه أفرغ الحمأ فصور من ذلك تمثال انسانا ~~أجوف فيبس حتى اذا نقر صوت ثم غيره الى جوهر آخر فتبارك الله أحسن ~~الخالقين. ### || [15.27-29] # { والجآن } أبا الجن وقيل ابليس ويجوز أن يراد به الجنس كما هو ~~الظاهر من الانسان لأن تشغب الجنس لما كان من فردواحد مخلوق من مادة ~~واجدة كان الجنس بأسره مخلوقا منها وقرئ بالهمزة وانتصابه بفعل يفسره { ~~خلقناه } وهو أقوى من الرفع للعطف على الجملة الفعلية { من قبل ~~} من قبل خلق الانسان ومن هذا يظهر جواز كون المراد بالمستقدمين أحد ~~الثقلين وبالمستأخرين الآخر والخطاب بقوله منكم للكل { من نار ~~السموم } من نار الحر الشديد النافذ في المسام ولا امتناع من خلق ~~الحياة في الأجرام البسيطة كما لا امتناع من خلقها في الجواهر المجردة ~~فضلا عن الأجسام المؤلفة التي غالب أجزائها الجزء الناري فانها أقبل لها ~~من التي غالب أجزائها الجزء الأرضي وقوله تعالى من نار باعتبار الغالب ~~كقوله تعالى خلقكم من تراب ومساق الآية الكريمة كما هو للدلالة على كمال ~~قدرة الله تعالى وبيان بدء خلق الثقلين فهو للتنبيه على المقدمة الثانية ~~التي يتوقف ms1825 عليها إمكان الحشر وهو قبول المواد للجميع والاحياء. # { وإذ قال ربك } نصب بإضمار اذكر، وتذكير الوقت لما مر ~~مرارا من أنه أدخل في تذكير ما وقع فيه من الحوادث وفي التعرض لوصف ~~الربوبية المنبئة عن تبليغ الشيء إلى كماله اللائق به شيئا فشيئا مع ~~الاضافة الى ضميره عليه الصلاة والسلام اشعار بعلة الحكم وتشريف له عليه ~~الصلاة والسلام أي اذكر وقت قوله تعالى { للملآئكة إني خالق ~~} فيما سيأتي وفيه ما ليس في صيغة المضارع من الدلالة على أنه تعالى فاعل ~~له البتة من غير صارف يثنيه ولا عاطف يلونه { بشرا } أي انسانا قيل ~~ليس هذا عين العبارة الجارية وقت الخطاب بل الظاهر أن يكون قد قيل لهم ~~اني خالق خلقا من صفته كيت وكيت ولكن اقتصر عند الحكاية على الاسم وقيل ~~حسما كثيفا يلاقي ويباشر وقيل خلقا بادى البشر بلا صوف ولا شعرة { ~~من صلصال } متعلق بخالق أو بمحذوف وقع صفة لمفعوله أي بشرا كائنا ~~من صلصال كائن { من حمإ مسنون } تقدم تفسيره ولا ينافي هذا ما ~~في قوله تعالى في سورة ص من قوله بشرا من طين فإن عدم التعرض عند ~~الحكاية لوصف الطين من التغير والاسوداد ولما ورد عليه من آثار التكوين ~~لا يستلزم عدم التعرض لذلك عند وقوع المحكى غايته أنه لم يتعرض له هناك ~~اكتفاء بما شرح ههنا. # { فإذا سويته } أي صورته بالصورة الانسانية والخلقة البشرية أو ~~سويت أجزاء بدنه بتعديل طبائعه { ونفخت فيه من روحى } النفخ ~~اجراء الريح الى تجويف جسم صالح لامساكها والامتلاء بها وليس ثمة نفخ ولا ~~منفوخ وانما هو تمثيل لافاضة ما به الحياة بالفعل على المادة القابلة لها ~~أي فاذا كملت استعداده وأفضت عليه ما يحيا به من الروح التي هي من أمري { ~~فقعوا له } أمر من وقع يقع وفيه دليل على أن ليس المأمور به مجرد ~~الانحناء كما قيل أي اسقطوا له { ساجدين } تحية له وتعظيما أو ~~اسجدوا لله تعالى على أنه عليه الصلاة والسلام بمنزلة القبلة حيث ظهر فيه ms1826 ~~تعاجيب آثار قدرته تعالى حكمته كقول حسان رضي الله تعالى عنه # أليس اول من صلى لقبلتكم # وأعلم الناس بالقرآن والسنن ### || [15.30-32] # { فسجد الملائكة } أي فخلقه فسواه فنفخ فيه الروح فسجد ~~الملائكة { كلهم } بحيث لم يشذ منهم أحد { أجمعون } بحيث لم ~~يتأخر في ذلك أحد منهم عن أحد ولا اختصاص لافادة هذا المعنى بالحالية بل ~~يفيده التأكيد أيضا فإن الاشتقاق الواضح يرشد الى أن فيه معنى الجمع ~~والمعية بحسب الوضع والأصل في الخطاب التنزيل على أكمل أحوال الشيء ولا ~~ريب في أن السجود معا أكمل أصناف السجود لكن شاع استعماله تأكيدا وأقيم ~~مقام كل في افادة معنى الاحاطة من غير نظر الى الكمال فإذا فهمت الاحاطة ~~من لفظ آخر لم يكن بد من مراعاة الأصل صونا للكلام عن الالغاء وقيل أكد ~~بتأكيدين مبالغة في التعميم هذا وأما ان سجودهم هذا هل ترتب على ما حكى ~~من الأمر التعليقي كما تقتضيه هذه الآية الكريمة والتي في سورة ص أو على ~~الأمر التنجيزي كما يستدعيه ما في غيرهمافقد خرجنا بفضل الله عز وجل عن ~~عهدة تحقيقه في تفسير سورة البقرة. # { إلا إبليس } استثناء متصل إما لأنه كان جنيا مفردا مغمورا ~~بألوف من الملائكة فعد منهم تغليبا واما لأن من الملائكة جنسا يتوالدون ~~وهو منهم وقوله تعالى { أبى أن يكون مع الساجدين } استئناف ~~مبين لكيفية عدم السجود المفهوم من الاستثناء فإن مطلق عدم السجود قد ~~يكون مع النردد به علم أنه مع الاباء والاستكبار أو منقطع فيتصل به ما ~~بعده أي لكن ابليس أبى ان يكون معهم وفيه دلالة على كمال ركاكة رأيه حيث ~~أدمج في معصية واحدة ثلاث معاص مخالفة الأمر والاستكبار مع تحقير آدم ~~عليه الصلاة والسلام ومفارقة الجماعة والاباء عن الانتظام في سلك أولئك ~~المقربين الكرام. # { قال } استئناف مبنى على سؤال من قال فماذا قال الله تعالى عند ذلك ~~فقيل قال { يإبليس ما لك } اي أي سبب لك لاأي غرض لك كما قيل ~~لقوله تعالى ما منعك { ألا تكون } في أن ms1827 لا تكون { مع ~~الساجدين } لآدم مع أنهم هم ومنزلتهم في الشرف منزلتهم وما كان ~~التوبيخ عند وقوعه لمجرد تخلفه عنهم بل لكل من المعاصي الثلاث المذكورة ~~قال تعالى في سورة الأعراف قال ما منعك أن لا تسجد اذ أمرتك وفي سورة ص ~~قال يا ابليس ما منعك أن تسجد ملا خلقت بيدي ولكن اقتصر عند الحكاية في ~~كل موطن على ما ذكر فيه اجتراء بما ذكر في مواطن آخر واشعار بأن كل واحدة ~~من تلك المعاصي الثلاث كافية في التوبيخ واظهار بطلان ما ارتكبته وقد ~~تركت حكاية التوبيخ رأسا في سورة البقرة وسورة بني اسرائيل وسورة الكهف ~~وسورة طه. ### || [15.33-36] # { قال } أي ابليس وهو أيضا استئناف مبنى على السؤال الذي ينساق اليه ~~الكلام { لم أكن لأسجد } اللام لتأكيد النفي أي ينافي حالي ولا ~~يستقيم مني لأني مخلوق من أشرف العناصر وأعلاها أن اسجد { لبشر } أي ~~جسم كثيف { خلقته من صلصال من حمإ مسنون } اقتصر ~~ههنا على الاشارة الاجمالية الى ادعاء الخيرية وشرف المادة اكتفاء بما ~~صرح به حين قال أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين ولم يكتف اللعين ~~بمجرد ذكر كونه عليه الصلاة والسلام من التراب الذي هو أخس العناصر ~~وأسفلها بل تعرض لكونه مخلوقا منه في أخس أحواله من كونه طينا متغيرا ~~وقد اكتفى في سورة الأعراف وسورة ص بما حكى عنه ههنا فاقتصر على حكاية ~~تعرضه لخلقه عليه الصلاة والسلام من طين وكذا في سورة بنى اسرائيل حيث ~~قيل { أأسجد لمن خلقت طينا } وفي جوابه دليل على أن قوله تعالى { ما لك ~~} ليس استفسارا عن الغرض بل هو استفسار عن السبب، وفي عدوله عن تطبيق ~~جوابه على السؤال روم للتفصي عن المناقشة وأنى له ذلك كأنه قال لم ~~أمتنع عن امتثال الأمر ولا عن الانتظام في سلك الملائكة بل عما لا يليق ~~بشأنى من الخضوع للمفضول ولقد جرى خذله الله تعالى على سنن قياس عقيم وزل ~~عنه أن ما يدور عليه فلك الفضل والكمال هو ms1828 التحلي بالمعارف الربانية ~~والتخلي عن الملكات الردية التي أقبحها التكبر والاستعصاء على أمر رب ~~العالمين جلا جلاله. # { قال فاخرج منها } أي من زمرة الملائكة المعززين لا من ~~السماء، فإن وسوسته لآدم عليه الصلاة والسلام في الجنة إنما كانت بعد ~~هذا الطرد، وقوله تعالى: # فاهبط منها # [الأعراف: 13] ليس نصا في ذلك، فإن الخروج من بين الملإ الأعلى ~~هبوط وأي هبوط، أو من الجنة على أن وسوسته كانت بطريق النداء من ~~بابها كما روي عن الحسن البصري، أو بطريق المشافهة بعد أن احتال في ~~دخولها وتوسل إليه بالحية كما روي عن ابن عباس رضي الله عنهما، ولا ~~ينافي هذا طرده على رؤوس الأشهاد لما يقتضيه من الحكم البالغة { ~~فإنك رجيم } مطرود من كل خير وكرامة، فإن من يطرد يرجم ~~بالحجارة، أو شيطان يرجم بالشهب وهو وعيد يتضمن الجواب عن شبهته، ~~فإن من عارض النص بالقياس فهو رجيم ملعون. # { وإن عليك اللعنة } الإبعاد عن الرحمة، وحيث كان ذلك من ~~جهة الله سبحانه وإن كان جاريا على ألسنة العباد، قيل: في سورة ص { ~~وإن عليك لعنتى } { إلى يوم الدين } إلى يوم الجزاء ~~والعقوبة، وفيه إشعار بتأخير عقابه وجزائه إليه، وأن اللعنة مع كمال ~~فظاعتها ليست جزاء لفعله وإنما يتحقق ذلك يومئذ، وفيه من التهويل ما لا ~~يوصف، وجعل ذلك أقصى أمد اللعنة ليس لأنها تنقطع هنالك، بل لأنه عند ~~ذلك يعذب بما ينسى به اللعنة من أفانين العذاب، فتصير هي كالزائل. # وقيل: إنما حدت به لأنه أبعد غاية يضر بها الناس كقوله تعالى: # خلدين فيها ما دامت السموات والأرض # [هود: 107] وحيث أمكن كون تأخير العقوبة مع الموت كسائر من أخرت ~~عقوباتهم إلى الآخرة من الكفرة، طلب اللعين تأخير موته كما حكي عنه ~~بقوله تعالى: { قال رب فأنظرنى } أي أمهلني وأخرني ولا ~~تمتني، والفاء متعلق بمحذوف ينسحب عليه الكلام، أي إذ جعلتني رجيما ~~فأمهلني { إلى يوم يبعثون } أي آدم وذريته للجزاء بعد ~~فنائهم، وأراد بذلك أن يجد فسحة لإغوائهم ويأخذ منهم ثأره وينجو من ~~الموت ms1829 لاستحالته بعد يوم البعث. ### || [15.37-38] # { قال فإنك من المنظرين } ورود الجواب بالجملة الاسمية ~~مع التعرض لشمول ما سأله لآخرين على وجه يؤذن بكون السائل تبعا لهم ~~في ذلك، دليل على أنه إخبار بالإنظار المقدر لهم أزلا، لا إنشاء ~~لإنظار خاص به وقع إجابة لدعائه، أي إنك من جملة الذين أخرت آجالهم ~~أزلا حسبما تقتضيه حكمة التكوين، فالفاء ليست لربط نفس الإنظار ~~بالاستنظار بل لربط الإخبار المذكور به، كما في قوله: [الوافر] # فإن ترحم فأنت لذاك أهل # فإنه لا إمكان لجعل الفاء فيه لربط ما فيه تعالى من الأهلية القديمة ~~للرحمة بوقوع الرحمة الحادثة، بل هي لربط الإخبار بتلك الأهلية للرحمة ~~بوقوعها، وأن استنظاره كان طلبا لتأخير الموت إذ به يتحقق كونه من ~~جملتهم، لا لتأخير العقوبه كما قيل، ونظمه في ذلك في سلك من أخرت ~~عقوبتهم إلى الآخرة في علم الله تعالى ممن سبق من الجن ولحق من الثقلين ~~لا يلائم مقام الاستنظار مع الحياة، ولأن ذلك التأخير معلوم من إضافة ~~اليوم إلى الدين مع إضافته في السؤال إلى البعث كما عرفته، وفي سورة ~~الأعراف: # قال أنظرنى إلى يوم يبعثون * قال إنك من ~~المنظرين # [الأعراف: 14و15] بترك التوقيت والنداء، والفاء في الاستنظار ~~والإنظار تعويلا على ما ذكر ههنا، وفي سورة ص، فإن إيراد كلام واحد ~~على أساليب متعددة غير عزيز في الكتاب العزيز، وأما أن كل أسلوب من ~~أساليب النظم الكريم لا بد أن يكون له مقام يقتضيه مغاير لمقام غيره، ~~وأن ما حكي من اللعين إنما صدر عنه مرة وكذا جوابه لم يقع إلا دفعة، ~~فمقام المجاورة إن اقتضى أحد الأساليب المذكورة فهو المطابق لمقتضى ~~الحال والبالغ إلى طبقة الإعجاز وما عداه قاصر عن رتبة البلاغة فضلا ~~عن الارتقاء إلى معالم الإعجاز، فقد مر تحقيقه بتوفيق الله تعالى في ~~سورة الأعراف. # { إلى يوم الوقت المعلوم } وهو وقت النفخة الأولى التي ~~علم أنه يصعق عندها من في السموات ومن في الأرض إلا من شاء الله ~~تعالى، ويجوز أن يكون المراد ms1830 بالأيام واحدا، والاختلاف في العبارات ~~لاختلاف الاعتبارات، فالتعبير بيوم البعث لأن غرض اللعين يتحقق، ~~وبيوم الدين لما ذكر من الجزاء، وبيوم الوقت المعلوم لما ذكر أو ~~لاستئثاره تعالى بعلمه فلعل كلا من هلاك الخلق جميعا وبعثهم وجزائهم ~~في يوم واحد، يموت اللعين في أوله ويبعث في أواسطه ويعاقب في بقيته. ~~يروى أن بين موته وبعثه أربعين سنة من سني الدنيا مقدار ما بين ~~النفختين، ونقل عن الأحنف بن قيس رحمه الله تعالى أنه قال: قدمت ~~المدينة أريد أمير المؤمنين عمر رضي الله تعالى عنه، فإذا أنا بحلقة ~~عظيمة وكعب الأحبار فيها يحدث الناس وهو يقول: لما حضر آدم عليه الصلاة ~~والسلام الوفاة قال: يا رب سيشمت بي عدوي إبليس إذا رآني ميتا وهو ~~منظر إلى يوم القيامة، فأجيب أن يا آدم إنك سترد إلى الجنة ~~ويؤخر اللعين إلى النظرة ليذوق ألم الموت بعدد الأولين والآخرين، ~~ثم قال لملك الموت: صف كيف تذيقه الموت، فلما وصفه قال: يا رب حسبي. # فضج الناس وقالوا: يا أبا إسحاق كيف ذلك؟ فأبى، فألحوا فقال: # " يقول الله سبحانه لملك الموت عقب النفخة الأولى: «قد جعلت فيك قوة ~~أهل السموات السبع، وأهل الأرضين السبع، وإني ألبستك اليوم أثواب ~~السخط والغضب كلها، فانزل بغضبي وسطوتي على رجيمي إبليس فأذقه ~~الموت واحمل عليه فيه مرارة الأولين والأخرين من الثقلين أضعافا ~~مضاعفة، وليكن معك من الزبانية سبعون ألفا قد امتلأوا غيظا وغضبا، ~~وليكن مع كل منهم سلسلة من سلاسل جهنم وغل من أغلالها، وأنزل روحه ~~المنتن بسبعين ألف كلاب من كلاليبها، وناد مالكا ليفتح أبواب ~~النيران» " # ، فينزل ملك الموت بصورة لو نظر إليها أهل السموات والأرضين لماتوا ~~بغتة من هولها، فينتهي إلى إبليس فيقول: قف لي يا خبيث لأذيقنك ~~الموت كم من عمر أدركت وقرون أضللت وهذا هو الوقت المعلوم، قال: ~~فيهرب اللعين إلى المشرق فإذا هو بملك الموت بين عينيه، فيهرب إلى ~~المغرب فإذا هو به بين عينيه، فيغوص البحار فتنز منه البحار فلا ~~تقبله، فلا يزال يهرب ms1831 في الأرض ولا محيص له ولا ملاذ، ثم يقوم في وسط ~~الدنيا عند قبر آدم ويتمرغ في التراب من المشرق إلى المغرب ومن المغرب ~~إلى المشرق، حتى إذا كان في الموضع الذي أهبط في آدم عليه الصلاة ~~والسلام، وقد نصبت له الزبانية الكلاليب وصارت الأرض كالجمرة احتوشته ~~الزبانية وطعنوه بالكلاليب، ويبقى في النزع والعذاب إلى حيث يشاء الله ~~تعالى، ويقال لآدم وحواء: اطلعا اليوم إلى عدوكما كيف يذوق الموت، ~~فيطلعان فينظران إلى ما هو فيه من شدة العذاب فيقولان: ربنا أتممت ~~علينا نعمتك. ### || [15.39-40] # { قال رب بمآ أغويتنى } الباء للقسم وما مصدرية والجواب { ~~لأزينن لهم } أي أقسم بإغوائك إياي لأزينن لهم المعاصي { فى ~~الأرض } أي في الدنيا التي هي دار الغرور كقوله تعالى: # أخلد إلى الأرض # [الأعراف: 176] وإقسامه بعزة الله المفسرة بسلطانه وقهره لا ينافي ~~إقسامه بهذا، فإنه فرع من فروعها وأثر من آثارها، فلعله أقسم بهما ~~جميعا فحكي تارة قسمه بهذا وأخرى بذاك، أو للسببية، وقوله: لأزينن، ~~جواب قسم محذوف، والمعنى بسبب تسببك لإغوائي أقسم لأفعلن بهم مثل ~~ما فعلت بي من التسبيب لإغوائهم بتزيين المعاصي وتسويل الأباطيل، ~~والمعتزلة أولوا الإغواء بالنسبة إلى الغي أو التسببب له لأمره إياه ~~بالسجود لآدم عليه الصلاة والسلام، واعتذروا عن إمهال الله تعالى ~~وتسليطه له على إغواء بني آدم بأنه تعالى قد علم منه وممن تبعه أنهم ~~يموتون على الكفر ويصيرون إلى النار، أمهل أم لم يمهل، وأن في إمهاله ~~تعويضا لمن خالفه لاستحقاق مزيد الثواب { ولأغوينهم ~~أجمعين } لأحملنهم على الغواية. # { إلا عبادك منهم المخلصين } الذين أخلصتهم لطاعتك ~~وطهرتهم من الشوائب، فلا يعمل فيهم كيدي، وقرىء بكسر اللام، أي الذين ~~أخلصوا نفوسهم لله تعالى. ### || [15.41-45] # { قال هذا صرط } أي حق { على } أن أراعيه { مستقيم } ~~لا عوج فيه، والإشارة إلى ما تضمنه الاستثناء وهو تخلص المخلصين ~~من إغوائه، أو الإخلاص على معنى أنه طريق يؤدي إلى الوصول من غير ~~اعوجاج وضلال، والأظهر أن ذلك لما وقع في عبارة إبليس حيث قال: { ~~لأقعدن لهم صرطك ms1832 المستقيم * ثم لآتينهم من ~~بين أيديهم ومن خلفهم } الآية، وقرىء على من علو الشرف. # { إن عبادى } وهم المشار إليهم بالمخلصين { ليس لك ~~عليهم سلطن } تسلط وتصرف بالإغواء { إلا من اتبعك ~~من الغاوين } وفيه، مع كونه تحقيقا لما قاله اللعين، تفخيم لشأن ~~المخلصين وبيان لمنزلتهم ولانقطاع مخالب الإغواء عنهم وأن إغواءه ~~للغاوين ليس بطريق السلطان بل بطريق اتباعهم له بسوء اختيارهم. # { وإن جهنم لموعدهم } أي موعد المتبعين أو الغاوين، ~~والأول أنسب وأدخل في الزجر عن اتباعه، وفيه دلالة على أن جهنم مكان ~~الوعد وأن الموعود مما لا يوصف في الفظاعة { أجمعين } تأكيد ~~للضمير أو حال، والعامل فيها الموعد إن جعل مصدرا على تقدير المضاف، ~~أو معنى الإضافة إن جعل اسم مكان. # { لها سبعة أبواب } يدخلونها لكثرتهم، أو سبع طبقات ينزلونها ~~بحسب مراتبهم في الغواية والمتابعة، وهي: جهنم ثم لظى ثم الحطمة ثم ~~السعير ثم سقر ثم الجحيم ثم الهاوية { لكل باب منهم } من ~~الأتباع أو الغواة { جزء مقسوم } حزب معين مفرز من غيره ~~حسبما يقتضيه استعداده، فأعلاها للموحدين، والثانية لليهود، والثالثة ~~للنصارى، والرابعة للصابئين، والخامسة للمجوس، والسادسة للمشركين، ~~والسابعة للمنافقين. وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: إن جهنم لمن ~~ادعى الربوبية ولظى لعبدة النار، والحطمة لعبدة الأصنام، وسقر ~~لليهود، والسعير للنصارى، والجحيم للصابئين، والهاوية للموحدين، ولعل ~~حصرها في السبع لانحصار المهلكات في المحسوسات بالحواس الخمس ومقتضيات ~~القوة الشهوية والغضبية، وقرىء بضم الزاي وبحذف الهمزة وإلقاء حركتها ~~إلى ما قبلها مع تشديدها في الوقف والوصل، ومنهم حال، من جزء أو من ضميره ~~في الظرف لا في مقسوم، لأن الصفة لا تعمل فيما تقدم موصوفها. # { إن المتقين } من اتباعه في الكفر والفواحش فإن غيرها مكفر { ~~فى جنت وعيون } أي مستقرون فيها خالدين، لكل واحد منهم جنة ~~وعين، أو لكل منهم عدة منهما كقوله تعالى: # ولمن خاف مقام ربه جنتان # [الرحمن: 46]، وقرىء بكسر العين حيث وقع في القرآن العظيم. ### || [15.46-51] # { ادخلوها } على إرادة القول أمرا من الله تعالى لهم بالدخول، ~~وقرىء أدخلوها أمرا ms1833 منه تعالى للملائكة بإدخالهم، وقرأ الحسن: ~~أدخلوها مبنيا للمفعول على صيغة الماضي من الإدخال { بسلام } ~~ملتبسين بسلام أي سالمين أو مسلما عليكم { ءامنين } من الآفات ~~والزوال. # { ونزعنا ما فى صدورهم من غل } أي حقد كان في الدنيا، ~~وعن علي رضي الله تعالى عنه: أرجو أن أكون أنا وعثمان وطلحة والزبير ~~منهم رضوان الله تعالى عليهم أجمعين { إخوانا } حال من الضمير في ~~قوله تعالى: { في جنت } ، أو من فاعل ادخلوها، أو من الضمير في ~~آمنين، أو الضمير المضاف إليه والعامل فيه معنى الإضافة، وكذلك قوله ~~تعالى: { على سرر متقبلين } ويجوز كونهما صفتين لإخوانا ~~أو حالين من ضميره، لأنه بمعنى متصافين، وكون الثاني حالا من ~~المستكن في الأول. وعن مجاهد: تدور بهم الأسرة حيثما داروا فهم ~~متقابلون في جميع أحوالهم. # { لا يمسهم فيها نصب } أي تعب بألا يكون لهم فيها ما يوجبه ~~من الكد في تحصيل ما لا بد لهم منه، لحصول كل ما يريدونه من غير ~~مزاولة عمل أصلا، أو بأن لا يعتريهم ذلك وإن باشروا الحركات العنيفة ~~لكمال قوتهم، وهو استئناف أو حال بعد حال من الضمير في متقابلين { ~~وما هم منها بمخرجين } أبد الآباد لأن تمام النعمة ~~بالخلود. # { نبىء عبادى } وهم الذين عبر عنهم بالمتقين { أنى أنا ~~الغفور الرحيم * وأن عذابى هو العذاب الأليم } ~~فذلكة لما سلف من الوعد والوعيد وتقرير له، وفي ذكر المغفرة إشعار ~~بأن ليس المراد بالمتقين من يتقي جميع الذنوب كبيرها وصغيرها، وفي ~~وصف ذاته تعالى بها وبالرحمة على وجه القصر دون التعذيب إيذان بأنهما ~~مما يقتضيهما الذات وأن العذاب إنما يتحقق بما يوجبه من خارج. # { ونبئهم } عطف على نبىء عبادي، والمقصود اعتبارهم بما جرى على ~~إبراهيم عليه الصلاة والسلام مع أهله من البشرى في تضاعيف الخوف، وبما ~~حل بقوم لوط من العذاب ونجاته عليه الصلاة والسلام مع أهله التابعين له ~~في ضمن الخوف، وتنبيههم بحلول انتقامه تعالى من المجرمين وعلمهم بأن ~~عذاب الله هو العذاب الأليم { عن ضيف إبراهيم } عن ابن عباس رضي ~~الله ms1834 تعالى عنهما: # " أنهم جبريل عليه الصلاة والسلام وملكان معه " # ، وقال محمد بن كعب: # " وسبعة معه " # ، وقيل: # " جبريل وميكائيل وإسرافيل عليهم الصلاة والسلام " # ، وقال الضحاك: # " كانوا تسعة " # ، وعن السدي: # " كانوا أحد عشر على صور الغلمان الوضاء وجوههم " # ، وعن مقاتل: # " أنهم كانوا اثني عشر ملكا " # ، وإنما لم يتعرض لعنوان رسالتهم لأنهم لم يكونوا مرسلين إلى إبراهيم ~~عليه الصلاة والسلام بل إلى قوم لوط حسبما يأتي ذكره. ### || [15.52-55] # { إذ دخلوا عليه } نصب بفعل مضمر معطوف على نبىء، أي واذكر ~~وقت دخولهم عليه، أو خبر مقدر مضاف إلى ضيف، أي خبر ضيف إبراهيم حين ~~دخولهم عليه، أو بنفس ضيف على أنه مصدر في الأصل { فقالوا } عند ذلك ~~{ سلاما } أي نسلم سلاما أو سلمنا أو سلمت سلاما. # { قال إنا منكم وجلون } أي خائفون، فإن الوجل اضطراب ~~النفس لتوقع مكروه، قاله عليه الصلاة والسلام حين امتنعوا من أكل ما ~~قربه إليهم من العجل الحنيذ، لما أن المعتاد عندهم أنه إذا نزل بهم ~~ضيف فلم يأكل من طعامهم ظنوا أنه لم يجىء بخير، لا عند ابتداء دخولهم ~~لقوله تعالى: # فلما رأى أيديهم لا تصل إليه نكرهم وأوجس ~~منهم خيفة # [هود: 70]، فلا مجال لكون خوفه عليه الصلاة والسلام بسبب دخولهم بغير ~~إذن ولا بغير وقت، إذ لو كان كذلك لأجابوا حينئذ بما أجابوا، ولم يتصد ~~عليه الصلاة والسلام لتقريب الطعام إليهم، وإنما لم يذكر ههنا اكتفاء ~~بما بين في غير هذا الموضع، ألا يرى إلى أنه لم يذكر ههنا رده عليه ~~الصلاة والسلام لسلامهم. # { قالوا لا توجل } لا تخف، وقرىء لا تاجل ولا توجل من أوجله ~~أي أخافه، ولا تواجل من واجله بمعنى أوجله { إنا نبشرك } ~~استئناف لتعليل النهي عن الوجل، فإن المبشر به لا يكاد يحوم حول ساحته ~~خوف ولا حزن، كيف لا وهو بشارة ببقائه وبقاء أهله في عافية وسلامة ~~زمانا طويلا { بغلم } هو إسحاق عليه الصلاة والسلام لقوله ~~تعالى: # فبشرنها بإسحق # [هود: 71] ولم يتعرض ههنا لبشارة يعقوب عليه الصلاة والسلام اكتفاء ~~بما ذكر في سورة ms1835 هود { عليم } إذا بلغ، وفي موضع آخر بغلام حليم. # { قال أبشرتمونى } بذلك { على أن مسنى الكبر } ~~وأثر في تعجبه عليه الصلاة والسلام من بشارتهم بالولد في حالة مباينة ~~للولادة، وزاد في ذلك فقال: { فبم تبشرون } أي بأي أعجوبة ~~تبشرونني، فإن البشارة بما لا يتصور وقوعه عادة بشارة بغير شيء، أو ~~بأي طريقة تبشرونني، وقرىء بتشديد النون المكسورة على إدغام نون الجمع ~~في نون الوقاية. # { قالوا بشرنك بالحق } أي بما يكون لا محالة، أو باليقين ~~الذي لا لبس فيه، أو بطريقة هي حق وهو أمر الله تعالى، وقوله: { ~~فلا تكن من القنطين } من الآيسين من ذلك، فإن الله قادر على ~~أن يخلق بشرا بغير أبوين، فكيف من شيخ فان وعجوز عاقر، وقرىء من ~~القنطين، وكان مقصده عليه الصلاة والسلام استعظام نعمته تعالى عليه ~~في ضمن التعجب العادي المبني على سنة الله تعالى المسلوكة فيما بين ~~عباده، لا استبعاد ذلك بالنسبة إلى قدرته سبحانه كما ينبىء عنه قول ~~الملائكة: فلا تكن من القانطين، دون أن يقولوا: من الممترين أو نحوه. ### || [15.56-60] # { قال ومن يقنط } استفهام إنكاري أي لا يقنط { من رحمة ~~ربه إلا الضآلون } المخطئون طريق المعرفة والصواب، فلا ~~يعرفون سعة رحمته وكمال علمه وقدرته كما قال يعقوب عليه الصلاة ~~والسلام: # لا ييأس من روح الله إلا القوم الكفرون # [يوسف: 87]، ومراده نفي القنوط عن نفسه على أبلغ وجه، أي ليس بي ~~قنوط من رحمته تعالى، وإنما الذي أقول لبيان منافاة حالي لفيضان تلك ~~النعمة الجليلة علي، وفي التعرض لوصف الربوبية والرحمة ما لا يخفى ~~من الجزالة، وقرىء بضم النون، وبكسرها من قنط بالفتح ولم تكن هذه ~~المفاوضة من الملائكة مع إبراهيم عليه الصلاة والسلام خاصة، بل مع ~~سارة أيضا حسبما شرح في سورة هود، ولم يذكر ذلك ههنا اكتفاء بما ~~ذكر هناك كما أنه لم يذكر هذه هناك اكتفاء بما ذكر ههنا. # { قال } أي إبراهيم عليه الصلاة والسلام، وتوسيطه بين قوله السابق ~~وبين قوله: { فما خطبكم } أي أمركم وشأنكم الخطير الذي لأجله ms1836 ~~أرسلتم سوى البشارة { أيها المرسلون } صريح في أن بينهما ~~مقالة مطوية لهم أشير به إلى مكانها كما في قوله تعالى: { قال ~~أءسجد لمن خلقت طينا * قال أرءيتك هذا الذى ~~كرمت على } الآية، فإن قوله الأخير ليس موصولا بقوله الأول، ~~بل هو مبني على قوله تعالى: # فاخرج منها فإنك رجيم # [الحجر: 34] فإن توسيط قال بين قوليه للإيذان بعدم اتصال الثاني ~~بالأول وعدم ابتنائه عليه بل على غيره، ثم خطابه لهم عليهم الصلاة ~~والسلام بعنوان الرسالة بعد ما كان خطابه السابق مجردا عن ذلك مع ~~تصديره بالفاء، دليل على أن مقالتهم المطوية كانت متضمنة لبيان أن ~~مجيئهم ليس لمجرد البشارة، بل لهم شأن آخر لأجله أرسلوا فكأنه قال ~~عليه الصلاة والسلام: وإن لم يكن شأنكم مجرد البشارة فماذا هو؟ فلا ~~حاجة إلى الالتجاء إلى أن علمه عليه الصلاة والسلام بأن كل المقصود ~~ليس البشارة بسبب أنهم كانوا ذوي عدد، والبشارة لا تحتاج إلى عدد ~~ولذلك اكتفي بالواحد في زكريا عليه الصلاة والسلام ومريم، ولا إلى أنهم ~~بشروه في تضاعيف الحال لإزالة الوجل ولو كانت تمام المقصود لابتدأوا ~~بها فتأمل. # { قالوا إنآ أرسلنآ إلى قوم مجرمين } هو قوم ~~لوط، وصفوا بالإجرام وجيء بهم بطريق التنكير ذما لهم واستهانة بهم. # { إلا ءال لوط } استثناء متصل من الضمير في مجرمين، أي إلى قوم ~~أجرموا جميعا إلا آل لوط، فالقوم والإرسال شاملان للمجرمين وغيرهم، ~~والمعنى إنا أرسلنا إلى قوم أجرم كلهم إلا آل لوط لنهلك الأولين ~~وننجي الآخرين، ويدل عليه قوله تعالى: { إنا لمنجوهم } أي ~~لوطا وآله { أجمعين } أي مما يصيب القوم، فإنه استئناف للإخبار ~~بنجاتهم لعدم إجرامهم، أو لبيان ما فهم من الاستثناء من مطلق عدم ~~شمول العذاب لهم، فإن ذلك قد يكون بكون حالهم بين بين، أو لتعليله، ~~فإن من تعلق بهم التنجية بمنجى من شمول العذاب. # أو منقطع من قوم وقوله تعالى: { إنا لمنجوهم } متصل بآل ~~لوط جار مجرى خبر لكن، وعلى هذا فقوله تعالى: { إلا امرأته } ~~استثناء من آل لوط أو من ms1837 ضميرهم، وعلى الأول من الضمير خاصة لاختلاف ~~الحكمين اللهم إلا أن يجعل إنا لمنجوهم اعتراضا، وقرىء بالتخفيف { ~~قدرنآ إنها لمن الغبرين } الباقين مع الكفرة لتهلك ~~معهم، وقرىء قدرنا بالتخفيف، وإنما علق فعل التقدير مع اختصاص ذلك ~~بأفعال القلوب لتضمنه معنى العلم، ويجوز حمله على معنى قلنا لأنه ~~بمعنى القضاء قول وأصله جعل الشيء على مقدار غيره، وإسنادهم له ~~إلى أنفسهم وهو فعل الله سبحانه لما لهم من الزلفى والاختصاص. ### || [15.61-63] # { فلما جآء ءال لوط المرسلون } شروع في بيان كيفية ~~إهلاك المجرمين وتنجية آل لوط حسبما أجمل في الاستثناء ثم فصل في ~~التعليل نوع تفصيل، ووضع المظهر موضع المضمر للإيذان بأن مجيئهم ~~لتحقيق ما أرسلوا به من الإهلاك والتنجية، وليس المراد به ابتداء ~~مجيئهم بل مطلق كينونتهم عند آل لوط، فإن ما حكي عنه عليه الصلاة ~~والسلام بقوله تعالى: { قال إنكم قوم منكرون } إنما قاله ~~عليه الصلاة والسلام بعد اللتيا والتي حين ضاقت عليه الحيل وعيت به ~~العلل لما لم يشاهد من المرسلين عند مقاساته الشدائد ومعاناته ~~المكايد من قومه الذين يريدون بهم ما يريدون ما هو المعهود والمعتاد ~~من الإعانة والإمداد فيما يأتي ويذر عند تجشمه في تخليصهم إنكارا ~~لخذلانهم له، وترك نصرته في مثل تلك المضايقة المعترية له بسببهم حيث لم ~~يكونوا مباشرين معه لأسباب المدافعة والممانعة حتى ألجأته إلى أن قال: # لو أن لى بكم قوة أو آوي إلى ركن شديد # [هود: 80] حسبما فصل في سورة هود، لا أنه قاله عند ابتداء ورودهم له ~~خوفا أن يطرقوه بشر كما قيل، كيف لا وهم بجوابهم المحكي بقوله تعالى: # { قالوا بل جئنك بما كانوا فيه يمترون } أي ~~بالعذاب الذي كنت تتوعدهم به فيمترون به ويكذبونك، قد قشروا العصا ~~وبينوا له عليه الصلاة والسلام جلية الأمر، فأنى يمكن أن يعتريه بعد ~~ذلك المساءة وضيق الذرع، وليست كلمة بل إضرابا عن موجب الخوف ~~المذكور على معنى ما جئناك بما تنكرنا لأجله بل بما يسرك وتقر به ~~عينك، بل هي إضراب عما فهمه ms1838 عليه الصلاة والسلام من ترك النصرة له، ~~والمعنى ما خذلناك وما خلينا بينك وبينهم بل جئناك بما يدمرهم من ~~العذاب الذي كانوا يكذبونك حين كنت تتوعدهم به، ولعل تقديم هذه المقاولة ~~على ما جرى بينه وبين أهل المدينة من المجادلة للمسارعة إلى ذكر ~~بشارة لوط عليه الصلاة والسلام بإهلاك قومه وتنجية آله عقيب ذكر ~~بشارة إبراهيم عليه الصلاة والسلام بهما، وحيث كان ذلك مستدعيا لبيان ~~كيفية النجاة وترتيب مباديها أشير إلى ذلك إجمالا، ثم ذكر ما فعل ~~القوم وما فعل بهم ولم يبال بتغيير الترتيب الوقوعي ثقة بمراعاته ~~في مواقع أخر ونسبة المجيء بالعذاب إليه عليه الصلاة والسلام مع أنه ~~نازل بالقوم بطريق تفويض أمره إليه لا بطريق نزوله عليه، كأنهم جاءوه ~~به وفوضوا أمره إليه ليرسله عليهم حسبما كان يتوعدهم به. ### || [15.64-66] # { وأتينك بالحق } أي باليقين الذي لا مجال فيه للامتراء ~~والشك وهو عذابهم، عبر عنه بذلك تنصيصا على نفي الامتراء عنه، أو ~~المراد بالحق الإخبار بمجيء العذاب المذكور، وقوله تعالى: { وإنا ~~لصدقون } تأكيد له، أي أتيناك فيما قلنا بالخير الحق أي ~~المطابق للواقع، وإنا لصادقون في ذلك الخبر أو في كل كلام فيكون ~~كالدليل على صدقهم فيه، وعلى الأول تأكيد إثر تأكيد. # وقوله تعالى: { فأسر بأهلك } شروع في ترتيب مبادي النجاة، أي ~~اذهب بهم في الليل، وقرىء بالوصل وكلاهما من السرى وهو السير في ~~الليل، وقرىء فسر من السير { بقطع من اليل } بطائفة منه أو ~~من آخره قال: [الخفيف] # افتحي الباب وانظري في النجوم # كم علينا من قطع ليل بهيم # وقيل: هو بعد ما مضى منه شيء صالح { واتبع أدبرهم } وكن ~~على أثرهم تذودهم وتسرع بهم وتطلع على أحوالهم، ولعل إيثار الاتباع ~~على السوق مع أنه المقصود بالأمر للمبالغة في ذلك، إذ السوق ربما ~~يكون بالتقدم على بعض مع التأخر عن بعض ويلزمه عادة الغفلة عن حال ~~المتأخر، والالتفات المنهي عنه بقوله تعالى: { ولا يلتفت ~~منكم } أي منك ومنهم { أحد } فيرى ما وراءه من الهول فلا يطيقه، أو ms1839 ~~يصيبه ما أصابهم، أو ولا ينصرف منكم أحد ولا يتخلف لغرض فيصيبه ~~العذاب، وقيل: نهوا عن ذلك ليوطنوا أنفسهم على المهاجرة، أو هو نهي عن ~~ربط القلب بما خلفوه، أو هو للإسراع في السير فإن الملتفت قلما يخلو عن ~~أدنى وقفة، وعدم ذكر استثناء المرأة من الإسراء والالتفات لا يستدعي ~~عدم وقوعه، فإن ذلك لما عرفت مرارا للاكتفاء بما ذكر في مواضع أخر { ~~وامضوا حيث تؤمرون } إلى حيث أمركم الله تعالى بالمضي إليه ~~وهو الشام أو مصر، وحذف الصلتين على الاتساع المشهور، وإيثار المضي ~~إلى ما ذكر على الوصول إليه واللحوق به للإيذان بأهمية النجاة ~~ولمراعاة المناسبة بينه وبين ما سلف من الغابرين. # { وقضينا } أي أوحينا { إليه } مقضيا ولذلك عدي بإلى { ~~ذلك الأمر } مبهم يفسره { أن دابر هؤلآء مقطوع } على ~~أنه بدل منه، وإيثار اسم الإشارة على الضمير للدلالة على اتصافهم ~~بصفاتهم القبيحة التي هي مدار ثبوت الحكم، أي دابر هؤلاء المجرمين، ~~وإيراد صيغة المفعول بدل صيغة المضارع لكونها أدخل في الدلالة على ~~الوقوع، وفي لفظ القضاء والتعبير عن العذاب بالأمر والإشارة إليه ~~بذلك وتأخيره عن الجار والمجرور وإبهامه أولا ثم تفسيره ثانيا من ~~الدلالة على فخامة الأمر وفظاعته ما لا يخفى. وقرىء بالكسر على ~~الاستئناف، والمعنى أنهم يستأصلون عن آخرهم حتى لا يبقى منهم أحد { ~~مصبحين } داخلين في الصبح، وهو حال من هؤلاء أو من الضمير في ~~مقطوع وجمعه للحمل على المعنى فإن دابر هؤلاء بمعنى مدبري هؤلاء. ### || [15.67-70] # { وجآء أهل المدينة } شروع في حكاية ما صدر عن القوم عند ~~وقوفهم على مكان الأضياف من الفعل والقول وما ترتب عليه بعدما أشير إلى ~~ذلك إجمالا حسبما نبه عليه، أي جاء أهل سدوم منزل لوط عليه الصلاة ~~والسلام { يستبشرون } أي مستبشرين بأضيافه عليه الصلاة والسلام ~~طمعا فيهم. # { قال إن هؤلآء ضيفى } الضيف حيث كان مصدرا في الأصل أطلق ~~على الواحد والمتعدد والمذكر والمؤنث، وإطلاقه على الملائكة بحسب ~~اعتقاده عليه الصلاة والسلام لكونهم في زي الضيف، والتأكيد ليس ~~لإنكارهم بذلك بل ms1840 لتحقيق اتصافهم به وإظهار اعتنائه بشأنهم وتشمره ~~لمراعاة حقوقهم وحمايتهم من السوء، ولذلك قال: { فلا تفضحون } أي ~~عندكم بأن تتعرضوا لهم بسوء فيعلموا أنه ليس لي عندكم قدر وحرمة، أو لا ~~تفضحون بفضيحة ضيفي فإن من أسيء إلى ضيفه فقد أسيء إليه، يقال: فضحه ~~فضحا وفضيحة إذا أظهر من أمره ما يلزمه العار. # { واتقوا الله } في مباشرتكم لما يسؤوني { ولا تخزون } أي ~~لا تذلوني ولا تهينوني بالتعرض لمن أجرتهم بمثل تلك الفعلة ~~الخبيثة، وحيث كان التعرض لهم بعد أن نهاهم عليه الصلاة والسلام عن ~~ذلك بقوله: فلا تفضحون أكثر تأثيرا في جانبه عليه الصلاة والسلام ~~وأجلب للعار إليه، إذ التعرض للجار قبل شعور المجير بذلك ربما ~~يتسامح فيه، وأما بعد الشعور به والمناصبة لحمايته والذب عنه فذاك ~~أعظم العار، عبر عليه الصلاة والسلام عما يعتريه من جهتهم بعد النهي ~~المذكور بسبب لجاجهم ومجاهرتهم بمخالفته بالخزي وأمرهم بتقوى الله ~~تعالى في ذلك، وإنما لم يصرح بالنهي عن نفس تلك الفاحشة لأنه كان ~~يعرف أنه لا يفيدهم ذلك، وقيل: المراد تقوى الله تعالى في ركوب ~~الفاحشة، ولا يساعده توسيطه بين النهيين عن أمرين متعلقين بنفسه ~~عليه الصلاة والسلام. # وكذلك قوله تعالى: { قالوا أولم ننهك عن العلمين } ~~أي عن التعرض لهم بمنعهم عنا وضيافتهم، والهمزة للإنكار والواو للعطف ~~على مقدر، أي ألم نتقدم إليك ولم ننهك عن ذلك فإنهم كانوا يتعرضون ~~لكل أحد من الغرباء بالسوء، وكان عليه الصلاة والسلام ينهاهم عن ذلك ~~بقدر وسعه وكانوا قد نهوه عليه الصلاة والسلام عن أن يجير أحدا، ~~فكأنهم قالوا: ما ذكرت من الفضيحة والخزي إنما جاءك من قبلك لا من ~~قبلنا إذ لولا تعرضك لما نتصدى له لما اعتراك تلك الحالة. ولما ~~رآهم لا يقلعون عما هم عليه. ### || [15.71-77] # { قال هؤلآء بناتى } يعني نساء القوم، فإن نبي كل أمة ~~بمنزلة أبيهم أو بناته حقيقة أي فتزوجوهن، وقد كانوا من قبل ~~يطلبونهن ولا يجيبهم لخبثهم وعدم كفاءتهم، لا لعدم مشروعية المناكحة ~~بين المسلمات والكفار وقد فصل ms1841 ذلك في سورة هود. { إن كنتم ~~فعلين } أي قضاء الوطر أو ما أقول لكم. # { لعمرك } قسم من الله تعالى بحياة النبي عليه الصلاة والسلام أو ~~من الملائكة بحياة لوط عليه الصلاة والسلام والتقدير لعمرك قسمي، وهي ~~لغة في العمر يختص به القسم إيثارا للخفة لكثرة دورانه على الألسنة ~~{ إنهم لفى سكرتهم } غوايتهم أو شدة غلمتهم التي أزالت ~~عقولهم وتمييزهم بين الخطإ والصواب { يعمهون } يتحيرون ~~ويتمادون فكيف يسمعون النصح؟ وقيل: الضمير لقريش والجملة اعتراض. # { فأخذتهم الصيحة } أي الصيحة العظيمة الهائلة، وقيل: ~~صيحة جبريل عليه الصلاة والسلام { مشرقين } داخلين في وقت شروق ~~الشمس. # { فجعلنا عليها } عالي المدينة أو عالي قراهم، وهو ~~المفعول الأول لجعلنا وقوله تعالى: { سافلها } مفعول ثان له وهو ~~أدخل في الهول والفظاعة من العكس كما مر { وأمطرنا عليهم } ~~في تضاعيف ذلك قبل تمام الانقلاب { حجارة } كائنة { من سجيل } ~~من طين متحجر أو طين عليه كتاب، وقد فصل ذلك في سورة هود. # { إن فى ذلك } أي فيما ذكر من القصة { لايات } لعلامات ~~يستدل بها على حقيقة الحق { للمتوسمين } أي المتفكرين ~~المتفرسين الذين يتثبتون في نظرهم حتى يعرفوا حقيقة الشيء بسمته. # { وإنها } أي المدينة أو القرى { لبسبيل مقيم } أي طريق ~~ثابت يسلكه الناس ويرون آثارها. # { إن فى ذلك } فيما ذكر من المدينة أو القرى أو في كونها بمرآى ~~من الناس يشاهدونها في ذهابهم وإيابهم { لآية } عظيمة { ~~للمؤمنين } بالله ورسوله، فإنهم الذين يعرفون أن ما حاق بهم ~~(من) العذاب الذي ترك ديارهم بلاقع إنما حاق بهم لسوء صنيعهم، وأما ~~غيرهم فيحملون ذلك على الاتفاق أو الأوضاع الفلكية، وإفراد الآية بعد ~~جمعها فيما سبق لما أن المشاهد ههنا بقية الآثار لا كل القصة كما ~~فيما سلف. ### || [15.78-83] # { وإن كان } إن مخففة من إن، وضمير الشأن الذي هو اسمها محذوف ~~واللام هي الفارقة أي وإن الشأن كان { أصحب الأيكة } وهم قوم ~~شعيب عليه الصلاة والسلام، والأيكة والليكة الشجرة الملتفة ~~المتكاثفة، وكان عامة شجرهم المقل وكانوا يسكنونها فبعثه الله تعالى ~~إليهم { لظلمين } متجاوزين عن الحد. ms1842 # { فانتقمنا منهم } بالعذاب. روي أن الله تعالى سلط عليهم ~~الحر سبعة أيام، ثم بعث سحابة فالتجأوا إليها يلتمسون الروح، فبعث ~~الله تعالى عليهم منها نارا فأحرقتهم، فهو عذاب يوم الظلة { ~~وإنهما } يعني سدوم والأيكة، وقيل: والأيكة ومدين، فإنه عليه ~~الصلاة والسلام كان مبعوثا إليهما فذكر أحدهما منبه على الآخر { ~~لبإمام مبين } لبطريق واضح، والإمام اسم ما يؤتم به سمي ~~به الطريق ومطمر البناء واللوح الذي يكتب فيه لأنها مما يؤتم به. # { ولقد كذب أصحب الحجر } يعني ثمود { المرسلين } ~~أي صالحا، فإن من كذب واحدا من الأنبياء عليهم السلام فقد كذب ~~الجميع لاتفاقهم على التوحيد والأصول التي لا تختلف باختلاف الأمم ~~والأعصار، وقيل: المراد صالح ومن معه من المؤمنين، كما قيل: الخبيبون ~~لخبيب بن عبد الله بن الزبير وأصحابه، واد بين المدينة والشام ~~كانوا يسكنونه. # { وءاتينهم ءايتنا } وهي الآيات المنزلة على نبيهم، أو ~~المعجزات من الناقة وسقيها وشربها ودرها، أو الأدلة المنصوبة لهم ~~{ فكانوا عنها معرضين } إعراضا كليا، بل كانوا معارضين ~~لها حيث فعلوا بالناقة ما فعلوا. # { وكانوا ينحتون من الجبال بيوتا ءامنين } من ~~الانهدام ونقب اللصوص وتخريب الأعداء لوثاقتها، أو من العذاب لحسبانهم ~~أن ذلك يحميهم منه. # " عن جابر رضي الله تعالى عنه أنه قال: مررنا مع رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم على الحجر فقال: «لا تدخلوا مساكن الذين ظلموا أنفسهم إلا ~~أن تكونوا باكين حذرا أن يصيبكم مثل ما أصاب هؤلاء»، ثم زجر رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم راحلته فأسرع حتى خلفها " # { فأخذتهم الصيحة مصبحين } وهكذا وقع في سورة هود، ~~قيل: صاح بهم جبريل عليه الصلاة والسلام، وقيل: أتتهم من السماء صيحة ~~فيها صوت كل صاعقة وصوت كل شيء في الأرض فتقطعت قلوبهم في صدورهم، ~~وفي سورة الأعراف { فأخذتهم الرجفة } أي الزلزلة ولعلها من ~~روادف الصيحة المستتبعة لتموج الهواء تموجا شديدا يفضي إليها كما مر ~~في سورة هود. ### || [15.84-87] # { فما أغنى عنهم } ولم يدفع عنهم ما نزل بهم { ما كانوا ~~يكسبون } من بناء البيوت الوثيقة والأموال الوافرة ms1843 والعدد ~~المتكاثرة، وفيه تهكم بهم، والفاء لترتيب عدم الإغناء الخاص بوقت ~~نزول العذاب حسبما كانوا يرجونه لا عدم الإغناء المطلق فإنه أمر ~~مستمر. # { وما خلقنا السموات والأرض وما بينهما إلا ~~بالحق } أي إلا خلقا ملتبسا بالحق والحكمة والمصلحة بحيث لا ~~يلائم استمرار الفساد واستقرار الشرور، ولذلك اقتضت الحكمة إهلاك ~~أمثال هؤلاء دفعا لفسادهم وإرشادا لمن بقي إلى الصلاح، أو إلا بسبب ~~العدل والإنصاف يوم الجزاء على الأعمال كما ينبىء عنه قوله تعالى: { ~~وإن الساعة لآتية } فينتقم الله تعالى لك فيها ممن كذبك { ~~فاصفح } أي أعرض عنهم { الصفح الجميل } إعراضا جميلا ~~وتحمل أذيتهم ولا تعجل بالانتقام منهم، وعاملهم معاملة ~~الصفوح الحليم، وقيل: هي منسوخة بآية السيف. # { إن ربك } الذي يبلغك إلى غاية الكمال { هو الخلق } ~~لك ولهم ولسائر الموجودات على الإطلاق { العليم } بأحوالك وأحوالهم ~~بتفاصيلها فلا يخفى عليه شيء مما جرى بينك وبينهم، فهو حقيق بأن ~~تكل جميع الأمور إليه ليحكم بينكم، أو هو الذي خلقكم وعلم تفاصيل ~~أحوالكم وقد علم أن الصفح اليوم أصلح إلى أن يكون السيف أصلح، فهو ~~تعليل للأمر بالصفح على التقديرين، وفي مصحف عثمان وأبي رضي الله ~~تعالى عنهما (هو الخالق) وهو صالح للقليل والكثير والخلاق مختص ~~بالكثير. # { ولقد ءاتينك سبعا } آيات وهي الفاتحة، وعليه عمر ~~وعلي وابن مسعود وأبو هريرة رضي الله تعالى عنهم، والحسن وأبو ~~العالية ومجاهد والضحاك وسعيد بن جبير وقتادة رحمهم الله تعالى. ~~وقيل: سبع سور وهي الطوال التي سابعتها الأنفال والتوبة فإنهما في ~~حكم سورة واحدة، ولذلك لم يفصل بينهما بالتسمية. وقيل: يونس أو ~~الحواميم السبع. وقيل: الصحائف السبع وهي الأسباع. { من المثانى ~~} بيان للسبع من التثنية وهي التكرير، فإن كان المراد الفاتحة وهو ~~الظاهر، فتسميتها المثاني لتكرر قراءتها في الصلاة، وأما تكرر ~~قراءتها في غير الصلاة كما قيل فليس بحيث يكون مدارا للتسمية ولأنها ~~تثنى بما يقرأ بعدها في الصلاة، وأما تكرر نزولها فلا يكون وجها ~~للتسمية لأنها كانت مسماة بهذا الاسم قبل نزولها الثاني إذ السورة ~~مكية بالاتفاق، وإن ms1844 كان المراد غيرها من السور فوجه كونها من ~~المثاني أن كلا من ذلك تكرر قراءته وألفاظه أو قصصه ومواعظه، أو ~~من الثناء لاشتماله على ما هو ثناء على الله واحدتها مثناة أو ~~مثنية صفة للآية، وأما الصحائف وهي الأسباع فلما وقع فيها من تكرير ~~القصص والمواعظ والوعد والوعيد وغير ذلك، ولما فيها من الثناء على ~~الله تعالى كأنها تثني عليه سبحانه بأفعاله وصفاته الحسنى، ويجوز أن ~~يراد بالمثاني القرآن لما ذكر أو لأنه مثنى عليه بالإعجاز، أو كتب ~~الله تعالى كلها فمن للتبعيض، وعلى الأول للبيان { والقرآن ~~العظيم } إن أريد بالسبع الآيات أو السور فمن عطف الكل على ~~البعض أو العام على الخاص، وإن أريد به الأسباع أو كل القرآن فهو عطف ~~أحد الوصفين على الآخر كما في قوله: [المتقارب] # إلى الملك القرم وابن الهمام # وليث الكتائب في المزدحم # أي ولقد أتيناك ما يقال له السبع المثاني والقرآن العظيم. ### || [15.88-91] # { لا تمدن عينيك } لا تطمح ببصرك طموح راغب ولا تدم ~~نظرك { إلى ما متعنا به } من زخارف الدنيا وزينتها ومحاسنها ~~وزهرتها { أزوجا منهم } أصنافا من الكفرة فإن ما في الدنيا ~~من أصناف الأموال والذخائر بالنسبة إلى ما أوتيته مستحقر لا يعبأ به ~~أصلا، وفي حديث أبي بكر رضي الله تعالى عنه: # " من أوتي القرآن فرآى أن أحدا أوتي أفضل مما أوتي فقد صغر ~~عظيما وعظم صغيرا " # وروي (أنه وافت من بصرى وأذرعات سبع قوافل ليهود بني قريظة ~~والنضير فيها أنواع البز والطيب والجواهر وسائر الأمتعة فقال ~~المسلمون: لو كانت هذه الأموال لنا لتقوينا بها وأنفقناها في سبيل ~~الله، فقيل لهم: قد أعطيتم سبع آيات وهي خير من هذه القوافل السبع) ~~{ ولا تحزن عليهم } حيث لم يؤمنوا ولم ينتظموا أتباعك في سلك ~~ليتقوى بهم ضعفاء المسلمين، وقيل: أو أنهم المتمتعون به ويأباه كلمة على ~~فإن تمتعهم به لا يكون مدارا للحزن عليهم { واخفض جناحك ~~للمؤمنين } أي تواضع لهم وارفق بهم وألن جانبك لهم وطب ~~نفسا من إيمان الأغنياء. # { وقل إنى أنا ms1845 النذير المبين } أي المنذر المظهر ~~لنزول عذاب الله وحلوله. # { كمآ أنزلنا على المقتسمين } قيل: إنه متعلق بقوله ~~تعالى: # ولقد ءاتينك # [الحجر، الآية 87] الخ، أي أنزلنا عليك كما أنزلنا على أهل الكتاب. # { الذين جعلوا القرءان عضين } أي قسموه إلى حق وباطل، ~~حيث قالوا عنادا وعدوانا: بعضه حق موافق للتوراة والإنجيل، وبعضه ~~باطل مخالف لهما، أو اقتسموه لأنفسهم استهزاء حيث كان يقول بعضهم: ~~سورة البقرة لي، وبعضهم: سورة آل عمران لي وهكذا، أو قسموا ما قرأوا ~~من كتبهم وحرفوه فأقروا ببعضه وكذبوا ببعضه، وحمل توسيط قوله تعالى: ~~{ لا تمدن عينيك } [الحجر، الآية 88] على إمداد ما هو ~~المراد بالكلام من التسلية، وعقب ذلك بأنه جل المقام عن التشبيه، ~~ولقد أوتي عليه الصلاة والسلام ما لم يؤت أحد قبله ولا بعده مثله، ~~وقيل: إنه متعلق بقوله: { إنى أنا النذير المبين } فإنه في ~~قوة الأمر بالإنذار، كأنه قيل: أنذر قريشا مثل ما أنزلنا على ~~المقتسمين، يعني اليهود، وهو ما جرى على بني قريظة والنضير بأن جعل ~~المتوقع كالواقع وقد وقع كذلك، وأنت خبير بأن ما يشبه به العذاب ~~المنذر لا بد أن يكون محقق الوقوع معلوم الحال عند المنذرين إذ به ~~تتحقق فائدة التشبيه، وهي تأكيد الإنذار وتشديده، وعذاب بني ~~قريظة والنضير مع عدم وقوعه إذ ذاك لم يسبق به وعد ووعيد فهم منه في ~~غفلة محضة وشك مريب، وتنزيل المتوقع منزلة الواقع له موقع جليل ~~من الإعجاز لكن إذا صادف مقاما يقتضيه كما في قوله تعالى: # إنا فتحنا لك فتحا مبينا # [الفتح، الآية 1] ونظائره. على أن تخصيص الاقتسام باليهود بمجرد ~~اختصاص العذاب المذكور بهم مع شركتهم للنصارى في الاقتسام المتفرع ~~على الموافقة والمخالفة، وفي الاقتسام بمعنى التحريف الشامل للكتابين ~~بل تخصيص العذاب المذكور بهم مع كونه من نتائج الاقتسام تخصيص من غير ~~مخصص، وقد جعل الموصول مفعولا أول لأنذر أي أنذر المعضين الذين ~~يجزئون القرآن إلى سحر وشعر وأساطير، مثل ما أنزلنا على المقتسمين وهم ~~الاثنا عشر الذين اقتسموا مداخل مكة أيام الموسم فقعد ms1846 كل منهم في مدخل ~~لينفروا الناس عن الإيمان برسول الله صلى الله عليه وسلم يقول بعضهم: لا ~~تغتروا بالخارج منا فإنه ساحر، ويقول الآخر: كذاب، فأهلكهم الله تعالى ~~يوم بدر، وقبله بآفات وفيه مع ما فيه من الاشتراك لما سبق في عدم كون ~~العذاب الذي شبه به العذاب المنذر واقعا ولا معلوما للمنذرين ولا ~~موعود الوقوع أنه لا داعي إلى تخصيص وصف التعضية بهم وإخراج ~~المقتسمين من بينهم مع كونهم أسوة لهم في ذلك، فإن وصفهم لرسول الله ~~صلى الله عليه وسلم بما وصفوا من السحر والشعر والكذب متفرع على وصفهم ~~للقرآن بذلك، وهل هو إلا نفس التعضية، ولا إلى إخراجهم من حكم الإنذار ~~على ما نزل بهم من العذاب لم يكن من الشدة بحيث يشبه به عذاب غيرهم ~~ولا مخصوصا بهم، بل عاما لكلا الفريقين وغيرهم مع أن بعض المنذرين ~~كالوليد بن المغيرة والعاص بن وائل والأسود بن المطلب قد هلكوا قبل ~~مهلك أكثر المقتسمين يوم بدر، ولا إلى تقديم المفعول الثاني على الأول ~~كما ترى، وقيل: إنه وصف لمفعول النذير أقيم مقامه والمقتسمون هم ~~القاعدون في مداخل مكة كما حرر. # وفيه مع ما مر أن قوله تعالى: { كمآ أنزلنا } [الحجر، الآية 90] ~~صريح في أنه من قول الله تعالى لا من قول الرسول عليه الصلاة والسلام، ~~والاعتذار بأن ذلك من باب ما يقوله بعض خواص الملك أمرنا بكذا ~~وإن كان الأمر هو الملك حسبما سلف في قوله تعالى: # قدرنآ إنها لمن الغبرين # [الحجر، الآية 60] تعسف لا يخفى، وأن إعمال الوصف الموصوف مما لم ~~يجوزه البصريون فلا بد من الهرب إلى مسلك الكوفيين، أو المصير إلى ~~جعله مفعولا غير صريح أي أنا النذير المبين بعذاب مثل عذاب ~~المقتسمين، وقيل: المراد بالمقتسمين الرهط الذين تقاسموا على أن ~~يبيتوا صالحا عليه الصلاة والسلام فأهلكهم الله تعالى، وأنت تدري أن ~~عذابهم حيث كان متحققا ومعلوما للمنذرين حسبما نطق به القرآن العظيم ~~صالح لأن يقع مشبها به العذاب المنذر، لكن الموصول المذكور ~~عقيبه حيث ms1847 لم يمكن كونه صفة للمقتسمين حينئذ، فسواء جعلناه مفعولا ~~أول للنذير أو لما دل هو عليه من أنذر لا يكون للتعرض لعنوان التعضية في ~~حيز الصلة ولا لعنوان الاقتسام بالمعنى المزبور في حيز المفعول الثاني ~~فائدة، لما أن ذلك إنما يكون للإشعار بعلية الصلة والصفة للحكم الثابت ~~للموصول والموصوف، فلا يكون هناك وجه شبه يدور عليه تشبيه عذابهم ~~بعذابهم خاصة لعدم اشتراكهم في السبب فإن المعضين بمعزل من التقاسم ~~على التبييت الذي هو السبب لهلاك أولئك، كما أن أولئك بمعزل من التعضية ~~التي هي السبب لهلاك هؤلاء، ولا علاقة بين السببين مفهوما ولا وجودا ~~تصحح وقوع أحدهما في جانب والآخر في جانب، واتفاق الفريقين على مطلق ~~الاتفاق على الشر المفهوم من الاتفاق على الشر المخصوص الذي هو ~~التبييت المدلول المدلول عليه بالتقاسم غير مفيد إذ لا دلالة ~~لعنوان التعضية على ذلك وإنما يدل عليه اقتسام المداخل، وجعل ~~الموصول مبتدأ على أن خبره الجملة القسمية لا يليق بجزالة التنزيل ~~وجلالة شأنه الجليل. # إذا عرفت هذا فاعلم أن الأقرب من الأقوال المذكورة أنه متعلق ~~بالأول، وأن المراد بالمقتسمين أهل الكتابين، وأن الموصول مع صلته ~~صفة مبينة لكيفية اقتسامهم، ومحل الكاف النصب على المصدرية، وحديث ~~جلالة المقام عن التشبيه من لوائح النظر الجليل، والمعنى لقد آتيناك ~~سبعا من المثاني والقرآن العظيم إيتاء مماثلا لإنزال الكتابين على ~~أهلهما، وعدم التعرض لذكر ما أنزل عليهم من الكتابين لأن الغرض بيان ~~المماثلة بين الإيتاءين لا بين متعلقيهما، والعدول عن تطبيق ما في ~~جانب المشبه به على ما في جانب المشبه بأن يقال: كما آتينا ~~المقتسمين حسبما وقع في قوله تعالى: # الذين ءاتينهم الكتب # [الأنعام، الآية 20] الخ، للتنبيه على ما بين الإيتاءين من التنائي ~~فإن الأول على وجه التكرمة والامتنان وشتان بينه وبن الثاني. # ولا يقدح ذلك في وقوعه مشبها به، فإن ذلك إنما هو لمسلميته عندهم ~~وتقدم وجوده على المشبه زمانا لا لمزية تعود إلى ذاته كما في الصلاة ~~الخليلية، فإن التشبيه فيها ليس لكون رحمة ms1848 الله تعالى الفائضة على ~~إبراهيم عليه الصلاة والسلام وآله أتم وأكمل مما فاض على النبي عليه ~~الصلاة والسلام، وإنما ذلك للتقدم في الوجود والتنصيص عليه في القرآن ~~العظيم، فليس في التشبيه شائبة إشعار بأفضلية المشبه به من المشبه، ~~فضلا عن إيهام أفضلية ما تعلق به الأول مما تعلق به الثاني، وإنما ~~ذكروا بعنوان الاقتسام إنكارا لاتصافهم به مع تحقق ما ينفيه من الإنزال ~~المذكور، وإيذانا بأنه كان من حقهم أن يؤمنوا بكله حسب إيمانهم بما ~~أنزل عليهم بحكم الاشتراك في العلة والاتحاد في الحقيقة التي هي مطلق ~~الوحي، وتوسيط قوله تعالى: { لا تمدن } [الحجر، الآية 88] الخ، ~~لكمال اتصاله بما هو المقصود من بيان حال ما أوتي النبي عليه ~~الصلاة والسلام، ولقد بين أولا علو شأنه ورفعة مكانه بحيث ~~يستوجب اغتباطه عليه الصلاة والسلام بمكانه واستغناءه به عما سواه، ثم ~~نهي عن الالتفات إلى زهرة الدنيا، وعبر عن إيتائها لأهلها بالتمتيع ~~المنبىء عن وشك زوالها عنهم ثم عن الحزن بعدم إيمان المنهمكين فيها، ~~وأمر بمراعاة المؤمنين والاكتفاء بهم عن غيرهم وبإظهار قيامه بمواجب ~~الرسالة ومراسم النذارة حسبما فصل في تضاعيف ما أوتي من القرآن ~~العظيم، ثم رجع إلى كيفية إيتائه على وجه أدمج فيه ما يزيح شبه ~~المنكرين ويستنزلهم عن العناد من بيان مشاركته لما لا ريب لهم في ~~كونه وحيا صادقا فتأمل، والله عنده علم الكتاب، هذا وقد قيل: المعنى ~~وقل إني أنا النذير المبين كما قد أنزلنا في الكتب أنك ستأتي نذيرا، ~~على أن المقتسمين أهل الكتاب انتهى. # يريد أن ما في (كما) موصولة، والمراد بالمشابهة المستفادة من الكاف ~~الموافقة وهي مع ما في حيزها في محل النصب على الحالية من مفعول قل، أي ~~قل هذا القول حال كونه كما أنزلنا على أهل الكتابين أي موافقا لذلك، ~~فالأنسب حينئذ حمل الاقتسام على التحريف ليكون وصفهم بذلك تعريضا بما ~~فعلوا من تحريفهم وكتمانهم لنعت النبي صلى الله عليه وسلم، وقوله ~~تعالى: { عضين } جمع عضة وهي الفرقة، أصلها عضوة، فعلة من ms1849 ~~عضى الشاة تعضية إذا جعلها أعضاء، وإنما جمعت جمع السلامة جبرا ~~للمحذوف كسنين وعزين، والتعبير عن تجزئة القرآن بالتعضية التي هي ~~تفريق الأعضاء من ذي الروح المستلزم لإزالة حياته وإبطال اسمه دون ~~مطلق التجزئة والتفريق اللذين ربما يوجدان فيما لا يضره التبعيض من ~~المثليات، للتنصيص على كمال قبح ما فعلوه بالقرآن العظيم، وقيل: هي ~~فعلة من عضهته إذا بهته. وعن عكرمة: العضه السحر بلسان قريش، ~~فنقصانها على الأول واو وعلى الثاني هاء. ### || [15.92-96] # { فوربك لنسئلنهم أجمعين } أي لنسألن يوم القيامة ~~أصناف الكفرة من المقتسمين وغيرهم سؤال توبيخ وتقريع. # { عما كانوا يعملون } في الدنيا من قول وفعل وترك، فيدخل ~~فيه ما ذكر من الاقتسام والتعضية دخولا أوليا، ولنجزينهم بذلك جزاءا ~~موفورا، وفيه من التشديد وتأكيد الوعيد ما لا يخفى، والفاء لترتيب ~~الوعيد على أعمالهم التي ذكر بعضها، وفي التعرض لوصف الربوبية مضافا ~~إليه عليه الصلاة والسلام إظهار اللطف به عليه الصلاة والسلام. # { فاصدع بما تؤمر } فاجهر به، من صدع بالحجة إذا تكلم بها ~~جهارا، أو افرق بين الحق والباطل، وأصله الإبانة والتمييز، وما ~~مصدرية أو موصولة والعائد محذوف، أي ما تؤمر به من الشرائع المودعة في ~~تضاعيف ما أوتيته من المثاني السبع والقرآن العظيم { وأعرض عن ~~المشركين } أي لا تلتفت إلى ما يقولون ولا تبال بهم ولا تتصد ~~للانتقام منهم. # { إنا كفينك المستهزءين } بقمعهم وتدميرهم، قيل: ~~(كانوا خمسة من أشراف قريش: الوليد بن المغيرة، والعاص بن وائل، ~~والحارث بن قيس بن الطلاطلة، والأسود بن عبد يغوث، والأسود بن ~~المطلب، يبالغون في إيذاء النبي صلى الله عليه وسلم والاستهزاء به، ~~فنزل جبريل عليه الصلاة والسلام فقال: قد أمرت أن أكفيكهم، فأومأ إلى ~~ساق الوليد، فمر بنبال، فتعلق بثوبه سهم، فلم ينعطف تعظما لأخذه، ~~فأصاب عرقا في عقبه، فقطعه، فمات، وأومأ إلى أخمص العاص، فدخلت فيه ~~شوكة، فقال: لدغت، وانتفخت رجله حتى صارت كالرحى، فمات، وأشار إلى ~~عيني الأسود بن المطلب، فعمي، وإلى أنف الحارث، فامتخط قيحا، فمات، ~~وإلى الأسود بن عبد يغوث ms1850 وهو قاعد في أصل شجرة، فجعل ينطح برأسه ~~الشجرة ويضرب وجهه بالشوك حتى مات). # { الذين يجعلون مع الله إلها ءاخر } وصفهم بذلك ~~تسلية لرسوله صلى الله عليه وسلم وتهوينا للخطب عليه بإعلام أنهم لم ~~يقتصروا على الاستهزاء به عليه الصلاة والسلام، بل اجترأوا على العظيمة ~~التي هي الإشراك بالله سبحانه { فسوف يعلمون } عاقبة ما يأتون ~~ويذرون. ### || [15.97-99] # { ولقد نعلم أنك يضيق صدرك بما يقولون } من ~~كلمات الشرك والطعن في القرآن والاستهزاء به وبك، وتحلية الجملة ~~بالتأكيد لإفادة تحقيق ما تتضمنه من التسلية، وصيغة الاستقبال لإفادة ~~استمرار العلم حسب استمرار متعلقه باستمرار ما يوجبه من أقوال ~~الكفرة. # { فسبح بحمد ربك } فافزع إلى الله تعالى فيما نابك من ضيق ~~الصدر والحرج بالتسبيح والتقديس ملتبسا بحمده، وفي التعرض لعنوان ~~الربوبية مع الإضافة إلى ضميره عليه الصلاة والسلام ما لا يخفى من ~~إظهار اللطف به عليه الصلاة والسلام والإشعار بعلة الحكم، أعني الأمر ~~بالتسبيح والحمد { وكن من السجدين } أي المصلين يكفك ~~ويكشف الغم عنك، أو فنزهه عما يقولون ملتبسا بحمده على أن هداك ~~للحق المبين، وعنه عليه الصلاة والسلام أنه إذا حزبه أمر فزع إلى ~~الصلاة # { واعبد ربك } دم على ما أنت عليه من عبادته تعالى، وإيثار ~~الإظهار بالعنوان السالف آنفا لتأكيد ما سبق من إظهار اللطف به عليه ~~الصلاة والسلام والإشعار بعلة الأمر بالعبادة. { حتى يأتيك ~~اليقين } أي الموت، فإنه متيقن اللحوق بكل حي مخلوق، وإسناد ~~الإتيان إليه للإيذان بأنه متوجه إلى الحي طالب إليه، والمعنى دم ~~على العبادة ما دمت حيا من غير إخلال بها لحظة. # عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " من قرأ سورة الحجر كان له من الأجر عشر حسنات بعدد المهاجرين ~~والأنصار والمستهزئين بمحمد صلى الله عليه وسلم ". ### | [16 - سورة النحل] ### || [16.1] # سورة النحل # مكية إلا { وإن عاقبتم } إلى آخرها # وهي مائة وثمان وعشرون آية # { أتى أمر الله } أي الساعة أو ما يعمها وغيرها من العذاب ~~الموعود للكفرة، عبر عن ذلك بأمر الله للتفخيم والتهويل وللإيذان بأن ~~تحققه ms1851 في نفسه وإتيانه منوط بحكمه النافذ وقضائه الغالب، وإتيانه ~~عبارة عن دنوه واقترابه على طريقة نظم المتوقع في سلك الواقع، أو ~~عن إتيان مباديه القريبة على نهج إسناد حال الأسباب إلى المسببات. ~~وأيا ما كان ففيه تنبيه على كمال قربه من الوقوع واتصاله وتكميل ~~لحسن موقع التفريع في قوله عز وجل: { فلا تستعجلوه } فإن ~~النهي عن استعجال الشيء وإن صح تفريعه على قرب وقوعه أو على وقوع ~~أسبابه القريبة لكنه ليس بمثابة تفريعه على وقوعه، إذ بالوقوع يستحيل ~~الاستعجال رأسا لا بما ذكر من قرب وقوعه ووقوع مباديه، والخطاب ~~للكفرة خاصة كما يدل عليه القراءة على صيغة نهي الغائب، واستعجالهم ~~وإن كان بطريق الاستهزاء، لكنه حمل على الحقيقة ونهوا عنه بضرب من ~~التهكم لا مع المؤمنين، سواء أريد بأمر الله ما ذكر أو العذاب الموعود ~~للكفرة خاصة، أما الأول فلأنه يتصور من المؤمنين استعجال الساعة أو ما ~~يعمها وغيرها من العذاب حتى يعمهم النهي عنه، وأما الثاني فلأن ~~استعجالهم له بطريق الحقيقة واستعجال الكفرة بطريق الاستهزاء كما ~~عرفته فلا ينتظمهما صيغة واحدة، والالتجاء إلى إرادة معنى مجازي ~~يعمهما معا من غير أن يكون هناك رعاية نكتة سرية تعسف لا يليق بشأن ~~التنزيل الجليل، وما روي من أنه لما نزلت { اقتربت الساعة } ، ~~قال الكفار فيما بينهم: إن هذا يزعم أن القيامة قد قربت، فأمسكوا عن ~~بعض ما تعملون حتى ننظر ما هو كائن، فلما تأخرت قالوا: ما نرى شيئا ~~فنزلت # اقترب للناس حسبهم # [الأنبياء: 1] فأشفقوا وانتظروا قربها، فلما امتدت الأيام قالوا: يا ~~محمد ما نرى شيئا مما تخوفنا به فنزلت { أتى أمر الله } فوثب ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فرفع الناس رؤوسهم فلما نزل { فلا ~~تستعجلوه } اطمأنوا، فليس فيه دلالة على عموم الخطاب كما قيل لا ~~لما توهم من أن التصدير بالفاء يأباه، فإنه بمعزل عن إبائه حسبما ~~تحققته بل لأن مناط اطمئنانهم إنما هو وقوفهم، على أن المراد ~~بالإتيان هو الإتيان الادعائي لا الحقيقي الموجب لاستحالة ~~الاستعجال المستلزمة لامتناع ms1852 النهي عنه، لما أن النهي عن الشيء ~~يقتضي إمكانه في الجملة، ومدار ذلك الوقوف إنما هو النهي عن الاستعجال ~~المستلزم لإمكانه المقتضي لعدم وقوع المستعجل بعد، ولا يختلف ذلك ~~باختلاف المستعجل كائنا من كان بل فيه دلالة واضحة على عدم العموم ~~لأن المراد بأمر الله إنما هو الساعة، وقد عرفت استحالة صدور ~~استعجالها عن المؤمنين، نعم يجوز تخصيص الخطاب بهم على تقدير كون أمر ~~الله عبارة عن العذاب الموعود للكفرة خاصة، لكن الذي يقضي به الإعجاز ~~التنزيلي أنه خاص بالكفرة كما ستقف عليه، ولما كان استعجالهم ذلك ~~من نتائج إشراكهم المستتبع لنسبة الله عز وجل إلى ما لا يليق به من ~~العجز والاحتياج إلى الغير، واعتقاد أن أحدا يحجزه عن إنجاز وعده ~~وإمضاء وعيده، وقد قالوا في تضاعيفه: إن صح مجيء العذاب فالأصنام ~~تخلصنا عنه بشفاعتها، رد ذلك فقيل بطريق الاستئناف: { سبحانه ~~وتعالى عما يشركون } أي تنزه وتقدس بذاته وجل عن إشراكهم ~~المؤدي إلى صدور أمثال هذه الأباطيل عنهم، أو عن أن يكون له شريك ~~فيدفع ما أراد بهم بوجه من الوجوه، وصيغة الاستقبال للدلالة على تجدد ~~إشراكهم واستمراره، والالتفات إلى الغيبة للإيذان باقتضاء ذكر ~~قبائحهم للإعراض عنهم وطرحهم عن رتبة الخطاب، وحكاية شنائعهم لغيرهم، ~~وعلى تقدير تخصيص الخطاب بالمؤمنين تفوت هذه النكتة كما يفوت ~~ارتباط المنهي عنه، وقرىء على صيغة الخطاب. ### || [16.2-5] # { ينزل الملئكة } بيان لتحتم التوحيد حسبما نبه عليه ~~تنبيها إجماليا ببيان تقدس جناب الكبرياء وتعاليه عن أن يحوم حوله ~~شائبة أن يشاركه شيء في شيء، وإيذان بأنه دين أجمع عليه جمهور ~~الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وأمروا بدعوة الناس إليه مع الإشارة ~~إلى سر البعثة والتشريع وكيفية إلقاء الوحي، والتنبيه على طريق علم ~~الرسول عليه الصلاة والسلام بإتيان ما أوعدهم به وباقترابه إزاحة ~~لاستبعادهم اختصاصه عليه الصلاة والسلام بذلك، وإظهارا لبطلان رأيهم ~~في الاستعجال والتكذيب، وإيثار صيغة الاستقبال للإشعار بأن ذلك عادة ~~مستمرة له سبحانه، والمراد بالملائكة إما جبريل عليه السلام، قال ~~الواحدي: يسمى الواحد بالجمع إذا كان ms1853 رئيسا أو هو ومن معه من ~~حفظة الوحي بأمر الله تعالى، وقرىء ينزل من الإنزال وتنزل بحذف ~~إحدى التاءين وعلى صيغة المبني للمفعول من التنزيل { بالروح } أي ~~بالوحي الذي من جملته القرآن على نهج الاستعارة، فإنه يحيي القلوب ~~الميتة بالجهل، أو يقوم في الدين مقام الروح في الجسد، والباء متعلقة ~~بالفعل أو بما هو حال من مفعوله أي ملتبسين بالروح { من أمره } ~~بيان للروح الذي أريد به الوحي، فإنه أمر بالخير أو حال منه أي حال ~~كونه ناشئا ومبتدأ منه، أو صفة له على رأي من جوز حذف الموصول مع ~~بعض صلته أي بالروح الكائن من أمره الناشىء منه، أو متعلق بينزل ~~ومن للسببية كالباء مثل (ما) في قوله تعالى: # مما خطيئتهم # [نوح، الآية 25] أي ينزلهم بأمره { على من يشاء من عباده } ~~أي ينزلهم به عليهم لاختصاصهم بصفات تؤهلهم لذلك { أن أنذروا ~~} بدل من الروح، أي ينزلهم ملتبسين بأن أنذروا أي بهذا القول، ~~والمخاطبون به الأنبياء الذين نزلت الملائكة عليهم، والآمر هو الله ~~سبحانه والملائكة نقلة للأمر كما يشعر به الباء في المبدل منه، ~~و(أن) إما مخففة من أن وضمير الشأن الذي هو اسمها محذوف، أي ينزلهم ~~ملتبسين بأن الشأن أقول لكم: أنذروا، أو مفسرة على أن تنزيل ~~الملائكة بالوحي فيه معنى القول، كأنه قيل: يقول بواسطة الملائكة لمن ~~يشاء من عباده: أنذروا فلا محل لها من الإعراب، أو مصدرية لجواز كون ~~صلتها إنشائية كما في قوله تعالى: # وأن أقم وجهك # [يونس، الآية 105] حسبما ذكر في أوائل سورة هود فمحلها الجر على ~~البدلية أيضا، والإنذار الإعلام خلا أنه مختص بإعلام المحذور من نذر ~~بالشيء إذا علمه فحذره، وأنذره بالأمر إنذارا أي أعلمه وحذره وخوفه في ~~إبلاغه كذا في القاموس أي أعلموا الناس { أنه لا إله إلا ~~أنا } فالضمير للشأن، ومدار وضعه موضعه ادعاء شهرته المغنية عن ~~التصريح به، وفائدة تصدير الجملة به الإيذان من أول الأمر بفخامة ~~مضمونها مع ما فيه من زيادة تقرير له في الذهن، فإن الضمير لا ms1854 يفهم ~~منه ابتداء إلا شأن مبهم له خطر، فيبقى الذهن مترقبا لما يعقبه ~~مترقبا فيتمكن لديه عند وروده فضل تمكن، كأنه قيل: أنذروا أن الشأن ~~الخطير هذا، وإنباء مضمونه عن المحذور ليس لذاته بل من حيث اتصاف ~~المنذرين بما يضاده من الإشراك وذلك كاف في كون إعلامه إنذارا، ~~وقوله سبحانه: { فاتقون } خطاب للمستعجلين على طريقة الالتفات، ~~والفاء فصيحة أي إذا كان الأمر كما ذكر من جريان عادته تعالى بتنزيل ~~الملائكة على الأنبياء عليهم السلام وأمرهم بأن ينذروا الناس أنه لا ~~شريك له في الألوهية، فاتقون في الإخلال بمضمونه ومباشرة ما ينافيه من ~~الإشراك وفروعه التي من جملتها الاستعجال والاستهزاء. # وبعد تمهيد الدليل السمعي للتوحيد شرع في تحرير الأدلة العقلية ~~فقيل: # { خلق السموات والأرض بالحق } أي أوجدهما على ما هما ~~عليه من الوجه الفائق والنمط اللائق { تعالى } وتقدس بذاته لا سيما ~~بأفعاله التي من جملتها إبداع هذين المخلوقين { عما يشركون } عن ~~إشراكهم المعهود أو عن شركة ما يشركونه به من الباطل الذي لا يبدىء ولا ~~يعيد، وبعد ما نبه على صنعه الكلي المنطوي على تفاصيل مخلوقاته شرع ~~في تعداد ما فيه من خلائقه فبدأ بفعله المتعلق بالأنفس فقال: { خلق ~~الإنسن } أي هذا النوع غير الفرد الأول منه { من نطفة } ~~جماد لا حس له ولا حراك، سيال لا يحفظ شكلا ولا وضعا { فإذا ~~هو } بعد الخلق { خصيم } منطيق مجادل عن نفسه مكافح للخصوم { ~~مبين } لحجته لقن بها، وهذا أنسب بمقام الامتنان بإعطاء القدرة ~~على الاستدلال بذلك على قدرته تعالى ووحدته، أو مخاصم لخالقه منكر له ~~قائل: # من يحيي العظم وهى رميم # [يس: 78] وهذا أنسب بمقام تعداد هنات الكفرة. روي أن أبي بن ~~خلف الجمحي أتى النبي عليه السلام بعظم رميم فقال: يا محمد أترى ~~الله تعالى يحيي هذا بعد ما قد رم فنزلت { والأنعم } وهي الأزواج ~~الثمانية من الإبل والبقر والضأن والمعز، وانتصابها بمضمر يفسره قوله ~~تعالى: { خلقها } أو بالعطف على الإنسان، وما بعده بيان ما خلق ~~لأجله والذي بعده تفصيل لذلك، ms1855 وقوله تعالى: { لكم } إما متعلق ~~بخلقها، وقوله: { فيها } خبر مقدم، وقوله: { دفء } مبتدأ وهو ما ~~يدفأ به فيقي من البرد، والجملة حال من المفعول أو الظرف الأول خبر ~~للمبتدأ المذكور، وفيها حال من دفء إذ لو تأخر لكان صفة { ومنفع } ~~هي درها وركوبها وحملها والحراثة بها وغير ذلك، وإنما عبر عنها ~~بها ليتناول الكل مع أنه الأنسب بمقام الامتنان بالنعم، وتقديم الدفء ~~على المنافع لرعاية أسلوب الترقي إلى الأعلى { ومنها تأكلون } ~~أي تأكلون ما يؤكل منها من اللحوم والشحوم وغير ذلك، وتغيير النظم ~~للإيماء إلى أنها لا تبقى عند الأكل كما في السابق واللاحق، فإن الدفء ~~والمنافع والجمال يحصل منها وهي باقية على حالها، ولذلك جعلت محال ~~لها بخلاف الأكل، وتقديم الظرف للإيذان بأن الأكل منها هو المعتاد ~~المعتمد في المعاش لأن الأكل مما عداها من الدجاج والبط وصيد البر ~~والبحر من قبيل التفكه مع أن فيه مراعاة للفواصل، ويحتمل أن يكون ~~معنى الأكل منها أكل ما يحصل بسببها فإن الحبوب والثمار المأكولة ~~تكتسب بإكراء الإبل وبإثمار نتاجها وألبانها وجلودها. ### || [16.6-7] # { ولكم فيها } مع ما فصل من أنواع المنافع الضرورية { جمال } ~~أي زينة في أعين الناس ووجاهة عندهم { حين تريحون } تردونها ~~من مراعيها إلى مراحها بالعشي { وحين تسرحون } تخرجونها بالغداة ~~من حظائرها إلى مسارحها، فالمفعول محذوف من كلا الفعلين لرعاية الفواصل، ~~وتعيين الوقتين لأن ما يدور عليه أمر الجمال من تزين الأفنية ~~والأكناف بها وبتجاوب ثغائها ورغائها إنما هو عند ورودها وخطورها في ~~ذينك الوقتين، وأما عند كونها في المراعي فينقطع إضافتها الحسية إلى ~~أربابها، وعند كونها في الحظائر لا يراها راء ولا ينظر إليها ناظر، ~~وتقديم الإراحة على السرح لتقدم الورود على الصدور ولكونها أظهر ~~منه في استتباع ما ذكر من الجمال وأتم في استجلاب الأنس والبهجة إذ ~~فيها حضور بعد غيبة وإقبال بعد إدبار على أحسن ما يكون ملأى البطون ~~مرتفعة الضلوع حافلة الضروع، وقرىء حينا تريحون وحينا تسرحون على أن ~~كلا الفعلين وصف لحينا، بمعنى تريحون فيه ms1856 وتسرحون فيه. # { وتحمل أثقالكم } جمع ثقل وهو متاع المسافر، وقيل: أثقالكم ~~أجرامكم { إلى بلد } قال ابن عباس رضي الله عنهما: أريد به اليمن ~~ومصر والشام، ولعله نظر إلى أنها متاجر أهل مكة، وقال عكرمة: أريد به ~~مكة، ولعله نظر إلى أن أثقالهم وأحمالهم عند القفول من متاجرهم أكثر، ~~وحاجتهم إلى الحمولة أمس، والظاهر أنه عام لكل بلد سحيق { لم ~~تكونوا بلغيه } واصلين إليه بأنفسكم مجردين عن الأثقال لولا ~~الإبل { إلا بشق الأنفس } فضلا عن استصحابها معكم، وقرىء بفتح ~~الشين وهما لغتان بمعنى الكلفة والمشقة، وقيل: المفتوح مصدر من شق ~~الأمر عليه شقا، وحقيقته راجعة إلى الشق الذي هو الصدع والمكسور ~~النصف كأنه يذهب نصف القوة لما يناله من الجهد، فالإضافة إلى الأنفس ~~مجازية، أو على تقدير مضاف أي إلا بشق قوى الأنفس، وهو استثناء مفرغ ~~من أعم الأشياء أي لم تكونوا بالغيه بشيء من الأشياء إلا بشق الأنفس، ~~ولعل تغيير النظم الكريم السابق الدال على كون الأنعام مدار للنعم ~~السابقة إلى الجملة الفعلية المفيدة لمجرد الحدوث للإشعار بأن هذه ~~النعمة ليست في العموم بحسب المنشأ وبحسب المتعلق، وفي الشمول للأوقات ~~والاطراد في الأحيان المعهودة بمثابة النعم السالفة فإنها بحسب المنشأ ~~وخاصة بالإبل وبحسب المتعلق بالضاربين في الأرض المتقلبين فيها ~~للتجارة وغيرها في أحايين غير مطردة، وأما سائر النعم المعدودة ~~فموجودة في جميع أصناف الأنعام وعامة لكافة المخاطبين دائما، أو في ~~عامة الأوقات { إن ربكم لرؤوف رحيم } ولذلك أسبغ عليكم ~~هذه النعم الجليلة ويسر لكم الأمور الشاقة. ### || [16.8-11] # { والخيل } هو اسم جنس للفرس لا واحد له من لفظه، كالإبل وهو عطف ~~على الأنعام أي خلق الخيل { والبغال والحمير لتركبوها } ~~تعليل بمعظم منافعها وإلا فالانتفاع بها بالحمل أيضا مما لا ريب في ~~تحققه { وزينة } عطف على محل لتركبوها، وتجريده عن اللام لكونه ~~فعلا لفاعل الفعل المعلل دون الأول، وتأخيره لكون الركوب أهم منه، ~~أو مصدر لفعل محذوف، أي وتتزينوا بها زينة، وقرىء بغير واو أي خلقها ~~زينة لتركبوها، ويجوز أن يكون مصدرا ms1857 واقعا موقع الحال من فاعل ~~تركبوها أو مفعوله أي متزينين بها { ويخلق ما لا تعلمون } ~~أي يخلق في الدنيا غير ما عدد من أصناف النعم فيكم ولكم ما لا تعلمون ~~كنهه وكيفية خلقه، فالعدول إلى صيغة الاستقبال للدلالة على ~~الاستمرار والتجدد أو لاستحضار الصورة، أو يخلق لكم في الجنة غير ما ~~ذكر من النعم الدنيوية ما لا تعلمون أي ما ليس من شأنكم أن تعلموه، وهو ~~ما أشير إليه بقوله عليه الصلاة والسلام حكاية عن الله تعالى: # " أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على ~~قلب بشر " # ويجوز أن يكون هذا إخبارا بأنه سبحانه يخلق من الخلائق ما لا علم لنا ~~به دلالة على قدرته الباهرة الموجبة للتوحيد كنعمته الباطنة والظاهرة. # عن ابن عباس رضي الله عنهما: أن عن يمين العرش نهرا من نور مثل ~~السموات السبع والأرضين السبع والبحار السبعة، يدخل فيه جبريل عليه ~~السلام كل سحر فيغتسل فيزداد نورا إلى نور وجمالا إلى جمال وعظما ~~إلى عظم، ثم ينتفض فيخلق الله تعالى من كل قطرة تقع من ريشه كذا وكذا ~~ألف ملك، فيدخل منهم كل يوم سبعون ألف ملك البيت المعمور وسبعون ~~ألف ملك الكعبة لا يعودون إليه إلا يوم القيامة. # { وعلى الله قصد السبيل } القصد مصدر بمعنى الفاعل، يقال: ~~سبيل قصد وقاصد، أي مستقيم على طريقة الاستعارة أو على نهج إسناد ~~حال سالكه إليه، كأنه يقصد الوجه الذي يؤمه السالك لا يعدل عنه، أي ~~حق عليه سبحانه وتعالى بموجب رحمته ووعده المحتوم بيان الطريق ~~المستقيم الموصل لمن يسلكه إلى الحق الذي هو التوحيد بنصب الأدلة ~~وإرسال الرسل وإنزال الكتب لدعوة الناس إليه، أو مصدر بمعنى الإقامة ~~والتعديل كذا قاله أبو البقاء، أي عليه عز وجل تقويمها وتعديلها أي ~~جعلها بحيث يصل سالكها إلى الحق، لكن لا بعد ما كانت في نفسها منحرفة ~~عنه بل إبداعها ابتداء كذلك على نهج قوله: سبحان من صغر البعوض وكبر ~~الفيل، وحقيقته راجعة إلى ما ذكر من ms1858 نصب الأدلة، وقد فعل ذلك حيث ~~أبدع هذه البدائع التي كل واحد منها لاحب يهتدى بمناره وعلم ~~يستضاء بناره، وأرسل رسلا مبشرين ومنذرين وأنزل عليهم كتبا من ~~جملتها هذا الوحي الناطق بحقيقة الحق الفاحص عن كل ما جل من ~~الأسرار ودق، الهادي إلى سبيل الاستدلال بتلك الأدلة المفضية إلى ~~معالم الهدى، المنجية عن فيافي الضلالة ومهاوي الردى، ألا يرى كيف ~~بين أولا تنزه جناب الكبرياء وتعاليه بحسب الذات عن أن يحوم ~~حوله شائبة توهم الإشراك، ثم أوضح سر إلقاء الوحي على الأنبياء ~~عليهم الصلاة والسلام وكيفية أمرهم بإنذار الناس ودعوتهم إلى التوحيد ~~ونهيهم عن الإشراك، ثم كر على بيان تعاليه عن ذلك بحسب الأفعال ~~مرشدا إلى طريقة الاستدلال فبدأ بفعله المتعلق بمحيط العالم الجسماني ~~ومركزه بقوله تعالى: # خلق السموات والأرض بالحق تعلى عما ~~يشركون # [النحل: 3] ثم فصل أفعاله المتعلقة بما بينهما فبدأ بفعله المتعلق ~~بأنفس المخاطبين، ثم ذكر ما يتعلق بما لا بد لهم منه في معايشهم، ثم ~~بين قدرته على خلق ما لا يحيط به علم البشر بقوله: { ويخلق ما ~~لا تعلمون } [النحل، الآية 8] وكل ذلك كما ترى بيان لسبيل ~~التوحيد غب بيان وتعديل له أيما تعديل، فالمراد بالسبيل على ~~الأول الجنس بدليل إضافة القصد إليه وقوله تعالى: { ومنها } في محل ~~الرفع على الابتداء، إما باعتبار مضمونه وإما بتقدير الموصوف كما في ~~قوله تعالى: # ومنا دون ذلك # [الجن، الآية 11] وقد مر في قوله تعالى: # ومن الناس من يقول ءامنا بالله وباليوم الأخر # [البقرة، الآية 8] الخ، أي بعض السبيل أو بعض من السبيل فإنها تؤنث ~~وتذكر { جائر } أي مائل عن الحق منحرف عنه لا يوصل سالكه إليه، ~~وهو طرق الضلال التي لا يكاد يحصى عددها المندرج كلها تحت الجائر، ~~وعلى الثاني نفس السبيل المستقيم والضمير في منها راجع إليها بتقدير ~~المضاف أي ومن جنسها لما عرفت من أن تعديل السبيل وتقويمه إبداعه ~~ابتداء على وجه الاستقامة والعدالة لا تقويمه بعد انحرافه. وأيا ما ~~كان فليس في النظم الكريم تغيير الأسلوب ms1859 رعاية لأمر مطلوب كما قيل، ~~فإن ذلك إنما يكون فيما اقتضى للظاهر سبكا معينا ولكن يعدل عن ذلك ~~لنكتة أهم منه كما في قوله سبحانه: # الذى يطعمنى ويسقين وإذا مرضت فهو يشفين # [الشعراء، الآية 79] فإن مقتضى الظاهر أن يقال: والذي يسقمني ~~ويشفين، ولكن غير إلى ما عليه النظم الكريم تفاديا عن إسناد ما ~~تكرهه النفس إليه سبحانه، وليس المراد ببيان قصد السبيل مجرد ~~إعلام أنه مستقيم حتى يصح إسناد أنه جائر إليه تعالى فيحتاج إلى ~~الاعتذار عن عدم ذلك، على أنه لو أريد ذلك لم يوجد لتغيير الأسلوب ~~نكتة، وقد بين ذلك في مواضع غير معدودة، بل المراد ما مر من نصب ~~الأدلة لهداية الناس إليه ولا إمكان لإسناد مثله إليه تعالى بالنسبة ~~إلى الطريق الجائر بأن يقال: وجائرها حتى يصرف ذلك الإسناد منه تعالى ~~إلى غيره لنكتة تستدعيه، ولا يتوهمه متوهم حتى يقتضي الحال دفع ذلك ~~بأن يقال: لا جائرها، ثم يغير سبك النظم عن ذلك لداعية أقوى منه بل ~~الجملة الظرفية اعتراضية جيء بها لبيان الحاجة إلى البيان والتعديل ~~وإظهار جلالة قدر النعمة في ذلك، والمعنى: على الله تعالى بيان ~~الطريق المستقيم الموصل إلى الحق وتعديله بما ذكر من نصب الأدلة ~~ليسلكه الناس باختيارهم ويصلوا إلى المقصد، وهذا هو الهداية المفسرة ~~بالدلالة على ما يوصل إلى المطلوب لا الهداية المستلزمة للاهتداء ~~البتة، فإن ذلك مما ليس بحق على الله تعالى لا بحسب ذاته ولا بحسب ~~رحمته، بل هو مخل بحكمته حيث يستدعي تسوية المحسن والمسيء والمطيع ~~والعاصي بحسب الاستعداد وإليه أشير بقوله تعالى: { ولو شآء ~~لهداكم أجمعين } أي لو شاء أن يهديكم إلى ما ذكر من التوحيد ~~هداية موصلة إليه البتة مستلزمة لاهتدائكم أجمعين لفعل ذلك، ولكن لم ~~يشأه لأن مشيئته تابعة للحكمة الداعية إليها، ولا حكمة في تلك ~~المشيئة لما أن الذي عليه يدور فلك التكليف وإليه ينسحب الثواب ~~والعقاب إنما هو الاختيار الجزئي الذي عليه يترتب الأعمال التي بها ~~نيط الجزاء. # هذا هو الذي يقتضيه المقام ms1860 ويستدعيه حسن الانتظام، وقد فسر كون ~~قصد السبيل عليه تعالى بانتهائه إليه على نهج الاستقامة، وإيثار حرف ~~الاستعلاء على أداة الانتهاء لتأكيد الاستقامة على وجه تمثيلي من غير ~~أن يكون هناك استعلاء لشيء عليه سبحانه وتعالى عنه علوا كبيرا كما في ~~قوله تعالى: # هذا صرط على مستقيم # [الحجر، الآية 41] فالقصد مصدر بمعنى الفاعل، والمراد بالسبيل ~~الجنس كما مر في قوله تعالى: { ومنها جائر } معطوف على الجملة ~~الأولى والمعنى أن قصد السبيل واصل إليه تعالى بالاستقامة وبعضها ~~منحرف عنه ولو شاء لهداكم جميعا إلى الأول، وأنت خبير بأن هذا حق ~~في نفسه ولكنه بمعزل عن نكتة موجبة لتوسيطه بين ما سبق من أدلة ~~التوحيد وبين ما لحق، ولما بين الطريق السمعي للتوحيد على وجه ~~إجمالي وفصل بعض أدلته المتعلقة بأحوال الحيوانات، وعقب ذلك ~~ببيان السر الداعي إليه بعثا للمخاطبين على التأمل فيما سبق وحثا ~~على حسن التلقي لما لحق أتبع ذلك ذكر ما يدل عليه من أحوال النبات ~~فقيل: # { هو الذى أنزل } بقدرته القاهرة { من السماء } أي من ~~السحاب أو من جانب السماء { ماء } أي نوعا منه وهو المطر، وتأخره عن ~~المجرور لما مر مرارا من أن المقصود هو الإخبار بأنه أنزل من السماء ~~شيئا هو الماء لا أنه أنزله من السماء، والسر فيما سلف من أن عند ~~تأخير ما حقه التقديم يبقى الذهن مترقبا له مشتاقا إليه فيتمكن ~~لديه عند وروده عليه فضل تمكن { لكم منه شراب } أي ما تشربونه، ~~وهو إما مرتفع بالظرف الأول أو مبتدأ وهو خبره والجملة صفة لماء، ~~والظرف الثاني نصب على الحالية من شراب ومن تبعيضية وليس في تقديمه ~~إيهام حصر المشروب فيه حتى يفتقر إلى الاعتذار بأنه لا بأس به لأن مياه ~~العيون والأبيار منه لقوله تعالى: # فسلكه ينابيع فى الأرض # [الزمر، الآية 21] وقوله تعالى: # فأسكناه فى الأرض # [المؤمنون، الآية 18] وقيل: الظرف الأول متعلق بأنزل والثاني خبر ~~لشراب والجملة صفة لماء، وأنت خبير بأن ما فيه من توسيط المنصوب ~~بين المجرورين وتوسيط الثاني منهما ms1861 بين الماء وصفته مما لا يليق ~~بجزالة نظم التنزيل الجليل { ومنه شجر } من ابتدائية أي ومنه ~~يحصل شجر ترعاه المواشي، والمراد به ما ينبت من الأرض سواء كان له ~~ساق أو لا، أو تبعيضية مجازا لأنه لما كان سقيه من الماء جعل كأنه ~~كقوله: # أسنمة الآبال في ربابه # يعني به المطر الذي ينبت به الكلأ الذي تأكله الإبل فتسمن أسنمتها، ~~وفي حديث عكرمة: (لا تأكلوا ثمن الشجر فإنه سحت) يعني الكلأ { فيه ~~تسيمون } ترون من سامت الماشية وأسامها صاحبها، وأصلها السومة ~~وهي العلامة لأنها تؤثر بالرعي علامات في الأرض. # { ينبت } أي الله عز وجل، وقرى بالنون { لكم به } بما أنزل من ~~السماء { الزرع والزيتون والنخيل والأعنب } بيان ~~للنعم الفائضة عليهم من الأرض بطريق الاستئناف، وإيثار صيغة ~~الاستقبال للدلالة على التجدد والاستمرار وأنها سنته الجارية على مر ~~الدهور، أو لاستحضار صورة الإنبات، وتقديم الظرفين على المفعول الصريح ~~لما مر آنفا مع ما في تقديم أولهما من الاهتمام به لإدخال المسرة ~~ابتداء، وتقديم الزرع على ما عداه لأنه أصل الأغذية وعمود المعاش، ~~وتقديم الزيتون لما فيه من الشرف من حيث إنه إذام من وجه وفاكهة من وجه، ~~وتقديم النخيل على الأعناب لظهور أصالتها وبقائها، وجمع الأعناب للإشارة ~~إلى ما فيها من الاشتمال على الأصناف المختلفة، وتخصيص الأنواع ~~المعدودة بالذكر مع اندراجها تحت قوله تعالى: { ومن كل الثمرت ~~} للإشعار بفضلها وتقديم الشجر عليها مع كونه غذاء للأنعام لحصوله بغير ~~صنع من البشر، أو للإرشاد إلى مكارم الأخلاق فإن مقتضاها أن يكون ~~اهتمام الإنسان بأمر ما تحت يده أكمل من اهتمامه بأمر نفسه، أو لأن ~~أكثر المخاطبين من أصحاب المواشي ليس لهم زرع ولا ثمر، وقيل: المراد ~~تقديم ما يسام لا تقديم غذائه فإنه غذاء حيواني للإنسان وهو أشرف ~~الأغذية، وقرىء ينبت من الثلاثي مسندا إلى الزرع وما عطف عليه. # { إن فى ذلك } أي في إنزال الماء وإنبات ما فصل { لآية } ~~عظيمة دالة على تفرده تعالى بالألوهية لاشتماله على كمال العلم ~~والقدرة والحكمة { لقوم ms1862 يتفكرون } فإن من تفكر في أن الحبة ~~أو النواة تقع في الأرض وتصل إليها نداوة تنفذ فيها فينشق أسفلها ~~فيخرج منه عروق تنبسط في أعماق الأرض، وينشق أعلاها وإن كانت منتكسة ~~في الوقوع ويخرج منه ساق فينمو ويخرج منه الأوراق والأزهار والحبوب ~~والثمار المشتملة على أجسام مختلفة الأشكال والألوان والخواص ~~والطبائع، وعلى نواة قابلة لتوليد الأمثال على النمط المحرر لا إلى ~~نهاية مع اتحاد المواد واستواء نسبة الطبائع السفلية والتأثيرات ~~العلوية بالنسبة إلى الكل، علم أن من هذه أفعاله وآثاره لا يمكن أن ~~يشبهه شيء في شيء من صفات الكمال فضلا عن أن يشاركه أخس الأشياء في ~~أخص صفاته التي هي الألوهية واستحقاق العبادة تعالى عن ذلك علوا ~~كبيرا، وحيث افتقر سلوك هذه الطريقة إلى ترتيب المقدمات الفكرية ~~قطع الآية الكريمة بالتفكر. ### || [16.12] # { وسخر لكم الليل والنهار } يتعاقبان خلفة لمنامكم ~~ومعاشكم ولعقد الثمار وإنضاجها { والشمس والقمر } يدأبان في ~~سيرهما وإنارتهما أصالة وخلافة وإصلاحهما لما نيط بهما صلاحه من ~~المكونات التي من جملتها ما فصل وأجمل، كل ذلك لمصالحكم ومنافعكم، ~~وليس المراد بتسخيرها لهم تمكينهم من تصريفها كيف شاءوا كما في قوله ~~تعالى: # سبحن الذى سخر لنا هذا # [الزخرف: 13] ونظائره، بل هو تصريفه تعالى لها حسبما يترتب عليه ~~منافعهم ومصالحهم كأن ذلك تسخير لهم وتصرف من قبلهم حسب إرادتهم، ~~وفي التعبير عن ذلك التصريف بالتسخير إيماء إلى ما في المسخرات من ~~صعوبة المأخذ بالنسبة إلى المخاطبين، وإيثار صيغة الماضي للدلالة على ~~أن ذلك أمر واحد مستمر وإن تجددت آثاره. # { والنجوم مسخرت بأمره } مبتدأ وخبر، أي سائر ~~النجوم في حركاتها وأوضاعها من التثليث والتربيع ونحوهما مسخرات لله ~~تعالى أو لما خلقن له بإرادته ومشيئته، وحيث لم يكن عود منافع ~~النجوم إليهم في الظهور بمثابة ما قبلها من الملوين والقمرين لم ~~ينسب تسخيرها إليهم بأداة الاختصاص بل ذكر على وجه يفيد كونها تحت ~~ملكوته تعالى من غير دلالة على شيء آخر ولذلك عدل عن الجملة ~~الفعلية الدالة على الحدوث إلى الاسمية المفيدة للدوام ms1863 والاستمرار. # وقرىء برفع الشمس والقمر أيضا، وقرىء بنصب النجوم على أنه مفعول ~~أول لفعل مقدر ينبىء عنه الفعل المذكور، ومسخرات حال من الكل والعامل ~~ما في (سخر) من معنى نفع أي نفعكم بها حال كونها مسخرات لله الذي ~~خلقها ودبرها كيف شاء، أو لما خلقن له بإيجاده وتقديره أو لحكمه، أو ~~مصدر ميمي جمع لاختلاف الأنواع أي أنواعا من التسخير، وما قيل من أن ~~فيه إيذانا بالجواب عما عسى يقال أن المؤثر في تكوين النبات حركات ~~الكواكب وأوضاعها بأن ذلك إن سلم فلا ريب في أنها أيضا أمور ممكنة ~~الذات والصفات، واقعة على بعض الوجوه الممكنة فلا بد لها من موجد ~~مخصص مختار واجب الوجود دفعا للدور والتسلسل، فمبناه حسبان ما ~~ذكر أدلة على وجود الصانع تعالى وقدرته واختياره، وأنت تدري أن ليس ~~الأمر كذلك فإنه ليس مما ينازع فيه الخصم ولا يتلعثم في قبوله، قال ~~تعالى: # ولئن سألتهم من خلق السموات والأرض وسخر ~~الشمس والقمر ليقولن الله فأنى يؤفكون # [العنكبوت: 61]، وقال تعالى: # ولئن سألتهم من نزل من السماء ماء فأحيا به ~~الأرض من بعد موتها ليقولن الله # [العنكبوت: 63] الآية، وإنما ذلك أدلة التوحيد من حيث إن من هذا ~~شأنه لا يتوهم أن يشاركه شيء في شيء فضلا عن أن يشاركه الجماد في ~~الألوهية. # { إن فى ذلك } أي فيما ذكر من التسخير المتعلق بما ذكر مجملا ~~ومفصلا { لايات } باهرة متكاثرة { لقوم يعقلون } وحيث كانت ~~هذه الآثار العلوية متعددة ودلالة ما فيها من عظيم القدرة والعلم ~~والحكمة على الوحدانية أظهر جمع الآيات وعلقت بمجرد العقل من ~~غير حاجة إلى التأمل والتفكر، ويجوز أن يكون المراد لقوم يعقلون ذلك، ~~فالمشار إليه حينئذ تعاجيب الدقائق المودعة في العلويات المدلول ~~عليها بالتسخير التي لا يتصدى لمعرفتها إلا المهرة من أساطين علماء ~~الحكمة، ولا ريب في أن احتياجها إلى التفكر أكثر. ### || [16.13] # { وما ذرأ } عطف على قوله تعالى: { والنجوم } رفعا ونصبا ~~على أنه مفعول لجعل أي وما خلق { لكم فى الأرض } من حيوان ونبات ~~حال ms1864 كونه { مختلفا ألوانه } أي أصنافه، فإن اختلافها غالبا ~~يكون باختلاف اللون مسخر لله تعالى أو لما خلق له من الخواص والأحوال ~~والكيفيات، أو جعل ذلك مختلف الألوان أي الأصناف لتتمتعوا من ذلك بأي ~~صنف شئتم، وقد عطف على ما قبله من المنصوبات، وعقب بأن ذكر الخلق ~~لهم مغن عن ذكر التسخير، واعتذر بأن الأول يستلزم الثاني لزوما ~~عقليا لجواز كون ما خلق لهم عزيز المرام صعب المنال، وقيل: هو ~~منصوب بفعل مقدر أي خلق وأنبت على أن قوله: (مختلفا ألوانه) حال من ~~مفعوله { إن فى ذلك } الذي ذكر من التسخيرات ونحوها { لآية } ~~بينة الدلالة على أن من هذا شأنه واحد لا ند له ولا ضد { ~~لقوم يذكرون } فإن ذلك غير محتاج إلا إلى تذكر ما عسى ~~يغفل عنه من العلوم الضرورية، وأما ما يقال من أن اختلافها في الطباع ~~والهيئات والمناظر ليس إلا بصنع صانع حكيم، فمداره ما لوحنا به من ~~حسبان ما ذكر دليلا على إثبات الصانع تعالى، وقد عرفت حقيقة الحال ~~فإن إيراد ما يدل على اتصافه سبحانه بما ذكر من صفات الكمال ليس بطريق ~~الاستدلال عليه، بل من حيث إن ذلك من المقدمات المسلمة جيء به ~~للاستدلال به على ما يقتضيه ضرورة وحدانيته تعالى واستحالة أن يشاركه ~~شيء في الألوهية. ### || [16.14-15] # { وهو الذى سخر البحر } شروع في تعداد النعم المتعلقة ~~بالبحر إثر تفصيل النعم المتعلقة بالبر حيوانا ونباتا، أي جعله بحيث ~~تتمكنون من الانتفاع به للركوب والغوص والاصطياد { لتأكلوا ~~منه لحما طريا } هو السمك، والتعبير عنه باللحم مع كونه ~~حيوانا للتلويح بانحصار الانتفاع به في الأكل، ووصفه بالطراوة للإشعار ~~بلطافته والتنبيه على وجوب المسارعة إلى أكله كيلا يتسارع إليه ~~الفساد كما ينبىء عنه جعل البحر مبتدأ أكله، وللإيذان بكمال قدرته ~~تعالى في خلقه عذبا طريا في ماء زعاق، ومن إطلاق اللحم عليه ذهب مالك ~~والثوري أن من حلف لا يأكل اللحم حنث بأكله، والجواب أن مبنى ~~الأيمان العرف، ولا ريب في أنه لا يفهم من اللحم عند ms1865 الإطلاق، ولذلك ~~لو أمر خادمه بشراء اللحم فجاء بالسمك لم يكن ممتثلا بالأمر، ألا يرى ~~إلى أن الله تعالى سمى الكافر دابة حيث قال: # إن شر الدواب عند الله الذين كفروا # [الأنفال، الآية 55] ولا يحنث بركوبه من حلف لا يركب دابة { ~~وتستخرجوا منه حلية } كاللؤلؤ والمرجان { ~~تلبسونها } عبر في مقام الامتنان عن لبس نسائهم بلبسهم لكونهن ~~منهم أو لكون لبسهن لأجلهم { وترى الفلك } السفن { مواخر ~~فيه } جواري فيه مقبلة ومدبرة ومعترضة بريح واحدة تشقه بحيزومها، ~~من المخر وهو شق الماء، وقيل: هو صوت جري الفلك { ولتبتغوا ~~} عطف على تستخرجوا وما عطف هو عليه، وما بينهما اعتراض لتمهيد مبادي ~~الابتغاء ودفع توهم كونه باستخراج الحلية، أو على علة محذوفة أي ~~لتنتفعوا بذلك ولتبتغوا، ذكره ابن الأنباري أو متعلقة بفعل محذوف أي ~~وفعل ذلك لتبتغوا { من فضله } من سعة رزقه بركوبها للتجارة { ~~ولعلكم تشكرون } أي تعرفون حقوق نعمه الجليلة فتقومون ~~بأدائها بالطاعة والتوحيد، ولعل تخصيص هذه النعمة بالتعقيب بالشكر من ~~حيث إن فيها قطعا لمسافة طويلة مع أحمال ثقيلة في مدة قليلة من غير ~~مزاولة أسباب السفر، بل من غير حركة أصلا مع أنها في تضاعيف المهالك ~~وعدم توسيط الفوز بالمطلوب بين الابتغاء والشكر للإيذان باستغنائه عن ~~التصريح به وبحصولهما معا. # { وألقى فى الأرض رواسى } أي جبالا ثوابت، وقد مر ~~تحقيقه في أول سورة الرعد { أن تميد بكم } كراهة أن تميل بكم ~~وتضطرب، أو لئلا تميد بكم فإن الأرض قبل أن تخلق فيها الجبال كانت ~~كرة خفيفة بسيطة الطبع، وكان من حقها أن تتحرك بالاستدارة كالأفلاك أو ~~تتحرك بأدنى سبب محرك، فلما خلقت الجبال تفاوتت حافاتها وتوجهت ~~الجبال بثقلها نحو المركز فصارت كالأوتاد، وقيل: لما خلق الله تعالى ~~الأرض جعلت تمور فقالت الملائكة: ما هي بمقر أحد على ظهرها فأصبحت وقد ~~أرسيت بالجبال { وأنهرا } أي وجعل فيه أنهارا لأن في ألقى معنى ~~الجعل { وسبلا لعلكم تهتدون } بها إلى مقاصدكم. ### || [16.16-17] # { وعلامت } معالم يستدل بها السابلة بالنهار من جبل وسهل ~~وريح، وقد نقل ms1866 أن جماعة يشمون التراب ويتعرفون به الطرقات { ~~وبالنجم هم يهتدون } بالليل في البراري والبحار حيث لا ~~علامة غيره، والمراد بالنجم الجنس، وقيل: هو الثريا والفرقدان ~~وبنات نعش والجدي، وقرىء بضمتين وبضمة وسكون وهو جمع كرهن ورهن، ~~وقيل: الأول بطريق حذف الواو من النجوم للتخفيف ولعل الضمير لقريش فإنهم ~~كانوا كثيري التردد للتجارة مشهورين بالاهتداء بالنجوم في أسفارهم، ~~وصرف النظم عن سنن الخطاب وتقديم النجم وإقحام الضمير للتخصيص، كأنه ~~قيل: وبالنجم خصوصا هؤلاء خصوصا يهتدون فالاعتبار بذلك والشكر عليه ~~ألزم لهم وأوجب عليهم. # { أفمن يخلق } هذه المصنوعات العظيمة ويفعل هاتيك الأفاعيل ~~البديعة، أو يخلق كل شيء { كمن لا يخلق } شيئا أصلا وهو ~~تبكيت للكفرة وإبطال لإشراكهم وعبادتهم للأصنام بإنكار ما يستلزمه ذلك ~~من المشابهة بينها وبينه سبحانه وتعالى بعد تعداد ما يقتضي ذلك اقتضاء ~~ظاهرا، وتعقيب الهمزة بالفاء لتوجيه الإنكار إلى توهم المشابهة ~~المذكورة على ما فصل من الأمور العظيمة الظاهرة الاختصاص به تعالى ~~المعلومة كذلك فيما بينهم حسبما يؤذن به ما تلوناه من قوله تعالى: # ولئن سألتهم # [العنكبوت، الآية 61و63]، والاقتصار على ذكر الخلق من بينها لكونه ~~أعظمها وأظهرها واستتباعه إياها، أو لكون كل منها خلقا مخصوصا أي ~~أبعد ظهور اختصاصه تعالى بمبدئية هذه الشؤون الواضحة الدلالة على ~~وحدانيته تعالى وتفرده بالألوهية واستبداده باستحقاق العبادة، ~~يتصور المشابهة بينه وبين ما هو بمعزل من ذلك بالمرة كما هو قضية ~~إشراككم ومدارها وإن كان على نسبة تقوم بالمنتسبين، اختير ما عليه ~~النظم الكريم مراعاة لحق سبق الملكة على العدم وتفاديا عن توسيط ~~عدمها بينها وبين جزئياتها المفصلة قبلها وتنبيها على كمال قبح ما ~~فعلوه من حيث إن ذلك ليس مجرد رفع الأصنام عن محلها بل هو حط لمنزلة ~~الربوبية إلى مرتبة الجمادات، ولا ريب في أنه أقبح من الأول، ~~والمراد بمن لا يخلق كل ما هذا شأنه كائنا ما كان، والتعبير عنه ~~بما يختص بالعقلاء للمشاكلة، أو العقلاء خاصة، ويعرف منه حال غيرهم ~~لدلالة النص فإن من يخلق حيث لم يكن كمن ms1867 لا يخلق وهو من جملة العقلاء، ~~فما ظنك بالجماد وأيا ما كان فدخول الأصنام في حكم عدم المماثلة ~~والمشابهة إما بطريق الاندراج تحت الموصول العام وإما بطريق الانفهام ~~بدلالة النص على الطريقة البرهانية، لا بأنها هي المرادة بالموصول خاصة ~~{ أفلا تذكرون } أي ألا تلاحظون فلا تتذكرون ذلك فإنه لوضوحه ~~بحيث لا يفتقر إلى شيء سوى التذكر. ### || [16.18-23] # { وإن تعدوا نعمة الله } تذكير إجمالي لنعمه تعالى بعد ~~تعداد طائفة منها، وكان الظاهر إيراده عقيبها تكملة لها على طريقة ~~قوله تعالى: # ويخلق ما لا تعلمون # [النحل: 8] ولعل فصل ما بينهما بقوله تعالى: # أفمن يخلق كمن لا يخلق أفلا تذكرون # [النحل، الآية 17] للمبادرة إلى إلزام الحجة وإلقام الحجر إثر تفصيل ~~ما فصل من الأفاعيل التي هي أدلة الوحدانية مع ما فيه من سر ستقف عليه ~~إن شاء الله، ودلالتها عليها وإن لم تكن مقصورة على حيثية الخلق ~~ضرورة ظهور دلالتها عليها من حيثية الإنعام أيضا لكنها حيث كانت ~~مستتبعات الحيثية الأولى، استغني عن التصريح بها ثم بين حالها ~~بطريق الإجمال أي إن تعدوا نعمته الفائضة عليكم مما ذكر وما لم يذكر ~~حسبما يعرب عنه قوله تعالى: # هو الذى خلق لكم ما فى الأرض جميعا # [البقرة، الآية 29] { لا تحصوها } أي لا تطيقوا حصرها وضبط ~~عددها ولو إجمالا، فضلا عن القيام بشكرها وقد خرجنا عن عهدة تحقيقه ~~في سورة إبراهيم بفضل الله سبحانه { إن الله لغفور } حيث ~~يستر ما فرط منكم من كفرانها والإخلال بالقيام بحقوقها، ولا يعاجلكم ~~بالعقوبة على ذلك { رحيم } حيث يفيضها عليكم مع استحقاقكم للقطع ~~والحرمان بما تأتون وتذرون من أصناف الكفر التي من جملتها عدم الفرق ~~بين الخالق وغيره، وكل من ذلك نعمة وأيما نعمة، فالجملة تعليل ~~للحكم بعدم الإحصاء وتقديم وصف المغفرة على نعت الرحمة لتقدم التخلية ~~على التحلية. # { والله يعلم ما تسرون } تضمرونه من العقائد والأعمال { ~~وما تعلنون } أي تظهرونه منهما، وحذف العائد لمراعاة الفواصل أي ~~يستوي بالنسبة إلى علمه المحيط سركم وعلنكم، وفيه من الوعيد ~~والدلالة على اختصاصه ms1868 سبحانه بنعوت الإلهية ما لا يخفى، وتقديم السر ~~على العلن لما ذكرناه في سورة البقرة وسورة هود من تحقيق المساواة بين ~~علميه المتعلقين بهما على أبلغ وجه كأن علمه تعالى بالسر أقدم ~~منه بالعلن، أو لأن كل شيء يعلن فهو قبل ذلك مضمر في القلب، فتعلق ~~علمه تعالى بحالته الأولى أقدم من تعلقه بحالته الثانية. # { والذين يدعون } شروع في تحقيق كون الأصنام بمعزل من استحقاق ~~العبادة وتوضيحه بحيث لا يبقى فيه شائبة ريب بتعديد أوصافها ~~وأحوالها المنافية لذلك منافاة ظاهرة، وتلك الأحوال وإن كانت غنية ~~عن البيان لكنها شرحت للتنبيه على كمال حماقة عبدتها وأنهم لا ~~يعرفون ذلك إلا بالتصريح، أي والآلهة الذين يعبدهم الكفار { من دون ~~الله } سبحانه، وقرىء على صيغة المبني للمفعول وعلى الخطاب { لا ~~يخلقون شيئا } من الأشياء أصلا أي ليس من شأنهم ذلك، ولما لم ~~يكن بين نفي الخالقية وبين المخلوقية تلازم بحسب المفهوم وإن تلازما ~~في الصدق أثبت لهم ذلك صريحا فقيل: { وهم يخلقون } أي شأنهم ~~ومقتضى ذاتهم المخلوقية لأنها ذوات ممكنة مفتقرة في ماهياتها ~~ووجوداتها إلى الموجد، وبناء الفعل للمفعول لتحقيق التضاد والمقابلة ~~بين ما أثبت لهم وبين ما نفي عنهم من وصفي المخلوقية والخالقية، ~~وللإيذان بعدم الافتقار إلى بيان الفاعل لظهور اختصاص الفعل بفاعله جل ~~جلاله، ويجوز أن يجعل الخلق الثاني عبارة عن النحت والتصوير رعاية ~~للمشاكلة بينه وبين الأول ومبالغة في كونهم مصنوعين لعبدتهم وأعجز ~~عنهم وإيذانا بكمال ركاكة عقولهم حيث أشركوا بخالقهم مخلوقهم، وأما ~~جعل الأول أيضا عبارة عن ذلك كما فعل فلا وجه له، إذ القدرة على مثل ~~ذلك الخلق ليست مما يدور عليه استحقاق العبادة أصلا، ولما أن إثبات ~~المخلوقية لهم غير مستدع لنفي الحياة عنهم لما أن بعض المخلوقين ~~أحياء صرح بذلك فقيل: { أموات } وهو خبر ثان للموصول لا للضمير كما ~~قيل، أو خبر مبتدأ محذوف. # وحيث كان بعض الأموات مما يعتريه الحياة سابقا أو لاحقا كأجساد ~~الحيوان والنطف متى ينشئها الله تعالى حيوانا احترز عن ذلك فقيل: ms1869 { ~~غير أحياء } أي لا يعتريها الحياة أصلا فهي أموات على الإطلاق ~~وأما قوله تعالى: { وما يشعرون أيان يبعثون } أي ما يشعر ~~أولئك الآلهة أيان يبعث عبدتهم فعلى طريقة التهكم بهم لأن شعور ~~الجماد بالأمور الظاهرة بديهي الاستحالة عند كل أحد فكيف بما لا يعلمه ~~إلا العليم الخبير وفيه إيذان بأن البعث من لوازم التكليف وأن معرفة ~~وقته مما لا بد منه في الألوهية. # { إلهكم إله وحد } لا يشاركه شيء في شيء، وهو تصريح ~~بالمدعى وتمحيض للنتيجة غب إقامة الحجة { فالذين لا ~~يؤمنون بالأخرة } وأحوالها التي من جملتها ما ذكر من البعث وما ~~يعقبه من الجزاء المستلزم لعقوبتهم وذلتهم { قلوبهم منكرة } ~~للوحدانية جاحدة لها أو للآيات الدالة عليها { وهم مستكبرون ~~} عن الاعتراف بها، أو عن الآيات الدالة عليها، والفاء للإيذان بأن ~~إصرارهم على الإنكار واستمرارهم على الاستكبار وقع موقع النتيجة ~~للدلائل الظاهرة والبراهين الباهرة، والمعنى أنه قد ثبت بما قرر من ~~الحجج والبينات اختصاص الإلهية به سبحانه فكان من نتيجة ذلك إصرارهم ~~على ما ذكر من الإنكار والاستكبار، وبناء الحكم المذكور على الموصول ~~للإشعار بكونه معللا بما في حيز الصلة، فإن الكفر بالآخرة وبما فيها ~~من البعث والجزاء المتنوع إلى الثواب على الطاعة والعقاب على المعصية ~~يؤدي إلى قصر النظر على العاجل، والإعراض عن الدلائل السمعية ~~والعقلية الموجب لإنكارها وإنكار مؤداها، والاستكبار عن اتباع ~~الرسول عليه الصلاة والسلام وتصديقه، وأما الإيمان بها وبما فيها فيدعو ~~لا محالة إلى التأمل في الآيات والدلائل رغبة ورهبة فيورث ذلك يقينا ~~بالوحدانية وخضوعا لأمر الله تعالى. # { لا جرم } أي حقا وقد مر تحقيقه في سورة هود { أن الله ~~يعلم ما يسرون } من إنكار قلوبهم { وما يعلنون } من ~~استكبارهم وقولهم للقرآن أساطير الأولين وغير ذلك من قبائحهم فيجازيهم ~~بذلك { إنه لا يحب المستكبرين } تعليل لما تضمنه ~~الكلام من الوعيد، أي لا يحب المستكبرين عن التوحيد أو عن الآيات ~~الدالة عليها أو لا يحب جنس المستكبرين، فكيف بمن استكبر عما ذكر. ### || [16.24-27] # { وإذا قيل لهم } أي لأولئك ms1870 المنكرين المستكبرين، وهو بيان ~~لإضلالهم غب بيان ضلالهم { ماذا أنزل ربكم } القائل: ~~الوافدون عليهم أو المسلمون أو بعض منهم على طريق التهكم، وماذا منصوب ~~بما بعده أو مرفوع، أي أي شيء أنزل أو ما الذي أنزله { قالوا ~~أسطير الأولين } أي ما تدعون نزوله، والمنزل بطريق السخرية ~~أحاديث الأولين وأباطيلهم وليس من الإنزال في شيء، قيل: هؤلاء القائلون ~~هم المقتسمون الذين اقتسموا مداخل مكة ينفرون عن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم عند سؤال وفود الحاج عما نزل عليه عليه السلام. # { ليحملوا } متعلق بقالوا أي قالوا ما قالوا ليحملوا { ~~أوزارهم } الخاصة بهم وهي أوزار ضلالهم { كاملة } لم يكفر ~~منها شيء بنكبة أصابتهم في الدنيا كما يكفر بها أوزار المؤمنين { ~~يوم القيمة } ظرف ليحملوا { ومن أوزار الذين ~~يضلونهم } وبعض أوزار من ضل بإضلالهم وهو وزر الإضلال ~~لأنهما شريكان، هذا يضله وهذا يطاوعه، فيتحاملان الوزر، واللام للتعليل ~~في نفس الأمر من غير أن يكون غرضا، وصيغة الاستقبال للدلالة على ~~استمرار الإضلال أو باعتبار حال قولهم لا حال الحمل { بغير علم ~~} حال من الفاعل أي يضلونهم غير عالمين بأن ما يدعون إليه طريق ~~للضلال، وأما حمله على معنى غير عالمين بأنهم يحملون يوم القيامة ~~أوزار الضلال والإضلال على أن يكون العامل في الحال قالوا وتأييده ~~بما سيأتي من قوله تعالى: { وأتهم العذاب من حيث لا ~~يشعرون } من حيث إن حمل ما ذكر من أوزار الضلال والإضلال من قبيل ~~إتيان العذاب من حيث لا يشعرون فيرده أن الحمل المذكور إنما هو ~~يوم القيامة والعذاب المذكور إنما هو العذاب الدنيوي، كما ستقف عليه، ~~أو حال من المفعول أي يضلون من لا يعلم أنهم ضلال، وفائدة التقييد ~~بها الإشعار بأن مكرهم لا يروج عند ذي لب، وإنما يتبعهم الأغبياء ~~والجهلة، والتنبيه على أن جهلهم ذلك لا يكون عذرا إذ كان يجب عليهم ~~أن يبحثوا ويميزوا بين الحق الحقيق بالاتباع وبين المبطل { ألا ~~ساء ما يزرون } أي بئس شيئا يزرونه ما ذكر. # { قد مكر الذين من قبلهم } وعيد ms1871 لهم برجوع غائلة ~~مكرهم إلى أنفسهم كدأب من قبلهم من الأمم الخالية الذين أصابهم ما ~~أصابهم من العذاب العاجل، أي قد سووا منصوبات ليمكروا بها رسل الله ~~تعالى { فأتى الله } أي أمره وحكمه { بنيانهم } وقرىء بيتهم ~~وبيوتهم { من القواعد } وهي الأساطين التي تعمده أو أساسه ~~فضعضعت أركانه { فخر عليهم السقف من فوقهم } أي ~~سقط عليهم سقف بنيانهم إذ لا يتصور له القيام بعد تهدم القواعد، ~~شبهت حال أولئك الماكرين في تسويتهم المكايد والمنصوبات التي أرادوا ~~بها الإيقاع برسل الله سبحانه، وفي إبطاله تعالى تلك الحيل والمكايد ~~وجعله إياها أسبابا لهلاكهم بحال قوم بنوا بنيانا وعمدوه بالأساطين ~~فأتي ذلك من قبل أساطينه بأن ضعضعت فسقط عليهم السقف فهلكوا، وقرىء ~~فخر عليهم السقف بضمتين { وأتهم العذاب } أي الهلاك ~~والدمار { من حيث لا يشعرون } بإتيانه منه بل يتوقعون إتيان ~~مقابله مما يريدون ويشتهون، والمعنى أن هؤلاء الماكرين القائلين للقرآن ~~العظيم أساطير الأولين سيأتيهم من العذاب مثل ما أتاهم وهم لا يحتسبون، ~~والمراد به العذاب العاجل لقوله سبحانه: { ثم يوم القيمة ~~يخزيهم } فإنه عطف على مقدر ينسحب عليه الكلام، أي هذا الذي فهم ~~من التمثيل من عذاب هؤلاء أو ما هو أعم منه ومما ذكر من عذاب أولئك ~~جزاؤهم في الدنيا ويوم القيامة يخزيهم أي يذلهم بعذاب الخزي على ~~رؤوس الأشهاد، وأصل الخزي ذل يستحيى منه، وثم للإيماء إلى ما ~~بين الجزاءين من التفاوت مع ما يدل عليه من التراخي الزماني، وتغيير ~~السبك بتقديم الظرف ليس لقصر الخزي على يوم القيامة كما هو المتبادر ~~من تقديم الظرف على الفعل بل لأن الإخبار بجزائهم في الدنيا مؤذن بأن ~~لهم جزاء أخرويا فتبقى النفس مترقبة إلى وروده سائلة عنه بأنه ماذا، ~~مع تيقنها بأنه في الآخرة فسيق الكلام على وجه يؤذن بأن المقصود ~~بالذكر إخزاؤهم لا كونه يوم القيامة، والضمير إما للمفترين في حق ~~القرآن الكريم أو لهم ولمن مثلوا بهم من الماكرين كما أشير إليه ~~وتخصيصه بهم يأباه السباق والسياق كما ستقف عليه. # { ويقول } لهم ms1872 تفضيحا وتوبيخا فهو الخ، بيان للإخزاء { أين ~~شركائى } أضافهم إليه سبحانه حكاية لإضافتهم الكاذبة، ففيه توبيخ ~~مع الاستهزاء بهم { الذين كنتم تشقون فيهم } أي تخاصمون ~~الأنبياء والمؤمنين في شأنهم بأنهم شركاء حقا حين بينوا لكم ~~بطلانها؟ والمراد بالاستفهام استحضارهم للشفاعة أو المدافعة على ~~طريقة الاستهزاء والتبكيت، والاستفسار عن مكانهم لا يوجب غيبتهم ~~حقيقة حتى يعتذر بأنهم يجوز أن يحال بينهم وبين عبدتهم حينئذ ~~ليتفقدوها في ساعة علقوا بها الرجاء فيها، أو بأنهم لما لم ينفعوهم ~~فكأنهم غيب، بل يكفي في ذلك عدم حضورهم بالعنوان الذي كانوا يزعمون ~~أنهم متصفون من عنوان الإلهية، فليس هناك شركاء ولا أماكنها، على أن ~~قوله ليتفقدوا ليس بسديد فإنه قد تبين عندهم الأمر حينئذ فرجعوا عن ذلك ~~الزعم الباطل فكيف يتصور منهم التفقد وقرىء بكسر النون أي تشاقونني على ~~أن مشاقة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام والمؤمنين لا سيما في شأن ~~متعلق به سبحانه مشاقة له عز وجل { قال الذين أوتوا العلم ~~} من أهل الموقف وهم الأنبياء والمؤمنون الذين أوتوا علما بدلائل ~~التوحيد وكانوا يدعونهم في الدنيا إلى التوحيد فيجادلونهم ويتكبرون ~~عليهم، أي يقولون توبيخا فهو وإظهارا للشماتة بهم وتقريرا لما كانوا ~~يعظونهم وتحقيقا لما أوعدوهم به، وإيثار صيغة الماضي للدلالة على ~~تحققه وتحتم وقوعه حسبما هو المعتاد في إخباره سبحانه وتعالى كقوله: # ونادى أصحب الجنة # [الأعراف، الآية 44] # ونادى أصحب الأعراف # [الأعراف، الآية 48] { إن الخزى } الفضيحة والذل والهوان { ~~اليوم } منصوب بالخزي على رأي من يرى إعمال المصدر المصدر ~~باللام، أو بالاستقرار في الظرف، وفيه فصل بين العامل والمعمول ~~بالمعطوف إلا إنه مغتفر في الظروف، وإيراده للإشعار بأنهم كانوا قبل ~~ذلك في عزة وشقاق { والسوء } العذاب { على الكفرين } ~~بالله تعالى وبآياته ورسله. ### || [16.28-29] # { الذين تتوفهم الملئكة } بتأنيث الفعل، وقرىء ~~بتذكيره وبإدغام التاء في التاء، والعدول إلى صيغة المضارع لاستحضار ~~صورة توفيهم إياهم لما فيها من الهول، والموصول في محل الجر على ~~أنه نعت للكافرين أو بدل منه أو في محل النصب أو الرفع على الذم، ~~وفائدته تخصيص ms1873 الخزي والسوء بمن استمر كفره إلى حين الموت دون من ~~آمن منهم ولو في آخر عمره، أي على الكافرين المستمرين على الكفر إلى أن ~~يتوفاهم الملائكة { ظالمى أنفسهم } أي حال كونهم مستمرين على ~~الكفر فإنه ظلم منهم لأنفسهم وأي ظلم، حيث عرضوها للعذاب المخلد ~~وبدلوا فطرة الله تبديلا { فألقوا السلم } أي فيلقون، ~~والعدول إلى صيغة الماضي للدلالة على تحقق الوقوع وهو عطف على قوله ~~تعالى: { ويقول أين شركآئى } وما بينهما جملة اعتراضية جيء ~~بها تحقيقا لما حاق بهم من الخزي على رؤوس الأشهاد، أي فيسالمون ~~ويتركون المشاقة وينزلون عما كانوا عليه في الدنيا من الكبر وشدة ~~الشكيمة قائلين: { ما كنا نعمل } في الدنيا { من سوء } أي من ~~شرك، قالوه منكرين لصدوره عنهم كقولهم: # والله ربنا ما كنا مشركين # [الأنعام، الآية 23] وإنما عبروا عنه بالسوء اعترافا بكونه سيئا لا ~~إنكارا لكونه كذلك مع الاعتراف بصدوره عنهم، ويجوز أن يكون تفسيرا ~~للسلم على أن يكون المراد به الكلام الدال عليه، وعلى التقديرين ~~فهو جواب عن قوله سبحانه: # أين شركائى # [النحل، الآية 27] كما في سورة الأنعام لا عن قول أولي العلم ادعاء ~~لعدم استحقاقهم لما دهمهم من الخزي والسوء { بلى } رد عليهم من قبل ~~أولي العلم وإثبات لما نفوه أي بلى كنتم تعملون ما تعملون { إن ~~الله عليم بما كنتم تعملون } فهو يجازيكم عليه وهذا ~~أوانه. # { فادخلوا أبواب جهنم } أي كل صنف من بابه المعد له، ~~وقيل: أبوابها أصناف عذابها فالدخول عبارة عن الملابسة والمقاساة { ~~خلدين فيها } إن أريد بالدخول حدوثه فالحال مقدرة، وإن أريد ~~مطلق الكون فيها فهي مقارنة { فلبئس مثوى المتكبرين } ~~عن التوحيد كما قال تعالى: # قلوبهم منكرة وهم مستكبرون # [النحل، الآية 22] وذكرهم بعنوان التكبر للإشعار بعليته لثوائهم ~~فيها، والمخصوص بالذم محذوف أي جهنم وتأويل قولهم: { ما كنا ~~نعمل من سوء } [النحل، الآية 28] بأنا ما كنا عاملين ذلك في ~~اعتقادنا روما للمحافظة على أن لا كذب ثمة يرده الرد المذكور وما ~~في سورة الأنعام من قوله تعالى: { انظر كيف كذبوا على ms1874 ~~أنفسهم }. ### || [16.30-32] # { وقيل للذين اتقوا } أي المؤمنين، وصفوا بالتقوى إشعارا ~~بأن ما صدر عنهم من الجواب ناشىء عن التقوى { ماذا أنزل ربكم ~~قالوا خيرا } سلكوا في الجواب مسلك السؤال من غير تلعثم ولا ~~تغيير في الصورة، والمعنى أي أنزل خيرا فإنه جواب مطابق للسؤال ولسبك ~~الواقع في نفس الأمر مضمونا، وأما الكفرة فإنهم خذلهم الله تعالى كما ~~غيروا الجواب عن نهج الحق الواقع الذي ليس له من دافع غيروا صورته ~~وعدلوا بها عن سنن السؤال حيث رفعوا الأساطير روما لما مر من إنكار ~~النزول. روي أن أحياء العرب كانوا يبعثون أيام الموسم من يأتيهم بخبر ~~النبي عليه السلام، فإذا جاء الوافد كفه المقتسمون وأمروه بالانصراف ~~وقالوا: إن لم تلقه كان خيرا لك، فيقول: أنا شر وافد إن رجعت إلى ~~قومي دون أن أستطلع أمر محمد وأراه فيلقى أصحاب النبي صلى الله عليه ~~وسلم ورضي عنهم فيخبرونه بحقيقة الحال فهم الذين قالوا خيرا { ~~للذين أحسنوا } أي أعمالهم أو فعلوا الإحسان { فى هذه ~~} الدار { الدنيا حسنة } أي مثوبة حسنة مكافأة فيها { ~~ولدار الآخرة } أي مثوبتهم فيها { خير } مما أوتوا في الدنيا ~~من المثوبة أو خير على الإطلاق فيجوز إسناد الخيرية إلى نفس دار ~~الآخرة { ولنعم دار المتقين } أي دار الآخرة، حذف لدلالة ما ~~سبق عليه وهذا كلام مبتدأ مدح الله تعالى به المتقين وعد جوابهم ~~المحكي من جملة إحسانهم ووعدهم بذلك ثوابي الدنيا والآخرة فلا محل ~~له من الإعراب، أو بدل من خيرا أو تفسير له أي أنزل خيرا هو هذا ~~الكلام الجامع، قالوه ترغيبا للسائل. # { جنت عدن } خبر مبتدإ محذوف أو مبتدأ خبره محذوف أي لهم ~~جنات، ويجوز أن يكون هو المخصوص بالمدح { يدخلونها } صفة لجنات ~~على تقدير تنكير عدن وكذلك { تجرى من تحتها الأنهر } أو ~~كلاهما حال على تقدير علميته { لهم فيها } في تلك الجنات { ما ~~يشاءون } الظرف الأول خبر لما والثاني حال منه والعامل ما في ~~الأول، أو متعلق به أي حاصل لهم فيها ما يشاءون من أنواع المشتهيات، ms1875 ~~وتقديمه للاحتراز عن توهم تعلقه بالمشيئة أو لما مر مرارا من أن ~~تأخير ما حقه التقديم يوجب ترقب النفس إليه فيتمكن عند وروده ~~عليها فضل تمكن { كذلك } مثل ذلك الجزاء الأوفى { يجزى الله ~~المتقين } اللام للجنس أي كل من يتقي من الشرك والمعاصي ويدخل ~~فيه المتقون المذكورون دخولا أوليا، ويكون فيه بعث لغيرهم على التقوى ~~أو للعهد فيكون فيه تحسير للكفرة. # { الذين تتوفهم الملئكة } نعت للمتقين وقوله ~~تعالى: { طيبين } أي طاهرين عن دنس الظلم لأنفسهم حال من الضمير، ~~وفائدته الإيذان بأن ملاك الأمر في التقوى هو الطهارة عما ذكر إلى ~~وقت توفيهم ففيه حث للمؤمنين على الاستمرار على ذلك، ولغيرهم على ~~تحصيله، وقيل: فرحين طيبي النفوس ببشارة الملائكة إياهم بالجنة أو ~~طيبين بقبض أرواحهم لتوجه نفوسهم بالكلية إلى جناب القدس { ~~يقولون } حال من الملائكة أو قائلين لهم: { سلم عليكم } ~~قال القرظي رحمه الله: إذا استدعيت نفس المؤمن جاءه ملك الموت ~~عليه السلام، فقال: السلام عليك يا ولي الله، الله تعالى يقرأ عليك ~~السلام، وبشره بالجنة. # { ادخلوا الجنة } اللام للعهد أي جنات عدن الخ، ولذلك جردت ~~عن النعت، والمراد دخولهم لها في وقته فإن ذلك بشارة عظيمة وإن تراخى ~~المبشر به لا دخول القبر الذي هو روضة من رياضها إذ ليس في البشارة ~~به ما في البشارة بدخول نفس الجنة { بما كنتم تعملون } بسبب ~~ثباتكم على التقوى والطاعة أو بالذي كنتم تعملونه من ذلك، وقيل: المراد ~~بالتوفي التوفي للحشر، لأن الأمر بالدخول حينئذ يتحقق. ### || [16.33-34] # { هل ينظرون } أي ما ينتظر كفار مكة المار ذكرهم { إلا أن ~~تأتيهم الملئكة } لقبض أرواحهم بالعذاب، جعلوا منتظرين ~~لذلك وشتان بينهم وبين انتظاره لا لأنه يلحقهم البتة لحوق الأمر ~~المنتظر بل لمباشرتهم لأسبابه الموجبة له المؤدية إليه، فكأنهم ~~يقصدون إتيانه ويترصدون لوروده، وقرىء بتذكير الفعل { أو يأتى ~~أمر ربك } التعرض لوصف الربوبية مع الإضافة إلى ضميره عليه الصلاة ~~والسلام إشعار بأن إتيانه لطف به عليه الصلاة والسلام وإن كان عذابا ~~عليهم، والمراد بالأمر العذاب الدنيوي لا ms1876 القيامة، لكن لا لأن ~~انتظارها بجامع انتظار إتيان الملائكة فلا يلائمة العطف بأو لأنها ~~ليست نصا في العناد إذ يجوز أن يعتبر منع الخلو ويراد بإيرادها ~~كفاية كل واحد من الأمرين في عذابهم بل لأن قوله تعالى فيما سيأتي: { ~~ولكن كانوا أنفسهم يظلمون فأصابهم } [النحل، ~~الآية 33]، صريح في أن المراد به ما أصابهم من العذاب الدنيوي { ~~كذلك } أي مثل فعل هؤلاء من الشرك والظلم والتكذيب والاستهزاء { ~~فعل الذين } خلوا { من قبلهم } من الأمم { وما ~~ظلمهم الله } بما سيتلى من عذابهم { ولكن كانوا } بما ~~كانوا مستمرين عليه من القبائح الموجبة لذلك { أنفسهم يظلمون ~~} كان الظاهر أن يقال: ولكن كانوا هم الظالمين كما في سورة الزخرف لكنه ~~أوثر ما عليه النظم الكريم لإفادة أن غائلة ظلمهم آيلة إليهم ~~وعاقبته مقصورة عليهم مع استلزام اقتصار ظلم كل أحد على نفسه من حيث ~~الوقوع اقتصاره عليه من حيث الصدور وقد مر تحقيقه في سورة يونس. # { فأصابهم } عطف على قوله تعالى: { فعل الذين من ~~قبلهم } وما بينهما اعتراض لبيان أن فعلهم على ذلك ظلم لأنفسهم ~~{ سيئات ما عملوا } أي أجزية أعمالهم السيئة على طريقة تسمية ~~المسبب باسم سببه إيذانا لفظاعته لا على حذف المضاف فإنه يوهم أن لهم ~~أعمالا غير سيئاتهم { وحاق بهم } أي أحاط بهم من الحيق الذي هو ~~إحاطة الشر، وهو أبلغ من الإصابة وأفظع { ما كانوا به ~~يستهزءون } من العذاب. ### || [16.35-36] # { وقال الذين أشركوا } أي أهل مكة، وهو بيان لفن آخر من ~~كفرهم والعدول عن الإضمار إلى الموصول لتقريعهم بما في حيز الصلة ~~وذمهم بذلك من أول الأمر { لو شآء الله ما عبدنا من ~~دونه من شىء } أي لو شاء عدم عبادتنا لشيء غيره كما تقول لما ~~عبدنا ذلك { نحن ولا ءاباؤنا } الذين نقتدي بهم في ديننا { ولا ~~حرمنا من دونه من شىء } من السوائب والبحائر وغيرها، وإنما ~~قالوا ذلك تكذيبا للرسول عليه الصلاة والسلام وطعنا في الرسالة رأسا ~~متمسكين بأن ما شاء الله تعالى يجب وما لم يشأ يمتنع، فلو أنه ms1877 شاء أن ~~نوحده ولا نشرك به شيئا ولا نحرم مما حرمنا شيئا كما يقول الرسل ~~وينقلونه من جهة الله عز وجل لكان الأمر كما شاء من التوحيد ونفي ~~الإشراك وما يتبعهما، وحيث لم يكن كذلك ثبت أنه لم يشأ شيئا من ذلك، ~~وإنما يقوله الرسل من تلقاء أنفسهم فأجيب عنه بقوله عز وجل: { كذلك } ~~أي مثل ذلك الفعل الشنيع { فعل الذين من قبلهم } من ~~الأمم، أي أشركوا بالله وحرموا حله وردوا رسله وجادلوهم بالباطل حين ~~نبهوهم على الخطأ وهدوهم إلى الحق. # { فهل على الرسل } الذين يبلغون رسالات الله وعزائم أمره ~~ونهيه { إلا البلغ المبين } أي ليست وظيفتهم إلا تبليغ ~~الرسالة تبليغا واضحا أو موضحا وإبانة طريق الحق وإظهار أحكام ~~الوحي التي من جملتها تحتم تعلق مشيئة الله تعالى باهتداء من صرف ~~قدرته واختياره إلى تحصيل الحق لقوله تعالى: # والذين جهدوا فينا لنهدينهم سبلنا # [العنكبوت: 99] وأما إلجاؤهم إلى ذلك وتنفيذ قولهم عليهم شاءوا أو ~~أبوا كما هو مقتضى استدلالهم، فليس ذلك من وظيفتهم ولا من الحكمة التي ~~عليها يدور أمر التكليف في شيء حتى يستدل بعدم ظهور آثاره على عدم ~~حقية الرسل أو على عدم تعلق مشيئته تعالى بذلك، فإن ما يترتب عليه ~~الثواب والعقاب من أفعال العباد لا بد في تعلق مشيئته تعالى بوقوعه من ~~مباشرتهم الاختيارية له وصرف اختيارهم الجزئي إلى تحصيله وإلا لكان ~~الثواب والعقاب اضطراريين، فالفاء للتعليل كأنه قيل: كذلك فعل ~~أسلافهم وذلك باطل فإن الرسل ليس شأنهم إلا تبليغ أوامر الله تعالى ~~ونواهيه لا تحقيق مضمونهما وإجراء موجبهما على الناس قسرا وإلجاء، ~~وإيراد كلمة (على) للإيذان بأنهم في ذلك مأمورون أو بأن ما يبلغونه حق ~~للناس عليهم وإيفاؤه. بهذا ظهر أن حمل قولهم: { لو شاء الله } ~~[النحل، الآية 35] الخ، على الاستهزاء لا يلائم الجواب والله تعالى أعلم ~~بالصواب. # { ولقد بعثنا فى كل أمة رسولا } تحقيق لكيفية تعلق ~~مشيئته تعالى بأفعال العباد بعد بيان أن الإلجاء ليس من وظائف ~~الرسالة ولا من باب المشيئة المتعلقة بما يدور ms1878 عليه الثواب والعقاب ~~من الأفعال الاختيارية لهم، أي بعثنا في كل أمة من الأمم الخالية رسولا ~~خاصا بهم { أن اعبدوا الله } يجوز أن تكون (أن) مفسرة لما في ~~البعث من معنى القول وأن تكون مصدرية، أي بعثنا بأن اعبدوا الله وحده { ~~واجتنبوا الطغوت } هو الشيطان وكل ما يدعو إلى الضلالة { ~~فمنهم } أي من تلك الأمم، والفاء فصيحة، أي فبلغوا ما بعثوا به ~~من الأمر بعبادة الله وحده واجتناب الطاغوت فتفرقوا فمنهم { من هدى ~~الله } إلى الحق الذي هو عبادته واجتناب الطاغوت بعد صرف قدرتهم ~~واختيارهم الجزئي إلى تحصيله { ومنهم من حقت عليه ~~الضللة } أي وجبت وثبتت إلى حين الموت لعناده وإصراره عليها ~~وعدم صرف قدرته إلى تحصيل الحق، وتغيير الأسلوب للإشعار بأن ذلك لسوء ~~اختيارهم كقوله تعالى: # وإذا مرضت فهو يشفين # [الشعراء: 80] فلم يكن كل من مشيئة الهداية وعدمها إلا حسبما حصل ~~منهم من التوجه إلى الحق وعدمه، لا بطريق القسر والإلجاء حتى يستدل ~~بعدمهما على عدم تعلق مشيئته تعالى بعبادتهم له تعالى وحده { ~~فسيروا } يا معشر قريش { فى الأرض فانظروا } في أكنافها { ~~كيف كان عقبة المكذبين } من عاد وثمود ومن سار سيرتهم ~~ممن حقت عليهم الضلالة لعلكم تعتبرون حين تشاهدون في منازلهم وديارهم ~~آثار الهلاك والعذاب. وترتيب الأمر بالسير على مجرد الإخبار بثبوت ~~الضلالة عليهم من غير إخبار بحلول العذاب للإيذان بأنه غني عن ~~البيان وأن ليس الخبر كالعيان، وترتيب النظر على السير لما أنه بعده ~~وأن ملاك الأمر في تلك العاقبة هو التكذيب والتعلل بأنه لو شاء الله ~~ما عبدنا من دونه من شيء. ### || [16.37-38] # { إن تحرص } خطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وقرىء بفتح الراء ~~وهي لغة { على هداهم } أي إن تطلب هدايتهم بجهدك { فإن ~~الله لا يهدى من يضل } أي فاعلم أنه تعالى لا يخلق الهداية ~~جبرا وقسرا فيمن يخلق فيه الضلالة بسوء اختياره، والمراد به قريش، ~~وإنما وضع الموصول موضع الضمير للتنصيص على أنهم ممن حقت عليه الضلالة ~~وللإشعار بعلة الحكم، ويجوز أن يكون ms1879 المذكور علة للجزاء المحذوف، أي إن ~~تحرص على هداهم فلست بقادر على ذلك لأن الله لا يهدي من يضله وهؤلاء من ~~جملتهم، وقرىء لا يهدى على بناء المفعول أي لا يقدر أحد على هداية من ~~يضله الله تعالى، وقرىء لا يهدي بفتح الهاء وإدغام تاء يهتدي في الدال، ~~ويجوز أن يكون يهدي بمعنى يهتدي، وقرىء يضل بفتح الياء، وقرىء لا هادي ~~لمن يضل ولمن أضل { وما لهم من نصرين } ينصرونهم في ~~الهداية أو يدفعون العذاب عنهم، وصيغة الجمع في الناصرين باعتبار ~~الجمعية في الضمير فإن مقابلة الجمع بالجمع يقتضي انقسام الآحاد إلى ~~الآحاد لا لأن المراد نفي طائفة من الناصرين من كل منهم. # { وأقسموا بالله } شروع في بيان فن آخر من أباطيلهم وهو ~~إنكار البعث { جهد أيمنهم } مصدر في موقع الحال أي جاهدين ~~في أيمانهم { لا يبعث الله من يموت } ولقد رد الله تعالى ~~عليهم أبلغ رد بقوله الحق { بلى } أي بلى يبعثهم { وعدا } مصدر ~~مؤكد لما دل عليه بلى، فإن ذلك موعد من الله سبحانه، أو المحذوف، أو ~~وعد بذلك وعدا { عليه } صفة لوعدا أي وعدا ثابتا عليه إنجازه ~~لامتناع الخلف في وعده، أو لأن البعث من مقتضيات الحكمة { حقا } ~~صفة أخرى له أو نصب على المصدرية أي حق حقا { ولكن أكثر ~~الناس } لجهلهم بشؤون الله عز شأنه من العلم والقدرة والحكمة وغيرها ~~من صفات الكمال، وبما يجوز عليه وما لا يجوز وعدم وقوفهم على سر ~~التكوين والغاية القصوى منه، وعلى أن البعث مما يقتضيه الحكمة التي ~~جرت عادته سبحانه بمراعاتها { لا يعلمون } أنه يبعثهم فيبنون ~~القول بعدمه أو أنه وعد عليه حق فيكذبونه قائلين: # لقد وعدنا نحن وءاباؤنا هذا من قبل إن هذا ~~إلا أسطير الأولين # [المؤمنون، الآية 83]. ### || [16.39-40] # { ليبين لهم } غاية لما دل عليه بلى من البعث، والضمير لمن ~~يموت إذ التبيين يعم المؤمنين أيضا فإنهم وإن كانوا عالمين بذلك لأنه ~~عند معاينة حقيقة الحال يتضح الأمر فيصل علمهم إلى مرتبة عين ~~اليقين، أي يبعثهم ليبين لهم ms1880 بذلك وبما يحصل لهم من مشاهدة الأحوال ~~كما هي ومعاينتها بصورها الحقيقية الشأن { الذى يختلفون فيه ~~} من الحق المنتظم لجميع ما خالفوه مما جاء به الشرع المبين ويدخل فيه ~~البعث دخولا أوليا { وليعلم الذين كفروا } بالله سبحانه ~~بالإشراك وإنكار البعث وتكذيب وعده الحق { أنهم كانوا ~~كذبين } في كل ما يقولون لا سيما في قولهم: لا يبعث الله من يموت، ~~والتعبير عن الحق بالموصول للدلالة على فخامته وللإشعار بعلية ما ذكر ~~في حيز الصلة للتبيين وما عطف عليه وما جعلهما غاية للبعث المشار ~~إليه باعتبار وروده في معرض الرد على المخالفين، وإبطال مقالة ~~المعاندين المستدعي للتعرض لما يردعهم عن المخالفة ويلجئهم إلى الإذعان ~~للحق، فإن الكفرة إذا علموا أن تحقيق البعث إذا كان لتبيين أنه حق ~~وليعلموا أنهم كانوا كاذبين في إنكاره كان ذلك أزجر لهم عن إنكاره ~~وأدعى إلى الاعتراف به ضرورة أنه يدل على صدق العزيمة على تحقيقه كما ~~تقول لمن ينكر أنك تصلي: لأصلين رغما لأنفك وإظهارا لكذبك، ولأن ~~تكرر الغايات أدل على وقوع الفعل المغيا بها وإلا فالغاية الأصلية ~~للبعث باعتباره ذاته إنما هو الجزاء الذي هو الغاية القصوى للخلق ~~المغيا بمعرفته عز وجل وعبادته، وإنما لم يذكر ذلك لتكرر ذكره في ~~مواضع أخر وشهرته، وإنما لم يدرج علم الكفار بكذبهم تحت ~~التبيين بأن يقال: وإن الذين كفروا كانوا كاذبين، بل جيء بصيغة العلم ~~لأن ذلك ليس مما تعلق به التبيين الذي هو عبارة عن إظهار ما كان ~~مبهما قبل ذلك بأن يخبر به فيختلف فيه، كالبعث الذي نطق به القرآن ~~فاختلف فيه المختلفون، وأما كذب الكافرين فليس من هذا القبيل فما ~~يتعلق به علم ضروري حاصل هلم من قبل أنفسهم، وقد مر تحقيقه في سورة ~~التوبة عند قوله تعالى: # حتى يتبين لك الذين صدقوا # [التوبة: 43] وإنما خص الإسناد بهم حيث لم يقل: { وليعلموا أن ~~الكافرين } الآية، لأن علم المؤمنين بذلك حاصل قبل ذلك أيضا. # { إنما قولنا } استئناف لبيان كيفية التكوين على الإطلاق ~~إبداء وإعادة بعد التنبيه ms1881 على آنية البعث، ومنه يظهر كيفيته، فما ~~كافة وقولنا مبتدأ وقوله: { لشىء } أي أي شيء كان مما عز وهان ~~متعلق به، على أن اللام للتبليغ كهي في قولك: قلت له قم فقام، وجعلها ~~الزجاج سببية أي لأجل شيء وليس بواضح، والتعبير عنه بذلك باعتبار ~~وجوده عند تعلق مشيئته تعالى به لا أنه كان شيئا قبل ذلك { إذا ~~أردناه } ظرف لقولنا أي وقت إرادتنا لوجوده { أن نقول له ~~كن } خبر للمبتدأ { فيكون } إما عطف على مقدر يفصح عنه الفاء ~~وينسحب عليه الكلام، أي فنقول ذلك فيكون كقوله تعالى: # فإذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون # [غافر، الآية 68] وإما جواب لشرط محذوف أي فإذا قلنا ذلك فهو يكون، ~~وليس هناك قول ولا مقول له ولا أمر ولا مأمور حتى يقال إنه يلزم منه ~~أحد المحالين إما خطاب المعدوم أو تحصيل الحاصل، أو يقال إنما ~~يستدعيه انحصار قوله تعالى: { كن } وليس يلزم منه انحصار أسباب ~~التكوين فيه كما يفيده قوله تعالى: # إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن ~~فيكون # [يس: 82] فإن المراد بالأمر هو الشأن الشامل للقول والفعل ومن ~~ضرورة انحصاره في كلمة كن انحصار أسبابه على الإطلاق فيه بل إنما هو ~~تمثيل لسهولة تأتي المقدورات حسب تعلق مشيئته تعالى بها وتصوير ~~لسرعة حدوثها بما هو علم في ذلك من طاعة المأمور المطيع لأمر الآمر ~~المطاع، فالمعنى إنما إيجادنا لشيء عند تعليق مشيئتنا به أن نوجده في ~~أسرع ما يكون، ولما عنه بالأمر الذي هو قول مخصوص وجب أن يعبر عن ~~مطلق الإيجاد بالقول المطلق فتأمل، وفي الآية الكريمة من الفخامة ~~والجزالة ما يحار فيه العقول والألباب، وقرىء بنصب يكون عطفا على نقول ~~أو تشبيها له بجواب الأمر. ### || [16.41] # { والذين هجروا فى الله } أي في شأن الله تعالى ورضاه ~~وفي حقه ولوجهه { من بعد ما ظلموا } ولعلهم الذين ظلمهم أهل ~~مكة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخرجوهم من ديارهم فهاجروا ~~إلى الحبشة ثم بوأهم الله تعالى المدينة ms1882 حسبما وعد بقوله سبحانه: { ~~لنبوئنهم فى الدنيا حسنة } أي مباءة حسنة أو تبوئة ~~حسنة كما قال قتادة وهو الأنسب بما هو المشهور من كون السورة غير ~~ثلاث آيات من آخرها مكية. وأما ما نقل عن ابن عباس رضي الله عنهما من ~~أنها نزلت في صهيب وبلال وعمار وخباب وعابس وجبير وأبي جندل بن ~~سهيل، أخذهم المشركون فجعلوا يعذبونهم ليردوهم عن الإسلام، فأما صهيب ~~فقال لهم: أنا رجل كبير إن كنت معكم لم أنفعكم وإن كنت عليكم لم ~~أضركم، فافتدى منهم بماله وهاجر فلما رآه أبو بكر رضي الله عنه قال: ~~ربح البيع يا صهيب، وقال عمر رضي الله عنه: # " نعم العبد صهيب لو لم يخف الله لم يعصمه " # فإنما يناسب ما حكي عن الأصم من كون كل السورة مدنية، وما نقل عن ~~قتادة من كون هذه الآية إلى آخر السورة مدنية فيحمل ما نقلناه عنه من ~~نزول الآية في أصحاب الهجرتين على أن يكون نزولها بالمدينة بين ~~الهجرتين، وأما جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم من جملتهم فلا يساعده ~~نظم التنزيل ولا شأنه الجليل، وقرىء لنثوينهم ومعناه إثواءة ~~حسنة أو لننزلنهم في الدنيا منزلة حسنة وهي الغلبة على من ظلمهم من ~~أهل مكة وعلى العرب قاطبة وأهل الشرق والغرب كافة { ولأجر ~~الأخرة } أي أجر أعمالهم المذكورة في الآخرة { أكبر } مما ~~يعجل لهم في الدنيا، وعن عمر رضي الله عنه أنه كان إذا أعطى رجلا من ~~المهاجرين عطاء قال له: خذ بارك الله تعالى لك فيه، هذا ما وعدك الله ~~تعالى في الدنيا وما ادخر في الآخرة أفضل { لو كانوا يعلمون ~~} الضمير للكفار أي لو علموا أن الله تعالى يجمع لهؤلاء المهاجرين خير ~~الدارين لوافقوهم في الدين، وقيل: للمهاجرين أي لو علموا ذلك لزادوا فى ~~الاجتهاد أو لما تألموا لما أصابهم من المهاجرة وشدائدها. ### || [16.42-44] # { الذين صبروا } على الشدائد من أذية الكفار ومفارقة الأهل ~~والوطن وغير ذلك، ومحله النصب أو الرفع على المدح { وعلى ~~ربهم } خاصة { يتوكلون } منقطعين إليه تعالى ms1883 معرضين عما سواه ~~مفوضين إليه الأمر كله، والجملة إما معطوفة على الصلة وتقديم ~~الجار والمجرور للدلالة على قصر التوكل على الله تعالى وصيغة ~~الاستقبال للدلالة على دوام التوكل. أو حال من ضمير صبروا. # { وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحى إليهم } ~~وقرىء بالياء مبنيا للمفعول وهو رد لقريش حين قالوا: الله أجل من أن ~~يكون له رسول من البشر، كما هو مبنى قولهم: # لو شآء الله ما عبدنا # [النحل، الآية 35] الخ، أي جرت السنة الإلهية حسبما اقتضته الحكمة ~~بأن لا يبعث للدعوة العامة إلا بشرا يوحي إليهم بواسطة الملك ~~أوامره ونواهيه ليبلغوها الناس. ولما كان المقصود من الخطاب لرسول ~~الله صلى الله عليه وسلم تنبيه الكفار على مضمونه صرف الخطاب إليهم ~~فقيل: { فاسألوا أهل الذكر } أي أهل الكتاب أو علماء ~~الأخبار أو كل من يذكر بعلم وتحقيق ليعلموكم ذلك { إن كنتم لا ~~تعلمون } حذف جوابه لدلالة ما قبله عليه، وفيه دلالة على أنه ~~لم يرسل للدعوة العامة ملكا، وقوله تعالى: # جاعل الملئكة رسلا # [فاطر: 1] معناه رسلا إلى الملائكة أو إلى الرسل، ولا امرأة ولا ~~صبيا، ولا ينافيه نبوة عيسى عليه الصلاة والسلام وهو في المهد لأنها ~~أعم من الرسالة، وإشارة إلى وجوب المراجعة إلى العلماء فيما لا يعلم. # { بالبينت والزبر } بالمعجزات والكتب، والباء متعلقة ~~بمقدر وقع جوابا عن سؤال من قال: بم أرسلوا؟ فقيل: أرسلوا بالبينات ~~والزبر، أو بما أرسلنا داخلا تحت الاستثناء مع رجالا عند من يجوزه، أي ~~ما أرسلنا إلا رجالا بالبينات كقولك: ما ضربت إلا زيدا بالسوط، أو على ~~نية التقديم قبل أداة الاستثناء أي ما أرسلنا من قبلك بالبينات والزبر ~~إلا رجالا عند من يجوز تأخر صلة ما قبل إلا إلى ما بعده، أو ما وقع ~~صفة للمستثنى أي إلا رجالا ملتبسين بالبينات أو بنوحي على المفعولية ~~أو الحالية من القائم مقام فاعل يوحى وهو إليهم على أن قوله تعالى: { ~~فاسألوا } اعتراض أو بقوله { لا تعلمون } على أن الشرط ~~للتبكيت كقول الأجير: إن كنت عملت لك ms1884 فأعطني حقي. # { وأنزلنا إليك الذكر } أي القرآن، وإنما سمي به لأنه ~~تذكير وتنبيه للغافلين { لتبين للناس } كافة ويدخل فيهم ~~أهل مكة دخولا أوليا { ما نزل إليهم } في ذلك الذكر من ~~الأحكام والشرائع وغير ذلك من أحوال القرون المهلكة بأفانين العذاب ~~حسب أعمالهم الموجبة لذلك على وجه التفصيل بيانا شافيا، كما ينبىء ~~عنه صيغة التفعيل في الفعلين لا سيما بعد ورود الثاني أو لا على صيغة ~~الإفعال، ولما أن التبيين أعم من التصريح بالمقصود ومن الإرشاد ~~إلى ما يدل عليه دخل تحته القياس على الإطلاق سواء كان في الأحكام ~~الشرعية أو غيرها، ولعل قوله عز وجل: { ولعلهم يتفكرون } ~~إشارة إلى ذلك أي إرادة أن يتأملوا فيتنبهوا للحقائق وما فيه من ~~العبر، ويحترزوا عما يؤدي إلى مثل ما أصاب الأولين من العذاب. ### || [16.45-47] # { أفأمن الذين مكروا السيئات } هم أهل مكة الذين ~~مكروا برسول الله صلى الله عليه وسلم وراموا صد أصحابه عن الإيمان ~~عليهم الرضوان، لا الذين احتالوا لهلاك الأنبياء كما قيل ولا من يعم ~~الفريقين لما أن المراد تحذير هؤلاء عن إصابة مثل ما أصاب أولئك من ~~فنون العذاب المعدودة، والسيئات نعت لمصدر محذوف أي مكروا المكرات ~~السيئات التي قصت عنهم، أو مفعول به للفعل المذكور على تضمينه معنى ~~العمل أي عملوا السيئات، فقوله تعالى: { أن يخسف الله بهم ~~الأرض } مفعول لأمن أو السيئات صفة لما هو المفعول أي أفأمن ~~الماكرون العقوبات السيئة، وقوله: أن يخسف الخ، بدل من ذلك وعلى كل ~~حال فالفاء للعطف على مقدر ينسحب عليه النظم الكريم أي أنزلنا إليك ~~الذكر لتبين لهم مضمونه الذي من جملته إنباء الأمم المهلكة بفنون ~~العذاب ويتفكروا في ذلك، ألم يتفكروا فأمن الذين مكروا السيئات أن يخسف ~~الله بهم الأرض كما فعل بقارون، على توجيه الإنكار إلى المعطوفين معا، ~~أو أتفكروا فأمنوا على توجيهه إلى المعطوف على أن الأمن بعد التفكر ~~مما لا يكاد يفعله أحد، وقيل: هو عطف على مقدر ينبىء عنه الصلة أي ~~أمكر فأمن الذين مكروا الخ { أو ms1885 يأتيهم العذاب من ~~حيث لا يشعرون } بإتيانه أي في حالة غفلتهم أو من مأمنهم أو من ~~حيث يرجون إتيان ما يشتهون كما حكي فيما سلف مما نزل بالماكرين. # { أو يأخذهم فى تقلبهم } أي في حالة تقلبهم في ~~مسائرهم ومتاجرهم، { فما هم بمعجزين } بممتنعين أو فائتين ~~بالهرب والفرار على ما يوهمه حال التقلب والسير، والفاء إما لتعليل ~~الأخذ أو لترتيب عدم الإعجاز عليه دلالة على شدته وفظاعته حسبما قال ~~عليه السلام: # " إن الله ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته " # وإيراد الجملة الاسمية للدلالة على دوام النفي لا نفي الدوام. # { أو يأخذهم على تخوف } أي مخافة وحذر عن الهلاك ~~والعذاب بأن يهلك قوما قبلهم فيتخوفوا فيأخذهم العذاب وهم متخوفون، ~~وحيث كانت حالتا التقلب والتخوف مظنة للهرب عبر عن إصابة العذاب ~~فيهما بالأخذ وعن إصابته حالة الغفلة المنبئة عن السكون بالإتيان، ~~وقيل: التخوف التنقص، قال قائلهم: [البسيط] # تخوف الرحل منها تامكا قردا # كما تخوف عود النبعة السفن # أي يأخذهم على أن ينقصهم شيئا بعد شيء في أنفسهم وأموالهم حتى ~~يهلكوا، والمراد بذكر الأحوال الثلاث بيان قدرة الله سبحانه على ~~إهلاكهم بأي وجه كان لا الحصر فيها { فإن ربكم لرؤوف ~~رحيم } حيث لا يعاجلكم بالعقوبة ويحلم عنكم مع استحقاقكم لها. ### || [16.48-49] # { أولم يروا } استفهام إنكاري، وقرىء على صيغة الخطاب والواو ~~للعطف على مقدر يقتضيه المقام أي ألم ينظروا ولم يروا متوجهين { إلى ~~ما خلق الله من شىء } أي من كل شيء { يتفيأ ظلله } ~~أي يرجع شيئا فشيئا حسبما يقتضيه إرادة الخالق تعالى، فإن التفيؤ ~~مطاوع الإفاءة، وقرىء بتأنيث الفعل { عن اليمين والشمآئل ~~} أي ألم يروا الأشياء التي لها ظلال متفيئة عن أيمانها وشمائلها ~~أي عن جانبي كل واحد منها، استعير لهما ذلك من يمين الإنسان وشماله { ~~سجدا لله } حال من الظلال كقوله تعالى: # وظللهم بالغدو والآصال # [الرعد، الآية 15] والمراد بسجودها تصرفها على مشيئة الله وتأتيها ~~لإرادته تعالى في الامتداد والتقلص وغيرهما غير ممتنعة عليه فيما ~~سخرها له، وقوله تعالى: { وهم دخرون } أي صاغرون ms1886 منقادون، حال من ~~الضمير في ظلاله والجمع باعتبار المعنى وإيراد الصيغة الخاصة بالعقلاء ~~لما أن الدخور من خصائصهم، والمعنى ترجع الظلال من جانب إلى جانب ~~بارتفاع الشمس وانحدارها أو باختلاف مشارقها ومغاربها فإنها كل يوم ~~من أيام السنة تتحرك على مدار معين من المدارات اليومية بتقدير العزيز ~~العليم، منقادة لما قدر لها من التفيؤ أو واقعة على الأرض ملتصقة ~~بها على هيئة الساجد، والحال أن أصحابها من الأجرام داخرة منقادة ~~لحكمه تعالى، ووصفها بالدخور مغن عن وصف ظلالها به، وكلاهما حال من ~~الضمير المشار إليه، والمعنى ترجع ظلال تلك الأجرام حال كونها منقادة ~~لله تعالى داخرة، فوصفها بهما مغن عن وصف ظلالها بهما، ولعل المراد ~~بالموصول الجمادات من الجبال والأشجار والأحجار التي لا يظهر لظلالها ~~أثر سوى التفيؤ بما ذكر من ارتفاع الشمس وانحدارها أو اختلاف ~~مشارقها ومغاربها، وأما الحيوان فظله يتحرك بتحركه، وقيل: المراد ~~باليمين والشمائل يمين الفلك وهو جانبه الشرقي لأن الكواكب منه ~~تظهر آخذة في الارتفاع والسطوع، وشماله وهو جانبه الغربي المقابل ~~له فإن الظلال في أول النهار تبتدىء من الشرق واقعة على الربع الغربي ~~من الأرض، وعند الزوال تبتدىء من الغرب واقعة على الربع الشرقي منها، ~~وبعد ما بين سجود الظلال وأصحابها من الأجرام السفلية الثابتة في ~~أخبارها ودخورها له سبحانه وتعالى شرع في بيان سجود المخلوقات ~~المتحركة بالإرادة سواء كانت لها ظلال أو لا فقيل: # { ولله يسجد } أي له تعالى وحده يخضع وينقاد لا لشيء غيره ~~استقلالا أو اشتراكا، فالقصر ينتظم القلب والإفراد إلا أن الأنسب ~~بحال المخاطبين قصر الإفراد كما يؤذن به قوله تعالى: # وقال الله لا تتخذوا إلهين اثنين # [النحل، الآية 51] { ما في السموات } قاطبة { وما فى ~~الأرض } كائنا ما كان { من دابة } بيان لما في الأرض، ~~وتقديمه لقلته ولئلا يقع بين المبين والمبين فصل، والإفراد مع أن ~~المراد الجمع لإفادة وضوح شمول السجود لكل فرد من الدواب. قال ~~الأخفش: هو كقولك: «ما أتاني من رجل مثله وما أتاني من الرجال ~~مثله» { والملئكة ms1887 } عطف على ما في السموات عطف جبريل على ~~الملائكة تعظيما وإجلالا، أو على أن يراد بما في السموات الخلق الذي ~~يقال له الروح، أو يراد به ملائكة السموات، وبقوله: والملائكة ملائكة ~~الأرض من الحفظة وغيرهم { وهم } أي الملائكة مع علو شأنهم { لا ~~يستكبرون } عن عبادته عز وجل والسجود له، وتقديم الضمير ليس ~~للقصر، والجملة إما حال من ضمير الفاعل في يسجد مسند إلى الملائكة أو ~~استئناف أخبر عنهم بذلك. ### || [16.50-52] # { يخفون ربهم } أي مالك أمرهم وفيه تربية للمهابة ~~وإشعار بعلة الحكم { من فوقهم } أي يخافونه جل وعلا خوف هيبة ~~وإجلال وهو فوقهم بالقهر كقوله تعالى: # وهو القاهر فوق عباده # [الأنعام، الآية 18] أو يخافون أن يرسل عليهم عذابا من فوقهم، ~~والجملة حال من الضمير في لا يستكبرون أو بيان له وتقرير لأن من ~~يخاف الله سبحانه لا يستكبر عن عبادته { ويفعلون ما يؤمرون } ~~أي ما يؤمرون به من الطاعات والتدبيرات، وإيراد الفعل مبنيا للمفعول ~~جري على سنن الجلالة وإيذان بعدم الحاجة إلى التصريح بالفاعل ~~لاستحالة استناده إلى غيره سبحانه، وفيه أن الملائكة مكلفون مدارون ~~بين الخوف والرجاء، وبعد ما بين أن جميع الموجودات يخصون بالخضوع ~~والانقياد أصلا لله عز وجل أردف ذلك بحكاية نهيه سبحانه وتعالى ~~للمكلفين عن الإشراك فقيل: # { وقال الله } عطف على قوله: ولله يسجد، وإظهار الفاعل وتخصيص ~~لفظة الجلالة بالذكر للإيذان بأنه متعين الألوهية، وإنما المنهي عنه ~~هو الإشراك به لا أن المنهي عنه مطلق اتخاذ إلهين بحيث يتحقق ~~الانتهاء عنه برفض أيهما كان أي قال تعالى لجميع المكلفين: { لا ~~تتخذوا إلهين اثنين } وإنما ذكر العدد مع أن صيغة ~~التثنية مغنية عن ذلك دلالة على أن مساق النهي هو الاثنينية وأنها ~~منافية للألوهية كما أن وصف الإله بالوحدة في قوله تعالى: { إنما ~~هو إله واحد } للدلالة على أن المقصود إثبات الوحدانية وأنها ~~من لوازم الإلهية، وأما الإلهية فأمر مسلم الثبوت له سبحانه ~~وإليه أشير حيث أسند إليه القول، وفيه التفات من التكلم إلى الغيبة ~~على رأي من اكتفى ms1888 في تحقق الالتفات بكون الأسلوب الملتفت عنه حق ~~الكلام ولم يشترط سبق الذكر على ذلك الوجه { فإيي فارهبون ~~} التفات من الغيبة إلى التكلم لتربية المهابة وإلقاء الرهبة في ~~القلوب ولذلك قدم المفعول وكرر الفعل أي إن كنتم راهبين شيئا فإياي ~~فارهبون لا غير فإني ذلك الواحد الذي يسجد له ما في السموات والأرض. # { وله ما فى السموات والأرض } خلقا وملكا تقرير لعلة ~~انقياد ما فيها له سبحانه خاصة، وتحقيق لتخصيص الرهبة به تعالى وتقديم ~~الحرف لتقوية ما في اللام من معنى الاختصاص وكذا في قوله تعالى: { ~~وله الدين } أي الطاعة والانقياد { واصبا } أي واجبا ثابتا لا ~~زوال له لما تقرر أنه الإله وحده الحقيق بأن يرهب، وقيل: واصبا ~~من الوصب أي وله الدين ذا كلفة، وقيل: الدين الجزاء أي وله الجزاء ~~الدائم بحيث لا ينقطع ثوابه لمن آمن وعقابه لمن كفر { أفغير ~~الله تتقون } الهمزة للإنكار والفاء للعطف على مقدر ينسحب عليه ~~السياق أي أعقيب تقرر الشؤون المذكورة من تخصيص جميع الموجودات ~~للسجود به تعالى وكون ذلك كله له، ونهيه عن اتخاذ الأنداد وكون ~~الدين له واصبا المستدعي ذلك لتخصيص التقوى به سبحانه غير الله الذين ~~شأنه ما ذكر تتقون فتطيعون. ### || [16.53-55] # { وما بكم } أي أي شيء يلابسكم ويصاحبكم { من نعمة } أية ~~نعمة كانت { فمن الله } فهي من الله، فما شرطية أو موصولة ~~متضمنة لمعنى الشرط باعتبار الإخبار دون الحصول فإن ملابسة النعمة ~~بهم سبب للإخبار بأنها منه تعالى لا لكونها منه تعالى { ثم إذا ~~مسكم الضر } مساسا يسيرا { فإليه تجئرون } تتضرعون ~~في كشفه لا إلى غيره، والجؤار رفع الصوت بالدعاء والاستغاثة، قال ~~الأعشى: [المتقارب] # يراوح من صلوات الملي # ك طورا سجودا وطورا جؤارا # وقرىء تجرون بطرح الهمزة وإلقاء حركتها إلى ما قبلها، وفي ذكر ~~المساس المنبىء عن أدنى إصابة وإيراده بالجملة الفعلية المعربة عن ~~الحدوث مع ثم الدالة على وقوعه بعد برهة من الدهر وتحلية الضر بلام ~~الجنس المفيدة لمساس أدنى ما ينطلق عليه اسم الجنس مع إيراد النعمة ms1889 ~~بالجملة الاسمية الدالة على الدوام والتعبير عن ملابستها للمخاطبين ~~بباء المصاحبة وإيراد (ما) المعربة عن العموم ما لا يخفى من الجزالة ~~والفخامة، ولعل إيراد إذا دون إن للتوسل به إلى تحقق وقوع الجواب. # { ثم إذا كشف الضر عنكم } وقرىء كاشف الضر، وكلمة ثم ~~ليست للدلالة على تمادي زمان مساس الضر ووقوع الكشف بعد برهة مديدة ~~بل للدلالة على تراخي رتبة ما يترتب عليه من مفاجأة الإشراك المدلول ~~عليها بقوله سبحانه: { إذا فريق منكم بربهم يشركون } ~~فإن ترتبها على ذلك في أبعد غاية من الضلال، ثم إن وجه الخطاب إلى ~~الناس جميعا فمن للتبعيض والفريق فريق الكفرة، وإن وجه إلى الكفرة ~~فمن للبيان، كأنه قيل: إذا فريق كافرون أنتم. ويجوز أن يكون فيهم من ~~اعتبر وازدجر كقوله تعالى: # فلما نجهم إلى البر فمنهم مقتصد # [لقمان، الآية 32] فمن تبعيضية أيضا، والتعرض لوصف الربوبية للإيذان ~~بكمال قبح ما ارتكبوه من الإشراك والكفران. # { ليكفروا بمآ ءاتينهم } من نعمة الكشف عنهم كأنهم جعلوا ~~غرضهم في الشرك كفران النعمة وإنكار كونها من الله عز وجل { ~~فتمتعوا } أمر تهديد، والالتفات إلى الخطاب للإيذان بتناهي ~~السخط، وقرىء بالياء مبنيا للمفعول عطفا على ليكفروا على أن يكون ~~كفران النعمة والتمتع غرضا لهم من الإشراك، ويجوز أن يكون اللام لام ~~الأمر الوارد للتهديد { فسوف تعلمون } عاقبة أمركم وما ينزل ~~بكم من العذاب، وفيه وعيد أكيد منبىء عن أخذ شديد حيث لم يذكر ~~المفعول إشعارا بأنه مما لا يوصف. ### || [16.56-59] # { ويجعلون } لعله عطف على ما سبق بحسب المعنى تعدادا لجناياتهم ~~أي يفعلون ما يفعلون من الجؤار إلى الله تعالى عند مساس الضرر ومن ~~الإشراك به عند كشفه ويجعلون { لما لا يعلمون } أي لما لا ~~يعلمون حقيقته وقدره الخسيس من الجمادات التي يتخذونها شركاء لله ~~سبحانه جهالة وسفاهة ويزعمون أنها تنفعهم وتشفع لهم، على أن ما ~~موصولة والعائد إليها محذوف، أو لما لا علم له أصلا وليس من شأنه ذلك ~~فما موصولة أيضا والعائد إليها ما في الفعل من الضمير المستكن، ~~وصيغة ms1890 جمع العقلاء لكون (ما) عبارة عن آلهتهم التي وصفوها بصفات ~~العقلاء، أو مصدرية واللام للتعليل أي لعدم علمهم والمجعول له ~~محذوف للعلم بمكانه { نصيبا مما رزقنهم } من الزرع ~~والأنعام وغيرهما تقربا إليها { تالله لتسئلن } سؤال ~~توبيخ وتقريع { عما كنتم تفترون } في الدنيا بآلهة حقيقة ~~بأن يتقرب إليها، وفي تصدير الجملة بالقسم وصرف الكلام من الغيبة ~~إلى الخطاب المنبىء عن كمال الغضب من شدة الوعيد ما لا يخفى. # { ويجعلون لله البنات } هم خزاعة وكنانة الذين يقولون: ~~الملائكة بنات الله { سبحنه } تنزيه له عز وجل عن مضمون قولهم ~~ذلك أو تعجيب من جراءتهم على التفوه بمثل تلك العظيمة { ولهم ما ~~يشتهون } من البنين، و(ما) مرفوعة المحل على أنه مبتدأ والظرف ~~المقدم خبره، والجملة حالية وسبحانه اعتراض في حق موقعه، وجعلها ~~منصوبة بالعطف على البنات أي يجعلون لأنفسهم ما يشتهون من البنين ~~يؤدي إلى جعل الجعل بمعنى يعم الزعم والاختيار. # { وإذا بشر أحدهم بالأنثى } أي أخبر بولادتها { ظل ~~وجهه } أي صار أو دام النهار كله { مسودا } من الكآبة ~~والحياء من الناس، واسوداد الوجه كناية عن الاغتمام والتشويش { وهو ~~كظيم } ممتلىء حنقا وغيظا. # { يتوارى } أي يستخفي { من القوم من سوء ما بشر به } ~~من أجل سوئه، والتعبير عنها بما لإسقاطها عن درجة العقلاء { ~~أيمسكه } أي مترددا في أمره محدثا نفسه في شأنه أيمسكه { ~~على هون } ذل، وقرىء هوان { أم يدسه } يخفيه { فى ~~التراب } بالوأد، والتذكير باعتبار لفظ ما، وقرىء بالتأنيث { ألا ~~سآء ما يحكمون } حيث يجعلون ما هذا شأنه عندهم من الهون ~~والحقارة لله المتعالي عن الصاحبة والولد، والحال أنهم يتحاشون عنه ~~ويختارون لأنفسهم البنين، فمدار الخطأ جعلهم ذلك لله سبحانه مع إبائهم ~~إياه لا جعلهم البنين لأنفسهم ولا عدم جعلهم له سبحانه، ويجوز أن يكون ~~مداره التعكيس لقوله تعالى: # تلك إذا قسمة ضيزى # [النجم، الآية 22]. ### || [16.60-62] # { للذين لا يؤمنون بالأخرة } ممن ذكرت قبائحهم { ~~مثل السوء } صفة السوء الذي هو كالمثل في القبح وهي الحاجة ~~إلى الولد ليقوم مقامه عند موتهم، وإيثار الذكور للاستظهار ms1891 بهم ووأد ~~البنات لدفع العار، وخشية الإملاق المنادي كل ذلك بالعجز والقصور ~~والشح البالغ، ووضع الموصول موضع الضمير للإشعار بأن مدار اتصافهم ~~بتلك القبائح هو الكفر بالآخرة { ولله } سبحانه وتعالى { المثل ~~الأعلى } أي الصفة العجيبة الشأن التي هي مثل في العلو مطلقا، ~~وهو الوجوب الذاتي والغنى المطلق والجود الواسع والنزاهة عن صفات ~~المخلوقين، ويدخل فيه علوه تعالى عما قالوه علوا كبيرا { وهو ~~العزيز } المنفرد بكمال القدرة لا سيما على مؤاخذتهم بذنوبهم { ~~الحكيم } الذي يفعل كل ما يفعل بمقتضى الحكمة البالغة وهذا أيضا ~~من جملة صفاته العجيبة تعالى. # { ولو يؤاخذ الله الناس } الكفار { بظلمهم } بكفرهم ~~ومعاصيهم التي من جملتها ما عدد من قبائحهم، وهذا تصريح بما أفاده ~~قوله تعالى: { وهو العزيز الحكيم } وإيذان بأن ما أتوه من ~~القبائح قد تناهى إلى أمد لا غاية وراءه { ما ترك عليها } ~~على الأرض المدلول عليها بالناس وبقوله تعالى: { من دابة } أي ما ~~ترك عليها شيئا من دابة قط بل أهلكها بالمرة بشؤم ظلم الظالمين كقوله ~~تعالى: # واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم ~~خاصة # [الأنفال: 25] وعن أبي هريرة رضي الله عنه أنه سمع رجلا يقول: إن ~~الظالم لا يضر إلا نفسه فقال: «بلى والله حتى إن الحبارى لتموت في ~~وكرها بظلم الظالم». وعن ابن مسعود رضي الله عنه: «كاد الجعل يهلك ~~في جحره بذنب ابن آدم أو من دابة ظالمة» وقيل: لو أهلك الآباء لم ~~يكن الأبناء، فيلزم أن لا يكون في الأرض دابة لما أنها مخلوقة ~~لمنافع البشر لقوله سبحانه: # هو الذى خلق لكم ما فى الأرض جميعا # [البقرة، الآية 29] { ولكن } لا يؤاخذهم بذلك بل { يؤخرهم ~~إلى أجل مسمى } لأعمارهم أو لعذابهم كي يتوالدوا ويكثر ~~عذابهم { فإذا جاء أجلهم } المسمى { لا يستأخرون } عن ~~ذلك الأجل أي لا يتأخرون، وصيغة الاستفعال للإشعار بعجزهم عنه مع طلبهم ~~له { ساعة } فذة، وهي مثل في قلة المدة { ولا يستقدمون } ~~أي لا يتقدمون، وإنما تعرض لذكره مع أنه لا يتصور الاستقدام عند مجيء ~~الأجل مبالغة في بيان عدم ms1892 الاستئخار بنظمه في سلك ما يمتنع، كما في ~~قوله تعالى: # وليست التوبة للذين يعملون السيئت حتى ~~إذا حضر أحدهم الموت قال إنى تبت الآن ولا ~~الذين يموتون وهم كفار # [النساء: 18] فإن من مات كافرا مع أنه لا توبة له رأسا قد نظم ~~في سمط من لم تقبل توبته للإيذان بأنهما سيان في ذلك وقد مر في تفسير ~~سورة يونس. # { ويجعلون لله } أي يثبتون له سبحانه وينسبون إليه في ~~زعمهم { ما يكرهون } لأنفسهم مما ذكر، وهو تكرير لما سبق، تثنية ~~للتقريع وتوطئة لقوله تعالى: { وتصف ألسنتهم الكذب } أي ~~يجعلون له تعالى ما يجعلون ومع ذلك تصف ألسنتهم الكذب وهو { أن لهم ~~الحسنى } العاقبة الحسنى عند الله تعالى كقوله: # ولئن رجعت إلى ربى إن لى عنده للحسنى # [فصلت، الآية 50] وقرىء الكذب وهو جمع الكذوب على أنه صفة الألسنة ~~{ لا جرم } رد لكلامهم ذلك وإثبات لنقيضه أي حقا { أن لهم } ~~مكان ما أملوا من الحسنى { النار } التي ليس وراء عذابها عذاب وهي ~~علم في السوآى { وأنهم مفرطون } أي مقدمون إليها من ~~أفرطته أي قدمته في طلب الماء، وقيل: منسيون من أفرطت فلانا خلفي ~~إذا خلفته ونسيته، وقرىء بالتشديد وفتح الراء من فرطته في طلب ~~الماء، وبكسر الراء المشددة من التفريط في الطاعات، وبكسر المخففة من ~~الإفراط في المعاصي فلا يكونان حينئذ من أحوالهم الأخروية كما عطف عليه. ### || [16.63-65] # { تالله لقد أرسلنآ إلى أمم من قبلك } تسلية ~~لرسول الله صلى الله عليه وسلم عما يناله من جهالات الكفرة ووعيد لهم ~~على ذلك، أي أرسلنا إليهم رسلا فدعوهم إلى الحق فلم يجيبوا إلى ذلك { ~~فزين لهم الشيطن أعمالهم } القبيحة فعكفوا عليها ~~مصرين { فهو وليهم } أي قرينهم وبئس القرين { اليوم } ~~أي يوم زين لهم الشيطان أعمالهم فيه على طريق حكاية الحال الآتية وهي ~~حال كونهم معذبين في النار، والولي بمعنى الناصر أي فهو ناصرهم اليوم ~~لا ناصر لهم غيره مبالغة في نفي الناصر عنهم، ويجوز أن يكون الضمير ~~عائدا إلى مشركي قريش والمعنى زين للأمم السالفة ms1893 أعمالهم فهو ولي ~~هؤلاء لأنهم منهم وأن يكون على حذف المضاف أي ولي أمثالهم { ولهم ~~} في الآخرة { عذاب أليم } هو عذاب النار. # { ومآ أنزلنا عليك الكتب } أي القرآن { إلا ~~لتبين } استثناء مفرغ من أعم العلل أي ما أنزلناه عليك لعلة ~~من العلل إلا لتبين { لهم } أي للناس { الذى اختلفوا فيه } ~~من التوحيد والقدر وأحكام الأفعال وأحوال المعاد { وهدى ورحمة ~~} معطوفان على محل لتبين أي وللهداية والرحمة { لقوم يؤمنون } ~~وإنما انتصبا لكونهما أثري فاعل الفعل المعلل بخلاف التبيين حيث ~~لم ينتصب لفقدان شرطه، ولعل تقديمه عليهما لتقدمه في الوجود، ~~وتخصيص كونهما هدى ورحمة بالمؤمنين لأنهم المغتنمون آثاره. # { والله أنزل من السماء } من السحاب أو من جانب السماء ~~حسبما مر، وهذا تكرير لما سبق تأكيدا لمضمونه وتوطئة لما يعقبه من ~~أدلة التوحيد { ماء } نوعا خاصا من الماء هو المطر، وتقديم المجرور ~~على المنصوب لما مر مرارا من التشويق إلى المؤخر { فأحيا به ~~الأرض } بما أنبت به فيها من أنواع النباتات { بعد موتها } أي ~~بعد يبسها، وما يفيده الفاء من التعقيب العادي لا ينافيه ما بين ~~المعطوفين من المهلة { إن فى ذلك } أي في إنزال الماء من السماء ~~وإحياء الأرض الميتة به { لآية } وأية آية دالة على وحدته سبحانه ~~وعلمه وقدرته وحكمته { لقوم يسمعون } هذا التذكير ونظائره ~~سماع تفكر وتدبر فكأن من ليس كذلك أصم. ### || [16.66] # { وإن لكم فى الأنعم لعبرة } عظيمة وأي عبرة ~~تحار في دركها العقول ويهيم في فهمها ألباب الفحول { نسقيكم } ~~استئناف لبيان ما أبهم أولا من العبرة { مما فى بطونه } أي ~~بطون الأنعام، والتذكير هنا لمراعاة جانب اللفظ فإنه اسم جمع ولذلك ~~عده سيبويه في المفردات المبنية على أفعال كأكباش وأخلاق كما أن تأنيثه ~~في سورة المؤمنين لرعاية جانب المعنى، ومن جعله جمع نعم جعل الضمير ~~للبعض فإن اللبن ليس لجميعها، أو له على المعنى، فإن المراد به الجنس ~~وقرىء بفتح النون ههنا وفي سورة المؤمنين { من بين فرث ودم ~~لبنا } الفرث فضالة ما يبقى من العلف في الكرش ms1894 المنهضمة بعض ~~الانهضام وكثيف ما يبقى في الأمعاء. وعن ابن عباس رضي الله عنهما أن ~~البهيمة إذا اعتلفت وانطبخ العلف في كرشها كان أسفله فرثا، وأوسطه ~~لبنا، وأعلاه دما. ولعل المراد به أن أوسطه يكون مادة اللبن وأعلاه ~~مادة الدم الذي يغذو البدن لأن عدم تكونهما في الكرش مما لا ريب فيه، ~~بل الكبد تجذب صفاوة الطعام المنهضم في الكرش ويبقى ثفله وهو الفرث ~~ثم يمسكها ريثما يهضمها فيحدث أخلاطا أربعة معها مائية فتميز تلك ~~المائية ما زاد على قدر الحاجة من المرتين الصفراء والسوداء وتدفعها ~~إلى الكلية والمرارة والطحال، ثم توزع الباقي على الأعضاء بحسبها ~~فتجري على كل حقه على ما يليق به بتقدير العزيز العليم، ثم إن كان ~~الحيوان أنثى زاد أخلاطها على قدر غذائها لاستيلاء البرد والرطوبة ~~على مزاجها فيندفع الزائد أو لا لأجل الجنين إلى الرحم فإذا انفصل انصب ~~ذلك الزائد أو بعضه إلى الضروع فيبيض لمجاورته لحومها الغذوية ~~البيض ويلذ طعمه فيصير لبنا، ومن تدبر في بدائع صنع الله تعالى ~~فيما ذكر من الأخلاط والألبان وإعداد مقارها ومجاريها والأسباب ~~المولدة لها وتسخير القوى المتصرفة فيها كل وقت على ما يليق به ~~اضطر إلى الاعتراف بكمال علمه وقدرته وحكمته وتناهي رأفته ورحمته. ~~فمن الأولى تبعيضية لما أن اللبن بعض ما في بطونه لأنه مخلوق من بعض ~~أجزاء الدم المتولد من الأجزاء اللطيفة التي في الفرث حسبما فصل، ~~والثانية ابتدائية كقولك: سقيت من الحوض لأن بين الفرث والدم مبدأ ~~الإسقاء، وهي متعلقة بنسقيكم وتقديمه على المفعول لما مر مرارا من أن ~~تقديم ما حقه التأخير يبعث للنفس شوقا إلى المؤخر موجبا لفضل ~~تمكنه عند وروده عليها لا سيما إذا كان المقدم متضمنا لوصف مناف ~~لوصف المؤخر كالذي نحن فيه، فإن بين وصفي المقدم والمؤخر تنافيا ~~وتنائيا بحيث لا يتراءى ناراهما، فإن ذلك مما يزيد الشوق والاستشراف ~~إلى المؤخر كما في قوله تعالى: # الذى جعل لكم من الشجر الأخضر نارا # [يس: 80]، أو حال من لبنا قدم عليه لتنكيره ms1895 والتنبيه على أنه موضع ~~العبرة { خالصا } عن شائبة ما في الدم والفرث من الأوصاف ببرزخ من ~~القدرة القاهرة الحاجزة عن بغي أحدهما عليه مع كونهما مكتنفين له { ~~سآئغا للشاربين } سهل المرور في حلقهم، قيل: لم يغص أحد ~~باللبن، وقرىء سيغا بالتشديد وبالتخفيف مثل هين وهين. ### || [16.67-69] # { ومن ثمرت النخيل والأعنب } متعلق بما يدل عليه ~~الإسقاء من مطلق الإطعام المنتظم لإعطاء المطعوم والمشروب فإن اللبن ~~مطعوم كما أنه مشروب أي ونطعمكم من ثمرات النخيل ومن الأعناب أي من ~~عصيرهما، وقوله تعالى: { تتخذون منه سكرا } استئناف لبيان ~~كنه الإطعام وكشفه. أو بقوله: تتخذون منه، وتكرير الظرف للتأكيد، أو ~~خبر لمبتدأ محذوف صفته تتخذون أي ومن ثمرات النخيل والأعناب ثمر ~~تتخذون منه، وحذف الموصوف إذا كان في الكلام كلمة من سائغ نحو ~~قوله تعالى: # وما منا إلا له مقام معلوم # [الصافات: 164] وتذكير الضمير على الوجهين الأولين لأنه للمضاف ~~المحذوف أعني العصير أو لأن المراد هو الجنس والسكر مصدر سمي به ~~الخمر، وقيل: هو النبيذ، وقيل: هو الطعم { ورزقا حسنا } كالتمر ~~والدبس والزبيب والخل، والآية إن كانت سابقة النزول على تحريم الخمر ~~فدالة على كراهتها وإلا فجامعة بين العتاب والمنة { إن فى ~~ذلك لأية } باهرة { لقوم يعقلون } يستعملون عقولهم في ~~الآيات بالنظر والتأمل. # { وأوحى ربك إلى النحل } أي ألهمها وقذف في قلوبها ~~وعلمها بوجوه لا يعلمها إلا العليم الخبير وقرى بفتحتين { أن ~~اتخذى } أي بأن اتخذي على أن أن مصدرية ويجوز أن تكون مفسرة لما ~~في الإيحاء من معنى القول، وتأنيث الضمير مع أن النحل مذكر للحمل على ~~معنى الجمع أو لأنه جمع نحلة، والتأنيث لغة أهل الحجاز { من ~~الجبال بيوتا } أي أوكارا مع ما فيها من الخلايا، وقرىء بيوتا ~~بكسر الباء { ومن الشجر ومما يعرشون } أي يعرشه الناس ~~أي يرفعه من كرم أو سقف، وقيل: المراد به ما يرفعه الناس ويبنونه ~~للنحل، والمعنى اتخذي لنفسك بيوتا من الجبال والشجر إذا لم يكن لك ~~أرباب وإلا فاتخذي ما يعرشونه لك، وإيراد حرف التبعيض لما ms1896 أنها لا ~~تبنى في كل جبل وفي كل شجر وكل عرش ولا في كل مكان منها. # { ثم كلى من كل الثمرت } من كل ثمرة تشتهينها حلوها ~~ومرها { فاسلكى } ما أكلت منها { سبل ربك } أي مسالكه ~~التي برأها بحيث يحيل فيها بقدرته القاهرة النور المر عسلا من ~~أجوافك أو فاسلكي الطرق التي ألهمك في عمل العسل أو فاسلكي راجعة إلى ~~بيوتك سبل ربك لا تتوعر عليك ولا تلتبس { ذللا } جمع ذلول وهو حال ~~من السبل أي مذللة غير متوعرة ذللها الله سبحانه وسهلها لك، أو من ~~الضمير في اسلكي أي اسلكي منقادة لما أمرت به { يخرج من ~~بطونها } استئناف عدل به عن خطاب النحل لبيان ما يظهر منها من ~~تعاجيب صنع الله تعالى التي هي موضع العبرة بعد ما أمرت بما أمرت { ~~شراب } أي عسل لأنه مشروب، واحتج به وبقوله تعالى: { كلى } من زعم ~~أن النحل تأكل الأزهار والأوراق العطرة فتستحيل في بطنها عسلا ثم ~~تقيء ادخارا للشتاء، ومن زعم أنها تلتقط بأفواهها أجزاء قليلة حلوة ~~صغيرة متفرقة على الأزهار والأوراق وتضعها في بيوتها، فإذا اجتمع فيها ~~شيء كثير يكون عسلا فسر البطون بالأفواه { مختلف ألوانه ~~} أبيض وأسود وأصفر وأحمر حسب اختلاف سن النحل أو الفصل أو الذي ~~أخذت منه العسل { فيه شفآء للناس } إما بنفسه كما في الأمراض ~~البلغمية أو مع غيره كما في سائر الأمراض، إذ قلما يكون معجون لا يكون ~~فيه عسل، مع أن التنكير فيه مشعر بالتبعية، ويجوز كونه للتفخيم، وعن ~~قتادة # " أن رجلا جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إن أخي يشتكي ~~بطنه، فقال عليه الصلاة والسلام: «اسقه العسل» فذهب ثم رجع فقال: قد ~~سقيته فما نفع، فقال: «اذهب فاسقه عسلا فقد صدق الله وكذب بطن ~~أخيك» فسقاه فبرىء كأنما أنشط من عقال " # ، وقيل: الضمير للقرآن أو لما بين الله تعالى من أحوال النحل. وعن ~~ابن مسعود رضي الله عنه: # " العسل شفاء لكل داء، والقرآن شفاء لما في الصدور " # " فعليكم بالشفاءين العسل والقرآن ms1897 " # { إن فى ذلك } الذي ذكر من أعاجيب آثار قدرة الله تعالى { ~~لآية } عظيمة { لقوم يتفكرون } فإن من تفكر في اختصاص ~~النحل بتلك العلوم الدقيقة والأفعال العجيبة المشتملة على حسن ~~الصنعة وصحة القسمة التي لا يقدر عليها حذاق المهندسين إلا بآلات ~~دقيقة وأدوات أنيقة وأنظار دقيقة، جزم قطعا بأن له خالقا قادرا ~~حكيما يلهمها ذلك ويهديها إليه جل جلاله. ### || [16.70] # { والله خلقكم } لما ذكر سبحانه من عجائب أحوال ما ذكر من ~~الماء والنبات والأنعام والنحل أشار إلى بعض عجائب أحوال البشر من أول ~~عمره إلى آخره وتطوراته فيما بين ذلك وقد ضبطوا مراتب العمر في ~~أربع: الأولى سن النشوء والنماء، والثانية سن الوقوف وهي سن الشباب، ~~والثالثة سن الانحطاط القليل وهي سن الكهولة، والرابعة سن الانحطاط ~~الكبير وهي سن الشيخوخة { ثم يتوفكم } حسبما تقتضيه ~~مشيئته المبنية على حكم بالغة بآجال مختلفة أطفالا وشبابا وشيوخا ~~{ ومنكم من يرد } قبل توفيه أي يعاد { إلى أرذل ~~العمر } أي أخسه وأحقره وهو خمس وسبعون سنة على ما روي عن علي ~~رضي الله عنه، وتسعون سنة على ما نقل عن قتادة رضي الله عنه، وقيل: خمس ~~وتسعون، وإيثار الرد على الوصول والبلوغ ونحوهما للإيذان بأن بلوغه ~~والوصول إليه رجوع في الحقيقة إلى الضعف بعد القوة كقوله تعالى: # ومن نعمره ننكسه فى الخلق # [يس، الآية 68] ولا عمر أسوأ حالا من عمر الهرم الذي يشبه الطفل ~~في نقصان العقل والقوة { لكيلا يعلم بعد علم } كثير { ~~شيئا } من العلم أو من المعلومات أو لكيلا يعلم شيئا بعد علم بذلك ~~الشيء، وقيل: لئلا يعقل بعد عقله الأول شيئا { إن الله عليم ~~} بمقادير أعماركم { قدير } على كل شيء يميت الشاب النشيط ويبقي ~~الهرم الفاني، وفيه تنبيه على أن تفاوت الآجال ليس إلا بتقدير ~~قادر حكيم ركب أبنيتهم وعدل أمزجتهم على قدر معلوم ولو كان ذلك مقتضى ~~الطبائع لما بلغ التفاوت هذا المبلغ. ### || [16.71-72] # { والله فضل بعضكم على بعض فى الرزق } أي جعلكم ~~متفاوتين فيه فأعطاكم منه أفضل مما أعطى مماليككم { فما ms1898 الذين ~~فضلوا } فيه على غيرهم { برآدى رزقهم } الذي رزقهم الله { ~~على ما ملكت أيمنهم } على مماليكهم الذين هم شركاؤهم في ~~المخلوقية والمرزوقية { فهم } أي الملاك والمماليك { فيه } أي في ~~الرزق { سوآء } أي لا يردونه عليهم بحيث يساوونهم في التصرف ويشاركونهم ~~في التدبير، والفاء للدلالة على ترتيب التساوي على الرد أي لا يردونه ~~عليهم ردا مستتبعا للتساوي، وإنما يردون عليهم منه شيئا يسيرا فحيث ~~لا يرضون بمساواة مماليكهم لأنفسهم وهم أمثالهم في البشرية ~~والمخلوقية لله عز سلطانه في شيء لا يختص بهم بل يعمهم وإياهم من ~~الرزق الذي هم أسوة لهم في استحقاقه، فما بالهم يشركون بالله سبحانه ~~وتعالى فيما لا يليق إلا به من الألوهية والمعبودية الخاصة بذاته ~~تعالى لذاته بعض مخلوقاته الذي هو بمعزل من درجة الاعتبار وهذا كما ~~ترى مثل ضرب لكمال قباحة ما فعله المشركون تقريعا عليهم كقوله ~~تعالى: # هل لكم مما ملكت أيمنكم من شركاء فيما ~~رزقنكم فأنتم فيه سواء # [الروم، الآية 128] الآية { أفبنعمة الله يجحدون } حيث ~~يفعلون ما يفعلون من الإشراك فإن ذلك يقتضي أن يضيفوا نعم الله سبحانه ~~الفائضة عليهم إلى شركائهم ويجحدوا كونها من عند الله تعالى، أو حيث ~~أنكروا أمثال هذه الحجج البالغة بعد ما أنعم الله بها عليهم، والباء ~~لتضمين الجحود معنى الكفر نحو # وجحدوا بها # [النمل: 14] والفاء للعطف على مقدر وهي داخلة في المعنى على الفعل أي ~~أيشركون به فيجحدون نعمته، وقرىء تجحدون على الخطاب، أو ليس الموالي ~~برادي رزقهم على مماليكهم بل أنا الذي أرزقهم وإياهم فلا يحسبوا أنهم ~~يعطونهم شيئا وإنما هو رزقي أجريه على أيديهم فهم جميعا في ذلك سواء ~~لا مزية لهم على مماليكهم، ألا يفهمون ذلك فيجحدون نعمة الله؟ فهو رد ~~على زعم المفضلين أو على فعلهم المؤذن بذلك أو ما المفضلون برادي ~~بعض فضلهم على مماليكهم فيتساووا في ذلك جميعا مع أن التفضيل ليس إلا ~~ليبلوهم أيشكرون أم يكفرون، ألا يعرفون ذلك فيجحدون نعمة الله تعالى؟ ~~كأنه قيل: فلم يردوه عليهم، والجملة الاسمية للدلالة ms1899 على استمرارهم على ~~عدم الرد. يحكى عن أبي ذر رضي الله عنه أنه سمع رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يقول: # " إنما هم إخوانكم فاكسوهم مما تلبسون وأطعموهم مما تطعمون " # فما رؤي عبده بعد ذلك إلا ورداؤه رداؤه وإزاره إزاره من غير تفاوت. # { والله جعل لكم من أنفسكم } أي من جنسكم { أزوجا ~~} لتأنسوا بها وتقيموا بذلك جميع مصالحكم ويكون أولادكم أمثالكم، ~~وقيل: هو خلق حواء من ضلع آدم عليه الصلاة والسلام { وجعل ~~لكم من أزوجكم } وضع الظاهر موضع المضمر للإيذان بأن المراد ~~جعل لكل منكم من زوجه لا من زوج غيره { بنين } وبأن نتيجة الأزواج هو ~~التوالد { وحفدة } جمع حافد وهو الذي يسرع في الخدمة والطاعة، ~~ومنه قول القانت: «وإليك نسعى ونحفد» أي جعل لكم خدما يسرعون في خدمتكم ~~وطاعتكم. # وقيل: المراد بهم أولاد الأولاد، وقيل: البنات عبر عنهن بذلك ~~إيذانا بوجه المنة بأنهن يخدمن البيوت أتم خدمة، وقيل: أولاد ~~المرأة من الزوج الأول، وقيل: البنون، والعطف لاختلاف الوصفين، وقيل: ~~الأختان على البنات، وتأخير المنصوب في الموضعين عن المجرور لما مر من ~~التشويق وتقديم المجرور باللام على المجرور بمن للإيذان من أول الأمر ~~بعود منفعة الجعل إليهم إمدادا للتشويق وتقوية له، أي جعل لمصلحتكم ~~مما يناسبكم أزواجا وجعل لمنفعتكم من جهة مناسبة لكم بنين وحفدة { ~~ورزقكم من الطيبات } من اللذائذ أو من الحلالات، ومن للتبعيض ~~إذ المرزوق في الدنيا أنموذج لما في الآخرة { أفبالبطل ~~يؤمنون } وهو أن الأصنام تنفعهم وأن البحائر ونحوها حرام والفاء ~~في المعنى داخلة على الفعل وهي للعطف على مقدر أي أيكفرون بالله الذي ~~شأنه هذا فيؤمنون بالباطل؟ أو أبعد تحقق ما ذكر من نعم الله تعالى ~~بالباطل أو أبعد تحقق ما ذكر من نعم الله تعالى بالباطل يؤمنون دون الله ~~سبحانه { وبنعمت الله } تعالى الفائضة عليهم مما ذكر ومما لا ~~يحيط به دائرة البيان { هم يكفرون } حيث يضيفونها إلى الأصنام، ~~وتقديم الصلة على الفعل للاهتمام أو لإيهام الاختصاص مبالغة أو لرعاية ~~الفواصل، والالتفات إلى الغيبة للإيذان ms1900 باستيجاب حالهم للإعراض عنهم ~~وصرف الخطاب إلى غيرهم من السامعين تعجيبا لهم مما فعلوه. ### || [16.73-75] # { ويعبدون من دون الله } لعله عطف على يكفرون داخل تحت ~~الإنكار التوبيخي، أي أيكفرون بنعمة الله ويعبدون من دونه { ما لا ~~يملك لهم رزقا من السموات والأرض شيئا } إن ~~جعل الرزق مصدرا فشيئا نصب على المفعولية منه أي ما لا يقدر على أن ~~يرزقهم شيئا لا من السموات مطرا ولا من الأرض نباتا، وإن جعل اسما ~~للمرزوق فنصب على البدلية منه بمعنى قليلا، ومن السموات والأرض صفة ~~لرزقا أي كائنا منهما ويجوز كونه تأكيدا للا يملك أي لا يملك رزقا ~~ما شيئا من الملك { ولا يستطيعون } أن يملكوه إذ لا استطاعة ~~لهم رأسا لأنها موات لا حراك بها، فالضمير للآلهة ويجوز أن يكون ~~للكفرة على معنى أنهم مع كونهم أحياء متصرفين في الأمور لا يستطيعون من ~~ذلك شيئا فكيف بالجماد الذي لا حس به. # { فلا تضربوا لله الأمثال } التفات إلى الخطاب للإيذان ~~بالاهتمام بشأن النهي أي لا تشركوا به شيئا، والتعبير عن ذلك بضرب ~~المثل للقصد إلى النهي عن الإشراك به تعالى في شأن من الشؤون، فإن ضرب ~~المثل مبناه تشبيه حالة بحالة وقصة بقصة أي لا تشبهوا بشأنه تعالى ~~شأنا من الشؤون، واللام مثلها في قوله تعالى: # ضرب الله مثلا للذين كفروا امرأت نوح # [التحريم، الآية 10] # وضرب الله مثلا للذين ءامنوا امرأة فرعون # [التحريم، الآية 11] لا مثلها في قوله تعالى: { واضرب لهم ~~مثلا أصحب القرية } ونظائره، والفاء للدلالة على ترتب ~~النهي على ما عده من النعم الفائضة عليهم من جهته سبحانه، وكون ما ~~يشركون به تعالى بمعزل من أن يملك لهم من إمطار السموات والأرض شيئا من ~~رزق ما، فضلا عما فصل من نعمة الخلق والتفضيل في الرزق ونعمة الأزواج ~~والأولاد { أن الله يعلم } تعليل للنهي المذكور ووعيد على ~~المنهي عنه، أي إنه تعالى يعلم كنه ما تأتون وما تذرون وأنه في غاية ~~العظم والقبح { وأنتم لا تعلمون } ذلك وإلا لما فعلتموه أو ~~أنه ms1901 تعالى يعلم كنه الأشياء وأنتم لا تعلمونه فدعوا رأيكم وقفوا ~~مواقف الامتثال لما ورد عليكم من الأمر والنهي، ويجوز أن يراد فلا ~~تضربوا لله الأمثال إن الله يعلم كيف تضرب الأمثال وأنتم لا تعلمون ~~ذلك فتقعون فيما تقعون فيه من مهاوي الردى والضلال ثم علمهم كيفية ضرب ~~الأمثال في هذا الباب فقال: # { ضرب الله مثلا } أي ذكر وأورد شيئا يستدل به على تباين ~~الحال بين جنابه عز وجل وبين ما أشركوا به، وعلى تباعدهما بحيث ينادى ~~بفساد ما ارتكبوه نداء جليا { عبدا مملوكا لا يقدر على ~~شىء } بدل من مثلا وتفسير له، والمثل في الحقيقة حالته العارضة ~~له من المملوكية والعجز التام، وبحسبها ضرب نفسه مثلا، ووصف العبد ~~بالمملوكية للتمييز عن الحر لاشتراكهما في كونهما عبدين لله سبحانه وقد ~~أدمج فيه أن الكل عبيد له تعالى، وبعدم القدرة لتمييزه عن المكاتب ~~والمأذون اللذين لهما التصرف في الجملة، وفي إبهام المثل أولا ثم ~~بيانه بما ذكر ما لا يخفى من الفخامة والجزالة { ومن رزقناه } ~~من موصوفة معطوفة على عبدا أي رزقناه بطريق الملك، والالتفات إلى ~~التكلم للإشعار باختلاف حالي ضرب المثل والرزق { منا } من جنابنا ~~الكبير المتعالي { رزقا حسنا } حلالا طيبا أو مستحسنا عند ~~الناس مرضيا { فهو ينفق منه } تفضلا وإحسانا، والفاء ~~لترتيب الإنفاق على الرزق كأنه قيل: ومن رزقناه منا رزقا حسنا فأنفق، ~~وإيثار ما عليه النظم الكريم من الجلمة الاسمية الفعلية الخبر ~~للدلالة على ثبات الإنفاق واستمراره التجددي { سرا وجهرا } أي ~~حال السر والجهر أو إنفاق سر وإنفاق جهر، والمراد بيان عموم ~~إنفاقه للأوقات وشمول إنعامه لمن يجتنب عن قبوله جهرا، والإشارة إلى ~~أصناف نعم الله تعالى الباطنة والظاهرة وتقديم السر على الجهر ~~للإيذان بفضله عليه، والعدول عن تطبيق القرينيتن بأن يقال وحرا ~~مالكا للأموال مع كونه أدل على تباين الحال بينه وبين قسميه ~~لتوخي تحقيق الحق بأن الأحرار أيضا تحت ربقة عبوديته سبحانه ~~وتعالى وأن مالكيتهم لما يملكونه ليست إلا بأن يرزقهم الله تعالى إياه ~~من غير أن ms1902 يكون لهم مدخل في ذلك مع محاولة المبالغة في الدلالة على ما ~~قصد بالمثل من تباين الحال بين الممثلين فإن العبد المملوك حيث لم ~~يكن مثل العبد المالك فما ظنك بالجماد ومالك الملك خلاق العالمين. # { هل يستوون } جمع الضمير للإيذان بأن المراد بما ذكر من اتصف ~~بالأوصاف المذكورة من الجنسين المذكورين لا فردان معينان منهما أي يستوي ~~العبيد والأحرار الموصوفون بما ذكر من الصفات مع أن الفريقين سيان في ~~البشرية والمخلوقية لله سبحانه وأن ما ينفقه الأحرار ليس مما لهم دخل ~~في إيجاده ولا في تملكه بل هو مما أعطاه الله تعالى إياهم فحيث لم يستو ~~الفريقان فما ظنكم برب العالمين حيث تشركون به ما لا ذليل أذل منه ~~وهو الأصنام { الحمد لله } أي كله له لأنه مولى جميع النعم لا ~~يستحقه أحد غيره وإن ظهرت على أيدي بعض الوسايط فضلا عن استحقاق ~~العبادة، وفيه إرشاد إلى ما هو الحق من أن ما يظهر على يد من ينفق ~~مما ذكر ارجع إليه سبحانه كما لوح به قوله تعالى: { رزقناه } { ~~بل أكثرهم لا يعلمون } ما ذكر فيضيفون نعمه تعالى إلى ~~غيره ويعبدونه لأجلها، ونفي العلم عن أكثرهم للإشعار بأن بعضهم يعلمون ~~ذلك وإنما لا يعملون بموجبه عنادا كقوله تعالى: # يعرفون نعمت الله ثم ينكرونها وأكثرهم ~~الكفرون # [النحل، الآية 83]. ### || [16.76-77] # { وضرب الله مثلا } أي مثلا آخر يدل على ما دل عليه المثل ~~السابق على وجه أوضح وأظهر وبعد ما أبهم ذلك لتنتظر النفس إلى وروده ~~وتترقبه حتى يتمكن لديها عند وروده (فضل تمكن) بين فقيل: { ~~رجلين أحدهما أبكم } وهو من ولد أخرس { لا يقدر ~~على شىء } من الأشياء المتعلقة بنفسه أو بغيره بحدس أو فراسة ~~لقلة فهمه وسوء إدراكه { وهو كل } ثقل وعيال { على ~~مولاه } على من يعوله ويلي أمره، وهذا بيان لعدم قدرته على إقامة ~~مصالح نفسه بعد ذكر عدم قدرته على شيء مطلقا، وقوله تعالى: { ~~أينما يوجهه } أي حيث يرسله مولاه في أمر، بيان لعدم قدرته ~~على إقامة مصالح مولاه ms1903 ولو كانت مصلحة يسيرة، وقرىء على البناء للمفعول ~~وعلى صيغة الماضي من التوجه { لا يأت بخير } بنجح وكفاية ~~مهم البتة. # { هل يستوى هو } مع ما فيه من الأوصاف المذكورة { ومن ~~يأمر بالعدل } أي من هو منطيق فهم ذو رأي وكفاية ورشد ~~ينفع الناس بحثهم على العدل الجامع لمجامع الفضائل { وهو } في نفسه ~~مع ما ذكر من نفعه العام للخاص والعام { على صرط مستقيم } ~~ومقابلة الصفات المذكورة عدم استحقاق المأمورية، وملخص هذين ~~استحقاق كمال الآمرية المستتبع لحيازة المحاسن بأجمعها، وتغيير ~~الأسلوب حيث لم يقل: والآخر آمر بالعدل الآية، لمراعاة الملاءمة بينه ~~وبين ما هو المقصود من بيان التباين بين القرينتين. واعلم أن كلا ~~من الفعلين ليس المراد بهما حكاية الضرب الماضي بل المراد إنشاؤه ~~بما ذكر عقيبه، ولا يبعد أن يقال: إن الله تعالى ضرب مثلا بخلق ~~الفريقين على ما هما عليه فكان خلقهما كذلك للاستدلال بعدم تساويهما على ~~امتناع التساوي بينه سبحانه وبين ما يشركون، فيكون كل من الفعلين ~~حكاية للضرب الماضي. # { ولله } تعالى خاصة لا لأحد غيره استقلالا ولا اشتراكا { ~~غيب السموات والأرض } أي الأمور الغائبة عن علوم ~~المخلوقين قاطبة بحيث لا سبيل لهم إليها لا مشاهدة ولا استدلالا، ~~ومعنى الإضافة إليهما التعلق بهما إما باعتبار الوقوع فيهما حالا أو ~~مآلا وإما باعتبار الغيبة عن أهلهما، والمراد بيان الاختصاص به ~~تعالى من حيث المعلومية حسبما ينبىء عنه عنوان الغيبية لا من حيث ~~المخلوقية والمملوكية وإن كان الأمر كذلك في نفس الأمر، وفيه إشعار ~~بأن علمه سبحانه حضوري فإن تحقق الغيوب في أنفسها علم بالنسبة إليه ~~تعالى، ولذلك لم يقل: ولله علم غيب السموات والأرض { وما أمر ~~الساعة } التي هي أعظم ما وقع في المماراة من الغيوب المتعلقة بهما ~~من حيث غيبتها عن أهلهما أو ظهور آثارها فيهما عند وقوعها، فأن وقت ~~وقوعها بعينه من الغيوب المختصة به سبحانه وإن كانت آنيتها من الغيوب ~~التي نصبت عليها الأدلة، أي ما شأنها في سرعة المجيء { إلا كلمح ~~البصر } أي كرجع الطرف ms1904 من أعلى الحدقة إلى أسفلها { أو هو } أي ~~بل أمرها فيما ذكر { أقرب } من ذلك وأسرع زمانا بأن يقع في بعض ~~من زمانه، فإن ذلك وإن قصر حركة آنية لها هوية اتصالية ~~منطبقة على زمان له هوية كذلك قابل للانقسام إلى أبعاض هي أزمنة ~~أيضا، بل في آن غير منقسم من ذلك الزمان وهو آن ابتداء تلك الحركة، ~~أو ما أمرها إلا كالشيء الذي يستقرب ويقال: هو كلمح البصر، أو هو أقرب. # وأيا ما كان فهو تمثيل لسرعة مجيئها حسبما عبر عنها في فاتحة السورة ~~الشريفة بالإتيان. # { إن الله على كل شىء قدير } ومن جملة الأشياء أن يجيء ~~بها أسرع ما يكون فهو قادر على ذلك، أو وما أمر إقامة الساعة التي ~~كنهها وكيفيتها من الغيوب الخاصة به سبحانه، وهي إماتة الأحياء ~~وإحياء الأموات من الأولين والآخرين، وتبديل صور الأكوان أجمعين، وقد ~~أنكرها المنكرون وجعلوها من قبيل ما لا يدخل تحت الإمكان في سرعة ~~الوقوع وسهولة التأتي إلا كلمح البصر أو هو أقرب على ما مر من ~~الوجهين إن الله على كل شيء قدير فهو قادر على ذلك لا محالة، وقيل: غيب ~~السموات والأرض عبارة عن يوم القيامة بعينه لما أن علمه بخصوصه غائب عن ~~أهلهما، فوضع الساعة موضع الضمير لتقوية مضمون الجملة. ### || [16.78] # { والله أخرجكم من بطون أمهتكم } عطف على قوله ~~تعالى: # والله جعل لكم من أنفسكم أزواجا # [النحل، الآية 72] منتظم معه في سلك أدلة التوحيد من قوله تعالى: # والله أنزل من السماء مآء # [النحل، الآية 65] وقوله تعالى: # والله خلقكم # [النحل، الآية 70] وقوله تعالى: # والله فضل بعضكم على بعض # [النحل، الآية 71] والأمهات بضم الهمزة وقرىء بكسرها أيضا جمع ~~الأم زيدت الهاء فيه كما زيدت في أهراق من أراق وشذت زيادتها في ~~الواحدة، قال: [الرجز] # أمهتي خندف والياس أبي # { لا تعلمون شيئا } في موقع الحال أي غير عالمين شيئا أصلا ~~{ وجعل لكم السمع والأبصر والأفئدة } عطف على ~~(أخرجكم) وليس فيه دلالة على تأخر الجمع المذكور عن الإخراج لما أن ~~مدلول ms1905 الواو هو الجمع مطلقا لا الترتيب، على أن أثر ذلك الجعل لا ~~يظهر قبل الإخراج أي جعل لكم هذه الأشياء آلات تحصلون بها العلم ~~والمعرفة بأن تحسوا بمشاعركم جزئيات الأشياء وتدركوها بأفئدتكم ~~وتتنبهوا لما بينها من المشاركات والمباينات بتكرر الإحساس فيحصل لكم ~~علوم بديهية تتمكنون بالنظر فيها من تحصيل العلوم الكسبية. والأفئدة ~~جمع فؤاد وهو وسط القلب وهو للقلب كالقلب من الصدر، وهو من جموع القلة ~~التي جرت مجرى جموع الكثرة، وتقديم المجرور على المنصوبات لما مر من ~~الإيذان من أول الأمر بكون المجعول نافعا لهم وتشويق النفس إلى المؤخر ~~ليتمكن عند وروده عليها فضل تمكن { لعلكم تشكرون } كي ~~تعرفوا ما أنعم به عليكم طورا غب طور فتشكروه، وتقديم السمع على ~~البصر لما أنه طريق تلقي الوحي أو لأن إدراكه أقدم من إدراك البصر، ~~وإفراده باعتبار كونه مصدرا في الأصل. ### || [16.79-80] # { ألم يروا } وقرىء بالتاء { إلى الطير } جمع طائر أي ألم ~~ينظروا إليها { مسخرت } مذللات للطيران بما خلق لها من الأجنحة ~~والأسباب المساعدة له، وفيه مبالغة من حيث إن معنى التسخير جعل الشيء ~~منقادا لآخر يتصرف فيه كيف يشاء كتسخير البحر والفلك والدواب ~~للإنسان، والواقع ههنا تسخير الهواء للطير لتطير فيه كيف تشاء فكان ~~مقتضى طبيعة الطير السقوط فسخرها الله تعالى للطيران، وفيه تنبيه ~~على أن الطيران ليس بمقتضى طبع الطير بل ذلك بتسخير الله تعالى { فى ~~جو السمآء } أي في الهواء المتباعد من الأرض والسكاك واللوح أبعد ~~منه، وإضافته إلى السماء لما أنه في جانبها من الناظر ولإظهار كمال ~~أجل القدرة. # { ما يمسكهن } في الجو حين قبض أجنحتهن وبسطها ووقوفهن { ~~إلا الله } عز وجل بقدرته الواسعة، فإن ثقل جسدها ورقة قوام ~~الهواء يقتضيان سقوطها ولا علاقة من فوقها ولا دعامة من تحتها، وهو ~~إما حال من الضمير المستتر في مسخرات أو من الطير وإما مستأنف { إن ~~فى ذلك } الذي ذكر من تسخير الطير للطيران بأن خلقها خلقة تتمكن ~~بها منه بأن جعل لها أجنحة خفيفة وأذنابا كذلك وجعل أجسادها ms1906 من الخفة ~~بحيث إذا بسطت أجنحتها وأذنابها لا يطيق ثقلها يخرق ما تحتها من الهواء ~~الرقيق القوام وتخرق ما بين يديها من الهواء لأنها لا تلاقيه بحجم كبير ~~{ لآيات } ظاهرة { لقوم يؤمنون } أي من شأنهم أن يؤمنوا وإنما ~~خص ذلك بهم لأنهم المنتفعون به. # { والله جعل لكم } معطوف على ما مر وتقديم لكم على ما سيأتي من ~~المجرور والمنصوب لما مر من الإيذان من أول الأمر بأنه لمصلحتهم ومنفعتهم ~~لتشويق النفس إلى وروده، وقوله تعالى: { من بيوتكم } أي المعهودة ~~التي تبنونها من الحجر والمدر تبيين ذلك المجعول المبهم في الجملة ~~وتأكيد لما سبق من التشويق { سكنا } فعل بمعنى مفعول أي موضعا ~~تسكنون فيه وقت إقامتكم أو تسكنون إليه من غير أن ينتقل من مكانه، أي ~~جعل بعض بيوتكم بحيث تسكنون إليه وتطمئنون به { وجعل لكم من ~~جلود الأنعم بيوتا } أي بيوتا أخر مغايرة لبيوتكم ~~المعهودة هي الخيام والقباب والأخبية والفساطيط. # { تستخفونها } تجدونها خفيفة سهلة المأخذ { يوم ظعنكم ~~} وقت ترحالكم في النقض والحمل والنقل، وقرىء بفتح العين { ويوم ~~إقمتكم } وقت نزولكم في الضرب والبناء { ومن أصوافها ~~وأوبارها وأشعارها } عطف على قوله تعالى: { من جلود } ~~والضمائر للأنعام على وجه التنويع، أي وجعل لكم من أصواف الضأن وأوبار ~~الإبل وأشعار المعز { أثاثا } أي متاع البيت وأصله الكثرة ~~والاجتماع ومنه شعر أثيث { ومتعا } أي شيئا يتمتع به بفنون ~~التمتع { إلى حين } إلى أن تقضوا منه أوطاركم أو إلى أن يبلى ~~ويفنى فإنه في معرض البلى والفناء، وقيل: إلى أن تموتوا، والكلام في ~~ترتيب المفاعيل مثل ما مر من قبل. ### || [16.81-82] # { والله جعل لكم مما خلق } من غير صنع من قبلكم { ~~ظللا } أشياء تستظلون بها من الحر كالغمام والشجر والجبل وغيرها. ~~امتن سبحانه بذلك لما أن تلك الديار غالبة الحرارة { وجعل لكم ~~من الجبال أكننا } مواضع تسكنون فيها من الكهوف والغيران ~~والسروب، والكلام في الترتيب الواقع بين المفاعيل كالذي مر غير مرة. # { وجعل لكم سرابيل } جمع سربال وهو كل ما يلبس، أي جعل لكم ~~ثيابا ms1907 من القطن والكتان والصوف وغيرها { تقيكم الحر } خصه ~~بالذكر اكتفاء بذكر أحد الضدين عن ذكر الآخر أو لأن وقايته هي الأهم ~~عندهم لما مر آنفا { وسربيل } من الدروع والجواشن { تقيكم ~~بأسكم } أي البأس الذي يصل إلى بعضكم من بعض في الحرب من الضرب ~~والطعن، ولقد من الله سبحانه علينا حيث ذكر جميع نعمه الفائضة على ~~جميع الطوائف فبدأ بما يخص المقيمين حيث قال: # والله جعل لكم من بيوتكم سكنا # [النحل، الآية 80] ثم بما يخص المسافرين ممن لهم قدرة على الخيام ~~وأضرابها حيث قال: { وجعل لكم من جلود الأنعم } الخ، ~~ثم بما يعم من لا يقدر على ذلك ولا يأويه إلا الظلال حيث قال: { ~~وجعل لكم مما خلق ظللا } الخ، ثم بما لا بد منه لأحد ~~حيث قال: { وجعل لكم سرابيل } الخ، ثم بما لا غنى عنه في ~~الحروب حيث قال: { وسربيل تقيكم بأسكم } ثم قال: { كذلك ~~} أي مثل ذلك الإتمام البالغ { يتم نعمته عليكم ~~لعلكم تسلمون } أي إرادة أن تنظروا فيما أسبغ عليكم من النعم ~~الظاهرة والباطنة والأنفسية والآفاقية فتعرفوا حق منعمها فتؤمنوا ~~به وحده وتذروا ما كنتم به تشركون وتنقادوا لأمره، وإفراد النعمة إما ~~لأن المراد بها المصدر أو لإظهار أن ذلك بالنسبة إلى جانب الكبرياء ~~شيء قليل، وقرىء تسلمون أي تسلمون من العذاب أو من الشرك، وقيل: من ~~الجراح بلبس الدروع. # { فإن تولوا } فعل ماض على طريقة الالتفات، وصرف الخطاب عنهم ~~إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم تسلية له أي فإن أعرضوا عن الإسلام ~~ولم يقبلوا منك ما ألقي إليهم من البينات والعبر والعظات { فإنما ~~عليك البلغ المبين } أي فلا قصور من جهتك لأن وظيفتك هي ~~البلاغ الموضح أو الواضح وقد فعلته بما لا مزيد عليه فهو من باب وضع ~~السبب موضع المسبب. ### || [16.83-86] # { يعرفون نعمت الله } استئناف لبيان أن توليهم ~~وإعراضهم عن الإسلام ليس لعدم معرفتهم بما عدد من نعم الله تعالى أصلا ~~فإنهم يعرفونها ويعترفون أنها من الله تعالى { ثم ينكرونها } ~~بأفعالهم حيث يعبدون غير ms1908 منعمها أو بقولهم: إنها بشفاعة آلهتنا أو ~~بسبب كذا، وقيل: نعمة الله تعالى نبوة محمد صلى الله عليه وسلم عرفوها ~~بالمعجزات كما يعرفون أبناءهم ثم أنكروها عنادا، ومعنى ثم استبعاد ~~الإنكار بعد المعرفة لأن حق من عرف النعمة الاعتراف بها لا الإنكار، ~~وإسناد المعرفة والإنكار المتفرع عليها إلى ضمير المشركين على ~~الإطلاق من باب إسناد حال البعض إلى الكل كقولهم: بنو فلان قتلوا ~~فلانا وإنما القاتل واحد منهم، فإن بعضهم ليسوا كذلك لقوله سبحانه: { ~~وأكثرهم الكفرون } أي المنكرون بقلوبهم غير المعترفين بما ~~ذكر، والحكم عليهم بمطلق الكفر المؤذن بالكمال من حيث الكمية لا ينافي ~~كمال الفرقة الأولى من حيث الكيفية. هذا وقد قيل: ذكر الأكثر إما لأن ~~بعضهم لم يعرفوا لنقصان العقل أو التفريط في النظر، أو لم يقم عليه ~~الحجة لأنه لم يبلغ حد التكليف فتدبر. # { ويوم نبعث من كل أمة شهيدا } يشهد لهم بالإيمان ~~والطاعة وعليهم بالكفر والعصيان وهو نبيها { ثم لا يؤذن ~~للذين كفروا } في الاعتذار إذ لا عذر لهم وثم للدلالة على أن ~~ابتلأهم بالمنع عن الاعتذار المنبىء عن الإقناط الكلي وهو عندما ~~يقال لهم: # اخسئوا فيها ولا تكلمون # [المؤمنون، الآية 108] أشد من ابتلائهم بشهادة الأنبياء عليهم السلام ~~عليهم وأطم { ولا هم يستعتبون } يسترضون أي لا يقال لهم: ~~ارضوا ربكم إذ الآخرة دار الجزاء لا دار العمل، وانتصاب الظرف ~~بمحذوف تقديره اذكر أو خوفهم يوم نبعث الخ، أو يوم نبعث بهم ما يحيق ~~مما لا يوصف وكذا قوله تعالى: { وإذا رأى الذين ظلموا ~~العذاب } الذي يستوجبونه بظلمهم وهو عذاب جهنم { فلا يخفف ~~عنهم } ذلك { ولا هم ينظرون } أي يمهلون كقوله تعالى: # بل تأتيهم بغتة فتبهتهم # [الأنبياء، الآية 40]. # { وإذا رءا الذين أشركوا شركآءهم } الذين كانوا ~~يدعونهم في الدنيا وهم الأوثان أو الشياطين الذين شاركوهم في الكفر ~~بالحمل عليه وقارنوهم في الغي والضلال { قالوا ربنا هؤلآء ~~شركآؤنا الذين كنا ندعوا من دونك } أي نعبدهم أو ~~نطيعهم ولعلهم قالوا ذلك طمعا في توزيع العذاب بينهم كما ينبىء عنه ~~قوله ms1909 سبحانه: { فألقوا } أي شركاؤهم { إليهم القول ~~إنكم لكذبون } فإن تكذيبهم إياهم فيما قالوا ليس إلا ~~للمدافعة والتخلص عن غائلة مضمونه، وإنما كذبوهم وقد كانوا يعبدونهم ~~ويطيعونهم لأن الأوثان ما كانوا راضين بعبادتهم لهم فكأن عبادتهم لهم ~~كما قالت الملائكة عليهم السلام: # بل كانوا يعبدون الجن # [سبأ، الآية 41] يعنون أن الجن هم الذين كانوا راضين بعبادتهم لا نحن ~~أو كذبوهم في تسميتهم شركاء وآلهة تنزيها لله سبحانه عن الشريك. ~~والشياطين وإن كانوا راضين بعبادتهم لهم لكنهم لم يكونوا حاملين لهم على ~~وجه القسر والإلجاء كما قال إبليس: # وما كان لى عليكم من سلطن إلا أن دعوتكم ~~فاستجبتم لى # [إبراهيم: 22] فكأنهم قالوا: ما عبدتمونا حقيقة بل إنما عبدتم أهواءكم. ### || [16.87-89] # { وألقوا } أي الذين أشركوا { إلى الله يومئذ ~~السلم } الاستسلام والانقياد لحكمه العزيز الغالب بعد الاستكبار ~~عنه في الدنيا { وضل عنهم } أي ضاع وبطل { ما كانوا ~~يفترون } من أن لله سبحانه شركاء وأنهم ينصرون ويشفعون لهم وذلك ~~حين كذبوهم وتبرؤا منهم. # { الذين كفروا } في أنفسهم { وصدوا } غيرهم { عن سبيل ~~الله } بالمنع عن الإسلام والحمل على الكفر { زدنهم عذابا ~~فوق العذاب } الذي كانوا يستحقونه بكفرهم، قيل في زيادة عذابهم: ~~حيات أمثال البخت وعقارب أمثال البغال تلسع إحداهن فيجد صاحبها ~~حمتها أربعين خريفا، وقيل: يخرجون من النار إلى الزمهرير فيبادرون ~~من شدة البرد إلى النار { بما كانوا يفسدون } متعلق بقوله: ~~زدناهم، أي زدنا عذابهم بسبب استمرارهم على الإفساد وهو الصد المذكور. # { ويوم نبعث } تكرير لما سبق تثنية للتهديد { فى كل ~~أمة شهيدا عليهم } أي نبيا { من أنفسهم } من جنسهم ~~قطعا لمعذرتهم وفي قوله تعالى: { عليهم } إشعار بأن شهادة ~~أنبيائهم على الأمم تكون بمحضر منهم { وجئنا بك } إيثار لفظ ~~المجيء على البعث لكمال العناية بشأنه عليه السلام، وصيغة الماضي ~~للدلالة على تحقق الوقوع { شهيدا على هؤلآء } الأمم وشهدائهم ~~كقوله تعالى: # فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك ~~على هؤلاء شهيدا # [النساء: 41]، وقيل: على أمتك والعامل في الظرف محذوف كما مر والمراد ~~يوم القيامة { ونزلنا ms1910 عليك الكتب } الكامل في الكتابية ~~الحقيق بأن يخص باسم الجنس، وهو إما استئناف أو حال بتقدير قد { ~~تبيانا } بيانا بليغا { لكل شىء } يتعلق بأمور الدين، ومن ~~جملة ذلك أحوال الأمم مع أنبيائهم عليهم السلام فيكون كالدليل على ~~كونه عليه السلام شهيدا عليهم وكذا من جملته ما أخبر به هذه الآية ~~الكريمة من بعث الشهداء وبعثه عليه السلام شهيدا عليهم عليهم الصلاة ~~والسلام، والتبيان كالتلقاء في كسر أوله، وكونه تبيانا لكل شيء من ~~أمور الدين باعتبار أن فيه نصا على بعضها وإحالة لبعضها على السنة حيث ~~أمر باتباع النبي عليه السلام وطاعته، وقيل فيه: # وما ينطق عن الهوى # [النجم: 3] وحثا على الإجماع وقد رضي رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~لأمته باتباع أصحابه حيث قال: # " أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم " # وقد اجتهدوا وقاموا ووطأوا طرق الاجتهاد فكانت السنة والإجماع ~~والقياس مستندة إلى تبيان الكتاب ولم يضر ما في البعض من الخفاء في ~~كونه تبيانا فإن المبالغة باعتبار الكمية دون الكيفية كما قيل في قوله ~~تعالى: # وما أنا بظلم للعبيد # [ق: 29] إنه من قولك: فلان ظالم لعبده وظلام لعبيده ومنه قوله سبحانه: # وما للظلمين من أنصار # [المائدة: 72] { وهدى ورحمة } للعالمين فإن حرمان الكفرة من ~~مغانم آثاره من تفريطهم لا من جهة الكتاب { وبشرى للمسلمين ~~} خاصة أو يكون كل ذلك خاصا بهم لأنهم المنتفعون بذلك. ### || [16.90-91] # { إن الله يأمر } أي فيما نزله تبيانا لكل شيء وهدى ~~ورحمة وبشرى للمسلمين، وإيثار صيغة الاستقبال فيه وفيما بعده لإفادة ~~التجدد والاستمرار { بالعدل } بمراعاة التوسط بين طرفي الإفراط ~~والتفريط وهو رأس الفضائل كلها يندرج تحته فضيلة القوة العقلية ~~الملكية من الحكمة المتوسطة بين الحرية والبلادة، وفضيلة القوة ~~الشهوية البهيمية من العفة المتوسطة بين الخلاعة والخمود، وفضيلة ~~القوة الغضبية السبعية من الشجاعة المتوسطة بين التهور والجبن، فمن ~~الحكم الاعتقادية التوحيد المتوسط بين التعطيل والتشريك. نقل عن ابن ~~عباس رضي الله عنهما: «أن العدل هو التوحيد» والقول بالكسب المتوسط ~~بين الجبر والقدر، ومن الحكم العملية التعبد بأداء الواجبات المتوسط ms1911 ~~بين البطالة والترهب، ومن الحكم الخلقية الجود المتوسط بين البخل ~~والتبذير { والإحسان } أي الإتيان بما أمر به على الوجه اللائق ~~وهو إما بحسب الكمية كالتطوع بالنوافل أو بحسب الكيفية كما يشير إليه ~~قوله صلى الله عليه وسلم: # " الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك " # { وإيتآء ذى القربى } أي إعطاء الأقارب ما يحتاجون إليه، وهو ~~تخصيص إثر تعميم اهتماما بشأنه { وينهى عن الفحشاء } ~~الإفراط في مشايعة القوة الشهوية كالزنى مثلا { والمنكر } ما ~~ينكر شرعا أو عقلا من الإفراط في إظهار آثار القوة الغضبية { ~~والبغى } الاستعلاء والاستيلاء على الناس والتجبر عليهم وهو من ~~آثار القوة الوهمية الشيطانية التي هي حاصلة من رذيلتي القوتين ~~المذكورتين الشهوية والغضبية، وليس في البشر شر إلا وهو مندرج في ~~هذه الأقسام صادر عنه بواسطة هذه القوى الثلاث، ولذلك قال ابن مسعود ~~رضي الله عنه: # " هي أجمع آية في القرآن للخير والشر " # ، ولو لم يكن فيه غير هذه الآية الكريمة لكفت في كونه تبيانا لكل ~~شيء وهدى (ورحمة) { يعظكم } بما يأمر وينهى، وهو إما استئناف وإما ~~حال من الضميرين في الفعلين { لعلكم تذكرون } طلبا لأن ~~تتعظوا بذلك. # { وأوفوا بعهد الله } هو البيعة لرسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فإنها مبايعة لله سبحانه لقوله تعالى: # إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله # [الفتح: 10] { إذا عهدتم } أي حافظوا على حدود ما عاهدتم الله ~~عليه وبايعتم به رسول الله صلى الله عليه وسلم { ولا تنقضوا ~~الأيمن } التي تحلفون بها عند المعاهدة { بعد توكيدها } ~~حسبما هو المعهود في أثناء العهود لا على أن يكون النهي مقيدا ~~بالتوكيد مختصا به { وقد جعلتم الله عليكم كفيلا } ~~شاهدا رقيبا، فإن الكفيل مراع لحال المكفول به محافظ عليه { إن ~~الله يعلم ما تفعلون } من نقض الأيمان والعهود فيجازيكم ~~على ذلك. ### || [16.92-93] # { ولا تكونوا } فيما تصنعون من النقض { كالتى نقضت ~~غزلها } أي ما غزلته، مصدر بمعنى المفعول { من بعد قوة } ~~متعلق بنقضت أي كالمرأة التي نقضت غزلها من بعد إبرامه وإحكامه { ~~أنكثا } طاقات ms1912 نكثت فتلها جمع نكث، وانتصابه على الحالية من ~~غزلها أو على أنه مفعول ثان لنقضت فإنه بمعنى صيرت، والمراد ~~تقبيح حال النقض بتشبيه الناقض بمثل هذه الخرقاء المعتوهة. قيل: هي ~~(ريطة بنت سعد بن تيم) وكانت خرقاء اتخذت مغزلا قدر ذراع ~~وصنارة مثل أصبع وفلكة عظيمة على قدرها فكانت تغزل هي وجواربها من ~~الغداة إلى الظهر ثم تأمرهن فينقضن ما غزلن { تتخذون ~~أيمنكم دخلا بينكم } حال من الضمير في لا تكونوا أو في ~~الجار والمجرور الواقع موقع الخبر أي مشابهين لامرأة شأنها هذا حال ~~كونكم متخذين أيمانكم مفسدة ودخلا بينكم، وأصل الدخل ما يدخل ~~الشيء ولم يكن منه { أن تكون أمة } أي بأن تكون جماعة { هى ~~أربى } أي أزيد عددا وأوفر مالا { من أمة } من جماعة أخرى أي ~~لا تغدروا بقوم لكثرتكم وقلتهم أو لكثرة منابذيهم وقوتهم كقريش، فإنهم ~~كانوا إذا رأوا شوكة في أعادي حلفائهم نقضوا عهدهم وحالفوا أعداءهم { ~~إنما يبلوكم الله به } أي بأن تكون أمة أربى من أمة، أي ~~يعاملكم بذلك معاملة من يختبركم لينظر أتتمسكون بحبل الوفاء بعهد الله ~~وبيعة رسوله عليه السلام أم تغترون بكثرة قريش وشوكتهم وقلة ~~المؤمنين وضعفهم بحسب ظاهر الحال { وليبينن لكم يوم ~~القيمة ما كنتم فيه تختلفون } حين جازاكم بأعمالكم ~~ثوابا وعقابا. # { ولو شاء الله } مشيئة قسر وإلجاء { لجعلكم أمة ~~وحدة } متفقة على الإسلام { ولكن } لا يشاء ذلك لكونه مزاحما ~~لقضية الحكمة بل { يضل من يشاء } إضلاله أي يخلق فيه الضلال ~~حسبما يصرف اختياره الجزئي إليه { ويهدى من يشاء } هدايته ~~حسبما يصرف اختياره إلى تحصيلها { ولتسئلن } جميعا يوم ~~القيامة { عما كنتم تعملون } في الدنيا، وهذا إشارة إلى ما ~~لوح به من الكسب الذي عليه يدور أمر الهداية والضلال. ### || [16.94-96] # { ولا تتخذوا أيمنكم دخلا بينكم } تصريح ~~بالنهي عنه بعد التضمين تأكيدا ومبالغة في بيان قبح المنهي عنه ~~وتمهيدا لقوله سبحانه: { فتزل قدم } عن محجة الحق { بعد ~~ثبوتها } عليها ورسوخها فيها بالإيمان، وإفراد القدم وتنكيرها ~~للإيذان بأن زلل قدم واحدة أي قدم كانت ms1913 عزت أو هانت محذور ~~عظيم فكيف بأقدام كثيرة { وتذوقوا السوء } أي العذاب الدنيوي { ~~بما صددتم } بصدودكم أو بصدكم غيركم { عن سبيل الله } ~~الذين ينتظم الوفاء بالعهود والأيمان، فإن من نقض البيعة وارتد جعل ~~ذلك سنة لغيره { ولكم عذاب عظيم }. # { ولا تشتروا بعهد الله } أي لا تأخذوا بمقابلة عهده ~~تعالى وبيعة رسوله عليه السلام أو آياته الناطقة بإيجاب المحافظة ~~على العهود والأيمان { ثمنا قليلا } أي لا تستبدلوا بها عرضا ~~يسيرا وهو ما كانت قريش يعدون ضعفة المسلمين ويشترطون لهم على ~~الارتداد من حطام الدنيا { إنما عند الله } عز وجل من النصر ~~والتنعيم والثواب الأخروي { هو خير لكم } مما يعدونكم { إن ~~كنتم تعلمون } أي إن كنتم من أهل العلم والتمييز، وهو تعليل ~~للنهي على طريقة التحقيق كما أن قوله تعالى: { ما عندكم } تعليل ~~للخيرية بطريق الاستئناف أي ما تتمتعون به من نعيم الدنيا وإن جل بل ~~الدنيا وما فيها جميعا { ينفد } وإن جم عدده، وينقضي وإن طال أمده ~~{ وما عند الله } من خزائن رحمته الدنيوية والأخروية { باق } ~~لا نفاد له، أما الأخروية فظاهرة وأما الدنيوية فحيث كانت موصولة ~~بالأخروية ومستتبعة لها فقد انتظمت في سمط الباقيات. # وفي إيثار الاسم على صيغة المضارع من الدلالة على الدوام ما لا يخفى، ~~وقوله تعالى: { ولنجزين } بنون العظمة على طريقة الالتفات ~~تكرير الوعد المستفاد من قوله تعالى: { إنما عند الله هو ~~خير لكم } على نهج التوكيد القسمي مبالغة في الحمل على الثبات ~~في الدين، والالتفات عما يقتضيه ظاهر الحال من أن يقال: ولنجزينكم ~~أجركم بأحسن ما كنتم تعملون، للتوسل إلى التعرض لأعمالهم والإشعار ~~بعليتها للجزاء أي والله لنجزين { الذين صبروا } على أذية ~~المشركين ومشاق الإسلام التي من جملتها الوفاء بالعهود والفقر، وقرىء ~~بالياء من غير التفات { أجرهم } مفعول ثان لنجزين أي لنعطينهم ~~أجرهم الخاص بهم بمقابلة صبرهم على ما منوا به من الأمور المذكورة { ~~بأحسن ما كانوا يعملون } أي لنجزينهم بما كانوا يعملونه من ~~الصبر المذكور، وإنما أضيف إليه الأحسن للإشعار بكمال حسنه كما في ~~قوله ms1914 سبحانه: # وحسن ثواب الأخرة # [آل عمران، الآية 148] لا لإفادة قصر الجزاء على الأحسن منه دون ~~الحسن، فإن ذلك مما لا يخطر ببال أحد، لا سيما بعد قوله تعالى: { ~~أجرهم } و { لنجزينهم } بحسب أحسن أفراد أعمالهم على معنى ~~لنعطينهم بمقابلة الفرد الأدنى من أعمالهم المذكورة ما نعطيه بمقابلة ~~الفرد الأعلى منها من الأجر الجزيل لا أنا نعطي الأجر بحسب أفرادها ~~المتفاوتة في مراتب الحسن بأن نجزي الحسن منها بالأجر الحسن ~~والأحسن بالأحسن. # وفيه ما لا يخفى من العهدة الجميلة باغتفار ما عسى يعتريهم في تضاعيف ~~الصبر من بعض جزع، ونظمه في سلك الصبر الجميل، أو لنجزينهم بجزاء ~~أحسن من أعمالهم. # وأما التفسير بما ترجح فعله من أعمالهم كالواجبات والمندوبات أو بما ~~ترجح تركه أيضا كالمحرمات والمكروهات دلالة على أن ذلك هو المدار ~~للجزاء دون ما يستوي فعله وتركه كالمباحات، فلا يساعده مقام الحث ~~على الثبات على ما هم عليه من الأعمال الحسنة المخصوصة والترغيب في ~~تحصيل ثمراتها، بل التعرض لإخراج بعض أعمالهم عن مدارية الجزاء من ~~قبيل تحجير الرحمة الواسعة في مقام توسيع حماها. ### || [16.97-98] # { من عمل صلحا } أي عملا صالحا أي عمل كان، وهذا شروع ~~في تحريض كافة المؤمنين على كل عمل صالح غب ترغيب طائفة منهم في ~~الثبات على ما هم عليه من عمل صالح مخصوص دفعا لتوهم اختصاص الأجر ~~الموفور بهم وبعملهم المذكور وقوله تعالى: { من ذكر أو أنثى } ~~مبالغة في بيان شموله للكل { وهو مؤمن } قيده به إذ لا ~~اعتداد بأعمال الكفرة في استحقاق الثواب أو تخفيف العذاب لقوله تعالى: # وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء ~~منثورا # [الفرقان، الآية 23] وإيثار إيراده بالجملة الاسمية الحالية على نظمه ~~في سلك الصلة لإفادة وجوب دوامه ومقارنته للعمل الصالح { ~~فلنحيينه حيوة طيبة } أما إن كان موسرا فظاهر وأما إن ~~كان معسرا فيطيب عيشه بالقناعة والرضى بالقسمة وتوقع الأجر العظيم ~~كالصائم يطيب نهاره بملاحظة نعيم ليله بخلاف الفاجر، فإنه إن كان ~~معسرا فظاهر وإن كان موسرا فلا يدعه الحرص وخوف ms1915 الفوات أن يتهنأ ~~بعيشه { ولنجزينهم } في الآخرة { أجرهم بأحسن ما ~~كانوا يعملون } حسبما نفعل بالصابرين فليس فيه شائبة تكرار، ~~والجمع في الضمائر العائدة إلى الموصول لمراعاة جانب المعنى كما أن ~~الإفراد فيما سلف لرعاية جانب اللفظ، وإيثار ذلك على العكس لما أن وقوع ~~الجزاء بطريق الاجتماع المناسب للجمعية ووقوع ما في حيز الصلة وما ~~يترتب عليه بطريق الافتراق والتعاقب الملائم للإفراد، وإذ قد انتهى ~~الأمر إلى أن مدار الجزاء المذكور وهو صلاح العمل وحسنه رتب عليه ~~بإلغاء الإرشاد إلى ما به يحسن العمل الصالح ويخلص عن شوب الفساد ~~فقيل: # { فإذا قرأت القرءان } أي إذا أردت قراءته عبر بها عن ~~إرادتها على طريقة إطلاق اسم المسبب على السبب إيذانا بأن المراد هي ~~الإرادة المتصلة بالقراءة { فاستعذ بالله } فاسأله عز جاره ~~أن يعيذك { من الشيطن الرجيم } من وساوسه وخطراته كيلا ~~يوسوسك عند القراءة فإن له همة بذلك، قال تعالى: # وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبى إلا إذا ~~تمنى ألقى الشيطن فى أمنيته # [الحج: 52]، وتوجيه الخطاب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وتخصيص ~~قراءة القرآن من بين الأعمال الصالحة بالاستعاذة عند إرادتها للتنبيه ~~على أنها لغيره عليه الصلاة والسلام وفي سائر الأعمال الصالحة أهم فإنه ~~عليه السلام حيث أمر بها عند قراءة القرآن الذي لا يأتيه الباطل من ~~بين يديه ولا من خلفه فما ظنكم بمن عداه عليه السلام وفيما عدا القراءة ~~من الأعمال والأمر للندب وهذا مذهب الجمهور، وعند عطاء للوجوب وقد أخذ ~~بظاهر النظم الكريم فاستعاذ عقيب القراءة أبو هريرة رضي الله عنه ~~ومالك وابن سيرين وداود وحمزة من القراء، وعن ابن مسعود رضي الله ~~عنه: قرأت على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت: أعوذ بالسميع العليم ~~من الشيطان الرجيم، فقال عليه السلام: # " قل أعوذ بالله من الشيطان الرجيم هكذا أقرأنيه جبريل عليه السلام عن ~~القلم عن اللوح المحفوظ ". ### || [16.99-101] # { إنه } الضمير للشأن أو للشيطان { ليس له سلطان } تسلط ~~وولاية { على الذين ءامنوا وعلى ربهم يتوكلون } ~~أي ms1916 إليه يفوضون أمورهم وبه يعوذون في كل ما يأتون وما يذرون فإن وسوسته ~~لا تؤثر فيهم ودعوته غير مستجابة عندهم، وإيثار صيغة الماضي في الصلة ~~الأولى للدلالة على التحقق كما أن اختيار صيغة الاستقبال في الثانية ~~لإفادة الاستمرار التجددي، وفي التعرض لوصف الربوبية عدة كريمة ~~بإعادة المتوكلين، والجملة تعليل للأمر بالاستعاذة أو لجوابه المنوي ~~أي يعذك أو نحوه. # { إنما سلطنه } أي تسلطه وولايته بدعوته المستتبعة ~~للاستجابة لا سلطانه بالقسر والإلجاء فإنه منتف عن الفريقين لقوله ~~سبحانه حكاية عنه: # وما كان لى عليكم من سلطن إلا أن دعوتكم ~~فاستجبتم لي # [إبراهيم، الآية 22] وقد أفصح عنه قوله تعالى: { على الذين ~~يتولونه } أي يتخذونه وليا ويستجيبون دعوته ويطيعونه فإن ~~المقسور بمعزل من ذلك { والذين هم به } سبحانه وتعالى { ~~مشركون } أو بسبب الشيطان مشركون إذ هو الذي حملهم على الإشراك ~~بالله سبحانه، وقصر سلطانه عليهم غب نفيه عن المؤمنين المتوكلين ~~دليل على أن لا واسطة في الخارج بين التوكل على الله تعالى وبين تولي ~~الشيطان وإن كان بينهما واسطة في المفهوم وأن من لم يتوكل عليه تعالى ~~ينتظم في سلك من يتولى الشيطان من حيث لا يحتسب إذ به يتم التعليل ~~ففيه مبالغة في الحمل على التوكل والتحذير عن مقابله، وإيثار الجملة ~~الفعلية الاستقبالية في الصلة الأولى لما مر من إفادة الاستمرار ~~التجددي كما أن اختيار الجملة الاسمية في الثانية للدلالة على ~~الثبات، وتكرير الموصول للاحتراز عن توهم كون الصلة الثانية حالية ~~مفيدة لعدم دخول غير المشركين من أولياء الشيطان تحت سلطانه، وتقديم ~~الأولى على الثانية التي هي بمقابلة الصلة الأولى فيما سلف لرعاية ~~المقارنة بينها وبين ما يقابلها من التوكل على الله تعالى، ولو ~~روعي الترتيب السابق لانفصل كل من القرينتين عما يقابلها. # { وإذا بدلنآ ءاية مكان ءاية } أي إذا أنزلنا آية من ~~القرآن مكان آية منه وجعلناها بدلا منها بأن نسخناها بها { والله ~~أعلم بما ينزل } أولا وآخرا وبأن كلا من ذلك ما نزلت ~~حيثما نزلت إلا حسبما تقتضيه الحكمة والمصلحة، فإن ms1917 كل وقت له مقتضى ~~غير مقتضى الآخر، فكم من مصلحة في وقت تنقلب في وقت آخر مفسدة ~~وبالعكس، لانقلاب الأمور الداعية إلى ذلك وما الشرائع إلا مصالح ~~للعباد في المعاش والمعاد، تدور حسبما تدور المصالح، والجملة إما ~~معترضة لتوبيخ الكفرة والتنبيه على فساد رأيهم، وفي الالتفات إلى ~~الغيبة مع إسناد الخبر إلى الاسم الجليل المستجمع للصفات ما لا يخفى ~~من تربية المهابة وتحقيق معنى الاعتراض أو حالية وقرىء بالتخفيف من ~~الإنزال { قالوا } أي الكفرة الجاهلون بحكمة النسخ { إنما أنت ~~مفتر } أي متقول على الله تعالى تأمر بشيء ثم يبدو لك فتنهى عنه، ~~وحكاية هذا القول عنهم ههنا للإيذان بأن ذلك كفرة ناشئة من نزغات ~~الشيطان وأنه وليهم { بل أكثرهم لا يعلمون } أي لا ~~يعلمون شيئا أصلا أو لا يعلمون أن في النسخ حكما بالغة، وإسناد ~~هذا الحكم إلى الأكثر لما أن منهم من يعلم ذلك وإنما ينكره عنادا. ### || [16.102-103] # { قل نزله } أي القرآن المدول عليه بالآية { روح القدس } ~~يعني جبريل عليه السلام أي الروح المطهر من الأدناس البشرية، وإضافة ~~الروح إلى القدس وهو الطهر كإضافة حاتم إلى الجود حيث قيل: حاتم ~~الجود للمبالغة في ذلك الوصف كأنه طبع منه، وفي صيغة التفعيل في ~~الموضعين إشعار بأن التدريج في الإنزال مما تقتضيه الحكم البالغة { ~~من ربك } في إضافة الرب إلى ضميره صلى الله عليه وسلم من الدلالة ~~على تحقيق إفاضة آثار الربوبية عليه صلى الله عليه وسلم ما ليس في ~~إضافته إلى ياء المتكلم المبنية على التلقين المحض { بالحق } أي ~~ملتبسا بالحق الثابت الموافق للحكمة المقتضية له بحيث لا يفارقها ~~إنشاء ونسخا، وفيه دلالة على أن النسخ حق { ليثبت الذين ~~ءامنوا } على الإيمان بأنه كلامه تعالى فإنهم إذا سمعوا الناسخ ~~وتدبروا ما فيه من رعاية المصالح اللائقة بالحال رسخت عقائدهم ~~واطمأنت قلوبهم، وقرىء ليثبت من الإفعال { وهدى وبشرى ~~للمسلمين } المنقادين لحكمه تعالى وهما معطوفان على محل ليثبت أي ~~تثبيتا وهداية وبشارة، وفيه تعريض بحصول أضداد الأمور المذكورة ~~لمن سواهم من الكفار. ms1918 # { ولقد نعلم أنهم يقولون } غير ما نقل عنهم من ~~المقالة الشنعاء { إنما يعلمه } أي القرآن { بشر } على طريق ~~البت مع ظهور أنه نزله روح القدس عليه الصلاة والسلام، وتحلية ~~الجملة بفنون التأكيد لتحقيق ما تتضمنه من الوعيد، وصيغة الاستقبال ~~لإفادة استمرار العلم بحسب الاستمرار التجددي في متعلقه فإنهم ~~مستمرون على تفوه تلك العظيمة، يعنون بذلك جبرا الرومي غلام عامر ~~بن الحضرمي، وقيل: جبرا ويسارا كانا يصنعان السيف بمكة ويقرآن ~~التوارة والإنجيل وكان الرسول عليه الصلاة والسلام يمر عليهما ويسمع ~~ما يقرآنه، وقيل: عابسا غلام حويطب بن عبد العزى (كان) قد أسلم ~~وكان صاحب كتب، وقيل: سلمان الفارسي، وإنما لم يصرح باسم من زعموا ~~أنه يعلمه مع كونه أدخل في ظهور كذبهم للإيذان بأن مدار خطابهم ليس ~~نسبته عليه السلام إلى التعلم من شخص معين بل من البشر كائنا من كان ~~مع كونه عليه السلام معدنا لعلوم الأولين والآخرين { لسان الذى ~~يلحدون إليه أعجمى } الإلحاد الإمالة، من ألحد القبر ~~إذا أمال حفره عن الاستقامة فحفر في شق منه ثم استعير لكل إمالة عن ~~الاستقامة فقالوا: ألحد فلان في قوله وألحد في دينه، أي لغة الرجل ~~الذي يميلون إليه القول عن الاستقامة أعجمية غير بينة، وقرىء بفتح ~~الياء والحاء وبتعريف اللسان { وهذا } أي القرآن الكريم { لسان ~~عربى مبين } ذو بيان وفصاحة، والجملتان مستأنفتان لإبطال ~~طعنهم، وتقريره أن القرآن معجز بنظمه كما أنه معجز بمعناه فإن زعمتم ~~أن بشرا يعلمه معناه فكيف يعلمه هذا النظم الذي أعجز جميع أهل ~~الدنيا والتشبث في أثناء الطعن بأذيال أمثال هذه الخرافات الركيكة ~~دليل على كمال عجزهم. ### || [16.104-106] # { إن الذين لا يؤمنون بآيت الله } أي لا يصدقون ~~أنها من عند الله بل يقولون فيها ما يقولون، يسمونها تارة افتراء وأخرى ~~أساطير معلمة من البشر { لا يهديهم الله } إلى الحق أو إلى ~~سبيل النجاة هداية موصلة إلى المطلوب لما عليم أنهم لا يستحقون ذلك ~~لسوء حالهم { ولهم } في الآخرة { عذاب أليم } وهذا تهديد لهم ~~ووعيد على ما هم ms1919 عليه من الكفر بآيات الله تعالى ونسبة رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم إلى الافتراء والتعلم من البشر بعد إماطة شبهتهم ورد ~~طعنهم. # وقوله تعالى: { إنما يفترى الكذب الذين لا يؤمنون ~~بآيت الله } رد لقولهم: إنما أنت مفتر، وقلب للأمر عليهم ~~ببيان أنهم هم المفترون بعد رده بتحقيق أنه منزل من عند الله بواسطة ~~روح القدس، وإنما وسط بينهما قوله تعالى: { ولقد نعلم } ~~الآية، لما لا يخفى من شدة اتصاله بالرد الأول، والمعنى والله تعالى ~~أعلم أن المفتري هو الذي يكذب بآيات الله ويقول إنه افتراء ومعلم ~~من البشر أي تكذيبها على الوجه المذكور هو الافتراء على الحقيقة لأن ~~حقيقته الكذب، والحكم بأن ما هو كلامه تعالى ليس بكلامه تعالى في كونه ~~كذبا وافتراء كالحكم بأن ما ليس بكلامه تعالى كلامه تعالى، والتصريح ~~بالكذب للمبالغة في بيان قبحه، وصيغة المضارع لرعاية المطابقة بينه ~~وبين ما هو عبارة عنه أعني قوله: لا يؤمنون، وقيل: المعنى إنما يفتري ~~الكذب ويليق ويليق ذلك بمن لا يؤمن بآيات الله لأنه لا يترقب عقابا ~~عليه ليرتدع عنه، وأما من يؤمن بها ويخاف ما نطقت به من العقاب فلا يمكن ~~أن يصدر عنه افتراء البتة { وأولئك } الموصوفون بما ذكر من عدم ~~الإيمان بآيات الله { هم الكذبون } على الحقيقة أو الكاملون في ~~الكذب إذ لا كذب أعظم من تكذيب آياته تعالى والطعن فيها بأمثال ~~هاتيك الأباطيل، والسر في ذلك أن الكذب الساذج الذي هو عبارة عن ~~الإخبار بعدم وقوع ما هو واقع في نفس الأمر بخلق الله تعالى أو بوقوع ~~ما لم يقع كذلك مدافعة لله تعالى في فعله فقط، والتكذيب مدافعة له ~~سبحانه في فعله وقوله المنبىء عنه معا، أو الذين عادتهم الكذب لا ~~يزعهم عنه وازع من دين أو مروءة، وقيل: الكاذبون في قولهم: إنما أنت ~~مفتر. # { من كفر بالله } أي تلفظ بكلمة الكفر { من بعد إيمنه ~~} به تعالى، وهو ابتداء كلام لبيان حال من كفر بآيات الله بعدما آمن ~~بها بعد بيان حال من ms1920 لم يؤمن بها رأسا، ومن موصولة ومحلها الرفع ~~على الابتداء، والخبر محذوف لدلالة الخبر الآتي عليه أو هو خبر لهما ~~معا، أو النصب على الذم { إلا من أكره } على ذلك بأمر يخاف ~~على نفسه أو على عضو من أعضائه، وهو استثناء متصل من حكم الغضب ~~والعذاب أو الذم لأن الكفر لغة تتم بالقول كما أشير إليه قوله تعالى: ~~{ وقلبه مطمئن بالإيمن } حال من المستثنى والعامل هو ~~الكفر الواقع بالإكراه، لأن مقارنة اطمئنان القلب بالإيمان للإكراه لا ~~تجدي نفعا، وإنما المجدي مقارنته للكفر الواقع به أي إلا من كفر ~~بإكراه وإلا من أكره فكفر، والحال أن قلبه مطمئن بالإيمان لم تتغير ~~عقيدته، وإنما لم يصرح به إيماء إلى أنه ليس بكفر حقيقة، وفيه دليل ~~على أن الإيمان هو التصديق بالقلب { ولكن من } لم يكن كذلك بل { ~~شرح بالكفر صدرا } أي اعتقده وطاب به نفسا { فعليهم ~~غضب } عظيم لا يكتنه كنهه { من الله } إظهار الاسم الجليل ~~لتربية المهابة وتقوية لعظيم العذاب { ولهم عذاب عظيم } إذ لا ~~جرم أعظم من جرمهم، والجمع في الضميرين المجرورين لمراعاة جانب ~~المعنى كما أن الإفراد في المستكن في الصلة لرعاية جانب اللفظ. # روي # " أن قريشا أكرهوا عمارا وأبويه ياسرا وسمية على الارتداد فأباه ~~أبواه فربطوا سمية بين بعيرين ووجئت بحربة في قبلها، وقالوا: إنما ~~أسلمت من أجل الرجال فقتلوها وقتلوا ياسرا وهما أول قتيلين في ~~الإسلام، وأما عمار فأعطاهم بلسانه ما أكره عليه فقيل: يا رسول الله إن ~~عمارا كفر، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كلا، إن عمارا ملىء ~~إيمانا من قرنه إلى قدمه واختلط الإيمان بلحمه ودمه»، فأتى عمار ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يبكي، فجعل رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يمسح عينيه وقال: «ما لك، إن عادوا لك فعد لهم بما قلت» " # وهو دليل جواز التكلم بكلمة الكفر عند الإكراه الملجىء وإن كان ~~الأفضل أن يتجنب عنه إعزازا للدين كما فعله أبواه. وروي # " أن مسيلمة الكذاب أخذ رجلين فقال لأحدهما: ms1921 ما تقول في محمد؟ قال: ~~رسول الله، قال: فما تقول في؟ قال: فأنت أيضا فخلاه، وقال للآخر: ما ~~تقول في محمد؟ قال: رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: فما تقول في؟ ~~قال: أنا أصم، فأعاد جوابه فبلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: ~~«أما الأول فقد أخذ برخصة وأما الثاني فقد صدع بالحق» ". ### || [16.107-108] # { ذلك } إشارة إلى الكفر بعد الإيمان أو إلى الوعيد المذكور { ~~بأنهم } بسبب أنهم { استحبوا الحيوة الدنيا } ~~آثروها { على الآخرة وأن الله لا يهدى } إلى الإيمان ~~وإلى ما يوجب الثبات عليه هداية قسر وإلجاء { القوم ~~الكفرين } في علمه المحيط فلا يعصمهم عن الزيغ وما يؤدي إليه من ~~الغضب والعذاب العظيم، ولولا أحد الأمرين: إما إيثار الحياة الدنيا ~~على الآخرة وإما عدم هداية الله سبحانه للكافرين هداية قسر بأن آثروا ~~الآخرة على الدنيا أو بأن هداهم الله تعالى هداية قسر، لما كان ذلك ~~لكن الثاني مخالف للحكمة والأول مما لا يدخل تحت الوقوع وإليه أشير ~~بقوله تعالى: # { أولئك } أي أولئك الموصوفين بما ذكر من القبائح { الذين ~~طبع الله على قلوبهم وسمعهم وأبصرهم } فأبت ~~عن إدراك الحق والتأمل فيه { وأولئك هم الغفلون } أي ~~الكاملون في الغفلة إذ لا غفلة أعظم من الغفلة عن تدبر العواقب. ### || [16.109-112] # { لا جرم أنهم فى الآخرة هم الخسرون } إذ ضيعوا ~~أعمارهم وصرفوها إلى ما لا يفضي إلا إلى العذاب المخلد. # { ثم إن ربك للذين هجروا } إلى دار الإسلام وهم ~~عمار وأصحابه رضي الله عنهم، أي لهم بالولاية والنصر لا عليهم كما ~~يوجبه ظاهر أعمالهم السابقة، فالجار والمجرور خبر لإن ويجوز أن ~~يكون خبرها محذوفا فالدلالة الخبر الآتي عليه ويجوز أن يكون ذلك خبرا ~~لها وتكون إن الثانية تأكيدا للأولى، وثم للدلالة على تباعد رتبة ~~حالهم التي يفيدها الاستثناء من مجرد الخروج عن حكم الغضب والعذاب ~~بطريق الإشارة، لا عن رتبة حال الكفرة { من بعد ما فتنوا } أي ~~عذبوا على الارتداد وتلفظوا بما يرضيهم مع اطمئنان قلوبهم بالإيمان، ~~وقرىء على بناء الفاعل أي ms1922 عذبوا المؤمنين كالحضرمي أكره مولاه جبرا ~~حتى ارتد ثم أسلما وهاجرا { ثم جهدوا } في سبيل الله { ~~وصبروا } على مشاق الجهاد { إن ربك من بعدها } من بعد ~~المهاجرة والجهاد والصبر، فهو تصريح بما أشعر به بناء الحكم على ~~الموصول من علية الصلة له أو من بعد الفتنة المذكورة فهو لبيان عدم ~~إخلال ذلك بالحكم { لغفور } لما فعلوا من قبل { رحيم } ينعم ~~عليهم مجازاة على ما صنعوا من بعد، وفي التعرض لعنوان الربوبية في ~~الموضعين إيماء إلى علة الحكم، وفي إضافة الرب إلى ضميره عليه السلام ~~مع ظهور الأثر في الطائفة المذكورة إظهار لكمال اللطف به عليه السلام ~~وإشعار بأن إفاضة آثار الربوبية عليهم من المغفرة والرحمة بواسطته ~~عليه السلام ولكونهم أتباعا له. # { يوم تأتى كل نفس } منصوب برحيم وما رتب عليه، أو باذكر ~~وهو يوم القيامة يوم يقوم الناس لرب العالمين { تجدل عن ~~نفسها } عن ذاتها تسعى في خلاصها بالاعتذار لا يهمها شأن غيرها ~~فتقول نفسي نفسي { وتوفى كل نفس } أي تعطى وافيا كاملا { ~~ما عملت } أي جزاء ما عملت بطريق إطلاق اسم السبب على المسبب ~~إشعارا بكمال الاتصال بين الأجزية والأعمال، وإيثار الإظهار على ~~الإضمار لزيادة التقرير وللإيذان باختلاف وقتي المجادلة والتوفية وإن ~~كانتا في يوم واحد { وهم لا يظلمون } لا ينقصون أجورهم أو لا ~~يعاقبون بغير موجب ولا يزاد في عقابهم على ذنوبهم. # { وضرب الله مثلا قرية } قيل: ضرب المثل صنعه ~~واعتماله، وقد مر تحقيقه في سورة البقرة، ولا يتعدى إلا إلى مفعول ~~واحد وإنما عدي لاثنين لتضمينه معنى الجعل، وتأخير قرية مع كونها ~~مفعولا أولا لئلا يحول المفعول الثاني بينها وبين صفتها وما يترتب ~~عليها، إذ التأخير عن الكل مخل بتجاذب أطراف النظم وتجاوبها، ولأن ~~تأخير ما حقه التقديم مما يورث النفس ترقبا لوروده تشوقا لا سيما ~~إذا كان في المقدم ما يدعو إليه، فإن المثل مما يدعو إلى المحافظة على ~~تفاصيل أحوال ما هو مثل فيتمكن المؤخر عند وروده لديها فضل تمكن، ~~والقرية إما محققة في الغابرين، ms1923 وإما مقدرة أي جعلها مثلا لأهل مكة ~~خاصة، أو لكل قوم أنعم الله تعالى عليهم فأبطرتهم النعمة ففعلوا ما ~~فعلوا فبدل الله تعالى بنعمتهم نقمة ودخل فيهم أهل مكة دخولا أوليا ~~{ كانت ءامنة } ذات أمن من كل مخوف { مطمئنة } لا ~~يزعج أهلها مزعج { يأتيها رزقها } أقوات أهلها، صفة ثانية ~~لقرية وتغيير سبكها عن الصفة الأولى لما أن إتيان رزقها متجدد ~~وكونها آمنة مطمئنة ثابت مستمر { رغدا } واسعا { من كل ~~مكان } من نواحيها. # { فكفرت } أي كفر أهلها { بأنعم الله } أي بنعمه، جمع ~~نعمة على ترك الاعتداد بالتاء كدرع وأدرع، أو جمع نعم كبؤس وأبؤس، ~~والمراد بها نعمة الرزق والأمن المستمر، وإيثار جمع القلة للإيذان ~~بأن كفران نعمة قليلة حيث أوجب هذا العذاب فما ظنك بكفران نعم كثيرة ~~{ فأذاقها الله } أي أذاق أهلها { لباس الجوع والخوف ~~} شبه أثر الجوع والخوف وضررهما المحيط بهم باللباس الغاشي للابس ~~فاستعير له اسمه وأوقع عليه الإذاقة المستعارة لمطلق الإيصال ~~المنبئة عن شدة الإصابة بما فيها من اجتماع إدراكي اللامسة والذائقة ~~على نهج التحرير، فإنها لشيوع استعمالها في ذلك وكثرة جريانها على ~~الألسنة جرت مجرى الحقيقة كقول كثير: [الكامل] # غمر الرداء إذا تبسم ضاحكا # غلقت لضحكته رقاب المال # فإن الغمر مع كونه في الحقيقة من أحوال الماء الكثير لما كان كثير ~~الاستعمال في المعروف المشبه بالماء الكثير جرى مجرى الحقيقة فصارت ~~إضافته إلى الرداء المستعار للمعروف تجريدا. أو شبه أثرهما وضررهما ~~من حيث الإحاطة بهم والكراهة لديهم تارة باللباس الغاشي للابس ~~المناسب للخوف بجامع الإحاطة واللزوم تشبيه معقول بمحسوس فاستعير ~~له اسمه استعارة تصريحية، وأخرى بطعم المر البشع الملائم للجوع ~~الناشىء من فقد الرزق بجامع الكراهة، فأومي إليه بأن أوقع عليه ~~الإذاقة المستعارة لإيصال الضار المنبئة عن شدة الإصابة بما فيها من ~~اجتماع إدراكي اللامسة والذائقة، وتقديم الجوع الناشىء مما ذكر من ~~فقدان الرزق على الخوف المترتب على زوال الأمن المقدم فيما تقدم على ~~إتيان الرزق لكونه أنسب بالإذاقة أو لمراعاة بينها وبين إتيان ~~الرزق، وقد قرىء ms1924 بتقديم الخوف وبنصبه أيضا عطفا على المضاف، أو ~~إقامة له مقام مضاف محذوف وأصله ولباس الخوف { بما كانوا ~~يصنعون } فيما قبل أو على وجه الاستمرار وهو الكفران المذكور أسند ~~ذلك إلى أهل القرية تحقيقا للأمر بعد إسناد الكفران إليها وإيقاع ~~الإذاقة عليها إرادة للمبالغة، وفي صيغة الصنعة إيذان بأن كفران ~~النعمة صار صنعة راسخة لهم وسنة مسلوكة. ### || [16.113-114] # { ولقد جاءهم } من تتمة المثل، جيء بها لبيان أن ما فعلوه من ~~كفران النعم لم يكن مزاحمة منهم لقضية العقل فقط بل كان ذلك معارضة ~~لحجة الله على الخلق أيضا، أي ولقد جاء أهل تلك القرية { رسول ~~منهم } أي من جنسهم يعرفونه بأصله ونسبه فأخبرهم بوجوب الشكر على ~~النعمة وأنذرهم سوء عاقبة ما يأتون وما يذرون { فكذبوه } في ~~رسالته أو فيما أخبرهم به مما ذكر، فالفاء فصيحة وعدم ذكره للإيذان ~~بمفاجأتهم بالتكذيب من غير تلعثم { فأخذهم العذاب } المستأصل ~~لشأفتهم غب ما ذاقوا نبذة من ذلك { وهم ظلمون } أي حال ~~التباسهم بما هم عليه من الظلم الذي هو كفران نعم الله تعالى وتكذيب ~~رسوله غير مقلعين عنه بما ذاقوا من مقدماته الزاجرة عنه، وفيه دلالة ~~على تماديهم في الكفر والعناد وتجاوزهم في ذلك كل حد معتاد. وترتيب ~~العذاب على تكذيب الرسول جرى على سنة الله تعالى حسبما يرشد إليه قوله ~~سبحانه: # وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا # [الإسراء: 15] وبه يتم التمثيل فإن حال أهل مكة سواء ضرب المثل ~~لهم خاصة أو لمن سار سيرتهم كافة محاذية لحال أهل تلك القرية حذو ~~القذة بالقذة من غير تفاوت بينهما ولو في خصلة فذة، كيف لا وقد كانوا ~~في حرم آمن ويتخطف الناس من حولهم وما يمر ببالهم طيف من الخوف وكانت ~~تجبى إليه ثمرات كل شيء، ولقد جاءهم رسول منهم وأي رسول، يحار في ~~إدراك سمو رتبته العقول صلى الله عليه وسلم ما اختلف الدبور والقبور، ~~فكفروا بأنعم الله وكذبوا رسوله عليه السلام فأذاقهم الله لباس الجوع ~~والخوف حيث أصابهم بدعائه عليه السلام بقوله: # " اللهم ms1925 أعني عليهم بسبع كسبع يوسف " # ما أصابهم من جدب شديد وأزمة خصت كل شيء حتى اضطرتهم إلى أكل الجيف ~~والكلاب الميتة والعظام المحرقة والعلهز وهو الوبر المعالج بالدم ~~وقد ضاقت عليهم الأرض بما رحبت من سرايا رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~حيث كانوا يغيرون على مواشيهم وعيرهم وقوافلهم، ثم أخذهم يوم بدر ما ~~أخذهم من العذاب. # هذا هو الذي يقتضيه المقام ويستدعيه حسن النظام، وأما ما أجمع عليه ~~أكثر أهل التفسير من أن الضمير في قوله تعالى: { ولقد جاءهم } ~~لأهل مكة قد ذكر حالهم صريحا بعد ما ذكر مثلهم وأن المراد ~~بالرسول محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم وبالعذاب ما أصابهم من وقعة ~~بدر فبمعزل من التحقيق، كيف لا وقوله سبحانه: { فكلوا مما ~~رزقكم الله } مفرع على نتيجة التمثيل وصد لهم عما يؤدي إلى ~~مثل عاقبته، والمعنى وإذ قد استبان لكم حال من كفر بأنعم الله وكذب ~~رسوله وما حل بهم بسبب ذلك من اللتيا والتي أولا وآخرا فانتهوا عما ~~أنتم عليه من كفران النعم وتكذيب الرسول عليه السلام كيلا يحل بكم ~~مثل ما حل بهم واعرفوا حق نعم الله تعالى وأطيعوا رسوله عليه ~~السلام في أمره ونهيه وكلوا من رزق الله حال كونه { حللا طيبا } ~~وذروا ما تفترون من تحريم البحائر ونحوها { واشكروا نعمت ~~الله } واعرفوا حقها ولا تقابلوها بالكفران، والفاء في المعنى ~~داخلة على الأمر بالشكر وإنما أدخلت على الأمر بالأكل لكون الأكل ~~ذريعة إلى الشكر، فكأنه قيل: فاشكروا نعمة الله غب أكلها حلالا ~~طيبا، وقد أدمج فيه النهي عن زعم الحرمة، ولا ريب في أن هذا إنما ~~يتصور حين كان العذاب المستأصل متوقعا بعد وقد تمهدت مباديه، ~~وبعد ما وقع فمن ذا الذي يحذر ومن ذا الذي يؤمر بالأكل والشكر؟ ~~وحمل قوله تعالى: { فأخذهم العذاب وهم ظلمون } على ~~الإخبار بذلك قبل الوقوع يأباه التصدي لاستصلاحهم بالأمر والنهي، ~~وتوجيه خطاب الأمر بالأكل إلى المؤمنين مع أن ما يتلوه من خطاب النهي ~~متوجه إلى الكفار، كما فعله ms1926 الواحدي حيث قال: فكلوا أنتم يا معشر ~~المؤمنين مما رزقكم الله من الغنائم مما لا يليق بشأن التنزيل الجليل ~~{ إن كنتم إياه تعبدون } أي تطيعون أو إن صح زعمكم أنكم ~~تقصدون بعبادة الآلهة عبادته تعالى. ### || [16.115-116] # { إنما حرم عليكم الميتة والدم ولحم ~~الخنزير ومآ أهل لغير الله به } تعليل لحل ما ~~أمرهم بأكله مما رزقهم، أي إنما حرم هذه الأشياء دون ما تزعمون حرمته ~~من البحائر والسوائب ونحوها { فمن اضطر } بما اعتراه من الضرورة ~~فتناول شيئا من ذلك { غير باغ } أي على مضطر آخر { ولا عاد } ~~أي متجاوز قدر الضرورة { فإن ربك غفور رحيم } أي لا ~~يؤاخذه بذلك، فأقيم سببه مقامه، وفي التعرض لوصف الربوبية إيماء إلى ~~علة الحكم وفي الإضافة إلى ضميره عليه السلام إظهار لكمال اللطف به ~~عليه السلام، وتصدير الجملة بإنما لحصر المحرمات في الأجناس الأربعة ~~إلا ما ضم إليه كالسباع والحمر الأهلية، ثم أكد ذلك بالنهي عن ~~التحريم والتحليل بأهوائهم فقال: { ولا تقولوا لما تصف ~~ألسنتكم } اللام صلة مثلها في قوله تعالى: # ولا تقولوا لمن يقتل فى سبيل الله أموات # [البقرة: 154] أي لا تقولوا في شأن ما تصفه ألسنتكم من البهائم بالحل ~~والحرمة في قولكم: # ما فى بطون هذه الأنعم خالصة لذكورنا ~~ومحرم على أزوجنا # [الأنعام: 139] من غير ترتب ذلك الوصف على ملاحظة وفكر فضلا عن ~~استناده إلى وحي أو قياس مبني عليه { الكذب } منتصب بلا تقولوا، ~~وقوله تعالى: { هذا حلل وهذا حرام } بدل منه ويجوز أن ~~يتعلق بتصف على إرادة القول، أي لا تقولوا لما تصف ألسنتكم فتقول: ~~هذا حلال وهذا حرام، وأن يكون مقول المقدر حالا من ألسنتكم، أي ~~قائلة هذا حلال الخ، ويجوز أن ينتصب الكذب بتصف ويتعلق هذا حلال الخ ~~بلا تقولوا، واللام للتعليل وما مصدرية، أي لا تقولوا: هذا حلال وهذا ~~حرام لوصف ألسنتكم الكذب أي لا تحلوا ولا تحرموا لمجرد وصف ألسنتكم ~~الكذب وتصويرها له بصورة مستحسنة وتزيينها له في المسامع كأن ~~ألسنتكم لكونها منشأ للكذب ومنبعا للزور شخص عالم ms1927 بكنهه ومحيط ~~بحقيقته يصفه للناس ويعرفه أوضح وصف وأبين تعريف، على طريقة ~~الاستعارة بالكناية كما يقال وجهه يصف الجمال وعينه تصف السحر، ~~وقرىء بالجر صفة (لما) مع مدخولها كأنه قيل: لوصفها الكذب بمعنى ~~الكاذب كقوله تعالى: # بدم كذب # [يوسف، الآية 18] والمراد بالوصف وصفها البهائم بالحل والحرمة، وقرىء ~~الكذب جمع كذوب بالرفع صفة للألسنة وبالنصب على الشتم، أو بمعنى ~~الكلم الكواذب، أو هو جمع الكذاب من قولهم: كذب كذابا ذكره ابن جني { ~~لتفتروا على الله الكذب } فإن مدار الحل والحرمة ليس ~~إلا أمر الله تعالى فالحكم بالحل والحرمة إسناد للتحليل والتحريم إلى ~~الله سبحانه من غير أن يكون ذلك منه، واللام لام العاقبة. # { إن الذين يفترون على الله الكذب } في أمر من ~~الأمور { لا يفلحون } لا يفوزون بمطالبهم التي ارتكبوا الافتراء ~~للفوز بها. ### || [16.117-120] # { متع قليل } خبر مبتدأ محذوف أي منفعتهم فيما هم عليه من ~~أفعال الجاهلية منفعة قليلة { ولهم } في الآخرة { عذاب أليم } ~~لا يكتنه كنهه. # { وعلى الذين هادوا } خاصة دون غيرهم من الأولين والآخرين ~~{ حرمنا ما قصصنا عليك } أي بقوله تعالى: # حرمنا كل ذى ظفر ومن البقر والغنم حرمنا ~~عليهم شحومهما # [الأنعام، الآية 146] { من قبل } متعلق بقصصنا أو بحرمنا وهو ~~تحقيق لما سلف من حصر المحرمات فيما فصل بإبطال ما يخالفه من فرية ~~اليهود وتكذيبهم في ذلك فإنهم كانوا يقولون: لسنا أول من حرمت عليه ~~وإنما كانت محرمة على نوح وإبراهيم ومن بعدهما حتى انتهى الأمر ~~إلينا { وما ظلمنهم } بذلك التحريم { ولكن كانوا ~~أنفسهم يظلمون } حيث فعلوا ما عوقبوا عليه حسبما نعى عليهم ~~قوله تعالى: # فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبت ~~أحلت لهم # [النساء، الآية 160]، ولقد ألقمهم الحجر قوله تعالى: # كل الطعام كان حلا لبني إسرائيل إلا ما ~~حرم إسرائيل على نفسه من قبل أن تنزل ~~التوراة قل فأتوا بالتوراة فاتلوها إن كنتم ~~صادقين # [آل عمران، الآية 93] روي أنه عليه الصلاة والسلام لما قال لهم ذلك ~~بهتوا ولم يجسروا أن يخرجوا التوراة كيف وقد بين فيها أن تحريم ms1928 ~~ما حرم عليهم من الطيبات لظلمهم وبغيهم عقوبة وتشديدا أوضح بيان، ~~وفيه تنبيه على الفرق بينهم وبين غيرهم في التحريم. # { ثم إن ربك للذين عملوا السوء بجهلة } أي ~~بسبب جهالة أو ملتبسين بها ليعم الجهل بالله وبعقابه، وعدم التدبر ~~في العواقب لغلبة الشهوة، والسوء يعم الافتراء على الله تعالى وغيره { ~~ثم تابوا من بعد ذلك } أي من بعد ما عملوا ما عملوا، ~~والتصريح به مع دلالة ثم عليه للتأكيد والمبالغة { وأصلحوا } أي ~~أصلحوا أعمالهم أو دخلوا في الصلاح { إن ربك من بعدها } من ~~بعد التوبة { لغفور } لذلك السوء { رحيم } يثيب على طاعته تركا ~~وفعلا، وتكرير قوله تعالى: { إن ربك } لتأكيد الوعد وإظهار ~~كمال العناية بإنجازه، والتعرض لوصف الربوبية مع الإضافة إلى ضميره ~~عليه السلام مع ظهور الأثر في التائبين للإيماء إلى أن إفاضة آثار ~~الربوبية من المغفرة والرحمة عليهم بتوسطه عليه السلام وكونهم من ~~أتباعه كما أشير إليه فيما مر. # { إن إبرهيم كان أمة } على حياله لحيازته من الفضائل ~~البشرية ما لا تكاد توجد إلا متفرقة في أمة جمة حسبما قيل: [السريع] # ليس على الله بمستنكر # أن يجمع العالم في واحد # وهو رئيس أهل التوحيد وقدوة أصحاب التحقيق جادل أهل الشرك وألقمهم ~~الحجر ببينات باهرة لا تبقي ولا تذر، وأبطل مذاهبهم الزائفة ~~بالبراهين القاطعة والحجج الدامغة، أو لأنه عليه السلام كان مؤمنا ~~وحده والناس كلهم كفار. وقيل: هي فعلة بمعنى مفعول كالرحلة ~~والنخبة، من أمه إذا قصده أو اقتدى به فإن الناس كانوا يقصدونه ~~ويقتدون بسيرته لقوله تعالى: # إنى جعلك للناس إماما # [البقرة: 124] وإيراد ذكره عليه السلام عقيب تزييف مذاهب المشركين ~~من الشرك والطعن في النبوة وتحريم ما أحله الله تعالى للإيذان بأن ~~حقية دين الإسلام وبطلان الشرك وفروعه أمر ثابت لا ريب فيه { ~~قنتا لله } مطيعا له قائما بأمره { حنيفا } مائلا عن كل ~~دين باطل إلى الدين الحق غير زائل عنه بحال { ولم يك من ~~المشركين } في أمر من أمور دينهم أصلا وفرعا صرح بذلك مع ظهوره ~~لا ردا ms1929 على كفار قريش فقط في قولهم: نحن على ملة أبينا إبراهيم بل ~~عليهم وعلى اليهود المشركين بقولهم: # عزير ابن الله # [التوبة، الآية 30] في افترائهم وادعائهم أنه عليه الصلاة والسلام كان ~~على ما هم عليه كقوله سبحانه: # ما كان إبرهيم يهوديا ولا نصرانيا ولكن كان ~~حنيفا مسلما وما كان من المشركين # [آل عمران، الآية 67] إذ به ينتظم أمر إيراد التحريم والسبت سابقا ~~ولاحقا. ### || [16.121-123] # { شاكرا لأنعمه } صفة ثالثة لأمة، وإنما أوثر صيغة جمع ~~القلة للإيذان بأنه عليه السلام كان لا يخل بشكر النعمة القليلة فكيف ~~بالكثيرة وللتصريح بكونه عليه السلام على خلاف ما هم عليه من الكفران ~~بأنعم الله تعالى حسبما بين ذلك بضرب المثل { اجتبه } للنبوة { ~~وهداه إلى صرط مستقيم } موصل إليه سبحانه وهو ملة ~~الإسلام، وليست نتيجة هذه الهداية مجرد اهتدائه عليه السلام بل مع ~~إرشاد الخلق أيضا بمعونة قرينة الاجتباء. # { وءاتينه فى الدنيا حسنة } حالة حسنة من الذكر ~~الجميل والثناء فيما بين الناس قاطبة حتى إنه ليس من أهل دين إلا وهم ~~يتولونه، وقيل: هي الخلة والنبوة، وقيل: قول المصلي منا كما ~~صليت على إبراهيم، والالتفات إلى التكلم لإظهار كمال الاعتناء بشأنه ~~وتفخيم مكانه عليه الصلاة والسلام { وإنه فى الآخرة لمن ~~الصلحين } أصحاب الدرجات العالية في الجنة حسبما سأله بقوله: # وألحقنى بالصلحين واجعل لى لسان صدق فى ~~الآخرين واجعلنى من ورثة جنة النعيم # [الشعراء، الآية 83 و85]. # { ثم أوحينا إليك } مع طبقتك وسمو رتبتك { أن اتبع ~~ملة إبرهيم } الملة اسم لما شرعه الله تعالى لعباده على لسان ~~الأنبياء عليهم السلام من أمللت الكتاب إذا أمليته، وهو الدين ~~بعينه لكن باعتبار الطاعة له وتحقيقه أن الوضع الإلهي مهما نسب إلى ~~من يؤديه عن الله تعالى يسمى ملة، ومهما نسب إلى من يقيمه دينا. ~~قال الراغب: الفرق بينهما أن الملة لا تضاف إلا إلى النبي عليه السلام ~~ولا تكاد توجد مضافة إلى الله سبحانه وتعالى ولا إلى آحاد الأمة ولا ~~تستعمل إلا في جملة الشرائع دون آحادها، والمراد بملته عليه ms1930 السلام ~~الإسلام الذي عبر عنه آنفا بالصراط المستقيم { حنيفا } حال من ~~المضاف إليه لما أن المضاف لشدة اتصاله به عليه السلام جرى منه مجرى ~~البعض فقيد بذلك، من قبيل: رأيت وجه هند قائمة، والمأمور به ~~الاتباع في الأصول دون الشرائع المتبدلة بتبدل الأعصار، وما في (ثم) من ~~التراخي في الرتبة للإيذان بأن هذه النعمة من أجل النعم الفائضة عليه ~~عليه السلام { وما كان من المشركين } تكرير لما سبق لزيادة ~~تأكيد وتقرير لنزاهته عليه السلام عما هم عليه من عقد وعمل. ### || [16.124] # قوله تعالى: { إنما جعل السبت } أي فرض تعظيمه والتخلي فيه ~~للعبادة وترك الصيد فيه تحقيق لذلك النفي الكلي وتوضيح له بإبطال ما ~~عسى يتوهم كونه قادحا في كليته حسبما سلف في قوله تعالى: # وعلى الذين هادوا حرمنا # [الأنعام، الآية 146] الخ، فإن اليهود كانوا يدعون أن السبت من شعائر ~~الإسلام وأن إبراهيم عليه السلام كان محافظا عليه أي ليس السبت من ~~شرائع إبراهيم وشعائر ملته التي أمرت باتباعها حتى يكون بينه عليه ~~الصلاة والسلام وبين بعض المشركين علاقة في الجملة وإنما شرع ذلك لبني ~~إسرائيل بعد مدة طويلة، وإيراد الفعل مبنيا للمفعول جري على سنن ~~الكبرياء وإيذان بعدم الحاجة إلى التصريح بالفاعل لاستحالة الإسناد إلى ~~الغير، وقد قرىء على البناء للفاعل، وإنما عبر عن ذلك بالجعل موصلا ~~بكلمة على وعنهم بالاسم الموصول باختلافهم فقيل: إنما جعل السبت { ~~على الذين اختلفوا فيه } للإيذان بتضمنه للتشديد ~~والابتلاء المؤدي إلى العذاب وبكونه معللا باختلافهم في شأنه قبل ~~الوقوع إيثارا له على ما أمر الله تعالى به واختيارا للعكس لكن لا ~~باعتبار شمول العلية لطرفي الاختلاف وعموم الغائلة للفريقين، بل ~~باعتبار حال منشأ الاختلاف من الطرف المخالف للحق، وذلك أن موسى عليه ~~الصلاة والسلام أمر اليهود أن يجعلوا في الأسبوع يوما واحدا للعبادة ~~وأن يكون ذلك يوم الجمعة فأبوا عليه وقالوا: نريد اليوم الذي فرغ الله ~~تعالى فيه من خلق السموات والأرض وهو السبت إلا شرذمة منهم قد رضوا ~~بالجمعة فأذن الله تعالى لهم ms1931 في السبت وابتلاهم بتحريم الصيد فيه فأطاع ~~أمر الله تعالى الراضون بالجمعة فكانوا لا يصيدون، وأعقابهم لم ~~يصبروا عن الصيد فمسخهم الله سبحانه قردة دون أولئك المطيعين { وإن ~~ربك ليحكم بينهم } أي بين الفريقين المختلفين فيه { ~~يوم القيمة فيما كانوا فيه يختلفون } أي يفصل ما ~~بينهما من الخصومة والاختلاف فيجازي كل فريق بما يستحقه من الثواب ~~والعقاب، وفيه إيماء إلى أن ما وقع في الدنيا من مسخ أحد الفريقين ~~وإنجاء الآخر بالنسبة إلى ما سيقع في الآخرة شيء لا يعتد به. هذا هو ~~الذي يستدعيه الإعجاز التنزيلي. وقيل: المعنى إنما جعل وبال السبت ~~وهو المسخ على الذين اختلفوا فيه أي أحلوا الصيد فيه تارة وحرموه ~~أخرى، وكان حتما عليهم أن يتفقوا على تحريمه حسبما أمر الله سبحانه به، ~~وفسر الحكم بينهم بالمجازاة باختلاف أفعالهم بالإخلال تارة ~~والتحريم أخرى، ووجه إيراده ههنا بأنه أريد به إنذار المشركين من ~~سخط الله تعالى على العصاة والمخالفين لأوامره، كضرب المثل بالقرية التي ~~كفرت بأنعم الله تعالى، ولا ريب في أن كلمة (بينهم) تحكم بأن المراد ~~بالحكم هو فصل ما بين الفريقين من الاختلاف وأن توسيط حديث المسخ ~~للإنذار المذكور بين حكاية أمر النبي صلى الله عليه وسلم باتباع ~~ملة إبراهيم عليه الصلاة والسلام وبين أمره صلى الله عليه وسلم ~~بالدعوة إليها من قبيل الفصل بين الشجر ولحائه فتأمل. ### || [16.125-126] # { ادع } أي من بعثت إليهم من الأمة قاطبة فحذف المفعول للتعميم ~~أو افعل الدعوة كما في قولهم: يعطي ويمنع أي يفعل الإعطاء والمنع، ~~فحذفه للقصد إلى إيجاد نفس الفعل إشعارا بأن عموم الدعوة غني عن ~~البيان وإنما المقصود الأمر بإيجاد على وجه مخصوص { إلى سبيل ~~ربك } إلى الإسلام الذي عبر عنه تارة بالصراط المستقيم وأخرى بملة ~~إبراهيم عليه السلام، وفي التعرض لعنوان الربوبية المنبئة عن المالكية ~~وتبليغ الشيء إلى كماله اللائق شيئا فشيئا مع إضافة الرب إلى ضمير ~~النبي عليه الصلاة والسلام في مقام الأمر بدعوة الأمة على الوجه الحكيم ~~وتكميلهم بأحكام الشريعة الشريفة من ms1932 الدلالة على إظهار اللطف به عليه ~~الصلاة والسلام والإيماء إلى وجه بناء الحكم ما لا يخفى. { ~~بالحكمة } أي بالمقالة المحكمة الصحيحة وهو الدليل الموضح للحق ~~المزيح للشبهة { والموعظة الحسنة } أي الخطابيات المقنعة ~~والعبر النافعة على وجه لا يخفى عليهم أنك تناصحهم وتقصد ما ينفعهم، ~~فالأولى لدعوة خواص الأمة الطالبين للحقائق والثانية لدعوة ~~عوامهم، ويجوز أن يكون المراد بهما القرآن المجيد فإنه جامع لكلا ~~الوصفين { وجدلهم } أي ناظر معانديهم { بالتى هى أحسن ~~} بالطريقة التي هي أحسن طرق المناظرة والمجادلة من الرفق واللين ~~واختيار الوجه الأيسر واستعمال المقدمات المشهورة تسكينا لشغبهم ~~وإطفاء للهبهم كما فعله الخليل عليه السلام { إن ربك هو ~~أعلم بمن ضل عن سبيله } الذي أمرك بدعوة الخلق إليه ~~وأعرض عن قبول الحق بعد ما عاين من الحكم والمواعظ والعبر { وهو ~~أعلم بالمهتدين } إليه بذلك، وهو تعليل لما ذكر من الأمرين ~~والمعنى والله تعالى أعلم اسلك في الدعوة والمناظرة الطريقة ~~المذكورة فإنه تعالى هو أعلم بحال من لا يرعوي عن الضلال بموجب ~~استعداده المكتسب وبحال من يصير أمره إلى الاهتداء لما فيه من خير ~~جلي، فما شرعه لك في الدعوة هو الذي تقتضيه الحكمة فإنه كاف في هداية ~~المهتدين وإزالة عذر الضالين أو ما عليك إلا ما ذكر من الدعوة ~~والمجادلة بالأحسن، وأما حصول الهداية أو الضلال والمجازاة عليهما ~~فإلى الله سبحانه إذ هو أعلم بمن يبقى على الضلال وبمن يهتدي إليه ~~فيجازي كلا منهما بما يستحقة. وتقديم الضالين لما أن مساق الكلام ~~لهم، وإيراد الضلال بصيغة الفعل الدال على الحدوث لما أنه تغيير ~~لفطرة الله التي فطر الناس عليها وإعراض عن الدعوة وذلك أمر عارض ~~بخلاف الاهتداء الذي هو عبارة عن الثبات على الفطرة والجريان على موجب ~~الدعوة، ولذلك جيء به على صيغة الاسم المنبىء عن الثبات، وتكرير (هو ~~أعلم) للتأكيد والإشعار بتباين حال المعلومين ومآلهما من العقاب ~~والثواب. وبعد ما أمره عليه الصلاة والسلام فيما يختص به من شأن الدعوة ~~بما أمره به من الوجه اللائق عقبه بخطاب ms1933 شامل له ولمن شايعه فيما يعم ~~الكل فقال: # { وإن عاقبتم } أي إن أردتم المعاقبة على طريقة قول الطبيب ~~للمحمي: إن أكلت فكل قليلا { فعاقبوا بمثل ما ~~عوقبتم به } أي بمثل ما فعل بكم، وقد عبر عنه بالعقاب على طريقة ~~إطلاق اسم المسبب على السبب نحو كما تدين تدان أو على نهج ~~المشاكلة، والمقصود إيجاب مراعاة العدل مع من يناصبهم من غير ~~تجاوز حين ما آل الجدال إلى القتال وأدى النزاع إلى القراع، فإن ~~الدعوة المأمور بها لا تكاد تنفك عن ذلك، كيف لا وهي موجبة لصرف ~~الوجوه عن القبل المعبودة وإدخال الأعناق في قلادة غير معهودة ~~قاضية عليهم بفساد ما يأتون وما يذرون وبطلان دين استمر عليه آباؤهم ~~الأولون وقد ضاقت عليهم الحيل وعيت بهم العلل وسدت عليهم طرق ~~المحاجة والمناظرة وأرتجت دونهم أبواب المباحثة والمحاورة. # وقيل: إنه عليه الصلاة والسلام لما رأى حمزة رضي الله عنه يوم أحد قد ~~مثل به قال: # " لئن أظفرني الله بهم لأمثلن بسبعين مكانك " # فنزلت، فكفر عن يمينه وكف عما أراده، وقرىء وإن عقبتم فعقبوا أي ~~وإن قفيتم بالانتصار فقفوا بمثل ما فعل بكم غير متجاوزين عنه، ~~والأمر وإن دل على إباحة المماثلة في المثلة من غير تجاوز لكن في ~~تقييده بقوله: وإن عاقبتم حث على العفو تعريضا، وقد صرح به على ~~الوجه الآكد فقيل: { ولئن صبرتم } أي عن المعاقبة بالمثل { ~~لهو } أي لصبركم ذلك { خير } لكم من الانتصار بالمعاقبة، وإنما ~~قيل: { للصبرين } مدحا لهم وثناء عليهم بالصبر أو وصفا لهم ~~بصفة تحصل لهم عند ترك المعاقبة، ويجوز عود الضمير إلى مطلق الصبر ~~المدلول عليه بالفعل فيدخل فيه صبرهم كدخول أنفسهم في جنس الصابرين ~~دخولا أوليا، ثم أمر عليه الصلاة والسلام صريحا بما ندب إليه غيره ~~تعريضا من الصبر لأنه أولى الناس بعزائم الأمور لزيادة علمه بشؤونه ~~سبحانه ووفور وثوقه به فقيل: ### || [16.127] # { واصبر } أي على ما أصابك من جهتهم من فنون الآلام والأذية ~~وعاينت من إعراضهم عن الحق بالكلية { وما صبرك إلا بالله ms1934 } ~~استثناء مفرغ من أعم الأشياء، أي وما صبرك ملابسا ومصحوبا بشيء من ~~الأشياء إلا بالله أي بذكره والاستغراق في مراقبة شؤونه والتبتل إليه ~~بمجامع الهمة، وفيه من تسليته عليه الصلاة والسلام وتهوين مشاق ~~الصبر عليه وتشريفه ما لا مزيد عليه. أو إلا بمشيئته المبنية على ~~حكم بالغة مستتبعة لعواقب حميدة، فالتسلية من حيث اشتماله على ~~غايات جميلة، وقيل: إلا بتوفيقه ومعونته فهي من حيث تسهيله وتيسيره ~~فقط { ولا تحزن عليهم } أي على الكافرين بوقوع اليأس من ~~إيمانهم بك ومتابعتهم لك نحو # فلا تأس على القوم الكفرين # [المائدة، الآية 68] وقيل: على المؤمنين وما فعل بهم والأول هو الأنسب ~~بجزالة النظم الكريم { ولا تك فى ضيق } بالفتح، وقرىء بالكسر ~~وهما لغتان كالقول والقيل، أي لا تكن في ضيق صدر وحرج، ويجوز أن يكون ~~الأول تخفيف ضيق، كهين من هين، أي في أمر ضيق { مما ~~يمكرون } أي من مكرهم بك فيما يستقبل، فالأول نهي عن التألم ~~بمطلوب من قبلهم فات، والثاني عن التألم بمحذور من جهتهم آت، ~~والنهي عنهما مع أن انتفاءهما من لوازم الصبر المأمور به لا سيما على ~~الوجه الأول لزيادة التأكيد وإظهار كمال العناية بشأن التسلية، ~~وإلا فهل يخطر ببال من توجه إلى الله سبحانه بشراشر نفسه متنزها عن ~~كل ما سواه من الشواغل شيء من مطلوب فينهى عن الحزن بفواته أو محذور ~~فكيف عن الخوف من وقوعه. ### || [16.128] # { إن الله مع الذين اتقوا } تعليل بما سبق من الأمر ~~والنهي، والمراد بالمعية الولاية الدائمة التي لا تحوم حول صاحبها ~~شائبة شيء من الجزع والحزن وضيق الصدور، وما يشعر به دخول كلمة ~~مع من متبوعية المتقين إنما هي من حيث إنهم المباشرون للتقوى وكذا ~~الحال في قوله سبحانه: # إن الله مع الصبرين # [الأنفال، الآية 46] ونظائرهما كافة، والمراد بالتقوى المرتبة ~~الثالثة منه الجامعة لما تحتها من مرتبة التوقي عن الشرك ومرتبة التجنب ~~عن كل ما يؤثم من فعل وترك، أعني التنزه عن كل ما يشغل سره عن ~~الحق والتبتل إليه بشراشر نفسه، ms1935 وهو التقوى الحقيقي المورث ~~لولايته تعالى المقرونة ببشارة قوله سبحانه: # ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم ~~يحزنون # [يونس، الآية 62] والمعنى أن الله ولي الذين تبتلوا إليه بالكلية ~~وتنزهوا عن كل ما يشغل سرهم عنه فلم يخطر ببالهم شيء من مطلوب أو ~~محذور فضلا عن الحزن بفواته أو الخوف من وقوعه وهو المعني بما به ~~الصبر المأمور به حسبما أشير إليه وبه يحصل التقريب ويتم التعليل كما ~~في قوله تعالى: # فاصبر إن العقبة للمتقين # [هود، الآية 49] على أحد التفسيرين كما حقق في مقامه وإلا فمجرد ~~التوقي عن المعاصي لا يكون مدارا لشيء من العزائم المرخص في تركها فكيف ~~بالصبر المشار إليه ورديفيه، وإنما مداره المعنى المذكور فكأنه قيل: ~~إن الله مع الذين صبروا، وإنما أوثر ما عليه النظم الكريم مبالغة في ~~الحث على الصبر بالتنبيه على أنه من خصائص أجل النعوت الجليلة وروادفه ~~كما أن قوله تعالى: { والذين هم محسنون } للإشعار بأنه من ~~باب الإحسان الذي يتنافس فيه المتنافسون على ما فصل ذلك حيث قيل: # واصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين # [هود: 115] وقد نبه على أن كلا من الصبر والتقوى من قبيل الإحسان ~~في قوله تعالى: # إنه من يتق ويصبر فإن الله لا يضيع أجر ~~المحسنين # [يوسف: 90] وحقيقة الإحسان الإتيان بالأعمال على الوجه اللائق الذي ~~هو حسنها الوصفي المستلزم لحسنها الذاتي، وقد فسره عليه الصلاة ~~والسلام بقوله: # " أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك " # وتكرير الموصول للإيذان بكفاية كل من الصلتين في ولايته سبحانه من ~~غير أن تكون إحداهما تتمة للأخرى، وإيراد الأولى فعلية للدلالة على ~~الحدوث كما أن إيراد الثانية اسمية لإفادة كون مضمونها شيمة راسخة ~~لهم، وتقديم التقوى على الإحسان لما أن التخلية متقدمة على التحلية، ~~والمراد بالموصولين إما جنس المتقين والمحسنين وهو عليه الصلاة ~~والسلام داخل في زمرتهم دخولا أوليا، وإما هو عليه الصلاة والسلام ومن ~~شايعه، عبر عنهم بذلك مدحا لهم وثناء عليهم بالنعتين الجميلين، وفيه ~~رمز إلى أن ms1936 صنيعه عليه الصلاة والسلام مستتبع لاهتداء الأمة به كقول ~~من قال لابن عباس رضي الله عنهما عند التعزية: [الكامل] # اصبر نكن بك صابرين فإنما # صبر الرعية عند صبر الرأس # عن هرم بن حيان أنه قيل له حين الاحتضار: أوص، قال: إنما الوصية من ~~المال وأوصيكم بخواتيم سورة النحل. # عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " من قرأ سورة النحل لم يحاسبه الله تعالى بما أنعم عليه في دار ~~الدنيا، وإن مات في يوم تلاها أو ليلته كان له من الأجر كالذي مات ~~وأحسن الوصية ". # والحمد لله وحده والصلاة والسلام على رسوله وآله أجمعين. ### | [17 - سورة الإسراء] ### || [17.1] # { سبحان الذى أسرى بعبده } سبحان علم للتسبيح كعثمان ~~للرجل وحيث كان المسمى معنى لا عينا، وجنسا لا شخصا لم تكن إضافته ~~من قبيل ما في: زيد المعارك أو حاتم طيء، وانتصابه بفعل متروك ~~الإظهار تقديره أسبح الله سبحان الخ، وفيه ما لا يخفى من الدلالة على ~~التنزيه البليغ من حيث الاشتقاق من السبح الذي هو الذهاب والإبعاد ~~في الأرض، ومنه فرس سبوح أي واسع الجري، ومن جهة النقل إلى التفعيل، ~~ومن جهة العدول من المصدر إلى الاسم الموضوع له خاصة لا سيما وهو علم ~~يشير إلى الحقيقة الحاضرة في الذهن ومن جهة قيامه مقام المصدر مع ~~الفعل، وقيل: هو مصدر كغفران بمعنى التنزه، ففيه مبالغة من حيث إضافة ~~التنزه إلى ذاته المقدسة ومناسبة تامة بين المحذوف وبين ما عطف عليه ~~في قوله سبحانه وتعالى، كأنه قيل: تنزه بذاته وتعالى. والإسراء السير ~~بالليل خاصة كالسرى وقوله تعالى: { ليلا } لإفادة قلة زمان ~~الإسراء لما فيه من التنكير الدال على البعضية من حيث الأجزاء ~~دلالته على البعضية من حيث الأفراد، فإن قولك: سرت ليلا كما يفيد ~~بعضية زمان سيرك من الليالي يفيد بعضيته من فرد واحد منها بخلاف ما ~~إذا قلت: سرت الليل فإنه يفيد استيعاب السير له جميعا، فيكون معيارا ~~للسير لا ظرفا له ويؤيده قراءة (من الليل) أي بعضه، وإيثار لفظ ~~العبد للإيذان بتمحضه ms1937 عليه الصلاة والسلام في عبادته سبحانه وبلوغه في ~~ذلك غاية الغايات القاصية ونهاية النهايات النائية حسبما يلوح به ~~مبدأ الإسراء ومنتهاه، وإضافة التنزيه أو التنزه إلى الموصول المذكور ~~للإشعار بعلية ما في حيز الصلة للمضاف فإن ذلك من أدلة كمال قدرته ~~وبالغ حكمته ونهاية تنزهه عن صفات المخلوقين. # { من المسجد الحرام } اختلف في مبدأ الإسراء فقيل: هو ~~المسجد الحرام بعينه وهو الظاهر، فإنه روي عنه عليه الصلاة والسلام ~~أنه قال: # " بينا أنا في المسجد الحرام في الحجر عند البيت بين النائم ~~واليقظان إذ أتاني جبريل عليه الصلاة والسلام بالبراق " # وقيل: هو دار أم هانىء بنت أبي طالب، والمراد بالمسجد الحرام الحرم ~~لإحاطته بالمسجد والتباسه به، أو لأن الحرم كله مسجد، فإنه روي عن ~~ابن عباس رضي الله عنهما # " أنه عليه الصلاة والسلام كان نائما في بيت أم هانىء بعد صلاة ~~العشاء فكان ما كان فقصه عليها، فلما قام ليخرج إلى المسجد تشبثت ~~بثوبه عليه الصلاة والسلام لتمنعه خشية أن يكذبه القوم، قال عليه الصلاة ~~والسلام: «وإن كذبوني»، فلما خرج جلس إليه أبو جهل فأخبره صلى الله عليه ~~وسلم بحديث الإسراء فقال أبو جهل: يا معشر كعب بن لؤي بن غالب، هلم ~~فحدثهم فمن مصفق وواضع يده على رأسه تعجبا وإنكارا وارتد ناس ~~ممن كان آمن به، وسعى رجال إلى أبي بكر فقال: إن كان قال ذلك لقد صدق، ~~قالوا: أتصدقه على ذلك؟ قال: إني أصدقه على أبعد من ذلك، فسمي ~~الصديق وكان فيهم من يعرف بيت المقدس فاستنعتوه المسجد فجلي له ~~بيت المقدس فطفق ينظر إليه وينعته لهم، فقالوا: أما النعت فقد أصابه. ~~فقالوا: أخبرنا عن عيرنا، فأخبرهم بعدد جمالها وأحوالها وقال: «تقدم ~~يوم كذا مع طلوع الشمس يقدمها جمل أورق»، فخرجوا يشتدون ذلك اليوم ~~نحو الثنية فقال قائل منهم: هذه والله الشمس قد أشرقت، فقال آخر: هذه ~~والله العير قد أقبلت يقدمها جمل أورق كما قال محمد، ثم لم يؤمنوا ~~قاتلهم الله أنى يؤفكون " # واختلف في وقته أيضا، فقيل: ms1938 كان قبل الهجرة بسنة، وعن أنس والحسن ~~أنه قبل البعثة، واختلف أيضا أنه في اليقظة أو في المنام فعن الحسن أنه ~~كان في المنام، وأكثر الأقاويل بخلافه، والحق أنه كان في المنام قبل ~~البعثة وفي اليقظة بعدها، واختلف أيضا أنه كان جسمانيا أو روحانيا، ~~فعن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: ما فقد جسد رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ولكن عرج بروحه. وعن معاوية أنه قال: إنما عرج بروحه، ~~والحق أنه كان جسمانيا على ما ينبىء عنه التصدير بالتنزيه وما في ~~ضمنه من التعجب، فإن الروحاني ليس في الاستبعاد والاستنكار وخرق ~~العادة بهذه المثابة، ولذلك تعجبت منه قريش وأحالوه ولا استحالة فيه، ~~فإنه قد ثبت في الهندسة أن قطر الشمس ضعف قطر الأرض مائة ونيفا ~~وستين مرة، ثم إن طرفها الأسفل يصل إلى موضع طرفها الأعلى بحركة الفلك ~~الأعظم مع معاوقة حركة فلكها لها في أقل من ثانية، وقد تقرر أن ~~الأجسام متساوية في قبول الأعراض التي من جملتها الحركة وأن الله ~~سبحانه قادر على كل ما يحيط به حيطة الإمكان فيقدر على أن يخلق تلك ~~الحركة بل أسرع منها في جسد النبي صلى الله عليه وسلم أو فيما يحمله ~~ولو لم يكن مستبعدا لم يكن معجزة { إلى المسجد الأقصى } أي ~~بيت المقدس، سمي به إذ لم يكن حينئذ وراءه مسجد وفي ذلك من تربية ~~معنى التنزيه والتعجب ما لا يخفى { الذى باركنا حوله } ~~ببركات الدين والدنيا لأنه مهبط الوحي ومتعبد الأنبياء عليهم ~~الصلاة والسلام { لنريه } غاية للإسراء { من ءايتنا } ~~العظيمة التي من جملتها ذهابه في برهة من الليل مسيرة شهر، ولا يقدح ~~في ذلك كونه قبل الوصول إلى المقصد ومشاهدة بيت المقدس وتمثل ~~الأنبياء له ووقوفه على مقاماتهم العلية عليهم الصلاة والسلام، ~~والالتفات إلى التكلم لتعظيم تلك البركات والآيات، وقرىء ليريه ~~بالياء { إنه هو السميع } لأقواله عليه الصلاة والسلام بلا أذن ~~{ البصير } بأفعاله بلا بصر حسبما يؤذن به القصر فيكرمه ويقربه ~~بحسب ذلك، وفيه إيماء إلى أن الإسراء ms1939 المذكور ليس إلا لتكرمته عليه ~~الصلاة والسلام ورفع منزلته وإلا فالإحاطة بأقواله وأفعاله حاصلة من ~~غير حاجة إلى التقريب، والالتفات إلى الغيبة لتربية المهابة. ### || [17.2] # { وءاتينآ موسى الكتب } أي التوراة وفيه إيماء إلى دعوته ~~عليه الصلاة والسلام إلى الطور وما وقع فيه من المناجاة جمعا بين ~~الأمرين المتحدين في المعنى، ولم يذكر ههنا العروج بالنبي عليه ~~السلام إلى السماء وما كان فيه مما لا يكتنه كنهه حسبما نطقت به سورة ~~النجم تقريبا للإسراء إلى قبول السامعين، أي آتيناه التوراة بعد من ~~أسرينا إلى الطور { وجعلنه } أي ذلك الكتاب { هدى لبنى ~~إسرءيل } يهتدون بما في مطاويه { أن لا تتخذوا } أي لا تتخذوا ~~نحو كتبت إليه أن افعل كذا، وقرىء بالياء على أن أن مصدرية، والمعنى ~~آتينا موسى الكتاب لهداية بني إسرائيل لئلا يتخذوا { من دونى ~~وكيلا } أي ربا تكلون إليه أموركم، والإفراد لما أن فعيلا مفرد ~~في اللفظ جمع في المعنى. ### || [17.3-5] # { ذرية من حملنا مع نوح } نصب على الاختصاص أو النداء ~~على قراءة النهي، والمراد تأكيد الحمل على التوحيد بتذكير إنعامه ~~تعالى عليهم في ضمن إنجاء آبائهم من الغرق في سفينة نوح عليه السلام، ~~أو على أنه أحد مفعولي لا يتخذوا على قراءة النفي ومن دون حال من ~~وكيلا فيكون كقوله تعالى: # ولا يأمركم أن تتخذوا الملئكة والنبيين ~~أربابا # [آل عمران، الآية 80] وقرى بالرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف أو بدل من ~~واو لا تتخذوا بإبدال الظاهر من ضمير المخاطب كما هو مذهب بعض ~~البغاددة، وقرىء ذرية بكسر الذال { إنه } أي إن نوحا عليه ~~الصلاة والسلام { كان عبدا شكورا } كثير الشكر في مجامع ~~حالاته، وفيه إيذان بأن إنجاء من معه كان ببركة شكره عليه الصلاة ~~والسلام وحث للذرية على الاقتداء به وزجر لهم عن الشرك الذي هو أعظم ~~مراتب الكفران، وقيل: الضمير لموسى عليه السلام. # { وقضينا } أي أتممنا وأحكمنا منزلين { إلى بنى إسرءيل ~~} أو موحين إليهم { فى الكتب } أي في التوراة فإن الإنزال ~~والوحي إلى موسى عليه السلام إنزال ووحي ms1940 إليهم { لتفسدن فى ~~الأرض } جواب قسم محذوف، ويجوز إجراء القضاء المحتوم مجرى ~~القسم كأنه قيل: وأقسمنا لتفسدن { مرتين } مصدر والعامل فيه من ~~غير جنسه. أولاهما مخالفة حكم التوراة وقتل شعياء عليه الصلاة والسلام ~~وحبس أرمياء حين أنذرهم سخط الله تعالى، والثانية قتل زكريا ويحيى ~~وقصد قتل عيسى عليهم الصلاة والسلام { ولتعلن علوا كبيرا ~~} لتستكبرن عن طاعة الله سبحانه، أو لتغلبن الناس بالظلم والعدوان ~~وتفرطن في ذلك إفراطا مجاوزا للحدود. # { فإذا جآء وعد أولهما } أي أولى كرتي الإفساد، أي حان ~~وقت حلول العقاب الموعود { بعثنا عليكم } لمؤاخذتكم بجناياتكم ~~{ عبادا لنا } وقرىء عبيدا لنا { أولى بأس شديد } ذوي ~~قوة وبطش في الحروب، هم سنحاريب من أهل نينوى وجنوده، وقيل: بخت ~~نصر عامل لهراسب، وقيل: جالوت { فجاسوا } أي ترددوا لطلبكم ~~بالفساد، وقرىء بالحال والمعنى واحد، وقرىء وجوسوا { خلل الديار ~~} في أوساطها للقتل والغارة، وقرىء خلل الديار فقتلوا علماءهم ~~وكبارهم وأخرقوا التوراة وخربوا المسجد وسبوا منهم سبعين ألفا، وذلك ~~من قبيل تولية بعض الظالمين بعضا مما جرت به السنة الإلهية { ~~وكان } ذلك { وعدا مفعولا } لا محالة بحيث لا صارف عنه ولا ~~مبدل. ### || [17.6-8] # { ثم رددنا لكم الكرة } أي الدولة والغلبة { ~~عليهم } على الذين فعلوا بكم ما فعلوا بعد مائة سنة حين تبتم ~~ورجعتم عما كنتم عليه من الإفساد والعلو، قيل: هي قتل بخت نصر ~~واستنقاذ بني إسرائيل أساراهم وأموالهم ورجوع الملك إليهم، وذلك ~~أنه لما ورث بهمن بن إسفنديار الملك من جده كشتاسف بن لهراسب ~~ألقى الله تعالى في قلبه الشفقة عليهم فرد أساراهم إلى الشام وملك ~~عليهم دانيال عليه السلام فاستولوا على من كان فيها من أتباع بخت ~~نصر، وقيل: هي قتل داود عليه السلام لجالوت. # { وأمددنكم بأمول } كثيرة بعدما نهبت أموالكم { ~~وبنين } بعدما سبيت أولادكم { وجعلنكم أكثر ~~نفيرا } مما كنتم من قبل أو من عدوكم، والنفير من ينفر مع الرجل من ~~قومه، وقيل: جمع نفر وهو القوم المجتمعون للذهاب إلى العدو كالعبيد ~~والمبين { إن أحسنتم } أعمالكم سواء كانت لازمة لأنفسكم أو ~~متعدية ms1941 إلى الغير، أي عملتموها على الوجه اللائق ولا يتصور ذلك إلا ~~بعد أن تكون الأعمال حسنة في أنفسها وإن فعلتم الإحسان { أحسنتم ~~لانفسكم } لأن ثوابها لها { وإن أسأتم } أعمالكم بأن ~~عملتموها لا على الوجه اللائق ويلزمه السوء الذاتي أو فعلتم الإساءة { ~~فلها } إذ عليها وبالها، وعن علي كرم الله وجهه: ما أحسنت إلى أحد ~~ولا أسأت إليه وتلاها { فإذا جاء وعد الأخرة } حان وقت ما ~~وعد من عقوبة المرة الآخرة { ليسوءوا وجوهكم } متعلق بفعل ~~حذف لدلالة ما سبق عليه، أي بعثناهم ليسوؤا ومعنى ليسوؤا وجوهكم ~~ليجعلوا آثار المساءة والكآبة بادية في وجوهكم كقوله تعالى: # سيئت وجوه الذين كفروا # [الملك: 27] وقرىء ليسوء على أن الضمير لله تعالى أو للوعد أو للبعث، ~~ولنسوء بنون العظمة، وفي قراءة علي رضي الله عنه: لنسوأن على أنه ~~جواب إذا، وقرىء لنسوأن بالنون الخفيفة وليسوأن واللام في قوله عز ~~وجل: { وليدخلوا المسجد } عطف على ليسوؤا متعلق بما تعلق هو ~~به { كما دخلوه أول مرة } أي في أول مرة { ~~وليتبروا } أي يهلكوا { ما علوا } ما غلبوه واستولوا عليه ~~أو مدة علوهم { تتبيرا } فظيعا لا يوصف بأن سلط الله عز سلطانه ~~عليهم الفرس فعزاهم ملك بابل من ملوك الطوائف اسمه جودرد، وقيل: ~~جردوس، وقيل: دخل صاحب الجيش فذبح قرابينهم فوجد فيه دما يغلي فسألهم ~~عنه، فقالوا: دم قربان لم يقبل منا، فقال: لم تصدقوني، فقتل على ذلك ~~ألوفا فلم يهدأ الدم، ثم قال: إن لم تصدقوني ما تركت منكم أحد، ~~فقالوا: إنه دم يحيى بن زكريا عليهما الصلاة والسلام، فقال: لمثل هذا ~~ينتقم منكم ربكم، ثم قال: يا يحيى قد علم ربي وربك ما أصاب قومك ~~من أجلك فاهدأ بإذن الله تعالى قبل أن لا أبقي منهم أحدا، فهدأ. # { عسى ربكم أن يرحمكم } بعد المرة الآخرة إن تبتم توبة ~~أخرى وانزجرتم عما كنتم عليه من المعاصي { وإن عدتم } إلى ما كنتم ~~فيه من الفساد مرة أخرى { عدنا } إلى عقوبتكم ولقد عادوا فأعاد الله ~~سبحانه عليهم النقمة بأن سلط ms1942 عليهم الأكاسرة ففعلوا بهم ما فعلوا من ضرب ~~الإتاوة ونحو ذلك. وعن الحسن عادوا فبعث الله تعالى محمدا عليه الصلاة ~~والسلام فهم يعطون الجزية عن يد وهم صاغرون وعن قتادة مثله { ~~وجعلنا جهنم للكفرين حصيرا } أي محبسا لا ~~يستطيعون الخروج منها أبد الآبدين، وقيل: بساطا كما يبسط الحصير، ~~وإنما عدل عن أن يقال: وجعلنا جهنم لكم تسجيلا على كفرهم بالعود ~~وذما لهم بذلك وإشعارا بعلة الحكم. ### || [17.9-11] # { إن هذا القرءان } الذي آتيناكه { يهدى } أي الناس ~~كافة لا فرقة مخصوصة منهم كدأب الكتاب الذي آتيناه موسى { للتى } ~~للطريقة التي { هى أقوم } أي أقوم الطرائق وأسدها أعني ملة ~~الإسلام والتوحيد، وترك ذكرها ليس لقصد التعميم لها وللحالة والخصلة ~~ونحوها مما يعبر به عن المقصد المذكور بل للإيذان بالغنى عن التصريح ~~بها لغاية ظهورها لا سيما بعد ذكر الهداية التي هي من روادفها، ~~والمراد بهدايته لها كونه بحيث يهتدي إليها من يتمسك به لا تحصيل ~~الاهتداء بالفعل فإنه مخصوص بالمؤمنين حينئذ { ويبشر ~~المؤمنين } بما في تضاعيفه من الأحكام والشرائع، وقرىء بالتخفيف { ~~الذين يعملون الصلحات } التي شرحت فيه { أن لهم } ~~أي بأن لهم بمقابلة تلك الأعمال { أجرا كبيرا } بحسب الذات وبحسب ~~التضعيف عشر مرات فصاعدا. # { وأن الذين لا يؤمنون بالآخرة } وأحكامها المشروحة ~~فيه من البعث والحساب والجزاء، وتخصيصها بالذكر من بين سائر ما كفروا ~~به لكونها معظم ما أمروا بالإيمان به، ولمراعاة التناسب بين أعمالهم ~~وجزائها الذي أنبأ عنه قوله عز وجل: { أعتدنا لهم عذابا ~~أليما } وهو عذاب جهنم أي أعتدنا لهم فيما كفروا به وأنكروا وجوده ~~من الآخرة عذابا أليما وهو أبلغ في الزجر لما أن إتيان العذاب من ~~حيث لا يحتسب أفظع وأفجع، والجملة معطوفة على جملة يبشر بإضمار ~~يخبر، أو على قوله تعالى: { أن لهم } داخلة معه تحت التبشير ~~المراد به مجازا مطلق الإخبار المنتظم للإخبار بالخبر السار ~~وبالنبأ الضار فيكون ذلك بيانا لهداية القرآن بالترغيب والترهيب، ~~ويجوز كون التبشير بمعناه والمراد تبشير المؤمنين ببشارتين: توليهم ~~وعقاب أعدائهم. # وقوله تعالى: { ويدع ms1943 الإنسن بالشر } بيان لحال المهدي ~~إثر بيان حال الهادي، وإظهار لما بينهما من التباين، والمراد ~~بالإنسان الجنس أسند إليه حال بعض أفراده أو حكي عنه حاله في بعض ~~أحيانه فالمعنى على الأول أن القرآن يدعو الإنسان إلى الخير الذي لا ~~خير فوقه من الأجر الكبير ويحذر من الشر الذي لا شر وراءه من ~~العذاب الأليم، وهو أي بعض منه وهو الكافر يدعو لنفسه بما هو الشر من ~~العذاب المذكور إما بلسانه حقيقة كدأب من قال منهم: # اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر ~~علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم # [الأنفال، الآية 32] ومن قال: # فأتنا بما تعدنا إن كنت من الصدقين # [الأعراف، الآية 70] إلى غير ذلك مما حكي عنهم وإما بأعمالهم السيئة ~~المفضية إليه الموجبة له مجازا كما هو ديدن كلهم { دعاءه ~~بالخير } أي مثل دعائه بالخير المذكور فرضا لا تحقيقا فإنه ~~بمعزل من الدعاء به وفيه رمز إلى أنه اللائق بحاله { وكان ~~الإنسن } أي من أسند إليه الدعاء المذكور من أفراده { ~~عجولا } يسارع إلى طلب ما يخطر بباله متعاميا عن ضرره أو مبالغا في ~~العجلة يستعجل العذاب وهو آتيه لا محالة، ففيه نوع تهكم به، وعلى ~~تقدير حمل الدعاء على أعمالهم تحمل العجولية على اللج والتمادي في ~~استيجاب العذاب بتلك الأعمال، وعلى الثاني أن القرآن يدعو الإنسان إلى ~~ما هو خير وهو في بعض أحيانه كما عند الغضب يدعه ويدعو الله تعالى ~~لنفسه وأهله وماله بما هو شر، وكان الإنسان بحسب جبلته عجولا ~~ضجرا لا يتأسى إلى أن يزول عنه ما يعتريه. # روي # " أنه عليه الصلاة والسلام دفع إلى سودة أسيرا فأرخت كتافه رحمة ~~لأنينه بالليل من ألم القيد فهرب فلما أخبر به النبي عليه الصلاة ~~والسلام قال: «اللهم اقطع يديها» فرفعت سودة يديها تتوقع الإجابة، فقال ~~عليه الصلاة السلام: «إني سألت الله تعالى أن يجعل دعائي على من لا يستحق ~~من أهلي عذابا رحمة» " # أو يدعو بما هو شر وهو يحسبه خيرا، وكان الإنسان عجولا ms1944 غير متبصر لا ~~يتدبر في أموره حق التدبر ليتحقق ما هو خير حقيق بالدعاء به وما هو ~~شر جدير بالاستعاذة منه. ### || [17.12] # { وجعلنا اليل والنهار ءايتين } شروع في بيان بعض ~~وجوه ما ذكر من الهداية بالإرشاد إلى مسلك الاستدلال بالآيات والدلائل ~~الآفاقية التي كل واحدة منها برهان نير لا ريب فيه ومنهاج بين ~~لا يضل من ينتحيه، فإن الجعل المذكور وما عطف عليه من محو آية ~~الليل وجعل آية النهار مبصرة وإن كانت من الهدايات التكوينية لكن ~~الإخبار بذلك من الهدايات القرآنية المنبهة على تلك الهدايات، وتقديم ~~الليل لمراعاة الترتيب الوجودي إذ منه ينسلخ النهار، وفيه تظهر ~~غرر الشهور، ولو أن الليلة أضيفت إلى ما قبلها من النهار لكانت من شهر ~~وصاحبها من شهر آخر، ولترتيب غاية آية النهار عليها بلا واسطة أي ~~جعلنا الملوين بهيآتهما وتعاقبهما واختلافهما في الطول والقصر ~~على وتيرة عجيبة يحار في فهمهما العقول آيتين تدلان على أن لهما ~~صانعا حكيما قادرا عليما وتهديان إلى ما هدى إليه القرآن الكريم من ~~ملة الإسلام والتوحيد { فمحونا ءاية اليل } الإضافة إما ~~بيانية كما في إضافة العدد إلى المعدود أي محونا الآية التي هي الليل ~~وفائدتها تحقيق مضمون الجلمة السابقة، ومحوها جعلها ممحوة ~~الضوء مطموسته، لكن لا بعد إن لم تكن كذلك بل إبداعها على ذلك كما في ~~قولهم: سبحان من صغر البعوض وكبر الفيل أي أنشأهما كذلك، والفاء ~~تفسيرية لأن المحو المذكور وما عطف عليه ليسا مما يحصل عقيب جعل ~~الجديدين آيتين بل هما من جملة ذلك الجعل ومتمماته { وجعلنا ~~ءاية النهار } أي الآية التي هي النهار على نحو ما مر { ~~مبصرة } أي مضيئة يبصر فيها الأشياء وصفا لها بحال أهلها أو ~~مبصرة للناس من أبصره فبصره، وإما حقيقية وآية الليل والنهار ~~نيراهما، ومحو القمر إما خلقه مطموس النور في نفسه فالفاء كما ذكر، ~~وإما نفس ما استفاده من الشمس شيئا فشيئا إلى المحاق على ما هو معنى ~~المحو، والفاء للتعقيب وجعل الشمس مبصرة إبداعها مضيئة بالذات ذات ms1945 ~~أشعة تظهر بها الأشياء المظلمة. # { لتبتغوا } متعلق بقوله تعالى: { وجعلنا ءاية ~~النهار } كما أشير إليه أي وجعلناها مضيئة لتطلبوا لأنفسكم في بياض ~~النهار { فضلا من ربكم } أي رزقا إذ لا يتسنى ذلك في الليل، ~~وفي التعبير عن الرزق بالفضل وعن الكسب بالابتغاء والتعرض لصفة ~~الربوبية المنبئة عن التبليغ إلى الكمال شيئا فشيئا دلالة على أن ~~ليس في تحصيل الرزق تأثير سوى الطلب وإنما الإعطاء إلى الله سبحانه لا ~~بطريق الوجوب عليه بل تفضلا بحكم الربوبية { ولتعلموا } متعلق ~~بكلا الفعلين أعني محو آية الليل وجعل آية النهار مبصرة لا بأحدهما ~~فقط إذ لا يكون ذلك بانفراده مدارا للعلم المذكور، أي لتعلموا بتفاوت ~~الجديدين أو نيريهما ذاتا من حيث الإظلام والإضاءة مع تعاقبهما أو ~~حركاتهما وأوضاعهما وسائر أحوالهما { عدد السنين } التي يتعلق ~~بها غرض علمي لإقامة مصالحكم الدينية والدنيوية { والحساب } أي ~~الحساب المتعلق بما في ضمنها من الأوقات أي الأشهر والليالي والأيام ~~وغير ذلك مما نيط به شيء من المصالح المذكورة ونفس السنة من حيث تحققها ~~مما ينتظمه الحساب، وإنما الذي تعلق به العد طائفة منها وتعلقه في ~~ضمن ذلك بكل واحدة منها ليس من الحيثية المذكورة أعني حيثية تحققها ~~وتحصلها من عدة أشهر قد تحصل كل واحد منها بطائفة من الساعات مثلا ~~فإن ذلك وظيفة الحساب بل من حيث أنها فرد من تلك الطائفة المعدودة ~~بعدها أي يفنيها من غير أن يعتبر في ذلك تحصيل شيء معين وتحقيقه ما ~~مر في سورة يونس من أن الحساب إحصاء ماله كمية منفصلة بتكرير أمثاله ~~من حيث يتحصل بطائفة معينة منها حد معين منه له اسم خاص وحكم مستقل ~~كما أشير إليه آنفا، والعد إحصاؤه بمجرد تكرير أمثاله من غير أن ~~يتصل منه شيء كذلك، ولما أن السنين لم يعتبر فيها حد معين له اسم ~~خاص وحكم مستقل أضيف إليها العدد وعلق الحساب بما عداها مما ~~اعتبر فيه تحصل مراتب معينة لها أسام خاصة وأحكام مستقلة، وتحصل ~~مراتب الأعداد من العشرات والمئات والألوف اعتباري ms1946 لا يجدي في تحصل ~~المعدودات، وتقديم العدد على الحساب مع أن الترتيب بين متعلقيهما ~~وجودا وعدما على العكس للتنبيه من أول الأمر على أن متعلق الحساب ما ~~في تضاعيف السنين من الأوقات أو لأن العلم المتعلق بعدد السنين علم ~~إجمالي بما تعلق به الحساب تفصيلا، أو لأن العدد من حيث إنه لم يعتبر ~~فيه تحصل شيء آخر منه حسبما ذكر نازل من الحساب المعتبر فيه ذلك ~~منزلة البسيط من المركب، أو لأن العلم المتعلق بالأول أقصى المراتب ~~فكان جديرا بالتقديم في مقام الامتنان والله سبحانه أعلم { وكل شىء ~~} تفتقرون إليه في المعاش والمعاد سوى ما ذكر من جعل الليل والنهار ~~آيتين وما يتبعه من المنافع الدينية والدنيوية، وهو منصوب بفعل يفسره ~~قوله تعالى: { فصلناه تفصيلا } أي بيناه في القرآن الكريم ~~بيانا بليغا لا التباس معه كقوله تعالى: # ونزلنا عليك الكتب تبيانا لكل شىء # [النحل: 89] فظهر كونه هاديا للتي هي أقوم ظهورا بينا. ### || [17.13-15] # { وكل إنسن } مكلف { ألزمنه طئره } أي عمله ~~الصادر عنه باختياره حسبما قدر له كأنه طار إليه من عش الغيب ~~ووكر القدر، أو ما وقع له في القسمة الإلية الواقعة حسب استحقاقه في ~~العلم الأزلي من قولهم: طار له سهم كذا { فى عنقه } تصوير لشدة ~~اللزوم وكمال الارتباط أي ألزمناه عمله بحيث لا يفارقه أبدا بل يلزمه ~~لزوم القلادة أو الغل للعنق لا ينفك عنه بحال، وقرىء بسكون النون { ~~ونخرج له } بنون العظمة وقد قرىء بالياء مبنيا للفاعل على أن ~~الضمير لله عز وجل وللمفعول، والضمير للطائر كما في قراءة يخرج من ~~الخروج { يوم القيمة } للحساب { كتبا } مسطورا فيه ما ~~ذكر من عمله نقيرا وقطميرا وهو مفعول لنخرج على القراءتين ~~الأوليين أو حال من المفعول المحذوف الراجع إلى الطائر وعلى ~~الأخريين حال من المستتر في الفعل من ضمير الطائر { يلقه } ~~الإنسان { منشورا } وهما صفتان للكتاب أو الأول صفة والثاني حال ~~منها، وقرىء يلقاه من لقيته كذا أي يلقى الإنسان إياه. قال الحسن: ~~بسطت لك صحيفة ووكل بك ملكان ms1947 فهما عن يمينك وعن شمالك فأما الذي عن ~~يمينك فيحفظ سيئاتك حتى إذا مت طويت صحيفتك وجعلت معك في قبرك حتى ~~تخرج لك يوم القيامة. # { اقرأ كتبك } أي قائلين لك ذلك. عن قتادة يقرأ ذلك اليوم من ~~لم يكن في الدنيا قارئا، وقيل: المراد بالكتاب نفسه المنتقشة بآثار ~~أعماله فإن كل عمل يصدر من الإنسان خيرا أو شرا يحدث منه في جوهر ~~روحه أمر مخصوص إلا أنه يخفى ما دام الروح متعلقا بالبدن مشتغلا ~~بواردات الحواس والقوى، فإذا انقطعت علاقته عن البدن قامت قيامته لأن ~~النفس كانت ساكنة مستقرة في الجسد وعند ذلك قامت وتوجهت نحو الصعود إلى ~~العالم العلوي فيزول الغطاء وتنكشف الأحوال ويظهر على لوح النفس ~~نقش كل شيء عمله في مدة عمره وهذا معنى الكتابة والقراءة { كفى ~~بنفسك اليوم عليك حسيبا } أي كفى نفسك، والباء زائدة ~~واليوم ظرف لكفى وحسيبا تمييز و(على) صلته لأنه بمعنى الحاسب ~~كالصريم بمعنى الصارم من حسب عليه كذا. أو بمعنى الكافي، ووضع موضع ~~الشهيد لأنه يكفي المدعي ما أهمه. وتذكيره لأن ما ذكر من الحساب ~~والكفاية مما يتولاه الرجال أو لأنه مبني على تأويل النفس بالشخص على ~~أنها عبارة عن نفس المذكر كقول جبلة بن حريث: [البسيط] # يا نفس إنك باللذات مسرور # فاذكر فهل ينفعنك اليوم تذكير # { من اهتدى فإنما يهتدى لنفسه } فذلكة لما تقدم من ~~بيان كون القرآن هاديا لأقوم الطرائق ولزوم الأعمال لأصحابها، أي من ~~اهتدى بهدايته وعمل بما في تضاعيفه من الأحكام وانتهى عما نهاه عنه ~~فإنما تعود منفعة اهتدائه إلى نفسه لا تتخطاه إلى غيره ممن لم يهتد { ~~ومن ضل } عن الطريقة التي يهديه إليها { فإنما يضل ~~عليها } أي فإنما وبال ضلاله عليها لا على من عداه ممن يباشره حتى ~~يمكن مفارقة العمل صاحبه { ولا تزر وازرة وزر أخرى } ~~تأكيد للجملة الثانية، أي لا تحمل نفس حاملة للوزر وزر نفس أخرى حتى ~~يمكن تخلص النفس الثانية عن وزرها ويختل ما بين العامل وعمله من ~~التلازم، بل إنما تحمل ms1948 كل منها وزرها، وهذا تحقيق لمعنى قوله عز وجل: ~~{ وكل إنسن ألزمنه طئره فى عنقه } ~~[الإسراء، الآية 13] وأما ما يدل عليه قوله تعالى: # من يشفع شفعة حسنة يكن له نصيب منها ومن ~~يشفع شفعة سيئة يكن له كفل منها # [النساء، الآية 85] وقوله تعالى: # ليحملوا أوزارهم كاملة يوم القيمة ومن ~~أوزار الذين يضلونهم بغير علم # [النحل: 25] من حمل الغير وانتفاعه بحسنته وتضرره بسيئته فهو في ~~الحقيقة انتفاع بحسنة نفسه وتضرر بسيئته فإن جزاء الحسنة والسيئة ~~اللتين يعملهما العامل لازم له. # وإنما الذي يصل إلى من يشفع جزاء شفاعته لا جزاء أصل الحسنة ~~والسيئة، وكذلك جزاء الضلال مقصور على الضالين، وما يحمله المضلون ~~إنما هو جزاء الإضلال لا جزاء الضلال، وإنما خص التأكيد بالجملة ~~الثانية قطعا للأطماع الفارغة حيث كانوا يزعمون أنهم إن لم يكونوا على ~~الحق فالتبعة على أسلافهم الذين قلدوهم { وما كنا معذبين } ~~بيان للعناية الربانية إثر بيان اختصاص آثار الهداية والضلال ~~بأصحابها وعدم حرمان المهتدي من ثمرات هدايته وعدم مؤاخذة النفس بجناية ~~غيرها، أي وما صح وما استقام منا بل استحال في سنتنا المبنية على ~~الحكم البالغة أو ما كان في حكمنا الماضي وقضائنا السابق أن نعذب ~~أحدا من أهل الضلال والأوزار اكتفاء بقضية العقل { حتى نبعث } ~~إليهم { رسولا } يهديهم إلى الحق ويردعهم عن الضلال ويقيم الحجج ~~ويمهد الشرائع حسبما في تضاعيف الكتاب المنزل عليه، والمراد بالعذاب ~~المنفي إما عذاب الاستئصال كما قاله الشيخ أبو منصور الماتريدي رحمه ~~الله وهو المناسب لما بعده، أو الجنس الشامل للدنيوي والأخروي وهو من ~~أفراده، وأيا ما كان فالبعث غاية لعدم صحة وقوعه في وقته المقدر له ~~لا لعدم وقوعه مطلقا، كيف لا والأخروي لا يمكن وقوعه عقيب البعث، ~~والدنيوي أيضا لا يحصل إلا بعد تحقق ما يوجبه من الفسق والعصيان، ألا ~~يرى إلى قوم نوح كيف تأخر عنهم ما حل بهم زهاء ألف سنة. ### || [17.16] # قوله تعالى: { وإذآ أردنآ أن نهلك قرية } بيان لكيفية ~~وقوع التعذيب بعد البعثة التي جعلت غاية لعدم ms1949 صحته وليس المراد بالإرادة ~~تحققها بالفعل إذ لا يتخلف عنها المراد ولا الإرادة الأزلية المتعلقة ~~لوقوع المراد في وقته المقدر له إذ لا يقارنه الجزاء الآتي بل دنو وقتها ~~كما في قوله تعالى # أتى أمر الله # [النحل، الآية 1] أي وإذ دنا وقت تعلق إرادتنا بإهلاك قرية بأن نعذب ~~أهلها بما ذكرنا من عذاب الاستئصال الذي بينا أنه لا يصح منا قبل البعثة ~~أو بنوع مما ذكرنا شأنه من مطلق العذاب أعني عذاب الاستئصال لما لهم من ~~الظلم والمعاصي دنوا تقتضيه الحكمة من غير أن يكون له حد معين { ~~أمرنا } بواسطة الرسول المبعوث إلى أهلها { مترفيها } متنعميها ~~وجباريها وملوكها خصهم بالذكر مع توجه الأمر إلى الكل لأنهم الأصول في ~~الخطاب والباقي أتباع لهم ولأن توجه الأمر إليهم آكدو عدم التعرض للمأمور ~~به إما الظهور أن المراد به الحق والخير لأن الله لا يأمر بالفحشاء لا ~~سيما بعد ذكر هداية القرآن لما يهدي إليه وإما لأن المراد وجد منا الأمر ~~كما يقال فلان يعطي ويمنع { ففسقوا فيها } أي خرجوا عن الطاعة ~~وتمردوا { فحق عليها القول } أي ثبت وتحقق موجبه بحلول ~~العذاب إثر ما ظهر منهم من الفسق والطغيان { فدمرناها } بتدمير ~~أهلها { تدميرا } لا يكتنه كنهه ولا يوصف. هذا هو المناسب لما سبق، ~~وقيل الأمر مجاز عن الحمل على الفسق والتسبب له بأن صب عليهم ما أبطرهم ~~وأفضى بهم إلى الفسوق وقيل هو بمعنى التكثير يقال أمرت الشيء فأمر ~~أي كثرته فكثر وفي الحديث # " خير المال سكة مأبورة ومهرة مأمورة " # أي كثيرة النتاج ويعضده قراءة آمرنا وأمرنا من الإفعال والتفعيل ~~وقد جعلتا من الإمارة أي جعلناهم أمراء وكل ذلك لا يساعده مقام الزجر ~~عن الضلال والحث على الاهتداء فإن مؤدى ذلك أن طغيانهم منوط بإرادة ~~الله سبحانه وإنعامه عليهم بنعم وافرة أبطرتهم وحملهم على الفسق حملا ~~حقيقيا بأن يعبر عنه بالأمر به. ### || [17.17-18] # { وكم أهلكنا } أي وكثيرا ما أهلكنا { من القرون } ~~بيان لكم وتمييز له، والقرن مدة من الزمان يخترم فيها القوم ~~وهي ms1950 عشرون أو ثلاثون أو أربعون أو ثمانون أو مائة، وقد أيد ذلك # " بأنه عليه الصلاة والسلام دعا لرجل فقال: «عش قرنا» فعاش مائة سنة ~~أو مائة وعشرين " # { من بعد نوح } من بعد زمنه عليه الصلاة والسلام كعاد وثمود ~~ومن بعدهم ممن قصت أحوالهم في القرآن العظيم ومن لم تقص، ~~وعدم نظم قومه عليه الصلاة والسلام في تلك القرون المهلكة لظهور ~~أمرهم، على أن ذكره عليه الصلاة والسلام رمز إلى ذكرهم { وكفى ~~بربك } أي كفى ربك { بذنوب عباده خبيرا بصيرا } ~~يحيط بظواهرها وبواطنها فيعاقب عليها، وتقديم الخبير لتقدم متعلقه ~~من الاعتقادات والنيات التي هي مبادي الأعمال الظاهرة أو لعمومه حيث ~~يتعلق بغير المبصرات أيضا. وفيه إشارة إلى أن البعث والأمر وما ~~يتلوهما من فسقهم ليس لتحصيل العلم بما صدر عنهم من الذنوب فإن ذلك ~~حاصل قبل ذلك وإنما هو لقطع الأعذار وإلزام الحجة من كل وجه. # { من كان يريد } بأعماله التي يعملها سواء كان ترتب المراد ~~عليها بطريق الجزاء كأعمال البر أو بطريق ترتب المعلولات على العلل ~~كالأسباب، أو بأعمال الآخرة فالمراد بالمريد على الأول الكفرة وأكثر ~~الفسقة، وعلى الثاني أهل الرياء والنفاق والمهاجر للدنيا والمجاهد ~~لمحض الغنيمة { العاجلة } فقط من غير أن يريد معها الآخرة كما ~~ينبىء عنها الاستمرار المستفاد من زيادة كان ههنا مع الاقتصار على ~~مطلق الإرادة في قسيمه، والمراد بالعاجلة الدار الدنيا وبإرادتها ~~إرادة ما فيها من فنون مطالبها كقوله تعالى: # ومن كان يريد حرث الدنيا # [الشورى: 20] ويجوز أن يراد الحياة العاجلة كقوله عز وجل: # من كان يريد الحيوة الدنيا وزينتها # [هود، الآية 15] لكن الأول أنسب بقوله: { عجلنا له فيها } أي ~~في تلك العاجلة فإن الحياة واستمرارها من جملة ما عجل له، فالأنسب ~~بذلك كلمة من كما في قوله تعالى: # ومن يرد ثواب الدنيا نؤته منها # [آل عمران، الآية 145] { ما نشاء } أي ما نشاء تعجيله له من نعيمها ~~لا كل ما يريد { لمن نريد } تعجيل ما نشاء له وهو بدل من ~~الضمير في له بإعادة الجار بدل ms1951 البعض، فإنه راجع إلى الموصول ~~المنبىء عن الكثرة، وقرىء لمن يشاء على أن الضمير لله سبحانه، وقيل: هو ~~لمن فيكون مخصوصا بمن أراد به ذلك، وهو واحد من الدهماء، وتقييد ~~المعجل والمعجل له بما ذكر من المشيئة والإرادة لما أن الحكمة ~~التي عليها يدور فلك التكوين لا تقتضي وصول كل طالب إلى مرامه ولا ~~استيفاء كل واصل لما يطلبه بتمامه، وأما ما يتراءى من قوله تعالى: # من كان يريد الحيوة الدنيا وزينتها نوف ~~إليهم أعمالهم فيها وهم فيها لا يبخسون # [هود، الآية 15] من نيل كل مؤمل لجميع آماله ووصول كل عامل إلى ~~نتيجة أعماله، فقد أشير إلى تحقيق القول فيه في سورة هود بفضل الله ~~تعالى { ثم جعلنا له } مكان ما عجلنا له { جهنم } وما فيها ~~من أصناف العذاب { يصلها } يدخلها وهو حال من الضمير المجرور أو ~~من جهنم أو استئناف { مذموما مدحورا } مطرودا من رحمة الله ~~تعالى، وقيل: الآية في المنافقين كانوا يراؤون المسلمين ويغزون معهم ولم ~~يكن غرضهم إلا مساهمتهم في الغنائم ونحوها، ويأباه ما يقال إن السورة ~~مكية سوى آيات معينة. ### || [17.19-20] # { ومن أراد } بأعماله { الآخرة } الدار الآخرة وما فيها من ~~النعيم المقيم { وسعى لها سعيها } أي السعي اللائق بها وهو ~~الإتيان بما أمر والانتهاء عما نهي لا التقرب بما يخترعون ~~بآرائهم، وفائدة اللام اعتبار النية والإخلاص { وهو مؤمن } ~~إيمانا صحيحا لا يخالطه شيء قادح فيه، وإيراد الإيمان بالجملة ~~الحالية للدلالة على اشتراط مقارنته لما ذكر في حيز الصلة { ~~فأولئك } إشارة إلى الموصول بعنوان اتصافه بما في حيز الصلة، ~~وما في ذلك من معنى البعد للإشعار بعلو درجتهم وبعد منزلتهم، ~~والجمعية لمراعاة جانب المعنى إيماء إلى أن الإثابة المفهومة من الخبر ~~تقع على وجه الاجتماع أي أولئك الجامعون لما مر من الخصال الحميدة، ~~أعني إرادة الآخرة والسعي الجميل لها والإيمان { كان سعيهم ~~مشكورا } مقبولا عند الله تعالى أحسن القبول مثابا عليه، وفي ~~تعليق المشكورية بالسعي دون قرينيه إشعار بأنه العمدة فيها. # { كلا } التنوين عوض عن المضاف إليه ms1952 أي كل واحد من الفريقين لا ~~الفريق الأخير المريد للخير الحقيق بالإسعاف فقط { نمد } أي نزيد ~~مرة بعد مرة بحيث يكون الآنف مددا للسالف، وما به الإمداد ما عجل ~~لأحدهما من العطايا العاجلة وما أعد للآخر من العطايا الآجلة المشار ~~إليها بمشكورية السعي، وإنما لم يصرح به تعويلا على ما سبق تصريحا ~~وتلويحا واتكالا على ما لحق عبارة وإشارة كما ستقف عليه، وقوله ~~تعالى: { هؤلاء } بدل من كلا { وهؤلاء } عطف عليه أي نمد هؤلاء ~~المعجل لهم وهؤلاء المشكور سعيهم، فإن الإشارة متعرضة لذات ~~المشار إليه بما له من العنوان لا للذات فقط كالإضمار، ففيه تذكير لما ~~به الإمداد وتعيين للمضاف إليه المحذوف دفعا لتوهم كونه أفراد ~~الفريق الأخير، وتأكيد للقصر المستفاد من تقديم المفعول وقوله تعالى: ~~{ من عطاء ربك } أي من العطاء الواسع الذي لا تناهي له متعلق ~~بنمد، ومغن عن ذكر ما به الإمداد ومنبه على أن الإمداد المذكور ~~ليس بطريق الاستيجاب بالسعي والعمل بل بمحض التفضل { وما كان عطاء ~~ربك } أي دنيويا كان أو أخرويا، وإنما أظهر إظهارا لمزيد ~~الاعتناء بشأنه وإشعارا بعليته للحكم { محظورا } ممنوعا ممن ~~يريده بل هو فائض على من قدر له بموجب المشيئة المبنية على الحكمة ~~وإن وجد منه ما يقتضي الحظر كالكافر وهو في معنى التعليل لشمول ~~الأمداد للفريقين، والتعرض لعنوان الربوبية في الموضعين للإشعار ~~بمبدئيتها لما ذكر من الإمداد وعدم الحظر. ### || [17.21-22] # { انظر كيف فضلنا بعضهم على بعض } كيف في محل ~~النصب بفضلنا على الحالية والمراد توضيح ما مر من الإمداد وعدم ~~محظورية العطاء بالتنبيه على استحضار مراتب أحد العطاءين والاستدلال ~~بها على مراتب الآخر، أي انظر بنظر الاعتبار كيف فضلنا بعضهم على بعض ~~فيما أمددناهم به من العطايا العاجلة، فمن وضيع ورفيع وضالع وضليع ~~ومالك ومملوك وموسر وصعلوك تعرف بذلك مراتب العطايا الآجلة ~~ودرجات تفاضل أهلها على طريقة الاستشهاد بحال الأدنى على حال الأعلى ~~كما أفصح عنه قوله تعالى: { وللآخرة أكبر } أي هي وما فيها ~~أكبر من الدنيا، وقرىء أكثر { درجت ms1953 وأكبر تفضيلا } لأن ~~التفاوت فيها بالجنة ودرجاتها العالية التي لا يقادر قدرها ولا يكتنه ~~كنهها، كيف لا وقد عبر عنه بما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر ~~على قلب بشر. هذا ويجوز أن يراد بما به الإمداد العطايا العاجلة فقط ~~ويحمل القصر المذكور على دفع توهم اختصاصها بالفريق الأول، فإن ~~تخصيص إرادتهم لها ووصولهم إليها بالذكر من غير تعرض لبيان النسبة ~~بينها وبين الفريق الثاني إرادة ووصولا مما يوهم اختصاصها ~~بالأولين، فالمعنى كل واحد من الفريقين نمد بالعطايا العاجلة لا من ~~ذكرنا إرادته لها فقط من الفريق الأول من عطاء ربك الواسع وما كان ~~عطاؤه الدنيوي محظورا من أحد ممن يريده وممن يريد غيره، انظر كيف ~~فضلنا في ذلك العطاء بعض كل من الفريقين على بعض آخر منهما ~~وللآخرة.. الآية. واعتبار عدم المحظورية بالنسبة إلى الفريق الأول ~~تحقيقا لشمول الإمداد له كما فعله الجمهور حيث قالوا: لا يمنعه من ~~عاص لعصيانه يقتضي كون القصر لدفع توهم اختصاص الإمداد الدنيوي ~~بالفريق الثاني مع أنه لم يسبق في الكلام ما يوهم ثبوته له فضلا عن ~~إيهام اختصاصه. # { لا تجعل مع الله إلها ءاخر } الخطاب للرسول عليه ~~الصلاة والسلام والمراد به أمته وهو من باب التهييج والإلهاب، أو ~~كل أحد ممن يصلح للخطاب { فتقعد } بالنصب جوابا للنهي، والقعود ~~بمعنى الصيرورة من قولهم: شحذ الشفرة حتى قعدت كأنها خربة، أو بمعنى ~~العجز، من قعد عنه أي عجز عنه { مذموما مخذولا } خبران أو ~~حالان أي جامعا على نفسك الذم من الملائكة والمؤمنين والخذلان من ~~الله تعالى، وفيه إشعار بأن الموحد جامع بين المدح والنصرة. ### || [17.23-24] # { وقضى ربك } أي أمر أمرا مبرما، وقرىء وأوصى ربك «ووصى ~~ربك» { أن لا تعبدوا } أي بأن لا تعبدوا { إلا إياه } على ~~أن «أن» مصدرية ولا نافية أو أي لا تعبدوا على أنها مفسرة ولا ~~ناهية لأن العبادة غاية التعظيم فلا تحق إلا لمن له غاية العظمة ~~ونهاية الإنعام وهو كالتفصيل للسعي للآخرة { وبالولدين } أي ~~وبأن تحسنوا بهما أو ms1954 وأحسنوا بهما { إحسنا } لأنهما السبب ~~الظاهر للوجود والتعيش { إما يبلغن عندك الكبر ~~أحدهما أو كلاهما } إما مركبة من إن الشرطية وما المزيدة ~~لتأكيدها ولذلك دخل الفعل نون التأكيد، ومعنى عندك في كنفك وكفالتك ~~وتقديمه على المفعول مع أن حقه التأخر عنه للتشويق إلى وروده فإن مدار ~~تضاعف الرعاية الإحسان وأحدهما فاعل للفعل وتأخيره عن الظرف والمفعول ~~لئلا يطول الكلام به وبما عطف عليه. وقرىء يبلغان فأحدهما بدل من ~~ضمير التثنية وكلاهما عطف عليه ولا سبيل إلى جعل (كلاهما) تأكيدا ~~للضمير، وتوحيد ضمير الخطاب في عندك وفيما بعده مع أن ما سبق على الجمع ~~للاحتراز عن التباس المراد فإن المقصود نهي كل أحد عن تأفيف والديه ~~ونهرهما، ولو قوبل الجمع بالجمع أو بالتثنية لم يحصل هذا المرام { ~~فلا تقل لهما } أي لواحد منهما حالتي الانفراد والاجتماع { أف ~~} وهو صوت ينبىء عن تضجر، أو اسم فعل هو أتضجر، وقرىء بالكسر بلا ~~تنوين وبالفتح والضم منونا وغير منون أي لا تتضجر بهما تستقذر ~~منهما وتستثقل من مؤنهما وبهذا النهي يفهم النهي عن سائر ما يؤذيهما ~~بدلالة النص، وقد خص بالذكر بعضه إظهارا للاعتناء بشأنه فقيل: { ~~ولا تنهرهما } أي لا تزجرهما عما لا يعجبك بإغلاظ، قيل: النهي ~~والنهر والنهم أخوات { وقل لهما } بدل التأفيف والنهر { ~~قولا كريما } ذا كرم أو هو وصف له بوصف صاحبه أي قولا صادرا ~~عن كرم ولطف، وهو القول الجميل الذي يقتضيه حسن الأدب ويستدعيه ~~النزول على المروءة مثل أن يقول: يا أباه ويا أماه، كدأب إبراهيم عليه ~~السلام إذ قال لأبيه: يا أبت مع ما به من الكفر، ولا يدعوهما بأسمائهما ~~فإنه من الجفاء وسوء الأدب وديدن الدعار. وسئل الفضيل بن عياض عن ~~بر الوالدين فقال: أن لا تقوم إلى خدمتهما عن كسل، وقيل: أن لا ترفع ~~صوتك عليهما ولا تنظر إليهما شزرا ولا يريا منك مخالفة في ظاهر ~~ولا باطن وأن تترحم عليهما ما عاشا وتدعو لهما إذا ماتا وتقوم بخدمة ~~أودائهما من بعدهما، فعن النبي عليه الصلاة ms1955 والسلام: # " إن من أبر البر أن يصل الرجل أهل ود أبيه " # { واخفض لهما جناح الذل } عبارة عن إلانة الجانب ~~والتواضع والتذلل لهما، فإن إعزازهما لا يكون إلا بذلك فكأنه قيل: ~~واخفض لهما جناح الذليل أو جعل لذله جناح كما جعل لبيد في قوله: ~~[الكامل] # وغداة ريح قد كشفت وقرة # إذ أصبحت بيد الشمال زمامها # للقرة زماما وللشمال يدا تشبيها له بطائر يخفض جناحه لأفراخه ~~تربية لها وشفقة عليها، وأما جعل خفض الجناح عبارة عن ترك الطيران ~~كما فعله القفال فلا يناسب المقام { من الرحمة } من فرط رحمتك ~~وعطفك عليهما ورقتك لافتقارهما اليوم إلى من كان أفقر خلق الله ~~تعالى إليهما ولا تكتف برحمتك الفانية بل ادع الله لهما برحمته الواسعة ~~الباقية { وقل رب ارحمهما } برحمتك الدنيوية والأخروية التي ~~من جملتها الهداية إلى الإسلام فلا ينافي ذلك كفرهما { كما ~~ربيانى } الكاف في محل النصب على أنه نعت لمصدر محذوف أي رحمة ~~مثل تربيتهما لي أو مثل رحمتهما لي على أن التربية رحمة ويجوز أن ~~يكون لهما الرحمة والتربية معا وقد ذكر أحدهما في أحد الجانبين ~~والآخر كما يلوح به التعرض لعنوان الربوبية في مطلع الدعاء كأنه ~~قيل: رب ارحمهما وربهما كما رحماني وربياني { صغيرا } ويجوز أن ~~تكون الكاف للتعليل أي لأجل تربيتهما لي كقوله تعالى: # واذكروه كما هداكم # [البقرة: 198] ولقد بالغ عز وجل في التوصية بهما حيث افتتحها بأن شفع ~~الإحسان إليهما بتوحيده سبحانه ونظمهما في سلك القضاء بهما معا ثم ~~ضيق الأمر في باب مراعاتهما حتى لم يرخص في أدنى كلمة تفلت من ~~المتضجر مع ما له من موجبات الضجر ما لا يكاد يدخل تحت الحصر، وختمها ~~بأن جعل رحمته التي وسعت كل شيء مشبهة بتربيتهما. وعن النبي ~~عليه الصلاة والسلام: # " رضى الله في رضى الوالدين وسخطه في سخطهما " # وروي (يفعل البار ما يشاء أن يفعل فلن يدخل النار ويفعل العاق ما ~~يشاء أن يفعل فلن يدخل الجنة) # " وقال رجل لرسول الله صلى الله عليه وسلم: إن أبوي بلغا من ms1956 الكبر ~~أنى ألي منهما ما وليا مني في الصغر فهل قضيتهما حقهما؟ قال: «لا ~~فإنهما كانا يفعلان ذلك وهما يحبان بقاءك وأنت تفعل ذلك وأنت تريد ~~موتهما» " # وروي أن شيخا أتى النبي عليه الصلاة والسلام فقال: إن ابني هذا له ~~مال كثير وإنه لا ينفق علي من ماله، فنزل جبريل عليه السلام وقال: إن ~~هذا الشيخ قد أنشأ في ابنه أبياتا ما قرع سمع بمثلها فاستنشدها ~~الشيخ فقال: [الطويل] # غذوتك مولودا ومنتك يافعا # تعل بما أجني عليك وتنهل # إذا ليلة ضافتك بالسقم لم أبت # لسقمك إلا باكيا أتململ # كأني أنا المطروق دونك بالذي # طرقت به دوني وعيني تهمل # فلما بلغت السن والغاية التي # إليها مدى ما كنت فيك أؤمل # جعلت جزائي غلظة وفظاظة # كأنك أنت المنعم المتفضل # فليتك إذ لم ترع حق أبوتي # فعلت كما الجار المجاور يفعل # فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: # " أنت ومالك لأبيك ". ### || [17.25-26] # { ربكم أعلم بما فى نفوسكم } من البر والعقوق { إن ~~تكونوا صلحين } قاصدين للصلاح والبر دون العقوق والفساد { ~~فإنه } تعالى { كان للأوابين } أي الرجاعين إليه تعالى عما ~~فرط منهم مما لا يكاد يخلو عنه البشر { غفورا } لما وقع منهم من نوع ~~تقصير أو أذية فعلية أو قولية، وفيه ما لا يخفى من التشديد في الأمر ~~بمراعاة حقوقهما، ويجوز أن يكون عاما لكل تائب ويدخل فيه الجاني على ~~أبويه دخولا أوليا. # { وءات ذا القربى } أي ذا القرابة { حقه } توصية بالأقارب ~~إثر التوصية ببر الوالدين، ولعل المراد بهم المحارم وبحقهم النفقة ~~كما ينبىء عنه قوله تعالى: { والمسكين وابن السبيل } فإن ~~المأمور به في حقهما المواساة المالية لا محالة أي وآتهما حقهما ~~مما كان مفترضا بمكة بمنزلة الزكاة، وكذا النهي عن التبذير وعن ~~الإفراط في القبض والبسط فإن الكل من التصرفات المالية { ولا ~~تبذر تبذيرا } نهي عن صرف المال إلى من سواهم ممن لا يستحقه فإن ~~التبذير تفريق في غير موضعه مأخوذ من تفريق حبات وإلقائها كيفما كان ~~من غير تعهد لمواقعه، لا عن ms1957 الإكثار في صرفه إليهم وإلا لناسبه ~~الإسراف الذي هو تجاوز الحد في صرفه، وقد نهي عنه بقوله سبحانه ~~وتعالى: { ولا تبسطها } وكلاهما مذموم. ### || [17.27-32] # { إن المبذرين كانوا إخون الشيطين } تعليل ~~للنهي عن التبذير ببيان أنه يجعل صاحبه ملزوزا في قرن الشياطين، ~~والمراد بالأخوة المماثلة التامة في كل ما لا خير فيه من صفات ~~السوء التي من جملتها التبذير أي كانوا بما فعلوا من التبذير أمثال ~~الشياطين، أو الصداقة والملازمة أي كانوا أصدقاءهم وأتباعهم فيما ~~ذكر من التبذير والصرف في المعاصي فإنهم كانوا ينحرون الإبل ~~ويتياسرون عليها ويبذرون أموالهم في السمعة وسائر ما لا خير فيه من ~~المناهي والملاهي، أو المقارنة أي قرناءهم في النار على سبيل الوعيد { ~~وكان الشيطن لربه كفورا } من تتمة التعليل أي مبالغا ~~في كفران نعمته تعالى لأن شأنه أن يصرف جميع ما أعطاه الله تعالى من ~~القوى والقدر إلى غير ما خلقت هي له من أنواع المعاصي والإفساد في ~~الأرض وإضلال الناس وحملهم على الكفر بالله وكفران نعمه الفائضة ~~عليهم وصرفها إلى غير ما أمر الله تعالى به، وتخصيص هذا الوصف بالذكر ~~من بين سائر أوصافه القبيحة للإيذان بأن التبذير الذي هو عبارة عن ~~صرف نعم الله تعالى إلى غير مصرفها من باب الكفران المقابل للشكر ~~الذي هو عبارة عن صرفها إلى ما خلقت هي له. والتعرض لوصف الربوبية ~~للإشعار بكمال عتوه فإن كفران نعمة الرب مع كون الربوبية من ~~أقوى الدواعي إلى شكرها غاية الكفران ونهاية الضلال والطغيان. # { وإما تعرضن عنهم } أي إن اعتراك أمر اضطرك إلى أن ~~تعرض عن أولئك المستحقين { ابتغاء رحمة من ربك } أي لفقد ~~رزق من ربك، إقامة للمسبب مقام السبب فإن الفقد سبب للابتغاء { ~~ترجوها } من الله تعالى لتعطيهم وكان عليه السلام إذا سئل شيئا ~~وليس عنده أعرض عن السائل وسكت حياء فأمر بتعهدهم بالقول الجميل لئلا ~~تعتريهم الوحشة بسكوته عليه السلام، فقيل: { فقل لهم قولا ~~ميسورا } سهلا لينا وعدهم وعدا جميلا، من يسر الأمر نحو ~~سعد، أو قل لهم ms1958 رزقنا الله وإياكم من فضله على أنه دعاء لهم ييسر ~~عليهم فقرهم. # { ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها ~~كل البسط } تمثيلان لمنع الشحيح وإسراف المبذر زجرا لهما ~~عنهما وحملا على ما بينهما من الاقتصاد: [الطويل] # كلا طرفي قصد الأمور ذميم # وحيث كان قبح الشح مقارنا له معلوما من أول الأمر روعي ذلك في ~~التصوير بأقبح الصور، ولما كان غائلة الإسراف في آخره بين قبحه في ~~أثره فقيل: { فتقعد ملوما } أي فتصير ملوما عند الله تعالى ~~وعند الناس وعند نفسك إذا احتجت وندمت على ما فعلت { محسورا } ~~نادما أو منقطعا بك لا شيء عندك من حسره السفر إذا بلغ منه. وما قيل ~~من أنه روي عن جابر رضي الله عنه أنه قال: # " بينا رسول الله صلى الله عليه وسلم قاعد إذ أتاه صبي فقال: إن ~~أمي تستكسيك درعا فقال عليه السلام: «من ساعة إلى ساعة فعد إلينا» ~~فذهب إلى أمه فقالت له: قل: إن أمي تستكسيك الدرع الذي عليك، فدخل صلى ~~الله عليه وسلم داره ونزع قميصه وأعطاه وقعد عريانا، وأذن بلال، ~~وانتظروا فلم يخرج للصلاة " # فنزلت. فيأباه أن السورة مكية خلا آيات في آخرها، وكذا ما قيل إنه ~~عليه السلام أعطى الأقرع بن حابس من الإبل وكذا عيينة بن حصن ~~الفزاري فجاء عباس بن مرداس فأنشد يقول: # أتجعل نهبي ونهب العبي # د بين عيينة والأقرع # وما كان حصن ولا حابس # يفوقان مرداس في مجمع # وما كنت دون امرىء منهما # ومن تضع اليوم لا يرفع # فقال عليه السلام: # " يا أبا بكر اقطع لسانه عني، أعطه مائة من الإبل " # وكانوا جميعا من المؤلفة القلوب فنزلت. # { إن ربك يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر } تعليل ~~لما مر أي يوسعه على بعض ويضيقه على آخرين حسبما تتعلق به مشيئته ~~التابعة للحكمة فليس ما يرهقك من الإضافة التي تحوجك إلى الإعراض ~~عن السائلين أو نفاد ما في يدك إذا بسطتها كل البسط إلا لمصلحتك { ~~إنه كان بعباده خبيرا بصيرا } تعليل لما سبق أي يعلم ms1959 ~~سرهم وعلنهم فيعلم من مصالحهم ما يخفى عليهم، ويجوز أن يراد أن ~~البسط والقبض من أمر الله العالم بالسرائر والظواهر الذي بيده خزائن ~~السموات والأرض، وأما العباد فعليهم أن يقتصدوا، وأن يراد أنه تعالى ~~يبسط تارة ويقبض أخرى فاستنوا بسنته فلا تقبضوا كل القبض ولا ~~تبسطوا كل البسط، وأن يراد أنه تعالى يبسط ويقدر حسب مشيئته فلا ~~تبسطوا على من قدر عليه رزقه، وأن يكون تمهيدا لقوله: { ولا ~~تقتلوا أولادكم خشية إملق } أي مخافة فقر، وقرىء ~~بكسر الخاء، كانوا يئدون بناتهم مخافة الفقر فنهوا عن ذلك { نحن ~~نرزقهم وإياكم } لا أنتم فلا تخافوا الفاقة بناء على علمكم ~~بعجزكم عن تحصيل رزقهم وهو ضمان لرزقهم وتعليل للنهي المذكور بإبطال ~~موجبه في زعمهم، وتقديم ضمير الأولاد على المخاطبين على عكس ما وقع ~~في سورة الأنعام للإشعار بأصالتهم في إفاضة الرزق أو لأن الباعث على ~~القتل هناك الإملاق الناجز ولذلك قيل: من إملاق وههنا الإملاق ~~المتوقع، ولذلك قيل: خشية إملاق فكأنه قيل: نرزقهم من غير أن ينتقص من ~~رزقكم شيء فيعتريكم ما تخشونه وإياكم أيضا رزقا إلى رزقكم { إن ~~قتلهم كان خطأ كبيرا } تعليل آخر ببيان أن المنهي عنه في ~~نفسه منكر عظيم، والخطء الذنب والإثم يقال: خطىء خطأ كأثم ~~إثما، وقرىء بالفتح والسكون وبفتحتين بمعناه كالحذر والحذر، وقيل: ~~بمعنى ضد الصواب، وبكسر الخاء والمد وبفتحها ممدودا وبفتحها وحذف الهمزة ~~وبكسرها كذلك. # { ولا تقربوا الزنى } بمباشرة مباديه القريبة أو البعيدة ~~فضلا عن مباشرته وإنما نهى عن قربانه على خلاف ما سبق ولحق من القتل ~~للمبالغة في النهي عن نفسه لأن قربانه داع إلى مباشرته. وتوسيط النهي ~~عنه بين النهي عن قتل الأولاد والنهي عن قتل النفس المحرمة على ~~الإطلاق باعتبار أنه قتل للأولاد لما أنه تضييع للأنساب فإن من لم ~~يثبت نسبه ميت حكما { إنه كان فاحشة } فعلة ظاهرة ~~القبح متجاوزة عن الحد { وساء سبيلا } أي بئس طريقا طريقه، فإن ~~غصب الأبضاع المؤدي إلى اختلال أمر الأنساب وهيجان الفتن، كيف لا ~~وقد قال ms1960 النبي عليه السلام: # " إذا زنى العبد خرج منه الإيمان فكان على رأسه كالظلة فإذا ~~انقطع رجع إليه " # وقال عليه السلام: # " لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن " # وعن حذيفة رضي الله عنه أنه قال عليه السلام: # " إياكم والزنى فإن فيه ست خصال ثلاث في الدنيا وثلاث في الآخرة ~~فأما التي في الدنيا فذهاب البهاء ودوام الفقر وقصر العمر، وأما ~~التي في الآخرة فسخط الله تعالى وسوء الحساب والخلود في النار ". ### || [17.33-34] # { ولا تقتلوا النفس التى حرم الله } قتلها بأن ~~عصمها بالإسلام أو بالعهد { إلا بالحق } إلا بإحدى ثلاث: كفر بعد ~~إيمان، وزنا بعد إحصان، وقتل نفس معصومة عمدا، فالاستثناء مفرغ ~~أي لا تقتلوها بسبب من الأسباب إلا بسبب الحق أو ملتبسين أو ملتبسة ~~بشيء من الأشياء، ويجوز أن يكون نعتا لمصدر محذوف أي لا تقتلوها قتلا ~~ما إلا قتلا متلبسا بالحق { ومن قتل مظلوما } بغير حق يوجب ~~قتلها أو يبيحه للقاتل حتى إنه لا يعتبر إباحته لغير القاتل فإن من ~~عليه القصاص إذا قتله غير من له القصاص يقتص له، ولا يفيده قول ~~الولي: أنا أمرته بذلك ما لم يكن الأمر ظاهرا { فقد جعلنا ~~لوليه } لمن يلي أمره من الوارث أو السلطان عند عدم الوارث { ~~سلطنا } تسلطا واستيلاء على القاتل يؤاخذه بالقصاص أو بالدية ~~حسبما تقتضيه جنايته، أو حجة غالبة { فلا يسرف } وقرىء لا تسرف { ~~فى القتل } أي لا يسرف الولي في أمر القتل بأن يتجاوز الحد ~~المشروع بأن يزيد عليه المثلة أو بأن يقتل غير القاتل من أقاربه، أو ~~بأن يقتل الاثنين مكان الواحد كما يفعله أهل الجاهلية أو بأن يقتل ~~القاتل في مادة الدية وقرىء بصيغة النفي مبالغة في إفادة معنى النهي { ~~إنه كان منصورا } تعليل للنهي والضمير للولي على معنى أنه ~~تعالى نصره بأن أوجب له القصاص أو الدية وأمر الحكام بمعونته في ~~استيفاء حقه فلا يبغ ما وارء حقه ولا يستزد عليه ولا يخرج من ~~دائرة أمر الناصر. أو للمقتول ظلما على معنى أنه تعالى نصره ms1961 بما ذكر ~~فلا يسرف وليه في شأنه أو للذي يقتله الولي ظلما وإسرافا، ووجه ~~التعليل ظاهر، وعن مجاهد أن الضمير في لا يسرف للقاتل الأول ويعضده ~~قراءة فلا تسرفوا والضميران في التعليل عائدان إلى الولي أو المقتول، ~~فالمراد بالإسراف حينئذ إسراف القاتل على نفسه بتعريضه لها للهلاك ~~العاجل والآجل لا الإسراف وتجاوز الحد في القتل أي لا يسرف على نفسه ~~في شأن القتل كما في قوله تعالى: # قل يعبادى الذين أسرفوا على أنفسهم # [الزمر، الآية 53]. # { ولا تقربوا مال اليتيم } نهي عن قربانه لما ذكر من ~~المبالغة في النهي عن التعرض له ومن إفضاء ذلك إليه وللتوسل إلى ~~الاستثناء بقوله تعالى: { إلا بالتى هى أحسن } أي إلا ~~بالخصلة والطريقة التي هي أحسن الخصال والطرائق وهي حفظه واستثماره { ~~حتى يبلغ أشده } غاية لجواز التصرف على الوجه الأحسن ~~المدلول عليه بالاستثناء لا للوجه المذكور فقط { وأوفوا ~~بالعهد } سواء جرى بينكم وبين ربكم أو بينكم وبين غيركم من ~~الناس، والإيفاء بالعهد والوفاء به هو القيام بمقتضاه والمحافظة عليه ~~ولا يكاد يستعمل إلا بالباء فرقا بينه وبين الإيفاء الحسي كإيفاء ~~الكيل والوزن { إن العهد } أظهر في مقام الإضمار إظهارا لكم ~~والعناية بشأنه، أو لأن المراد مطلق العهد المنتظم للعهد المعهود { ~~كان مسؤولا } أي مسؤولا عنه على حذف الجار وجعل الضمير بعد ~~انقلابه مرفوعا مستكنا في اسم المفعول كقوله تعالى: # وذلك يوم مشهود # [هود، الآية 103] أي مشهود فيه، ونظيره ما في قوله تعالى: # تلك ءايت الكتب الحكيم # [يونس، الآية 1] على أن أصله الحكيم قائله فحذف المضاف وجعل الضمير ~~مستكنا في الحكيم بعد انقلابه مرفوعا، ويجوز أن يكون تخييلا كأنه ~~يقال للعهد: لم نكثت وهلا وفى بك تبكيتا للناكث كما يقال للموؤدة: ~~بأي ذنب قتلت. ### || [17.35-36] # { وأوفوا الكيل } أي أتموه ولا تخسروه { إذا كلتم } أي ~~وقت كيلكم للمشترين وتقييد الأمر بذلك لما أن التطفيف هناك يكون وأما ~~وقت الاكتيال على الناس فلا حاجة إلى الأمر بالتعديل قال تعالى: # إذا اكتالوا على الناس يستوفون # [المطففين، الآية 2] { وزنوا بالقسطاس ms1962 } وهو القرسطون، وقيل: ~~كل ميزان صغيرا كان أو كبيرا، رومي معرب ولا يقدح ذلك في عربية ~~القرآن لانتظام المعربات في سلك الكلم العربية وقرىء بضم القاف { ~~المستقيم } أي العدل السوي ولعل الاكتفاء باستقامته عن الأمر ~~بإيفاء الوزن لما أن عند استقامته لا يتصور الجور غالبا بخلاف الكيل ~~فإنه كثيرا ما يقع التطفيف مع استقامة الآلة كما أن الاكتفاء بإيفاء ~~الكيل عن الأمر بتعديله لما أن إيفاءه لا يتصور بدون تعديل المكيال ~~وقد أمر بتقويمه أيضا في قوله تعالى: # أوفوا الكيل والميزان بالقسط # [الأنعام: 152] { ذلك } أي إيفاء الكيل والوزن بالميزان السوي { ~~خير } في الدينا إذ هو أمانة توجب الرغبة في معاملته والذكر ~~الجميل بين الناس { وأحسن تأويلا } عاقبة، تفعيل من آل إذا ~~رجع والمراد ما يؤول إليه. # { ولا تقف } ولا تتبع من قفا أثره إذا تبعه، وقرىء ولا تقف من ~~قاف أثره أي قفاه، ومنه القافة في جمع القائف { ما ليس لك به ~~علم } أي لا تكن في اتباع ما لا علم لك به من قول أو فعل كمن يتبع ~~مسلكا لا يدري أنه يوصله إلى مقصده، واحتج به من منع اتباع الظن ~~وجوابه أن المراد بالعلم هو الاعتقاد الراجح المستفاد من سند قطعيا ~~كان أو ظنيا واستعماله بهذا المعنى مما لا ينكر شيوعه، وقيل: إنه ~~مخصوص بالعقائد، وقيل: بالرمي وشهادة الزور ويؤيده قوله عليه الصلاة ~~والسلام: # " من قفا مؤمنا بما ليس فيه حبسه الله تعالى في ردغة الخبال حتى ~~يأتي بالمخرج " # ومنه قول الكميت: [الوافر] # ولا أرمي البريء بغير ذنب # ولا أقفو الحواصن إن رمينا # { إن السمع والبصر والفؤاد } وقرىء بفتح الفاء والواو ~~المقلوبة من الهمزة عند ضم الفاء { كل أولئك } أي كل واحد من ~~تلك الأعضاء فأجريت مجرى العقلاء لما كانت مسؤولة عن أحوالها شاهدة ~~على أصحابها. هذا وإن أولاء وإن غلب في العقلاء لكنه من حيث إنه اسم لذا ~~الذي يعم القبيلين جاء لغيرهم أيضا قال: [الكامل] # ذم المنازل بعد منزلة اللوى # والعيش بعد أولئك الأيام # { كان عنه ms1963 مسؤولا } أي كان كل من تلك الأعضاء مسؤولا عن ~~نفسه، على أن اسم كان ضمير يرجع إلى كل وكذا الضمير المجرور، وقد ~~جوز أن يكون الاسم ضمير القافي بطريق الالتفات إذ الظاهر أن يقال: ~~كنت عنه مسؤولا، وقيل: الجار والمجرور في محل الرفع قد أسند إليه ~~مسؤولا معللا بأن الجار والمجرور لا يلتبس بالمبتدأ وهو السبب في ~~منع تقديم الفاعل وما يقوم مقامه. # ولكن النحاس حكى الإجماع على عدم جواز تقديم القائم مقام الفاعل إذا ~~كان جارا ومجرورا، ويجوز أن يكون من باب الحذف على شريطة التفسير، ~~ويحذف الجار من المفسر ويعود الضمير مستكنا كما ذكرنا في قوله تعالى: # يوم مشهود # [هود، الآية 103] وجوز أن يكون مسؤولا مسندا إلى المصدر المدلول ~~عليه بالفعل وأن يكون فاعله المصدر وهو السؤال وعنه في محل النصب. ~~وسأل ابن جني أبا علي عن قولهم: فيك يرغب، وقال: لا يرتفع بما بعده، ~~فأين المرفوع؟ فقال: المصدر أي فيك يرغب الرغبة بمعنى تفعل الرغبة، ~~كما في قولهم: يعطي ويمنع أي يفعل الإعطاء والمنع، وجوز أن يكون اسم ~~كان أو فاعله ضمير كل بحذف المضاف أي كان صاحبه عنه مسؤولا أو ~~مسؤولا صاحبه. ### || [17.37-38] # { ولا تمش فى الأرض } التقييد لزيادة التقرير والإشعار بأن ~~المشي عليها مما لا يليق بالمرح { مرحا } تكبرا وبطرا واختيالا ~~وهو مصدر وقع موقع الحال أي ذا مرح أو تمرح مرحا أو لأجل المرح، ~~وقرىء بالكسر { إنك لن تخرق الأرض } تعليل للنهي، وفيه ~~تهكم بالمختال وإيذان بأن ذلك مفاخرة مع الأرض وتكبر عليها أي لن ~~تخرق الأرض بدوسك وشدة وطأتك، وقرى بضم الراء { ولن تبلغ ~~الجبال } التي هي بعض أجزاء الأرض { طولا } حتى يمكن لك أن تتكبر ~~عليها إذ التكبر إنما يكون بكثرة القوة وعظم الجثة وكلاهما مفقود، ~~وفيه تعريض بما عليه المختال من رفع رأسه ومشيه على صدور قدميه. # { كل ذلك } إشارة إلى ما علم في تضاعيف ذكر الأوامر والنواهي من ~~الخصال الخمس والعشرين { كان سيئه } الذي نهي عنه وهي اثنتا عشرة ~~خصلة ms1964 { عند ربك مكروها } مبغضا غير مرضي أو غير مراد ~~بالإرادة الأولية لا غير مراد مطلقا لقيام الأدلة القاطعة على أن ~~جميع الأشياء واقعة بإرادته سبحانه وهو تتمة لتعليل الأمور المنهي ~~عنها جميعا، ووصف ذلك بمطلق الكراهة مع أن البعض من الكبائر للإيذان ~~بأن مجرد الكراهة عنده تعالى كافية في وجوب الانتهاء عن ذلك، وتوجيه ~~الإشارة إلى الكل ثم تعيين البعض دون توجيهها إليه ابتداء لما أن ~~البعض المذكور ليس بمذكور جملة بل على وجه الاختلاط، وفيه إشعار بكون ~~ما عداه مرضيا عنده تعالى وإنما لم يصرح بذلك إيذانا بالغنى عنه، وقيل: ~~الإضافة بيانية كما في آية الليل وآية النهار، وقرىء سيئة على أنه ~~خبر كان وذلك إشارة إلى ما نهي عنه من الأمور المذكورة ومكروها بدل ~~من سيئة أو صفة لها محمولة على المعنى فإنه بمعنى سيئا، وقد قرىء به ~~أو مجرى على موصوف مذكر أي أمرا مكروها أو مجرى مجرى الأسماء زال ~~عنه معنى الوصفية، ويجوز كونه حالا من المستكن في كان أو في الظرف على ~~أنه صفة سيئه، وقرىء سيئاته، وقرىء شأنه. ### || [17.39-40] # { ذلك } أي الذي تقدم من التكاليف المفصلة { مما أوحى ~~إليك ربك } أي بعض منه أو من جنسه { من الحكمة } التي هي ~~علم الشرائع أو معرفة الحق لذاته والعمل به، أو من الأحكام المحكمة ~~التي لا يتطرق إليها النسخ والفساد. وعن ابن عباس رضي الله عنهما أن هذه ~~الآيات الثماني عشرة كانت في ألواح موسى عليه السلام أولها: { لا ~~تجعل مع الله إلها ءاخر } قال تعالى: # وكتبنا له فى الألواح من كل شىء موعظة # [الأعراف: 145] وهي عشر آيات في التوراة. ومن إما متعلقة بأوحى على ~~أنها تبعيضية أو ابتدائية، وإما بمحذوف وقع حالا من الموصول أو من ~~ضميره المحذوف في الصلة أي كائنا من الحكمة، وإما بدل من الموصول ~~بإعادة الجار. # { ولا تجعل مع الله إلها ءاخر } الخطاب للرسول عليه ~~الصلاة والسلام والمراد غيره ممن يتصور منه صدور المنهي عنه، وقد ~~كرر للتنبيه على أن التوحيد ms1965 مبدأ الأمر ومنتهاه وأنه رأس كل حكمة ~~وملاكها، ومن عدمه لم تنفعه علومه وحكمته وإن بذ فيها أساطين ~~الحكماء وحك بيافوخه عنان السماء، وقد رتب عليه ما هو عائد الإشراك ~~أولا حيث قيل: فتقعد مذموما مخذولا ورتب عليه ههنا نتيجته في ~~العقبى فقيل: { فتلقى فى جهنم ملوما } من جهة نفسك ومن ~~جهة غيرك { مدحورا } مبعدا من رحمة الله تعالى، وفي إيراد ~~الإلقاء مبنيا للمعفول جري على سنن الكبرياء وازدراء بالمشرك وجعل ~~له من قبيل خشبة يأخذها آخذ بكفه فيطرحها في التنور. # { أفأصفكم ربكم بالبنين واتخذ من ~~الملئكة إناثا } خطاب للقائلين بأن الملائكة بنات الله ~~سبحانه، والإصفاء بالشيء جعله خالصا، والهمزة للإنكار، والفاء للعطف ~~على مقدر يفسره المذكور، أي أفضلكم على جنابه فخصكم بأفضل الأولاد ~~على وجه الخلوص وآثر لذاته أخسها وأدناها كما في قوله سبحانه: # ألكم الذكر وله الانثى # [النجم، الآية 21] وقوله تعالى: # أم له البنت ولكم البنون # [الطور، الآية 39] وقد قصد ههنا بالتعرض لعنوان الربوبية تشديد ~~النكير وتأكيده وأشير بذكر الملائكة عليهم السلام، وإيراد الإناث مكان ~~البنات إلى كفرة لهم أخرى وهي وصفهم لهم عليهم السلام بالأنوثة التي هي ~~أخس صفات الحيوان كقوله تعالى: # وجعلوا الملئكة الذين هم عباد الرحمن ~~إنثا # [الزخرف، الآية 19] { إنكم لتقولون } بمقتضى مذهبكم الباطل ~~الذي هو إضافة الولد إليه سبحانه { قولا عظيما } لا يقادر قدره ~~في استتباع الإثم وخرقه لقضايا العقول بحيث لا يجترىء عليه أحد، ~~حيث يجعلونه تعالى من قبيل الأجسام المتجانسة السريعة الزوال وليس ~~كمثله شيء وهو الواحد القهار الباقي بذاته، ثم تضيفون إليه ما تكرهون ~~من أخس الأولاد وتفضلون عليه أنفسكم بالبنين ثم تصفون الملائكة ~~الذين هم من أشرف الخلائق بالأنوثة التي هي أخس أوصاف الحيوان، فيا ~~لها من ضلة ما أقبحها وكفرة ما أشنعها وأفظعها. ### || [17.41-43] # { ولقد صرفنا } هذا المعنى وكررناه { فى هذا القرءان ~~} على وجوه من التصريف في مواضع منه، وإنما ترك الضمير تعويلا على ~~الظهور، وقرىء بالتخفيف { ليذكروا } ما فيه ويقفوا على بطلان ما ~~يقولونه، والالتفات إلى الغيبة للإيذان ms1966 باقتضاء الحال أن يعرض عنهم ~~ويحكى للسامعين هناتهم. وقرىء بالتخفيف من الذكر بمعنى التذكر، ويجوز ~~أن يراد بهذا القرآن ما نطق ببطلان مقالتهم المذكورة من الآيات ~~الكريمة الواردة على أساليب مختلفة، ومعنى التصريف فيه جعله مكانا ~~له أي أوقعنا فيه التصريف كقوله: [الطويل] # [وإن تعتذر بالمحل من ذي ضروعها # إلى الضيف] يجرح في عراقيبها نصلي # وقد جوز أن يراد به إبطال إضافتهم إليه تعالى البنات، وأنت تعلم أن ~~إبطالها من آثار القرآن ونتائجها { وما يزيدهم } أي والحال أنه ~~ما يزيدهم ذلك التصريف البالغ { إلا نفورا } عن الحق وإعراضا عنه ~~فضلا عن التذكر المؤدي إلى معرفة بطلان ما هم عليه من القبائح. # { قل } في إظهار بطلان ذلك من جهة أخرى { لو كان معه } تعالى ~~{ آلهة كما يقولون } أي المشركون قاطبة، وقرىء بالتاء خطابا ~~لهم من قبل النبي عليه الصلاة والسلام، والكاف في محل النصب على أنها ~~نعت لمصدر محذوف أي كونا مشابها لما يقولون، والمراد بالمشابهة ~~الموافقة والمطابقة { إذا لابتغوا } جواب عن مقالتهم الشنعاء ~~وجزاء «للو» أي لطلبوا { إلى ذى العرش } أي إلى من له الملك ~~والربوبية على الإطلاق { سبيلا } بالمغالبة والممانعة كما هو ديدن ~~الملوك بعضهم مع بعض طريقة قوله تعالى: # لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا # [الأنبياء، الآية 22] وقيل: بالتقرب إليه تعالى كقوله تعالى: # أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم ~~الوسيلة # [الإسراء، الآية 57] والأول هو الأظهر الأنسب لقوله: { سبحنه ~~} فإنه صريح في أن المراد بيان أنه يلزم مما يقولونه محذور عظيم من ~~حيث لا يحتسبون، وأما ابتغاء السبيل إليه تعالى بالتقرب فليس مما يختص ~~بهذا التقرير، ولا هو مما يلزمهم من حيث لا يشعرون بل هو أمر يعتقدونه ~~رأسا، أي تنزه بذاته تنزها حقيقا به { وتعالى } متباعدا { ~~عما يقولون } من العظيمة التي هي أن يكون معه آلهة وأن يكون له ~~بنات { علوا } تعاليا كقوله تعالى: # والله أنبتكم من الأرض نباتا # [نوح، الآية 17] { كبيرا } لا غاية وراءه، كيف لا وإنه سبحانه في ~~أقصى غايات الوجود وهو الوجوب الذاتي، وما ms1967 يقولونه من أن له تعالى ~~شركاء وأولادا في أبعد مراتب العدم أعني الامتناع، لا لأنه تعالى في ~~أعلى مراتب الوجود لذاته واتخاذ الولد من أدنى مراتبه فإنه من خواص ~~ما يمتنع بقاؤه كما قيل، فإن ما يقولونه ليس مجرد اتخاذ الولد بل ~~اتخاذه تعالى له وأن يكون معه آلهة، ولا ريب في أن ذلك ليس بداخل في حد ~~الإمكان فضلا عن دخوله تحت الوجود، وكونه من أدنى مراتب الوجود إنما ~~هو بالنسبة إلى من شأنه ذلك. ### || [17.44-46] # { تسبح } بالفوقانية، وقرىء بالتحتانية، وقرىء سبحت { له ~~السموات السبع والأرض ومن فيهن } من الملائكة ~~والثقلين، على أن المراد بالتسبيح معنى منتظم لما ينطق به لسان ~~المقال ولسان الحال بطريق عموم المجاز { وإن من شىء } من الأشياء ~~حيوانا كان أو نباتا أو جمادا { إلا يسبح } ملتبسا { ~~بحمده } أي ينزهه تعالى بلسان الحال عما لا يليق بذاته الأقدس ~~من لوازم الإمكان ولواحق الحدوث، إذ ما من موجود إلا وهو بإمكانه ~~وحدوثه يدل دلالة واضحة على أن له صانعا عليما قادرا حكيما واجبا ~~لذاته قطعا للسلسلة { ولكن لا تفقهون تسبيحهم } ~~أيها المشركون لإخلالكم بالنظر الصحيح الذي به يفهم ذلك، وقرىء لا ~~يفقهون على صيغة المبني للمفعول من باب التفعيل { إنه كان ~~حليما } ولذلك لم يعاجلكم بالعقوبة مع ما أنتم عليه من موجباتها من ~~الإعراض عن التدبر في الدلائل الواضحة الدالة على التوحيد، والانهماك ~~في الكفر والإشراك { غفورا } لمن تاب منكم. # { وإذا قرأت القرءان } الناطق بالتسبيح والتنزيه ودعوتهم ~~إلى العمل بما فيه من التوحيد ورفض الشرك وغير ذلك من الشرائع { ~~جعلنا } بقدرتنا ومشيئتنا المبنية على دواعي الحكم الخفية { ~~بينك وبين الذين لا يؤمنون بالآخرة } أوثر ~~الموصول على الضمير ذما لهم بما في حيز الصلة، وإنما خص بالذكر ~~كفرهم بالآخرة من بين سائر ما كفروا به من التوحيد ونحوه دلالة على ~~أنها معظم ما أمروا بالإيمان به في القرآن، وتمهيدا لما سينقل عنهم ~~من إنكار البعث واستعجاله ونحو ذلك { حجابا } يحجبهم من أن يدركوك ~~على ما أنت عليه ms1968 من النبوة ويفهموا قدرك الجليل، ولذلك اجترأوا على ~~تفوه العظيمة التي هي قولهم: # إن تتبعون إلا رجلا مسحورا # [الإسراء، الآية 47] وحمل الحجاب على ما روي عن أسماء بنت أبي بكر ~~رضي الله عنه من أنه # " لما نزلت سورة (تبت) أقبلت العوراء أم جميل امرأة أبي لهب وفي ~~يدها فهر والنبي عليه الصلاة والسلام قاعد في المسجد ومعه أبو بكر ~~رضي الله عنه، فلما رآها قال: يا رسول الله، لقد أقبلت هذه وأخاف أن ~~تراك، قال عليه الصلاة والسلام: «إنها لن تراني» وقرأ قرآنا فوقفت على ~~أبي بكر رضي الله عنه ولم تر رسول الله صلى الله عليه وسلم " # مما لا يقبله الذوق السليم ولا يساعده النظم الكريم { مستورا } ~~ذا ستر كما في قولهم: سيل مفعم، أو مستورا عن الحس بمعنى غير ~~حسي أو مستورا في نفسه بحجاب آخر أو مستورا كونه حجابا حيث لا ~~يدرون أنهم لا يدرون. # { وجعلنا على قلوبهم أكنة } أغطية كثيرة جمع كنان { ~~أن يفقهوه } مفعول لأجله أي كراهة أن يفقهوه، أو مفعول لما دل ~~عليه الكلام أي منعناهم أن يقفوا على كنهه ويعرفوا أنه من عند الله ~~تعالى { وفي آذانهم وقرا } صمما وثقلا مانعا من سماعه ~~اللائق به، وهذه تمثيلات معربة عن كمال جهلهم بشؤون النبي عليه ~~الصلاة والسلام وفرط نبو قلوبهم عن فهم القرآن الكريم ومج أسماعهم ~~له، جيء بها بيانا لعدم فقههم لتسبيح لسان المقال إثر بيان عدم ~~فقههم لتسبيح لسان الحال، وإيذانا بأن هذا التسبيح من الظهور بحيث ~~لا يتصور عدم فهمه إلا لمانع قوي يعتري المشاعر فيبطلها، ~~وتنبيها على أن حالهم هذا أقبح من حالهم السابق لا حكاية لما قالوا: # قلوبنا فى أكنة مما تدعونا إليه وفى ءاذاننا ~~وقر ومن بيننا وبينك حجاب # [فصلت، الآية 5] كيف لا وقصدهم بذلك إنما هو الإخبار بما اعتقدوه في ~~حق القرآن والنبي عليه الصلاة والسلام جهلا وكفرا من اتصافهما ~~بأوصاف مانعة من التصديق والإيمان، ككون القرآن سحرا وشعرا ~~وأساطير وقس عليه حال النبي عليه الصلاة والسلام، ms1969 لا الإخبار بأن ~~هناك أمرا وراء ما أدركوه قد حال بينهم وبين إدراكه حائل من قبلهم. ~~ولا ريب في أن ذلك المعنى مما لا يكاد يلائم المقام. { وإذا ذكرت ~~ربك في القرآن وحده } واحدا غير مشفوع به آلهتهم، وهو ~~مصدر وقع موقع الحال، أصله يحد وحده { ولوا على ~~أدبرهم } أي هربوا ونفروا { نفورا } أو ولوا نافرين. ### || [17.47-48] # { نحن أعلم بما يستمعون به } متلبسين به من اللغو ~~والاستخفاف والهزء بك وبالقرآن، يروى أنه كان يقوم عن يمينه عليه ~~الصلاة والسلام رجلان من بني عبد الدار وعن يساره رجلان فيصفقون ~~ويصفرون ويخلطون عليه بالأشعار { إذ يستمعون إليك } ظرف ~~لأعلم وفائدته تأكيد الوعيد بالإخبار بأنه كما يقع الاستماع ~~المزبور منهم يتعلق به العلم، لا أن العلم يستفاد هناك من أحد وكذا ~~قوله تعالى: { وإذ هم نجوى } لكون لا من حيث تعلقه بما به ~~الاستماع بل بما به التناجي المدلول عليه بسياق النظم، والمعنى نحن ~~أعلم بالذي يستمعون ملتبسين به مما لا خير فيه من الأمور المذكورة ~~وبالذي يتناجون به فيما بينهم، أو الأول ظرف ليستمعون والثاني ~~ليتناجون والمعنى نحن أعلم بما به الاستماع وقت استماعهم من غير ~~تأخير وبما به التناجي وقت تناجيهم، ونجوى مرفوع على الخبرية بتقدير ~~المضاف أي ذوو نجوى، أو هو جمع نجي كقتلى جمع قتيل أي متناجون { ~~إذ يقول الظلمون } بدل من إذ هم، وفيه دليل على أن ما ~~يتناجون به غير ما يستمعون به وإنما وضع الظالمون موضع المضمر ~~إشعارا بأنهم في ذلك ظالمون مجاوزون للحد، أي يقول كل منهم للآخرين ~~عند تناجيهم: { إن تتبعون } ما تتبعون إن وجد منكم الاتباع ~~فرضا أو ما تتبعون باللغو والهزء { إلا رجلا مسحورا } أي ~~سحر فجن أو رجلا ذا سحر أي رئة يتنفس، أي بشرا مثلكم. # { انظر كيف ضربوا لك الأمثال } أي مثلوك بالشاعر ~~والساحر والمجنون { فضلوا } في جميع ذلك على منهاج المحاجة { فلا ~~يستطيعون سبيلا } إلى طعن يمكن أن يقبله أحد فيتهافتون ~~ويخبطون ويأتون بما لا يرتاب في بطلانه أحد، ms1970 أو إلى سبيل الحق ~~والرشاد، وفيه من الوعيد وتسلية الرسول صلى الله عليه وسلم ما لا يخفى. ### || [17.49-51] # { وقالوا أءذا كنا عظما ورفتا } استفهام إنكاري ~~مفيد لكمال الاستبعاد والاستنكار للبعث بعد ما آل الحال إلى هذا ~~المآل لما بين غضاضة الحي ويبوسة الرميم من التنافي، كأن استحالة ~~الأمر من الظهور بحيث لا يقدر المخاطب على التكلم به، والرفات ما بولغ ~~في دقه وتفتيته، وقال الفراء: هو التراب، وهو قول مجاهد، وقيل: هو ~~الحطام وإذا متمحضة للظرفية وهو الأظهر والعامل فيها ما دل عليه ~~قوله تعالى: { أءنا لمبعوثون } لا نفسه، لأن ما بعد إن ~~والهمزة واللام لا يعمل فيما قبلها وهو نبعث أو نعاد وهو المرجع ~~للإنكار وتقييده بالوقت المذكور ليس لتخصيصه به فإنهم منكرون للإحياء ~~بعد الموت وإن كان البدن على حاله، بل لتقوية الإنكار للبعث بتوجيهه ~~إليه في حالة منافية له، وتكرير الهمزة في قولهم: { أئنا } لتأكيد ~~النكير، وتحلية الجملة بأن واللام لتأكيد الإنكار لا لإنكار التأكيد ~~كما عسى يتوهم من ظاهر النظم، فإن تقديم الهمزة لاقتضائها الصدارة ~~كما في مثل قوله تعالى: # أفلا تعقلون # [البقرة، الآية 76] ونظائره على رأي الجمهور فإن المعنى عندهم تعقيب ~~الإنكار لا إنكار التعقيب كما هو المشهور، وليس مدار إنكارهم كونهم ~~ثابتين في المبعوثية بالفعل في حال كونهم عظاما ورفاتا كما يتراءى من ~~ظاهر الجملة الاسمية بل كونهم بعرضية ذلك واستعدادهم له، ومرجعه ~~إلى إنكار البعث بعد تلك الحالة وفيه من الدلالة على غلوهم في الكفر ~~وتماديهم في الضلال ما لا يزيد عليه { خلقا جديدا } نصب على ~~المصدر من غير لفظه، أو الحالية على أن الخلق بمعنى المخلوق. # { قل } جوابا لهم وتقريبا لما استبعدوه { كونوا حجارة أو ~~حديدا } { أو خلقا } آخر { مما يكبر فى صدوركم } ~~أي يعظم عندكم عن قبول الحياة لكمال المباينة والمنافاة بينها ~~وبينه، فإنكم مبعوثون ومعادون لا محالة { فسيقولون من ~~يعيدنا } مع ما بيننا وبين الإعادة من مثل هذه المباعدة ~~والمباينة { قل } لهم تحقيقا للحق وإزاحة للاستبعاد وإرشادا لهم إلى ~~طريقة ms1971 الاستدلال { الذى } أي يعيدكم القادر العظيم الذي { فطركم ~~} اخترعكم { أول مرة } من غير مثال يحتذيه ولا أسلوب ينتحيه ~~وكنتم ترابا ما شم رائحة الحياة، أليس الذي يقدر على ذلك بقادر على ~~أن يعيد العظام البالية إلى حالتها المعهودة؟ بلى إنه على كل شيء قدير ~~{ فسينغضون إليك رؤوسهم } أي سيحركونها نحوك تعجبا ~~وإنكارا { ويقولون } استهزاء { متى هو } أي ما ذكرته من ~~الإعادة { قل } لهم { عسى أن يكون } ذلك { قريبا } نصب على ~~أنه خبر ليكون أو ظرف على أن كان تامة أي أن يقع في زمان قريب، ~~ومحل أن مع ما في حيزها إما نصب على أنه خبر لعسى وهي ناقصة واسمها ~~ضمير عائد إلى ما عاد إليه هو أي عسى كونه قريبا، أو وقوعه في زمان ~~قريب. ### || [17.52-55] # { يوم يدعوكم } منصوب بفعل مضمر أي اذكروا، أو على أنه بدل من ~~قريبا على أنه ظرف أو نصب بيكون تامة بالاتفاق، أو ناقصة عند من ~~يجوز إعمال الناقصة في الظروف، أو بضمير المصدر المستكن في عسى أو ~~يكون، أعني البعث عند من يجوز إعمال ضمير المصدر كما في قول زهير: ~~[الطويل] # وما الحرب إلا ما علمتم وذقتم # وما هو عنها بالحديث المرجم # فهو ضمير المصدر وقد تعلق به ما بعده من الجار { فتستجيبون } أي ~~يوم يبعثكم فتبعثون، وقد استعير لهما الدعاء والإجابة إيذانا بكمال ~~سهولة التأتي وبأن المقصود منهما الإحضار للمحاسبة والجواب { ~~بحمده } حال من ضمير تستجيبون أي منقادين له حامدين لما فعل بكم ~~غير مستعصين، أو حامدين له تعالى على كمال قدرته عند مشاهدة آثارها ~~ومعاينة أحكامها { وتظنون } عطف على تستجيبون أي تظنون عندما ~~ترون من الأمور الهائلة { إن لبثتم } أي ما لبثتم في القبور { ~~إلا قليلا } كالذي مر على قرية أو ما لبثتم في الدنيا. # { وقل لعبادى } أي المؤمنين { يقولوا } عند محاورتهم مع ~~المشركين { التى } أي الكلمة التي { هى أحسن } ولا يخاشنوهم ~~كقوله تعالى: # ولا تجدلوا أهل الكتب إلا بالتى هى أحسن # [العنكبوت، الآية 46] { إن الشيطن ينزغ بينهم } أي ~~يفسد ويهيج ms1972 الشر والمراء ويغري بعضهم على بعض لتقع بينهم المشاقة ~~والمشارة والمعازة والمضارة، فلعل ذلك يؤدي إلى تأكد العناد وتمادي ~~الفساد، فهو تعليل للأمر السابق وقرىء بكسر الزاي { إن الشيطن ~~كان } قدما { للإنسن عدوا مبينا } ظاهر العداوة، وهو ~~تعليل لما سبق من أن الشيطان ينزغ بينهم. # { ربكم أعلم بكم إن يشأ يرحمكم } بالتوفيق ~~للإيمان { أو إن يشأ يعذبكم } بالإماتة على الكفر، وهذا ~~تفسير التي هي أحسن وما بينهما اعتراض، أي قولوا لهم هذه الكلمة وما ~~يشاكلها ولا تصرحوا بأنهم من أهل النار فإنه مما يهيجهم على الشر، مع أن ~~العاقبة مما لا يعلمه إلا الله سبحانه فعسى يهديهم إلى الإيمان { وما ~~أرسلنك عليهم وكيلا } موكولا إليك أمورهم تقسرهم على ~~الإيمان وإنما أرسلناك بشيرا ونذيرا فدارهم ومر أصحابك بالمداراة ~~والاحتمال وترك المحاقة والمشاقة وذلك قبل نزول آية السيف، وقيل: ~~نزلت في عمر رضي الله عنه، شتمه رجل فأمر بالعفو، وقيل: أفرط أذية ~~المشركين بالمؤمنين فشكوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فنزلت، ~~وقيل: الكلمة التي هي أحسن أن يقولوا: يهديكم الله ويرحمكم الله. # { وربك أعلم بمن فى السموات والأرض } وبتفاصيل ~~أحوالهم الظاهرة والكامنة التي بها يستأهلون الاصطفاء والاجتباء ~~فيختار منهم لنبوته وولايته من يشاء ممن يشاء ممن يستحقه، وهو رد ~~عليهم إذ قالوا: بعيد أن يكون يتيم أبي طالب نبيا وأن يكون ~~العراة الجوعى أصحابه دون أن يكون ذلك من الأكابر والصناديد، وذكر ~~من في السموات لإبطال قولهم: لولا أنزل علينا الملائكة، وذكر من في ~~الأرض لرد قولهم: # لولا نزل هذا القرءان على رجل من القريتين ~~عظيم # [الزخرف، الآية 31] { ولقد فضلنا بعض النبيين على ~~بعض } بالفضائل النفسانية والتنزه عن العلائق الجسمانية لا بكثرة ~~الأموال والأتباع { وءاتينا داوود زبورا } بيان لحيثية ~~تفضيله عليه الصلاة والسلام فإن ذلك إيتاء الزبور لا إيتاء الملك ~~والسلطنة، وفيه إيذان بتفضيل النبي عليه الصلاة والسلام فإن نعوته ~~الجليلة وكونه خاتم النبيين مسطورة في الزبور، وأن المراد بعباد ~~الله الصالحين في قوله تعالى: # أن الأرض يرثها عبادى الصلحون ms1973 # [الأنبياء، الآية 105] هو النبي عليه الصلاة والسلام وأمته، وتعريف ~~الزبور تارة وتنكيره أخرى إما لأنه في الأصل فعول بمعنى المفعول ~~كالحلوب أو مصدر بمعناه كالقول، وإما لأن المراد آتينا داود زبورا من ~~الزبر، أو بعضا من الزبور فيه ذكره عليه الصلاة والسلام، وقرىء بضم ~~الزاي على أنه جمع زبر بمعنى مزبور. ### || [17.56-58] # { قل ادعوا الذين زعمتم } أنها آلهة { من دونه } ~~تعالى من الملائكة والمسيح وعزير { فلا يملكون } فلا يستطيعون ~~{ كشف الضر عنكم } بالمرة كالمرض والفقر والقحط ونحو ذلك { ~~ولا تحويلا } أي ولا تحويله إلى غيركم { أولئك الذين ~~يدعون } أي أولئك الآلهة الذين يدعوهم المشركون من المذكورين { ~~يبتغون } يطلبون لأنفسهم { إلى ربهم } ومالك أمورهم { ~~الوسيلة } القربة بالطاعة والعبادة { أيهم أقرب } بدل من ~~فعل يبتغون وأي موصولة، أي يبتغي من هو أقرب إليه تعالى الوسيلة ~~فكيف بمن دونه؟ أو ضمن الابتغاء معنى الحرص فكأنه قيل: يحرصون ~~أيهم أقرب إليه تعالى بالطاعة والعبادة { ويرجون رحمته } ~~بها { ويخفون عذابه } بتركها كدأب سائر العباد فأين هم من ~~كشف الضر فضلا عن الإلهية { إن عذاب ربك كان محذورا } ~~حقيقا بأن يحذره كل أحد حتى الملائكة والرسل عليهم الصلاة ~~والسلام، وهو تعليل لقوله تعالى: { ويخفون عذابه } وتخصيصه ~~بالتعليل لما أن المقام مقام التحذير من العذاب وأن بينهم وبين ~~العذاب بونا بعيدا. # { وإن من قرية } بيان لتحتم حلول عذابه تعالى بمن لا يحذره ~~إثر بيان أنه حقيق بالحذر وأن أساطين الخلق من الملائكة والنبيين ~~عليهم الصلاة والسلام على حذر من ذلك، وكلمة إن نافية ومن ~~استغراقية، والمراد بالقرية القرية الكافرة أي ما من قرية من قرى ~~الكفار { إلا نحن مهلكوها } أي مخربوها البتة بالخسف بها ~~أو بإهلاك أهلها بالمرة لما ارتكبوا من عظائم الموبقات المستوجبة ~~لذلك، وفي صيغة الفاعل وإن كانت بمعنى المستقبل ما ليس فيه من الدلالة ~~على التحقق والتقرر وإنما قيل: { قبل يوم القيمة } لأن ~~الإهلاك يومئذ غير مختص بالقرى الكافرة ولا هو بطريق العقوبة وإنما ~~هو لانقضاء عمر الدنيا { أو معذبوها } أي معذبو أهلها على ms1974 ~~الإسناد المجازي { عذابا شديدا } لا بالقتل والسبي ونحوهما ~~من البلايا الدنيوية فقط، بل بما لا يكتنه كنهه من فنون العقوبات ~~الأخروية أيضا حسبما يفصح عنه إطلاق التعذيب عما قيد به الإهلاك ~~من قبلية يوم القيامة، كيف لا وكثير من القرى العاتية العاصية قد ~~أخرت عقوباتها إلى يوم القيامة { كان ذلك } الذي ذكر من الإهلاك ~~والتعذيب { فى الكتب } أي اللوح المحفوظ { مسطورا } مكتوبا ~~لم يغادر منه شيء إلا بين فيه بكيفياته وأسبابه الموجبة له ~~ووقته المضروب له. هذا وقد قيل: الهلاك للقرى الصالحة والعذاب ~~للطالحة، وعن مقاتل: «وجدت في كتاب الضحاك بن مزاحم في تفسيرها أما مكة ~~فيخربها الحبشة وتهلك المدينة بالجوع والبصرة بالغرق والكوفة ~~بالترك والجبال بالصواعق والرواجف، وأما خراسان فهلاكها ضروب ثم ~~ذكرها بلدا بلدا، وقال الحافظ أبو عمرو الداني في كتاب الفتن: أنه ~~روي عن وهب بن منبه أن الجزيرة آمنة من الخراب حتى تخرب أرمينية، ~~وأرمينية آمنة حتى تخرب مصر، ومصر آمنة حتى تخرب الكوفة ولا ~~تكون الملحمة الكبرى حتى تخرب الكوفة، فإذا كانت الملحمة الكبرى ~~فتحت قسطنطينة على يدي رجل من بني هاشم، وخراب الأندلس من قبل ~~الزنج، وخراب إفريقية من قبل الأندلس، وخراب مصر من انقطاع ~~النيل واختلاف الجيوش فيها، وخراب العراق من الجوع، وخراب الكوفة من ~~قبل عدو من ورائهم يحصرهم حتى لا يستطيعون أن يشربوا من الفرات ~~قطرة، وخراب البصرة من قبل الغرق، وخراب الأيلة من قبل عدو ~~يحصرهم برا وبحرا، وخراب الري من الديلم، وخراب خراسان من قبل ~~التبت، وخراب التبت من قبل الصين، وخراب الهند واليمن من قبل ~~الجراد والسلطان، وخراب مكة من الحبشة، وخراب المدينة من الجوع». # وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: # " آخر قرية من قرى الإسلام خرابا المدينة " # وقد أخرجه العمري من هذا الوجه. وأنت خبير بأن تعميم القرية لا ~~يساعده السباق ولا السياق. ### || [17.59] # { وما منعنا أن نرسل بالأيت } أي الآيات التي ~~اقترحتها قريش من إحياء الموتى وقلب الصفا ذهبا ونحو ms1975 ذلك { إلا ~~أن كذب بها الأولون } استثناء مفرغ من أعم الأشياء أي ~~وما منعنا من إرسالها شيء من الأشياء إلا تكذيب الأولين بها حين جاءتهم ~~باقتراحهم، وعدم إرساله تعالى بها وإن كان بمشيئته المبنية على الحكم ~~البالغة لا لمنع مانع عن ذلك من التكذيب أو غيره لاستحالة العجز عليه ~~تعالى، لكن تكذيبهم المذكور بواسطة استتباعه لاستئصالهم بحكم السنة ~~الإلهية واستلزامه لتكذيب الآخرين بحكم الاشتراك في العتو والعناد ~~وإفضائه إلى أن يحل بهم مثل ما حل بهم بحكم الشركة في الجريرة، لما ~~كان منافيا لإرسال ما اقترحوه من الآيات لتعين التكذيب المستدعي ~~للاستئصال المخالف لما جرى به قلم القضاء من تأخير عقوبات هذه الأمة ~~إلى الآخرة لحكم باهرة من جملتها ما يتوهم من إيمان بعض أعقابهم، ~~عبر عن تلك المنافاة بالمنع على نهج الاستعارة إيذانا بتعاضد مبادي ~~الإرسال لا كما زعموا من عدم إرادته تعالى لتأييده عليه الصلاة ~~والسلام بالمعجزات، وهو السر في إيثار الإرسال على الإيتاء لما فيه من ~~الإشعار بتداعي الآيات إلى النزول لولا أن تمسكها يد التقدير، ~~وإسناد هذا المنع إلى تكذيب الأولين لا إلى عمله تعالى بما سيكون من ~~الآخرين كما في قوله تعالى: # ولو علم الله فيهم خيرا لأسمعهم ولو ~~أسمعهم لتولوا وهم معرضون # [الأنفال: 23] لإقامة الحجة عليهم بإبراز الأنموذج وللإيذان بأن مدار ~~عدم الإجابة إلى إيتاء مقترحهم ليس إلا صنيعهم { وآتينا ثمود ~~الناقة } عطف على ما يفصح عنه النظم الكريم كأنه قيل: وما منعنا ~~أن نرسل بالآيات إلا أن كذب بها الأولون حيث آتيناهم ما اقترحوا من ~~الآيات الباهرة فكذبوها، وآتينا باقتراحهم ثمود الناقة { مبصرة } ~~على صيغة الفاعل، أي بينة ذات إبصار، أو بصائر يدركها الناس أو ~~أسند إليها حال من يشاهدها مجازا، أو جاعلتهم ذوي بصائر من أبصره ~~جعله بصيرا، وقرىء على صيغة المفعول وبفتح الميم والصاد وهي نصب على ~~الحالية، وقرىء بالرفع على أنها خبر مبتدأ محذوف. # { فظلموا بها } فكفروا بها ظالمين أي لم يكتفوا بمجرد الكفر بها ~~بل فعلوا بها ما فعلوا ms1976 من العقر، أو ظلموا أنفسهم وعرضوها للهلاك بسبب ~~عقرها، ولعل تخصيصها بالذكر لما أن ثمود عرب مثلهم وأن لهم من العلم ~~بحالهم ما لا مزيد عليه من حيث يشاهدون آثار هلاكهم ورودا وصدورا، ~~أو لأنها من جهة إنها حيوان أخرج من الحجر أوضح دليل على تحقق مضمون ~~قوله تعالى: # قل كونوا حجارة أو حديدا # [الإسراء: 50] { وما نرسل بالأيت } المقترحة { إلا ~~تخويفا } لمن أرسلت هي عليهم مما يعقبها من العذاب المستأصل ~~كالطليعة له، وحيث لم يخافوا ذلك فعل بهم ما فعل فلا محل للجملة حينئذ ~~من الإعراب، ويجوز أن تكون حالا من ضمير ظلموا أي فظلموا بها ولم يخافوا ~~عاقبته والحال أنا ما نرسل بالآيات التي هي من جملتها إلا تخويفا من ~~العذاب الذي يعقبها فنزل بهم ما نزل. ### || [17.60] # { وإذ قلنا لك إن ربك أحاط بالناس } أي علما كما ~~نقله الإمام الثعلبي عن ابن عباس رضي الله عنهما فلا يخفى عليه شيء ~~من أفعالهم الماضية والمستقبلة من الكفر والتكذيب، وفي قوله تعالى: { ~~وما جعلنا الرءيا التى أرينك إلا فتنة ~~للناس } إلى آخر الآية تنبيه على تحققها بالاستدلال عليها بما صدر ~~عنهم عند مجيء بعض الآيات لاشتراك الكل في كونها أمورا خارقة ~~للعادات منزلة من جانب الله على النبي عليه الصلاة والسلام، فتكذيبهم ~~لبعضها مستلزم لتكذيب الباقي كما أن تكذيب الآخرين بغير المقترحة يدل ~~على تكذيبهم بالآيات المقترحة، والمراد بالرؤيا ما عاينه عليه الصلاة ~~والسلام ليلة المعراج من عجائب الأرض والسماء حسبما ذكر في فاتحة ~~السورة الكريمة، والتعبير عن ذلك بالرؤيا إما لأنه لا فرق بينها ~~وبين الرؤية، أو لأنها وقعت بالليل، أو لأن الكفرة قالوا: لعلها رؤيا، ~~أي وما جعلنا الرؤيا التي أريناكها عيانا مع كونها آية عظيمة وأية ~~آية حقيقة بأن لا يتلعثم في تصديقها أحد ممن له أدنى بصيرة إلا ~~فتنة افتتن بها الناس حتى ارتد بعضهم { والشجرة الملعونة ~~فى القرءان } عطف على الرؤيا، والمراد بلعنها فيه لعن طاعمها على ~~الإسناد المجازي أو إبعادها عن الرحمة فإنها تنبت ms1977 في أصل الجحيم في ~~أبعد مكان من الرحمة، أي وما جعلناها إلا فتنة لهم حيث أنكروا ذلك ~~وقالوا: إن محمدا يزعم أن الجحيم يحرق الحجارة، ثم يقول: # " ينبت فيها الشجر " # ، ولقد ضلوا في ذلك ضلالا بعيدا حيث كابروا قضية عقولهم فإنهم يرون ~~النعامة تبتلع الجمر وقطع الحديد المحماة فلا تضرها، ويشاهدون ~~المناديل المتخذة من وبر السمندر تلقى في النار فلا تؤثر فيها ~~ويرون أن في كل شجر نارا، وقرىء بالرفع على حذف الخبر كأنه قيل: ~~والشجرة الملعونة في القرآن كذلك. # { ونخوفهم } بذلك وبنظائرها من الآيات فإن الكل للتخويف، ~~وإيثار صيغة الاستقبال للدلالة على التجدد والاستمرار فما يزيدهم ~~التخويف { إلا طغيانا كبيرا } متجاوزا عن الحد فلو أرسلنا ~~بما اقترحوه من الآيات لفعلوا بها ما فعلوا بنظائرها، وفعل بهم ما فعل ~~بأشياعهم وقد قضينا بتأخير العقوبة العامة لهذه الأمة إلى الطامة ~~الكبرى. هذا هو الذي يستدعيه النظم الكريم وقد حمل أكثر المفسرين ~~الإحاطة على الإحاطة بالقدرة تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم عما ~~عسى يعتريه من عدم الإجابة إلى إنزال الآيات التي اقترحوها لأن إنزالها ~~ليس بمصلحة من نوع حزن من طعن الكفرة حيث كانوا يقولون: لو كنت ~~رسولا حقا لأتيت بهذه المعجزات كما أتى بها موسى وغيره من الأنبياء ~~عليهم الصلاة والسلام، فكأنه قيل: اذكر وقت قولنا لك: إن ربك اللطيف ~~بك قد أحاط بالناس فهم في قبضة قدرته لا يقدرون على الخروج من مشيئته ~~فهو يحفظك منهم فلا تهتم بهم وامض لما أمرتك به من تبليغ الرسالة، ~~ألا ترى أن الرؤيا التي أريناك من قبل جعلناها فتنة للناس مورثة ~~للشبهة مع أنها ما أورثت ضعفا لأمرك وفتورا في حالك، وقد فسر ~~الإحاطة بإهلاك قريش يوم بدر، وإنما عبر عنه بالماضي مع كونه منتظرا ~~حسبما ينبىء عنه قوله تعالى: # سيهزم الجمع ويولون الدبر # [القمر، الآية 45] وقوله تعالى: # قل للذين كفروا ستغلبون وتحشرون إلى ~~جهنم # [آل عمران، الآية 12] وغير ذلك جريا على عادته سبحانه في أخباره، ~~وأولت الرؤيا بما رآه عليه ms1978 الصلاة والسلام في المنام من مصارعهم. لما ~~روي # " أنه عليه الصلاة والسلام لما ورد ماء بدر قال: «والله لكأني أنظر ~~إلى مصارع القوم وهو يومىء إلى الأرض هذا مصرع فلان وهذا مصرع ~~فلان» " # فتسامعت به قريش فاستسخروا منه، وبما رآه عليه الصلاة والسلام أنه سيدخل ~~مكة وأخبر به أصحابه فتوجه إليها فصده المشركون عام الحديبية واعتذر ~~عن كون ما ذكر مدنيا بأنه يجوز أن يكون الوحي بإهلاكهم، وكذا الرؤيا ~~واقعا بمكة وذكر الرؤيا وتعيين المصارع واقعين بعد الهجرة. وأنت ~~خبير بأنه يلزم منه أن يكون افتتان الناس بذلك واقعا بعد الهجرة وأن ~~يكون ازديادهم طغيانا متوقعا غير واقع عند نزول الآية، وقد قيل: ~~الرؤيا ما رآه عليه الصلاة والسلام في وقعة بدر من مضمون قوله تعالى: # إذ يريكهم الله فى منامك قليلا ولو أراكهم ~~كثيرا لفشلتم # [الأنفال: 43] ولا ريب في أن تلك الرؤيا مع وقوعها في المدينة ما جعلت ~~فتنة للناس. ### || [17.61] # { وإذ قلنا للملئكة } تذكير لما جرى منه تعالى من الأمر ~~ومن الملائكة من الامتثال والطاعة من غير تردد وتحقيق لمضمون ما سبق من ~~قوله تعالى: # أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم ~~الوسيلة أيهم أقرب ويرجون رحمته ويخفون ~~عذابه إن عذاب ربك كان محذورا # [الإسراء: 57] ويعلم من حال الملائكة وحال غيرهم من عيسى وعزير ~~عليهما السلام في الطاعة وابتغاء الوسيلة ورجاء الرحمة ومخافة العذاب، ~~ومن حال إبليس حال من يعاند الحق ويخالف الأمر، أي واذكر وقت قولنا ~~لهم: { اسجدوا لآدم } تحية وتكريما لما قاله من الفضائل ~~المستوجبة لذلك { فسجدوا } له من غير تلعثم امتثالا للأمر وأداء ~~لحقه عليه الصلاة والسلام { إلا إبليس } وكان داخلا في زمرتهم ~~مندرجا تحت الأمر بالسجود { قال } أي عندما وبخ بقوله عز سلطانه: # يإبليس ما لك أن لا تكون مع السجدين # [الحجر، الآية 32] وقوله: # ما منعك أن لا تسجد إذ أمرتك # [الأعراف: 12] وقوله: # ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدى # [الحجر: 56] كما أشير إليه في سورة الحجر { أءسجد } وأنا مخلوق من ~~العنصر العالي { لمن خلقت ms1979 طينا } نصب على نزع الخافض أي من ~~طين، أو حال من الراجع إلى الموصول أي خلقته وهو طين، أو من نفس ~~الموصول أي أأسجد له وأصله طين؟ والتعبير عنه عليه الصلاة والسلام ~~بالموصول لتعليل إنكاره بما في حيز الصلة. ### || [17.62-63] # { قال } أي إبليس لكن لا عقيب كلامه المحكي بل بعد الإنظار ~~المترتب على استنظاره المتفرع على الأمر بخروجه من بين الملأ الأعلى ~~باللعن المؤبد، وإنما لم يصرح بذلك اكتفاء بما ذكر في مواضع أخر، ~~فإن توسيط (قال) بين كلامي اللعين للإيذان بعدم اتصال الثاني ~~بالأول وعدم ابتنائه عليه بل على غيره كما في قوله تعالى: # قال ومن يقنط من رحمة ربه إلا الضآلون # [الحجر، الآية 56] { أرءيتك هذا الذى كرمت على } ~~الكاف لتأكيد الخطاب لا محل لها من الإعراب وهذا مفعول أول والموصول ~~صفته، والثاني محذوف لدلالة الصلة عليه أي أخبرني عن هذا الذي ~~كرمته علي بأن أمرتني بالسجود له لم كرمته علي؟ وقيل: هذا ~~مبتدأ حذف عنه حرف الاستفهام والموصول مع صلته خبره ومقصوده ~~الاستصغار والاستحقار، أي أخبرني أهذا من كرمته علي؟ وقيل: معنى ~~أرأيتك أتأملت كأن المتكلم ينبه المخاطب على استحضار ما يخاطبه به ~~عقيبه { لئن أخرتن } حيا { إلى يوم القيمة } ~~كلام مبتدأ واللام موطئة للقسم وجوابه قوله: { لأحتنكن ~~ذريته } أي لأستأصلنهم، من قولهم: احتنك الجراد الأرض إذا ~~جرد ما عليها أكلا، أو لأقودنهم حيث ما شئت ولأستولين عليهم ~~استيلاء قويا، من قولهم: حنكت الدابة واحتنكتها إذا جعلت في ~~حنكها الأسفل حبلا تقودها به، وهذا كقوله: # لأزينن لهم فى الأرض ولأغوينهم أجمعين # [الحجر: 39] وإنما علم تسني ذلك المطلب له تلقيا من جهة ~~الملائكة عليهم الصلاة والسلام أو استنباطا من قولهم: # أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء # [البقرة: 30] أو توسما من خلقه { إلا قليلا } منهم وهم ~~المخلصون الذين عصمهم الله تعالى. # { قال اذهب } أي امض لشأنك الذي اخترته وهو طرد له وتخلية ~~بينه وبين ما سولت له نفسه { فمن تبعك منهم فإن ~~جهنم جزاؤكم } أي جزاؤك وجزاؤهم فغلب المخاطب ms1980 على الغائب ~~رعاية لحق المتبوعية { جزاء موفورا } أي جزاء مكملا من قولهم: ~~فر لصاحبك عرضه فرة، أي وفر، وهو نصب على أنه مصدر مؤكد لما ~~في قوله: { جهنم جزاؤكم } من معنى تجازون أو الفعل المقدر أو ~~حال موطئة لقوله موفورا. ### || [17.64-66] # { واستفزز } أي استخف { من استطعت منهم } أن ~~تستفزه { بصوتك } بدعائك إلى الفساد { وأجلب عليهم } أي ~~صح عليهم من الجلبة وهي الصياح { بخيلك ورجلك } أي بأعوانك ~~وأنصارك من راكب وراجل من أهل العبث والفساد. قال ابن عباس رضي الله ~~عنهما ومجاهد وقتادة: إن له خيلا ورجلا من الجن والإنس فما كان من ~~راكب يقاتل في معصية الله تعالى فهو من خيل إبليس، وما كان من راجل ~~يقاتل في معصية الله تعالى فهو من رجل إبليس. والخيل الخيالة ومنه ~~قوله عليه الصلاة والسلام: # " يا خيل الله اركبي " # والرجل اسم جمع للراجل كالصحب والركب، وقرىء بكسر الجيم وهي ~~قراءة حفص على أنه فعل بمعنى فاعل كتعب وتاعب، وبضمة مثل حدث ~~وحدث وندس وندس ونظائرهما أي جمع الراجل ليطابق الخيل، وقرىء ~~رجالك ورجالك ويجوز أن يكون استفزازه بصوته وإجلابه بخيله ورجله ~~تمثيلا لتسلطه على من يغويه فكأنه مغوار أوقع على قوم فصوت بهم ~~صوتا يزعجهم من أماكنهم ويقلقهم عن مراكزهم وأجلب عليهم بجنده من ~~خيالة ورجالة حتى استأصلهم { وشاركهم فى الأمول } بحملهم ~~على كسبها وجمعها من الحرام والتصرف فيها على ما لا ينبغي { ~~والأولد } بالحث على التوصل إليهم بالأسباب المحرمة والإشراك ~~كتسميتهم بعبد العزى والتضليل بالحمل على الأديان الزائغة والحرف ~~الذميمة والأفعال القبيحة { وعدهم } المواعيد الباطلة كشفاعة ~~الآلهة والاتكال على كرامة الآباء وتأخير التوبة بتطويل الأمل { ~~وما يعدهم الشيطن إلا غرورا } اعتراض لبيان شأن ~~مواعيده، والالتفات إلى الغيبة لتقوية معنى الاعتراض مع ما فيه من ~~صرف الكلام عن خطابه وبيان شأنه للناس، ومن الإشعار بعلية شيطنته ~~للغرور وهو تزيين الخطأ بما يوهم أنه صواب. # { إن عبادى } الإضافة للتشريف وهم المخلصون وفيه أن من تبعه ~~ليس منهم وأن الإضافة لثبوت الحكم في قوله تعالى: ms1981 { ليس لك ~~عليهم سلطن } أي تسلط وقدرة على إغوائهم كقوله تعالى: # إنه ليس له سلطان على الذين ءامنوا وعلى ~~ربهم يتوكلون # [النحل: 99] { وكفى بربك وكيلا } لهم يتوكلون عليه ويستمدون ~~به في الخلاص عن إغوائك. والتعرض لوصف الربوبية المنبئة عن المالكية ~~المطلقة والتصرف الكلي مع الإضافة إلى ضمير إبليس للإشعار بكيفية ~~كفايته تعالى لهم، أعني سلب قدرته على إغوائهم. # { ربكم الذى يزجى لكم الفلك فى البحر } متبدأ ~~وخبر والإزجاء السوق حالا بعد حال، أي هو القادر الحكيم الذي يسوق ~~لمنافعكم الفلك ويجريها في البحر { لتبتغوا من فضله } من ~~رزقه الذي هو فضل من قبله أو من الربح الذي هو معطيه، ومن مزيدة أو ~~تبعيضة، وهذا تذكير لبعض النعم التي هي دلائل التوحيد وتمهيد لذكر ~~توحيدهم عند مساس الضر تكملة لما مر من قوله تعالى: { فلا ~~يملكون } الآية { إنه كان بكم } أزلا وأبدا { رحيما ~~} حيث هيأ لكم ما تحتاجون إليه وسهل عليكم ما يعسر من مباديه، وهذا ~~تذييل فيه تعليل لما سبق من الإزجاء لابتغاء الفضل، وصيغة الرحيم ~~للدلالة على أن المراد بالرحمة الرحمة الدنيوية والنعمة العاجلة ~~المنقسمة إلى الجليلة والحقيرة. ### || [17.67-69] # { وإذا مسكم الضر فى البحر } خوف الغرق فيه { ضل ~~من تدعون } أي ذهب عن خواطركم ما كنتم تدعون من دون الله من ~~الملائكة أو المسيح أو غيرهم { إلا إياه } وحده من غير أن يخطر ~~ببالكم أحد منهم وتدعوه لكشفه استقلالا أو اشتراكا، أو ضل كل من ~~تدعونه عن إغاثتكم وإنقاذكم ولم يقدر على ذلك إلا الله، على الاستثناء ~~المنقطع { فلما نجكم } من الغرق وأوصلكم { إلى البر ~~أعرضتم } عن التوحيد أو اتسعتم في كفران النعمة { وكان ~~الإنسن كفورا } تعليل لما سبق من الإعراض. # { أفأمنتم } الهمزة للإنكار والفاء للعطف على محذوف تقديره أنجوتم ~~فأمنتم { أن يخسف بكم جانب البر } الذي هو مأمنكم أي ~~يقلبه ملتبسا بكم أو بسبب كونكم فيه، وفي زيادة الجانب تنبيه على ~~تساوي الجوانب والجهات بالنسبة إلى قدرته سبحانه وتعالى وقهره ~~وسلطانه، وقرىء بنون العظمة { أو يرسل عليكم } من ms1982 فوقكم ~~وقرىء بالنون { حصبا } ريحا ترمي بالحصباء { ثم لا تجدوا ~~لكم وكيلا } يحفظكم من ذلك أو يصرفه عنكم فإنه لا راد لأمره ~~الغالب. # { أم أمنتم أن يعيدكم فيه } في البحر، أوثرت كلمة في ~~على كلمة إلى المنبئة عن مجرد الانتهاء للدلالة على استقرارهم فيه { ~~تارة أخرى } إسناد الإعادة إليه تعالى مع أن العود إليه ~~باختيارهم باعتبار خلق الدواعي الملجئة لهم إلى ذلك، وفيه إيماء إلى ~~كمال شدة هول ما لاقوه في التارة الأولى بحيث لولا الإعادة لما ~~عادوا { فيرسل عليكم } وأنتم في البحر وقرىء بالنون { قاصفا ~~من الريح } وهي التي لا تمر بشيء إلا كسرته وجعلته كالرميم، أو ~~التي لها قصيف وهو الصوت الشديد كأنها تتقصف أي تتكسر { فيغرقكم ~~} بعد كسر فلككم كما ينبىء عنه عنوان القصف، وقرىء بالنون وبالتاء ~~على الإسناد إلى ضمير الريح { بما كفرتم } بسبب إشراككم أو ~~كفرانكم لنعمة الإنجاء { ثم لا تجدوا لكم علينا به ~~تبيعا } أي ثائرا يطالبنا بما فعلنا انتصارا منا ودركا للثأر من ~~جهتنا كقوله سبحانه: # ولا يخاف عقبها # [الشمس، الآية 15]. ### || [17.70-71] # { ولقد كرمنا بنى ءادم } قاطبة تكريما شاملا لبرهم ~~وفاجرهم أي كرمناهم بالصورة والقامة المعتدلة والتسلط على ما في الأرض ~~والتمنع به والتمكن من الصناعات وغير ذلك مما لا يكاد يحيط به ~~نطاق العبارة، ومن جملته ما ذكره ابن عباس رضي الله عنهما من أن كل ~~حيوان يتناول طعامه بفيه إلا الإنسان فإنه يرفعه إليه بيده، وما قيل ~~من شركة القرد له في ذلك مبني على عدم الفرق بين اليد والرجل فإنه ~~متناول له برجله التي يطأ بها القاذورات لا بيده { وحملنهم ~~فى البر والبحر } على الدواب والسفن، من حملته إذا جعلت له ~~ما يركبه وليس من المخلوقات شيء كذلك، وقيل: حملناهم فيهما حيث لم ~~نخسف بهم الأرض ولم نغرقهم بالماء، وأنت خبير بأن الأول هو ~~الأنسب بالتكريم إذ جميع الحيوانات كذلك { ورزقناهم من ~~الطيبات } أي فنون النعم وضروب المستلذات مما يحصل بصنعهم وبغير ~~صنعهم. # { وفضلنهم } في العلوم والإدراكات بما ركبنا فيهم ms1983 من القوى ~~المدركة التي بها يتميز الحق من الباطل والحسن من القبيح { على ~~كثير ممن خلقنا } وهم من عدا الملائكة عليهم الصلاة والسلام ~~{ تفضيلا } عظيما فحق عليهم أن يشكروا هذه النعم ولا يكفروها ~~ويستعملوا قواهم في تحصيل العقائد الحقة ويرفضوا ما هم عليه من الشرك ~~الذي لا يقبله أحد ممن له أدنى تمييز فضلا عمن فضل على من عدا الملأ ~~الأعلى الذين هم العقول المحضة، وإنما استثني جنس الملائكة من هذا ~~التفضيل لأن علومهم دائمة عارية عن الخطأ والخلل، وليس فيه دلالة ~~على أفضليتهم بالمعنى المتنازع فيه فإن المراد هنا بيان التفضيل في ~~أمر مشترك بين جميع أفراد البشر صالحها وطالحها ولا يمكن أن يكون ~~ذلك هو الفضل في عظم الدرجة وزيادة القربة عند الله سبحانه. إن ~~قيل: أي حاجة إلى تعيين ما فيه التفضيل بعد بيان ما هو المراد ~~بالمفضلين فإن استثناء الملائكة عليهم الصلاة والسلام من تفضيل جميع ~~أفراد البشر عليهم لا يستلزم استثناءهم من تفضيل بعض أفراده عليهم ~~قلنا: لا بد من تعيينه البتة، إذ ليس من الأفراد الفاجرة للبشر أحد ~~يفضل على أحد من المخلوقات فيما هو المتنازع فيه أصلا بل هم أدنى من ~~كل دنيء حسبما ينبىء عنه قوله تعالى: # أولئك كالأنعم بل هم أضل # [الأعراف: 179] وقوله تعالى: # إن شر الدواب عند الله الذين كفروا # [الأنفال، الآية 55]. # { يوم ندعوا } نصب على المفعولية بإضمار اذكر أو ظرف لما دل ~~عليه قوله تعالى: { ولا يظلمون } وقرىء بالياء على البناء للفاعل ~~والمفعول ويدعو بقلب الألف واوا على لغة من يقول في أفعى أفعو، وقد جوز ~~كون الواو علامة الجمع كما في قوله تعالى: # وأسروا النجوى # [ الأنبياء، الآية 3] أو ضميره وكل بدلا منه، والنون محذوفة لقلة ~~المبالاة بها فإنها ليست إلا علامة الرفع وقد يكتفى بتقديره كما في ~~يدعى { كل أناس } من بني آدم الذين فعلنا بهم في الدنيا ما فعلنا ~~من التكريم والتفضيل، وهذا شروع في بيان تفاوت أحوالهم في الآخرة ~~بحسب أحوالهم وأعمالهم في الدنيا { بإممهم } أي ms1984 بمن ائتموا به ~~من نبي أو مقدم في الدين أو كتاب أو دين وقيل: بكتاب أعمالهم التي ~~قدموها فيقال: يا أصحاب كتاب الخير يا أصحاب كتاب الشر، أو يا أهل ~~دين كذا يا أهل كتاب كذا، وقيل: الإمام جمع أم كخف وخفاف، ~~والحكمة في دعوتهم بأمهاتهم إجلال عيسى عليه السلام وتشريف الحسنين ~~رضي الله عنهما والستر على أولاد الزنا { فمن أوتى } يومئذ من ~~ألئك المدعوين { كتبه } صحيفة أعماله { بيمينه } إبانة ~~لخطر الكتاب المؤتى وتشريفا لصاحبه وتبشيرا له من أول الأمر بما ~~في مطاويه { فأولئك } إشارة إلى من باعتبار معناه إيذانا ~~بأنهم حزب مجتمعون على شأن جليل، أو إشعارا بأن قراءتهم لكتبهم تكون ~~على وجه الاجتماع لا على وجه الانفراد كما في حال الإيتاء، وما فيه من ~~الدلالة على البعد للإشعار برفعة درجاتهم أي أولئك المختصون بتلك ~~الكرامة التي يشعر بها الإيتاء المزبور { يقرءون كتبهم } ~~الذي أوتوه على الوجه المبين تبجحا بما سطر فيه من الحسنات ~~المستتبعة لفنون الكرامات { ولا يظلمون } أي لا ينقصون من ~~أجور أعمالهم المرتسمة في كتبهم بل يؤتونها مضاعفة { فتيلا } أي ~~قدر فتيل وهو القشرة التي في شق النواة أو أدنى شيء فإن الفتيل ~~مثل في القلة والحقارة. ### || [17.72-73] # { ومن كان } من المدعوين المذكورين { فى هذه } الدنيا التي ~~فعل بهم فيها ما فعل من فنون التكريم والتفضيل { أعمى } فاقد ~~البصيرة لا يهتدي إلى رشده ولا يعرف ما أوليناه من نعمة التكرمة ~~والتفضيل فضلا عن شكرها والقيام بحقوقها، ولا يستعمل ما أودعناه فيه ~~من العقول والقوى فيما خلقن له من العلوم والمعارف الحقة { فهو ~~فى الآخرة } التي عبر عنها بيوم ندعو { أعمى } كذلك أي لا ~~يهتدي إلى ما ينجيه ولا يظفر بما يجديه لأن العمى الأول موجب ~~للثاني، وقد جوز كون الثاني بمعنى التفضيل على أن عماه في الدنيا، ~~ولذلك قرأ أبو عمرو الأول ممالا والثاني مفخما { وأضل سبيلا ~~} أي من الأعمى لزوال الاستعداد الممكن وتعطل الآلات بالكلية، وهذا ~~بعينه هو الذي أوتي كتابه بشماله بدلالة حال ما ms1985 سبق من الفريق القابل ~~له، ولعل العدول عن ذكره بذلك العنوان مع أنه الذي يستدعيه حسن ~~المقابلة حسبما هو الواقع في سورة الحاقة وسورة الانشقاق للإيذان ~~بالعلة الموجبة له كما في قوله تعالى: # وأما إن كان من المكذبين الضالين # [الواقعة، الآية 92] بعد قوله تعالى: # فأما إن كان من أصحاب اليمين # [الواقعة، الآية 90] وللرمز إلى علة حال الفريق الأول، وقد ذكر في أحد ~~الجانبين المسبب وفي الآخر السبب، ودل بالمذكور في كل منهما على ~~المتروك في الآخر تعويلا على شهادة العقل كما في قوله عز وعلا: # وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو وإن ~~يردك بخير فلا راد لفضله # [يونس، الآية 107]. # { وإن كادوا ليفتنونك } نزلت في ثقيف إذ قالوا للنبي صلى ~~الله عليه وسلم: لا ندخل في أمرك حتى تعطينا خصالا نفتخر بها على ~~العرب لا نعشر ولا نحشر ولا نجبى في صلاتنا، وكل ربا لنا فهو لنا ~~وكل ربا علينا فهو موضوع عنا، وأن تمتعنا باللات سنة وأن تحرم ~~وادينا وج كما حرمت مكة، فإذا قالت العرب: لم فعلت؟ فقل: إن الله ~~أمرني بذلك، وقيل: في قريش حيث قالوا: اجعل لنا آية عذاب آية رحمة ~~وآية رحمة آية عذاب، أو قالوا: لا نمكنك من استلام الحجر حتى ~~تلم بآلهتنا، فإن مخففة من المشددة وضمير الشأن الذي هو اسمها ~~محذوف واللام هي الفارقة بينها وبين النافية، أي إن الشأن قاربوا أن ~~يفتنوك أي يخدعوك فاتنين { عن الذى أوحينا إليك } من ~~أوامرنا ونواهينا ووعدنا ووعيدنا { لتفترى علينا غيره } ~~لتتقول علينا غير الذي أوحينا إليك مما اقترحته ثقيف أو قريش حسبما ~~نقل { وإذا لاتخذوك خليلا } أي لو اتبعت أهواءهم لكنت ~~لهم وليا ولخرجت من ولايتي. ### || [17.74-77] # { ولولا أن ثبتنك } على ما أنت عليه من الحق بعصمتنا لك { ~~لقد كدت تركن إليهم شيئا قليلا } من الركون الذي هو ~~أدنى ميل أي لولا تثبيتنا لك لقاربت أن تميل إليهم شيئا يسيرا من ~~الميل اليسير لقوة خدعهم وشدة احتيالهم، لكن أدركتك العصمة ~~فمنعتك من ms1986 أن تقرب من أدنى مراتب الركون إليهم فضلا عن نفس ~~الركون، وهذا صريح في أنه عليه الصلاة والسلام ما هم بإجابتهم مع قوة ~~الداعي إليها، ودليل على أن العصمة بتوفيق الله تعالى وعنايته. # { إذا } لو قاربت أن تركن إليهم أدنى ركنة { لأذقناك ضعف ~~الحياة وضعف الممات } أي عذاب الدنيا وعذاب الآخرة ضعف ما ~~يعذب به في الدارين بمثل هذا الفعل غيرك لأن خطأ الخطير خطير، ~~وكان أصل الكلام عذابا ضعفا في الممات بمعنى مضاعفا ثم حذف ~~الموصوف وأقيمت الصفة مقامه ثم أضيفت إضافة موصوفها، وقيل: الضعف ~~من أسماء العذاب، وقيل: المراد بضعف الحياة عذاب الآخرة وبضعف ~~الممات عذاب القبر { ثم لا تجد لك علينا نصيرا } يدفع ~~عنك العذاب. # { وإن كادوا } الكلام فيه كما في الأول أي كاد أهل مكة { ~~ليستفزونك } أي ليزعجونك بعداوتهم ومكرهم { من الأرض } ~~أي الأرض التي أنت فيها وهي أرض مكة { ليخرجوك منها وإذا ~~لا يلبثون } بالرفع عطفا على خبر كاد، وقرىء لا يلبثوا بالنصب ~~بإعمال إذن على أن الجملة معطوفة على جملة وإن كادوا ليستفزونك { ~~خلفك } أي بعدك قال: [الكامل] # خلت الديار خلافهم فكأنما # بسط الشواطب بينهن حصيرا # أي لو خرجت لا يبقون بعد خروجك وقرىء خلفك { إلا قليلا } إلا ~~زمانا قليلا وقد كان كذلك فإنهم أهلكوا ببدر بعد هجرته عليه الصلاة ~~والسلام، وقيل: نزلت الآية في اليهود حيث حسدوا مقام النبي عليه ~~الصلاة والسلام بالمدينة، فقالوا: الشام مقام الأنبياء عليهم السلام ~~فإن كنت نبيا فالحق بها حتى نؤمن بك، فوقع ذلك في قلبه عليه الصلاة ~~والسلام فخرج مرحلة فنزلت فرجع ثم قتل منهم بنو قريظة وأجلي بنو ~~النضير (بعدهم) بقليل. # { سنة من قد أرسلنا قبلك من رسلنا } نصب على ~~المصدرية أي سن الله تعالى سنة وهي أن يهلك كل أمة أخرجت رسولهم ~~من بين أظهرهم، فالسنة لله تعالى وإضافتها إلى الرسل لأنها سنت ~~لأجلهم على ما ينطق به قوله عز وجل: { ولا تجد لسنتنا ~~تحويلا } أي تغيرا. ### || [17.78-79] # { أقم الصلوة لدلوك الشمس } لزوالها كما ينبىء ms1987 عنه ~~قوله عليه الصلاة والسلام: # " أتاني جبريل عليه السلام لدلوك الشمس حين زالت فصلى بي الظهر " # واشتقاقه من الدلك لأن من نظر إليها حينئذ يدلك عينه، وقيل: لغروبها ~~من دلكت الشمس أي غربت، وقيل: أصل الدلوك الميل فينتظم كلا ~~المعنيين، واللام للتأقيت مثلها في قولك: لثلاث خلون { إلى ~~غسق اليل } إلى اجتماع ظلمته وهو وقت صلاة العشاء، وليس ~~المراد إقامتها فيما بين الوقتين على وجه الاستمرار بل إقامة كل ~~صلاة في وقتها الذي عين لها ببيان جبريل عليه السلام، كما أن ~~أعداد ركعات كل صلاة موكولة إلى بيانه عليه السلام، ولعل الاكتفاء ~~ببيان المبدأ والمنتهى في أوقات الصلوات من غير فصل بينها لما أن ~~الإنسان فيما بين هذه الأوقات على اليقظة فبعضها متصل ببعض بخلاف ~~أول وقت العشاء والفجر، فإنه باشتغاله فيما بينهما بالنوم ينقطع ~~أحدهما عن الآخر ولذلك فصل وقت الفجر عن سائر الأوقات، وقيل: المراد ~~بالصلاة صلاة المغرب، والتحديد المذكور بيان لمبدئه ومنتهاه واستدل ~~به على امتداد وقته إلى غروب الشفق، وقوله تعالى: { وقرءان ~~الفجر } أي صلاة الفجر نصب عطفا على مفعول أقم أو على الإغراء ~~قاله الزجاج، وإنما سميت قرآنا لأن ركنها كما تسمى ركوعا ~~وسجودا واستدل به على الركنية، ولكن لا دلالة له على ذلك لجواز كون ~~مدار التجوز كون القراءة مندوبة فيها. نعم لو فسر بالقراءة في صلاة ~~الفجر لدل الأمر بإقامتها على الوجوب فيها نصا وفيما عداها دلالة، ~~ويجوز أن يكون (وقرآن الفجر) حثا على تطويل القراءة في صلاة الفجر { ~~إن قرءان الفجر } أظهر في مقام الإضمار إبانة لمزيد ~~الاهتمام به { كان مشهودا } يشهده ملائكة الليل وملائكة النهار ~~أو شواهد القدرة من تبدل الضياء بالظلمة والانتباه بالنوم الذي هو ~~أخو الموت، أو يشهده كثير من المصلين أو من حقه أن يشهده الجم ~~الغفير فالآية على تفسير الدلوك بالزوال جامعة للصلوات الخمس، ~~وعلى تفسيره بالغروب لما عدا الظهر والعصر. # { ومن اليل } قيل: هو نصب على الإغراء أي الزم بعض الليل، ~~وقيل: لا يكون المغرى به ms1988 حرفا ولا يجدي نفعا كون معناها التبعيض، ~~فإن واو مع ليست اسما بالإجماع وإن كانت بمعنى الاسم الصريح بل هو ~~منصوب على الظرفية بمضمر أي قم بعض الليل { فتهجد به } أي ~~أزل وألق الهجود أي النوم فإن صيغة التفعل تجيء للإزالة كالتحرج ~~والتحنث والتأثم ونظائرها، والضمير المجرور للقرآن من حيث هو لا ~~بقيد إضافته إلى الفجر أو البعض المفهوم من قوله تعالى: { ومن ~~اليل } ، أي تهجد في ذلك البعض على أن الباء بمعنى في، وقيل: منصوب ~~بتهجد أي تهجد بالقرآن بعض الليل على طريقة وإياي فارهبون { نافلة ~~لك } فريضة زائدة على الصلوات الخمس المفروضة خاصة بك دون الأمة ~~ولعله هو الوجه في تأخير ذكرها عن ذكر صلاة الفجر مع تقدم وقتها على ~~وقتها أو تطوعا، لكن لا لكونها زيادة على الفرائض بل لكونها زيادة له ~~صلى الله عليه وسلم في الدرجات على ما قال مجاهد والسدي، فإنه عليه ~~السلام مغفور له ما تقدم من ذنبه وما تأخر فيكون تطوعه زيادة في ~~درجاته بخلاف من عداه من الأمة فإن تطوعهم لتكفير ذنوبهم وتدارك ~~الخلل الواقع في فرائضهم، وانتصابها إما على المصدرية بتقدير تنفل ~~أو بجعل تهجد بمعناه أو بجعل نافلة بمعنى تهجدا فإن ذلك عبادة ~~زائدة، وإما على الحالية من الضمير الراجع إلى القرآن أي حال كونها ~~صلاة نافلة، وإما على المفعولية لتهجد إذا جعل بمعنى صل وجعل ~~الضمير المجرور للبعض، أي فصل في ذلك البعض نافلة لك. # { عسى أن يبعثك ربك } الذي يبلغك إلى كمالك اللائق بك من ~~بعد الموت الأكبر كما انبعثت من النوم الذي هو الموت الأصغر بالصلاة ~~والعبادة { مقاما } نصب على الظرفية على إضمار فيقيمك، أو تضمين ~~البعث معنى الإقامة إذ لا بد من أن يكون العامل في مثل هذا الظرف ~~فعلا فيه معنى الاستقرار، ويجوز أن يكون حالا بتقدير مضاف أي يبعثك ~~ذا مقام { محمودا } عندك وعند جميع الناس، وفيه تهوين لمشقة ~~قيام الليل. وروى أبو هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه ms1989 ~~وسلم قال: # " المقام المحمود هو المقام الذي أشفع فيه لأمتي " # وعن ابن عباس رضي الله عنهما: مقاما يحمدك فيه الأولون والآخرون ~~وتشرف فيه على جميع الخلائق تسأل فتعطى وتشفع فتشفع ليس أحد إلا ~~تحت لوائك. وعن حذيفة رضي الله عنه: # " يجمع الناس في صعيد واحد فلا تتكلم فيه نفس، فأول ~~مدعو محمد صلى الله عليه وسلم فيقول: " لبيك وسعديك ~~والشر ليس إليك والمهدي من هديت وعبدك بين يديك وبك وإليك ~~لا ملجأ ولا منجا منك إلا إليك تباركت وتعاليت سبحانك رب البيت ". ### || [17.80-81] # { وقل رب أدخلنى } أي القبر { مدخل صدق } أي إدخالا ~~مرضيا { وأخرجنى } أي منه عند البعث { مخرج صدق } أي ~~إخراجا مرضيا ملقيا بالكرامة، فهو تلقين للدعاء بما وعده من ~~البعث المقرون بالإقامة المعهودة التي لا كرامة فوقها، وقيل: المراد ~~إدخال المدينة والإخراج من مكة، وتغيير ترتيب الوجود لكون ~~الإدخال هو المقصد، وقيل: إدخاله عليه السلام مكة ظاهرا عليها ~~وإخراجه منها آمنا من المشركين، وقيل: إدخاله الغار وإخراجه منه ~~سالما، وقيل: إدخاله فيما حمله من أعباء الرسالة وإخراجه منه مؤديا ~~حقه، وقيل: إدخاله في كل ما يلابسه من مكان أو أمر وإخراجه منه، ~~وقرىء مدخل ومخرج بالفتح على معنى أدخلني فأدخل دخولا وأخرجني ~~فأخرج خروجا كقوله: [الطويل] # وعضة دهر يا ابن مروان لم تدع # من المال إلا مسحت أو مجلف # أي لم تدع فلم يبق { واجعل لى من لدنك سلطنا ~~نصيرا } حجة تنصرني على من يخالفني أو ملكا وعزا ناصرا للإسلام ~~مظهرا له على الكفر، فأجيبت دعوته عليه السلام بقوله عز وعلا: # والله يعصمك من الناس # [المائدة، الآية 67] # ألا إن حزب الله هم المفلحون # [المجادلة، الآية 22] # ليظهره على الدين كله # [التوبة، الآية 33] # ليستخلفنهم فى الأرض # [النور، الآية 55]. # { وقل جاء الحق } أي الإسلام والوحي الثابت الراسخ { ~~وزهق البطل } أي ذهب وهلك الشرك والكفر وتسويلات الشيطان، ~~من زهق روحه إذا خرج { إن البطل } كائنا ما كان { كان ~~زهوقا } أي شأنه أن يكون مضمحلا غير ثابت وهو عدة كريمة بإجابة ~~الدعاء بالسلطان ms1990 النصير الذي لقنه. عن ابن مسعود رضي الله عنه # " أنه عليه السلام دخل مكة يوم الفتح وحول البيت ثلاثمائة وستون ~~صنما فجعل ينكت بمخصرة كانت بيده في أعينها واحدا واحدا ويقول: ~~جاء الحق وزهق الباطل فينكب لوجهه حتى ألقى جميعها، وبقي صنم ~~خزاعة فوق الكعبة وكان من صفر فقال: «يا علي ارم به» فصعد فرمى ~~به فكسره ". ### || [17.82-83] # { وننزل من القرءان } وقرىء ننزل من الإنزال { ما هو ~~شفاء } لما في الصدور من أدواء الريب وأسقام الأوهام { ورحمة ~~للمؤمنين } به العالمين بما في تضاعيفه، أي ما هو في تقويم ~~دينهم واستصلاح نفوسهم كالدواء الشافي للمرضى، ومن بيانية قدمت ~~على المبين اعتناء فإن كل القرآن كذلك، وعن النبي عليه السلام: # " من لم يستشف بالقرآن فلا شفاه الله " # أو تبعيضة لكن لا بمعنى أن بعضه ليس كذلك بل بمعنى إنا ننزل منه في كل ~~نوبة ما تستدعي الحكمة نزوله حينئذ، فيقع ذلك ممن نزل عليهم بسبب ~~موافقته لأحوالهم الداعية إلى نزوله موقع الدواء الشافي المصادف لا ~~بأنه من المرضى المحتاجين إليه بحسب الحال من غير تقديم ولا تأخير، ~~فكل بعض منه متصف بالشفاء لكن لا في كل حين بل عند تنزيله، وتحقيق ~~التبعيض باعتبار الشفاء الجسماني كما في الفاتحة وآيات الشفاء لا ~~يساعده قوله سبحانه: { ولا يزيد الظلمين إلا خسارا } ~~أي لا يزيد القرآن كله أو كل بعض منه الكافرين المكذبين به ~~الواضعين للأشياء في غير مواضعها مع كونه في نفسه شفاء من الأسقام ~~إلا خسارا أي هلاكا بكفرهم وتكذيبهم لا نقصانا كما قيل، فإن ما بهم ~~من داء الكفر والضلال حقيق بأن يعبر عنه بالهلاك لا بالنقصان ~~المنبىء عن حصول بعض مبادي الأسقام فيهم وزيادتهم في مراتب الهلاك من ~~حيث أنهم كلما جددوا الكفر والتكذيب بالآيات النازلة تدريجا ازدادوا ~~بذلك هلاكا، وفيه إيماء إلى أن ما بالمؤمنين من الشبه والشكوك ~~المعترية لهم في أثناء الاهتداء والاسترشاد بمنزلة الأمراض، وما ~~بالكفرة من الجهل العناد بمنزلة الموت والهلاك، وإسناد الزيادة ~~المذكورة إلى القرآن مع ms1991 أنهم هم المزدادون في ذلك بسوء صنعهم ~~باعتبار كونه سببا لذلك، وفيه تعجيب من أمره حيث يكون مدارا للشفاء ~~والهلاك. # { وإذا أنعمنا على الإنسن } بالصحة والنعمة { أعرض } ~~عن ذكرنا فضلا عن القيام بموجب الشكر { ونأى } تباعد عن طاعتنا { ~~بجانبه } النأي بالجانب أن يلوي عن الشيء عطفه ويوليه ~~عرض وجهه، فهو تأكيد للإعراض أو عبارة عن الاستكبار لأنه من ديدن ~~المستكبرين { وإذا مسه الشر } من فقر أو مرض أو نازلة من ~~النوازل، وفي إسناد المساس إلى الشر بعد إسناد الإنعام إلى ضمير ~~الجلالة إيذان بأن الخير مراد بالذات والشر ليس كذلك { كان ~~يئوسا } شديد اليأس من روحنا، وهذا وصف للجنس باعتبار بعض ~~أفراده ممن هو على هذه الصفة، ولا ينافيه قوله تعالى: # وإذا مسه الشر فذو دعاء عريض # [فصلت، الآية 51] ونظائره، فإن ذلك شأن بعض آخرين منهم، وقيل: أريد ~~به الوليد بن المغيرة وقرىء (ناء) إما على القلب كما يقال: راء في رأي ~~وإما على أنه بمعنى نهض. ### || [17.84-85] # { قل كل } أي كل أحد منكم وممن هو على خلافكم { يعمل } عمله ~~{ على شاكلته } طريقته التي تشاكل حاله في الهدى والضلالة أو ~~جوهر روحه وأحواله التابعة لمزاج بدنه { فربكم } الذي برأكم ~~على هذه الطبائع المتخالفة { أعلم بمن هو أهدى سبيلا } ~~أي أسد طريقا وأبين منهاجا وقد فسرت الشاكلة بالطبيعة ~~والعادة والدين. # { ويسئلونك عن الروح } الظاهر أن السؤال كان عن حقيقة ~~الروح الذي هو مدبر البدن الإنساني ومبدأ حياته، روي (أن اليهود ~~قالوا لقريش: سلوه عن أصحاب الكهف وعن ذي القرنين وعن الروح، فإن أجاب ~~عنها جميعا أو سكت فليس بنبي، وإن أجاب عن بعض وسكت عن بعض فهو نبي، ~~فبين لهم القصتين وأبهم أمر الروح) وهو مبهم في التوراة { قل ~~الروح } أظهر في مقام الإضمار إظهارا لكمال الاعتناء بشأنه { من ~~أمر ربى } كلمة من بيانية والأمر بمعنى الشأن والإضافة ~~للاختصاص العلمي لا الإيجادي لاشتراك الكل فيه وفيها من تشريف ~~المضاف ما لا يخفى كما في الإضافة الثانية من تشريف المضاف إليه، أي ms1992 ~~هو من جنس ما استأثر الله تعالى بعلمه من الأسرار الخفية التي لا يكاد ~~يحوم حولها عقول البشر. # { وما أوتيتم من العلم إلا قليلا } لا يمكن تعلقه ~~بأمثال ذلك، روي أنه صلى الله عليه وسلم لما قال لهم ذلك. قالوا: نحن ~~مختصون بهذا الخطاب قال عليه الصلاة والسلام: # " بل نحن وأنتم " # فقالوا: ما أعجب شأنك، ساعة تقول: { ومن يؤت الحكمة فقد ~~أوتى خيرا كثيرا } وساعة تقول هذا، فنزلت: # ولو أن ما فى الأرض من شجرة أقلام # [لقمان: 27]، وإنما قالوا ذلك لركاكة عقولهم فإن الحكمة الإنسانية أن ~~يعلم من الخير ما تسعه الطاقة البشرية بل ما نيط به المعاش والمعاد ~~وذلك بالإضافة إلى ما لا نهاية له من معلوماته سبحانه قليل ينال ~~به خير كثير في نفسه أو بالنسبة إلى الإنسان أو هو من الإبداعيات ~~الكائنة بمحض الأمر التكويني من غير تحصل من مادة وتولد من أصل ~~كأعضاء الجسد حتى يمكن تعريفه ببعض مباديه، ومآله أنه من عالم الأمر ~~لا من عالم الخلق وليس هذا من قبيل قوله سبحانه: # إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن ~~فيكون # [يس: 82] فإن ذلك عبارة عن سرعة التكوين سواء كان الكائن من عالم ~~الأمر أو من عالم الخلق، وفيه تنبيه على أنه مما لا يحيط بكنهه ~~دائرة إدراك البشر وإنما الممكن هذا القدر الإجمالي المندرج تحت ما ~~استثني بقوله تعالى: { وما أوتيتم من العلم إلا قليلا } ~~أي إلا علما قليلا تستفيدونه من طرق الحواس فإن تعقل المعارف ~~النظرية إنما هو من إحساس الجزئيات، ولذلك قيل: من فقد حسا فقد ~~علما، ولعل أكثر الأشياء لا يدركه الحس ولا شيء من أحواله التي يدور ~~عليها معرفة ذاته، وأما حمل ما ذكر على السؤال عن قدمه وحدوثه وجعل ~~الجواب إخبارا بحدوثه أي كائن بتكوينه حادث بإحداثه بالأمر التكويني، ~~فمع عدم ملاءمته لحال السائلين لا يساعده التعرض لبيان قلة علمهم، ~~فإن ما سألوا عنه مما يفي به علمهم حينئذ وقد أخبر عنه، وقيل: المراد ~~بالروح خلق عظيم ms1993 روحاني أعظم من الملك، وقيل: جبريل عليه السلام، ~~وقيل: القرآن، ومعنى من أمر ربي من وحيه وكلامه لا من كلام البشر. ### || [17.86-88] # { ولئن شئنا لنذهبن بالذى أوحينا إليك } من ~~القرآن الذي هو شفاء ورحمة للمؤمنين ومنبع للعلوم التي أوتيتها ~~وثبتناك عليه حين كادوا يفتنونك عنه ولولاه لكدت تركن إليهم شيئا ~~قليلا، وإنما عبر عنه بالموصول تفخيما لشأنه ووصفا له لما بما في حيز ~~الصلة ابتداء وإعلاما بحاله من أول الأمر وبأنه ليس من قبيل كلام ~~المخلوق، واللام موطئة للقسم ولنذهبن جوابه النائب مناب جزاء ~~الشرط، وبذلك حسن حذف مفعول المشيئة، والمراد من الذهاب به المحو ~~من المصاحف والصدور وهو أبلغ من الإذهاب. عن ابن مسعود رضي الله عنه: # " أن أول ما تفقدون من دينكم الأمانة وآخر ما تفقدون الصلاة ~~وليصلين قوم ولا دين لهم، وأن هذا القرآن تصبحون يوما وما فيكم ~~منه شيء، فقال رجل: كيف ذلك وقد أثبتناه في قلوبنا وأثبتناه في ~~مصاحفنا نعلمه أبناءنا ويعلمه أبناؤنا أبناءهم؟ فقال: يسرى عليه ~~ليلا فيصبح الناس منه فقراء ترفع المصاحف وينزع ما في القلوب " # { ثم لا تجد لك به } أي بالقرآن { علينا وكيلا } من ~~يتوكل علينا استرداده مسطورا محفوظا. # { إلا رحمة من ربك } فإنها إن نالتك لعلها تسترده عليك، ~~ويجوز أن يكون الاستثناء منقطعا بمعنى ولكن رحمة من ربك تركته ~~غير مذهوب به، فيكون امتنانا بإبقائه بعد المنة بتنزيله وترغيبا في ~~المحافظه على أداء حقوقه وتحذيرا من أن لا يقدر قدره الجليل ~~ويفرط في القيام بشكره وهو أجل النعم وأعظمها { إن فضله ~~كان عليك كبيرا } كإرسالك وإنزال الكتاب عليك وإبقائه في ~~حفظك وغير ذلك. # { قل } للذين لا يعرفون جلالة قدر التنزيل ولا يفهمون فخامة شأنه ~~الجليل، بل يزعمون أنه من كلام البشر { لئن اجتمعت الإنس ~~والجن } أي اتفقوا { على أن يأتوا بمثل هذا ~~القرءان } المنعوت بما لا تدركه العقول من النعوت الجليلة في ~~البلاغة وحسن النظم وكمال المعنى. وتخصيص الثقلين بالذكر لأن المنكر ~~لكونه من عند الله تعالى منهما لا من ms1994 غيرهما لا لأن غيرهما قادر على ~~المعارضة { لا يأتون بمثله } أوثر الإظهار على إيراد الضمير ~~الراجع إلى المثل المذكور احترازا عن أن يتوهم أن له مثلا ~~معينا وإيذانا بأن المراد نفي الإتيان بمثل ما، أي لا يأتون بكلام ~~مماثل له فيما ذكر من الصفات البديعة وفيهم العرب العاربة أرباب ~~البراعة والبيان، وهو جواب للقسم الذي ينبىء عنه اللام الموطئة ~~وساد مسد جزاء الشرط ولولاها لكان جوابا له بغير جزم لكون الشرط ~~ماضيا كما في قول زهير: [البسيط] # وإن أتاه خليل يوم مسألة # يقول لا غائب مالي ولا حرم # وحيث كان المراد بالاجتماع على الإتيان بمثل القرآن مطلق الاتفاق ~~على ذلك سواء كان التصدي للمعارضة من كل واحد منهم على الانفراد، أو ~~من المجموع بأن يتألبوا على تلفيق كلام واحد بتلاحق الأفكار وتعاضد ~~الأنظار قيل: { ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا } أي في تحقيق ~~ما يتوخونه من الإتيان بمثله وهو عطف على مقدر، أي لا يأتون بمثله ~~لو لم يكن بعضهم ظهيرا لبعض ولو كان الخ، وقد حذف المعطوف عليه حذفا ~~مطردا لدلالة المعطوف عليه دلالة واضحة فإن الإتيان بمثله انتفى ~~عند التظاهر فلأن ينتفي عند عدمه أولى، وعلى هذه النكتة يدور ما ~~في إن ولو الوصليتين من التأكيد كما مر غير مرة، ومحله النصب على ~~الحالية حسبما عطف عليه، أي لا يأتون بمثله على كل حال مفروض ولو في ~~هذه الحال المنافية لعدم الإتيان به فضلا عن غيرها وفيه حسم لأطماعهم ~~الفارغة في روم تبديل بعض آياته ببعض، ولا مساغ لكون الآية تقريرا ~~لما قبلها من قوله تعالى: { ثم لا تجد لك به علينا ~~وكيلا } [الإسراء: 86] كما قيل، لكن لا لما قيل من أن الإتيان بمثله ~~أصعب من استرداد عينه، ونفي الشيء إنما يقرره نفي ما دونه لا نفي ما ~~فوقه فإن أصعبية الاسترداد بغير أمره تعالى من الإتيان بمثله مما لا ~~شبهة فيه بل لأن الجملة القسمية ليست مسوقة إلى النبي صلى الله ~~عليه وسلم بل إلى المكابرين من قبله ms1995 عليه السلام. ### || [17.89-92] # { ولقد صرفنا } كررنا ورددنا على أنحاء مختلفة توجب زيادة ~~تقرير وبيان ووكادة رسوخ واطمئنان { للناس فى هذا ~~القرءان } المنعوت بما ذكر من النعوت الفاضلة { من كل مثل } ~~من كل معنى بديع هو الحسن والغرابة واستجلاب النفس كالمثل ~~ليتلقوه بالقبول { فأبى أكثر الناس } أوثر الإظهار على ~~الإضمار تأكيدا وتوضيحا { إلا كفورا } أي إلا جحودا، وإنما صح ~~الاستثناء من الموجب مع أنه لا يصح ضربت إلا زيدا لأنه متأول ~~بالنفي كأنه قيل: ما قبل أكثرهم إلا كفورا، وفيه من المبالغة ما ليس ~~في أبوا الإيمان لأن فيه دلالة على أنهم لم يرضوا بخصلة سوى ~~الكفور من الإيمان والتوقف في الأمر ونحو ذلك وأنهم بالغوا في عدم ~~الرضا حتى بلغوا مرتبة الإباء. # { وقالوا } عند ظهور عجزهم ووضوح مغلوبيتهم بالإعجاز التنزيلي ~~وغيره من المعجزات الباهرة متعللين بما لا يمكن في العادة وجوده ولا ~~تقتضي الحكمة وقوعه من الأمور كما هو ديدن المبهوت المحجوج { لن ~~نؤمن لك حتى تفجر } وقرىء بالتشديد { لنا من الأرض ~~} أرض مكة { ينبوعا } عينا لا ينضب ماؤها، يفعول من نبع الماء ~~كيعبوب من عب الماء إذا زحر. # { أو تكون لك جنة } أي بستان تستر أشجاره ما تحتها من ~~العرصة { من نخيل وعنب فتفجر الأنهر } أي تجريها ~~بقوة { خللها تفجيرا } كثيرا، والمراد إما إجراء الأنهار ~~خلالها عند سقيها أو إدامة إجرائها كما ينبىء عنه الفاء لا ابتداؤه { ~~أو تسقط السماء كما زعمت علينا كسفا } جمع كسفة ~~كقطعة وقطع لفظا ومعنى، وقرىء بالسكون كسدرة وسدر وهي حال من ~~السماء والكاف في كما في محل النصب على أنه صفة مصدر محذوف أي إسقاطا ~~مماثلا لما زعمت يعنون بذلك قوله تعالى: # أو نسقط عليهم كسفا من السماء # [سبأ: 9]. # { أو تأتى بالله والملئكة قبيلا } أي مقابلا ~~كالعشير والمعاشر أو كفيلا يشهد بصحة ما تدعيه، وهو حال من الجلالة ~~وحال الملائكة محذوفة لدلالتها عليها أي والملائكة قبلأ كما حذف ~~الخبر في قوله: [الطويل] # [فمن يك أمسى بالمدينة رحله] # فإني وقيار بها لغريب # أو جماعة ms1996 فيكون حالا من الملائكة. ### || [17.93-94] # { أو يكون لك بيت من زخرف } من ذهب وقد قرىء به وأصله ~~الزينة { أو ترقى فى السماء } أي في معارجها فحذف المضاف، ~~يقال: رقي في السلم وفي الدرجة { ولن نؤمن لرقيك } أي ~~لأجل رقيك فيها وحده أو لن نصدق رقيك فيها { حتى تنزل } منها ~~{ علينا كتابا } فيه تصديقك { نقرؤه } نحن من غير أن يتلقى من ~~قبلك. عن ابن عباس رضي الله عنهما، قال عبد الله بن أمية: لن نؤمن ~~لك حتى تتخذ إلى السماء سلما ثم ترقى فيه وأنا أنظر حتى تأتيها ~~وتأتي معك بصك منشور معه أربعة من الملائكة يشهدون أنك كما تقول، وما ~~كانوا يقصدون بهاتيك الاقتراحات الباطلة إلا العناد واللجاج ولو ~~أنهم أوتوا أضعاف ما اقترحوا من الآيات ما زادهم ذلك إلا مكابرة وإلا ~~فقد كان يكفيهم بعض ما شاهدوا من المعجزات التي تخر لها صم ~~الجبال. # { قل } تعجبا من شدة شكيمتهم وتنزيها لساحة السبحات عما لا يكاد ~~يليق بها من مثل هذه الاقتراحات الشنيعة التي تكاد السموات يتفطرن ~~منها أو عن طلبك ذلك وتنبيها على بطلان ما قالوه { سبحن ربى } ~~وقرىء قال: سبحان ربي { هل كنت إلا بشرا } لا ملكا حتى ~~يتصور مني الرقي في السماء ونحوه { رسولا } مأمورا من قبل ربي ~~بتبليغ الرسالة من غير أن يكون لي خيرة في الأمر كسائر الرسل وكانوا ~~لا يأتون قومهم إلا بما يظهره الله على أيديهم حسبما يلائم حال قومهم ~~ولم يكن أمر الآيات إليهم ولا لهم أن يتحكموا على الله سبحانه بشيء ~~منها، وقوله بشرا خبر لكنت ورسولا صفته. # { وما منع الناس } أي الذين حكيت أباطيلهم { أن يؤمنوا ~~} مفعول ثان لمنع وقوله: { إذ جاءهم الهدى } أي الوحي ظرف ~~لمنع أو يؤمنوا أي وما منعهم وقت مجيء الوحي المقرون بالمعجزات ~~المستدعية للإيمان أن يؤمنوا بالقرآن وبنبوتك أو ما منعهم أن يؤمنوا ~~بذلك وقت مجيء ما ذكر { إلا أن قالوا } في محل الرفع على أنه ~~فاعل منع أي إلا قولهم: { أبعث الله بشرا رسولا ms1997 } ~~منكرين أن يكون رسول الله تعالى من جنس البشر، وليس المراد أن هذا ~~القول صدر عن بعضهم فمنع بعضا آخر منهم، بل المانع هو الاعتقاد ~~الشامل للكل المستتبع لهذا القول منهم، وإنما عبر عنه بالقول إيذانا ~~بأنه مجرد قول يقولونه بأفواههم من غير أن يكون له مفهوم ومصداق، ~~وحصر المانع من الإيمان فيما ذكر مع أن لهم موانع شتى لما أنه ~~معظمها أو لأنه هو المانع بحسب الحال، أعني عند سماع الجواب بقوله ~~تعالى: { هل كنت إلا بشرا رسولا } [الإسراء: 93] إذ هو ~~الذي يتشبثون به حينئذ من غير أن يخرم ببالهم شبهة أخرى من شبههم ~~الواهية، وفيه إيذان بكمال عنادهم حيث يشير إلى أن الجواب المذكور ~~مع كونه حاسما لمواد شبههم ملجئا إلى الإيمان يعكسون الأمر ~~ويجعلونه مانعا منه. ### || [17.95-100] # { قل } لهم أولا من قبلنا تبيينا للحكمة وتحقيقا للحق المزيح ~~للريب { لو كان } أي لو وجد واستقر { فى الأرض } بدل البشر { ~~ملئكة يمشون مطمئنين } قارين فيها من غير أن يعرجوا ~~في السماء ويعلموا ما يجب أن يعلم { لنزلنا عليهم من ~~السماء ملكا رسولا } يهديهم إلى الحق ويرشدهم إلى الخير ~~لتمكنهم من الاجتماع والتلقي منه، وأما عامة البشر فهم بمعزل من ~~استحقاق المفاوضة الملكية فكيف لا وهي منوطة بالتناسب والتجانس، فبعث ~~الملك إليهم مزاحم للحكمة التي عليها مبنى التكوين والتشريع، وإنما ~~يبعث الملك من بينهم إلى الخواص المختصين بالنفوس الزكية المؤيدين ~~بالقوة القدسية المتعلقين بكلا العالمين الروحاني والجسماني ~~ليتلقوا من جانب ويلقوا إلى جانب، وقوله تعالى: { ملكا } يحتمل أن ~~يكون حالا من رسولا وأن يكون موصوفا به وكذلك بشرا في قوله تعالى: # أبعث الله بشرا رسولا # [الإسراء، الآية 94] والأول أولى. # { قل } لهم ثانيا من جهتك بعد ما قلت لهم من قبلنا ما قلت وبينت ~~لهم ما تقضيه الحكمة في البعثة ولم يرفعوا إليه رأسا { كفى ~~بالله } وحده { شهيدا } على أني أديت ما علي من مواجب الرسالة ~~أكمل أداء وأنكم فعلتم ما فعلتم من التكذيب والعناد، وتوجيه الشهادة ~~إلى كونه عليه السلام ms1998 رسولا بإظهار المعجزة على وفق دعواه كما اختير لا ~~يساعده قوله تعالى: { بينى وبينكم } وما بعده من التعليل، وإنما ~~لم يقل: بيننا تحقيقا للمفارقة وإبانة للمباينة، وشهيدا إما حال أو ~~تمييز { إنه كان بعباده } من الرسل والمرسل إليهم { ~~خبيرا بصيرا } محيطا بظواهر أحوالهم وبواطنها فيجازيهم على ذلك ~~وهو تعليل للكفاية، وفيه تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم وتهديد ~~للكفار. # { ومن يهد الله } كلام مبتدأ يفصل ما أشار إليه الكلام ~~السابق من مجازاة العباد إشارة إجمالية، أي من يهده الله إلى الحق ~~بما جاء من قبله من الهدى { فهو المهتد } إليه وإلى ما يؤدي ~~إليه من الثواب أو المهتد إلى كل مطلوب { ومن يضلل } أي يخلق فيه ~~الضلال بسوء اختياره كهؤلاء المعاندين { فلن تجد لهم } أوثر ~~ضمير الجماعة اعتبارا لمعنى (من) غب ما أوثر في مقابله الإفراد ~~نظرا إلى لفظها تلويحا بوحدة طريق الحق وقلة سالكيه وتعدد سبل ~~الضلال وكثرة الضلال { أولياء من دونه } من دون الله تعالى أي ~~أنصارا يهدونهم إلى طريق الحق أو إلى طريق يوصلهم إلى مطالبهم ~~الدنيوية والأخروية، أو إلى طريق النجاة من العذاب الذي يستدعيه ~~ضلالهم، على معنى لن تجد لأحد منهم وليا على ما تقتضيه قضية مقابلة ~~الجمع بالجمع من انقسام الآحاد إلى الآحاد { ونحشرهم } التفات ~~من الغيبة إلى التكلم إيذانا بكمال الاعتناء بأمر الحشر { يوم ~~القيمة } على وجوههم أو مشيا، فقد روي أنه قيل لرسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: كيف يمشون على وجوههم؟ قال: # " إن الذي أمشاهم على أقدامهم قادر على أن يمشيهم على وجوههم " # { عميا } حال من الضمير المجرور في الحال السابقة { وبكما ~~وصما } لا يبصرون ما يقر أعينهم ولا ينطقون ما يقبل منهم ولا ~~يسمعون ما يلذ مسامعهم لما قد كانوا في الدنيا لا يستبصرون بالآيات ~~والعبر ولا ينطقون بالحق ولا يستمعونه، ويجوز أن يحشروا بعد الحساب ~~من الموقف إلى النار موفي القوى والحواس وأن يحشروا كذلك ثم يعاد ~~إليهم قواهم وحواسهم، فإن إدراكاتهم بهذه المشاعر في بعض المواطن ~~مما ms1999 لا ريب فيه { مأواهم جهنم } إما حال أو استئناف وكذا ~~قوله تعالى: { كلما خبت زدناهم سعيرا } أي كلما سكن ~~لهبها بأن أكلت جلودهم ولحومهم ولم يبق فيهم ما تتعلق به النار ~~وتحرقه زدناهم توقدا بأن بدلناهم جلودا غيرها فعادت ملتهبة ~~ومستعرة، ولعل ذلك عقوبة لهم على إنكارهم الإعادة بعد الفناء ~~بتكريرها مرة بعد أخرى ليروها عيانا حيث لم يعلموها برهانا كما يفصح ~~عنه قوله تعالى: { ذلك } أي ذلك العذاب { جزاؤهم بأنهم } ~~أي بسبب أنهم { كفروا بئايتنا } العقلية والنقلية الدالة ~~على صحة الإعادة دلالة واضحة، فذلك مبتدأ وجزاؤهم خبره ويجوز أن ~~يكون مبتدأ ثانيا وبأنهم خبره، والجملة خبرا لذلك وأن يكون جزاؤهم ~~بدلا من ذلك أو بيانا له والخبر هو الظرف { وقالوا } منكرين ~~أشد الإنكار { أءذا كنا عظما ورفتا أءنا ~~لمبعوثون خلقا جديدا } إما مصدر مؤكد من غير لفظه أي ~~لمبعوثون بعثا جديدا وإما حال أي مخلوقين مستأنفين. # { أولم يروا } أي ألم يتفكروا ولم يعلموا { أن الله ~~الذي خلق السماوات والأرض } من غير مادة مع عظمهما { ~~قادر على أن يخلق مثلهم } في الصغر على أن المثل ~~مقحم والمراد بالخلق الإعادة كما عبر عنها بذلك حيث قيل: خلقا ~~جديدا { وجعل لهم أجلا لا ريب فيه } عطف على أولم يروا ~~فإنه في قوة قد رأوا، والمعنى قد علموا أن من قدر على خلق السموات ~~والأرض فهو قادر على خلق أمثالهم من الإنس وجعل لهم ولبعثهم أجلا ~~محققا لا ريب فيه هو يوم القيامة { فأبى الظلمون } وضع ~~موضع الضمير تسجيلا عليهم بالظلم وتجاوز الحد بالمرة { إلا ~~كفورا } أي جحودا. # { قل لو أنتم تملكون خزائن رحمة ربى } خزائن ~~رزقه التي أفاضها على كافة الموجودات، وأنتم مرتفع بفعل يفسره ~~المذكور كقول حاتم: [السريع] # لو ذات سوار لطمتني # وفائدة ذلك المبالغة والدلالة على الاختصاص. # { إذا لأمسكتم } لبخلتم { خشية الإنفاق } إذ ليس في ~~الدنيا أحد إلا وهو يختار النفع لنفسه، ولو آثر غيره بشيء فإنما ~~يؤثره لعوض يفوقه، فإذن هو بخيل بالإضافة إلى جود الله سبحانه { ~~وكان الإنسن ms2000 قتورا } مبالغا في البخل لأن مبنى أمره على ~~الحاجة والضنة بما يحتاج إليه وملاحظة العوض بما يبذله. ### || [17.101-102] # { ولقد ءاتينا موسى تسع ءايت بينات } واضحات ~~الدلالة على نبوته وصحة ما جاء به من عند الله وهي العصا واليد ~~والجراد والقمل والضفادع والدم والطوفان والسنون ونقص الثمرات، ~~وقيل: انفجار الماء من الحجر ونتق الطور على بني إسرائيل وانفلاق ~~البحر بدل الثلاث الأخيرة، ويأباه أن هذه الثلاث لم تكن منزلة إذ ذاك ~~وأن الأولين لا تعلق لهما بفرعون وإنما أوتيهما بنو إسرائيل، وعن ~~صفوان بن عسال أن يهوديا سأل النبي عليه الصلاة والسلام عنها فقال: # " ألا تشركوا به شيئا ولا تسرقوا ولا تزنوا، ولا تقتلوا النفس التي ~~حرم الله إلا بالحق، ولا تسحروا ولا تأكلوا الربا، ولا تمشوا ببريء ~~إلى ذي سلطان ليقتله ولا تقذفوا محصنة ولا تفروا من الزحف، وعليكم ~~خاصة اليهود أن لا تعدوا في السبت " # فقبل اليهودي يده ورجله عليه السلام، ولا يساعده أيضا ما ذكر ولعل ~~جوابه عليه السلام بذلك لما أنه المهم للسائل وقبوله لما أنه كان في ~~التوراة مسطورا، وقد علم أنه ما علمه رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~إلا من جهة الوحي. # { فاسأل بنى إسرءيل } وقرىء فسل أي فقلنا له: سلهم من ~~فرعون، وقل له: أرسل معي بني إسرائيل أو سلهم عن إيمانهم أو عن حال ~~دينهم أو سلهم أن يعاضدوك، ويؤيده قراءة رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم على صيغة الماضي، وقيل: الخطاب للنبي عليه الصلاة والسلام أي ~~فاسألهم عن تلك الآيات لتزداد يقينا وطمأنينة أو ليظهر صدقك { ~~إذ جاءهم } متعلق بقلنا وبسأل على القراءة المذكورة وبآتينا أو ~~بمضمر هم يخبروك أو اذكر على تقدير كون الخطاب للرسول عليه الصلاة ~~والسلام { فقال له فرعون } الفاء فصيحة أي فأظهر عند فرعون ~~ما آتيناه من الآيات البينات وبلغه ما أرسل به، فقال له فرعون: { ~~إنى لأظنك يموسى مسحورا } سحرت فتخبط عقلك. # { قال لقد علمت ما أنزل هؤلاء } يعني الآيات التي ~~أظهرها { إلا رب السموات والأرض ms2001 } خالقهما ومدبرهما، ~~والتعرض لربوبيته تعالى لهما للإيذان بأنه لا يقدر على إيتاء مثل ~~هاتيك الآيات العظام إلا خالقهما ومدبرهما { بصائر } حال من ~~الآيات أي بينات مكشوفات تبصرك صدقي ولكنك تعاند وتكابر، نحو: # وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم # [النمل: 14] ومن ضرورة ذلك العلم العلم بأنه عليه الصلاة والسلام على ~~كمال رصانة العقل فضلا عن توهم المسحورية، وقرىء علمت على صيغة ~~التكلم أي لقد علمت بيقين أن هذه الآيات الباهرة أنزلها الله عز ~~سلطانه فكيف يتوهم أن يحوم حولي سحر { وإنى لأظنك يفرعون ~~مثبورا } مصروفا عن الخير مطبوعا على الشر، من قولهم: ما ثبرك عن ~~هذا أي ما صرفك، أو هالكا ولقد قارع عليه السلام ظنه بظنه وشتان ~~بينهما، كيف لا وظن فرعون إفك مبين وظنه عليه الصلاة والسلام ~~يتاخم اليقين. ### || [17.103-107] # { فأراد } أي فرعون { أن يستفزهم } أي يستخفهم ويزعجهم ~~{ من الأرض } أرض مصر أو من الأرض مطلقا بالقتل كقوله: # سنقتل أبناءهم ونستحيى نساءهم # [الأعراف، الآية 127] { فأغرقناه ومن معه جميعا } ~~فعكسنا عليه مكره واستفززناه وقومه بالإغراق. # { وقلنا من بعده } من بعد إغراقهم { لبنى إسرءيل ~~اسكنوا الأرض } التي أراد أن يستفزكم منها { فإذا جاء وعد ~~الآخرة } الكرة الآخرة أو الحياة أو الساعة والدار الآخرة أي ~~قيام القيامة { جئنا بكم لفيفا } مختلطين إياكم وإياهم ثم ~~نحكم بينكم ونميز سعداءكم من أشقيائكم واللفيف الجماعات من قبائل ~~شتى. # { وبالحق أنزلناه وبالحق نزل } أي وما أنزلنا ~~القرآن إلا ملتبسا بالحق المقتضي لإنزاله وما نزل إلا ملتبسا بالحق ~~الذي اشتمل عليه، أو ما أنزلناه من السماء إلا محفوظا وما نزل على ~~الرسول إلا محفوظا من تخليط الشياطين، ولعل المراد بيان عدم اعتراء ~~البطلان له أول الأمر وآخره { وما أرسلناك إلا مبشرا } ~~للمطيع بالثواب { ونذيرا } للعاصي من العقاب، وهو تحقيق لحقية ~~بعثته عليه الصلاة والسلام إثر تحقيق حقية إنزال القرآن. # { وقرءانا } منصوب بمضمر يفسره قوله تعالى: { فرقناه } وقرىء ~~بالتشديد دلالة على كثرة نجومه { لتقرأه على الناس على ~~مكث } على مهل وتثبت فإنه أيسر للحفظ وأعون على الفهم، وقرىء ~~بالفتح وهو ms2002 لغة فيه { ونزلنه تنزيلا } حسبما تقتضيه الحكمة ~~والمصلحة ويقع من الحوادث والواقعات. # { قل } للذين كفروا { ءامنوا به أو لا تؤمنوا } فإن ~~إيمانكم به لا يزيده كمالا وامتناعكم لا يورثه نقصا { إن ~~الذين أوتوا العلم من قبله } أي العلماء الذين قرأوا ~~الكتب السالفة من قبل تنزيله وعرفوا حقيقة الوحي وأمارات النبوة ~~وتمكنوا من التمييز بين الحق والباطل والمحق والمبطل ورأوا ~~فيها نعتك ونعت ما أنزل إليك { إذا يتلى } أي القرآن { ~~عليهم يخرون للأذقان } أي يسقطون على وجوههم { سجدا } ~~تعظيما لأمر الله تعالى أو شكرا لإنجاز ما وعد به في تلك الكتب من ~~بعثتك، وتخصيص الأذقان بالذكر للدلالة على كمال التذلل إذ حينئذ ~~يتحقق الخرور عليها، وإيثار اللام للدلالة على اختصاص الخرور بها كما ~~في قوله: [الطويل] # فخر صريعا لليدين وللفم # وهو تعليل لما يفهم من قوله تعالى: { ءامنوا به أو لا ~~تؤمنوا } من عدم المبالاة بذلك أي إن لم تؤمنوا به فقد آمن به أحسن ~~إيمان من هو خير منكم، ويجوز أن يكون تعليلا لقل على سبيل ~~التسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم كأنه قيل: تسل بإيمان العلماء ~~عن إيمان الجهلة ولا تكترث بإيمانهم وإعراضهم. ### || [17.108-110] # { ويقولون } في سجودهم { سبحان ربنا } عما يفعل الكفرة من ~~التكذيب أو عن خلف وعده { إن كان وعد ربنا لمفعولا } إن ~~مخففة من المثقلة، واللام فارقة أي إن الشأن هذا. # { ويخرون للأذقان يبكون } كرر الخرور للأذقان لاختلاف ~~السبب فإن (الأول) لتعظيم أمر الله تعالى أو الشكر لإنجاز الوعد ~~(والثاني) لما أثر فيهم من مواعظ القرآن حال كونهم باكين من خشية ~~الله { ويزيدهم } أي القرآن بسماعهم { خشوعا } كما يزيدهم ~~علما ويقينا بالله تعالى. # { قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن } نزل حين سمع ~~المشركون رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: # " يا ألله يا رحمن " # فقالوا: إنه ينهانا عن عبادة إلهين وهو يدعو إلها آخر. وقالت ~~اليهود: إنك لتقل ذكر الرحمن وقد أكثره الله تعالى في التوراة. ~~والمراد على الأول هو التسوية بين اللفظين بأنهما عبارتان عن ms2003 ذات ~~واحدة وإن اختلف الاعتبار والتوحيد إنما هو للذات الذي هو المعبود، ~~وعلى الثاني أنهما سيان في حسن الإطلاق والإفضاء إلى المقصود وهو أوفق ~~لقوله تعالى: { أيا ما تدعوا فله الأسماء الحسنى } ~~والدعاء بمعنى التسمية وهو يتعدى إلى مفعولين حذف أولهما استغناء ~~عنه، وأو للتخيير والتنوين في أيا عوض عن المضاف إليه وما مزيدة ~~لتأكيد ما في أي من الإبهام، والضمير في له للمسمى لأن التسمية له لا ~~للاسم وكان أصل الكلام أيا ما تدعوا فهو حسن فوضع موضعه فله ~~الأسماء الحسنى للمبالغة والدلالة على ما هو الدليل عليه، إذ حسن ~~جميع أسمائه يستدعي حسن ذينك الاسمين وكونها حسنى لدلالتها على صفات ~~الكمال من الجلال والجمال والإكرام. # { ولا تجهر بصلاتك } أي بقراءة صلاتك بحيث تسمع المشركين ~~فإن ذلك يحملهم على السب واللغو فيها { ولا تخافت بها } أي ~~بقراءتها بحيث لا تسمع من خلفك من المؤمنين { وابتغ بين ذلك } ~~أي بين الجهر والمخافتة على الوجه المذكور { سبيلا } أمرا وسطا ~~قصدا فإن خير الأمور أوساطها، والتعبير عن ذلك بالسبيل باعتبار ~~أنه أمر يتوجه إليه المتوجهون ويؤمه المقتدون ويوصلهم إلى المطلوب، ~~وروي أن أبا بكر رضي الله تعالى عنه كان يخفت ويقول: أناجي ربي وقد علم ~~حاجتي، وعمر رضي الله عنه كان يجهر بها ويقول: أطرد الشيطان وأوقظ ~~الوسنان، فلما نزلت أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا بكر أن ~~يرفع قليلا وعمر أن يخفض قليلا، وقيل: المعنى لا تجهر بصلاتك ~~كلها ولا تخافت بها بأسرها وابتغ بين ذلك سبيلا بالمخافتة نهارا ~~والجهر ليلا، وقيل: بصلاتك بدعائك وذهب قوم إلى أنها منسوخة بقوله ~~تعالى: # ادعوا ربكم تضرعا وخفية # [الأعراف: 55]. ### || [17.111] # { وقل الحمد لله الذى لم يتخذ ولدا } كما يزعم ~~اليهود والنصارى وبنو مليح، حيث قالوا: عزير ابن الله والمسيح ابن ~~الله والملائكة بنات الله تعالى عن ذلك علوا كبيرا { ولم يكن ~~له شريك فى الملك } أي الألوهية كما يقوله الثنوية القائلون ~~بتعدد الآلهة { ولم يكن له ولى من الذل } ناصر ~~ومانع منه ms2004 لاعتزازه، أو لم يوال أحدا من أجل مذلة ليدفعها به، وفي ~~التعرض في أثناء الحمد لهذه الصفات الجليلة إيذان بأن المستحق للحمد ~~من هذه نعوته دون غيره، إذ بذلك يتم الكمال والقدرة التامة على ~~الإيجاد، وما يتفرع عليه من إفاضة أنواع النعم وما عداه ناقص مملوك ~~نعمة أو منقما عليه، ولذلك عطف عليه قوله تعالى: { وكبره ~~تكبيرا } وفيه تنبيه على أن العبد وإن بالغ في التنزيه والتمجد ~~واجتهد في الطاعة والتحميد ينبغي أن يعترف بالقصور في ذلك. روي أنه صلى ~~الله عليه وسلم كان إذا أفصح الغلام من بني عبد المطلب علمه هذه الآية ~~الكريمة. # وعنه عليه الصلاة والسلام: # " من قرأ سورة بني إسرائيل فرق قلبه عند ذكر الوالدين كان له ~~قنطار في الجنة " # والقنطار ألف أوقية ومائتا أوقية والحمد لله سبحانه وله الكبرياء ~~والعظمة والجبروت. ### | [18 - سورة الكهف] ### || [18.1-2] # { الحمد لله الذى أنزل على عبده } محمد صلى الله ~~عليه وسلم { الكتب } أي الكتاب الكامل الغني عن الوصف بالكمال ~~المعروف بذلك من بين الكتب، الحقيق باختصاص اسم الكتاب به، وهو ~~عبارة عن جميع القرآن أو عن جميع المنزل حينئذ كما مر مرارا، وفي ~~وصفه تعالى بالموصول إشعار بعلية ما في حيز الصلة لاستحقاق الحمد ~~وإيذان بعظم شأن التنزيل الجليل، كيف لا وعليه يدور فلك سعادة ~~الدارين، وفي التعبير عن الرسول عليه الصلاة والسلام بالعبد مضافا إلى ~~ضمير الجلالة تنبيه على بلوغه عليه الصلاة والسلام إلى أعلى معارج ~~العبادة وتشريف وإشعار بأن شأن الرسول أن يكون عبدا للمرسل لا كما ~~زعمت النصارى في حق عيسى عليه السلام، وتأخير المفعول الصريح عن الجار ~~والمجرور مع أن حقه التقديم عليه ليتصل به قوله تعالى: { ولم يجعل ~~له عوجا } أي شيئا من العوج بنوع اختلال في النظم وتناف في ~~المعنى أو انحراف عن الدعوة إلى الحق وهو في المعاني كالعوج في ~~الأعيان، وأما قوله تعالى: # لا ترى فيها عوجا ولا أمتا # [طه: 107] مع كون الجبال من الأعيان فللدلالة على انتفاء ما لا يدرك ~~من ms2005 العوج بحاسة البصر، بل إنما يوقف عليه بالبصيرة بواسطة استعمال ~~المقاييس الهندسية ولما كان ذلك مما لا يشعر به بالمشاعر الظاهرة ~~عد من قبيل ما في المعاني، وقيل: الفتح في اعوجاج المنتصب كالعود ~~والحائط، والكسر في اعوجاج غيره عينا كان أو معنى. # { قيما } بالمصالح الدينية والدنيوية للعباد على ما ينبىء عنه ما ~~بعده من الإنذار والتبشير فيكون وصفا له بالتكميل بعد وصفه بالكمال، ~~أو على ما قبله من الكتب السماوية شاهدا بصحتها ومهيمنا عليها أو ~~متناهيا في الاستقامة، فيكون تأكيدا لما دل عليه نفي العوج مع إفادة ~~كون ذلك من صفاته الذاتية اللازمة له حسبما تنبىء عنه الصيغة لا أنه ~~نفي عنه العوج مع كونه من شأنه، وانتصابه على تقدير كون الجملة ~~المتقدمة معطوفة على الصلة بمضمر ينبىء عنه نفي العوج تقديره جعله ~~قيما، وأما على تقدير كونها حالية فهو على الحالية من الكتاب إذ لا ~~فصل حينئذ بين أبعاض المعطوف عليه بالمعطوف وقرىء قيما { لينذر ~~} متعلق بأنزل والفاعل ضمير الجلالة كما في الفعلين المعطوفين عليه، ~~والإطلاق عن ذكر المفعول الأول للإيذان بأن ما سيق له الكلام هو ~~المفعول الثاني وأن الأول ظاهر لا حاجة إلى ذكره، أي أنزل الكتاب ~~لينذر بما فيه الذين كفروا به { بأسا } أي عذابا { شديدا من ~~لدنه } أي صادرا من عنده نازلا من قبله بمقابلة كفرهم وتكذيبهم، ~~وقرىء من لدنه بسكون الدال مع إشمام الضمة وكسر النون لالتقاء ~~الساكنين وكسر الهاء للإتباع { ويبشر } بالتشديد وقرىء بالتخفيف { ~~المؤمنين } أي المصدقين به { الذين يعملون الصلحات ~~} الأعمال الصالحة التي بينت في تضاعيفه، وإيثار صيغة الاستقبال في ~~الصلة للإشعار بتجدد الأعمال الصالحة واستمرارها، وإجراء الموصول على ~~موصوفه المذكور لما أن مدار قبول الأعمال هو الإيمان { أن لهم ~~} أي بأن لهم بمقابلة إيمانهم وأعمالهم المذكورة { أجرا حسنا } ~~هو الجنة وما فيها من المثوبات الحسنى. ### || [18.3-5] # { ماكثين } حال من الضمير المجرور في لهم { فيه } أي في ذلك ~~الأجر { أبدا } من غير انتهاء أي خالدين فيه، وهو نصب على الظرفية ~~لماكثين، وتقديم ms2006 الإنذار على التبشير لإظهار كمال العناية بزجر ~~الكفار عما هم عليه مع مراعاة تقديم التخلية على التحلية، وتكرير ~~الإنذار بقوله تعالى: { وينذر الذين قالوا اتخذ الله ~~ولدا } متعلقا بفرقة خاصة ممن عمه الإنذار السابق من مستحقي ~~البأس الشديد للإيذان بكمال فظاعة حالهم لغاية شناعة كفرهم ~~وضلالهم، أي وينذر من بين سائر الكفرة هؤلاء المتفوهين بمثل هاتيك ~~العظيمة خاصة وهم كفار العرب الذين يقولون: الملائكة بنات الله ~~تعالى، واليهود القائلون: عزير ابن الله، والنصارى القائلون: المسيح ~~ابن الله، وترك إجراء الموصول على الموصوف كما فعل في قوله تعالى: # ويبشر المؤمنين # [الكهف: 2] للإيذان بكفاية ما في حيز الصلة في الكفر على أقبح الوجوه، ~~وإيثار صيغة الماضي في الصلة للدلالة على تحقق صدور تلك الكلمة ~~القبيحة عنهم فيما سبق. وجعل المفعول المحذوف فيما سلف عبارة عن هذه ~~الطائفة يؤدي إلى خروج سائر أصناف الكفرة عن الإنذار والوعيد، وتعميم ~~الإنذار هناك للمؤمنين أيضا بحمله على معنى مجرد الإخبار بالخبر ~~الضار من غير اعتبار حلول المنذر به على المنذر كما في قوله تعالى: # أن أنذر الناس وبشر الذين ءامنوا # [يونس: 2] يفضي إلى خلو النظم الكريم عن الدلالة على حلول البأس ~~الشديد على من عدا هذه الفرقة، ويجوز أن يكون الفاعل في الأفعال ~~الثلاثة ضمير الكتاب أو ضمير الرسول عليه الصلاة والسلام. # { ما لهم به } أي باتخاذه سبحانه وتعالى ولدا { من علم } ~~مرفوع على الابتداء أو الفاعلية لاعتماد الظرف، ومن مزيدة لتأكيد ~~النفي والجملة حالية أو مستأنفة لبيان حالهم في مقالهم، أي ما لهم ~~بذلك شيء من علم أصلا لا لإخلالهم بطريقه مع تحقيق المعلوم أو إمكانه ~~بل لاستحالته في نفسه { ولا لآبائهم } الذين قلدوهم فتاهوا جميعا ~~في تيه الجهالة والضلالة أو ما لهم علم بما قالوه أهو صواب أم خطأ، ~~بل إنما قالوه رميا عن عمى وجهالة من غير فكر وروية كما في قوله ~~تعالى: # وخرقوا له بنين وبنات بغير علم # [الأنعام: 100] أو بحقيقة ما قالوه وبعظم رتبته في الشناعة كما في ~~قوله تعالى: # وقالوا ms2007 اتخذ الرحمن ولدا لقد جئتم شيئا ~~إدا تكاد السموات يتفطرن منه # [مريم، الآيات: 88، 89، 90] وهو الأنسب بقوله تعالى: { كبرت ~~كلمة } أي عظمت مقالتهم هذه في الكفر والافتراء لما فيها من نسبته ~~سبحانه إلى ما لا يكاد يليق بجناب كبريائه، والفاعل في كبرت إما ضمير ~~المقالة المدلول عليها بقالوا وكلمة نصب على التمييز أو ضمير ~~مبهم مفسر بما بعده من النكرة المنصوبة تمييزا كبئس رجلا، ~~والمخصوص بالذم محذوف تقديره كبرت هي كلمة خارجة من أفواههم، وقرىء ~~كبرت بإسكان الباء مع إشمام الضم، وقرىء كلمة بالرفع { تخرج من ~~أفواههم } صفة للكلمة مفيدة لاستعظام اجترائهم على التفوه بها، ~~وإسناد الخروج إليها مع أن الخارج هو الهواء المتكيف بكيفية الصوت ~~لملابسته بها { إن يقولون } ما يقولون في ذلك الشأن { إلا ~~كذبا } أي إلا قولا كذبا لا يكاد يدخل تحت إمكان الصدق أصلا، ~~والضميران لهم ولآبائهم. # مثل حاله عليه الصلاة والسلام في شدة الوجد على إعراض القوم ~~وتوليهم عن الإيمان بالقرآن وكمال التحسر عليهم بحال من يتوقع منه ~~إهلاك نفسه إثر فوات ما يحبه عند مفارقة أحبته تأسفا على ~~مفارقتهم وتلهفا على مهاجرتهم، فقيل على طريقة التمثيل حملا له عليه ~~الصلاة والسلام على الحذر والإشفاق من ذلك: ### || [18.6-7] # { فلعلك بخع } أي مهلك { نفسك على ءاثرهم } ~~غما ووجدا على فراقهم وقرىء بالإضافة { إن لم يؤمنوا ~~بهذا الحديث } أي القرآن الذي عبر عنه في صدر السورة ~~بالكتاب، وجواب الشرط محذوف ثقة بدلالة ما سبق عليه، وقرىء بأن ~~المفتوحة أي لأن لم يؤمنوا، فإعمال باخع بحمله على حكاية حال ماضية ~~لاستحضار الصورة كما في قوله عز وجل: # باسط ذراعيه # [الكهف: 18] { أسفا } مفعول له لباخع أي لفرط الحزن والغضب أو ~~حال مما فيه الضمير أن متأسفا عليهم، ويجوز حمل النظم الكريم على ~~الاستعارة التبعية بجعل التشبيه بين أجزاء الطرفين لا بين الهيئتين ~~المنتزعتين منهما كما في التمثيل، وقد مر تحقيقه في تفسير قوله تعالى: # ختم الله على قلوبهم # [البقرة: 7]. # { إنا جعلنا ما على الأرض } استئناف وتعليل لما في لعل ~~من ms2008 معنى الإشفاق، أي إنا جعلنا ما عليها ممن عدا من وجه إليه ~~التكليف من الزخارف حيوانا كان أو نباتا أو معدنا كقوله تعالى: # هو الذى خلق لكم ما فى الأرض جميعا # [البقرة: 29] { زينة } مفعول ثان للجعل إن حمل على معنى التصيير ~~أو حال إن حمل على معنى الإبداع، واللام في { لها } إما متعلقة ~~بزينة أو بمحذوف هو صفة لها أي كائنة لها أي ليتمتع بها الناظرون من ~~المكلفين وينتفعوا بها نظرا واستدلالا، فإن الحيات والعقارب من حيث ~~تذكيرهما لعذاب الآخرة من قبيل المنافع بل كل حادث داخل تحت ~~الزينة من حيث دلالته على وجود الصانع ووحدته فإن الأزواج ~~والأولاد أيضا من زينة الحياة الدنيا بل أعظمها ولا يمنع ذلك كونهم ~~من جملة المكلفين فإنهم من جهة انتسابهم إلى أصحابهم داخلون تحت الزينة ~~ومن جهة كونهم مكلفين داخلون تحت الابتلاء. # { لنبلوهم } متعلق بجعلنا أي جعلنا ما جعلنا لنعاملهم معاملة ~~من يختبرهم { أيهم أحسن عملا } فنجازيهم بالثواب والعقاب ~~حسبما تبين المحسن من المسيء وامتازت طبقات أفراد كل من الفريقين ~~حسب امتياز مراتب علومهم المرتبة على أنظارهم وتفاوت درجات أعمالهم ~~المتفرعة على ذلك كما قررناه في مطلع سورة هود، وأي إما استفهامية ~~مرفوعة بالابتداء وأحسن خبرها والجملة في محل النصب معلقة لفعل ~~البلوى لما فيه من معنى العلم باعتبار عاقبته كالسؤال والنظر، ولذلك ~~أجري مجراه بطريق التمثيل أو الاستعارة التبعية، وإما موصولة بمعنى ~~الذي وأحسن خبر لمبتدأ مضمر، والجملة صلة لها وهي في حيز النصب بدل ~~من مفعول لنبلوهم والتقدير لنبلو الذي هو أحسن عملا فحينئذ يحتمل أن ~~تكون الضمة في أيهم للبناء كما في قوله عز وجل: # ثم لننزعن من كل شيعة أيهم أشد على ~~الرحمن عتيا # [مريم، الآية 69] على أحد الأقوال لتحقق شرط البناء الذي هو الإضافة ~~لفظا وحذف صدر الصلة وأن تكون للإعراب لأن ما ذكر شرط لجواز البناء ~~لا لوجوبه، وحسن العمل الزهد فيها وعدم الاغترار بها والقناعة ~~باليسير منها وصرفها على ما ينبغي والتأمل في شأنها وجعلها ذريعة ms2009 إلى ~~معرفة خالقها والتمتع بها حسبما أذن له الشرع وأداء حقوقها والشكر ~~لها، لا اتخاذها وسيلة إلى الشهوات والأغراض الفاسدة كما يفعله ~~الكفرة وأصحاب الأهواء. # وإيراد صيغة التفضيل مع أن الابتلأ شامل للفريقين باعتبار أعمالهم ~~المنقسمة إلى الحسن والقبيح أيضا لا إلى الحسن والأحسن فقط للإشعار ~~بأن الغاية الأصلية للجعل المذكور إنما هو ظهور كمال إحسان المحسنين ~~على ما حقق في تفسير قوله تعالى: # ليبلوكم أيكم أحسن عملا # [هود، الآية 7]. ### || [18.8-9] # { وإنا لجاعلون } فيما سيأتي عند تناهي عمر الدنيا { ما ~~عليها } من المخلوقات قاطبة بإفنائها بالكلية وإنما أظهر في مقام ~~الإضمار لزيادة التقرير أو لإدراج المكلفين فيه { صعيدا } مفعول ~~ثان للجعل، والصعيد التراب أو وجه الأرض، قال أبو عبيدة: هو ~~المستوي من الأرض، وقال الزجاج: هو الطريق الذي لا نبات فيه { جرزا ~~} ترابا لا نبات فيه بعد ما كان يتعجب من بهجته النظار وتتشرف ~~بمشاهدته الأبصار، يقال: أرض جرز لا نبات فيها وسنة جرز لا مطر ~~فيها. قال الفراء: جرزت الأرض فهي مجروزة أي ذهب نباتها بقحط أو ~~جراد، ويقال: جرزها الجراد والشاة والإبل إذا أكلت ما عليها، وهذه ~~الجملة لتكميل ما في السابقة من التعليل، والمعنى لا تحزن بما عاينت ~~من القوم من تكذيب ما أنزلنا عليك من الكتاب فإنا قد جعلنا ما على الأرض ~~من فنون الأشياء زينة لها لنختبر أعمالهم فنجازيهم بحسبها وإنا ~~لمفنون جميع ذلك عن قريب ومجازون لهم بحسب أعمالهم. # { أم حسبت } الخطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم والمراد ~~إنكار حسبان أمته، وأم منقطعة مقدرة ببل التي هي للانتقال من حديث ~~إلى حديث لا للإبطال، وبهمزة الاستئناف عند الجمهور وببل وحدها عند ~~غيرهم أي بل أحسبت { أن أصحب الكهف والرقيم كانوا ~~} في بقائهم على الحياة مدة طويلة من الدهر { من ءايتنا } من ~~بين آياتنا التي من جملتها ما ذكرناه من جعل ما على الأرض زينة لها ~~للحكمة المشار إليها ثم جعل ذلك كله صعيدا جرزا كأن لم تغن ~~بالأمس { عجبا } أي آية ذات عجب ms2010 وضعا له موضع المضاف أو وصفا ~~لذلك بالمصدر مبالغة، وهو خبر لكانوا ومن آياتنا حال منه، والمعنى أن ~~قصتهم وإن كانت خارقة للعادات ليست بعجيبة بالنسبة إلى سائر الآيات ~~التي من جملتها ما ذكر من تعاجيب خلق الله تعالى بل هي عندها كالنزر ~~الحقير، والكهف الغار الواسع في الجبل والرقيم كلبهم، قال أمية بن ~~أبي الصلت: [الطويل] # وليس بها إلا الرقيم مجاورا # وصيدهم والقوم في الكهف همد # وقيل: هو لوح رصاصي أو حجري رقمت فيه أسماؤهم وجعل على باب ~~الكهف، وقيل: هو الوادي الذي فيه الكهف فهو من رقمة الوادي أي ~~جانبه، وقيل: الجبل، وقيل: قريتهم، وقيل: مكانهم بين غضبان وأيلة ~~دون فلسطين، وقيل: أصحاب الرقيم آخرون وكانوا ثلاثة انطبق عليهم الغار ~~فنجوا بذكر كل منهم أحسن عمله على ما فضل في الصحيحين. ### || [18.10-11] # { إذ أوى } ظرف لعجبا لا لحسبت أو مفعول لاذكر أي حين التجأ { ~~الفتية } أي أصحاب الكهف، أوثر الإظهار على الإضمار لتحقيق ما ~~كانوا عليه في أنفسهم من حال الفتوة فإنهم كانوا فتية من أشراف الروم ~~أرادهم دقيانوس على الشرك فهربوا منه بدينهم ولأن صاحبية الكهف من ~~فروع التجائهم إلى الكهف فلا يناسب اعتبارها معهم قبل بيانه { إلى ~~الكهف } بجلبهم للجلوس واتخذوه مأوى { فقالوا ربنا ءاتنا ~~من لدنك } من خزائن رحمتك الخاصة المكنونة عن عيون أهل العادات، ~~فمن ابتدائية متعلقة بآتنا أو بمحذوف وقع حالا من مفعوله الثاني ~~قدمت عليه لكونه نكرة، ولو تأخرت لكانت صفة له أي آتنا كائنة من ~~لدنك { رحمة } خاصة تستوجب المغفرة والرزق والأمن من الأعداء { ~~وهيىء لنا من أمرنا } الذي نحن عليه من مهاجرة الكفار ~~والمثابرة على طاعتك، وأصل التهيئة إحداث هيئة الشيء، أي أصلح ~~ورتب وأتمم لنا من أمرنا { رشدا } إصابة للطريق الموصل إلى ~~المطلوب واهتداء إليه، وكلا الجارين متعلق بهيىء لاختلافهما في ~~المعنى، وتقديم المجرورين على المفعول الصريح لإظهار الاعتناء بهما ~~وإبراز الرغبة في المؤخر بتقديم أحواله فإن تأخير ما حقه التقديم ~~عما هو من أحواله المرغبة فيه كما يورث ms2011 شوق السامع إلى وروده ينبىء عن ~~كمال رغبة المتكلم واعتنائه بحصوله لا محالة، وكذا الكلام في تقديم ~~قوله تعالى: { من لدنك } على تقدير تعلقه بآتنا، وتقديم لنا على ~~(من أمرنا) للإيذان من أول الأمر بكون المسؤول مرغوبا فيه لديهم، أو ~~اجعل أمرنا راشدا كله على أن من تجريدية مثلها في قولك: رأيت منك ~~أسدا. # { فضربنا على ءاذانهم } أي أنمناهم على طريقة التمثيل ~~المبني على تشبيه الإنامة الثقيلة المانعة عن وصول الأصوات إلى ~~الآذان بضرب الحجاب عليها، وتخصيص الآذان بالذكر مع اشتراك سائر ~~المشاعر لها في الحجب عن الشعور عند النوم لما أنها المحتاج إلى ~~الحجب عادة، إذ هي الطريقة للتيقظ غالبا لا سيما عند انفراد النائم ~~واعتزاله عن الخلق، وقيل: الضرب على الآذان كناية عن الإنامة ~~الثقيلة، وحمله على تعطيلها كما في قولهم: ضرب الأمير على يد الرعية ~~أي منعهم من التصرف مع عدم ملاءمته لما سيأتي من البعث لا يدل على النوع ~~مع أنه المراد قطعا، والفاء في فضربنا كما في قوله عز وجل: { ~~فاستجبنا له } بعد قوله تعالى: # إذ نادى # [الأنبياء: 76] فإن الضرب المذكور وما ترتب عليه من التقليب ذات ~~اليمين وذات الشمال والبعث وغير ذلك إيتاء رحمة لدنية خافية عن ~~أبصار المتمسكين بالأسباب العادية استجابة لدعوتهم { فى الكهف } ~~ظرف مكان لضربنا { سنين } ظرف زمان له باعتبار بقائه لا ابتدائه { ~~عددا } أي ذوات عدد أو تعد عددا على أنه مصدر أو معدودة على أنه ~~بمعنى المفعول، ووصف السنين بذلك إما للتكثير وهو الأنسب بإظهار كمال ~~القدرة أو للتقليل وهو الأليق بمقام إنكار كون القصة عجبا من بين ~~سائر الآيات العجيبة فإن مدة لبثهم كبعض يوم عنده عز وجل. ### || [18.12] # { ثم بعثنهم } أي أيقظناهم من تلك النومة الثقيلة الشبيهة ~~بالموت { لنعلم } بنون العظمة، وقرىء بالياء مبنيا للفاعل بطريق ~~الالتفات، وأيا ما كان فهو غاية للبعث لكن لا بجعل العلم مجازا من ~~الإظهار والتمييز، أو بحمله على ما يصح وقوعه غاية للبعث الحادث من ~~العلم الحالي الذي يتعلق به الجزاء ms2012 كما في قوله تعالى: # إلا لنعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على ~~عقبيه # [آل عمران: 144] وقوله تعالى: # وليعلم الله الذين ءامنوا # [آل عمران: 140] ونظائرهما التي يتحقق فيها العلم بتحقق متعلقه ~~قطعا، فإن تحويل القبلة قد ترتب عليه تحزب الناس إلى متبع ومنقلب، ~~وكذا مداولة الأيام بين الناس ترتب عليه تحزبهم إلى الثابت على ~~الإيمان والمتزلزل فيه وتعلق بكل من الفريقين العلم الحالي والإظهار ~~والتمييز، وأما بعث هؤلاء فلم يترتب عليه تفرقهم إلى المحصي ~~وغيره حتى يتعلق بهما العلم أو الإظهار والتمييز ويتسنى نظم شيء من ~~ذلك في سلك الغاية، وإنما الذي ترتب عليه تفرقهم إلى مقدر تقديرا ~~غير مصيب ومفوض إلى العلم الرباني وليس شيء منهما من الإحصاء في شيء ~~بل بحمل النظم الكريم على التمثيل المبني على جعل العلم عبارة عن ~~الاختبار مجازا بطريق إطلاق اسم المسبب على السبب، وليس من ضرورة ~~الاختبار صدور الفعل المختبر به عن المختبر قطعا، بل قد يكون ~~لإظهار عجزه عنه على سنن التكاليف التعجيزية كقوله تعالى: # فأت بها من المغرب # [البقرة، الآية 258] وهو المراد ههنا فالمعنى بعثناهم لنعاملهم ~~معاملة من يختبرهم. # { أي الحزبين } أي الفريقين المختلفين في مدة لبثهم بالتقدير ~~والتفويض كما سيأتي { أحصى } أي أضبط { لما لبثوا } أي للبثهم ~~{ أمدا } أي غاية فيظهر لهم عجزهم ويفوضوا ذلك إلى العليم الخبير ~~ويتعرفوا حالهم وما صنع الله تعالى بهم من حفظ أبدانهم وأديانهم ~~فيزدادوا يقينا بكمال قدرته وعلمه ويستبصروا به أمر البعث ويكون ذلك ~~لطفا لمؤمني زمانهم وآية بينة لكفارهم، وقد اقتصر ههنا من تلك ~~الغايات الجليلة على ذكر مبدئها الصادر عنه عز وجل وفيما سيأتي على ما ~~صدر عنهم من التساؤل المؤدي إليها، وهذا أولى من تصوير التمثيل بأن ~~يقال: بعثناهم بعث من يريد أن يعلم الخ حسبما وقع في تفسير قوله تعالى: # وليعلم الله الذين ءامنوا # [آل عمران، الآية 140] على أحد الوجوه حيث حمل على معنى فعلنا ذلك ~~فعل من يريد أن يعلم من الثابت على الإيمان من غير الثابت، إذ ربما ms2013 ~~يتوهم منه استلزام الإرادة لتحقق المراد، فيعود المحذور فيصار إلى جعل ~~إرادة العلم عبارة عن الاختبار فاختبر واختر. # هذا وقد قرىء ليعلم مبنيا للمفعول ومبنيا للفاعل من الإعلام على ~~أن المفعول الأول محذوف والجملة المصدرة بأي في موقع المفعول الثاني ~~فقط إن جعل العلم عرفانيا، وفي موقع المفعولين إن جعل يقينيا أي ~~ليعلم الله الناس أي الحزبين أحصى الخ، وروى عطاء عن ابن عباس رضي ~~الله عنهما أن أحد الحزبين الفتية والآخر الملوك الذين تداولوا ~~المدينة ملكا بعد ملك، وقيل: كلاهما من غيرهم والأول هو الأظهر، فإن ~~اللام للعهد ولا عهد لغيرهم والأمد بمعنى المدى كالغاية في قولهم: ~~ابتداء الغاية وانتهاء الغاية وهو مفعول لأحصي، والجار والمجرور ~~حال منه قدمت عليه لكونه نكرة. # وليس معنى إحصاء تلك المدة ضبطها من حيث كميتها المتصلة الذاتية ~~فإنه لا يسمى إحصاء بل ضبطها من حيث كميتها المنفصلة العارضة لها ~~باعتبار قسمتها إلى السنين وبلوغها من تلك الحيثية إلى مراتب الأعداد ~~على ما يرشدك إليه كون تلك المدة عبارة عما سبق من السنين. # ويجوز أن يراد بالأمد معناه الوضعي بتقدير المضاف أي لزمان لبثهم ~~وبدونه أيضا فإن اللبث عبارة عن الكون المستمر المنطبق على الزمان ~~المذكور فباعتبار الامتداد العارض له بسببه يكون له أمد لا محالة، ~~لكن ليس المراد به ما يقع عليهم غاية ومنتهى لذلك الكون المستمر ~~باعتبار كميته المتصلة العارضة له بسبب انطباقه على الزمان الممتد ~~بالذات وهو آن انبعاثهم من نومهم فإن معرفته من تلك الحيثية لا تخفى ~~على أحد ولا تسمى إحصاء كما مر، بل باعتبار كميته المنفصلة معارضة ~~له بسبب عروضها لزمانه المنطبق هو عليه باعتبار انقسامه إلى السنين ~~ووصوله إلى مرتبة معينة من مراتب العدد كما حقق في الصورة الأولى، ~~والفرق بين الاعتبارين أن ما تعلق به الإحصاء في الصورة السابقة نفس ~~المدة المنقسمة إلى السنين فهو مجموع ثلاثمائة وتسع سنين، وفي ~~الصورة الأخيرة منتهى تلك المدة المنقسمة إليها أعني السنة التاسعة ~~بعد الثلاثمائة، وتعلق الإحصاء بالأمد بالمعنى ms2014 الأول ظاهر، وأما ~~تعلقه به بالمعنى الثاني فباعتبار انتظامه لما تحته من مراتب العدد ~~واشتماله عليها. هذا تقدير كون «ما» في قوله تعالى: { لما لبثوا ~~} مصدرية ويجوز أن تكون موصولة حذف عائدها من الصلة أي للذي لبثوا ~~فيه من الزمان الذي عبر عنه فيما قبل بسنين عددا، فالأمد بمعناه ~~الوضعي على ما تحققته، وقيل: اللام مزيدة والموصول مفعول وأمدا ~~نصب على التمييز، وأما ما قيل من أن أحصى اسم تفضيل لأنه الموافق ~~لما وقع في سائر الآيات الكريمة نحو: { أيهم أحسن عملا } { ~~أيهم أقرب لكم نفعا } إلى غير ذلك مما لا يحصى ولأن كونه ~~فعلا ماضيا يشعر بأن غاية البعث هو العلم بالإحصاء المتقدم على ~~البعث لا بالإحصاء المتأخر عنه وليس كذلك، وادعاء أن مجيء أفعل ~~التفضيل من المزيد عليه غير قياسي مدفوع بأنه عند سيبويه قياس ~~مطلقا، وعند ابن عصفور فيما ليست همزته للنقل ولا ريب في أن ما نحن ~~فيه من ذلك القبيل، وامتناع عمله إنما هو في غير التمييز من ~~المعمولات، وأما أن التمييز يجب كونه فاعلا في المعنى فلمانع أن ~~يمنعه بصحة أن يقال: أيهم أحفظ لهذا الشعر وزنا أو تقطيعا، أو ~~يقال: إن العامل في أمدا فعل محذوف يدل عليه المذكور أي يحصي لما ~~لبثوا أمدا كما في قوله: [الطويل] # [أكد وأحمى للحقيقة منهم] # وأضرب منا بالسيوف القوانسا # وحديث الوقوع في المحذور بلا فائدة مدفوع بما أشير إليه من فائدة ~~الموافقة للنظائر، فمع ما فيه من الاعتساف والخلل بمعزل من السداد ~~لأن مؤداه أن يكون المقصود بالاختبار إظهار أفضل الحزبين وتمييزه ~~عن الأدنى مع تحقق أصل الإحصاء فيهما، ومن البين أن لا تحقق له ~~أصلا وأن المقصود بالاختبار إظهار عجز الكل عنه رأسا فهو فعل ماض ~~قطعا، وتوهم إيذانه بأن غاية البعث هو العلم بالإحصاء المتقدم ~~عليه مردود بأن صيغة الماضي باعتبار حال الحكاية والله تعالى أعلم. ### || [18.13] # { نحن نقص عليك } شروع في تفصيل ما أجمل فيما سلف من قوله ~~تعالى: { إذ أوى الفتية } الخ، ms2015 أي نحن نخبرك بتفاصيل أخبارهم ~~وقد مر بيان اشتقاقه في مطلع سورة يوسف عليه السلام { نبأهم } ~~النبأ الخبر الذي له شأن وخطر { بالحق } إما صفة لمصدر محذوف أو ~~حال من صمير نقص أو من (نبأهم) أو صفة له على رأي من يرى حذف ~~الموصول مع بعض صلته، أي نقص قصصا ملتبسا بالحق أو نقصه ملتبسين ~~به أو نقص نبأهم ملتبسا به أو نبأهم الملتبس به، ونبأهم حسبما ذكره ~~محمد بن إسحاق بن يسار أنه مرج أهل الإنجيل وعظمت فيهم الخطايا ~~وطغت ملوكهم فعبدوا الأصنام وذبحوا للطواغيت، وكان ممن بالغ في ذلك ~~وعتا عتوا كبيرا دقيانوس فإنه غلا فيه غلوا شديدا فجاس خلال ~~الديار والبلاد بالعبث والفساد وقتل من خالفه من المتمسكين بدين ~~المسيح عليه السلام، وكان يتبع الناس فيخيرهم بين القتل وعبادة ~~الأوثان فمن رغب في الحياة الدنيا الدنية يصنع ما يصنع ومن آثر عليها ~~الحياة الأبدية قتله وقطع آرابه وعلقها في سور المدينة وأبوابها، ~~فلما رأى الفتية ذلك وكانوا عظماء أهل مدينتهم، وقيل: كانوا من خواص ~~الملك، قاموا فتضرعوا إلى الله عز وجل واشتغلوا بالصلاة والدعاء. # فبينما هم كذلك إذ دخل عليهم أعوان الجبار فأحضروهم بين يديه فقال ~~لهم ما قال وخيرهم بين القتل وبين عبادة الأوثان، فقالوا: إن لنا ~~إلها ملأ السموات والأرض عظمته وجبروته لن ندعو من دونه أحدا، ~~ولن نقر بما تدعونا إليه إبدا فاقض ما أنت قاض، فأمر بنزع ما عليهم ~~من الثياب الفاخرة وأخرجهم من عنده وخرج هو إلى مدينة نينوى لبعض شأنه ~~وأمهلهم إلى رجوعه ليتأملوا في أمرهم فإن تبعوه وإلا فعل بهم ما فعل ~~بسائر المسلمين، فأزمعت الفتية على الفرار بالدين والالتجاء إلى الكهف ~~الحصين، فأخذ كل منهم من بيت أبيه شيئا فتصدقوا ببعضه وتزودوا ~~بالباقي فأووا إلى الكهف فجعلوا يصلون فيه آناء الليل وأطراف النهار ~~ويبتهلون إلى الله سبحانه بالأنين والجؤار وفوضوا أمر نفقتهم إلى ~~يمليخا، فكان إذا أصبح يضع عنه ثيابه الحسان ويلبس لباس المساكين ~~ويدخل المدينة ويشتري ما يهمهم ms2016 ويتحسس ما فيها من الأخبار ويعود إلى ~~أصحابه، فلبثوا على ذلك إلى أن قدم الجبار المدينة فطلبهم وأحضر ~~آباءهم فاعتذروا بأنهم عصوهم ونبهوا أموالهم وبذروها في الأسواق ~~وفروا إلى الجبل، فلما رأى يمليخا ما رأى من الشر رجع إلى أصحابه وهو ~~يبكي ومعه قليل من الزاد فأخبرهم بما شهده من الهول ففزعوا إلى الله عز ~~وجل وخروا له سجدا ثم رفعوا رؤوسهم وجلسوا يتحدثون في أمرهم، فبينما ~~هم كذلك إذ ضرب الله تعالى على آذانهم فناموا ونفقتهم عند رؤوسهم، فخرج ~~دقيانوس في طلبهم بخيله ورجله فوجدوهم قد دخلوا الكهف فأمر بإخراجهم ~~فلم يطق أحد أن يدخله فلما ضاق بهم ذرعا قال قائل منهم: أليس لو كنت ~~قدرت عليهم قتلتهم؟ قال: بلى، قال: فابن عليهم باب الكهف ودعهم ~~يموتوا جوعا وعطشا وليكن كهفهم قبرا لهم، ففعل ثم كان من شأنهم ما قص ~~الله عز وجل عنهم { إنهم فتية } استئناف تحقيقي مبني على ~~تقدير السؤال من قبل المخاطب، والفتية جمع قلة للفتى كالصبية للصبى ~~{ ءامنوا بربهم } أوثر الالتفات للإشعار بعلية وصف الربوبية ~~لإيمانهم ولمراعاة ما صدر عنهم من المقالة حسبما سيحكى عنهم { ~~وزدنهم هدى } بأن ثبتناهم على ما كانوا عليه من الدين وأظهرنا ~~لهم مكنونات محاسنه، وفيه التفات من الغيبة إلى ما عليه سبك النظم ~~سباقا وسياقا من التكلم. ### || [18.14-15] # { وربطنا على قلوبهم } أي قويناها حتى اقتحموا مضايق ~~الصبر على هجر الأهل والأوطان والنعيم والإخوان، واجترأوا على الصدع ~~بالحق من غير خوف، وحذروا الرد على دقيانوس الجبار { إذ قاموا } ~~منصوب بربطنا والمراد بقيامهم انتصابهم لإظهار شعار الدين، قال ~~مجاهد: خرجوا من المدينة فاجتمعوا على غير ميعاد، فقال أكبرهم: إني ~~لأجد في نفسي شيئا أن ربي رب السموات والأرض، فقالوا: نحن أيضا ~~كذلك فقاموا جميعا { فقالوا ربنا رب السموات ~~والأرض } ضمنوا دعواهم ما يحقق فحواها ويقضي بمقتضاها فإن ربوبيته ~~عز وجل لهما تقتضي ربوبيته لما فيهما أي اقتضاء، وقيل: المراد ~~قيامهم بين يدي الجبار من غير مبالاة به حين عاتبهم على ترك عبادة ms2017 ~~الأصنام، فحينئذ يكون ما سيأتي من قوله تعالى: { هؤلاء } الخ، منقطعا ~~عما قبله صادرا عنهم بعد خروجهم من عنده { لن ندعوا } لن نعبد ~~أبدا { من دونه إلها } معبودا آخر لا استقلالا ولا اشتراكا، ~~والعدول عن أن يقال: ربا للتنصيص على رد المخالفين حيث كانوا يسمون ~~أصنامهم آلهة وللإشعار بأن مدار العبادة وصف الألوهية وللإيذان بأن ~~ربوبيته تعالى بطريق الألوهية لا بطريق المالكية المجازية { لقد ~~قلنا إذا شططا } أي قولا ذا شطط أي تجاوز عن الحد أو قولا هو ~~عين الشطط، على أنه وصف بالمصدر مبالغة ثم اقتصر على الوصف مبالغة ~~على مبالغة، وحيث كانت العبادة مستلزمة للقول لما أنها لا تعرى عن ~~الاعتراف بألوهية المعبود والتضرع إليه قيل: لقد قلنا، وإذا جواب ~~وجزاء أي لو دعونا من دونه إلها والله لقد قلنا قولا خارجا عن حد ~~العقول مفرطا في الظلم. # { هؤلاء } هو مبتدأ وفي اسم الإشارة تحقير لهم { قومنا } عطف ~~بيان له { اتخذوا من دونه ءالهة } خبره وفيه معنى الإنكار ~~{ لولا يأتون } تخصيص فيه معنى الإنكار والتعجيز أي هلا يأتون ~~{ عليهم } على ألوهيتهم أو على صحة اتخاذهم لها آلهة { ~~بسلطن بين } بحجة ظاهرة الدلالة على مدعاهم وهو تبكيت لهم ~~وإلقام حجر { فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا ~~} بنسبة الشريك إليه تعالى عن ذلك علوا كبيرا، والمعنى أنه أظلم من ~~كل ظالم، وإن كان سبك النظم على إنكار الأظلمية من غير تعرض لإنكار ~~المساواة كما مر تحقيقه في سورة هود. ### || [18.16-17] # { وإذ اعتزلتموهم } أي فارقتموهم في الاعتقاد أو أردتم ~~الاعتزال الجسماني { وما يعبدون إلا الله } عطف على ~~الضمير المنصوب وما موصولة أو مصدرية، أي إذ اعتزلتموهم ومعبوديهم ~~إلا الله أو وعبادتهم إلا عبادة الله وعلى التقديرين فالاستثناء متصل ~~على تقدير كونهم مشركين كأهل مكة، ومنقطع على تقدير تمحضهم في عبادة ~~الأوثان، ويجوز كون ما نافية على أنه إخبار من الله تعالى عن الفتية ~~بالتوحيد معترض بين إذ وجوابه { فأووا } أي التجئوا { إلى ~~الكهف } قال الفراء: هو جواب إذ، كما تقول: ms2018 إذ فعلت فافعل كذا، ~~وقيل: هو دليل على جوابه أي إذ اعتزلتموهم اعتزالا اعتقاديا فاعتزلوهم ~~اعتزالا جسمانيا، أو إذا أردتم اعتزالهم فافعلوا ذلك بالالتجاء إلى ~~الكهف { ينشر لكم } يبسط لكم ويوسع عليكم { ربكم } ~~مالك أمركم { من رحمته } في الدارين { ويهيىء لكم } ~~يسهل لكم { من أمركم } الذي أنتم بصدده من الفرار بالدين { ~~مرفقا } ما ترتفقون وتنتفعون به، وقرىء بفتح الميم وكسر الفاء مصدرا ~~كالمرجع، وتقديم لكم في الموضعين لما مر مرارا من الإيذان من أول ~~الأمر بكون المؤخر من منافعهم والتشويق إلى وروده. # { وترى الشمس } بيان لحالهم بعد ما أووا إلى الكهف، ولم يصرح ~~به إيذانا بعدم الحاجة إليه لظهور جريانهم على موجب الأمر به لكونه ~~صادرا عن رأي صائب وتعويلا على ما سلف من قوله سبحانه: { إذ أوى ~~الفتية إلى الكهف } وما لحق من إضافة الكهف إليهم وكونهم في ~~فجوة منه، والخطاب للرسول عليه الصلاة والسلام أو لكل أحد ممن يصلح ~~للخطاب، وليس المراد به الإخبار بوقوع الرؤية تحقيقا بل الإنباء ~~بكون الكهف بحيث لو رأيته ترى الشمس { إذا طلعت تزاور } أي ~~تتزاور وتتنحى بحذف إحدى التاءين، وقرىء بإدغام التاء في الزاي، وتزور ~~كتحمر، وتزوار كتحمار وتزوتر، وكلها من الزور وهو الميل { عن ~~كهفهم } الذي أووا إليه فالإفاضة لأدنى ملابسة { ذات اليمين } ~~أي جهة ذات يمين الكهف عند توجه الداخل إلى قعره أي جانبه الذي يلي ~~المغرب فلا يقع عليهم شعاعها فيؤذيهم { وإذا غربت } أي تراها ~~عند غروبها { تقرضهم } أي تقطعهم من القطيعة والصرم ولا ~~تقربهم { ذات الشمال } أي جهة ذات شمال الكهف أي جانبه الذي يلي ~~المشرق، وكان ذلك بتصريف الله سبحانه على منهاج خرق العادة كرامة ~~لهم، وقوله تعالى: { وهم فى فجوة منه } جملة حالية مبينة ~~لكون ذلك أمرا بديعا أي تراها تميل عنهم يمينا وشمالا ولا تحوم حولهم ~~مع أنهم في متسع من الكهف معرض لإصابتها لولا أن صرفتها عنهم يد ~~التقدير. # { ذلك } أي ما صنع الله بهم من تزاور الشمس وقرضها حالتي ~~الطلوع والغروب مع كونهم ms2019 في موقع شعاعها { من آيت الله } ~~العجيبة الدالة على كمال علمه وقدرته وحقية التوحيد وكرامة أهله ~~عنده سبحانه وتعالى. # وهذا قبل أن سد دقيانوس باب الكهف شماليا مستقبل بنات نعش، ~~وأقرب المشارق والمغارب إلى محاذاته رأس مشرق السرطان ومغربه، ~~والشمس إذا كان مدارها مداره تطلع مائلة عنه مقابلة لجانبه الأيمن ~~وهو الذي يلي المغرب، وتغرب محاذية لجانبه الأيسر فيقع شعاعها على ~~جنبيه وتحلل عفونته وتعدل هواءه ولا يقع عليهم فيؤذي أجسادهم ~~ويبلي ثيابهم، ولعل ميل الباب إلى جانب الغرب كان أكثر ولذلك أوقع ~~التزاور على كهفهم والقرض على أنفسهم، فذلك حينئذ إشارة إلى إيوائهم ~~إلى كهف هذا شأنه، وأما جعله إشارة إلى حفظ الله سبحانه إياهم في ذلك ~~الكهف تلك المدة الطويلة أو إلى إطلاعه سبحانه لرسوله صلى الله عليه ~~وسلم على أخبارهم فلا يساعده إيراده في تضاعيف القصة { من يهد ~~الله } إلى الحق بالتوفيق له { فهو المهتد } الذي أصاب ~~الفلاح، والمراد إما الثناء عليهم والشهادة لهم بإصابة المطلوب ~~والإخبار بتحقيق ما أملوه من نشر الرحمة وتهيئة المرافق، أو ~~التنبيه على أن أمثال هذه الآية كثيرة ولكن المنتفع بها من وفقه ~~الله تعالى للاستبصار بها { ومن يضلل } أي يخلق فيه الضلال لصرف ~~اختياره إليه { فلن تجد له } أبدا وإن بالغت في التتبع ~~والاستقصاء { وليا } ناصرا { مرشدا } يهديه إلى ما ذكر من ~~الفلاح لاستحالة وجوده في نفسه، لا لأنك لا تجده مع وجوده أو إمكانه. ### || [18.18] # { وتحسبهم } بفتح السين وقرىء بكسرها أيضا، والخطاب فيه كما ~~سبق { أيقاظا } جمع يقظ بكسر القاف وفتحها وهو اليقظان، ومدار ~~الحسبان انفتاح عيونهم على هيئة الناظر، وقيل: كثرة تقلبهم، ولا ~~يلائمه قوله تعالى: { ونقلبهم } { وهم رقود } أي نيام، وهو ~~تقرير لما لم يذكر فيما سلف اعتمادا على ذكره السابق من الضرب على ~~آذانهم { ونقلبهم } في رقدتهم { ذات اليمين } نصب على ~~الظرفية أي جهة تلي أيمانهم { وذات الشمال } أي جهة تلي شمالهم ~~كيلا تأكل الأرض ما يليها من أبدانهم. قال ابن عباس رضي الله عنهما: لو ~~لم ms2020 يقلبوا لأكلتهم الأرض، قيل: لهم تقليبتان في السنة. وقيل: تقليبة ~~واحدة يوم عاشوراء، وقيل: في كل تسع سنين، وقرىء يقلبهم على الإسناد ~~إلى ضمير الجلالة، وتقلبهم على المصدر منصوبا بمضمر ينبىء عنه ~~وتحسبهم أي وترى تقلبهم { وكلبهم } قيل: هو كلب مروا به فتبعهم ~~فطردوه مرارا فلم يرجع فأنطقه الله تعالى فقال: لا تخشوا جانبي فإني ~~أحب أحباء الله تعالى فناموا حتى أحرسكم، وقيل: هو كلب راع قد تبعهم ~~على دينهم ويؤيده قراءة كالبهم إذ الظاهر لحوقه بهم، وقيل: هو كلب ~~صيد أحدهم أو زرعه أو غنمه، واختلف في لونه فقيل: كان أنمر، وقيل: ~~أصفر، وقيل: أصهب، وقيل: غير ذلك، وقيل: كان اسمه قطمير، وقيل: ريان، ~~وقيل: تتوه، وقيل: قطمور، وقيل: ثور. قال خالد بن معدان: ليس في ~~الجنة من الدواب إلا كلب أصحاب الكهف وحمار بلعم، وقيل: لم يكن ذلك من ~~جنس الكلاب بل كان أسدا { بسط ذراعيه } حكاية حال ماضية ~~ولذلك أعمل اسم الفاعل وعند الكسائي، وهشام، وأبي جعفر، من البصريين ~~يجوز إعماله مطلقا، والذراع من المرفق إلى رأس الأصبع الوسطى { ~~بالوصيد } أي بموضع الباب من الكهف { لو اطلعت عليهم } ~~أي لو عاينتهم وشاهدتهم، وأصل الاطلاع الإشراف على الشيء بالمعاينة ~~والمشاهدة، وقرىء بضم الواو. # { لوليت منهم فرارا } هربا مما شاهدت منهم، وهو إما نصب ~~على المصدرية من معنى ما قبله إذ التولية والفرار من واد واحد وإما ~~على الحالية بجعل المصدر بمعنى الفاعل أي فارا، أو بجعل الفاعل ~~مصدرا مبالغة كما في قوله: [البسيط] # [ترتع ما رتعت حتى إذا ادكرت] # فإنما هي إقبال وإدبار # وإما على أنه مفعول له { ولملئت منهم رعبا } وقرىء بضم ~~العين أي خوفا يملأ الصدر ويرعبه، وهو إما مفعول ثان أو تمييز، ~~ذلك لما ألبسهم الله عز وجل من الهيبة والهيئة كانت أعينهم مفتحة ~~كالمستيقظ الذي يريد أن يتكلم، وقيل: لطول أظفارهم وشعورهم ولا يساعده ~~قولهم: { لبثنا يوما أو بعض يوم } وقوله: { ولا ~~يشعرن بكم أحدا } فإن الظاهر من ذلك عدم اختلاف أحوالهم ~~في أنفسهم، ms2021 وقيل: لعظم أجرامهم، ولعل تأخير هذا عن ذكر التولية ~~للإيذان باستقلال كل منهما في الترتب على الاطلاع، إذ لو روعي ترتيب ~~الوجود لتبادر إلى الفهم ترتب المجموع من حيث هو عليه وللإشعار بعدم ~~زوال الرعب بالفرار كما هو المعتاد. # وعن معاوية (لما غزا الروم فمر بالكهف، قال: لو كشفت لنا عن هؤلاء ~~فنظرنا إليهم، فقال له ابن عباس رضي الله عنهما: ليس لك ذلك قد منع الله ~~تعالى من هو خير منك حيث قال: { لو اطلعت عليهم } الآية، ~~قال معاوية: لا أنتهي حتى أعلم علمهم، فبعث ناسا وقال لهم: اذهبوا ~~فانظروا، ففعلوا فلما دخلوا الكهف بعث الله تعالى ريحا فأحرقتهم). ~~وقرىء بتشديد اللام على التكثير وبإبدال الهمزة ياء مع التخفيف ~~والتشديد. ### || [18.19] # { وكذلك بعثنهم } أي كما أنمناهم وحفظنا أجسادهم من ~~البلى والتحلل آية دالة على كمال قدرتنا بعثناهم من النوم { ~~ليتساءلوا بينهم } أي ليسأل بعضهم بعضا فيترتب عليه ما فصل ~~من الحكم البالغة، وجعله غاية للبعث المعلل فيما سبق بالاختبار من ~~حيث إنه من أحكامه المترتبة عليه والاقتصار على ذكره لاستتباعه لسائر ~~آثاره { قال } استئناف لبيان تساؤلهم { قائل منهم } هو ~~رئيسهم واسمه مكسلمينا { كم لبثتم } في منامكم، لعله قاله لما ~~رأى من مخالفة حالهم لما هو المعتاد في الجملة { قالوا } أي بعضهم ~~{ لبثنا يوما أو بعض يوم } قيل: إنما قالوه لأنهم دخلوا ~~الكهف غدوة وكان انتباههم آخر النهار، فقالوا: لبثنا يوما، فلما ~~رأوا أن الشمس لم تغرب بعد، قالوا: أو بعض يوم، وكان ذلك بناء ~~على الظن الغالب فلم يعزوا إلى الكذب { قالوا } أي بعض آخر منهم ~~بما سنح لهم من الأدلة أو بإلهام من الله سبحانه { ربكم أعلم ~~بما لبثتم } أي أنتم لا تعلمون مدة لبثكم وإنما يعلمها الله ~~سبحانه، وهذا رد منهم على الأولين بأجمل ما يكون من مراعاة حسن الأدب ~~وبه يتحقق التحزب إلى الحزبين المعهودين فيما سبق، وقد قيل: القائلون ~~جميعهم ولكن في حالتين، ولا يساعده النظم الكريم فإن الاستئناف في ~~الحكاية والخطاب في المحكي يقضي ms2022 بأن الكلام جار على منهاج المحاورة ~~والمجاوبة، وإلا لقيل: ثم قالوا: ربنا أعلم بما لبثنا. # { فابعثوا أحدكم بورقكم هذه إلى المدينة } ~~قالوه إعراضا عن التعمق في البحث وإقبالا على ما يهمهم بحسب الحال ~~كما ينبىء عنه الفاء والورق الفضة مضروبة أو غير مضروبة، ووصفها ~~باسم الإشارة يشعر بأن القائل ناولها بعض أصحابه ليشتري بها قوت ~~يومهم ذلك، وقرىء بسكون الراء وبإدغام القاف في الكاف وبكسر الواو ~~وبسكون الراء مع الإدغام، وحملهم لها دليل على أن التزود لا ينافي ~~التوكل على الله تعالى { فلينظر أيها } أي أهلها { أزكى ~~} أحل وأطيب أو أكثر وأرخص { طعاما فليأتكم برزق ~~منه } أي من ذلك الأزكى طعاما { وليتلطف } وليتكلف اللطف ~~في المعاملة كيلا يغبن أو في الاستخفاء لئلا يعرف { ولا ~~يشعرن بكم أحدا } من أهل المدينة فإنه يستدعي شيوع ~~أخباركم أي لا يفعلن ما يؤدي إلى ذلك، فالنهي على الأول تأسيس وعلى ~~الثاني تأكيد للأمر بالتلطف. ### || [18.20-21] # { إنهم } تعليل لما سبق من الأمر والنهي أي ليبالغ في التلطف ~~وعدم الإشعار لأنهم { إن يظهروا عليكم } أي يطلعوا عليكم أو ~~يظفروا بكم، والضمير للأهل المقدر في أيها { يرجموكم } إن ~~ثبتم على ما أنتم عليه. # { أو يعيدوكم فى ملتهم } أي يصيروكم إليها ويدخلوكم ~~فيها كرها، من العود بمعنى الصيرورة كقوله تعالى: # أو لتعودن فى ملتنا # [الأعراف: 88] وقيل: كانوا أولا على دينهم، وإيثار كلمة في بدل إلى ~~للدلالة على الاستقرار الذي هو أشد شيء عندهم كراهة، وتقديم احتمال ~~الإعادة لأن الظاهر من حالهم هو الثبات على الدين المؤدي إليه، وضمير ~~الخطاب في المواضع الأربعة للمبالغة في حمل المبعوث على الاستخفاء ~~وحث الباقين على الاهتمام بالتوصية، فإن إمحاض النصح أدخل في ~~القبول واهتمام الإنسان بشأن نفسه أكثر وأوفر { ولن تفلحوا ~~إذا } أي إن دخلتم فيها ولو بالكره والإلجاء لن تفوزوا بخير { أبدا ~~} لا في الدنيا ولا الآخرة، وفيه من التشديد في التحذير ما لا يخفى. # { وكذلك } أي وكما أنمناهم وبعثناهم لما مر من ازديادهم في ~~مراتب اليقين { أعثرنا } أي أطلعنا الناس ms2023 { عليهم ~~ليعلموا } أي الذين أعثرناهم عليهم بما عاينوا من أحوالهم العجيبة ~~{ أن وعد الله } أي وعده بالبعث أو موعوده الذي هو البعث أو ~~أن كل وعده أوكل موعوده فيدخل فيه وعده بالبعث أو مبعث ~~الموعود دخولا أوليا { حق } صادق لا خلف فيه أو ثابت لا مرد ~~له لأن نومهم وانتباههم كحال من يموت ثم يبعث { وأن الساعة } ~~أي القيامة التي هي عبارة عن وقت بعث الخلائق جميعا للحساب والجزاء ~~{ لا ريب فيها } لا شك في قيامها فإن من شاهد أنه جل وعلا توفى ~~نفوسهم وأمسكها ثلاثمائة سنة وأكثر حافظا أبدانها من التحلل ~~والتفتت ثم أرسلها إليها لا يبقى له شائبة شك في أن وعده تعالى حق ~~وأنه يبعث من في القبور فيرد إليهم أرواحهم فيحاسبهم ويجزيهم بحسب ~~أعمالهم { إذ يتنزعون } ظرف لقوله: أعثرنا قدم عليه الغاية ~~إظهارا لكمال العناية بذكرها، لا لقوله: ليعلموا كما قيل لدلالته على ~~أن التنازع يحدث بعد الإعثار وليس كذلك أي أعثرناهم عليهم حين يتنازعون ~~{ بينهم أمرهم } ليرتفع الخلاف ويتبين الحق، قيل: ~~المتنازع فيه أمر دينهم حيث كانوا مختلفين في البعث فمن مقر له ~~وجاحد به وقائل يقول ببعث الأرواح دون الأجساد وآخر يقول ببعثهما ~~معا. قيل: كان ملك المدينة حينئذ رجلا صالحا مؤمنا وقد اختلف أهل ~~مملكته في البعث حسبما فصل فدخل الملك بيته وأغلق بابه ولبس مسحا ~~وجلس على رماد وسأل ربه أن يظهر الحق فألقى الله عز وجل في نفس رجل من ~~رعيانهم فهدم ما سد به دقيانوس باب الكهف ليتخذه حظيرة لغنمه فعند ~~ذلك بعثهم الله تعالى فجرى بينهم من التقاول ما جرى. # روي أن المبعوث لما دخل المدينة أخرج الدرهم ليشتري به الطعام وكان ~~على ضرب دقيانوس، فاتهموه بأنه وجد كنزا فذهبوا به إلى الملك فقص عليه ~~القصة، فقال بعضهم: إن آباءنا أخبرونا بأن فتية فروا بدينهم من ~~دقيانوس فلعلهم هؤلاء، فانطلق الملك وأهل المدينة من مسلم وكافر ~~وأبصروهم وكلموهم ثم قالت الفتية للملك: نستودعك الله ونعيذك به من شر ~~الإنس ms2024 والجن ثم رجعوا إلى مضاجعهم فماتوا، فألقى الملك عليهم ثيابه ~~وجعل لكل منهم تابوتا من ذهب، فرآهم في المنام كارهين الذهب فجعلها من ~~الساج وبنى على باب الكهف مسجدا، وقيل: لما انتهوا إلى الكهف قال لهم ~~الفتى: مكانكم حتى أدخل أولا لئلا يفزعوا، فدخل فعمي عليهم المدخل ~~فبنوا ثمة مسجدا. وقيل: المتنازع فيه أمر الفتية قبل بعثهم أي ~~أعثرنا عليهم حين يتذاكرون بينهم أمرهم وما جرى بينهم وبين دقيانوس ~~من الأحوال والأهوال ويتلقون ذلك من الأساطير وأفواه الرجال، وعلى ~~التقديرين فالفاء في قوله عز وجل: { فقالوا } فصيحة أي أعثرناهم ~~عليهم فرأوا فماتوا فقالوا أي قال بعضهم: { ابنوا عليهم } أي ~~على باب كهفهم { بنينا } لئلا يتطرق إليهم الناس ضنا بتربتهم ~~ومحافظة عليها وقوله تعالى: { ربهم أعلم بهم } من كلام ~~المتنازعين كأنهم لما رأوا عدم اهتدائهم إلى حقيقة حالهم من حيث ~~النسب ومن حيث اللبث في الكهف قالوا ذلك تفويضا للأمر إلى علام ~~الغيوب، أو من كلام الله تعالى ردا لقول الخائضين في حديثهم من أولئك ~~المتنازعين، وقيل: هو أمرهم وتدبيرهم عند وفاتهم أو شأنهم في الموت ~~والنوم حيث اختلفوا في أنهم ماتوا أو ناموا كما في أول مرة فإذ حينئذ ~~متعلق بقوله تعالى: { قال الذين غلبوا على أمرهم } وهم ~~الملك والمسلمون { لنتخذن عليهم مسجدا } وقوله ~~تعالى: { فقالوا } معطوف على يتنازعون، وإيثار صيغة الماضي ~~للدلالة على أن هذا القول ليس مما يستمر ويتجدد كالتنازع، وقيل: ~~متعلق باذكر مضمرا، وأما تعلقه بأعثرنا فيأباه أن إعثارهم ليس في ~~زمان تنازعهم فيما ذكر بل قبله، وجعل وقت التنازع ممتدا يقع في ~~بعضه الإعثار وفي بعضه التنازع تعسف لا يخفى مع أنه لا مخصص ~~لإضافته إلى التنازع وهو مؤخر في الوقوع. ### || [18.22] # { سيقولون } الضمير في الأفعال الثلاثة للخائضين في قصتهم في عهد ~~النبي عليه الصلاة والسلام من أهل الكتاب والمسلمين لكن لا على وجه ~~إسناد كل منها إلى كلهم بل إلى بعضهم { ثلثة رابعهم ~~كلبهم } أي هم ثلاثة أشخاص رابعهم أي جاعلهم أربعة بانضمامه ~~إليهم كلبهم، ms2025 قيل: قالته اليهود، وقيل: قاله السيد من نصارى نجران ~~وكان يعقوبيا، وقرىء ثلاة بإدغام الثاء في التاء { ويقولون ~~خمسة سادسهم كلبهم } قيل: قالته النصارى أو العاقب منهم ~~وكان نسطوريا { رجما بالغيب } رميا بالخبر الخفي الذي لا ~~مطلع عليه أو ظنا بالغيب من قولهم: رجم بالظن إذا ظن، وانتصابه ~~على الحالية من الضمير في الفعلين جميعا أي راجمين أو على المصدرية ~~منهما فإن الرجم والقول واحد، أو من محذوف مستأنف واقع موقع الحال ~~من الضمير في الفعلين معا أي يرجمون رجما، وعدم إيراد السين ~~للاكتفاء بعطفه على ما فيه ذلك. # { ويقولون سبعة وثامنهم كلبهم } هو ما يقوله ~~المسلمون بطريق التلقي من هذا الوحي وما فيه مما يرشدهم إلى ذلك من عدم ~~نظمه في سلك الرجم بالغيب، وتغيير سبكه بزيادة الواو المفيدة ~~لزيادة وكادة النسبة فيما بين طرفيها لا بوحي آخر كما قيل { قل } ~~تحقيقا للحق وردا على الأولين { ربى أعلم } أي أقوى علما { ~~بعدتهم } بعددهم { ما يعلمهم } أي ما يعلم عدتهم أو ما ~~يعلمهم فضلا عن العلم بعدتهم { إلا قليل } من الناس قد وفقهم ~~الله تعالى للاستشهاد بتلك الشواهد. قال ابن عباس رضي الله عنهما: حين ~~وقعت الواو انقطعت العدة وعليه مدار قوله رضي الله عنه: أنا من ذلك ~~القليل ولو كان في ذلك وحي آخر لما خفي عليه ولما احتاج إلى الاستشهاد ~~بالواو ولكان المسلمون أسوة له في العلم بذلك. وعن علي كرم الله وجهه ~~أنهم سبعة نفر أسماؤهم: يمليخا ومكشليبنا ومشليبنا، هؤلاء أصحاب ~~يمين الملك وكان عن يساره مرنوش ودبرنوش وشاذنوش وكان يستشير هؤلاء ~~الستة في أمره، والسابع الراعي الذي رافقهم حين هربوا من ملكهم ~~دقيانوس واسمه كفيشيططيوش { فلا تمار } الفاء لتفريع النهي على ما ~~قبله أي إذ قد عرفت جهل أصحاب القولين فلا تجادلهم { فيهم } في شأن ~~الفتية { إلا مرآء ظهرا } قدر ما تعرض له الوحي من وصفهم ~~بالرجم بالغيب وعدم العلم على الوجه الإجمالي وتفويض العلم إلى الله ~~سبحانه من غير تصريح بجهلهم وتفضيح لهم فإنه يخل ms2026 بمكارم الأخلاق. # { ولا تستفت فيهم } في شأنهم { منهم } من الخائضين { ~~أحدا } فإن فيما قص عليك لمندوحة عن ذلك مع أنه لا علم لهم بذلك. ~~وقال عطاء: إلا قليل من أهل الكتاب فالضمائر الثلاثة في الأفعال ~~الثلاثة لهم وما ذكر من الشواهد لإرشاد المؤمنين إلى صحة القول الثالث ~~وفيه محيص عما في الأول من التكلف في جعل أحد الأقوال المحكية ~~المنظومة في سمط واحد ناشئا عن الحكاية مع كون الأخيرين بخلافه ~~ووضوح في سبب حذف المفعول في لا تمار، والمعنى حينئذ: وإذ قد وقفت ~~على أن كلهم ليسوا على خطأ في ذلك فلا تجادلهم إلا جدالا ظاهرا ~~نطق به الوحي المبين من غير تجهيل لجميعهم فإن فيهم مصيبا وإن قل، ~~والنهي عن الاستفتاء لدفع ما عسى يتوهم من احتمال جوازه أو احتمال ~~وقوعه بناء على إصابة بعضهم، فالمعنى لا ترجع إليهم في شأن الفتية ~~ولا تصدق القول الثالث من حيث صدوره عنهم، بل من حيث التلقي من ~~الوحي. ### || [18.23] # { ولا تقولن لشىء } أي لأجل شيء تعزم عليه { إنى فاعل ~~ذلك } الشيء { غدا } أي فيما يستقبل من الزمان مطلقا فيدخل فيه ~~الغد دخولا أوليا (فإنه نزل حين قالت اليهود لقريش: سلوه عن الروح ~~وعن أصحاب الكهف وذي القرنين، فسألوه عليه الصلاة والسلام فقال: # " ائتوني غدا أخبركم " # ولم يستثن فأبطأ عليه الوحي حتى شق عليه وكذبته قريش). وما قيل من ~~أن المدلول بالعبارة هو الغد وما بعد ذلك مفهوم بطريق دلالة النص ~~يرده أن ما بعده ليس بمعناه في مناط النهي، فإن وسعة المجال دليل ~~القدرة فليتأمل. ### || [18.24-25] # { إلا أن يشاء الله } استثناء مفرغ من النهي أي لا تقولن ~~ذلك في حال من الأحوال إلا حال ملابسته بمشيئته تعالى على الوجه ~~المعتاد وهو أن يقال: إن شاء الله أو في وقت من الأوقات إلا وقت أن ~~يشاء الله أن تقوله لا مطلقا بل مشيئة إذن، فإن النسيان أيضا بمشيئته ~~تعالى، ولا مساغ لتعليقه بفاعل لعدم سداد استثناء اقتران المشيئة ~~بالفعل ومنافاة استثناء اعتراضها ms2027 النهي، وقيل: الاستثناء جار مجرى ~~التأبيد، كأنه قيل: لا تقولنه أبدا كقوله تعالى: # وما يكون لنا أن نعود فيها إلا أن يشاء الله # [الأعراف: 89] { واذكر ربك } بقولك: إن شاء الله متداركا له { ~~إذا نسيت } إذا فرط منك نسيان ثم ذكرته، وعن ابن عباس رضي الله ~~عنهما: ولو بعد سنة ما لم يحنث، ولذلك جوز تأخير الاستثناء، وعامة ~~الفقهاء على خلافه إذ لو صح ذلك لما تقرر إقرار ولا طلاق ولا عتاق ~~ولم يعلم صدق ولا كذب. قال القرطبي: هذا في تدارك الترك ~~والتخلف عن الإثم، وأما الاستثناء مبالغة في الحث عليه، أو اذكر ربك ~~وعقابه إذا تركت بعض ما أمرك به ليبعثك ذلك على التدارك، أو اذكره إذا ~~اعتراك النسيان ليذكرك المنسي، وقد حمل على أداء الصلاة المنسية ~~عند ذكرها { وقل عسى أن يهدينى ربى } أي يوفقني { ~~لأقرب من هذا } أي لشيء أقرب وأظهر من نبأ أصحاب الكهف من ~~الآيات والدلائل الدالة على نبوتي { رشدا } أي إرشادا للناس ودلالة ~~على ذلك، وقد فعل عز وجل ذلك حيث آتاه من البينات ما هو أعظم من ذلك ~~وأبين كقصص الأنبياء المتباعد أيامهم والحوادث النازلة في الأعصار ~~المستقبلة إلى قيام الساعة أو لأقرب رشدا وأدنى خبرا من المنسي. # { ولبثوا فى كهفهم } أحياء مضروبا على آذانهم { ثلث ~~مئة سنين وازدادوا تسعا } وهي جملة مستأنفة مبينة ~~لما أجمل فيما سلف وأشير إلى عزة مناله، وقيل: إنه حكاية كلام أهل ~~الكتاب فإنهم اختلفوا في مدة لبثهم كما اختلفوا في عدتهم فقال بعضهم ~~هكذا وبعضهم ثلاثمائة. # وروي عن علي رضي الله عنه أنه قال: عند أهل الكتاب أنهم لبثوا ~~ثلاثمائة سنة شمسية والله تعالى ذكر السنة القمرية والتفاوت ~~بينهما في كل مائة سنة ثلاث سنين فيكون ثلاثمائة وتسع سنين، وسنين ~~عطف بيان لثلاثمائة، وقيل: بدل وقرىء على الإضافة وضعا للجمع موضع ~~المفرد ومما يحسنه ههنا أن علامة الجمع فيه جبر لما حذف في الواحد ~~وأن الأصل في العدد إضافته إلى الجمع. ### || [18.26-28] # { قل الله أعلم بما لبثوا ms2028 } أي بالزمان الذي لبثوا فيه. ~~{ له غيب السموات والأرض } أي ما غاب فيهما وخفي من ~~أحوال أهلهما، واللام للاختصاص العلمي دون التكويني فإنه غير مختص ~~بالغيب { أبصر به وأسمع } دل بصيغة التعجب على أن شأن ~~علمه سبحانه بالمبصرات والمسموعات خارج عما عليه إدراك المدركين لا ~~يحجبه شيء ولا يحول دونه حائل ولا يتفاوت بالنسبة إليه اللطيف ~~والكثيف والصغير والكبير والخفي والجلي، والهاء ضمير الجلالة، ~~ومحله الرفع على الفاعلية والباء مزيدة عند سيبويه وكان أصله ~~أبصر أي صار ذا بصر، ثم نقل إلى صيغة الأمر للإنشاء فبرز الضمير ~~لعدم لياقة الضيغة له أو لزيادة الباء كما في كفى به، والنصب على ~~المفعولية عند الأخفش والفاعل ضمير المأمور وهو كل أحد، والباء ~~مزيدة إن كانت الهمزة للتعدية، ومتعدية إن كانت للصيرورة، ولعل تقديم ~~أمر إبصاره تعالى لما أن الذي نحن بصدده من قبيل المبصرات { ما ~~لهم } لأهل السموات والأرض { من دونه } تعالى { من ولى } ~~يتولى أمورهم وينصرهم استقلالا { ولا يشرك فى حكمه } في ~~قضائه أو في علم الغيب { أحدا } منهم ولا يجعل له فيه مدخلا وهو كما ~~ترى أبلغ في نفي الشريك من أن يقال: من ولي ولا شريك، وقرىء على صيغة ~~نهي الحاضر على أن الخطاب لكل أحد. # ولما دل انتظام القرآن الكريم لقصة أصحاب الكهف من حيث إنهم بالنسبة ~~إلى النبي صلى الله عليه وسلم من المغيبات على أنه وحي معجز أمره عليه ~~السلام بالمداومة على دراسته فقال: { واتل ما أوحى إليك من ~~كتب ربك } ولا تسمع لقولهم: ائت بقرآن غير هذا أو بدله { ~~لا مبدل لكلمته } لا قادر على تبديله وتغييره غيره { ~~ولن تجد } أبد الدهر وإن بالغت في الطلب { من دونه ~~ملتحدا } ملجأ تعدل إليه عند إلمام ملمة. # { واصبر نفسك } احبسها وثبتها مصاحبة { مع الذين ~~يدعون ربهم بالغداة والعشى } أي دائبين على الدعاء في ~~جميع الأوقات، وقيل: في طرفي النهار، وقرىء بالغدوة على أن إدخال اللام ~~عليها وهي علم في الأغلب على تأويل التنكير بهم، والمراد بهم فقراء ms2029 ~~المؤمنين مثل صهيب وعمار وخباب ونحوهم رضي الله عنهم، وقيل: أصحاب ~~الصفة وكانوا نحو سبعمائة رجل، قيل: إنه قال قوم من رؤساء الكفرة ~~لرسول الله صلى الله عليه وسلم: نح هؤلاء الموالي الذين كأن ريحهم ~~ريح الضأن حتى نجالسك كما قال قوم نوح عليه السلام: { أنؤمن ~~لك واتبعك الأرذلون } فنزلت. والتعبير عنهم بالموصول ~~لتعليل الأمر بما في حيز الصلة من الخصلة الداعية إلى إدامة الصحبة { ~~يريدون } بدعائهم ذلك { وجهه } حال من المستكن في يدعون أي ~~مريدين لرضاه تعالى وطاعته. # { ولا تعد عيناك عنهم } أي لا يجاوزهم نظرك إلى غيرهم، ~~من عداه أي جاوزه، واستعماله بعن لتضمينه معنى النبو أو لا تصرف ~~عيناك النظر عنهم إلى غيرهم، من عدوته عن الأمر أي صرفته عنه على أن ~~المفعول محذوف لظهوره، وقرىء ولا تعد عينيك من الإعداء والتعدية، ~~والمراد نهيه عليه السلام عن الازدراء بهم لرثاثة زيهم طموحا إلى ~~زي الأغنياء { تريد زينة الحيوة الدنيا } أي تطلب ~~مجالسة الأشراف والأغنياء وأصحاب الدنيا، وهي حال من الكاف على الوجه ~~الأول من القراءة المشهورة ومن الفاعل على الوجه الثاني منها، وضمير ~~تريد للعينين وإسناد الإرادة إليه مجاز وتوحيده للتلازم كما في قوله: ~~[الهزج] # لمن زحلوفة زل # بها العينان تنهل # ومن المستكن في الفعل على القراءتين الأخيرتين { ولا تطع } في ~~تنحية الفقراء عن مجالسك { من أغفلنا قلبه } أي جعلناه ~~غافلا لبطلان استعداده للذكر بالمرة أو وجدناه غافلا، كقولك: ~~أجبنته وأبخلته إذا وجدته كذلك أو هو من أغفل إبله أي لم ~~نسمه بالذكر { عن ذكرنا } كأولئك الذين يدعونك إلى طرد الفقراء ~~عن مجلسك فإنهم غافلون عن ذكرنا على خلاف ما عليه المؤمنون من الدعاء في ~~مجامع الأوقات، وفيه تنبيه على أن الباعث له على ذلك الدعاء غفلة ~~قلبه عن جناب الله سبحانه وجهته وانهماكه في الحسيات حتى خفي عليه أن ~~الشرف بحلية النفس لا بزينة الجسد، وقرىء أغفلنا قلبه، على إسناد ~~الفعل إلى القلب أي حسبنا غافلين عن ذكرنا إياه بالمؤاخذة، من أغفلته ~~إذا وجدته غافلا { واتبع ms2030 هواه وكان أمره فرطا } ~~ضياعا وهلاكا أو متقدما للحق والصواب نابذا له وراء ظهره، من ~~قولهم: فرس فرط أي متقدم للخيل أو هو بمعنى الإفراط والتفريط فإن ~~الغفلة عن ذكره سبحانه تؤدي إلى اتباع الهوى المؤدي إلى التجاوز ~~والتباعد عن الحق والصواب، والتعبير عنهم بالموصول للإيذان بعلية ما ~~في حيز الصلة للنهي عن الإطاعة. ### || [18.29] # { وقل } لأولئك الغافلين المتبعين هواهم { الحق من ربكم } ~~أي ما أوحي إلي الحق لا غير كائنا من ربكم أو الحق المعهود من ~~جهة ربكم لا من جهتي حتى يتصور فيه التبديل أو يمكن التردد في ~~اتباعه وقوله تعالى: { فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر } ~~إما من تمام القول المأمور به والفاء لترتيب ما بعدها على ما قبلها ~~بطريق التهديد لا لتفريعه عليه كما في قوله تعالى: # هذا عطاؤنا فامنن أو أمسك بغير حساب # [ص: 39] وقوله تعالى: # الحق من ربك فلا تكونن من الممترين # [البقرة: 147] أي عقيب تحقق أن ما أوحي إلي حق لا ريب فيه وأن ذلك ~~الحق من جهة ربكم فمن شاء أن يؤمن كسائر المؤمنين ولا يتعلل بما لا ~~يكاد يصلح للتعلل ومن شاء أن يكفر به فليفعل، وفيه من التهديد وإظهار ~~الاستغناء عن متابعتهم وعدم المبالاة بهم وبإيمانهم وجودا وعدما ما ~~لا يخفى، وإما تهديد من جهة الله تعالى والفاء لترتيب ما بعدها من ~~التهديد على الأمر لا على مضمون المأمور به، والمعنى قل لهم ذلك، وبعد ~~ذلك من شاء أن يؤمن به أو أن يصدقك فيه فليؤمن ومن شاء أن يكفر به أو ~~يكذبك فيه فليفعل، فقوله تعالى: { إنا أعتدنا } وعيد شديد ~~وتأكيد للتهديد وتعليل لما يفيده من الزجر عن الكفر أو لما يفهم من ~~ظاهر التخيير من عدم المبالاة بكفرهم وقلة الاهتمام بزجرهم عنه، فإن ~~إعداد جزائه من دواعي الإملاء والأمهال، وعلى الوجه الأول هو تعليل ~~للأمر بما ذكر من التخيير التهديدي أي قل لهم ذلك إنا أعتدنا { ~~للظلمين } أي هيأنا للكافرين بالحق بعد ما جاء من الله سبحانه، ~~والتعبير ms2031 عنهم بالظالمين للتنبيه على أن مشيئة الكفر واختياره ~~تجاوز عن الحد ووضع للشيء في غير موضعه { نارا } عظيمة عجيبة { ~~أحاط بهم } أي يحيط بهم، وإيثار صيغة الماضي للدلالة على التحقق ~~{ سرادقها } أي فسطاطها شبه به ما يحيط بهم من النار، وقيل: ~~السرادق الحجرة التي تكون حول الفسطاط، وقيل: سرادقها دخانها، ~~وقيل: حائط من نار { وإن يستغيثوا } من العطش { يغاثوا ~~بماء كالمهل } كالحديد المذاب، وقيل: كدردي الزيت وهو على ~~طريقة قوله: فاعتبوا بالصيلم { يشوى الوجوه } إذا قدم ليشرب ~~انشوى الوجه لحرارته. عن النبي عليه الصلاة والسلام: # " هو كعكر الزيت فإذا قرب إليه سقطت فروة وجهه " # { بئس الشراب } ذلك { وساءت } النار { مرتفقا } متكأ، ~~وأصل الارتفاق نصب المرفق تحت الخد وأنى ذلك في النار، وإنما هو ~~بمقابلة قوله تعالى: { حسنت مرتفقا }. ### || [18.30-31] # { إن الذين ءامنوا } في محل التعليل للحث على الإيمان ~~المنفهم من التخيير، كأنه قيل: وللذين آمنوا، ولعل تغيير سبكه ~~للإيذان بكمال تنافي مآلي الفريقين أي إن الذين آمنوا بالحق الذي أوحي ~~إليك { وعملوا الصلحات } حسبما بين في تضاعيفه { إنا لا ~~نضيع أجر من أحسن عملا } خبر إن الأولى هي الثانية مع ~~ما في حيزها والراجع محذوف أي من أحسن منهم عملا أو مستغنى عنه كما ~~في قولك: نعم الرجل زيد أو واقع موقعه الظاهر فإن من أحسن عملا في ~~الحقيقة هو الذي آمن وعمل الصالحات. # { أولئك } المنعوتون بالنعوت الجليلة { لهم جنات عدن ~~تجرى من تحتهم الأنهر } استئناف لبيان الأجر، أو هو ~~الخبر وما بينهما اعتراض أو هو خبر بعد خبر { يحلون فيها ~~من أساور من ذهب } من الأولى ابتدائية والثانية صفة لأساور ~~والتنكير للتفخيم وهو جمع أسورة أو إسوار جمع سوار { ويلبسون ~~ثيابا خضرا } خصت الخضرة بثيابهم لأنها أحسن الألوان وأكثرها ~~طراوة { من سندس وإستبرق } أي مما رق من الديباج وغلظ، جمع ~~بين النوعين للدلالة على أن فيها ما تشتهي الأنفس وتلذ الأعين { ~~متكئين فيها على الأرائك } على السرر على ما هو شأن ~~المتنعمين { نعم الثواب } ذلك { وحسنت } أي الأرائك { ~~مرتفقا ms2032 } أي متكأ. ### || [18.32-34] # { واضرب لهم } أي للفريقين الكافر والمؤمن { مثلا رجلين ~~} مفعولان لاضرب أولهما ثانيهما لأنه المحتاج إلى التفصيل والبيان أي ~~اضرب للكافرين والمؤمنين لا من حيث أحوالهما المستفادة مما ذكر آنفا ~~من أن للأولين في الآخرة كذا بل من حيث عصيان الأولين مع تقلبهم في نعم ~~الله تعالى وطاعة الآخرين مع مكابدتهم مشاق الفقر مثلا حال رجلين ~~مقدرين أو محققين هما أخوان من بني إسرائيل أو شريكان: كافر اسمه ~~قطروس ومؤمن اسمه يهوذا اقتسما ثمانية آلاف دينار فاشترى الكافر ~~بنصيبه ضياعا وعقارا وصرف المؤمن نصيبه إلى وجوه المبار فآل ~~أمرهما إلى ما حكاه الله تعالى، وقيل: هما أخوان من بني مخزوم كافر هو ~~الأسود بن عبد الله بن عبد الأسد زوج أم سلمة رضي الله عنها أولا { ~~جعلنا لأحدهما } وهو الكافر { جنتين } بساتين { من ~~أعنب } من كروم متنوعة والجملة بتمامها بيان للتمثيل أو صفة ~~لرجلين { وحففناهما بنخل } أي جعلنا النخل محيطة بهما ~~مؤزرا بها كرومهما، يقال: حفه القوم إذا طافوا به وحففته بهم ~~جعلتهم حافين حوله فيزيده الباء مفعولا آخر كقولك: غشيته به { ~~وجعلنا بينهما } وسطهما { زرعا } ليكون كل منهما جامعا ~~للأقوات والفواكه متواصل العمارة على الهيئة الرائقة والوضع الأنيق. # { كلتا الجنتين آتت أكلها } ثمرها وبلغت مبلغا صالحا ~~للأكل، وقرىء بسكون الكاف، وقرىء كل الجنتين آتى أكله { ولم ~~تظلم منه } لم تنقص من أكلها { شيئا } كما يعهد ذلك في سائر ~~البساتين فإن الثمار غالبا تكثر في عام وتقل في آخر، وكذا بعض ~~الأشجار يأتي بالثمر في بعض الأعوام دون بعض { وفجرنا ~~خللهما } فيما بين كل من الجنتين { نهرا } على حدة ليدوم ~~شربهما ويزيد بهاؤهما، وقرىء بالتخفيف ولعل تأخير ذكر تفجير النهر عن ~~ذكر إيتاء الأكل مع أن الترتيب الخارجي على العكس للإيذان باستقلال ~~كل من إيتاء الأكل وتفجير النهر في تكميل محاسن الجنتين كما في قصة ~~البقرة ونحوها، ولو عكس لانفهم أن المجموع خصلة واحدة بعضها مترتب ~~على بعض فإن إيتاء الأكل متفرع على السقي عادة، وفيه إيماء إلى ms2033 ~~أن إيتاء الأكل لا يتوقف على السقى كقوله تعالى: # يكاد زيتها يضىء ولو لم تمسسه نار # [النور: 35]. # { وكان له } لصاحب الجنتين { ثمر } أنواع من المال غير ~~الجنتين، من ثمر ماله إذا كثره، قال ابن عباس رضي الله عنهما: هو جميع ~~المال من الذهب والفضة والحيوان وغير ذلك، وقال مجاهد: هو الذهب والفضة ~~خاصة { فقال لصحبه } المؤمن { وهو } أي القائل { ~~يحوره } أي صاحبه المؤمن وإن جاز العكس أي يراجعه في الكلام من ~~حار إذا رجع { أنا أكثر منك مالا وأعز نفرا } حشما ~~وأعوانا أو أولادا ذكورا لأنهم الذين ينفرون معه. ### || [18.35-38] # { ودخل جنته } التي شرحت أحوالها وعددها وصفاتها ~~وهيآتها، وتوحيدها إما لعدم تعلق الغرض بتعددها، وإما لاتصال إحداهما ~~بالأخرى، وإما لأن الدخول يكون في واحدة فواحدة { وهو ظالم ~~لنفسه } ضار لها بعجبه وكفره { قال } استئناف مبني على سؤال ~~نشأ من ذكر دخول جنته حال ظلمه لنفسه، كأنه قيل: فماذا قال إذ ذاك؟ ~~فقيل قال: { ما أظن أن تبيد هذه } الجنة أي تفنى { ~~أبدا } لطول أمله وتمادي غفلته واغتراره بمهلته، ولعله إنما قاله ~~بمقابلة موعظة صاحبه وتذكيره بفناء جنتيه ونهيه عن الاغترار بهما ~~وأمره بتحصيل الباقيات الصالحات. # { وما أظن الساعة قائمة } كائنة فيما سيأتي { ولئن ~~رددت } بالبعث عند قيامها كما تقول { إلى ربى لأجدن } ~~يومئذ { خيرا منها } أي من هذه الجنة، وقرىء منهما أي من الجنتين ~~{ منقلبا } مرجعا وعاقبة، ومدار هذا الطمع واليمين الفاجرة ~~اعتقاد أنه تعالى إنما أولاه ما أولاه في الدنيا لاستحقاقه الذاتي ~~وكرامته عليه سبحانه ولم يدر أن ذلك استدراج. # { قال له صحبه } استئناف كما سيق { وهو يحوره } ~~جملة حالية كما مر فائدتها التنبيه من أول الأمر على أن ما يتلوه ~~كلام معتنى بشأنه مسوق للمحاورة { أكفرت } حيث قلت: ما أظن ~~الساعة قائمة { بالذى خلقك } أي في ضمن خلق أصلك { من ~~تراب } فإن خلق آدم عليه السلام منه متضمن لخلقه منه لما أن ~~خلق كل فرد من أفراد البشر له حظ من خلقه عليه السلام إذ لم تكن ~~فطرته ms2034 الشريفة مقصورة على نفسه، بل كانت أنموذجا منطويا على فطرة ~~سائر أفراد الجنس انطواء إجماليا مستتبعا لجريان آثارها على ~~الكل، فكان خلقه عليه السلام من التراب خلقا للكل منه، وقيل: خلقك ~~منه لأنه أصل مادتك إذ به يحصل الغذاء الذي منه تحصل النطفة فتدبر { ~~ثم من نطفة } هي مادتك القريبة فالمخلوق واحد والمبدأ ~~متعدد { ثم سواك رجلا } أي عدلك وكملك إنسانا ذكرا أو ~~صيرك رجلا، والتعبير عنه تعالى بالموصول للإشعار بعلية ما حيز الصلة ~~لإنكار الكفر والتلويح بدليل البعث الذي نطق به قوله عز من قائل: # يأيها الناس إن كنتم فى ريب من البعث فإنا ~~خلقنكم من تراب # الخ [الحج: 5]. # { لكنا هو الله ربى } أصله لكن أنا وقد قرىء كذلك فحذفت ~~الهمزة فتلاقت النونان فكان الإدغام، و(هو) ضمير الشأن وهو مبتدأ ~~خبره الله ربي وتلك الجملة خبر أنا والعائد منها إليه الضمير، ~~وقرىء بإثبات ألف أنا في الوصل والوقف جميعا وفي الوقف خاصة، وقرىء ~~لكنه بالهاء ولكن بطرح أنا ولكن أنا لا إله إلا هو ربي، ومدار ~~الاستدراك قوله تعالى: { أكفرت } كأنه قال: أنت كافر لكني مؤمن ~~موحد { ولا أشرك بربى أحدا } فيه إيذان بأن كفره كان ~~بطريق الإشراك. ### || [18.39-42] # { ولولا إذ دخلت جنتك قلت } أي هلا قلت عندما ~~دخلتها، وتقديم الظرف على المحضض عليه للإيذان بتحتم القول في آن ~~الدخول من غير ريث لا للقصر { ما شاء الله } أي الأمر ما شاء الله ~~أو ما شاء الله كائن على أن ما موصولة مرفوعة المحل، أو أي شيء ~~شاء الله كان على أنها شرطية منصوبة والجواب محذوف، والمراد تحضيضه ~~على الاعتراف بأنها وما فيها بمشيئة الله تعالى إن شاء أبقاها وإن شاء ~~أفناها { لا قوة إلا بالله } أي هلا قلت ذلك اعترافا بعجزك ~~وبأن ما تيسر لك من عمارتها وتدبير أمرها إنما هو بمعونته تعالى ~~وإقداره عن النبي صلى الله عليه وسلم: # " من رأى شيئا فأعجبه فقال: ما شاء الله لا قوة إلا بالله لم يضره ~~" # { إن ترن أنا أقل ms2035 منك مالا وولدا } أنا إما مؤكد ~~لياء المتكلم أو ضمير فصل بين مفعولي الرؤية إن جعلت علمية، ~~وأقل ثانيهما، وحال إن جعلت بصرية فيكون أنا حينئذ تأكيدا لا غير ~~لأن شرط كونه ضمير فصل توسطه بين المبتدأ والخبر أو ما أصله ~~المبتدأ والخبر، وقرىء أقل بالرفع خبرا لأنا والجملة مفعول ثان ~~للرؤية أو حال وفي قوله تعالى: { وولدا } نصرة لمن فسر النفر ~~بالولد. # { فعسى ربى أن يؤتين خيرا من جنتك } هو جواب الشرط ~~والمعنى إن ترن أفقر منك فأنا أتوقع من صنع الله سبحانه أن يقلب ما ~~بي وما بك من الفقر والغنى فيرزقني لإيماني جنة خيرا من جنتك ~~ويسلبك لكفرك نعمته ويخرب جنتك { ويرسل عليها حسبانا ~~} هو مصدر بمعنى الحساب كالبطلان والغفران أي مقدارا قدره تعالى ~~وحسبه، وهو الحكم بتخريبها، وقيل: عذاب حسبان وهو حساب ما كسبت ~~يداه، وقيل: مرامي جمع حسبانة وهي الصواعق. ومساعدة النظم الكريم ~~فيما سيأتي للأولين أكثر { من السماء فتصبح صعيدا زلقا ~~} مصدر أريد به المفعول مبالغة أي أرضا ملساء يزلق عليها لاستئصال ~~ما عليها من البناء والشجر والنبات. # { أو يصبح } عطف على قوله تعالى: { فتصبح } ، وعلى الوجه ~~الثالث على يرسل { ماؤها غورا } أي غائرا في الأرض أطلق عليه ~~المصدر مبالغة { فلن تستطيع } أبدا { له } أي للماء الغائر { ~~طلبا } فضلا عن وجدانه ورده. # { وأحيط بثمره } أهلك أمواله المعهودة من جنتيه وما فيهما، ~~وأصله من إحاطة العدو، وهو عطف على مقدر، كأنه قيل: فوقع بعض ما ~~توقع من المحذور وأهلك أمواله، وإنما حذف لدلالة السباق والسياق ~~عليه كما في المعطوف عليه بالفاء الفصيحة { فأصبح يقلب ~~كفيه } ظهرا لبطن وهو كناية عن الندم، كأنه قيل: فأصبح يندم { ~~على ما أنفق فيها } أي في عمارتها من المال، ولعل تخصيص الندم ~~به دون ما هلك الآن من الجنة لما أنه إنما يكون على الأفعال الاختيارية ~~ولأن ما أنفق في عمارتها كان مما يمكن صيانته عن طوارق الحدثان وقد ~~صرفه إلى مصالحها رجاء أن يتمتع به، وكان يرى أنه لا ms2036 تنالها أيدي ~~الردى، ولذلك قال: ما أظن أن تبيد هذه أبدا، فلما ظهر له أنها مما ~~يعتريه الهلاك ندم على ما صنع بناء على الزعم الفاسد من إنفاق ما يمكن ~~ادخاره في مثل هذا الشيء السريع الزوال. # { وهى } أي الجنة من الأعناب المحفوفة بنخل { خاوية } ساقطة { ~~على عروشها } أي دعائمها المصنوعة للكروم لسقوطها قبل سقوطها، ~~وتخصيص حالها بالذكر دون النخل والزرع إما لأنها العمدة وهما من ~~متمماتها، وإما لأن ذكر هلاكها مغن عن ذكر هلاك الباقي لأنها حيث هلكت ~~وهي مشيدة بعروشها فهلاك ما عداها بالطريق الأولى، وإما لأن ~~الإنفاق في عمارتها أكثر، وقيل: أرسل الله تعالى عليها نارا فأحرقها ~~وغار ماؤها { ويقول } عطف على يقلب أو حال من ضميره أي وهو يقول: ~~{ يليتنى لم أشرك بربى أحدا } كأنه تذكر موعظة أخيه ~~وعلم أنه إنما أتي من قبل شركه فتمنى لو لم يكن مشركا فلم يصبه ~~ما أصابه. قيل: ويحتمل أن يكون ذلك توبة من الشرك وندما على ما فرط ~~منه. ### || [18.43-45] # { ولم تكن له } وقرىء بالياء التحتانية { فئة ينصرونه ~~} يقدرون على نصره بدفع الإهلاك أو على رد المهلك أو الإتيان بمثله، ~~وجمع الضمير باعتبار المعنى كما في قوله عز وعلا: # يرونهم مثليهم # [آل عمران: 13] { من دون الله } فإنه القادر على ذلك وحده { ~~وما كان } في نفسه { منتصرا } ممتنعا بقوته عن انتقامه سبحانه. # { هنالك } في ذلك المقام وفي تلك الحال { الولية لله ~~الحق } أي النصرة له وحده لا يقدر عليها أحد فهو تقرير لما قبله، ~~أو ينصر فيها أولياءه من المؤمنين على الكفرة كما نصر بما فعل ~~بالكافر أخاه المؤمن، ويعضده قوله تعالى: { هو خير ثوابا ~~وخير عقبا } أي لأوليائه، وقرىء الولاية بكسر الواو ومعناها ~~الملك والسلطان له عز وجل لا يغلب ولا يمتنع منه أو لا يعبد غيره ~~كقوله تعالى: # وإذا ركبوا فى الفلك دعوا الله مخلصين له ~~الدين # [العنكبوت: 65] فيكون تنبيها على أن قوله: يا ليتني لم أشرك الخ، كان ~~عن اضطرار وجزع عما دهاه على أسلوب قوله ms2037 تعالى: # ءالئن وقد عصيت قبل وكنت من المفسدين # [يونس: 91] وقيل: هنالك إشارة إلى الآخرة كقوله تعالى: # لمن الملك اليوم لله الوحد القهار # [غافر: 16] وقرىء برفع الحق على أنه صفة للولاية وبنصبه على أنه ~~مصدر مؤكد، وقرىء عقبا بضم القاف وعقبى كرجعى والكل بمعنى ~~العاقبة. # { واضرب لهم مثل الحيوة الدنيا } أي واذكر لهم ما ~~يشبهها في زهرتها ونضارتها وسرعة زوالها لئلا يطمئنوا بها ولا ~~يعكفوا عليها ولا يضربوا عن الآخرة صفحا بالمرة، أو بين لهم ~~صفتها العجيبة التي هي في الغرابة كالمثل { كماء } استئناف لبيان ~~المثل أي هي كماء { أنزلناه من السماء } ويجوز كونه مفعولا ~~ثانيا لاضرب على أنه بمعنى صير { فاختلط به } اشتبك بسببه { ~~نبات الأرض } فالتف وخالط بعضه بعضا من كثرته وتكاثفه، أو نجع ~~الماء في النبات حتى روي ورف، فمقتضى الظاهر حينئذ فاختلط بنبات ~~الأرض، وإيثار ما عليه النظم الكريم عليه للمبالغة في الكثرة فإن ~~كلا من المختلطين موصوف بصفة صاحبه { فأصبح } ذلك النبات ~~الملتف إثر بهجتها ورفيفها { هشيما } مهشوما مكسورا { تذروه ~~الرياح } تفرقه، وقرىء تذريه من أذراه وتذروه الريح، وليس ~~المشبه به نفس الماء بل هو الهيئة المنتزعة من الجملة، وهي حال ~~النبات المنبت بالماء، يكون أخضر وارفا ثم هشيما تطيره الرياح ~~كأن لم يغن بالأمس { وكان الله على كل شىء } من الأشياء ~~التي من جملتها الإنشاء والإفناء { مقتدرا } قادرا على الكمال. ### || [18.46] # { المال والبنون زينة الحيوة الدنيا } بيان لشأن ~~ما كانوا يفتخرون به من محسنات الحياة الدنيا، كما قال الأخ الكافر: ~~أنا أكثر منك مالا وأعز نفرا إثر بيان شأن نفسها بما مر من ~~المثل. وتقديم المال على البنين مع كونهم أعز منه كما في الآية ~~المحكية آنفا وقوله تعالى: { وأمددنكم بأمول وبنين } ~~وغير ذلك من الآيات الكريمة لعراقته فيما نيط به من الزينة والإمداد ~~وغير ذلك وعمومه بالنسبة إلى الأفراد والأوقات، فإنه زينة وممد ~~لكل أحد من الآباء والبنين في كل وقت وحين، وأما البنون فزينتهم ~~وإمدادهم إنما يكون بالنسبة إلى من بلغ مبلغ الأبوة، ms2038 ولأن المال ~~مناط لبقاء النفس والبنين لبقاء النوع، ولأن الحاجة إليه أمس من ~~الحاجة إليهم، ولأنه أقدر منهم في الوجود، ولأنه زينة بدونهم من غير ~~عكس فإن من له بنون بلا مال فهو في ضيق حال ونكال. وإفراد الزينة مع ~~أنها مسندة إلى الإثنين لما أنها مصدر في الأصل أطلق على المفعول ~~مبالغة كأنهما نفس الزينة، والمعنى أن ما يفتخرون به من المال والبنين ~~شيء يتزين به في الحياة الدنيا وقد علم شأنها في سرعة الزوال ~~وقرب الاضمحلال فكيف بما هو من أوصافها التي شأنها أن تزول قبل ~~زوالها. { والبقيات الصلحات } هي أعمال الخير، وقيل: هي ~~الصلوات الخمس، وقيل: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله ~~أكبر، وقيل: كل ما أريد به وجه الله تعالى، وعلى كل تقدير يدخل فيها ~~أعمال فقراء المؤمنين الذين يدعون ربهم بالغداة والعشى يريدون وجهه ~~دخولا أوليا، أما صلاحها فظاهر وأما بقاء عوائدها عند فناء كل ~~ما تطمح إليه النفس من حظوظ الدنيا { خير } أي مما نعت شأنه من ~~المال والبنين، وإخراج بقاء تلك الأعمال وصلاحها مخرج الصفات ~~المفروغ عنها مع أن حقهما أن يكونا مقصودي الإفادة لا سيما في ~~مقابلة إثبات الفناء لما يقابلها من المال والبنين على طريقة قوله ~~تعالى: # ما عندكم ينفد وما عند الله باق # [النحل، الآية 96] للإيذان بأن بقاءها أمر محقق لا حاجة إلى ~~بيانه بل لفظ الباقيات اسم لها وصف، ولذلك لم يذكر الموصوف وإنما ~~الذي يحتاج إلى التعرض له خيريتها { عند ربك } أي في الآخرة وهو ~~بيان لما يظهر فيه آثار خيريتها بمنزلة إضافة الزينة إلى الحياة ~~الدنيا لا لأفضليتها فيها من المال والبنين مع مشاركة الكل في الأصل إذ ~~لا مشاركة لهما في الخيرية في الآخرة { ثوابا } عائدة تعود إلى ~~صاحبها { وخير أملا } حيث ينال بها صاحبها في الآخرة كل ما كان ~~يؤمله في الدنيا، وأما ما مر من المال والبنين فليس لصاحبه أمل يناله، ~~وتكرير خير للإشعار باختلاف حيثيتي الخيرية والمبالغة فيها. ### || [18.47-48] # { ويوم ms2039 نسير الجبال } منصوب بمضمر أي اذكر حين نقلعها ~~من أماكنها ونسيرها في الجو على هيئاتها كما ينبىء عنه قوله تعالى: # وترى الجبال تحسبها جامدة وهى تمر مر ~~السحاب # [النمل، الآية 88] أو نسير أجزاءها بعد أن نجعلها هباء منبثا، ~~والمراد بتذكيره تحذير المشركين مما فيه من الدواهي، وقيل: هو معطوف ~~على ما قبله من قوله تعالى: { عند ربك } أي الباقيات الصالحات خير ~~عند الله ويوم القيامة. وقرىء تسير على صيغة البناء للمفعول من ~~التفعيل جريا على سنن الكبرياء وإيذانا بالاستغناء عن الإسناد إلى ~~الفاعل لتعينه، وقرىء تسير { وترى الأرض } أي جميع جوانبها ~~والخطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم أو لكل أحد ممن يتأتى منه ~~الرؤية، وقرىء ترى على صيغة البناء للمفعول { بارزة } أما بروز ~~ما تحت الجبال فظاهر، وأما ما عداه فكانت الجبال تحول بينه وبين ~~الناظر قبل ذلك، فالآن أضحى قاعا صفصفا لا ترى فيها عوجا أمتا ~~{ وحشرنهم } جمعناهم إلى الموقف من كل أوب. وإيثار صيغة ~~الماضي بعد نسير وترى للدلالة على تحقق الحشر المتفرع على البعث ~~الذي ينكره المنكرون، وعليه يدور أمر الجزاء وكذا الكلام فيما عطف ~~عليه منفيا وموجبا، وقيل: هو للدلالة على أن حشرهم قبل التسيير ~~والبروز ليعاينوا تلك الأهوال، كأنه قيل: وحشرناهم قبل ذلك { فلم ~~نغادر } أي لم نترك { منهم أحدا } يقال: غادره إذا تركه ومنه ~~الغدر الذي هو ترك الوفاء والغدير الذي هو ماء يتركه السيل في ~~الأرض الغائرة، وقرىء بالياء وبالفوقانية على إسناد الفعل إلى ضمير ~~الأرض كما في قوله تعالى: # وألقت ما فيها وتخلت # [الانشقاق، الآية 4]. # { وعرضوا على ربك } شبهت حالهم بحال جند عرضوا على ~~السلطان ليأمر فيهم بما يأمر، وفي الالتفات إلى الغيبة وبناء الفعل ~~للمفعول مع التعرض لعنوان الربوبية والإضافة إلى ضميره عليه السلام من ~~تربية المهابة والجري على سنن الكبرياء وإظهار اللطف به عليه ~~السلام ما لا يخفى { صفا } أي غير متفرقين ولا مختلطين فلا تعرض ~~فيه لوحدة الصف وتعدده، وقد ورد في الحديث الصحيح: # " يجمع الله الأولين والآخرين ms2040 في صعيد واحد صفوفا " # { لقد جئتمونا } على إضمار القول على وجه يكون حالا من ضمير ~~عرضوا أي مقولا لهم أو وقلنا لهم، وأما كونه عاملا في يوم نسير كما ~~قيل فبعيد من جزالة التنزيل الجليل، كيف لا ويلزم منه أن هذا القول هو ~~المقصود بالأصالة دون سائر القوارع مع أنه خاص التعلق بما قبله من ~~العرض والحشر دون تسيير الجبال وبروز الأرض { كما خلقنكم } ~~نعت لمصدر مقدر أي مجيئا كائنا كمجيئكم عند خلقنا لكم { أول ~~مرة } أو حال من ضمير جئتمونا أي كائنين كما خلقناكم أول مرة حفاة ~~عراة غرلا أو ما معكم شيء مما تفتخرون به من الأموال والأنصار كقوله ~~تعالى: # ولقد جئتمونا فرادى كما خلقنكم أول مرة ~~وتركتم ما خولنكم وراء ظهوركم # [الأنعام: 94] { بل زعمتم ألن نجعل لكم موعدا } ~~إضراب وانتقال من كلام إلى كلام كلاهما للتوبيخ والتقريع، أي زعمتم ~~في الدنيا أنه لن نجعل لكم أبدا وقتا ننجز فيه ما وعدناه من البعث ~~وما يتبعه، وأن مخففة من المثقلة فصل بحرف النفي بينها وبين خبرها ~~لكونه جملة فعلية متصرفة غير دعاء، والظرف إما مفعول ثان للجعل ~~وهو بمعنى التصيير والأول هو موعدا، أو حال من موعدا وهو بمعنى ~~الخلق والإبداع. ### || [18.49-50] # { ووضع الكتب } عطف على عرضوا داخل تحت الأمور الهائلة ~~التي أريد تذكيرها بتذكير وقتها أورد فيه ما أورد في أمثاله من صيغة ~~الماضي دلالة على التقرر أيضا، أي وضع صحائف الأعمال، وإيثار ~~الإفراد للاكتفاء بالجنس، والمراد بوضعها إما وضعها في أيدي أصحابها ~~يمينا وشمالا وإما في الميزان { فترى المجرمين } قاطبة فيدخل ~~فيهم الكفرة المنكرون للبعث دخولا أوليا { مشفقين } خائفين { ~~مما فيه } من الجرائم والذنوب { ويقولون } عند وقوفهم على ما ~~في تضاعيفه نقيرا وقطميرا { يويلتنا } منادين لهلكتهم التي ~~هلكوها من بين الهلكات مستدعين لها ليهلكوا ولا يروا هول ما ~~لاقوه، أي يا ويلتنا احضري فهذا أوان حضورك { ما لهذا ~~الكتب } أي أي شيء له، وقوله تعالى: { لا يغادر صغيرة ~~ولا كبيرة إلا أحصاها } أي حواها وضبطها، جملة ms2041 حالية ~~محققة لما في الجملة الاستفهامية من التعجب، أو استئنافية مبنية ~~على سؤال نشأ من التعجب، كأنه قيل: ما شأنه حتى يتعجب منه؟ فقيل: لا ~~يغادر سيئة صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها { ووجدوا ما عملوا } ~~في الدنيا من السيئات، أو جزاء ما عملوا { حاضرا } مسطورا عتيدا { ~~ولا يظلم ربك أحدا } فيكتب ما لم يعمل من السيئات أو يزيد ~~في عقابه المستحق فيكون إظهارا لمعدلة القلم الأزلي. # { وإذا قلنا للملئكة } أي اذكر وقت قولنا لهم: { ~~اسجدوا لآدم } سجود تحية وتكريم وقد مر تفصيله { فسجدوا } ~~جميعا امتثالا بالأمر { إلا إبليس } فإنه لم يسجد بل أبى ~~واستكبر وقوله تعالى: { كان من الجن } كلام مستأنف سيق مساق ~~التعليل لما يفيده استثناء اللعين من الساجدين، كأنه قيل: ما له لم ~~يسجد؟ فقيل: كان أصله جنيا { ففسق عن أمر ربه } أي خرج ~~عن طاعته كما ينبىء عنه الفاء، أو صار فاسقا كافرا بسبب أمر الله ~~تعالى إذ لولاه لما أبى. والتعرض لوصف الربوبية المنافية للفسق لبيان ~~كمال قبح ما فعله، والمراد بتذكير قصته تشديد النكير على ~~المتكبرين المفتخرين بأنسابهم وأموالهم المستنكفين عن الانتظام في سلك ~~فقراء المؤمنين ببيان أن ذلك من صنيع إبليس وأنهم في ذلك تابعون ~~لتسويله كما ينبىء عنه قوله تعالى: { أفتتخذونه } الخ، فإن ~~الهمزة للإنكار والتعجب والفاء للتعقيب أي أعقيب علمكم بصدور تلك ~~القبائح عنه تتخذونه { وذريته } أي أولاده وأتباعه، جعلوا ~~ذريته مجازا. قال قتادة: يتوالدون كما يتوالد بنو آدم، وقيل: يدخل ~~ذنبه في دبره فيبيض فتنفلق البيضة عن جماعة من الشياطين { ~~أولياء من دونى } فتستبدلونهم بي فتطيعونهم بدل طاعتي { وهم ~~} أي والحال أن إبليس وذريته { لكم عدو } أي أعداء كما في قوله ~~تعالى: # فإنهم عدو لى إلا رب العلمين # [الشعراء، الآية 77] وقوله تعالى: # هم العدو # [المنافقون، الآية 4] وإنما فعل به ذلك تشبيها له بالمصادر نحو ~~القبول والولوع وتقييد الاتخاذ بالجملة الحالية لتأكيد الإنكار ~~وتشديده، فإن مضمونها مانع من وقوع الاتخاذ ومناف له قطعا { بئس ~~للظلمين } أي الواضعين للشيء في غير موضعه { بدلا ms2042 } من الله ~~سبحانه إبليس وذريته، وفي الالتفات إلى الغيبة مع وضع الظالمين موضع ~~الضمير من الإيذان بكمال السخط والإشارة إلى أن ما فعلوه ظلم قبيح ~~ ما لا يخفى. ### || [18.51] # { ما أشهدتهم } استئناف مسوق لبيان عدم استحقاقهم للاتخاذ ~~المذكور في أنفسهم بعد بيان الصوارف عن ذلك من خباثة المحتد والفسق ~~والعداوة، أي ما أحضرت إبليس وذريته { خلق السموات ~~والأرض } حيث خلقتهما قبل خلقهم { ولا خلق أنفسهم } أي ~~ولا أشهدت بعضهم خلق بعض كقوله تعالى: # ولا تقتلوا أنفسكم # [النساء، الآية 29] هذا ما أجمع عليه الجمهور حذارا من تفكيك ~~الضميرين ومحافظة على ظاهر لفظ الأنفس، ولك أن ترجع الضمير الثاني ~~إلى الظالمين وتلتزم التفكيك بناء على قود المعنى إليه، فإن نفي ~~إشهاد الشياطين خلق الذين يتولونهم هو الذي يدور عليه إنكار اتخاذهم ~~أولياء بناء على أن أدنى ما يصحح التولي حضور الولي خلق ~~المتولى، وحيث لا حضور لا مصحح للتولي قطعا، وأما نفي وإشهاد ~~بعض الشياطين خلق بعض منهم فليس من مدارية الإنكار المذكور في شيء، ~~على أن إشهاد بعضهم خلق بعض إن كان مصححا لتولي الشاهد بناء على ~~دلالته على كماله باعتبار أن له مدخلا في خلق المشهود في الجملة فهو ~~مخل بتولي المشهود بناء على قصوره عمن شهد خلقه فلا يكون نفي ~~الإشهاد المذكور متمحضا في نفي الكمال المصحح للتولي عن الكل وهو ~~المناط للإنكاء المذكور { وما كنت متخذ المضلين } أي ~~متخذهم، وإنما وضع موضعه المظهر ذما لهم وتسجيلا عليهم بالإضلال ~~وتأكيدا لما سبق من إنكار اتخاذهم أولياء { عضدا } أعوانا في شأن ~~الخلق أو في شأن من شؤوني حتى يتوهم شركتهم في التولي بناء على ~~الشركة في بعض أحكام الربوبية، وفيه تهكم بهم وإيذان بكمال ركاكة ~~عقولهم وسخافة آرائهم حيث لا يفهمون هذا الأمر الجلي الذي لا يكاد ~~يشتبه على البله والصبيان فيحتاجون إلى التصريح به، وإيثار نفي ~~الإشهاد على نفي شهودهم ونفي اتخاذهم أعوانا على نفي كونهم كذلك ~~للإشعار بأنهم مقهورون تحت قدرته تعالى تابعون لمشيئته وإرادته فيهم، ~~وأنهم بمعزل ms2043 من استحقاق الشهود والمعونة من تلقاء أنفسهم من غير إحضار ~~واتخاذ وإنما قصارى ما يتوهم في شأنهم أن يبلغوا ذلك المبلغ بأمر الله ~~عز وجل ولم يكد ذلك يكون، وقيل: الضمير للمشركين والمعنى ما أشهدتهم ~~خلق ذلك وما أطلعتهم على أسرار التكوين وما خصصتهم بفضائل لا ~~يحويها غيرهم حتى يكونوا قدوة للناس فيؤمنوا بإيمانهم كما يزعمون فلا ~~يلتفت إلى قولهم طمعا في نصرتهم للدين فإنه لا ينبغي لي أن أعتضد ~~بالمضلين، ويعضده القراءة بفتح التاء خطابا لرسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، والمعنى ما صح لك الاعتضاد بهم. ووصفهم بالإضلال لتعليل نفي ~~الاتخاذ، وقرىء متخذا المضلين على الأصل، وقرىء عضدا بضم العين ~~وسكون الضاد وبفتح وسكون بالتخفيف وبضمتين بالاتباع وبفتحتين على أنه جمع ~~عاضد كرصد وراصد. ### || [18.52-55] # { ويوم يقول } أي الله عز وجل للكافرين توبيخا وتعجيزا، وقرىء ~~بنون العظمة { نادوا شركائى الذين زعمتم } أنهم ~~شفعاؤكم ليشفعوا لكم، والمراد بهم كل ما عبد من دونه تعالى، وقيل: ~~إبليس وذريته { فدعوهم } أي نادوهم للإغاثة، وفيه بيان ~~لكمال اعتنائهم بإعانتهم على طريقة الشفاعة إذ معلوم أن لا طريق إلى ~~المدافعة { فلم يستجيبوا لهم } فلم يغيثوهم إذ لا إمكان ~~لذلك وفي إيراده مع ظهوره تهكم بهم وإيذان بأنهم في الحماقه بحيث لا ~~يفهمونه إلا بالتصريح به { وجعلنا بينهم } بين الداعين ~~والمدعوين { موبقا } اسم مكان أو مصدر من وبق وبوقا كوثب ~~وثوبا وبق وبقا كفرح فرحا إذا هلك أي مهلكا يشتركون فيه وهو ~~النار، أو عداوة وهي في الشدة نفس الهلاك كقول عمر رضي الله عنه: «لا ~~يكن حبك كلفا ولا بغضك تلفا»، وقيل: البين الوصل أي وجعلنا ~~تواصلهم في الدنيا هلاكا في الآخرة، ويجوز أن يكون المراد بالشركاء ~~الملائكة وعزيرا وعيسى عليهم السلام ومريم، وبالموبق البرزخ ~~البعيد أي جعلنا بينهم أمدا بعيدا يهلك فيه الأشواط لفرط بعده ~~لأنهم في قعر جهنم وهم في أعلى الجنان. # { ورأى المجرمون النار } وضع المظهر مقام المضمر تصريحا ~~بإجرامهم وذما لهم بذلك { فظنوا } أي فأيقنوا { أنهم ~~مواقعوها } مخالطوها واقعون ms2044 فيها أو ظنوا إذ رأوها من مكان بعيد ~~أنهم مواقعوها الساعة { ولم يجدوا عنها مصرفا } انصرافا ~~أو معدلا ينصرفون إليه. # { ولقد صرفنا } أي كررنا وأوردنا على وجوه كثيرة من النظم { ~~فى هذا القرءان للناس } لمصلحتهم ومنفعتهم { من كل ~~مثل } من جملته ما مر من مثل الرجلين ومثل الحياة الدنيا أو من ~~كل نوع من أنواع المعاني البديعة الداعية إلى الإيمان التي هي في ~~الغرابة والحسن واستجلاب النفس كالمثل ليتلقوه بالقبول فلم يفعلوا { ~~وكان الإنسن } بحسب جبلته { أكثر شىء جدلا } أي ~~أكثر الأشياء التي يتأتى منها الجدل وهو ههنا شدة الخصومة بالباطل ~~والمماراة، من الجدل الذي هو الفتل، والمجادلة الملاواة لأن كلا ~~من المجادلين يلتوي على صاحبه، وانتصابه على التمييز والمعنى أن ~~جدله أكثر من جدل كل مجادل. # { وما منع الناس } أي أهل مكة الذين حكيت أباطيلهم { أن ~~يؤمنوا } من أن يؤمنوا بالله تعالى ويتركوا ما هم فيه من الإشراك { ~~إذ جاءهم الهدى } أي القرآن العظيم الهادي إلى الإيمان بما فيه ~~من فنون المعاني الموجبة له { ويستغفروا ربهم } عما فرط ~~منهم من أنواع الذنوب التي من جملتها مجادلتهم للحق بالباطل { إلا ~~أن تأتيهم سنة الأولين } أي إلا طلب إتيان سنتهم أو ~~إلا انتظار إتيانها، أو إلا تقديره فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه ~~مقامه وسنتهم الاستئصال { أو يأتيهم العذاب } أي عذاب ~~الآخرة { قبلا } أي أنواعا، جمع قبيل أو عيانا كما في قراءة ~~قبلا بكسر القاف وفتح الباء، وقرىء بفتحتين أي مستقبلا، يقال: ~~لقيته قبلا وقبلا وقبلا، وانتصابه على الحالية من الضمير أو ~~العذاب والمعنى أن ما تضمنه القرآن الكريم من الأمور المستوجبة للإيمان ~~بحيث لو لم يكن مثل هذه الحكمة القوية لما امتنع الناس من الإيمان وإن ~~كانوا مجبولين على الجدل المفرط. ### || [18.56-57] # { وما نرسل المرسلين } إلى الأمم ملتبسين بحال من الأحوال { ~~إلا } حال كونهم { مبشرين } للمؤمنين بالثواب { ومنذرين } ~~للكفرة والعصاة بالعقاب { ويجدل الذين كفروا ~~بالبطل } باقتراح الآيات بعد ظهور المعجزات والسؤال عن قصة ~~أصحاب الكهف ونحوها تعنتا { ليدحضوا به } أي بالجدال ms2045 { ~~الحق } أي يزيلوه عن مركزه ويبطلوه من إدحاض القدم وهو إزلاقها، ~~وهو قولهم للرسل عليهم الصلاة والسلام: # ما أنتم إلا بشر مثلنا # [يس، الآية 15] # ولو شاء الله لأنزل ملئكة # [المؤمنون، الآية 24] ونحوهما { واتخذوا ءايتى } التي تخر ~~لها صم الجبال { وما أنذروا } أي أنذروه من القوارع الناعية ~~عليهم العقاب والعذاب أو إنذارهم { هزوا } استهزاء، وقرىء بسكون ~~الزاي وهو ما يستهزأ به. # { ومن أظلم ممن ذكر بئايت ربه } وهو القرآن ~~العظيم { فأعرض عنها } ولم يتدبرها ولم يتذكر بها، وهذا السبك ~~وإن كان مدلوله الوضعي نفي الأظلمية من غير تعرض لنفي المساواة في ~~الظلم إلا أن مفهومه العرفي أنه أظلم من كل ظالم، وبناء الأظلمية ~~على ما في حيز الصلة من الإعراض عن القرآن للإشعار بأن ظلم من يجادل فيه ~~ويتخذه هزوا خارج عن الحد { ونسى ما قدمت يداه } أي ~~عمله من الكفر والمعاصي التي من جملتها ما ذكر من المجادلة بالباطل ~~والاستهزاء بالحق ولم يتفكر في عاقبتها { إنا جعلنا على ~~قلوبهم أكنة } أغطية كثيرة جمع كنان، وهو تعليل لإعراضهم ~~ونسيانهم بأنهم مطبوع على قلوبهم { أن يفقهوه } مفعول لما دل ~~عليه الكلام أي منعناهم أن يقفوا على كنهه، أو مفعول له أي كراهة أن ~~يفقهوه { وفي آذانهم } أي جعلنا فيها { وقرا } ثقلا يمنعهم ~~من استماعه { وإن تدعهم إلى الهدى فلن يهتدوا ~~إذا أبدا } أي فلن يكون منهم اهتداء البتة مدة التكليف، وإذن ~~جزاء للشرط وجواب عن سؤال النبي عليه الصلاة والسلام المدلول عليه ~~بكمال عنايته بإسلامهم، كأنه قال عليه الصلاة والسلام: # " مالي لا أدعوهم؟ " # فقيل: إن تدعهم الخ، وجمع الضمير الراجع إلى الموصول في هذه المواضع ~~الخمسة باعتبار معناه كما أن إفراده في المواطن الخمسة المتقدمة باعتبار ~~لفظه. ### || [18.58-60] # { وربك } مبتدأ وقوله تعالى: { الغفور } خبره وقوله تعالى: { ~~ذو الرحمة } أي الموصوف بها، خبر بعد خبر، وإيراد المغفرة على ~~صيغة المبالغة دون الرحمة للتنبيه على كثرة الذنوب، ولأن المغفرة ترك ~~المضار وهو سبحانه قادر على ترك ما لا يتناهى من العذاب، وأما الرحمة ~~فهي ms2046 فعل وإيجاد ولا يدخل تحت الوجود إلا ما يتناهى، وتقديم الوصف ~~الأول لأن التخلية قبل التحلية أو لأنه أهم بحسب الحال إذ المقام ~~مقام بيان العقوبة عنهم بعد استيجابهم لها كما يعرب عنه قوله عز وجل: ~~{ لو يؤاخذهم } أي لو يريد مؤاخذتهم { بما كسبوا } من ~~المعاصي التي من جملتها ما حكي عنهم من مجادلتهم بالباطل وإعراضهم عن ~~آيات ربهم وعدم المبالاة بما اجترحوا من الموبقات { لعجل لهم ~~العذاب } لاستيجاب أعمالهم لذلك، وإيثار المؤاخذة المنبئة عن شدة ~~الأخذ بسرعة على التعذيب والعقوبة ونحوهما للإيذان بأن النفي ~~المستفاد من مقدم الشرطية متعلق بوصف السرعة كما ينبىء عنه تاليها، ~~وإيثار صيغة الاستقبال وإن كان المعنى على المضي لإفادة أن انتفاء ~~تعجيل العذاب لهم بسبب استمرار عدم إرادة المؤاخذة فإن المضارع ~~الواقع موقع الماضي يفيد استمرار انتفاء الفعل فيما مضى كما حقق في ~~موضعه { بل لهم موعد } اسم زمان هو يوم القيامة، والمجلة ~~معطوفة على مقدر كأنه قيل: لكنهم ليسوا بمؤاخذين بغتة { لن يجدوا ~~} البتة { من دونه موئلا } منجى أو ملجأ، يقال: وأل أي نجا ~~ووأل إليه أي لجأ إليه. # { وتلك القرى } أي قرى عاد وثمود وأضرابها، وهي مبتدأ على ~~تقدير المضاف أي وأهل تلك القرى خبره قوله تعالى: { أهلكنهم ~~} أو مفعول مضمر مفسر به { لما ظلموا } أي وقت ظلمهم كما فعلت ~~قريش بما حكي عنهم من القبائح، وترك المفعول إما لتعميم الظلم أو ~~لتنزيله منزلة اللازم أي لما فعلوا الظلم، ولما إما حرف كما قال ابن ~~عصفور، وإما ظرف استعمل للتعليل وليس المراد به الوقت المعين الذي ~~عملوا فيه الظلم بل زمان ممتد من ابتداء الظلم إلى آخره { وجعلنا ~~لمهلكهم } أي عينا لهلاكهم { موعدا } أي وقتا معينا لا ~~محيد لهم عن ذلك، وهذا اسشهاد على ما فعل بقريش من تعيين الموعد ~~ليتنبهوا لذلك ولا يغتروا بتأخر العذاب، وقرىء بضم الميم وفتح اللام أي ~~إهلاكهم وبفتحهما. # { وإذ قال موسى } نصب بإضمار فعل، أي اذكر وقت قوله عليه السلام ~~{ لفته } وهو يوشع بن نون بن ms2047 أفرايم بن يوسف عليه السلام، ~~سمي فتاه إذ كان يخدمه ويتبعه، وقيل: كان يتعلم منه ويسمى التلميذ ~~فتى وإن كان شيخا، ولعل المراد بتذكيره عقيب بيان أن لكل أمة ~~موعدا تذكير ما في القصة من موعد الملاقاة مع ما فيها من سائر ~~المنافع الجليلة { لا أبرح } من برح الناقص كزال يزال، أي لا أزال ~~أسير فحذف الخبر اعتمادا على قرينة الحال إذ كان ذلك عند التوجه إلى ~~السفر واتكالا على ما يعقبه من قوله: { حتى أبلغ } فإن ذلك ~~غاية تستدعي ذا غاية يؤدي إليها، ويجوز أن يكون أصل الكلام لا يبرح ~~مسيري حاصلا حتى أبلغ فيحذف المضاف ويقام المضاف إليه مقامه ~~فينقلب الضمير البارز المجرور المحل مرفوعا مستكنا، والفعل من ~~صيغة الغيبة إلى التكلم. # ويجوز أن يكون من برح التام كزال يزول أي لا أفارق ما أنا بصدده حتى ~~أبلغ { مجمع البحرين } هو ملتقى بحر فارس والروم مما يلي ~~المشرق، وقيل: طنجة، وقيل: هما الكر والرس بإرمينية، وقيل: ~~إفريقية، وقرىء بكسر الميم كمشرق { أو أمضى حقبا } أسير ~~زمانا طويلا أتيقن معه فوات المطلب والحقب الدهر أو ثمانون سنة، ~~وكان منشأ هذه العزيمة أن موسى عليه السلام لما ظهر على مصر مع بني ~~إسرائيل واستقروا بها بعد هلاك القبط أمره الله عز وجل أن يذكر ~~قومه النعمة فقام فيهم خطيبا بخطبة بديعة رقت بها القلوب وذرفت ~~العيون، فقالوا له: من أعلم الناس؟ قال: أنا. فعتب الله تعالى عليه إذ ~~لم يرد العلم إليه عز وجل فأوحى إليه: # " بل أعلم منك عبد لي عند مجمع البحرين وهو الخضر عليه السلام " # وكان في أيام أفريذون قبل موسى عليه السلام وكان على مقدمة ذي القرنين ~~وبقي إلى أيام موسى. وقيل: (إن موسى عليه السلام سأل ربه: أي عبادك ~~أحب إليك؟ قال: # " الذي يذكرني ولا ينساني " # ، قال: فأي عبادك أقضى؟ قال: # " الذي يقضي بالحق ولا يتبع الهوى " # ، قال: فأي عبادك أعلم؟ قال: # " الذي يبتغي علم الناس إلى علمه عسى أن يصيب كلمة تدله على هدى، ms2048 أو ~~ترده عن ردى " # ، فقال: إن كان في عبادك من هو أعلم مني فدلني عليه، قال: # " أعلم منك الخضر " # ، قال: أين أطلبه؟ قال: # " على ساحل البحر عند الصخرة " # ، قال: يا رب كيف لي به؟ قال: # " تأخذ حوتا في مكتل فحيثما فقدته فهو هناك " # فأخذ حوتا فجعله في مكتل، فقال لفتاه: إذا فقدت الحوت فأخبرني فذهبا ~~يمشيان). ### || [18.61-62] # { فلما بلغا } الفاء فصيحة كما أشير إليه { مجمع ~~بينهما } أي مجمع البحرين، وبينهما ظرف أضيف إليه اتساعا أو ~~بمعنى الوصل { نسيا حوتهما } الذي جعل فقدانه أمارة وجدان ~~المطلوب أي نسيا تفقد أمره وما يكون منه، وقيل: نسي يوشع أن يقدمه ~~وموسى عليه السلام أن يأمره فيه بشيء، روي أنهما لما بلغا مجمع البحرين ~~وفيه الصخرة وعين الحياة التي لا يصيب ماؤها ميتا إلا حيي وضعا ~~رؤوسهما على الصخرة فناما فلما أصاب الحوت برد الماء وروحه عاش، وقد ~~كانا أكلا منه وكان ذلك بعد ما استيقظ يوشع عليه السلام، وقيل: توضأ عليه ~~السلام من تلك العين فانتضح الماء على الحوت فعاش فوقع في الماء { ~~فاتخذ سبيله فى البحر سربا } مسلكا كالسرب وهو النفق، ~~قيل: أمسك الله عز وجل جرية الماء على الحوت فصار كالطاق عليه معجزة ~~لموسى أو للخضر عليهما السلام، وانتصاب سربا على أنه مفعول ثان ~~لاتخذ وفي البحر حال منه أو من السبيل ويجوز أن يتعلق باتخذ. # { فلما جاوزا } أي مجمع البحرين الذي جعل موعدا للملاقاة، ~~قيل: أدلجا وسارا الليلة والغد إلى الظهر وألقي على موسى عليه السلام ~~الجوع فعند ذلك { قال لفته ءاتنا غداءنا } أي ما نتغدى به ~~وهو الحوت كما ينبىء عنه الجواب { لقد لقينا من سفرنا ~~هذا } إشارة إلى ما سارا بعد مجاوزة الموعد { نصبا } تعبا ~~وإعياء، قيل: لم ينصب ولم يجع قبل ذلك، والجملة في محل التعليل ~~للأمر بإيتاء الغداء إما باعتبار أن النصب إنما يعتري بسبب الضعف ~~الناشىء عن الجوع وإما باعتبار ما في أثناء التغدي من استراحة ما. ### || [18.63-64] # { قال } أي فتاه عليه السلام: { أرأيت إذ ms2049 أوينا إلى ~~الصخرة } أي التجأنا إليها وأقمنا عندها. وذكر الإواء إليها مع ~~أن المذكور فيما سبق مرتين بلوغ مجمع البحرين لزيادة تعيين محل ~~الحادثة، فإن المجمع محل متسع لا يمكن تحقيق المراد المذكور بنسبة ~~الحادثة إليه ولتمهيد العذر فإن الإواء إليها والنوم عندها مما يؤدي ~~إلى النسيان عادة، والرؤية مستعارة للمعرفة التامة والمشاهدة الكاملة، ~~ومراده بالاستفهام تعجيب موسى عليه السلام مما اعتراه هناك من النسيان ~~مع كون ما شاهده من العظائم التي لا تكاد تنسى، وقد جعل فقدانه فقدانه ~~علامة لوجدان المطلوب وهذا أسلوب معتاد فيما بين الناس، يقول أحدهم ~~لصاحبه إذا نابه خطب: أرأيت ما نابني؟ يريد بذلك تهويله وتعجيب صاحبه ~~منه وأنه مما لا يعهد وقوعه لا استخباره عن ذلك كما قيل، والمفعول ~~محذوف اعتمادا على ما يدل عليه من قوله عز وجل: { فإنى نسيت ~~الحوت } وفيه تأكيد للتعجيب وتربية لاستعظام المنسي، وإيقاع ~~النسيان على اسم الحوت دون ضمير الغداء مع أنه المأمور بإتيانه ~~للتنبيه من أول الأمر على أنه ليس من قبيل نسيان المسافر زاده في ~~المنزل وأن ما شاهده ليس من قبيل الأحوال المتعلقة بالغداء من حيث هو ~~غداء وطعام، بل من حيث هو حوت كسائر الحيتان مع زيادة أي نسيت أن ~~أذكر لك أمره وما شاهدت منه من الأمور العجيبة { وما أنسانيه ~~إلا الشيطن } بوسوسته الشاغلة عن ذلك وقوله تعالى: { أن ~~أذكره } بدل اشتمال من الضمير أي ما أنساني أن أذكره لك، وفي ~~تعليق الإنساء بضمير الحوت أولا وبذكره له ثانيا على طريق الإبدال ~~المنبىء عن تنحية المبدل منه إشارة إلى أن متعلق النسيان أيضا ليس ~~نفس الحوت بل ذكر أمره، وقرىء أن أذكره، وإيثار أن أذكره على ~~المصدر للمبالغة فإن مدلوله نفس الحدث عند وقوعه، والحال وإن كانت ~~غريبة لا يعهد نسيانها لكنه لما تعود بمشاهدة أمثالها عند موسى عليه ~~السلام وألفها قل اهتمامه بالمحافظة عليها { واتخذ سبيله فى ~~البحر عجبا } بيان لطرف من أمر الحوت منبىء عن طرف آخر منه، ~~وما بينهما اعتراض ms2050 قدم عليه للاعتناء بالاعتذار، كأنه قيل: حيي ~~واضطرب ووقع في البحر واتخذ سبيله فيه سبيلا عجبا، فعجبا ثاني ~~مفعولي اتخذ والظرف حال من أولهما أو ثانيهما، أو هو المفعول الثاني ~~وعجبا صفة مصدر محذوف أي اتخاذا عحبا وهو كون مسلكه كالطاق ~~والسرب، أو مصدر فعل محذوف أي أتعجب منه عجبا، وقد قيل: إنه من كلام ~~موسى عليه الصلاة والسلام وليس بذاك. # { قال } أي موسى عليه السلام { ذلك } الذي ذكرت من أمر الحوت { ~~ما كنا نبغ } وقرىء بإثبات الياء، والضمير العائد إلى الموصول ~~محذوف، أصله نبغيه أي نطلبه لكونه أمارة للفوز بالمرام { فارتدا ~~} أي رجعا { على ءاثارهما } طريقهما الذي جاءا منه { قصصا } ~~يقصان قصصا أي يتبعان آثارهما اتباعا أو مقتصين حتى أتيا الصخرة. ### || [18.65-69] # { فوجدا عبدا من عبادنا } التنكير للتفخيم والإضافة ~~للتشريف والجمهور على أنه الخضر واسمه بليا بن ملكان، وقيل: ~~اليسع، وقيل: إلياس عليهم الصلاة والسلام { آتيناه رحمة من ~~عندنا } هي الوحي والنبوة كما يشعر به تنكير الرحمة واختصاصها ~~بجناب الكبرياء { وعلمناه من لدنا علما } خاصا لا ~~يكتنه كنهه ولا يقادر قدره وهو علم الغيوب. # { قال له موسى } استئناف مبني على سؤال نشأ من السباق، كأنه ~~قيل: فماذا جرى بينهما من الكلام؟ فقيل: قال له موسى: { هل ~~أتبعك على أن تعلمن } استئذانا منه في اتباعه له على ~~وجه التعلم { مما علمت رشدا } أي علما ذا رشد أرشد به في ~~ديني، والرشد إصابة الخير، وقرىء بفتحتين وهو مفعول تعلمن ومفعول ~~علمت محذوف وكلاهما منقول من علم المتعدي إلى مفعول واحد، ويجوز ~~كونه علة لأتبعك أو مصدرا بإضمار فعله، ولا ينافي نبوته وكونه ~~صاحب شريعة أن يتعلم من نبي آخر ما لا تعلق له بأحكام شريعته من ~~أسرار العلوم الخفية، ولقد راعى في سوق الكلام غاية التواضع معه ~~عليهما السلام. # { قال } أي الخضر: { إنك لن تستطيع معى صبرا } نفى ~~عنه استطاعة الصبر معه على وجه التأكيد كأنه مما لا يصح ولا يستقيم ~~وعلله بقوله: { وكيف تصبر على ما لم تحط به خبرا ms2051 } ~~إيذانا بأنه يتولى أمورا خفية المدار منكرة الظواهر، والرجل ~~الصالح لا سيما صاحب الشريعة لا يتمالك أن يشمئز عند مشاهدتها. وفي صحيح ~~البخاري قال: # " يا موسى إنى على علم من علم الله تعالى علمنيه لا تعلمه وأنت على ~~علم من علم الله علمكه الله لا أعلمه " # ، وخبرا تمييز أي لم يحط به خبرك. # { قال } موسى عليه الصلاة والسلام: { ستجدنى إن شاء الله ~~صابرا } معك غير معترض عليك، وتوسيط الاستثناء بين مفعولي ~~الوجدان لكمال الاعتناء بالتيمن ولئلا يتوهم بالصبر { ولا أعصى ~~لك أمرا } عطف على صابرا أي ستجدني صابرا وغير عاص، وفي وعد هذا ~~الوجدان من المبالغة ما ليس في الوعد بنفس الصبر وترك العصيان، أو على ~~ستجدني فلا محل له من الإعراب والأول هو الأولى لما عرفته ولظهور ~~تعلقه بالاستثناء حينئذ، وفيه دليل على أن أفعال العباد بمشيئة الله ~~سبحانه وتعالى. ### || [18.70-74] # { قال فإن اتبعتنى } أذن له في الاتباع بعد اللتيا والتي، ~~والفاء لتفريع الشرطية على ما مر من التزام موسى عليه الصلاة والسلام ~~للصبر والطاعة { فلا تسألنى عن شىء } تشاهده من أفعالي أي لا ~~تفاتحني بالسؤال عن حكمته فضلا عن المناقشة والاعتراض { حتى ~~أحدث لك منه ذكرا } أي حتى أبتدىء ببيانه، وفيه إيذان بأن ~~كل ما صدر عنه فله حكمة وغاية حميدة البتة، وهذا من أدب المتعلم مع ~~العالم والتابع مع المتبوع، وقرىء فلا تسألني بالنون المثقلة. # { فانطلقا } أي موسى والخضر عليهما الصلاة والسلام على الساحل ~~يطلبان السفينة، وأما يوشع فقد صرفه موسى عليه الصلاة والسلام إلى بني ~~إسرائيل، قيل: إنهما مرا بسفينة فكلما أهلها فعرفوا الخضر فحملوهما ~~بغير نول { حتى إذا ركبا فى السفينة } استعمال الركوب في ~~أمثال هذه المواقع بكلمة في مع تجريده عنها في مثل قوله عز وجل: # لتركبوها وزينة # [النحل: 8] على ما يقتضيه تعديته بنفسه لما أشرنا إليه في قوله تعالى: # وقال اركبوا فيها # [هود: 41] لا لما قيل: من أن في ركوبها معنى الدخول { خرقها } قيل: ~~خرقها بعد ما لججوا حيث أخذ فأسا فقلع من ms2052 ألواحها لوحين مما يلي الماء، ~~فعند ذلك { قال } موسى عليه السلام { أخرقتها لتغرق ~~أهلها } من الإغراق، وقرىء بالتشديد من التغريق وليغرق أهلها من ~~الثلاثي { لقد جئت } أتيت وفعلت { شيئا إمرا } أي عظيما ~~هائلا من أمر الأمر إذا عظم، قيل: الأصل أمرا فخفف. # { قال } أي الخضر عليه السلام: { ألم أقل إنك لن ~~تستطيع معى صبرا } تذكير لما قاله من قبل وتحقيق لمضمونه ~~متضمن للإنكار على عدم الوفاء بوعده { قال لا تؤاخذنى بما ~~نسيت } بنيساني أو بالذي نسيته أي بشيء نسيته وهو وصيته بأن لا ~~يسأله عن حكمة ما صدر عنه من الأفعال الخفية الأسباب قبل بيانه، ~~أراد أنه نسي وصيته ولا مؤاخذة على الناسي كما ورد في صحيح البخاري ~~من أن الأول كان من موسى نسيانا، أو أخرج الكلام في معرض النهي عن ~~المؤاخذة بالنسيان يوهمه أنه قد نسي ليبسط عذره في الإنكار، وهو من ~~معاريض الكلام التي يتقى بها الكذب مع التوصل إلى الغرض، أو أراد ~~بالنسيان الترك أي لا تؤاخذني بما تركت من وصيتك أول مرة { ولا ~~ترهقنى } أي لا تغشني ولا تحملني { من أمرى } وهو اتباعه ~~إياه { عسرا } أي لا تعسر علي متابعتك ويسرها علي بالإغضاء ~~وترك المناقشة، وقرىء عسرا بضمتين. # { فانطلقا } الفاء فصيحة أي فقبل عذره فخرجا من السفينة فانطلقا ~~{ حتى إذا لقيا غلاما فقتله } قيل: كان الغلام يلعب مع ~~الغلمان ففتل عنقه، وقيل: ضرب برأسه الحائط، وقيل: أضجعه فذبحه ~~بالسكين { قال } أي موسى عليه الصلاة والسلام: { أقتلت نفسا ~~زكية } طاهرة من الذنوب، وقرىء زاكية { بغير نفس } أي بغير ~~قتل نفس محرمة؟ وتخصيص نفي هذا المبيح بالذكر من بين سائر ~~المبيحات من الكفر بعد الإيمان والزنا بعد الإحصان لأنه الأقرب إلى ~~الوقوع نظرا إلى حال الغلام، ولعل تغيير النظم الكريم بجعل ما صدر عن ~~الخضر عليه الصلاة والسلام ههنا من جملة الشرط، وإبراز ما صدر عن ~~موسى عليه الصلاة والسلام في معرض الجزاء المقصود إفادته مع أن ~~الحقيق بذلك إنما هو ما صدر عن الخضر عليه الصلاة ms2053 والسلام من الخوارق ~~البديعة لاستشراف النفس إلى ورود خبرها لقلة وقوعها في نفس الأمر ~~وندرة وصول خبرها إلى الأذهان، ولذلك روعيت تلك النكتة في الشرطية ~~الأولى لما أن صدور الخوارق منه عليه الصلاة والسلام خرج بوقوعه مرة ~~مخرج العادة، فانصرفت النفس عن ترقبه إلى ترقب أحوال موسى عليه ~~الصلاة والسلام هل يحافظ على مراعاة شرطه بموجب وعده الأكيد عند ~~مشاهدة خارق آخر، أو يسارع إلى المناقشة كما مر في المرة الأولى؟ فكان ~~المقصود إفادة ما صدر عنه عليه الصلاة والسلام ففعل ما فعل ولله در ~~شأن التنزيل. # وأما ما قيل من أن القتل أقبح والاعتراض عليه أدخل فكان جديرا بأن ~~يجعل عمدة في الكلام فليس من دفع الشبهة في شيء بل هو مؤيد لها، فإن ~~كون القتل أقبح من مبادي قلة صدوره عن المؤمن العاقل وندرة وصول ~~خبره إلى الأسماع، وذلك مما يستدعي جعله مقصودا بالذات وكون الاعتراض ~~عليه أدخل من موجبات كثرة صدوره عن كل عاقل وذلك مما لا يقتضي جعله ~~كذلك { لقد جئت شيئا نكرا } قيل: معناه أنكر من الأول إذا ~~لا يمكن تداركه كما يمكن تدارك الأول بالسد ونحوه، وقيل: الأمر ~~أعظم من النكر لأن قتل نفس واحدة أهون من إغراق أهل السفينة. ### || [18.75-77] # { قال ألم أقل لك إنك لن تستطيع معى صبرا } ~~زيد (لك) لزيادة المكافحة بالعتاب على رفض الوصية وقلة التثبت ~~والصبر لما تكرر منه الاشمئزاز والاستنكار ولم يرعو بالتذكير حتى ~~زاد النكير في المرة الثانية { قال } أي موسى عليه الصلاة والسلام: { ~~إن سألتك عن شىء بعدها } أي بعد هذه المرة { فلا ~~تصاحبنى } وقرىء من الإفعال أي لا تجعلني صاحبك { قد بلغت من ~~لدنى عذرا } أي قد أعذرت ووجدت من قبلي عذرا حيث خالفتك ~~ثلاث مرات. عن النبي صلى الله عليه وسلم: # " رحم الله أخي موسى استحيى فقال ذلك، لو لبث مع صاحبه لأبصر أعجب ~~الأعاجيب " # وقرىء لدني بتخفيف النون، وقرىء بسكون الدال كعضد في عضد. # { فانطلقا حتى إذا أتيا أهل قرية } هي أنطاكية، ~~وقيل: ms2054 أيلة وهي أبعد أرض الله من السماء، وقيل: هي برقة، وقيل: بلدة ~~بأندلس. عن النبي صلى الله عليه وسلم: # " كانوا أهل قرية لئاما " # وقيل: شر القرى التي لا يضاف فيها الضيف ولا يعرف لابن السبيل ~~حقه، وقوله تعالى: { استطعما أهلها } في محل الجر على أنه ~~صفة لقرية، ولعل العدول عن استطعامهم على أن يكون صفة للأهل لزيادة ~~تشنيعهم على سوء صنيعهم فإن الإباء من الضيافة وهم أهلها قاطنون بها ~~ أقبح وأشنع. روي أنهما طافا في القرية فاستطعماهم فلم يطعموهما ~~واستضافاهم { فأبوا أن يضيفوهما } بالتشديد، وقرىء بالتخفيف ~~من الإضافة، يقال: ضافه إذا كان له ضيفا وأضافه وضيفه أنزله وجعله ~~ضيفا له، وحقيقة ضاف مال إليه من ضاف السهم عن الغرض ونظيره زاره من ~~الازورار. # { فوجدا فيها جدارا يريد أن ينقض } أي يداني أن يسقط ~~فاستعيرت الإرادة للمشارفة للدلالة على المبالغة في ذلك، والانقضاض ~~الإسراع في السقوط وهو انفعال من القض، يقال: قته فانقض، ومنه ~~انقضاض الطير والكوكب لسقوطه بسرعة، وقيل: هو افعلال من النقض ~~كاحمر من الحمرة، وقرىء أن ينقض من النقض وأن ينقاض من انقاضت السن ~~إذا انشقت طولا { فأقامه } قيل: مسحه بيده فقام، وقيل: نقضه ~~وبناه، وقيل: أقامه بعمود عمده به، قيل: كان سمكه مائة ذراع { قال ~~لو شئت لاتخذت عليه أجرا } تحريضا له على أخذ الجعل ~~لينتعشا به أو تعريضا بأنه فضول لما في لو من النفي، كأنه لما رأى ~~الحرمان ومساس الحاجة واشتغاله بما لا يعنيه لم يتمالك الصبر، ~~واتخذ افتعل من تخذ بمعنى أخذ كاتبع من تبع وليس من الأخذ عند ~~البصريين، وقرىء لتخذت أي لأخذت، وقرىء بإدغام الذال في التاء. ### || [18.78-79] # { قال } أي الخضر عليه الصلاة والسلام: { هذا فراق بينى ~~وبينك } على إضافة المصدر إلى الظرف اتساعا وقد قرىء على الأصل، ~~والمشار إليه إما نفس الفراق كما في هذا أخوك، أو الوقت الحاضر أي ~~هذا الوقت وقت فراق بيني وبينك، أو السؤال الثالث، أي هذا سبب ذلك ~~الفراق حسبما هو الموعود { سأنبئك } السين للتأكيد لعدم ms2055 تراخي ~~التنبئة { بتأويل ما لم تستطع عليه صبرا } التأويل ~~رجع الشيء إلى مآله والمراد به ههنا المآل والعاقبة إذ هو ~~المنبأ به دون التأويل وهو خلاص السفينة من اليد العادية، وخلاص ~~أبوي الغلام من شره مع الفوز بالبدل الأحسن واستخراج اليتيمين للكنز، ~~وفي جعل صلة الموصول عدم استطاعة موسى عليه الصلاة والسلام للصبر دون ~~أن يقال: بتأويل ما فعلت أو بتأويل ما رأيت ونحوهما نوع تعريض به ~~عليه الصلاة والسلام وعتاب. # { أما السفينة } التي خرقتها { فكانت لمسكين } ~~لضعفاء لا يقدرون على مدافعة الظلمة، وقيل: كانت لعشرة إخوة خمسة ~~زمنى وخمسة { يعملون فى البحر } وإسناد العمل إلى الكل ~~حينئذ إنما هو بطريق التغليب أو لأن عمل الوكلاء عمل الموكلين { ~~فأردت أن أعيبها } أي أجعلها ذات عيب { وكان وراءهم ~~ملك } أي أمامهم وقد قرىء به أو خلفهم وكان رجوعهم عليه لا محالة ~~واسمه جلندي بن كركر، وقيل: منولة بن جلندي الأزدي { يأخذ كل ~~سفينة } أي صالحة وقد قرىء كذلك { غصبا } من أصحابها وانتصابه ~~على أنه مصدر مبين لنوع الأخذ، ولعل تفريع إرادة تعييب السفينة ~~على مسكنة أصحابها قبل بيان خوف الغصب مع أن مدارها كلا الأمرين، ~~للاعتناء بشأنها إذ هي المحتاجة إلى التأويل، وللإيذان بأن الأقوى في ~~المدارية هو الأمر الأول ولذلك لا يبالي بتخليص سفن سائر الناس مع ~~تحقق خوف الغصب في حقهم أيضا، ولأن في التأخير فصلا بين السفينة ~~وضميرها مع توهم رجوعه إلى الأقرب. ### || [18.80-82] # { وأما الغلم } الذي قتلته { فكان أبواه مؤمنين ~~} لم يصرح بكفرانه أو بكفره إشعارا بعدم الحاجة إلى الذكر لظهوره { ~~فخشينا أن يرهقهما } فخفنا أن يغشى الوالدين المؤمنين { ~~طغيانا } عليهما { وكفرا } لنعمتهما بعقوقه وسوء صنيعه ويلحق ~~بهما شرا وبلاء، أو يقرن بإيمانهما طغيانه وكفره فيجتمع في بيت ~~واحد مؤمنان وطاغ كافر، أو يعديهما بدائه ويضلهما بضلاله فيرتدا ~~بسببه، وإنما خشي الخضر عليه الصلاة والسلام منه ذلك لأن الله سبحانه ~~أعلمه بحاله وأطلعه على سر أمره، وقرىء فخاف ربك أي كره سبحانه كراهة ~~من خاف سوء عاقبة ms2056 الأمر فغيره، ويجوز أن تكون القراءة المشهورة على ~~الحكاية بمعنى فكرهنا كقوله تعالى: # لأهب لك # [مريم، الآية 19] { فأردنا أن يبدلهما ربهما خيرا } ~~منه بأن يرزقهما بدله ولدا خيرا { منه } وفي التعرض لعنوان ~~الربوبية والإضافة إليهما ما لا يخفى من الدلالة على إرادة وصول ~~الخير إليهما { زكوة } طهارة من الذنوب والأخلاق الرديئة { ~~وأقرب رحما } أي رحمة وعطفا، قيل: ولدت لهما جارية تزوجها ~~نبي فولدت نبيا هدى أي تعالى على يده أمة من الأمم، وقيل: ولدت سبعين ~~نبيا، وقيل: أبدلهما ابنا مؤمنا مثلهما، وقرىء رحما بضم الحاء ~~أيضا وانتصابه على التمييز مثل زكوة. # { وأما الجدار } المعهود { فكان لغلمين يتيمين ~~فى المدينة } هي القرية المذكورة فيما سبق، ولعل التعبير عنها ~~بالمدينة لإظهار نوع اعتداد بها باعتداد ما فيها من اليتيمين وأبيهما ~~الصالح، قيل: اسماهما أصرم وصريم واسم المقتول جيسور { وكان ~~تحته كنز لهما } من فضة وذهب كما روي مرفوعا. والذم على ~~كنزهما في قوله عز وجل: # والذين يكنزون الذهب والفضة # [التوبة، الآية 34] لمن لا يؤدي زكاتهما وسائر حقوقهما. وقيل: كان ~~لوحا من ذهب مكتوبا فيه: (عجبت لمن يؤمن بالقدر كيف يحزن، وعجبت ~~لمن يؤمن بالرزق كيف يتعب، وعجبت لمن يؤمن بالموت كيف يفرح، وعجبت لمن ~~يؤمن بالحساب كيف يغفل، وعجبت لمن يعرف الدنيا وتقلبها بأهلها كيف ~~يطمئن إليها، لا إله إلا الله محمد رسول الله). وقيل: صحف فيها علم. { ~~وكان أبوهما صلحا } تنبيه على أن سعيه في ذلك كان لصلاحه، ~~قيل: كان بينهما وبين الأب الذي حفظا فيه سبعة آباء { فأراد ~~ربك } أي مالكك ومدبر أمورك، ففي إضافة الرب إلى ضمير موسى عليه ~~الصلاة والسلام دون ضميرهما تنبيه له عليه الصلاة والسلام على تحتم ~~كمال الانقياد والاستسلام لإرادته سبحانه ووجوب الاحتراز عن ~~المناقشة فيما وقع بحسبها من الأمور المذكورة { أن يبلغا ~~أشدهما } أي حلمهما وكمال رأيهما { ويستخرجا } بالكلية ~~{ كنزهما } من تحت الجدار ولولا أني أقمته لانقض وخرج الكنز من ~~تحته قبل اقتدارهما على حفظ المال وتنميته وضاع { رحمة من ربك ~~} مصدر في موقع ms2057 الحال أي مرحومين منه عز وجل، أو مفعول له أو مصدر ~~مؤكد لأراد فإن إرادة الخير رحمة، وقيل: متعلق بمضمر أي فعلت ما ~~فعلت من الأمور التي شاهدتها رحمة من ربك، ويعضده إضافة الرب إلى ~~ضمير المخاطب دون ضميرهما فيكون قوله عز وعلا: { وما فعلته عن ~~أمرى } أي عن رأيي واجتهادي تأكيدا لذلك { ذلك } إشارة إلى ~~العواقب المنظومة في سلك البيان، وما فيه معنى البعد للإيذان ببعد ~~درجتها في الفخامة { تأويل ما لم تسطع } أي لم تستطع فحذف ~~التاء للتخفيف { عليه صبرا } من الأمور التي رابته أي مآله ~~وعاقبته فيكون إنجازا للتنبئة الموعودة، أو إلى البيان نفسه فيكون ~~التأويل بمعناه، وعلى كل حال فهو فذلكة لما تقدم، وفي جعل الصلة عين ~~ما مر تكرير للنكير وتشديد للعتاب. ### || [18.83] # تنبيه: اختلفوا في حياة الخضر عليه الصلاة والسلام، فقيل: إنه حي ~~وسببه أنه كان على مقدمة ذي القرنين فلما دخل الظلمات أصاب الخضر عين ~~الحياة فنزل واغتسل منها وشرب من مائها وأخطأ ذو القرنين الطريق فعاد، ~~قالوا: وإلياس أيضا في الحياة يلتقيان كل سنة بالموسم، وقيل: إنه ~~ميت لما روي أن النبي عليه الصلاة والسلام صلى العشاء ذات ليلة، ثم ~~قال: # " أرأيتكم ليلتكم هذه فإن رأس مائة سنة منها لا يبقي ممن هو اليوم ~~على ظهر الأرض أحد ولو كان الخضر حينئذ حيا لما عاش بعد مائة عام " # روي أن موسى عليه الصلاة والسلام لما أراد أن يفارقه، قال له: أوصني، ~~قال: لا تطلب العلم لتحدث به واطلبه لتعمل به. # { ويسألونك عن ذى القرنين } هم اليهود سألوه على وجه ~~الامتحان، أو سألته قريش بتلقينهم، وصيغة الاستقبال للدلالة على ~~استمرارهم على ذلك إلى ورود الجواب وهو ذو القرنين الأكبر واسمه ~~(الإسكندر بن فيلفوس اليوناني)، وقال ابن إسحاق: اسمه (مرزبان بن ~~مردبة) من ولد يافث بن نوح عليه الصلاة والسلام وكان أسود، وقيل: ~~اسمه (عبد الله بن الضحاك)، وقيل: (مصعب بن عبد الله بن فينان ~~بن منصور بن عبد الله بن الآزر بن عون ms2058 بن زيد بن كهلان بن سبأ بن ~~يعرب بن قحطان). وقال السهيلي: قيل: إن اسمه (مرزبان بن ~~مدركة) ذكره ابن هشام وهو أول التبابعة. وقيل: إنه أفريذون بن ~~النعمان الذي قتل الضحاك. وذكر أبو الريحان البيروني في كتابه المسمى ~~ب «الآثار الباقية عن القرون الخالية» أن ذا القرنين هو أبو كرب سمي بن ~~عيرين بن أفريقيس الحميري وأن ملكه بلغ مشارق الأرض ومغاربها وهو ~~الذي افتخر به التبع اليماني حيث قال: [الكامل] # قد كان ذو القرنين جدي مسلما # ملكا علا في الأرض غير مفند # بلغ المشارق والمغارب يبتغي # أسباب أمر من حكيم مرشد # وجعل هذا القول أقرب لأن الأذواء كانوا من اليمن كذي المنار وذي ~~نواس وذي النون وذي رعين وذي يزن وذي جدن. قال الإمام الرازي: ~~والأول هو الأظهر لأن من بلغ ملكه من السعة والقوة إلى الغاية التي ~~نطق بها التنزيل الجليل إنما هو الإسكندر اليوناني كما تشهد به كتب ~~التواريخ. يروى أنه لما مات أبوه جمع ملك الروم بعد أن كان طوائف، ثم ~~قصد ملوك العرب وقهرهم، ثم أمعن حتى انتهى إلى البحر الأخضر، ثم عاد ~~إلى مصر فبنى الاسكندرية وسماها باسمه، ثم دخل الشام وقصد بني إسرائيل ~~وورد بيت المقدس وذبح في مذبحه، ثم انعطف إلى أرمينية وباب الأبواب ~~ودان له العراقيون والقبط والبربر، ثم توجه نحو دارا بن دارا وهزمه ~~مرارا إلى أن قتله صاحب حرسه، واستولى على ممالك الفرس وقصد الهند ~~وفتحه وبنى مدينة سرنديب وغيرها من المدن العظام، ثم قصد الصين وغزا ~~الأمم البعيدة ورجع إلى خراسان وبنى بها مدائن كثيرة، ورجع إلى العراق ~~ومرض بشهرزور ومات، انتهى كلام الإمام. # وروي أن أهل النجوم قالوا له: إنك لا تموت إلا على أرض من حديد وتحت ~~سماء من خشب، وكان يدفن كنز كل بلدة فيها ويكتب ذلك بصفته وموضعه، ~~فبلغ بابل فرعف وسقط عن دابته، فبسطت له دروع فنام عليها، فآذته الشمس ~~فأظلوه بترس، فنظر فقال: هذه أرض من حديد وسماء من خشب، فأيقن ms2059 بالموت ~~فمات وهو ابن ألف وستمائة سنة، وقيل: ثلاثة آلاف سنة. قال ابن كثير: ~~وهذا غريب. وأغرب منه: ما قاله ابن عساكر من أنه بلغني أنه عاش ستا ~~وثلاثين سنة أو ثنتين وثلاثين سنة، وأنه كان بعد داود وسليمان عليهما ~~السلام فإن ذلك لا ينطبق إلا على ذي القرنين الثاني كما سنذكره. قلت: ~~وكذا ما ذكره الإمام من قصد بني إسرائيل وورود بيت المقدس والذبح في ~~مذبحه، فإنه مما لا يكاد يتأتى نسبته إلى الأول. # واختلف في نبوته بعد الاتفاق على إسلامه وولايته، فقيل: كان نبيا ~~لقوله تعالى: { إنا مكنا له فى الأرض } وظاهر أنه متناول ~~للتمكين في الدين وكماله بالنبوة، ولقوله تعالى: { وآتينه من ~~كل شىء سببا } ومن جملة الأشياء النبوة، ولقوله تعالى: { قلنا ~~يذا القرنين } ونحو ذلك، وقيل: كان ملكا لما روي أن عمر رضي ~~الله عنه سمع رجلا يقول لآخر: يا ذا القرنين، فقال: اللهم غفرا أما ~~رضيتم أن تتسموا بأسماء الملائكة. # قال ابن كثير: والصحيح أنه ما كان نبيا ولا ملكا وإنما كان ملكا ~~صالحا عادلا ملك الأقاليم وقهر أهلها من الملوك وغيرهم ودانت له ~~البلاد، وأنه كان داعيا إلى الله تعالى سائرا في الخلق بالمعدلة ~~التامة والسلطان المؤيد المنصور، وكان الخضر على مقدمة جيشه بمنزلة ~~المستشار الذي هو من الملك بمنزلة الوزير، وقد ذكر الأزرقي وغيره أنه ~~أسلم على يدي إبراهيم الخليل عليه الصلاة والسلام فطاف معه بالكعبة ~~هو وإسماعيل عليهم السلام. وروي أنه حج ماشيا فلما سمع إبراهيم عليه ~~الصلاة والسلام بقدومه تلقاه ودعا له وأوصاه بوصايا، ويقال: إنه أتي ~~بفرس ليركب فقال: لا أركب في بلد فيه الخليل، فعند ذلك سخر له السحاب ~~وطوي له الأسباب وبشره إبراهيم عليه الصلاة والسلام بذلك فكانت ~~السحاب تحمله وعساكره وجميع آلاتهم إذا أرادوا غزوة قوم، وقال أبو ~~الطفيل: سئل عنه علي كرم الله وجهه أكان نبيا أم ملكا؟ فقال: لم ~~يكن نبيا ولا ملكا لكن كان عبدا أحب الله فأحبه وناصح الله فناصحه ~~سخر له السحاب ms2060 ومد له الأسباب. # واختلف في وجه تسميته بذي القرنين، فقيل: لأنه بلغ قرني الشمس مشرقها ~~ومغربها، وقيل: لأنه ملك الروم وفارس، وقيل: الروم والترك، وقيل: ~~لأنه كان في رأسه أو في تاجه ما يشبه القرنين، وقيل: كان له ذؤابتان، ~~وقيل: لأنه كانت صفحتا رأسه من النحاس، وقيل: لأنه دعا الناس إلى الله ~~عز وجل فضرب بقرنه الأيمن فمات ثم بعثه الله تعالى فضرب بقرنه الأيسر ~~فمات ثم بعثه الله تعالى، وقيل: لأنه رأى في منامه أنه صعد الفلك فأخذ ~~بقرني الشمس، وقيل: لأنه انقرض في عهده قرنان، وقيل: لأنه سخر له ~~النور والظلمة فإذا سرى يهديه النور من أمامه وتحوطه الظلمة ورائه، ~~وقيل: لقب به لشجاعته. هذا وأما ذو القرنين الثاني فقد قال ابن كثير: ~~إنه الإسكندر بن فيلبس بن مصريم بن هرمس بن ميطون بن رومي بن ~~ليطى بن يونان بن يافث بن نونه بن شرخون بن رومية بن ثونط بن نوفيل ~~بن رومي بن الأصفر بن العنر بن العيص بن إسحاق بن إبراهيم الخليل ~~عليهما الصلاة والسلام، كذا نسبه ابن عساكر المقدوني اليوناني ~~المصري باني الإسكندرية الذي يؤرخ بأيامه الروم، وكان متأخرا عن ~~الأول بدهر طويل أكثر من ألفي سنة، كان هذا قبل المسيح عليه السلام ~~بنحو من ثلثمائة سنة وكان وزيره أرسطاطاليس الفيلسوف وهو الذي قتل دارا ~~بن دارا وأذل ملوك الفرس ووطىء أرضهم. ثم قال ابن كثير: وإنما بينا ~~هذا لأن كثيرا من الناس يعتقد أنهما واحد، وأن المذكور في القرآن ~~العظيم هو هذا المتأخر فيقع بذلك خطأ كبير وفساد كثير، كيف لا والأول ~~كان عبدا صالحا مؤمنا وملكا عادلا وزيره الخضر عليه الصلاة ~~والسلام، وقد قيل: إنه كان نبيا. وأما الثاني فقد كان كافرا وزيره ~~أرسطاطاليس الفيلسوف وقد كان ما بينهما من الزمان أكثر من ألفي سنة ~~فأين هذا من ذلك؟ انتهى. # قلت: المقدوني نسبة إلى بلدة من بلاد الروم غربي دار السلطنة ~~السنية قسطنطينية المحمية لا زالت مشحونة بالشعائر الدينية، بينهما ~~من المسافة مسيرة ms2061 خمسة عشر يوما أو نحو ذلك عند مدينة سيروز اسمها ~~بلغة اليونانيين مقدونيا، كانت سرير ملك هذا الإسكندر وهي اليوم ~~بلقع لا يقيم بها أحد، ولكن فيها علائم تحكي كمال عظمها في عهد ~~عمرانها ونهاية شوكة واليها وسلطانها، ولقد مررت بها عند القفول من ~~بعض المغازي السلطانية فعاينت فيها من تعاجيب الآثار ما فيه عبرة ~~لأولي الأبصار. # { قل } لهم في الجواب { سأتلو عليكم } أي سأذكر لكم { منه ~~} أي من ذي القرنين { ذكرا } أي نبأ مذكورا، وحيث كان ذلك بطريق ~~الوحي المتلو حكاية عن الله عز وجل، قيل: سأتلو أو سأتلو في شأنه من ~~جهته تعالى ذكرا أي قرآنا، والسين للتأكيد والدلالة على التحقيق ~~المناسب لمقام تأييده عليه الصلاة والسلام وتصديقه بإنجاز وعده، أي ~~لا أترك التلاوة البتة كما في قول من قال: [الطويل] # سأشكر عمرا إن تراخت منيتي # أيادي لم تمنن وإن هي جلت # لا للدلالة على أن التلاوة ستقع فيما يستقبل كما قيل، لأن هذه الآية ما ~~نزلت بإنفرادها قبل الوحي بتمام القصة، بل موصولة بما بعدها ريثما سألوه ~~عليه الصلاة والسلام عنه وعن الروح وعن أصحاب الكهف، فقال لهم عليه ~~الصلاة والسلام: # " ائتوني غدا أخبركم " # فأبطأ عليه الوحي خمسة عشر يوما أو أربعين كما ذكر فيما سلف. ### || [18.84] # قوله عز وجل: { إنا مكنا له فى الأرض } شروع في تلاوة ~~الذكر المعهود حسبما هو الموعود، والتمكين ههنا الإقدار وتمهيد ~~الأسباب، يقال: مكنه ومكن له ومعنى الأول جعله قادرا وقويا، ومعنى ~~الثاني جعل له قدرة وقوة، ولتلازمهما في الوجود وتقاربهما في المعنى ~~يستعمل كل منهما في محل الآخر كما في قوله عز وعلا: # مكنهم فى الأرض ما لم نمكن لكم # [الأنعام، الآية 6] أي جعلناهم قادرين من حيث القوى والأسباب والآلات ~~على أنواع التصرفات فيها، ما لم نجعله لكم من القوة والسعة في المال ~~والاستظهار بالعدد والأسباب، فكأنه قيل: ما لم نمكنكم فيها أي ما لم ~~نجعلكم قادرين على ذلك فيها أو مكنا لهم في الأرض ما لم نمكن لكم، ~~وهكذا ms2062 إذا كان التمكين مأخوذا من المكان بناء على توهم ميمه أصلية ~~كما أشير إليه في سورة يوسف عليه الصلاة والسلام، والمعنى إنا جعلنا له ~~مكنة وقدرة على التصرف في الأرض من حيث التدبير والرأي والأسباب، ~~حيث سخر له السحاب، ومد له في الأسباب، وبسط له النور، وكان ~~الليل والنهار عليه سواء، وسهل عليه السير في الأرض، وذللت له ~~طرقها { وآتينه من كل شىء } أراده من مهمات ملكه ومقاصده ~~المتعلقة بسلطانه { سببا } أي طريقا يوصله إليه وهو كل ما يتوصل به ~~إلى المقصود من علم أو قدرة أو آلة. ### || [18.85-86] # { فأتبع } بالقطع، أي فأراد بلوغ المغرب فأتبع { سببا } يوصله ~~إليه، ولعل قصد بلوغ المغرب ابتداء لمراعاة الحركة الشمسية، وقرىء ~~فاتبع من الافتعال والفرق أن الأول فيه معنى الإدراك والإسراع دون ~~الثاني. # { حتى إذا بلغ مغرب الشمس } أي منتهى الأرض من جهة ~~المغرب بحيث لا يتمكن أحد من مجاوزته، ووقف على حافة البحر المحيط ~~الغربي الذي يقال له أوقيانوس الذي فيه الجزائر المسماة بالخالدات التي ~~هي مبدأ الأطوال على أحد القولين { وجدها } أي الشمس { تغرب فى ~~عين حمئة } أي ذات حمأة وهي الطين الأسود من حمئت البئر إذا ~~كثرت حمأتها، وقرىء حامية أي حارة. روي أن معاوية رضي الله عنه قرأ ~~(حامية) وعنده ابن عباس رضي الله عنهما فقال: (حمئة)، فقال معاوية لعبد ~~الله بن عمرو بن العاص: كيف تقرأ؟ قال: كما يقرأ أمير المؤمنين، ثم وجه ~~إلى كعب الأحبار: كيف تجد الشمس تغرب؟ قال: في ماء وطين. وروي في ثأط ~~فوافق قول ابن عباس رضي الله عنهما، وليس بينهما منافاة قطعية لجواز ~~كون العين جامعة بين الوصفين وكون الياء في الثانية منقلبة عن ~~الهمزة لانكسار ما قبلها. وأما رجوع معاوية إلى قول ابن عباس رضي الله ~~عنهم بما سمعه من كعب مع أن قراءته أيضا مسموعة قطعا، فلكون قراءة ~~ابن عباس رضي الله عنهما قطعية في مدلولها وقراءته محتملة. ولعله لما ~~بلغ ساحل المحيط رآها كذلك إذ ليس في مطمح بصره ms2063 غير الماء كما يلوح به ~~قوله تعالى: { وجدها تغرب } { ووجد عندها } عند تلك ~~العين { قوما } قيل: كان لباسهم جلود الوحوش وطعامهم ما لفظه ~~البحر، وكانوا كفارا فخيره الله جل ذكره بين أن يعذبهم بالقتل وأن ~~يدعوهم إلى الإيمان وذلك قوله تعالى: { قلنا يذا القرنين ~~إما أن تعذب } بالقتل من أول الأمر { وإما أن تتخذ ~~فيهم حسنا } أي أمرا ذا حسن على حذف المضاف أو على طريقة ~~إطلاق المصدر على موصوفه مبالغة، وذلك بالدعوة إلى الإسلام والإرشاد ~~إلى الشرائع، ومحل أن مع صلته إما الرفع على الابتداء أو الخبرية وإما ~~النصب على المفعولية، أي إما تعذيبك واقع أو إما تفعل تعذيبك وهكذا ~~الحال في الاتخاذ، ومن لم يقل بنبوته قال: كان ذلك الخطاب بواسطة نبي ~~في ذلك العصر أو كان ذلك إلهاما لا وحيا بعد أن كان ذلك التخيير ~~موافقا لشريعة ذلك النبي. ### || [18.87-90] # { قال } أي ذو القرنين لذلك النبي أو لمن عنده من خواصه بعد ما ~~تلقى أمره تعالى مختارا للشق الأخير { أما من ظلم } أي نفسه ~~ولم يقبل دعوتي وأصر على ما كان عليه من الظلم العظيم الذي هو الشرك { ~~فسوف نعذبه } بالقتل. وعن قتادة أنه كان يطبخ من كفر في ~~القدور ومن آمن أعطاه وكساه { ثم يرد إلى ربه } في الآخرة { ~~فيعذبه } فيها { عذابا نكرا } أي منكرا فظيعا وهو عذاب ~~النار، وفيه دلالة ظاهرة على أن الخطاب لم يكن بطريق الوحي إليه وأن ~~مقاولته كانت مع النبي أو مع من عنده من أهل مشورته. # { وأما من آمن } بموجب دعوتي { وعمل } عملا { صلحا } ~~حسبما يقتضيه الإيمان { فله } في الدارين { جزاء الحسنى } أي ~~فله المثوبة الحسنى أو الفعلة الحسنى أو الجنة جزاء، على أنه مصدر ~~مؤكد لمضمون الجملة قدم على المبتدأ اعتناء به، أو منصوب بمضمر أي ~~نجزي بها جزاء، والجملة حالية أو معترضة بين المبتدأ والخبر المتقدم ~~عليه أو حال أي مجزيا بها أو تمييز، وقرىء منصوبا غير منون على أنه ~~سقط تنوينه لالتقاء الساكنين ومرفوعا منونا على أنه ms2064 المبتدأ والحسنى ~~بدله والخبر الجار والمجرور. وقيل: خير بين القتل والأسر ~~والجواب من باب الأسلوب الحكيم لأن الظاهر التخيير بينهما وهم ~~كفار، فقال: أما الكافر فيراعى في حقه قوة الإسلام وأما المؤمن قلا ~~يتعرض له إلا بما يحب، ويجوز أن تكون إما وأما للتوزيع دون التخيير ~~أي وليكن شأنك معهم إما التعذيب وإما الإحسان فالأول لمن بقي على ~~حاله والثاني لمن تاب { وسنقول له من أمرنا } أي مما نأمر ~~به { يسرا } أي سهلا متيسرا غير شاق وتقديره ذا يسر، أو أطلق ~~عليه المصدر مبالغة، وقرىء بضمتين. # { ثم أتبع سببا } أي طريقا راجعا من مغرب الشمس موصلا إلى ~~مشرقها { حتى إذا بلغ مطلع الشمس } يعني الموضع الذي ~~تطلع عليه الشمس أولا من معمورة الأرض، وقرىء بفتح اللام على تقدير ~~مضاف أي مكان طلوع الشمس فإنه مصدر، قيل: بلغه في اثنتي عشرة سنة، وقيل: ~~في أقل من ذلك بناء على ما ذكر من أنه سخر له السحاب وطوي له ~~الأسباب { وجدها تطلع على قوم لم نجعل لهم من ~~دونها سترا } من اللباس والبناء، قيل: هم الزنج. وعن كعب: أن ~~أرضهم لا تمسك الأبنية وبها أسراب، فإذا طلعت الشمس دخلوا الأسراب ~~أو البحر، فإذا ارتفع النهار خرجوا إلى معايشهم، وعن بعضهم: خرجت حتى ~~جاوزت الصين فسألت عن هؤلاء فقالوا: بينك وبينهم مسيرة يوم وليلة، ~~فبلغتهم فإذا أحدهم يفرش أذنه ويلبس الأخرى ومعي صاحب يعرف ~~لسانهم، فقالوا له: جئتنا تنظر كيف تطلع الشمس، قال: فبينما نحن كذلك ~~إذ سمعنا كهيئة الصلصلة فغشي علي ثم أفقت وهم يمسحونني بالدهن، ~~فلما طلعت الشمس على الماء إذا هو فوق الماء كهيئة الزيت فأدخلونا ~~سربا لهم، فلما ارتفع النهار خرجوا إلى البحر يصطادون السمك ويطرحونه ~~في الشمس فينضج لهم، وعن مجاهد: من لا يلبس الثياب من السودان عن مطلع ~~الشمس أكثر من جميع أهل الأرض. ### || [18.91-94] # { كذلك } أي أمر ذي القرنين كما وصفناه لك في رفعة المحل وبسطة ~~الملك، أو أمره فيهم كأمره في أهل المغرب من التخيير ms2065 والاختيار، ~~ويجوز أن يكون صفة مصدر محذوف لوجد أو نجعل أو صفة قوم، أي على قوم ~~مثل ذلك القبيل الذي تغرب عليهم الشمس في الكفر والحكم، أو سترا ~~مثل ستركم من اللباس والأكنان والجبال وغير ذلك { وقد أحطنا ~~بما لديه } من الأسباب والعدد والعدد { خبرا } يعني أن ذلك من ~~الكثرة بحيث لا يحيط به إلا علم اللطيف الخبير. هذا على الوجه الأول ~~وأما على الوجوه الباقية فالمراد بما لديه ما يتناول ما جرى عليه وما ~~صدر عنه وما لاقاه فتأمل. # { ثم أتبع سببا } أي طريقا ثالثا معترضا بين المشرق ~~والمغرب آخذا من الجنوب إلى الشمال { حتى إذا بلغ بين ~~السدين } بين الجبلين الذين سد ما بينهما وهو منقطع أرض ~~الترك مما يلي المشرق، لا جبلا أرمينية وأذربيجان كما توهم، وقرىء ~~بالضم، قيل: ما كان من خلق الله تعالى فهو مضموم وما كان من عمل الخلق ~~فهو مفتوح، وانتصاب بين على المفعولية لأنه مبلوغ وهو من الظروف التي ~~تستعمل أسماء أيضا كما ارتفع في قوله تعالى: # لقد تقطع بينكم # [الأنعام: 94] وانجر في قوله تعالى: # هذا فراق بينى وبينك # [الكهف: 78] { وجد من دونهما } أي من ورائهما مجاوزا عنهما { ~~قوما } أي أمة من الناس { لا يكادون يفقهون قولا } ~~لغرابة لغتهم وقلة فطنتهم، وقرىء من باب الإفعال أي لا يفهمون ~~السامع كلامهم، واختلفوا في أنهم من أي الأقوام، فقال الضحاك: هم جيل ~~من الترك، وقال السدي: الترك سرية من يأجوج ومأجوج، خرجت فضرب ذو ~~القرنين السد فبقيت خارجه فجميع الترك منهم، وعن قتادة: أنهم اثنتان ~~وعشرون قبيلة سد ذو القرنين على إحدى وعشرين قبيلة منهم وبقيت واحدة ~~فسموا الترك لأنهم تركوا خارجين. # قال أهل التاريخ: أولاد نوح عليه السلام ثلاثة: سام وحام ويافث، ~~فسام أبو العرب والعجم والروم، وحام أبو الحبشة والزنج والنوبة، ~~ويافث أبو الترك والخزر والصقالبة ويأجوج ومأجوج. # { قالوا } أي بواسطة مترجمهم أو بالذات على أن يكون فهم ذي القرنين ~~كلامهم وإفهام كلامه إياهم من جملة ما آتاه الله تعالى من الأسباب ms2066 { ~~يذا القرنين إن يأجوج ومأجوج } قد ذكرنا أنهما من ~~أولاد يافث بن نوح عليه السلام، وقيل: يأجوج من الترك ومأجوج من ~~الجيل، واختلف في صفاتهم فقيل: في غاية صغر الجثة وقصر القامة لا ~~يزيد قدهم على شبر واحد، وقيل: في نهاية عظم الجسم وطول القامة تبلغ ~~قدودهم نحو مائة وعشرين ذراعا وفيهم من عرضه كذلك، وقيل: لهم ~~مخالب وأضراس كالسباع وهما اسمان أعجميان بدليل منع الصرف، وقيل: ~~عربيان من أج الظليم إذا أسرع وأصلهما الهمزة كما قرأ عاصم، وقد قرىء ~~بغير همزة ومنع صرفهما للتعريف والتأنيث { مفسدون فى الأرض } ~~أي في أرضنا بالقتل والتخريب وإتلاف الزروع، وقيل: كانوا يخرجون أيام ~~الربيع فلا يتركون أخضر إلا أكلوه ولا يابسا إلا احتملوه، وقيل: كانوا ~~يأكلون الناس أيضا { فهل نجعل لك خرجا } أي جعلا من ~~أموالنا، والفاء لتفريع العرض على إفسادهم في الأرض، وقرىء خراجا ~~وكلاهما واحد كالنول والنوال، وقيل: الخراج ما على الأرض والذمة ~~والخرج المصدر، وقيل: الخرج ما كان على كل رأس والخراج ما كان على ~~البلد، وقيل: الخرج ما تبرعت به والخراج ما لزمك أداؤه { على أن ~~تجعل بيننا وبينهم سدا } وقرىء بالضم. ### || [18.95-96] # { قال ما مكنى } بالإدغام وقرىء بالفك، أي ما مكنني { فيه ~~ربى } وجعلني فيه مكينا وقادرا من الملك والمال وسائر الأسباب { ~~خير } أي مما تريدون أن تبذلوه إلي من الخرج فلا حاجة بي إليه { ~~فأعينونى بقوة } أي بفعلة وصناع يحسنون البناء والعمل ~~وبآلات لا بد منها من البناء، والفاء لتفريع الأمر بالإعانة على خيرية ~~ما مكنه الله تعالى فيه من مالهم أو على عدم قبول خرجهم { أجعل } ~~جواب للأمر { بينكم وبينهم } تقديم إضافة الظرف إلى ضمير ~~المخاطبين على إضافته إلى ضمير يأجوج ومأجوج، لإظهار كمال العناية ~~بمصالحهم كما راعوه في قولهم: بيننا وبينهم { ردما } أي حاجزا ~~حصينا وبرزخا متينا وهو أكبر من السد وأوثق، يقال: ثوب مردم أي ~~فيه رقاع فوق رقاع وهذا إسعاف بمرامهم فوق ما يرجونه. # { ءاتونى زبر الحديد } جمع زبره كغرف في غرفة وهي ms2067 القطعة ~~الكبيرة وهذا لا ينافي رد خراجهم لأن المأمور به الإيتاء بالثمن أو ~~المناولة كما ينبىء عنه القراءة بوصل الهمزة، أي جيئوني بزبر الحديد ~~على حذف الباء كما في أمرتك الخير، ولأن إيتاء الآلة من قبيل الإعانة ~~بالقوة دون الخراج على العمل، ولعل تخصيص الأمر بالإيتاء بها دون سائر ~~الآلات من الصخور والحطب ونحوهما لما أن الحاجة إليها أمس إذ هي ~~الركن في السد ووجودها أعز. قيل: حفر الأساس حتى بلغ الماء وجعل ~~الأساس من الصخر والنحاس المذاب والبنيان من زبر الحديد بينها ~~الحطب والفحم حتى سد ما بين الجبلين إلى أعلاهما وكان مائة فرسخ وذلك ~~قوله عز قائلا: { حتى إذا ساوى بين الصدفين } أي ~~آتوه إياها فإخذ يبني شيئا فشيئا حتى إذا جعل ما بين ناحيتي الجبلين ~~من البنيان مساويا لهما في السمك على النهج المحكي، قيل: كان ~~ارتفاعه مائتي ذارع وعرضه خمسين ذراعا، وقرىء سوى من التسوية ~~وسووي على البناء للمجهول { قال } للعملة { انفخوا } أي ~~بالكيران في الحديد المبني ففعلوا { حتى إذا جعله } أي المنفوخ ~~فيه { نارا } أي كالنار في الحرارة والهيئة، وإسناد الجعل المذكور إلى ~~ذي القرتين مع أنه فعل الفعلة للتنبيه علي أنه العمدة في ذلك وهم ~~بمنزلة الآلة { قال } للذين يتولون أمر النحاس من الإذابة ~~ونحوهما { آتونى أفرغ عليه قطرا } أي آتوني قطرا أي ~~نحاسا مذابا أفرغ عليه قطرا، فحذف الأول لدلالة الثاني عليه، ~~وقرىء بالوصل أي جيئوني كأنه يستدعيهم للإعانة باليد عند الإفراغ وإسناد ~~الإفراغ إلى نفسه للسر الذي وقفت عليه آنفا وكذا الكلام في قوله ~~تعالى: { ساوى } وقوله تعالى: { أجعل }. ### || [18.97-98] # { فما اسطعوا } بحذف تاء الافتعال تخفيفا وحذرا عن تلاقي ~~المتقاربين، وقرىء بالإدغام وفيه جمع بين الساكنين على غير حدة، ~~وقرىء بقلب السين صادا، والفاء فصيحة أي فعلوا ما أمروا به من إيتاء ~~القطر أو الإتيان، فأفرغه عليه، فاختلط والتصق بعضه ببعض، فصار ~~جبلا صلدا، فجاء يأجوج ومأجوج، فقصدوا أن يعلوه وينقبوه فما ~~استطاعوا { أن يظهروه } أي يعلوه ويرقوا فيه لارتفاعه وملاسته { ~~وما ms2068 استطعوا له نقبا } لصلابته وثخانته، وهذه معجزة ~~عظيمة لأن تلك الزبر الكثيرة إذا أثرت فيها حرارة النار لا يقدر ~~الحيوان على أن يحوم حولها فضلا عن النفخ فيها إلى أن تكون كالنار، أو ~~عن إفراغ القطر عليها فكأنه سبحانه وتعالى صرف تأثير الحرارة العظيمة ~~عن أبدان أولئك المباشرين للأعمال فكان ما كان والله على كل شيء قدير. ~~وقيل: بناه من الصخور مرتبطا بعضها ببعض بكلاليب من حديد ونحاس مذاب ~~في تجاويفها بحيث لم يبق هناك فرجة أصلا. # { قال } أي ذو القرنين لمن عنده من أهل تلك الديار وغيرهم { هذا ~~} إشارة إلى السد، وقيل: إلى تمكينه من بنائه والفضل للمتقدم أي هذا ~~الذي ظهر على يدي وحصل بمباشرتي من السد الذي شأنه ما ذكر من المتانة ~~وصعوبة المنال { رحمة } أي أثر رحمة عظيمة عبر عنه بها مبالغة { ~~من ربى } على كافة العباد لا سيما على مجاوريه، وفيه إيذان بأنه ليس ~~من قبيل الآثار الحاصلة بمباشرة الخلق عادة بل هو إحسان إلهي محض ~~وإن ظهر بمباشرتي، والتعرض لوصف الربوبية لتربية معنى الرحمة. # { فإذا جاء وعد ربى } مصدر بمعنى المفعول وهو يوم القيامة لا ~~خروج يأجوج ومأجوج كما قيل إذ لا يساعده النظم الكريم، والمراد ~~بمجيئه ما ينتظم مجيئه ومجيء مباديه من خروجهم وخروج الدجال ونزول ~~عيسى عليه الصلاة والسلام ونحو ذلك لا دنو وقوعه فقط كما قيل، فإن ~~بعض الأمور التي ستحكى تقع بعد مجيئه حتما { جعله } أي السد ~~المشار إليه مع متانته ورصانته، وفيه من الجزالة ما ليس في توجيه ~~الإشارة السابقة إلى التمكين المذكور { دكاء } أي أرضا مستوية، ~~وقرىء دكا أي مدكوكا مسوى بالأرض، وكل ما انبسط بعد ارتفاع فقد ~~اندك ومنه الجمل الأدك أي المنبسط السنام، وهذا الجعل وقت مجيء ~~الوعد بمجيء بعض مباديه، وفيه بيان لعظم قدرته عز وجل بعد بيان سعة ~~رحمته { وكان وعد ربى } أي وعده المعهود أو كل ما وعد به ~~فيدخل فيه ذلك دخولا أوليا { حقا } ثابتا لا محالة واقعا البتة، ~~وهذه الجملة تذييل ms2069 من ذي القرنين لما ذكره من الجملة الشرطية ~~ومقرر مؤكد لمضمونها وهو آخر ما حكي من قصته. ### || [18.99-101] # قوله عز وجل: { وتركنا بعضهم } كلام مسوق من جنابه تعالى ~~معطوف على قوله تعالى: { جعله دكاء } ومحقق لمضمونه أي جعلنا ~~بعض الخلائق { يومئذ } أي يوم إذ جاء الوعد بمجيء بعض مباديه { ~~يموج فى بعض } آخر منهم يضطربون اضطراب أمواج البحر ويختلط ~~إنسهم وجنهم حيارى من شدة الهول، ولعل ذلك قبل النفخة الأولى، أو ~~تركنا بعض يأجوج ومأجوج يموج في بعض آخر منهم حين يخرجون من السد ~~مزدحمين في البلاد. روي أنهم يأتون البحر فيشربون ماءه ويأكلون دوابه ~~ثم يأكلون الشجر ومن ظفروا به ممن لم يتحصن منهم من الناس، ولا ~~يقدرون أن يأتوا مكة والمدينة وبيت المقدس ثم يبعث الله عز وجل ~~نغفا في أقفائهم فيدخل آذانهم فيموتون موت نفس واحدة، فيرسل الله ~~تعالى عليهم طيرا فتلقيهم في البحر ثم يرسل مطرا يغسل الأرض ويطهرها من ~~نتنهم حتى يتركها كالزلفة ثم يوضع فيها البركة وذلك بعد نزول عيسى ~~عليه الصلاة والسلام وقتل الدجال. # { ونفخ فى الصور } هي النفخة الثانية بقضية الفاء قوله تعالى { ~~فجمعنهم } ولعل عدم التعرض لذكر النفخة الأولى لأنها داهية ~~عامة ليس فيها حالة مختصة بالكفار، ولئلا يقع الفصل بين ما يقع منها ~~في النشأة الأولى من الأحوال والأهوال، وبين ما يقع منها في النشأة ~~الآخرة، أي جمعنا الخلائق بعدما تفرقت أوصالهم وتمزقت أجسادهم في صعيد ~~واحد للحساب والجزاء { جمعا } أي جمعا عجيبا لا يكتنه كنهه. # { وعرضنا جهنم } أي أظهرناها وأبرزناها { يومئذ } أي ~~يوم إذ جمعنا الخلائق كافة { للكفرين } منهم حيث جعلناها بحيث ~~يرونها ويسمعون لها تغيظا وزفيرا { عرضا } أي عرضا فظيعا هائلا ~~لا يقادر قدره، وتخصيص العرض بهم مع أنها بمرأى من أهل الجمع ~~قاطبة لأن ذلك لأجلهم خاصة. # { الذين كانت أعينهم } وهم في الدنيا { فى غطاء } كثيف ~~وغشاوة غليظة محاطة من جميع الجوانب { عن ذكرى } عن الآيات ~~المؤدية لأولي الأبصار المتدبرين فيها إلى ذكري بالتوحيد والتمجيد، أو ~~كانت ms2070 أعين بصائرهم في غطاء عن ذكري على وجه يليق بشأني أو عن القرآن ~~الكريم { وكانوا } مع ذلك { لا يستطيعون } لفرط تصامهم عن ~~الحق وكمال عداوتهم للرسول عليه الصلاة والسلام { سمعا } استماعا ~~لذكري وكلامي الحق الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، ~~وهذا تمثيل لإعراضهم عن الأدلة السمعية كما أن الأول تصوير لتعاميهم ~~عن الآيات المشاهدة بالأبصار، والموصول نعت للكافرين أو بدل منه أو ~~بيان جيء به لذمهم بما في حيز الصلة وللإشعار بعليته لإصابة ما ~~أصابهم من عرض جهنم لهم، فإن ذلك إنما هو لعدم استعمال مشاعرهم فيما ~~عرض لهم في الدنيا من الآيات وإعراضهم عنها مع كونها أسبابا منجية ~~عما ابتلوا به في الآخرة. ### || [18.102-103] # { أفحسب الذين كفروا } أي كفروا بي كما يعرب عنه قوله ~~تعالى: { عبادى } والحسبان بمعنى الظن وقد قرىء أفظن والهمزة ~~للإنكار والتوبيخ على معنى إنكار الواقع واستقباحه، كما في قولك: ~~أضربت أباك؟ لا إنكار الوقوع، كما في قوله: أأضرب أبي؟ والفاء للعطف ~~على مقدر يفصح عنه الصلة على توجيه الإنكار والتوبيخ إلى المعطوفين ~~جميعا كما إذا قدر المعطوف عليه في قوله تعالى: { أفلا ~~تعقلون } منفيا أي لا تسمعون فلا تعقلون لا إلى المعطوف فقط كما ~~إذا قدر مثبتا أي أتسمعون فلا تعقلون، والمعنى أكفروا بي مع جلالة ~~شأني فحسبوا { أن يتخذوا عبادى من دونى } من الملائكة ~~وعيسى وعزير عليهم السلام وهم تحت سلطاني وملكوتي { أولياء } ~~معبودين ينصرونهم من بأسي، وما قيل إنها للعطف على ما قبلها من قوله ~~تعالى: { كانت } الخ { وكانوا } الخ دلالة على أن الحسبان ~~ناشىء من التعامي والتصام وأدخل عليها همزة الإنكار ذما على ذم ~~وقطعا له عن المعطوف عليهما لفظا لا معنى للإيذان بالاستقلال المؤكد ~~للذم يأباه ترك الإضمار والتعرض لوصف آخر غير التعامي والتصام ~~على أنهما أخرجا مخرج الأحوال الجبلية لهم، ولم يذكروا من حيث ~~إنهما من أفعالهم الاختيارية الحادثة كحسبانهم ليحسن تفريعه عليهما، ~~وأيضا فإنه دين قديم لا يمكن جعله ناشئا عن تصامهم عن كلام الله ms2071 عز ~~وجل، وتخصيص الإنكار بحسبانهم المتأخر عن ذلك تعسف لا يخفى، وما في ~~حيز صلة أن ساد مسد مفعولي حسب كما في قوله تعالى: # وحسبوا أن لا تكون فتنة # [المائدة: 71] أي أفحسبوا أنهم يتخذونهم أولياء على معنى أن ذلك ليس من ~~الاتخاذ في شيء لما أنه إنما يكون من الجانبين، وهم عليهم الصلاة ~~والسلام منزهون عن ولايتهم بالمرة لقولهم: # سبحنك أنت ولينا من دونهم # [سبأ: 41] وقيل: مفعوله الثاني محذوف أي أفحسبوا اتخاذهم نافعا لهم، ~~والوجه هو الأول لأن في هذا تسليما لنفس الاتخاذ واعتدادا به في ~~الجملة، وقرىء أفحسب الذين كفروا أي أفحسبهم وكافيهم أن يتخذوهم ~~أولياء على الابتداء والخبر، أو الفعل والفاعل فإن النعت إذا اعتمد ~~الهمزة ساوى الفعل في العمل، فالهمزة حينئذ بمعنى إنكار الوقوع { ~~إنا أعتدنا جهنم } أي هيأناها { للكفرين } ~~المعهودين، عدل عن الإضمار ذما لهم وإشعارا بأن ذلك الاعتاد بسبب ~~كفرهم المتضمن لحسبانهم الباطل { نزلا } أي شيئا يتمتعون به عند ~~ورودهم وهو ما يقام للنزيل أي الضيف مما حضر من الطعام، وفيه تخطئة ~~لهم في حسبانهم وتهكم بهم حيث كان اتخاذهم إياهم أولياء من قبيل ~~إعتاد العتاد وإعداد الزاد ليوم المعاد، فكأنه قيل: إنا أعتدنا لهم ~~مكان ما أعدوا لأنفسهم من العدة والذخر جهنم عدة. وفي إيراد ~~النزل إيماء إلى أن لهم وراء جهنم من العذاب ما هو أنموذج له، ~~وقيل: النزل موضع النزول، ولذلك فسره ابن عباس رضي الله عنهما بالمثوى. # { قل هل ننبئكم } الخطاب الثاني للكفرة على وجه التوبيخ ~~والجمع في صيغة المتكلم لتعيينه من أول الأمر وللإيذان بمعلومية النبأ ~~للمؤمنين أيضا { بالأخسرين أعملا } نصب على التمييز ~~والجمع للإيذان بتنوعها، وهذا بيان لحال الكفرة باعتبار ما صدر عنهم ~~من الأعمال الحسنة في أنفسها وفي حسبانهم أيضا حيث كانوا معجبين ~~بها واثقين بنيل ثوابها ومشاهدة آثارها غب بيان حالهم باعتبار ~~أعمالهم السيئة في أنفسها مع كونها حسنة في حسبانهم. ### || [18.104-105] # { الذين ضل سعيهم } في إقامة تلك الأعمال أي ضاع وبطل ~~بالكلية { في الحياة الدنيا } متعلق ms2072 بالسعي لا بالضلال لأن ~~بطلان سعيهم غير مختص بالدنيا، قيل: المراد بهم أهل الكتابين ~~قاله ابن عباس وسعد بن أبي وقاص ومجاهد رضي الله عنهم، ويدخل في ~~الأعمال حينئذ ما عملوه من الأحكام المنسوخة المتعلقة بالعبادات، ~~وقيل: الرهابنة الذين يحبسون أنفسهم في الصوامع ويحملونها على ~~الرياضات الشاقة، ولعله ما يعمهم وغيرهم من الكفرة، ومحل الموصول ~~الرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف لأنه جواب للسؤال، كأنه قيل: من هم؟ ~~فقيل: الذين الخ، وجعله مجرورا على أنه نعت للأخسرين أو بدل منه أو ~~منصوبا على الذم على أن الجواب ما سيأتي من قوله تعالى: { ~~أولئك } الآية يأباه أن صدره ليس منبئا عن خسران الأعمال ~~وضلال السعي كما يستدعيه مقام الجواب، والتفريع الأول وإن دل على ~~حبوطها لكنه ساكت عن إنباء ما هو العمدة في تحقيق معنى الخسران من ~~الوثوق بترتب الربح واعتقاد النفع فيما صنعوا على أن التفريع الثاني ~~يقطع ذلك الاحتمال رأسا إذ لا مجال لإدراجه تحت الأمر بقضية نون ~~العظمة. # { وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا } الإحسان ~~الإتيان بالأعمال على الوجه اللائق وهو حسنها الوصفي المستلزم ~~لحسنها الذاتي، أي يحسبون أنهم يعملون ذلك على الوجه اللائق وذلك ~~لإعجابهم بأعمالهم التي سعوا في إقامتها وكابدوا في تحصيلها، والجملة ~~حال من فاعل ضل أي بطل سعيهم المذكور والحال أنهم يحسبون أنهم ~~يحسنون في ذلك وينتفعون بآثاره، أو من المضاف إليه لكونه في محل الرفع ~~نحو قوله تعالى: # إليه مرجعكم جميعا # [يونس: 4] أي بطل سعيهم والحال أنهم الخ، والفرق بينهما أن ~~المقارن لحال حسبانهم المذكور في الأول ضلال سعيهم وفي الثاني نفس ~~سعيهم والأول أدخل في بيان خطئهم. # { أولئك } كلام مستأنف من جنابه تعالى مسوق لتكميل تعريف ~~الأخسرين وتبيين سبب خسرانهم وضلال سعيهم وتعيينهم بحيث ينطبق ~~التعريف على المخاطبين غير داخل تحت الأمر، أي أولئك المنعوتون بما ~~ذكر من ضلال السعي مع الحسبان المزبور { الذين كفروا ~~بئايت ربهم } بدلائله الداعية إلى التوحيد عقلا ونقلا، ~~والتعرض لعنوان الربوبية لزيادة تقبيح حالهم في الكفر المذكور { ~~ولقائه ms2073 } بالبعث وما يتبعه من أمور الآخرة على ما هي عليه { ~~فحبطت } لذلك { أعملهم } المعهودة حبوطا كليا { فلا ~~نقيم لهم } أي لأولئك الموصوفين بما مر من حبوط الأعمال، وقرىء ~~بالياء { يوم القيمة وزنا } أي فنزدريهم ولا نجعل لهم ~~مقدارا واعتبارا لأن مداره الأعمال الصالحة وقد حبطت بالمرة، وحيث ~~كان هذا الازدراء من عواقب حبوط الأعمال عطف عليه بطريق التفريع، ~~وأما ما هو من أجزية الكفر فسيجيء بعد ذلك، أو لا نضع لأجل وزن ~~أعمالهم ميزانا لأنه إنما يوضع لأهل الحسنات والسيئات من الموحدين ~~ليتمم به مقادير الطاعات والمعاصي ليترتب عليه التكفير أو عدمه لأن ~~ذلك في الموحدين بطريق الكمية، وأما الكفر فإحباطه للحسنات بحسب ~~الكيفية دون الكمية فلا يوضع لهم الميزان قطعا. ### || [18.106-107] # { ذلك } بيان لمآل كفرهم وسائر معاصيهم إثر بيان مآل أعمالهم ~~المحبطة بذلك أي الأمر ذلك، وقوله عز وجل: { جزاؤهم جهنم } ~~جملة مبينة له أو ذلك مبتدأ والجملة خبره والعائد محذوف، أي ~~جزاؤهم به أو جزاؤهم بدله وجهنم خبره أو جزاؤهم خبره وجهنم عطف ~~بيان للخبر { بما كفروا } تصريح بأن ما ذكر جزاء لكفرهم ~~المتضمن لسائر القبائح التي أنبأ عنها قوله تعالى: { واتخذوا ~~ءايتى ورسلى هزوا } أي مهزوا بهما فإنهم لم يقتنعوا بمجرد ~~الكفر بالآيات والرسل، بل ارتكبوا مثل تلك العظيمة أيضا. # { إن الذين ءامنوا } بيان بطريق الوعد لمآل الذين اتصفوا ~~بأضداد ما اتصف به الكفرة إثر بيان ما لهم بطريق الوعيد، أي آمنوا ~~بآيات ربهم ولقائه { وعملوا الصلحات } من الأعمال { ~~كانت لهم } فيما سبق من حكم الله تعالى ووعده، وفيه إيماء إلى أن ~~أثر الرحمة يصل إليهم بمقتضى الرأفة الأزلية بخلاف ما مر من جعل جهنم ~~للكافرين نزلا، فإنه بموجب ما حدث من سوء اختيارهم { جنت ~~الفردوس } عن مجاهد: أن الفردوس هو البستان بالرومية، وقال ~~عكرمة: هو الجنة بالحبشية، وقال الضحاك: هو الجنة الملتفة الأشجار، ~~وقيل: هي الجنة التي تنبت ضروبا من النبات، وقيل: هي الجنة من الكرم ~~خاصة، وقيل: ما كان غالبة كرما، وقال المبرد: هو فيما ms2074 سمعت من العرب ~~للشجر الملتف والأغلب عليه أن يكون من العنب، وعن كعب: أنه ليس في ~~الجنان أعلى من جنة الفردوس وفيها الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر. ~~وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " في الجنة مائة درجة ما بين كل درجة مسيرة مائة عام، والفردوس ~~أعلاها وفيها الأنهار الأربعة فإذا سألتم الله تعالى فاسألوه الفردوس ~~فإن فوقه عرش الرحمن ومنه تفجر أنهار الجنة " # { نزلا } خبر كانت والجار والمجرور متعلق بمحذوف على أنه حال من ~~نزلا، أو على أنه بيان أو حال من جنات الفردوس والخبر هو الجار ~~والمجرور فإن جعل النزول بمعنى ما يهيأ للنازل فالمعنى كانت لهم ~~ثمار جنات الفردوس نزلا، أو جعلت نفس الجنات نزلا مبالغة في ~~الإكرام، وفيه إيذان بأنها عند ما أعد الله لهم على ما جرى على لسان ~~النبوة من قوله: # " أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت ولا ~~خطر على قلب بشر " # بمنزلة النزل بالنسبة إلى الضيافة، وإن جعل بمعنى المنزل فالمعنى ~~ظاهر. ### || [18.108-110] # { خلدين فيها } نصب على الحالية { لا يبغون عنها حولا ~~} مصدر كالعوج والصغر، أي لا يطلبون تحولا عنها إذ لا يتصور أن ~~يكون شيء أعز عندهم وأرفع منها حتى تنازعهم إليه أنفسهم وتطمح ~~نحوه أبصارهم، ويجوز أن يراد نفي التحول وتأكيد الخلود، والجملة حال ~~من صاحب خالدين أو من ضميره فيه فيكون حالا متداخلة. # { قل لو كان البحر } أي جنس البحر { مدادا } وهو ما ~~تمد به الدواة من الحبر { لكلمت ربى } لتحرير كلمات علمه ~~وحكمته التي من جملتها ما ذكر من الآيات الداعية إلى التوحيد المحذرة ~~من الإشراك { لنفد البحر } مع كثرته ولم يبق منه شيء لتناهيه { ~~قبل أن تنفد } وقرىء بالياء والمعنى من غير أن تنفد { كلمات ~~ربي } لعدم نتاهيها فلا دلالة للكلام على نفادها بعد نفاد البحر، ~~وفي إضافة الكلمات إلى اسم الرب المضاف إلى ضميره صلى الله عليه وسلم ~~في الموضعين من تفخيم المضاف وتشريف المضاف إليه ما لا يخفى، وإظهار ~~البحر والكلمات في ms2075 موضع الإضمار لزيادة التقرير { ولو جئنا } ~~كلام من جهته تعالى غير داخل في الكلام الملقن جيء به لتحقيق مضمونه ~~وتصديق مدلوله مع زيادة مبالغة وتأكيد، والواو لعطف الجملة على ~~نظيرتها المستأنفة المقابلة لها المحذوفة لدلالة المذكورة عليها ~~دلالة واضحة، أي لنفد البحر من غير نفاد كلماته تعالى لو لم نجىء ~~بمثله مددا ولو جئنا، بقدرتنا الباهرة { بمثله مددا } عونا ~~وزيادة لأن مجموع المتناهيين متناه، بل مجموع ما يدخل تحت الوجود ~~من الأجسام لا يكون إلا متناهيا لقيام الأدلة القاطعة على تناهي ~~الأبعاد، وقرىء مددا جمع مدة وهي ما يستمده الكاتب، وقرىء ~~مدادا. # { قل } لهم بعد ما بينت لهم شأن كلماته تعالى: { إنما أنا ~~بشر مثلكم } لا أدعي الإحاطة بكلماته التامة { يوحى إلى ~~} من تلك الكلمات { أنما إلهكم إله وحد } لا شريك ~~له في الخلق ولا في سائر أحكام الألوهية، وإنما تميزت عنكم بذلك { ~~فمن كان يرجو لقاء ربه } الرجاء توقع وصول الخير في ~~المستقبل، والمراد بلقائه تعالى كرامته، وإدخال الماضي على المستقبل ~~للدلالة على أن اللائق بحال المؤمن الاستمرار والاستدامة على رجاء ~~اللقاء، أي فمن استمر على رجاء كرامته تعالى { فليعمل } لتحصيل ~~تلك الطلبة العزيزة { عملا صلحا } في نفسه لائقا بذلك ~~المرجو كما فعله الذين آمنوا وعملوا الصالحات { ولا يشرك ~~بعبادة ربه أحدا } إشراكا جليا كما فعله الذين كفروا بآيات ~~ربهم ولقائه، ولا إشراكا كما يفعله أهل الرياء ومن يطلب به أجرا، ~~وإيثار وضع المظهر موضع المضمر في الموضعين مع التعرض لعنوان ~~الربوبية لزيادة التقرير، وللإشعار بعلية العنوان للأمر والنهي ~~ووجوب الامتثال فعلا وتركا. روي أن جندب بن زهير رضي الله عنه ~~قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: إني لأعمل العمل لله تعالى فإذا ~~اطلع عليه سرني، فقال عليه الصلاة والسلام: # " إن الله لا يقبل ما شورك فيه " # فنزلت تصديقا له. وروي أنه صلى الله عليه وسلم قال له: # " لك أجران أجر السر وأجر العلانية " # وذلك إذا قصد أن يقتدى به. وعنه عليه السلام: # " «اتقوا الشرك الأصغر»، قيل: وما ms2076 الشرك الأصغر؟ قال: «الرياء» " # عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " من قرأ سورة الكهف من آخرها كانت له نورا من قرنه إلى قدمه، ومن ~~قرأها كلها كانت له نورا من الأرض إلى السماء " # وعنه صلى الله عليه وسلم: # " من قرأ عند مضجعه: { قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى ~~إلى } الخ، كان له من مضجعه نورا يتلألأ إلى مكة، حشو ذلك النور ~~ملائكة يصلون عليه حتى يقوم، وإن كان مضجعه بمكة كان له نورا يتلألأ ~~من مضجعه إلى البيت المعمور، حشو ذلك النور ملائكة يصلون عليه حتى ~~يستيقظ " # الحمد لله سبحانه على نعمه العظام. ### | [19 - سورة مريم] ### || [19.1-4] # سورة مريم # مكية إلا آيتي 58 و71 فمدنيتان السجدة وهي ثمان وتسعون آية # { كهيعص } بإمالة الهاء والياء وإظهار الدال، وقرىء بفتح الهاء وإمالة ~~الياء وبتفخيمهما وبإخفاء النون قبل الصاد لتقاربهما، وقد سلف أن ما لا ~~تكون من هذه الفواتح مفردة ولا موازنة لمفرد فطريق التلفظ بها ~~الحكاية فقط ساكنة الأعجاز على الوقف، سواء جعلت أسماء للسور أو ~~مسرودة على نمط التعديد، وإن لزمها التقاء الساكنين لكون مغتفرا في ~~باب الوقف قطعا فحق هذه الفاتحة الكريمة أن يوقف عليها جريا على ~~الأصل، وقرىء بإدغام الدال فيما بعدها لتقاربهما في المخرج، فإن جعلت ~~اسما للسورة على ما عليه إطباق الأكثر فمحله الرفع، إما على أنه ~~خبر لمبتدأ محذوف والتقدير هذا كهيعص أي مسمى به وإنما صحت الإشارة ~~إليه مع عدم جريان ذكره لأنه باعتبار كونه على جناح الذكر صار في حكم ~~الحاضر المشاهد، كما يقال: هذا ما اشترى فلان، أو على أنه مبتدأ ~~خبره: { ذكر رحمت ربك } أي المسمى به ذكر رحمة الخ، فإن ~~ذكرها لما كان مطلع السورة الكريمة ومعظم ما انطوت هي عليه جعلت ~~كأنها نفس ذكرها، والأول هو الأولى لأن ما يجعل عنوانا للموضوع حقه ~~أن يكون معلوم الانتساب إليه عند المخاطب، وإذ لا علم بالتسمية من قبل ~~فحقها الإخبار بها كما في الوجه الأول، وإن جعلت مسرودة على نمط ~~التعديد ms2077 حسبما جنح إليه أهل التحقيق فذكر الخ خبر لمبتدأ محذوف هو ~~ما ينبىء عنه تعديد الحروف كأنه قيل: المؤلف من جنس هذه الحروف ~~المبسوطة مرادا به السورة ذكر الرحمة الخ، وقيل: هو مبتدأ قد حذف ~~خبره أي فيما يتلى عليك ذكرها، وقرىء ذكر رحمة ربك على صيغة الماضي ~~من التذكير أي هذا المتلو ذكرها، وقرىء اذكر على صيغة الأمر، ~~والتعرض لوصف الربوبية المنبئة عن التبليغ إلى الكمال مع الإضافة إلى ~~ضميره عليه السلام للإيذان بأن تنزيل السورة عليه عليه الصلاة والسلام ~~تكميل له عليه السلام، وقوله تعالى: { عبده } مفعول لرحمة ربك على ~~أنها مفعول لما أضيف إليها، وقيل: للذكر على أنه مصدر أضيف إلى فاعله ~~على الاتساع، ومعنى ذكر الرحمة بلوغها وإصابتها، كما يقال: ذكرني ~~معروف فلان أي بلغني، وقوله عز وعلا: { زكريا } بدل منه أو عطف ~~بيان له { إذ نادى ربه نداء خفيا } ظرف لرحمة ربك، ~~وقيل: لذكر على أنه مضاف إلى فاعله اتساعا لا على الوجه الأول لفساد ~~المعنى، وقيل: هو بدل اشتمال من زكريا كما في قوله: # واذكر فى الكتب مريم إذ انتبذت # [مريم: 16] ولقد راعى عليه الصلاة والسلام حسن الأدب في إخفاء دعائه، ~~فإنه مع كونه بالنسبة إليه عز وجل كالجهر أدخل في الإخلاص وأبعد من ~~الرياء وأقرب إلى الخلاص عن لائمة الناس على طلب الولد لتوقفه مبادىء ~~لا يليق به تعاطيها في أوان الكبر والشيخوخة وعن غائلة مواليه الذين ~~كان يخافهم، وقيل: كان ذلك من عليه السلام لضعف الهرم، قالوا: كان سنه ~~حينئذ ستين، وقيل: خمسا وستين، وقيل: سبعين، وقيل: خمسا وسبعين، وقيل: ~~أكثر منها كما مر في سورة آل عمران. # { قال } جملة مفسرة لنادى لا محل لها من الإعراب { رب إنى ~~وهن العظم منى } إسناد الوهن إلى العظم لما أنه عماد البدن ~~ودعام الجسد فإذا أصابه الضعف والرخاوة أصاب كله، أو لأنه أشد ~~أجزائه صلابة وقواما وأقلها تأثرا من العلل فإذا وهن كان ما وراءه ~~أوهن، وإفراده للقصد إلى الجنس المنبىء عن شمول الوهن ms2078 لكل فرد من ~~أفراده، ومني متعلق بمحذوف هو حال من العظم، وقرىء وهن بكسر الهاء ~~وبضمها أيضا، وتأكيد الجملة لإبراز كمال الاعتناء بتحقيق مضمونها { ~~واشتعل الرأس شيبا } شبه عليه الصلاة والسلام الشيب في ~~البياض والإنارة بشواظ النار، وانتشاره في الشعر وفشوه فيه وأخذه ~~منه كل مأخذ باشتعالها، ثم أخرجه مخرج الاستعارة ثم أسند الاشتعال ~~إلى محل الشعر ومنبته، وأخرجه مخرج التمييز وأطلق الرأس اكتفاء ~~بما قيد به العظم، وفيه من فنون البلاغة وكمال الجزالة ما لا يخفى، ~~حيث كان الأصل اشتعل شيب رأسي فأسند الاشتعال إلى الرأس كما ذكر ~~لإفادة شموله لكلها، فإن وزانه بالنسبة إلى الأصل وزان اشتعل بيته ~~نارا بالنسبة إلى اشتعل النار في بيته، ولزيادة تقريره بالإجمال ~~أولا والتفصيل ثانيا ولمزيد تفخيمه بالتنكير، وقرىء بإدغام السين في ~~الشين { ولم أكن بدعائك رب شقيا } أي ولم أكن بدعائي ~~إياك خائبا في وقت من أوقات هذا العمر الطويل، بل كلما دعوتك استجبت ~~لي، والجملة معطوفة على ما قبلها أو حال من ضمير المتكلم إذ المعنى ~~واشتعل الرأس شيبا، وهذا توسل منه عليه السلام بما سلف منه من ~~الاستجابة عند كل دعوة إثر تمهيد ما يستدعي الرحمة ويستجلب الرأفة ~~من كبر السن وضعف الحال، فإنه تعالى بعد ما عود عبده بالإجابة ~~دهرا طويلا لا يكاد يخيبه أبدا لا سيما عند اضطراره وشدة افتقاره، ~~والتعرض في الموضوعين لوصف الربوبية المنبئة عن إضافة ما فيه صلاح ~~المربوب، مع الإضافة إلى ضميره عليه الصلاة والسلام لا سيما توسيطه ~~بين كان وخبرها لتحريك سلسلة الإجابة بالمبالغة في التضرع، ولذلك ~~قيل: إذا أراد العبد أن يستجاب له دعاؤه فليدع الله تعالى بما ~~يناسبه من أسمائه وصفاته. ### || [19.5-6] # { وإني خفت الموالى } عطف على قوله تعالى: { إنى وهن ~~العظم } مترتب مضمونه على مضمونه فإنه ضعف القوى وكبر السن ~~من مبادىء خوفه عليه السلام ممن يلي أمره بعد موته، ومواليه بنو عمه ~~وكانوا أشرار بني إسرائيل فخاف أن لا يحسنوا خلافته في أمته ~~ويبدلوا عليهم دينهم، وقوله: { من ms2079 ورائى } أي بعد موتي متعلق ~~بمحذوف ينساق إليه الذهن، أي فعل الموالي من بعدي أو جور الموالي ~~وقد قرىء كذلك، أو بما في الموالي من معنى الولاية، أي خفت الذين يلون ~~الأمر من ورائي لا بخفت لفساد المعنى، وقرىء وراي بالقصر وفتح ~~الياء، وقرىء خفت الموالي من ورائي أي قلوا وعجزوا عن القيام بأمور ~~الدين بعدي، أو خفت الموالي القادرون على إقامة مراسم الملة ومصالح ~~الأمة من خف القوم أي ارتحلوا مسرعين أي درجوا قدامي ولم يبق منهم ~~من به تقو واعتضاد، فالظرف حينئذ متعلق بخفت { وكانت ~~امرأتى عاقرا } أي لا تلد من حين شبابها. { فهب لى من ~~لدنك } كلا الجارين متعلق بهب لاختلاف معنييهما، فاللام صلة له ~~ومن لابتداء الغاية مجازا، وتقديم الأول لكون مدلوله أهم عنده ~~ويجوز تعلق الثاني بمحذوف وقع حالا من المفعول، ولدن في الأصل ظرف ~~بمعنى أول غاية زمان أو مكان أو غيرهما من الذوات، وقد مر تفصيله في ~~أوائل سورة آل عمران، أي أعطني من محض فضلك الواسع وقدرتك الباهرة ~~بطريق الاختراع لا بواسطة الأسباب العادية { وليا } أي ولدا من ~~صلبي، وتأخيره عن الجارين لإظهار كمال الاعتناء بكون الهبة له ~~على ذلك الوجه البديع مع ما فيه من التشويق إلى المؤخر، فإن ما حقه ~~التقديم إذا أخر تبقى النفس مستشرفة له فعند وروده لها يتمكن ~~عندها فضل تمكن، ولأن فيه نوع طول بما بعده من الوصف فتأخيرهما عن ~~الكل أو توسيطهما بين الموصوف والصفه مما لا يليق بجزالة النظم ~~الكريم، والفاء لترتيب ما بعدها على ما قبلها، فإن ما ذكره عليه الصلاة ~~والسلام من كبر السن وضعف القوى وعقر المرأة موجب لانقطاع رجائه ~~عليه السلام عن حصول الولد بتوسط الأسباب العادية واستيهابه على الوجه ~~الخارق للعادة، ولا يقدح في ذلك أن يكون هنا داع آخر إلى الإقبال على ~~الدعاء المذكور من مشاهدته عليه السلام للخوارق الظاهرة في حق مريم ~~كما يعرب عنه قوله تعالى: # هنالك دعا زكريا ربه # [آل عمران، الآية 38]، وعدم ذكره ههنا ms2080 للتعويل على ذكره هناك كما أن ~~عدم ذكر مقدمة الدعاء هناك للاكتفاء بذكره ههنا، فإن الاكتفاء بما ~~ذكر في موطن عما ترك في موطن آخر من النكت التنزيلية. # وقوله تعالى: { يرثنى } صفة لوليا، وقرىء هو وما عطف عليه بالجزم ~~جوابا للدعاء، أي يرثني من حيث العلم والدين والنبوة فإن الأنبياء ~~عليهم الصلاة والسلام لا يورثون المال، قال صلى الله عليه وسلم: # " نحن معاشر الأنبياء لا نورث، ما تركنا صدقة " # ، وقيل: يرثني الحبورة وكان عليه السلام حبرا. # { ويرث من ءال يعقوب } يقال: ورثه وورث منه لغتان، وآل ~~الرجل خاصته الذين يؤول إليه أمرهم للقرابة أو الصحبة أو الموافقة ~~في الدين، وكانت زوجة زكريا أخت أم مريم، أي ويرث منهم الملك، قيل: ~~هو يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم عليهم الصلاة والسلام، وقال الكلبي ~~ومقاتل: هو يعقوب بن ماثان أخو عمران بن ماثان من نسل سليمان عليه ~~السلام، وكان آل يعقوب أخوال يحيى بن زكريا، قال الكلبي: كان بنو ~~ماثان رؤوس بني إسرائيل وملوكهم، وكان زكريا رئيس الأحبار يومئذ ~~فأراد أن يرثه ولده حبورته ويرث من بني ماثان ملكهم، وقرىء ويرث ~~وارث آل يعقوب على أنه حال من المستكن في يرث، وقرىء أو يرث آل يعقوب ~~بالتصغير ففيه إيماء إلى وراثته عليه السلام لما يرثه في حالة صغره، ~~وقرىء وارث من آل يعقوب على أنه فاعل يرثني على طريقة التجريد أي يرثني ~~به وارث، وقيل: من للتبعيض إذ لم يكن كل آل يعقوب عليه السلام ~~أنبياء ولا علماء { واجعله رب رضيا } مرضيا عندك قولا ~~وفعلا، وتوسيط رب بين مفعولي اجعل للمبالغة في الاعتناء بشأن ما ~~يستدعيه. ### || [19.7] # { يا زكريا } على إرادة القول أي قال تعالى: { يا زكريا } ~~{ إنا نبشرك بغلم اسمه يحيى } لكن لا بأن يخاطبه ~~عليه الصلاة والسلام بذلك بالذات، بل بواسطة الملك على أن يحكي له عليه ~~الصلاة والسلام هذه العبارة عنه عز وجل على نهج قوله تعالى: # قل يعبادى الذين أسرفوا # [الزمر: 53] الآية، وقد مر تحقيقه في سورة آلى عمران، ms2081 وهذا جواب ~~لندائه عليه الصلاة والسلام ووعد بإجابة دعائه، لكن لا كما هو ~~المتبادر من قوله تعالى: # فاستجبنا له ووهبنا له يحيى # [الأنبياء: 90] الخ، بل بعضا حسبما تقتضيه المشيئة الإلهية المبنية ~~على الحكم البالغة فإن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وإن كانوا ~~مستجابي الدعوة لكنهم ليسوا كذلك في جميع الدعوات، ألا يرى إلى دعوة ~~إبراهيم عليه الصلاة والسلام في حق أبيه وإلى دعوة النبي عليه الصلاة ~~والسلام حيث قال: # " وسألته أن لا يذيق بعضهم بأس بعض فمنعنيها " # وقد كان من قضائه عز وعلا أن يهبه يحيى نبيا مرضيا ولا يرثه، ~~فاستجيب دعاؤه في الأول دون الثاني حيث قتل قبل موت أبيه عليهما ~~الصلاة والسلام على ما هو المشهور، وقيل: بقي بعده برهة فلا إشكال ~~حينئذ، وفي تعيين اسمه عليه الصلاة والسلام تأكيد للوعد وتشريف له ~~عليه الصلاة والسلام، وفي تخصيصه به عليه السلام حسبما يعرب عنه قوله ~~تعالى: { لم نجعل له من قبل سميا } أي شريكا له في ~~الاسم حيث لم يسم أحد قبله بيحيى مزيد تشريف وتفخيم له عليه ~~الصلاة والسلام فإن التسمية بالأسامي البديعة الممتازة عن أسماء سائر ~~الناس تنويه بالمسمى لا محالة، وقيل: سميا شبيها في الفضل والكمال ~~كما في قوله تعالى: # هل تعلم له سميا # [مريم: 65] فإن المتشاركين في الوصف بمنزلة المتشاركين في الاسم، قالوا: ~~لم يكن له عليه الصلاة والسلام مثل في أنه لم يعص الله تعالى ولم ~~يهم بمعصية قط وأنه ولد من شيخ فان وعجوز عاقر وأنه كان حصورا، ~~فيكون هذا إجمالا لما نزل بعده من قوله تعالى: # مصدقا بكلمة من الله وسيدا وحصورا ونبيا من ~~الصلحين # [آل عمران: 39] والأظهر أنه اسم أعجمي وإن كان عربيا فهو منقول عن ~~الفعل كيعمر ويعيش، قيل: سمي به لأنه حيي به رحم أمه أو ~~حيي دين الله تعالى بدعوته. ### || [19.8-9] # { قال } استئناف مبني على السؤال كأنه قيل: فماذا قال عليه الصلاة ~~والسلام حينئذ: فقيل: قال: { رب } ناداه تعالى بالذات مع وصول خطابه ~~تعالى إليه بتوسط الملك، للمبالغة ms2082 في التضرع، والمناجاة والجد في ~~التبتل إليه تعالى، والاحتراز عما عسى يوهم خطابه للملك من توهم أن ~~علمه تعالى بما يصدر عنه متوقف على توسطه، كما أن علم البشر بما ~~يصدر عنه سبحانه متوقف على ذلك في عامة الأوقات { أنى يكون لي ~~غلم } كلمة أنى بمعنى كيف أو من أين، وكان إما تامة وأنى واللام ~~متعلقتان بها وتقديم الجار على الفاعل لما مر مرارا من الاعتناء بما ~~قدم والتشويق إلى ما أخر، أي كيف أو من أين يحدث لي غلام؟ ويجوز أن ~~تتعلق اللام بمحذوف وقع حال من غلام إذ لو تأخر لكان صفة له أي أنى ~~يحدث كائنا لي غلام، أو ناقصة اسمها ظاهر وخبرها إما أنى ولي ~~متعلق بمحذوف كما مر، أو هو الخبر وأنى نصب على الظرفية، وقوله تعالى: ~~{ وكانت امرأتى عاقرا } حال من ضمير المتكلم بتقدير قد وكذا ~~قوله تعالى: { وقد بلغت من الكبر عتيا } حال منه ~~مؤكدة للاستبعاد إثر تأكيد، أي كانت امرأتي عاقرا لم تلد في شبابها ~~وشبابي فكيف وهي الآن عجوز وقد بلغت أنا من أجل كبر السن جساوة ~~وقحولا في المفاصل والعظام، أو بلغت من مدارج الكبر ومراتبه ما يسمى ~~عتيا من عتا يعتو وأصله عتوو كقعود فاستثقل توالي الضمتين ~~والواوين فكسرت التاء فانقلبت الأولى ياء لسكونها وانكسار ما قبلها، ثم ~~قلبت الثانية أيضا لاجتماع الواو والياء وسبق إحداهما بالسكون وكسرت ~~العين إتباعا لها لما بعدها، وقرىء بضمها. ولعل البداءة ههنا بذكر حال ~~امرأته على عكس ما في سورة آل عمران لما أنه قد ذكر حاله في تضاعيف ~~دعائه وإنما المذكور ههنا بلوغه أقصى مراتب الكبر تتمة لما ذكر ~~قبل، وأما هنالك فلم يسبق في الدعاء ذكر حاله فلذلك قدمه على ذكر حال ~~امرأته لما أن المسارعة إلى بيان قصور شأنه أنسب، وإنما قاله عليه ~~الصلاة والسلام مع سبق دعائه بذلك وقوة يقينه بقدرة الله لا سيما بعد ~~مشاهدته للشواهد المذكورة في سورة آل عمران استعظاما لقدرة الله ~~تعالى وتعجيبا منها واعتدادا ms2083 بنعمته تعالى عليه في ذلك بإظهار أنه من ~~محض لطف الله عز وعلا وفضله مع كونه في نفسه من الأمور المستحيلة عادة ~~لا استبعادا له. وقيل: إنما قاله ليجاب بما أجيب به فيزداد المؤمنون ~~إيقانا ويرتدع المبطلون، وقيل: كان ذلك بطريق الاستبعاد حيث كان بين ~~الدعاء والبشارة ستون سنة وكان قد نسي دعاءه، وهو بعيد. # { قال } استئناف كما مر مبني على سؤال نشأ مما سلف، والكاف في قوله ~~تعالى: { كذلك قال ربك } مقحمة كما في: مثلك لا يبخل محلها ~~إما النصب على أنه مصدر تشبيهي لقال الثاني وذلك إشارة إلى مصدره ~~الذي هو عبارة عن الوعد السابق لا إلى قول آخر شبه هذا به، وقد مر ~~تحقيقه في تفسير قوله تعالى: # وكذلك جعلنكم أمة وسطا # [البقرة: 143] وقوله تعالى: { هو على هين } جملة مقررة ~~للوعد المذكور دالة على إنجازه داخلة في حيز قال الأول، كأنه قيل: قال ~~الله عز وجل مثل ذلك القول البديع، قلت: أي مثل ذلك الوعد الخارق ~~للعادة وعدت وهو علي خاصة هين وإن كان في العادة مستحيلا، وقرىء ~~وهو علي هين فالجملة حينئذ حال من ربك والياء عبارة عن ضميره كما ~~ستعرفه أو اعتراض، وعلى كل حال فهي مؤكدة ومقررة لما قبلها، ثم ~~أخرج القول الثاني مخرج الالتفات جريا على سنن الكبرياء لتربية ~~المهابة وإدخال الروعة، كقول الخلفاء: أمير المؤمنين يرسم لك مكان أنا ~~أرسم، أسند إلى اسم الرب المضاف إلى ضميره عليه الصلاة والسلام ~~تشريفا له وإشعارا بعلة الحكم، فإن تذكير جريان أحكام ربوبيته ~~تعالى عليه عليه الصلاة والسلام من إيجاده من العدم وتصريفه في أطوار ~~الخلق من حال إلى حال شيئا فشيئا إلى أن يبلغ كماله اللائق به، مما ~~يقلع أساس استبعاده عليه الصلاة والسلام لحصول الموعود ويورثه عليه ~~الصلاة والسلام الاطمئنان بإنجازه لا محالة، ثم التفت من ضمير الغائب ~~العائد إلى الرب إلى ياء العظمة إيذانا بأن مدار كونه هينا عليه ~~سبحانه هو القدرة الذاتية لا ربوبيته تعالى له عليه الصلاة والسلام ~~خاصة وتمهيدا ms2084 لما يعقبه، وقيل: ذلك إشارة إلى مبهم يفسره قوله ~~تعالى: { هو على هين } على طريقة قوله تعالى: # وقضينآ إليه ذلك الأمر أن دابر هؤلآء مقطوع ~~مصبحين # [الحجر، الآية 66] ولا يخرج هذا الوجه على القراءة بالواو لأنها لا ~~تدخل بين المفسر والمفسر. وإما الرفع على أنه مبتدأ محذوف وذلك ~~إشارة إلى ما تقدم من وعده تعالى، أي قال عز وعلا: # " الأمر كما وعدت " # وهو واقع لا محالة، وقوله تعالى: { قال ربك } الخ، استئناف ~~مقرر لمضمونه والجملة المحكية على القراءة الثانية معطوفة على ~~المحكية الأولى، أو حال من المستكن في الجار والمجرور أيا ما كان، ~~فتوسيط قال بينهما مشعر بمزيد الاعتناء بكل منهما والكلام في إسناد ~~القول إلى الرب ثم الالتفات إلى التكلم كالذي مر آنفا، وقيل: ذلك ~~إشارة إلى ما قاله زكريا عليه الصلاة والسلام، أي قال تعالى: # " الأمر كما قلت " # تصديقا له فيما حكاه من الحالة المباينة للولادة في نفسه وفي امرأته، ~~وقوله تعالى: { قال ربك } الخ، استئناف مسوق لإزالة استبعاده ~~بعد تقريره، أي قال تعالى: # " هو مع بعده في نفسه علي هين " # والقراءة الثانية أدخل في إفادة هذا المعنى على أن الواو للعطف، وأما ~~جعلها للحال فمخل بسداد المعنى لأن مآله تقرير صعوبته حال ~~سهولته عليه تعالى مع أن المقصود بيان سهولته عليه سبحانه مع صعوبته ~~في نفسه، وقوله تعالى: { وقد خلقتك من قبل ولم تك ~~شيئا } جملة مستأنفة مقررة لما قبلها، والمراد به ابتداء خلق ~~البشر إذ هو الواقع إثر العدم المحض لا ما كان بعد ذلك بطريق ~~التوالد المعتاد، وإنما لم ينسب ذلك إلى آدم عليه الصلاة والسلام ~~وهو المخلوق من العدم حقيقة بأن يقال: وقد خلقت أباك أو آدم من قبل ~~ولم يك شيئا مع كفايته في إزالة الاستبعاد بقياس حال ما بشر به على ~~حاله عليه الصلاة والسلام لتأكيد الاحتجاج وتوضيح منهاج القياس حيث نبه ~~على أن كل فرد من أفراد البشر له حظ من إنشائه عليه الصلاة والسلام من ~~العدم، إذ لم تكن فطرته ms2085 البديعة مقصورة على نفسه به كانت أنموذجا ~~منطويا على فطرية سائر آحاد الجنس انطواء إجماليا مستتبعا لجريان ~~آثارها على الكل، فكان إبداعه عليه الصلاة والسلام على ذلك الوجه ~~إبداعا لكل أحد من فروعه كذلك، ولما كان خلقه عليه الصلاة والسلام ~~على هذا النمط الساري إلى جميع أفراد ذريته أبدع من أن يكون ذلك ~~مقصورا على نفسه كما هو المفهوم من نسبة الخلق المذكور إليه وأدل ~~على عظم قدرته تعالى وكمال علمه وحكمته، وكان عدم زكريا حينئذ أظهر ~~عنده وأجلى وكان حاله أولى بأن يكون معيارا لحال ما بشر به نسب الخلق ~~المذكور إليه، كما نسب الخلق والتصوير إلى المخاطبين في قوله تعالى: # ولقد خلقنكم ثم صورنكم # [الأعراف: 11] توفية لمقام الامتنان حقه، فكأنه قيل: وقد خلقتك من ~~قبل في تضاعيف خلق آدم ولم تكن إذ ذاك شيئا أصلا بل عدما بحتا ~~ونفيا صرفا. هذا وأما حمل الشيء على المعتد به أي ولم تكن شيئا ~~معتدا به فيأباه المقام ويرده نظم الكلام، وقرىء خلقناك. ### || [19.10-12] # { قال رب اجعل لى ءاية } أي علامة تدلني على تحقق المسؤول ~~ووقوع الحبل، ولم يكن هذا السؤال منه عليه الصلاة والسلام لتأكيد ~~البشارة وتحقيقها كما قيل فإن ذلك مما لا يليق بمنصب الرسالة، وإنما ~~كان ذلك لتعريف وقت العلوق حيث كانت البشارة مطلقة عن تعيينه وهو ~~أمر خفي لا يوقف عليه، فأراد أن يطلعه الله تعالى عليه لتلقي تلك ~~النعمة الجليلة بالشكر من حين حدوثها ولا يؤخره إلى أن تظهر ظهورا ~~معتادا، وقد مرت الإشارة في تفسير سورة آل عمران إلى أن هذا السؤال ~~ينبغي أن يكون بعد ما مضى بعد البشارة برهة من الزمان، لما روي أن ~~يحيى كان أكبر من عيسى عليهما الصلاة والسلام بستة أشهر أو بثلاث سنين، ~~ولا ريب في أن دعاء زكريا عليه الصلاة والسلام كان في صغر مريم لقوله ~~تعالى: # هنالك دعا زكريا ربه # [آل عمران: 38] وهي إنما ولدت عيسى عليه الصلاة والسلام وهي بنت عشر ~~سنين أو بنت ثلاث عشرة ms2086 سنة، والجعل إبداعي واللام متعلقة به ~~وتقديمها على المفعول به لما مر مرارا من الاعتناء بالمقدم والتشويق ~~إلى المؤخر، أو بمحذوف وقع حالا من آية إذ لو تأخر لكان صفة لها، ~~وقيل: بمعنى التصيير المستدعي لمفعولين أولهما آية وثانيهما الظرف، ~~وتقديمه لأنه لا مسوغ لكون آية مبتدأ عند انحلال الجملة إلى مبتدأ ~~وخبر سوى تقديم الظرف فلا يتغير حالهما بعد ورود الناسخ. # { قال ءايتك أن لا تكلم الناس } أي لا تقدر على أن تكلمهم ~~بكلام الناس مع القدرة على الذكر والتسبيح { ثلث ليال } مع ~~أيامهن للتصريح بها في سورة آل عمران { سويا } حال من فاعل تكلم ~~مفيد لكون انتفاء التكلم بطريق الاضطرار دون الاختيار أي تمنع الكلام ~~فلا تطيق به حال كونك سوى الخلق سليم الجوارح ما بك شائبة بكم ولا ~~خرس. # { فخرج على قومه من المحراب } أي من المصلى أو من ~~الغرفة وكانوا من وراء المحراب ينتظرونه أن يفتح لهم الباب فيدخلوه ~~ويصلوا إذ خرج عليهم متغيرا لونه فأنكروه وقالوا: ما لك؟ { ~~فأوحى إليهم } أي أومأ إليهم لقوله تعالى: { إلا رمزا } ~~، وقيل: كتب على الأرض وأن في قوله تعالى: { أن سبحوا } إما مفسرة ~~لأوحى أو مصدرية والمعنى أن صلوا أو بأن صلوا { بكرة وعشيا } ~~هما ظرفا زمان للتسبيح. # عن أبي العالية: أن المراد بهما صلاة الفجر وصلاة العصر، أو نزهوا ~~ربكم طرفي النهار ولعله كان مأمورا بأن يسبح شكرا ويأمر قومه بذلك. # { يا يحيى } استئناف طوي قبله جمل كثيرة مسارعة إلى الإنباء ~~بإنجاز الوعد الكريم أي قلنا: يا يحيى { خذ الكتب } التوراة { ~~بقوة } أي بجد واستظهار بالتوفيق { وآتيناه الحكم صبيا ~~} قال ابن عباس رضي الله عنهما: الحكم النبوة استنبأه وهو ابن ثلاث ~~سنين، وقيل: الحكم الحكمة وفهم التوراة والفقه في الدين. روي أنه ~~دعاه الصبيان إلى اللعب، فقال: ما للعب خلقنا. ### || [19.13-18] # { وحنانا من لدنا } عطف على الحكم وتنوينه للتفخيم وهو ~~التحنن والاشتياق، ومن متعلقة بمحذوف وقع صفة مؤكدة لما أفاده ~~التنوين من الفخامة الذاتية بالفخامة الإضافية، أي وآتيناه ms2087 رحمة ~~عظيمة عليه كائنة من جنابنا أو رحمة في قلبه وشفقة على أبويه وغيرهما ~~{ وزكوة } أي طهارة من الذنوب أو صدقة تصدقنا به على أبويه أو ~~وفقناه للتصدق على الناس { وكان تقيا } مطيعا متجنبا عن المعاصي. # { وبرا بولديه } عطف على تقيا أي بارا بهما لطيفا بهما ~~محسنا إليهما { ولم يكن جبارا عصيا } متكبرا عاقا لهما ~~أو عاصيا لربه. # { وسلم عليه } من الله عز وجل { يوم ولد } من أن يناله ~~الشيطان بما ينال به بني آدم { ويوم يموت } من عذاب القبر { ~~ويوم يبعث حيا } من هول القيامة وعذاب النار. # { واذكر فى الكتب } كلام مستأنف خوطب به النبي عليه ~~الصلاة والسلام وأمر بذكر قصة مريم إثر قصة زكريا لما بينهما من ~~كمال الاشتباك، والمراد بالكتاب السورة الكريمة لا القرآن إذ هي التي ~~صدرت بقصة زكريا المستتبعة لذكر قصتها وقصص الأنبياء المذكورين فيها ~~أي واذكر للناس { مريم } أي نبأها فإن الذكر لا يتعلق بالأعيان ~~وقوله تعالى: { إذ انتبذت } ظرف لذلك المضاف لكن لا على أن يكون ~~المأمور به ذكر نبئها عند انتباذها فقط، بل كل ما عطف عليه وحكي ~~بعده بطريق الاستئناف، داخل في حيز الظرف متمم للنبأ. وقيل: بدل ~~اشتمال من مريم على أن المراد بها نبأها فإن الظروف مشتملة على ما ~~فيها، وقيل: بدل الكل على المراد بالظرف ما وقع فيه، وقيل: إذ بمعنى أن ~~المصدرية كما في قولك: أكرمتك إذ لم تكرمني أي لأن لم تكرمني فهو بدل ~~اشتمال لا محالة وقوله تعالى: { من أهلها } متعلق بانتبذت وقوله: ~~{ مكانا شرقيا } مفعول له باعتبار ما في ضمنه من معنى الإتيان ~~المترتب وجودا واعتبارا على أصل معناه العامل في الجار والمجرور، وهو ~~السر في تأخيره عنه أي اعتزلت وانفردت منهم وأتت مكانا شرقيا من بيت ~~المقدس أو من دارها لتتخلى هنالك للعبادة، وقيل: قعدت في شرفة لتغتسل ~~من الحيض محتجبة بحائط أو بشيء يسترها وذلك قوله تعالى: { فاتخذت ~~من دونهم حجابا } وكان موضعها المسجد فإذا حاضت تحولت إلى بيت ~~خالتها وإذا طهرت ms2088 عادت إلى المسجد، فبينما هي في مغتسلها أتاها الملك ~~عليه الصلاة والسلام في صورة آدمي شاب أمرد وضيء الوجه جعد الشعر ~~وذلك قوله تعالى: { فأرسلنا إليها روحنا } أي جبريل عليه ~~الصلاة والسلام عبر عنه بذلك توفية للمقام حقه، وقرىء بفتح الراء ~~لكونه سببا لما فيه روح العباد الذي هو عدة المقربين في قوله ~~تعالى: # فأما إن كان من المقربين فروح وريحان # [الواقعة: 89] { فتمثل لها بشرا سويا } سوي الخلق ~~كامل البنية لم يفقد من حسان نعوت الآدمية شيئا، وقيل: تمثل في ~~صورة ترب لها اسمه يوسف من خدم بيت المقدس وذلك لتستأنس بكلامه ~~وتتلقى منه ما يلقى إليها من كلماته تعالى، إذ لو بدا لها على الصورة ~~الملكية لنفرت منه ولم تستطع مفاوضته. وأما ما قيل من أن ذلك ~~لتهييج شهوتها فتنحدر نطفتها إلى رحمها فمع مخالفته لمقام بيان ~~آثار القدرة الخارقة للعادة يكذبه قوله تعالى: { قالت إنى أعوذ ~~بالرحمن منك } فإنه شاهذ عدل بأنه لم يخطر ببالها شائبة ~~ميل ما إليه فضلا عما ذكر من الحالة المترتبة على أقصى مراتب الميل ~~والشهوة، نعم كان تمثيله على ذلك الحسن الفائق والجمال الرائق ~~لابتلائها وسبر عفتها، ولقد ظهر منها من الورع والعفاف ما لا غاية ~~وراءه، وذكره تعالى بعنوان الرحمانية للمبالغة في العياذ به تعالى ~~واستجلاب آثار الرحمة الخاصة التي هي العصمة مما دهمها وقوله ~~تعالى: { إن كنت تقيا } أي تتقي الله تعالى وتبالي بالاستعاذة به، ~~وجواب الشرط محذوف ثقة بدلالة السياق عليه أي فإني عائذة به أو ~~فتعوذ بتعوذي أو فلا تتعرض لي. ### || [19.19-21] # { قال إنما أنا رسول ربك } يريد عليه الصلاة والسلام أني ~~لست ممن يتوقع منه ما توهمت من الشر، وإنما أنا رسول ربك الذي ~~استعذت به { لأهب لك غلما } أي لأكون سببا في هبته بالنفخ في ~~الدرع، ويجوز أن يكون ذلك حكاية لقوله تعالى ويؤيده القراءة بالياء، ~~والتعرض لعنوان الربوبية مع الإضافة إلى ضميرها لتشريفها وتسليتها ~~والإشعار بعلة الحكم، فإن هبة الغلام لها من أحكام تربيتها، وفي بعض ms2089 ~~المصاحف أمرني أن أهب لك غلاما { زكيا } طاهرا من الذنوب أو ~~ناميا على الخير أي مترقيا من سن إلى سن على الخير والصلاح. # { قالت أنى يكون لى غلم } كما وصفت { ولم ~~يمسسنى بشر } أي والحال أنه لم يباشرني بالنكاح رجل، وإنما قيل ~~بشر مبالغة في بيان تنزهها من مبادىء الولادة { ولم أك ~~بغيا } عطف على لم يمسسني داخل معه في حكم الحالية مفصح عن كون ~~المساس عبارة عن المباشرة بالنكاح أي ولم أكن فاجرة تبغي الرجال، وهي ~~فعول بمعنى الفاعل أصلها بغوي فأدغمت الواو بعد قلبها ياء في الياء ~~وكسرت الغين للياء، وقيل: هي فعيل بمعنى الفاعل، وإلا لقيل: بغو كما ~~يقال: فلان نهو عن المنكر، وإنما لم تلحقه التاء لأنها من باب ~~النسب كطالق أو بمعنى المفعول أي يبغيها الرجال للفجور بها. # { قال } أي الملك تقريرا لمقالته وتحقيقا لها { كذلك } أي ~~الأمر كما قلت لك، وقوله تعالى: { قال ربك } الخ، استئناف ~~مقرر له أي قال ربك الذي أرسلني إليك: { هو } أي ما ذكرت لك من هبة ~~الغلام من غير أن يمسك بشر أصلا { على } خاصة { هين } وإن ~~كان مستحيلا عادة لما أني لا أحتاج إلى الأسباب والوسائط، وقوله تعالى: ~~{ ولنجعله ءاية للناس } إما علة لمعلل محذوف أي ولنجعل ~~وهب الغلام آية لهم وبرهانا يستدلون به على كمال قدرتنا نفعل ذلك، ~~أو معطوف على علة أخرى مضمرة أي لنبين به عظم قدرتنا ولنجعله آية ~~الخ، والواو على الأول اعتراضية والالتفات إلى نون العظمة لإظهار كمال ~~الجلالة { ورحمة } عظيمة كائنة { منا } عليهم يهتدون بهدايته ~~ويسترشدون بإرشاده. { وكان } ذلك { أمرا مقضيا } محكما قد ~~تعلق به قضاؤنا الأزلي أو قدر وسطر في اللوح لا بد من جريانه عليك ~~البتة، أو كان أمرا حقيقا بأن يقضى ويفعل لتضمنه حكما بالغة. ### || [19.22-23] # { فحملته } بأن نفخ جبريل عليه الصلاة والسلام في درعها فدخلت ~~النفخة في جوفها، قيل: إنه عليه الصلاة والسلام رفع درعها فنفخ في ~~جيبه فحملت، وقيل: نفخ عن بعد فوصل الريح إليها فحملت في ms2090 الحال، وقيل: ~~إن النفخة كانت في فيها وكانت مدة حملها سبعة أشهر، وقيل: ثمانية، ~~ولم يعش مولود وضع لثمانية أشهر غيره، وقيل: تسعة أشهر، وقيل: ~~ثلاث ساعات، وقيل: ساعة كما حملت وضعته وسنها حينئذ ثلاث عشرة ~~سنة، وقيل: عشر سنين وقد حاضت حيضتين { فانتبذت به } أي ~~فاعتزلت وهو في بطنها كما في قوله: [الوافر] # تدوس بنا الجماجم والتريبا # فالجار والمجرور في حيز النصب على الحالية أي فانتبذت ملتبسة به { ~~مكانا قصيا } بعيدا من أهلها وراء الجبل، وقيل: أقصى الدار وهو ~~الأنسب لقصر مدة الحمل. # { فأجاءها المخاض } أي فألجأها وهو في الأصل منقول من جاء لكنه ~~لم يستعمل في غيره كآتى في أعطي، وقرىء المخاض بكسر الميم وكلاهما مصدر ~~مخضت المرأة إذا تحرك الولد في بطنها للخروج { إلى جذع ~~النخلة } لتستتر به وتعتمد عليه عند الولادة وهو ما بين العرق ~~والغصن، وكانت نخلة يابسة لا رأس لها ولا خضرة وكان الوقت شتاء، ~~والتعريف إما للجنس أو للعهد إذ لم يكن ثمة غيرها وكانت كالمتعالم عند ~~الناس، ولعله تعالى ألهمها ذلك ليريها من آياتها ما يسكن روعتها ~~ويطعمها الرطب الذي هو خرسة النفساء الموافقة لها { قالت ~~يليتنى مت } بكسر الميم من مات يمات كخفت، وقرىء بضمها من مات ~~يموت { قبل هذا } أي هذا الوقت الذي لقيت فيه ما لقيت، وإنما ~~قالته مع أنها كانت تعلم ما جرى بينها وبين جبريل عليه السلام من ~~الوعد الكريم استحياء من الناس وخوفا من لائمتهم، أو حذارا من وقوع ~~الناس في المعصية بما تكلموا فيها، أو جريا على سنن الصالحين عند ~~اشتداد الأمر عليهم كما روي عن عمر رضي الله عنه أنه أخذ تبنة من ~~الأرض فقال: «يا ليتنى هذه التبنة ولم أكن شيئا»، وعن بلال أنه قال: ~~«ليت بلالا لم تلده أمه» { وكنت نسيا } أي شيئا تافها شأنه ~~أن ينسى ولا يعتد به أصلا، وقرىء بالكسر، قيل: هما لغتان في ذلك ~~كالوتر، وقيل: هو بالكسر اسم لما ينسى كالنقض اسم لما ينقض ~~وبالفتح مصدر سمي ms2091 به المفعول مبالغة، وقرىء بهما مهموزا من نسأت ~~اللبن إذا صببت عليه الماء فصار مستهلكا فيه، وقرىء نسا كعصا { ~~منسيا } لا يخطر ببال أحد من الناس وهو نعت للمبالغة، وقرىء بكسر ~~الميم إتباعا له بالسين. ### || [19.24-26] # { فناداها } أي جبريل عليه السلام { من تحتها } قيل: إنه كان ~~يقبل الولد، وقيل: من تحتها أي من مكان أسفل منها تحت الأكمة، وقيل: من ~~تحت النخلة، وقيل: ناداها عيسى عليه السلام، وقرىء فخاطبها من تحتها ~~بفتح الميم { أن لا تحزنى } أي لا تحزني، على أن «أن» مفسرة، أو ~~بأن لا تحزني على أنها مصدرية قد حذف عنها الجار { قد جعل ربك ~~تحتك } أي بمكان أسفل منك، وقيل: تحت أمرك إن أمرت بالجري أجري ~~وأن أمرت بالإمساك أمسك { سريا } أي نهرا صغيرا حسبما روي ~~مرفوعا، قال ابن عباس رضي الله عنهما: إن جبريل عليه السلام ضرب برجله ~~الأرض فظهرت عين ماء عذب فجرى جدولا. وقيل: فعله عيسى عليه السلام. ~~وقيل: كان هناك نهر يابس أجرى الله عز وجل فيه الماء حينئذ كما فعل ~~مثله بالنخلة، فإنها كانت نخلة يابسة لا رأس لها ولا ورق فضلا عن ~~الثمر وكان الوقت شتاء، فجعل الله لها إذ ذاك رأسا وخوصا وثمرا، ~~وقيل: كان هناك ماء جار. والأول هو الموافق لمقام بيان ظهور الخوارق ~~والمتبادر من النظم الكريم، وقيل: سريا أي سيدا نبيا رفيع الشأن ~~جليلا وهو عيسى عليه السلام، فالتنوين للتفخيم والجملة للتعليل ~~لانتفاء الحزن المفهوم من النهي عنه، والتعرض لعنوان الربوبية مع ~~الإضافة إلى ضميرها لتشريفها وتأكيد التعليل وتكميل التسلية. # { وهزي } هز الشيء تحريكه إلى الجهات المتقابلة تحريكا عنيفا ~~متداركا، والمراد ههنا ما كان منه بطريق الجذب والدفع لقوله تعالى: ~~{ إليك } أي إلى جهتك والباء في قوله عز وعلا: { بجذع ~~النخلة } صلة للتأكيد كما في قوله تعالى: # ولا تلقوا بأيديكم # [البقرة: 195] الخ، قال الفراء: تقول العرب: هزه وهز به وأخذ ~~الخطام وأخذ بالخطام، أو لإلصاق الفعل بمدخولها أي افعلي الهز بجذعها ~~{ تسقط } أي تسقط النخلة { عليك } إسقاطا ms2092 متواترا حسب ~~تواتر الهز، وقرىء تسقط ويسقط من الإسقاط بالتاء والياء، ~~وتتساقط بإظهار التاءين، وتساقط بطرح الثانية، وتساقط بإدغامها في ~~السين، ويساقط بالياء كذلك، وتسقط ويسقط من السقوط على أن التاء في ~~الكل للنخلة والياء للجذع، وقوله تعالى: { رطبا } على القراءات ~~الأول مفعول وعلى الست البواقي تمييز، وقوله تعالى: { جنيا } ~~صفة له وهو ما قطع قبل يبسه فعل بمعنى مفعول، أي رطبا مجنيا أي ~~صالحا للاجتناء، وقيل: بمعنى فاعل أي طريا طيبا، وقرىء جنيا بكسر ~~الجيم للاتباع. # { فكلى واشربى } أي ذلك الرطب وماء السري أو من الرطب ~~وعصيره { وقرى عينا } وطيبي نفسا وارفضي عنها ما أحزنك وأهمك، ~~فإنه تعالى قد نزه ساحتك عما اختلج في صدور المتعبدين بالأحكام العادية ~~بأن أظهر لهم من البسائط العنصرية والمركبات النباتية ما يخرق ~~العادات التكوينية ويرشدهم إلى الوقوف على سريرة أمرك، وقرىء وقري ~~بكسر القاف وهي لغة نجد واشتقاقه من القرار، فإن العين إذا رأت ما يسر ~~النفس سكنت إليه من النظر إلى غيره، أو من القر فإن دمعة السرور ~~باردة ودمعة الحزن حارة، ولذلك يقال: قرة العين وسخنة العين ~~للمحبوب والمكروه { فإما ترين من البشر أحدا } أي ~~آدميا كائنا من كان، وقرىء ترئن على لغة من يقول: لبأت بالحج ~~لما بين الهمزة والياء من التآخي { فقولى } له إن استنطقك { إنى ~~نذرت للرحمن صوما } أي صمتا وقد قرىء كذلك، أو صياما ~~وكان صيامهم بالسكوت { فلن أكلم اليوم إنسيا } أي بعد أن ~~أخبرتكم بنذري وإنما أكلم الملائكة وأناجي ربي، وقيل: أمرت بأن ~~تخبر بنذرها بالإشارة وهو الأظهر، قال الفراء: العرب تسمي كل ما ~~وصل إلى الإنسان كلاما بأي طريق وصل ما لم يؤكد بالمصدر، فإذا أكد ~~لم يكن إلا حقيقة الكلام، وإنما أمرت بذلك لكراهة مجادلة السفهاء ~~ومناقلتهم والاكتفاء بكلام عيسى عليه السلام، فإنه نص قاطع في قطع ~~الطعن. ### || [19.27-29] # { فأتت به قومها } أي جاءتهم مع ولدها راجعة إليهم عندما طهرت ~~من نفاسها { تحمله } أي حاملة له { قالوا } مؤنبين لها { يا ~~مريم لقد جئت } أي ms2093 فعلت { شيئا فريا } أي عظيما بديعا ~~منكرا من فرى الجلد أي قطعه، أو جئت مجيئا عجيبا عبر عنه بالشيء ~~تحقيقا للاستغراب. # { يأخت هرون } استئناف لتجديد التعيير وتأكيد التوبيخ ~~عنوا به هارون النبي عليه السلام، وكانت من أعقاب من كان معه في ~~طبقة الأخوة، وقيل: كانت من نسله وكان بينهما ألف سنة، وقيل: هو رجل ~~صالح أو طالح كان في زمانهم شبهوها به، أي كنت عندنا مثله في الصلاح أو ~~شتموها به { ما كان أبوك امرأ سوء وما كانت أمك ~~بغيا } تقرير لكون ما جاءت به فريا منكرا وتنبيه على أن ~~ارتكاب الفواحش من أولاد الصالحين أفحش. # { فأشارت إليه } أي إلى عيسى عليه السلام أن كلموه، والظاهر ~~أنها حينئذ بينت نذرها وأنها بمعزل من محاورة الإنس حسبما أمرت، ففيه ~~دلالة على أن المأمور به بيان نذرها بالإشارة لا بالعبارة، والجمع ~~بينهما مما لا عهد به { قالوا } منكرين لجوابها { كيف نكلم ~~من كان فى المهد صبيا } ولم نعهد فيما سلف صبيا يكلمه ~~عاقل، وقيل: (كان) لإيقاع مضمون الجملة في زمان ماض مبهم صالح لقريبه ~~وبعيده، وهو ههنا لقريبه خاصة بدليل أنه مسوق للتعجب، وقيل: هي زائدة ~~والظرف صلة من وصبيا حال من المستكن فيه أو هي تامة أو دائمة كما ~~في قوله تعالى: # وكان الله عليما حكيما # [النساء، الآية 17]. ### || [19.30-34] # { قال } استئناف مبني على سؤال نشأ من سياق النظم الكريم، كأنه ~~قيل: فماذا كان بعد ذلك؟ فقيل: قال عيسى عليه السلام: { إنى عبد ~~الله } أنطقه الله عز وجل بذلك آثر ذي أثير تحقيقا للحق وردا على ~~من يزعم ربوبيته، قيل: كان المستنطق لعيسى زكريا عليهما الصلاة ~~والسلام، وعن السدي رضي الله عنه: لما أشارت إليه غضبوا وقالوا: ~~لسخريتها بنا أشد علينا مما فعلت، وروي أنه عليه السلام كان يرضع ~~فلما سمع ذلك ترك الرضاع وأقبل عليهم بوجهه واتكأ على يساره وأشار ~~إليهم بسبابته فقال ما قال الخ، وقيل: كلمهم بذلك ثم لم يتكلم حتى بلغ ~~مبلغا يتكلم فيه الصبيان { الكتب } أي الإنجيل ms2094 { وجعلنى ~~نبيا } { وجعلنى } مع ذلك { مباركا } نفاعا معلما ~~للخير، والتعبير بلفظ الماضي في الأفعال الثلاثة إما باعتبار ما سبق في ~~القضاء المحتوم أو بجعل ما في شرف الوقوع لا محالة واقعا، وقيل: أكمله ~~الله عقلا واستنبأه طفلا { أينما كنت } أي حيثما كنت { ~~واوصنى بالصلوة } أي أمرني بها أمرا مؤكدا { ~~والزكوة } زكاة المال إن ملكته أو بتطهير النفس عن الرذائل { ~~ما دمت حيا } في الدنيا. # { وبرا بوالدتى } عطف على مباركا أي جعلني بارا بها، وقرىء ~~بالكسر على أنه مصدر وصف به مبالغة، أو منصوب بمضمر دل عليه أوصاني، ~~أي وكلفني برا، ويؤيده القراءة بالكسر والجر عطفا على الصلاة ~~والزكاة والتنكير للتفخيم { ولم يجعلنى جبارا شقيا } ~~عنيدا لله تعالى لفرط تكبره. # { والسلم على يوم ولدت ويوم أموت ويوم ~~أبعث حيا } كما هو على يحيى، على أن التعريف للعهد والأظهر أنه ~~للجنس والتعريض باللعن على أعدائه، فإن إثبات جنس السلام لنفسه تعريض ~~بإثبات ضده لأضداده كما في قوله تعالى: # والسلم على من اتبع الهدى # [طه: 47] فإنه تعريض بأن العذاب على من كذب وتولى. # { ذلك } إشارة إلى من فصلت نعوته الجليلة، وما فيه من معنى ~~البعد للدلالة على علو مرتبته وبعد منزلته وامتيازه بتلك المناقب ~~الحميدة عن غيره ونزوله منزلة المشاهد المحسوس { عيسى ابن ~~مريم } لا ما يصفه النصارى، وهو تكذيب لهم فيما يزعمونه على ~~الوجه الأبلغ والمنهاج البرهاني حيث جعله موصوفا بأضداد ما يصفونه { ~~قول الحق } بالنصب على أنه مصدر مؤكد لقال: إني عبد الله الخ، ~~وقوله تعالى: { ذلك عيسى ابن مريم } اعتراض مقرر لمضمون ~~ما قبله، وقرىء بالرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف أي هو قول الحق الذي ~~لا ريب فيه، والإضافة للبيان والضمير للكلام السابق لتمام القصة، ~~وقيل: صفة عيسى أو بدله أو خبر ثان ومعناه كلمة الله، وقرىء قال ~~الحق وقول الحق فإن القول والقال في معنى واحد { الذى فيه ~~يمترون } أي يشكون أو يتنازعون، فيقول اليهود: ساحر، والنصارى: ~~ابن الله، وقرىء بتاء الخطاب. ### || [19.35-38] # { ما كان لله } أي ما ms2095 صح وما استقام له تعالى { أن يتخذ من ~~ولد سبحنه } تكذيب للنصارى وتنزيه له تعالى عما بهتوه وقوله ~~تعالى: { إذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون } ~~تبكيت لهم ببيان أن شأنه تعالى إذا قضى أمرا من الأمور أن يعلق ~~به إرادته فيكون حينئذ بلا تأخير، فمن هذا شأنه كيف يتوهم أن يكون ~~له ولد وقرىء فيكون بالنصب على الجواب. # وقوله تعالى: { وإن الله ربى وربكم فاعبدوه } من ~~تمام كلام عيسى عليه السلام، قيل: هو عطف على قوله: { إنى عبد ~~الله } داخل تحت القول وقد قرىء بغير واو، وقرىء بفتح الهمزة على ~~حذف اللام أي ولأنه تعالى ربي وربكم فاعبدوه كقوله تعالى: # وأن المسجد لله فلا تدعوا مع الله أحدا # [الجن: 18] وقيل: معطوف على الصلاة { هذا } أي الذي ذكرته من ~~التوحيد { صرط مستقيم } لا يضل سالكه والفاء في قوله تعالى: ~~{ فاختلف الأحزاب من بينهم } لترتيب ما بعدها على ما ~~قبلها تنبيها على سوء صنيعهم بجعلهم ما يوجب الاتفاق منشأ للاختلاف، ~~فإن ما حكي من مقالات عيسى عليه السلام مع كونها نصوصا قاطعة في كونه ~~عبده تعالى ورسوله قد اختلفت اليهود والنصارى بالتفريط والإفراط، أو ~~فرق النصارى، فقالت النسطورية: هو ابن الله، وقالت اليعقوبية: هو ~~الله هبط إلى الأرض ثم صعد إلى السماء تعالى عن ذلك علوا كبيرا، ~~وقالت الملكانية: هو عبد الله ونبيه. # { فويل للذين كفروا } وهم المختلفون عبر عنهم بالموصول ~~إيذانا بكفرهم جميعا وإشعارا بعلة الحكم { من مشهد يوم ~~عظيم } أي من شهود يوم عظيم الهول والحساب والجزاء وهو يوم ~~القيامة، أو من وقت شهوده أو من مكان الشهود فيه أو من شهادة ذلك اليوم ~~عليهم، وهو أن يشهد عليهم الملائكة والأنبياء عليهم السلام وألسنتهم ~~وآذانهم وأيديهم وأرجلهم وسائر آرابهم بالكفر والفسوق، أو من وقت ~~الشهادة أو من مكانها، وقيل: هو ما شهدوا به في حق عيسى وأمه عليهما ~~السلام. # { أسمع بهم وأبصر } تعجب من حدة سمعهم وأبصارهم ~~يومئذ، ومعناه أن أسماعهم وأبصارهم { يوم يأتوننا } للحساب ~~والجزاء أي يوم ms2096 القيامة جدير بأن يتعجب منها بعد أن كانوا في الدنيا ~~صما عميا، أو تهديد بما سيسمعون ويبصرون يومئذ، وقيل: أمر بأن ~~يسمعهم ويبصرهم مواعيد ذلك اليوم وما يحيق بهم فيه، والجار ~~والمجرور على الأول في موقع الرفع وعلى الثاني في حيز النصب { لكن ~~الظلمون اليوم } أي في الدنيا { فى ضلل مبين } لا ~~تدرك غايته حيث أغفلوا الاستماع والنظر بالكلية، ووضع الظالمين ~~موضع الضمير للإيذان بأنهم في ذلك ظالمون لأنفسهم. ### || [19.39-45] # { وأنذرهم يوم الحسرة } أي يوم يتحسر الناس قاطبة، أما ~~المسيء فعلى إساءته وأما المحسن فعلى قلة إحسانه { إذ قضى ~~الأمر } أي فرغ من الحساب وتصادر الفريقان إلى الجنة والنار. روي أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن ذلك، فقال: # " حين يجاء بالموت على صورة كبش أملح فيذبح والفريقان ينظرون، فينادي ~~المنادي يا أهل الجنة خلود فلا موت ويا أهل النار خلود فلا موت، ~~فيزداد أهل الجنة فرحا إلى فرح وأهل النار غما إلى غم " # وإذ بدل من يوم الحسرة أو ظرف للحسرة فإن المصدر المعرف باللام ~~يعمل في المفعول الصريح عند بعضهم فكيف بالظرف { وهم فى غفلة } ~~أي عما يفعل بهم في الآخرة { وهم لا يؤمنون } وهما جملتان ~~حاليتان من الضمير المستتر في قوله تعالى: { في ضلل مبين } أي ~~مستقرون في ذلك وهم في تينك الحالتين، وما بينهما اعتراض، أو من مفعول ~~أنذرهم أي أنذرهم غافلين غير مؤمنين فيكون حالا متضمنة لمعنى ~~التعليل. # { إنا نحن نرث الأرض ومن عليها } لا يبقى لأحد ~~غيرنا عليها وعليهم ملك ولا ملك، أو نتوفى الأرض ومن عليها ~~بالإفناء والإهلاك توفي الوارث لإرثه { وإلينا يرجعون } أي ~~يردون للجزاء لا إلى غيرنا استقلالا أو اشتراكا. # { واذكر } عطف على أنذرهم { فى الكتب } أي في السورة أو في ~~القرآن { إبراهيم } أي اتل على الناس قصته وبلغها إياهم كقوله ~~تعالى: # واتل عليهم نبأ إبرهيم # [الشعراء: 69] فإنهم ينتمون إليه عليه السلام فعساهم باستماع قصته ~~يقلعون عما هم فيه من القبائح { إنه كان صديقا } ملازما ~~للصدق في كل ما يأتي ms2097 ويذر، أو كثير التصديق لكثرة ما صدق به غيوب الله ~~تعالى وآياته وكتبه ورسله، والجملة استئناف مسوق لتعليل موجب ~~الأمر فإن وصفه عليه السلام بذلك من دواعي ذكره { نبيا } خبر آخر ~~لكان مقيد للأول مخصص له كما ينبىء عنه قوله تعالى: # من النبيين والصديقين # [النساء: 69]، أي كان جامعا بين الصديقية والنبوة ولعل هذا الترتيب ~~للمبالغة في الاحتراز عن توهم تخصيص الصديقية بالنبوة فإن كل نبي ~~صديق. # { إذ قال } بدل اشتمال من إبراهيم وما بينهما اعتراض مقرر لما ~~قبله أو متعلق بكان أو بنبيا، وتعليق الذكر بالأوقات مع أن المقصود ~~تذكير ما وقع فيها من الحوادث قد مر سره مرارا، أي كان جامعا بين ~~الأثرتين حين قال { لأبيه } آزر متلطفا في الدعوة مستميلا له { ~~يأبت } أي با أبي فإن التاء عوض عن ياء الإضافة ولذلك لا يجتمعان، ~~وقد قيل: يا أبتا لكون الألف بدلا من الياء { لم تعبد ما لا ~~يسمع } ثناءك عليه عند عبادتك له وجؤارك إليه { ولا يبصر } ~~خضوعك وخشوعك بين يديه، أو لا يسمع ولا يبصر شيئا من المسموعات ~~والمبصرات فيدخل في ذلك ما ذكر دخولا أوليا { ولا يغنى } أي لا ~~يقدر على أن يغني { عنك شيئا } في جلب نفع أو دفع ضر، ولقد سلك ~~عليه السلام في دعوته أحسن منهاج وأقوم سبيل، واحتج بحسن أدب وخلق ~~جميل لئلا يركب متن المكابرة والعناد ولا ينكب بالكلية عن محجة ~~الرشاد، حيث طلب منه علة عبادته لما يستخف به عقل كل عاقل من عالم ~~وجاهل ويأبى الركون إليه، فضلا عن عبادته التي هي الغاية القاصية من ~~التعظيم مع أنها لا تحق إلا لمن له الاستغناء التام والإنعام ~~العام: الخالق الرازق المحيي المميت المثيب المعاقب، ونبه على أن ~~العاقل يجب أن يفعل كل ما يفعل لداعية صحيحة وغرض صحيح، والشيء لو ~~كان حيا مميزا سميعا بصيرا قادرا على النفع والضر مطيقا بإيصال ~~الخير والشر لكن كان ممكنا لاستنكف العقل السليم عن عبادته، وإن ~~كان أشرف الخلائق لما يراه مثله في الحاجة ms2098 والانقياد للقدرة ~~القاهرة الواجبة، فما ظنك بجماد مصنوع من حجر أو شجر ليس له من أوصاف ~~الإحياء عين ولا أثر ثم دعاه إلى أن يتبعه ليهديه إلى الحق المبين، ~~لما أنه لم يكن محفوظا من العلم الإلهي مستقلا بالنظر السوي مصدرا ~~لدعوته بما مر من الاستمالة والاستعطاف حيث قال: # { يأبت إنى قد جاءنى من العلم ما لم يأتك } ولم ~~يسم أباه بالجهل المفرط وإن كان في أقصاه ولا نفسه بالعلم الفائق ~~وإن كان كذلك، بل أبرز نفسه في صورة رفيق له أعرف بأحوال ما سلكاه من ~~الطريق، فاستماله برفق حيث قال: { فاتبعنى أهدك صرطا ~~سويا } أي مستقيما موصلا إلى أسنى المطالب منجيا عن الضلال ~~المؤدي إلى مهاوي الردى والمعاطب، ثم ثبطه عما كان عليه بتصويره بصورة ~~يستنكرها كل عاقل ببيان أنه مع عرائه عن النفع بالمرة مستجلب لضرر ~~عظيم، فإنه في الحقيقة عبادة الشيطان لما أنه الآمر به فقال: { ~~يأبت لا تعبد الشيطن } فإن عبادتك للأصنام عبادة له إذ ~~هو الذي يسولها لك ويغريك عليها وقوله: { إن الشيطن كان ~~للرحمن عصيا } تعليل لموجب النهي وتأكيد له ببيان أنه ~~مستعص على ربك الذي أنعم عليك بفنون النعم، ولا ريب في أن المطيع ~~للعاصي عاص وكل من هو عاص حقيق بأن يسترد منه النعم وينتقم منه، ~~والإظهار في موضع الإضمار لزيادة التقرير، والاقتصار على ذكر عصيانه ~~من بين سائر جناياته لأنه ملاكها أو لأنه نتيجة معاداته لآدم عليه ~~السلام وذريته، فتذكيره داع لأبيه إلى الاحتراز عن موالاته وطاعته ~~والتعرض لعنوان الرحمانية لإظهار كمال شناعة عصيانه. # وقوله: { يأبت إنى أخاف أن يمسك عذاب من ~~الرحمن } تحذير من سوء عاقبة ما كان عليه من عبادة الشيطان وهو ~~ابتلاؤه بما ابتلي به معبوده من العذاب الفظيع، وكلمة من متعلقة ~~بمضمر وقع صفة للعذاب مؤكدة لما أفاده التنكير من الفخامة الذاتية ~~بالفخامة الإضافية، وإظهار الرحمن للإشعار بأن وصف الرحمانية لا يدفع ~~حلول العذاب كما في قوله عز وجل: # ما غرك بربك الكريم # [الانفطار: 6] { فتكون للشيطن وليا ms2099 } أي قرينا له في ~~اللعن المخلد، وذكر الخوف للمجاملة وإبراز الاعتناء بأمره. ### || [19.46-47] # { قال } استئناف مبني على سؤال نشأ من صدر الكلام كأنه قيل: فماذا ~~قال أبوه عندما سمع منه عليه السلام هذه النصائح الواجبة القبول؟ ~~فقيل: قال مصرا على عناده: { أراغب أنت عن ءالهتى ~~يإبرهيم } أي أمعرض ومنصرف أنت عنها بتوجيه الإنكار إلى نفس ~~الرغبة مع ضرب من التعجب، كأن الرغبة عنها مما لا يصدر عن العاقل فضلا ~~عن ترغيب الغير عنها وقوله: { لئن لم تنته لأرجمنك } ~~تهديد وتحذير عما كان عليه من العظة والتذكير أي والله لئن لم تنته عما ~~كنت عليه من النهي عن عبادتهم لأرجمنك بالحجارة، وقيل: باللسان { ~~واهجرنى } أي فاحذرني واتركني { مليا } أي زمانا طويلا أو ~~مليا بالذهاب مطيقا به. # { قال } استئناف كما سلف { سلم عليك } توديع ومتاركة على ~~طريقة مقابلة السيئة بالحسنة، أي لا أصيبك بمكروه بعد ولا أشافهك بما ~~يؤذيك ولكن { سأستغفر لك ربي } أي أستدعيه أن يغفر لك بأن ~~يوفقك للتوبة ويهديك إلى الإيمان، كما يلوح به تعليل قوله تعالى: { ~~واغفر لأبى } بقوله تعالى: # إنه كان من الضالين # [الشعراء: 86] والاستغفار بهذا المعنى للكافر قبل تبين أنه يموت على ~~الكفر مما لا ريب في جوازه وإنما المحظور استدعاء المغفرة له مع بقائه ~~على الكفر فإنه مما لا مساغ له عقلا ولا نقلا، وأما الاستغفار له بعد ~~موته على الكفر فلا تأباه قضية العقل وإنما الذي يمنعه السمع، ألا يرى ~~إلى أنه عليه السلام قال لعمه أبي طالب: لا أزال أستغفر لك ما لم أنه ~~عنه فنزل قوله تعالى: # ما كان للنبى والذين ءامنوا أن يستغفروا ~~للمشركين # [التوبة: 113]، والاشتباه في أن هذا الوعد من إبراهيم عليه السلام، ~~وكذا قوله: لأستغفرن لك وما ترتب عليهما من قوله: { واغفر لأبي } ~~الآية، إنما كان قبل انقطاع رجائه عن إيمانه لعدم تبين أمره لقوله ~~تعالى: # فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه # [التوبة: 114] كما مر في تفسير سورة التوبة، واستثناؤه عما يؤتسى به ~~في قوله تعالى: # إلا ms2100 قول إبرهيم لأبيه لأستغفرن لك # [الممتحنة: 4] لا يقدح في جوازه لكن لا لأن ذلك كان قبل ورود النهي أو ~~لموعدة وعدها إياه كما قيل، لما أن النهي إنما ورد في شأن الاستغفار ~~بعد تبين الأمر وقد كان استغفاره عليه السلام قبل التبين فلم ~~يتناوله النهي أصلا، وأن الوعد بالمحظور لا يرفع حظره بل لأن ~~المراد بما يؤتسى به ما يجب الائتساء به حتما لوجود الوعيد على ~~الإعراض عنه بقوله تعالى: # لقد كان لكم فيهم أسوة حسنة لمن كان يرجو ~~الله واليوم الآخر ومن يتول فإن الله هو ~~الغنى الحميد # [الحديد: 24] فاستثناؤه عن ذلك إنما يفيد عدم وجوب استدعاء الإيمان ~~للكافر المرجو إيمانه لا سيما وقد انقطع ذلك عند ورود الاستثناء وذلك ~~مما لا يتردد فيه أحد من العقلاء، وأما عدم جوازه قبل تبين الأمر ~~فلا دلالة للاستثناء عليه قطعا، وتوجيه الاستثناء إلى العدة ~~بالاستغفار لا إلى نفس الاستغفار بقوله: { واغفر لأبي } الآية، ~~لأنها كانت هي الحاملة له عليه السلام عليه، وتخصيص تلك العدة بالذكر ~~دون ما وقع ههنا لورودها على نهج التأكيد القسمي، وأما جعل ~~الاستغفار دائرا عليها وترتيب التبرؤ على تبين الأمر فقد مر ~~تحقيقه في تفسير سورة التوبة. وقوله: { إنه كان بى حفيا } أي ~~بليغا في البر والإلطاف تعليل لمضمون ما قبله. ### || [19.48-51] # { وأعتزلكم } أي أتباعد عنك وعن قومك { وما تدعون من ~~دون الله } بالمهاجرة بديني حيث لم تؤثر فيكم نصائحي. # { وأدعو ربى } أعبده وحده، وقد جوز أن يراد به دعاؤه المذكور ~~في تفسير سورة الشعراء، ولا أن يبعد أ يراد به استدعاء الولد أيضا ~~بقوله: # رب هب لي من الصلحين # [الصافات: 100] حسبما يساعده السباق والسياق { عسى أن لا أكون ~~بدعاء ربى شقيا } أي خائبا ضائع السعي، وفيه تعريض بشقائهم في ~~عبادة آلهتهم، وفي تصدير الكلام بعسى من إظهار التواضع ومراعاة حسن ~~الأدب والتنبيه على حقيقة الحق من أن الإجابة والإثابة بطريق ~~التفضل منه عز وجل لا بطريق الوجوب، وأن العبرة بالخاتمة وذلك من ~~الغيوب المختصة بالعليم الخبير ms2101 ما لا يخفى. # { فلما اعتزلهم وما يعبدون من دون الله } ~~بالمهاجرة إلى الشام { وهبنا له إسحق ويعقوب } بدل ~~من فارقهم من أقربائه الكفرة لكن لا عقيب المهاجرة فإن المشهور أن ~~الموهوب حينئذ إسماعيل عليه السلام لقوله تعالى: # فبشرنه بغلم حليم # [الصافات: 101] إثر دعائه بقوله: { رب هب لى من ~~الصلحين } ولعل ترتيب هبتهما على اعتزاله ههنا لبيان كمال ~~عظم النعم التي أعطاها الله تعالى إياه بمقابلة من اعتزلهم من الأهل ~~والأقرباء فإنهما شجرتا الأنبياء لهما أولاد وأحفاد أولو شأن خطير ~~وذوو عدد كثير. هاذ وقد روي أنه عليه السلام لما قصد الشام أتى أولا ~~حران وتزوج بسارة وولدت له إسحاق وولد لإسحاق يعقوب والأول هو ~~الأقرب الأظهر { وكلا } أي كل واحد منهما أو منهم وهو مفعول أول ~~لقوله تعالى: { وجعلنا نبيا } لا بعضهم دون بعض. # { ووهبنا لهم من رحمتنا } هي النبوة، وذكرها بعد ذكر ~~جعلهم نبيا للإيذان بأنها من باب الرحمة، وقيل: هي المال والأولاد ~~وما بسط لهم من سعة الرزق، وقيل: هو الكتاب والأظهر أنها عامة لكل ~~خير ديني ودنيوي أوتوه مما لم يؤته أحد من العالمين { وجعلنا ~~لهم لسان صدق عليا } يفتخر بهم الناس ويثنون عليهم ~~استجابة لدعوته بقوله: # اجعل لي لسان صدق فى الآخرين # [الشعراء: 84] والمراد باللسان ما يوجد به من الكلام ولسان العرب ~~لغتهم، وإضافته إلى الصدق ووصفه بالعلو للدلالة على أنهم أحقاء بما ~~يثنون عليهم وأن محامدهم لا تخفى على تباعد الأعصار وتبدل الدول ~~وتحول الملل والنحل. # { واذكر في الكتب موسى } قدم ذكره على ذكر إسماعيل ~~لئلا ينفصل عن يعقوب عليهما السلام { إنه كان مخلصا } ~~موحدا أخلص عبادته عن الشرك والرياء، أو أسلم وجهه لله تعالى وأخلص ~~نفسه عما سواه، وقرىء مخلصا على أن الله تعالى أخلصه { وكان ~~رسولا نبيا } أرسله الله تعالى إلى الخلق فأنبأهم عنه ولذلك ~~قدم رسولا مع كونه أخلص وأعلى. ### || [19.52-56] # { وندينه من جانب الطور الأيمن } الطور جبل بين ~~مصر ومدين، والأيمن صفة للجانب أي ناديناه من ناحيته اليمنى من ~~اليمين وهي ms2102 التي تلي يمين موسى عليه السلام، أو من جانبه الميمون من ~~اليمن ومعنى ندائه منه أن تمثل له الكلام من تلك الجهة { ~~وقربناه نجيا } تقريب تشريف، مثل حاله عليه السلام بحال ~~من قربه الملك لمناجاته واصطفاه لمصاحبته ونجيا أي مناجيا حال من ~~أحد الضميرين في ناديناه أو قربناه، وقيل: مرتفعا لما روي أنه عليه ~~السلام رفع في السموات حتى سمع صريف القلم. # { ووهبنا له من رحمتنا } أي من أجل رحمتنا ورأفتنا له ~~أو بعض رحمتنا { أخاه } أي معاضدة أخيه ومؤازرته إجابة لدعوته ~~بقوله: # واجعل لي وزيرا من أهلي هرون أخي # [طه: 29-30] لا نفسه لأنه كان أكبر منه عليهما السلام، وهو على الأول ~~مفعول لوهبنا وعلى الثاني بدل وقوله تعالى: { هرون } عطف بيان له ~~وقوله تعالى: { نبيا } حال منه. # { واذكر في الكتب إسمعيل } فصل ذكره عن ذكر أبيه ~~وأخيه لإبراز كمال الاعتناء بأمره بإيراده مستقلا وقوله تعالى: { ~~إنه كان صدق الوعد } تعليل لموجب الأمر، وإيراده عليه ~~السلام بهذا الوصف لكمال شهرته به وناهيك أنه وعد الصبر على الذبح ~~بقوله: # ستجدني إن شاء الله من الصبرين # [الصافات: 102] فوفى { وكان رسولا نبيا } فيه دلالة على ~~أن الرسول لا يجب أن يكون صاحب شريعة، فإن أولاد إبراهيم عليه ~~الصلاة والسلام كانوا على شريعته. # { وكان يأمر أهله بالصلوة والزكوة } اشتغالا ~~بالأهم وهو أن يقبل الرجل بالتكميل على نفسه من هو أقرب الناس إليه ~~قال تعالى: # وأنذر عشيرتك الأقربين # [الشعراء: 214] # وأمر أهلك بالصلوة # [طه: 132] # قوا أنفسكم وأهليكم نارا # [التحريم: 6] وقصد إلى تكميل الكل بتكميلهم لأنهم قدوة يؤتسى بهم، ~~وقيل: أهله أمته فإن الأنبياء عليهم السلام آباء الأمم { وكان ~~عند ربه مرضيا } لاتصافه بالنعوت الجليلة التي من جملتها ما ~~ذكر من خصاله الحميدة. # { واذكر في الكتب إدريس } وهو سبط شيث وجد أبي ~~نوح فإنه نوح بن لمك بن متوشلح بن أخنوخ وهو إدريس عليه السلام، ~~واشتقاقه من الدرس يرده منع صرفه. نعم لا يبعد أن يكون معناه في ~~تلك اللغة قريبا من ذلك فلقب به لكثرة ms2103 دراسته. روي أنه تعالى أنزل ~~عليه ثلاثين صحيفة وأنه أول من خط بالقلم ونظر في علم النجوم والحساب { ~~إنه كان صديقا } ملازما للصدق في جميع أحواله { نبيا } ~~خبر آخر لكان مخصص للأول، إذ ليس كل صديق نبيا. ### || [19.57-58] # { ورفعناه مكانا عليا } هو شرف النبوة والزلفى عند الله ~~عز وجل، وقيل: علو الرتبة بالذكر الجميل في الدنيا كما في قوله تعالى: # ورفعنا لك ذكرك # [الشرح: 4]، وقيل: الجنة، وقيل: السماء السادسة أو الرابعة. روي عن ~~كعب وغيره في سبب رفع إدريس عليه السلام أنه سئل ذات يوم في حاجة ~~فأصابه وهج الشمس، فقال: يا رب إني قد مشيت فيها يوما وقد أصابني ~~منها ما أصابني، فكيف من يحملها مسيرة خمسمائة عام في يوم واحد؟ اللهم ~~خفف عنه من ثقلها وحرها، فلما أصبح الملك وجد من خفة الشمس ~~وحرها ما لا يعرف، فقال: يارب ما الذي قضيت فيه؟ قال: # " إن عبدي إدريس سألني أن أخفف عنك حملها وحرها فأجبته " # قال: يا رب اجعل بيني وبينه خلة، فأذن الله تعالى له فرفعه إلى ~~السماء. # { أولئك } إشارة إلى المذكورين في السورة الكريمة وما فيه من ~~معنى البعد للإشارة بعلو رتبهم وبعد منزلتهم في الفضل وهو مبتدأ ~~وقوله تعالى: { الذين أنعم الله عليهم } صفته أي أنعم ~~عليهم بفنون النعم الدينية والدنيوية حسبما أشير إليه مجملا وقوله ~~تعالى: { من النبيين } بيان للموصول وقوله تعالى: { من ~~ذرية ءادم } بدل منه بإعادة الجار ويجوز أن تكون كلمة (من) ~~فيه للتبعيض لأن المنعم عليهم أعم من الأنبياء وأخص من الذرية. # { وممن حملنا مع نوح } أي ومن ذرية من حملنا معه خصوصا ~~وهم من عدا إدريس عليه السلام، فإن إبراهيم كان من ذرية سام بن نوح ~~{ ومن ذرية إبرهيم } وهم الباقون { وإسرءيل } عطف على ~~إبراهيم أي ومن ذرية إسرائيل وكان منهم موسى وهارون وزكريا ويحيى ~~وعيسى عليهم السلام، وفيه دليل على أن أولاد البنات من الذرية { ~~وممن هدينا واجتبينا } أي ومن جملة من هديناهم إلى الحق ~~واجتبيناهم للنبوة والكرامة، وقوله تعالى: ms2104 { إذا تتلى عليهم ~~آيات الرحمن خروا سجدا وبكيا } خبر لأولئك ويجوز ~~أن يكون الخبر هو الموصول، وهذا استئنافا مسوقا لبيان خشيتهم من ~~الله تعالى وإخباتهم له مع ما لهم من علو الرتبة وسمو الطبقة في شرف ~~النسب وكمال النفس والزلفى من الله عز سلطانه، وسجدا وبكيا حالان ~~من ضمير خروا أي ساجدين باكين. عن النبي صلى الله عليه وسلم: # " اتلوا القرآن وابكوا فإن لم تبكوا فتباكوا " # والبكي جمع باك كالسجد جمع ساجد، وأصله بكوي فاجتمعت الواو ~~والياء وسبقت إحداهما بالسكون فقلبت الواو ياء وأدغمت الياء في ~~الياء، وحركت الكاف بالكسر المجانس للباء، وقرىء يتلى بالياء ~~التحتانية لأن التأنيث غير حقيقي، وقرىء بكيا بكسر الباء للإتباع، ~~قالوا: ينبغي أن يدعو الساجد في سجدته بما يليق بآياتها فهنا يقول: ~~اللهم اجعلني من عبادك المنعم عليهم المهديين الساجدين لك الباكين عند ~~تلاوة آياتك وفي آية الإسراء يقول اللهم اجعلني من الباكين إليك الخاشعين ~~لك وفي آية التنزيل السجدة يقول اللهم اجعلني من الساجدين لوجهك المسبحين ~~بحمدك وأعوذ بك من أن أكون من المستكبرين عن أمرك. ### || [19.59-62] # { فخلف من بعدهم خلف } يقال: لعقب الخير خلف بفتح اللام ~~ولعقب الشر خلف بالسكون أي فعقبهم وجاء بعدهم عقب سوء { ~~أضاعوا الصلوة } وقرىء الصلوات أي تركوها أو أخروها عن وقتها ~~{ واتبعوا الشهوت } من شرب الخمر واستحلال نكاح الأخت من ~~الأب والانهماك في فنون المعاصي. وعن علي رضي الله عنه عندهم من بناء ~~المشيد وركوب المنظور ولبس المشهور { فسوف يلقون غيا } أي ~~شرا فإن كل شر عند العرب غي وكل خير رشاد كقوله: [الطويل] # فمن يلق خيرا يحمد الناس أمره # ومن يغو لا يعدم على الغي لائما # وعن الضحاك جزاء غي كقوله تعالى: # يلق أثاما # [الفرقان: 68] أو غيا عن طريق الجنة، وقيل: # " غي واد في جهنم تستعيذ منه أوديتها " # وقوله تعالى: { إلا من تاب وءامن وعمل صلحا } يدل على ~~أن الآية في حق الكفرة { فأولئك } إشارة إلى الموصول باعتبار ~~اتصافه بما في حيز الصلة، وما فيه من معنى ms2105 البعد لما مر مرارا، أي ~~فأولئك المنعوتون بالتوبة والإيمان والعمل الصالح { يدخلون ~~الجنة } بموجب الوعد المحتوم وقرىء يدخلون على البناء للمفعول. # { ولا يظلمون شيئا } أي لا ينقصون من جزاء أعمالهم شيئا، ~~أو لا ينقصون شيئا من النقص، وفيه تنبيه على أن كفرهم السابق لا ~~يضرهم ولا ينقص أجورهم { جنت عدن } بدل من الجنة بدل البعض ~~لاشتمالها عليها وما بينهما اعتراض أو نصب على المدح، وقرىء بالرفع ~~على أنه خبر لمبتدأ محذوف أي هي أو تلك جنات الخ. أو مبتدأ خبره التي ~~وعد الخ، وقرىء جنة عدن نصبا ورفعا، وعدن علم لمعنى العدن وهو ~~الإقامة كما أن فينة وسحر وأمس فيمن لم يصرفها أعلام لمعاني ~~الفينة وهي الساعة التي أنت فيها والسحر والأمس فجرى لذلك مجرى ~~العدن، أو هو علم لأرض الجنة خاصة ولولا ذلك لما ساغ إبدال ما أضيف ~~إليه من الجنة بلا وصف عند غير البصريين ولا صفة بقوله تعالى: { ~~التى وعد الرحمن عباده } وجعله بدلا منه خلاف الظاهر ~~فإن الموصول في حكم المشتق وقد نصوا على أن البدل بالمشتق ضعيف، ~~والتعرض لعنوان الرحمة للإيذان بأن وعدها وإنجازه لكمال سعة رحمته ~~والباء في قوله تعالى: { بالغيب } متعلقة بمضمر هو حال من المضمر ~~العائد إلى الجنات أو من عباده، أي وعدها إياهم ملتبسة أو ملتبسين ~~بالغيب، أي غائبة عنهم غير حاضرة أو غائبين عنها لا يرونها وإنما ~~آمنوا بها بمجرد الإخبار، أو بمضمر هو سبب الوعد أي وعدها إياهم بسبب ~~إيمانهم. # { إنه كان وعده } أي موعده كائنا ما كان فيدخل فيه الجنات ~~الموعودة دخولا أوليا، ولما كانت هي مثابة يرجع إليها قيل: { ~~مأتيا } أي يأتيه من وعد له لا محالة بغير خلف، وقيل: هو ~~مفعول بمعنى فاعل، وقيل: مأتيا أي مفعولا منجزا من أتى إليه ~~إحسانا أي فعله. # { لا يسمعون فيها لغوا } أي فضول كلام لا طائل تحته وهو ~~كناية عن عدم صدور اللغو من أهلها، وفيه تنبيه على أن اللغو مما ~~ينبغي أن يجتنب عنه في هذه الدار ما ms2106 أمكن { إلا سلما } ~~استثناء منقطع أي لكن يسمعون تسليم الملائكة عليهم أو تسليم بعضهم ~~على بعض، أو متصل بطريق التعليق بالمحال أي لا يسمعون لغوا ما إلا ~~سلاما فحيث استحال كون السلام لغوا استحال سماعهم له بالكلية كما في ~~قوله: [الطويل] # ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم # بهن فلول من قراع الكتائب # أو على أن معناه الدعاء بالسلامة وهم أغنياء عنه فهو من باب اللغو ~~ظاهرا وإنما فائدته الإكرام وقوله تعالى: { ولهم رزقهم ~~فيها بكرة وعشيا } وارد على عادة المتنعمين في هذه الدار، ~~وقيل: المراد دوام رزقهم ودروره وإلا فليس فيها بكرة ولا عشي. ### || [19.63-65] # { تلك الجنة } مبتدأ وخبر جيء به لتعظيم شأن الجنة وتعيين ~~أهلها، فإن ما في اسم الإشارة من معنى البعد للإيذان ببعد منزلتها ~~وعلو رتبتها { التى نورث } أي نورثها { من عبادنا من ~~كان تقيا } أي نبقيها عليهم بتقواهم ونمتعهم بها كما نبقي على ~~الوارث مال مورثه ونمتعه به، والوراثة أقوى ما يستعمل في التملك ~~والاستحقاق من الألفاظ من حيث إنها لا تعقب بفسخ ولا استرجاع ولا ~~إبطال، وقيل: يورث المتقون من الجنة المساكن التي كانت لأهل النار ~~لو آمنوا وأطاعوا زيادة في كرامتهم، وقرىء نورث بالتشديد. # { وما نتنزل إلا بأمر ربك } (حكاية لقول جبريل حين ~~استبطأه رسول الله عليهما الصلاة والسلام لما سئل عن أصحاب الكهف وذي ~~القرنين والروح، فلم يدر كيف يجيب ورجا أن يوحى إليه فيه فأبطأ عليه ~~أربعين يوما أو خمسة عشر فشق ذلك عليه مشقة شديدة، وقال المشركون: ~~ودعه ربه وقلاه ثم نزل ببيان ذلك) وأنزل الله عز وجل هذه الآية ~~وسورة الضحى، والتنزل النزول على مهل لأنه مطاوع للتنزيل وقد يطلق ~~على مطلق النزول كما يطلق التنزيل على الإنزال، والمعنى وما ننزل ~~وقتا غب وقت إلا بأمر الله تعالى على ما تقتضيه حكمته، وقرىء وما ~~يتنزل بالياء والضمير للوحي { له ما بين أيدينا وما ~~خلفنا وما بين ذلك } وهو ما نحن فيه من الأماكن والأزمنة ولا ~~ننتقل من مكان إلى مكان ms2107 ولا نتنزل في زمان دون زمان إلا بأمره ومشيئته. # { وما كان ربك نسيا } أي تاركا لك يعني أن عدم النزل لم ~~يكن إلا لعدم الأمر به لحكمة بالغة فيه، ولم يكن لتركه تعالى لك ~~وتوديعه إياك كما زعمت الكفرة، وفى إعادة اسم الرب المعرب عن ~~التبليغ إلى الكمال اللائق مضافا إلى ضميره عليه السلام من تشريفه ~~والإشعار بعلة الحكم ما لا يخفى، وقيل: أول الآية حكاية قول المتقين ~~حين يدخلون الجنة مخاطبا بعضهم بعضا بطريق التبجح والابتهاج، ~~والمعنى وما نتنزل الجنة إلا بأمر الله تعالى ولطفه وهو مالك الأمور ~~كلها سالفها ومترقبها وحاضرها فما وجدناه وما نجده من لطفه ~~وفضله وقوله تعالى: { وما كان ربك نسيا } تقرير لقولهم من ~~جهة الله تعالى أي وما كان ناسيا لأعمال العاملين وما وعدهم من الثواب ~~عليها. # وقوله تعالى: { رب السموات والأرض وما بينهما } ~~بيان لاستحالة النسيان عليه تعالى فإن من بيده ملكوت السموات والأرض ~~وما بينهما كيف يتصور أن يحوم حول ساحته سبحانه الغفلة والنسيان؟ ~~وهو خبر مبتدأ محذوف أو بدل من ربك، والفاء في قوله تعالى: { ~~فاعبده واصطبر لعبادته } لترتيب ما بعدها من موجب ~~الأمرين على ما قبلها من كونه تعالى رب السموات والأرض وما بينهما، ~~وقيل: من كونه تعالى غير تارك له عليه السلام أو غير ناس لأعمال ~~العاملين، والمعنى: فحين عرفته تعالى بما ذكر من الربوبية الكاملة ~~فاعبده الخ، فإن إيجاب معرفته تعالى كذلك لعبادته مما لا ريب فيه أو حين ~~عرفت أنه تعالى لا ينساك أو لا ينسى أعمال العاملين كائنا من كان ~~فأقبل على عبادته واصطبر على مشاقها ولا تحزن بإبطال الوحي وهزؤ ~~الكفرة، فإنه يراقبك ويراعيك ويلطف بك في الدنيا والآخرة. # وتعدية الاصطبار باللام لا بحرف الاستعلاء كما في قوله تعالى: # واصطبر عليها # [طه: 132] لتضمينه معنى الثبات للعبادة فيما تورد عليه من الشدائد ~~والمشاق، كقولك للمبارز: اصطبر لقرنك أي اثبت له فيما يورد عليك من ~~شدائده { هل تعلم له سميا } السمي الشريك في الاسم ~~والظاهر أن يراد ms2108 به ههنا الشريك في اسم خاص قد عبر عنه تعالى بذلك ~~وهو رب السموات والأرض وما بينهما، والمراد بإنكار العلم ونفيه ~~إنكار المعلوم ونفيه على أبلغ وجه وآكده، فالجملة تقرير لما أفاده ~~الفاء من علية ربوبيته العامة لوجوب عبادته بل لوجوب تخصصها به ~~تعالى ببيان استقلاله عز وجل بذلك الاسم وانتفاء إطلاقه على الغير ~~بالكلية حقا أو باطلا. # وقيل: المراد هو الشريك في الاسم الجليل فإن المشركين مع غلوهم في ~~المكابرة لم يسموا الصنم بالجلالة أصلا، وقيل: هو الشريك في اسم ~~الإله والمراد بالتسمية التسمية على الحق، فالمعنى هل تعلم شيئا يسمى ~~بالاستحقاق إلها؟ وأما التسمية على الباطل فهي كلا تسمية، فتقرير ~~الجملة لوجوب العبادة حينئذ باعتبار ما في الاسمين الكريمين من الإشعار ~~باستحقاق العبادة فتدبر. ### || [19.66-67] # { ويقول الإنسن } المراد به إما الجنس بأسره وإسناد القول ~~إلى الكل لوجود القول فيما بينهم وإن لم يقله الجميع، كما يقال: بنو ~~فلان قتلوا فلانا وإنما القاتل واحد منهم، وإما البعض المعهود منهم ~~وهم الكفرة أو أبي بن خلف فإنه أخذ عظاما بالية ففتها وقال: ~~يزعم محمد أنا نبعث بعد ما نموت ونصير إلى هذه الحال، أي يقول بطريق ~~الإنكار والاستبعاد: { أإذا ما مت لسوف أخرج حيا } أي ~~أبعث من الأرض، أو من حال الموت، وتقديم الظرف وإيلاؤه حرف الإنكار ~~لما أن المنكر كون ما بعد الموت وقت الحياة، وانتصابه بفعل دل عليه ~~أخرج لا به فإن ما بعد اللام لا يعمل فيما قبلها وهي ههنا مخلصة ~~للتوكيد مجردة عن معنى الحال، كما خلصت الهمزة واللام للتعويض في يا ~~ألله فساغ اقترانها بحرف الاستقبال، وقرىء إذا ما مت بهمزة واحدة ~~مكسورة على الخبر. # { أولا يذكر إلإنسن } من الذكر الذي يراد به التفكر، ~~والإظهار في موقع الإضمار لزيادة التقرير والإشعار بأن الإنسانية من ~~دواعي التفكر فيما جرى عليه من شؤون التكوين المنحية بالقلع عن ~~القول المذكور، وهو السر في إسناده إلى الجنس أو إلى الفرد بذلك ~~العنوان، والهمزة للإنكار التوبيخي والواو لعطف الجملة المنفية ms2109 على ~~مقدر يدل عليه يقول، أي أيقول ذلك ولا يذكر { أنا خلقناه من ~~قبل } أي من قبل الحالة التي هو فيها وهي حالة بقائه { ولم يك ~~شيئا } أي والحال أنه لم يكن حينئذ شيئا أصلا، فحيث خلقناه وهو في ~~تلك الحالة المنافية للخلق بالكلية مع كونه أبعد من الوقوع فلأن ~~نبعثه بجمع المواد المتفرقة وإيجاد مثل ما كان فيها من الأعراض ~~أولى وأظهر، فما له لا يذكره فيقع فيما يقع فيه من النكير! وقرىء ~~يذكر ويتذكر على الأصل. ### || [19.68-70] # { فوربك } إقسامه باسمه عزت أسماؤه مضافا إلى ضميره عليه ~~السلام لتحقيق الأمر بالإشعار بعليته وتفخيم شأنه عليه الصلاة ~~والسلام ورفع منزلته { لنحشرنهم } لنجمعن القائلين بالسوق ~~إلى المحشر بعد ما أخرجناهم من الأرض أحياء، ففيه إثبات للبعث بالطريق ~~البرهاني على أبلغ وجه وآكده كأنه أمر واضح غني عن التصريح به، ~~وإنما المحتاج إلى البيان ما بعد ذلك من الأهوال { والشيطين } ~~معطوف على الضمير المنصوب أو مفعول معه. روي أن الكفرة يحشرون مع ~~قرنائهم من الشياطين التي كانت تغويهم، كل منهم مع شيطانه في سلسلة، ~~وهذا وإن كان مختصا بهم لكن ساغ نسبته إلى الجنس باعتبار أنهم لما ~~حشروا وفيهم الكفرة مقرونين بالشياطين فقد حشروا معهم جميعا كما ساغ ~~نسبة القول إلى المحكي إليه مع كون القائل بعض أفراده { ثم ~~لنحضرنهم حول جهنم جثيا } ليرى السعداء ما نجاهم ~~الله تعالى منه فيزدادوا غبطة وسرورا وينال الأشقياء ما ادخروا ~~لمعادهم عدة ويزدادوا غيظا من رجوع السعداء عنهم إلى دار الثواب ~~وشماتتهم بهم، والجثي جمع جاث من جثا إذا قعد على ركبتيه، وأصله ~~جثوو بواوين فاستثقل اجتماعهما بعد ضمتين فكسرت الثاء للتخفيف ~~فانقلبت الواو ياء وأدغمت فيها الياء الأولى وكسرت الجيم إتباعا لما ~~بعدها وقرىء بضمها، ونصبه على الحالية من الضمير البارز أي لنحضرنهم ~~حول جهنم جاثين على ركبهم لما يدهمهم من هول المطلع أو لأنه من ~~توابع التواقف للحساب قبل التواصل إلى الثواب والعقاب، فإن أهل ~~الموقف جاثون كما ينطق به قوله تعالى: # وترى ms2110 كل أمة جاثية # [الجاثية: 28] على ما هو المعتاد في مواقف التقاول، وإن كان المراد ~~بالإنسان الكفرة فلعلهم يساقون من الموقف إلى شاطىء جهنم جثاة إهانة ~~بهم أو لعجزهم عن القيام لما اعتراهم من الشدة. # { ثم لننزعن من كل شيعة } أي من كل أمة شايعت دينا من ~~الأديان { أيهم أشد على الرحمن عتيا } أي من كان ~~منهم أعصى وأعتى فنطرحهم فيها، وفي ذكر الأشد تنبيه على أنه تعالى ~~يعفو عن بعض من أهل العصيان. وعلى تقدير تفسير الإنسان بالكفرة فالمعنى ~~إنا نميز من كل طائفة منهم أعصاهم فأعصاهم وأعتاهم فأعتاهم فنطرحهم في ~~النار على الترتيب أو ندخل كلا منهم طبقتها اللائقة به. وأيهم ~~مبني على الضم عند سيبويه لأن حقه أن يبنى كسائر الموصولات لكنه ~~أعرب حملا على كل وبعض للزوم الإضافة، وإذا حذف صدر صلته زاد نقصه ~~فعاد إلى حقه، وهو منصوب المحل بننزعن ولذلك قرىء منصوبا، ومرفوع عند ~~غيره بالابتداء على أنه استفهامي وخبره أشد والجملة محكية، ~~والتقدير لننزعن من كل شيعة الذين يقال لهم أيهم أشد، أو معلق ~~عنها لننزعن لتضمنه معنى التمييز اللازم للعلم، أو مستأنفة والفعل ~~واقع على كل شيعة كقوله تعالى: # ووهبنا لهم من رحمتنا # [مريم: 50] و(على) للبيان فيتعلق بمحذوف كأن سائلا قال: على من ~~عتوا؟ فقيل: على الرحمن، أو متعلق بأفعل وكذا الباء في قوله تعالى { ~~ثم لنحن أعلم بالذين هم أولى بها صليا } أي ~~هم أولى بالنار وهم المنتزعون، ويجوز أن يراد بهم وبأشدهم عتيا ~~رؤساء الشيع فإن عذابهم مضاعف لضلالهم وإضلالهم، والصلي ~~كالعتي صيغة وإعلالا وقرىء بضم الصاد. ### || [19.71-75] # { وإن منكم } التفات لإظهار مزيد الاعتناء بمضمون الكلام، ~~وقيل: هو خطاب للناس من غير التفات إلى المذكور، ويؤيد الأول أنه قرىء ~~وإن منهم أي منكم أيها الإنسان { إلا واردها } أي واصلها وحاضر ~~دونها يمر بها المؤمنون وهي خامدة وتنهار بغيرهم. وعن جابر أنه صلى ~~الله عليه وسلم سئل عنه فقال: # " إذا دخل أهل الجنة الجنة قال بعضهم لبعض: أليس قد وعدنا ربنا أن ms2111 ~~نرد النار؟ فيقال لهم: قد وردتموها وهي خامدة " # وأما قوله تعالى: # أولئك عنها مبعدون # [الأنبياء: 101] فالمراد الإبعاد عن عذابها، وقيل: ورودها الجواز ~~على الصراط الممدود عليها { كان } أي ورودهم إياها { على ربك ~~حتما مقضيا } أي أمرا محتوما أوجبه الله عز وجل على ذاته وقضى ~~أنه لا بد من وقوعه البتة، وقيل: أقسم عليه. # { ثم ننجى الذين اتقوا } الكفر والمعاصي مما كانوا عليه ~~من حال الجثو على الركب على الوجه الذي سلف فيساقون إلى الجنة، وقرىء ~~ننجي بالتخفيف وينجي، وينجى على البناء للمفعول، وقرىء ثمة ننجي ~~بفتح الثاء أي هناك ننجيهم { ونذر الظلمين } بالكفر والمعاصي ~~{ فيها جثيا } منهارا بهم كما كانوا، قيل: فيه دليل على أن ~~المراد بالورود الجثو حواليها وأن المؤمنين يفارقون الفجرة بعد ~~تجاثيهم حولها ويلقى الفجرة فيها على هيئاتهم. # وقوله تعالى: { وإذا تتلى عليهم } الآية إلى آخرها حكاية ~~لما قالوا عند سماع الآيات الناعية عليهم فظاعة حالهم ووخامة ~~مآلهم، أي وإذا تتلى على المشركين { ءايتنا } التي من جملتها هاتيك ~~الآيات الناطقة بحسن حال المؤمنين وسوء حال الكفرة وقوله تعالى: { ~~بينت } أي مرتلات الألفاظ مبينات المعاني بنفسها أو ببيان ~~الرسول عليه الصلاة والسلام أو بينات الإعجاز، حال مؤكدة من آياتنا ~~{ قال الذين كفروا } أي قالوا، ووضع الموصول موضع الضمير ~~للتنبيه على أنهم قالوا ما قالوا كافرين بما يتلى عليهم رادين له، أو ~~قال الذين مردوا منهم على الكفر ومرنوا على العتو والعناد وهم ~~النضر بن الحارث وأتباعه الفجرة واللام في قوله تعالى: { ~~للذين ءامنوا } للتبليغ كما في مثل قوله تعالى: # وقال لهم نبيهم # [البقرة: 247] وقيل: لام الأجل كما في قوله تعالى: # وقال الذين كفروا للذين ءامنوا لو كان خيرا ~~ما سبقونا إليه # [الأحقاف: 11] أي قالوا لأجلهم وفي حقهم، والأول هو الأولى لأن ~~قبولهم ليس في حق المؤمنين فقط كما ينطق به قوله تعالى: { أى ~~الفريقين } أي المؤمنين والكافرين كأنهم قالوا: أينا { خير } ~~نحن أو أنتم { مقاما } أي مكانا، وقرىء بضم الميم أي موضع إقامة ~~ومنزل { وأحسن نديا } أي مجلسا ms2112 ومجتمعا. يروى أنهم كانوا ~~يرجلون شعورهم ويدهنونها ويتطيبون ويتزينون بالزينة الفاخرة ثم يقولون ~~ذلك لفقراء المؤمنين، يريدون بذلك أن خيريتهم حالا وأحسنيتهم مآلا ~~مما لا يقبل الإنكار وأن ذلك لكرامتهم على الله سبحانه وزلفاهم عنده، ~~إذ هو العيار على الفضل والنقصان والرفعة والضعة وأن من ضرورته هوان ~~المؤمنين عليه تعالى لقصور حظهم العاجل، وما هذا القياس العقيم ~~والرأي السقيم إلا لكونهم جهلة لا يعلمون إلا ظاهرا من الحياة الدنيا ~~وذلك مبلغهم من العلم فرد عليهم ذلك من جهته تعالى بقوله: { وكم ~~أهلكنا قبلهم من قرن هم أحسن أثاثا ورءيا } ~~أي كثيرا من القرون التي كانت أفضل منهم فيما يفتخرون به من الحظوظ ~~الدنيوية كعاد وثمود وأضرابهم من الأمم العاتية قبل هؤلاء أهلكناهم ~~بفنون العذاب، ولو كان ما آتيناهم لكرامتهم علينا لما فعلنا بهم ما ~~فعلنا، وفيه من التهديد والوعيد ما لا يخفى، كأنه قيل: فلينتظر هؤلاء ~~أيضا مثل ذلك (فكم) مفعول أهلكنا و(من قرن) بيان لإبهامها، وأهل كل ~~عصر قرن لمن بعدهم لأنهم يتقدمونهم، مأخوذ من قرن الدابة وهو ~~مقدمها وقوله تعالى: { هم أحسن أثاثا } في حيز النصب على أنه ~~صفة لكم وأثاثا تمييز النسبة وهو متاع البيت، وقيل: هو ما جد ~~منه، والخرثي ما لبس منه ورث والرئي المنظر، فعل من الرؤية ~~لما يرى، كالطحن لما يطحن، وقرىء ريا على قلب الهمزة ياء ~~وإدغامها أو على أنه من الري وهو النعمة والترفة، وقرىء ريئا ~~على القلب وريا بحذف الهمزة وزيا بالزاي المعجمة من الزي وهو ~~الجمع فإنه عبارة عن المحاسن المجموعة. # { قل من كان فى الضللة فليمدد له الرحمن ~~مدا } لما بين عاقبة أمر الأمم المهلكة مع ما كان لهم من التمتع ~~بفنون الحظوظ العاجلة أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن يجيب هؤلاء ~~المفتخرين بما لهم من الحظوظ ببيان مآل أمر الفريقين، إما على وجه ~~كلي متناول لهم ولغيرهم من المنهمكين في اللذة الفانية المبتهجين بها ~~على أن (من) على عمومها، وإما على وجه خاص بهم على ms2113 أنهم عبارة عنهم ~~ووصفهم بالتمكن لذمهم والإشعار بعلة الحكم، أي من كان مستقرا في ~~الضلالة مغمورا بالجهل والغفلة عن عواقب الأمور فليمدد له الرحمن ~~أي يمد له ويمهله بطول العمر وإعطاء المال والتمكين من التصرفات، ~~وإخراجه على صيغة الأمر للإيذان بأن ذلك مما ينبغي أن يفعل بموجب ~~الحكمة لقطع المعاذير كما ينبىء عنه قوله عز وجل: # أولم نعمركم ما يتذكر فيه من تذكر # [فاطر: 37] أو للاستدراج كما ينطق به قوله تعالى: # إنما نملى لهم ليزدادوا إثما # [آل عمران: 178]، وقيل: المراد به الدعاء بالمد والتنفيس، واعتبار ~~الاستقرار في الضلال لما أن المد لا يكون إلا للمصرين عليها إذ رب ~~ضال يهديه الله عز وجل، والتعرض لعنوان الرحمانية لما أن المد من أحكام ~~الرحمة الدنيوية، وقوله تعالى: { حتى إذا رأوا ما يوعدون ~~} غاية للمد الممتد لا لقول المفتخرين كما قيل، إذ ليس فيه امتداد ~~بحسب الذات وهو ظاهر ولا استمرار بحسب التكرار لوقوعه في حيز جواب ~~إذا، وجمع الضمير في الفعلين باعتبار معنى من كما أن الإفراد في ~~الضميرين الأولين باعتبار لفظها وقوله تعالى: { إما العذاب ~~وإما الساعة } تفصيل للموعود بدل منه على سبيل البدل فإنه إما ~~العذاب الدنيوي بغلبة المسلمين واستيلائهم عليهم وتعذيبهم إياهم ~~قتلا وأسرا، وإما يوم القيامة وما لهم فيه من الخزي والنكال على ~~منع الخلو دون منع الجمع، فإن العذاب الأخروي لا ينفك عنهم بحال ~~وقوله تعالى: { فسيعلمون } جواب الشرط والجملة محكية بعد حتى، ~~أي حتى إذا عاينوا ما يوعدون من العذاب الدنيوي أو الأخروي فقط ~~فسيعلمون حينئذ { من هو شر مكانا } من الفريقين بأن يشاهدوا ~~الأمر على عكس ما كانوا يقدرونه فيعلمون أنهم شر مكانا لا خير ~~مقاما { وأضعف جندا } أي فئة وأنصارا لا أحسن نديا كما ~~كانوا يدعونه، وليس المراد أن له ثمة جندا ضعفاء كلا # ولم تكن له فئة ينصرونه من دون الله وما كان ~~منتصرا # [الكهف: 43] وإنما ذكر ذلك ردا لما كانوا يزعمون أن لهم أعوانا من ~~الأعيان وأنصارا من الأخيار ويفتخرون بذلك في ms2114 الأندية والمحافل. ### || [19.76-77] # { ويزيد الله الذين اهتدوا هدى } كلام مستأنف سيق ~~لبيان حال المهتدين إثر بيان حال الضالين، وقيل: عطف على فليمدد ~~لأنه في معنى الخبر حسبما عرفته كأنه قيل: من كان في الضلالة يمده الله ~~ويزيد المهتدين هداية كقوله تعالى: # والذين اهتدوا زادهم هدى # [محمد: 17] وقيل: عطف على الشرطية المحكية بعد القول كأنه لما بين أن ~~إمهال الكافر وتمتيعه بالحياة ليس لفضله عقب ذلك ببيان أن قصور حظ ~~المؤمن منها ليس لنقصه، بل لأنه تعالى أراد به ما هو خير من ذلك وقوله ~~تعالى: { والبقيات الصلحات خير } على تقديري ~~الاستئناف والعطف كلام مستأنف وارد من جهته تعالى لبيان فضل أعمال ~~المهتدين غير داخل في حيز الكلام الملقن لقوله تعالى: { عند ربك } ~~أي الطاعات التي تبقى فوائدها وتدوم عوائدها ومن جملتها ما قيل من ~~الصلوات الخمس، وما قيل من قول: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله ~~والله أكبر خير عند الله تعالى، والتعرض لعنوان الربوبية مع الإضافة ~~إلى ضميره لتشريفه عليه السلام { ثوابا } أي عائدة مما يتمتع به ~~الكفرة من النعم المخدجة الفانية التي يفتخرون بها لا سيما ومآلها ~~النعيم المقيم، ومآل هذه الحسرة السرمدية والعذاب الأليم كما أشير ~~إليه بقوله تعالى: { وخير مردا } أي مرجعا وعاقبة، وتكرير ~~الخير لمزيد الاعتناء ببيان الخيرية وتأكيد لها وفي التفصيل مع أن ~~ما للكفرة بمعزل من أن يكون له خيرية في العاقبة تهكم بهم. # { أفرأيت الذي كفر بئايتنا } أي بآياتنا التي من ~~جملتها آيات البعث، نزلت في العاص بن وائل كان لخباب بن الأرت ~~عليه مال فاقتضاه فقال: لا، حتى تكفر بمحمد، قال: لا والله لا أكفر به ~~حيا ولا ميتا ولا حين بعثت، قال: فإذا بعث جئني فيكون لي ثمة ~~مال وولد فأعطيك، وفي رواية قال: لا أكفر به حتى يميتك ثم تبعث، ~~فقال: إني لميت ثم مبعوث؟ قال: نعم، قال: دعني حتى أموت وأبعث ~~فسأوتى مالا وولدا فأقضيك فنزلت. فالهمزة للتعجيب من حاله ~~والإيذان بأنها من الغرابة والشناعة بحيث ms2115 يجب أن ترى ويقضى منها ~~العجب، ومن فرق بين ألم تر وأرأيت بعد بيان اشتراكهما في الاستعمال ~~لقصد التعجيب بأن الأول يعلق بنفس المتعجب منه، فيقال: ألم تر إلى ~~الذي صنع كذا بمعنى انظر إليه فتعجب من حاله، والثاني يعلق بمثل ~~المتعجب منه، فيقال: أرأيت مثل الذي صنع كذا بمعنى أنه من الغرابة ~~بحيث لا يرى له مثل فقد حفظ شيئا وغابت عنه أشياء، وكأنه ذهب عليه ~~قوله عز وجل: # أرءيت الذي يكذب بالدين # [الماعون: 1] والفاء للعطف على مقدر يقتضيه المقام أي أنظرت فرأيت ~~الذي كفر بآياتنا الباهرة التي حقها أن يؤمن بها كل من يشاهدها { ~~وقال } مستهزئا بها مصدرا لكلامه باليمين الفاجرة: والله { ~~لأوتين } في الآخرة { مالا وولدا } أي انظر إليه فتعجب من ~~حالته البديعة وجرأته الشنيعة، هذا هو الذي يستدعيه جزالة النظم ~~الكريم وقد قيل: إن أرأيت بمعنى أخبر والفاء على أصلها والمعنى أخبر ~~بقصة هذا الكافر عقيب حديث أولئك الذين قالوا: { أى الفريقين ~~خير مقاما } الآية، وأنت خبير بأن المشهور استعمال أرأيت في ~~معنى أخبرني بطريق الاستفهام جاريا على أصله أو مخرجا إلى ما ~~يناسبه من المعاني لا بطريق الأمر بالإخبار لغيره، وقرىء ولدا على أنه ~~جمع ولد كأسد جمع أسد أو على لغة فيه كالعرب والعرب. ### || [19.78-79] # قوله تعالى: { أطلع الغيب } رد لكلمته الشنعاء وإظهار ~~لبطلانها إثر ما أشير إليه من التعجب منها، أي قد بلغ من عظمة الشأن ~~إلى أن قد ارتقى إلى علم الغيب الذي يستأثر به العليم الخبير حتى ادعى ~~أن يؤتى في الآخرة مالا وولدا وأقسم عليه { أم اتخذ عند ~~الرحمن عهدا } بذلك فإنه لا يتوصل إلى العلم به إلا بأحد ~~هذين الطريقين، والتعرض لعنوان الرحمانية للإشعار بعلية الرحمة لإيتاء ~~ما يدعيه، وقيل: العهد كلمة الشهادة، وقيل: العمل الصالح فإن وعده ~~تعالى بالثواب عليهما كالعهد وهذا مجاراة مع اللعين بحسب منطوق مقاله ~~كما أن كلامه مع خباب كان كذلك. # وقوله تعالى: { كلا } ردع له عن التفوه بتلك العظيمة وتنبيه على ~~خطأته { سنكتب ms2116 ما يقول } أي سنظهر أنا كتبنا قوله، كقوله: ~~[الطويل] # إذا ما انتسبنا لم تلدني لئيمة # [ولم تجدي من أن تقري بها بدا] # أي يتبين أني لم تلدني لئيمة، أو سننتقم منه انتقام من كتب جريمة ~~الجاني وحفظها عليه، فإن نفس الكتبة لا تكاد تتأخر عن القول، كقوله ~~عز وعلا: # ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد # [ق: 18] فمبنى الأول تنزيل إظهار الشيء الخفي منزلة إحداث ~~الأمر المعدوم بجامع أن كلا منهما إخراج من الكمون إلى البروز ~~فيكون استعارة تبعية مبنية على تشبيه إظهار الكتابة على رؤوس ~~الأشهاد بإحداثها، ومدار الثاني تسمية الشيء باسم سببه فإن كتابة ~~جريمة المجرم سبب لعقوبته قطعا { ونمد له من العذاب ~~مدا } مكان ما يدعيه لنفسه من الإمداد بالمال والولد، أي نطول له ~~من العذاب ما يستحقه أو نزيد عذابه ونضاعفه له لكفره وافترائه على الله ~~سبحانه وتعالى واستهزائه بآياته العظام، ولذلك أكد بالمصدر دلالة ~~على فرط الغضب. ### || [19.80-82] # { ونرثه } بموته { ما يقول } أي مسمى ما يقول ومصداقه وهو ~~ما أوتيه في الدنيا من المال والولد، وفيه إيذان بأنه ليس لما يقوله ~~مصداق موجود سوى ما ذكر أي ننزع عنه ما آتيناه { ويأتينا } يوم ~~القيامة { فردا } لا يصحبه مال ولا ولد كان له في الدنيا فضلا أن ~~يؤتى ثمة زائدا، وقيل: نزوي عنه ما زعم أنه يناله في الآخرة ونعطيه ~~ما يستحقه ويأباه معنى الإرث، وقيل: المراد بما يقول نفس القول المذكور ~~لا مسماه، والمعنى إنما يقول هذا القول ما دام حيا فإذا قبضناه حلنا ~~بينه وبين أن يقوله ويأتينا رافضا له منفردا عنه، وأنت خبير بأن ذلك ~~مبني على أن صدور القول المذكور عنه بطريق الاعتقاد وأنه مستمر ~~على التفوه به راج لوقوع مضمونه، ولا ريب في أن ذلك مستحيل ممن كفر ~~بالبعث وإنما قال ما قال بطريق الاستهزاء وتعليق أداء دينه بالمحال. # { واتخذوا من دون الله ءالهة } حكاية لجناية عامة للكل ~~مستتبعة لضد ما يرجون ترتبه عليها إثر حكاية مقالة الكافر ~~المعهود واستتباعها ms2117 لنقيض مضمونها، أي اتخذوا الأصنام آلهة متجاوزين ~~الله تعالى { ليكونوا لهم عزا } أي ليعززوا بهم بأن يكونوا ~~لهم وصلة إليه عز وجل وشفعاء عنده. # { كلا } ردع لهم عن ذلك الاعتقاد وإنكار لوقوع ما علقوا به ~~أطماعهم الفارغة { سيكفرون بعبدتهم } أي ستجحد الآلهة ~~بعبادتهم لها بأن ينطقها الله تعالى وتقول: ما عبدتمونا، أو سينكر ~~الكفرة حين شاهدوا سوء عاقبة كفرهم عبادتهم لها كما في قوله تعالى: # والله ربنا ما كنا مشركين # [الأنعام: 23] ومعنى قوله تعالى: { ويكونون عليهم ضدا } ~~على الأول تكون الآلهة التي كانوا يرجون أن تكون عزا ضدا للعز أي ~~ذلا وهونا، أو تكون عونا عليهم وآلة لعذابهم حيث تجعل وقود النار ~~وحصب جهنم، أو حيث كانت عبادتهم لها سببا لعذابهم، وإطلاق الضد ~~على العون لما أن عون الرجل يضاد عدوه وينافيه بإعانته له عليه، ~~وعلى الثاني يكون الكفرة ضدا وأعداء للآلهة كافرين بها بعد أن كانوا ~~يحبونها كحب الله ويعبدونها. وتوحيد الضد لوحدة المعنى الذي عليه ~~تدور مضادتهم فإنهم بذلك كشيء واحد كما في قوله عليه السلام: # " وهم يد على من سواهم " # وقرىء كلا بفتح الكاف والتنوين على قلب الألف نونا في الوقف قلب ~~ألف الإطلاق في قوله: [الوافر] # أقلي اللوم عاذل والعتابن # وقولي إن أصبت لقد أصابن # أو على معنى كل هذا الرأي كلا، وقرىء كلا على إضمار فعل يفسره ~~ما بعده أي سيجحدون، كلا سيكفرون الخ. ### || [19.83-87] # { ألم تر أنا أرسلنا الشيطين على الكفرين ~~} تعجيب لرسول الله صلى الله عليه وسلم مما نطقت به الآيات الكريمة ~~السالفة وحكته عن هؤلاء الكفرة الغواة والمردة العتاة من فنون ~~القبائح من الأقاويل والأفاعيل، والتمادي في الغي، والانهماك في ~~الضلال، والإفراط في العناد، والتصميم على الكفر من غير صارف يلويهم ~~ولا عاطف يثنيهم، والإجماع على مدافعة الحق بعد اتضاحه وانتفاء الشك ~~عنه بالكلية، وتنبيه على أن جميع ذلك منهم بإضلال الشياطين وإغوائهم ~~لا لأن مسوغا ما في الجملة، ومعنى إرسال الشياطين عليهم إما ~~تسليطهم عليهم وتمكينهم من إضلالهم وإما تقييضهم لهم، ms2118 وليس المراد ~~تعجيبه عليه السلام من إرسالهم عليهم كما يوهمه تعليق الرؤية به، بل ~~مما ذكر من أحوال الكفرة من حيث كونها من آثار إغواء الشياطين كما ~~ينبىء عنه قوله تعالى: { تؤزهم أزا } فإنه إما حال مقدرة من ~~الشياطين أو استئناف وقع جوابا عما نشأ من صدر الكلام، كأنه قيل: ماذا ~~يفعل الشياطين بهم حينئذ؟ فقيل: تؤزهم أي تغريهم وتهيجهم على ~~المعاصي تهييجا شديدا بأنواع الوساوس والتسويلات، فإن الأز والهز ~~والاستفزاز أخوات معناها شدة الإزعاج. # { فلا تعجل عليهم } أي بأن يهلكوا حسبما تقتضيه جناياتهم ~~ويبيدوا عن آخرهم وتطهر الأرض من فساداتهم، والفاء للإشعار بكون ما ~~قبلها مظنة لوقوع المنهي محوجة إلى النهي كما في قوله تعالى: { ~~إن هذا عدو لك ولزوجك فلا يخرجنكما من ~~الجنة } [مريم: 84] وقوله تعالى: { إنما نعد لهم عدا ~~} تعليل لموجب النهي ببيان اقتراب هلاكهم أي لا تستعجل بهلاكهم فإنه ~~لم يبق لهم إلا أيام وأنفاس نعدها عدا. # { يوم نحشر المتقين } منصوب على الظرفية بفعل مؤخر قد ~~حذف للإشعار بضيق العبارة عن حصره وشرحه لكمال فظاعة ما يقع فيه من ~~الطامة والدواهي العامة، كأنه قيل: يوم نحشر المتقين أي نجمعهم { إلى ~~الرحمن } إلى ربهم الذي يغمرهم برحمته الواسعة { وفدا } ~~وافدين عليه كما يفد الوفود على الملوك منتظرين لكرامتهم وإنعامهم. # { ونسوق المجرمين } كما تساق البهائم { إلى جهنم ~~وردا } عطاشا فإن من يرد الماء لا يورده إلا العطش، أو ~~كالدواب التي ترد الماء نفعل بالفريقين من الأفعال ما لا يخفى ببيانه ~~نطاق المقال، وقيل: منصوب على المفعولية بمضمر مقدم خوطب به النبي ~~صلى الله عليه وسلم، أي اذكر لهم بطريق الترغيب والترهيب يوم نحشر الخ، ~~وقيل: على الظرفية لقوله تعالى: # { لا يملكون الشفعة } والذي يقتضيه مقام التهويل ~~وتستدعيه جزالة التنزيل أن ينتصب بأحد الوجهين الأولين ويكون هذا ~~استئنافا مبينا لبعض ما فيه من الأمور الدالة على هوله، وضميره ~~عائدا إلى العباد المدلول عليهم بذكر الفريقين لانحصارهم فيهما، وقيل: ~~إلى المتقين خاصة، وقيل: إلى المجرمين من الكفرة وأهل الإسلام، ~~والشفاعة ms2119 على الأولين مصدر من المبني للفاعل وعلى الثالث ينبغي أن ~~تكون مصدرا من المبني للمفعول وقوله تعالى: { إلا من اتخذ ~~عند الرحمن عهدا } على الأول استثناء متصل من لا يملكون، ~~ومحل المستثنى إما الرفع على البدل أو النصب على أصول الاستثناء ~~والمعنى لا يملك العباد أن يشفعوا لغيرهم إلا من استعد له بالتحلي ~~بالإيمان والتقوى أو من أمر بذلك، من قولهم: عهد الأمير إلى فلان بكذا ~~إذا أمره به، فيكون ترغيبا للناس في تحصيل الإيمان والتقوى المؤدي ~~إلى نيل هذه الرتبة، وعلى الثاني استثناء من الشفاعة على حذف المضاف ~~والمستثنى منصوب على البدل أو على أصل الاستثناء، أي لا يملك المتقون ~~الشفاعة إلا شفاعة من اتخذ العهد بالإسلام فيكون ترغيبا في الإسلام، ~~وعلى الثالث استثناء من لا يملكون أيضا والمستثنى مرفوع على البدل ~~أو منصوب على الأصل والمعنى لا يملك المجرمون أن يشفع لهم إلا من كان ~~منهم مسلما. ### || [19.88-90] # { وقالوا اتخذ الرحمن ولدا } حكاية لجناية اليهود ~~والنصارى ومن يزعم من العرب أن الملائكة بنات الله سبحانه وتعالى عن ~~ذلك علوا كبيرا إثر حكاية عبدة الأصنام بطريق عطف القصة على القصة ~~وقوله تعالى: { لقد جئتم شيئا إدا } رد لمقالتهم الباطلة ~~وتهويل لأمرها بطريق الالتفات المنبىء عن كمال السخط وشدة الغضب ~~المفصح عن غاية التشنيع والتقبيح، وتسجيل عليهم بنهاية الوقاحة ~~والجهل والجراءة، والإد بالكسر والفتح العظيم المنكر، والإدة الشدة ~~وأدني الأمر وآدني أثقلني وعظم علي، أي فعلتم أمرا منكرا شديدا ~~لا يقادر قدره، فإن جاء وأتى يستعملان في معنى فعل فيعديان ~~تعديته وقوله تعالى: { تكاد السموات } الخ، صفة لإدا أو ~~استئناف لبيان عظم شأنه في الشدة والهول، وقرىء يكاد بالتذكير { ~~يتفطرن منه } يتشققن مرة بعد أخرى من عظم ذلك الأمر، وقرىء ~~ينفطرن والأول أبلغ لأن تفعل مطاوع فعل، وانفعل مطاوع فعل ~~ولأن أصل التفعل التكلف. # { وتنشق الأرض } أي تكاد وتنشق الأرض { وتخر الجبال } ~~أي تسقط وتتهدم، وقوله تعالى: { هدا } مصدر مؤكد لمحذوف هو حال ~~من الجبال أي تهد هدا أو مصدر ms2120 من المبني للمفعول مؤكد لتخر ~~على غير المصدر لأنه حينئذ بمعنى التهدم والخرور، كأنه قيل: وتخر ~~الجبال خرورا أو مصدر بمعنى المفعول منصوب على الحالية أي مهدودة، أو ~~مفعول له أي لأنها تهد، وهذا تقرير لكونه إدا والمعنى أن هول تلك ~~الكلمة الشنعاء وعظمها بحيث لو تصورت بصورة محسوسة لم تطق بها ~~هاتيك الأجرام العظام وتفتتت من شدتها أو أن فظاعتها في استجلاب ~~الغضب واستيجاب السخط بحيث لولا حلمه تعالى لخرب العالم ~~وبددت قوائمه غضبا على من تفوه بها. ### || [19.91-96] # { أن دعوا للرحمن ولدا } منصوب على حذف اللام المتعلقة ~~بتكاد أو مجرور بإضمارها، أي تكاد السموات يتفطرن والأرض تنشق ~~والجبال تخر لأن دعوا له سبحانه ولدا، وقيل: اللام متعلقة ~~بهدا، وقيل: الجملة بدل من الضمير المجرور في منه كما في قوله: ~~[الطويل] # [على حالة لو أن في القوم حاتما] # على جوده لضن بالماء حاتم # وقيل: خبر مبتدأ محذوف أي الموجب لذلك أن دعوا الخ، وقيل: فاعل ~~هدا أي هدها دعاء الولد، والأول هو الأولى ودعوا من دعا بمعنى ~~سمى المتعدي إلى مفعولين، وقد اقتصر على ثانيهما ليتناول كل ما ~~دعي له ولدا، أو من دعا بمعنى نسب الذي مطاوعه ادعى إلى فلان أي ~~انتسب إليه وقوله تعالى: { وما ينبغى للرحمن أن يتخذ ~~ولدا } حال من فاعل قالوا أو دعوا، مقررة لبطلان مقالتهم ~~واستحالة تحقق مضمونها، أي قالوا: اتخذ الرحمن ولدا أو أن دعوا ~~للرحمن ولدا، والحال أنه ما يليق به تعالى اتخاذ الولد ولا يتطلب له ~~لو طلب مثلا لاستحالته في نفسه، ووضع الرحمن موضع الضمير للإشعار ~~بعلة الحكم بالتنبيه على أن كل ما سواه تعالى إما نعمة أو منعم ~~عليه، فكيف يتسنى أن يجانس من هو مبدأ النعم ومولى أصولها وفروعها ~~حتى يتوهم أن يتخذه ولدا؟ وقد صرح له قوم به عز قائلا: { إن كل ~~من فى السموات والأرض } أي ما منهم أحد من الملائكة ~~والثقلين { إلا اتى الرحمن عبدا } إلا وهو مملوك له يأوي ~~إليه بالعبودية والانقياد، وقرىء ms2121 آت الرحمن على الأصل { لقد ~~أحصهم } أي حصرهم وأحاط بهم بحيث لا يكاد يخرج منهم أحد من ~~حيطة علمه وقبضة قدرته وملكوته { وعدهم عدا } أي عد ~~أشخاصهم وأنفاسهم وأفعالهم وكل شيء عنده بمقدار { وكلهم ~~ءاتيه يوم القيمة فردا } أي كل واحد منهم آت إياه ~~تعالى منفردا من الأتباع والأنصار، وفي صيغة الفاعل من الدلالة على ~~إتيانهم كذلك البتة ما ليس في صيغة المضارع لو قيل: يأتيه، فإذا كان ~~شأنه تعالى وشأنهم كما ذكر فأنى يتوهم احتمال أن يتخذ شيئا منهم ~~ولدا # { إن الذين ءامنوا وعملوا الصلحت } لما فصلت ~~قبائح أحوال الكفرة عقب ذلك بذكر محاسن أحوال المؤمنين { ~~سيجعل لهم الرحمن ودا } أي سيحدث لهم في القلوب ~~مودة من غير تعرض منهم لأسبابها سوى ما لهم من الإيمان والعمل ~~الصالح، والتعرض لعنوان الرحمانية لما أن الموعود من آثارها. وعن ~~النبي عليه الصلاة والسلام: # " إذا أحب الله عبدا يقول لجبريل عليه السلام: إني أحب فلانا ~~فأحبه، فيحبه جبريل ثم ينادي في أهل السماء: إن الله أحب فلانا ~~فأحبوه، فيحبه أهل السماء ثم يوضع له المحبة في الأرض " # والسين لأن السورة مكية وكانوا إذ ذاك ممقوتين بين الكفرة فوعدهم ~~ذلك ثم أنجزه حين ربا الإسلام، أو لأن الموعود في القيامة حين تعرض ~~حسناتهم على رؤوس الأشهاد فينزع ما في صدورهم من الغل الذي كان في ~~الدنيا، ولعل إفراد هذا بالوعد من بين ما سيؤتون يوم القيامة من ~~الكرامات السنية لما أن الكفرة سيقع بينهم يومئذ تباغض وتضاد ~~وتقاطع وتلاعن. ### || [19.97-98] # { فإنما يسرنه } أي القرآن { بلسانك } بأن أنزلناه ~~على لغتك والباء بمعنى على، وقيل: ضمن التيسير معنى الإنزال أي يسرنا ~~القرآن منزلين له بلغتك، والفاء لتعليل أمر ينساق إليه النظم ~~الكريم، كأنه قيل بعد إيحاء السورة الكريمة: بلغ هذا المنزل أو بشر ~~به وأنذر فإنما يسرناه بلسانك العربي المبين. # { لتبشر به المتقين } أي الصائرين إلى التقوى بامتثال ما ~~فيه من الأمر والنهي { وتنذر به قوما لدا } لا يؤمنون به ~~لجاجا وعنادا، واللد جمع الألد ms2122 وهو الشديد الخصومة اللجوج ~~المعاند. # وقوله تعالى: { وكم أهلكنا قبلهم من قرن } وعد لرسول ~~الله صلى الله عليه وسلم في ضمن وعيد الكفرة بالإهلاك وحث له عليه ~~الصلاة والسلام على الإنذار، أي قرنا كثيرا أهلكنا قبل هؤلاء ~~المعاندين وقوله تعالى: { هل تحس منهم من أحد } استئناف ~~مقرر لمضمون ما قبله، أي هل تشعر بأحد منهم وترى { أو تسمع ~~لهم ركزا } أي صوتا خفيفا، وأصل الركز هو الخفاء ومنه ركز ~~الرمح إذا غيب طرفه في الأرض، والركاز المال المدفون المخفي، ~~والمعنى أهلكناهم بالكلية واستأصلناهم بحيث لا يرى منهم أحد ولا يسمع ~~منهم صوت خفي. # عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " من قرأ سورة مريم أعطي عشر حسنات بعدد من كذب زكريا وصدق به ~~ويحيى وعيسى وسائر الأنبياء المذكورين فيها، وبعدد من دعا الله ~~تعالى في الدنيا ومن لم يدع الله تعالى ". ### | [20 - سورة طه] ### || [20.1-3] # سورة طه # مكية إلا آيتي 130 و131 فمدنيتان وهي مائة وخمس وثلاثون آية # { طه } فخمهما قالون وابن كثير وابن عامر وحفص ويعقوب على الأصل، ~~والطاء وحده أبو عمرو وورش لاستعلائه وأمالهما الباقون، وهو من ~~الفواتح التي يصدر بها السور الكريمة وعليه جمهور المتقنين. وقيل: ~~معناه يا رجل وهو مروي عن ابن عباس رضي الله عنهما والحسن ومجاهد ~~وسعيد بن جبير وقتادة وعكرمة والكلبي، إلا أنه عند سعيد على ~~اللغة النبطية وعند قتادة على السريانية وعند عكرمة على الحبشية وعند ~~الكلبي على لغة عك، وقيل: عكل وهي لغة يمانية، قالوا: إن صح فلعل ~~أصله يا هذا فتصرفوا فيه بقلب الياء طاء وحذف ذا من هذا، وما استشهد ~~به من قول الشاعر: [البسيط] # إن السفاهة طه في خلائقكم # لا قدس الله أخلاق الملاعين # ليس بنص في ذلك لجواز كونه قسما كما في حم لا ينصرون، وقد جوز أن ~~يكون الأصل طأها بصيغة الأمر من الوطء فقلبت الهمزة في يطأ ألفا ~~لانفتاح ما قبلها كما في قول من قال: لا هناك المرتع، وها ضمير ~~الأرض على أنه خطاب ms2123 لرسول الله صلى الله عليه وسلم بأن يطأ الأرض ~~بقدميه لما كان يقوم في تهجده على إحدى رجليه مبالغة في المجاهدة، ولكن ~~يأباه كتابتهما على صورة الحرف، كما تأبى التفسير بيا رجل فإن ~~الكتابة على صورة الحرف مع كون التلفظ بخلافه من خصائص حروف المعجم، ~~وقرىء إما على أن أصله طأ فقلبت همزته هاء كما في أمثال هرقت أو ~~قلبت الهمزة في يطأ ألفا كما مر، ثم بني منه الأمر وألحق به هاء السكت ~~وإما على أنه اكتفي في التلفظ بشطري الاسمين وأقيما مقامهما في ~~الدلالة على المسميين فكأنهما اسماهما الدالان عليها. وعلى هذا ينبغي ~~أن يحمل قول من قال: أو اكتفى بشطري الكلمتين وعبر عنهما باسمهما وإلا ~~فالشطران لم يذكرا من حيث إنهما مسميان لاسميهما ليقعا معبرا ~~عنهما، بل من حيث إنهما جزءان لهما قد اكتفي بذكرهما عن ذكرهما ولذلك ~~وقع التلفظ بأنفسهما لا باسميهما بأن يراد بضمير التثنية في الموضعين ~~الشطران من حيث هما جزآن للاسمين، ويراد باسمهما الشطران من حيث هما ~~قائمان مقام الاسمين فالمعنى اكتفي في التلفظ بشطري الكلمتين أي ~~الاسمين فعبر عنهما أي عن الشطرين من حيث هما مسميان بهما من حيث هما ~~قائمان مقام الاسمين، وأما حمله على معنى أنه اكتفي في الكتابة بشطري ~~الكلمتين يعني طا على تقديري كونه أمرا وكونه حرف نداء، وها على ~~تقديري كونها كناية عن الأرض وكونها حرف تنبيه وعدل عن ذينك ~~الشطرين في التلفظ باسمهما تبين البطلان كيف و(طا) و(ها) على ما ذكر ~~من التقادير ليسا باسمين للحرفين المذكورين، بل الأول أمر أو حرف نداء ~~والثاني ضمير الأرض أو حرف تنبيه، على أن كتابة صورة الحرف ~~والتلفظ بغيره من خواص حروف المعجم كما مر، فالحق ما سلف من أنها من ~~الفواتح إما مسرودة على نمط التعديد بأحد الوجهين المذكورين في مطلع ~~سورة البقرة فلا محل لها من الإعراب وكذا ما بعدها من قوله تعالى: { ~~ما أنزلنا عليك القرءان لتشقى } فإنه استئناف مسوق ~~لتسليته عليه الصلاة والسلام عما كان ms2124 يعتريه من جهة المشركين من التعب، ~~فإن الشقاء شائع في ذلك المعنى ومنه أشقى من رائض مهر أي ما أنزلناه ~~عليك لتتعب بالمبالغة في مكابدة الشدائد في مقاولة العتاة ومحاورة ~~الطغاة وفرط التأسف على كفرهم به والتحسر على أن يؤمنوا كقوله عز ~~وجل: # فلعلك بخع نفسك على ءاثرهم # [الكهف: 6]، بل للتبليغ والتذكير وقد فعلت فلا عليك إن لم يؤمنوا به ~~بعد ذلك، أو لصرفه عليه الصلاة والسلام عما كان عليه من المبالغة في ~~المجاهدة في العبادة، كما يروى أنه عليه الصلاة والسلام كان يقوم بالليل ~~حتى ترم قدماه، فقال له جبريل عليه السلام: أبق على نفسك فإن لها ~~عليك حقا، أي ما أنزلناه عليك لتتعب بنهك نفسك وحملها على الرياضات ~~الشاقة والشدائد الفادحة وما بعثت إلا بالحنيفية السمحة، وقيل: إن أبا ~~جهل والنضر بن الحارث قالا لرسول الله صلى الله عليه وسلم: إنك شقي ~~حيث تركت دين آبائك وإن القرآن نزل عليك لتشقى به، فرد ذلك بأنا ما ~~أنزلناه عليك لما قالوا، والأول هو الأنسب كما يشهد به الاستثناء ~~الآتي. # هذا، وإما اسم للقرآن محله الرفع على أنه مبتدأ وما بعده خبره، ~~والقرآن ظاهر أوقع موقع العائد إلى المبتدأ كأنه قيل: القرآن ما ~~أنزلناه عليك لتشقى، أو النصب على إضمار فعل القسم أو الجر بتقدير ~~حرفه وما بعده جوابه، وعلى هذين الوجهين يجوز أن يكون اسما للسورة ~~أيضا بخلاف الوجه الأول فإنه لا يتسنى على ذلك التقدير لكن لا لأن ~~المبتدأ يبقى حينئذ بلا عائد ولا قائم مقامه، فإن القرآن صادق على ~~الصورة لا محالة إما بطريق الاتحاد بأن يراد به القدر المشترك بين ~~الكل والبعض، أو باعتبار الاندراج إن أريد به الكل، بل لأن نفي كون ~~إنزاله للشقاء يستدعي سبق وقوعه الشقاء مترتبا على إنزاله قطعا إما ~~بحسب الحقيقة كما لو أريد به معنى التعب أو بحسب زعم الكفرة كما لو ~~أريد به ضد السعادة، ولا ريب في أن ذلك إنما يتصور في إنزال ما أنزل ~~من قبل، وأما ms2125 إنزال السورة الكريمة فليس مما يمكن ترتب الشقاء السابق ~~عليه حتى يتصدى لنفيه عنه. أما باعتبار الاتحاد فظاهر وأما باعتبار ~~الاندارج فلأن مآله أن يقال: هذه السورة ما أنزلنا القرآن المشتمل ~~عليها لتشقى، ولا يخفى أن جعلها مخبرا عنها مع أنه لا دخل لإنزالها ~~في الشقاء السابق أصلا مما لا يليق بشأن التنزيل الجليل وقوله تعالى: { ~~إلا تذكرة } نصب على أنه مفعول له لأنزلنا لكن لا من حيث أنه ~~معلل بالشقاء على معنى ما أنزلنا عليك القرآن لتتعب بتبليغه إلا ~~تذكرة. # . الآية، كقولك: ما ضربتك للتأديب إلا إشفاقا لما أنه يجب في أمثاله ~~أن يكون بين العلتين ملابسة بالسببية والمسببية حتما كما في ~~المثال المذكور، وفي قولك: ما شافهتك بالسوء لتتأذى إلا زجرا لغيرك ~~فإن التأديب في الأول مسبب عن الإشفاق والتأذي في الثاني سبب لزجر ~~الغير، وقد عرفت ما بين الشقاء والتذكرة من التنافي ولا يجدي أن يراد ~~به التعب في الجملة المجامع للتذكرة لظهور أن لا ملابسة بينهما بما ~~ذكر من السببية والمسببية وإنما يتصور ذلك أن لو قيل مكان إلا تذكرة: ~~إلا تكثيرا لثوابك فإن الأجر بقدر التعب، ولا من حيث أنه بدل من محل ~~لتشقى كما في قوله تعالى: # ما فعلوه إلا قليل # [النساء: 66] لوجوب المجانسة بين البدلين وقد عرفت حالهما، بل من ~~حيث إنه معطوف عليه بحسب المعنى بعد نفيه بطريق الاستدراك المستفاد من ~~الاستثناء المنقطع، كأنه قيل: ما أنزلنا عليك القرآن لتتعب في تبليغه ~~ولكن تذكرة { لمن يخشى } وقد جرد التذكرة عن اللام لكونها فعلا ~~لفاعل الفعل المعلل، أي لمن شأنه أن يخشى الله عز وعلا ويتأثر ~~بالإنذار لرقة قلبه ولين عريكته أو لمن علم الله تعالى أنه يخشى ~~بالتخويف، وتخصيصها بهم مع عموم التذكرة والتبليغ لأنهم المنتفعون بها. ### || [20.4-5] # قوله تعالى: { تنزيلا } مصدر مؤكد لمضمر مستأنف مقرر لما قبله، ~~أي نزل تنزيلا أو لما تفيده الجملة الاستثنائية فإنها متضمنة لأن ~~يقال: أنزلناه للتذكرة والأول هو الأنسب بما بعده من الالتفات أو ~~منصوب على ms2126 المدح والاختصاص، وقيل: هو منصوب بيخشى على المفعولية أي ~~يخشى تنزيلا من الله تعالى، وأنت خبير بأن تعليق الخشية والخوف ~~ونظائرهما بمطلق التنزيل غير معهود، نعم قد يعلق ذلك ببعض أجزائه ~~المشتملة على الوعيد ونظائره كما في قوله تعالى: # يحذر المنفقون أن تنزل عليهم سورة ~~تنبئهم بما في قلوبهم # [التوبة: 64]، وقيل: هو بدل من تذكرة لكن لا على أنه مفعول له ~~لأنزلنا إذ لا يعلل الشيء بنفسه ولا بنوعه، بل على أنه مصدر بمعنى ~~الفاعل واقع موقع الحال من الكاف في عليك أو من القرآن، ولا مساغ له ~~إلا بأن يكون قيدا لأنزلنا بعد تقيده بالقيد الأول وقد عرفت حاله فيما ~~سلف، وقرىء تنزيل على أنه خبر لمبتدأ محذوف ومن في قوله تعالى: { ~~ممن خلق الأرض والسموت العلى } متعلقة بتنزيلا أو ~~بمضمر هو صفة له مؤكدة لما في تنكيره من الفخامة الذاتية بالفخامة ~~الإضافية، ونسبة التنزيل إلى الموصول بطريق الالتفات إلى الغيبة بعد ~~نسبته إلى نون العظمة لبيان فخامته تعالى بحسب الصفات والأفعال إثر ~~بيانها بحسب الذات بطريق الإبهام، ثم التفسير لزيادة تحقيق وتقرير، ~~وتخصيص خلقهما بالذكر مع أن المراد خلقهما بجميع ما يتعلق بهما كما ~~يفصح عنه قوله تعالى: # له ما في السموات وما في الأرض # [طه: 6]، لأصالتهما واستتباعهما لما عداهما، وتقديم الأرض لكونه أقرب ~~إلى الحس وأظهر عنده، ووصف السموات بالعلا وهو جمع العليا تأنيث ~~الأعلى لتأكيد الفخامة مع ما فيه من مراعاة الفواصل، وكل ذلك إلى قوله ~~تعالى: # له الأسماء الحسنى # [طه: 8] مسوق لتعظيم شأن المنزل عز وجل المستتبع لتعظيم شأن ~~المنزل الداعي إلى تربية المهابة، وإدخال الروعة المؤدية إلى ~~استنزال المتمردين عن رتبة العتو والطغيان واستمالتهم نحو الخشية ~~المفضية إلى التذكرة والإيمان. # { الرحمن } رفع على المدح أي هو الرحمن وقد عرفت في صدر سورة ~~البقرة أن المرفوع مدحا في حكم الصفة الجارية على ما قبله وإن لم يكن ~~تابعا له في الإعراب، ولذلك التزموا حذف المبتدأ ليكون في صورة متعلق ~~من متعلقاته وقد قرىء بالجر على ms2127 أنه صفة صريحة للموصول، وما قيل من أن ~~الأسماء الناقصة لا يوصف منها إلا الذي وحده مذهب الكوفيين، وأيا ما ~~كان فوصفه بالرحمانية إثر وصفه بخالقية السموات والأرض للإشعار بأن ~~خلقهما من آثار رحمته تعالى كما أن قوله تعالى: # رب السموات والأرض وما بينهما الرحمن # [النبأ: 37] للإيذان بأن ربوبيته تعالى بطريق الرحمة، وفيه إشارة ~~إلى أن تنزيل القرآن أيضا من أحكام رحمته تعالى كما ينبىء عنه قوله ~~تعالى: # الرحمن علم القرءان # [الرحمن: 1-2]. # أو رفع على الابتداء واللام للعهد والإشارة إلى الموصول، والخبر قوله ~~تعالى: { على العرش استوى } وجعل الرحمة عنوان الموضوع الذي ~~شأنه أن يكون معلوم الثبوت للموضوع عند المخاطب للإيذان بأن ذلك أمر ~~بين لا سترة به غني عن الإخبار به صريحا، وعلى متعلقة باستوى ~~قدمت عليه لمراعاة الفواصل، والجار والمجرور على الأول خبر مبتدأ ~~محذوف كما في قراءة الجر وقد جوز أن يكون خبرا بعد خبر، ~~والاستواء على العرش مجاز عن الملك والسلطان ومتفرع على الكناية ~~فيمن يجوز عليه القعود على السرير، يقال: استوى فلان على سرير الملك ~~يراد به ملك وإن لم يقعد على السرير أصلا، والمراد بيان تعلق ~~إرادته الشريفة بإيجاد الكائنات وتدبير أمرها. ### || [20.6-8] # قوله تعالى: { له ما في السموات وما في الأرض } سواء ~~كان ذلك بالجزئية منهما أو بالحلول فيهما { وما بينهما } من ~~الموجودات الكائنة في الجو دائما كالهواء والسحاب أو أكثريا كالطير، أي ~~له وحده دون غيره لا شركة ولا استقلالا كل ما ذكر ملكا وتصرفا ~~وإحياء وإماتة وإيجادا وإعداما { وما تحت الثرى } أي ما ~~وراء التراب، وذكره مع دخوله تحت ما في الأرض لزيادة التقرير، روي عن ~~محمد بن كعب أنه ما تحت الأرضين السبع، وعن السدي أن الثرى هو الصخرة ~~التي عليها الأرض السابعة. # { وإن تجهر بالقول } بيان لإحاطة علمه تعالى بجميع ~~الأشياء إثر بيان سعة سلطنته وشمول قدرته لجميع الكائنات، أي وإن ~~تجهر بذكره تعالى ودعائه فاعلم أنه تعالى غني عن جهرك { فإنه ~~يعلم السر وأخفى } أي ما أسررته ms2128 إلى غيرك وشيئا أخفى من ~~ذلك وهو ما أخطرته ببالك من غير أن تتفوه به أصلا، أو ما أسررته ~~لنفسك وأخفى منه وهو ما ستسره فيما سيأتي، وتنكيره للمبالغة في ~~الخفاء، وهذا إما نهي عن الجهر كقوله تعالى: # واذكر ربك في نفسك تضرعا وخيفة ودون الجهر ~~من القول # [الأعراف: 205] وإما ارشاد للعباد إلى أن الجهر ليس لإسماعه سبحانه بل ~~لغرض آخر من تصوير النفس بالذكر، وتثبيته فيها، ومنعها من الاشتغال ~~بغيره، وقطع الوسوسة عنها، وهضمها بالتضرع والجؤار وقوله تعالى: { ~~الله } خبر مبتدأ محذوف، والجملة استئناف مسوق لبيان أن ما ~~ذكر من صفات الكمال موصوفها ذلك المعبود بالحق، أي ذلك المنعوت بما ~~ذكر من النعوت الجليلة الله عز وجل وقوله تعالى: { لا إله إلا ~~هو } تحقيق للحق وتصريح بما تضمنه ما قبله من اختصاص الألوهية به ~~سبحانه، فإن ما أسند إليه تعالى من خلق جميع الموجودات والرحمانية ~~والمالكية للكل والعلم الشامل مما يقتضيه اقتضاء بينا، وقوله ~~تعالى: { له الأسماء الحسنى } بيان لكون ما ذكر من الخالقية ~~والرحمانية والمالكية والعالمية أسماءه وصفاته من غير تعدد في ذاته ~~تعالى، فإنه روي أن المشركين حين سمعوا النبي عليه الصلاة والسلام ~~يقول: # " يا ألله يا رحمن " # قالوا: ينهانا أن نعبد إلهين وهو يدعو إلها آخر. والحسنى تأنيث ~~الأحسن يوصف به الواحدة المؤنثة والجمع من المذكر والمؤنث كمآرب ~~أخرى، وآياتنا الكبرى. ### || [20.9-10] # { وهل أتاك حديث موسى } استئناف مسوق لتقرير أمر ~~التوحيد الذي إليه انتهى مساق الحديث وبيان أنه أمر مستمر فيما ~~بين الأنبياء كابرا عن كابر، وقد خوطب به موسى عليه الصلاة والسلام ~~حيث قيل له: # إننى أنا الله لا إله إلا أنا # [طه: 14] وبه ختم عليه الصلاة والسلام مقاله حيث قال: # إنما إلهكم الله الذي لا إله إلا هو # [طه: 98] وأما ما قيل من أن ذلك لترغيب النبي عليه الصلاة والسلام في ~~الائتساء بموسى عليه الصلاة والسلام في تحمل أعباء النبوة والصبر على ~~مقاساة الخطوب في تبليغ أحكام الرسالة، فيأباه أن مساق النظم الكريم ~~لصرفه ms2129 عليه الصلاة والسلام عن اقتحام المشاق، وقوله تعالى: { إذ ~~رأى نارا } ظرف للحديث، وقيل: لمضمر مؤخر أي حين رأى نارا كان ~~كيت وكيت، وقيل: مفعول لمضمر مقدم أي اذكر وقت رؤيته نارا. روي أنه ~~عليه الصلاة والسلام استأذن شعيبا عليهما الصلاة والسلام في الخروج إلى ~~أمه وأخيه فخرج بأهله وأخذ على غير الطريق مخافة من ملوك الشام، فلما ~~وافى وادي طوى وهو الجانب الغربي من الطور ولد له ولد في ليلة ~~مظلمة شاتية مثلجة وكانت ليلة الجمعة وقد ضل الطريق وتفرقت ماشيته ~~ولا ماء عنده، وقدح فصلد زنده، فبينما هو في ذلك إن رأى نارا على ~~يسار الطريق من جانب الطور { فقال لأهله امكثوا } أي أقيموا ~~مكانكم، أمرهم عليه الصلاة والسلام بذلك لئلا يتبعوه فيما عزم عليه ~~عليه الصلاة والسلام من الذهاب إلى النار كما هو المعتاد، لا لئلا ~~ينتقلوا إلى موضع آخر فإنه مما لا يخطر بالبال، والخطاب للمرأة ~~والولد والخادم، وقيل: لها وحدها والجمع إما لظاهر لفظ الأهل أو ~~للتفخيم كما في قول من قال: [الطويل] # وإن شئت حرمت النساء سواكم # { إنى آنست نارا } أي أبصرتها إبصارا بينا لا شبهة فيه، ~~وقيل: الإيناس خاص بإبصار ما يؤنس به والجملة تعليل للأمر أو ~~المأمور به { لعلى ءاتيكم منها } أي أجيئكم من النار { ~~بقبس } أي بشعلة مقتبسة من معظم النار وهي المرادة بالجذوة في ~~سورة القصص وبالشهاب القبس { أو أجد على النار هدى } ~~هاديا يدلني على الطريق على أنه مصدر سمي به الفاعل مبالغة، أو حذف ~~منه المضاف أي ذا هداية، أو على أنه إذا وجد الهادي فقد وجد الهدى، ~~وقيل: هاديا يهديني إلى أبواب الدين فإن أفكار الأبرار معمورة ~~بالهمة الدينية في عامة أحوالهم لا يشغلهم عنها شاغل، والأول هو ~~الأظهر لأن مساق النظم الكريم لتسلية أهله، وقد نص عليه في سورة ~~القصص حيث قيل: # لعلي آتيكم منها بخبر أو جذوة # [القصص: 29]، وكلمة أو في الموضعين لمنع الخلو دون منع الجمع، ~~ومعنى الاستعلاء في قوله تعالى: { على النار } أن ms2130 أهل النار ~~يستعلون المكان القريب منها أو لأنهم عند الاصطلاء يكتنفونها قياما ~~وقعودا فيشرفون عليها. ولما كان الإتيان بهما مترقبا غير محقق ~~الوقوع صدر الجملة بكلمة الترجي، وهي إما علة لفعل قد حذف ثقة بما ~~يدل عليه من الأمر بالمكث والإخبار بإيناس النار وتفاديا عن التصريح ~~بما يوحشهم، وإما حال من فاعله أي فأذهب إليها لآتيكم أو كي آتيكم أو ~~راجيا أن آتيكم منها بقبس.. الآية، وقد مر تحقيق ذلك مفصلا في تفسير ~~قوله تعالى: # يأيها الناس اعبدوا ربكم الذى خلقكم ~~والذين من قبلكم لعلكم تتقون # [البقرة: 21]. ### || [20.11-12] # { فلما أتها } أي النار التي آنسها، قال ابن عباس رضي الله ~~عنهما: رأى شجرة خضراء أطافت بها من أسفلها إلى أعلاها نار بيضاء ~~تتقد كأضوإ ما يكون، فوقف متعجبا من شدة ضوئها وشدة خضرة الشجرة فلا ~~النار تغير خضرتها ولا كثرة ماء الشجرة تغير ضوءها. قالوا: ~~النار أربعة أصناف: صنف يأكل ولا يشرب وهي نار الدنيا، وصنف يشرب ~~ولا يأكل وهي نار الشجر الأخضر، وصنف يأكل ويشرب وهي نار جهنم، وصنف ~~لا يأكل ولا يشرب وهي نار موسى عليه الصلاة والسلام، وقالوا: هي أربعة ~~أنواع: نوع له نور وإحراق وهي نار الدنيا، ونوع لا نور له ولا ~~إحراق وهي نار الأشجار، ونوع له نور بلا إحراق وهي نار موسى عليه ~~الصلاة والسلام، ونوع له إحراق بلا نور وهي نار جهنم. روي أن الشجرة ~~كانت عوسجة، وقيل: كانت سمرة { نودى يموسى } أي نودي فقيل: ~~يا موسى { إنى أنا ربك } أو عومل النداء معاملة القول لكونه ~~ضربا منه، وقرىء بالفتح أي بأني، وتكرير الضمير لتأكيد الدليل وتحقيق ~~المعرفة وإماطة الشبهة. روي أنه لما نودي يا موسى، قال عليه الصلاة ~~والسلام: من المتكلم؟ فقال الله عز وجل: «أنا ربك» فوسوس إليه إبليس: ~~لعلك تسمع كلام شيطان، فقال: أنا عرفت أنه كلام الله تعالى بأني أسمعه ~~من جميع الجهات بجميع الأعضاء. قلت: وذلك لأن سماع ما ليس من شأنه ذلك ~~من الأعضاء ليس إلا من آثار ms2131 الخلاق العليم تعالى وتقدس، وقيل: تلقى عليه ~~الصلاة والسلام كلام رب العزة تلقيا روحانيا ثم تمثل ذلك الكلام ~~لبدنه وانتقل إلى الحس المشترك فانتقش به من غير اختصاص بعضو وجهه { ~~فاخلع نعليك } أمر عليه الصلاة والسلام بذلك لأن الحفوة ~~أدخل في التواضع وحسن الأدب، ولذلك كان السلف الصالحون يطوفون بالكعبة ~~حافين، وقيل: ليباشر الوادي بقدميه تبركا به، وقيل: لما أن نعليه كانتا ~~من جلد حمار غير مدبوغ، وقيل: معناه فرغ قلبك من الأهل والمال، ~~والفاء لترتيب الأمر على ما قبلها فإن ربوبيته تعالى له عليه الصلاة ~~والسلام من موجبات الأمر وداوعيه وقوله تعالى: { إنك بالواد ~~المقدس } تعليل لوجوب الخلع المأمور به وبيان لسبب ورود ~~الأمر بذلك من شرف البقعة وقدسها، روي أنه عليه الصلاة والسلام ~~خلعهما وألقاهما وراء الوادي { طوى } بضم الطاء غير منون، وقرىء ~~منونا، وقرىء بالكسر منونا وغير منون، فمن نونه أوله بالمكان دون ~~البقعة، وقيل: هو كثني الطي مصدر لنودي أو المقدس أي نودي نداءين أو ~~قدس مرة بعد أخرى. ### || [20.13-15] # { وأنا اخترتك } أي اصطفيتك للنبوة والرسالة، وقرىء وأنا ~~اخترناك بالفتح والكسر، والفاء في قوله: { فاستمع } لترتيب الأمر ~~أو المأمور به على ما قبلها، فإن اختياره عليه السلام لما ذكر من ~~موجبات الاستماع والأمر به، واللام في قوله تعالى: { لما يوحى } ~~متعلقة باستمع وما موصولة أو مصدرية، أي فاستمع الذي يوحى إليك أو ~~الوحي لا باخترتك كما قيل، لكن لا لما قيل من أنه من باب التنازع ~~وإعمال الأول فلا بد حينئذ من إعادة الضمير مع الثاني بل لأن قوله ~~تعالى: { إننى أنا الله لا إله إلا أنا } بدل من (ما ~~يوحى) ولا ريب في أن اختياره عليه الصلاة والسلام ليس لهذا الوحي فقط، ~~والفاء في قوله تعالى: { فاعبدنى } لترتيب المأمور به على ما ~~قبلها فإن اختصاص الألوهية به سبحانه وتعالى من موجبات تخصيص العبادة ~~به عز وجل { اتل ما } خصت الصلاة بالذكر وأفردت بالأمر مع اندراجها ~~في الأمر بالعبادة لفضلها وإنافتها على سائر العبادات بما نيطت ms2132 به من ~~ذكر المعبود وشغل القلب واللسان بذكره، وذلك قوله تعالى: { لذكرى ~~} أي لتذكرني فإن ذكري كما ينبغي لا يتحقق إلا في ضمن العبادة ~~والصلاة، أو لتذكرني فيها لاشتمالها على الأذكار، أو لذكري خاصة لا ~~تشوبه بذكر غيري، أو لإخلاص ذكري وابتغاء وجهي لا ترائي بها ولا ~~تقصد بها غرضا آخر، أو لتكون ذاكرا لي غير ناس، وقيل: لذكري إياها ~~وأمري بها في الكتب، أو لأن أذكرك بالمدح والثناء، وقيل: لأوقات ذكري ~~وهي مواقيت الصلاة، أو لذكر صلاتي لما روي أنه عليه الصلاة والسلام ~~قال: # " من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها لأن الله تعالى يقول: ~~{ وأقم الصلاة لذكري } " # وقرىء لذكرى بألف التأنيث وللذكرى معرفا وللذكر بالتعريف والتنكير ~~وقوله تعالى: # { إن الساعة ءاتية } تعليل لوجوب العبادة وإقامة الصلاة أي ~~كائنة لا محالة، وإنما عبر عن ذلك بالإتيان تحقيقا لحصولها بإبرازها ~~في معرض أمر محقق متوجه نحو المخاطبين { أكاد أخفيها } أي ~~لا أظهرها، بأن أقول: إنها آتية، ولولا أن ما في الإخبار بذلك من اللطف ~~وقطع الأعذار لما فعلت، أو أكاد أظهرها بإيقاعها من أخفاه إذا أظهره ~~بسلب خفائه، ويؤيده القراءة بفتح الهمزة من خفاه بمعنى أظهره، وقيل: ~~أخفاه من الأضداد يجيء بمعنى الإظهار والستر. وقوله تعالى: { ~~لتجزى كل نفس بما تسعى } متعلق بآتية، وما بينهما ~~اعتراض أو بأخفيها على المعنى الأخير، وما مصدرية أي لتجزى كل نفس ~~بسعيها في تحصيل ما ذكر من الأمور المأمور بها، وتخصيصه في معرض ~~الغاية لإتيانها مع أنه لجزاء كل نفس بما صدر عنها سواء كان سعيا ~~فيما ذكر، أو تقاعدا عنه بالمرة، أو سعيا في تحصيل ما يضاده للإيذان ~~بأن المراد بالذات من إتيانها هو الإثابة بالعبادة، وأما العقاب ~~بتركها فمن مقتضيات سوء اختيار العصاة وبأن المأمور به في قوة ~~الوجوب والساعة في شدة الهول والفظاعة يوجبان على كل نفس أن تسعى في ~~الامتثال بالأمر وتجد في تحصيل ما ينجيها من الطاعات، وحينئذ تحترز ~~عن اقتراف ما يرديها من المعاصي، وعليه مدار ms2133 الأمر في قوله تعالى: # وهو الذى خلق السموات والأرض فى ستة أيام ~~وكان عرشه على الماء ليبلوكم أيكم أحسن ~~عملا # [هود: 7] فإن الابتلاء مع شموله لكافة المكلفين باعتبار أعمالهم ~~المنقسمة إلى الحسن والقبيح أيضا لا إلى الحسن والأحسن فقط قد علق ~~بالأخيرين، لما ذكر من أن المقصود الأصلي من إبداع تلك البدائع على ~~ذلك النمط الرائع إنما هو ظهور كمال إحسان المحسنين وأن ذلك لكونه ~~على أتم الوجوه الرائقة وأكمل الأنحاء اللائقة يوجب العمل بموجبه ~~بحيث لا يحيد أحد عن سننه المستبين، بل يهتدي كل فرد إلى ما يرشد ~~إليه من مطلق الإيمان والطاعة، وإنما التفاوت بينهم في مراتبهما بحسب ~~القوة والضعف، وأما الإعراض عن ذلك والوقوع في مهاوي الضلال فبمعزل من ~~الوقوع فضلا عن أن ينتظم في سلك الغاية لذلك الصنع البديع، وإنما هو ~~عمل يصدر عن عامله بسوء اختياره من غير مصحح له أو مسوغ. هذا ~~ويجوز أن يراد بالسعي مطلق العمل. ### || [20.16-17] # { فلا يصدنك عنها } أي عن ذكر الساعة ومراقبتها، وقيل: عن ~~تصديقها والأول هو الأليق بشأن موسى عليه الصلاة والسلام وإن كان ~~النهي بطريق التهييج والإلهاب، وتقديم الجار والمجرور على قوله ~~تعالى: { من لا يؤمن بها } لما مر مرارا من الاهتمام بالمقدم ~~والتشويق إلى المؤخر فإن ما حقه التقديم إذا أخر تبقى النفس ~~مستشرفة له فيتمكن عند وروده لها فضل تمكن، ولأن في المؤخر نوع ~~طول ربما يخل تقديمه بجزالة النظم الكريم، وهذا وإن كان بحسب ~~الظاهر نهيا للكافر عن صد موسى عليه الصلاة والسلام عن الساعة لكنه في ~~الحقيقة نهي له عليه الصلاة والسلام عن الانصداد عنها على أبلغ وجه ~~وآكده، فإن النهي عن أسباب الشيء ومباديه المؤدية إليه نهي عنه ~~بالطريق البرهاني وإبطال للسببية من أصلها كما في قوله تعالى: # ولا يجرمنكم # [المائدة: 2-8] الخ، فإن صد الكافر حيث كان سببا لانصداده عليه ~~الصلاة والسلام كان النهي عنه نهيا بأصله وموجبه وإبطالا له بالكلية، ~~ويجوز أن يكون من باب النهي عن المسبب وإرادة النهي ms2134 عن السبب على أن ~~يراد نهيه عليه الصلاة والسلام عن إظهار لين الجانب للكفرة، فإن ذلك ~~سبب لصدهم إياه عليه الصلاة والسلام كما في قوله: لا أرينك ههنا، ~~فإن المراد به نهي المخاطب عن الحضور لديه الموجب لرؤيته { واتبع ~~هواه } أي ما تهواه نفسه من اللذات الحسية الفانية { فتردى } أي ~~فتهلك فإن الإغفال عنها وعن تحصيل ما ينجي عن أهوالها مستتبع ~~للهلاك لا محالة، وهو في محل النصب على جواب النهي أو في محل الرفع ~~على أنه خبر مبتدأ محذوف أي فأنت تردى. # { وما تلك بيمينك يموسى } شروع في حكاية ما كلف به عليه ~~الصلاة والسلام من الأمور المتعلقة بالخلق إثر حكاية ما أمر به من ~~الشؤون الخاصة بنفسه، فما استفهامية في حيز الرفع بالابتداء وتلك خبره ~~أو بالعكس وهو أدخل بحسب المعنى وأوفق بالجواب، وبيمينك متعلق بمضمر ~~وقع حالا أي وما تلك قارة أو مأخوذة بيمينك، والعامل معنى الإشارة ~~كما في قوله عز وعلا: # وهذا بعلى شيخا # [هود: 72] وقيل: تلك موصولة أي ما التي هي بيمينك وأيا ما كان ~~فالاستفهام إيقاظ وتنبيه له عليه الصلاة والسلام على ما سيبدو له من ~~التعاجيب، وتكرير النداء لزيادة التأنيس والتنبيه ### || [20.18-21] # { قال هي عصاى } نسبها إلى نفسه تحقيقا لوجه كونها بيمينه ~~وتمهيدا لما يعقبه من الأفاعيل المنسوبة إليه عليه الصلاة والسلام، ~~وقرىء عصي على لغة هذيل { أتوكؤا عليها } أي أعتمد عليها ~~عند الإعياء أو الوقوف على رأس القطيع { وأهش بها } أي أخبط ~~بها الورق وأسقطه { على غنمى } وقرىء أهش بكسر الهاء وكلاهما ~~من هش الخبز يهش إذا انكسر لهشاشته، وقرىء بالسين غير المعجمة وهو ~~زجر الغنم وتعديته بعلى لتضمين معنى الإنحاء والإقبال، أي أزجرها ~~منحيا ومقبلا عليها { ولى فيها مأرب أخرى } أي حاجات ~~أخرى من هذا الباب مثل ما روي أنه عليه الصلاة والسلام كان إذا سار ~~ألقاها على عاتقه فعلق بها أدواته من القوس والكنانة والحلاب ~~ونحوها، وإذا كان في البرية ركزها وعرض الزنذين على شعبتيها وألقى ~~عليها الكساء واستظل به، ms2135 وإذا قصر الرشاء وصله بها، وإذا تعرضت ~~لغنمه السباع قاتل بها، قيل: ومن جملة المآرب أنها كانت ذات شعبتين ~~ومحجن فإذا طال الغصن حناه بالمحجن وإذا أراد كسره لواه بالشعبتين، ~~وكأنه عليه الصلاة والسلام فهم أن المقصود من السؤال بيان حقيقتها ~~وتفصيل منافعها بطريق الاستقصاء حتى إذا ظهرت على خلاف تلك الحقيقة ~~وبدت منها خواص بديعة علم أنها آيات باهرة ومعجزات قاهرة أحدثها ~~الله تعالى، وليست من الخواص المترتبة عليها، فذكر حقيقتها ومنافعها ~~على التفصيل والإجمال على معنى أنها من جنس العصي مستتبعة لمنافع ~~بنات جنسها ليطابق جوابه الغرض الذي فهمه من سؤال العليم الخبير. # { قال } استئناف مبني على سؤال ينساق إليه الذهن، كأنه قيل: فماذا ~~قال عز وجل؟ فقيل: قال: { ألقها يموسى } لترى من شأنها ما لم ~~يخطر على بالك من الأمور، وتكرار النداء لتأكيد التنبيه. # { فألقها } على الأرض { فإذا هى حية تسعى } روي ~~أنه عليه الصلاة والسلام حين ألقاها انقلبت حية صفراء في غلظ العصا ~~ثم انتفخت وعظمت، فلذلك شبهت بالجان تارة وسميت ثعبانا أخرى وعبر ~~عنها ههنا بالاسم العام للحالين، وقيل: قد انقلبت من أول الأمر ثعبانا ~~وهو الأليق بالمقام كما يفصح عنه قوله عز وجل: # فإذا هى ثعبان مبين # [الأعراف: 107 والشعراء: 32] وإنما شبهت بالجان في الجلادة وسرعة ~~الحركة لا في صغر الجثة، وقوله تعالى: { تسعى } إما صفة لحية ~~أو خبر ثان عند من يجوز كونه جملة. # { قال } استئناف كما سبق { خذها ولا تخف } عن ابن عباس رضي ~~الله عنهما: انقلبت ثعبانا ذكرا يبتلع كل شيء من الصخر والشجر، ~~فلما رآه كذلك خاف ونفر، وما يملك البشر عند مشاهدة الأهوال والمخاوف ~~من الفزع والنفار، وفي عطف النهي على الأمر إشعار بأن عدم المنهي عنه ~~مقصود لذاته لا لتحقيق المأمورية فقط وقوله تعالى: { سنعيدها ~~سيرتها الأولى } مع كونه استئنافا مسوقا لتعليل الامتثال بالأمر ~~والنهي فإن إعادتها إلى ما كانت عليه من موجبات أخذها، وعدم الخوف ~~منها عدة كريمة بإظهار معجزة أخرى على يده عليه الصلاة والسلام، ~~وإيذان ms2136 بكونها مسخرة له عليه الصلاة والسلام ليكون على طمأنينة من ~~أمره ولا يعتريه شائبة تزلزل عند محاجة فرعون، أي سنعيدها بعد ~~الأخذ إلى حالتها الأولى التي هي الهيئة العصوية. # قيل: بلغ عليه الصلاة والسلام عند ذلك من الثقة وعدم الخوف إلى حيث كان ~~يدخل يده في فمها ويأخذ بلحييها. والسيرة فعلة من السير تجوز ~~بها للطريقة والهيئة، وانتصابها على نزع الجار أي إلى سيرتها، أو على ~~أن أعاد منقول من عاده بمعنى عاد إليه، أو على الظرفية أي سنعيدها في ~~طريقها، أو على تقدير فعلها وإيقاعها حالا من المفعول أي سنعيدها عصا ~~كما كانت من قبل تسير سيرتها الأولى، أي سائرة سيرتها الأولى فتنتفع ~~بها كما كنت تنتفع من قبل. ### || [20.22-24] # { واضمم يدك إلى جناحك } أمر عليه الصلاة والسلام بذلك ~~بعدما أخذ الحية وانقلبت عصا كما كانت أي أدخلها تحت عضدك فإن ~~جناحي الإنسان جنباه كما أن جناحي العسكر ناحيتاه مستعار من جناحي ~~الطائر، وقد سميا جناحين لأنه يجنحهما أي يميلهما عند الطيران ~~وقوله تعالى: { تخرج } جواب الأمر وقوله تعالى: { بيضاء } حال ~~من الضمير فيه وقوله تعالى: { من غير سوء } متعلق بمحذوف هو حال ~~من الضمير في بيضاء أي كائنة من غير عيب وقبح، كني به عن البرص كما ~~كني بالسوأة عن العورة لما أن الطباع تعافه وتنفر منه، روي أنه عليه ~~الصلاة والسلام كان آدم فأخرج يده من مدرعته بيضاء لها شعاع كشعاع ~~الشمس تغشي البصر { ءاية أخرى } أي معجزة أخرى غير العصا ~~وانتصابها على الحالية إما من الضمير في تخرج على أنها بدل من الحال ~~الأولى، وإما من الضمير في بيضاء، وقيل: من الضمير في الجار والمجرور، ~~وقيل: هي منصوبة بفعل مضمر نحو خذ أو دونك وقوله تعالى: { لنريك ~~من ءايتنا الكبرى } متعلق بمضمر ينساق إليه النظم الكريم، ~~كأنه قيل: فعلنا ما فعلنا من الأمر والإظهار لنريك بذلك بعض آياتنا ~~الكبرى، على أن الكبرى صفة لآياتنا أو نريك بذلك من آياتنا ما هي كبرى ~~على أن الكبرى مفعول ms2137 ثان لنريك ومن آياتنا متعلق بمحذوف هو حال من ~~ذلك المفعول، وأيا ما كان فالآية الكبرى عبارة عن العصا واليد ~~جميعا، وأما تعلقه بما دل عليه آية أي دللنا بها لنريك الخ، أو بقوله ~~تعالى: { واضمم } أو بقوله: { تخرج } أو بما قدر من نحو خذ ~~ودونك كما قال بكل من ذلك قائل، فيؤدي إلى عراء آية العصا عن وصف ~~الكبر فتدبر. # { اذهب إلى فرعون } تخلص إلى ما هو المقصود من تمهيد ~~المقدمات السالفة فصل عما قبله من الأوامر إيذانا بأصالته، أي اذهب ~~إليه بما رأيته من الآيات الكبرى وادعه إلى عبادتي وحذره نقمتي ~~وقوله تعالى { إنه طغى } تعليل للأمر أو لوجوب المأمور به أي ~~جاوز الحد في التكبر والعتو والتجبر حتى تجاسر على العظيمة التي هي ~~دعوى الربوبية. ### || [20.25-28] # { قال } استئناف مبني على سؤال ينساق إليه الذهن، كأنه قيل: فماذا ~~قال عليه الصلاة والسلام حين أمر بهذا الأمر الخطير والخطب العسير؟ ~~فقيل قال مستعينا بربه عز وجل: { رب اشرح لى صدرى } { ~~ويسر لى أمرى } لما أمر بما أمر به من الخطب الجليل تضرع إلى ~~ربه عز وجل وأظهر عجزه بقوله: ويضيق صدري ولا ينطلق لساني، وسأله تعالى ~~أن يوسع صدره ويفسح قلبه ويجعله عليما بشؤون الحق وأحوال الخلق ~~حليما حمولا يستقبل ما عسى يرد عليه من الشدائد والمكاره بجميل ~~الصبر وحسن الثبات ويتلقاها بصدر فسيح وجأش رابط، وأن يسهل عليه مع ~~ذلك أمره الذي هو أجل الأمور وأعظمها وأصعب الخطوب وأهولها بتوفيق ~~الأسباب ورفع الموانع، وفي زيادة كلمة (لي) مع انتظام الكلام بدونها ~~تأكيد لطلب الشرح والتيسير بإبهام المشروح والميسر أولا وتفسيرهما ~~ثانيا، وفي تقديمها وتكريرها إظهار مزيد اعتناء بشأن كل من ~~المطلوبين وفضل اهتمام باستدعاء حصولهما له واختصاصهما به { ~~واحلل عقدة من لسانى } روي أنه كان في لسانه عليه الصلاة ~~والسلام رتة من جمرة أدخلها فاه في صغره، وذلك أن فرعون حمله ذات يوم ~~فأخذ لحيته فنتفها لما كان فيها من الجواهر فغضب وأمر بقتله، فقالت ~~آسية: إنه صبي ms2138 لا يفرق بين الجمر والياقوت فأحضرا بين يديه فأخذ ~~الجمرة فوضعها في فيه، قيل: واحترقت يده فاجتهد فرعون في علاجها فلم ~~تبرأ. ثم لما دعاه قال: إلى أي رب تدعوني؟ قال: إلى الذي أبرأ يدي وقد ~~عجزت عنه، واختلف في زوال العقدة بكمالها فمن قال به تمسك بقوله ~~تعالى: { قد أوتيت سؤلك } [طه: 36] ومن لم يقل به احتج بقوله ~~تعالى: # هو أفصح منى # [القصص: 34] وقوله تعالى: # ولا يكاد يبين # [الزخرف: 52] وأجاب عن الأول بأنه لم يسأل حل عقدة لسانه بالكلية بل ~~حل عقدة تمنع الإفهام ولذلك نكرها ووصفها بقوله: { من لسانى } أي ~~عقدة كائنة من عقد لساني وجعل قوله تعالى: { يفقهوا قولي } ~~جواب الأمر وغرضا من الدعاء، فبحلها في الجملة يتحقق إيتاء سؤله ~~عليه الصلاة والسلام، والحق أن ما ذكر لا يدل على بقائها في الجملة أما ~~قوله تعالى: # هو أفصح مني # [القصص: 34] فلأنه عليه الصلاة والسلام قاله قبل استدعاء الحل كما ~~ستعرفه على أن أفصحيته منه عليهما الصلاة والسلام لا تستدعي عدم ~~البقاء لما أن الأفصحية توجب ثبوت أصل الفصاحة في المفضول أيضا وذلك ~~مناف للعقدة رأسا، وأما قوله تعالى: # ولا يكاد يبين # فمن باب غلو اللعين في العتو والطغيان وإلا لدل على عدم زوالها ~~أصلا، وتنكيرها إنما يفيد قلتها في نفسها لا قلتها باعتبار كونها ~~بعضا من الكثير، وتعلق كلمة من قوله تعالى: { من لساني } بمحذوف ~~هو صفة لها ليس بمقطوع به، بل الظاهر تعلقها بنفس الفعل فإن المحلول ~~إذا كان متعلقا بشيء ومتصلا به فكما يتعلق الحل به يتعلق بذلك الشيء ~~أيضا باعتبار إزالته عنه أو ابتداء حصوله منه. ### || [20.29-34] # { واجعل لي وزيرا من أهلي * هرون أخي } أي مؤازرا ~~يعاونني في تحمل أعباء ما كلفته، على أن اشتقاقه من الوزر الذي هو ~~الثقل أو ملجأ أعتصم برأيه على أنه من الوزر وهو الملجأ، وقيل: ~~أصله أزير من الأزر بمعنى القوة فعيل بمعنى فاعل كالشعير والجليس ~~قلبت همزته واوا كقلبها في موازر، ونصبه على أنه مفعول ثان ~~لاجعل ms2139 قدم على الأول الذي هو قوله تعالى: { هرون } اعتناء بشأن ~~الوزارة، ولي صلة للجعل أو متعلق بمحذوف هو حال من وزيرا إذ هو صفة ~~له في الأصل ومن أهلي إما صفة لوزيرا أو صلة لاجعل، وقيل: مفعولاه: لي ~~وزيرا وهارون عطف بيان للوزير ومن أهلي كما مر من الوجهين، وأخي في ~~الوجهين بدل من هارون أو عطف بيان آخر، وقيل: هما وزيرا من أهلي ~~ولي تبيين كما في قوله تعالى: # ولم يكن له كفوا أحد # [الإخلاص: 4] ورد بأن شرط المفعولين في باب النواسخ صحة انعقاد ~~الجملة الاسمية ولا مساغ لجعل وزيرا مبتدأ ويخبر عنه بما بعده { ~~اشدد به أزري * وأشركه في أمري } كلاهما على صيغة ~~الدعاء أي أحكم به قوتي واجعله شريكي في أمرالرسالة حتى نتعاون على ~~أدائها كما ينبغي، وفصل الأول عن الدعاء السابق لكمال الاتصال بينهما ~~فإن شد الأزر عبارة عن جعله وزيرا، وأما الإشراك في الأمر فحيث كان ~~من أحكام الوزارة توسط بينهما العاطف. # { كي نسبحك كثيرا * ونذكرك كثيرا } غاية للأدعية ~~الثلاثة الأخيرة فإن فعل فيها كل واحد منهما من التسبيح والذكر مع كونه ~~مكثرا لفعل الآخر ومضاعفا له بسبب انضمامه إليه مكثر له في نفسه ~~أيضا بسبب تقويته وتأييده، إذ ليس المراد بالتسبيح والذكر ما يكون ~~منهما بالقلب أو في الخلوات حتى لا يتفاوت حاله عند التعدد والانفراد، ~~بل ما يكون منهما في تضاعيف أداء الرسالة ودعوة المردة العتاة إلى ~~الحق، وذلك مما لا ريب في اختلاف حاله في حالتي التعدد والانفراد فإن ~~كلا منهما يصدر عنه بتأييد الآخر من إظهار الحق ما لا يكاد يصدر عنه ~~مثله في حال الانفراد. وكثيرا في الموضعين نعت لمصدر محذوف أو زمان ~~محذوف أي ننزهك عما لا يليق بك من الصفات والأفعال التي من جملتها ما ~~يدعيه فرعون الطاغية ويقبله منه فئته الباغية من ادعاء الشركة ~~في الألوهية، ونصفك بما يليق بك من صفات الكمال ونعوت الجمال ~~والجلال تنزيها كثيرا أو زمانا كثيرا من جملته زمان دعوة فرعون ~~وأوان ms2140 المحاجة معه. وأما ما قيل من أن المعنى كي نصلي لك كثيرا ~~ونحمدك ونثني عليك فلا يساعده المقام. ### || [20.35-38] # { إنك كنت بنا بصيرا } أي عالما بأحوالنا وبأن ما دعوتك به ~~مما يصلحنا ويفيدنا في تحقيق ما كلفته من إقامة مراسم الرسالة وبأن ~~هارون نعم الردء في أداء ما أمرت به، والباء متعلقة ببصيرا ~~قدمت عليه لمراعاة الفواصل. # { قال قد أوتيت سؤلك } أي أعطيت سؤلك، فعل بمعنى ~~مفعول كالخبز والأكل بمعنى المخبوز والمأكول، والإيتاء عبارة عن تعلق ~~إرادته تعالى بوقوع تلك المطالب وحصولها له عليه السلام البتة ~~وتقديره إياها حتما، فكلها حاصلة له عليه السلام وإن كان وقوع ~~بعضها بالفعل مترقبا بعد كتيسير الأمر وشد الأزر، وباعتباره قيل: ~~سنشد عضدك بأخيك، وقوله تعالى: { يموسى } تشريف له عليه السلام ~~بشرف الخطاب إثر تشريفه بشرف قبول الدعاء. # وقوله تعالى: { ولقد مننا عليك } كلام مستأنف مسوق ~~لتقرير ما قبله وزيادة توطين نفس موسى عليه السلام بالقبول ببيان أنه ~~تعالى حيث أنعم عليه بتلك النعم التامة من غير سابقة دعاء منه وطلب ~~فلأن ينعم عليه بمثلها وهو طالب له وداع أولى وأحرى، وتصديره ~~بالقسم لكمال الاعتناء بذلك أي وبالله لقد أنعمنا { مرة أخرى } ~~أي في وقت غير هذا الوقت لا أن ذلك مؤخر عن هذا فإن أخرى تأنيث آخر ~~بمعنى غير، والمرة في الأصل اسم للمرور الواحد ثم أطلق على كل فعلة ~~واحدة من الفعلات متعدية كانت أو لازمة، ثم شاع في كل فرد واحد من ~~أفراد ما له أفراد متجددة متعددة فصار علما في ذلك حتى جعل معيارا ~~لما في معناه من سائر الأشياء، فقيل: هذا بناء المرة، ويقرب منها الكرة ~~والتارة والدفعة والمراد بها ههنا الوقت الممتد الذي وقع فيه ما ~~سيأتي ذكره من المنن العظيمة الكثيرة وقوله تعالى: { إذ أوحينا ~~إلى أمك ما يوحى } ظرف لمننا والمراد بالإيحاء إما الإيحاء ~~على لسان نبي في وقتها كقوله تعالى: # وإذ أوحيت إلى الحواريين # [المائدة: 111] الآية، وإما الإيحاء بواسطة الملك لا على وجه النبوة ~~كما ms2141 أوحي إلى مريم، وإما الإلهام كما قي قوله تعالى: # وأوحى ربك إلى النحل # [النحل: 67] وإما الإراءة في المنام والمراد بما يوحى ما سيأتي من ~~الأمر بقذفه في التابوت وقذفه في البحر، أبهم أولا تهويلا له ~~وتفخيما لشأنه ثم فسر ليكون أقر عند النفس، وقيل: معناه ما ينبغي ~~أن يوحى ولا يخل به لعظم شأنه وفرط الاهتمام به، وقيل: ما لا ~~يعلم إلا بالوحي وفيه أنه لا يلائم المعنيين الأخيرين للوحي إذ لا ~~تفخيم لشأنه في أن يكون مما لا يعلم إلا بالإلهام أو بالإراءة في ~~المنام. ### || [20.39-40] # أن في قوله تعالى: { أن اقذفيه فى التابوت } مفسرة لأن ~~الوحي من باب القول أو مصدرية حذف منها الباء، أي بأن اقذفيه ومعنى ~~القذف ههنا الوضع وأما في قوله تعالى: { فاقذفيه فى اليم } ~~فالإلقاء، وهذا التفصيل هو المراد بقوله تعالى: # فإذا خفت عليه فألقيه فى اليم # [القصص: 7] لا القذف بلا تابوت { فليلقه اليم بالساحل } ~~لما كان إلقاء البحر إياه بالساحل أمرا واجب الوقوع لتعلق الإرادة ~~الربانية به جعل البحر كأنه ذو تمييز مطيع أمر بذلك وأخرج الجواب ~~مخرج الأمر والضمائر كلها لموسى عليه الصلاة والسلام، والمقذوف في ~~البحر والملقى بالساحل وإن كان هو التابوت أصالة لكن لما كان ~~المقصود بالذات ما فيه جعل التابوت تبعا له في ذلك { يأخذه ~~عدو لى وعدو له } جواب للأمر بالإلقاء، وتكرير العدو ~~للمبالغة والتصريح بالأمر والإشعار بأن عداوته له مع تحققها لا تؤثر ~~فيه ولا تضره، بل تؤدي إلى المحبة فإن الأمر بما هو سبب للهلاك صورة ~~من قذفه في البحر ووقوعه في يد عدو الله تعالى وعدوه مشعر بأن هناك ~~لطفا خفيا مندرجا تحت قهر صوري، وقيل: الأول باعتبار الواقع ~~والثاني باعتبار المتوقع وليس المراد بالساحل نفس الشاطىء بل ما ~~يقابل الوسط وهو ما يلي الساحل من البحر بحيث يجري ماؤه إلى نهر فرعون، ~~لما روي أنها جعلت في التابوت قطنا ووضعته فيه ثم قيرته وألقته ~~في اليم وكان يشرع منه إلى بستان فرعون نهر صغير ms2142 فدفعه الماء إليه ~~فأتى به إلى بركة في البستان، وكان فرعون جالسا ثمة مع آسية بنت ~~مزاحم فأمر به فأخرج ففتح فإذا هو صبي أصبح الناس وجها، فأحبه ~~عدو الله حبا شديدا لا يكاد يتمالك الصبر عنه وذلك قوله تعالى: { ~~وألقيت عليك محبة منى } كلمة من متعلقة بمحذوف هو ~~صفة لمحبة مؤكدة لما في تنكيرها من الفخامة الذاتية بالفخامة ~~الإضافية، أي محبة عظيمة كائنة مني قد زرعتها في القلوب بحيث لا يكاد ~~يصبر عنك من رآك ولذلك أحبك عدو الله وآله. وقيل: هي متعلقة بألقيت ~~أي أحببتك ومن أحبه الله تعالى أحبته القلوب لا محالة وقوله تعالى: { ~~ولتصنع على عينى } متعلق بألقيت معطوف على علة له ~~مضمرة، أي ليتعطف عليك ولتربى بالحنو والشفقة بمراقبتي وحفظي، ~~أو بمضمر مؤخر هو عبارة عما قبله من إلقاء المحبة، والجملة مبتدأة ~~أي ولتصنع على عيني فعلت ذلك، وقرىء ولتصنع على صيغة الأمر بسكون ~~اللام وكسرها وقرىء بفتح التاء والنصب أي وليكون عملك على عين مني لئلا ~~يخالف به عن أمري. # { إذ تمشى أختك } ظرف لتصنع على أن المراد به وقت وقع فيه ~~مشيها إلى بيت فرعون وما ترتب عليه من القول والرجع إلى أمها ~~وتربيتها له بالبر والحنو وهو المصداق لقوله تعالى: { ولتصنع ~~على عينى } إذ لا شفقة أعظم من شفقة الأم وصنعها على موجب ~~مراعاته تعالى، وقيل: هو بدل من إذ أوحينا على أن المراد به زمان ~~متسع متباعد الأطراف وهو الأنسب بما سيأتي من قوله تعالى: { ~~فنجينك من الغم } [طه: 40] الخ، فإن جميع ذلك من المنن ~~الإلهية ولا تعلق لشيء منها بالصنع المذكور، وأما كونه ظرفا لألقيت ~~كما جوز فربما يوهم أن إلقاء المحبة لم يحصل قبل ذلك، ولا ريب في أن ~~معظم آثار إلقائها ظهر عند فتح التابوت { فتقول } أي لفرعون ~~وآسية حين رأتهما يطلبان له عليه السلام مرضعة يقبل ثديها وكان لا ~~يقبل ثديا، وصيغة المضارع في الفعلين لحكاية الحال الماضية { هل ~~أدلكم على من يكفله } أي يضمه إلى نفسه ms2143 ويربيه وذلك ~~إنما يكون بقبوله ثديها. # يروى أنه فشا الخبر بمصر أن آل فرعون أخذوا غلاما من النيل لا يرتضع ~~ثدي امرأة واضطروا إلى تتبع النساء، فخرجت أخته مريم لتعرف خبره ~~فجاءتهم متنكرة فقالت ما قالت وقالوا ما قالوا، فجاءت بأمه فقبل ~~ثديها، فالفاء في قوله تعالى: { فرجعنك إلى أمك } فصيحة ~~معربة عن محذوف قبلها يعطف عليه ما بعدها، أي فقالوا: دلينا عليها ~~فجاءت بأمك فرجعناك إليها { كى تقر عينها } بلقائك { ولا ~~تحزن } أي يطرأ عليها الحزن بفراقك بعد ذلك، وإلا فزوال الحزن ~~مقدم على السرور المعبر عنه بقرة العين فإن التخلية متقدمة على ~~التحلية، وقيل: ولا تحزن أنت بفقد إشفاقها { وقتلت نفسا } هي ~~نفس القبطي الذي استغاثه الإسرائيلي عليه. # { فنجينك من الغم } أي غم قتله خوفا من عقاب الله ~~تعالى بالمغفرة ومن اقتصاص فرعون بالإنجاء منه بالمهاجرة إلى مدين { ~~وفتنك فتونا } أي ابتليناك ابتلاء أو فتونا من الابتلاء على ~~أنه جمع فتن، أو فتنة على ترك الاعتداء بالتاء كحجوز في حجزة وبدور في ~~بدرة أي خلصناك مرة بعد أخرى وهو إجمال ما ناله في سفره من الهجرة عن ~~الوطن ومفارقة الألاف والمشي راجلا وفقد الزاد، وقد روي أن سعيد ~~بن جبير سأل عنه ابن عباس رضي الله عنهما، فقال: خلصناك من محنة بعد ~~محنة ولد في عام كان يقتل فيه الولدان فهذه فتنة يا ابن جبير، ~~وألقته أمه في البحر وهم فرعون بقتله وقتل قبطيا وآجر نفسه ~~عشر سنين وضل الطريق وتفرقت غنمه في ليلة مظلمة، وكان يقول عند كل ~~واحدة: فهذه فتنة يا ابن جبير. ولكن الذي يقتضيه النظم الكريم أن لا ~~تعد إجارة نفسه وما بعدها من تلك الفتون ضرورة أن المراد بها ما ~~وقع قبل وصوله عليه السلام إلى مدين بقضية الفاء في قوله تعالى: { ~~فلبث سنين فى أهل مدين } إذ لا ريب في أن الإجارة ~~المذكورة وما بعدها مما وقع بعد الوصول إليهم، وقد أشير بذكر لبثه عليه ~~السلام فيهم دون وصوله إليهم إلى جميع ms2144 ما قاساه عليه السلام في تضاعيف ~~تلك السنين العشر من فنون الشدائد والمكاره التى كل واحد منها فتنة ~~وأي فتنة. # ومدين بلدة شعيب عليه الصلاة والسلام على ثماني مراحل من مصر { ~~ثم جئت } إلى المكان الذي أونس فيه النار ووقع فيه النداء ~~والجؤار، وفي كلمة التراخي إيذان بأن مجيئه عليه السلام كان بعد ~~اللتيا والتي من ضلال الطريق وتفرق الغنم في الليلة المظلمة الشاتية ~~وغير ذلك { على قدر } أي تقدير قدرته لأن أكلمك وأستنبئك في ~~وقت قد عينته لذلك فما جئت إلا على ذلك القدر غير مستقدم ولا ~~مستأخر، وقيل: على مقدار من الزمان يوحى فيه إلى الأنبياء عليهم ~~السلام وهو رأس أربعين سنة وقوله تعالى: { يموسى } تشريف له عليه ~~الصلاة والسلام وتنبيه على انتهاء الحكاية التي هي تفصيل المرة ~~الأخرى التي وقعت قبل المرة المحكية أولا. ### || [20.41-44] # قوله تعالى: { واصطنعتك لنفسى } تذكير لقوله تعالى: { ~~أنا اخترتك } وتمهيد لإرساله عليه السلام إلى فرعون مؤيدا ~~بأخيه حسبما استدعاه بعد تذكير المنن السابغة تأكيدا لوثوقه عليه ~~السلام بحصول نظائرها اللاحقة، وهذا تمثيل لما خوله عز وعلا من ~~الكرامة العظمى بتقريب الملك بعض خواصه واصطناعه لنفسه وترشيحه ~~لبعض أموره الجليلة، والعدول عن نون العظمة الواقعة في قوله تعالى: { ~~وفتنك } ونظيريه السابقين تمهيد لإفراد لفظ النفس اللائق ~~بالمقام فإنه أدخل في تحقيق معنى الاصطناع والاستخلاص، أي اصطفيتك ~~برسالاتي وبكلامي وقوله تعالى: { اذهب أنت وأخوك } أي وليذهب ~~أخوك حسبما استدعيت، استئناف مسوق لبيان ما هو المقصود بالاصطناع { ~~بآيتي } أي بمعجزاتي التي أريتكها من اليد والعصا فإنهما وإن ~~كانتا اثنتين لكن في كل منهما آيات شتى كما في قوله تعالى: # فيه ءايت بينت مقام إبرهيم # [آل عمران: 97] فإن انقلاب العصا حيوانا آية، وكونها ثعبانا عظيما ~~لا يقادر قدره آية آخرى، وسرعة حركته مع عظم جرمه آية أخرى، ~~وكونه مع ذلك مسخرا له عليه السلام بحيث كان يدخل يده في فمه فلا يضره ~~آية أخرى، ثم انقلابها عصا آية أخرى، وكذلك اليد فإن بياضها في ~~نفسه آية ms2145 وشعاعها آية، ثم رجوعها إلى حالتها الأولى آية أخرى. ~~والباء للمصاحبة لا للتعدية إذ المراد ذهابهما إلى فرعون ملتبسين ~~بالآيات متمسكين بها في إجراء أحكام الرسالة وإكمال أمر الدعوة لا ~~مجرد إذهابها وإيصالها إليه { ولا تنيا } لا تفترا ولا تقصرا، ~~وقرىء لا تنيا بكسر التاء للاتباع { فى ذكرى } أي بما يليق بي من ~~الصفات الجليلة والأفعال الجميلة عند تبليغ رسالتي والدعاء إلي، ~~وقيل: المعنى لا تنيا في تبليغ رسالتي فإن الذكر يقع على جميع العبادات ~~وهو أجلها وأعظمها، وقيل: لا تنسياني حيثما تقلبتما واستمدا بذكري ~~العون والتأييد واعلما أن أمرا من الأمور لا يتأتى ولا يتسنى إلا ~~بذكري. # { اذهبا إلى فرعون } جمعهما في صيغة أمر الحاضر مع غيبة ~~هارون إذ ذاك للتغليب، وكذا الحال في صيغة النهي. روي أنه أوحي إلى ~~هارون وهو بمصر أن يتلقى موسى عليهما السلام، وقيل: سمع بإقباله ~~فتلقاه { إنه طغى } تعليل لموجب الأمر. # والفاء في قوله تعالى: { فقولا له قولا لينا } لترتيب ما ~~بعدها على طغيانه فإن تليين القول مما يكسر سورة عناد العتاة ~~ويلين عريكة الطغاة. قال ابن عباس رضي الله عنهما: لا تعنفا في ~~قولكما، وقيل: القول اللين مثل: # هل لك إلى أن تزكى * وأهديك إلى ربك # [النازعات: 18، 19] فإنها دعوة في صورة عرض ومشورة، ويرده ما سيجيء ~~من قوله تعالى: # فقولا إنا رسولا ربك # [طه: 47] الآيتين، وقيل: كنياه وكان له ثلاث كنى: أبو العباس وأبو ~~الوليد وأبو مرة، وقيل: عداه شبابا لا يهرم ويبقى له لذة المطعم ~~والمشرب والمنكح وملكا لا يزول إلا بالموت، وقرىء لينا { لعله ~~يتذكر } بما بلغتماه من ذكري ويرغب فيما رغبتماه فيه { أو ~~يخشى } عقابي، ومحل الجملة النصب على الحال من ضمير التثنية، أي ~~فقولا له قولا لينا راجين أن يتذكر أو يخشى، وكلمة أو لمنع الخلو أي ~~باشرا الأمر مباشرة من يرجو ويطمع في أن يثمر عمله ولا يخيب ~~سعيه وهو يجتهد بطوقه ويحتشد بأقصى وسعه. وجدوى إرسالهما إليه مع ~~العلم بحاله إلزام الحجة وقطع المعذرة. ### || [20.45-47] # { قالا ms2146 ربنا } أسند القول إليهما مع أن القائل حقيقة هو موسى ~~عليه الصلاة والسلام بطريق التغليب إيذانا بأصالته في كل قول وفعل ~~وتبعية هارون عليه السلام له في كل ما يأتي ويذر، ويجوز أن يكون ~~هارون قد قال ذلك بعد تلاقيهما فحكى ذلك مع قول موسى عليه السلام عند ~~نزول الآية كما في قوله تعالى: # يأيها الرسل كلوا من الطيبت # [المؤمنون: 51] فإن هذا الخطاب قد حكي لنا بصيغة الجمع مع أن كلا من ~~المخاطبين لم يخاطب إلا بطريق الانفراد ضرورة استحالة اجتماعهم في ~~الوجود فكيف باجتماعهم في الخطاب { إننا نخاف أن يفرط ~~علينا } أي يعجل علينا بالعقوبة ولا يصبر إلى إتمام الدعوة ~~وإظهار المعجزة من فرط إذا تقدم ومنه الفارط وفرس فارط يسبق ~~الخيل، وقرىء يفرط من أفرطه إذا حمله على العجلة، أي نخاف أن يحمله ~~حامل من الاستكبار أو الخوف على الملك أو غيرهما على المعاجلة بالعقاب ~~{ أو أن يطغى } أي يزداد طغيانا إلى أن يقول في شأنك ما لا ينبغي ~~لكمال جراءته وقساوته، وإطلاقه من حسن الأدب، وإظهار كلمة أن مع سداد ~~المعنى بدونه لإظهار كمال الاعتناء بالأمر والإشعار بتحقق الخوف من ~~كل منهما. # { قال } استئناف مبني على السؤال الناشىء من النظم الكريم، ولعل ~~الفعل إسناد إلى ضمير الغيبة للإشعار بانتقال الكلام من مساق إلى ~~مساق آخر، فإن ما قبله من الأفعال الواردة على صيغة التكلم حكاية ~~لموسى عليه السلام بخلاف ما سيأتي من قوله تعالى: # قلنا لا تخف إنك أنت الأعلى # [طه: 68] فإن ما قبله أيضا وارد بطريق الحكاية لرسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، كأنه قيل: فماذا قال لهما ربهما عند تضرعهما إليه؟ فقيل: ~~قال: { لا تخافا } ما توهمتما من الأمرين وقوله تعالى: { إننى ~~معكما } تعليل لموجب النهي ومزيد تسلية لهما، والمراد بالمعية ~~كمال الحفظ والنصرة كما ينبىء عنه قوله تعالى: { أسمع وأرى } ~~أي ما يجري بينكما وبينه من قول وفعل فأفعل في كل حال ما يليق بها من ~~دفع ضر وشر وجلب نفع وخير. ويجوز أن ms2147 لا يقدر شيء، على معنى أنني ~~حافظكما سميعا بصيرا والحافظ الناصر إذا كان كذلك فقد تم وبلغت ~~النصرة غايتها { فأتياه } أمرا بإتيانه الذي هو عبارة عن ~~الوصول إليه بعد ما أمرا بالذهاب إليه فلا تكرار، وهو عطف على لا تخافا ~~باعتبار تعليله بما بعده { فقولا إنا رسولا ربك } أمرا بذلك ~~تحقيقا للحق من أول الأمر ليعرف الطاغية شأنهما ويبني جوابه عليه، ~~وكذا التعرض لربوبيته تعالى له والفاء في قوله تعالى: { فأرسل ~~معنا بنى إسرءيل } لترتيب ما بعدها على ما قبلها فإن كونهما ~~رسولي ربه مما يوجب إرسالهم معهما، والمراد بالإرسال إطلاقهم من ~~الأسر والقسر وإخراجهم من تحت يده العادية لا تكليفهم أن يذهبوا ~~معهما إلى الشام كما ينبىء عنه قوله تعالى: { ولا تعذبهم } أي ~~بإبقائهم على ما كانوا عليه من العذاب فإنهم كانوا تحت ملكة القبط ~~يستخدمونهم في الأعمال الصعبة الفادحة من الحفر ونقل الأحجار وغيرهما ~~من الأمور الشاقة، ويقتلون ذكور أولادهم عاما دون عام ويستخدمون ~~نساءهم، وتوسيط حكم الإرسال بين بيان رسالتهما وبين ذكر المجيء ~~بآية دالة على صحتها لإظهار الاعتناء به مع ما فيه من تهوين الأمر على ~~فرعون، فإن إرسالهم معهما من غير تعرض لنفسه وقومه بفنون التكاليف ~~الشاقة كما هو حكم الرسالة عادة ليس مما يشق عليه كل المشقة، ولأن ~~في بيان مجيء الآية نوع طول كما ترى، فتأخير ذلك عنه مخل ~~بتجاوب أطراف النظم الكريم، وأما ما قيل من أن ذلك دليل على أن تخليص ~~المؤمنين من الكفرة أهم من دعوتهم إلى الإيمان فكلا. # { قد جئنك بئاية من ربك } تقرير لما تضمنه الكلام ~~السابق من دعوى الرسالة وتعليل لوجوب الإرسال، فإن مجيئهما بالآية من ~~جهته تعالى مما يحقق رسالتهما ويقرها ويوجب الامتثال بأمرهما، ~~وإظهار اسم الرب في موضع الإضمار مع الإضافة إلى ضمير المخاطب ~~لتأكيد ما ذكر من التقرير والتعليل، وتوحيد الآية مع تعددها لأن ~~المراد إثبات الدعوى ببرهانها لا بيان تعدد الحجة وكذلك قوله ~~تعالى: # قد جئتكم ببينة # [الأعراف: 105] وقوله تعالى: # أو لو جئتك ms2148 بشىء مبين # [الشعراء: 30] وأما قوله تعالى: # فأت بآية إن كنت من الصادقين # [الشعراء: 154] فالظاهر أن المراد بها آية من الآيات { والسلم ~~} المستتبع لسلامة الدارين من الله تعالى والملائكة وغيرهم من ~~المسلمين { على من اتبع الهدى } بتصديق آيات الله تعالى ~~الهادية إلى الحق، وفيه من ترغيبه في اتباعهما على ألطف وجه مالا ~~يخفى. ### || [20.48-49] # { إنا قد أوحى إلينا } من جهة ربنا { أن العذاب } ~~الدنيوي والأخروي { على من كذب } أي بآياته تعالى { ~~وتولى } أي أعرض عن قبولها، وفيه من التلطيف في الوعيد حيث لم ~~يصرح بحلول العذاب به ما لا مزيد عليه. # { قال } أي فرعون بعد ما أتياه وبلغاه ما أمرا به، وإنما طوي ~~ذكره للإيجاز والإشعار بأنهما كما أمرا بذلك سارعا إلى الامتثال به من ~~غير تلعثم، وبأن ذلك من الظهور بحيث لا حاجة إلى التصريح به { فمن ~~ربكما يموسى } لم يضف الرب إلى نفسه ولو بطريق حكاية ما في ~~قوله تعالى: { إنا رسولا ربك } وقوله تعالى: { قد جئنك ~~بئاية من ربك } لغاية عتوه ونهاية طغيانه بل أضافه إليهما ~~لما أن المرسل لا بد أن يكون ربا للرسول، أو لأنهما قد صرحا بربوبيته ~~تعالى للكل بأن قالا: # إنا رسول رب العلمين # [الشعراء: 16] كما وقع في سورة الشعراء، والاقتصار ههنا على ذكر ~~ربوبيته تعالى لفرعون لكفايته فيما هو المقصود والفاء لترتيب السؤال ~~على ما سبق من كونهما رسولي ربهما، أي إذا كنتما رسولي ربكما ~~فأخبراني من ربكما الذي أرسلكما، وتخصيص النداء بموسى عليه الصلاة ~~والسلام مع توجيه الخطاب إليهما لما أنه الأصل في الرسالة وهارون ~~وزيره، وأما ما قيل من أن ذلك لأنه قد عرف أن له عليه الصلاة والسلام ~~رتة فأراد أن يفحمه فيرده ما شاهده منه عليه الصلاة والسلام من ~~حسن البيان القاطع لذلك الطمع الفارغ، وأما قوله: { ولا يكاد ~~يبين } فمن غلوه في الخبث والدعارة كما مر. ### || [20.50-53] # { قال } أي موسى عليه الصلاة والسلام مجيبا له: { ربنا } إما ~~مبتدأ وقوله تعالى: { الذى أعطى كل شىء خلقه } خبره أو ~~هو ms2149 خبر لمبتدأ محذوف والموصول صفته، وأيا ما كان فلم يريدا بضمير ~~المتلكم أنفسهما فقط حسبما أراد اللعين بل جميع المخلوقات تحقيقا ~~للحق وردا عليه كما يفصح عنه ما في حيز الصلة، أي هو ربنا الذي أعطى ~~كل شيء من الأشياء خلقه أي صورته وشكله اللائق بما نيط به من ~~الخواص والمنافع، أو أعطى مخلوقاته كل شيء تحتاج هي إليه وترتفق به، ~~وتقديم المفعول الثاني للاهتمام به، أو أعطى كل حيوان نظيره في الخلق ~~والصورة حيث زوج الحصان بالحجر والبعير بالناقة والرجل بالمرأة ولم ~~يزوج شيئا من ذلك بخلاف جنسه، وقرىء خلقه على صيغة الماضي على أن ~~الجملة صفة للمضاف أو المضاف إليه، وحذف المفعول الثاني إما ~~للاقتصار على الأول أي كل شيء خلقه الله تعالى لم يحرمه من عطائه ~~وإنعامه، أو للاختصار من كونه منويا مدلولا عليه بقرينة الحال أي ~~أعطى كل شيء خلقه الله تعالى ما يحتاج إليه. # { ثم هدى } أي إلى طريق الانتفاع والارتفاق بما أعطاه وعرفه كيف ~~يتوصل إلى بقائه وكماله إما اختيارا كما في الحيوانات أو طبعا كما في ~~الجمادات والقوى الطبيعية النباتية والحيوانية، ولما كان الخلق الذي ~~هو عبارة عن تركيب الأجزاء وتسوية الأجسام متقدما على الهداية التي ~~هي عبارة عن إيداع القوى المحركة والمدركة في تلك الأجسام وسط ~~بينهما كلمة التراخي، ولقد ساق عليه الصلاة والسلام جوابه على نمط ~~رائق وأسلوب لائق حيث بين أنه تعالى عالم قادر بالذات خالق لجميع ~~الأشياء منعم عليها بجميع ما يليق بها بطريق التفضل، وضمنه أن ~~إرساله تعالى إياه إلى الطاغية من جملة هداياته سبحانه إياه بعد أن هداه ~~إلى الحق بالهدايات التكوينية حيث ركب فيه العقل وسائر المشاعر ~~والآلات الظاهرة والباطنة. # { قال فما بال القرون الأولى } لما شاهد اللعين ما نظمه ~~عليه الصلاة والسلام في سلك الاستدلال من البرهان النير على الطراز ~~الرائع خاف أن يظهر للناس حقية مقالاته عليه الصلاة والسلام ~~وبطلان خرافات نفسه ظهورا بينا فأراد أن يصرفه عليه الصلاة ~~والسلام عن سننه إلى ما ms2150 لا يعنيه من الأمور التي لا تعلق لها بالرسالات ~~من الحكايات، ويشغله عما هو بصدده عسى يظهر فيه نوع غفلة فيتسلق بذلك ~~إلى أن يدعي بين يدي قومه نوع معرفة، فقال: ما حال القرون الماضية ~~والأمم الخالية وماذا جرى عليهم من الحوادث المفصلة؟ فأجاب عليه الصلاة ~~والسلام: بأن العلم بأحوالهم مفصلة مما لا ملابسة له بمنصب الرسالة ~~وإنما علمها عند الله عز وجل، وأما ما قيل من أنه سأله عن حال من خلا ~~من القرون وعن شقاء من شقي منهم وسعادة من سعد فيأباه قوله تعالى: { ~~قال علمها عند ربى } فإن معناه أنه من الغيوب التي لا يعلمها ~~إلا الله تعالى وإنما أنا عبد لا أعلم منها إلا ما علمنيه من الأمور ~~المتعلقة بما أرسلت به، ولو كان المسؤول عنه ما ذكر من الشقاوة ~~والسعادة لأجيب ببيان أن من اتبع الهدى منهم فقد سلم ومن تولى فقد ~~عذب حسبما نطق به قوله تعالى: { والسلم } الآيتين { فى ~~كتب } أي مثبت في اللوح المحفوظ بتفاصيله ويجوز أن يكون ذلك ~~تمثيلا لتمكنه وتقرره في علم الله عز وجل بما استحفظه العالم، وقيده ~~بالكتبة كما يلوح به قوله تعالى { لا يضل ربى ولا ينسى } ~~أي لا يخطىء ابتداء ولا يذهب علمه بقاء بل هو ثابت أبدا فإنهما ~~محالان عليه سبحانه، وهو على الأول لبيان أن إثباته في اللوح ليس ~~لحاجته تعالى إليه في العلم به ابتداء أو بقاء، وإظهار ربي في موقع ~~الإظمار للتلذذ بذكره ولزيادة التقرير والإشعار بعلة الحكم فإن ~~الربوبية مما يقتضي عدم الضلال والنسيان حتما، ولقد أجاب عليه ~~الصلاة والسلام عن السؤال بجواب عبقري بديع حيث كشف عن حقيقة الحق ~~حجابها مع أنه لم يخرج عما كان بصدده من بيان شؤونه تعالى ثم تخلص ~~إليه حيث قال بطريق الحكاية عن الله عز وجل لما سيأتي من الالتفات: { ~~الذى جعل لكم الأرض مهدا } على أن الموصول إما مرفوع ~~على المدح أو منصوب عليه أو خبر مبتدأ محذوف، أي جعلها لكم كالمهد ~~تتمهدونها ms2151 أو ذات مهد وهو مصدر سمي به المفعول، وقرىء مهادا وهو ~~اسم لما يمهد كالفراش أو جمع مهد أي جعل كل موضع منها مهدا لكل ~~واحد منكم { وسلك لكم فيها سبلا } أي حصل لكم طرقا ووسطها ~~بين الجبال والأودية والبراري تسلكونها من قطر إلى قطر لتقضوا منها ~~مآربكم وتنتفعوا بمنافعها ومرافقها. # { وأنزل من السماء ماء } هو المطر { فأخرجنا به } أي ~~بذلك الماء وهو عطف على أنزل داخل تحت الحكاية، وإنما التفت إلى ~~التكلم للتنبيه على ظهور ما فيه من الدلالة على كمال القدرة والحكمة، ~~والإيذان بأنه لا يتأتى إلا من قادر مطاع عظيم الشأن تنقاد لأمره ~~وتذعن لمشيئته الأشياء المختلفة كما في قوله تعالى: # ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فأخرجنا ~~به ثمرات مختلفا ألوانها # [فاطر: 27] وقوله تعالى: # أم من خلق السموات والأرض وأنزل لكم من ~~السماء ماء فأنبتنا به حدائق ذات بهجة # [النمل: 60] خلا أن ما قبل الالتفات هناك صريح كلامه تعالى وأما ~~ههنا فحكاية عنه تعالى وجعل قوله تعالى: { فأخرجنا به } هو ~~المحكي مع كون ما قبله كلام موسى عليه الصلاة والسلام خلاف الظاهر مع ~~أنه يفوت حينئذ الالتفات لعدم اتحاد المتكلم { أزوجا } أصنافا ~~سميت بذلك لازدواجها واقتران بعضها ببعض { من نبت } بيان أو ~~صفة لأزواجا أي كائنة من نبات وكذا قوله تعالى: { شتى } أي متفرقة ~~جمع شتيت، ويجوز أن يكون صفة لنبات لما أنه في الأصل مصدر يستوي فيه ~~الواحد والجمع، يعني أنها شتى مختلفة في الطعم والرائحة والشكل والنفع، ~~بعضها صالح للناس على اختلاف وجوه الصلاح وبعضها للبهائم، فإن من ~~تمام نعمته تعالى أن أرزاق عباده لما كان تحصلها بعمل الأنعام جعل ~~علفها مما يفضل عن حاجاتهم ولا يليق بكونه طعاما لهم. ### || [20.54-56] # قوله تعالى: { كلوا وارعوا أنعمكم } حال من ضمير فأخرجنا ~~على إرادة القول أي أخرجنا منها أصناف النبات قائلين: كلوا وارعوا ~~أنعامكم أي معديها لانتفاعكم بالذات وبالواسطة آذنين في ذلك { إن ~~فى ذلك } إشارة إلى ما ذكر من شؤونه تعالى وأفعاله، وما ms2152 فيه من معنى ~~البعد للإيذان بعلو رتبته وبعد منزلته في الكمال، والتنكير في قوله ~~تعالى: { لآيات } للتفخيم كما وكيفا أي لآيات كثيرة جليلة واضحة ~~الدلالة على شؤون الله تعالى في ذاته وصفاته وأفعاله، وعلى صحة نبوة ~~موسى وهارون عليهما الصلاة والسلام { لأولى النهى } جمع نهية ~~سمي بها العقل لنهيه عن اتباع الباطل وارتكاب القبائح كما سمي بالعقل ~~والحجر لعقله وحجره عن ذلك، أي لذوي العقول الناهية عن الأباطيل ~~التي من جملتها ما يدعيه الطاغية ويقبله منه فئته الباغية، وتخصيص ~~كونها آيات بهم مع أنها آيات للعالمين باعتبار أنهم المنتفعون بها. # { منها خلقنكم } أي في ضمن خلق أبيكم آدم عليه الصلاة ~~والسلام منها فإن كل فرد من أفراد البشر له حظ من خلقه عليه الصلاة ~~والسلام إذ لم تكن فطرته البديعة مقصورة على نفسه عليه الصلاة ~~والسلام، بل كانت أنموذجا منطويا على فطرة سائر أفراد الجنس ~~انطواء إجماليا مستتبعا لجريان آثارهما على الكل فكان خلقه عليه ~~الصلاة والسلام منها خلقا للكل منها، وقيل: المعنى خلقنا أبدانكم من ~~النطفة المتولدة من الأغذية المتولدة من الأرض بوسائط، وقيل: إن ~~الملك الموكل بالرحم يأخذ من تربة المكان الذي يدفن فيه المولود ~~فيبددها على النطفة فيخلق من التراب والنطفة { وفيها نعيدكم } ~~بالإماتة وتفريق الأجزاء، وإيثار كلمة في على كلمة إلى للدلالة على ~~الاستقرار المديد فيها { ومنها نخرجكم تارة أخرى } ~~بتأليف أجزائكم المتفتتة المختلطة بالتراب على الهيئة السابقة ورد ~~الأرواح إليها، وكون هذا الإخراج تارة أخرى باعتبار أن خلقهم من ~~الأرض إخراج لهم منها وإن لم يكن على نهج التارة الثانية، والتارة في ~~الأصل اسم للتور الواحد وهو الجريان ثم أطلق على كل فعلة واحدة ~~من الفعلات المتجددة كما مر في المرة. # { ولقد أرينه } حكاية إجمالية لما جرى بين موسى عليه ~~الصلاة والسلام وبين فرعون إثر حكاية ما ذكره عليه الصلاة والسلام ~~بجلائل نعمائه الداعية له إلى قبول الحق والانقياد له، وتصديرها ~~بالقسم لإبراز كمال العناية بمضمونها وإسناد الإراءة إلى نون العظمة ~~نظرا إلى الحقيقة لا ms2153 إلى موسى نظرا إلى الظاهر لتهويل أمر الآيات ~~وتفخيم شأنها وإظهار كمال شناعة اللعين وتماديه في المكابرة والعناد، ~~أي وبالله لقد بصرنا فرعون أو عرفناه { ءايتنا } حين قال لموسى ~~عليه الصلاة والسلام: # إن كنت جئت بآية فأت بهآ إن كنت من الصادقين ~~فألقى عصاه فإذا هي ثعبان مبين ونزع يده ~~فإذا هي بيضآء للناظرين # [الأعراف: 106- 108] وصيغة الجمع مع كونهما اثنتين باعتبار ما في ~~تضاعيفهما من بدائع الأمور التي كل منها آية بينة لقوم يعقلون ~~حسبما بين في تفسير قوله تعالى: # اذهب أنت وأخوك بئايتى # [طه: 43] وقد ظهر عند فرعون أمور أخر كل واحد منها داهية ~~دهياء، فإنه روي أنه عليه الصلاة والسلام لما ألقاها انقلب ثعبانا ~~أشعر فاغرا فاه بين لحييه ثمانون ذراعا وضع لحيه الأسفل على ~~الأرض والأعلى على سور القصر وتوجه نحو فرعون، فهرب وأحدث وانهزم الناس ~~مزدحمين، فمات منهم خمسة وعشرون ألفا من قومه، فصاح فرعون: ياموسى ~~أنشدك بالذي أرسلك إلا أخذته فأخذه فعاد عصا، وروي أنها انقلبت حية ~~فارتفعت في السماء قدر ميل ثم انحطت مقبلة نحو فرعون وجعلت تقول: يا ~~موسى مرني بما شئت، ويقول فرعون: أنشدك الخ، ونزع يده من جيبه فإذا هي ~~بيضاء بياضا نورانيا خارجا عن حدود العادات قد غلب شعاعه شعاع ~~الشمس يجتمع عليه النظارة تعجبا من أمره، ففي تضاعيف كل من الآيتين ~~آيات جمة لكنها لما كانت غير مذكورة صراحة أكدت بقوله تعالى: { ~~كلها } كأنه قيل: أريناه آيتينا بجميع مستتبعاتهما وتفاصيلهما ~~قصدا إلى بيان إنه لم يبق له في ذلك عذر ولا مساغ لعد بقية الآيات ~~التسع منها لما أنها إما ظهرت على يده عليه الصلاة والسلام بعد ما غلب ~~السحرة على مهل في نحو من عشرين سنة كما مر في تفسير سورة الأعراف، ولا ~~ريب في أن أمر السحرة مترقب بعد، وأبعد من ذلك أن يعد منها ما ~~جعل لإهلاكهم لا لإرشادهم إلى الإيمان من فلق البحر وما ظهر بعد ~~مهلكه من الآيات الظاهرة لبني إسرائيل، من نتق الجبل ms2154 والحجر سواء ~~أريد به الحجر الذي فر بثوبه أو الذي انفجرت منه العيون، وكذا أن ~~يعد منها الآيات الظاهرة على يد الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ~~بناء على أن حكايته عليه الصلاة والسلام إياها لفرعون في حكم إظهارها ~~بين يديه وإراءته إياها لاستحالة الكذب عليه عليه الصلاة والسلام، فإن ~~حكايته عليه الصلاة والسلام إياها لفرعون مما لم يجر ذكره ههنا على ~~أن ما سيأتي من حمل ما أظهره عليه الصلاة والسلام على السحر والتصدي ~~للمعارضة بالمثل يأباه إباء بينا، وينطق بأن المراد بها ما ذكرناه ~~قطعا ولولا ذلك لجاز جعل ما فصله عليه الصلاة والسلام من أفعاله ~~تعالى الدالة على اختصاصه بالربوبية وأحكامها من جملة الآيات { ~~فكذب } موسى عليه الصلاة والسلام من غير تردد وتأخر مع ما شاهده ~~في يده من الشواهد الناطقة بصدقه جحودا وعنادا { وأبى } الإيمان ~~والطاعة لعتوه واستكباره، وقيل: كذب بالآيات جميعا وأبى أن يقبل ~~شيئا منها أو أبى قبول الحق. ### || [20.57-61] # قوله تعالى: { قال أجئتنا لتخرجنا من أرضنا ~~بسحرك يموسى } استئناف مبين لكيفية تكذيبه وإبائه، والهمزة ~~لإنكار الواقع واستقباحه وادعاء أنه أمر محال، والمجيء إما على ~~حقيقته أو بمعنى الإقبال على الأمر والتصدي له، أي أجئتنا من مكانك الذي ~~كنت فيه بعد ما غبت عنا، أو أقبلت علينا لتخرجنا من مصر بما أظهرته ~~من السحر فإن ذلك مما لا يصدر عن العاقل لكونه من باب محاولة المحال، ~~وإنما قاله لحمل قومه على غاية المقت لموسى عليه الصلاة والسلام بإبراز ~~أن مراده عليه الصلاة والسلام ليس مجرد إنجاء بني إسرائيل من أيديهم ~~بل إخراج القبط من وطنهم وحيازة أموالهم وأملاكهم بالكلية حتى لا ~~يتوجه إلى اتباعه أحد ويبالغوا في المدافعة والمخاصمة، وسمي ما أظهره ~~عليه الصلاة والسلام من المعجزة الباهرة سحرا لتجسيرهم على المقابلة ثم ~~ادعى أنه يعارضه بمثل ما أتى به عليه الصلاة والسلام فقال: { ~~فلنأتينك بسحر مثله } الفاء لترتيب ما بعدها على ما ~~قبلها واللام جواب قسم محذوف كأنه، قيل: إذا كان كذلك فوالله لنأتينك ~~بسحر ms2155 مثل سحرك { فاجعل بيننا وبينك موعدا } أي وعدا ~~كما ينبىء عنه وصفه بقوله تعالى: { لا نخلفه } فإنه المناسب لا ~~المكان والزمان أي لا نخلف ذلك الوعد { نحن ولا أنت } وإنما فوض ~~اللعين أمر الوعد إلى موسى عليه الصلاة والسلام للاحتراز عن نسبته إلى ~~ضعف القلب وضيق المجال وإظهار الجلادة وإراءة أنه متمكن من تهيئة ~~أسباب المعارضة وترتيب آلات المغالبة طال الأمد أم قصر، كما أن ~~تقديم ضميره على ضمير موسى عليه الصلاة والسلام وتوسيط كلمة النفي ~~بينهما للإيذان بمسارعته إلى عدم الإخلاف وأن عدم إخلافه لا يوجب ~~إخلافه عليه الصلاة والسلام، ولذلك أكد النفي بتكرير حرفه، وانتصاب ~~{ مكانا سوى } بفعل يدل عليه المصدر لا به فإنه موصوف أو بأنه ~~بدل من موعدا على تقدير مكان مضاف إليه فحينئذ تكون مطابقة الجواب في ~~قوله تعالى: { قال موعدكم يوم الزينة } من حيث المعنى فإن ~~يوم الزينة يدل على مكان مشتهر باجتماع الناس فيه يؤمئذ، أو بإضمار ~~مثل مكان موعدكم مكان يوم الزينة كما هو على الأول، أو وعدكم وعد ~~يوم الزينة، وقرىء يوم بالنصب وهو ظاهر في أن المراد به المصدر، ومعنى ~~سوى منتصفا تستوي مسافته إلينا وإليك وهو في النعت كقولهم: قوم عدي ~~في الشذوذ وقرىء بكسر السين. وقيل: يوم الزينة يوم عاشوراء أو يوم ~~النيروز أو يوم عيد كان لهم في كل عام وإنما خصه عليه الصلاة والسلام ~~بالتعيين لإظهار كمال قوته وكونه على ثقة من أمره وعدم مبالاته بهم ~~لما أن ذلك اليوم وقت ظهور غاية شوكتهم، وليكون ظهور الحق وزهوق ~~الباطل في يوم مشهود على رؤوس الأشهاد ويشيع ذلك فيما بين كل حاضر ~~وباد { وأن يحشر الناس ضحى } عطف على يوم أو الزينة، ~~وقرىء على البناء للفاعل بالتاء على خطاب فرعون وبالياء على أن الضمير ~~له على سنن الملوك أو لليوم. # { فتولى فرعون } أي انصرف عن المجلس { فجمع كيده } ~~أي ما يكاد به من السحرة وأدواتهم { ثم أتى } أي الموعد ومعه ما ~~جمعه من كيده، وفي كلمة التراخي ms2156 إيماء إلى أنه لم يسارع إليه بل أتاه ~~بعد لأي وتلعثم. # وقوله تعالى: { قال لهم موسى } الخ، بطريق الاستئناف المبني ~~على السؤال يقضي بأن المترقب عن أحواله عليه الصلاة والسلام حينئذ ~~والمحتاج إلى السؤال والبيان ليس إلا ما صدر عنه عليه الصلاة والسلام ~~من الكلام، وأما إتيانه أولا فأمر محقق غني عن التصريح به كأنه ~~قيل: فمادا صنع موسى عليه الصلاة والسلام عند إتيان فرعون بمن جمعه من ~~السحرة؟ فقيل: قال لهم بطريق النصيحة: { ويلكم لا تفتروا ~~على الله كذبا } بأن تدعوا آياته التي ستظهر على يدي سحرا ~~كما فعل فرعون { فيسحتكم } أي يستأصلكم بسببه { بعذاب } هائل ~~لا يقادر قدره، وقرىء يسحتكم من الثلاثي على لغة أهل الحجاز، ~~والإسحات لغة بني تميم ونجد { وقد خاب من افترى } أي على ~~الله كائنا من كان بأي وجه كان فيدخل فيه الافتراء المنهي عنه ~~دخولا أوليا، وقد خاب فرعون المفتري فلا تكونوا مثله في الخيبة، ~~والجملة اعتراض مقرر لمضمون ما قبلها. ### || [20.62-63] # { فتنزعوا } أي السحرة حين سمعوا كلامه عليه الصلاة والسلام ~~كأن ذلك غاظهم فتنازعوا { أمرهم } الذي أريد منهم من مغالبته عليه ~~الصلاة والسلام وتشاوروا وتناظروا { بينهم } في كيفية المعارضة ~~وتجاذبوا أهداب القول في ذلك { وأسروا النجوى } أي من موسى ~~عليه الصلاة والسلام لئلا يقف عليه فيدافعه وكان نجواهم ما نطق به ~~قوله تعالى: { قالوا } أي بطريق التناجي والإسرار: # { إن هذن لساحرن } الخ، فإنه تفسير له ونتيجة لتنازعهم ~~وخلاصة ما استقرت عليه آراؤهم بعد التناظر والتشاور، وإن مخففة من ~~إن قد أهملت عن العمل واللام فارقة، وقرىء بتشديد نون هذان، وقيل: هي ~~نافية واللام بمعنى إلا أي ما هذان إلا ساحران، وقرىء إن بالتشديد ~~وهذان اسمها على لغة بلحارث بن كعب فإنهم يعربون التثنية تقديرا، ~~وقيل: اسمها ضمير الشأن المحذوف وهذان لساحران خبرها، وقيل: إن بمعنى ~~نعم وما بعدها جملة من مبتدأ وخبر وفيهما أن اللام لا تدخل خبر ~~المبتدأ، وقيل: أصله إنه هذان لهما ساحران فخذف الضمير وفيه أن المؤكد ~~باللام لا ms2157 يليق به الحذف، وقرىء إن هذين لساحران وهي قراءة واضحة { ~~يريدان أن يخرجاكم من أرضكم } أي أرض مصر بالاستيلاء ~~عليها { بسحرهما } الذي أظهراه من قبل { ويذهبا ~~بطريقتكم المثلى } أي بمذهبكم الذي هو أفضل المذاهب ~~وأمثلها بإظهار مذهبهما وإعلاء دينهما يريدون به ما كان عليه قوم ~~فرعون لا طريقة السحر فإنهم ما كانوا يعتقدونه دينا، وقيل: أرادوا أهل ~~طريقتكم وهم بنو إسرائيل لقول موسى عليه الصلاة والسلام: أرسل معنا بني ~~إسرائيل وكانوا أرباب علم فيما بينهم، ويأباه أن إخراجهم من أرضهم ~~إنما يكون بالاستيلاء عليها تمكنا وتصرفا فكيف يتصور حينئذ نقل بني ~~إسرائيل إلى الشام؟ وحمل الإخراج على إخراج بني إسرائيل منها مع بقاء ~~قوم فرعون على حالهم مما يجب تنزيه التنزيل عن أمثاله على أن هذه ~~المقالة منهم للإغراء بالمبالغة في المغالبة والاهتمام بالمناصبة فلا ~~بد أن يكون الإنذار والتحذير بأشد المكاره وأشقها عليهم، ولا ريب في ~~أن إخراج بني إسرائيل من بينهم والذهاب بهم إلى الشام وهو آمنون في ~~ديارهم ليس فيه كثير محذور، وقيل: الطريقة اسم لوجوه القوم وأشرافهم ~~لما أنهم قدوة لغيرهم ولا يخفى أن تخصيص الإذهاب بهم مما لا مزية ~~فيه. ### || [20.64-65] # قوله تعالى: { فأجمعوا كيدكم } تصريح بالمطلوب إثر تمهيد ~~المقدمات والفاء فصيحة، أي إذ كان الأمر كما ذكر من كونهما ساحرين ~~يريدان بكم ما ذكر من الإخراج والإذهاب فأزمعوا كيدكم واجعلوه مجمعا ~~عليه بحيث لا يتخلف عنه واحد منكم وارموا عن قوس واحدة، وقرىء ~~فاجمعوا من الجمع ويعضده قوله تعالى: { فجمع كيده } أي ~~فاجمعو أدوات سحركم ورتبوها كما ينبغي { ثم ائتوا صفا } أي ~~مصطفين، أمروا بذلك لأنه أهيب في صدور الرائين وأدخل في استجلاب ~~الرهبة من المشاهدين، قيل: كانوا سبعين ألفا مع كل منهم حبل وعصا ~~وأقبلوا عليه إقبالة واحدة، وقيل: كانوا اثنين وسبعين ساحرا اثنان من ~~القبط والباقي من بني إسرائيل، وقيل: تسعمائة: ثلاثمائة من الفرس، ~~وثلاثمائة من الروم، وثلاثمائة من الإسكندرية، وقيل: خمسة عشر ألفا، ~~وقيل: بضعة وثلاثين ألفا والله أعلم. ولعل الموعد ms2158 كان مكانا متسعا ~~خاطبهم موسى عليه الصلاة والسلام بما ذكر في قطر من أقطاره وتنازعوا ~~أمرهم في قطر آخر منه، ثم أمروا بأن يأتوا وسطه على الوجه المذكور، ~~وقد فسر الصف بالمصلى لاجتماع الناس فيه في الأعياد والصلوات ~~ووجه صحته أن يكون علما لموضع معين من المكان الموعود، وأما ~~إرادة مصلى من المصليات بعد تعين المكان الموعود فلا مساغ لها ~~قطعا، وقوله تعالى: { وقد أفلح اليوم من استعلى } ~~اعتراض تذييلي من قبلهم مؤكد لما قبله من الأمرين، أي قد فاز ~~بالمطلوب من غلب يريدون بالمطلوب: ما وعدهم فرعون من الأجر والتقريب ~~حسبما نطق به قوله تعالى: # قال نعم وإنكم لمن المقربين # [الأعراف: 114] وبمن غلب: أنفسهم جميعا على طريقة قولهم: # بعزة فرعون إنا لنحن الغلبون # [الشعراء: 44] أو من غلب منهم حثا لهم على بذل المجهود في المغالبة، ~~هذا هو اللائق بتجاوب أطراف النظم الكريم، وقد قيل: كان نجواهم أن ~~قالوا حين سمعوا مقالة موسى عليه الصلاة والسلام: ما هذا بقول ساحر، ~~وقيل: كان ذلك أن قالوا: إن غلبنا موسى اتبعناه، وقيل: كان ذلك ~~قولهم: إن كان ساحرا فسنغلبه وإن كان من السماء فله أمر، فيكون ~~إسرارهم حينئذ من فرعون وملئه ويحمل قولهم: إن هذان لساحران الخ، ~~على أنهم اختلفوا فيما بينهم على الأقاويل المذكورة ثم رجعوا عن ذلك ~~بعد التنازع والتناظر واستقرت آراؤهم على ذلك وأبوا إلا المناصبة ~~للمعارضة، وأما جعل ضمير قالوا لفرعون وملئه على أنهم قالوا ذلك ~~للسحرة ردا لهم عن الاختلاف وأمروهم بالإجماع والإزماع، وإظهار ~~الجلادة بالإتيان على وجه الاصطفاف فمخل بجزالة النظم الكريم كما ~~يشهد به الذوق السليم. # { قالوا } استئناف مبني على سؤال ناشىء من حكاية ما جرى بين ~~السحرة من المقارنة، كأنه قيل: فماذا فعلوا بعد ما قالوا فيما بينهم ما ~~قالوا؟ فقيل: قالوا: { يموسى } وإنما لم يتعرض لإجماعهم وإتيانهم ~~بطريق الاصطفاف إشعارا بظهور أمرهما وغناهما عن البيان { إما أن ~~تلقى } أي ما تلقيه أولا على أن المفعول محذوف لظهوره أو تفعل ~~الإلقاء أولا على أن ms2159 الفعل منزل منزلة اللازم { وإما أن ~~نكون أول من ألقى } ما يلقيه أو أول من يفعل الإلقاء، ~~خيروه عليه الصلاة والسلام بما ذكر مراعاة للأدب لما رأوا منه عليه ~~الصلاة والسلام ما رأوا من مخايل الخير ورزانة الرأي وإظهارا ~~للجلادة بإراءة أنه لا يختلف حالهم بالتقديم والتأخير، وأن مع ما في ~~حيزها منصوب بفعل مضمر أو مرفوع بخبرية مبتدأ محذوف أي اختر إلقاءك ~~أولا أو إلقاءنا، أو الأمر إما إلقاؤك أو إلقاؤنا. ### || [20.66-70] # { قال } استئناف كما سلف ناشىء من حكاية تخيير السحرة إياه عليه ~~الصلاة والسلام، كأنه قيل: فماذا قال عليه الصلاة والسلام؟ فقيل: قال: { ~~بل ألقوا } أنتم أولا مقابلة للأدب بأحسن من أدبهم حيث بت ~~القول بإلقائهم أولا، وإظهارا لعدم المبالاة بسحرهم ومساعدة لما ~~أوهموا من الميل إلى البدء وليبرزوا ما معهم ويستفرغوا أقصى جهدهم ~~ويستنفدوا قصارى وسعهم، ثم يظهر الله عز وجل سلطانه فيقذف بالحق على ~~الباطل فيدمغه لما علم أن ما سيظهر بيده سيلقف ما يصنعون من مكايد ~~السحر. # { فإذا حبالهم وعصيهم يخيل إليه من سحرهم ~~أنها تسعى } الفاء فصيحة معربة عن مسارعتهم إلى الإلقاء كما في ~~قوله تعالى: # أن اضرب بعصاك البحر فانفلق # [الشعراء: 63] أي فألقوا فإذا حبالهم وهي للمفاجأة والتحقيق أنها ~~أيضا ظرفية تستدعي متعلقا ينصبها وجملة تضاف إليها، ولكنها خصت ~~بكون متعلقها فعل المفاجأة والجملة ابتدائية، والمعنى فألقوا ~~ففاجأ موسى عليه الصلاة والسلام وقت أن يخيل إليه سعي حبالهم ~~وعصيهم من سحرهم وذلك أنهم كانوا لطخوها بالزئبق فلما ضربت عليها ~~الشمس اضطربت واهتزت فخيل إليه أنها تتحرك، وقرىء تخيل بالتاء على ~~إسناده إلى ضمير الحبال والعصي وإبدال (أنها تسعى) منه بدل اشتمال، ~~وقرىء يخيل بإسناده إليه تعالى، وقرىء تخيل بحذف إحدى التاءين من ~~تتخيل { فأوجس فى نفسه خيفة موسى } أي أضمر فيها بعض ~~خوف من مفاجأته بمقتضى البشرية المجبولة على النفرة من الحيات ~~والاحتراز من ضررها المعتاد من اللسع ونحوه، وقيل: من أن يخالج الناس ~~شك فلا يتبعوه وليس بذاك كما ستعرفه، وتأخير الفاعل ms2160 لمراعاة الفواصل. # { قلنا لا تخف } أي ما توهمت { إنك أنت الأعلى } ~~تعليل لما يوجبه النهي من الانتهاء عن الخوف وتقرير لغلبته على أبلغ ~~وجه وآكده كما يعرب عنه الاستئناف، وحرف التحقيق وتكرير الضمير ~~وتعريف الخبر ولفظ العلو المنبىء على الغلبة الظاهرة وصيغة ~~التفضيل. # { وألق ما فى يمينك } أي عصاك كما وقع في سورة الأعراف، وإنما ~~أوثر الإبهام تهويلا لأمرها وتفخيما لشأنها وإيذانا بأنها ليست من ~~جنس العصي المعهودة المستتبعة للآثار المعتادة، بل خارجة عن حدود ~~سائر أفراد الجنس مبهمة الكنه مستتبعة لآثار غريبة. وعدم ~~مراعاة هذه النكتة عند حكاية الأمر في موضع آخر لا يستدعي عدم ~~مراعاتها عند وقوع المحكي. هذا وحمل الإبهام على التحقير بأن يراد ~~لا تبال بكثرة حبالهم وعصيهم وألق العويد الذي في يدك فإنه ~~بقدرة الله تعالى يلقفها مع وحدته وكثرتها وصغره وعظمها يأباه ~~ظهور حالها فيما مر مرتين، على أن ذلك المعنى إنما يليق بما لو فعلت ~~العصا ما فعلت وهي على هيئتها الأصلية وقد كان منها ما كان وقوله ~~تعالى: { تلقف ما صنعوا } بالجزم جوابا للأمر من لقفه إذا ~~ابتلعه والتقمه بسرعة، والتأنيث لكون (ما) عبارة عن العصا أي تبتلع ما ~~صنعوه من الحبال والعصي التي خيل إليك سعيها وخفتها، والتعبير ~~عنها بما صنعوا للتحقير والإيذان بالتمويه والتزوير، وقرىء تلقف ~~بتشديد القاف وإسقاط إحدى التاءين من تتلقف، وقرىء بالرفع على الحال أو ~~الاستئناف والجملة الأمرية معطوفة على النهي متممة بما في حيزها ~~لتعليل موجبه ببيان كيفية غلبته عليه الصلاة والسلام وعلوه، فإن ~~ابتلاع عصاه لأباطيلهم التي منها أوجس في نفسه ما أوجس مما يقلع ~~مادته بالكلية، وهذا كما ترى صريح في أن خوفه عليه الصلاة والسلام لم ~~يكن مما ذكر من مخالجة الشك للناس وعدم اتباعهم له عليه الصلاة ~~السلام وإلا لعلل بما يزيله من الوعد بما يوجب إيمانهم واتباعهم له ~~عليه الصلاة والسلام، وقوله تعالى: { إن ما صنعوا } الخ، تعليل ~~لقوله تعالى: { تلقف ما صنعوا } وما إما موصولة أو موصوفة أي ~~إن الذي ms2161 صنعوه أو إن شيئا صنعوه { كيد ساحر } بالرفع على أنه خبر ~~لأن أن كيد جنس الساحر، وتنكيره للتوسل به إلى تنكير ما أضيف إليه ~~للتحقير، وقرىء بالنصب على أنه مفعول صنعوا و(ما) كافة، وقرىء كيد ~~سحر على أن الإضافة للبيان كما في علم فقة أو على معنى ذي سحر أو ~~على تسمية الساحر سحرا مبالغة وقوله تعالى: { ولا يفلح ~~السحر } أي هذا الجنس { حيث أتى } أي حيث كان وأين أقبل، من ~~تمام التعليل، وعدم التعرض لشأن العصا وكونها معجزة إلهية مع ما في ~~ذلك من تقوية التعليل للإيذان بظهور أمرها، والفاء في قوله تعالى: # { فألقى السحرة سجدا } كما سلف فصيحة معربة عن محذوفين ~~ينساق إليهما النظم الكريم غنيين عن التصريح بهما لعدم احتمال تردد ~~موسى عليه السلام في الامتثال بالأمر واستحالة عدم وقوع اللقف ~~الموعود، أي فألقاه عليه السلام فوقع ما وقع من اللقف فألقى السحرة ~~سجدا لما تيقنوا أن ذلك ليس من باب السحر وإنما هي آية من آيات الله ~~عز وجل. # روي أن رئيسهم قال: كنا نغلب الناس وكانت الآلات تبقى علينا، فلو ~~كان هذا سحرا فأين ما ألقيناه من الآلات؟ فاستدل بتغير أحوال ~~الأجسام على الصانع القادر العالم، وبظهور ذلك على يد موسى عليه ~~الصلاة والسلام على صحة رسالته لا جرم، ألقاهم ما شاهدوه على وجوههم ~~وتابوا وآمنوا وأتوا بما هو غاية الخضوع، قيل: لم يرفعوا رؤوسهم حتى ~~رأوا الجنة والنار والثواب والعقاب، وعن عكرمة لما خروا سجدا ~~أراهم الله تعالى في سجودهم منازلهم في الجنة ولا ينافيه قولهم: # إنا آمنا بربنا ليغفر لنا خطينا # [طه: 73] الخ، لأن كون تلك المنازل منازلهم باعتبار صدور هذا القول ~~عنهم { قالوا } استئناف كما مر غير مرة { آمنا برب هرون ~~وموسى } تأخير موسى عند حكاية كلامهم لرعاية الفواصل وقد جوز أن ~~يكون ترتيب كلامهم أيضا هكذا، إما لكبر سن هارون عليه الصلاة ~~والسلام وإما للمبالغة في الاحتراز عن التوهم الباطل من جهة فرعون ~~وقومه، حيث كان فرعون ربى موسى عليه الصلاة ms2162 والسلام في صغره فلو ~~قدموا موسى عليه الصلاة والسلام لربما توهم اللعين وقومه من أول الأمر ~~أن مرادهم فرعون. ### || [20.71-72] # { قال } أي فرعون للسحرة: { ءامنتم له } أي لموسى عليه الصلاة ~~والسلام، واللام لتضمين الفعل معنى الاتباع، وقرىء على الاستفهام ~~التوبيخي { قبل أن ءاذن لكم } أي من غير أن آذن لكم في ~~الإيمان له كما في قوله تعالى: # لنفد البحر قبل أن تنفد كلمت ربى # [الكهف: 109] لا أن إذنه لهم في ذلك واقع بعده أو متوقع { أنه } ~~يعني موسى عليه الصلاة والسلام { لكبيركم } أي في فنكم وأعلمكم به ~~وأستاذكم { الذى علمكم السحر } فتواطأتم على ما فعلتم أو ~~فعلمكم شيئا دون شيء فلذلك غلبكم، وهذه شبهة زورها اللعين وألقاها ~~على قومه وأراهم أن أمر الإيمان منوط بإذنه فلما كان إيمانهم بغير ~~إذنه لم يكن معتدا به وأنهم من تلامذته عليه الصلاة والسلام، فلا عبرة ~~بما أظهره كما لا عبرة بما أظهروه وذلك لما اعتراه من الخوف من اقتداء ~~الناس بالسحرة في الإيمان بالله تعالى ثم أقبل عليهم بالوعيد المؤكد ~~حيث قال: { فلأقطعن } أي فوالله لأقطعن { أيديكم ~~وأرجلكم من خلاف } أي اليد اليمنى والرجل اليسرى، ومن ~~ابتدائية كأن القطع ابتداء من مخالفة العضو، فإن المبتدىء من ~~المعروض مبتدىء من العارض أيضا، وهي مع مجرورها في حيز النصب على ~~الحالية أي لأقطعنها مختلفات، وتعيين تلك الحال للإيذان بتحقيق الأمر ~~وإيقاعه لا محالة بتعيين كيفيته المعهودة في باب السياسة لا لأنها ~~أفظع من غيرها { ولأصلبنكم فى جذوع النخل } أي عليها، ~~وإيثار كلمة (في) للدلالة على إبقائهم عليها زمانا مديدا تشبيها ~~لاستمرارهم عليها باستقرار المظروف المشتمل عليه، قالوا: وهو أول من ~~صلب، وصيغة التفعيل في الفعلين للتكثير وقد قرئا بالتخفيف { ~~ولتعلمن أينا } يريد به نفسه وموسى عليه الصلاة والسلام ~~لقوله: آمنتم له قبل أن آذن لكم، واللام مع الإيمان في كتاب الله ~~تعالى لغيره تعالى وهذا إما لقصد توضيع موسى عليه الصلاة والسلام ~~والهزء به لأنه لم يكن من التعذيب في شيء، وإما لإراءة أن إيمانهم ms2163 لم ~~يكن عن مشاهدة المعجزة ومعاينة البرهان بل كان عن خوف من قبل موسى عليه ~~الصلاة والسلام حيث رأوا ابتلاع عصاه لحبالهم وعصيهم فخافوا على ~~أنفسهم أيضا، وقيل: يريد به رب موسى الذي آمنوا به بقولهم: آمنا برب ~~هارون وموسى { أشد عذابا وأبقى } أي أدوم. # { قالوا } غير مكترثين بوعيده { لن نؤثرك } لن نختارك ~~بالإيمان والاتباع { على ما جاءنا } من الله على يد موسى عليه ~~الصلاة والسلام { من البينت } من المعجزات الظاهرة فإن ما ظهر ~~بيده عليه الصلاة والسلام من العصا كان مشتملا على معجزات جمة كما مر ~~تحقيقه فيما سلف، فإنهم كانوا عارفين بجلائلها ودقائقها { والذى ~~فطرنا } أي خلقنا وسائر المخلوقات وهو عطف على ما جاءنا وتأخيره ~~لأن ما في ضمنه آية عقلية نظرية وما شاهدوه آية حسية ظاهرة، وإيراده ~~تعالى بعنوان فاطريته تعالى لهم للإشعار بعلة الحكم فإن خالقيته لهم ~~وكون فرعون من جملة مخلوقاته مما يوجب عدم إيثارهم له عليه سبحانه ~~وتعالى، وهذا جواب منهم لتوبيخ فرعون بقوله: { قال ءامنتم له ~~قبل أن ءاذن } [طه: 71]، وقيل: هو قسم محذوف الجواب لدلالة ~~المذكور عليه أي وحق الذي فطرنا لا نؤثرك الخ، ولا مساغ لكون ~~المذكور جوابا له عند من يجوز تقديم الجواب أيضا لما أن القسم لا ~~يجاب بلن إلا على شذوذ، وقوله تعالى: { فاقض ما أنت قاض } جواب ~~عن تهديده بقوله: لأقطعن الخ، أي فاصنع ما أنت صانعه أو فاحكم به وقوله ~~تعالى: { إنما تقضي هذه الحياة الدنيآ } مع ما بعده ~~تعليل لعدم المبالاة المستفاد مما سبق من الأمر بالقضاء، أي إنما تصنع ~~ما تهواه أو تحكم بما تراه في هذه الحياة الدنيا فحسب، وما لنا من رغبة ~~في عذبها ولا رهبة من عذابها. ### || [20.73-75] # { إنا ءامنا بربنا ليغفر لنا خطينا } التي ~~اقترفنا فيها من الكفر والمعاصي ولا يؤاخذنا بها في الدار الآخرة، لا ~~ليمتعنا بتلك الحياة الفانية حتى نتأثر بما أوعدتنا به من القطع ~~والصلب، وقوله تعالى: { وما أكرهتنا عليه من السحر } ~~عطف على خطايانا أي ويغفر ms2164 لنا السحر الذي عملناه في معارضة موسى عليه ~~السلام بإكراهك وحشرك إيانا من المدائن القاصية، خصوه بالذكر مع ~~اندراجه في خطاياهم إظهارا لغاية نفرتهم عنه ورغبتهم في مغفرته، وذكر ~~الإكراه للإيذان بأنه مما يجب أن يفرد بالاستغفار منه مع صدوره عنهم ~~بالإكراه، وفيه نوع اعتذار لاستجلاب المغفرة، وقيل: أرادوا الإكراه ~~على تعلم السحر حيث روي أن رؤساءهم كانوا اثنين وسبعين: اثنان منهم من ~~القبط والباقي من بني إسرائيل، وكان فرعون أكرههم على تعلم السحر، وقيل: ~~إنه أكرههم على المعارضة حيث روي أنهم قالوا لفرعون: أرنا موسى نائما ~~ففعل فوجدوه تحرسه عصاه، فقالوا: ما هذا بسحر فإن الساحر إذا نام بطل ~~سحره، فأبى إلا أن يعارضوه ويأباه تصديهم للمعارضة على الرغبة والنشاط ~~كما يعرب عنه قولهم: # إن لنا لأجرا إن كنا نحن الغلبين # [الأعراف: 113] وقولهم: # بعزة فرعون إنا لنحن الغلبون # [الشعراء: 44] { والله خير } أي في حد ذاته وهو ناظر إلى ~~قولهم: والذي فطرنا { وأبقى } أي جزاء، ثوابا كان أو عذابا أو ~~خير ثوابا وأبقى عذابا. # وقوله تعالى: { إنه } إلى آخر الشرطيتين تعليل من جهتهم لكونه ~~تعالى خيرا وأبقى جزاء وتحقيق له وإبطال لما ادعاه فرعون، ~~وتصديرهما بضمير الشأن للتنبيه على فخامة مضمونهما لأن مناط وضع ~~الضمير موضعه ادعاء شهرته المغنية عن ذكره مع ما فيه من زيادة ~~التقرير فإن الضمير لا يفهم منه من أول الأمر إلا شأن مبهم له خطر ~~فيبقى الذهن مترقبا لما يعقبه فيتمكن عند وروده له فضل تمكن، كأنه ~~قيل: إن الشأن الخطير هذا أي قوله تعالى: { من يأت ربه ~~مجرما } بأن مات على الكفر والمعاصي { فإن له جهنم لا ~~يموت فيها } فينتهي عذابه وهذا تحقيق لكون عذابه أبقى { ولا ~~يحيا } حياة ينتفع بها. # { ومن يأته مؤمنا } به تعالى وبما جاء من عنده من المعجزات ~~التي من جملتها ما شاهدناه { قد عمل الصلحت } الصالحة ~~كالحسنة جارية مجرى الاسم ولذلك لا تذكر غالبا مع الموصوف وهي كل ما ~~استقام من الأعمال بدليل العقل والنقل { فأولئك } إشارة إلى ~~من ms2165 والجمع باعتبار معناها كما أن الإفراد في الفعلين السابقين باعتبار ~~لفظها، وما فيه من معنى البعد للإشعار بعلو درجتهم وبعد منزلتهم، ~~أي فأولئك المؤمنون العاملون للصالحات { لهم } بسبب إيمانهم ~~وأعمالهم الصالحة { والدرجت العلى } أي المنازل الرفيعة، ~~وليس فيه ما يدل على عدم اعتبار الإيمان المجرد عن العمل الصالح في ~~استتباع الثواب، لأن ما نيط بالإيمان المقرون بالأعمال الصالحة هو ~~الفوز بالدرجات العلى لا بالثواب مطلقا وهل التشاجر إلا فيه. ### || [20.76-77] # { جنت عدن } بدل من الدرجات العلى أو بيان، وقد مر أن ~~عدنا علم لمعنى الإقامة أو لأرض الجنة فقوله تعالى: { تجرى من ~~تحتها الأنهر } حال من الجنات وقوله تعالى { خلدين ~~فيها } حال من الضمير في لهم والعامل معنى الاستقرار أو الإشارة { ~~وذلك } إشارة إلى ما أتيح لهم من الفوز بما ذكر من الدرجات العلى، ~~ومعنى البعد لما مر من التفخيم { جزاء من تزكى } أي تطهر من دنس ~~الكفر والمعاصي بما ذكر من الإيمان والأعمال الصالحة، وهذا تحقيق لكون ~~ثوابه تعالى أبقى، وتقديم ذكر حال المجرم للمسارعة إلى بيان أشدية ~~عذابه ودوامه ردا على ما ادعاه فرعون بقوله: # أينا أشد عذابا وأبقى # [طه: 71] هذا وقد قيل: هذه الآيات الثلاث ابتداء كلام من الله عز ~~وجل، قالوا: ليس في القرآن أن فرعون فعل بأولئك المؤمنين ما أوعدهم به ~~ولم يثبت في الأخبار. # { ولقد أوحينا إلى موسى } حكاية إجمالية لما انتهى ~~إليه أمر فرعون وقومه، وقد طوي في البين ذكر ما جرى عليهم من ~~الآيات المفصلات الظاهرة على يد موسى عليه الصلاة والسلام بعد ما غلب ~~السحرة في نحو من عشرين سنة حسبما فصل في سورة الأعراف، وتصديرها ~~بالقسم لإبراز كمال العناية بمضمونها وأن في قوله: { أن أسر ~~بعبادى } إما مفسرة لأن الوحي فيه معنى القول أو مصدرية حذف عنها ~~الجار، والتعبير عنهم بعنوان كونهم عبادا له تعالى لإظهار المرحمة ~~والاعتناء بأمرهم والتنبيه على غاية قبح صنيع فرعون بهم حيث ~~استعبدهم وهم عباده عز وجل وفعل بهم من فنون الظلم ما فعل، أي ms2166 وبالله ~~لقد أوحينا إليه عليه الصلاة والسلام أن أسر بعبادي الذين أرسلتك ~~لإنقاذهم من ملكة فرعون، أي سر بهم من مصر ليلا { فاضرب ~~لهم } أي فاجعل أو فاتخذ لهم { طريقا فى البحر يبسا } أي ~~يابسا على أنه مصدر وصف به الفاعل مبالغة، وقرىء يبسا وهو إما ~~مخفف منه أو وصف كصعب، أو جمع يابس كصحب، وصف الواحد للمبالغة أو ~~لتعدده حسب تعدد الأسباط { لا تخاف دركا } حال من المأمور ~~أي آمنا من أن يدرككم العدو أو صفة أخرى لطريقا والعائد محذوف، ~~وقرىء لا تخف جوابا للأمر { ولا تخشى } عطف على لا تخاف داخل ~~في حكمه أي ولا تخشى الغرق، وعلى قراءة الجزم استئناف أي وأنت لا تخشى ~~أو عطف عليه والألف للإطلاق كما في قوله تعالى: # وتظنون بالله الظنونا # [الأحزاب: 33] وتقديم الخوف المذكور للمسارعة إلى إزاحة ما كانوا ~~عليه من الخوف العظيم حيث قالوا: إنا لمدركون. ### || [20.78-80] # { فأتبعهم فرعون بجنوده } أي تبعهم ومعه جنوده حتى ~~لحقوهم، يقال: أتبعتهم أي تبعتهم وذلك إذا كانوا سبقوك فلحقتهم، ~~ويؤيده أنه قرىء فاتبعهم من الافتعال، وقيل: المعنى أتبعهم فرعون ~~نفسه فحذف المفعول الثاني، وقيل: الباء زائدة والمعنى فأتبعهم فرعون ~~جنوده أي ساقهم خلفهم، وأيا ما كان فالفاء فصيحة معربة عن مضمر قد ~~طوي ذكره ثقة بغاية ظهوره وإيذانا بكمال مسارعة موسى عليه الصلاة ~~والسلام إلى الامتثال بالأمر، أي ففعل ما أمر به من الإسراء بهم وضرب ~~الطريق وسلوكه فأتبعهم فرعون وجنوده برا وبحرا. روي أن موسى عليه ~~الصلاة والسلام خرج بهم أول الليل وكانوا ستمائة وسبعين ألفا، فأخبر ~~فرعون بذلك فاتبعهم بعساكره وكانت مقدمته سبعمائة ألف فقف أثرهم ~~فلحقهم بحيث تراءى الجمعان فعند ذلك ضرب عليه الصلاة والسلام بعصاه ~~البحر فانفلق على اثني عشر فرقا كل فرق كالطود العظيم، فعبر موسى ~~عليه الصلاة والسلام بمن معه من الأسباط سالمين وتبعهم فرعون بجنوده { ~~فغشيهم من اليم ما غشيهم } أي علاهم منه وغمرهم ما ~~غمرهم من الأمر الهائل الذي لا يقادر قدره ولا يبلغ كنهه، وقيل: ms2167 ~~غشيهم ما سمعت قصته وليس بذاك، فإن مدار التهويل والتفخيم ~~خروجه عن حدود الفهم والوصف لا سماع قصته، وقرىء فغشاهم من اليم ما ~~غشاهم أي غطاهم ما غطاهم، والفاعل هو الله عز وعلا أو ما غشاهم، وقيل: ~~فرعون لأنه الذي ورطهم للهلكة ويأباه الإظهار في قوله تعالى: { ~~وأضل فرعون قومه } أي سلك مسلكا أداهم إلى الخيبة ~~والخسران في الدين والدنيا معا حيث ماتوا على الكفر بالعذاب الهائل ~~الدنيوي المتصل بالعذاب الخالد الأخروي، وقوله تعالى: { وما هدى } ~~أي ما أرشدهم قط إلى طريق موصل إلى مطلب من المطالب الدينية ~~والدنيوية، تقرير لإضلاله وتأكيد له إذ رب مضل قد يرشد من يضله ~~إلى بعض مطالبه، وفيه نوع تهكم به في قوله: # وما أهديكم إلا سبيل الرشاد # [غافر: 29] فإن نفي الهداية عن شخص مشعر بكونه ممن يتصور منه ~~الهداية في الجملة وذلك إنما يتصور في حقه بطريق التهكم، وحمل ~~الإضلال والهداية على ما يختص بالديني منهما يأباه مقام بيان سوقه ~~بجنوده إلى مساق الهلاك الدنيوي، وجعلهما عبارة عن الإضلال في البحر ~~والإنجاء منه مما لا يقبله العقل السليم. # { يبنى إسرءيل } حكاية لما خاطبهم الله تعالى بعد إغراق ~~فرعون وقومه وإنجائهم منهم لكن لا عقيب ذلك بل بعد ما أفاض عليهم من ~~فنون النعم الدينية والدنيوية ما أفاض، وقيل: هو إنشاء خطاب للذين ~~كانوا منهم في عهد النبي عليه الصلاة والسلام على معنى أنه تعالى قد من ~~عليهم بما فعل بآبائهم أصالة وبهم تبعا، ويرده ما سيأتي من قوله ~~تعالى: { وما أعجلك } الآية، ضرورة استحالة حمله على الإنشاء، ~~فالوجه هو الحكاية بتقدير قلنا عطفا على أوحينا، أي وقلنا: يا بني ~~إسرائيل { قد أنجينكم من عدوكم } فرعون وقومه حيث ~~كانوا يبغونكم الغوائل ويسومونكم سوء العذاب يذبحون أبناءكم ويستحيون ~~نساءكم، وقرىء نجيناكم ونجيتكم { وواعدنكم جانب الطور ~~الأيمن } بالنصب على أنه صفة للمضاف، وقرىء بالجر للجوار أي ~~واعدناكم بواسطة نبيكم إتيان جانبه الأيمن نظرا إلى السالك من ~~مصر إلى الشام، أي إتيان موسى عليه الصلاة والسلام للمناجاة ms2168 وإنزال ~~التوراة عليه، ونسبت المواعيد إليهم مع كونها لموسى عليه الصلاة ~~والسلام نظرا إلى ملابستها إياهم وسراية منفعتها إليهم وإيفاء لمقام ~~الامتنان حقه كما في قوله تعالى: # ولقد خلقنكم ثم صورنكم # [الأعراف: 11] حيث نسب الخلق والتصوير إلى المخاطبين مع أن المخلوق ~~المصور بالذات هو آدم عليه الصلاة والسلام، وقرىء واعدتكم ووعدناكم { ~~ونزلنا عليكم المن والسلوى } أي الترنجبين والسمان ~~حيث كان ينزل عليهم المن وهو في التيه مثل الثلج من الفجر إلى الطلوع ~~لكل إنسان صاع، ويبعث الجنوب عليهم السمان فيذبح الرجل منه ما يكفيه ~~كما مر مرارا. ### || [20.81-84] # { كلوا } جملة مستأنفة مسوقة لبيان إباحة ما ذكر لهم وإتماما ~~للنعمة عليهم { من طيبات ما رزقنكم } أي من لذائذه أو من ~~حلالاته، وقرىء رزقكم، وفي البدء بنعمة الإنجاء ثم بالنعمة الدينية ثم ~~بالنعمة الدنيوية من حسن النظم ولطف الترتيب ما لا يخفى { ولا ~~تطغوا فيه } أي فيما رزقناكم بالإخلال بشكره والتعدي لما حد ~~لكم فيه كالسرف والبطر والمنع من المستحق { فيحل عليكم ~~غضبى } جواب للنهي أي فتلزمكم عقوبتي وتجب لكم، من حل الدين إذا ~~وجب أداؤه { ومن يحلل عليه غضبى فقد هوى } أي تردى ~~وهلك، وقيل: وقع في الهاوية، وقرىء فيحل بضم الحاء من حل يحل إذا ~~نزل. # { وإنى لغفار لمن تاب } من الشرك والمعاصي التي من جملتها ~~الطغيان فيما ذكر { وءامن } بما يجب الإيمان به { وعمل ~~صلحا } أي عملا صالحا مستقيما عند الشرع والعقل، وفيه ترغيب ~~لمن وقع منه الطغيان فيما ذكر وحث على التوبة والإيمان وقوله تعالى: { ~~ثم اهتدى } أي استقام على الهدى إشارة إلى أن من لم يستمر عليه ~~بمعزل من الغفران وثم للتراخي الرتبي. # { وما أعجلك عن قومك يموسى } حكاية لما جرى بينه تعالى ~~وبين موسى عليه الصلاة والسلام من الكلام عند ابتداء موافاته الميقات ~~بموجب المواعدة المذكورة، أي قلنا له: أي شيء أعجلك منفردا عن قومك؟ ~~وهذا كما ترى سؤال عن سبب تقدمه على النقباء مسوق لإنكار انفراده ~~عنهم لما في ذلك بحسب الظاهر من مخايل إغفالهم ms2169 وعدم الاعتداد بهم مع ~~كونه مأمورا باستصحابهم وإحضارهم معه، لا لإنكاره نفس العجلة الصادرة ~~عنه عليه الصلاة والسلام لكونها نقيصة منافية للحزم اللائق بأولي ~~العزم، ولذلك أجاب عليه الصلاة والسلام بنفي الانفراد المنافي للاستصحاب ~~والمعية حيث { قال هم أولاء على أثرى } يعني إنهم معي وإنما ~~سبقتهم بخطا يسيرة ظننت أنها لا تخل بالمعية ولا تقدح في الاستصحاب، ~~فإن ذلك مما لا يعتد به فيما بين الرفقة أصلا، وبعد ما ذكر عليه ~~الصلاة والسلام أن تقدمه ذلك ليس لأمر منكر ذكر أنه لأمر مرضي حيث ~~قال: { وعجلت إليك رب لترضى } عني بمسارعتي إلى ~~الامتثال بأمرك واعتنائي بالوفاء بعهدك، وزيادة رب لمزيد الضراعة ~~والابتهال رغبة في قبول العذر. ### || [20.85-86] # { قال } استئناف مبني على سؤال نشأ من حكاية اعتذاره عليه الصلاة ~~والسلام وهو السر في وروده على صيغة الغائب، لا أنه التفات من التكلم ~~إلى الغيبة لما أن المقدر فيما سبق من الموضعين على صيغة التكلم، كأنه ~~قيل من جهة السامعين: فماذا قال له ربه حينئذ؟ فقيل: قال: { فإنا ~~قد فتنا قومك من بعدك } أي ابتليناهم بعبادة العجل من ~~بعد ذهابك من بينهم وهم الذين خلفهم مع هارون عليه الصلاة والسلام، ~~وكانوا ستمائة ألف ما نجا منهم من عبادة العجل إلا اثنا عشر ألفا، ~~والفاء لترتيب الإخبار بما ذكر من الابتلاء على إخبار موسى عليه الصلاة ~~والسلام بعجلته لكن لا لأن الإخبار بها سبب موجب للإخبار به، بل لما ~~بينهما من المناسبة المصححة للانتقال من أحدهما إلى الآخر من حيث إن ~~مدار الابتلاء المذكور عجلة القوم، فإنه روي أنهم أقاموا على ما وصى ~~به موسى عليه الصلاة والسلام عشرين ليلة بعد ذهابه فحسبوها مع أيامها ~~أربعين، وقالوا: قد أكملنا العدة وليس من موسى عليه الصلاة والسلام عين ~~ولا أثر { وأضلهم السامرى } حيث كان هو المدبر في الفتنة ~~فقال لهم: إنما أخلف موسى عليه الصلاة والسلام ميعادكم لما معكم من ~~حلي القوم وهو حرام عليكم فكان من أمر العجل ما كان، فإخباره تعالى ~~بوقوع ms2170 هذه الفتنة عند قدومه عليه الصلاة والسلام إما باعتبار تحققها ~~في علمه تعالى ومشيئته، وإما بطريق التعبير عن المتوقع بالواقع كما ~~في قوله تعالى: # ونادى أصحب الجنة # [الأعراف: 44] ونظائره، أو لأن السامري كان قد عزم على إيقاع الفتنة ~~عند ذهاب موسى عليه الصلاة والسلام وتصدى لترتيب مبانيها وتمهيد ~~مباديها فكانت الفتنة واقعة عند الإخبار بها، وقرىء وأضلهم السامري ~~على صيغة التفضيل أي أشدهم ضلالا لأنه ضال ومضل، والسامري ~~منسوب إلى قبيلة من بني إسرائيل يقال لها السامرة، وقيل: كان علجا ~~من كرمان، وقيل: من أهل باجرما واسمه موسى بن ظفر وكان منافقا قد ~~أظهر الإسلام وكان من قوم يعبدون البقر. # { فرجع موسى إلى قومه } عند رجوعه المعهود أي بعدما ~~استوفى الأربعين وأخذ التوراة لا عقيب الإخبار بالفتنة، فسببية ما ~~قبل الفاء لما بعدها إنما هي باعتبار قيد الرجوع المستفاد من قوله ~~تعالى: { غضبن أسفا } لا باعتبار نفسه وإن كانت داخلة عليه ~~حقيقة فإن كون الرجوع بعد تمام الأربعين أمر مقرر مشهور لا يذهب ~~الوهم إلى كونه عند الإخبار بالفتنة، كما إذا قلت: شايعت الحجاج ~~ودعوت لهم بالسلامة فرجعوا سالمين، فإن أحدا لا يرتاب في أن المراد ~~رجوعهم المعتاد لا رجوعهم إثر الدعاء وأن سببية الدعاء باعتبار ~~وصف السلامة لا باعتبار نفس الرجوع، والأسف: الشديد الغضب، وقيل: ~~الحزين { قال } استئناف مبني على سؤال ناشىء من حكاية رجوعه كذلك، ~~كأنه قيل: فماذا فعل بهم؟ فقيل: قال: { قال يقوم ألم ~~يعدكم ربكم وعدا حسنا } بأن يعطيكم التوارة فيها ما ~~فيها من النور والهدى، والهمزة لإنكار عدم الوعد ونفيه وتقرير وجوده ~~على أبلغ وجه وآكده، أي وعدكم بحيث لا سبيل لكم إلى إنكاره، والفاء ~~في قوله تعالى: { أفطال عليكم العهد } أي الزمان للعطف على ~~مقدر والهمزة لإنكار المعطوف ونفيه فقط، أي أوعدكم ذلك فطال زمان ~~الإنجاز فأخطأتم بسببه { أم أردتم أن يحل } أي يجب { ~~عليكم غضب } شديد لا يقادر قدره كائن { من ربكم } أي ~~من مالك أمركم على الإطلاق { فأخلفتم موعدى } أي وعدكم ~~إياي ms2171 بالثبات على ما أمرتكم به إلى أن أرجع من الميقات على إضافة ~~المصدر إلى مفعوله للقصد إلى زيادة تقبيح حالهم، فإن إخلافهم الوعد ~~الجاري فيما بينهم وبينه عليه السلام من حيث إضافته إليه عليه ~~السلام أشنع منه من حيث إضافته إليهم، والفاء لترتيب ما بعدها على ~~كل واحد من شقي الترديد على سبيل البدل، كأنه قيل: أنسيتم الوعد ~~بطول العهد فأخلفتموه خطأ أم أردتم حلول الغضب عليكم فأخلفتموه عمدا؟ ~~وأما جعل الموعد مضافا إلى فاعله وحمل إخلافه على معنى وجدان الخلف ~~فيه، أي فوجدتم الخلف في موعدي لكم بالعود بعد الأربعين فما لا يساعده ~~السباق ولا السياق أصلا. ### || [20.87] # { قالوا ما أخلفنا موعدك } أي وعدنا إياك الثبات على ما ~~أمرتنا به، وإيثاره على أن يقال: موعدنا على إضافة المصدر إلى فاعله ~~لما مر آنفا { بملكنا } أي بأن ملكنا أمورنا يعنون أنا لو ~~خلينا وأمورنا ولم يسول لنا السامري ما سوله مع مساعدة بعض ~~الأحوال لما أخلفناه، وقرىء بملكنا بكسر الميم وضمها والكل لغات ~~في مصدر ملكت الشيء { ولكنا حملنا أوزارا من زينة ~~القوم } استدراك عما سبق واعتذار عما فعلوا ببيان منشأ الخطأ، ~~وقرىء حملنا بالتخفيف أي حملنا أحمالا من حلي القبط التي ~~استعرناها منهم حين هممنا بالخروج من مصر باسم العرس، وقيل: كانوا ~~استعاروها لعيد كان لهم ثم لم يردوها إليهم عند الخروج مخافة أن يقفوا ~~على أمرهم، وقيل: هي ما ألقاه البحر على الساحل بعد إغراقهم فأخذوها، ~~ولعل تسميتهم لها أوزارا لأنها تبعات وآثام حيث لم تكن الغنائم تحل ~~حينئذ { فقذفناها } أي في النار رجاء للخلاص عن ذنبها { ~~فكذلك } أي فمثل ذلك القذف { ألقى السامرى } أي ما كان ~~معه منها وقد كان أراهم أنه أيضا يلقي ما كان معه من الحلي فقالوا ما ~~قالوا على زعمهم، وإنما كان الذي ألقاه التربة التي أخدها من أثر ~~الرسول كما سيأتي، روي أنه قال لهم: إنما تأخر موسى عنكم لما معكم من ~~الأوزار فالرأي أن نحفر حفيرة ونسجر فيها نارا ونقذف فيها ms2172 كل ما ~~معنا ففعلوا. ### || [20.88-90] # { فأخرج } أي السامري { لهم } للقائلين { عجلا } من تلك ~~الحلي المذابة، وتأخيره مع كونه مفعولا صريحا عن الجار والمجرور ~~لما مر مرارا من الاعتناء بالمقدم والتشويق إلى المؤخر مع ما فيه من ~~نوع طول يخل تقديمه بتجاوب أطراف النظم الكريم فإن قوله تعالى { ~~جسدا } أي جثة ذا دم ولحم، أو جسدا من ذهب لا روح له بدل منه ~~وقوله تعالى: { له خوار } أي صوت عجل، نعت له { فقالوا } أي ~~السامري ومن افتتن به أول ما رآه { هذا إلهكم وإله ~~موسى فنسى } أي غفل عنه وذهب يطلبه في الطور، وهذا حكاية ~~لنتيجة فتنة السامري فعلا وقولا من جهته تعالى قصدا إلى زيادة ~~تقريرها، ثم ترتيب الإنكار عليها لا من جهة القائلين وإلا لقيل: فأخرج ~~لنا، والحمل على أن عدولهم إلى ضمير الغيبة لبيان أن الإخراج والقول ~~المذكورين للكل لا للعبدة فقط خلاف الظاهر مع أنه مخل باعتذارهم، ~~فإن مخالفة بعضهم للسامري وعدم افتتانهم بتسويله مع كون الإخراج ~~والخطاب لهم مما يهون مخالفته للمعتذرين، فافتتانهم بعد ذلك أعظم ~~جناية وأكثر شناعة. وأما ما قيل من أن المعتذرين هم الذين لم يعبدوا ~~العجل وأن نسبة الإخلاف فيما بيننا بأمر كنا نملكه، بل تمكنت الشبهة ~~في قلوب العبدة حيث فعل السامري ما فعل فأخرج لهم ما أخرج وقال ما ~~قال، فلم نقدر على صرفهم عن ذلك ولم نفارقهم مخافة ازدياد الفتنة ~~فيقضي بفساده سباق النظم الكريم وسياقه وقوله تعالى: # { أفلا يرون } الخ، إنكار وتقبيح من جهته تعالى لحال الضالين ~~والمضلين جميعا وتسفيه لهم فيما أقدموا عليه من المنكر الذي لا ~~يشتبه بطلانه واستحالته على أحد وهو اتخاذه إلها، والفاء للعطف على ~~مقدر يقتضيه المقام، أي ألا يتفكرون فلا يعلمون { أن لا يرجع ~~إليهم قولا } أي أنه لا يرجع إليهم كلاما ولا يرد عليهم ~~جوابا، فكيف يتوهمون أنه إله؟ وقرىء يرجع بالنصب، قالوا: فالرؤية ~~حينئذ بصرية فإن أن الناصبة لا تقع بعد أفعال اليقين أي ألا ينظرون ~~فلا يبصرون عدم رجعه ms2173 إليهم قولا من الأقوال، وتعليق الإبصار بما ~~ذكر مع كونه أمرا عدميا للتنبيه على كمال ظهوره المستدعي لمزيد ~~تشنيعهم وتركيك عقولهم، وقوله تعالى: { ولا يملك لهم ضرا ~~ولا نفعا } عطف على لا يرجع داخل معه في حيز الرؤية، أي أفلا يرون ~~أنه لا يقدر على أن يدفع عنهم ضرا أو يجلب لهم نفعا، أو لا يقدر ~~على أن يضرهم إن لم يعبدوه أو ينفعهم إن عبدوه { ولقد قال ~~لهم هرون من قبل } جملة قسمية مؤكدة لما قبلها من الإنكار ~~والتشنيع ببيان عتوهم واستعصائهم على الرسول إثر بيان مكابرتهم ~~لقضية العقول، أي وبالله لقد نصح لهم هارون ونبههم على كنه الأمر من ~~قبل رجوع موسى عليه الصلاة والسلام إليهم وخطابه إياهم بما ذكر من ~~المقالات، وقيل: من قبل قول السامري كأنه عليه السلام أو وما أبصره حين ~~طلع من الحفيرة توهم منهم الافتتان به فسارع إلى تحذيرهم وقال لهم: { ~~يقوم إنما فتنتم به } أي أوقعتم في الفتنة بالعجل أو ~~أضللتم به على توجيه القصر المستفاد من كلمة إنما إلى نفس الفعل ~~بالقياس إلى مقابله الذي يدعيه القوم، لا إلى قيده المذكور بالقياس ~~إلى قيد آخر على معنى إنما فعل بكم للفتنة لا الإرشاد إلى الحق، لا ~~على معنى إنما فتنتم بالعجل لا بغيره وقوله تعالى: { وإن ربكم ~~الرحمن } بكسر إن عطفا على إنما، إرشاد لهم إلى الحق إثر زجرهم ~~عن الباطل، والتعرض لعنوان الربوبية والرحمة للاعتناء باستمالتهم إلى ~~الحق كما أن التعرض لوصف العجل للاهتمام بالزجر عن الباطل، أي إن ربكم ~~المستحق للعبادة هو الرحمن لا غير، والفاء في قوله تعالى: { ~~فاتبعونى } لترتيب ما بعدها على ما قبلها من مضمون الجملتين، أي ~~إذا كان الأمر كذلك فاتبعوني في الثبات على الدين { وأطيعوا ~~أمرى } هذا واتركوا عبادة ما عرفتم شأنه. ### || [20.91-93] # { قالوا } في جواب هارون عليه الصلاة والسلام { لن نبرح ~~عليه } على العجل وعبادته { عكفين } مقيمين { حتى يرجع ~~إلينا موسى } جعلوا رجوعه عليه السلام إليهم غاية لعكوفهم على ~~عبادة العجل لكن لا ms2174 على طريق الوعد بتركها عند رجوعه عليه السلام بل ~~بطريق التعلل والتسويف، وقد دسوا تحت ذلك أنه عليه السلام لا يرجع بشيء ~~مبين تعويلا على مقالة السامري. روي أنهم لما قالوه اعتزلهم هارون ~~عليه السلام في اثني عشر ألفا وهم الذين لم يعبدوا العجل، فلما رجع موسى ~~عليه السلام وسمع الصياح وكانوا يرقصون حول العجل قال للسبعين الذين ~~كانوا معه: هذا صوت الفتنة فقال لهم ما قال وسمع منهم ما قالوا. # وقوله تعالى: { قال } استئناف مبني على سؤال نشأ من حكاية جوابهم ~~لهارون عليه السلام، كأنه قيل: فماذا قال موسى لهارون عليهما السلام حين ~~سمع جوابهم له؟ وهل رضي بسكوته بعد ما شاهد منهم ما شاهد؟ فقيل: قال له ~~وهو مغتاظ قد أخذ بلحيته ورأسه: { قال يهرون ما منعك إذ ~~رأيتهم ضلوا } بعبادة العجل وبلغوا من المكابرة إلى أن شافهوك ~~بتلك المقالة الشنعاء { أن لا تتبعن } أي أن تتبعني، على أن لا ~~مزيدة وهو مفعول ثان لمنع وهو عامل في إذ، أي أي شيء منعك حين ~~رؤيتك لضلالهم من أن لا تتبعني في الغضب لله تعالى والمقاتلة مع من كفر ~~به، وقيل: المعنى ما حملك على أن تتبعني، فإن المنع عن الشيء مستلزم ~~للحمل على مقابله، وقيل: ما منعك أن تلحقني وتخبرني بضلالهم فتكون ~~مفارقتك مزجرة لهم، وفيه أن نصائح هارون عليه السلام حيث لم ~~تزجرهم عما كانوا عليه فلأن لا تزجرهم مفارقته إياهم عنه أولى، ~~والاعتذار بأنهم إذا علموا أنه يلحقه ويخبره بالقصة يخافون رجوع موسى ~~عليه السلام فينزجروا عن ذلك بمعزل من حيز القبول، كيف لا وهم قد صرحوا ~~بأنهم عاكفون عليه إلى رجوعه عليه السلام { أفعصيت أمرى } أي ~~بالصلابة في الدين والمحاماة عليه فإن قوله له عليهما السلام: اخلفني ~~متضمن للأمر بهما حتما، فإن الخلافة لا تتحقق إلا بمباشرة الخليفة ما ~~كان يباشره المستخلف لو كان حاضرا، والهمزة للإنكار التوبيخي والفاء ~~للعطف على مقدر يقتضيه المقام، أي ألم تتبعني أو خالفتني فعصيت أمري. ### || [20.94-97] # { قال ياابن أم ms2175 } خص الأم بالإضافة استعظاما لحقها ~~وترقيقا لقلبه لا لما قيل من أنه كان أخاه لأم فإن الجمهور على أنهما ~~كان شقيقين { لا تأخذ بلحيتى ولا برأسى } أي ولا بشعر ~~رأسي، روي أنه عليه السلام أخذ شعر رأسه بيمينه ولحيته بشماله من شدة ~~غيظه وفرط غضبه لله، وكان عليه السلام حديدا متصلبا في كل شيء فلم ~~يتمالك حين رآهم يعبدون العجل ففعل ما فعل وقوله تعالى: { إنى ~~خشيت } الخ، استئناف سيق لتعليل موجب النهي ببيان الداعي إلى ترك ~~المقاتلة وتحقيق أنه غير عاص لأمره بل ممتثل به، أي إني خشيت لو ~~قاتلت بعضهم ببعض وتفانوا وتفرقوا { أن تقول فرقت بين ~~بنى إسرءيل } برأيك مع كونهم أبناء واحد كما ينبىء عنه ذكرهم ~~بذلك العنوان دون القوم ونحوه، وأراد عليه السلام بالتفريق ما يستتبعه ~~القتال من التفريق الذي لا يرجى بعده الاجتماع { ولم ترقب ~~قولى } يريد به قوله عليه السلام: اخلفني في قومي وأصلح الخ، يعني ~~إني رأيت أن الإصلاح في حفظ الدهماء والمداراة معهم إلى أن ترجع ~~إليهم فلذلك استأنيتك لتكون أنت المتدارك للأمر حسبما رأيت لا سيما ~~وقد كانوا في غاية القوة ونحن على القلة والضعف كما يعرب عنه قوله ~~تعالى: # إن القوم استضعفونى وكادوا يقتلوننى # [الأعراف: 150]. # { قال } استئناف وقع جوابا عما نشأ من حكاية ما سلف من اعتذار القوم ~~بإسناد الفساد إلى السامري واعتذار هارون عليه السلام، كأنه قيل: ~~فماذا صنع موسى عليه السلام بعد سماع ما حكي من الاعتذارين واستقرار ~~الفتنة على السامري؟ فقيل: قال موبخا له: هذا شأنهم { فما خطبك ~~يسمري } أي ما شأنك وما مطلوبك مما فعلت، خاطبه عليه السلام ~~بذلك ليظهر للناس بطلان كيده باعترافه ويفعل به وبما صنعه من العقاب ~~ما يكون نكالا للمفتونين به ولمن خلفهم من الأمم. # { قال } أي السامري مجيبا له عليه السلام: { بصرت بما لم ~~يبصروا به } بضم الصاد فيهما، وقرىء بكسرها فى الأول وفتحها في ~~الثاني، وقرىء بالتاء على الوجهين على خطاب موسى عليه السلام وقومه، أي ~~علمت ما لم ms2176 يعلمه القوم وفطنت لما لم يفطنوا له أو رأيت ما لم يروه، ~~وهو الأنسب بما سيأتي من قوله: { وكذلك سولت لي نفسي } لا ~~سيما على القراءة بالخطاب فإن إدعاء علم ما لم يعلمه موسى عليه السلام ~~جرأة عظيمة لا تليق بشأنه ولا بمقامه بخلاف إدعاء رؤية ما لم يره ~~عليه السلام فإنها مما يقع بحسب ما يتفق، وقد كان رأى أن جبريل عليه ~~السلام جاء راكب فرس وكان كلما رفع الفرس يديه أو رجليه على الطريق ~~اليبس يخرج من تحته النبات في الحال، فعرف أن له شأنا فأخذ من موطئه ~~حفنة وذلك قوله تعالى: { فقبضت قبضة من أثر الرسول } ~~وقرىء من أثر فرس الرسول أي من تربة موطيء فرس الملك الذي أرسل ~~إليك ليذهب بك إلى الطور، ولعل ذكره بعنوان الرسالة للإشعار بوقوفه على ~~ما لم يقف عليه القوم من الأسرار الإلهية تأكيدا لما صدر به ~~مقالته والتنبيه على وقت أخذ ما أخذه، والقبضة المرة من القبض ~~أطلقت على المقبوض مرة، وقرىء بضم القاف وهو اسم المقبوض كالغرفة ~~والمضغة، وقرىء فقبصت قبصة بالصاد المهملة والأول للأخذ بجميع الكف ~~والثاني بأطراف الأصابع، ونحوهما الخضم والقضم { فنبذتها } أي ~~في الحلي المذابة فكان ما كان { وكذلك سولت لى نفسى } ~~أي ما فعلته من القبض والنبذ فقوله تعالى: { ذلك } إشارة إلى مصدر ~~الفعل المذكور بعده، ومحل كذلك في الأصل النصب على أنه مصدر ~~تشبيهي أي نعت لمصدر محذوف والتقدير سولت لي نفسي تسويلا كائنا ~~مثل ذلك التسويل فقدم على الفعل لإفادة القصر واعتبرت الكاف ~~مقحمة لإفادة تأكيد ما أفاده اسم الإشارة من الفخامة فصار نفس ~~المصدر المؤكد لا نعتا له، أي ذلك التزيين البديع زينت لي نفسي ما ~~فعلته، لا تزيينا أدنى منه ولذلك فعلته وحاصل جوابه أن ما فعله إنما ~~صدر عنه بمحضر اتباع هوى النفس الأمارة بالسوء وإغوائها لا بشيء آخر ~~من البرهان العقلي أو الإلهام الإلهي. # فعند ذلك { قال } عليه السلام { فاذهب } أي من بين الناس وقوله ~~تعالى: { فإن لك في ms2177 الحياة } الخ، تعليل لموجب الأمر و(في) ~~متعلقة بالاستقرار في لك أي ثابت لك في الحياة أو بمحذوف وقع حالا من ~~الكاف والعامل معنى الاستقرار في الظرف المذكور لاعتماده على ما هو ~~مبتدأ معنى لا بقوله تعالى: { أن تقول لا مساس } لمكان، أي إن ~~قولك: لا مساس ثابت لك كائنا في الحياة أي مدة حياتك أن تفارقهم ~~مفارقة كلية، لكن لا بحسب الاختيار بموجب التكليف بل بحسب الاضطرار ~~الملجىء إليها، وذلك أنه تعالى رماه بداء عقام لا يكاد يمس أحدا ~~أو يمسه أحد كائنا من كان إلا حم من ساعته حمى شديدة، فتحامى ~~الناس وتحاموه وكان يصيح بأقصى طوقه: لا مساس وحرم عليهم ملاقاته ~~ومواجهته ومكالمته ومبايعته وغيرها مما يعتاد جريانه فيما بين ~~الناس من المعاملات، وصار بين الناس أوحش من القاتل اللاجىء إلى ~~الحرم ومن الوحش النافر في البرية، ويقال: إن قومه باق فيهم تلك ~~الحالة إلى اليوم، وقرىء لا مساس كفجار وهو علم للمسة، ولعل ~~السر في مقابلة جنايته بتلك العقوبة خاصة ما بينهما من مناسبة ~~التضاد فإنه لما أنشأ الفتنة بما كانت ملابسته سببا لحياة الموات ~~عوقب بما يضاده حيث جعلت ملابسته سببا للحمى التي هي من أسباب ~~موت الأحياء { وإن لك موعدا } أي في الآخرة { لن تخلفه ~~} أي لن يخلفك الله ذلك الوعد بل ينجزه لك البتة بعد ما عاقبك في ~~الدنيا، وقرىء بكسر اللام والأظهر أنه من أخلفت الموعد أي وجدته ~~خلفا، وقرىء بالنون على حكاية قوله عز وجل: { وانظر إلى ~~إلهك الذى ظلت عليه عاكفا } أي ظللت مقيما على ~~عبادته فحذفت اللام الأولى تخفيفا، وقرىء بكسر الظاء بنقل حركة ~~اللام إليها { لنحرقنه } جواب قسم محذوف أي بالنار ويؤيده ~~قراءة لنحرقنه من الإحراق، وقيل: بالمبرد على أنه مبالغة في حرق ~~إذا برد بالمبرد ويعضده قراءة لنحرقنه { ثم لننسفنه } أي ~~لنذرينه، وقرىء بضم السين { في اليم } رمادا أو مبردا كأنه ~~هباء { نسفا } بحيث لا يبقى منه عين ولا أثر ولقد فعل عليه السلام ~~ذلك كله حينئذ كما ms2178 يشهد به الأمر بالنظر، وإنما لم يصرح به تنبيها ~~على كمال ظهوره واستحالة الخلف في وعده المؤكد باليمين. ### || [20.98-99] # { إنما إلهكم الله } استئناف مسوق لتحقيق الحق إثر ~~إبطال الباطل بتلوين الخطاب وتوجيهه إلى الكل، أي إنما معبودكم ~~المستحق للعبادة الله { الذى لا إله } في الوجود لشيء من ~~الأشياء { إلا هو } وحده من غير أن يشاركه شيء من الأشياء بوجه من ~~الوجوه التي من جملتها أحكام الألوهية، وقرىء الله لا إله إلا هو ~~الرحمن رب العرش وقوله تعالى: { وسع كل شىء علما } أي وسع ~~علمه كل ما من شأنه أن يعلم بدل من الصلة، كأنه قيل: إنما إلهكم ~~الله الذي وسع كل شيء علما لا غيره كائنا ما كان فيدخل فيه ~~العجل دخولا أوليا، وقرىء وسع بالتشديد فيكون انتصاب علما على ~~المفعولية لأنه على القراءة الأولى فاعل حقيقة، وبنقل الفعل إلى ~~التعدية إلى المفعولين صار الفاعل مفعولا أولا، كأنه قيل: وسع علمه ~~كل شيء وبه تم حديث موسى عليه السلام المذكور لتقرير أمر التوحيد ~~حسبما نطقت به خاتمته. # وقوله تعالى: { كذلك نقص عليك } كلام مستأنف خوطب به ~~النبي عليه السلام بطريق الوعد الجميل بتنزيل أمثال ما مر من أنباء ~~الأمم السالفة، وذلك إشارة إلى اقتصاص حديث موسى عليه السلام، وما فيه ~~من معنى البعد للإيذان بعلو رتبته وبعد منزلته في الفضل، ومحل ~~الكاف النصب على أنه نعت لمصدر مقدر أي نقص عليك { من أنباء ما ~~قد سبق } من الحوادث الماضية الجارية على الأمم الخالية قصا ~~مثل ذلك القص المار، والتقديم للقصر المفيد لزيادة التعيين، ومن ~~في قوله تعالى: { من أنباء } في حيز النصب إما على أنه مفعول نقص ~~باعتبار مضمر فيه وإما على أنه متعلق بمحذوف هو صفة للمفعول كما في ~~قوله تعالى: # ومنا دون ذلك # [الجن: 11] أي جمع دون ذلك، والمعنى نقص عليك بعض أنباء ما قد سبق ~~أو بعضا كائنا من أنباء ما قد سبق، وقد مر تحقيقه في تفسير قوله تعالى: # ومن الناس من يقول # [البقرة: 8] الخ، وتأخيره ms2179 عن عليك لما مر مرارا الاعتناء بالمقدم ~~والتشويق إلى المؤخر أي مثل ذلك القص البديع الذي سمعته نقص عليك ~~ما ذكر من الأنباء لا قصا ناقصا عنه تبصرة لك وتوقيرا لعلمك ~~وتكثيرا لمعجزاتك وتذكيرا للمستبصرين من أمتك. # { وقد اتينك من لدنا ذكرا } أي كتابا منطويا على ~~الأقاصيص والأخبار حقيقا بالتفكير والاعتبار، وكلمة من متعلقة ~~بآتيناك وتنكير ذكرا للتفخيم وتأخيره عن الجار والمجرور لما أن ~~مرجع الإفادة في الجملة كون المؤتى من لدنه تعالى ذكرا عظيما ~~وقرآنا كريما جامعا لكل كمال، لا كون ذلك الذي مر مؤتى من لدنه عز ~~وجل مع ما فيه من نوع طول بما بعده من الصفة، فتقديمه يذهب برونق ~~النظم الكريم. ### || [20.100-103] # { من أعرض عنه } عن ذلك الذكر العظيم الشأن المستتبع ~~لسعادة الدارين، وقيل: عن الله عز وجل، ومن إما شرطية أو موصولة ~~وأيا ما كانت فالجملة صفة لذكرا { فإنه } أي المعرض عنه { ~~يحمل يوم القيمة وزرا } أي عقوبة ثقيلة فادحة على ~~كفره وسائر ذنوبه، وتسميتها وزرا إما لتشبيهها في ثقلها على ~~المعاقب وصعوبة احتمالها بالحمل الذي يفدح الحامل وينقض ظهره، ~~أو لأنها جزاء الوزر وهو الإثم والأول هو الأنسب بما سيأتي من ~~تسميتها حملا وقوله تعالى: { خلدين فيه } أي في الوزر أو في ~~احتماله المستمر، حال من المستكن في يحمل والجمع بالنظر إلى معنى ~~من لما أن الخلود في النار مما يتحقق حال اجتماع أهلها كما أن ~~الإفراد فيما سبق من الضمائر الثلاثة بالنظر إلى لفظها { وساء لهم ~~يوم القيمة حملا } أي بئس لهم ففيه ضمير مبهم يفسره ~~حملا والمخصوص بالذم محذوف، أي ساء حملا وزرهم واللام للبيان ~~كما في هيت لك كأنه لما قيل: ساء، قيل: لمن يقال هذا؟ فأجيب: لهم، ~~وإعادة يوم القيامة لزيادة التقرير وتهويل الأمر. # { يوم ينفخ فى الصور } بدل من يوم القيامة أو منصوب بإضمار ~~اذكر أو ظرف لمضمر قد حذف للإيذان بضيق العبارة عن حصره وبيانه ~~حسبما مر في تفسير قوله تعالى: # يوم يجمع الله الرسل # [المائدة: 109] وقوله تعالى: ms2180 # يوم نحشر المتقين إلى الرحمن وفدا # [مريم: 85] وقرىء ننفخ بالنون على إسناد النفخ إلى الآمر به تعظيما ~~له، وبالياء المفتوحة على أن ضميره لله عز وجل أو لإسرافيل عليه السلام ~~وإن لم يجر ذكره لشهرته { ونحشر المجرمين يومئذ } أي ~~يوم إذ ينفخ في الصور، وذكره صريحا مع تعين أن الحشر لا يكون إلا ~~يومئذ للتهويل، وقرىء ويحشر المجرمون { زرقا } أي حال كونهم زرق ~~العيون وإنما جعلوا كذلك لأن الزرقة أسوأ ألوان العين وأبغضها إلى ~~العرب فإن الروم الذين كانوا أعدى عدوهم زرق، ولذلك قالوا في صفة ~~العدو: أسود الكبد وأصهب السبال وأزرق العين، أو عميا لأن حدقة ~~الأعمى تزرق. # وقوله تعالى: { يتخفتون بينهم } أي يخفضون أصواتهم ~~ويخفونها لما يملأ صدورهم من الرعب والهول، استئناف ببيان ما يأتون ~~وما يذرون حينئذ، أو حال أخرى من المجرمين أي يقول بعضهم لبعض بطريق ~~المخافتة: { إن لبثتم } أي ما لبثتم في الدنيا { إلا عشرا } ~~أي عشر ليال استقصارا لمدة لبثهم فيها لزوالها أو لاستطالتهم مدة ~~الآخرة لتأسفهم عليها لما عاينوا الشدائد وأيقنوا أنهم استحقوها على ~~إضاعتها في قضاء الأوطار واتباع الشهوات، أو في القبر وهو الأنسب ~~بحالهم فإنهم حين يشاهدون البعث الذي كانوا ينكرونه في الدنيا ~~ويعدونه من قبيل المحالات لا يتمالكون من أن يقولوا ذلك اعترافا به ~~وتحقيقا لسرعة وقوعه، كأنهم قالوا: قد بعثتم وما لبثتم في القبر إلا ~~مدة يسيرة، وإلا فحالهم أفظع من أن تمكنهم من الاشتغال بتذكر أيام ~~النعمة والسرور واستقصارها والتأسف عليها. ### || [20.104-108] # { نحن أعلم بما يقولون } وهو مدة لبثهم { إذ يقول ~~أمثلهم طريقة } أي أعدلهم رأيا أو عملا { إن لبثتم ~~إلا يوما } ونسبة هذا القول إلى أمثلهم استرجاح منه تعالى له ~~لكن لا لكونه أقرب إلى الصدق بل لكونه أدل على شدة الهول. # { ويسئلونك عن الجبال } أي عن مآل أمرها وقد سأل عنه رجل ~~من ثقيف، وقيل: مشركو مكة على طريق الاستهزاء { فقل ينسفها ربى ~~نسفا } أي يجعلها كالرمل ثم يرسل عليها الرياح فتفرقها والفاء ~~للمسارعة إلى إلزام ms2181 السائلين { فيذرها } الضمير إما للجبال باعتبار ~~أجزائها السافلة الباقية بعد النسف وهي مقارها ومراكزها، أي فيذر ~~ما انبسط منها وساوى سطحه سطوح سائر أجزاء الأرض بعد نسف ما نتأ ~~منها ونشز، وإما للأرض المدلول عليها بقرينة الحال لأنها الباقية بعد ~~نسف الجبال، وعلى التقديرين يذر الكل { قاعا صفصفا } لأن ~~الجبال إذا سويت وجعل سطحها مساويا لسطوح سائر أجزاء الأرض فقد ~~جعل الكل سطحا واحدا، والقاع قيل: السهل، وقيل: المنكشف من ~~الأرض، وقيل: المستوى الصلب منها، وقيل: ما لا نبات فيه ولا بناء، ~~والصفصف الأرض المستوية الملساء كأن أجزاءه صف واحد من كل جهة، ~~وانتصاب قاعا على الحالية من الضمير المنصوب أو هو مفعول ثان ليذر ~~على تضمين معنى التصيير وصفصفا إما حال ثانية أو بدل من المفعول ~~الثاني وقوله تعالى: { لا ترى فيها } أي في مقار الجبال أو في ~~الأرض على ما مر من التفصيل { عوجا } بكسر العين أي اعوجاجا ما، كأنه ~~لغاية خفائه من قبيل ما في المعاني أي لا تدركه إن تأملت بالمقاييس ~~الهندسية { ولا أمتا } أي نتوءا يسيرا استئناف مبين لكيفية ما ~~سبق من القاع الصفصف أو حال أخرى أو صفة لقاعا، والخطاب لكل أحد ~~ممن تتأتى منه الرؤية، وتقديم الجار والمجرور على المفعول الصريح لما ~~مر مرارا من الاهتمام بالمقدم والتشويق إلى المؤخر مع ما فيه من طول ~~ربما يخل تقديمه بتجاوب أطراف النظم الكريم { يومئذ } أي يوم ~~إذ نسفت الجبال على إضافة اليوم إلى وقت النسف وهو ظرف لقوله ~~تعالى: { يتبعون الداعى } وقيل: بدل من يوم القيامة وليس ~~بذاك أي يتبع الناس داعي الله عز وجل إلى المحشر وهو إسرافيل عليه ~~السلام يدعو الناس عند النفخة الثانية قائما على صخرة بيت المقدس، ~~ويقول: أيتها العظام النخرة والأوصال المتفرقة واللحوم المتمزقة ~~قومي إلى عرض الرحمن، فيقبلون من كل أوب إلى صوبه { لا عوج ~~له } لا يعوج له مدعو ولا يعدل عنه. # { وخشعت الأصوات للرحمن } أي خضعت لهيبته { فلا ~~تسمع إلا همسا } أي صوتا خفيا ومنه الهميس ms2182 لصوت أخفاف ~~الإبل، وقد فسر الهمس بخفق أقدامهم ونقلها إلى المحشر. ### || [20.109-112] # { يومئذ } أي يوم إذ يقع ما ذكر من الأمور الهائلة { لا ~~تنفع الشفاعة } من الشفعاء أحدا { إلا من أذن له ~~الرحمن } أن يشفع له { ورضى له قولا } أي ورضي لأجله ~~قول الشافع في شأنه أو رضي قوله لأجله وفي شأنه، وأما من عداه فلا تكاد ~~تنفعه وإن فرض صدورها عن الشفعاء المتصدين للشفاعة للناس كقوله ~~تعالى: # فما تنفعهم شفعة الشفعين # [المدثر: 48] فالاستثناء كما ترى من أعم المفاعيل، وأما كونه استثناء ~~من الشفاعة على معنى لا تنفع الشفاعة إلا شفاعة من أذن له الرحمن أن ~~يشفع لغيره كما جوزوه، فلا سبيل إليه لما أن حكم الشفاعة ممن لم ~~يؤذن له أن يملكها ولا تصدر هي عنه أصلا كما في قوله تعالى: # لا يملكون الشفعة إلا من اتخذ عند ~~الرحمن عهدا # [مريم: 87] وقوله تعالى: # ولا يشفعون إلا لمن ارتضى # [الأنبياء: 28] فالإخبار عنها بمجرد عدم نفعها للمشفوع له ربما يوهم ~~إمكان صدورها عمن لم يؤذن له مع إخلاله بمقتضى مقام تهويل اليوم، ~~وأما قوله تعالى: # ولا يقبل منها شفعة # [البقرة: 48] فمعناه عدم الإذن في الشفاعة لا عدم قبولها بعد وقوعها ~~{ يعلم ما بين أيديهم } أي ما تقدمهم من الأحوال، وقيل: من ~~أمر الدنيا { وما خلفهم } وما بعدهم مما يستقبلونه، وقيل: من أمر ~~الآخرة { ولا يحيطون به علما } أي لا تحيط علومهم بمعلوماته ~~تعالى، وقيل: بذاته أي من حيث اتصافه بصفات الكمال التي من جملتها ~~العلم الشامل، وقيل: الضمير لأحد الموصولين أو لمجموعهما فإنهم لا ~~يعلمون جميع ذلك ولا تفصيل ما علموا منه. # { وعنت الوجوه للحى القيوم } أي ذلت وخضعت خضوع ~~العناة أي الأسارى في يد الملك القهار ولعلها وجوه المجرمين كقوله ~~تعالى: # سيئت وجوه الذين كفروا # [الملك: 27] ويؤيده قوله تعالى: { وقد خاب من حمل ظلما } ~~قال ابن عباس رضي الله عنهما: خسر من أشرك بالله ولم يتب، وهو استئناف ~~لبيان ما لأجله عنت وجوههم، أو اعتراض، كأنه قيل: خابوا وخسروا، ~~وقيل: ms2183 حال من الوجوه ومن عبارة عنها مغنية عن ضميرها، وقيل: الوجوه ~~على العموم فالمعنى حينئذ وقد خاب من حمل ظلما فقوله تعالى: { ومن ~~يعمل من الصلحت } الخ، قسيم لقوله: { وقد خاب من ~~حمل ظلما } لا لقوله تعالى: { وعنت الوجوه } الخ، كما أنه ~~كذلك على الوجه الأول أي ومن يعمل بعض الصالحات أو بعضا من الصالحات ~~على أحد الوجهين المذكورين في تفسير قوله تعالى: { من أنباء ما ~~قد سبق } { وهو مؤمن } فإن الإيمان شرط في صحة الطاعات ~~وقبول الحسنات { فلا يخاف ظلما } أي منع ثواب مستحق بموجب ~~الوعد { ولا هضما } ولا كسرا منه ينقص، أو لا يخاف جزاء ظلم ~~وهضم إذ لم يصدر عنه ظلم ولا هضم حتى يخافهما، وقرىء فلا يخف على ~~النهي. ### || [20.113-115] # { وكذلك } عطف على { كذلك نقص } وذلك إشارة إلى إنزال ما ~~سبق من الآيات المتضمنة للوعيد المنبئة عما سيقع من أحوال القيامة ~~وأهوالها أي مثل ذلك الإنزال { أنزلنه } أي القرآن كله، ~~وإضماره من غير سبق ذكره للإيذان بنباهة شأنه وكونه مركوزا في ~~العقول حاضرا في الأذهان { قرءانا عربيا } ليفهمه العرب ويقفوا ~~على ما فيه من النظم المعجز الدال على كونه خارجا عن طوق البشر ~~نازلا من عند خلاق القوى والقدر { وصرفنا فيه من الوعيد ~~} أي كررنا فيه بعض الوعيد أو بعضا من الوعيد حسبما أشير إليه آنفا { ~~لعلهم يتقون } أي كي يتقوا الكفر والمعاصي بالفعل { أو ~~يحدث لهم ذكرا } اتعاظا واعتبارا مؤديا بالآخرة إلى ~~الاتقاء. # { فتعلى الله } استعظام له تعالى ولشؤونه التي يصرف عليها ~~عباده من الأوامر والنواهي والوعد والوعيد وغير ذلك، أي ارتفع بذاته ~~وتنزه عن مماثلة المخلوقين في ذاته وصفاته وأفعاله وأحواله { ~~الملك } النافذ أمره الحقيقي بأن يرجى وعده ويخشى وعيده { ~~الحق } في ملكوته وألوهيته لذاته، أو الثابت في ذاته وصفاته { ولا ~~تعجل بالقرءان من قبل أن يقضى إليك } أي يتم { ~~وحيه } كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا ألقى إليه عليه ~~السلام الوحي يتبعه عند لفظ كل حرف وكل كلمة لكمال اعتنائه بالتلقي ms2184 ~~والحفظ فنهي عن ذلك إثر ذكر الإنزال بطريق الاستطراد لما أن ~~استقرار الألفاظ في الأذهان تابع لاستقرار معانيها فيها، وربما يشغل ~~التلفظ بكلمة عن سماع ما بعدها، وأمر باستفاضة العلم واستزادته منه ~~تعالى فقيل: # { وقل } أي في نفسك { رب زدنى علما } أي سل الله عز وجل ~~زيادة العلم فإنه الموصل إلى طلبتك دون الاستعجال، وقيل: إنه نهي ~~عن تبليغ ما كان مجملا قبل أن يأتي بيانه وليس بذاك، فإن تبليغ ~~المجمل وتلاوته قبل البيان مما لا ريب في صحته ومشروعيته. # { ولقد عهدنا إلى ءادم } كلام مستأنف مسوق لتقرير ما ~~سبق من تصريف الوعيد في القرآن وبيان أن أساس بني آدم على العصيان، ~~وعرقه راسخ في النسيان مع ما فيه من إنجاز الموعود في قوله تعالى: # كذلك نقص عليك من أنباء ما قد سبق # [طه: 99] يقال: عهد إليه الملك وعزم عليه وأوعز إليه وتقدم إليه ~~إذا أمره ووصاه، والمعهود محذوف يدل عليه ما بعده واللام جواب قسم ~~محذوف أي وأقسم أو وبالله أو وتالله لقد أمرناه ووصيناه { من قبل ~~} أي من قبل هذا الزمان { فنسى } أي العهد ولم يعتن به حتى غفل ~~عنه أو تركه ترك المنسي عنه، وقرىء فنسي أي نساه الشيطان { ~~ولم نجد له عزما } تصميم رأي وثبات قدم في الأمور إذ لو ~~كان كذلك لما أزله الشيطان ولما استطاع أن يغره وقد كان ذلك منه عليه ~~السلام في بدء أمره من قبل أن يجرب الأمور ويتولى حارها وقارها ~~ويذوق شريها وأريها. # عن النبي عليه الصلاة والسلام: # " لو وزنت أحلام بني آدم بحلم آدم لرجح حلمه وقد قال الله ~~تعالى: { ولم نجد له عزما } " # وقيل: عزما على الذنب فإنه أخطأ ولم يتعمد وقوله تعالى: { ولم ~~نجد } إن كان من الوجود العلمي فله عزما مفعولاه قدم الثاني على ~~الأول لكونه ظرفا، وإن كان من الوجود المقابل للعدم وهو الأنسب لأن ~~مصب الفائدة هو المفعول وليس في الإخبار بكون العزم المعدوم له ~~مزيد مزية فله متعلق به قدم على مفعوله لما ms2185 مر مرارا من الاهتمام ~~بالمقدم والتشويق إلى المؤخر، أو بمحذوف هو حال من مفعوله المنكر، ~~كأنه قيل: ولم نصادف له عزما ### || [20.116-119] # قوله تعالى: { وإذ قلنا للملئكة اسجدوا لآدم } ~~شروع في بيان المعهود وكيفية ظهور نسيانه وفقدان عزمه، وإذ ~~منصوب على المفعولية بمضمر خوطب به النبي عليه الصلاة والسلام، أي ~~واذكر وقت قولنا لهم، وتعليق الذكر بالوقت مع أن المقصود تذكير ما ~~وقع فيه من الحوادث لما مر مرارا من المبالغة في إيجاب ذكرها فإن ~~الوقت مشتمل على تفاصيل الأمور الواقعة فيه، فالأمر بذكره أمر بذكر ~~تفاصيل ما وقع فيه بالطريق البرهاني، ولأن الوقت مشتمل على أعيان ~~الحوادث فإذا ذكر صارت الحوادث كأنها موجودة في ذهن المخاطب بوجود ~~ذاتها العينية، أي اذكر ما وقع في ذلك الوقت منا ومنه حتى يتبين ~~نسيانه وفقدان عزمه { فسجدوا إلا إبليس } قد سبق الكلام ~~فيه مرارا { أبى } جملة مستأنفة وقعت جوابا عن سؤال نشأ عن ~~الإخبار بعدم سجوده، كأنه قيل: ما باله لم يسجد؟ فقيل: أبى واستكبر، ~~ومفعول أبى إما محذوف أي أبى السجود كما في قوله تعالى: # أبى أن يكون مع السجدين # [الحجر: 31] أو غير منوي رأسا بتنزيله منزلة اللام أي فعل الإباء ~~وأظهره { فقلنا } عقيب ذلك اعتناء بنصحه { ياءادم إن ~~هذا } الذي رأيت ما فعل { عدو لك ولزوجك فلا ~~يخرجنكما } أي لا يكونن سببا لإخراجكما { من الجنة } ~~والمراد نهيهما عن أن يكونا بحيث يتسبب الشيطان إلى إخراجهما منها ~~بالطريق البرهاني، كما في قولك: لا أرينك ههنا، والفاء لترتيب موجب ~~النهي على عداوته لهما أو على الإخبار بها { فتشقى } جواب للنهي، ~~وإسناد الشقاء إليه خاصة بعد تعليق الإخراج الموجب له بهما معا ~~لأصالته في الأمور واستلزام شقائه لشقائها مع ما فيه من مراعاة ~~الفواصل، وقيل: المراد بالشقاء التعب في تحصيل مبادىء المعاش وذلك من ~~وظائف الرجال. # { إن لك أن لا تجوع فيها ولا تعرى * وأنك لا ~~تظمؤا فيها ولا تضحى } تعليل لما يوجبه النهي فإن اجتماع ~~أسباب الراحة فيها مما يوجب المبالغة في ms2186 الاهتمام بتحصيل مبادىء ~~البقاء فيها، والجد في الانتهاء عما يؤدي إلى الخروج عنها. والعدل ~~عن التصريح بأن له عليه السلام فيها تنعما بفنون النعم من المآكل ~~والمشارب وتمتعا بأصناف الملابس البهية والمساكن المرضية مع أن ~~فيه من الترغيب في البقاء فيها ما لا يخفى إلى ما ذكر من نفي نقائضها ~~التي هي الجوع والعطش والعري والضحي لتذكير تلك الأمور المنكرة، ~~والتنبيه على ما فيها من أنواع الشقوة التي حذره عنها ليبالغ في ~~التحامي عن السبب المؤدي إليها، على أن الترغيب قد حصل بما سوغ له من ~~التمتع بجميع ما فيها سوى ما استثني من الشجرة حسبما نطق به قوله تعالى: # وقلنا ياءادم اسكن أنت وزوجك الجنة وكلا ~~منها رغدا حيث شئتما # [الأعراف: 19] وقد طوي ذكره ههنا اكتفاء بما ذكر في موضع آخر ~~واقتصر على ما ذكر من الترغيب المتضمن للترهيب، ومعنى { أن لا تجوع ~~فيها } الخ، أن لا يصيبه شيء من الأمور الأربعة أصلا فإن الشبع ~~والري والكسوة، ولكن قد تحصل بعد عروض أضدادها بإعواز الطعام ~~والشراب واللباس والمسكن وليس الأمر فيها كذلك، بل كل ما وقع فيها ~~شهوة وميل إلى شيء من الأمور المذكورة تمتع به من غير أن يصل إلى حد ~~الضرورة، ووجه إفراده عليه السلام بما ذكر ما مر آنفا، وفصل الظمأ عن ~~الجوع في الذكر مع تجانسهما وتقارنهما في الذكر عادة وكذا حال ~~العري والضحو المتجانسين، لتوفية مقام الامتنان حقه بالإشارة إلى ~~أن نفي كل واحد من تلك الأمور نعمة على حيالها، ولو جمع بين الجوع ~~والظمأ لربما توهم أن نفيهما نعمة واحدة، وكذا الحال في الجمع بين ~~العري والضحو على منهاج قصة البقرة ولزيادة التقرير بالتنبيه على ~~أن نفي كل واحد من الأمورالمذكورة مقصود بالذات مذكور بالأصالة لا أن ~~نفي بعضها مذكور بطريق الاستطراد والتبعية لنفي بعض آخر كما عسى ~~يتوهم لو جمع بين كل من المتجانسين، وقرىء إنك بالكسر والجمهور على ~~الفتح بالعطف على أن لا تجوع، وصحة وقوع الجملة المصدرة بأن المفتوحة ~~اسما ms2187 للمكسورة المشاركة لها في إفادة التحقيق مع امتناع وقوعها خبرا ~~لها لما أن المحذور اجتماع حرفي التحقيق في مادة واحدة ولا اجتماع ~~فيما نحن فيه لاختلاف مناط التحقيق فيما في حيزهما، بخلاف ما لو وقعت ~~خبرا لها فإن اتحاد المناط حينئذ مما لا ريب فيه بيانه أن كل واحدة ~~من المكسورة والمفتوحة موضوعة لتحقيق مضمون الجملة الخبرية المنعقدة ~~من اسمها وخبرها، ولا يخفى أن مرجع خبريتها ما فيها من الحكم ~~الإيجابي أو السلبي وأن مناط ذلك الحكم خبرها لا اسمها، فمدلول ~~كل منهما تحقيق ثبوت خبرها لاسمها لا ثبوت اسمها في نفسه، فاللازم ~~من وقوع الجملة المصدرة بالفتحة اسما للمكسورة تحقيق ثبوت خبرها ~~لتلك الجملة المؤولة بالمصدر، وأما تحقيق ثبوتها في نفسها فهو مدلول ~~المفتوحة حتما فلم يلزم اجتماع حرفي التحقيق في مادة واحدة قطعا، ~~وإنما لم يجوزوا أن يقال: أن زيدا قائم، حتى مع اختلاف المناط بل ~~شرطوا الفصل بالخبر كقولنا: إن عندي أن زيدا قائم للتجافي عن صورة ~~الاجتماع، والواو العاطفة وإن كانت نائبة عن المكسورة التي يمتنع ~~دخولها على المفتوحة بلا فصل وقائمة مقامها في إفضاء معناها وإجزاء ~~أحكامها على مدخولها، لكنها حيث لم تكن حرفا موضوعا للتحقيق لم يلزم ~~من دخولها على المفتوحة اجتماع حرفي التحقيق أصلا، فالمعنى إن لك عدم ~~الجوع وعدم العري وعدم الظمأ خلا أنه لم يقتصر على بيان أن ~~الثابت له عليه السلام عدم الظمأ والضحو مطلقا كما فعل مثله في ~~المعطوف عليه بل قصد بيان أن الثابت له عليه السلام تحقيق عدمهما ~~فوضع موضع الحرف المصدري المحض إن المفيدة له، كأنه قيل: إن لك ~~فيها عدم ظمئك على التحقيق. ### || [20.120-123] # { فوسوس إليه الشيطن } أي أنهى إليه وسوسته أو أسرها ~~إليه { قال } إما بدل من وسوس أو استئناف وقع جوابا عن سؤال نشأ منه، ~~كأنه قيل: فماذا قال في وسوسته؟ فقيل: قال: { يئادم هل أدلك ~~على شجرة الخلد } أي شجرة من أكل منها خلد ولم يمت ~~أصلا سواء كان عن حاله أو ms2188 بأن يكون ملكا لقوله تعالى: # إلا أن تكونا ملكين أو تكونا من الخلدين # [الأعراف: 20] { وملك لا يبلى } أي لا يزول ولا يختل بوجه من ~~الوجوه. # { فأكلا منها فبدت لهما سوءتهما } قال ابن عباس رضي ~~الله عنهما: عريا عن النور الذي كان الله تعالى ألبسهما حتى بدت ~~فروجهما { وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة } ~~قد مر تفسيرة في سورة الأعراف { وعصى ءادم ربه } بما ذكر من ~~أكل الشجرة { فغوى } ضل عن مطلوبه الذي هو الخلود أو المأمور به أو ~~عن الرشد حيث اغتر بقول العدو، وقرىء فغوي من غوي الفصيل إذا أتخم ~~من اللبن، وفي وصفه عليه السلام بالعصيان والغواية مع صغر زلته تعظيم ~~لها وزجر بليغ لأولاده عن أمثالها. # { ثم اجتبه ربه } أي اصطفاه وقربه إليه بالحمل على التوبة ~~والتوفيق لها، من اجتبى الشيء بمعنى جباه لنفسه أي جمعه، كقوله: ~~اجتمعته أو من جبى إلي كذا فاجتبيته مثل جليت على العروس فأجليتها، ~~وأصل الكلمة الجمع وفي التعرض لعنوان الربوبية مع الإضافة إلى ضميره ~~عليه السلام مزيد تشريف له عليه السلام { فتاب عليه } أي قبل ~~توبته حين تاب هو وزوجته قائلين: # ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا ~~وترحمنا لنكونن من الخسرين # [الأعراف: 23] وإفراده عليه السلام بالاجتباء وقبول التوبة قد مر ~~وجهه { وهدى } أي إلى الثبات على التوبة والتمسك بأسباب العصمة. # { قال } استئناف مبني على سؤال نشأ من الإخبار بأنه تعالى قبل ~~توبته وهداه، كأنه قيل: فماذا أمره تعالى بعد ذلك؟ فقيل: قال له ولزوجته: ~~{ اهبطا منها جميعا } أي انزلا من الجنة إلى الأرض وقوله ~~تعالى: { بعضكم لبعض عدو } حال من ضمير المخاطب في اهبطا ~~والجمع لما أنهما أصل الذرية ومنشأ الأولاد، أي متعادين في أمر ~~المعاش كما عليه الناس من التجاذب والتحارب { فإما ~~يأتينكم منى هدى } من كتاب ورسول { فمن اتبع هداى } ~~وضع الظاهر موضع المضمر مع الإضافة إلى ضميره تعالى لتشريفه ~~والمبالغة في إيجاب اتباعه { فلا يضل } في الدنيا { ولا ~~يشقى } في الآخرة. ### || [20.124-128] # { ومن أعرض عن ذكرى } أي ms2189 عن الهدى الذاكر لي والداعي إلي { ~~فإن له } في الدنيا { معيشة ضنكا } ضيقا، مصدر وصف به ~~ولذلك يستوي فيه المذكر والمؤنث، وقرىء ضنكى كسكرى وذلك لأن مجامع ~~همته ومطامح نظره مقصورة على أعراض الدنيا وهو متهالك على ازديادها ~~وخائف على انتقاصها بخلاف المؤمن الطالب للآخرة، مع أنه قد يضيق الله ~~تعالى بشؤم الكفر ويوسع ببركة الإيمان كما قال تعالى: # وضربت عليهم الذلة والمسكنة # [البقرة: 61] وقال تعالى: # ولو أن أهل القرى ءامنوا واتقوا لفتحنا ~~عليهم بركت من السماء والأرض # [الأعراف: 96] وقال تعالى: { ولو أن أهل الكتب ءامنوا ~~} إلى قوله تعالى: { لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم ~~} وقيل: هو الضريع والزقوم في النار، وقيل: عذاب القبر { ~~ونحشره } وقرىء بسكون الهاء على لفظ الوقف وبالجزم عطفا على محل ~~(فإن له معيشة ضنكا) لأنه جواب الشرط { يوم القيمة أعمى } ~~فاقد البصر كما في قوله تعالى: # ونحشرهم يوم القيمة على وجوههم عميا ~~وبكما وصما # [الإسراء: 97] لا أعمى عن الحجة كما قيل { قال } استئناف كما مر { ~~رب لم حشرتنى أعمى وقد كنت بصيرا } أى في الدنيا، ~~وقرىء أعمى بالإمالة في الموضعين وفي الأول فقط لكونه جديرا بالتغيير ~~لكونه رأس الآية ومحل الوقف. # { قال كذلك } أي مثل ذلك فعلت أنت ثم فسره بقوله تعالى: { ~~أتتك ايتنا } واضحة نيرة بحيث لا تخفى على أحد { ~~فنسيتها } أي عميت عنها وتركتها ترك المنسي الذي لا يذكر ~~أصلا { وكذلك } ومثل ذلك النسيان الذي كنت فعلته في الدنيا { ~~اليوم تنسى } تترك في العمى جزاء وفاقا لكن لا أبدا كما قيل ~~بل إلى ما شاء الله، ثم يزيله عنه فيرى أهوال القيامة ويشاهد مقعده في ~~النار ويكون ذلك له عذابا فوق العذاب، وكذا البكم والصمم يزيلهما ~~الله تعالى عنهم # أسمع بهم وأبصر يوم يأتوننا # [مريم: 38] { وكذلك } أي مثل ذلك الجزاء الموافق للجناية { ~~نجزى من أسرف } بالإنهماك في الشهوات { ولم يؤمن ~~بئايت ربه } بل كذبها وأعرض عنها { ولعذاب الآخرة } ~~على الإطلاق أو عذاب النار { أشد وأبقى } أي من ضنك العيش أو ~~منه ومن الحشر ms2190 على العمى. # { أفلم يهد لهم كم أهلكنا قبلهم من القرون ~~} كلام مستأنف مسوق لتقرير ما قبله من قوله تعالى: { وكذلك ~~نجزى } الآية، والهمزة للإنكارالتوبيخي والفاء للعطف على مقدر ~~يقتضيه المقام، واستعمال الهداية باللام إما لتنزيلها منزلة اللام فلا ~~حاجة إلى المفعول أو لأنها بمعنى التبيين والمفعول محذوف، وأيا ما ~~كان فالفاعل هو الجملة بمضمونها ومعناها وضمير لهم للمشركين المعاصرين ~~لرسول الله صلى الله عليه وسلم، والمعنى أغفلوا فلم يفعل الهداية لهم ~~أو فلم يبين لهم مآل أمرهم كثرة إهلاكنا للقرون الأولى وقد مر في ~~قوله عز وجل: # أو لم يهد للذين يرثون الأرض من بعد أهلها # [الأعراف: 100]، وقيل: الفاعل الضمير العائد إلى الله عز وجل ويؤيده ~~القراءة بنون العظمة وقوله تعالى: { كم أهلكنا } الخ، إما ~~معلق للفعل ساد مسد مفعوله أو مفسر لمفعوله المحذوف هكذا قيل، ~~والأوجه أن لا يلاحظ مفعول كأنه قيل: أفلم يفعل الله تعالى لهم ~~الهداية؟ ثم قيل بطريق الالتفات: كم أهلكنا الخ بيانا لتلك الهداية، ~~ومن القرى في محل النصب على أنه وصف لمميزكم أي كم قرنا كائنا ~~من القرون وقوله تعالى: { يمشون فى مسكنهم } حال من القرون ~~أو من مفعول أهلكنا، أي أهلكناهم وهم في حال أمن وتقلب في ديارهم أو ~~من الضمير في لهم مؤكد للإنكار والعامل يهد، والمعنى أفلم يهد لهم ~~إهلاكنا للقرون السالفة من أصحاب الحجر وثمود وقريات قوم لوط حال ~~كونهم ماشين في مساكنهم إذا سافروا إلى الشام مشاهدين لآثار هلاكهم، مع ~~أن ذلك مما يوجب أن يهتدوا إلى الحق فيعتبروا لئلا يحل بهم مثل ما حل ~~بأولئك، وقرىء يمشون على البناء للمفعول أي يمكثون على المشي { إن ~~فى ذلك } تعليل للإنكار وتقرير للهداية مع عدم اهتدائهم، وذلك ~~إشارة إلى مضمون قوله تعالى: { كم أهلكنا } الخ، وما فيه من معنى ~~البعد للإشعار ببعد منزلته وعلو شأنه في بابه { لآيات } كثيرة ~~عظيمة واضحات الهداية ظاهرات الدلالة على الحق، فإذن هو هاد وأيما ~~هاد ويجوز أن تكون كلمة في تجريدية فافهم { لأولى النهى ms2191 } لذوي ~~العقول الناهية عن القبائح التي من أقبحها ما يتعاطاه كفار مكة من ~~الكفر بآيات الله تعالى والتعامي عنها وغير ذلك من فنون المعاصي، وفيه ~~دلالة على أن مضمون الجملة هو الفاعل لا المفعول. ### || [20.129] # قوله تعالى: { ولولا كلمة سبقت من ربك } كلام مستأنف ~~سيق لبيان حكمة عدم وقوع ما يشعر به قوله تعالى: { أفلم يهد ~~لهم } الآية، من أن يصيبهم مثل ما أصاب القرون المهلكة، أي ولولا ~~الكلمة السابقة وهي العدة بتأخير عذاب هذه الأمة إلى الآخرة لحكمة ~~تقتضيه ومصلحة تستدعيه { لكان } عقاب جناياتهم { لزاما } أي ~~لازما لهؤلاء الكفرة بحيث لا يتأخر عن جناياتهم ساعة لزوم ما نزل ~~بأولئك الغابرين، وفي التعرض لعنوان الربوبية مع الإضافة إلى ضميره ~~عليه السلام تلويح بأن هذا التأخير لتشريفه عليه السلام كما ينبىء عنه ~~قوله تعالى: # وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم # [الأنفال: 33] واللزام إما مصدر لازم وصف به مبالغة وإما فعال ~~بمعنى مفعل، جعل آلة اللزوم لفرط لزومه كما يقال: لزاز خصم { ~~وأجل مسمى } عطف على (كلمة) أي ولولا أجل مسمى لأعمارهم أو ~~لعذابهم وهو يوم القيامة ويوم بدر لما تأخر عذابهم أصلا، وفصله عما ~~عطف عليه للمسارعة إلى بيان جواب لولا وللإشعار باستقلال كل منهما ~~بنفي لزوم العذاب ومراعاة فواصل الآية الكريمة، وقد جوز عطفه على ~~المستكن في كان العائد إلى الأخذ العاجل المفهوم من السياق تنزيلا ~~للفصل بالخبر منزلة التأكيد، أي لكان الأخذ العاجل وأجل مسمى لازمين ~~لهم كدأب عاد وثمود وأضرابهم ولم ينفرد الأجل المسمى دون الأخذ ~~العاجل. ### || [20.130-131] # { فاصبر على ما يقولون } أي إذا كان الأمر على ما ذكر من ~~أن تأخير عذابهم ليس بإهمال بل إمهال وأنه لازم لهم البتة، فاصبر ~~على ما يقولون من كلمات الكفر فإن علمه عليه السلام بأنهم معذبون لا ~~محالة مما يسليه ويحمله على الصبر { وسبح } ملتبسا { بحمد ~~ربك } أي صل وأنت حامد لربك الذي يبلغك إلى كمالك على هدايته ~~وتوفيقه، أو نزهه تعالى عما ينسبونه إليه مما لا يليق بشأنه الرفيع ms2192 ~~حامدا له على ما ميزك بالهدى معترفا بأنه مولى النعم كلها، والأول ~~هو الأظهر المناسب لقوله تعالى: { قبل طلوع الشمس } الخ، فإن ~~توقيت التنزيه غير معهود فالمراد صلاة الفجر { وقبل غروبها } ~~يعني صلاتي الظهر والعصر لأنهما قبل غروبها بعد زوالها، وجمعهما ~~لمناسبة قوله تعالى: { قبل طلوع الشمس وقبل صلوة ~~العصر } { ومن ءاناء اليل } أي من ساعاته جمع إنى بالكسر ~~والقصر، وآناء بالفتح والمد { فسبح } أي فصل والمراد به المغرب ~~والعشاء إيذانا باختصاصهما بمزيد الفضل فإن القلب فيهما أجمع ~~والنفس إلى الاستراحة أميل فتكون العبادة فيهما أشق، ولذلك قال ~~تعالى: # إن ناشئة اليل هى أشد وطأ وأقوم قيلا # [المزمل: 6] { وأطراف النهار } تكرير لصلاة الفجر والمغرب ~~إيذانا باختصاصهما بمزيد مزية، ومجيئه بلفظ الجمع لأمن الإلباس كقول ~~من قال: ظهراهما مثل ظهور الترسين، أو أمر بصلاة الظهر فإنه نهاية ~~النصف الأول من النهار وبداية النصف الأخير، وجمعه باعتبار النصفين ~~أو لأن النهار جنس أو أمر بالتطوع في أجزاء النهار { لعلك ~~ترضى } متعلق بسبح أي في هذه الأوقات رجاء أن تنال عنده تعالى ما ~~ترضى به نفسك، وقرىء ترضى على صيغة البناء للمفعول من أرضى أي ~~يرضيك ربك. # { ولا تمدن عينيك } أي لا تطل نظرهما بطريق الرغبة ~~والميل { إلى ما متعنا به } من زخارف الدنيا، وقوله تعالى: { ~~أزوجا منهم } أي أصنافا من الكفرة مفعول متعنا قدم عليه ~~الجار والمجرور للاعتناء به، أو هو حال من الضمير والمفعول منهم أي ~~إلى الذي متعنا به وهو أصناف وأنواع بعضهم على أنه معنى من ~~التبعيضية، أو بعضا منهم على حذف الموصوف كما مر مرارا { زهرة ~~الحيوة الدنيا } منصوب بمحذوف يدل عليه متعنا أي أعطينا أو به ~~على تضمين معناه، أو بالبدلية من محل به أو من أزواجا بتقدير مضاف أو ~~بدونه، أو بالذم وهي الزينة والبهجة، وقرىء زهرة بفتح الهاء وهي لغة ~~كالجهرة في الجهرة أو جمع زاهر، وصف لهم بأنهم زاهرو الدنيا ~~لتنعمهم وبهاء زيهم بخلاف ما عليه المؤمنون الزهاد { ~~لنفتنهم فيه } متعلق بمتعنا جيء به ms2193 للتنفير عنه ببيان سوء ~~عاقبته مآلا إثر إظهار بهجته حالا، أي لنعاملهم معاملة من يبتليهم ~~ويختبرهم فيه أو لنعذبهم في الآخرة بسببه { ورزق ربك } أي ما ~~ادخر لك في الآخرة أو ما رزقك في الدنيا من النبوة والهدى { خير } ~~مما منحهم في الدنيا لأنه مع كونه في نفسه أجل ما يتنافس فيه ~~المتنافسون مأمون الغائلة بخلاف ما منحوه { وأبقى } فإنه لا يكاد ~~ينقطع نفسه أو أثره أبدا كما عليه زهرة الدنيا. ### || [20.132-134] # { وأمر أهلك بالصلوة } أمر عليه السلام بأن يأمر أهل ~~بيته والتابعين له من أمته بالصلاة بعد ما أمر هو بها ليتعاونوا على ~~الاستعانة على خصاصتهم ولا يهتموا بأمر المعيشة ولا يلتفتوا لفت أرباب ~~الثروة { واصطبر عليها } وثابر عليها غير مشتغل بأمر المعاش ~~{ لا نسألك رزقا } أي لا نكلفك أن ترزق نفسك ولا أهلك { ~~نحن نرزقك } وإياهم ففرغ بالك بأمر الآخرة { ~~والعقبة } الحميدة { للتقوى } أي لأهل التقوى، على حذف ~~المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه تنبيها على أن ملاك الأمر هو ~~التقوى. روي أنه عليه الصلاة والسلام كان إذا أصاب أهله ضر أمرهم ~~بالصلاة وتلا هذه الآية. # { وقالوا لولا يأتينا بئاية من ربه } حكاية لبعض ~~أقاويلهم الباطلة التي أمر عليه السلام بالصبر عليها، أي هلا يأتينا ~~بآية تدل على صدقه في دعوى النبوة أو بآية مما اقترحوها بلغوا من ~~المكابرة والعناد إلى حيث لم يعدوا ما شاهدوا من المعجزات التي تخر ~~لها صم الجبال من قبيل الآيات حتى اجترأوا على التفوه بهذه العظيمة ~~الشنعاء، وقوله تعالى: { أولم تأتهم بينة ما فى الصحف ~~الأولى } أي التوراة والإنجيل وسائر الكتب السماوية، رد من جهته ~~جل وعلا لمقالتهم القبيحة وتكذيب لهم فيما دسوا تحتها من إنكار مجيء ~~الآية بإتيان القرآن الكريم الذي هو أم الآيات وأس المعجزات ~~وأعظمها وأبقاها، لأن حقيقة المعجزة اختصاص مدعي النبوة بنوع من ~~الأمور الخارقة للعادات أي أمر كان، ولا ريب في أن العلم أجل ~~الأمور وأعلاها إذ هو أصل الأعمال ومبدأ الأفعال ولقد ظهر مع حيازته ~~لجميع علوم ms2194 الأولين والآخرين على يد أمي لم يمارس شيئا من العلوم ولم ~~يدارس أحدا من أهلها أصلا، فأي معجزة تراد بعد وروده وأي آية ~~ترام مع وجوده، وفي إيراده بعنوان كونه بينة ما في الصحف الأولى ومن ~~التوراة والإنجيل وسائر الكتب السماوية أي شاهدا بحقية ما فيها من ~~العقائد الحقة وأصول الأحكام التي أجمعت عليها كافة الرسل، وبصحة ما ~~تنطق به من أنباء الأمم من حيث أنه غني بإعجازه عما يشهد بحقيته، ~~حقيق بإثبات حقية غيره ما لا يخفى من تنويه شأنه وإنارة برهانه، ~~ومزيد تقرير وتحقيق لإتيانه، وإسناد الإتيان إليه مع جعلهم إياه ~~مأتيا به للتنبيه على أصالته فيه مع ما فيه من المناسبة للبينة، ~~والهمزة لإنكار الوقوع والواو للعطف على مقدر يقتضيه المقام، كأنه ~~قيل: ألم يأتهم سائر الآيات ولم تأتهم خاصة بينة ما في الصحف ~~الأولى؟ تقريرا لإتيانه وإيذانا من الوضوح بحيث لا يتأتى منهم إنكاره ~~أصلا وإن اجترأوا على إنكار سائر الآيات مكابرة وعنادا، وقرىء أولم ~~يأتهم بالياء التحتانية، وقرىء الصحف بالسكون تخفيفا. # وقوله تعالى: { ولو أنا أهلكنهم بعذاب } إلى آخر ~~الآية جملة مستأنفة سيقت لتقرير ما قبلها من كون القرآن آية بينة لا ~~يمكن إنكارها ببيان أنهم يعترفون بها يوم القيامة، والمعنى لو أنا ~~أهلكناهم في الدنيا بعذاب مستأصل { من قبله } متعلق بأهلكنا أو ~~بمحذوف هو صفة لعذاب أي بعذاب كائن من قبل إتيان البينة أو قبل محمد ~~عليه الصلاة والسلام { لقالوا } أي يوم القيامة { ربنا لولا ~~أرسلت إلينا } في الدنيا { رسولا } مع كتاب { فنتبع ~~ءايتك } التي جاءنا بها { من قبل أن نذل } بالعذاب في ~~الدنيا { ونخزى } بدخول النار اليوم ولكنا لم نهلكهم قبل إتيانها ~~فانقطعت معذرتهم فعند ذلك قالوا: بلى، قد جاءنا نذير فكذبنا وقلنا ما ~~نزل الله من شيء. ### || [20.135] # { قل } لأولئك الكفرة المتمردين { كل } أي كل واحد منا ومنكم { ~~متربص } منتظر لما يؤول إليه أمرنا وأمركم { فتربصوا } ~~وقرىء فتمتعوا { فستعلمون } عن قريب { من أصحب الصراط ~~السوي } أي المستقيم، وقرىء السواء أي الوسط الجيد، ms2195 وقرىء السوء ~~والسوآي والسوي تصغير السوء { ومن اهتدى } من الضلالة ومن ~~في الموضعين استفهامية محلها الرفع بالابتداء خبرها ما بعدها، ~~والجملة سادة مسد مفعولي العلم أو مفعوله، ويجوز كون الثانية ~~موصولة بخلاف الأولى لعدم العائد فتكون معطوفة على محل الجملة ~~الاستفهامية المعلق عنها الفعل على أن العلم بمعنى المعرفة أو على ~~أصحاب أو على الصراط، وقيل: العائد في الأولى محذوف والتقدير من هم ~~أصحاب الصراط. # عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " من قرأ سورة طه أعطي يوم القيامة ثواب المهاجرين والأنصار " # وقال: # " لا يقرأ أهل الجنة من القرآن إلا سورة طه ويس ". ### | [21 - سورة الأنبياء] ### || [21.1] # سورة الأنبياء # مكية وهي مائة واثنتا عشرة آية # { اقترب للناس حسبهم } مناسبة هذه الفاتحة الكريمة لما ~~قبلها من الخاتمة الشريفة غنية عن البيان. قال ابن عباس رضي الله ~~عنهما: المراد بالناس المشركون وهو الذي يفصح عنه ما بعده، والمراد ~~باقتراب حسابهم اقترابه في ضمن اقتراب الساعة، وإسناد الاقتراب ~~إليه لا إلى الساعة مع استتباعها له ولسائر ما فيها من الأحوال والأهوال ~~الفظيعة لانسياق الكلام إلى بيان غفلتهم عنه وإعراضهم عما يذكرهم ~~ذلك، واللام متعلقة بالفعل، وتقديمها على الفاعل للمسارعة إلى إدخال ~~الروعة فإن نسبة الاقتراب إليهم من أول الأمر مما يسوؤهم ويورثهم ~~رهبة وانزعاجا من المقترب، كما أن تقديم الجار والمجرور على ~~المفعول الصريح في قوله تعالى: # هو الذى خلق لكم ما فى الأرض # [البقرة: 29] لتعجيل المسرة لما أن بيان كون الخلق لأجل المخاطبين ~~مما يسرهم ويزيدهم رغبة فيما خلق لهم وشوقا إليه، وجعلها تأكيدا ~~للإضافة على أن الأصل المتعارف فيما بين الأوساط اقترب حساب الناس ~~ثم اقترب للناس الحساب ثم اقترب للناس حسابهم مع أنه تعسف تام ~~بمعزل عما يقتضيه المقام وإنما الذي يستدعيه حسن النظام ما قدمناه ~~والمعنى دنا منهم حساب أعمالهم السيئة الموجبة للعقاب، وفي إسناد ~~الاقتراب المنبىء عن التوجه نحوهم إلى الحساب مع إمكان العكس بأن ~~يعتبر التوجه والإقبال من جهتهم نحوه من تفخيم شأنه وتهويل أمره ~~ما لا ms2196 يخفى لما فيه من تصويره بصورة شيء مقبل عليهم لا يزال يطلبهم ~~ويصيبهم لا محالة، ومعنى اقترابه لهم تقاربه ودنوه منهم بعد ~~بعده عنهم فإنه في كل ساعة من ساعات الزمان أقرب إليهم منه في الساعة ~~السابقة. # هذا وأما الاعتذار بأن قربه بالإضافة إلى ما مضى من الزمان أو بالنسبة ~~إلى الله عز وجل أو باعتبار أن كل آت قريب فلا تعلق له بما نحن ~~فيه من الاقتراب المستفاد من صيغة الماضي ولا حاجة إليه في تحقيق أصل ~~معناه، نعم قد يفهم منه عرفا كونه قريبا في نفسه أيضا فيصار حينئذ ~~إلى التوجيه بالوجه الأول دون الأخيرين، أما الثاني فلا سبيل إلى ~~اعتباره ههنا لأن قربه بالنسبة إليه تعالى مما لا يتصور فيه التجدد ~~والتفاوت حتما، وإنما اعتباره في قوله تعالى: # لعل الساعة قريب # [الشورى: 17] ونظائره مما لا دلالة فيه على الحدوث، وأما الثالث فلا ~~دلالة فيه على القرب حقيقة ولو بالنسبة إلى شيء آخر. # { وهم فى غفلة } أي في غفلة تامة منه ساهون عنه بالمرة لا أنهم ~~غير مبالين به مع اعترافهم بإتيانه، بل منكرون له كافرون به مع اقتضاء ~~عقولهم أن الأعمال لا بد لها من الجزاء { معرضون } أي عن الآيات ~~والنذر المنبهة لهم عن سنة الغفلة، وهما خبران للضمير وحيث كانت ~~الغفلة أمرا جبليا لهم جعل الخبر الأول ظرفا منبئا عن ~~الاستقرار بخلاف الإعراض، والجملة حال من الناس، وقد جوز كون الظرف ~~حالا من المستكن في معرضون. ### || [21.2-3] # { ما يأتيهم من ذكر } من طائفة نازلة من القرآن تذكرهم ذلك ~~أكمل تذكير وتنبههم عن الغفلة أتم تنبيه، كأنها نفس الذكر، ومن ~~في قوله تعالى: { من ربهم } لابتداء الغاية مجازا متعلقة ~~بيأتيهم أو بمحذوف هو صفة لذكر، وأيا ما كان ففيه دلالة على فضله ~~وشرفه وكمال شناعة ما فعلوا به، والتعرض لعنوان الربوبية لتشديد ~~التشنيع { محدث } بالجر صفة لذكر، وقرىء بالرفع حملا على محله أي ~~محدث تنزيله بحسب اقتضاء الحكمة وقوله تعالى: { إلا استمعوه ~~} استثناء مفرغ محله النصب على ms2197 أنه حال من مفعول يأتيهم بإضمار ~~قد أو بدونه على الخلاف المشهور، وقوله تعالى: { وهم يلعبون } ~~حال من فاعل استمعوه، وقوله تعالى: { لاهية قلوبهم } إما حال ~~أخرى منه أو من واو يلعبون والمعنى ما يأتيهم ذكر من ربهم محدث في حال ~~من الأحوال إلا حال استماعهم إياه لاعبين مستهزئين به لاهين عنه، أو ~~لاعبين به حال كون قلوبهم لاهية عنه لتناهي غفلتهم وفرط إعراضهم ~~عن النظر في الأمور والتفكر في العواقب، وقرىء لاهية بالرفع على أنه ~~خبر بعد خبر { وأسروا النجوى } كلام مستأنف مسوق لبيان ~~جناية خاصة إثر حكاية جناياتهم المعتادة، والنجوى اسم من التناجي ~~ومعنى إسرارها مع أنها لا تكون إلا سرا أنهم بالغوا في إخفائها أو ~~أسروا نفس التناجي بحيث لم يشعر أحد بأنهم متناجون، وقوله تعالى: { ~~الذين ظلموا } بدل من واو أسروا منبىء عن كونهم موصوفين بالظلم ~~الفاحش فيما أسروا به، أو هو مبتدأ خبره أسروا النجوى قدم عليه ~~اهتماما به، والمعنى هم أسروا النجوى فوضع الموصول موضع الضمير ~~تسجيلا على فعلهم بكونه ظلما أو منصوب على الذم، وقوله: { هل ~~هذا إلا بشر مثلكم } الخ، في حيز النصب على أنه مفعول ~~لقول مضمر هو جواب عن سؤال نشأ عما قبله، كأنه قيل: ماذا قالوا في ~~نجواهم؟ فقيل: قالوا هل هذا الخ، أو بدل من أسروا أو معطوف عليه أو ~~على أنه بدل من النجوى، أي أسروا هذا الحديث وهل بمعنى النفي والهمزة ~~في قوله تعالى: { أفتأتون السحر } للإنكار والفاء للعطف على ~~مقدر يقتضيه المقام، وقوله تعالى: { وأنتم تبصرون } حال من ~~فاعل تأتون مقررة للإنكار ومؤكدة للاستبعاد، والمعنى ما هذا إلا بشر ~~مثلكم أي من جنسكم وما أتى به سحر، أتعلمون ذلك فتأتونه وتحضرونه على ~~وجه الإذعان والقبول وأنتم تعاينون أنه سحر قالوه بناء على ما ارتكز في ~~اعتقادهم الزائغ أن الرسول لا يكون إلا ملكا وأن كل ما يظهر على يد ~~البشر من الخوارق من قبيل السحر، وزل عنهم أن إرسال البشر إلى عامة ~~البشر هو الذي ms2198 تقتضيه الحكمة التشريعية قاتلهم الله أنى يؤفكون، وإنما ~~أسروا ذلك لأنه كان على طريق توثيق العهد وترتيب مبادي الشر والفساد ~~وتمهيد مقدمات المكر والكيد في هدم أمر النبوة وإطفاء نور الدين ~~والله متم نوره ولو كره الكافرون. ### || [21.4-6] # { قال ربى يعلم القول فى السماء والأرض } حكاية من ~~جهته تعالى لما قاله عليه السلام بعد ما أوحى إليه أحوالهم وأقوالهم ~~بيانا لظهور أمرهم وانكشاف سرهم، وإيثار القول المنتظم للسر ~~والجهر على وتيرة واحدة لا تفاوت بينهما بالجلاء والخفاء قطعا كما في ~~علوم الخلق، وقرىء: قل ربي الخ، وقوله تعالى: { فى السماء ~~والأرض } متعلق بمحذوف وقع حالا من القول أي كائنا في السماء ~~والأرض وقوله تعالى: { وهو السميع العليم } أي المبالغ في ~~العلم بالمسموعات والمعلومات التي من جملتها ما أسروه من النجوى فيجازيهم ~~بأقوالهم وأفعالهم، اعتراض تذييلي مقرر لمضمون ما قبله متضمن ~~للوعيد. # { بل قالوا أضغث أحلام } إضراب من جهته تعالى وانتقال ~~من حكاية قول آخر مضطرب في مسالك البطلان، أي لم يقتصروا على أن يقولوا ~~في حقه عليه السلام: هل هذا إلا بشر؟ وفي حق ما ظهر على يده من القرآن ~~الكريم إنه سحر، بل قالوا تخاليط الأحلام ثم أضربوا عنه فقالوا: { بل ~~افتراه } من تلقاء نفسه من غير أن يكون له أصل أو شبهة أصل، ثم ~~قالوا: { بل هو شاعر } وما أتى به شعر يخيل إلى السامع معاني ~~لا حقيقة لها وهكذا شأن المبطل المحجوج متحير لا يزال يتردد بين ~~باطل وأبطل ويتذبذب بين فاسد وأفسد، فالإضراب الأول كما ترى من جهته ~~تعالى والثاني والثالث من قبلهم وقد قيل: الكل من قبلهم حيث أضربوا عن ~~قولهم: هو سحر إلى أنه تخاليط أحلام، ثم إلى أنه كلام مفترى ثم إلى ~~أنه قول شاعر، ولا ريب في أنه كان ينبغي حينئذ أن يقال: قالوا: بل ~~أضغاث أحلام والاعتذار بأن (بل قالوا) مقول لقالوا المضمر قبل قوله ~~تعالى: { هل هذا إلا بشر } الخ، كأنه قيل: وأسروا النجوى ~~قالوا: (هل هذا) إلى قوله: (بل ms2199 أضغاث أحلام)، وإنما صرح بقالوا بعد بل ~~لبعد العهد مما يجب تنزيه ساحة التنزيل عن أمثاله { فليأتنا ~~بآية } جواب شرط محذوف يفصح عنه السياق، كأنه قيل: وإن لم يكن كما ~~قلنا بل كان رسولا من الله تعالى فليأتنا بآية { كما أرسل ~~الأولون } أي مثل الآية التي أرسل بها الأولون كاليد والعصا ~~ونظائرهما حتى نؤمن به، فما موصولة ومحل الكاف الجر على أنها صفة ~~لآية ويجوز أن تكون مصدرية، فالكاف منصوبة على أنها مصدر تشبيهي ~~أي نعت لمصدر محذوف، أي فليأتنا بآية إتيانا كائنا مثل إرسال ~~الأولين بها، وصحة التشبيه من حيث إن الإتيان بالآية من فروع ~~الإرسال بها أي مثل إتيان مترتب على الإرسال، ويجوز أن يحمل النظم ~~الكريم على أنه أريد كل واحد من الإتيان والإرسال في كل واحد من طرفي ~~التشبيه، لكنه ترك في جانب المشبه ذكر الإرسال وفي جانب المشبه به ~~ذكر الإتيان اكتفاء بما ذكر في كل موطن عما ترك في الموطن الآخر ~~حسبما مر في آخر سورة يونس عليه السلام. # { ما ءامنت قبلهم من قرية } كلام مستأنف مسوق لتكذيبهم ~~فيما تنبىء عنه خاتمة مقالهم من الوعد الضمني بالإيمان كما أشير إليه، ~~وبيان أنهم في اقتراح تلك الآيات كالباحث عن حتفه بظلفه وأن في ترك ~~الإجابة إليه إبقاء عليهم، كيف لا ولو أعطوا ما اقترحوا مع عدم إيمانهم ~~قطعا لوجب استئصالهم لجريان سنة الله عز وجل في الأمم السالفة، على أن ~~المقترحين إذا أعطوا ما اقترحوه ثم لم يؤمنوا نزل بهم عذاب الاستئصال ~~لا محالة، وقد سبقت كلمة الحق منه تعالى أن هذه الأمة لا يعذبون بعذاب ~~الاستئصال، فقوله: من قرية أي من أهل قرية في محل الرفع على الفاعلية ~~ومن مزيدة لتأكيد العموم وقوله تعالى: { أهلكنها } أي بإهلاك ~~أهلها لعدم إيمانهم بعد مجيء ما اقترحوه من الآيات صفة لقرية والهمزة ~~في قوله تعالى: { أفهم يؤمنون } لإنكار الوقوع والفاء للعطف ~~إما على مقدر دخلته الهمزة فأفادت إنكار وقوع إيمانهم ونفيه عقب ~~عدم إيمان الأولين، فالمعنى أنه ms2200 لم تؤمن أمة من الأمم المهلكة عند ~~إعطاء ما اقترحوه من الآيات فلم يؤمنوا، أفهؤلاء يؤمنون لو أجيبوا إلى ~~ما سألوا وأعطوا ما اقترحوا مع كونهم أعتى منهم وأطغى؟ وإما على ما آمنت ~~على أن الفاء متقدمة على الهمزة في الاعتبار مفيدة لترتيب إنكار وقوع ~~إيمانهم على عدم إيمان الأولين، وإنما قدمت عليها الهمزة لاقتضائها ~~الصدارة كما هو رأي الجمهور. ### || [21.7] # قوله عز وجل: { وما أرسلنا قبلك إلا رجالا } جواب ~~لقولهم: هل هذا إلا بشر؟ الخ، متضمن لرد ما دسوا تحت قولهم: كما أرسل ~~الأولون من التعريض بعدم كونه عليه السلام مثل أولئك الرسل صلوات الله ~~تعالى عليهم أجمعين، ولذلك قدم عليه جواب قولهم: فليأتنا بآية ولأنهم ~~قالوا ذلك بطريق التعجيز فلا بد من المسارعة إلى رده وإبطاله كما مر في ~~تفسير قوله تعالى: # قال إنما يأتيكم به الله إن شاء وما أنتم ~~بمعجزين # [هود: 33] وقوله تعالى: # ما ننزل الملئكة إلا بالحق وما كانوا إذا ~~منظرين # [الحجر: 8] ولأن في هذا الجواب نوع بسط يخل تقديمه بتجاوب أطراف ~~النظم الكريم، والحق أن ما اتخذوه سببا للتكذيب موجب للتصديق في ~~الحقيقة لأن مقتضى الحكمة أن يرسل إلى البشر البشر وإلى الملك ~~الملك حسبما ينطق به قوله تعالى: # قل لو كان فى الأرض ملئكة يمشون مطمئنين ~~لنزلنا عليهم من السماء ملكا رسولا # [الإسراء: 95] فإن عامة البشر بمعزل من استحقاق المفاوضة الملكية ~~لتوقفها على التناسب بين المفيض والمستفيض، فبعث الملك إليهم ~~مزاحم للحكمة التي عليها يدور فلك التكوين والتشريع، وإنما الذي ~~تقتضيه الحكمة أن يبعث الملك منهم إلى الخواص المختصين بالنفوس ~~الزكية المؤيدين بالقوة القدسية المتعلقين بكلا العالمين الروحاني ~~والجسماني ليتلقوا من جانب ويلقوا إلى جانب آخر، وقوله تعالى: { ~~نوحى إليهم } استئناف مبين لكيفية الإرسال وصيغة المضارع ~~لحكاية الحال الماضية المستمرة، وحذف المفعول لعدم القصد إلى خصوصه، ~~والمعنى وما أرسلنا إلى الأمم قبل إرسالك إلى أمتك إلا رجالا مخصوصين ~~من أفراد الجنس مستأهلين للاصطفاء والإرسال نوحي إليهم بواسطة الملك ما ~~نوحي من الشرائع والأحكام ms2201 وغيرهما من القصص والأخبار، كما نوحي إليك من ~~غير فرق بينهما في حقيقة الوحي وحقيقة مدلوله حسبما يحكيه قوله ~~تعالى: # إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح ~~والنبيين # [النساء: 163] إلى قوله تعالى: # وكلم الله موسى تكليما # [النساء: 164] كما لا فرق بينك وبينهم في البشرية فما لهم لا يفهمون ~~أنك لست بدعا من الرسل وأن ما أوحي إليك ليس مخالفا لما أوحي إليهم ~~فيقولون ما يقولون، وقرىء يوحى إليهم بالياء على صيغة المبني للمفعول ~~جريا على سنن الكبرياء وإيذانا بتعين الفاعل وقوله تعالى: { ~~فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون } تلوين ~~للخطاب وتوجيه له إلى الكفرة لتبكيتهم واستنزالهم عن رتبة الاستبعاد ~~والنكير إثر تحقيق الحق على طريقة الخطاب لرسول الله صلى الله عليه ~~وسلم لأنه الحقيق بالخطاب في أمثال تلك الحقائق الأنيقة، وأما الوقوف ~~عليها بالاستخبار من الغير فهو من وظائف العوام، والفاء لترتيب ما ~~بعدها على ما قبلها، وجواب الشرط محذوف ثقة بدلالة المذكور عليه أي ~~إن كنتم لا تعلمون ما ذكر فاسألوا أيها الجهلة أهل الكتاب الواقفين ~~على أحوال الرسل السالفة عليهم السلام لتزول شبهتكم. أمروا بذلك لأن ~~إخبار الجم الغفير يوجب العلم لا سيما وهم كانوا يشايعون المشركين في ~~عداوته عليه السلام ويشاورونهم في أمره عليه السلام، ففيه من الدلالة ~~على كمال وضوح الأمر وقوة شأن النبي عليه السلام ما لا يخفى. ### || [21.8-9] # { وما جعلنهم جسدا } بيان لكون الرسل عليهم السلام أسوة ~~لسائر أفراد الجنس في أحكام الطبيعة البشرية إثر بيان كونهم أسوة ~~في نفس البشرية، والجسد جسم الإنسان والجن والملائكة، ونصبه إما ~~على أنه مفعول ثان للجعل لكن لا بمعنى جعله جسدا بعد أن لم يكن كذلك ~~كما هو المشهور من معنى التصيير، بل بمعنى جعله كذلك ابتداء على طريقة ~~قولهم: سبحان من صغر البعوض وكبر الفيل، كما مر في قوله تعالى: # وجعلنا اليل والنهار ءايتين # [الإسراء: 12] وإما حال من الضمير والجعل إبداعي وإفراده لإرادة ~~الجنس المنتظم للكثير أيضا، وقيل: بتقدير المضاف أي ذوي جسد وقوله ~~تعالى: ms2202 { لا يأكلون الطعام } صفة له أي وما جعلناهم جسدا ~~مستغنيا عن الأكل والشرب بل محتاجا إلى ذلك لتحصيل بدل ما يتحلل منه ~~{ وما كانوا خلدين } لأن مآل التحلل هو الفناء لا محالة، ~~وفي إيثار ما كانوا على ما جعلناهم تنبيه على أن عدم الخلود مقتضي ~~جبلتهم التي أشير إليها بقوله تعالى: { وما جعلنهم } الخ، ~~لا بالجعل المستأنف والمراد بالخلود إما المكث المديد كما هو شأن ~~الملائكة أو الأبدية وهم معتقدون أنهم لا يموتون، والمعنى جعلناهم ~~أجسادا متغذية صائرة إلى الموت بالآخرة على حسب آجالهم لا ملائكة ~~ولا أجسادا مستغنية عن الأغذية مصونة عن التحلل كالملائكة فلم يكن لها ~~خلود كخلودهم، فالجملة مقررة لما قبلها من كون الرسل السالفة عليهم ~~السلام بشرا لا ملكا مع ما في ذلك من الرد على قولهم: ما لهذا الرسول ~~يأكل الطعام. # وقوله تعالى: { ثم صدقنهم الوعد } عطف على ما يفهم من ~~حكاية وحيه تعالى إليهم على الاستمرار التجددي كأنه قيل: أوحينا ثم ~~صدقناهم في الوعد الذي وعدناهم في تضاعيف الوحي بإهلاك أعدائهم { ~~فأنجينهم ومن نشاء } من المؤمنين وغيرهم من تستدعي الحكمة ~~إبقاءه كمن سيؤمن هو أو بعض فروعه بالآخرة، وهو السر في حماية العرب ~~من عذاب الاستئصال { وأهلكنا المسرفين } أي المجاوزين للحدود ~~في الكفر والمعاصي. ### || [21.10-13] # { لقد أنزلنا إليكم } كلام مستأنف مسوق لتحقيق حقية ~~القرآن العظيم الذي ذكر في صدر السورة الكريمة إعراض الناس عما ~~يأتيهم من آياته واستهزاؤهم به وتسميتهم تارة سحرا وتارة أضغاث ~~أحلام وأخرى مفترى وشعرا، وبيان علو رتبته إثر تحقيق رسالته صلى ~~الله عليه وسلم ببيان أنه كسائر الرسل الكرام عليهم الصلاة والسلام قد ~~صدر بالتوكيد القسمي إظهارا لمزيد الاعتناء بمضمونه وإيذانا بكون ~~المخاطبين في أقصى مراتب النكير، أي والله لقد أنزلنا إليكم يا معشر ~~قريش { كتبا } عظيم الشأن نير البرهان وقوله تعالى: { فيه ~~ذكركم } صفة لكتابا مؤكدة لما أفاده التنكير التفخيمي من كونه ~~جليل المقدار بأنه جميل الآثار مستجلب لهم منافع جليلة، أي فيه ~~شرفكم وصيتكم كقوله تعالى: # وإنه لذكر ms2203 لك ولقومك # [الزخرف: 44] وقيل: ما تحتاجون إليه في أمور دينكم ودنياكم، وقيل: فيه ~~ما تطلبون به حسن الذكر من مكارم الأخلاق، وقيل: فيه موعظتكم وهو ~~الأنسب بسباق النظم الكريم وسياقه فإن قوله تعالى: { أفلا ~~تعقلون } إنكار توبيخي فيه بعث لهم على التدبر في أمر الكتاب ~~والتأمل فيما في تضاعيفه من فنون المواعظ والزواجر التي من جملتها ~~القوارع السابقة واللاحقة، والفاء للعطف على مقدر ينسحب عليه الكلام ~~أي ألا تتفكرون فلا تعقلون أن الأمر كذلك؟ أو لا تعقلون شيئا من ~~الأشياء التي من جملتها ما ذكر. # وقوله تعالى: { وكم قصمنا من قرية } نوع تفصيل لإجمال ~~قوله تعالى: { وأهلكنا المسرفين } وبيان لكيفية إهلاكهم ~~وسببه وتنبيه على كثرتهم، وكم خبرية مفيدة للتكثير محلها النصب ~~على أنها مفعول لقصمنا ومن قرية تمييز، وفي لفظ القصم الذي هو ~~عبارة عن الكسر بإبانة أجزاء المكسور وإزالة تأليفها بالكلية من ~~الدلالة على قوة الغضب وشدة السخط ما لا يخفى وقوله تعالى: { كانت ~~ظلمة } في محل الجر على أنها صفة لقرية بتقدير مضاف ينبىء عنه ~~الضمير الآتي، أي وكثيرا قصمنا من أهل قرية كانوا ظالمين بآيات الله ~~تعالى كافرين بها كدأبكم { وأنشأنا بعدها } أي بعد إهلاكها { ~~قوما ءاخرين } أي ليسوا منهم نسبا ولا دينا، ففيه تنبيه على ~~استئصال الأولين وقطع دابرهم بالكلية وهو السر في تقديم حكاية إنشاء ~~هؤلاء على حكاية مبادي إهلاك أولئك بقوله تعالى: { فلما أحسوا ~~بأسنا } أي أدركوا عذابنا الشديد إدراكا تاما كأنه إدراك ~~المشاهد المحسوس { إذا هم منها يركضون } يهربون مسرعين ~~راكضين دوابهم أو مشبهين بهم في فرط الإسراع { لا تركضوا } ~~أي قيل لهم بلسان الحال أو بلسان المقال من الملك أو ممن ثمة من ~~المؤمنين بطريق الاستهزاء والتوبيخ: لا تركضوا { وارجعوا إلى ~~ما أترفتم فيه } من التنعم والتلذذ، والإتراف إبطار النعمة { ~~ومسكنكم } التي كنتم تفخرون بها { لعلكم تسألون } ~~تقصدون للسؤال والتشاور والتدبير في المهمات والنوازل، أو تفقدون ~~إذا رئيت مساكنكم خالية وتسألون أين أصحابها، أو يسألكم الوافدون ~~نوالكم على أنهم كانوا أسخياء ينفقون ms2204 أموالهم رياء، أو بخلاء فقيل ~~لهم ذلك تهكما إلى تهكم. ### || [21.14-17] # { قالوا } لما يئسوا من الخلاص بالهرب وأيقنوا بنزول العذاب { يا ~~ويلنا } أي هلاكنا { إنا كنا ظلمين } أي مستوجبين للعذاب، ~~وهذا اعتراف منهم بالظلم وباستتباعه للعذاب وندم عليه حين لم ينفعهم ~~ذلك. # { فما زالت تلك دعواهم } أي فما زالوا يرددون تلك الكلمة، ~~وتسميتها دعوى أي دعوة لأن المولول كأنه يدعو الويل قائلا: يا ~~ويل تعال فهذا أوانك { حتى جعلنهم حصيدا } أي مثل ~~الحصيد وهو المحصود من الزرع والنبت ولذلك لم يجمع { خمدين } أي ~~ميتين من خمدت النار إذا طفئت وهو مع حصيدا في حيز المفعول الثاني ~~للجعل، كقولك: جعلته حلوا حامضا، والمعنى جعلناهم جامعين لمماثلة ~~الحصيد والخمود، أو حال من الضمير المنصوب في جعلناهم أو من المستكن ~~في حصيدا أو صفة لحصيدا لتعدده معنى لأنه في حكم جعلناهم أمثال ~~حصيد. # { وما خلقنا السماء والأرض } إشارة إجمالية إلى أن ~~تكوين العالم وإبداع بني آدم مؤسس على قواعد الحكم البالغة ~~المستتبعة للغايات الجليلة، وتنبيه على أن ما حكي من العذاب الهائل ~~والعقاب النازل بأهل القرى من مقتضيات تلك الحكم ومتفرعاتها حسب ~~اقتضاء أعمالهم إياه، وأن للمخاطبين المقتدين بآثارهم ذنوبا مثل ~~ذنوبهم، أي ما خلقناهما { وما بينهما } من المخلوقات التي لا ~~تحصى أجناسها وأفرادها ولا تحصر أنواعها وآحادها على هذا النمط ~~البديع والأسلوب المنيع خالية عن الحكم والمصالح، وإنما عبر عن ذلك ~~باللعب واللهو حيث قيل: { لاعبين } لبيان كمال تنزهه تعالى عن ~~الخلق الخالي عن الحكمة بتصويره بصورة ما لا يرتاب أحد في استحالة ~~صدوره عنه سبحانه، بل إنما خلقناهما وما بينهما لتكون مبدأ لوجود ~~الإنسان وسببا لمعاشه ودليلا يقوده إلى تحصيل معرفتنا التي هي ~~الغاية القصوى بواسطة طاعتنا وعبادتنا كما ينطق به قوله تعالى: # وهو الذى خلق السموات والأرض فى ستة أيام ~~وكان عرشه على الماء ليبلوكم أيكم أحسن ~~عملا # [هود: 7] وقوله تعالى: # وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون # [الذاريات: 56] وقوله تعالى: { لو أردنا أن نتخذ لهوا } ~~استئناف مقرر لما قبله من ms2205 انتفاء اللعب واللهو، أي لو أردنا أن نتخذ ~~ما يتلهى به ويلعب { لاتخذنه من لدنا } أي من جهة ~~قدرتنا أو من عندنا مما يليق بشأننا من المجردات لا من الأجسام ~~المرفوعة والأجرام الموضوعة كديدن الجبابرة في رفع العروش وتحسينها ~~وتسوية الفروش وتزيينها، لكن يستحيل إرادتنا له لمنافاته الحكمة ~~فيستحيل اتخاذنا له قطعا وقوله تعالى: { إن كنا فعلين } ~~جوابه محذوف ثقة بدلالة ما قبله عليه، أي إن كنا فاعلين لاتخذناه، ~~وقيل: إن نافية أي ما كنا فاعلين أي لاتخاذ اللهو لعدم إرادتنا إياه ~~فيكون بيانا لانتفاء التالي لانتفاء المقدم أو لإرادة اتخاذه فيكون ~~بيانا لانتفاء المقدم المستلزم لانتفاء التالي، وقيل: اللهو ~~الولد بلغة اليمن، وقيل: الزوجة والمراد الرد على النصارى ولا يخفى ~~بعده. ### || [21.18-20] # { بل نقذف بالحق على البطل } إضراب عن اتخاذ اللهو ~~بل عن إرادته، كأنه قيل: لكنا لا نريده بل شأننا أن نغلب الحق ~~الذي من جملته الجد على الباطل الذي من قبيله اللهو، وتخصيص ~~شأنه هذا من بين سائر شؤونه تعالى بالذكر للتخلص إلى ما سيأتي من ~~الوعيد { فيدمغه } أي يمحقه بالكلية كما فعلنا بأهل القرى ~~المحكية، وقد استعير لإيراد الحق على الباطل القذف الذي هو الرمي ~~الشديد بالجرم الصلب كالصخرة، ولمحقه للباطل الدمغ الذي هو كسر ~~الشيء الرخو الأجوف وهو الدماغ بحيث يشق غشاءه المؤدي إلى ~~زهوق الروح تصويرا له بذلك، وقرىء فيدمغه بالنصب وهو ضعيف، وقرىء ~~فيدمغه بضم الميم { فإذا هو زاهق } أي ذاهب بالكلية، وفي إذا ~~الفجائية والجملة الاسمية من الدلالة على كمال المسارعة في الذهاب ~~والبطلان ما لا يخفى فكأنه زاهق من الأصل { ولكم الويل مما ~~تصفون } وعيد لقريش بأن لهم أيضا مثل ما لأولئك من العذاب ~~والعقاب، ومن تعليلية متعلقة بالاستقرار الذي تعلق به الخبر، أو ~~بمحذوف هو حال من الويل أو من ضميره في الخبر، وما إما مصدرية أو ~~موصولة أو موصوفة أي واستقر لكم الويل والهلاك من أجل وصفكم له ~~سبحانه بما لا يليق بشأنه الجليل، أو بالذي تصفونه أو بشيء ms2206 تصفونه به من ~~الولد أو كائنا مما تصفونه تعالى به. # { وله من فى السموات والأرض } استئناف مقرر لما قبله ~~من خلقه تعالى لجميع مخلوقاته على حكمة بالغة ونظام كامل وأنه تعالى ~~يحق الحق ويزهق الباطل، أي له تعالى خاصة جميع المخلوقات خلقا ~~وملكا وتدبيرا وتصرفا وإحياء وإماتة وتعذيبا وإثابة من غير أن ~~يكون لأحد في ذلك دخل ما استقلالا أو استتباعا { ومن عنده } وهم ~~الملائكة عليهم السلام، عبر عنهم بذلك إثر ما عبر عنهم بمن في ~~السموات تنزيلا لهم لكرامتهم عليه عز وعلا وزلفاهم عنده منزلة ~~المقربين عندالملوك بطريق التمثيل وهو مبتدأ خبره { لا ~~يستكبرون عن عبادته } أي لا يتعظمون عنها ولا يعدون ~~أنفسهم كبيرا { ولا يستحسرون } ولا يكلون ولا يعيون، ~~وصيغة الاستفعال المنبئة عن المبالغة في الحسور للتنبيه على أن ~~عباداتهم بثقلها ودوامها حقيقة بأن يستحسر منها ومع ذلك لا ~~يستحسرون، لا لإفادة نفي المبالغة في الحسور مع ثبوت أصله في الجملة كما ~~أن نفي الظلامية في قوله تعالى: { وما أنا بظلم ~~للعبيد } لإفادة كثرة الظلم المفروض تعلقه بالعبيد لا لإفادة ~~نفي المبالغة في الظلم مع ثبوت أصل الظلم في الجملة، وقيل: من عنده ~~معطوف على من الأولى وإفرادهم بالذكر مع دخولهم في من في السموات ~~والأرض للتعظيم كما في قوله تعالى: # وجبريل وميكل # [البقرة: 98] فقوله تعالى: { لا يستكبرون } حينئذ حال من ~~الثانية. # { يسبحون الليل والنهار } أي ينزهونه في جميع الأوقات ~~ويعظمونه ويمجدونه دائما، وهو استئناف وقع جوابا عما نشأ مما قبله، ~~كأنه قيل: ماذا يصنعون في عباداتهم أو كيف يعبدون؟ فقيل: يسبحون الخ، أو ~~حال من فاعل يستحسرون وكذا قوله تعالى: { لا يفترون } أي لا يتخلل ~~تسبيحهم فترة أصلا بفراغ أو بشغل آخر. ### || [21.21-22] # { أم اتخذوا ءالهة } حكاية لجناية أخرى من جناياتهم بطريق ~~الإضراب والانتقال من فن إلى فن آخر من التوبيخ إثر تحقيق الحق ~~ببيان أنه تعالى خلق جميع المخلوقات على منهاج الحكمة وأنهم قاطبة تحت ~~ملكوته وقهره وأن عباده مذعنون لطاعته ومثابرون على عبادته منزهون له ms2207 ~~عن كل ما لا يليق بشأنه من الأمور التي من جملتها الأنداد، ومعنى الهمزة ~~في (أم) المنقطعة إنكار الوقوع لا إنكار الواقع وقوله تعالى: { من ~~الأرض } متعلق باتخذوا أو بمحذوف هو صفة لآلهة وأيا ما كان فالمراد ~~هو التحقير لا التخصيص، وقوله تعالى: { هم ينشرون } أي يبعثون ~~الموتى، صفة لآلهة وهو الذي يدور عليه الإنكار والتجهيل والتشنيع لا ~~نفس الاتخاذ فإنه واقع لا محالة أي بل اتخذوا آلهة من الأرض هم خاصة ~~مع حقارتهم وجماديتهم ينشرون الموتى، كلا، فإن ما اتخذوها آلهة بمعزل ~~من ذلك وهم وإن لم يقولوا بذلك صريحا لكنهم حيث ادعوا لها الإلهية ~~فكأنهم ادعوا لها الإنشار ضرورة أنه من الخصائص الإلهية حتما، ~~ومعنى التخصيص في تقديم الضمير ما أشير إليه من التنبيه على كمال ~~مباينة حالهم للإنشار الموجبة لمزيد الإنكار كما في قوله تعالى: # أفى الله شك # [إبراهيم: 10] وقوله تعالى: # أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزءون # [التوبة: 65] فإن تقديم الجار والمجرور للتنبيه على كمال مباينة ~~أمره تعالى لأن يشك فيه ويستهزأ به، ويجوز أن يجعل ذلك من ~~مستتبعات إدعائهم الباطل لأن الألوهية مقتضيه للاستقلال بالإبداء ~~والإعادة فحيث ادعوا للأصنام الإلهية فكأنهم ادعوا لها الاستقلال ~~بالإنشار كما أنهم جعلوا بذلك مدعين لأصل الإنشار. # { لو كان فيهما ءالهة إلا الله } إبطال لتعدد الإله ~~بإقامة البرهان على انتفائه بل على استحالته، وإيراد الجمع لوروده إثر ~~إنكار اتخاذ الآلهة لا لأن للجمعية مدخلا في الاستدلال وكذا فرض ~~كونهما فيهما وإلا بمعنى غير على أنها صفة لآلهة، ولا مساغ للإستثناء ~~لاستحالة شمول ما قبلها وما بعدها وإفضائه إلى فساد المعنى لدلالته ~~حينئذ على أن الفساد لكونها فيهما بدونه تعالى ولا للرفع على البدل لأنه ~~متفرع على الاستثناء ومشروط بأن يكون في كلام غير موجب، أي لو كان في ~~السموات والأرض آلهة غير الله كما هو اعتقادهم الباطل { لفسدتا } ~~أي لبطلتا بما فيهما جميعا وحيث انتفى التالي علم انتفاء المقدم ~~قطعا ببيان الملازمة أن الإلهية مستلزمة للقدرة على الاستبداد ~~بالتصرف فيهما على الإطلاق ms2208 تغييرا وتبديلا وإيجادا وإعداما وإحياء ~~وإماتة، فبقاؤهما على ما هما عليه إما بتأثير كل منها وهو محال لاستحالة ~~وقوع المعلول المعين بعلل متعددة، وإما بتأثير واحد منها فالبواقي ~~بمعزل من الإلهية قطعا، واعلم أن جعل التالي فسادهما بعد وجودهما ~~لما أنه اعتبر في المقدم تعدد الآلهة فيهما وإلا فالبرهان يقضي ~~باستحالة التعدد على الإطلاق، فإنه لو تعدد الإله فإن توافق الكل ~~في المراد تطاردت عليه القدر وإن تخالفت تعاوقت فلا يوجد موجود أصلا ~~وحيث انتفى التالي تعين انتفاء المقدم والفاء في قوله تعالى: # { فسبحان الله } لترتيب ما بعدها على ما قبلها من ثبوت ~~الوحدانية بالبرهان، أي فسبحوه سبحانه اللائق به ونزهوه عما لا يليق به ~~من الأمور التي من جملتها أن يكون له شريك في الألوهية، وإيراد الجلالة ~~في موضع الإضمار للإشعار بعلة الحكم فإن الألوهية مناط لجميع صفات ~~كماله التي من جملتها تنزهه تعالى عما لا يليق به ولتربية المهابة ~~وإدخال الروعة وقوله تعالى: { رب العرش } صفة للاسم الجليل ~~مؤكدة لتنزهه عز وجل { عما يصفون } متعلق بالتسبيح أي فسبحوه ~~عما يصفونه من أن يكون من دونه آلهة. ### || [21.23-24] # { لا يسأل عما يفعل } استئناف ببيان أنه تعالى لقوة عظمته ~~وعزة سلطانه القاهر بحيث ليس لأحد من مخلوقاته أن يناقشه ويسأله عما ~~يفعل من أفعال إثر بيان أن ليس له شريك في الإلهية { وهم } أي ~~العباد { يسئلون } عما يفعلون نقيرا وقطميرا لأنهم مملوكون له ~~تعالى مستعبدون ففيه وعيد للكفرة. # { أم اتخذوا من دونه ءالهة } إضراب وانتقال من إظهار ~~بطلان كون ما اتخذوه آلهة آلهة حقيقة بإظهار خلوها عن خصائص ~~الألهية التي من جملتها الإنشار وإقامة البرهان القاطع على استحالة ~~تعدد الإله على الإطلاق وتفرده سبحانه بالألوهية إلى إظهار بطلان ~~اتخاذهم تلك الآلهة مع عرائها عن تلك الخصائص بالمرة شركاء لله عز ~~سلطانه، وتبكيتهم بإلجائهم إلى إقامة البرهان على دعواهم الباطلة ~~وتحقيق أن جميع الكتب السماوية ناطقة بحقية التوحيد وبطلان الإشراك. ~~والهمزة لإنكار الاتخاذ المذكور واستقباحه ومن متعلقة باتخذوا، ~~والمعنى بل أتخذوا ms2209 متجاوزين إياه تعالى مع ظهور شؤونه الجليلة الموجبة ~~لتفرده بالألوهية آلهة مع ظهور خلوهم عن خواص الألوهية بالكلية { قل ~~} لهم بطريق التبكيت وإلقام الحجر { هاتوا برهنكم } على ما ~~تدعونه من جهة العقل والنقل فإنه لا صحة لقول لا دليل عليه في ~~الأمور الدينية لا سيما في مثل هذا الشأن الخطير، وما في إضافة البرهان ~~إلى ضميرهم من الإشعار بأن لهم برهانا ضرب من التهكم بهم وقوله ~~تعالى: { هذا ذكر من معى وذكر من قبلى } إنارة ~~لبرهانه وإشارة إلى أنه مما نطقت به الكتب الإلهية قاطبة وشهدت به ~~ألسنة الرسل المتقدمة كافة وزيادة تهييج لهم على إقامة البرهان ~~لإظهار كمال عجزهم، أي هذا الوحي الوارد في شأن التوحيد المتضمن ~~للبرهان القاطع العقلي ذكر أمتي أي عظتهم وذكر الأمم السالفة قد ~~أقمته فأقيموا أنتم أيضا برهانكم، وقيل: المعنى هذا كتاب أنزل على ~~أمتي وهذا كتاب أنزل على أمم الأنبياء عليهم السلام من الكتب الثلاثة ~~والصحف فراجعوها وانظروا هل في واحد منها غير الأمر بالتوحيد والنهي ~~عن الإشراك، ففيه تبكيت لهم يتضمن إثبات نقيض مدعاهم وقرىء بالتنوين ~~والإعمال كقوله تعالى: # أو إطعام فى يوم ذى مسغبة * يتيما # [البلد: 14] وبه وبمن الجارة على أن (مع) اسم هو ظرف كقبل وبعد ~~وقوله تعالى: { بل أكثرهم لا يعلمون الحق } إضراب من ~~جهته تعالى غير داخل في الكلام الملقن وانتقال من الأمر بتبكيتهم ~~بمطالبة البرهان إلى بيان أنه لا ينجع فيهم المحاجة بإظهار حقيقة ~~الحق وبطلان الباطل، فإن أكثرهم لا يفهمون الحق ولا يميزون بينه ~~وبين الباطل { فهم } لأجل ذلك { معرضون } أي مستمرون على ~~الإعراض عن التوحيد واتباع الرسول لا يرعوون عما هم عليه من الغي ~~والضلال وإن كررت عليهم البينات والحجج، أو معرضون عما ألقي عليهم من ~~البراهين العقلية، وقرىء الحق بالرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف وسط ~~بين السبب والمسبب تأكيدا للسببية. ### || [21.25-27] # قوله تعالى: { وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا ~~نوحى إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون } ~~استئناف مقرر لما أجمل فيما ms2210 قبله من كون التوحيد مما نطقت به الكتب ~~الإلهية وأجمعت عليه الرسل عليهم الصلاة والسلام، وقرىء (يوحى) على ~~صيغة الغائب مبنيا للمفعول وأيا ما كان فصيغة المضارع لحكاية الحال ~~الماضية استحضارا لصورة الوحي. # { وقالوا اتخذ الرحمن ولدا } حكاية لجناية فريق من ~~المشركين جيء بها لإظهار بطلانها وبيان تنزهه تعالى عن ذلك إثر ~~بيان تنزهه سبحانه عن الشركاء على الإطلاق وهم حي من خزاعة ~~يقولون: الملائكة بنات الله تعالى، ونقل الواحدي أن قريشا وبعض ~~أجناس العرب جهينة وبني مليح يقولون ذلك. والتعرض لعنوان الرحمانية ~~المنبئة عن كون جميع ما سواه تعالى مربوبا له تعالى نعمة أو منعما ~~عليه لإبراز كمال شناعة مقالتهم الباطلة { سبحنه } أي تنزه ~~بالذات تنزهه اللائق به على أن السبحان مصدر من سبح أي بعد أو ~~أسبحه تسبيحه على أنه علم للتسبيح وهو مقول على ألسنة العباد أو ~~سبحوه تسبيحه وقوله تعالى: { بل عباد } إضراب وإبطال لما قالوه، ~~كأنه قيل: ليست الملائكة كما قالوا بل هم عباد له تعالى { مكرمون ~~} مقربون عنده، وقرىء مكرمون بالتشديد تنبيه على منشأ غلط القوم. # وقوله تعالى: { لا يسبقونه بالقول } صفة أخرى لعباد منبئة ~~عن كمال طاعتهم وانقيادهم لأمره تعالى، أي لا يقولون شيئا حتى يقوله ~~تعالى أو يأمرهم به وأصله لا يسبق قولهم قوله تعالى، فأسند السبق ~~إليه منسوبا إليه تعالى تنزيلا لسبق قولهم قوله تعالى منزلة سبقهم ~~إياه تعالى لمزيد تنزيههم عن ذلك وللتنبيه على غاية استهجان السبق ~~المعرض به للذين يقولون ما لا يقوله الله تعالى، وجعل القول محلا ~~للسبق وأداة له ثم أنيب اللام عن الإضافة للاختصار والتجافي عن ~~التكرار، وقرىء لا يسبقونه بضم الباء من سابقته فسبقته أسبقه وفيه مزيد ~~استهجان للسبق وإشعار بأن من سبق قوله قوله تعالى فقد تصدى لمغالبته ~~تعالى في السبق فسبقه فغلبه والعياذ بالله تعالى، وزيادة تنزيه لهم عما ~~نفي عنهم ببيان أن ذلك عندهم بمنزلة الغلبة بعد المغالبة، فأنى ~~يتوهم صدوره عنهم { وهم بأمره يعملون } بيان لتبعيتهم ~~له تعالى في الأعمال إثر ms2211 بيان تبعيتهم له تعالى في الأقوال، فإن نفي ~~سبقهم له تعالى بالقول عبارة عن تبعيتهم له تعالى فيه، كأنه قيل: هم ~~بأمره يقولون وبأمره يعملون لا بغير أمره أصلا، فالقصر المستفاد من ~~تقديم الجار معتبر بالنسبة إلى غير أمره لا إلى أمر غيره. ### || [21.28-30] # { يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم } استئناف وقع ~~تعليلا لما قبله وتمهيدا لما بعده فإنهم لعلمهم بإحاطته تعالى بما ~~قدموا وأخروا من الأقوال والأعمال لا يزالون يراقبون أحوالهم فلا ~~يقدمون على قول أو عمل بغير أمره تعالى { ولا يشفعون إلا ~~لمن ارتضى } أن يشفع له مهابة منه تعالى { وهم } مع ذلك { ~~من خشيته } عز وجل { مشفقون } مرتعدون، وأصل الخشية الخوف ~~مع التعظيم ولذلك خص بها العلماء، والإشفاق الخوف مع الاعتناء فعند ~~تعديته بمن يكون معنى الخوف فيه أظهر وعند تعديته بعلى ينعكس الأمر. # { ومن يقل منهم } أي من الملائكة الكلام فيهم وفي كونهم بمعزل ~~مما قالوا في حقهم { إنى إله من دونه } متجاوز إياه تعالى { ~~فذلك } الذي فرض قوله فرض محال { نجزيه جهنم } كسائر ~~المجرمين ولا يغني عنهم ما ذكر من صفاتهم السنية وأفعالهم المرضية، ~~وفيه من الدلالة على قوة ملكوته تعالى وعزة جبروته واستحالة كون ~~الملائكة بحيث يتوهم في حقهم ما توهمه أولئك الكفرة ما لا يخفى { ~~كذلك نجزى الظلمين } مصدر تشبيهي مؤكد لمضمون ما قبله ~~أي مثل ذلك الجزاء الفظيع نجزي الذين يضعون الأشياء في غير مواضعها ~~ويتعدون أطوارهم، والقصر المستفاد من التقديم معتبر بالنسبة إلى ~~النقصان دون الزيادة أي لا جزاء أنقص منه. # { أولم ير الذين كفروا } تجهيل لهم بتقصيرهم في التدبر ~~في الآيات التكوينية الدالة على استقلاله تعالى بالألوهية وكون جميع ~~ما سواه مقهورا تحت ملكوته، والهمزة للإنكار والواو للعطف على مقدر ~~وقرىء بغير واو والرؤية قلبية، أي ألم يتفكروا ولم يعلموا { أن ~~السموات والأرض كانتا } أي جماعتا السموات والأرضين كما ~~في قوله تعالى: # إن الله يمسك السموات والأرض أن تزولا # [فاطر: 41] { رتقا } الرتق الضم والالتحام والمعنى إما على حذف ~~المضاف أو ms2212 هو بمعنى المفعول أي كانتا ذواتي رتق أو مرتوقتين، وقرىء ~~رتقا أي شيئا رتقا أي مرتوقا { ففتقنهما } قال ابن عباس ~~رضي الله تعالى عنهما في رواية عكرمة والحسن البصري وقتادة وسعيد بن ~~جبير: كانتا شيئا واحدا ملتزمين ففصل الله تعالى بينهما ورفع السماء ~~إلى حيث هي وأقر الأرض، وقال كعب: خلق الله تعالى السموات والأرض ~~ملتصقتين ثم خلق ريحا فتوسطتها ففتقتها، وعن الحسن: خلق الله تعالى ~~الأرض في موضع بيت المقدس كهيئة الفهر عليها دخان ملتزق بها ثم ~~أصعد الدخان وخلق منه السموات وأمسك الفهر في موضعها وبسط منها ~~الأرض وذلك قوله تعالى: { كانتا رتقا ففتقنهما } وقال ~~مجاهد والسدي: كانت السموات مرتتقة طبقة واحدة ففتقها فجعلها سبع ~~سموات وكذلك الأرض كانت مرتتقة طبقة واحدة ففتقها فجعلها سبع ~~أرضين، وقال ابن عباس في رواية عطاء وعليه أكثر المفسرين: إن السموات ~~كانت رتقا مستوية صلبة لا تمطر والأرض رتقا لا تنبت ففتق السماء ~~بالمطر والأرض بالنبات، فيكون المراد بالسموات السماء الدنيا والجمع ~~باعتبار الآفاق أو السموات جميعا على أن لها مدخلا في الأمطار، وعلم ~~الكفرة الرتق والفتق بهذا المعنى مما لا سترة به وأما بالمعاني ~~الأول فهم وإن لم يعلموهما لكنهم متمكنون من علمهما إما بطريق النظر ~~والتفكر، فإن الفتق عارض مفتقر إلى مؤثر قديم وإما بالاستفسار من ~~العلماء ومطالعة الكتب. # { وجعلنا من الماء كل شىء حى } أي خلقنا من الماء كل ~~حيوان كقوله تعالى: { والله خلق كل دابة من ماء } وذلك ~~لأنه من أعظم مواده أو لفرط احتياجه إليه وانتفاعه به، أو صيرنا ~~كل شيء حي من الماء أي بسبب منه لا بد له من ذلك، وتقديم المفعول ~~الثاني للاهتمام به لا لمجرد أن المفعولين في الأصل مبتدأ وخبر وحق ~~الخبر عند كونه ظرفا أن يتقدم على المبتدأ فإن ذلك مصحح محض لا ~~مرجح، وقرىء حيا على أنه صفة كل أو مفعول ثان والظرف كما في ~~الوجه الأول قدم على المفعول للاهتمام به والتشويق إلى المؤخر { ~~أفلا يؤمنون } إنكار لعدم إيمانهم ms2213 بالله وحده مع ظهور ما يوجبه ~~حتما من الآيات الآفاقية والأنفسية الدالة على تفرده عز وجل بالألوهية ~~وعلى كون ما سواه من مخلوقاته مقهورة تحت ملكوته وقدرته، والفاء للعطف ~~على مقدر يستدعيه الإنكار السابق أي أيعلمون ذلك فلا يؤمنون! ### || [21.31-33] # { وجعلنا فى الأرض رواسى } أي جبالا ثوابت جمع راسية من ~~رسا الشيء إذا ثبت ورسخ، ووصف جمع المذكر بجمع المؤنث في غير ~~العقلاء مما لا ريب في صحته كقوله تعالى: # أشهر معلومت # [البقرة: 197] و # أياما معدودت # [البقرة: 184] { أن تميد بهم } أي كراهة أن تتحرك وتضطرب بهم ~~أو لئلا تميد بهم بحذف اللام ولا، لعدم الإلباس { وجعلنا فيها } ~~أي في الأرض وتكرير الفعل لاختلاف المجعولين ولتوفية مقام الامتنان ~~حقه أو في الرواسي لأنها المحتاجة إلى الطرق { فجاجا } مسالك ~~واسعة وإنما قدم على قوله تعالى: { سبلا } وهى وصف له ليصير حالا ~~فيفيد أنه تعالى حين خلقها خلقها كذلك، أو ليبدل منها سبلا فيدل ضمنا ~~على أنه تعالى خلقها ووسعها للسابلة مع ما فيه من التوكيد { ~~لعلهم يهتدون } أي إلى مصالحهم ومهماتهم. # { وجعلنا السماء سقفا محفوظا } من الوقوع بقدرتنا ~~القاهرة أو من الفساد والانحلال إلى الوقت المعلوم بمشيئتنا أو من ~~استراق السمع بالشهب { وهم عن ءايتها } الدالة على ~~وحدانيته تعالى وعلمه وحكمته وقدرته وإرادته التي بعضها محسوس ~~وبعضها معلوم بالبحث عنه في علمي الطبيعة والهيئة { معرضون } ~~لا يتدبرون فيها فيبقون على ما هم عليه من الكفر والضلال. # وقوله تعالى: { وهو الذى خلق اليل والنهر ~~والشمس والقمر } اللذين هما آيتاهما بيان لبعض تلك الآيات ~~التي هم عنها معرضون بطريق الالتفات الموجب لتأكيد الاعتناء بفحوى ~~الكلام، أي هو الذي خلقهن وحده { كل } أي كل واحد منهما على أن ~~التنوين عوض عن المضاف إليه { فى فلك يسبحون } أي يجرون في ~~سطح الفلك كالسبح في الماء، والمراد بالفلك الجنس كقولك: كساهم ~~الخليفة حلة، والجملة حال من الشمس والقمر وجاز انفرادهما بها لعدم ~~اللبس، والضمير لهما والجمع باعتبار المطالع، وجعل الضمير واو ~~العقلاء لأن السباحة حالهم. ### || [21.34-36] # { وما ms2214 جعلنا لبشر من قبلك الخلد } أي في الدنيا ~~لكونه مخالفا للحكمة التكوينية والتشريعية { أفإن مت } بمقتضى ~~حكمتنا { فهم الخلدون } نزلت حين قالوا: نتربص به ريب ~~المنون، والفاء لتعليق الشرطية بما قبلها والهمزة لإنكار مضمونها ~~بعد تقرر القاعدة الكلية النافية لذلك بالمرة، والمراد بإنكار خلودهم ~~ونفيه إنكار ما هو مدار له وجودا وعدما من شماتتهم بموته عليه ~~السلام، فإن الشماتة بما يعتريه أيضا مما لا ينبغي أن يصدر عن العاقل ~~كأنه قيل: أفإن مت فهم الخالدون حتى يشمتوا بموتك وقوله تعالى: { كل ~~نفس ذائقة الموت } أي ذائقة مرارة مفارقتها جسدها، برهان ~~على ما أنكر من خلودهم. # { ونبلوكم } الخطاب إما للناس كافة بطريق التلوين أو للكفرة ~~بطريق الالتفات أي نعاملكم معاملة من يبلوكم { بالشر والخير } ~~بالبلايا والنعم هل تصبرون وتشكرون أو لا { فتنة } مصدر مؤكد ~~لنبلوكم من غير لفظه { وإلينا ترجعون } لا إلى غيرنا لا ~~استقلالا ولا اشتراكا فنجازيكم حسبما يظهر منكم من الأعمال، فهو على ~~الأول وعد ووعيد وعلى الثاني وعيد محض وفيه إيماء إلى أن المقصود من ~~هذه الحياة الدنيا الابتلاء والتعريض للثواب والعقاب، وقرىء يرجعون ~~بالياء على الالتفات. # { وإذا راك الذين كفروا } أي المشركون { إن ~~يتخذونك إلا هزوا } أي ما يتخذونك إلا مهزوءا به على معنى ~~قصر معاملتهم معه عليه السلام على اتخاذهم إياه هزوا، لا على معنى ~~قصر اتخاذهم على كونه هزوا كما هو المتبادر، كأنه قيل: ما يفعلون بك ~~إلا اتخاذك هزوا وقد مر تحقيقه في قوله تعالى: # إن أتبع إلا ما يوحى إلى # [سورة الأنعام: 50] في سورة الأنعام { أهذا الذى يذكر ~~الهتكم } على إرادة القول أي ويقولون أو قائلين ذلك أي يذكرهم الخ، ~~وقوله تعالى: { وهم بذكر الرحمن هم كفرون } في حيز ~~النصب على الحالية من ضمير القول المقدر والمعنى أنهم يعيبون عليه ~~عليه الصلاة والسلام أن يذكر آلهتهم التي لا تضر ولا تنفع بالسوء، ~~والحال أنهم بذكر الرحمن المنعم عليهم بما يليق به من التوحيد أو ~~بإرشاد الخلق بإرسال الرسل وإنزال الكتب أو بالقرآن كافرون ms2215 بذكر ~~الرحمن، والضمير الثاني تأكيد لفظي للأول فوقع الفصل بين العامل ~~ومعموله بالمؤكد، وبين المؤكد والمؤكد بالمعمول. ### || [21.37-39] # { خلق الإنسان من عجل } جعل لفرط استعجاله وقلة صبره ~~كأنه مخلوق منه تنزيلا لما طبع عليه من الأخلاق منزلة ما طبع منه من ~~الأركان إيذانا بغاية لزومه له وعدم انفكاكه عنه، ومن عجلته مبادرته ~~إلى الكفر واستعجاله بالوعيد، روي أنها نزلت في النضر بن الحارث حين ~~استعجل العذاب بقوله: # اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر # [الأنفال: 32] الآية، وعن ابن عباس رضي الله عنهما: أن المراد بالإنسان ~~آدم عليه السلام وأنه حين بلغ الروح صدره ولم يتبالغ فيه أراد أن ~~يقوم، وروي أنه لما دخل الروح في عينيه نظر إلى ثمار الجنة ولما دخل ~~جوفه اشتهى الطعام، وقيل: خلقه الله تعالى في آخر النهار يوم الجمعة ~~قبل غروب الشمس فأسرع في خلقه قبل غيبتها، فالمعنى خلق الإنسان خلقا ~~ناشئا من عجل فذكره لبيان أنه من دواعي عجلته في الأمور، والأظهر أن ~~المراد به الجنس وإن كان خلقه عليه السلام ساريا إلى أولاده، وقيل: ~~العجل الطين بلغة حمير، ولا تقريب له ههنا وقوله تعالى: { ~~سأريكم ءايتي } تلوين للخطاب وصرف له عن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم إلى المستعجلين بطريق التهديد والوعيد، أي سأريكم نقماتي في ~~الآخرة كعذاب النار وغيره { فلا تستعجلون } بالإتيان بها والنهي ~~عما جبلت عليه نفوسهم ليقعدوها عن مرادها. # { ويقولون متى هذا الوعد } أي وقت مجيء الساعة التي ~~كانوا يوعدون وإنما كانوا يقولونه استعجالا لمجيئه بطريق الاستهزاء ~~والإنكار كما يرشد إليه الجواب لا طلبا لتعيين وقته بطريق الإلزام ~~كما في سورة الملك { إن كنتم صدقين } أي في وعدكم بأنه يأتينا، ~~والخطاب للنبي عليه الصلاة والسلام والمؤمنين الذين يتلون الآيات ~~الكريمة المنبئة عن مجيء الساعة، وجواب الشرط محذوف ثقة بدلالة ما ~~قبله عليه حسبما حذف في مثل قوله تعالى: # فأتنا بما تعدنا إن كنت من الصدقين # [الأعراف: 70] فإن قولهم: متى هذا الوعد استبطاء للموعود وطلب ~~لإتيانه بطريق العجلة فإن ms2216 ذلك في قوة الأمر بالإتيان عجلة، كأنه قيل: ~~فليأتنا بسرعة إن كنتم صادقين. # { لو يعلم الذين كفروا } استئناف مسوق لبيان شدة هول ~~ما يستعجلونه وفظاعة ما فيه من العذاب وأنهم إنما يستعجلونه لجهلهم ~~بشأنه، وإيثار صيغة المضارع في الشرط وإن كان المعنى المضي لإفادة ~~استمرار عدم العلم فإن المضارع المنفي الواقع موقع الماضي ليس بنص ~~في إفادة انتفاء استمرار الفعل بل يفيد استمرار انتفائه أيضا بحسب ~~المقام، كما في قولك: لو تحسن إلي لشكرتك، فإن المعنى أن انتفاء الشكر ~~لاستمرار انتفاء الإحسان لا لانتفاء استمرار الإحسان ووضع الموصول ~~موضع الضمير للتنبيه بما في حيز الصلة على علة استعجالهم، وقوله ~~تعالى: { حين لا يكفون عن وجوههم النار ولا عن ~~ظهورهم } مفعول يعلم وهو عبارة عن الوقت الموعود الذي كانوا ~~يستعجلونه وإضافته إلى الجملة الجارية مجرى الصفة التي حقها أن تكون ~~معلومة الانتساب إلى الموصوف عند المخاطب أيضا مع إنكار الكفرة لذلك ~~للإيذان بأنه من الظهور بحيث لا حاجة له إلى الإخبار به وإنما حقه ~~الانتظام في سلك المسلمات المفروغ عنها، وجواب لو محذوف أي لو لم ~~يستمر علمهم بالوقت الذي يستعجلونه بقولهم: متى هذا الوعد من الحين ~~الذي تحيط بهم النار فيه من كل جانب، وتخصيص الوجوه والظهور بالذكر ~~بمعنى القدام والخلف لكونهما أشهر الجوانب واستلزام الإحاطة بهما ~~الإحاطة بالكمال بحيث يقدرون على دفعها بأنفسهم من جانب من جوانبهم. # { ولا هم ينصرون } من جهة الغير في دفعها الخ، لما فعلوا ما ~~فعلوا من الاستعجال ويجوز أن يكون (يعلم) متروك المفعول منزلا منزلة ~~اللازم، أي لو كان لهم علم لما فعلوه وقوله تعالى: { حين } الخ، ~~استئناف مقرر لجهلهم ومبين لاستمراره إلى ذلك الوقت كأنه قيل: حين ~~يرون ما يرون يعلمون حقيقة الحال. ### || [21.40-41] # { بل تأتيهم } عطف على لا يكفون أي لا يكفونها بل تأتيهم أي ~~العدة أو النار أو الساعة { بغتة فتبهتهم } أي تغلبهم أو ~~تحيرهم، وقرىء الفعلان بالتذكير على أن الضمير للوعد أو الحين وكذا ~~الهاء في قوله تعالى: { فلا يستطيعون ms2217 ردها } بتأويل الوعد ~~بالنار أو العدة والحين بالساعة، ويجوز عوده إلى النار، وقيل: إلى ~~البغتة أي لا يستطيعون ردها عنهم بالكلية { ولا هم ينظرون } أي ~~يمهلون ليستريحوا طرفة عين، وفيه تذكير لإمهالهم في الدنيا. # { ولقد استهزىء برسل من قبلك } تسلية لرسول الله صلى ~~الله عليه وسلم عن استهزائهم به عليه السلام في ضمن الاستعجال وعدة ~~ضمنية بأنه يصيبهم مثل ما أصاب المستهزئين بالرسل السالفة عليهم ~~الصلاة والسلام، وتصديرها بالقسم لزيادة تحقيق مضمونها، وتنوين الرسل ~~للتفخيم والتكثير ومن متعلقة بمحذوف هو صفة له، أي وبالله لقد استهزىء ~~برسل أولي شأن خطير وذوي عدد كثير كائنين من زمان قبل زمانك على حذف ~~المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه. # { فحاق } أي أحاط عقيب ذلك أو نزل أو حل أو نحو ذلك، فإن معناه يدور ~~على الشمول واللزوم ولا يكاد يستعمل إلا في الشر، والحيق ما يشتمل على ~~الإنسان من مكروه فعله، وقوله تعالى: { بالذين سخروا ~~منهم } أي من أولئك الرسل عليهم السلام متعلق بحاق وتقديمه على فاعله ~~الذي هو قوله تعالى: { ما كانوا به يستهزؤن } للمسارعة إلى ~~بيان لحوق الشر بهم، وما إما موصولة مفيدة للتهويل والضمير المجرور ~~عائد إليها والجار متعلق بالفعل وتقديمه عليه لرعاية الفواصل، أي ~~فأحاط بهم الذي كانوا يستهزؤن به حيث أهلكوا لأجله، وإما مصدرية فالضمير ~~المجرور راجع حينئذ إلى جنس الرسول المدلول عليه بالجمع كما قالوا، ~~ولعل إيثاره على الجمع للتنبيه على أنه يحيق بهم جزاء استهزائهم بكل ~~واحد واحد منهم عليهم السلام لا جزاء استهزائهم بكلهم من حيث هو كل ~~فقط، أي فنزل بهم جزاء استهزائهم على وضع السبب موضع المسبب إيذانا ~~بكمال الملابسة بينهما أو عين استهزائهم إن أريد بذلك العذاب ~~الأخروي بناء على تجسيم الأعمال الظاهرة في هذه النشأة بصور عرضية ~~تبرز في النشأة الآخرة بصور جوهرية مناسبة لها في الحسن والقبح وعلى ~~ذلك بني الوزن، وقد مر تفصيله في سورة الأعراف وفي قوله تعالى: # إنما بغيكم على أنفسكم # [يونس: 23] الآية إلى آخرها. ### || [21.42-44] # { قل } خطاب ms2218 لرسول الله صلى الله عليه وسلم إثر تسليته بما ذكر من ~~مصير أمرهم إلى الهلاك وأمر له عليه السلام بأن يقول لأولئك المستهزئين ~~بطريق التقريع والتبكيت: { من يكلؤكم } أي يحفظكم { باليل ~~والنهار من الرحمن } أي من بأسه الذي تستحقون نزوله ليلا أو ~~نهارا، وتقديم الليل لما أن الدواهي أكثر فيه وقوعا وأشد وقعا، ~~وفي التعرض لعنوان الرحمانية إيذان بأن كالئهم ليس إلا رحمته ~~العامة، وبعد ما أمر عليه السلام بما ذكر من السؤال على الوجه المذكور ~~حسبما تقتضيه حالهم لأنهم بحيث لولا أن الله تعالى يحفظهم في ~~الملوين لحل بهم فنون الآفات، فهم أحقاء بأن يكلفوا الاعتراف ~~بذلك فيوبخوا على ما هم عليه من الإشراك، أضرب عن ذلك بقوله تعالى: { ~~بل هم عن ذكر ربهم معرضون } ببيان أن لهم حالا أخرى ~~مقتضية لصرف الخطاب عنهم هي أنهم لا يخطرون ذكره تعالى ببالهم، ~~فضلا أن يخافوا بأسه ويعدوا ما كانوا عليه من الأمن والدعة حفظا ~~وكلاءة حتى يسألوا عن الكالىء على طريقة قول من قال: [البسيط] # عوجوا فحيوا لنعمى دمنة الدار # ماذا تحيون من نؤي وأحجار # وفي تعليق الإعراض بذكره تعالى وإيراد اسم الرب المضاف إلى ضميرهم ~~المنبىء عن كونهم تحت ملكوته وتدبيره وتربيته تعالى من الدلالة على ~~كونهم في الغاية القاصية من الضلالة والغي ما لا يخفى، وكلمة أم في ~~قوله تعالى: { أم لهم الهة تمنعهم من دوننا } منقطعة ~~وما فيها من معنى بل للإضراب والانتقال عما قبله من بيان أن جهلهم ~~بحفظه تعالى إياهم لعدم خوفهم الناشىء عن إعراضهم عن ذكر ربهم بالكلية ~~إلى توبيخهم باعتمادهم على آلهتهم وإسنادهم الحفظ إليها، والهمزة ~~لإنكار أن يكون لهم آلهة تقدر على ذلك والمعنى بل ألهم آلهة تمنعهم من ~~العذاب تتجاوز منعنا أو حفظنا، أو من عذاب كائن من عندنا فهم معولون ~~عليها واثقون بحفظها، وفي توجيه الإنكار والنفي إلى وجود الآلهة ~~الموصوفة بما ذكر من المنع لا إلى نفس الصفة بأن يقال: أم تمنعهم ~~آلهتهم الخ، من الدلالة على سقوطها عن ms2219 مرتبة الوجود فضلا عن رتبة ~~المنع ما لا يخفى، وقوله عز وعلا: { لا يستطيعون نصر ~~أنفسهم ولا هم منا يصحبون } استئناف مقرر لما قبله ~~من الإنكار وموضح لبطلان اعتقادهم أي هم لا يستطيعون أن ينصروا ~~أنفسهم ولا يصحبون بالنصر من جهتنا، فكيف يتوهم أن ينصروا غيرهم؟ ~~وقوله تعالى: { بل متعنا هؤلاء وءاباءهم حتى طال ~~عليهم العمر } إضراب عما توهموا ببيان أن الداعي إلى حفظهم ~~تمتيعنا إياهم بما قدر لهم من الأعمار أو عن الدلالة على بطلانه ~~ببيان ما أوهمهم ذلك، وهو أنه تعالى متعهم بالحياة الدنيا وأمهلهم حتى ~~طالت أعمارهم فحسبوا أن لا يزالوا كذلك وأنه بسبب ما هم عليه، ولذلك ~~عقب بما يدل على أنه طمع فارغ وأمل كاذب حيث قيل: { أفلا يرون ~~} أي ألا ينظرون فلا يرون { أنا نأتى الأرض } أي أرض الكفرة { ~~ننقصها من أطرافها } فكيف يتوهمون أنهم ناجون من بأسنا، وهو ~~تمثيل وتصوير لما يخربه الله عز وجل من ديارهم على أيدي المسلمين ~~ويضيفها إلى دار الإسلام { أفهم الغلبون } على رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم والمؤمنين، والفاء لإنكار ترتيب الغالبية على ما ذكر من ~~نفس أرض الكفرة بتسليط المسلمين عليها، كأنه قيل: أبعد ظهور ما ذكر ~~ورؤيتهم له يتوهم غلبتهم؟ كما مر في قوله تعالى: # أفمن كان على بينة من ربه # [هود: 17] وقوله تعالى: # قل أفاتخذتم من دونه أولياء # [الرعد: 16] وفي التعريف تعريض بأن المسلمين هم المتعينون للغلبة ~~المعروفون بها. ### || [21.45-47] # { قل إنما أنذركم } بعد ما بين من جهته تعالى غاية هول ما ~~يستعجله ونهاية سوء حالهم عند إتيانه ونعي عليهم جهلهم بذلك ~~وإعراضهم عن ذكر ربهم الذي يكلؤهم من طوارق الليل والنهار وغير ذلك من ~~مساوي أحوالهم، أمر عليه السلام بأن يقول لهم: إنما أنذركم ما تستعجلونه ~~من الساعة { بالوحى } الصادق الناطق بإتيانها وفظاعة ما فيها من ~~الأهوال، أي إنما شأني أن أنذركم بالإخبار بذلك لا بالإتيان بها فإنه ~~مزاحم للحكمة التكوينية والتشريعية إذ الإيمان برهاني لا عياني، ~~وقوله تعالى: { ولا يسمع الصم الدعاء ms2220 } إما من تتمة الكلام ~~الملقن تذييل له بطريق الاعتراض، قد أمر عليه السلام بأن يقوله لهم ~~توبيخا وتقريعا وتسجيلا عليهم بكمال الجهل والعناد، واللام للجنس ~~المنتظم للمخاطبين انتظاما أوليا أو للعهد فوضع المظهر موضع المضمر ~~للتسجيل عليهم بالتصام، وتقييد نفي السماع بقوله تعالى: { إذا ما ~~ينذرون } مع أن الصم لا يسمعون الكلام إنذارا كان أو تبشيرا ~~لبيان كمال شدة الصمم، كما أن إيثار الدعاء الذي هو عبارة عن ~~الصوت والنداء على الكلام لذلك فإن الإنذار عادة يكون بأصوات عالية ~~مكررة مقارنة لهيئات دالة عليه، فإذا لم يسمعوها يكون صممهم في ~~غاية لا غاية وراءها، وإما من جهته تعالى على طريقة قوله تعالى: # بل هم عن ذكر ربهم معرضون # [الأنبياء: 43] ويؤيده القراءة على خطاب النبي عليه الصلاة والسلام من ~~الإسماع بنصب الصم والدعاء، كأنه قيل: قل لهم ذلك وأنت بمعزل من ~~إسماعهم، وقرىء بالياء أيضا على أن الفاعل هو عليه السلام، وقرىء على ~~البناء للمفعول أي لا يقدر أحد على إسماع الصم. # وقوله تعالى: { ولئن مستهم نفحة من عذاب ربك } ~~بيان لسرعة تأثرهم من مجيء نفس العذاب إثر بيان عدم تأثرهم من ~~مجيء خبره على نهج التوكيد القسمي، أي وبالله لئن أصابهم أدنى شيء من ~~عذابه تعالى كما ينبىء عنه المس والنفحة بجوهرها وبنائها فإن أصل النفح ~~هبوب رائحة الشيء { ليقولن يويلنا قالوا إنا كنا ~~ظلمين } ليدعن على أنفسهم بالويل والهلاك ويعترفن عليها ~~بالظلم. # وقوله تعالى: { ونضع الموزين القسط } بيان لما سيقع عند ~~إتيان ما أنذروه، أي نقيم الموازين العادلة التي توزن بها صحائف ~~الأعمال، وقيل: وضع الموازين تمثيل لإرصاد الحساب السوي والجزاء على ~~حسب الأعمال، وقد مر تفصيل ما فيه من الكلام في سورة الأعراف، وإفراد ~~القسط لأنه مصدر وصف به مبالغة { ليوم القيمة } التي ~~كانوا يستعجلونها أي لجزائه أو لأجل أهله أو فيه كما في قولك: جئت لخمس ~~خلون من الشهر { فلا تظلم نفس } من النفوس { شيئا } حقا ~~من حقوقها أو شيئا ما من الظلم، بل يوفى كل ذي ms2221 حق حقه إن خيرا ~~فخير وإن شرا فشر، والفاء لترتيب انتفاء الظلم على وضع الموازين { ~~وإن كان } أي العمل المدلول عليه بوضع الموازين { مثقال ~~حبة من خردل } أي مقدار حبة كائنة من خردل، أي وإن كان في ~~غاية القلة والحقارة فإن حبة الخردل مثل في الصغر، وقرىء مثقال ~~حبة بالرفع على أن كان تامة { أتينا بها } أي أحضرنا ذلك العمل ~~المعبر عنه بمثقال حبة الخردل للوزن، والتأنيث لإضافته إلى الحبة ~~وقرىء آتينا بها أي جازينا بها من الإيتاء بمعنى المجازاة والمكافأة ~~لأنهم أتوه بالأعمال وأتاهم بالجزاء، وقرىء أثبنا من الثواب وقرىء جئنا ~~بها { وكفى بنا حسبين } إذ لا مزيد على علمنا وعدلنا. ### || [21.48-50] # { ولقد ءاتينا موسى وهرون الفرقان وضياء ~~وذكرا للمتقين } نوع تفصيل لما أجمل في قوله تعالى: # وما أرسلنا قبلك إلا رجالا نوحى إليهم # [الأنبياء: 7] إلى قوله تعالى: # وأهلكنا المسرفين # [الأنبياء: 9] وإشارة إلى كيفية إنجائهم وإهلاك أعدائهم، وتصديره ~~بالتوكيد القسمي لإظهار كمال الاعتناء بمضمونه، والمراد بالفرقان هو ~~التوارة وكذا بالضياء والذكر، أي وبالله لقد آتيناهم وحيا ساطعا ~~وكتابا جامعا بين كونه فارقا بين الحق والباطل وضياء يستضاء به ~~في ظلمات الجهل والغواية وذكرا يتعظ به الناس، وتخصيص المتقين ~~بالذكر لأنهم المستضيئون بأنواره المغتنمون لمغانم آثاره أو ذكر ما ~~يحتاجون إليه من الشرائع والأحكام، وقيل: الفرقان النصر، وقيل: فلق ~~البحر والأول هو اللائق بمساق النظم الكريم فإنه لتحقيق أمر القرآن ~~المشارك لسائر الكتب الإلهية لا سيما التوراة فيما ذكر من الصفات، ~~ولأن فلق البحر هو الذي اقترح الكفرة مثله بقولهم: فليأتنا بآية كما ~~أرسل الأولون، وقرىء ضياء بغير واو على أنه حال من الفرقان. # وقوله تعالى: { الذين يخشون ربهم } أي عذابه، مجرور ~~المحل على أنه صفة مادحة للمتقين أو بدل أو بيان أو منصوب أو مرفوع ~~على المدح { بالغيب } حال من المفعول أي يخشون عذابه تعالى وهو ~~غائب عنهم غير مشاهد لهم، ففيه تعريض بالكفرة حيث لا يتأثرون بالإنذار ~~ما لم يشاهدوا ما أنذروه، وقيل: من الفاعل { وهم من الساعة ms2222 ~~مشفقون } أي خائفون منها بطريق الاعتناء، وتقديم الجار لمراعاة ~~الفواصل وتخصيص إشفاقهم منها بالذكر بعد وصفهم بالخشية على الإطلاق ~~للإيذان بكونها معظم المخوفات وللتنصيص على اتصافهم بضد ما اتصف به ~~المستعجلون، وإيثار الجملة الاسمية للدلالة على ثبات الإشفاق ودوامه. # { وهذا } أي القرآن الكريم أشير إليه بهذا إيذانا بغاية وضوح ~~أمره { ذكر } يتذكر، وصف بالوصف الأخير للتوراة لمناسبة المقام ~~وموافقته لما مر في صدر السورة الكريمة { مبارك } كثير الخير ~~غزير النفع يتبرك به { أنزلنه } إما صفة ثانية لذكر أو خبر { ~~أفأنتم له منكرون } إنكار لإنكارهم بعد ظهور كون إنزاله ~~كإيتاء التوراة، كأنه قيل: أبعد أن علمتم أن شأنه كشأن التوراة في ~~الإيتاء والإيحاء أنتم منكرون لكونه منزلا من عندنا؟ فإن ذلك بعد ~~ملاحظة حال التوراة مما لا مساغ له أصلا. ### || [21.51-54] # { ولقد ءاتينا إبرهيم رشده } أي الرشد اللائق به ~~وبأمثاله من الرسل الكبار وهو الاهتداء الكامل المستند إلى الهداية ~~الخاصة الحاصلة بالوحي والاقتدار على إصلاح الأمة باستعمال النواميس ~~الإلهية، وقرىء رشده وهما لغتان كالحزن والحزن { من قبل } أي ~~من قبل إيتاء موسى وهارون التوراة، وتقديم ذكر إيتائها لما بينه ~~وبين إنزال القرآن من الشبه التام، وقيل: من قبل استنبائه أو قبل ~~بلوغه ويأباه المقام { وكنا به علمين } أي بأنه أهل لما ~~آتيناه وفيه من الدليل على أنه تعالى عالم بالجزئيات مختار في أفعاله ~~ما لا يخفى. # { إذ قال لأبيه وقومه } ظرف لآتينا على أنه وقت متسع وقع ~~فيه الإيتاء وما ترتب عليه من أفعاله وأقواله، وقيل: مفعول لمضمر ~~مستأنف وقع تعليلا لما قبله أي اذكر وقت قوله لهم: { ما هذه ~~التمثيل التى أنتم لها عكفون } لتقف على كمال رشده ~~وغاية فضله، والتمثال اسم لشيء مصنوع مشبه بخلق من خلائق الله ~~تعالى وهذا تجاهل منه عليه السلام حيث سألهم عن أصنامهم بغير التي يطلب ~~بها بيان الحقيقة، أو شرح الاسم كأنه لا يعرف أنها ماذا مع إحاطته بأن ~~حقيقتها حجر أو شجر اتخذوها معبودا، وعبر عن عبادتهم لها بمطلق ~~العكوف الذي هو ms2223 عبارة عن اللزوم والاستمرار على الشيء لغرض من الأغراض ~~قصدا إلى تحقيرها وإذلالها وتوبيخا لهم على إجلالها، واللام في لها ~~للاختصاص دون التعدية وإلا لجيء بكلمة على، والمعنى أنتم فاعلون العكوف ~~لها، وقد جوز تضمين العكوف معنى العبادة كما ينبىء عنه قوله تعالى: { ~~قالوا وجدنا ءاباءنا لها عبدين } أجابوا بذلك لما أن ~~مآل سؤاله عليه السلام الاستفسار عن سبب عبادتهم لها كما ينبىء عنه ~~وصفه عليه السلام إياهم بالعكوف لها، كأنه قال: ما هي؟ هل تستحق ما ~~تصنعون من العكوف عليها؟ فلما لم يكن لهم ملجأ يعتد به التجأوا إلى ~~التقليد فأبطله عليه السلام على طريقة التوكيد القسمي حيث { قال لقد ~~كنتم أنتم وءاباؤكم } الذين سنوا لكم هذه السنة الباطلة { ~~فى ضلل } عجيب لا يقادر قدره { مبين } أي ظاهر بين بحيث ~~لا يخفى على أحد من العقلاء كونه كذلك، ومعنى كنتم مطلق استقرارهم على ~~الضلال لا استقرارهم الماضي الحاصل قبل زمان الخطاب المتناول لهم ~~ولآبائهم، أي والله لقد كنتم مستقرين على ضلال عظيم ظاهر لعدم استناده ~~إلى دليل ما، والتقليد إنما يجوز فيما يحتمل الحقية في الجملة. ### || [21.55-58] # { قالوا } لما سمعوا مقالته عليه السلام استبعادا لكون ما هم عليه ~~ضلالا وتعجبا من تضليله عليه السلام إياهم بطريق التوكيد القسمي، ~~وترددا في كون ذلك منه عليه السلام على وجه الجد { أجئتنا ~~بالحق } أي بالجد { أم أنت من اللعبين } فتقول ما تقول ~~على وجه المداعبة والمزاح، وفي إيراد الشق الأخير بالجملة الاسمية ~~الدالة على الثبات إيذان برجحانه عندهم. { قال } عليه السلام ~~إضرابا عما بنوا عليه مقالتهم من اعتقاد كونها أربابا لهم كما يفصح ~~عنه قولهم: نعبد أصناما فنظل لها عاكفين، كأنه قيل: ليس الأمر كذلك { ~~بل ربكم رب السموات والأرض الذى فطرهن } ~~وقيل: هو إضراب عن كونه لاعبا بإقامة البرهان على ما ادعاه، وضمير ~~هن للسموات والأرض، وصفه تعالى بإيجادهن إثر وصفه تعالى بربوبيته ~~تعالى لهن تحقيقا للحق وتنبيها على أن ما لا يكون كذلك بمعزل من ~~الربوبية، أي أنشأهن بما فيهن ms2224 من المخلوقات التي من جملتها أنتم وآباؤكم ~~وما تعبدونه من غير مثال يحتذيه ولا قانون ينتحيه، ورجع الضمير إلى ~~التماثيل أدخل في تضليلهم وأظهر في إلزام الحجة عليهم لما فيه من ~~التصريح المغني عن التأمل في كون ما يعبدونه من جملة المخلوقات { ~~وأنا على ذلكم } الذي ذكرته من كون ربكم رب السموات والأرض ~~فقط دون ما عداه كائنا ما كان { من الشهدين } أي العالمين به ~~على سبيل الحقيقة المبرهنين عليه فإن الشاهد على الشيء من تحققه ~~وحققه، وشهادته على ذلك إدلاؤه بالحجة عليه وإثباته بها، كأنه قال: ~~وأنا أبين ذلك وأبرهن عليه { وتالله } وقرى بالباء وهو الأصل ~~والتاء بدل من الواو التي هي بدل من الأصل وفيها تعجب { لأكيدن ~~أصنمكم } أي لأجتهدن في كسرها وفيه إيذان بصعوبة الانتهاز ~~وتوقفه على استعمال الحيل وإنما قاله عليه السلام سرا، وقيل: سمعه ~~رجل واحد { بعد أن تولوا مدبرين } من عبادتها إلى عيدكم، ~~وقرىء تولوا من التولي بحذف إحدى التاءين ويعضدها قوله تعالى: { ~~فتولوا عنه مدبرين } والفاء في قوله تعالى: { ~~فجعلهم } فصيحة أي فولوا فجعلهم { جذاذا } أي قطاعا فعال ~~بمعنى مفعول من الجذ الذي هو القطع كالحطام من الحطم الذي هو الكسر، ~~وقرىء بالكسر وهي لغة أو جمع جذيذ كخفاف وخفيف، وقرىء بالفتح وجذذا ~~جمع جذيذ وجذذا جمع جذة. روي أن آزر خرج به في يوم عيد لهم فبدأوا ~~ببيت الأصنام فدخلوه فسجدوا لها ووضعوا بينها طعاما خرجوا به معهم ~~وقالوا: إلى أن ترجع بركة الآلهة على طعامنا، فذهبوا وبقي إبراهيم ~~عليه السلام فنظر إلى الأصنام وكانت سبعين صنما مصطفا وثمة صنم ~~عظيم مستقبل الباب، وكان من ذهب وفي عينيه جوهرتان تضيئان بالليل فكسر ~~الكل بفأس كانت في يده ولم يبق إلا الكبير وعلق الفأس في عنقه وذلك ~~قوله تعالى: { إلا كبيرا لهم } أي للأصنام { لعلهم ~~إليه } أي إلى إبراهيم عليه السلام { يرجعون } فيحاجهم بما ~~سيأتي فيحجهم ويبكتهم، وقيل: يرجعون إلى الكبير فيسألونه عن الكاسر ~~لأن من شأن المعبود أن يرجع إليه في الملمات، ms2225 وقيل: يرجعون إلى ~~الله تعالى وتوحيده عند تحققهم عجز آلهتهم عن دفع ما يصيبهم وعن ~~الإضرار بمن كسرهم. ### || [21.59-65] # { قالوا } أي حين رجعوا من عيدهم ورأوا ما رأوا { من فعل ~~هذا بئالهتنا } على طريقة الإنكار والتوبيخ والتشنيع، ~~وإنما عبروا عنها بما ذكر ولم يشيروا إليها بهؤلاء وهي بين أيديهم ~~مبالغة في التشنيع وقوله تعالى: { إنه لمن الظلمين } ~~استئناف مقرر لما قبله، وقيل: من موصولة وهذه الجملة في حيز الرفع ~~على أنها خبر لها، والمعنى الذي فعل هذا الكسر والحطم بآلهتنا إنه ~~معدود من جملة الظلمة إما لجرأته على إهانتها وهي حقيقة بالإعظام ~~أو لإفراطه في الكسر والحطم وتماديه في الاستهانة بها، أو بتعريض نفسه ~~للهلكة { قالوا } أي بعض منهم مجيبين للسائلين { سمعنا فتى ~~يذكرهم } أي يعيبهم فلعله فعل ذلك بها فقوله تعالى: { ~~يذكرهم } إما مفعول ثان لسمع لتعلقه بالعين أو صفة لفتى ~~مصححة لتعلقه به، إذا كان القائلون سمعوه عليه السلام بالذات ~~يذكرهم وإن كانوا قد سمعوا من الناس أنه عليه السلام يذكرهم بسوء فلا ~~حاجة إلى المصحح { يقال له إبرهيم } صفة أخرى لفتى أي يطلق ~~عليه هذا الاسم. # { قالوا } أي السائلون { فأتوا به على أعين الناس } ~~أي بمرأى منهم بحيث نصب أعينهم في مكان مرتفع لا يكاد يخفى على أحد { ~~لعلهم يشهدون } أي يحضرون عقوبتنا له، وقيل: لعلهم يشهدون أي ~~بفعله أو بقوله ذلك فالضمير حينئذ ليس للناس بل لبعض منهم مبهم أو ~~معهود { قالوا } استئناف مبني على سؤال نشأ من حكاية قولهم، كأنه ~~قيل: فماذا فعلوا به عليه السلام بعد ذلك؟ هل أتوا به أو لا؟ فقيل: أتوا ~~به ثم قالوا: { ءأنت فعلت هذا بئالهتنا ~~يإبراهيم } اقتصارا على حكاية مخاطبتهم إياه عليه السلام ~~للتنبيه على أن إتيانهم به ومسارعتهم إلى ذلك أمر محقق غني عن ~~البيان. # { قال بل فعله كبيرهم هذا } مشيرا إلى الذي لم ~~يكسره، سلك عليه السلام مسلكا تعريضيا يؤديه إلى مقصده الذي هو ~~إلزامهم الحجة على ألطف وجه وأحسنه بحملهم على التأمل في شأن آلهتهم ms2226 ~~مع ما فيه من التوقي من الكذب، حيث أبرز الكبير قولا في معرض ~~المباشر للفعل بإسناده إليه كما أبرزه في ذلك المعرض فعلا بجعل ~~الفأس في عنقه، وقد قصد إسناده إليه بطريق التسبيب حيث كانت تلك ~~الأصنام غاظته عليه السلام حين أبصرها مصطفة مرتبة للعبادة من دون ~~الله سبحانه، وكان غيظ كبيرها أكبر وأشد حسب زيادة تعظيمهم له، ~~فأسند الفعل باعتبار أنه الحامل عليه، وقيل: هو حكاية لما يقود إلى ~~تجويزه مذهبهم كأنه قال لهم: ما تنكرون أن يفعله كبيرهم فإن من حق من ~~يعبد ويدعى إلها أن يقدر على ما هو أشد من ذلك، ويحكى أنه عليه ~~السلام قال: فعله كبيرهم هذا، غضب أن تعبد معه هذه الصغار وهو ~~أكبر منها فيكون تمثيلا أراد به عليه السلام تنبيههم على غضب الله ~~تعالى عليهم لإشراكهم بعبادته الأصنام، وأما ما قيل من أنه عليه السلام ~~لم يقصد نسبة الفعل الصادر عنه إلى الصنم بل إنما قصد تقريره لنفسه ~~وإثباته لها على أسلوب تعريضي يبلغ فيه غرضه من إلزامهم الحجة ~~وتبكيتهم ومثل لذلك بما لو قال لك أمي فيما كتبته بخط رشيق وأنت ~~شهير بحسن الخط: أأنت كتبت؟ كان قصدك تقرير الكتابة لنفسك مع ~~الاستهزاء بالسائل لا نفيها عنك وإثباتها له فبمعزل من التحقيق لأن ~~خلاصة المعنى في المثال المذكور مجرد تقرير الكتابة لنفسك وإدعاء ~~ظهور الأمر مع الاستهزاء بالسائل وتجهيله في السؤال لابتنائه على أن ~~صدورها عن غيرك محتمل عنده مع استحالته عندك، ولا ريب في أن مراده ~~عليه السلام من إسناد الكسر إلى الصنم ليس مجرد تقريره لنفسه ولا ~~تجهيلهم في سؤالهم لابتنائه على احتمال صدوره عن الغير عندهم، بل إنما ~~مراده عليه السلام توجيههم نحو التأمل في أحوال أصنامهم كما ينبىء عنه ~~قوله: { فسئلوهم إن كانوا ينطقون } أي إن كانوا ممن يمكن ~~أن ينطقوا وإنما لم يقل عليه السلام: إن كانوا يسمعون أو يعقلون مع أن ~~السؤال موقوف على السمع والعقل أيضا، لما أن نتيجة السؤال هو الجواب ~~وأن ms2227 عدم نطقهم أظهر وتبكيتهم بذلك أدخل، وقد حصل ذلك أولا حسبما نطق ~~به قوله تعالى: # { فرجعوا إلى أنفسهم } أي راجعوا عقولهم وتذكروا أن ما لا ~~يقدر على دفع المضرة عن نفسه ولا على الإضرار بمن كسره بوجه من ~~الوجوه، يستحيل أن يقدر على دفع مضرة عن غيره أو جلب منفعة له فكيف ~~يستحق أن يكون معبودا { فقالوا } أي قال بعضهم لبعض فيما بينهم: { ~~إنكم أنتم الظلمون } أي بهذا السؤال لأنه كان على طريقة ~~التوبيخ المستتبع للمؤاخذة أو بعبادة الأصنام، لا من ظلمتوه بقولكم: ~~إنه لمن الظالمين أو أنتم الظالمون بعبادتها لا من كسرها. # { ثم نكسوا على رؤوسهم } أي انقلبوا إلى المجادلة بعدما ~~استقاموا بالمراجعة، شبه عودهم إلى الباطل بصيرورة أسفل الشيء أعلاه، ~~وقرىء نكسوا بالتشديد ونكسوا على البناء للفاعل أي نكسوا أنفسهم { ~~لقد علمت ما هؤلاء ينطقون } على إرادة القول أي قائلين: ~~والله لقد علمت أن ليس شأنهم النطق فكيف تأمرنا بسؤالهم؟ على أن ~~المراد استمرار نفي النطق لا نفي استمراره كما توهمه صيغة المضارع. ### || [21.66-69] # { قال } مبكتا لهم { أفتعبدون } أي أتعلمون ذلك فتعبدون { ~~من دون الله } أي متجاوزين عبادته تعالى: { ما لا ينفعكم ~~شيئا } من النفع { ولا يضركم } فإن العلم بحاله المنافية ~~للألوهية مما يوجب الاجتناب عن عبادته قطعا. # { أف لكم ولما تعبدون من دون الله } تضجر منه ~~عليه الصلاة والسلام من إصرارهم على الباطل البين، وإظهار الاسم ~~الجليل في موضع الإضمار لمزيد استقباح ما فعلوا، وأف صوت المتضجر ~~ومعناه قبحا ونتنا واللام لبيان المتأفف له { أفلا ~~تعقلون } أي ألا تتفكرون فلا تعقلون قبح صنيعكم. # { قالوا } أي قال بعضهم لبعض لما عجزوا عن المحاجة وضاقت عليهم ~~الحيل وعيت بهم العلل، وهكذا ديدن المبطل المحجوج إذا قرعت ~~شبهته بالحجة القاطعة وافتضح لا يبقى له مفزع إلا المناصبة { ~~حرقوه } فإنه أشد العقوبات { وانصروا ءالهتكم } بالانتقام ~~لها { إن كنتم فعلين } أي للنصر أو لشيء يعتد به، قيل: ~~القائل نمرود بن كنعان بن السنجاريب بن نمرود بن كوس بن حام بن نوح، ~~وقيل: ms2228 رجل من أكراد فارس اسمه هيون، وقيل: هدير خسفت به الأرض، روي ~~أنهم لما أجمعوا على إحراقه عليه السلام بنوا له حظيرة بكوثى، قرية ~~من قرى الأنباط وذلك قوله تعالى: # قالوا ابنوا له بنينا فألقوه فى الجحيم # [الصافات: 97] فجمعوا له صلاب الحطب من أصناف الخشب مدة أربعين يوما ~~فأوقدوا نارا عظيمة لا يكاد يحوم حولها أحد، حتى إن كانت الطير لتمر ~~بها وهي في أقصى الجو فتحترق من شدة وهجها ولم يكد أحد يحوم حولها. فلم ~~يعلموا كيف يلقونه عليه السلام فيها فأتى إبليس وعلمهم عمل المنجنيق ~~فعملوه، وقيل: صنعه لهم رجل من الأكراد فخسف الله تعالى به الأرض فهو ~~يتجلجل فيها إلى يوم القيامة، ثم عمدوا إلى إبراهيم عليه السلام فوضعوه ~~فيه مغلولا فرموا به فيها فقال له جبريل عليهما السلام: هل لك حاجة؟ ~~قال: أما إليك فلا، قال: فاسأل ربك، قال: حسبي من سؤالي علمه بحالي، ~~فجعل الله تعالى ببركة قوله الحظيرة روضة وذلك قوله تعالى: { قلنا ~~ينار كونى بردا وسلما على إبرهيم } أي كوني ذات ~~برد وسلام أي ابردي بردا غير ضار وفيه مبالغات: جعل النار ~~المسخرة لقدرته تعالى مأمورة مطاوعة وإقامة كوني ذات برد مقام ~~ابردي، ثم حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه، وقيل: نصب سلاما ~~بفعله أي وسلمنا عليه. روي أن الملائكة أخذوا بضبعي إبراهيم وأقعدوه ~~على الأرض فإذا عين ماء عذب وورد أحمر ونرجس ولم تحرق النار إلا ~~وثاقه، وروي أنه عليه السلام مكث فيها أربعين يوما أو خمسين وقال: ما ~~كنت أطيب عيشا مني إذ كنت فيها، قال ابن يسار: وبعث الله تعالى ملك ~~الظل فقعد إلى جنبه يؤنسه، فنظر نمرود من صرحه فأشرف عليه فرآه جالسا ~~في روضة مونقة ومعه جليس على أحسن ما يكون من الهيئة والنار محيطة ~~به، فناداه: يا إبراهيم هل تستطيع أن تخرج منها؟ قال: نعم، قال: فقم ~~فاخرج، فقام يمشي فخرج منها فاستقبله نمرود وعظمه وقال: من الرجل ~~الذي رأيته معك؟ قال: ذلك ملك الظل أرسله ربي ms2229 ليؤنسني، فقال: إني ~~مقرب إلى إلهك قربانا لما رأيت من قدرته وعزته فيما صنع بك، فقال ~~عليه السلام: لا يقبل الله منك ما دمت على دينك هذا، قال: لا أستطيع ترك ~~ملكي ولكن سوف أذبح له أربعة آلاف بقرة، فذبحها وكف عن إبراهيم عليه ~~السلام وكان إذا ذاك ابن ست عشرة سنة. # وهذا كما ترى من أبدع المعجزات فإن انقلاب النار هواء طيبا وإن لم يكن ~~بدعا من قدرة الله عز وجل لكن وقوع ذلك على هذه الهيئة مما يخرق ~~العادات، وقيل: كانت النار على حالها لكنه تعالى دفع عنه عليه السلام ~~أذاها كما تراه في السمندل كما يشعر به ظاهر قوله تعالى: { على ~~إبرهيم }. ### || [21.70-73] # { وأرادوا به كيدا } مكرا عظيما في الإضرار به { ~~فجعلنهم الأخسرين } أي أخسر من كل خاسر حيث عاد سعيهم في ~~إطفاء نور الحق برهانا قاطعا على أنه عليه السلام على الحق وهم على ~~الباطل، وموجبا لارتفاع درجته واستحقاقهم لأشد العذاب. # { ونجينه ولوطا إلى الأرض التى باركنا فيها ~~للعلمين } أي من العراق إلى الشام وبركاته العامة فإن أكثر ~~الأنبياء بعثوا فيه فانتشرت في العالمين شرائعهم التي هي مبادي ~~الكمالات والخيرات الدينية والدنيوية، وقيل: كثرة النعم والخصب ~~الغالب، روي أنه عليه السلام نزل بفلسطين ولوط عليه السلام بالمؤتفكة ~~وبيهما مسيرة يوم وليلة. # { ووهبنا له إسحق ويعقوب نافلة } أي عطية فهي ~~حال منهما أو ولد أو زيادة على ما سأل وهو إسحاق فتختص بيعقوب ولا ~~لبس فيه للقرنية الظاهرة { وكلا } أي كل واحد من هؤلاء الأربعة ~~لا بعضهم دون بعض { جعلنا صلحين } بأن وفقناهم للصلاح في ~~الدين والدنيا فصاروا كاملين. # { وجعلنهم أئمة } يقتدى بهم في أمور الدين إجابة لدعائه ~~عليه السلام بقوله: # ومن ذريتى # [البقرة: 124] { يهدون } أي الأمة إلى الحق { بأمرنا } لهم ~~بذلك وإرسالنا إياهم حتى صاروا مكملين { وأوحينا إليهم ~~فعل الخيرت } ليحثوهم عليه فيتم كما لهم بانضمام العمل إلى ~~العلم، وأصله أن تفعل الخيرات ثم فعل الخيرات وكذا قوله تعالى: { ~~وإقام الصلاة وإيتآء الزكاة } وهو من عطف ms2230 الخاص على ~~العام دلالة على فضله وإنافته وحذفت تاء الإقامة المعوضة من إحدى ~~الألفين لقيام المضاف إليه مقامه { وكانوا لنا } خاصة دون غيرنا { ~~عبدين } لا يخطر ببالهم غير عبادتنا. ### || [21.74-78] # { ولوطا } قيل: هو منصوب بمضمر يفسره قوله تعالى: { ءاتينه } ~~أي وآتينا لوطا، وقيل: باذكر { حكما } أي حكمة أو نبوة أو فصلا ~~بين الخصوم بالحق { وعلما } بما ينبغي علمه للأنبياء عليهم السلام ~~{ ونجينه من القرية التى كانت تعمل ~~الخبئث } أي اللواطة، وصفت بصفة أهلها وأسندت إليها على حذف ~~المضاف وإقامتها مقامه كما يؤذن به قوله تعالى: { إنهم كانوا ~~قوم سوء فسقين } فإنه كالتعليل له. # { وأدخلنه فى رحمتنا } أي في أهل رحمتنا أو في جنتنا { ~~إنه من الصلحين } الذين سبقت لهم منا الحسنى. # { ونوحا } أي اذكر نوحا أي خبره وقوله تعالى: { إذ نادى } أى ~~دعا الله تعالى على قومه بالهلاك، ظرف للمضاف أي اذكر نبأه الواقع وقت ~~دعائه { من قبل } أي من قبل هؤلاء المذكورين { فاستجبنا له } ~~أي دعاءه الذي من جملته قوله: إني مغلوب فانتصر { فنجينه ~~وأهله من الكرب العظيم } وهو الطوفان، وقيل: أذية ~~قومه وأصل الكرب الغم الشديد. # { ونصرنه } نصرا مستتبعا للانتقام والانتصار ولذلك قيل: { ~~من القوم الذين كذبوا بئايتنا } وحمله على ~~فانتصر يأباه ما ذكر من دعائه عليه السلام فإن ظاهره يوجب إسناد ~~الانتصار إليه تعالى مع ما فيه من تهويل الأمر وقوله تعالى: { إنهم ~~كانوا قوم سوء } تعليل لما قبله وتمهيد لما قبله وتمهيد لما ~~بعده من قوله تعالى: { فأغرقنهم أجمعين } فإن الإصرار ~~على تكذيب الحق والانهماك في الشر والفساد مما يوجب الإهلاك قطعا. # { وداوود وسليمن } إما عطف على نوحا معمول لعامله وإما ~~لمضمر معطوف على ذلك العامل بتقدير المضاف وقوله تعالى: { إذ ~~يحكمان } ظرف للمضاف المقدر وصيغة المضارع حكاية للحال الماضية ~~لاستحضار صورتها، أي اذكر خبرهما وقت حكمهما { فى الحرث } أي في ~~حق الزرع أو الكرم المتدلي عناقيده كما قيل، أو بدل اشتمال منهما ~~وقوله تعالى: { إذ نفشت } أي تفرقت وانتشرت { فيه غنم ~~القوم } ليلا بلا راع ms2231 فرعته وأفسدته ظرف للحكم { وكنا ~~لحكمهم } أي لحكم الحاكمين والمتحاكمين إليهما، فإن الإضافة ~~لمجرد الاختصاص المنتظم لاختصاص القيام واختصاص الوقوع، وقرىء لحكمهما ~~{ شهدين } حاضرين علما والجملة اعتراض مقرر للحكم ومفيد ~~لمزيد الاعتناء بشأنه. ### || [21.79] # { ففهمنها سليمن } عطف على يحكمان فإنه على حكم ~~الماضي، وقرىء فأفهمناها والضمير للحكومة أو الفتيا، روي أنه دخل على ~~داود عليه السلام رجلان، فقال أحدهما: إن غنم هذا دخلت في حرثي ليلا ~~فأفسدته فقضى له بالغنم فخرجا فمرا على سليمان عليه السلام فأخبراه ~~بذلك، فقال: غير هذا أرفق بالفريقين فسمعه داود فدعاه، فقال له: بحق ~~النبوة والأبوة إلا أخبرتني بالذي أرفق بالفريقين، فقال: أرى أن تدفع ~~الغنم إلى صاحب الأرض لينتفع بدرها ونسلها وصوفها، والحرث إلى ~~أرباب الغنم ليقوموا عليه حتى يعود إلى ما كان ثم يترادا، فقال: ~~القضاء ما قضيت وأمضى الحكم بذلك، والذي عندي أن حكمهما عليهما ~~السلام كان بالاجتهاد فإن قول سليمان عليه الصلاة والسلام: غير هذا ~~أرفق بالفريقين، ثم قوله: أرى أن تدفع الخ، صريح في أنه ليس بطريق ~~الوحي وإلا لبت القول بذلك ولما ناشده داود عليهما السلام لإظهار ما ~~عنده بل وجب عليه أن يظهره بدأ وحرم عليه كتمه، ومن ضرورته أن يكون ~~القضاء السابق أيضا كذلك ضرورة استحالة نقض حكم النص بالاجتهاد، بل ~~أقول: والله تعالى أعلم إن رأي سليمان عليه السلام استحسان كما ينبىء ~~عنه قوله: أرفق بالفريقين ورأي داود عليه السلام قياس كما أن العبد ~~إذا جنى على النفس يدفعه المولى عند أبي حنيفة إلى المجني عليه أو ~~يفديه ويبيعه في ذلك أو يفديه عند الشافعي، وقد روي أنه لم يكن بين ~~قيمة الحرث وقيمة الغنم تفاوت، وأما سليمان عليه السلام فقد استحسن ~~حيث جعل الانتفاع بالغنم بإزاء ما فات من الانتفاع بالحرث من غير أن ~~يزول ملك المالك عن الغنم، وأوجب على صاحب الغنم أن يعمل في الحرث إلى ~~أن يزول الضرر الذي أتاه من قبله كما قال أصحاب الشافعي فيمن غصب ~~عبدا فأبق منه: أنه ms2232 يضمن القيمة فينتفع بها المغصوب منه بإزاء ما ~~فوته الغاصب من المنافع فإذا ظهر الآبق ترادا وفي قوله تعالى: { ~~ففهمنها سليمن } دليل على رجحان قوله ورجوع داود ~~عليه السلام إليه مع أن الحكم المبني على الاجتهاد لا ينقض باجتهاد ~~آخر وإن كان أقوى منه لما أن ذلك من خصائص شريعتنا، على أنه ورد في ~~الأخبار أن داود عليه السلام لم يكن بت الحكم في ذلك حتى سمع من ~~سليمان وأما حكم المسألة في شريعتنا فعند أبي حنيفة رحمه الله لا ~~ضمان إن لم يكن معها سائق أو قائد، وعند الشافعي يجب الضمان ليلا لا ~~نهارا وقوله تعالى: { وكلا ءاتينا حكما وعلما } لدفع ما ~~عسى يوهمه تخصيص سليمان عليه السلام بالتفهيم من عدم كون حكم داود ~~عليه السلام حكما شرعيا، أي وكل واحد منهما آتينا حكما وعلما ~~كثيرا لا سليمان وحده، وهذا إنما يدل على أن خطأ المجتهد لا يقدح في ~~كونه مجتهدا، وقيل: بل على أن كل مجتهد مصيب وهو مخالف لقوله ~~تعالى: { ففهمنها سليمن } ولولا النقل لاحتمل توافقهما ~~على أن قوله تعالى: { ففهمنها سليمن } لإظهار ما تفضل ~~عليه في صغره فإنه عليه السلام كان حيئنذ ابن إحدى عشرة سنة { ~~وسخرنا مع داوود الجبال } شروع في بيان ما يختص بكل ~~منهما من كراماته تعالى إثر بيان كرامته العامة لهما { يسبحن } ~~أي يقدسن الله عز وجل معه بصوت يتمثل له أو يخلق الله تعالى فيها ~~الكلام، وقيل: يسرن معه من السباحة وهو حال من الجبال أو استئناف ~~مبين لكيفية التسخير ومع متعلقة بالتسخير، وقيل: بالتسبيح وهو بعيد { ~~والطير } عطف على الجبال أو مفعول معه، وقرىء بالرفع على الابتداء ~~والخبر محذوف، أي والطير مسخرات، وقيل: على العطف على الضمير في ~~يسبحن وفيه ضعف لعدم التأكيد والفصل { وكنا فعلين } أي من ~~شأننا أن نفعل أمثاله فليس ذلك ببدع منا وإن كان بديعا عندكم. ### || [21.80-82] # { وعلمناه صنعة لبوس } أي عمل الدرع وهو في الأصل ~~اللباس قال قائلهم: [الرجز] # إلبس لكل حالة لبوسها # إما نعيمها ms2233 وإما بوسها # وقيل: كانت صفائح فحلقها وسردها { لكم } متعلق بعلمنا أو بمحذوف ~~هو صفة لبوس { لتحصنكم } أي اللبوس بتأويل الدرع، وقرىء ~~بالتذكير على أن الضمير لداود عليه السلام أو للبوس، وقرىء بنون العظمة ~~وهو بدل اشتمال من لكم بإعادة الجار مبين لكيفية الاختصاص والمنفعة ~~المستفادة من لام لكم { من بأسكم } قيل: من حرب عدوكم، وقيل: من ~~وقع السلاح فيكم { فهل أنتم شكرون } أمر وارد على صورة ~~الاستفهام للمبالغة أو التقريع. # { ولسليمن الريح } أي وسخرنا له الريح، وإيراد اللام ههنا ~~دون الأول للدلالة على ما بين التسخيرين من التفاوت، فإن تسخير ما سخر ~~له عليه السلام من الريح وغيرها كان بطريق الانقياد الكلي له ~~والامتثال بأمره ونهيه والمقهورية تحت ملكوته، وأما تسخير الجبال ~~والطير لداود عليه السلام فلم يكن بهذه المثابة بل بطريق التبعية له ~~عليه السلام والاقتداء به في عبادة الله عز وعلا { عاصفة } حال من ~~الريح والعامل فيها الفعل المقدر، أي وسخرنا له الريح حال كونها ~~شديدة الهبوب من حيث أنها كانت تبعد بكرسيه في مدة يسيرة من الزمان ~~كما قال تعالى: # غدوها شهر ورواحها شهر # [سبأ: 12] وكانت رخاء في نفسها طيبة، وقيل: كانت رخاء تارة وعاصفة ~~أخرى حسب إرادته عليه الصلاة والسلام، وقرىء الريح بالرفع على الابتداء ~~والخبر هو الظرف المقدم وعاصفة حينئذ حال من ضمير المبتدأ في الخبر ~~والعامل ما فيه من معنى الاستقرار، وقرىء الرياح نصبا ورفعا { ~~تجرى بأمره } بمشيئته حال ثانية أو بدل من الأولى أو حال من ~~ضميرها { إلى الأرض التى باركنا فيها } وهي الشام رواحا ~~بعد ما سار به منه بكرة، قال الكلبي: كان سليمان عليه السلام وقومه ~~يركبون عليها من اصطخر إلى الشام وإلى حيث شاء ثم يعود إلى منزله { ~~وكنا بكل شىء علمين } فنجريه حسبما تقتضيه الحكمة. # { ومن الشيطين } أي وسخرنا له من الشياطين { من يغوصون ~~له } في البحار ويستخرجون له من نفائسها، وقيل: من رفع على الابتداء ~~وخبره ما قبله والأول هو الأظهر { ويعملون عملا دون ذلك ~~} أي غير ما ms2234 ذكر من بناء المدن والقصور واختراع الصنائع الغريبة لقوله ~~تعالى: # يعملون له ما يشاء من محريب وتمثيل # [سبأ: 13] الآية، وهؤلاء أما الفرقة الأولى أو غيرها لعموم كلمة من، ~~كأنه قيل: ومن يعملون وجمع الضمير الراجع إليها باعتبار معناها بعد ما ~~رشح جانبه بقوله تعالى: { ومن الشيطين } ، روي أن المسخر له ~~عليه السلام كفارهم لا مؤمنوهم لقوله تعالى: { ومن الشيطين } ~~وقوله تعالى: { وكنا لهم حفظين } أي من أن يزيغوا عن أمره ~~أو يفسدوا على ما هو مقتضى جبلتهم، قيل: وكل بهم جمعا من الملائكة ~~وجمعا من مؤمني الجن، وقال الزجاج: كان يحفظهم من أن يفسدوا ما عملوا ~~وكان دأبهم أن يفسدوا بالليل ما عملوه بالنهار. ### || [21.83-84] # { وأيوب } الكلام فيه كما مر في قوله تعالى: { وداوود ~~وسليمن } أي واذكر خبر أيوب { إذ نادى ربه أنى } أي ~~بأني { مسنى الضر } وقرىء بالكسر على إضمار القول أو تضمين ~~النداء معناه، والضر شائع في كل ضرر وبالضم خاص بما في النفس من مرض ~~وهزال ونحوهما { وأنت أرحم الرحمين } وصفه تعالى بغاية ~~الرحمة بعد ما ذكر نفسه بما يوجبها واكتفى به عن عرض المطلب لطفا في ~~السؤال، وكان عليه السلام روميا من ولد عيص بن إسحاق استنبأه الله ~~تعالى وكثر أهله وماله فابتلاه الله تعالى بهلاك أولاده بهدم بيت ~~عليهم وذهاب أمواله والمرض في بدنه ثماني عشرة سنة، أو ثلاث عشرة ~~سنة، أو سبعا وسبعة أشهر وسبعة أيام وسبع ساعات، روي أن امرأته ~~ماخير بنت ميشا بن يوسف عليه السلام أو رحمة بنت أفرايم بن يوسف ~~قالت له يوما: لو دعوت الله تعالى، فقال: كم كانت مدة الرخاء؟ فقالت: ~~ثمانين سنة، فقال: أستحيي من الله تعالى أن أدعوه وما بلغت مدة بلائي ~~مدة رخائي، وروي أن إبليس أتاها على هيئة عظيمة فقال: أنا إله الأرض ~~فعلت بزوجك ما فعلت لأنه تركني وعبد إله السماء، فلو سجد لي سجدة ~~لرددت عليه وعليك جميع ما أخذت منكما، وفي رواية: لو سجدت لي سجدة ~~لرجعت المال والولد وعافيت زوجك، ms2235 فرجعت إلى أيوب وكان ملقى في ~~الكناسة لا يقرب منه أحد فأخبرته بالقصة فقال عليه السلام: كأنك ~~افتتنت بقول اللعين لئن عافاني الله عز وجل لأضربنك مائة سوط ~~وحرام علي أن أذوق بعد هذا شيئا من طعامك وشرابك، فطردها فبقي ~~طريحا في الكناسة لا يحوم حوله أحد من الناس فعند ذلك خر ساجدا فقال: ~~رب إني مسني الضر وأنت أرحم الراحمين، فقيل له: ارفع رأسك فقد ~~استجيب لك، اركض برجلك فركض فنبعت من تحته عين ماء فاغتسل منها فلم ~~يبق في ظاهر بدنه دابة إلا سقطت ولا جراحة إلا برئت، ثم ركض مرة ~~أخرى فنبعت عين أخرى فشرب منها فلم يبق في جوفه داء إلا خرج وعاد ~~صحيحا ورجع إليه شبابه وجماله ثم كسي حلة وذلك قوله تعالى: { ~~فاستجبنا له فكشفنا ما به من ضر } فلما قام جعل يلتفت ~~فلا يرى شيئا مما كان له من الأهل والمال إلا وقد ضاعفه الله تعالى ~~وذلك قوله تعالى: { وءاتيناه أهله ومثلهم معهم } وقيل: ~~كان ذلك بأن ولد له ضعف ما كان، ثم إن امرأته قالت في نفسها: هب أنه ~~طردني أفأتركه حتى يموت جوعا وتأكله السباع لأرجعن إليه، فلما رجعت ~~ما رأت تلك الكناسة ولا تلك الحال وقد تغيرت الأمور فجعلت تطوف حيث ~~كانت الكناسة وتبكي وهابت صاحب الحلة أن تأتيه وتسأل عنه، فأرسل ~~إليها أيوب ودعاها فقال: ما تريدين يا أمة الله؟ فبكت وقالت: أريد ذلك ~~المبتلى الذي كان ملقى على الكناسة، قال لها: ما كان منك؟ فبكت ~~وقالت: بعلي، قال: أتعرفينه إذا رأيته؟ قالت: وهل يخفى علي؟ فتبسم ~~فقال: أنا ذلك فعرفته بضحكه فاعتنقته { رحمة من عندنا ~~وذكرى للعبدين } أي آتيناه ما ذكر لرحمتنا أيوب وتذكرة ~~لغيره من العابدين ليصبروا كما صبر فيثابوا كما أثيب، أو لرحمتنا ~~العابدين الذين من جملتهم أيوب وذكرنا إياهم بالإحسان وعدم نسياننا ~~لهم. ### || [21.85-87] # { وإسمعيل وإدريس وذا الكفل } أي واذكرهم، وذو ~~الكفل إلياس، وقيل: يوشع بن نون، وقيل: زكريا سمي به لأنه كان ذا ~~حظ ms2236 من الله تعالى أو تكفل منه، أو ضعف عمل أنبياء زمانه وثوابه ~~فإن الكفل يجيء بمعنى النصيب والكفالة والضعف { كل } أي كل واحد من ~~هؤلاء { من الصبرين } أي على مشاق التكاليف وشدائد النوب، ~~والجملة استئناف وقع جوابا عن سؤال نشأ من الأمر بذكرهم. # { وأدخلنهم فى رحمتنا } أي في النبوة أو في نعمة الآخرة ~~{ إنهم من الصلحين } أي الكاملين في الصلاح الكامل الذي ~~لا يحوم حوله شائبة الفساد وهم الأنبياء، فإن صلاحهم معصوم من كدر ~~الفساد. # { وذا النون } أي واذكر صاحب الحوت وهو يونس عليه السلام { إذ ~~ذهب مغضبا } أي مراغما لقومه لما برم من طول دعوته إياهم ~~وشدة شكيمتهم وتمادي إصرارهم مهاجرا عنهم قبل أن يؤمر، وقيل: وعدهم ~~بالعذاب فلم يأتهم لميعادهم بتوبتهم ولم بعرف الحال فظن أنه كذبهم ~~فغضب من ذلك، وهو من بناء المغالبة للمبالغة أو لأنه أغضبهم بالمهاجرة ~~لخوفهم لحوق العذاب عندها وقرىء مغضبا { فظن أن لن نقدر ~~عليه } أي لن نضيق عليه أو لن نقضي عليه بالعقوبة من القدر، ~~ويؤيده أنه قرىء مشددا أو لن نعمل فيه قدرتنا، وقيل: هو تمثيل لحاله ~~بحال من يظن أن لن نقدر عليه أي نعامله معاملة من يظن أن لن نقدر عليه ~~في مراغمته قومه من غير انتظار لأمرنا كما في قوله تعالى: # يحسب أن ماله أخلده # [الهمزة: 3] أي نعامله معاملة من يحسب ذلك، وقيل: خطرة شيطانية سبقت ~~إلى وهمه فسميت ظنا للمبالغة، وقرىء بالياء مخففا ومثقلا مبنيا ~~للمفعول { فنادى } الفاء فصيحة أي فكان ما كان من المساهمة والتقام ~~الحوت فنادى { فى الظلمت } أي في الظلمة الشديدة المتكاثفة أو ~~في ظلمات بطن الحوت والبحر والليل، وقيل: ابتلع حوته حوت أكبر منه ~~فحصل في ظلمتي بطني الحوتين وظلمتي البحر والليل { أن لا إله ~~إلا أنت } أي بأنه لا إله إلا أنت على أن أن مخففة من أن ~~وضمير الشأن محذوف، أو أي لا إله إلا أنت على أنها مفسرة { ~~سبحنك } أنزهك تنزيها لائقا بك من أن يعجزك شيء أو أن يكون ms2237 ~~ابتلائي بهذا بغير سبب من جهتي { إنى كنت من الظلمين } ~~لأنفسهم بتعريضها للهلكة حيث بادرت إلى المهاجرة. ### || [21.88-91] # { فاستجبنا له } أي دعاءه الذي دعاه في ضمن الاعتراف بالذنب ~~على ألطف وجه وأحسنه. عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " ما من مكروب يدعو بهذا الدعاء إلا استجيب له " # { ونجينه من الغم } بأن قذفه الحوت إلى الساحل بعد أربع ~~ساعات كان فيها في بطنه، وقيل: بعد ثلاثة أيام، وقيل: الغم غم ~~الالتقام، وقيل: الخطيئة { وكذلك } أي مثل ذلك الإنجاء الكامل { ~~ننجى المؤمنين } من غموم دعوا الله تعالى فيها بالإخلاص لا ~~إنجاء أدنى منه، وفي الإمام نجى فلذلك أخفى الجماعة النون الثانية ~~فإنها تخفى مع حروف الفم، وقرىء بتشديد الجيم على أن أصله ننجي فحذفت ~~الثانية كما حذفت التاء في تظاهرون وهي وإن كانت فاء فحذفها أوقع من ~~حذف حرف المضارعة التي لمعنى، ولا يقدح فيه اختلاف حركتي النونين ~~فإن الداعي إلى الحذف اجتماع المثلين مع تعذر الإدغام وامتناع ~~الحذف في (تتجافى) لخوف اللبس، وقيل: هو ماض مجهول أسند إلى ضمير ~~المصدر وسكن آخره تخفيفا ورد بأنه لا يسند إلى المصدر والمفعول ~~مذكور، والماضي لا يسكن آخره. # { وزكريا } أي واذكر خبره { إذ نادى ربه } وقال: { رب ~~لا تذرنى فردا } أي وحيدا بلا ولد يرثني { وأنت خير ~~الورثين } فحسبي أنت إن لم ترزقني وارثا { فاستجبنا له } ~~أي دعاءه { ووهبنا له يحيى } وقد مر بيان كيفية الاستجابة ~~والهبة في سورة مريم { وأصلحنا له زوجه } أي أصلحناها ~~للولادة بعد عقرها أو أصلحناها للمعاشرة بتحسين خلقها وكانت حردة، ~~وقوله تعالى: { إنهم كانوا يسارعون فى الخيرت } تعليل ~~لما فصل من فنون إحسانه تعالى المتعلقة بالأنبياء المذكورين، أي كانوا ~~يبادرون في وجوه الخيرات مع ثباتهم واستقرارهم في أصل الخير وهو السر ~~في إيثار كلمة (في) على كلمة إلى المشعرة بخلاف المقصود من كونهم ~~خارجين عن أصل الخيرات متوجهين إليها كما في قوله تعالى: # وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة # [آل عمران: 133] { ويدعوننا رغبا ورهبا } ذوي رغب ورهب ~~أو ms2238 راغبين في الثواب راجين للإجابة أو في الطاعة وخائفين العقاب أو ~~المعصية أو للرغب والرهب { وكانوا لنا خشعين } أي مخبتين ~~متضرعين أو دائمي الوجل، والمعنى أنهم نالوا من الله تعالى ما نالوا ~~بسبب اتصافهم بهذه الخصال الحميدة. # { والتى أحصنت فرجها } أي اذكر خبر التي أحصنته على ~~الإطلاق من الحلال والحرام، والتعبير عنها بالموصول لتفخيم شأنها ~~وتنزيهها عما زعموه في حقها آثر ذي أثير { فنفخنا فيها } أي ~~أحيينا عيسى في جوفها { من روحنا } من الروح الذي هو من أمرنا، ~~وقيل: فعلنا النفخ فيها من جهة روحنا جبريل عليه السلام { ~~وجعلنها وابنها } أي قصتهما أو حالهما { ءاية ~~للعلمين } فإن من تأمل حالهما تحقق كمال قدرته عز وجل، ~~فالمراد بالآية ما حصل بهما من الآية التامة مع تكاثر آيات كل واحد ~~منهما، وقيل: أريد بالآية الجنس الشامل لما لكل واحد منهما من الآيات ~~المستقلة، وقيل: المعنى وجعلناها آية وابنها آية فحذفت الأولى لدلالة ~~الثانية عليها. ### || [21.92-96] # { إن هذه } أي ملة التوحيد والإسلام أشير إليها بهذه تنبيها ~~على كمال ظهور أمرها في الصحة والسداد { أمتكم } أي ملتكم التي ~~يجب أن تحافظوا على حدودها وتراعوا حقوقها ولا تخلوا بشيء منها ~~والخطاب للناس قاطبة { أمة واحدة } نصب على الحالية من أمتكم ~~أي غير مختلفة فيما بين الأنبياء عليهم السلام، إذ لا مشاركة لغيرها ~~في صحة الاتباع ولا احتمال لتبدلها وتغيرها كفروع الشرائع المتبدلة ~~حسب تبدل الأمم والأعصار، وقرىءأمتكم بالنصب على البدلية من اسم إن ~~ أمة واحدة بالرفع على الخبرية وقرئتا بالرفع على أنهما خبران { ~~وأنا ربكم } لا إله لكم غيري { فاعبدون } خاصة لا غير. # وقوله تعالى: { وتقطعوا أمرهم بينهم } التفات إلى ~~الغيبة لينعى عليهم ما أفسدوه من التفرق في الدين وجعل أمره قطعا ~~موزعة وينهى قبائح أفعالهم إلى الآخرين كأنه قيل: ألا ترون إلى ~~عظيم ما ارتكب هؤلاء في دين الله الذي أجمعت عليه كافة الأنبياء عليهم ~~السلام { كل } أي كل واحدة من الفرق المتقطعة أو كل واحد من آحاد ~~كل واحدة من تلك الفرق { إلينا ms2239 رجعون } بالبعث لا إلى غيرنا ~~فنجازيهم حينئذ بحسب أعمالهم، وإيراد اسم الفاعل للدلالة على الثبات ~~والتحقق. # وقوله تعالى: { فمن يعمل من الصلحت } الخ، تفصيل ~~للجزاء أي فمن يعمل بعض الصالحات أو بعضا من الصالحات { وهو ~~مؤمن } بالله ورسله { فلا كفران لسعيه } أي لا حرمان ~~لثواب عمله ذلك، عبر عن ذلك بالكفران الذي هو ستر النعمة وجحودها ~~لبيان كمال نزاهته تعالى عنه بتصويره بصورة ما يستحيل صدوره عنه تعالى ~~من القبائح وإبراز الإثابة في معرض الأمور الواجبة عليه تعالى، ونفي ~~الجنس للمبالغة في التنزيه وعبر عن العمل بالسعي لإظهار الاعتداد به { ~~وإنا له } أي لسعيه { كتبون } أي مثبتون في صحائف أعمالهم ~~لا نغادر من ذلك شيئا. # { وحرام على قرية } أي ممتنع على أهلها غير متصور منهم، ~~وقرىء حرم وهي لغة كالحل والحلال { أهلكنها } قدرنا هلاكها ~~أو حكمنا به لغاية طغيانهم وعتوهم وقوله تعالى: { أنهم لا ~~يرجعون } في حيز الرفع على أنه مبتدأ خبره حرام أو فاعل له ساد ~~مسد خبره، والجملة لتقرير مضمون ما قبلها من قوله تعالى: { كل ~~إلينا رجعون } [الأنبياء: 93] وما في أن من معنى التحقيق معتبر ~~في النفي المستفاد من حرام لا من المنفي أي ممتنع البتة عدم رجوعهم ~~إلينا للجزاء، لا أن عدم رجوعهم المحقق ممتنع، وتخصيص امتناع عدم ~~رجوعهم بالذكر مع شمول الامتناع لعدم رجوع الكل حسبما نطق به قوله ~~تعالى: { كل إلينا رجعون } [الأنبياء: 93] لأنهم المنكرون ~~للبعث والرجوع دون غيرهم، وقيل: ممتنع رجوعهم إلى التوبة على أن (لا) ~~صلة، وقرىء أنهم لا يرجعون بالكسر على أنه استئناف تعليلي لما قبله ~~فحرام خبر مبتدأ محذوف أي محرم عليها ذلك وهو ما ذكر في الآية ~~السابقة من العمل الصالح المشفوع بالإيمان والسعي المشكور، ثم علل بقوله ~~تعالى: # أنهم إلينا لا يرجعون # [القصص: 39] عما هم عليه من الكفر فكيف لا يمتنع ذلك، ويجوز حمل ~~المفتوحة أيضا على هذا المعنى بحذف اللام عنها، أي لأنهم لا يرجعون ~~وحتى في قوله تعالى: { حتى إذا فتحت يأجوج ومأجوج } ~~الخ، هي التي ms2240 يحكى بعدها الكلام وهي على الأول غاية لما يدل عليه ما ~~قبلها، كأنه قيل: يستمرون على ما هم عليه من الهلاك حتى إذا قامت ~~القيامة يرجعون إلينا ويقولون: يا ويلنا الخ، وعلى الثاني غاية للحرمة ~~أي يستمر امتناع رجوعهم إلى التوبة حتى إذا قامت القيامة يرجعون إليها ~~حين لا تنفعهم التوبة، وعلى الثالث غاية لعدم الرجوع عن الكفر أي لا ~~يرجعون عنه حتى إذا قامت القيامة يرجعون عنه حين لا ينفعهم الرجوع، ~~ويأجوج ومأجوج قبيلتان من الإنس قالوا: الناس عشرة أجزاء تسعة منها ~~يأجوج ومأجوج، والمراد بفتحها فتح سدها على حذف المضاف وإقامة ~~المضاف إليه مقامه، وقرىء فتحت بالتشديد { وهم } أي يأجوج ~~ومأجوج، وقيل: الناس { من كل حدب } أي نشز من الأرض، وقرىء جدث ~~وهو القبر { ينسلون } أي يسرعون وأصله مقاربة الخطو مع الإسراع، ~~وقرىء بضم السين. ### || [21.97-98] # { واقترب الوعد الحق } عطف على فتحت والمراد به ما بعد ~~النفخة الثانية من البعث والحساب والجزاء لا النفخة الأولى { فإذا ~~هى شخصة أبصر الذين كفروا } جواب الشرط وإذا ~~للمفاجأة تسد مسد الفاء الجزائية كما في قوله تعالى: # إذا هم يقنطون # [الروم: 36] فإذا دخلتها الفاء تظاهرت على وصل الجزاء بالشرط، والضمير ~~للقصة أو مبهم يفسره ما بعده { يويلنا } على تقدير قول وقع حالا ~~من الموصول، أي يقولون: يا ويلنا تعال فهذا أوان حضورك، وقيل: هو ~~الجواب للشرط { قد كنا فى غفلة } تامة { من هذا } الذي ~~دهمنا من البعث والرجوع إليه تعالى للجزاء ولم نعلم أنه حق { بل ~~كنا ظلمين } إضراب عما قبله من وصف أنفسهم بالغفلة، أي لم نكن ~~غافلين عنه حيث نبهنا عليه بالآيات والنذر بل كنا ظالمين بتلك الآيات ~~والنذر مكذبين بها، أو ظالمين لأنفسنا بتعريضها للعذاب الخالد ~~بالتكذيب. # وقوله تعالى: { إنكم وما تعبدون من دون الله حصب ~~جهنم } خطاب لكفار مكة وتصريح بمآل أمرهم مع كونه معلوما مما ~~سبق على وجه الإجمال مبالغة في الإنذار وإزاحة الاعتذار، وما تعبدون ~~عبارة عن أصنامهم لأنها التي يعبدونها كما يفصح عنه كلمة ما، ms2241 وقد روي # " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين تلا الآية قال له ابن ~~الزبعرى: خصمتك ورب الكعبة أليست اليهود عبدوا عزيرا والنصارى ~~المسيح وبنو مليح الملائكة؟ رد عليه بقوله عليه السلام: «ما أجهلك ~~بلغة قومك، أما فهمت أن ما لما لا يعقل؟» " # ، ولا يعارضه ما روي أنه عليه السلام رده بقوله: # " بل هم عبدوا الشياطين التي أمرتهم بذلك " # ، ولا ما روي أن عبد الله بن الزبعرى قال: هذا شيء لآلهتنا خاصة ~~أو لكل من عبد من دون الله، فقال عليه السلام: # " بل لكل من عبد من دون الله تعالى " # إذ ليس شيء منهما نصا في عموم كلمة ما كما أن الأول نص في خصوصها، ~~وشمول حكم النص لا يقتضي شموله بطريق العبارة بل يكفي في ذلك شموله ~~لهم بطريق دلالة النص بجامع الشركة في المعبودية من دون الله تعالى، ~~فلعله عليه السلام بعد ما بين مدلول النظم الكريم بما ذكر، وعدم دخول ~~المذكورين في حكمه بطريق العبارة بين عدم دخولهم فيه بطريق الدلالة ~~أيضا تأكيدا للرد والإلزام وتكريرا للتبكيت والإفحام، لكن لا باعتبار ~~كونهم معبودين لهم كما هو زعمهم فإن إخراج بعض المعبودين عن حكم ~~منبىء عن الغضب على العبدة والمعبودين مما يوهم الرخصة في عبادته في ~~الجملة، بل بتحقيق الحق وبيان أنهم ليسوا من المعبودية في شيء حتى ~~يتوهم دخولهم في الحكم المذكور دلالة بموجب شركتهم للأصنام في ~~المعبودية من دون الله تعالى، وإنما معبودهم الشياطين التي أمرتهم ~~بعبادتهم كما نطق به قوله تعالى: # سبحنك أنت ولينا من دونهم بل كانوا يعبدون ~~الجن # [الأنبياء: 101] الآية، فهم الداخلون في الحكم المذكور لإشراكهم ~~الأصنام في المعبودية من دونه تعالى دون المذكورين عليهم السلام وهذا هو ~~الوجه في التوفيق بين الأخبار المذكورة، وأما تعميم كلمة ما للعقلاء ~~أيضا وجعل ما سيأتي من قوله تعالى: # إن الذين سبقت لهم منا الحسنى # [الأنبياء: 94] الخ، بيانا للتجوز أو التخصيص فمما لا يساعده السباق ~~والسياق كما يشهد به الذوق السليم، والحصب ما يرمى به ms2242 ويهيج به ~~النار من حصبه إذا رماه بالحصباء، وقرىء بسكون الصاد وصفا له بالمصدر ~~للمبالغة { أنتم لها واردون } استئناف أو بدل من حصب جهنم ~~واللام معوضة من على للدلالة على الاختصاص وأن ورودهم لأجلها ~~والخطاب لهم ولما يعبدون تغليبا. ### || [21.99-100] # { لو كان هؤلاء } أي أصنامهم { ءالهة } كما يزعمون { ما ~~وردوها } وحيث تبين ورودهم إياها تعين امتناع كونها آلهة ~~بالضرورة، وهذا كما ترى صريح في أن المراد بما يعبدون هي الأصنام لأن ~~المراد إثبات نقيض ما يدعونه وهم إنما يدعون إلهية الأصنام لا ~~إلهية الشياطين حتى يحتج بورودها النار على عدم آلهيتها، وأما ما ~~وقع في الحديث الشريف فقد وقع بطريق التكملة بانجرار الكلام إليه عند ~~بيان ما سيق له النظم الكريم بطريق العبارة، حيث سأل ابن الزبعرى ~~عن حال سائر المعبودين وكان الاقتصار على الجواب الأول مما يوهم ~~الرخصة في عبادتهم في الجملة لأنهم المعبودون عندهم، أجيب ببيان أن ~~المعبودين هم الشياطين وأنهم داخلون في حكم النص لكن بطريق الدلالة لا ~~بطريق العبارة لئلا يلزم التدافع بين الخبرين { وكل } أي من ~~العبدة والمعبودين { فيها خلدون } لا خلاص لهم عنها. # { لهم فيها زفير } أي أنين وتنفس شديد وهو مع كونه من أفعال ~~العبدة أضيف إلى الكل للتغليب، ويجوز أن يكون الضمير للعبدة لعدم ~~الإلباس وكذا في قوله تعالى: { وهم فيها لا يسمعون } أي لا ~~يسمع بعضهم زفير بعض لشدة الهول وفظاعة العذاب، وقيل: لا يسمعون ما ~~يسرهم من الكلام. ### || [21.101-103] # { إن الذين سبقت لهم منا الحسنى } شروع في بيان ~~حال المؤمنين إثر شرح حال الكفرة حسبما جرت به سنة التنزيل من شفع ~~الوعد بالوعيد وإيراد الترغيب مع الترهيب، أي سبقت لهم منا في التقدير ~~الخصلة الحسنى التي هي أحسن الخصال وهي السعادة، وقيل: التوفيق ~~للطاعة أو سبقت لهم كلمتنا بالبشرى بالثواب على الطاعة وهو الأدخل ~~الأظهر في الحمل عليها لما أن الأولين مع خفائهما ليسا من مقدورات ~~المكلفين، فالجملة مع ما بعدها تفصيل لما أجمل في قوله تعالى: { فمن ~~يعمل من ms2243 الصلحت وهو مؤمن فلا كفران ~~لسعيه وإنا له كتبون } كما أن ما قبلها من قوله تعالى: ~~{ إنكم وما تعبدون } الخ، تفصيل لما أجمل في قوله تعالى: { ~~وحرام } الخ { أولئك } إشارة إلى الموصول باعتبار اتصافه ~~بما في حيز الصلة وما فيه من معنى البعد للإيذان بعلو درجتهم وبعد ~~منزلتهم في الشرف والفضل، أي أولئك المنعوتون بما ذكر من النعت الجميل { ~~عنها } أي عن جهنم { مبعدون } لأنهم في الجنة وشتان بينها وبين ~~النار، وما روي أن عليا رضي الله تعالى عنه خطب يوما فقرأ هذه الآية ثم ~~قال: أنا منهم وأبو بكر وعمر وعثمان وطلحة والزبير وسعد وسعيد ~~وعبد الرحمن بن عوف وأبو عبيدة بن الجراح رضوان الله تعالى عنهم ~~أجمعين، ثم أقيمت الصلاة فقام يجر رداءه ويقول: { لا يسمعون ~~حسيسها } ليس بنص في كون الموصول عبارة عن طائفة مخصوصة، والحسيس ~~صوت يحس به، أي لا يسمعون صوتها سمعا ضعيفا كما هو المعهود عند ~~كون المصوت بعيدا وإن كان صوته في غاية الشدة، لا أنهم لا يسمعون ~~صوتها الخفي في نفسه فقط، والجملة بدل من مبعدون أو حال من ضميره ~~مسوقة للمبالغة في إنقاذهم منها وقوله تعالى: { وهم فى ما ~~اشتهت أنفسهم خلدون } بيان لفوزهم بالمطالب إثر بيان ~~خلاصهم من المهالك والمعاطب أي دائمون في غاية التنعم، وتقديم الظرف ~~للقصر والاهتمام به. # وقوله تعالى: { لا يحزنهم الفزع الأكبر } بيان لنجاتهم ~~من الأفزاع بالكلية بعد بيان نجاتهم من النار، لأنهم إذا لم يحزنهم ~~أكبر الأفزاع لا يحزنهم ما عداه بالضرورة، عن الحسن رضي الله عنه أنه ~~الانصراف إلى النار، وعن الضحاك حتى يطبق على النار، وقيل: حين يذبح ~~الموت في صورة كبش أملح، وقيل: النفخة الأخيرة لقوله تعالى: # ففزع من فى السموات ومن فى الأرض # [النمل: 87] وليس بذاك فإن الآمن من ذلك الفزع من استثناه الله تعالى ~~بقوله: { إلا من شاء الله } لا جميع المؤمنين الموصوفين ~~بالأعمال الصالحة، على أن الأكثرين على أن ذلك في النفخة الأولى دون ~~الأخيرة كما سيأتي في سورة ms2244 النمل { وتتلقهم الملئكة } ~~أي تستقبلهم مهنئين لهم { هذا يومكم } على إرادة القول أي ~~قائلين: هذا اليوم يومكم { الذى كنتم توعدون } في الدنيا ~~وتبشرون بما فيه من فنون المثوبات على الإيمان والطاعات، وهذا كما ترى ~~صريح في أن المراد بالذين سبقت لهم الحسنى كافة المؤمنين الموصوفين ~~بالإيمان والأعمال الصالحة لا من ذكر من المسيح وعزير والملائكة ~~عليهم السلام خاصة كما قيل. ### || [21.104-106] # { يوم نطوى السماء } بنون العظمة منصوب باذكر، وقيل: ظرف ~~لقوله تعالى: { لا يحزنهم الفزع } وقيل: بتتلقاهم، وقيل: حال ~~مقدرة من الضمير المحذوف في توعدون والطي ضد النشر، وقيل: المحو، ~~وقرىء يطوى بالياء والتاء والبناء للمفعول { كطى السجل } وهي ~~الصحيفة أي طيا كطي الطومار، وقرىء السجل كلفظ الدلو وبالكسر ~~والسجل على وزن العتل وهما لغتان واللام في قوله تعالى: { ~~للكتب } متعلقة بمحذوف هو حال من السجل أو صفة له على رأي من ~~يجوز حذف الموصول مع بعض صلته، أي كطي السجل كائنا للكتب أو الكائن ~~للكتب فإن الكتب عبارة عن الصحائف وما كتب فيها فسجلها بعض أجزائها ~~وبه يتعلق الطي حقيقة، وقرىء للكتاب وهو إما مصدر واللام للتعليل أي ~~كما يطوى الطومار للكتابة أو اسم كالإمام فاللام كما ذكر أولا، وقيل: ~~السجل اسم ملك يطوي كتب أعمال بني آدم إذا رفعت إليه، وقيل: هو ~~كاتب لرسول الله صلى الله عليه وسلم { كما بدأنا أول خلق ~~نعيده } أي نعيد ما خلقناه مبتدأ إعادة مثل بدئنا إياه في كونها ~~إيجادا بعد العدم أو جمعا من الأجزاء المتبددة، والمقصود بيان ~~صحة الإعادة بالقياس على المبدأ لشمول الإمكان الذاتي المصحح ~~للمقدورية وتناول القدرة لهما على السواء، وما كافة أو مصدرية وأول ~~مفعول لبدأنا أو لفعل يفسره نعيده، أو موصولة والكاف متعلقة بمحذوف ~~يفسره نعيده أي نعيده مثل الذي بدأناه وأول خلق ظرف لبدأنا أو حال ~~من ضمير الموصول المحذوف { وعدا } مصدر مؤكد لفعله ومقرر لنعيده أو ~~منتصب به لأنه عدة بالإعادة { علينا } أي علينا إنجازه { إنا ~~كنا فعلين } لما ذكر لا محالة. # { ولقد كتبنا ms2245 فى الزبور } هو كتاب داود عليه السلام، ~~وقيل: هو اسم لجنس ما أنزل على الأنبياء عليهم السلام { من بعد ~~الذكر } أي التوراة وقيل: اللوح المحفوظ أي وبالله لقد كتبنا في ~~كتاب داود بعد ما كتبنا في التوراة أو كتبنا في جميع الكتب المنزلة بعد ~~ما كتبنا وأثبتنا في اللوح المحفوظ { أن الأرض يرثها عبادى ~~الصلحون } أي عامة المؤمنين بعد إجلاء الكفار، وهذا وعد منه ~~تعالى بإظهار الدين وإعزاز أهله، وعن ابن عباس رضي الله عنهما: أن ~~المراد أرض الجنة كما ينبىء عنه قوله تعالى: # وقالوا الحمد لله الذى صدقنا وعده ~~وأورثنا الأرض نتبوأ من الجنة حيث نشاء # [الزمر: 47]، وقيل: الأرض المقدسة يرثها أمة محمد صلى الله عليه وسلم. # { إن فى هذا } أي فيما ذكر في السورة الكريمة من الأخبار ~~والمواعظ البالغة والوعد والوعيد والبراهين القاطعة الدالة على ~~التوحيد وصحة النبوة { لبلغا } أي كفاية أو سبب بلوغ إلى ~~البغية { لقوم عبدين } أي لقوم همهم العبادة دون العادة. ### || [21.107-111] # { وما أرسلنك } بما ذكر وبأمثاله من الشرائع والأحكام وغير ~~ذلك من الأمور التي هي مناط لسعادة الدارين { إلا رحمة ~~للعلمين } هو في حيز النصب على أنه استثناء من أعم العلل أو من ~~أعم الأحوال، أي ما أرسلناك بما ذكر لعلة من العلل إلا لرحمتنا الواسعة ~~للعالمين قاطبة، أو ما أرسلناك في حال من الأحوال إلا حال كونك رحمة ~~لهم فإن ما بعثت به سبب لسعادة الدارين ومنشأ لانتظام مصالحهم في ~~النشأتين، ومن لم يغتنم مغانم آثاره فإنما فرط في نفسه وحرمة حقه ~~لا أنه تعالى حرمه مما يسعده، وقيل: كونه رحمة في حق الكفار أمنهم ~~من الخسف والمسخ والاستئصال حسبما ينطق به قوله تعالى: # وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم # [الأنفال: 33] { قل إنما يوحى إلى أنما إلهكم ~~إله وحد } أي ما يوحى إلي إلا أنه لا إله لكم إلا إله ~~واحد لأنه المقصود الأصلي من البعثة، وأما ما عداه فمن الأحكام ~~المتفرعة عليه فإنما الأولى لقصر الحكم على الشيء كقولك: إنما يقوم ~~زيد ms2246 أي ما يقوم إلا زيد، والثانية لقصر الشيء على الحكم كقولك: إنما ~~زيد قائم أي ليس له إلا صفة القيام { فهل أنتم مسلمون } أي ~~مخلصون العبادة لله تعالى مخصصون لها به تعالى، والفاء للدلالة على ~~أن ما قبلها موجب لما بعدها. قالوا: فيه دلالة على أن صفة ~~الوحدانية تصح أن يكون طريقها السمع. # { فإن تولوا } عن الإسلام وعن شرائعه ومباديه ولم يلتفتوا إلى ~~ما يوجبه من الوحي { فقل } لهم { ءاذنتكم } أي أعلمتكم ما أمرت ~~به أو حربي لكم { على سواء } كائنين على سواء في الإعلام به لم ~~أطوه عن أحد منكم أو مستوين به أنا وأنتم في العلم بما أعلمتكم به أو ~~في المعاداة أو إيذانا على سواء، وقيل: أعلمتكم أني على سواء أي عدل ~~واستقامة رأي بالبرهان النير { وإن أدرى } أي ما أدري { ~~أقريب أم بعيد ما توعدون } من غلبة المسلمين وظهور الدين ~~أو الحشر مع كونه آتيا لا محالة. # { إنه يعلم الجهر من القول } أي ما تجاهرون به من ~~الطعن في الإسلام وتكذيب الآيات التي من جملتها ما نطق بمجيء الموعود { ~~ويعلم ما تكتمون } من الإحن والأحقاد للمسلمين فيجازيكم عليه ~~نقيرا وقطميرا. # { وإن أدرى لعله فتنة لكم } أي ما أدري لعل تأخير ~~جزائكم استدراج لكم وزيادة في افتتانكم، أو امتحان لكم لينظر كيف ~~تعملون { ومتع إلى حين } أي وتمتع لكم إلى أجل مقدر تقتضيه ~~مشيئته المبنية على الحكم البالغة ليكون ذلك حجة عليكم. ### || [21.112] # { قال رب احكم بالحق } حكاية لدعائه عليه الصلاة والسلام، ~~وقرىء قل: رب على صيغة الأمر أي اقض بيننا وبين أهل مكة بالعدل ~~المقتضي لتعجيل العذاب والتشديد عليهم، وقد استجيب دعاؤه عليه السلام ~~حيث عذبوا ببدر أي تعذيب، وقرىء رب احكم بضم الباء ورب أحكم ~~على صيغة التفضيل ورب أحكم من الإحكام { وربنا الرحمن ~~} مبتدأ أي كثير الرحمة على عباده وقوله تعالى: { المستعان } أي ~~المطلوب منه المعونة خبر، أو خبر آخر للمبتدأ، وإضافة الرب فيما ~~سبق إلى ضميره عليه السلام خاصة لما أن الدعاء من ms2247 الوظائف الخاصة به ~~عليه السلام كما أن إضافته ههنا إلى ضمير الجمع المنتظم للمؤمنين ~~أيضا لما أن الاستعانة من الوظائف العامة لهم { على ما تصفون } ~~من الحال فإنهم كانوا يقولون: إن الشوكة تكون لهم وإن راية الإسلام ~~تخفق ثم تركد وإن المتوعد به لو كان حقا لنزل بهم إلى غير ذلك مما ~~لا خير فيه، فاستجاب الله عز وجل دعوة رسوله عليه السلام فخيب آمالهم ~~وغير أحوالهم ونصر أولياءه عليهم، فأصابهم يوم بدر ما أصابهم، ~~والجملة اعتراض تذييلي مقرر لمضمون ما قبله، وقرىء يصفون بالياء ~~التحتانية. # وعن النبي عليه السلام: # " من قرأ «اقترب» حاسبه الله تعالى حسابا يسيرا وصافحه وسلم عليه كل ~~نبي ذكر اسمه في القرآن ". ### | [22 - سورة الحج] ### || [22.1-2] # سورة الحج # مكية إلا ست آيات من { هذان خصمان } إلى { صراط الحميد ~~} وهي ثمان وسبعون آية # { يأيها الناس اتقوا ربكم } خطاب يعم حكمه ~~المكلفين عند النزول ومن سينتظم في سلكهم بعد من الموجودين القاصرين ~~عن رتبة التكليف والحادثين بعد ذلك إلى يوم القيامة وإن كان خطاب ~~المشافهة مختصا بالفريق الأول على الوجه الذي مر تقريره في مطلع ~~سورة النساء. ولفظ الناس ينتظم الذكور والإناث حقيقة وأما ~~صيغة جمع المذكور فواردة على نهج التغليب لعدم تناولها للإناث ~~حقيقة إلا عند الحنابلة. والمأمور به مطلق التقوى الذي هو التجنب ~~عن كل ما يؤثم من فعل وترك، ويندرج فيه الإيمان بالله واليوم ~~الآخر حسبما ورد به الشرع اندراجا أوليا. والتعرض لعنوان ~~الربوبية المنبئة عن المالكية والتربية مع الإضافة إلى ضمير ~~المخاطبين لتأييد الأمر وتأكيد إيجاب الامتثال به ترهيبا ~~وترغيبا. أي احذروا عقوبة مالك أموركم ومربيكم. وقوله تعالى: ~~{ إن زلزلة الساعة شىء عظيم } تعليل لموجب الأمر ~~بذكر بعض عقوباته الهائلة فإن ملاحظة عظمها وهولها وفظاعة ما ~~هي من مباديه ومقدماته من الأحوال والأهوال التي لا ملجأ منها ~~سوى التدرع بلباس التقوى مما يوجب مزيد الاعتناء بملابسته ~~وملازمته لا محالة. والزلزلة التحريك الشديد والإزعاج العنيف ~~بطريق التكرير بحيث يزيل الأشياء من مقارها ويخرجها عن ms2248 مراكزها. ~~وإضافتها إلى الساعة إما إضافة المصدر إلى فاعله، على المجاز ~~الحكمي. كأنها هي التي تزلزل الأشياء، أو إضافته إلى الظرف ~~إما بإجرائه مجرى المفعول به اتساعا، أو بتقدير في كما في قوله ~~تعالى: # بل مكر اليل والنهار # [سورة سبأ: 33]. وهي الزلزلة المذكورة في قوله تعالى: # إذا زلزلت الأرض زلزالها # [سورة الزلزلة: 1]. عن الحسن أنها تكون يوم القيامة. وعن ابن ~~عباس رضي الله عنهما: زلزلة الساعة قيامها، وعن علقمة ~~والشعبي: أنها قبل طلوع الشمس من مغربها، فإضافتها إلى ~~الساعة حينئذ لكونها من أشراطها، وفي التعبير عنها بالشيء إيذان ~~بأن العقول قاصرة عن إدراك كنهها والعبارة ضيقة لا تحيط بها ~~إلا على وجه الإبهام. # وقوله تعالى: { يوم ترونها } منتصب بما بعده قدم عليه ~~اهتماما به. والضمير للزلزلة أي وقت رؤيتكم إياها ومشاهدتكم ~~لهول مطلعها { تذهل كل مرضعة } أي مباشرة للإرضاع. { ~~عما أرضعت } أي تغفل وتذهل مع دهشة عما هي بصدد إرضاعه ~~من طفلها الذي ألقمته ثديها. والتعبير عنه بما دون من لتأكيد ~~الذهول وكونه بحيث لا يخطر ببالها أنه ماذا لا أنها تعرف شيئيته ~~لكن لا تدري من هو بخصوصه، وقيل: ما مصدرية أي تذهل عن إرضاعها. ~~والأول أدل على شدة الهول وكمال الانزعاج. وقرىء تذهل من ~~الإذهال مبنيا للمفعول أو مبنيا للفاعل مع نصب كل، أي تذهلها ~~الزلزلة. # { وتضع كل ذات حمل حملها } أي تلقي جنينها لغير ~~تمام، كما أن المرضعة تذهل عن ولدها لغير فطام. وهذا ظاهر على ~~قول علقمة والشعبي وأما على ما روي عن ابن عباس رضي الله ~~عنهما فقد قيل إنه تمثيل لتهويل الأمر، وفيه أن الأمر حينئذ ~~أشد من ذلك وأعظم وأهول مما وصف وأطم. وقيل: إن ذلك يكون ~~عند النفخة الثانية، فإنهم يقومون على ما صعقوا في النفخة ~~الأولى فتقوم المرضعة على إرضاعها والحامل على حملها. ولا ريب في ~~أن قيام الناس من قبورهم بعد النفخة الثانية لا قبلها حتى ~~يتصور ما ذكر. { وترى الناس } بفتح التاء والراء على ~~خطاب كل واحد من المخاطبين ms2249 برؤية الزلزلة. والاختلاف ~~بالجمعية والإفراد لما أن المرئي في الأول هي الزلزلة التي ~~يشاهدها الجميع وفي الثاني حال من عدا المخاطب منهم فلا بد ~~من إفراد المخاطب على وجه يعم كل واحد منهم لكل من غير ~~اعتبار اتصافه بتلك الحالة فإن المراد بيان تأثير الزلزلة ~~في المرئي لا في الرائي باختلاف مشاعره لأن مداره حيثية رؤيته ~~للزلزلة لا لغيرها كأنه قيل: ويصير الناس سكارى الخ، وإنما ~~أوتر عليه ما في التنزيل للإيذان بكمال ظهور تلك الحالة فيهم ~~وبلوغها من الجلاء إلى حد لا يكاد يخفى على أحد أي يراهم كل أحد ~~{ سكرى } أي كأنهم سكارى { وما هم بسكرى } حقيقة { ~~ولكن عذاب الله شديد } فيرهقهم هوله ويطير عقولهم ~~ويسلب تمييزهم فهو الذي جعلهم كما وصفوا وقرىء ترى بضم ~~التاء وفتح الراء مسندا إلى المخاطب من رأيتك قائما أو ~~رؤيتك قائما والناس منصوب أي تظنهم سكارى. وقرىء برفع ~~الناس على إسناد الفعل المجهول إليه، والتأنيث على تأويل ~~الجماعة وقرىء تري بضم التاء وكسر الراء أي تري ~~الزلزلة الخلق جميع الناس سكارى وقرىء سكرى وسكرى كعطشى ~~وجوعى إجراء للسكر مجرى العلل. ### || [22.3] # { ومن الناس } كلام مبتدأ جيء به إثر بيان عظم شأن ~~الساعة المنبئة عن البعث بيانا لحال بعض المنكرين لها. ~~ومحل الجار الرفع على الابتداء إما بحمله على المعنى أو ~~بتقدير ما يتعلق به كما مر مرارا، أي وبعض الناس أو وبعض ~~كائن من الناس { من يجدل فى الله } أي في شأنه تعالى ~~ويقول فيه ما لا خير فيه من الأباطيل وقوله تعالى: { بغير علم ~~} حال من ضمير يجادل موضحة لما يشعر بها المجادلة من الجهل أي ~~ملابسا بغير علم. روي أنها نزلت في النضر بن الحارث وكان ~~جدلا يقول: الملائكة بنات الله والقرآن أساطير الأولين ولا بعث ~~بعد الموت وهي عامة له ولأضرابه من العتاة المتمردين { ~~ويتبع } أي فيما يتعاطاه من المجادلة أو في كل ما يأتي وما ~~يذر من الأمور الباطلة التي من جملتها ذلك { كل شيطن ~~مريد } عات متمرد ms2250 متجرد للفساد. وأصله العري المنبىء عن ~~التمحض له كالتشمر ولعله مأخوذ من تجرد المصارعين عند المصارعة ~~قال الزجاج: المريد والمارد المرتفع الأملس، والمراد إما ~~رؤساء الكفرة الذين يدعون من دونهم إلى الكفر وإما إبليس ~~وجنوده. ### || [22.4-5] # قوله تعالى: { كتب عليه } أي على الشيطان صفة أخرى له وقوله ~~تعالى: { أنه } فاعل كتب والضمير للشأن أي رقم به لظهور ذلك ~~من حاله أن الشأن { من تولاه } أي اتخذه وليا وتبعه { ~~فأنه يضله } بالفتح على أنه خبر مبتدأ محذوف، أو مبتدأ ~~خبره محذوف والجملة جواب الشرط إن جعلت من شرطية وخبر لها إن ~~جعلت موصولة متضمنة لمعنى الشرط أي من تولاه فشأنه أن يضله ~~عن طريق الجنة أو طريق الحق أو فحق أنه يضله قطعا، وقيل: ~~فإنه معطوف على أنه وفيه من التعسف ما لا يخفى. وقيل وقيل ~~مما لا يخلو عن التمحل والتأويل. وقرىء فإنه بالكسر على أنه ~~خبر لمن أو جواب لها. وقرىء بالكسر فيهما على حكاية المكتوب كما ~~هو مثل ما في قولك: كتبت إن الله يأمر بالعدل والإحسان أو على ~~إضمار القول أو تضمين الكتب معناه على رأي من يراه { ويهديه ~~إلى عذاب السعير } بحمله على مباشرة ما يؤدي إليه من ~~السيئات. # { يأيها الناس } إثر ما حكى أحوال المجادلين بغير علم ~~وأشير إلى ما يؤول إليه أمرهم أقيمت الحجة الدالة على تحقق ~~ما جادلوا فيه من البعث { إن كنتم فى ريب من البعث } من ~~إمكانه وكونه مقدورا له تعالى أو من وقوعه. وقرىء من البعث ~~بالتحريك كالجلب في الجلب. والتعبير عن اعتقادهم في حقه ~~بالريب مع التنكير المنبىء عن القلة مع أنهم جازمون ~~باستحالته وإيراد كلمة الشك مع تقرر حالهم في ذلك وإيثار ما ~~عليه النظم الكريم على أن يقال إن ارتبتم في البعث فقد مر ~~تحقيقه في تفسير قوله تعالى: # وإن كنتم فى ريب مما نزلنا على عبدنا # [البقرة: 23] { فإنا خلقنكم } أي فانظروا إلى مبدأ خلقكم ~~ليزول ريبكم، فإنا خلقناكم أي خلقنا كل فرد منكم { من تراب ~~} في ms2251 ضمن خلق آدم منه خلقا إجماليا فإن خلق كل فرد من أفراد ~~البشر له حظ من خلقه عليه السلام إذ لم تكن فطرته الشريفة ~~مقصورة على نفسه بل كانت أنموذجا منطويا على فطرة سائر أفراد ~~الجنس انطواء إجماليا مستتبعا لجريان آثارها على الكل فكان ~~خلقه عليه السلام من التراب خلقا للكل منه كما مر تحقيقه ~~مرارا { ثم من نطفة } أي ثم خلقناكم خلقا تفصيليا من ~~نطفة أي من مني من النطف الذي هو الصب { ثم من علقة } ~~أي قطعة من الدم جامدة متكونة من المني { ثم من مضغة ~~} أي قطعة من اللحم متكونة من العلقة وهي في الأصل مقدار ما ~~يمضغ { مخلقة } بالجر صفة مضغة أي مستبينة الخلق مصورة ~~{ وغير مخلقة } أي لم يستبن خلقها وصورتها بعد. والمراد ~~تفصيل حال المضغة وكونها أولا قطعة لم يظهر فيها شيء من ~~الأعضاء ثم ظهرت بعد ذلك شيئا فشيئا وكان مقتضى الترتيب ~~السابق المبني على التدرج من المبادىء البعيدة إلى القريبة ~~أن يقدم غير المخلقة على المخلقة وإنما أخرت عنها ~~لأنها عدم الملكة. # هذا وقد فسرتا بالمسواة وغير المسواة وبالتامة ~~والساقطة وليس بذاك وفي جعل كل واحدة من هذه المراتب مبدأ ~~لخلقهم لا لخلق ما بعدها من المراتب كما في قوله تعالى: # ثم خلقنا النطفة علقة فخلقنا العلقة مضغة # [المؤمنون: 14] الآية، مزيد دلالة على عظيم قدرته تعالى وكسر ~~لسورة استبعادهم. # { لنبين لكم } متعلق بخلقنا وترك المفعول لتفخيمه كما ~~وكيفا أي خلقناكم على هذا النمط البديع ليبين لكم بذلك ما لا ~~تحصره العبارة من الحقائق والدقائق التي من جملتها سر البعث ~~فإن من تأمل فيما ذكر من الخلق التدريجي تأملا حقيقيا جزم ~~جزما ضروريا بأن من قدر على خلق البشر أولا من تراب لم ~~يشم رائحة الحياة قط وإنشائه على وجه مصحح لتوليد مثله ~~مرة بعد أخرى بتصريفه في أطوار الخلقة وتحويله من حال إلى حال ~~مع ما بين تلك الأطوار والأحوال من المخالفة والتباين فهو قادر ~~على إعادته بل هو أهون في القياس ms2252 نظرا إلى الفاعل والقابل. وقرىء ~~ليبين بطريق الالتفات وقوله تعالى: { ونقر فى الأرحام ~~ما نشاء } استئناف مسوق لبيان حالهم بعد تمام خلقهم. وعدم ~~نظم هذا وما عطف عليه في سلك الخلق المعلل بالتبيين مع كونهما ~~من متمماته ومن مبادي التبيين أيضا لما أن دلالة الأول على ~~كمال قدرته تعالى على جميع المقدورات التي من جملتها البعث ~~المبحوث عنه أجلى وأظهر أي ونحن نقر في الأرحام بعد ذلك ما نشاء ~~أن نقره فيها. # { إلى أجل مسمى } هو وقت الوضع وأدناه ستة أشهر، ~~وأقصاه سنتان وقيل: أربع سنين وفيه إشارة إلى أن بعض ما في ~~الأرحام لا يشاء الله تعالى إقراره فيها بعد تكامل خلقه فتسقطه. ~~والتعرض للإزلاق لا يناسب المقام لأن الكلام فيما جرى عليه ~~أطوار الخلق وهذا صريح في أن المراد بغير المخلقة ليس من ولد ~~ناقصا أو معيبا وأن ما فصل إلى هنا هي الأطوار المتواردة على ~~المولود قبل الولادة. وقرىء يقر بالياء ونقر ويقر بضم ~~القاف من قررت الماء إذا صببته. { ثم نخرجكم } أي من بطون ~~أمهاتكم بعد إقراركم فيها عند تمام الأجل المسمى { طفلا } أي ~~حال كونكم أطفالا. والإفراد باعتبار كل واحد منهم أو بإرادة ~~الجنس المنتظم للواحد والمتعدد. وقرىء يخرجكم بالياء. وقوله ~~تعالى: { ثم لتبلغوا أشدكم } علة لنخرجكم معطوفة ~~على علة أخرى له مناسبة لها كأنه قيل: ثم نخرجكم لتكبروا ~~شيئا فشيئا ثم لتبلغوا كمالكم في القوة والعقل والتمييز، ~~وقيل: التقدير ثم نمهلكم لتبلغوا الخ، وما قيل إنه معطوف على ~~نبين مخل بجزالة النظم الكريم هذا وقد قرىء ما قبله من ~~الفعلين بالنصب حكاية وغيبة. # فهو حينئذ عطف على نبين مثلهما والمعنى خلقناكم على التدريج ~~المذكور لغايتين مترتبتين عليه إحداهما أن نبين شؤوننا ~~والثانية أن نقركم في الأرحام ثم نخرجكم صغارا ثم لتبلغوا ~~أشدكم. وتقديم التبيين على ما بعده مع أن حصوله بالفعل بعد ~~الكل للإيذان بأنه غاية الغايات ومقصود بالذات. وإعادة ~~اللام ههنا مع تجريد الأولين عنها للإشعار بأصالته في ~~الغرضية بالنسبة إليهما إذ عليه ms2253 يدور التكليف المؤدي إلى ~~السعادة والشقاوة. وإيثار البلوغ مسندا إلى المخاطبين على ~~التبليغ مسندا إليه تعالى كالأفعال السابقة لأنه المناسب ~~لبيان حال اتصافهم بالكمال واستقلالهم بمبدئية الآثار ~~والأفعال. والأشد من ألفاظ الجموع التي لم يستعمل لها واحد ~~كالأسدة والقتود وكأنها حين كانت شدة في غير شيء بنيت ~~على لفظ الجمع. { ومنكم من يتوفى } أي بعد بلوغ الأشد ~~أو قبله. وقرىء يتوفى مبنيا للفاعل أي يتوفاه الله تعالى { ~~ومنكم من يرد إلى أرذل العمر } وهو الهرم ~~والخرف. وقرىء بسكون الميم. وإيراد الرد والتوفي على صيغة ~~المبني للمفعول للجري على سنن الكبرياء لتعين الفاعل { ~~لكيلا يعلم من بعد علم } أي علم كثير { شيئا } أي ~~شيئا من الأشياء أو شيئا من العلم مبالغة في انتقاص علمه وينكر ~~ما عرفه ويعجز عما قدر عليه. وفيه من التنبيه على صحة ~~البعث ما لا يخفى. # { وترى الأرض هامدة } حجة أخرى على صحة البعث، ~~والخطاب لكل أحد ممن يتأتى منه الرؤية. وصيغة المضارع ~~للدلالة على التجدد والاستمرار وهي بصرية. وهامدة حال من ~~الأرض، أي ميتة يابسة، من همدت النار إذا صارت رمادا { ~~فإذا أنزلنا عليها الماء } أي المطر { اهتزت } ~~تحركت بالنبات { وربت } انتفخت وازدادت، وقرىء ربأت أي ~~ارتفعت { وأنبتت من كل زوج } أي صنف { بهيج } حسن رائق ~~يسر ناظره. ### || [22.6-7] # { ذلك بأن الله هو الحق } كلام مستأنف جيء به إثر ~~تحقيق حقية البعث وإقامة البرهان عليه من العالمين الإنساني ~~والنباتي لبيان أن ذلك من آثار ألوهيته تعالى وأحكام شؤونه ~~الذاتية والوصفية والفعلية وأن ما ينكرون وجوده بل إمكانه من ~~إتيان الساعة والبعث من أسباب تلك الآثار العجيبة التي ~~يشاهدونها في الأنفس والآفاق ومبادي صدورها عنه تعالى. وفيه من ~~الإيذان بقوة الدليل وأصالة المدلول في التحقق وإظهار ~~بطلان إنكاره ما لا يخفى فإن إنكار تحقق السبب مع الجزم ~~بتحقق المسبب مما يقضي ببطلانه بديهة العقول. والمراد ~~بالحق هو الثابت الذي يحق ثبوته لا محالة لكونه لذاته لا ~~الثابت مطلقا و(ذلك) إشارة إلى ما ذكر من خلق الإنسان على ms2254 أطوار ~~مختلفة وتصريفه في أحوال متباينة وإحياء الأرض بعد موتها، وما ~~فيه من معنى البعد للإيذان ببعد منزلته في الكمال وهو مبتدأ خبره ~~الجار والمجرور أي ذلك الصنع البديع حاصل بسبب أنه تعالى هو ~~الحق وحده في ذاته وصفاته وأفعاله المحقق لما سواه من الأشياء { ~~وأنه يحى الموتى } أي شأنه وعادته إحياؤها وحاصله أنه ~~تعالى قادر على إحيائها بدءا وإعادة وإلا لما أحيا النطفة ~~والأرض الميتة مرارا بعد مرار. وما تفيده صيغة المضارع من ~~التجدد إنما هو باعتبار تعلق القدرة ومتعلقها لا باعتبار ~~نفسها. { وأنه على كل شىء قدير } أي مبالغ في القدرة ~~وإلا لما أوجد هذه الموجودات الفائتة للحصر التي من جملتها ما ~~ذكر. وأما الاستدلال على ذلك بأن قدرته تعالى لذاته الذي نسبته ~~إلى الكل سواء فلما دلت المشاهدة على قدرته على إحياء بعض ~~الأموات لزم اقتداره على إحياء كلها فمنشؤه الغفول عما سيق له ~~النظم الكريم من بيان كون الآثار الخاصة المذكورة من فروع ~~القدرة العامة التامة ومسبباتها، وتخصيص إحياء الموتى ~~بالذكر مع كونه من جملة الأشياء المقدور عليها للتصريح بما ~~فيه النزاع والدفع في نحو المنكرين وتقديمه لإبراز الاعتناء ~~به. # { وأن الساعة ءاتية } أي فيما سيأتي. وإيثار صيغة الفاعل ~~على الفعل للدلالة على تحقق إتيانها وتقرره البتة لاقتضاء ~~الحكمة إياه لا محالة وتعليله بأن التغير من مقدمات الانصرام ~~وطلائعه مبني على ما ذكر من الغفول. وقوله تعالى: { لا ريب ~~فيها } إما خبر ثان لأن أو حال من ضمير الساعة في الخبر ~~ومعنى نفي الريب عنها أنها في ظهور أمرها وضوح دلائلها ~~التكوينية والتنزيلية بحيث ليس فيها مظنة أن يرتاب في ~~إتيانها حسبما مر في مطلع سورة البقرة. والجملة عطف على المجرور ~~بالباء كما قبلها من الجملتين داخلة مثلهما في حيز السببية ~~وكذا قوله عز وجل: { وأن الله يبعث من فى القبور } ~~لكن لا من حيث أن إتيان الساعة وبعث الموتى مؤثران فيما ذكر ~~من أفاعيله تعالى تأثير القدرة فيها بل من حيث إن كلا منهما ~~سبب ms2255 داع له عز وجل بموجب رأفته بالعباد المبنية على الحكم ~~البالغة إلى ما ذكر من خلقهم ومن إحياء الأرض الميتة على نمط ~~بديع صالح للاستشهاد به على مكانهما ليتأملوا في ذلك ويستدلوا ~~به على وقوعهما لا محالة ويصدقوا بما ينطق بهما من الوحي المبين ~~وينالوا به السعادة الأبدية ولولا ذلك لما فعل تعالى ما فعل بل ~~لما خلق العالم رأسا وهذا كما ترى من أحكام حقيته تعالى في صفاته ~~وكونها في غاية الكمال وقد جعل إتيان الساعة وبعث من في القبور ~~لكونهما من روادف الحكمة كناية عن كونه تعالى حكيما كأنه قيل ذلك ~~بسبب أنه تعالى قادر على إحياء الموتى وعلى كل مقدور وأنه ~~حكيم لا يخلف ميعاده وقد وعد بالساعة والبعث فلا بد أن يفي ~~بما وعد، وأنت خبير بأن مآله الاستدلال بحكمته تعالى على إتيان ~~الساعة والبعث وليس الكلام في ذلك بل إنما هو في سببيتهما لما ~~مر من خلق الإنسان وإحياء الأرض فتأمل وكن على الحق المبين. # وقيل: قوله تعالى: { وأن الساعة ءاتية } ليس معطوفا على ~~المجرور بالباء، ولا داخلا في حيز السببية بل هو خبر والمبتدأ ~~محذوف لفهم المعنى. والتقدير والأمر أن الساعة آتية وأن ~~الثانية معطوفة على الأولى، وقيل: المعنى ذلك لتعلموا بأن الله ~~هو الحق الآيتين. ### || [22.8-9] # { ومن الناس من يجدل فى الله } هو أبو جهل بن هشام ~~حسبما روي عن ابن عباس رضي الله عنهما، وقيل: هو من يتصدى ~~لإضلال الناس وإغوائهم كائنا من كان كما أن الأول من يقلدهم ~~على أن الشيطان عبارة عن المضل المغوي على الإطلاق { بغير ~~علم } متعلق بمحذوف وقع حالا من ضمير يجادل أي كائنا بغير ~~علم والمراد العلم الضروري كما أن المراد بالهدى في قوله ~~تعالى: { ولا هدى } هو الاستدلال والنظر الصحيح الهادي إلى ~~المعرفة { ولا كتب منير } وحي مظهر للحق أي يجادل في ~~شأنه تعالى من غير تمسك بمقدمة ضرورية ولا بحجة نظرية ولا ~~ببرهان سمعي كما في قوله تعالى: # ويعبدون من دون الله ما لم ms2256 ينزل به سلطنا ~~وما ليس لهم به علم # [الحج: 71] وأما ما قيل من أن المراد به المجادل الأول ~~والتكرير للتأكيد والتمهيد لما بعده من بيان أنه لا سند ~~له من استدلال أو وحي فلا يساعده النظم الكريم، كيف لا وإن ~~وصفه باتباع كل شيطان موصوف بما ذكر يغني عن وصفه بالعراء عن ~~الدليل العقلي والسمعي. # { ثانى عطفه } حال أخرى من فاعل يجادل أي عاطفا لجانبه ~~وطاويا كشحه معرضا متكبرا فإن ثني العطف كناية عن ~~التكبر. وقرىء بفتح العين أي مانعا لتعطفه. # { ليضل عن سبيل الله } متعلق بيجادل فإن غرضه ~~الإضلال عنه وإن لم يعترف بأنه إضلال. والمراد به إما الإخراج ~~من الهدى إلى الضلال فالمفعول من يجادله من المؤمنين أو ~~الناس جميعا بتغليب المؤمنين على غيرهم وإما التثبيت على ~~الضلال أو الزيادة عليه مجازا فالمفعول هم الكفرة خاصة. ~~وقرىء بفتح الياء وجعل ضلاله غاية لجداله من حيث إن المراد به ~~الضلال المبين الذي لا هداية له بعده مع تمكنه منها قبل ذلك ~~{ له فى الدنيا خزى } جملة مستأنفة مسوقة لبيان نتيجة ~~ما سلكه من الطريقة أي يثبت له في الدنيا بسبب ما فعله خزي وهو ~~ما أصابه يوم بدر من القتل والصغار { ونذيقه يوم ~~القيمة عذاب الحريق } أي النار المحرقة. ### || [22.10-11] # { ذلك } أي ما ذكر من العذاب الدنيوي والأخروي، وما فيه من ~~معنى البعد للإيذان بكونه في الغاية القاصية من الهول ~~والفظاعة. وهو مبتدأ خبره قوله تعالى: { بما قدمت يداك } ~~أي بسبب ما اقترفته من الكفر والمعاصي. وإسناده إلى يديه لما أن ~~الاكتساب عادة يكون بالأيدي. والالتفات لتأكيد الوعيد وتشديد ~~التهديد. ومحل أن في قوله عز وعلا: { وأن الله ليس ~~بظلم للعبيد } الرفع على أنه خبر مبتدإ أي والأمر ~~أنه تعالى ليس بمعذب لعبيده بغير ذنب من قبلهم. والتعبير ~~عن ذلك بنفي الظلم مع أن تعذيبهم بغير ذنب ليس بظلم قطعا على ~~ما تقرر من قاعدة أهل السنة فضلا عن كونه ظلما بالغا قد ~~مر تحقيقه في سورة آل عمران ms2257 [آل عمران: 82] والجملة اعتراض ~~تذييلي مقرر لمضمون ما قبلها وأما ما قيل من أن محل أن ~~هو الجر بالعطف على ما قدمت فقد عرفت حاله في سورة الأنفال ~~[الأنفال: 51]. # { ومن الناس من يعبد الله على حرف } شروع في ~~بيان حال المذبذبين إثر بيان حال المجاهرين أي ومنهم من ~~يعبده سبحانه وتعالى على طرف من الدين لا ثبات له فيه كالذي ~~ينحرف إلى طرف الجيش فإن أحس بظفر قر وإلا فر { فإن ~~أصابه خير } أي دنيوي من الصحة والسعة { اطمأن ~~به } أي ثبت على ما كان عليه ظاهرا لا أنه اطمأن به اطمئنان ~~المؤمنين الذين لا يلويهم عنه صارف ولا يثنيهم عاطف. { وإن ~~أصابته فتنة } أي شيء يفتتن به من مكروه يعتريه في نفسه ~~أو أهله أو ماله. { انقلب على وجهه } روي أنها نزلت في ~~أعاريب قدموا المدينة وكان أحدهم إذا صح بدنه ونتجت فرسه ~~مهرا سريا وولدت امرأته ولدا سويا وكثر ماله وماشيته قال: ~~ما أصبت منذ دخلت في ديني هذا إلا خيرا واطمأن وإن كان الأمر ~~بخلافه قال: ما أصبت إلا شرا وانقلب. وعن أبي سعيد الخدري ~~رضي الله عنه: أن يهوديا أسلم فأصابته مصائب فتشاءم بالإسلام ~~فأتى النبي عليه الصلاة والسلام فقال: أقلني، فقال عليه ~~السلام: # " إن الإسلام لا يقال " # فنزلت. وقيل: نزلت في المؤلفة قلوبهم. # { خسر الدنيا والآخرة } فقدهما وضيعهما بذهاب عصمته ~~وحبوط عمله بالارتداد. وقرىء خاسر بالنصب على الحال، والرفع ~~على الفاعلية. ووضع الظاهر موضع الضمير تنصيصا على خسرانه أو ~~على أنه خبر مبتدأ محذوف { ذلك } أي ما ذكر من الخسران وما فيه ~~من معنى البعد للإيذان بكونه في غاية ما يكون { هو الخسرن ~~المبين } الواضح كونه خسرانا إذ لا خسران مثله. ### || [22.12-16] # { يدعو من دون الله } استئناف مبين لعظم الخسران أي ~~يعبد متجاوزا عبادة الله تعالى { ما لا يضره } إذا لم يعبده ~~{ وما لا ينفعه } إن عبده أي جمادا ليس من شأنه النفع ~~كما يلوح به تكرير كلمة ما { ذلك } الدعاء { هو الضلال ~~البعيد } عن ms2258 الحق والهدى مستعار من ضلال من أبعد في التيه ~~ضالا عن الطريق { يدعو لمن ضره أقرب من نفعه } ~~استئناف مسوق لبيان مآل دعائه المذكور وتقرير كونه ضلالا ~~بعيدا مع إزاحة ما عسى يتوهم من نفي الضرر عن معبوده بطريق ~~المباشرة نفيه عنه بطريق التسبيب أيضا فالدعاء بمعنى القول ~~واللام داخلة على الجملة الواقعة مقولا له ومن مبتدأ وضره ~~مبتدأ ثان خبره أقرب والجملة صلة للمبتدأ الأول وقوله تعالى: { ~~لبئس المولى ولبئس العشير } جواب لقسم مقدر هو ~~جوابه خبر للمبتدأ الأول، وإيثار من على ما مع كون معبوده جمادا ~~وإيراد صيغة التفضيل مع خلوه عن النفع بالمرة للمبالغة في ~~تقبيح حاله والإمعان في ذمه أي يقول ذلك الكافر يوم القيامة بدعاء ~~وصراخ حين يرى تضرره بمعبوده ودخوله النار بسببه ولا يرى منه ~~أثر النفع أصلا لمن ضره أقرب من نفعه، والله لبئس الناصر هو ~~ولبئس الصاحب هو فكيف بما هو ضرر محض عار عن النفع بالكلية، ~~ويجوز أن يكون يدعو الثاني إعادة للأول لا تأكيدا له فقط بل ~~وتمهيدا لما بعده من بيان سوء حال معبوده إثر بيان سوء حال ~~عبادته بقوله تعالى: { ذلك هو الضلال البعيد } كأنه قيل ~~من جهته تعالى بعد ذكر عبادته لما لا يضره ولا ينفعه يدعو ذلك ثم ~~قيل لمن ضره أقرب من نفعه: والله لبئس المولى ولبئس العشير، ~~فكلمة من وصيغة التفضيل للتهكم به وقيل: اللام زائدة ومن ~~مفعول يدعو، ويؤيده القراءة بغير لام أي يعبد من ضره أقرب من نفعه ~~وإيراد كلمة من وصيغة التفضيل تهكم به أيضا والجملة القسمية ~~مستأنفة. # { إن الله يدخل الذين ءامنوا وعملوا ~~الصلحت جنت } استئناف جيء به لبيان كمال حسن حال ~~المؤمنين العابدين له تعالى وأن الله عز وجل يتفضل عليهم بما ~~لا غاية وراءه من أجل المنافع وأعظم الخيرات إثر بيان غاية ~~سوء حال الكفرة ومآلهم من فريقي المجاهرين والمذبذبين وأن ~~معبودهم لا يجديهم شيئا من النفع بل يضرهم مضرة عظيمة وأنهم ~~يعترفون بسوء ولايته وعشرته ويذمونه مذمة ms2259 تامة وقوله تعالى: { ~~تجرى من تحتها الأنهر } صفة لجنات فإن أريد بها ~~الأشجار المتكاثفة الساترة لما تحتها فجريان الأنهار من تحتها ~~ظاهر، وإن أريد بها الأرض فلا بد من تقدير مضاف أي من تحت ~~أشجارها، وإن جعلت عبارة عن مجموع الأرض والأشجار فاعتبار ~~التحتية بالنظر إلى الجزء الظاهر المصحح لإطلاق اسم ~~الجنة على الكل كما مر تفصيله في أوائل سورة البقرة. # وقوله تعالى: { إن الله يفعل ما يريد } تعليل لما قبله ~~وتقرير له بطريق التحقيق أي يفعل البتة كل ما يريده من الأفعال ~~المتقنة اللائقة المبنية على الحكم الرائقة التي من جملتها ~~إثابة من آمن به وصدق رسوله صلى الله عليه وسلم وعقاب من أشرك ~~به وكذب برسوله عليه السلام ولما كان هذا من آثار نصرته تعالى ~~له عليه السلام عقب بقوله عز وعلا: { من كان يظن أن ~~لن ينصره الله فى الدنيا والآخرة } تحقيقا لها ~~وتقريرا لثبوتها على أبلغ وجه وآكده. وفيه إيجاز بارع واختصار ~~رائع والمعنى: أنه تعالى ناصر لرسوله في الدنيا والآخرة لا محالة ~~من غير صارف يلويه ولا عاطف يثنيه فمن كان يغيظه ذلك من أعاديه ~~وحساده ويظن أن لن يفعله تعالى بسبب مدافعته ببعض الأمور ~~ومباشرة ما يرده من المكايد فليبالغ في استفراغ المجهود وليجاوز في ~~الجد كل حد معهود فقصارى أمره وعاقبة مكره أن يختنق حنقا ~~مما يرى من ضلال مساعيه وعدم إنتاج مقدماته ومباديه { ~~فليمدد بسبب إلى السماء } فليمدد حبلا إلى سقف بيته ~~{ ثم ليقطع } أي ليختنق، من قطع إذا اختنق لأنه يقطع نفسه ~~بحبس مجاريه وقيل: ليقطع الحبل بعد الاختناق على أن المراد به ~~فرض القطع وتقديره، كما أن المراد بالنظر في قوله تعالى: { ~~فلينظر هل يذهبن كيده ما يغيظ } تقدير النظر ~~وتصويره أي فليصور في نفسه النظر هل يذهبن كيده ذلك الذي هو ~~أقصى ما انتهت إليه قدرته في باب المضادة والمضارة ما يغيظه من ~~النصرة كلا، ويجوز أن يراد فلينظر الآن أنه إن فعل ذلك هل ~~يذهب ما يغيظه، وقيل: ms2260 المعنى فليمدد حبلا إلى السماء المظلة ~~وليصعد عليه ثم ليقطع الوحي، وقيل: ليقطع المسافة حتى يبلغ ~~عنانها فيجتهد في دفع نصره ويأباه أن مساق النظم الكريم ~~بيان أن الأمور المفروضة على تقدير وقوعها وتحققها بمعزل من ~~إذهاب ما يغيظ ومن البين أن لا معنى لفرض وقوع الأمور ~~الممتنعة وترتيب الأمر بالنظر عليه لا سيما قطع الوحي فإن ~~فرض وقوعه مخل بالمرام قطعا، وقيل: كان قوم من المسلمين لشدة ~~غيظهم وحنقهم على المشركين يستبطئون ما وعد الله رسوله عليه ~~الصلاة والسلام من النصر وآخرون من المشركين يريدون اتباعه ~~عليه السلام ويخشون أن لا يثبت أمره فنزلت وقد فسر النصر ~~بالرزق فالمعنى أن الأرزاق بيد الله تعالى لا تنال إلا ~~بمشيئته تعالى فلا بد للعبد من الرضا بقسمته فمن ظن أن الله ~~تعالى غير رازقه ولم يصبر ولم يستسلم فليبلغ غاية الجزع وهو ~~الاختناق فإن ذلك لا يغلب القسمة ولا يرده مرزوقا. # { وكذلك } أي مثل ذلك الإنزال البديع المنطوي على الحكم ~~البالغة { أنزلنه } أي القرآن الكريم كله وقوله تعالى: { ~~ءايات بينات } أي واضحات الدلالة على معانيها الرائقة حال ~~من الضمير المنصوب مبينة لما أشير إليه بذلك { وأن الله ~~يهدى } به ابتداء أو يثبت على الهدى أو يزيد فيه { من يريد } ~~هدايته أو تثبيته أو زيادته فيها ومحل الجملة إما الجر على ~~حذف الجار أو متعلق بمحذوف مؤخر أي ولأن الله يهدي من يريد ~~أنزله كذلك أو الرفع على أنه خبر لمبتدأ محذوف أي والأمر أن ~~الله يهدي من يريد هدايته. ### || [22.17-18] # { إن الذين ءامنوا } أي بما ذكر من الآيات البينات ~~بهداية الله تعالى أو بكل ما يجب أن يؤمن به فيدخل فيه ما ذكر ~~دخولا أوليا { والذين هادوا والصبئين والنصرى ~~والمجوس } قيل: هم قوم يعبدون النار، وقيل: الشمس والقمر، ~~وقيل: هم قوم من النصارى اعتزلوا عنهم ولبسوا المسوح، وقيل: أخذوا ~~من دين النصارى شيئا ومن دين اليهود شيئا وهم القائلون بأن ~~للعالم أصلين نورا وظلمة. { والذين أشركوا } هم عبدة ~~الأصنام. وقوله تعالى: ms2261 { إن الله يفصل بينهم يوم ~~القيمة } في حيز الرفع على أنه خبر لإن السابقة، ~~وتصدير طرفي الجملتين بحرف التحقيق لزيادة التقدير والتأكيد، ~~أي يقضي بين المؤمنين وبين الفرق الخمس المتفقة على ملة ~~الكفر بإظهار المحق من المبطل وتوفية كل منهما حقه من الجزاء ~~بإثابة الأول وعقاب الثاني بحسب استحقاق أفراد كل منهما وقوله ~~تعالى: { إن الله على كل شىء شهيد } تعليل لما قبله من ~~الفصل أي عالم بكل شيء من الأشياء ومراقب لأحواله ومن قضيته ~~الإحاطة بتفاصيل ما صدر عن كل فرد من أفراد الفرق المذكورة وإجراء ~~جزائه اللائق به عليه. # وقوله تعالى: { ألم تر أن الله يسجد له من فى * ~~السموات ومن فى الأرض } الخ، بيان لما يوجب الفصل ~~المذكور من أعمال الفرق المذكورة مع الإشارة إلى كيفيته وكونه ~~بطريق التعذيب والإثابة والإكرام والإهانة إثر بيان ما يوجبه من ~~كونه تعالى شهيدا على جميع الأشياء التي من جملتها أحوالهم وأفعالهم ~~والمراد بالرؤية العلم عبر عنه بها إشعارا بظهور المعلوم والخطاب ~~لكل أحد ممن يتأتى منه الرؤية بناء على أنه من الجلاء بحيث ~~لا يخفى على أحد. والمراد بالسجود هو الانقياد التام لتدبيره ~~تعالى بطريق الاستعارة المبنية على تشبيهه بأكمل أفعال المكلف ~~في باب الطاعة إيذانا بكونه في أقصى مراتب التسخر والتذلل ~~لا سجود الطاعة الخاصة بالعقلاء سواء جعلت كلمة من عامة ~~لغيرهم أيضا وهو الأنسب بالمقام لإفادته شمول الحكم لكل ما فيهما ~~بطريق القرار فيهما أو بطريق الجزئية منهما فيكون قوله تعالى: { ~~والشمس والقمر والنجوم والجبال والشجر ~~والدواب } إفرادا لها بالذكر لشهرتها واستبعاد ذلك منها ~~عادة، أو جعلت خاصة بالعقلاء لعدم شمول سجود الطاعة لكلهم ~~حسبما ينبىء عنه قوله تعالى: { وكثير من الناس } فإنه مرتفع ~~بفعل مضمر يدل عليه المذكور أي ويسجد له كثير من الناس سجود ~~طاعة وعبادة ومن قضيته انتفاء ذلك عن بعضهم، وقيل: هو مرفوع على ~~الابتداء حذف خبره ثقة بدلالة خبر قسميه عليه نحو حق له الثواب، ~~والأول هو الأولى لما فيه من الترغيب في ms2262 السجود والطاعة. ~~وقد جوز أن يكون من الناس خبرا له أي من الناس الذين هم ~~الناس على الحقيقة وهم الصالحون والمتقون وأن يكون قوله تعالى: ~~{ وكثير } معطوفا على كثير الأول للإيذان بغاية الكثرة ثم يخبر ~~عنهم باستحقاق العذاب كأنه قيل: وكثير من الناس { حق عليه ~~العذاب } أي بكفره واستعصائه وقرىء حق بالضم وحقا أي حق ~~عليه العذاب حقا { ومن يهن الله } بأن كتب عليه الشقاوة ~~حسبما علمه من صرف اختياره إلى الشر { فما له من مكرم } ~~يكرمه بالسعادة. وقرىء بفتح الراء على أنه مصدر ميمي { ~~إن الله يفعل ما يشاء } من الأشياء التي من جملتها ~~الإكرام والإهانة. ### || [22.19-22] # { هذان } تعيين لطرفي الخصام وإزاحة لما عسى يتبادر إلى ~~الوهم من كونه بين كل واحدة من الفرق الست وبين البواقي وتحرير ~~لمحله أي فريق المؤمنين وفريق الكفرة المنقسم إلى الفرق الخمس { ~~خصمان } أي فريقان مختصمان وإنما قيل: { اختصموا فى ربهم ~~} حملا على المعنى أي اختصموا في شأنه عز وجل، وقيل في دينه، وقيل ~~ذاته وصفاته والكل من شؤونه تعالى فإن اعتقاد كل من الفريقين ~~بحقية ما هو عليه وبطلان ما عليه صاحبه وبناء أقواله وأفعاله ~~عليه خصومة للفريق الآخر وإن لم يجر بينهما التحاور والخصام، ~~وقيل: تخاصمت اليهود والمؤمنون فقالت اليهود: نحن أحق بالله ~~وأقدم منكم كتابا ونبينا قبل نبيكم، وقال المؤمنون: نحن أحق ~~بالله منكم آمنا بمحمد وبنبيكم وبما أنزل الله من كتاب وأنتم ~~تعرفون كتابنا ونبينا ثم كفرتم به حسدا فنزلت { فالذين ~~كفروا } تفصيل لما أجمل في قوله تعالى: { يفصل بينهم ~~يوم القيمة } { قطعت لهم } أي قدرت على مقادير ~~جثثهم، وقرىء بالتخفيف { ثياب من نار } أي نيران هائلة ~~تحيط بهم إحاطة الثياب بلابسها { يصب من فوق رؤوسهم ~~الحميم } أي الماء الحار الذي انتهت حرارته، قال ابن عباس ~~رضي الله عنهما: لو قطرت قطرة منها على جبال الدنيا لأذابتها. ~~والجملة مستأنفة أو خبر ثان للموصول أو حال من ضمير لهم { ~~يصهر به } أي يذاب { ما فى بطونهم } من الأمعاء ~~والأحشاء، وقرىء ms2263 يصهر بالتشديد { والجلود } عطف على ما ~~وتأخيره عنه إما لمراعاة الفواصل أو للإشعار بغاية شدة الحرارة ~~بإيهام أن تأثيرها في الباطن أقدم من تأثيرها في الظاهر مع ~~أن ملابستها على العكس والجملة حال من الحميم. # { ولهم } للكفرة أي لتعذيبهم وأجلهم { مقامع من حديد } ~~جمع مقمعة وهي آلة القمع. # { كلما أرادوا أن يخرجوا منها } أي أشرفوا على ~~الخروج من النار ودنوا منه حسبما يروى أنها تضربهم بلهيبها ~~فترفعهم حتى إذا كانوا في أعلاها ضربوا بالمقامع فهووا فيها ~~سبعين خريفا { من غم } أي من غم شديد من غمومها وهو بدل ~~اشتمال من الهاء بإعادة الجار والرابط محذوف كما أشير إليه أو ~~مفعول له للخروج { أعيدوا فيها } أي في قعرها بأن ردوا من ~~أعاليها إلى أسافلها من غير أن يخرجوا منها { وذوقوا } على تقدير ~~قول معطوف على أعيدوا أي وقيل لهم: { عذاب الحريق } أي الغليظ ~~من النار المنتشر العظيم الإهلاك. ### || [22.23-25] # { إن الله يدخل الذين ءامنوا وعملوا ~~الصلحت جنت تجرى من تحتها الأنهر } بيان ~~لحسن حال المؤمنين إثر بيان سوء حال الكفرة وقد غير الأسلوب ~~فيه بإسناد الإدخال إلى الله عز وجل. وتصدير الجملة بحرف ~~التحقيق إيذانا بكمال مباينة حالهم لحال الكفرة وإظهارا لمزيد ~~العناية بأمر المؤمنين ودلالة على تحقيق مضمون الكلام { يحلون ~~فيها } على البناء للمفعول بالتشديد من التحلية وقرىء ~~بالتخفيف من الإحلاء بمعنى الإلباس أي يحليهم الملائكة بأمره ~~تعالى. وقرىء يحلون من حلية المرأة إذا لبست حليتها ومن في قوله ~~تعالى: { من أساور } إما للتبعيض أي بعض أساور وهي جمع ~~أسورة جمع سوار أو للبيان لما أن ذكر التحلية مما ~~ينبىء عن الحلى المبهم، وقيل: زائدة، وقيل: نعت لمفعول محذوف ~~ليحلون فإنه بمعنى يلبسون { من ذهب } بيان للأساور { ~~ولؤلؤا } عطف على محل من أساور أو على المفعول المحذوف أو ~~منصوب بفعل مضمر يدل عليه يحلون أي يؤتون. وقرىء بالجر عطفا على ~~أساور وقرىء لؤلؤا بقلب الهمزة الثانية واوا ولوليا بقلبها ياء ~~بعد قلبهما واوا وليليا بقلبهما ياء { ولباسهم فيها حرير } ~~غير ms2264 الأسلوب حيث لم يقل ويلبسون فيها حريرا لكن لا للدلالة ~~على أن الحرير ثيابهم المعتادة أو لمجرد المحافظة على هيئة ~~الفواصل بل للإيذان بأن ثبوت اللباس لهم أمر محقق غني عن البيان ~~إذ لا يمكن عراؤهم عنه وإنما المحتاج إلى البيان أن لباسهم ~~ماذا بخلاف الأساور واللؤلؤ فإنها ليست من اللوازم الضرورية ~~فجعل بيان تحليتهم بها مقصودا بالذات ولعل هذا هو الباعث إلى ~~تقديم بيان التحلية على بيان حال اللباس. # { وهدوا إلى الطيب من القول } وهو قولهم: # الحمد لله الذى صدقنا وعده وأورثنا الارض ~~نتبوأ من الجنة # [الزمر: 74] الآية { وهدوا إلى صرط الحميد } أي المحمود ~~نفسه أو عاقبته وهو الجنة، ووجه التأخير حينئذ أن ذكر الحمد ~~يستدعي ذكر المحمود. # { إن الذين كفروا ويصدون عن سبيل الله } ليس ~~المراد به حالا ولا استقبالا وإنما هو استمرار الصد ولذلك حسن ~~عطفه على الماضي كما في قوله تعالى: # الذين ءامنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله # [الرعد: 28] وقيل هو حال من فاعل كفروا أي وهم يصدون وخبر إن ~~محذوف لدلالة آخر الآية الكريمة عليه فإن من ألحد في الحرم حيث ~~عوقب بالعذاب الأليم فلأن يعاقب من جمع إليه الكفر والصد عن ~~سبيل الله بأشد من ذلك أحق وأولى { والمسجد الحرام } عطف ~~على سبيل الله قيل المراد به مكة بدليل وصفه بقوله تعالى: { ~~الذى جعلنه للناس } أي كائنا من كان من غير فرق بين ~~مكي وآفاقي { سواء العكف فيه والباد } أي المقيم ~~والطارىء، وسواء أي مستويا مفعول ثان لجعلناه. والعاكف مرتفع به. ~~واللام متعلق به ظرف له. وفائدة وصف المسجد الحرام بذلك ~~زيادة تشنيع الصادين عنه. وقرىء سواء بالرفع على أنه خبر ~~مقدم. والعاكف مبتدأ والجملة مفعول ثان للجعل. وقرىء العاكف ~~بالجر على أنه بدل من الناس. { ومن يرد فيه } ترك مفعوله ~~ليتناول كل متناول كأنه قيل ومن يرد فيه مرادا ما. { بإلحاد ~~} بعدول عن القصد { بظلم } بغير حق وهما حالان مترادفان، أو ~~الثاني بدل من الأول بإعادة الجار أو صلة له أي ملحدا بسبب ~~الظلم ms2265 كالإشراك واقتراف الآثام { نذقه من عذاب أليم } ~~جواب لمن. ### || [22.26-27] # { وإذ بوأنا } يقال بوأه منزلا أي أنزله فيه. ولما لزمه ~~جعل الثاني مباءة للأول وقيل: { لإبرهيم مكان البيت } ~~وعليه مبنى قول ابن عباس رضي الله عنهما جعلناه أي اذكر وقت ~~جعلنا مكان البيت مباءة له عليه السلام أي مرجعا يرجع إليه ~~للعمارة والعبادة. وتوجيه الأمر بالذكر إلى الوقت مع أن المقصود ~~تذكير ما وقع فيه من الحوادث قد مر بيانه غير مرة. وقيل اللام ~~زائدة ومكان ظرف كما في أصل الاستعمال أي أنزلناه فيه. قيل رفع ~~البيت إلى السماء أيام الطوفان وكان من ياقوتة حمراء فأعلم ~~الله تعالى إبراهيم عليه السلام مكانه بريح أرسلها يقال لها ~~الخجوج كنست ما حوله فبناه على أسه القديم. روي أن الكعبة ~~الكريمة بنيت خمس مرات إحداها: بناء الملائكة وكانت من ياقوتة ~~حمراء ثم رفعت أيام الطوفان، والثانية: بناء إبراهيم عليه ~~السلام، والثالثة: بناء قريش في الجاهلية وقد حضر رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم هذا البناء، والرابعة: بناء ابن الزبير، ~~والخامسة: بناء الحجاج. وقد أوردنا ما في هذا الشأن من الأقاويل ~~في تفسير قوله تعالى: # وإذ يرفع إبرهيم القواعد من البيت # [البقرة: 127] وأن في قوله تعالى: { أن لا تشرك بى شيئا } ~~مفسرة لبوأنا من حيث إنه متضمن لمعنى تعبدنا لأن التبوئة ~~للعبادة أو مصدرية موصولة بالنهي، وقد مر تحقيقه في أوائل سورة ~~هود. أي فعلنا ذلك لئلا تشرك بي في العبادة شيئا { وطهر ~~بيتى للطائفين والقائمين والركع السجود } أي ~~وطهر بيتي من الأوثان والأقذار لمن يطوف به ويصلي فيه ولعل ~~التعبير عن الصلاة بأركانها للدلالة على أن كل واحد منها ~~مستقل باقتضاء ذلك فكيف وقد اجتمعت. وقرىء يشرك بالياء. # { وأذن فى الناس } أي ناد فيهم. وقرىء آذن { بالحج } ~~بدعوة الحج، والأمر به. روي أنه عليه السلام صعد أبا قبيس فقال: ~~يا أيها الناس حجوا بيت ربكم فأسمعه الله تعالى من في ~~أصلاب الرجال وأرحام النساء فيما بين المشرق والمغرب ممن سبق ~~في علمه تعالى ms2266 أن يحج. وقيل الخطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~أمر بذلك في حجة الوداع ويأباه كون السورة مكية { يأتوك ~~} جواب للأمر { رجالا } أي مشاة جمع راجل كقيام جمع قائم. ~~وقرىء بضم الراء وتخفيف الجيم وتشديده، ورجالى كعجالى { ~~وعلى كل ضامر } عطف على رجالا أي ركبانا على كل بغير ~~مهزول أتعبه بعد الشقة فهزله أو زاد هزاله. { يأتين } صفة ~~لضامر محمولة على المعنى. وقرىء يأتون على أنه صفة للرجال ~~والركبان أو استئناف فيكون الضمير للناس { من كل فج } ~~طريق واسع { عميق } بعيد. وقرىء معيق يقال بئر بعيدة العمق ~~وبعيدة المعق بمعنى، كالجذب والجبذ. ### || [22.28-30] # { ليشهدوا } متعلق بيأتوك، لا بأذن أي ليحضروا { ~~منفع } عظيمة الخطر كثيرة العدد أو نوعا من المنافع ~~الدينية والدنيوية المختصة بهذه العبادة. واللام في قوله ~~تعالى: { لهم } متعلق بمحذوف هو صفة لمنافع أي منافع كائنة لهم. { ~~ويذكروا اسم الله } عند إعداد الهدايا والضحايا وذبحها. ~~وفي جعله غاية للإتيان إيذان بأنه الغاية القصوى دون غيره. وقيل ~~هو كناية عن الذبح لأنه لا ينفك عنه { فى أيام ~~معلومت } هي أيام النحر كما ينبىء عنه قوله تعالى: { ~~على ما رزقهم من بهيمة الأنعام } فإن المراد ~~بالذكر ما وقع عند الذبح. وقيل هي عشر ذي الحجة قد علق ~~الفعل بالمرزوق وبين بالبهيمة تحريضا على التقرب وتنبيها ~~على الذكر { فكلوا منها } التفات إلى الخطاب. والفاء فصيحة ~~عاطفة لمدخولها على مقدر قد حذف للإشعار بأنه أمر محقق غير ~~محتاج إلى التصريح به كما في قوله تعالى: # فانفجرت # [البقرة: 60] أي فاذكروا اسم الله على ضحاياكم فكلوا من لحومها. ~~والأمر للإباحة وإزاحة ما كانت عليه أهل الجاهلية من التحرج ~~فيه أو للندب إلى مواساة الفقراء ومساواتهم { وأطعموا ~~البائس } أي الذي أصابه بؤس وشدة { الفقير } المحتاج وهذا ~~الأمر للوجوب. وقد قيل به في الأول أيضا. # { ثم ليقضوا تفثهم } أي ليؤدوا إزالة وسخهم أو ~~ليحكموها بقص الشارب والأظفار ونتف الإبط والاستحداد عند ~~الإحلال { وليوفوا نذورهم } ما ينذرون من البر في حجهم ~~وقيل مواجب الحج. وقرىء بفتح الواو ms2267 وتشديد الفاء { ~~وليطوفوا } طواف الركن الذي به يتم التحلل فإنه ~~قرينة قضاء التفث، وقيل طواف الوداع. { بالبيت العتيق } أي ~~القديم فإنه أول بيت وضع للناس. أو المعتق من تسلط ~~الجبابرة فكأين من جبار سار إليه ليهدمه فقصمه الله عز ~~وجل. وأما الحجاج الثقفي فإنما قصد إخراج ابن الزبير رضي ~~الله عنهما منه لا التسلط عليه. # { ذلك } أي الأمر ذلك، وهذا وأمثاله يطلق للفصل بين الكلامين أو ~~بين وجهي كلام واحد { ومن يعظم حرمت الله } أي ~~أحكامه وسائر ما لا يحل هتكه بالعلم بوجوب مراعاتها والعمل بموجبه. ~~وقيل الحرم وما يتعلق بالحج من التكاليف. وقيل الكعبة والمسجد ~~الحرام والبلد الحرام والشهر الحرام { فهو خير له } أي ~~فالتعظيم خير له ثوابا { عند ربه } أي في الآخرة، والتعرض ~~لعنوان الربوبية مع الإضافة إلى ضمير من لتشريفه والإشعار ~~بعلة الحكم. { وأحلت لكم الأنعم } وهي الأزواج ~~الثمانية على الإطلاق فقوله تعالى: { إلا ما يتلى عليكم ~~} أي إلا ما يتلى عليكم آية تحريمه. استثناء متصل منها على أن ~~ما عبارة عما حرم منها لعارض كالميتة وما أهل به لغير الله ~~تعالى. والجملة اعتراض جيء به تقريرا لما قبله من الأمر بالأكل ~~والإطعام ودفعا لما عسى يتوهم أن الإحرام يحرمه كما يحرم ~~الصيد. # وعدم الاكتفاء ببيان عدم كونها من ذلك القبيل بحمل الأنعام على ما ~~ذكر من الضحايا والهدايا المعهودة خاصة لئلا يحتاج إلى الاستثناء ~~المذكور إذ ليس فيها ما حرم لعارض قطعا لمراعاة حسن التخلص ~~إلى ما بعده من قوله تعالى: { فاجتنبوا الرجس من الأوثن ~~} فإنه مترتب على ما يفيده قوله تعالى ومن يعظم حرمات الله ~~من وجوب مراعاتها والاجتناب عن هتكها. ولما كان بيان حل الأنعام ~~من دواعي التعاطي لا من مبادي الاجتناب عقب بما يوجب ~~الاجتناب عنه من المحرمات ثم أمر بالاجتناب عما هو أقصى الحرمات، ~~كأنه قيل ومن يعظم حرمات الله فهو خير له والأنعام ليست من ~~الحرمات فإنها محللة لكم إلا ما يتلى عليكم آية تحريمه ~~فإنه مما يجب الاجتناب عنه فاجتنبوا ms2268 ما هو معظم الأمور التي يجب ~~الاجتناب عنها. وقوله تعالى: { واجتنبوا قول الزور } تعميم ~~بعد تخصيص فإن عبادة الأوثان رأس الزور، كأنه لما حث على ~~تعظيم الحرمات أتبع ذلك ردا لما كانت الكفرة عليه من تحريم البحائر ~~والسوائب ونحوهما والافتراء على الله تعالى بأنه حكم بذلك. وقيل ~~شهادة الزور لما روي أنه عليه السلام قال: # " عدلت شهادة الزور الإشراك بالله تعالى ثلاثا " # ، وتلا هذه الآية. والزور: من الزور وهو الانحراف كالإفك ~~المأخوذ من الأفك الذي هو القلب والصرف فإن الكذب منحرف مصروف ~~عن الواقع. وقيل هو قول أهل الجاهلية في تلبيتهم لبيك لا شريك ~~لك إلا شريك هو لك تملكه وما ملك. ### || [22.31] # { حنفاء لله } مائلين عن كل دين زائغ إلى الدين الحق ~~مخلصين لله تعالى. { غير مشركين به } أي شيئا من الأشياء ~~فيدخل في ذلك الأوثان دخولا أوليا، وهما حالان من واو فاجتنبوا { ~~ومن يشرك بالله } جملة مبتدأة مؤكدة لما قبلها من ~~الاجتناب عن الإشراك. وإظهار الاسم الجليل لإظهار كمال قبح الإشراك ~~{ فكأنما خر من السماء } لأنه مسقط من أوج الإيمان ~~إلى حضيض الكفر { فتخطفه الطير } فإن الأهواء المردية ~~توزع أفكاره. وقرىء فتخطفه بفتح الخاء وتشديد الطاء. وبكسر ~~الخاء والطاء، وبكسر التاء مع كسرهما، وأصلهما تختطفه { أو ~~تهوى به الريح } أي تسقطه وتقذفه { فى مكان سحيق } ~~بعيد، فإن الشيطان قد طوح به في الضلالة. وأو للتخيير ~~كما في # أو كصيب # [البقرة: 19] أو للتنويع. ويجوز أن يكون من باب التشبيه ~~المركب فيكون المعنى: ومن يشرك بالله فقد هلكت نفسه هلاكا ~~شبيها بهلاك أحد الهالكين هنا. ### || [22.32-34] # { ذلك } أي الأمر ذلك أو امتثلوا ذلك { ومن يعظم شعئر ~~الله } أي الهدايا فإنها من معالم الحج وشعائره تعالى كما ~~ينبىء عنه. # والبدن جعلنها لكم من شعئر الله # [الحج: 36] وهو الأوفق لما بعده. وتعظيمها اعتقاد أن التقرب بها ~~من أجل القربات وأن يختارها حسانا سمانا غالية الأثمان. روي ~~أنه عليه الصلاة والسلام أهدى مائة بدنة، فيها جمل لأبي ~~جهل في أنفه برة من ذهب، ms2269 وأن عمر رضي الله عنه أهدى نجيبة ~~طلبت منه بثلاثمائة دينار { فإنها } أي فإن تعظيمها { من ~~تقوى القلوب } أي من أفعال ذوي تقوى القلوب فحذفت هذه ~~المضافات والعائد إلى من. أو فإن تعظيمها ناشىء من تقوى القلوب. ~~وتخصيصها بالإضافة لأنها مراكز التقوى التي إذا ثبتت فيها ~~وتمكنت ظهر أثرها في سائر الأعضاء. # { لكم فيها } أي في الهدايا { منفع } هي درها ونسلها ~~وصوفها وظهرها { إلى أجل مسمى } هو وقت نحرها والتصدق ~~بلحمها والأكل منه { ثم محلها } أي وجوب نحرها أو وقت نحرها ~~منتهية { إلى البيت العتيق } أي إلى ما يليه من الحرم. ~~وثم للتراخي الزماني أو الرتبي أي لكم فيها منافع ~~دنيوية إلى وقت نحرها ثم منافع دينية أعظمها في النفع ~~محلها أي وجوب نحرها أو وقت وجوب نحرها إلى البيت العتيق أي ~~منتهية إليه. هذا وقد قيل المراد بالشعائر مناسك الحج ومعالمه. ~~والمعنى لكم فيها منافع بالأجر والثواب في قضاء المناسك وإقامة ~~شعائر الحج إلى أجل مسمى هو انقضاء أيام الحج ثم محلها ~~أي محل الناس من إحرامهم إلى البيت العتيق أي منته إليه بأن ~~يطوفوا به طواف الزيارة يوم النحر بعد قضاء المناسك، فإضافة ~~المحل إليها لأدنى ملابسة. # { ولكل أمة } أي لكل أهل دين { جعلنا منسكا } أي ~~متعبدا وقربانا يتقربون به إلى الله عز وجل. وقرىء بكسر ~~السين أي موضع نسك. وتقديم الجار والمجرور على الفعل للتخصيص ~~أي لكل أمة من الأمم جعلنا منسكا لا لبعض دون بعض. { ~~ليذكروا اسم الله } خاصة دون غيره ويجعلوا نسيكتهم لوجهه ~~الكريم علل الجعل به تنبيها على أن المقصود الأصلي من ~~المناسك تذكر المعبود. { على ما رزقهم من بهيمة ~~الأنعام } عند ذبحها، وفيه تنبيه على أن القربان يجب أن ~~يكون من الأنعام. والخطاب في قوله تعالى: { فإلهكم إله ~~وحد } للكل تغليبا. والفاء لترتيب ما بعدها على ما قبلها فإن ~~جعله تعالى لكل أمة من الأمم منسكا مما يدل على ~~وحدانيته تعالى. وإنما قيل إله واحد ولم يقل واحد لما أن ~~المراد بيان أنه ms2270 تعالى واحد في ذاته كما أنه واحد في ~~إلهيته للكل. والفاء في قوله تعالى: { فله أسلموا } ~~لترتيب ما بعدها من الأمر بالإسلام على وحدانيته تعالى، وتقديم ~~الجار والمجرور على الأمر للقصر، أي فإذا كان إلهكم إلها واحدا ~~فأخلصوا له التقرب أو الذكر واجعلوه لوجهه خاصة ولا تشوبوه ~~بالشرك { وبشر المخبتين } تجريد للخطاب إلى رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم أي المتواضعين أو المخلصين فإن الإخبات من ~~الوظائف الخاصة بهم. ### || [22.35-37] # { الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم } منه تعالى ~~لإشراق أشعة جلاله عليها { والصبرين على ما أصابهم } ~~من مشاق التكاليف ومؤنات النوائب. { والمقيمى الصلوة ~~} في أوقاتها. وقرىء بنصب الصلاة على تقدير النون. وقرىء ~~والمقيمين الصلاة على الأصل. { ومما رزقنهم ينفقون ~~} في وجوه الخيرات. # { والبدن } بضم الباء وسكون الدال. وقرىء بضمها. وهما ~~جمعا بدنة، وقيل الأصل ضم الدال كخشب وخشبة والتسكين ~~تخفيف منه. وقرىء بتشديد النون على لفظ الوقف. وإنما سميت ~~بها الإبل لعظم بدنها، مأخوذة من بدن بدانة وحيث شاركها ~~البقرة في الإجزاء عن سبعة بقوله صلى الله عليه وسلم: # " البدنة عن سبعة والبقرة عن سبعة " # جعلا في الشريعة جنسا واحدا. وانتصابه بمضمر يفسره: { ~~جعلنها لكم } وقرىء بالرفع على أنه مبتدأ والجملة ~~خبره. وقوله تعالى: { من شعائر الله } أي من أعلام دينه ~~التي شرعها الله تعالى. مفعول ثان للجعل. ولكم ظرف لغو متعلق ~~به. وقوله تعالى: { لكم فيها خير } أي منافع دينية ~~ودنيوية. جملة مستأنفة مقررة لما قبلها. # { فاذكروا اسم الله عليها } بأن تقولوا عند ذبحها ~~الله أكبر لا إله إلا الله والله أكبر اللهم منك ~~وإليك { صواف } أي قائمات قد صففن أيديهن وأرجلهن. وقرىء ~~صوافن من صفن الفرس إذا قام على ثلاث وعلى طرف سنبك الرابعة ~~لأن البدنة تعقل إحدى يديها فتقوم على ثلاث. وقرىء صوافنا ~~بإبدال التنوين من حرف الإطلاق عند الوقف. وقرىء صوافى أي ~~خوالص لوجه الله عز وجل. وصواف على لغة من يسكن ~~الياء على الإطلاق كما في قوله # لعلي أرى باق على الحدئان # { فإذا وجبت جنوبها ms2271 } سقطت على الأرض وهو كناية عن الموت ~~{ فكلوا منها وأطعموا القنع } الراضي بما عنده من ~~غير مسألة، ويؤيده أنه قرىء القنع. أو السائل من قنع إليه ~~قنوعا إذا خضع له في السؤال { والمعتر } أي المتعرض ~~للسؤال. وقرىء المعتري يقال عره وعراه واعتره واعتراه { ~~كذلك } مثل ذلك التسخير البديع المفهوم من قوله تعالى: { ~~سخرنها لكم } مع كمال عظمها ونهاية قوتها فلا تستعصي ~~عليكم حتى تأخذوها منقادة فتعقلونها وتحبسونها صافة قوائمها ثم ~~تطعنون في لباتها { لعلكم تشكرون } لتشكروا إنعامنا ~~عليكم بالتقرب والإخلاص. # { لن ينال الله } أي لن يبلغ مرضاته ولن يقع منه موقع ~~القبول { لحومها } المتصدق بها { ولا دماؤها } ~~المهراقة بالنحر من حيث إنها لحوم ودماء { ولكن يناله ~~التقوى منكم } ولكن يصيبه تقوى قلوبكم التي تدعوكم إلى ~~الامتثال بأمره تعالى وتعظيمه والتقرب إليه والإخلاص له. وقيل كان ~~أهل الجاهلية يلطخون الكعبة بدماء قرابينهم فهم به المسلمون ~~فنزلت: { كذلك سخرها لكم } تكرير للتذكير والتعليل ~~بقوله تعالى: { لتكبروا الله } أي لتعرفوا عظمته باقتداره على ~~ما لا يقدر عليه غيره فتوحدوه بالكبرياء، وقيل هو التكبير عند ~~الإحلال أو الذبح. { على ما هداكم } أي أرشدكم إلى طريق ~~تسخيرها وكيفية التقرب بها. وما مصدرية أو موصولة أي على ~~هدايته إياكم أو على ما هداكم إليه. وعلى متعلقة بتكبروا ~~لتضمنه معنى الشكر. { وبشر المحسنين } أي المخلصين في ~~كل ما يأتون وما يذرون في أمور دينهم. ### || [22.38-39] # { إن الله يدافع عن الذين ءامنوا } كلام مستأنف ~~مسوق لتوطين قلوب المؤمنين ببيان أن الله تعالى ناصرهم على ~~أعدائهم بحيث لا يقدرون على صدهم عن الحج ليتفرغوا إلى أداء ~~مناسكه. وتصديره بكلمة التحقيق لإبراز الاعتناء التام ~~بمضمونه وصيغة المفاعلة إما للمبالغة أو للدلالة على تكرر ~~الدفع فإنها قد تجرد عن وقوع الفعل المتكرر من الجانبين ~~فيبقى تكرره كما في الممارسة أي يبالغ في دفع غائلة المشركين ~~وضررهم الذي من جملته الصد عن سبيل الله مبالغة من يغالب فيه أو ~~يدفعها عنهم مرة بعد أخرى حسبما تجدد منهم القصد إلى الإضرار ~~بالمسلمين كما ms2272 في قوله تعالى: # كلما أوقدوا نارا للحرب أطفأها الله # [المائدة: 64] وقرىء يدفع والمفعول محذوف. وقوله تعالى: { إن ~~الله لا يحب كل خوان كفور } تعليل لما في ضمن الوعد ~~الكريم من الوعيد للمشركين وإيذان بأن دفعهم بطريق القهر ~~والخزي. ونفي المحبة كناية عن البغض أي أن الله يبغض ~~كل خوان في أماناته تعالى وهي أوامره ونواهيه أو في جميع ~~الأمانات التي هي معظمها كفور لنعمته، وصيغة المبالغة فيهما لبيان ~~أنهم كذلك لا لتقييد البغض بغاية الخيانة والكفر أو للمبالغة ~~في نفي المحبة على اعتبار النفي أولا وإيراد معنى المبالغة ~~ثانيا. # { أذن } أي رخص. وقرىء على البناء للفاعل أي أذن الله ~~تعالى { للذين يقتلون } أي يقاتلهم المشركون. والمأذون فيه ~~محذوف لدلالة المذكور عليه فإن مقاتلة المشركين إياهم دالة ~~على مقاتلتهم إياهم دلالة نيرة. وقرىء على صيغة المبني للفاعل ~~أي يريدون أن يقاتلوا المشركين فيما سيأتي ويحرصون عليه. فدلالته ~~على المحذوف أظهر { بأنهم ظلموا } أي بسبب أنهم ظلموا. ~~وهم أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ورضي عنهم كان المشركون ~~يؤذونهم وكانوا يأتونه عليه السلام بين مضروب ومشجوج ~~ويتظلمون إليه فيقول عليه السلام: # " اصبروا فإني لم أومر بالقتال " # حتى هاجروا فأنزلت وهي أول آية نزلت في القتال بعد ما نهي ~~عنه في نيف وسبعين آية { وإن الله على نصرهم ~~لقدير } وعد لهم بالنصر وتأكيد لما مر من العدة الكريمة ~~بالدفع، وتصريح بأن المراد به ليس مجرد تخليصهم من أيدي ~~المشركين بل تغليبهم وإظهارهم عليهم. والإخبار بقدرته تعالى على ~~نصرهم وارد على سنن الكبرياء وتأكيده بكلمة التحقيق واللام ~~لمزيد تحقيق مضمونه وزيادة توطين نفوس المؤمنين. ### || [22.40-41] # وقوله تعالى: { الذين أخرجوا من ديرهم } في حيز ~~الجر على أنه صفة للموصول الأول أو بيان له أو بدل منه أو في ~~محل النصب على المدح أو في محل الرفع بإضمار مبتدأ والجملة ~~مرفوعة على المدح والمراد بديارهم مكة المعظمة { بغير حق ~~} متعلق بأخرجوا أي أخرجوا بغير ما يوجب إخراجهم وقوله تعالى: { ~~إلا أن يقولوا ربنا الله } بدل من ms2273 حق أي بغير موجب سوى ~~التوحيد الذي ينبغي أن يكون موجبا للإقرار والتمكين دون ~~الإخراج والتسيير لكن لا على الظاهر بل على طريقة قول النابغة: ~~[الطويل] # ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم # بهن فلول من قراع الكتائب # وقيل الاستثناء منقطع. { ولولا دفع الله الناس بعضهم ~~ببعض } بتسليط المؤمنين على الكافرين في كل عصر وزمان. وقرىء ~~دفاع { لهدمت } لخربت باستيلاء المشركين على أهل الملل. ~~وقرىء هدمت بالتخفيف { صومع } للرهابنة { وبيع } ~~للنصارى { وصلوت } أي وكنائس لليهود سميت بها لأنها ~~يصلى فيها وقيل أصلها صلوتا بالعبرية فعربت { ومسجد } ~~للمسلمين { يذكر فيها اسم الله كثيرا } أي ذكرا كثيرا أو ~~وقتا، صفة مادحة للمساجد خصت بها دلالة على فضلها وفضل أهلها ~~وقيل صفة للأربع وليس كذلك فإن بيان ذكر الله عز وجل في ~~الصوامع والبيع والكنائس بعد انتساخ شرعيتها مما لا يقتضيه ~~المقام ولا يرتضيه الأفهام { ولينصرن الله من ينصره } ~~أي وبالله لينصرن الله من ينصر أولياءه أو من ينصر دينه ولقد ~~أنجز الله عز سلطانه وعده حيث سلط المهاجرين والأنصار على ~~صناديد العرب وأكاسرة العجم وقياصرة الروم وأورثهم أرضهم ~~وديارهم { إن الله لقوى } على كل ما يريده من مراداته ~~التي من جملتها نصرهم { عزيز } لا يمانعه شيء ولا يدافعه. # { الذين إن مكنهم فى الأرض أقاموا الصلوة ~~واتوا الزكوة وأمروا بالمعروف ونهوا عن ~~المنكر } وصف من الله عز وجل للذين أخرجوا من ديارهم بما ~~سيكون منهم من حسن السيرة عند تمكينه تعالى إياهم في الأرض وإعطائه ~~إياهم زمام الأحكام منبىء عن عدة كريمة على أبلغ وجه وألطفه. ~~وعن عثمان رضي الله عنه هذا والله ثناء قبل بلاء. يريد أنه ~~تعالى أثنى عليهم قبل أن يحدثوا من الخير ما أحدثوا. قالوا وفيه ~~دليل على صحة أمر الخلفاء الراشدين لأنه تعالى لم يعط ~~التمكين ونفاذ الأمر مع السيرة العادلة غيرهم من المهاجرين ولا ~~حظ في ذلك للأنصار والطلقاء. وعن الحسن رحمه الله هم أمة محمد ~~صلى الله عليه وسلم. وقيل الذين بدل من قوله من ينصره { ولله ms2274 } ~~خاصة { عقبة الأمور } فإن مرجعها إلى حكمه وتقديره فقط. ~~وفيه تأكيد للوعد بإظهار أوليائه وإعلاء كلمته. ### || [22.42-45] # { وإن يكذبوك فقد كذبت قبلهم قوم نوح } تسلية ~~لرسول الله صلى الله عليه وسلم متضمنة للوعد الكريم بإهلاك من ~~يعاديه من الكفرة وتعيين لكيفية نصره تعالى له الموعود بقوله ~~تعالى: # ولينصرن الله من ينصره # [الحج: 40] وبيان لرجوع عاقبة الأمور إليه تعالى. وصيغة المضارع في ~~الشرط مع تحقق التكذيب لما أن المقصود تسليته عليه السلام ~~عما يترتب على التكذيب من الحزن المتوقع أي وإن تحزن على ~~تكذيبهم إياك فاعلم أنك لست بأوحدي في ذلك فقد كذبت قبل تكذيب ~~قومك إياك قوم نوح { وعاد وثمود وقوم إبرهيم ~~وقوم لوط وأصحب مدين } أي رسلهم ممن ذكر ومن لم ~~يذكر، وإنما حذف لكمال ظهور المراد أو لأن المراد نفس الفعل أي ~~فعلت التكذيب قوم نوح إلى آخره. { وكذب موسى } غير ~~النظم الكريم بذكر المفعول وبناء الفعل له لا لأن قومه بنو ~~إسرائيل وهم لم يكذبوه وإنما كذبه القبط لما أن ذلك إنما ~~يقتضي عدم ذكرهم بعنوان كونهم قوم موسى لا بعنوان آخر على أن ~~بني إسرائيل أيضا قد كذبوه مرة بعد أخرى حسبما نطق به قوله ~~تعالى: # لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة # [البقرة: 55] ونحو ذلك من الآيات الكريمة بل للإيذان بأن تكذيبهم ~~له كان في غاية الشناعة لكون آياته في كمال الوضوح وقوله تعالى: { ~~فأمليت للكفرين } أي أمهلتهم حتى انصرمت حبال آجالهم. ~~والفاء لترتيب إمهال كل فريق من فرق المكذبين على تكذيب ذلك ~~الفريق لا لترتيب إمهال الكل على تكذيب الكل. ووضع الظاهر موضع ~~الضمير العائد إلى المكذبين لذمهم بالكفر والتصريح بمكذبي ~~موسى عليه السلام حيث لم يذكروا فيما قبل صريحا { ثم أخذتهم ~~} أي أخذت كل فريق من فرق المكذبين بعد انقضاء مدة إملائه ~~وإمهاله { فكيف كان نكير } أي إنكاري عليهم بالإهلاك أي فكان ~~ذلك في غاية ما يكون من الهول والفظاعة. # وقوله تعالى: { فكأين من قرية } منصوب بمضمر يفسره قوله ~~تعالى: { أهلكنها } أي فأهلكنا ms2275 كثيرا من القرى بإهلاك أهلها. ~~والجملة بدل من قوله تعالى: { فكيف كان نكير } [الحج: 44] أو ~~مرفوع على الابتداء وأهلكنا خبره أي فكثير من القرى أهلكناها. ~~وقرىء أهلكتها على وفق قوله تعالى: { فأمليت للكفرين ~~ثم أخذتهم فكيف كان نكير } [الحج: 44] { وهى ~~ظلمة } جملة حالية من مفعول أهلكنا. وقوله تعالى: { فهى ~~خاوية } عطف على أهلكناها لا على (وهي ظالمة) لأنها حال ~~والإهلاك ليس في حال خوائها فعلى الأول لا محل له من الإعراب ~~كالمعطوف عليه وعلى الثاني في محل الرفع لعطفه على الخبر ~~والخواء إما بمعنى السقوط من خوى النجم إذ سقط فالمعنى فهي ~~ساقطة حيطانها { على عروشها } أي سقوفها بأن تعطل بنيانها ~~فخرت سقوفها ثم تهدمت حيطانها فسقطت فوق السقوف. # وإسناد السقوط على العروش إليها لتنزيل الحيطان منزلة كل ~~البنيان لكونها عمدة فيه وإما بمعنى الخلو من خوى المنزل إذا ~~خلا من أهله فالمعنى فهي خالية مع بقاء عروشها وسلامتها فتكون على ~~بمعنى مع ويجوزأن يكون على عروشها خبرا بعد خبر أي فهي على عروشها ~~أي قائمة مشرفة على عروشها على معنى أن السقوف سقطت إلى الأرض ~~وبقيت الحيطان قائمة فهي مشرفة على السقوف الساقطة. وإسناد ~~الإشراف إلى الكل مع كونه حال الحيطان لما مر آنفا { وبئر ~~معطلة } عطف على قرية أي وكم بئر عامرة في البوادي تركت لا ~~يستقى منها لهلاك أهلها. وقرىء بالتخفيف من أعطله بمعنى عطله { ~~وقصر مشيد } مرفوع البنيان أو مجصص أخليناه عن ساكنيه ~~وهذا يؤيد كون معنى (خاوية على عروشها) خالية مع بقاء عروشها، ~~وقيل: المراد بالبئر بئر بسفح جبل بحضرموت وبالقصر قصر مشرف ~~على قلته كانا لقوم حنظلة بن صفوان من بقايا قوم صالح فلما ~~قتلوه أهلكهم الله تعالى وعطلهما. ### || [22.46-49] # { أفلم يسيروا فى الأرض } حث لهم أن يسافروا ليروا ~~مصارع المهلكين فيعتبروا وهم وإن كانوا قد سافروا فيها ولكنهم حيث ~~لم يسافروا للاعتبار جعلوا غير مسافرين فحثوا على ذلك. والفاء ~~لعطف ما بعدها على مقدر يقتضيه أي أغفلوا فلم يسيروا فيها { ~~فتكون لهم } بسبب ms2276 ما شاهدوه من مواد الاعتبار ومظان ~~الاستبصار { قلوب يعقلون بها } يجب أن يعقل من التوحيد { ~~أو ءذان يسمعون بها } ما يجب أن يسمع من الوحي أو من ~~أخبار الأمم المهلكة ممن يجاورهم من الناس فإنهم أعرف منهم ~~بحالهم { فإنها لا تعمى الأبصر } الضمير للقصة أو ~~مبهم يفسره الأبصار. وفي تعمى ضمير راجع إليه وقد أقيم الظاهر ~~مقامه { ولكن تعمى القلوب التى فى الصدور } أي ~~ليس الخلل في مشاعرهم وإنما هو في عقولهم باتباع الهوى ~~والانهماك في الغفلة. وذكر الصدور للتأكيد ونفي توهم ~~التجوز وفضل التنبيه على أن العمى الحقيقي ليس المتعارف الذي ~~يختص بالبصر، قيل: لما نزل قوله تعالى: # ومن كان فى هذه أعمى # [ الإسراء: 72] قال ابن أم مكتوم: يا رسول الله، أنا في الدنيا ~~أعمى أفأكون في الآخرة أعمى؟ # { ويستعجلونك بالعذاب } كانوا منكرين لمجيء العذاب ~~المتوعد به أشد الإنكار وإنما كانوا يستعجلون به استهزاء برسول ~~الله صلى الله عليه وسلم وتعجيزا له على زعمهم فحكى عنهم ذلك بطريق ~~التخطئة والاستنكار فقوله تعالى: { ولن يخلف الله وعده ~~} إما جملة حالية جيء بها لبيان بطلان إنكارهم لمجيئه في ضمن ~~استعجالهم به وإظهار خطئهم فيه كأنه قيل: كيف ينكرون مجيء العذاب ~~الموعود والحال أنه تعالى لا يخلف وعده أبدا وقد سبق الوعد فلا ~~بد من مجيئه حتما أو اعتراضية مبينة لما ذكر. وقوله تعالى: { ~~وإن يوما عند ربك كألف سنة مما تعدون } جملة ~~مستأنفة إن كانت الأولى حالية ومعطوفة عليها إن كانت اعتراضية ~~سيقت لبيان خطئهم في الاستعجال المذكور ببيان كمال سعة ساحة حلمه ~~تعالى ووقاره وإظهار غاية ضيق عطنهم المستتبع لكون المدة القصيرة ~~عنده تعالى مددا طوالا عندهم حسبما ينطق به قوله تعالى: # إنهم يرونه بعيدا * ونراه قريبا # [المعارج: 6-7] ولذلك يرون مجيئه بعيدا ويتخذونه ذريعة إلى إنكاره ~~ويجترئون على الاستعجال به ولا يدرون أن معيار تقدير الأمور كلها ~~وقوعا وأخبارا ما عنده تعالى من المقدار. وقراءة يعدون على صيغة ~~الغيبة أي يعده المستعجلون أوفق لهذا المعنى وقد جعل الخطاب في ms2277 ~~القراءة المشهورة لهم أيضا بطريق الالتفات لكن الظاهر أنه ~~للرسول عليه السلام ومن معه من المؤمنين، وقيل: المراد بوعده ~~تعالى ما جعل لهلاك كل أمة من موعد معين وأجل مسمى كما في ~~قوله تعالى: # ويستعجلونك بالعذاب ولولا أجل مسمى ~~لجاءهم العذاب # [العنكبوت: 53] فتكون الجملة الأولى حالية كانت أو اعتراضية ~~مبينة لبطلان الاستعجال به ببيان استحالة مجيئه قبل وقته الموعود ~~والجملة الأخيرة بيانا لبطلانه ببيان ابتناء على استطالة ما هو ~~قصير عنده تعالى على الوجه الذي مر بيانه فلا يكون في النظم ~~الكريم حينئذ تعرض لإنكارهم الذي دسوه تحت الاستعجال بل يكون ~~الجواب مبنيا على ظاهر مقالهم ويكتفى في رد إنكارهم ببيان عاقبة ~~من قبلهم من أمثالهم. هذا وحمل المستعجل به على عذاب الآخرة وجعل ~~اليوم عبارة عن يوم العذاب المستطال لشدته أو عن أيام الآخرة ~~الطويلة حقيقة أو المستطالة لشدة عذابها مما لا يساعده سباق ~~النظم الجليل ولا سياقه فإن كلا منهما ناطق بأن المراد هو ~~العذاب الدنيوي وأن الزمان الممتد هو الذي مر عليهم قبل ~~حلوله بطريق الإملال لا الزمان المقارن له ألا يرى إلى قوله ~~تعالى: { وكأين من قرية } الخ، فإنه كما سلف من قوله تعالى: # فأمليت للكفرين ثم أخذتهم # [الحج: 44] صريح في أن المراد هو الأخذ العاجل الشديد بعد ~~الإملاء المديد أي وكم من أهل قرية فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه ~~مقامه في الإعراب ورجع الضمائر والأحكام مبالغة في التعميم ~~والتهويل { أمليت لها } كما أمليت لهؤلاء حتى أنكروا مجيء ~~ما وعدوا من العذاب واستعجلوا به استهزاء برسلهم كما فعل هؤلاء { ~~وهى ظلمة } جملة حالية مفيدة لكمال حلمه تعالى ومشعرة ~~بطريق التعريض بظلم المستعجلين أي أمليت لها والحال أنها ظالمة ~~مستوجبة لتعجيل العقوبة كدأب هؤلاء { ثم أخذتها } بالعذاب ~~والنكال بعد طول الإملاء والإمهال وقوله تعالى: { وإلى ~~المصير } اعتراض تذييلي مقرر لما قبله ومصرح بما أفاده ذلك ~~بطريق التعريض من أن مال أمر المستعجلين أيضا ما ذكر من الأخذ ~~الوبيل أي إلى حكمي مرجع الكل جميعا لا إلى أحد ms2278 غيري لا ~~استقلالا ولا شركة فأفعل مما يليق بأعمالهم. # { قل يأيها الناس إنما أنا لكم نذير مبين } ~~أنذركم إنذارا بينا بما أوحي من أنباء الأمم المهلكة من غير أن ~~يكون لي دخل في إتيان ما توعدونه من العذاب حتى تستعجلوني به ~~والاقتصار على الإنذار مع بيان حال الفريقين بعده لما أشير إليه من ~~أن مساق الحديث للمشركين وعقابهم وإنما ذكر المؤمنون وثوابهم ~~زيادة في غيظهم. ### || [22.50-52] # { فالذين ءامنوا وعملوا الصلحت لهم ~~مغفرة } لما ندر منهم من الذنوب { ورزق كريم } هي ~~الجنة. والكريم من كل نوع ما يجمع فضائله ويحوز كمالاته. # { والذين سعوا فى ءايتنا معجزين } أي سابقين أو ~~مسابقين في زعمهم وتقديرهم طامعين أن كيدهم للإسلام يتم لهم. ~~وأصله من عاجزه وعجزه فأعجزه إذا سابقه فسبقه لأن كلا من ~~المتسابقين يريد إعجاز الآخر عن اللحاق به. وقرىء معجزين أي ~~مثبطين الناس عن الإيمان على أنه حال مقدرة { أولئك ~~} الموصوفون بما ذكر من السعي والمعاجزة { أصحب الجحيم } ~~أي ملازموا النار الموقدة، وقيل: هو اسم دركة من دركاتها. # { وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبى } ~~الرسول من بعثه الله تعالى بشريعة جديدة يدعو الناس إليها، ~~والنبي يعمه ومن بعثه لتقرير شريعة سابقة كأنبياء بني ~~إسرائيل الذين كانوا بين موسى وعيسى عليهم الصلاة والسلام ولذلك ~~شبه عليه السلام علماء أمته بهم. فالنبي أعم من ~~الرسول، ويدل عليه # " أنه عليه الصلاة والسلام سئل عن الأنبياء فقال: «مائة ~~ألف وأربعة وعشرون ألفا» قيل: فكم الرسول منهم؟ فقال: «ثلاثمائة ~~وثلاثة عشر جما غفيرا» " # وقيل: الرسول من جمع إلى المعجزة كتابا منزلا عليه، ~~والنبي غير الرسول من لا كتاب له. وقيل: الرسول من يأتيه ~~الملك بالوحي، والنبي يقال له ولمن يوحى إليه في المنام { ~~إلا إذا تمنى } أي هيأ في نفسه ما يهواه { ألقى ~~الشيطن فى أمنيته } في تشهيه ما يوجب اشتغاله ~~بالدنيا كما قال عليه السلام: # " وإنه ليغان على قلبي فأستغفر الله في اليوم سبعين مرة " # { فينسخ الله ما يلقى الشيطن } فيبطله ويذهب به ~~بعصمته ms2279 عن الركون إليه وإرشاده إلى ما يزيحه { ثم يحكم ~~الله ءايته } أي يثبت آياته الداعية إلى الاستغراق في شؤون ~~الحق. وصيغة المضارع في الفعلين للدلالة على الاستمرار ~~التجددي. وإظهار الجلالة في موقع الإضمار لزيادة التقرير ~~والإيذان بأن الألوهية من موجبات أحكام آياته الباهرة { ~~والله عليم } مبالغ في العلم بكل ما من شأنه أن يعلم ومن ~~جملته ما صدر عن العباد من قول وفعل عمدا أو خطأ { حكيم } في ~~كل ما يفعل. والإظهار ههنا أيضا لما ذكر مع ما فيه من تأكيد ~~استقلال الاعتراض التذييلي، قيل: حدث نفسه بزوال المسكنة ~~فنزلت، وقيل: تمنى لحرصه على إيمان قومه أن ينزل عليه ما يقربهم ~~إليه واستمر به ذلك حتى كان في ناديهم فنزلت عليه سورة النجم ~~فأخذ يقرؤها فلما بلغ ومناة الثالثة الأخرى وسوس إليه ~~الشيطان حتى سبق لسانه سهوا إلى أن قال تلك الغرانيق العلا ~~وإن شفاعتهن لترتجى ففرح به المشركون حتى شايعوه بالسجود ~~لما سجد في آخرها بحيث لم يبق في المسجد مؤمن ولا مشرك إلا سجد ~~ثم نبهه جبريل عليه السلام فاغتم به فعزاه الله عز وجل بهذه ~~الآية وهو مردود عند المحققين ولئن صح فابتلاء يتميز به ~~الثابت على الإيمان عن المتزلزل فيه، وقيل: تمنى بمعنى قرأ كقوله: ~~[الطويل] # تمنى كتاب الله أول ليلة # تمني داود الزبور على رسل # وأمنيته قراءته وإلقاء الشيطان فيها أن يتكلم بذلك رافعا ~~صوته بحيث ظن السامعون أنه من قراءة النبي عليه السلام ~~وقد رد بأنه أيضا يخل بالوثوق بالقرآن ولا يندفع بقوله تعالى: ~~{ فينسخ الله ما يلقى الشيطن ثم يحكم الله ~~ءايته } [الحج: 52] لأنه أيضا يحتمله، وفي الآية دلالة على ~~جواز السهو من الأنبياء عليهم السلام وتطرق الوسوسة إليهم. ### || [22.53-55] # { ليجعل ما يلقى الشيطن } علة لما ينبىء عنه ما ذكر ~~من إلقاء الشيطان من تمكينه تعالى إياه من ذلك في حق النبي ~~عليه السلام خاصة كما يعرب عنه سياق النظم الكريم لما أن تمكينه ~~تعالى إياه من الإلقاء في حق سائر الأنبياء عليهم ms2280 السلام لا ~~يمكن تعليله بما سيأتي وفيه دلالة على أن ما يلقيه أمر ظاهر يعرفه ~~المحق والمبطل { فتنة للذين فى قلوبهم مرض } أي شك ~~ونفاق كما في قوله تعالى: # فى قلوبهم مرض # [البقرة: 10] الآية { والقاسية قلوبهم } أي المشركين { ~~وإن الظلمين } أي الفريقين المذكورين، فوضع الظاهر ~~موضع ضميرهم تسجيلا عليهم بالظلم مع ما وصفوا به من المرض ~~والقساوة { لفى شقاق بعيد } أي عداوة شديدة ومخالفة تامة، ~~ووصف الشقاق بالبعد مع أن الموصوف به حقيقة هو معروضة للمبالغة ~~والجملة اعتراض تذييلي مقرر لمضمون ما قبله. # { وليعلم الذين أوتوا العلم أنه } أي القرآن { ~~الحق من ربك } أي هو الحق النازل من عنده تعالى، وقيل: ~~ليعلموا أن تمكين الشيطان من الإلقاء هو الحق المتضمن للحكمة ~~البالغة والغاية الجميلة لأنه مما جرت به عادته في جنس الإنس من ~~لدن آدم عليه السلام فحينئذ لا حاجة إلى تخصيص التمكين فيما سبق ~~بالإلقاء في حقه عليه السلام لكن يأباه قوله تعالى: { ~~فيؤمنوا به } أي بالقرآن أي يثبتوا على الإيمان به أو يزدادوا ~~إيمانا برد ما يلقي الشيطان { فتخبت له قلوبهم } ~~بالانقياد والخشية والإذعان لما فيه من الأوامر والنواهي، ورجع ~~الضمير لا سيما الثاني إلى تمكين الشيطان من الإلقاء مما لا ~~وجه له { وإن الله لهاد الذين ءامنوا } أي في الأمور ~~الدينية خصوصا في المداحض والمشكلات التي من جملتها ما ذكر { ~~إلى صرط مستقيم } هو النظر الصحيح الموصل إلى الحق ~~الصريح والجملة اعتراض مقرر لما قبله. # { ولا يزال الذين كفروا فى مرية } أي في شك وجدال { ~~منه } أي من القرآن وقيل: من الرسول صلى الله عليه وسلم والأول ~~هو الأظهر بشهادة ما سبق من قوله تعالى: # ثم يحكم الله ءايته # [الحج: 52] وقوله تعالى: { أنه الحق من ربك فيؤمنوا ~~به } [الحج: 54] وما لحق من قوله تعالى: # وكذبوا بئايتنا # [الحج: 57] وأما تجويز كون الضمير لما ألقى الشيطان في ~~أمنيته فمما لا مساغ له لأن ذلك ليس من هناتهم التي تستمر ~~إلى الأمد المذكور بل إنما هي مريتهم في شأن القرآن ms2281 ولا يجدي حمل ~~من على السببية دون الابتدائية لما أن مريتهم المستمرة كما ~~أنها ليست مبتدأة من ذلك ليست ناشئة منه ضرورة أنها مستمرة منهم ~~من لدن نزول القرآن الكريم. # { حتى تأتيهم الساعة } أي القيامة نفسها كما يؤذن قوله ~~تعالى: { بغتة } أي فجأة فإنها الموصوفة بالإتيان كذلك لا ~~أشراطها وقيل: الموت { أو يأتيهم عذاب يوم عقيم } أي ~~يوم لا يوم بعده كأن كل يوم يلد ما بعده من الأيام فما لا يوم ~~بعده يكون عقيما. # والمراد به الساعة أيضا كأنه قيل: أو يأتيهم عذابها فوضع ذلك ~~موضع ضميرها لمزيد التهويل ولا سبيل إلى حمل الساعة على ~~أشراطها لما عرفته. وأما ما قيل من أن المراد يوم حرب يقتلون ~~فيه كيوم بدر سمي به لأن أولاد النساء يقتلون فيه فيصرن ~~كأنهن عقم لم يلدن أو لأن المقاتلين أبناء الحرب فإذا قتلوا ~~صارت عقيما أي ثكلى فوصف اليوم بوصفها اتساعا أو لأنه لا ~~خير لهم فيه ومنه الريح العقيم لما لم ينشىء مطرا ولم يلقح شجرا ~~أو لأنه لا مثل له لقتال الملائكة عليهم السلام فيه فمما لا ~~يساعده سياق النظم الكريم أصلا كيف لا وإن تخصيص الملك ~~والتصرف الكلي فيه بالله عز وجل ثم بيان ما يقع فيه من حكمه ~~تعالى بين الفريقين بالثواب والعذاب الأخرويين يقضي بأن ~~المراد به يوم القيامة قضاء بينا لا ريب فيه. ### || [22.56-57] # { الملك } أي السلطان القاهر والاستيلاء التام والتصرف ~~على الإطلاق { يومئذ لله } وحده بلا شريك أصلا بحيث لا ~~يكون فيه لأحد تصرف من التصرفات في أمر من الأمور لا حقيقة ~~ولا مجازا ولا صورة ولا معنى كما في الدنيا فإن للبعض فيها ~~تصرفا صوريا في الجملة وليس التنوين نائبا عما تدل عليه ~~الغاية من زوال مريتهم كما قيل ولا عما يستلزمه ذلك من إيمانهم كما ~~قيل لما أن القيد المعتبر مع اليوم حيث وسط بين طرفي الجملة ~~يجب أن يكون مدارا لحكمها أعني كون الملك لله عز وجل وما يتفرع ~~عليه من الإثابة والتعذيب ms2282 ولا ريب في أن إيمانهم أو زوال مريتهم ~~ليس مما له تعلق بما ذكر فضلا عن المدارية له فلا سبيل إلى ~~اعتبار شيء منهما مع اليوم قطعا وإنما الذي يدور عليه ما ذكر ~~إتيان الساعة التي هي منتهى تصرفات الخلق ومبدأ ظهور أحكام ~~الملك الحق جل جلاله فإذن هو نائب عن نفس الجملة الواقعة غاية ~~لمريتهم فالمعنى: الملك يوم إذ تأتيهم الساعة أو عذابها لله تعالى. ~~وقوله تعالى: { يحكم بينهم } جملة مستأنفة وقعت جوابا عن ~~سؤال نشأ من الإخبار بكون الملك يومئذ لله كأنه قيل: فماذا يصنع ~~بهم حينئذ؟ فقيل: يحكم بين فريق المؤمنين به والممارين فيه ~~بالمجازاة. وقوله تعالى: { فالذين ءامنوا } الخ، تفسير للحكم ~~المذكور وتفصيل له أي فالذين آمنوا بالقرآن الكريم ولم يماروا فيه { ~~وعملوا الصلحات } امتثالا بما أمروا في تضاعيفه { في ~~جنت النعيم } أي مستقرون فيها. # { والذين كفروا وكذبوا بآيتنا } أي أصروا على ~~ذلك واستمروا { فأولئك } إشارة إلى الموصول باعتبار ~~اتصافه بما في حيز الصلة من الكفر والتكذيب وما فيه من معنى ~~البعد للإيذان ببعد منزلتهم في الشر والفساد أي أولئك الموصوفون ~~بما ذكر من الكفر والتكذيب وهو مبتدأ وقوله تعالى: { لهم عذاب ~~} جملة اسمية من مبتدأ وخبر مقدم عليه وقعت خبر ~~لأولئك أو لهم خبر لأولئك وعذاب مرتفع على الفاعلية بالاستقرار في ~~الجار والمجرور لاعتماده على المبتدأ وأولئك مع خبره على الوجهين ~~خبر للموصول وتصديره بالفاء للدلالة على أن تعذيب الكفار بسبب ~~أعمالهم السيئة كما أن تجريد خبر الموصول الأول عنها للإيذان ~~بأن إثابة المؤمنين بطريق التفضل لا لإيجاب الأعمال الصالحة ~~إياها. وقوله تعالى: { مهين } صفة لعذاب مؤكدة لما أفاده ~~التنوين من الفخامة وفيه من المبالغة من وجوه شتى ما لا يخفى. ### || [22.58-60] # { والذين هاجروا فى سبيل الله } أي في الجهاد حسبما ~~يلوح به قوله تعالى: { ثم قتلوا أو ماتوا } أي في تضاعيف ~~المهاجرة. ومحل الموصول الرفع على الابتداء وقوله تعالى: { ~~ليرزقنهم الله } جواب لقسم محذوف والجملة خبره ومن منع ~~وقوع الجملة القسمية وجوابها خبرا للمبتدأ ms2283 يضمر قولا هو الخبر ~~والجملة محكمية. وقوله تعالى: { رزقا حسنا } إما مفعول ثان على ~~أنه من باب الرعي والذبح أي مرزوقا حسنا أو مصدر مؤكد ~~والمراد به ما لا ينقطع أبدا من نعيم الجنة وإنما سوى بينهما في ~~الوعد لاستوائهما في القصد. وأصل العمل على أن مراتب الحسن متفاوتة ~~فيجوز تفاوت حال المرزوقين حسب تفاوت الأرزاق الحسنة. وروي أن ~~بعض أصحاب النبي عليه السلام قالوا: يا نبي الله هؤلاء ~~الذين قتلوا في سبيل الله قد علمنا ما أعطاهم الله تعالى من الخير ~~ونحن نجاهد معك كما جاهدوا فما لنا إن متنا معك فنزلت. وقيل: نزلت ~~في طوائف خرجوا من مكة إلى المدينة للهجرة فتبعهم المشركون ~~فقاتلوهم { وإن الله لهو خير الرزقين } فإنه يرزق ~~بغير حساب مع أن ما يرزقه لا يقدر عليه أحد غيره والجملة اعتراض ~~تذييلي مقرر لما قبله وقوله تعالى: { ليدخلنهم مدخلا ~~يرضونه } بدل من قوله تعالى: { ليرزقنهم الله } أو ~~استئناف مقرر لمضمونه. ومدخلا إما اسم مكان أريد به الجنة ~~فهو مفعول ثان للإدخال أو مصدر ميمي أكد به فعله. قال ابن ~~عباس رضي الله عنهما: إنما قيل يرضونه لما أنهم فيها يرون ما لا ~~عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر فيرضونه { وإن ~~الله لعليم } بأحوالهم وأحوال معاديهم { حليم } لا يعاجلهم ~~بالعقوبة. # { ذلك } خبر مبتدأ محذوف أي الأمر ذلك والجملة لتقرير ما قبله ~~والتنبيه على أن ما بعده كلام مستأنف { ومن عاقب بمثل ~~ما عوقب به } أي لم يزد في الاقتصاص وإنما سمي الابتداء ~~بالعقاب الذي هو جزاء الجناية للمشاكلة أو لكونه سببا له { ثم ~~بغى عليه } بالمعاودة إلى العقوبة { لينصرنه الله } ~~على من بغى عليه لا محالة { إن الله لعفو غفور } أي ~~مبالغ في العفو والغفران فيعفو عن المنتصر ويغفر له ما صدر عنه ~~من ترجيح الانتقام على العفو والصبر المندوب إليهما بقوله تعالى: # ولمن صبر وغفر إن ذلك # [الشورى: 43] أي ما ذكر من الصبر والمغفرة # لمن عزم الأمور # [الشورى: 43] فإن فيه حثا ms2284 بليغا على العفو والمغفرة فإنه تعالى ~~مع كمال قدرته لما كان يعفو ويغفر فغيره أولى بذلك وتنبيها ~~على أنه تعالى قادر على العقوبة إذ لا يوصف بالعفو إلا القادر ~~على ضده. ### || [22.61-65] # { ذلك } إشارة إلى النصر وما فيه من معنى البعد للإيذان بعلو ~~رتبته. ومحله الرفع على الابتداء خبره قوله تعالى: { بأن ~~الله يولج اليل فى النهار ويولج النهار فى ~~اليل } أي بسبب أنه تعالى من شأنه وسنته تغليب بعض مخلوقاته ~~على بعض والمداولة بين الأشياء المتضادة وعبر عن ذلك بإدخال ~~أحد الملوين في الآخر بأن يزيد فيه ما ينقص عن الآخر أو بتحصيل ~~أحدهما في مكان الآخرلكونه أظهر المواد وأوضحها { وأن ~~الله سميع } بكل المسموعات التي من جملتها قول المعاقب { ~~بصير } بجميع المبصرات ومن جملتها أفعاله. { ذلك } أي ~~الاتصاف بما ذكر من كمال القدرة والعلم وما فيه من معنى البعد ~~لما مر آنفا وهو مبتدأ خبره قوله تعالى: { بأن الله هو ~~الحق } الواجب لذاته الثابت في نفسه وصفاته وأفعاله وحده ~~فإن وجوب وجوده ووحدته يقتضيان كونه مبدأ لكل ما يوجد من ~~الموجودات عالما بكل المعلومات أو الثابت إلهية فلا يصلح ~~إلا من كان عالما قادرا { وأن ما يدعون من دونه } ~~إلها. وقرىء على البناء للمفعول على أن الواو لما فاته عبارة عن ~~الآلهة. وقرىء بالتاء على خطاب المشركين { هو البطل } أي ~~المعدوم في حد ذاته أو الباطل ألوهيته { وأن الله هو ~~العلى } على جميع الأشياء { الكبير } عن أن يكون له شريك لا ~~شيء أعلى منه شأنا وأكبر سلطانا. # { ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء } استفهام ~~تقريري كما يفصح عنه الرفع في قوله تعالى: { فتصبح الأرض ~~مخضرة } بالعطف على أنزل، وإيثار صيغة الاستقبال للإشعار ~~بتجدد أثر الإنزال واستمراره أو لاستحضار صورة الاخضرار { إن ~~الله لطيف } يصل لطفه أو علمه إلى كل ما جل ودق { خبير ~~} بما يليق من التدابير الحسنة ظاهرا وباطنا. # { له ما في السموات وما في الأرض } خلقا وملكا ~~وتصرفا { وإن الله لهو الغنى } عن كل ms2285 شيء { ~~الحميد } المستوجب للحمد بصفاته وأفعاله. # { ألم تر أن الله سخر لكم ما فى الأرض } أي جعل ~~ما فيها من الأشياء مذللة لكم معدة لمنافعكم تتصرفون فيها كيف ~~شئتم فلا أصلب من الحجر ولا أشد من الحديد ولا أهيب من النار ~~وهي مسخرة لكم. وتقديم الجار والمجرور على المفعول الصريح لما ~~مر مرارا من الاهتمام بالمقدم لتعجيل المسرة والتشويق إلى ~~المؤخر { والفلك } عطف على ما، أو على اسم أن. وقرىء ~~بالرفع على الابتداء { تجرى فى البحر بأمره } حال من ~~الفلك على الأول وخبر على الأخيرين { ويمسك السماء أن ~~تقع على الأرض } أي من أن تقع أو كراهة أن تقع بأن خلقها على ~~هيئة متداعية إلى الاستمساك { إلا بإذنه } أي بمشيئته وذلك ~~يوم القيامة وفيه رد لاستمساكها بذاتها فإنها مساوية في ~~الجسمية لسائر الأجسام القابلة للميل الهابط فتقبله كقبول غيرها ~~{ إن الله بالناس لرؤوف رحيم } حيث هيأ لهم أسباب ~~معاشهم وفتح عليهم أبواب المنافع وأوضح لهم مناهج الاستدلال ~~بالآيات التكوينية والتنزيلية. ### || [22.66-67] # { وهو الذى أحياكم } بعد أن كنتم جمادا عناصر ونطفا ~~حسبما فصل في مطلع السورة الكريمة { ثم يميتكم } عند مجيء ~~آجالكم { ثم يحييكم } عند البعث { إن الإنسن ~~لكفور } أي جحود للنعم مع ظهورها وهذا وصف للجنس بوصف بعض ~~أفراده. # { لكل أمة } كلام مستأنف جيء به لزجر معاصريه عليه السلام من ~~أهل الأديان السماوية عن منازعته عليه السلام ببيان حال ما ~~تمسكوا به من الشرائع وإظهار خطئهم في النظر أي لكل أمة ~~معينة من الأمم الخالية والباقية { جعلنا } أي وضعنا وعينا ~~{ منسكا } أي شريعة خاصة لا لأمة أخرى منهم على معنى عينا ~~كل شريعة لأمة معينة من الأمم بحيث لا تتخطى أمة منهم شريعتها ~~المعينة لها إلى شريعة أخرى لا استقلالا ولا اشتراكا. وقوله ~~تعالى: { هم ناسكوه } صفة لمنسكا مؤكدة للقصر المستفاد من ~~تقديم الجار والمجرور على الفعل، والضمير لكل أمة باعتبار ~~خصوصها أي تلك الأمة المعينة ناسكوه والعاملون به لا أمة أخرى ~~فالأمة التي كانت من مبعث موسى عليه السلام ms2286 إلى مبعث عيسى عليه ~~السلام منسكهم التوراة هم ناسكوها والعاملون بها لا غيرهم ~~والتي كانت من مبعث عيسى إلى مبعث النبي عليهما السلام منسكهم ~~الإنجيل هم ناسكوه والعاملون به لا غيرهم وأما الأمة الموجودة عند ~~مبعث النبي عليه السلام ومن بعدهم من الموجودين إلى يوم ~~القيامة فهم أمة واحدة منسكهم الفرقان ليس إلا كما مر في تفسير ~~قوله تعالى: # لكل جعلنا منكم شرعة ومنهجا # [المائدة: 48] والفاء في قوله تعالى: { فلا ينزعنك فى ~~الأمر } لترتيب النهي أو موجبه على ما قبلها فإن تعيينه ~~تعالى لكل أمة من الأمم التي من جملتهم هذه الأمة شريعة ~~مستقلة بحيث لا تتخطى أمة منهم شريعتها المعينة لها موجب ~~لطاعة هؤلاء لرسول الله صلى الله عليه وسلم وعدم منازعتهم إياه في ~~أمر الدين زعما منهم أن شريعتهم ما عين لآبائهم الأولين ~~من التوراة والإنجيل فإنهما شريعتان لمن مضى من الأمم قبل ~~انتساخها وهؤلاء أمة مستقلة منسكهم القرآن المجيد فحسب، والنهي ~~إما على حقيقته أو كناية عن نهيه عليه السلام عن الالتفات إلى ~~نزاعهم المنبىء على زعمهم المذكور، وأما جعله عبارة عن نهيه عليه ~~السلام عن منازعتهم فلا يساعده المقام. وقرىء فلا ينزعنك على ~~تهييجه عليه السلام والمبالغة في تثبيته، وأيا ما كان فمحل ~~النزاع ما ذكرناه وتخصيصه بأمر الناسك وجعله عبارة عن قول ~~الخزاعيين وغيرهم للمسلمين: ما لكم تأكلون ما قتلتم ولا تأكلون ما ~~قتله الله تعالى مما لا سبيل إليه أصلا كيف لا وأنه يستدعي أن ~~يكون أكل الميتة وسائر ما يدينونه من الأباطيل من جملة المناسك ~~التي جعلها الله تعالى لبعض الأمم ولا يرتاب في بطلانه عاقل. { ~~وادع } أي وادعهم أو وادع الناس كافة على أنهم داخلون فيهم ~~دخولا أوليا { إلى ربك } إلى توحيده وعبادته حسبما بين ~~لهم في منسكهم وشريعتهم { إنك لعلى هدى مستقيم } أي ~~طريق موصل إلى الحق سوي، والمراد به إما الدين والشريعة أو ~~أدلتهما. ### || [22.68-71] # { وإن جدلوك } بعد ظهور الحق بما ذكر من التحقيق ولزوم ~~الحجة عليهم { فقل } لهم على ms2287 سبيل الوعيد { الله أعلم ~~بما تعملون } من الأباطيل التي من جملتها المجادلة. # { الله يحكم بينكم } يفصل بين المؤمنين منكم والكافرين { ~~يوم القيمة } بالثواب والعقاب كما فصل في الدنيا ~~بالحجج والآيات { فيما كنتم فيه تختلفون } من أمر ~~الدين. # { ألم تعلم } استئناف مقرر لمضمون ما قبله، والاستفهام ~~للتقرير أي قد علمت { أن الله يعلم ما فى السماء ~~والأرض } فلا يخفى عليه شيء من الأشياء التي من جملتها ما يقوله ~~الكفرة وما يعملونه { إن ذلك } أي ما في السماء والأرض { ~~فى كتب } هو اللوح قد كتب فيه قبل حدوثه فلا يهمنك أمرهم ~~مع علمنا به وحفظنا له { إن ذلك } أي ما ذكر من العلم ~~والإحاطة به وإثباته في اللوح أو الحكم بينكم { على الله ~~يسير } فإن علمه وقدرته مقتضى ذاته فلا يخفى عليه شيء ولا ~~يعسر عليه مقدور. # { ويعبدون من دون الله } حكاية لبعض أباطيل المشركين ~~وأحوالهم الدالة على كمال سخافة عقولهم وركاكة آرائهم من بناء ~~أمر دينهم على غير مبنى من دليل سمعي أو عقلي وإعراضهم عما ~~ألقي عليهم من سلطان بين هو أساس الدين وقاعدته أشد إعراض ~~أي يعبدون متجاوزين عبادة الله { ما لم ينزل به } أي بجواز ~~عبادته { سلطنا } أي حجة { وما ليس لهم به } أي ~~بجواز عبادته { علم } من ضرورة العقل أو استدلاله { وما ~~للظلمين } أي الذين ارتكبوا مثل هذا الظلم العظيم الذي ~~يقضي ببطلانه وكونه ظلما بديهة العقول { من نصير } يساعدهم ~~بنصرة مذهبهم وتقرير رأيهم أو بدفع العذاب الذي يعتريهم بسبب ~~ظلمهم. ### || [22.72-73] # { وإذا تتلى عليهم ءايتنا } عطف على يعبدون وما ~~بينهما اعتراض. وصيغة المضارع للدلالة على الاستمرار التجددي ~~{ بينت } أي حال كونها واضحات الدلالة على العقائد ~~الحقة والأحكام الصادقة أو على بطلان ما هم عليه من عبادة ~~الأصنام أو على كونها من عند الله عز وجل { تعرف فى وجوه ~~الذين كفروا المنكر } أي الإنكار كالمكرم بمعنى الإكرام ~~أو الفظيع من التجهم والبسور أو الشر الذي يقصدونه بظهور ~~مخايله من الأوضاع والهيئات وهو الأنسب بقوله تعالى: { يكدون ~~يسطون ms2288 بالذين يتلون عليهم ءايتنا } أي يثبون ~~ويبطشون بهم من فرط الغيظ والغضب لأباطيل أخذوها تقليدا وهل ~~جهالة أعظم وأطم من أن يعبدوا ما لا يوهم صحة عبادته شيء ما ~~أصلا بل يقضي ببطلانها العقل والنقل ويظهروا لمن يهديهم إلى الحق ~~البين بالسلطان المبين مثل هذا المنكر الشنيع كلا ~~ولهذا وضع الذين كفروا موضع الضمير. # { قل } ردا عليهم وإقناطا عما يقصدونه من الإضرار بالمسلمين { ~~أفأنبئكم } أي أأخاطبكم فأخبركم { بشر من ذلكم } الذي ~~فيكم من غيظكم على التالين وسطوتكم بهم أو مما تبغونهم من الغوائل ~~أو مما أصابكم من الضجر بسبب ما تلوه عليكم { النار } أي هو ~~النار على أنه جواب لسؤال مقدر كأنه قيل: ما هو؟ وقيل: هو ~~مبتدأ خبره قوله تعالى: { وعدها الله الذين كفروا } ~~وقرىء النار بالنصب على الاختصاص وبالجر بدلا من شر فتكون ~~الجملة الفعلية استئنافا كالوجه الأول أو حالا من النار بإضمار ~~قد { وبئس المصير } النار. # { يأيها الناس ضرب مثل } أي بين لكم حال مستغربة ~~أو قصة بديعة رائعة حقيقة بأن تسمى مثلا وتسير في الأمصار ~~والأعصار أو جعل لله مثل أي مثل في استحقاق العبادة وأريد بذلك ما ~~حكي عنهم من عبادتهم للأصنام { فاستمعوا له } أي للمثل نفسه ~~استماع تدبر وتفكر أو فاستمعوا لأجله ما أقول فقوله تعالى: { ~~إن الذين تدعون من دون الله } الخ، بيان للمثل ~~وتفسير له على الأول وتعليل لبطلان جعلهم الأصنام مثل الله سبحانه ~~في استحقاق العبادة على الثاني وقرىء بياء الغيبة مبنيا للفاعل ~~ومبنيا للمفعول والراجع إلى الموصول على الأولين محذوف { لن ~~يخلقوا ذبابا } أي لن يقدروا على خلقه أبدا مع صغره وحقارته ~~فإن (لن) بما فيها من تأكيد النفي دالة على منافاة ما بين ~~المنفي والمنفي عنه { ولو اجتمعوا له } أي لخلقه وجواب لو ~~محذوف لدلالة ما قبله عليه والجملة معطوفة على شرطية أخرى محذوفة ~~ثقة بدلالة هذه عليها أي لو لم يجتمعوا عليه لن يخلقوه ولو اجتمعوا له ~~لن يخلقوه كما مر تحقيقه مرارا وهما في موضع الحال كأنه ms2289 قيل: لن ~~يخلقوا ذبابا على كل حال { وإن يسلبهم الذباب شيئا ~~} بيان لعجزهم عن الامتناع عما يفعل بهم الذباب بعد بيان عجزهم ~~عن خلقه أي إن يأخذ الذباب منهم شيئا { لا يستنقذوه ~~منه } مع غاية ضعفه ولقد جهلوا غاية التجهيل في إشراكهم بالله ~~القادر على جميع المقدورات المتفرد بإيجاد كافة الموجودات تماثيل ~~هي أعجز الأشياء وبين ذلك بأنها لا تقدر على أقل الأحياء وأذلها ~~ولو اتفقوا عليه بل لا تقوى على مقاومة هذا الأقل الأذل وتعجز عن ~~ذبه عن نفسها واستنقاذ ما يختطفه منها. # قيل: كانوا يطيبونها بالطيب والعسل ويغلقون عليها الأبواب ~~فيدخل الذباب من الكوى فيأكله { ضعف الطالب والمطلوب } ~~أي عابد الصنم ومعبوده أو الذباب الطالب لما يسلبه من ~~الصنم من الطيب والصنم المطلوب منه ذلك أو الصنم والذباب ~~كأنه يطلبه ليستنقذ منه ما يسلبه ولو حققت وجدت الصنم أضعف من ~~الذباب بدرجات وعابده أجهل من كل جاهل وأضل من كل ضال. ### || [22.74-77] # { ما قدروا الله حق قدره } أي ما عرفوه حق معرفته ~~حيث أشركوا به وسموا باسمه ما هو أبعد الأشياء عنه مناسبة { إن ~~الله لقوى } على خلق الممكنات بأسرها وإفناء الموجودات عن ~~آخرها { عزيز } غالب على جميع الأشياء وقد عرفت حال آلهتهم ~~المقهورة لأذلها العجزة عن أقلها والجملة تعليل لما قبلها من نفي ~~معرفتهم له تعالى. { الله يصطفى من الملئكة رسلا } ~~يتوسطون بينه تعالى وبين الأنبياء عليهم السلام بالوحي { ~~ومن الناس } وهم المختصون بالنفوس الزكية المؤيدون ~~بالقوة القدسية المتعلقون بكلا العالمين الروحاني ~~والجسماني يتلقون من جانب ويلقون إلى جانب ولا يعوقهم التعلق ~~بمصالح الخلق عن التبتل إلى جانب الحق فيدعونهم إليه تعالى بما ~~أنزل عليهم ويعلمونهم شرائعه وأحكامه كأنه تعالى لما قرر ~~وحدانيته في الألوهية ونفى أن يشاركه فيها شيء من الأشياء بين ~~أن له عبادا مصطفين للرسالة يتوسل بإجابتهم والاقتداء بهم إلى ~~عبادته عز وجل وهو أعلى الدرجات وأقصى الغايات لمن عداه من ~~الموجودات تقريرا للنبوة وتزييفا لقولهم: # لو شاء الله لأنزل ملئكة # [المؤمنون: 24] وقولهم: # ما ms2290 نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى # [الزمر: 3] وقولهم: الملائكة بنات الله وغير ذلك من الأباطيل { ~~إن الله سميع بصير } عليم بجميع المسموعات والمبصرات فلا ~~يخفى عليه شيء من الأقوال والأفعال. # { يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم وإلى الله ~~ترجع الأمور } لا إلى أحد غيره لا اشتراكا ولا استقلالا. # { يأيها الذين ءامنوا اركعوا واسجدوا } أي في ~~صلواتكم أمرهم بهما لما أنهم ما كانوا يفعلونهما أول الإسلام ~~أو صلوا عبر عن الصلاة بهما لأنهما أعظم أركانها أو اخضعوا لله ~~تعالى وخروا له سجدا { واعبدوا ربكم } بسائر ما تعبدكم ~~به { وافعلوا الخير } وتحروا ما هو خير وأصلح في كل ما ~~تأتون وما تذرون كنوافل الطاعات وصلة الأرحام ومكارم الأخلاق { ~~لعلكم تفلحون } أي افعلوا هذه كلها وأنتم راجون بها ~~الفلاح غير متيقنين له واثقين بأعمالكم. والآية آية سجدة عند ~~الشافعي رحمه الله لظاهر ما فيها من الأمر بالسجود ولقوله عليه ~~الصلاة والسلام: # " فضلت سورة الحج بسجدتين من لم يسجدهما فلا يقرأها ". ### || [22.78] # { وجهدوا فى الله } أي لله تعالى ولأجله أعداء دينه ~~الظاهرة كأهل الزيغ والباطنة كالهوى والنفس وعنه عليه الصلاة ~~والسلام أنه رجع من غزوة تبوك فقال: # " رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر " # { حق جهده } أي جهادا فيه حقا خالصا لوجهه فعكس وأضيف ~~الحق إلى الجهاد مبالغة كقولك: هو حق عالم وأضيف الجهاد إلى ~~الضمير اتساعا أو لأنه مختص به تعالى من حيث أنه مفعول ~~لوجهه ومن أجله { هو اجتبكم } أي هو اختاركم لدينه ونصرته ~~لا غيره وفيه تنبيه على ما يقتضي الجهاد ويدعو إليه { وما جعل ~~عليكم فى الدين من حرج } أي ضيق بتكليف ما يشق عليكم ~~إقامته إشارة إلى أنه لا مانع لهم عنه ولا عذر لهم في تركه أو ~~إلى الرخصة في إغفال بعض ما أمرهم به حيث يشق عليهم لقوله عليه ~~الصلاة والسلام: # " إذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم " # وقيل: ذلك بأن جعل لهم من كل ذنب مخرجا بأن رخص لهم في ~~المضايق وفتح لهم باب التوبة وشرع ms2291 لهم الكفارات في حقوقه ~~والأروش والديات في حقوق العباد { ملة أبيكم إبرهيم } ~~نصب على المصدر بفعل دل عليه مضمون ما قبله بحذف المضاف أي وسع ~~عليكم دينكم توسعة ملة أبيكم أو على الإغراء أو على الاختصاص ~~وإنما جعله أباهم لأنه أبو رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ~~كالأب لأمته من حيث أنه سبب لحياتهم الأبدية ووجودهم على ~~الوجه المعتد به في الآخرة أو لأن أكثر العرب كانوا من ذريته ~~عليه الصلاة والسلام فغلبوا على غيرهم { هو سمكم ~~المسلمين من قبل } في الكتب المتقدمة. # { وفى هذا } أي في القرآن والضمير لله تعالى ويؤيده أنه ~~قرىء الله سماكم، أو لإبراهيم وتسميتهم بالمسلمين في القرآن وإن ~~لم تكن منه عليه الصلاة والسلام كانت بسبب تسميته من قبل في ~~قوله: # ومن ذريتنا أمة مسلمة لك # [البقرة: 128] وقيل: وفي هذا تقديره: وفي هذا بيان تسميته إياكم ~~المسلمين { ليكون الرسول } يوم القيامة متعلق بسماكم { ~~شهيدا عليكم } بأنه بلغكم فيدل على قبول شهادته لنفسه ~~اعتمادا على عصمته أو بطاعة من أطاع وعصيان من عصى { وتكونوا ~~شهداء على الناس } بتبليغ الرسل إليهم { فأقيموا ~~الصلاة وآتوا الزكاة } أي فتقربوا إلى الله بأنواع ~~الطاعات. وتخصيصهما بالذكر لإنافتهما وفضلهما. { واعتصموا ~~بالله } أي ثقوا به في مجامع أموركم ولا تطلبوا الإعانة ~~والنصرة إلا منه { هو مولكم } ناصركم ومتولي أموركم { ~~فنعم المولى ونعم النصير } هو إذ لا مثل له في ~~الولاية والنصرة بل لا ولي ولا نصير في الحقيقة سواه عز ~~وجل. # عن النبي صلى الله عليه وسلم: # " من قرأ سورة الحج أعطي من الأجر كحجة حجها وعمرة ~~اعتمرها بعدد من حج واعتمر فيما مضى وفيما بقي ". ### | [23 - سورة المؤمنون] ### || [23.1-3] # سورة المؤمنون # مكية وهي عند البصريين مائة وتسع عشرة آية وعند الكوفيين مائة وثماني ~~عشرة آية # { قد أفلح المؤمنون } الفلاح الفوز بالمرام والنجاة من ~~المكروه، وقيل: البقاء في الخير والإفلاح الدخول في ذلك كالإبشار ~~الذي هو الدخول في البشارة وقد يجيء متعديا بمعنى الإدخال فيه وعليه ~~قراءة من قرأ على البناء ms2292 للمفعول. وكلمة قد ههنا لإفادة ثبوت ما ~~كان متوقع الثبوت من قبل لا متوقع الإخبار به ضرورة أن ~~المتوقع من حال المؤمنين ثبوت الفلاح لهم لا الإخبار بذلك فالمعنى ~~قد فازوا بكل خير ونجوا من كل ضير حسبما كان ذلك متوقعا من حالهم ~~فإن إيمانهم وما تفرع عليه من أعمالهم الصالحة من دواعي الفلاح ~~بموجب الوعد الكريم خلا أنه إن أريد بالإفلاح حقيقة الدخول في ~~الفلاح الذي لا يتحقق إلا في الآخرة فالإخبار به على صيغة الماضي ~~للدلالة على تحققه لا محالة بتنزيله منزلة الثابت وإن أريد كونهم ~~بحال تستتبعه البتة فصيغة الماضي في محلها. وقرىء أفلحوا على ~~الإبهام والتفسير أو على أكلوني البراغيث. وقرىء أفلح بضمة اكتفى ~~بها عن الواو كما في قول من قال: # ولو أن الأطبا كان حولي # والمراد بالمؤمنين إما المصدقون بما علم ضرورة أنه من دين ~~نبينا صلى الله عليه وسلم من التوحيد والنبوة والبعث والجزاء ~~ونظائرها فقوله تعالى: { الذين هم فى صلاتهم خشعون } ~~وما عطف عليه صفات مخصصة لهم وإما الآتون بفروعه أيضا كما ينبىء عنه ~~إضافة الصلاة إليهم فهي صفات موضحة أو مادحة لهم حسب اعتبار ما ~~ذكر في حيز الصلة من المعاني مع الإيمان إجمالا أو تفصيلا كما مر ~~في أوائل سورة البقرة. والخشوع الخوف والتذلل أي خائفون من الله ~~عز وجل متذللون له ملزمون أبصارهم مساجدهم. روي # " أنه عليه الصلاة والسلام كان إذا صلى رفع بصره إلى ~~السماء فلما نزلت رمى ببصره نحو مسجده. وأنه رأى مصليا ~~يعبث بلحيته فقال: " لو خشع قلب هذا لخشعت جوارحه " # { والذين هم عن اللغو } أي عما لا يعنيهم من الأقوال ~~والأفعال { معرضون } أي في عامة أوقاتهم كما ينبىء عنه الاسم ~~الدال على الاستمرار فيدخل في ذلك إعراضهم عنه حال اشتغالهم ~~بالصلاة دخولا أوليا ومدار إعراضهم عنه ما فيه من الحالة ~~الداعية إلى الإعراض عنه لا مجرد الاشتغال بالجد في أمور ~~الدين كما قيل فإن ذلك ربما يوهم أن لا يكون في اللغو نفسه ~~ما يزجرهم ms2293 عن تعاطيه وهو أبلغ من أن يقال لا يلهون من وجوه جعل ~~الجملة اسمية وبناء الحكم على الضمير والتعبير عنه بالاسم ~~وتقديم الصلة عليه، وإقامة الإعراض مقام الترك ليدل على ~~تباعدهم عنه رأسا مباشرة وتسببا وميلا وحضورا فإن أصله أن ~~يكون في عرض غير عرضه. ### || [23.4-7] # { والذين هم للزكوة فعلون } وصفهم بذلك بعد وصفهم ~~بالخشوع في الصلاة للدلالة على أنهم بلغوا الغاية القاصية من ~~القيام بالطاعات البدنية والمالية والتجنب عن المحرمات ~~وسائر ما توجب المروءة اجتنابه. وتوسيط حديث الإعراض بينهما لكمال ~~ملابسته بالخشوع في الصلاة. والزكاة مصدر لأنه الأمر الصادر ~~عن الفاعل لا المحل الذي هو موقعه، ومعنى الفعل قد مر تحقيقه في ~~تفسير قوله تعالى: # فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا # [البقرة: 24] ويجوز أن يراد بها العين على تقدير المضاف. # { والذين هم لفروجهم حفظون } ممسكون لها فالاستثناء ~~في قوله تعالى: { إلا على أزوجهم } من نفي الإرسال الذي ~~ينبىء على الحفظ أي لا يرسلونها على أحد إلا على أزواجهم وفيه ~~إيذان بأن قوتهم الشهوية داعية لهم إلا ما لا يخفى وأنهم ~~حافظون لها من استيفاء مقتضاها وبذلك يتحقق كمال العفة ويجوز ~~أن تكون على بمعنى من وإليه ذهب الفراء كما في قوله تعالى: # إذا اكتالوا على الناس # [المطففين: 2] أي حافظون لها من كل أحد إلا من أزواجهم وقيل هي ~~متعلقة بمحذوف وقع حالا من ضمير حافظون أي حافظون لها في جميع ~~الأحوال إلا حال كونهم والين أو قوامين على أزواجهم وقيل بمحذوف ~~يدل عليه غير ملومين كأنه قيل يلامون على كل مباشر إلا على ~~ما أطلق لهم فإنهم غير ملومين. وحمل الحفظ على القصر عليهن ~~ليكون المعنى حافظون فروجهم على الأزواج لا يتعداهن ثم يقال غير ~~حافظين إلا عليهن تأكيدا على تأكيد تكلف على تكلف { أو ما ~~ملكت أيمنهم } أي سراريهم عبر عنهن ب:(ما) إجراء لهن ~~لمملوكيتهن مجرى غير العقلاء أو لأنوثتهن المنبئة عن القصور. ~~وقوله تعالى: { فإنهم غير ملومين } تعليل لما يفيده ~~الاستثناء من عدم حفظ فروجهم منهن أي فإنهم ms2294 غير ملومين على عدم ~~حفظها منهن. # { فمن ابتغى وراء ذلك } الذي ذكر من الحد المتسع وهو ~~أربع من الحرائر أو ما شاء من الإماء { فأولئك هم ~~العادون } الكاملون في العدوان المتناهون فيه وليس فيه ما يدل ~~حتما على تحريم المتعة حسبما نقل عن القاسم بن محمد فإنه قال: ~~إنها ليست زوجة له فوجب ألا تحل له أما أنها ليست زوجة له ~~فلأنهما لا يتوارثان بالإجماع ولو كانت زوجة له لحصل التوارث ~~لقوله تعالى: # ولكم نصف ما ترك أزوجكم # [النساء: 12] فوجب أن لا تحل لقوله تعالى: # إلا على أزوجهم # [المؤمنون: 6] لأن لهم أن يقولوا إنها زوجة له في الجملة، ~~وأما أن كل زوجة ترث فهم لا يسلمونها وأما ما قيل من أنه ~~إن أريد لو كانت زوجة حال الحياة لم يفد وإن أريد بعد الموت ~~فالملازمة ممنوعة فليس له معنى محصل. نعم لو عكس لكان له وجه. ### || [23.8-12] # { والذين هم لأمنتهم وعهدهم } لما يؤتمنون عليه ~~ويعاهدون من جهة الحق أو الخلق { رعون } أي قائمون عليها حافظون ~~لها على وجه الإصلاح. وقرىء لأمانتهم. # { والذين هم على صلوتهم } المفروضة عليهم { ~~يحافظون } يواظبون عليها ويؤدونها في أوقاتها. ولفظ الفعل فيه ~~لما في الصلاة من التجدد والتكرر وهو السر في جمعها وليس ~~فيه تكرير لما أن الخشوع في الصلاة غير المحافظة عليها. وفصلهما ~~للإيذان بأن كلا منهما فضيلة مستقلة على حيالها ولو قرنا في ~~الذكر لربما توهم أن مجموع الخشوع والمحافظة فضيلة واحدة. # { أولئك } إشارة إلى المؤمنين باعتبار اتصافهم بما ذكر من ~~الصفات. وإيثارها على الإضمار للإشعار بامتيازهم بها عن غيرهم ~~ونزولهم منزلة المشار إليه حسا، وما فيه من معنى البعد للإيذان ~~بعلو طبقتهم وبعد درجتهم في الفضل والشرف أي أولئك المنعوتون ~~بالنعوت الجليلة المذكورة { هم الورثون } أي الأحقاء بأن ~~يسموا وراثا دون من عداهم ممن ورث رغائب الأموال والذخائر ~~وكرائمهما. # { الذين يرثون الفردوس } بيان لما يرثونه وتقييد ~~للوراثة بعد إطلاقها وتفسير لها بعد إبهامها تفخيما لشأنها ورفعها ~~لمحلها وهي استعارة لاستحقاقهم الفردوس بأعمالهم حسبما ms2295 يقتضيه ~~الوعد الكريم للمبالغة فيه. وقيل إنهم يرثون من الكفار منازلهم ~~فيها حيث فوتوها على أنفسهم لأنه تعالى خلق لكل إنسان منزلا في ~~الجنة ومنزلا في النار. { هم فيها } أي في الفردوس. ~~والتأنيث لأنه اسم للجنة أو لطبقتهم العليا وهو البستان ~~الجامع لأصناف الثمر. روي أنه تعالى بنى جنة الفردوس لبنة ~~من ذهب ولبنة من فضة وجعل خلالها المسك الأذفر، وفي رواية ~~ولبنة من مسك مذري وغرس فيها من جيد الفاكهة وجيد الريحان. ~~{ خلدون } لا يخرجون منها أبدا والجملة إما مستأنفة مقررة ~~لما قبلها وإما حال مقدرة من فاعل يرثون أو مفعوله إذ فيها ذكر ~~كل منهما. ومعنى الكلام لا يموتون ولا يخرجون منها. # { ولقد خلقنا الإنسن } شروع في بيان مبدأ خلق الإنسان ~~وتقلبه في أطوار الخلقة وأدوار الفطرة بيانا إجماليا إثر ~~بيان حال بعض أفراده السعداء. واللام جواب قسم والواو ~~ابتدائية. وقيل عاطفة على ما قبلها، والمراد بالإنسان الجنس أي ~~وبالله لقد خلقنا جنس الإنسان في ضمن خلق آدم عليه السلام خلقا ~~إجماليا حسبما تحققته في سورة الحج وغيرها. وأما كونه مخلوقا ~~من سلالات جعلت نطفا بعد أدوار وأطوار فبعيد { من سللة } ~~السلالة ما سل من الشيء واستخرج منه. فإن فعالة اسم لما ~~يحصل من الفعل فتارة تكون مقصودا منه كالخلاصة وأخرى غير مقصود ~~منه كالقلامة والكناسة والسلالة من قبيل الأول، فإنها ~~مقصودة بالسل. ومن ابتدائية متعلقة بالخلق. ومن في قوله تعالى: ~~{ من طين } بيانية متعلقة بمحذوف وقع صفة لسلالة أي خلقناه ~~من سلالة كائنة من طين. ويجوز أن تتعلق بسلالة على أنها بمعنى ~~مسلولة فهي ابتدائية كالأولى. وقيل المراد بالإنسان آدم عليه ~~السلام فإنه الذي خلق من صفوة سلت من الطين وقد وقفت على ~~التحقيق. ### || [23.13-14] # { ثم جعلنه } أي الجنس باعتبار أفراده المغايرة لآدم عليه ~~السلام أو جعلنا نسله على حذف المضاف إن أريد بالإنسان آدم عليه ~~السلام { نطفة } بأن خلقناه منها أو ثم جعلنا السلالة ~~نطفة. والتذكير بتأويل الجوهر أو المسلول أو الماء { فى قرار ~~} أي مستقر ms2296 وهو الرحم عبر عنها بالقرار الذي هو مصدر مبالغة. ~~وقوله تعالى: { مكين } وصف لها بصفة ما استقر فيها مثل: طريق ~~سائر أو بمكانتها في نفسها فإنها مكثت بحيث هي وأحرزت. # { ثم خلقنا النطفة علقة } أي دما جامدا بأن أحلنا ~~النطفة البيضاء علقة حمراء. { فخلقنا العلقة مضغة } ~~أي قطعة لحم لا استبانة ولا تمايز فيها { فخلقنا المضغة } ~~أي غالبها ومعظمها أو كلها { عظما } بأن صلبناها وجعلناها ~~عمودا للبدن على هيئات وأوضاع مخصوصة تقتضيها الحكمة { فكسونا ~~العظم } المعهودة { لحما } من بقية المضغة أو مما أنبتنا ~~عليها بقدرتنا مما يصل إليها أي كسونا كل عظم من تلك العظام ما ~~يليق به من اللحم على مقدار لائق به وهيئة مناسبة له. واختلاف ~~العواطف للتنبيه على تفاوت الاستحالات. وجمع العظام لاختلافهما. ~~وقرىء على التوحيد فيهما اكتفاء بالجنس وبتوحيد الأول فقط ~~وبتوحيد الثاني فحسب { ثم أنشأنه خلقا ءاخر } هي ~~صورة البدن أو الروح أو القوى بنفخه فيه، أو المجموع وثم لكمال ~~التفاوت بين الخلقين واحتج به أبو حنيفة رحمه الله على أن من ~~غصب بيضة فأفرخت عنده لزمه ضمان البيضة لا الفرخ لأنه خلق ~~آخر. # { فتبارك الله } فتعالى شأنه في علمه الشامل وقدرته ~~الباهرة. والالتفات إلى الاسم الجليل لتربية المهابة وإدخال الروعة ~~والإشعار بأن ما ذكر من الأفاعيل العجيبة من أحكام الألوهية ~~وللإيذان بأن حق كل من سمع ما فصل من آثار قدرته عز وعلا ~~أو لاحظه أن يسارع إلى التكلم به إجلالا وإعظاما لشؤونه ~~تعالى. { أحسن الخلقين } بدل من الجلالة وقيل نعت بناء على ~~أن الإضافة ليست لفظية وقيل خبر مبتدأ محذوف أي: هو أحسن ~~الخالقين خلقا، أي المقدرين تقديرا، حذف المميز لدلالة ~~الخالقين عليه كما حذف المأذون فيه في قوله تعالى: # أذن للذين يقتلون # [الحج: 39] لدلالة الصلة عليه، أي أحسن الخالقين خلقا، فالحسن ~~للخلق. قيل نظيره قوله عليه الصلاة والسلام: # " إن الله جميل يحب الجمال " # أي جميل فعله فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه فانقلب ~~مرفوعا فاستكن. روي # " أن عبد الله بن أبي سرح ms2297 كان يكتب لرسول الله صلى الله عليه ~~وسلم الوحي فلما انتهى عليه الصلاة والسلام إلى قوله خلقا آخر ~~سارع عبد الله إلى النطق به قبل إملائه عليه الصلاة والسلام ~~فقال: «اكتبه هكذا نزلت» " # فشك عبد الله فقال: إن كان محمد يوحى إليه فأنا كذلك فلحق ~~بمكة كافرا ثم أسلم يوم الفتح وقيل مات على كفره. # وروى سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال لما ~~نزلت هذه الآية: # " قال عمر رضي الله عنه: فتبارك الله أحسن الخالقين، فقال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: «هكذا نزل يا عمر» " # وكان رضي الله عنه يفتخر بذلك ويقول: «وافقت ربي في أربع، ~~الصلاة خلف المقام وضرب الحجاب على النسوة. وقولي لهن أو ~~ليبدله الله خيرا منكن فنزل قوله تعالى: # عسى ربه إن طلقكن أن يبدله # [التحريم: 5] الآية، والرابع فتبارك الله أحسن الخالقين» انظر ~~كيف وقعت هذه الواقعة سببا لسعادة عمر رضي الله عنه وشقاوة ابن ~~أبي سرح حسبما قال تعالى: # يضل به كثيرا ويهدي به كثيرا # [البقرة: 26] لا يقال فقد تكلم البشر ابتداء بمثل نظم القرآن ~~وذلك قادح في إعجازه لما أن الخارج عن قدرة البشر ما كان مقدار ~~أقصر السور على أن إعجاز هذه الآية الكريمة منوط بما قبلها كما ~~تعرب عنه الفاء فإنها اعتراض تذييلي مقرر لمضمون ما قبله. ### || [23.15-18] # { ثم إنكم بعد ذلك } أي بعد ما ذكر من الأمور العجيبة ~~حسبما ينبىء عنه ما في اسم الإشارة من معنى البعد المشعر بعلو ~~رتبة المشار إليه وبعد منزلته في الفضل والكمال وكونه بذلك ~~ممتازا منزلا منزلة الأمور الحسية { لميتون } لصائرون إلى ~~الموت لا محالة كما تؤذن به صيغة النعت الدالة على ~~الثبوت دون الحدوث الذي تفيده صيغة الفاعل وقد قرىء لمائتون. # { ثم إنكم يوم القيمة } أي عند النفخة الثانية ~~{ تبعثون } من قبوركم للحساب والمجازاة بالثواب والعقاب. # { ولقد خلقنا فوقكم } بيان لخلق ما يحتاج إليه بقاؤهم ~~إثر بيان خلقهم أي خلقنا في جهة العلو من غير اعتبار فوقيتها ~~لهم ms2298 لأن تلك النسبة إنما تعرض لها بعد خلقهم { سبع طرائق } ~~هي السموات السبع سميت بها لأنها طورق بعضها فوق بعض ~~مطارقة النعل فإن كل ما فوقه مثله فهو طريقة أو لأنها ~~طرائق الملائكة أو الكواكب فيها مسيرها { وما كنا عن ~~الخلق } عن ذلك المخلوق الذي هو السموات أو عن جميع المخلوقات ~~التي هي من جملتها أو عن الناس. { غفلين } مهملين أمرها بل ~~نحفظها عن الزوال والاختلال وندبر أمرها حتى تبلغ منتهى ما ~~قدر لها من الكمال حسبما اقتضته الحكمة وتعلقت به المشيئة ويصل ~~إلى ما في الأرض منافعها كما ينبىء عنه قوله تعالى: { وأنزلنا ~~من السماء ماء } هو المطر أو الأنهار النازلة من الجنة قيل هي ~~خمسة أنهار سيحون نهر الهند وجيحون نهر بلخ ودجلة والفرات ~~نهرا العراق والنيل نهر مصر أنزلها الله تعالى من عين واحدة ~~من عيون الجنة فاستودعها الجبال وأجراها في الأرض وجعل فيها ~~منافع للناس في فنون معايشهم. ومن ابتدائية متعلقة بأنزلنا ~~وتقديمها على المفعول الصريح لما مر مرارا من الاعتناء ~~بالمقدم والتشويق إلى المؤخر والعدول عن الإضمار لأن ~~الإنزال لا يعتبر فيه عنوان كونها طرائق بل مجرد كونها جهة ~~العلو { بقدر } بتقدير لائق لاستجلاب منافعهم ودفع مضارهم أو ~~بمقدار ما علمنا من حاجاتهم ومصالحهم { فأسكناه فى الأرض } ~~أي جعلناه ثابتا قارا فيها { وإنا على ذهاب به } أي ~~إزالته بالإفساد أو التصعيد أو التغوير بحيث يتعذر استنباطه ~~{ لقدرون } كما كنا قادرين على إنزاله. وفي تنكير ذهاب ~~إيماء إلى كثرة طرقه ومبالغة في الإبعاد به ولذلك جعل أبلغ من قوله ~~تعالى: # قل أرءيتم إن أصبح ماؤكم غورا فمن يأتيكم ~~بماء معين # [الملك: 30]. ### || [23.19-20] # { فأنشأنا لكم به } أي بذلك الماء. # { جنت من نخيل وأعنب لكم فيها } في الجنات { ~~فوكه كثيرة } تتفكهون بها { ومنها } من الجنات { ~~تأكلون } تغذيا أو ترزقون وتحصلون معايشكم من قولهم فلان ~~يأكل من حرفته ويجوز أي يعود الضميران للنخيل والأعناب أي لكم في ~~ثمراتها أنواع من الفواكه الرطب والعنب والتمر والزبيب ~~والعصير والدبس وغير ذلك ms2299 وطعام تأكلونه. # { وشجرة } بالنصب عطف على جنات. وقرىء بالرفع على أنه ~~مبتدأ خبره محذوف دل عليه ما قبله أي ومما أنشىء لكم به شجرة ~~وتخصيصها بالذكر من بين سائر الأشجار لاستقلالها بمنافع معروفة ~~قيل هي أول شجرة نبتت بعد الطوفان. وقوله تعالى: { تخرج من ~~طور سيناء } وهو جبل موسى عليه السلام بين مصر وأيلة وقيل ~~بفلسطين ويقال له طور سينين فإما أن يكون الطور اسم الجبل ~~وسيناء اسم البقعة أضيف إليها، أو المركب منهم علم له كامرىء ~~القيس. ومنع صرفه على قراءة من كسر السين للتعريف والعجمة ~~أو التأنيث على تأويل البقعة لا للألف لأنه فيعال كديماس من ~~السناء بالمد وهو الرفعة أو بالقصر وهو النور أو ملحق بفعلال ~~كعلباء من السين إذ لا فعلاء بألف التأنيث بخلاف سيناء فإنه فيعال ~~ككيسان أو فعلأ كصحراء إذ لا فعلال في كلامهم وقرىء بالكسر ~~والقصر. والجملة صفة لشجرة وتخصيصها بالخروج منه مع خروجها من سائر ~~البقاع أيضا لتعظيمها ولأنه المنشأ الأصلي لها. وقوله تعالى: { ~~تنبت بالدهن } صفة أخرى لشجرة والياء متعلقة بمحذوف وقع ~~حالا منها أي تنبت ملتبسة به. ويجوز كونها صلة معدية أي تنبته ~~بمعنى تتضمنه وتحصله، فإن النبات حقيقة صفة للشجرة لا ~~للدهن. وقرىء تنبت من الإفعال وهو إما من الإنبات بمعنى ~~النبات كما في قول زهير: [الطويل] # رأيت ذوي الحاجات حول بيوتهم # قطينا لهم حتى إذا أنبت البقل # أو على تقدير تنبت زيتونها ملتبسا بالدهن. وقرىء على البناء ~~للمفعول وهو كالأول وتثمر بالدهن وتخرج بالدهن وتنبت ~~بالدهان. { وصبغ للآكلين } معطوف على الدهن جار على ~~إعرابه عطف أحد وصفي الشيء على الآخر أي تنبت بالشيء الجامع ~~بين كونه دهنا يدهن به ويسرج منه وكونه إداما يصبغ فيه الخبز ~~أي يغمس فيه للائتدام. وقرىء وصباغ كدباغ في دبغ. ### || [23.21-23] # { وإن لكم فى الأنعم لعبرة } بيان النعم الفائضة ~~عليهم من جهة الحيوان إثر بيان النعم الواصلة إليهم من جهة الماء ~~والنبات وقد بين أنها مع كونها في نفسها نعمة ينتفعون بها على ms2300 ~~وجوه شتى عبرة لا بد من أن يعتبروا بها ويستدلوا بأحوالها ~~على عظيم قدرة الله عز وجل وسابغ رحمته ويشكروه ولا يكفروه ~~وخص هذا بالحيوان لما أن محل العبرة فيه أظهر مما في ~~النبات. وقوله تعالى: { نسقيكم مما فى بطونها } تفصيل ~~لما فيها من مواقع العبرة وما في بطونها عبارة إما عن الألبان فمن ~~تبعيضية. والمراد بالبطون الجوف، أو عن العلف الذي يتكون منه ~~اللبن فمن ابتدائية والبطون على حقيقتها. وقرىء بفتح النون ~~وبالتاء أي تسقيكم الأنعام. { ولكم فيها منفع كثيرة ~~} غير ما ذكر من أصوافها وأشعارها { ومنها تأكلون } ~~فتنتفعون بأعيانها كما تنتفعون بما يحصل منها. # { وعليها } أي على الأنعام فإن الحمل عليها لا يقتضي الحمل ~~على جميع أنواعها بل يتحقق بالحمل على البعض كالإبل ونحوها. وقيل ~~المراد هي الإبل خاصة لأنها هي المحمول عليها عندهم والمناسب ~~للفلك فإنها سفائن البر قال ذو الرمة: [الطويل] # طروقا وجلب الرحل مشدودة به # سفينة بر تحت خدي زمامها # فالضمير فيه كما في قوله تعالى: # وبعولتهن أحق بردهن # [البقرة: 228] { وعلى الفلك تحملون } أي في البر والبحر. ~~وفي الجمع بينها وبين الفلك في إيقاع الحمل عليها مبالغة في ~~تحملها للحمل وهو الداعي إلى تأخير ذكر هذه المنفعة مع كونها من ~~المنافع الحاصلة منها عن ذكر منفعة الأكل المتعلقة بعينها. # { ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه } شروع في بيان إهمال ~~الأمم السابقة وتركهم النظر والاعتبار فيما عدد من النعم ~~الفائتة للحصر وعدم تذكرهم بتذكير رسلهم وما حاق بهم لذلك من فنون ~~العذاب تحذيرا للمخاطبين. وتقديم قصة نوح عليه السلام على ~~سائر القصص مما لا يخفى وجهه، وفي إيرادها إثر قوله تعالى: { ~~وعلى الفلك تحملون } [المؤمنون: 22] من حسن الموقع ما لا ~~يوصف. والواو ابتدائية واللام جواب قسم محذوف. وتصدير ~~القصة به لإظهار كمال الاعتناء بمضمونها أي وبالله لقد أرسلنا ~~نوحا الخ. ونسبه الكريم وكيفية بعثه وكمية لبثه فيما بينهم ~~قد مر تفصيله في سورة الأعراف وسورة هود { فقال } متعطفا ~~عليهم ومستميلا لهم إلى الحق { يقوم اعبدوا الله } أي ms2301 ~~اعبدوه وحده كما يفصح عنه قوله تعالى في سورة هود: # أن لا تعبدوا إلا الله # [هود: 26] وترك التقييد به للإيذان بإنها هي العبادة فقط وأما ~~العبادة بالإشراك فليست من العبادة في شيء رأسا. وقوله تعالى: { ما ~~لكم من إله غيره } استئناف مسوق لتعليل العبادة المأمور ~~بها أو تعليل الأمر بها. وغيره بالرفع صفة لإله باعتبار محله ~~الذي هو الرفع على أنه فاعل، أو مبتدأ خبره لكم، أو محذوف. # ولكم للتخصيص والتبيين أي ما لكم في الوجود أو في العالم ~~إله غيره تعالى. وقرىء بالجر باعتبار لفظه { أفلا تتقون } ~~أنفسكم عذابه الذي يستوجبه ما أنتم عليه من ترك عبادته تعالى كما ~~يفصح عنه قوله تعالى: # إنى أخاف عليكم عذاب يوم عظيم # [الأحقاف: 21] وقوله تعالى: # عذاب يوم أليم # [هود: 26] وقيل أفلا تخافون أن ترفضوا عبادة الله الذي هو ربكم الخ. ~~وليس بذاك وقيل أفلا تخافون أن يزيل عنكم نعمه الخ وفيه ما فيه ~~والهمزة لإنكار الواقع واستقباحه. والفاء للعطف على مقدر ~~يقتضيه المقام أي أتعرفون ذلك أي مضمون قوله تعالى: { ما لكم من ~~إله غيره } فلا تتقون عذابه بسبب إشراككم به في العبادة ما ~~لا يستحق الوجود لولا إيجاد الله تعالى إياه فضلا عن استحقاق ~~العبادة فالمنكر عدم الاتقاء مع تحقق ما يوجبه، أو ألا تلاحظون ~~ذلك فلا تتقونه فالمنكر كلا الأمرين فالمبالغة حينئذ في ~~الكمية وفي الأول في الكيفية. ### || [23.24-25] # { فقال الملأ } أي الأشراف { الذين كفروا من قومه } ~~وصف الملأ بما ذكر مع اشتراك الكل فيه للإيذان بكمال عراقتهم في ~~الكفر وشدة شكيمتهم فيه أي قالوا لعوامهم { ما هذا إلا ~~بشر مثلكم } أي في الجنس والوصف من غير فرق بينكم وبينه، ~~وصفوه عليه السلام بذلك مبالغة في وضع رتبته العالية وحطها عن منصب ~~النبوة { يريد أن يتفضل عليكم } أي يريد أن يطلب ~~الفضل عليكم ويتقدمكم بادعاء الرسالة مع كونه مثلكم، وصفوه ~~بذلك إغضابا للمخاطبين عليه، عليه السلام وإغراء لهم على معاداته ~~عليه السلام وقوله تعالى: { ولو شاء الله لأنزل ~~ملئكة } بيان ms2302 لعدم رسالة البشر على الإطلاق على زعمهم الفاسد ~~بعد تحقيق بشريته عليه السلام أي لو شاء الله تعالى إرسال ~~الرسول لأرسل رسلا من الملائكة وإنما قيل لأنزل لأن إرسال ~~الملائكة لا يكون إلا بطريق الإنزال، فمفعول المشيئة مطلق الإرسال ~~المفهوم من الجواب لا نفس مضمونه كما في قوله تعالى: { ولو شآء ~~لهداكم } ونظائره. { ما سمعنا بهذا } أي بمثل هذا ~~الكلام الذي هو الأمر بعبادة الله خاصة وترك عبادة ما سواه. وقيل ~~بمثل نوح عليه السلام في دعوى النبوة { فى ءابائنا ~~الأولين } أي الماضين قبل بعثته عليه السلام قالوه إما لكونهم ~~وآبائهم في فترة متطاولة وإما لفرط غلوهم في التكذيب والعناد ~~وانهماكهم في الغي والفساد، وأيا ما كان فقولهم هذا ينبغي أن يكون ~~هو الصاد عنهم في مبادي دعوته عليه السلام كما تنبىء عنه الفاء ~~في قوله تعالى: { فقال الملا } الخ وقيل معناه ما سمعنا به عليه ~~السلام أنه نبي. فالمراد بآبائهم الأولين الذين مضوا قبلهم ~~في زمن نوح عليه السلام. وقولهم المذكور هو الذي صدر عنهم في أواخر ~~أمره عليه السلام وهو المناسب لما بعده من حكاية دعائه عليه ~~السلام. # وقولهم { إن هو } أي ما هو { إلا رجل به جنة } أي ~~جنون أو جن يخيلونه ولذلك يقول ما يقول { فتربصوا به } أي ~~احتملوه واصبروا عليه وانتظروا { حتى حين } لعله يفيق مما ~~فيه، محمول حينئذ على ترامي أحوالهم في المكابرة والعناد. وإضرابهم ~~عما وصفوه عليه السلام به من البشرية وإرادة التفضل إلى ~~وصفه عليه السلام بما ترى وهم يعرفون أنه عليه السلام أرجح ~~الناس عقلا وأرزنهم قولا. وعلى الأول على تناقض مقالاتهم ~~الفاسدة قاتلهم الله أنى يؤفكون. ### || [23.26-28] # { قال } استئناف مبني على سؤال نشأ من حكاية كلام الكفرة ~~كأنه قيل فماذا قال عليه السلام بعدما سمع منهم هذه الأباطيل فقيل ~~قال لما رآهم قد أصروا على الكفر والتكذيب وتمادوا في الغواية ~~والضلال حتى يئس من إيمانهم بالكلية وقد أوحى الله إليه أنه ~~لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن { رب ms2303 انصرنى } بإهلاكهم ~~بالمرة فإنه حكاية إجمالية لقوله عليه السلام. # رب لا تذر على الأرض من الكفرين ديارا # [نوح: 26] الخ { بما كذبون } أي بسبب تكذيبهم إياي أو بدل ~~تكذيبهم { فأوحينا إليه } عند ذلك { أن اصنع الفلك } ~~أن مفسرة لما في الوحي من معنى القول { بأعيننا } ملتبسا ~~بحفظنا وكلاءتنا كأن معه عليه السلام منه عز وعلا حفاظا ~~وحراسا يكلؤونه بأعينهم من التعدي أو من الزيغ في الصنعة. ~~{ ووحينا } وأمرنا وتعليمنا لكيفية صنعها والفاء في قوله تعالى: ~~{ فإذا جاء أمرنا } لترتيب مضمون ما بعدها على تمام صنع الفلك. ~~والمراد بالأمر العذاب كما في قوله تعالى: # لا عاصم اليوم من أمر الله # [هود: 43] لا الأمر بالركوب كما قيل وبمجيئه كمال اقترابه أو ~~ابتداء ظهوره. أي إذا جاء إثر تمام الفلك عذابنا وقوله تعالى: { ~~وفار التنور } عطف بيان لمجيء الأمر. روي أنه قيل له عليه ~~السلام إذا فار الماء من التنور اركب أنت ومن معك وكان تنور ~~آدم عليه السلام فصار إلى نوح عليه السلام فلما نبع منه الماء ~~أخبرته امرأته فركبوا. واختلف في مكانه فقيل كان في مسجد الكوفة ~~أي في موضعه عن يمين الداخل من باب كندة اليوم وقيل كان في عين ~~وردة من الشام. وقد مر تفصيله في تفسير سورة هود عليه السلام ~~{ فاسلك فيها } أي أدخل فيها يقال سلك فيه أي دخل فيه ~~وسلكه فيه أي أدخله فيه. ومنه قوله تعالى: # ما سلككم فى سقر # [المدثر: 42] { من كل } أي من كل أمة { زوجين } أي فردين ~~مزدوجين كما يعرب عنه قوله تعالى: { اثنين } فإنه نص في ~~الفردين دون الجمعين أو الفريقين. وقرىء بالإضافة على أن المفعول ~~اثنين أي من كل أمتي زوجين وهما أمة الذكر وأمة الأنثى ~~كالجمال والنوق والحصن والرماك. وهذا صريح في أن الأمر كان قبل ~~صنعه الفلك. وفي سورة هود: # حتى إذا جاء أمرنا وفار التنور قلنا احمل ~~فيها من كل زوجين # [هود: 40] فالوجه أن يحمل إما على أنه حكاية لأمر آخر تنجيزي ~~ورد عند فوران التنور الذي نيط ms2304 به الأمر التعليقي اعتناء ~~بشأن المأمور به أو على أن ذلك هو الأمر السابق بعينه لكن لما ~~كان الأمر التعليقي قبل تحقق المعلق به في حق إيجاب ~~المأمور به بمنزلة العدم جعل كأنه إنما حدث عند تحققه فحكي على ~~صورة التنجيز وقد مر في تفسير قوله تعالى: # وإذ قلنا للملئكة اسجدوا لآدم # [الإسراء: 61]. # { وأهلك } منصوب بفعل معطوف على فاسلك لا بالعطف على زوجين أو ~~اثنين على القراءتين لأدائه إلى اختلال المعنى أي واسلك أهلك، ~~والمراد به امرأته وبنوه. وتأخير الأمر بإدخالهم عما ذكر من إدخال ~~الأزواج فيها لكونه عريقا فيما أمر به من الإدخال فإنه محتاج إلى ~~مزاولة الأعمال منه عليه السلام بل إلى معاونة من أهله وأتباعه. ~~وأما هم فإنما يدخلونها باختيارهم بعد ذلك ولأن في المؤخر ~~ضرب تفصيل بذكر الاستثناء وغيره فتقديمه يؤدي إلى الإخلال بتجاوب ~~أطراف النظم الكريم { إلا من سبق عليه القول ~~منهم } أي القول بإهلاك الكفرة وإنما جيء بعلى لكون السابق ~~ضارا كما جيء باللام في قوله تعالى: # إن الذين سبقت لهم منا الحسنى # [الأنبياء: 101] لكونه نافعا { ولا تخطبنى فى الذين ~~ظلموا } بالدعاء لإنجائهم { إنهم مغرقون } تعليل ~~للنهي أو لما ينبىء عنه من عدم قبول الدعاء أي إنهم مقضي ~~عليهم بالإغراق لا محالة لظلمهم بالإشراك وسائر المعاصي. ومن هذا ~~شأنه لا يشفع له ولا يشفع فيه كيف لا وقد أمر بالحمد على ~~النجاة منهم بهلاكهم بقوله تعالى: { فإذا استويت أنت ومن ~~معك } أي من أهلك وأشياعك { على الفلك فقل الحمد ~~لله الذى نجانا من القوم الظلمين } على طريقة ~~قوله تعالى: # فقطع دابر القوم الذين ظلموا والحمد لله ~~رب العلمين # [الأنعام: 45]. ### || [23.29-32] # { وقل رب أنزلنى } في السفينة أو منها { منزلا ~~مباركا } أي إنزالا أو موضع إنزال يستتبع خيرا كثيرا. وقرىء ~~منزلا أي موضع نزول { وأنت خير المنزلين } أمر عليه ~~السلام بأن يشفع دعاءه بما يطابقه من ثنائه عز وجل توسلا به ~~إلى الإجابة. وإفراده عليه السلام بالأمر مع شركة الكل في ~~الاستواء والنجاة لإظهار فضله عليه ms2305 السلام والإشعار بأن في ~~دعائه وثنائه مندوحة عما عداه. # { إن فى ذلك } الذي ذكر مما فعل له عليه السلام وبقومه { ~~لايات } جليلة يستدل بها أولو الأبصار ويعتبر بها ذوو الاعتبار ~~{ وإن كنا لمبتلين } إن مخففة من أن واللام فارقة ~~بينها وبين النافية. وضمير الشأن محذوف أي وإن الشأن ~~كنا مصيبين قوم نوح ببلاء عظيم وعقاب شديد أو مختبرين بهذه الآيات ~~عبادنا لننظر من يعتبر ويتذكر، كقوله تعالى: # ولقد تركنها ءاية فهل من مدكر # [القمر: 15] { ثم أنشأنا من بعدهم } أي من إهلاكهم { ~~قرن ءاخرين } هم عاد حسبما روي عن ابن عباس رضي الله عنهما ~~وعليه أكثر المفسرين وهو الأوفق لما هو المعهود في سائر السور ~~الكريمة من إيراد قصتهم إثر قصة قوم نوح. وقيل: هم ثمود { ~~فأرسلنا فيهم } جعلوا موضعا للإرسال كما في قوله تعالى: # كذلك أرسلناك فى أمة # [الرعد: 30] ونحوه لا غاية له كما في مثل قوله تعالى: # ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه # [العنكبوت: 14] للإيذان من أول الأمر بأن من أرسل إليهم لم ~~يأتهم من غير مكانهم بل إنما نشأ فيما بين أظهرهم كما ينبىء عنه ~~قوله تعالى: { رسولا منهم } أي من جملتهم نسبا فإنهما عليهما ~~السلام كانا منهم. وأن في قوله تعالى: { أن اعبدوا الله } ~~مفسرة لأرسلنا لتضمنه معنى القول أي قلنا لهم على لسان ~~الرسول: اعبدوا الله تعالى. وقوله تعالى: { ما لكم من إله ~~غيره } تعليل للعبادة المأمور بها أو للأمر بها أو لوجوب الامتثال ~~به { أفلا تتقون } أي عذابه الذي يستدعيه ما أنتم عليه من ~~الشرك والمعاصي. والكلام في العطف كالذي مر في قصة نوح عليه ~~السلام. ### || [23.33-35] # { وقال الملأ من قومه } حكاية لقولهم الباطل إثر حكاية ~~القول الحق الذي ينطق به حكاية إرسال الرسول بطريق العطف على أن ~~المراد حكاية مطلق تكذيبهم له عليه السلام إجمالا لا حكاية ما ~~جرى بينه عليه السلام وبينهم من المحاورة والمقاولة تفصيلا ~~حتى يحكى بطريق الاستئناف المبني على السؤال كما ينبىء عنه ما ~~سيأتي من حكاية سائر الأمم أي وقال ms2306 الأشراف من قومه { الذين ~~كفروا } في محل الرفع على أنه صفة للملأ وصفوا بذلك ذما ~~لهم وتنبيها على غلوهم في الكفر. وتأخيره عن من قومه لعطف قوله ~~تعالى: { وكذبوا بلقاء الآخرة } وما عطف عليه على الصلة ~~الأولى أي كذبوا بلقاء ما فيها من الحساب والثواب والعقاب أو ~~بمعادهم إلى الحياة الثانية بالبعث { وأترفنهم } ~~ونعمناهم { فى الحياة الدنيا } بكثرة الأموال والأولاد أي ~~قالوا لأعقابهم مضلين لهم: { ما هذا إلا بشر مثلكم } ~~أي في الصفات والأحوال، وإيثار مثلكم على مثلنا للمبالغة في تهوين ~~أمره عليه السلام وتوهينه { يأكل مما تأكلون منه ~~ويشرب مما تشربون } تقرير للمماثلة. وما خبرية. والعائد ~~إلى الثاني منصوب محذوف أو مجرور وقد حذف مع الجار لدلالة ما ~~قبله عليه. # { ولئن أطعتم بشرا مثلكم } أي فيما ذكر من الأحوال ~~والصفات أي إن امتثلتم بأوامره { إنكم إذا } أي على تقدير ~~الاتباع { لخسرون } عقولهم ومغبونون في آرائهم حيث أذللتم ~~أنفسكم أي انظر كيف جعلوا اتباع الرسول الحق الذي يوصلهم إلى ~~سعادة الدارين خسرانا دون عبادة الأصنام التي لا خسران وراءها ~~قاتلهم الله أنى يؤفكون. وإذا واقع بين اسم إن وخبرها لتأكيد ~~مضمون الشرط. والجملة جواب لقسم محذوف قبل إن الشرطية ~~المصدرة باللام الموطئة. أي وبالله لئن أطعتم بشرا مثلكم إنكم ~~إذا لخاسرون. # { أيعدكم } استئناف مسوق لتقرير ما قبله من اتباعه عليه ~~السلام بإنكار وقوع ما يدعوهم إلى الإيمان واستبعاده. { أنكم ~~إذا متم } بكسر الميم، من مات يمات. وقرىء بضمها من مات ~~يموت. { وكنتم ترابا وعظما } نخرة مجردة عن اللحوم ~~والأعصاب أي كان بعض أجزائكم من اللحم ونظائره ترابا، وبعضها ~~عظاما. وتقديم التراب لعراقته في الاستبعاد وانقلابه من الأجزاء ~~البادية. أو كان متقدموكم ترابا صرفا ومتأخروكم عظاما. وقوله ~~تعالى: { إنكم } تأكيد للأول لطول الفصل بينه وبين خبره الذي ~~هو قوله تعالى: { مخرجون } أي من القبور أحياء كما كنتم. وقيل: ~~أنكم مخرجون مبتدأ وإذا متم خبره على معنى إخراجكم إذا متم ثم ~~أخبر بالجملة على أنكم. وقيل: رفع أنكم مخرجون بفعل هو جزاء ms2307 ~~الشرط كأنه قيل: إذا متم وقع إخراجكم ثم أوقعت الجملة ~~الشرطية خبرا عن أنكم. والذي تقتضيه جزالة النظم الكريم هو ~~الأول. وقرىء أيعدكم إذا متم الخ. ### || [23.36-41] # { هيهات هيهات } تكرير لتأكيد البعد أي بعد الوقوع أو ~~الصحة. { لما توعدون } وقيل: اللام لبيان المستبعد ما هو ~~كما في # هيت لك # [يوسف: 23] كأنهم لما صوتوا بكلمة الاستبعاد قيل: لم هذا ~~الاستبعاد؟ فقيل: لما توعدون. وقيل: هيهات بمعنى البعد وهو مبتدأ ~~خبره لما توعدون. وقرىء بالفتح منونا للتنكير، وبالضم ~~منونا على أنه جمع هيهة، وغير منون تشبيها بقبل، وبالكسر ~~على الوجهين، وبالسكون على لفظ الوقف، وإبدال التاء هاء. # { إن هى إلا حياتنا الدنيا } أصله إن الحياة إلا ~~حياتنا. فأقيم الضمير مقام الأولى لدلالة الثانية عليها ~~حذرا من التكرار، وإشعارا بإغنائها عن التصريح كما في: هي ~~النفس تتحمل ما حملت. وهي العرب تقول ما شاءت وحيث كان ~~الضمير بمعنى الحياة للدلالة على الجنس كانت إن النافية ~~بمنزلة لا النافية للجنس. وقوله تعالى: { نموت ونحيا } ~~جملة مفسرة لما ادعوه من أن الحياة هي الدنيا أي يموت ~~بعضنا أو يولد بعض إلى انقراض العصر { وما نحن بمبعوثين ~~} بعد الموت. # { إن هو } أي ما هو { إلا رجل افترى على الله ~~كذبا } فيما يدعيه من إرساله وفيما يعدنا من أن الله يبعثنا { ~~وما نحن له بمؤمنين } بمصدقين فيما يقوله. # { قال } أي هود عليه السلام عند يأسه من إيمانهم بعد ما سلك في ~~دعوتهم كل مسلك منصرفا إلى الله عز وجل { رب انصرنى } ~~وانتقم لي منهم { بما كذبون } أي بسبب تكذيبهم إياي وإصرارهم ~~عليه. # { قال } تعالى إجابة لدعائه وعدة بالقبول { عما قليل } أي ~~عن زمان قليل وما مزيدة بين الجار والمجرور لتأكيد معنى القلة ~~كما زيدت في قوله تعالى: # فبما رحمة من الله # [آل عمران: 159] أو نكرة موصوفة أي عن شيء قليل { ليصبحن ~~ندمين } على ما فعلوه من التكذيب وذلك عند معاينتهم للعذاب. # { فأخذتهم الصيحة } لعلهم حين أصابتهم الريح العقيم ~~أصيبوا في تضاعيفها بصيحة هائلة أيضا. وقد روي أن ms2308 شداد بن ~~عاد حين تم بناء إرم سار إليها بأهله فلما دنا منها بعث الله ~~عليهم صيحة من السماء فهلكوا. وقيل: الصيحة نفس العذاب ~~والموت. وقيل: هي العذاب المصطلم قال قائلهم: # صاح الزمان بآل برمك صيحة # خروا لشدتها على الأذقان # { بالحق } متعلق بالأخذ أي بالأمر الثابت الذي لا دفاع له أو ~~بالعدل من الله تعالى أو بالوعد الصدق { فجعلنهم غثاء } أي ~~كغثاء السيل وهو حميله { فبعدا للقوم الظلمين } ~~إخبار أو دعاء وبعدا من المصادر التي لا يكاد يستعمل ناصبها. ~~والمعنى بعدوا بعدا، أي هلكوا. واللام لبيان من قيل له: بعدا ~~ووضع الظاهر موضع الضمير للتعليل. ### || [23.42-44] # { ثم أنشأنا من بعدهم } أي بعد هلاكهم { قرونا ~~ءاخرين } هم قوم صالح ولوط وشعيب عليهم السلام وغيرهم. # { ما تسبق من أمة أجلها } أي ما تتقدم أمة من ~~الأمم المهلكة الوقت الذي عين لهلاكهم أي ما تهلك أمة قبل ~~مجيء أجلها { وما يستئخرون } ذلك الأجل بساعة. # وقوله تعالى: { ثم أرسلنا رسلنا } عطف على أنشأنا لكن لا ~~على معنى أن إرسالهم متراخ عن إنشاء القرون المذكورة جميعا بل ~~على معنى أن إرسال كل رسول متأخر عن إنشاء قرن مخصوص بذلك ~~الرسول، كأنه قيل: ثم أنشأنا من بعدهم قرونا آخرين قد أرسلنا ~~إلى كل قرن منهم رسولا خاصا به. والفصل بين المعطوفين بالجملة ~~المعترضة الناطقة لعدم تقدم الأمم أجلها المضروب لهلاكهم ~~للمسارعة إلى بيان هلاكهم على وجه إجمالي { تترى } أي متواترين ~~واحدا بعد واحد من الوتر وهو الفرد. والتاء بدل من الواو كما ~~في تولج وينقوا. والألف للتأنيث باعتبار أن الرسل جماعة. وقرىء ~~بالتنوين على أنه مصدر بمعنى الفاعل وقع حالا. وقوله تعالى: { ~~كلما جاء أمة رسولها كذبوه } استئناف مبين لمجيء ~~كل رسول لأمته ولما صدر عنهم عند تبليغ الرسالة. والمراد ~~بالمجيء إما التبليغ وإما حقيقة المجيء للإيذان بأنهم ~~كذبوه في أول الملاقاة. وإضافة الرسول إلى الأمة مع إضافة ~~كلهم فيما سبق إلى نون العظمة لتحقيق أن كل رسول جاء أمته ~~الخاصة به لا أن كلهم جاءوا ms2309 كل الأمم، والإشعار بكمال ~~شناعتهم وضلالهم حيث كذبت كل واحدة منهم رسولها المعين ~~لها. وقيل: لأن الإرسال لائق بالمرسل والمجيء بالمرسل إليهم { ~~فأتبعنا بعضهم بعضا } في الهلاك حسبما تبع بعضهم بعضا ~~في مباشرة أسبابه التي هي الكفر والتكذيب وسائر المعاصي { ~~وجعلنهم أحاديث } لم يبق منهم إلا حكايات يعتبر بها ~~المعتبرون وهو اسم جمع للحديث أو جمع أحدوثة وهي ما يتحدث به ~~تلهيا كأعاجيب جمع أعجوبة وهي ما يتعجب منه أي جعلناهم ~~أحاديث يتحدث بها تلهيا وتعجبا { فبعدا لقوم لا ~~يؤمنون } اقتصر ههنا على وصفهم بعدم الإيمان حسبما اقتصر على ~~حكاية تكذيبهم إجمالا. وأما القرون الأولون فحيث نقل عنهم ما ~~مر من الغلو وتجاوز الحد في الكفر والعدوان وصفوا ~~بالظلم. ### || [23.45-47] # { ثم أرسلنا موسى وأخاه هرون بئايتنا } هي ~~الآيات التسع من اليد والعصا والجراد والقمل والضفادع ~~والدم ونقص الثمرات والطاعون. ولا مساغ لعد فلق البحر منها ~~إذ المراد هي الآيات التي كذبوها واستكبروا عنها { وسلطن ~~مبين } أي حجة واضحة ملزمة للخصم، وهي إما العصا، ~~وإفرادها بالذكر مع اندراجها في الآيات لما أنها أم آياته ~~عليه الصلاة والسلام وأولاها وقد تعلقت بها معجزات شتى من ~~انقلابها ثعبانا وتلقفها لما أفكته السحرة حسبما فصل في تفسير ~~سورة طه، وأما التعرض لانفلاق البحر وانفجار العيون من ~~الحجر بضربها وحراستها وصيرورتها شمعة وشجرة خضراء مثمرة ودلوا ~~ورشاء وغير ذلك مما ظهر منها من قبل ومن بعد في غير مشهد ~~فرعون وقومه فغير ملائم لمقتضى المقام، وأما نفس الآيات كقوله: ~~[المتقارب] # إلى الملك القرم وابن الهمام # [وليث الكثيبة في المزدحم] # الخ. عبر عنها بذلك على طريقة العطف تنبيها على جمعها لعنوانين ~~جليلين وتنزيلا لتغايرهما منزلة التغاير الذاتي. # { إلى فرعون وملئه } أي أشراف قومه خصوا بالذكر ~~لأن إرسال بني إسرائيل منوط بآرائهم لا بآراء أعقابهم { ~~فاستكبروا } عن الانقياد وتمردوا { وكانوا قوما ~~علين } متكبرين متمردين { فقالوا } عطف على استكبروا، ~~وما بينهما اعتراض مقرر للاستكبار أي كانوا قوما عادتهم ~~الاستكبار والتمرد أي قالوا فيما بينهم بطريق المناصحة: { ~~أنؤمن لبشرين ms2310 مثلنا } ثنى البشر لأنه يطلق على ~~الجمع كما في قوله تعالى: # فإما ترين من البشر أحدا # [مريم: 26] ولم يثن المثل نظرا إلى كونه في حكم المصدر. وهذه ~~القصص كما ترى تدل على أن مدار شبه المنكرين للنبوة قياس ~~حال الأنبياء على أحوالهم بناء على جهلهم بتفاصيل شؤون الحقيقة ~~البشرية وتباين طبقات أفرادها في مراقي الكمال ومهاوي ~~النقصان بحيث يكون بعضها في أعلى عليين وهم المختصون ~~بالنفوس الزكية المؤيدون بالقوة القدسية المتعلقون ~~لصفاء جواهرهم بكلا العالمين الروحاني والجسماني يتلقون من ~~جانب ويلقون من جانب ولا يعوقهم التعلق بمصالح الخلق عن ~~التبتل إلى جناب الحق وبعضها في أسفل سافلين كأولئك الجهلة ~~الذين هم كالأنعام بل هم أضل سبيلا { وقومهما } يعنون بني ~~إسرائيل { لنا عبدون } أي خادمون منقادون لنا كالعبيد ~~وكأنهم قصدوا بذلك التعريض بشأنهما عليهما الصلاة والسلام ~~وحط رتبتهما العلية عن منصب الرسالة من وجه آخر غير ~~البشرية واللام في لنا متعلقة بعابدون وقدمت عليه رعاية ~~للفواصل. والجملة حال من فاعل نؤمن مؤكدة لإنكار الإيمان لهما ~~بناء على زعمهم الفاسد المؤسس على قياس الرياسة الدينية ~~على الرياسات الدنيوية الدائرة على التقدم في نيل ~~الحظوظ الدنية من المال والجاه كدأب قريش حيث قالوا: # لو كان خيرا ما سبقونا إليه # [الأحقاف: 11] وقالوا: # لولا نزل هذا القرءان على رجل من القريتين ~~عظيم # [الزخرف: 31] وجهلهم بأن مناط الاصطفاء للرسالة هو السبق في ~~حيازة ما ذكر من النعوت العلية وإحراز الملكات السنية ~~جبلة واكتسابا. ### || [23.48-50] # { فكذبوهما } أي فتموا على تكذيبهما وأصروا واستكبروا ~~استكبارا { فكانوا من المهلكين } بالغرق في بحر قلزم. # { ولقد ءاتينا } أي بعد إهلاكهم وإنجاء بني إسرائيل من ملكتهم ~~{ موسى الكتب } أي التوارة، وحيث كان إيتاؤه عليه الصلاة ~~والسلام إياها لإرشاد قومه إلى الحق كما هو شأن الكتب ~~الإلهية جعلوا كأنهم أوتوها فقيل: { لعلهم يهتدون } ~~أي إلى طريق الحق بالعمل بما فيها من الشرائع والأحكام، وقيل: أريد ~~آتينا قوم موسى فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه كما في قوله ~~تعالى: # على خوف من فرعون وملئهم # [يونس: ms2311 83] أي من آل فرعون وملئهم ولا سبيل إلى عود الضمير إلى ~~فرعون وقومه لظهور أن التوراة إنما نزلت بعد إغراقهم لبني ~~إسرائيل وأما الاستشهاد على ذلك بقوله: # ولقد ءاتينا موسى الكتب من بعد ما أهلكنا ~~القرون الأولى # [القصص: 43] فمما لا سبيل إليه ضرورة أن ليس المراد بالقرون ~~الأولى ما يتناول قوم فوعون بل من كان قبلهم من الأمم المهلكة ~~خاصة كقوم نوح وقوم هود وقوم صالح وقوم لوط كما سيأتي في ~~سورة القصص. # { وجعلنا ابن مريم وأمه ءاية } وأية آية دالة ~~على عظيم قدرتنا بولادته منها من غير مسيس بشر فالآية أمر واحد ~~نسب إليهما أو جعلنا ابن مريم آية بأن تكلم في المهد فظهرت منه ~~معجزات جمة وأمه آية بأنها ولدته من غير مسيس فحذفت الأولى ~~لدلالة الثانية عليها. والتعبير عنهما بما ذكر من العنوانين ~~وهما كونه عليه الصلاة والسلام ابنها وكونها أمه عليه ~~الصلاة والسلام للإيذان من أول الأمر بحيثية كونهما آية ~~فإن نسبته عليه الصلاة والسلام إليها مع أن النسب إلى ~~الآباء دالة على أن لا أب له أي جعلنا ابن مريم وحدها من غير أن ~~يكون له أب وأمه التي ولدته خاصة من غير مشاركة الأب آية. ~~وتقديمه عليه الصلاة والسلام لأصالته فيما ذكر من كونه آية ~~كما أن تقديم أمه في قوله تعالى: # وجعلنها وابنها ءاية للعلمين # [الأنبياء: 91] لأصالتها فيما نسب إليها من الإحسان والنفخ. # { وآويناهما إلى ربوة } أي أرض مرتفعة. قيل: هي إيليا أرض ~~بيت المقدس فإنها مرتفعة وأنها كبد الأرض وأقرب الأرض إلى ~~السماء بثمانية عشر ميلا على ما يروى عن كعب. وقيل: دمشق ~~وغوطتها. وقيل: فلسطين والرملة. وقيل: مصر فإن قراها على ~~الربا. وقرىء بكسر الراء وضمها ورباوة بالكسر والضم { ~~ذات قرار } مستقر من أرض منبسطة سهلة يستقر عليها ساكنوها. ~~وقيل: ذات ثمار وزروع لأجلها يستقر فيها ساكنوها { ومعين } أي ~~وماء معين ظاهر جار. فعيل من معن الماء إذا جرى، وأصله ~~الإبعاد في المشي، أو من الماعون وهو النفع لأنه نفاع. أو ms2312 ~~مفعول من عانه إذا أدركه بالعين فإنه لظهوره يدرك بالعيون. ~~وصف ماؤها بذلك للإيذان بكونه جامعا لفنون المنافع من الشرب ~~وسقي ما يسقى من الحيوان والنبات بغير كلفة، والتنزه بمنظره ~~المونق. ### || [23.51-52] # { يأيها الرسل كلوا من الطيبت } حكاية لرسول ~~الله صلى الله عليه وسلم على وجه الإجمال لما خوطب به كل رسول في ~~عصره، جيء بها إثر حكاية إيواء عيسى عليه السلام وأمه إلى ~~الربوة إيذانا بأن ترتيب مبادي التنعم لم يكن من خصائصه عليه ~~السلام بل إباحة الطيبات شرع قديم جرى عليه جميع الرسل ~~عليهم السلام ووصفوا به. أي وقلنا لكل رسول كل من الطيبات ~~واعمل صالحا، فعبر عن تلك الأوامر المتعددة المتعلقة ~~بالرسل بصيغة الجمع عند الحكاية إجمالا للإيجاز. وفيه من ~~الدلالة على بطلان ما عليه الرهابنة من رفض الطيبات ما لا ~~يخفى. وقيل: حكاية لما ذكر لعيسى عليه السلام وأمه عند ~~إيوائهما إلى الربوة ليقتديا بالرسل في تناول ما رزقا. وقيل: ~~نداء وخطاب له والجمع للتعظيم. وعن الحسن ومجاهد وقتادة ~~والسدي والكلبي رحمهم الله تعالى أنه خطاب لرسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وحده على دأب العرب في مخاطبة الواحد بلفظ الجمع. ~~وفيه إبانة لفضله وقيامه مقام الكل في حيازة كمالاتهم. ~~والطيبات ما يستطاب ويستلذ من مباحات المأكل والفواكه حسبما ~~ينبىء عنه سياق النظم الكريم، فالأمر للترفيه { واعملوا ~~صلحا } أي عملا صالحا فإنه المقصود منكم والنافع عند ربكم ~~{ إنى بما تعملون } من الأعمال الظاهرة والباطنة { عليم ~~} فأجازيكم عليه. # { وإن هذه } استئناف داخل فيما خوطب به الرسل عليهم ~~السلام على الوجه المذكور مسوق لبيان أن ملة الإسلام ~~والتوحيد مما أمر به كافة الرسل عليهم السلام والأمم. ~~وإنما أشير إليها بهذه للتنبيه على كمال ظهور أمرها في ~~الصحة والسداد وانتظامها بسبب ذلك في سلك الأمور المشاهدة ~~{ أمتكم } أي ملتكم وشريعتكم أيها الرسل { أمة ~~واحدة } أي ملة وشريعة متحدة في أصول الشرائع التي لا ~~تتبدل بتبديل الأعصار. وقيل: هذه إشارة إلى الأمم المؤمنة ~~للرسل، والمعنى إن هذه جماعتكم جماعة واحدة ms2313 متفقة على ~~الإيمان والتوحيد في العبادة { وأنا ربكم } من غير أن ~~يكون لي شريك في الربوبية. وضمير المخاطب فيه وفي قوله تعالى: ~~{ فاتقون } أي في شق العصا والمخالفة بالإخلال بمواجب ما ~~ذكر من اختصاص الربوبية بي للرسل والأمم جميعا على أن ~~الأمر في حق الرسل للتهييج والإلهاب وفي حق الأمم ~~للتحذير والإيجاب. والفاء لترتيب الأمر أو وجوب الامتثال به على ~~ما قبله من اختصاص الربوبية به تعالى واتحاد الأمة، فإن ~~كلا منهما موجب للاتقاء حتما. وقرىء وأن هذه بفتح الهمزة ~~على حذف اللام أي ولأن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم ~~فاتقون أي إن تتقون فاتقون، كما مر في قوله تعالى: # وإيى فارهبون # [البقرة: 40] وقيل: على العطف على ما، أي إني عليم بأن أمتكم ~~أمة الخ. وقيل: على حذف فعل عامل فيه أي اعلموا أن هذه أمتكم ~~الخ. وقرىء وأن هذه على أنها مخففة من أن. ### || [23.53-57] # { فتقطعوا أمرهم } حكاية لما ظهر من أمم الرسل بعدهم ~~من مخالفة الأمر وشق العصا. والضمير لما دل عليه الأمة من ~~أربابها أو لها على التفسيرين والفاء لترتيب عصيانهم على الأمر ~~لزيادة تقبيح حالهم أي تقطعوا أمر دينهم مع اتحاده وجعلوه ~~قطعا متفرقة وأديانا مختلفة { بينهم زبرا } أي قطعا ~~جمع زبور بمعنى الفرقة ويؤيده قراءة زبرا بفتح الباء جمع ~~زبرة وهو حال من أمرهم أو من واو تقطعوا، أو مفعول ثان له ~~فإنه متضمن لمعنى جعلوا وقيل: كتبا فيكون مفعولا ثانيا، أو ~~حالا من أمرهم على تقدير المضاف أي مثل زبر. وقرىء بتخفيف ~~الباء كرسل في رسل { كل حزب } من أولئك المتحزبين { ~~بما لديهم } من الدين الذي اختاروه { فرحون } معجبون ~~معتقدون أنه الحق. # { فذرهم فى غمرتهم } شبه ما هم فيه من الجهالة بالماء ~~الذي يغمر القامة لأنهم مغمورون فيها لاعبون بها. وقرىء غمراتهم. ~~والخطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم، والفاء لترتيب الأمر ~~بالترك على ما قبله من كونهم فرحين بما لديهم فإن انهماكهم فيما ~~هم فيه وإصرارهم عليه من مخايل كونهم مطبوعا على ms2314 قلوبهم أي اتركهم ~~على حالهم { حتى حين } هو حين قتلهم أو موتهم على الكفر أو ~~عذابهم فهو وعيد لهم بعذاب الدنيا والآخرة وتسلية لرسول الله ~~صلى الله عليه وسلم ونهي له عن الاستعجال بعذابهم والجزع من تأخيره. ~~وفي التنكير والإبهام ما لا يخفى من التهويل. # { أيحسبون أنما نمدهم به } أي نعطيهم إياه ونجعله ~~مددا لهم. فما موصولة. وقوله تعالى: { من مال وبنين } بيان ~~لها، وتقديم المال على البنين مع كونهم أعز منه قد مر وجهه في ~~سورة الكهف لا خبر لأن وإنما الخبر قوله تعالى: { نسارع ~~لهم فى الخيرت } على حذف الراجع إلى الاسم أي أيحسبون أن ~~الذي نمدهم به من المال والبنين نسارع به لهم فيما فيه خيرهم ~~وإكرامهم على أن الهمزة لإنكار الواقع واستقباحه. وقوله تعالى: { ~~بل لا يشعرون } عطف على مقدر ينسحب عليه الكلام أي كلا ~~لا نفعل ذلك بل هم لا يشعرون بشيء أصلا كالبهائم لا فطنة لهم ولا ~~شعور ليتأملوا ويعرفوا أن ذلك الإمداد استدراج لهم واستجرار ~~إلى زيادة الإثم وهم يحسبونه مسارعة لهم في الخيرات. وقرىء ~~يمدهم على الغيبة وكذلك يسارع ويسرع ويحتمل أن يكون فيها ضمير ~~الممد به. وقرىء يسارع مبنيا للمفعول. # { إن الذين هم من خشية ربهم مشفقون } استئناف ~~مسوق لبيان من له المسارعة في الخيرات إثر إقناط الكفار عنها ~~وإبطال حسبانهم الكاذب أي من خوف عذابه حذرون. ### || [23.58-61] # { والذين هم بئايت ربهم } المنصوبة والمنزلة { ~~يؤمنون } بتصديق مدلولها { والذين هم بربهم لا ~~يشركون } شركا جليا ولا خفيا، ولذلك أخر عن الإيمان ~~بالآيات، والتعرض لعنوان الربوبية في المواقع الثلاثة ~~للإشعار بعليتها للإشفاق والإيمان وعدم الإشراك. # { والذين يؤتون ما ءاتوا } أي يعطون ما أعطوه من ~~الصدقات. وقرىء يأتون ما أتوا أي يفعلون ما فعلوه من الطاعات ~~وأيا ما كان فصيغة الماضي في الصلة الثانية للدلالة على ~~التحقق كما أن صيغة المضارع في الأولى للدلالة عن الاستمرار { ~~وقلوبهم وجلة } حال من فاعل يؤتون أو يأتون أي يؤتون ما ~~آتوه أو يفعلون من العبادات ما فعلوه ms2315 والحال أن قلوبهم خائفة أشد ~~الخوف { أنهم إلى ربهم رجعون } أي من أن رجوعهم إليه ~~عز وجل على أن مناط الوجل ألا يقبل منهم ذلك وألا يقع ~~على الوجه اللائق فيؤاخذوا به حينئذ لا مجرد رجوعهم إليه تعالى ~~وقيل لأن مرجعهم إليه تعالى. والموصولات الأربعة عبارة عن طائفة ~~واحدة متصفة بما ذكر في حيز صلاتها من الأوصاف الأربعة لا عن ~~طوائف كل واحدة منها متصفة بواحد من الأوصاف المذكورة، كأنه ~~قيل # إن الذين هم من خشية ربهم مشفقون # [المؤمنون: 57] و { بئايت ربهم يؤمنون } [المؤمنون: 58] ~~الخ وإنما كرر الموصول إيذانا باستقلال كل واحدة من تلك ~~الصفات بفضيلة باهرة على حيالها، وتنزيلا لاستقلالها منزلة ~~استقلال الموصوف بها. # { أولئك } إشارة إليهم باعتبار اتصافهم بها. وما فيه من ~~معنى البعد للإشعار ببعد رتبتهم في الفضل أي أولئك المنعوتون ~~بما فصل من النعوت الجليلة خاصة دون غيرهم { يسرعون ~~فى الخيرت } أي في نيل الخيرات التي من جملتها الخيرات ~~العاجلة الموعودة على الأعمال الصالحة كما في قوله تعالى: # فآتهم الله ثواب الدنيا وحسن ثواب الآخرة # [آل عمران: 148] وقوله تعالى: # وآتيناه أجره في الدنيا وإنه في الآخرة لمن ~~الصالحين # [العنكبوت: 27] فقد أثبت لهم ما نفي عن أضدادهم خلا أنه غير ~~الأسلوب حيث لم يقل أولئك نسارع لهم في الخيرات بل أسند المسارعة ~~إليهم إيماء إلى كمال استحقاقهم لنيل الخيرات بمحاسن أعمالهم. ~~وإيثار كلمة في على كلمة إلى للإيذان بأنهم متقلبون في فنون ~~الخيرات لا أنهم خارجون عنها متوجهون إليها بطريق المسارعة كما في ~~قوله تعالى: # وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة # [آل عمران: 133] الآية { وهم لها سبقون } أي إياها سابقون ~~واللام لتقوية العمل كما في قوله تعالى: # هم لها عملون # [المؤمنون: 63] أي ينالونها قبل الآخرة حيث عجلت لهم في الدنيا ~~وقيل المراد بالخيرات الطاعات. والمعنى يرغبون في الطاعات ~~والعبادات أشد الرغبة وهم لأجلها فاعلون السبق أو لأجلها ~~سابقون الناس والأول هو الأولى. ### || [23.62-63] # { ولا نكلف نفسا إلا وسعها } جملة مستأنفة سيقت ~~للتحريض على ما وصف به السابقون ms2316 من فعل الطاعات المؤدي إلى نيل ~~الخيرات ببيان سهولته وكونه غير خارج عن حد الوسع والطاقة ~~أي عادتنا جارية على أن لا نكلف نفسا من النفوس إلا ما في ~~وسعها، على أن المراد استمرار النفي بمعونة المقام لا نفي ~~الاستمرار كما مر مرارا. أو للترخيص فيما هو قاصر عن درجة أعمال ~~أولئك الصالحين ببيان أنه تعالى لا يكلف عباده إلا ما في ~~وسعهم فإن لم يبلغوا في فعل الطاعات مراتب السابقين فلا عليهم ~~بعد أن يبذلوا طاقتهم ويستفرغوا وسعهم. قال مقاتل: من لم يستطع ~~القيام فليصل قاعدا ومن لم يستطع القعود فليوم إيماء، وقوله ~~تعالى: { ولدينا كتاب } الخ تتمة لما قبله ببيان أحوال ما ~~كلفوه من الأعمال وأحكامها المترتبة عليها من الحساب والثواب ~~والعقاب والمراد بالكتاب صحائف الأعمال التي يقرأونها عند الحساب ~~حسبما يعرب عنه قوله تعالى: { ينطق بالحق } كقوله تعالى: # هذا كتبنا ينطق عليكم بالحق إنا كنا ~~نستنسخ ما كنتم تعملون # [الجاثية: 29] أي عندنا كتاب قد أثبت فيه أعمال كل أحد على ما هي ~~عليه أو أعمال السابقين والمقتصدين جميعا لا أنه أثبت فيه ~~أعمال الأولين وأهمل أعمال الآخرين ففيه قطع معذرتهم أيضا. ~~وقوله بالحق متعلق بينطق أي يظهر الحق المطابق للواقع على ما ~~هو عليه ذاتا ووصفا ويبينه للناظر كما يبينه النطق ~~ويظهره للسامع فيظهر هنالك جلائل أعمالهم ودقائقها ويرتب عليها ~~أجزيتها إن خيرا فخير وإن شرا فشر وقوله تعالى: { وهم لا ~~يظلمون } بيان لفضله تعالى وعدله في الجزاء إثر بيان لطفه ~~في التكليف وكتب الأعمال أي لا يظلمون في الجزاء بنقص ثواب أو ~~بزيادة عذاب بل يجزون بقدر أعمالهم التي كلفوها ونطقت بها صحائفها ~~بالحق وقد جوز أن يكون تقريرا لما قبله من التكليف وكتب ~~الأعمال أي لا يظلمون بتكليف ما ليس في وسعهم ولا بعدم كتب بعض ~~أعمالهم التي من جملتها أعمال المقتصدين بناء على قصورها عن درجة ~~أعمال السابقين بل يكتب كل منها على مقاديرها وطبقاتها. ~~والتعبير عما ذكر من الأمور بالظلم مع أن شيئا ms2317 منها ليس ~~بظلم ما تقرر من أن الأعمال الصالحة لا توجب أصل الثواب فضلا ~~عن إيجاب مرتبة معينة منه حتى تعد الإثابة بما دونها نقصا وكذلك ~~الأعمال السيئة لا توجب درجة معينة من العذاب حتى بعد ~~التعذيب بما فوقها زيادة وكذا تكليف ما في الوسع وكتب الأعمال ~~ليسا مما يجب عليه سبحانه حتى يعد تركهما ظلما لكمال تنزيه ~~ساحة السبحان عنها بتصويرها بصورة ما يستحيل صدوره عنه تعالى ~~وتسميتها باسمه. # وقوله تعالى: { بل قلوبهم فى غمرة من هذا } إضراب ~~عما قبله. والضمير للكفرة لا للكل كما قبله أي بل قلوب ~~الكفرة في غفلة غامرة لها من هذا الذي بين في القرآن من أن ~~لديه تعالى كتابا ينطق ويظهر لهم أعمالهم السيئة على رؤوس الأشهاد ~~فيجزون بها كما ينبىء عنه ما سيأتي من قوله تعالى: # قد كانت ءايتى تتلى عليكم # [المؤمنون: 66] الخ وقيل مما عليه أولئك الموصوفون بالأعمال ~~الصالحة { ولهم أعمل } سيئة كثيرة { من دون ذلك } ~~الذي ذكر من كون قلوبهم في غفلة عظيمة مما ذكر وهي فنون كفرهم ~~ومعاصيهم التي من جملتها ما سيأتي من طعنهم في القرآن حسبما ينبىء ~~عنه قوله تعالى: # مستكبرين به سمرا تهجرون # [المؤمنون: 67] وقيل متخطية لما وصف به المؤمنون من الأعمال ~~الصالحة المذكورة وفيه أنه لا مزية في وصف أعمالهم الخبيثة ~~بالتخطي للأعمال الحسنة للمؤمنين وقيل متخطية عما هم عليه من الشرك ~~ولا يخفى بعده لعدم جريان ذكره { هم لها عملون } مستمرون ~~عليها معتادون فعلها ضارون بها لا يكادون يبرحونها. ### || [23.64-66] # { حتى إذا أخذنا مترفيهم } أي متنعميهم وهم الذين ~~أمدهم الله تعالى بما ذكر من المال والبنين وحتى مع كونها غاية ~~لأعمالهم المذكورة مبدأ لما بعدها من مضمون الشرطية أي لا يزالون ~~يعملون أعمالهم إلى حيث إذا أخذنا رؤساءهم { بالعذاب } قيل هو ~~القتل والأسر يوم بدر، وقيل هو الجوع الذي أصابهم حين دعا عليهم ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله: # " اللهم اشدد وطأتك على مضر واجعلها عليهم سنين كسني يوسف " # فقحطوا حتى أكلوا الكلاب ms2318 والجيف والعظام المحرقة والأولاد. ~~وألحق به العذاب الأخروي إذ هو الذي يفاجئون عنده الجؤار فيجابون ~~بالرد والإقناط عن النصر وأما عذاب يوم بدر فلم يوجد لهم عنده ~~جؤار حسبما ينبىء عنه قوله تعالى: # ولقد أخذنهم بالعذاب فما استكانوا لربهم ~~وما يتضرعون # [المؤمنون: 67] فإن المراد بهذا العذاب ما جرى عليهم يوم بدر من ~~القتل والأسر حتما وأما عذاب الجوع فإن أبا سفيان وإن ~~تضرع فيه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لكن لم يرد عليه ~~بالإقناط حيث روي أنه عليه الصلاة والسلام قد دعا بكشفه ~~فكشف عنهم ذلك { إذا هم يجئرون } أي فاجؤا الصراخ ~~بالاستغاثة من الله عز وجل كقوله تعالى: # فإليه تجأرون # [النحل: 53] وهو جواب الشرط. وتخصيص مترفيهم بما ذكر من الأخذ ~~بالعذاب ومفاجأة الجؤار مع عمومه لغيرهم أيضا لغاية ظهور انعكاس ~~حالهم وانتكاس أمرهم وكون ذلك أشق عليهم ولأنهم مع كونهم ~~متمنعين محميين بحماية غيرهم من المنعة والحشم حين لقوا ما ~~لقوا من الحالة الفظيعة فلأن يلقاها من عداهم من الحماة والخدم ~~أولى وأقدم. # { لا تجئروا اليوم } على إضمار القول مسوقا لردهم ~~وتبكيتهم وإقناطهم مما علقوا به أطماعهم الفارغة بتفويتهم وقت ~~الجؤار. وقد جوز كونه جواب الشرط، وأنت خبير بأن المقصود ~~الأصلي في الجملة الشرطية هو الجواب فيؤدي ذلك إلى أن يكون ~~مفاجأتهم إلى الجؤار غير مقصود أصلي. وقوله تعالى: { إنكم ~~منا لا تنصرون } تعليل للنهي عن الجؤار ببيان عدم إفادته ~~ونفعه أي لا يلحقكم من جهتنا نصرة تنجيكم مما دهمكم وقيل لا ~~تغاثون ولا تمنعون منا ولا يساعده سياق النظم الكريم لأن ~~جؤارهم ليس إلى غيره تعالى حتى يرد عليهم بعدم منصوريتهم من قبله ~~ولا سياقه فإن قوله تعالى: { قد كانت ءايتى تتلى ~~عليكم } الخ صريح في أنه تعليل لما ذكرنا من عدم لحوق النصر ~~من جهته تعالى بسبب كفرهم بالآيات ولو كان النصر المنفي ~~متوهما من الغير لعلل بعجزه وذله أو بعزة الله تعالى ~~وقوته أي قد كانت آياتي تتلى عليكم في الدنيا { فكنتم على ~~أعقبكم ms2319 تنكصون } أي تعرضون عن سماعها أشد الإعراض فضلا ~~عن تصديقها والعمل بها. والنكوص الرجوع قهقرى. ### || [23.67-69] # { مستكبرين به } أي بالبيت الحرام أو بالحرم. والإضمار ~~قبل الذكر لاشتهار استكبارهم وافتخارهم بأنهم خدامه ~~وقوامه أو بكتابي الذي عبر عنه آياتي على تضمين الاستكبار معنى ~~التكذيب أو لأن استكبارهم على المسلمين قد حدث بسبب استماعه. ~~ويجوز أن تتعلق الباء. بقوله تعالى: { سمرا } أي تسمرون بذكر ~~القرآن وبالطعن فيه حيث كانوا يجتمعون حول البيت بالليل ~~يسمرون وكانت عامة سمرهم ذكر القرآن وتسميته سحرا وشعرا. ~~والسامر كالحاضر في الإطلاق على الجمع وقيل هو مصدر جاء على لفظ ~~الفاعل. وقرىء سمرا وسمارا. وأن تتعلق بقوله تعالى: { ~~تهجرون } من الهجر بالفتح بمعنى الهذيان أو الترك أن تهذون ~~في شأن القرآن أو تتركونه أو من الهجرخع بالضم وهو الفحش ~~ويؤيده قراءة تهجرون من أهجر في منطقه إذا أفحش فيه. وقرىء ~~تهجرون من هجر الذي هو مبالغة في هجر إذا هذى. # { أفلم يدبروا القول } الهمزة لإنكار الواقع ~~واستقباحه، والفاء للعطف على مقدر ينسحب عليه الكلام أي افعلوا ~~ما فعلوا من النكوص والاستكبار والهجر فلم يتدبروا القرآن ~~ليعرفوا بما فيه من إعجاز النظم وصحة المدلول والإخبار عن ~~الغيب أنه الحق من ربهم فيؤمنوا به فضلا عما فعلوا في شأنه ~~من القبائح. وأم في قوله تعالى: { أم جآءهم ما لم يأت ~~ءاباءهم الأولين } منقطعة وما فيها من معنى بل للإضراب ~~والانتقال عن التوبيخ بما ذكر إلى التوبيخ بآخر والهمزة ~~لإنكار الوقوع لا لإنكار الواقع أي بل أجاءهم من الكتاب ما لم ~~يأت آباءهم الأولين حتى استبدعوه واستبعدوه فوقعوا فيما وقعوا ~~فيه من الكفر والضلال يعني أن مجيء الكتب من جهته تعالى إلى ~~الرسل عليهم السلام سنة قديمة له تعالى لا يكاد يتسنى ~~إنكاره، وأن مجيء القرآن على طريقته فمن أين ينكرونه وقيل أم ~~جاءهم من الأمن من عذابه تعالى ما لم يأت آباءهم الأولين ~~كإسماعيل عليه السلام وأعقابه من عدنان وقحطان ومضر وربيعة ~~وقيس والحارث بن كعب وأسد بن خزيمة وتميم ms2320 بن مرة وتبع ~~وضبة بن أد فآمنوا به تعالى وبكتبه ورسله وأطاعوه. # { أم لم يعرفوا رسولهم } إضراب وانتقال من التوبيخ ~~بما ذكر إلى التوبيخ بوجه آخر. والهمزة لإنكار الوقوع أيضا أي ~~بل ألم يعرفوه عليه السلام بالأمانة والصدق وحسن الأخلاق ~~وكمال العلم مع عدم التعلم من أحد وغير ذلك مما حازه من ~~الكمالات اللائقة بالأنبياء عليهم السلام { فهم له ~~منكرون } أي جاحدون بنبوته فجحودهم بها مترتب على عدم معرفتهم ~~بشأنه عليه السلام ومن ضرورة انتفاء المبني بطلان ما بني عليه ~~أي فهم غير عارفين له عليه السلام فهو تأكيد لما قبله. ### || [23.70-71] # { أم يقولون به جنة } انتقال إلى توبيخ آخر. والهمزة ~~لإنكار الواقع كالأولى أي بل أيقولون به جنة أي جنون مع أنه ~~أرجح الناس عقلا وأثقبهم ذهنا وأتقنهم رأيا وأوفرهم رزانة ~~ولقد روعي في هذه التوبيخات الأربعة التي اثنان منها متعلقان ~~بالقرآن والباقيان به عليه السلام الترقي من الأدنى إلى ~~الأعلى حيث وبخوا أولا بعدم التدبر وذلك يتحقق مع كون ~~القول غير متعرض له بوجه من الوجوه ثم وبخوا بشيء لو اتصف ~~به القول لكان سببا لعدم تصديقهم به ثم وبخوا بما يتعلق ~~بالرسول عليه الصلاة والسلام من عدم معرفتهم به عليه الصلاة ~~والسلام، وذلك يتحقق بعدم المعرفة بخير ولا شر ثم بما لو كان ~~فيه عليه الصلاة والسلام ذلك لقدح في رسالته عليه الصلاة ~~والسلام { بل جاءهم بالحق } إضراب عما يدل عليه ما ~~سبق أي ليس الأمر كما زعموا في حق القرآن والرسول عليه ~~الصلاة والسلام بل جاءهم عليه الصلاة والسلام بالحق أي ~~الصدق الثابت الذي لا محيد عنه أصلا ولا مدخل فيه للباطل بوجه ~~من الوجوه. { وأكثرهم للحق } من حيث هو حق أي حق كان لا ~~لهذا الحق فقط كما ينبىء عنه الإظهار في موقع الإضمار { كرهون ~~} لما في جبلتهم من الزيغ والانحراف المناسب للباطل ولذلك كرهوا ~~هذا الحق الأبلج وزاغوا عن الطريق الأنهج. وتخصيص أكثرهم بهذا ~~الوصف لا يقتضي إلا عدم كراهة الباقين لكل حق من ms2321 الحقوق وذلك لا ~~ينافي كراهتهم لهذا الحق المبين فتأمل. وقيل تقييد الحكم ~~بالأكثر لأن منهم من ترك الإيمان استنكافا من توبيخ قومه أو ~~لقلة فطنته وعدم تفكره لا لكراهته الحق وأنت خبير بأن ~~التعرض لعدم كراهة بعضهم للحق مع اتفاق الكل على الكفر به ~~مما لا يساعده المقام أصلا. # { ولو اتبع الحق أهواءهم } استئناف مسوق لبيان أن ~~أهواءهم الزائغة التي ما كرهوا الحق إلا لعدم موافقته إياها ~~مقتضية للطامة أي لو كان ما كرهوه من الحق الذي من جملته ما ~~جاء به عليه السلام موافقا لأهوائهم الباطلة { لفسدت ~~السموات والأرض ومن فيهن } وخرجت عن الصلاح ~~والانتظام بالكلية لأن مناط النظام ليس إلا ذلك وفيه من ~~تنويه شأن الحق والتنبيه على سمو مكانه ما لا يخفى، وأما ما ~~قيل لو اتبع الحق الذي جاء به عليه السلام أهواءهم وانقلب ~~شركا لجاء الله تعالى بالقيامة ولأهلك العالم ولم يؤخر، ففيه ~~أنه لا يلائم فرض مجيئه عليه السلام به وكذا ما قيل لو كان في ~~الواقع إلاهان لا يناسب المقام وأما ما قيل لو اتبع الحق ~~أهواءهم لخرج عن الإلهية فمما لا احتمال له أصلا. # { بل أتينهم بذكرهم } انتقال من تشنيعهم بكراهة ~~الحق الذي به يقوم العالم إلى تشنيعهم بالإعراض عما جبل عليه ~~كل نفس من الرغبة فيما فيه خيرها والمراد بالذكر القرآن الذي ~~هو فخرهم وشرفهم حسبما ينطق به قوله تعالى: # وإنه لذكر لك ولقومك # [الزخرف: 44] أي بل أتيناهم بفخرهم وشرفهم الذي كان يجب عليهم أن ~~يقبلوا عليه أكمل إقبال { فهم } بما فعلوه من النكوص { عن ~~ذكرهم } أي فخرهم وشرفهم خاصة { معرضون } لا عن غير ذلك ~~مما لا يوجب الإقبال عليه والاعتناء به. # وفي وضع الظاهر موضع الضمير مزيد تشنيع لهم وتقريع. والفاء ~~لترتيب ما بعدها من إعراضهم عن ذكرهم على ما قبلها من إيتاء ذكرهم ~~لا لترتيب الإعراض على الإيتاء مطلقا فإن المستتبع لكون ~~إعراضهم إعراضا عن ذكرهم هو إيتاء ذكرهم لا الإيتاء مطلقا، وفي ~~إسناد الإتيان بالذكر إلى نون العظمة ms2322 بعد إسناده إلى ضميره عليه ~~الصلاة والسلام تنويه لشأن النبي عليه الصلاة والسلام ~~وتنبيه على كونه بمثابة عظيمة منه عز وجل. وفي إيراد القرآن ~~الكريم عند نسبته إليه تعالى بعنوان الذكر من النكتة ~~السرية والحكمة العبقرية ما لا يخفى فإن التصريح بحقيته ~~المستلزمة لحقية من جاء به هو الذي يقتضيه مقام حكاية ما قاله ~~المبطلون في شأنه، وأما التشريف فإنما يليق به تعالى لا سيما ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم أحد المشرفين. وقيل المراد ~~بالذكر ما تمنوه بقولهم لو أن عندنا ذكرا من الأولين. وقيل ~~وعظهم وأيد ذلك بأنه قرىء بذكراهم. والتشنيع على الأولين ~~أشد فإن الإعراض عن وعظهم ليس في مثابة إعراضهم عن شرفهم أو عن ~~ذكرهم الذي يتمنونه في الشناعة والقباحة. ### || [23.72-75] # { أم تسئلهم } انتقال من توبيخهم بما ذكر من قوله: # أم يقولون به جنة # [المؤمنون: 70] إلى التوبيخ بوجه آخر كأنه قيل أم يزعمون ~~أنك تسألهم عن أداء الرسالة { خرجا } أي جعلا فلأجل ذلك لا ~~يؤمنون بك وقوله تعالى: { فخراج ربك خير } أي رزقه في ~~الدنيا وثوابه في الآخرة، تعليل لنفي السؤال المستفاد من ~~الإنكار أي لا تسألهم ذلك فإن ما رزقك الله تعالى في الدنيا ~~والعقبى خير لك من ذلك وفي التعرض لعنوان الربوبية مع ~~الإضافة إلى ضميره عليه الصلاة والسلام من تعليل الحكم وتشريفه ~~عليه الصلاة والسلام ما لا يخفى. والخرج بإزاء الدخل يقال ~~لكل ما تخرجه إلى غيرك. والخراج غالب في الضريبة على الأرض ~~وقيل الخرج ما تبرعت به والخراج ما لزمك وقيل الخرج أخص من ~~الخراج ففي النظم الكريم إشعار بالكثرة واللزوم. وقرىء خرجا ~~فخرج وخراجا فخراج { وهو خير الرزقين } تقرير لخيرية ~~خراجه تعالى: { وإنك لتدعوهم إلى صرط مستقيم } ~~تشهد العقول السليمة باستقامته ليس فيه شائبة اعوجاج توهم ~~اتهامهم لك بوجه من الوجوه ولقد ألزمهم الله عز وعلا وأزاح ~~عللهم في هذه الآيات حيث حصر أقسام ما يؤدي إلى الإنكار ~~والاتهام وبين انتفاء ما عدا كراهتهم للحق وقلة فطنتهم. # { وإن الذين لا يؤمنون ms2323 بالآخرة } وصفوا بذلك تشنيعا ~~لهم بما هم عليه من الانهماك في الدنيا وزعمهم أن لا حياة إلا ~~الحياة الدنيا وإشعارا بعلة الحكم فإن الإيمان بالآخرة ~~وخوف ما فيها من الدواهي من أقوى الدواعي إلى طلب الحق وسلوك ~~سبيله. { عن الصرط } أي عن جنس الصراط { لنكبون } ~~لعادلون فضلا عن الصراط المستقيم الذي تدعوهم إليه. والأول ~~أدل على كمال ضلالهم وغاية غوايتهم لما أنه ينبىء عن كون ما ذهبوا ~~إليه مما لا يطلق عليه اسم الصراط ولو كان معوجا. # { ولو رحمنهم وكشفنا ما بهم من ضر } أي قحط ~~وجدب. { للجوا } لتمادوا { في طغينهم } إفراطهم في ~~الكفر والاستكبار وعداوة الرسول عليه الصلاة والسلام ~~والمؤمنين { يعمهون } أي عامهين عن الهدى. روي أنه لما أسلم ~~ثمامة بن أثال الحنفي ولحق باليمامة ومنع الميرة عن أهل ~~مكة وأخذهم الله تعالى بالسنين حتى أكلوا العلهز، جاء ~~أبو سفيان إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له: أنشدك ~~الله والرحم ألست تزعم أنك بعثت رحمة للعالمين قال: # " بلى " # فقال: قتلت الآباء بالسيف والأبناء بالجوع. فنزلت والمعنى لو ~~كشفنا عنهم ما أصابهم من القحط والهزال برحمتنا إياهم ووجدوا ~~الخصب لارتدوا إلى ما كانوا عليه من الكفر والاستكبار ولذهب عنهم ~~هذا التملق والإبلاس وقد كان كذلك. ### || [23.76-78] # قوله تعالى: { ولقد أخذنهم بالعذاب } استئناف مسوق ~~للاستشهاد على مضمون الشرطية. والمراد بالعذاب ما نالهم يوم بدر ~~من القتل والأسر وما أصابهم من فنون العذاب التي من جملتها القحط ~~المذكور. واللام جواب قسم محذوف أي وبالله لقد أخذناهم بالعذاب { ~~فما استكانوا لربهم } بذلك أي لم يخضعوا ولم يتذللوا على ~~أنه إما استفعال من الكون لأن الخاضع ينتقل من كون إلى كون، ~~أو افتعال من السكون قد أشبعت فتحته كمنتزاح في منتزح. بل ~~أقاموا على ما كانوا عليه من العتو والاستكبار. وقوله تعالى: { ~~وما يتضرعون } اعتراض مقرر لمضمون ما قبل، أي وليس من ~~عادتهم التضرع إليه تعالى. # { حتى إذا فتحنا عليهم بابا ذا عذاب شديد } هو ~~عذاب الآخرة كما ينبىء عنه التهويل بفتح ms2324 الباب والوصف بالشدة. ~~وقرىء فتحنا بالتشديد { إذا هم فيه مبلسون } أي ~~متحيرون آيسون من كل خير أي محناهم بكل محنة من القتل والأسر ~~والجوع وغير ذلك فما رؤي منهم لين مقادة وتوجه إلى الإسلام قط. ~~وأما ما أظهره أبو سفيان فليس من الاستكانة له تعالى والتضرع ~~إليه تعالى في شيء وإنما هو نوع خنوع إلى أن يتم غرضه، فحاله ~~كما قيل إذا جاع ضغا وإذا شبع طغا. وأكثرهم مستمرون على ذلك ~~إلى أن يروا عذاب الآخرة فحينئذ يبلسون. وقيل المراد بالباب ~~الجوع فإنه أشد وأعم من القتل والأسر. والمعنى أخذناهم أولا ~~بما جرى عليهم يوم بدر من قتل صناديدهم وأسرهم، فما وجد منهم تضرع ~~واستكانة حتى فتحنا عليهم باب الجوع الذي هو أطم وأتم ~~فأبلسوا الساعة وخضعت رقابهم وجاءك أعتاهم وأشدهم شكيمة في ~~العناد يستعطفك، والوجه هو الأول. # { وهو الذى أنشأ لكم السمع والأبصر } لتشاهدوا ~~بها الآيات التنزيلية والتكوينية { والأفئدة } لتتفكروا ~~بها فيما تشاهدونه وتعتبروا اعتبارا لائقا { قليلا ما ~~تشكرون } أي شكرا قليلا غير معتد به تشكرون تلك النعم ~~الجليلة لما أن العمدة في الشكر صرف تلك القوى التي هي في ~~أنفسها نعم باهرة إلى ما خلقت هي له وأنتم تخلون بذلك إخلالا ~~عظيما. ### || [23.79-85] # { وهو الذى ذرأكم فى الأرض } أي خلقكم وبثكم فيها ~~بالتناسل { وإليه تحشرون } أي تجمعون يوم القيامة بعد ~~تفرقكم لا إلى غيره فما لكم لا تؤمنون به ولا تشكرونه. # { وهو الذى يحى ويميت } من غير أن يشاركه في ذلك شيء من ~~الأشياء { وله } خاصة { اختلف اليل والنهار } أي ~~هو المؤثر في اختلافهما أي تعاقبهما أو اختلافهما ازديادا ~~وانتقاصا أو لأمره وقضائه اختلافهما { أفلا تعقلون } أي ألا ~~تتفكرون فلا تعقلون أو أتتفكرون فلا تعقلون بالنظر والتأمل ~~أن الكل منا وأن قدرتنا تعم جميع الممكنات التي من ~~جملتها البعث. وقرىء يعقلون على أن الالتفات إلى الغيبة ~~لحكاية سوء حال المخاطبين لغيرهم، وقيل: على أن الخطاب الأول ~~لتغليب المؤمنين وليس بذاك. # { بل قالوا } عطف على مضمر يقتضيه المقام أي ms2325 فلم يعقلوا بل ~~قالوا { مثل ما قال الأولون } أي آباؤهم ومن دان بدينهم. # { قالوا أءذا متنا وكنا ترابا وعظما أءنا ~~لمبعوثون } تفسير لما قبله من المبهم وتفصيل لما فيه من ~~الإجمال وقد مر الكلام فيه. # { لقد وعدنا نحن وءاباؤنا هذا } أي البعث { من ~~قبل } متعلق بالفعل من حيث إسناده إلى آبائهم لا إليهم أي ~~ووعد آباؤنا من قبل. أو بمحذوف وقع حالا من آباؤنا أي كائنين من ~~قبل. # { إن هذا } أي ما هذا { إلا أسطير الأولين } أي ~~أكاذيبهم التي سطروها جمع أسطورة كأحدوثة وأعجوبة. وقيل: جمع ~~أسطار جمع سطر. # { قل لمن الأرض ومن فيها } من المخلوقات تغليبا للعقلاء ~~على غيرهم { إن كنتم تعلمون } جوابه محذوف ثقة بدلالة ~~الاستفهام عليه أي إن كنتم تعلمون شيئا فأخبروني به، فإن ذلك كاف ~~في الجواب. وفيه من المبالغة في وضوح الأمر وفي تجهيلهم ما لا ~~يخفى أو إن كنتم تعلمون ذلك فأخبروني وفيه استهانة بهم وتقرير ~~لجهلهم ولذلك أخبر بجوابهم قبل أن يجيبوا حيث قيل: { سيقولون ~~لله } لأن بديهة العقل تضطرهم إلى الاعتراف بأنه تعالى ~~خالقها. # { قل } أي عند اعترافهم بذلك تبكيتا لهم { أفلا تذكرون } ~~أي أتعلمون ذلك أو تقولون ذلك فلا تتذكرون أن من فطر الأرض وما ~~فيها ابتداء قادر على إعادتها ثانيا فإن البدء ليس بأهون من ~~الإعادة بل الأمر بالعكس في قياس العقول. وقرىء تتذكرون على ~~الأصل. ### || [23.86-91] # { قل من رب السموات السبع ورب العرش ~~العظيم } أعيد الرب تنويها لشأن العرش ورفعا لمحله عن أن ~~يكون تبعا للسموات وجودا وذكرا، ولقد روعي في الأمر بالسؤال ~~الترقي من الأدنى إلى الأعلى { سيقولون لله } باللام نظرا ~~إلى معنى السؤال فإن قولك: من ربه ولمن هو في معنى واحد. ~~وقرىء هو وما بعده بغير لام نظرا إلى لفظ السؤال. # { قل } إفحاما لهم وتوبيخا { أفلا تتقون } أي تعلمون ذلك ~~ولا تقون أنفسكم عقابه بعدم العمل بموجب العلم حيث تكفرون به ~~وتنكرون البعث وتثبتون له شريكا في الربوبية. # { قل من بيده ملكوت كل شىء } مما ذكر ms2326 وما لم يذكر ~~أي ملكه التام القاهر وقيل: خزائنه { وهو يجير } أي يغيث ~~غيره إذا شاء { ولا يجار عليه } أي ولا يغيث أحد عليه أي لا ~~يمنع أحد منه بالنصر عليه { إن كنتم تعلمون } أي شيئا ما ~~أو ذلك فأجيبوني على ما سبق { سيقولون لله } أي لله ملكوت ~~كل شيء وهو الذي يجير ولا يجار عليه { قل فأنى تسحرون ~~} أي فمن أين تخدعون وتصرفون عن الرشد مع علمكم به إلى ما أنتم ~~عليه من الغي فإن من لا يكون مسحورا مختل العقل لا يكون كذلك. # { بل أتينهم بالحق } الذي لا محيد عنه من التوحيد ~~والوعد بالبعث { وإنهم لكذبون } فيما قالوا من الشرك ~~وإنكار البعث. # { ما اتخذ الله من ولد } كما يقوله النصارى والقائلون ~~إن الملائكة بنات الله تعالى عن ذلك علوا كبيرا { وما كان ~~معه من إله } يشاركه في الألوهية كما يقوله عبدة ~~الأوثان وغيرهم { إذا لذهب كل إله بما خلق } جواب ~~لمحاجتهم، وجزاء لشرط قد حذف لدلالة ما قبله عليه أي لو كان معه ~~آلهة كما يزعمون لذهب كل واحد منهم بما خلقه واستبد به وامتاز ~~ملكه عن ملك الآخرين ووقع بينهم التغالب والتحارب كما هو ~~الجاري فيما بين الملوك { ولعلا بعضهم على بعض } فلم ~~يكن بيده وحده ملكوت كل شيء وهو باطل لا يقول به عاقل قط مع ~~قيام البرهان على استناد جميع الممكنات إلى واجب الوجود واحد ~~بالذات { سبحن الله عما يصفون } أي يصفونه من أن ~~يكون له أنداد وأولاد. ### || [23.92-97] # { علم الغيب والشهدة } بالجر على أنه بدل من ~~الجلالة. وقيل: صفة لها. وقرىء بالرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف. ~~وأيا ما كان فهو دليل آخر على انتفاء الشريك بناء على توافقهم ~~في تفرده تعالى بذلك ولذلك رتب عليه بالفاء قوله تعالى: { ~~فتعلى عما يشركون } فإن تفرده تعالى بذلك موجب ~~لتعاليه عن أن يكون له شريك. # { قل رب إما ترينى } أي إن كان لا بد من أن تريني { ~~ما يوعدون } من العذاب الدنيوي المستأصل، وأما العذاب ~~الأخروي ms2327 فلا يناسبه المقام. # { رب فلا تجعلنى فى القوم الظلمين } أي قرينا ~~لهم فيما هم فيه من العذاب. وفيه إيذان بكمال فظاعة ما وعدوه من ~~العذاب وكونه بحيث يجب أن يستعيذ منه من لا يكاد يمكن أن يحيق ~~به، ورد لإنكارهم إياه واستعجالهم به على طريقة الاستهزاء به. ~~وقيل: أمر به عليه الصلاة والسلام هضما لنفسه. وقيل: لأن ~~شؤم الكفرة قد يحيق بمن وراءهم كقوله تعالى: # واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم ~~خاصة # [الأنفال: 25] وروي أنه تعالى أخبر نبيه عليه الصلاة ~~والسلام بأن له في أمته نقمة ولم يطلعه على وقتها فأمره بهذا ~~الدعاء وتكرير النداء. وتصدير كل من الشرط والجزاء به ~~لإبراز كمال الضراعة والابتهال. # { وإنا على أن نريك ما نعدهم } من العذاب { ~~لقدرون } ولكنا نؤخره لعلمنا بأن بعضهم أو بعض أعقابهم ~~سيؤمنون أو لأنا لا نعذبهم وأنت فيهم. وقيل: قد أراه ذلك وهو ما ~~أصابهم يوم بدر أو فتح مكة ولا يخفى بعده فإن المتبادر ~~أن يكون ما يستحقونه من العذاب الموعود عذابا هائلا مستأصلا لا ~~يظهر على يديه عليه الصلاة والسلام للحكمة الداعية إليه. # { ادفع بالتى هى أحسن السيئة } وهو الصفح عنها ~~والإحسان في مقابلتها لكن لا بحيث يؤدي إلى وهن في الدين. ~~وقيل: هي كلمة التوحيد والسيئة الشرك. وقيل: هو الأمر ~~بالمعروف والسيئة المنكر وهو أبلغ من: ادفع بالحسنة السيئة ~~لما فيه من التنصيص على التفضيل. وتقديم الجار والمجرور على ~~المفعول في الموضعين للاهتمام { نحن أعلم بما يصفون } أي ~~بما يصفونك به أو بوصفهم إياك على خلاف ما أنت عليه وفيه وعيد لهم ~~بالجزاء والعقوبة وتسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم وإرشاد له ~~عليه السلام إلى تفويض أمره إليه تعالى. # { وقل رب أعوذ بك من همزات الشيطين } أي ~~وساوسهم المغرية على خلاف ما أمرت به من المحاسن التي من جملتها ~~دفع السيئة بالحسنة وأصل الهمز النخس، ومنه مهماز الرائض. ~~شبه حثهم للناس على المعاصي بهمز الرائض الدواب على ~~الإسراع أو الوثب، والجمع للمرات أو لتنوع ms2328 الوساوس أو لتعدد ~~المضاف إليه. ### || [23.98-101] # { وأعوذ بك رب أن يحضرون } أمر عليه السلام بأن ~~يعوذ به تعالى من حضورهم بعد ما أمر بالعوذ به من همزاتهم للمبالغة ~~في التحذير من ملابستهم. وإعادة الفعل مع تكرير النداء لإظهار ~~كمال الاعتناء بالمأمور به وعرض نهاية الابتهال في الاستدعاء، أي ~~أعوذ بك من أن يحضروني ويحوموا حولي في حال من الأحوال. وتخصيص ~~حال الصلاة وقراءة القرآن كما روي عن ابن عباس رضي الله ~~عنهما. وحال حلول الأجل كما روي عن عكرمة رحمه الله لأنها أحرى ~~الأحوال بالاستعاذة منها. # { حتى إذا جاء أحدهم الموت } حتى هي التي يبتدأ بها ~~الكلام دخلت على الجملة الشرطية وهي مع ذلك غاية لما قبلها ~~متعلقة بيصفون وما بينهما اعتراض مؤكد للإغضاء بالاستعاذة به ~~تعالى من الشياطين أن يزلوه عليه الصلاة والسلام عن الحلم ~~ويغروه على الانتقام لكن لا بمعنى أنه العامل فيه لفساد المعنى، بل ~~بمعنى أنه معمول لمحذوف يدل عليه ذلك. وتعلقها بكاذبون في غاية ~~البعد لفظا ومعنى، أي يستمرون على الوصف المذكور حتى إذا جاء ~~أحدهم أي أحد كان الموت الذي لا مرد له وظهرت له أحوال الآخرة ~~{ قال } تحسرا على ما فرط فيه من الإيمان والطاعة { رب ~~ارجعون } أي ردني إلى الدنيا. والواو لتعظيم المخاطب وقيل: ~~لتكرير قوله ارجعني كما قيل في: قفا نبك، ونظائره. # { لعلى أعمل صلحا فيما تركت } أي في الإيمان الذي ~~تركته لم ينظمه في سلك الرجاء كسائر الأعمال الصالحة بأن يقول ~~لعلي أومن فأعمل الخ، للإشعار بأنه أمر مقرر الوقوع غني ~~عن الإخبار بوقوعه قطعا فضلا عن كونه مرجو الوقوع أي لعلي أعمل ~~في الإيمان الذي أتى به البتة عملا صالحا وقيل: فيما تركته من ~~المال أو من الدنيا وعنه عليه الصلاة والسلام: # " إذا عاين المؤمن الملائكة قالوا: أنرجعك إلى الدنيا؟ فيقول: إلى ~~دار الهموم والأحزان بل قدوما إلى الله تبارك وتعالى وأما الكافر ~~فيقول: أرجعوني " # { كلا } ردع عن طلب الرجعة واستبعاد لها { أنها } أي قوله: ~~رب ارجعون الخ { كلمة ms2329 هو قائلها } لا محالة لتسلط الحسرة ~~عليه { ومن ورائهم } أي أمامهم والضمير لأحدهم والجمع ~~باعتبار المعنى لأنه في حكم كلهم كما أن الإفراد في الضمائر ~~الأول باعتبار اللفظ { برزخ } حائل بينهم وبين الرجعة { ~~إلى يوم يبعثون } يوم القيامة وهو إقناط كلي عن ~~الرجعة إلى الدنيا لما علم أنه لا رجعة يوم البعث إلى الدنيا ~~وإنما الرجعة يومئذ إلى الحياة الأخروية. # { فإذا نفخ فى الصور } لقيام الساعة وهي النفخة ~~الثانية التي يقع عندها البعث والنشور وقيل: المعنى فإذا نفخ في ~~الأجساد أرواحها على أن الصور جمع الصورة لا القرن، ويؤيده ~~القراءة بفتح الواو وبه مع كسر الصاد { فلا أنسب ~~بينهم } تنفعهم لزوال التراحم والتعاطف من فرط الحيرة ~~واستيلاء الدهشة بحيث يفر المرء من أخيه وأمه وأبيه وصاحبته ~~وبنيه أو لا أنساب يفتخرون بها { يومئذ } كما هي بينهم اليوم ~~{ ولا يتساءلون } أي لا يسأل بعضهم بعضا لاشتغال كل منهم ~~بنفسه ولا يناقضه قوله تعالى: # فأقبل بعضهم على بعض يتساءلون # [الصافات: 50] لأن هذا عند ابتداء النفخة الثانية وذلك بعد ~~ذلك. ### || [23.102-107] # { فمن ثقلت موزينه } موزونات حسناته من العقائد والأعمال ~~أي فمن كانت له عقائد صحيحة وأعمال صالحة يكون لها وزن وقدر عند ~~الله تعالى { فأولئك هم المفلحون } الفائزون بكل ~~مطلوب الناجون من كل مهروب. # { ومن خفت موزينه } أي ومن لم يكن له من العقائد ~~والأعمال ما له وزن وقدر عنده تعالى وهم الكفار لقوله تعالى: # فلا نقيم لهم يوم القيمة وزنا # [الكهف: 105] وقد مر تفصيل ما في هذا المقام من الكلام في تفسير ~~سورة الأعراف { فأولئك الذين خسروا أنفسهم } ~~ضيعوها بتضييع زمان استكمالها وأبطلوا استعدادها لنيل كمالها. ~~واسم الإشارة في الموضعين عبارة عن الموصول وجمعه باعتبار معناه ~~كما أن إفراد الضمير في الصلتين باعتبار لفظه { فى جهنم ~~خلدون } بدل من الصلة أو خبر ثان لأولئك. # { تلفح وجوههم النار } تحرقها. واللفح كالنفخ إلا ~~أنه أشد تأثيرا منه، وتخصيص الوجوه بذلك لأنها أشرف الأعضاء ~~فبيان حالها أزجر عن المعاصي المؤدية إلى النار وهو السر ~~في ms2330 تقديمها على الفاعل { وهم فيها كلحون } من شدة ~~الاحتراق. والكلوح: تقلص الشفتين عن الأسنان. وقرىء كلحون. # { ألم تكن ءايتى تتلى عليكم } على إضمار القول أي ~~يقال لهم تعنيفا وتوبيخا وتذكيرا لما به استحقوا ما ابتلوا به من ~~العذاب: ألم تكن آياتي تتلى عليكم في الدنيا { فكنتم بها ~~تكذبون } حينئذ { قالوا ربنا غلبت علينا } أي ~~ملكتنا { شقوتنا } التي اقترفناها بسوء اختيارنا كما ينبىء عنه ~~إضافتها إلى أنفسهم. وقرىء شقوتنا بالفتح وشقاوتنا أيضا بالفتح ~~والكسر { وكنا } بسبب ذلك { قوما ضالين } عن الحق ولذلك ~~فعلنا من التكذيب وهذا كما ترى اعتراف منهم بأن ما أصابهم قد ~~أصابهم بسوء صنيعهم وأما ما قيل من أنه اعتذار منهم بغلبة ما كتب ~~عليهم من الشقاوة الأزلية فمع أنه باطل في نفسه لما أنه لا ~~يكتب عليهم من السعادة والشقاوة إلا ما علم الله تعالى أنهم ~~يفعلونه باختيارهم ضرورة أن العلم تابع للمعلوم يرده قوله ~~تعالى: { ربنا أخرجنا منها فإن عدنا فإنا ~~ظلمون } أي أخرجنا من النار وارجعنا إلى الدنيا فإن عدنا ~~بعد ذلك إلى ما كنا عليه من الكفر والمعاصي فإنا متجاوزون ~~الحد في الظلم ولو كان اعتقادهم أنهم مجبورون على ما صدر عنهم ~~لما سألوا الرجعة إلى الدنيا ولما وعدوا الإيمان والطاعة بل ~~قولهم: فإن عدنا صريح في أنهم حينئذ على الإيمان والطاعة ~~وإنما الموعود على تقدير الرجعة إلى الدنيا الثبات عليها لا ~~إحداثهما. ### || [23.108-112] # { قال اخسئوا فيها } أي اسكتوا في النار سكوت هوان ~~وذلوا وانزجروا انزجار الكلاب إذا زجرت. من خسأت الكلب إذا ~~زجرته فخسأ أي انزجر { ولا تكلمون } أي باستدعاء الإخراج ~~من النار، والرجع إلى الدنيا وقيل: لا تكلمون في رفع العذاب ~~ويرده العليل الآتي وقيل: لا تكلمون رأسا وهو آخر كلام ~~يتكلمون به ثم لا كلام بعد ذلك إلا الشهيق والزفير والعواء ~~كعواء الكلب لا يفهمون ولا يفهمون ويرده الخطابات الآتية قطعا. # وقوله تعالى: { إنه } تعليل لما قبله من الزجر عن الدعاء أي ~~أن الشأن. وقرىء بالفتح أي لأن الشأن { كان فريق ms2331 من ~~عبادى } وهم المؤمنون. وقيل: هم الصحابة. وقيل: أهل الصفة ~~رضوان الله تعالى عليهم أجمعين { يقولون } في الدنيا { ربنا ~~ءامنا فاغفر لنا وارحمنا وأنت خير الرحمين * ~~فاتخذتموهم سخريا } أي اسكتوا عن الدعاء بقولكم: ربنا ~~الخ، لأنكم كنتم تستهزئون بالداعين بقولهم: ربنا آمنا الخ، ~~وتتشاغلون باستهزائهم { حتى أنسوكم } أي الاستهزاء بهم { ~~ذكرى } من فرط اشتغالكم باستهزائهم { وكنتم منهم ~~تضحكون } وذلك غاية الاستهزاء. # وقوله تعالى: { إنى جزيتهم اليوم } استئناف لبيان حسن ~~حالهم وأنهم انتفعوا بما آذوهم { بما صبروا } بسبب صبرهم على ~~أذيتكم. وقوله تعالى: { أنهم هم الفائزون } ثاني ~~مفعولي الجزاء أي جزيتهم فوزهم بمجامع مراداتهم مخصوصين به. ~~وقرىء بكسر الهمزة على أنه تعليل للجزاء وبيان لكونه في غاية ~~ما يكون من الحسن. # { قال } أي الله عز وجل أو الملك المأمور بذلك تذكيرا لما ~~لبثوا فيما سألوا الرجوع إليه من الدنيا بعد التنبيه على ~~استحالته بقوله: اخسؤا فيها الخ. وقرىء قل، على الأمر للملك { ~~كم لبثتم فى الأرض } التي تدعون أن ترجعوا إليها { عدد ~~سنين } تمييز لكم. ### || [23.113-118] # { قالوا لبثنا يوما أو بعض يوم } استقصارا لمدة ~~لبثهم فيها { فاسأل العادين } أي المتمكنين من العد فإنا ~~بما دهمنا من العذاب بمعزل من ذلك، أو الملائكة العادين لأعمار ~~العباد وأعمالهم. وقرىء العادين بالتخفيف، أي المتعدين فإنهم ~~أيضا يقولون ما نقول كأنهم الأتباع يسمون الرؤساء بذلك ~~لظلمهم إياهم بإضلالهم. وقرىء العاديين أي القدماء المعمرين ~~فإنهم أيضا يستقصرون مدة لبثهم. # { قال } أي الله تعالى أو الملك. وقرىء قل، كما سبق { إن ~~لبثتم إلا قليلا } تصديقا لهم في ذلك { لو أنكم ~~كنتم تعلمون } أي تعلمون شيئا أو لو كنتم من أهل العلم ~~والجواب محذوف ثقة بدلالة ما سبق عليه أي لعلمتم يومئذ قلة ~~لبثكم فيها كما علمتم اليوم ولعلمتم بموجبه ولم تخلدوا إليها. # { أفحسبتم أنما خلقنكم عبثا } أي ألم تعلموا ~~شيئا فحسبتم أنما خلقناكم بغير حكمة بالغة حتى أنكرتم البعث. ~~فعبثا حال من نون العظمة أي عابثين، أو مفعول له أي إنما خلقناكم ~~للعبث { وأنكم إلينا لا ترجعون ms2332 } عطف على أنما ~~فإن خلقكم بغير بعث من قبيل العبث وإنما خلقناكم لنعيدكم ~~ونجازيكم على أعمالكم. وقرىء ترجعون بفتح التاء من الرجوع. # { فتعلى الله } استعظام له تعالى ولشؤونه التي تصرف ~~عليها عباده من البدء والإعادة والإثابة والعقاب بموجب الحكمة ~~البالغة أي ارتفع بذاته وتنزه عن مماثلة المخلوقين في ذاته ~~وصفاته وأحواله وأفعاله وعن خلو أفعاله عن الحكم والمصالح ~~والغايات الحميدة { الملك الحق } الذي يحق له الملك على ~~الإطلاق إيجادا وإعداما بدءا وإعادة إحياء وإماتة عقابا وإثابة، ~~وكل ما سواه مملوك له مقهور تحت ملكوته { لا إله إلا ~~هو } فإن كل ما عداه عبيده { رب العرش الكريم } فكيف ~~بما تحته ومحاط به من الموجودات كائنا ما كان. ووصفه بالكرم إما ~~لأنه منه ينزل الوحي الذي منه القرآن الكريم أو الخير والبركة ~~والرحمة. أو لنسبته إلى أكرم الأكرمين وقرىء الكريم بالرفع على ~~أنه صفة الرب كما في قوله تعالى: # ذو العرش المجيد # [البروج: 15]. { ومن يدع مع الله إلها ءاخر } يعبده ~~إفرادا أو إشراكا { لا برهان له به } صفة لازمة لإلها ~~كقوله تعالى: # يطير بجناحيه # [الأنعام: 38] جيء بها للتأكيد وبناء الحكم عليه تنبيها على ~~أن التدين بما لا دليل عليه باطل فكيف بما شهدت بديهة العقول ~~بخلافه. أو اعتراض بين الشرط والجزاء كقولك: من أحسن إلى زيد ~~لا أحق منه بالإحسان فالله مثيبه { فإنما حسابه عند ~~ربه } فهو مجاز له على قدر ما يستحقه { إنه لا يفلح ~~الكفرون } أي إن الشأن الخ. وقرىء بالفتح على أنه تعليل ~~أو خبر ومعناه حسابه عدم الفلاح. والأصل: حسابه إنه لا يفلح ~~هو فوضع الكافرون موضع الضمير لأن من يدع في معنى الجمع وكذلك ~~حسابه أنه لا يفلح في معنى: «حسابهم أنهم لا يفلحون». # بدئت السورة الكريمة بتقرير فلاح المؤمنين وختمت بنفي ~~الفلاح عن الكافرين ثم أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالاستغفار ~~والاسترحام فقيل: { وقل رب اغفر وارحم وأنت خير ~~الرحمين } إيذانا بأنهما من أهم الأمور الدينية حيث أمر به ~~من قد غفر له ما ms2333 تقدم من ذنبه وما تأخر فكيف بمن عداه. # عن النبي عليه الصلاة والسلام: # " من قرأ سورة المؤمنين بشرته الملائكة بالروح والريحان ~~وما تقر به عينه عند نزول ملك الموت " # وعنه عليه الصلاة والسلام أنه قال: # " لقد أنزلت علي عشر آيات من أقامهن دخل الجنة ثم قرأ قد ~~أفلح المؤمنون حتى ختم العشر " # وروي أن أولها وآخرها من كنوز الجنة من عمل بثلاث آيات من ~~أولها واتعظ بأربع من آخرها فقد نجا وأفلح. ### | [24 - سورة النور] ### || [24.1-2] # سورة النور # مدنية وهي اثنتان أو أربع وستون آية # { سورة } خبر مبتدأ محذوف أي هذه سورة وإنما أشير إليها مع ~~عدم سبق ذكرها لأنها باعتبار كونها في شرف الذكر في حكم ~~الحاضر المشاهد. وقوله تعالى: { أنزلنها } مع ما عطف عليه ~~صفات لها مؤكدة لما أفاده التنكير من الفخامة من حيث الذات ~~بالفخامة من حيث الصفات. وأما كونها مبتدأ محذوف الخبر على أن ~~يكون التقدير فيما أوحينا إليك سورة أنزلناها فيأباه أن مقتضى ~~المقام بيان شأن هذه السورة الكريمة لا أن في جملة ما أوحي ~~إلى النبي عليه الصلاة والسلام سورة شأنها كذا وكذا، ~~وحملها على السورة الكريمة بمعونة المقام يوهم أن غيرها من ~~السور الكريمة ليست على تلك الصفات، وقرىء بالنصب على ~~إضمار فعل يفسره أنزلناها فلا محل له حينئذ من الإعراب أو على ~~تقدير اقرأ ونحوه أو دونك من يسوغ حذف أداة الإغراء فمحل ~~أنزلنا النصب على الوصفية { وفرضنها } أي أوجبنا ما فيها ~~من الأحكام إيجابا قطعيا، وفيه من الإيذان بغاية وكادة الفرضية ~~ما لا يخفى. وقرىء فرضناها بالتشديد لتأكيد الإيجاب أو لتعدد ~~الفرائض أو لكثرة المفروض عليهم من السلف والخلف { وأنزلنا ~~فيها } أي في تضاعيف السورة { ءايات بينات } إن أريد بها ~~الآيات التي نيطت بها الأحكام المفروضة وهو الأظهر فكونها في ~~السورة ظاهر ومعنى كونها بينات وضوح دلالاتها على أحكامها لا ~~على الإطلاق فإنها أسوة لسائر الآيات في ذلك، وتكرير أنزلنا مع ~~استلزام إنزال السورة لإنزالها لإبراز كمال العناية بشأنها وإن ~~أريد ms2334 جميع الآيات فالظرفية باعتبار اشتمال الكل على كل واحد ~~من أجزائه، وتكرير أنزلنا مع أن جميع الآيات عين السورة ~~وإنزالها لاستقلالها بعنوان رائق رادع إلى تخصيص إنزالها بالذكر ~~إبانة لخطرها ورفعا لمحلها كقوله تعالى: # ونجيناهم من عذاب غليظ # [هود: 58] بعد قوله تعالى: { نجينا هودا والذين ءامنوا ~~معه برحمة منا } { لعلكم تذكرون } بحذف إحدى ~~التاءين. وقرىء بإدغام الثانية في الذال أي تتذكرونها ~~فتعملون بموجبها عند وقوع الحوادث الداعية إلى إجراء أحكامها ~~وفيه إيذان بأن حقها أن تكون على ذكر منهم بحيث متى مست ~~الحاجة إليها استحضروها. # { الزانية والزانى } شروع في تفصيل ما ذكر من الآيات ~~البينات وبيان أحكامها، والزانية هي المرأة المطاوعة ~~للزنا الممكنة منه كما تنبىء عنه الصيغة لا المزنية كرها ~~وتقديمها على الزاني لأنها الأصل في الفعل لكون الداعية فيها ~~أوفر ولولا تمكينها منه لم يقع. ورفعهما على الابتداء، والخبر ~~قوله تعالى: { فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة ~~} والفاء لتضمن المبتدأ معنى الشرط إذ اللام بمعنى الموصول ~~والتقدير التي زنت والذي زنى كما في قوله تعالى: # واللذان يأتينها منكم فئاذوهما # [النساء: 16] وقيل الخبر محذوف أي فيما أنزلنا أو فيما فرضنا الزانية ~~والزاني أي حكمهما. وقوله تعالى { فاجلدوا } الخ بيان لذلك ~~الحكم وكان هذا عاما في حق المحصن وغيره وقد نسخ في حق ~~المحصن قطعا ويكفينا في تعيين الناسخ القطع بأنه عليه ~~الصلاة والسلام قد رجم ماعزا وغيره فيكون من باب نسخ الكتاب ~~بالسنة المشهورة. وفي الإيضاح الرجم حكم ثبت بالسنة ~~المشهورة المتفق عليها فجازت الزيادة بها على الكتاب وروي عن علي ~~رضي الله عنه: جلدتها بكتاب الله ورجمتها بسنة رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم. وقيل نسخ بآية منسوخة التلاوة هي «الشيخ ~~والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة نكالا من الله والله عزيز ~~حكيم» ويأباه ما روي عن علي رضي الله عنه. { ولا تأخذكم ~~بهما رأفة } وقرىء بفتح الهمزة وبالمد أيضا على فعالة أي ~~رحمة ورقة. { فى دين الله } في طاعته وإقامة حده ~~فتعطلوه أو تسامحوا فيه وقد قال رسول ms2335 الله صلى الله عليه وسلم: # " لو سرقت فاطمة بنت محمد لقطعت يدها " # { إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر } من باب ~~التهييج والإلهاب فإن الإيمان بهما يقتضي الجد في طاعته تعالى ~~والاجتهاد في إجراء أحكامه. وذكر اليوم الآخر لتذكير ما فيه من ~~العقاب في مقابلة المسامحة والتعطيل. # { وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين } أي لتحضره ~~زيادة في التنكيل، فإن التفضيح قد ينكل أكثر مما ينكل ~~التعذيب والطائفة فرقة يمكن أن تكون حافة حول شيء من ~~الطوف وأقلها ثلاثة كما روي عن قتادة. وعن ابن عباس رضي الله ~~عنهما أربعة إلى أربعين. وعن الحسن عشرة والمراد جمع يحصل به ~~التشهير والزجر. ### || [24.3] # { الزانى لا ينكح إلا زانية أو مشركة ~~والزانية لا ينكحها إلا زان أو مشرك } حكم ~~مؤسس على الغالب المعتاد جيء به لزجر المؤمنين عن نكاح ~~الزواني بعد زجرهم عن الزنا بهن وقد رغب بعض من ضعفة ~~المهاجرين في نكاح موسرات كانت بالمدينة من بغايا المشركين ~~فاستأذنوا رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك فنفروا عنه ~~ببيان أنه من أفعال الزناة وخصائص المشركين كأنه قيل ~~الزاني لا يرغب إلا في نكاح إحداهما والزانية لا يرغب في ~~نكاحها إلا أحدهما فلا تحوموا حوله كيلا تنتظموا في سلكهما أو ~~تتسموا بسمتهما فإيراد الجملة الأولى مع أن مناط التنفير هي ~~الثانية إما للتعريض بقصرهم الرغبة عليهن حيث استأذنوا في ~~نكاحهن أو لتأكيد العلاقة بين الجانبين مبالغة في الزجر ~~والتنفير وعدم التعرض في الجملة الثانية للمشركة للتنبيه ~~على أن مناط الزجر والتنفير هو الزنا لا مجرد الإشراك ~~وإنما تعرض لها في الأولى إشباعا في التنفير عن الزانية ~~بنظمها في سلك المشركة { وحرم ذلك } أي نكاح الزواني { ~~على المؤمنين } لما أن فيه من التشبه بالفسقة والتعرض ~~للتهمة والتسبب لسوء القالة والطعن في النسب واختلال أمر ~~المعاش وغير ذلك من المفاسد ما لا يكاد يليق بأحد من الأداني ~~والأراذل فضلا عن المؤمنين ولذلك عبر عن التنزيه بالتحريم ~~مبالغة في الزجر وقيل النفي بمعنى النهي وقد قرىء به. ms2336 ~~والتحريم على حقيقته والحكم إما مخصوص بسبب النزول أو منسوخ ~~بقوله تعالى: # وأنكحوا الأيمى منكم # [النور: الآية 32] فإنه متناول للمسافحات ويؤيده ما روي أنه صلى ~~الله عليه وسلم سئل عن ذلك فقال: # " أوله سفاح وآخره نكاح والحرام لا يحرم الحلال " # وما قيل من أن المراد بالنكاح هو الوطء بين البطلان. ### || [24.4] # { والذين يرمون المحصنت } بيان لحكم العفائف إذا ~~نسبن إلى الزنا بعد بيان حكم الزواني ويعتبر في الإحصان ~~ههنا مع مدلوله الوضعي الذي هو العفة عن الزنا الحرية ~~والبلوغ والإسلام وفي التعبير عن التفوه بما قالوا في حقهن ~~بالرمي المنبىء عن صلابة الآلة وإيلام المرمي وبعده عن ~~الرامي إيذان بشدة تأثيره فيهن وكونه رجما بالغيب والمراد ~~به رميهن بالزنا لا غير، وعدم التصريح به للاكتفاء بإيرادهن ~~عقيب الزواني ووصفهن بالإحصان الدال بالوضع على نزاهتهن عن ~~الزنى خاصة فإن ذلك بمنزلة التصريح بكون رميهن به لا محالة ~~ولا حاجة في ذلك إلى الاستشهاد باعتبار الأربعة من الشهداء على ~~أن فيه مؤنة بيان تأخر نزول الآية عن قوله تعالى: # فاستشهدوا عليهن أربعة # [النساء: 15] ولا بعدم وجوب الحد بالرمي بغير الزنى على أن ~~فيه شبهة المصادرة كأنه قيل والذين يرمون العفائف المنزهات ~~عما رمين به من الزنى { ثم لم يأتوا بأربعة شهداء ~~} يشهدون عليهن بما رموهن به، وفي كلمة ثم إشعار بجواز تأخير ~~الإتيان بالشهود كما أن في كلمة لم إشارة إلى تحقق العجز عن ~~الإتيان بهم وتقرره خلا أن اجتماع الشهود لا بد منه عند ~~الأداء خلافا للشافعي رحمه الله تعالى فإنه جوز التراخي ~~بين الشهادات كما بين الرمي والشهادة ويجوز أن يكون ~~أحدهم زوج المقذوفة خلافا له أيضا وقرىء بأربعة شهداء { ~~فاجلدوهم ثمانين جلدة } لظهور كذبهم وافترائهم بعجزهم ~~عن الإتيان بالشهداء لقوله تعالى: # فإذ لم يأتوا بالشهداء فأولئك عند الله هم ~~الكذبون # [النور: 13] وانتصاب ثمانين كانتصاب المصادر ونصب جلدة على ~~التمييز. وتخصيص رميهن بهذا الحكم مع أن حكم رمي المحصنين ~~أيضا كذلك لخصوص الواقعة وشيوع الرمي فيهن. # { ولا تقبلوا لهم شهادة ms2337 } عطف على اجلدوا داخل في ~~حكمه تتمة له لما فيه معنى الزجر لأنه مؤلم للقلب كما أن ~~الجلد مؤلم للبدن وقد آذى المقذوف بلسانه فعوقب بإهدار منافعه ~~جزاء وفاقا. واللام في لهم متعلقة بمحذوف هو حال من شهادة ~~قدمت عليها لكونها نكرة ولو تأخرت عنها لكانت صفة لها، وفائدتها ~~تخصيص الرد بشهادتهم الناشئة عن أهليتهم الثابتة لهم عند ~~الرمي وهو السر في قبول شهادة الكافر المحدود في القذف بعد ~~التوبة والإسلام لأنها ليست ناشئة عن أهليته السابقة بل عن ~~أهلية حدثت له بعد إسلامه فلا يتناولها الرد فتدبر ودع عنك ما ~~قيل من أن المسلمين لا يعبأون بنسب الكفار فلا يلحق المقذوف ~~بقذف الكافر من الشين والشنار ما يلحقه بقذف المسلم فإن ~~ذلك بدون ما مر من الاعتبار تعليل في مقابلة النص ولا يخفى ~~حاله فالمعنى لا تقبلوا منهم شهادة من الشهادات حال كونها حاصلة ~~لهم عند الرمي { أبدا } أي مدة حياتهم وإن تابوا وأصلحوا ~~لما عرفت من أنه تتمة للحد كأنه قيل فاجلدوهم وردوا شهادتهم ~~أي فاجمعوا لهم الجلد والرد فيبقى كأصله. { وأولئك هم ~~الفسقون } كلام مستأنف مقرر لما قبله ومبين لسوء حالهم ~~عند الله عز وجل. وما في اسم الإشارة من معنى البعد للإيذان ~~ببعد منزلتهم في الشر والفساد أي أولئك هم المحكوم عليهم بالفسق ~~والخروج على الطاعة والتجاوز عن الحدود الكاملون فيه كأنهم هم ~~المستحقون لإطلاق اسم الفاسق عليهم لا غيرهم من الفسقة. ### || [24.5-6] # قوله تعالى: { إلا الذين تابوا } استثناء من الفاسقين كما ~~ينبىء عنه التعليل الآتي ومحل المستثنى النصب لأنه عن ~~موجب. وقوله تعالى: { من بعد ذلك } لتهويل المتوب عنه أي من ~~بعد ما اقترفوا ذلك الذنب العظيم الهائل { وأصلحوا } أي ~~أصلحوا أعمالهم التي من جملتها ما فرط منهم بالتلافي والتدارك ~~ومنه الاستسلام للحد والاستحلال من المقذوف { فإن الله ~~غفور رحيم } تعليل لما يفيده الاستثناء من العفو عن ~~المؤاخذة بموجب الفسق كأنه قيل فحينئذ لا يؤاخذهم الله تعالى ~~بما فرط منهم ولا ينظمهم في سلك الفاسقين ms2338 لأنه تعالى مبالغ في ~~المغفرة والرحمة هذا وقد علق الشافعي رحمه الله الاستثناء ~~بالنهي فمحل المستثنى حينئذ الجر على البدلية من الضمير في ~~لهم وجعل الأبد عبارة عن مدة كونه قاذفا فتنتهي بالتوبة ~~فتقبل شهادته بعدها. # { والذين يرمون أزوجهم } بيان لحكم الرامين ~~لأزواجهم خاصة بعد بيان حكم الرامين لغيرهن لكن لا بأن يكون هذا ~~مخصصا للمحصنات بالأجنبيات ليلزم بقاء الآية السابقة ظنية فلا ~~يثبت بها الحد فإن من شرائط التخصيص أن لا يكون المخصص ~~متراخي النزول بل بكونه ناسخا لعمومها ضرورة تراخي نزولها كما ~~سيأتي فتبقى الآية السابقة قطعية الدلالة فيما بقي بعد النسخ ~~لما بين في موضعه أن دليل النسخ غير معلل { ولم ~~يكن لهم شهداء } يشهدون بما رموهن به من الزنى. وقرىء ~~بتأنيث الفعل { إلا أنفسهم } بدل من شهداء أو صفة لها على أن ~~إلا بمعنى غير جعلوا من جملة الشهداء إيذانا من أول الأمر بعدم ~~إلغاء قولهم بالمرة ونظمه في سلك الشهادة في الجملة وبذلك ~~ازداد حسن إضافة الشهادة إليهم في قوله تعالى: { فشهدة ~~أحدهم } أي شهادة كل واحد منهم وهو مبتدأ وقوله تعالى: { ~~أربع شهدات } خبره أي فشهادتهم المشروعة أربع شهادات { ~~بالله } متعلق بشهادات لقربها وقيل بشهادة لتقدمها. ~~وقرىء أربع شهادات بالنصب على المصدر والعامل فشهادة على أنه ~~إما خبر لمبتدأ محذوف أي فالواجب شهادة أحدهم، وإما مبتدأ ~~محذوف الخبر فشهادة أحدهم واجبة { إنه لمن الصدقين } ~~أي فيما رماها به من الزنا، وأصله على أنه الخ فحذف الجار، ~~وكسرت إن وعلق العامل عنها للتأكيد. ### || [24.7-10] # { والخامسة } أي الشهادة الخامسة للأربع المتقدمة أي ~~الجاعلة لها خمسا بانضمامها إليهن، وإفرادها عنهن مع كونها ~~شهادة أيضا لاستقلالها بالفحوى ووكادتها في إفادة ما يقصد ~~بالشهادة من تحقيق الخبر وإظهار الصدق وهي مبتدأ خبره { أن ~~لعنة الله عليه إن كان من الكذبين } فيما رماها ~~به من الزنا فإذا لاعن الزوج حبست الزوجة حتى تعترف ~~فترجم أو تلاجم أو تلاعن. # { ويدرؤا عنها العذاب } أي العذاب الدنيوي وهو الحبس ~~المغيا على أحد الوجهين ms2339 بالرجم الذي هو أشد العذاب { أن ~~تشهد أربع شهادات بالله إنه } أي الزوج { لمن ~~الكذبين } أي فيما رماني به من الزنا. # { والخامسة } بالنصب عطفا على أربع شهادات { أن غضب ~~الله عليها إن كان } أي الزوج { من الصدقين } أي فيما ~~رماني به من الزنا. وقرىء والخامسة بالرفع على الابتداء وقرىء ~~أن بالتخفيف في الموضعين، ورفع اللعنة والغضب. وقرىء أن ~~غضب الله. وتخصيص الغضب بجانب المرأة للتغليظ عليها لما أنها ~~مادة الفجور ولأن النساء كثيرا ما يستعملن اللعن فربما يجترئن ~~على التفوه به لسقوط وقعه عن قلوبهن بخلاف غضبه تعالى. روي ~~أن آية القذف لما نزلت قرأها رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~على المنبر فقام عاصم بن عدي الأنصاري رضي الله عنه فقال: جعلني ~~الله فداك إن وجد رجل مع امرأته رجلا فأخبر جلد ثمانين ~~وردت شهادته وفسق وإن ضربه بالسيف قتل وإن سكت سكت على ~~غيظ وإلى أن يجيء بأربعة شهداء فقد قضى الرجل حاجته ومضى اللهم ~~افتح وخرج فاستقبله هلال بن أمية أو عويمر فقال: ما وراءك؟ ~~قال: شر وجدت على امرأتي خولة وهي بنت عاصم شريك بن ~~سحماء فقال: والله هذا سؤالي ما أسرع ما ابتليت به فرجعا ~~فأخبرا رسول الله صلى الله عليه وسلم فكلم خولة فأنكرت فلاعن ~~بينهما. والفرقة الواقعة باللعان في حكم التطليقة البائنة ~~عند أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله ولا يتأبد حكمها حتى ~~إذا أكذب الرجل نفسه بعد ذلك فحد جاز له أن يتزوجها، وعند ~~أبي يوسف وزفر والحسن بن زياد والشافعي رحمهم الله: هي فرقة ~~بغير طلاق توجب تحريما مؤبدا ليس لهما اجتماع بعد ذلك أبدا. # { ولولا فضل الله عليكم ورحمته وأن الله ~~تواب حكيم } التفات إلى خطاب الرامين والمرميات بطريق ~~التغليب لتوفية مقام الامتنان حقه. وجواب لولا محذوف لتهويله ~~والإشعار بضيق العبارة عن حصره كأنه قيل ولولا تفضله تعالى عليكم ~~ورحمته وأنه تعالى مبالغ في قبول التوبة حكيم في جميع أفعاله ~~وأحكامه التي جملتها ما شرع لكم من حكم اللعان لكان ما ms2340 كان ~~مما لا يحيط به نطاق البيان ومن جملته أنه تعالى لو لم يشرع ~~لهم ذلك لوجب على الزوج حد القذف مع أن الظاهر صدقه لأنه ~~أعرف بحال زوجته وأنه لا يفتري عليها لاشتراكهما في الفضاحة، ~~وبعدما شرع لهم ذلك لو جعل شهاداته موجبة لحد القذف عليه لفات ~~النظر له ولا ريب في خروج الكل عن سنن الحكمة والفضل ~~والرحمة فجعل شهادات كل منهما مع الجزم بكذب أحدهما حتما ~~دارئة لما توجه إليه من الغائلة الدنيوية وقد ابتلي الكاذب ~~منهما في تضاعيف شهاداته من العذاب بما هو أتم مما درأته عنه ~~وأطم، وفي ذلك من أحكام الحكم البالغة وآثار التفضل والرحمة ~~ما لا يخفى أما على الصادق فظاهر وأما على الكاذب فهو إمهاله ~~والستر عليه في الدنيا ودرء الحد عنه وتعريضه للتوبة حسبما ~~ينبىء عنه التعرض لعنوان توابيته سبحانه ما أعظم شأنه ~~وأوسع رحمته وأدق حكمته. ### || [24.11] # { إن الذين جاءوا بالإفك } أي بأبلغ ما يكون من الكذب ~~والافتراء وقيل البهتان لا تشعر به حتى يفجأك وأصله الإفك وهو ~~القلب لأنه مأفوك عن وجهه وسننه والمراد به ما أفك به ~~الصديقة أم المؤمنين رضي الله عنها، وفي لفظ المجيء إشارة إلى ~~أنهم أظهروه من عند أنفسهم من غير أن يكون له أصل وذلك أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا أراد سفرا أقرع بين ~~نسائه فأيتهن خرجت قرعتها استصحبها قالت عائشة رضي الله عنها: ~~فأقرع بيننا في غزوة غزاها قيل غزوة بني المصطلق فخرج سهمي ~~فخرجت معه عليه السلام بعد نزول آية الحجاب فحملت في هودج ~~فسرنا حتى إذا قفلنا ودنونا من المدينة نزلنا منزلا ثم نودي ~~بالرحيل فقمت ومشيت حتى جاوزت الجيش فلما قضيت شأني أقبلت ~~إلى رحلي فلمست صدري فإذا عقدي من جزع ظفار قد انقطع فرجعت ~~فالتمسته فحبسني ابتغاؤه، وأقبل الرهط الذين كانوا يرحلون بي ~~فاحتملوا هودجي فرحلوه على بعيري وهم يحسبون أني فيه لخفتي فلم ~~يستنكروا خفة الهودج وذهبوا بالبعير ووجدت عقدي بعدما استمررت ~~الجيش ms2341 فجئت منازلهم وليس فيها داع ولا مجيب فتيممت منزلي وظننت ~~أني سيفقدونني ويعودون في طلبي فبينا أنا جالسة في منزلي غلبتني ~~عيني فنمت وكان صفوان بن المعطل السلمي من وراء الجيش ~~فلما رآني عرفني فاستيقظت باسترجاعه فخمرت وجهي بجلبابي ~~ووالله ما تكلمنا بكلمة ولا سمعت منه كلمة غير استرجاعه وهوى ~~حتى أناخ راحلته فوطىء على يديها فقمت إليها فركبتها وانطلق ~~يقود بي الراحلة حتى أتينا الجيش موغرين في نحر الظهيرة وهم ~~نزول وافتقدني الناس حين نزلوا وماج القوم في ذكري فبينا ~~الناس كذلك إذ هجمت عليهم فخاض الناس في حديثي فهلك من هلك ~~وقوله تعالى: { عصبة منكم } خبر إن أي جماعة وهي من العشرة ~~إلى الأربعين وكذا العصابة وهم عبد الله بن أبي وزيد بن ~~رفاعة وحسان بن ثابت ومسطح بن أثاثة وحمنة بنت جحش ومن ~~ساعدهم. وقوله تعالى: { لا تحسبوه شرا لكم } استئناف ~~خوطب به رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعائشة وصفوان ~~رضي الله عنهم تسلية لهم من أول الأمر، والضمير للإفك { بل هو ~~خير لكم } لاكتسابكم به الثواب العظيم وظهور كرامتكم على ~~الله عز وجل بإنزال ثماني عشرة آية في نزاهة ساحتكم وتعظيم ~~شأنكم وتشديد الوعيد فيمن تكلم فيكم والثناء على من ظن ~~بكم خيرا { لكل امرىء منهم } أي من أولئك العصبة { ما ~~اكتسب من الإثم } بقدر ما خاض فيه { والذى تولى ~~كبره } أي معظمه. وقرىء بضم الكاف وهي لغة فيه { منهم } ~~من العصبة وهو ابن أبي فإنه بدأ به وأذاعه بين الناس عداوة ~~لرسول الله صلى الله عليه وسلم وقيل هو وحسان ومسطح فإنهما ~~شايعاه بالتصريح به فإفراد الموصول حينئذ باعتبار الفوج أو ~~الفريق أو نحوهما { له عذاب عظيم } أي في الآخرة أو في ~~الدنيا أيضا فإنهم جلدوا وردت شهادتهم وصار ابن أبي مطرودا ~~مشهودا عليه بالنفاق وحسان أعمى وأشل اليدين ومسطح مكفوف ~~البصر. وفي التعبير عنه بالذي وتكرير الإسناد وتنكير العذاب ~~ووصفه بالعظم من تهويل الخطب ما لا يخفى. ### || [24.12-13] # { لولا إذ سمعتموه ms2342 } تلوين للخطاب وصرف له عن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم وذويه إلى الخائضين بطريق الالتفات لتشديد ~~ما في لولا التحضيضية من التوبيخ ثم العدول عنه إلى الغيبة في ~~قوله تعالى: { ظن المؤمنون والمؤمنت بأنفسهم ~~خيرا } لتأكيد التوبيخ والتشنيع لكن لا بطريق الإعراض عنهم ~~وحكاية جناياتهم لغيرهم على وجه المباثة بل بالتوسل بذلك إلى ~~وصفهم بما يوجب الإتيان بالمحضض عليه ويقتضيه اقتضاء تاما ويزجرهم ~~عن ضده زجرا بليغا فإن كون وصف الإيمان مما يحملهم على ~~إحسان الظن ويكفهم عن إساءته بأنفسهم أي بأبناء جنسهم ~~النازلين منزلة أنفسهم كقوله تعالى: # ثم أنتم هؤلاء تقتلون أنفسكم # [البقرة: 85] وقوله تعالى: # ولا تلمزوا أنفسكم # [الحجرات: 11] مما لا ريب فيه فإخلالهم بموجب ذلك الوصف أقبح ~~وأشنع والتوبيخ عليه أدخل مع ما فيه من التوسل به إلى التصريح ~~بتوبيخ الخائضات ثم إن كان المراد بالإيمان الإيمان الحقيقي ~~فإيجابه لما ذكر واضح والتوبيخ خاص بالمؤمنين وإن كان مطلق ~~الإيمان الشامل لما يظهره المنافقون أيضا فإيجابه له من حيث ~~أنهم كانوا يحترزون عن إظهار ما ينافي مدعاهم فالتوبيخ ~~حينئذ متوجه إلى الكل، وتوسيط الظرف بين لولا وفعلها ~~لتخصيص التحضيض بأول زمان سماعهم، وقصر التوبيخ على تأخير ~~الإتيان بالمحضض عليه عن ذلك الآن والتردد فيه ليفيد أن عدم ~~الإتيان به رأسا في غاية ما يكون من القباحة والشناعة أي كان ~~الواجب أن يظن المؤمنون والمؤمنات أول ما سمعوه ممن اخترعه ~~بالذات أو بالواسطة من غير تلعثم وتردد بمثلهم من آحاد ~~المؤمنين خيرا { وقالوا } في ذلك الآن { هذا إفك مبين ~~} أي ظاهر مكشوف كونه إفكا فكيف بالصديقة ابنة الصديق ~~أم المؤمنين حرمة رسول الله صلى الله عليه وسلم. # { لولا جاءو عليه بأربعة شهداء } إما من تمام القول ~~المحضض عليه مسوق لحث السامعين على إلزام المسمعين وتكذيبهم ~~إثر تكذيب ما سمعوه منهم بقولهم هذا إفك مبين وتوبيخهم على تركه ~~أي هلا جاء الخائضون بأربعة شهداء يشهدون على ما قالوا { فإذ ~~لم يأتوا } بهم وإنما قيل { بالشهداء } لزيادة التقرير { ~~فأولئك } إشارة إلى ms2343 الخائضين وما فيه من معنى البعد للإيذان ~~بغلوهم في الفساد وبعد منزلتهم في الشر أي أولئك المفسدون { عند ~~الله } أي في حكمه وشرعه المؤسس على الدلائل الظاهرة ~~المتقنة { هم الكذبون } الكاملون في الكذب المشهود عليهم ~~بذلك المستحقون لإطلاق الاسم عليهم دون غيرهم ولذلك رتب عليه ~~الحد خاصة، وإما كلام مبتدأ مسوق من جهته تعالى للاحتجاج على ~~كذبهم بكون ما قالوه قولا لا يساعده الدليل أصلا. ### || [24.14-16] # { ولولا فضل الله عليكم } خطاب للسامعين ~~والمسمعين جميعا { ورحمته فى الدنيا } من فنون النعم ~~التي من جملتها الإمهال للتوبة { والآخرة } من ضروب الآلاء التي ~~من جملتها العفو والمغفرة بعد التوبة { لمسكم } عاجلا { ~~فيما أفضتم فيه } بسبب ما خضتم فيه من حديث الإفك، والإبهام ~~لتهويل أمره والاستهجان بذكره. يقال أفاض في الحديث وخاض واندفع ~~وهضب بمعنى { عذاب عظيم } يستحقر دونه التوبيخ والجلد. # { إذ تلقونه } بحذف إحدى التاءين ظرف للمس أي لمسكم ~~ذلك العذاب العظيم وقت تلقيكم إياه من المخترعين { ~~بألسنتكم } والتلقي والتلقف والتلقن معان متقاربة ~~خلا أن في الأول معنى الاستقبال وفي الثاني معنى الخطف والأخذ ~~بسرعة وفي الثالث معنى الحذق والمهارة. وقرىء تتلقونه على ~~الأصل وتلقونه من لقيه وتلقونه بكسر حرف المضارعة وتلقونه من ~~إلقاء بعضهم على بعض وتلقونه وتألقونه من الولق والألق وهو الكذب ~~وتثقفونه من ثقفته إذا طلبته وتتقفونه أي تتبعونه { وتقولون ~~بأفوهكم ما ليس لكم به علم } أي تقولون قولا ~~مختصا بالأفواه من غير أن يكون له مصداق ومنشأ في القلوب لأنه ~~ليس بتعبير عن علم به في قلوبكم كقوله تعالى: # يقولون بأفوههم ما ليس فى قلوبهم # [الفتح: 11] { وتحسبونه هينا } سهلا لا تبعة له أو ليس له ~~كثير عقوبة { وهو عند الله } والحال أنه عنده عز وجل { ~~عظيم } لا يقادر قدره في الوزر واستجرار العذاب. # { ولولا إذ سمعتموه } من المخترعين أو المشايعين لهم { ~~قلتم } تكذيبا لهم وتهويلا لما ارتكبوه { ما يكون لنا } ~~ما يمكننا { أن نتكلم بهذا } وما يصدر عنا ذلك بوجه ~~من الوجوه وحاصله نفي وجود التكلم به لا نفي ms2344 وجوده على وجه ~~الصحة والاستقامة والانبغاء وهذا إشارة إلى ما سمعوه. وتوسيط ~~الظرف بين لولا وقلتم لما مر من تخصيص التحضيض بأول وقت ~~السماع وقصر التوبيخ واللوم على تأخير القول المذكور عن ~~ذلك الآن ليفيد أنه المحتمل للوقوع المفتقر إلى التحضيض على ~~تركه وأما ترك القول نفسه رأسا فمما لا يتوهم وقوعه حتى يحضض ~~على فعله ويلام على تركه، وعلى هذا ينبغي أن يحمل ما قيل إن المعنى ~~أنه كان الواجب عليهم أن يتفادوا أول ما سمعوا بالإفك عن ~~التكلم به فلما كان ذكر الوقت أهم وجب التقديم وأما ما ~~قيل من أن ظروف الأشياء منزلة أنفسها لوقوعها فيها وأنها لا ~~تنفك عنها فلذلك يتسع فيها ما لا يتسع في غيرها فهي ضابطة ~~ربما تستعمل فيما إذا وضع الظرف موضع المظروف بأن جعل مفعولا ~~صريحا لفعل مذكور كما في قوله تعالى: # واذكروا إذ جعلكم خلفاء # [الأعراف: 69 و74] أو مقدر كعامة الظروف المنصوبة بإضمار ~~اذكر، وأما ههنا فلا حاجة إليها أصلا لما تحققت أن مناط ~~التقديم توجيه التحضيض إليه وذلك يتحقق في جميع متعلقات الفعل ~~كما في قوله تعالى: # فلولا إن كنتم غير مدينين * ترجعونها # [الواقعة: 86-87]. # { سبحنك } تعجب ممن تفوه به وأصله أن يذكر عند معاينة ~~العجيب من صنائعه تعالى تنزيها له سبحانه عن أن يصعب عليه أمثاله ~~ثم كثر حتى استعمل في كل متعجب منه أو تنزيه له تعالى عن ~~أن تكون حرمة نبيه فاجرة فإن فجورها تنفير عنه ومخل ~~بمقصود الزواج فيكون تقريرا لما قبله وتمهيدا لقوله تعالى: { ~~هذا بهتن عظيم } لعظمة المبهوت عليه واستحالة صدقه ~~فإن حقارة الذنوب وعظمها باعتبار متعلقاتها. ### || [24.17-19] # { يعظكم الله } أي ينصحكم { أن تعودوا لمثله } أي ~~كراهة أن تعودوا أو يزجركم من أن لا تعودوا من قولك: وعظته في ~~كذا فتركه { أبدا } أي مدة حياتكم { إن كنتم مؤمنين } ~~فإن الإيمان وازع عنه لا محالة وفيه تهييج وتقريع. # { ويبين الله لكم الأيت } الدالة على الشرائع ~~ومحاسن الآداب دلالة واضحة لتتعظوا وتتأدبوا بها أي ms2345 ينزلها ~~كذلك أي مبينة ظاهرة الدلالة على معانيها لا أنه يبينها بعد ~~أن لم تكن كذلك وهذا كما في قولهم: سبحان من صغر البعوض وكبر ~~الفيل أي خلقهما صغيرا وكبيرا ومنه قولك: ضيق فم الركية ~~ووسع أسفلها. وإظهار الاسم الجليل في موقع الإضمار لتفخيم شأن ~~البيان { والله عليم } بأحوال جميع مخلوقاته جلائلها ~~ودقائقها { حكيم } في جميع تدابيره وأفعاله فأنى يمكن صدق ما ~~قيل في حق حرمة من اصطفاه لرسالاته وبعثه لكافة الخلق ~~ليرشدهم إلى الحق ويزكيهم ويطهرهم تطهيرا. وإظهار الاسم الجليل ~~ههنا لتأكيد استقلال الاعتراض التذييلي والإشعار بعلة ~~الألوهية للعلم والحكمة. # { إن الذين يحبون } أي يريدون ويقصدون { أن تشيع ~~الفحشة } أي تنتشر الخصلة المفرطة في القبح وهي الفرية ~~والرمي بالزنا أو نفس الزنا فالمراد بشيوعها شيوع خبرها أي ~~يحبون شيوعها ويتصدون مع ذلك لإشاعتها وإنما لم يصرح به ~~اكتفاء بذكر المحبة فإنها مستتبعة له لا محالة { فى الذين ~~ءامنوا } متعلق بتشيع أي تشيع فيما بين الناس. وذكر ~~المؤمنين لأنهم العمدة فيهم أو بمضمر هو حال من الفاحشة فالموصول ~~عبارة عن المؤمنين خاصة أي يحبون أن تشيع الفاحشة كائنة في ~~حق المؤمنين وفي شأنهم { لهم } بسبب ما ذكر { عذاب أليم فى ~~الدنيا } من الحد وغيره مما يتفق من البلايا الدنيوية ولقد ~~ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم عبد الله بن أبي وحسانا ~~ومسطحا حد القذف وضرب صفوان حسانا ضربة بالسيف وكف ~~بصره { والآخرة } من عذاب النار وغير ذلك مما يعلمه الله ~~عز وجل { والله يعلم } جميع الأمور التي من جملتها ما في ~~الضمائر من المحبة المذكورة { وأنتم لا تعلمون } ما ~~يعلمه تعالى بل إنما تعلمون ما ظهر لكم من الأقوال والأفعال ~~المحسوسة فابنوا أموركم على ما تعلمونه وعاقبوا في الدنيا على ما ~~تشاهدونه من الأحوال الظاهرة والله سبحانه هو المتولي للسرائر ~~فيعاقب في الآخرة على ما تكنه الصدور. هذا إذا جعل العذاب ~~الأليم في الدنيا عبارة عن حد القذف أو منتظما له كما أطبق عليه ~~الجمهور أما إذا بقي على ms2346 إطلاقه يراد بالمحبة نفسها من غير أن ~~يقارنها التصدي للإشاعة وهو الأنسب بسياق النظم الكريم فيكون ~~ترتيب العذاب عليها تنبيها على عذاب من يباشر الإشاعة ويتولاها ~~أشد وأعظم ويكون الاعتراض التذييلي أعني قوله تعالى: { والله ~~يعلم وأنتم لا تعلمون } تقريرا لثبوت العذاب الأليم لهم ~~وتعليلا له. ### || [24.20-21] # { ولولا فضل الله عليكم ورحمته } تكرير للمنة ~~بترك المعاجلة بالعقاب للتنبيه على كمال عظم الجريرة { وأن ~~الله رءوف رحيم } عطف على فضل الله. وإظهار الاسم الجليل ~~لتربية المهابة والإشعار باستتباع صفة الألوهية للرأفة ~~والرحمة، وتغيير سبكه وتصديره بحرف التحقيق لما أن المراد ~~بيان اتصافه تعالى في ذاته بالرأفة التي هي كمال الرحمة ~~والرحيمية التي هي المبالغة فيها على الدوام والاستمرار لا ~~بيان حدوث تعلق رأفته ورحمته بهم كما أنه المراد بالمعطوف ~~عليه. وجواب لولا محذوف لدلالة ما قبله عليه. # { يأيها الذين ءامنوا لا تتبعوا خطوت ~~الشيطن } أي لا تسلكوا مسالكه في كل ما تأتون وما تذرون من ~~الأفاعيل التي من جملتها إشاعة الفاحشة وحبها. وقرىء خطوات ~~بسكون الطاء وبفتحها أيضا { ومن يتبع خطوت ~~الشيطن } وضع الظاهران موضع ضميريهما حيث لم يقل ومن ~~يتبعها أو ومن يتبع خطواته لزيادة التقرير والمبالغة في التنفير ~~والتحذير { فإنه يأمر بالفحشاء والمنكر } علة ~~للجزاء وضعت موضعه كأنه قيل: فقد ارتكب الفحشاء والمنكر لأنه ~~دأبه المستمر أن يأمر بهما فمن اتبع خطواته فقد امتثل بأمره ~~قطعا. والفحشاء: ما أفرط قبحه كالفاحشة، والمنكر: ما ينكره ~~الشرع. وضمير إنه للشيطان وقيل: للشأن على رأي من لا يوجب ~~عود الضمير من الجملة الجزائية إلى اسم الشرط، أو على أن ~~الأصل يأمره وقيل: هو عائد إلى من أي فإن ذلك المتبع يأمر ~~الناس بهما لأن شأن الشيطان هو الإضلال فمن اتبعه يترقى من ~~رتبة الضلال والفساد إلى رتبة الإضلال والإفساد. # { ولولا فضل الله عليكم ورحمته } بما من جملته ~~هاتيك البيانات والتوفيق للتوبة الماحصة للذنوب، وشرح ~~الحدود المكفرة لها { ما زكى } أي ما طهر من دنسها. وقرىء ما ~~زكى بالتشديد أي ما طهر الله ms2347 تعالى. ومن في قوله تعالى: { ~~منكم } بيانية. وفي قوله تعالى: { من أحد } زائدة وأحد في ~~حيز الرفع على الفاعلية على القراءة الأولى، وفي محل ~~النصب على المفعولية على القراءة الثانية { أبدا } لا إلى ~~نهاية { ولكن الله يزكى } يطهر { من يشآء } من ~~عباده بإفاضة آثار فضله ورحمته عليه، وحمله على التوبة ثم ~~قبولها منه كما فعل بكم { والله سميع } مبالغ في سمع ~~الأقوال التي من جملتها ما أظهروه من التوبة { عليم } بجميع ~~المعلومات التي من جملتها نياتهم، وفيه حث لهم على الإخلاص في ~~التوبة. وإظهار الاسم الجليل للإيذان باستدعاء الألوهية ~~للسمع والعلم مع ما فيه من تأكيد استقلال الاعتراض التذييلي. ### || [24.22-23] # { ولا يأتل } أي لا يحلف، افتعال من الألية وقيل: لا يقصر ~~من الألو. والأول هو الأظهر لنزوله في شأن الصديق رضي الله ~~عنه حين حلف أن لا ينفق على مسطح بعد وكان ينفق عليه لكونه ~~ابن خالته وكان من فقراء المهاجرين. ويعضده قراءة من قرأ ولا ~~يأل { أولو الفضل منكم } في الدين وكفى به دليلا على فضل ~~الصديق رضي الله تعالى عنه { والسعة } في المال { أن ~~يؤتوا } أي على أن لا يؤتوا. وقرىء بتاء الخطاب على الالتفات ~~{ أولى القربى والمسكين والمهجرين فى سبيل ~~الله } صفات لموصوف واحد جيء بها بطريق العطف تنبيها على أن ~~كلا منها علة مستقلة لاستحقاقه الأبناء، وقيل: لموصوفات أقيمت ~~هي مقامها وحذف المفعول الثاني لغاية ظهوره أي على أن لا يؤتوهم ~~شيئا { وليعفوا } ما فرط منهم { وليصفحوا } بالإغضاء ~~عنه. وقد قرىء الأمران بتاء الخطاب على وفق قوله تعالى: { ألا ~~تحبون أن يغفر الله لكم } أي بمقابلة عفوكم وصفحكم ~~وإحسانكم إلى من أساء إليكم { والله غفور رحيم } مبالغ ~~في المغفرة والرحمة مع كمال قدرته على المؤاخذة وكثرة ذنوب ~~العباد الداعية إليها. وفيه ترغيب عظيم في العفو ووعد كريم ~~بمقابلته كأنه قيل: ألا تحبون أن يغفر الله لكم فهذا من ~~موجباته. روي أنه عليه الصلاة والسلام قرأه على أبي بكر رضي ~~الله عنه فقال: بل أحب أن يغفر ms2348 الله لي فرجع إلى مسطح نفقته وقال: ~~والله لا أنزعها أبدا. # { إن الذين يرمون المحصنت } أي العفائف مما رمين ~~به من الفاحشة { الغفلت } عنها على الإطلاق بحيث لم يخطر ~~ببالهن شيء منها ولا من مقدماتها أصلا. ففيها من الدلالة على ~~كمال النزاهة ما ليس في المحصنات أي السليمات الصدور النقيات ~~القلوب عن كل سوء { المؤمنت } أي المتصفات بالإيمان بكل ~~ما يجب أن يؤمن به الواجبات والمحظورات وغيرها إيمانا حقيقيا ~~تفصيليا كما ينبىء عنه تأخير المؤمنات عما قبلها من أصالة وصف ~~الإيمان فإنه للإيذان بأن المراد بها المعنى الوصفي المعرب كما ~~ذكر لا المعنى الاسمي المصحح لإطلاق الاسم في الجملة كما هو ~~المتبادر على تقدير التقديم، والمراد بها عائشة الصديقة رضي ~~الله عنها. والجمع باعتبار أن رميها رمي لسائر أمهات ~~المؤمنين لاشتراك الكل في العصمة والنزاهة والانتساب إلى رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم كما في قوله تعالى: # كذبت قوم نوح المرسلين # [الشعراء: 105] ونظائره وقيل: أمهات المؤمنين فيدخل فيهن ~~الصديقة دخولا أوليا وأما ما قيل من أن المراد هي ~~الصديقة والجمع باعتبار استتباعها للمتصفات بالصفات ~~المذكورة من نساء الأمة فيأباه أن العقوبات المترتبة على رمي ~~هؤلاء عقوبات مختصة بالكفار والمنافقين ولا ريب في أن رمي ~~غير أمهات المؤمنين ليس بكفر فيجب أن يكون المراد إياهن ~~على أحد الوجهين فإنهن قد خصصن من بين سائر المؤمنات فجعل ~~رميهن كفرا إبرازا لكرامتهن على الله عز وجل وحماية لحمى ~~الرسالة من أن يحوم حوله أحد بسوء حتى إن ابن عباس رضي ~~الله عنهما جعله أغلظ من سائر أفراد الكفر حين سئل عن هذه الآيات ~~فقال: من أذنب ذنبا ثم تاب منه قبلت توبته إلا من خاض في أمر ~~عائشة رضي الله عنها. # وهل هو منه رضي الله عنه إلا لتهويل أمر الإفك والتنبيه على ~~أنه كفر غليظ { لعنوا } بما قالوه في حقهن { فى الدنيا ~~والآخرة } حيث يلعنهم اللاعنون من المؤمنين والملائكة أبدا { ~~ولهم } مع ما ذكر من اللعن الأبدي { عذاب عظيم } هائل ~~لا يقادر ms2349 قدره لغاية عظم ما اقترفوه من الجناية. ### || [24.24-25] # قوله تعالى: { يوم تشهد عليهم } الخ، إما متصل بما ~~قبله مسوق لتقرير العذاب المذكور بتعيين وقت حلوله وتهويله ~~ببيان ظهور جنايتهم الموجبة له مع سائر جناياتهم المستتبعة ~~لعقوباتها على كيفية هائلة وهيئة خارقة للعادات. فيوم ظرف لما في ~~الجار والمجرور المتقدم من معنى الاستقرار لا لعذاب وإن أغضينا ~~عن وصفه لإخلاله بجزالة المعنى. وإما منقطع عنه مسوق لتهويل ~~اليوم بتهويل ما يحويه على أنه ظرف لفعل مؤخر قد ضرب عنه ~~الذكر صفحا للإيذان بقصور العبارة عن تفصيل ما يقع فيه من ~~الطامة التامة والداهية العامة كأنه قيل: يوم تشهد عليهم ~~{ ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم بما كانوا ~~يعملون } يكون من الأحوال والأهوال ما لا يحيط به حيطة المقال ~~على أن الموصول المذكور عبارة عن جميع أعمالهم السيئة ~~وجناياتهم القبيحة لا عن جنايتهم المعهودة فقط ومعنى شهادة ~~الجوارح المذكورة بها أنه تعالى ينطقها بقدرته فتخبر كل جارحة ~~منها بما صدر عنها من أفاعيل صاحبها لا أن كلا منها يخبر ~~بجنايتهم المعهودة فحسب. والموصول المحذوف عبارة عنها وعن فنون ~~العقوبات المترتبة عليها كافة لا عن إحداهما خاصة ففيه من ضروب ~~التهويل بالإجمال والتفصيل ما لا مزيد عليه وجعل الموصول ~~المذكور عبارة عن خصوص جنايتهم المعهودة وحمل شهادة الجوارح على ~~إخبار الكل بها فقط تحجير للواسع وتهوين أمر الوازع والجمع ~~بين صيغتي الماضي والمستقبل للدلالة على استمرارهم عليها في ~~الدنيا. وتقديم عليهم على الفاعل للمسارعة إلى بيان أن ~~الشهادة ضارة لهم مع ما فيه من التشويق إلى المؤخر كما مر ~~مرارا. # وقوله تعالى: { يومئذ يوفيهم الله دينهم الحق } ~~أي يوم إذ تشهد جوارحهم بأعمالهم القبيحة يعطيهم الله تعالى ~~جزاءهم الثابت الذي يحقق أن يثبت لهم لا محالة وافيا كاملا. ~~كلام مبتدأ مسوق لبيان ترتيب حكم الشهادة عليها متضمن لبيان ~~ذلك المهم المحذوف على وجه الإجمال، ويجوز أن يكون يوم تشهد ~~ظرفا ليوفيهم، ويومئذ بدلا منه، وقيل: هو منصوب على أنه مفعول ~~لفعل مضمر أي اذكر يوم تشهد. ms2350 وقرىء يوم يشهد بالتذكير للفصل { ~~ويعلمون } عند معاينتهم الأهوال والخطوب حسبما نطق به القرآن ~~الكريم { أن الله هو الحق } الثابت الذي يحق أن يثبت ~~لا محالة في ذاته وصفاته وأفعاله التي من جملتها كلماته التامات ~~المنبئة عن الشؤون التي يشاهدونها منطقة عليها { المبين } ~~المظهر للأشياء كما هي في أنفسها أو الظاهر أنه هو الحق ~~وتفسيره بظهور ألوهيته تعالى وعدم مشاركة الغير له فيها وعدم ~~قدرة ما سواه على الثواب والعقاب ليس له كثير مناسبة للمقام كما ~~أن تفسير الحق بذي الحق البين العادل الظاهر عدله كذلك ولو ~~تتبعت ما في الفرقان المجيد من آيات الوعيد الواردة في حق كل ~~كفار مريد وجبار عنيد لا تجد شيئا منها فوق هاتيك القوارع ~~المشحونة بفنون التهديد والتشديد، وما ذاك إلا لإظهار منزلة ~~النبي صلى الله عليه وسلم في علو الشأن والنباهة وإبراز ~~رتبة الصديقة رضي الله عنها في العفة والنزاهة. ### || [24.26] # قوله تعالى: { الخبيثت } الخ، كلام مستأنف مسوق على قاعدة ~~السنة الإلهية الجارية فيما بين الخلق على موجب أن لله تعالى ~~ملكا يسوق الأهل إلى الأهل أي الخبيثات من النساء { ~~للخبيثين } من الرجال أي مختصات بهم لا يكدن يتجاوزنهم ~~إلى غيرهم على أن اللام للاختصاص { والخبيثون } أيضا { ~~للخبيثت } لأن المجانسة من دواعي الانضمام { ~~والطيبت } منهن { للطيبين } منهم { والطيبون } ~~أيضا { للطيبت } منهن بحيث لا يكادون يجاوزوهن إلى من ~~عداهن وحيث كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أطيب الأطيبين ~~وخيرة الأولين والآخرين تبين كون الصديقة رضي الله عنها من ~~أطيب الطيبات بالضرورة واتضح بطلان ما قيل في حقها من ~~الخرافات حسبما نطق به قوله تعالى: { أولئك مبرءون مما ~~يقولون } على أن الإشارة إلى أهل البيت المنتظمين ~~للصديقة انتظاما أوليا، وقيل: إلى رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم والصديقة وصفوان، وما في اسم الإشارة من معنى البعد ~~للإيذان بعلو رتبة المشار إليهم وبعد منزلتهم في الفضل أي أولئك ~~الموصوفون بعلو الشأن مبرءون مما تقوله أهل الإفك في ~~حقهم من الأكاذيب الباطلة. وقيل: الخبيثات من القول ms2351 للخبيثين من ~~الرجال والنساء أي مختصة ولائقة بهم لا ينبغي أن تقال في حق ~~غيرهم وكذا الخبيثون من الفريقين أحقاء بأن يقال في حقهم ~~خبائث القول والطيبات من الكلم للطيبين من الفريقين مختصة ~~وحقيقة بهم وهم أحقاء بأن يقال في شأنهم طيبات الكلم أولئك ~~الطيبون مبرءون مما يقول الخبيثون في حقهم فمآله تنزيه ~~الصديقة أيضا، وقيل: خبيثات القول مختصة بالخبيثين من ~~فريقي الرجال والنساء لا تصدر عن غيرهم والخبيثون من ~~الفريقين مختصون بخبائث القول متعرضون لها والطيبات من الكلام ~~للطيبين من الفريقين أي مختصة بهم لا تصدر عن غيرهم والطيبون ~~من الفريقين مختصون بطيبات الكلام لا يصدر عنهم غيرها أولئك ~~الطيبون مبرءون مما يقوله الخبيثون من الخبائث أي لا يصدر عنهم ~~مثل ذلك فمآله تنزيه القائلين سبحانك هذا بهتان عظيم { لهم ~~مغفرة } عظيمة لما لا يخلو عنه البشر من الذنوب { ورزق ~~كريم } هو الجنة. ### || [24.27-28] # { يأيها الذين ءامنوا لا تدخلوا بيوتا غير ~~بيوتكم } إثر ما فصل الزواجر عن الزنا وعن رمي العفائف عنه ~~شرع في تفصيل الزواجر عما عسى يؤدي إلى أحدهما من مخالطة ~~الرجال بالنساء ودخولهم عليهن في أوقات الخلوات وتعليم الآداب ~~الجميلة والأفاعيل المرضية المستتبعة لسعادة الدارين ووصف البيوت ~~بمغايرة بيوتهم خارج مخرج العادة التي هي سكنى كل أحد في ملكه ~~وإلا فالمآجر والمعير أيضا منهيان عن الدخول بغير إذن. وقرىء ~~بيوتا غير بيوتكم بكسر الباء لإجل الياء { حتى ~~تستأنسوا } أي تستأذنوا من يملك الإذن من أصحابها من الاستئناس ~~بمعنى الاستعلام من آنس الشيء إذا أبصره فإن المستأنس مستعلم للحال ~~مستكشف أنه هل يؤذن له أو من الاستئناس الذي هو خلاف الاستيحاش لما أن ~~المستأذن مستوحش خائف أن لا يؤذن له فإذا أذن له استأنس { وتسلموا ~~على أهلها } عند الاستئذان. روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أن ~~التسليم أن يقول: السلام عليكم، أأدخل؟ ثلاث مرات فإن أذن له دخل وإلا ~~رجع { ذلكم } أي الاستئذان مع التسليم { خير لكم } من أن ~~تدخلوا بغتة أو على تحية الجاهلية حيث ms2352 كان الرجل منهم إذا أراد أن يدخل ~~بيتا غير بيته يقول: حييتم صباحا حييتم مساء فيدخل فربما أصاب ~~الرجل مع امرأته في لحاف. وروي # " أن رجلا قال للنبي صلى الله عليه وسلم: أستأذن على أمي؟ قال: «نعم» ~~قال: ليس لها خادم غيري أأستأذن عليها كلما دخلت؟ قال صلى الله عليه ~~وسلم: «أتحب أن تراها عريانة؟» قال: لا. قال صلى الله عليه وسلم: ~~«فاستأذن» " # { لعلكم تذكرون } متعلق بمضمر أي أمرتم به أو قيل لكم هذا ~~كي تتذكروا وتتعظوا وتعملوا بموجبه. # { فإن لم تجدوا فيها أحدا } أي ممن يملك الإذن على أن ~~من لا يملكه من النساء والولدان وجدانه كفقدانه أو أحدا أصلا ~~على أن مدلول النص الكريم عبارة هو النهي عن دخول البيوت ~~الخالية لما فيه من الاطلاع على ما يعتاد الناس إخفاءه مع أن ~~التصرف في ملك الغير محظور مطلقا وأما حرمة دخول ما فيه ~~للنساء والولدان فثابتة بدلالة النص لأن الدخول حيث حرم مع ما ~~ذكر من العلة فلأن يحرم عند انضمام ما هو أقوى منه إليه أعني ~~الاطلاع على العورات أولى { فلا تدخلوها } واصبروا { حتى ~~يؤذن لكم } أي من جهة من يملك الإذن عند إتيانه. ومن فسره ~~بقوله: حتى يأتي من يأذن لكم أو حتى تجدوا من يأذن لكم فقد أبرز ~~القطعي في معرض الاحتمال، ولما كان جعل النهي بالإذن مما يوهم ~~الرخصة في الانتظار على الأبواب مطلقا بل في تكرير الاستئذان ولو ~~بعد الرد دفع ذلك بقوله تعالى: { وإن قيل لكم ارجعوا ~~فارجعوا } أي إن أمرتم من جهة أهل البيت بالرجوع سواء كان ~~الأمر ممن يملك الإذن أو لا فارجعوا ولا تلحوا بتكرير الاستئذان ~~كما في الوجه الأول لا تلحوا بالإصرار على الانتظار إلى أن يأتي ~~الآذن كما في الثاني فإن ذلك مما يجلب الكراهة في قلوب الناس ~~ويقدح في المروءة أي قدح { هو } أي الرجوع { أزكى لكم } ~~أي أطهر مما لا يخلو عنه اللج والعناد والوقوف على الأبواب من دنس ~~الدناءة والرذالة { والله بما تعملون عليم ms2353 } فيعلم ما ~~تأتون وما تذرون مما كلفتموه فيجازيكم عليه. ### || [24.29-30] # { ليس عليكم جناح أن تدخلوا } أي بغير استئذان { ~~بيوتا غير مسكونة } أي غير موضوعة لسكنى طائفة مخصوصة فقط ~~بل ليتمتع بها من يضطر إليها كائنا من كان من غير أن يتخذها سكنا ~~كالربط والخانات والحوانيت والحمامات ونحوها فإنها معدة ~~لمصالح الناس كافة كما ينبىء عنه قوله تعالى: { فيها متاع ~~لكم } فإنه صفة للبيوت أو استئناف جار مجرى التعليل لعدم ~~الجناح أي فيها حق تمتع لكم كالاستكنان من الحر والبرد وإيواء ~~الأمتعة والرحال والشراء والبيع والاغتسال وغير ذلك مما ~~يليق بحال البيوت وداخليها فلا بأس بدخولها بغير استئذان من داخليها ~~من قبل ولا ممن يتولى أمرها ويقوم بتدبيرها من قوام الرباطات ~~والخانات وأصحاب الحوانيت ومتصرفي الحمامات ونحوهم. ويروى أن ~~أبا بكر رضي الله عنه قال: يا رسول الله، إن الله تعالى قد أنزل عليك ~~آية في الاستئذان وإنا نختلف في تجاراتنا فننزل هذه الخانات أفلا ~~ندخلها إلا بإذن؟ فنزلت. وقيل: هي الخربات يتبرز فيها والمتاع ~~التبرز. والظاهر أنها من جملة ما ينتظمه البيوت لا أنها ~~المرادة فقط. وقوله تعالى: { والله يعلم ما تبدون وما ~~تكتمون } وعيد لمن يدخل مدخلا من هذه المداخل لفساد أو اطلاع ~~على عورات. # { قل للمؤمنين } شروع في بيان أحكام كلية شاملة للمؤمنين ~~كافة يندرج فيها حكم المستأذنين عند دخولهم البيوت اندراجا ~~أوليا. وتلوين الخطاب وتوجيهه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وتفويض ما في حيزه من الأوامر والنواهي إلى رأيه عليه الصلاة ~~والسلام لأنها تكاليف متعلقة بأمور جزئية كثيرة الوقوع ~~حقيقة بأن يكون الآمر بها والمتصدي لتدبيرها حافظا ومهيمنا ~~عليهم. ومفعول الأمر أمر آخر قد حذف تعويلا على دلالة جوابه عليه أي ~~قل لهم غضوا { يغضوا من أبصرهم } عما يحرم ~~ويقتصروا به على ما يحل { ويحفظوا فروجهم } إلا على ~~أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم. وتقييد الغض بمن التبعيضية دون ~~الحفظ لما في أمر النظر من السعة. وقيل: المراد بالحفظ ههنا ~~خاصة هو الستر. # { ذلك } أي ما ms2354 ذكر من الغض والحفظ { أزكى لهم } أي أطهر ~~لهم من دنس الريبة { إن الله خبير بما يصنعون } لا ~~يخفى عليه شيء مما يصدر عنهم من الأفاعيل التي من جملتها إحالة ~~النظر واستعمال سائر الحواس وتحريك الجوارح وما يقصدون بذلك ~~فليكونوا على حذر منه في كل ما يأتون وما يذرون. ### || [24.31] # { وقل للمؤمنت يغضضن من أبصرهن } فلا ينظرن ~~إلى ما لا يحل لهن النظر إليه { ويحفظن فروجهن } ~~بالتستر أو التصون عن الزنا. وتقديم الغض لأن النظر ~~بريد الزنا ورائد الفساد { ولا يبدين زينتهن } ~~كالحلي وغيرها مما يتزين به وفيه من المبالغة في النهي عن ~~إبداء مواضعها ما لا يخفى { إلا ما ظهر منها } عند مزاولة ~~الأمور التي لا بد منها عادة كالخاتم والكحل والخضاب ونحوها ~~فإن في سترها حرجا بينا. وقيل: المراد بالزينة مواضعها على ~~حذف المضاف أو ما يعم المحاسن الخلقية والتزينية. والمستثنى ~~هو الوجه والكفان لأنها ليست بعورة. { وليضربن ~~بخمرهن على جيوبهن } إرشاد إلى كيفية إخفاء بعض ~~مواضع الزينة بعد النهي عن إبدائها. وقد كانت النساء على عادة ~~الجاهلية يسدلن خمرهن من خلفهن فتبدو نحورهن وقلائدهن من ~~جيوبهن لوسعها فأمرن بإرسال خمرهن إلى جيوبهن سترا لما يبدو ~~منها وقد ضمن الضرب معنى الإلقاء فعدي بعلى. وقرىء بكسر ~~الجيم كما تقدم { ولا يبدين زينتهن } كرر النهي لاستثناء ~~بعض مواد الرخصة عنه باعتبار الناظر بعد ما استثني عنه بعض ~~مواد الضرورة باعتبار المنظور { إلا لبعولتهن } ~~فإنهم المقصودون بالزينة ولهم أن ينظروا إلى جميع بدنهن حتى ~~الموضع المعهود { أو آبآئهن أو آبآء بعولتهن أو ~~أبنآئهن أو أبنآء بعولتهن أو إخوانهن أو ~~بني إخوانهن أو بني أخواتهن } لكثرة المخالطة ~~الضرورية بينهم وبينهن وقلة توقع الفتنة من قبلهم لما في طباع ~~الفريقين من النفرة عن مماسة القرائب ولهم أن ينظروا منهن ما ~~يبدو عند المهنة والخدمة. وعدم ذكر الأعمام والأخوال لما أن ~~الأحوط أن يتسترن عنهم حذارا من أن يصفوهن لأبنائهم { أو ~~نسائهن } المختصات بهن بالصحبة والخدمة من حرائر المؤمنات ~~فإن الكوافر لا يتحرجن ms2355 عن وصفهن للرجال. # { أو ما ملكت أيمنهن } أي من الإماء فإن عبد ~~المرأة بمنزلة الأجنبي منها. وقيل من الإماء والعبيد لما روي ~~أنه عليه الصلاة والسلام أتى فاطمة رضي الله عنها بعبد وهبه لها ~~وعليها ثوب إذا قنعت به رأسها لم يبلغ رجليها وإذا غطت رجليها لم ~~يبلغ رأسها فقال عليه الصلاة والسلام: # " إنه ليس عليك بأس إنما هو أبوك وغلامك " # { أو التبعين غير أولى الإربة من الرجال } أي ~~أولي الحاجة إلى النساء وهم الشيوخ الهم والممسوحون. وفي ~~المجبوب والخصي خلاف، وقيل هم البله الذين يتتبعون الناس لفضل ~~طعامهم ولا يعرفون شيئا من أمور النساء. وقرىء غير بالنصب على ~~الحالية { أو الطفل الذين لم يظهروا على عورت ~~النساء } لعدم تمييزهم. من الظهور بمعنى الاطلاع أو لعدم بلوغهم ~~حد الشهوة، من الظهور بمعنى الغلبة. والطفل جنس وضع موضع ~~الجمع اكتفاء بدلالة الوصف. # { ولا يضربن بأرجلهن ليعلم ما يخفين } أي ما ~~يخفينه من الرؤية { من زينتهن } أي ولا يضربن بأرجلهن الأرض ~~ليتقعقع خلخالهن فيعلم أنهن ذوات الخلخال فإن ذلك مما ~~يورث الرجال ميلا إليهن ويوهم أن لهن ميلا إيهم. وفي ~~النهي عن إبداء صوت الحلى بعد النهي عن إبداء عينها من المبالغة ~~في الزجر عن إبداء مواضعها ما لا يخفى { وتوبوا إلى الله ~~جميعا } تلوين للخطاب وصرف له عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~إلى الكل بطريق التغليب لإبراز كمال العناية بما في حيزه من ~~أمر النوبة وأنها من معظمات المهمات الحقيقية بأن يكون ~~سبحانه وتعالى هو الآمر بها لما أنه لا يكاد يخلو أحد من ~~المكلفين عن نوع تفريط في إقامة مواجب التكاليف كما ينبغي. ~~وناهيك بقوله عليه السلام # " شيبتني سورة هود " # لما فيها من قوله عز وجل # فاستقم كما أمرت # [هود: 112] لا سيما إذا كان المأمور به الكف عن الشهوات. وقيل ~~توبوا عما كنتم تفعلونه في الجاهلية فإنه وإن جب بالإسلام ~~لكن يجب بالندم عليه والعزم على تركه كلما خطر بباله. وفي ~~تكرير الخطاب بقوله تعالى: { أيه المؤمنون } تأكيد ms2356 للإيجاب ~~وإيذان بأن وصف الإيمان موجب للامتثال حتما. وقرىء أيه ~~المؤمنون { لعلكم تفلحون } تفوزون بذلك بسعادة الدارين. ### || [24.32] # { وأنكحوا الأيمى منكم } بعدما زجر تعالى عن السفاح ~~ومباديه القريبة والبعيدة أمر بالنكاح فإنه مع كونه مقصودا ~~بالذات من حيث كونه مناطا لبقاء النوع خير مزجرة عن ذلك. ~~وأيامى مقلوب أيايم جمع أيم وهو من لا زوج له من الرجال ~~والنساء بكرا كان أو ثيبا كما يفصح عنه قول من قال: [الطويل] # فإن تنكحي أنكح وإن تتأيمي # وإن كنت أفتى منكم أتأيم # أي زوجوا من لا زوج له من الأحرار والحرائر { ~~والصلحين من عبادكم وإمائكم } على أن الخطاب ~~للأولياء والسادات. واعتبار الصلاح في الأرقاء لأن من لا ~~صلاح له منهم بمعزل من أن يكون خليقا بأن يعتني مولاه بشأنه ويشفق ~~عليه ويتكلف في نظم مصالحه بما لا بد منه شرعا وعادة من بذل ~~المال والمنافع، بل حقه أن لا يستبقيه عنده وأما عدم اعتبار ~~الصلاح في الأحرار والحرائر فلأن الغالب فيهم الصلاح على ~~أنهم مستبدون في التصرفات المتعلقة بأنفسهم وأموالهم فإذا ~~عزموا النكاح فلا بد من مساعدة الأولياء لهم إذ ليس عليهم في ~~ذلك غرامة حتى يعتبر في مقابلتها غنيمة عائدة إليهم عاجلة أو ~~آجلة. وقيل المراد هو الصلاح للنكاح والقيام بحقوقه { إن ~~يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله } إزاحة لما عسى ~~يكون وازعا من النكاح من فقر أحد الجانبين أي لا يمنعن فقر ~~الخاطب أو المخطوبة من المناكحة فإن في فضل الله عز وجل ~~غنية عن المال فإنه غاد ورائح يرزق من يشاء من حيث لا يحتسب ~~أو وعد منه سبحانه بالإغناء لقوله عليه الصلاة والسلام # " اطلبوا الغنى في هذه الآية " # لكنه مشروط بالمشيئة كما في قوله تعالى: # وإن خفتم عيلة فسوف يغنيكم الله من فضله ~~إن شاء # [التوبة: 28] { والله وسع } غني ذو سعة لا يرزؤه إغناء ~~الخلائق إذ لا نفاد لنعمته ولا غاية لقدرته ومع ذلك { عليم } ~~يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر حسبما تقتضيه الحكمة والمصلحة. ### || [24.33] # { وليستعفف } إرشاد للعاجزين ms2357 عن مبادي النكاح وأسبابها ~~إلى ما هو أولى لهم وأحرى بهم بعد بيان جواز مناكحة الفقراء أي ~~ليجتهد في العفة وقمع الشهوة { الذين لا يجدون ~~نكاحا } أي أسباب نكاح أو لا يتمكنون مما ينكح به من المال { ~~حتى يغنيهم الله من فضله } عدة كريمة بالتفضل ~~عليهم بالغنى ولطف لهم في استعفافهم وتقوية لقلوبهم وإيذان بأن ~~فضله تعالى أولى بالإعفاء وأدنى من الصلحاء { والذين ~~يبتغون الكتب } بعدما أمر بإنكاح صالحي المماليك ~~الأحقاء بالإنكاح أمر بكتابة من يستحقها منهم. والكتاب مصدر ~~كاتب كالمكاتبة أي الذين يطلبون المكاتبة { مما ملكت ~~أيمنكم } عبدا كان أو أمة وهي أن يقول المولى لمملوكه ~~كاتبتك على كذا درهما تؤديه إلي وتعتق، ويقول المملوك قبلته أو ~~نحو ذلك فإن أداه إليه عتق قالوا معناه كتبت لك على نفسي أن تعتق ~~مني إذا وفيت بالمال وكتبت لي على نفسك أن تفي بذلك أو كتبت عليك ~~الوفاء بالمال وكتبت علي العتق عنده، والتحقيق أن المكاتبة ~~اسم للعقد الحاصل من مجموع كلاميهما كسائر العقود الشرعية ~~المنعقدة بالإيجاب والقبول. ولا ريب في أن ذلك لا يصدر حقيقة إلا ~~من المتعاقدين وليس وظيفة كل منهما في الحقيقة إلا الإتيان بأحدث ~~شطريه معربا عما يتم من قبله ويصدر عنه من الفعل الخاص به من ~~غير تعرض لما يتم من قبل صاحبه ويصدر عنه من فعله الخاص به إلا ~~أن كلا من ذينك الفعلين لما كان بحيث لا يمكن تحققه في نفسه ~~إلا منوطا بتحقق الآخر ضرورة أن التزام العتق بمقابلة البدل ~~من جهة المولى لا يتصور تحققه وتحصله إلا بالتزام البدل من طرف ~~العبد كما أن عقد البيع الذي هو تمليك المبيع بالثمن من جهة ~~البائع لا يمكن تحققه إلا بتملكه به من جانب المشتري لم يكن بد ~~من تضمين أحدهما الآخر وقت الإنشاء فكما أن قول البائع بعت إنشاء ~~لعقد البيع على معنى أنه إيقاع لما يتم من قبله أصالة ولما يتم ~~من قبل المشتري ضمنا إيقاعا متوقفا على رأيه توقفا شبيها ~~بتوقف ms2358 عقد الفضولي كذلك قول المولى كاتبتك على كذا إنشاء لعقد ~~الكتابة أي إيقاع لما يتم من قبله من التزام العتق بمقابلة البدل ~~أصالة ولما يتم من قبل العبد من التزام البدل ضمنا إيقاعا ~~متوقفا على قبوله فإذا قبل تم العقد، ومحل الموصول الرفع على ~~الابتداء خبره { فكتبوهم } والفاء لتضمنه معنى الشرط أو ~~النصب على أنه مفعول لمضمر يفسره هذا والأمر فيه للندب لأن ~~الكتابة عقد يتضمن الإرفاق فلا تجب كغيرها ويجوز حالا ومؤجلا ~~ومنجما وغير منجم. وعند الشافعي رحمه الله لا يجوز إلا ~~مؤجلا منجما وقد فصل في موضعه { إن علمتم فيهم ~~خيرا } أي أمانة ورشدا وقدرة على أداء البدل بتحصيله من وجه ~~حلال وصلاحا لا يؤذي الناس بعد العتق وإطلاق العنان. # { وءاتوهم من مال الله الذى ءاتكم } أمر للموالي ~~ببذل شيء من أموالهم وفي حكمه حط شيء من مال الكتابة ويكفي في ذلك ~~أقل ما يتمول. وعن علي رضي الله عنه: حط الربع وعن ابن عباس ~~رضي الله عنهما: الثلث. وهو للندب عندنا وعند الشافعي للوجوب ~~ويرده قوله عليه الصلاة والسلام: # " المكاتب عبد ما بقي عليه درهم ". # إذ لو وجب الحط لسقط عنه الباقي حتما وأيضا لو وجب الحط لكان ~~وجوبه معلقا بالعقد فيكون العقد موجبا ومسقطا معا وأيضا فهو ~~عقد معاوضة فلا يجبر على الحطيطة كالبيع وقيل معنى آتوهم ~~أقرضوهم وقيل هو أمر لهم بأن ينفقوا عليهم بعد أن يؤدوا ويعتقوا. ~~وإضافة المال إليه تعالى ووصفه بإيتائه إياهم للحث على الامتثال ~~بالأمر بتحقيق المأمور به كما في قوله تعالى: # وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه # [الحديد: 7] فإن ملاحظة وصول المال إليهم من جهته تعالى مع كونه هو ~~المالك الحقيقي له من أقوى الدواعي إلى صرفه إلى الجهة المأمور بها ~~وقيل هو أمر بإعطاء سهمهم من الصدقات، فالأمر للوجوب حتما ~~والإضافة والوصف لتعيين المأخذ وقيل هو أمر ندب لعامة المسلمين ~~بإعانة المكاتبين بالتصدق عليهم، ويحل ذلك للمولى وإن كان غنيا ~~لتبدل العنوان حسبما ينطق به قوله عليه الصلاة والسلام في ms2359 حديث ~~بريرة: # " هو لها صدقة ولنا هدية " # { ولا تكرهوا فتيتكم } أي إماءكم فإن كلا من ~~الفتى والفتاة كناية مشهورة عن العبد والأمة وعلى ذلك مبني ~~قوله عليه الصلاة والسلام: # " ليقل أحدكم فتاي وفتاتي ولا يقل عبدي وأمتي " # ولهذه العبارة في هذا المقام باعتبار مفهومها الأصلي حسن موقع ~~ومزيد مناسبة لقوله تعالى: { على البغاء } وهو الزنا من حيث ~~صدوره عن النساء لأنهن اللاتي يتوقع منهن ذلك غالبا دون من ~~عداهن من العجائز والصغائر. وقوله تعالى: { إن أردن ~~تحصنا } ليس لتخصيص النهي بصورة إرادتهن التعفف عن الزنا ~~وإخراج ما عداها من حكمه كما إذا كان الإكراه بسبب كراهتهن الزنا ~~لخصوص الزاني أو لخصوص الزمان أو لخصوص المكان أو لغير ذلك من ~~الأمور المصححة للإكراه في الجملة بل للمحافظة على عادتهم ~~المستمرة حيث كانوا يكرهونهن على البغاء وهن يردن التعفف عنه ~~مع وفور شهوتهن الآمرة بالفجور وقصورهن في معرفة الأمور ~~الداعية إلى المحاسن الزاجرة عن تعاطي القبائح فإن عبد ~~الله بن أبي كانت له ست جوار يكرههن على الزنا وضرب ~~عليهن ضرائب فشكت اثنتان منهن إلى رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فنزلت. وفيه من زيادة تقبيح حالهم وتشنيعهم على ما كانوا ~~عليه من القبائح ما لا يخفى فإن من له أدنى مروءة لا يكاد يرضى ~~بفجور من يحويه حرمه من إمائه فضلا عن أمرهن به أو إكراههن عليه ~~لا سيما عند إرادتهن التعفف فتأمل ودع عنك ما قيل من أن ~~ذلك لأن الإكراه لا يتأتى إلا مع إرادة التحصن وما قيل من أنه ~~إن جعل شرطا للنهي لا يلزم من عدمه جواز الإكراه لجواز أن يكون ~~ارتفاع النهي لامتناع المنهي عنه فإنهما بمعزل من التحقيق، ~~وإيثار كلمة إن على إذا مع تحقق الإرادة في مورد النص حتما ~~للإيذان بوجوب الانتهاء عن الإكراه عند كون إرادة التحصن في حيز ~~التردد والشك فكيف إذا كانت محققة الوقوع كما هو الواقع، ~~وتعليله بأن الإرادة المذكورة منهن في حيز الشاذ النادر مع ~~خلوه عن الجدوى بالكلية ms2360 يأباه اعتبار تحققها إباء ظاهرا. # وقوله تعالى: { لتبتغوا عرض الحيوة الدنيا } قيد ~~للإكراه لكن لا باعتبار أنه مدار للنهي عنه بل باعتبار أنه ~~المعتاد فيما بينهم كما قبله جيء به تشنيعا لهم فيما هم عليه من ~~احتمال الوزر الكبير لأجل النزر الحقير أي لا تفعلوا ما أنتم ~~عليه من إكراههن على البغاء لطلب المتاع السريع الزوال الوشيك ~~الاضمحلال فالمراد بالابتغاء الطلب المقارن لنيل المطلوب ~~واستيفائه بالفعل إذ هو الصالح لكونه غاية للإكراه مترتبا ~~عليه لا المطلق المتناول للطلب السابق الباعث عليه { ومن ~~يكرههن } الخ جملة مستأنفة سيقت لتقرير النهي وتأكيد وجوب ~~العمل به ببيان خلاص المكرهات عن عقوبة المكره عليه عبارة، ورجوع ~~غائلة الإكراه إلى المكرهين إشارة، أي ومن يكرهن على ما ذكر من ~~البغاء. # { فإن الله من بعد إكراههن غفور رحيم } أي ~~لهن كما وقع في مصحف ابن مسعود وعليه قراءة ابن عباس رضي الله ~~تعالى عنهم وكما ينبىء عنه قوله تعالى: { من بعد إكراههن } ~~أي كونهن مكرهات على أن الإكراه مصدر من المبني للمفعول فإن ~~توسيطه بين اسم إن وخبرها للإيذان بأن ذلك هو السبب للمغفرة ~~والرحمة. وكان الحسن البصري رحمه الله إذا قرأ هذه الآية يقول ~~لهن والله لهن والله. وفي تخصيصهما بهن وتعيين مدارهما مع ~~سبق ذكر المكرهين أيضا في الشرطية دلالة بينة على كونهم محرومين ~~منهما بالكلية كأنه قيل لا للمكره، ولظهور هذا التقدير اكتفى به ~~عن العائد إلى اسم الشرط فتجويز تعلقهما بهم بشرط التوبة ~~استقلالا أو معهن إخلال بجزالة النظم الجليل وتهوين لأمر ~~النهي في مقام التهويل، وحاجتهن إلى المغفرة المنبئة عن ~~سابقة الإثم إما باعتبار أنهن وإن كن مكرهات لا يخلون في ~~تضاعيف الزنا عن شائبة مطاوعة ما بحكم الجبلة البشرية وإما ~~باعتبار أن الإكراه قد يكون قاصرا عن حد الإلجاء المزيل ~~للاختيار بالمرة وإما لغاية تهويل أمر الزنا وحث المكرهات على ~~التثبت في التجافي عنه والتشديد في تحذير المكرهين ببيان أنهن ~~حيث كن عرضة للعقوبة لولا أن تداركهن المغفرة والرحمة مع ms2361 قيام ~~العذر في حقهن فما حال من يكرههن في استحقاق العذاب؟. ### || [24.34] # { ولقد أنزلنا إليكم ءايت مبينت } كلام ~~مستأنف جيء به في تضاعيف ما ورد من الآيات السابقة واللاحقة ~~لبيان جلالة شؤونها المستوجبة للإقبال الكلي على العملي بمضمونها ~~وصدر بالقسم الذي تعرب عنه اللام لإبراز كمال العناية بشأنه أي ~~وبالله لقد أنزلنا إليكم في هذه السورة الكريمة آيات مبينات ~~لكل ما بكم حاجة إلى بيانه من الحدود وسائر الأحكام والآداب وغير ~~ذلك مما هو من مبادي بيانها على أن إسناد التبيين إليها ~~مجازي. أو آيات واضحات تصدقها الكتب القديمة والعقول السليمة ~~على أن مبينات من بين بمعنى تبين ومنه المثل # قد بين الصبح لذي عينين # وقرىء على صيغة المفعول أي التي بينت وأوضحت في هذه السورة من ~~معاني الأحكام والحدود وقد جوز أن يكون الأصل مبينا فيها ~~الأحكام فاتسع في الظرف بإجرائه مجرى المفعول { ومثلا من ~~الذين خلوا من قبلكم } عطف على آيات أي وأنزلنا مثلا ~~كائنا من قبيل أمثال الذين مضوا من قبلكم من القصص العجيبة ~~والأمثال المضروبة لهم في الكتب السابقة والكلمات الجارية على ~~ألسنة الأنبياء عليهم السلام فينتظم قصة عائشة رضي الله عنها ~~المحاكية لقصة يوسف عليه السلام وقصة مريم رضي الله عنها ~~وسائر الأمثال الواردة في السورة الكريمة انتظاما واضحا. ~~وتخصيص الآيات المبينات بالسوابق وحمل المثل على القصة ~~العجيبة فقط يأباه تعيب الكلام بما سيأتي من التمثيلات { ~~وموعظة } تتعظون به وتنزجرون عما لا ينبغي من المحرمات ~~والمكروهات وسائر ما يخل بمحاسن الآداب فهي عبارة عما سبق من ~~الآيات والمثل لظهور كونها من المواعظ بالمعنى المذكور. ومدار العطف هو ~~التغاير العنواني المنزل منزلة التغاير الذاتي وقد خصت ~~الآيات بما يبين الحدود والأحكام والموعظة بما وعظ به من قوله ~~تعالى: # ولا تأخذكم بهما رأفة فى دين الله # [النور: 2] وقوله تعالى: # لولا إذ سمعتموه # [النور: 12] وغير ذلك من الآيات الواردة في شأن الآداب وإنما قيل ~~{ للمتقين } مع شمول الموعظة للكل حسب شمول الإنزال لقوله ~~تعالى: { أنزلنا إليكم } حثا للمخاطبين ms2362 على الاعتناء ~~بالانتظام في سلك المتقين ببيان أنهم المغتنمون لآثارها المقتبسون ~~من أنوارها فحسب. وقيل المراد بالآيات المبينات والمثل والموعظة ~~جميع ما في القرآن المجيد من الآيات والأمثال والمواعظ. ### || [24.35] # قوله تعالى: { الله نور السموات والأرض } الخ حينئذ ~~استئناف مسوق لتقرير ما فيها من البيان مع الإشعار بكونه في غاية ~~الكمال على الوجه الذي ستعرفه، وأما على الأول فلتحقيق أن ~~بيانه تعالى ليس مقصورا على ما ورد في السورة الكريمة بل هو شامل ~~لكل ما يحق بيانه من الأحكام والشرائع ومباديها وغاياتها ~~المترتبة عليها في الدنيا والآخرة وغير ذلك مما له مدخل في ~~البيان وأنه واقع منه تعالى على أتم الوجوه وأكملها حيث عبر ~~عنه بالتنوير الذي هو أقوى مراتب البيان وأجلاها وعبر عن المنور ~~بنفس النور تنبيها على قوة التنوير وشدة التأثير وإيذانا ~~بأنه تعالى ظاهر بذاته، وكل ما سواه ظاهر بإظهاره، كما أن النور ~~نير بذاته وما عداه مستنير به وأضيف النور إلى السموات والأرض ~~للدلالة على كمال شيوع البيان المستعار له وغاية شموله لكل ما ~~يليق به من الأمور التي لها مدخل في إرشاد الناس بوساطة بيان شمول ~~المستعار منه لجميع ما يقبله ويستحقه من الأجرام العلوية ~~والسفلية فإنهما قطران للعالم الجسماني الذي لا مظهر للنور ~~الحسي سواه أو على شمول البيان لأحوالهما وأحوال ما فيهما من ~~الموجودات، إذ ما من موجود إلا وقد بين من أحواله ما يستحق ~~البيان إما تفصيلا أو إجمالا، كيف لا ولا ريب في بيان كونه ~~دليلا على وجود الصانع وصفاته وشاهدا بصحة البعث أو على تعلق ~~البيان بأهلهما كما قال ابن عباس رضي الله عنهما: هادي أهل ~~السموات والأرض فهم بنوره يهتدون وبهداه من حيرة الضلالة ينجون، ~~هذا وأما حمل التنوير على إخراجه تعالى للماهيات من العدم إلى ~~الوجود إذ هو الأصل في الإظهار كما أن الإعدام هو الأصل في ~~الإخفاء أو على تزيين السموات بالنيرين وسائر الكواكب وما ~~يفيض عنها من الأنوار أو بالملائكة عليهم السلام وتزيين الأرض ~~بالأنبياء عليهم ms2363 السلام والعلماء والمؤمنين أو بالنبات والأشجار أو ~~على تدبيره تعالى لأمورهما وأمور ما فيهما فمما لا يلائم المقام ولا ~~يساعده حسن النظام. # { مثل نوره } أي نوره الفائض منه تعالى على الأشياء المستنيرة ~~به وهو القرآن المبين كما يعرب عنه ما قبله من وصف آياته بالإنزال ~~والتبيين وقد صرح بكونه نورا أيضا في قوله تعالى: # وأنزلنا إليكم نورا مبينا # [النساء: 174] وبه قال ابن عباس رضي الله عنهما والحسن وزيد بن ~~أسلم رحمهم الله تعالى، وجعله عبارة عن الحق وإن شاع استعارته ~~كاستعارة الظلمة للباطل يأباه مقام بيان شأن الآيات ووصفها بما ~~ذكر من التبيين مع عدم سبق ذكر الحق ولأن المعتبر في مفهوم ~~النور هو الظهور والإظهار كما هو شأن القرآن الكريم. # وأما الحق فالمعتبر في مفهومه من حيث هو حق هو الظهور لا ~~الإظهار، والمراد بالمثل الصفة العجيبة أي صفة نوره العجيبة { ~~كمشكاة } أي صفة كوة غير نافذة في الجدار في الإنارة ~~والتنوير { فيها مصباح } سراج ضخم ثاقب، وقيل المشكاة ~~الأنبوبة في وسط القنديل والمصباح الفتيلة المشتعلة { ~~المصباح فى زجاجة } أي قنديل من الزجاج الصافي الأزهر. ~~وقرىء بفتح الزاي وكسرها في الموضعين { الزجاجة كأنها ~~كوكب درى } متلألىء وقاد شبيه بالدر في صفائه وزهرته. ~~ودراري الكواكب عظامها المشهورة. وقرىء درىء بدال مكسورة وراء ~~مشددة وياء ممدودة بعدها همزة، على أنه فعيل من الدرء وهو ~~الدفع أي مبالغ في دفع الظلام بضوئه أو في دفع بعض أجزاء ~~ضيائه لبعض عند البريق واللمعان. وقرىء بضم الدال، والباقي ~~على حاله، وفي إعادة المصباح والزجاجة معروفين إثر سبقهما ~~منكرين والإخبار عنهما بما بعدهما مع انتظام الكلام بأن يقال ~~كمشكاة فيها مصباح في زجاجة كأنها كوكب دري - من تفخيم ~~شأنهما ورفع مكانهما بالتفسير إثر الإبهام والتفصيل بعد ~~الإجمال وإثبات ما بعدهما لهما بطريق الإخبار المنبىء عن القصد ~~الأصلي دون الوصف المبني على الإشارة إلى الثبوت في الجملة - ما ~~لا يخفى. ومحل الجملة الأولى الرفع على أنها صفة لمصباح، ~~ومحل الثانية الجر على أنها صفة لزجاجة واللام ms2364 مغنية عن ~~الرابط كأنه قيل فيها مصباح هو في زجاجة هي كأنها كوكب ~~دري. # { يوقد من شجرة } أي يبتدأ إيقاد المصباح من شجرة { ~~مبركة } أي كثيرة المنافع بأن رويت ذبالته بزيتها، وقيل ~~إنما وصفت بالبركة لأنها تنبت في الأرض التي بارك الله ~~تعالى فيها للعالمين { زيتونة } بدل من شجرة وفي إبهامها ~~ووصفها بالبركة ثم الإبدال منها تفخيم لشأنها. وقرىء توقد ~~بالتاء على أن الضمير القائم مقام الفاعل للزجاجة دون ~~المصباح. وقرىء توقد على صيغة الماضي من التفعل أي ابتداء ~~ثقوب المصباح منها. وقرىء توقد بحذف إحدى التاءين من تتوقد على ~~إسناده إلى الزجاجة { لا شرقية ولا غربية } تقع ~~الشمس عليها حينا دون حين بل بحيث تقع عليها طول النهار ~~كالتي على قلة أو صحراء واسعة فتقع الشمس عليها حالتي الطلوع ~~والغروب وهذا قول ابن عباس رضي الله عنهما، وسعيد بن جبير، وقتادة. ~~وقال الفراء والزجاج: لا شرقية وحدها ولا غربية وحدها لكنها ~~شرقية وغربية أي تصيبها الشمس عند طلوعها وعند غروبها فتكون ~~شرقية وغربية تأخذ حظها من الأمرين فيكون زيتها أضوأ. وقيل لا ~~نابتة في شرق المعمورة ولا في غربها بل في وسطها وهو الشام فإن ~~زيوتها أجود ما يكون وقيل لا في مضحى تشرق الشمس عليها دائما ~~فتحرقها ولا في مقنأة تغيب عنها دائما فتتركها نيئة. وفي ~~الحديث: # " لا خير في شجرة ولا في نبات في مقنأة ولا خير فيهما في مضحى " # { يكاد زيتها يضىء ولو لم تمسسه نار } أي هو في ~~الصفاء والإنارة بحيث يكاد يضيء بنفسه من غير مساس نار أصلا. ~~وكلمة لو في أمثال هذه المواقع ليست لبيان انتفاء شيء في الزمان ~~الماضي لانتفاء غيره فيه فلا يلاحظ لها جواب قد حذف ثقة بدلالة ما ~~قبلها عليه ملاحظة قصدية إلا عند القصد إلى بيان الإعراب على ~~القواعد الصناعية بل هي لبيان تحقق ما يفيده الكلام السابق من ~~الحكم الموجب أو المنفي على كل حال مفروض من الأحوال المقارنة له ~~إجمالا بإدخالها على أبعدها منه إما لوجود ms2365 المانع كما في قوله تعالى: # أينما تكونوا يدرككم الموت ولو كنتم فى ~~بروج مشيدة # [النساء: 78] وإما لعدم الشرط كما في هذه الآية الكريمة ليظهر بثبوته ~~أو انتفائه معه ثبوته أو انتفاؤه مع ما عداه من الأحوال بطريق ~~الأولوية لما أن الشيء متى تحقق مع ما ينافيه من وجود المانع ~~أو عدم الشرط فلأن يتحقق بدون ذلك أولى ولذلك لا يذكر معه شيء ~~آخر من سائر الأحوال ويكتفى عنه بذكر الواو العاطفة للجملة على ~~نظيرتها المقابلة لها المتناولة لجميع الأحوال المغايرة لها عند ~~تعددها وهذا معنى قولهم أنها لاستقصاء الأحوال على سبيل الإجمال ~~وهذا أمر مطرد في الخبر الموجب والمنفي فإنك إذا قلت: فلان جواد ~~يعطي ولو كان فقيرا أو بخيل لا يعطي ولو كان غنيا تريد بيان ~~تحقق الإعطاء في الأول وعدم تحققه في الثاني في جميع الأحوال ~~المفروضة والتقدير يعطي لو لم يكن فقيرا، ولا يعطي لو لم يكن ~~غنيا فالجملة مع ما عطفت هي عليه في حيز النصب على الحالية ~~من المستكن في الفعل الموجب أو المنفي أي يعطي أو لا يعطي كائنا ~~على جميع الأحوال. وتقدير الآية الكريمة يكاد زيتها يضيء لو مسته ~~نار ولو لم تمسسه نار أي يضيء كائنا على كل حال من وجود الشرط ~~وعدمه وقد حذفت الجملة الأولى حسبما هو المطرد في الباب لدلالة ~~الثانية عليها دلالة واضحة { نور } خبر مبتدأ محذوف. وقوله ~~تعالى: { على نور } متعلق بمحذوف هو صفة له مؤكدة لما أفاده ~~التنكير من الفخامة. والجملة فذلكة للتمثيل وتصريح بما حصل منه ~~وتمهيد لما يعقبه أي ذلك النور الذي عبر به من القرآن ومثلت ~~صفته العجيبة الشأن بما فصل من صفة المشكاة نور عظيم كائن على ~~نور كذلك لا على أنه عبارة عن نور واحد معين، أو غير معين فوق ~~نور آخر مثله ولا عن مجموع نورين اثنين فقط بل عن نور متضاعف من ~~غير تحديد لتضاعفه بحد معين، وتحديد مراتب تضاعف ما مثل به من ~~نور المشكاة بما ذكر لكونه ms2366 أقصى مراتب تضاعفه عادة فإن المصباح ~~إذا كان في مكان متضايق كالمشكاة كان أضوأ له وأجمع لنوره بسبب ~~انضمام الشعاع المنعكس منه إلى أصل الشعاع بخلاف المكان ~~المتسع فإن الضوء ينبث فيه وينتشر والقنديل أعون شيء على ~~زيادة الإنارة وكذلك الزيت وصفاؤه، وليس وراء هذه المراتب مما يزيد ~~نورها إشراقا ويمده بإضاءة مرتبة أخرى عادة هذا وجعل النور ~~عبارة عن النور المشبه به مما لا يليق بشأن التنزيل الجليل { ~~يهدى الله لنوره } أي يهدي هداية خاصة موصلة إلى المطلوب ~~حتما لذلك النور المتضاعف العظيم الشأن. # وإظهاره في مقام الإضمار لزيادة تقريره وتأكيد فخامته الذاتية ~~بفخامته الإضافية الناشئة من إضافته إلى ضميره عز وجل { من ~~يشآء } هدايته من عباده بأن يوفقهم لفهم ما فيه من دلائل حقيقته ~~وكونه من عند الله تعالى من الإعجاز والإخبار عن الغيب وغير ذلك من ~~موجبات الإيمان به وفيه إيذان بأن مناط هذه الهداية وملاكها ~~ليس إلا مشيئته تعالى وأن تظاهر الأسباب بدونها بمعزل من الإفضاء ~~إلى المطالب. # { ويضرب الله الأمثال للناس } في تضاعيف الهداية حسبما ~~يقتضي حالهم فإن له دخلا عظيما في باب الإرشاد لأنه إبراز ~~للمعقول في هيئة المحسوس وتصوير لأوابد المعاني بصورة المأنوس ولذلك ~~مثل نوره المعبر به عن القرآن المبين بنور المشكاة. وإظهار ~~الاسم الجليل في مقام الإضمار للإيذان باختلاف حال ما أسند إليه ~~تعالى من الهداية الخاصة وضرب الأمثال الذي هو من قبيل الهداية ~~العامة كما يفصح عنه تعليق الأولى بمن يشاء والثانية بالناس ~~كافة { والله بكل شيء عليم } معقولا كان أو محسوسا ~~ظاهرا كان أو باطنا، ومن قضيته أن تتعلق مشيئته بهداية من يليق ~~بها ويستحقها من الناس دون من عداهم لمخالفته الحكمة التي ~~عليها مبنى التكوين والتشريع وأن تكون هدايته العامة على ~~فنون مختلفة وطرائق شتى حسبما تقتضيه أحوالهم. والجملة اعتراض ~~تذييلي مقرر لما قبله، وإظهار الاسم الجليل لتأكيد استقلال الجملة ~~والإشعار بعلة الحكم وبما ذكر من اختلاف حال المحكوم به ذاتا ~~وتعلقا. ### || [24.36] # { فى بيوت أذن الله أن ms2367 ترفع ويذكر فيها اسمه } ~~لما ذكر شأن القرآن الكريم في بيانه للشرائع والأحكام ومباديها ~~وغاياتها المترتبة عليها من الثواب والعقاب وغير ذلك من أحوال ~~الآخرة وأهوالها وأشير إلى كونه في غاية ما يكون من التوضيح ~~والإظهار حيث مثل بما فصل من نور المشكاة، وأشير إلى أن ذلك ~~النور مع كونه في أقصى مراتب الظهور إنما يهتدي بهداه من ~~تعلقت مشيئة الله تعالى بهدايته دون من عداه عقب ذلك بذكر ~~الفريقين وتصوير بعض أعمالهم المعربة عن كيفية حالهم في الاهتداء ~~وعدمه. والمراد بالبيوت المساجد كلها حسبما روي عن ابن عباس ~~رضي الله عنهما وقيل: هي المساجد التي بناها نبي من أنبياء الله ~~تعالى: الكعبة التي بناها إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام وبيت ~~المقدس الذي بناه داود وسليمان عليهما السلام ومسجد المدينة ~~ومسجد قباء اللذان بناهما رسول الله صلى الله عليه وسلم. وتنكيرها ~~للتفخيم والمراد بالإذن في رفعها الأمر ببنائها رفيعة لا كسائر ~~البيوت وقيل: هو الأمر برفع مقدارها بعبادة الله تعالى فيها فيكون ~~عطف الذكر عليه من قبيل العطف التفسيري. وأيا ما كان ففي ~~التعبير عنه بالإذن تلويح بأن اللائق بحال المأمور أن يكون ~~متوجها إلى المأمور به قبل ورود الأمر به ناويا لتحقيقه كأنه ~~مستأذن في ذلك فيقع الأمر به موقع الإذن فيه. والمراد بذكر اسمه ~~تعالى ما يعم جميع أذكاره تعالى. وكلمة في متعلقة بقوله تعالى: { ~~يسبح له } وقوله تعالى: { فيها } تكرير لها للتأكيد ~~والتذكير لما بينهما من الفاصلة وللإيذان بأن التقديم ~~للاهتمام لا لقصر التسبيح على الوقوع في البيوت فقط. وأصل ~~التسبيح التنزيه والتقديس، يستعمل باللام وبدونها أيضا ~~كما في قوله تعالى: # سبح اسم ربك الأعلى # [الأعلى: 1] قالوا: أريد به الصلوات المفروضة كما ينبىء عنه ~~تعيين الأوقات بقوله تعالى: { بالغدو والأصال } أي ~~بالغدوات والعشايا على أن الغدو إما جمع غداة كقني في ~~جمع قناة كما قيل. أو مصدر أطلق على الوقت حسبما يشعر به اقترانه ~~بالآصال وهو جمع أصيل وهو العشي وهو شامل لأوقات ما عدا صلاة ~~الفجر المؤداة ms2368 بالغداة، ويجوز أن يراد به نفس التنزيه على ~~أنه عبارة عما يقع منه في أثناء الصلوات وأوقاتها لزيادة شرفه ~~وإنافته على سائر أفراده أو عما يقع في جميع الأوقات. وإفراد ~~طرفي النهار بالذكر لقيامهما مقام كلها لكونهما العمدة ~~فيها بكونهما مشهورين وكونهما أشهر ما يقع فيه المباشرة للأعمال ~~والاشتغال بالأشغال. وقرىء والإيصال وهو الدخول في الأصيل. ### || [24.37-38] # قوله تعالى: { رجال } فاعل يسبح، وتأخيره عن الظروف لما مر ~~مرارا من الاعتناء بالمقدم والتشويق إلى المؤخر ولأن في وصفه ~~نوع طول فيخل تقديمه بحسن الانتظام. وقرىء يسبح على البناء ~~للمفعول بإسناده إلى أحد الظروف. ورجال مرفوع بما ينبىء عنه حكاية ~~الفعل من غير تسمية الفاعل على طريقة قوله: [الطويل] # ليبك يزيد ضارع لخصومة # [ومختبط مما تطيح الطوائح] # كأنه قيل: من يسبح له؟ فقيل: يسبح له رجال. وقرىء تسبح ~~بتأنيث الفعل مبنيا للفاعل لأن جمع التكسير قد يعامل معاملة ~~المؤنث ومبنيا للمفعول على أن يسند إلى أوقات الغدو والآصال ~~بزيادة الباء وتجعل الأوقات مسبحة مع كونها فيها أو يسند إلى ~~ضمير التسبيحة أي تسبح له التسبيحة على المجاز المسوغ ~~لإسناده إلى الوقتين كما خرجوا قراءة أبي جعفر ليجزى قوما أي ~~ليجزى الجزاء قوما بل هذا أولى من ذلك إذ ليس هنا مفعول صريح { ~~لا تلهيهم تجرة } صفة لرجال مؤكدة لما أفاده ~~التنكير من الفخامة مفيدة لكمال تبتلهم إلى الله تعالى ~~واستغراقهم فيما حكي عنهم من التسبيح من غير صارف يلويهم ولا عاطف ~~يثنيهم كائنا ما كان وتخصيص التجارة بالذكر لكونها أقوى ~~الصوارف عندهم وأشهرها أي لا يشغلهم نوع من أنواع التجارة { ~~ولا بيع } أي ولا فرد من أفراد البياعات وإن كان في غاية ~~الربح. وإفراده بالذكر مع اندراجه تحت التجارة للإيذان ~~بإنافته على سائر أنواعها لأن ربحه متيقن ناجز وربح ما عداه ~~متوقع في ثاني الحال عند البيع فلم يلزم من نفي إلهاء ما عداه ~~نفي إلهائه ولذلك كررت كلمة لا لتذكير النفي وتأكيده وقد نقل ~~عن الواقدي أن المراد بالتجارة هو الشراء ms2369 لأنه أصلها ~~ومبدؤها. وقيل: هو الجلب لأنه الغالب فيها ومنه يقال: تجر في ~~كذا أي جلبه. # { عن ذكر الله } بالتسبيح والتحميد { وإقام الصلوة ~~} أي إقامتها لمواقيتها من غير تأخير وقد أسقطت التاء المعوضة ~~عن العين الساقطة بالإعلال وعوض عنها الإضافة كما في قوله: ~~[البسيط] # [إن الخليط أجدوا البين فانجردوا] # وأخلفوك عد الأمر الذي وعدوا # أي عدة الأمر { وإيتآء الزكاة } أي المال الذي فرض إخراجه ~~للمستحقين، وإيراده ههنا وإن لم يكن مما يفعل في البيوت لكونه ~~قرينة لا تفارق إقامة الصلاة في عامة المواضع مع ما فيه من ~~التنبيه على أن محاسن أعمالهم غير منحصرة فيما يقع في المساجد ~~وكذلك قوله تعالى: { يخافون } الخ، فإنه صفة ثانية لرجال أو حال ~~من مفعول لا تلهيهم، وأيا ما كان فليس خوفهم مقصورا على كونهم في ~~المساجد وقوله تعالى: { يوما } مفعول ليخافون لا ظرف له. وقوله ~~تعالى: { تتقلب فيه القلوب والأبصر } صفة ليوما أي ~~تضطرب وتتغير في أنفسها من الهول والفزع وتشخص كما في قوله تعالى: # وإذ زاغت الأبصر وبلغت القلوب الحناجر # [الأحزاب: 10] أو تتغير أحوالها وتتقلب فتتفقه القلوب بعد أن ~~كانت مطبوعا عليها وتبصر الأبصار بعد أن كانت عمياء أو تتقلب ~~القلوب بين توقع النجاة وخوف الهلاك والإبصار من أي ناحية ~~يؤخذ بهم ويؤتى كتابهم. # { ليجزيهم الله } متعلق بمحذوف يدل عليه ما حكي من ~~أعمالهم المرضية أي يفعلون ما يفعلون من المداومة على التسبيح ~~والذكر وإيتاء الزكاة والخوف من غير صارف لهم عن ذلك ليجزيهم ~~الله تعالى { أحسن ما عملوا } أي أحسن جزاء أعمالهم حسبما ~~وعد لهم بمقابلة حسنة واحدة عشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف { ~~ويزيدهم من فضله } أي يتفضل عليهم بأشياء لم توعد لهم ~~بخصوصياتها أو بمقاديرها ولم تخطر ببالهم كيفياتها ولا ~~كمياتها بل إنما وعدت بطريق الإجمال في مثل قوله تعالى: # للذين أحسنوا الحسنى وزيادة # [يونس: 26] وقوله عليه الصلاة والسلام حكاية عنه عز وجل: # " أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر ~~على قلب بشر " # وغير ذلك ms2370 من المواعيد الكريمة التي من جملتها قوله تعالى: { ~~والله يرزق من يشاء بغير حساب } فإنه تذييل ~~مقرر للزيادة ووعد كريم بأنه تعالى يعطيهم غير أجزية أعمالهم ~~من الخيرات ما لا يفي من الحساب وأما عدم سبق الوعد بالزيادة ولو ~~إجمالا وعدم خطورها ببالهم ولو بوجه ما فيأباه نظمها في سلك ~~الغاية. والموصول عبارة عمن ذكرت صفاتهم الجميلة كأنه قيل: ~~والله يرزقهم بغير حساب، ووضعه موضع ضميرهم للتنبيه بما في حيز ~~الصلة على أن مناط الرزق المذكور محض مشيئته تعالى لا ~~أعمالهم المحكية كما أنها المناط لما سبق من الهداية لنوره تعالى ~~لا لتظاهر الأسباب وللإيذان بأنهم ممن شاء الله تعالى أن يرزقهم ~~كما أنهم ممن شاء الله تعالى أن يهديهم لنوره حسبما يعرب عنه ~~ما فصل من أعمالهم الحسنة فإن جميع ما ذكر من الذكر ~~والتسبيح وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وخوف اليوم الآخر ~~وأهواله ورجاء الثواب مقتبس من القرآن الكريم الذي هو المعني ~~بالنور وبه يتم بيان أحوال من اهتدى بهداه على أوضح وجه ~~وأجلاه هذا، وقد قيل: قوله تعالى: { فى بيوت } الخ، من تتمة ~~التمثيل وكلمة في متعلقة بمحذوف هي صفة لمشكاة أي كائنة في ~~بيوت، وقيل: لمصباح، وقيل: لزجاجة، وقيل: متعلقة بيوقد والكل ~~مما لا يليق بشأن التنزيل الجليل كيف لا وأن ما بعد قوله تعالى: # ولو لم تمسسه نار # [النور: 35] على ما هو الحق أو ما بعد قوله تعالى: # نور على نور # [النور: 35] على ما قيل إلى قوله تعالى: # بكل شىء عليم # [النور: 35] كلام متعلق بالممثل قطعا فتوسيطه بين أجزاء ~~التمثيل مع كونه من قبيل الفصل بين الشجر ولحائه بالأجنبي ~~يؤدي إلى كون ذكر حال المنتفعين بالتمثيل المهديين بنور القرآن ~~الكريم بطريق الاستتباع والاستطراد مع كون بيان أضدادهم مقصودا ~~بالذات، ومثل هذا مما لا عهد به في كلام الناس فضلا أن ~~يحمل عليه الكلام المعجز. ### || [24.39] # { والذين كفروا } عطف على ما ينساق إليه ما قبله كأنه قيل: ~~الذين أمنوا أعمالهم حالا ومآلا كما وصف والذين كفروا { ~~أعملهم ms2371 } أي أعمالهم التي هي من أبواب البر كصلة الأرحام ~~وفك العناة وسقاية الحاج وعمارة البيت وإغاثة الملهوفين وقرى ~~الأضياف ونحو ذلك مما لو قارنه الإيمان لاستتبع الثواب كما في ~~قوله تعالى: # مثل الذين كفروا بربهم أعمالهم كرماد # [إبراهيم: 18] الآية { كسراب } وهو ما يرى في الفلوات من ~~لمعان الشمس عليها وقت الظهيرة فيظن أنه ماء يسرب أو يجري ~~{ بقيعة } متعلق بمحذوف هو صفة لسراب أي كائن في قاع وهي الأرض ~~المنبسطة المستوية، وقيل: هي جمع قاع كجيرة جمع جار. وقرىء ~~بقيعات بتاء ممدودة كديمات إما على أنها جمع قيعة أو على أن ~~الأصل قيعة قد أشبعت فتحة العين فتولد منها ألف { يحسبه ~~الظمان ماء } صفة أخرى لسراب وتخصيص الحسبان بالظمآن مع شموله ~~لكل من يراه كائنا من كان من العطشان والريان لتكميل التشبيه ~~بتحقيق شركة طرفيه في وجه الشبه الذي هو المطلع المطمع والمقطع ~~المؤنس { حتى إذا جاء } أي إذا جاء العطشان ما حسبه ماء، ~~وقيل: موضعه { لم يجده } أي ما حسبه ماء وعلق به رجاءه { ~~شيئا } أصلا لا محققا، ولا متوهما كما كان يراه من قبل فضلا ~~عن وجدانه ماء وبه تم بيان أحوال الكفر بطريق التمثيل وقوله ~~تعالى: { ووجد الله عنده فوفه حسابه والله ~~سريع الحساب } بيان لبقية أحوالهم العارضة لهم بعد ذلك ~~بطريق التكملة لئلا يتوهم أن قصارى أمرهم هو الخيبة والقنوط ~~كما هو شأن الظمآن ويظهر أنه يعتريهم بعد ذلك من سوء الحال ما لا ~~قدر عنده للخيبة أصلا فليست الجملة معطوفة على لم يجده شيئا بل ~~على ما يفهم منه بطريق التمثيل من عدم وجدان الكفرة من أعمالهم ~~المذكورة عينا ولا أثرا كما في قوله تعالى: # وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء ~~منثورا # [الفرقان: 23] كيف لا وأن الحكم بأن أعمال الكفرة كسراب يحسبه ~~الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئا حكم بأنها بحيث يحسبونها ~~في الدنيا نافعة لهم في الآخرة حتى إذا جاءوها لم يجدوها شيئا ~~كأنه قيل: حتى إذا جاء الكفرة يوم ms2372 القيامة أعمالهم التي كانوا ~~في الدنيا يحسبونها نافعة لهم في الآخرة لم يجدوها شيئا ووجدوا ~~الله أي حكمه وقضاءه عند المجيء وقيل: عند العمل فوفاهم أي ~~أعطاهم وافيا كاملا حسابهم أي حساب أعمالهم المذكورة وجزاءها ~~فإن اعتقادهم لنفعها بغير إيمان وعملهم بموجبه كفر على كفر موجب ~~للعقاب قطعا وإفراد الضميرين الراجعين إلى الذين كفروا إما ~~لإرادة الجنس كالظمآن الواقع في التمثيل وإما للحمل على كل ~~واحد منهم وكذا إفراد ما يرجع إلى أعمالهم، هذا وقد قيل: نزلت في ~~عتبة بن أبي ربيعة بن أمية كان قد تعبد في الجاهلية ولبس ~~المسوح والتمس الدين فلما جاء الإسلام كفر. ### || [24.40] # { أو كظلمت } عطف على كسراب وكلمة أو للتنويع إثر ما ~~مثلت أعمالهم التي كانوا يعتمدون عليها أقوى اعتماد ويفتخرون بها ~~في كل واد وناد بما ذكر من حال السراب مع زيادة حساب وعقاب ~~مثلت أعمالهم القبيحة التي ليس فيها شائبة خيرية يغتر بها ~~المغترون بظلمات كائنة { فى بحر لجى } أي عميق كثير الماء ~~منسوب إلى اللج وهو معظم ماء البحر وقيل: إلى اللجة وهي ~~أيضا معظمه { يغشه } صفة أخرى للبحر أي يستره ويغطيه ~~بالكلية { موج } وقوله تعالى: { من فوقه موج } جملة من ~~مبتدأ وخبر محلها الرفع على أنها صفة لموج أو الصفة هي ~~الجار والمجرور وموج الثاني فاعل له لاعتماده على الموصوف ~~والكلام فيه كما مر في قوله تعالى: # نور على نور # [النور: 35] أي يغشاه أمواج متراكمة متراكبة بعضها على بعض، وقوله ~~تعالى: { من فوقه سحاب } صفة لموج الثاني على أحد الوجهين ~~المذكورين أي من فوق ذلك الموج سحاب ظلماني ستر أضواء النجوم ~~وفيه إيماء إلى غاية تراكم الأمواج وتضاعفها حتى كأنها بلغت ~~السحاب { ظلمت } خبر مبتدإ محذوف أي هي ظلمات { بعضها ~~فوق بعض } أي متكاثفة متراكمة وهذا بيان لكمال شدة الظلمات ~~كما أن قوله تعالى: # نور على نور # [النور: 35] بيان لغاية قوة النور خلا أن ذلك متعلق ~~بالمشبه وهذا بالمشبه به كما يعرب عنه ما بعده. وقرىء بالجر ~~على الإبدال من ms2373 الأولى، وقرىء بإضافة السحاب إليها { إذا ~~أخرج } أي من ابتلي بها. وإضماره من غير ذكره لدلالة المعنى ~~عليه دلالة واضحة { يده } وجعلها بمرأى منه قريبة من عينه لينظر ~~إليها { لم يكد يراها } وهي أقرب شيء منه فضلا عن أن يراها { ~~ومن لم يجعل الله له نورا } الخ، اعتراض تذييلي جيء ~~به لتقرير ما أفاده التمثيل من كون أعمال الكفرة كما فصل، ~~وتحقيق أن ذلك لعدم هدايته تعالى إياهم لنوره، وإيراد الموصول ~~للإشارة بما في حيز الصلة إلى علة الحكم وأنهم ممن لم يشأ ~~الله تعالى هدايتهم أي ومن لم يشأ الله أن يهديه لنوره الذي هو ~~القرآن هداية خاصة مستتبعة للاهتداء حتما ولم يوفقه للإيمان به { ~~فما له من نور } أي فما له هداية ما من أحد أصلا. ### || [24.41] # قوله تعالى: { ألم تر } الخ، استئناف خوطب به النبي عليه ~~الصلاة والسلام للإيذان بأنه تعالى قد أفاض عليه الصلاة ~~والسلام أعلى مراتب النور وأجلاها وبين له من أسرار الملك ~~والملكوت أدقها وأخفاها. والهمزة للتقرير أي قد علمت علما ~~يقينيا شبيها بالمشاهدة في القوة والرصانة بالوحي الصريح ~~والاستدلال الصحيح { أن الله يسبح له } أي ينزهه تعالى ~~على الدوام في ذاته وصفاته وأفعاله عن كل ما لا يليق بشأنه الجليل ~~من نقص أو خلل { من فى السموات والأرض } أي ما فيهما إما ~~بطريق الاستقرار فيهما من العقلاء وغيرهم كائنا ما كان أو بطريق ~~الجزئية منهما تنزيها معنويا تفهمه العقول السليمة فإن كل ~~موجود من الموجودات الممكنة مركبا كان أو بسيطا فهو من حيث ~~ماهيته ووجوده وأحواله يدل على وجود صانع واجب الوجود متصف ~~بصفات الكمال مقدس عن كل ما لا يليق بشأن من شؤونه الجليلة وقد ~~نبه على كمال قوة تلك الدلالة وغاية وضوحها حيث عبر عنها ~~بما يخص العقلاء من التسبيح الذي هو أقوى مراتب التنزيه وأظهرها ~~تنزيلا للسان الحال منزلة لسان المقال وأكد ذلك بإيثار كلمة من ~~على ما كأن كل شيء مما عز وهان وكل فرد من أفراد الأعراض ~~والأعيان ms2374 عاقل ناطق ومخبر صادق بعلو شأنه تعالى وعزة سلطانه، ~~وتخصيص التنزيه بالذكر مع دلالة ما فيهما على اتصافه تعالى ~~بنعوت الكمال أيضا لما أن مساق الكلام لتقبيح حال الكفرة في ~~إخلالهم بالتنزيه بجعلهم الجمادات شركاء له في الألوهية ونسبتهم ~~إياه إلى اتخاذ الولد تعالى عن ذلك علوا كبيرا. # وحمل التسبيح على ما يليق بكل نوع من أنواع المخلوقات بأن ~~يراد به معنى مجازي شامل لتسبيح العقلاء وغيرهم حسبما هو ~~المتبادر من قوله تعالى: { كل قد علم صلاته وتسبيحه ~~} يرده أن بعضا من العقلاء وهم الكفرة من الثقلين لا ~~يسبحونه بذلك المعنى قطعا وإنما تسبيحهم ما ذكر من الدلالة ~~التي يشاركهم فيها غير العقلاء أيضا وفيه مزيد تخطئة لهم وتعبير ~~ببيان أنهم يسبحونه تعالى باعتبار أخس جهاتهم التي هي ~~الجمادية والجسمية والحيوانية ولا يسبحونه باعتبار أشرفها ~~التي هي الإنسانية { والطير } بالرفع عطفا على من وتخصيصها ~~بالذكر مع اندراجها في جملة ما في الأرض لعدم استمرار قرارها فيها ~~واستقلالها بصنع بارع وإنشاء رائع قصد بيان تسبيحها من تلك ~~الجهة لوضوح إنبائها عن كمال قدرة صانعها ولطف تدبير مبدعها ~~حسبما يعرب عنه التقييد بقوله تعالى: { صافت } أي تسبحه ~~تعالى حال كونها صافات أجنحتها فإن إعطاءه تعالى للأجرام الثقيلة ~~ما تتمكن به من الوقوف في الجو والحركة كيف تشاء من الأجنحة ~~والأذناب الخفيفة وإرشادها إلى كيفية استعمالها بالقبض والبسط ~~حجة نيرة واضحة المكنون وآية بينة لقوم يعقلون دالة على ~~كمال قدرة الصانع المجيد وغاية حكمة المبدىء المعيد، وقوله ~~تعالى: { كل قد علم صلاته وتسبيحه } بيان لكمال ~~عراقة كل واحد مما ذكر في التنزيه ورسوخ قدمه فيه بتمثيل حاله ~~بحال من يعلم ما يصدر عنه من الأفاعيل فيفعلها عن قصد ونية لا ~~عن اتفاق بلا روية وقد أدمج في تضاعيفه الإشارة إلى أن لكل ~~واحد من الأشياء المذكورة مع ما ذكر من التنزيه حاجة ذاتية إليه ~~تعالى واستفاضة منه لما يهمه بلسان استعداده وتحقيقه أن كل واحد من ~~الموجودات الممكنة في حد ذاته بمعزل من ms2375 استحقاق الوجود لكنه ~~مستعد لأن يفيض عليه منه تعالى ما يليق بشأنه من الوجود وما يتبعه ~~من الكمالات ابتداء وبقاء فهو مستفيض منه تعالى على الاستمرار فيفيض ~~عليه في كل آن من فيوض الفنون المتعلقة بذاته وصفاته ما لا يحيط ~~به نطاق البيان بحيث لو انقطع ما بينه وبين العناية الربانية ~~من العلاقة لانعدم بالمرة وقد عبر عن تلك الاستفاضة المعنوية ~~بالصلاة التي هي الدعاء والابتهال لتكميل التمثيل وإفادة ~~المزايا المذكورة فيما مر على التفصيل وتقديمها على التسبيح في ~~الذكر لتقدمها عليه في الرتبة هذا ويجوز أن يكون العلم على ~~حقيقته ويراد به مطلق الإدراك وبما ناب عنه التنوين في كل أنواع ~~الطير وأفرادها وبالصلاة والتسبيح ما ألهمه الله تعالى كل ~~واحد منها من الدعاء والتسبيح المخصوصين به لكن لا على أن ~~يكون الطير معطوفا على كلمة من مرفوعا برافعها فإنه يؤدي ~~إلى أن يراد بالتسبيح معنى مجازي شامل للتسبيح المقالي ~~والحالي من العقلاء وغيرهم وقد عرفت ما فيه، بل بفعل مضمر أريد به ~~التسبيح المخصوص بالطير معطوف على المذكور كما مر في قوله ~~تعالى: # وكثير من الناس # [الحج: 18] أي وتسبيح الطير تسبيحا خاصا بها حال كونها ~~صافات أجنحتها وقوله تعالى: { كل قد علم صلاته ~~وتسبيحه } أي دعاءه وتسبيحه اللذين ألهمهما الله عز وجل ~~إياه لبيان كمال رسوخه فيهما وأن صدورهما عنه ليس بطريق الإتفاق ~~بلا روية بل عن علم وإيقان من غير إخلال بشيء منهما حسبما ألهمه ~~الله تعالى فإن إلهامه تعالى لكل نوع من أنواع المخلوقات علوما ~~دقيقة لا يكاد يهتدي إليه جهابذة العقلاء مما لا سبيل إلى ~~إنكاره أصلا، كيف لا وإن القنفذ مع كونه أبعد الأشياء من الإدراك ~~قالوا: إنه يحس بالشمال والجنوب قبل هبوبها فيغير المدخل إلى ~~جحره حتى روي أنه كان بقسطنطينية قبل الفتح الإسلامي رجل ~~قد أثرى بسبب أنه كان ينذر الناس بالرياح قبل هبوبها وينتفعون ~~بإنذاره بتدارك أمور سفائنهم وغيرها وكان السبب في ذلك أنه ~~كان يقتني في داره قنفذا يستدل بأحواله ms2376 على ما ذكر، وتخصيص ~~تسبيح الطير بهذا المعنى بالذكر لما أن أصواتها أظهر ~~وجودا وأقرب حملا على التسبيح وقوله تعالى: { والله عليم ~~بما يفعلون } أي ما يفعلونه اعتراض مقرر لمضمون ما قبله، وما ~~على الوجه الأول عبارة عما ذكر من الدلالة الشاملة لجميع ~~الموجودات من العقلاء وغيرهم والتعبير عنها بالفعل مسندا إلى ~~ضمير العقلاء لما مر غير مرة وعلى الثاني إما عبارة عنها وعن ~~التسبيح الخاص بالطير معا أو عن تسبيح الطير فقط فالفعل على ~~حقيقته وإسناده إلى ضمير العقلاء لما مر والاعتراض حينئذ مقرر ~~لتسبيح الطير فقط وعلى الأولين لتسبيح الكل. # هذا وقد قيل إن الضمير في قوله تعالى: { قد علم } لله عز ~~وجل وفي صلاته وتسبيحه لكل أي قد علم الله تعالى صلاة كل واحد ~~مما في السموات والأرض وتسبيحه فالاعتراض حينئذ مقرر لمضمونه ~~على الوجهين لكن لا على أن تكون ما عبارة عما تعلق به علمه ~~تعالى من صلاته وتسبيحه بل عن جميع أحواله العارضة له وأفعاله ~~الصادرة عنه وهما داخلتان فيها دخولا أوليا. ### || [24.42-43] # { ولله ملك السموات والأرض } لا لغيره لأنه ~~الخالق لهما ولما فيهما من الذوات والصفات وهو المتصرف في ~~جميعها إيجادا وإعداما بدءا وإعادة. وقوله تعالى: { وإلى ~~الله } أي إليه تعالى خاصة لا إلى غيره { المصير } أي رجوع ~~الكل بالفناء والبعث بيان لاختصاص الملك به تعالى في المعاد إثر ~~بيان اختصاصه به تعالى في المبدإ. وإظهار الاسم الجليل في موقع ~~الإضمار لتربية المهابة والإشعار بعلة الحكم. # { ألم تر أن الله يزجى سحابا } الإزجاء سوق الشيء ~~برفق وسهولة غلب في سوق شيء يسير أو غير معتد به، ومنه البضاعة ~~المزجاة ففيه إيماء إلى أن السحاب بالنسبة إلى قدرته تعالى مما ~~لا يعتد به { ثم يؤلف بينه } أي بين أجزائه بضم بعضها ~~إلى بعض. وقرىء يولف بغير همزة { ثم يجعله ركاما } أي ~~متراكما بعضه فوق بعض { فترى الودق } أي المطر إثر تراكمه ~~وتكاثفه، وقوله تعالى: { يخرج من خلاله } أي من فتوقه. حال ~~من الودق لأن الرؤية ms2377 بصرية وفي تعقيب الجعل المذكور برؤيته ~~خارجا لا بخروجه من المبالغة في سرعة الخروج على طريقة قوله تعالى: # أن اضرب بعصاك البحر فانفلق # [الشعراء: 63] ومن الاعتناء بتقرير الرؤية ما لا يخفى. والخلال ~~جمع خلل كجبال وجبل، وقيل: مفرد كحجاب وحجاز ويؤيده أنه ~~قرىء من خلله { وينزل من السماء } من الغمام فإن كل ما ~~علاك سماء { من جبال } أي من قطع عظام تشبه الجبال في العظم ~~كائنة { فيها } وقوله تعالى: { من برد } مفعول ينزل على أن من ~~تبعيضية والأوليان لابتداء الغاية على أن الثانية بدل اشتمال ~~من الأولى بإعادة الجار أي ينزل مبتدئا من السماء من جبال فيها ~~بعض برد، وقيل: المفعول محذوف ومن برد بيان للجبال أي ينزل ~~مبتدئا من السماء من جبال فيها من جنس البرد بردا والأول ~~أظهر لخلوه عن ارتكاب الحذف والتصريح ببعضية المنزل، وقيل: ~~المفعول من جبال على أن من تبعيضية ومن برد بيان للجبال أي ~~ينزل من السماء بعض جبال كائنة فيها من برد أي مشبهة بالجبال في ~~الكثرة، وأيا ما كان فتقديم الجار والمجرور على المفعول لما مر ~~غير مرة من الاعتناء بالمقدم والتشويق إلى المؤخر، وقيل: ~~المراد بالسماء المظلة وفيها جبال من برد كما أن في الأرض جبالا ~~من حجر وليس في العقل ما ينفيه من قاطع والمشهور أن الأبخرة إذا ~~تصاعدت ولم تحللها حرارة فبلغت الطبقة الباردة من الهواء وقوي ~~البرد اجتمع هناك وصار سحابا وإن لم يشتد البرد تقاطر مطرا وإن ~~اشتد فإن وصل إلى الأجزاء البخارية قبل اجتماعها نزل ثلجا ~~والإنزال بردا وقد يبرد الهواء بردا مفرطا فينقبض وينعقد سحابا ~~وينزل منه المطر أو الثلج وكل ذلك مستند إلى إرادة الله تعالى ~~ومشيئته المبنية على الحكم والمصالح { فيصيب به } أي بما ~~ينزله من البرد { من يشآء } أن يصيبه به فيناله من ضرر في نفسه ~~وماله { ويصرفه عن من يشاء } أن يصرفه عنه فينجو من ~~غائلته { يكاد سنا برقه } أي ضوء برق السحاب الموصوف بما ~~مر من الإزجاء والتأليف وغيرهما. # وإضافة ms2378 البرق إليه قبل الإخبار بوجوده فيه للإيذان بظهور أمره ~~واستغنائه عن التصريح به. وقرىء بالمد بمعنى الرفعة والعلو ~~وبإدغام الدال في السين. وبرقه بفتح الراء على أنه جمع ~~برقة وهي مقدار من البرق كالغرفة وبضمها للإتباع لضمة الباء { ~~يذهب بالأبصر } أي يخطفها من فرط الإضاءة وسرعة ورودها، ~~وفي إطلاق الأبصار مزيد تهويل لأمره وبيان لشدة تأثيره فيها ~~كأنه يكاد يذهب بها ولو عند الإغماض وهذا من أقوى الدلائل على ~~كمال القدرة من حيث أنه توليد للضد من الضد. وقرىء يذهب من ~~الإذهاب على زيادة الباء. ### || [24.44-45] # { يقلب الله اليل والنهار } بالمعاقبة بينهما أو ~~بنقص أحدهما وزيادة الآخر أو بتغير أحوالهما بالحر والبرد وغيرهما ~~مما يقع فيهما من الأمور التي من جملتها ما ذكر من إزجاء ~~السحاب وما ترتب عليه. # { إن فى ذلك } إشارة إلى ما فصل آنفا، وما فيه من معنى ~~البعد مع قرب المشار إليه للإيذان بعلو رتبته وبعد منزلته { ~~لعبرة } أي لدلالة واضحة على وجود الصانع القديم ووحدته ~~وكمال قدرته وإحاطة علمه بجميع الأشياء ونفاذ مشيئته وتنزهه عما ~~لا يليق بشأنه العلي { لأولى الأبصر } لكل من له بصر. # { والله خلق كل دابة } أي كل حيوان يدب على الأرض. ~~وقرىء خالق كل دابة بالإضافة { من ماء } هو جزء مادته أو ماء ~~مخصوص هو النطفة فيكون تنزيلا للغالب منزلة الكل لأن من ~~الحيوانات ما يتولد لا عن نطفة وقيل: من ماء متعلق بدابة وليست ~~صلة لخلق { فمنهم من يمشى على بطنه } كالحية ~~وتسمية حركتها مشيا مع كونها زحفا بطريق الاستعارة أو المشاكلة ~~{ ومنهم من يمشى على رجلين } كالإنس والطير { ~~ومنهم من يمشى على أربع } كالنعم والوحش وعدم ~~التعرض لما يمشي على أكثر من أربع كالعناكب ونحوها من الحشرات ~~لعدم الاعتداد بها. وتذكير الضمير في منهم لتغليب العقلاء، ~~والتعبير عن الأصناف بكلمة من ليوافق التفصيل الإجمال، ~~والترتيب لتقديم ما هو أعرف في القدرة { يخلق الله ما ~~يشاء } مما ذكر ومما لم يذكر بسيطا كان أو مركبا على ما يشاء ~~من الصور ms2379 والأعضاء والهيئات والحركات والطبائع والقوى ~~والأفاعيل مع اتحاد العنصر. وإظهار الاسم الجليل في موضع ~~الإضمار لتفخيم شأن الخلق المذكور والإيذان بأنه من أحكام ~~الألوهية { إن الله على كل شىء قدير } فيفعل ما ~~يشاء كما يشاء. وإظهار الجلالة لما ذكر مع تأكيد استقلال الاستئناف ~~التعليلي. ### || [24.46-49] # { لقد أنزلنا ءايت مبينت } أي لكل ما يليق ~~بيانه من الأحكام الدينية والأسرار التكوينية { والله ~~يهدى من يشاء } أن يهديه بتوفيقه للنظر الصحيح فيها ~~وإرشاده إلى التأمل في مطاويها { إلى صرط مستقيم } موصل ~~إلى حقيقة الحق والفوز بالجنة. # { ويقولون آمنا بالله وبالرسول } شروع في بيان ~~أحوال بعض من لم يشأ الله هدايته إلى الصراط المستقيم. قال ~~الحسن: نزلت في المنافقين الذين كانوا يظهرون الإيمان ويسرون ~~الكفر، وقيل: نزلت في بشر المنافق خاصم يهوديا فدعاه إلى كعب ~~بن الأشرف واليهودي يدعوه إلى النبي عليه الصلاة والسلام. ~~وقيل: في المغيرة بن وائل خاصم عليا رضي الله عنه في أرض وماء ~~فأبى أن يحاكم إلى الرسول عليه الصلاة والسلام، وأيا ما ~~كان فصيغة الجمع للإيذان بأن للقائل طائفة يساعدونه ~~ويشايعونه في تلك المقالة كما يقال: بنو فلان قتلوا فلانا ~~والقاتل واحد منهم { وأطعنا } أي أطعناهما في الأمر والنهي { ~~ثم يتولى } عن قبول حكمه { فريق منهم من بعد ~~ذلك } أي من بعد ما صدر عنهم ما صدر من ادعاء الإيمان بالله ~~وبالرسول والطاعة لهما على التفصيل، وما في ذلك من معنى البعد ~~للإيذان بكونه أمرا معتدا به واجب المراعاة { وما أولئك } ~~إشارة إلى القائلين لا إلى الفريق المتولي منهم فقط لعدم اقتضاء ~~نفي الإيمان عنهم نفيه عن الأولين بخلاف العكس فإن نفيه عن ~~القائلين مقتض لنفيه عنهم على أبلغ وجه وآكده وما فيه من معنى ~~البعد للإشعار ببعد منزلتهم في الكفر والفساد أي وما أولئك الذين ~~يدعون الإيمان والطاعة ثم يتولى بعضهم الذين يشاركون في ~~العقد والعمل { بالمؤمنين } أي المؤمنين حقيقة كما يعرب عنه ~~اللام أي ليسوا بالمؤمنين المعهودين بالإخلاص في الإيمان والثبات ~~عليه. # { وإذا دعوا إلى الله ورسوله ms2380 ليحكم } أي الرسول ~~{ بينهم } لأنه المباشر حقيقة للحكم وإن كان ذلك حكم الله ~~حقيقة. وذكر الله تعالى لتفخيمه عليه السلام والإيذان بجلالة ~~محله عنده تعالى { إذا فريق منهم معرضون } أي فاجأ ~~فريق منهم الإعراض عن المحاكمة إليه عليه السلام لكون الحق عليهم ~~وعلمهم بأنه عليه السلام يحكم بالحق عليهم وهو شرح للتولي ~~ومبالغة فيه. # { وإن يكن لهم الحق } لا عليهم { يأتوا إليه ~~مذعنين } منقادين لجزمهم بأنه عليه السلام يحكم لهم. وإلى ~~صلة ليأتوا فإن الإتيان والمجيء يعديان بإلى، أو لمذعنين على ~~تضمين معنى الإسراع والإقبال كما في قوله تعالى: # فأقبلوا إليه يزفون # [الصافات: 94] والتقديم للاختصاص. ### || [24.50-51] # { أفى قلوبهم مرض } إنكار واستقباح لإعراضهم المذكور ~~وبيان لمنشئه بعد استقصاء عدة من القبائح المحققة فيهم ~~والمتوقعة منهم وترديد المنشئية بينها فمدار الاستفهام ليس نفس ما ~~وليته الهمزة وأم من الأمور الثلاثة بل هو منشئيتها له كأنه ~~قيل: أذلك أي إعراضهم المذكور لأنهم مرضى القلوب لكفرهم ونفاقهم. # { أم } لأنهم { ارتابوا } في أمر نبوته عليه السلام مع ~~ظهور حقيتها { أم } لأنهم { يخافون أن يحيف الله ~~عليهم ورسوله } ثم أضرب عن الكل وأبطلت منشئيته ~~وحكم بأن المنشأ شيء آخر من شنائعهم حيث قيل: { بل ~~أولئك هم الظلمون } أي ليس ذلك لشيء مما ذكر، أما ~~الأولان فلأنه لو كان لشيء منهما لأعرضوا عنه عليه السلام عند ~~كون الحق لهم ولما أتوا إليه عليه السلام مذعنين لحكمه ~~لتحقق نفاقهم وارتيابهم حينئذ أيضا وأما الثالث فلانتفائه ~~رأسا حيث كانوا لا يخافون الحيف أصلا لمعرفتهم بتفاصيل أحواله ~~عليه السلام في الأمانة والثبات على الحق بل لأنهم هم ~~الظالمون يريدون أن يظلموا من له الحق عليهم ويتم لهم جحوده ~~فيأبون المحاكمة إليه عليه الصلاة والسلام لعلمهم بأنه عليه ~~الصلاة والسلام يقضي عليهم بالحق فمناط النفي المستفاد من ~~الإضراب في الأولين هو وصف منشئيتهما للإعراض فقط مع تحققهما ~~في نفسهما وفي الثالث هو الأصل والوصف جميعا هذا وقد خص ~~الارتياب بما له منشأ مصحح لعروضه لهم في الجملة والمعنى أم ~~ارتابوا بأن ms2381 رأوا منه عليه الصلاة والسلام تهمة فزالت ~~ثقتهم ويقينهم به عليه الصلاة والسلام فمدار النفي حينئذ ~~نفس الارتياب ومنشئيته معا فتأمل فيما ذكر على التفصيل ودع ~~عنك ما قيل وقيل حسبما يقتضيه النظر الجليل. # { إنما كان قول المؤمنين } بالنصب على أنه خبر ~~كان، وأن مع ما في حيزها اسمها. وقرىء بالرفع على العكس ~~والأول أقوى صناعة لأن الأولى للاسمية ما هو أوغل في ~~التعريف وذلك هو الفعل المصدر بأن إذ لا سبيل إليه ~~للتنكير بخلاف قول المؤمنين فإنه يحتمله كما إذا اعتزلت عنه ~~الإضافة، لكن قراءة الرفع أقعد بحسب المعنى وأوفى لمقتضى المقام ~~لما أن مصب الفائدة وموقع البيان في الجمل هو الخبر فالأحق ~~بالخبرية ما هو أكثر إفادة وأظهر دلالة على الحدوث وأوفر ~~اشتمالا على نسب خاصة بعيدة من الوقوع في الخارج وفي ذهن ~~السامع. ولا ريب في أن ذلك ههنا في أن مع ما في حيزها أتم ~~وأكمل فإذا هو أحق بالخبرية، وأما ما تفيده الإضافة من النسبة ~~المطلقة الإجمالية فحيث كانت قليلة الجدوى سهلة الحصول خارجا ~~وذهنا كان حقها أن تلاحظ ملاحظة مجملة وتجعل عنوانا للموضوع ~~فالمعنى إنما كان مطلق القول الصادر عن المؤمنين { إذا دعوا ~~إلى الله ورسوله ليحكم } أي الرسول عليه الصلاة ~~والسلام { بينهم } أي وبين خصومهم سواء كانوا منهم أو من ~~غيرهم { أن يقولوا سمعنا وأطعنا } أي خصوصية هذا القول ~~المحكي عنهم لا قولا آخر أصلا. # وأما قراءة النصب فمعناها إنما كان قول المؤمنين أي إنما كان ~~قولا لهم عند الدعوة خصوصية قولهم المحكي عنهم ففيه من جعل أخص ~~النسبتين وأبعدهما وقوعا وحضورا في الأذهان وأحقهما بالبيان ~~مفروغا عنها عنوانا للموضوع وإبراز ما هو بخلافها في معرض القصد ~~الأصلي ما لا يخفى. وقرىء ليحكم على بناء الفعل للمفعول ~~مسندا إلى مصدره مجاوبا لقوله تعالى: { إذا دعوا } أي ليفعل ~~الحكم كما في قوله تعالى: # لقد تقطع بينكم # [الأنعام: 94] أي وقع التقطع بينكم. # { وأولئك } إشارة إلى المؤمنين باعتبار صدور القول ~~المذكور عنهم، وما فيه من معنى ms2382 البعد للإشعار بعلو رتبتهم وبعد ~~منزلتهم في الفضل أي أولئك المنعوتون بما ذكر من النعت الجميل { ~~هم المفلحون } أي هم الفائزون بكل مطلب والناجون من كل ~~محذور. ### || [24.52-53] # { ومن يطع الله ورسوله } استئناف جيء به لتقرير مضمون ما ~~قبله من حسن حال المؤمنين وترغيب من عداهم في الانتظام في سلكهم ~~أي ومن يطعهما كائنا من كان فيما أمرا به من الأحكام الشرعية ~~اللازمة والمتعدية وقيل: في الفرائض والسنن والأول هو الأنسب ~~بالمقام { ويخش الله ويتقه } بإسكان القاف المبني على ~~تشبيهه بكتف. وقرىء بكسر القاف والهاء وبإسكان الهاء أي ويخش ~~الله على ما مضى من ذنوبه ويتقه فيما يستقبل { فأولئك } ~~الموصوفون بما ذكر من الطاعة والخشية والاتقاء { هم ~~الفائزون } بالنعيم المقيم لا من عداهم. # { وأقسموا بالله } حكاية لبعض آخر من أكاذيبهم مؤكد ~~بالإيمان الفاجرة وقوله تعالى: { جهد أيمنهم } نصب على ~~أنه مصدر مؤكد لفعله الذي هو في حيز النصب على أنه حال من ~~فاعل أقسموا أي أقسموا به تعالى يجهدون أيمانهم جهدا ومعنى جهد ~~اليمين بلوغ غايتها بطريق الاستعارة من قولهم: جهد نفسه إذا بلغ ~~أقصى وسعها وطاقتها أي جاهدين بالغين أقصى مراتب اليمين في ~~الشدة والوكادة، وقيل: هو مصدر مؤكد لأقسموا أي أقسموا إقسام ~~اجتهاد في اليمين. قال مقاتل: من حلف بالله فقد اجتهد في اليمين ~~{ لئن أمرتهم } أي بالخروج إلى الغزو لا عن ديارهم وأموالهم ~~كما قيل لأنه حكاية لما كانوا يقولون لرسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: أينما كنت نكن معك لئن خرجت خرجنا وإن أقمت أقمنا وإن ~~أمرتنا بالجهاد جاهدنا وقوله تعالى: { ليخرجن } جواب لأقسموا ~~بطريق حكاية فعلهم لا حكاية قولهم وحيث كانت مقالتهم هذه كاذبة ~~ويمينهم فاجرة أمر عليه السلام بردها حيث قيل: { قل } أي ~~ردا عليهم وزجرا لهم عن التفوه بها وإظهارا لعدم القبول ~~لكونهم كاذبين فيها { لا تقسموا } أي على ما ينبىء عنه ~~كلامكم من الطاعة وقوله تعالى: { طاعة معروفة } خبر ~~مبتدأ محذوف والجملة تعليل للنهي أي لا تقسموا على ما تدعون ~~من الطاعة ms2383 لأن طاعتكم طاعة نفاقية واقعة باللسان فقط من ~~غير مواطأة من القلب، وإنما عبر عنها بمعروفة للإيذان بأن ~~كونها كذلك مشهور معروف لكل أحد. وقرىء بالنصب والمعنى تطيعون ~~طاعة معروفة هذا وحملها على الطاعة الحقيقية بتقدير ما ~~يناسبها من مبتدأ أو خبر أو فعل، مثل الذي يطلب منكم طاعة معروفة ~~حقيقية لا نفاقية أو طاعة معروفة أمثل أو ليكن طاعة معروفة أو ~~أطيعوا طاعة معروفة مما لا يساعده المقام. # { إن الله خبير بما تعملون } من الأعمال الظاهرة ~~والباطنة التي من جملتها ما تظهرونه من الأكاذيب المؤكدة ~~بالأيمان الفاجرة وما تضمرونه في قلوبكم من الكفر والنفاق ~~والعزيمة على مخادعة المؤمنين وغيرها من فنون الشر والفساد، ~~والجملة تعليل للحكم بأن طاعتهم طاعة نفاقية تشعر بأن مدار ~~شهرة أمرها فيما بين المؤمنين إخباره تعالى بذلك ووعيد لهم ~~بأنه تعالى مجازيهم بجميع أعمالهم السيئة التي منها نفاقهم. ### || [24.54] # { قل أطيعوا الله وأطيعوا الرسول } كرر الأمر ~~بالقول لإبراز كمال العناية به والإشعار باختلافهما من حيث أن ~~المقول في الأول نهي بطريق الرد والتقريع كما في قوله تعالى: # اخسئوا فيها ولا تكلمون # [المؤمنون: 108] وفي الثاني أمر بطريق التكليف والتشريع، ~~وإطلاق الطاعة المأمور بها عن وصف الصحة والإخلاص ونحوهما بعد ~~وصف طاعتهم بما ذكر للتنبيه على أنها ليست من الطاعة في شيء ~~أصلا. وقوله تعالى: { فإن تولوا } خطاب للمأمورين بالطاعة ~~من جهته تعالى وارد لتأكيد الأمر بها والمبالغة في إيجاب الامتثال به ~~والحمل عليه بالترهيب والترغيب لما أن تغيير الكلام المسوق ~~لمعنى من المعاني وصرفه عن سننه المسلوك ينبىء عن اهتمام جديد ~~بشأنه من المتكلم ويستجلب مزيد رغبة فيه من السامع كما أشير ~~إليه في تفسير قوله تعالى: # ولو جئنا بمثله مددا # [الكهف: 109] لا سيما إذا كان ذلك بتغيير الخطاب بالواسطة إلى ~~الخطاب بالذات فإن في خطابه تعالى إياهم بالذات بعد أمره ~~تعالى إياهم بوساطته عليه السلام وتصديه لبيان حكم الامتثال ~~بالأمر والتولي عنه إجمالا وتفصيلا من إفادة ما ذكر من التأكيد ~~والمبالغة ما لا غاية وراءه ms2384 وتوهم أنه داخل تحت القول المأمور ~~بحكايته من جهته تعالى وأنه أبلغ في التبكيت تعكيس للأمر والفاء ~~لترتيب ما بعدها على تبليغه عليه السلام للمأمور به إليهم، وعدم ~~التصريح به للإيذان بغاية ظهور مسارعته عليه السلام إلى تبليغ ~~ما أمر به وعدم الحاجة إلى الذكر أي إن تتولوا عن الطاعة ~~إثر ما أمرتم بها { فإنما عليه } أي فاعلموا أنما عليه ~~عليه السلام { ما حمل } أي أمر به من التبليغ وقد شاهدتموه ~~عند قوله: أطيعوا الله والرسول { وعليكم ما حملتم } أي ما ~~أمرتم به من الطاعة، ولعل التعبير عنه بالتحميل للإشعار ~~بثقله وكونه مؤنة باقية في عهدتهم بعد، كأنه قيل: وحيث توليتم ~~عن ذلك فقد بقيتم تحت ذلك الحمل الثقيل. وقوله تعالى: { ما حمل ~~} محمول على المشاكلة { وإن تطيعوه } أي فيما أمركم به من ~~الطاعة { تهتدوا } إلى الحق الذي هو المقصد الأصلي الموصل ~~إلى كل خير والمنجي من كل شر، وتأخيره عن بيان حكم ~~التولي لما في تقديم الترهيب من تأكيد الترغيب وتقريبه مما ~~هو من بابه من الوعد الكريم. وقوله تعالى: { وما على الرسول ~~إلا البلغ المبين } اعتراض مقرر لما قبله من أن ~~غائلة التولي وفائدة الإطاعة مقصورتان عليهم واللام إما للجنس ~~المنتظم له عليه السلام انتظاما أوليا أو للعهد أي ما على جنس ~~الرسول كائنا من كان أو ما عليه عليه السلام إلا التبليغ ~~الموضح لكل ما يحتاج إلى الإيضاح، أو الواضح على أن المبين ~~من أبان بمعنى بان وقد علمتم أنه قد فعله بما لا مزيد عليه وإنما ~~بقي ما حملتم. ### || [24.55] # قوله تعالى: { وعد الله الذين ءامنوا منكم } استئناف ~~مقرر لما في قوله تعالى: # وإن تطيعوه تهتدوا # [النور: 54] من الوعد الكريم ومعرب عنه بطريق التصريح ومبين ~~لتفاصيل ما أجمل فيه من فنون السعادات الدينية والدنيوية ~~التي هي من آثار الاهتداء ومتضمن لما هو المراد بالطاعة التي نيط ~~بها الاهتداء والمراد بالذين آمنوا كل من اتصف بالإيمان بعد ~~الكفر على الإطلاق من أي طائفة كان وفي أي وقت ms2385 كان لا من آمن من ~~طائفة المنافقين فقط ولا من آمن بعد نزول الآية الكريمة فحسب ~~ضرورة عموم الوعد الكريم للكل كافة فالخطاب في منكم لعامة ~~الكفرة لا للمنافقين خاصة ومن تبعيضية. # { وعملوا الصلحات } عطف على آمنوا داخل معه في حيز ~~الصلة وبه يتم تفسير الطاعة التي أمر بها ورتب عليها ما ~~نظم في سلك الوعد الكريم كما أشير إليه. وتوسيط الظرف بين ~~المعطوفين لإظهار أصالة الإيمان وعراقته في استتباع الآثار ~~والأحكام وللإيذان بكونه أول ما يطلب منهم وأهم ما يجب عليهم، ~~وأما تأخيره عنهما في قوله تعالى: # وعد الله الذين ءامنوا وعملوا الصلحت ~~منهم مغفرة وأجرا عظيما # [المائدة: 9] فلأن من هناك بيانية والضمير للذين معه عليه ~~السلام من خلص المؤمنين ولا ريب في أنهم جامعون بين الإيمان ~~والأعمال الصالحة مثابرون عليهما فلا بد من ورود بيانهم بعد ذكر ~~نعوتهم الجليلة بكمالها، هذا ومن جعل الخطاب للنبي عليه ~~الصلاة والسلام وللأمة عموما على أن من تبعيضية أو له ~~عليه السلام ولمن معه من المؤمنين خصوصا على أنها بيانية ~~فقد نأى عما يقتضيه سباق النظم الكريم وسياقه بمنازل، وأبعد ~~عما يليق بشأنه عليه السلام بمراحل { ليستخلفنهم فى ~~الأرض } جواب للقسم إما بالإضمار أو بتنزيل وعده تعالى منزلة ~~القسم لتحقق إنجازه لا محالة أي ليجعلنهم خلفاء متصرفين فيها ~~تصرف الملوك في ممالكهم أو خلفا من الذين لم يكونوا على حالهم من ~~الإيمان والأعمال الصالحة. # { كما استخلف الذين من قبلهم } هم بنو إسرائيل ~~استخلفهم عز وجل في مصر والشام بعد إهلاك فرعون والجبابرة أو ~~هم ومن قبلهم من الأمم المؤمنة التي أشير إليهم في قوله تعالى: # ألم يأتكم نبأ الذين من قبلكم قوم نوح ~~وعاد وثمود والذين من بعدهم لا يعلمهم إلا ~~الله جآءتهم رسلهم بالبينات # [إبراهيم: 9] إلى قوله تعالى: # فأوحى إليهم ربهم لنهلكن الظلمين ~~ولنسكننكم الأرض من بعدهم # [إبراهيم: 13] ومحل الكاف النصب على أنه مصدر تشبيهي ~~مؤكد للفعل بعد تأكيده بالقسم وما مصدرية أي ليستخلفنهم استخلافا ~~كائنا كاستخلافه للذين من قبلهم. وقرىء ms2386 كما استخلف على البناء ~~للمفعول فليس العامل في الكاف حينئذ الفعل المذكور بل ما يدل هو عليه ~~من فعل مبني هو للمفعول جار منه مجرى المطاوع فإن استخلافه تعالى ~~إياهم مستلزم لكونهم مستخلفين لا محالة كأنه قيل: ليستخلفنهم في ~~الأرض فيستخلفن فيها استخلافا أي مستخلفية كائنة كمستخلفية ~~من قبلهم وقد مر تحقيقه في قوله تعالى: # كما سئل موسى من قبل # [البقرة: 108] ومن هذا القبيل قوله تعالى: # وأنبتها نباتا حسنا # [آل عمران: 37] على أحد الوجهين أي فنبتت نباتا حسنا وعليه قول ~~من قال: [الطويل] # وعضة دهر يا ابن مروان لم تدع # من المال إلا مسحت أو مجلف # أي فلم يبق إلا مسحت الخ { وليمكنن لهم دينهم } عطف ~~على ليستخلفنهم منتظم معه في سلك الجواب وتأخيره عنه مع كونه أجل ~~الرغائب الموعودة وأعظمها لما أن النفوس إلى الحظوظ العاجلة ~~أميل فتصدير المواعيد بها في الاستمالة أدخل والمعنى ليجعلن دينهم ~~ثابتا مقررا بحيث يستمرون على العمل بأحكامه ويرجعون إليه في ~~كل ما يأتون وما يذرون والتعبير عن ذلك بالتمكين الذي هو جعل ~~الشيء مكانا لآخر يقال: مكن له في الأرض أي جعلها مقرا له ~~ومنه قوله تعالى: # إنا مكنا له فى الأرض # [الكهف: 84] ونظائره، وكلمة في للإيذان بأن ما جعل مقرا له قطعة ~~منها لا كلها للدلالة على كمال ثبات الدين ورصانة أحكامه ~~وسلامته من التغيير والتبديل لابتنائه على تشبيهه بالأرض في ~~الثبات والقرار مع ما فيه من مراعاة المناسبة بينه وبين ~~الاستخلاف في الأرض. وتقديم صلة التمكين على مفعوله الصريح ~~للمسارعة إلى بيان كون الموعود من منافعهم تشويقا لهم إليه ~~وترغيبا لهم في قبوله عند وروده ولأن في توسيطها بينه وبين ~~وصفه أعني قوله تعالى: { الذى ارتضى لهم } وفي تأخيرها عنه ~~من الإخلال بجزالة النظم الكريم ما لا يخفى وفي إضافة الدين ~~إليهم وهو دين الإسلام ثم وصفه بارتضائه لهم تأليف لقلوبهم ومزيد ~~ترغيب فيه وفضل تثبيت عليه. # { وليبدلنهم } بالتشديد وقرىء بالتخفيف من الإبدال { ~~من بعد خوفهم } أي من الأعداء { من } حيث ms2387 كان أصحاب ~~النبي صلى الله عليه وسلم قبل الهجرة عشر سنين بل أكثر خائفين ثم ~~هاجروا إلى المدينة وكانوا يصبحون في السلاح ويمسون كذلك حتى قال ~~رجل منهم: ما يأتي علينا يوم نأمن فيه؟ فقال عليه الصلاة ~~والسلام: # " لا تعبرون إلا يسيرا حتى يجلس الرجل منكم في الملإ العظيم ~~محتبيا ليس معه حديدة " # فأنزل الله عز وجل هذه الآية وأنجز وعده وأظهرهم على جزيرة ~~العرب وفتح لهم بلاد الشرق والغرب وصاروا إلى حال يخافهم كل ~~من عداهم. وفيه من الدلالة على صحة النبوة للإخبار بالغيب ~~على ما هو عليه قبل وقوعه ما لا يخفى. وقيل: المراد الخوف من العذاب ~~والأمن منه في الآخرة { يعبدوننى } حال من الموصول الأول ~~مفيدة لتقييد الوعد بالثبات على التوحيد، أو استئناف ببيان ~~المقتضي للاستخلاف وما انتظم معه في سلك الوعد { لا يشركون بى ~~شيئا } حال من الواو أي يعبدونني غير مشركين بي في العبادة شيئا ~~{ ومن كفر } أي اتصف بالكفر بأن ثبت واستمر عليه ولم يتأثر ~~بما مر من الترهيب والترغيب فإن الإصرار عليه بعد مشاهدة ~~دلائل التوحيد كفر مستأنف زائد على الأصل، وقيل: كفر بعد ~~الإيمان وقيل: كفر هذه النعمة العظيمة، والأول هو الأنسب ~~بالمقام { بعد ذلك } أي بعد ذلك الوعد الكريم بما فصل من ~~المطالب العالية المستوجبة لغاية الاهتمام بتحصيلها والسعي الجميل ~~في حيازتها { فأولئك } البعداء عن الحق التائهون في تيه ~~الغواية والضلال { هم الفسقون } الكاملون في الفسق والخروج ~~عن حدود الكفر والطغيان. ### || [24.56] # { وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة } عطف على مقدر ~~ينسحب عليه الكلام ويستدعيه النظام فإن خطابه تعالى للمأمورين ~~بالطاعة على طريق الترهيب من التولي بقوله تعالى: # فإن تولوا # [النور: 54] الخ، وترغيبه تعالى إياهم في الطاعة بقوله تعالى: { ~~وإن تطيعوه تهتدوا } الخ، ووعده تعالى إياهم على الإيمان ~~والعمل الصالح بما فصل من الاستخلاف وما يتلوه من الرغائب ~~الموعودة ووعيده على الكفر مما يوجب الأمر بالإيمان والعمل ~~الصالح والنهي عن الكفر فكأنه قيل: فآمنوا واعملوا صالحا ~~وأقيموا أو فلا تكفروا وأقيموا، وعطفه على ms2388 أطيعوا الله مما لا يليق ~~بجزالة النظم الكريم { وأطيعوا الرسول } أمرهم الله سبحانه ~~وتعالى بالذات بما أمرهم به بواسطة الرسول عليه الصلاة ~~والسلام من طاعته التي هي طاعته تعالى في الحقيقة تأكيدا للأمر ~~السابق وتقريرا لمضمونه على أن المراد بالمطاع فيه جميع ~~الأحكام الشرعية المنتظمة للآداب المرضية أيضا أي وأطيعوه في ~~كل ما يأمركم به وينهاكم عنه أو تكميلا لما قبله من الأمرين ~~الخاصين المتعلقين بالصلاة والزكاة على أن المراد بما ~~ذكر ما عداهما من الشرائع أي وأطيعوه في سائر ما يأمركم به الخ، ~~وقوله تعالى: { لعلكم ترحمون } متعلق على الأول بالأمر ~~الأخير المشتمل على جميع الأوامر وعلى الثاني بالأوامر ~~الثلاثة أي افعلوا ما ذكر من الإقامة والإيتاء والإطاعة راجين ~~أن ترحموا. ### || [24.57] # { لا تحسبن الذين كفروا } لما بين حال من أطاعه ~~عليه الصلاة والسلام وأشير إلى فوزه بالرحمة المطلقة ~~المستتبعة لسعادة الدارين عقب ذلك ببيان حال من عصاه عليه ~~الصلاة والسلام ومآل أمره في الدنيا والآخرة بعد بيان ~~تناهيه في الفسق تكميلا لأمر الترغيب والترهيب والخطاب إما ~~لكل أحد ممن يصلح له كائنا من كان وإما للرسول عليه الصلاة ~~والسلام على منهاج قوله تعالى: # ولا تكونن من المشركين # [يونس: 105] ونظائره للإيذان بأن الحسبان المذكور من القبح ~~والمحذورية بحيث ينهى عنه من يمتنع صدوره عنه فكيف بمن يمكن ذلك ~~منه؟ ومحل الموصول النصب على أنه مفعول أول للحسبان وقوله ~~تعالى: { معجزين } ثانيهما وقوله تعالى: { فى الأرض } ظرف ~~لمعجزين لكن لا لإفادة كون الإعجاز المنفي فيها لا في غيرها فإن ذلك ~~مما لا تحتاج إلى البيان بل لإفادة شمول عدم الإعجاز بجميع أجزائها ~~أي لا تحسبنهم معجزين الله عز وجل عن إدراكهم وإهلاكهم في قطر ~~من أقطار الأرض بما رحبت وإن هربوا منها كل مهرب. وقرىء لا ~~يحسبن بياء الغيبة على أن الفاعل كل أحد والمعنى كما ذكر ~~أي لا يحسبن أحد الكافرين معجزين له سبحانه في الأرض أو هو ~~الموصول والمفعول الأول محذوف لكونه عبارة عن أنفسهم كأنه قيل: ~~لا ms2389 يحسبن الكافرون أنفسهم معجزين في الأرض وأما جعل معجزين ~~مفعولا أول وفي الأرض مفعولا ثانيا فبمعزل من المطابقة لمقتضى ~~المقام ضرورة أن مصب الفائدة هو المفعول الثاني ولا فائدة في ~~بيان كون المعجزين في الأرض وقد مر في قوله تعالى: # إني جاعل فى الأرض خليفة # [البقرة: 30] وقوله تعالى: { ومأواهم النار } معطوف على جملة ~~النهي بتأويلها بجملة خبرية لأن المقصود بالنهي عن ~~الحسبان تحقيق نفي الحسبان كأنه قيل: ليس الذين كفروا معجزين ~~ومأواهم الخ، أو على جملة مقدرة وقعت تعليلا للنهي كأنه قيل: ~~لا تحسبن الذين كفروا معجزين في الأرض فإنهم مدركون ومأواهم ~~الخ، وقيل: الجملة المقدرة بل هم مقهورون فتدبر { ولبئس ~~المصير } جواب لقسم مقدر والمخصوص بالذم محذوف أي وبالله ~~لبئس المصير هي أي النار والجملة اعتراض تذييلي مقرر لما ~~قبله وفي إيراد النار بعنوان كونها مأوى ومصيرا لهم إثر نفي ~~فوتهم بالهرب في الأرض كل مهرب من الجزالة ما لا غاية وراءه ~~فلله در شأن التنزيل. ### || [24.58] # { يأيها الذين ءامنوا } رجوع إلى بيان تتمة الأحكام ~~السابقة بعد تمهيد ما يوجب الامتثال بالأوامر والنواهي الواردة ~~فيها وفي الأحكام اللاحقة من التمثيلات والترغيب والترهيب ~~والوعد والوعيد. والخطاب إما للرجال خاصة، والنساء داخلات ~~في الحكم بدلالة النص أو للفريقين جميعا بطريق التغليب. روي ~~أن غلاما لأسماء بنت أبي مرثد دخل عليها في وقت كرهته ~~فنزلت، وقيل: أرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم مدلج بن عمرو ~~الأنصاري وكان غلاما وقت الظهيرة ليدعو عمر رضي الله عنه ~~فدخل عليه وهو نائم قد انكشف عنه ثوبه، فقال عمر رضي الله عنه: ~~لوددت أن الله تعالى نهى آباءنا وأبناءنا وخدمنا أن لا يدخلوا ~~علينا هذه الساعات إلا بإذن ثم انطلق معه إلى رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فوجده وقد أنزلت عليه هذه الآية. # { ليستأذنكم الذين ملكت أيمنكم } من العبيد ~~والجواري { والذين لم يبلغوا الحلم } أي الصبيان ~~القاصرون عن درجة البلوغ المعهود. والتعبير عنه بالحلم لكونه ~~أظهر دلائله { منكم } أي من الأحرار { ثلاث مرات } أي ms2390 ~~ثلاثة أوقات في اليوم والليلة. والتعبير عنها بالمرات ~~للإيذان بأن مدار وجوب الاستئذان مقارنة تلك الأوقات لمرور ~~المستأذنين بالمخاطبين لا أنفسها { من قبل صلوة الفجر } ~~لظهور أنه وقت القيام من المضاجع وطرح ثياب النوم ولبس ثياب ~~اليقظة، ومحله النصب على أنه بدل من ثلاث مرات أو الرفع ~~على أنه خبر لمبتدأ محذوف أي أحدها من قبل الخ { وحين تضعون ~~ثيبكم } أي ثيابكم التي تلبسونها في النهار وتخلعونها لأجل ~~القيلولة وقوله تعالى: { من الظهيرة } وهي شدة الحر عند ~~انتصاف النهار بيان للحين. والتصريح بمدار الأمر أعني وضع ~~الثياب في هذا الحين دون الأول والآخر لما أن التجرد عن ~~الثياب فيه لأجل القيلولة لقلة زمانها كما ينبىء عنها إيراد ~~الحين مضافا إلى فعل حادث منقض ووقوعها في النهار الذي هو ~~مئنة لكثرة الورود والصدور ومظنة لظهور الأحوال وبروز ~~الأمور ليس من التحقق والاطراد بمنزلة ما في الوقتين ~~المذكورين فإن تحقق التجرد واطراده فيهما أمر معروف لا ~~يحتاج إلى التصريح به { ومن بعد صلوة العشاء } ضرورة ~~أنه وقت التجرد عن اللباس والالتحاف باللحاف وليس المراد ~~بالقبلية والبعدية المذكورتين مطلقهما المتحقق في الوقت ~~الممتد المتخلل بين الصلاتين كما في قوله تعالى: # وإن كنت من قبله لمن الغفلين # [يوسف: 3] وقوله تعالى: # من بعد أن نزغ الشيطن بينى وبين إخوتى # [يوسف: 100] بل ما يعرض منهما لطرفي ذلك الوقت الممتد المتصلين ~~بالصلاتين المذكورتين اتصالا عاديا. وقوله تعالى: { ثلاث ~~عورات } خبر مبتدأ محذوف. وقوله تعالى: { لكم } متعلق ~~بمحذوف هو صفة لثلاث عورات أي كائنة لكم والجملة استئناف مسوق ~~لبيان علة وجوب الاستئذان أي هن ثلاثة أوقات يختل فيها ~~التستر عادة. # والعورة في الأصل هو الخلل غلب في الخلل الواقع فيما يهم حفظه ~~ويعتنى بستره. أطلقت على الأوقات المشتملة عليها مبالغة كأنها ~~نفس العورة. وقرىء ثلاث عورات بالنصب بدلا من ثلاث مرات. # { ليس عليكم ولا عليهم } أي على المماليك والصبيان ~~{ جناح } أي إثم في الدخول بغير استئذان لعدم ما يوجبه من ~~مخالفة الأمر والاطلاع على العورات { بعدهن } أي بعد ms2391 كل ~~واحدة من تلك العورات الثلاث وهي الأوقات المتخللة بين كل ~~اثنتين منهن وإيرادها بعنوان البعدية مع أن كل وقت من تلك ~~الأوقات قبل عورة من العورات كما أنها بعد أخرى منهن لتوفية حق ~~التكليف والترخيص الذي هو عبارة عن رفعه إذ الرخصة إنما ~~تتصور في فعل يقع بعد زمان وقوع الفعل المكلف، والجملة على ~~القراءتين مستأنفة مسوقة لتقرير ما قبلها بالطرد والعكس وقد جوز ~~على القراءة الأولى كونها في محل رفع على أنها صفة أخرى لثلاث ~~عورات وأما على القراءة الثانية فهي مستأنفة لا غير إذ لو جعلت ~~صفة لثلاث عورات وهي بدل من ثلاث مرات لكان التقدير ليستأذنكم ~~هؤلاء في ثلاث عورات لا إثم في ترك الاستئذان بعدهن وحيث كان ~~انتفاء الإثم حينئذ مما لم يعلمه السامع إلا بهذا الكلام لم ~~يتسن إبرازه في معرض الصفة بخلاف قراءة الرفع فإن انتفاء ~~الإثم حينئذ معلوم من صدر الكلام وقوله تعالى: { طوفون عليكم ~~} استئناف ببيان العذر المرخص في ترك الاستئذان وهي المخالطة ~~الضرورية وكثرة المداخلة وفيه دليل على تعليل الأحكام وكذا في ~~الفرق بين الأوقات الثلاثة وبين غيرها بكونها عورات. # { بعضكم على بعض } أي بعضكم طائف على بعض طوافا كثيرا أو ~~بعضكم يطوف على بعض { كذلك } إشارة إلى مصدر الفعل الذي بعده، ~~وما فيه من معنى البعد لما مر مرارا من تفخيم شأن المشار إليه ~~حسا أي مثل ذلك التبيين { يبين الله لكم الآيت } ~~الدالة على الأحكام أي ينزلها بينة واضحة الدلالات عليها لا أنه ~~تعالى يبينها بعد أن لم تكن كذلك والكاف مقحمة وقد مر تفصيله في ~~قوله تعالى: # وكذلك جعلنكم أمة وسطا # [البقرة: 143] ولكم متعلق بيبين وتقديمه على المفعول الصريح لما ~~مر مرارا من الاهتمام بالمقدم والتشويق إلى المؤخر وقيل: يبين ~~علل الأحكام وليس بواضح مع أنه مؤد إلى تخصيص الآيات مما ذكر ~~ههنا { والله عليم } مبالغ في العلم بجميع المعلومات فيعلم ~~أحوالكم { حكيم } في جميع أفاعيله فيشرع لكم ما فيه صلاح أمركم ~~معاشا ومعادا. ### || [24.59] # { وإذا بلغ ms2392 الأطفال منكم الحلم } لما بين فيما ~~مر آنفا حكم الأطفال في أنه لا جناح عليهم في ترك الاستئذان فيما ~~عدا الأوقات الثلاثة عقب ببيان حالهم بعد البلوغ دفعا لما عسى ~~يتوهم أنهم وإن كانوا أجانب ليسوا كسائر الأجانب بسبب اعتيادهم ~~الدخول أي إذا بلغ الأطفال الأحرار الأجانب { فليستأذنوا ~~} إذا أرادوا الدخول عليكم وقوله تعالى: { كما استأذن الذين ~~من قبلهم } في حيز النصب على أنه نعت لمصدر مؤكد للفعل ~~السابق والموصول عبارة عمن قيل لهم: # لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم حتى تستأنسوا # [النور: 27] الآية، ووصفهم بكونهم قبل هؤلاء باعتبار ذكرهم قبل ذكرهم ~~لا باعتبار بلوغهم قبل بلوغهم كما قيل لما أن المقصود بالتشبيه ~~بيان كيفية استئذان هؤلاء وزيادة إيضاحه ولا يتسنى ذلك إلا ~~بتشبيهه باستئذان المعهودين عند السامع ولا ريب في أن بلوغهم ~~قبل بلوغ هؤلاء مما لا يخطر ببال أحد وإن كان الأمر كذلك في ~~الواقع وإنما المعهود المعروف ذكرهم قبل ذكرهم أي فليستأذنوا ~~استئذانا كائنا مثل استئذان المذكورين قبلهم بأن يستأذنوا في جميع ~~الأوقات ويرجعوا إن قيل لهم: ارجعوا حسبما فصل فيما سلف { ~~كذلك يبين الله لكم ءايته والله عليم حكيم ~~} الكلام فيه كالذي سبق والتكرير للتأكيد والمبالغة في الأمر ~~بالاستئذان، وإضافة الآيات إلى ضمير الجلالة لتشريفها. ### || [24.60-61] # { والقواعد من النساء } أي العجائز اللاتي قعدن عن الحيض ~~والحمل { اللتى لا يرجون نكاحا } أي لا يطمعن فيه ~~لكبرهن { فليس عليهن جناح أن يضعن ثيابهن } أي ~~الثياب الظاهرة كالجلباب ونحوه، والفاء فيه لأن اللام في ~~القواعد بمعنى اللاتي أو للوصف بها { غير متبرجت ~~بزينة } غير مظهرات لزينة مما أمر بإخفائه في قوله تعالى: # ولا يبدين زينتهن # [النور: 31] وأصل التبرج التكلف في إظهار ما يخفى من ~~قولهم: سفينة بارجة لا غطاء عليها والبرج سعة العين بحيث يرى ~~بياضها محيطا بسوادها كله إلا أنه خص بكشف المرأة زينتها ~~ومحاسنها للرجال { وأن يستعففن } بترك الوضع { خير ~~لهن } من الوضع لبعده من التهمة { والله سميع } مبالغ ~~في سمع جميع ما يسمع فيسمع ما يجري بينهن ms2393 وبين الرجال من ~~المقاولة { عليم } فيعلم مقاصدهن وفيه من الترهيب ما لا يخفى. # { ليس على الأعمى حرج ولا على الأعرج حرج ولا ~~على المريض حرج } كانت هؤلاء الطوائف يتحرجون من مؤاكلة ~~الأصحاء حذارا من استقذارهم إياهم وخوفا من تأذيهم بأفعالهم ~~وأوضاعهم فإن الأعمى ربما سبقت يده إلى ما سبقت إليه عين ~~أكيله وهو لا يشعر به والأعرج يتفسح في مجلسه فيأخذ أكثر من ~~موضعه فيضيق على جليسه والمريض لا يخلو عن حالة تؤذي قرينه. ~~وقيل: كانوا يدخلون على الرجل لطلب العلم فإذا لم يكن عنده ما ~~يطعمهم ذهب بهم إلى بيوت آبائهم وأمهاتهم أو إلى بعض من ~~سماهم الله عز وجل في الآية الكريمة فكانوا يتحرجون من ذلك ~~ويقولون: ذهب بنا إلى بيت غيره ولعل أهله كارهون لذلك وكذا ~~كانوا يتحرجون من الأكل من أموال الذين كانوا إذا خرجوا إلى ~~الغزو خلفوا هؤلاء الضعفاء في بيوتهم ودفعوا إليهم مفاتيحها ~~وأذنوا لهم أن يأكلوا مما فيها مخافة أن لا يكون إذنهم عن طيب ~~نفس منهم وكان غير هؤلاء أيضا يتحرجون من الأكل في بيوت غيرهم ~~فقيل لهم: ليس على الطوائف المعدودة { ولا على أنفسكم } أي ~~عليكم وعلى من يماثلكم في الأحوال من المؤمنين حرج { أن ~~تأكلوا } أي تأكلوا أنتم وهم معكم. وتعميم الخطاب للطوائف ~~المذكورة أيضا يأباه ما قبله وما بعده فإن الخطاب فيهما لغير ~~أولئك الطوائف حتما { من بيوتكم } أي البيوت التي فيها ~~أزواجكم وعيالكم فيدخل فيها بيوت الأولاد لأن بيتهم كبيته ~~لقوله عليه الصلاة والسلام: # " أنت ومالك لأبيك " # وقوله عليه الصلاة والسلام: # " إن أطيب مال الرجل من كسبه وإن ولده من كسبه " # { أو بيوت آبآئكم أو بيوت أمهاتكم } وقرىء بكسر ~~الهمزة والميم وبكسر الأولى وفتح الثانية { أو بيوت ~~إخونكم أو بيوت أخوتكم أو بيوت أعممكم ~~أو بيوت عمتكم أو بيوت أخولكم أو بيوت ~~خلتكم أو ما ملكتم مفاتحه } من البيوت التي ~~تملكون التصرف فيها بإذن أربابها على الوجه الذي مر بيانه، ~~وقيل: هي بيوت المماليك، والمفاتح جمع مفتح وجمع ms2394 المفتاح ~~مفاتيح. # وقرىء مفتاحه { أو صديقكم } أي أو بيوت صديقكم وإن لم ~~يكن بينكم وبينهم قرابة نسبية فإنهم أرضى بالتبسط وأسر به ~~من كثير من الأقرباء. روي عن ابن عباس رضي الله عنهما أن ~~الصديق أكبر من الوالدين إن الجهنميين لما استغاثوا لم يستغيثوا ~~بالآباء والأمهات بل قالوا: فما لنا من شافعين ولا صديق حميم، ~~والصديق يقع على الواحد والجمع كالخليط والقطين وأضرابهما وهذا ~~فيما إذا علم رضا صاحب البيت بصريح الإذن أو بقرينة دالة عليه ~~ولذلك خصص هؤلاء بالذكر لاعتيادهم التبسط فيما بينهم وقوله ~~تعالى: { ليس عليكم جناح أن تأكلوا جميعا أو ~~أشتاتا } كلام مستأنف مسوق لبيان حكم آخر من جنس ما بين ~~قبله حيث كان فريق من المؤمنين كبني ليث بن عمرو من كنانة ~~يتحرجون أن يأكلوا طعامهم منفردين وكان الرجل منهم لا يأكل ~~ويمكث يومه حتى يجد ضيفا يأكل معه فإن لم يجد من يؤاكله لم ~~يأكل شيئا وربما قعد الرجل والطعام بين يديه لا يتناوله ~~من الصباح إلى الرواح وربما كانت معه الإبل الحفل فلا ~~يشرب من ألبانها حتى يجد من يشاربه فإذا أمسى ولم يجد أحدا ~~أكل، وقيل: كان الغني منهم يدخل على الفقير من ذوي قرابته وصداقته ~~فيدعوه إلى طعامه فيقول: إني أتحرج أن آكل معك وأنا غني وأنت ~~فقير، وقيل: كان قوم من الأنصار لا يأكلون إذا نزل بهم ضيف إلا مع ~~ضيفهم فرخص لهم في أن يأكلوا كيف شاءوا، وقيل: كانوا إذا اجتمعوا ~~ليأكلوا طعاما عزلوا للأعمى وأشباهه طعاما على حدة فبين الله ~~تعالى أن ذلك ليس بواجب وقوله تعالى: { جميعا } حال من فاعل تأكلوا ~~وأشتاتا عطف عليه داخل في حكمه وهو جمع شت على أنه صفة كالحق ~~يقال: أمر شت أي متفرق أو على أنه في الأصل مصدر وصف به مبالغة ~~أي ليس عليكم جناح أن تأكلوا مجتمعين أو متفرقين { فإذا ~~دخلتم } شروع في بيان الآداب التي تجب رعايتها عند مباشرة ما ~~رخص فيه إثر بيان الرخصة فيه { بيوتا } أي من ms2395 البيوت ~~المذكورة { فسلموا على أنفسكم } أي على أهلها الذين بمنزلة ~~أنفسكم لما بينكم وبينهم من القرابة الدينية والنسبية الموجبة ~~لذلك { تحية من عند الله } أي ثابتة بأمره مشروعة من لدنه ~~ويجوز أن يكون صلة للتحية فإنها طلب الحياة التي هي من عنده ~~تعالى وانتصابها على المصدرية لأنها بمعنى التسليم { ~~مبركة } مستتبعة لزيادة الخير والثواب ودوامها { طيبة } ~~تطيب بها نفس المستمع. وعن أنس رضي الله عنه أنه عليه الصلاة ~~والسلام قال: # " متى لقيت أحدا من أمتي فسلم عليه يطل عمرك وإذا دخلت بيتك ~~فسلم عليهم يكثر خير بيتك وصل صلاة الضحى فإنها صلاة ~~الأبرار الأوابين " # { كذلك يبين الله لكم الآيت } تكرير لتأكيد الأحكام ~~المختتمة به وتفخيمها { لعلكم تعقلون } أي ما في تضاعيفها من ~~الشرائع والأحكام وتعملون بموجبها وتحوزون بذلك سعادة الدارين، ~~وفي تعليل هذا التبيين بهذه الغاية القصوى بعد تذييل الأولين بما ~~يوجبهما من الجزالة ما لا يخفى. ### || [24.62] # { إنما المؤمنون الذين ءامنوا بالله ورسوله } ~~استئناف جيء به في أواخر الأحكام السابقة تقريرا لها وتأكيدا لوجوب ~~مراعاتها وتكميلا لها ببيان بعض آخر من جنسها وإنما ذكر الإيمان ~~بالله ورسوله في حيز الصلة للموصول الواقع خبرا للمبتدأ مع ~~تضمنه له قطعا تغيرا لما قبله وتمهيدا لما بعده وإيذانا بأنه ~~حفيف بأن يجعل قرينا للإيمان بهما منتظما في سلكه فقوله تعالى: { ~~وإذا كانوا معه على أمر جامع } معطوف على آمنوا ~~داخل معه في حيز الصلة أي إنما الكاملون في الإيمان الذين ~~آمنوا بالله ورسوله عن صميم قلوبهم وأطاعوهما في جميع الأحكام التي ~~من جملتها ما فصل من قبل من الأحكام المتعلقة بعامة أحوالهم ~~المطردة في الوقوع وأحوالهم الواقعة بحسب الاتفاق كما إذا كانوا ~~معه عليه الصلاة والسلام على أمر مهم يجب اجتماعهم في شأنه ~~كالجمعة والأعياد والحروب وغيرها من الأمور الداعية إلى اجتماع ~~أولي الآراء والتجارب، ووصف الأمر بالجمع للمبالغة وقرىء أمر ~~جميع { لم يذهبوا } أي من المجمع مع كون ذلك الأمر مما لا ~~يوجب حضورهم لا محالة كما عند إقامة الجمعة ولقاء ms2396 العدو بل يسوغ ~~التخلف عنه { حتى يستئذنوه } عليه الصلاة والسلام في ~~الذهاب لا على أن نفس الاستئذان غاية لعدم الذهاب بل الغاية هي ~~الإذن المنوط برأيه عليه الصلاة والسلام، والاقتصار على ذكره ~~لأنه الذي يتم من قبلهم وهو المعتبر في كمال الإيمان لا الإذن ولا ~~الذهاب المترتب عليه، واعتباره في ذلك لما أنه كالمصداق ~~لصحته والمميز للمخلص فيه عن المنافق فإن ديدنه التسلل للفرار ~~ولتعظيم ما في الذهاب بغير إذنه عليه الصلاة والسلام من الجناية ~~وللتنبيه على ذلك عقب بقوله تعالى: { إن الذين ~~يستئذنونك أولئك الذين يؤمنون بالله ~~ورسوله } فقضى بأن المستأذنين هم المؤمنون بالله ورسوله كما ~~حكم في الأول بأن الكاملين في الإيمان هم الجامعون بين الإيمان ~~بهما وبين الاستئذان وفي أولئك من تفخيم شأن المستأذنين ما لا يخفى { ~~فإذا استئذنوك } بيان لما هو وظيفته عليه الصلاة ~~والسلام في هذا الباب إثر بيان ما هو وظيفة المؤمنين وأن الإذن ~~عند الاستئذان ليس بأمر محتوم بل هو مفوض إلى رأيه عليه الصلاة ~~والسلام. والفاء لترتيب ما بعدها على ما قبلها أي بعد ما تحقق أن ~~الكاملين في الإيمان هم المستأذنون فإذا استأذنوك { لبعض شأنهم ~~} أي لبعض أمرهم المهم وخطبهم الملم { فأذن لمن شئت ~~منهم } لما علمت في ذلك من حكمة ومصلحة { واستغفر لهم ~~الله } فإن الاستئذان وإن كان لعذر قوي لا يخلو عن شائبة ~~تقديم أمر الدنيا على أمر الآخرة { إن الله غفور } مبالغ ~~في مغفرة فرطات العباد { رحيم } مبالغ في إفاضة آثار الرحمة ~~عليهم. والجملة تعليل للمغفرة الموعودة في ضمن الأمر بالاستغفار لهم. ### || [24.63] # { لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم } استئناف مقرر ~~لمضمون ما قبله والالتفات لإبراز مزيد الاعتناء بشأنه أي لا تجعلوا ~~دعوته عليه الصلاة والسلام إياكم في الاعتقاد والعمل بها { كدعاء ~~بعضكم بعضا } أي لا تقيسوا دعاءه عليه الصلاة والسلام ~~إياكم على دعاء بعضكم بعضا في حال من الأحوال وأمر من الأمور التي ~~من جملتها المساهلة فيه والرجوع عن مجلسه عليه الصلاة والسلام ~~بغير استئذان فإن ذلك من ms2397 المحرمات وقيل: لا تجعلوا دعاءه عليه ~~الصلاة والسلام ربه كدعاء صغيركم كبيركم يجيبه مرة ~~ويرده أخرى فإن دعاءه مستجاب لا مرد له عند الله عز وجل ~~وتقرير الجملة حينئذ لما قبلها أما من حيث إن استجابته تعالى ~~لدعائه عليه الصلاة والسلام مما يوجب امتثالهم بأوامره عليه ~~الصلاة والسلام ومتابعتهم له في الورود والصدور أكمل إيجاب ~~وأما من حيث إنها موجبة للاحتراز عن التعرض لسخطه عليه الصلاة ~~والسلام المؤدي إلى ما يوجب هلاكهم من دعائه عليه الصلاة ~~والسلام عليهم، وأما ما قيل من أن المعنى لا تجعلوا نداءه عليه ~~الصلاة والسلام كنداء بعضكم بعضا باسمه ورفع الصوت والنداء ~~من وراء الحجرات ولكن بلقبه المعظم مثل: يا رسول الله يا نبي ~~الله، مع غاية التوقير والتفخيم والتواضع وخفض الصوت فلا ~~يناسب المقام فإن قوله تعالى: { قد يعلم الله الذين ~~يتسللون منكم } الخ، وعيد لمخالفي أمره عليه الصلاة ~~والسلام فيما ذكر من قبل فتوسيط ما ذكر بينهما مما لا وجه له، ~~والتسلل الخروج من البين على التدريج والخفية وقد للتحقيق كما ~~أن رب تجيء للتكثير حسبما بين في مطلع سورة الحجر أي يعلم ~~الله الذين يخرجون من الجماعة قليلا قليلا على خفية { لواذا } أي ~~ملاوذة بأن يستتر بعضهم ببعض حتى يخرج أو بأن يلوذ بمن يخرج ~~بالإذن إراءة أنه من أتباعه. وقرىء بفتح اللام وانتصابه على ~~الحالية من ضمير يتسللون أي ملاوذين أو على أنه مصدر مؤكد لفعل ~~مضمر هو الحال في الحقيقة أي يلوذون لواذا، والفاء في قوله تعالى: { ~~فليحذر الذين يخلفون عن أمره } لترتيب الحذر أو ~~الأمر به على ما قبلها من علمه تعالى بأحوالهم فإنه مما يوجب الحذر ~~البتة أي يخالفون أمره بترك مقتضاه ويذهبون سمتا خلاف سمته إما ~~لتضمنه معنى الإعراض أو حمله على معنى يصدون على أمره دون ~~المؤمنين من خالفه عن الأمر إذا صد عنه دونه، وحذف المفعول لما أن ~~المقصود بيان المخالف والمخالف عنه. والضمير لله تعالى ~~لأنه الآمر حقيقة أو للرسول عليه الصلاة والسلام لأنه ms2398 ~~المقصود بالذكر { أن تصيبهم فتنة } أي محنة في الدنيا { ~~أو يصيبهم عذاب أليم } أي في الآخرة وكلمة أو لمنع ~~الخلو دون الجمع وإعادة الفعل صريحا للاعتناء بالتهديد ~~والتحذير واستدل به على أن الأمر للإيجاب فإن ترتيب ~~العذابين على مخالفته كما يعرب عنه التحذير عن إصابتهما يوجب ~~وجوب الامتثال به حتما. ### || [24.64] # { ألا إن لله ما فى السموات والأرض } من الموجودات ~~بأسرها خلقا وملكا وتصرفا وإيجادا وإعداما بدءا وإعادة ~~{ قد يعلم ما أنتم عليه } أيها المكلفون من الأحوال ~~والأوضاع التي من جملتها الموافقة والمخالفة والإخلاص والنفاق { ~~ويوم يرجعون إليه } عطف على ما أنتم عليه أي يعلم يوم ~~يرجع المنافقون المخالفون للأمر إليه تعالى للجزاء والعقاب وتعليق ~~علمه تعالى بيوم رجوعهم لا يرجعهم لزيادة تحقيق علمه تعالى بذلك. ~~وغاية تقريره لما أن العلم بوقت وقوع الشيء مستلزم للعلم بوقوعه ~~على أبلغ وجه وآكده وفيه إشعار بأن علمه تعالى لنفس رجوعهم من ~~الظهور بحيث لا يحتاج إلى البيان قطعا. ويجوز أن يكون الخطاب ~~أيضا خاصا بالمنافقين على طريقة الالتفات. وقرىء يرجعون مبنيا ~~للفاعل { فينبئهم بما عملوا } من الأعمال السيئة التي ~~من جملتها مخالفة الأمر فيرتب عليه ما يليق به من التوبيخ ~~والجزاء، وقد مر وجه التعبير عن الجزاء بالتنبئة في قوله تعالى: # إنما بغيكم على أنفسكم # [يونس: 23] الآية { والله بكل شيء عليم } لا يعزب عنه ~~مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء. # عن النبي صلى الله عليه وسلم: # " من قرأ سورة النور أعطي من الأجر عشر حسنات بعدد كل ~~مؤمن ومؤمنة فيما مضى وفيما بقي " # والله سبحانه وتعالى أعلم. ### | [25 - سورة الفرقان] ### || [25.1-2] # سورة الفرقان # مكية وهي سبع وسبعون آية # { تبارك الذى نزل الفرقان } البركة النماء ~~والزيادة حسية كانت أو معنوية، وكثرة الخير ودوامه أيضا ~~ونسبتها إلى الله عز وجل على المعنى الأول وهو الأليق بالمقام ~~باعتبار تعاليه عما سواه في ذاته وصفاته وأفعاله التي من جملتها ~~تنزيل القرآن الكريم المعجز الناطق بعلو شأنه تعالى وسمو ~~صفاته وابتناء أفعاله على أساس الحكم والمصالح ms2399 وخلوها عن شائبة ~~الخلل بالكلية. وصيغة التفاعل للمبالغة فيما ذكر فإن ما ~~لا يتصور نسبته إليه سبحانه حقيقة من الصيغ كالتكبر ونحوه ~~لا تنسب إليه تعالى إلا باعتبار غايتها. وعلى المعنى الثاني باعتبار ~~كثرة ما يفيض منه على مخلوقاته لا سيما على الإنسان من فنون ~~الخيرات التي من جملتها تنزيل القرآن المنطوي على جميع الخيرات ~~الدينية والدنيوية. والصيغة حينئذ يجوز أن تكون لإفادة ~~نماء تلك الخيرات وتزايدها شيئا فشيئا وآنا فآنا بحسب حدوثها أو ~~حدوث متعلقاتها. ولاستقلالها بالدلالة على غاية الكمال ~~وتحققها بالفعل والإشعار بالتعجب المناسب للإنشاء والإنباء ~~عن نهاية التعظيم لم يجز استعمالها في حق غيره تعالى ولا ~~استعمال غيرها من الصيغ في حقه تعالى، والفرقان مصدر فرق بين ~~الشيئين أي فصل بينهما سمي به القرآن لغاية فرقه بين الحق ~~والباطل بأحكامه أو بين المحق والمبطل بإعجازه أو لكونه مفصولا ~~بعضه من بعض في نفسه أو في إنزاله { على عبده } محمد صلى ~~الله عليه وسلم، وإيراده عليه الصلاة والسلام بذلك العنوان ~~لتشريفه والإيذان بكونه عليه الصلاة والسلام في أقصى مراتب ~~العبودية والتنبيه على أن الرسول لا يكون إلا عبدا للمرسل ~~ردا على النصارى { ليكون } غاية للتنزيل أي نزله عليه ~~ليكون هو عليه الصلاة والسلام أو الفرقان { للعلمين } ~~من الثقلين { نذيرا } أي منذرا أو إنذارا مبالغة أو ليكون ~~تنزيله إنذارا وعدم التعرض للتبشير لانسياق الكلام على أحوال ~~الكفرة. وتقديم اللام على عاملها لمراعاة الفواصل، وإبراز تنزيل ~~الفرقان في معرض الصلة التي حقها أن تكون معلومة الثبوت ~~للموصول عند السامع مع إنكار الكفرة له لإجرائه مجرى المعلوم ~~المسلم تنبيها على كمال قوة دلائله وكونه بحيث لا يكاد ~~يجهله أحد كقوله تعالى: # لا ريب فيه # [البقرة: 2، يونس: 37، السجدة: 2]. # { الذى له ملك السموات والأرض } أي له خاصة دون ~~غيره لا استقلالا ولا اشتراكا للسلطان القاهر والاستيلاء الباهر ~~عليهما المستلزمان للقدرة التامة والتصرف الكلي فيهما وفيما ~~فيهما إيجادا وإعداما وإحياء وإماتة وأمرا ونهيا حسبما تقتضيه ~~مشيئته المبنية على الحكم والمصالح، ومحله الرفع على أنه ms2400 ~~خبر لمبتدأ محذوف، والجملة مستأنفة مقررة لما قبلها أو على أنه ~~نعت للموصول الأول أو بيان له أو بدل منه وما بينهما ليس ~~بأجنبي لأنه من تمام صلته، ومعلومية مضمونه للكفرة مما لا ~~ريب فيه لقوله تعالى: # قل من رب السموات السبع ورب العرش العظيم ~~سيقولون لله # [المؤمنون: 86، 87] ونظائره أو مدح له تعالى بالرفع أو بالنصب { ~~ولم يتخذ ولدا } كما يزعم الذين يقولون في حق المسيح ~~والملائكة ما يقولون فسبحان الله عما يصفون وهو معطوف على ما قبله ~~من الجملة الظرفية، ونظمه في سلك الصلة للإيذان بأن مضمونه ~~من الوضوح والظهور بحيث لا يكاد يجهله جاهل لا سيما بعد تقرير ما ~~قبله. # { ولم يكن له شريك فى الملك } أي ملك السموات ~~والأرض وهو أيضا عطف على الصلة وإفراده بالذكر مع أن ما ذكر ~~من اختصاص ملكهما به تعالى مستلزم له قطعا للتصريح ببطلان زعم ~~الثنوية القائلين بتعدد الآلهة والدرء في نحورهم، وتوسيط ~~نفي اتخاذ الولد بينهما للتنبيه على استقلاله وأصالته ~~والاحتراز عن توهم كونه تتمة للأول { وخلق كل شىء } أي ~~أحدث كل موجود من الموجودات إحداثا جاريا على سنن التقدير ~~حسبما اقتضته إرادته المبنية على الحكم البالغة بأن خلق كلا ~~منها من مواد مخصوصة على صور معينة ورتب فيه قوى وخواص مختلفة ~~الآثار والأحكام { فقدره } أي هيأه لما أراد به من الخصائص ~~والأفعال اللائقة به { تقديرا } بديعا لا يقادر قدره ولا ~~يبلغ كنهه كتهيئة الإنسان للفهم والإدراك والنظر والتدبر في ~~أمور المعاش والمعاد واستنباط الصنائع المتنوعة ومزاولة الأعمال ~~المختلفة وهكذا أحوال سائر الأنواع. وقيل: أريد بالخلق مطلق ~~الإيجاد والإحداث مجازا من غير ملاحظة معنى التقدير وإن لم يخل ~~عنه في نفس الأمر فالمعنى أوجد كل شيء فقدره في ذلك الإيجاد تقديرا ~~وأما ما قيل من أنه سمى إحداثه تعالى خلقا لأنه تعالى لا يحدث ~~شيئا إلا على وجه التقدير من غير تفاوت ففيه أن ارتكاب المجاز ~~بحمل الخلق على مطلق الإحداث لتجريده عن معنى التقدير فاعتباره ~~فيه بوجه من الوجوه ms2401 مخل بالمرام قطعا، وقيل: المراد بالتقدير ~~الثاني هو التقدير للبقاء إلى الأجل المسمى وأيا ما كان ~~فالجملة جارية مجرى التعليل لما قبلها من الجمل المنتظمة مثلها ~~في سلك الصلة فإن خلقه تعالى لجميع الأشياء على ذلك النمط ~~البديع كما يقتضي استقلاله تعالى باتصافه بصفات الألوهية يقتضي ~~انتظام كل ما سواه كائنا ما كان تحت ملكوته القاهر بحيث لا يشذ ~~عنها شيء من ذلك قطعا وما كان كذلك كيف يتوهم كونه ولدا له سبحانه ~~أو شريكا في ملكه. ### || [25.3] # { واتخذوا من دونه ءالهة } بعدما بين حقيقة الحق في ~~مطلع السورة الكريمة بذكر تنزيله تعالى للفرقان العظيم على رسوله ~~صلى الله عليه وسلم ووصفه تعالى بصفات الكمال وتنزيهه عما لا يليق ~~بشأنه الجليل عقب ذلك بحكاية أباطيل المشركين في حق المنزل ~~سبحانه والمنزل والمنزل عليه على الترتيب وإظهار بطلانها. ~~والإضمار من غير جريان ذكرهم للثقة بدلالة ما قبله من نفي الشريك ~~عليهم أي اتخذوا لأنفسهم متجاوزين الله تعالى الذي ذكر بعض شؤونه ~~الجليلة من اختصاص ملك السموات والأرض به تعالى وانتفاء الولد ~~والشريك عنه وخلق جميع الأشياء وتقديرها أبدع تقدير آلهة { لا ~~يخلقون شيئا } أي لا يقدرون على خلق شيء من الأشياء أصلا { ~~وهم يخلقون } كسائر المخلوقات وقيل: لا يقدرون على أن ~~يختلقوا شيئا وهم يختلقون حيث تختلقهم عبدتهم بالنحت والتصوير. ~~وقوله تعالى: { ولا يملكون لأنفسهم ضرا ولا نفعا } ~~لبيان ما لم يدل عليه ما قبله من مراتب عجزهم وضعفهم فإن بعض ~~المخلوقين العاجزين عن الخلق ربما يملك دفع الضر وجلب ~~النفع في الجملة كالحيوان وهؤلاء لا يقدرون على التصرف في ضر ~~ما ليدفعوه عن أنفسهم ولا في نفع ما حتى يجلبوه إليهم فكيف يملكون ~~شيئا منهما لغيرهم. وتقديم ذكر الضر لأن دفعه مع كونه أهم ~~في نفسه أول مراتب النفع وأقدمها. والتنصيص على قوله تعالى: ~~{ ولا يملكون موتا ولا حياة ولا نشورا } أي لا يقدرون ~~على التصرف في شيء منها بإماتة الأحياء وإحياء الموتى وبعثهم ~~بعد بيان عجزهم عما هو أهون ms2402 من هذه الأمور من دفع الضر وجلب ~~النفع للتصريح بعجزهم عن كل واحد مما ذكر على التفصيل ~~والتنبيه على أن الإله يجب أن يكون قادرا على جميع ذلك. ~~وفيه إيذان بغاية جهلههم وسخافة عقولهم كأنهم غير عارفين ~~بانتفاء ما نفي عن آلهتهم من الأمور المذكورة مفترقون إلى التصريح ~~بذلك. ### || [25.4] # { وقال الذين كفروا إن هذا إلا إفك } شروع في ~~حكاية أباطيلهم المتعلقة بالمنزل والمنزل عليه معا وإبطالها. ~~والموصول إما عبارة عن غلاتهم في الكفر والطغيان وهم النضر ~~بن الحارث، وعبد الله بن أمية، ونوفل بن خويلد، ومن ~~ضامهم. وروي عن الكلبي ومقاتل أن القائل هو النضر بن ~~الحارث. والجمع لمشايعة الباقين له في ذلك وإما عن كلهم، ووضع ~~الموصول موضع ضميرهم لذمهم بما في حيز الصلة والإيذان بأن ~~ما تفوهوا به كفر عظيم وفي كلمة (هذا) حط لرتبة المشار إليه أي ~~ما هذا إلا كذب مصروف عن وجهه { افتراه } يريدون أنه اختلقه ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم { وأعانه عليه } أي على اختلاقه ~~{ قوم ءاخرون } يعنون اليهود بأن يلقوا إليه أخبار الأمم ~~الدارجة وهو يعبر عنها بعبارته. وقيل: هما جبر ويسار كانا ~~يصنعان السيف بمكة ويقرآن التوراة والإنجيل. وقيل: هو عابس ~~وقد مر تفصيله في سورة النحل { فقد جاءوا ظلما } منصوب ~~بجاءوا فإن جاء وأتى يستعملان في معنى فعل فيعديان تعديته ~~أو بنزع الخافض أي بظلم قاله الزجاج. والتنوين للتفخيم أي ~~جاءوا بما قالوا ظلما هائلا عظيما لا يقادر قدره حيث جعلوا ~~الحق البحت الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه إفكا ~~مفترى من قبل البشر وهو من جهة نظمه الرائق وطرزه الفائق بحيث لو ~~اجتمعت الإنس والجن على مباراته لعجزوا عن الإتيان بمثل آية من ~~آياته ومن جهة اشتماله على الحكم الخفية والأحكام المستتبعة ~~للسعادات الدينية والدنيوية والأمور الغيبية بحيث لا ~~يناله عقول البشر ولا يفي بفهمه القوى والقدر { وزورا } أي كذبا ~~كبيرا لا يبلغ غايته حيث نسبوا إليه عليه الصلاة والسلام ما هو ~~بريء منه. ms2403 والفاء لترتيب ما بعدها على ما قبلها لكن لا على أنهما ~~أمران متغايران حقيقة يقع أحدهما عقيب الآخر أو يحصل بسببه بل على ~~أن الثاني هو عين الأول حقيقة وإنما الترتيب بحسب ~~التغاير الاعتباري. وقد لتحقيق ذلك المعنى فإن ما جاءوه من ~~الظلم والزور هو عين ما حكي عنهم لكنه لما كان مغايرا له في ~~المفهوم وأظهر منه بطلانا رتب عليه بالفاء ترتيب اللازم على ~~الملزوم تهويلا لأمره. ### || [25.5-7] # { وقالوا أسطير الأولين } بعد ما جعلوا الحق الذي لا ~~محيد عنه إفكا مختلقا بإعانة البشر بينوا على زعمهم الفاسد ~~كيفية الإعانة. والأساطير جمع أسطار أو أسطورة كأحدوثة وهي ما ~~سطره المتقدمون من الخرافات { اكتتبها } أي كتبها لنفسه على ~~الإسناد المجازي أو استكتبها. وقرىء على البناء للمفعول لأنه ~~عليه الصلاة والسلام أمي. وأصله اكتتبها له كاتب فحذف اللام ~~وأفضي الفعل إلى الضمير فصار اكتتبها إياه كاتب ثم حذف ~~الفاعل لعدم تعلق الغرض العلمي بخصوصه وبني الفعل للضمير ~~المنفصل فاستتر فيه { فهى تملى عليه } أي تلقى عليه تلك ~~الأساطير بعد اكتتابها ليحفظها من أفواه من يمليها عليه من ذلك ~~المكتتب لكونه أميا لا يقدر على أن يتلقاها منه بالقراءة أو تملى ~~على الكاتب على أن معنى اكتتبها أراد اكتتابها أو استكتابها. ورجع ~~الضمير المجرور إليه عليه الصلاة والسلام لإسناد الكتابة في ~~ضمن الاكتتاب إليه عليه الصلاة والسلام. { بكرة وأصيلا } ~~أي دائما أو خفية قبل انتشار الناس حين يأوون إلى مساكنهم. انظر ~~إلى هذه الرتبة من الجراءة العظيمة قاتلهم الله أنى يؤفكون. # { قل } لهم ردا عليهم وتحقيقا للحق { أنزله الذى يعلم ~~السر فى السموات والأرض } وصفه تعالى بإحاطة علمه بجميع ~~المعلومات الجلية والخفية للإيذان بانطواء ما أنزله على أسرار ~~مطوية عن عقول البشر مع ما فيه من التعريض بمجازاتهم بجناياتهم ~~المحكية التي هي من جملة معلوماته تعالى أي ليس ذلك مما يفترى ~~ويفتعل بإعانة قوم وكتابة آخرين من الأحاديث الملفقة وأساطير ~~الأولين بل هو أمر سماوي أنزله الله الذي لا يعزب عن علمه شيء ms2404 من ~~الأشياء وأودع فيه فنون الحكم والأسرار على وجه بديع لا يحوم حوله ~~الأفهام حيث أعجزكم قاطبة بفصاحته وبلاغته وأخبركم بمغيبات ~~مستقبلة وأمور مكنونة لا يهتدى إليها ولا يوقف عليها إلا بتوفيق ~~العليم الخبير وقد جعلتموه إفكا مفترى من قبيل الأساطير واستوجبتم ~~بذلك أن يصب عليكم سوط العذاب صبا. فقوله تعالى: { إنه ~~كان غفورا رحيما } تعليل لما هو المشاهد من تأخير العقوبة أي ~~أنه تعالى أزلا وأبدا مستمر على المغفرة والرحمة المستتبعين ~~للتأخير فلذلك لا يعجل بعقوبتكم على ما تقولون في حقه مع كمال ~~استيجابه إياها وغاية قدرته تعالى عليها. # { وقالوا مال هذا الرسول } شروع في حكاية جنايتهم ~~المتعلقة بخصوصية المنزل عليه. وما استفهامية بمعنى إنكار ~~الوقوع ونفيه مرفوعة على الابتداء خبرها ما بعدها من الجار ~~والمجرور. وفي هذا تصغير لشأنه عليه الصلاة والسلام وتسميته عليه ~~الصلاة والسلام رسولا بطريق الاستهزاء به عليه الصلاة ~~والسلام كما قال فرعون: # إن رسولكم الذي أرسل إليكم لمجنون # [الشعراء: 27]، وقوله تعالى: { يأكل الطعام } حال من ~~الرسول، والعامل فيها ما عمل في الجار من معنى الاستقرار أي ~~أي شيء وأي سبب حصل لهذا الذي يدعي الرسالة حال كونه يأكل ~~الطعام كما نأكل { ويمشى فى الأسواق } لابتغاء الأرزاق ~~كما نفعله، على توجيه الإنكار والنفي إلى السبب فقط مع تحقق ~~المسبب الذي هو مضمون الجملة الحالية كما في قوله تعالى: # فما لهم لا يؤمنون # [الانشقاق: 20] وقوله: # ما لكم لا ترجون لله وقارا # [نوح: 13] فكما أن كلا من عدم الإيمان وعدم الرجاء أمر ~~محقق قد استبعد تحققه لانتفاء سببه بل لوجود سبب عدمه خلا أن ~~استبعاد المسبب وإنكار السبب ونفيه في عدم الإيمان وعدم الرجاء ~~بطريق التحقيق وفي الأكل والمشي بطريق التهكم والاستهزاء ~~فإنهم لا يستبعدونهما ولا ينكرون سببهما حقيقة بل هم معترفون ~~بوجودهما وتحقق سببهما وإنما الذي يستبعدونه الرسالة ~~المنافية لهما على زعمهم يعنون أنه إن صح ما يدعيه فما باله ~~لم يخالف حاله حالنا وهل هو إلا لعمههم وركاكة عقولهم وقصور ~~أنظارهم على المحسوسات فإن تميز ms2405 الرسل عمن عداهم ليس بأمور ~~جسمانية وإنما هو بأمور نفسانية كما أشير إليه بقوله تعالى: # قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلى أنما ~~إلهكم إله واحد # [الكهف: 110] { لولا أنزل إليه ملك } أي على صورته وهيئته ~~{ فيكون معه نذيرا } تنزل منهم من اقتراح أن يكون ~~ملكا مستغنيا عن الأكل والشرب إلى اقتراح أن يكون معه ملك ~~يصدقه ويكون ردءا له في الإنذار وهو يعبر عنه ويفسر ما يقوله ~~للعامة. ### || [25.8-9] # قوله تعالى: { أو يلقى إليه كنز } تنزل من تلك المرتبة ~~إلى اقتراح أن يلقى إليه من السماء كنز يستظهر به ولا يحتاج إلى ~~طلب المعاش ويكون دليلا على صدقه. وقوله تعالى: { أو تكون له ~~جنة يأكل منها } تنزل من ذلك إلى اقتراح ما هو أيسر منه ~~وأقرب من الوقوع. وقرىء نأكل بنون الحكاية وفيه مزيد مكابرة وفرط ~~تحكم. { وقال الظلمون } هم القائلون الأولون وإنما وضع ~~المظهر موضع ضميرهم تسجيلا عليهم بالظلم وتجاوز الحد فيما قالوه ~~لكونه إضلالا خارجا عن حد الضلال مع ما فيه من نسبته عليه ~~الصلاة والسلام إلى المسحورية أي قالوا للمؤمنين: { إن ~~تتبعون } أي ما تتبعون { إلا رجلا مسحورا } قد سحر ~~فغلب على عقله وقيل: ذا سحر وهي الرئة أي بشرا لا ملكا على ~~أن الوصف لزيادة التقرير والأول هو الأنسب بحالهم. # { انظر كيف ضربوا لك الأمثال } استعظام للأباطيل التي ~~اجترؤا على التفوه بها وتعجيب منها أي انظر كيف قالوا في حقك تلك ~~الأقاويل العجيبة الخارجة عن العقول، الجارية لغرابتها مجرى الأمثال ~~واخترعوا لك تلك الصفات والأحوال الشاذة البعيدة من الوقوع { ~~فضلوا } أي عن طريق المحاجة حيث لم يأتوا بشيء يمكن صدوره ~~عمن له أدنى عقل وتمييز فبقوا متحيزين { فلا يستطيعون ~~سبيلا } إلى القدح في نبوتك بأن يجدوا قولا يستقرون عليه وإن كان ~~باطلا في نفسه أو فضلوا عن الحق ضلالا مبينا فلا يجدون طريقا ~~موصلا إليه فإن من اعتاد استعمال أمثال هذه الأباطيل لا يكاد ~~يهتدي إلى استعمال المقدمات الحقة. ### || [25.10-11] # { تبارك الذى } أي تكاثر وتزايد خير ms2406 الذي { إن شاء جعل ~~لك } في الدنيا عاجلا شيئا { خيرا } لك { من ذلك } الذي ~~اقترحوه من أن يكون لك جنة تأكل منها بأن يجعل لك مثل ما وعدك في ~~الآخرة. وقوله تعالى: { جنت تجرى من تحتها الأنهر ~~} بدل من خيرا ومحقق لخيريتة مما قالوا لأن ذلك كان مطلقا ~~عن قيد التعدد وجريان الأنهار { ويجعل لك قصورا } عطف ~~على محل الجزاء الذي هو جعل وقرىء بالرفع عطفا على نفسه لأن ~~الشرط إذا كان ماضيا جاز في جزائه الرفع والجزم كما في قول ~~القائل: [البسيط] # وإن أتاه خليل يوم مسألة # يقول لا غائب مالي ولا حرم # ويجوز أن يكون استئنافا بوعد ما يكون له في الآخرة. وقرىء ~~بالنصب على أنه جواب بالواو. وتعليق ذلك بمشيئته تعالى للإيذان ~~بأن عدم جعلها بمشيئته المبنية على الحكم والمصالح، وعدم ~~التعرض لجواب الاقتراحين الأولين للتنبيه على خروجهما عن دائرة ~~العقل واسغنائهما عن الجواب لظهور بطلانهما ومنافاتهما للحكمة ~~التشريعية وإنما الذي له وجه في الجملة هو الاقتراح الأخير ~~فإنه غير مناف للحكمة بالكلية فإن بعض الأنبياء عليهم ~~الصلاة والسلام قد أوتوا في الدنيا مع النبوة ملكا عظيما ~~{ بل كذبوا بالساعة } إضراب عن توبيخهم بحكاية جنايتهم ~~السابقة وانتقال منه إلى توبيخهم بحكاية جنايايتهم الأخرى ~~للتخلص إلى بيان ما لهم في الآخرة بسببها من فنون العذاب بقوله ~~تعالى: { وأعتدنا لمن كذب بالساعة سعيرا } الخ أي ~~أعتدنا لهم نارا عظيمة شديدة الاشتعال شأنها كيت وكيت بسبب ~~تكذيبهم بها على ما يشعر به وضع الموصول موضع ضميرهم أو لكل من ~~كذب بها كائنا من كان وهم داخلون في زمرتهم دخولا أوليا. ووضع ~~الساعة موضع ضميرها للمبالغة في التشنيع ومدار اعتياد السعير ~~لهم وإن لم يكن مجرد تكذيبهم بالساعة بل مع تكذيبهم بسائر ما جاء ~~به الشريفة لكن الساعة لما كانت هي العلة القريبة لدخولهم ~~السعير أشير إلى سببية تكذيبها لدخولها. وقيل: هو عطف على ~~وقالوا ما لهذا الخ على معنى بل أتوا بأعجب من ذلك حيث كذبوا ~~بالساعة وأنكروها والحال أنا ms2407 قد أعتدنا لكل من كذب بها سعيرا ~~فإن جراءتهم على التكذيب بها وعدم خوفهم مما أعد لمن كذب ~~بها من أنواع العذاب أعجب من القول السابق وقيل: هو متصل بما ~~قبله من الجواب المبني على التحقيق المنبىء عن الوعد بالجنات ~~في الآخرة مسوق لبيان أن ذلك لا يجدي نفعا ولا يحلى بطائل على ~~طريقة قول من قال: # عوجوا لنعم فحيوا دمنة الدار # ماذا تحيون من نؤي وأحجار # والمعنى أنهم لا يؤمنون بالساعة فكيف يقتنعون بهذا الجواب وكيف ~~يصدقون بتعجيل مثل ما وعدك في الآخرة وقيل: المعنى بل كذبوا بها ~~فقصرت أنظارهم على الحظوظ الدنيوية وظنوا أن الكرامة ليست ~~إلا بالمال وجعلوا فقرك ذريعة إلى تكذيبك. ### || [25.12-14] # قوله تعالى: { إذا رأتهم } الخ صفة للسعير أي إذا كانت بمرأى ~~الناظر في البعد كقوله عليه الصلاة والسلام: # " لا تتراءى ناراهما " # أي لا تتقاربان بحيث تكون إحدهما بمرأى من الأخرى على المجاز ~~كأن بعضها يرى البعض. ونسبة الرؤية إليها لا إليهم للإيذان بأن ~~التغيظ والزفير منها لهيجان غضبها عليهم عند رؤيتها إياهم ~~حقيقة أو تمثيلا. ومن في قوله تعالى: { من مكان بعيد } إشعار ~~بأن بعد ما بينهما وبينهم من المسافة حين رأتهم خارج عن حدود ~~البعد المعتاد في المسافات المعهودة وفيه مزيد تهويل لأمرها. قال ~~الكلبي والسدي: من مسيرة عام وقيل: من مسيرة مائة سنة { ~~سمعوا لها تغيظا وزفيرا } أي صوت تغيظ على تشبيه صوت ~~غليانها بصوت المغتاظ وزفيره وهو صوت يسمع من جوفه. هذا وإن ~~الحياة لما لم تكن مشروطة عندنا بالبنية أمكن أن يخلق الله تعالى ~~فيها حياة فترى وتتغيظ وتزفر، وقيل: إن ذلك لزبانيتها فنسب إليها ~~على حذف المضاف. # { وإذا ألقوا منها مكانا } نصب على الظرفية ومنها ~~حال منه لأنه في الأصل صفة له { ضيقا } صفة لمكانا مفيدة ~~لزيادة شدة فإن الكرب مع الضيق كما أن الروح مع ~~السعة، وهو السر في وصف الجنة بأن عرضها السموات الأرض. ~~وعن ابن عباس وابن عمر رضي الله تعالى عنهم: تضيق جهنم عليهم كما ms2408 ~~يضيق الزج على الرمح. وسئل النبي عليه الصلاة والسلام ~~عن ذلك فقال: # " والذي نفسي بيده إنهم ليستكرهون في النار كما يستكره ~~الوتد في الحائط " # قال الكلبي: الأسفلون يرفعهم اللهب والأعلون يحطهم ~~الداخلون فيزدحمون فيها. وقرىء ضيقا بسكون الياء. { مقرنين ~~} حال من مفعول ألقوا أي ألقوا منها مكانا ضيقا حال كونهم ~~مقرنين قد قرنت أيديهم إلى أعناقهم بالجوامع وقيل: مقرنين مع ~~الشياطين في السلاسل، كل كافر مع شيطان وفي أرجلهم الأصفاد { ~~دعوا هنالك } أي في ذلك المكان الهائل والحالة الفظيعة { ~~ثبورا } أي يتمنون هلاكا وينادونه يا ثبوراه تعال فهذا حينك ~~وأوانك. # { لا تدعوا اليوم ثبورا وحدا } على تقدير قول إما ~~منصوب على أنه حال من فاعل دعوا أي دعوه مقولا لهم ذلك حقيقة ~~بأن يخاطبهم الملائكة به لتنبيههم على خلود عذابهم وأنهم لا ~~يجابون إلى ما يدعونه ولا ينالون ما يتمنونه من الهلاك المنجي، ~~أو تمثيلا وتصويرا لحالهم بحال من يقال له ذلك من غير أن يكون هناك ~~قول ولا خطاب أي دعوه حال كونهم أحقاء بأن يقال لهم ذلك. ~~وإما مستأنف وقع جوابا عن سؤال ينسحب عليه الكلام كأنه قيل: ~~فماذا يكون عند دعائهم المذكور فقيل يقال لهم ذلك إقناطا مما ~~علقوا به أطماعهم من الهلاك وتنبيها على أن عذابهم الملجيء لهم ~~إلى استدعاء الهلاك بالمرة أبدي لا خلاص لهم منه أي لا تقتصروا ~~على دعاء ثبور واحد { وادعوا ثبورا كثيرا } أي بحسب كثرة ~~الدعاء المتعلق به لا بحسب كثرته في نفسه فإن ما يدعونه ثبور ~~واحد في حد ذاته لكنه كلما تعلق به دعاء من تلك الأدعية الكثيرة ~~صار كأنه ثبور مغاير لما تعلق به دعاء آخر منها وتحقيقه لا ~~تدعوه دعاء واحدا وادعوه أدعية كثيرة فإن ما أنتم فيه من ~~العذاب لغاية شدته وطول مدته مستوجب لتكرير الدعاء في كل ~~آن وهذا أدل على فظاعة العذاب وهوله جعل تعدد الدعاء وتجدده لتعدد ~~العذاب بتعدد أنواعه وألوانه أو لتعدده بتجدد الجلود كما لا ~~يخفى. # وأما ما قيل: من أن ms2409 المعنى إنكم وقعتم فيما ليس ثبوركم فيه ~~واحدا إنما هو ثبور كثير، إما لأن العذاب أنواع وألوان كل ~~نوع منها ثبور لشدته وفظاعته أو لأنهم كلما نضجت جلودهم ~~بدلوا غيرها فلا غاية لهلاكهم فلا يلائم المقام كيف لا وهم إنما ~~يدعون هلاكا ينهي عذابهم وينجيهم منه فلا بد أن يكون ~~الجواب إقناطا لهم من ذلك ببيان استحالته ودوام ما يوجب استدعاءه ~~من العذاب الشديد، وتقييد النهي والأمر باليوم لمزيد التهويل ~~والتفظيع والتنبيه على أنه ليس كسائر الأيام المعهودة. ### || [25.15-16] # { قل } تقريعا لهم وتهكما بهم وتحسيرا على ما فاتهم { أذلك ~~} إشارة إلى ما ذكر من السعير باعتبار اتصافها بما فصل من ~~الأحوال الهائلة، وما فيه من معنى البعد للإشعار بكونها في الغاية ~~القاصية من الهول والفظاعة أي قل لهم أذلك الذي ذكر من السعير التي ~~أعتدت لمن كذب بالساعة وشأنها كيت وكيت وشأن أهلها ذيت وذيت { ~~خير أم جنة الخلد التى وعد المتقون } أي وعدها ~~المتقون. وإضافة الجنة إلى الخلد للمدح وقيل: للتمييز عن ~~جنات الدنيا. والمراد بالمتقين المتصفون بمطلق التقوى لا ~~بالمرتبة الثانية أو الثالثة منها فقط { كانت } تلك الجنة ~~{ لهم } في علم الله تعالى أو في اللوح المحفوظ أو لأن ما وعده ~~الله تعالى فهو كائن لا محالة فحكي تحققه ووقوعه { جزاء } على ~~أعمالهم حسبما مر من الوعد الكريم { ومصيرا } ينقلبون إليه. # { لهم فيها ما يشاءون } أي ما يشاءونه من فنون الملاذ ~~والمشتهيات وأنواع النعيم كما في قوله تعالى: # ولكم فيها ما تشتهى أنفسكم # [فصلت: 31] ولعل كل فريق منهم يقتنع بما أتيح له من درجات ~~النعيم ولا تمتد أعناق هممهم إلى ما فوق ذلك من المراتب العالية ~~فلا يلزم الحرمان ولا تساوي مراتب أهل الجنان { خلدين } حال ~~من الضمير المستكن في الجار والمجرور لاعتماده على المبتدأ وقيل: ~~من فاعل يشاءون { كان } أي ما يشاؤنه وقيل: الوعد المدلول عليه بقوله ~~تعالى وعد المتقون { على ربك وعدا مسئولا } أي موعودا ~~حقيقيا بأن يسأل ويطلب لكونه مما يتنافس فيه المتنافسون أو ~~مسؤولا ms2410 لا يسأله الناس في دعائهم بقولهم ربنا وآتنا ما وعدتنا على ~~رسلك أو الملائكة بقولهم ربنا وأدخلهم جنات عدن التي وعدتهم، وما في ~~على من معنى الوجوب لامتناع الخلف في وعده تعالى ولا يلزم منه ~~الإلجاء إلى الإنجاز فإن تعلق الإرادة بالموعود متقدم على ~~الوعد الموجب للإنجاز، وفي التعرض لعنوان الربوبية مع ~~الإضافة إلى ضميره عليه الصلاة والسلام من تشريفه والإشعار بأنه ~~عليه الصلاة والسلام هو الفائز آثر ذي أثير بمغانم الوعد الكريم ~~ما لا يخفى. ### || [25.17-18] # { ويوم يحشرهم } نصب على أنه مفعول لمضمر مقدم معطوف ~~على قوله تعالى قل أذلك الخ أي لهم بعد التقريع والتحسير يوم ~~يحشرهم الله عز وجل. وتعليق التذكير باليوم مع أن المقصود ~~تذكير ما وقع فيه من الحوادث الهائلة قد مر وجهه غير مرة أو ~~على أنه ظرف لمضمر مؤخر قد حذف للتنبية على كمال هوله ~~وفظاعة ما فيه والإيذان بقصور العبارة عن بيانه أي يوم يحشرهم ~~يكون من الأحوال والأهوال ما لا يفي ببيانه المقال. وقرىء بنون ~~العظمة بطريق الالتفات من الغيبة إلى التكلم وبكسر الشين ~~أيضا { وما يعبدون من دون الله } أريد به ما يعم ~~العقلاء وغيرهم إما لأن كلمة ما موضوعة للكل كما ينبىء عنه أنك ~~إذا رأيت شبحا من بعيد تقول ما هو أو لأنه أريد به الوصف لا ~~الذات كأنه قيل: ومعبوديهم أو لتغليب الأصنام على غيرها تنبيها ~~على أنهم مثلها في السقوط عن رتبة المعبودية أو اعبتارا ~~لغلبة عبدتها أو أريد به الملائكة والمسيح وعزير بقرينة السؤال ~~والجواب أو الأصنام ينطقها الله تعالى أو تكلم بلسان الحال كما ~~قيل: في شهادة الأيدي والأرجل. { فيقول } أي الله عز وجل ~~للمعبودين إثر حشر الكل تقريعا للعبدة وتبكيتا لهم. وقرىء ~~بالنون كما عطف عليه. وقرىء هذا بالياء والأول بالنون على طريق ~~الالتفات إلى الغيبة { ءأنتم أضللتم عبادى هؤلاء } ~~بأن دعوتموهم إلى عبادتكم كما في قوله تعالى: # أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون ~~الله # [المائدة: 116] { أم هم ضلوا السبيل } أي ms2411 عن السبيل ~~بأنفسهم لإخلالهم بالنظر الصحيح وإعراضهم عن المرشد فحذف الجار ~~وأوصل الفعل إلى المفعول كقوله تعالى وهو يهدي السبيل والأصل إلى ~~السبيل أو للسبيل وتقديم الضميرين على الفعلين لأن ~~المقصود بالسؤال هو المتصدي للفعل لا نفسه. # { قالوا } استئناف مبني على سؤال نشأ من حكاية السؤال كأنه ~~قيل: فماذا قالوا في الجواب فقيل قالوا { سبحنك } تعجبا مما ~~قيل لهم لأنهم إما ملائكة معصومون أو جمادات لا قدرة لها على ~~شيء أو إشعارا بأنهم الموسومون بتسبيحه تعالى وتوحيده فكيف ~~يتأتى منهم إضلال عباده، أو تنزيها له تعالى عن الأنداد { ما ~~كان ينبغى لنا } أي ما صح وما استقام لنا { أن نتخذ من ~~دونك } أي متجاوزين إياك { من أولياء } نعبدهم لما بنا من ~~الحالة المنافية له فأنى يتصور أن نحمل غيرها على أن ~~يتخذ وليا غيرك فضلا أن يتخذنا وليا وأن نتخذ من دونك ~~أولياء أي أتباعا فإن الولي كما يطلق على المتبوع يطلق على ~~التابع كالمولى يطلق على الأعلى والأسفل ومنه أولياء الشيطان ~~أي أتباعه. وقرىء على البناء للمفعول من المتعدي إلى مفعولين كما ~~في قوله تعالى: # واتخذ الله إبرهيم خليلا # [النساء: 125] ومفعوله الثاني من أولياء على أن من للتبعيض أي أن ~~نتخذ بعض أولياء وهي على الأول مزيدة. وتنكير أولياء من حيث إنهم ~~أولياء مخصوصون وهم الجن والأصنام { ولكن متعتهم ~~وءاباءهم } استدراك مسوق لبيان أنهم هم الضالون بعد بيان ~~تنزههم عن إضلالهم، وقد نعي عليهم سوء صنيعهم حيث جعلوا أسباب ~~الهداية أسبابا للضلالة أي ما أضللناهم ولكنك متعتهم وآباءهم ~~بأنواع النعم ليعرفوا حقها ويشكروها فاستغرقوا في الشهوات ~~وانهمكوا فيها { حتى نسوا الذكر } أي غفلوا عن ذكرك أو عن ~~التذكر في آلائك والتدبر في آياتك فجعلوا أسباب الهداية بسوء ~~اختيارهم ذريعة إلى الغواية { وكانوا } أي في قضائك المبني ~~على علمك الأزلي المتعلق بما سيصدر عنهم فيما لا يزال باختيارهم من ~~الأعمال السيئة { قوما بورا } أي هالكين على أن بورا مصدر ~~وصف به الفاعل مبالغة ولذلك يستوى فيه الواحد والجمع أو جمع ms2412 بائر ~~كعوذ في جمع عائذ. والجملة اعتراض تذييلي مقرر لمضمون ما ~~قبله. ### || [25.19] # قوله تعالى: { فقد كذبوكم } حكاية لاحتجاجه تعالى على ~~العبدة بطريق تلوين الخطاب وصرفه عن المعبودين عند تمام جوابهم ~~وتوجيهه إلى العبدة مبالغة في تقريعهم وتبكيتهم على تقدير قول ~~مرتب على الجواب أي فقال الله تعالى عند ذلك فقد كذبوكم المعبودون ~~أيها الكفرة { بما تقولون } أي في قولكم إنهم آلهة وقيل: في ~~قولكم هؤلاء أضلونا ويأباه أن تكذيبهم في هذا القول لا تعلق له بما ~~بعده من عدم استطاعتهم للصرف والنصر أصلا، وإنما الذي يستتبعه ~~تكذيبهم في زعمهم أنهم آلهتهم وناصروهم، وأيا ما كان فالباء بمعنى ~~في أو هي صلة للتكذيب على أن الجار والمجرور بدل اشتمال من ~~الضمير المنصوب. وقرىء بالياء أي كذبوكم بقولهم سبحانك الآية { ~~فما تستطيعون } أي ما تملكون { صرفا } أي دفعا للعذاب عنكم ~~بوجه من الوجوه كما يعرب عنه التنكير أي لا بالذات ولا بالواسطة ~~وقيل: حيلة من قولهم إنه ليتصرف في أموره أي يحتال فيها وقيل: توبة { ~~ولا نصرا } أي فردا من أفراد النصر لا من جهة أنفسكم ولا من ~~جهة غيركم. والفاء لترتيب عدم الاستطاعة على ما قبلها من ~~التكذيب لكن لا على أنه لولاه لوجدت الاستطاعة حقيقة بل في ~~زعمهم حيث كانوا يزعمون أنهم يدفعون عنهم العذاب وينصرونهم، وفيه ~~ضرب تهكم بهم. وقرىء يستطيعون على صيغة الغيبة أي ما يستطيع ~~آلهتكم أن يصرفوا عنكم العذاب أو يحتالوا لكم ولا أن ينصروكم، وترتب ~~ما بعد الفاء على ما قبلها كما مر بيانه { ومن يظلم منكم } ~~أيها المكلفون كدأب هؤلاء حيث ركبوا متن المكابرة والعناد ~~واستمروا على ماهم عليه من الفساده وتجاوزوا في اللجاج كل حد ~~معتاد { نذقة } في الآخرة { عذابا كبيرا } لا يقادر قدره، ~~وهو عذاب النار. وقرىء يذقه على أن الضمير لله سبحانه وتعالى ~~وقيل لمصدر الفعل الواقع شرطا. وتعميم الظلم لا يستلزم اشتراك ~~الفاسق للكافر في إذاقة العذاب الكبير فإن الشرط في اقتضاء ~~الجزاء مقيد بعدم المزاحم وفاقا وهو التوبة، ms2413 والإحباط ~~بالطاعة إجماعا وبالعفو عندنا. ### || [25.20-21] # { وما أرسلنا قبلك من المرسلين إلا إنهم ~~ليأكلون الطعام ويمشون فى الأسواق } جواب عن قولهم: # ما لهذا الرسول يأكل الطعام ويمشى فى ~~الأسواق # [الفرقان: 7] والجملة الواقعة بعد إلا صفة لموصوف قد حذف ثقة ~~بدلالة الجار والمجرور عليه وأقيمت هي مقامه كما في قوله تعالى: # وما منا إلا له مقام معلوم # [الصافات: 164] والمعنى ما أرسلنا أحدا قبلك من المرسلين إلا آكلين ~~وماشين وقيل: في حال، والتقدير إلا وإنهم ليأكلون الخ وقرىء ~~يمشون على البناء للمفعول أي يمشيهم حوائجهم أو الناس. { ~~وجعلنا بعضكم } تلوين للخطاب بتعميمه لسائر الرسل عليهم ~~الصلاة والسلام بطريق التغليب، والمراد بهذا البعض كفار ~~الأمم فإن اختصاصهم بالرسل وتبعيتهم لهم مصحح لأن يعدوا ~~بعضا منهم وبما في قوله تعالى: { لبعض } رسلهم لكن لا على معنى ~~جعلنا مجموع البعض الأول { فتنة } أي ابتلاء ومحنة لمجموع ~~البعض الثاني ولا على معنى جعلنا كل فرد من أفراد البعض الأول فتنة ~~لكل فرد من أفراد البعض الثاني ولا على معنى جعلنا بعضا مبهما من ~~الأولين فتنة لبعض مبهم من الآخرين ضرورة أن مجموع الرسل من ~~حيث هو مجموع غير مفتون بمجموع الأمم ولا كل فرد منهم بكل ~~فرد من الأمم ولا بعض مبهم من الأولين لبعض مبهم من الآخرين بل ~~على معنى جعلنا كل بعض معين من الأمم فتنة لبعض معين من ~~الرسل كأنه قيل: وجعلنا كل أمة مخصوصة من الأمم الكافرة ~~فتنة لرسولها المعين المبعوث إليها وإنما لم يصرح بذلك ~~تعويلا على شهادة الحال. هذا وأما تعميم الخطاب لجميع المكلفين ~~وإبقاء البعضين على العموم والإبهام على معنى وجعلنا بعضكم أيها ~~فتنة لبعض آخر منكم فيأباه قوله تعالى: { أتصبرون } فإنه ~~غاية للجعل المذكور، ومن البين أن ليس ابتلاء كل أحد من ~~آحاد الناس مغيا بالصبر بل بما يناسب حاله على أن ~~الاقتصار على ذكره من غير تعرض لمعال له مما يدل على أن ~~اللائق بحال المفتونين والمتوقع صدوره عنهم هو الصبر لا غير، ~~فلا بد أن يكون ms2414 المراد بهم الرسل فيحصل به تسليته عليه ~~الصلاة والسلام فالمعنى جرت سنتنا بموجب حكمتنا على ابتلاء ~~المرسلين بأممهم وبمناصبتهم لهم العداوة وإيذائهم لهم وأقاويلهم ~~الخارجة عم حدود الإنصاف لنعلم صبركم. وقوله تعالى: { وكان ~~ربك بصيرا } وعد كريم للرسول عليه الصلاة والسلام ~~بالأجر الجزيل لصبره الجميل مع مزيد تشريف له عليه الصلاة ~~والسلام بالالتفات إلى اسم الرب مضافا إلى ضميره صلى الله ~~عليه وسلم. # { وقال الذين لا يرجون لقاءنا } شروع في حكاية بعض ~~آخر من أقاويلهم الباطلة وبيان بطلانها إثر إبطال أباطيلهم ~~السابقة. والجملة معطوفة على قوله تعالى: # وقالوا ما لهذا الرسول # [سورة الفرقان, الآية 7] الخ ووضع الموصول موضع الضمير للتنبيه ~~بما في حيز الصلة على أن ما يحكى عنهم من الشناعة بحيث لا ~~يصدر عمن يعتقد المصير إلى الله عز وجل. ولقاء الشيء عبارة ~~عن مصادفته من غير أن يمنع مانع من إدراكه بوجه من الوجوه، ~~والمراد بلقائه تعالى إما الرجوع إليه تعالى بالبعث والحشر أو ~~لقاء حسابه تعالى كما في قوله تعالى: # إنى ظننت أنى ملق حسابيه # [سورة الحاقة, الآية 20] وبعدم رجائهم إياه عدم توقعهم له أصلا ~~لإنكارهم البعث والحساب بالكلية لا عدم أملهم حسن اللقاء ولا عدم ~~خوفهم سوء اللقاء لأن عدمهما غير مستلزم لما هم عليه من ~~العتو والاستكبار وإنكار البعث والحساب رأسا أي وقال الذين لا ~~يتوقعون الرجوع إلينا أو حسابنا المؤدي إلى سوء العذاب الذي ~~تستوجب. مقالتهم { لولا أنزل علينا الملئكة } أي ~~هلا أنزلوا علينا بطريق ليخبرونا بصدق محمد عليه الصلاة ~~والسلام وقيل: هلا أنزلوا علينا الرسالة وهو الأنسب لقولهم { ~~أو نرى ربنا } من حيث أن كلا القولين ناشىء عن غاية ~~غلوهم في المكابرة والعتو حسبما يعرب عنه قوله تعالى { لقد ~~استكبروا فى أنفسهم } أي في شأنها حتى اجترأوا على ~~التفوه بمثل هذه العظيمة الشنعاء { وعتوا } أي تجاوزوا الحد ~~في الظلم والطغيان { عتوا كبيرا } بالغا أقصى غاياته حيث ~~أملوا نيل مرتبة المفاوضة الإلهية من غير توسط الرسول والملك ~~كما قالوا: # لولا يكلمنا الله # [سورة البقرة, ms2415 الآية 118] ولم يكتفوا بما عاينوا من المعجزات القاهرة ~~التي تخر لها صم الجبال فذهبوا في الاقتراح كل مذهب حتى ~~منتهم أنفسهم الخبيثة أماني لا تكاد ترنو إليها أحداق الأمم ~~ولا تمتد إليها أعناق الهمم ولا ينالها إلا أولو العزائم الماضية ~~من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام. واللام جواب قسم محذوف أي ~~والله لقد استكبروا الآية وفيه من الدلالة على غاية قبح ما هم ~~عليه والإشعار بالتعجب من استكبارهم وعتوهم ما لا يخفى. ### || [25.22] # { يوم يرون الملئكة } استئناف مسوق لبيان ما يلقونه ~~عند مشاهدتهم لما اقترحوه من نزول الملائكة عليهم السلام بعد ~~استعظامه وبيان كونه في غاية ما يكون من الشناعة وإنما قيل يوم ~~يرون دون أن يقال يوم ينزل الملائكة إيذانا من أول الأمر ~~بأن رؤيتهم لهم ليست على طريق الإجابة إلى ما اقترحوه بل على وجه ~~آخر غير معهود. ويوم منصوب على الظرفية بما يدل عليه قوله ~~تعالى { لا بشرى يومئذ للمجرمين } فإنه في معنى لا ~~يبشر يومئذ المجرمون والعدول إلى نفي الجنس للمبالغة في نفي ~~البشرى. وما قيل: من أنه بمعنى يمنعون البشرى أو يعدمونها تهوين ~~للخطيب في مقام التهويل فإن منع البشرى وفقدانها مشعران بأن ~~هناك بشرى يمنعونها أو يفقدونها. وأين هذا من نفيها بالكلية وحيث ~~كان نفيها كناية عن إثبات ضدها كما أن نفي المحبة في مثل ~~قوله تعالى: # فإن الله لا يحب الكفرين # [سورة آل عمران, الآية 32] كناية عن البغض والمقت دل على ثبوت ~~النذرى لهم على أبلغ وجه وآكده وقيل: منصوب بفعل مقدر يؤكده ~~بشرى على أن لا غير نافية للجنس وقيل: منصوب على المفعولية بمضمر ~~مقدم عليه أي اذكر يوم رؤيتهم الملائكة ويومئذ على كل حال ~~تكرير للتأكيد والتهويل مع ما فيه من الإيذان بأن تقديم الظرف ~~للاهتمام لا لقصر نفي البشرى على ذلك الوقت فقط فإن ذلك مخل ~~بتفظيع حالهم، وللمجرمين تبيين على أنه مظهر وضع موضع الضمير ~~تسجيلا عليهم بالإجرام مع ما هم عليه من الكفر وحمله على العموم بحيث ~~يتناول فساق ms2416 المؤمنين ثم الالتجاء في إخراجهم عن الحرمان الكلي ~~إلى أن نفي البشرى حينئذ لا يستلزم نفيه في جميع الأوقات فيجوز ~~أن يبشروا بالعفو والشفاعة في وقت آخر بمعزل عن الحق بعيد ~~{ ويقولون } عطف على ما ذكر من الفعل المنفي المنبىء عن كمال ~~فظاعة ما يحيق بهم من الشر وغاية هول مطلعه بيان أنهم يقولون عند ~~مشاهدتهم له { حجرا محجورا } وهي كلمة يتكلمون بها عند لقاء ~~عدو موتور وهجوم نازلة هائلة يضعونها موضع الاستعاذة حيث يطلبون ~~من الله تعالى أن يمنع المكروه فلا يلحقهم فكان المعنى نسأل الله ~~تعالى أن يمنع ذلك منعا ويحجره حجرا و كسر الحاء تصرف فيه ~~لاختصاصه بموضع واحد كما في قعدك وعمرك. وقد قرىء حجرا ~~بالضم والمعنى أنهم يطلبون نزول الملائكة عليهم السلام ~~ويقترحونه وهم إذا رأوهم كرهوا لقاءهم أشد كراهة وفزعوا منهم ~~فزعا شديدا وقالوا ما كانوا يقولونه عند نزول خطب شنيع وحلول ~~بأس شديد فظيع ومحجورا صفة لحجرا وإرادة للتأكيد كما قالوا ~~ذيل ذائل وليل أليل وقيل: يقولها الملائكة إقناطا للكفرة ~~بمعنى حراما محرما عليكم الغفران أو الجنة أو البشرى أي جعل ~~الله تعالى ذلك حراما عليكم وليس بواضح. ### || [25.23-24] # { وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء ~~منثورا } بيان لحال ما كانوا يعملونه في الدنيا من صلة رحم ~~وإغاثة ملهوف. وقرى ضيف ومن على أسير وغير ذلك من مكارمهم ومحاسنهم ~~التي لو كانوا عملوها مع الإيمان لنالوا ثوابها بتمثيل حالهم ~~وحال أعمالهم المذكورة بحال قوم خالفوا سلطانهم واستعصوا عليه ~~فقدم إلى أشيائهم وقصد ما تحت أيديهم فأنحى عليها بالإفساد ~~والتحريق ومزقها كل تمزيق بحيث لم يدع لها عينا ولا أثرا أي ~~عمدنا إليها وأبطلناها أي أظهرنا بطلانها بالكلية من غير أن ~~يكون هناك قدوم ولا شيء يقصد تشبيهه به والهباء شبه غبار يرى في ~~شعاع الشمس يطلع من الكوة من الهبوة وهي الغبار ومنثورا صفته ~~شبه به أعمالهم المحبطة في الحقارة وعدم الجدوى ثم بالمنثور ~~منه في الانتشار بحيث لا يمكن نظمه أو ms2417 مفعول ثالث من حيث إنه ~~كالخبر كما في قوله تعالى: # كونوا قردة خسئين # [سورة البقرة, الآية 65] { أصحب الجنة } هم المؤمنون المشار ~~إليهم في قوله تعالى: قل أذلك خير أو جنة الخلد التي وعد المتقون ~~الخ { يومئذ } أي يوم إذ يكون ما ذكر من عدم التبشير وقولهم ~~حجرا محجورا وجعل أعمالهم هباء منثورا { خير مستقرا ~~} المستقر المكان الذي يستقر فيه في أكثر الأوقات للتجالس ~~والتحادث { وأحسن مقيلا } المقيل المكان الذي يؤوى إليه ~~للاسترواح إلى الأزواج والتمتع بمغازلتهن سمي بذلك لما أن ~~التمتع به يكون وقت القيلوله غالبا وقيل: لأنه يفرغ من الحساب ~~في منتصف ذلك اليوم فقيل أهل الجنة في الجنة وأهل النار في ~~النار وفي وصفه بزيادة الحسن مع حصول الخيرية بعطفه على ~~المستقر رمز إلى أنه مزين بفنون الزين والزخارف والتفضيل ~~المعتبر فيهما إما لإرادة الزيادة على الإطلاق أي هم في أقصى ما ~~يكون من خيرية المستقر وحسن المقيل وإما بالإضافة إلى ما ~~للكفرة المتنعمين في الدنيا أو إلى ما لهم في الآخرة بطريق ~~التهكم بهم كما مر في قوله تعالى: # قل أذلك خير # [سورة الفرقان, الآية 15] الآية هذا وقد جوز أن يراد بأحدهما ~~المصدر أو الزمان إشارة إلى أن مكانهم وزمانهم أطيب ما ~~يخيل من الأمكنة والأزمنة. ### || [25.25-27] # { ويوم تشقق السماء } أي تتفتح وأصله تتشقق فحذفت ~~إحدى التاءين كما في تلظى. وقرىء بإدغام التاء في الشين { ~~بالغمم } بسبب طلوع الغمام منها وهو الغمام الذي ذكر في ~~قوله تعالى: # هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من ~~الغمام والملئكة # [سورة البقرة, الآية 210] قيل هو غمام أبيض رقيق مثل الضبابة ~~ولم يكن إلا لبني إسرائيل { ونزل الملئكة تنزيلا } ~~أي تنزيلا عجيبا غير معهود قيل تنشق سماء سماء وينزل الملائكة ~~خلال ذلك الغمام بصحائف أعمال العباد وقرىء ونزلت الملائكة ~~وننزل وننزل على صيغة المتكلم من الإنزال والتنزيل ونزل ~~الملائكة وأنزل الملائكة وتزل الملائكة على حذف النون الذي هو ~~فاء الفعل من تنزل. # { الملك يومئذ الحق للرحمن } أي السلطنة ~~القاهرة والاستيلاء ms2418 الكلي العام الثابت صورة ومعنى ظاهرا ~~وباطنا بحيث لا زوال له أصلا ثابت الرحم يومئذ فالملك مبتدأ ~~والحق صفته وللرحمن خبره ويومنذ ظرف لثبوت الخبر للمبتدأ، ~~وفائدة التقييد أن ثبوت الملك المذكور له تعالى خاصة يومئذ ~~وأما فيما عداه من أيام الدنيا فيكون لغيره أيضا تصرف ~~صوري في الجملة وقيل:الملك مبتدأ والحق خبره وللرحمن متعلق ~~بالحق أو بمحذوف على التبيين أو بمحذوف هو صفة للحق ويومئذ ~~معمول للملك وقيل الخبر يومئذ والحق نعت للملك وللرحمن على ~~ما ذكر، وأيا ما كان فالجملة بمعناها عاملة في الظرف أي ينفرد ~~الله تعالى بالملك يوم تشقق وقيل: الظرف منصوب بما ذكر ~~فالجملة حينئذ استئناف مسوق لبيان أحواله وأهواله وإيراده تعالى ~~بعنوان الرحمانية للإيذان بأن اتصافه تعالى بغاية الرحمة ~~لا يهون الخطب على الكفرة لعدم استحقاقهم للرحمة كما في ~~قوله تعالى: # يأيها الإنسن ما غرك بربك الكريم # [سورة الانفطار, الآية 6] والمعنى أن الملك الحقيقي يومئذ ~~للرحمن { وكان } ذلك اليوم مع كون الملك فيه لله تعالى المبالغ ~~في الرحمة لعباده { يوما على الكفرين عسيرا } شديدا ~~لهم. وتقديم الجار والمجرور لمراعاة الفواصل وأما للمؤمنين ~~فيكون يسيرا بفضل الله تعالى، وقد جاء في الحديث أنه يهون يوم ~~القيامة على المؤمن حتى يكون أخف عليه من صلاة مكتوبة صلاها ~~في الدنيا، والجملة اعتراض تذييلى مقرر لما قبله. # { ويوم يعض الظلم على يديه } عض اليدين ~~والأنامل وأكل البنان وحرق الأسنان ونحوها كنايات عن الغيظ ~~والحسرة لأنها من روادفهما. والمراد بالظالم إما عقبة بن ~~أبي معيط على ما قيل: من أنه كان يكثر مجالسة النبي صلى الله ~~عليه وسلم فدعاه عليه الصلاة والسلام يوما إلى ضيافته فأبى عليه ~~الصلاة والسلام أن يأكل من طعامه حتى ينطق بالشهادتين ~~ففعل وكان أبي بن خلف صديقه فعاتبه فقال: صبأت فقال: لا ~~ولكن أبى أن يأكل من طعامي وهو في بيتي فاستحييت منه فشهدت ~~له فقال: إني لا أرضى منك إلا أن تأتيه فتطأ قفاه وتبزق في وجهه ~~فأتاه فوجده ساجدا في دار الندوة ms2419 ففعل ذلك فقال عليه الصلاة ~~والسلام، لا ألقاك خارجا من مكة إلا علوت رأسك بالسيف ~~فأسر يوم بدر فأمر عليا رضي الله عنه فقتله وقيل: قتله عاصم ~~بن ثابث الأنصاري وطعن عليه الصلاة والسلام أبيا يوم ~~أحد في المبارزة فرجع إلى مكة ومات. # وإما جنس الظالم وهو داخل فيه دخولا أوليا. وقوله تعالى: { ~~يقول } الخ حال من فاعل يعض. وقوله تعالى: { يليتنى } الخ ~~محكي به ويا إما لمجرد التنبيه من غير قصد إلى تعيين ~~المنبه أو المنادي محذوف أي يا هؤلاء ليتني { اتخذت مع ~~الرسول سبيلا } أي طريقا واحدا منجيا من هذه الورطات وهو ~~طريق الحق ولم تتشعب بي طرق الضلالة أو حصلت في صحبته عليه ~~الصلاة والسلام طريقا ولم أكن ضالا لا طريق لي قط. ### || [25.28-30] # { يويلتا } بقلب ياء المتكلم ألفا كما في صحارى ~~ومدارى. وقرىء على الأصل يا ويلتي أي هلكتي تعالي واحضري فهذا ~~أوانك { ليتنى لم أتخذ فلانا خليلا } يريد من ~~أضله في الدنيا فإن فلانا كناية عن الأعلام كما أن الهن ~~كناية عن الأجناس. وقيل فلان كناية عن علم ذكور من يعقل، ~~وفلانة عن علم إناثهم. وقل كناية عن نكرة من يعقل من الذكور، ~~وفلة عمن يعقل من الإناث، والفلان والفلانة من غير العاقل ~~ويختص فل بالنداء إلا في ضرورة كما في قوله: [الرجز] # في لجة أمسك فلانا عن فل # وقوله # خذا حدثاني عن فل وفلان # وليس فل مرخما من فلان خلافا للفراء واختلفوا في لام فل ~~وفلان فقيل واو وقيل ياء، هذا فإن أريد بالظالم عقبة ففلان ~~كناية عن أبي وإن أريد به الجنس فهو كناية عن علم كل من ~~يضله كائنا من كان من شياطين الإنس والجن وهذا التمني منه ~~وإن كان مسوقا لإبراز الندم والحسرة لكنه متضمن لنوع تعلل ~~واعتذار بتوريك جنايته إلى الغير. # وقوله تعالى: # { لقد أضلنى عن الذكر } تعليل لتمنيه المذكور وتوضيح ~~لتعلله. وتصديره باللام القسمية للمبالغة في بيان خطئه ~~وإظهار ندمه وحسرته أي والله لقد أضلني عن ذكر الله تعالى ms2420 أو عن ~~القرآن أو عن موعظة الرسول عليه الصلاة والسلام أو كلمة ~~الشهادة { بعد إذ جاءنى } وتمكنت منه وقوله تعالى: { ~~وكان الشيطن للإنسن خذولا } أي مبالغا في ~~الخذلان حيث يواليه حتى يؤديه إلى الهلاك ثم يتركه ولا ~~ينفعه اعتراض مقرر لمضمون ما قبله إما من جهته تعالى أو من تمام ~~كلام الظالم على أنه سمي خليله شيطانا بعد وصفه بالإضلال ~~الذي هو أخص الأوصاف الشيطانية أو على أنه أراد بالشيطان ~~إبليس لأنه الذي حمله على مخالة المضلين ومخالفة الرسول ~~الهادي عليه الصلاة والسلام بوسوسته وإغوائه لكن وصفه ~~بالخذلان يشعر بأنه كان يعده في الدنيا ويمنيه بأنه ينفعه ~~في الآخرة وهو أوفق بحال إبليس. # { وقال الرسول } عطف على قوله تعالى: # وقال الذين لا يرجون لقاءنا # [سورة الفرقان, الآية 21] وما بينهما اعتراض مسوق لا ستعظام ما ~~قالوه وبيان ما يحيق بهم في الآخرة من الأهوال والخطوب وإبراده ~~عليه الصلاة والسلام بعنوان الرسالة لتحقيق الحق والرد ~~على نحورهم حيث كان ما حكي عنهم قدحا في رسالته عليه الصلاة ~~والسلام أي قالوا كيت وكيت وقال الرسول إثر ما شاهد منهم ~~غاية العتو ونهاية الطغيان بطريق البث إلى ربه عز وجل { ~~يرب إن قومى } يعني الذين حكي عنهم ما حكي من الشنائع { ~~اتخذوا هذا القرءان } الذي من جملته هذه الآيات ~~الناطقة بما يحيق بهم في الآخرة من فنون العقاب كما ينبىء عنه ~~كلمة الإشارة. # { مهجورا } أي متروكا بالكلية ولم يؤمنوا به ولم يرفعوا إليه ~~رأسا ولم يتأثروا بوعيده وفيه تلويح بأن من حق المؤمن أن ~~يكون كثير التعاهد للقرآن كيلا يندرج تحت ظاهر النظم الكريم ~~فإنه روي عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال: # " من تعلم القرآن وعلق مصحفا لم يتعاهده ولم ينظر فيه جاء ~~يوم القيامة متعلقا به يقول يا رب العالمين عبدك هذا اتخذني ~~مهجورا اقض بيني وبينه " # وقيل: هو من هجر إذا هذى أي جعلوه مهجورا فيه إما على زعمهم ~~الباطل وإما بأن هجروا فيه إذا سمعوه كما يحكى عنه من قولهم: # لا ms2421 تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه # [سورة فصلت: الآية 26] وقد جوز أن يكون المهجور بمعنى الهجر ~~كالمجلود والمعقول فالمعنى اتخذوه هجرا وهذيانا وفيه من ~~التحذير والتخويف ما لا يخفى فإن الأنبياء عليهم الصلاة ~~والسلام إذا شكوا إلى الله تعالى قومهم عجل لهم العذاب ولم ~~ينظروا. ### || [25.31-32] # وقوله تعالى: { وكذلك جعلنا لكل نبى عدوا من ~~المجرمين } تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم وحمل له على ~~الاقتداء بمن قبله من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام أي كما ~~جعلنا لك أعداء من المشركين يقولون ما يقولون ويفعلون ما يفعلون من ~~الأباطيل جعلنا لكل نبي من الأنبياء الذين هم أصحاب الشريعة ~~والدعوة إليها عدوا من مجرمي قومهم فاصبر كما صبروا وقوله تعالى: ~~{ وكفى بربك هاديا ونصيرا } وعد كريم له عليه الصلاة ~~والسلام بالهداية إلى كافة مطالبه والنصر على أعدائه أي ~~كفاك مالك أمرك ومبلغك إلى الكمال هاديا لك إلى ما يوصلك إلى ~~غاية الغايات التي من جملتها تبليغ الكتاب أجله وإجراء أحكامه في ~~أكناف الدنيا إلى يوم القيامة ونصيرا لك على جميع من يعاديك. # { وقال الذين كفروا } حكاية لاقتراحهم الخاص بالقرآن ~~الكريم بعد حكاية اقتراحهم في حقه عليه الصلاة والسلام ~~والقائلون هم القائلون أولا وإيرادهم بعنوان الكفر لذمهم به ~~والإشعار بعلة الحكم { لولا نزل عليه القرءان } ~~التنزيل ههنا مجرد عن معنى التدريج كما في قوله تعالى: # يسألك أهل الكتب أن تنزل عليهم كتبا من ~~السماء # [سورة النساء: الآية 153] ويجوز أن يراد به الدلالة على كثرة ~~المنزل في نفسه أي هلا أنزل كله { جملة وحدة } كالكتب ~~الثلاثة. وبطلان هذه الكلمة الحمقاء مما لا يكاد يخفى على أحد ~~فإن الكتب المتقدمة لم يكن شاهد صحتها ودليل كونها من عند ~~الله تعالى إعجازها، وأما القرآن الكريم فبينة صحته وآية ~~كونه من عند الله تعالى نظمه المعجز الباقي على مر الدهور ~~المتحقق في كل جزء من أجزائه المقدرة بمقدار أقصر السور ~~حسبما وقع به التحدي ولا ريب في أن ما يدور عليه فلك الإعجاز ~~هو المطابقة لما تقتضيه الأحوال ms2422 ومن ضرورة تغيرها وتجددها تغير ~~ما يطابقها حتما على أن فيه فوائد جمة قد أشير إلى بعض منه ~~بقوله تعالى: # { كذلك لنثبت به فؤادك } فإنه استئناف وارد من جهته ~~تعالى لرد مقالتهم الباطلة وبيان الحكمة في التنزيل التدريجي. ~~ومحل الكاف النصب على أنها صفة لمصدر مؤكد لمضمر معلل بما ~~بعده وذلك إشارة إلى ما يفهم من كلامهم أي مثل ذلك التنزيل ~~المفرق الذي قدحوا فيه واقترحوا خلافة نزلناه لا تنزيلا مغايرا ~~له لنقوي بذلك التنزيل المفرق فؤادك فإن فيه تيسيرا لحفظ ~~النظم وفهم المعاني وضبط الأحكام والوقوف على تفاصيل ما روعي ~~فيها من الحكم والمصالح المبنية المناسبة عل أنها منوطة ~~بأسبابها الداعية إلى شرعها ابتداء أو تبديلا بالنسخ من أحوال ~~المكلفين وكذلك عامة ما ورد في القرآن المجيد من الأخبار وغيرها ~~متعلقة بأمور حادثة من الأقاويل والأفاعيل ومن قضية تجددها تجدد ~~ما يتعلق بها كالاقتراحات الواقعة من الكفرة الداعية إلى ~~حكايتها وإبطالها وبيان ما يؤول إلي حالهم في الآخرة على أنهم في ~~هذا الاقتراح كالباحث عن حتفه بظلفه حيث أمروا بالاتيان بمثل ~~نوبة من نوب التنزيل فظهر عجزهم عن المعارضة وضاقت عليهم ~~الأرض بما رحبت فكيف لو تحدوا بكله وقوله تعالى: { ~~ورتلناه ترتيلا } عطف على ذلك المضمر، وتنكير ترتيلا ~~للتفخيم أي كذلك نزلناه ورتلناه ترتيلا بديعا لا يقادر ~~قدره ومعنى ترتيله تفريقه آية بعد آية قاله النخعي والحسن ~~وقتادة. # وقال ابن عباس رضي الله عنهما: بيناه بيانا فيه ترتيل ~~وتثبيت وقال السدي فصلناه تفصيلا. وقال مجاهد: جعلنا بعضه ~~في إثر بعض. وقيل هو الأمر بترتيل قراءته بقوله تعالى: # ورتل القرءان ترتيلا # [سورة المزمل: الآية 4] وقيل: قرأناه عليك بلسان جبريل عليه ~~السلام شيئا فشيئا في عشرين أو في ثلاث وعشرين سنة على تؤدة ~~وتمهل. ### || [25.33] # { ولا يأتونك بمثل } من الأمثال التي من جملتها ما حكي من ~~اقتراحاتهم القبيحة الخارجة عن دائرة العقول الجارية لذلك مجرى ~~الأمثال أي لا يأتونك بكلام عجيب هو مثل في البطلان يريدون به ~~القدح في حقك وحق ms2423 القرآن { إلا جئنك } في مقابلته { ~~بالحق } أي بالجواب الحق الثابت الذي ينحي عليه بالإبطال ~~ويحسم مادة القيل والقال كما مر من الأجوبة الحقة القالعة ~~لعروق أسئلتهم الشنيعة الدامغة لها بالكلية. وقوله تعالى: { ~~وأحسن تفسيرا } عطف على الحق أي جئناك بأحسن تفسيرا أو على ~~محل بالحق أي آتيناك الحق وأحسن تفسيرا أي بيانا وتفصيلا على ~~معنى أنه في غاية ما يكون من الحسن في حد ذاته لا أن ما يأتون ~~به له حسن في الجملة وهذا أحسن منه كما مر. والاستثناء مفرغ ~~محله النصب على الحالية أي لا يأتونك بمثل إلا حال إيتائنا ~~إياك الحق الذي لا محيد عنه وفيه من الدلالة على المسارعة إلى ~~إبطال ما أتوا به تثبيت فؤداه عليه الصلاة والسلام ما لا يخفى، ~~وهذا بعبارته ناطق ببطلان جميع الأسئلة وبصحة جميع الأجوبة وبإشارته ~~منبىء عن بطلان السؤال الأخير وصحة جوابه إذ لولا أن تنزيل ~~القرآن على التدريج لما أمكن إبطال تلك الاقتراحات الشنيعة ولما ~~حصل تثبيت فؤاده عليه الصلاة والسلام من تلك الحيثية هذا وقد ~~جوز أن يكون المثل عبارة عن الصفة الغريبة التي كانوا ~~يقترحون كونه عليه الصلاة والسلام عليها من مقارنة الملك ~~والاستغناء عن الأكل والشرب وحيازة الكنز والجنة ونزول القرآن عليه ~~جملة واحدة على معنى لا يأتونك بحال عجيبة يقترحون اتصافك بها قائلين ~~هلا كان على هذه الحالة إلا أعطيناك نحن من الأحوال الممكنة ما يحق ~~لك في حكمتنا ومشيئتنا أن تعطاه وما هو أحسن تكشيفا لما بعثت عليه ~~ودلالة على صحته وهو الذي أنت عليه في الذات والصفات ويأباه ~~الاستثناء المذكور فإن المتبادر منه أن يكون ما أعطاه الله تعالى من ~~الحق مترتبا على ما أتوا به من الأباطيل دامغا لها ولا ريب في ~~أن ما آتاه الله تعالى من الملكات السنية اللائقة بالرسالة ~~قد أتاه من أول الأمر لا بمقابلة ما حكي عنهم من الاقتراحات لأجل ~~دمغها وإبطالها. ### || [25.34-36] # { الذين يحشرون على وجوههم إلى جهنم } أي ~~يحشرون كائنين على وجوههم يسحبون عليها ms2424 ويجرون إلى جهنم وقيل: ~~مقلوبين وجوههم على قفاهم وأرجلهم إلى فوق. روي عنه عليه الصلاة ~~والسلام: # " يحشر الناس يوم القيامة على ثلاثة أثلاث ثلث على الدواب، ~~وثلث على وجوههم، وثلث على أقدامهم ينسلون نسلا " # وأما ما قيل: متعلقة قلوبهم بالسفليات متوجهة وجوههم إليها ~~فبعيد لأن هول ذلك اليوم ليس بحيث يبقى لهم عنده تعلق ~~بالسفليات أو توجه إليها في الجملة ومحل الموصول إما النصب ~~أو الرفع على الذم أو الرفع على الابتداء وقوله تعالى: { ~~أولئك } بدل منه أو بيان له وقوله تعالى: { شر مكانا ~~وأضل سبيلا } خبر له أو اسم الإشارة مبتدأ ثان وشر خبره ~~والجملة خبر للموصول ووصف السبيل بالضلال من باب الإسناد ~~المجازي للمبالغة والمفضل عليه الرسول عليه الصلاة والسلام على ~~منهاج قوله تعالى: # قل هل أنبئكم بشر من ذلك مثوبة عند الله من ~~لعنه الله وغضب عليه # [سورة المائدة: الآية 60] كأنه قيل إن حاملهم على هذه الاقتراحات ~~تحقير مكانه عليه الصلاة والسلام بتضليل سبيله ولا يعلمون ~~حالهم ليعلموا أنهم شر مكانا وأضل سبيلا وقيل: هو متصل ~~بقوله تعالى: # أصحب الجنة يومئذ خير مستقرا وأحسن ~~مقيلا # [سورة الفرقان: الآية 24]. # { ولقد ءاتينا موسى الكتب } جملة مستأنفة سيقت ~~لتأكيد ما مر من التسلية والوعد بالهداية والنصر في قوله تعالى: # وكفى بربك هاديا ونصيرا # [سورة الفرقان: الآية 31] بحكاية ما جرى بين من ذكر من الأنبياء ~~عليهم الصلاة والسلام وبين قومهم حكاية إجمالية كافية فيما ~~هو المقصود. واللام جواب لقسم محذوف أي وبالله ولقد آتينا موسى ~~التوراة أي أنزلناها عليه بالآخرة { وجعلنا معه } الظرف ~~متعلق بجعلنا وقوله تعالى: { أخاه } مفعول أول له وقوله تعالى: ~~{ هرون } بدل من أخاه أو عطف بيان له على عكس ما وقع في سورة ~~طه وقوله تعالى: { وزيرا } مفعول ثان له وقد مر ثمة معنى الوزير ~~أن جعلناه في أول الأمر وزيرا له. # { فقلنا } لهما حينئذ { اذهبا إلى القوم الذين ~~كذبوا بئايتنا } هم فرعون وقومه، والآيات هي المعجزات ~~التسع المفصلات الظاهرة على يدي موسى عليه السلام ولم ~~يوصف ms2425 القوم لهما عند إرسالهما إليهم بهذا الوصف ضرورة تأخر تكذيب ~~الآيات عن إظهارها المتأخر عن ذهابهما المتأخر عن الأمر به بل ~~إنما وصفوا بذلك عند الحكاية لرسول الله صلى الله عليه وسلم ~~بيانا لعلة استحقاقهم لما يحكى بعده من التدمير أي فذهبا إليهم ~~فأرياهم آياتنا كلها فكذبوها تكذيبا مستمرا { ~~فدمرنهم } إثر ذلك التكذيب المستمر { تدميرا } ~~عجيبا هائلا لا يقادر قدره ولا يدرك كنهه فاقتصر على حاشيتي ~~القصة اكتفاء بما هو المقصود وحمل قوله تعالى: فدمرناهم على ~~معنى فحكمنا بتدميرهم مع كونه تعسفا ظاهرا مما لا وجه له إذ لا ~~فائدة يعتد بها في حكاية الحكم بتدميرهم قد وقع وانقضى، والتعرض ~~في مطلع القصة لإيتاء الكتاب مع أنه كان بعد مهلك القوم ولم يكن له ~~مدخل في هلاكهم كسائر الآيات للإيذان من أول الأمر ببلوغه عليه ~~الصلاة والسلام غاية الكمال ونيله نهاية الآمال التي هي إنجاء ~~بني إسرائيل من ملكة فرعون وإرشادهم إلى طريق الحق بما في التوراة ~~من الأحكام إذ به يحصل تأكيد الوعد بالهداية على الوجه الذي مر ~~بيانه. وقرىء فدمرتهم وفدمرناهم على التأكيد بالنون ~~الثقيلة. ### || [25.37-38] # { وقوم نوح } منصوب بمضمر يدل عليه قوله تعالى: فدمرناهم أي ~~ودمرنا قوم نوح وقيل عطف على مفعول فدمرناهم وليس من ضرورة ترتب ~~تدميرهم على ما قبله ترتب تدمير هؤلاء عليه لا سيما وقد بين ~~سببه بقوله تعالى: { لما كذبوا الرسل } أي نوحا ومن قبله ~~من الرسل أو نوحا وحده لأن تكذيبه تكذيب للكل لاتفاقهم ~~على التوحيد والإسلام وقيل هو منصوب بمضمر يفسره قوله تعالى: { ~~أغرقنهم } وإنما يتسنى ذلك على تقدير كون كلمة لما ~~ظرف زمان وأما على تقدير كونها حرف وجود لوجود فلا لأنه حينئذ ~~جواب لما لا يفسر ما قبله مع أنه مخل بعطف المنصوبات الآتية على ~~قوم نوح لما أن إهلاكهم ليس بالإغراق فالوجه ما تقدم وقوله تعالى: ~~أغرقناهم استئناف مبين لكيفية تدميرهم. # { وجعلنهم } أي جعلنا إغراقهم أو قصتهم { للناس ءاية ~~} أي آية عظيمة يعتبر بها كل من شاهدها أو ms2426 سمعها وهي مفعول ثان ~~لجعلنا وللناس ظرف لغو له أو متعلق بمحذوف وقع حالا من آية إذ لو ~~تأخر عنها لكان صفة لها { وأعتدنا للظلمين } أي لهم، ~~والإظهار في موقع الإضمار للإيذان بتجاوزهم الحد في الكفر ~~والتكذيب { عذابا أليما } هو عذاب الآخرة إذ لا فائدة في ~~الإخبار باعتاد العذاب الذي قد أخبر بوقوعه من قبل أو لجميع ~~الظالمين الباقين الذين لم يعتبروا بما جرى عليهم من العذاب فيدخل ~~في زمرتهم قريش دخولا أوليا ويحتمل العذاب الدنيوي ~~والأخروي { وعادا } عطف على قوم نوح وقيل: على المفعول الأول ~~لجعلناهم وقيل: على محل الظالمين إذ هو في معنى وعدنا الظالمين ~~وكلاهما بعيد { وثمود } الكلام فيه وفيما بعده كما فيما قبله. ~~وقرىء وثمودا على تأويل الحي أو على أنه اسم الأب الأقصى { ~~وأصحب الرس } هم قوم يعبدون الأصنام فبعث الله تعالى إليهم ~~شعيبا عليه السلام فكذبوه فبينما هم حول الرس وهي البئر ~~التي لم تطو بعد إذ انهارت فخسف بهم وبديارهم. وقيل: الرس ~~قرية بفلج اليمامة كان فيها بقايا ثمود فبعث إليهم نبي فقتلوه ~~فهلكوا. وقيل: هو الأخدود. وقيل: بئر بأنطاكية قتلوا فيها حبيبا ~~النجار. وقيل: هم أصحاب حنظلة بن صفوان النبي عليه السلام ~~ابتلاهم الله تعالى بطير عظيم كان فيها من كل لون وسموها عنقاء ~~لطول عنقها وكانت تسكن جبلهم الذي يقال له فتخ أو دمح فتنقض على ~~صبيانهم فتخطفهم إن أعوزها الصيد ولذلك سميت مغربا فدعا ~~عليها حنظلة عليه السلام فأصابتها الصاعقة ثم إنهم قتلوه عليه ~~السلام فأهلكوا. وقيل: قوم كذبوا رسولهم فرسوه أي دسوه في ~~بئر. # { وقرونا } أي أهل قرون. قيل: القرن أربعون سنة وقيل: سبعون ~~وقيل: مائة وقيل: مائة وعشرون { بين ذلك } أي بين ذلك المذكور ~~من الطوائف والأمم وقد يذكر الذاكر أشياء مختلفة ثم يشير ~~إليها بذلك ويحسب الحاسب أعدادا متكاثرة ثم يقول فذلك كيت وكيت ~~على ذلك المذكور وذلك المحسوب. { كثيرا } لا يعلم مقدارها إلا ~~العليم الخبير. ولعل الاكتفاء في شؤون تلك القرون بهذا البيان ~~الإجمالي لما أن ms2427 كل قرن منها لم يكن في الشهرة وغرابة ~~القصة بمثابة الأمم المذكورة. ### || [25.39-40] # { وكلا } منصوب بمضمر يدل عليه ما بعده فإن ضرب المثل في ~~معنى التذكير والتحذير. والمحذوف الذي عوض عنه التنوين ~~عبارة إما عن الأمم التي لم يذكر أسباب إهلاكهم وإما عن ~~الكل. فإن ما حكي عن قوم نوح وقوم فرعون تكذيبهم للآيات ~~والرسل لا عدم التأثر من الأمثال المضروبة أي ذكرنا وأنذرنا كل ~~واحد من المذكورين { ضربنا له الأمثال } أي بينا له القصص ~~العجيبة الزاجرة عما هم عليه من الكفر والمعاصي بواسطة الرسل ~~{ وكلا } أي كل واحد منهم لا بعضهم دون بعض { تبرنا ~~تتبيرا } عجيبا هائلا لما أنهم لم يتأثروا بذلك ولم يرفعوا له ~~رأسا وتمادوا على ما هم عليه من الكفر والعدوان. وأصل ~~التتبير التفتيت. قال الزجاج: كل شيء كسرته وفتته فقد ~~تبرته ومنه التبر لفتات الذهب والفضة. # { ولقد أتوا } جملة مستأنفة مسوقة لبيان مشاهدتهم لآثار هلاك ~~بعض الأمم المتبرة وعدم اتعاظهم بها. وتصديرها بالقسم لمزيد ~~تقرير مضمونها، أي وبالله لقد أتى قريش في متاجرهم إلى الشام { ~~على القرية التى أمطرت } أي أهلكت بالحجارة وهي قرى ~~قوم لوط وكانت خمس قرى ما نجت منها إلا واحدة كان أهلها لا ~~يعملون العمل الخبيث وأما البواقي فأهلكها الله تعالى بالحجارة وهي ~~المرادة بقوله تعالى: { مطر السوء } وانتصابه إما على أنه ~~مصدر مؤكد بحذف الزوائد كما قيل في أنبته الله تعالى نباتا ~~حسنا أي إمطار السوء، أو على أنه مفعول ثان إذ المعنى أعطيت ~~أو وليت مطر السوء { أفلم يكونوا يرونها } توبيخ ~~لهم على تركهم التذكر عند مشاهدة ما يوجبه. والهمزة لإنكار نفي ~~استمرار رؤيتهم لها وتقرير استمرارها حسب استمرار ما يوجبها من ~~إتيانهم عليها لا لإنكار استمرار نفي رؤيتهم وتقرير رؤيتهم لها في ~~الجملة والفاء لعطف مدخولها على مقدر يقتضيه المقام أي ألم ~~يكونوا ينظرون إليها فلم يكونوا يرونها أو أكانوا ينظرون إليها فلم ~~يكونوا يرونها في مرار مرورهم ليتعظوا بما كانوا يشاهدونه من ~~آثار العذاب، فالمنكر في الأول ms2428 ترك النظر وعدم الرؤية معا، ~~وفي الثاني عدم الرؤية مع تحقق النظر الموجب لها. وقوله ~~تعالى { بل كانوا لا يرجون نشورا } إما إضراب عما قبله ~~من عدم رؤيتهم لآثار ما جرى على أهل القرى من العقوبة وبيان لكون ~~عدم اتعاظهم بسبب إنكارهم لكون ذلك عقوبة لمعاصيهم لا لعدم رؤيتهم ~~لآثارها خلا أنه اكتفى عن التصريح بإنكارهم ذلك بذكر ما يستلزمه ~~من إنكارهم للجزاء الأخروي الذي هو الغاية من خلق العالم، وقد كني ~~عن ذلك بعدم رجاء النشور أي عدم توقعه كأنه قيل: بل كانوا ~~ينكرون النشور المستتبع للجزاء الأخروي ولا يرون لنفس من ~~النفوس نشورا أصلا مع تحققه حتما وشموله للناس عموما ~~واطراده وقوعا فكيف يعترفون بالجزاء الدنيوي في حق طائفة ~~خاصة مع عدم الاطراد والملازمة بينه وبين المعاصي حتى ~~يتذكروا ويتعظوا بما شاهدوه من آثار الهلاك وإنما يحملونه على ~~الاتفاق. وإما انتقال من التوبيخ بما ذكر من ترك التذكر ~~إلى التوبيخ بما هو أعظم منه من عدم توقع النشور. ### || [25.41-43] # { وإذا رأوك إن يتخذونك إلا هزوا } أي ما ~~يتخذونك إلا مهزوءا به على معنى قصر معاملتهم معه عليه الصلاة ~~والسلام على اتخاذهم إياه عليه الصلاة والسلام هزؤا لا ~~على معنى قصر اتخاذهم على كونه هزؤا كما هو المتبادر من ظاهر ~~العبارة كأنه قيل: ما يفعلون بك إلا اتخاذك هزوا وقد مر تحقيقه ~~في قوله تعالى: # إن أتبع إلا ما يوحى إلى # من [سورة الأنعام: الآية 6] وقوله تعالى: { أهذا الذى بعث ~~الله رسولا } محكي بعد قول مضمر هو حال من فاعل يتخذونك أي ~~يستهزئون بك قائلين أهذا الذي الخ والإشارة للاستحقار وإبراز بعث الله ~~رسولا في معرض التسليم بجعله صلة للموصول الذي هو صفته عليه ~~الصلاة والسلام مع كونهم في غاية النكير لبعثه عليه الصلاة ~~والسلام بطريق التهكم والاستهزاء وإلا لقالوا أبعث الله ~~هذا رسولا أو أهذا يزعم أنه بعثه الله رسولا. # { إن كاد } إن مخففة من إن. وضمير الشأن محذوف أي إنه ~~كاد. { ليضلنا عن ءالهتنا } أي ليصرفنا عن ms2429 عبادتها صرفا ~~كليا بحيث يبعدنا عنها لا عن عبادتها فقط، والعدول إلى الإضلال ~~لغاية ضلالهم بادعاء أن عبادتها طريق سوي. { لولا أن ~~صبرنا عليها } ثبتنا عليها واستمسكنا بعبادتها. ولولا في ~~أمثال هذا الكلام تجري مجرى التقييد للحكم المطلق من حيث المعنى ~~كما أشار إليه في قوله تعالى: # ولقد همت به # [سورة يوسف: الآية 24] الخ وهذا اعتراف منهم بأنه عليه الصلاة ~~والسلام قد بلغ من الاجتهاد في الدعوة إلى الحق وإظهار ~~المعجزات وإقامة الحجج والبينات إلى حيث شارفوا أن يتركوا ~~دينهم لولا فرط لجاجهم وغاية عنادهم. يروى أنه من قول أبي ~~جهل { وسوف يعلمون } جواب من جهته تعالى لآخر كلامهم ورد ~~لما ينبىء عنه من نسبته عليه الصلاة والسلام إلى الضلال في ضمن ~~الإضلال أي سوف يعلمون البتة وإن تراخى { حين يرون العذاب ~~} الذي يستوجبه كفرهم وعنادهم { من أضل سبيلا } وفيه ما لا ~~يخفى من الوعيد والتنبيه على أنه تعالى لا يهملهم وإن أمهلهم. # { أرءيت من اتخذ إلهه هواه } تعجيب لرسول الله صلى ~~الله عليه وسلم من شناعة حالهم بعد حكاية قبائحهم من الأقوال ~~والأفعال وبيان ما لهم من المصير والمآل وتنبيه على أن ذلك من ~~الغرابة بحيث يجب أن يرى ويتعجب منه. وإلهه مفعول ثان لاتخذ ~~قدم على الأول للاعتناء به لأنه الذي يدور عليه أمر ~~التعجيب. ومن توهم أنهما على الترتيب بناء على تساويهما في ~~التعريف فقد زل منه أن المفعول الثاني في هذا الباب هو ~~المتلبس بالحالة الحادثة أي أرأيت من جعل هواه إلها لنفسه من ~~غير أن يلاحظه وبنى عليه أمر دينه معرضا عن استماع الحجة ~~الباهرة والبرهان النير بالكلية على معنى انظر إليه وتعجب منه. ~~وقوله تعالى: { أفأنت تكون عليه وكيلا } إنكار واستبعاد ~~لكونه عليه الصلاة والسلام حفيظا عليه يزجره عما هو عليه من ~~الضلال ويرشده إلى الحق طوعا أو كرها. والفاء لترتيب الإنكار ~~على ما قبله من الحالة الموجبة له كأنه قيل أبعد ما شاهدت غلوه في ~~طاعة الهوى وعتوه عن اتباع الهدى تقسره على ms2430 الإيمان شاء أو أبى. ### || [25.44] # وقوله تعالى: { أم تحسب أن أكثرهم يسمعون أو ~~يعقلون } إضراب وانتقال عن الإنكار المذكور إلى إنكار حسبانه ~~عليه الصلاة والسلام لهم ممن يسمع أو يعقل حسبما ينبىء عنه ~~جده عليه الصلاة والسلام في الدعوة واهتمامه بالإرشاد ~~والتذكير لكن لا على أنه لا يقع كالأول بل على أنه لا ينبغي ~~أن يقع أي بل أتحسب أن أكثرهم يسمعون ما تتلو عليهم من الآيات حق ~~السماع أو يعقلون ما في تضاعيفها من المواعظ الزاجرة عن القبائح ~~الداعية إلى المحاسن فتعتني بشأنهم وتطمع في إيمانهم. وضمير ~~أكثرهم لمن، وجمعه باعتبار معناها كما أن الإفراد في الضمائر ~~الأول باعتبار لفظها، وضمير الفعلين لأكثر لا لما أضيف هو ~~إليه. وقوله تعالى: # { إن هم إلا كالأنعم } الخ جملة مستأنفة مسوقة لتقرير ~~النكير وتأكيده وحسم مادة الحسبان بالمرة أي ما هم في عدم ~~الانتفاع بما يقرع آذانهم من قوارع الآيات وانتفاء التدبر فيما ~~يشاهدونه من الدلائل والمعجزات إلا كالبهائم التي هي مثل في ~~الغفلة وعلم في الضلالة { بل هم أضل } منها { سبيلا } ~~لما أنها تنقاد لصاحبها الذي يعلفها ويتعهدها وتعرف من يحسن إليها ~~ممن يسيء إليها وتطلب ما ينفعها وتجتنب ما يضرها وتهتدي لمراعيها ~~ومشاربها وتأوي إلى معاطنها، وهؤلاء لا ينقادون لربهم وخالقهم ~~ورازقهم ولا يعرفون إحسانه إليهم من إساءة الشيطان الذي هو أعدى ~~عدوهم ولا يطلبون الثواب الذي هو أعظم المنافع ولا يتقون العقاب ~~الذي هو أشد المضار والمهالك ولا يهتدون للحق الذي هو المشرب ~~الهني والمورد العذب الروي لأنها إن لم تعتقد حقا ~~مستتبعا لاكتساب الخير لم تعتقد باطلا مستوجبا لاقتراف الشر ~~بخلاف هؤلاء حيث مهدوا قواعد الباطل وفرعوا عليها أحكام ~~الشرور، ولأن أحكام جهالتها وضلالتها مقصورة على أنفسها لا ~~تتعدى إلى أحد وجهالة هؤلاء مؤدية إلى ثوران الفتنة والفساد ~~وصد الناس عن سنن السداد وهيجان الهرج والمرج فيما بين ~~العباد ولأنها غير معطلة لقوة من القوى المودعة بل صارفة لها ~~إلى ما خلقت هي له فلا تقصير من قبلها ms2431 في طلب الكمال، وأما هؤلاء ~~فهم معطلون لقواهم العقلية مضيعون للفطرة الأصلية التي فطر ~~الناس عليها مستحقون بذلك أعظم العقاب وأشد النكال. ### || [25.45] # { ألم تر إلى ربك } بيان لبعض دلائل التوحيد إثر ~~بيان جهالة المعرضين عنها وضلالتهم. والخطاب لرسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، والهمزة للتقرير. والتعرض لعنوان الربوبية مع ~~الإضافة إلى ضميره عليه الصلاة والسلام لتشريفه عليه الصلاة ~~والسلام وللإيذان بأن ما يعقبه من آثار ربوبيته ورحمته ~~تعالى أي ألم تنظر إلى بديع صنعه تعالى { كيف مد الظل } أي ~~كيف أنشأ ظل أي مظل كان من جبل أو بناء أو شجرة عند ابتداء ~~طلوع الشمس ممتدا لا أنه تعالى مده بعد أن لم يكن كذلك كما ~~بعد نصف النهار إلى غروبها فإن ذلك مع خلوه عن التصريح بكون ~~نفسه بإنشائه تعالى وإحداثه يأباه سياق النظم الكريم. وأما ما قيل ~~من أن المراد بالظل ما بين طلوع الفجر وطلوع الشمس وأنه ~~أطيب الأوقات فإن الظلمة الخالصة تنفر عنها الطباع وشعاع ~~الشمس يسخن الجو ويبهر البصر ولذلك وصف به الجنة في قوله ~~تعالى: # وظل ممدود # [سورة الواقعة: الآية 30] فغير سديد إذ لا ريب في أن المراد تنبيه ~~الناس على عظيم قدرة الله عز وجل وبالغ حكمته فيما يشاهدونه ~~فلا بد أن يراد بالظل ما يتعارفونه من حالة مخصوصة يشاهدونها في ~~موضع يحول بينه وبين الشمس جسم كثيف مخالفة لما في جوانبه من ~~مواقع ضح الشمس وما ذكر وإن كان في الحقيقة ظلا للأفق ~~الشرقي لكنهم لا يعدونه ظلا ولا يصفونه بأوصافه المعهودة ولعل ~~توجيه الرؤية إليه سبحانه وتعالى مع أن المراد تقرير رؤيته عليه ~~الصلاة والسلام لكيفية مد الظل للتنبيه على أن نظره ~~عليه الصلاة والسلام غير مقصور على ما يطالعه من الآثار ~~والصنائع بل مطمح أنظاره معرفة شؤون الصانع المجيد. وقوله ~~تعالى: # { ولو شاء لجعله ساكنا } جملة اعترضت بين المعطوفين ~~للتنبيه من أول الأمر على أنه لا مدخل فيما ذكر من المد للأسباب ~~العادية وإنما المؤثر فيها المشيئة والقدرة، ومفعول ms2432 المشيئة ~~محذوف على القاعدة المستمرة من وقوعها شرطا وكون مفعولها مضمون ~~الجزاء أي ولو شاء سكونه لجعله ساكنا أي ثابتا على حاله من الطول ~~والامتداد وإنما عبر عن ذلك بالسكون لما أن مقابله الذي هو ~~تغير حاله حسب تغير الأوضاع بين المظل وبين الشمس يرى ~~رأي العين حركة وانتقالا وحاصله أنه لا يعتريه اختلاف حال بأن لا ~~تنسخه الشمس، وأما التعليل بأن يجعل الشمس مقيمة على وضع ~~واحد فمداره الغفول عما سيق له النظم الكريم ونطق به صريحا من ~~بيان كمال قدرته القاهرة وحكمته الباهرة بنسبة جميع الأمور الحادثة ~~إليه تعالى بالذات وإسقاط الأسباب العادية عن رتبة السببية ~~والتأثير بالكلية وقصرها على مجرد الدلالة على وجود ~~المسببات لا بذكر قدرته تعالى على بعض الخوارق كإقامة الشمس في ~~مقام واحد على أنها أعظم من إبقاء الظل على حاله في الدلالة ~~على ما ذكر من كمال القدرة والحكمة لكونه من فروعها ومستتبعاتها ~~فهي أولى وأحق بالإيراد في معرض البيان. # وقوله تعالى: # { ثم جعلنا الشمس عليه دليلا } عطف على مد داخل ~~في حكمه أي جعلناها علامة يستدل بأحوالها المتغيرة على أحواله من ~~غير أن يكون بينهما سببية وتأثير قطعا حسبما نطق به الشرطية ~~المعترضة. والالتفات إلى نون العظمة لما في الجعل المذكور العاري عن ~~التأثير مع ما يشاهد بين الشمس والظل من الدوران المطرد ~~المنبىء عن السببية من مزيد دلالة على عظم القدرة ودقة ~~الحكمة، وهو السر في إيراد كلمة التراخي. ### || [25.46-48] # وقوله تعالى: { ثم قبضنه } عطف على مد داخل في حكمه وثم ~~للتراخي الزماني لما أن في بيان كون القبض والمد مرتبين ~~دائرين على قطب مصالح المخلوقات مزيد دلالة على الحكمة ~~الربانية، ويجوز أن تكون للتراخي الرتبي أي أزلناه بعد ما ~~أنشأناه ممتدا ومحوناه بمحض قدرتنا ومشيئتنا عند إيقاع شعاع ~~الشمس موقعه من غير أن يكون له تأثير في ذلك أصلا، وإنما عبر ~~عنه بالقبض المنبىء عن جمع المنبسط وطيه لما أنه قد عبر عن ~~إحداثه بالمد الذي هو البسط طولا وقوله ms2433 تعالى: { إلينا } ~~للتنصيص على كون مرجعه تعالى كما أن حدوثه منه عز وجل { ~~قبضا يسيرا } أي على مهل قليلا قليلا حسب ارتفاع دليله على ~~وتيرة معينة مطردة مستتبعة لمصالح المخلوقات ومرافقها، وقيل إن ~~الله تعالى حين بنى السماء كالقبة المضروبة ودحا الأرض تحتها ~~ألقت القبة ظلها على الأرض لعدم النير وذلك مده تعالى ~~إياه ولو شاء لجعله ساكنا مستقرا على تلك الحالة ثم خلق الشمس ~~وجعلها على ذلك الظل أي سلطها عليه ونصبها دليلا متبوعا له كما ~~يتبع الدليل في الطريق فهو يزيد بها وينقص ويمتد ويقلص ثم ~~نسخه بها فقبضه قبضا سهلا يسيرا غير عسير أو قبضا سهلا عند قيام ~~الساعة بقبض أسبابه وهي الأجرام التي تلقي الظل فيكون قد ذكر ~~إعدامه بإعدام أسبابه كما ذكر إنشاؤه بإنشائها ووصفه باليسر على ~~طريقة قوله تعالى: # ذلك حشر علينا يسير # [سورة ق: الآية 44] وصيغة الماضي للدلالة على تحقيق الوقوع. # { وهو الذي جعل لكم الليل لباسا } بيان لبعض ~~بدائع آثار قدرته تعالى وحكمته وروائع أحكام رحمته ونعمته ~~الفائضة على الخلق. وتلوين الخطاب لتوفية مقام الامتنان حقه. ~~واللام متعلقة بجعل وتقديمها على مفعوليه للاعتناء ببيان كون ~~ما يعقبه من منافعهم. وفي تعقيب بيان أحوال الظل بيان أحكام ~~الليل الذي هو ظل الأرض من لطف المسلك ما لا مزيد عليه، أي هو ~~الذي جعل لكم الليل كاللباس يستركم بظلامه كما يستركم ~~اللباس { والنوم سباتا } أي وجعل النوم الذي يقع في ~~الليل غالبا قطعا عن الأفاعيل المختصة بحال اليقظة عبر عنه ~~بالسبات الذي هو الموت لما بينها من المشابهة التامة في ~~انقطاع أحكام الحياة وعليه قوله تعالى: # وهو الذى يتوفكم باليل # [سورة الأنعام: الآية 60] وقوله تعالى: # الله يتوفى الانفس حين موتها والتى لم تمت ~~فى منامها # [سورة الزمر: الآية 42] { وجعل النهار نشورا } أي زمان بعث ~~من ذلك السبات كبعث الموتى على حذف المضاف وإقامة المضاف إليه ~~مقامه أو نفس البعث على طريق المبالغة وفيه إشارة إلى أن النوم ~~واليقظة أنموذج للموت والنشور. وعن لقمان عليه ms2434 السلام: يا ~~بني كما تنام فتوقظ كذلك تموت وتنشر. # { وهو الذى أرسل الريح } وقرىء بالتوحيد على أن ~~المراد هو الجنس { بشرا } تخفيف بشر جمع بشور أي مبشرين. ~~وقرىء بشرى. وقرىء نشرا بالنون جمع نشور أي ناشرات ~~للسحاب وقرىء بالتخفيف وبفتح النون أيضا على أنه مصدر ~~وصف به مبالغة. وقوله تعالى: { بين يدى رحمته } استعارة ~~بديعة أي قدام المطر. والالتفات إلى نون العظمة في قوله تعالى: { ~~وأنزلنا من السماء ماء طهورا } لإبراز كمال العناية ~~بالإنزال لأنه نتيجة ما ذكر من إرسال الرياح أي أنزلنا بعظمتنا ~~بما رتبنا من إرسال الرياح من جهة الفوق ماء بليغا في ~~الطهارة، وما قيل إنه ما يكون طاهرا في نفسه ومطهرا لغيره فهو ~~شرح لبلاغته في الطهارة كما ينبىء عنه قوله تعالى: # وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به # [سورة الأنفال: الآية 11] فإن الطهور في العربية إما صفة كما ~~تقول ماء طهور أو اسم كما في قوله عليه الصلاة والسلام # " التراب طهور المؤمن " # وقد جاء معنى الطهارة كما في قولك تطهرت طهورا حسنا كقولك ~~وضوءا حسنا ومنه قوله عليه الصلاة والسلام: # " لا صلاة إلا بطهور " # ووصف الماء به إشعار بتمام النعمة فيه وتتميم للنعمة فيما بعده ~~فإن الماء الطهور أهنأ وأنفع مما خالطه ما يزيل طهوريته ~~وتنبيه على أن ظواهرهم لما كانت مما ينبغي أن يطهروها فبواطنهم ~~أحق بذلك وأولى. ### || [25.49] # { لنحيى به } أي بما أنزلنا من الماء الطهور { بلدة ~~ميتا } بإنبات النبات، والتذكير لأن البلدة بمعنى البلد ~~ولأنه غير جار على الفعل كسائر أبنية المبالغة فأجري مجرى ~~الجامد، والمراد به القطعة من الأرض عامرة كانت أو غامرة. { ~~ونسقيه } أي ذلك الماء الطهور عند جريانه في الأودية أو ~~اجتماعه في الحياض والمنافع أو الآبار { مما خلقنا أنعما ~~وأناسى كثيرا } أي أهل البوادي الذين يعيشون بالحيا ولذلك ~~نكر الأنعام والأناسي، وتخصيصهم بالذكر لأن أهل القرى والأمصار ~~يقيمون بقرب الأنهار، والمنابع فيهم وبمالهم من الأنعام غنية عن سقيا ~~السماء، وسائر الحيوانات تبعد في طلب الماء فلا يعوزها الشرب ms2435 ~~غالبا من أن مساق الآيات الكريمة كما هو للدلالة على عظم القدرة ~~فهو لتعدد أنواع النعمة، والأنعام حيث كانت قنية للإنسان وعامة ~~منافعهم ومعايشهم منوطة بها قدم سقيها على سقيهم كما قدم عليها ~~إحياء الأرض فإنه سبب لحياتها وتعيشها. وقرىء نسقيه وأسقى ~~وسقى لغتان وقيل: أسقاه جعل له سقيا وأناسي جمع إنسي أو إنسان ~~كظرابي في ظرباء على أن أصله أناسين فقلبت نونه ياء وقرىء ~~أناسي بالتخفيف بحذف ياء أفاعيل كأناعم في أناعيم. ### || [25.51-53] # { ولو شئنا لبعثنا فى كل قرية نذيرا } نبيا ~~ينذر أهلها فيخفف عليك أعباء النبوة لكن لم نشأ ذلك فلم نفعله بل ~~قصرنا الأمر عليك حسبما ينطق به قوله تعالى: # ليكون للعلمين نذيرا # [سورة الفرقان: الآية 1] إجلالا لك وتعظيما وتفضيلا لك على سائر ~~الرسل { فلا تطع الكفرين } أي فقابل ذلك بالثبات ~~والاجتهاد في الدعوة وإظهار الحق والتشدد معهم كأنه نهي ~~لرسول الله صلى الله عليه وسلم عن المداراة معهم والتلطف في ~~الدعوة لما أنه عليه الصلاة والسلام كان يود أن يدخلوا في ~~الإسلام ويجتهد في ذلك بتأليف قلوبهم أشد الاجتهاد { وجهدهم ~~به } أي بالقرآن بتلاوة ما في تضاعيفه من القوارع والزواجر ~~والمواعظ وتذكير أحوال الأمم المكذبة { جهادا كبيرا } فإن ~~دعوة كل العالمين على الوجه المذكور جهاد كبير لا يقادر قدره ~~كما وكيفا وقيل: الضمير المجرور لترك الطاعة المفهوم من ~~النهي عن الطاعة وأنت خبير بأن مجرد ترك الطاعة يتحقق ~~بلا دعوة أصلا وليس فيه شائبة الجهاد فضلا عن الجهاد الكبير ~~اللهم إلا أن تجعل الباء للملابسة ليكون المعنى وجاهدهم بما ~~ذكر من أحكام القرآن الكريم ملابسا بترك طاعتهم كأنه قيل: ~~فجاهدهم بالشدة والعنف لا بالملاءمة والمداراة كما في قوله ~~تعالى: # يأيها النبى جهد الكفر والمنفقين ~~واغلظ عليهم # [سورة التوبة: الآية 73] وقد جعل الضمير لما دل عليه قوله تعالى: # ولو شئنا لبعثنا فى كل قرية نذيرا # [سورة الفرقان: الآية 51] من كونه عليه الصلاة والسلام نذير ~~كافة القرى لأنه لو بعث في كل قرية نذيرا لوجب على كل نذير ms2436 ~~مجاهدة قريته فاجتمعت على رسول الله صلى الله عليه وسلم تلك ~~المجاهدات كلها فكبر من أجل ذلك جهاده وعظم فقيل له عليه ~~الصلاة والسلام وجاهدهم بسبب كونك نذير كافة القرى جهادا ~~كبيرا جامعا لكل مجاهدة. وأنت خبير بأن بيان سبب كبر ~~المجاهدة بحسب الكمية ليس فيه مزيد فائدة فإنه بين بنفسه ~~وإنما اللائق بالمقام بيان سبب كبرها وعظمها في الكيفية. # { وهو الذى مرج البحرين } أي خلاهما متجاورين ~~متلاصقين بحيث لا يتمازجان، من مرج دابته إذا خلاها { هذا ~~عذب فرات } قامع للعطش لغاية عذوبته { وهذا ملح ~~أجاج } بليغ الملوحة. وقرىء ملح فلعله تخفيف مالح كبرد ~~في بارد { وجعل بينهما برزخا } حاجزا غير مرئي من ~~قدرته كما في قوله تعالى: # بغير عمد ترونها # [سورة الرعد: الآية 2], [سورة لقمان: الآية 10] { وحجرا محجورا ~~} وتنافرا مفرطا كأن كلا منهما يتعوذ من الآخر بتلك المقالة ~~وقيل: حدا محدودا وذلك كدجلة تدخل البحر وتشقه وتجري في ~~خلاله فراسخ لا يتغير طعمها، وقيل: المراد بالبحر العذب ~~النهر العظيم وبالمالح البحر الكبير وبالبرزخ ما بينهما من ~~الأرض فيكون أثر القدرة في الفصل واختلاف الصفة، مع أن مقتضى ~~طبيعة كل عنصر التضام والتلاصق والتشابه في الكيفية. ### || [25.54-59] # { وهو الذى خلق من الماء بشرا } هو الماء الذي خمر ~~به طينة آدم عليه السلام أو جعله جزءا من مادة البشر ليجتمع ~~ويسلس ويستعد لقبول الأشكال والهيئات بسهولة أو هو النطفة { ~~فجعله نسبا وصهرا } أي قسمه قسمين ذوي نسب أي ذكورا ~~ينتسب إليهم وذوات صهر أي أناثا يصاهر بهن كقوله تعالى: # فجعل منه الزوجين الذكر والانثى # [سورة القيامة: الآية 39] { وكان ربك قديرا } مبالغا في ~~القدرة حيث قدر على أن يخلق من مادة واحدة بشرا ذا أعضاء ~~مختلفة وطباع متباعدة وجعله قسمين متقابلين وربما يخلق من ~~نطفة واحدة توأمين ذكرا وأثنى. # { ويعبدون من دون الله } الذي شأنه ما ذكر { ما لا ~~ينفعهم ولا يضرهم } أي ما ليس من شأنه النفع والضر ~~أصلا وهو الأصنام أو كل ما يعبد من دونه تعالى إذ ما من ms2437 مخلوق ~~يستقل بالنفع والضر { وكان الكفر على ربه } الذي ~~ذكرت آثار ربوبيته { ظهيرا } يظاهر الشيطان بالعداوة ~~والشرك. والمراد بالكافر الجنس أو أبو جهل وقيل: هينا مهينا لا ~~اعتداد به عنده تعالى من قولهم ظهرت به إذا نبذته خلف ظهرك فيكون ~~كقوله تعالى: # ولا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم # [سورة آل عمران: الآية 77] { وما أرسلناك إلا مبشرا } ~~للمؤمنين { ونذيرا } للكافرين { قل } لهم { ما أسألكم ~~عليه } أي على تبليغ الرسالة الذي ينبىء عنه الإرسال { من ~~أجر } من جهتكم { إلا من شاء أن يتخذ إلى ربه ~~سبيلا } أي إلا فعل من يريد أن يتقرب إليه تعالى ويطلب ~~الزلفى عنده بالإيمان والطاعة حسبما أدعوهم إليهما فصور ذلك ~~بصورة الأجر من حيث إنه مقصود الإتيان به واستثنى منه قلعا ~~كليا لشائبة الطمع وإظهارا لغاية الشفقة عليهم حيث جعل ذلك ~~مع كون نفعه عائدا إليه عليه الصلاة والسلام وقيل الاستثناء ~~منقطع أي لكن من شاء أن يتخذ إلى ربه سبيلا فليفعل. # { وتوكل على الحى الذى لا يموت } في الاستكفاء عن ~~شرورهم والإغناء عن أجورهم فإنه الحقيق بأن يتوكل عليه دون ~~الأحياء الذين من شأنهم الموت فإنهم إذا ماتوا ضاع من توكل ~~عليهم. { وسبح بحمده } ونزهه عن صفات النقصان مثنيا ~~عليه بنعوت الكمال طالبا لمزيد الإنعام بالشكر على سوابغه { ~~وكفى به بذنوب عباده } ما ظهر منها وما بطن { خبيرا } ~~أي مطلعا عليها بحيث لا يخفى عليه شيء منها فيجزيهم جزاء وفيا. # { الذى خلق السموات والأرض وما بينهما فى ~~ستة أيام ثم استوى على العرش } قد سلف تفسيره. ~~ومحل الموصول الجر على أنه صفة أخرى للحي وصف بالصفة ~~الفعلية بعد وصفه بالأبدية التي هي من الصفات الذاتية، ~~والإشارة إلى اتصافه بالعلم الشامل لتقرير وجوب التوكل عليه ~~تعالى وتأكيده فإن من أنشأ هذه الأجرام العظام على هذا النمط ~~الفائق والنسق الرائق بتدبير متين وترتيب رصين في أوقات ~~معينة مع كمال قدرته على إبداعها دفعة لحكم جليلة وغايات جميلة ~~لا تقف على تفاصيلها العقول أحق من يتوكل عليه وأولى من ms2438 ~~يفوض الأمر إليه { الرحمن } مرفوع على المدح أي هو الرحمن ~~وهو في الحقيقة وصف آخر للحي كما قرىء بالجر مفيد لزيادة تأكيد ~~ما ذكر من وجوب التوكل عليه تعالى وإن لم يتبعه في الإعراب لما ~~تقرر من أن المنصوب والمرفوع مدحا وإن خرجا عن التبعية لما ~~قبلهما صورة حيث لم يتبعاه في الإعراب وبذلك سميا قطعا لكنهما ~~تابعان له حقيقة، ألا يرى كيف التزموا حذف الفعل والمبتدأ في ~~النصب والرفع روما لتصوير كل منهما بصورة متعلق من ~~متعلقات ما قبله وتنبيها على شدة الاتصال بينهما وقد مر ~~تمام التحقيق في تفسير قوله عز وجل: # الذين يؤمنون بالغيب # [سورة البقرة, الآية 3] الآية وقيل: الموصول مبتدأ والرحمن خبره ~~وقيل: الرحمن بدل من المستكن في استوى { فاسأل به } أي ~~بتفاصيل ما ذكر إجمالا من الخلق والاستواء لا بنفسهما فقط إذ ~~بعد بيانهما لا يبقى إلى السؤال حاجة ولا في تعديته بالباء ~~فائدة فإنها مبنية على تضمينه معنى الاعتناء المستدعي لكون ~~المسؤول أمرا خطيرا مهتما بشأنه غير حاصل للسائل. وظاهر أن ~~نفس الخلق والاستواء بعد الذكر ليس كذلك. وما قيل من أن ~~التقدير: إن شككت فيه فاسأل به خبيرا على أن الخطاب له عليه ~~الصلاة والسلام والمراد غيره بمعزل من السداد، بل ~~التقدير: إن شئت تحقيق ما ذكر أو تفصيل ما ذكر فاسأل معنيا ~~به { خبيرا } عظيم الشأن محيطا بظواهر الأمور وبواطنها وهو ~~الله سبحانه يطلعك على جلية الأمر. وقيل: فاسأل به من وجده في ~~الكتب المتقدمة ليصدقك فيه فلا حاجة حينئذ إلى ما ذكرنا. وقيل: ~~الضمير للرحمن، والمعنى إن أنكروا إطلاقه على الله تعالى فاسأل ~~عنه من يخبرك من أهل الكتاب ليعرفوا مجىء ما يرادفه في كتبهم، ~~وعلى هذا يجوز أن يكون الرحمن مبتدأ وما بعده خبرا. وقرىء ~~فسل. ### || [25.60-61] # { وإذا قيل لهم اسجدوا للرحمن قالوا وما ~~الرحمن } قالوه لما أنهم ما كانوا يطلقونه على الله تعالى، ~~أو لأنهم ظنوا أن المراد به غيره تعالى ولذلك قالوا { ~~أنسجد لما تأمرنا } أي للذي تأمرنا ms2439 بسجوده أو لأمرك ~~إيانا من غير أن نعرف أن المسجود ماذا. وقيل: لأنه كان ~~معربا لم يسمعوه. وقرىء يأمرنا بياء الغيبة على أنه قول ~~بعضهم لبعض { وزادهم } أي الأمر بسجود الرحمن { نفورا } ~~عن الإيمان. # { تبارك الذى جعل فى السماء بروجا } هي البروج الاثنا ~~عشر، سميت به، وهي القصور العالية لأنها للكواكب السيارة ~~كالمنازل الرفيعة لسكانها. واشتقاقه من البرج لظهوره { ~~وجعل فيها سراجا } هي الشمس لقوله تعالى وجعل الشمس ~~سراجا. وقرىء سرجا وهي الشمس والكواكب الكبار { وقمرا ~~منيرا } مضيئا بالليل وقرىء قمرا أي ذات قمر وهي جمع ~~قمراء ولما أن الليالي بالقمر تكون قمراء أضيف إليها ثم ~~حذف وأجري حكمه على المضاف إليه القائم مقامه كما في قول ~~حسان رضي الله عنه: [الكامل] # يسقون من ورد البريص عليهم # بردى يصفق بالرحيق السلسل # أي ماء بردى ويحتمل أن يكون بمعنى القمر كالرشد والرشد ~~والعرب والعرب. ### || [25.62-65] # { وهو الذى جعل اليل والنهار خلفة } أي ذوي ~~خلفة يخلف كل منهما الآخر بأن يقوم مقامه فيما ينبغي أن يعمل ~~فيه أو بأن يعتقبا كقوله تعالى: # واختلف اليل والنهار # [سورة البقرة: الآية 164, وسورة آل عمران: الآية 190] وهي اسم للحالة ~~من خلف كالركبة والجلسة من ركب وجلس. { لمن أراد أن ~~يذكر } أي يتذكر آلاء الله عز وجل ويتفكر في بدائع ~~صنعه فيعلم أنه لا بد لها من صانع حكيم واجب الذات رحيم ~~للعباد { أو أراد شكورا } أي أن يشكر الله تعالى على ما فيهما ~~من النعم أو ليكونا وقتين للذاكرين من فاته ورده في أحدهما ~~تداركه في الآخرة. وقرىء أن يذكر من ذكر بمعنى تذكر. # { وعباد الرحمن } كلام مستأنف مسوق لبيان أوصاف خلص ~~عباد الرحمن وأحوالهم الدنيوية والأخروية بعد بيان حال ~~النافرين عن عبادته والسجود له. والإضافة للتشريف وهو مبتدأ ~~خبره ما بعده من الموصول وما عطف عليه، وقيل: هو ما في آخر ~~السورة الكريمة من الجملة المصدرة باسم الإشارة. وقرىء عباد ~~الرحمن أي عباده المقبولون { الذين يمشون على الأرض ~~هونا } أي بسكينة وتواضع. وهونا مصدر وصف ms2440 به. ونصبه إما على ~~أنه حال من فاعل يمشون أو على أنه نعت لمصدره أي يمشون هينين ~~ليني الجانب من غير فظاظة أو مشيا هينا. وقوله تعالى: { ~~وإذا خاطبهم الجهلون } أي السفهاء كما في قول من قال: ~~[الوافر] # ألا لا يجهلن أحد علينا # فنجهل فوق جهل الجاهلينا # { قالوا سلاما } بيان لحالهم في المعاملة مع غيرهم إثر ~~بيان حالهم في أنفسهم أي إذا خاطبوهم بالسوء قالوا تسليما منكم ~~ومتاركة لا خير بيننا وبينكم ولا شر. وقيل: سدادا من القول ~~يسلمون به من الأذية والإثم، وليس فيه تعرض لمعاملتهم مع ~~الكفرة حتى يقال نسختها آية القتال كما نقل عن أبي العالية. # وقوله تعالى { والذين يبيتون لربهم سجدا وقيما ~~} بيان لحالهم في معاملتهم مع ربهم أي يكونون ساجدين لربهم ~~وقائمين أي يحيون الليل كلا أو بعضا بالصلاة. وقيل: من قرأ ~~شيئا من القرآن في صلاة وإن قل فقد بات ساجدا وقائما. وقيل ~~هما الركعتان بعد المغرب والركعتان بعد العشاء. وتقديم ~~السجود على القيام لرعاية الفواصل. # { والذين يقولون } أي في أعقاب صلواتهم أو في عامة ~~أوقاتهم { ربنا اصرف عنا عذاب جهنم إن عذابها ~~كان غراما } أي شرا دائما وهلاكا لازما وفيه مزيد مدح لهم ~~ببيان أنهم مع حسن معاملتهم مع الخلق واجتهادهم في عبادة الحق ~~يخافون العذاب ويبتهلون إلى الله تعالى في صرفه عنهم غير محتفلين ~~بأعمالهم كقوله تعالى: # والذين يؤتون ما ءاتوا وقلوبهم وجلة أنهم ~~إلى ربهم رجعون # [سورة المؤمنون: الآية 60]. ### || [25.66-68] # { إنها ساءت مستقرا ومقاما } تعليل لاستدعائهم ~~المذكور بسوء حالها في نفسها إثر تعليله بسوء حال عذابها، وقد ~~جوز أن يكون تعليلا للأولى وليس بذاك. وساءت في حكم بئست وفيها ~~ضمير مبهم يفسره مستقرا. والمخصوص بالذم محذوف معناه ساءت ~~مستقرا ومقاما هي وهذا الضمير هو الذي ربط الجملة باسم إن ~~وجعلها خبرا لها. قيل: ويجوز أن يكون ساءت بمعنى أحزنت وفيها ~~ضمير اسم إن. ومستقرا حال أو تمييز وهو بعيد خال عما في ~~الأول من المبالغة في بيان سوء حالها وكذا جعل ms2441 التعليلين من جهته ~~تعالى. # { والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا } لم يجاوزوا حد ~~الكرم { ولم يقتروا } ولم يضيقوا تضييق الشحيح وقيل: ~~الإسراف هو الإنفاق في المعاصي والقتر منع الواجبات والقرب. ~~وقرىء بكسر التاء مع فتح الياء وبكسرها مخففة ومشددة مع ~~ضم الياء { وكان بين ذلك } أي بين ما ذكر من الإسراف ~~والقتر { قواما } وسطا وعدلا سمي به لاستقامة الطرفين كما ~~سمي به سواء لاستوائهما وقرىء بالكسر وهو ما يقام به الحاجة لا ~~يفضل عنها ولا ينقص وهو خبر ثان أو حال مؤكدة أو هو الخبر وبين ~~ذلك لغو وقد جوز أن يكون اسم كان على أنه مبني لأضافته إلى ~~غير متمكن ولا يخفى ضعفه فإنه بمعنى القوام فيكون كالإخبار ~~بشيء عن نفسه. # { والذين لا يدعون مع الله إلها ءاخر } شروع في ~~بيان اجتنابهم عن المعاصي بعد بيان إتيانهم بالطاعات. وذكر نفي ~~الإسراف والقتر لتحقيق معنى الاقتصاد والتصريح بوصفهم بنفي ~~الإشراك مع ظهور إيمانهم لإظهار كمال الاعتناء بالتوحيد ~~والإخلاص وتهويل أمر القتل والزنا بنظمهما في سلكه وللتعريض ~~بما كان عليه الكفرة من قريش وغيرهم أي لا يعبدون معه تعالى ~~إلها آخر. # { ولا يقتلون النفس التى حرم الله } أي حرمها ~~بمعنى حرم قتلها فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه مبالغة ~~في التحريم { إلا بالحق } أي لا يقتلونها بسبب من الأسباب ~~إلا بسبب الحق المزيل لحرمتها وعصمتها أو لا يقتلون قتلا ما إلا ~~قتلا ملتبسا بالحق أو لا يقتلونها في حال من الأحوال إلا حال ~~كونهم ملتبسين بالحق { ولا يزنون } أي الذين لا يفعلون شيئا ~~من هذه العظائم القبيحة التي جمعهن الكفرة حيث كانوا مع إشراكهم ~~به سبحانه مداومين على قتل النفوس المحرمة التي من جملتها ~~الموءودة مكبين على الزنا لا يرعوون عنه أصلا { ومن يفعل ~~ذلك } أي ما ذكر كما هو دأب الكفرة المذكورين { يلق } في ~~الآخرة. وقرىء يلقى وقرىء يلق بالتشديد مجزوما { أثاما } ~~وهو جزاء الإثم كالوبال والنكال وزنا ومعنى. وقيل: هو الإثم أبي ~~يلق جزاء الإثم والتنوين على التقديرين للتفخيم. وقرىء ms2442 أياما ~~أي شدائد يقال يوم ذو أيام لليوم الصعب. ### || [25.69-72] # { يضعف له العذاب يوم القيمة } بدل من يلق ~~لاتحادهما في المعنى كقوله: [الطويل] # متى تأتنا تلمم بنا في ديارنا # تجد حطبا جزلا ونارا تأججا # وقرىء بالرفع على الاستئناف أو على الحالية وكذا ما عطف عليه ~~وقرىء يضعف ونضعف له العذاب بالنون ونصب العذاب { ويخلد ~~فيه } أي في ذلك العذاب المضاعف { مهانا } ذليلا مستحقرا ~~جامعا للعذاب الجسماني والروحاني وقرىء يخلد ويخلد مبنيا ~~للمفعول من الإخلاد والتخليد. وقرىء تخلد بالتاء على الالتفات ~~المنبىء عن شدة الغضب ومضاعفة العذاب لانضمام المعاصي إلى الكفر ~~كما يفصح عنه قوله تعالى { إلا من تاب وءامن وعمل عملا ~~صلحا } وذكر الموصوف مع جريان الصالح والصالحات مجرى الاسم ~~للاعتناء به والتنصيص على مغايرته للأعمال السابقة { فأولئك ~~} إشارة إلى الموصول والجمع باعتبار معناه كما أن الإفراد في ~~الأفعال الثلاثة باعتبار لفظة أي أولئك الموصوفون بالتوبة ~~والإيمان والعمل الصالح { يبدل الله سيئاتهم ~~حسنت } بأن يمحو سوابق معاصيهم بالتوبة ويثبت مكانها ~~لواحق طاعتهم أو يبدل بملكة المعصية ودواعيها في التفس ملكة ~~الطاعة بأن يزيل الأولى ويأتي بالثانية وقيل: بأن يوفقه ~~لأضداد ما سلف منه أو بأن يثبت له بدل كل عقاب ثوابا وقيل: ~~يبدلهم بالشرك إيمانا وبقتل المسلمين قتل المشركين وبالزنا ~~عفة وإحصانا { وكان الله غفورا رحيما } اعتراض ~~تذييلى مقرر لما قبله من المحو والإثبات. # { ومن تاب } أي عن المعاصي بتركها بالكلية والندم عليها { ~~وعمل صلحا } يتلافى به ما فرط منه أو خرج عن المعاصي ودخل ~~في الطاعات { فإنه } بما فعل { يتوب إلى الله } أي يرجع ~~إليه تعالى: { متابا } أي متابا عظيم الشأن مرضيا عنده تعالى ~~ماحيا للعقاب محصلا للثواب أو يتوب متابا إلى الله تعالى الذي ~~يحب التوابين ويحسن إليهم أو فإنه يرجع إليه تعالى أو إلى ثوابه ~~مرجعا حسنا وهذا تعميم بعد تخصيص. # { والذين لا يشهدون الزور } لا يقيمون الشهادة ~~الكاذبة أو لا يحضرون محاضر الكذب فإن مشاهدة الباطل مشاركة فيه ~~{ وإذا مروا } على طريق الاتفاق { باللغو } أي ما ms2443 يجب أن ~~يلغى ويطرح مما لا خير فيه { مروا كراما } معرضين عنه ~~مكرمين أنفسهم عن الوقوف عليه والخوض فيه ومن ذلك الإغضاء عن الفواحش ~~والصفح عن الذنوب والكناية عما يستهجن التصريح به. ### || [25.73-75] # { والذين إذا ذكروا بئايت ربهم } المنطوية على ~~المواعظ والأحكام { لم يخروا عليها صما وعميانا } أي ~~أكبوا عليها سامعين بآذان واعية مجتلين لها بعيون راعية وإنما عبر ~~عن ذلك بنفي الضد تعريضا بما يفعله الكفرة والمنافقون وقيل ~~الضمير لمعاصي المدلول عليها باللغو. # { والذين يقولون ربنا هب لنا من أزوجنا ~~وذريتنا قرة أعين } بتوفيقهم للطاعة وحيازة الفضائل ~~فإن المؤمن إذا ساعده أهله في طاعة الله عز وجل وشاركوه فيها ~~يسر بهم قلبه وتقر بهم عينه لما يشاهده من مشايعتهم له في مناهج ~~الدين وتوقع لحوقهم به في الجنة حسبما وعد بقوله تعالى: # ألحقنا بهم ذريتهم # [سورة الطور: الآية 21] ومن ابتدائية أو بيانية وقرىء وذريتنا. ~~وتنكير الأعين لإرادة تنكير القرة تعظيما. وتقليلها لأن ~~المراد أعين المتقين ولا ريب في قلتها نظرا إلى غيرها { ~~واجعلنا للمتقين إماما } أي اجعلنا بحيث يقتدون بنا في ~~إقامة مراسم الدين بإفاضة العلم والتوفيق للعمل. وتوحيده للدلالة ~~على الجنس وعدم الالتباس كقوله تعالى: # ثم يخرجكم طفلا # [سورة غافر: الآية 27] أو لأن المراد واجعل كل واحد منا إماما ~~أو لأنهم كنفس واحدة لاتحاد طريقتهم واتفاق كلمتهم كذا قالوا. ~~وأنت خبير بأن مدار الكل صدور هذا الدعاء إما عن الكل بطريق ~~المعية وأنه محال لاستحالة اجتماعهم في عصر واحد فما ظنك ~~باجتماعهم في مجلس واحد واتفاقهم على كلمة واحدة وإما عن كل ~~واحد بطريق تشريك غيره في استدعاء الإمامة وأنه ليس بثابت جزما ~~بل الظاهر صدوره عنهم بطريق الانفراد وأن عبارة كل واحد منهم ~~عند الدعاء واجعلني للمتقين إماما خلا أنه حكيت عبارات الكل ~~بصيغة المتكلم مع الغير للقصد إلى الإنجاز على طريقة قوله تعالى: # يأيها الرسل كلوا من الطيبت واعملوا صلحا # [سورة المؤمنون: الآية 51] وأبقي إماما على حاله، وقيل: الإمام جمع ~~آم بمعنى قاصد كصيام جمع صائم ms2444 ومعناه قاصدين لهم مقتدين بهم. وإعادة ~~الموصول في المواقع السبعة مع كفاية ذكر الصلات بطريق العطف ~~على صلة الموصول الأول للإيذان بأن كل واحد مما ذكر في حيز ~~صلة الموصولات المذكورة وصف جليل على حياله شأن خطير حقيق بأن ~~يفرد له موصوف مستقل ولا يجعل شيء من ذلك تتمة لغيره وتوسيط ~~العاطف بين الموصولات لتنزيل الاختلاف العنواني منزلة الاختلاف ~~الذاتي كما في قوله # إلى الملك القرم وابن الهمام # وليث الكتائب في المزدحم # { أولئك } إشارة إلى المتصفين بما فصل في حيز صلة ~~الموصولات الثمانية من حيث اتصافهم به. وفيه دلالة على أنهم ~~متميزون بذلك أكمل تميز منتظمون بسببه في سلك الأمور المشاهدة، ~~وما فيه من معنى البعد للإيذان ببعد منزلتهم في الفضل. وهو مبتدأ ~~خبره قوله تعالى: { يجزون الغرفة } والجملة مستأنفة لا ~~محل لها من الإعراب مبينة لما لهم في الآخرة من السعادة ~~الأبدية إثر بيان ما لهم في الدنيا من الأعمال السنية. # والغرفة الدرجة العالية من المنازل وكل بناء مرتفع عال أي ~~يثابون أعلى منازل الجنة وهي اسم جنس أريد به الجمع كقوله تعالى: # وهم فى الغرفت ءامنون # [سورة سبأ: الآية 37] وقيل: هي اسم من أسماء الجنة { بما ~~صبروا } أي بصبرهم على المشاق من مضض الطاعات ورفض الشهوات ~~وتحمل المجاهدات { ويلقون فيها } من جهة الملائكة { ~~تحية وسلما } أي يحييهم الملائكة ويدعون لهم بطول الحياة ~~والسلامة من الآفات، أو يعطون التبقية والتخليد مع السلامة ~~من كل آفة، وقيل: يحيي بعضهم بعضا ويسلم عليه. وقرىء يلقون ~~من لقي. ### || [25.76-77] # { خلدين فيها } لا يموتون ولا يخرجون { حسنت مستقرا ~~ومقاما } الكلام فيه كالذي مر في مقابلة. # { قل } أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن يبين للناس ~~أن الفائزين بتلك النعماء الجليلة التي يتنافس فيها المتنافسون ~~إنما نالوها بما عدد من محاسنهم ولوها لم يعتد بهم أصلا أي ~~قل لهم كافة مشافها لهم بما صدر عن جنسهم من خير وشر { ما ~~يعبؤا بكم ربى لولا دعاؤكم } أي أي عبء يعبأ بكم ~~وأي اعتداد يعتد ms2445 بكم لولا عبادتكم له تعالى حسبما مر تفصيله ~~فإن ما خلق له الإنسان معرفته تعالى وطاعته وإلا فهو وسائر ~~البهائم سواء. وقال الزجاج: معناه أي وزن يكون لكم عنده، وقيل ~~معناه ما يصنع بكم ربي لولا دعاؤه إياكم إلى الإسلام وقيل: ما يصنع ~~بعذابكم لولا دعاؤكم معه آلهة ويجوز أن تكون ما نافية، وقوله ~~تعالى: { فقد كذبتم } بيان لحال الكفرة من المخاطبين كما ~~أن ما قبله بيان لحال المؤمنين منهم أي فقد كذبتم بما أخبرتكم ~~به وخالفتموه أيها الكفرة ولم تعملوا عمل أولئك المذكورين وقيل: ~~فقد قصرتم في العبادة من قولهم كذب القتال إذا لم يبالغ فيه. ~~وقرىء فقد كذب الكافرون أي الكافرون منكم لعموم الخطاب للفريقين ~~وفائدته الإيذان بأن مناط فوز أحدهما وخسران الآخر مع الاتحاد ~~الجنسي المصحح للاشتراك في الفوز ليس إلا اختلافهما في الأعمال { ~~فسوف يكون لزاما } أي يكون جزاء التكذيب أو أثره لازما ~~يحيق بكم لا محالة حتى يكبكم في النار كما تعرب عنه الفاء ~~الدالة على لزوم ما بعدها لما قبلها، وإنما أضمر من غير ذكر ~~للإيذان بغاية ظهوره وتهويل أمره وللتنبيه على أنه مما لا يكتنهه ~~البيان وقيل: يكون العذاب لزاما. وعن مجاهد رحمه الله: هو القتل ~~يوم بدر وأنه لوزم بين القتلى وقرىء لزاما بالفتح بمعنى ~~اللزوم كالثبات والثبوت. # عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " من قرأ سورة الفرقان لقي الله تعالى وهو مؤمن بأن الساعة ~~آتية لا ريب فيها وأدخل الجنة بغير نصب ". ### | [26 - سورة الشعراء] ### || [26.1-4] # { طسم } بتفخيم الألف وبإمالتها وإظهار النون وبإدغامها في ~~الميم، وهو إما مسرود على نمط التعديد بطريق التحدي على ~~أحد الوجهين المذكورين في فاتحة سورة البقرة فلا محل له من ~~الإعراب وإما اسم للسورة كما عليه إطباق الأكثر فمحله ~~الرفع على أنه خبر لمبتدأ محذوف وهو أظهر من الرفع على ~~الابتداء وقد مر وجهه في مطلع سورة يونس عليه السلام. أو ~~النصب بتقدير فعل لائق نحو اذكر أو اقرأ. وتلك في قوله تعالى: ~~{ تلك ءايات ms2446 الكتب المبين } إشارة إلى السورة سواء ~~كان طسم مسرودا على نمط التعديد أو اسما للسورة حسبما مر ~~تحقيقه هناك، وما في اسم الإشارة من معنى البعد للتنبيه على ~~بعد منزلة المشار إليه في الفخامة ومحله الرفع على أنه ~~مبتدأ خبره ما بعده وعلى تقدير كون طسم مبتدأ فهو مبتدأ ثان أو ~~بدل من الأول، والمراد بالكتاب القرآن وبالمبين الظاهر ~~إعجازه على أنه من أبان بمعنى بان، أو المبين للأحكام ~~الشرعية وما يتعلق بها أو الفاصل بين الحق والباطل والمعنى هي ~~آيات مخصوصة منه مترجمة باسم مستقل. والمراد ببيان كونها بعضا ~~منه وصفا بما اشتهر به الكل من النعوت الفاضلة. # { لعلك بخع نفسك } أي قاتل. وأصل البخع أن يبلغ ~~بالذبح النخاع، وهو عرق مستبطن الفقار وذلك أقصى حد الذبح. ~~وقرىء باخع نفسك على الإضافة ولعل للإشفاق أي أشفق على نفسك ~~أن تقتلها حسرة على ما فاتك من إسلام قومك { ألا يكونوا ~~مؤمنين } أي لعدم إيمانهم بذلك الكتاب المبين أو خيفة أن لا ~~يؤمنوا به. # وقوله تعالى: { إن نشأ } الخ استئناف مسوق لتعليل ما يفهم من ~~الكلام من النهي عن التحسر المذكور ببيان أن إيمانهم ليس مما ~~تعلقت به مشيئة الله تعالى حتما فلا وجه للطمع فيه والتألم من ~~فواته. ومفعول المشيئة محذوف لكونه مضمون الجزاء أعني قوله تعالى: ~~{ ننزل عليهم من السماء ءاية } أي ملجئة لهم إلى ~~الإيمان قاسرة عليه وتقديم الظرفين على المفعول الصريح لما مر ~~مرارا من الاهتمام بالمقدم والتشويق إلى المؤخر { فظلت ~~أعنقهم لها خضعين } أي منقادين. وأصله فظلوا لها ~~خاضعين فأقحمت الأعناق لزيادة التقرير ببيان موضع الخضوع وترك ~~الخبر على حاله. وقيل لما وصفت الأعناق بصفات العقلاء أجريت ~~مجراهم في الصيغة أيضا كما في قوله تعالى: # رأيتهم لى ساجدين # [سورة يوسف: الآية 4] وقيل: أريد بها الرؤساء والجماعات من قولهم ~~جاءنا عنق من الناس أي فوج منهم. وقرىء خاضعة. وقوله تعالى: ~~فظلت عطف على ننزل باعتبار محله. ### || [26.5-7] # وقوله تعالى: # { وما يأتيهم من ذكر من الرحمن محدث إلا ms2447 ~~كانوا عنه معرضين } بيان لشدة شكيمتهم وعدم ارعوائهم ~~عما كانوا عليه من الكفر والتكذيب بغير ما ذكر من الآية ~~الملجئة لصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الحرص على إسلامهم ~~وقطع رجائه عنه. ومن الأولى مزيدة لتأكيد العموم والثانية ~~لابتداء الغاية مجازا متعلقة بيأتيهم أو بمحذوف هو صفة لذكر، ~~وأيا ما كان ففيه دلالة على فضله وشرفه وشناعة ما فعلوا به ~~والتعرض لعنوان الرحمة لتغليظ شناعتهم وتهويل جنايتهم فإن ~~الإعراض عما يأتيهم من جنابه عز وجل على الإطلاق شنيغ قبيح ~~وعما يأتيهم بموجب رحمته تعالى لمحض منفعتهم أشنع وأقبح أي ما ~~يأتيهم من موعظة من المواعظ القرآنية أو من طائفة نازلة من ~~القرآن تذكرهم أكمل تذكير وتنبههم عن الغفلة أتم تنبية ~~كأنها نفس الذكر من جهته تعالى بمقتضى رحمته الواسعة مجدد ~~تنزيله حسبما تقتضيه الحكمة والمصلحة إلا جددوا إعراضا عنه على وجه ~~التكذيب والاستهزاء وإصرارا على ما كانوا عليه من الكفر والضلال ~~والاستثناء مفرغ من أعم الأحوال، محله النصب على الحالية من ~~مفعول يأتيهم بإضمار قد أو بدونه على الخلاف المشهور أي ما يأتيهم من ~~ذكر في حال من الأحوال إلا حال كونهم معرضين عنه. # { فقد كذبوا } أي كذبوا بالذكر الذي يأتيهم تكذيبا ~~صريحا مقارنا للاستهزاء به ولم يكتفوا بالإعراض عنه حيث جعلوه ~~تارة سحرا وأخرى أساطير وأخرى شعرا. والفاء في قوله تعالى: { ~~فسيأتيهم } لترتيب ما بعدها على ما قبلها. والسين لتأكيد ~~مضمون الجملة وتقريره أي فسيأتيهم ألبتة من غير تخلف أصلا { ~~أنباء ما كانوا به يستهزءون } عدل عما يقتضيه سائر ~~ما سلف من الإعراض والتكذيب للإيذان بأنهما كانا مقارنين ~~للاستهزاء، كما أشير إليه حسبما وقع في قوله تعالى: # وما تأتيهم من ءاية من ءايت ربهم إلا كانوا ~~عنها معرضين فقد كذبوا بالحق لما جاءهم ~~فسوف يأتيهم أنباء ما كانوا به يستهزءون # [سورة الأنعام: الآية 5] وأنباؤه ما سيحيق بهم من العقوبات العاجلة ~~والآجلة عبر عنها بذلك إما لكونها مما أنبأ بها القرآن ~~الكريم وإما لأنهم بمشاهدتها يقفون على حقيقة ms2448 حال القرآن كما ~~يقفون على الأحوال الخافية عنهم باستماع الأنباء وفيه تهويل له ~~لأن النبأ لا يطلق إلا على خبر خطير له وقع عظيم أي فسيأتيهم لا ~~محالة مصداق ما كانوا يستهزئون به قبل من غير أن يتدبروا في ~~أحواله ويقفوا عليها. # { أو لم يروا } الهمزة للإنكار التوبيخي والواو للعطف على ~~مقدر يقتضيه المقام أي فعلوا ما فعلوا من الإعراض عن الآيات ~~والتكذيب والاستهزاء بها ولم ينظروا { إلى الأرض } أي إلى ~~عجائبها الزاجرة عما فعلوا الداعية إلى الإقبال على ما أعرضوا ~~عنه وإلى الإيمان به. # وقوله تعالى: { كم أنبتنا فيها من كل زوج كريم } ~~استئناف مبين لما في الأرض من الآيات الزاجرة عن الكفر ~~الداعية إلى الإيمان. وكم خبرية منصوبة بما بعدها على ~~المفعولية. والجمع بينها وبين (كل) لإفادة الإحاطة والكثرة ~~معا ومن كل زوج أي صنف تمييز والكريم من كل شيء مرضيه ~~ومحموده أي كثيرا من كل صنف مرضي كثير المنافع أنبتنا فيها. ~~وتخصيص إنباته بالذكر دون ما عداه من الأصناف لاختصاصه بالدلالة ~~على القدرة والنعمة معا. ويحتمل أن يراد به جميع أصناف النباتات ~~نافعها وضارها ويكون وصف الكل بالكرم للتنبيه على أنه تعالى ما ~~أنبت شيئا إلا وفيه فائدة كما نطق به قوله تعالى: # هو الذى خلق لكم ما فى الأرض جميعا # [سورة البقرة: الآية 29] فإن الحكيم لا يكاد يفعل فعلا إلا وفيه ~~حكمة بالغة وإن غفل عنها الغافلون ولم يتوصل إلى معرفة كنهها ~~العاقلون. ### || [26.8-10] # { إن فى ذلك } إشارة إلى مصدر أنبتنا أو إلى كل واحد من تلك ~~الأزواج، وأيا ما كان فما فيه من معنى البعد للإيذان ببعد منزلته ~~في الفضل { لآية } أي آية عظيمة دالة على كمال قدرة منبتها ~~وغاية وفور علمه وحكمته ونهاية سعة رحمته موجبة للإيمان ~~وازعة عن الكفر. # { وما كان أكثرهم } أي أكثر قومه عليه الصلاة والسلام ~~{ مؤمنين } قيل أي في علم الله تعالى وقضائه حيث علم أزلا ~~أنهم سيصرفون فيما لا يزال اختيارهم الذي عليه يدور أمر التكليف ~~إلى جانب الشر ms2449 ولا يتدبرون في هذه الآيات العظام. وقال سيبويه: ~~كان صلة، والمعنى وما أكثرهم مؤمنين وهو الأنسب بمقام بيان ~~عتوهم وغلوهم في المكابرة والعناد مع تعاضد موجبات الإيمان من ~~جهته تعالى. وأما نسبة كفرهم إلى علمه تعالى وقضائه فربما ~~يتوهم منها كونهم معذورين فيه بحسب الظاهر لأن ما أشير إليه ~~من التحقيق مما خفي على مهرة العلماء المتقنين، كأنه قيل: ~~إن في ذلك لآية باهرة موجبة للإيمان وما أكثرهم مؤمنين مع ذلك ~~لغاية تماديهم في الكفر والضلالة وانهماكهم في الغي ~~والجهالة. ونسبة عدم الإيمان إلى أكثرهم لأن منهم من سيؤمن. # { وإن ربك لهو العزيز } الغالب على كل ما يريده من ~~الأمور التي من جملتها الانتقام من هؤلاء { الرحيم } المبالغ ~~في الرحمة ولذلك يمهلهم ولا يؤاخذهم بغتة بما اجتزؤا عليه من ~~العظائم الموجبة لفنون العقوبات، وفي التعرض لوصف ~~الربوبية مع الإضافة إلى ضميره عليه الصلاة والسلام من ~~تشريفه والعدة الخفية بالانتقام من الكفرة ما لا يخفى. # { وإذ نادى ربك موسى } كلام مستأنف مسوق لتقرير ما قبله ~~من إعراضهم عن كل ما يأتيهم من الآيات التنزيلية وتكذيبهم بما ~~إثر بيان إعراضهم عما يشاهدونه من الآيات التكوينية. وإذ ~~منصوب على المفعولية بمضمر خوطب به النبي عليه الصلاة ~~والسلام أي وأذكر لأولئك المعرضين المكذبين وقت ندائه تعالى ~~إياه عليه الصلاة والسلام وذكرهم بما جرى على قوم فرعون بسبب ~~تكذيبهم إياه زجرا لهم عما هم عليه من التكذيب وتحذيرا من أن ~~يحيق بهم مثل ما حاق بأضرابهم المكذبين الظالمين حتى يتضح لك ~~أنهم لا يؤمنون بما يأتيهم من الآيات، لكن لا بقياس حال هؤلاء بحال ~~أولئك فقط بل بمشاهدة إصرارهم على ما هم عليه بعد سماع الوحي ~~الناطق بقصتهم وعدم اتعاظهم بذلك كما يلوح به تكرير قوله ~~تعالى: # إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين # [سورة الشعراء: الآية 8] عقيب كل قصة، وتوجيه الأمر بالذكر إلى ~~الوقت مع أن المقصود تذكير ما وقع فيه من الحوادث قد مر سرده مرارا ~~{ أن ائت } بمعنى أي ائت على ms2450 أن أن مفسرة أو بأن ائت على أنها ~~مصدرية حذف منها الجار { القوم الظلمين } أي بالكفر ~~والمعاصي واستعباد بني إسرائيل وذبح أبنائهم وليس هذا مطلع ما ورد ~~في حيز النداء وإنما هو ما فصل في سورة طه من قوله تعالى: # إنى أنا ربك # [سورة طه: الآية 12] إلى قوله: # لنريك من ءايتنا الكبرى # [سورة طه: الآية 23] وإيراد ما جرى في قصة واحدة من المقالات ~~بعبارات شتى وأساليب مختلفة قد مر تحقيقه في أوائل سورة ~~الأعراف عند قوله تعالى: # قال أنظرنى # [سورة الأعراف: الآية 14]. ### || [26.11-13] # { قوم فرعون } بدل من الأول، أو عطف بيان له جيء به ~~للإيذان بأنهم علم في الظلم كأن معنى القوم الظالمين ~~وترجمته قوم فرعون. والاقتصار على ذكر قومه للإيذان بشهرة أن ~~نفسه أول داخل في الحكم { ألا يتقون } استئناف جيء به إثر ~~إرساله عليه الصلاة والسلام إليهم للإنذار تعجيبا من غلوهم ~~في الظلم وإفراطهم في العدوان. وقرىء بتاء الخطاب على طريقة ~~الالتفات المنبىء عن زيادة الغضب عليهم كأن ذكر ظلمهم أدى ~~إلى مشافهتهم بذلك وهم وإن كانوا حينئذ غيبا لكنهم قد أجروا ~~مجرى الحاضرين في كلام المرسل إليهم من حيث إنه مبلغه إليهم وإسماعه ~~مبتدأ إسماعهم مع ما فيه من مزيد الحث على التقوى لمن تدبر ~~وتأمل. وقرىء بكسر النون اكتفاء به عن ياء المتكلم وقد جوز ~~أن يكون بمعنى ألا يا ناس اتقون نحو ألا يسجدوا. # { قال } استئناف مبني على سؤال نشأ من حكاية ما مضى كأنه ~~قيل: فماذا قال موسى عليه السلام فقيل قال متضرعا إلى الله عز ~~وجل { رب إنى أخاف أن يكذبون } من أول الأمر { ~~ويضيق صدري ولا ينطلق لساني } معطوفان على أخاف { ~~فأرسل } أي جبريل عليه السلام { إلي هرون } ليكون معي ~~وأتعاضد به في تبليغ الرسالة رتب عليه الصلاة والسلام ~~استدعاءه ذلك على الأمور الثلاثة: خوف التكذيب وضيق الصدر ~~وازدياد ما كان فيه عليه الصلاة والسلام من حبسة اللسان ~~بانقباض الروح إلى باطن القلب عند ضيقه بحيث لا ينطق لأنها إذا ~~اجتمعت تمس ms2451 الحاجة إلى معين يقوي قلبه وينوب منابه إذا اعتراه ~~حبسة حتى لا تختل دعوته ولا تنقطع حجته، وليس هذا من التعلل ~~والتوقف في تلقي الأمر في شيء وإنما هو استدعاء لما يعينه على ~~الامتثال به وتمهيد عذر فيه. وقرىء ويضيق ولا ينطلق بالنصب ~~عطفا على يكذبون فيكونان من جملة ما يخاف منه. ### || [26.14-18] # { ولهم علي ذنب } أي تبعة ذنب فحذف المضاف وأقيم المضاف ~~إليه مقامه أو سمي باسمه. والمراد به قتل القبطي وتسميته ~~ذنبا بحسب زعمهم كما ينبىء عنه قوله لهم وهذا إشارة إلى قصة ~~مبسوطة في غير موضع { فأخاف } أي إن أتيتهم وحدي { أن ~~يقتلون } بمقابلته قبل أداء الرسالة كما ينبغي وليس هذا أيضا ~~تعللا وإنما هو استدفاع للبلية المتوقعة قبل وقوعها. # وقوله تعالى: { قال كلا فاذهبا بئايتنا } حكاية ~~لإجابته تعالى إلى الطلبتين: الدفع المفهوم من الردع عن ~~الخوف وضم أخيه المفهوم من توجيه الخطاب إليهما بطريق التغليب ~~فإنه معطوف على ضمير ينبىء عنه الردع كأنه قيل: ارتدع يا ~~موسى عما تظن فاذهب أنت ومن استدعيته. وفي قوله بآياتنا رمز إلى ~~أنها تدفع ما يخافه. وقوله تعالى: { إنا معكم مستمعون } ~~تعليل للردع عن الخوف ومزيد تسلية لهما بضمان كمال الحفظ ~~والنضرة كقوله تعالى: # إننى معكما أسمع وأرى # [سورة طه: الآية 46] وحيث كان الموعود بمحضر من فرعون اعتبر ههنا في ~~المعية وقيل: أجريا مجرى الجماعة ويأباه ما قبله وما بعده من ضمير ~~التثنية أي سامعون ما يجري بينكما وبينه فنظهركما عليه، مثل حاله ~~تعالى بحال ذي شوكة قد حضر مجادلة قوم يستمع ما يجري بينهم ~~ليمد أولياءه ويظهرهم على أعدائهم مبالغة في الوعد بالإعانة أو ~~استعير الاستماع الذي هو بمعنى الإصغاء للسمع الذي هو العلم ~~بالحروف والأصوات وهو خبر ثان أو خبر وحده ومعكم ظرف لغو، ~~والفاء في قوله تعالى: # { فأتيا فرعون فقولا إنا رسول رب العلمين } ~~لترتيب ما بعدها على ما قبلها من الوعد الكريم، وليس هذا مجرد ~~تأكيد للأمر بالذهاب لأن معناه الوصول إلى المأتي لا مجرد ~~التوجه ms2452 إليه كالذهاب، وإفراد الرسول إما باعتبار رسالة كل ~~منهما أو لاتحاد مطلبهما أو لأنه مصدر وصف به وأن في قوله ~~تعالى: { أن أرسل معنا بنى إسرءيل } مفسرة لتضمن ~~الإرسال المفهوم من الرسول معنى القول ومعنى إرسالهم تخليتهم ~~وشأنهم ليذهبوا معهما إلى الشام. # { قال } أي فرعون لموسى عليه السلام بعد ما أتياه وقالا له ما ~~أمرا به، يروى أنهما انطلقا إلى باب فرعون فلم يؤذن لهما سنة ~~حتى قال البواب إن ههنا إنسانا يزعم أنه رسول رب العالمين ~~فقال ائذن له لعلنا نضحك فأديا إليه الرسالة فعرف موسى عليه ~~السلام فقال عند ذلك: # { ألم نربك فينا } في حجرنا ومنازلنا { وليدا } أي ~~طفلا عبر عنه بذلك لقرب عهده بالولادة { ولبثت فينا من ~~عمرك سنين } قيل لبث فيهم ثلاثين سنة ثم خرج إلى مدين وأقام ~~بها عشر سنين ثم عاد إليهم يدعوهم إلى الله عز وجل ثلاثين سنة ~~ثم بقي بعد الغرق خمسين سنة وقيل وكز القبطي وهو ابن اثنتي عشرة ~~سنة وفر منهم على أثر ذلك، والله أعلم. ### || [26.19-22] # { وفعلت فعلتك التى فعلت } يعني قتل القبطي بعد ما ~~عدد عليه نعمته من تربيته وتبليغه مبلغ الرجال وبخه بما ~~جرى عليه من قتل خبازه وعظم ذلك وفظعه. وقرىء فعلتك بكسر ~~الفاء لأنها كانت نوعا من القتل { وأنت من الكفرين } ~~أي بنعمتي حيث عمدت إلى قتل رجل من خواصي أو أنت حينئذ ممن ~~تكفرهم الآن وقد افترى عليه عليه الصلاة والسلام أو جهل أمره ~~عليه الصلاة والسلام حيث كان يعايشهم بالتقية وإلا فأين هو ~~عليه الصلاة والسلام من مشاركتهم في الدين فالجملة حينئذ ~~حال من إحدى التاءين ويجوز أن يكون حكما. مبتدأ عليه بأنه من ~~الكافرين بإلهيته أو ممن يكفرون في دينهم حيث كانت لهم آلهة ~~يعبدونها أو من الكافرين بالنعم المعتادين لغمطها ومن اعتاد ذلك لا ~~يكون مثل هذه الجناية بدعا منه. # { قال } مجيبا له مصدقا له في القتل ومكذبا فما نسبه إليه من ~~الكفر { فعلتها إذا وأنا من الضالين } أي من الجاهلين ms2453 ~~وقد قرىء كذلك لا من الكافرين كما زعمت افتراء أي من الفاعلين فعل ~~الجهالة والسفهاء أو من المخطئين لأنه لم يتعمد قتله بل أراد ~~تأديبه أو الذاهبين عما يؤدي إليه الوكز أو الناسين كقوله ~~تعالى: # أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى # [سورة البقرة: الآية 282] { ففررت منكم } إلى ربي { لما ~~خفتكم } أن تصيبوني بمضمرة وتؤاخذوني بما لا أستحقه بجنايتي من ~~العقاب { فوهب لي ربي حكما } أي حكمة أو نبوة { ~~وجعلنى من المرسلين } رد أولا بذلك ما وبخه به قدحا في ~~نبوته ثم كر على ما عده عليه من النعمة ولم يصرح برده حيث ~~كان صدقا غير قادح في دعواه بل نبه على أن ذلك كان في الحقيقة ~~نعمة فقال: { وتلك نعمة تمنها على أن عبدت ~~بنى إسرءيل } أي تلك التربية نعمة تمن بها علي ظاهرا وهي ~~في الحقيقة تعبيدك بني إسرائيل وقصدك إياهم بذبح أبنائهم فإنه ~~السبب في وقوعي عندك وحصولي في تربيتك وقيل: إنه مقدر بهمزة ~~الإنكار أي: أو تلك نعمة تمنها علي وهي أن عبدت بني إسرائيل ~~ومحل أن عبدت الرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف أو بدل من ~~نعمة، أو الجر بإضمار الباء، أو النصب بحذفها وقيل: تلك إشارة ~~إلى خصلة شنعاء مبهمة وأن عبدت عطف بيان لها والمعنى تعبيدك ~~بني إسرائيل نعمة تمنها علي. وتوحيد الخطاب في تمنها وجمعه ~~فيما قبله لأن المنة منه خاصة والخوف والفرار منه ومن ملئه. ### || [26.23-28] # { قال فرعون } لما سمع منه عليه الصلاة والسلام تلك ~~المقالة المتينة وشاهد تصلبه في أمره وعدم تأثره بما قدمه من ~~الإبراق والإرعاد شرع في الاعتراض على دعواه عليه الصلاة ~~والسلام فبدأ بالاستفسار عن المرسل فقال: { وما رب ~~العلمين } حكاية لما وقع في عبارته عليه الصلاة والسلام ~~أي أي شيء رب العالمين الذي أدعيت أنك رسوله منكرا لأن يكون ~~للعالمين رب سواه حسبما يعرب عنه قوله: # أنا ربكم الأعلى # [سورة النازعات: الآية 24] وقوله: # ما علمت لكم من إله غيرى # وينطق به وعيده عند تمام أجوبته عليه الصلاة ms2454 والسلام { قال } ~~موسى عليه السلام مجيبا له { رب السموات والأرض وما ~~بينهما } بتعيين ما أراد بالعالمين وتفصيله لزيادة التحقيق ~~والتقرير وحسم مادة تزوير اللعين وتشكيكه بحمل العالمين على ~~ما تحت مملكته { إن كنتم موقنين } أي إن كنتم موقنين ~~بالأشياء محققين لها علمتم ذلك، أو إن كنتم موقنين بشيء من ~~الأشياء فهذا أولى بالإيقان لظهوره وإنارة دليله. # { قال } أي فرعون عند سماع جوابه عليه الصلاة والسلام خوفا ~~من تأثيره في قلوب قومه وإذعانهم له { لمن حوله } من أشراف ~~قومه قال ابن عباس رضي الله عنهما: خمسمائة عليهم الأساور وكانت ~~للملوك خاصة { ألا تستمعون } مرائيا لهم أن ما سمعوه من ~~جوابه عليه الصلاة والسلام مع كونه مما لا يليق بأن يتعجب ~~منه كأنه قال ألا تستمعون ما يقوله فاستمعوه وتعجبوا منه حيث ~~يدعي خلاف أمر محقق لا اشتباه فيه يريد به ربوبية نفسه. # { قال } عليه الصلاة والسلام تصريحا بما كان مندرجا تحت ~~جوابيه السابقين { ربكم ورب ءابائكم الأولين } ~~وحطا له من ادعاء الربوبية إلى مرتبة المربوبية. # { قال } أي فرعون لما واجهه موسى عليه السلام بما ذكر غاظه ~~ذلك وخاف من تأثر قومه منه فأراهم أن ما قاله عليه الصلاة ~~والسلام مما لا يصدر عن العقلاء صدا لهم عن قبوله فقال ~~مؤكدا لمقالته الشنعاء بحرفي التأكيد: { إن رسولكم ~~الذى أرسل إليكم لمجنون } ليفتنهم بذلك ويصرفهم عن ~~قبول الحق وسماه رسولا بطريق الاستهزاء وأضافه إلى مخاطبيه ~~ترفعا من أن يكون مرسلا إلى نفسه. # { قال } عليه الصلاة والسلام { رب المشرق والمغرب ~~وما بينهما } قاله عليه الصلاة والسلام تكميلا لجوابه ~~الأول وتفسيرا له وتنبيها على جهلهم وعدم فهمهم لمعنى مقالته ~~فإن بيان ربوبيته تعالى للسموات والأرض وما بينهما وإن كان ~~متضمنا لبيان ربوبيته تعالى للخافقين وما بينهما لكن لما ~~لم يكن فيه تصريح بإستناد حركات السموات وما فيها وتغيرات ~~أحوالها وأوضاعها وكون الأرض تارة مظلمة وأخرى منورة إلى الله تعالى ~~أرشدهم إلى طريق معرفة ربوبيته تعالى لما ذكر فإن ذكر المشرق ~~والمغرب منبىء عن شروق الشمس ms2455 وغروبها المنوطين بحركات ~~السموات وما فيها على نمط بديع يترتب عليه هذه الأضاع ~~الرصينة، وكل ذلك أمور حادثة مفتقرة إلى محدث قادر عليم حكيم ~~لا كذوات السموات والأرض التي يتوهم جهلة المتوهمين ~~باستمرارها استغناءها عن الموحد المتصرف { إن كنتم ~~تعقلون } أي إن كنتم تعقلون شيئا من الأشياء أو إن كنتم من ~~أهل العقل علمتم أن الأمر كما قلته، وفيه إيذان بغاية وضوح ~~الأمر بحيث لا يشتبه على من له عقل في الجملة، وتلويح بأنهم ~~بمعزل من دائرة العقل وأنهم المتصفون بما رموه عليه الصلاة ~~والسلام به من الجنون. ### || [26.29-30] # { قال } لما سمع اللعين منه عليه الصلاة والسلام تلك ~~المقالات المبنية على أساس الحكم البالغة وشاهد شدة حزمه ~~وقوة عزمه على تمشية أمره وأنه ممن لا يجارى في حلبة ~~المحاورة ضرب صفحا عن المقاولة بالإنصاف ونأى بجانبه إلى ~~عدوة الجور والاعتساف فقال مظهرا لما كان يضمره عند السؤال ~~والجواب: { لئن اتخذت إلها غيرى لأجعلنك من ~~المسجونين } لم يقتنع منه عليه الصلاة والسلام بترك دعوى ~~الرسالة وعدم التعرض له حتى كلفه عليه الصلاة والسلام ~~أن يتخذه إلها لغاية عتوه وغلوه فما فيه من دعوى ~~الألوهية وهذا صريح في أن تعجبه وتعجيبه من الجواب الأول ~~ونسبته عليه الصلاة والسلام إلى الجنون في الجواب الثاني ~~كان لنسبته عليه الصلاة والسلام الربوبية إلى غيره، وأما ما ~~قيل من أن سؤاله كان عن حقيقة المرسل وتعجبه من جوابه كان ~~لعدم مطابقته له لكونه يذكر أحواله فلا يساعده النظم الكريم ~~ولا حال فرعون ولا مقاله. واللام في المسجونين للعهد أي لأجعلنك ~~ممن عرفت أحوالهم في شجوني حيث كان يطرحهم في هوة عميقة حتى ~~يموتوا ولذلك لم يقل لأسجننك. # { قال أولو جئتك بشيء مبين } أي أتفعل بي ذلك ولو ~~جئتك بشيء مبين أي موضح لصدق دعواي يريد به المعجزة فإنها ~~جامعة بين الدلالة على وجود الصانع وحكمته وبين الدلالة ~~على صدق دعوى من ظهرت على يده والتعبير عنها بالشيء ~~للتهويل قالوا الواو في أولو جئتك للحال دخلت عليها ms2456 همزة ~~الاستفهام أي جائيا بشيء مبين وقد سلف منا مرارا أنها للعطف ~~وأن كلمة لو ليست لانتفاء الشيء في الزمان الماضي لانتفاء ~~غيره فيه فلا يلاحظ لها جواب قد حذف تعويلا على دلالة ما قبلها ~~عليه ملاحظة قصدية إلا عند القصد إلى بيان الإعراب على القواعد ~~الصناعية بل هي لبيان تحقق ما يفيده الكلام السابق من ~~الحكم الموجب أو المنفي على كل حال مفروض من الأحوال المقارنة له ~~على الإجمال بإدخالها على أبعدها منه وأشدها منافاة له ليظهر ~~بثبوته أو انتفائه معه ثبوته وانتفاؤه مع ما عداه من الأحوال ~~بطريق الأولوية لما أن الشيء متى تحقق مع المنافي القوي فلأن ~~يتحقق مع غيره أولى ولذلك لا يذكر معه شيء من سائر الأحوال ويكتفي ~~عنه بذكر العاطف للجملة على نظرتها المقابلة لها الشاملة لجيمع ~~الأحوال المغايرة لها عند تعددها ليظهر ما ذكر من تحقق الحكم على ~~جميع الأحوال فإنك إذا قلت فلان جواد يعطي ولو كان فقيرا تريد ~~بيان تحقق الإعطاء منه على كل حال من أحواله المفروضة فتعلق ~~الحكم بأبعدها منه ليظهر بتحققه معه تحققه مع ما عداه من ~~الأحوال التي لا منافاة بينها وبين الحكم بطريق الأولوية ~~المصححة للاكتفاء بذكر العاطف عن تفصيلها كأنك قلت فلان جواد ~~يعطي لو لم يكن فقيرا ولو كان فقيرا أي يعطى حال كونه فقيرا، ~~فالحال في الحقيقة كلتا الجملتين المتعاطفتين لا المذكورة على أن ~~الواو للحال وتصدير المجيء بما ذكر من كلمة لو دون أن ليس ~~لبيان استبعاده في نفسه بل بالنسبة إلى فرعون والمعنى أتفعل بي ~~ذلك حال عدم مجيئي بشيء مبين وحال مجيئي به. ### || [26.31-35] # { قال فأت به إن كنت من الصدقين } أي فيما يدل عليه ~~كلامك من أنك تأتي بشيء مبين موضح لصدق دعواك أو في دعوى ~~الرسالة، وجواب الشرط المحذوف لدلالة ما قبله عليه. # { فألقى عصاه فإذا هى ثعبان مبين } أي ظاهر ~~ثعبانيته لا أنه شيء يشبهه واشتقاق الثعبان من ثعبث الماء ~~فانثعب أي فجرته فانفجر وقد مر بيان ms2457 كيفية الحال في سورة ~~الأعراف وسورة طه. # { ونزع يده } من جيبه { فإذا هى بيضاء للنظرين ~~} قيل لما رأى فرعون الآية الأولى وقال هل لك غيرها فأخرج يده ~~فقال ما هذه قال فرعون: يدك فما فيها؟ فأدخلها في إبطه ثم نزعها ~~ولها شعاع يكاد يغشي الأبصار ويسد الأفق. # { قال للملإ حوله } أي مستقرين حوله فهو ظرف وقع موقع ~~الحال { إن هذا لسحر عليم } فائق في فن السحر. # { يريد أن يخرجكم } قسرا { من أرضكم بسحره ~~فماذا تأمرون } بهره سلطان المعجزة وحيره حتى حطه عن ~~ذروة ادعاء الربوبية إلى حضيض الخضوع لعبيده في زعمه ~~والامتثال بأمرهم أو إلى مقام مؤامرتهم ومشاورتهم بعد ما كان ~~مستقلا في الرأي والتدبير وأظهر استشعار الخوف من استيلائه على ~~ملكه، ونسبة الإخراج والأرض إليهم لتنفيرهم عن موسى عليه السلام. ### || [26.36-44] # { قالوا أرجه وأخاه } أخر أمرهما، وقيل: احبسهما { ~~وابعث فى المدائن حشرين } أي شرطا يحشرون السحرة. # { يأتوك } أي الحاشرون { بكل سحار عليم } فائق في فن ~~السحر، وقرىء بكل ساحر. # { فجمع السحرة لميقت يوم معلوم } هو ما عينه ~~موسى عليه السلام بقوله: # موعدكم يوم الزينة وأن يحشر الناس ضحى # [سورة طه: الآية 59] { وقيل للناس هل أنتم مجتمعون } ~~قيل لهم ذلك استبطاء لهم في الاجتماع وحثا لهم على المبادرة إليه. # { لعلنا نتبع السحرة إن كانوا هم الغلبين } ~~أي نتبعهم في دينهم إن كانوا هم الغالبين لا موسى عليه السلام ~~وليس مرادهم بذلك أن يتبعوا دينهم حقيقة وإنما هو أن لا ~~يتبعوا موسى عليه السلام لكنهم ساقوا كلامهم مساق الكناية ~~حملا لهم على الاهتمام والجد في المغالبة. # { فلما جاء السحرة قالوا لفرعون أئن لنا ~~لأجرا } أي أجرا عظيما { إن كنا نحن الغلبين } لا ~~موسى عليه السلام. # { قال نعم } لكم ذلك # وإنكم # [سورة الشعراء: الآية 42] مع ذلك { إذا لمن المقربين } ~~عندي قيل قال لهم تكونون أول من يدخل علي وآخر من يخرج عني، ~~وقرىء نعم بكسر العين وهما لغتان. # { قال لهم موسى } أي بعدما قال له السحرة إما أن تلقي ~~وإما أن نكون ms2458 أول من ألقى. { ألقوا ما أنتم ملقون ~~} ولم يرد به الأمر بالسحر والتمويه بل الإذن في تقديم ما هم ~~فاعلوه البتة توسلا به إلى إظهار الحق وإبطال الباطل. # { فألقوا حبلهم وعصيهم وقالوا } أي وقد قالوا ~~عند الإلقاء { بعزة فرعون إنا لنحن الغلبون } ~~قالوا ذلك لفرط اعتقادهم في أنفسهم وإتيانهم بأقصى ما يمكن أن ~~يؤتى به من السحر. ### || [26.45-51] # { فألقى موسى عصه فإذا هى تلقف } أي تبتلع ~~بسرعة. وقرىء تلقف بحذف إحدى التاءين من تتلقف { ما ~~يأفكون } أي ما يقلبونه من وجهه وصورته بتمويههم وتزويدهم ~~فيخيلون حبالهم وعصيهم أنها حيات تسعى أو إفكهم تسمية ~~للمأفوك به مبالغة. # { فألقي السحرة سجدين } أي أثر ما شاهدوا وذلك من ~~غير تلعثم وتردد غير متمالكين كأن ملقيا ألقاهم لعلمهم بأن ~~مثل ذلك خارج عن حدود السحر وأنه أمر إلهي قد ظهر على يده عليه ~~الصلاة والسلام لتصديقه، وفيه دليل على أنه قصارى ما ينتهي ~~إليه همم السحرة هو التمويه والتزوير وتخييل شيء لا حقيقة ~~له. # { قالوا ءامنا برب العلمين } بدل اشتمال من ألقي أو ~~حال بإضمار قد وقوله تعالى: { رب موسى وهرون } بدل من ~~رب العالمين للتوضيح ودفع توهم إرادة فرعون حيث كان قومه ~~الجهلة يسمونه بذلك وللإشعار بأن الموجب لإيمانهم به تعالى ~~ما أجراه على أيديهما من المعجزة القاهرة. # { قال } أي فرعون للسحرة { ءامنتم له قبل أن ءاذن ~~لكم } أي بغير أن آذن لكم في قوله تعالى: # لنفد البحر قبل أن تنفد كلمت ربى # [سورة الكهف: الآية 109] لا أن الإذن منه ممكن أو متوقع { إنه ~~لكبيركم الذى علمكم السحر } فتواطأتم على ما فعلتم أو ~~علمكم شيئا دون شيء فلذلك غلبكم أراد بذلك التلبيس على قومه ~~كيلا يعتقدوا أنهم آمنوا عن بصيرة وظهور حق وقرىء أأمنتم ~~بهمزتين { فلسوف تعلمون } أي وبال ما فعلتم وقوله: { ~~لأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف ولأصلبنكم ~~أجمعين } بيان لما أوعدهم به. # { قالوا } أي السحرة { لا ضير } لا ضرر فيه علينا وقوله ~~تعالى: { إنا إلى ربنا منقلبون } تعليل لعدم الضير أي ~~لا ms2459 ضير في ذلك بل لنا فيه نفع عظيم لما يحصل لنا في الصبر عليه ~~لوجه الله تعالى من تكفير الخطايا والثواب العظيم، أو لا ضير ~~علينا فيما تتوعدنا به من القتل أنه لا بد لنا من الانقلاب إلى ~~ربنا بسبب من أسباب الموت، والقتل أهونها وأرجاها. # وقوله تعالى: { إنا نطمع أن يغفر لنا ربنا ~~خطينا أن كنا } أي لأن كنا { أول المؤمنين } أي من ~~أتباع فرعون أو من أهل المشهد تعليل ثان لنفي الضير أي لا ضير ~~علينا في قتلك إنا نطمع أن يغفر لنا ربنا خطايانا لكوننا أول ~~المؤمنين. وقرىء إن كنا على الشرط لهضم النفس وعدم ~~الثقة بالخاتمة أو على طريقة قول المدل بأمره كقول العامل ~~لمستأجر أخر أجرته إن كنت عملت لك فوفني حقي. ### || [26.52-58] # { وأوحينا إلى موسى أن أسر بعبادى } وذلك بعد بضع ~~سنين أقام بين أظهرهم يدعوهم إلى الحق ويظهر لهم الآيات فلم ~~يزيدوا إلا عتوا وعنادا حسبما فصل في سورة الأعراف بقوله ~~تعالى: # ولقد أخذنا ءال فرعون بالسنين # [سورة الأعراف: الآية 130] الآيات. وقرىء: بكسر النون ووصل الألف من ~~سرى، وقرىء: أن سر من السير. { إنكم متبعون } تعليل للأمر ~~بالإسراء أي يتبعكم فرعون وجنوده مصبحين فأسر بمن معك حتى لا ~~يدركوكم قبل الوصول إلى البحر فيدخلوا مداخلكم فأطبقه عليهم ~~فأغرقهم. # { فأرسل فرعون } حين أخبر بمسيرهم { فى المدائن ~~حشرين } جامعين للعساكر ليتبعوهم. # { إن هؤلآء } يريد بني إسرائيل { لشرذمة قليلون } ~~استقلهم وهم ستمائة ألف وسبعون ألفا بالنسبة إلى جنوده إذ روي ~~أنه أرسل في أثرهم ألف ألف وخمسمائة ملك مسور مع كل ملك ~~ألف وخرج فرعون في جمع عظيم وكانت مقدمته سبعمائة ألف رجل على ~~حصان وعلى رأسه بيضة وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما خرج ~~فرعون في ألف ألف حصان سوى الإناث. # { وإنهم لنا لغائظون } أي فاعلون ما يغيظنا. # { وإنا لجميع حذرون } يريد أنهم لقلتهم لا يبالى ~~بهم ولا يتوقع غلبتهم وعلوهم ولكنهم يفعلون أفعالا تغيظنا وتضيق ~~صدورنا ونحن قوم من عادتنا التيقظ والحذر واستعمال ms2460 الحزم في ~~الأمور فإذا خرج علينا سارعنا إلى إطفاء ثائرة فساده، وهذه معاذير ~~اعتذر بها إلى أهل المدائن لئلا يظن به ما يكسر من قهره وسلطانه. ~~وقرىء حذرون فالأول دال على التجدد والثاني على الثبات ~~وقيل: الحاذر المؤدي في السلاح. وقرىء حادرون بالدال المهملة ~~أي أقوياء وأشداء وقيل: مدججون في السلاح قد أكسبهم ذلك حدارة ~~في أجسامهم. # { فأخرجنهم } بأن خلقنا فيهم داعية الخروج بهذا السبب ~~فحملتهم عليهم { من جنت وعيون * وكنوز ومقام كريم ~~} كانت لهم جملة ذلك. ### || [26.59-65] # { كذلك } إما مصدر تشبيهي لأخرجنا أي مثل ذلك الإخراج ~~العجيب أخرجناهم أو صفة لمقام كريم أي من مقام كريم كائن كذلك أو ~~خبر لمبتدأ محذوف أي الأمر كذلك { وأورثنها بنى ~~إسرءيل } أي ملكناها إياهم على طريقة تمليك مال المورث ~~للوارث كأنهم ملكوها من حين خروج أربابها منها قبل أن يقبضوها ~~ويتسلموها { فأتبعوهم } أي فلحقوهم، وقرىء فاتبعوهم { ~~مشرقين } داخلين في وقت شروق الشمس أي طلوعها. # { فلما تراءا الجمعان } تقاربا بحيث رأى كل واحد منهما ~~الآخر وقرىء تراءت الفئتان { قال أصحب موسى إنا ~~لمدركون } جاءوا بالجملة الاسمية مؤكدة بحرفي التأكيد ~~للدلالة على تحقق الإدراك واللحاق وتنجزهما. وقرىء لمدركون ~~بتشديد الدال من ادراك الشيء إذا تتابع ففني أي لمتتابعون في ~~الهلاك على أيديهم. # { قال كلا } ارتدعوا عن ذلك فإنهم لا يدركونكم { إن ~~معى ربى } بالنصرة والهداية. { سيهدين } ألبتة إلى طريق ~~النجاة منهم بالكلية. روي أن يوشع عليه السلام قال يا ~~كليم الله أين أمرت فقد غشينا فرعون والبحر أمامنا قال عليه ~~السلام ههنا فخاض يوشع عليه السلام الماء وضرب موسى عليه ~~السلام بعصاه البحر فكان ما كان. وروي أن مؤمنا من آل فرعون ~~كان بين يدي موسى عليه السلام فقال أين أمرت فهذا البحر ~~أمامك وقد غشيك آل فرعون قال عليه السلام أمرت بالبحر ولعلي ~~أومر بما أصنع فأمر بما أمر به. وذلك قوله تعالى { فأوحينا ~~إلى موسى أن اضرب بعصاك البحر } القلزم أو النيل { ~~فانفلق } الفاء فصيحة أي فضرب فانفلق فصار اثني عشر فرقا ms2461 بعدد ~~الأسباط بينهن مسالك { فكان كل فرق } حاصل بالانفلاق { ~~كالطود العظيم } كالجبل المنيف الثابت مقره فدخلوا في ~~شعابها، كل سبط في شعب منها. # { وأزلفنا } أي قربنا { ثم الآخرين } أي فرعون وقومه ~~حتى دخلوا على أثرهم مداخلهم. # { وأنجينا موسى ومن معه أجمعين } بحفظ البحر على ~~تلك الهيئة إلى أن عبروا إلى البر. ### || [26.66-68] # { ثم أغرقنا الآخرين } بإطباقه عليهم. # { إن في ذلك } أي في جميع ما فصل مما صدر عن موسى عليه ~~السلام وظهر على يديه من المعجزات القاهرة ومما فعل فرعون ~~وقومه من الأقوال والأفعال وما فعل بهم من العذاب والنكال. وما في ~~اسم الإشارة من معنى البعد لتهويل أمر المشار إليه وتفظيعه كتنكير ~~الآية في قوله تعالى { لآية } أي أية آية أو أية عظيمة لا تكاد ~~توصف موجبة لأن يعتبر بها المعتبرون ويقيسوا شأن النبي عليه ~~الصلاة والسلام بشأن موسى عليه السلام وحال أنفسهم بحال ~~أولئك المهلكين ويجتنبوا تعاطي ما كانوا يتعاطونه من الكفر ~~والمعاصي ومخالفة الرسول ويؤمنوا بالله تعالى ويطيعوا رسوله ~~كيلا يحل بهم مثل ما حل بأولئك أو إن فيما فصل من القصة من ~~حيث حكايته عليه الصلاة والسلام إياها على ما هي عليه من غير ~~أن يسمعها من أحد لآية عظيمة دالة على أن ذلك بطريق الوحي ~~الصادق موجبة للإيمان بالله تعالى وحده وطاعة رسوله عليه ~~الصلاة والسلام { وما كان أكثرهم } أي أكثر هؤلاء ~~الذين سمعوا قصتهم منه عليه الصلاة والسلام { مؤمنين } ~~لا بأن يقيسوا شأنه بشأن موسى عليهما السلام وحال أنفسهم بحال ~~أولئك المكذبين المهلكين ولا بأن يتدبروا في حكايته عليه ~~الصلاة والسلام لقصتهم من غير أن يسمعها من أحد مع كون كل من ~~الطريقين مما يؤدي إلى الإيمان قطعا، ومعنى ما كان أكثرهم ~~مؤمنين على أن كان زائدة كما هو رأي سيبويه فيكون كقوله تعالى: # وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين # [سورة يوسف: الآية 103] وهو إخبار منه تعالى بما سيكون من المشركين ~~بعدما سمعوا الآيات الناطقة بالقصة تقريرا لما مر من قوله ~~تعالى: # ما يأتيهم ms2462 من ذكر من الرحمن محدث إلا كانوا ~~عنه معرضين فقد كذبوا # [سورة الشعراء: الآية 5] الخ وإيثار الجملة الاسمية للدلالة على ~~استقرارهم على عدم الإيمان واستمرارهم عليه ويجوز أن يجعل كان بمعنى ~~صار كما فعل ذلك في قوله تعالى: # وكان من الكفرين # [سورة ص: الآية 74] فالمعنى وما صار أكثرهم مؤمنين مع ما سمعوا من ~~الآية العظيمة الموجبة له بما ذكر من الطريقين فيكون الإخبار بعدم ~~الصيرورة قبل الحدوث للدلالة على كمال تحققه وتقرره كقوله ~~تعالى: # أتى أمر الله # [سورة النحل: الآية 1] الآية. # { وإن ربك لهو العزيز } الغالب على كل ما يريده من ~~الأمور التي من جملتها الانتقام من المكذبين. { الرحيم } ~~المبالغ في الرحمة ولذلك يمهلهم ولا يعجل عقوبتهم بعدم إيمانهم ~~بعد مشاهدة هذه الآية العظيمة بطريق الوحي مع كمال استحقاقهم لذلك. ~~هذا هو الذي يقتضيه جزالة النظم الكريم من مطلع السورة الكريمة ~~إلى آخر القصص السبع بل إلى آخر السورة الكريمة اقتضاء ببنا لا ~~ريب فيه وأما ما قيل من أن ضمير أكثرهم لأهل عصر فرعون من ~~القبط وغيرهم وأن المعنى وما كان أكثر أهل مصر مؤمنين حيث لم يؤمن ~~منهم إلا آسية وحزقيل ومريم ابنة ياموشا التي دلت على تابوت ~~يوسف عليه السلام. # وبنو إسرائيل بعد ما نجوا سألوا بقرة يعبدونها واتخذوا العجل ~~وقالوا لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة فبمعزل من التحقيق كيف لا ~~ومساق كل قصة من القصص الواردة في السورة الكريمة سوى قصة ~~إبراهيم عليه السلام إنما هو لبيان حال طائفة معينة قد عتوا ~~عن أمر ربهم وعصوا رسله عليهم الصلاة والسلام كما يفصح عنه ~~تصدير القصص بتكذيبهم المرسلين بعد ما شاهدوا بأيديهم من الآيات ~~العظام ما يوجب عليهم الإيمان ويزجرهم عن الكفر والعصيان وأصروا ~~على ما هم عليه من التكذيب فعاقبهم الله تعالى لذلك بالعقوبة ~~الدنيوية وقطع دابرهم بالكلية فكيف يمكن أن يخبر عنهم بعدم ~~إيمان أكثرهم لاسيما بعد الإخبار بإهلاكهم وعد المؤمنين من جملتهم ~~أولا وإخراجهم منها آخرا مع عدم مشاركتهم لهم في شيء ms2463 مما حكي عنهم ~~من الجنايات أصلا مما يوجب تنزيه التنزيل عن أمثاله فتدبر. ### || [26.69-72] # { واتل عليهم } عطف على المضمر المقدر عاملا لإذ نادى الخ ~~أي واتل على المشركين { نبأ إبرهيم } أي خبره العظيم الشأن ~~حسبما أوحي إليك لتقف على ما ذكر من عدم إيمانهم بما يأتيهم من ~~الآيات بأحد الطريقين { إذ قال } منصوب إما على الظرفية للنبأ ~~أي نبأه وقت قوله { لأبيه وقومه } أي على المفعولية لاتل على ~~أنه بدل من نبأ أي واتل عليهم وقت قوله لهم { ما تعبدون } على ~~أن المتلو ما قاله لهم في ذلك الوقت سألهم عليه الصلاة والسلام ~~عن ذلك ليبني على جوابهم أن ما يعبدونه بمعزول من استحقاق ~~العبادة بالكلية. # { قالوا نعبد أصناما فنظل لها عكفين } لم ~~يقتصروا على الجواب الكافي بأن يقولوا أصناما كما في قوله تعالى: # يسئلونك ماذا ينفقون قل العفو # [سورة البقرة: الآية 219] وقوله تعالى: # ماذا أنزل ربكم قالوا خيرا # [سورة النحل: الآية 30] ونظائرهما، بل أطنبوا فيه بإظهار الفعل. وعطف ~~دوام عكوفهم على أصنامهم قصدا إلى إبراز ما في نفوسهم الخبيثة من ~~الابتهاج والافتخار بذلك، والمراد بالظلول الدوام وقيل: كانوا ~~يعبدونها بالنهار دون الليل، وصلة العكوف كلمة على. وإيراد ~~اللام لإفادة معنى زائد كأنهم قالوا فنظل لأجلها مقبلين على ~~عبادتها أو مستديرين حولها وهذا أيضا من جملة إطنابهم. # { قال } استئناف مبني على سؤال نشأ من تفصيل جوابهم { هل ~~يسمعونكم } أي هل يسمعون دعاءكم على حذف المضاف أو يسمعونكم ~~تدعون كقولك سمعت زيدا يقول كيت وكيت فخذف لدلالة قوله تعالى: { ~~إذ تدعون } عليه. وقرىء هل يسمعونكم من الإسماع أي هل يسمعونكم ~~شيئا من الأشياء أو الجواب عن دعائكم وهل يقدرون على ذلك. وصيغة ~~المضارع من إذ على حكاية الحال الماضية لاستحضار صورتها كأنه قيل ~~لهم: استحضروا الأحوال الماضية التي كنتم تدعونها فيها وأجيبوا هل ~~سمعوا أو أسمعوا قط. ### || [26.73-78] # { أو ينفعونكم } بسبب عبادتكم لها { أو يضرون } أي ~~يضرونكم بترككم لعبادتها إذ لا بد للعبادة لا سيما عند كونها على ~~ما وصفتم من ms2464 المبالغة فيها من جلب نفع أو دفع ضر. # { قالوا بل وجدنا ءاباءنا كذلك يفعلون } اعترفوا ~~بأنها بمعزل مما ذكر من السمع والمنفعة والمضرة بالمرة ~~واضطروا إلى إظهار أن لا سند لهم سوى التقليد أي ما علمنا أو ما ~~رأينا منهم ما ذكر من الأمور بل وجدنا آباءنا كذلك يفعلون أي مثل ~~عبادتنا يعبدون فاقتدينا بهم. # { قال أفرءيتم ما كنتم تعبدون } أي أنظرتم فأبصرتم ~~أو أتأملتم فعلمتم ما كنتم تعبدونه. # { أنتم وءاباؤكم الأقدمون } حق الإبصار أو حق العلم. # وقوله: { فإنهم عدو لى } بيان لحال ما يعبدونه بعد ~~التنبيه على عدم علمهم بذلك أي فاعلموا أنهم أعداء لعابديهم ~~الذين يحبونهم كحب الله تعالى لما أنهم يتضررون من جهتهم فوق ما ~~يتضرر الرجل من جهة عدوه، أو لأن من يغريهم على عبادتهم ~~ويحملهم عليها هو الشيطان الذي هو أعدى عدو الإنسان لكنه عليه ~~الصلاة والسلام صور الأمر في نفسه تعريضا بهم فإنه أنفع في ~~النصيحة من التصريح وإشعارا بأنها نصيحة بدأ بها نفسه ليكون أدعى ~~إلى القبول. والعدو والصديق يجيئان في معنى الواحد والجمع. ~~ومنه قوله تعالى: # وهم لكم عدو # [سورة الكهف: الآية 50] شبها بالمصادر للموازنة كالقبول والولوع ~~والحنين والصهيل { إلا رب العلمين } استثناء منقطع أي ~~لكن رب العالمين ليس كذلك بل هو ولي في الدنيا والآخرة لا يزال ~~يتفضل علي بمنافعهما حسبما يعرب عنه ما وصفه تعالى به من أحكام ~~الولاية، وقيل متصل، وهو قول الزجاج على أن الضمير لكل ~~معبود وكان من آبائهم من عبد الله تعالى. # وقوله تعالى: { الذى خلقنى } صفة لرب العالمين. وجعله ~~مبتدأ وما بعده خبرا غير حقيق بجزالة التنزيل وإنما وصفه ~~تعالى بذلك وبما عطفه عليه مع اندراج الكل تحت ربوبيته تعالى ~~للعالمين تصريحا بالنعم الخاصة به عليه الصلاة والسلام ~~وتفصيلا لها لكونها أدخل في اقتضاء تخصيص العبادة به تعالى وقصر ~~الالتجاء في جلب المنافع الدينية والدنيوية ودفع المضار ~~العاجلة والآجلة عليه تعالى. { فهو يهدين } أي هو يهديني وحده ~~إلى كل ما يهمني ويصلحني من أمور الدين ms2465 والدنيا هداية متصلة ~~بحين الخلق ونفخ الروح متجددة على الاستمرار كما ينبىء عنه الفاء ~~وصيغة المضارع، فإنه تعالى يهدي كل ما خلقه لما خلق له من أمور ~~المعاش والمعاد هداية متدرجة من مبدأ إيجاده إلى منتهى أجله يتمكن ~~بها من جلب منافعه ودفع مضاره إما طبعا وإما اختيارا مبدؤها ~~بالنسبة إلى الإنسان هداية الجنين لامتصاص دم الطمث ومنتهاها ~~الهداية إلى طريق الجنة والتنعم بنعيمها المقيم. ### || [26.79-82] # { والذى هو يطعمنى ويسقين } عطف على الصفة الأولى ~~وتكرير الموصول في المواقع الثلاثة مع كفاية عطف ما وقع في حيز ~~الصلة من الجمل الست على صلة الموصول الأول للإيذان بأن كل ~~واحدة من تلك الصلات نعت جليل له تعالى مستقل في استيجاب الحكم ~~حقيق بأن تجري عليه تعالى بحيالها ولا تجعل من روادف غيرها. # { وإذا مرضت فهو يشفين } عطف على يطعمني ويسقين نظم ~~معهما في سلك الصلة لموصول واحد لما أن الصحة والمرض من ~~متفرعات الأكل والشرب غالبا ونسبة المرض إلى نفسه والشفاء إلى ~~الله تعالى مع أنهما منه تعالى لمراعاة حسن الأدب كما قال الخضر ~~عليه السلام: # فأردت أن أعيبها # [سورة الكهف: الآية 79] وقال: # فأراد ربك أن يبلغا أشدهما # [سورة الكهف: الآية 82] وأما الإماتة فحيث كانت من معظم خصائصه تعالى ~~كالإحياء بدءا وإعادة وقد نيطت أمور الآخرة جميعا بها وبما ~~بعدها من البعث نظمهما في سمط واحد في قوله تعالى: { والذى ~~يميتنى ثم يحيين } على أن الموت لكونه ذريعة إلى نيله ~~عليه الصلاة والسلام للحياة الأبدية بمعزل من أن يكون غير مطبوع ~~عنده عليه الصلاة والسلام. # { والذى أطمع أن يغفر لي خطيئتى يوم الدين } ~~ذكره عليه الصلاة والسلام هضما لنفسه وتعليما للأمة أن ~~يجتنبوا المعاصي ويكونوا على حذر وطلب مغفرة لما يفرط منهم ~~وتلافيا لما عسى يندر منه عليه الصلاة والسلام من الصغائر ~~وتنبيها لأبيه وقومه على أن يتأملوا في أمرهم فيقفوا على أنهم ~~من سوء الحال في درجة لا يقادر قدرها فإن حاله عليه الصلاة ~~والسلام مع كونه في طاعة الله تعالى ms2466 وعبادته في الغاية القاصية حيث ~~كانت بتلك المثابة فما ظنك بحال أولئك المغمورين في الكفر وفنون ~~المعاصي والخطايا. وحمل الخطيئة على كلماته الثلاث إني سقيم بل ~~فعله كبيرهم وقوله لسارة هي أختي مما لا سبيل إليه لأنها مع ~~كونها معاريض لامن قبيل الخطايا المفتقرة إلى الاستغفار إنما صدرت ~~عنه عليه الصلاة والسلام بعد هذه المقاولة الجارية بينه وبين ~~قومه أما الثالثة فظاهرة لوقوعها بعد مهاجرته عليه الصلاة ~~والسلام إلى الشأم وأما الأوليان فلأنهما وقعتا مكتنفتين بكسر ~~الأصنام ومن البين أن جريان هذه المقالات فيما بينهم كان في ~~مبادىء الأمر، وتعليق مغفرة الخطيئة بيوم الدين مع أنها ~~إنما تغفر في الدنيا لأن أثرها يؤمئذ يتبين ولأن في ذلك ~~تهويلا له وإشارة إلى وقوع الجزاء فيه إن لم تغفر. ### || [26.83-88] # { رب هب لى حكما } بعد ما ذكر عليه الصلاة والسلام لهم ~~فنون الألطاف الفائضة عليه من الله عز وجل من مبدأ خلقه إلى ~~يوم بعثه حمله ذلك على مناجاته تعالى ودعائه لربط العتيد وجلب ~~المزيد والحكم الحكمة التي هي الكمال في العلم والعمل بحيث يتمكن ~~به من خلافة الحق ورياسة الخلق { وألحقنى بالصلحين } ~~ووفقني من العلوم والأعمال والملكات لما يرشحني للانتظام في ~~زمرة الكاملين الراسخين في الصلاح المنزهين عن كبائر ~~الذنوب وصغائرها أو اجمع بيني وبينهم في الجنة ولقد أجابه ~~تعالى حيث قال: # وإنه في الأخرة لمن الصلحين # [سورة البقرة: الآية 130] { واجعل لي لسان صدق في ~~الأخرين } أي جاها وحسن صيت في الدنيا بحيث يبقى أثره إلى يوم ~~الدين ولذلك لا ترى أمة من الأمم إلا وهي محبة له ومثنية عليه. ~~أو صادقا من ذريتي يجدد أصل ديني ويدعو الناس إلى ما كنت ~~أدعوهم إليه من التوحيد وهو النبي صلى الله عليه وسلم ولذلك قال ~~عليه الصلاة السلام: أنا دعوة أبي إبراهيم. # { واجعلنى } في الآخرة { من ورثة جنة النعيم } وقد ~~مر معنى الوراثة في سورة مريم. # { واغفر لأبى } بالهداية والتوفيق للإيمان كما يلوح به ~~تعليله بقوله: { إنه كان من الضالين } أي طريق ms2467 الحق وقد ~~مر تحقيق المقام في تفسير سورة التوبة وسورة مريم بما لا مزيد ~~عليه. # { ولا تخزنى } بمعاتبتي على ما فرطت أو بنقص رتبتي عن بعض ~~الوراث أو بتعذيبي لخفاء العاقبة وجواز التعذيب عقلا، كل ~~ذلك مبني على هضم النفس منه عليه الصلاة والسلام أو بتعذيب ~~والدي أو ببعثه من عداد الضالين بعدم توفيقه للإيمان وهو من ~~الخزي بمعنى الهوان أو من الخزاية بمعنى الحياء. { يوم ~~يبعثون } أي الناس كافة والإضمار قبل الذكر لما في عموم ~~البعث من الشهرة الفاشية المغنية عنه وتخصيصه بالضالين مما ~~يخل بتهويل اليوم. # { يوم لا ينفع مال ولا بنون } بدل من يوم يبعثون جيء ~~به تأكيدا للتهويل وتمهيدا لما يعقبه من الاستثناء من أعم ~~المفاعيل أي لا ينفع مال وإن كان مصروفا في الدنيا إلى وجوه ~~البر والخيرات، ولا بنون، وإن كانوا صلحاء مستأهلين للشفاعة ~~أحدا. ### || [26.89-94] # { إلا من أتى الله بقلب سليم } أي عن مرض الكفر ~~والنفاق ضرورة اشتراط نفع كل منهما بالإيمان، وفيه تأييد لكون ~~استغفاره عليه الصلاة والسلام لأبيه طلبا لهدايته إلى الإيمان ~~لاستحالة طلب مغفرته بعد موته كافرا مع علمه عليه الصلاة ~~والسلام بعدم نفعه لأنه من باب الشفاعة وقيل: هو استثناء من ~~فاعل ينفع بتقدير المضاف أي الآمال من أو بنو من أتى الله الآية ~~وقيل: المضاف المحذوف ليس من جنس المستثنى منه حقيقة بل بضرب من ~~الاعتبار كما في قوله: [الوافر] # [وخيل قد دلفت لها بخيل] # تحية بينهم ضرب وجيع # أي إلا حال من أتى الله بقلب سليم على أنها عبارة عن سلامة القلب ~~كأنه قيل: إلا سلامة قلب من أتى الله الآية، وقيل المضاف المحذوف ~~ما دل عليه المال والبنون من الغنى وهو المستثنى منه كأنه قيل: ~~يوم لا ينفع غنى إلا غنى من أتى الله الآية لأن غنى المرء ~~في دينه بسلامة قلبه وقيل: الاستثناء منقطع والمعنى لكن سلامة قلبه ~~تنفعه. # { وأزلفت الجنة للمتقين } عطف على لا ينفع. وصيغة ~~الماضي فيه وفيما بعده من الجمل المنتظمة معه ms2468 في سلك العطف للدلالة ~~على تحقق الوقوع وتقرره كما أن صيغة المضارع في المعطوف عليه ~~للدلالة على استمرار انتفاء النفع ودوامه حسبما يقتضيه مقام ~~التهويل والتفظيع أي قربت الجنة للمتقين عن الكفر والمعاصي ~~بجيث يشاهدونها من الموقف ويقفون على ما فيها من فنون المحاسن ~~فيبتهجون بأنهم المحشورون إليها. # { وبرزت الجحيم للغاوين } الضالين عن طريق الحق ~~الذي هو الإيمان والتقوى أي جعلت بارزة لهم بحيث يرونها مع ما ~~فيها من أنواع الأحوال الهائلة ويوقنون بأنهم مواقعوها ولا يجدون ~~عنها مصرفا { وقيل لهم أين ما كنتم } في الدنيا { ~~تعبدون من دون الله } أي أين آلهتكم الذين كنتم تزعمون في ~~الدنيا أنهم شفعاؤكم في هذا الموقف { هل ينصرونكم } بدفع ~~العذاب عنكم { أو ينتصرون } بدفعه عن أنفسهم، وهذا سؤال تقريع ~~وتبكيت لا يتوقع له جواب ولذلك قيل: { فكبكبوا فيها } أي ~~ألقوا في الجحيم على وجوههم مرة بعد أخرى إلى أن يستقروا في ~~قعرها { هم } أي آلهتهم { والغاوون } الذين كانوا يعبدونهم، وفي ~~تأخير ذكرهم عن ذكر آلهتكم رمز إلى أنهم يؤخرون عنها في الكبكبة ~~ليشاهدوا سوء حالها فيزدادوا غما إلى غمهم. ### || [26.95-99] # { وجنود إبليس } أي شياطينه الذين كانوا يغوونهم ويوسوسون ~~إليهم ويسولون لهم ما هم عليه من عبادة الأصنام وسائر فنون الكفر ~~والمعاصي ليجتمعوا في العذاب حسبما كانوا مجتمعين فيما يوجبه وقيل: ~~متبعوه من عصاة الثقلين والأول هو الوجه { أجمعون } تأكيد ~~للضمير ما عطف عليه وقوله تعالى: # { قالوا } الخ استئناف وقع جوابا عن سؤال نشأ من حكاية حالهم ~~كأنه قيل ماذا قالوا حين فعل بهم ما فعل فقيل قال العبدة { ~~وهم فيها يختصمون } أي قالوا معترفين بخطئهم في انهماكهم في ~~الضلالة متحسرين معيرين لأنفسهم والحال أنهم في الجحيم بصدد ~~الاختصام مع من معهم من المذكورين مخاطبين لمعبوديهم على أن الله ~~تعالى يجعل الأصنام صالحة للاختصام بأن يعطيها القدرة على الفهم ~~والنطق. # { تالله إن كنا لفي ضلل مبين } إن مخففة من ~~الثقيلة قد حذف اسمها الذي هو ضمير الشأن واللام فارقة بينهما ~~وبين النافية أي إن ms2469 الشأن كنا في ضلال واضح لا خفاء فيه ~~ووصفهم له بالوضوح للإشباع في إظهار ندمهم وتحسرهم وبيان عظم خطئهم ~~في رأيهم مع وضوح الحق كما ينبىء عنه تصدير قسمهم بحرف التاء ~~المشعرة بالتعجب. # وقوله تعالى: { إذ نسويكم برب العلمين } ظرف لكونهم ~~في ضلال مبين وقيل لما دل عليه الكلام أي ضللنا وقيل للضلال المذكور ~~وإن كان فيه ضعف صناعي من حيث إن المصدر الموصوف لا يعمل بعد ~~الوصف، وقيل: ظرف لمبين. وصيغة المضارع لاستحضار الصورة الماضية ~~أي تالله لقد كنا في غاية الضلال الفاحش وقت تسويتنا إياكم ~~أيها الأصنام في استحقاق العبادة برب العالمين الذي أنتم أدنى ~~مخلوقاته وأذلهم وأعجزهم. # وقولهم { وما أضلنا إلا المجرمون } بيتم لسبب ضلالهم ~~بعد اعترافهم بصدوره عنهم لكن لا على معنى قصر الإضلال على المجرمين ~~دون من عداهم بل على معنى قصر ضلالهم على كونه بسبب إضلالم من غير ~~أن يستقلوا في تحققه أو يكون بسبب إضلال الغير كأنه قيل: وما ~~صدر عنا ذلك الضلال الفاحش إلا بسبب إضلالهم. والمراد بالمجرمين ~~الذين أضلوهم رؤساؤهم وكبراؤهم، كما في قوله تعالى: # ربنا إنا أطعنا سادتنا وكبراءنا فأضلونا ~~السبيلا # [سورة الأحزاب: الآية 67] وعن السدي رحمه الله: الأولون الذين ~~اقتدوا بهم. وأيا ما كان ففيه أوفر نصيب من التعريض للذين قالوا ~~بل وجدنا آباءنا كذلك يفعلون وعن ابن جريج: إبليس وابن آدم ~~القاتل لأنه أول من سن القتل وأنواع المعاصي. ### || [26.100-103] # { فما لنا من شفعين } كما للمؤمنين من الملائكة ~~والأنبياء عليهم الصلاة والسلام. # { ولا صديق حميم } كما نرى لهم أصدقاء أو فما لنا من شافعين ~~ولا صديق حميم من الذين كنا نعدهم شفعاء وأصدقاء على أن ~~عدمهما كناية عن عداوتهما كما أن عدم المحبة في مثل قوله تعالى: # والله لا يحب الفساد # [سورة البقرة: الآية 205] كناية عن البغض حسبما ينبىء عنه قوله ~~تعالى: # الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين # [سورة الزخرف: الآية 67] أو وقعنا في مهلكة لا يخلصتا منها شافع ولا ~~صديق على أن المراد بعدمهما عدم أثرهما. ms2470 وجمع الشافع لكثرة ~~الشفعاء عادة كما أن إفراد الصديق لقلته أو لصحة إطلاقه ~~على الجمع كالعدو تشبيها لهما بالمصادر كالحنين والقبول وكلمة ~~لو في قوله تعالى: { فلو أن لنا كرة } للتمني كليت لما ~~أن بين معنييهما تلاقيا في معنى الفرض والتقدير كأنه قيل ~~فليت لنا كرة أي رجعة إلى الدنيا وقيل: هي علي أصلها من الشرط ~~وجوابه محذوف كأنه قيل فلو أن لنا كرة لفعلنا من الخيرات كيت ~~وكيت ويأباه قوله تعالى: { فنكون من المؤمنين } لتحتم ~~كونه جوابا للتمني مفيدا لترتب إيمانهم على وقوع الكرة ~~ألبتة بلا تخلف كم هو مقتضى حالهم، وعطفه على كرة على طريقة ~~[الوافر] # للبس عباءة وتقر عيني # [أحب إلي من لبس الشفوف] # كما يستدعيه كون لو على أصلها إنما يفيد تحقق مضمون الجواب على ~~تقدير تحقق كرتهم وإيمانهم معا من غير دلالة على استلزام الكرة ~~للإيمان أصلا مع أنه المقصود حتما. # { إن فى ذلك } أي فيما ذكر من نبأ إبراهيم عليه السلام ~~المشتمل على بيان بطلان ما كان عليه أهل مكة من عبادة الأصنام، ~~وتفصيل ما يؤول إليه أمر عبدتها يوم القيامة من اعترافهم بخطئهم ~~الفاحش وندمهم وتحسرهم على ما فاتهم من الإيمان وتمنيهم الرجعة ~~إلى الدنيا ليكونوا من المؤمنين عند مشاهدتهم لما أزلفت لهم جنات ~~النعيم وبرزت لأنفسهم الجحيم وغشيهم ما غشيهم من ألوان العذاب ~~وأنواع العقاب { لآية } أي آية عظيمة لا يقادر قدرها موجبة على ~~عبدة الأصنام كافة لا سيما على أهل مكة الذين يدعون أنهم ~~على ملة إبراهيم عليه الصلاة والسلام أن يجتنبوا كل ~~الاجتناب ما كانوا عليه من عبادتها خوفا أن يحيق بهم مثل العذاب ~~بحكم الاشتراك فيما يوجبه أو أن في ذكر نبئة وتلاوته عليهم على ما هو ~~عليه من غير أن تسمعه من أحد لآية عظيمة دالة على أن ما تتلوه ~~عليهم وحي صادق نازل من جهة الله تعالى موجبة للإيمان به قطعا { ~~وما كان أكثرهم مؤمنين } أكثر هؤلاء الذين تتلو عليهم ~~النبأ مؤمنين بل هم مصرون على ما ms2471 كانوا عليه من الكفر والضلال، ~~وأما أن ضمير أكثرهم لقوم إبراهيم عليه السلام كما توهموا ~~فمما لا سبيل إليه أصلا لظهور أنهم ما ازدادوا بما سمعوا منه عليه ~~الصلاة والسلام إلا طغيانا وكفرا حتى اجترأوا على تلك ~~العظيمة التي فعلوها به عليه الصلاة والسلام فكيف يعبر عنهم ~~بعدم إيمان أكثرهم وإنما آمن له لوط فنجاهما الله عز وجل إلى ~~الشام وقد مر بقية الكلام في آخر قصة موسى عليه السلام. ### || [26.104-111] # { وإن ربك لهو العزيز الرحيم } أي هو القادر على ~~تعجيل العقوبة لقومك ولكنه يمهلهم بحكم رحمته الواسعة ليؤمن ~~بعض منهم أو من ذرياتهم. # { كذبت قوم نوح المرسلين } القوم مؤنث ولذلك يصغر ~~على قويمة، وقيل القوم بمعنى الأمة وتكذيبهم للمرسلين إما ~~باعتبار إجماع الكل على التوحيد وأصول الشرائع التي لا تختلف ~~باختلاف الأزمنة والأعصار، وإما لأن المراد بالجمع الواحد كما ~~يقال فلان يركب الدواب ويلبس البرود وما له إلا دبة وبرودة وإذ ~~في قوله تعالى { إذ قال لهم } ظرف للتكذيب على أنه عبارة ~~عن زمان مديد وقع فيه ما وقع من الجانبين إلى تمام الأمر كما أن ~~تكذيبهم عبارة عما صدر عنهم من حين ابتداء دعوته عليه الصلاة ~~والسلام إلى انتهائها { أخوهم } أي نسيبهم { نوح ألا ~~تتقون } الله حيث تعبدون غيره. # { إني لكم رسول } من جهته تعالى { أمين } مشهور بالأمانة ~~فيما بينكم. # { فاتقوا الله وأطيعون } فيما آمركم به من التوحيد ~~والطاعة لله تعالى. # { وما أسئلكم عليه } أي على ما أنا متصد له من الدعاء ~~والنصح { من أجر } أصلا { إن أجرى } فيما أتولاه { ~~إلا على رب العلمين } والفاء في قوله تعالى: { ~~فاتقوا الله وأطيعون } لترتيب ما بعدها على ما قبلها من ~~تنرهه عليه الصلاة والسلام عن الطمع كما أن نظيرتها ~~السابقة لترتيب ما بعدها على أمانته والتكرير للتأكيد ~~والتنبيه على أن كلا منهما مستقل في إيجاب التقوى والطاعة ~~فكيف إذا اجتمعا. وقرىء إن أجري بسكون الياء. # { قالوا أنؤمن لك واتبعك الأرذلون } أي الأقلون ~~جاها ومالا جمع الأرذل على الصحة فإنه بالغلبة ms2472 صار جاريا مجرى ~~الاسم كالأكبر والأكابر وقيل: جمع أرذل جمع رذل كأكالب وأكلب ~~وكلب وقرىء وأتباعك وهو جمع تابع كشاهد وأشهاد أو جمع تبع ~~كبطل وأبطال يعنون أنه لا عبرة باتباعهم لك إذ ليس لهم رزانة ~~عقل ولا إصابة رأي وقد كان ذلك منهم في بادىء الرأي كما ذكر في ~~موضع آخر، وهذا من كمال سخافة عقولهم وقصرهم أنظارهم على حطام ~~الدنيا وكون الأشرف عندهم من هو أكثر منها حظا، والأرذل من ~~حرمها، وجهلهم بأنها لا تزن عند الله تعالى جناح بعوضة وأن ~~النعيم هو نعيم الآخرة والأشرف من فاز به والأرذل من حرمه. ### || [26.112-118] # { قال وما علمى بما كانوا يعملون } جواب عما أشير ~~إليه من قولهم إنهم لم يؤمنوا عن نظر وبصيرة أي وما وظيفتي إلا ~~اعتبار الظواهر وبناء الأحكام عليها دون التفتيش عن بواطنهم ~~والشق عن قلوبهم. # { إن حسابهم } أي ما محاسبة أعمالهم والتنقير عن ~~كيفياتها البارزة والكامنة. { إلا على ربى } فإنه ~~المطلع على السرائر والضمائر { لو تشعرون } أي بشيء من ~~الأشياء أو لو كنتم من أهل الشعور لعلمتم ذلك ولكنكم لستم كذلك ~~فتقولون ما تقولون. # { وما أنا بطارد المؤمنين } جواب عما أوهمه كلامهم ~~من استدعاء طردهم وتعليق إيمانهم بذلك حيث جعلوا اتباعهم مانعا ~~عنه. # وقوله: { إن أنا إلا نذير مبين } كالعلة أي ما أنا ~~رسول مبعوث لإنذار المكلفين وزجرهم عن الكفر والمعاصي سواء كانوا ~~من الأعزاء أو الأذلاء فكيف يتسنى لي طرد الفقراء لاستتباع ~~الأغنياء، أو ما علي إلا إنذاركم بالبرهان الواضح وقد فعلته وما ~~علي استرضاء بعضكم بطرد الآخرين. # { قالوا لئن لم تنته ينوح } عما تقول { لتكونن ~~من المرجومين } من المشتومين أو المرميين بالحجارة قالوه ~~قاتلهم الله تعالى في أواخر الأمر. # ومعنى قوله تعالى: { قال رب إن قومى كذبون } تموا على ~~تكديبي وأصروا على ذلك بعد ما دعوتهم هذه الأزمنة المتطاولة ولم ~~يزدهم دعائي إلا فرارا كما يعرب عنه دعاؤه بقوله { فافتح ~~بينى وبينهم فتحا } أي أحكم بيننا بما يستحقه كل واحد ~~منا وهذه حكاية إجمالية ms2473 لدعائه المفصل في سورة نوح عليه ~~السلام { ونجنى ومن معى من المؤمنين } أي من قصدهم ~~أو من شؤم أعمالهم. ### || [26.119-128] # { فأنجينه ومن معه } حسب دعائه { فى الفلك ~~المشحون } أي المملوء بهم وبما لا بد لهم منه. # { ثم أغرقنا بعد } أي بعد إنجائهم { البقين } أي من ~~قومه. # { إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين * ~~وإن ربك لهو العزيز الرحيم } الكلام فيه كالذي مر ~~خلا أن حمل: (أكثرهم) على قوم نوح أبعد من السداد وأبعد. # { كذبت عاد المرسلين } أنث عاد باعتبار القبيلة وهو ~~اسم أبيهم الأقصى. # { إذ قال لهم أخوهم هود ألا تتقون } الكلام في أن ~~المراد بتكذيبهم وبما وقع فيه من الزمان ماذا كما مر في صدر قصة ~~نوح عليه السلام أي لا تتقون الله تعالى فتفعلون ما تفعلون. # { إني لكم رسول أمين فاتقوا الله وأطيعون ~~وما أسئلكم عليه من أجر إن أجرى إلا على ~~رب العلمين } الكلام فيه كالذي مر، وتصدير القصص به ~~للتنبيه على أن مبنى البعثة هو الدعاء إلى معرفة الحق ~~والطاعة فيما يقرب المدعو إلى الثواب ويبعده من العقاب وأن ~~الأنبياء عليهم الصلاة والسلام مجمعون على ذلك وإن اختلفوا في ~~بعض فروع الشرائع المختلفة باختلاف الأزمنة والأعصار وأنهم ~~متنزهون عن المطامع الدنية والأعراض الدنيوية بالكلية. # { أتبنون بكل ريع } أي مكان مرتفع ومنه ريع الأرض ~~لارتفاعها { ءاية } علما للمارة { تعبثون } أي ببنائها إذ ~~كانوا يهتدون بالنجوم في أسفارهم فلا يحتاجون إليها أو بروج الحمام ~~أو بنيانا يجتمعون إليه ليعبثوا بمن مر عليهم أو قصورا عالية ~~يفتخرون بها. ### || [26.129-137] # { وتتخذون مصانع } أي مآخذ الماء وقيل: قصورا مشيدة ~~وحصونا { لعلكم تخلدون } أي راجين أن تخلدوا في الدنيا ~~أي عاملين عمل من يرجو ذلك فلذلك تحكمون بنيانها. # { وإذا بطشتم } بسوط أو سيف { بطشتم جبارين } ~~متسلطين غاشمين بلا رأفة ولا قصد تأديب ولا نظر في العاقبة. # { فاتقوا الله } واتركوا هذه الأفعال { وأطيعون } فيما ~~أدعوكم إليه فإنه أنفع لكم. # { واتقوا الذى أمدكم بما تعلمون } من أنواع ~~النعماء وأصناف الآلاء، أجملها أولا ثم ms2474 فصلها بقوله { ~~أمدكم بأنعم وبنين } بإعادة الفعل لزيادة التقرير ~~فإن التفصيل بعد الإجمال والتفسير إثر الإبهام أدخل في ذلك. # { وجنت وعيون * إنى أخاف عليكم } إن لم تقوموا ~~بشكر هذه النعم { عذاب يوم عظيم } في الدنيا والآخرة ~~فإن كفران النعمة مستتبع للعذاب كما أن شكرها مستلزم ~~لزيادتها قال تعالى: # لئن شكرتم لأزيدنكم ولئن كفرتم إن عذابى ~~لشديد # [سورة إبراهيم: الآية 7] { قالوا سواء علينا أوعظت أم ~~لم تكن من الوعظين } فإنا لن نرعوي عما نحن عليه، ~~وتغيير الشق الثاني عن مقابله للمبالغة في بيان قلة ~~اعتدادهم بوعظه كأنهم قالوا أم لم تكن من أهل الوعظ ومباشريه ~~أصلا. # { إن هذا } ما هذا الذي جئتنا به { إلا خلق الأولين } ~~أي عاداتهم كانوا يلفقون مثله ويسطرونه أو ما هذا الذي نحن عليه من ~~الدين إلا خلق الأولين وعادتهم ونحن بهم مقتدون أو ما هذا الذي نحن ~~عليه من الموت والحياة إلا عادة قديمة لم يزل الناس عليها. وقرىء ~~خلق الأولين بفتح الخاء أي اختلاف الأولين كما قالوا أساطير ~~الأولين أو ما خلقنا هذا إلا خلقهم نحيا كما حيوا ونموت كما ماتوا ~~ولا بعث ولا حساب. ### || [26.138-149] # { وما نحن بمعذبين } على ما نحن عليه من الأعمال. # { فكذبوه } أي أصروا على ذلك { فأهلكنهم } بسببه ~~بريح صرصر { إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم ~~مؤمنين * وإن ربك لهو العزيز الرحيم }. # { كذبت ثمود المرسلين * إذ قال لهم أخوهم ~~صلح ألا تتقون } الله تعالى { إني لكم رسول أمين ~~* فاتقوا الله وأطيعون * ومآ أسألكم عليه من ~~أجر إن أجري إلا على رب العالمين * أتتركون ~~في ما هاهنآ آمنين } إنكار ونفي لأن يتركوا فيما هم فيه من ~~النعمة أو تذكير للنعمة في تخليته تعالى إياهم وأسباب تنعمهم ~~آمنين وقوله تعالى: { فى جنت وعيون * وزروع ونخل ~~طلعها هضيم } تفسير لما قبله من المبهم، والهضيم اللطيف ~~اللين للطف الثمر أو لأن النخل أنثى وطلع الإناث ألطف وهو ما ~~يطلع منها كنصل السيف في جوفه شماريخ القنو أو متدل متكسر من ~~كثرة الحمل، وإفراد النخل ms2475 لفصله على سائر أشجار الجنات أو لأن ~~المراد بها غيرها من الأشجار. # { وتنحتون من الجبال بيوتا فرهين } بطرين أو ~~حاذقين من الفراهة وهي النشاط فإن الحاذق يعمل بنشاط وطيب ~~قلب. وقرىء فرهين وهو أبلغ. ### || [26.150-159] # { فاتقوا الله وأطيعون * ولا تطيعوا أمر ~~المسرفين } استعير الطاعة التي هي انقياد الأمر لامتثال الأمر ~~وارتسامه أو نسب حكم الأمر إلى أمره مجازا. # { الذين يفسدون في الأرض } وصف موضح لإسرافهم ولذلك عطف ~~{ ولا يصلحون } على يفسدون لبيان خلوص إفسادهم عن مخالطة ~~الإصلاح. # { قالوا إنما أنت من المسحرين } أي الذين سحروا ~~حتى غلب على عقولهم أو من ذوي السحر أي الرئة أي من الإنس ~~فيكون قوله تعالى: { ما أنت إلا بشر مثلنا } تأكيدا له { ~~فأت بئاية إن كنت من الصدقين } أي في دعواك. # { قال هذه ناقة } أي بعدما أخرجها الله تعالى من الصخرة ~~بدعائه عليه الصلاة والسلام حسبما مر تفصيله في سورة الأعراف ~~وسورة هود { لها شرب } أي نصيب من الماء كالسقي والقيت ~~للحظ من السقي والقوت وقرىء بالضم { ولكم شرب يوم ~~معلوم } فاقتنعوا بشربكم ولا تزاحموا على شربها. # { ولا تمسوها بسوء } كضرب وعقر { فيأخذكم عذاب ~~يوم عظيم } وصف اليوم بالعظم لعظم ما يحل فيه وهو أبلغ من ~~تعظيم العذاب. # { فعقروها } أسند العقر إلى كلهم لما أن عاقرها عقرها ~~برأيهم ولذلك عمهم العذاب { فأصبحوا ندمين } خوفا من ~~حلول العذاب لا توبة أو عند معاينتهم لمباديه ولذلك لم ينفعهم ~~الندم وإن كان بطريق التوبة. # { فأخذهم العذاب } أي العذاب الموعود { إن في ذلك ~~لآية وما كان أكثرهم مؤمنين * وإن ربك لهو ~~العزيز الرحيم } قيل: في نفي الإيمان عن أكثرهم في هذا المعرض ~~إيماء إلى أنه لو آمن أكثرهم أو شطرهم لما أخذوا بالعذاب وأن ~~قريشا إنما عصموا من مثله ببركة من آمن منهم وأنت خبير بأن ~~قريشا هم المشهورون بعدم إيمان أكثرهم. ### || [26.160-169] # { كذبت قوم لوط المرسلين * إذ قال لهم أخوهم ~~لوط ألا تتقون إني لكم رسول أمين فاتقوا ~~الله وأطيعون وما أسئلكم عليه من أجر إن ~~أجرى ms2476 إلا على رب العلمين * أتأتون الذكران ~~من العلمين } أي أتأتون من بين من عداكم من العالمين ~~الذاكران لا يشارككم فيه غيركم أو أتأتون الذكران من أولاد آدم مع ~~كثرتهم وغلبة النساء فيهم مع كونهن أليق بالاستمتاع. فالمراد ~~بالعالمين على الأول كل ما ينكح من الحيوان وعلى الثاني الناس { ~~وتذرون ما خلق لكم ربكم } لأجل استمتاعكم، وكلمة من ~~في قوله تعالى: { من أزوجكم } للبيان إن أريد بها جنس ~~الإناث وهو الظاهر وللتبعيض إن أريد بها العضو المباح منهن ~~تعريضا بأنهم كانوا يفعلون ذلك بنسائهم أيضا { بل أنتم قوم ~~عادون } متعدون متجاوزون الحد في جميع المعاصي وهذا من جملتها ~~وقيل متجاوزون عن حد الشهوة حيث زادوا على سائر الناس بل ~~الحيوانات. # { قالوا لئن لم تنته يلوط } أي عن تقبيح أمرنا أو نهينا ~~عنه أو عن دعوى النبوة التي من جملة أحكامها التعرض لنا { ~~لتكونن من المخرجين } أي من المنفيين من قريتنا وكأنهم ~~كانوا يخرجون من أخرجوه من بينهم على عنف وسوء حال. # { قال إنى لعملكم من القلين } أي من المبغضين غاية ~~البغض كأنه يقلى الفؤاد والكبد لشدته وهو أبلغ من أن يقال ~~إني لعملكم قال لدلالته على أنه عليه الصلاة والسلام من ~~زمرة الراسخين في بغضه المشهورين في قلاه، ولعله عليه الصلاة ~~والسلام أراد إظهار الكراهة في مساكنتهم والرغبة في الخلاص من ~~سوء جوارهم ولذلك أعرض عن محاورتهم وتوجه إلى الله تعالى قائلا { ~~رب نجنى وأهلي مما يعملون } أي من شؤم عملهم ~~وغائلته. ### || [26.170-177] # { فنجينه وأهله أجمعين } أي أهل بيته ومن اتبعه ~~في الدين بإخراجهم من بينهم عند مشارفة حلول العذاب بهم. # { إلا عجوزا } هي امرأة لوط استثنيث من أهله فلا يضره كونها ~~كافرة لأن لها شركة في الأهلية بحق الزواج { فى الغبرين ~~} أي مقدر كونها من الباقين في العذاب لأنها كانت مائلة إلى القوم ~~راضية بفعلهم وقد أصابها الحجر في الطريق فأهلكها كما مر في سورة ~~الحجر وسورة هود، وقيل: كانت فيمن بقي في القرية ولم تخرج مع لوط ~~عليه السلام. ms2477 # { ثم دمرنا الآخرين } أهلكناهم أشد إهلاك وأفظعه. # { وأمطرنا عليهم مطرا } أي مطرا غير معهود قيل: أمطر ~~الله تعالى على شذاذ القوم حجارة فأهلكتهم { فساء مطر ~~المنذرين } اللام فيه للجنس وبه يتسنى وقوع المضاف إليه فاعل ~~ساء والمخصوص بالذم محذوف وهو مطرهم. { إن في ذلك لآية ~~وما كان أكثرهم مؤمنين * وإن ربك لهو ~~العزيز الرحيم }. # { كذب أصحب الأيكة المرسلين } الأيكة الغيضة ~~التي تنبت ناعم الشجر وهي غيضة بقرب مدين يسكنها طائفة وكانوا ~~ممن بعث إليهم شعيب عليه السلام وكان أجنبيا منهم ولذلك قيل: ~~{ إذ قال لهم شعيب ألا تتقون } ولم يقل أخوهم، وقيل: ~~الأيكة الشجر الملتف وكان شجرهم الدوم وهو المقل. وقرىء ~~بحذف الهمزة وإلقاء حركتها على اللام وقرئت كذلك مفتوحة على أنها ~~ليكة وهي اسم بلدهم وإنما كتبت ههنا وفي ص بغير ألف إتباعا ~~للفظ اللافظ. ### || [26.178-187] # { إني لكم رسول أمين فاتقوا الله وأطيعون ~~وما أسئلكم عليه من أجر إن أجرى إلا على ~~رب العلمين * أوفوا الكيل } أي أتموه { ولا ~~تكونوا من المخسرين } أي حقوق الناس بالتطفيف. # { وزنوا } أي الموزونات { بالقسطاس المستقيم } ~~بالميزان السوي وهو إن كان عربيا فإن كان من القسط ففعلاس ~~بتكرير العين وإلا ففعلال وقرىء بضم القاف. # { ولا تبخسوا الناس أشياءهم } أي لا تنقصوا شيئا من ~~حقوقهم أي حق كان وهذا تعميم بعد تخصيص بعض المواد بالذكر لغاية ~~انهماكهم فيها { ولا تعثوا فى الأرض مفسدين } بالقتل ~~والغارة وقطع الطريق. # { واتقوا الذى خلقكم والجبلة الأولين } أي ~~وذوي الجبلة الأولين وهم من تقدمهم من الخلائق. وقرىء بضم ~~الجيم والباء وبكسر الجيم وسكون الباء كالخلقة. # { قالوا إنما أنت من المسحرين * وما أنت إلا ~~بشر مثلنا } إدخال الواو بين الجملتين للدلالة على أن ~~كلا من التسحير والبشرية مناف للرسالة مبالغة في التكذيب { ~~وإن نظنك لمن الكذبين } أي فيما تدعيه من النبوة. # { فأسقط علينا كسفا من السماء } أي قطعا. وقرىء ~~بسكون السين وهو أيضا جمع كسفة وقيل: الكسف والكسفة كالريع ~~والريعة وهي القطعة. والمراد بالسماء إما السحاب أو المظلة، ~~ولعله جواب لما ms2478 أشعر به الأمر بالتقوى من التهديد { إن كنت ~~من الصدقين } في دعواك ولم يكن طلبهم ذلك إلا لتصميمهم على ~~الجحود والتكذيب وإلا لما أخطروه ببالهم فضلا أن يطلبوه. ### || [26.188-192] # { قال ربى أعلم بما تعملون } من الكفر والمعاصي وبما ~~تستحقون بسببه من العذاب فسينزله عليكم في وقته المقدر له لا ~~محالة. # { فكذبوه } أي فتموا على تكذيبه وأصروا عليه { فأخذهم ~~عذاب يوم الظلة } حسبما اقترحوا. أما إن أرادوا ~~بالسماء السحاب فظاهر وأما إن أرادوا الظلة فلأن نزول ~~العذاب من جهتها، وفي إضافة العذاب إلى يوم الظلة دون نفسها ~~إيذان بأن لهم يومئذ عذابا آخر غير عذاب الظلة وذلك بأن سلط ~~الله عليهم الحر سبعة أيام ولياليها فأخذ بأنفسهم لا ينفعهم طل ~~ولا ماء ولا سرب فاضطروا إلى أن خرجوا إلى البرية فأظلتهم ~~سحابة وجدوا لها بردا و نسيما فاجتمعوا تحتها فأمطرت عليهم نارا ~~فاحترقوا جميعا. روي أن شعيبا عليه السلام بعث إلى أمتين ~~أصحاب مدين وأصحاب الأيكة فأهلكت مدين بالصيحة والرجفة ~~وأصحاب الأيكة بعذاب يوم الظلة { إنه كان عذاب يوم ~~عظيم } أي في الشدة والهول وفظاعة ما وقع فيه من الطامة ~~والداهية التامة. # { إن في ذلك لاية وما كان أكثرهم مؤمنين * ~~وإن ربك لهو العزيز الرحيم } هذا آخر القصص ~~السبع التي أوحيت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لصرفه عليه ~~الصلاة والسلام عن الحرص على إسلام قومه وقطع رجائه عنه ودفع ~~تحسره على فواته تحقيقا لمضمون ما مر في مطلع السورة الكريمة ~~من قوله تعالى: # وما يأتيهم من ذكر من الرحمن محدث إلا ~~كانوا عنه معرضين فقد كذبوا # [سورة الشعراء: الآية 5 و 6. وتمامها: {.. فسيأتيهم أنباء ما ~~كانوا به يستهزئون] الآية فإن كل واحدة من هذه القصص ~~ذكر مستقل متجدد النزول قد أتاهم من جهته تعالى بموجب رحمته ~~الواسعة وما كان أكثرهم مؤمنين بعد ما سمعوها على التفصيل قصة ~~بعد قصة لا بأن يتدبروا فيها ويعتبروا بما في كل واحدة منها من ~~الدواعي إلى الإيمان والزواجر عن الكفر والطغيان ولا بأن ms2479 ~~يتأملوا في شأن الآيات الكريمة الناطقة بتلك القصص على ما هي عليه ~~مع علمهم بأنه عليه الصلاة والسلام لم يسمع شيئا منها من أحد ~~أصلا واستمروا على ما كانوا عليه من الكفر والضلال كأن لم ~~يسمعوا شيئا يزجرهم عن ذلك قطعا كما حقق في خاتمة قصة موسى ~~عليه السلام. # { وأنه } أي ما ذكر من الآيات الكريمة الناطقة بالقصص ~~المحكية أو القرآن التي هي من جملته { لتنزيل رب ~~العلمين } أي منزل من جهته تعالى سمي به مبالغة ووصفه تعالى ~~بربوبية العالمين للإيذان بأن تنزيله من أحكام تربيته تعالى ~~ورأفته للكل كقوله تعالى: # وما أرسلنك إلا رحمة للعلمين # [سورة الأنبياء: الآية 107]. ### || [26.193-197] # { نزل به } أي أنزله { الروح الأمين } أي جبريل عليه ~~السلام فإنه أمين وحيه تعالى وموصله إلى أنبيائه عليهم ~~الصلاة والسلام. وقرىء بتشديد الزاي ونصب الروح والأمين، ~~أي جعل الله تعالى الروح الأمين نازلا به. # { على قلبك } أي روحك وإن أريد به العضو فتخصيصه به لأن ~~المعاني الروحانية تنزل أولا على الروح ثم تنتقل منه إلى ~~القلب لما بينهما من التعلق ثم تتصعد إلى الدماغ فينتقش بها ~~لوح المتخيلة { لتكون من المنذرين } متعلق بنزل به أي ~~أنزله لتنذرهم بما في تضاعيفه من العقوبات الهائلة وإيثار ما عليه ~~النظم الكريم للدلالة على انتظامه عليه الصلاة والسلام في ~~سلك أولئك المنذرين المشهورين في حقية الرسالة وتقرر وقوع ~~العذاب المنذر. # { بلسان عربى مبين } واضح المعنى ظاهر المدلول لئلا ~~يبقى لهم عذر ما وهو أيضا متعلق بنزل به، وتأخيره للاعتناء بأمر ~~الإنذار وللإيماء إلى أن مدار كونه من جملة المنذرين المذكورين ~~عليهم السلام مجرد إنزاله عليه الصلاة والسلام لا إنزاله ~~باللسان العربي. وجعله متعلقا بالمنذرين كما جوزه الجمهور ~~يؤدي إلى أن غاية الإنزال كونه عليه الصلاة والسلام من جملة ~~المنذرين باللغة العربية فقط من هود وصالح وشعيب عليهم السلام ولا ~~يخفى فساده، كيف لا والطامة الكبرى في باب الإنذار ما أنذره نوح ~~وموسى عليهما الصلاة والسلام وأشد الزواجر تأثيرا في قلوب ~~المشركين ما أنذره إبراهيم ms2480 عليه السلام لانتمائهم وادعائهم أنهم ~~على ملته عليه الصلاة والسلام. # { وإنه لفى زبر الأولين } أي وإن ذكره أو معناه لفي ~~الكتب المتقدمة فإن أحكامه التي لا تحتمل النسخ والتبديل بحسب ~~تبدل الأعصار من التوحيد وسائر ما يتعلق بالذات والصفات ~~مسطورة فيها وكذا ما في تضاعيفه من المواعظ والقصص، وقيل: الضمير ~~لرسول الله صلى الله عليه وسلم وليس بواضح. # { أو لم يكن لهم ءاية } الهمزة للإنكار والنفي، والواو ~~للعطف على مقدر يقتضيه المقام كأنه قيل: أغفلوا عن ذلك ولم يكن لهم ~~آية دالة على أنه تنزيل من رب العالمين وأنه في زبر ~~الأولين على أن لهم متعلق بالكون قدم على اسمه وخبره للإهتمام به ~~أو بمحذوف هو حال من آية قدمت عليها لكونها نكرة وآية خبر للكون ~~قدم على اسمه الذي هو قوله تعالى { أن يعلمه علماء بنى ~~إسرءيل } لما مر مرارا من الاعتناء والتشويق إلى المؤخر أي ~~أن يعرفوه بنعوته المذكورة في كتبهم ويعرفوا من أنزل عليه. وقرىء تكن ~~بالتأنيث وجعلت آية اسما وأن يعلمه خبرا وفيه ضعف حيث وقع ~~النكرة اسما والمعرفة خبرا وقد قيل: في تكن ضمير القصة وآية أن ~~يعلمه جملة واقعة موقع الخبر ويجوز أن يكون لهم آية هي جملة ~~الشأن وأن يعلمه بدلا من آية ويجوز مع نصب آية تأنيث تكن كما في ~~قوله تعالى: # ثم لم تكن فتنتهم إلا أن قالوا # [سورة الأنعام: الآية 23] وقرىء تعلمه بالتاء. ### || [26.198-203] # { ولو نزلنه } كما هو بنظمه الرائق المعجز { على ~~بعض الأعجمين } الذين لا يقدرون على التكلم بالعربية وهو ~~جمع أعجمي على التخفيف ولذلك جمع جمع السلامة وقرىء ~~الأعجميين وفي لفظ البعض إشارة إلى كون ذلك واحدا من عرض تلك ~~الطائفة كائنا من كان. # { فقرأه عليهم } قراءة صحيحة خارقة للعادات { ما كانوا ~~به مؤمنين } مع انضمام إعجاز القراءة إلى إعجاز المقروء ~~لفرط عنادهم وشدة شكيمتهم في المكابرة. وقيل: المعنى ولو نزلناه ~~على بعض الأعجمين بلغة العجم فقرأه عليهم ما كانوا به مؤمنين لعدم ~~فهمهم واستنكافهم من اتباع العجم ms2481 وليس بذاك فإنه بمعزل من ~~المناسبة لمقام بيان تماديهم في المكابرة والعناد. # { كذلك سلكناه } أي مثل ذلك السلك البديع المذكور سلكناه ~~أي أدخلنا القرآن { فى قلوب المجرمين } ففهموا معانيه ~~وعرفوا فصاحته وأنه خارج عن القوى البشرية من حيث النظم ~~المعجز ومن حيث الإخباز عن الغيب وقد انضم إليه اتفاق علماء ~~أهل الكتب المنزلة قبله على تضمنها للبشارة بإنزاله وبعثة من أنزل ~~عليه بأوصافه فقوله تعالى { لا يؤمنون به } جملة مستأنفة مسوقة ~~لبيان أنهم لا يتأثرون بأمثال تلك الأمور الداعية إلى الإيمان ~~به بل يستمرون على ما هم عليه { حتى يروا العذاب الأليم ~~} الملجىء إلى الإيمان به حين لا ينفعهم الإيمان. # { فيأتيهم بغتة } أي فجأة في الدنيا والآخرة { وهم لا ~~يشعرون } بإتيانه { فيقولوا هل نحن منظرون } ~~تحسرا على ما فات من الإيمان وتمنيا للإمهال لتلافي ما ~~فرطوه وقيل: معنى كذلك سلكناه مثل تلك الحال وتلك الصفة من ~~الكفر به والتكذيب له وضعناه في قلوبهم. وقوله تعالى: # لا يؤمنون به # [سورة الشعراء: الآية 201] في موقع الإيضاح والتلخيص له أو في موقع ~~الحال أي سلكناه فيها غير مؤمن به والأول هو الأنسب بمقام بيان غاية ~~عنادهم ومكابرتهم مع تعاضد أدلة الإيمان وتآخذ مبادىء الهداية ~~والإرشاد وانقطاع أعذارهم بالكلية وقيل ضمير سلكناه للكفر ~~المدلول عليه بما قبله من قوله تعالى: # ما كانوا به مؤمنين # [سورة الشعراء: الآية 199] ونقل عن ابن عباس رضي الله عنهما والحسن ~~ومجاهد رحمهما الله تعالى أدخلنا الشرك والتكذيب في قلوب ~~المجرمين. ### || [26.204-209] # { أفبعذابنا يستعجلون } بقولهم: # فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب ~~أليم # [سورة الأنفال: الآية 32] وقولهم: # فأتنا بما تعدنا # [سورة الأعراف: الآية 70. وهود: الآية 32, والأحقاف: الآية 22] ونحوهما ~~وحالهم عند نزول العذاب كما وصف. من طلب الإنذار فالفاء للعطف على ~~مقدر يقتضيه المقام أي أيكون حالهم كما ذكر من الاستنظار عند ~~نزول العذاب الأليم فيستعجلون بعذابنا وبينهما من التنافي ما لا ~~يخفى على أحد أو أيغفلون عن ذلك مع تحققه وتقرره فيستعجلون ~~الخ. وإنما قدم الجار والمجرور للإيذان بأن ms2482 مصب الإنكار ~~والتوبيخ كون السمتعجل به عذابه تعالى مع ما فيه من رعاية ~~الفواصل. # { أفرأيت } لما كانت الرؤية من أقوى أسباب الإخبار ~~بالشيء وأشهرها شاع استعمال أرأيت في معنى أخبرني والخطاب لكل ~~من يصلح له كائنا من كان والفاء لترتيب الاستخبار على قولهم هل نحن ~~منظورون وما بينهما اعتراض للتوبيخ والتبكيت وهي متقدمة في ~~المعنى على الهمزة، وتأخيرها عنها صورة لاقتضاء الهمزة الصدارة ~~كما هو رأي الجمهور أي فاخبرني { إن متعنهم سنين } ~~متطاولة بطول الأعمار وطيب المعايش. # { ثم جاءهم ما كانوا يوعدون } من العذاب { ما أغنى ~~عنهم } أي شيء أو أي إغناء أغنى عنهم { ما كانوا ~~يمتعون } أي كونهم ممتعين ذلك التمتيع المديد على أن ما ~~مصدرية أو ما كانوا يمتعون به من متاع الحياة الدنيا على أنها ~~موصولة حذف عائدها، وأيا ما كان فالاستفهام للإنكار والنفي. ~~وقيل: ما نافية أي لم يغن عنهم تمتعهم المتطاول في دفع العذاب ~~وتخفيفه والأول هو الأولى لكونه أوفق لصورة الاستخبار وأدل على ~~انتفاء الإغناء على أبلغ وجه وآكده كأن كل من من شأنه الخطاب ~~قد كلف أن يخبر بأن تمتيعهم ماذا أفادهم وأي شيء أغنى عنهم فلم ~~يقدر أحد على أن يخبر بشيء من ذلك أصلا. وقرىء يمتعون من الإمتاع. # { ومآ أهلكنا من قرية } من القرى المهلكة { إلا لها ~~منذرون } قد أنذروا أهلها إلزاما للحجة. # { ذكرى } أي تذكرة ومحلها النصب على العلة أو المصدر لأنها ~~في معنى الإنذار كأنه قيل مذكرون ذكرى أو على أنه مصدر مؤكد ~~لفعل هو صفة لمنذرون أي إلا لها منذرون يذكرونهم ذكرى أو الرفع على ~~أنها صفة منذرون بإضمار ذوو أو بجعلهم ذكرى لإمعانهم في التذكرة ~~أو خبر مبتدأ محذوف والجملة اعتراضية وضمير لها للقرى المدلول ~~عليها بمفردها الواقع في حيز النفي على أن معنى أن الكل منذرين ~~أعم من أن يكون لكل قرية منها منذر واحد أو أكثر { وما كنا ~~ظلمين } فنهلك غير الظالمين وقيل: الإنذار والتعبير عن ~~ذلك بنفي الظالمية مع أن إهلاكهم قبل الإنذار ليس ms2483 بظلم أصلا على ~~ما تقرر من قاعدة أهل السنة لبيان كمال نزاهته تعالى عن ذلك ~~بتصويره بصورة ما يستحيل صدوره عنه تعالى من الظلم وقد مر في سورة ~~آل عمران عند قوله تعالى: # وأن الله ليس بظلم للعبيد # [سورة آل عمران: الآية 182, الأنفال: الآية 51, الحج: الآية 10]. ### || [26.210-215] # { وما تنزلت به الشيطين } رد لما زعمه الكفرة في ~~حق القرآن الكريم من أنه من قبيل ما يلقيه الشيطان على ~~الكهنة بعد تحقيق الحق ببيان أنه نزل به الروح الأمين. # { وما ينبغى لهم } أي وما يصح وما يستقيم لهم ذلك { وما ~~يستطيعون } ذلك أصلا. # { إنهم عن السمع } لكلام الملائكة { لمعزولون } ~~لاتنفاء المشاركة بينهم وبين الملائكة في صفاء الذوات والاستعداد ~~لقبول فيضان أنوار الحق والانتقاش بصور العلوم الربانية والمعارف ~~النورانية، كيف لا ونفوسهم خبيثة ظلمانية شريرة بالذات غير ~~مستعدة إلا لقبول ما لا خير فيه أصلا من فنون الشرور فمن أين لهم ~~أن يحوموا حول القرآن الكريم المنطوي على الحقائق الرائقة ~~الغيبية التي لا يمكن تلقيها إلا من الملائكة عليهم الصلاة ~~والسلام. # { فلا تدع مع الله إلها ءاخر فتكون من ~~المعذبين } خوطب به النبي عليه الصلاة والسلام تهييجا ~~وحثا على ازدياد الإخلاص ولطفا لسائر المكلفين ببيان أن ~~الإشراك من القبح والسوء بحيث ينهى عنه من لا يمكن صدوره عنه ~~فكيف بمن عداه. # { وأنذر } العذاب الذي يستتبعه الشرك والمعاصي { عشيرتك ~~الأقربين } الأقرب منهم فالأقرب فإن الإهتمام بشأنهم أهم. # روي أنه لما نزلت صعد الصفا وناداهم فخذا فخذا حتى ~~اجتمعوا إليه فقال: # " " لو أخبرتكم أن بسفح هذا الجبل خيلا أكنتم مصدقي " قالوا: ~~نعم، قال: " فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد " # وروي أنه قال: # " يابني عبد المطلب يا بني هاشم يا بني عبد مناف افتدوا أنفسكم ~~من النار فإني لا أغني عنكم شيئا " # ثم قال: # " يا عائشة بنت أبي بكر ويا حفصة بنت عمر ويا فاطمة بنت محمد ~~ويا صفية عمة محمد اشترين أنفسكن من النار فإني لا أغني ~~عنكن شيئا ". # { واخفض جناحك لمن اتبعك من ms2484 المؤمنين } أي ~~لين جانبك لهم. مستعار من حال الطائر فإنه إذا أراد أن ينحط ~~خفض جناحه، ومن للتبيين لأن من اتبع أعم ممن اتبع لدين أو ~~غيره أو للتبعيض على أن المراد بالمؤمنين المشارفون للإيمان أو ~~المصدقون باللسان فحسب. ### || [26.216-223] # { فإن عصوك } ولم يتبعوك { فقل إني برىء مما ~~تعملون } أي مما تعملون أو من أعمالكم. # { وتوكل على العزيز الرحيم } الذي يقدر على قهر ~~أعدائه ونصر أوليائه يكفك شر من يصيبك منهم ومن غيرهم وقرىء فتوكل ~~على أنه بدل من جواب الشرط. # { الذي يراك حين تقوم } أي إلى التهجد { وتقلبك فى ~~السجدين } وترددك في تصفح أحوال المتهجدين كما (روي أنه ~~لما نسخ فرض قيام الليل طاف عليه الصلاة والسلام تلك الليلة ~~ببيوت أصحابه لينظر ما يصنعون حرصا على كثرة طاعتهم فوجدها كبيوت ~~الزنابير لما سمع منها من دندنتهم بذكر الله تعالى والتلاوة) أو ~~تصرفك فيما بين المصلين بالقيام والركوع والسجود والقعود ~~إذا أممتهم. وإنما وصف الله تعالى ذاته بعلمه بحاله عليه الصلاة ~~والسلام التي بها يستأهل ولايته بعد أن عبر عنه بما ينبىء عن قهر ~~أعدائه ونصر أوليائه من وصفي العزيز الرحيم تحقيقا للتوكل ~~وتوطينا لقلبه عليه. # { إنه هو السميع } لما تقول: { العليم } بما تنويه ~~وتعمله. # { هل أنبئكم على من تنزل الشيطين } أي تتنزل ~~بحذف إحدى التاءين وهو استئناف مسوق لبيان استحالة تنزل ~~الشياطين على رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد بيان امتناع ~~تنزلهم بالقرآن. ودخول حرف الجر على من الاستفهامية لما أنها ~~ليست موضوعة للاستفهام بل الأصل أمن فحذف حرف الاستفهام واستمر ~~الاستعمال على حذفه كما حذف من هل والأصل أهل. # وقوله تعالى: { تنزل على كل أفاك أثيم } قصر ~~لتنزلهم على كل من اتصف بالإفك الكثير والإثم الكبير من الكهنة ~~والمتنبئة وتخصيص له بهم بحيث لا يتخطاهم إلى غيرهم وحيث كانت ~~ساحة رسول الله صلى الله عليه وسلم منزهة عن أن يحوم حولها شائبة ~~شيء من تلك الأوصاف اتضح استحالة تنزلهم عليه عليه الصلاة ~~والسلام. # { يلقون } أي الأفاكون { السمع ms2485 } إلى الشياطين فيتلقون ~~منهم أوهاما وأمارات لنقصان علمهم فيضمون إليها بحسب تخيلاتهم ~~الباطلة خرافات لا يطابق أكثرها الواقع وذلك قوله تعالى: { ~~وأكثرهم كذبون } أي فيما قالوه من الأقاويل وقد ورد في ~~الحديث # " الكلمة يخطفها الجني فيقرها في أذن وليه فيزيد فيها أكثر من ~~مائة كذبة " # أو يلقون السمع أي المسموع من الشياطين إلى الناس وأكثرهم ~~كاذبون يفترون على الشياطين ما لم يوحوا إليهم وإلا ظهر أن ~~الأكثرية باعتبار أقوالهم على معنى أن هؤلاء قلما يصدقون فيما ~~يحكون عن الجني، وأما في أكثره فهم كاذبون ومآله وأكثر أقوالهم ~~كاذبة لا باعتبار ذواتهم حتى يلزم من نسبة الكذب إلى أكثرهم كون ~~أقلهم صادقين على الإطلاق وليس معنى الأفاك من لا ينطق إلا ~~بالإفك حتى يمتنع منه الصدق بل من يكثر الإفك فلا ينافيه أن ~~يصدق نادرا في بعض الأحايين وقيل: الضمير للشياطين أي يلقون ~~السمع أي المسموع من الملأ الأعلى أن رجموا من بعض المغيبات إلى ~~أوليائهم وأكثرهم كاذبون فيما يوحون به إليهم إذ لا يسمعونهم على ~~نحو ما تكلمت به الملائكة لشرارتهم أو لقصور فهمهم أو ضبطهم أو ~~إفهامهم ولا سبيل إلى حمل إلقاء السمع على تسمعهم وإنصاتهم إلى ~~الملأ الأعلى قبل الرجم كما جوزه الجمهور لما أن يلقون كما ~~صرحوا به إما حال من ضمير تنزل مفيدة لمقارنة التنزل للإلقاء أو ~~استئناف مبين للغرض من التنزل مبني على السؤال عنه، ولا ريب ~~في أن إلقاء السمع إلى الملأ الأعلى بمعزل من احتمال أن يقارن ~~التنزل أو يكون غرضا منه لتقدمه عليه قطعا، وإنما المحتمل لهما ~~الإلقاء بالمعنى الأول فالمعنى على تقدير كونه حالا تنزل الشياطين ~~على الأفاكين ملقين إليهم ما سمعوه من الملأ الأعلى، وعلى تقدير ~~كونه جوابا على سؤال من قال لم تنزل عليهم وماذا يفعلون بهم: ~~يلقون إليهم ما سمعوه وحمله على استئناف الأخبار كما فعله بعضهم غير ~~سديد لأن ذكر حالهم السابقة على تنزلهم المذكور قبله غير ~~خليق بجزالة التنزيل وأما على تقدير كون ضمير يلقون ~~للأفاكين ms2486 فهو صفة لكل أفاك لأنه في معنى الجمع سواء أريد ~~بإلقاء السمع الإصغاء إلى الشياطين أو إلقاء المسموع إلى الناس ~~ويجوز أن يكون استئناف إخبار بحالهم على كلا التقديرين لما ~~أن كلا من تلقيهم من الشياطين وإلقائهم إلى الناس يكون بعد ~~التنزيل وأن يكون استئنافا مبنيا على السؤال على التقدير ~~الأول فقط كأنه قيل: ما يفعلون عند تنزل الشياطين عليهم فقيل ~~يلقون إليهم أسماعهم ليحفظوا ما يوحون به إليهم. # وقوله تعالى: وأكثرهم كاذبون على التقدير الأول استئناف فقط ~~وعلى الثاني يحتمل الحالية من ضمير يلقون أي يلقون ما سمعوه ~~من الشياطين إلى الناس، والحال أنهم في أكثر أقوالهم كاذبون ~~فتدبر. ### || [26.224] # { والشعراء يتبعهم الغاوون } استئناف مسوق لإبطال ما ~~قالوا في حق القرآن العظيم من أنه من قبيل الشعر، وأن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم من الشعراء ببيان حال الشعراء المنافية ~~لحاله عليه الصلاة والسلام بعد إبطال ما قالوا إنه من قبيل ما يلقي ~~الشياطين على الكهنة من الأباطيل بما مر من بيان أحوالهم ~~المضادة لأحواله عليه الصلاة والسلام والمعنى أن الشعراء ~~يتبعهم أي يجاريهم ويسلك مسلكهم ويكون من جملتهم الغاوون ~~الضالون عن السنن الحائرون فيما يأتون وما يذرون لا ~~يستمرون على وتيرة واحدة في الأفعال والأقوال والأحوال لا غيرهم ~~من أهل الرشد المهتدين إلى طريق الحق الثابتين عليه. ### || [26.225-227] # وقوله تعالى: { ألم تر أنهم فى كل واد يهيمون } ~~استشهاد على أن الشعراء إنما يتبعهم الغاوون وتقرير له ~~والخطاب لكل من تتأتي منه الرؤية للقصد إلى أن حالهم من ~~الجلاء والظهور بحيث لا تختص برؤية راء دون راء، أي ألم تر ~~أن الشعراء في كل واد من أودية القيل والقال وفي كل شعب ~~من شعاب الوهم والخيال وفي كل مسلك من مسالك الغي والضلال ~~يهيمون على وجوههم لا يهتدون إلى سبيل معين من السبل بل ~~يتحيرون في فيافي الغواية والسفاهة ويتيهون في تيه المجون ~~والوقاحة دينهم تمزيق الأعراض المحمية والقدح في الأنساب ~~الطاهرة السنية والنسيب بالحرام والغزل والابتهار ~~والتردد بين ms2487 طرفي الإفراط والتفريط في المدح والهجاء. # { وأنهم يقولون ما لا يفعلون } من الأفاعيل غير ~~مبالين بما يستتبعه من اللوائم فكيف يتوهم أن يتبعهم في مسلكهم ~~ذلك ويلتحق بهم وينتظم في سلكهم من تنزهت ساحته عن أن يحوم ~~حولها شائبة الإتصاف بشيء من الأمور المذكورة واتصف بمحاسن ~~الصفات الجليلة وتخلق بمكارم الأخلاق الجميلة وحاز جميع ~~الكمالات القدسية وفاز بجملة الملكات الأنسية مستقرا على ~~المنهاج القويم مستمرا على الصراط المستقيم ناطقا بكل أمر ~~رشيد داعيا إلى صراط العزيز الحميد مؤيدا بمعجزات قاهرة ~~وآيات ظاهرة مشحونة بفنون الحكم الباهرة وصنوف المعارف ~~الزاهرة مستقلة بنظم رائق أعجز كل منطق ماهر وبكت كل ~~مفلق ساحر. هذا وقد قيل: في تنزيهه عليه الصلاة والسلام عن أن ~~يكون من الشعراء أن أتباع الشعراء الغاوون وأتباع محمد صلى ~~الله عليه وسلم ليسوا كذلك ولا ريب في أن تعليل عدم كونه عليه ~~الصلاة والسلام منهم بكون أتباعه عليه الصلاة والسلام غير ~~غاوين بما لا يليق بشأنه العالي وقيل: الغاوون الراوون وقيل: ~~الشياطين وقيل: هم شعراء قريش: عبد الله بن الزبعرى، ~~وهبيرة بن أبي وهب المخزومي، ومسافع بن عبد مناف، وأبو ~~عزة الجمحي ومن ثقيف أمية بن أبي الصلت قالوا نحن نقول ~~مثل قول محمد صلى الله عليه وسلم. وقرىء والشعراء بالنصب على ~~إضمار فعل يفسره الظاهر. وقرىء يتبعهم على التخفيف ~~ويتبعهم بسكون العين تشبيها لتبع بعضد. # { إلا الذين ءامنوا وعملوا الصلحت وذكروا ~~الله كثيرا وانتصروا من بعد ما ظلموا } استثناء ~~للشعراء المؤمنين الصالحين الذين يكثرون ذكر الله عز وجل ~~ويكون أكثر أشعارهم في التوحيد والثناء على الله تعالى والحث ~~على طاعته والحكمة والموعظة والزهد في الدنيا والترغيب عن ~~الركون إليها والزجر عن الاغترار بزخارفها والافتتان بملاذها ~~القلبية ولو وقع منهم في بعض الأوقات هجو وقع ذلك منهم بطريق ~~الانتصار ممن هجاهم وقيل: المراد بالمستثنين عبد الله بن ~~رواحة، وحسان بن ثابت، وكعب بن مالك، وكعب بن زهير بن ~~أبي سلمى، والذين كانوا ينافحون عن رسول الله صلى الله عليه ms2488 وسلم ~~ويكافحون هجاة قريش. # " وعن كعب ابن مالك رضي الله تعالى عنه أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قال له: " اهجهم, فوالذي نفسي بيده لهو أشد عليهم من ~~النبل " # وكان يقول لحسان: # " قل وروح القدس معك " # { وسيعلم الذين ظلموا أى منقلب ينقلبون } ~~تهديد شديد ووعيد أكيد لما في سيعلم من تهويل متعلقة وفي الذين ~~ظلموا من الإطلاق والتعميم وفي أي منقلب ينقلبون من الإبهام ~~والتهويل وقد قاله أبو بكر لعمر رضي الله عنهما حين عهد إليه. ~~وقرىء أي منفلت ينفلتون من الانفلات بمعنى النجاة والمعنى أن ~~الظالمين يطمعون أن ينفلتوا من عذاب الله تعالى وسيعلمون أن ليس ~~لهم وجه من وجوه الانفلات. # عن النبي عليه الصلاة والسلام # " من قرأ سورة الشعراء كان له من الأجر عشر حسنات بعدد من ~~صدق بنوح وكذب به وهود وصالح وشعيب وإبراهيم وبعدد من كذب ~~بعيسى وصدق بمحمد عليهم الصلاة والسلام ". ### | [27 - سورة النمل] ### || [27.1] # { طس } بالتفخيم وقرىء بالإمالة. والكلام فيه كالذي مر في ~~نظائره من الفواتح الشريفة. ومحله على تقدير كونه اسما للسورة ~~وهو الأظهر والأشهر الرفع على أنه خبر لمبتدأ محذوف أي هذا طس أي ~~مسمى به. والإشارة إليه قبل ذكره قد مر وجهها في فاتحة سورة ~~يونس وغيرها. ورفعه بالابتداء على أن ما بعده خبر ضعيف لما ذكر ~~هناك. { تلك } إشارة إلى نفس السورة لأنها التي نوهت بذكر ~~اسمها لا إلى آياتها لعدم ذكرها صريحا لأن إضافتها إليها تأبى ~~إضافتها إلى القرآن كما سيأتي. وما في اسم الإشارة من معنى ~~البعد مع قرب العهد بالمشار إليه للإيذان ببعد منزلته في الفضل ~~والشرف. ومحله الرفع على الابتداء خبره { ءايات القرءان } ~~والجملة مستأنفة مقررة لما أفاده التسمية من نباهة شأن المسمى. ~~والقرآن عبارة عن الكل أو عن الجميع المنزل عند نزول السورة ~~حسبما ذكر في فاتحة الكتاب أي تلك السورة آيات القرآن المعروف ~~بعلو الشأن، أي بعض منه مترجم مستقل باسم خاص { وكتب } أي ~~كتاب عظيم الشأن { مبين } مظهر لما في تضاعيفه من ms2489 الحكم ~~والأحكام وأحوال الآخرة التي من جملتها الثواب والعقاب أو لسبيل ~~الرشد والغي، أو فارق بين الحق والباطل والحلال والحرام أو ~~ظاهر الإعجاز على أنه من أبان بمعنى بان ولقد فخم شأنه الجليل ~~بما جمع فيه من وصف القرآنية المنبئة عن كونه بديعا في بابه ~~ممتازا عن غيره بالنظم المعجز كما يعرب عنه قوله تعالى: # قرءانا عربيا غير ذى عوج # [سورة الزمر: الآية 28] ووصف الكتابية المعربة عن اشتماله على ~~صفات كمال الكتب الإلهية فكأنه كلها. وقدم الوصف الأول ههنا ~~نظرا إلى تقدم حال القرآنية على حال الكتابية وعكس في سورة ~~الحجر نظرا إلى ما ذكر هناك من الوجه وما قيل من أن الكتاب هو ~~اللوح المحفوظ وإبانته أنه خط فيه ما هو كائن فهو يبينه ~~للناظرين فيه لا يساعده إضافة الآيات إذ لا عهد باشتماله على ~~الآيات ولا وصفه بالهداية والبشارة إذ هما باعتبار إبانته فلا ~~بد من اعتبارها بالنسبة إلى الناس الذين من جملتهم المؤمنون لا ~~إلى الناظرين فيه وقرىء وكتاب، بالرفع على حذف المضاف وإقامة ~~المضاف إليه مقامه أي وآيات كتاب مبين. ### || [27.2-5] # { هدى وبشرى للمؤمنين } في حيز النصب على الحالية من ~~الآيات على أنهما مصدران أقيما مقام الفاعل للمبالغة كأنهما ~~نفس الهدى والبشارة، والعامل معنى الإشارة أي هادية ومبشرة أ ~~الرفع على أنهما بدلان من الآيات أو خبران آخران لتلك أو ~~لمبتدأ محذوف. ومعنى هدايتها لهم وهم مهتدون أنها تزيدهم هدى. ~~قال تعالى: # فأما الذين آمنوا فزادتهم إيمانا وهم ~~يستبشرون # [سورة التوبة: الآية 124] وأما معنى تبشيرها إياهم فظاهر لأنها ~~تبشرهم برحمة من الله ورضوان وجنات لهم فيها نعيم مقيم. # وقوله تعالى: { الذين يقيمون الصلوة ويؤتون ~~الزكوة } صفة مادحة لهم وتخصيصهما بالذكر لأنهما قرينتا ~~الإيمان وقطرا العبادات البدنية والمالية مستتبعان لسائر ~~الأعمال الصالحة. وقوله تعالى: { وهم بالأخرة هم ~~يوقنون } جملة اعتراضية كأنه قيل وهؤلاء الذين يؤمنون ~~ويعملون الصالحات هم الموقنون بالآخرة حق الإيقان لا من عداهم ~~لأن تحمل مشاق العبادات لخوف العقاب ورجاء الثواب أو هو ~~من تتمة ms2490 الصلة. والواو حالية أو عاطفة له على الصلة الأولى ~~وتغيير نظمه للدلالة على قوة يقينهم وثباته وأنهم أوحديون ~~فيه. # { إن الذين لا يؤمنون بالأخرة } بيان لأحوال ~~الكفرة بعد بيان أحوال المؤمنين أي لا يؤمنون بها وبما فيها من ~~الثواب على الأعمال الصالحة والعقاب على السيئات حسبما ~~ينطق به القرآن { زينا لهم أعملهم } القبيحة حيث ~~جعلناها مشتهاة للطبع محبوبة للنفس كما ينبيء عنه قوله عليه ~~الصلاة والسلام: # " حفت النار بالشهوات " # أو الأعمال الحسنة ببيان حسنها في أنفسها حالا واستتباعها ~~لفنون المنافع مآلا. وإضافتها إليها باعتبار أمرهم بها وإيجابها ~~عليهم { فهم يعمهون } يتحيرون ويترددون على التجدد ~~والاستمرار في الاشتغال بها والانهماك فيها من غير ملاحظة لما ~~يتبعها من نفع وضر أو في الضلال والإعراض عنها. والفاء على الأول ~~لترتيب المسبب على السبب وعلى الثاني لترتيب ضد المسبب ~~على السبب كما في قولك وعظته فلم يتعظ وفيه إيذان بكمال عتوهم ~~ومكابرتهم وتعكيسهم في الأمور { أولئك } إشارة إلى المذكورين ~~وهو مبتدأ خبره الموصول بعده أي أولئك الموصوفون بالكفر والعمه { ~~الذين لهم سوء العذاب } أي في الدنيا كالقتل والأسر يوم ~~بدر { وهم فى الأخرة هم الأخسرون } أي أشد الناس ~~خسرانا لفوات الثواب واستحقاق العقاب. ### || [27.6-8] # { وإنك لتلقى القرءان } كلام مستأنف قد سيق بعد بيان ~~بعض شؤون القرآن الكريم تمهيدا لما يعقبه من الأقاصيص، وتصديره ~~بحرفي التأكيد لإبراز كمال العناية بمضمونه أي لتؤتاه بطريق ~~التلقية والتلقين { من لدن حكيم عليم } أي أي حكيم ~~وأي عليم وفي تفخيمهما تفخيم لشأن القرآن وتنصيص على علو طبقته ~~عليه الصلاة والسلام في معرفته والإحاطة بما فيه من الجلائل ~~والدقائق فإن من تلقى العلوم والحكم من مثل ذلك الحكيم العليم ~~يكون علما في رصانة العلم والحكمة والجمع بينهما مع دخول العلم ~~في الحكمة لعموم العلم ودلالة الحكمة على إتقان الفعل وللإشعار ~~بأن ما في القرآن من العلوم منها ما هو حكمة كالعقائد والشرائع ~~ومنها ما ليس كذلك كالقصص والأخبار الغيبية. # وقوله تعالى: { إذ قال موسى لأهله } منصوب على المفعولية ~~بمضمر خوطب ms2491 به النبي صلى الله عليه وسلم وأمر بتلاوة بعض من ~~القرآن الذي يلقاه عليه الصلاة والسلام من لدنه عز وجل تقريرا ~~لما قبله وتحقيقا له أي أذكر لهم وقت قوله عليه الصلاة والسلام ~~لأهله في وادي طوى وقد غشيتهم ظلمة الليل وقدح فأصلد زنده فبدا ~~له من جانب الطور نارا { إنى آنست نارا سآتيكم منها ~~بخبر } أي عن حال الطريق وقد كانوا ضلوه، والسين للدلالة ~~على نوع بعد في المسافة وتأكيد الوعد والجمع إن صح أنه لم يكن ~~معه عليه الصلاة والسلام إلا امرأته لما كنى عنها بالأهل أو للتعظيم ~~مبالغة في التسلية { أو آتيكم بشهاب قبس } بتنوينهما على ~~أن الثاني بدل من الأول أو صفة له لأنه بمعنى مقبوس أي بشعلة ~~نار مقبوسة أي مأخودة من أصلها. وقرىء بالإضافة وعلى التقديرين ~~فالمراد تعيين المقصود الذي هو القبس الجامع لمنفعتي الضياء ~~والاصطلاء لأن من النار ما ليس بقبس كالجمر وكلتا العدتين منه ~~عليه الصلاة والسلام بطريق الظن كما يفصح عن ذلك ما في سورة طه ~~من صيغة الترجى، والترديد للإيذان بأنه إن لم يظفر بهما لم يعدم ~~أحدهما بناء على ظاهر الأمر وثقة بسنة الله تعالى فإنه تعالى ~~لا يكاد يجمع على عبده حرمانين { لعلكم تصطلون } رجاء أن ~~تستدفئوا بها والصلاء النار العظيمة. # { فلما جاءها نودى } من جانب الطور { أن بورك } معناه ~~أي بورك على أن أن مفسرة لما في النداء من معنى القول أو بأن ~~بورك على أنها مصدرية حذف عنها الجار جريا على القاعدة ~~المستمرة، وقيل: مخففة من الثقيلة، ولا ضير في فقدان التعويض ~~بلا أو قد أو السين أو سوف لما أن الدعاء يخالف غيره في كثير ~~من الأحكام { من فى النار ومن حولها } أي من في مكان ~~النار وهي البقعة المباركة المذكورة في قوله سبحانه نودي من ~~شاطيء الوادي الأيمن في البقعة المباركة ومن حول مكانها وقرىء ~~تباركت الأرض ومن حولها والظاهر عمومه لكل من في ذلك الوادي ~~وحواليه من أرض الشام الموسومة بالبركات لكونها مبعث ms2492 الأنبياء ~~عليهم الصلاة والسلام وكفاتهم أحياء وأمواتا ولا سيما تلك ~~البقعة التي كلم الله تعالى فيها موسى. # وقيل: المراد موسى والملائكة الحاضرون،، وتصدير الخطاب بذلك بشارة ~~بأنه قد قضى له أمر عظيم ديني تنتشر بركاته في أقطار الشام وهو ~~تكليمه تعالى إياه عليه الصلاة والسلام واستنباؤه له وإظهار ~~المعجزات على يده عليه الصلاة والسلام { وسبحن الله ~~رب العلمين } تعجيب لموسى عليه الصلاة والسلام من ذلك ~~وإيذان بأن ذلك مريده ومكونه رب العالمين تنبيها على أن ~~الكائن من جلائل الأمور وعظائم الشؤون ومن أحكام تربيته تعالى ~~للعالمين. ### || [27.9-10] # { يموسى إنه أنا الله } استئناف مسوق لبيان آثار ~~البركة المذكورة. والضمير إما للشام وأنا الله جملة مفسرة ~~له وإما راجع إلى المتكلم وأنا خبره والله بيان له وقوله تعالى: ~~{ العزيز الحكيم } صفتان لله تعالى ممهدتان لما أريد إظهاره على ~~يده من المعجزات أي أنا القوي القادر على ما لا تناله الأوهام من ~~الأمور العظام التي من جملتها أمر العصا واليد، والفاعل كل ما ~~أفعله بحكمة بالغة وتدبير رصين. # { وألق } عطف على بورك منتظم معه في سلك تفسير النداء أي نودي ~~أن بورك وأن ألق { عصاك } حسبما نطق به قوله تعالى: وأن ألق ~~عصاك بتكرير حرف التفسير كما تقول كتبت إليه أن حج وأن اعتمر ~~وإن شئت أن حج واعتمر والفاء في قوله تعالى: { فلما رءاها ~~تهتز } فصيحة تفصح عن جملة قد حذفت ثقة بظهورها ودلالة على ~~سرعة وقوع مضمونها كما في قوله تعالى: # اخرج عليهن # [سورة يوسف: الآية 31] كأنه قيل: فألقاها فانقلبت حية تسعى فأبصرها ~~فلما أبصرها متحركة بسرعة واضطراب. وقوله تعالى: { كأنها جان ~~} أي حية خفيفة سريعة الحركة جملة حالية إما من مفعول رأى مثل يهتز ~~كما أشير إليه أو من ضمير تهتز على طريقة التداخل وقرىء جأن على ~~لغة من جد في الهرب من التقاء الساكنين { ولى مدبرا } من ~~الخوف { ولم يعقب } أي لم يرجع على عقبة، من عقب المقاتل ~~إذا كر بعد الفر وإنما اعتراه الرعب لظنه أن ذلك الأمر ms2493 أريد ~~به كما ينبىء عنه قوله تعالى: { يموسى لا تخف } أي من غيري ~~ثقة بي أو مطلقا لقوله تعالى: { إنى لا يخاف لدى ~~المرسلون } فإنه يدل على نفي الخوف عنهم مطلقا لكن لا في ~~جميع الأوقات بل حين يوحى إليهم كوقت الخطاب فإنهم حينئذ ~~مستغرقون في مطالعة شؤون الله عز وجل لا يخطر ببالهم خوف من ~~أحد أصلا وأما في سائر الأحيان فهم أخوف الناس منه سبحانه أو لا ~~يكون لهم عندي سوء عاقبة ليخافوا منه. ### || [27.11-14] # { إلا من ظلم ثم بدل حسنا بعد سوء فإنى غفور ~~رحيم } استثناء منقطع استدرك به ما عسى يختلج في الخلد من نفي ~~الخوف عن كلهم مع أن منهم من فرطت منه صعيرة مما يجوز صدوره عن ~~الأنبياء عليهم الصلاة والسلام فإنهم وإن صدر عنهم شيء من ذلك فقد ~~فعلوا عقيبه ما يبطله ويستحقون به من الله تعالى مغفرة ورحمة وقد ~~قصد به التعريض بما وقع من موسى عليه الصلاة والسلام من وكزه ~~القبطي والاستغفار، وتسميتها ظلما لقوله عليه الصلاة ~~والسلام: # " رب إني ظلمت نفسي فاغفر لي فغفر له " # { وأدخل يدك فى جيبك } لأنه كان مدرعة صوف لا كم لها ~~وقيل: الجيب القميص لأنه يجاب أي يقطع { تخرج بيضاء من ~~غير سوء } أي آفة كبرص ونحوه { فى تسع ءايات } في جملتها ~~أو معها على أن التسع هي الفلق والطوفان والجراد والقمل ~~والضفادع والدم والطمسة والجدب في بواديهم والنقصان في ~~مزارعهم ولمن عد العصا واليد من التسع أن يعد الأخيرين واحدا ~~ولا يعد الفلق منها لأنه لم يبعث به إلى فرعون أو اذهب في تسع آيات ~~على أنه استئناف بالإرسال فيتعلق به { إلى فرعون وقومه ~~} وعلى الأولين يتعلق بنحو مبعوثا أو مرسلا { إنهم كانوا ~~قوما فسقين } تعليل للإرسال أي خارجين عن الحدود في الكفر ~~والعدوان. # { فلما جاءتهم ءايتنا } وظهرت على يد موسى { مبصرة ~~} بينة اسم فاعل أطلق على المفعول إشعارا بأنها لفرط وضوحها ~~وإنارتها كأنها تبصر نفسها لو كانت مما يبصر أو ذات تبصر من ms2494 ~~حيث أنها تهدي والعمي لا تهتدي فضلا عن الهداية أو مبصرة كل من ينظر ~~إليها ويتأمل فيها وقرىء مبصرة أي مكانا يكثر فيه التبصر. # { قالوا هذا سحر مبين } واضح سحريته. # { وجحدوا بها } أي كذبوا بها { واستيقنتها أنفسهم ~~} الواو للحال أي وقد استيقنتها أي علمتها أنفسهم علما يقينيا { ~~ظلما } أي للآيات كقوله تعالى: # بما كانوا بآيتنا يظلمون # [سورة الأعراف: الآية 9] ولقد ظلموا بها أي ظلم حيث حطوها عن ~~رتبتها العالية وسموها سحرا وقيل ظلما لأنفسهم وليس بذاك { ~~وعلوا } أي استكبارا عن الإيمان بها كقوله تعالى: # والذين كذبوا بئايتنا واستكبروا عنها # [سورة الأعراف: الآية 36] واتنصابهما إما على العلة من جحدوا بها ~~أي على الحالية من فاعله أي جحدوا بها ظالمين لها مستكبرين عنها { ~~فانظر كيف كان عقبة المفسدين } من الإغراق على ~~الوجه الهائل الذي هو عبرة للعالمين، وإنما لم يذكر تنبيها على ~~أنه عرضة لكل ناظر مشهور فيها بين كل باد وحاضر. ### || [27.15-16] # { ولقد ءاتينا داوود وسليمن علما } كلام مستأنف ~~مسوق لتقرير ما سبق من أنه عليه الصلاة والسلام يلقى القرآن ~~من لدن حكيم عليم فإن قصتهما عليهما الصلاة والسلام من جملة ~~القرآن الكريم لقيه عليه الصلاة والسلام من لدنه تعالى كقصة موسى ~~عليه الصلاة والسلام، وتصديره بالقسم لإظهار كمال الاعتناء بتحقيق ~~مضمونه أي آتينا كل واحد منهما طائفة من العلم لائقة به من علم ~~الشرائع والأحكام وغير ذلك مما يختص بكل منهما كصنعة لبوس ~~ومنطق الطير أو علما سنيا عزيزا { وقالا } أي قال كل واحد ~~منهما شكرا لما أوتيه من العلم { الحمد لله الذي ~~فضلنا } بما آتانا من العلم { على كثير من عباده ~~المؤمنين } على أن عبارة كل منهما فضلني إلا أنه عبر ~~عنهما عند الحكاية بصيغة المتكلم مع الغير إيجازا فإن حكاية ~~الأقوال المتعددة سواء كانت صادرة عن المتكلم أو عن غيره بعبارة ~~جامعة للكل مما ليس بعزيز، ومن الأول قوله تعالى: # يأيها الرسل كلوا من الطيبت واعملوا صلحا # [سورة المؤمنون: الآية 51] وقد مر في سورة قد أفلح المؤمنون وبهذا ms2495 ظهر ~~حسن موقع العطف بالواو إذ المتبادر من العطف بالفاء ترتب حمد كل ~~منهما على إيتاء ما أوتي كل منهما لا على إيتاء ما أوتي نفسه فقط ~~وقيل: في العطف بالواو إشعار بأن ما قالاه بعض ما أحدث فيهما إيتاء ~~العلم وشيء من مواجبه فأضمر ذلك ثم عطف عليه التحميد كأنه قيل: ولقد ~~آتيناهما علما فعملا به وعلماه وعرفا حق النعمة فيه، وقالا ~~الحمد لله الآية فتأمل والكثير المفضل عليه من لم يؤت مثل علمهما ~~وقيل من لم يؤت علما ويأباه تبيين الكثير بالمؤمنين فإن خلوهم من ~~العلم بالمرة مما لا يمكن، وفي تخصيصهما الأكثر بالذكر رمز إلى ~~أن البعض مفضلون عليهما وفيه أوضح دليل على فضل العلم وشرف ~~أهله حيث شكرا على العلم وجعلاه أساس الفضل ولم يعبترا دونه ما ~~أوتيا من الملك الذي لم يؤته غيرهما وتحريض للعلماء على أن يحمدوا ~~الله تعالى على ما آتاهم من فضله ويتواضعوا ويعتقدوا أنهم وإن ~~فضلوا على كثير فقد فضل عليهم كثير وفوق كل ذي علم عليم ~~ونعما قال أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه: (كل الناس أفقه من ~~عمر). # { وورث سليمن داوود } أي النبوة والعلم أو الملك ~~بأن قام مقامه في ذلك دون سائر بنيه وكانوا تسعة عشر { ~~وقال } تشهيرا لنعمة الله تعالى وتنويها بها ودعاء للناس إلى ~~التصديق بذكر المعجزات الباهرة التي أوتيها { يأيها الناس ~~علمنا منطق الطير وأوتينا من كل شىء } المنطق في ~~المتعارف كل لفظ يعبر به عما في الضمير مفردا كان أو ~~مركبا وقد يطلق على كل ما يصوت به من المفرد والمؤلف ~~المفيد وغير المفيد يقال نطقت الحمامة. # وكل صنف من أصناف الطير يتفاهم أصواته والذي علمه سليمان ~~عليه السلام من منطق الطير هو ما يفهم بعضه من بعض من معانيه ~~وأغراضه. ويحكى أنه مر على بلبل في شجرة يحرك رأسه ~~ويميل ذنبه فقال لأصحابه أتدرون ما يقول، قالوا الله ونبيه ~~أعلم. قال يقول: إذا أكلت نصف تمرة فعلى الدنيا العفاء. وصاحت ~~فاختة فأخبر أنها ms2496 تقول: ليت الخلق لم يخلقوا. وصاح طاووس ~~فقال يقول: كما تدين تدان. وصاح هدهد فقال: يقول: استغفروا ~~الله يا مذنبين. وصاح طيطوى، فقال: يقول: كل حي ميت، وكل ~~جديد بال. وصاح خطاف فقال: يقول: قدموا خيرا تجدوه. وصاح ~~قمري فأخبر أنه يقول: سبحان ربي الأعلى. وصاحت رخمة ~~فقال تقول: سبحان ربي الأعلى ملء سمائه وأرضه. وقال الحدأة ~~تقول: كل شيء هالك إلا الله، والقطاة تقول: من سكت سلم. ~~والببغاء تقول: ويل لمن الدنيا همه، والديك يقول: اذكروا الله ~~يا غافلين، والنسر يقول: يا ابن آدم عش ما شئت آخرك الموت، ~~والعقاب تقول: في البعد عن الناس أنس والضفدع يقول: ~~سبحان ربي القدوس. وأراد عليه الصلاة والسلام بقوله: ~~علمنا وأوتينا بالنون التي يقال لها نون الواحد المطاع ~~بيان حاله وصفته من كونه ملكا مطاعا لكن لا تجبرا وتكبرا ~~بل تمهيدا لما أراد منهم من حسن الطاعة والانقياد له في أوامره ~~ونواهيه حيث كان على عزيمة المسير. وبقوله: من كل شيء كثرة ما ~~أوتيه كما يقال فلان يقصده كل أحد ويعلم كل شيء ويراد به ~~كثرة قصاده وغزارة علمه. ومثله قوله تعالى: # وأوتيت من كل شىء # [سورة النمل: الآية 23] وقال ابن عباس رضي الله عنهما: كل ما ~~يهمه من أمر الدنيا والآخرة. وقال مقاتل: يعني النبوة والملك ~~وتسخير الجن والإنس والشياطين والريح. # { إن هذا } إشارة إلى ما ذكر من التعليم والإيتاء { لهو ~~الفضل } والإحسان من الله تعالى { المبين } الواضح الذي لا ~~يخفى على أحد أو إن هذا الفضل الذي أوتيه لهو الفضل المبين على ~~أنه عليه الصلاة والسلام قاله على سيبل الشكر والمحمدة كما ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " أنا سيد ولد آدم ولا فخر " # أي أقول هذا القول شكرا لا فخرا ولعله عليه الصلاة والسلام ~~رتب على كلامه ذلك دعوة الناس إلى الغزو فإن إخبارهم بإيتاء ~~كل شيء من الأشياء التي من جملتها آلات الحرب وأسباب الغزو ~~مما ينبىء عن ذلك. ### || [27.17] # وقوله تعالى { وحشر لسليمن جنوده } جمع له ms2497 عساكره { ~~من الجن والإنس والطير } بمباشرة مخاطبيه فإنهم كانوا ~~رؤساء مملكته وعظماء دولته من الثقلين وغيرهم، بتعميم الناس ~~للكل تغليبا. وتقديم الجن على الإنس في البيان للمسارعة إلى ~~الإيذان بكمال قوة ملكه وعزة سلطانه من أول الأمر لما أن ~~الجن طائفة عاتية وقبيلة طاغية ماردة بعيدة من الحشر ~~والتسخير. { فهم يوزعون } أي يحبس أوائلهم على أواخرهم أي ~~يوقف سلاف العسكر حتى يلحقهم التوالي فيكونوا مجتمعين لا يختلف ~~منهم أحد وذلك للكثرة العظيمة. ويجوز أن يكون ذلك لترتيب الصفوف ~~كما هم المعتاد في العساكر، وفيه إشعار بكمال مسارعتهم إلى السير. ~~وتخصيص حسب أوائلهم بالذكر دون سوق أواخرهم مع أن التلاحق يحصل ~~بذلك أيضا لما أن أواخرهم غير قادرين على ما يقدر عليه أوائلهم ~~من السير السريع، وهذا إذا لم يكن سيرهم بتسيير الريح في ~~الجو. روي أن معسكره عليه الصلاة والسلام كان مائة فرسخ في ~~مائة، خمسة وعشرون للجن وخمسة وعشرون للإنس وخمسة وعشرون للطير ~~وخمسة وعشرون للوحش. وكان له عليه الصلاة والسلام ألف بيت من ~~قوارير على الخشب ثلاثمائة منكوحة وسبعمائة سرية، وقد نسجت له ~~الجن بساطا من ذهب وإبريسم فرسخا في فرسخ وكان يوضع منبره ~~في وسطه وهو من ذهب فيقعد عليه وحوله ستمائة ألف كرسي من ذهب وفضة ~~فيقعد الأنبياء عليهم الصلاة والسلام على كراسي الذهب ~~والعلماء على كراسي الفضة وحولهم الناس وحول الناس الجن ~~والشياطين وتظله الطير بأجنحتها حتى لا تقع عليه الشمس وترفع ريح ~~الصبا البساط فتسير به مسيرة شهر. ويروى أنه كان يأمر الريح ~~العاصف تحمله ويأمر الرخاء تسيره فأوحى الله تعالى إليه وهو يسير ~~بين السماء والأرض إني قد زدت في ملكك لا يتكلم أحد بشيء إلا ~~ألقته الريح في سمعك فيحكى أنه مر بحراث فقال: لقد أوتي آل ~~داود ملكا عظيما فألقته الريح في أذنه فنزل ومشى إلى الحراث ~~وقال: إنما مشيت إليك لئلا تتمنى ما لا تقدر عليه، ثم قال ~~لتسبيحة واحدة يقبلها الله تعالى خير مما أوتي آل داود. ### || [27.18] # { حتى ms2498 إذا أتوا على وادى النمل } حتى هي التي ~~يبتدأ بها الكلام ومع ذلك هي غاية لما قبلها كالتي في قوله تعالى: # حتى إذا جاء أمرنا وفار التنور قلنا احمل # [سورة هود: الآية 40] الآية وهي ههنا غاية لما ينبىء عنه قوله تعالى ~~فهم يوزعون من السير كأنه قيل: فساروا حتى إذا أتوا الخ ووادي ~~النمل واد بالشام كثير النمل على ما قاله مقاتل رضي الله عنه، ~~وبالطائف على ما قاله كعب رضي الله عنه، وقيل هو واد تسكنه ~~الجن والنمل مراكبهم. وتعدية الفعل إليه بكلمة على إما لأن ~~إتيانهم كان من فوق، وإما لأن المراد بالإتيان عليه قطعه، من ~~قولهم أتى على الشيء إذا أنفده وبلغ آخره، ولعلهم أرادوا أن ~~ينزلوا عند منتهى الوادي إذ حينئذ يخافهم ما في الأرض لا عند ~~سيرهم في الهواء. وقوله تعالى { قالت نملة } جواب إذا كأنها ~~لما رأتهم متوجهين إلى الوادي فرت منهم فصاحت صيحة تنبهت بها ما ~~بحضرتها من النمل لمرادها فتبعها في الفرار فشبه ذلك بمخاطبة ~~العقلاء ومناصحتهم فأجروا مجراهم، جعلت هي قائلة وما عداها من ~~النمل مقول لهم حيث قيل: { يأيها النمل ادخلوا ~~مسكنكم } مع أنه لا يمتنع أن يخلق الله تعالى فيها النطق ~~وفيما عداها العقل والفهم. وقرىء نملة يا أيها النمل بضم ~~الميم، وهو الأصل كالرجل، وتسكين الميم تخفيف منه كالسبع في ~~السبع. وقرىء بضم النون والميم. قيل: كانت نملة عرجاء تمشي وهي ~~تتكاوس فنادت بما قالت فسمع سليمان عليه السلام كلامها من ثلاثة ~~أميال وقيل: كان اسمها طاخية. وقرىء مسكنكم. وقوله تعالى: { لا ~~يحطمنكم سليمن وجنوده } نهي في الحقيقية للنمل ~~عن التأخر في دخول مساكنهم وإن كان بحسب الظاهر نهيا له عليه ~~الصلاة والسلام ولجنوده عن الحطم كقولهم: لا أرينك ههنا. ~~فهو استئناف أو بدل من الأمر، كقول من قال # فقلت له ارحل لا تقيمن عندنا # لا جواب له فإن النون لا تدخله في السعة. وقرىء لا يحطمنكم ~~بفتح الحاء وكسرها، وأصله لا يحتطمنكم. وقوله تعالى: { وهم لا ~~يشعرون ms2499 } حال من فاعل يحطمنكم مفيدة لتقييد الحطم بحال ~~عدم شعورهم بمكانهم حتى لو شعروا بذلك لم يحطموا، وأرادت بذلك ~~الإيذان بأنها عارفة بشؤون سليمان وسائر الأنبياء عليهم ~~الصلاة والسلام من عصمتهم عن الظلم والإيذاء، وقيل: هو استئناف ~~أي فهم سليمان ما قالته والقوم لا يشعرون بذلك. ### || [27.19-21] # { فتبسم ضحكا من قولها } تعجبا من حذرها واهتدائها ~~إلى تدبير مصالحها ومصالح بني نوعها وسرورا بشهرة حاله وحال ~~جنوده في باب التقوى و الشفقة فيما بين أصناف المخلوقات التي ~~هي أبعدها من إدراك أمثال هذه الأمور وابتهاجا بما خصه الله تعالى ~~به من إدراك همسها وفهم مرادها. روي أنها أحست بصوت الجنود ~~ولا تعلم أنهم في الهواء فأمر سليمان عليه السلام الريح فوقفت ~~لئلا يذعرن حتى دخلن مساكنهن. { وقال رب أوزعنى أن ~~أشكر نعمتك } أي اجعلني أزع شكر نعمتك عندي واكفه وأرتبطه ~~بحيث لا ينفلت عني حتى لا أنفك عن شكرك أصلا. وقرىء بفتح ~~ياء أوزعني. { التى أنعمت علي وعلى والدى } أدرك ~~فيه ذكرهما تكثيرا للنعمة فإن الإنعام عليهما إنعام عليه مستوجب ~~للشكر. { وأن أعمل صلحا ترضه } إتماما للشكر ~~واستدامة للنعمة { وأدخلنى برحمتك فى عبادك ~~الصلحين } في جملتهم الجنة التي هي دار الصالحين. # { وتفقد الطير } أي تعرف أحوال الطير فلم ير الهدهد ~~فيما بينها. { فقال مالى لا أرى الهدهد أم كان من ~~الغائبين } كأنه قال أولا: ما لي لا أراه لساتر ستره أو ~~لسبب آخر ثم بدا له أنه غائب فأضرب عنه فأخذ يقول أهو غائب { ~~لأعذبنه عذابا شديدا } قيل: كان تعذيبه للطير بنتف ~~ريشه وتشميسه، وقيل: بجعله مع ضده في قفض، وقيل: بالتفريق بينه ~~وبين إلفه. { أو لأذبحنه } ليعتبر به أبناء جنسه { أو ~~ليأتينى بسلطن مبين } بحجة تبين عذره. والحلف ~~في الحقيقة على أحد الأولين على تقدير عدم الثالث. وقرىء ~~ليأتينني بنونين أولاهما مفتوحة مشددة. قيل: إنه عليه ~~الصلاة والسلام لما أتم بيت المقدس تجهز للحج بحشره ~~فوافى الحرم وأقام به ما شاء، وكان يقرب كل يوم طول مقامه ~~خمسة آلاف ناقة ms2500 وخمسة آلاف بقرة وعشرين ألف شاة ثم عزم على ~~السير إلى اليمن فخرج من مكة صباحا يؤم سهيلا فوافى صنعاء وقت ~~الزوال وذلك مسيرة شهر فرأى أرضا حسناء أعجبته خضرتها فنزل ~~ليتغدى ويصلي فلم يجد الماء وكان الهدهد قناقه وكان يرى الماء ~~من تحت الأرض كما يرى الماء في الزجاجة فيجيء الشياطين ~~فيسلخونها كما يسلخ الأهاب ويستخرجون الماء فتفقده لذلك وقد كان ~~حين نزل سليمان عليه السلام حلق الهدهد فرأى هدهدا واقعا فانحط ~~إليه فوصف له ملك سليمان عليه السلام وما سخر له عن كل شيء ~~وذكر له صاحبه ملك بلقيس وأن تحت يدها اثني عشر ألف قائد تحت يد ~~كل قائد مائة ألف. وذهب معه لينظر فما رجع إلا بعد العصر. ### || [27.22] # وقوله تعالى: { فمكث غير بعيد } أي زمانا غير مديد. ~~وقرىء بضم الكاف. وذكر أنه وقعت نفحة من الشمس على رأس سليمان ~~عليه السلام فنظر فإذا موضع الهدهد خال فدعا عريف الطير وهو ~~النسر فسأله عنه فلم يجد عنده علمه ثم قال لسيد الطير وهو ~~العقاب علي به فارتفعت فنظرت فإذا هو مقبل فقصدته فناشدها الله ~~وقال بحق الله الذي قواك وأقدرك علي إلا رحمتني فتركته. ~~وقالت: ثكلتك أمك. إن نبي الله قد حلف ليعذبنك. قال: وما ~~استثنى. قالت: بلى، قال: أو ليأتيني بعذر مبين، فلما قرب ~~من سليمان عليه السلام أرخى ذنبه وجناحيه يجرها على الأرض ~~تواضعا له فلما دنا منه أخذ عليه السلام برأسه فمده إليه، فقال: يا ~~نبي الله اذكر وقوفك بين يدي الله تعالى، فارتعد سليمان عليه ~~السلام وعفا عنه ثم سأله { فقال أحطت بما لم تحط به } ~~أي علما ومعرفة وحفظته من جميع جهاته. وقرىء أحطت بادغام ~~الطاء في التاء بإطباق وبغير إطباق. ولاخفاء في أنه لم يرد ~~بما ادعى الإحاطة به ما هو من حقائق العلوم ودقائق المعارف التي ~~تكون معرفتها والإحاطة بها من وظائف أرباب العلم والحكمة لتوقفها ~~على علم رصين وفضل مبين حتى يكون إثباتها لنفسه بين يدي نبي ~~الله ms2501 سليمان عليه السلام تعديا عن طوره وتجاوزا عن دائرة قدره، ~~ونفيها عنه عليه الصلاة والسلام جناية على جناية، فيحتاج إلى ~~الاعتذار عنه بأن ذلك كان منه بطريق الإلهام فكافحه عليه الصلاة ~~والسلام بذلك مع ما أوتي عليه الصلاة والسلام من فضل النبوة ~~والحكمة والعلوم الجمة والإحاطة بالمعلومات الكثيرة ابتلاء له ~~عليه الصلاة والسلام في علمه، وتنبيها على أن في أدنى خلقه ~~تعالى وأضعفهم من أحاط علما بما لم يحط به لتتحاقر إليه نفسه ~~ويتصاغر إليه علمه ويكون لطفا له في ترك الاعجاب الذي هو فتنة ~~العلماء بل أراد به ما هو من الأمور المحسوسة التي لا تعد الإحاطة ~~بها فضلية ولا الغفلة عنها نقيصة لعدم توقف إدراكها إلا على مجرد ~~إحساس يستوى فيه العقلاء وغيرهم. وقد علم أنه عليه الصلاة ~~والسلام لم يشاهده ولم يسمع خبره من غيره قطعا فعبر عنه بما ~~ذكر لترويج كلامه عنده عليه الصلاة والسلام وترغيبه في الإصغاء ~~إلى اعتذاره واستمالة قلبه نحو قبوله فإن النفس للإعتذار ~~المنبىء عن أمر بديع أقبل وإلى تلقي ما لا تعلمه أميل ثم أيده ~~بقوله. { وجئتك من سبإ بنبإ يقين } حيث فسر إبهامه ~~نوع تفسير وأراه عليه الصلاة والسلام أنه كان بصدد إقامة خدمة ~~مهمة له حيث عبر عما جاء به بالنبأ الذي هو الخبر الخطير ~~والشأن الكبير ووصفه بما وصفه وإلا فماذا صدر عنه عليه ~~الصلاة والسلام مع ما حكي عنه ما حكي من الحمد والشكر ~~واستدعاء الإيزاع حتى يليق بالحكمة الإلهية تنبيهه عليه الصلاة ~~والسلام على تركه. # وسبأ منصرف على أنه اسم لحي سموا باسم أبيهم الأكبر وهو سبأ ~~بن يشجب بن يعرب بن قحطان. قالوا اسمه عبد شمس لقب به ~~لكونه أول من سبى. وقرىء بفتح الهمزة غير منصرف على أنه ~~اسم للقبيلة ثم سميت مدينة مأرب بسبأ وبينها وبين صنعاء ~~مسيرة ثلاث. وعلى هذه القراءة يجوز أن يراد به القبيلة ~~والمدينة، وأما على القراءة الأولى فالمراد هو الحي لا غير. ~~وعدم وقوف سليمان عليه السلام على ms2502 نبئهم قبل إنباء الهدهد ليس ~~بأمر بديع لا بد له من حكمة داعية إليه ألبتة وإن استحال خلو ~~إفعاله تعالى من الحكم والمصالح لما أن المسافة بين محطه عليه ~~الصلاة والسلام وبين مأرب وإن كانت قصيرة لكن مدة ما بين ~~نزوله عليه الصلاة والسلام هناك وبين مجيء الهدهد بالخبر أيضا ~~قصيرة. نعم اختصاص الهدهد بذلك مع كون الجن أقوى منه مبني على ~~حكم بالغة يستأثر بها علام الغيوب. ### || [27.23-25] # وقوله تعالى: { إنى وجدت امرأة تملكهم } استئناف ~~ببيان ما جاء به من النبأ وتفصيل له إثر الإجمال وهي بلقيس بنت ~~شراحيل بن مالك بن ريان. وكان أبوها ملك أرض اليمن كلها ~~ورث الملك من أربعين أبا ولم يكن له ولد غيرها فغلبت بعده على ~~الملك ودانت لها الأمة. وكانت هي وقومها مجوسا يعبدون الشمس. ~~وإيثار وجدت على رأيت لما أشير إليه من الإيذان بكونه عند غيبته ~~بصدد خدمته عليه الصلاة والسلام بإبراز نفسه في معرض من يتفقد ~~أحوالها ويتعرفها كأنها طلبته وضالته ليعرضها على سليمان ~~عليه السلام. وضمير تملكهم لسبأ على أنه اسم الحي أو لأهلها ~~المدلول عليهم بذكر مدينتهم على أنه اسم لها. { وأوتيت من ~~كل شىء } أي من الأشياء التي يحتاج إليها الملوك { ولها عرش ~~عظيم } قيل كان ثلاثين ذراعا في ثلاثين عرضا وسمكا وقيل: ~~ثمانين في ثمانين من ذهب وفضة مكللا بالجواهر، وكانت قوائمه من ~~ياقوت أحمر وأخضر ودر وزمرد، وعليه سبعة أبيات على كل بيت ~~باب مغلق. واستعظام الهدهد لعرشها مع ما كان يشاهده من ملك ~~سليمان عليه السلام إما بالنسبة إلى حالها أو إلى عروش أمثالها ~~من الملوك. وقد جوز أن لا يكون لسليمان عليه السلام مثله. ~~وأيا ما كان فوصفه بذلك بين يديه عليه الصلاة والسلام لما ~~مر من ترغيبه عليه الصلاة والسلام في الإصغاء إلى حديثه وتوجيه ~~عزيمته عليه الصلاة والسلام نحو تسخيرها، ولذلك عقبه بما يوجب ~~عزوها من كفرها وكفر قومها حيث قال: { وجدتها وقومها ~~يسجدون للشمس من دون الله } أي يعبدونها متجاوزين ms2503 ~~عبادة الله تعالى { وزين لهم الشيطن أعملهم } ~~التي هي عبادة الشمس ونظائرها من أصناف الكفر والمعاصي. { ~~فصدهم } بسبب ذلك { عن السبيل } أي سبيل الحق والصواب ~~فإن تزيين أعمالهم لا يتصور بدون تقويم طرق كفرهم وضلالهم، ومن ~~ضرورته نسبة طريق الحق إلى العوج. { فهم } بسبب ذلك { لا ~~يهتدون } إليه. # وقوله تعالى { ألا يسجدوا لله } مفعول له إما للصد أو ~~للتزيين على حذف اللام منه أي فصدهم لأن لا يسجدوا له تعالى أو ~~زين لهم أعمالهم لأن لا يسجدوا أو بدل على حاله من أعمالهم، وما ~~بينهما اعتراض أي زين لهم أن لا يسجدوا وقيل: هو في موقع المفعول ~~ليهتدون بإسقاط الخافض، ولا مزيدة كما في قوله تعالى: # لئلا يعلم أهل الكتب # [سورة الحديد: الآية 29] والمعنى فهم لا يهتدون إلى أن يسجدوا له ~~تعالى. وقرىء ألا يا اسجدوا، على التنبيه والنداء، والمنادى ~~محذوف، أي ألا يا قوم اسجدوا كما في قوله: [البسيط] # ألا يا اسلمي يا دار مي على البلى # [ولا زال منهلا بجرعائك القطر] # ونظائره. وعلى هذا يحتمل أن يكون استئنافا من جهة الله عز وجل ~~أو من سليمان عليه السلام ويوقف على لا يهتدون ويكون أمرا ~~بالسجود، على الوجوه المتقدمة ذما على تركه وأيا ما كان ~~فالسجود واجب. # وقرىء هلا وهلا بقلب الهمزتين هاء. وقرىء هلا تسجدون بمعنى ~~ألا تسجدون على الخطاب. # { الذى يخرج الخبء فى السموات والأرض } أي ~~يظهر ما هو مخبوء مخفي فيهما كائنا ما كان، وتخصيص هذا الوصف ~~بالذكر بصدد بيان تفرده تعالى باستحقاق السجود له من بين سائر ~~أوصافه الموجبة لذلك لما أنه أرسخ في معرفته والإحاطة بأحكامه ~~بمشاهدة آثاره التي من جملتها ما أودعه الله تعالى في نفسه من مقدرة ~~على معرفة الماء تحت الأرض. وأشار بعطف قوله { ويعلم ما ~~تخفون وما تعلنون } على يخرج إلى أنه تعالى يخرج ما في ~~العالم الإنساني من الخفايا كما يخرج ما في العالم الكبير من ~~الخبايا لما أن المراد يظهر ما تخفونه من الأحوال فيجازيكم ~~بها، وذكر ما ms2504 تعلنون لتوسيع دائرة العلم وللتنبيه على تساويهما ~~بالنسبة إلى العلم الإلهي. وقرىء ما يخفون وما يعلنون على صيغة ~~الغيبة بلا التفات. وإخراج الخبء يعم إشراق الكواكب وإظهارها ~~من آفاقها بعد استنارتها وراءها وإنزال الأمطار وإنبات النبات. بل ~~الإنشاء الذي هو إخراج ما في الشيء بالقوة إلى الفعل والإبداع ~~الذي هو إخراج ما في الإمكان والعدم إلى الوجود وغير ذلك من غيوبه ~~عز وجل. وقرىء الخب بتخفيف الهمزة بالحذف. وقرىء الخبا ~~بتخفيفها بالقلب. وقرىء: { ألا تسجدون لله الذي يخرج الخبء من السماء ~~والأرض ويعلم سركم وما تعلنون }. ### || [27.26-28] # { الله لا إله إلا هو رب العرش العظيم } الذي ~~هو أول الأجرام وأعظمها. وقرىء العظيم بالرفع على أنه صفة ~~الرب. واعلم أن ما حكي من الهدهد من قوله الذي يخرج الخبء إلى ~~هنا ليس داخلا تحت قوله أحطت بما لم تحط به وإنما هو من العلوم ~~والمعارف التي اقتبسها من سليمان عليه السلام أورده بيانا لما هو ~~عليه وإظهارا لتصلبه في الدين، وكل ذلك لتوجيه قلبه عليه ~~الصلاة والسلام نحو قبول كلامه وصرف عنان عزيمته عليه ~~السلام إلى غزوها وتسخير ولايتها. # { قال } استئناف وقع جوابا عن سؤال نشأ من حكاية كلام الهدهد ~~كأنه قيل فماذا فعل سليمان عليه السلام عند ذلك فقيل قال { ~~سننظر } أي فيما ذكرته من النظر بمعنى التأمل، والسين ~~للتأكيد أي سنتعرف بالتجربة ألبتة { أصدقت أم كنت من ~~الكذبين } كان مقتضى الظاهر أم كذبت وإيثار ما عليه ~~النظم الكريم للإيذان بأن كذبه في هذه المادة يستلزم ~~انتظامه في سلك الموسومين بالكذب الراسخين فيه فإن مساق هذه ~~الأقاويل الملفقة على ترتيب أنيق يستميل قلوب السامعين نحو ~~قبولها من غير أن يكون لها مصداق أصلا لا سيما بين يدي نبي ~~عظيم الشأن لا يكاد يصدر إلا عمن له قدم راسخ في الكذب والإفك. # وقوله تعالى { اذهب بكتابى هذا فألقه إليهم } ~~استئناف مبين لكيفية النظر الذي وعده عليه الصلاة والسلام، ~~وقد قاله عليه الصلاة والسلام بعدما كتب كتابه في ذلك المجلس ~~أو بعده. ms2505 وتخصيصه عليه الصلاة والسلام إياه بالرسالة دون ~~سائر ما تحت ملكه من أمناء الجن الأقوياء على التصرف والتعرف ~~لما عاين فيه من مخايل العلم والحكمة وصحة الفراسة ولئلا يبقى ~~له عذر أصلا { ثم تول عنهم } أي تنح إلى مكان قريب ~~تتوارى فيه { فانظر } أي تأمل وتعرف { ماذا يرجعون } ~~أي ماذا يرجع بعضهم إلى بعض من القول. وجمع الضمائر لما أن مضمون ~~الكتاب الكريم دعوة الكل إلى الإسلام. ### || [27.29-31] # { قالت } أي بعد ما ذهب الهدهد بالكتاب فألقاه إليهم وتنحى ~~عنهم حسبما أمر به، وإنما طوي ذكره إيذانا بكمال مسارعته إلى ~~إقامة ما أمر به من الخدمة وإشعارا باستغنائه عن التصريح به لغاية ~~ظهوره. روي أنه عليه الصلاة والسلام كتب كتابه وطبعه بالمسك ~~وختمه بخاتمه ودفعه إلى الهدهد فوجدها الهدهد راقدة في قصرها ~~بمأرب وكانت إذا رقدت غلقت الأبواب ووضعت المفاتيح تحت رأسها ~~فدخل من كوة وطرح الكتاب على نحرها وهي مستلقية وقيل: نقرها ~~فانتبهت فزعة وقيل أتاها والقادة والجنود حواليها فرفرف ساعة ~~والناس ينظرون حتى رفعت رأسها فألقى الكتاب في حجرها وكانت ~~قارئة كاتبة عربية من نسل تبع الحميري كما مر فلما رأت ~~الخاتم ارتعدت وخضعت، فعند ذلك قالت لأشراف قومها { يأيها ~~الملا إنى ألقى إلى كتاب كريم } وصفته بالكرم لكرم ~~مضمونه أو لكونه من عند ملك كريم أو لكونه مختوما أو لغرابة ~~شأنه ووصوله إليها على منهاج غير معتاد. # { إنه من سليمان } استئناف وقع جوابا لسؤال مقدر كأنه ~~قيل ممن هو وماذا مضمونه فقالت إنه من سليمان { وإنه } أي ~~مضمونه أو المكتوب فيه { بسم الله الرحمن الرحيم } ~~وفيه إشارة إلى سبب وصفها اياه بالكرم. وقرىء أنه وأنه ~~بالفتح على حذف اللام كأنها عللت كرمه بكونه من سليمان وبكونه ~~مصدرا باسم الله تعالى، وقيل: على أنه بدل من كتاب. وقرىء أن ~~من سليمان وأن بسم الله الرحمن الرحيم، على أن أن المفسرة. # { ألا تعلوا على } أن مفسرة ولا ناهية أي لا تتكبروا كما ~~يفعل جبابرة الملوك، وقيل: مصدرية ناصبة للفعل ولا ms2506 نافية محلها ~~الرفع على أنها بدل من كتاب، أو خبر لمبتدأ مضمر يليق ~~بالمقام، أي مضمونه أن لا تعلوا، أو النصب بإسقاط الخافض أي بأن ~~لا تعلوا علي. وقرىء ألا تغلوا بالغين المعجمة أي لا تجاوزوا ~~حدكم. { وأتونى مسلمين } أي مؤمنين وقيل: منقادين والأول ~~هو الأليق بشأن النبي عليه الصلاة والسلام على أن الإيمان ~~مستتبع للانقياد حتما. روي أن نسخة الكتاب «من عبد الله ~~سليمان بن داود إلى بلقيس ملكة سبأ السلام على من اتبع الهدى ~~أما بعد فلا تعلوا علي وائتوني مسلمين» وليس الأمر فيه ~~بالإسلام قبل إقامة الحجة على رسالته حتى يتوهم كونه استدعاءا ~~للتقليد فإن إلقاء الكتاب إليها على تلك الحالة معجزة باهرة ~~دالة على رسالة مرسلها دلالة بينة. ### || [27.32-35] # { قالت } كررت حكاية قولها للإيذان بغاية اعتنائها بما في ~~حيزه من قولها { يأيها الملأ أفتونى فى أمري } أي ~~أجيبوني في أمري الذي حزبني وذكرت لكم خلاصته، وعبرت عن الجواب ~~بالفتوى التي هي الجواب في الحوادث المشكلة غالبا تهويلا للأمر ورفعا ~~لمحلهم بالإشعار بأنهم قادرون على حل المشكلات الملمة. وقولها { ~~ما كنت قطعة أمرا } أي من الأمور المتعلقة بالملك { ~~حتى تشهدون } أي إلا بمحضركم وبموجب آرائكم استعطافا لهم ~~واسمالة لقلوبهم لئلا يخالفوها في الرأي والتدبير. # { قالوا } استئناف مبني على سؤال نشأ من حكاية قولها كأنه ~~قيل: فماذا قالوا في جوابها فقيل قالوا { نحن أولوا قوة ~~} في الأجساد والآلات والعدد { وأولوا بأس شديد } أي نجدة ~~وشجاعة مفرطة وبلاء في الحرب { والأمر إليك } أي هو موكول ~~إليك { فانظرى ماذا تأمرين } ونحن مطيعون لك فمرينا ~~بأمرك نمتثل به ونتبع رأيك أو أرادوا نحن من أبناء الحرب لا من ~~أبناء الرأي والمشورة وإليك الرأي والتدبير فانظري ماذا ترين ~~نكن في الخدمة فلما أحست منهم الميل إلى الحراب والعدول عن ~~سنن الصواب شرعت في تزييف مقالتهم المبنية على الغفلة عن شأن ~~سليمان عليه السلام. # وذلك قوله تعالى: { قالت إن الملوك إذا دخلوا قرية ~~} من القرى على منهاج المقاتلة والحراب { أفسدوها } بتخريب ~~عماراتها وإتلاف ms2507 ما فيها من الأموال { وجعلوا أعزة ~~أهلها أذلة } بالقتل والأسر والإجلاء وغير ذلك من فنون ~~الإهانة والإذلال { وكذلك يفعلون } تأكيد لما وصفت من ~~حالهم بطريق الاعتراض التذييلي وتقرير له بأن ذلك عادتهم ~~المستمرة. وقيل تصديق لها من جهة الله تعالى على طريقة قوله تعالى: # ولو جئنا بمثله مددا # [سورة الكهف: الآية 109] إثر قوله: # لنفد البحر قبل أن تنفد كلمت ربى # [سورة الكهف: الآية 109]. # { وإنى مرسلة إليهم بهدية } تقرير لرأيها بعد ما ~~زيفت آراءهم وأتت بالجملة الاسمية الدالة على الثبات المصدرة ~~بحرف التحقيق للإيذان بأنها مزمعة على رأيها لا يلويها عنه صارف ~~ولا يثنيها عاطف أي وإني مرسلة إليهم رسلا بهدية عظيمة { ~~فناظرة بم يرجع المرسلون } حتى أعمل بما يقتضيه ~~الحال. روي أنها بعثت خمسمائة غلام عليهم ثياب الجواري وحليهن ~~الأساور والأطواق والقرطة راكبى خيل مغشاة بالديباج محلاة ~~اللجم والسروج بالذهب المرصع بالجواهر وخمسمائة جارية على ~~رماك في زي الغلمان وألف لبنة من ذهب وفضة وتاجا مكللا بالدر ~~والياقوت المرتفع والمسك والعنبر وحقا فيه درة عذراء وجزعة ~~معوجة الثقب وبعثت رجلا من أشراف قومها المنذر بن عمرو وآخر ذا ~~رأي وعقل. وقالت: إن كان نبيا ميز بين الغلمان والجواري ~~وثقب الدرة ثقبا مستويا وسلك في الخرزة خيطا، ثم قالت للمنذر ~~إن نظر إليك نظر غضبان فهو ملك فلا يهولنك، وإن رأيته بشا ~~لطيفا فهو نبي. # فأقبل الهدهد فأخبر سليمان عليه السلام بذلك فأمر الجن ~~فضربوا لبن الذهب والفضة وفرشوه في ميدان بين يديه طوله ~~سبعة فراسخ وجعلوا حول الميدان حائطا شرفاته من الذهب ~~والفضة وأمر بأحسن الدواب في البر والبحر فربطوها عن يمين ~~الميدان ويساره على اللبن وأمر بأولاد الجن وهم خلق كثير ~~فأقيموا على اليمين واليسار ثم قعد على سريره والكراسي من ~~جانبيه واصطفت الشياطين صفوفا فراسخ، والإنس صفوفا فراسخ، ~~والوحش والسباع والطيور والهوام كذلك فلما دنا القوم ونظروا ~~بهتوا ورأوا الدواب تروث على اللبن فتقاصرت إليهم نفوسهم ورموا ~~بما معهم ولما وقفوا بين يديه نظر إليهم بوجه طلق وقال: ms2508 ما ~~وراءكم وقال: أين الحق وأخبره جبريل عليهما السلام بما فيه ~~فقال لهم إن فيه كذا وكذا ثم أمر بالأرضة فأخذت شعرة ونفذت في ~~الدرة فجعل رزقها في الشجرة وأخذت دودة بيضاء الخيط بفيها ~~ونفذت في الجزعة فجعل رزقها في الفواكه ودعا بالماء فكانت ~~الجارية تأخذ الماء بيدها فتجعله في الأخرى ثم تضرب به وجهها ~~والغلام كما يأخذه يضرب به وجهه ثم رد الهدية. ### || [27.36-37] # وقوله تعالى: # { فلما جاء سليمان } أي الرسول { قال } أي مخاطبا ~~للرسول والمرسل، تغليبا للحاضر على الغائب، وقيل: للرسول ~~ومن معه ويؤيده أنه قرىء فلما جاءوا والأول أولى لما فيه من ~~تشديد الإنكار والتوبيخ وتعميمهما لبلقيس وقومها ويؤيده ~~الإفراد في قوله تعالى ارجع إليهم: { أتمدونن بمال } وهو ~~إنكار لإمدادهم إياه عليه الصلاة والسلام بالمال مع علو ~~شأنه وسعة سلطانه، وتوبيخ لهم بذلك، وتنكير مال للتحقير. ~~وقوله تعالى: { فما ءاتنى الله } أي مما رأيتم آثاره من ~~النبوة والملك الذي لا غاية وراءه { خير مما ءاتكم } ~~أي من المال الذي من جملته ما جئتم به فلا حاجة لي إلى هديتكم ~~ولا وقع لها عندي تعليلا للإنكار، ولعله عليه الصلاة والسلام ~~إنما قال لهم هذه المقالة إلى آخرها بعد ما جرى بينه وبينهم ما ~~حكي من قصة الحق وغيرها كما أشير إليه لا أنه عليه الصلاة ~~والسلام خاطبهم بها أول ما جاءوه كما يفهم من ظاهر قوله تعالى ~~فلما جاء الخ وقرىء أتمدوني بالإدغام وبنون واحدة وبنونين ~~وحذف الياء. وقوله تعالى: { بل أنتم بهديتكم تفرحون ~~} إضراب عما ذكر من إنكار الإمداد بالمال إلى التوبيخ بفرحهم ~~بهديتهم التي أهدوها إليه عليه الصلاة والسلام فرح افتخار ~~وامتنان واعتداد بها كما ينبىء عنه ما ذكر من حديث الحق والجزعة ~~وتغيير زي الغلمان والجواري وغير ذلك. وفائدة الإضراب ~~التنبيه على أن إمداده عليه الصلاة والسلام بالمال منكر ~~قبيج، وعد ذلك - مع أنه لا قدر له عنده عليه الصلاة والسلام ~~- مما يتنافس فيه المتنافسون أقبح والتوبيخ به أدخل. وقيل ~~المضاف إليه المهدى إليه والمعنى ms2509 بل أنتم بما يهدى إليكم تفرحون ~~حبا لزيادة المال لما أنكم لا تعلمون إلا ظاهرا من الحياة ~~الدنيا. # { ارجع } أفرد الضمير ههنا بعد جمع الضمائر الخمسة فيما سبق ~~لاختصاص الرجوع بالرسول، وعموم الإمداد ونحوه للكل أي ارجع ~~أيها الرسول { إليهم } أي إلى بلقيس وقومها { ~~فلنأتينهم } أي فوالله لنأتينهم { بجنود لا قبل ~~لهم بها } أي لا طاقة لهم بمقاومتها ولا قدرة لهم على ~~مقابلتها. وقرىء بهم { ولنخرجنهم } عطف على جواب القسم { ~~منها } من سبأ { أذلة } أي حال كونهم أذلة بعد ما كانوا فيه ~~من العز والتمكين. وفي جمع القلة تأكيد لذلتهم. وقوله ~~تعالى: { وهم صغرون } أي أسارى مهانون، حال أخرى مفيدة ~~لكون إخراجهم بطريق الأسر لا بطريق الإجلاء. وعدم وقوع جواب ~~القسم لأنه كان معلقا بشرط قد حذف عند الحكاية ثقة بدلالة ~~الحال عليه كأنه قيل ارجع إليهم فليأتوا مسلمين وإلا فلنأتينهم ~~الخ. ### || [27.38-40] # { قال ياأيها الملأ أيكم يأتينى بعرشها } ~~قاله عليه الصلاة والسلام لما دنا مجيء بلقيس إليه عليه ~~الصلاة والسلام. يروى أنه لما رجعت رسلها إليها بما حكي من ~~خبر سليمان عليه السلام، قالت قد علمت والله ما هذا بملك ولا لنا ~~به من طاقة، وبعثت إلى سليمان عليه السلام إني قادمة إليك ~~بملوك قومي حتى أنظر ما أمرك وما تدعو إليه من دينك ثم آذنت ~~بالرحيل إلى سليمان عليه السلام فشخصت إليه في اثني عشر ألفا ~~قيل: تحت كل قيل ألوف ويروى أنها أمرت فجعل عرشها في آخر ~~سبعة أبيات بعضها في بعض في آخر قصر من قصور سبعة لها وغلقت ~~الأبواب ووكلت به حرسا يحفظونه ولعله أوحي إلى سليمان ~~عليه السلام باستيثاقها من عرشها فأراد أن يريها بعض ما خصه ~~الله عز سلطانه به من إجراء التعاجيب على يده مع إطلاعها على ~~عظيم قدرته تعالى وصحة نبوته عليه الصلاة والسلام ويختبر ~~عقلها بأن ينكر عرشها فينظر أتعرفه أم لا. وتقييد الإتيان به ~~بقوله تعالى: { قبل أن يأتونى مسلمين } لما أن ذلك ~~أبدع وأغرب وأبعد من الوقوع عادة ms2510 وأدل على عظم قدرة الله تعالى ~~وصحة نبوته عليه الصلاة والسلام وليكون اختبارها وإطلاعها ~~على بدائع المعجزات في أول مجيئها. وقيل: لأنها إذا أتت مسلمة ~~لم يحل له أخذ مالها بغير رضاها. # { قال عفريت } أي مارد خبيث { من الجن } بيان له إذ ~~يقال للرجل الخبيث المنكر المعفر لأقرانه وكان اسمه ذكوان أو ~~صخرا { أنا ءاتيك به } أي بعرشها { قبل أن تقوم من ~~مقامك } أي من مجلسك للحكومة وكان يجلس إلى نصف النهار. ~~وآتيك إما صيغة المضارع أو الفاعل وهو الأنسب لمقام ادعاء ~~الإتيان به لا محالة وأوفق لما عطف عليه من الجملة الاسمية أي أنا ~~آت به في تلك المدة ألبتة { وإنى عليه } أي على الإتيان به ~~{ لقوى } لا يثقل علي حمله { أمين } لا أختزل منه شيئا ولا ~~أبدله. # { قال الذي عنده علم من الكتب } فصل عما قبله ~~للإيذان بما بين القائلين، ومقاليهما وكيفيتي قدرتهما على الإتيان ~~من كمال التباين، أو لإسقاط الأول عن درجة الاعتبار. قيل هو آصف ~~بن برخيا وزير سليمان عليه السلام، وقيل رجل كان عنده اسم الله ~~الأعظم الذي إذا سئل به أجاب وقيل الخضر أو جبريل أو ملك ~~أيده الله عز وجل به عليهم السلام، وقيل هو سليمان نفسه عليه ~~السلام وفيه بعد لا يخفى والمراد بالكتاب الجنس المنتظم لجميع ~~الكتب المنزلة أو اللوح، وتنكير علم للتفخيم والرمز إلى أنه ~~علم غير معهود ومن ابتدائية { أنا ءاتيك به قبل أن ~~يرتد إليك طرفك } الطرف تحريك الأجفان وفتحها ~~للنظر إلى شيء وارتداده انضمامهما ولكونه أمرا طبيعيا غير ~~منوط بالقصد أوثر الارتداد على الرد ولما لم يكن بين هذا ~~الوعد وإنجازه مدة كما في وعد العفريت استغنى عن التأكيد وطوي عند ~~الحكاية ذكر الإتيان به للإيذان بأنه أمر متحقق غني عن الإخبار ~~به وجيء بالفاء الفصيحة لا داخلة على جملة معطوفة على جملة مقدرة ~~دالة على تحققه فقط كما في قوله عز وجل: # أن اضرب بعصاك البحر فانفلق # [سورة الشعراء: الآية 63] ونظائره بل داخلة على الشرطية حيث ms2511 قيل: # { فلما رءاه مستقرا عنده } أي رأى العرش حاضرا لديه ~~كما في قوله عز وجل: # فلما رأينه أكبرنه # [سورة يوسف: الآية 31] للدلالة على كمال ظهور ما ذكر من تحققة ~~واستغنائه عن الإخبار به ببيان ظهور ما يترتب عليه من رؤية سليمان ~~عليه السلام إياه واستغنائه أيضا عن التصريح به إذ التقدير ~~فأتاه به فرآه فلما رآه الخ فحذف ما حذف لما ذكر وللإيذان بكمال ~~سرعة الإتيان به كأنه لم يقع بين الوعد به وبين رؤيته عليه ~~الصلاة والسلام إياه شيء ما أصلا، وفي تقييد رؤيته ~~باستقراره عنده عليه الصلاة والسلام تأكيد لهذا المعنى ~~لإيهامه أنه لم يتوسط بينهما ابتداء الإتيان أيضا كأنه لم يزل ~~موجودا عنده مع ما فيه من الدلالة على دوام قراره عنده ~~منتظما في سلك ملكه { قال } أي سليمان عليه السلام تلقيا ~~للنعمة بالشكر جريا على سنن أبناء جنسه من أنبيا الله تعالى ~~عليهم الصلاة والسلام وخلص عباده { هذا } أي حضور العرش ~~بين يديه في هذه المدة القصيرة أو التمكن من إحضاره بالواسطة ~~أو بالذات كما قيل: { من فضل ربي } أي تفضله علي من غير ~~استحقاق له من قبلي: { ليبلونى ءأشكر } بأن أراه محض ~~فضله تعالى من غير حول من جهتي ولا قوة وأقوم بحقه { أم ~~أكفر } بأن أجد لنفسي مدخلا في البين أو أقصر في إقامة ~~مواجبه كما هو شأن سائر النعم الفائضة على العباد { ومن شكر ~~فإنما يشكر لنفسه } لأنه يرتبط به عتيدها ويستجلب به ~~مزيدها ويحط به عن ذمته عبء الواجب ويتخلص عن وصمة الكفران { ~~ومن كفر } أي لم يشكر { فإن ربى غنى } عن شكره { ~~كريم } بترك تعجيل العقوبة والإنعام مع عدم الشكر أيضا. ### || [27.41] # { قال } أي سليمان عليه السلام، كررت الحكاية مع كون المحكي ~~سابقا ولاحقا من كلامه عليه الصلاة والسلام تنبيها على ما بين ~~السابق واللاحق من المخالفة لما أن الأول من باب الشكر لله ~~تعالى والثاني أمر لخدمه { نكروا لها عرشها } أي غيروا ~~هيئته بوجه من الوجوه { ننظر } الجزم على أنه ms2512 جواب الأمر. ~~وقرىء بالرفع على الاستئناف { أتهتدى } إلى معرفته أو إلى ~~الجواب اللائق بالمقام، وقيل: إلى الإيمان بالله تعالى ورسوله عند ~~رؤيتها لتقدم عرشها من مسافة طويلة في مدة قليلة وقد خلفته ~~مغلقة عليه الأبواب موكلة عليه الحراس والحجاب ويأباه تعليق ~~النظر المتعلق بالاهتداء بالتنكير فإن ذلك مما لا دخل فيه ~~للتنكير { أم تكون } أي بالنسبة إلى علمنا { من الذين لا ~~يهتدون } أي إلى ما ذكر من معرفة عرشها أو الجواب الصواب ~~فإن كونها في نفس الأمر منهم وإن كان أمرا مستورا لكن كونها ~~منهم عند سليمان عليه السلام وقومه أمر حادث يظهر بالاختبار. ### || [27.42-43] # { فلما جاءت } شروع في حكاية التجربة التي قصدها سليمان ~~عليه السلام أي فلما جاءت بلقيس سليمان عليه السلام وقد كان ~~العرش بين يديه { قيل } أي من جهة سليمان عليه السلام بالذات ~~أو بالواسطة { أهكذا عرشك } لم يقل أهذا عرشك لئلا يكون ~~تلقينا لها فيفوت ما هو المقصود من الأمر بالتنكير من إبراز ~~العرش في معرض الإشكال والاشتباه حتى يتبين حالها وقد ذكرت ~~عنده عليه الصلاة والسلام بسخافة العقل { قالت كأنه ~~هو } فأنبأت عن كمال رجاحة عقلها حيث لم تقل هو هو مع علمها ~~بحقيقة الحال تلويحا بما اعتراه بالتنكير من نوع مغايرة في ~~الصفات مع اتحاد الذات ومراعاة لحسن الأدب في محاورته عليه ~~الصلاة والسلام { وأوتينا العلم من قبلها وكنا ~~مسلمين } من تتمة كلامها كأنها ظنت أنه عليه الصلاة ~~والسلام أراد بذلك اختبار عقلها وإظهار معجزة لها فقالت أوتينا ~~العلم بكمال قدرة الله تعالى وصحة نبوتك من قبل هذه المعجزة ~~التي شاهدناها بما سمعناه من المنذر من الآيات الدالة على ذلك ~~وكنا مسلمين من ذلك الوقت، وفيه من الدلالة على كمال رزانة ~~رأيها ورصانة فكرها ما لا يخفى. # وقوله تعالى: # { وصدها ما كانت تعبد من دون الله } بيان من جهته ~~تعالى لما كان يمنعها من إظهار ما ادعته من الإسلام إلى الآن ~~أي صدها عن ذلك عبادتها القديمة للشمس، وقوله تعالى: { إنها ~~كانت من قوم ms2513 كفرين } تعليل لسببية عبادتها المذكورة ~~للصد أي أنها كانت من قوم راسخين في الكفر ولذلك لم تكن ~~قادرة على إظهار إسلامها وهي بين ظهرانيهم إلى أن دخلت تحت ~~ملكة سليمان عليه والسلام. وقرىء أنها بالفتح على البدلية ~~من فاعل صد أو على التعليل بحذف اللام. هذا وأما ما قيل من ~~أن قوله تعالى: # وأوتينا العلم # [سورة النمل: الآية 42] إلى قوله تعالى: # من قوم كفرين # [سورة النمل: الآية 43] من كلام سليمان عليه السلام وملئه كأنهم ~~لما سمعوا قولها كأنه هو تفطنوا لإسلامها فقالوا استحسانا ~~لشأنها أصابت في الجواب وعلمت قدرة الله تعالى وصحة النبوة بما ~~سمعت من المنذر من الآيات المتقدمة وبما عاينت من هذه الآية ~~الباهرة من أمر عرشها ورزقت الإسلام فعطفوا على ذلك قولهم ~~وأوتينا العلم الخ أي وأوتينا نحن العلم بالله تعالى وبقدرته ~~وبصحة ما جاء من عنده قبل علمها ولم نزل على دين الإسلام شكرا ~~لله تعالى على فضلهم عليها وسبقهم إلى العلم بالله تعالى والإسلام ~~قبلها وصدها عن التقدم إلى الإسلام عبادة الشمس ونشؤها بين ~~ظهراني الكفرة فمما لا يخفى ما فيه من البعد والتعسف. ### || [27.44-46] # { قيل لها ادخلى الصرح } الصرح القصر وقيل: صحن ~~الدار. روي أن سليمان عليه السلام أمر قبل قدومها فبنى له ~~على طريقها قصرا من زجاج أبيض وأجري من تحته الماء وألقي فيه ~~من دواب البحر السمك وغيره ووضع سريره في صدره فجلس عليه وعكف ~~عليه الطير والجن والإنس وإنما فعل ذلك ليزيدها استعظاما لأمره ~~وتحققا لنبوته وثباتا على الدين، وزعموا أن الجن كرهوا أن ~~يتزوجها فتفضي إليه بأسرارهم لأنها كانت بنت جنية وقيل: خافوا ~~أن يولد له منها ولد يجتمع له فطنة الجن والإنس فيخرجون من ~~ملك سليمان عليه السلام إلى ملك هو أشد وأفظع فقالوا إن ~~في عقلها شيئا وهي شعراء الساقين ورجلها كحافر الحمار فاختبر ~~عقلها بتنكير العرش واتخذ الصرح ليتعرف ساقها ورجلها { ~~فلما رأته } وهو حاضر بين يديها كما يعرب عنه الأمر ~~بدخولها وأحاطت بتفاصيل أحواله خبرا { حسبته ms2514 لجة ~~وكشفت عن ساقيها } وتشمرت لئلا تبتل أذيالها فإذا هي ~~أحسن الناس ساقا وقدما خلا أنها شعراء. قيل: هي السبب في ~~اتخاذ النورة أمر بها الشياطين فاتخذوها واستنكحها عليه الصلاة ~~والسلام وأمر الجن فبنوا لها سيلحين وغمدان وكان يزورها في ~~الشهر مرة ويقيم عندها ثلاثة أيام وقيل بل زوجها ذا تبع ملك ~~همدان وسلطه علي اليمن وأمر زوبعة أمير جن اليمن أن يطيعه ~~فبنى له المصانع. وقرىء ساقها حملا للمفرد على الجمع في سؤق ~~وأسؤق { قال } عليه الصلاة السلام حين رأى ما اعتراها من ~~الدهشة والرعب { إنه } أي ما توهمته ماء { صرح ممرد ~~} أي مملس { من قوارير } من الزجاج { قالت } حين عاينت تلك ~~المعجزة أيضا { رب إنى ظلمت نفسى } بما كنت عليه إلى ~~الآن من عبادة الشمس وقيل: بظني بسليمان حيث ظنت أنه يريد ~~إغراقها في اللجة وهو بعيد { وأسلمت مع سليمن } ~~تابعة له مقتدية به، وما في قوله تعالى: { لله رب العلمين ~~} من الالتفات إلى الاسم الجليل، ووصفه بربوبية العالمين لإظهار ~~معرفتها بألوهيته تعالى وتفرده باستحقاق العبادة وربوبيته ~~لجميع الموجودات التي من جملتها ما كانت تعبده قبل ذلك من ~~الشمس. # { ولقد أرسلنا } عطف على قوله تعالى: # ولقد ءاتينا داوود وسليمن علما # [سورة النمل: الآية 15] مسوق لما سيق هو له من تقرير أنه عليه ~~الصلاة والسلام يلقى القرآن من لدن حكيم فإن هذه القصة من ~~جملة القرآن الكريم الذي لقيه عليه الصلاة والسلام. واللام ~~جواب قسم محذوف أي وبالله لقد أرسلنا { إلى ثمود أخاهم ~~صلحا } وأن في قوله تعالى: { أن اعبدوا الله } مفسرة لما ~~في الإرسال من معنى القول أو مصدرية حذف عنها الباء. وقرىء بضم ~~النون إتباعا لها للباء { فإذا هم فريقان يختصمون } ~~ففاجؤا التفرق والاختصام فآمن فريق وكفر فريق. والواو مجموع ~~الفريقين. # { قال } عليه الصلاة والسلام للفريق الكافر منهم بعد ما شاهد ~~منهم ما شاهد من نهاية العتو والعناد حتى بلغوا من المكابرة ~~إلى أن قالوا له عليه الصلاة والسلام يا صالح ائتنا بما تعدنا ~~إن كنت من ms2515 الصادقين { يقوم لم تستعجلون بالسيئة } ~~أي بالعقوبة السيئة { قبل الحسنة } أي التوبة فتؤخرونها إلى ~~حين نزولها حيث كانوا من جهلهم وغوايتهم يقولون: إن وقع إيعاده ~~تبنا حينئذ وإلا فنحن على ما كنا عليه. { لولا ~~تستغفرون الله } هلا تستغفرونه تعالى قبل نزولها { ~~لعلكم ترحمون } بقبولها إذ لا إمكان للقبول عند النزول. ### || [27.47-49] # { قالوا اطيرنا } أصله تطيرنا والتطير التشاؤم عبر ~~عنه بذلك لما أنهم كانوا إذا خرجوا مسافرين فيمرون بطائر يزجرونه ~~فإن مر سانحا تيمنوا وإن مر بارحا تشاءموا فلما نسبوا الخير ~~والشر إلى الطائر استعير لما كان سببا لهما من قدر الله تعالى ~~وقسمته أو من عمل العبد أي تشاءمنا. { بك وبمن معك } في دينك ~~حيث تتابعت علينا الشدائد وقد كانوا قحطوا أو لم نزل في اختلاف ~~وافتراق مذ اخترعتم دينكم { قال طائركم } أي سببكم الذي ~~منه ينالكم ما ينالكم من الشر { عند الله } وهو قدره أو ~~عملكم المكتوب عنده. وقوله تعالى: { بل أنتم قوم ~~تفتنون } أي تختبرون بتعاقب السراء والضراء أو تعذبون أو ~~يفتنكم الشيطان بوسوسته إليكم الطيرة إضراب من بيان طائرهم الذي ~~هو مبدأ ما يحيق بهم إلى ذكر ما هو الداعي إليه. # { وكان فى المدينة } وهي الحجر { تسعة رهط } أي ~~أشخاص وبهذا الاعتبار وقع تمييزا للتسعة لا باعتبار لفظه. ~~والفرق بينه وبين النفر أنه من الثلاثة أو من السبعة إلى ~~العشرة والنفر من الثلاثة إلى التسعة وأسماؤهم حسبما نقل عن ~~وهب: الهذيل بن عبد رب وغنم بن غنم ورئاب بن مهرج ومصدع بن ~~مهرج وعمير بن كردبة وعاصم بن مخرمة وسبيط بن صدقة وشمعان ~~بن صفي وقدار بن سالف وهم الذين سعوا في عقر الناقة وكانوا ~~عتاة قوم صالح، وكانوا من أبناء أشرافهم. { يفسدون فى ~~الأرض } لا في المدينة فقط إفسادا بحتا لا يخالطه شيء ما من ~~الإصلاح كما ينطق به قوله تعالى: { ولا يصلحون } أي لا يفعلون ~~شيئا من الإصلاح أو لا يصلحون شيئا من الأشياء. # { قالوا } استئناف ببيان بعض ما فعلوا من الفساد أي قال ~~بعضهم ms2516 لبعض في أثناء المشاورة في أمر صالح عليه الصلاة ~~والسلام وكان ذلك غب ما أنذرهم بالعذاب وقوله تمتعوا في ~~داركم ثلاثة أيام الخ { تقاسموا بالله } إما أمر مقول ~~لقالوا أو ماض وقع بدلا منه أو حالا من فاعله بإضمار قد. وقوله ~~تعالى: { لنبيتنه وأهله } أي لنباغتن صالحا وأهله ليلا ~~ونقتلنهم. وقرىء بالتاء على خطاب بعضهم لبعض. وقرىء بياء ~~الغيبة وضم التاء على أن تقاسموا فعل ماض { ثم ~~لنقولن لوليه } أي لولي صالح. وقرىء بالتاء والياء ~~كما قبله. { ما شهدنا مهلك أهله } أي ما حضرنا هلاكهم أو ~~مكان هلاكهم فضلا أن نتولى إهلاكهم. وقرىء مهلك بفتح اللام ~~فيكون مصدرا { وإنا لصدقون } من تمام القول أو حال أي ~~نقول ما نقول والحال إنا لصادقون في ذلك لأن الشاهد للشيء ~~غير المباشر له عرفا أو لأنا ما شاهدنا مهلكهم وحده بل مهلكه ~~ومهلكهم جميعا كقولك ما رأيت ثمة رجلا بل رجلين. ### || [27.50-54] # { ومكروا مكرا } بهذه المواضعة { ومكرنا مكرا } أي ~~أهلكناهم إهلاكا غير معهود { وهم لا يشعرون } أو جازيناهم ~~مكرهم من حيث لا يحتسبون. # { فانظر كيف كان عقبة مكرهم } شروع في بيان ما ~~ترتب على ما باشروه من المكر، وكيف معلقة لفعل النظر. ومحل ~~الجملة النصب بنزع الخافض أي فتفكر في أنه كيف كان عاقبة ~~مكرهم. وقوله تعالى: { أنا دمرنهم }. إما بدل من عاقبة ~~مكرهم على أنه فاعل كان وهي تامة وكيف حال أي فانظر كيف حصل ~~أي على أي وجه حدث تدميرنا إياهم. وإما خبر لمبتدأ محذوف. ~~والجملة مبنية لما في عاقبة مكرهم من الإبهام أي هي تدميرنا ~~إياهم { وقومهم } الذين لم يكونوا معهم في مباشرة التبييت. ~~{ أجمعين } بحيث لم يشذ منهم شاذ. وإما تعليل لما ينبىء ~~عنه الأمر بالنظر في كيفية عاقبة مكرهم من غاية الهول والفظاعة ~~بحذف الجار أي لأنا دمرناهم الخ وقيل كان ناقصة اسمها عاقبة ~~مكرهم خبرها كيف كان فالأوجه حينئذ أن يكون قوله تعالى: أنا ~~دمرناهم الخ تعليلا لما ذكر. وقرىء إنا دمرناهم الخ بالكسر على ~~الاستئناف. # روي ms2517 أنه كان لصالح عليه السلام مسجد في الحجر في شعب يصلي ~~فيه، فقالوا زعم صالح أنه يفرغ منا إلى ثلاث فنحن نفرغ منه ~~ومن أهله قبل الثلاث فخرجوا إلى الشعب، وقالوا إذا جاء ~~يصلي قتلناه ثم رجعنا إلى أهله فقتلناهم فبعث الله تعالى ~~صخرة من الهضب حيالهم فبادروا فطبقت الصخرة عليهم فم الشعب ~~فلم يدر قومهم أين هم ولم يدروا ما فعل بقومهم وعذب الله تعالى ~~كلا منهم في مكانه ونجى صالحا ومن معه. وقيل جاءوا بالليل ~~شاهري سيوفهم وقد أرسل الله تعالى الملائكة ملء دار صالح فدمغوهم ~~بالحجارة يرون الحجارة ولا يرون راميا. # { فتلك بيوتهم } جملة مقررة لما قبلها. وقوله تعالى: { ~~خاوية } أي خالية أو ساقطة متهدمة { بما ظلموا } أي بسبب ~~ظلمهم المذكور، حال من بيوتهم والعامل معنى الإشارة. وقرىء ~~خاوية بالرفع على أنه خبر لمبتدأ محذوف { إن فى ذلك } أي ~~فيما ذكر من التدمير العجيب بظلمهم { لآية } لعبرة عظيمة { ~~لقوم يعلمون } أي ما من شأنه أن يعلم من الأشياء أو لقوم ~~يتصفون بالعلم { وأنجينا الذين ءامنوا } صالحا ومن معه من ~~المؤمنين. # { وكانوا يتقون } أي الكفر والمعاصي اتقاء مستمرا فلذلك ~~خصوا بالنجاة. # { ولوطا } منصوب بمضمر معطوف على أرسلنا في صدر قصة صالح ~~داخل معه في حيز القسم أي وأرسلنا لوطا. وقوله تعالى: { إذ قال ~~لقومه } ظرف للإرسال على أن المراد به أمر ممتد وقع فيه ~~الإرسال وما جرى بينه وبين قومه من الأقوال والأحوال. وقيل: ~~انتصاب لوطا بإضمار اذكر، وإذ بدل منه، وقيل: بالعطف على الذين ~~آمنوا أي وأنجينا لوطا وهو بعيد { أتأتون الفحشة } أي ~~الفعلة المتناهية في القبح والسماجة. وقوله تعالى: { وأنتم ~~تبصرون } جملة حالية من فاعل تأتون مفيدة لتأكيد الإنكار ~~وتشديد التوبيخ، فإن تعاطي القبيح من العالم بقبحه أقبح ~~وأشنع. وتبصرون من بصر القلب أي أتفعلونها والحال أنكم تعلمون ~~علما يقينيا بكونها كذلك وقيل: يبصرها بعضكم من بعض لما كانوا ~~يعلنون بها. ### || [27.55-60] # { أئنكم لتأتون الرجال شهوة } تثنية للإنكار ~~وتكرير للتوبيخ وبيان لما يأتونه من الفاحشة بطريق ms2518 التصريح، ~~وتحلية الجملة بحرفي التأكيد للإيذان بأن مضمونها مما لا يصدق ~~وقوعه أحد لكمال بعده من العقول. وإيراد المفعول بعنوان ~~الرجولية لتربية التقبيح وتحقيق المباينة بينها وبين الشهوة ~~التي علل بها الإتيان { من دون النساء } متجاوزين النساء اللاتي ~~هن محال الشهوة { بل أنتم قوم تجهلون } تفعلون فعل ~~الجاهلين بقبحه أو تجهلون العاقبة أو الجهل بمعنى السفاهة والمجون ~~أي بل أنتم قوم سفهاء ماجنون. والتاء فيه مع كونه صفة لقوم ~~لكونهم في حيز الخطاب. # { فما كان جواب قومه إلا أن قالوا أخرجوا ءال ~~لوط من قريتكم إنهم أناس يتطهرون } يتنزهون عن ~~أفعالنا أو عن الأقذار ويعدون فعلنا قذرا. وعن ابن عباس رضي ~~الله تعالى عنهما أنه استهزاء وقد مر في سورة الأعراف أن هذا ~~الجواب هو الذي صدر عنهم في المرة الأخيرة من مرات مواعظ لوط ~~عليه السلام بالأمر والنهي لا أنه لم يصدر عنهم كلام آخر ~~غيره. # { فأنجينه وأهله إلا امرأته قدرنها } أي ~~قدرنا أنها { من الغبرين } أي الباقين في العذاب. # { وأمطرنا عليهم مطرا } غير معهود { فساء مطر ~~المنذرين } قد مر بيان كيفية ما جرى عليهم من العذاب غير ~~مرة. # { قل الحمد لله وسلم على عباده الذين ~~اصطفى } إثر ما قص الله تعالى على رسوله عليه الصلاة والسلام ~~قصص الأنبياء المذكورين عليهم الصلاة والسلام وأخبارهم الناطقة ~~بكمال قدرته تعالى وعظم شأنه وبما خصهم به من الآيات القاهرة ~~والمعجزات الباهرة الدالة على جلالة أقدارهم وصحة أخبارهم ~~وبين على ألسنتهم حقية الإسلام والتوحيد وبطلان الكفر ~~والإشراك وأن من اقتدى بهم فقد اهتدى ومن أعرض عنهم فقد تردى في ~~مهاوي الردى وشرح صدره عليه الصلاة والسلام بما في تضاعيف تلك ~~القصص من فنون المعارف الربانية ونور قلبه بأنوار الملكات ~~السبحانية الفائضة من عالم القدس وقرر بذلك فحوى ما نطق به ~~قوله عز وجل: # وإنك لتلقى القرءان من لدن حكيم عليم # [سورة النمل: الآية 6] أمره عليه الصلاة والسلام بأن يحمده تعالى ~~على ما أفاض عليه من تلك النعم التي لا مطمع وراءها لطامع ولا ms2519 ~~مطمح من دونها لطامح ويسلم على كافة الأنبياء الذين من ~~جملتهم الذين قصت عليه أخبارهم التي هي من جملة المعارف التي ~~أوحيت إليه عليه الصلاة والسلام أداء لحق تقدمهم واجتهادهم ~~في الدين. وقيل هو أمر للوط عليه السلام بأن يحمده تعالى على ~~إهلاك كفرة قومه ويسلم على من اصطفاه بالعصمة عن الفواحش ~~والنجاة عن الهلاك ولا يخفى بعده. # { الله خير أما يشركون } أي ألله الذي ذكرت شؤونه ~~العظيمة خير أم ما يشركونه به تعالى من الأصنام. # ومرجع الترديد إلى التعريض بتبكيت الكفرة من جهته تعالى وتسفيه ~~آرائهم الركيكة والتهكم بهم إذ من البين أن ليس فيما أشركوه به ~~تعالى شائبة خير ما حتى يمكن أن يوازن بينه وبين من لا خير ~~إلا خيره ولا إله غيره. وقرىء تشركون بالتاء الفوقانية بطريق ~~تلوين الخطاب وتوجيهه إلى الكفرة وهو الأليق بما بعده من سياق ~~النظم الكريم المبني على خطابهم، وجعله من جملة القول المأمور ~~به يأباه قوله تعالى فأنبتنا الخ فإنه صريح في أن التبكيت من ~~قبله عز وجل بالذات، وحمله على أنه حكاية منه عليه الصلاة ~~والسلام لما أمر به بعبارته كما في قوله تعالى: # قل يعبادى الذين أسرفوا على أنفسهم # [سورة الزمر: الآية 53] تعسف ظاهر من غير داع إليه وأم في قوله ~~تعالى: { أم من خلق السموات والأرض } منقطعة وما فيها ~~من كلمة بل على القراءة الأولى للاضراب والانتقال من التبكيت ~~تعريضا إلى التصريح به خطابا على وجه أظهر منه لمزيد التأكيد ~~والتشديد وأما على القراءة الثانية فلتثنية التبكيت وتكرير ~~الإلزام كنظائرها الآتية. والهمزة لتقريرهم أي حملهم على الإقرار ~~بالحق على وجه الاضطرار فإنه لا يتمالك أحد ممن له أدنى تمييز ~~ولا يقدر على أن لا يعترف بخيرية من خلق جميع المخلوقات وأفاض ~~على كل منها ما يليق به من منافعه من أخس تلك المخلوقات وأدناها بل ~~بأن لا خيرية فيه بوجه من الوجوه قطعا. ومن مبتدأ خبره محذوف مع ~~أم المعادلة للهمزة تعويلا على ما سبق في الاستفهام الأول ms2520 خلا ~~أن تشركون ههنا بتاء الخطاب على القراءتين معا وهكذا في المواضع ~~الأربعة الآتية. والمعنى بل أمن خلق قطري العالم الجسماني ~~ومبدأي منافع ما بينهما { وأنزل لكم } التفات إلى خطاب ~~الكفرة على القراءة الأولى لتشديد التبكيت والإلزام أي أنزل ~~لأجلكم ومنفعتكم { من السماء ماء } أي نوعا منه هو المطر. # { فأنبتنا به حدائق } أي بساتين محدقة ومحاطة بالحوائط { ~~ذات بهجة } أي ذات حسن ورونق يبتهج به النظار. { ما ~~كان لكم } أي ما صح وما أمكن لكم { أن تنبتوا شجرها } ~~فضلا عن ثمرها وسائر صفاتها البديعة خير أم ما تشركون. وقرىء ~~أمن بالتخفيف على أنه بدل من الله. وتقديم صلتى الإنزال على ~~مفعوله لما مر مرارا من التشويق إلى المؤخر، والالتفات إلى ~~التكلم في قوله تعالى: { فأنبتنا } لتأكيد اختصاص الفعل بذاته ~~تعالى والإيذان بأن إنبات تلك الحدائق المختلفة الأصناف والأوصاف ~~والألوان والطعوم والروائح والأشكال مع ما لها من الحسن ~~البارع والبهاء الرائع بماء واحد مما لا يكاد يقدر عليه إلا ~~هو وحده حسبما ينبىء عنه تقييدها بقوله تعالى: { ما كان لكم ~~} الخ سواء كانت صفة لها أو حالا. وتوحيد وصفها الأول أعني ذات ~~بهجة لما أن المعنى جماعة حدائق ذات بهجة على نهج قولهم ~~النساء ذهبت وكذا الحال في ضمير شجرها. # { أءله مع الله } أي أإله آخر كائن مع الله الذي ذكر بعض ~~أفعاله التي لا يكاد يقدر عليها غيره حتى يتوهم جعله شريكا له ~~تعالى في العبادة وهذا تبكيت لهم بنفي الألوهية عما يشركونه به ~~تعالى في ضمن النفي الكلي على الطريقة البرهانية بعد تبكيتهم ~~بنفي الخيرية عنه بما ذكر من الترديد، فإن أحدا ممن له ~~تمييز في الجملة كما لا يقدر على إنكار انتفاء الخيرية عنه ~~بالمرة لا يكاد يقدر على إنكار انتفاء الألوهية عنه رأسا لا ~~سيما بعد ملاحظة انتفاء أحكامها عما سواه تعالى وهكذا الحال في ~~المواقع الأربعة الآتية وقيل: المراد نفي أن يكون معه تعالى إله ~~آخر فيما ذكر من الخلق وما عطف عليه لكن لا على ms2521 أن التبكيت بنفس ~~ذلك النفي فقط كيف لا وهم لا ينكرونه حسبما ينطق به قوله تعالى: # ولئن سألتهم من خلق السموات والأرض ~~ليقولن الله # [سورة لقمان: الآية 25, وسورة الزمر: الآية 38] بل بإشراكهم به تعالى ~~في العبادة ما يعترفون بعدم مشاركته له تعالى فيما ذكر من لوازم ~~الألوهية كأنه قيل أإله آخر مع الله في خواص الألوهية حتى ~~يجعل شريكا له تعالى في العبادة وقيل المعنى أغيره يقرن به ويجعل ~~له شريكا في العبادة مع تفرده تعالى بالخلق والتكوين فالإنكار ~~للتوبيخ والتبكيت مع تحقيق المنكر دون النفي كما في الوجهين ~~السابقين والأول هو الأظهر الموافق لقوله تعالى: # وما كان معه من إله # [سورة المؤمنون: الآية 91] والأوفى بحق المقام لإفادته نفي وجود ~~إله آخر معه تعالى رأسا لا نفي معيته في الخلق وفروعه فقط. ~~وقرىء آإله بتوسيط مدة بين الهمزتين وبإخراج الثانية بين ~~بين. وقرىء أإلها بإضماء فعل يناسب المقام، مثل أتدعون أو ~~أتشركون. # { بل هم قوم يعدلون } إضراب وانتقال من تبكيتهم بطريق ~~الخطاب إلى بيان سوء حالهم وحكايته لغيرهم أي بل هم قوم عادتهم ~~العدول عن طريق الحق بالكلية والإنحراف عن الاستقامة في كل ~~أمر من الأمور فلذلك يفعلون ما يفعلون من العدول عن الحق الواضح ~~الذي هو التوحيد والعكوف على الباطل البين الذي هو الإشراك، ~~وقيل: يعدلون به تعالى غيره وهو بعيد خال عن الإفادة. ### || [27.61] # { أم من جعل الأرض قرارا } قيل: هو بدل من أم من خلق ~~السموات الخ وكذا ما بعده من الجمل الثلاث، وحكم الكل واحد ~~والأظهر أن كل واحدة منها إضراب وانتقال من التبكيت بما قبلها ~~إلى التبكيت بوجه آخر أدخل في الإلزام بجهة من الجهات أي جعلها ~~بحيث بستقر عليها الإنسان والدواب بإبداء بعضها من الماء ~~ودخولها وتسويتها حسبما تدور عليه منافعهم { وجعل خلالها } ~~أوساطها { أنهارا } جارية ينتفعون بها { وجعل لها رواسى ~~} أي جبالا ثوابت تمنعها أن تميد بأهلها ويتكون فيها المعادن ~~وينبع في حضيضها الينابيع ويتعلق بها من المصالح ما لا يحصى { ~~وجعل بين ms2522 البحرين } أي العذاب والمالح أو خليجي فارس ~~والروم { حاجزا } برزخا مانعا من الممازجة وقد مر في سورة ~~الفرقان، والجعل في المواقع الثلاثة الأخيرة إبداعي وتأخير ~~مفعوله عن الظرف لما مر مرارا من التشويق { أءله مع ~~الله } في الوجود أو في إبداع هذه البدائع على ما مر. { بل ~~أكثرهم لا يعلمون } أي شيئا من الأشياء ولذلك لا يفهمون ~~بطلان ما هم عليه من الشرك مع كمال ظهوره. ### || [27.62-63] # { أم من يجيب المضطر إذا دعاه } وهو الذي أحوجته ~~شدة من الشدائد وألجأته إى اللجأ والضراعة إلى الله عز وجل، ~~اسم مفعول من الاضطرار الذي هو افتعال من الضرورة. وعن ابن ~~عباس رضي الله تعالى عنهما هو المجهود وعن السدي رحمه الله ~~تعالى من لا حول له ولا قوة، وقيل: المذنب إذا استغفر. واللام ~~للجنس لا للاستغراق حتى يلزم إجابة كل مضطر. { ويكشف ~~السوء } وهو الذي يعتري الإنسان مما يسوؤه { ويجعلكم ~~حلفاء الأرض } أي خلفاء فيها بأن ورثكم سكناها والتصرف ~~فيها ممن قبلكم من الأمم وقيل المراد بالخلافة الملك والتسلط. { ~~أءله مع الله } الذي يفيض على كافة الأنام هذه النعم ~~الجسام { قليلا ما تذكرون } أي تذكرا قليلا أو زمانا ~~قليلا تتذكرون، وما مزيدة لتأكيد معنى القلة التي أريد بها ~~العدم أو ما يجري مجراه في الحقارة وعدم الجدوى. وفي تذييل الكلام ~~بنفي التذكر عنهم إيذان بأن مضمونه مركوز في ذهن كل ذكي ~~وغبي وأنه من الوضوح بحيث لا يتوقف إلا على التوجه إليه وتذكره. ~~وقرىء تتذكرون على الأصل وتذكرون يذكرون بالتاء والياء مع ~~الإدغام. # { أم من يهديكم فى ظلمت البر والبحر } أي في ~~ظلمات الليالي فيهما على أن الإضافة للملابسة أو في مشتبهات الطرق ~~يقال طريقة ظلماء وعمياء للتي لا منار بها { ومن يرسل ~~الرياح بشرا بين يدى رحمته } وهي المطر، ولئن صح أن ~~السبب الأكثري في تكون الريح معاودة الأدخنة الصاعدة من الطبقة ~~الباردة لانكسار حرها وتمويجها للهواء فلا ريب في أن الأسباب ~~الفاعلية والقابلية لذلك كله من خلق الله عز وجل، ms2523 والفاعل ~~للسبب فاعل للمسبب قطعا { أءله مع الله } نفي لأن يكون ~~معه إله آخر. وقوله تعالى: { تعالى الله عما يشركون } ~~تقرير وتحقيق له، وإظهار الاسم الجليل في موضع الإضمار للإشعار ~~بعلة الحكم أي تعالى وتنزه بذاته المنفردة بالألوهية ~~المستتبعة لجميع صفات الكمال ونعوت الجمال والجلال المقتضية ~~لكون كل المخلوقات مقهورا تحت قدرته عما يشركون أي عن وجود ~~ما يشركونه به تعالى لا مطلقا فإن وجوده مما لا مرد له بل عن ~~وجوده بعنوان كونه إلها وشريكا له تعالى أو عن إشراكهم. ### || [27.64-66] # { أم من يبدأ الخلق ثم يعيده } أي بل أمن يبدأ ~~الخلق ثم يعيده بعد الموت بالبعث { ومن يرزقكم من ~~السماء والأرض } أي بأسباب سماوية وأرضية قد رتبها على ترتيب ~~بديع تقتضيه الحكمة التي عليها بني أمر التكوين خير أم ما ~~تشركونه به في العبادة من جماد لا يتوهم قدرته على شيء ما أصلا. # { أءله } آخر موجود { مع الله } حتى يجعل شريكا له في ~~العبادة وقوله تعالى: { قل هاتوا برهنكم } أمر له عليه ~~الصلاة والسلام بتبكيتهم إثر تبكيت أي هاتوا برهانا عقليا ~~أو نقليا يدل على أن معه تعالى إلها لا على أن غيره تعالى يقدر ~~على شيء مما ذكر من أفعاله تعالى كما قيل فإنهم لا يدعونه ~~صريحا ولا يلتزمون كونه من لوازم الألوهية وإن كان منها في الحقيقة ~~فمطالبتهم بالبرهان عليه لا على صريح دعواهم مما لا وجه له وفي ~~إضافة البرهان إلى ضميرهم تهكم بهم لما فيها من إيهام أن لهم ~~برهانا وأنى لهم ذلك { إن كنتم صدقين } أي في تلك ~~الدعوى. # { قل لا يعلم من فى السموات والأرض الغيب ~~إلا الله } بعد ما حقق تفرده تعالى بالألوهية ببيان اختصاصه ~~بعلم الغيب تكميلا لما قبله وتمهيدا لما بعده من أمر البعث. ~~والاستثناء منقطع ورفع المستثنى على اللغة التميمية للدلالة على ~~استحالة علم الغيب من أهل السموات والأرض بتعليقه بكونه ~~سبحانه وتعالى منهم كأنه قيل: إن كان الله تعالى ممن فيهما ~~ففيهم من يعلم الغيب، أو متصل ms2524 على أن المراد بمن في السموات ~~والأرض من تعلق علمه بهما واطلع عليهما اطلاع الحاضر فيهما ~~فإن ذلك معنى مجازي عام له تعالى ولأولي العلم من خلقه، ومن ~~موصولة أو موصوفة { وما يشعرون أيان يبعثون } أي متى ~~ينشرون من القبور مع كونه مما لا بد لهم منه ومن أهم الأمور ~~عندهم. وأيان مركبة من أي وآن. وقرىء بكسر الهمزة. والضمير ~~للكفرة وإن كان عدم الشعور بما ذكر عاما لئلا يلزم ~~التفكيك بينه وبين ما سيأتي من الضمائر الخاصة بهم قطعا. ~~وقيل الكل لمن، وإسناد خواص الكفرة إلى الجميع من قبيل قولهم ~~بنو فلان فعلوا كذا والفاعل بعض منهم. # { بل ادارك علمهم فى الأخرة } لما نفى عنهم علم ~~الغيب وأكد ذلك بنفي شعورهم بوقت ما هو مصيرهم لا محالة بولغ ~~في تأكيده وتقريره بأن أضرب عنه وبين أنهم في جهل أفحش من ~~جهلهم بوقت بعثهم حيث لا يعلمون أحوال الآخرة مطلقا مع تعاضد ~~أسباب معرفتها على أن معنى ادارك علمهم في الآخرة تدارك وتتابع ~~علمهم في شأن الآخرة التي ما ذكر من البعث حال من أحوالها حتى ~~انقطع ولم يبق لهم علم بشيء مما سيكون فيها قطعا لكن لا على ~~معنى أنه كان لهم علم بذلك على الحقيقة ثم انتفى شيئا فشيئا ~~بل على طريقة المجاز بتنزيل أسباب العلم ومباديه من الدلائل ~~العقلية والسمعية منزلة نفسه وإجراء تساقطها عن درجة اعتبارهم ~~كلما لاحظوها مجرى تتابعها إلى الانقطاع ثم أضرب وانتقل عن ~~بيان عدم علمهم بها إلى بيان ما هو أسوأ منه وهو حيرتهم في ~~ذلك حيث قيل: # بل هم فى شك منها # [سورة النمل: الآية 66] أي في شك مريب من نفس الآخرة وتحققها كمن ~~تحير في أمر لا يجد عليه دليلا فضلا عن الأمور التي ستقع فيها ~~ثم أضرب عن ذلك إلى بيان أن ما هم فيه أشد وأفظع من الشك ~~حيث قيل: # بل هم منها عمون # [سورة النمل: الآية 66] بحيث لا يكادون يدركون دلائلها لاختلال ~~بصائرهم بالكلية. وقرىء بل أدرك ms2525 علمهم بمعنى انتهى وفني، وقد ~~فسره الحسن البصري باضمحل علمهم، وقيل: كلتا الصيغتين على ~~معناهما الظاهر أي تكامل واستحكم أو تم أسباب علمهم بأنها كائنة ~~لا محالة من آيات القيامة القاطعة والحجج الساطعة وتمكنوا من ~~المعرفة فضل تمكن وهم جاهلون في ذلك وقوله تعالى: { بل هم فى ~~شك منها } إضراب وانتقال من وصفهم بمطلق الجهل إلى وصفهم ~~بالشك. وقوله تعالى: { بل هم منها عمون } إضراب من وصفهم ~~بالشك إلى وصفهم بما هو أشد منه وأفظع من العمى، وأنت ~~خبير بأن تنزيل أسباب العلم منزلة العلم سنن مسلوك لكن ~~دلالة النظم الكريم على جهلهم حينئذ ليست بواضحة. وقيل: ~~المراد بوصفهم باستحكام العلم وتكامله التهكم بهم فيكون وصفا ~~لهم بالجهل مبالغة والإضرابان على ما ذكر وأصل ادارك تدارك ~~وبه قرأ أبي، فأبدلت التاء دالا وسكنت فتعذر ~~الابتداء فاجتلبت همزة الوصل فصار أدارك. وقرىء بل ادرك ~~وأصله افتعل، وبل أأدرك بهمزتين، وبل آأدرك بألف بينهما، ~~وبل درك بالتخفيف والنقل، وبل ادرك بفتح اللام وتشديد ~~الدال، وأصله بل أدرك على الاستفهام، وبلى ادرك،، وبلى ~~أأدرك، وأم تدارك، وأم ادرك. فهذه ثنتا عشرة قراءة فما ~~فيه استفهام صريح أو مضمن من ذلك فهو إنكار ونفي وما فيه ~~بلى فإثبات لشعورهم وتفسير له بالإدراك على وجه التهكم الذي هو ~~أبلغ وجوه النفي والإنكار، وما بعده إضراب عن التفسير ~~مبالغة في النفي ودلالة على أن شعورهم بها أنهم شاكون فيها ~~بل إنهم منها عمون أو رد وإنكار لشعورهم. ### || [27.67] # { وقال الذين كفروا } بيان لجهلهم بالآخرة وعمههم ~~منها بحكاية إنكارهم للبعث، ووضع الموصول موضع ضميرهم لذمهم بما ~~في حيز صلته والإشعار بعلة حكمهم الباطل في قولهم { أءذا ~~كنا ترابا وءاباؤنا أءنا لمخرجون } أي أنخرج من ~~القبور إذا كنا ترابا كما ينبىء عنه مخرجون ولا مساغ لأن يكون ~~هو العامل في إذا لاجتماع موانع لو تفرد واحد منها لكفى في ~~المنع، وتقييد الإخراج بوقت كونهم ترابا ليس لتخصيص الإنكار ~~بالإخراج حينئذ فقط فإنهم منكرون للإحياء بعد الموت مطلقا وإن ms2526 ~~كان البدن على حاله بل لتقوية الإنكار بتوجيهه إلى الإخراج في ~~حالة منافية له. وقوله تعالى وآباؤنا عطف على اسم كان، وقام ~~الفصل مع الخبر مقام الفصل بالتأكيد، وتكرير الهمزة في أئنا ~~للمبالغة والتشديد في الإنكار. وتحلية الجملة بأن واللام ~~لتأكيد الإنكار لا لإنكار التأكيد كما يوهمه ظاهر النظم فإن ~~تقديم الهمزة لاقتضائها الصدارة كما في قوله تعالى: # أفلا تعقلون # [سورة البقرة: الآيات 44, 76, وسورة آل عمران: الآية 65, وسورة الأنعام: ~~الآية 32 وسورة الأعراف: الآية 169, وسورة يونس: الآية 16, وسورة هود: ~~الآية 51, وسورة يوسف: الآية 109, وسورة الأنبياء: الآيات 10 و 67, وسورة ~~المؤمنون: الآية 80, وسورة القصص: الآية 60, وسورة الصافات: الآية 138] ~~ونظائره على رأي الجمهور فإن المعنى عندهم تعقيب الإنكار ~~لا إنكار التعقيب كما هو المشهور. وقرىء إذا كنا بهمزة واحدة ~~مكسورة، وقرىء إنا لمخرجون على الخبر. ### || [27.68-73] # { لقد وعدنا هذا } أي الإخراج { نحن وءاباؤنا من ~~قبل } أي من قبل وعده عليه الصلاة والسلام، وتقديم الموعود ~~على نحن لأنه المقصود بالذكر وحيث أخر قصد به المبعوث ~~والجملة استئناف مسوق لتقرير الإنكار. وتصديرها بالقسم لمزيد ~~التأكيد. وقوله تعالى: { إن هذا إلا أسطير الأولين ~~} تقرير إثر تقرير. # { قل سيروا في الأرض فانظروا كيف كان عقبة ~~المجرمين } بسبب تكذيبهم للرسل عليهم الصلاة والسلام ~~فيما دعوهم إليه من الإيمان بالله عز وجل وحده وباليوم الآخر ~~الذي تنكرونه فإن في مشاهدة عاقبتهم ما فيه كفاية لأولي ~~الأبصار وفي التعبير عن المكذبين بالمجرمين لطف بالمؤمنين في ~~ترك الجرائم. # { ولا تحزن عليهم } لإصرارهم على الكفر والتكذيب { ~~ولا تكن فى ضيق } في حرج صدر { مما يمكرون } من ~~مكرهم فإن الله تعالى يعصمك من الناس. وقرىء بكسر الضاد ~~وهو أيضا مصدر ويجوز أن يكون المفتوح مخففا من ضيق. وقد ~~قرىء كذلك أي لا تكن في أمر ضيق. # { ويقولون متى هذا الوعد } أي العذاب العاجل الموعود ~~{ إن كنتم صدقين } في إخباركم بإتيانه. والجمع باعتبار ~~شركة المؤمنين في الإخبار بذلك. # { قل عسى أن يكون ردف لكم } أي تبعكم ولحقكم واللام ~~مزيدة للتأكيد كالباء في قوله ms2527 تعالى: # ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة # [سورة البقرة: الآية 195] أو الفعل مضمن معنى فعل يعدى ~~باللام. وقرىء بفتح الدال وهي لغة فيه { بعض الذى ~~تستعجلون } وهو عذاب يوم بدر. وعسى ولعل وسوف في مواعيد ~~الملوك بمنزلة الجزم بها وإنما يطلقونها إظهارا للوقار وإشعارا بأن ~~الرمز من أمثالهم كالتصريح ممن عداهم وعلى ذلك مجرى وعد الله ~~تعالى ووعيده. وإيثار ما عليه النظم الكريم على أن يقال عسى ~~أن يردفكم الخ لكونه أدل على تحقق الوعد. # { وإن ربك لذو فضل على الناس } أي لذو إفضال ~~وإنعام على كافة الناس. ومن جملة إنعاماته تأخير عقوبة هؤلاء ~~على ما يرتكبونه من المعاصي التي من جملتها استعجال العذاب { ~~ولكن أكثرهم لا يشكرون } لا يعرفون حق النعمة فيه ~~فلا يشكرونه بل يستعجلون بجهلهم وقوعه كدأب هؤلاء. ### || [27.74-80] # { وإن ربك ليعلم ما تكن صدورهم } أي ما تخفيه. ~~وقرىء بفتح التاء من كننت الشيء إذا سترته { وما يعلنون ~~} من الأفعال والأقوال التي من جملتها ما حكي عنهم من استعجال ~~العذاب وفيه إيذان بأن لهم قبائح غير ما يظهرونه وأنه تعالى ~~يجازيهم على الكل. وتقديم السر على العلن قد مر سره في ~~سورة البقرة عند قوله تعالى: # أو لا يعلمون أن الله يعلم ما يسرون وما ~~يعلنون # [سورة البقرة: الآية 77] { وما من غائبة فى السماء ~~والأرض } أي من خافية فيهما وهما من الصفات الغالبة. والتاء ~~للمبالغة كما في الرواية أو اسمان لما يغيب ويخفى والتاء ~~للنقل إلى الاسمية { إلا فى كتب مبين } أي بين أو ~~مبين لما فيه لمن يطالعه وهو اللوح المحفوظ، وقيل هو ~~القضاء العدل بطريق الاستعارة. # { إن هذا القرءان يقص على بنى إسرءيل أكثر ~~الذى هم فيه يختلفون } من جملته ما اختلفوا في شأن ~~المسيح وتحزبوا فيه أحزابا وركبوا متن العتو والغلو في ~~الإفراط والتفريط والتشبيه والتنزيه ووقع بينهم ~~التناكد في أشياء حتى بلغ المشاقة إلى حيث لعن بعضهم بعضا ~~وقد نزل القرآن الكريم ببيان كنه الأمر لو كانوا في حيز ~~الإنصاف. # { وأنه لهدى ورحمة للمؤمنين ms2528 } على الإطلاق فيدخل ~~فيهم من آمن من بني إسرائيل دخولا أوليا. # { إن ربك يقضى بينهم } أي بين بني إسرائيل { بحكمه ~~} بما يحكم به وهو الحق أو بحكمته ويؤيده أنه قرىء بحكمه { ~~وهو العزيز } فلا يرد حكمه وقضاؤه { العليم } بجميع ~~الأشياء التي من جملتها ما يقضى به والفاء في قوله تعالى: { ~~فتوكل على الله } لترتيب الأمر على ما ذكر من شؤونه عز ~~وجل فإنها موجبة للتوكل عليه وداعية إلى الأمر به أي فتوكل ~~على الله الذي هذا شأنه فإنه موجب على كل أحد أن يتوكل عليه ~~ويفوض جميع أموره إليه وقوله تعالى: # { إنك على الحق المبين } تعليل صريح للتوكل عليه ~~تعالى بكونه عليه الصلاة والسلام على الحق البين أو ~~الفاصل بينه وبين الباطل أو بين المحق والمبطل فإن ~~كونه عليه الصلاة والسلام كذلك مما يوجب الوثوق بحفظه ~~تعالى ونصرته وتأييده لا محالة. # وقوله تعالى: { إنك لا تسمع الموتى } الخ تعليل آخر ~~للتوكل الذي هو عبارة عن التبتل إلى الله تعالى وتفويض الأمر ~~إليه والإعراض عن التشبث بما سواه وقد علل أولا بما يوجبه من ~~جهته تعالى أعني قضاءه بالحق وعزته وعلمه تعالى وثانيا بما ~~يوجبه من جهته عليه الصلاة والسلام على أحد الوجهين أعني ~~كونه عليه الصلاة والسلام على الحق ومن جهته تعالى على الوجه ~~الآخر أعني إعانته تعالى وتأييده للحق. # ثم علل ثالثا بما يوجبه لكن لا بالذات بل بواسطة إيجابه ~~للإعراض عن التشبث بما سواه تعالى فإن كونهم كالموتى والصم ~~والعمي موجب لقطع الطمع عن مشايعتهم ومعاضدتهم رأسا وداع إلى ~~تخصيص الاعتضاد به تعالى وهو المعنى بالتوكل عليه تعالى وإنما ~~شبهوا بالموتى لعدم تأثرهم بما يتلى عليهم من القوارع. # وإطلاق الإسماع عن المفعول لبيان عدم سماعهم لشيء من المسموعات ~~ولعل المراد تشبيه قلوبهم بالموتى فيما ذكر من عدم الشعور ~~فإن القلب مشعر من المشاعر أشير إلى بطلانه بالمرة ثم بين ~~بطلان مشعري الأذن والعين كما في قوله تعالى: # لهم قلوب لا يفقهون بها ولهم أعين لا ~~يبصرون بها ولهم ms2529 ءاذان لا يسمعون بها # [سورة الأعراف: الآية 179] وإلا فبعد تشبيه أنفسهم بالموتى لا يظهر ~~لتشبيههم بالصم والعمي مزيد مزية. { ولا تسمع الصم ~~الدعاء } أي الدعوة إلى أمر من الأمور، وتقييد النفي بقوله ~~تعالى { إذا ولوا مدبرين } لتكميل التشبيه وتأكيد ~~النفي فإنهم مع صممهم عن الدعاء إلى الحق معرضون عن ~~الداعي مولون على أدبارهم، ولا ريب في أن الأصم لا يسمع ~~الدعاء مع كون الداعي بمقابلة صماخه قريبا فكيف إذا كان ~~خلفه بعيدا منه. وقرىء ولا يسمع الصم الدعاء. ### || [27.81-82] # { وما أنت بهادى العمى عن ضللتهم } هداية موصلة ~~إلى المطلوب كما في قوله تعالى: # إنك لا تهدى من أحببت # [سورة القصص: الآية 56] فإن الاهتداء منوط بالبصر، وعن متعلقة ~~بالهداية باعتبار تضمنه معنى الصرف وقيل: بالعمى عن كذا وفيه ~~بعد. وإيراد الجملة الاسمية للمبالغة في نفي الهداية. وقرىء ~~وما أنت تهدي العمي { إن تسمع } أي ما تسمع سماعا يجدي ~~السامع نفعا { إلا من يؤمن بئايتنا } أي من من شأنهم ~~الإيمان بها. وإيراد الإسماع في النفي والإثبات دون الهداية مع ~~قربها بأن يقال إن تهدي إلا من يؤمن الخ لما أن طريق الهداية ~~هو إسماع الآيات التنزيلية { فهم مسلمون } تعليل لإيمانهم ~~بها كأنه قيل فإنهم منقادون للحق. وقيل: مخلصون لله تعالى من ~~قوله تعالى: # بلى من أسلم وجهه لله # [سورة البقرة: الآية 112] # . { وإذا وقع القول عليهم } بيان لما أشير إليه بقوله ~~تعالى: # بعض الذى تستعجلون # [سورة النمل: الآية 72] من بقية ما يستعجلونه من الساعة ومباديها، ~~والمراد بالقول ما نطق من الآيات الكريمة بمجيء الساعة وما ~~فيها من فنون الأهوال التي كانوا يستعجلونها وبوقوعه قيامها ~~وحصولها عبر عن ذلك به للإيذان بشدة وقعها وتأثيرها. وإسناده ~~إلى القول لما أن المراد بيان وقوعها من حيث إنها مصداق ~~للقول الناطق بمجيئها وقد أريد بالوقوع دنوه واقترابه كما في ~~قوله تعالى: # أتى أمر الله # [سورة النحل: الآية 1] أي إذا دنا وقوع مدلول القول المذكور الذي ~~لا يكادون يسمعونه ومصداقه { أخرجنا لهم دابة من ~~الأرض } وهي الجساسة وفي ms2530 التعبير عنها باسم الجنس وتأكيد ~~إبهامه بالتنوين التفخيمي من الدلالة على غرابة شأنها ~~وخروج أوصافها عن طور البيان ما لا يخفى. وقد ورد في الحديث أن ~~طولها ستون ذراعا لا يدركها طالب ولا يفوتها هارب. وروي أن لها أربع ~~قوائم ولها زعب وريش وجناحان. وعن ابن جريج في وصفها رأس ثور ~~وعين خنزير وأذن فيل وقرن أيل وعنق نعامة وصدر أسد ولون نمر ~~وخاصرة هرة وذنب كبش وخف بعير وما بين المفصلين اثنا عشر ~~ذراعا بذراع آدم عليه السلام. وقال وهب: وجهها وجه الرجل ~~وباقي خلقها خلق الطير. وروي عن علي رضي الله عنه أنه قال: ~~ليس بدابة لها ذنب ولكن لها لحية كأنه رجل. والمشهور أنها ~~دابة. وروي لا تخرج إلا رأسها ورأسها يبلغ عنان السماء أو ~~يبلغ السحاب. وعن أبي هريرة رضي الله عنه فيها كل لون ما ~~بين قرنيها فرسخ للراكب. وعن الحسن رضي الله عنه لا يتم ~~خروجها إلا بعد ثلاثة أيام. وعن علي رضي الله عنه أنها تخرج ~~ثلاثة أيام والناس ينظرون فلا يخرج كل يوم إلا ثلثها. وعن ~~النبي عليه الصلاة والسلام أنه سئل من أين تخرج الدابة ~~فقال: # " من أعظم المساجد حرمة على الله تعالى " # يعني المسجد الحرام وروي أنها تخرج ثلاث خرجات تخرج بأقصى ~~اليمن ثم تخرج بالبادية ثم تنكمن دهرا طويلا فبينا الناس في ~~أعظم المساجد حرمة على الله تعالى وأكرمها فما يهولهم إلا خروجها ~~من بين الركن حذاء دار بني مخزوم عن يمين الخارج من المسجد فقوم ~~يهربون وقوم يقفون نظارة، وقيل: تخرج من الصفا. وروي بينا عيسى ~~عليه السلام يطوف بالبيت ومعه المسلمون إذ تضطرب الأرض تحتهم ~~تحرك القنديل وينشق الصفا مما يلي المسعى فتخرج الدابة ~~من الصفا ومعها عصا موسى وخاتم سليمان عليهما السلام فتضرب ~~المؤمن في مسجده بالعصا فتنكت نكتة بيضاء فتفشو حتى يضيء لها ~~وجهه وتكتب بين عينيه مؤمن، وتنكت الكافر بالخاتم في أنفه ~~فتفشو النكتة حتى يسود لها وجهه وتكتب بين عينيه كافر ثم ~~تقول ms2531 لهم أنت يا فلان من أهل الجنة وأنت يا فلان من أهل ~~النار. وروي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قرع الصفا ~~بعصاه وهو محرم وقال إن الدابة لتسمع قرع عصاي هذه. وروى ~~أبو هريرة عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال # " " بئس الشعب شعب أجياد " مرتين أو ثلاثا قيل: ولم ذاك يا ~~رسول الله قال " تخرج منه الدابة فتصرخ ثلاث صرخات يسمعها من ~~بين الخافقين فتتكلم بالعربية بلسان ذلق " " # وذلك قوله تعالى: { تكلمهم أن الناس كانوا ~~بئايتنا لا يوقنون } أي تكلمهم بأنهم كانوا لا يوقنون ~~بآيات الله تعالى الناطقة بمجيء الساعة ومباديها أو بجميع آياته ~~التي من جملتها تلك الآيات وقيل: بآياته التي من جملتها خروجها ~~بين يدي الساعة والأول هو الحق كما ستحيط به علما. وقرىء ~~بأن الناس الآية وإضافة الآيات إلى نون العظمة لأنها حكاية ~~منه تعالى لمعنى قولها لا لعين عبارتها وقيل: لأنها حكاية منها ~~لقول الله عز وجل وقيل: لاختصاصها به تعالى وأثرتها عنده كما ~~يقول بعض خواص الملك خيلنا وبلادنا وإنما الخيل والبلاد ~~لمولاه وقيل: هناك مضاف محذوف أي بآيات ربنا. ووصفهم بعدم ~~الإيقان بها مع أنهم كانوا جاحدين بها للإيذان بأنه كان من ~~حقهم أن يوقنوا بها ويقطعوا بصحتها وقد اتصفوا بنقيضه. وقرىء ~~إن الناس بالكسر على إضمار القول أو إجراء الكلام مجراه. ~~والكلام في الإضافة كالذي سبق وقيل: هو استئناف مسوق من جهته ~~تعالى لتعليل إخراجها أو تكليمها ويرده الجمع بين صيغتي الماضي ~~والمستقبل فإنه صريح في كونه حكاية لعدم إيقانهم السابق في ~~الدنيا. والمراد بالناس إما الكفرة على الإطلاق أو مشركو ~~مكة. وقد روي عن وهب أنها تخبر كل من تراه أن أهل مكة ~~كانوا بمحمد والقرآن لا يوقنون. وقرىء تكلمهم من الكلم الذي ~~هو الجرح. والمراد به ما نقل من الوسم بالعصا والخاتم وقد ~~جوز كون القراءة المشهورة أيضا منه لمعنى التكثير ولا يخفى ~~بعده. ### || [27.83-85] # { ويوم نحشر من كل أمة فوجا } بيان إجمالي لحال ~~المكذبين عند قيام الساعة ms2532 بعد بيان بعض مباديها. ويوم ~~منصوب بمضمر خوطب به النبي عليه الصلاة والسلام. والمراد بهذا ~~الحشر هو الحشر للعذاب بعد الحشر الكلي الشامل لكافة ~~الخلق. وتوجيه الأمر بالذكر إلى الوقت مع أن المقصود تذكير ما ~~وقع فيه من الحوادث قد مر بيان سره مرارا أي واذكر لهم وقت ~~حشرنا أي جمعنا من كل أمة من أمم الأنبياء عليهم الصلاة ~~والسلام أو من أهل كل قرن من القرون جماعة كثيرة فمن تبعيضية ~~لأن كل أمة منقسمة إلى مصدق ومكذب، وقوله تعالى: { ممن ~~يكذب بئايتنا } بيان للفوج أي فوجا مكذبين بها { فهم ~~يوزعون } أي يحبس أولهم على أخرهم حتى يتلاحقوا ويجتمعوا في ~~موقف التوبيخ والمناقشة وفيه من الدلالة على كثرة عددهم ~~وتباعد أطرافهم ما لا يخفي. وعن ابن عباس رضي الله عنهما: أبو ~~جهل والوليد بن المغيرة وشيبة بن ربيعة يساقون بين يدي أهل ~~مكة وهكذا يحشر قادة سائر الأمم بين أيديهم إلى النار. # { حتى إذا جاءوا } إلى موقف السؤال والجواب والمناقشة ~~والحساب { قال } أي الله عز وجل موبخا لهم على التكذيب ~~والالتفات لتربية المهابة { أكذبتم بئايتى } الناطقة ~~بلقاء يومكم هذا. وقوله تعالى { ولم تحيطوا بها علما } ~~جملة حالية مفيدة لزيادة شناعة التكذيب وغاية قبحه ~~ومؤكدة للإنكار والتوبيخ أي أكذبتم بها بادىء الرأي غير ~~ناظرين فيها نظرا يؤدي إلى العلم بكنهها وأنها حقيقة ~~بالتصديق حتما، وهذا نص في أن المراد بالآيات فيما في ~~الموضعين هي الآيات القرآنية لأنها هي المنطوية على دلائل ~~الصحة وشواهد الصدق التي لم يحيطوا بها علما مع وجوب أن ~~يتأملوا ويتدبروا فيها لا نفس الساعة وما فيها. وقيل: هو معطوف ~~على كذبتم أي أجمعتم بين التكذيب وعدم التدبر فيها { أم ماذا ~~كنتم تعملون } أي أم أي شيء كنتم تعملون بها وأم أي ~~شيء كنتم تعملون غير ذلك بمعنى أنه لم يكن لهم عمل غير ذلك ~~كأنهم لم يخلقوا إلا للكفر والمعاصي مع أنهم ما خلقوا إلا ~~للإيمان والطاعة يخاطيون بذلك تبكيتا ثم يكبون في النار. # وذلك قوله تعالى: ms2533 { ووقع القول عليهم } أي حل بهم ~~العذاب الذي هو مدلول القول الناطق بحلوله ونزوله { بما ~~ظلموا } بسبب ظلمهم الذي هو تكذيبهم بآيات الله { فهم لا ~~ينطقون } لانقطاعهم عن الجواب بالكلية وابتلائهم بشغل شاغل ~~من العذاب الأليم. ### || [27.86-87] # { ألم يروا أنا جعلنا الليل ليسكنوا فيه } ~~الرؤية قلبية لا بصرية لأن نفس الليل والنهار وإن كانا من ~~المبصرات لكن جعلهما كما ذكر من قبيل المعقولات أي ألم يعلموا ~~أنا جعلنا الليل بما فيه من الإظلام ليستريحوا فيه بالنوم ~~والقرار. { والنهار مبصرا } أي ليبصروا بما فيه من ~~الإضاءة طرق التقلب في أمور المعاش فبولغ فيه حيث جعل الإبصار ~~الذي هو حال الناس حالا له ووصفا من أوصافه التي جعل عليها بحيث ~~لا ينفك عنها ولم يسلك في الليل هذا المسلك لما أن تأثير ظلام ~~الليل في السكون ليس بمثابة تأثير ضوء النهار في الأبصار { ~~إن فى ذلك } أي في جعلهما كما وصفا، وما في اسم الإشارة من ~~معنى البعد للإشعار ببعد درجته في الفضل. { لأيات } أي ~~عظيمة كثيرة { لقوم يؤمنون } دالة على صحة البعث وصدق ~~الآيات الناطقة به دلالة واضحة كيف لا وإن من تأمل في ~~تعاقب الليل والنهار واختلافهما على وجوه بديعة مبنية على حكم ~~رائعة تحار في فهمها العقول ولا يحيط بها إلا الله عز وجل ~~وشاهد في الآفاق تبدل ظلمة الليل المحاكية للموت بضياء ~~النهار المضاهي للحياة وعاين في نفسه تبدل النوم الذي هو أخو ~~الموت بالانتباه الذي هو مثل الحياة قضى بأن الساعة آتية لا ~~ريب فيها وأن الله يبعث من في القبور قضاء متقنا وجزم بأنه ~~تعالى قد جعل هذا أنموذجا له ودليلا يستدل به على تحققه وأن ~~الآيات الناطقة به وبكون حال الليل والنهار برهانا عليه وسائر ~~الآيات كلها حق نازل من عند الله تعالى. # { ويوم ينفخ فى الصور } إما معطوف على يوم نحشر منصوب ~~بناصبه أو بمضمر معطوف عليه. والصور هو القرن الذي ينفخ فيه ~~إسرافيل عليه السلام # " عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول ms2534 الله صلى الله عليه وسلم قال: ~~" لما فرغ الله تعالى من خلق السموات والأرض خلق الصور ~~فأعطاه إسرافيل فهو واضعه على فيه شاخص بصره إلى العرش متى يؤمر ~~" قال قلت: يا رسول الله ما الصور؟ قال: " القرن " قال قلت: كيف ~~هو؟ قال: " عظيم والذي نفسي بيده إن عظم دارة فيه كعرض السماء ~~والأرض فيؤمر بالنفخ فيه فينفخ نفخة لا يبقى عندها في الحياة ~~أحد غير من شاء الله تعالى وذلك قوله تعالى: { ونفخ فى الصور ~~فصعق من فى السموات ومن فى الأرض إلا من شاء ~~الله } [سورة الزمر: الآية 68] ثم يؤمر بأخرى فينفخ نفخة لا يبقي ~~معها ميت إلا بعث وقام وذلك قوله تعالى: { ثم نفخ فيه ~~أخرى فإذا هم قيام ينظرون } " # والذي يستدعيه سباق النظم الكريم وسياقه أن المراد بالنفخ ~~ههنا هي النفخة الثانية وبالفزع في قوله تعالى { ففزع من فى ~~السموات ومن فى الأرض } ما يعتري الكل عند البعث ~~والنشور بمشاهدة الأمور الهائلة الخارقة للعادات في الأنفس ~~والآفاق من الرعب والتهيب الضروريين الجبلين. وإيراد صيغة ~~الماضي مع كون المعطوف عليه أعني ينفخ مضارعا للدلالة على تحقق ~~وقوعه إثر النفخ، ولعل تأخير بيان الأحوال الواقعة عند ~~ابتداء النفخة عن بيان ما يقع بعدها من حشر المكذبين من كل ~~أمة لتثنية التهويل بتكرير التذكير إيذانا بأن كل واحد ~~منهما طامة كبرى وداهية دهياء حقيقة بالتذكير على حيالها، ولو ~~روعي الترتيب الوقوعي لربما توهم أن الكل داهية واحدة قد ~~أمر بذكرها كما مر في قصة البقرة { إلا من شاء الله } أي ~~أن لا يفزع قيل: هم جبريل وميكائيل وإسرافيل وعزرائيل عليهم ~~السلام، وقيل: الحور والخرنة وحملة العرش { وكل } أي ~~كل واحد من المبعوثين عند النفخة { أتوه } حضروا الموقف بين ~~يدي رب العزة جل جلاله للسؤال والجواب والمناقشة ~~والحساب. وقرىء أتاه باعتبار لفظ الكل كما أن القراءة ~~الأولى باعتبار معناه. وقرىء آتوه أي حاضروه { دخرين } أي ~~صاغرين. وقرىء دخرين. ### || [27.88] # وقوله تعالى: # { وترى الجبال } عطف على ينفخ داخل في حكم التذكير. ~~وقوله ms2535 عز وجل { تحسبها جامدة } أي ثابتة في أماكنها ~~إما بدل منه أو حال من ضمير ترى أو من مفعوله. وقوله تعالى: { ~~وهى تمر مر السحاب } حال من ضمير الجبال في تحسبها أو ~~في جامدة أي تراها رأي العين ساكنة والحال أنها تمر مر ~~السحاب التي تسيرها الرياح سيرا حثيثا، وذلك أن الأجرام ~~العظام إذا تحركت نحو سمت لا تكاد تتبين حركتها وعليه قول من ~~قال # بأرعن مثل الطود تحسب أنهم # وقوف لحاج والركاب تهملج # وقد أدمج في هذا التشبيه تشبيه حال الجبال بحال السحاب في ~~تخلخل الأجزاء وانتفاشها كما في قوله تعالى: # وتكون الجبال كالعهن المنفوش # [سورة القارعة: الآية 5] وهذا أيضا مما يقع بعد النفخة ~~الثانية عند حشر الخلق يبدل الله عز وجل الأرض غير الأرض ~~يغير هيآتها ويسير الجبال عن مقارها على ما ذكر من الهيئة ~~الهائلة ليشاهدها أهل المحشر وهي وإن اندكت وتصدعت عند ~~النفخة الأولى لكن تسييرها وتسوية الأرض إنما يكونان بعد ~~النفخة الثانية كما نطق به قوله تعالى: # ويسئلونك عن الجبال فقل ينسفها ربى نسفا ~~فيذرها قاعا صفصفا لا ترى فيها عوجا ولا أمتا ~~يومئذ يتبعون الداعى # [سورة طه: الآيات 105 - 108] وقوله تعالى: # يوم تبدل الأرض غير الأرض والسموت وبرزوا ~~لله الواحد القهار # [سورة إبراهيم: الآية 48] فإن اتباع الداعي الذي هو إسرافيل عليه ~~السلام وبروز الخلق لله تعالى لا يكون إلا بعد النفخة الثانية ~~وقد قالوا في تفسير قوله تعالى: # ويوم نسير الجبال وترى الأرض بارزة ~~وحشرنهم # [سورة الكهف: الآية 47] إن صيغة الماضي في المعطوف عليه مستقبلا ~~للدلالة على تقدم الحشر على التسيير والرؤية كأنه قيل ~~وحشرناهم قبل ذلك هذا وقد قيل إن المراد هي النفخة الأولى ~~والفزع هو الذي يستتبع الموت لغاية شدة الهول كما في قوله ~~تعالى: # فصعق من فى السموات ومن في الأرض # [سورة الزمر: الآية 68] الآية فيختص أثرها بمن كان حيا عند ~~وقوعها دون من مات قبل ذلك من الأمم. وجوز أن يراد ~~بالإتيان داخرين رجوعهم إلى أمره تعالى وانقيادهم له ولا ms2536 ريب في ~~أن ذلك مما ينبغي أن تنزه ساحة التنزيل عن أمثاله. وأبعد من ~~هذا ما قيل إن المراد بهذه النفخة نفخة الفزع التي تكون قبل ~~نفخة الصعق وهي التي أريدت بقوله تعالى: # ما ينظر هؤلآء إلا صيحة وحدة ما لها من فواق # [سورة ص: الآية 15] فيسير الله تعالى عندها الجبال فتمر مر ~~السحاب فتكون سرابا وترج الأرض بأهلها رجا فتكون كالسفينة ~~الموثقة في البحر أو كالقنديل المعلق ترججه الأرواح فإنه مما لا ~~ارتباط له بالمقام قطعا، والحق الذي لا محيد عنه ماقدمناه ومما ~~هو نص في الباب ما سيأتي من قوله تعالى: # وهم من فزع يومئذ ءامنون # [سورة النمل: الآية 89] { صنع الله } مصدر لمضمون ما قبله أي ~~صنع الله ذلك صنعا على أنه عبارة عما ذكر من النفخ في ~~الصور وما ترتب عليه جميعا قصد به التنبيه على عظم شأن تلك ~~الأفاعيل وتهويل أمرها والإيذان بأنها ليست بطريق إخلال نظام ~~العالم وإفساد أحوال الكائنات بالكلية من غير أن يدعو إليها ~~داعية أو يكون لها عاقبة بل هي من قبيل بدائع صنع الله تعالى ~~المبنية على أساس الحكمة المستتبعة للغايات الجميلة التي لأجلها ~~رتبت مقدمات الخلق ومبادىء الإبداع على الوجه المتين والنهج ~~الرصين كما يعرب عنه قوله تعالى: { الذى أتقن كل شىء } ~~أي أحكم خلقه وسواه على ما تقتضيه الحكمة. وقوله تعالى: { ~~إنه خبير بما تفعلون } تعليل لكون ما ذكر صنعا محكما ~~له تعالى ببيان أن علمه تعالى بظواهر أفعال المكلفين ~~وبواطنها مما يدعو إلى إظهارها وبيان كيفياتها على ما هي ~~عليه من الحسن والسوء وترتيب أجزيتها عليها بعد بعثهم وحشرهم، وجعل ~~السموات والأرض والجبال على وفق ما نطق به التنزيل ليتحققوا ~~بمشاهدة ذلك أن وعد الله حق لا ريب فيه. وقرىء خبير بما ~~يفعلون. ### || [27.89-90] # وقوله تعالى: # { من جاء بالحسنة فله خير منها } بيان لما أشير ~~إليه بإحاطة علمه تعالى بأفعالهم من ترتيب أجزيتها عليها أي من ~~جاء منكم أو من أولئك الذين أتوه تعالى بالحسنة فله من الجزاء ms2537 ما هو ~~خير منها إما باعتبار أنه أضعافها وإما باعتبار دوامه ~~وانقضائها. وقيل فله خير حاصل من جهتها وهو الجنة. وعن ابن ~~عباس رضي الله عنهما: الحسنة كلمة الشهادة { وهم } أي الذين ~~جاءوا بالحسنات { من فزع } أي عظيم هائل لا يقادر قدره وهو ~~الفزع الحاصل من مشاهدة العذاب بعد تمام المحاسبة وظهور ~~الحسنات والسيئات وهو الذي في قوله تعالى: # لا يحزنهم الفزع الأكبر # [سورة الأنبياء: الآية 103] وعن الحسن رحمه الله تعالى حين يؤمر ~~بالعبد إلى النار. وقال ابن جريج: حين يذبح الموت وينادي ~~المنادي: يا أهل الحنة خلود فلا موت ويا أهل النار خلود فلا ~~موت. # { يومئذ } أي يوم إذ ينفخ في الصور { ءامنون } لا يعتريهم ~~ذلك الفزع الهائل ولا يلحقهم ضرره أصلا، وأما الفزع الذي يعتري ~~كل من في السموات ومن في الأرض غير من استثناه الله تعالى ~~فإنما هو التهيب والرعب الحاصل في ابتداء النفخة من معاينة ~~فنون الدواهي والأهوال، ولا يكاد يخلو منه أحد بحكم الجبلة ~~وإن كان آمنا من لحوق الضرر. والأمن يستعمل بالجار وبدونه ~~كما في قوله تعالى: # أفأمنوا مكر الله # [سورة الأعراف: الآية 99] وقرىء من فزع يومئذ يالإضافة مع كسر الميم ~~وفتحها أيضا والمراد هو الفزع المذكور في القراءة الأولى لا جميع ~~الأفزاع الحاصلة يومئذ. ومدار الإضافة كونه أعظم الأفزاع ~~وأكبرها كأن ما عداه ليس بفزع بالنسبة إليه. # { ومن جاء بالسيئة } قيل هو الشرك { فكبت وجوههم ~~فى النار } أي كبوا فيها على وجوههم منكوسين أو كبت فيها ~~أنفسهم على طريقة # ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة # [سورة البقرة: الآية 195] { هل تجزون إلا ما كنتم ~~تعملون } على الالتفات للتشديد أو على إضمار القول أي مقولا ~~لهم ذلك. ### || [27.91-92] # { إنما أمرت أن أعبد رب هذه البلدة الذى ~~حرمها } أمر عليه الصلاة والسلام أن يقول لهم ذلك بعد ما ~~بين لهم أحوال المبدأ والمعاد وشرح أحوال القيامة تنبيها لهم ~~على أنه قد أتم أمر الدعوة بما لا مزيد عليه ولم يبق له عليه ~~الصلاة والسلام بعد ذلك شأن ms2538 سوى الاشتغال بعبادة الله عز ~~وجل. والاستغراق في مراقبته غير مبال بهم ضلوا أم رشدوا ~~صلحوا أو فسدوا ليحملهم ذلك على أن يهتموا بأمور أنفسهم ولا ~~يتوهموا من شدة اعتنائه عليه الصلاة والسلام بأمر دعوتهم ~~أنه عليه الصلاة والسلام يظهر لهم ما يلجئهم إلى الإيمان لا ~~محالة ويشتغلوا بتدارك أحوالهم ويتوجهوا نحو التدبر فيما ~~شاهدوه من الآيات الباهرة. والبلدة هي مكة المعظمة وتخصيصها ~~بالإضافة لتفخيم شأنها وإجلال مكانها، والتعرض لتحريمه تعالى ~~إياها تشريف لها بعد تشريف وتعظيم إثر تعظيم مع ما فيه من ~~الإشعار بعلة الأمر وموجب الامتثال به كما في قوله تعالى: # فليعبدوا رب هذا البيت * الذى أطعمهم من ~~جوع وءامنهم من خوف # [سورة قريش: الآية 3, 4] ومن الرمز إلى غاية شناعة ما فعلوا ~~فيها ألا يرى أنهم مع كونها محرمة من أن تنتهك حرمتها ~~باختلاء خلاها وعضد شجرها وتنفير صيدها وإرادة الإلحاد فيها ~~بوجه من الوجوه قد استمروا فيها على تعاطي أفجر أفراد الفجور ~~وأشنع آحاد الإلحاد حيث تركوا عبادة ربها ونصبوا فيها الأوثان ~~وعكفوا على عبادتها قاتلهم الله أنى يؤفكون. وقرىء حرمها ~~بالتخفيف. وقوله تعالى { وله كل شىء } أي خلقا وملكا ~~وتصرفا من غير أن يشاركه شيء في شيء من ذلك تحقيق للحق ~~وتنبيه على أن إفراد مكة بالإضافة لما ذكر من التفخيم ~~والتشريف مع عموم الربوبية لجميع الموجودات. { وأمرت ~~أن أكون من المسلمين } أي أثبت على ما كنت عليه من كوني ~~من جملة الثابتين على ملة الإسلام والتوحيد أي الذين أسلموا ~~وجوههم لله خالصة من قوله تعالى: # ومن أحسن دينا ممن أسلم وجهه لله # [سورة النساء: الآية 125] { وأن أتلو القرءان } أي أواظب ~~على تلاوته لتنكشف لي حقائقه الرائعة المخزونة في تضاعيفه شيئا ~~فشيئا أو على تلاوته على الناس بطريق تكرير الدعوة وتثنية ~~الإرشاد فيكون ذلك تنبيها على كفايته في الهداية والإرشاد من غير ~~حاجة إلى إظهار معجزة أخرى. فمعنى قوله تعالى { فمن اهتدى ~~فإنما يهتدى لنفسه } حينئذ فمن اهتدى بالإيمان به ~~والعمل بما فيه من الشرائع والأحكام. ms2539 وعلى الأول فمن اهتدى ~~باتباعه إياي فيما ذكر من العبادة والإسلام وتلاوة القرآن ~~فإنما منافع اهتدائه عائدة إليه لا إلي. { ومن ضل } بالكفر ~~به والإعراض عن العمل بما فيه أو بمخالفتي فيما ذكر { فقل } في ~~حقه { إنما أنا من المنذرين } وقد خرجت عن عهدة ~~الإنذار فليس علي وبال ضلاله شيء وإنما هو عليه فقط. ### || [27.93] # { وقل الحمد لله } أي على ما أفاض علي من نعمائه التي ~~أجلها نعمة النبوة المستتبعة لفنون النعم الدينية ~~والدنيوية ووفقني لتحمل أعبائها وتبليغ أحكامها إلى كافة ~~الورى بالآيات البينة والبراهين النيرة. وقوله تعالى: { ~~سيريكم ءايته } من جملة الكلام المأمور به أي سيريكم ~~ألبتة في الدنيا آياته الباهرة التي نطق بها القرآن كخروج ~~الدابة وسائر الأشراط وقد عد منها وقعة بدر ويأباه قوله تعالى: ~~{ فتعرفونها } أي فتعرفون أنها آيات الله تعالى حين لا ~~تنفعكم المعرفة لأنهم لا يعترفون بكون وقعة بدر كذلك، وقيل: ~~سيريكم في الآخرة. وقوله تعالى: { وما ربك بغفل عما ~~تعملون } كلام مسوق من جهته تعالى بطريق التذييل مقرر لما ~~قبله متضمن للوعد والوعيد كما ينبىء عنه إضافة الرب إلى ضمير ~~النبي عليه الصلاة والسلام وتخصيص الخطاب أولا به عليه ~~الصلاة والسلام وتعميمه ثانيا للكفرة تغليبا، أي وما ربك ~~بغافل عما تعمل أنت من الحسنات وما تعملون أنتم أيها الكفرة ~~من السيئات فيجازي كلا منكم بعمله لا محالة. وقرىء عما يعملون ~~على الغيبة فهو وعيد محض والمعنى: وما ربك بغافل عن أعمالهم ~~فسيعذبهم ألبتة فلا يحسبوا أن تأخير عذابهم لغفلته تعالى عن ~~أعمالهم الموجبة له والله تعالى أعلم. # عن النبي صلى الله عليه وسلم: # " من قرأ سورة طس كان له من الأجر عشر حسنات بعدد من صدق ~~بسليمان وهود وصالح وإبراهيم وشعيب عليهم الصلاة والسلام ومن ~~كذب بهم ويخرج من قبره وهو ينادي لا إله إلا الله ". ### | [28 - سورة القصص] ### || [28.1-5] # (سورة القصص) # { بسم الله الرحمن الرحيم } { طسم تلك ءايات ~~الكتب المبين } قد مر ما يتعلق به من الكلام بالإجمال ~~والتفصيل في أشباهه { نتلوا ms2540 عليك } أي نقرأ بواسطة جبريل عليه ~~السلام، ويجوز أن تكون التلاوة مجازا من التنزيل { من ~~نبإ موسى وفرعون } مفعول نتلو أي بعض نبئهما { ~~بالحق } متعلق بمحذوف هو حال من فاعل نتلو أو من مفعوله أو ~~صفة لمصدره أي نتلو عليك بعض نبئهما ملتبسين أو ملتبسا بالحق ~~أو تلاوة ملتبسة بالحق { لقوم يؤمنون } متعلق بنتلو، ~~وتخصيصهم بذلك مع عموم الدعوة والبيان للكل لأنهم المنتفعون ~~به. # { إن فرعون علا فى الأرض } استئناف جار مجرى التفسير ~~للمجمل الموعود، وتصديره بحرف التأكيد للاعتناء بتحقيق مضمون ما ~~بعده أي أنه تجبر وطغا في أرض مصر وجاوز الحدود المعهودة في ~~الظلم والعدوان { وجعل أهلها شيعا } أي فرقا يشيعونه ~~في كل ما يريده من الشر والفساد، أو يشيع بعضهم بعضا في ~~طاعته، أو أصنافا في استخدامه، يستعمل كل صنف في عمل ويسخره ~~فيه من بناء وحرث وحفر وغير ذلك من الأعمال الشاقة ومن لم ~~يستعمله ضرب عليه الجزية، أو فرقا مختلفة قد أغرى بينهم العداوة ~~والبغضاء لئلا تتفق كلمتهم { يستضعف طائفة منهم } وهم ~~بنو إسرائيل. والجملة إما حال من فاعل جعل، أو صفة لشيعا، أو ~~استئناف. وقوله تعالى: { يذبح أبناءهم ويستحيي ~~نساءهم } بدل منها. وكان ذلك لما أن كاهنا قال له: يولد في ~~بني إسرائيل مولود يذهب ملكك على يده وما ذاك إلا لغاية حمقه إذ ~~لو صدق فما فائدة القتل وإن كذب فما وجهه { إنه كان من ~~المفسدين } أي الراسخين في الإفساد ولذلك اجترأ على مثل تلك ~~العظيمة من قتل المعصومين من أولاد الأنبياء عليهم الصلاة ~~والسلام. { ونريد أن نمن } أي نتفضل { على الذين ~~استضعفوا فى الأرض } على الوجه المذكور بإنجائهم من بأسه. ~~وصيغة المضارع في نريد حكاية حال ماضية وهو معطوف على إن فرعون ~~علا الخ لتناسبهما في الوقوع في حيز التفسير للنبأ، أو حال من ~~يستضعف بتقدير المبتدأ أي يستضعفهم فرعون ونحن نريد أن نمن عليهم ~~وليس من ضرورة مقارنة الإرادة للاستضعاف مقارنة المراد له لما أن ~~تعلق الإرادة للمن تعلق استقبالي على أن ms2541 منة الله تعالى ~~عليهم بالخلاص لما كانت في شرف الوقوع جاز إجراؤها مجرى الواقع ~~المقارن له. ووضع الموصول موضع الضمير لإبانة قدر النعمة في ~~المنة بذكر حالتهم السابقة المباينة لها { ونجعلهم ~~أئمة } يقتدى بهم في أمور الدين بعد أن كانوا أتباعا ~~مسخرين لآخرين { ونجعلهم الوارثين } لجميع ما كان منتظما ~~في سلك ملك فرعون وقومه وراثة معهودة فيما بينهم كما ينبىء عنه ~~تعريف الوارثين. وتأخير ذكر وراثتهم له عن ذكر جعلهم أئمة مع ~~تقدمها عليه زمانا لانحطاط رتبتها عن الإمامة ولئلا ينفصل عنه ما ~~بعده مع كونه من روادفه، أعني قوله تعالى: ### || [28.6-7] # { ونمكن لهم فى الأرض } إلخ أي نسلطهم على مصر والشام ~~يتصرفون فيهما كيفما يشاءون، وأصل التمكين أن تجعل للشيء مكانا ~~يتمكن فيه { ونري فرعون وهمن وجنودهما ~~منهم } أي من أولئك المستضعفين { ما كانوا يحذرون } ~~ويجتهدون في دفعه من ذهاب ملكهم وهلكهم على يد مولود منهم. ~~وقرىء يرى بالياء ورفع ما بعده على الفاعلية. # { وأوحينا إلى أم موسى } بإلهام أو رؤيا { أن ~~أرضعيه } ما أمكنك إخفاؤه { فإذا خفت عليه } بأن يحس ~~به الجيران عند بكائه وينموا عليه { فألقيه فى اليم } في ~~البحر وهو النيل { ولا تخافي } عليه ضيعة بالغرق ولا شدة ~~{ ولا تحزني إنا رادوه إليك } عن قريب بحيث تأمنين ~~عليه { وجعلوه من المرسلين } والجملة تعليل للنهي عن ~~الخوف والحزن. وإيثار الجملة الإسمية وتصديرها بحرف التحقيق ~~للاعتناء بتحقيق مضمونها أي إنا فاعلون لرده وجعله من المرسلين ~~لا محالة. روي أن بعض القوابل الموكلات من قبل فرعون ~~بحبالى بني إسرائيل كانت مصافية لأم موسى عليه السلام فقالت ~~لها: لينفعني حبك اليوم فعالجتها فلما وقع إلى الأرض هالها ~~نور بين عينيه وارتعش كل مفصل منها ودخل حبه في قلبها ثم ~~قالت: ما جئتك إلا لأقبل مولودك وأخبر فرعون ولكني وجدت لابنك ~~في قلبي محبة ما وجدت مثلها لأحد فاحفظيه فلما خرجت جاء عيون ~~فرعون فلفته في خرقة فألقته في تنور مسجور لم تعلم ما تصنع ~~لما طاش من عقلها فطلبوا فلم ms2542 يلقوا شيئا فخرجوا وهي لا تدري ~~مكانه فسمعت بكاءه من التنور فانطلقت إليه وقد جعل الله تعالى ~~النار عليه بردا وسلاما فلما ألح فرعون في طلب الولدان أوحى ~~الله تعالى إليها ما أوحى. وقد روي أنها أرضعته ثلاثة أشهر في ~~تابوت من بردي مطلي بالقار من داخله. والفاء في قوله تعالى: ### || [28.8-9] # { فالتقطه ءال فرعون } فصيحة مفصحة عن عطفه على جملة ~~مترتبة على ما قبلها من الأمر بالإلقاء قد حذفت تعويلا على دلالة ~~الحال وإيذانا بكمال سرعة الامتثال أي فألقته في اليم بعد ما ~~جعلته في التابوت حسبما أمرت به فالتقطه آل فرعون أي أخذوه أخذ ~~اعتناء به وصيانة له عن الضياع. قال ابن عباس رضي الله عنهما ~~وغيره: كان لفرعون يومئذ بنت لم يكن له ولد غيرها وكانت من أكرم ~~الناس إليه وكان بها برص شديد عجزت الأطباء عن علاجه ~~فقالوا: لا تبرأ إلا من قبل البحر يؤخذ منه شبه الإنس يوم كذا ~~وساعة كذا من شهر كذا حين تشرق الشمس فيؤخذ من ريقه فيلطخ به ~~برصها فتبرأ فلما كان ذلك اليوم غدا فرعون في مجلس له على شفير ~~النيل ومعه امرأته آسية بنت مزاحم بن عبيد بن الريان ~~بن الوليد الذي كان فرعون مصر في زمن يوسف الصديق عليه ~~السلام. وقيل: كانت من بني إسرائيل من سبط موسى عليه الصلاة ~~والسلام وقيل: كانت عمته حكاه السهيلي. وأقبلت بنت فرعون في ~~جواريها حتى جلست على شاطىء النيل فإذا بتابوت في النيل ~~تضربه الأمواج فتعلق بشجرة فقال فرعون: ائتوني به فابتدروا ~~بالسفن فأحضروه بين يديه فعالجوا فتحه فلم يقدروا عليه ~~وقصدوا كسره فأعياهم فنظرت آسية فرأت نورا في جوف التابوت لم ~~يره غيرها فعالجته ففتحته فإذا هي بصبي صغير في مهده وإذا ~~نور بين عينيه وهو يمص إبهامه لبنا فألقى الله تعالى محبته في ~~قلوب القوم وعمدت ابنة فرعون إلى ريقه فلطخت به برصها فبرأت ~~من ساعته وقيل: لما نظرت إلى وجهه برأت فقالت الغواة من قوم ~~فرعون: إنا نظن ms2543 أن هذا هو الذي نحذر منه رمي في البحر فرقا ~~منك فاقتله فهم فرعون بقتله فاستوهبته آسية فتركه كما سيأتي. ~~واللام في قوله تعالى: { ليكون لهم عدوا وحزنا } لام ~~العاقبة أبرز مدخولها في معرض العلة لالتقاطهم تشبيها له في ~~الترتيب عليه بالغرض الحامل عليه. وقرىء حزنا، وهما لغتان ~~كالسقم والسقم. جعل عليه الصلاة والسلام نفس الحزن ~~إيذانا بقوة سببيته لحزنهم. { إن فرعون وهمن ~~وجنودهما كانوا خطئين } أي في كل ما يأتون وما يذرون ~~فلا غرو في أن قتلوا لأجله ألوفا ثم أخذوه يربونه ليكبر ~~ويفعل بهم ما كانوا يحذرون. روي أنه ذبح في طلبه عليه الصلاة ~~والسلام تسعون ألف وليد أو كانوا مذنبين فعاقبهم الله تعالى بأن ~~ربى عدوهم على أيديهم فالجملة اعتراضية لتأكيد خطتهم أو لبيان ~~الموجب لما ابتلوا به. وقرىء خاطين على أنه تخفيف خاطئين أو على ~~أنه بمعنى متعدين الصواب إلى الخطأ. # { وقالت امرأة فرعون } أي لفرعون حين أخرجته من ~~التابوت { قرة عين لي ولك } أي هو قرة عين لنا لما ~~أنهما لما رأياه أحباه أو لما ذكر من برء ابنته من البرص ~~بريقه. وفي الحديث أنه قال: «لك لا لي» ولو قال: لي كما هو لك ~~لهداه الله تعالى كما هداها { لا تقتلوه } خاطبته بلفظ الجمع ~~تعظيما ليساعدها فيما تريده { عسى أن ينفعنا } فإن فيه ~~مخايل اليمن ودلائل النجابة وذلك لما رأت فيه من العلامات ~~المذكورة { أو نتخذه ولدا } أي نتبناه فإنه خليق بذلك ~~{ وهم لا يشعرون } حال من آل فرعون والتقدير فالتقطه آل ~~فرعون ليكون لهم عدوا وحزنا، وقالت امرأته له كيت وكيت وهم لا ~~يشعرون بأنهم على خطأ عظيم فيما صنعوا من الالتقاط ورجاء النفع ~~منه والتبني له. وقوله تعالى: { إن فرعون } الآية، اعتراض ~~وقع بين المعطوفين لتأكيد خطئهم، وقيل: حال من أحد ضميري نتخذه ~~على أن الضمير للناس أي وهم لا يعلمون أنه لغيرنا وقد ~~تبنيناه. ### || [28.10-12] # { وأصبح فؤاد أم موسى فارغا } صفرا من العقل لما ~~دهمها من الخوف والحيرة حين سمعت بوقوعه ms2544 في يد فرعون لقوله ~~تعالى: # وأفئدتهم هواء # [سورة إبراهيم: الآية 43] أي خلاء لا عقول فيها ويعضده أنه قرىء ~~فرغا من قولهم: دماؤهم بينهم فرغ أي هدر وقيل: فارغا من الهم ~~والحزن لغاية وثوقها بوعد الله تعالى أو لسماعها أن فرعون عطف ~~عليه وتبناه وقرىء مؤسى بالهمز إجراء للضمة في جارة الواو ~~مجرى ضمتها فهمزت كما في وجوه { إن كادت لتبدى به } أي ~~إنها كادت لتظهر بموسى أي بأمره وقصته من فرط الحيرة ~~والدهشة أو الفرح بتبنيه { لولا أن ربطنا على قلبها ~~} بالصبر والثبات { لتكون من المؤمنين } أي ~~المصدقين بوعد الله تعالى أو من الواثقين بحفظه لا بتبني فرعون ~~وتعطفه وهو علة الربط وجواب لولا محذوف لدلالة ما قبله عليه. # { وقالت لأخته } مريم والتعبير عنها بأخوته عليه ~~الصلاة والسلام دون أن يقال لبنتها للتصريح بمدار المحبة ~~الموجبة للامتثال بالأمر { قصيه } أي اتبعي أثره وتتبعي خبره ~~{ فبصرت به } أي أبصرته { عن جنب } عن بعد. وقرىء بسكون ~~النون، وعن جانب. والكل بمعنى { وهم لا يشعرون } أنها ~~تقصه وتتعرف حاله وأنها أخته { وحرمنا عليه ~~المراضع } أي منعناه أن يرتضع من المرضعات. والمراضع جمع ~~مرضع وهي المرأة التي ترضع أو مرضع وهو الرضاع أو موضعه أعني ~~الثدي { من قبل } أي من قبل قصها أثره { فقالت } عند ~~رؤيتها لعدم قبوله الثدي واعتناء فرعون بأمره وطلبهم من ~~يقبل ثديها { هل أدلكم على أهل بيت يكفلونه ~~لكم } أي لأجلكم { وهم له نصحون } لا يقصرون في ~~إرضاعه وتربيته. روي أن هامان لما سمعه منها قال: إنها ~~لتعرفه وأهله فخذوها حتى تخبر بحاله فقالت: إنما أردت وهم ~~للملك ناصحون فأمرها فرعون بأن تأتي بمن يكفله فأتت بأمه ~~وموسى على يد فرعون يبكي وهو يعلله فدفعه إليها فلما وجد ريحها ~~استأنس والتقم ثديها فقال: من أنت منه فقد أبى كل ثدي إلا ثديك ~~فقالت: إني امرأة طيبة الريح طيبة اللبن لا أوتى بصبي إلا ~~قبلني فقرره في يدها وأجرى عليها فرجعت إلى بيتها من يومها وذلك ~~قوله تعالى: ### || [28.13-16] # { فرددنه إلى ms2545 أمه كي تقر عينها } بوصول ولدها ~~إليها { ولا تحزن } بفراقه { ولتعلم أن وعد الله } ~~أي جميع ما وعده من رده وجعله من المرسلين { حق } لا خلف فيه ~~بمشاهدة بعضه وقياس بعضه عليه { ولكن أكثرهم لا ~~يعلمون } أن الأمر كذلك فيرتابون فيه أو أن الغرض الأصلي ~~من الرد علمها بذلك وما سواه تبع، وفيه تعريض بما فرط منها حين ~~سمعت بوقوعه في يد فرعون. # { ولما بلغ أشده } أي المبلغ الذي لا يزيد عليه نشؤه ~~وذلك من ثلاثين إلى أربعين سنة فإن العقل يكمل حينئذ. وروي أنه ~~لم يبعث نبي إلا على رأس الأربعين { واستوى } أي اعتدل ~~قده أو عقله { آتيناه حكما } أي نبوة { وعلما } ~~بالدين أو علم الحكماء والعلماء وسمتهم قبل استنبائه فلا يقول ~~ولا يفعل ما يستجهل فيه وهو أوفق لنظم القصة لأنه تعالى ~~استنبأه بعد الهجرة في المراجعة { وكذلك } ومثل ذلك الذي ~~فعلنا بموسى وأمه { نجزى المحسنين } على إحسانهم. { ~~ودخل المدينة } أي مصر من قصر فرعون وقيل: منف أو حابين ~~أو عين شمس من نواحيها { على حين غفلة من أهلها } في ~~وقت لا يعتاد دخولها أو لا يتوقعونه فيه قيل: كان وقت القيلولة ~~وقيل: بين العشاءين { فوجد فيها رجلين يقتتلان ~~هذا من شيعته } أي ممن شايعه على دينه وهم بنو إسرائيل { ~~وهذا من عدوه } أي من مخالفيه دينا وهم القبط. والإشارة ~~على الحكاية { فاستغثه الذي من شيعته } أي سأله أن ~~يغيثه بالإعانة كما ينبىء عنه تعديته بعلى. وقرىء استعانه { على ~~الذى من عدوه فوكزه موسى } أي ضرب القبطي بجمع ~~كفه. وقرىء فلكزه أي فضرب به صدره { فقضى عليه } فقتله ~~وأصله أنهى حياته من قوله تعالى: # وقضينآ إليه ذلك الأمر # [سورة الحجر: الآية 66] { قال هذا من عمل الشيطن } ~~لأنه لم يكن مأمورا بقتل الكفار أو لأنه كان مأمونا فيما ~~بينهم فلم يكن له اغتيالهم. ولا يقدح ذلك في عصمته لكونه خطأ ~~وإنما عده من عمل الشيطان وسماه ظلما واستغفر منه جريا على ~~سنن المقربين في استعظام ما فرط منهم ولو ms2546 كان من محقرات ~~الصغائر { إنه عدو مضل مبين } ظاهر العداوة ~~والإضلال. # { قال } توسيطه بين كلاميه عليه الصلاة والسلام لإبانة ما ~~بينهما من المخالفة من حيث إنه مناجاة ودعاء بخلاف الأول { رب ~~إنى ظلمت نفسي } أي بقتله { فاغفر لى } ذنبي { فغفر ~~له } ذلك { إنه هو الغفور الرحيم } أي المبالغ في ~~مغفرة ذنوب عباده ورحمتهم ### || [28.17-20] # { قال رب بما أنعمت علي } إما قسم محذوف الجواب أي ~~أقسم بإنعامك علي بالمغفرة لأتوبن { فلن أكون } بعد هذا ~~أبدا { ظهيرا للمجرمين } وإما استعطاف أي بحق إنعامك ~~علي اعصمني فلن أكون معينا لمن تؤدي معاونته إلى الجرم. وعن ابن ~~عباس رضي الله تعالى عنهما أنه عليه الصلاة والسلام لم يستئن ~~فابتلي به مرة أخرى، وهذا يؤيد الأول، وقيل: معناه بما أنعمت ~~علي من القوة أعين أولياءك فلن استعملها في مظاهرة أعدائك { ~~فأصبح فى المدينة خائفا يترقب } يترصد الاستفادة ~~أو الأجناد { فإذا الذى استنصره بالأمس يستصرخه ~~} أي يستغيثه برفع الصوت من الصراخ { قال له موسى إنك ~~لغوى مبين } أي بين الغواية تسببت لقتل رجل وتقاتل ~~آخر { فلما أن أراد } موسى { أن يبطش بالذى هو ~~عدو لهما } أي لموسى وللإسرائيلي إذ لم يكن على دينهما ولأن ~~القبط كانوا أعداء لبني إسرائيل على الإطلاق. وقرىء يبطش بضم ~~الطاء { قال } أي الإسرائيلي ظانا أنه عليه الصلاة ~~والسلام يبطش به حسبما يوهمه تسميته إياه غويا { يموسى ~~أتريد أن تقتلنى كما قتلت نفسا بالأمس } قالوا: ~~لما سمع القبطي قول الإسرائيلي علم أن موسى هو الذي قتل ذلك ~~الفرعوني فانطلق إلى فرعون فأخبره بذلك وأمر فرعون بقتل موسى ~~عليه السلام وقيل: قاله القبطي { إن تريد } أي ما تريد { ~~إلا أن تكون جبارا فى الأرض } وهو الذي يفعل كل ما ~~يريده من الضرب والقتل ولا ينظر في العواقب وقيل: المتعظم الذي ~~لا يتواضع لأمر الله تعالى { وما تريد أن تكون من ~~المصلحين } بين الناس بالقول والفعل. { وجاء رجل من ~~أقصى المدينة } أي كائن من آخرها أو جاء من آخرها { يسعى ~~} أي يسرع، صفة لرجل ms2547 أو حال منه على أن الجار والمجرور صفة له ~~لا متعلق بجاء فإن تخصصه يلحقه بالمعارف قيل: هو مؤمن آل فرعون ~~واسمه حزقيل وقيل: شمعون وقيل: شمعان { قال يا موسى إن ~~الملأ يأتمرون بك ليقتلوك } أي يتشاورون بسببك فإن ~~كلا من المتشاورين يأمر الآخرين ويأتمر { فاخرج } أي من ~~المدينة { إنى لك من النصحين } اللام لبيان لما أن ~~معمول الصلة لا يتقدمها ### || [28.21-24] # { فخرج منها } أي من المدينة { خائفا يترقب } لحوق ~~الطالبين { قال رب نجنى من القوم الظلمين } ~~خلصني منهم واحفظني من لحوقهم. # { ولما توجه تلقاء مدين } أي نحو مدين وهي قرية ~~شعيب عليه السلام سميت باسم مدين بن إبراهيم ولم تكن تحت ~~سلطان فرعون وكان بينها وبين مصر مسيرة ثمانية أيام { قال ~~عسى ربي أن يهدينى سواء السبيل } توكلا على الله تعالى ~~وثقة بحسن توفيقه وكان لا يعرف الطرق فعن له ثلاث طرائق فأخذ ~~في الوسطى وجاء الطلاب فشرعوا في الأخريين وقيل: خرج حافيا لا ~~يعيش إلا بورق الشجر فما وصل حتى سقط خف قدمه وقيل: جاء ~~ملك على فرس وبيده عنزة فانطلق به إلى مدين. # { ولما ورد ماء مدين } أي وصل إليه وهو بئر كانوا ~~يسقون منها { وجد عليه } أي فوق شفيرها { أمة } جماعة ~~كثيفة { من الناس يسقون } أي مواشيهم { ووجد من ~~دونهم } أي في موضع أسفل منهم { امرأتين تذودان } أي ~~تمنعان ما معهما من الأغنام عن التقدم إلى البئر كيلا تختلط ~~بأغنامهم مع عدم الفائدة في التقدم { قال } عليه السلام لهما ~~حين رآهما على ما هما عليه من التأخر والذود { ما خطبكما } ~~ما شأنكما فيما أنتما عليه من التأخر والذود ولم لا تباشران ~~السقي كدأب هؤلاء { قالتا لا نسقي حتى يصدر الرعاء } ~~أي عادتنا أن لا نسقي حتى يصرف الرعاة مواشيهم بعد ريها عن ~~الماء عجزا عن مساجلتهم وحذرا عن مخالطة الرجال لا أنا لا نسقي ~~اليوم إلى تلك الغاية، وحذف مفعول السقي والذود والإصدار لما ~~أن الغرض هو بيان تلك الأفعال أنفسها إذ هي التي دعت موسى ms2548 عليه ~~السلام إلى ما صنع في حقهما من المعروف فإنه عليه الصلاة ~~والسلام إنما رحمهما لكونهما على الذياد للعجز والعفة وكونهم ~~على السقي غير مبالين بهما وما رحمهما لكون مذودهما غنما ومسقيهم ~~إبلا مثلا. وقرىء لا نسقي من الإسقاء ويصدر من الصدور ~~والرعاء بضم الراء وهو اسم جمع كالرحال وأما الرعاء فجمع ~~قياسي كصيام وقيام. وقوله تعالى: { وأبونا شيخ كبير } ~~إبلاء منهما للعذر إليه عليه السلام في توليهما للسقي ~~بأنفسهما كأنهما قالتا: إنا امرأتان ضعيفتان مستورتان لا نقدر ~~على مساجلة الرجال ومزاحمتهم وما لنا رجل يقوم بذلك وأبونا ~~شيخ كبير السن قد أضعفه الكبر فلا بد لنا من تأخير السقي ~~إلى أن يقضي الناس أوطارهم من الماء { فسقى لهما } رحمة ~~عليهما والكلام في حذف مفعوله كما مر آنفا. روي أن الرعاة ~~كانوا يضعون على رأس البئر حجرا لا يقله إلا سبعة رجال وقيل: ~~عشرة وقيل: أربعون وقيل: مائة فأقله وحده مع ما كان به من الوصب ~~والجراحة والجوع ولعله عليه الصلاة والسلام زاحمهم في السقي ~~لهما فوضعوا الحجر على البئر لتعجيزه عليه الصلاة والسلام عن ~~ذلك فإن الظاهر أنه عليه الصلاة والسلام غب ما شاهد حالهما ~~سارع إلى السقي لهما وقد روي أنه دفعهم عن الماء إلى أن سقى ~~لهما وقيل: كانت هناك بئر أخرى عليها الصخرة المذكورة. # وروي أنه عليه الصلاة والسلام سألهم دلوا من ماء فأعطوه ~~دلوهم وقالوا: استق بها وكان لا ينزعها إلا أربعون فاستقى بها ~~وصبها في الحوض ودعا بالبركة، وروى غنمهما وأصدرهما { ثم ~~تولى إلى الظل } الذي كان هناك { فقال رب إنى لما ~~أنزلت إلي } أي أي شيء أنزلته إلي { من خير } جل ~~أو قل وحمله الأكثرون على الطعام بمعونة المقام { فقير } أي ~~محتاج ولتضمنه معنى السؤال والطلب جيء بلام الدعامة لتقوية ~~العمل، وقيل المعنى لما أنزلت إلي من خير عظيم هو خير الدارين ~~صرت فقيرا في الدنيا لأنه كان في سعة من العيش عند فرعون ~~قاله عليه الصلاة والسلام إظهارا للتبجح والشكر على ذلك ms2549 ### || [28.25] # { فجاءته إحداهما } قيل هي كبراهما واسمها صفوراء أو ~~صفراء وقيل: صغراهما واسمها صفيراء أي جاءته عقيب ما رجعتا إلى ~~أبيهما. روي أنهما لما رجعتا إلى أبيهما قبل الناس وأغنامهما ~~حفل بطان قال لهما ما أعجلكما قالتا وجدنا رجلا صالحا رحمنا ~~فسقى لنا فقال لإحداهما اذهبي فادعيه لي. وقوله تعالى: { تمشي ~~} حال من فاعل جاءت. وقوله تعالى: { على استحياء } متعلق ~~بمحذوف هو حال من ضمير تمشي أي جاءته تمشي كائنة على استحياء ~~فمعناه أنها كانت على حالتي المشي والمجيء معا لا عند المجيء ~~فقط. وتنكير استحياء للتفخيم، قيل جاءته متخفرة أي شديدة الحياء ~~وقيل قد استترت بكم درعها { قالت } استئناف مبني على سؤال ~~نشأ من حكاية مجيئها إياه عليه الصلاة والسلام كأنه قيل ~~فماذا قالت له عليه الصلاة والسلام فقيل قالت { إن أبى ~~يدعوك ليجزيك أجر ما سقيت لنا } أي جزاء سقيك لنا ~~أسندت الدعوة إلى أبيها وعللتها بالجزاء لئلا يوهم كلامها ~~ريبة. وفيه من الدلالة على كمال العقل والحياء والعفة ما لا ~~يخفى. روي أنه عليه الصلاة والسلام أجابها فانطلقا وهي أمامه ~~فألزقت الريح ثوبها بحسدها فوصفته فقال لها أمشي خلفي وانعتي ~~لي الطريق ففعلت حتى أتيا دار شعيب عليهما السلام { فلما ~~جاءه وقص عليه القصص } أي ما جرى عليه من الخبر ~~المقصوص فإنه مصدر سمي به المفعول كالعلل. # { قال لا تخف نجوت من القوم الظلمين } الذي ~~يلوح من ظاهر النظم الكريم أن موسى عليه السلام إنما أجاب ~~المستدعية من غير تلعثم ليتبرك برؤية شعيب عليه السلام ~~ويستظهر برأيه لا يأخذ بمعروفه أجرا حسبما صرحت به. ألا يرى ~~إلى ما روي أن شعيبا لما قدم إليه طعاما قال إنا أهل بيت ~~لا نبيع ديننا بطلاع الأرض ذهبا ولا نأخذ على المعروف ثمنا ولم ~~يتناول حتى قال شعيب عليه السلام: هذه عادتنا مع كل من ينزل ~~بنا فتناول بعد ذلك على سبيل التقبل لمعروف مبتدأ كيف لا وقد ~~قص عليه قصصه وعرفه أنه من بيت النبوة من أولاد يعقوب ~~عليه ms2550 السلام ومثله حقيق بأن يضيف ويكرم لا سيما في دار ~~نبي من أنبياء الله تعالى عليهم الصلاة والسلام وقيل ليس ~~بمستنكر منه عليه الصلاة والسلام أن يقبل الأجر لاضطرار الفقر ~~والفاقة. وقد روي عن عطاء بن السائب أنه عليه السلام رفع ~~صوته بدعائه ليسمعها ولذلك قيل له ليجزيك الخ ولعله عليه ~~السلام إنما فعله ليكون ذريعة إلى استدعائه لاستيفاء الأجر. ### || [28.26-28] # { قالت إحداهما } وهي التي استدعته إلى أبيها وهي التي ~~زوجها من موسى عليهما السلام { إحداهما يأبت استجره ~~} أي لرعي الغنم والقيام بأمرها { إن خير من استأجرت ~~القوي الأمين } تعليل جار مجرى الدليل على أنه حقيق ~~بالاستئجار، وللمبالغة في ذلك جعل خير اسما لأن، وذكر الفعل ~~على صيغة الماضي للدلالة على أنه أمين مجرب روي أن شعيبا ~~عليه السلام قال لها وما أعلمك بقوته وأمانته فذكرت ما شاهدت ~~منه عليه السلام من إقلال الحجر ونزع الدلو وأنه صوب رأسه ~~حتى بلغته رسالته وأمرها بالمشي خلفه { قال إنى أريد ~~أن أنكحك إحدى ابنتي هاتين على أن تأجرنى } ~~أي تكون أجيرا لي أو تثيبني من أجرت كذا إذا أثبته إياه، فقوله ~~تعالى: { ثمانى حجج } على الأول ظرف وعلى الثاني مفعول به ~~على تقدير مضاف أي رعية ثماني حجج. ونقل عن المبرد أنه يقال ~~أجرت داري ومملوكي غير ممدود وآجرت ممدودا. والأول أكثر، فعلى ~~هذا يكون المفعول الثاني محذوفا والمعنى على أن تأجرني نفسك، ~~وقوله تعالى ثماني حجج ظرف كالوجه الأول: { فإن أتممت ~~عشرا } في الخدمة والعمل { فمن عندك } أي فهو من عندك ~~بطريق التفضل لا من عندي بطريق الإلزام عليك. وهذا من شعيب عرض ~~لرأيه على موسى عليهما السلام واستدعاء منه للعقد لا إنشاء وتحقيق ~~له بالفعل. { وما أريد أن أشق عليك } بالزام إتمام ~~العشر أو المناقشة في مراعاة الأوقات واستيفاء الأعمال. واشتقاق ~~المشقة من الشق فإن ما يصعب عليك يشق عليك اعتقادك في إطاقته ~~ويوزع رأيك في مزاولته. { ستجدنى إن شاء الله من ~~الصلحين } في حسن المعاملة ولين الجانب والوفاء بالعهد. ms2551 ~~ومراده عليه الصلاة والسلام بالاستثناء التبرك به وتفويض ~~أمره إلى توفيقه تعالى لا تعليق صلاحه بمشيئته تعالى. # { قال ذلك بينى وبينك } مبتدأ وخبر أي ذلك الذي قلته ~~وعاهدتني فيه وشارطتني عليه قائم وثابت بيننا جميعا لا يخرج عنه ~~واحد منا لا أنا عما شرطت علي ولا أنت عما شرطت على نفسك. ~~وقوله تعالى: { أيما الأجلين } أي أكثرهما أو أقصرهما { ~~قضيت } أي وفيتكه بأداء الخدمة فيه { فلا عدوان علي } ~~تصريح بالمراد وتقرير لأمر الخيرة أي لا عدوان علي بطلب ~~الزيادة على ما قضيته من الأجلين. وتعميم انتفاء العدوان لكلا ~~الأجلين بصدد المشارطة مع عدم تحقق العدوان في أكثرهما رأسا ~~للقصد إلى التسوية بينهما في الانتفاء أي كما لا أطالب بالزيادة ~~على العشر لا أطالب بالزيادة على الثمان أو أيما الأجلين قضيت ~~فلا إثم علي يعني كما لا إثم علي في قضاء الأكثر لا إثم علي ~~في قضاء الأقصر فقط. وقرىء أي الأجلين ما قضيت فما مزيدة ~~لتأكيد القضاء كما أنها في القراءة الأولى مزيدة لتأكيد إبهام ~~أي وشياعها. # وقرىء أيما بسكون الياء كقول من قال: [الطويل] # تنظرت نصرا والسماكين أيهما # علي من الغيث استهلت مواطره # { والله على ما نقول } من الشروط الجارية بيننا { ~~وكيل } شاهد وحفيظ فلا سبيل لأحد منا إلى الخروج عنه أصلا ~~وليس ما حكي عنهما عليهما الصلاة والسلام تمام ما جرى بينهما من ~~الكلام في إنشاء عقد النكاح وعقد الإجارة وإيقاعهما بل هو ~~بيان لما عزما عليه واتفقا على إيقاعه حسبما يتوقف عليه مساق ~~القصة إجمالا من غير تعرض لبيان مواجب العقدين في تلك الشريعة ~~تفصيلا. روي أنهما لما أتما العقد قال شعيب لموسى عليهما ~~السلام ادخل ذلك البيت فخذ عصا من تلك العصي وكانت عنده ~~عصي الأنبياء عليهم الصلاة والسلام فأخذ عصا هبط بها آدم ~~عليه الصلاة والسلام من الجنة ولم يزل الأنبياء يتوارثونها ~~حتى وقعت إلى شعيب عليه السلام فمسها وكان مكفوفا فضن بها ~~فقال خذ غيرها فما وقع في يده إلا هي سبع مرات فعلم ms2552 أن له شأنا ~~وقيل: أخذها جبريل عليه السلام بعد موت آدم عليه السلام فكانت ~~معه حتى لقي بها موسى عليه السلام ليلا. وقيل: أودعها شعيبا ~~ملك في صورة رجل فأمر بنته أن تأتيه بعصا فأتته بها فردها ~~سبع مرات فلم يقع في يدها غيرها فدفعها إليه ثم ندم لأنها ~~وديعة فتبعه فاختصما فيها ورضيا إن يحكم بينهما أول طالع ~~فأتاهما الملك فقال ألقياها فمن رفعها فهي له فعالجها الشيخ ~~فلم يطقها ورفعها موسى عليه السلام. وعن الحسن رضي الله عنه: ما ~~كانت إلا عصا من الشجر اعترضها اعتراضا. وعن الكلبي رحمه الله: ~~الشجرة التي منها نودي شجرة العوسج ومنها كانت عصاه. ولما ~~أصبح قال له شعيب صلوات الله وسلامه عليهما إذا بلغت مفرق ~~الطريق فلا تأخذ على يمينك فإن الكلأ وإن كان بها أكثر إلا ~~أن فيها تنينا أخشاه عليك وعلى الغنم فأخذت الغنم ذات اليمين ~~فلم يقدر على كفها ومشى على أثرها فإذا عشب وريف لم ير مثله ~~فنام فإذا بالتنين قد أقبل فحاربته العصا حتى قتلته وعادت ~~إلى جنب موسى عليه السلام دامية فلما أبصرها دامية والتنين ~~مقتولا ارتاح لذلك ولما رجع إلى شعيب عليهما السلام مس الغنم ~~فوجدها ملأى البطون غزيرة اللبن فأخبره موسى عليه السلام ~~بالشأن ففرح وعلم أن لموسى والعصا شأنا وقال له: إني وهبت لك ~~من نتاج غنمي هذا العام كل أدرع. ودرعاء فأوحي إليه في المنام أن ~~اضرب بعصاك مستقى الغنم ففعل، ثم سقى فما أخطأت واحدة إلا وضعت ~~أدرع ودرعاء فوفى له بشرطه. # والفاء في قوله تعالى: ### || [28.29] # { فلما قضى موسى الأجل } فصيحة، أي فعقدا العقدين وباشر ~~موسى ما التزمه فلما أتم الأجل { وسار بأهله } نحو مصر ~~بإذن من شعيب عليهما السلام. روي أنه عليه الصلاة والسلام ~~قضى أبعد الأجلين ومكث عنده بعد ذلك عشر شنين ثم عزم على ~~العود إلى مصر فاستأذنه في ذلك فأذن له فخرج بأهله { آنس من ~~جانب الطور } أي أبصر من الجهة التي تلي الطور { نارا قال ms2553 ~~لأهله امكثوا إني ءانست نارا لعلي ءاتيكم منها ~~بخبر } أي بخبر الطريق وقد كانوا ضلوه { أو جذوة } أي ~~عود غليظ سواء كانت في رأسه نار أو لا، قال قائلهم:[البسيط] # باتت حواطب ليلى يلتمسن لها # جزل الجذى غير خوار ولا دعر # وقال: [الطويل] # وألقى على قبس من النار جذوة # شديدا عليها حرها والتهابها # ولذلك بين بقوله تعالى { من النار } وقرىء بكسر الجيم ~~وبضمها، وكلها لغات { لعلكم تصطلون } أي تستدفئون. ### || [28.30-32] # { فلما أتها } أي النار التي آنسها { نودي من شاطىء ~~الوادى الأيمن } أي أتاه النداء من الشاطيء الأيمن بالنسبة ~~إلى موسى عليه السلام { فى البقعة المباركة } متصل ~~بالشاطيء أو صلة لنودي { من الشجرة } بدل اشتمال من شاطيء ~~لأنها كانت نابتة على الشاطيء { أن يموسى إني أنا ~~الله رب العلمين } وهذا وإن خالف لفظا لما في طه ~~والنمل لكنه موافق له في المعنى المراد { وأن ألق عصاك ~~} عطف على أن يا موسى وكلاهما مفسر لنودي والفاء في قوله تعالى: { ~~فلما رءاها تهتز } فصيحة مفصحة عن جمل قد حذفت تعويلا ~~على دلالة الحال عليها وإشعارا بغاية سرعة تحقق مدلولاتها أي ~~فألقاها فصارت ثعبانا فاهتزت فلما رآها تهتز { كأنها ~~جان } أي في سرعة الحركة مع غاية عظم جثتها { ولى ~~مدبرا } أي منهزما من الخوف { ولم يعقب } أي لم يرجع { ~~يا موسى } أي قيل يا موسى: { أقبل ولا تخف إنك من ~~الآمنين } من المخاوف فإنه لا يخاف لدي المرسلون { اسلك ~~يدك فى جيبك } أي أدخلها فيه { تخرج بيضاء من غير ~~سوء } أي عيب { واضمم إليك جناحك } أي يديك المبسوطتين ~~لتتقي بهما الحية كالخائف الفزع بإدخال اليمنى تحت العضد ~~الأيسر واليسرى تحت الأيمن أو بإدخالهما في الجيب فيكون تكريرا ~~لغرض آخر هو أن يكون ذلك في وجه العدو إظهار جراءة ومبدأ لظهور ~~معجزة، ويجوز أن يراد بالضم التجلد والثبات عند انقلاب ~~العصا ثعبانا استعارة من حال الطائر فإنه إذا خاف نشر ~~جناحيه وإذا أمن واطمأن ضمهما إليه { من الرهب } أي من أجل ~~الرهب أي إذا عراك الخوف ms2554 فافعل ذلك تجلدا وضبطا لنفسك. وقرىء ~~بضم الراء وسكون الهاء وبضمهما، والكل الغات { فذانك } ~~إشارة إلى العصا واليد. وقرىء بتشديد النون فالمخفف مثنى ~~ذاك والمشدد مثنى ذلك { برهانن } حجتان نيرتان. ~~وبرهان فعلان لقولهم أبره الرجل إذا جاء بالبرهان من قولهم ~~بره الرجل إذا ابيض ويقال للمرأة البيضاء برهاء ~~وبرهرهة، ونظيره تسمية الحجة سلطانا من السليط وهو ~~الزيت لإنارتها. وقيل: هو فعلال لقولهم برهن. ومن في قوله تعالى: ~~{ من ربك } متعلقة بمحذوف هو صفة لبرهانان أي كائنان منه ~~تعالى: { إلى فرعون وملئه } واصلان ومنتهيان إليهم { ~~إنهم كانوا قوما فسقين } خارجين عن حدود الظلم ~~والعدوان فكانوا أحقاء بأن نرسلك إليهم بهاتين المعجزتين ~~الباهرتين. ### || [28.33-37] # { قال رب إنى قتلت منهم نفسا فأخاف أن ~~يقتلون } بمقابلتها { وأخي هارون هو أفصح مني ~~لسانا فأرسله معي ردءا } أي معينا وهو في الأصل اسم ~~ما يعان به كالدفء، وقرىء (ردا) بالتخفيف { يصدقنى } ~~بتلخيص الحق وتقرير الحجة بتوضيحها وتزييف الشبهة { إنى ~~أخاف أن يكذبون } ولساني لا يطاوعني عند المحاجة. وقيل ~~المراد تصديق القوم لتقريره وتوضيحه لكنه أسند إليه إسناد الفعل ~~إلى السبب. وقرىء يصدقني بالجزم على أنه جواب الأمر { قال ~~سنشد عضدك بأخيك } أي سنقويك به فإن قوة الشخص ~~بشدة اليد على مزاولة الأمور ولذلك يعبر عنه باليد وشدتها ~~بشدة العضد { ونجعل لكما سلطنا } أي تسلطا وغلبة وقيل ~~حجة وليس بذاك { فلا يصلون إليكما } باستيلاء أو محاجة { ~~بئايتنا } متعلق بمحذوف قد صرح به في مواضع أخر أي ~~اذهبا بآياتنا، أو بنجعل أي تسلطكما بآياتنا أو بمعنى لا يصلون أي ~~تمتنعون منهم بها، وقيل هو قسم وجوابه لا يصلون وقيل هو بيان ~~للغالبون في قوله تعالى: { أنتما ومن اتبعكما ~~الغلبون } بمعنى أنه صلة لما يبينه أو صلة له على أن ~~اللام للتعريف لا بمعنى الذي { فلما جاءهم موسى ~~بئايتنا بينت } أي واضحات الدلالة على صحة رسالة ~~موسى عليه السلام منه تعالى، والمراد بها العصا واليد إذ هما ~~اللتان أظهرهما موسى عليه السلام إذ ذاك، والتعبير عنهما ~~بصيغة الجمع قد ms2555 مر سره في سورة طه. { قالوا ما هذا إلا ~~سحر مفترى } أي سحر مختلق لم يفعل قبل هذا مثله أو سحر ~~تعمله ثم تفتريه على الله تعالى أو سحر موصوف بالافتراء كسائر ~~أصناف السحر { وما سمعنا بهذا } أي السحر أو ادعاء ~~النبوة { في آبائنا الأولين } أي واقعا في أيامهم. # { وقال موسى ربي أعلم بمن جاء بالهدى من عنده ~~} يريد به نفسه. وقرىء قال بغير واو لأنه جواب عن مقالهم. ~~ووجه العطف أن المراد حكاية القولين ليوازن السامع بينهما ~~فيميز صحيحهما من الفاسد { ومن تكون له عقبة الدار } ~~أي العاقبة المحمودة في الدار وهي الدنيا، وعاقبتها الأصلية هي ~~الجنة لأنها خلقت مجازا إلى الآخرة ومزرعة لها والمقصود بالذات ~~منها الثواب، وأما العقاب فمن نتائج أعمال العصاة وسيئات ~~الغواة. وقرىء يكون بالياء التحتانية { إنه لا يفلح ~~الظلمون } أي لا يفوزون بمطلوب ولا ينجون عن محذور. ### || [28.38-41] # { وقال فرعون يأيها الملأ ما علمت لكم من ~~إله غيري } قاله اللعين بعد ما جمع السحرة وتصدى ~~للمعارضة فكان من أمرهم ما كان { فأوقد لي يهمن ~~يهمن على الطين } أي أصنع آجرا { فاجعل لي } منه { ~~صرحا } أي قصرا رفيعا { لعلي أطلع إلى إله موسى ~~} كأنه توهم أنه لو كان لكان جسما في السماء يمكن الرقي ~~إليه ثم قال: { وإنى لأظنه من الكذبين } أو أراد أن ~~يبني له رصدا يترصد منه أوضاع الكواكب فيرى هل فيها ما يدل ~~على بعثة رسول وتبدل دولته. وقيل: المراد بنفي العلم في المعلوم ~~كما في قوله تعالى: # قل أتنبئون الله بما لا يعلم فى السموات ~~ولا فى الأرض # [سورة يونس: الآية 18] فإن معناه بما ليس فيهن وهذا من خواص ~~العلوم الفعلية فإنها لازمة لتحقق معلوماتها فيلزم من انتفائها ~~انتفاء معلوماتها ولا كذلك العلوم الانفعالية، قيل أول من اتخذ ~~الآجر فرعون ولذلك أمر باتخاذه على وجه يتضمن تعليم الصنعة ~~مع ما فيه من تعظم، ولذلك نادى هامان باسمه بيا في وسط الكلام { ~~واستكبر هو وجنوده في الأرض } أرض مصر { بغير ~~الحق } بغير ms2556 استحقاق { وظنوا أنهم إلينا لا ~~يرجعون } بالبعث للجزاء. وقرىء بفتح الياء وكسر الجيم من ~~رجع رجوعا والأول من رجع رجعا وهو الأنسب بالمقام. # { فأخذنه وجنوده } عقيب ما بلغوا من الكفر والعتو ~~أقصى الغايات { فنبذنهم في اليم } قد مر تفصيله وفيه من ~~تفخيم شأن الأخذ وتهويله واستحقار المأخوذين المنبوذين ما لا ~~يخفى كأنه تعالى أخذهم مع كثرتهم في كف وطرحهم في البحر، ونظيره ~~قوله تعالى: # وما قدروا الله حق قدره والأرض جميعا ~~قبضته يوم القيمة والسموت مطويت ~~بيمينه # [سورة الزمر: الآية 67] { فانظر كيف كان عقبة ~~الظلمين } وبينها للناس ليعتبروا بها { وجعلنهم } ~~أي صيرناهم في عهدهم { أئمة يدعون } الناس { إلى ~~النار } إلى ما يؤدي إليها من الكفر والمعاصي أي قدوة يقتدي ~~بهم أهل الضلال لما صرفوا اختيارهم إلى تحصيل تلك الحالة وقيل ~~سميناهم أئمة دعاة إلى النار كما في قوله تعالى: # وجعلوا الملئكة الذين هم عباد الرحمن ~~إنثا # [سورة الزخرف: الآية 19] فالأنسب حينئذ أن يكون الجعل بعدهم فيما ~~بين الأمم وتكون الدعوة إلى نفس النار وقيل: معنى الجعل منع ~~الألطاف الصارفة عن ذلك { ويوم القيمة لا ينصرون } ~~بدفع العذاب عنهم بوجه من الوجوه. ### || [28.42-44] # { وأتبعنهم في هذه الدنيا لعنة } طردا وإبعادا ~~من الرحمة ولعنا من اللاعنين حيث لا يزال يلعنهم الملائكة عليهم ~~الصلاة والسلام والمؤمنون خلفا عن سلف { ويوم القيمة ~~هم من المقبوحين } من المطرودين المبعدين وقيل من ~~الموسومين بعلامة منكرة كزرقة العيون وسواد الوجه قاله ابن ~~عباس رضي الله عنهما. يقال قبحه الله وقبحه إذا جعله قبيحا ~~وقال أبو عبيدة: من المقبوحين من المهلكين ويوم القيامة إما ~~متعلق بالمقبوحين على أن اللام للتعريف لا بمعنى الذي أو بمحذوف ~~يفسره ذلك كأنه قيل: وقبحوا يوم القيامة نحو # لعملكم من القالين # [سورة الشعراء: الآية 168] { ولقد ءاتينا موسى الكتب } ~~أي التوراة { من بعد ما أهلكنا القرون الأولى } هم ~~أقوام نوح وهود وصالح ولوط عليهم السلام، والتعرض لبيان كون ~~إيتائها بعد إهلاكهم للإشعار بمساس الحاجة الداعية إليه تمهيدا ~~لما يعقبه من بيان الحاجة الداعية إلى ms2557 إنزال القرآن الكريم على ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فإن إهلاك القرون الأولى من موجبات ~~اندراس معالم الشرائع وانطماس آثارها وأحكامها المؤديين إلى ~~اختلال نظام العالم وفساد أحوال الأمم المستدعيين للتشريع ~~الجديد بقرير الأصول الباقية على مر الدهور وترتيب الفروع ~~المتبدلة بتبدل العصور وتذكير أحوال الأمم الخالية الموجبة ~~للاعتبار كأنه قيل ولقد آتينا موسى التوراة على حين حاجة إلى ~~إيتائها { بصائر للناس } أي أنوارا لقلوبهم تبصر الحقائق ~~وتميز بين الحق والباطل حيث كانت عميا عن الفهم والإدارك ~~بالكلية فإن البصيرة نور القلب الذي به يستبصر كما أن البصر ~~نور العين الذي به تبصر { وهدى } أي هداية إلى الشرائع ~~والاحكام التي هي سبل الله تعالى { ورحمة } حيث ينال من عمل ~~به رحمة الله تعالى. وانتصاب الكل على الحالية من الكتاب على ~~أنه نفس البصائر والهدى والرحمة أو على حذف المضاف أي ذا ~~بصائر إلخ وقيل على العلة أي آتيناه الكتاب للبصائر والهدى ~~والرحمة { لعلهم يتذكرون } ليكونوا على حال يرجى منه ~~التذكر وقد مر تحقيق القول في ذلك عند قوله تعالى: # لعلكم تتقون # [سورة البقرة: الآية 21] # وقوله تعالى: { وما كنت بجانب الغربى } شروع في بيان ~~أن إنزال القرآن الكريم أيضا واقع في زمان شدة مساس الحاجة ~~إليه واقتضاء الحكمة له البتة وقد صدر بتحقيق كونه وحيا صادقا من ~~عند الله عز وجل ببيان أن الوقوف على ما فصل من الأحوال لا ~~يتسنى إلا بالمشاهدة أو التعلم ممن شاهدها وحيث انتفى كلاهما ~~تبين أنه بوحي من علام الغيوب لا محالة على طريقة قوله ~~تعالى: # وما كنت لديهم إذ يلقون أقلمهم أيهم ~~يكفل مريم # [سورة آل عمران: الآية 44] الآية أي وما كنت بجانب الجبل الغربي ~~أو المكان الغربي الذي وقع فيه الميقات على حذف الموصوف وإقامة ~~الصفة مقامه أو الجانب الغربي على إضافة الموصوف إلى ~~الصفة كمسجد الجامع. { إذ قضينا إلى موسى الأمر } أي ~~عهدنا إليه وأحكمنا أمر نبوته بالوحي وإتياء التوراة { وما ~~كنت من الشهدين } أي من جملة الشاهدين للوحي وهم السبعون ms2558 ~~المختارون للميقات حتى تشاهد ما جرى من أمر موسى في ميقاته وكتبة ~~التوراة له في الألواح فتخبره للناس. ### || [28.45-46] # { ولكنا أنشأنا قرونا } أي ولكنا خلقنا بين زمانك ~~وزمان موسى قرونا كثيرة { فتطاول عليهم العمر } ~~وتمادى الأمد فتغيرت الشرائع والأحكام وعميت عليهم الأنباء لا ~~سيما على آخرهم فاقتضى الحال التشريع الجديد فأوحينا إليك ~~فحذف المستدرك اكتفاء بذكر ما يوجبه ويدل عليه. وقوله تعالى: { ~~وما كنت ثاويا فى أهل مدين } نفي لاحتمال كون معرفته ~~عليه الصلاة والسلام للقصة بالسماع ممن شاهدها أي وما كنت ~~مقيما في أهل مدين من شعيب والمؤمنين به. وقوله تعالى: { تتلو ~~عليهم } أي تقرأ على أهل مدين بطريق التعلم منهم { ءايتنا ~~} الناطقة بالقصة إما حال من المستكن في ثاويا أو خبر ثان ~~لكنت { ولكنا كنا مرسلين } إياك وموحين إليك تلك ~~الآيات ونظائرها { وما كنت بجانب الطور إذ نادينا } ~~أي وقت ندائنا موسى حح # إني أنا الله رب العلمين # [سورة القصص: الآية 30] واستنبائنا إياه وإرسالنا له فرعون { ~~ولكن رحمة من ربك } أي ولكن أرسلناك بالقرآن ~~الناطق بما ذكر وبغيره لرحمة عظيمة كائنة منا لك وللناس. ~~وقيل: علمناك وقيل: عرفناك ذلك وليس بذاك كما ستعرفه. والالتفات ~~إلى اسم الرب للإشعار بعلة الرحمة وتشريفه عليه الصلاة ~~والسلام بالإضافة وقد اكتفي عن ذكر المستدرك ههنا بذكر ما يوجبه ~~من جهته تعالى كما اكتفى عنه في الأول بذكر ما يوجبه من جهة ~~الناس وصرح به فيما بينهما تنصيصا على ما هود المقصود وإشعارا ~~بأنه المراد فيهما أيضا وو در شأن التنزيل. وقوله تعالى: { ~~لتنذر قوما } متعلق بالفعل المعلل بالرحمة فهو ما ذكرنا ~~من إرساله عليه الصلاة والسلام بالقرآن حتما لما أنه المعلل ~~بالإنذار لا تعليم ما ذكر. وقرىء رحمة بالرفع على أنه خبر ~~مبتدأ محذوف وقوله تعالى: { ما أتهم من نذير من قبلك ~~} صفة لقوما أي لم يأتهم نذير لوقوعهم في فترة بينك وبين عيسى ~~وهي خمسمائة وخمسون سنة أو بينك وبين إسماعيل بناء على أن عوة ~~موسى وعيسى عليهما السلام كانت مختصة ms2559 ببني اسرائيل { ~~لعلهم يتذكرون } أي يتعظون بإنذارك. وتغيير الترتيب ~~الوقوعي بين قضاء الأمر والثراء في أهل مدين والنداء ~~للتنبيه على أن كلا من ذلك برهان مستقل على أن حكايته عليه ~~الصلاة والسلام للقصة بطريق الوحى الإلهي ولو ذكر أولا ~~نفي ثوائه عليه الصلاة والسلام في أهل مدين ثم نفي حضوره ~~عليه الصلاة والسلام عند النداء ثم نفي حضوره عند قضاء الأمر ~~كما هو الموافق للترتيب الوقوعي لربما توهم أن الكل دليل ~~واحد على ما ذكر كما في سورة البقرة. ### || [28.47-49] # { ولولا أن تصيبهم مصيبة } أي عقوبة { بما قدمت ~~أيديهم } أي بما اقترفوا من الكفر والمعاصي { فيقولوا } ~~عطف على تصيبهم داخل في حيز لولا الامتناعية على أن مدار ~~انتفاء ما يجاب به هو امتناعه لا امتناع المعطوف عليه وإنما ذكره ~~في حيزها للإيذان بأنه السبب الملجىء لهم إلى قولهم: { ربنا ~~لولا أرسلت إلينا رسولا } أي هلا أرسلت إلينا رسولا ~~مؤيدا من عندك بالآيات { فنتبع ءايتك } الظاهرة على ~~يده وهو جواب لولا الثانية { ونكون من المؤمنين } بها ~~وجواب لولا الأولى محذوف ثقة بدلالة الحال عليه والمعنى لولا ~~قولهم هذا عند إصابة عقوبة جناياتهم التي قدموها ما أرسلناك لكن ~~لما كان قولهم ذلك محققا لا محيد عنه أرسلناك قطعا لمعاذيرهم ~~بالكلية { فلما جاءهم } أي أهل مكة { الحق من ~~عندنا } وهو القرآن المنزل عليه عليه الصلاة والسلام { ~~قالوا } تعنتا واقتراحا { لولا أوتي } يعنونه عليه ~~الصلاة والسلام { مثل ما أوتي موسى } من الكتاب ~~المنزل جملة وأما اليد والعصا فلا تعلق لهما بالمقام كسائر ~~معجزاته عليه الصلاة والسلام. قوله تعالى: { أولم ~~يكفروا بما أوتي موسى من قبل } رد عليهم وإظهار ~~لكون ما قالوه تعنتا محضا لا طلبا لما يرشدهم إلى الحق أي ألم ~~يكفروا من قبل هذا القول بما أوتي موسى من الكتاب كما كفروا بهذا ~~الحق. وقوله تعالى: { قالوا } استئناف مسوق لتقرير كفرهم ~~المستفاد من الإنكار السابق وبيان كيفيته. وقوله تعالى: { ~~سحران } خبر لمبتدأ محذوف أي هما يعنون ما أوتي محمد وما أوتي ~~موسى عليهما ms2560 السلام سحران { تظاهرا } أي تعاونا بتصديق كل ~~واحد منهما الآخر وذلك أنهم بعثوا رهطا منهم إلى رؤساء اليهود ~~في عيد لهم فسألوهم عن شأنه عليه الصلاة والسلام فقالوا: إنا ~~نجده في التوارة بنعته وصفته فلما رجع الرهط وأخبروهم بما ~~قالت اليهود قالوا ذلك. وقوله تعالى: { وقالوا إنا بكل ~~} أي بكل واحد من الكتابين { كفرون } تصريح بكفرهم بهما ~~وتأكيد لكفرهم المفهوم من تسميتهما سحرا وذلك لغاية عتوهم ~~وتماديهم في الكفر والطغيان. وقرىء ساحران تظاهرا يعنون موسى ~~ومحمدا صلى الله عليهما وسلم. هذا هو الذي تستدعيه جزالة ~~النظم الجليل فتأمل ودع عنك ما قيل وقيل. ألا ترى إلى قوله ~~تعالى: { قل فأتوا بكتب من عند الله هو أهدى ~~منهما } مما أوتياه من التوراة والقرآن وسميتموهما سحرين ~~فإنه نص فيما ذكر. وقوله تعالى: { أتبعه } جواب للأمر أي ~~إن تأتوا به أتبعه ومثل هذا الشرط مما يأتي من يدل بوضوح ~~حجته وسنوح محجته لأن الإتيان بما هو أهدى من الكتابين ~~أمر بين الاستحالة فيوسع دائرة الكلام للتبكيت والإفحام { ~~إن كنتم صدقين } أي في أنهما سحران مختلقان، وفي إيراد ~~كلمة إن مع امتناع صدقهم نوع تهكم بهم. ### || [28.50-54] # { فإن لم يستجيبوا لك } أي فإن لم يفعلوا ما كلفتهم من ~~الإتيان بكتاب أهدى منهما كقوله تعالى: # فإن لم تفعلوا # [سورة البقرة: الآية 24] وإنما عبر عنه بالاستجابة إيذانا بأنه ~~عليه الصلاة والسلام على كمال أمن من أمره كأن أمره عليه ~~الصلاة والسلام لهم بالإتيان بما ذكر دعاء لهم إلى أمر يريد ~~وقوعه. والاستجابة تتعدى إلى الدعاء بنفسه وإلى الداعي ~~باللام فيحذف الدعاء عند ذلك غالبا، ولا يكاد يقال: استجاب الله ~~له دعاءه { فاعلم أنما يتبعون أهواءهم } الزائغة ~~من غير أن يكون لهم متمسك ما أصلا إذ لو كان لهم ذلك لأتوا به ~~{ ومن أضل ممن اتبع هواه } استفهام إنكاري للنفي ~~أي لا أضل ممن اتبع هواه { بغير هدى من الله } أي هو ~~أضل من كل ضال وإن كان ظاهر السبك لنفي الأصل لا لنفي ~~المساوي كما هو ms2561 في نظائره مرارا. وتقييد اتباع الهوى بعدم ~~الهدى من الله تعالى لزيادة التقريع والإشباع في التشنيع ~~والتضليل وإلا فمقارنته لهدايته تعالى بينة الاستحالة { إن ~~الله لا يهدي القوم الظلمين } الذين ظلموا أنفسهم ~~بالانهماك في اتباع الهوى والإعراض عن الآيات الهادية إلى الحق ~~المبين. # { ولقد وصلنا لهم القول } وقرىء بالتخفيف أي أنزلنا ~~القرآن عليهم متواصلا بعضه إثر بعض حسبما تقتضيه الحكمة والمصلحة ~~أو متتابعا وعدا ووعيدا قصصا وعبرا ومواعظ ونصائح { لعلهم ~~يتذكرون } فيؤمنون بما فيه { الذين ءاتينهم ~~الكتب من قبله } أي من قبل إيتاء القرآن { هم به ~~يؤمنون } وهم مؤمنو أهل الكتاب وقيل: أربعون من أهل الإنجيل ~~اثنان وثلاثون جاءوا مع جعفر من الحبشة وثمانية من الشام { وإذا ~~يتلى } أي القرآن { عليهم قالوا ءامنا به إنه ~~الحق من ربنا } أي الحق الذي كنا نعرف حقيته وهو ~~استنئاف لبيان ما أوجب إيمانهم. وقوله تعالى: { إنا كنا من ~~قبله } أي من قبل نزوله { مسلمين } بيان لكون إيمانهم به ~~أمرا متقادم العهد لما شاهدوا ذكره في الكتب المتقدمة وأنهم على ~~دين الإسلام قبل نزول القرآن { أولئك } الموصوفون بما ذكر من ~~المنعوت { يؤتون أجرهم مرتين } مرة على إيمانهم ~~بكتابهم ومرة على إيمانهم بالقرآن { بما صبروا } بصبرهم ~~وثباتهم على الإيمانين أو على الإيمان بالقرآن قبل النزول وبعده أو ~~على أذى من هاجرهم من أهل دينهم ومن المشركين { ويدرءون ~~بالحسنة السيئة } أي يدفعون بالطاعة المعصية لقوله عليه ~~الصلاة والسلام: # " وأتبع السيئة الحسنة تمحها " # { ومما رزقنهم ينفقون } في سبيل الخير. ### || [28.55-57] # { وإذا سمعوا اللغو } من اللاغين { أعرضوا عنه } عن ~~اللغو تكرما كقوله تعالى: # وإذا مروا باللغو مروا كراما # [سورة الفرقان: الآية 72] { وقالوا } لهم { لنا أعملنا ~~ولكم أعملكم سلم عليكم } بطريق المتاركة ~~والتوديع { لا نبتغى الجهلين } لا نطلب صحبتهم ولا ~~نريد مخالطتهم. # { إنك لا تهدي } هداية موصلة إلى البغية لا محالة { من ~~أحببت } من الناس ولا تقدر على أن تدخله في الإسلام وإن ~~بذلت فيه غاية المجهود وجاوزت في السعي كل حد معهود { ~~ولكن الله يهدى من يشاء } أن ms2562 يهديه فيدخله في ~~الإسلام { وهو أعلم بالمهتدين } بالمستعدين لذلك، ~~والجمهور على أنها نزلت في أبي طالب فإنه لما احتضر جاءه رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم وقال له: # " يا عم قل لا إله إلا الله كلمة أحاج بها لك عند الله " # قال له: يا ابن أخي قد علمت إنك لصادق ولكني أكره أن يقال ~~خرع عند الموت ولولا أن يكون عليك وعلى بني أبيك غضاضة بعدي ~~لقلتها ولأقررت بها عينك عند الفراق لما أرى من شدة وجدك ~~ونصيحتك ولكني سوف أموت على ملة الأشياخ عبد المطلب وهاشم ~~وعبد مناف { وقالوا إن نتبع الهدى معك نتخطف ~~من أرضنا } نزلت في الحارث بن عثمان بن نوفل بن عبد مناف ~~حيث أتى النبي عليه الصلاة والسلام فقال: نحن نعلم أنك على ~~الحق ولكنا نخاف إن اتبعناك وخالفنا العرب وإنما نحن أكلة ~~رأس أن يتخطفونا من أرضنا فرد عليهم بقوله تعالى: { أو لم نمكن ~~لهم حرما آمنا } أي ألم نعصمهم ولم نجعل مكانهم حرما ذا أمن لحرمة ~~البيت الحرام الذي تتناحر العرب حوله وهم آمنون { يجبى ~~إليه } وقرىء تجبى أي يجمع ويحمل إليه { ثمرات كل شيء } ~~من كل أوب. والجملة صفة أخرى لحرما دافعة لما عسى يتوهم من ~~تضررهم بانقطاع الميرة { رزقا من لدنا } فإذا كان حالهم ما ~~ذكر وهم عبدة أصنام فكيف يخافون التخطف إذا ضموا إلى حرمة ~~البيت حرمة التوحيد { ولكن أكثرهم لا يعلمون } ~~أي جهلة لا يتفطنون له ولا يتفكرون ليعلموا ذلك وقيل: هو متعلق ~~بقوله تعالى: # من لدنا # أي قليل منهم يتدبرون فيعلمون أن ذلك رزق من عند الله تعالى إذ ~~لو علموا لما خافوا غيره، وانتصاب رزقا على أنه مصدر مؤكد لمعنى ~~تجبى أو حال من ثمرات على أنه بمعنى مرزوق لتخصصها بالإضافة ثم ~~بين أن الأمر بالعكس وأنهم أحقاء بأن يخافوا بأس الله ~~تعالى بقوله: ### || [28.58-60] # { وكم أهلكنا من قرية بطرت معيشتها } أي وكثير ~~من أهل قرية كانت حالهم كحال هؤلاء في الأمن وخفض العيش ~~والدعة حتى أشروا ms2563 فدمرنا عليهم وخربنا ديارهم { فتلك ~~مسكنهم } خاوية بما ظلموا { لم تسكن من بعدهم } من ~~بعد تدميرهم { إلا قليلا } أي إلا زمانا قليلا إذ لا يسكنها ~~إلا المارة يوما أو بعض يوم أو لم يبق من يسكنها إلا قليلا من ~~شؤم معاصيهم { وكنا نحن الورثين } منهم إذ لم يخلفهم أحد ~~يتصرف تصرفهم في ديارهم وسائر ذات أيديهم. وانتصاب معيشتها ~~بنزع الخافض أو بجعلها ظرفا بنفسها كقولك: زيد ظني مقيم أو ~~بإضمار زمان مضاف إليه أو بجعله مفعولا لبطرت بتضمين معنى كفرت { ~~وما كان ربك مهلك القرى } بيان للعناية الربانية ~~إثر بيان إهلاك القرى المذكورة أي وما صح وما استقام بل استحال ~~في سنته المبنية على الحكم البالغة أو ما كان في حكمه الماضي ~~وقضائه السابق أن يهلك قبل الإنذار بل كانت عادته أن لا ~~يهلكها { حتى يبعث فى أمها } أي في أصلها وقصبتها التي ~~هي أعمالها وتوابعها لكون أهلها أفطن وأنبل { رسولا يتلو ~~عليهم ءايتنا } الناطقة بالحق ويدعوهم إليه بالترغيب ~~والترهيب وذلك لإلزام الحجة وقطع المعذرة بأن يقولوا: لولا أرسلت ~~إلينا رسولا فنتبع آياتك. والالتفات إلى نون العظمة لتربية ~~المهابة وإدخال الروعة. وقوله تعالى: { وما كنا مهلكى ~~القرى } عطف على ما كان ربك. وقوله تعالى: { إلا وأهلها ~~ظلمون } استثناء مفرغ من أعم الأحوال أي وما كنا مهلكين ~~لأهل القرى بعد ما بعثنا في أمها رسولا يدعوهم إلى الحق ويرشدهم ~~إليه في حال من الأحوال إلا حال كونهم ظالمين بتكذيب رسولنا ~~والكفر بآياتنا فالبعث غاية لعدم صحة الإهلاك بموجب السنة ~~الإلهية لا لعدم وقوعه حتى يلزم تحقق الإهلاك عقيب البعث وقد ~~مر تحقيقه في سورة بني إسرائيل. # { وما أوتيتم من شيء } من أمور الدنيا { فمتع ~~الحيوة الدنيا وزينتها } أي فهو شيء شأنه أن يتمتع ~~ويتزين به أياما قلائل { وما عند الله } وهو الثواب { خير ~~} في نفسه من ذلك لأنه لذة خالصة عن شوائب الألم وبهجة كاملة ~~عارية عن سمة الهم { وأبقى } لأنه أبدي { أفلا ~~تعقلون } ألا تتفكرون فلا تعقلون هذا الأمر الواضح ms2564 فتستبدلون ~~الذي هو أدنى بالذي هو خير. وقرىء بالياء على الالتفات المبني على ~~اقتضاء سوء صنيعهم الإعراض عن مخاطبتهم. ### || [28.61-63] # { أفمن وعدنه وعدا حسنا } أي وعدا بالجنة فإن ~~حسن الوعد بحسن الموعود { فهو لاقيه } أي مدركه لا محالة ~~لاستحالة الخلف في وعده تعالى ولذلك جيء بالجملة الاسمية المفيدة ~~لتحققه البتة وعطفت بالفاء المنبئة عن معنى السببية { كمن ~~متعناه متع الحيوة الدنيا } الذي هو مشوب بالآلام ~~منغص بالأكدار مستتبع للتحسر على الانقطاع. ومعنى الفاء الأولى ~~ترتيب إنكار التشابه بين أهل الدنيا وأهل الآخرة على ما قبلها ~~من ظهور التفاوت بين متاع الحياة الدنيا وبين ما عند الله ~~تعالى، أي أبعد هذا التفاوت الظاهر يسوى بين الفريقين. وقوله ~~تعالى: { ثم هو يوم القيمة من المحضرين } عطف ~~على متعناه داخل معه في حيز الصلة مؤكد لإنكار التشابه ~~مقرر له كأنه قيل: كمن متعناه متاع الحياة الدنيا ثم نحضره أو ~~أحضرناه يوم القيامة النار أو العذاب. وإيثار الجملة الاسمية ~~للدلالة على التحقق حتما، وفي جعله من جملة المحضرين من التهويل ~~ما لا يخفى. وثم للتراخي في الزمان أو في الرتبة. وقرىء ثم ~~هو بسكون الهاء تشبيها للمنفصل بالمتصل. # { ويوم يناديهم } منصوب بالعطف على يوم القيامة لاختلافهما ~~عنوانا وإن اتحدا ذاتا أو بإضمار اذكر { فيقول } تفسير ~~للنداء { أين شركائى الذين كنتم تزعمون } أي ~~الذين كنتم تزعمونهم شركائي، فحذف المفعولان معا ثقة بدلالة ~~الكلام عليهما { قال } استئناف مبني على حكاية السؤال كأنه ~~قيل: فماذا صدر عنهم حينئذ؟ فقيل: قال: { الذين حق عليهم ~~القول } وهو شركاؤهم من الشياطين أو رؤساؤهم الذين اتخذوهم ~~أربابا من دون الله تعالى بأن أطاعوهم في كل ما أمروهم به ونهوا ~~عنه، ومعنى حق عليهم القول أنه ثبت مقتضاه وتحقق مؤداه وهو قوله ~~تعالى: # لأملان جهنم من الجنة والناس أجمعين # [سورة السجدة: الآية 13] وغيره من آيات الوعيد. وتخصيصهم بهذا الحكم ~~مع شموله للأتباع أيضا لأصالتهم في الكفر واستحقاق العذاب حسبما ~~يشعر به قوله تعالى: # لأملأن جهنم منك وممن تبعك منهم # [سورة ص: الآية ms2565 85] ومسارعتهم إلى الجواب مع كون السؤال للعبدة إما ~~لتفطنهم أن السؤال عنهم لاستحضارهم وتوبيخهم بالإضلال وجزمهم بأن ~~العبدة سيقولون: هؤلاء أضلونا وإما لأن العبدة قد قالوه ~~اعتذارا وهؤلاء إنما قالوا ما قالوا ردا لقولهم إلا أنه لم يحك ~~قول العبدة إيجازا لظهوره { ربنا هؤلاء الذين أغوينا ~~} أي هم الذين أغويناهم فحذف الراجع إلى الموصول ومرادهم بالإشارة ~~بيان أنهم يقولون ما يقولون بمحضر منهم وأنهم غير قادرين على ~~إنكاره ورده وقوله تعالى: { أغوينهم كما غوينا } هو ~~الجواب حقيقة وما قبله تمهيد له أي ما أكرهناهم على الغي وإنما ~~أغويناهم بطريق الوسوسة والتسويل لا بالقسر والإلجاء فغووا ~~باختيارهم غيا مثل غينا باختيارنا ويجوز أن يكون الذين صفة لاسم ~~الإشارة وأغويناهم الخبر { تبرأنا إليك } ومنهم ومما ~~اختاروه من الكفر والمعاصي هو منهم وهو تقرير لما قبله ولذلك لم ~~يعطف عليه وكذا قوله تعالى: { ما كانوا إيانا يعبدون } أي ~~ما كانوا يعبدوننا وإنما كانوا يعبدون أهواءهم، وقيل: ما مصدرية ~~متصلة بقوله تعالى: { تبرأنا } أي تبرأنا من عبادتهم إيانا. ### || [28.64-68] # { وقيل ادعوا شركاءكم } إما تهكما أو تبكيتا لهم { ~~فدعوهم } لفرط الحيرة { فلم يستجيبوا لهم } ضرورة ~~عدم قدرتهم على الاستجابة والنصرة { ورأوا العذاب } قد ~~غشيهم { لو أنهم كانوا يهتدون } لوجه من وجوه الحيل ~~يدفعون به العذاب أو إلى الحق لما لقوا ما لقوا وقيل: «لو» ~~للتمني أي تمنوا لو أنهم كانوا مهتدين. # { ويوم ينديهم فيقول ماذا أجبتم المرسلين } ~~عطف على ما قبله سئلوا أولا عن إشراكهم وثانيا عن جوابهم للرسل ~~الذين نهوهم عن ذلك { فعميت عليهم الأنباء يومئذ } ~~أي صارت كالعمى عنهم لا تهتدي إليهم وأصله فعموا عن الأنباء وقد ~~عكس للمبالغة والتنبيه على أن ما يحضر الذهن يفيض عليه ويصل إليه ~~من خارج فإذا أخطأ لم يكن له حيلة إلى استحضاره. وتعدية الفعل بعلى ~~لتضمنه معنى الخفاء والاشتباه، والمراد بالأنباء إما ما طلب منهم ~~مما أجابوا به الرسل أو جميع الأنباء وهي داخلة فيه دخولا ~~أوليا وإذا كانت الرسل عليهم الصلاة والسلام يفوضون العلم في ms2566 ~~ذلك المقام الهائل إلى علام الغيوب مع نزاهتهم عن غائلة المسؤول ~~فما ظنك بأولئك الضلال من الأمم { فهم لا يتساءلون } لا ~~يسأل بعضهم بعضا عن الجواب لفرط الدهشة أو العلم بأن الكل ~~سواء في الجهل { فأما من تاب } من الشرك { وآمن وعمل ~~صلحا } أي جمع بين الإيمان والعمل الصالح { فعسى أن ~~يكون من المفلحين } أي الفائزين بالمطلوب عنده تعالى ~~الناجين عن المهروب، وعسى للتحقيق على عادة الكرام أو للترجي ~~من قبل التائب بمعنى فليتوقع الإفلاح. # { وربك يخلق ما يشاء } أن يخلقه { ويختار } ما يشاء ~~اختياره من غير إيجاب عليه ولا منع له أصلا { ما كان لهم ~~الخيرة } أي التخير كالطيرة بمعنى التطير، والمراد نفي ~~الاختيار المؤثر عنهم وذلك مما لا ريب فيه. وقيل: المراد أنه ليس ~~لأحد من خلقه أن يختار عليه ولذلك خلا عن العاطف ويؤيده ما روي ~~أنه نزل في قول الوليد بن المغيرة # لولا نزل هذا القرءان على رجل من القريتين ~~عظيم # [سورة الزخرف: الآية 31] والمعنى لا يبعث الله تعالى الرسل باختيار ~~المرسل إليهم وقيل: معناه ويختار الذي كان لهم فيه الخير والصلاح { ~~سبحن الله } أي تنزه بذاته تنزها خاصا به من أن ~~ينازعه أحد أو يزاحم اختياره اختيار { وتعالى عما ~~يشركون } عن إشراكهم أو عن مشاركة ما يشركونه به. ### || [28.69-73] # { وربك يعلم ما تكن صدورهم } كعداوة رسول للها صلى ~~الله عليه وسلم وحقده { وما يعلنون } كالطعن فيه { وهو ~~الله } أي المستحق للعبادة { لا إله إلا هو } لا أحد ~~يستحقها إلا هو { له الحمد فى الأولى والآخرة } لأنه ~~المولى للنعم كلها عاجلها وآجلها على الخلق كافة يحمده المؤمنون ~~في الآخرة كما حمدوه في الدنيا بقولهم: الحمد لله الذي أذهب ~~عنا الحزن الحمد لله الذي صدقنا وعده ابتهاجا بفضله والتذاذا ~~بحمده { وله الحكم } أي القضاء النافذ في كل شيء من غير ~~مشاركة فيه لغيره { وإليه ترجعون } بالبعث لا إلى غيره. # { قل } تقريرا لما ذكر { أرءيتم } أي أخبروني { إن جعل ~~الله عليكم الليل سرمدا } دائما من السرد وهو ~~المتابعة ms2567 والاطراد والميم مزيدة كما في دلامص من الدلاص يقال: ~~درع دلاص أي ملساء لينة { إلى يوم القيمة } بإسكان ~~الشمس تحت الأرض أو تحريكها حول الأفق الغائر { من إله ~~غير الله } صفة لإله { يأتيكم بضياء } صفة أخرى لها ~~عليها يدور أمر التبكيت والإلزام كما في قوله تعالى: # قل من يرزقكم من السماء والأرض # [سورة يونس: الآية 31] وقوله تعالى: # فمن يأتيكم بماء معين # [سورة الملك: الآية 30] ونظائرهما خلا أنه قصد بيان انتفاء ~~الموصوف بانتفاء الصفة ولم يقل: هل إله الخ لإيراد التبكيت ~~والإلزام على زعمهم. وقرىء بضئاء بهمزتين { أفلا تسمعون } ~~هذا الكلام الحق سماع تدبر واستبصار حتى تذعنوا له وتعملوا ~~بموجبه. { قل أرءيتم إن جعل الله عليكم النهار ~~سرمدا إلى يوم القيمة } بإسكانها في وسط السماء أو ~~بتحريكها على مدار فوق الأفق { من إله غير الله ~~يأتيكم بليل تسكنون فيه } استراحة من متاعب الأشغال، ~~ولعل تجريد الضياء عن ذكر منافعه لكونه مقصودا بذاته ظاهر ~~الاستتباع لما نيط به من المنافع { أفلا تبصرون } هذه ~~المنفعة الظاهرة التي لا تخفى على من له بصر. # { ومن رحمته جعل لكم اليل والنهار لتسكنوا ~~فيه } أي في الليل { ولتبتغوا من فضله } في النهار ~~بأنواع المكاسب { ولعلكم تشكرون } ولكي تشكروا نعمته ~~تعالى فعل ما فعل أو لكي تعرفوا نعمته تعالى وتشكروه عليها. ### || [28.74-76] # { ويوم يناديهم } منصوب باذكر { فيقول أين ~~شركائى الذين كنتم تزعمون } تقريع إثر تقريع ~~للإشعار بأنه لا شيء أجلب لغضب الله عز وجل من الإشراك كما لا ~~شيء أدخل في مرضاته من توحيده سبحانه. وقوله تعالى: { ونزعنا ~~} عطف على يناديهم. وصيغة الماضي للدلالة على التحقق أو حال من ~~فاعله بإضمار قد. والالتفات إلى نون العظمة لإبراز كمال الاعتناء ~~بشأن النزع وتهويله أي أخرجنا { من كل أمة } من الأمم { ~~شهيدا } نبيا يشهد عليهم بما كانوا عليه كقوله تعالى: # فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد # [سورة النساء: الآية 41] { فقلنا } لكل أمة من تلك الأمم { ~~هاتوا برهنكم } على صحة ما كنتم تدينون به { فعلموا } ~~يومئذ { أن الحق لله ms2568 } في الإلهية لا يشاركه فيها أحد { ~~وضل عنهم } أي غاب عنهم غيبة الضائع { ما كانوا ~~يفترون } في الدنيا من الباطل. # { إن قرون كان من قوم موسى } كان ابن عمه يصهر بن ~~قاهث بن لاوى بن يعقوب عليه السلام وموسى عليه السلام ابن عمران بن ~~قاهث وقيل: كان موسى عليه السلام ابن أخيه وكان يسمى المنور لحسن ~~صورته وقيل: كان أقرأ بني إسرائيل للتوراة ولكنه نافق كما نافق ~~السامري وقال: إذا كانت النبوة لموسى والمذبح والقربان لهارون ~~فما لي. وروي أنه لما جاوز بهم موسى عليه السلام البحر وصارت ~~الرسالة والحبورة والقربان لهارون وجد قارون في نفسه وحسدهما ~~فقال لموسى: الأمر لكما ولست على شيء إلى متى أصبر؟ قال موسى عليه ~~السلام: هذا صنع الله تعالى. قال: لا أصدقك حتى تأتي بآية، ~~فأمر رؤساء بني إسرائيل أن يجيء كل واحد بعصاة فحزمها وألقاها في ~~القبة التي كان الوحي ينزل إليه فيها فكانوا يحرسون عصيهم بالليل ~~فأصبحوا فإذا بعصا هارون تهتز ولها ورق أخضر فقال قارون: ما هو ~~بأعجب مما تصنع من السحر وذلك قوله تعالى: { فبغى عليهم ~~} فطلب الفضل عليهم وأن يكونوا تحت أمره أو ظلمهم، قيل: وذلك ~~حين ملكه فرعون على بني إسرائيل وقيل: حسدهم وذلك ما ذكر منه في ~~حق موسى وهارون عليهما السلام { وآتيناه من الكنوز } أي الأموال ~~المدخرة { ما إن مفاتحه } أي مفاتح صناديقه وهو جمع ~~مفتح بالكسر وهو ما يفتح به وقيل: خزانته وقياس واحدها المفتح ~~بالفتح { لتنوء بالعصبة أولي القوة } خبر إن والجملة صلة ما وهو ثاني ~~مفعولي آتى. وناء به الحمل إذا أثقله حتى أماله والعصبة ~~والعصابة الجماعة الكثيرة. وقرىء لينوء بالياء على إعطاء المضاف ~~حكم المضاف إليه كما مر في قوله تعالى: # إن رحمة الله قريب من المحسنين # [سورة الأعراف: الآية 56] { إذ قال له قومه } منصوب بتنوء ~~وقيل: ببغى ورد بأن البغي ليس مقيدا بذلك الوقت وقيل: بآتيناه ~~ورد بأن الإيتاء أيضا غير مقيد به وقيل: بمضمر فقيل: هو ~~اذكر وقيل: هو أظهر ms2569 الفرح ويجوز أن يكون منصوبا بما بعده من ~~قوله تعالى: # قال إنما أوتيته # وتكون الجملة مقررة لبغيه { لا تفرح } أي لا تبطر والفرح في ~~الدنيا مذموم مطلقا لأنه نتيجة حبها والرضا بها والذهول عن ~~ذهابها فإن العلم بأن ما فيها من اللذة مفارقة لا محالة يوجب ~~الترح حتما ولذلك قال تعالى: # ولا تفرحوا بما ءاتكم # [سورة الحديد: الآية 23] وعلل النهي ههنا بكونه مانعا من ~~محبته عز وعلا فقيل: { إن الله لا يحب الفرحين } ~~أي بزخارف الدنيا. ### || [28.77-78] # { وابتغ } وقرىء واتبع { فيما ءاتاك الله } من الغنى { ~~الدار الآخرة } أي ثواب الله تعالى فيها يصرفه إلى ما يكون ~~وسيلة إليه { ولا تنس } أي لا تترك ترك المنسي { نصيبك من ~~الدنيا } وهو أن تحصل بها آخرتك وتأخذ منها ما يكفيك { وأحسن ~~} أي إلى عباد الله تعالى { كما أحسن الله إليك } فيما ~~أنعم به عليك وقيل: أحسن بالشكر والطاعة كما أحسن الله إليك ~~بالإنعام { ولا تبغ الفساد في الأرض } نهي عما كان عليه ~~من الظلم والبغي { إن الله لا يحب المفسدين } لسوء ~~أفعالهم { قال } مجيبا لناصحيه { إنما أوتيته على ~~علم عندي } كأنه يريد به الرد على قولهم: كما أحسن الله إليك ~~لإنبائه عن أنه تعالى أنعم عليه بتلك الأموال والذخائر من غير سبب ~~واستحقاق من قبله أي فضلت به على الناس واستوجبت به التفوق ~~عليهم بالمال والجاه، وعلى علم في موقع الحال وهو علم التوراة ~~وكان أعلمهم بها وقيل: علم الكيمياء وقيل: علم النجارة والدهقنة ~~وسائر المكاسب وقيل: علم الكنوز والدفائن، وعندي صفة له أو ~~متعلق بأوتيته كقولك: جاز هذا عندي أو في ظني ورأيي { أولم ~~يعلم أن الله قد أهلك من قبله من القرون من ~~هو أشد منه قوة وأكثر جمعا } توبيخ له من جهة ~~الله تعالى على اغتراره بقوته وكثرة ماله مع علمه بذلك قراءة في ~~التوراة وتلقيا من موسى عليه السلام وسماعا من حفاظ ~~التواريخ وتعجب منه، فالمعنى ألم يقرأ التوراة ولم يعلم ما ~~فعل الله تعالى بأضرابه من أهل القرون ms2570 السابقة حتى لا يغتر ~~بما اغتروا به، أو رد لادعائه العلم وتعظمه به بنفي هذا العلم ~~منه فالمعنى أعلم ما ادعاه ولم يعلم هذا حتى يقي به نفسه مصارع ~~الهالكين { ولا يسأل عن ذنوبهم المجرمون } سؤال ~~استعلام بل يعذبون بها بغتة كأن قارون لما هدد بذكر إهلاك ~~من قبله ممن كان أقوى منه وأغنى أكد ذلك بأن بين أن ذلك لم يكن ~~مما يخص أولئك المهلكين، بل الله تعالى مطلع على ذنوب كافة ~~المجرمين يعاقبهم عليها لا محالة. ### || [28.79-81] # { فخرج على قومه } عطف على قال وما بينهما اعتراض. وقوله ~~تعالى: { فى زينته } إما متعلق بخرج أو بمحذوف هو حال من ~~فاعله أي فخرج عليه كائنا في زينته. قيل خرج على بغلة شهباء عليه ~~الأرجوان وعليها سرج من ذهب ومعه أربعة آلاف على زيه. وقيل: ~~عليهم وعلى خيولهم الديباج الأحمر وعن يمينه ثلاثمائة غلام وعن ~~يساره ثلاثمائة جارية بيض عليهن الحلي والديباج وقيل: في ~~تسعين ألفا عليهن المعصفرات وهو أول يوم رئي فيه المعصفر. { ~~قال الذين يريدون الحيوة الدنيا } من المؤمنين جريا ~~على سنن الجبلة البشرية من الرغبة في السعة واليسار. { ~~يليت لنا مثل ما أوتي قرون } وعن قتادة أنهم ~~تمنوه ليتقربوا به إلى الله تعالى وينفقوه في سبل الخير وقيل: ~~كان المتمنون قوما كفارا { إنه لذو حظ عظيم } تعليل ~~لتمنيهم وتأكيد له. { وقال الذين أوتوا العلم } أي ~~بأحوال الدنيا والآخرة كما ينبغي وإنما لم يوصفوا بإرادة ثواب ~~الآخرة تنبيها على أن العلم بأحوال النشأتين يقتضي الإعراض ~~عن الأولى والإقبال على الثانية حتما وأن تمني المتمنين ليس ~~إلا لعدم علمهم بهما كما ينبغي { ويلكم } دعاء بالهلاك شاع ~~استعماله في الزجر عما لا يرتضى { ثواب الله } في الآخرة ~~{ خير } مما تتمنونه { لمن ءامن وعمل صلحا } فلا ~~يليق بكم أن تتمنوه غير مكتفين بثوابه تعالى { ولا يلقاها } ~~أي هذه الكلمة التي تكلم بها العلماء أو الثواب فإنه بمعنى ~~المثوبة أو الجنة أو الإيمان والعمل الصالح، فإنهما في معنى ~~السيرة والطريقة { إلا الصبرون } أي ms2571 على الطاعات وعن ~~الشهوات. # { فخسفنا به وبداره الأرض } روي أنه كان يؤذي موسى ~~عليه السلام كل وقت وهو يداريه لقرابته حتى نزلت الزكاة ~~فصالحه عن كل ألف على واحد فحسبه فاسكتثره فعمد إلى أن يفضح ~~موسى عليه السلام بين بني إسرائيل فجعل لبغي من بغايا بني ~~إسرائيل ألف دينار وقيل: طشتا من ذهب مملوءة ذهبا فلما كان يوم ~~عيد قام موسى عليه السلام خطيبا فقال من سرق قطعناه ومن زنى غير ~~محصن جلدناه ومن زنى محصنا رجمناه فقال قارون ولو كنت قال ولو ~~كنت قال إن بني إسرائيل يزعمون أنك فجرت بفلانة فأحضرت فناشدها ~~عليه السلام أن تصدق فقالت: جعل لي قارون جعلا على أن أرميك ~~بنفسي فخر موسى ساجدا لربه يبكي ويقول يا رب إن كنت رسولك ~~فاغضب لي فأوحي إليه أن مر الأرض بما شئت فإنها مطيعة لك فقال يا ~~بني إسرائيل إن الله بعثني إلى قارون كما بعثني إلى فرعون فمن كان ~~معه فليلزم مكانه ومن كان معي فليعتزل عنه فاعتزلوا جميعا غير ~~رجلين ثم قال يا أرض خذيهم فأخذتهم إلى الركب ثم قال خذيهم ~~فأخذتهم إلى الأوساط ثم قال خذيهم فأخذتهم إلى الأعناق وهم ~~يناشدونه عليه الصلاة والسلام بالله تعالى وبالرحم وهو لا ~~يلتفت إليهم لشدة غيظه ثم قال خذيهم فانطبقت عليهم فأصبحت بنو ~~إسرائيل يتناجون فيما بينهم إنما دعا عليه موسى عليه الصلاة ~~والسلام ليستبد بداره وكنوزه فدعا الله تعالى حتى خسف بداره ~~وأمواله { فما كان له من فئة } جماعة مشفقة { ينصرونه ~~من دون الله } بدفع العذاب عنه { وما كان من ~~المنتصرين } أي الممتنعين منه بوجه من الوجوه يقال نصره من ~~عدوه فانتصر أي منعه فامنتع. ### || [28.82-84] # { وأصبح الذين تمنوا مكانه } منزلته { بالأمس } ~~منذ زمان قريب { يقولون ويكأن الله يبسط الرزق ~~لمن يشاء من عباده ويقدر } أي يفعل كل واحد من البسط ~~والقدر بمحض مشيئته لا لكرامة توجب البسط ولا لهوان يقتضي ~~القبض. ويكأن عند البصريين مركب من وي للتعجب وكأن للتشبيه ~~والمعنى ما أشبه ms2572 الأمر أن الله يبسط الخ. وعند الكوفيين من ويك ~~بمعنى ويلك وأن وتقديره ويك أعلم أن الله وإنما يستعمل عند ~~التنبه على الخطأ والتندم والمعنى أنهم قد تنبهوا على خطئهم من ~~تمنيهم وتندموا على ذلك { لولا أن من الله علينا } ~~بعدم إعطائه إيانا ما تمنيناه وإعطائنا مثل ما أعطاه إياه. وقرىء ~~لولا من الله علينا { لخسف بنا } كما خسف به. وقرىء لخسف ~~بنا على النباء للمفعول وبنا هو القائم مقام الفاعل. وقرىء لا ~~تخسف بنا كقولك أنقطع به، وقرىء لتخسف بنا { ويكأنه لا ~~يفلح الكفرون } لنعمة الله تعالى أو المكذبون برسله وبما ~~وعدوا من ثواب الآخرة. # { تلك الدار الآخرة } إشارة تعظيم وتفخيم كأنه قيل تلك ~~التي سمعت خبرها وبلغك وصفها { نجعلها للذين لا ~~يريدون علوا في الأرض } أي غلبة وتسلطا { ولا فسادا } ~~أي ظلما وعدوانا على العباد كدأب فرعون وقارون وفي تعليق الموعد ~~بترك إرادتهما لا بترك أنفسهما مزيد تحذير منهما. وعن علي رضي الله ~~عنه أن الرجل ليعجبه أن يكون شراك نعله أجود من شراك نعل ~~صاحبه فيدخل تحتها { والعقبة } الحميدة { للمتقين } أي ~~الذين يتقون ما لا يرضاه الله من الأفعال والأقوال { من جاء ~~بالحسنة فله } بمقابلتها { خير منها } ذاتا ووصفا ~~وقدرا { ومن جاء بالسيئة فلا يجزى الذين علموا ~~السيئات } وضع فيه الموصول والظاهر موضع الضمير لتهجين ~~حالهم بتكرير إسناد السيئة إليهم { إلا ما كانوا ~~يعملون } أي إلا مثل ما كانوا يعملون فحذف المثل وأقيم مقامه ~~ما كانوا يعملون مبالغة في المماثلة. ### || [28.85-88] # { إن الذي فرض عليك القرءان } أوجب عليك تلاوته ~~وتبليغه والعمل به { لرادك إلى معاد } أي معاد تمتد إليه ~~أعناق الهمم وترنو إليه أحداق الأمم وهو المقام المحمود الذي وعدك ~~أن يبعثك فيه، وقيل هو مكة المعظمة على أنه تعالى قد وعده وهو ~~بمكة في أذية وشدة من أهلها أنه يهاجر به منها ثم يعيده ~~إليها بعز ظاهر وسلطان قاهر، وقيل: نزلت عليه حين بلغ الجحفة في ~~مهاجره وقد اشتاق إلى مولده، ومولد آبائه وحرم إبراهيم عليه ms2573 ~~السلام فنزل جبريل عليه السلام فقال له أتشتاق إلى مكة قال ~~نعم فأوحاها إليه { قل ربي أعلم من جاء بالهدى } وما ~~يستحقه من الثواب والنصر. ومن منتصب بفعل يدل عليه أعلم ~~أي يعلم وقيل: بأعلم على أنه بمعنى عالم. { ومن هو في ~~ضلل مبين } وما استحقه من العذاب والإذلال يعني بذلك نفسه ~~والمشركين وهو تقرير للوعيد السابق وكذا قوله تعالى: { وما ~~كنت ترجو أن يلقى إليك الكتب } أي سيردك إلى ~~معادك كما ألقى ألبيك الكتاب وما كنت ترجوه { إلا رحمة من ~~ربك } ولكن ألقاه إليك رحمة منه ويجوز أن يكون استثناء محمولا ~~على المعنى كأنه قيل: وما ألقي إليك الكتاب إلا رحمة أي لأجل ~~الترحم { فلا تكونن ظهيرا للكفرين } بمدارتهم ~~والتحمل عنهم والإجابة إلى طلبتهم { ولا يصدنك } أي الكافرون ~~{ عن ءايت الله } أي عن قراءتها والعمل بها { بعد إذ ~~أنزلت إليك } وفرضت عليك وقرىء يصدنك من أصد المنقول ~~من صد اللازم { وادع } الناس { إلى ربك } إلى عبادته ~~وتوحيده { ولا تكونن من المشركين } بمساعدتهم في ~~الأمور { ولا تدع مع الله إلها ءاخر } هذا وما قبله ~~للتهييج والألهاب وقطع أطماع المشركين عن مساعدته عليه ~~الصلاة والسلام لهم وإظهار أن المنهي عنه في القبح ~~والشرية بحيث ينهى عنه من لا يمكن صدوره عنه أصلا { لا ~~إله إلا هو } وحده { كل شيء هالك إلا وجهه } ~~إلا ذاته فإن ما عداه كائنا ما كان ممكن في حد ذاته عرضة ~~للهلاك والعدم { له الحكم } أي القضاء النافذ في الخلق { ~~وإليه ترجعون } عند البعث للجزاء بالحق والعدل. # عن النبي عليه الصلاة والسلام: # " من قرأ طسم القصص كان له من الأجر بعدد من صدق موسى وكذب ~~ولم يبق ملك في السموات والأرض إلا شهد له يوم القيامة أنه ~~كان صادقا " ### | [29 - سورة العنكبوت] ### || [29.1-3] # { الم } الكلام فيه كالذي مر مرارا في نظائره من الفواتح الكريمة ~~خلا أن ما بعده لا يحتمل أن يتعلق به تعلقا إعرابيا { ~~أحسب الناس } الحسبان ونظائره لا يتعلق بمعاني المفردات بل ~~بمضامين الجمل المفيدة ms2574 لثبوت شيء أو انتفاء شيء عن شيء بحيث ~~يتحصل منها مفعولاه إما بالفعل كما في عامة المواقع وإما بنوع ~~تصرف فيها كما في الجمل المصدرة بأن الواقعة صلة للموصول ~~الاسمي أو الحرفي فإن كلا منها صالحة لأن يسبك منها مفعولاه ~~لأن قوله تعالى أحسب الناس { أن يتركوا أن يقولوا ~~ءامنا وهم لا يفتنون } في قوة أن يقال أحسبوا أنفسهم ~~متروكين بلا فتنة بمجرد أن يقولوا آمنا أو أن يقال أحسبوا ~~تركهم غير مفتونين بقولهم آمنا حاصلا متحققا، والمعنى إنكار ~~الحسبان المذكور واستبعاده وتحقيق أنه تعالى يمتحنهم بمشاق ~~التكاليف كالمهاجرة والمجاهدة ورفض ما تشتهية النفس، ووظائف ~~الطاعات وفنون المصائب في الأنفس والأموال ليتميز المخلص من ~~المنافق والراسخ في الدين من المتزلزل فيه ويجازيهم بحسب ~~مراتب أعمالهم فإن مجرد الإيمان وإن كان عن خلوص لا يقتضي ~~غير الخلاص من الخلود في النار. روي أنها نزلت في ناس من ~~الصحابة رضوان الله تعالى عليهم أجمعين جزعوا من أذية ~~المشركين، وقيل: في عمار قد عذب في الله، وقيل: في مهجع مولى ~~عمر بن الخطاب رضي الله عنهما رماه عامر بن الحضرمي بسهم يوم ~~بدر فقتله فجزع عليه أبوه وامرأته وهو أول من استشهد يومئذ من ~~المسلمين فقال رسول صلى الله عليه وسلم: # " سيد الشهداء مهجع وهو أول من يدعى إلى باب الجنة من هذه ~~الأمة " # { ولقد فتنا الذين من قبلهم } متصل بقوله تعالى { ~~أحسب } أو بقوله تعالى { لا يفتنون } والمعنى أن ذلك سنة قديمة ~~مبنية على الحكم البالغة جارية فيما بين الأمم كلها فلا ينبغي أن ~~يتوقع خلافها والمعنى أن الأمم الماضية قد أصابهم من ضروب ~~الفتن والمحن ما هو أشد مما أصاب هؤلاء فصبروا كما يعرب عنه ~~قوله تعالى: # وكأين من نبى قاتل معه ربيون كثير فما ~~وهنوا لما أصابهم فى سبيل الله وما ضعفوا وما ~~استكانوا # [سورة آل عمران: الآية 146] الآيات وعن النبي عليه الصلاة ~~والسلام: # " قد كان من قبلكم يؤخذ فيوضع المنشار على رأسه فيفرق فرقتين ما ~~يصرفه ذلك عن دينه ms2575 ويمشط بأمشاط الحديد ما دون عظمه من لحم وعصب ~~ما يصرفه ذلك عن دينه " # { فليعلمن الله الذين صدقوا } أي في قولهم آمنا { ~~وليعلمن الكذبين } في ذلك. لترتيب ما بعدها على ما يفصح ~~عنه ما قبلها من وقوع الامتحان، واللام جواب القسم، والالتفات ~~إلى الاسم الجليل لإدخال الروعة وتربية المهابة. وتكرير الجواب ~~لزيادة التأكيد والتقرير، أي فوالله ليتعلقن علمه بالامتحان تعلقا ~~حاليا يتميز به الذين صدقوا في الإيمان الذي أظهروه والذين هم كاذبون ~~فيه مستمرون على الكذب ويترتب عليه أجزيتهم من الثواب والعقاب، ~~ولذلك قيل: المعنى ليميزن أو ليجازين. وقرىء وليعلمن من الإعلام أي ~~وليعرفنهم الناس أو ليسمنهم بسمة يعرفون بها يوم القيامة ~~كبياض الوجوه وسوادها. ### || [29.4-6] # { أم حسب الذين يعملون السيئات أن يسبقونا } ~~أي يفوتونا فلا نقدر على مجازاتهم بمساوىء أعمالهم وهو ساد مسد ~~مفعولي حسب لاشتماله على مسند ومسند إليه. وأم منقطعة وما ~~فيها من معنى بل للإضراب والانتقال عن التوبيخ بإنكار حسبانهم ~~متروكين غبر مفتونين إلى التوبيخ بإنكار ما هو أبطل من الحسبان ~~الأل وهو حسبانهم أن لا يجازوا بسيئاتهم وهم وإن لم يحسبوا أنهم ~~يفوتونه تعالى ولم يحدثوا نفوسهم بذلك كلنهم حيث أصروا على ~~المعاصي ولم يتفكروا في العاقبة نزلوا منزله من طمع في ذلك كما في ~~قوله تعالى: # يحسب أن ماله أخلده # [سورة الهمزة: الآية 3] { ساء ما يحكمون } أي بئس الذي ~~يحكمونه حكمهم ذلك أو بئس حكما يحكونه حكمهم ذلك. # { من كان يرجو لقاء الله } أي يتوقع ملاقاة جزائه ~~ثوابا أو عقابا أو ملاقاة حكمه يوم القيامة وقيل: يرجو لقاء ~~الله عز وجل في الجنة وقيل: يرجو ثوابه وقيل: يخاف عقابه وقيل: ~~لقاؤه تعالى عبارة عن الوصول إلى العاقبة من تلقي ملك الموت ~~والبعث والحساب والجزاء على تمثيل تلك الحال بحال عبد قدم على ~~سيده بعد عهد طويل، وقد علم مولاه بجميع ما كان يأتي ويذر ~~فإما أن يلقاه ببشر وكرامة لما رضي من أفعاله أو بضده لما ~~سخطه { فإن أجل الله } الأجل عبارة عن غاية ms2576 زمان ممتد ~~عينت لأمر من الأمور وقد يطلق على كل ذلك الزمان والأول هو ~~الأشهر في الاستعمال أي فإن الوقت الذي عينه تعالى لذلك { لأت ~~} لا محالة من غير صارف يلويه ولا عاطف يثنيه لأن أجزاء ~~الزمان على التقضي والتصرم دائما فلا بد من إتيان ذلك ~~الجزاء أيضا البتة، وإتيان وقته موجب لإتيان اللقاء حتما ~~والجواب محذوف أي فليختر من الأعمال ما يؤدي إلى حسن الثواب ~~وليحذر ما يسوقه إلى سوء العذاب كما في قوله تعالى: # فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صلحا ~~ولا يشرك بعبادة ربه أحدا # [سورة الكهف: الآية 110] وفيه من الوعد والوعيد ما لا يخفى، وقيل: ~~فليبادر ما يحقق أمله ويصدق رجاءه أو ما يوجب القربة والزلفى ~~{ وهو السميع } لأقوال العباد { العليم } بأحوالهم من ~~الأعمال الظاهرة والعقائد. { ومن جاهد } في طاعة الله عز ~~وجل { فإنما يجهد لنفسه } لعود منفعتها إليها { إن ~~الله لغنى عن العلمين } فلا حاجة له إلى طاعتهم ~~وإنما أمرهم بها تعريضا لهم للثواب بموجب رحمته. ### || [29.7-9] # { والذين ءامنوا وعملوا الصلحت لنكفرن ~~عنهم سيئاتهم } الكفر بالإيمان والمعاصي بما يتبعها من ~~الطاعات { ولنجزينهم أحسن الذى كانوا يعملون ~~} أي أحسن جزاء أعمالهم لا جزاء أحسن أعمالهم فقط. # { ووصينا الإنسن بوالديه حسنا } أي بإيتاء والديه ~~وإيلائهما فعلا ذا حسن أو ما هو في حد ذاته حسن لفرط حسنه ~~كقوله تعالى: # وقولوا للناس حسنا # [سورة البقرة: الآية 83] ووصى يجري مجرى أمر معنى وتصرفا غير ~~أنه يستعمل فيما كان في المأمور به نفع عائد إلى المأمور أو ~~غيره. وقيل هو بمعنى قال فالمعنى وقلنا أحسن بوالديك حسنا. وقيل: ~~انتصاب حسنا بمضمر على تقدير قول مفسر للتوصية أي وقلنا ~~أولهما أو افعل بهما حسنا وهو أوفق لما بعده وعليه يحسن الوقف على ~~بوالديه وقرىء حسنا وإحسانا. { وإن جهداك لتشرك بي ما ~~ليس لك به علم } أي بالهيئة عبر عن نفيها بنفي العلم بها ~~للإيذان بأن ما لا يعلم صحته لا يجوز اتباعه وإن لم يعلم بطلانه ~~فكيف بما علم بطلانه ms2577 { فلا تطعهما } في ذلك فإنه لا طاعة ~~لمخلوق في معصية الخالق ولا بد من إضمار القول إن لم يضمر فيما ~~قبل. وفي تعليق النهي عن طاعتهما بمجاهدتهما في التكليف إشعار ~~بأن موجب النهي فيما دونها من التكليف ثابت بطريق الأولوية. ~~{ إلي مرجعكم } أي مرجع من آمن منكم ومن أشرك ومن بر ~~بوالديه ومن عق { فأنبئكم بما كنتم تعملون } بأن ~~أجازي كلا منكم بعمله إن خيرا فخير وإن شرا فشر. والآية ~~نزلت في سعد بن أبي وقاص رضي الله تعالى عنه عند إسلامه حيث حلفت ~~أمه حمنه بنت أبي سفيان بن أمية أن لا تنتقل من الضح إلى ~~الظل ولا تطعم ولا تشرب حتى يرتد فلبثت ثلاثة أيام كذلك، ~~وكذا التي في سورة لقمان وسورة الأحقاف. وقيل: نزلت في عياش بن ~~أبي ربيعة المخزومي وذلك أنه هاجر مع عمر بن الخطاب رضي الله عنه ~~حتى نزلا المدينة فخرج أبو جهل والحارث أخواه لأمه أسماء فنزلا ~~بعياش وقالا له إن من دين محمد صلى الله عليه وسلم صلة الأرحام ~~وبر الوالدين وقد تركت أمك لا تطعم ولا تشرب ولا تأوي بيتا ~~حتى تراك فاخرج معنا وفتلا منه في الذروة والغارب واستشار عمر رضي ~~الله عنه فقال هما يخدعانك ولك على أن أقسم مالي بيني وبينك فما ~~زالا به حتى أطاعهما وعصى عمر رضي الله عنه فقال عمر رضي الله عنه: ~~أما إذا عصيتني فخذ ناقتي فليس في الدنيا بعير بلحقها فإن رابك ~~منهما ريب فارجع فلما انتهوا إلى البيداء قال أبو جهل إن ناقتي ~~كلت فاحملني معك فنزل ليوطىء لنفسه وله فأخذاه فشداه وثاقا وجلده ~~كل واحد مائة جلدة وذهبا به إلى أمه فقالت لا تزال في عذاب حتى ~~ترجع عن دين محمد. # { والذين ءامنوا وعملوا الصلحت لندخلنهم ~~فى الصلحين } أي في زمرة الراسخين في الصلاح. والكمال ~~في الصلاح منتهى درجات المؤمنين وغاية مأمول أنبياء الله ~~المرسلين. قال الله تعالى حكاية عن سليمان عليه السلام: # وأدخلنى برحمتك فى عبادك الصلحين # [سورة النمل: ms2578 الآية 19] وقال في حق إبراهيم عليه السلام: # وإنه فى الآخرة لمن الصلحين # [سورة البقرة: الآية 130] أو في مدخل الصالحين وهو الجنة. ### || [29.10-12] # { ومن الناس من يقول ءامنا بالله فإذا أوذى فى ~~الله } أي في شأنه تعالى بأن عذبهم الكفرة على الإيمان { جعل ~~فتنة الناس } أي ما يصيبه من أذيتهم { كعذاب الله } في ~~الشدة والهول فيرتد عن الدين مع أنه لا قدر لها عند نفحة من ~~عذاب تعالى أصلا. { ولئن جاء نصر من ربك } أي فتح ~~وغنيمة { ليقولن } بضم اللام نظرا إلى معنى من كما أن ~~الإفراد فيما سبق بالنظر إلى لفظها. وقرىء بالفتح { إنا كنا ~~معكم } أي مشايعين لكم في الدين فاشركونا في المغنم وهم ناس من ~~ضعفة المسلمين كانوا إذا مسهم أذى من الكفار وافقوهم وكانوا ~~يكتمونه من المسلمين فرد عليهم ذلك بقوله تعالى: { أوليس ~~الله بأعلم بما فى صدور العلمين } أي بأعلم منهم ~~بما في صدورهم من الإخلاص والنفاق حتى يفعلون من الارتداد ~~والاخفاء عن المسلمين وإدعاء كونهم منهم لنيل الغنيمة. وهذا هو ~~الأوفق لما سبق ولما لحق من قوله تعالى: { وليعلمن الله ~~الذين ءامنوا } أي بالإخلاص { وليعلمن المنفقين ~~} سواء كان كفرهم بأذية الكفرة أو لا أي ليجزينهم بما لهم من ~~الإيمان والنفاق { وقال الذين كفروا للذين ءامنوا ~~} بيان لحملهم للمؤمنين على الكفر بالاستمالة بعد حملهم لهم عليه ~~بالأذية والوعيد. ووصفهم بالكفر ههنا دون ما سبق لما أن مساق ~~الكلام لبيان جنايتهم وفيما سبق لبيان جناية من أضلوه. واللام ~~للتبليغ أي قالوا مخاطبين لهم { اتبعوا سبيلنا } أي ~~اسلكوا طريقنا التي نسلكها في الدين، عبر عن ذلك بالاتباع الذي ~~هو المشي خلف ماش آخر تنزيلا للمسلك منزلة السالك فيه أو ~~اتبعونا في طريقتنا في { ولنحمل خطيكم } أي إن ذلك ~~خطيئة يؤاخذ عليها بالبعث كما تقولون وإنما أمروا أنفسهم بالحمل ~~عاطفين له على أمرهم بالأتباع للمبالغة في تعليق الحمل بالاتباع ~~والوعد بتخفيف الأوزار عنهم إن كان ثمة وزر فرد عليهم بقوله ~~تعالى { وما هم بحملين من خطيهم من شىء } ~~وقرىء ms2579 من خطيآتهم أي وما هم بحاملين شيئا من خطاياهم التي التزموا ~~أن يحملوا كلها على أن من الأولي للتبيين والثانية مزيدة ~~للاستغراق. والجملة اعتراض أو حال. { إنهم لكذبون } حيث ~~أخبروا في ضمن وعدهم بالحمل بأنهم قادرون على إنحاز ما وعدوا فإن ~~الكذب كما يتطرق إلى الكلام باعتبار منطوقه يتطرق إليه باعتبار ~~ما يلزم مدلوله كما مر في قوله تعالى: # أنبئونى بأسماء هؤلاء إن كنتم صدقين # [سورة البقرة: الآية 31]. ### || [29.13-16] # { وليحملن أثقالهم } بيان لما يستتبعه قولهم ذلك في ~~الآخرة من المضرة لأنفسهم بعد بيان عدم منفعته لمخاطبيهم أصلا، ~~والتعبير عن الخطايا بالأثقال للإيذان بغابة ثقلها وكونها ~~فادحة. واللام جواب قسم مضمر، أي وبالله ليحملن أثقال أنفسهم ~~كاملة { وأثقالا } أخر { مع أثقالهم } لما تسببوا ~~بالاضلال، والحمل على الكفر والمعاصي من غير أن ينتقص من أثقال من ~~أضلوه شيء ما أصلا { وليسألن يوم القيامة } سؤال ~~تقريع وتبكيت { عما كانوا يفترون } أي يختلقونه في ~~الدنيا من الأكاذيب والأباطيل التي من جملتها كذبهم هذا. # { ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه فلبث فيهم ألف ~~سنة إلا خمسين عاما } شروع في بيان افتتان الأنبياء ~~عليهم الصلاة والسلام بأذية أممهم إثر بيان افتتان المؤمنين ~~بأذية الكفار تأكيدا للإنكار على الذين يحسبون أن يتركوا ~~بمجرد الإيمان بلا ابتلاء وحثا لهم على الصبر فإن الأنبياء ~~عليهم الصلاة والسلام حيث ابتلوا بما أصابهم من جهة أممهم من ~~فنون المكاره وصبروا عليها فلأن يصبر هؤلاء أولى وأحرى. قالوا كان ~~عمر نوح عليه السلام ألفا وخمسين عاما بعث على رأس أربعين سنة ~~ودعا قومه تسعمائة وخمسين سنة وعائ بعد الطوفان ستين سنة، وعن وهب ~~أنه عاش ألفا وأربعمائة سنة ولعل ما عليه النظم الكريم ~~للدلالة على كمال العدد فإن تسعمائة وخمسين قد بطلق على ما يقرب ~~منه. ولما في ذكر الألف من تخييل طول المدة فإن المقصود من ~~القصة تسلية رسول الله صلى الله عليه وسلم وتثبيته على ما كان عليه من ~~مكابدة ما يناله من الكفرة. وإظهار ركاكة رأي الذين يحسبون أنهم ~~يتركون ms2580 بلا ابتلاء واختلاف المميز لما في التكرير من نوع بشاعة. ~~{ فأخذهم الطوفان } أي عقيب تمام المدة المذكورة. ~~والطوفان يطلق على كل ما يطوف بالشيء على كثرة وشدة من ~~السيل والريح والظلام وقد غلب على طوفان الماء { وهم ~~ظلمون } أي والحال أنهم مستمرون على الظلم لم يتأثروا ~~بما سمعوا من نوح عليه السلام من الآيات ولم يرعووا أعماهم عليه ~~من الكفر والمعاصي هذه المدة المتمادية. # { فأنجينه } أي نوحا عليه السلام { وأصحب السفينة ~~} أي ومن ركب فيها معه من أولاده وأتباعه وكانوا ثمانين وقيل: ~~ثمانية وسبعين وقيل: عشرة وقيل ثمانية نصفهم ذكور ونصفهم إناث { ~~وجعلنها } أي السفينة أو الحادثة والقصة { آية ~~للعلمين } يتعظون بها. { { وإبرهيم } نصب بالعطف على ~~نوحا، وقيل: بإضمار أذكر. وقرىء بالرفع على تقدير ومن المرسلين ~~إبراهيم { إذ قال لقومه } على الأول ظرف للإرسال أي أرسلناه ~~حين تكامل عقله وقدر على النظر والاستدلال وترقى من رتبة الكمال ~~إلى درجة التكميل حيث تصدى لإرشاد الخلق إلى طريق الحق. وعلى ~~الثاني بدل اشتمال من إبراهيم { اعبدوا الله } أي وحده { ~~واتقوه } أن تشركوا به شيئا { ذلكم } أي ما ذكر من العبادة ~~والتقوى { خير لكم } أي مما أنتم عليه. ومعنى التفضيل مع ~~أنه لا خيرية فيه قطعا باعتبار زعمهم الباطل { إن كنتم ~~تعلمون } أي الخير والشر وتميزون أحدهما من الآخر أو إن ~~كنتم تعلمون شيئا من الأشياء بوجه من الوجوه فإن ذلك كاف في ~~الحكم بخيرية ما ذكر من العبادة والتقوى. ### || [29.17-19] # { إنما تعبدون من دون الله أوثنا } بيان لبطلان ~~دينهم وشريته في نفسه بعد بيان شريته بالنسبة إلى الدين ~~الحق أي إنما تعبدون من دونه تعالى أوثانا هي في نفسها تماثيل ~~مصنوعة لكم ليس فيها وصف غير ذلك { وتخلقون إفكا } أي وتكذبون ~~كذبا حيث تسمونها آلهة وتدعون أنها شفعاؤكم عند الله تعالى أو ~~تعملونها وتنحتونها للإفك. وقرىء تخلقون بالتشديد للتكثير في ~~الخلق بمعنى الكذب والافتراء وتخلقون بحذف إحدى التاءين من ~~تخلق بمعنى تكذب وتخرص. وقرىء أفكا على أنه مصدر كالكذب ~~واللعب. أو نعت ms2581 بمعنى خلقا ذا إفك { إن الذين تعبدون ~~من دون الله } بيان لشرية ما يعبدونه من حيث إنه لا يكاد ~~يجديهم نفعا { لا يملكون لكم رزقا } أي لا يقدرون على أن ~~يرزقوكم شيئا من الرزق { فابتغوا عند الله الرزق } ~~كله فإنه هو الرزاق ذو القوة المتين { واعبدوه } ~~وحده { واشكروا له } على نعمائه متوسلين إلى مطالبكم ~~بعبادته مقيدين بالشكر للعتيد ومستجلبين للمزيد. { إليه ~~ترجعون } بالموت ثم بالبعث لا إلى غيره فافعلوا ما أمرتكم ~~به. وقرىء ترجعون من رجع رجوعا. { وإن تكذبوا } أي ~~تكذبوني فيما أخبرتكم به من أنكم إليه ترجعون بالبعث { فقد ~~كذب أمم من قبلكم } تعليل للجواب أي فلا تضرونني بتكذيبكم ~~فإن من قبلكم من الأمم قد كذبوا من قبلى من الرسل وهم شيث ~~وإدريس ونوح عليهم السلام فلم يضرهم تكذيبهم شيئا وإنما ضر ~~أنفسهم حيث تسبب لما حل بهم من العذاب فكذا تكذيبكم { وما على ~~الرسول إلا البلغ المبين } أي التبليغ الذي لا يبقى ~~معه شك وما عليه أن يصدقه قومه ألبتة وقد خرجت عن عهدة ~~التبليغ بما لا مزيد عليه فلا يضرني تكذيبكم بعد ذلك أصلا. # { أو لم يروا كيف يبدىء الله الخلق } كلام ~~مستأنف مسوق من جهته للإنكار على تكذيبهم بالبعث مع وضوح دليله ~~وسنوح سبيله. والهمزة لإنكار عدم رؤيتهم الموجب لتقريرها والواو ~~للعطف على مقدر أي ألم ينظروا ولم يعلموا علما جاريا مجرى الرؤية ~~في الجلاء والظهور كيفية خلق الله تعالى الخلق ابتداء من مادة ~~ومن غير مادة أي قد علموا ذلك. وقرىء بصيغة الخطاب لتشديد ~~الإنكار وتأكيده. وقرىء يبدأ وقوله تعالى: { ثم يعيده } عطف ~~على أو لم يروا لا على يبدىء لعدم وقوع الرؤية عليه فهو إخبار ~~بأنه تعالى يعيد الخلق قياسا على الإبداء، وقد جوز العطف على ~~يبدىء بتأويلها الإعادة بإنشائه تعالى كل سنة مثل ما أنشأه في ~~السنة السابقة من النبات والثمار وغيرهما فإن ذلك مما ~~يستدل به على صحة البعث ووقوعه من غير ريب { إن ذلك } أي ~~ما ذكر من الإعادة { على الله ms2582 يسير } إذ لا يفتقر فعله إلى ~~شيء أصلا. ### || [29.20-22] # { قل سيروا فى الأرض } أمر لإبراهيم عليه السلام أن يقول ~~لهم ذلك أي سيروا فيها { فانظروا كيف بدأ الخلق } أي كيف ~~خلقهم ابتداء على أطوار مختلفة وطبائع متغايرة وأخلاق شتى فإن ~~ترتيب النظر على السير في الأرض مؤذن بتتبع أحوال أصناف الخلق ~~القاطنين في أقطارها { ثم الله ينشىء النشأة الآخرة } ~~بعد النشأة الأولى التي شاهدتموها. والتعبير عن الإعادة التي ~~هي محل النزاع بالنشأة الآخرة المشعرة بكون البدء نشأة أولى ~~للتنبيه على أنهما شأن واحد من شؤون الله تعالى حقيقة وإسما ~~من حيث إن كلا منهما اختراع وإخراج من العدم إلى الوجود ولا ~~فرق بينهما إلا بالأولية والآخرية. وقرىء النشاءة بالمد وهما ~~لغتان كالرأفة والرآفة ومحلها النصب على أنها مصدر مؤكد ~~لينشىء بحذف الزوائد والأصل الإنشاءة أو بحذف العامل أي ينشىء ~~فيشأون النشأة الآخرة كما في قوله تعالى: # وأنبتها نباتا حسنا # [سورة آل عمران: الآية 37] والجملة معطوفة على جملة سيروا في الأرض ~~داخلة معها في حيز القول. وإظهار الاسم الجليل وإيقاعه مبتدأ مع ~~إضماره في بدأ لإبراز مزيد الاعتناء ببيان تحقق الإعادة ~~بالإشارة إلى علة الحكم وتكرير الإسناد. وقوله تعالى: { إن ~~الله على كل شىء قدير } تعليل لما قبله بطريق التحقيق ~~فإن من علم قدرته تعالى على جميع الأشياء التي من جملتها ~~الإعادة لا يتصور أن يتردد في قدرته عليها ولا في وقوعها بعد ما ~~أخبر به { يعذب } أي بعد النشأة الآخرة { من يشآء } أن يعذبه ~~وهم المنكرون لها حتما { ويرحم من يشاء } أن يرحمه وهم ~~المصدقون بها والجملة تكملة لما قبلها. وتقديم التعذيب لما أن ~~الترهيب أنسب بالمقام من الترغيب { وإليه تقلبون } عند ~~ذلك لا إلى غيره فيفعل بكم ما يشاء من التعذيب والرحمة { وما ~~أنتم بمعجزين } له تعالى عن إجراء حكمه وقضائه عليكم { في ~~الأرض ولا فى السماء } أي بالتواري في الأرض أو الهبوط في ~~مهاويها ولا بالتحصن في السماء التي هي أفسح منها لو استطعتم ~~الرقي فيها كما في ms2583 قوله تعالى: # إن استطعتم أن تنفذوا من أقطر السموات ~~والأرض فانفذوا # [سورة الرحمن: الآية 33] أو القلاع الذاهبة فيها وقيل في السماء ~~صفة لمحذوف معطوف على أنتم أي ولا من في السماء { وما لكم من ~~دون الله من ولي ولا نصير } يحرسكم مما يصيبكم من بلاء ~~يظهر من الأرض أو ينزل من السماء ويدفعه عنكم. ### || [29.23-25] # { والذين كفروا بئايت الله } أي بدلائله ~~التكوينية والتنزيلية الدالة على ذاته وصفاته وأفعاله ~~فيدخل فيها النشأة الأولى الدالة على تحقق البعث والآيات ~~الناطقة به دخولا أوليا. وتخصيصها بدلائل وحدانيته تعالى لا ~~يناسب المقام { ولقائه } الذي تنطق به تلك الآيات { ~~أولئك } الموصوفون بما ذكر من الكفر بآياته تعالى ولقائه { ~~يئسوا من رحمتى } أي ييأسون منها يوم القيامة. وصيغة ~~الماضي للدلالة على تحققه أو يئسوا منها في الدنيا لإنكارهم ~~البعث والجزاء { وأولئك لهم عذاب أليم } وفي تكرير ~~اسم الإشارة وتكرير الإسناد وتنكير العذاب ووصفه بالأليم من ~~الدلالة على كمال فظاعة حالهم ما لا يخفى، أي أولئك الموصوفون ~~بالكفر بآيات الله تعالى ولقائه وباليأس من رحمته الممتازون بذلك عن ~~سائر الكفرة لهم بسبب تلك الأوصاف القبيحة عذاب لا يقادر قدره ~~في الشدة والإيلام { فما كان جواب قومه } بالنصب على ~~أنه خبر كان واسمها قوله تعالى: { إلا أن قالوا اقتلوه ~~أو حرقوه } وقرىء بالرفع على العكس. وقد مر ما فيه في ~~نظائره، وليس المراد أنه لم يصدر عنهم بصدد الجواب عن حجج ~~إبراهيم عليه السلام إلا هذه المقالة الشنيعة كما هو المتبادر ~~من ظاهر النظم الكريم بل إن ذلك هو الذي استقر عليه جوابهم بعد ~~اللتيا والتي في المرة الأخيرة وإلا فقد صدر عنهم من ~~الخرافات والأباطيل ما لا يحصى { فأنجاه الله من النار ~~} الفاء فصيحة أي فألقوه في النار فأنجاه الله تعالى منها بأن ~~جعلها عليه الصلاة والسلام بردا وسلاما حسبما بين في مواضع ~~أخر، وقد مر في سورة الأنبياء بيان كيفية إلقائه عليه ~~الصلاة والسلام فيها وإنجائه بدعائه تعالى إياه تفصيلا. قيل لم ~~ينتفع يومئذ بالنار في ms2584 موضع أصلا { إن فى ذلك } أي في ~~إنجائه منها { لآيات } بينة عجيبة هي حفظه تعالى إياه من حرها ~~وإخمادها في زمان يسير وإنشاء روض في مكانها { لقوم ~~يؤمنون } وأما من عداهم فهم عن اجتلائها غافلون ومن الفوز ~~بمغانم آثارها محرومون. # { وقال } أي إبراهيم عليه السلام مخاطبا لهم { إنما ~~اتخذتم من دون الله أوثنا مودة بينكم فى ~~الحيوة الدنيا } أي لتتوادوا بينكم وتتواصلوا لاجتماعكم ~~على عبادتها وائتلافكم، وثاني مفعولي اتخذتم محذوف أي أوثانا ~~آلهة ويجوز أن يكون مودة هو المفعول بتقدير المضاف أو ~~بتأويلها بالمودودة أو بجعلها نفس المودة مبالغة أي اتخذتم ~~أوثانا سبب المودة بينكم أو مودودة أو نفس المودة. وقرىء مودة ~~منونة منصوبة ناصبة الظرف وقرئت بالرفع والإضافة على أنها ~~خبر مبتدأ محذوف أي هي مودودة أو نفس المودة أو سبب مودة بينكم. ~~والجملة صفة أوثانا أو خبر إن على أن ما مصدرية أو موصوله قد ~~حذف عائدها وهو المفعول الأول وقرئت مرفوعة منونة ومضافة بفتح ~~بينكم كما قرىء # لقد تقطع بينكم # [سورة الأنعام: الآية 94] على أحد الوجهين وقرىء إنما مودة بينكم ~~والمعنى أن اتخاذكم إياها مودة بينكم ليس إلا في الحياة وقد ~~أجريتم أحكامه حيث فعلتم بي ما فعلتم لأجل مودتكم لها انتصارا ~~مني كما ينبىء عنه قوله تعالى وانصروا آلهتكم. { ثم يوم ~~القيمة } تنقلب الأمور ويتبدل التواد تباغضا ~~والتلاطف تلاعنا حيث { يكفر بعضكم } وهو العبدة { ~~ببعض } وهم الأوثان { ويلعن بعضكم بعضا } أي يلعن ~~كل فريق منكم ومن الأوثان حيث ينطقها الله تعالى الفريق الآخر { ~~ومأواكم النار } أي هي لكم الذي تأوون إليه ولا ترجعون منه ~~أبدا { وما لكم من نصرين } يخلصونكم منها كما خلصني ~~ربي من النار التي ألقيتموني فيها. وجمع الناصر لوقوعه في ~~مقابلة الجمع أي ما لأحد منكم من ناصر أصلا. ### || [29.26-28] # { فئامن له لوط } أي صدقه في جميع مقالاته لا في نبوته ~~وما دعا إليه من التوحيد فقط فإنه كان منزها عن الكفر. وما قيل ~~إنه آمن له حين رأى النار لم تحرقه ينبغي ms2585 أن يحمل على ذكرنا ~~أو على أن يراد بالإيمان الرتبة العالية منه وهي التي لا يرتقي ~~إليها إلا همم الأفراد الكمل. ولوط هو ابن أخيه عليهما ~~السلام. { وقال إنى مهاجر } أي من قومي { إلى ربى } ~~إلى حيث أمرني ربي { إنه هو العزيز } الغالب على أمره ~~فيمنعني من أعدائي { الحكيم } الذي لا يفعل فعلا إلا وفيه حكمة ~~ومصلحة فلا يأمرني إلا بما فيه خلاصي. روي أنه هاجر من كوثى سواد ~~الكوفة مع لوط وسارة ابنة عمه إلى حران ثم منها إلى الشأم ~~فنزل فلسطين ونزل لوط سدوم { ووهبنا له إسحق ~~ويعقوب } ولدا ونافلة حين أيس من عجوز عاقر { وجعلنا فى ~~ذريته النبوة } فكثر منهم الأنبياء { والكتب } أي ~~جنس الكتاب المتناول للكتب الأربعة { وآتيناه أجره } بمقابلة هجرته ~~إلينا { فى الدنيا } بإعطاء الولد والذرية الطيبة واستمرار ~~النبوة فهيم وانتماء أهل الملل إليه والثناء والصلاة عليه إلى آخر ~~الدهر { وإنه فى الآخرة لمن الصلحين } أي الكاملين ~~في الصلاح { ولوطا } منصوب إما بالعطف على نوحا أو على ~~إبراهيم والكلام في قوله تعالى: { إذ قال لقومه } كالذي مر ~~في قصة إبراهيم عليه السلام { إنكم لتأتون الفحشة ~~} أي الفعلة المتناهية في القبح. وقرىء أئنكم { ما سبقكم ~~بها من أحد من العلمين } استئناف مقرر لكمال قبحها، ~~فإن إجماع جميع أفراد العالمين على التحاشي عنها ليس إلا لكونها ~~مما تشمئز منه الطباع وتنفر منه النفوس. ### || [29.29-32] # { أئنكم لتأتون الرجال وتقطعون السبيل } ~~وتتعرضون للسابلة أي بالفاحشة، حيث روي أنهم كانوا كثيرا ما ~~يفعلونها بالغرباء وقيل تقطعون سبيل النساء بالإعراض عن الحرث ~~وإتيان ما ليس بحرث وقيل: تقطعون السبيل بالقتل وأخذ المال { ~~وتأتون في ناديكم } أي تفعلون في مجلسكم الجامع لأصحابكم { ~~المنكر } كالجماع والضراط وحل الإزار وغيرها مما لا خير ~~فيه من الأفاعيل المنكرة. وعن ابن عباس رضي الله عنهما هو الحذف ~~بالحصى والرمي بالبنادق والفرقعة ومضغ العلك والسواك بين ~~الناس وحل الإزار والسباب والفحش في المزاح، وقيل: السخرية ~~بمن مر بهم، وقيل المجاهرة في ناديهم بذلك العمل. { فما كان ~~جواب ms2586 قومه إلا أن قالوا ائتنا بعذاب الله إن ~~كنت من الصدقين } أي فما كان جوابا من جهتهم شيء من ~~الأشياء إلا هذه الكمة الشنيعة أي لم يصدر عنهم في هذه المرة من ~~مرات مواعظ لوط عليه السلام وقد كان أوعدهم فيها بالعذاب وأما ~~ما في سورة الأعراف [الآية 82] من قوله تعالى: # وما كان جواب قومه إلا أن قالوا أخرجوهم من ~~قريتكم # [سورة الأعراف: الآية 82] الآية وما في سورة النمل من قوله تعالى: # فما كان جواب قومه إلا أن قالوا أخرجوا ءال ~~لوط من قريتكم # [سورة النمل: الآية 56] الآية فهو الذي صدر عنهم بعده هذه المرة وهي ~~المرة الأخيرة من مرات المقاولات الجارية بينهم وبينه عليه ~~الصلاة والسلام وقد مر تحقيقه في سورة الأعراف. # { قال رب انصرنى } أي بإنزال العذاب الموعود { على ~~القوم المفسدين } بابتداع الفاحشة وسنها فيمن بعدهم ~~والإصرار عليها واستعجال العذاب بطريق الاستهزاء وإنما وصفهم بذلك ~~مبالغة في استنزال العذاب عليهم { ولما جاءت رسلنا ~~إبرهيم بالبشرى } أي بالبشارة بالولد والنافلة { قالوا } ~~أي لإبراهيم عليه السلام في تضاعيف الكلام حسبما فصل في سورة ~~هود [الآية 69, وما بعدها] وسورة الحجر [الآية 67] { إنا مهلكو ~~أهل هذه القرية } أي قرية سدوم. والإضافة لفظية لأن ~~المعنى على الاستقبال { إن أهلها كانوا ظلمين } تعليل ~~للإهلاك بإصرارهم على الظلم وتماديهم في فنون الفساد وأنواع ~~المعاصي { قال إن فيها لوطا } فكيف تهلكونها { قالوا ~~نحن أعلم بمن فيها لننجينه وأهله } أرادوا ~~أنهم غير غافلين عن مكان لوط عليه السلام فيها بل عمن لم يتعرض ~~له إبراهيم عليه السلام من أتباعه المؤمنين وأنهم معتنون بشأنهم ~~أتم اعتناء حسبما ينبيء عنه تصدير الوعد بالتنجية بالقسم أي ~~والله لننجينه وأهله { إلا امرأته كانت من ~~الغبرين } أي الباقين في العذاب أو القرية. ### || [29.33-37] # { ولما أن جاءت رسلنا } المذكورين بعد مفارقتهم لإبراهيم ~~عليه السلام { لوطا سيء بهم } اعتراه المساءة بسببهم مخافة ~~أن يتعرض لهم قومه بسوء. وكلمة أن صلة لتأكيد ما بين الفعلين ~~من الاتصال { وضاق بهم ذرعا } أي ضاق بشأنهم وتدبير ~~أمرهم ms2587 ذرعه أي طاقته كقولهم ضاقت يده وبإزائه رحب ذرعه بكذا ~~إذا كان مطبقا به قادرا عليه وذلك أن طويل الذراع ينال ما لا ~~يناله قصير الذراع. # { وقالوا } ريثما شاهدوا فيه مخايل التضجر من جهتهم وعاينوا ~~أنه قد عجز عن مدافعة قومه بعد اللتيا والتي حتى آلت به ~~الحال إلى أن قال: # لو أن لي بكم قوة أو آوي إلى ركن شديد # [سورة هود: الآية 80] { لا تخف } أي من قومك علينا { ولا ~~تحزن } أي على شيء وقيل بإهلاكنا إياهم { إنا منجوك ~~وأهلك } مما يصيبهم من العذاب { إلا امرأتك كانت ~~من الغبرين } وقرىء لننجينك ومنجوك من الإنجاء، وإيا ما ~~كان فمحل الكاف الجر على المختار ونصب أهلك بإضمار فعل أو ~~بالعطف على محلها باعتبار الأصل { إنا منزلون على أهل ~~هذه القرية رجزا من السماء } استئناف مسوق لبيان ~~ما أشير إليه بوعد التنجية من نزول العذاب عليهم. والرجز العذاب ~~الذي يقلق المعذب أي يزعجه من قولهم ارتجز إذا ارتجس واضطرب. ~~وقرىء منزلون بالتشديد. { بما كانوا يفسقون } بسبب ~~فسقهم المستمر { ولقد تركنا منها } أي من القرية { آية ~~بينة } هي قصتها العجيبة آثار ديارها الخربة وقيل: الحجارة ~~المطمورة فإنها كانت باقية بعدها وقيل: الماء الأسود على وجه ~~الأرض { لقوم يعقلون } يستعملون عقولهم في الاستبصار ~~والاعتبار وهو متعلق إما بتركنا أو ببينة { وإلى مدين ~~أخهم شعيبا } متعلق بمضمن معطوف على أرسلنا في قصة نوح ~~عليه السلام أي وأرسلنا إلى مدين شعيبا { فقال يقوم ~~اعبدوا الله } وحده { وارجوا اليوم الآخر } أي ~~توقعوه وما سيقع فيه من فنون الأهوال وافعلوا اليوم من الأعمال ما ~~تأمنون غائلته وقيل: وارجوا ثوابه بطريق إقامة المسبب مقام ~~السبب وقيل: الرجاء بمعنى الخوف { ولا تعثوا فى الأرض ~~مفسدين فكذبوه فأخذتهم الرجفة } أي الزلزلة ~~الشديدة وفي سورة هود وأخذت الذين ظلموا الصيحة أي صيحة جبريل ~~عليه السلام فإنها الموجبة للرجفة بسبب تمويجها للهواء وما ~~يجاورها من الأرض { فأصبحوا في دارهم } أي بلدهم أو ~~منازلهم والإفراد لأمن اللبس { جثمين } باركين على الركب ~~ميتين. ### || [29.38-41] # { وعادا ms2588 وثمود } منصوبان بإضمار فعل ينبىء عنه ما قبله أي ~~أهلكنا. وقرىء ثمودا بتأويل الحي { وقد تبين لكم من ~~مسكنهم } أي وقد ظهر لكم إهلاكنا إياهم من جهة مساكنهم ~~بالنظر إليها عند اجتيازكم بها ذهابا إلى الشام وإيابا منه { ~~وزين لهم الشيطن أعملهم } من فنون الكفر ~~والمعاصي { فصدهم عن السبيل } السوي الموصل إلى ~~الحق { وكانوا مستبصرين } ممكنين من النظر والاستدلال ~~ولكنهم لم يفعلوا ذلك أو متبينين أن العذاب لاحق بهم بإخبار ~~الرسل عليهم الصلاة والسلام لهم ولكنهم لجوا حتى لقوا ما ~~لقوا { وقرون وفرعون وهمن } معطوف على عادا. قيل: ~~تقديم قارون لشرف نسبه { ولقد جاءهم موسى بالبينت ~~فاستكبروا فى الأرض وما كانوا سبقين } مفلتين ~~فائتين من قولهم سبق طالبه إذا فاته ولم يدركه ولقد أدركهم أمر ~~الله عز أي إدراك فتداركوا نحو الدمار والهلاك { فكلا } ~~تفسير لما ينبىء عنه عدم سبقهم بطريق الإبهام أي فكل واحد من ~~المذكورين { أخذنا بذنبه } أي عاقبناه بجنايته لا بعضه دون ~~بعض كما يشعر به تقديم المفعول { فمنهم من أرسلنا ~~عليه حاصبا } تفصيلا للأخذ أي ريحا عاصفا فيها حصباء وقيل ~~ملكا رماهم بها وهم قوم لوط { ومنهم من أخذته ~~الصيحة } كمدين وثمود { ومنهم من خسفنا به الأرض ~~} كقارون { ومنهم من أغرقنا } كقوم نوح وفرعون وقومه { ~~وما كان الله ليظلمهم } بما فعل بهم فإن ذلك محال من ~~جهته تعالى { ولكن كانوا أنفسهم يظلمون } بالاستمرار ~~على مباشرة ما يوجب ذلك من أنواع الكفر والمعاصي. # { مثل الذين اتخذوا من دون الله أولياء } أي فيما ~~اتخذوه معتمدا ومتكلا { كمثل العنكبوت اتخذت بيتا ~~} فيما نسجته في الوهن والخور بل ذلك أوهن من هذا لأن له حقيقة ~~وانتفاعا في الجملة أو مثلهم بالإضافة إلى الموحد كمثله ~~بالإضافة إلى رجل بنى بيتا من حجر وجص. والعنكبوت يقع على ~~الواحد والجمع والمذكر والمؤنث، والغالب في الاستعمال ~~التأنيث وتاؤه كتاء طاغوت ويجمع على عناكب وعنكبوتات وأما ~~العكاب والعكب والأعكب فأسماء الجموع { وإن أوهن ~~البيوت لبيت العنكبوت } حيث لا يرى شيء يدانيه في ~~الوهن والوهى { لو ms2589 كانوا يعلمون } أي شيئا من الأشياء ~~لجزموا أن هذا مثلهم وأن دينهم أوهى من ذلك ويجوز أن يجعل ~~بيت العنكبوت عبارة عن دينهم تحقيقا للتمثيل فالمعنى وإن ~~أوهن ما يعتمد به في الدين دينهم. ### || [29.42-45] # { إن الله يعلم ما يدعون من دونه من شىء } على ~~إضمار القول أي قل للكفرة إن الله الخ وما استفهامية منصوبة ~~بيدعون معلقة ليعلم ومن للتبيين أو نافية، ومن مزيدة وشيء ~~مفعول يدعون أو مصدرية وشيء عبارة عن المصدر أو موصولة مفعول ~~ليعلم ومفعول يدعون عائده المحذوف. وقرىء تدعون بالتاء ~~والكلام على الأولين تجهيل لهم وتأكيد وعلى الآخرين وعيد لهم { ~~وهو العزيز الحكيم } تعليل على المعنيين فإن إشراك ما ~~لا يعد شيئا بمن هذا شأنه من فرط الغباوة وأن الجماد بالنسبة ~~إلى القادر القاهر على كل شيء البالغ في العلم وإتقان الفعل ~~الغاية القاصية كالمعدوم البحت وأن من هذه صفاته قادر على ~~مجازاتهم. { وتلك الأمثل } أي هذا المثل وأمثاله { ~~نضربها للناس } تقريبا لما بعد من أفهامهم { وما ~~يعقلها } على ما هي عليه من الحسن واستتباع الفوائد { إلا ~~العلمون } الراسخون في العلم المتدبرون في الأشياء على ما ~~ينبغي وعنه عليه الصلاة والسلام أنه تلا هذه فقال: # " العالم من عقل عن الله تعالى وعمل بطاعته واجتنب سخطه " # { خلق الله السموات والأرض بالحق } أي محقا ~~مراعيا للحكم والمصالح على أنه حال من فاعل خلق أو ملتبسة ~~بالحق الذي لا محيد عنه مستتبعة للمنافع الدينية والدنيوية ~~على أنه حال من مفعوله فإنها مع اشتمالها على جميع ما يتعلق ~~به معاشهم شواهد دالة على شؤونه تعالى المتعلقة بذاته وصفاته ~~كما يفصح عنه قوله تعالى: { إن فى ذلك لآية للمؤمنين ~~} دالة لهم ما ذكر من شؤونه سبحانه وتخصيص المؤمنين بالذكر مع ~~عموم الهداية والإرشاد في خلقهما للكل لأنهم المنتفعون بذلك. # { اتل ما أوحي إليك من الكتاب } تقربا إلى الله ~~تعالى بقراءته وتذكرا لما في تضاعيفه من المعاني وتذكيرا للناس ~~وحملا لهم على العمل بما فيه من الأحكام ومحاسن الآداب ومكارم ~~الأخلاق ms2590 { وأقم الصلاة } أي داوم على إقامتها وحيث كانت ~~الصلاة منتظمة للصلوات المكتوبة المؤداة بالجماعة وكان أمره ~~عليه الصلاة والسلام بإقامتها متضمنا لأمر الأمة بها علل ~~بقوله تعالى: { إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر } ~~كأنه قيل: وصل بهم إن الصلاة تنهاهم عن الفحشاء والمنكر، ومعنى ~~نهيها عنهما أنها سبب للانتهاء عنهما لأنها مناجاة لله تعالى ~~فلا بد أن تكون مع إقبال تام على طاعته وإعراض كلي عن معاصيه ~~قال ابن مسعود وابن عباس رضي الله تعالى عنهما: «في الصلاة ~~منتهى ومزدجر عن معاصي الله تعالى فمن لم تأمره صلاته بالمعروف ~~ولم تنهه عن المنكر لم يزدد بصلاته من الله تعالى إلا بعدا» وقال ~~الحسن: وقتادة من لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر فصلاته وبال ~~عليه. وروى أنس رضي الله عنه # " إن فتى من الأنصار كان يصلي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~ثم لا يدع شيئا من الفواحش إلا ركبه فوصف له عليه الصلاة ~~والسلام حاله فقال: " إن صلاته ستنهاه " فلم يلبث أن تاب وحسن ~~حاله " # ولذكر الله أكبر # [سورة الجمعة: الآية 9] أي وللصلاة أكبر من سائر الطاعات ~~وإنما عبر عنها به كما في قوله تعالى: { فاسعوا إلى ذكر ~~الله } للإيذان اتل ما أوحي إليك من الكتاب وأقم ~~الصلاة إن الصلاة تنهى عن الفحشآء والمنكر ~~ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون بأن ~~ما فيها من ذكر الله تعالى هو العمدة في كونها مفضلة على الحسنات ~~ناهية عن السيئات وقيل ولذكر الله تعالى عند الفحشاء والمنكر وذكر ~~نهيه عنهما ووعيده عليهما أكبر في الزجر عنهما وقيل: ولذكر الله ~~إياكم برحمته أكبر من ذكركم إياه بطاعته. { والله يعلم ~~ما تصنعون } منه ومن سائر الطاعات فيحازيكم بها أحسن ~~المجازاة. ### || [29.46-47] # { ولا تجدلوا أهل الكتب } من اليهود والنصارى { ~~إلا بالتى هى أحسن } أي بالخصلة التي هي أحسن كمقابلة ~~الخشونة باللين والغضب بالكظم والمشاغبة بالنصح والسورة ~~بالأناة على وجه لا يدل على الضعف ولا يؤدي إلى إعطاء ~~الدنية وقيل: منسوخ بآية السيف { إلا الذين ms2591 ظلموا ~~منهم } بالإفراط في الاعتداء والعناد أو بإثبات الولد وقولهم: ~~يد الله مغلولة ونحو ذلك فإنه يجب حينئذ المدافعة بما يليق ~~بحالهم { وقولوا ءامنا بالذى أنزل إلينا } من ~~القرآن { وأنزل إليكم } أي وبالذي أنزل إليكم من التوراة ~~والإنجيل وقد مر تحقيق كيفية الإيمان بهما في خاتمة سورة ~~البقرة. وعن النبي عليه الصلاة والسلام: # " لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم وقولوا آمنا بالله ~~وبكتبه ورسله فإن قالوا باطلا لم تصدقوهم وإن قالوا حقا لم ~~تكذبوهم " # { وإلهنا وإلهكم واحد } لا شريك له في الألوهية ~~{ ونحن له مسلمون } مطيعون خاصة وفيه تعريض بحال ~~الفريقين حيث اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله { ~~وكذلك } تجريد للخطاب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وذلك ~~إشارة إلى مصدر الفعل الذي بعده، وما فيه من معنى البعد ~~للإيذان ببعد منزلة المشار إليه في الفضل أي مثل ذلك الإنزال ~~البديع الموافق لإنزال سائر الكتب { أنزلنا إليك ~~الكتب } أي القرآن الذي من جملته هذه الآية الناطقة بما ~~ذكر من المجادلة بالحسنى { فالذين ءاتينهم الكتب ~~} من الطائفتين { يؤمنون به } أريد بهم عبد الله بن ~~سلام وأضرابه من أهل الكتابين خاصة كأن من عداهم لم يؤتوا ~~الكتاب حيث لم يعملوا بما فيه أو من تقدم عهد رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم منهم حيث كانوا مصدقين بنزوله حسبما شاهدوا في ~~كتابيهما، وتخصيصهم بإيتاء الكتاب للإيذان بأن من بعدهم من ~~معاصري رسول الله صلى الله عليه وسلم قد نزع عنهم الكتاب بالنسخ ~~فلم يؤتوه. والفاء لترتيب ما بعدها على ما قبلها فإن إيمانهم به ~~مترتب على إنزاله على الوجه المذكور { ومن هؤلاء } أي ومن ~~العرب أو أهل مكة على الأول أو ممن في عصره عليه الصلاة ~~والسلام على الثاني { من يؤمن به } أي بالقرآن { وما ~~يجحد بئايتنا } عبر عن الكتاب بالآيات للتنبيه على ~~ظهور دلالتها على معانيها وعلى كونها من عند الله تعالى، وأضيفت إلى ~~نون العظمة لمزيد تفخيمها وغاية تشنيع من يجحد بها { إلا ~~الكفرون } المتوغلون في الكفر المصممون عليه ms2592 فإن ذلك ~~يصدهم عن التأمل فيما يؤديهم إلى معرفة حقيتها وقيل: هم كعب ~~بن الأشرف وأصحابه. ### || [29.48-51] # { وما كنت تتلو من قبله } أي ما كنت قبل إنزالنا إليك ~~الكتاب تقدر على أن تتلو شيئا من كتاب { ولا تخطه } أي ولا ~~تقدر على أن تخطه { بيمينك } حسبما هو المعتاد أو ما كانت ~~عادتك أن تتلوه ولا أن تخطه { إذا لارتب المبطلون ~~} أي لو كنت ممن يقدر على التلاوة والخط أو ممن يعتادهما ~~لارتابوا وقالوا: لعله التقطه من كتب الأوائل، وحيث لم تكن كذلك ~~لم يبق في شأنك منشأ ريب أصلا، وتسميتهم مبطلين في ارتيابهم على ~~التقدير المفروض لكونهم مبطلين في اتباعهم للاحتمال المذكور ~~مع ظهور نزاهته عليه الصلاة والسلام عن ذلك { بل هو } أي ~~القرآن { آيات بينات } واضحات ثابتة راسخة { فى صدور ~~الذين أوتوا العلم } من غير أن يلتقط من كتاب يحفظونه ~~بحيث لا يقدر أحد على تحريفه { وما يجحد بئايتنا } مع ~~كونها كما ذكر { إلا الظلمون } المتجاوزون للحدود في ~~الشر والمكابرة والفساد { وقالوا لولا أنزل عليه ~~ءايت من ربه } مثل ناقة صالح وعصا موسى ومائدة عيسى ~~عليهم السلام. وقرىء آية { قل إنما الآيت عند الله } ~~ينزلها حسبما يشاء من غير دخل لأحد في ذلك قطعا { وإنما ~~أنا نذير مبين } ليس من شأني إلا الإنذار بما أوتيت من ~~الآيات { أولم يكفهم } كلام مستأنف وارد من جهته تعالى ~~ردا على اقتراحهم وبيانا لبطلانه والهمزة للإنكار والنفي ~~والواو للعطف على مقدر يقتضيه المقام أي أقصر ولم يكفهم آية ~~مغنية عن سائر الآيات { أنا أنزلنا عليك الكتب } ~~الناطق بالحق المصدق لما بين يديه من الكتب السماوية وأنت ~~بمعزل عن مدارستها وممارستها { يتلى عليهم } في كل زمان ~~ومكان فلا يزال معهم آية ثابتة لا تزول ولا تضمحل كما تزول كل ~~آية بعد كونها وتكون في مكان دون مكان أو يتلى على اليهود ~~بتحقيق ما في أيديهم من نعتك ونعت دينك { إن فى ذلك } ~~الكتاب العظيم الشأن الباقي على مر الدهور { لرحمة } أي ~~نعمة عظيمة { وذكرى ms2593 } أي تذكرة { لقوم يؤمنون } أي لقوم ~~همهم الإيمان لا التعنت كأولئك المقترحين، وقيل: # " إن ناسا من المؤمنين أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بكتب ~~فيها بعض ما يقوله اليهود فقال: " كفى بها ضلالة قوم أن ~~يرغبوا عما جاء به نبيهم إلى ما جاء به غير نبيهم " # فنزلت ### || [29.52-54] # { قل كفى بالله بينى وبينكم شهيدا } بما صدر ~~عني وعنكم { يعلم ما فى السموات والارض } أي من ~~الأمور التي من جملتها شأني وشأنكم فهو تقرير لما قبله من ~~كفايته تعالى شهيدا { والذين ءامنوا بالبطل } وهو ما ~~يعبد من دون الله تعالى { وكفروا بالله } مع تعاضد موجبات ~~الإيمان به { أولئك هم الخسرون } المغبونون في صفقتهم ~~حيث اشتروا الكفر بالإيمان بأن ضيعوا الفطرة الأصلية ~~والأدلة السمعية الموجبة للإيمان، والآية من قبيل المجادلة ~~بالتي هي أحسن حيث لم يصرح بنسبة الإيمان بالباطل والكفر بالله ~~والخسران إليهم بل ذكر على منهاج الإبهام كما في قوله تعالى: # وإنآ أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين # [سورة سبأ: الآية 24]. # { ويستعجلونك بالعذاب } على طريقة الاستهزاء بقولهم: # متى هذا الوعد # [سورة يونس: الآية 48] وقولهم: # فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب # [سورة الأنفال: الآية 32] ونحو ذلك { ولولا أجل مسمى } قد ~~ضربه الله تعالى لعذابهم وبينه في اللوح { لجاءهم ~~العذاب } المعين لهم حسبما استعجلوا له. قيل: المراد بالأجل ~~يوم القيامة لما روي أنه تعالى وعد رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~أن لا يعذب قومه بعذاب الاستئصال وأن يؤخر عذابهم إلى يوم ~~القيامة، وقيل: يوم بدر وقيل: وقت فنائهم بآجالهم وفيه بعد ظاهر ~~لما أنهم ما كانوا يوعدون بفنائهم الطبيعي ولا كانوا ~~يستعجلون به { وليأتينهم } جملة مستأنفة مبنينة لما ~~أشير إليه في الجملة السابقة من مجيء العذاب عند محل الأجل ~~أي وبالله ليأتينهم العذاب الذي عين لهم عند حلول الأجل { ~~بغتة } أي فجأة { وهم لا يشعرون } أي بإتيانه، ولعل ~~المراد بإتيانه كذلك أنه لا يؤتيهم بطريق التعجيل عند استعجالهم ~~والإجابة إلى مسؤولهم فإن ذلك إتيان برأيهم وشعورهم لا ms2594 أنه ~~يأتيهم وهم غارون آمنون لا يخطرونه بالبال كدأب بعض العقوبات ~~النازلة على بعض الأمم بياتا وهم نائمون أو ضحى وهم يلعبون لما ~~أن إتيان عذاب الآخرة وعذاب يوم بدر ليس من هذا القبيل. # { يستعجلونك بالعذاب وإن جهنم لمحيطة ~~بالكفرين } استئناف مسوق لغاية تجهيلهم وركاكة رأيهم، ~~وفيه دلالة على أن ما استعجلوه عذاب الآخرة أي يستعجلونك بالعذاب ~~والحال أن محل العذاب الذي لا عذاب فوقه محيط بهم كأنه قيل: ~~يستعجلونك بالعذاب وإن العذاب لمحيط بهم، وإنما جيء بالجملة ~~الاسمية دلالة على تحقق الإحاطة واستمرارها أو تنزيلا لحال ~~السبب منزلة حال المسبب فإن الكفر والمعاصي الموجبة لدخول ~~جهنم محيطة بهم، وقيل: إن الكفر والمعاصي هي النار في الحقيقة ~~لكنها ظهرت في هذه النشأة بهذه الصورة وقد مر تفصيله في ~~سورة الأعراف الآية 8 عند قوله تعالى: # والوزن يومئذ الحق # ولام الكافرين إما للعهد ووضع الظاهر موضع المضمر للإشعار ~~بعلة الحكم، أو للجنس وهم داخلون فيه دخولا أوليا. ### || [29.55-58] # { يوم يغشهم العذاب } ظرف لمضمر قد طوي ذكره إيذانا ~~بغاية كثرته وفظاعته كأنه قيل: يوم يغشاهم العذاب الذي أشير ~~إليه بإحاطة جهنم بهم يكون من الأحوال والأهوال ما لا يفي به ~~المقال، وقيل: ظرف للإحاطة { من فوقهم ومن تحت أرجلهم ~~} أي من جميع جهاتهم { ويقول } أي الله عز وجل ويعضده ~~القراءة بنون العظمة، أو بعض ملائكته بأمره { ذوقوا ما ~~كنتم تعملون } أي جزاء ما كنتم تعملونه في الدنيا على ~~الاستمرار من السيئات التي من جملتها الاستعجال بالعذاب. # { يا عبادى الذين آمنوا } خطاب تشريف لبعض المؤمنين ~~الذين لا يتمكنون من إقامة أمور الدين كما ينبغي لممانعة من ~~جهة الكفرة وإرشاد لهم إلى الطريق الأسلم { إن أرضى ~~واسعة فإياى فاعبدون } أي إذا لم يتسهل لكم العبادة في ~~بلد ولم يتيسر لكم إظهار دينكم فهاجروا إلى حيث يتسنى لكم ~~ذلك، وعنه عليه الصلاة والسلام: # " من فر بدينه من أرض إلى أرض ولو كان شبرا استوجب الجنة وكان ~~رفيق إبراهيم ومحمد عليهما السلام ". # والفاء جواب شرط محذوف ms2595 إذ المعنى إن أرضي واسعة إن لم تخلصوا ~~العبادة لي في أرض فأخلصوها في غيرها ثم حذف الشرط وعوض عنه ~~تقديم المفعول مع إفادة تقديمه معنى الاختصاص والإخلاص. # { كل نفس ذائقة الموت ثم إلينا ترجعون } ~~جملة مستأنفة جيء بها حثا على المسارعة في الامتثال بالأمر أي ~~كل نفس من النفوس واجدة مرارة الموت وكربه فراجعة إلى حكمنا ~~وجزائنا بحسب أعمالها، فمن كانت هذه عاقبته فليس له بد من ~~التزود والاستعداد لها. وقرىء يرجعون { والذين ءامنوا ~~وعملوا الصلحت لنبوئنهم } لننزلنهم { من ~~الجنة غرفا } أي علالي وهو مفعول ثان للتبوئة. وقرىء ~~لنثوينهم من الثواء بمعنى الإقامة فانتصاب غرفا حينئذ إما ~~بإجرائه مجرى لننزلنهم أو بنزع الخافض أو بتشبيه الظرف ~~الموقت بالمبهم كما في قوله تعالى: # لأقعدن لهم صرطك المستقيم # [سورة الأعراف: الآية 16] { تجرى من تحتها الأنهر } صفة ~~لغرفا { خلدين فيها } أي في الغرف أو في الجنة { نعم ~~أجر العملين } أي الأعمال الصالحة والمخصوص بالمدح ~~محذوف ثقة بدلالة ما قبله عليه. وقرىء فنعم. ### || [29.59-63] # { الذين صبروا } إما صفة للعاملين أو نصب على المدح أي ~~صبروا على أذية المشركين وشدائد المهاجرة وغير ذلك من المحن ~~والمشاق { وعلى ربهم يتوكلون } أي ولم يتوكلوا فيما ~~يأتون ويذرون إلا على الله تعالى. # { وكأين من دابة لا تحمل رزقها } روي أن النبي ~~عليه الصلاة والسلام لما أمر المؤمنين الذين كانوا بمكة ~~بالمهاجرة إلى المدينة قالوا: كيف نقدم بلدة ليس لنا فيها معيشة ~~فنزلت أي وكم من دابة لا تطيق حمل رزقها لضعفها أو لا تدخره ~~وإنما تصبح ولا معيشة عندها { الله يرزقها وإياكم } ~~ثم إنها مع ضعفها وتوكلها وإياكم مع قوتكم واجتهادكم سواء ~~في أنه لا يرزقها وإياكم إلا الله تعالى لأن رزق الكل بأسباب ~~هو المسبب لها وحده فلا تخافوا الفقر بالمهاجرة { وهو ~~السميع } المبالغ في السمع فيسمع قولكم هذا { العليم } ~~المبالغ في العلم فيعلم ضمائركم. { ولئن سألتهم } أي أهل ~~مكة { من خلق السموات والأرض وسخر الشمس ~~والقمر ليقولن الله } إذ لا سبيل لهم إلى إنكاره ولا ms2596 ~~إلى التردد فيه { فأنى يؤفكون } إنكار واستبعاد من جهته ~~تعالى لتركهم العمل بموجبه أي فكيف يصرفون عن الإقرار بتفرده ~~تعالى في الإلهية مع إقرارهم بتفرده تعالى فيما ذكر من الخلق ~~والتسخير. # { الله يبسط الرزق لمن يشاء } أن يبسطه له { من ~~عباده ويقدر له } أي يقدر لمن يشاء أن يقدر له منهم ~~كائنا من كان على أن الضمير مبهم حسب إبهام مرجعه، أو يقدر ~~لمن يبسطه له على التعاقب { إن الله بكل شىء عليم } ~~قيعلم من يليق ببسط الرزق فيبسطه له ومن يليق بقدره له فيقدره ~~له أو فيعلم أن كلا من البسط والقدر في أي وقت يوافق الحكمة ~~والمصلحة فيفعل كلا منهما في وقته { ولئن سألتهم من ~~نزل من السماء ماء فأحيا به الأرض من بعد ~~موتها ليقولن الله } معترفين بأنه الموجد للممكنات ~~بأسرها أصولها وفروعها ثم إنهم يشركون به بعض مخلوقاته الذي لا ~~يكاد يتوهم منه القدرة على شيء أصلا { قل الحمد لله } ~~على أن جعل الحق بحيث لا يجترىء المبطلون على جحوده وأنه أظهر ~~حجتك عليهم وقيل: على أن عصمك من هذه الضلالات ولا يخفى بعده ~~{ بل أكثرهم لا يعقلون } أي شيئا من الأشياء فلذلك لا ~~يعملون بمقتضى قولهم هذا فيشركون به سبحانه أخس مخلوقاته وقيل: ~~لا يعقلون ما تريد بتحميدك عند مقالهم ذلك. ### || [29.64-68] # { وما هذه الحيوة الدنيا } إشارة تحقير وازدراء ~~للدنيا وكيف لا وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " لو كانت الدنيا تزن عند الله جناح بعوضة ما سقى الكافر ~~منها شربة ماء " # { إلا لهو ولعب } أي إلا كما يلهى ويلعب به الصبيان ~~يجتمعون عليه ويبتهجون به ساعة ثم يتفرقون عنه { وإن الدار ~~الآخرة لهي الحيوان } أي لهي دار الحياة الحقيقية لامتناع ~~طريان الموت والفناء عليها أو هي في ذاتها حياة للمبالغة. ~~والحيوان مصدر حيي سمي به ذو الحياة وأصله حييان ~~فقلبت الياء الثانية واوا لما في بناء فعلان من معنى ~~الحركة والاضطراب اللازم للحيوان ولذلك اختير على الحياة في هذا ~~المقام المقتضي للمبالغة ms2597 { لو كانوا يعلمون } أي لما آثروا ~~عليها الحياة الدنيا التي أصلها عدم الحياة ثم ما يحدث فيها من ~~الحياة عارضة سريعة الزوال وشيكة الاضمحلال { فإذا ~~ركبوا فى الفلك } متصل بما دل عليه شرح حالهم، والركوب ~~هو الاستعلاء على الشيء المتحرك وهو متعد بنفسه كما في قوله ~~تعالى: # والخيل والبغال والحمير لتركبوها # [سورة النحل: الآية 8] واستعماله ههنا وفي أمثاله بكلمة في للإيذان ~~بأن المركوب في نفسه من قبيل الأمكنة، وحركته قسرية غير ~~إرادية كما مر في سورة هود والمعنى أنهم على ما وصفوا من ~~الإشراك فإذا ركبوا في البحر ولقوا شدة { دعوا الله ~~مخلصين له الدين } أي كائنين على صورة المخلصين لدينهم من ~~المؤمنين حيث لا يدعون غير الله تعالى لعلمهم بأنه لا يكشف ~~الشدائد عنهم إلا هو { فلما نجاهم إلى البر إذا هم ~~يشركون } أي فاجؤا المعاودة إلى الشرك { ليكفروا بما ~~ءاتينهم وليتمتعوا } أي يفاجئون الإشراك ليكونوا ~~كافرين بما آتيناهم من نعمة الإنجاء التي حقها أن يشكروها { ~~فسوف يعلمون } أي عاقبة ذلك وغائلته حين يرون العذاب { ~~أولم يروا } أي ألم ينظروا ولم يشاهدوا { أنا جعلنا } ~~أي بلدهم { حرما ءامنا } مصونا من النهب والتعدي سالما ~~أهله من كل سوء { ويتخطف الناس من حولهم } أي ~~والحال أنهم يختلسون من حولهم قتلا وسبيا إذ كانت العرب حوله ~~في تغاور وتناهب { أفبالبطل يؤمنون } أي أبعد ظهور ~~الحق الذي لا ريب فيه بالباطل خاصة يؤمنون دون الحق { ~~وبنعمة الله يكفرون } وهي المستوجبة للشكر حيث ~~يشركون به غيره. وتقديم الصلة في الموضعين لإظهار كمال شناعة ~~ما فعلوا { ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا } ~~بأن زعم أن له شريكا أي هو أظلم من كل ظالم وإن كان سبك ~~النظم دالا على نفي الأظلم من غير تعرض لنفي المساوي وقد مر ~~مرارا { أو كذب بالحق لما جاءه } أي بالرسول أو ~~بالقرآن وفي لما تسفيه لهم بأن لم يتوقفوا ولم يتأملوا حين ~~جاءهم بل سارعوا إلى التكذيب آثر ذي أثير { أليس فى جهنم ~~مثوى للكفرين } تقرير لثوائهم فيها ms2598 كقول من قال: ~~[الوافر] # ألستم خير من ركب المطايا # [وأندى العالمين بطون راح] # أي ألا يستوجبون الثواء فيها وقد فعلوا ما فعلوا من الافتراء ~~على الله تعالى والتكذيب بالحق الصريح أو إنكار واستبعاد ~~لاجترائهم على ما ذكر من الافتراء والتكذيب مع علمهم بحال ~~الكفرة أي ألم يعلموا أن في جهنم مثوى للكافرين حتى اجترؤا هذه ~~الجرأة. ### || [29.69] # { والذين جهدوا فينا } أي في شأننا ولوجهها خالصا. ~~أطلق المجاهدة ليعم جهاد الأعادي الظاهرة والباطنة { ~~لنهدينهم سبلنا } سبل السير إلينا والوصول إلى ~~جنابنا أو لنزيدنهم هداية إلى سبل الخير وتوفيقا لسلوكها ~~كقوله تعالى: # والذين اهتدوا زادهم هدى # [سورة محمد: الآية 17] وفي الحديث: # " من عمل بما علم ورثه الله علم ما لم يعلم " # { وإن الله لمع المحسنين } معية النصر والمعونة. # عنه عليه الصلاة والسلام: # " من قرأ سورة العنكبوت كان له من الأجر عشر حسنات بعدد كل ~~المؤمنين والمنافقين " ### | [30 - سورة الروم] ### || [30.1-4] # (سورة الروم) # مكية إلا قوله { فسبحان الله } الآية. وهى ستون آية. # { بسم الله الرحمن الرحيم } { الم } الكلام فيه كالذي ~~مر في أمثاله من الفواتح الكريمة { غلبت الروم * فى أدنى ~~الأرض } أي أدنى أرض العرب منهم إذ هي الأرض المعهودة عندهم وهي ~~أطراف الشام أو في أدنى أرضهم من العرب على أن اللام عوض عن ~~المضاف إليه. قال مجاهد: هي أرض الجزيرة وهي أدنى أرض الروم ~~إلى فارس. وعن ابن عباس رضي الله عنهما: الأردن وفلسطين. وقرىء ~~أداني الأرض { وهم } أي الروم { من بعد غلبهم } أي بعد ~~مغلوبيتهم. وقرىء بسكون اللام وهي لغة كالجلب والجلب { ~~سيغلبون } أي سيغلبون فارس { فى بضع سنين } روي أن ~~فارس غزوا الروم فوافوهم بأذرعات وبصرى وقيل: بالجزيرة ~~كما مر فغلبوا عليهم، وبلغ الخبر مكة ففرح المشركون وشمتوا ~~بالمسلمين وقالوا: أنتم والنصارى أهل كتاب ونحن وفارس أميون ~~وقد ظهر إخواننا على إخوانكم فلنظهرن عليكم، فقال أبو بكر رضي الله ~~عنه: لا يقرر الله أعينكم فوالله ليظهرن الروم على فارس بعد بضع ~~سنين، فقال له أبي بن خلف اللعين: كذبت ms2599 اجعل بيننا أجلا ~~أناحبك عليه فناحبه على عشر قلائص من كل منهما وجعلا الأجل ثلاث ~~سنين فأخبر به أبو بكر رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: # " البضع ما بين الثلاث إلى التسع فزيدوه في الخطر وماده في ~~الأجل " # فجعلاها مائة قلوص إلى تسع سنين ومات أبي من جرح رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وظهرت الروم على فارس عند رأس سبع سنين وذلك يوم ~~الحديبية، وقيل: كان النصر للفريقين يوم بدر فأخذ أبو بكر ~~الخطر من ذرية أبي فجاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: # " تصدق به ". # وكان ذلك قبل تحريم القمار. وهذه الآيات من البينات الباهرة ~~الشاهدة بصحة النبوة وكون القرآن من عند الله عز وجل ~~حيث أخبرت عن الغيب الذي لا يعلمه إلا العليم الخبير. وقرىء ~~غلبت على البناء للفاعل وسيغلبون على البناء للمفعول والمعنى أن ~~الروم غلبت على ريف الشام وسيغلبهم المسلمون وقد غزاهم ~~المسلمون في السنة التاسعة من نزولها ففتحوا بعض بلادهم، ~~فإضافة الغلب حينئذ إلى الفاعل. # { لله الأمر من قبل ومن بعد } أي في أول الوقتين وفي ~~آخرهما حين غلبوا وحين يغلبون، كأنه قيل: من قبل كونهم غالبين ~~وهو وقت كونهم مغلوبين ومن بعد كونهم مغلوبين وهو وقت كونهم ~~غالبين والمعنى أن كلا من كونهم مغلوبين أولا وغالبين آخرا ~~ليس إلا بأمر الله تعالى وقضائه # وتلك الأيام نداولها بين الناس # [سورة آل عمران: الآية 140]. وقرىء من قبل ومن بعد بالجر من غير ~~تقدير مضاف إليه واقتطاعه كأنه قيل: قبلا وبعدا، بمعنى أولا ~~وآخرا { ويومئذ } أي يوم إذ يغلب الروم على فارس ويحل ~~ما وعده الله تعالى من غلبتهم { يفرح المؤمنون }. ### || [30.5-7] # { بنصر الله } وتغليبه من له كتاب على من لا كتاب له وغيظ من ~~شمت بهم من كفار مكة وكون ذلك من دلائل غلبة المؤمنين على ~~الكفار، وقيل: نصر الله إظهار صدق المؤمنين فيما أخبروا به ~~المشركين من غلبة الروم على فارس، وقيل: نصره تعالى أنه ولى ~~بعض الظالمين بعضا وفرق بين ms2600 كلمتهم حتى تناقصوا وتفانوا وفل ~~كل منهما شوكة الآخر وفي ذلك قوة. وعن أبي سعيد الخدري رضي ~~الله عنه أنه وافق ذلك يوم بدر. وفيه من نصر الله العزيز للمؤمنين ~~وفرحهم بذلك ما لا يخفى، والأول هو الأنسب لقوله تعالى: { ينصر ~~من يشاء } أن ينصره من عباده على عدوه ويغلبه عليه فإنه ~~استئناف مقرر لمضمون قوله تعالى: # لله الأمر من قبل ومن بعد # { وهو العزيز } المبالغ في العزة والغلبة فلا يعجزه من ~~يشاء أن ينصر عليه كائنا من كان { الرحيم } المبالغ في ~~الرحمة فينصر من يشاء أن ينصره أي فريق كان، والمراد ~~بالرحمة هي الدنيوية، أما على القراءة المشهورة فظاهر لما أن ~~كلا الفريقين لا يستحق الرحمة الأخروية. وأما على القراءة ~~الأخيرة فلأن المسلمين وإن كانوا مستحقين لها لكن المراد ~~ههنا نصرهم الذي هو من آثار الرحمة الدنيوية، وتقديم وصف ~~العزة لتقدمه في الاعتبار { وعد الله } مصدر مؤكد لنفسه ~~لأن ما قبله في معنى الوعد كأنه قيل: وعد الله وعدا { لا ~~يخلف الله وعده } أي وعد كان مما يتعلق بالدنيا ~~والآخرة لاستحالة الكذب عليه سبحانه. وإظهار الاسم الجليل في ~~موقع الإضمار لتعليل الحكم وتفخيمه. والجملة استئناف مقرر لمعنى ~~المصدر وقد جوز أن تكون حالا منه فيكون كالمصدر الموصوف، ~~كأنه قيل: وعد الله وعدا غير مخلف { ولكن أكثر ~~الناس لا يعلمون } أي ما سبق من شؤونه تعالى. # { يعلمون ظاهرا من الحيوة الدنيا } وهو ما ~~يشاهدونه من زخارفها وملاذها وسائر أحوالها الموافقة لشهواتهم ~~الملائمة لأهوائهم المستدعية لانهماكهم فيها وعكوفهم عليها لا ~~تمتعهم بزخارفها وتنعمهم بملاذها كما قيل فإنهما ليسا مما علموه ~~منها بل من أفعالهم المترتبة على علومهم، وتنكير ظاهرا للتحقير ~~والتخسيس دون الوحدة كما توهم أي يعلمون ظاهرا حقيرا خسيسا من ~~الدنيا { وهم عن الآخرة } التي هي الغاية القصوى والمطلب ~~الأسنى { هم غفلون } لا يخطرونها بالبال ولا يدركون من ~~الدنيا ما يؤدي إلى معرفتها من أحوالها ولا يتفكرون فيها كما ~~سيأتي. والجملة معطوفة على يعلمون وإيرادها إسمية للدلالة على ~~استمرار غفلتهم ms2601 ودوامها وهم الثانية تكرير للأولى أو مبتدأ ~~وغافلون خبره والجملة خبر للأولى وهو على الوجهين مناد على ~~تمكن غفلتهم عن الآخرة المحققة لمقتضى الجملة المتقدمة ~~تقريرا لجهالتهم وتشبيها لهم بالبهائم المقصور إدراكاتها من ~~الدنيا على ظواهرها الخسيسة دون أحوالها التي هي مبادي العلم ~~بأمور الآخرة وإشعارا بأن العلم المذكور وعدم العلم رأسا ~~سيان. ### || [30.8] # { أولم يتفكروا } إنكار واستقباح لقصر نظرهم على ما ~~ذكر من ظاهر الحياة الدنيا مع الغفلة عن الآخرة. والواو للعطف ~~على مقدر يقتضيه المقام. وقوله تعالى: { فى أنفسهم } ظرف ~~للتفكر وذكره مع ظهور استحالة كونه في غيرها لتحقيق أمره ~~وتصوير حال المتفكرين. وقوله تعالى: { ما خلق الله ~~السموات والأرض وما بينهما } الخ متعلق إما بالعلم ~~الذي يؤدي إليه التفكر ويدل عليه أو بالقول الذي بترتب عليه ~~كما في قوله تعالى: # ويتفكرون فى خلق السموات والأرض ربنا ما ~~خلقت هذا بطلا # [سورة آل عمران: الآية 191] أي أعلموا ظاهر الحياة الدنيا فقط أو ~~أقصروا النظر عليه ولم يحدثوا التفكر في قلوبهم فيعلموا ~~أنه تعالى ما خلقهما وما بينهما من المخلوقات التي هم من جملتها ~~ملتبسة بشيء من الأشياء { إلا } ملتبسة { بالحق } أي يقولوا ~~هذا القول معترفين بمضمونه إثر ما علموه. والمراد بالحق ~~هوالثابت الذي يحق أن يثبت لا محالة لا بتنائه على الحكمة ~~البالغة والغرض الصحيح الذي هو استشهاد المكلفين بذواتها ~~وصفاتها وأحوالها المتغيرة على وجود صانعها عز وجل ووحدته ~~وعلمه وقدرته وحكمته واختصاصه بالمعبودية وصحة أخباره التي ~~من جملتها إحياؤهم بعد الفناء بالحياة الأبدية ومجازاتهم بحسب ~~أعمالهم غب ما تبين المحسن من المسيء وامتازت درجات أفراد كل ~~من الفريقين حسب امتياز طبقات علومهم واعتقاداتهم المترتبة على ~~أنظارهم فيما نصب في المصنوعات من الآيات والدلائل والأمارات ~~والمخائل كما نطق به قوله تعالى: # وهو الذى خلق السموات والأرض فى ستة أيام ~~وكان عرشه على الماء ليبلوكم أيكم أحسن ~~عملا # [سورة هود: الآية 7] فإن العمل غير مختص بعمل الجوارح ولذلك ~~فسره عليه الصلاة والسلام بقوله: # " أيكم أحسن عقلا وأورع عن محارم ms2602 الله وأسرع في طاعة الله " # وقد مر تحقيقه في أوائل سورة هود عليه السلام. وقوله تعالى: { ~~وأجل مسمى } عطف على الحق أي وبأجل معين قدره الله تعالى ~~لبقائها لا بد لها من أن تنتهي إليه لا محالة وهو وقت قيام ~~الساعة. هذا وقد جوز أن يكون قوله تعالى: في أنفسهم صلة ~~للتفكر على معنى أولم يتفكروا في أنفسهم التي هي أقرب ~~المخلوقات إليهم وهم أعلم بشؤونها وأخبر بأحوالها منهم بأحوال ما ~~عداها فيتدبروا ما أودعها الله تعالى ظاهرا وباطنا من غرائب الحكم ~~الدالة على التدبير دون الإهمال وأنه لا بد لها من ~~انتهاء إلى وقت يجازيها فيه الحكيم الذي دبر أمرها على الإحسان ~~إحسانا وعلى الإساءة مثلها حتى يعلموا عند ذلك أن سائر الخلائق ~~كذلك أمرها جار على الحكمة والتدبير وأنه لا بد لها من ~~الانتهاء إلى ذلك الوقت. وأنت خبير بأن أمر معاد الإنسان ~~ومجازاته بما عمل من الإساءة والإحسان هو المقصود بالذات ~~والمحتاج إلى الإثبات فجعله ذريعة إلى إثبات معاد ما عداه مع ~~كونه بمعزل من الجزاء تعكيس للأمة فتدبر. وقوله تعالى: { وإن ~~كثيرا من الناس بلقاء ربهم لكفرون } تذييل مقرر ~~لما قبله ببيان أن أكثرهم غير مقتصرين على ما ذكر من الغفلة عن ~~أحوال الآخرة والإعراض عن التفكر فيما يرشدهم إلى معرفتها من ~~خلق السموات والأرض وما بينهما من المصنوعات بل هم منكرون ~~جاحدون بلقاء حسابه تعالى وجزائه بالبعث. ### || [30.9-10] # { أو لم يسيروا } توبيخ لهم بعد اتعاظهم بمشاهدة أحوال ~~أمثالهم الدالة على عاقبتهم ومآلهم. والهمزة لتقرير المنفي، ~~والواو للعطف على مقدر يقتضيه المقام أي أقعدوا في أماكنهم ولم ~~يسيروا { فى الأرض } وقوله تعالى: { فينظروا } عطف على ~~يسيروا داخل في حكم التقرير والتوبيخ، والمعنى أنهم قد ساروا ~~في أقطار الأرض وشاهدوا { كيف كان عقبة الذين من ~~قبلهم } من الأمم المهلكة كعاد وثمود، وقوله تعالى: { كانوا ~~أشد منهم قوة } الخ بيان لمبدأ أحوالهم ومآلها يعني ~~أنهم كانوا أقدر منهم على التمتع بالحياة الدنيا حيث كانوا ~~أشد منهم قوة { وأثاروا ms2603 الأرض } أي قلبوها للزراعة ~~والحرث وقيل لاستنباط المياه واستخراج المعادن وغير ذلك { ~~وعمروها } أي عمرها أولئك بفنون العمارات من الزراعة ~~والغرس والبناء وغيرها مما يعد عمارة لها. { أكثر مما ~~عمروها } أي عمارة أكثر كما وكيفا وزمانا من عمارة هؤلاء ~~إياها، كيف لا وهم أهل واد غير ذي زرع لا تبسط لهم في غيره ~~وفيه تهكم بهم حيث كانوا مغترين بالدنيا مفتخرين بمتاعها مع ~~ضعف حالهم وضيق عطنهم إذ مدار أمرها على التبسط في البلاد ~~والتسلط على العباد والتقلب في أكناف الأرض بأصناف التصرفات ~~وهم ضعفه ملجأون إلى واد لا نفع فيه يخافون أن يتخطفهم ~~الناس { وجاءتهم رسلهم بالبينات } بالمعجزات أو ~~الآيات الواضحات { فما كان الله ليظلمهم } أي فكذبوهم ~~فأهلكهم فما كان الله ليهلكهم من غير جرم يستدعيه من قبلهم، ~~والتعبير عن ذلك بالظلم مع أن إهلاكه إياهم بلا جرم ليس من ~~الظلم في شيء على تقرر من قاعدة أهل السنة لإظهار كمال ~~نزاهته تعالى عن ذلك بإبرازه في معرض ما يستحيل صدوره عنه تعالى وقد ~~مر في سورة الأنفال: الآية 51 وسورة آل عمران الآية 182 { ~~ولكن كانوا أنفسهم يظلمون } بأن اجترأوا على اقتراف ~~ما يوجبه من المعاصي العظيمة. # { ثم كان عقبة الذين أسآءوا } أي عملوا السيئات ~~ووضع الموصول موضع ضميرهم للتسجيل عليهم بالإساءة والإشعار ~~بعلة الحكم { السوأى } أي العقوبة التي هي أسوأ العقوبات ~~وأفظعها التي هي العقوبة بالنار فإنها تأنيث الأسوأ كالحسنى ~~تأنيث الأحسن أو مصدر كالبشرى وصف به العقوبة مبالغة كأنها ~~نفس السوآ، وهي مرفوعة على أنها اسم كان وخبرها عاقبة. وقرىء ~~على العكس وهو أدخل في الجزالة. وقوله تعالى: { أن كذبوا ~~بآيات الله } علة لما أشير إليه من تعذيبهم الدنيوي ~~والأخروي أي لأن كذبوا أو بأن كذبوا بآيات الله المنزلة ~~على رسله عليهم الصلاة والسلام ومعجزاته الظاهرة على ~~أيديهم. وقوله تعالى: { وكانوا بها يستهزئون } عطف على ~~كذبوا داخل معه في حكم العلية، وإيراد الاستهزاء بصيغة ~~المضارع للدلالة على استمراره وتجدده هذا هو اللائق بجزالة ~~النظم الجليل وقد ms2604 قيل وقيل. ### || [30.11-15] # { قل الله يبدأ الخلق } أي ينشئهم { ثم يعيده } ~~بعد الموت بالبعث { ثم إليه ترجعون } إلى موقف الحساب ~~والجزاء. والالتفات للمبالغة في الترهيب وقرىء بالياء { ~~ويوم تقوم الساعة } التي هي وقت إعادة الخلق ورجعهم إليه، { ~~يبلس المجرمون } أي يسكتون متحيرين لا ينبسون، يقال ~~ناظرته فأبلس إذا سكت وأيس من أن يحتج. وقرىء بفتح اللام، من ~~أبلسه إذا أفحمه وأسكته { ولم يكن لهم من شركائهم ~~شفعاء } يجيرونهم من عذاب الله تعالى كما كانوا يزعمونه. وصيغة ~~الجمع لوقوعها في مقابلة الجمع أي لم يكن لواحد منهم شفيع أصلا { ~~وكانوا بشركائهم كفرين } أي بإلهيتهم وشركتهم م ~~سبحانه حيث وقفوا على كنه أمرهم. وصيغة الماضي للدلالة على ~~تحققه وقيل كانوا في الدنيا كافرين بسببهم وليس بذاك إذ ليس ~~في الإخبار به فائدة يعتد بها. { ويوم تقوم الساعة } ~~أعيد لتهويله وتفظيع ما يقع فيه. وقوله تعالى: { يومئذ ~~يتفرقون } تهويل له إثر تهويل، وفيه رمز إلى أن التفرق ~~يقع في بعض منه. وضمير يتفرقون لجميع الخلق المدلول عليهم بما ~~تقدم من بدئهم وإعادتهم ورجعهم لا المجرمون خاصة. وليس المراد ~~بتفرقهم افتراق كل فرد منهم عن الآخر بل تفرقهم إلى فريقي ~~المؤمنين والكافرين كما في قوله تعالى: # فريق فى الجنة وفريق فى السعير # [سورة الشورى: الآية 7] وذلك بعد تمام الحساب. وقوله تعالى: { ~~فأما الذين ءامنوا وعملوا الصلحت فهم فى ~~روضة يحبرون } تفصيل وبيان لأحوال ذينك الفريقين. ~~والروضة كل أرض ذات نبات وماء ورونق ونضارة. وتنكيرها ~~للتفخيم. والمراد بها الجنة، والحبور السرور يقال حبره إذا ~~سره سرورا تهلل له وجهه، وقيل: الحبرة كل نغمة حسنة ~~والتحبير التحسين. واختلفت فيه الأقاويل لاحتماله وجوه جميع ~~المسار. فعن ابن عباس ومجاهد: يكرمون. وعن قتادة ينعمون. ~~وعن ابن كيسان يحلون وعن بكر بن عياش: التيجان على رؤوسهم. ~~وعن وكيع: السماع في الجنة. # " وعن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه ذكر الجنة وما فيها ~~من النعيم وفي آخر القوم أعرابي فقال: يا رسول الله هل في ~~الجنة من سماع قال عليه ms2605 الصلاة والسلام: " يا أعرابي إن ~~في الجنة لنهرا حافتاه الأبكار من كل بيضاء خوصانية ~~يتغنين بأصوات لم يسمع الخلائق بمثلها قط فذلك أفضل نعيم ~~الجنة " # قال الراوي فسألت أبا الدرداء رضي الله عنه بم يتغنين قال ~~بالتسبيح. وروي إن في الجنة لأشجارا عليها أجراس من فضة ~~فإذا أراد أهل الجنة السماع بعث الله تعالى ريحا من تحت ~~العرش فتقع في تلك الأشجار فتحرك تلك الأجراس بأصوات لو سمعها ~~أهل الدنيا لماتوا طربا. ### || [30.16-18] # { وأما الذين كفروا وكذبوا بئايتنا } التي من ~~جملتها هذه الآيات الناطقة بما فصل { ولقاء الآخرة } صرح ~~بذلك مع اندراجه في تكذيب الآيات للاعتناء بأمره. وقوله تعالى: { ~~فأولئك } إشارة إلى الموصول باعتبار اتصافه بما في حيز ~~الصلة من الكفر والتكذيب بآياته تعالى وبلقاء الآخرة للإيذان ~~بكمال تميزهم بذلك عن غيرهم وانتظامهم في سلك المشاهدات، وما ~~فيه من معنى البعد مع قرب العهد بالمشار إليه للإشعار ببعد ~~منزلتهم في الشر أي أولئك الموصوفون بما فصل من القبائح. { فى ~~العذاب محضرون } على الدوام لا يغيبون عنه أبدا. # { فسبحان الله حين تمسون وحين تصبحون وله ~~الحمد فى السموات والأرض وعشيا وحين تظهرون ~~} إثر ما بين حال فريقي المؤمنين العاملين للصالحات ~~والكافرين المكذبين بالآيات وما لهما من الثواب والعذاب ~~أمروا بما ينجي من الثاني ويفضي إلى الأول من تنزيه الله عز ~~وجل عن كل ما لا يليق بشأنه سبحانه ومن حمده تعالى على نعمه ~~العظام، وتقديم الأول على الثاني لما أن التخلية متقدمة على ~~التحلية. والفاء لترتيب ما بعدها على ما قبلها أي إذا علمتم ذلك ~~فسبحوا الله تعالى أي نزهوه عما ذكر سبحانه أي تسبيحه اللائق ~~به في هذه الأوقات واحمدوه فإن الإخبار بثبوت الحمد له تعالى ~~ووجوبه على المميزين من أهل السموات والأرض في معنى الأمر به ~~على أبلغ وجه وآكده، وتوسيطه بين أوقات التسبيح للاعتناء ~~بشأنه والإشعار بأن حقهما أن يجمع بينهما كما ينبيء عنه ~~قوله تعالى: # ونحن نسبح بحمدك # [سورة البقرة: الآية 30] وقوله تعالى: # فسبح بحمد ربك # [سورة ms2606 النصر: الآية 3] وقوله صلى الله عليه وسلم: # " من قال حين يصبح وحين يمسي سبحان الله وبحمده مائة مرة ~~حطت خطاياه وإن كانت مثل زبد البحر ". # وقوله عليه الصلاة والسلام: # " من قال حين يصبح وحين يمسي سبحان الله وبحمده مائة مرة ~~لم يأت أحد يوم القيامة بأفضل مما جاء به إلا أحد قال مثل ~~ما قال أو زاد عليه ". # وقوله عليه الصلاة والسلام: # " كلمتان خفيفتان على اللسان ثقيلتان في الميزان سبحان الله ~~وبحمده سبحان الله العظيم " # وغير ذلك مما لا يحصى من الآيات والأحاديث، وتخصيصهما بتلك ~~الأوقات للدلالة على أن ما يحدث فيها من آيات قدرته وأحكام ~~رحمته ونعمته شواهد ناطقة بتنزهه تعالى واستحقاقه الحمد وموجبة ~~لتسبيحه وتحميده حتما. وقوله تعالى: { وعشيا } عطف على { حين ~~تمسون } وتقديمه على حين تظهرون لمراعاة الفواصل وتغيير ~~الأسلوب لما أنه لا يجيء منه الفعل بمعنى الدخول في العشي ~~كالماء والصباح والظهيرة، ولعل السر في ذلك أنه ليس من الأوقات ~~التي تختلف فيها أحوال الناس وتتغير تغيرا ظاهرا مصححا لوصفهم ~~بالخروج عما قبلها والدخول فيها كالأوقات المذكورة فإن كلا ~~منها وقت تتغير فيه الأحوال تغيرا ظاهرا أما في المساء والصباح ~~فظاهر وأما في الظهيرة فلأنها وقت يعتاد فيه التجرد عن ~~الثياب للقيلولة كما مر في سورة النور: الآية 36. # وقيل المراد بالتسبيح والحمد الصلاة لاشتمالها عليهما. وقد روي ~~عن ابن عباس رضي الله عنهما (أن الآية جامعة للصلوات الخمس تمسون ~~صلاتا المغرب والعشاء وتصبحون صلاة الفجر وعشيا صلاة العصر ~~وتظهرون صلاة الظهر). ولذلك ذهب الحسن إلى أنها مدنية إذ كان ~~يقول إن الواجب بمكة ركعتان، في أي وقت اتفقتا وإنما فرضت الخمس ~~بالمدينة والجمهور على أنها فرضت بمكة وهو الحق لحديث المعراج وفي ~~آخره هن خمس صلوات كل يوم وليلة. عن النبي صلى الله عليه وسلم # " من سره أن يكال له بالقفيز الأوفى فليقل: «فسبحان الله ~~حين تمسون وحين تصبحون» الآية " # وعنه عليه الصلاة والسلام # " من قال حين يصبح «فسبحان الله حين تمسون وحين تصبحون». إلى ~~قوله ms2607 تعالى: «وكذلك تخرجون» أدرك ما فاته في يومه ومن قالها حين ~~يمسي أدرك ما فاته في ليلته " # وقرىء حينا تمسون وحينا تصبحون أي تمسون فيه وتصبحون فيه. ### || [30.19-21] # { يخرج الحى من الميت } كالإنسان من النطفة والطير من ~~البيضة. { ويخرج الميت من الحى } النطفة والبيضة من ~~الحيوان { ويحيى الأرض } بالنبات { بعد موتها } يبسها { ~~وكذلك } ومثل ذلك الإخراج { تخرجون } من قبوركم. وقرىء ~~تخرجون بفتح التاء وضم الراء. وهذا نوع تفصيل لقوله تعالى # الله يبدأ الخلق ثم يعيده # { ومن ءايته } الباهرة الدالة على أنكم تبعثون دلالة ~~أوضح مما سبق فإن دلالة بدء خلقهم على إعادتهم أظهر من دلالة ~~إخراج الحي من الميت وإخراج الميت من الحي ومن دلالة إحياء ~~الأرض بعد موتها عليها { أن خلقكم } أي في ضمن خلق آدم عليه ~~السلام لما مر مرارا من أن خلقه عليه الصلاة والسلام منطو ~~على خلق ذرياته انطواء إجماليا { من تراب } لم يشم رائحة ~~الحياة قط ولا مناسبة بينه وبين ما أنتم عليه في ذاتكم وصفاتكم { ~~ثم إذا أنتم بشر تنتشرون } أي فاجأتم بعد ذلك وقت ~~كونكم بشرا تنتشرون في الأرض، وهذا مجمل ما فصل في قوله تعالى: # يأيها الناس إن كنتم فى ريب من البعث فإنا ~~خلقنكم من تراب ثم من نطفة # [سورة الحج: الآية 5] الآية { ومن ءايته } الدالة على ما ~~ذكر من البعث وما بعده من الجزاء { أن خلق لكم } أي لأجلكم { ~~من أنفسكم أزوجا } فإن خلق أصل أزواجكم حواء من ضلع ~~آدم عليه السلام متضمن لخلقهن من أنفسكم على ما عرفته من التحقيق ~~أو من جنسكم لا من جنس آخر وهو الأوفق لقوله تعالى: { لتسكنوا ~~إليها } أي لتألفوها وتميلوا إليها وتطمئنوا بها فإن ~~المجانسة من دواعي التضام والتعارف كما أن المخالفة من ~~أسباب التفرق والتنافر { وجعل بينكم } أي بين الأزواج ~~إنا على تغليب الرجال على النساء في الخطاب أو على حذف ظرف ~~معطوف على الظرف المذكور أي جعل بينكم وبينهن كما مر في ~~قوله تعالى: # لا نفرق بين أحد من رسله # [سورة ms2608 البقرة: الآية 285] وقيل: أو بين أفراد الجنس أي بين ~~الرجال والنساء ويأباه قوله تعالى: { مودة ورحمة } ~~فإن المراد بهما ما كان منهما بعصمة الزواج قطعا أي جعل بينكم ~~بالزواج الذي شرعه لكم توادا وتراحما من غير أن يكون بينكم ~~سابقة معرفة ولا رابطة مصححة للتعاطف من قرابة أو رحم قيل ~~المودة والرحمة من قبل الله تعالى، والفرك من الشيطان. ~~وعن الحسن رحمه الله: المودة كناية عن الجماع، ~~والرحمة عن الولد كما قال تعالى ورحمة منا { إن في ذلك } ~~أي فيما ذكر من خلقهم من تراب وخلق أزواجهم من أنفسهم وإلقاء ~~المودة والرحمة بينهم. وما فيه من معنى البعد مع قرب العهد ~~بالمشار إليه للإشعار ببعد منزلته { لآيات } عظيمة لا يكتنه ~~كنهها كثيرة لا يقادر قدرها { لقوم يتفكرون } في ~~تضاعيف تلك الأفاعيل المبنية على الحكم البالغة. والجملة تذييل ~~مقرر لمضمون ما قبله مع التنبيه على أن ما ذكر ليس بآية فذة ~~كما ينبىء عنه قوله تعالى: ومن آياته بل هي مشتملة على آيات شتى. ### || [30.22] # { ومن ءايته } الدالة على ما ذكر من أمر البعث وما ~~يتلوه من الجزاء { خلق السموات والأرض } إما من حيث ~~إن القادر على خلقهما بما فيهما من المخلوقات بلا مادة مستعدة لها ~~أظهر قدرة على إعادة ما كان حيا قبل ذلك وإما من حيث إن ~~خلقهما وما فيهما ليس إلا لمعاش البشر ومعاده كما يفصح عنه قوله ~~تعالى: # هو الذى خلق لكم ما فى الأرض جميعا # [سورة البقرة: الآية 29] وقوله تعالى: # وهو الذى خلق السموات والأرض فى ستة أيام ~~وكان عرشه على الماء ليبلوكم أيكم أحسن ~~عملا # [سورة هود: الآية 7] { واختلف ألسنتكم } أي لغاتكم بأن ~~علم كل صنف لغته وألهمه وضعها وأقدره عليها، أو أجناس نطفكم ~~وأشكاله فإنك لا تكاد تسمع منطقين متساويين في الكيفية من ~~كل وجه { وألونكم } ببياض الجلد وسواده وتوسطه فيما ~~بينهما أو تخطيطات الأعضاء وهيئاتها وألوانها وحلاها بحيث وقع ~~بها التمايز بين الأشخاس حتى إن التوأمين مع توافق موادهما ~~وأسبابهما والأمور المتلاقية لهما ms2609 في التخليق يختلفان في شيء من ~~ذلك لا محالة وإن كانا في غاية التشابه وإنما نظم هذا في سلك ~~الآيات الآفاقية من خلق السموات والأرض مع كونه من الآيات ~~الأنفسية الحقيقية بالانتظام في سلك ما سبق من خلق أنفسهم وأزواجهم ~~للإيذان باستقلاله والاحتراز عن توهم كونه من تتمات خلقهم { ~~إن في ذلك } أي فيما ذكر من خلق السموات والأرض واختلاف ~~الألسنة والألوان { لآيات } عظيمة في أنفسها كثيرة في عددها { ~~للعلمين } أي المتصفين بالعلم كما في قوله تعالى: # وما يعقلها إلا العلمون # [سورة العنكبوت: الآية 43]. وقرىء بفتح اللام وفيه دلالة على كمال ~~وضوح الآيات وعدم خفائها على أحد من الخلق كافة. # { ومن ءايته منامكم بالليل والنهار } لاستراحة ~~القوى النفسانية وتقوي القوى الطبيعية. ### || [30.23-25] # { وابتغاؤكم من فضله } فيهما فإن كلا من المنام ~~وابتغاء الفضل يقع في الملوين وإن كان الأغلب وقوع الأول في ~~الأول والثاني في الثاني أو منامكم بالليل وابتغاؤكم بالنهار ~~كما هو المعتاد والموافق لسائر الآيات الورادة في ذلك خلا أنه ~~فصل بين القرينين الأولين بالقرينين الآخيرين لأنهما زمان، ~~والزمان مع ما وقع فيه كشيء واحد مع إعانة اللف على الاتحاد { ~~إن فى ذلك لآيت لقوم يسمعون } أي شأنهم أن ~~يسمعوا الكلام سماع تفهم واستبصار حيث يتأملون في تضاعيف هذا ~~البيان ويستدلون بذلك على شؤونه تعالى: { ومن ءايته ~~يريكم البرق } الفعل إما مقدر بأن كما في قول من قال: ~~[الطويل] # ألا أيهذا الزاجري أحضر الوغى # [وأن أشهد اللذات هل أنت مخلدي] # أي أن أحضر أو منزل منزلة المصدر وبه فسر المثل المشهور " ~~تسمع بالمعيدي خير من أن تراه " أو هو على حاله صفة ~~لمحذوف أي آية يريكم بها البرق كقول من قال: # وما الدهر إلا تارتان فمنهما # أموت وأخرى أبتغي العيش أكدح # أي فمنهما تارة أموت فيها وأخرى أبتغي فيها أو ومن آياته شيء أو ~~سحاب يريكم البرق { خوفا } من الصاعقة أو للمسافر { وطمعا ~~} في الغيث أو للمقيم ونصبهما على العلة لفعل يستلزمه المذكور ~~فإن إراءتهم البرق مستلزمة لرؤيتهم إياه ms2610 أو للمذكور نفسه على ~~تقدير مضاف نحو إراءة خوف وطمع أو على تأويل الخوف والطمع ~~بالإخافة والإطماع كقولك فعلته رغما للشيطان أو على الحال نحو ~~كلمته شفاها. { وينزل من السماء ماء }. وقرىء ~~بالتخفيف { فيحيى به الأرض } بالنبات { بعد موتها } ~~يبسها { إن فى ذلك لآيت لقوم يعقلون } فإنها من ~~الظهور بحيث يكفي في إدراكها مجرد العقل عند استعماله في ~~استنباط أسبابها وكيفية تكونها. { ومن ءايته أن تقوم ~~السماء والأرض بأمره } أي بإرادته تعالى لقيامهما، ~~والتعبير عنها بالأمر للدلالة على كمال القدرة والغنى عن المبادىء ~~والأسباب وليس المراد بإقامتهما إنشاءهما لأنه قد بين حاله ~~بقوله تعالى: # ومن ءايته خلق السموات والأرض # [سورة الروم: الآية 22] ولا إقامتهما بغير مقيم محسوس كما قيل فإن ذلك ~~من تتمات إنشائهما وإن لم يصرح به تعويلا على ما ذكر في غير موضع ~~من قوله تعالى: # خلق السموات بغير عمد ترونها # [سورة لقمان: الآية 10] الآية بل قيامهما واستمرارهما على ما هما ~~عليه إلى أجلهما الذي نطق به قوله تعالى فيما قيل: # ما خلق الله السموات والأرض وما بينهما ~~إلا بالحق وأجل مسمى # [سورة الروم: الآية 8] وحيث كانت هذه الآية متأخرة عن سائر الآيات ~~المعدودة متصلة بالبعث في الوجود أخرت عنهن وجعلت متصلة به ~~في الذكر أيضا فقيل { ثم إذا دعاكم دعوة من الأرض ~~إذا أنتم تخرجون } فإنه كلام مسوق للإخبار بوقوع البعث ~~ووجوده بعد انقضاء أجل قيامهما مترتب على تعداد آياته الدالة ~~عليه غير منتظم في سلكها كما قيل: كأنه قيل: ومن آياته قيام ~~السموات والأرض على هيئاتهما بأمره تعالى إلى أجل مسمى قدره ~~الله تعالى لقيامهما ثم إذا دعاكم أي بعد انقضاء الأجل من الأرض ~~وأنتم في قبوركم دعوة واحدة بأن قال أيها الموتى اخرجوا فاجأتم ~~الخروج منها وذلك قوله تعالى: # يومئذ يتبعون الداعى # [سورة طه: الآية 108] ومن الأرض متعلق بدعاكم إذ يكفي في ذلك كون ~~المدعو فيها يقال دعوته من أسفل الوادي فطلع إلي لا بتخرجون لأن ~~ما بعد إذا لا يعمل فيما قبلها. ### || [30.26-27] # { وله ms2611 } خاصة { من فى السموات والأرض } من الملائكة ~~والثقلين خلقا وملكا وتصرفا ليس لغيره شركة في ذلك بوجه من ~~الوجوه { كل له قنتون } أي منقادون لفعله لا يمتنعون عليه ~~في شأن من شؤونه تعالى { وهو الذى يبدأ الخلق ثم ~~يعيده } بعد موتهم، وتكريره لزيادة التقرير والتمهيد لما ~~بعده من قوله تعالى: { وهو أهون عليه } أي بالإضافة إلى ~~قدركم والقياس على أصولكم وإلا فهما عليه سواء وقيل أهون بمعنى ~~هين، وتذكير الضمير مع رجوعه إلى الإعادة لما أنها مؤولة بأن ~~يعيد وقيل: هو راجع إلى الخلق وليس بذاك، وأما ما قيل من أن الإنشاء ~~بطريق التفضل الذي يتخير فيه الفاعل بين الفعل والترك، ~~والإعادة من قبيل الواجب الذي لا بد من فعله حتما فكان أقرب إلى ~~الحصول من الإنشاء المتردد بين الحصول وعدمه فبمعزل من التحصيل ~~إذ ليس المراد بأهونية الفعل أقربيته إلى الوجود باعتبار كثرة ~~الأمور الداعية للفاعل إلى إيجاده وقوة اقتضائها لتعلق قدرته به بل ~~أسهلية تأتيه وصدوره عنه بعد تعلق قدرته بوجوده وكونه واجبا بالغير ~~ولا تفاوت في ذلك بين أن يكون ذلك التعلق بطريق الإيجاب أو بطريق ~~الاختيار. { وله المثل الأعلى } أي الوصف الأعلى العجيب ~~الشأن من القدرة العامة والحكمة التامة وسائر صفات الكمال التي ~~ليس لغيره ما يدانيها فضلا عما يساويها، ومن فسره بقوله لا إله ~~إلا الله أراد به الوصف بالوحدانية { في السموات والأرض } ~~متعلق بمضمون الجملة المتقدمة على معنى أنه تعالى قد وصف به وعرف ~~فيهما على ألسنة الخلائق وألسنة الدلائل، وقيل: متعلق بالأعلى وقيل ~~بمحذوف هو حال منه أو من المثل أو من ضميره في الأعلى { وهو ~~العزيز } القادر الذي لا يعجز عن بدء ممكن وإعادته { الحكيم ~~} الذي يجري الأفعال على سنن الحكمة والمصلحة. ### || [30.28-29] # { ضرب لكم مثلا } يتبين به بطلان الشرك { من ~~أنفسكم } أي منتزعا من أحوالها التي هي أقرب الأمور إليكم ~~وأعرفها عندكم وأظهرها دلالة على ما ذكر من بطلان الشرك لكونها ~~بطريق الأولوية. وقوله تعالى { هل لكم } الخ تصوير للمثل أي ms2612 هل ~~لكم { مما ملكت أيمنكم } من العبيد والإماء { من ~~شركاء فيما رزقنكم } من الأموال وما يجري مجراها مما ~~تتصرفون فيها. فمن الأولى ابتدائية، والثانية تبعيضية، ~~والثالثة مزيدة لتأكيد النفي المستفاد من الاستفهام. فقوله ~~تعالى: { فأنتم فيه سواء } تحقيق لمعنى الشركة وبيان لكونهم ~~وشركانهم متساوين في التصرف فيما ذكر من غير مزية لهم عليها على ~~أن هناك محذوفا معطوفا على أنتم لا أنه عام للفريقين بطريق ~~التغليب أي هل ترضون لأنفسكم والحال أن عبيدكم أمثالكم في ~~البشرية وأحكامها أن يشاركوكم فيما رزقناكم وهو مستعار لكم فأنتم وهم ~~فيه سواء يتصرفون فيه كتصرفكم من غير فرق بينكم وبينهم. # { تخافونهم } خبر آخر لأنتم أو حال من ضمير الفاعل في سواء ~~أي تهابون أن تستبدوا بالتصرف فيه بدون رأيهم { كخيفتكم ~~أنفسكم } أي خيفة كائنة مثل خيفتكم من الأحرار المساهيمن لكم ~~فيما ذكر والمعنى نفي مضمون ما فصل من الجملة الاستفهامية أي لا ~~ترضون بأن يشارككم - فيما هو معار لكم - مماليككم وهم أمثالكم في ~~البشرية غير مخلوقين لكم بل لله تعالى فكيف تشركون به سبحانه في ~~المعبودية التي هي من خصائصه الذاتية مخلوقه بل مصنوع مخلوقه حيث ~~تصنعونه بأيديكم ثم تعبدونه. # { كذلك } أي مثل ذلك التفصيل الواضح { نفصل الآيت } أي ~~نبينها ونوضحها لا تفصيلا أدنى منه فإن التمثيل تصوير للمعاني ~~المعقولة بصورة المحسوس وإبراز لأوابد المدركات على هيئة المأنوس ~~فيكون في غاية الإيضاح والبيان { لقوم يعقلون } أي يستعملون ~~عقولهم في تدبر الأمور، وتخصيصهم بالذكر مع عموم تفصيل الآيات ~~للكل لأنهم المتنفعون بها { بل اتبع الذين ظلموا } ~~إعراض عن مخاطبتهم ومحاولة إرشادهم إلى الحق بضرب المثل وتفصيل ~~الآيات واستعمال المقدمات الحقة المعقولة وبيان لاستحالة ~~تبعيتهم للحق كأنه قيل لم يعقلوا شيئا من الآيات المفصلة با ~~اتبعوا { أهواءهم } الزائغة. ووضع الموصول موضع ضميرهم ~~للتسجيل عليهم بأنهم في ذلك الاتباع ظالمون واضعون للشيء في غير ~~موضعه أو ظالمون لأنفسهم بتعريضها للعذاب الخالد { بغير علم ~~} أي جاهلين ببطلان ما أتوا مكبين عليه لا يلويهم عنه صارف حسبما ~~يصرف العالم ms2613 إذا اتبع الباطل علمه ببطلانه { فمن يهدى من ~~أضل الله } أي خلق فيه الضلال بصرف اختياره إلى كسبه أي لا ~~يقدر على هدايته أحد { وما لهم } أي لمن أضله الله تعالى ~~والجمع باعتبار المعنى { من نصرين } يخلصونهم من الضلال ~~ويحفظونهم من تبعاته وآفاته على معنى ليس لواحد منهم ناصر واحد على ~~ما هو قاعدة مقابلة الجمع بالجمع. ### || [30.30-32] # { فأقم وجهك للدين } تمثيل لإقباله على الدين واستقامته ~~وثباته عليه واهتمامه بترتيب أسبابه فإن من اهتم بشيء محسوس ~~بالبصر عقد عليه طرفه وسدد إليه نظره وقوم له وحهه مقبلا به ~~عليه أي فقوم وجهك له وعد له غير ملتفت يمينا وشمالا. وقوله ~~تعالى { حنيفا } حال من المأمور أو من الدين { فطرة الله } ~~الفطرة الخلقة. وانتصابها على الإغراء أي الزموا أو عليكم فطرة ~~الله فإن الخطاب لكل كما يفصح عنه قوله تعالى منيبين، والإفراد ~~في أقم لما أن الرسول عليه الصلاة والسلام إمام الأمة ~~فأمره عليه السلام مستتبع لأمرهم، والمراد بلزومها الجريان على ~~موجبها وعدم الإخلال به باتباع الهوى وتسويل الشياطين، وقيل ~~على المصدر أي فطر الله فطرة. وقوله تعالى: { التى فطر ~~الناس عليها } صفة لفطرة الله مؤكدة لوجوب الامتثال بالأمر ~~فإن خلق الله الناس على فطرته التي هي عبارة عن قبولهم للحق ~~وتمكنهم من إدراكه أو عن ملة الإسلام من موجبات لزومها ~~والتمسك بها قطعا فإنهم لو خلوا وما خلقوا عليه أدى بهم إليها ~~وما اختاروا عليها دينا آخر ومن غوى منهم فبإغواء شياطين الإنس ~~والجن ومنه قوله عليها الصلاة والسلام حكاية عن رب العزة: # " كل عبادي خلقت حنفاء فاجتالتهم الشياطين عن دينهم وأمروهم ~~أن يشركوا بي غيري " # وقوله عليه الصلاة والسلام: # " كل مولود يولد على الفطرة حتى يكون أبواه هما اللذان ~~يهودانه وينصرانه " # وقوله تعالى: { لا تبديل لخلق الله } تعليل للأمر بلزوم ~~فطرته تعالى أو لوجوب الامتثال به أي لا صحة ولا استقامة لتبديلة ~~بالإخلال بموجبه وعدم ترتيب مقتضاه عليه باتباع الهوى وقبول ~~وسوسة الشيطان وقيل لا يقدر أحد على أن ms2614 يغيره فلا بد حينئذ من ~~حمل التبديل على تبديل نفس الفطرة بإزالتها رأسا ووضع فطرة ~~أخرى مكانها غير مصححة لقبول الحق والتمكن من إدراكه ضرورة ~~أن التبديل بالمعنى الأول مقدور بل واقع قطعا فالتعليل حينئذ من جهة ~~أن سلامة الفطرة متحققة في كل أحد فلا بد من لزومها بترتيب ~~مقتضاها عليها وعدم الإخلال به بما ذكر من اتباع الهوى وخطوات ~~الشيطان { ذلك } إشارة إلى الدين المأمور بإقامة الوجه له أو ~~إلى لزوم فطرة الله المستفاد من الإغراء أو إلى الفطرة إن فسرت ~~بالملة. والتذكير بتأويل المذكور أو باعتبار الخبر { الدين ~~القيم } المستوي الذي لا عوج فيه { ولكن أكثر ~~الناس لا يعلمون } ذلك فيصدون عنه صدودا # منيبين إليه # حال من الضمير في الناصب المقدر لفطره الله أو في أقم ~~لعمومه للأمة حسبما أشير إليه وما بينهما اعتراض أي راجعين إليه ~~من أناب إذا رجع مرة بعد أخرى. # وقوله تعالى { واتقوه } أي من مخالفة أمره. عطف على المقدر ~~المذكور. وكذا قوله تعالى: { وأقيموا الصلوة ولا تكونوا ~~من المشركين } المبدلين لفطرة الله تعالى تبديلا { من ~~الذين فرقوا دينهم } بدل من المشركين بإعادة الجار. ~~وتفريقهم لدينهم اختلافهم فيما يعبدونه على اختلاف أهوائهم. وفائدة ~~الإبدال التحذير عن الانتماء إلى حزب من أحزاب المشركين ببيان ~~أن الكل على الضلال المبين وقرىء فارقوا أي تركوا دينهم ~~الذي أمروا به { وكانوا شيعا } أي فرقا تشايع كل منها ~~إمامها الذي أضلها { كل حزب بما لديهم } من الدين ~~المعوج المؤسس على الرأي الزائغ والزعم الباطل { فرحون ~~} مسرورون ظنا منهم أنه حق وأنى له ذلك. فالجملة اعتراض ~~مقرر لمضمون ما قبله من تفريق دينهم وكونهم شيعا وقد جوز أن أن ~~يكون فرحون صفة لكل على أن الخبر هو الظرف المقدم أعني من ~~الذين فرقوا ولا يخفى بعده. ### || [30.33-37] # { وإذا مس الناس ضر } أي شدة { دعوا ربهم ~~منيبين إليه } راجعين إليه من دعاء غيره { ثم إذا ~~أذاقهم منه رحمة } خلاصا من تلك الشدة { إذا فريق ~~منهم بربهم } الذي كانوا دعوه منيبين إليه ms2615 { يشركون } ~~أي فاجأ فريق منهم الإشراك وتخصيص هذا الفعل ببعضهم لما أن بعضهم ~~ليسوا كذلك كما في قوله تعالى: # فلما نجهم إلى البر فمنهم مقتصد # [سورة لقمان: الآية 32] أي مقيم على الطريق القصد أو متوسط في ~~الكفر لانزجاره في الجملة { ليكفروا بمآ ءاتينهم } ~~اللام فيه للعاقبة وقيل للأمر التهديدي كقوله تعالى: { ~~فتمتعوا } غير أنه التفت فيه للمبالغة وقرىء وليتمتعوا { ~~فسوف تعلمون } عاقبة تمتعكم. وقرىء بالياء، على أن ~~تمتعوا ماض والالتفات إلى الغيبة في قوله تعالى: { أم أنزلنا ~~عليهم } للإيذان بالإعراض عنهم وتعديد جناياتهم لغيرهم بطريق ~~المباثة { سلطنا } أي حجة واضحة وقيل: ذا سلطان أي ملكا ~~معه برهان { فهو يتكلم } تكلم دلالة كما في قوله تعالى: # هذا كتبنا ينطق عليكم بالحق # [سورة الجاثية: الآية 29] أو تكلم نطق { بما كانوا به ~~يشركون } بإشراكهم به تعالى أو بالأمر الذي بسببه يشركون. { ~~وإذا أذقنا الناس رحمة } أي نعمة من صحة وسعة { ~~فرحوا بها } بطرا وأشرا لا حمدا وشكرا { وإن ~~تصبهم سيئة } شدة { بما قدمت أيديهم } بشؤم ~~معاصيهم { إذا هم يقنطون } فاجؤوا القنوط من رحمته تعالى ~~وقرىء بكسر النون. # { أولم يروا } أي ألم ينظروا ولم يشاهدوا { أن الله ~~يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر } فما لهم لم يشكروا ولم ~~يحتسبوا في السراء والضراء كالمؤمنين { إن فى ذلك ~~لآيت لقوم يؤمنون } فيستدلون بها على كمال القدرة ~~والحكمة. ### || [30.38-41] # { فئات ذا القربى حقه } من الصلة والصدقة وسائر ~~المبرات { والمسكين وابن السبيل } ما يستحقانه ~~والخطاب للنبي عليه الصلاة والسلام أو لمن بسط له كما تؤذن به ~~الفاء { ذلك خير للذين يريدون وجه الله } ذاته أو ~~جهته ويقصدون بمعروفهم إياه تعالى خالصا أو جهة التقرب إليه لا ~~جهة أخرى { وأولئك هم المفلحون } حيث حصلوا بما ~~بسط لهم النعيم المقيم { وما ءاتيتم من ربا } زيادة ~~خالية عن العوض عند المعاملة وقرىء أتيتم بالقصر أي غشيتموه أو ~~رهقتموه من إعطاء ربا { ليربو فى أموال الناس } ليزيد ~~ويزكو في أموالهم { فلا يربوا عند الله } أي لا يبارك فيه ~~وقرىء لتربوا أي لتزيدوا أو ms2616 لتصيروا ذوي ربا { وما ءاتيتم من ~~زكاة تريدون وجه الله } أي تبتغون به وجهه تعالى خالصا { ~~فأولئك هم المضعفون } أي ذوو الأضعاف من الثواب ~~ونظير المضعف المقوى والموسر لذي القوة واليسار أو الذين ضعفوا ~~ثوابهم وأموالهم بالبركة. وقرىء بفتح العين، وفي تغيير النظم ~~الكريم والالتفات من الجزالة ما لا يخفى. # { الله الذى خلقكم ثم رزقكم ثم يميتكم ثم ~~يحييكم هل من شركائكم من يفعل من ذلكم من ~~شىء } أثبت له تعالى لوازم الألوهية وخواصها ونفاها رأسا عما ~~اتخذوه شركاء له تعالى من الأصنام وغيرها مؤكدا بالإنكار على ما ~~دل عليه البرهان والعيان ووقع عليه الوفاق ثم استنتج منه تنزهه عن ~~الشركاء بقوله تعالى { سبحانه وتعالى عما يشركون } ~~وقد جوز أن يكون الموصول صفة والخبر هل من شركائكم والرابط ~~قوله تعالى من ذلكم لأنه بمعنى من أفعاله ومن الأولى والثانية تفيدان ~~شيوع الحكم في جنس الشركاء والأفعال والثالثة مزيدة لتعميم ~~المنفي وكل منها مستقلة بالتأكيد وقرىء تشركون بصيغة الخطاب { ~~ظهر الفساد فى البر والبحر } كالجدب والموتان وكثرة ~~الحرق والغرق وإخفاق الغاصة ومحق البركات وكثرة المضار أو ~~الضلالة والظلم، وقيل المراد بالبحر قرى السواحل وقرى ~~البحور { بما كسبت أيدى الناس } بشؤم معاصيهم أو بكسبهم ~~إياها. وقيل ظهر الفساد في البر بقتل قابيل أخاه هابيل وفي ~~البحر بأن جلندى كان يأخذ كل سفينة غصبا { ليذيقهم ~~بعض الذى عملوا } أي بعض جزائه فإن تمامه في الآخرة ~~واللام للعلة أو للعاقبة وقرىء لنذيقهم بالنون. { لعلهم ~~يرجعون } عما كانوا عليه. ### || [30.42-46] # { قل سيروا فى الأرض فانظروا كيف كان عقبة ~~الذين من قبل } ليشاهدوا آثارهم { كان أكثرهم ~~مشركين } استئناف للدلالة على أن ما أصابهم لفشو الشرك ~~فيما بينهم أو كان الشرك في أكثرهم وما دونه من المعاصي في قليل ~~منهم { فأقم وجهك للدين القيم } أي البليغ الاستقامة { ~~من قبل أن يأتى يوم لا مرد له } لا يقدر أحد على ~~رده { من الله } متعلق بيأتى أو بمرد لأنه مصدر والمعنى لا ~~يرده الله تعالى لتعلق إرادته القديمة بمجيئه ms2617 { يومئذ ~~يصدعون } أصله يتصدعون أي يتفرقون فريق في الجنة وفريق ~~في السعير. # { من كفر فعليه كفره } أي وبال كفره وهو النار ~~المؤبدة { ومن عمل صلحا فلأنفسهم يمهدون } أي ~~يسوون منزلا في الجنة وتقديم الظرف في الموضعين للدلالة على ~~الاختصاص { ليجزى الذين ءامنوا وعملوا الصلحت ~~من فضله } متلق بيصدعون وقيل: بيمهدون أي يتفرقون بتفريق ~~الله تعالى فريقين ليجزي كلا منهما بحسب أعمالهم، وحيث كان جزاء ~~المؤمنين هو المقصود بالذات أبرز ذلك في معرض الغاية وعبر عنه ~~بالفضل لما أن الإثابة بطريق التفضيل لا الوجوب وأشير إلى جزاء ~~الفريق الآخر بقوله تعالى { إنه لا يحب الكفرين } ~~فإن عدم محبته تعالى كناية عن بغضه الموجب لغضبه المستتبع ~~للعقوبة لا محالة { ومن ءايته أن يرسل الريح } أي ~~الشمال والصبا والجنوب فإنها رياح الرحمة وأما الدبور ~~فريح العذاب ومنه قوله عليه الصلاة والسلام: # " اللهم اجعلها رياحا ولا تجعلها ريحا " # وقرىء الريح على إرادة الجنس { مبشرت } بالمطر { ~~وليذيقكم من رحمته } وهي المنافع التابعة لها وقيل: ~~الخصب التابع لنزول المطر المسبب عنها أو الروح الذي هو مع ~~هبوبها. واللام متعلقة بيرسل والجملة معطوفة على مبشرات على ~~المعنى كأنه قيل ليبشركم بها وليذيقكم أو بمحذوف يفهم من ذكر ~~الإرسال تقديره وليذيقكم وليكون كذا وكذا يرسلها لا لأمر آخر لا ~~تعلق له بمنافعكم { ولتجرى الفلك } بسوقها { بأمره ~~ولتبتغوا من فضله } بتجارة البحر { ولعلكم ~~تشكرون } ولتشكروا نعمة الله فيما ذكر من الغايات الجليلة. ### || [30.47-50] # { ولقد أرسلنا من قبلك رسلا إلى قومهم } كما ~~أرسلناك إلى قومك { فجاؤهم بالبينت } أي جاء كل رسول ~~قومه بما يخصه من البينات كما جئت قومك ببيناتك. والفاء في ~~قوله تعالى: { فانتقمنا من الذين أجرموا } فصيحة، أي ~~فكذبوهم فانتقمنا منهم وإنما وضع موضع ضميرهم الموصول للتنبيه ~~على مكان المحذوف والإشعار بكونه علة للانتقام وفي قوله تعالى: { ~~وكان حقا علينا نصر المؤمنين } مزيد تشريف وتكرمة ~~للمؤمنين حيث جعلوا مستحقين على الله تعالى أن ينصرهم، وإشعار ~~بأن الانتقام من الكفرة لأجله وقد يوقف على حقا على أنه متعلق ~~بالانتقام، ms2618 ولعل توسيط الآية الكريمة بطريق الاعتراض بين ما سبق ~~وما لحق من أحوال الرياح وأحكامها لإنذار الكفرة وتحذيرهم عن ~~الإخلال بمواجب الشكر المطلوب بقوله تعالى لعلكم تشكرون ~~بمقابلة النعم المعدودة المنوطة بإرسالها كيلا يحل بهم مثل ما ~~حل بأولئك الأمم من الانتقام. # { الله الذى يرسل الريح } استئناف مسوق لبيان ما ~~أجمل فيما سبق من أحوال الرياح { فتثير سحابا فيبسطه ~~} متصلا تارة { فى السماء } في جوها { كيف يشاء } سائرا ~~وواقفا مطبقا وغير مطبق من جانب دون جانب إلى غير ذلك. { ~~ويجعله كسفا } تارة أخرى أي قطعا. وقرىء بسكون السين ~~على أنه مخفف، جمع كسفة أو مصدر وصف به { فترى الودق } ~~المطر { يخرج من خلاله } في التارتين. { فإذا أصاب به ~~من يشاء من عباده } أي بلادهم وأراضيهم { إذا هم ~~يستبشرون } فاجؤا الاستبشار بمجيء الخصب { وإن كانوا } ~~إن مخففة من إن وضمير الشأن الذي هو اسمها محذوف أي وإن ~~الشأن كانوا { من قبل أن ينزل عليهم } أي المطر { ~~من قبله } تكرير للتأكيد والإيذان بطول عهدهم بالمطر ~~واستحكام يأسهم منه، وقيل الضمير للمطر أو السحاب أو الإرسال ~~وقيل: للكسف على القراءة بالسكون وليس بواضح وأقرب من ذلك أن يكون ~~الضمير للاستبشار، ومن متعلقة بينزل لتفيد سرعة تقلب قلوبهم من ~~اليأس إلى الاستبشار بالإشارة إلى غاية تقارب زمانيهما ببيان ~~اتصال اليأس بالتنزيل المتصل بالاستبشار وبشهادة إذا الفجائية { ~~لمبلسين } خبر كانوا، واللام فارقة، أي آيسين { فانظر ~~إلى ءاثر رحمة الله } المترتبة على تنزيل المطر من ~~النبات والأشجار وأنواع الثمار. والفاء للدلالة على سرعة ترتبها ~~عليه. وقرىء أثر بالتوحيد. وقوله تعالى: { كيف يحيي } أي ~~الله تعالى { الأرض بعد موتها } في حيز النصب بنزع ~~الخافض. وكيف معلق لانظر أي فانظر إلى إحيائه البديع للأرض ~~بعد موتها وقيل: على الحالية بالتأويل وأيا ما كان فالمراد ~~بالأمر بالنظر التنبيه على عظم قدرته تعالى وسعة رحمته مع ~~ما فيه من التمهيد لما يعقبه من أمر البعث، وقرىء تحيي ~~بالتأنيث على الإسناد إلى ضمير الرحمة { إن ذلك } العظيم ~~الشأن الذي ذكر بعض ms2619 شؤونه { لمحيى الموتى } لقادر على ~~إحيائهم فإنه إحداث لمثل ما كان في مواد أبدانهم من القوى ~~الحيوانية كما أن إحياء الأرض إحداث لمثل ما كان فيها من ~~القوى النباتية أو لمحييهم ألبتة. وقوله تعالى { وهو على ~~كل شىء قدير } تذييل مقرر لمضمون ما قبله أي مبالغ في ~~القدرة على جميع الأشياء التي من جملتها إحياؤهم لما أن نسبة ~~قدرته إلى الكل سواء. ### || [30.51-53] # { ولئن أرسلنا ريحا فرأوه } أي الأثر المدلول عليه ~~بالآثار فإنه اسم جنس يعم القليل والكثير { مصفرا } بعد ~~خضرته وقد جوز أن يكون الضمير للسحاب لأنه إذا كان ~~مصفرا لم يمطر ولا يخفى بعده. واللام في لئن موطئة للقسم ~~دخلت على حرف الشرط والفاء في فرأوه فصيحة واللام في قوله ~~تعالى: { لظلوا } لام جواب القسم الساد مسد الجوابين أي ~~وبالله لئن أرسلنا ريحا حارة أو باردة فضربت زرعهم بالصفار ~~فرأوه مصفرا ليظلن { من بعده يكفرون } من غير تلعثم ~~وفيه من ذمهم بعد تثبيتهم وسرعة تزلزلهم بين طرفي الإفراط ~~والتفريط ما لا يخفى حيث كان الواجب عليهم أن يتوكلوا على الله ~~تعالى في كل حال ويلجؤوا إليه بالاستغفار إذا احتبس عنهم القطر ولا ~~ييأسوا من روح الله تعالى ويبادروا إلى الشكر بالطاعة إذا ~~أصابهم برحمته ولا يفرطوا في الاستبشار وأن يصبروا على بلائه إذا ~~اعترى زرعهم آفة ولا يكفروا بنعمائه فعكسوا الأمر وأبوا ما ~~يجديهم وأتوا بما يرديهم { فإنك لا تسمع الموتى } لما ~~أنهم مثلهم لا نسداد مشاعرهم عن الحق { ولا تسمع الصم ~~الدعاء إذا ولوا مدبرين } تقييد الحكم بما ذكر لبيان ~~كمال سوء حال الكفرة والتنبيه على أنهم جامعون لخصلتي السوء ~~نبو أسماعهم عن الحق وإعراضهم عن الإصغاء إليه ولو كان فيهم ~~إحداهما لكفاهم ذلك فكيف وقد جمعوهما فإن الأصم المقبل إلى ~~المتكلم ربما يفطن من أوضاعه وحركاته لشىء من كلامه وإن لم ~~يسمعه أصلا وأما إذا كان معرضا عنه فلا يكاد يفهم منه شيئا. ~~وقرىء بالياء المفتوحة ورفع الصم { وما أنت بهادى ~~العمى عن ضللتهم } سموا عميا ms2620 إما لفقدهم المقصود ~~الحقيقي من الإبصار أو لعمى قلوبهم. وقرىء تهدي العمي { إن ~~تسمع } أي ما تسمع { إلا من يؤمن بآياتنا } فإن ~~إيمانهم يدعوهم إلى التدبر فيها وتلقيها بالقبول إو إلا من ~~يشارف الإيمان بها ويقبل عليها إقبالا لائقا { فهم مسلمون ~~} منقادون لما تأمرهم به من الحق. ### || [30.54-57] # { الله الذي خلقكم من ضعف } مبتدأ وخبر أي ابتدأكم ~~ضعفاء وجعل الضعف أساس أمركم كقوله تعالى: # وخلق الإنسن ضعيفا # [سورة النساء: الآية 28] أي خلقكم من أصل ضعيف هو النطفة. { ثم ~~جعل من بعد ضعف قوة } وذلك عند بلوغكم الحلم أو تعلق ~~الروح بأبدانكم { ثم جعل من بعد قوة ضعفا وشيبة ~~} إذا أخذ منكم السن. وقرىء بضم الضاد في الكل وهو أقوى ~~لقول ابن عمر رضي الله عنهما: قرأتها على رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فأقرأني من ضعف. وهما لغتان كالفقر والفقر. والتنكير ~~مع التكرير لأن المتقدم غير المتأخر. { يخلق ما يشاء } ~~من الأشياء التي من جملتها ما ذكر من الضعف والقوة والشيبة ~~{ وهو العليم القدير } المبالغ في العلم والقدرة فإن ~~الترديد فيما ذكر من الأطوار المختلفة من أوضح دلائل العلم ~~والقدرة { ويوم تقوم الساعة } أي القيامة سميت بها ~~لأنها تقوم من آخر ساعة من ساعات الدنيا أو لأنها تقع بغثة ~~وصارت علما لها كالنجم للثريا والكوكب للزهرة. { ~~يقسم المجرمون ما لبثوا } أي في القبور أو في الدنيا. ~~والأول هو الأظهر لأن لبثهم مغيا بيوم البعث كما سيأتي وليس ~~لبثهم في الدنيا كذلك وقيل: فيما بين فناء الدنيا والبعث ~~وانقطاع عذابهم. وفي الحديث: # " ما بين فناء الدنيا والبعث أربعون " # وهو محتمل للساعات والأيام والأعوام وقيل: لا يعلم أهي ~~أربعون سنة أو أربعون ألف سنة { غير ساعة } استقلوا مدة ~~لبثهم نسيانا أو كذبا أو تخمينا { كذلك كانوا يؤفكون } ~~مثل ذلك الصرف كانوا يصرفون في الدنيا عن الحق والصدق. # { وقال الذين أوتوا العلم والإيمن } في الدنيا من ~~الملائكة والإنس { لقد لبثتم فى كتب الله } في علمه ~~أو قضائه أو ما كتبه وعينه أو في ms2621 اللوح أو القرآن وهو قوله ~~تعالى: # ومن ورائهم برزخ # [سورة المؤمنون: الآية 100] { إلى يوم البعث } ردوا بذلك ما ~~قالوه وأيدوه باليمين كأنهم من فرط حيرتهم لم يدروا أن ذلك هو ~~البعث الموعود الذي كانوا ينكرونه وكانوا يسمعون أنه يكون بعد ~~فناء الخلق كافة ويقدرون لذلك زمانا مديدا وإن لم يعتقدوا ~~تحققه فرد العالمون مقالتهم ونبهوهم على أنهم لبثوا إلى ~~غاية بعيدة كانوا يسمعونها وينكرونها وبكتوهم بالإخبار بوقوعها ~~حيث قالوا { فهذا يوم البعث } الذي كنتم توعدون في ~~الدنيا { ولكنكم كنتم لا تعلمون } أنه حق ~~فتستعجلون به استهزاء والفاء جواب شرط محذوف كما في قول من قال: # قالوا خراسان أقصى ما يراد بنا # ثم القفول، فقد جئنا خراسانا # { فيومئذ لا ينفع الذين ظلموا معذرتهم } أي ~~عذرهم. وقرىء تنفع بالتاء محافظة على ظاهر اللفظ وإن توسط بينهما ~~فاصل { ولا هم يستعتبون } لا يدعون إلى ما يقتضي إعتابهم ~~أي إزالة عتبهم من التوبة والطاعة كما دعوا إليه في الدنيا ~~من قولهم استعتبني فلان فاعتبته أي استرضاني فأرضيته. ### || [30.58-60] # { ولقد ضربنا للناس فى هذا القرءان من كل ~~مثل } أي وبالله لقد بينا لهم كل حال ووصفنا لهم كل صفة ~~كأنها في غرابتها مثل وقصصنا عليهم كل قصة عجيبة الشأن ~~كصفة المبعوثين يوم القيامة وقصتهم وما يقولون وما يقال لهم ~~ويفعل بهم من رد اعتذارهم { ولئن جئتهم بئاية } من ~~آيات القرآن الناطقة بأمثال ذلك { ليقولن الذين ~~كفروا } لفرط عتوهم وعنادهم وقساوة قلوبهم مخاطبين للنبي ~~عليه الصلاة والسلام والمؤمنين { إن أنتم إلا مبطلون ~~} أي مزورون { كذلك } مثل ذلك الطبع الفظيع { يطبع ~~الله على قلوب الذين لا يعلمون } لا يطلبون العلم ~~ولا يتحرون الحق بل يصرون على خرافات اعتقدوها وترهات ~~ابتدعوها فإن الجهل المركب يمنع إدراك الحق ويوجب تكذيب ~~المحق. # { فاصبر } على ما تشاهد منهم من الأقوال الباطلة والأفعال ~~السئية { إن وعد الله حق } وقد وعدك بالنصرة وإظهار ~~الدين وإعلاء كلمة الحق ولا بد من إنجازه والوفاء به لا ~~محالة { ولا يستخفنك } لا يحملنك على الخفة والقلق { ~~الذين ms2622 لا يوقنون } بما تتلو عليهم من الآيات البينة ~~بتكذيبهم إياها وإيذائهم لك بأباطيلهم التي من جملتها قولهم ~~إن أنتم إلا مبطلون فإنهم شاكون ضالون ولا يستبعد منهم أمثال ~~ذلك. وقرىء بالنون المخففة وقرىء ولا يستحقنك من الاستحقاق أي لا ~~يفتننك فيملكوك ويكونوا أحق بك من المؤمنين. وأيا ما كان فظاهر ~~النظم الكريم وإن كان نهيا للكفرة عن استخفافه عليه السلام ~~عن التاثر من استخفافهم والافتنان بفتنتهم على طريق الكناية كما ~~في قوله تعالى: # ولا يجرمنكم شنان قوم على أن لا تعدلوا # [سورة المائدة: الآية 8]. # عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " من قرأ سورة الروم كان له من الأجر عشر حسنات بعدد كل ~~ملك يسبح الله تعالى بين السماء والأرض وأدرك ما ضيع في ~~يومه وليلته " ### | [31 - سورة لقمان] ### || [31.1-6] # سورة لقمان # مكية وقيل { إلا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة } فإن وجوبهما في ~~المدينة وهو ضعيف لأنه ينافي شرعيتهما بمكة. وقيل: إلا ثلاثا من قوله { ~~ولو أن ما فى الأرض من شجرة أقلام } وهى أربع وثلاثون آية # { الم تلك ءايت الكتب } سلف بيانه في نظائره { ~~الحكيم } أي ذي الحكمة لاشتماله عليها أو هو وصف له بنعته تعالى أو ~~أصله الحكيم منزله أو قائله فخذف المضاف وأقيم المضاف إليه ~~مقامه فانقلب مرفوعا فاستكن في الصفة المشبهة. وقيل ~~الحكيم فعيل بمعنى مفعل كما قالوا أعقدت اللبن فهو عقيد أي ~~معقد وهو قليل وقيل بمعنى فاعل { هدى ورحمة } بالنصب ~~على الحالية من الآيات والعامل فيهما معنى الإشارة. وقرئا ~~بالرفع على أنهما خبران آخران لاسم الإشارة أو لمبتدأ محذوف { ~~للمحسنين } أي العاملين للحسنات فإن أريد بها مشاهيرها المعهودة ~~في الدين فقوله تعالى: { الذين يقيمون الصلوة ~~ويؤتون الزكوة وهم بالآخرة هم يوقنون } بيان لما ~~عملوها من الحسنات على طريقة قوله: [المنسرح] # الألمعي الذي يظن بك الظن # كأن قد رأى وقد سمعا # وإن أريد بها جميع الحسنات فهو تخصيص لهذه الثلاث بالذكر من بين ~~سائر شعبها لإظهار فضلها وإنافتها على غيرها، وتخصيص الوجه ~~الأول بصورة كون ms2623 الموصول صفة للمحسنين والوجه الآخر بصورة كونه ~~مبتدأ مما لا وجه له. { أولئك على هدى من ربهم ~~وأولئك هم المفلحون } الفائزون بكل مطلوب والناجون ~~من كل مهروب لحيازتهم قطري العلم والعمل وقد مر فيه من المقال ~~في مطلع سورة البقرة بما لا مزيد عليه. { ومن الناس } محله ~~الرفع على الابتداء باعتبار مضمونه أو بتقدير الموصوف. ومن في ~~قوله تعالى: { من يشترى لهو الحديث } موصولة أو موصوفة ~~محلها الرفع على الخبرية والمعنى وبعض الناس، أو وبعض من ~~الناس الذي يشتري أو فريق يشتري على أن مناط الإفادة والمقصود ~~بالأصالة هو اتصافهم بما في حيز الصلة أو الصفة لا كونهم ~~ذوات أولئك المذكورين كما مر في قوله تعالى: # ومن الناس من يقول ءامنا بالله وباليوم الآخر # [سورة العنكبوت: الآية 10] الآيات ولهو الحديث ما يلهى عما يعنى ~~من المهمات كالأحاديث التي لا أصل لها والأساطير التي لا اعتداد ~~بها والمضاحك وسائر ما لا خير فيه من فضول الكلام. والإضافة بمعنى ~~من التبيينية إن أريد بالحديث المنكر وبمعنى التبعيضية إن أريد ~~به الأعم من ذلك. وقيل نزلت الآية في النضر بن الحارث اشترى ~~كتب الأعاجم وكان يحدث بها قريشا ويقول إن كان محمد عليه ~~الصلاة والسلام يحدثكم بحديث عاد وثمود فأنا أحدثكم بحديث ~~رستم واسفنديار والأكاسرة. وقيل كان يشتري القيان ويحملهن ~~على معاشرة من أراد الإسلام ومنعه عنه { ليضل عن سبيل ~~الله } أي دينه الحق الموصل إليه تعالى أو عن قراءة كتابه ~~الهادي إليه تعالى. # وقرىء ليضل بفتح الياء أي ليثبت ويستمر على ضلاله أو ليزداد ~~فيه { بغير علم } أي بحال ما يشتريه أو بالتجارة حيث ~~استبدل الشر البحت بالخير المحض. { ويتخذها } بالنصب ~~عطفا على يضل. والضمير للسبيل فإنه مما يذكر ~~ويؤنث وهو دين الإسلام أو القرآن أي ويتخذها { هزوا } ~~مهزوا به. وقرىء ويتخذها بالرفع عطفا على يشتري. وقوله ~~تعالى: # { أولئك } إشارة إلى من. والجمع باعتبار معناها كما أن ~~الإفراد في الفعلين باعتبار لفظها، وما فيه من معنى البعد مع ~~قرب العهد بذكر المشار ms2624 إليه للإيذان ببعد منزلتهم في ~~الشرارة أي أولئك الموصوفون بما ذكر من الاشتراء للإضلال { ~~لهم عذاب مهين } لما اتصفوا به من إهانتهم الحق بإيثار ~~الباطل عليه وترغيب الناس فيه. ### || [31.7-8] # { وإذا تتلى عليه } أي على المشتري، أفرد الضمير فيه ~~وفيما بعده كالضمائر الثلاثة الأول باعتبار لفظة من بعد ما ~~جمع فيما بينهما باعتبار معناها. { ءايتنا } التي هي آيات ~~الكتاب الحكيم وهدى ورحمة للمحسنين { ولى } أعرض عنها غير معتد ~~بها { مستكبرا } مبالغا في التكبر { كأن لم يسمعها ~~} حال من ضمير ولى أو من ضمير مستكبرا. والأصل كأنه فحذف ضمير ~~الشأن وخففت المثقلة أي مشبها حاله حال من لم يسمعها وهو ~~سامع وفيه رمز إلى أن من سمعها لا يتصور منه التولية ~~والاستكبار لما فيها من الأمور الموجبة للإقبال عليها والخضوع لها ~~على طريقة قول من قال: [الطويل] # [أيا شجر الخابور ما لك مورقا] # كأنك لم تجزع على ابن طريف # { كأن فى أذنيه وقرا } حال من ضمير لم يسمعها أي ~~مشبها حاله حال من في أذينه ثقل مانع من السماع ويجوز أن ~~يكونا استئنافين. وقرىء في أذنيه بسكون الذال. { فبشره ~~بعذاب أليم } أي فأعلمه بأن العذاب المفرط في الإيلام لاحق به ~~لا محالة، وذكر البشارة للتهكم { إن الذين ءامنوا ~~وعملوا الصلحت } بيان لحال المؤمنين بآياته تعالى ~~إثر بيان حال الكافرين بها أي الذين آمنوا بآياته تعالى وعملوا ~~بموجبها { لهم } بمقابلة ما ذكر من إيمانهم وأعمالم { جنت ~~النعيم } أي نعيم جنات فعكس للمبالغة والجملة خبر أن ~~والأحسن أن يجعل لهم هو الخبر لأن وجنات النعيم مرتفعا به ~~على الفاعلية. ### || [31.9-11] # وقوله تعالى: { خلدين فيها } حال من الضمير في لهم أو من ~~جنات النعيم لاشتماله على ضميريهما والعامل ما تعلق به اللام ~~{ وعد الله حقا } مصدران مؤكدان، والأول لنفسه والثاني ~~لغيره لأن قوله تعالى لهم جنات النعيم في معنى وعدهم الله ~~جنات النعيم. { وهو العزيز } الذي لا يغلبه ليمنعه من ~~إنجاز وعده أو تحقيق وعيده { الحكيم } الذي لا يفعل إلا ما ~~تقتضيه الحكمة والمصلحة. ms2625 # { خلق السموات بغير عمد } الخ استئناف مسوق ~~للاستشهاد بما فصل فيه على عزته تعالى التي هي كمال القدرة ~~وحكمته التي هي كمال العلم وتمهيد قاعدة التوحيد وتقريره وإبطال ~~أمر الإشراك وتبكيت أهله. والعمد جمع عماد كأهب جمع إهاب ~~وهو ما يعمد به أي يسند. يقال عمدت الحائط إذا دعمته أي ~~بغير دعائم، على أن الجمع لتعدد السموات. وقوله تعالى: { ~~ترونها } استئناف جيء به للاستشهاد على ما ذكر من خلقه تعالى ~~لها غير معمودة بمشاهدتهم لها كذلك، أو صفة لعمد أي خلقها بغير ~~عمد مرئية على أن التقييد للرمز إلى أنه تعالى عمدها ~~بعمد لا ترونها هي عمد القدرة { وألقى في الأرض ~~رواسي } بيان لصنعه البديع في قرار الأرض إثر بيان صنعه ~~الحكيم في قرار السموات والأرض أي ألقى فيها جبالا ثوابت. وقد ~~مر ما فيه من الكلام في سورة الرعد: الآية 2 { أن تميد بكم ~~} كراهة أن تميل بكم فإن بساطة أجزائها تقتضي تبدل أحيازها ~~وأوضاعها لامتناع اختصاص كل منها لذاته أو لشيء من لوازمه بحيز ~~معين ووضع مخصوص { وبث فيها من كل دابة } من كل نوع ~~من أنواعها { وأنزلنا من السماء ماء } هو المطر { ~~فأنبتنا فيها } بسبب ذلك الماء { من كل زوج كريم } من ~~كل صنف كثير المنافع. والالتفات إلى نون العظمة في الفعلين ~~لإبراز مزيد الاعتناء بأمرها { هذا } أي ما ذكر من السموات ~~والأرض وما تعلق بهما من الأمور المعدودة { خلق الله } أي ~~مخلوقه { فأرونى ماذا خلق الذين من دونه } مما ~~اتخذتموهم شركاء له سبحانه في العبادة حتى استحقوا به ~~المعبودية. وماذا نصب بخلق، أو ما مرتفع بالابتداء وخبره ذا ~~بصلته، وأروني متعلق به. وقوله تعالى: { بل الظلمون فى ~~ضلل مبين } إضراب عن تبكيتهم بما ذكر إلى التسجيل عليهم ~~بالضلال البين المستدعي للإعراض عن مخاطبتهم بالمقدمات ~~المعقولة الحقة لاستحالة أن يفهموا منها شيئا فيهتدوا به إلى ~~العلم ببطلان ما هم عليه أو يتأثروا من الإلزام والتبكيت ~~فينزجروا عنه. ووضع الظاهر موضع ضميرهم للدلالة على أنهم ~~بإشراكهم واضعون للشيء ms2626 في غير موضعه ومتعدون عن الحدود وظالمون ~~لأنفسهم بتعريضها للعذاب الخالد. ### || [31.12-14] # { ولقد ءاتينا لقمان الحكمة } كلام مستأنف مسوق ~~لبيان بطلان الشرك وهو لقمان بن باعوراء من أولاد آزر بن ~~أخت أيوب عليه السلام أو خالته وعاش حتى أدرك داود عليه ~~السلام وأخذ عنه العلم وكان يفتي قبل مبعثه وقيل: كان قاضيا في ~~بني إسرائيل. والجمهور على أنه كان حكيما ولم يكن نبيا، ~~والحكمة في عرف العلماء: استكمال النفس الإنسانية باقتباس ~~العلوم النطرية واكتساب الملكة التامة على الأفعال الفاضلة ~~على قدر طاقتها. ومن حكمته أنه صحب داود عليه السلام شهورا ~~وكان يسرد الدرع فلم يسأله عنها فلما أتمها لبسها وقال نعم ~~لبوس الحرب أنت فقال: (الصمت حكمة وقليل فاعله) فقال له داود ~~عليه السلام: بحق ما سميت حكيما وأن داود قال له يوما كيف ~~أصبحت فقال أصبحت في يدي غيري فتفكر داود فيه فصعق صعقة. ~~وأنه أمره مولاه بأن يذبح شاة ويأتي بأطيب مضغتين منها فأتى ~~باللسان والقلب، ثم بعد أيام أمره بأن يأتي بأخبث مضغتين ~~منها فأتى بهما أيضا فسأله عن ذلك فقال: هما أطيب شيء إذا طابا ~~وأخبث شيء إذا خبثا. ومعنى { أن اشكر لله } أي اشكر له تعالى ~~على أن أن مفسرة فإن إيتاء الحكمة في معنى القول وقوله ~~تعالى: { ومن يشكر } الخ استئناف مقرر لمضمون ما قبله موجب ~~للامتثال بالأمر أي ومن يشكر له تعالى { فإنما يشكر ~~لنفسه } لأن منفعته التي هي ارتباط العتيد واستجلاب المزيد ~~مقصورة عليها { ومن كفر فإن الله غنى } عن كل شيء فلا ~~يحتاج إلى الشكر ليتضرر بكفر من كفر { حميد } حقيق بالحمد ~~وإن لم يحمده أحد أو محمود بالفعل ينطق بحمده جميع المخلوقات ~~بلسان الحال. وعدم التعرض لكونه تعالى مشكورا لما أن الحمد ~~متضمن للشكر بل هو رأسه، كما قال عليه الصلاة والسلام: # " الحمد رأس الشكر لم يشكر الله عبد لم يحمده " # فإثباته له تعالى إثبات للشكر له قطعا. # { وإذ قال لقمان لابنه } أنعم وقيل أشكم وقيل ماثان { ~~وهو يعظه يبنى ms2627 } تصغير إشفاق. وقرىء يا بني بإسكان ~~الياء وبكسرها { لا تشرك بالله } قيل: كان ابنه كافرا فلم ~~يزل به حتى أسلم ومن وقف على لا تشرك جعل بالله قسما { إن ~~الشرك لظلم عظيم } تعليل للنهي أو للانتهاء عن الشرك { ~~ووصينا الإنسن بولديه } الخ كلام مستأنف اعترض به على ~~نهج الاستطراد في أثناء وصية لقمان تأكيدا لما فيها من النهي ~~عن الشرك. وقوله تعالى: { حملته أمه } إلى قوله في عامين ~~اعتراض بين المفسر والمفسر. وقوله تعالى: { وهنا } حال من ~~أمه أي ذات وهن أو مصدر مؤكد لفعل هو الحال أي تهن وهنا. ~~وقوله تعالى: { على وهن } صفة للمصدر أي كائنا على وهن أي ~~تضعف ضعفا فوق ضعف فإنها لا تزال يتضاعف ضعفها. # وقرىء وهنا على وهن بالتحريك يقال وهن يهن وهنا ووهن ~~يوهن وهنا { وفصاله فى عامين } أي فطامه في تمام ~~عامين وهي مدة الرضاع عند الشافعي وعند أبي حنيفة رحمهما ~~الله تعالى هي ثلاثون شهرا. وقد بين وجهه في موضعه. وقرىء ~~وفصله. { أن اشكر لى ولولديك } تفسير لوصينا وما ~~بينهما اعتراض مؤكد للوصية في حقها خاصة ولذلك # " قال عليه الصلاة والسلام لمن قال له من أبر؟ " أمك ثم ~~أمك ثم أمك ثم قال بعد ذلك ثم أباك " # { إلي المصير } تعليل لوجوب الامتثال أي إلي الرجوع لا ~~إلى غيري فأجازيك على ما صدر عنك من الشكر والكفر. ### || [31.15-17] # { وإن جهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به } أي ~~بشركته له تعالى في استحقاق العبادة { علم فلا تطعهما } في ~~ذلك { وصحبهما فى الدنيا معروفا } أي صحابا معروفا ~~يرتضيه الشرع وتقتضيه المروءة. { واتبع سبيل من أناب ~~إلي } بالتوحيد والإخلاص في الطاعة { ثم إلي ~~مرجعكم } أي مرجعك ومرجعهما ومرجع من أناب إلي { ~~فأنبئكم } عند رجوعكم { بما كنتم تعملون } بأن أجازي ~~كلا منكم بما صدر عنه من الخير والشر. وقوله تعالى { يا بني } ~~الخ شروع في حكاية بقية وصايا لقمان إثر تقرير ما في مطلعها من ~~النهي عن الشرك وتأكيده بالاعتراض { إنها إن تك مثقال ms2628 ~~حبة من خردل } أي إن الخصلة من الإساءة أو الإحسان إن ~~تك مثلا في الصغر كحبة الخردل، وقرىء برفع مثقال على أن ~~الضمير للقصة وكان تامة. والتأنيث لإضافة المثقال إلى ~~الحبة كما في قول من قال: [الطويل] # [وتشرق بالقول الذي قد أذعته] # كما شرقت صدر القناة من الدم # أو لأن المراد به الحسنة أو السيئة { فتكن فى صخرة أو ~~فى السموات أو فى الأرض } أي فتكن مع كونها في أقصى ~~غايات الصغر والقماءة في أخفى مكان وأحرزه كجوف الصخرة أو ~~حيث كانت في العالم العلوي أو السفلي { يأت بها الله } ~~أي يحضرها ويحاسب عليها { إن الله لطيف } يصل علمه إلى ~~كل حفي { خبير } بكنهه وبعد ما أمره بالتوحيد الذي هو ~~أول ما يجب على الإنسان في ضمن النهي عن الشرك ونبهه على ~~كمال علم الله تعالى وقدرته أمره بالصلاة التي هي أكمل العبادات ~~تكميلا له من حيث العمل بعد تكميله من حيث الاعتقاد فقال مستميلا ~~له { يا بنى أقم الصلوة } تكميلا لنفسك { وأمر ~~بالمعروف وانه عن المنكر } تكميلا لغيرك { واصبر ~~على ما أصابك } من الشدائد والمحن لا سيما فيما أمرت به { ~~إن ذلك } إشارة إلى كل ما ذكر، وما فيه من معنى البعد مع ~~قرب العهد بالمشار إليه لما مر مرارا من الإشعار ببعد منزلته ~~في الفضل { من عزم الأمور } أي مما عزمه الله تعالى وقطعه ~~على عباده من الأمور لمزيد مزيتها، مصدر أطلق على المفعول، وقد ~~جوز أن يكون بمعنى الفاعل من قوله تعالى: # فإذا عزم الأمر # [سورة محمد: الآية 21] أي جد والجملة تعليل لوجوب الامتثال بما ~~سبق من الأمر والنهي وإيذان بأن ما بعدها ليس بمثابته. ### || [31.18-20] # { ولا تصعر خدك للناس } أي تمله ولا تولهم صفحة ~~وجهك كما هو ديدن المتكبرين. من الصعر وهو الصيد وهو داء ~~يصيب البعير فيلوى منه عنقه. وقرىء ولا تصاعر. وقرىء ولا ~~تصعر من الإفعال والكل بمعنى مثل علاه وعالاه وأعلاه { ~~ولا تمش في الأرض مرحا } أي فرحا مصدر وقع موقع الحال ~~أو ms2629 مصدر مؤكد لفعل هو الحال أي تمرح مرحا أو لأجل المرح ~~والبطر. { إن الله لا يحب كل مختال فخور } ~~تعليل للنهي أو موجبه، وتأخير الفخور مع كونه بمقابلة المصعر ~~خده عن المختال وهو بمقابلة الماشي مرحا رعاية للفواصل. { ~~واقصد فى مشيك } بعد الاجتناب عن المرح فيه أي توسط بين ~~الدبيب والإسراع وعنه عليه الصلاة والسلام: # " سرعة المشي تذهب بهاء المؤمن " # وقول عائشة في عمر رضي الله عنهما: (كان إذا مشى أسرع) فالمراد ~~به ما فوق دبيب المتماوت. وقرىء بقطع الهمزة من أقصد الرامي ~~إذا سدد سهمه نحو الرمية. { واغضض من صوتك } وانقص منه ~~واقصر { إن أنكر الأصوت } أي أوحشها { لصوت الحمير } ~~تعليل للأمر على أبلغ وجه وآكده مبني على تشبيه الرافعين ~~أصواتهم بالحمير، وتمثيل أصواتهم بالنهاق وإفراط في التحذير ~~عن رفع الصوت والتنفير عنه، وإفراد الصوت مع إضافته إلى ~~الجمع لما أن المراد ليس بيان حال صوت كل واحد من آحاد هذا ~~الجنس حتى يجمع بل بيان حال صوت هذا الجنس من بين أصوات سائر ~~الأجناس. # وقوله تعالى: { ألم تروا أن الله سخر لكم ما فى ~~السموات وما في الأرض } رجوع ما سلف قبل قصة لقمان من ~~خطاب المشركين وتوبيخ لهم على إصرارهم على ما هم عليه مع مشاهدتهم ~~لدلائل التوحيد، والمراد بالتسخير إما جعل المسخر بحيث ~~ينفع المسخر له أعم من أن يكون منقادا له يتصرف فيه كيف ~~يشاء ويستعمله حسبما يريد كعامة ما في الأرض من الأشياء المسخرة ~~للإنسان المستعملة له من الجماد والحيوان أو لا يكون كذلك بل يكون ~~سببا لحصول مراده من غير أن يكون له دخل في استعماله كجميع ما في ~~السموات من الأشياء التي نيطت بها مصالح العباد معاشا أو ~~معادا، وإما جعله منقادا للأمر مذللا على أن معنى لكم لأجلكم ~~فإن جميع ما في السموات والأرض من الكائنات مسخرة لله تعالى ~~مستتبعة لمنافع الخلق، وما يستعمله الإنسان حسبما يشاء وإن كان ~~مسخرا له بحسب الظاهر فهو في الحقيقة مسخر لله تعالى { ~~وأسبغ عليكم ms2630 نعمه ظهرة وباطنة } محسوسة ~~ومعقولة معروفة لكم وغير معروفة وقد مر شرح النعمة وتفصيلها ~~في الفاتحة. وقرىء أصبغ بالصاد وهو جار في كل سين قارنت الغين ~~أو الخاء أو القاف كما تقول في سلخ صلخ وفي سقر صقر وفي ~~سالغ صالغ وقرىء نعمة { ومن الناس من يجدل فى الله ~~} في توحيده وصفاته { بغير علم } مستفاد من دليل { ولا ~~هدى } من جهة الرسول عليه الصلاة والسلام { ولا كتب ~~منير } أنزله الله سبحانه بل بمجرد التقليد. ### || [31.21-24] # { وإذا قيل لهم } أي لمن يجادل، والجمع باعتبار المعنى { ~~اتبعوا ما أنزل الله قالوا بل نتبع ما وجدنا ~~عليه ءاباءنا } يريدون به عبادة الأصنام { أولو كان ~~الشيطن يدعوهم } أي آباءهم لا أنفسهم كما قيل: فإن مدار ~~إنكار الاتباع واستبعاده كون المتبوعين تابعين للشيطان لا كون ~~أنفسهم كذلك، أي أيتبعونهم ولو كان الشيطان يدعوهم فيما هم عليه من ~~الشرك { إلى عذاب السعير } فهم متوجهون إليه حسب دعوته، ~~والجملة في حيز النصب على الحالية وقد مر تحقيقه في قوله ~~تعالى: # أو لو كان آباؤهم لا يعقلون شيئا ولا يهتدون # [سورة البقرة: الآية 170] بما لا مزيد عليه { ومن يسلم وجهه ~~إلى الله } بأن فوض إليه مجامع أموره وأقبل عليه بكليته، ~~وحيث عدي باللام قصد معنى الاختصاص. وقرىء بالتشديد. { وهو ~~محسن } أي في أعماله آت بها جامعة بين الحسن الذاتي ~~والوصفي وقد مر في آخر سورة النحل { فقد استمسك ~~بالعروة الوثقى } أي تعلق بأوثق ما يتعلق به من الأسباب ~~وهو تمثيل لحال المتوكل المشتغل بالطاعة بحال من أراد أن ~~يترقى إلى شاهق جبل فتمسك بأوثق عرى الحبل المتدلي منه { ~~وإلى الله } لا إلى أحد غيره { عقبة الأمور } فيجازيه ~~أحسن الجزاء. { ومن كفر فلا يحزنك كفره } فإنه لا ~~يضرك في الدنيا ولا في الآخرة. وقرىء فلا يحزنك من أحزن ~~المنقول من حزن بكسر الزاي وليس بمستفيض { إلينا مرجعهم ~~} لا إلى غيرنا { فننبئهم بما عملوا } في الدنيا من ~~الكفر والمعاصي بالعذاب والعقاب. والجمع في الضمائر الثلاثة ~~باعتبار معنى من كما أن ms2631 الإفراد في الأول باعتبار لفظها { إن ~~الله عليم بذات الصدور } تعليل للتنبئة المعبر بها عن ~~التعذيب { نمتعهم قليلا } تمتيعا أو زمانا قليلا فإن ما ~~يزول وإن كان بعد أمد طويل بالنسبة إلى ما يدوم قليل { ثم ~~نضطرهم إلى عذاب غليظ } يثقل عليهم ثقل الأجرام ~~الغلاظ أو يضم إلى الإحراق الضغط والتضييق. ### || [31.25-29] # { ولئن سألتهم من خلق السموات والأرض ~~ليقولن الله } لغاية وضوح الأمر بحيث اضطروا إلى الاعتراف ~~به { قل الحمد لله } على أن جعل دلائل التوحيد بحيث لا ~~يكاد ينكرها المكابرون أيضا { بل أكثرهم لا يعلمون } ~~شيئا من الأشياء فلذلك لا يعملون بمقتضى اعترافهم وقيل: لا يعلمون ~~أن ذلك يلزمهم { لله ما في السموات والأرض } فلا ~~يستحق العبادة فيهما غيره. { إن الله هو الغنى } عن ~~العالمين { الحميد } المستحق للحمد وإن لم يحمده أحد ~~أوالمحمود بالفعل يحمده كل مخلوق بلسان الحال { ولو أن ~~ما في الأرض من شجرة أقلام } أي لو أن الأشجار أقلام ~~وتوحيد الشجرة لما أن المراد تفصيل الآحاد { والبحر ~~يمده من بعده } أي من بعد نفاده { سبعة أبحر } أي ~~والحال أن البحر المحيط بسعته يمده الأبحر السبعة مدا لا ~~ينقطع أبدا وكتبت بتلك الأقلام وبذلك المداد كلمات الله { ما ~~نفدت كلمت الله } ونفدت تلك الأقلام والمداد كما في ~~قوله تعالى: # لنفد البحر قبل أن تنفد كلمت ربى # [سورة الكهف: الآية 109] وقرىء يمده من الإمداد بالياء والتاء. ~~وإسناد المد إلى الأبحر السبعة دون البحر المحيط مع كونه ~~أعظم منها وأطم لأنها هي المجاورة للجبال و منابع المياه ~~الجارية وإليها تنصب الأنهار العظام أولا ومنها ينصب إلى البحر ~~المحيط ثانيا. وإيثار جمع القلة في الكلمات للإيذان بأن ما ~~ذكر لا يفي بالقليل منها فكيف بالكثير { إن الله عزيز } لا ~~يعجزه شيء { حكيم } لا يخرج عن علمه وحكمته أمر فلا تنفذ ~~كلماته المؤسسة عليهما { ما خلقكم ولا بعثكم إلا ~~كنفس وحدة } أي إلا كخلقها وبعثها في سهولة التأني إذ لا ~~يشغله شأن عن شأن لأن مناط وجود الكل تعلق إرادته الواجبة ms2632 مع ~~قدرته الذاتية حسبما يفصح عنه قوله تعالى: # إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن ~~فيكون # [سورة النحل: الآية 40] { إن الله سميع } يسمع كل مسموع { ~~بصير } يبصر كل مبصر لا يشغله علم بعضها عن علم بعض فكذلك ~~الخلق والبعث. # { ألم تر } قيل: الخطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم وقيل: ~~عام لكل أحد ممن يصلح للخطاب وهو الأوفق لما سبق وما لحق أي ~~ألم تعلم علما قويا جاريا مجرى الرؤية { أن الله يولج ~~الليل فى النهار ويولج النهار فى الليل } أي يدخل ~~كل واحد منهما في الآخر ويضيفه إليه فيتفاوت بذلك حاله زيادة ~~ونقصانا { وسخر الشمس والقمر } عطف على يولج والاختلاف ~~بينهما صيغة لما أن إيلاج أحد الملوين في الآخر متجدد في كل ~~حين، وأما تسخير النيرين فأمر لا تعدد فيه ولا تجدد وإنما ~~التعدد والتجدد في آثاره وقد أشير إلى ذلك حيث قيل { كل ~~يجرى } أي بحسب حركته الخاصة وحركته القسرية على المدارات ~~اليومية المتخالفة المتعددة حسب تعدد الأيام جريا مستمرا { ~~إلى أجل مسمى } قدره الله تعالى لجريهما وهو يوم القيامة ~~كما روي عن الحسن رحمه الله: فإنه لا ينقطع جريهما إلا حينئذ ~~والجملة على تقدير عموم الخطاب اعتراض بين المعطوفين لبيان ~~الواقع بطرق الاستطراد، وعلى تقدير اختصاصه به عليه الصلاة ~~والسلام يجوز أن يكون حالا من الشمس والقمر فإن جريانهما إلى ~~يوم القيامة من جملة ما في حيز رؤيته عليه الصلاة والسلام ~~هذا وقد جعل جريانهما عبارة عن حركتهما الخاصة بهما في فلكهما ~~والأجل المسمى عن منتهى دورتهما وجعل مدة الجريان للشمس سنة ~~وللقمر شهرا فالجملة حينئذ بيان لحكم تسخيرهما وتنبيه على ~~كيفية إيلاج أحد الملوين في الآخر وكون ذلك بحسب اختلاف ~~جريان الشمس على مداراتها اليومية فكلما كان جريانها ~~متوجها إلى سمت الرأس تزداد القوس التي هي فوق الأرض كبرا ~~فيزداد النهار طولا بإنضمام بعض أجزاء الليل إليه إلى أن ~~يبلغ المدار الذي هو أقرب المدارات إلى سمت الرأس وذلك عند ~~بلوغها رأس السرطان ثم ms2633 ترجع متوجهة إلى التباعد عن سمت الرأس ~~قلا تزال القسي التي هي فوق الأرض تزداد صغرا فيزداد النهار ~~قصرا بانضمام بعض أجزائه إلى الليل إلى أن يبلغ المدار الذي ~~هو أبعد المدارات اليومية عن سمت الرأس وذلك عند بلوغها برج ~~الجدي. # وقوله تعالى { وأن الله بما تعملون خبير } عطف على ~~أن الله يولج الخ داخل معه في حيز الرؤية على تقديري خصوص ~~الخطاب وعمومه فإن من شاهد مثل ذلك الصنع الرائق ~~والتدبير الفائق لا يكاد يغفل عن كون صانعه عز وجل محيطا ~~بجلائل أعماله ودقائقها ### || [31.30] # { ذلك } إشارة إلى ما تلي من الآيات الكريمة، وما فيه من معنى ~~البعد للإيذان ببعد منزلتها في الفضل وهو مبتدأ خبره قوله تعالى ~~{ بأن الله هو الحق } أي بسبب بيان أنه تعالى هو ~~الحق إلهيته فقط ولأجله لكونها ناطقة بحقية التوحيد { وأن ~~ما يدعون من دونه البطل } أي ولأجل بيان بطلان ~~آلهية ما يدعونه من دونه تعالى لكونه شاهدة بذلك شهادة بينة لا ~~ريب فيها. وقرىء بالتاء والتصريح بذلك مع أن الدلالة على ~~اختصاص حقية الإلهية به تعالى مستتبعة للدلالة على بطلان ~~إلهية ما عداه لإبراز كمال الاعتناء بأمر التوحيد وللإيذان ~~بأن الدلالة على بطلان ما ذكر ليست بطريق الاستتباع فقط بل ~~بطريق الاستقلال أيضا. { وأن الله هو العلي الكبير ~~} أي وبيان أنه تعالى هو المترفع عن كل شيء المتسلط عليه فإن ~~ما في تضاعيف الآيات الكريمة مبين لاختصاص العلو والكبرياء به ~~تعالى أي بيان. هذا وقيل: ذلك أي ما ذكر من سعة العلم وشمول ~~القدرة وعجائب الصنع تعالى واختصاص الباري تعالى به بسبب أنه ~~الثابت في ذاته الواجب من جميع جهاته أو الثابت إلهيته، ~~وأنت خبير بأن حقيته تعالى وعلوه وكبرياءه وإن كانت صالحة ~~لمناطية ما ذكر من الأحكام المعدودة لكن بطلان إلهية الأصنام لا ~~دخل له في المناطية قطعا فلا مساغ لنظمه في سلك الأسباب بل هو ~~تعكيس للأمر ضرورة أن الأحكام المذكورة هي المقتضية لبطلانها لا ~~أن بطلانها يقتضيها. ### || [31.31-33] # { ألم ms2634 تر أن الفلك تجرى فى البحر بنعمة ~~الله } بإحسانه في تهيئة أسبابه وهو استشهاد آخر على باهر ~~قدرته وغاية حكمته وشمول إنعامه. والباء إما متعلقة بتجري أو ~~بمقدر هو حال من فاعله أي ملتبسة بنعمته تعالى. وقرىء الفلك ~~بضم اللام وبنعمات الله وعين فعلات يجوز فيه الكسر والفتح ~~والسكون { ليريكم من ءايته } أي بعض دلائل وحدته وعلمه ~~وقدرته. وقوله تعالى: { إن فى ذلك لآيت لكل صبار ~~شكور } تعليل لما قبله أي إن فيما ذكر لآيات عظيمة في ذاتها ~~كثيرة في عددها لكل من يبالغ في الصبر على المشاق فيتعب ~~نفسه في التفكر في الأنفس والآفاق ويبالغ في الشكر على نعمائه ~~وهما صفتا المؤمن فكأنه قيل لكل مؤمن { وإذا غشيهم } أي ~~علاهم وأحاط بهم { موج كالظلل } كما يظل من جبل أو سحاب أو ~~غيرهما. وقرىء كالظلال جمع ظلة كقلة وقلال. { دعوا ~~الله مخلصين له الدين } لزوال ما ينازع الفطرة من الهوى ~~والتقليد بما دهاهم من الدواهي والشدائد { فلما نجهم ~~إلى البر فمنهم مقتصد } أي مقيم على القصد السوي ~~الذي هو التوحيد أو متوسط في الكفر لانزجاره في الجملة { وما ~~يجحد بئايتنا إلا كل ختار } غدار فإنه نقص ~~للعهد الفطري أو رفض لما كان في البحر. والختر أشد الغدر ~~وأقبحه. { كفور } مبالغ في كفران نعم الله تعالى. # { يأيها الناس اتقوا ربكم واخشوا يوما لا ~~يجزى والد عن ولده } أي لا يقضي عنه وقرىء لا يجزى من أجزأ ~~إذا أغنى والعائد إلى الموصوف محذوف أي لا يجزى فيه { ولا ~~مولود } عطف على والد، أو هو مبتدأ خبره { هو جاز عن ~~والده شيئا } وتغيير النظم للدلالة على أن المولود ~~أولى بأن لا يجزي وقطع طمع من توقع من المؤمنين أن ينفع أباه ~~الكافر في الأخرة. { إن وعد الله } بالثواب والعقاب { حق ~~} لا يمكن إخلافه أصلا { فلا تغرنكم الحيوة الدنيا ~~ولا يغرنكم بالله الغرور } أي الشيطان المبالغ في ~~الغرور بأن يحملكم على المعاصي بتزيينها لكم ويرجيكم التوبة ~~والمغفرة. ### || [31.34] # { إن الله عنده علم الساعة } علم ms2635 وقت قيامها لما ~~روي أن الحارث بن عمرو أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال ~~متى الساعة وإني قد ألقيت حباتي في الأرض فمتى السماء ~~تمطر؟ وحمل امرأتي ذكر أم أنثى وما أعمل غدا، وأين أموت ~~فنزلت. وعنه عليه الصلاة والسلام: # " مفاتح الغيب خمس وتلا هذه الآية " # { وينزل الغيث } في إبانه الذي قدره وإلى محله الذي ~~عينه في علمه، وقرىء ينزل من الإنزال، { ويعلم ما في ~~الأرحام } من ذكر أو أنثى تام أو ناقص { وما تدرى نفس } ~~من النفوس { ماذا تكسب غدا } من خير أو شر وربما تعزم على ~~شيء منهما فتفعل خلافه { وما تدرى نفس بأى أرض تموت ~~} كما لا تدري في أي وقت تموت. روي: # " أن ملك الموت مر على سليمان عليه السلام فجعل ينظر إلى ~~رجل من جلسائه. يديم النظر إليه فقال الرجل من هذا قال ~~ملك الموت فقال كأنه يريدني فمر الريح أن تحملني وتلقيني ~~ببلاد الهند ففعل ثم قال الملك لسليمان عليهما السلام كان ~~دوام نظري إليه تعجبا منه حيث كنت أمرت بأن أقبض روحه بالهند ~~وهو عندك ". # ونسبة العلم إلى الله تعالى والدراية إلى العبد للإيذان بأنه إن ~~أعمل حيله وبذل في التعرف وسعه لم يعرف ما هو لاحق به من ~~كسبه وعاقبته فكيف بغيره مما لم ينصب له دليل عليه. وقرىء بأية ~~أرض. وشبه سيبويه تأنيثها بتأنيث كل في كلتهن. { إن الله ~~عليم } مبالغ في العلم فلا يعزب عن علمه شيء من الأشياء التي من ~~جملتها ما ذكر. { خبير } يعلم بواطنها كما يعلم ظواهرها. # عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " من قرأ سورة لقمان كان له لقمان رفيقا يوم القيامة وأعطي من ~~الحسنات عشرا بعدد من عمل بالمعروف ونهى عن المنكر " ### | [32 - سورة السجدة] ### || [32.1-3] # (سورة السجدة مكية وهى ثلاثون آية وقيل تسع وعشرون) # { بسم الله الرحمن الرحيم } { الم } إما اسم للسورة ~~فمحله الرفع على أنه خبر لمبتدأ محذوف أي هذا مسمى بألم ~~والإشارة إليها قبل جريان ذكرها قد عرفت سرها، ms2636 وإما مسرود على ~~نمط التعديد فلا محل له من الإعراب، وقوله تعالى { تنزيل ~~الكتب } على الأول خبر بعد خبر على أنه مصدر أطلق على ~~المفعول مبالغة وعلى الثاني خبر لمبتدأ محذوف أي المؤلف من ~~جنس ما ذكر تنزيل الكتاب وقيل خبر لألم أي المسمى تنزيل الكتاب ~~وقد مر مرارا أن ما يجعل عنوانا للموضوع حقه أن يكون قبل ذلك ~~معلوم الانتساب إليه وإذ لا عهد بالتسمية قبل فحقها الإخبار ~~بها، وقوله تعالى { لا ريب فيه } خبر ثالث على الوجه الأول ~~وثان على الأخيرين وقيل: خبر لتنزيل الكتاب فقوله تعالى { من ~~رب العلمين } متعلق بمضمر هو حال من الضمير المجرور أي ~~كائنا منه تعالى، لا بتنزيل لأن المصدر لا يعمل فيما بعد الخبر ~~والأوجه حينئذ أنه الخبر، ولا ريب فيه حال من الكتاب أو اعتراض ~~والضمير في فيه راجع إلى مضمون الجملة كأنه قيل لا ريب في ذلك ~~أي في كونه منزلا من رب العالمين. ويؤيده قوله تعالى { أم ~~يقولون افتراه } فإن قولهم هذا إنكار منهم لكونه من رب ~~العالمين فلا بد أن يكون مورده حكما مقصود الإفادة لا قيدا ~~للحكم بنفي الريب عنه وقد رد عليهم ذلك وأبطل حيث جيء بأم ~~المنقطعة إنكارا له وتعجيبا منه لغاية ظهور بطلانه واستحالة كونه ~~مفترى ثم أضرب عنه إلي بيان حقية ما أنكروه حيث قيل: { بل هو ~~الحق من ربك } بإضافة اسم الرب إلى ضميره عليه الصلاة ~~والسلام بعد إضافته فيما سبق إلى العالمين تشريفا له عليه الصلاة ~~والسلام ثم أيد ذلك ببيان غايته حيث قيل: { لتنذر قوما ما ~~أتهم من نذير من قبلك لعلهم يهتدون } فإن ~~بيان غاية الشيء وحكمته لا سيما عند كونها غاية حميدة مستتبعة ~~لمنافع جليلة في وقت شدة الحاجة إليها مما يقرر وجود الشيء ~~ويؤكده لا محالة ولقد كانت قريش أضل الناس وأحوجهم إلى الهداية ~~بإرسال الرسول وتنزيل الكتاب حيث لم يبعث إليهم من رسول قبله عليه ~~الصلاة والسلام أي ما أتاهم من نذير من قبل إنذارك أو ms2637 من قبل ~~زمانك، والترجي معتبر من جهته عليه الصلاة والسلام أي لتنذرهم ~~راجيا لاهتدائهم أو لرجاء اهتدائهم، واعلم أن ما ذكر من التأييد، ~~إنما يتسنى على ما ذكر من كون تنزيل الكتاب مبتدأ وأما على سائر ~~الوجوه فلا تأييد أصلا لأن قوله تعالى من رب العالمين خبر ~~رابع على الوجه الأول وخبر ثالث على الوجهين الأخيرين وأيا ما ~~كان فكونه من رب العالمين حكم مقصود الإفادة لا قيد لحكم آخر. ~~فتدبر. ### || [32.4-6] # { الله الذى خلق السموات والأرض وما بينهما ~~فى ستة أيام ثم استوى على العرش } مر بيانه ~~فيما سلف { ما لكم من دونه من ولي ولا شفيع } أي ما ~~لكم إذا جاوزتم رضاه تعالى أحد ينصركم ويشفع لكم ويجيركم من بأسه ~~أي ما لكم سواه ولي ولا شفيع بل هو الذي يتولى مصالحكم وينصركم ~~في مواطن النصر على أن الشفيع عبارة عن الناصر مجازا فإذا ~~خذلكم لم يبق لكم ولي ولا نصير { أفلا تتذكرون } أي ألا ~~تسمعون هذه المواعظ فلا تتذكرون بها أو أتسمعونها فلا تتذكرون بها ~~فالإنكار على الأول متوجه إلى عدم السماع وعدم التذكر معا وعلى ~~الثاني على عدم التذكر مع تحقق مايوجبه من السماع { يدبر ~~الأمر من السماء إلى الأرض } قيل يدبر أمر الدنيا ~~بأسباب سماوية من الملائكة وغيرها نازلة آثارها وأحكامها إلى ~~الأرض { ثم يعرج إليه } أي يثبت في علمه موجودا بالفعل { ~~فى يوم كان مقداره ألف سنة مما تعدون } أي في ~~برهة من الزمان متطاولة والمراد بيان طول امتداد ما بين ~~تدبير الحوادث وحدوثها من الزمان وقيل: يدبر أمر الحوادث ~~اليومية بإثباتها في اللوح المحفوظ فينزل بها الملائكة ثم تعرج ~~إليه في زمان هو كألف سنة مما تعدون فإن ما بين السماء والأرض ~~مسيرة خمسمائة عام وقيل: يقضي قضاء ألف سنة فينزل به الملك ثم ~~يعرج بعد الألف لألف أخر، وقيل يدبر أمر الدنيا جميعا إلى قيام ~~الساعة ثم يعرج إليه الأمر كله عند قيامها وقيل يدبر المأمور به ~~من الطاعات منزلا من السماء ms2638 إلى الأرض بالوحي ثم لا يعرج إليه ~~خالصا إلا في مدة متطاولة لقلة المخلصين والأعمال الخلص. وأنت ~~خبير بأن قلة الأعمال الخالصة لا تقتضي بطء عروجها إلى ~~السماء بل قلته. وقرىء يعدون بالياء { ذلك } إشارة إلى ~~الله عز وجل باعتبار اتصافه بما ذكر من خلق السموات والأرض ~~والاستواء على العرش وانحصار الولاية والنصرة فيه وتدبير أمر ~~الكائنات على ما ذكر من الوجه البديع وهو مبتدأ خبره ما بعده أي ~~ذلك العظيم الشأن { علم الغيب والشهدة } فيدبر ~~أمرهما حسبما تقتضيه الحكمة { العزيز } الغالب على أمره { ~~الرحيم } على عباده وهما خبران آخران وفيه إيماء إلى أنه ~~تعالى متفضل في جميع ما ذكر فاعل بالإحسان. ### || [32.7-9] # { الذي أحسن كل شيء خلقه } خبر آخر أو نصب على المدح ~~أي حسن كل مخلوق خلقه إذ ما من مخلوق خلقه إلا وهو مرتب على ما ~~تقتضيه الحكمة وأوجبته المصلحة فجميع المخلوقات حسنة وإن تفاوتت إلى ~~حسن وأحسن كما قال تعالى: # لقد خلقنا الإنسن فى أحسن تقويم # [سورة التين: الآية 4] وقيل: علم كيف يخلقه من قوله قيمة المرء ما ~~يحسن، أي يحسن معرفته أي يعرفه معرفة حسنة بتحقيق وإيقان. ~~وقرىء خلقه على أنه بدل اشتمال من كل شيء والضمير للمبدل منه ~~أي حسن خلق كل شيء وقيل: بدل الكل على أن الضمير لله تعالى ~~والخلق بمعنى المخلوق أي حسن كل مخلوقاته وقيل: هو مفعول ثان ~~لأحسن على تضمنه معنى أعطى أي أعطى كل شيء خلقه اللائق به ~~بطريق الإحسان والتفضل وقيل هو مفعوله الأول وكل شيء مفعوله ~~الثاني والخلق بمعنى المخلوق وضميره لله سبحانه على تضمين الإحسان ~~معنى الإلهام والتعريف والمعنى ألهم خلقه كل شيء مما يحتاجون ~~إليه وقال أبو البقاء عرف مخلوقاته كل شيء يحتاجون إليه فيؤول ~~إلى معنى قوله تعالى: # الذى أعطى كل شيء خلقه ثم هدى # [سورة طه: الآية 50] { وبدأ خلق الإنسن } من بين جميع ~~المخلوقات { من طين } على وجه بديع تحار العقول في فهمه حيث ~~برأ آدم عليه السلام على فطرة عجببة منطوية ms2639 على فطرة سائر ~~أفراد الجنس انطواء إجماليا مستتبعا كل فرد منها من القوة إلى ~~الفعل بحسب استعداداتها المتفاوتة قربا وبعدا كما ينبىء عنه ~~قوله تعالى: { ثم جعل نسله } إلخ أي ذريته سميت بذلك ~~لأنها تنسل وتنفصل منه { من سلالة من ماء مهين } هو ~~المني الممتهن { ثم سواه } أي عدله بتكميل أعضائه في ~~الرحم وتصويرها على ما ينبغي { ونفخ فيه من روحه } ~~أضافه إليه تعالى تشريفا له وإيذانا بأنه خلق عجيب وصنع بديع ~~وأن له شأنا له مناسبة إلى حضرة الربوبية وأن أقصى ما تنتهي ~~إليه العقول البشرية من معرفته هذا القدر الذي يعبر عنه تارة ~~بالإضافة إليه تعالى وأخرى بالنسبة إلى أمره تعالى كما في قوله ~~تعالى: # قل الروح من أمر ربى # [سورة الإسراء: الآية 85] { وجعل لكم السمع والأبصر ~~والأفئدة } الجعل إبداعي واللام متعلقة به والتقديم على ~~المفعول الصريح لما مر مرات من الاهتمام بالمقدم والتشويق ~~إلى المؤخر مع ما فيه من نوع طول يخل تقديه بجزالة النظم ~~الكريم، أي خلق لمنفعتكم تلك المشاعر لتعرفوا أنها - مع كونها في ~~أنفسها نعما جليلة لا يقادر قدرها - وسائل إلى التمتع بسائر ~~النعم الدينية والدنيوية الفائضة عليكم وتشكروها بأن تصرفوا ~~كلا منها إلى ما خلق هو له فتدركوا بسمعكم الآيات التنزيلية ~~الناطقة بالتوحيد والبعث وبأبصاركم الآيات التكوينية الشاهدة ~~بهما وتستدلوا بأفئدتكم على حقيتهما. وقوله تعالى: { قليلا ~~ما تشكرون } بيان لكفرهم بتلك النعم بطريق الاعتراض ~~التذييلي على أن القلة بمعنى النفي كما ينبىء عنه ما بعده ~~أي شكرا قليلا أو زمانا قليلا تشكرون. وفي حكاية أحوال الإنسان ~~من مبدأ فطرته إلى نفخ الروح فيه بطريق الغيبة وحكاية أحواله ~~بعد ذلك بطريق الخطاب المنبىء عن استعداده للفهم وصلاحيته له من ~~الجزالة ما لا غاية وراءه. ### || [32.10-12] # { وقالوا } كلام مستأنف مسوق لبيان أباطيلهم بطريق الالتفات ~~وإيذانا بأن ما ذكر من عدم شكرهم بتلك النعم موجب للإعراض ~~عنهم وتعديد جناياتهم لغيرهم بطريق المباثة { أءذا ضللنا فى ~~الأرض } أي صرنا ترابا مخلوطا بترابها بحيث لا نتميز منه أو ms2640 ~~غبنا فيها بالدفن. وقرىء ضللنا بكسر اللام من باب علم وصللنا ~~بالصاد المهلمة من صل اللحم إذا أنتن وقيل: من الصلة وهي الأرض ~~أي صرنا من جنس الصلة قيل: القائل أبي ابن خلف، ولرضاهم ~~بقوله أسند القول إلى الكل. والعامل في إذا ما يدل عليه قوله ~~تعالى { أءنا لفي خلق جديد } وهو نبعث أو يجدد خلقنا، ~~والهمزة لتذكير الإنكار السابق وتأكيده. وقرىء إنا على الخبر، ~~وأيا ما كان فالمعنى على تأكيد الإنكار لا إنكار التأكيد كما هو ~~المتبادر من تقدم الهمزة على إن فإنها مؤخرة عنها في الاعتبار ~~وإنما تقديمها عليها لاقتضائها الصدارة { بل هم بلقاء ~~ربهم كفرون } إضراب وانتقال من بيان كفرهم بالبعث إلى ~~بيان ما هو أبلغ وأشنع منه وهو كفرهم بالوصول إلى العاقبة وما ~~يلقونه فيها من الأحوال والأهوال جميعا. # { قل } بيانا للحق وردا على زعمهم الباطل { يتوفكم ~~ملك الموت } لا كما تزعمون أن الموت من الأحوال الطبيعية ~~العارضة للحيوان بموجب الجبلة أي يقبض أرواحكم بحيث لا يدع ~~فيكم شيئا أو لا يترك منكم أحدا على أشد ما يكون من الوجوه ~~وأفظعها من ضرب وجوهكم وأدباركم { الذى وكل بكم } أي بقيض ~~أرواحكم وإحصاء آجالكم { ثم إلى ربكم ترجعون } بالبعث ~~للحساب والجزاء { ولو ترى إذ المجرمون } وهم القائلون ~~أئذا ضللنا في الآية أو جنس المجرمين وهم من جملتهم { ناكسوا ~~رءوسهم عند ربهم } من الحياء والخزي عند ظهور قبائحهم التي ~~اقترفوها في الدنيا { ربنا } أي يقولون ربنا { أبصرنا ~~وسمعنا } أي صرنا ممن يبصر ويسمع وحصل لنا الاستعداد لإدراك ~~الآيات المبصرة والآيات المسموعة وكنا من قبل عميا وصما لا ~~ندرك شيئا { فارجعنا } إلى الدنيا { نعمل } عملا { ~~صلحا } حسبما تقتضيه تلك الآيات وقوله تعالى { إنا موقنون ~~} إدعاء منهم لصحة الأفئدة والاقتدار على فهم معاني الآيات ~~والعمل بموجبها كما أن ما قبله ادعاء لصحة مشعري البصر ~~والسمع كأنهم قالوا وأيقنا وكنا من قبل لا نعقل شئا أصلا ~~وإنما عدلوا إلى الجملة الإسمية المؤكدة إظهارا لثباتهم على ~~الإيقان وكمال رغبتهم فيه، وكل ذلك ms2641 للجد في الاستدعاء طمعا في ~~الإجابة إلى ما سألوه من الرجعة وأنى لهم ذلك ويجوز أن يقدر ~~لكل من الفعلين مفعول مناسب له مما يبصرونه ويسمعونه فإنهم ~~حينئذ يشاهدون الكفر والمعاصي على صور منكرة هائلة ويخبرهم ~~الملائكة بأن مصيرهم إلى النار لا محالة فالمعنى أبصرنا قبح ~~أعمالنا وكنا نراها في الدنيا حسنة وسمعنا أن مردنا إلى ~~النار وهو الأنسب لما بعده من الوعد بالعمل الصالح، هذا وقد قيل ~~المعنى وسمعنا منك تصديق رسلك. # وأنت خبير بأن تصديقه تعالى لهم حينئذ يكون بإظهار مدلول ما ~~أخبروا به من الوعد والوعيد لا بالإخبار بأنهم صادقون حتى يسمعوه ~~وقيل: وسمعنا قول الرسل أي سمعناه سمع طاعة وإذعان. # ولا يقدر لترى مفعول إذ المعنى لو تكون منك رؤية في ذلك الوقت أو ~~يقدر ما ينبىء عنه صلة إذ والمضي فيها وفي لو باعتبار أن الثابت ~~في علم الله تعالى بمنزلة الواقع. وجواب لو محذوف أي لرأيت أمرا ~~فظيعا لا يقادر قدره. والخطاب لكل أحد ممن يصلح له كائنا من ~~كان إذ المراد بيان كمال سوء حالهم وبلوغها من الفظاعة إلى ~~حيث لا يختص استغرابها واستفظاعها براء دون راء ممن اعتاد ~~مشاهدة الأمور البديعة والدواهي الفظيعة بل كل من يتأتى منه ~~الرؤية يتعجب من هولها وفظاعتها. # هذا ومن علل عموم الخطاب بالقصد إلى بيان أن حالهم قد بلغت ~~من الظهور إلى حيث يمنع خفاؤها ألبتة فلا تختص رؤية راء دون ~~راء بل كل من يتأتى منه الرؤية فله مدخل في هذا الخطاب فقد نأى ~~عن تحقيق الحق لأن المقصود بيان كمال فظاعة حالهم كما يفصح ~~عنه الجواب المحذوف لا بيان كمال ظهورها فإنه مسوق مساق ~~المسلمات فتدبر. ### || [32.13] # { ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها } مقدر بقول معطوف ~~على ما قدر قبل قوله تعالى: # ربنا أبصرنا # الخ، أي ونقول: لو شئنا أي لو تعلقت مشيئتنا تعلقا فعليا بأن ~~نعطي كل نفس من النفوس البرة والفاجرة ما تهتدي به إلى ~~الإيمان والعمل الصالح لأعطيناها إياه في الدنيا ms2642 التي هي دار ~~الكسب وما أخرناه إلى دار الجزاء { ولكن حق القول ~~منى } أي سبقت كلمتي حيث قلت لإبليس عند قوله: # لأغوينهم أجمعين إلا عبادك منهم المخلصين ~~فالحق والحق أقول لأملأن جهنم منك وممن ~~تبعك منهم أجمعين # [سورة ص: الآيات 82 - 85] وهو المعني بقوله تعالى { لأملأن ~~جهنم من الجنة والناس أجمعين } كما يلوح به تقديم ~~الجنة على الناس فبموجب ذلك القول لم نشأ إعطاء الهدى على ~~العموم بل معناه من أتباع إبليس الذين أنتم من جملتهم حيث ~~صرفتم اختياركم إلى الغي بإغوائه، ومشيئتنا لأفعال العباد منوطة ~~باختيارهم إياها فلما لم تختاروا الهدى واخترتم الضلالة لم ~~نشأ إعطاءه لكم وإنما أعطيناه الذين اختاروه من النفوس البرة ~~وهم المعنيون بما سيأتي من قوله تعالى: # إنما يؤمن بئايتنا # [سورة السجدة: الآية 15] الآية، فيكون مناط عدم مشيئته إعطاء ~~الهدى في الحقيقة سوء اختيارهم لا تحقق القول وإنما قيدنا ~~المشيئة بما مر من التعلق الفعلي بأفعال العباد عند حدوثها ~~لأن المشيئة الأزلية من حيث تعلقها بما سيكون من أفعالهم ~~إجمالا متقدمة على تحقق كلمة العذاب فلا يكون عدمها منوطا ~~بتحققها وإنما مناطه علمه تعالى أزلا بصرف اختيارهم فيما سيأتي ~~إلى الغي وإيثارهم له على الهدى، فلو أريدت هي من تلك الحيثية ~~لاستدرك بعدمها ونيط ذلك بما ذكر من المناط على منهاج قوله تعالى: # ولو علم الله فيهم خيرا لأسمعهم # [سورة الأنفال: الآية 23] فمن توهم أن المعنى ولو شئنا لأعطينا ~~كل نفس ما عندنا من اللطف الذي لو كان منهم اختياره لاهتدوا ولكن ~~لم نعطهم لما علمنا منهم اختيار الكفر وإيثاره فقد اشتبه عليه ~~الشؤون. ### || [32.14-16] # والفاء في قوله تعالى { فذوقوا } لترتيب الأمر بالذوق على ما ~~يعرب عنه ما قبله من نفي الرجع إلى الدنيا أو على الوعيد ~~المحكي والباء في قوله تعالى: { بما نسيتم لقاء يومكم ~~هذا } للإيذان بأن تعذيبهم ليس لمجرد سبق الوعيد به فقط بل هو ~~وسبق الوعيد أيضا بسبب موجب له من قبلهم، كأنه قيل: لا رجع لكم ~~إلى الدنيا أو حق ms2643 وعيدي فذوقوا بسبب نسيانكم لقاء هذا اليوم ~~الهائل وترككم التفكر فيه والاستعداد له بالكلية { إنا ~~نسينكم } أي تركناكم في العذاب ترك المنسي بالمرة وقوله ~~تعالى: { وذوقوا عذاب الخلد بما كنتم تعملون } ~~تكرير للتأكيد والتشديد وتعيين المفعول المطوي للذوق ~~والإشعار بأن سببه ليس مجرد ما ذكر من النسيان بل له أسباب ~~أخر من فنون الكفر والمعاصي التي كانوا مستمرين عليها في ~~الدنيا، وعدم نظم الكل في سلك واحد للتنبيه على استقلال كل ~~منها في استيجاب العذاب. وفي إبهام المذوق أولا وبيانه ثانيا ~~بتكرير الأمر وتوسيط الاستئناف المنبىء عن كمال السخط بينهما ~~من الدلالة على غاية التشديد في الانتقام منهم ما لا يخفى وقوله ~~تعالى: { إنما يؤمن بئايتنا } استئناف مسوق لتقرير ~~عدم استحقاقهم لإيتاء الهدى والإشعار بعدم إيمانهم لو أوتوه ~~بتعيين من يستحقه بطريق القصر كأنه قيل: إنكم لا تؤمنون ~~بآياتنا ولا تعملون بموجبها عملا صالحا ولو رجعناكم إلى الدنيا ~~كما تدعون حسبما ينطق به قوله تعالى: # ولو ردوا لعدوا لما نهوا عنه # [سورة الأنعام: الآية 28] وإنما يؤمن بها { الذين إذا ~~ذكروا بها } أي وعظوا { خروا سجدا } آثر ذي أثير من ~~غير تردد ولا تلعثم فضلا عن التسويف إلى معاينة ما نطقت به من ~~الوعد والوعيد أي سقطوا على وجوههم { وسبحوا بحمد ربهم ~~} أي ونزهوه عند ذلك عن كل ما لا يليق به من الأمور التي من ~~جملتها العجز عن البعث ملتبسين بحمده تعالى على نعمائه التي أجلها ~~الهداية بإيتاء الآيات والتوفيق للاهتداء بها، والتعرض ~~لعنوان الربوبية بطريق الالتفات مع الإضافة إلى ضميرهم ~~للإشعار بعلة التسبيح والتحميد وبأنهم يفعلونهما بملاحظة ~~ربوبيته تعالى لهم { وهم لا يستكبرون } أي والحال أنهم ~~خاضعون له تعالى لا يستكبرون عما فعلوا من الخرور والتسبيح ~~والتحميد { تتجافى جنوبهم } أي تنبو وتنحى { عن ~~المضاجع } أي الفرش ومواضع المنام. والجملة مستأنفة لبيان ~~بقية محاسنهم وهم المتهجدون بالليل. قال أنس رضي الله عنه: نزلت ~~فينا معاشر الأنصار كنا نصلي المغرب فلا نرجع إلى رحالنا حتى ~~نصلي العشاء مع النبي عليه الصلاة ms2644 والسلام. وعن أنس أيضا ~~رضي الله عنه أنه قال: نزلت في أناس من أصحاب النبي عليه ~~الصلاة والسلام كانوا يصلون من صلاة المغرب إلى صلاة العشاء ~~وهي صلاة الأوابين وهو قول أبي حازم ومحمد بن المنكدر، ~~وهو مروي عن ابن عباس رضي الله عنهما. # وقال عطاء: هم الذين لا ينامون حتى يصلوا العشاء الآخرة والفجر ~~في جماعة. والمشهور أن المراد منه صلاة الليل وهو قول الحسن ~~ومجاهد ومالك والأوزاعي وجماعة، لقوله عليه الصلاة والسلام: # " أفضل الصيام بعد شهر رمضان شهر الله المحرم وأفضل ~~الصلاة بعد الفريضة صلاة الليل " # وعن النبي عليه الصلاة والسلام في تفسيرها: # " قيام العبد من الليل " # وعنه عليه الصلاة والسلام: # " إذا جمع الله الأولين والآخرين جاء مناد ينادي بصوت يسمع ~~الخلائق كلهم سيعلم أهل الجمع اليوم من أولى بالكرم ثم يرجع ~~فينادي ليقم الذين كانت تتجافى جنوبهم عن المضاجع فيقومون وهم ~~قليل ثم يرجع فينادي ليقم الذين كانوا يحمدون الله في السراء ~~والضراء فيقومون وهم قليل فيسرحون جميعا إلى الجنة، ثم ~~يحاسب سائر الناس ". # وقوله تعالى: { يدعون ربهم } حال من ضمير جنوبهم أي داعين ~~له تعالى على الاستمرار { خوفا } من سخطه وعذابه وعدم قبول ~~عبادته { وطمعا } في رحمته { ومما رزقنهم } من المال ~~{ ينفقون } في وجوه البر والحسنات. ### || [32.17-19] # { فلا تعلم نفس } من النفوس لا ملك مقرب ولا نبي ~~مرسل فضلا عمن عداهم { ما أخفى لهم } أي لأولئك الذين ~~عددت نعوتهم الجليلة { من قرة أعين } مما تقر به أعينهم ~~وعنه عليه الصلاة والسلام: # " يقول الله عز وجل: أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ~~ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، بله ما اطلعتم عليه اقرؤا ~~إن شئتم، فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين ". # وقرىء ما أخفي لهم وما نخفي لهم وما أخفيت لهم على صيغة المتكلم ~~وما أخفى لهم على البناء للفاعل وهو الله سبحانه. وقرىء قرات ~~أعين لاختلاف أنواعها. والعلم بمعنى المعرفة وما موصولة أو ~~استفهامية علق عنها الفعل { جزاء بما كانوا ms2645 يعملون } أي ~~جزوا جزاءا أو أخفي لهم للجزاء بما كانوا يعملونه في الدنيا من ~~الأعمال الصالحة. قيل: هؤلاء القوم أخفوا أعمالهم فأخفى الله ~~تعالى ثوابهم { أفمن كان مؤمنا كمن كان فاسقا } أي ~~أبعد ظهور ما بينهما من التباين البين يتوهم كون المؤمن ~~الذي حكيت أوصافه الفاضلة كالفاسق الذي ذكرت أحواله { لا ~~يستوون } التصريح به مع إفادة الإنكار لنفي المشابهة بالمرة ~~على أبلغ وجه وآكده لبناء التفصيل الآتي عليه والجمع باعتبار ~~معنى من كما أن الإفراد فيما سبق باعتبار لفظها. وقوله تعالى: { ~~أما الذين ءامنوا وعملوا الصلحت فلهم ~~جنت المأوى } تفصيل لمراتب الفريقين في الآخرة بعد ذكر ~~أحوالهما في الدنيا وأضيفت الجنة إلى المأوى لأنها المأوى ~~الحقيقي وإنما الدنيا منزل مرتحل عنه لا محالة وقيل: المأوى ~~جنة من الجنات، وأيا ما كان فلا يبعد أن يكون فيه رمز إلى ما ~~ذكر من تجافيهم عن مضاجعهم التي هي مأواهم في الدنيا { نزلا } أي ~~ثوابا وهو في الأصل ما يعد للنازل من الطعام والشراب ~~وانتصابه على الحالية { بما كانوا يعملون } في الدنيا من ~~الأعمال الصالحة أو بأعمالهم. ### || [32.20-23] # { وأما الذين فسقوا } أي خرجوا عن الطاعة { ~~فمأواهم } أي ملجأهم ومنزلهم { النار } مكان جنات المأوى ~~للمؤمنين { كلما أرادوا أن يخرجوا منها أعيدوا ~~فيها } استئناف لبيان كيفية كون النار مأواهم. يروى أنه ~~يضربهم لهب النار فيرتفعون إلى طبقاتها حتى إذا قربوا من ~~بابها وأرادوا أن يخرجوا منها يضربهم اللهب فيهوون إلى قعرها ~~وهكذا يفعل بهم أبدا وكلمة في للدلالة على أنهم مستقرون فيها ~~وإنما الإعادة من بعض طبقاتها إلى بعض { وقيل لهم } تشديدا ~~عليهم وزيادة في غيظهم { ذوقوا عذاب النار الذي كنتم ~~به } أي بعذاب النار { تكذبون } على الاستمرار في الدنيا { ~~ولنذيقنهم من العذاب الأدنى } أي عذاب الدنيا وهو ~~ما محنوا به من السنة سبع سنين والقتل والأسر { دون ~~العذاب الأكبر } الذي هو عذاب الآخرة { لعلهم } لعل ~~الذين يشاهدونه وهم في الحياة { يرجعون } يتوبون عن الكفر. ~~روي أن الوليد بن عقبة فاخر عليا رضي الله عنه ms2646 يوم بدر فنزلت ~~هذه الآيات { ومن أظلم ممن ذكر بئايت ربه ثم ~~أعرض عنها } بيان إجمالي لحال من قابل آيات الله تعالى ~~بالإعراض بعد بيان حال من قابلها بالسجود والتسبيح ~~والتحميد. وكلمة ثم لاستبعاد الإعراض عنها عقلا مع غاية ~~وضوحها وإرشادهم إلى سعادة الدارين كما في بيت الحماسة: ~~[الطويل] # ولا يكشف الغماء إلا ابن حرة # يرى غمرات الموت ثم يزورها # أي هو أظلم من كل ظالم وإن كان سبك التركيب على نفي الأظلم ~~من غير تعرض لنفي المساوي. وقد مر مرارا { إنا من ~~المجرمين } أي من كل من اتصف بالإجرام وإن هانت جريمته { ~~منتقمون } فكيف ممن هو أظلم من كل ظالم وأشد جرما من ~~كل مجرم. # { ولقد ءاتينا موسى الكتب } أي التوراة عبر عنها ~~باسم الجنس لتحقيق المجانسة بينها وبين الفرقان والتنبيه على ~~أن إيتاءه لرسول الله صلى الله عليه وسلم كإيتائها لموسى عليه ~~السلام { فلا تكن فى مرية من لقائه } من لقاء الكتاب ~~الذي هو الفرقان كقوله: وإنك لتلقى القرآن والمعنى إنا آتينا موسى ~~مثل ما آتيناك من الكتاب ولقيناه من الوحي مثل ما لقيناك من ~~الوحي فلا تكن في شك من أنك لقيت مثله ونظيره وقيل: من لقاء ~~موسى الكتاب أو من لقائك موسى وعنه عليه الصلاة والسلام: # " رأيت ليلة أسري بي موسى رجلا آدم طوالا جعدا كأنه من ~~رجال شنوءة " # { وجعلنه } أي الكتاب الذي آتيناه موسى { هدى لبنى ~~إسرءيل } قيل: لم يتعبد بما في التوراة ولد إسماعيل. ### || [32.24-27] # { وجعلنا منهم أئمة يهدون } بقيتهم بما في تضاعيف ~~الكتاب من الحكم والأحكام إلى طريق الحق أو يهدونهم إلى ما فيه ~~من دين الله وشرائعه { بأمرنا } إياهم بذلك أو بتوفيقنا له { ~~لما صبروا } هي لما التي فيها معنى الجزاء نحو أحسنت إليك ~~لما جئتني. والضمير للأئمة تقديره لما صبروا جعلناهم أئمة ~~أو هي ظرف بمعنى الحين أي جعلناهم أئمة حين صبروا والمراد صبرهم ~~على مشاق الطاعات ومقاساة الشدائد في نصرة الدين أو صبرهم ~~عن الدنيا. وقرىء لما صبروا أي لصبرهم ms2647 { وكانوا ~~بئايتنا } التي في تضاعيف الكتاب { يوقنون } لإمعانهم ~~فيها النظر والمعنى كذلك لنجعلن الكتاب الذي آتيناكه هدى ~~لأمتك ولنجعلن منهم أئمة يهدون مثل تلك الهداية { إن ~~ربك هو يفصل } أي يقضي { بينهم } قيل: بين الأنبياء ~~وأممهم وقيل: بين المؤمنين والمشركين { يوم القيمة } ~~فيميز بين المحق والمبطل { فيما كانوا فيه يختلفون ~~} من أمور الدين { أولم يهد لهم } الهمزة للإنكار ~~والواو للعطف على منوي يقتضيه المقام من فعل الهداية. إما من قولهم: ~~فلان يعطي في أن المراد إيقاع نفس الفعل بلا ملاحظة المفعول ~~وإما بمعنى التبيين والمفعول محذوف والفاعل ما دل عليه قوله ~~تعالى: { كم أهلكنا } أي أغفلوا ولم يفعل الهداية لهم أو ولم ~~يبين لهم مآل أمرهم كثرة إهلاكنا { من قبلهم من القرون ~~} مثل عاد وثمود وقوم لوط. وقرىء نهد لهم بنون العظمة وقد ~~جوز أن يكون الفاعل على القراءة الأولى أيضا ضميره تعالى فيكون ~~قوله تعالى: { كم أهلكنا } الخ، استئنافا مبينا لكيفية ~~هدايته تعالى { يمشون فى مسكنهم } أي يمرون في متاجرهم ~~على ديارهم وبلادهم ويشاهدون آثار هلاكهم. والجملة حال من ضمير ~~لهم. وقرىء يمشون للتكثير { إن فى ذلك } أي فيما ذكر من ~~كثرة إهلاكنا للأمم الخالية العاتية أو في مساكنهم { لآيات } ~~عظيمة في أنفسها كثيرة في عددها { أفلا يسمعون } هذه الآيات ~~سماع تدبر واتعاظ { أولم يروا أنا نسوق الماء إلى ~~الأرض الجرز } أي التي جرز نباتها أي قطع وأزيل بالمرة ~~وقيل: هو اسم موضع باليمن { فنخرج به } من تلك الأرض { ~~زرعا تأكل منه } أي من ذلك الزرع { أنعمهم } ~~كالتبن والقصيل والورق وبعض الحبوب المخصوصة بها. وقرىء يأكل ~~بالياء { وأنفسهم } كالحبوب التي يقتاتها الإنسان والثمار { ~~أفلا يبصرون } أي ألا ينظرون فلا يبصرون ذلك ليستدلوا به على ~~كمال قدرته تعالى وفضله. ### || [32.28-30] # { ويقولون } كان المسلمون يقولون: إن الله سيفتح لنا على ~~المشركين أو يفصل بيننا وبينهم كان أهل مكة إذا سمعوه يقولون ~~بطريق الاستعجال تكذيبا واستهزاء: { متى هذا الفتح } أي ~~النصر أو الفصل بالحكومة { إن كنتم صدقين } في أن الله ~~تعالى ينصركم ms2648 أو يفصل بيننا وبينكم { قل } تبكيتا لهم وتحقيقا ~~للحق { يوم الفتح لا ينفع الذين كفروا ~~إيمنهم ولا هم ينظرون } يوم الفتح يوم القيامة وهو ~~يوم الفصل بين المؤمنين وأعدائهم ويوم نصرهم عليهم وقيل: هو يوم ~~بدر. وعن مجاهد والحسن: يوم فتح مكة. والعدول عن تطبيق ~~الجواب على ظاهر سؤالهم للتنبيه على أنه ليس مما ينبغي أن ~~يسأل عنه لكونه أمرا بينا غنيا عن الإخبار به وكذا إيمانهم ~~واستنظارهم يومئذ وإنما المحتاج إلى البيان عدم نفع ذلك ~~الإيمان وعدم الإنظار كأنه قيل: لا تستعجلوا فكأني بكم قد آمنتم ~~فلم ينفعكم واستنظرتم فلم تنظروا، وهذا على الوجه الأول ظاهر ~~وأما على الأخيرين فالموصول عبارة عن المقتولين يومئذ لا عن ~~كافة الكفرة كما في الوجه الأول كيف لا وقد نفع الإيمان ~~الطلقاء يوم الفتح وناسا أمنوا يوم بدر { فأعرض عنهم } ~~ولا تبال بتكذيبهم { وانتظر } النصرة عليهم وهلاكهم { ~~إنهم منتظرون } قيل: أي الغلبة عليكم كقوله تعالى: # فتربصوا إنا معكم متربصون # [سورة التوبة: الآية 52] والأظهر أن يقال: إنهم منتظرون هلاكهم ~~كما في قوله تعالى: # هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من ~~الغمام # [سورة البقرة: الآية 210] الآية، ويقرب منه ما قيل وانتظر عذابنا ~~إنهم منتظروه فإن استعجالهم المذكور وعكوفهم على ما هم عليه من ~~الكفر والمعاصي في حكم انتظارهم العذاب المترتب عليه لا محالة. ~~وقرىء على صيغة المفعول على معنى أنهم أحقاء بأن ينتظر ~~هلاكهم أو فإن الملائكة ينتظرونه. # عن النبي عليه الصلاة والسلام: # " من قرأ ألم تنزيل وتبارك الذي بيده الملك أعطي من الأجر ~~كأنما أوحي ليلة القدر ". # وعنه عليه الصلاة والسلام: # " من قرأ ألم تنزيل في بيته لم يدخله الشيطان ثلاثة أيام ~~" ### | [33 - سورة الأحزاب] ### || [33.1-2] # (سورة الأحزاب مدنية وهى ثلاث وسبعون آية) # { بسم الله الرحمن الرحيم } { يأيها النبي اتق ~~الله } في ندائه عليه الصلاة والسلام بعنوان النبوة تنويه ~~بشأنه وتنبيه على سمو مكانه، والمراد بالتقوى المأمور به ~~الثبات عليه والازدياد منه فإن له بابا واسعا وعرضا عريضا لا ~~ينال مداه { ولا ms2649 تطع الكفرين } أي المجاهرين بالكفر { ~~والمنفقين } المضمرين له أي فيما يعود بوهن في الدين ~~وإعطاء دنية فيما بين المسلمين. (روي أن أبا سفيان بن حرب ~~وعكرمة بن أبي جهل وأبا الأعور السلمي قدموا عليه عليه ~~الصلاة والسلام في الموادعة التي كانت بينه عليه الصلاة ~~والسلام وبينهم، وقام معهم عبد الله بن أبي ومعتب بن قشير ~~والجد بن قيس فقالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم: أرفض ذكر ~~آلهتنا، وقل: إنها تشفع وتنفع وندعك وربك فشق ذلك على النبي ~~عليه الصلاة والسلام والمؤمنين وهموا بقتلهم فنزلت) أي اتق ~~الله في نقض العهد ونبذ الموادعة ولا تساعد الكافرين من أهل مكة ~~والمنافقين من أهل المدينة فيما طلبوا إليك { إن الله كان ~~عليما حكيما } مبالغا في العلم والحكمة فيعلم جميع الأشياء ~~من المصالح والمفاسد فلا يأمرك إلا بما فيه مصلحة ولا ينهاك إلا ~~عما فيه مفسدة ولا يحكم إلا بما تقتضيه الحكمة البالغة فالجملة ~~تعليل للأمر والنهي مؤكد لوجوب الامتثال بهما { واتبع } أي ~~في كل ما تأتي وتذر من أمور الدين { ما يوحى إليك من ~~ربك } من الآيات التي من جملتها هذه الآية الآمرة بتقوى الله ~~الناهية عن مساعدة الكفرة والمنافقين. والتعرض لعنوان ~~الربوبية لتأكيد وجوب الامتثال بالأمر { إن الله كان ~~بما تعملون خبيرا } قيل: الخطاب للرسول عليه الصلاة ~~والسلام والجمع للتعظيم وقيل: له عليه الصلاة والسلام ~~وللمؤمنين وقيل: للغائبين بطريق الالتفات ولا يخفى بعده نعم يجوز ~~أن يكون للكل على ضرب من التغليب، وأيا ما كان فالجملة تعليل ~~للأمر وتأكيد لموجبه، أما على الوجهين الأولين فبطريق الترغيب ~~والترهيب كأنه قيل: إن الله خبير بما تعملونه من الامتثال ~~وتركه فيرتب على كل منهما جزاءه ثوابا وعقابا وأما على الوجه ~~الأخير فبطريق الترغيب فقط كأنه قيل: إن الله خبير بما يعمله ~~كلا الفريقين فيرشدك إلى ما فيه صلاح حالك وانتظام أمرك ويطلعك ~~على ما يعملونه من المكايد والمفاسد ويأمرك بما ينبغي لك أن تعمله ~~في دفعها وردها فلا بد من اتباع الوحي والعمل بمقتضاه ms2650 حتما. ### || [33.3-5] # { وتوكل على الله } أي فوض جميع أمرك إليه { وكفى ~~بالله وكيلا } حافظا موكولا إليه كل الأمور. # { ما جعل الله لرجل من قلبين فى جوفه } شروع في ~~إلقاء الوحي الذي أمر عليه الصلاة والسلام اتباعه وهذا مثل ~~ضربه الله تعالى تمهيدا لما يعقبه من قوله تعالى: { وما جعل ~~أزوجكم اللائى تظهرون منهن أمهتكم وما ~~جعل أدعياءكم أبناءكم } وتنبيها على أن كون المظاهر ~~منها أما وكون الداعي ابنا أي بمنزلة الأم والابن في الآثار ~~والأحكام المعهودة فيما بينهم في الاستحالة بمنزلة اجتماع قلبين في ~~جوف واحد وقيل: هو رد لما كانت العرب تزعم من أن اللبيب ~~الأريب له قلبان ولذلك قيل لأبي معمر أو لجميل بن أسيد الفهري ~~ذو القلبين أي ما جمع الله تعالى قلبين في رجل. وذكر الجوف ~~لزيادة التقرير كما في قوله تعالى: # ولكن تعمى القلوب التى في الصدور # [سورة الحج: الآية 46] ولا زوجية ولا أمومة في امرأة ولا دعوة ~~وبنوة في شخص لكن لا بمعنى نفي الجمع بين حقيقة الزوجية ~~والأمومة ونفي الجمع بين حقيقة الدعوة والبنوة كما في القلب ~~ولا بمعنى نفي الجمع بين أحكام الزوجية وأحكام الأمومة ونفي ~~الجمع بين أحكام الدعوة وأحكام البنوة على الإطلاق، بل بمعنى ~~نفي الجمع بين حقيقة الزوجية وأحكام الأمومة ونفي الجمع ~~بين حقيقة الدعوة وأحكام البنوة لإبطال ما كانوا عليه من ~~إجراء أحكام الأمومة على المظاهر منها وإجراء أحكام البنوة على ~~الدعي، ومعنى الظهار أن يقول لزوجته: أنت علي كظهر أمي ~~مأخوذ من الظهر باعتبار اللفظ كالتلبية من لبيك وتعديته بمن ~~لتضمنه معنى التجنب لأنه كان طلاقا في الجاهلية وهو في الإسلام ~~يقتضي الطلاق أو الحرمة إلى أداء الكفارة كما عدي آلى بها ~~وهو بمعنى حلف. وذكر الظهار للكناية عن البطن الذي هو عموده ~~فإن ذكره قريب من ذكر الفرج أو للتغليظ في التحريم فإنهم ~~كانوا يحرمون إتيان الزوجة وظهرها إلى السماء. وقرىء اللاء ~~وقرىء تظاهرون بحذف إحدى التاءين من تتظاهرون وتظاهرون بإدغام ~~التاء الثانية في الظاء، وتظهرون ms2651 من أظهر بمعنى تظهر ~~وتظهرون من ظهر بمعنى ظاهر كعقد بمعنى عاقد، وتظهرون من ظهر ~~ظهورا. وأدعياء جمع دعي وهو الذي يدعى ولدا على الشذوذ ~~لاختصاص أفعلاء بفعيل بمعنى فاعل كتقي وأتقياء كأنه شبه به في ~~اللفظ فجمع جمعه كقتلاء وأسراء. # { ذلكم } إشارة إلى ما يفهم مما ذكر من الظهار والادعاء ~~أو إلى الأخير الذي هو المقصود من مساق الكلام أي دعاءكم بقولكم ~~هذا ابني { قولكم بأفوهكم } فقط من غير أن يكون له مصداق ~~وحقيقة في الأعيان فإذن هو بمعزل من استتباع أحكام البنوة كما ~~زعمتم { والله يقول الحق } المطابق للواقع { وهو ~~يهدى السبيل } أي سبيل الحق لا غير فدعوا أقوالكم وخذوا ~~بقوله عز وجل: { ادعوهم لآبائهم } أي أنسبوهم إليهم ~~وخصوهم بهم. # وقوله تعالى: { هو أقسط عند الله } تعليل له والضمير ~~لمصدر ادعوا كما في قوله تعالى: # اعدلوا هو أقرب للتقوى # [سورة المائدة: الآية 8] وأقسط أفعل تفضيل قصد به الزيادة مطلقا ~~من القسط بمعنى العدل أي الدعاء لآبائهم بالغ في العدل والصدق ~~في حكم الله تعالى وقضائه { فإن لم تعلموا آباءهم } ~~فتنسبوهم إليهم { فإخوانكم } فهم إخوانكم { فى الدين ~~وموليكم } وأولياؤكم فيه أي فادعوهم بالأخوة الدينية ~~والمولوية { وليس عليكم جناح } أي إثم { فيما ~~أخطأتم به } أي فيما فعلتموه من ذلك مخطئين بالسهو أو ~~النسيان أو سبق اللسان { ولكن ما تعمدت قلوبكم ~~} أي ولكن الجناح فيما تعمدت قلوبكم بعد النهي أو ما تعمدت ~~قلوبكم فيه الجناح { وكان الله غفورا رحيما } لعفوه عن ~~المخطيء وحكم التبني بقوله هو ابني إذا كان عبدا لقائل العتق على ~~كل حال ولا يثبت نسبه منه إلا إذا كان مجهول النسب وكان بحيث ~~يولد مثله لمثل المتبني ولم يقر قبله بنسبه من غيره. ### || [33.6-7] # { النبى أولى بالمؤمنين من أنفسهم } أي في كل ~~أمر من أمور الدين والدنيا كما يشهد به الإطلاق فيجب عليهم أن ~~يكون عليه الصلاة والسلام أحب إليهم من أنفسهم وحكمه أنفذ ~~عليهم من حكمها وحقه آثر لديهم من حقوقها وشفقتهم عليه أقدم من ~~شفقتهم عليها. ms2652 روي أنه عليه الصلاة والسلام أراد غزوة تبوك ~~فأمر الناس بالخروج فقال أنس نستأذن آباءنا وأمهاتنا فنزلت. ~~وقرىء وهو أب لهم أي في الدين فإن كل نبي أب لأمته من حيث ~~إنه أصل فيما به الحياة الأبدية ولذلك صار المؤمنون إخوة { ~~وأزوجه أمهتهم } أي منزلات منزلة الأمهات في ~~التحريم واستحقاق التعظيم، وأما فيما عدا ذلك فهن ~~كالأجنبيات، ولذلك قالت عائشة رضي الله عنها: لسنا أمهات ~~النساء { وأولو الأرحام } أي ذوو القرابات { بعضهم ~~أولى ببعض } في التوارث وهو نسخ لما كان في صدر الإسلام من ~~التوراث بالهجرة والموالاة في الدين { فى كتب الله } في ~~اللوح أو فيما أنزله وهو هذه الآية أو آية المواريث أو فيما فرض ~~الله تعالى { من المؤمنين والمهجرين } بيان لأولي ~~الأرحام أو صلة لأولي أو أولو الأرحام بحق القرابة أولى ~~بالميراث من المؤمنين بحق الدين ومن المهاجرين بحق الهجرة { ~~إلا أن تفعلوا إلى أوليائكم معروفا } استئناء ~~من أعم ما تقدر الأولوية فيه من النفع. والمراد بفعل ~~المعروف التوصية أو منقطع { كان ذلك فى الكتب مسطورا ~~} أي كان ما ذكر من الآيتين ثابتا في اللوح أو القرآن. وقيل في ~~التوراة. { وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم } أي ~~اذكر وقت أخذنا من النبيين كافة عهودهم بتبليغ الرسالة ~~والدعاء إلى الدين الحق { ومنك ومن نوح وإبرهيم ~~وموسى وعيسى ابن مريم } وتخصيصهم بالذكر مع اندراجهم ~~في النبيين اندراجا بينا للإيذان بمزيد مزيتهم وفضلهم ~~وكونهم من مشاهير أرباب الشرائع وأساطين أولي العزم من الرسل. ~~وتقديم نبينا عليهم الصلاة والسلام لإبانة خطره الجليل { ~~وأخذنا منهم ميثقا غليظا } أي عهدا عظيم الشأن أو ~~مؤكدا باليمين، وهذا هو الميثاق الأول بعينه وأخذه هو أخذه. ~~والعطف مبني على تنزيل التغاير العنواني منزلة التغاير ~~الذاتي تفخيما لشأنه كما في قوله تعالى: # ونجيناهم من عذاب غليظ # [سورة هود: الآية 58] إثر قوله تعالى: # ولما جاء أمرنا نجينا هودا والذين ءامنوا ~~معه برحمة منا # [سورة هود: الآية 58]. ### || [33.8-9] # وقوله تعالى: { ليسأل الصدقين عن صدقهم } متعلق ~~بمضمر مستأنف مسوق لبيان ما هو ms2653 داع إلى ما ذكر من أخذ الميثاق ~~وغاية له لا بأخذنا فإن المقصود تذكير نفس الميثاق ثم بيان ~~الغرض منه بيانا قصديا كما ينبىء عنه تغيير الأسلوب بالالتفات ~~إلى الغيبة أي فعل الله ذلك ليسأل يوم القيامة الأنبياء، ووضع ~~الصادقين موضع ضميرهم للإيذان من أول الأمر بأنهم صادقون فيما ~~سئلوا عنه وإنما السؤال لحكمة تقتضيه أي ليسأل الأنبياء الذين ~~صدقوا عهودهم عما قالوه لقومهم أو عن تصديقهم إياهم تبكيتا لهم ~~كما في قوله تعالى: # يوم يجمع الله الرسل فيقول ماذا أجبتم # [سورة المائدة: الآية 109] أو المصدقين لهم عن تصديقهم فإن مصدق ~~الصادق صادق وتصديقه صدق وأما ما قيل: من أن المعنى ليسأل ~~المؤمنين الذين صدقوا عهدهم حين أشهدهم على أنفسهم عن صدقهم عهدهم ~~فيأباه مقام تذكير ميثاق النبيين. وقوله تعالى: { وأعد ~~للكفرين عذابا أليما } عطف على ما ذكر من المضمر لا على ~~أخذنا كما قيل. والتوجيه بأن بعثة الرسل وأخذ الميثاق منهم ~~لإثابة المؤمنين أو بأن المعنى أن الله تعالى أكد على الأنبياء ~~الدعوة إلى دينه لأجل إثابة المؤمنين تعسف ظاهر مع أنه ~~مفض إلى كون بيان إعداد العذاب الأليم للكافرين غير مقصود ~~بالذات نعم يجوز عطفه على ما دل عليه قوله تعالى: ليسأل ~~الصادقين كأنه قيل: فأثاب المؤمنين وأعد للكافرين الآية. # { يا أيها الذين ءامنوا اذكروا نعمة الله ~~عليكم } إن جعل النعمة مصدرا، فالجار متعلق بها وإلا ~~فهو متعلق بمحذوف هو حال منها أي كائنة عليكم { إذ جاءتكم ~~جنود } ظرف لنفس النعمة أو لثبوتها لهم، وقيل: منصوب باذكروا ~~على أنه بدل اشتمال من نعمة الله، والمراد بالجنود الأحزاب وهم ~~قريش وغطفان ويهود قريظة والنضير وكانوا زهاء اثني عشر ~~ألفا فلما سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم بإقبالهم ضرب الخندق ~~على المدينة بإشارة سلمان الفارسي ثم خرج في ثلاثة آلاف من ~~المسلمين فضرب معسكره والخندق بينه وبين القوم وأمر ~~بالذرارى والنساء فرفعوا في الآطام واشتد الخوف وظن ~~المؤمنون كل ظن ونجم النفاق في المنافقين حتى قال معتب بن ~~قشير: ms2654 كان محمد يعدنا كنوز كسرى وقيصر ولا نقدر أن نذهب إلى ~~الغائط ومضى على الفريقين قريب من شهر لا حرب بينهم إلا أن ~~فوارس من قريش منهم عمرو بن عبدود وعكرمة بن أبي جهل ~~وهبيرة بن أبي وهب ونوفل بن عبد الله وضرار بن الخطاب ~~ومرداس أخو بني محارب قد ركبوا خيولهم وتيمموا من الخندق مكانا ~~مضيقا فضربوا خيولهم فاقتحموا فجالت بهم في السبخة بين الخندق ~~وسلع فخرج علي بن أبي طالب رضي الله عنه في نفر من المسلمين حتى ~~أخذ عليهم الثغرة التي اقتحموا منها فأقبلت الفرسان نحوهم وكان ~~عمرو معلما ليرى مكانه فقال له علي رضي الله عنه: يا عمرو إني ~~أدعوك إلى الله ورسوله والإسلام قال: لا حاجة لي إليه قال: فإني ~~أدعوك إلى النزال قال: يا ابن أخي والله إني لا أحب أن أقتلك ~~قال علي لكني والله أحب أن أقتلك فحمي عمرو عند ذلك وكان ~~غيورا مشهورا بالشجاعة واقتحم عن فرسه فعقره أو ضرب وجهه ثم ~~أقبل على علي فتناولا وتجاولا فضربه علي رضي الله عنه ضربة ~~ذهبت فيها نفسه فلما قتله انهزمت خيله حتى اقتحمت من الخندق ~~هاربة وقتل مع عمرو رجلان منبه بن عثمان بن عبد الدار ونوفل ~~بن عبد الله بن المغيرة المخزومي قتله أيضا علي رضي الله ~~عنه وقيل: لم يكن بينهم إلا الترامي بالنبل والحجارة. # حتى أنزل الله تعالى النصر وذلك قوله تعالى: { فأرسلنا ~~عليهم ريحا } عطف على جاءتكم مسوق لبيان النعمة إجمالا ~~وسيأتي بقيتها في آخر القصة { وجنودا لم تروها } وهم ~~الملائكة عليهم السلام، وكانوا ألفا بعث الله عليهم صبا باردة ~~في ليلة شاتية فأخصرتهم وسفت التراب في وجوههم وأمر الملائكة ~~فقلعت الأوتاد وقطعت الأطناب وأطفأت النيران وأكفأت القدور ~~وماجت الخيل بعضها في بعض وقذف في قلوبهم الرعب وكبرت ~~الملائكة في جوانب عسكرهم فقال طليحة بن خويلد الأسدي: أما ~~محمد فقد بدأكم بالسحر فالنجاء النجاء فانهزموا من غير قتال ~~{ وكان الله بما تعملون } من حفر الخندق وترتيب مبادىء ~~الحرب ms2655 وقيل: من التجائكم إليه ورجائكم من فضله. وقرىء بالياء أي ~~بما يعمله الكفار أي من التحرز والمحاربة أو من الكفر ~~والمعاصي. { بصيرا } ولذلك فعل ما فعل من نصركم عليهم، والجملة ~~اعتراض مقرر لما قبله. ### || [33.10] # { إذ جاءوكم } بدل من إذ جاءتكم { من فوقكم } من أعلى ~~الوادي من جهة المشرق وهم بنو غطفان ومن تابعهم من أهل نحد ~~قائدهم عيينة بن حصن وعامر بن الطفيل في هوازن وضامتهم ~~اليهود من قريظة والنضير { ومن أسفل منكم } أي من أسفل ~~الوادي من قبل المغرب وهم قريش ومن شايعهم من الأحابيش وبني ~~كنانة وأهل تهامة وقائدهم أبو سفيان وكانوا عشرة آلاف. { ~~وإذ زاغت الأبصر } عطف على ما قبله داخل معه في حكم ~~التذكير أي حين مالت عن سننها وانحرفت عن مستوى نظرها حيرة ~~وشخوصا وقيل: عدلت عن كل شيء فلم تلتفت إلا إلى عدوها لشدة ~~الروع { وبلغت القلوب الحناجر } لأن الرئة تنتفخ من ~~شدة الفزع فيرتفع القلب بارتفاعها إلى رأس الحنجرة وهي منتهى ~~الحلقوم وقيل: هو مثل في اضطراب القلوب ووجيبها وإن لم تبلغ ~~الحناجر حقيقة والخطاب في قوله تعالى: { وتظنون بالله ~~الظنونا } لمن يظهر الإيمان على الإطلاق أي تظنون بالله تعالى ~~أنواع الظنون المختلفة حيث ظن المخلصون الثبت القلوب أن ~~الله تعالى ينجز وعده في إعلاء دينه كما يعرب عنه ما سيحكى عنهم ~~من قولهم: # هذا ما وعدنا الله ورسوله وصدق الله ~~ورسوله # [سورة الأحزاب: الآية 22] الآية أو يمتحنهم فخافوا الزلل وضعف ~~الاحتمال. والضعاف القلوب والمنافقون ما حكي عنهم مما لا خير ~~فيه والجملة معطوفة على زاغت وصيغة المضارع لاستحضار الصورة ~~والدلالة على الاستمرار. وقرى الظنون بغير ألف وهو القياس ~~وزيادتها لمراعاة الفواصل كما تزاد في القوافي. ### || [33.11-13] # { هنالك } ظرف زمان أو ظرف مكان لما بعده أي في ذلك الزمان ~~الهائل أو المكان الدحض. { ابتلى المؤمنون } أي عوملوا ~~معاملة من يختبر فظهر المخلص من المنافق والراسخ من المتزلزل. ~~{ وزلزلوا زلزالا شديدا } من الهول والفزع وقرىء بفتح ~~الزاي { وإذ يقول المنفقون } عطف على إذ ms2656 زاغت. وصيغة ~~المضارع لما مر من الدلالة على استمرار القول واستحضار صورته { ~~والذين في قلوبهم مرض } أي ضعف اعتقاد { ما وعدنا ~~الله ورسوله } من إعلاء الدين والظفر { إلا غرورا } ~~أي وعد غرور وقيل: قولا باطلا والقائل معتب بن قشير وأضرابه ~~راضون به قال يعدنا محمد بفتح كنوز كسرى وقيصر وأحدنا لا يقدر ~~أن يتبرز فرقا ما هذا إلا وعد غرور. # { وإذ قالت طائفة منهم } هم أوس ابن قيظى وأتباعه ~~وقيل عبد الله بن أبي وأشياعه { يأهل يثرب } هو اسم ~~المدينة المطهرة وقيل: اسم بقعة وقعت المدينة في ناحية منها ~~وقد نهى النبي عليه الصلاة والسلام أن تسمى بها كراهة لها ~~وقال # " هي طيبة " # أو # " طابة " # كأنهم ذكروها بذلك الاسم مخالفة له عليه الصلاة والسلام ~~ونداؤهم إياهم بعنوان أهليتهم لها ترشيح لما بعده من الأمر ~~بالرجوع إليها { لا مقام لكم } لا موضع إقامة لكم أو لا ~~إقامة لكم ههنا يريدون المعسكر. وقرىء بفتح الميم أي لا قيام أو ~~لا موضع قيام لكم { فارجعوا } أي إلى منازلكم بالمدينة مرادهم ~~الأمر بالفرار لكنهم عبروا عنه بالرجوع ترويجا لمقالهم ~~وإيذانا بأنه ليس من قبيل الفرار المذموم وقيل: المعنى لا قيام ~~لكم في دين محمد عليه الصلاة والسلام فارجعوا إلى ما كنتم عليه ~~من الشرك أو فارجعوا عما بايعتموه عليه وأسلموه إلى أعدائه أو ~~لا مقام لكم في يثرب فارجعوا كفارا ليتسنى لكم المقام بها ~~والأول هو الأنسب لما بعده فإن قوله تعالى: { ويستأذن ~~فريق منهم النبى } معطوف على قالت. وصيغة المضارع لما ~~مر من استحضار الصورة وهم بنو حارثة وبنو سلمة استأذنوه عليه ~~الصلاة والسلام في الرجوع ممتثلين بأمرهم. وقوله تعالى: { ~~يقولون } بدل من يستأذن أو حال من فاعله أو استئناف مبني على ~~السؤال عن كيفية الاستئذان { إن بيوتنا عورة } أي غير ~~حصينة معرضة للعدو والسراق فأذن لنا حتى نحصنها ثم نرجع ~~إلى العسكر. والعورة في الأصل الخلل أطلقت على المختل مبالغة ~~وقد جوز أن تكون تخفيف عورة من عورت الدار إذا اختلت ~~وقد ms2657 قرىء بها والأول هو الأنسب بمقام الاعتذار كما يفصح عنه ~~تصدير مقالهم بحرف التحقيق { وما هى بعورة } والحال ~~أنها ليست كذلك { إن يريدون } ما يريدون بالاستئذان { إلا ~~فرارا } من القتال. ### || [33.14-17] # { ولو دخلت عليهم } أسند الدخول إلى بيوتهم وأوقع ~~عليهم لما أن المراد فرض دخولها مطلقا كما هو المفهوم لو لم يذكر ~~الجار والمجرور ولا فرض الدخول عليهم مطلقا كما هو المفهوم لو ~~أسند إلى الجار والمجرور { من أقطارها } أي من جميع جوانبها ~~لا من بعضها دون بعض فالمعنى لو كانت بيوتهم مختلة بالكلية ~~ودخلها كل من أراد من أهل الدعارة والفساد { ثم سئلوا } ~~من جهة طائفة أخرى عند تلك النازلة والرجفة الهائلة { ~~الفتنة } أي الردة والرجعة إلى الكفر مكان ما سئلوا الآن ~~من الإيمان والطاعة { لأتوها } لأعطوها غير مبالين بما ~~دهاهم من الداهية الدهياء والغارة الشعواء. وقرىء لأتوها ~~بالقصر أي لفعلوها وجاؤها { وما تلبثوا بها } بالفتنة أي ~~ما ألبثوها وما أخروها { إلا يسيرا } ريثما يسع السؤال ~~والجواب من الزمان فضلا عن التعلل باختلال البيوت مع سلامتها كما ~~فعلوا الآن وقيل: ما لبثوا بالمدينة بعد الارتداد إلا يسيرا ~~والأول هو اللائق بالمقام. هذا وأما تخصيص فرض الدخول بتلك ~~العساكر المتحزبة فمع منافاته للعموم المستفاد من تجريد الدخول ~~عن الفاعل ففيه ضرب من فساد الوضع لما عرفت من أن مساق النظم ~~الكريم لبيان أنهم إذا دعوا إلى الحق تعللوا بشيء يسير وإن ~~دعوا إلى الباطل سارعوا إليه آثر ذي أثير من غير صارف يلويهم ولا ~~عاطف يثنيهم ففرض الدخول عليهم من جهة العساكر المذكورة وإسناد ~~سؤال الفتنة والدعوة إلى الكفر إلى طائفة أخرى من مع أن ~~العساكر هم المعروفون بعداوة الدين المباشرون لقتال المؤمنين ~~المصرون على الإعراض عن الحق المجدون في الدعاء إلى الكفر ~~والضلال بمعزل من التقريب. # { ولقد كانوا عهدوا الله من قبل لا يولون ~~الأدبر } فإن بني حارثة عاهدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يوم أحد حين فشلوا أن لا يعودوا لمثله وقيل: هم قوم غابوا عن ~~وقعة ms2658 بدر ورأوا ما أعطى الله أهل بدر من الكرامة والفضيلة ~~فقالوا لئن أشهدنا الله قتالا لنقاتلن { وكان عهد الله ~~مسؤولا } مطلوبا مقتضى حتى يوفى به وقيل: مسؤولا عن الوفاء به ~~ومجازي عليه { قل لن ينفعكم الفرار إن فررتم من ~~الموت أو القتل } فإنه لا بد لكل شخص من حتف أنف أو ~~قيل سيف في وقت معين سبق به القضاء وجرى عليه القلم { وإذن ~~لا تمتعون إلا قليلا } أي وإن نفعكم الفرار مثلا ~~فمتعتم بالتأخير لم يكن ذلك التمتيع إلا تمتيعا قليلا أو ~~زمانا قليلا { قل من ذا الذي يعصمكم من الله إن ~~أراد بكم سوءا أو أراد بكم رحمة } أي أو يصيبكم ~~بسوء إن أراد بكم رحمة فاختصر الكلام أو حمل الثاني على الأول ~~لما في العصمة من معنى المنع { ولا يجدون لهم من دون ~~الله وليا } ينفعهم { ولا نصيرا } يدفع عنهم الضرر. ### || [33.18-20] # { قد يعلم الله المعوقين منكم } أي المثبطين ~~للناس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم المنافقون { ~~والقائلين لإخونهم } من منافقي المدينة { هلم ~~إلينا } وهو صوت سمي به فعل متعد نحو احضر أو قرب ويستوي فيه ~~الواحد والجماعة على لغة أهل الحجاز وأما بنو تميم فيقولون هلم ~~يا رجل وهلموا يا رجال أي قربوا أنفسكم إلينا وهذا يدل على ~~أنهم عند هذا القول خارجون من المعسكر متوجهون نحو المدينة { ~~ولا يأتون البأس } أي الحراب والقتال { إلا قليلا } أي ~~إتيانا أو زمانا أو بأسا قليلا فإنهم يعتذرون ويثبطون ما أمكن ~~لهم ويخرجون مع المؤمنين يوهمونهم أنه معهم ولا تراهم يبارزون ~~ويقاتلون إلا شيئا قليلا إذا اضطروا إليه كقوله تعالى: # ما قاتلوا إلا قليلا # [سورة الأحزاب: الآية 20] وقيل إنه من تتمة كلامهم معناه ولا يأتي ~~أصحاب محمد حرب الأحزاب ولا يقاومونهم إلا قليلا { أشحة ~~عليكم } أي بخلاء عليكم بالمعاونة أو النفقة في سبيل الله أو ~~الظفر والغنيمة جمع شحيح ونصبه على الحالية من فاعل يأتون من ~~المعوقين أو على الذم { فإذا جاء الخوف رأيتهم ~~ينظرون إليك تدور أعينهم ms2659 } في أحداقهم { كالذى ~~يغشى عليه من الموت } صفة لمصدر ينظرون أو حال من فاعله ~~أو لمصدر تدور أو حال من أعينهم أي ينظرون نظرا كائنا كنظر ~~المغشي عليه من معالجة سكرات الموت حذرا وخورا ولوذا بك أو ~~ينظرون كائنين كالذي الخ أو تدور أعينهم دورانا كائنا كدوران عينه ~~أو تدور أعينهم كائنة كعينه { فإذا ذهب الخوف } وحيزت ~~الغنائم { سلقوكم } ضربوكم { بألسنة حداد } وقالوا وفروا ~~قسمتنا فإنا قد شاهدناكم وقاتلنا معكم وبمكاننا غلبتم عدوكم وبنا ~~نصرتم عليه والسلق البسط بقهر باليد أو باللسان. وقرىء ~~صلقوكم { أشحة على الخير } نصب على الحالية أو الذم ~~ويؤيده القراءة بالرفع { أولئك } الموصوفون بما ذكر من ~~صفات السوء { لم يؤمنوا } بالإخلاص { فأحبط الله ~~أعملهم } أي أظهر بطلانها إذ لم يثبت لهم أعمال فتبطل أو ~~أبطل تصنعهم ونفاقهم فلم يبق مستتبعا لمنعفة دنيوية أصلا { وكان ~~ذلك } الإحباط { على الله يسيرا } هينا وتخصيص يسره ~~بالذكر مع أن كل شيء عليه تعالى يسير لبيان أن أعمالهم ~~حقيقة بأن يظهر حبوطها لكمال تعاضد الدواعي وعدم الصوارف ~~بالكلية { يحسبون الأحزاب لم يذهبوا } أي هؤلاء ~~لجبنهم يظنون أن الأحزاب لم ينهزموا ففروا إلى داخل المدينة { ~~وإن يأت الأحزاب } كرة ثانية { يودوا لو أنهم ~~بادون فى الأعراب } تمنوا أنهم خارجون إلى البدو حاصلون ~~بين الأعراب وقرىء بدى جمع باد كغاز وغزى { يسئلون } ~~كل قادم من جانب المدينة وقرىء يساءلون أي يتساءلون ومعناه يقول ~~بعضهم لبعض ماذا سمعت ماذا بلغك أو يتساءلون الأعراب كما يقال ~~رأيت الهلال وتراءيناه فإن صيغة التفاعل قد تجرد عن معنى ~~كون ما أسندت إليه فاعلا من وجه ومفعولا من وجه ويكتفي بتعدد ~~الفاعل كما في المثال المذكور ونظائره { عن أنبائكم } عما ~~جرى عليكم { ولو كانوا فيكم } هذه الكرة ولم يرجعوا إلى ~~المدينة وكان قتال { ما قاتلوا إلا قليلا } رياء وخوفا من ~~التعيير. ### || [33.21-22] # { لقد كان لكم فى رسول الله أسوة حسنة } خصلة ~~حسنة حقها أن يؤتسى بها كالثبات في الحرب ومقاساة الشدائد ~~أو هو في نفسه قدوة يحق التأسي ms2660 به كقولك في البيضة عشرون منا حديدا ~~أي هي في نفسها هذا القدر من الحديد وقرىء بكسر الهمزة وهي لغة ~~فيها { لمن كان يرجو الله واليوم الآخر } أي ثواب الله ~~أو لقاءه أو أيام الله واليوم الآخر خصوصا وقيل: هو مثل ~~قولك أرجو زيدا وفضله فإن اليوم الآخر من أيام الله تعالى ولمن ~~كان صلة لحسنة أو صفة لها وقيل بدل من لكم والأكثرون على أن ضمير ~~المخاطب لا يبدل منه { وذكر الله } أي وقرن بالرجاء ذكر ~~الله { كثيرا } أي ذكرا كثيرا أو زمانا كثيرا فإن المثابرة ~~على ذكره تعالى تؤدي إلى ملازمة الطاعة وبها يتحقق الانتساء ~~برسول الله صلى الله عليه وسلم. # { ولما رأى المؤمنون الأحزاب } بيان لما صدر عن ~~خلص المؤمنين عند اشتباه الشؤون واختلاف الظنون بعد حكاية ما ~~صدر عن غيرهم أي لما شاهدوهم حسبما وصفوا لهم { قالوا هذا } ~~مشيرين إلى ما شاهدوه من حيث هو غير أن يخطر ببالهم لفظ يدل ~~عليه فضلا عن تذكيره وتأنيثه فإنهما من أحكام اللفظ كما مر في ~~قوله تعالى: # فلما رأى الشمس بازغة قال هذا ربى # [سورة الأنعام: الآية 78] وجعله إشارة إلى الخطب أو البلاء من نتائج ~~النظر الجليل فتدبر. نعم يجوز التذكير باعتبار الخبر الذي ~~هو { ما وعدنا الله ورسوله } فإن ذلك العنوان أول ما ~~يخطر ببالهم عند المشاهدة ومرادهم بذلك ما وعدوه بقوله تعالى: # أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل ~~الذين خلوا من قبلكم مستهم البأساء والضراء # [سورة البقرة: الآية 214] إلى قوله تعالى: # ألا إن نصر الله قريب # [سورة البقرة: الآية 214] وقوله عليه الصلاة والسلام: # " سيشتد الأمر باجتماع الأحزاب عليكم والعاقبة لكم عليهم " # [لم أقف عليه] وقوله عليه الصلاة والسلام: # " إن الأحزاب سائرون إليكم بعد تسع ليال أو عشر ". # وقرىء بكسر الراء وفتح الهمزة { وصدق الله ورسوله } ~~أي ظهر صدق خبر الله تعالى ورسوله أو صدقا في النصرة والثواب ~~كما صدقا في البلاء وإظهار الاسم للتعظيم { وما زادهم } أي ~~ما رأوه { إلا إيمانا } بالله تعالى وبمواعيده ms2661 { وتسليما } ~~لأوامره ومقاديره. ### || [33.23] # { من المؤمنين } أي المؤمنين بالإخلاص مطلقا لا الذين ~~حكيت محاسنهم خاصة { رجال صدقوا ما عهدوا الله ~~عليه } من الثبات مع الرسول عليه الصلاة والسلام ~~والمقاتلة لأعداء الدين وهم رجال من الصحابة رضي الله عنهم ~~نذروا أنهم إذا لقوا حربا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ثبتوا ~~وقاتلوا حتى يستشهدوا وهم عثمان بن عفان وطلحة بن عبيد ~~الله وسعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل وحمزة ومصعب بن عمير ~~وأنس بن النضر وغيرهم رضوان الله تعالى عليهم أجمعين ومعنى ~~صدقوا أتوا بالصدق من صدقني إذا قال لك الصدق. ومحل ما ~~عاهدوا النصب إما بطرح الخافض عنه وإيصال الفعل إليه كما في ~~قولهم: صدقني سن بكره أي في سنه وإما بجعل المعاهد عليه ~~مصدوقا على المجاز كأنهم خاطبوه خطاب من قال لكرمائه: # نحرتني الأعداء إن لم تنحري # وقالوا له: سنفي بك وحيث وفوا به فقد صدقوه ولو كانوا نكثوه لكذبوه ~~ولكان مكذوبا { فمنهم من قضى نحبه } تفصيل لحال ~~الصادقين وتقسيم لهم إلى قسمين. والنحب النذر وهو أن يلتزم ~~الإنسان شيئا من أعماله ويوجبه على نفسه، وقضاؤه الفراغ منه ~~والوفاء به ومحل الجار والمجرور الرفع على الابتداء على أحد ~~الوجهين المذكورين في قوله تعالى: # ومن الناس من يقول ءامنا بالله # [سورة البقرة: الآية 8] الآية، أي فبعضهم أو فبعض منهم من خرج عن ~~العهدة كحمزة ومصعب بن عمير وأنس بن النضر عم أنس بن ~~مالك وغيرهم رضوان الله عليهم أجمعين فإنهم قد قضوا نذورهم سواء ~~كان النذر على حقيقته بأن يكون ما نذروه أفعالهم الاختيارية ~~التي هي المقاتلة المغياة بما ليس منها ولا يدخل تحت النذر وهو ~~الموت شهيدا أو كان مستعارا لالتزامه على ما سيأتي. # { ومنهم } أي وبعضهم أو بعض منهم { من ينتظر } أي قضاء ~~نحبه لكونه موقنا كعثمان وطلحة وغيرهما ممن استشهد بعد ذلك ~~رضوان الله تعالى عليهم أجمعين فإنهم مستمرون على نذورهم قد قضوا ~~بعضها وهو الثبات مع رسول الله صلى الله عليه وسلم والقتال إلى ms2662 ~~حين نزول الآية الكريمة ومنتظرون لقضاء بعضها الباقي وهو القتال ~~إلى الموت شهيدا. هذا ويجوز أن يكون النحب مستعارا لالتزام ~~الموت شهيدا إما بتنزيل التزام أسبابه التي هي أفعال اختيارية ~~للناذر منزلة التزام نفسه وإما بتنزيل نفسه منزلة أسبابه ~~وإيراد الالتزام عليه وهو الأنسب بمقام المدح، وأيا ما كان ففي ~~وصفهم بالانتظار المنبىء عن الرغبة في المنتظر شهادة حقة ~~بكمال اشتياقهم إلى الشهادة، وأما ما قيل من أن النحب ~~استعير للموت لأنه كنذر لازم في رقبة كل حيوان فمسخ ~~للاستعارة وذهاب برونقها وإخراج للنظم الكريم عن مقتضى المقام ~~بالكلية { وما بدلوا } عطف على صدقوا وفاعله فاعله أي وما ~~بدلوا عهدهم وما غيروه { تبديلا } أي تبديلا ما لا أصلا ولا ~~وصفا بل ثبتوا عليه راغبين فيه مراعين لحقوقه على أحسن ما يكون، ~~أما الذين قضوا فظاهر وأما الباقون فيشهد به انتظارهم أصدق ~~شهادة وتعميم عدم التبديل للفريق الأول مع ظهور حالهم للإيذان ~~بمساواة الفريق الثاني لهم في الحكم ويجوز أن يكون ضمير ~~بدلوا للمنتظرين خاصة بناء على أن المحتاج إلى البيان حالهم ~~وقد روي # " أن طلحة رضي الله عنه ثبت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم ~~أحد حتى أصيبت يده فقال عليه الصلاة والسلام: " أوجب طلحة ~~الجنة " # وفي رواية: # " أوجب طلحة " # وعنه عليه الصلاة والسلام في رواية جابر رضي الله عنه: # " من سره أن ينظر إلى شهيد يمشي على الأرض فلينظر إلى طلحة ~~بن عبيد الله " # وفي رواية عائشة رضي الله عنها: # " من سره أن ينظر إلى شهيد يمشي على الأرض وقد قضى نحبه ~~فلينظر إلى طلحة " # وهذا يشير إلى أنه من الأولين حكما. ### || [33.24-25] # { ليجزى الله الصدقين بصدقهم } متعلق بمضمر ~~مستأنف مسوق بطريق الفذلكة لبيان ما هو داع إلى وقوع ما حكي من ~~الأحوال والأقوال على التفصيل وغاية له كما مر في قوله تعالى: # ليسأل الصدقين عن صدقهم # [سورة الأحزاب: الآية 8] كأنه قيل: وقع جميع ما وقع ليجزي الله ~~الصادقين بما صدر عنهم من الصدق والوفاء قولا وفعلا ms2663 { ~~ويعذب المنفقين } بما صدر عنهم من الأعمال والأقوال ~~المحكية { إن شاء } تعذيبهم { أو يتوب عليهم } إن ~~تابوا وقيل: متعلق بما قبله من نفي التبديل المنطوق وإثباته ~~المعرض به كأن المنافقين قصدوا بالتبديل عاقبة السوء كما ~~قصد المخلصون بالثبات والوفاء العاقبة الحسنى، وقيل: تعليل ~~لصدقوا، وقيل: لما يفهم من قوله تعالى: # وما زادهم إلا إيمانا وتسليما # [سورة الأحزاب: الآية 22] وقيل: لما يستفاد من قوله تعالى: # ولما رأى المؤمنون الأحزاب # [سورة الأحزاب: الآية 22] كأنه قيل: ابتلاهم الله تعالى برؤية ذلك ~~الخطب ليجزي الآية فتأمل وبالله التوفيق. { إن الله كان ~~غفورا رحيما } أي لمن تاب وهو اعتراض فيه بعث إلى التوبة. ~~وقوله تعالى: { ورد الله الذين كفروا } رجوع إلى حكاية ~~بقية القصة وتفصيل تتمة النعمة المشار إليها إجمالا بقوله ~~تعالى: # فأرسلنا عليهم ريحا وجنودا لم تروها # [سورة الأحزاب: الآية 9] معطوف إما على المضمر المقدر قبل قوله ~~تعالى: # ليجزى الله # كأنه قيل إثر حكاية الأمور المذكورة: وقع ما وقع من الحوادث ~~ورد الله الخ، وإما على أرسلنا وقد وسط بينهما بيان كون ما ~~نزل بهم واقعة طامة تحيرت بها العقول والأفهام وداهية تامة ~~تحاكت منها الركب وزلت الأقدام. وتفصيل ما صدر عن فريقي أهل ~~الإيمان وأهل الكفر والنفاق من الأحوال والأقوال لإظهار عظم ~~النعمة وإبانة خطرها الجليل ببيان وصولها إليهم عند غاية ~~احتياجهم إليها أي فأرسلنا عليهم ريحا وجنودا لم تروها ورددنا بذلك ~~الذين كفروا، والالتفات إلى الاسم الجليل لتربية المهابة وإدخال ~~الروعة. وقوله تعالى: { بغيظهم } حال من الموصول أي ملتبسين ~~به وكذا قوله تعالى: { لم ينالوا خيرا } بتداخل أو تعاقب أي ~~غير ظافرين بخير أو الثانية بيان للأولى أو استئناف. # { وكفى الله المؤمنين القتال } بما ذكر من إرسال ~~الريح والجنود { وكان الله قويا } على إحداث كل ما ~~يريد { عزيزا } غالبا على كل شيء. ### || [33.26-28] # { وأنزل الذين ظهروهم } أي عاونوا الأحزاب المردودة { ~~من أهل الكتب } وهم بنو قريظة { من صياصيهم } من ~~حصونهم، جمع صيصية وهي ما يتحصن به، ولذلك يقال لقرن ~~الثور والظبي وشوكة ms2664 الديك { وقذف فى قلوبهم ~~الرعب } الخوف الشديد بحيث أسلموا أنفسهم للقتل وأهليهم ~~وأولادهم للأسر حسبما ينطق به قوله تعالى: { فريقا تقتلون ~~وتأسرون فريقا } من غير أن يكونه من جهتهم حراك فضلا عن ~~المخالفة والاستعصاء. روي أن جبريل عليه السلام أتى رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم صبيحة الليلة التي انهزم فيها الأحزاب ~~ورجع المسلمون إلى المدينة ووضعوا السلاح فقال: أتنزع لأمتك ~~والملائكة ما وضعوا السلاح، إن الله يأمرك أن تسير إلى بني ~~قريظة وأنا عامد إليهم. فأذن في الناس أن لا يصلوا العصر إلا ~~ببني قريظة فحاصروهم إحدى وعشرين أو خمسا وعشرين ليلة حتى ~~جهدهم الحصار فقال لهم: # " تنزلون على حكمي " # فأبوا فقال: # " على حكم سعد بن معاذ " # فرضوا به فحكم سعد بقتل مقاتليهم وسبي ذراريهم ونسائهم، فكبر ~~النبي عليه الصلاة والسلام وقال: # " لقد حكمت بحكم الله من فوق سبعة أرقعة ". # فقتل منهم ستمائة مقاتل وقيل: من ثمانمائة إلى تسعمائة وأسر ~~سبعمائة. وقرىء تأسرون بضم السين، كما قرىء الرعب بضم ~~العين، ولعل تأخير المفعول في الجملة الثانية مع أن مساق ~~الكلام لتفصيله وتقسيمه كما في قوله تعالى: # ففريقا كذبتم وفريقا تقتلون # [سورة البقرة: الآية 87] وقوله تعالى: # فريقا كذبوا وفريقا يقتلون # [سورة المائدة: الآية 70] لمراعاة الفواصل. # { وأورثكم أرضهم وديرهم } أي حصونهم { ~~وأمولهم } نقودهم وأثاثهم ومواشيهم. روي # " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جعل عقارهم للمهاجرين دون ~~الأنصار فقالت الأنصار في ذلك فقال عليه الصلاة والسلام: " ~~إنكم في منازلكم " فقال عمر رضي الله عنه: أما تخمس كما خمست ~~يوم بدر؟ فقال عليه الصلاة والسلام: " لا. إنما جعلت هذه لي ~~طعمة دون الناس " قالوا: رضينا بما صنع الله ورسوله " # { وأرضا لم تطؤوها } أي أورثكم في علمه وتقديره أرضا لم ~~تقبضوها بعد كفارس والروم وقيل: كل أرض تفتح إلى يوم القيامة ~~وقيل: خيبر { وكان الله على كل شىء قديرا } فقد ~~شاهدتم بعض مقدوراته في إيراث الأراضي التي تسلمتموها فقيسوا ~~عليها ما عداها. # { يأيها النبى قل لأزوجك إن كنتن تردن ~~الحيوة الدنيا } أي السعة ms2665 والتنعم فيها { وزينتها } ~~وزخارفها { فتعالين } أي أقبلن بإرادتكن واختياركن لإحدى ~~الخصلتين كما يقال: أقبل يخاصمني وذهب يكلمني وقام يهددني { ~~أمتعكن } بالجزم جوابا للأمر وكذا { وأسرحكن } أي ~~أعطيكن المتعة وأطلقن { سراحا جميلا } طلاقا من غير ضرار. ~~وقرىء بالرفع على الاستئناف. # روي أنهن سألنه عليه الصلاة والسلام ثياب الزينة وزيادة ~~النفقة فنزلت فبدأ بعائشة فخيرها فاختارت الله ورسوله ~~والدار الآخرة ثم اختارت الباقيات اختيارها فشكر لهن الله ~~ذلك فنزل: # لا يحل لك النساء من بعد # [سورة الأحزاب: الآية 52]. واختلف في أن هذا التخيير هل كان تفويض ~~الطلاق إليهن حتى يقع الطلاق بنفس الاختيار أو لا. فذهب ~~الحسن وقتادة وأكثر أهل العلم إلى أنه لم يكن تفويض الطلاق ~~وإنما كان تخييرا لهن بين الإرادتين على أنهن إن أردن ~~الدنيا فارقهن عليه الصلاة والسلام كما ينبىء عنه قوله ~~تعالى: # فتعالين أمتعكن وأسرحكن # [سورة الأحزاب: الآية 33] وذهب آخرون إلى أنه كان تفويضا للطلاق ~~إليهن حتى لو أنهن اخترن أنفسهن كان ذلك طلاقا وكذا اختلف في ~~حكم التخيير فقال ابن عمر وابن مسعود وابن عباس رضي الله ~~تعالى عنهم: إذا خير رجل امرأته فاختارت زوجها لا يقع شيء أصلا ~~ولو اختارت نفسها وقعت طلقة بائنة عندنا ورجعية عند الشافعي، ~~وهو قول عمر بن عبد العزيز وابن أبي ليلى وسفيان، وروي عن ~~زيد بن ثابت أنها إن اختارت زوجها يقع طلقة واحدة وإن ~~اختارت نفسها يقع ثلاث طلقات وهو قول الحسن ورواية عن مالك. ~~وروي عن علي رضي الله عنه أنها إن اختارت نفسها فواحدة بائنة ~~وروي عنه أيضا أنها إن اختارت زوجها لا يقع شيء أصلا، وعليه ~~إجماع فقهاء الأمصار. وقد روي # " عن عائشة رضي الله عنها: " خيرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فاخترناه ولم يعده طلاقا " # وتقديم التمتيع على التسريح من باب الكرم وفيه قطع ~~لمعاذيرهن من أول الأمر. والمتعة في المطلقة التي لم يدخل بها ولم ~~يفرض لها صداق عند العقد واجبة عندنا وفيما عداهن مستحبة وهي ~~درع وخمار وملحفة بحسب السعة والإقتار ms2666 إلا أن يكون نصف ~~مهرها أقل من ذلك فحينئذ يجب لها الأقل منهما ولا ينقص عن ~~خمسة دراهم. ### || [33.29-30] # { وإن كنتن تردن الله ورسوله } أي تردن رسوله ~~وذكر الله عز وجل للإيذان بجلالة محله عليه الصلاة ~~والسلام عنده تعالى { والدار الآخرة } أي نعيمها الذي لا ~~قدر عنده للدنيا وما فيها جميعا { فإن الله أعد ~~للمحسنت منكن } بمقابلة إحسانهن { أجرا عظيما } لا ~~يقادر قدره ولا يبلغ غايته. ومن للتبيين لأن كلهن محسنات ~~وتجريد الشرطية الأولى عن الوعيد للمبالغة في تحقيق معنى ~~التخيير والاحتراز عن شائبة الإكراه وهو السر فيما ذكر من ~~تقديم التمتيع على التسريح وفي وصف السراح بالجميل. # { ينساء النبى } تلوين للخطاب وتوجيه له إليهن لإظهار ~~الاعتناء بنصحهن، ونداؤهن ههنا وفيما بعده بالإضافة إليه عليه ~~الصلاة والسلام لأنها التي يدور عليها ما يرد عليهن من ~~الأحكام { من يأت منكن بفحشة } بكبيرة { مبينة } ~~ظاهرة القبح من بين بمعنى تبين وقرىء بفتح الياء والمراد بها ~~كل ما اقترفن من الكبائر وقيل: هي عصيانهن لرسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ونشوزهن وطلبهن منه ما يشق عليه أو ما يضيق به ذرعه ~~ويغتم لأجله. وقرىء تأت بالفوقانية { يضاعف لها العذاب ~~ضعفين } أي يعذبن ضعفي عذاب غيرهن أي مثليه لأن الذنب ~~منهن أقبح فإن زيادة قبحه تابعة لزيادة فضل المذنب والنعمة ~~عليه ولذلك جعل حد الحر ضعف حد الرقيق وعوتب الأنبياء ~~عليهم الصلاة والسلام بما لا يعاتب به الأمم. وقرىء يضعف على ~~البناء للمفعول ويضاعف ونضعف بنون العظمة على البناء للفاعل ~~ونصب العذاب { وكان ذلك على الله يسيرا } لا يمنعه من ~~التضعيف كونهن نساء النبي عليه الصلاة والسلام بل يدعوه ~~إليه لمراعاة حقه. ### || [33.31-33] # { ومن يقنت منكن } وقرىء بالتاء أي ومن يدم على ~~الطاعة { لله ورسوله وتعمل صلحا نؤتها ~~أجرها مرتين } مرة على الطاعة والتقوى وأخرى على طلبهن ~~رضا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالقناعة وحسن المعاشرة. وقرىء ~~يعمل بالياء حملا على لفظ من ويؤتها على أن فيه ضمير اسم ~~الله تعالى { وأعتدنا لها ms2667 } في الجنة زيادة على أجرها ~~المضاعف { رزقا كريما } مرضيا. # { ينساء النبى لستن كأحد من النساء } أصل أحد ~~وحد بمعنى الواحد ثم وضع في النفي مستويا فيه المذكر ~~والمؤنث والواحد والكثير. والمعنى لستن كجماعة واحدة من جماعات ~~النساء في الفضل والشرف { إن اتقيتن } مخالفة حكم الله ~~تعالى ورضا رسوله أو إن اتصفتن بالتقوى كما هو اللائق بحالكن ~~{ فلا تخضعن بالقول } عند مخاطبة الناس أي لا تجبن ~~بقولكن خاضعا لينا على سنن قول المريبات والمومسات { ~~فيطمع الذى فى قلبه مرض } أي فجور وريبة. وقرىء ~~بالجزم عطفا على محل فعل النهي على أنه نهي لمريض القلب عن ~~الطمع عقيب نهيهن عن الإطماع بالقول الخاضع كأنه قيل: فلا ~~تخضعن بالقول فلا يطمع مريض القلب { وقلن قولا معروفا ~~} بعيدا عن الريبة والإطماع بجد وخشونة من غير تخنيث أو قولا ~~حسنا مع كونه خشنا { وقرن فى بيوتكن } أمر من قر ~~يقر من باب علم وأصله اقررن فحذفت الراء الأولى وألقيت ~~فتحتها على ما قبلها كما في قولك: ظلن، أو من قار يقار إذا ~~اجتمع، وقرىء بكسر القاف من وقر يقر وقارا إذا ثبت واستقر ~~وأصله أوقرن ففعل به ما فعل بعدن من وعد أو من قر يقر حذفت إحدى ~~راءي اقررن ونقلت كسرتها إلى القاف كما تقول: ظلن { ولا تبرجن ~~} أي لا تتبخترن في مشيكن { تبرج الجهلية الأولى } ~~أي تبرجا مثل تبرج النساء في الجاهلية القديمة وهي ما بين آدم ~~ونوح وقيل: إدريس ونوح عليهما السلام وقيل: الزمان الذي ولد فيه ~~إبراهيم عليه السلام كانت المرأة تلبس درعا من اللؤلؤ ~~فتمشي وسط الطريق تعرض نفسها على الرجال وقيل: زمن داود ~~وسليمان عليهما السلام. والجاهلية الأخرى ما بين عيسى ~~ومحمد عليهما الصلاة والسلام وقيل: الجاهلية الأولى الكفر ~~والجاهلية الأخرى الفسوق في الإسلام ويؤيده قوله عليه ~~الصلاة والسلام لأبي الدرداء: # " " إن فيك جاهلية " قال: جاهلية كفر أو جاهلية إسلام قال: " بل ~~جاهلية كفر " # { وأقمن الصلاة وآتين الزكاة } أمرن بهما لإنافتهما ~~على غيرهما وكونهما أصل الطاعات البدنية والمالية { وأطعن ms2668 ~~الله ورسوله } أي في كل ما تأتن وما تذرن لا سيما فيما ~~أمرتن به ونهيتن عنه { إنما يريد الله ليذهب عنكم ~~الرجس } أي الذنب المدنس لعرضكم وهو تعليل لأمرهن ونهيهن على ~~الاستئناف ولذلك عمم الحكم بتعميم الخطاب لغيرهن وصرح ~~بالمقصود حيث قيل بطريق النداء أو المدح: { أهل البيت } ~~مرادا بهم من حواهم بيت النبوة { ويطهركم } من أوضار ~~الأوزار والمعاصي { تطهيرا } بليغا. # واستعارة الرجس للمعصية، والترشيح بالتطهير لمزيد ~~التنفير عنها، وهذه كما ترى آية بينة وحجة نيرة على كون ~~نساء النبي عليه الصلاة والسلام من أهل بيته قاضية ~~ببطلان رأي الشيعة في تخصيصهم أهلية البيت بفاطمة وعلي ~~وابنيهما رضوان الله عليهم. وأما ما تمسكوا به من # " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج ذات غدوة وعليه مرط ~~مرحل من شعر أسود، وجلس فأتت فاطمة فأدخلها فيه ثم جاء ~~علي فأدخله فيه، ثم جاء الحسن والحسين فأدخلهما فيه ثم قال: " ~~إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت " # فإنما يدل على كونهم من أهل البيت لا على أن من عداهم ليسوا ~~كذلك ولو فرضت دلالته على ذلك لما اعتد بها لكونها في مقابلة ~~النص. ### || [33.34-35] # { واذكرن ما يتلى فى بيوتكن } أي اذكرن للناس ~~بطريق العظة والتذكير ما يتلى في بيوتكن { من ءايت ~~الله والحكمة } من الكتاب الجامع بين كونه آيات الله ~~البينة الدالة على صدق النبوة بنظمه المعجز وكونه حكمة ~~منطوية على فنون العلوم والشرائع وهو تذكير بما أنعم عليهن ~~حيث جعلهن أهل بيت النبوة ومهبط الوحي وما شاهدن من برحاء ~~الوحي مما يوجب قوة الإيمان والحرص على الطاعة حثا على ~~الانتهاء والائتمار فيما كلفنه، والتعرض للتلاوة في البيوت وإن ~~كان النزول فيها مع أنه الأنسب لكونها مهبط الوحي لعمومها لجميع ~~الآيات ووقوعها في كل البيوت وتكررها الموجب لتمكنهن من ~~الذكر والتذكير بخلاف النزول، وعدم تعيين التالي لتعم ~~تلاوة جبريل وتلاوة النبي عليهما الصلاة والسلام وتلاوتهن ~~وتلاوة غيرهن تعليما وتعلما { إن الله كان لطيفا ~~خبيرا } يعلم ويدبر ما يصلح في الدين ms2669 ولذلك فعل ما فعل من ~~الأمر والنهي أو يعلم من يصلح للنبوة ومن يستأهل أن يكون من ~~أهل بيته. # { إن المسلمين والمسلمت } أي الداخلين في السلم ~~المنقادين لحكم الله تعالى من الذكور والإناث { والمؤمنين ~~والمؤمنت } المصدقين بما يجب أن يصدق به من الفريقين ~~{ والقنتين والقنتت } المداومين على الطاعات ~~القائمين بها { والصدقين والصدقت } في القول والعمل ~~{ والصبرين والصبرت } على الطاعات وعن المعاصي { ~~والخشعين والخشعت } المتواضعين لله بقلوبهم ~~وجوارحهم { والمتصدقين والمتصدقت } بما وجب في ~~مالهم { والصئمين والصئمت } الصوم المفروض { ~~والحفظين فروجهم والحفظت } عن الحرام { ~~والذكرين الله كثيرا والذكرت } بقلوبهم وألسنتهم { ~~أعد الله لهم } بسبب مما عملوا من الحسنات المذكورة { ~~مغفرة } لما اقترفوا من الصغائر لأنهن مكفرات بما عملوا من ~~الأعمال الصالحة { وأجرا عظيما } على ما صدر عنهم من ~~الطاعات والآيات وعد لهن ولأمثالهن على الطاعة والتدرع ~~بهذه الخصال الحميدة. (روي أن أزواج النبي صلى الله عليه وسلم ~~ورضي عنهن قلن: يا رسول الله، ذكر الله الرجال في القرآن بخير ~~فما فينا خير نذكر به إنا نخاف أن لا يقبل منا طاعة فنزلت). ~~وقيل: السائلة أم سلمة. (وروي أنه لما نزل في نساء ~~النبي عليه الصلاة والسلام ما نزل قال نساء المؤمنين: فما ~~نزل فينا شيء فنزلت). وعطف الإناث على الذكور لاختلاف الجنسين ~~وهو ضروري. وأما عطف الزوجين على الزوجين فلتغاير الوصفين ~~فلا يكون ضروريا ولذلك ترك في قوله تعالى: # مسلمت مؤمنت # [سورة التحريم: الآية 5] وفائدته الدلالة على أن مدار إعداد ما ~~أعد لهم جمعهم بين هذه النعوت الجميلة. ### || [33.36-37] # { وما كان لمؤمن ولا مؤمنة } أي ما صح وما استقام ~~لرجل ولا امرأة من المؤمنين والمؤمنات { إذا قضى الله ~~ورسوله أمرا } أي إذا قضى رسول الله، وذكر الله تعالى ~~لتعظيم أمره عليه الصلاة والسلام أو للإشعار بأن قضاءه ~~عليه الصلاة والسلام قضاء الله عز وجل لأنه (نزل في زينب ~~بنت جحش بنت عمته أميمة بنت عبد المطلب خطبها رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم لزيد بن حارثة فأبت هي وأخوها عبد الله). ~~(وقيل: ms2670 في أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط وهبت نفسها للنبي ~~عليه الصلاة والسلام فزوجها من زيد فسخطت هي وأخوها وقالا: ~~إنما أردنا رسول الله فزوجنا عبده) { أن يكون لهم ~~الخيرة من أمرهم } أن يختاروا من أمرهم ما شاءوا بل يجب ~~عليهم أن يجعلوا رأيهم تبعا لرأيه عليه الصلاة والسلام ~~واختيارهم تلوا لاختياره. وجمع الضميرين لعموم مؤمن ومؤمنة ~~لوقوعهما في سياق النفي. وقيل: الضمير الثاني للرسول عليه ~~الصلاة والسلام والجمع للتعظيم. وقرىء تكون بالتاء { ~~ومن يعص الله ورسوله } في أمر من الأمور ويعمل فيه ~~برأيه { فقد ضل } طريق الحق { ضللا مبينا } أي ~~بين الانحراف عن سنن الصواب. # { وإذ تقول } أي واذكر وقت قولك { للذى أنعم الله ~~عليه } بتوفيقه للإسلام وتوفيقك لحسن تربيته ومراعاته { ~~وأنعمت عليه } بالعمل بما وفقك الله له من فنون الإحسان ~~التي من جملتها تحريره وهو زيد بن حارثة وإيراده بالعنوان المذكور ~~لبيان منافاة حاله لما صدر عنه عليه الصلاة والسلام من إظهار ~~خلاف ما في ضميره إذ هو إنما يقع عند الاستحياء أو الاحتشام ~~وكلاهما مما لا يتصور في حق زيد { أمسك عليك زوجك } أي ~~زينب (وذلك أنه عليه الصلاة والسلام أبصرها بعد ما أنكحها ~~إياه فوقعت في نفسه حالة جبلية لا يكاد يسلم منها البشر ~~فقال: # " سبحان الله مقلب القلوب " # وسمعت زينب بالتسبيحة فذكرتها لزيد ففطن لذلك، ووقع في نفسه ~~كراهة صحبتها فأتى النبي عليه الصلاة والسلام وقال: أريد ~~أن أفارق صاحبتي، فقال: # " ما لك أرابك منها شيء؟ " # قال: لا والله ما رأيت منها إلا خيرا ولكنها لشرفها تتعظم علي، ~~فقال له: # " أمسك عليك زوجك " # { واتق الله } في أمرها فلا تطلقها إضرارا وتعللا بتكبرها { ~~وتخفى فى نفسك ما الله مبديه } وهو نكاحها إن طلقها ~~أو إرادة طلاقها { وتخشى الناس } تعييرهم إياك به { ~~والله أحق أن تخشه } إن كان فيه ما يخشى والواو ~~للحال، وليست المعاتبة على الإخفاء وحده بل على الإخفاء مخافة ~~قالة الناس وإظهار ما ينافي إضماره فإن الأولى في أمثال ذلك ~~أن يصمت أو ms2671 يفوض الأمر إلى ربه { فلما قضى زيد ~~منها وطرا } بحيث لم يبق له فيها حاجة وطلقها وانقضت ~~عدتها وقيل: قضاء الوطر كناية عن الطلاق مثل لا حاجة لي ~~فيك { زوجنكها } وقرىء زوجتكها والمراد الأمر بتزويجها ~~منه عليه الصلاة والسلام وقيل: جعلها زوجته بلا واسطة عقد، ~~ويؤيده أنها كانت تقول لسائر نساء النبي عليه الصلاة ~~والسلام: " إن الله تعالى تولى نكاحي وأنتن زوجكن أولياؤكن ~~". # وقيل: كان زيد السفير في خطبتها وذلك ابتلاء عظيم وشاهد عدل ~~بقوة إيمانه { لكيلا يكون على المؤمنين حرج } ضيق ~~ومشقة { فى أزواج أدعيائهم } أي في حق تزوجهن { إذا ~~قضوا منهن وطرا } فإن لهم في رسول الله أسوة حسنة وفيه ~~دلالة على أن حكمه عليه الصلاة والسلام وحكم الأمة سواء ~~إلا ما خصه الدليل { وكان أمر الله } أي ما يريد تكوينه ~~من الأمور أو مأموره الحاصل بكن { مفعولا } مكونا لا محالة ~~اعتراض تذييلي مقرر لما قبله. ### || [33.38] # { ما كان على النبى من حرج } أي ما صح وما استقام في ~~الحكمة أن يكون له ضيق { فيما فرض الله له } أي قسم له ~~وقدر، من قولهم فرض له في الديوان كذا ومنه فروض العساكر ~~لأعطياتهم { سنة الله } اسم موضوع موضع المصدر كقولهم ~~تربا وجندلا مؤكد لما قبله من نفي الحرج أي سن الله ذلك ~~سنة { فى الذين خلوا } مضوا { من قبل } من الأنبياء ~~عليهم الصلاة السلام حيث وسع عليهم في باب النكاح وغيره ~~ولقد كانت لداود عليه السلام مائة امرأة وثلاثمائة سرية ولسليمان ~~عليه السلام ثلاثمائة امرأة وسبعمائة سرية وقوله تعالى { وكان ~~أمر الله قدرا مقدورا } أي قضاء مقضيا وحكما مبتوتا. ~~اعتراض وسط بين الموصولين الجاريين مجرى الواحد للمسارعة إلى ~~تقرير نفي الحرج وتحقيقه. ### || [33.39-42] # { الذين يبلغون رسالت الله } صفة للذين خلوا أو ~~مدح لهم. بالنصب أو بالرفع. وقرىء رسالة الله { ويخشونه ~~} في كل ما يأتون ويذرون لا سيما في أمر تبليغ الرسالة حيث ~~لا يخرمون منها حرفا ولا تأخذهم في ذلك لومة لائم { ولا ~~يخشون أحدا إلا الله } في ms2672 وصفهم بقصرهم الخشية على الله ~~تعالى تعريض بما صدر عنه عليه الصلاة والسلام من الاحتراز عن ~~لائمة الخلق بعد التصريح في قوله تعالى: # وتخشى الناس والله أحق أن تخشه # [سورة الأحزاب: الآية 37] { وكفى بالله حسيبا } كافيا ~~للمخاوف فينبغي أن لا يخشى غيره، أو محاسبا على الصغيرة ~~والكبيرة فيجب أن يكون حق الخشية منه تعالى. # { ما كان محمد أبا أحد من رجالكم } أي على الحقيقة ~~حيث يثبت بينه وبينه ما يثبت بين الوالد وولده من حرمة ~~المصاهرة وغيرها ولا ينتقض عمومه بكونه عليه الصلاة والسلام ~~أبا للطاهر والقاسم وإبراهيم لأنهم لم يبلغوا الحلم ولو بلغوا ~~لكانوا رجالا له عليه الصلاة والسلام لا لهم { ولكن ~~رسول الله } أي كان رسولا لله وكل رسول أبو أمته لكن لا ~~حقيقة بل بمعنى أنه شفيق ناصح لهم وسبب لحياتهم الأبدية وما زيد ~~إلا واحد من رجالكم الذين لا ولاد بينهم وبينه عليه الصلاة ~~والسلام فحكمه حكمهم وليس للتبني والادعاء حكم سوى التقريب ~~والاختصاص { وخاتم النبيين } أي كان آخرهم الذين ختموا به. ~~وقرىء بكسر التاء أي كان خاتمهم ويؤيده قراءة ابن مسعود ولكن ~~نبيا ختم النبيين، وأيا ما كان فلو كان له ابن بالغ لكان ~~نبيا ولم يكن هو عليه الصلاة والسلام خاتم النبيين كما ~~يروى أنه قال في إبراهيم حين توفي # " لو عاش لكان نبيا " # ولا يقدح فيه نزول عيسى بعده عليهما السلام لان معنى كونه ~~خاتم النبيين أنه لا ينبأ بعده أحد وعيسى ممن نبىء ~~قبله وحين ينزل إنما ينزل عاملا على شريعة محمد صلى الله عليه ~~وسلم مصليا إلى قبلته كأنه بعض أمته { وكان الله بكل ~~شىء عليما } ومن جملته هذه الأحكام والحكم التي بينها لكم ~~وكنتم منها في شك مريب. # { يأيها الذين ءامنوا اذكروا الله } بما هو أهله ~~من التهليل والتحميد والتمجيد والتقديس { ذكرا كثيرا } يعم ~~الأوقات والأحوال { وسبحوه } ونزهوه عما لا يليق به { ~~بكرة وأصيلا } أي أول النهار وآخره على أن تخصيصهما ~~بالذكر ليس لقصر التسبيح عليهما دون سائر الأوقات بل ms2673 ~~لإبانة فضلهما على سائر الأوقات لكونهما مشهودين كأفراد ~~التسبيح من بين الأذكار مع اندراجه فيها لكونه العمدة فيها ~~وقيل: كلا الفعلين متوجه إليهما كقولك صم وصل يوم الجمعة ~~وقيل: المراد بالتسبيح الصلاة. ### || [33.43-45] # { هو الذى يصلى عليكم } الخ استئناف جار مجرى التعليل ~~لما قبله من الأمرين فإن صلاته تعالى عليهم مع عدم استحقاقهم لها ~~وغناه عن العالمين مما يوجب عليهم المداومة على ما يستوجبه ~~تعالى علهم من ذكره تعالى وتسبيحه تعالى: { وملئكته } عطف ~~على المستكن في يصلي لمكان الفصل المغني عن التأكيد بالمنفصل ~~لكن لا على أن يراد بالصلاة الرحمة أولا والاستغفار ثانيا ~~فإن استعمال اللفظ الواحد في معنيين متغايرين مما لا مساغ ~~له بل على أن يراد بهما معنى مجازي عام يكون كلا المعنيين ~~فردا حقيقيا له وهو الاعتناء بما فيه خيرهم وصلاح أمرهم فإن ~~كلا من الرحمة والاستغفار فرد حقيقي له أو الترحم ~~والانعطاف المعنوي المأخوذ من الصلاة المشتملة على الانعطاف ~~الصوري الذي هو الركوع والسجود. ولا ريب في أن استغفار ~~الملائكة ودعاءهم للمؤمنين ترحم عليهم، وأما أن ذلك سبب ~~للرحمة لكونهم مجابي الدعوة كما قيل فاعتباره ينزع إلى ~~الجمع بين المعنيين المتغايرين فتدبر { ليخرجكم من ~~الظلمت إلى النور } متعلق بيصلي أي يعتني بأموركم هو ~~وملائكته ليخرجكم بذلك من ظلمات المعصية إلى نور الطاعة.وقوله ~~تعالى: { وكان بالمؤمنين رحيما } اعتراض مقرر لمضمون ما ~~قبله أي كان بكافة المؤمنين الذين أنتم من زمرتهم رحيما ولذلك ~~يفعل بكم ما يفعل من الاعتناء بإصلاحكم بالذات وبالواسطة ويهديكم ~~إلى الإيمان والطاعة أو كان بكم رحيما على أن المؤمنين مظهر ~~وضع موضع المضمر مدحا وإشعارا بعلة الرحمة. وقوله تعالى: { ~~تحيتهم يوم يلقونه سلم } بيان للأحكام الآجلة ~~لرحمة الله تعالى بهم بعد بيان آثارها العاجلة التي هي الاعتناء ~~بأمرهم وهدايتهم إلى الطاعة أي ما يحيون به على أنه مصدر ~~أضيف إلى مفعوله يوم لقائه عند الموت أو عند البعث من القبور ~~أو عند دخول الجنة تسليم عليهم من الله عز وجل تعظيما لهم ~~أو من ms2674 الملائكة بشارة لهم بالجنة أو تكرمة لهم كما في قوله ~~تعالى: # والملئكة يدخلون عليهم من كل باب * سلم ~~عليكم # [سورة الرعد: الآية 23] أو إخبار بالسلامة عن كل مكروه وآفة. ~~وقوله تعالى { وأعد لهم أجرا كريما } بيان لأثار ~~رحمته الفائضة عليهم بعد دخول الجنة عقيب بيان آثار رحمته ~~الواصلة إليهم قبل ذلك. ولعل إيثار الجملة الفعلية على الإسمية ~~المناسبة لما قبلها بأن يقال مثلا: وأجرهم أجر كريم أو ولهم أجر كريم ~~للمبالغة في الترغيب والتشويق إلى الموعود ببيان أن الأجر ~~الذي هو المقصد الأقصى من بين سائر آثار الرحمة موجود ~~بالفعل مهيئا لهم مع ما فيه من مراعاة الفواصل. # { يأيها النبى إنا أرسلنك شاهدا } على من ~~بعثت إليهم تراقب أحوالهم وتشاهد أعمالهم وتتحمل منهم ~~الشهادة بما صدر عنهم من التصديق والتكذيب وسائر ما هم عليه ~~من الهدى والضلال وتؤديها يوم القيامة أداء مقبولا فيما لهم ~~وما عليهم وهو حال مقدرة { ومبشرا ونذيرا } تبشر ~~المؤمنين بالجنة وتنذر الكافرين بالنار. ### || [33.46-49] # { وداعيا إلى الله } أي إلى الإقرار به وبوحدانيته وبسائر ~~ما يجب الإيمان به من صفاته وأفعاله { بإذنه } أي بتيسيره. ~~أطلق عليه مجازا لما أنه من أسبابه، وقيد به الدعوة إيذانا ~~بأنها أمر صعب المنال وخطب في غاية الإعضال لا يتأتى إلا ~~بإمداد من جناب قدسه كيف لا وهو صرف للوجوه عن القبل المعبودة ~~وإدخال للأعناق في قلادة غير معهودة { وسراجا منيرا } ~~يستضاء به في ظلمات الجهل والغواية ويهتدى بأنواره إلى مناهج ~~الرشد والهداية { وبشر المؤمنين } عطف على مقدر ~~يقتضيه المقام ويستدعيه النظام كأنه قيل: فراقب أحوال الناس ~~وبشر المؤمنين منهم { بأن لهم من الله فضلا كبيرا ~~} أي على مؤمني سائر الأمم في الرتبة والشرف أو زيادة على ~~أجور أعمالهم بطريق التفضل والإحسان. # { ولا تطع الكفرين والمنفقين } نهي عن مداراتهم ~~في أمر الدعوة، واستعمال لين الجانب في التبليغ والمسامحة في ~~الإنذار كني عن ذلك بالنهي عن طاعتهم مبالغة في الزجر ~~والتنفير عن المنهي عنه بنطمه في سلكها وتصويره بصورتها. ومن ~~حمل النهي عن ms2675 التهييج والإلهاب فقد أبعد عن التحقيق ~~بمراحل. { ودع أذاهم } أي لا تبال بأذيتهم لك بسبب تصلبك ~~في الدعوة والإنذار. { وتوكل على الله } في ما تأتي وما ~~تذر من الشؤون التي من جملتها هذا الشأن فإنه تعالى يكفيكهم { ~~وكفى بالله وكيلا } موكولا إليه الأمور في كل الأحوال. ~~وإظهار الاسم الجليل في موضع الإضمار لتعليل الحكم وتأكيد ~~استقلال الاعتراض التذييلي. ولما وصف عليه الصلاة والسلام ~~بنعوت خمسة قوبل كل منها بخطاب يناسبه خلا أنه لم يذكر مقابل ~~الشاهد صريحا وهو الأمر بالمراقبة ثقة بظهور دلالة مقابل ~~المبشر عليه وهو الأمر بالتبشير حسبما ذكر آنفا وقوبل ~~النذير بالنهي عن مداراة الكفار والمنافقين والمسامحة في ~~إنذارهم كما تحققته، وقوبل الداعي إلى الله بإذنه بالأمر ~~وبالتوكل عليه من حيث إنه عبارة عن الاستمداد منه تعالى ~~والاستعانة به، وقوبل السراج المنير بالاكتفاء به تعالى فإن من ~~أيده الله تعالى بالقوة القدسية ورشحه للنبوة وجعله ~~برهانا نيرا يهدي الخلق من ظلمات الغي إلى نور الرشاد ~~حقيق بأن يكتفي به عن كل ما سواه. # { يأيها الذين ءامنوا إذا نكحتم المؤمنت ~~ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن } أي تجامعوهن ~~وقرىء تماسوهن بضم التاء { فما لكم عليهن من ~~عدة } بأيام يتربصن فيها بأنفسهن { تعتدونها } تستوفون ~~عددها من عددت الدراهم فاعتدها، وحقيقته عدها لنفسه وكذلك ~~كلته فاكتاله والإسناد إلى الرجال للدلالة على أن ~~العدة حق الأزواج كما أشعر به قوله تعالى فما لكم وقرىء ~~تعتدونها على إبدال إحدى الدالين بالتاء أو على أنه من ~~الاعتداء بمعنى تعتدون فيها والخلوة الصحيحة في حكم المس، ~~وتخصيص المؤمنات مع عموم الحكم للكتابيات للتنبيه أن المؤمن ~~من شأنه أن يتخير لنطفتة ولا ينكح إلا مؤمنة وفائدة ثم ~~إزاحة ما عسى يتوهم أن تراخي الطلاق ريثما تمكن الإصابة ~~يؤثر في العدة كما يؤثر في النسب { فمتعوهن } أي إن لم ~~يكن مفروضا لها في العقد فإن الواجب للمفروض لها نصف المفروض دون ~~المتعة فإنها مستحبة عندنا في رواية وفي أخرى غير مستحبة { ~~وسرحوهن } أخرجوهن من منازلكم إذ ms2676 ليس لكم عليهن عدة { ~~سراحا جميلا } من غير ضرار ولا منع حق ولا مساغ لتفسيره ~~بالطلاق السني لأنه إنما يتسنى في المدخول بهن. ### || [33.50] # { يأيها النبى إنا أحللنا لك أزوجك اللاتى ~~ءاتيت أجورهن } أي مهورهن فإنها أجور الأبضاع، وإيتاؤها ~~إما إعطاؤها معجلة أو تسميتها في العقد، وأيا ما كان فتقييد ~~الإحلال له عليه الصلاة والسلام به ليس لتوقف الحل عليه ~~ضرورة أنه يصح العقد بلا تسمية ويجب مهر المثل أو المتعة على ~~تقديري الدخول وعدمه بل لإيثار الأفضل والأولى له عليه الصلاة ~~والسلام كتقييد إحلال المملوكة بكونها مسبية في قوله تعالى { ~~وما ملكت يمينك مما أفاء الله عليك } فإن ~~المشتراة لا يتحقق بدء أمرها وما جرى عليها، وكتقييد القرائب ~~بكونهن مهاجرات معه في قوله تعالى: { وبنات عمك وبنات ~~عمتك وبنات خالك وبنات خلتك اللاتى ~~هجرن معك } ويحتمل تقييد الحل بذلك في حقه عليه ~~الصلاة والسلام خاصة " ويعضده قول أم هانىء بنت أبي طالب ~~خطبني رسول الله صلى الله عليه وسلم فاعتذرت إليه فعذرني " ثم أنزل ~~الله هذه الآية فلم أحل له لأني لم أهاجر معه كنت من الطلقاء ~~{ وامرأة مؤمنة } بالنصب عطفا على مفعول أحللنا إذ ~~ليس معناه إنشاء الإحلال الناجز بل إعلام مطلق الاحلال ~~المنتظم لما سبق ولحق. وقرىء بالرفع على أنه مبتدأ خبره محذوف ~~أي أحللناها لك أيضا { إن وهبت نفسها للنبى } أي ~~ملكته بضعها بأي عبارة كانت بلا مهر إن اتفق ذلك كما ينبىء ~~عنه تنكيرها لكن لا مطلقا بل عند إرادته عليه الصلاة والسلام ~~استنكاحها كما نطق به قوله عز وجل { إن أراد النبى أن ~~يستنكحها } أي أن يتملك بضعها كذلك أي بلا مهر فإن ذلك ~~جار منه عليه الصلاة والسلام مجرى القبول وحيث لم يكن هذا ~~نصا في كون تمليكها بلفظ الهبة لم يصلح أن يكون مناطا ~~للخلاف في انعقاد النكاح بلفظ الهبة إيحابا أو سلبا واختلف في ~~اتفاق هذا العقد فعن ابن عباس رضي الله عنهما لم يكن عنده عليه ~~الصلاة والسلام أحد منهن ms2677 بالهبة وقيل: الموهوبات أربع: ~~ميمونة بنت الحارث وزينب بنت خزيمة الأنصارية وأم شريك بنت ~~جابر وخولة بنت حكيم. وإبراده عليه الصلاة والسلام في ~~الموضعين بعنوان النبوة بطريق الالتفات للتكرمة والإيذان ~~بأنها المناط لثبوت الحكم فيختص به عليه الصلاة والسلام ~~حسب اختصاصها به كما بنطق به قوله تعالى: { خالصة لك } أي خلص ~~لك إحلالها خالصة أي خلوصا فإن الفاعلة في المصادر غير عزيز ~~كالعافية والكاذبة أو خلص لك إحلال ما أحللنا لك من المذكورات ~~على القيود المذكورة خالصة. ومعنى قوله تعالى { من دون ~~المؤمنين } على الأول أن الإحلال المذكور في المادة ~~المعهودة غير متحقق في حقهم، وإنما المتحقق هناك الإحلال ~~بمهر المثل وعلى الناني أن إحلال الجميع على القيود المذكورة ~~غير متحقق في حقهم، بل المتحقق فيه إحلال البعض المعدود على ~~الوجه المعهود وقرىء خالصة بالرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف أي ~~ذلك خلوص لك وخصوص أو هي أي تلك المرأة أو الهبة خالصة لك لا ~~تتجاوز المؤمنين حيث لاتحل لهم بغير مهر ولا تصح الهبة بل يجب ~~مهر المثل. # وقوله تعالى: { قد علمنا ما فرضنا عليهم } أي على ~~المؤمنين { فى أزوجهم } أي في حقهن اعتراض مقرر لما قبله ~~من خلوص الإحلال المذكور لرسول الله صلى الله عليه وسلم وعدم تجاوزه ~~للمؤمنين ببيان أنه قد فرض عليهم من شرائط العقد وحقوقه ما لم ~~يفرض عليه عليه الصلاة والسلام تكرمة له وتوسعة عليه أي قد ~~علمنا ما ينبغي أن يفرض عليهم في حق أزواجهم { وما ملكت ~~أيمنهم } وعلى أي حد وأي صفة يحق أن يفرض عليهم ففرضنا ~~ما فرضنا على ذلك الوجه وخصصناك ببعض الخصائص { لكيلا يكون ~~عليك حرج } أي ضيق، واللام متعلقة بخالصة باعتبار ما فيها من ~~معنى ثبوت الإحلال وحصوله له عليه الصلاة والسلام لا باعتبار ~~اختصاصه به عليه الصلاة والسلام لأن مدار انتفاء الحرج هو ~~الأول لا الثاني الذي هو عبارة عن عدم ثبوته لغيره { وكان ~~الله غفورا } لما يعسر التحرز عنه { رحيما } ولذلك وسع ~~الأمر في مواقع الحرج. ms2678 ### || [33.51] # { ترجى من تشاء منهن } أي تؤخرها وتترك مضاجعتها { ~~وتؤوي إليك من تشاء } وتضم إليك من تشاء منهن ~~وتضاجعها أو تطلق من تشاء منهن وتمسك من تشاء. وقرىء ترجىء ~~بالهمزة والمعنى واحد. { ومن ابتغيت } أي طلبت { ممن ~~عزلت } طلقت بالرجعة { فلا جناح عليك } في شيء مما ~~ذكر وهذه قسمة جامعة لما هو الغرض، لأنه إما أن يطلق أو ~~يمسك فإذا أمسك ضاجع أو ترك وقسم أو لم يقسم، وإذا طلق فإما أن ~~يخلي المعزولة أو يبتغيها. وروي أنه أرجى منهن سودة ~~وجويرية وصفية وميمونة وأم حبيبة فكان يقسم لهن ما شاء ~~كما شاء وكانت مما آوى إليه عائشة وحفصة وأم سلمة وزينب. ~~وأرجى خمسا وآوى أربعا، وروي أنه كان يسوي بينهن مع ما ~~أطلق له وخير، إلا سودة فإنها وهبت ليلتها لعائشة رضي الله ~~عنهن وقالت: لا تطلقني حتى أحشر في زمرة نسائك { ذلك } ~~أي ما ذكر من تفويض الأمر إلى مشيئتك { أدنى أن تقر ~~أعينهن ولا يحزن ويرضين بمآ ءاتيتهن ~~كلهن } أي أقرب إلى قرة عيونهن ورضاهن جميعا لأنه ~~حكم كلهن فيه سواء ثم إن سويت بينهن وجدن ذلك ~~تفضلا منك وإن رجحت بعضهن علمن أنه بحكم الله فتطمئن به ~~نفوسهن وقرىء تقر بضم التاء ونصب أعينهن وتقر على ~~البناء للفعمول وكلهن تأكيد لنون يرضين. وقرىء بالنصب على ~~أنه تأكيد لهن { والله يعلم ما فى قلوبكم } من ~~الضمائر والخواطر فاجتهدوا في إحسانها { وكان الله عليما ~~} مبالغا في العلم فيعلم كل ما تبدونه وتخفونه { حليما } ~~لا يعاجل بالعقوبة فلا تغتروا بتأخيرها فإنه إمهال لا إهمال. ### || [33.52] # { لا يحل لك النساء } بالياء لأن تأنيث الجمع غير ~~حقيقي ولوجود الفصل. وقرىء بالتاء { من بعد } أي من بعد ~~التسع وهو في حقه كالأربع في حقنا. وقال ابن عباس ~~وقتادة: من بعد هؤلاء التسع اللاتي خيرتهن فاخترنك وقيل من ~~بعد اختيارهن الله ورسوله ورضاهن بما تؤتيهن من الوصل ~~والهجران. # { ولا أن تبدل } أي تتبدل بحذف إحدى التاءين { بهن } ~~أي بهؤلاء التسع { من أزواج } بأن ms2679 تطلق واحدة منهن ~~وتنكح مكانها أخرى. ومن مزيدة لتأكيد الاستغراق أراد الله تعالى ~~لهن كرامة وجزاء على ما اخترن ورضين فقصر رسوله عليهن وهن ~~التسع اللاتي توفي عليه الصلاة والسلام عنهن وهن: ~~عائشة بنت أبي بكر، وحفصة بنت عمر، وأم حبيبة بنت أبي ~~سفيان، وسودة بنت زمعه، وأم سلمة بنت أبي أمية، وصفية ~~بنت حيى بن أخطب الخيبرية، وميمونة بنت الحارث ~~الهلالية، زينب بنت حجش الأسدية، وجويرية بنت الحارث ~~المصطلقية. وقال عكرمة: المعنى لا يحل لك النساء من بعد ~~الاجناس الأربعة اللاتي أحللناهن لك بالصفة التي تقدم ذكرها ~~من الأعرابيات والغرائب أو من الكتابيات أو من الإماء بالنكاح ~~ويأباه قوله تعالى: # ولا أن تبدل بهن # [سورة الأحزاب: الآية 52] فإن معنى إحلال الأجناس المذكورة إحلال ~~نكاحهن فلا بد أن يكون معنى التبدل بهن إحلال نكاح غيرهن ~~بدل إحلال نكاحهن وذلك إنما يتصور بالنسخ الذي ليس من ~~الوظائف البشرية { ولو أعجبك حسنهن } أي حسن الأزواج ~~المستبدلة وهو حال من فاعل تبدل لا من مفعوله وهو من أزواج لتوغله ~~في التنكير قيل تقديره مفروضا إعجابك بهن وقد مر تحقيقه في ~~قوله تعالى: # ولأمة مؤمنة خير من مشركة ولو أعجبتكم # [سورة البقرة: الآية 221] وقيل: هي أسماء بنت عميس الخثعمية ~~امرأة جعفر بن أبي طالب أي هي ممن أعجبه عليه الصلاة ~~والسلام حسنهن. واختلف في أن الآية محكمة أو منسوخة قيل: ~~بقوله تعالى: # ترجي من تشاء منهن وتؤوى إليك من تشاء # [سورة الأحزاب: الآية 51] وقيل: بقوله تعالى إنا أحللنا لك. ~~وترتيب النزول ليس على ترتيب المصحف وقيل بالسنة وعن عائشة رضي ~~الله عنها ما مات رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أحل له ~~النساء. وقال أنس رضي الله عنه: مات عليه الصلاة والسلام ~~على التحريم. { إلا ما ملكت يمينك } استثناء من ~~النساء، لأنه يتناول الأزواج والإماء وقيل: منقطع { وكان ~~الله على كل شىء رقيبا } حافظا مهيمنا فاحذروا مجاوزة ~~حدوده وتخطي حلاله إلى حرامه. ### || [33.53] # { يأيها الذين ءامنوا لا تدخلوا بيوت النبى } ~~شروع في بيان ms2680 ما يجب مراعاته على الناس من حقوق نساء النبي ~~عليه الصلاة والسلام إثر بيان ما يجب مراعاته عليه ~~الصلاة والسلام من الحقوق المتعلقة بهن. وقوله تعالى { ~~إلا أن يؤذن لكم } استثناء مفرغ من أعم الأحوال أي لا ~~تدخلوها في حال من الأحوال إلا حال كونكم مأذونا لكم، وقيل: من ~~أعم الأوقات أي لا تدخلوها في وقت من الأوقات إلا وقت أن يؤذن ~~لكم ورد عليه بأن النحاة نصو على أن الوقوع موقع الظرف ~~مختص بالمصدر الصريح دون المؤول لا يقال آتيك أن يصيح ~~الديك وإنما يقال آتيك صياح الديك. وقوله تعالى { إلى ~~طعام } متعلق بيؤذن بتضمين معنى الدعاء للإشعار بأنه لا ~~ينبغي أن يدخلوا على الطعام بغير دعوة وإن تحقق الإذن كما ~~يشعر به قوله تعالى { غير نظرين إنه } أي غير منتظرين ~~وقته أو إدراكه وهو حال من فاعل لا تدخلوا على أن الاستثناء ~~واقع على الوقت والحال معا عند من يجوزه أو من المجرور في لكم. ~~وقرىء بالجر صفة لطعام فيكون جاريا على غير من هو له بلا إبراز ~~الضمير ولا مساغ له عند البصريين. وقرىء بالإمالة لأنه مصدر ~~أنى الطعام أي أدرك. { ولكن إذا دعيتم فادخلوا } ~~استدراك من النهي عن الدخول بغير إذن وفيه دلالة بينة على ~~أن المراد بالإذن إلى الطعام هو الدعوة إليه { فإذا ~~طعمتم فانتشروا } فتفرقوا ولا تلبثوا لأنه خطاب لقوم ~~كانوا يتحينون طعام النبي عليه الصلاة والسلام فيدخلون ~~ويقعدون منتظرين لإدراكه مخصوصة بهم وبأمثالهم وإلا لما جاز ~~لأحد أن يدخل بيوته عليه الصلاة والسلام بإذن لغير ~~الطعام ولا اللبث بعد الطعام لأمر مهم { ولا مستأنسين ~~لحديث } أي لحديث بعضكم بعضا أو لحديث أهل البيت بالتسمع ~~له. عطف على ناظرين أو مقدر بفعل أي ولا تدخلوا ولا تمكثوا ~~مستأنسين الخ. # { إن ذلكم } أي الاستئناس الذي كنتم تفعلونه من قبل { كان ~~يؤذى النبى } لتضييق المنزل عليه وعلى أهله وإيجابه ~~للاشتغال بما لا يعنيه وصده عن الاشتغال بما يعنيه { فيستحى ~~منكم } أي من إخراجكم لقوله تعالى { والله ms2681 لا يستحى من ~~الحق } فإنه يستدعي أن يكون المستحى منه أمرا حقا متعلقا ~~بهم لا أنفسهم، وما ذلك إلا إخراجهم فينبغي أن لا يترك حياء ولذلك لم ~~يتركه تعالى وأمركم بالخروج. والتعبير عنه بعدم الاستحياء ~~للمشاكلة. وقرىء لا يستحي بحذف الياء الأولى وإلقاء حركتها إلى ~~ما قبلها. { وإذا سألتموهن } الضمير لنساء النبي ~~المدلول عليهن بذكر بيوته عليه الصلاة والسلام { متعا ~~} أي شيئا يتمتع به من الماعون وغيره { فاسئلوهن } أي ~~المتاع { من وراء حجاب } أي ستر. # روي أن عمر رضي الله عنه قال يا رسول الله يدخل عليك البر ~~والفاجر فلو أمرت أمهات المؤمنين بالحجاب فنزلت. وقيل: إنه ~~عليه الصلاة والسلام كان يطعم ومعه بعض أصحابه فأصابت يد ~~رجل منهم يد عائشة رضي الله عنها فكره النبي ذلك فنزلت { ~~ذلكم } أي ما ذكر من عدم الدخول بغير إذن وعدم الاستئناس ~~للحديث عند الدخول وسؤال المتاع من وراء حجاب { أطهر ~~لقلوبكم وقلوبهن } أي أكثر تطهيرا من الخواطر ~~الشيطانية. # { وما كان لكم } أي وما صح وما استقام لكم { أن تؤذوا ~~رسول الله } أي أن تفعلوا في حياته فعلا يكرهه ويتأذى به { ~~ولا أن تنكحوا أزواجه من بعده أبدا } أي بعد وفاته ~~أو فراقه { إن ذلكم } إشارة إلى ما ذكر من إيذائه عليه ~~الصلاة والسلام ونكاح أزواجه من بعده وما فيه من معنى البعد ~~للإيذان ببعد منزلته في الشر والفساد { كان عند الله ~~عظيما } أي أمرا عظيما وخطبا هائلا لا يقادر قدره. وفيه من ~~تعظيمه تعالى لشأن رسوله صلى الله عليه وسلم وإيجاب حرمته حيا ~~وميتا ما لا يخفى ولذلك بالغ تعالى في الوعيد حيث قال: ### || [33.54-56] # { إن تبدوا شيئا } مما لا خير فيه كنكاحهن على ألسنتكم { ~~أو تخفوه } في صدوركم { فإن الله كان بكل شيء ~~عليما } فيجازيكم بما صدر عنكم من المعاصي البادية والخافية لا ~~محالة، وفي هذا التعميم مع البرهان على المقصود مزيد تهويل ~~وتشديد ومبالغة في الوعيد. # { لا جناح عليهن فى ءابائهن ولا أبنائهن ~~ولا إخونهن ولا أبناء إخونهن ولا أبناء ms2682 ~~أخوتهن } استئناف لبيان من لا يجب الاحتجاب عنهم روي أنه ~~لما نزلت آية الحجاب قال الآباء والأبناء والأقارب يا رسول ~~الله أو نكلمهن أيضا من وراء الحجاب فنزلت وإنما لم يذكر العم ~~والخال لأنهما بمنزلة الوالدين ولذلك سمي العم أبا في قوله ~~تعالى: # وإله آبائك إبرهيم وإسمعيل وإسحق # [سورة البقرة: الآية 133] أو لأنه اكتفي عن ذكرهما بذكر أبناء ~~الإخوة وأبناء الأخوات، فإن مناط عدم لزوم الاحتجاب بينهن ~~وبين الفريقين عين ما بينهن وبين العم والخال من العمومة ~~والخؤولة لما أنهن عمات لأبناء الإخوة وخالات لأبناء الأخوات، ~~وقيل: لأنه كره ترك الاحتجاب منهما مخافة أن يصفاهن لأبنائهما ~~{ ولا نسائهن } أي نساء المؤمنات { ولا ما ملكت ~~أيمانهن } من العبيد والإماء، وقيل: من الإماء خاصة وقد ~~مر في سورة النور { واتقين الله } في كل ما تأتن وما ~~تذرن لا سيما فيما أمرتن به ونهيتن عنه { إن الله ~~كان على كل شىء شهيدا } لا تخفى عليه خافية ولا تتفاوت ~~في علمه الأحوال. { إن الله وملئكته } وقرىء ~~وملائكته بالرفع عطفا على محل إن واسمها عند الكوفيين وحملا ~~على حذف الخبر ثقة بدلالة ما بعده عليه على رأي البصريين. { ~~يصلون على النبى } قيل: الصلاة من الله تعالى الرحمة ~~ومن الملائكة الاستغفار. وقال ابن عباس رضي الله عنهما: أراد ~~أن الله يرحمه والملائكة يدعون له. وعنه أيضا يصلون يبركون. ~~وقال أبو العالية: صلاة الله تعالى عليه ثناؤه عليه عند ~~الملائكة وصلاتهم دعاؤهم له فينبغي أن يراد بها في يصلون معنى ~~مجازي عام يكون كل واحد من المعاني المذكورة فردا حقيقيا ~~له أي يعتنون بما فيه خيره وصلاح أمره ويهتمون بإظهار شرفه ~~وتعظيم شأنه، وذلك من الله سبحانه بالرحمة ومن الملائكة ~~بالدعاء والاستغفار. # { يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه } اعتنوا أنتم ~~أيضا بذلك فإنكم أولى به. { وسلموا تسليما } قائلين ~~اللهم صل على محمد وسلم أو نحو ذلك، وقيل: المراد بالتسليم ~~انقياد أمره. والآية دليل على وجوب الصلاة والسلام عليه ~~مطلقا من غير تعرض لوجوب التكرار وعدمه، وقيل: يجب ms2683 ذلك كلما ~~جرى ذكره لقوله عليه الصلاة والسلام: # " رغم أنف رجل ذكرت عنده فلم يصل علي " # وقوله عليه الصلاة والسلام: # " من ذكرت عنده فلم يصل علي فدخل النار فأبعده الله ". # ويروى أنه عليه الصلاة والسلام قال: # " وكل الله تعالى بي ملكين فلا أذكر عند مسلم فيصلي علي ~~إلا قال ذانك الملكان: غفر الله لك، وقال الله تعالى وملائكته ~~جوابا لذينك الملكين: آمين، ولا أذكر عند مسلم فلا يصلي علي ~~إلا قال ذلك الملكان: لا غفر الله لك، وقال الله تعالى وملائكته ~~جوابا لذينك الملكين آمين ". # ومنهم من قال يجب في كل مجلس مرة وإن تكرر ذكره عليه ~~الصلاة والسلام كما قيل في آية السجدة وتشميت العاطس وكذلك ~~في كل دعاء في أوله وآخره. ومنهم من قال بالوجوب في العمر ~~مرة وكذا قال في إظهار الشهادتين، والذي يقتضيه الاحتياط ~~ويتسدعيه معرفة علو شأنه عليه الصلاة والسلام أن يصلى ~~عليه كلما جرى ذكره الرفيع. وأما الصلاة عليه في ~~الصلاة بأن يقال: (اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما ~~صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد) فليست بشرط ~~في جواز الصلاة عندنا. وعن إبراهيم النخعي رحمه الله أن ~~الصحابة كانوا يكتفون عن ذلك بما في التشهد وهو السلام عليك ~~أيها النبي. وأما الشافعي رحمه الله فقد جعلها شرطا، ~~وأما الصلاة على غير الأنبياء عليهم الصلاة والسلام فتجوز ~~تبعا وتكره استقلالا لأنه في العرف شعار ذكر الرسل ولذلك ~~كره أن يقال محمد عز وجل مع كونه عزيزا جليلا. ### || [33.57-58] # { إن الذين يؤذون الله ورسوله } أريد بالإيذاء ~~إما فعل ما يكرهانه من الكفر والمعاصي مجازا لاستحالة حقيقة ~~التأذي في حقه تعالى، وقيل: في إيذائه تعالى هو قوله اليهود ~~والنصارى والمشركين يد الله مغلولة وثالث ثلاثة والمسيح ابن ~~الله والملائكة بنات الله والأصنام شركاؤه، تعالى الله عن ذلك ~~علوا كبيرا. وقيل قول الذين يلحدون في آياته وفي إيذاء ~~الرسول عليه الصلاة والسلام هو قولهم شاعر ساحر كاهن مجنون ~~وقيل هو كسر رباعيته وشج ms2684 وجهه الكريم يوم أحد وقيل: طعنهم في ~~نكاح صفية، والحق هو العموم فيهما وأما إيذاؤه عليه الصلاة ~~والسلام خاصة بطريق الحقيقة وذكر الله عز وجل لتعظيمه ~~والإيذان بجلالة مقداره عنده تعالى وأن إيذاءه عليه الصلاة ~~والسلام إيذاء له سبحانه { لعنهم الله } طردهم وأبعدهم ~~من رحمته { فى الدنيا والآخرة } بحيث لا يكادون ينالون ~~فيهما شيئا منها { وأعد لهم } مع ذلك { عذابا مهينا } ~~يصيبهم في الآخرة خاصة. { والذين يؤذون المؤمنين ~~والمؤمنت } يفعلون بهم ما يتأذون به من قول أو فعل. ~~وتقييده بقوله تعالى: { بغير ما اكتسبوا } أي بغير جناية ~~يستحقون بها الأذية بعد إطلاقه فيما قبله للإيذان بأن أذى الله ~~ورسوله لا يكون إلا غير حق وأما أذى هؤلاء فمنه ومنه { فقد ~~احتملوا بهتنا وإثما مبينا } أي ظاهرا بينا قيل: ~~إنها نزلت في منافقين كانوا يؤذون عليا رضي الله عنه ~~ويسمعونه ما لا خير فيه، وقيل: في أهل الإفك، وقال الضحاك ~~والكلبي: في زناة يتبعون النساء إذا برزن بالليل لقضاء ~~حوائجهن. وكانوا لا يتعرضون إلا للإماء ولكن ربما كان يقع ~~منهم التعرض للحرائر أيضا جهلا أو تجاهلا لاتحاد الكل في ~~الزي واللباس. والظاهر عمومه لكل ما ذكر ولما سيأتي من ~~أراجيف المرجفين. ### || [33.59-61] # { يأيها النبى } بعد ما بين سوء حال المؤذين زجرا ~~لهم عن الإيذاء أمر النبي عليه الصلاة والسلام بأن يأمر ~~بعض المتأذين منهم بما يدفع إيذاءهم في الجملة من الستر ~~والتميز عن مواقع الإيذاء فقيل: { قل لأزوجك وبنتك ~~ونساء المؤمنين يدنين عليهن من جلبيبهن } ~~الجلباب ثوب أوسع من الخمار ودون الرداء تلويه المرأة على ~~رأسها وتبقي منه ما ترسله على صدرها وقيل: هي الملحفة وكل ما ~~يتستر به، أي يغطين بها وجوههن وأبدانهن إذا برزن لداعية من ~~الدواعي، ومن للتبعيض لما مر من أن المعهود التلفع ~~ببعضها وإرخاء بعضها. وعن السدي: تغطي إحدى عينيها وجبهتها ~~والشق الآخر إلا العين { ذلك } أي ما ذكر من التغطي { ~~أدنى } أقرب { أن يعرفن } ويميزن عن الإماء والقينات ~~اللاتي هن مواقع تعرضهم وإيذائهم { فلا يؤذين ms2685 } من جهة ~~أهل الربية بالتعرض لهن { وكان الله غفورا } لما سلف ~~منهن من التفريط { رحيما } بعباده حيث يراعي من مصالحهم ~~أمثال هاتيك الجزئيات. # { لئن لم ينته المنفقون } عما هم عليه من ~~النفاق وأحكامه الموجبة للإيذاء { والذين في قلوبهم ~~مرض } عما هم عليه من التزلزل وما يستتبعه مما لا خير فيه ~~{ والمرجفون فى المدينة } من الفريقين عما هم عليه من ~~نشر أخبار السوء عن سرايا المسلمين وغير ذلك من الأراجيف ~~الملفقة المستتبعة للأذية. وأصل الإرجاف التحريك من ~~الرجفة التي هي الزلزلة وصفت به الأخبار الكاذبة لكونها ~~متزلزلة غير ثابتة { لنغرينك بهم } لنأمرنك بقتالهم ~~وإجلائهم أو بما يضطرهم إلى الجلاء ولنحرضنك على ذلك { ثم لا ~~يجاورونك } عطف على جواب القسم وثم للدلالة على أن ~~الجلأ ومفارقة جوار الرسول عليه الصلاة والسلام أعظم ما ~~يصيبهم { فيها } أي في المدينة { إلا قليلا } زمانا أو ~~جوارا قليلا ريثما يتبين حالهم من الانتهاء وعدمه { ملعونين ~~} نصب على الشتم أو الحال على أن الاستثناء وارد عليه أيضا ~~على رأي من يجوزه كما مر في قوله تعالى غير ناظرين إناه، ولا ~~سبيل إلى انتصابه عن قوله تعالى: { أينما ثقفوا أخذوا ~~وقتلوا تقتيلا } لأن ما بعد كلمة الشرط لا يعمل فيما ~~قبلها. ### || [33.62-67] # { سنة الله فى الذين خلوا من قبل } أي سن الله ~~ذلك في الأمم الماضية سنة وهي أن يقتل الذي نافقوا الأنبياء ~~عليهم الصلاة والسلام وسعوا في توهين أمرهم بالإرجاف ونحوه ~~أينما ثقفوا { ولن تجد لسنة الله تبديلا } أصلا ~~لابتنائها على أساس الحكمة التي عليها يدور فلك التشريع. # { يسئلك الناس عن الساعة } أي عن وقت قيامها كان ~~المشركون يسألونه عليه الصلاة والسلام عن ذلك استعجالا ~~بطريق الاستهزاء واليهود امتحانا لما أن الله تعالى عمى وقتها ~~في التوراة وسائر الكتب. { قل إنما علمها عند الله } ~~لا يطلع عليه ملكا مقربا ولا نبيا مرسلا. وقوله تعالى: { ~~وما يدريك } خطاب مستقل له عليه الصلاة والسلام غير ~~داخل تحت الأمر مسوق لبيان أنها مع كونها غير معلومة للخلق ~~مرجوة المجيء عن ms2686 قريب أي أي شيء يعلمك بوقت قيامها أي لا ~~يعلمك به شيء أصلا { لعل الساعة تكون قريبا } أي ~~شيئا قريبا أو تكون الساعة في وقت قريب. وانتصابه على ~~الظرفية ويجوز أن يكون التذكير باعتبار أن الساعة في ~~معنى اليوم أو الوقت. وفيه تهديد للمستعجلين وتبكيت ~~للمتعنتين. والإظهار في حيز الإضمار للتويل وزيادة التقرير ~~وتأكيد استقلال الجملة كما أشير إليه { إن الله لعن ~~الكفرين } على الإطلاق أي طردهم وأبعدهم من رحمته العاجلة ~~والآجلة { وأعد لهم } مع ذلك { سعيرا } نارا شديدة ~~الاتقاد يقاسونها في الآخرة { خلدين فيها أبدا لا ~~يجدون وليا } يحفظهم { ولا نصيرا } يخلصهم منها { ~~يوم تقلب وجوههم فى النار } ظرف لعدم الوجدان، وقيل: ~~لخالدين، وقيل: لنصيرا، وقيل: مفعول لاذكر أي يوم تصرف وجوههم ~~فيها من جهة إلى جهة كلحم يشوى في النار أو يطبخ في القدر ~~فيدور به الغليان من جهة إلى جهة أو من حال إلى حال أو يطرحون ~~فيها مقلوبين منكوسين. وقرىء تقلب بحذف إحدى التاءين من ~~تتقلب ونقلب بإسناد الفعل إلى نون العظمة. ونصب وجوههم ~~وتقلب بإسناده إلى السعير، وتخصيص الوجوه بالذكر لما أنها ~~أكرم الأعضاء ففيه مزيد تفظيع للأمر وتهويل للخطب، ويجوز أن ~~تكون عبارة عن كل الجسد. فقوله تعالى: { يقولون } استئناف ~~مبني على سؤال نشأ من حكاية حالهم الفظيعة كأنه قيل فماذا ~~يصنعون عند ذلك فقيل يقولون متحسرين على ما فاتهم. { ~~يليتنا أطعنا الله وأطعنا الرسولا } فلا نبتلى ~~بهذا العذاب، أو حال من ضمير وجوههم أو من نفسها أو هو العامل في ~~يوم { وقالوا } عطف على يقولون، والعدول إلى صيغة الماضي ~~للإشعار بأن قولهم هذا ليس مستمرا كقولهم السابق بل هو ضرب ~~اعتذار أرادوا به ضربا من التشفي بمضاعفة عذاب الذين ألقوهم في ~~تلك الورطة وإن علموا عدم قبوله في حق خلاصهم منها { ربنا ~~إنا أطعنا سادتنا وكبراءنا } يعنون قادتهم الذين ~~لقنوهم الكفر. وقرىء ساداتنا للدلالة على الكثرة والتعبير ~~عنهم بعنوان السيادة والكبر لتقوية الاعتذار وإلا فهم في مقام ~~التحقير والإهانة. { فأضلونا السبيلا } بما زينوا ms2687 لنا من ~~الأباطيل، والألف للإطلاف كما في وأطعنا الرسولا. ### || [33.68-71] # { ربنا ءاتهم ضعفين من العذاب } أي مثلي العذاب ~~الذي آتيتناه لأنهم ضلوا وأضلوا { والعنهم لعنا كبيرا ~~} أي شديدا عظيما. وقرىء كثيرا، وتصدير الدعاء بالنداء ~~مكررا للمبالغة في الجؤار واستدعاء الإجابة. # { يأيها الذين ءامنوا لا تكونوا كالذين ءاذوا ~~موسى } قيل نزلت في شأن زيد وزينب وما سمع فيه من قالة الناس ~~{ فبرأه الله مما قالوا } أي فأظهر براءته عليه الصلاة ~~السلام مما قالوا في حقه أي من مضمونه ومؤداه الذي هو الأمر ~~المعيب، وذلك أن قارون أغرى مومسة على قذفه عليه الصلاة ~~والسلام بنفسها بأن دفع إليها مالا عظيما فأظهر الله تعالى ~~نزاهته عليه الصلاة والسلام عن ذلك بأن أقرت المومسة ~~بالمصانعة الجارية بينها وبين قارون، وفعل بقارون ما فعل كما ~~فصل في سورة القصص، وقيل أتهمه ناس بقتل هارون عند خروجه معه ~~إلى الطور فمات هناك فحملته الملائكة ومروا به حتى رأوه ~~غير مقتول وقيل أحياه الله تعالى فأخبرهم ببراءته وقيل: قذفوه ~~بعيب في بدنه من برص أو أدرة لفرط تستره حياء فأطلعهم الله ~~تعالى على براءته بأن فر الحجر بثوبه حين وضعه عليه عند اغتساله ~~والقصة مشهورة { وكان عند الله وجيها } ذا قربة ~~ووجاهة. وقرىء وكان عبد الله وجيها { يأيها الذين ~~ءامنوا اتقوا الله } أي في كل ما تأتون وما تذرون لا ~~سيما في ارتكاب ما يكرهه فضلا عما يؤذى رسوله عليه الصلاة ~~والسلام { وقولوا } في كل شأن من الشؤون { قولا سديدا ~~} قاصدا إلى الحق من سد يسد سدادا يقال سدد السهم ~~نحو الرمية إذا لم يعدل به عن سمتها والمراد نهيهم عما خاضوا ~~فيه من حديث زينب الجائر عن العدل والقصد { يصلح لكم ~~أعملكم } يوفقكم للأعمال الصالحة أو يصلحها بالقبول ~~والإثابة عليها { ويغفر لكم ذنوبكم } ويجعلها مكفرة ~~باستقامتكم في القول والعمل. { ومن يطع الله ورسوله } في ~~الأوامر والنواهي التي من جملتها هذه التكليفات { فقد فاز } ~~في الدارين { فوزا عظيما } لا يقادر قدره ولا يبلغ غايته. ### || [33.72-73] # { إنا عرضنا ms2688 الأمانة على السموات والأرض ~~والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها } لما ~~بين عظم شأن طاعة الله ورسوله ببيان مآل الخارجين عنها من ~~العذاب الأليم ومنال المراعين لها من الفوز العظيم عقب ذلك ~~ببيان عظم شأن ما يوجبها من التكاليف الشرعية وصعوبة أمرها ~~بطريق التمثيل مع الإيذان بأن ما صدر عنهم من الطاعة وتركها ~~صدر عنهم بعد القبول والالتزام، وعبر عنها بالأمانة تنبيها على ~~أنها حقوق مرعية أودعها الله تعالى المكلفين وائتمنهم عليها ~~وأوجب عليهم تلقيها بحسن الطاعة والانقياد وأمرهم بمراعاتها ~~والمحافظة عليها وأدائها من غير إخلال بشيء من حقوقها وعبر عن ~~اعتبارها بالنسبة إلى استعداد ما ذكر من السموات وغيرها بالعرض ~~عليهن لإظهار مزيد الاعتناء بأمرها والرغبة في قبولهن لها وعن ~~عدم استعدادهن لقبولها بالإباء والإشفاق منها لتهويل أمرها ~~وتربية فخامتها وعن قبولها بالحمل لتحقيق معنى الصعوبة ~~المعتبرة فيها بجعلها من قبيل الأجسام الثقيلة التي يستعمل فيها ~~القوى الجسمانية التي أشدها وأعظمها ما فيهن من القوة ~~والشدة. والمعنى أن تلك الأمانة في عظم الشأن بحيث لو ~~كلفت هاتيك الأجرام العظام التي هي مثل في القوة ~~والشدة مراعاتها وكانت ذات شعور وإدراك لأبين قبولها ~~وأشفقن منها ولكن صرف الكلام عن سننه بتصوير المفروض بصورة ~~المحقق روما لزيادة تحقيق المعنى المقصود بالتمثيل وتوضيحه { ~~وحملها الإنسن } أي عند عرضها عليه إما باعتبارها ~~بالإضافة إلى استعداده أو بتكليفة إياها يوم الميثاق أي تكلفها ~~والتزمها مع ما فيه من ضعف البنية ورخاوة القوة، وهو إما ~~عبارة عن قبوله لها بموجب استعداده الفطري أو عن اعترافه بقوله ~~بلى. وقوله تعالى: { إنه كان ظلوما جهولا } اعتراض وسط ~~بين الحمل وغايته للإيذان من أول الأمر بعدم وفائه بما عهده ~~وتحمله أي إنه كان مفرطا في الظلم مبالغا في الجهل أي بحسب ~~غالب أفراده الذين لم يعملوا بموجب فطرتهم السليمة أو اعترافهم ~~السابق دون من عداهم من الذين لم يبدلوا فطرة الله تبديلا ~~وإلى الفريق الأول أشير بقوله عز وجل: { ليعذب الله ~~المنفقين والمنفقت والمشركين ~~والمشركت } أي حملها الإنسان ms2689 ليعذب الله بعض أفراده الذين ~~لم يراعوها ولم يقابلوها بالطاعة على أن اللام للعاقبة فإن ~~التعذيب وإن لم يكن غرضا له من الحمل لكن لما ترتب عليه ~~بالنسبة إلى بعض أفراده ترتب الأغراض على الأفعال المعللة ~~بها أبرز في معرض الغرض أي كان عاقبة حمل الإنسان لها أن يعذب ~~الله تعالى هؤلاء من أفراده لخيانتهم الأمانة وخروجهم عن الطاعة ~~بالكلية وإلى الفريق الثاني أشير بقوله تعالى: { ويتوب ~~الله على المؤمنين والمؤمنت } أي كان عاقبة حمله ~~لها أن يتوب الله تعالى على هؤلاء من أفراده أي يقبل توبتهم لعدم ~~خلعهم ربقة الطاعة عن رقابهم بالمرة وتلافيهم لما فرط منهم ~~من فرطات قلما يخلو عنها الإنسان بحكم جبلته وتداركهم لها ~~بالتوبة والإنابة، والالتفات إلى الاسم الجليل أولا لتهويل ~~الخطب وتربية المهابة. # والإظهار في موقع الإضمار ثانيا لإبراز مزيد الاعتناء بأمر ~~المؤمنين توفية لكل من مقامي الوعيد والوعد حقه والله ~~تعالى أعلم. وجعل الأمانة التي من شأنها أن تكون من جهته تعالى ~~عبارة عن الطاعة التي هي من أفعال المكلفين التابعة للتكليف ~~بمعزل من التقريب، وحمل الكلام على تقرير الوعد الكريم الذي ~~ينبىء عنه قوله تعالى: # ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزا عظيما # [سورة الأحزاب: الآية 71] يجعل تعظيم شأن الطاعة ذريعة إلى ذلك ~~بأن من قام بحقوق مثل هذا الأمر العظيم الشأن وراعاها فهو ~~جدير بأن يفوز بخير الدارين يأباه وصفه بالظلم والجهل أولا ~~وتعليل الحمل بتعذيب فريق والتوبة على فريق ثانيا. وقيل: ~~المراد بالأمانة مطلق الانقياد الشامل الطبيعي والاختياري ~~وبعرضها استدعاؤها الذي يعم طلب الفعل من المختار وإرادة صدوره ~~من غيره وبحملها الخيانة فيها والامتناع عن ادائها فيكون الإباء ~~امتناعا عن الخيانة وإتيانا بالمراد فالمعنى أن هذه الأجرام مع ~~عظمها وقوتها أبين الخيانة لأمانتها وأتين بما أمرناهن به ~~كقوله تعالى أتينا طائعين وخانها الإنسان حيث لم يأت بما أمرناه ~~به إنه كان ظلوما جهولا وقيل: إنه تعالى لما خلق هذه الأجرام ~~خلق فيها فهما وقال لها إني فرضت فريضة وخلقت جنة ms2690 لمن أطاعني ~~فيها ونارا لمن عصاني فقلن نحن مسخرات لما خلقتنا لا نحتمل ~~فريضة ولا نبغي ثوابا ولا عقابا ولما خلق آدم عليه السلام ~~عرض عليه مثل ذلك فحمله وكان ظلوما لنفسه بتحمله ما يشق ~~عليها جهولا بوخامة عاقبته، وقيل المراد بالأمانة العقل أو ~~التكليف وبعرضها عليهن اعتبارها بالإضافة إلى استعدادهن ~~وبإبائهن الإباء الطبيعي الذي هو عدم اللياقة والاستعداد لها ~~بحمل الإنسان قابليته واستعداده لها وكونه ظلوما جهولا لما ~~غلب عليه من القوة الغضبية والشهوية هذا قريب من التحقيق ~~فتأمل والله الموفق. وقرىء ويتوب الله على الاستئناف { وكان ~~الله غفورا رحيما } مبالغا في المغفرة والرحمة حيث تاب ~~عليهم وغفر لهم فرطاتهم وأثاب بالفوز على طاعاتهم، قال عليه ~~الصلاة والسلام: # " من قرأ سورة الأحزاب وعلمها أهله وما ملكت يمينه أعطي ~~الأمان من عذاب القبر " # والله أعلم. ### | [34 - سورة سبإ] ### || [34.1-2] # (سورة سبأ مكية وقيل إلا { ويرى الذين أوتوا العلم } الآية وهى ~~أربع وخمسون آية # { الحمد لله الذى له ما فى السموات وما في ~~الأرض } أي له تعالى خلقا وملكا وتصرفا بالإيجاد والإعدام ~~والإحياء والإماتة جميع ما وجد فيهما داخلا في حقيقتهما أو خارجا ~~عنهما متمكنا فيهما فكأنه قيل: له جميع المخلوقات كما مر في ~~آية الكرسي، ووصفه تعالى بذلك لتقرير ما أفاده تعليق الحمد ~~المعرف بلام الحقيقة بالاسم الجليل من اختصاص جميع أفراده به تعالى ~~على ما بين في فاتحة الكتاب ببيان تفرده تعالى واستقلاله بما ~~يوجب ذلك وكون كل ما سواه من الموجودات التي من جملتها الإنسان تحت ~~ملكوته تعالى ليس لها في حد ذاتها استحقاق الوجود فضلا عما عداه ~~من صفاتها بل كل ذلك نعم فائضة عليها من جهته عز وجل فما هذا ~~شأنه فهو بمعزل من استحقاق الحمد الذي مداره الجميل الصادر عن ~~القادر باختيار فظهر اختصاص جميع أراده به تعالى. وقوله تعالى: { ~~وله الحمد فى الاخرة } بيان لاختصاص الحمد الأخروي به ~~تعالى إثر بيان اختصاص الدنيوي به على أن الجار متعلق إما ~~بنفس الحمد أو بما تعلق ms2691 به الخبر من الاستقرار، وإطلاقه عن ذكر ما ~~يشعر بالمحمود عليه ليس للاكتفاء بذكر كونه في الآخرة عن التعيين ~~كما اكتفي فيما سبق بذكر كون المحمود عليه في الدنيا عن ذكر كون الحمد ~~أيضا فيها بل ليعم النعم الأخروية كما في قوله تعالى: # الحمد لله الذى صدقنا وعده وأورثنا الأرض ~~نتبوأ من الجنة # [سورة الزمر: الآية 74] وقوله تعالى: # الذى أحلنا دار المقامة من فضله # [سورة فاطر: الآية 35] الآية، وما يكون ذريعة إلى نيلها من النعم ~~الدنيوية كما في قوله تعالى: # الحمد لله الذى هدانا لهذا # [سورة الأعراف: الآية 43] أي لما جزاؤه هذا من الإيمان والعمل ~~الصالح، والفرق بين الحمدين مع كون نعمتي الدنيا والآخرة بطريق ~~التفضل أن الأول على نهج العبادة والثاني على وجه التلذذ ~~والاغتباط. وقد ورد في الخبر أنهم يلهمون التسبيح كما يلهمون ~~النفس { وهو الحكيم } الذي أحكم أمور الدنيا ودبرها حسبما ~~تقتضيه الحكمة { الخبير } ببواطن الأشياء ومكنوناتها وقوله تعالى: ~~{ يعلم ما يلج فى الأرض } الخ، تفصيل لبعض ما يحيط به علمه ~~من الأمور التي نيطت بها مصالحهم الدنيوية والدينية أي يعلم ما ~~يدخل فيها من الغيث والكنوز والدفائن والأموات ونحوها { وما ~~يخرج منها } كالحيوان والنبات وماء العيون ونحوها { وما ينزل ~~من السماء } كالملائكة والكتب والمقادير ونحوها. وقرىء وما ~~ننزل بالتشديد ونون العظمة { وما يعرج فيها } كالملائكة ~~وأعمال العباد والأبخرة والأدخنة { وهو الرحيم } للحامدين ~~على ما ذكر من نعمه { الغفور } للمفرطين في ذلك بلطفه ~~وكرمه. ### || [34.3-4] # { وقال الذين كفروا لا تأتينا الساعة } أرادوا ~~بضمير المتكلم جنس البشر قاطبة لا أنفسهم أو معاصريهم فقط كما ~~أرادوا بنفي إتيانها نفي وجودها بالكلية لا عدم حضورها مع ~~تحققها في نفس الأمر وإنما عبروا عنه بذلك لأنهم كانوا يوعدون ~~بإتيانها ولأن وجود الأمور الزمانية المستقبلة لا سيما أجزاء ~~الزمان لا يكون إلا بالإتيان والحضور، وقيل: هو استبطاء لإتيانها ~~الموعود بطريق الهزء والسخرية كقولهم: متى هذا الوعد { قل ~~بلى } رد لكلامهم وإثبات لما نفوه على معنى ليس الأمر إلا ~~إتيانها. وقوله تعالى: { وربى ms2692 لتأتينكم } تأكيد له على ~~أتم الوجوه وأكملها. وقرىء ليأتينكم على تأويل الساعة ~~باليوم أو الوقت وقوله تعالى: { علم الغيب } الخ، إمداد ~~للتأكيد وتسديد له إثر تسديد وكسر لسورة نكيرهم واستبعادهم ~~فإن تعقيب القسم بجلائل نعوت المقسم به على الإطلاق يؤذن بفخامة ~~شأن المقسم عليه وقوة ثباته وصحته لما أن ذلك في حكم ~~الاستشهاد على الأمر ولا ريب في أن المستشهد به كلما كان أجل ~~وأعلى كانت الشهادة آكد وأقوى والمستشهد عليه أحق بالثبوت ~~وأولى لا سيما إذا خص بالذكر من النعوت ما له تعلق خاص ~~بالمقسم عليه كما نحن فيه فإن وصفه بعلم الغيب الذي أشهر ~~أفراده وأدخلها في الخفاء هو المقسم عليه تنبيه لهم على علة ~~الحكم وكونه مما لا يحوم حوله شائبة ريب ما، وفائدة الأمر بهذه ~~المرتبة من اليمين أن لا يبقى للمعاندين عذر ما أصلا فإنهم كانوا ~~يعرفون أمانته ونزاهته عن وصمة الكذب فضلا عن اليمين الفاجرة ~~وإنما لم يصدقوه مكابرة. وقرىء علام الغيب وعالم الغيب ~~وعالم الغيوب بالرفع على المدح { لا يعزب عنه } أي لا ~~يبعد. وقرىء بكسر الزاي { مثقال ذرة } مقدار أصغر نملة ~~{ في السموات ولا فى الأرض } أي كائنة فيهما { ولا ~~أصغر من ذلك } أي من مثقال ذرة { ولا أكبر } أي منه. ~~ورفعهما على الابتداء والخبر قوله تعالى: { إلا فى كتب ~~مبين } هو اللوح المحفوظ. والجملة مؤكدة لنفي العزوب. ~~وقرىء ولا أصغر ولا أكبر بفتح الراء على نفي الجنس ولا يجوز أن ~~يعطف المرفوع على مثقال ولا المفتوح على ذرة بأنه فتح في خبر ~~الجر لامتناع الصرف لما أن الاستثناء يمنعه إلا أن يجعل ~~الضمير في عنه للغيب ويجعل المثبت في اللوح خارجا عنه لبروزه ~~للمطالعين له فيكون المعنى لا ينفصل عن الغيب شيء إلى مسطورا في ~~اللوح. # { ليجزي الذين آمنوا وعملوا الصالحات } علة لقوله تعالى: { ~~لتأتينكم } وبيان لما يقتضي إتيانها { أولئك } إشارة ~~إلى الموصول من حيث اتصافه بما في حيز الصلة، وما فيه من معنى ~~البعد للإيذان ببعد منزلتهم في الفضل والشرف ms2693 أي أولئك الموصوفون ~~بالصفات الجليلة { لهم } بسبب ذلك { مغفرة } لما فرط منهم ~~من بعض فرطات قلما يخلو عنها البشر { ورزق كريم } لا تعب ~~فيه ولا من عليه. ### || [34.5-7] # { والذين سعوا فى ءايتنا } بالقدح فيها وصد الناس ~~عن التصديق بها { معجزين } أي مسابقين كي يفوتونا وقرىء ~~معجزين أي مثبطين عن الإيمان من أراده { أولئك لهم ~~عذاب } الكلام فيه كالذي مر آنفا ومن في قوله تعالى: { من ~~رجز } للبيان قال قتادة رضي الله عنه: الرجز سوء العذاب ~~وقوله تعالى: { أليم } بالرفع صفة عذاب أي أولئك الساعون لهم ~~عذاب من جنس سوء العذاب شديد الإيلام. وقرىء أليم بالجر صفة لرجز ~~{ ويرى الذين أوتوا العلم } أي يعلم أولو العلم من ~~أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن شايعهم من علماء الأمة ~~أو من آمن من علماء أهل الكتاب كعبد الله بن سلام وكعب ~~وأضرابهما رضي الله عنهم { الذى أنزل إليك من ربك } أي ~~القرآن { هو الحق } بالنصب على أنه مفعول ثان ليرى، ~~والمفعول الأول هو الموصول الثاني. وهو ضمير الفصل. وقرىء ~~بالرفع على الابتداء والخبر، والجملة هو المفعول الثاني ليرى. ~~وقوله تعالى: { ويرى } الخ، مستأنف مسوق للاستشهاد بأولي العلم ~~على الجهلة الساعين في الآيات. وقيل: منصوب عطفا على يجزي أي ~~وليعلم أولو العلم عند مجيء الساعة معاينة أنه الحق حسبما ~~علموه الآن برهانا ويحتجوا به على المكذبين. وقد جوز أن ~~يراد بأولي العلم من لم يؤمن من الأحبار أي ليعلموا يومئذ أنه هو ~~الحق فيزدادوا حسرة وغما { ويهدى } عطف على الحق عطف الفعل ~~على الاسم لأنه في تأويله كما في قوله تعالى: # صفت ويقبضن # [سورة الملك: الآية 19] أي وقابضات كأنه قيل: ويرى الذين أوتوا ~~العلم الذي أنزل إليك الحق وهاديا { إلى صراط العزيز ~~الحميد } الذي هو التوحيد والتدرع بلباس التقوى. وقيل: ~~مستأنف وقيل: حال من الذي أنزل على إضمار مبتدأ أي وهو يهدي كما في ~~قول من قال: [المتقارب] # فلما خشيت أظافيرهم # نجوت وأرهنهم مالكا # { وقال الذين كفروا } هم كفار قريش قالوا مخاطبا ms2694 ~~بعضهم لبعض: { هل ندلكم على رجل } يعنون به النبي ~~عليه الصلاة والسلام وإنما قصدوا بالتنكير الطنز ~~والسخرية قاتلهم الله تعالى { ينبئكم } أي يحدثكم بعجب ~~عجاب. وقرىء ينبئكم من الإنباء { إذا مزقتم كل ممزق } ~~أي إذا متم ومزقت أجسادكم كل تمزيق وفرقت كل تفريق بحيث ~~صرتم ترابا ورفاتا { إنكم لفى خلق جديد } أي مستقرون ~~فيه عدل إليه عن الجملة الفعلية الدالة على الحدوث مثل تبعثون أو ~~تخلقون خلقا جديدا للإشباع في الاستبعاد والتعجيب وكذلك تقديم ~~الظرف والعامل فيه ما دل عليه المذكور لا نفسه لما أن ما بعد ~~إن لا يعمل فيما قبلها. وجديد فعيل بمعنى فاعل من جد فهو جديد ~~وقل فهو قليل وقيل: بمعنى مفعول من جد النساج الثوب إذا قطعه ~~ثم شاع. ### || [34.8-9] # { افترى على الله كذبا } فيما قاله { أم به جنة } أي ~~جنون يوهمه ذلك ويلقيه على لسانه. والاستدلال بهذا الترديد على ~~أن بين الصدق والكذب واسطة هو ما لا يكون من الإخبار عن بصيرة ~~بين الفساد لظهور كون الافتراء أخص من الكذب { بل الذين لا ~~يؤمنون بالآخرة فى العذاب والضلل البعيد } ~~جواب من جهة الله تعالى عن ترديدهم الوارد على طريقة الاستفهام ~~بالإضراب عن شقيه وإبطالهما وإثبات قسم ثالث كاشف عن حقيقة ~~الحال ناع عليهم سوء حالهم وابتلاءهم بما قالوا في حقه عليه ~~الصلاة والسلام كأنه قيل: ليس الأمر كما زعموا بل هم في كمال ~~اختلال العقل وغاية الضلال عن الفهم والإدراك الذي هو الجنون حقيقة ~~وفيما يؤدي إليه ذلك من العذاب ولذلك يقولون ما يقولون. وتقديم ~~العذاب على ما يوجبه ويستتبعه للمسارعة إلى بيان ما يسوؤهم ويفت ~~في أعضادهم والإشعار بغاية سرعة ترتبه عليه كأنه يسابقه فيسبقه. ~~ووصف الضلال بالبعد الذي هو وصف الضال للمبالغة. ووضع الموصول ~~موضع ضميرهم للتنبيه بما في حيز الصلة على أن علة ما ~~ارتكبوه واجترؤا عليه من الشناعة الفظيعة كفرهم بالآخرة وما فيها ~~من فنون العقاب، ولولاه لما فعلوا ذلك خوفا من غائلته وقوله تعالى { ~~أفلم يروا إلى ما بين ms2695 أيديهم وما خلفهم من ~~السماء والأرض } استئناف مسوق لتهويل ما اجترؤا عليه من تكذيب ~~آيات الله تعالى واستعظام ما قالوا في حقه عليه الصلاة ~~والسلام وأنه من العظائم الموجبة لنزول أشد العقاب وحلول أفظع ~~العذاب من غير ريث وتأخير. والفاء للعطف على مقدر يقتضيه المقام ~~وقوله تعالى { إن نشأ } الخ، بيان لما ينبىء عنه ذكر إحاطتهما ~~بهم من المحذور المتوقع من جهتهما وفيه تنبيه على أنه لم يبق من ~~أسباب وقوعه إلا تعلق المشيئة به أي فعلوا ما فعلوا من المنكر ~~الهائل المستتبع للعقوبة فلم ينظروا إلى ما أحاط بهم من جميع جوانبهم ~~بحيث لا مفر لهم عنه ولا محيص إن نشأ جريا على موجب جناياتهم { ~~نخسف بهم الأرض } كما خسفناها بقارون { أو نسقط ~~عليهم كسفا } أي قطعا { من السماء } كما أسقطناها على ~~أصحاب الأيكة لاستيجابهم ذلك بما ارتكبوه من الجرائم. وقيل: هو ~~تذكير بما يعاينونه مما يدل على كمال قدرته وما يحتمل فيه ~~إزاحة لاستحالتهم البعث حتى جعلوه افتراء وهزؤا وتهديدا عليها، ~~والمعنى أعموا فلم ينظروا إلى ما أحاط بجوانبهم من السماء والأرض ~~ولم يتفكروا أهم أشد خلقا أم هي وإن نشأ نخسف بهم الأرض أو ~~نسقط عليهم كسفا لتكذيبهم بالآيات بعد ظهور البينات فتأمل ~~وكن على الحق المبين. وقرىء يخسف ويسقط بالياء لقوله تعالى: { ~~افترى على الله } وكسفا بسكون السين { إن فى ذلك } ~~أي فيما ذكر من السماء والأرض من حيث إحاطتهما بالناظر من جميع ~~الجوانب أو فيما تلي من الوحي الناطق بما ذكر { لآية } واضحة { ~~لكل عبد منيب } شأنه الإنابة إلى ربه فإنه إذا تأمل ~~فيهما أو في الوحي المذكور ينزجر عن تعاطي القبائح وينيب إليه تعالى ~~وفيه حث بليغ على التوبة والإنابة وقد أكد ذلك بقوله تعالى: ### || [34.10-11] # { ولقد ءاتينا داوود منا فضلا } أي آتيناه لحسن إنابته ~~وصحة توبته فضلا على سائر الأنبياء عليهم الصلاة والسلام أي ~~نوعا من الفضل وهو ما ذكر بعد فإنه معجزة خاصة به عليه الصلاة ~~والسلام أو على سائر الناس فيندرج ms2696 فيه النبوة والكتاب والملك ~~والصوت الحسن فتنكيره للتفخيم ومنا لتأكيد فخامته الذاتية ~~بفخامته الإضافية كما في قوله تعالى: # وآتيناه من لدنا علما # وتقديمه على المفعول الصريح للاهتمام بالمقدم والتشويق إلى ~~المؤخر فإن ما حقه التقديم إذا أخر تبقى النفس مترقبة ~~له فإذا وردها يتمكن عندها فضل تمكن { يجبال أوبى معه } ~~من التأويب أي رجعي معه التسبيح أو النوحة على الذنب وذلك ~~إما بأن يخلق الله تعالى فيها صوتا مثل صوته كما خلق الكلام في ~~الشجرة أو بأن يتمثل له ذلك. وقرىء أوبي من الأوب أي ~~ارجعي معه في التسبيح كلما رجع فيه وكان كلما سبح عليه ~~الصلاة والسلام يسمع من الجبال ما يسمع من المسبح معجزة له ~~عليه الصلاة والسلام وقيل: كان ينوح على ذنبه بترجيع وتحزين ~~وكانت الجبال تسعده على نوحه بأصدائها والطير بأصواتها. وهو ~~بدل من آتينا بإضمار قلنا أو من فضلا بإضمار قولنا { والطير } ~~بالنصب عطفا على فضلا بمعنى وسخرنا له الطير لأن إيتاءها ~~إياه عليه الصلاة والسلام تسخيرها له فلا حاجة إلى إضماره كما ~~نقل عن الكسائي ولا إلى تقدير مضاف أي تسبيح الطير كما نقل عنه ~~في رواية. وقيل: عطفا على محل الجبال وفيه من التكلف لفظا ~~ومعنى ما لا يخفى. وقرىء بالرفع عطفا على لفظها تشبيها للحركة ~~البنائية العارضة بالحركة الإعرابية. وقد جوز انتصابه على ~~أنه مفعول معه، والأول هو الوجه. وفي تنزيل الجبال والطير منزلة ~~العقلاء المطيعين لأمره تعالى المذعنين لحكمه المشعر بأنه ما من ~~حيوان وجماد وصامت وناطق إلا وهو منقاد لمشيئته غير ممتنع على ~~إرادته من الفخامة المعربة عن غاية عظمة شأنه تعالى وكمال كبرياء ~~سلطانه ما لا يخفى على أولي الألباب. # { وألنا له الحديد } أي جعلناه لينا في نفسه كالشمع ~~يصرفه في يده كيف يشاء من غير إحماء بنار ولا ضرب بمطرقة أو ~~جعلناه بالنسبة إلى قوته التي آتيناها إياه لينا كالشمع ~~بالنسبة إلى سائر القوى البشرية { أن اعمل } أمرناه أن اعمل ~~على أن «أن» مصدرية حذف عنها الباء وفي ms2697 حملها على المفسرة ~~تكلف لا يخفى { سبغت } واسعات. وقرىء صابغات وهي الدروع ~~الواسعة الضافية وهو عليه الصلاة والسلام أول من اتخذها ~~وكانت قبل صفائح قالوا: كان عليه الصلاة والسلام حين ملك على ~~بني إسرائيل يخرج متنكرا فيسأل الناس: ما تقولون في داود؟ ~~فيثنون عليه فقيض الله تعالى له ملكا في صورة آدمي فسأله على ~~عادته فقال: نعم الرجل لولا خصلة فيه، فريع داود فسأله عنها ~~فقال: لولا أنه يطعم عياله من بيت المال فعند ذلك سأل ربه أن ~~يسبب له ما يستغني به عن بيت المال فعلمه تعالى صنعة الدروع ~~وقيل: كان يبيع الدرع بأربعة آلاف فينفق منها على نفسه وعياله ~~ويتصدق على الفقراء { وقدر فى السرد } السرد نسج ~~الدروع أي اقتصد في نسجها بحيث تتناسب حلقها. # وقيل: قدر في مساميرها فلا تعملها دقاقا ولا غلاظا، ورد ~~بأن دروعه عليه الصلاة والسلام لم تكن مسمرة كما ينبىء عنه ~~إلانة الحديد. وقيل: معنى قدر في السرد لا تصرف جميع أوقاتك ~~إليه بل مقدار ما يحصل به القوت وأما الباقي فاصرفه إلى العبادة ~~وهو الأنسب بقوله تعالى: { واعملوا صلحا } عمم الخطاب حسب ~~عموم التكليف له عليه الصلاة والسلام ولأهله { إنى بما ~~تعملون بصير } تعليل للأمر أو لوجوب الامتثال به. ### || [34.12-13] # { ولسليمن الريح } أي وسخرنا له الريح. وقرىء برفع ~~الريح أي ولسليمان الريح مسخرة، وقرىء الرياح { غدوها ~~شهر ورواحها شهر } أي جريها بالغداة مسيرة شهر وجريها ~~بالعشي كذلك. والجملة إما مستأنفة أو حال من الريح. وقرىء ~~غدوتها وروحتها. وعن الحسن رحمه الله: كان يغدو أي من دمشق فيقيل ~~باصطخر ثم يروح فيكون رواحه بكابل وقيل: كان يتغذى بالري ~~ويتعشى بسمرقند. ويحكى أن بعضهم رأى مكتوبا في منزل بناحية ~~دجلة كتبه بعض أصحاب سليمان عليه السلام: نحن نزلناه وما ~~بنيناه ومبنيا وجدناه غدونا من اصطخر فقلناه ونحن رائحون منه ~~فبايتون بالشام إن شاء الله تعالى. # { وأسلنا له عين القطر } أي النحاس المذاب أساله من ~~معدنه كما آلان الحديد لداود عليهما السلام فنبع منه نبوع ms2698 ~~الماء من الينبوع ولذلك سمي عينا وكان ذلك باليمن وقيل: كان يسيل ~~في الشهر ثلاثة أيام. وقوله تعالى: { ومن الجن من يعمل ~~بين يديه } إما جملة من مبتدأ وخبر أو من يعمل عطف على ~~الريح ومن الجن حال متقدمة { بإذن ربه } بأمره تعالى ~~كما ينبىء عنه قوله تعالى: { ومن يزغ منهم عن أمرنا } ~~أي ومن يعدل منهم عما أمرناه به من طاعة سليمان. وقرىء يزغ على ~~البناء للمفعول من أزاغه { نذقه من عذاب السعير } أي ~~عذاب النار في الآخرة. روي عن السدي رحمه الله كان معه ملك ~~بيده سوط من نار كل من استعصى عليه ضربه من حيث لا يراه الجني ~~{ يعملون له ما يشاء } تفصيل لما ذكر من عملهم وقوله تعالى: ~~{ من محريب } الخ، بيان لما يشاء أي من قصور حصينة ومساكن ~~شريفة سميت بذلك لأنها يذب عنها ويحارب عليها وقيل: هي ~~المساجد { وتمثيل } وصور الملائكة والأنبياء عليهم الصلاة ~~والسلام على ما اعتادوه فإنها كانت تعمل حينئذ في المساجد ~~ليراها الناس ويعبدوا مثل عباداتهم. وحرمة التصاوير شرع جديد. ~~وروي أنهم عملوا أسدين في أسفل كرسيه ونسرين فوقه فإذا أراد أن ~~يصعد بسط الأسدان ذراعيهما وإذا قعد أضله النسران بأجنحتهما { ~~وجفان } جمع جفنة وهي الصحفة { كالجواب } كالحياض ~~الكبار جمع جابية من الجباية لاجتماع الماء فيها وهي من الصفات ~~الغالبة كالدابة. وقرىء بإثبات الياء قيل كان يقعد على الجفنة ~~ألف رجل { وقدور رسيت } ثابتات على الأثافي لا تنزل عنها ~~لعظمها { اعملوا ءال داوود شكرا } حكاية لما قيل لهم ~~وشكرا نصب على أنه مفعول له أو مصدر لاعملوا لأن العمل للمنعم ~~شكر له أو لفعله المحذوف أي اشكروا شكرا أو حال أي شاكرين أو مفعول ~~به أي اعملوا شكرا { وقليل من عبادى الشكور } أي ~~المتوفر على أداء الشكر بقلبه ولسانه وجوارحه أكثر أوقاته ومع ~~ذلك لا يوفي حقه لأن التوفيق للشكر نعمة تستدعي شكرا آخر ~~لا إلى نهاية ولذلك قيل: الشكور من يرى عجزه عن الشكر. وروي ~~أنه عليه الصلاة والسلام جزأ ms2699 ساعات الليل والنهار على ~~أهله فلم تكن تأتي ساعة من الساعات إلا وإنسان من آل داود قائم ~~يصلي. ### || [34.14] # { فلما قضينا عليه الموت } أي على سليمان عليه ~~السلام { ما دلهم } أي الجن أو آله { على موته إلا ~~دابة الارض } أي الأرضة أضيفت إلى فعلها. وقرىء بفتح ~~الراء، وهو تأثر الخشبة من فعلها، يقال أرضت الأرضة ~~الخشبة أرضا فأرضت أرضا مثل أكلت القوادح أسنانه أكلا فأكلت ~~أكلا { تأكل منسأته } أي عصاه من نسأت البعير إذا طردته ~~لأنها يطرد بها ما يطرد وقرىء منساته بألف ساكنة بدلا من ~~الهمزة وبهمزة ساكنة وبإخراجها بين بين عند الوقف ومنساءته على ~~مفعالة كميضاءة في ميضأة ومن سأته من أي طرف عصاه من سأة القوس ~~وفيه لغتان كما في قحة بالكسر والفتح وقرىء أكلت منساته. # { فلما خر تبينت الجن } من تبينت الشيء إذا علمته ~~بعد التباسه عليك أي علمت الجن علما بينا بعد التباس الأمر عليهم { ~~أن لو كانوا يعلمون الغيب ما لبثوا فى العذاب ~~المهين } أي أنهم لو كانوا يعلمون الغيب كما يزعمون لعلموا موته ~~عليه الصلاة والسلام حينما وقع فلم يلبثوا بعده حولا في تسخيره ~~إلى أن خر أو من تبين الشيء إذا ظهر وتجلي أي ظهرت الجن وأن ~~مع ما في حيزها بدل اشتمال من الجن أي ظهر أن الجن لو كانوا ~~يعلمون الغيب الخ وقرىء تبينت الجن على البناء للمفعول على أن ~~المتبين في الحقيقة هو أن مع ما في حيزها لأنه بدل وقرىء ~~تبينت الإنس والضمير في كانوا للجن في قوله تعالى: # ومن الجن من يعمل # [سورة سبأ: الآية 12] وفي قراءة ابن مسعود رضي الله عنه تبينت ~~الإنس أن الجن لو كانوا يعلمون الغيب. روي أن داود عليه ~~السلام أسس بنيان بيت المقدس في موضع فسطاط موسى فتوفي قبل ~~تمامه فوصى به إلى سليمان عليهما السلام فاستعمل فيه الجن ~~والشياطين فباشروه حتى إذا حان أجله وعلم به سأل ربه أن ~~يعمي عليهم موته حتى يفرغوا منه ولتبطل دعواهم علم الغيب ~~فدعاهم ms2700 فبنوا عليه صرحا من قوارير ليس له باب فقام يصلي متكئا ~~على عصاه فقبض روحه وهو متكىء عليها فبقي كذلك وهم فيما أمروا به من ~~الأعمال حتى أكلت الأرضة عصاه فخر ميتا وكانت السياطين ~~تجتمع حول محرابه أينما صلى عليه الصلاة والسلام فلم يكن ينظر ~~إليه شيطان في صلاته إلا احترق فمر به يوما شيطان فنظر فإذا ~~سليمان عليه السلام قد خر ميتا ففتحوا عنه فإذا عصاه قد أكلتها ~~الأرضة فأرادوا أن يعرفوا وقت موته فوضعوا الأرضة على العصا ~~فأكلت منها في يوم وليلة مقدارا فحسبوا على ذلك فوجدوه قد مات منذ ~~سنة وكان عمره ثلاثا وخمسين سنة، ملك وهو ابن ثلاث عشرة سنة وبقي في ~~ملكه أربعين سنة وابتدأ بناء بيت المقدس لأربع مضين من ملكه. ### || [34.15-16] # { لقد كان لسبإ } بيان لإخبار بعض الكافرين بنعم الله تعالى ~~إثر بيان أحوال الشاكرين لها أي لأولاد سبأ بن يشجب بن يعرب ~~بن قحطان وقرىء بمنع الصرف على أنه اسم القبيلة. وقرىء بقلب ~~الهمزة ألفا ولعله إخراج لها بين بين { فى مسكنهم } وقرىء ~~بكسر الكاف كالمسجد، وقرىء بلفظ الجمع أي مواضع سكناهم وهي ~~باليمن يقال لها مأرب بينها وبين صنعاء مسيرة ثلاث ليال { ~~ءاية } دالة بملاحظه أحوالها السابقة واللاحقة على وجود ~~الصانع المختار القادر على كل ما يشاء من الأمور البديعة المجازي ~~للمحسن والمسيء معاضدة للبرهان السابق كما في قصتي داود وسليمان ~~عليهما السلام. { جنتان } بدل من آية أو خبر لمبتدأ محذوف أي ~~هي جنتان وفيه معنى المدح ويؤيده قراءة النصب على المدح والمراد ~~بهما جماعتان من البساتين. { عن يمين وشمال } جماعة عن يمين ~~بلدهم وجماعة عن شماله كل واحدة من تينك الجماعتين في ~~تقاربهما وتضامهما كأنهما جنة واحدة أو بستانا كل رجل منهم ~~عن يمين مسكنه وعن شماله { كلوا من رزق ربكم واشكروا ~~له } حكاية لما قيل لهم على لسان نبيهم تكميلا للنعمة وتذكيرا ~~لحقوقها أو لما نطق به لسان الحال أو بيان لكونهم أحقاء بأن ~~يقال لهم ذلك { بلدة طيبة ms2701 ورب غفور } استئناف مبين ~~لما يوجب الشكر المأمور به أي بلدتكم بلدة طيبة وربكم الذي زرقكم ~~ما فيها من الطيبات وطلب منكم الشكر رب غفور لفرطات من يشكره. ~~وقرىء الكل بالنصب على المدح قيل: كان أطيب البلاد هواء وأخصبها ~~وكانت المرأة تخرج وعلى رأسها المكتل فتعمل بيديها وتسير فيما بين ~~الأشجار فيمتلىء المكتل مما يتساقط فيه من الثمار ولم يكن فيه ~~من مؤذيات الهوام شيء { فأعرضوا } عن الشكر بعد إبانة الآيات ~~الداعية لهم إليه قيل: أرسل الله إليهم ثلاثة عشر نبيا فدعوهم ~~إلى الله تعالى وذكروهم بنعمه وأنذروهم عقابه فكذبوهم. # { فأرسلنا عليهم سيل العرم } أي سيل الأمر العرم أي ~~الصعب من عرم الرجل فهو عارم وعرم إذا شرس خلقه وصعب أو ~~المطر الشديد وقيل: العرم جمع عرمة وهي الحجارة المركومة وقيل: هو ~~السكر الذي يحبس الماء وقيل: هو اسم للبناء يجعل سدا وقيل هو ~~البناء الرصين الذي بنته الملكة بلقيس بين الجبلين بالصخر ~~والقار وحقنت به ماء العيون والأمطاء وتركت فيه خروقا على ما ~~يحتاجون إليه في سقيهم. وقيل العرم الجرذ الذي نقب عليهم ذلك ~~السد وهو الفأر الأعمى الذي يقال له الخلد سلطه الله تعالى على ~~سدهم فنقبه فغرق بلادهم، وقيل: العرم اسم الوادي. وقرىء ~~العرم بسكون الراء قالوا كان ذلك في الفترة التي كانت بين عيسى ~~والنبي عليهما الصلاة والسلام { وبدلناهم ~~بجنتيهم } أي أذهبنا جنتيهم وآتيناهم بدلهما { جنتين ~~ذواتى أكل خمط } أي ثمر بشع فإن الخمط كل نبت أخذ طعما ~~من مرارة حتى لا يمكن أكله وقيل: هو الحامض والمر من كل شيء. # وقيل: هو ثمرة شجرة يقال لها فسوة الضبع على صورة الخشخاش لا ~~ينتفع بها. وقيل هو الأراك أو كل شجر ذي شوك. والتقدير أكل ~~أكل خمط فخذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه. وقرىء أكل ~~خمط بالإضافة بتخفيف أكل. { وأثل وشىء من سدر قليل } ~~معطوفان على أكل لا على خمط فإن الأثل هو الطرفاء وقيل شجر ~~يشبهه أعظم منه لا ثمر له وقرىء وأثلا وشيئا عطفا ms2702 على جنتين. ~~قيل: وصف السدر بالقلة لما أن جناه وهو النبق مما يطيب ~~أكله ولذلك يغرس في البساتين والصحيح أن السدر صنفان صنف ~~يؤكل من ثمره وينتفع بورقه لغسل اليد وصنف له ثمرة عفصة لا تؤكل ~~أصلا ولا ينتفع بورقه وهو الضال والمراد ههنا هو الثاني حتما. ~~وقال قتادة: كان شجرهم خير الشجر فصيره الله تعالى من شر ~~الشجر بأعمالهم. وتسمية البدل جنتين للمشاكلة والتهكم. ### || [34.17-18] # { ذلك } إشارة إلى مصدر قوله تعالى: { جزينهم } أو إلى ما ~~ذكر من التبديل. وما فيه من معنى البعد للإيذان ببعد رتبته في ~~الفظاعة. ومحله على الأول النصب على أنه مصدر مؤكد للفعل ~~المذكور وعلى الثاني النصب على أنه مفعول ثان له أي ذلك الجزاء ~~الفظيع جزيناهم لا جزاء آخر أو ذلك التبديل جزيناهم لا غيره { ~~بما كفروا } بسبب كفرانهم النعمة حيث نزعناها منهم ووضعنا ~~مكانها ضدها أو بسبب كفرهم بالرسل { وهل نجازى إلا ~~الكفور } أي وما نجازي هذا الجزاء إلا المبالغ في الكفران أو ~~الكفر. وقرىء يجازي على البناء للفاعل وهو الله عز وجل. وهل ~~يجازى على البناء للمفعول ورفع الكفور، وهل يجزى على البناء ~~للمفعول أيضا. وهذا بيان ما أوتوا من النعم الحاضرة في مساكنهم ~~وما فعلوا بها من الكفران وما فعل بهم من الجزاء. وقوله تعالى { ~~وجعلنا بينهم وبين القرى التى باركنا فيها } ~~حكاية لما أوتوا من النعم البادية في مسايرهم ومتاجرهم وما فعلوا ~~بها من الكفران وما حاق به بسبب ذلك تكملة لقصتهم وبيانا لعاقبتهم ~~وإنما لم يذكر الكل معا لما في التثنية والتكرير من زيادة ~~تنبيه وتذكير وهو عطف على كان لسبأ لا على ما بعده من الجمل الناطقة ~~بأفعالهم أو بأجزيتها أي وجعلنا مع ما آتيناهم في مساكنهم من فنون ~~النعم بينهم أي بين بلادهم وبين القرى الشامية التي باركنا ~~فيها للعالمين { قرى ظهرة } متواصلة يرى بعضها من بعض ~~لتقاربها فهي ظاهرة لأعين أهلها أو راكبة متن الطريق ظاهرة للسابلة ~~غير بعيدة عن مسالكهم حتى تخفى عليهم { وقدرنا فيها ms2703 السير ~~} أي جعلناها في نسبة بعضها إلى بعض على مقدار معين يليق بحال أبناء ~~السبيل قيل: كان الغادي من قرية يقيل في أخرى والرائح منها يبيت ~~في أخرى إلى أن يبلغ الشام. كل ذلك كان تكميلا لما أوتوا من ~~أنواع النعماء وتوفيرا لها في الحضر والسفر { سيروا فيها } ~~على إرادة القول أي وقلنا لهم سيروا في تلك القرى { ليالى ~~وأياما } أي متى شئتم من الليالي والأيام { ءامنين } من كل ~~ما تكرهونه لا يختلف الأمن فيها باختلاف الأوقات أو سيروا فيها آمنين ~~وإن تطاولت مدة سفركم وامتدت ليالي وأياما كثيرة أو سيروا ~~فيها ليالي أعماركم وأيامها لا تلقون فيها إلا الأمن، لكن لا على ~~الحقيقة بل على تنزيل تمكينهم من السير المذكور وتسوية مباديه وأسبابه ~~على الوجه المذكور منزلة أمرهم بذلك. ### || [34.19] # { فقالوا ربنا بعد بين أسفارنا } وقرىء يا ~~ربنا. بطروا النعمة وسئموا أطيب العيش وملوا العافية فطلبوا ~~الكد والتعب كما طلب بنو إسرائيل الثوم والبصل مكان المن ~~والسلوى وقالوا لو كان جنى جناتنا أبعد لكان أجدر أن نشتهيه ~~وسألوا أن يجعل الله تعالى بينهم وبين الشأم مفاوز وقفارا ليركبوا ~~فيها الرواحل ويتزودوا الأزواد ويتطاولوا فيها على الفقراء فعجل ~~الله تعالى لهم الإجابة بتخريب تلك القرى المتوسطة وجعلها بلقعا لا ~~يسمع فيها داع ولا مجيب. وقرىء ربنا بعد بين أسفارنا وبعد بين ~~أسفارنا على النداء وإسناد الفعل إلى بين ورفعه به، كما يقال سير فرسخان ~~وبوعد بين أسفارنا وقرىء ربنا باعد بين أسفارنا وبين سفرنا وبعد ~~برفع ربنا على الابتداء والمعنى على خلاف الأول وهو استبعاد مسايرهم مع ~~قصرها أو دنوها وسهولة سلوكها لفرط تنعمهم وغاية ترفههم وعدم ~~اعتدادهم بنعم الله تعالى كأنهم يتشاجون على الله تعالى ويتحازنون ~~عليه { وظلموا أنفسهم } حيث عرضوها للسخط والعذاب حين ~~بطروا النعمة أو غمطوها { فجعلنهم أحاديث } أي جلعناهم ~~بحيث يتحدث الناس بهم متعجبين من أحوالهم ومعتبرين بعاقبتهم ~~ومآلهم { ومزقنهم كل ممزق } أي فرقناهم كل تفريق ~~على أن الممزق مصدر، أو كل مطرح ومكان تفريق، على ms2704 أنه اسم ~~مكان، وفي عبارة التمزيق الخاص بتفريق المتصل وخرقه من تهويل الأمر ~~والدلالة على شدة التأثير والإيلام ما لا يخفى أي مزقناهم ~~تمزيقا لا غاية وراءه بحيث يضرب به الأمثال في كل فرقة ليس بعدها ~~وصال حتى لحق غسان بالشأم وأنمار بيثرب وجذام بتهامة ~~والأزد بعمان. وأصل قصتهم على ما رواه الكلبي عن أبي صالح ~~أن عمرو بن عامر من أولاد سبأ وبينهما اثنا عشر أبا وهو الذي ~~يقال له مزيقيا بن ماء السماء أخبرته طريفة الكاهنة بخراب ~~سد مأرب وتفريق سيل العرم الجنتين. وعن أبي زيد الأنصاري أن ~~عمرا رأى جرذا يحفر السد فعلم أنه لا بقاء له بعد، وقيل: ~~إنه كان كاهنا وقد علمه بكهانته فباع أملاكه وسار بقومه وهم ألوف ~~من بلد إلى بلد حتى انتهى إلى مكة المعظمة وأهلها جرهم وكانوا ~~قهروا الناس وحازوا ولاية البيت على بني إسماعيل عليه السلام ~~وغيرهم فأرسل إليهم ثعلبة بن عمرو بن عامر يسألهم المقام معهم إلى أن ~~يرجع إليه رواده الذين أرسلهم إلى أصقاع البلاد يطلبون له موضعا ~~يسعه ومن معه من قومه فأبوا فاقتتلوا ثلاثة أيام فانهزمت جرهم ~~ولم يفلت منهم إلا الشريد وأقام ثعلبة بمكة وما حولها في قومه ~~وعساكره حولا فأصابتهم الحمى فاضطروا إلى الخروج وقد رجع إليه ~~رواده فافترقوا فرقتين فرقة توجهت نحو عمان وهم الأزد وكندة ~~وحمير ومن يتلوهم وسار ثعلبة نحو الشام فنزل الأوس والخزرج ~~ابنا حارثة بن ثعلبة بالمدينة وهم الأنصار ومضت غسان فنزلوا ~~بالشأم وانخزعت خزاعة بمكة فأقام بها ربيعة بن حارثة بن عمرو ~~بن عامر وهو لحي فولي أمر مكة وحجابة البيت ثم جاءهم أولاد ~~إسماعيل عليه السلام فسألوهم السكنى معهم وحولهم فأذنوا لهم في ~~ذلك. # وروي عن ابن عباس رضي الله عنهما أن فروة بن مسيك الغطيفي سأل ~~النبي عليه الصلاة والسلام عن سبأ فقال عليه الصلاة ~~والسلام هو رجل كان له عشرة أولاد ستة منهم سكنوا اليمن وهم ~~مذحج وكندة والأزد والأشعريون وحمير وأنمار منهم ~~بجيلة وخثعم ms2705 وأربعة منهم سكنوا الشأم وهم لخم وجذام ~~وعاملة وغسان لما هلكت أموالهم وخربت بلادهم تفرقوا ~~أيدي سبا شذر مذر فنزلت طوائف منهم بالحجاز فمنهم خزاعة ~~نزلزوا بظاهر مكة ونزلت الأوس والخزرج بيثرب فكانوا أول من ~~سكنها ثم نزل عندهم ثلاث قبائل من اليهود بنو قينقاع وبنو ~~قريظة والنضير فحالفوا الأوس والخزرج وأقاموا عندهم ونزلت طوائف ~~أخر منهم بالشأم وهم الذين تنصروا فيما بعد وهم غسان وعاملة ~~ولخم وجذام وتنوخ وتغلب وغيرهم، وسبأ تجمع هذه ~~القبائل كلها والجمهور على أن جميع العرب قسمان قحطانية، ~~وعدنانية، والقحطانية شعبان سبأ وحضرموت والعدنانية ~~شعبان ربيعة ومضر وأما قضاعة فمختلف فيها فبعضهم ينسبونها ~~إلى قحطان وبعضهم إلى عدنان والله تعالى أعلم. # { إن فى ذلك } أي فيما ذكر من قصتهم { لآيات } عظيمة { ~~لكل صبار شكور } أي شأنه الصبر عن الشهوات ودواعي ~~الهوى وعلى مشاق الطاعات والشكر على النعم. وتخصيص هؤلاء ~~بذلك لأنهم المنتفعون بها. ### || [34.20-21] # { ولقد صدق عليهم إبليس ظنه } أي حقق عليهم ~~ظنه أو وجده صادقا. وقرىء بالتخفيف أي صدق في ظنه أو صدق بظن ~~ظنه ويجوز تعدية الفعل إليه بنفسه لأنه نوع من القول وقرىء بنصب ~~إبليس ورفع الظن مع التشديد بمعنى وجده ظنه صادقا ومع ~~التخفيف بمعنى قال له الصدق حين خيل له إغواءهم وبرفعهما ~~والتحفيف على الإبدال. وذلك إما ظنه بسيأ حين رأى انهماكهم في ~~الشهوات أو ببني آدم حين شاهد آدم عليه السلام قد أصغى إلى ~~وسوسته قال إن ذريته أضعف منه عزما وقيل ظن ذلك عند إخبار الله ~~تعالى الملائكة أنه يجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء وقال ~~لأضلنهم ولأغوينهم { فاتبعوه } أي أهل سبأ أو الناس { ~~إلا فريقا من المؤمنين } إلا فريقا هم المؤمنون لم ~~يتبعوه على أن من بيانية. وتقليلهم بالإضافة إلى الكفار أو ~~إلا فريقا من فرق المؤمنين لم يتبعوه وهم المخلصون { وما كان ~~له عليهم من سلطن } أي تسلط واستيلاء بالوسوسة ~~والاستغواء وقوله تعالى { إلا لنعلم من يؤمن بالآخرة ~~ممن هو منها فى شك } استثناء مفرغ ms2706 من أعم العلل ومن ~~موصولة أي وما كان تسلطه عليهم إلا ليتعلق علمنا بمن يؤمن ~~بالآخرة متميزا ممن هو في شك منها تعلقا حاليا يترتب عليه ~~الجزاء أو إلا ليتميز المؤمن من الشاك أو إلا ليؤمن من قدر ~~إيمانه ويشك من قدر ضلاله والمراد من حصول العلم حصول متعلقه ~~مبالغة { وربك على كل شىء حفيظ } أي محافظ عليه فإن ~~فعيلا ومفاعلا صيغتان متآخيتان. ### || [34.22-23] # { قل } أي للمشركين إظهارا لبطلان ما هم عليه وتبكيتا لهم { ~~ادعوا الذين زعمتم } أي عمتموهم آلهة وهما مفعولا زعم ثم ~~حذف الأول تخفيفا لطول الموصول بصلته والثاني لقيام صفته أعني ~~قوله تعالى { من دون الله } مقامه ولا سبيل إلى جعله مفعولا ~~ثانيا لأنه لا يلتئم مع الضمير كلاما وكذا لا يملكون لأنهم لا ~~يزعمونه والمعنى ادعوهم فيما يهمكم من جلب نفع أو دفع ضر ~~لعلهم يستجيبون لكم إن صح دعواكم ثم أجاب عنهم إشعارا بتعين ~~الجواب وأنه لا يقبل المكابرة فقال { لا يملكون مثقال ~~ذرة } من خير وشر ونفع وضر { في السموات ولا فى ~~الأرض } أي في أمر ما من الأمور. وذكرهما للتعميم عرفا، أو ~~لأن آلهتهم بعضها سماوية كالملائكة والكواكب وبعضها أرضية ~~كالأصنام أو لأن الأسباب القريبة للخير والشر سماوية وأرضية ~~والجملة استئناف لبيان حالهم. { وما لهم } أي لآلهتهم { ~~فيهما من شرك } أي شركة لا خلقا ولا ملكا ولا تصرفا { ~~وما له } أي لله تعالى { منهم } من آلهتهم { من ظهير } ~~يعينه في تدبير أمرهما. # { ولا تنفع الشفعة عنده } أي لا توجد رأسا كما في ~~قوله: [السريع] # لا تفزع الأرنب أهوالها # ولا ترى الضب بها ينجحر # لقوله تعالى: # من ذا الذى يشفع عنده إلا بإذنه # [سورة البقرة: الآية 255] وإنما علق النفي بنفعها لا بوقوعها ~~تصريحا بنفي ما هو غرضهم من وقوعها وقوله تعالى { إلا لمن أذن ~~له } استئناء مفرع من أعم الأحوال أي لا تقع الشفاعة في حال ~~من الأحوال إلا كائنة لمن أذن له في الشفاعة من النبيين ~~والملائكة ونحوهم من المستأهلين لمقام الشفاعة فتبين ms2707 حرمان ~~الكفرة منها بالكلية، أما من جهة أصنامهم فلظهور انتفاء الإذن لها ~~ضرورة استحالة الإذن في الشفاعة لجماد لا يعقل ولا ينطق وأما من ~~جهة من يعبدونه من الملائكة فلأن إذنهم مقصور على الشفاعة ~~للمستحقين لها لقوله تعالى: # لا يتكلمون إلا من أذن له الرحمن وقال ~~صوابا # [سورة سبأ: الآية 38] ومن البين أن الشفاعة للكفرة بمعزل من ~~الصواب أو لا تنفع الشفاعة من الشفعاء المستأهلين لها في حال ~~من الأحوال إلا كائنة لمن إذن له أي لأجله وفي شأنه من المستحقين ~~للشفاعة وأما من عداهم من غير المستحقين لها فلا تنفعهم أصلا ~~وإن فرض وقوعها وصدورها عن الشفعاء إذ لم يؤذن لهم في شفاعتهم بل ~~شفاعة غيرهم، فعلى هذا يثبت حرمانهم من شفاعة هؤلاء بعبارة النص ~~ومن شفاعة الأصنام بدلالته إذ حيث حرموها من جهة القادرين على شفاعة ~~بعض المحتاحين إليها فلأن يحرموها من جهة العجزة عنها أولى. وقرىء ~~أذن له مبنيا للمفعول. # { حتى إذا فزع عن قلوبهم } أي قلوب الشفعاء والمشفوع ~~لهم من المؤمنين وأما الكفرة فهم من موقف الاستشفاع بمعزل وعن ~~التفزيع عن قلوبهم بألف منزل والتفزيع إزالة الفزع ثم ترك ذكر ~~الفزع وأسند الفعل إلى الجار والجرور وحتى غاية لما ينبىء عنه ما ~~قبلها من الإشعار بوقوع الإذن لمن أذن له فإنه مسبوق بالاستئذان ~~المستدعي للترقب والانتظار للجواب كأنه سئل كيف يؤذن لهم فقيل ~~يتربصون في موقف الاستئذان والاستدعاء ويتوقفون على وجل وفزع ~~مليا حتى إذا أزيل الفزع عن قلوبهم بعد اللتيا والتي وظهرت ~~لهم تباشير الإجابة { قالوا } أي المشفوع لهم إذ هم المحتاجون إلى ~~الإذن والمهتمون بأمره { ماذا قال ربكم } أي في شأن الإذن ~~{ قالوا } أي الشفعاء لأنهم المباشرون للاستئذان بالذات ~~المتوسطون بينهم وبينه عز وجل بالشفاعة { الحق } أي قال ~~ربنا القول الحق وهو الإذن في الشفاعة للمستحقين لها وقرىء ~~الحق مرفوعا أي ما قاله الحق { وهو العلي الكبير } من ~~تمام كلام الشفعاء قالوه اعترافا بغاية عظمة جناب العزة عز وجل ~~وقصور شأن كل من سواه ms2708 أي هو المتفرد بالعلو والكبرياء ليس ~~لأحد من أشراف الخلائق أن يتكلم إلا بإذنه. # وقرىء فزع مخففا بمعنى فزع وقرىء فزع على البناء للفاعل وهو الله ~~وحده وقرىء فرغ بالراء المهلمة والغين المعجمة أي نفي الوجل عنها ~~وأفنى، من فرغ الزاد إذا لم يبق منه شيء وهو من الإسناد المجازي ~~لأن الفراغ وهو الخلو حال ظرفه عند نفاده فأسند إليه على عكس ~~قولهم جرى النهر وعن الحسن تخفيف الراء وأصله فرغ الوجل عنها ~~أي انتفى عنها وفني ثم حذف وأسند إلى الجار والمجرور وبه يعرف حال ~~التفريغ. وقرىء ارتفع عن قلوبهم بمعنى انكشف عنها. ### || [34.24] # { قل من يرزقكم من السموات والأرض } أمر عليه ~~الصلاة والسلام بتبكيت المشركين بحملهم على الإقرار بأن ~~آلهتهم لا يملكون مثقال ذرة فيهما وأن الرازق هو الله تعالى ~~فإنهم لا ينكرونه كما ينطق به قوله تعالى: # قل من يرزقكم من السماء والأرض أمن يملك ~~السمع والأبصر ومن يخرج الحي من الميت ~~ويخرج الميت من الحي ومن يدبر الأمر ~~فسيقولون الله # [سورة يونس: الآية 31] وحيث كانوا يتلعثمون أحيانا في الجواب مخافة ~~الإلزام قيل له عليه الصلاة والسلام { قل الله } إذ لا جواب ~~سواه عندهم أيضا { وإنا أو إياكم لعلى هدى أو فى ~~ضلل مبين } أي وإن أحد الفريقين من الذين يوحدون ~~المتوحد بالرزق والقدرة الذاتية ويخصونه بالعبادة والذين ~~يشركون به في العبادة الجماد النازل في أدنى المراتب الإمكانية ~~لعلى أحد الأمرين من الهدى والضلال المبين وهذا بعد ما سبق من ~~التقرير البليغ الناطق بتعيين من هو على الهدى ومن هو في ~~الضلال أبلغ من التصريح بذلك لجريانه على سنن الإنصاف المسكت ~~للخصم الألد. وقرىء وأنا أو إياكم إما على هدى أو في ضلال ~~مبين، واختلاف الجارين للإيذان بأن الهادي كمن استعلى منارا ينظر ~~الأشياء ويتطلع عليها والضال كأنه منغمس في ظلام لا يرى ~~شيئا أو محبوس في مطمورة لا يستطيع الخروج منها. ### || [34.25-30] # { قل لا تسئلون عما أجرمنا ولا نسئل عما ~~تعملون } وهذا أبلغ في الإنصاف وأبعد ms2709 من الجدل والاعتساف ~~حيث أسند فيه الإجرام وإن أريد به الزلة وترك الأولى إلى ~~أنفسهم، ومطلق العمل إلى المخاطبين مع أن أعمالهم أكبر الكبائر { ~~قل يجمع بيننا ربنا } يوم القيامة عند الحشر والحساب { ~~ثم يفتح بيننا بالحق } أي يحكم بيننا ويفصل بعد ظهور ~~حال كل منا ومنكم بأن يدخل المحقين الجنة والمبطلين النار. { وهو ~~الفتاح } الحاكم الفيصل في القضايا المتعلقة { العليم } بما ~~ينبغي أن يقضى به { قل أرونى الذين ألحقتم } أي ~~ألحقتموهم { به شركاء } أريد بأمرهم بإراءة الأصنام مع كونها ~~بمرأى منه عليه الصلاة والسلام إظهار خطئهم العظيم وإطلاعهم على ~~بطلان رأيهم أي أرونيها لأنظر بأي صفة ألحقتموها بالله الذي ~~ليس كمثله شيء في استحقاق العبادة، وفيه مزيد تبكيت لهم بعد ~~إلزام الحجة عليهم { كلا } ردع لهم عن المشاركة بعد إبطال ~~المقايسة { بل هو الله العزيز الحكيم } أي الموصوف ~~بالغلبة القاهرة والحكمة الباهرة فأين شركاؤكم التي هي أخس ~~الأشياء وأذلها من هذه الرتبة العالية، والضمير إما لله عز ~~وعلا أو للشأن كما في # قل هو الله أحد # { وما أرسلنك إلا كافة للناس } أي إلا إرسالة ~~عامة لهم فإنها إذا عمتهم فقد كفتهم أن يخرج منها أحد منهم ~~أو إلا جامعا لهم في الإبلاغ فهو حال من الكاف والتاء للمبالغة ~~ولا سبيل إلى جعلها حالا من الناس لاستحالة تقدم الحال على ~~صاحبها المجرور { بشيرا ونذيرا ولكن أكثر الناس ~~لا يعلمون } ذلك فيحملهم جهلهم على ما هم عليه من الغي ~~والضلال { ويقولون } من فرط جهلهم وغاية غيهم { متى ~~هذا الوعد } بطريق الاستهزاء يعنون به المبشر به والمنذر ~~عنه أو الموعود بقوله تعالى: # يجمع بيننا ربنا ثم يفتح بيننا # [سورة سبأ: الآية 26] { إن كنتم صدقين } مخاطبين لرسول ~~الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين به { قل لكم ميعاد يوم } أي ~~وعد يوم أو زمان وعد والإضافة للتبيين وقرىء ميعاد يوم ~~منونين على البدل ويوما بإضمار أعني للتعظيم { لا ~~تستئخرون عنه } عند مفاجأته { ساعة ولا تستقدمون ~~} صفة لميعاد وفي هذا الجواب من المبالغة في التهديد ms2710 ما لا يخفى ~~حيث جعل الاستئخار في الاستحالة كالاستقدام الممتنع عقلا وقد مر ~~بيانه مرارا ويجوز أن يكون نفي الاستئخار والاستقدام غير ~~مقيد بالمفاجأة فيكون وصف الميعاد بذلك لتحقيقه وتقريره. ### || [34.31-33] # { وقال الذين كفروا لن نؤمن بهذا القرءان ~~ولا بالذى بين يديه } أي من الكتب القديمة الدالة ~~على البعث وقيل: إن كفار مكة سألوا أهل الكتاب عن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فأخبروهم أنهم يجدون نعته في كتبهم فغضبوا ~~فقالوا ذلك وقيل: الذي بين يديه القيامة { ولو ترى إذ ~~الظلمون } المنكرون للبعث { موقوفون عند ربهم } أي في ~~موقف المحاسبة { يرجع بعضهم إلى بعض القول } أي ~~يتحاورون ويتراجعون القول { يقول الذين استضعفوا } بدل من ~~يرجع الخ أي يقول الأتباع { للذين استكبروا } في الدنيا ~~واستتبعوهم في الغي والضلال { لولا أنتم } أي لولا إضلالكم ~~وصدكم لنا عن الإيمان { لكنا مؤمنين } باتباع الرسول عليه ~~الصلاة والسلام { قال الذين استكبروا للذين ~~استضعفوا } استئناف مبني على السؤال كأنه قيل: فماذا قال ~~الذين استكبروا في الجواب فقيل قالوا: { أنحن صددنكم عن ~~الهدى بعد إذ جاءكم بل كنتم مجرمين } منكرين ~~لكونهم هم الصادين لهم عن الإيمان مثبتين أنهم هم الصادون ~~بأنفسهم بسبب كونهم راسخين في الإجرام { وقال الذين ~~استضعفوا للذين استكبروا } إضرابا على إضرابهم ~~وإبطالا له { بل مكر اليل والنهار } أي بل صدنا مكركم ~~بنا بالليل والنهار فحذف المضاف إليه وأقيم مقامه الظرف ~~اتساعا أو جعل ليلهم ونهارهم ماكرين على الإسناد المجازي. وقرىء ~~بل مكر الليل والنهار بالتنوين ونصب الظرفين أي بل صدنا ~~مكركم في الليل والنهار على أن التنوين عوض عن المضاف ~~إليه أو مكر عظيم على أنه للتفخيم. وقرىء بل مكر الليل ~~والنهار بالرفع والنصب أي تمكرون الاغواء مكرا دائبا لا ~~تفترون عنه فالرفع على الفاعلية أي بل صدنا مكركم الإغواء في الليل ~~والنهار على ما سبق من الاتساع في الظرف بإقامته مقام المضاف ~~إليه والنصب على المصدرية أي بل تمكرون الإغواء مكر الليل ~~والنهار أي مكرا دائما قوله تعالى { إذ تأمروننا } ظرف ~~للمكر أي ms2711 بل مكركم الدائم وقت أمركم لنا { أن نكفر ~~بالله ونجعل له أندادا } على أن المراد بمكرهم إما ~~نفس أمرهم بما ذكر كما في قوله تعالى: # يقوم اذكروا نعمة الله عليكم إذ جعل فيكم ~~أنبياء وجعلكم ملوكا # [سورة المائدة: الآية 20] فإن الجعلين المذكورين نعمة من الله ~~تعالى وأي نعمة، وإما أمور أخر مقارنة لأمرهم داعية إلى الامتثال ~~به من الترغيب والترهيب وغير ذلك { وأسروا الندامة ~~لما رأوا العذاب } أي أضمر الفريقان الندامة على ما فعلا ~~من الضلال والإضلال وأخفاها كل منهما عن الآخر مخافة التعيير ~~أو أظهروها فإنه من الأضداد وهو المناسب لحالهم { وجعلنا ~~الأغلل فى أعناق الذين كفروا } أي في أعناقهم. ~~والإظهار في موضع الإضمار للتنويه بذمهم والتنبيه على موجب ~~أغلالهم { هل يجزون إلا ما كانوا يعملون } أي لا ~~يجزون إلا جزاء ما كانوا يعملون أو إلا بما كانوا يعملونه على ~~نزع الجار. ### || [34.34-37] # { وما أرسلنا فى قرية } من القرى { من نذير إلا ~~قال مترفوها إنا بما أرسلتم به كفرون } تسلية ~~لرسول الله صلى الله عليه وسلم مما مني به من قومه من ~~التكذيب والكفر بما جاء به والمنافسة بكثرة الأموال والأولاد ~~والمفاخرة بحظوظ الدنيا وزخارفها والتكبر بذلك على المؤمنين ~~والاستهانة بهم من أجله وقولهم: # أي الفريقين خير مقاما وأحسن نديا # [سورة مريم: الآية 73] بأنه لم يرسل قط إلى أهل قرية من نذير ~~إلا قال مترفوهم مثل ما قال مترفو أهل مكة في حقه عليه ~~الصلاة والسلام وكادوا به نحو ما كادوا به عليه الصلاة ~~والسلام وقاسوا أمور الآخرة الموهومة والمفروضة عندهم على أمور ~~الدنيا وزعموا أنهم لو لم يكرموا على الله تعالى لما رزقهم ~~طييات الدنيا ولولا أن المؤمنين هانوا عليه تعالى لما ~~حرمهموها وعلى ذلك الرأي الركيك بنوا أحكامهم. # { وقالوا نحن أكثر أمولا وأولدا وما نحن ~~بمعذبين } إما بناء على انتفاء العذاب الأخروي رأسا أو ~~على اعتقاد أنه تعالى أكرمهم في الدنيا فلا يهينهم في الآخرة على ~~تقدير وقوعها { قل } ردا عليهم وحسما لمادة طمعهم الفارغ ~~وتحقيقا للحق ms2712 الذي عليه يدور أمر التكوين { إن ربى يبسط ~~الرزق لمن يشاء } أن يبسطه له { ويقدر } على من يشاء أن ~~يقدره عليه من غير أن يكون لأحد الفريقين داع إلى ما فعل به من ~~البسط والقدر فربما يوسع على العاصي ويضيق على المطيع ~~وربما يعكس الأمر وربما يوسع عليهما معا وقد يضيق عليهما ~~وقد يوسع على شخص تارة ويضيق عليه أخرى يفعل كلا من ذلك ~~حسبما تقتضيه مشيئته المبنية على الحكم البالغة فلا يقاس على ذلك ~~أمر الثواب والعذاب اللذين مناطهما الطاعة وعدمها وقرىء ~~ويقدر بالتشديد { ولكن أكثر الناس لا يعلمون } ~~ذلك فيزعمون أن مدار البسط هو الشرف والكرامة ومدار القدر هو ~~الهوان ولا يدرون أن الأول كثيرا ما يكون بطريق الاستدراج ~~والثاني بطريق الابتلاء ورفع الدرجات { وما أمولكم ولا ~~أولدكم بالتى تقربكم عندنا زلفى } كلام مستأنف ~~من جهته عز وعلا خوطب به الناس بطريق التلوين والالتفات ~~مبالغة في تحقيق الحق وتقرير ما سبق أي وما جماعة أموالكم ~~وأولادكم بالجماعة التي تقربكم عندنا قربة فإن الجمع المكسر ~~عقلاؤه وغير عقلائه سواء في حكم التأنيث أو بالخصلة التي تقربكم. ~~وقرىء بالذي أي بالشيء الذي { إلا من آمن وعمل ~~صالحا } استثناء من مفعول تقربكم أي وما الأموال والأولاد تقرب ~~أحدا إلا المؤمن الصالح الذي أنفق أمواله في سبيل الله تعالى ~~وعلم أولاده الخير ورباهم على الصلاح ورشحهم للطاعة وقيل: ~~من أموالكم وأولادكم على حذف المضاف أي إلا أموال من الخ { ~~فأولئك } إشارة إلى من والجمع باعتبار معناها كما أن ~~الإفراد في الفعلين باعتبار لفظها، وما فيه من معنى البعد مع قرب ~~العهد بالمشار إليه للإيذان بعلو رتبتهم وبعد منزلتهم في الفضل ~~أي فأولئك المنعوتون بالإيمان والعمل الصالح { لهم جزاء ~~الضعف } أي ثابت لهم ذلك على أن الجار والمجرور خبر لما بعده ~~والجملة خبر لأولئك وفيه تأكيد لتكرر الإسناد أو يثبت لهم ذلك على ~~أن الجار والمجرور خبر لأولئك وما بعده مرتفع على الفاعلية ~~وإضافة الجزاء إلى الضعف من إضافة المصدر إلى المفعول أصله ms2713 فأولئك ~~لهم أن يجازوا الضعف ثم جزاء الضعف ثم جزاء الضعف ومعناه ~~أن تضاعف لهم حسناتهم الواحدة عشرا فما فوقها وقرىء جزاء ~~الضعف أي فأولئك لهم الضعف جزاء وجزاء الضعف على أن يجازوا ~~الضعف وجزاء الضعف بالرفع على أن الضعف بدل من جزاء { ~~بما عملوا } من الصالحات { وهم فى الغرفت } أي غرفات ~~الجنة { ءامنون } من جميع المكاره. # وقرىء بفتح الراء وسكونها. وقرىء في الغرفة على إرادة الجنس. ### || [34.38-40] # { والذين يسعون فى ءايتنا } بالرد والطعن فيها { ~~معجزين } سابقين لأنبيائنا أو زاعمين أنهم يفوتوننا { ~~أولئك فى العذاب محضرون } لا يجديهم ما عولوا عليه ~~نفعا. # { قل إن ربى يبسط الرزق لمن يشاء من عباده } أي ~~يوسعه عليه تارة { ويقدر له } أي يضيقه عليه تارة أخرى فلا ~~تخشوا الفقر وأنفقوا في سبيل الله وتعرضوا لنفحاته تعالى: { ~~وما أنفقتم من شىء فهو يخلفه } عوضا إما عاجلا ~~وإما آجلا { وهو خير الرازقين } فإن غيره واسطة في إيصال ~~رزقه لا حقيقة لرازقيته { ويوم يحشرهم جميعا } أي ~~المستكبرين والمستضعفين وما كانوا يعبدون من دون الله. ويوم ظرف ~~لمضمر متأخر سيأتي تقديره أو مفعول لمضمر مقدم نحو اذكر { ~~ثم يقول للملئكة أهؤلاء إياكم كانوا ~~يعبدون } تقريعا للمشركين وتبكيتا لهم على نهج قوله تعالى: # أأنت قلت للناس اتخذونى وأمى # [سورة المائدة: الآية 116] الخ وإقناطا لهم عما علقوا به أطماعهم ~~الفارغة من شفاعتهم، وتخصيص الملائكة لأنهم أشرف شركائهم ~~والصالحون للخطاب منهم ولأن عبادتهم مبدأ الشرك فبظهور ~~قصورهم عن رتبة المعبودية وتنزههم عن عبادتهم يظهر حال سائر ~~شركائهم بطريق الأولوية وقرىء الفعلان بالنون. ### || [34.41-43] # { قالوا } استئناف مبني على سؤال نشأ من حكاية سؤال الملائكة ~~حينئذ فقيل يقولون متنزهين عن ذلك { سبحنك أنت ولينا ~~من دونهم } والعدول إلى صيغة الماضي للدلالة على التحقق، ~~أي أنت الذي نواليه من دونهم لا موالاة بيننا وبينهم كأنهم بينوا ~~بذلك براءتهم من الرضا بعبادتهم ثم أضربوا عن ذلك ونفوا أنهم ~~عبدوهم حقيقة بقولهم: { بل كانوا يعبدون الجن } أي ~~الشياطين حيث أطاعوهم في عبادة غير الله سبحانه وتعالى ms2714 وقيل ~~كانوا يتمثلون لهم ويخيلون لهم أنهم الملائكة فيعبدونهم وقيل: ~~يدخلون أجواف الأصنام إذا عبدت فيعبدون بعبادتها { أكثرهم ~~بهم مؤمنون } الضمير الأول للإنس أو للمشركين والأكثر ~~بمعنى الكل والثاني للجن. # { فاليوم لا يملك بعضكم لبعض نفعا ولا ضرا ~~} من جملة ما يقال للملائكة عند جوابهم بالتنزه والتبرؤ عما ~~نسب إليهم الكفرة يخاطبون بذلك على رؤوس الأشهاد إظهارا لعجزهم ~~وقصورهم عند عبدتهم وتنصيصا على ما يوجب خيبة رجائهم بالكلية. ~~والفاء ليست لترتيب ما بعدها من الحكم على جواب الملائكة فإنه ~~محقق أجابوا بذلك أم لا بل لترتيب الإخبار به عليه ونسبة عدم ~~النفع والضر إلى البعض المبهم للمبالغة فيما هو المقصود الذي ~~هو بيان عدم نفع الملائكة للعبدة بنظمه في سلك عدم نفع العبدة ~~لهم كأن نفع الملائكة لعبدتهم في الاستحالة والانتفاء كنفع ~~العبدة لهم، والتعرض لعدم الضر مع أنه لا بحث عنه أصلا إما ~~لتعميم العجز أو لحمل عدم النفع على تقدير العبادة وعدم ~~الضر على تقدير تركها أو لأن المراد دفع الضر على حذف ~~المضاف، وتقييد هذا الحكم بذلك اليوم مع ثبوته على الإطلاق لانعقاد ~~رجائهم على تحقق النفع يومئذ. وقوله عز وجل: { ونقول ~~للذين ظلموا } عطف على نقول للملائكة لا على لا يملك كما قيل ~~فإنه مما يقال يوم القيامة خطابا للملائكة مترتبا على جوابهم ~~المحكي وهذا حكاية لرسول الله صلى الله عليه وسلم لما سيقال للعبدة ~~يومئذ إثر حكاية ما سيقال للملائكة أي يوم نحشرهم جميعا ثم نقول ~~للملائكة كذا وكذا ويقولون كذا وكذا ونقول للمشركين { ذوقوا ~~عذاب النار التى كنتم بها تكذبون } يكون من الأهوال ~~والأحوال ما لا يحيط به نطاق المقال. # وقوله تعالى: # { وإذا تتلى عليهم ءايتنا بينات } بيان لبعض ~~آخر من كفرانهم أي إذا تتلى عليهم بلسان الرسول عليه الصلاة ~~والسلام آياتنا الناطقة بحقية التوحيد وبطلان الشرك { ~~قالوا ما هذا } يعنون رسول الله صلى الله عليه وسلم { إلا ~~رجل يريد أن يصدكم عما كان يعبد آبآؤكم } ~~فيستتبعكم بما يستدعيه من غير أن يكون هناك ms2715 دين إلهي، وإضافة ~~الآباء إلى المخاطبين لا إلى أنفسهم لتحريك عرق العصبية منهم ~~مبالغة في تقريرهم على الشرك وتنفيرهم عن التوحيد { وقالوا ~~ما هذا } يعنون القرآن الكريم { إلا إفك } أي كلام مصروف ~~عن وجهه لا مصداق له في الواقع { مفترى } بإسناده إلى الله تعالى { ~~وقال الذين كفروا للحق } أي لأمر النبوة أو الإسلام ~~أو القرآن على أن العطف لاختلاف العنوان بأن يراد بالأول معناه ~~وبالثاني نظمه المعجز { لما جاءهم } من غير تدبر ولا ~~تأمل فيه { إن هذا إلا سحر مبين } ظاهر سحريته وفي ~~تكرير الفعل والتصريح بذكر الكفرة وما في اللامين من الإشارة ~~إلى القائلين والمقول فيه وما في لما من المسارعة إلى البت بهذا ~~القول الباطل إنكار عظيم له وتعجيب بليغ منه. ### || [34.44-46] # { وما ءاتينهم من كتب يدرسونها } فيها دليل على ~~صحة الإشراك كما في قوله تعالى: # أم أنزلنا عليهم سلطنا فهو يتكلم بما ~~كانوا به يشركون # [سورة الروم: الآية 35] وقوله تعالى: # أم ءاتينهم كتبا من قبله فهم به مستمسكون # [سورة الزخرف: الآية 21] وقرىء يدرسونها ويدرسونها بتشديد الدال ~~يفتعلون من الدرس. # { وما أرسلنا إليهم قبلك من نذير } يدعوهم إليه ~~وينذرهم بالعقاب إن لم يشركوا وقد بان من قبل أن لا وجه له بوجه ~~من الوجوه فمن أين ذهبوا هذا المذهب الزائغ، وهذا غاية تجهيل ~~لهم وتسفيه لرأيهم ثم هددهم بقوله تعالى: { وكذب الذين ~~من قبلهم } من الأمم المتقدمة والقرون الخالية كما كذبوا. { ~~وما بلغوا معشار ما ءاتينهم } أي ما بلغ هؤلاء عشر ~~ما آتينا أولئك من القوة وطول العمر وكثرة المال أو ما بلغ أولئك ~~عشر ما آتينا هؤلاء من البينات والهدى { فكذبوا رسلي } ~~عطف على كذب الذين الخ بطريق التفصيل والتفسير كقوله تعالى: # كذبت قبلهم قوم نوح فكذبوا عبدنا # [سورة القمر: الآية 54] الخ { فكيف كان نكير } أي إنكاري لهم ~~بالتدمير فليحذر هؤلاء من مثل ذلك { قل إنما أعظكم ~~بوحدة } أي ما أرشدكم وأنصح لكم إلا بخصلة واحدة هي ما دل عليه ~~قوله تعالى: { أن تقوموا لله } على أنه ms2716 بدل منها أو بيان ~~لها أو خبر مبتدأ محذوف أي هي أن تقوموا من مجلس رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم أو تنتصبوا للأمر خالصا لوجه الله تعالى معرضا عن ~~المماراة والتقليد { مثنى وفرادى } أي متفرقين اثنين ~~اثنين وواحدا واحدا فإن الازدحام يشوش الأفهام ويخلط الأفكار ~~بالأوهام وفي تقديم مثنى إيذان بأنه أوثق وأقرب إلى الاطمئنان ~~{ ثم تتفكروا } في أمره عليه الصلاة والسلام وما جاء به ~~لتعلموا حقيقته وحقيته وقوله تعالى: { ما بصحبكم من ~~جنة } استئناف مسوق من جهته تعالى للتنبيه على طريقة النظر ~~والتأمل بأن مثل هذا الأمر العظيم الذي تحته ملك الدنيا ~~والآخرة لا يتصدى لادعائه إلا مجنون لا يبالي بافتضاحه عند ~~مطالبته بالبرهان وظهور عجزه، أو مؤيد من عند الله مرشح ~~للنبوة واثق بحجته وبرهانه وإذ قد علمتم أنه عليه الصلاة ~~والسلام أرجح العالمين عقلا وأصدقهم قولا وأنزههم نفسا وأفضلهم ~~علما وأحسنهم عملا وأجمعهم للكمالات البشرية وجب أن تصدقوه ~~في دعواه فكيف وقد انضم إلى ذلك معجزات تخر لها صم الجبال. ~~ويجوز أن يتعلق بما قبله على معنى ثم تتفكروا فتعلموا ما بصاحبكم ~~من جنة وقد جوز أن تكون ما استفهامية على معنى ثم تتفكروا أي ~~شيء به من آثار الجنون { إن هو إلا نذير لكم بين ~~يدي عذاب شديد } هو عذاب الآخرة فإنه عليه الصلاة ~~والسلام مبعوث في نسم الساعة. ### || [34.47-50] # { قل ما سألتكم من أجر } أي أي شيء سألتكم من أجر على ~~الرسالة { فهو لكم } والمراد نفي السؤال رأسا كقول من ~~قال لمن لم يعطه شيئا إن أعطيتني شيئا فخذه وقيل ما موصولة أريد ~~بها ما سألهم بقوله تعالى: # ما أسألكم عليه من أجر إلا من شاء أن يتخذ ~~إلى ربه سبيلا # [سورة الفرقان: الآية 57] وقوله تعالى: # لا أسئلكم عليه أجرا إلا المودة في ~~القربى # [سورة الشورى: الآية 23] واتخاذ السبيل إليه تعالى منفعتهم الكبرى ~~وقرباه عليه الصلاة والسلام قرباهم { إن أجرى إلا على ~~الله وهو على كل شىء شهيد } مطلع يعلم صدقي وخلوص ~~نيتي وقرىء ms2717 إن أجري بسكون الياء { قل إن ربى يقذف ~~بالحق } أي يلقيه وينزله على من يجتبيه من عباده أو يرمي به ~~الباطل فيدمغه أو يرمي به في أقطار الآفاق فيكون وعدا بإظهار ~~الإسلام وإعلاء كلمة الحق { علم الغيوب } صفة محمولة ~~على محل إن واسمها أو بدل من المستكن في يقذف أو خبر ثان ~~لأن أو خبر مبتدأ محذوف. وقرىء بالنصب صفة لربي أو مقدرا ~~بأعني وقرىء بكسر الغين وبالفتح كصبور مبالغة غائب { قل جاء ~~الحق } أي الإسلام والتوحيد { وما يبدىء البطل وما ~~يعيد } أي زهق الشرك بحيث لم يبق أثره أصلا مأخوذ من هلاك ~~الحي فإنه إذا هلك لم يبق له إبداء ولا إعادة فجعل مثلا في ~~الهلاك بالمرة ومنه قول عبيد: [الرجز] # أقفر من أهله عبيد # فليس يبدي ولا يعيد # وقيل الباطل إبليس أو الصنم والمعنى لا ينشىء خلقا ولا يعيد أو ~~لا يبدىء خيرا لأهله ولا يعيد وقيل ما استفهامية منصوبة بما ~~بعدها { قل إن ضللت } عن الطريق الحق { فإنما أضل ~~على نفسى } فإن وبال ضلالي عليها لأنه بسببها إذ هى ~~الجاهلة بالذات والأمارة بالسوء وبهذا الاعتبار قوبل ~~الشرطية بقوله تعالى: { وإن اهتديت فبما يوحى إلى ~~ربى } لأن الاهتداء بهدايته وتوفيقه. وقرىء ربي بفتح الياء { ~~إنه سميع قريب } يعلم قول كل من المهتدي والضال وفعله ~~وإن بالغ في إخفائهما. ### || [34.51-54] # { ولو ترى إذ فزعوا } عند الموت أو البعث أو يوم بدر ~~وعن ابن عباس رضي الله عنهما أن ثمانين ألفا يغزون الكعبة ~~ليخربوها فإذا دخلوا البيداء خسف بهم، وجواب لو محذوف أي لرأيت ~~أمرا هائلا { فلا فوت } فلا يفوتون الله عز وجل بهرب أو ~~تحصن. { وأخذوا من مكان قريب } من ظهر الأرض أو من ~~الموقف إلى النار أو من صحراء بدر إلى قليبها أو من تحت أقدامهم ~~إذا خسف بهم والجملة معطوفة على فزعوا وقيل على لا فوت على معنى إذ ~~فزعوا فلم يفوتوا وأخذوا ويؤيده أنه قرىء وأخذ بالعطف على محله أي ~~فلا فوت هنا وهناك أخذ. { وقالوا ms2718 ءامنا به } أي بمحمد عليه ~~الصلاة والسلام وقد مر ذكره في قوله تعالى ما بصاحبكم. { ~~وأنى لهم التناوش } التناوش التناول السهل أي ومن ~~أين لهم أن يتناولوا الإيمان تناولا سهلا { من مكان بعيد } ~~فإنه في حيز التكليف وهم منه بمعزل بعيد وهو تمثيل حالهم في ~~الاستخلاص بالإيمان بعد ما فات عنهم وبعد بحال من يريد أن ~~يتناول الشيء من غلوة تناوله من ذراع في الاستحالة. وقرىء ~~بالهمز على قلب الواو لضمها وهو من نأشت الشيء إذا طلبته، وعن ~~أبي عمرو: التناؤش بالهمز التناول من بعد من قولهم نأشت إذا ~~أبطأت وتأخرت ومنه قول من قال: [الطويل] # تمنى نئيشا أن يكون أطاعني # وقد حدثت بعد الأمر أمور # { وقد كفروا به } أي بمحمد صلى الله عليه وسلم أو بالعذاب ~~الشديد الذي أنذرهم إياه { من قبل } أي من قبل ذلك في أوان ~~التكليف { ويقذفون بالغيب } ويرجمون بالظن ويتكلمون ~~بما لم يظهر لهم في حق الرسول عليه الصلاة والسلام من ~~المطاعن أو في العذاب المذكور من بت القول بنفيه { من مكان ~~بعيد } من جهة بعيدة من حاله عليه الصلاة والسلام حيث ~~ينسبونه صلى الله عليه وسلم إلى الشعر والسحر والكذب وأن أبعد ~~شيء مما جاء به الشعر والسحر وأبعد شيء من عادته المعروفة ~~فيما بين الداني والقاصي الكذب، ولعله تمثيل لحالهم في ذلك بحال ~~من يرمي شيئا لا يراه من مكان بعيد لا مجال للوهم في لحوقه. ~~وقرىء ويقذفون على أن الشيطان يلقي إليهم ويلقنهم ذلك وهو ~~معطوف على قد كفروا به على حكاية الحال الماضية أو على قالوا فيكون ~~تمثيلا لحالهم بحال القاذف في تحصيل ما ضيعوه من الإيمان في ~~الدنيا { وحيل بينهم وبين ما يشتهون } مع نفع ~~الإيمان والنجاة من النار. وقرىء بإشمام الضم للحاء { كما ~~فعل بأشيعهم من قبل } أي بأشباههم من كفرة الأمم ~~الدارجة { إنهم كانوا فى شك مريب } أي موقع في ~~الريبة أو ذي ربية. والأول منقول ممن يصح أن يكون مريبا ~~من الأعيان إلى المعنى والثاني من صاحب ms2719 الشك إلى الشك كما ~~يقال شعر شاعر, والله أعلم. # عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " من قرأ سورة سبأ لم يبق رسول ولا نبي إلا كان له يوم ~~القيامة رفيقا ومصافحا " ### | [35 - سورة فاطر] ### || [35.1] # (سورة فاطر مكية وهى خمس وأربعون آية) # { بسم الله الرحمن الرحيم } { الحمد لله فاطر ~~السموات والأرض } مبدعهما من غير مثال يحتذيه ولا قانون ~~ينتحيه. من الفطر وهو الشق وقيل الشق طولا كأنه شق ~~العدم بإخراجهما منه وإضافته محضة لأنه بمعنى الماضي فهو نعت للاسم ~~الجليل ومن جعلها غير محضة جعله بدلا منه وهو قليل في المشتق. { ~~جاعل الملئكة } الكلام في إضافته وكونه نعتا أو بدلا كما ~~قبله وقوله تعالى: { رسلا } منصوب به على الوجه الثاني من ~~الإضافة بالاتفاق وأما على الوجه الأول فكذلك عند الكسائي ~~وأما عند البصريين فبمضمر يدل هو عليه لأن اسم الفاعل إذا كان ~~بمعنى الماضي لا يعمل عندهم إلا معرفا باللام وقال أبو سعيد ~~السيرافي: اسم الفاعل المتعدي إلى اثنين يعمل في الثاني ~~لإن بإضافته إلى الأول تعذرت إضافته إلى الثاني فتعين نصبه ~~له وعلل بعضهم ذلك بأنه بالإضافة أشبه المعرف باللام فعمل عمله. ~~وقرىء جاعل بالرفع على المدح وقرىء { الذى فطر ~~السموات والأرض وجعل الملئكة } أي جاعلهم وسائط ~~بينه تعالى وبين أنبيائه والصالحين من عباده يبلغون إليهم ~~رسالاته بالوحي والإلهام والرؤيا الصادقة أو بينه تعالى وبين ~~خلقه أيضا حيث يوصلون إليهم آثار قدرته وصنعه هذا على تقدير ~~كون الجعل تصييريا أما على تقدير كونه إبداعيا فرسلا نصب ~~على الحالية وقرىء رسلا بسكون السين { أولى أجنحة } ~~صفة لرسلا وأولو اسم جمع لذو كما أن أولاء اسم جمع لذا. ~~ونظيرهما في الأسماء المتمكنة المخاض والخلفة وقوله تعالى: # { مثنى وثلث ورباع } صفات لأجنحة أي ذوي أجنجة ~~متعددة متفاوتة في العدد حسب تفاوت ما لهم من المراتب ينزلون بها ~~ويعرجون أو يسرعون بها والمعنى أن من الملائكة خلقا لكل واحد ~~منهم جناحان وخلقا لكل واحد منهم ثلاثة وخلقا آخر لكل منهم ~~أربعة أجنحة. ms2720 ويروى أن صنفا من الملائكة لهم ستة أجنحة بجناحين منها ~~يلقون أجسادهم وبآخرين منها يطيرون فيما أمروا به من جهته تعالى ~~وجناحان منها مرخيان على وجوههم حياء من الله عز وجل # " وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه رأى جبريل عليه السلام ~~ليلة المعراج وله ستمائة جناح " # وروي # " أنه سأله عليهما السلام أن يترآى له في صورته فقال إنك لن ~~تطيق ذلك قال إني أحب أن تفعل فخرج عليه الصلاة والسلام في ~~ليلة مقمرة فأتاه جبريل عليهما السلام في صورته فغشي عليه ~~عليه الصلاة والسلام ثم أفاق وجيريل مسنده وإحدى يديه على ~~صدره والأخرى بين كتفيه فقال: سبحان الله ما كنت أرى أن شيئا من ~~الخلق هكذا فقال جبريل عليه السلام فكيف لو رأيت إسرافيل له اثنا ~~عشر جناحا جناح منها بالمشرق وجناح منها بالمغرب وإن العرش على ~~كاهله وإنه ليتضاءل الأحايين لعظمة الله عز وجل حتى يعود ~~مثل الوصع وهو العصفور الصغير " # { يزيد فى الخلق ما يشاء } استئناف مقرر لما قبله من ~~تفاوت أحوال الملائكة في عدد الأجنحة ومؤذن بأن ذلك من أحكام ~~مشيئته تعالى لا لأمر راجع إلى ذواتهم ببيان حكم كلي ناطق بأنه ~~تعالى يزيد في أي خلق كان كل ما يشاء أن يزيده بموجب مشيئته ~~ومقتضى حكمته من الأمور التي لا يحيط بها الوصف وما روي عن النبي ~~عليه الصلاة والسلام من تخصيص بعض المعاني بالذكر من الوجه ~~الحسن والصوت الحسن والشعر الحسن فبيان لبعض المواد ~~المعهودة بطريق التمثيل لا بطريق الحصر فيها. وقوله تعالى: { ~~إن الله على كل شىء قدير } تعليل بطريق التحقيق ~~للحكم المذكور فإن شمول قدرته تعالى لجميع الأشياء مما يوجب ~~قدرته تعالى على أن يزيد كل ما يشاؤه إيجابا بينا. ### || [35.2-3] # { ما يفتح الله للناس من رحمة } عبر عن إرسالها ~~بالفتح إيذانا بأنها أنفس الخزائن التي يتنافس فيها المتنافسون ~~وأعزها منالا. وتنكيرها للإشاعة والإبهام أي أي شيء يفتح ~~الله من خزائن رحمته أية رحمة كانت من نعمة وصحة وأمن ~~وعلم وحكمة ms2721 إلى غير ذلك مما لا يحاط به { فلا ممسك لها } ~~أي لا أحد يقدر على إمساكها { وما يمسك } أي أي شيء يمسك { ~~فلا مرسل له } أي لا أحد يقدر على إرساله واختلاف ~~الضميرين لما أن مرجع الأول مفسر بالرحمة ومرجع ~~الثاني مطلق يتناولها وغيرها كائنا ما كان وفيه إشعار بأن ~~رحمته سبقت غضبه { من بعده } أي من بعد إمساكه { وهو ~~العزيز } الغالب على كل ما يشاء من الأمور التي من جملتها ~~الفتح والإمساك { الحكيم } الذي يفعل كل ما يفعل حسبما تقتضيه ~~الحكمة والمصلحة والجملة تذييل مقرر لما قبلها ومعرب عن كون كل ~~من الفتح والإمساك بموجب الحكمة التي عليها يدور أمر التكوين ~~وبعد ما بين سبحانه أنه الموجد للملك والملكوت والمتصرف فيهما ~~بالقبض والبسط من غير أن يكون لأحد في ذلك دخل ما بوجه من ~~الوجوه أمر الناس قاطبة أو أهل مكة خاصة بشكر نعمه فقال: # { يا أيها الناس اذكروا نعمة الله عليكم } أي ~~إنعامه عليكم إن جعلت النعمة مصدرا أو كائنة عليكم إن جعلت ~~اسما. أي راعوها واحفظوها بمعرفة حقها والاعتراف بها، وتخصيص ~~العبادة والطاعة بموليها ولما كانت نعم الله تعالى مع تشعب ~~فنونها منحصرة في نعمة الإيجاد ونعمة الإبقاء نفى أن يكون في ~~الوجود شيء غيره تعالى يصدر عنه إحدى النعمتين بطريق الاستفهام ~~الإنكاري المنادي باستحالة أن يجاب عنه بنعم فقال: { هل من ~~خلق غير الله } أي هل خالق مغاير له تعالى موجود على ~~أن خالق مبتدأ محذوف الخبر زيدت عليه كلمة من لتأكيد العموم. ~~وغير الله نعت له باعتبار محله كما أنه نعت له في قراءة الجر ~~باعتبار لفظه وقرىء بالنصب على الاستثناء. وقوله تعالى: { ~~يرزقكم من السماء والأرض } أي بالمطر والنبات كلام ~~مبتدأ على التقادير لا محل له من الإعراب داخل في حيز النفي ~~والإنكار ولا مساغ لما قيل: من أنه صفة أخرى لخالق مرفوعة المحل ~~أو مجرورته لأن معناه نفي وجود خالق موصوف بوصفي المغايرة ~~والرازقية معا من غير تعرض لنفي وجود ما اتصف بالمغايرة ms2722 ~~فقط، ولا لما قيل: من أنه الخبر للمبتدأ ولا لما قيل من أنه ~~مفسر لمضمر ارتفع به قوله تعالى من خالق على الفاعلية عليه أي هل ~~يرزقكم من خالق الخ. لما أن معناهما نفي رازقية خالق مغاير له ~~تعالى من غير تعرض لنفي وجوده رأسا مع أنه المراد حتما ألا ~~يرى إلى قوله تعالى: { لا إله إلا هو } فإنه استئناف ~~مسوق لتقرير النفي المستفاد منه قصدا وجار مجرى الجواب عما ~~يوهمه الاستفهام صورة فحيث كان هذا ناطقا بنفي الوجود تعين أن ~~يكون ذلك أيضا كذلك قطعا. والفاء في قوله تعالى: { فأنى ~~تؤفكون } لترتيب إنكار عدولهم عن التوحيد إلى الإشراك على ما ~~قبلها كأنه قيل: وإذا تبين تفرده تعالى بالألوهية والخالقية ~~والرازقية فمن أي وجه تصرفون عن التوحيد إلى الشرك. ### || [35.4-5] # { وإن يكذبوك فقد كذبت رسل من قبلك } تلوين ~~للخطاب وتوجيه له إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بين خطابي ~~الناس مسارعة إلى تسليته عليه الصلاة والسلام بعموم ~~البلية أولا والإشارة إلى الوعد والوعيد ثانيا أي وإن استمروا ~~على أن يكذبوك فيما بلغت إليهم من الحق المبين بعد ما أقمت ~~عليهم الحجة وألقمتهم الحجر فتأس بأولئك الرسل في المصابرة ~~على ما أصابهم من قبل قومهم فوضع موضعه ما ذكر اكتفاء بذكر ~~السبب عن ذكر المسبب. وتنكير الرسل للتفخيم الموجب لمزيد ~~التسلية والتوجه إلى المصابرة أي رسل أولو شأن خطير وذوو ~~عدد كثير { وإلى الله ترجع الأمور } لا إلى غيره فيجازي ~~كلا منك ومنهم بما أنتم عليه من الأحوال التي من جملتها صبرك ~~وتكذيبهم، وفي الاقتصار على ذكر اختصاص المرجع بالله تعالى مع ~~إبهام الجزاء ثوابا وعقابا من المبالغة في الوعد والوعيد ما لا ~~يخفى. وقرىء ترجع بفتح التاء من الرجوع والأول أدخل في ~~التهويل. # { يأيها الناس } رجوع إلى خطابهم وتكرير النداء لتأكيد ~~العظة والتذكير { إن وعد الله } المشار إليه برجع الأمور ~~إليه تعالى من البعث والجزاء { حق } ثابت لا محالة من غير خلف { ~~فلا تغرنكم الحيوة الدنيا } بأن يذهلكم التمتع ms2723 ~~بمتاعها ويلهيكم التلهي بزخارفها عن تدارك ما يهمكم يوم حلول ~~الميعاد. والمراد نهيهم عن الاغترار بها وإن توجه النهي صورة ~~إليها كما في قوله تعالى: # لا يجرمنكم شقاقى # [سورة هود: الآية 89] { ولا يغرنكم بالله } وعفوه وكرمه ~~تعالى { الغرور } أي المبالغ في الغرور وهو الشيطان بأن يمنيكم ~~المغفرة مع الإصرار على المعاصي قائلا اعملوا ما شئتم إن الله ~~غفور يغفر الذنوب جميعا، فإن ذلك وإن أمكن لكن تعاطي ~~الذنوب بهذا التوقع من قبيل تناول السم تعويلا على دفع ~~الطبيعة. وتكرير فعل النهي للمبالغة فيه ولاختلاف الغرورين في ~~الكيفية. وقرىء الغرور بالضم على أنه مصدر أو جمع غار ~~كقعود جمع قاعد. ### || [35.6-8] # { إن الشيطن لكم عدو } عداوة قديمة لا تكاد تزول. ~~وتقديم لكم للاهتمام به { فاتخذوه عدوا } بمخالفتكم له في ~~عقائدكم وأفعالكم وكونكم على حذر منه في مجامع أحوالكم. وقوله ~~تعالى: { إنما يدعو حزبه ليكونوا من أصحب ~~السعير } تقرير لعداوته وتحذير من طاعته بالتنبيه على أن ~~غرضه في دعوة شيعته إلى اتباع الهوى والركون إلى ملاذ ~~الدنيا ليس تحصيل مطالبهم ومنافعهم الدنيوية كما هو مقصد ~~المتحابين في الدنيا عند سعي بعضهم في حاجة بعض بل هو توريطهم ~~وإلقاؤهم في العذاب المخلد من حيث لا يحتسبون { الذين ~~كفروا لهم } بسبب كفرهم وإجابتهم لدعوة الشيطان ~~واتباعهم لخطواته { عذاب شديد } لا يقادر قدره مديد لا ~~يبلغ مداه { والذين ءامنوا وعملوا الصلحت لهم ~~} بسبب ما ذكر من الإيمان والعمل الصالح الذي من جملته عداوة ~~الشيطان { مغفرة } عظيمة { وأجر كبير } لا غاية لهما. # { أفمن زين له سوء عمله فرآه حسنا } إما تقرير ~~لما سبق من التباين البين بين عاقبتي الفريقين ببيان تباين ~~حالهما المؤديين إلى تينك العاقبتين. والفاء لإنكار ترتيب ما ~~بعدها على ماقبلها أي أبعد كون حاليهما كما ذكر يكون من زين له ~~الكفر من جهة الشيطان فانهمك فيه كمن استقبحه واجتنبه واختار ~~الإيمان والعمل الصالح حتى لا تكون عاقبتهما كما ذكر فحذف ~~ما حذف لدلالة ما سبق عليه وقوله تعالى: { فإن الله يضل } ~~الخ تقرير ms2724 له وتحقيق للحق ببيان أن الكل بمشيئته تعالى أي ~~فإنه تعالى يضل { من يشآء } أن يضله لا ستحسانه واستحبابه ~~الضلال وصرف اختياره إليه فيرده أسفل سافلين { ويهدى من ~~يشاء } أن يهديه بصرف اختياره إلى الهدى فيرفعه إلى أعلى عليين ~~وإما تمهيد لما يعقبه من نهيه عليه الصلاة والسلام عن ~~التحسر والتحزن عليهم لعدم إسلامهم ببيان أنهم ليسوا بأهل ~~لذلك بل لأن يضرب عنهم صفحا ولا يبالي بهم قطعا، أي أبعد كون ~~حالهم كما ذكر تتحسر عليهم فحذف لما دل عليه قوله تعالى: { فلا ~~تذهب نفسك عليهم حسرت } دلالة بينة. وإما تمهيد ~~لصرفه عليه الصلاة والسلام عما كان عليه من الحرص الشديد ~~على إسلامهم والمبالغة في دعوتهم إليه ببيان استحالة تحويلهم عن ~~الكفر لكونه في غاية الحسن عندهم أي أبعد ما ذكر من زين له ~~الكفر من قبل الشيطان فرآه حسنا فانهمك فيه يقبل الهداية حتى ~~تطمع في إسلامه وتتعب نفسك في دعوته فحذف ما حذف لدلالة ما مر ~~من قوله تعالى فإن الله يضل من يشاء الخ على أنه ممن شاء الله ~~تعالى أن يضله فمن يهدي من أضل الله وما لهم من ناصرين. وقرىء ~~فلا تذهب نفسك وقوله تعالى: حسرات. إما مفعول له أي فلا تهلك نفسك ~~للحسرات والجمع للدلالة على تضاعف اغتمامه عليه الصلاة ~~والسلام على أحوالهم أو على كثرة قبائح أعمالهم الموجبة ~~للتأسف والتحسر وعليهم. صلة تذهب كما يقال هلك عليه حيا ~~ومات عليه حزنا أو هو بيان للمتحسر عليه ولا يجوز أن يتعلق ~~بحسرات لأن المصدر لا تتقدم عليه صلته وإما حال كأن كلها صارت ~~حسرات وقوله تعالى { إن الله عليم بما يصنعون } أي من ~~القبائح تعليل لما قبله على الوجوه الثلاثة مع ما فيه من الوعيد. عن ~~ابن عباس رضي الله عنهما: أنها نزلت في أبي جهل ومشركي مكة. ### || [35.9-10] # { والله الذى أرسل الرياح } مبتدأ وخبر. وقرىء ~~الريح وصيغته المضارع في قوله تعالى: { فتثير سحبا } ~~لحكاية الحال الماضية استحضارا لتلك الصورة البديعة الدالة ~~على كمال ms2725 القدرة والحكمة ولأن المراد بيان إحداثها لتلك ~~الخاصية ولذلك أسند إليها أو للدلالة على استمرار الإثارة { ~~فسقناه إلى بلد ميت } وقرىء بالتخفيف { فأحيينا ~~به الأرض } أي بالمطر النازل منه المدلول عليه بالسحاب ~~فإن بينهما تلازما في الذهن كما في الخارج أو بالسحاب فإنه ~~سبب السبب { بعد موتها } أي يبسها. وإيراد الفعلين على ~~صيغة الماضي للدلالة على التحقيق. وإسنادها إلى نون العظمة ~~المنبيء عن اختصاصهما به تعالى لما فيهما من مزيد الصنع ولتكميل ~~المماثلة بين إحياء الأرض وبين البعث الذي شبه به بقوله تعالى: ~~{ كذلك النشور } في كمال الاختصاص بالقدرة الربانية. ~~والكاف في حيز الرفع على الخبرية أي مثل ذلك الإحياء الذي ~~تشاهدونه إحياء الأموات في صحة المقدورية وسهولة التأتي من ~~غير تفاوت بينهما أصلا سوى الألف في الأول دون الثاني وقيل ~~في كيفية الإحياء يرسل الله تعالى من تحت العرش ماء فينبت منه ~~أجساد الخلق { من كان يريد العزة } هم المشركون الذين ~~كانوا يتعززون بعبادة الأصنام كقوله تعالى: # واتخذوا من دون الله ءالهة ليكونوا لهم عزا # [سورة مريم: الآية 81] والذين كانوا يتعززون بهم من الذين آمنوا ~~بألسنتهم كما في قوله تعالى: # الذين يتخذون الكفرين أولياء من دون ~~المؤمنين أيبتغون عندهم العزة # [سورة النساء: الآية 139] والجمع بين كان ويريد للدلالة على ~~دوام الإرادة واستمرارها. # { فلله العزة جميعا } أي له تعالى وحده لا لغيره عزة ~~الدنيا وعزة الآخرة أي فليطلبها منه لا من غيره فاستغني عن ~~ذكره بذكر دليله إيذانا بأن اختصاص العزة تعالى موجب لتخصيص ~~طلبها به تعالى. وقوله تعالى: { إليه يصعد الكلم الطيب ~~والعمل الصلح يرفعه } بيان لما يطلب به العزة وهو ~~التوحيد والعمل الصالح. وصعودهما إليه مجاز عن قبوله تعالى ~~إياهما أو صعود الكتبة بصحيفتهما. وتقديم الجار والمجرور ~~عبارة عن كمال الاعتداد به كقوله تعالى: # وهو الذي يقبل التوبة عن عباده ويأخذ ~~الصدقت # [سورة التوبة: الآية 104] أي إليه يصل الكلم الطيب الذي به يطلب ~~العزة لا إلى الملائكة الموكلين بأعمال العباد فقط وهو يعز ~~صاحبه ويعطي طلبته بالذات. والمستكن ms2726 في يرفعه للكلم فإن ~~مدار قبول العمل هو التوحيد ويؤيده القراءة بنصب العمل أو ~~للعمل فإنه يحقق الإيمان ويقويه ولا ينال الدرجات العالية إلا ~~به. وقرىء يصعد من الإصعاد على البناءين والمصعد هو الله سبحانه أو ~~المتكلم به أو الملك وقيل الكلم الطيب يتناول الذكر والدعاء ~~والاستغفار وقراءة القرآن. وعنه عليه الصلاة والسلام أنه ~~سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر إذا قالها ~~العبد عرج بها الملك إلى السماء فحيا بها وجه الرحمن فإذا لم ~~يكن عمل صالح لم تقبل، وعن ابن مسعود رضي الله عنه # " ما من عبد مسلم يقول خمس كلمات سبحان الله والحمد لله ولا إله ~~إلا الله والله أكبر وتبارك الله إلا أخذهن ملك فجعلهن تحت ~~جناحه ثم صعد بهن فما يمر بهن على جمع من الملائكة إلا ~~استغفروا لقائلهن حتى يحيى بهن وجه رب العالمين " # ومصداقه قوله عز وجل { إليه يصعد الكلم الطيب } ~~الخ. # { والذين يمكرون السيئات } بيان لحال الكلم ~~الخبيث والعمل السيىء وأهلهما بعد بيان حال الكلم ~~الطيب والعمل الصالح. وانتصاب السيئات على أنها صفة ~~للمصدر المحذوف أي يمكرون المكرات السيئات وهي مكرات قريش ~~بالنبي عليه الصلاة والسلام في دار الندوة وتداورهم ~~الرأي في إحدى الثلاث التي هي الإثبات والقتل والإخراج { لهم ~~} بسبب مكراتهم { عذاب شديد } لا يقادر قدره ولا يؤبه ~~عنده لما يمكرون { ومكر أولئك } وضع اسم الإشارة موضع ~~ضميرهم للإيذان بكمال تميزهم بما هم فيه من الشر والفساد عن ~~سائر المفسدين واشتهارهم بذلك. وما فيه من معنى البعد للتنبيه على ~~ترامي أمرهم في الطغيان وبعد منزلتهم في العدوان. أي ومكر ~~أولئك المفسدين الذين أرادوا أن يمكروا به عليه الصلاة ~~والسلام { هو يبور } أي هو يهلك ويفسد خاصة لا من مكروا ~~به ولقد أبارهم الله تعالى بعد إبارة مكراتهم حيث أخرجهم من ~~مكة وقتلهم وأثبتهم في قليب بدر فجمع عليهم مكراتهم الثلاث ~~التي اكتفوا في حقه عليه الصلاة والصلام بواحدة منهن. ### || [35.11] # { والله خلقكم من تراب } دليل آخر على صحة ms2727 البعث ~~والنشور أي خلقكم ابتداء منه في ضمن خلق آدم عليه السلام خلقا ~~إجماليا كما مر تحقيقه مرارا { ثم من نطفة } أي ثم ~~خلقكم منها خلقا تفصيليا { ثم جعلكم أزوجا } أي أصنافا ~~أو ذكرانا وإناثا. وعن قتادة جعل بعضكم زوجا لبعض { وما ~~تحمل من أنثى ولا تضع إلا بعلمه } إلا ملتبسة ~~بعلمه تابعة لمشيئته { وما يعمر من معمر } أي من أحد ~~وإنما سمي معمرا باعتبار مصيره أي وما يمد في عمر أحد { ~~ولا ينقص من عمره } أي من عمر أحد على طريقة قولهم لا ~~يثيب الله عبدا ولا يعاقبه إلا بحق لكن لا على معنى لا ينقص عمره ~~بعد كونه زائدا على معنى لا يجعل من الابتداء ناقصا. وقيل ~~الزيادة والنقص في عمر واحد باعتبار أسباب مختلفة أثبتت في ~~اللوح مثل أن يكتب فيه إن حج فلان فعمره ستون وإلا ~~فأربعون وإليه أشار عليه الصلاة والسلام بقوله: # " الصدقة والصلة تعمران الديار وتزيدان في الأعمار " # وقيل: المراد بالنقص ما يمر من عمره وينقص فإنه يكتب في ~~الصحيفة عمره كذا وكذا سنة ثم يكتب تحت ذلك ذهب يوم ذهب يومان ~~وهكذا حتى يأتي على آخره، وقرىء ولا ينقص على البناء للفاعل ومن ~~عمره بسكون الميم { إلا فى كتب } عن ابن عباس رضي الله ~~عنهما أنه اللوح وقيل: علم الله عز وجل. وقيل: صحيفة كل ~~إنسان { إن ذلك } أي ما ذكر من الخلق وما بعده مع كونه ~~محارا للعقول والأفهام { على الله يسير } لاستغنائه عن ~~الأسباب فكذلك البعث. ### || [35.12-13] # { وما يستوى البحران هذا عذب فرات سائغ ~~شرابه وهذا ملح أجاج } مثل ضرب للمؤمن والكافر. ~~والفرات: للذي يكسر العطش والسائغ الذي يسهل انحداره لعذوبته. ~~والأجاج الذي يحرق بملوحته. وقرىء سيغ كسيد وسيغ ~~بالتخفيف. وملح ككتف. وقوله تعالى: { ومن كل } أي من كل ~~واحد منهما { تأكلون لحما طريا وتستخرجون } أي من ~~المالح خاصة { حلية تلبسونها } إما استطراد في صفة ~~البحرين وما فيهما من النعم والمنافع، وإما تكملة للتمثيل. ~~والمعنى كما أنهما وإن اشتركا في بعض ms2728 الفوائد لا يتساويان من حيث ~~أنهما متفاوتان فيما هو المقصود بالذات من الماء لما خالط ~~أحدهما ما أفسده وغيره عن كمال فطرته لا يساوي الكافر المؤمن وإن ~~شاركه في بعض الصفات كالشجاعة والسخاوة ونحوهما لتباينهما فيما ~~هو الخاصية العظمى لبقاء أحدهما على فطرته الأصلية وحيازته ~~لكماله اللائق دون الآخر أو تفضيل للأجاج على الكافر من حيث أنه ~~يشارك العذب في منافع كثيرة والكافر خلو من المنافع بالكلية ~~على طريقة قوله تعالى: # ثم قست قلوبكم من بعد ذلك فهي كالحجارة أو ~~أشد قسوة وإن من الحجارة لما يتفجر منه ~~الأنهر وإن منها لما يشقق فيخرج منه الماء ~~وإن منها لما يهبط من خشية الله # [سورة البقرة: الآية 74] والمراد بالحلية اللؤلؤ والمرجان { وترى ~~الفلك فيه } أي في كل منهما. وإفراد ضمير الخطاب مع جمعه فيما ~~سبق وما لحق لأن الخطاب لكل أحد تتأتى منه الرؤية دون ~~المنتفعين بالبحرين فقط { مواخر } شواق للماء بجريها مقبلة ~~ومدبرة بريح واحدة { لتبتغوا من فضله } من فضل الله تعالى ~~بالنقلة فيها واللام متعلقة بمواخر وقد جوز تعلقها بما يدل ~~عليه الأفعال المذكورة أي فعل ذلك لتبتغوا من فضله { ولعلكم ~~تشكرون } أي ولتشكروا على ذلك. وحرف الترجي للإيذان بكونه ~~مرضيا عند الله تعالى. { يولج الليل فى النهار ويولج ~~النهار فى اليل } بزيادة أحدهما ونقص الآخر بإضافة بعض ~~أجزاء كل منهما إلى الآخر { وسخر الشمس والقمر } عطف ~~على يولج. واختلافهما صيغة لما أن إيلاج أحد الملوين في الآخر ~~متجدد حينا فحينا، وأما تسخير النيرين فأمر لا تعدد فيه ~~وإنما المتعدد والمتجدد آثاره. وقد أشير إليه بقوله تعالى: { ~~كل يجرى } أي بحسب حركته الخاصة وحركته القسرية على ~~المدارات اليومية المتعددة حسب تعدد أيام السنة جريانا ~~مستمرا { لأجل مسمى } قدره الله تعالى لجريانهما وهو يوم ~~القيامة كما روي عن الحسن رحمه الله وقيل: جريانهما عبارة عن ~~حركتيهما الخاصتين بهما في فلكيهما، والأجل المسمى هو منتهى ~~دورتيهما، ومدة الجريان للشمس سنة وللقمر شهر وقد مر تفصيله ~~في سورة لقمان { ذلكم } إشارة إلى ms2729 فاعل الأفاعيل المذكورة، وما ~~فيه من معنى البعد للإيذان بغاية العظمة وهو مبتدأ وما بعده ~~أخبار مترادفة أي ذلكم العظيم الشأن الذي أبدع هذه الصنائع ~~البديعة { الله ربكم له الملك } وفيه من الدلالة على ~~أن إبداعه تعالى لتلك البدائع مما يوجب ثبوت تلك الأخبار له ما ~~لا يخفى، ويجوز أن يكون الأخير كلاما مبتدأ في مقابلة قوله ~~تعالى: { والذين تدعون من دونه ما يملكون من ~~قطمير } للدلالة على تفرده تعالى بالألوهية ~~والربوبية. وقرىء يدعون بالياء التحتانية. والقطمير لفافة ~~النواة وهو مثل في القلة والحقارة. ### || [35.14-17] # { إن تدعوهم لا يسمعوا دعاءكم } استئناف مقرر لمضمون ~~ما قبله كاشف عن جلية حال ما يدعونه بأنه جماد ليس من شأنه ~~السماع { ولو سمعوا } على الفرض والتقدير { ما ~~استجابوا لكم } لعجزهم عن الأفعال بالمرة لا لما قيل من ~~أنهم متبرئون منكم ومما تدعون لهم فإن ذلك مما لا يتصور منهم ~~في الدنيا { ويوم القيمة يكفرون بشرككم } أي ~~يجحدون بإشراككم لهم وعبادتكم إياهم بقولهم ما كنتم إيانا ~~تعبدون { ولا ينبئك مثل خبير } أي لا يخبرك بالأمر مخبر ~~مثل خبير أخبرك به وهو الحق سبحانه فإنه الخبير بكنه ~~الأمور دون سائر المخبرين. والمراد تحقيق ما أخبر به من حال ~~آلهتهم ونفي ما يدعون لهم من الإلهية. # { يأيها الناس أنتم الفقراء إلى الله } في أنفسكم ~~وفيما يعن لكم من أمر مهم أو خطب ملم. وتعريف الفقراء للمبالغة ~~في فقرهم كأنهم لكثرة افتقارهم وشدة احتياجهم هم الفقراء فحسب ~~وأن افتقار سائر الخلائق بالنسبة إلى فقرهم يمنزلة العدم ولذلك ~~قال تعالى: # وخلق الإنسن ضعيفا # [سورة النساء: الآية 28] { والله هو الغنى الحميد } أي ~~المستغني على الإطلاق المنعم على سائر الموجودات المستوجب للحمد { ~~إن يشأ يذهبكم ويأت بخلق جديد } ليسوا على صفتكم ~~بل مستمرون على الطاعة أو بعالم آخر غير ما تعرفونه { وما ~~ذلك } أي ما ذكر من الإذهاب بهم والإتيان بآخرين { على الله ~~بعزيز } بمتعذر ولا متعسر. ### || [35.18-22] # { ولا تزر وازرة } أي لا تحمل نفس آثمة { وزر أخرى } ~~إثم نفس أخرى ms2730 بل إنما تحمل كل منهما وزرها. وأما ما في قوله ~~تعالى: # وليحملن أثقالهم وأثقالا مع أثقالهم # [سورة العنكبوت: الآية 13] من حمل المضلين أثقالا غير أثقالهم فهو ~~حمل أثقال إضلالهم مع أثقال ضلالهم وكلاهما أوزارهم ليس فيها من ~~أوزار غيرهم شيء { وإن تدع مثقلة } أي نفس أثقلها الأوزار ~~{ إلى حملها } لحمل بعض أوزارها { لا يحمل منه شىء } ~~لم تجب بحمل شيء منه { ولو كان } أي المدعو المفهوم من ~~الدعوة { ذا قربى } ذا قرابة من الداعي. وقرىء ذو قربى. ~~وهذا نفي للحمل اختيارا والأول نفي له إجبارا { إنما تنذر ~~} استئناف مسوق لبيان من يتعظ بما ذكر أي إنما تنذر بهذه ~~الإنذارات { الذين يخشون ربهم بالغيب } أي يخشونه ~~تعالى غائبين عن عذابه أو عن الناس في خلواتهم أو يخشون عذابه ~~وهو غائب عنهم { وأقاموا الصلاة } أي راعوها كما ينبغي وجعلوها ~~منارا منصوبا وعلما مرفوعا أي إنما ينفع إنذارك وتحذيرك ~~هؤلاء من قومك دون من عداهم من أهل التمرد والعناد { ومن ~~تزكى } أي تطهر من أوضار الأوزار والمعاصي بالتاثر من هذه ~~الإنذارات { فإنما يتزكى لنفسه } لاقتصار نفعه عليها ~~كما أن من تدنس بها لا يتدنس إلا عليها. وقرىء من ازكى فإنما ~~يزكى، وهو اعتراض مقرر لخشيتهم وإقامتهم الصلاة لأنها من معظم ~~مبادي التزكي { وإلى الله المصير } لا إلى أحد غيره ~~استقلالا أو اشتراكا فيجازيهم على تزكيهم أحسن الجزاء. # { وما يستوى الأعمى والبصير } أي الكافر والمؤمن { ~~ولا الظلمات ولا النور } أي ولا الباطل ولا الحق وجمع ~~الظلمات مع أفراد النور لتعدد فنون الباطل واتحاد الحق { ~~ولا الظل ولا الحرور } أي ولا الثواب ولا العقاب. وإدخال ~~لا على المتقابلين لتذكير نفي الاستواء وتوسيطها بينهما ~~للتأكيد. والحررور فعول من الحر غلب على السموم وقيل: ~~السموم ما يهب نهارا والحرور ما يهب ليلا { وما يستوى ~~الأحياء ولا الأموات } تمثيل آخر للمؤمنين والكافرين أبلغ ~~من الأول ولذلك كرر الفعل وأوثر صيغة الجمع في الطرفين ~~تحقيقا للتباين بين أفراد الفريقين وقيل: تمثيل للعلماء ~~والجهلة { إن الله يسمع من يشاء } أن ms2731 يسمعه ويوفقه ~~لفهم آياته والاتعاظ بعظاته { وما أنت بمسمع من فى ~~القبور } ترشيح لتمثيل المصرين على الكفر بالأموات وإشباع في ~~إقناطه عليه الصلاة والسلام من إيمانهم. ### || [35.23-27] # { إن أنت إلا نذير } ما عليك إلا الإنذار وأما الإسماع ~~ألبتة فليس من وظائفك ولا حلية لك إليه في المطبوع على قلوبهم { ~~إنا أرسلنك بالحق } أي محقين أو محقا أنت أو إرسالا ~~مصحوبا بالحق ويجوز أن بتعلق بقوله { بشيرا ونذيرا } أي ~~بشيرا بالوعد الحق ونذيرا بالوعيد الحق { وإن من أمة } ~~أي ما من أمة من الأمم الدارجة في الأزمنة الماضية { إلا خلا ~~} أي مضى { فيها نذير } من نبي أو عالم ينذرهم. والاكتفاء ~~بذكره للعلم بأن النذارة قرينة البشارة لا سيما وقد اقترنا ~~آنفا ولأن الإنذار هو الأنسب بالمقام { وإن يكذبوك } أي ~~تموا على تكذيبك فلا تبال بهم وبتكذيبهم { فقد كذب الذين ~~من قبلهم } من الأمم العاتية { جاءتهم رسلهم ~~بالبينت } أي المعجزات الظاهرة الدالة على نبوتهم { ~~وبالزبر } كصحف إبراهيم { وبالكتب المنير } ~~كالتوارة والإنجيل والزبور على إرادة التفصيل دون الجمع ~~وبجوز أن يراد بهما واحد والعطف لتغاير العنوانين { ثم ~~أخذت الذين كفروا } وضع الموصول موضع ضميرهم لذمهم بما ~~في حيز الصلة والإشعار بعلة الأخذ { فكيف كان نكير } ~~أي إنكاري بالعقوبة وفيه مزيد تشديد وتهويل لها. # { ألم تر } استئناف مسوق لتقرير ما قبله من اختلاف أحوال ~~الناس ببيان أن الاختلاف والتفاوت أمر مطرد في جميع ~~المخلوقات من النبات والجماد والحيوان. والرؤية قلبية أي ألم ~~تعلم { أن الله أنزل من السماء ماء فأخرجنا به } ~~بذلك الماء. والالتفات لإظهار كمال الاعتناء بالفعل لما فيه من ~~الصنع البديع المنبىء عن كمال القدرة والحكمة { ثمرات ~~مختلفا ألوانها } أي أجناسها أو أصنافها على أن كلا ~~منها ذو أصناف مختلفة. أو هيئاتها وأشكالها أو ألوانها من ~~الصفرة والخصرة والحمرة وغيرها وهو الأوفق لما في قوله تعالى: { ~~من الجبال جدد } أي ذو جديد أي خطط وطرائق ويقال جدة الحمار ~~للخطة السوداء على ظهره وقرىء جدد بالضم جمع جديدة بمعنى ~~الجدة وجدد بفتحتين وهو ms2732 الطريق الواضح { بيض وحمر ~~مختلف ألونها } بالشدة والضعف { وغرابيب سود } ~~عطف على بيض أو على جدد كأنه قيل: ومن الجبال مخطط ذو جدد ~~ومنها ما هو على لون واحد غرابيب وهو تأكيد لمضمر يفسره ما بعده ~~فإن الغربيب. تأكيد للأسود كالفاقع للأصفر والقاني للأحمر ومن ~~حق التأكيد أن يتبع المؤكد، ونظيره في الصفة قول ~~النابغة: [البسيط] # والمؤمن العائذات الطير يمسحها # وفي مثله مزيد تأكيد لما فيه التكرار باعتبار الإضمار والإظهار. ### || [35.28-29] # { ومن الناس والدواب والأنعم مختلف ألونه } ~~أي ومنهم بعض مختلف ألوانه أو وبعضهم مختلف ألوانه على ما مر في ~~قوله تعالى: # ومن الناس من يقول ءامنا بالله # [سورة العنكبوت: الآية 10] وإيراد الجملتين اسميتين مع مشاركتهما لما ~~قبلهما من الجملة الفعلية في الاستشهاد بمضمونهما على تباين ~~الناس في الأحوال الباطنة لما أن اختلاف الجبال والناس ~~والدواب والأنعام فيما ذكر من الألوان أمر مستمر فعبر عنه بما ~~يدل على الاستمرار. وأما إخراج الثمرات المختلفة فحيث كان ~~أمرا حادثا عبر عنه بما يدل على الحدوث ثم لما كان فيه نوع خفاء ~~علق به الرؤية بطريق الاستفهام التقريري المنبىء عن الحمل ~~عليها والترغيب فيها بخلاف أحوال الجبال والناس وغيرهما ~~فإنها مشاهدة غنية عن التأمل فلذلك جردت عن التعليق ~~بالرؤية فتدبر. وقوله { كذلك } مصدر تشبيهي لقوله تعالى ~~مختلف أي صفة لمصدره المؤكد تقديره مختلف اختلافا كائنا كذلك أي ~~كاختلاف الثمار والجبال وقرىء ألوانا وقرىء والدواب بالتخفيف ~~مبالغة في الهرب من التقاء الساكنين وقوله تعالى { إنما ~~يخشى الله من عباده العلماء } تكملة لقوله تعالى: # إنما تنذر الذين يخشون ربهم بالغيب # [سورة فاطر: الآية 18] بتعيين من يخشاه عز وجل من الناس بعد ~~بيان اختلاف طبقاتهم وتباين مراتبهم، أما في الأوصاف ~~المعنوية فبطريق التمثيل وأما في الأوصاف الصورية فبطريق ~~التصريح توفية لكل واحدة منهما حقها اللائق بها من البيان أي ~~إنما يخشاه تعالى بالغيب العالمون به عز وجل وبما يليق به من ~~صفاته الجليلة وأفعاله الجميلة لما أن مدار الخشية معرفة ~~المخشي والعلم بشؤونه فمن كان أعلم ms2733 به تعالى كان أخشى منه عز وجل ~~كما قال عليه الصلاة والسلام: # " أنا أخشاكم لله وأتقاكم له " # ولذلك عقب بذكر أفعاله الدالة على كمال قدرته وحيث كان ~~الكفرة بمعزل من هذه المعرفة امتنع إنذارهم بالكلية. وتقديم ~~المفعول لأن المقصود حصر الفاعلية ولو أخر انعكس الأمر وقرىء ~~برفع الاسم الجليل ونصب العلماء على أن الخشية مستعارة ~~للتعظيم فإن المعظم يكون مهيبا { إن الله عزيز غفور ~~} تعليل لوجوب الخشية لدلالته على أنه معاقب للمصر على طغيانه ~~غفور للتائب عن عصيانه. # { إن الذين يتلون كتب الله } أي يداومون على قراءته ~~أو متابعة ما فيه حتى صارت سمة لهم وعنوانا. والمراد بكتاب الله ~~تعالى القرآن. وقيل: جنس كتب الله فيكون ثناء على المصدقين من ~~الأمم بعد اقتصاص حال المكذبين منهم وليس بذاك فإن صيغة ~~المضارع منادية باستمرار مشروعية تلاوته والعمل بما فيه ~~واستتباعهما لما سيأتي من توفية الأجور وزيادة الفضل. وحملها على ~~حكاية الحال الماضية مع كونه تعسفا ظاهرا مما لا سيبل إليه ~~كيف لا والمقصود الترغيب في دين الإسلام والعمل بالقرآن ~~الناسخ لما بين يديه من الكتب فالتعرض لبيان حقيتها قبل ~~انتساخها والإشباع في ذكر استتباعها لما ذكر من الفوائد العظيمة ~~مما يورث الرغبة في تلاوتها والإقبال على العمل بها. # وتخصيص التلاوة بما لم ينسخ منها باطل قطعا لما أن الباقي ~~مشروعا ليس إلا حكمها لكن لا من حيث أنه حكمها بل من حيث حكم ~~القرآن وأما تلاوتها فبمعزل من المشروعية واستتباع الأجر بالمرة ~~فتدبر { وأقاموا الصلوة وأنفقوا مما رزقناهم ~~سرا وعلانية } كيفما اتفق من غير قصد إليهما وقيل: السر ~~في المسنونة والعلانية في المفروضة { يرجون تجرة } تحصيل ~~ثواب بالطاعة وهو خبر إن. وقوله تعالى { لن تبور } أي لن ~~تكسد ولن تهلك بالخسران أصلا صفة لتجارة جيء بها للدلالة على ~~أنها ليست كسائر التجارات الدائرة بين الربح والخسران ~~لأنه اشتراء باق بفان. والإخبار برجائهم من أكرم الأكرمين ~~عدة قطعية بحصول مرجوهم. ### || [35.30-32] # وقوله تعالى: { ليوفيهم أجورهم } متعلق بلن تبور على ~~معنى أنه ينتفي ms2734 عنها الكساد وتنفق عند الله تعالى ليوفيهم أجور ~~أعمالهم { ويزيدهم من فضله } على ذلك من خزائن رحمته ما ~~يشاء وقيل: بمضمر دل عليه ما عد من أفعالهم المرضية أي فعلوا ~~ذلك ليوفيهم إلخ وقيل بيرجون على أن اللام للعاقبة { إنه ~~غفور شكور } تعليل لما قبله من التوفية والزيادة أي غفور ~~لفرطاتهم شكور لطاعاتهم أي مجازيهم عليها، وقيل: هو خبر إن الذين ~~ويرجون حال من واو أنفقوا. # { والذي أوحينا إليك من الكتب } وهو القرآن ومن ~~للتبيين أو الجنس ومن للتبعيض وقيل: اللوح ومن للابتداء { ~~هو الحق مصدقا لما بين يديه } أي أحقه مصدقا لما ~~تقدمه من الكتب السماوية حال مؤكدة، لأن حقيته تستلزم ~~موافقته إياه في العقائد وأصول الأحكام { إن الله ~~بعباده لخبير بصير } محيط ببواطن أمورهم وظواهرها فلو ~~كان في أحوالك ما ينافي النبوة لم يوح إليك مثل هذا الحق ~~المعجز الذي هو عيار على سائر الكتب. وتقديم الخبير للتنبيه ~~على أن العمدة هي الأمور الروحانية { ثم أورثنا ~~الكتب } أي قضينا بتوريثة منك أو نورثه. والتعبير عنه ~~بالماضي لتقرره وتحققه وقيل: أورثناه من الأمم السالفة أي أخرناه ~~عنهم وأعطيناه { الذين اصطفينا من عبادنا } وهم علماء ~~الأمة من الصحابة ومن بعدهم ممن يسير سيرتهم أو الأمة بأسرهم ~~فإن الله تعال اصطفاهم على سائر الأمم وجعلهم أمة وسطا ليكونوا ~~شهداء على الناس واختصهم بكرامة الانتماء إلى أفضل رسله عليهم ~~الصلاة والسلام وليس من ضرورة وراثة الكتاب مراعاته حق ~~رعايته لقوله تعالى: # فخلف من بعدهم خلف ورثوا الكتب # [سورة الأعراف: الآية 169] الآية { فمنهم ظلم لنفسه } ~~بالتقصير في العلم به وهو المرجأ لأمر الله { ومنهم ~~مقتصد } يعمل به في أغلب الأوقات ولا يخلو من خلط السيء { ~~ومنهم سابق بالخيرت بإذن الله } قيل هم السابقون ~~الأولون من المهاجرين والأنصار وقيل: هم المداومون على إقامة ~~مواجبه علما وعملا وتعليما وفي قوله تعالى بإذن الله أي بتيسيره ~~وتوفيقه تنبية على عزة منال هذه الرتية وصعوبة مأخذها وقيل: ~~الظالم الجاهل والمقتصد المتعلم والسابق العالم وقيل الظالم ~~المجرم والمقتصد ms2735 الذي خلط الصالح بالسيء والسابق الذي ~~ترجحت حسناته بحيث صارت سيئاته مكفرة. وهو معنى قوله عليه ~~الصلاة والسلام: # " وأما الذين سبقوا فأولئك يدخلون الجنة ~~يرزقون فيها بغير حساب وأما المقتصد فأولئك يحاسبون ~~حسابا يسيرا وأما الذين ظلموا أنفسهم فأولئك يحبسون فى طول المحشر ثم ~~يتلقاهم الله تعالى برحمته " # وقد روي أن عمر رضي الله عنه قال وهو على المنبر قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: # " سابقنا سابق ومقتصدنا ناج وظالمنا مغفور له " # { ذلك } إشارة إلى السبق بالخيرات وما فيه من معنى البعد مع ~~قرب العهد بالمشار إليه للإشعار بعلو رتبته وبعد منزلته في ~~الشرف { هو الفضل الكبير } من الله عز وجل لا ينال إلا ~~بتوفيقه تعالى ### || [35.33-34] # { جنت عدن } إما بدل من الفضل الكبير بتنزيل السبب ~~منزلة المسبب أو مبتدأ خبره { يدخلونها } وعلى الأول هو ~~مستأنف وجمع الضمير لأن المراد بالسابق الجنس وتخصيص حال ~~السابقين ومآلهم بالذكر والسكوت عن الفريقين الآخرين وإن لم ~~يدل على حرمانهما من دخول الجنة مطلقا لكن فيه تحذيرا لهما من ~~التقصير وتحريضا على السعي في إدراك شأو السابقين. وقرىء ~~جنات عدن وجنة عدن على النصب بفعل يفسره الظاهر. وقرىء ~~يدخلونها على البناء للمفعول { يحلون فيها } خبر ثان، أو ~~حال مقدرة. وقرىء يحلون من حليت المرأة فهي حالية { من ~~أساور } هي جمع أسورة جمع سوار { من ذهب } من الأولى ~~تبعيضية، والثانية بيانية أي يحلون بعض أساور من ذهب ~~كأنه أفضل من سائر أفرادها { ولؤلؤا } بالنصب عطفا على ~~محل من أساور وقرىء بالجر عطفا على ذهب أي من ذهب مرصع ~~باللؤلؤ أو من ذهب في صفاء اللؤلؤ { ولباسهم فيها ~~حرير } وتغيير الأسلوب قد مر سره في سورة الحج. # { وقالوا } أي يقولون وصيغة الماضي للدلالة على التحقق { ~~الحمد لله الذى أذهب عنا الحزن } وهو ما أهمهم من ~~خوف سوء العاقبة وعن ابن عباس رضي الله عنهما: حزن الأعراض ~~والآفات، وعنه حزن الموت وعن الضحاك: حزن وسوسة إبليس. ~~وقيل: هم المعاش، وقيل: حزن زوال النعم. والظاهر أنه ~~الجنس ms2736 المنتظم لجميع أحزان الدين والدنيا. وقرىء الحزن وعن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " ليس على أهل لا إله إلا الله وحشة في قبورهم ولا في محشرهم، ولا ~~في مسيرهم وكأني بأهل لا إله إلا الله يخرجون من قبورهم ينفضون ~~التراب عن وجوههم ويقولون الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن " # { إن ربنا لغفور } أي للمذنبين { شكور } للمطيعين. ### || [35.35-37] # { الذى أحلنا دار المقامة } أي دار الإقامة التي لا ~~انتقال عنها أبدا { من فضله } من إنعامه وتفضله من غير أن ~~يوجبه شيء من قبلنا { لا يمسنا فيها نصب } تعب { ولا ~~يمسنا فيها لغوب } كلال والفرق بينهما أن النصب ~~المشقة والكلفة واللغوب ما بحدث منه من الفتور، والتصريح بنفي ~~الثاني مع استلزام نفي الأول له وتكرير الفعل المنفي للمبالغة ~~في بيان انتفاء كل منهما { والذين كفروا لهم نار ~~جهنم لا يقضى عليهم } لا يحكم عليهم بموت ثان { ~~فيموتوا } ويستريحوا. ونصبه بإضمار أن وقرىء فيموتون عطفا ~~على يقضي كقوله تعالى: # ولا يؤذن لهم فيعتذرون # [سورة المرسلات: الآية 36] { ولا يخفف عنهم من عذابها ~~} بل كلما خبت زيد إسعارها { كذلك } أي مثل ذلك الجزاء ~~الفظيع { نجزى كل كفور } مبالغ في الكفر أو الكفران لا جزاء ~~أخف وأدنى منه. وقرىء يجزى على البناء للمفعول وإسناده إلى الكل ~~وقرىء يجازى. # { وهم يصطرخون فيها } يستغيثون. والاصطراخ افتعال من ~~الصراخ استعمل في الاستغاثة لجهد المستغيث صوته { ربنا ~~أخرجنا نعمل صلحا غير الذى كنا نعمل } ~~بإضمار القول وتقييد العمل الصالح بالوصف المذكور للتحسر ~~على ما عملوه من غير الصالح والاعتراف به والإشعار بأن ~~استخراجهم لتلافيه وأنهم كانوا يحسبونه صالحا والآن تبين ~~خلافه. وقوله تعالى { أولم نعمركم ما يتذكر فيه ~~من تذكر } جواب من جهته تعالى وتوبيخ لهم. والهمزة للإنكار ~~والنفي والواو للعطف على مقدر يقتضيه المقام. وما نكرة ~~موصوفة أي ألم نمهلكم أو ألم نؤخركم ولم نعمركم عمرا يتذكر ~~فيه من تذكر أي يتمكن فيه المتذكر من التذكر والتفكر. ~~قيل هو أربعون سنة وعن ابن عباس رضي الله عنهما ستون سنة ms2737 وروي ذلك ~~عن: علي رضي الله عنه وهو العمر الذي أعذر الله فيه إلى ابن آدم قال ~~عليه الصلاة والسلام: # " أعذر الله إلى امرىء أخر أجله حتى بلغ ستين سنة ". # وقوله تعالى: { وجاءكم النذير } عطف على الجملة الاستفهامية ~~لأنها في معنى قد عمرناكم كما في قوله تعالى: # ألم نشرح لك صدرك. ووضعنا # [سورة الشرح: الآية 1, 2] الخ لأنه في معنى قد شرحنا الخ والمراد ~~بالنذير رسول الله صلى الله عليه وسلم أو ما معه من القرآن وقيل: ~~العقل وقيل: الشيب وقيل: موت الأقارب. والاقتصار على ذكر ~~النذير لأنه الذي يقتضيه المقام. والفاء في قوله تعالى: { ~~فذوقوا } لترتيب الأمر بالذوق على ما قبلها التعمير ومجيء ~~النذير. وفي قوله تعالى: { فما للظلمين من نصير } ~~للتعليل. ### || [35.38-40] # { إن الله علم غيب السموات والأرض } ~~بالإضافة. وقرىء بالتنوين ونصب غيب على المفعولية أي لا يخفى ~~عليه خافية فيهما فلا تخفى عليه أحوالهم { إنه عليم بذات ~~الصدور } قيل: إنه تعليل لما قبله لأنه إذا علم مضمرات ~~الصدور وهي أخفى ما يكون كان أعلم بغيرها. # { هو الذى جعلكم خلئف فى الأرض } يقال للمستخلف ~~خليفة وخليف والأول يجمع خلائف والثاني خلفاء والمعنى أنه تعالى ~~جعلكم خلفاءه في إرضه وألقى إليكم مقاليد التصرف فيها وسلطكم على ~~ما فيها وأباح لكم منافعها أو جعلكم خلفاء ممن قلبكم من الأمم ~~وأورثكم ما بأيديهم من متاع الدنيا لتشكروه بالتوحيد والطاعة ~~{ فمن كفر } منكم مثل هذه النعمة السنية وغمطها { ~~فعليه كفره } أي وبال كفره لا يتعداه إلى غيره. وقوله ~~تعالى { ولا يزيد الكفرين كفرهم عند ربهم إلا ~~مقتا ولا يزيد الكفرين كفرهم إلا خسارا } ~~بيان لوبال الكفر وغائلته وهو مقت الله تعالى إياهم أي بغضه ~~الشديد الذي ليس وراءه خزي وصغار وخسار الأخرة الذي ما بعده ~~شر وخسار، والتكرير لزيادة التقرير والتنبيه على أن ~~اقتضاء الكفر لكل واحد من الأمرين الهائلين القبيحين بطريق ~~الاستقلال والأصالة. # { قل } تبكيتا لهم { أرءيتم شركاءكم الذين تدعون ~~من دون الله } أي آلهتكم والإضافة إليهم لأنهم جعلوهم شركاء لله ~~تعالى ms2738 من غير أن يكون له أصل ما أصلا وقيل: جعلوهم شركاء لأنفسهم ~~فيما يملكونه ويأباه سباق النظم الكريم وسياقه { أرونى ماذا ~~خلقوا من الأرض } بدل اشتمال من أرأيتم كأنه قيل أخبروني ~~عن شركائكم أروني أي جزء خلقوا من الأرض { أم لهم شرك فى ~~السموات } أي أم لهم شركة مع الله سبحانه في خلق السموات ~~ليستحقوا بذلك شركة في الألوهية ذاتية { أم آتيناهم ~~كتابا } ينطق بأنا اتخذناهم شركاء { فهم على بينة ~~منه } أي حجة ظاهرة من ذلك الكتاب بأن لهم شركة جعلية ~~ويجوز أن يكون ضمير آتيناهم للمشركين كما في قوله تعالى: # أم أنزلنا عليهم سلطنا # [سورة الروم: الآية 35] الخ وقرىء على بينات وفيه إيماء إلى أن ~~الشرك أمر خطير لا بد في إثباته من تعاضد الدلائل { بل ~~إن يعد الظلمون بعضهم بعضا إلا غرورا } لما ~~نفى أنواع الحجج في ذلك أضرب عنه بذكر ما حملهم عليه وهو تغرير ~~الأسلاف للأخلاف وإضلال الرؤساء للأتباع بأنهم شفعاء عند الله ~~يشفعون لهم بالتقريب إليه. ### || [35.41-44] # { إن الله يمسك السموات والأرض أن تزولا } ~~استئناف مسوق لبيان غاية قبح الشرك وهو له أن يمسكهما كراهة ~~زوالهما أو يمنعهما أن تزولا لأن الإمساك منع { ولئن زالتا ~~إن أمسكهما } أي ما أمسكهما { من أحد من بعده } من ~~بعد إمساكه تعالى أو من بعد الزوال. والجملة سادة مسد ~~الجوابين ومن الأولى مزيدة لتأكيد العموم والثانية للابتداء ~~{ إنه كان حليما غفورا } غير معاجل بالعقوبة التي ~~تستوجبها جناياتهم حيث أمسكهما وكانتا جديرتين بأن تهدا هدا ~~حسبما قال تعالى: # تكاد السموات يتفطرن منه وتنشق الأرض # [سورة مريم: الآية 90] وقرىء ولو زالتا. # { وأقسموا بالله جهد أيمنهم لئن جاءهم ~~نذير ليكونن أهدى من إحدى الأمم } بلغ قريشا قبل ~~مبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أهل الكتاب كذبوا رسلهم ~~فقالوا لعن الله اليهود والنصارى أتتهم الرسل فكذبوهم ~~فوالله لئن أتانا رسول لنكونن أهدى من إحدى الأمم اليهود ~~والنصارى وغيرهم أو من الأمة التي يقال لها إحدى الأمم تفضيلا ~~لها على غيرها في ms2739 الهدى والاستقامة. { فلما جاءهم نذير } ~~وأي نذير أشرف الرسل عليهم الصلاة والسلام { ما زادهم ~~} أي النذير أو مجيئة { إلا نفورا } تباعدا عن الحق { ~~استكبارا في الأرض } بدل من نفورا أي مفعول له { ومكر ~~السيىء } أصله وإن مكروا السيء أي المكر السىء ثم ومكرا ~~السيء ثم ومكر السيء وقرىء بسكون الهمزة في الوصل ولعله اختلاس ~~ظن سكوتا أو وقفة خفيفة وقرىء مكرا سيئا { ولا يحيق ~~المكر السيىء إلا بأهله فهل ينظرون } أي ما ~~ينتظرون { إلا سنة آلأولين } أي سنة الله فيهم بتعذيب ~~مكذبيهم { فلن تجد لسنة الله تبديلا } بأن يضع ~~موضع العذاب غير العذاب { ولن تجد لسنة الله تحويلا ~~} بأن ينقله من المكذبين إلى غيرهم. والفاء لتعليل ما يفيده ~~الحكم بانتظارهم العذاب من مجيئه ونفي وجدان التبديل ~~والتحويل عبارة عن نفي وجودها بالطريق البرهاني وتخصيص كل ~~منهما بنفي مستقل لتأكيد انتفائهما. # { أولم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان ~~عقبة الذين من قبلهم } استشهاد على ما قبله من جريان ~~سنته تعالى على تعذيب المكذبين بما يشاهدونه في مسايرهم إلى ~~الشام واليمن والعراق من آثار دمار الأمم الماضية العاتية ~~والهمزة للإنكار والنفي. والواو للعطف على مقدر يليق بالمقام ~~أي أقعدوا في مساكنهم ولم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة ~~الذين من قبلهم { وكانوا أشد منهم قوة } وأطول أعمارا ~~فما نفعهم طول المدى وما أغنى عنهم شدة القوى. ومحل الجملة ~~النصب على الحالية. وقوله تعالى { وما كان الله ~~ليعجزه من شىء } أي ليسبقه وبفوته { في السموات ولا ~~فى الأرض } اعتراض مقرر لما يفهم مما قبله من استئصال الأمم ~~السالفة. وقوله تعالى { إنه كان عليما قديرا } أي ~~مبالغا في العلم والقدرة ولذلك علم بجميع أعمالهم السيئة ~~فعاقبهم بموجبها تعليل لذلك. ### || [35.45] # { ولو يؤاخذ الله الناس } جميعا { بما كسبوا } من ~~السيئات كما فعل بأولئك { ما ترك على ظهرها } أي على ~~ظهر الأرض { من دابة } من نسمة تدب عليها من بني آدم وقيل: ~~ومن غيرهم أيضا من شؤم معاصيهم. وهو المروي عن ابن مسعود وأنس رضي ms2740 ~~الله عنهما. ويعضد الأول قوله تعالى { ولكن يؤخرهم إلى ~~أجل مسمى } وهو يوم القيامة { فإذا جاء أجلهم ~~فإن الله كان بعباده بصيرا } فيجازيهم عند ذلك ~~بأعمالهم إن خيرا فخير وإن شرا فشر. # عن النبي عليه الصلاة والسلام: # " من قرأ سورة الملائكة دعته ثمانية أبواب الجنة أن ادخل ~~من أي باب شئت " # والله تعالى أعلم. ### | [36 - سورة يس] ### || [36.1-3] # (سورة يس مكية. وعنه صلى الله عليه وسلم تدعى المعمة تعم صاحبها خير ~~الدارين والدافعة والقاضية تدفع عنه كل سوء وتقضي له كل حاجة وآياتها ~~ثلاث وثمانون) # { بسم الله الرحمن الرحيم } { يس } إما مسرود على نمط ~~التعديد فلا حظ له من الإعراب أو اسم للسورة كما نص عليه ~~الخليل وسيبويه وعليه الأكثر فمحله الرفع على أنه خبر مبتدأ ~~محذوف، أو النصب على أنه مفعول لفعل مضمر. وعليهما مدار قراءة ~~يسن بالرفع والنصب أي هذه يسن أو اقرأ يسن. ولا مساغ للنصب ~~بإضمار فعل القسم لأن ما بعده مقسم به وقد أبوا الجمع بين ~~قسمين على شيء واحد قبل انقضاء الأول ولا مجال للعطف ~~لاختلافهما إعرابا. وقيل هو مجرور بإضمار باء القسم مفتوح لكونه ~~غير منصرف كما سلف في فاتحة سورة البقرة من أن ما كانت من هذه ~~الفواتح مفردة مثل صاد وقاف ونون أو كانت موازنة لمفرد نحو طس ويسن ~~وحم الموازنة لقابيل وهابيل يتأتى فيها الإعراب اللفظي ذكره ~~سبيويه في باب أسماء السور من كتابه. وقيل: هما حركتا بناء كما ~~في حيث وأين حسبما يشهد بذلك قراءة يسن بالكسر كجير وقيل: الفتح ~~والكسر تحريك للجد في الهرب من التقاء الساكنين. وعن ابن ~~عباس رضي الله عنهما أن معناه يا إنسان في لغة طيء قالوا ~~المراد به رسول الله صلى الله عليه وسلم. ولعل أصله يا أنيسين ~~فاقتصر على شطره كما قيل من الله في أيمن الله { والقرءان } ~~بالجر على أنه مقسم به ابتداء وقد جوز أن يكون عطفا على يسن ~~على تقدير كونه مجرورا بإضمار باء القسم { الحكيم } أي ~~المتضمن للحكمة ms2741 أو الناطق بها بطريق الاستعارة أو المتصف بها ~~على الإسناد المجازي، وقد جوز أن يكون الأصل الحكيم قائله ~~فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه فبانقلابه مرفوعا بعد الجر ~~استكن في الصفة المشبهة كما مر في صدر سورة لقمان { ~~إنك لمن المرسلين } جواب للقسم. والجملة لرد إنكار ~~الكفرة بقولهم في حقه عليه الصلاة والسلام لست مرسلا. ~~وهذه الشهادة منه عز وجل من جملة ما أشير إليه بقوله تعالى في ~~جوابهم: # قل كفى بالله شهيدا بيني وبينكم # [سورة الرعد: الآية 43] وفي تخصيص القرآن بالإقسام به أولا بوصفه ~~بالحكيم ثانيا تنويه بشأنه وتنبيه على أنه كما يشهد برسالته عليه ~~الصلاة والسلام من حيث نظمه المعجز المنطوي على بدائع الحكم ~~يشهد بها من هذه الحيثية أيضا لما أن الإقسام بالشيء استشهاد ~~به على تحقق مضمون الجملة القسمية وتقوية لثبوته فيكون شاهدا به ~~ودليلا عليه قطعا. ### || [36.4-7] # وقوله تعالى: { على صرط مستقيم } خبر آخر لأن أو حال ~~من المستكن في الجار والمجرور على أنه عبارة عن الشريعة ~~الشريفة بكمالها لا عن التوحيد فقط وفائدته بيان أن شريعته ~~عليه الصلاة والسلام أقوى الشرائع وأعدلها كما يعرب عنه ~~التنكير التفخيمي والوصف إثر بيان أنه عليه الصلاة ~~والسلام من جملة المرسلين بالشرائع. # { تنزيل العزيز الرحيم } نصب على المدح. وقرىء بالرفع ~~على أنه خبر مبتدأ محذوف وبالجر على أنه بدل من القرآن وأيا ما ~~كان فهو مصدر بمعنى المفعول عبر به عن القرآن بيانا لكمال عراقته ~~في كونه منزلا من عند الله عز وجل كأنه نفس التنزيل وإظهار ~~لفخامته الإضافية بعد بيان فخامته الذاتية بوصفه بالحكمة وفي ~~تخصيص الاسمين الكريمين المعربين عن الغلبة التامة والرأفة ~~العامة حث على الإيمان به ترهيبا وترغيبا وإشعار بأن تنزيله ~~ناشيء عن غاية الرحمة حسبما نطق به قوله تعالى: # وما أرسلنك إلا رحمة للعلمين # [سورة الأنبياء: الآية 107] وقيل: النصب على أنه مصدر مؤكد ~~لفعله المضمر أي نزل تنزيل العزيز الرحيم على أنه استئناف مسوق ~~لبيان ما ذكر من فخامة شأن القرآن وعلى كل تقدير ms2742 ففيه فضل ~~تأكيد لمضمون الجملة القسمية { لتنذر } متعلق بتنزيل على ~~الوجوه الأول وبعامله المضمر على الوجه الآخير أي لتنذر به كما في ~~صدر الأعراف وقيل: هو متعلق بما يدل عليه لمن المرسلين أي إنك ~~مرسل لتنذر { قوما ما أنذر ءاباؤهم } أي لم ينذر آباؤهم ~~الأقربون لتطاول مدة الفترة على أن ما نافية فتكون صفة مبينة ~~لغاية احتياجهم إلى الإنذار أو الذي أنذره أو شيئا أنذره آباؤهم ~~الأبعدون على أنها موصولة أو موصوفة فيكون مفعولا ثانيا لتنذر أو ~~إنذار آبائهم الأقدمين على أنها مصدرية فيكون نعتا لمصدر مؤكد ~~أي لتنذر إنذارا كائنا مثل إنذارهم { فهم غفلون } على ~~الوجه الأول متعلق بنفي الإنذار مترتب عليه والضمير للفريقين ~~أي لم تنذر آباؤهم جميعا لأجله غافلون وعلى الوجوه الباقية ~~متعلق بقوله تعالى: { لتنذر } أو بما يفيده إنك لمن المرسلين ~~وارد لتعليل إنذاره عليه السلام أو إرساله بغفلتهم المحوجة إليهما ~~على أن الضمير للقوم خاصة فالمعنى فهم غافلون عنه أي عما ~~أنذر آباؤهم الأقدمون لامتداد المدة. واللام في قوله تعالى: # { لقد حق القول على أكثرهم } جواب القسم أي والله ~~لقد ثبت وتحقق عليهم البتة لكن لا بطريق الجبر من غير أن يكون من ~~قبلهم ما يقتضيه بل بسبب إصرارهم الاختياري على الكفر والإنكار وعدم ~~تأثرهم من التذكير والإنذار وغلوهم في العتو والطغيان ~~وتماديهم في اتباع خطوات الشيطان بحيث لا يلويهم صارف ولا ~~يثنيهم عاطف كيف لا والمراد بما حق من القول قوله تعالى لإبليس ~~عند قوله لأغوينهم أجمعين. # لأملأن جهنم منك وممن تبعك منهم أجمعين # [سورة ص: الآية 85] وهو المعني بقوله تعالى: # لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين # [سورة السجدة: الآية 13] كما يلوح به تقديم الجنة على الناس ~~فإنه كما ترى قد أوقع فيه الحكم بإدخال جهنم على من تبع إبليس ~~وذلك تعليل له بتبعيته قطعا وثبوت القول على هؤلاء الذين عبر عنهم ~~بأكثرهم إنما هو لكونهم من جملة أولئك المصرين على تبعية إبليس ~~أبدا وإذ قد تبين أن مناط ثبوت القول وتحققه عليهم إصرارهم ms2743 ~~على الكفر إلى الموت ظهر أن قوله تعالى: { فهم لا يؤمنون } ~~متفرع في الحقيقة على ذلك لا على ثبوت القول ### || [36.8-11] # وقوله تعالى: # { إنا جعلنا فى أعنقهم أغللا } تقرير لتصميمهم ~~على الكفر وعدم ارعوائهم عنه بتمثيل حالهم بحال الذين غلت ~~أعناقهم { فهي إلى الأذقن } أي فالأغلال منتهية إلى ~~أذقانهم فلا تدعهم يلتفتون إلى الحق ولا يعطفون أعناقهم نحوه ~~ولا يطأطئون رؤوسهم له { فهم مقمحون } رافعون رؤوسهم ~~غاضون أبصارهم بحيث لا يكادون يرون الحق أو ينظرون إلى جهته { ~~وجعلنا من بين أيديهم سدا ومن خلفهم سدا ~~فأغشينهم فهم لا يبصرون } إما تتمة للتمثيل ~~وتكميل له أي تكميل أي وجعلنا مع ما ذكر من أمامهم سدا عظيما ومن ~~ورائهم سدا كذلك فغطينا بهما أبصارهم فهم بسبب ذلك لا يقدرون على ~~إبصار شيء ما أصلا وإما تمثيل مستقل فإن ما ذكر من جعلهم ~~محصورين بين سدين هائلين قد غطيا أبصارهم بحيث لا يبصرون شيئا ~~قطعا كاف في الكشف عن كمال فظاعة حالهم وكونهم محبوسين في مطمورة ~~الغي والجهالات محرومين عن النظر في الأدلة والآيات وقرىء ~~سدا بالضم وهي لغة فيه، وقيل ما كان من عمل الناس فهو بالفتح ~~وما كان من خلق الله فبالضم. وقرىء فأعشيناهم من العشا. وقيل ~~الآيتان في بني مخزوم وذلك أن أبا جهل حلف لئن رأى رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم يصلي ليرضخن رأسه فأتاه وهو عليه الصلاة ~~والسلام يصلي ومعه حجر ليدمغه فلما رفع يده انثنت يده إلى ~~عنقه ولزق الحجر بيده حتى فكوه عنها بجهد فرجع إلى قومه فأخبرهم ~~بذلك فقال مخزومي آخر أنا أقتله بهذا الحجر فذهب فأعمى الله تعالى ~~بصره. # { وسوآء عليهم أءنذرتهم أم لم تنذرهم } بيان ~~لشأنهم بطريق التصريح إثر بيانه بطريق التميل أي مستو عندهم ~~إنذارك إياهم وعدمه حسبما مر تحقيقه في سورة البقرة وقوله ~~تعالى: { لا يؤمنون } استئناف مؤكد لما قبله مبين لما فيه ~~من إجمال ما فيه الاستواء أو حال مؤكدة له أو بدل منه ولما ~~بين كون الإنذار عندهم ms2744 كعدمه عقب ببيان من يتأثر منه فقيل { ~~إنما تنذر } أي إنذارا مستتبعا للأثر { من اتبع الذكر ~~} أي القرآن بالتامل فيه أو الوعظ ولم يصر على اتباع ~~خطوات الشيطان { وخشي الرحمن بالغيب } أي خاف عقابه ~~وهو غائب عنه على أنه حال من الفاعل أو المفعول أو خافه في ~~سريرته ولم يغتر برحمته فإنه منتقم قهار كما أنه رحيم ~~غفار كما نطق به قوله تعالى: # نبىء عبادى أني أنا الغفور الرحيم وأن عذابى ~~هو العذاب الأليم # [سورة الحجر: الآية 49] { فبشره بمغفرة } عظيمة { وأجر ~~كريم } لا يقادر قدره. والفاء لترتيب البشارة أو الأمر بها على ما ~~قبلها من اتباع الذكر والخشية. ### || [36.12-14] # { إنا نحن نحى الموتى } بيان لشأن عظيم بنطوي على ~~الإنذار والتبشير انطواء إجماليا أي نبعثهم بعد مماتهم. وعن ~~الحسن إحياؤهم إخراجهم من الشرك إلى الإيمان فهو حينئذ عدة ~~كريمة بتحقيق المبشر به { ونكتب ما قدموا } أي ما ~~أسلفوا من الأعمال الصالحة وغيرها { وءاثارهم } التي أبقوها ~~من الحسنات كعلم علموه أو كتاب ألفوه أو حبيس وقفوه أو بناء ~~بنوه من المساجد والرباطات والقناطر وغير ذلك من وجوه البر ومن ~~السيئات كتأسيس قوانين الظلم والعدوان وترتيب مبادىء ~~الشر والفساد فيما بين العباد وغيره ذلك من فنون الشرور التي ~~أحدثوها وسنوها لمن بعدهم من المفسدين. وقيل هي آثار إلى ~~المشائين إلى المساجد ولعل المراد أنها من جملة الآثار. ~~وقرىء ويكتب على البناء للمفعول ورفع آثارهم. # { وكل شىء } من الأشياء كائنا ما كان { أحصينه فى ~~إمام مبين } أصل عظيم الشأن مظهر لجميع الأشياء مما كان ~~وما سيكون وهو اللوح المحفوظ. وقرىء كل شيء بالرفع. { ~~واضرب لهم مثلا أصحب القرية } ضرب المثل ~~يستعمل تارة في تطبيق حالة غريبة بحالة أخرى مثلها كما في قوله ~~تعالى: # ضرب الله مثلا للذين كفروا امرأت نوح ~~وامرأت لوط # [سورة التحريم: الآية 10] وأخرى في ذكر حالة غريبة وبيانها للناس ~~من غير قصد إلى تطبيقها بنظيرة لها كما في قوله تعالى: # وضربنا لكم الأمثال # [سورة إبراهيم: الآية 45] على أحد الوجهين أي بينا ms2745 لكم أحوالا ~~بديعة هي في الغرابة كالأمثال فالمعنى على الأول اجعل أصحاب ~~القرية مثلا لهؤلاء في الغلو في الكفر والإصرار على تكذيب ~~الرسل أي طبق حالهم بحالهم على أن مثلا مفعول ثان لاضرب ~~وأصحاب القرية مفعوله الأول أخر عنه ليتصل به ما هو شرحه ~~وبيانه وعلى الثاني اذكر وبين لهم قصة هي في الغرابة ~~كالمثل وقوله تعالى أصحاب القرية بدل منه بتقدير المضاف أو بيان ~~له والقرية أنطاكية { إذ جاءها المرسلون } بدل اشتمال من ~~أصحاب القرية وهم رسل عيسى عليه السلام إلى أهلها ونسبة ~~إرسالهم إليه تعالى في قوله: # { إذ أرسلنا إليهم اثنين } بناء على أنه كان بأمره ~~تعالى لتكميل التمثيل وتتميم التسلية وهما يحيى وبولس، وقيل ~~غيرهما { فكذبوهما } أي فأتياهم فدعواهم إلى الحق فكذبوهما ~~في الرسالة { فعززنا } أي قوينا يقال عزز المطر الأرض إذا ~~لبدها. وقرىء بالتخفيف من عزه إذا غلبه وقهره. وحذف المفعول ~~لدلالة ما قبله عليه ولأن المقصد ذكر المعزز به { بثالث } هو ~~شمعون { فقالوا } أي جميعا { إنا إليكم مرسلون } ~~مؤكدين كلامهم لسبق الإنكار لما أن تكذيبهما تكذيب للثالث ~~لاتحاد كلمتهم، وذلك أنهم كانوا عبدة أصنام فأرسل إليهم عيسى ~~عليه السلام اثنين فلما قربا من المدينة رأيا شيخا يرعى غنيمات ~~له وهو حبيب النجار صاحب يسن فسألهما فأخبراه قال أمعكما آية ~~فقالا نشفي المريض ونبرىء الأكمه والأبرص وكان له ولد مريض منذ ~~سنتين فمسحاه فقام فآمن حبيب وفشا الخبر وشفي على أيديهما خلق ~~وبلغ حديثهما إلى الملك وقال لهما ألنا إله سوى آلهتنا قالا نعم من ~~أوجدك وآلهتك فقال حتى أنظر في أمركما فتبعهما الناس، وقيل: ~~ضربوهما، وقيل: حبسا. # ثم بعث عيسى عليه السلام شمعون فدخل متنكرا وعاشر حاشية ~~الملك حتى استأنسوا به ورفعوا خبره إلى الملك فأنس به فقال له ~~يوما بلغني أنك حبست رجلين فهل سمعت ما يقولانه قال لا حال ~~الغضب بيني وبين ذلك فدعاهما فقال شمعون: من أرسلكما قالا الله ~~الذي خلق كل شيء وليس له شريك فقال: صفاه وأوجزا. قالا يفعل ~~ما ms2746 يشاء ويحكم ما يريد قال وما آيتكما قالا ما يتمنى الملك ~~فدعا بغلام مطموس العينين فدعوا الله تعالى حتى انشق له بصر ~~فأخذا بندقتين فوضعاهما في حدقتيه فصارتا مقلتين ينظر بهما فقال له ~~شمعون أرأيت لو سألت إلهك حتى يصنع مثل هذا فيكون لك وله ~~الشرف قال ليس لي عنك سر إن إلهنا لا يبصر ولا يسمع ولا يضر ~~ولا ينفع. وكان شمعون يدخل معهم على الصنم فيصلي ويتضرع وهم ~~يحسبون أنه منهم ثم قال: إن قدر إلهكما على إحياء ميت آمنا به ~~فدعوا بغلام مات من سبعة أيام فقام وقال إني أدخلت في سبعة ~~أودية من النار وإني أحذركم ما أنتم فيه فآمنوا وقال فتحت ~~أبواب السماء فرأيت شابا حسن الوجه يشفع لهولاء الثلاثة قال ~~الملك من هم قال شمعون وهذان. فتعجب الملك فلما رأى شمعون ~~أن قوله قد أثر فيه نصحه فآمن وآمن قوم ومن لم يؤمن صاح عليهم ~~جبريل عليه السلام فهلكوا. هكذا قالوا، ولكن لا يساعده سياق ~~النظم الكريم حيث اقتصر فيه على حكاية تماديهم في العناد ~~واللجاج وركوبهم متن المكابرة في الحجاج ولم يذكر فيه ممن ~~يؤمن أحد سوى حبيب ولو أن الملك وقوما من حواشيه آمنوا لكان ~~الظاهر أن يظاهروا الرسل ويساعدوهم قبلوا في ذلك أو قتلوا كدأب ~~النجار الشهيد ولكان لهم فيه ذكر ما بوجه من الوجوه، اللهم إلا أن ~~يكون إيمان الملك بطريق الخفية على خوف من عتاة ملئه فيعتزل ~~عنهم معتذرا بعذر من الأعذار. ### || [36.15-17] # { قالوا } أي أهل أنطاكية الذين لم يؤمنوا مخاطبين ~~للثلاثة { ما أنتم إلا بشر مثلنا } من غير مزية ~~لكم علينا موجبة لاختصاصكم بما تدعونه. ورفع بشر لانتقاض ~~النفي المقتضي لإعمال ما بإلا. { وما أنزل الرحمن من ~~شيء } مما تدعونه من الوحي والرسالة { إن أنتم إلا ~~تكذبون } في دعوى رسالته { قالوا ربنا يعلم إنا ~~إليكم لمرسلون } اشتشهدوا بعلم الله تعالى وهو يجري مجرى ~~القسم مع ما فيه من تحذيرهم معارضة علم الله تعالى وزادوا اللام ~~المؤكدة لما شاهدوا ms2747 منهم من شدة الإنكار { وما علينا } ~~أي من جهة ربنا { إلا البلغ المبين } أي إلا تبليغ ~~رسالته تبليغا ظاهرا بينا بالآيات الشاهدة بالصحة وقد ~~خرجنا عن عهدته فلا مؤاخذة لنا بعد ذلك من جهة ربنا أو ما علينا شيء ~~نطالب به من جهتكم إلا تبليغ الرسالة على الوجه المذكور وقد ~~فعلناه فأي شيء تطلبون منا حتى تصدقونا بذلك. ### || [36.18-22] # { قالوا } لما ضاقت عليهم الحيل وعيت بهم العلل { إنا ~~تطيرنا بكم } تشاءمنا بكم جريا على ديدن الجهلة حيث ~~كانوا يتيمنون بكل ما يوافق شهواتهم وإن كان مستجلبا لكل شر ~~ووبال ويتشاءمون بما لا يوافقها وإن كان مستتبعا لسعادة الدارين ~~أو بناء على أن الدعوة لا تخلو عن الوعيد بما يكرهونه من إصابة ~~ضر ومتعلق بأنفسهم وأهليهم وأموالهم إن لم يؤمنوا فكانوا ينفرون ~~عنه. وقد روي أنه حبس عنهم القطر فقالوه: { لئن لم تنتهوا ~~} أي عن مقالتكم هذه { لنرجمنكم } بالحجارة { ~~وليمسنكم منا عذاب أليم } لا يقادر قدره { ~~قالوا طئركم } أي سبب شؤمكم { معكم } لا من قبلنا وهو ~~سوء عقيدتكم وقبح أعمالكم. وقرىء طيركم { أئن ذكرتم } أي ~~وعظتم بما فيه سعادتكم. وجواب الشرط محذوف ثقة بدلالة ما قبله ~~عليه أي تطيرتم وتوعدتم بالرجم والتعذيب. وقرىء بألف بين ~~الهمزتين وبفتح أن بمعنى أتطيرتم لأن ذكرتم وأن ذكرتم وإن ~~ذكرتم بغير استفهام وأين ذكرتم بمعنى طائركم معكم حيث جرى ~~ذكركم وهو أبلغ { بل أنتم قوم مسرفون } إضراب عما ~~تقتضيه الشرطية من كون التذكير سببا للشؤم أو مصححا ~~للتوعد أي ليس الأمر كذلك بل أنتم قوم عادتكم الإسراف في العصيان ~~فلذلك أتاكم الشؤم أو في الظلم والعدوان ولذلك توعدتم ~~وتشاءمتم بمن يجب إكرامه والتبرك به. # { وجاء من أقصى المدينة رجل يسعى } هو حبيب ~~النجار وكان ينحت أصنامهم وهو ممن آمن برسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وبينهما ستمائة سنة كما آمن به تبع الأكبر وورقة بن ~~نوفل وغيرهما، ولم يؤمن بنبي غيره عليه الصلاة والسلام أحد ~~قبل مبعثه. وقيل كان في غار يعبد الله تعالى فلما ms2748 بلغه خبر ~~الرسل عليهم الصلاة والسلام أظهر دينه. # { قال } استئناف وفع جوابا عن سؤال نشأ من حكاية مجيئه ساعيا ~~كأنه قيل: فماذا قال عند مجيئه فقيل قال: { يقوم اتبعوا ~~المرسلين } تعرض لعنوان رسالتهم حثا لهم على اتباعهم كما ~~أن خطابهم بياقوم لتأليف قلوبهم واستمالتها نحو قبول نصيحته. ~~وقوله تعالى: { اتبعوا من لا يسئلكم أجرا وهم ~~مهتدون } تكرير للتأكيد وللتوسل به إلى وصفهم بما يرغبهم ~~في اتباعهم من التنزه عن الغرض الدنيوي والاهتداء إلى خير ~~الدنيا والدين { وما لي لا أعبد الذي فطرني } ~~تلطف في الإرشاد بإيراده في معرض المناصحة لنفسه وإمحاض النصح ~~حيث أراهم أنه اختار لهم ما يختار لنفسه. والمراد تقريعهم على ترك ~~عبادة خالقهم إلى عبادة غيره كما ينبىء عنه قوله: { وإليه ~~ترجعون } مبالغة في التهديد ثم عاد إلى المساق الأول ~~فقال: ### || [36.23-27] # { أءتخذ من دونه ءالهة } إنكار ونفي لاتخاذ الآلهة على ~~الإطلاق. وقوله: { إن يردن الرحمن بضر لا تغن عنى ~~شفعتهم شيئا } أي لا تنفعني شيئا من النفع. { ولا ~~ينقذون } من ذلك الضر بالنصرة والمظاهرة، استئناف سبق ~~لتعليل النفي المذكور. وجعله صفة لآلهة كما ذهب إليه بعضهم ~~ربما يوهم أن هناك آلهة ليست كذلك. وقرىء إن يردن بفتح ~~الياء على معنى إن يوردني ضرا أي يجعلني موردا للضر { إنى ~~إذا } أي إذا اتخذت من دونه آلهة { لفى ضلل مبين } فإن ~~إشراك ما ليس من شأنه النفع ولا دفع الضر بالخالق المقتدر ~~الذي لا قادر غيره ولا خير إلا خيره ضلال بين لا يخفى على أحد ~~ممن له تمييز في الجملة { إنى ءامنت بربكم } خطاب منه ~~للرسل بطريق التلوين قيل: لما نصح قومه بما ذكر هموا برجمه ~~فأسرع نحو الرسل قبل أن يقتلوه فقال ذلك، وإنما أكده لإظهار ~~صدوره عنه بكمال الرغبة والنشاط وأصناف الرب إلى ضميرهم روما ~~لزيادة التقرير وإظهارا للاختصاص والافتداء بهم كأنه قال ~~بربكم الذي أرسلكم أو الذي تدعوننا إلى الإيمان به { فاسمعون } ~~أي اسمعوا إيماني واشهدوا لي به عند الله تعالى، وقيل: الخطاب ~~للكفرة ms2749 شافههم بذلك إظهارا للتصلب في الدين وعدم المبالاة ~~بالقتل، وإضافة الرب إلى ضميرهم لتحقيق الحق والتنبيه على ~~بطلان ما هم عليه من اتخاذ الأصنام أربابا وقيل للناس جميعا: { ~~قيل ادخل الجنة } قيل له ذلك لما قتلوه إكراما له بدخولها ~~حينئذ كسائر الشهداء وقيل: لما هموا بقتله رفعه الله تعالى إلى ~~الجنة قاله الحسن. وعن قتادة أدخله الله الجنة وهو فيها حي ~~يرزق. وقيل معناه البشرى بدخول الجنة وأنه من أهلها وإنما لم ~~يقل له لأن الغرض بيان المقول لا القول له لظهوره وللمبالغة في ~~المسارعة إلى بيانه. والجملة استئناف وقع جوابا عن سؤال نشأ من ~~حكاية حاله ومقاله كأنه قيل: كان لقاء ربه بعد ذلك التصلب في ~~دينه والتسخي بروجه لوجهه تعالى فقيل قيل: ادخل الجنة. وكذلك قوله ~~تعالى: { قال يليت قومى يعلمون بما غفر لى ربى ~~وجعلنى من المكرمين } فإنه جواب عن سؤال نشأ من حكاية ~~حاله كأنه قيل: فماذا قال عند نيله تلك الكرامة السنية فقيل قال: ~~الخ وإنما تمنى علم قومه بحاله ليحملهم ذلك عن اكتساب مثله ~~بالتوبة عن الكفر والدخول في الإيمان والطاعة جريا على سنن ~~الأولياء في كظم الغيط. والترحم على الأعداء أو ليعلموا أنهم ~~كانوا على خطأ عظيم في أمره وأنه كان على الحق وأن عداوتهم لم ~~تكسبه إلا سعادة. وقرىء من المكرمين. وما موصولة أو مصدرية والياء ~~صلة يعلمون أو استفهامية وردت على الأصل والياء متعلقة بغفر أي ~~بأي شيء غفر لي ربي يريد به تفخيم شأن المهاجرة عن ملتهم ~~والمصابرة. على أذيتهم. ### || [36.28-31] # { وما أنزلنا على قومه من بعده } من بعد قتله أو ~~رفعه { من جند من السماء } لإهلاكهم والانتقام منهم كما ~~فعلناه يوم بدر والخندق كفينا أمرهم بصيحة ملك وفيه استحقار لهم ~~ولإهلاكهم وإيماء إلى تفخيم شأن الرسول صلى الله عليه وسلم { وما ~~كنا منزلين } وما صح في حكمتنا أن ننزل لإهلاك قومه جندا ~~من السماء لما أنا قدرنا لكل شيء سببا حيث أهلكنا بعض ~~من أهلكنا من الأمم بالحاصب وبعضهم ms2750 بالصيحة وبعضهم بالخسف وبعضهم ~~بالإغراق وجعلنا إنزال الجند من خصائصك في الانتصار من قومك. وقيل: ~~ما موصولة معطوفة على جند أي وما كنا منزلين على من قبلهم من ~~حجارة وريح وأمطار شديدة وغيرها { إن كانت } أي ما كانت ~~الأخذة أو العقوبة { إلا صيحة وحدة } صاح بها جبريل عليه ~~السلام. وقرىء إلا صيحة بالرفع على أن كان تامة. وقرىء ~~إلا زقية واحدة من زقا الطائر إذا صاح { فإذا هم ~~خمدون } ميتون شبهوا بالنار الخامدة رمزا إلا أن ~~الحي كالنار الساطعة في الحركة والالتهاب والميت ~~كالرماد قال لبيد: [الطويل] # وما المرء إلا كالشهاب وضوئه # يحور رمادا بعد إذ هو ساطع # { يحسرة على العباد } تعالى فهذه من الأحوال التي حقها ~~أن تحضري فيها، وهي ما دل عليه قوله تعالى { ما يأتيهم من ~~رسول إلا كانوا به يستهزءون } فإن المستهزئين ~~بالناصحين الذين نيطت بنصائحهم سعادة الدارين أحقاء بأن ~~يتحسروا ويتحسر عليهم المتحسرون. أو قد تلهف على حالهم ~~الملائكة والمؤمنون من الثقلين. وقد جوز أن يكون تحسرا عليهم ~~من جهة الله تعالى بطريق الاستعارة لتعظيم ما جندوه على أنفسهم. ~~ويؤيده قراءة يا حسرتا لأن المعنى يا حسرتي ونصبها لطولها بما ~~تعلق بها من الجار وقيل: بإضمار فعلها، والمنادى محذوف وقرىء يا ~~حسرة العباد بالإضافة إلى الفاعل أو المفعول وياحسرة على العباد ~~بإجراء الوصل مجرى الوقف. # { ألم يروا } أي ألم يعلموا وهو معلق عن العمل في قوله تعالى ~~{ كم أهلكنا قبلهم من القرون } لأن كم لا يعمل فيها ~~ما قبلها وإن كانت خبرية لأن أصلها الاستفهام خلا أن معناه ~~نافذ في الجملة كما نفذ في قولك ألم تر إن زيدا لمنطلق وإن لم ~~يعمل في لفظه { أنهم إليهم لا يرجعون } بدل من كم ~~أهلكنا على المعنى أي ألم يروا كثرة إهلاكنا من قبلهم من المذكورين ~~آنفا ومن غيرهم كونهم غير راجعين إليهم. وقرىء بالكسر على ~~الاستئناف. وقرىء ألم يروا من أهلكنا والبدل حينئذ بدل اشتمال. ### || [36.32-35] # { وإن كل لما جميع لدينا محضرون } بيان لرجوع ~~الكل إلى ms2751 المحشر بعد بيان عدم الرجوع إلى الدنيا وأن نافية ~~وتنوين كل عوض عن المضاف إليه ولما بمعنى إلا، وجميع فعيل ~~بمعنى مفعول، ولدينا ظرف له أو لما بعده. والمعنى ما كلهم إلا ~~مجموعون لدينا محضرون للحساب والجزاء وقيل: محضرون معذبون فكل ذلك ~~عبارة عن الكفرة. وقرىء لما بالتخفيف على أن إن مخففة من ~~الثقيلة واللام فارقة وما مزيدة للتأكيد والمعنى أن كلهم مجموعون ~~الخ. # { وءاية لهم الأرض الميتة } بالتخفيف وقرىء ~~بالتشديد. وقوله تعالى آية خبر مقدم للاهتمام به وتنكيرها ~~للتفخيم ولهم إما متعلقة بها لأنها بمعنى العلامة أو بمضمر هو ~~صفة لها والأرض مبتدأ والميتة صفتها. وقوله تعالى { أحيينها ~~} استئناف مبين لكيفية كونها آية وقيل آية مبتدأ ولهم خبر ~~والأرض الميتة مبتدأ موصوف وأحييناها خبره، والجملة مفسرة لآية. ~~وقيل: الإرض مبتدأ وأحييناها خبره والجملة خبر لآية وقيل: الخبر ~~لها هو الأرض وأحييناها صفتها لأن المراد بها الجنس لا المعينة ~~والأول هو الأولى لأن مصب الفائدة هو كون الأرض آية لهم لا ~~كون الآية هي الأرض. { وأخرجنا منها حبا } جنس الحب { ~~فمنه يأكلون } تقديم الصلة للدلالة على أن الحب معظم ~~ما يؤكل ويعاش به. # { وجعلنا فيها جنت من نخيل وأعنب } أي من ~~أنواع النخل والعنب ولذلك جمعا دون الحب فإن الدال على ~~الجنس مشعر بالاختلاف ولا كذلك الدال على الأنواع. وذكر ~~النخيل دون التمور ليطابق الحب والأعناب لاختصاص شجرها بمزيد ~~النفع وآثار الصنع { وفجرنا فيها } وقرىء بالتخفيف ~~والفجر والتفجير كالفتح والتفتيح لفظا ومعنى { من العيون } أي ~~بعضا من العيون فحذف الموصوف وأقيمت الصفة مقامه أو العيون ومن ~~مزيدة على رأي الأخفش. # { ليأكلوا من ثمره } متعلق بجعلنا وتأخيره عن تفجير ~~العيون لأنه من مبادىء الأثمار أي وجعلنا فيها جنات من نخيل ~~ورتبنا مبادىء أثمارها ليأكلوا من ثمر ما ذكر من الجنات ~~والنخيل بإجراء الضمير مجرى اسم الإشارة وقيل: الضمير لله ~~تعالى بطريق الالتفات إلى الغيبة. والإضافة لأن الثمر يخلقه ~~تعالى. وقرىء بضمتين وهي لغة فيه أو جمع ثمار وبضمة وسكون { ~~وما عملته ms2752 أيديهم } عطف على ثمره وهو ما يتخذ منه من ~~العصير والدبس ونحوهما، وقيل: ما نافية والمعنى أن التمر بخلق الله ~~تعالى لا بفعلهم ومحل الجملة النصب على الحالية ويؤكد الأول ~~قراءة عملت بلا هاء فإن حذف العائد من الصلة أحسن من الحذف ~~من غيرها { أفلا يشكرون } إنكار واستقباح لعدم شكرهم للنعم ~~المعدودة والفاء للعطف على مقدر يقتضيه المقام أي أيرون هذه ~~النعم أو أيتنعمون بها فلا يشكرونها. ### || [36.36-38] # { سبحان الذي خلق الأزوج كلها } استئناف مسوق ~~لتنزيهه تعالى عما فعلوه من ترك شكره على آلائه المذكورة واستعظام ما ~~ذكر في حيز الصلة من بدائع آثار قدرته وأسرار حكمته وروائع ~~نعمائه الموجبة للشكر وتخصيص العبادة به والتعجيب من إخلالهم ~~بذلك والحالة هذه وسبحان علم للتسبيح الذي هو التبعيد عن ~~السوء اعتقادا وقولا أي اعتقاد البعد عنه والحكم به من سبح في ~~الأرض والماء إذا أبعد فيهما وأمعن ومنه فرس سبوح أي واسع الجري. ~~وانتصابه على المصدرية ولا يكاد يذكر ناصبه أي أسبح سبحانه أي ~~أنزهه عما لا يليق به عقدا وعملا تنزيها خاصا به حقيقا بشأنه ~~وفيه مبالغة من جهة الاشتقاق من السبح ومن جهة النقل إلى ~~التفعيل ومن جهة العدول عن المصدر الدال على الجنس إلى الاسم ~~الموضوع له خاصة لا سيما العلم المشير إلى الحقيقة الحاضرة في ~~الذهن ومن جهة إقامته مقام المصدر مع الفعل وقيل: هو مصدر ~~كغفران أريد به التنزه التام والتباعد الكلي عن السوء ~~ففيه مبالغة من جهة إسناد التنزه إلى الذات المقدسة فالمعنى ~~تنزه بذاته عن كل ما لا يليق به تنزها خاصا به فالجملة على هذا ~~إخبار من الله تعالى بتنزهه وبراءته عن كل ما لا يليق به مما ~~فعلوه وما تركوه وعلى الأول حكم منه عز وجل بذلك وتلقين ~~للمؤمنين أن يفعلوه ويعتقدوا مضمونه ولا يخلوا به ولا يغفلوا ~~عنه. والمراد بالأزواج الأصناف والأنواع { مما تنبت الأرض } ~~بيان لها والمراد به كل ما ينبت فيها من الأشياء المذكورة وغيرها ~~{ ومن أنفسهم } أي خلق الأزواج ms2753 من أنفسهم أي الذكر ~~والأنثى { ومما لا يعلمون } أي والأزواج مما لم يطلعهم الله ~~تعالى على خصوصياته لعدم قدرتهم على الإحاطة بها ولما لم ~~يتعلق بذلك شيء من مصالحهم الدينية والدنيوية وإنما أطلعهم ~~على ذلك بطريق الإجمال على منهاج قوله تعالى: # ويخلق ما لا تعلمون # [سورة النحل: الآية 8] لما نيط به وقوفهم على عظم قدرته وسعة ~~ملكه وسلطانه. # { وءاية لهم الليل } جملة من خبر مقدم ومبتدأ مؤخر كما ~~مر وقوله تعالى { نسلخ منه النهار } جملة مبينة ~~لكيفية كونه آية أي نزيله ونكشفه عن مكانه مستعار من السلخ ~~وهو إزالة ما بين الحيوان وجلده من الاتصال. والأغلب في ~~الاستعمال تعليقه بالجلد يقال سلخت الإهاب من الشاة وقد يعكس ~~ومنه الشاة المسلوخة { فإذا هم مظلمون } أي داخلون في ~~الظلام مفاجأة وفيه رمز إلى أن الأصل هو الظلام والنور ~~عارض. { والشمس تجرى لمستقر لها } لحد معين ينتهي ~~إليه دورها فشبه بمستقر المسافر إذ قطع مسيره أو لكبد السماء ~~فإن حركتها فيه توجد أبطأ بحيث يظن أن لها هناك وقفة قال: # [معروريا رمض الرضراض يركضه] # والشمس حيرى لها بالجو تدويم # أو لا استقرار لها على نهج مخصوص أو لمنتهى مقدر لكل يوم من ~~المشارق والمغارب فإن لها في دورها ثلاثمائة وستين مشرقا ومغربا ~~تطلع كل يوم من مطلع وتغرب من مغرب ثم لا تعود إليهما إلى ~~العام القابل أو لمنقطع جريها عند خراب العالم. وقرىء إلى مستقر ~~لها. وقرىء لا مستقر لها أي، لا سكون لها فإنها متحركة دائما ~~وقرىء لا مستقر لها على أن لا بمعنى ليس. # { ذلك } إشارة إلى جريها وما فيه من معنى البعد مع قرب العهد ~~بالمشار إليه للإيذان بعلو رتبته وبعد منزلته أي ذلك الجري ~~البديع المنطوي على الحكم الرائعة التي تحار في فهمها العقول ~~والأفهام { تقدير العزيز } الغالب بقدرته على كل مقدور { ~~العليم } المحيط علمه بكل معلوم. ### || [36.39-41] # { والقمر قدرنه } بالنصب بإضمار فعل يفسره ~~الظاهر. وقرىء بالرفع على الابتداء أي قدرنا له { منازل } ~~وقيل: قدرنا مسيره منازل وقيل: ms2754 قدرناه ذا منازل وهي ثمانية وعشرون ~~السرطان, البطين, الثريا, الدبران, الهقعة, الهنعة, ~~الذراع, النثرة, الطرف, الجبهة, الزبرة, الصرفة, ~~العوا, السماك, الغفر, الزباني, الإكليل, القلب, الشولة, ~~النعائم, البلدة, سعد الذابح, سعد بلع, سعد السعود, سعد ~~الأخبية, فرغ الدلو المقدم, فرغ الدلو المؤخر, الرشا, وهو ~~بطن الحوت ينزل كل ليلة في واحد منها لا يتخطاها ولا يتقاصر ~~عنها فإذا كان في آخر منازله وهو الذي يكون قبيل الاجتماع دق ~~واستقوس { حتى عاد كالعرجون } كالشمراخ المعوج فعلون من ~~الانعراج وهو الاعوجاج وقرىء كالعرجون وهما لغتان كالبزيون ~~والبزيون. { القديم } العتيق وقيل: وهو ما مر عليه حول ~~فصاعدا { لا الشمس ينبغى لها } أي يصح ويتسهل { أن ~~تدرك القمر } في سرعة السير فإن ذلك يخل بتكون النبات ~~وتعيش الحيوان أو في الآثار والمنافع أو في المكان بأن تنزل في ~~منزله أو في سلطانه فتطمس نوره. وإيلاء حرف النفي الشمس ~~للدلالة على أنها مسخرة لا بتيسر لها إلا ما قدر لها { ولا ~~الليل سابق النهار } أي يسبقه فيفوته ولكن يعاقبه وقيل: ~~المراد بهما آيتاهما النيران وبالسبق سبق القمر إلى سلطان ~~الشمس فيكون عكسا للأول، وإيراد السبق كان الإدراك لأنه ~~الملائم لسرعة سيره { وكل } أي وكلهم على أن التنوين عوض ~~عن المضاف إليه الذي هو الضمير العائد إلى الشمس والقمر. ~~والجمع باعتبار التكاثر العارض لهما بتكاثر مطالعهما فإن ~~اختلاف الأحوال يوجب تعددا ما في الذات أو إلى الكواكب فإن ~~ذكرهما مشعر بها { فى فلك يسبحون } يسيرون بانبساط وسهولة. # { وءاية لهم أنا حملنا ذريتهم } أولادهم الذين ~~يبعثونهم إلى تجاراتهم أو صبيانهم ونساءهم الذين يستصحبونهم، فإن ~~الذرية تطلق عليهن لا سيما مع الاختلاط، وتخصيصهم بالذكر لما ~~أن استقرارهم في السفن أشق واستمساكهم فيها أبدع { في ~~الفلك المشحون } أي المملوء وقيل: هو فلك نوح عليه السلام ~~وحمل ذرياتهم فيها حمل آبائهم الأقدمين وفي أصلابهم هؤلاء ~~وذرياتهم، وتخصيص أعقابهم بالذكر دونهم لأنه أبلغ في الامتنان ~~وأدخل في التعجيب الذي عليه يدور كونه آية. ### || [36.42-45] # { وخلقنا لهم من مثله } مما يماثل الفلك { ما ms2755 ~~يركبون } من الإبل فإنها سفائن البر أو مما يماثل ذلك الفلك ~~من السفن والزوارق وجعلها مخلوقة لله تعالى مع كونها من مصنوعات ~~العباد ليس لمجرد كون صنعهم بأقدار الله تعالى وإلهامه بل لمزيد ~~اختصاص أصلها بقدرته تعالى وحكمته حسبما يعرب عنه قوله عز وجل: # واصنع الفلك بأعيننا ووحينا # [سورة هود: الآية 37] والتعبير عن ملابستهم بهذه السفن ~~بالركوب لأنها باختيارهم كما أن التعبير عن ملابسة ~~ذريتهم بفلك نوح عليه السلام بالحمل لكونها بغير شعور ~~منهم واختيار. { وإن نشأ نغرقهم } الخ من تمام الآية ~~فإنهم معترفون بمضمونه كما ينطق به قوله تعالى: # وإذا غشيهم موج كالظلل دعوا الله مخلصين ~~له الدين # [سورة لقمان: الآية 32] وقرىء نغرقهم بالتشديد وفي تعليق ~~الإغراق بمحض المشيئة إشعار بأنه قد تكامل ما يوجب إهلاكهم من ~~معاصيهم ولم يبق آلا تعلق مشيئته تعالى به أي إن نشأ نغرقهم في ~~اليم مع ما حملناهم فيه من الفلك فحديث خلق الإبل حينئذ كلام ~~جيء به في خلال الآية بطريق الاستطراد لكمال التماثل بين الإبل ~~والفلك فكأنها نوع منه أو مع ما يركبون من السفن والزوارق { ~~فلا صريخ لهم } أي فلا مغيث لهم يخرجهم من الغرق ويدفعه عنهم ~~قبل وقوعه وقيل: فلا استغاثة لهم من قولهم أتاهم الصريخ { ولا ~~هم ينقذون } أي ينجون منه بعد وقوعه وقوله تعالى { إلا ~~رحمة منا ومتاعا } استثناء مفرغ من أعم العلل ~~الشاملة للباعث المتقدم والغاية المتأخرة أي لا يغاثون ولا ~~ينقذون لشيء من الأشياء إلا لرحمة عظيمة من قبلنا داعية إلى ~~الإغاثة والانقاذ وتمتيع بالحياة مترتب عليهما ويجوز أن يراد ~~بالرحمة ما يقارن التمتيع من الرحمة الدنيوية فيكون ~~كلاهما غاية للإغاثة والانقاذ أي لنوع من الرحمة وتمتع { إلى ~~حين } أي إلى زمان قدر فيه آجالهم كما قيل: [الوافر] # ولم أسلم لكي أبقى ولكن # سلمت من الحمام إلى الحمام # { وإذا قيل لهم اتقوا } بيان لإعراضهم عن الآيات ~~التنزيلية بعد بيان إعراضهم عن الآيات الآفاقية التي كانوا ~~يشاهدونها وعدم تأملهم فيها أي إذا قيل لهم بطريق الإنذار ms2756 بما ~~نزل من الآيات أو بغيره اتقوا { ما بين أيديكم وما ~~خلفكم } من الآفات والنوازل فإنها محيطة بكم أو ما يصيبكم من ~~المكاره من حيث تحتسبون ومن حيث لا تحتسبون أو من الوقائع النازلة ~~على الأمم الخالية قبلكم والعذاب المعد لكم في الآخرة أو من نوازل ~~السماء ونوائب الأرض أو من عذاب الدنيا وعذاب الآخرة أو ما تقدم ~~من الذنوب وما تأخر. { لعلكم ترحمون } إما حال من واو ~~واتقوا أو غاية له أي راجين أن ترحموا أو كي ترحموا فتنجوا من ذلك ~~لما عرفتم أن مناط النجاة ليس إلا رحمة الله تعالى. وجواب إذا ~~محذوف ثقة بانفهامه من قوله تعالى: ### || [36.46-47] # { وما تأتيهم من ءاية من ءايت ربهم إلا كانوا ~~عنها معرضين } انفهاما بينا أما إذا كان الإنذار بالآية ~~الكريمة فبعبارة النص وأما إذا كان بغيرها فبدلالته لأنهم حين ~~أعرضوا عن آيات ربهم فلأن يعرضوا عن غيرها بطريق الأولوية ~~كأنه قيل: وإذا قيل لهم اتقوا العذاب أعرضوا حسبما اعتادوه. وما ~~نافية وصيغة المضارع للدلالة على الاستمرار التجددي ومن الأولى ~~مزيدة لتأكيد العموم، والثانية تبعيضية واقعة مع مجرورها صفة لآية. ~~وإضافة الآيات إلى اسم الرب المضاف إلى ضميرم لتفخيم شأنها المستتبع ~~لتهويل ما اجترءوا عليه في حقها، والمراد بها إما الآيات ~~التنزيلية فإتيانها نزولها والمعنى ما ينزل إليهم آية من الآيات ~~القرآنية التي من جملتها هذه الآيات الناطقة بما فصل من بدائع ~~صنع الله تعالى وسوابغ آلائه الموجبة للإقبال عليها والإيمان بها ~~إلا كانوا عنها معرضين على وجه التكذيب والاستهزاء، وإما ما ~~يعمها وغيرها من الآيات التكوينية الشاملة للمعجزات وغيرها من ~~تعاجيب المصنوعات التي من جملتها الآيات الثلاث المعدودة آنفا ~~فالمراد بإتيانها ما يعم نزول الوحي وظهور تلك الأمور لهم. والمعنى ~~ما يظهر لهم آية من الآيات التي من جملتها ما ذكر من شؤونه الشاهدة ~~بوحدانيته تعالى وتفرده بالألوهية إلا كانوا عنها معرضين ~~تاركين للنظر الصحيح فيها المؤدي إلى الإيمان به تعالى. وإيثاره ~~على أن يقال إلا أعرضوا عنها كما وقع ms2757 مثله في قوله تعالى: # وإن يروا ءاية يعرضوا ويقولوا سحر مستمر # [سورة القمر: الآية 2] للدلالة على استمرارهم على الإعراض حسب ~~استمرار إتيان الآيات، وعن متعلقة بمعرضين قدمت عليه مراعاة ~~للفواصل. والجملة في حيز النصب على أنها حال من مفعول تأتي أو ~~من فاعله المتخصص بالوصف لاشتمالها على ضمير كل منهما، والاستثناء ~~مفرغ من أعم الأحوال أي ما تأتيهم من آية من آيات ربهم في حال ~~من أحوالهم إلا حال إعراضهم عنها أو ما تأتيهم آية منها في حال من ~~أحوالها إلا حال إعراضهم عنها. { وإذا قيل لهم أنفقوا ~~مما رزقكم الله } أي أعطاكم بطريق التفضل والإنعام من أنواع ~~الأموال عبر عنها بذلك تحقيقا للحق وترغيبا في الإنفاق على منهاج ~~قوله تعالى: # وأحسن كما أحسن الله إليك # [سورة القصص: الآية 77] وتنبيها على عظم جنايتهم في ترك الامتثال ~~بالأمر، وكذلك من التبعيضية أي إذا قيل لهم بطريق النصيحة أنفقوا بعض ما ~~أعطاكم الله تعالى من فضله على المحتاجين فإن ذلك مما يرد البلأ ~~ويدفع المكاره { قال الذين كفروا } بالصانع عز وجل وهم ~~زنادقة كانوا بمكة { للذين ءامنوا } تهكما بهم وبما ~~كانوا عليه من تعليق الأمور بمشيئة الله تعالى { أنطعم } حسبما ~~تعظوننا به { من لو يشاء الله أطعمه } أي على زعمكم. # وعن ابن عباس رضي الله عنهما: كان بمكة زنادقة إذا أمروا ~~بالصدقة على المساكين قالوا لا والله أيفقره الله ونطعمه نحن. وقيل ~~قاله مشركو قريش حين استطعمهم فقراء المؤمنين من أموالهم التي ~~زعموا أنهم جعلوها لله تعالى من الحارث والأنعام يوهمون أنه ~~تعالى لما لم يشأ إطعامهم وهو قادر عليه فنحن أحق بذلك، وما هو إلا ~~لفرط جهالتهم فإن الله تعالى يطعم عباده بأسباب من جملتها حث ~~الأغنياء على إطعام الفقراء وتوفيقهم لذلك. { إن أنتم إلا ~~فى ضلل مبين } حيث تأمروننا بما يخالف مشيئة الله تعالى. ~~وقد جوز أن يكون جوابا لهم من جهته تعالى أو حكاية لجواب ~~المؤمنين لهم. ### || [36.48-52] # { ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صدقين } أي ~~فيما تعدوننا به ms2758 من قيام الساعة مخاطبين لرسول الله صلى الله عليه ~~وسلم والمؤمنين لما أنهم أيضا كانوا يتلون عليهم آيات الوعيد ~~بقيامها. ومعنى القرب في هذا إما بطريق الاستهزاء وإما باعتبار ~~قرب العهد بالوعد. { ما ينظرون } جواب من جهته تعالى أي ما ~~ينتظرون { إلا صيحة وحدة } هي النفخة الأولى { ~~تأخذهم } مفاجأة { وهم يخصمون } أي يتخاصمون في متاجرهم ~~ومعاملاتهم لا يخطر ببالهم شيء من مخايلها كقوله تعالى: # فأخذتهم الصعقة بغتة وهم لا يشعرون # [سورة البقرة: الآية 55] فلا يغتروا بعدم ظهور علائمها ولا يزعموا ~~أنها لا تأتيهم. وأصل يخصمون يختصمون فسكنت التاء ~~وأدغمت في الصاد ثم كسرت الخاءلالتقاء الساكنين. وقرىء ~~بكسر الياء للاتباع، وبفتح الخاء على إلقاء حركة التاء عليه. ~~وقرىء على الاختلاس، وبالإسكان على تجويز الجمع بين الساكنين ~~إذا كان الثاني مدغما وإن لم يكن الأول حرف مد. وقرىء ~~يخصمون من خصمه إذا جادله. { فلا يستطيعون توصية } ~~في شيء من أمورهم إن كانوا فيما بين أهليهم { ولا إلى ~~أهلهم يرجعون } إن كانوا في خارج أبوابهم بل تبغتهم ~~الصيحة فيموتون حيثما كانوا. { ونفخ فى الصور } هي ~~النفخة الثانية بينها وبين الأولى أربعون سنة أي ينفخ فيه. ~~وصيغة الماضي للدلالة على تحقق الوقوع { فإذا هم من ~~الأجداث } أي القبور جمع جدث وقرىء بالفاء { إلى ربهم } ~~مالك أمرهم على الإطلاق { ينسلون } يسرعون بطريق الإجبار دون ~~الأختيار لقوله تعالى لدينا محضرون. وقرىء بضم السين. # { قالوا } أي في ابتداء بعثهم من القبور { يويلنا } احضر ~~فهذا أوانك. وقرىء يا ويلتنا. { من بعثنا من مرقدنا } ~~وقرىء من أهبنا من هب من نومه إذا انتبه. وقرىء من هبنا بمعنى ~~أهبنا. وقيل: أصله هب بنا فحذف الجار وأوصل الفعل إلى الضمير، ~~قيل فيه ترشيح ورمز وإشعادر بأنهم لاختلاط عقولهم يظنون أنهم ~~كانوا نياما. وعن مجاهد أن للكفار هجعة يجدون فيها طعم النوم ~~فإذا صيح بأهل القبور يقولون ذلك. وعن ابن عباس وأبي بن كعب ~~وقتادة رحمهم الله تعالى: أن الله تعالى يرفع عنهم العذاب بين ~~النفختين فيرقدون فإذا بعثوا بالنفخة الثانية وشاهدوا ms2759 من ~~أهوال القيامة ما شاهدوا دعوا بالويل، وقالوا ذلك. وقيل: إذا ~~عاينوا جهنم وما فيها من أنواع العذاب يصير عذاب القبر في جنبها ~~مثل النوم فيقولون ذلك، وقرىء (من بعثنا) ومن هبنا بمن ~~الجارة والمصدر. والمرقد إما مصدر أي من رقادنا أو اسم مكان ~~أريد به الجنس فينتظم مراقد الكل { هذا ما وعد الرحمن ~~وصدق المرسلون } جملة من مبتدأ وخبر. وما موصولة محذوفة ~~العائد أو مصدرية وهو جواب من قبل الملائكة أو المؤمنين عدل به عن ~~سنن سؤالهم تذكيرا لكفرهم وتقريعا لهم عليه وتنبيها على أن ~~الذي يهمهم هو السؤال عن نفس البعث ماذا هو دون السؤال عن ~~الباعث كأنهم قالوا بعثكم الرحمن الذي وعدكم ذلك في كتبه وأرسل ~~إليكم الرسل فصدقوكم فيه وليس الأمر كما تتوهمونه حتى تسألوا ~~عن الباعث وقيل: هو من كلام الكافرين حيث يتذكرون ماسمعوه من ~~الرسل عليهم الصلاة والسلام فيجيبون به أنفسهم أو بعضهم ~~بعضا وقيل هذا صفة لمرقدنا وما وعد الخ خبر مبتدأ محذوف أو مبتدأ ~~خبره محذوف أي ما وعد الرحمن وصدق المرسلون حق. ### || [36.53-55] # { إن كانت } أي ما كانت النفخة التي حكيت آنفا { إلا ~~صيحة وحدة } حصلت من نفخ إسرافيل عليه السلام في الصور { ~~فإذا هم جميع } أي مجموع { لدينا محضرون } من غير ~~لبث ما طرفه عين وفيه من تهوين أمر البعث والحشر والإيذان ~~باستغنائهما عن الأسباب ما لا يخفى. # { فاليوم لا تظلم نفس } من النفوس برة كانت أو فاجرة ~~{ شيئا } من الظلم { ولا تجزون إلا ما كنتم ~~تعملون } أي الإجزاء ما كنتم تعملونه في الدنيا على الاستمرار ~~من الفكر والمعاصي على حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه ~~للتنبيه على قوة التلازم والارتباط كأنهما شيء واحد أو ~~إلا بما كنتم تعملونه أي بمقابلته أو بسببه. وتعميم الخطاب ~~للمؤمنين يرده أنه تعالى يوفيهم أجورهم ويزيدهم من فضله أضعافا ~~مضاعفة وهذه حكاية لما سيقال لهم حين يرون العذاب المعد لهم ~~تحقيقا للحق وتقريعا لهم. وقوله تعالى { إن أصحب الجنة ~~اليوم فى شغل فكهون } من ms2760 جملة ما سيقال لهم يؤمئذ زيادة ~~لحسرتهم وندامتهم فإن الأخبار بحسن حال أعدائهم إثر بيان سوء ~~حالهم مما يزيدهم مساءة على مساءة. وفي هذه الحكاية مزجرة ~~لهؤلاء الكفرة عما هم عليه ومدعاة إلى الاقتداء بسيرة المؤمنين. ~~والشغل هو الشأن الذي يصد المرء ويشغله عما سواه من شؤونه ~~لكونه أهم عنده من الكل إما لإيجابه كمال المسرة والبهجة ~~أو كمال المساءة والغم. والمراد ههنا هو الأول وما فيه من ~~التنكيره والإبهام للإيذان بارتفاعه عن رتبة البيان والمراد به ما ~~هم فيه من فنون الملاذ التي تلهيهم عما عداها بالكلية، وإما أن ~~المراد به افتضاض الأبكار أو السماء وضرب الأوتار أو التزاور أو ~~ضيافة الله تعالى أو شغلهم عما فيه أهل النار على الإطلاق أو ~~شغلهم عن أهاليهم في النار لا يهمهم أمرهم ولا يبالون بهم كيلا ~~يدخل عليهم تنغيص في نعيمهم كما روى كل واحد منها عن واحد من ~~أكابر السلف فليس مرادهم بذلك حصر شغلهم فيما ذكروه فقط بل ~~بيان أنه من جملة اشتغالهم. وتخصيص كل منهم كلا من تلك ~~الأمور بالذكر محمول على إقضاء مقام البيان إياه وهو مع جاره ~~خبر لأن وفاكهون خبر آخر لها أي أنهم مستقرون في شغل وأي شغل في ~~شغل عظيم الشأن متنعمون بنعيم مقيم فائزون بملك كبير. ~~والتعبير عن حالهم هذه بالجملة الاسمية قبل تحققها بتنزيل ~~المرتقب المتوقع منزلة الواقع للإيذان بغاية سرعة تحققها ووقوعها ~~ولزيادة مساءة المخاطبين بذلك قرىء في شغل بسكون العين وفي شغل ~~بفتحتين وبفتحة وسكون والكل لغات وقرىء فكهون للمبالغة وفكهون ~~بضم الكاف وهي لغة كنطس وفاكهين وفكهين على الحال من المستكن في ~~الظرف. ### || [36.56-57] # وقوله تعالى: { هم وأزوجهم فى ظلل على الأرائك ~~متكئون } استئناف مسوق لبيان كيفية شغلهم وتفكههم ~~وتكميلهما بما يزيدهم بهجة وسرورا من شركة أزواجهم لهم فيما هم فيه ~~من الشغل والفكاهة على أن هم مبتدأ وأزواجهم عطف عليه ومتكئون خبر ~~والجاران صلتان له قدمتا عليه لمراعاة الفواصل أو هو والجاران بما ~~تعلقا به من الاستقرار ms2761 أخبار مترتبة وقيل: الخبر هو الظرف الأول ~~والثاني مستأنف على أنه متعلق بمتكئون وهو خبر لمبتدأ محذوف وقيل: ~~على أنه خبر مقدم ومتكئون مبتدأ مؤخر. وقرىء متكين بلا همزة ~~نصبا على الحال من المستكن في الظرفين أو أحدهما وقيل: هم تأكيد ~~للمستكن في خبران ومتكئون خبر آخر لها وعلى الأرائك متعلق به ~~وكذا في ظلال أو هذا بمضمر هو حال من المعطوفين والظلال جمع ظل ~~كشعاب جمع شعب أو جمع ظلة كقباب جمع قبة ويؤيده في ظلل ~~والأرائك جمع أريكة وهي السرير المزين بالثياب والستور قال ~~ثعلب: لا تكون أريكة حتى تكون عليها حجلة وقوله تعالى: { لهم ~~فيها فكهة } الخ بيان لما يتمتعون به في الجنة من المآكل ~~والمشارب وما يتلذذون به من الملاذ الجسمانية والروحانية بعد ~~بيان ما لهم فيها من مجالس الأنس ومحافل القدس تكميلا لبيان ~~كيفية ما هم فيه من الشغل والبهجة أي لهم فيها فاكهة كثيرة من كل ~~نوع من أنواع الفواكه وما في قوله تعالى: { ولهم ما يدعون ~~} موصولة أو موصوفة عبر بها عن مدعو عظيم الشأن معين أو ~~مبهم إيذانا بأنه الحقيق بالدعاء دون ما عداهم ثم صرح به ~~روما لزيادة التقرير بالتحقيق بعد التشويق كما ستعرفه أو هي ~~باقية على عمومها قصد بها التعميم بعد تخصيص بعض المواد ~~المعتادة بالذكر، وإيا ما كان فهو مبتدأ ولهم خبره والجملة معطوفة ~~على الجملة السابقة وعدم الاكتفاء بعطف ما يدعون على فاكهة ~~لئلا يتوهم كون ما عبارة عن توابع الفاكهة وتتماتها والمعنى ولهم ~~ما يدعون به لأنفسهم من مدعو عظيم الشأن أو كل ما يدعون به ~~كائنا ما كان من أسباب البهجة وموجبات السرور، وأيا ما كان ~~ففيه دلالة على أنهم في أقصى غاية البهجة والغبطة ويدعون ~~يفتعلون من الدعاء كما أشير إليه مثل اشتوى واجتمل إذا شوى وجمل ~~لنفسه وقيل: بمعنى يتداعون كالارتماء بمعنى الترامي وقيل بمعنى ~~يتمنون من قولهم ادع على ما شئت بمعنى تمنه علي وقال الزجاج ~~هو من الدعاء أي ما يدعو ms2762 به أهل الجنة يأتيهم فيكون الافتعال ~~بمعنى الفعل كالاحتمال بمعنى الحمل والارتحال بمعنى الرحلة ~~ويعضده القراءة بالتخفيف كما ذكره الكواشي. ### || [36.58-59] # وقوله تعالى: { سلم } على التقدير الأول بدل من ما ~~يدعون. أو خبر لمبتدأ محذوف. وقوله تعالى { قولا } مصدر ~~مؤكد لفعل هو صفة لسلام وما بعده من الجار متعلق بمضمر هو ~~صفة له كأنه قيل ولهم سلام أو ما يدعون سلام يقال لهم قولا ~~كائنا { من } جهة { رب رحيم } أي يسلم عليهم من جهته ~~تعالى بواسطة الملك أو بدونها مبالغة في تعظيمهم. قال ابن عباس ~~رضي الله عنهما: والملائكة يدخلون عليهم بالتحية من رب العالمين. ~~وأما على التقدير الثاني فقد قيل إنه خبر لما يدعون ولهم ~~لبيان الجهة كما يقال لزيد الشرف متوفر. على أن الشرف ~~مبتدأ ومتوفر خبره والجار والمجرور لبيان من له ذلك أي ما ~~يدعون سالم لهم خالص لا شوب فيه. وقولا حينئذ مصدر مؤكد ~~لمضمون الجملة أي عدة من رب رحيم. والأوجه أن ينتصب على ~~الاختصاص. وقيل هو مبتدأ محذوف الخبر، أي لهم سلام أي تسليم قولا ~~من رب رحيم. أو سلامة من الآفات فيكون قولا مصدرا مؤكدا لمضمون ~~الجملة كما سبق وقيل: تقديره سلام عليهم فيكون حكاية لما سيقال لهم ~~من جهته تعالى يومئذ وقيل: خبره الفعل المقدر ناصبا لقولا وقيل: ~~خبره من رب رحيم. وقرىء سلاما بالنصب على الحالية أي لهم ~~مرادهم سالما خالصا. وقرىء سلم وهو بمعنى السلام في المعنيين. # { وامتازوا اليوم } عطف إما على الجملة السابقة المسوقة ~~لبيان أحوال أهل الجنة لا على أن المقصود عطف فعل الأمر بخصوصه ~~حتى يتحمل له مشاكل يصح عطفه عليه، بل على أنه عطف قصة سوء ~~حال هؤلاء وكيفية عقابهم على قصة حسن حال أولئك ووصف ثوابهم كما ~~مر في قوله تعالى: # وبشر الذين ءامنوا # [سورة البقرة: الآية 25] الآية وكأن تغيير السبك لتخييل كمال ~~التباين بين الفريقين وحاليهما. وإما على مضمر تنساق إليه حكاية ~~حال أهل الجنة كأنه قيل: إثر بيان كونهم في شغل عظيم الشأن ms2763 ~~وفوزهم بنعيم مقيم يقصر عنه البيان فليقروا بذلك عينا وامتازوا ~~عنهم { أيها المجرمون } إلى مصيركم. وعن قتادة: اعتزلوا عن ~~كل خبر. وعن الضحاك: لكل كافر بيت من النار يكون فيه لا ~~يرى ولا يرى. وأما ما قيل: من أن المضمر فليمتازوا فبمعزل من ~~السداد لما أن المحكي عنهم ليس مصيرهم إلى ما ذكرمن الحال ~~المرضية حتى يتسنى ترتيب الأمر المذكور عليه بل إنما هو ~~استقرارهم عليها بالفعل، وكون ذلك بطريق تنزيل المترقب منزلة ~~الواقع لا يجدي نفعا لأن مناط الإضمار إنسياق الأفهام إليه ~~وانصباب نظم الكلام عليه، فبعد ما نزلت تلك الحالة منزلة الواقع ~~بالفعل لما اقتضاه المقام من النكتة البارعة بالحكمة الرائعة ~~حسبما مر بيانه وأسقط كونها مترقبة عن درجة الاعتبار بالكلية ~~يكون التصدي لإضمار شيء يتعلق به إخراجا للنظم الكريم عن ~~الجزالة بالمرة. ### || [36.60-62] # { ألم أعهد إليكم يبنى آدم أن لا تعبدوا ~~الشيطن } من جملة ما يقال لهم بطريق التقريع والإلزام ~~والتبكيت بين الأمر بالامتياز وبين الأمر بدخول جهنم بقوله ~~تعالى: # اصلوها اليوم # [سورة يس: الآية 64] الخ والعهد هو الوصية والتقدم بأمر فيه خير ~~ومنفعة والمراد ههنا ما كلفهم الله تعالى على ألسنة الرسل عليهم ~~الصلاة والسلام من الأوامر والنواهي التي من جملتها قوله ~~تعالى: # يبنى آدم لا يفتننكم الشيطن كما أخرج ~~أبويكم من الجنة # [سورة الأعراف: الآية 27] الآية وقوله تعالى: # ولا تتبعوا خطوت الشيطن إنه لكم عدو ~~مبين # [سورة البقرة: الآية 168 و 208. وسورة الأنعام: الآية 142] وغيرهما من ~~الآيات الكريمة الواردة في هذا المعنى، وقيل: هو الميثاف المأخوذ ~~عليهم حين أخرجوا من ظهور بني آدم وأشهدوا على أنفسهم وقيل: هو ما ~~نصب لهم من الحجج العقلية والسمعية الآمرة بعبادته تعالى ~~الزاجرة عن عبادة غيره. والمراد بعبادة الشيطان طاعته فيما ~~يوسوس به إليهم ويزينه لهم، عبر عنها بالعبادة لزيادة التحذير ~~والتنفير عنها ولوقوعها في مقابلة عبادته عز وجل. وقرىء إعهد ~~بكسر الهمزة، وأعهد بكسر الهاء، وأحهد بالحاء مكان العين، وأحد ~~بالإدغام وهي لغة بني تميم { إنه لكم عدو ms2764 مبين } أي ~~ظاهر العداوة وهو تعليل لوجوب الانتهاء عن المنهي عنه وقيل تعليل ~~للنهي. # { وأن اعبدونى } عطف على أن لا تعبدوا على أن أن فيهما ~~مفسرة للعهد الذي فيه معنى القول بالنهي والأمر، أو مصدرية حذف ~~عنها الجار أي ألم أعهد إليكم في ترك عبادة الشيطان وفي عبادتي. ~~وتقديم النهي على الأمر لما أن حق التخلية كما في كلمة ~~التوحيد وليتصل به قوله تعالى { هذا صرط مستقيم } فإنه ~~إشارة إلى عبادته تعالى التي هي عبارة عن التوحيد والإسلام، وهو ~~المشار إليه بقوله تعالى: # هذا صرط علي مستقيم # [سورة الحجر: الآية 41] والمقصود بقوله تعالى: # لأقعدن لهم صرطك المستقيم # [سورة الأعراف: الآية 16] والتنكير للتفخيم، واللام في قوله تعالى ~~{ ولقد أضل منكم جبلا كثيرا } جواب قسم محذوف والجملة ~~استئناف مسوق لتشديد التوبيخ وتأكيد التقريع ببيان أن جناياتهم ~~ليست بنقض العهد فقط بل به وبعدم الاتعاظ بما شاهدوا من العقوبات ~~النازلة على الأمم الخالية بسبب طاعتهم للشيطان، فالخطاب ~~لمتأخريهم الذين من جملتهم كفار مكة خصوا بزيادة ~~التوبيخ والتقريع لتضاعف جناياتهم والجبل بكسر الجيم ~~والباء وتشديد اللام الخلق. وقرىء بضمتين وتشديد، وبضمتين ~~وتخفيف، وبضمة وسكون، وبكسرتين وتخفيف، وبكسرة وسكون. والكل ~~لغات. وقرىء جبلا جمع جبلة كفطر وخلق في جمع فطرة ~~وخلقة. وقرىء جيلا بالياء وهو الصنف من الناس أي وبالله لقد ~~أضل منكم خلقا كثيرا أو صنفا كثيرا عن ذلك الصراط المستقيم ~~الذي أمرتكم بالثبات عليه فأصابهم لأجل ذلك ما أصابهم من العقوبات ~~الهائلة التي ملأ الآفاق أخبارها وبقي مدى الدهر آثارها. والفاء ~~في قوله تعالى: { أفلم تكونوا تعقلون } للعطف على مقدر ~~يقتضيه المقام أي أكنتم تشاهدون آثار عقوباتهم فلم تكونوا تعقلون ~~أنها لضلالهم أو فلم تكونوا تعقلون شيئا أصلا حتى ترتدعوا ~~عما كانوا عليه كيلا يحيق بكم العقاب. ### || [36.63-66] # وقوله تعالى: { هذه جهنم التى كنتم توعدون } ~~استئناف يخاطبون به بعد تمام التوبيخ والتقريع والإلزام ~~والتبكيت عند إشرافهم على شفير جهنم أي كنتم توعدونها على ألسنة ~~الرسل عليهم الصلاة والسلام بمقابلة عبادة الشيطان مثل قوله ms2765 ~~تعالى: # لأملأن جهنم منك وممن تبعك منهم أجمعين # [سورة ص: الآية 85] وقوله تعالى: # اذهب فمن تبعك منهم فإن جهنم جزاؤكم جزاء ~~موفورا # [سورة الإسراء: الآية 63] وقوله تعالى: # قال اخرج منها مذءوما مدحورا لمن تبعك منهم ~~لأملأن جهنم منكم أجمعين # [سورة الأعراف: الآية 18] وغير ذلك مما لا يحصى. وقوله تعالى: { ~~اصلوها اليوم بما كنتم تكفرون } أمر تنكيل وإهانة ~~كقوله تعالى: # ذق إنك أنت العزيز # [سورة الدخان: الآية 49] الخ أي ادخلوها من فوق وقاسوا فنون عذابها ~~اليوم بكفركم المستمر في الدنيا. وقوله تعالى { اليوم ~~نختم على أفوههم } أي ختما يمنعها عن الكلام. التفات ~~إلى الغيبة للإيذان بأن ذكر أحوالهم القبيحة استدعى أن يعرض ~~عنهم ويحكي أحوالهم الفظيعة لغيرهم مع ما فيه من الإيماء إلى أن ذلك ~~من مقتضيات الختم لأن الخطاب لتلقي الجواب، وقد انفقطع بالكلية، ~~وقرىء تختم. { وتكلمنا أيديهم وتشهد أرجلهم ~~بما كانوا يكسبون } يروى أنهم يجحدون ويخاصمون فيشهد عليهم ~~جيرانهم وأهاليهم وعشائرهم فيحلفون ما كانوا مشركين فحينئذ يختم على ~~أفواههم وتكلم أيديهم وأرجلهم. وفي الحديث: # " يقول العبد يوم القيامة إني لا أجيز علي شاهدا إلا من نفسي ~~فيختم على فيه ويقال لأركانه انطقي فتنطق بأعماله ثم يخلى بينه ~~وبين الكلام فيقول بعدا لكن وسحقا فعنكن كنت أناضل " # وقيل: تكليم الأركان وشهادتها على أفعالها وظهور آثار المعاصي ~~عليها. وقرىء وتتكلم أيديهم وقرىء ولتكلمنا أيديهم وتشهد بلام ~~كي والنصب على معنى ولذلك نختم على أفواههم وقرىء ولتكلمنا ~~أيديهم لتشهد بلام الأمر والجزم { ولو نشاء لطمسنا على ~~أعينهم } الطمس تعفية شق العين حتى تعود ممسوحة. ومفعول ~~المشيئة محذوف على القاعدة المستمرة التي هي وقوعها شرطا وكون ~~مفعولها مضمون الجزاء أي لو نشاء أن نطمس على أعينهم لفعلناه. وإيثار ~~صيغة الاستقبال وإن كان المعنى على المضي لإفادة أن عدم الطمس ~~على أعينهم لاستمرار عدم المشيئة، فإن المضارع المنفي الواقع موقع ~~الماضي ليس بنص في إفادة انتفاء استمرار انتقائه بحسب المقام كما مر ~~في قوله تعالى: # ولو يعجل الله للناس الشر استعجالهم ~~بالخير # [سورة يونس: ms2766 الآية 11] { فاستبقوا الصرط } أي فأرادوا أن ~~يستبقوا إلى الطريق الذي اعتادوا سلوكه. على أن انتصابه بنزع ~~الجار أو هو بتضمين الاستباق معنى الابتدار أو بالظرفية { ~~فأنى يبصرون } الطريق وجهة السلوك. ### || [36.67-69] # { ولو نشاء لمسخنهم } بتغيير صورهم وإبطال قواهم { ~~على مكنتهم } أي مكانهم إلا أن المكانة أخص كالمقامة ~~والمقام. وقرىء على مكانتهم أي لمسخناهم مسخا يجمدهم مكانهم لا ~~يقدرون أن يبرحوه بإقبال ولا إدبار ولا رجوع وذلك قوله تعالى { ~~فما استطعوا مضيا ولا يرجعون } أي ولا رجوعا فوضع ~~موضعه الفعل لمراعاة الفاصلة عن ابن عباس رضي الله عنهما قردة ~~وخنازير، وقيل: حجارة وعن قتادة لأقعدناهم على أرجلهم وأزمناهم. ~~وقرىء مضيا بكسر الميم وفتحها. وليس مساق الشرطيتين لمجرد بيان ~~قدرته تعالى على ما ذكر من عقوبة الطمس والمسخ بل لبيان أنهم بما ~~هم عليه من الكفر ونقص العهد وعدم الاتعاظ بما شاهدوا من آثار ~~دمار أمثالهم أحقاء بأن يفعل بهم في الدنيا تلك العقوبة كما ~~فعل بهم في الآخرة عقوبة الختم وأن المانع من ذلك ليس إلا عدم ~~تعلق المشيئة الإلهية كأنه قيل: لو نشاء عقوبتهم بما ذكر من ~~الطمس والمسخ جريا على موجب جناياتهم المستدعية لها لفعلناها ~~ولكنا لم نشأها جريا على سنن الرحمة والحكمة الداعيتين إلى ~~إمهالهم { ومن نعمره } أي نطل عمره { ننكسه فى الخلق ~~} أي نقلبه فيه ونخلقه على عكس ما خلقناه أولا، فلا يزال يتزايد ~~ضعفه وتتناقص قوته وتنتقص بنيته ويتغير شكله وصورته حتى يعود ~~إلى حالة شبيهة بحال الصبي في ضعف الجسد وقلة العقل والخلو ~~عن الفهم والإدراك. وقرىء ننكسه من الثلاثي المجرد ~~وننكسه من الإنكاس. { أفلا يعقلون } أي أيرون ذلك فلا ~~يعقلون أن من قدر على ذلك يقدر على ما ذكر من الطمس والمسخ ~~وأن عدم إيقاعهما لعدم تعلق مشيئته تعالى بهما. وقرىء تعقلون ~~بالتاء لجري الخطاب قبله. # { وما علمنه الشعر } رد وإبطال لما كانوا يقولونه في ~~حقه عليه الصلاة والسلام من أنه شاعر وما يقوله شعر أي ما ~~علمناه الشعر بتعليم القرآن على أن القرآن ms2767 ليس بشعر فإن ~~الشعر كلام متكلف موضوع ومقال مزخرف مصنوع منسوج على منوال ~~الوزن والقافية مبني على خيالات وأوهام واهية فأين ذلك من ~~التنزيل الجليل الخطر المنزه عن مماثلة كلام البشر المشحون ~~بفنون الحكم والأحكام الباهرة الموصلة إلى سعادة الدنيا ~~والآخرة، ومن أين اشتبه عليهم الشؤون واختلط بهم الظنون قاتلهم الله ~~أنى يؤفكون { وما ينبغى له } وما يصح له الشعر ولا ~~يتأتى له لو طلبه أي جعلناه بحيث لو أراد قرض الشعر لم يتأت له ~~كما جعلناه أميا لا يهتدي للخط لتكون الحجة أثبت والشبهة ~~أدحض. وأما قوله عليه الصلاة والسلام: [الرجز] # " * أنا النبي لا كذب * أنا ابن عبد المطلب * " # وقوله عليه الصلاة والسلام: [الرجز] # " * هل أنت إلا أصبع دميت * وفي سبيل الله ما لقيت * " # فمن قبيل الاتفاقات الواردة من غير قصد إليها وعزم على ~~ترتيبها. وقيل: الضمير في له للقرآن أي وما ينبغي للقرآن أن ~~يكون شعرا { إن هو } أي ما للقرآن { إلا ذكر } أي عظة من ~~الله عز وجل وإرشاد للثقلين كما قال تعالى: # إن هو إلا ذكر للعلمين # [سورة التكوير: الآية 27] { وقرآن مبين } أي كتاب سماوي ~~بين كونه كذلك أو فارق بين الحق والباطل يقرأ في المحاريب ~~ويتلى في المعابد وينال بتلاوته والعمل بما فيه فوز الدارين فكم ~~بينه وبين ما قالوا. ### || [36.70-72] # { لينذر } أي القرآن أو الرسول عليه الصلاة والسلام ويؤيده ~~القراءة بالتاء، وقرىء لينذر من نذر به أي علمه، ولينذر مبنيا ~~للمفعول من الإنذار. { من كان حيا } أي عاقلا متأملا، فإن ~~الغافل بمنزلة الميت، أو مؤمنا في علم الله تعالى فإن الحياة ~~الأبدية بالإيمان، وتخصيص الإنذار به لأنه المنتفع به { ~~ويحق القول } أي تجب كلمة العذاب { على الكفرين } ~~المصرين على الكفر، وفي إيرادهم بمقابلة من كان حيا إشعار ~~بأنهم لخلوهم عن آثار الحياة وأحكامها التي هي المعرفة أموات في ~~الحقيقة. # { أولم يروا } الهمزة للإنكار والتعجيب. والواو للعطف على ~~جملة منفية مقدرة مستتبعة للمعطوف أي ألم يتفكروا أو ألم ~~يلاحظوا ولم يعلموا علما يقينيا متاخما للمعاينة. ms2768 { أنا ~~خلقنا لهم } أي لأجلهم وانتفاعهم { مما عملت أيدينا } ~~أي مما تولينا إحداثه بالذات. وذكر الأيدي وإسناد العمل إليها ~~إستعارة تفيد مبالغة في الاختصاص والتفرد بالأحداث والاعتناء به. { ~~أنعما } مفعول خلقنا. وتأخيره عن الجارين المتعلقين به مع ~~أن حقه التقدم عليهما لما مر مرارا من الاعتناء بالمقدم ~~والتشويق إلى المؤخر فإن ما حقه التقديم إذا أخر تبقى ~~النفس مترقبة له فيتمكن عند وروده عليها فضل تمكن لا سيما عند ~~كون المقدصصم منبئا عن كون المؤخر أمرا نافعا خطيرا كما في ~~النظم الكريم فإن الجار الأول المعرب عن كون المؤخر من ~~منافعهم، والثاني المفصح عن كونه من الأمور الخطيرة يزيدان النفس ~~شوقا إليه ورغبة فيه ولأن في تأخيره جمعا بينه وبين أحكامه ~~المتفرعة عليه يقوله تعالى { فهم لها ملكون } الآيات ~~الثلاث أي ملكناها إياهم. وإيثار الجملة الاسمية على ذلك ~~للدلالة على استقرار مالكيتهم لها واستمرارها. واللام ~~متعلقة بمالكون مقوية لعمله أي فهم مالكون لها بتمليكنا ~~إيصاهم لهم متصرفون فيها بالاستقلال مختصون بالانتفاع بها لا ~~يزاحمهم في ذلك عيرهم أو قادرون على ضبطها متمكنون من التصرف ~~فيها بأقدارنا وتمكيننا وتسخيرنا إياها لهم كما في قول من قال: ~~[المنسرح] # أصبحت لا أحمل السلاح ولا # أملك رأس البعير إن نفرا # والأول هو الأظهر ليكون قوله تعالى { وذللنها لهم } ~~تأسيسا لنعمة على حيالها لا تتمة لما قبلها أي صيرناها منقادة ~~لهم بحيث لا تستعصي عليهم في شيء مما يريدون بها حتى الذبح ~~حسبما ينطق به قوله تعالى { فمنها ركوبهم } الخ فإن الفاء ~~فيه لتفريع أحكام التذليل عليه وتفصيلها أي فبعض منها ركوبهم أي ~~مركوبهم أي معظم منافعها الركوب، وعدم التعرض للحمل لكونه من ~~تتمات الركوب. وقرىء ركوبتهم وهي بمعناه كالحلوب والحلوبة ~~وقيل: الركوبة اسم جمع. وقرىء ركوبهم أي ذو ركوبهم { ومنها ~~يأكلون } أي وبعض منها يأكلون لحمه. ### || [36.73-76] # { ولهم فيها } أي في الأنعام بكلا قسميها { منفع } أخر ~~غير الركوب والأكل كالجلود والأصواف والأوبار وغيرها ~~وكالحراثة بالثيران { ومشرب } من اللبن جمع مشرب وهذا ~~مجمل ما فصل ms2769 في سورة النحل { أفلا يشكرون } أي أيشاهدون ~~هذه النعم أو أيتنعمون بها فلا يشكرون المنعم بها. # { واتخذوا من دون الله } أي متجاوزين الله تعالى الذي ~~شاهدوا تفرده بتلك القدرة الباهرة وتفضله عليهم بهاتيك النعم ~~المتظاهرة { ءالهة } من الأصنام وأشركوها به تعالى في العبادة { ~~لعلهم ينصرون } رجاء أن ينصروا من جهتهم فيما حزبهم من ~~الأمور أو يشفعوا لهم في الآخرة وقوله تعالى: { لا يستطيعون ~~نصرهم } الخ استئناف سيق لبيان بطلان رأيهم وخيبة رجائهم ~~وانعكاس تدبيرهم أي لا تقدر آلهتهم على نصرهم { وهم } أي ~~المشركون { لهم } أي لآلهتهم { جند محضرون } يشيعونهم عند ~~مساقهم إلى النار، وقيل: معدون في الدنيا لحفظهم وخدمتهم ~~والذب عنهم، ولا يساعده مساق النظم الكريم فإن الفاء في قوله ~~تعالى { فلا يحزنك قولهم } لترتيب النهي على ما قبله فلا ~~بد أن يكون عبارة عن خسرانهم وحرمانهم عما علقوا به أطماعهم ~~الفارغة وانعكاس الأمر عليهم بترتب الشر على ما رتبوه لرجاء ~~الخبر فإن ذلك مما يهون الخطب ويورث السلوة، وأما كونهم معدين ~~لخدمتهم وحفظهم فبمعزل من ذلك والنهي وإن كان بحسب الظاهر ~~متوجها إلى قولهم لكنه في الحقيقة متوجه إلى رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ونهي له عليه السلام عن النأثر منه بطريق الكناية على ~~أبلغ وجه وآكده فإن النهي عن أسباب الشيء ومبادئه المؤدية ~~إليه نهي عنه بالطريق البرهاني وإبطال للسببية وقد يوجه ~~النهي إلى المسبب ويراد النهي عن السبب كما في قوله لا ~~أرينك ههنا يريد به نهي مخاطبه عن الحضور لديه والمراد بقولهم ما ~~ينبىء عنه ما ذكر من اتخاذهم الأصنام آلهة فإن ذلك مما لا يخلو ~~عن التفوه بقولهم هؤلاء آلهتنا وأنهم شركاء لله سبحانه في ~~المعبودية وغير ذلك مما يورث الحزن. وقرىء يحزنك بضم الياء ~~وكسر الزاي من أحزن المنقول من حزن اللازم وقوله تعالى: # { إنا نعلم ما يسرون وما يعلنون } تعليل صريح ~~للنهي بطريق الاستئناف بعد تعليله بطريق الإشعار فإن العلم بما ~~ذكر مستلزم للمجازاة قطعا أي إنا نجازيهم بجميع جناياتهم الخافية ~~والبادية ms2770 التي لا يعزب عن علمنا شيء منها وفيه فضل تسلية لرسول ~~الله صلى الله عليه وسلم وتقديم السر على العلن إما للمبالغة في ~~بيان شمول علمه تعالى لجميع المعلومات كأن علمه تعالى بما ~~يسرونه أقدم منه بما يعلنونه مع استوائهما في الحقيقة فإن علمه ~~تعالى بمعلوماته ليس بطريق حصول صورها بل وجود كل شيء في نفسه علم ~~بالنسبة إليه تعالى، وفي هذا المعنى لا يختلف الحال بين الأشياء ~~البارزة والكامنة وإما لأن مرتبة السر متقدمة على مرتبة العلن ~~إذ ما من شيء يعلن إلا وهو أو مباديه مضمر في القلب قبل ذلك فتعلق ~~علمه تعالى بحالته الأولى متقدم على تعلقه بحالته الثانية حقيقة. ### || [36.77] # { أولم ير الإنسن أنا خلقنه من نطفة } كلام ~~مستأنف مسوق لبيان بطلان إنكارهم البعث بعد ما شاهدوا في أنفسهم ~~أوضح دلائله وأعدل شواهده كما أن ما سبق مسوق لبيان بطلان إشراكهم ~~بالله تعالى بعدما عاينوا فيما بأيديهم ما يوجب التوحيد والإسلام ~~وأما ما قيل من أنه تسلية ثانية لرسول الله صلى الله عليه وسلم ~~بتهوين ما يقولونه بالنسبة إلى إنكارهم الحشر فكلا والهمزة ~~للإنكار والتعجيب والواو للعطف على جملة مقدرة هي مستتبعة ~~للمعطوف كما مر في الجملة الإنكارية السابقة أي ألم يتفكر الإنسان ~~ولم يعلم علما يقينيا أنا خلقناه من نطفة الخ أو هي عين الجملة ~~السابقة أعيدت تأكيدا للنكير السابق وتمهيدا لإنكار ما هو أحق ~~منه بالإنكار والتعجيب لما أن المنكر هناك عدم علمهم بما ~~يتعلق بخلق أسباب معايشهم وههنا عدم علمهم بما يتعلق بخلق ~~أنفسهم. ولا ريب في أن علم الإنسان بأحوال نفسه أهم وإحاطته بها ~~أسهل وأكمل، فالإنكار والتعجيب من الإخلال بذلك أدخل كأنه قيل ~~ألم يعلموا خلقه تعالى لأسباب معايشهم ولم يعلموا خلقه تعالى ~~لأنفسهم أيضا مع كون العلم بذلك في غاية الظهور ونهاية الأهمية ~~على معنى أن المنكر الأول بعيد قبيح والثاني أبعد وأقبح ويجوز ~~أن تكون الواو لعطف الجملة الإنكارية الثانية على الأولى على ~~أنها متقدمة في الاعتبار وأن تقدم ms2771 الهمزة عليها لاقتضائها ~~الصدارة في الكلام كما هو رأي الجمهور وإيراد الإنسان مورد ~~الضمير لأن مدار الإنكار متعلق بأحواله من حيث هو إنسان كما ~~في قوله تعالى: # أولا يذكر إلإنسن أنا خلقناه من قبل ولم ~~يك شيئا # [سورة مريم: الآية 67] وقوله تعالى: { فإذا هو خصيم مبين } ~~أي شديد الخصومة والجدال بالباطل. عطف على الجملة المنفية ~~داخل في حيز الإنكار والتعجيب كأنه قيل أولم ير أنا ~~خلقناه من أخس الأشياء وأمهنها ففاجأ خصومتنا في أمر يشهد ~~بصحته وتحققه مبدأ فطرته شهادة بينة. وإيراد الجملة ~~الاسمية للدلالة على استقراره في الخصومة واستمراره عليها. ~~روي # " أن جماعة من كفار قريش منهم أبي بن خلف الجمحي ~~وأبو جهل والعاص بن وائل والوليد بن المغيرة تكلموا في ذلك ~~فقال لهم أبي بن خلف: ألا ترون إلى ما يقول محمد: " إن الله ~~يبعث الأموات " ثم قال: واللات والعزى لأصيرن إليه ~~ولأخصمنه وأخذ عظما باليا فجعل يفته بيده ويقول: يا محمد ~~أترى الله يحيي هذا بعدما رم قال صلى الله عليه وسلم: " نعم ويبعثك ~~ويدخلك جهنم " # فنزلت. وقيل معنى قوله تعالى: # فإذا هو خصيم مبين # [سورة يونس: الآية 77] فإذا هو بعدما كان ماء مهينا رجل مميز ~~منطيق قادر على الخصام مبين معرب عما في نفسه فصيح، فهو ~~حينئذ معطوف على خلقنا غير داخل تحت الإنكار والتعجيب بل هو من ~~متممات شواهد صحة البعث. ### || [36.78-80] # فقوله تعالى: { وضرب لنا مثلا } معطوف حينئذ على الجملة ~~المنفية داخل في حيز الإنكار والتقبيح، وأما على التقدير ~~الأول فهو عطف على الجملة الفجائية، والمعنى ففاجأ خصومتنا وضرب ~~لنا مثلا أي أورد في شأننا قصة عجيبة في نفس الأمر هي في ~~الغرابة والبعد عن العقول كالمثل، وهي إنكار إحيائنا العظام أو ~~قصة عجيبة في زعمه واستبعدها وعدها من قبيل المثل وأنكرها ~~أشد الإنكار وهي إحياؤنا إياها وجعل لنا مثلا ونظيرا من ~~الخلق وقاس قدرتنا على قدرتهم ونفى الكل على العموم. وقوله ~~تعالى: { ونسي خلقه } أي خلقنا إياه على الوجه المذكور ~~الدال على بطلان ms2772 ما ضربه. إما عطف على ضرب داخل في حيز ~~الإنكار والتعجيب أو حال من فاعله بإضمار قد أو بدونه. وقوله ~~تعالى: { قال } استئناف وقع جوابا عن سؤال نشأ من حكاية ضربه ~~المثل كأنه قيل أي مثل ضرب أو ماذا قال فقيل قال: { من يحيي ~~العظم } منكرا له أشد النكير مؤكدا له بقوله تعالى: { ~~وهى رميم } أي بالية أشد البلى بعيدة من الحياة غاية البعد ~~فالمثل على الأول هو إنكار إحيائه تعالى للعظام فإنه أمر ~~عجيب في نفس الأمر حقيق لغرابته وبعده من العقول بأن يعد ~~مثلا ضرورة جزم العقول ببطلان الإنكار ووقوع المنكر لكونه ~~كالإنشاء بل أهون منه في قياس العقل، وعلى الثاني هو إحياؤه تعالى ~~لها فإنه أمر عجيب في زعمه قد استبعده وعده من قبيل المثل ~~وأنكره أشد الإنكار مع أنه في نفس الأمر أقرب شيء من الوقوع ~~لما سبق من كونه مثل الإنشاء أو أهون منه، وأما على الثالث فلا ~~فرق بين أن يكون المثل هو الإنكار أو المنكر. وعدم تأنيث ~~الرميم مع وقوعه خبرا للمؤنث لأنه اسم لما بلي من العظام ~~غير صفة كالرفات، وقد تمسك بظاهر الآية الكريمة من أثبت للعظم ~~حياة وبنى عليه الحكم بنجاسة عظم الميتة، وأما أصحابنا فلا يقولون ~~بحياته كالشعر ويقولون المراد بإحياء العظام ردها إلى ما كانت ~~عليه من الغضاضة والرطوبة في بدن حي حساس { قل } تبكيتا له ~~بتذكير ما نسيه من فطرته الدالة على حقيقة الحال وإرشاده إلى ~~طريقة الاستشهاد بها { يحييها الذى أنشأها أول مرة ~~} فإن قدرته كما هي لاستحالة التغير فيها والمادة على حالها { ~~وهو بكل خلق عليم } مبالغ في العلم بتفاصيل كيفيات ~~الخلق والإيجاد إنشاء وإعادة محيط بجميع الأجزاء المتفتتة ~~المتبددة لكل شخص من الأشخاص أصولها وفروعها وأوضاع بعضها من ~~بعض من الاتصال والانفصال والاجتماع والافتراق فيعيد كلا من ~~ذلك على النمط السابق مع القوى التي كانت قبل. والجملة إما ~~اعتراض تذييلي مقرر لمضمون الجواب أو معطوفة على الصلة. # والعدول إلى الجملة الاسمية للتنبيه على أن ms2773 علمه تعالى بما ~~ذكر أمر مستمر ليس كإنشائه للمنشآت. وقوله تعالى: { الذى ~~جعل لكم من الشجر الأخضر نارا } بدل من الموصول ~~الأول. وعدم الاكتفاء بعطف صلته على صلته للتأكيد ولتفاوتهما ~~في كيفية الدلالة. أي خلق لأجلكم ومنفعتكم منه نارا، على أن ~~الجعل إبداعي. والجاران متعلقان به قدما على مفعوله ~~الصريح مع تأخرهما عنه رتبة لما مر من الاعتناء بالمقدم ~~والتشويق إلى المؤخر. ووصف الشجر بالأخضر نظرا إلى اللفظ. ~~وقد قرىء الخضراء نظرا إلى المعنى. وهو المرخ والعفار يقطع ~~الرجل منهما عصيتين مثل السواكين وهما خضراوان يقطر منهما ~~الماء فيسحق المرخ وهو ذكر على العفار وهو أنثى فتنقدح النار ~~بإذن الله تعالى وذلك قوله تعالى: { فإذا أنتم منه توقدون } ~~فمن قدر على إحداث النار من الشجر الأخضر مع ما فيه من ~~المائية المضادة لها بكيفيته كان أقدر على إعادة الغضاضة ~~إلى ما كان غضا فطرأ عليه اليبوسة والبلى. ### || [36.81-83] # وقوله تعالى: { أوليس الذى خلق السموات والأرض } ~~الخ استئناف مسوق من جهته عز وجل لتحقيق مضمون الجواب الذي أمر ~~عليه الصلاة والسلام بأن يخاطبهم بذلك ويلزمهم الحجة. ~~والهمزة للإنكار والنفي، والواو للعطف على مقدر يقتضيه ~~المقام أي أليس الذي أنشأها أول مرة وليس الذي جعل لهم من ~~الشجر الأخضر نارا وليس الذي خلق السموات والأرض مع كبر ~~جرمهما وعظم شأنهما { بقدر على أن يخلق مثلهم } في ~~الصغر والقماءة بالنسبة إليهما فإن بديهة العقل قاضية بأن ~~من قدر على خلقهما فهو على خلق الأناسي أقدر كما قال تعالى: # لخلق السموات والأرض أكبر من خلق الناس # [سورة غافر: الآية 57] وقرىء يقدر وقوله تعالى: { بلى } جواب من ~~جهته تعالى وتصريح بما أفاده الاستفهام الإنكاري من تقرير ما بعد ~~النفي وإيذان بتعين الجواب نطقوا به أو تلعثموا فيه مخافة ~~الإلزام. وقوله تعالى: { وهو الخلق العليم } عطف على ما ~~يفيده الإيجاب أي بلى هو قادر على ذلك وهو المبالغ في الخلق ~~والعلم كيفا وكما. { إنما أمره } أي شأنه { إذا أراد ~~شيئا } من الأشياء { أن يقول له كن ms2774 } أي أن يعلق به قدرته ~~{ فيكون } فيحدث من غير توقف على شيء آخر أصلا. وهذا تمثيل ~~لتأثير قدرته تعالى فيما أراده بأمر الآمر المطاع المأمور ~~المطيع في سرعة حصول المأمور به من غير توقف على شيء ما. وقرىء ~~فيكون بالنصب عطفا على يقول { فسبحن الذي بيده ~~ملكوت كل شىء } تنزيه له عز وعلا عما وصفوه تعالى به ~~وتعجيب مما قالوا في شأنه تعالى وقد مر تحقيق معنى سبحان. ~~والفاء للإشارة إلى أن ما فصل من شؤونه تعالى موجبة لتنزهه ~~وتنزيهه أكمل إيجاب كما أن وصفه تعالى بالمالكية الكلية ~~المطلقة للإشعار بأنها مقتضية لذلك أتم اقتضاء. والملكوت ~~مبالغة في الملك كالرحموت والرهبوت. وقرىء ملكة كل شيء ~~ومملكة كل شيء وملك كل شيء. { وإليه ترجعون } لا إلى ~~غيره. وقرىء ترجعون بفتح التاء من الرجوع وفيه من الوعد ~~والوعيد ما لا يخفى. عن ابن عباس رضي الله عنهما: كنت لا أعلم ~~ما روي في فضائل يس وقراءتها كيف خصت بذلك فإذا أنه لهذه الآية. ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " إن لكل شيء قلبا وإن قلب القرآن يس من قرأها يريد بها ~~وجه الله تعالى غفر الله له وأعطي من الأجر كأنما قرأ القرآن ~~اثنتين وعشرين مرة " # وأيما مسلم قرىء عنده إذا نزل به ملك الموت سورة يس نزل ~~بكل حرف منها عشرة أملاك يقومون بين يديه صفوفا يصلون عليه ~~ويستغفرون له ويشهدون غسله ويتبعون جنازته ويصلون عليه ويشهدون ~~دفنه وأيما مسلم قرأ يس وهو في سكرات الموت لم يقبض ملك ~~الموت روحه حتى يجيئه رضوان خازن الجنة بشربة من شراب ~~الجنة فيشربها وهو على فراشه فيقبض ملك الموت روحه وهو ~~ريان ويمكث في قبره وهو ريان ولا يحتاج إلى حوض من حياض ~~الأنبياء حتى يدخل الجنة وهو ريان. وقال صلى الله عليه وسلم: # " إن في القرآن سورة تشفع لقارئها وتستغفر لمستمعها ألا وهي ~~سورة يس " ### | [37 - سورة الصافات] ### || [37.1-3] # (سورة الصافات مكية وآياتها مائة واثنتان وثمانون آية) # { بسم الله الرحمن الرحيم ms2775 } { والصفت صفا } ~~إقسام من الله عز وجل بطوائف الملائكة الفاعلات للصفوف ~~على أن المراد إيقاع نفس الفعل من غير قصد إلى المفعول أو ~~الصافات أنفسها أي الناظمات أنفسها أي الناظمات لها في سلك ~~الصفوف بقيامها في مقاماتها المعلومة حسبما ينطق به قوله تعالى: # وما منا إلا له مقام معلوم # [سورة الصافات: الآية 164] وعلى هذين المعنيين مدار قوله تعالى: # وإنا لنحن الصافون # [سورة الصافات: الآية 165] وقيل الصافات أقدامها في الصلاة وقيل ~~أجنحتها في الهواء { فالزجرت زجرا } أي الفاعلات للزجر أو ~~الزاجرات لما نيط بها زجره من الأجرام العلوية والسفلية ~~وغيرها على وجه يليق بالمزجور. ومن جملة ذلك زجر العباد عن ~~المعاصي وزجر الشياطين عن الوسوسة والإغواء وعن استراق السمع ~~كما سيأتي، وصفا وزجرا مصدران مؤكدان لما قبلهما أي صفا ~~بديعا وزجرا بليغا، وأما ذكرا في قوله تعالى: { ~~فالتليت ذكرا } فمفعول التاليات ذكرا عظيم الشأن ~~من آيات الله تعالى وكتبه المنزلة على الأنبياء عليهم ~~الصلاة والسلام وغيرها من التسبيح والتقديس والتحميد ~~والتمجيد وقيل هو أيضا مصدر مؤكد لما قبله فإن التلاوة من ~~باب الذكر ثم إن هذه الصفات إن أجريت على الكل فعطفها ~~بالفاء للدلالة على ترتبها في الفضل إما بكون الفضل للصف ~~ثم للزجر ثم للتلاوة أو على العكس، وإن أجريت كل واحدة ~~منهن على طوائف معينة فهو للدلالة على ترتب الموصوفات في ~~مراتب الفضل بمعنى أن طوائف الصافات ذوات فضل والزاجرات ~~أفضل والتاليات أبهر فضلا أو على العكس. وقيل المراد بالمذكورات ~~نفوس العلماء العمال الصافات أنفسها في صفوف الجماعات ~~وأقدامها في الصلوات الزاجرات بالمواعظ والنصائح التاليات ~~آيات الله تعالى الدارسات شرائعه وأحكامه. وقيل طوائف الغزاة ~~الصافات أنفسهم في مواطن الحروب كأنهم بنيان مرصوص. أو طوائف ~~قوادهم الصافات لهم فيها الزاجرات الخيل للجهاد سوقا ~~والعدو في المعارك طردا التاليات آيات الله تعالى وذكره ~~وتسبيحه في تضاعيف ذلك. والكلام في العطف ودلالته على ترتب ~~الصفات في الفضل أو ترتب موصوفاتها فيه كالذي سلف، وأما ~~الدلالة على الترتب في الوجود كما في قوله: ms2776 [السريع] # يا لهف زبانة للحرث # الصابح فالغانم فالآيب # فغير ظاهرة في شيء من الطوائف المذكورة، فإنه لو سلم تقدم ~~الصف على الزجر في الملائكة والغزاة فتأخر التلاوة عن ~~الزجر غير ظاهر. وقيل الصافات الطير من قوله تعالى: # والطير صافت # [سورة النور: الآية 41] والزاجرات كل ما يزجر عن المعاصي، ~~والتاليات كل من يتلو كتاب الله تعالى. وقيل الزاجرات ~~القوارع القرآنية. وقرىء بإدغام التاء في الصاد والزاي ~~والذال. ### || [37.4-6] # { إن إلهكم لواحد } جواب للقسم. والجملة تحقيق للحق ~~الذي هو التوحيد بما هو المألوف في كلامهم من التأكيد القسمي ~~وتمهيد لما يعقبه من البرهان الناطق به أعني قوله تعالى { رب ~~السموات والأرض وما بينهما ورب المشرق } ~~فإن وجودها وانتظامها على هذا النمط البديع من أوضح دلائل ~~وجود الصانع وعلمه وقدرته وأعدل شواهد وحدته كما مر في قوله ~~تعالى: # لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا # [سورة الأنبياء: الآية 22] ورب خبر ثان لأن، أو خبر لمبتدأ ~~محذوف أي مالك السموات والأرض وما بينهما من الموجودات ~~ومربيها ومبلغها إلى كمالاتها. والمراد بالمشارق مشارق ~~الشمس. وإعادة الرب فيها لغاية ظهور آثار الربوبية فيها ~~وتجددها كل يوم فإنها ثلاثمائة وستون مشرقا تشرق كل يوم ~~من مشرق منها وبحسبها تختلف المغارب وتغرب كل يوم في مغرب منها ~~وأما قوله تعالى: # رب المشرقين ورب المغربين # [سورة الرحمن: الآية 17] فهما مشرقا الصيف والشتاء ومغرباهما { ~~إنا زينا السماء الدنيا } أي القربى منكم { بزينة } ~~عجيبة بديعة { الكوكب } بالجر بدل من زينة على أن المراد بها ~~الاسم، أي ما يزان به لا المصدر فإن الكواكب بأنفسها وأوضاع بعضها ~~من بعض زينة وأي زينة. وقرىء بالإضافة على أنها بيانية لما ~~أن الزينة مبهمة صادقة على كل ما يزان به فتقع الكواكب بيانا ~~لها ويجوز أن يراد بزينة الكواكب ما زينت هي به وهو ضوؤها. وروي ~~عن ابن عباس رضي الله عنهما: بزينة الكواكب بضوء الكواكب. هذا ~~وإما على تقدير كون الزينة مصدرا فالمعنى على تقدير إضافتها إلى ~~الفاعل بأن زانت الكواكب إياها، وأصله بزينة ms2777 الكواكب. وعلى تقدير ~~إضافتها إلى المفعول بأن زان الله الكواكب وحسنها، وأصله بزينة ~~الكواكب. والمراد هو التزيين في رأي العين فإن جميع الكواكب من ~~الثوابت والسيارات تبدو للناظرين كأنها جواهر متلالئة في ~~سطح سماء الدنيا بصور بديعة وأشكال رائعة ولا يقدح في ذلك ارتكاز ~~الثوابت في الفلك الثامن وما عدا القمر في السنة المتوسطة إن ~~ثبت ذلك. ### || [37.7-10] # { وحفظا } منصوب إما بعطفه على زينة باعتبار المعنى كأنه قيل ~~إنا خلقنا الكواكب زينة للسماء وحفظا { من كل شيطن ~~مارد } أي خارج عن الطاعة برمي الشهب. وإما بإضمار فعله، ~~وإما بتقدير فعل مؤخر معلل به كأنه قيل وحفظا من كل شيطان ~~مارد زيناها بالكواكب، كقوله تعالى: # ولقد زينا السماء الدنيا بمصبيح وجعلنها ~~رجوما للشيطين # [سورة الملك: الآية 5] وقوله تعالى: { لا يسمعون إلى ~~الملإ الأعلى } كلام مبتدأ مسوق لبيان حالهم بعد بيان حفظ ~~السماء عنهم من التنبيه على كيفية الحفظ وما يعتريهم في أثناء ~~ذلك من العذاب، ولا سبيل إلى جعله صفة لكل شيطان ولا جوابا عن ~~سؤال مقدر لعدم استقامة المعنى ولا علة للحفظ على أن يكون ~~الأصل لئلا يسمعوا فحذفت اللام كما حذفت من قولك جئتك أن ~~تكرمني فبقي أن لا يسمعوا ثم يحذف أن ويهدر عملها كما في قول ~~من قال: [الطويل] # ألا أيهذا الزاجري أحضر الوغى # [وأن أشهد اللذات هل أنت مخلدي] # لما أن كل واحد من ذينك الحذفين غير منكر بانفراده، فأما ~~اجتماعهما فمن أنكر المنكرات التي يجب تنزيه ساحة التنزيل ~~الجليل عن أمثالها. وأصل يسمعون يتسمعون. والملأ الأعلى: ~~الملائكة. وعن ابن عباس رضي الله عنهما: هم الكتبة. وعنه أشراف ~~الملائكة عليهم الصلاة والسلام أي لا يتطلبون السماع ~~والإصغاء إليهم. وقرىء يسمعون بالتخفيف { ويقذفون } يرمون ~~{ من كل جانب } من جميع جوانب السماء إذا قصدوا الصعود ~~إليها { دحورا } علة للقذف أي للدحور وهو الطرد. أو حال ~~بمعنى مدحورين أو مصدر مؤكد له لأنهما من واد واحد. وقرىء ~~دحورا بفتح الدال أي قذفا دحورا مبالغا في الطرد. وقد ~~جوز أن ms2778 يكون مصدرا كالقبول والولوع { ولهم عذاب واصب ~~} أي ولهم في الآخرة غير ما في الدنيا من عذاب الرجم بالشهب ~~عذاب شديد دائم غير منقطع كقوله تعالى: # وأعتدنا لهم عذاب السعير # [سورة الملك: الآية 5] { إلا من خطف الخطفة } استثناء من ~~واو يسمعون. ومن بدل منه والخطف الاختلاس والمراد اختلاس كلام ~~الملائكة مسارقة كما يعرب عنه تعريف الخطفة. وقرىء بكسر الخاء ~~والطاء المشددة وبفتح الخاء وكسر الطاء وتشديدها، وأصلهما ~~اختطف { فأتبعه شهاب } أي تبعه ولحقه. وقرىء فأتبعه. ~~والشهاب ما يرى منقضا من السماء { ثاقب } مضىء في الغاية ~~كأنه يثقب الجو بضوئه يرجم به الشياطين إذا صعدوا لاستراق ~~السمع فيقتلهم أو يحرقهم أو يخبلهم. قالوا: وإنما يعود من يسلم ~~منهم حيا طمعا في السلامة ونيل المراد كراكب السفينة. ### || [37.11-16] # { فاستفتهم } فاستخبر مشركي مكة { أهم أشد خلقا } ~~أي أقوى خلقة وأمتن بنية أو أصعب خلقا وأشق إيجادا { أم ~~من خلقنا } من الملائكة والسماء والأرض وما بينهما. ~~والمشارق والكواكب والشهب الثواقب ومن لتغليب العقلاء على ~~غيرهم ويدل عليه إطلاقه. ومجيئه بعد ذلك لا سيما قراءة من قرأ ~~أم من عددنا. وقوله تعالى: { إنا خلقنهم من طين لازب ~~} فإنه الفارق بينهم وبينها لا بينهم وبين من قبلهم من الأمم ~~كعاد وثمود، ولأن المراد إثبات المعاد ورد استحالتهم. والأمر ~~فيه بالإضافة إليهم وإلى من قبلهم سواء. وقرىء لازم ولاتب { بل ~~عجبت } أي من قدرة الله تعالى على هذه الخلائق العظيمة وإنكارهم ~~للبعث { ويسخرون } من تعجبك وتقريرك للبعث. وقرىء بضم ~~التاء، على معنى أنه بلغ كمال قدرتي وكثرة مخلوقاتي إلي حيث ~~عجبت منها، وهؤلاء لجهلهم يسخرون منها. أو عجبت من أن ينكروا ~~البعث ممن هذه أفاعيله ويسخروا ممن يجوزه. والعجب من الله ~~تعالى إما على الفرض والتخييل، أو على معنى الاستعظام اللازم ~~له فإنه روعة تعتري الإنسان عند استعظام الشيء. وقيل إنه ~~مقدر بالقول أي قل يا محمد بل عجبت { وإذا ذكروا } أي ~~ودأبهم المستمر أنهم إذا وعظوا بشيء من المواعظ. { لا ~~يذكرون } لا يتعظون، وإذا ذكر لهم ms2779 ما يدل على صحة البعث ~~لا ينتفعون به لغاية بلادتهم وقصور فكرهم { وإذا رأوا ءاية } ~~أي معجزة تدل على صدق القائل به { يستسخرون } يبالغون في ~~السخرية، ويقولون إنه سحر أو يستدعي بعضهم من بعض أن يسخر ~~منها { وقالوا إن هذا } أي ما يرونه من الآيات الباهرة { ~~إلا سحر مبين } ظاهر سحريته { أئذا متنا وكنا ~~ترابا وعظما } أي كان بعض أجزائنا ترابا وبعضها عظاما. ~~وتقديم التراب لأنه منقلب من الأجزاء البادية. والعامل في إذا ~~ما دل عليه مبعوثون في قوله تعالى: { أئنا لمبعوثون } أي ~~نبعث لا نفسه لأن دونه خطوبا لو تفرد واحد منها لكفى في المنع. ~~وتقديم الظرف لتقوية الإنكار للبعث بتوجيهه إلى حالة منافية له ~~غاية المنافاة وكذا تكرير الهمزة في أئنا للمبالغة والتشديد في ~~ذلك وكذا تحلية الجملة بأن واللام لتأكيد الإنكار لا لإنكار ~~التأكيد كما يوهمه ظاهر النظم الكريم فإن تقديم الهمزة ~~لاقتضائها الصدارة كما في مثل قوله تعالى: # أفلا تعقلون # [سورة البقرة: الآية 44 و 76. وسورة آل عمران: الآية 65 وغيرهما] على ~~رأي الجمهور، فإن المعنى عندهم تعقيب الإنكار لا إنكار ~~التعقيب كما هو المشهور. وقرىء بطرح الهمزة الأولى وبطرح ~~الثانية فقط. ### || [37.17-22] # { أو ءاباؤنا الأولون } رفع على الابتداء، وخبره محذوف ~~عند سيبويه أي وآباؤنا الأولون أيضا مبعوثون. وقيل عطف على محل ~~إن واسمها، وقيل على الضمير في مبعوثون للفصل بهمزة الإنكار ~~الجارية مجرى حرف النفي في قوله تعالى: # ما أشركنا ولا آباؤنا # [سورة الأنعام: الآية 148] وأيا ما كان فمرادهم زيادة الاستبعاد ~~بناء على أنهم أقدم فبعثهم أبعد على زعمهم. وقرىء أو آباؤنا. # { قل } تبكيتا لهم { نعم } والخطاب في قوله تعالى: { وأنتم ~~دخرون } لهم ولآبائهم بطريق التغليب. والجملة حال من فاعل ما ~~دل عليه نعم أي كلكم مبعوثون والحال أنكم صاغرون أذلاء. ~~وقرىء نعم بكسر العين وهي لغة فيه. { فإنما هى زجرة ~~وحدة } هي إما ضمير مبهم يفسره خبره، أو ضمير البعثة. ~~والجملة جواب شرط مضمر أو تعليل لنهي مقدر أي إذا كان كذلك ~~فإنما هي ms2780 الخ. أو لا تستصعبوه فإنما هي الخ. والزجرة الصيحة ~~من زجر الراعي غنمه إذا صاح عليها وهي النفخة الثانية { ~~فإذا هم } قائمون من مراقدهم أحياء { ينظرون } يبصرون كما ~~كانوا أو ينتظرون ما يفعل بهم { وقالوا } أي المبعوثون. وصيغة ~~الماضي للدلالة على التحقق والتقرر { يويلنا } أي هلاكنا ~~احضر فهذا أوان حضورك. وقوله تعالى: { هذا يوم الدين } ~~تعليل لدعائهم الويل بطريق الاستئناف أي اليوم الذي نجازى فيه ~~بأعمالنا، وإنما علموا ذلك لأنهم كانوا يسمعون في الدنيا أنهم ~~يبعثون ويحاسبون ويجزون بأعمالهم فلما شاهدوا البعث أيقنوا بما ~~بعده أيضا. وقوله تعالى: { هذا يوم الفصل الذى كنتم ~~به تكذبون } كلام الملائكة جوابا لهم بطريق التوبيخ ~~والتقريع. وقيل هو أيضا من كلام بعضهم لبعض، والفصل القضاء أو ~~الفرق بين فرق الهدى والضلال. وقوله تعالى: { احشروا ~~الذين ظلموا } خطاب من الله عز وجل للملائكة أو من ~~بعضهم لبعض بحشر الظلمة من مقامهم إلى الموقف. وقيل من الموقف إلى ~~الجحيم { وأزوجهم } أي أشباههم ونظراءهم من العصاة، عابد ~~الصنم مع عبدته وعابد الكوكب مع عبدته، كقوله تعالى: # وكنتم أزواجا ثلثة # [سورة الواقعة: الآية 7] وقيل قرناءهم من الشياطين وقيل نساءهم ~~اللاتي على دينهم { وما كانوا يعبدون }. ### || [37.23-28] # { من دون الله } من الأصنام ونحوها زيادة في تحسيرهم وتخجيلهم. ~~قيل هو عام مخصوص بقوله تعالى: # إن الذين سبقت لهم منا الحسنى # [سورة الأنبياء: الآية 101] الآية الكريمة وأنت خبير بأن الموصول ~~عبارة عن المشركين خاصة جيء به لتعليل الحكم بما في حيز صلته ~~فلا عموم ولا تخصيص. { فاهدوهم إلى صرط الجحيم } أي ~~عرفوهم طريقها ووجهوهم إليها وفيه تهكم بهم { وقفوهم } ~~احبسوهم في الموقف كأن الملائكة سارعوا إلى ما أمروا به من حشرهم ~~إلى الجحيم فأمروا بذلك وعلل بقوله تعالى: { إنهم مسئولون ~~} إيذانا من أول الأمر بأن ذلك ليس للعفو عنهم ولا ليستريحوا ~~بتأخير العذاب في الجملة بل ليسألوا لكن لا عن عقائدهم وأعمالهم كما ~~قيل فإن ذلك قد وقع قبل الأمر بهم إلى الجحيم بل عما ينطق به قوله ~~تعالى: { ما لكم ms2781 لا تنصرون } بطريق التوبيخ والتقريع ~~والتهكم، أي لا ينصر بعضكم بعضا كما كنتم تزعمون في الدنيا. ~~وتأخير هذا السؤال إلى ذلك الوقت لأنه وقت تنجز العذاب ~~وشدة الحاجة إلى النصرة وحالة انقطاع الرجاء عنها بالكلية، ~~فالتوبيخ والتقريع حينئذ أشد وقعا وتأثيرا. قرىء لا ~~تتناصرون، ولا تناصرون بالإدغام { بل هم اليوم ~~مستسلمون } منقادون خاضعون لظهور عجزهم وانسداد باب الحيل ~~عليهم أو أسلم بعضهم بعضا وخذله عن عجز فكلهم غير منتصر. # { وأقبل } حينئذ { بعضهم على بعض } هم الأتباع ~~والرؤساء أو الكفرة والقرناء { يتساءلون } يسأل بعضهم بعضا ~~سؤال توبيخ بطريق الخصومة والجدال { قالوا } استئناف وقع ~~جوابا عن سؤال نشأ من حكاية تساؤلهم كأنه قيل كيف تساءلون فقيل ~~قالوا أي الأتباع للرؤساء أو الكل للقرناء { إنكم كنتم ~~تأتوننا } في الدنيا { عن اليمين } عن أقوى الوجوه ~~وأمتنها أو عن الدين أو عن الخير كأنكم تنفعوننا نفع السانح ~~فتبعناكم فهلكنا، مستعار من يمين الإنسان الذي هو أشرف الجانبين ~~وأقواهما وأنفعهما ولذلك سمي يمينا ويتيمن بالسانح أو عن ~~القوة والقسر فتقسروننا على الغي وهو الأوفق للجواب أو عن ~~الحلف حيث كانوا يحلفون أنهم على الحق. ### || [37.29-38] # { قالوا } استئناف كما سبق أي قال الرؤساء أو القرناء { بل ~~لم تكونوا مؤمنين } أي لم نمنعكم من الإيمان بل لم تؤمنوا ~~باختياركم وأعرضتم عنه مع تمكنكم منه وآثرتم الكفر عليه { وما ~~كان لنا عليكم من سلطن } من قهر وتسلط نسلبكم به ~~اختياركم { بل كنتم قوما طغين } مختارين للطغيان ~~مصرين عليه { فحق علينا } أي لزمنا وثبت علينا { قول ~~ربنا } وهو قوله تعالى: # لأملان جهنم منك وممن تبعك منهم أجمعين # [سورة ص: الآية 85] { إنا لذائقون } أي العذاب الذي ورد به ~~الوعيد { فأغوينكم } فدعوناكم إلى الغي دعوة غير ملجئة ~~فاستجبتم لنا باختياركم واستحبابكم الغي على الرشد { إنا ~~كنا غوين } فلا عتب علينا في تعرضنا لإغوائكم بتلك المرتبة ~~من الدعوة لتكونوا أمثالنا في الغواية. { فإنهم } أي الأتباع ~~والمتبوعين { يومئذ فى العذاب مشتركون } حسبما كانوا ~~مشتركين في الغواية { إنا كذلك } أي مثل ذلك الفعل البديع ~~الذي ms2782 تقتضيه الحكمة التشريعية { نفعل بالمجرمين } ~~المتناهين في الإجرام وهم المشركون كما يعرب عنه التعليل بقوله ~~تعالى: { إنهم كانوا إذا قيل لهم } بطريق الدعوة ~~والتلقين { لا إله إلا الله يستكبرون } عن القبول ~~{ ويقولون أئنا لتاركو ءالهتنا لشاعر مجنون ~~بل جاء بالحق وصدق المرسلين } رد عليهم وتكذيب لهم ~~ببيان أن ما جاء به من التوحيد هو الحق الذي قام به البرهان ~~وأجمع عليه كافة الرسل عليهم الصلاة والسلام فأين الشعر ~~والجنون من ساحته الرفيعة { إنكم } بما فعلتم من الإشراك ~~وتكذيب الرسول عليه الصلاة والسلام والاستكبار { لذائقو ~~العذاب الأليم } والالتفات لإظهار كمال الغضب عليهم. وقرىء ~~بنصب العذاب على تقدير النون كقوله # ولا ذاكر الله إلا قليلا. # وقرىء لذائقون العذاب على الأصل. ### || [37.39-43] # { وما تجزون إلا ما كنتم تعملون } أي الإجزاء ما ~~كنتم تعملونه من السيئات أو إلا بما كنتم تعملونه منها. # { إلا عباد الله المخلصين } استثناء منقطع من ضمير ~~ذائقو وما بينهما اعتراض جيء به مسارعة إلى تحقيق الحق ببيان أن ~~ذوقهم العذاب ليس إلا من جهتهم لا من جهة غيرهم أصلا وجعله استثناء من ~~ضمير تجزون على معنى أن الكفرة لا يجزون إلا بقدر أعمالهم دون عباد ~~الله المخلصين فإنهم يجزون أضعافا مضاعفة مما لا وجه له أصلا لا ~~سيما جعله استثناء متصلا بتعميم الخطاب في تجزون لجميع المكلفين ~~فإنه ليس في حيز الاحتمال فالمعنى إنكم لذائقون العذاب الأليم ~~لكن عباد الله المخلصين الموحدين ليسوا كذلك وقوله تعالى: { ~~أولئك } إشارة إليهم للإيذان بأنهم ممتازون بما اتصفوا به من ~~الإخلاص في عبادة الله تعالى عمن عداهم امتيازا بالغا منتظمون بسببه ~~في سلك الأمور المشاهدة، وما فيه من معنى البعد مع قرب العهد بالمشار ~~إليه للإشعار بعلو طبقتهم وبعد منزلتهم في الفضل، وهو مبتدأ وقوله ~~تعالى: { لهم } إما خبر له وقوله تعالى: { رزق } مرتفع على ~~الفاعلية بما فيه من الاستقرار، أو مبتدأ ولهم خبر مقدم والجملة ~~خبر لأولئك، والجملة الكبرى استئناف مبين لما أفاده الاستثناء ~~إجمالا بيانا تفصيليا، وقيل هي خبر للاستثناء المنقطع على ms2783 أنه ~~متأول بالمبتدأ وقوله تعالى: { معلوم } أي معلوم الخصائص من ~~حسن المنظر ولذة الطعم وطيب الرائحة ونحوها من نعوت الكمال ~~وقيل معلوم الوقت كقوله تعالى: # ولهم رزقهم فيها بكرة وعشيا # [سورة مريم: الآية 62] وقوله تعالى: { فوكه } إما بدل من رزق أو ~~خبر مبتدأ مضمر، أي ذلك الرزق فواكه، وتخصيصها بالذكر لأن ~~أرزاق أهل الجنة كلها فواكه أي ما يؤكل لمجرد التلذذ دون ~~الاقتيات لأنهم مستغنون عن القوت لكون خلقتهم محكمة محفوظة من ~~التحلل المحوج إلى البدل وقيل لأن الفواكه من أتباع سائر ~~الأطعمة فذكرها مغن عن ذكرها { وهم مكرمون } عند الله عز ~~وجل لا يلحقهم هوان وذلك أعظم المثوبات وأليقها بأولي الهمم وقيل ~~مكرمون في نيله حيث يصل إليهم بغير تعب وسؤال كما هو شأن أرزاق ~~الدنيا. وقرىء مكرمون بالتشديد { في جنت النعيم } أي ~~في جنات ليس فيها إلا النعيم وهو ظرف أو حال من المستكن في ~~مكرمون، أو خبر ثان لأولئك. ### || [37.44-50] # وقوله تعالى: { على سرر } محتمل للحالية والخبرية. فقوله ~~تعالى: { متقبلين } حال من المستكن فيه أو في مكرمون. وقوله ~~تعالى: { يطاف عليهم } إما استئناف مبني على سؤال نشأ من ~~حكاية تكامل مجالس أنسهم أو حال من الضمير في متقابلين أو في أحد ~~الجارين وقد جوز كونه صفة لمكرمون { بكأس } بإناء فيه خمر أو ~~بخمر، فإن الكأس تطلق عن نفس الخمر كما في قول من قال: [المتقارب] # وكأس شربت على لذة # وأخرى تداويت منها بها # { من معين } متعلق بمضمر هو صفة لكأس أي كائنة من شراب ~~معين أو من نهر معين وهو الجاري على وجه الأرض الظاهر للعيون ~~أو الخارج من العيون من عان الماء إذا نبع، وصف به الخمر وهو ~~للماء لأنها تجري في الجنة في أنهار كما يجري الماء قال تعالى ~~وأنهار من خمر { بيضاء لذة للشربين } صفتان أيضا ~~لكأس، ووصفها بلذة إما للمبالغة كأنها نفس اللذة أو ~~لأنها تأنيث اللذ بمعنى اللذيذ ووزنه فعل قال: [الطويل] # ولذ كطعم الصرخدي تركته # بأرض العدا من خيفة الحدثان # يريد ms2784 النوم { لا فيها غول } أي غائلة كما في خمور الدنيا من ~~غاله إذا أفسده وأهلكه ومنه الغول. { ولا هم عنها ينزفون } ~~يسكرون من نزف الشارب فهو نزيف ومنزوف إذا ذهب عقله ويقال ~~للمطعون نرف فمات إذا جرح دمه كله. أفرد هذا بالنفي مع ~~اندراجه فيما قبله من نفي الغول عنها لما أنه من معظم مفاسد الخمر ~~كأنه جنس برأسه والمعنى لا فيها نوع من أنواع الفساد من مغص أو ~~صداع أو خمار أو عربدة أو لغو أو تأثيم ولا هم يسكرون. وقرىء ~~ينزفون بكسر الزاي، من أنزف الشارب إذا نفد عقله أو شرابه. ~~وقرىء ينزفون بضم الزاي من نزف ينزف بضم الزاي فيهما { ~~وعندهم قصرت الطرف } قصرن أبصارهن على أزواجهن لا ~~يمددن طرفا إلى غيرهم { عين } نجل العيون جمع عيناء ~~والنجل سعة العين { كأنهن بيض مكنون } شبهن ~~ببيض النعام المصون من الغبار ونحوه في الصفاء والبياض ~~المخلوط بأدنى صفرة فإن ذلك أحسن ألوان الأبدان { فأقبل ~~بعضهم على بعض يتساءلون } معطوف على يطاف أي يشربون ~~فيتحادثون على الشراب كما هو عادة الشرب قال: [الوافر] # وما بقيت من اللذات إلا # أحاديث الكرام على المدام # فيقبل بعضهم على بعض يتساءلون عن الفضائل والمعارف وعما جرى لهم ~~وعليهم في الدنيا. فالتعبير عنه بصيغة الماضي للتأكيد ~~والدلالة على تحقق الوقوع حتما. ### || [37.51-56] # { قال قائل منهم } في تضاعيف محاوراتهم { إنى كان لى } في ~~الدنيا { قرين } مصاحب { يقول } لي على طريقة التوبيخ بما ~~كنت عليه من الإيمان والتصديق بالبعث { أئنك لمن ~~المصدقين } أي بالبعث. وقرىء بتشديد الصاد من التصدق، ~~والأول هو الأوفق لقوله تعالى: { أءذا متنا وكنا ترابا ~~وعظما أءنا لمدينون } أي لمبعوثون ومجزيون من الدين ~~بمعنى الجزاء أو لمسوسون يقال دانه أي ساسه، ومنه الحديث: # " العاقل من دان نفسه " # وقيل كان رجل تصدق بماله لوجه الله تعالى فاحتاج فاستجدى بعض ~~إخوانه فقال: أين مالك، قال: تصدقت به ليعوضني الله تعالى في ~~الآخرة خيرا منه فقال: أئنك لمن المصدقين بيوم الدين، أو ~~المتصدقين لطلب الثواب والله لا ms2785 أعطيك شيئا فيكون التعرض ~~لذكر موتهم وكونهم ترابا وعظاما حينئذ لتأكيد إنكار الجزاء المبني ~~على إنكار البعث { قال } أي ذلك القائل بعدما حكى لجلسائه مقال ~~قرينه في الدنيا { هل أنتم مطلعون } أي إلى أهل النار ~~لأريكم ذلك القرين يريد بذلك بيان صدقه فيما حكاه وقيل القائل هو ~~الله تعالى أو بعض الملائكة يقول لهم هل تحبون أن تطلعوا على ~~أهل النار لأريكم ذلك القرين فتعلموا أين منزلتكم من منزلتهم قيل ~~إن في الجنة كوى ينظر منها أهلها إلى أهل النار { فأطلع } ~~أي عليهم { فرءاه } أي قرينه { فى سواء الجحيم } أي في وسطها. ~~وقرىء فأطلع على لفظ المضارع المنصوب. وقرىء مطلعون فأطلع ~~وفأطلع بالتخفيف على لفظ الماضي والمضارع المنصوب يقال طلع علينا ~~فلان وأطلع وبمعنى واحد والمعنى هل أنتم مطلعون إلى القرين فأطلع ~~أنا أيضا أو عوض عليهم الاطلاع فقبلوا ما عرضه فاطلع هو بعد ذلك ~~وإن جعل الاطلاع متعديا فالمعنى أنه لما شرط في إطلاعه ~~إطلاعهم كما هو ديدن الجلساء فكأنهم مطلعوه، وقيل الخطاب على ~~هذا للملائكة. وقرىء مطلعون بكسر النون أراده مطلعون إياي ~~فوضع المتصل موضع المنفصل، كقوله: # هم الفاعلون الخير والآمرونه # أو شبه اسم الفاعل بالمضارع لما بينهما من التآخي. # { قال } أي القائل مخاطبا لقرينه { تالله إن كدت ~~لتردين } أي لتهلكني بالإغواء. وقرىء لتغوين والتاء فيه ~~معنى التعجب وإن هي المخففة من أن وضمير الشأن الذي هو ~~اسمها محذوف واللام فارقة أي تالله إن الشأن كدت لتردين. ### || [37.57-62] # { ولولا نعمة ربى } بالهداية والعصمة { لكنت من ~~المحضرين } أي من الذين أحضروا العذاب كما أحضرته أنت ~~وأضرابك وقوله تعالى: { أفما نحن بميتين } رجوع إلى محاورة ~~جلسائه بعد إتمام الكلام مع قرينه تبجحا وابتهاجا بما أتاح الله ~~عز وجل لهم من الفضل العظيم والنعيم المقيم. والهمزة ~~للتقرير وفيها معنى التعجب والفاء للعطف على مقدر يقتضيه نظم ~~الكلام أي أنحن مخلدون منعمون فما نحن بميتين أي بمن شأنه الموت. ~~وقرىء بمائتين { إلا موتتنا الأولى } التي كانت في الدنيا ~~وهي متناولة لما في ms2786 القبر بعد الإحياء للسؤال قاله تصديقا لقوله ~~تعالى: # لا يذوقون فيها الموت إلا الموتة الأولى # [سورة الدخان: الآية 56] وقيل إن أهل الجنة أول ما دخلوا ~~الجنة لا يعلمون أنهم لا يموتون فإذا جيء بالموت على صورة كبش ~~أملح فذبح ونودي يا أهل الجنة خلود فلا موت ويا أهل النار ~~خلود فلا موت يعلمونه فيقولون ذلك تحدثا بنعمة الله تعالى واغتباطا ~~بها { وما نحن بمعذبين } كالكفار فإن النجاة من ~~العذاب أيضا نعمة جليلة مستوجبة للتحدث بها { إن هذا } أي ~~الأمر العظيم الذي نحن فيه { لهو الفوز العظيم } وقيل هو من ~~قول الله عز وجل تقريرا لقولهم وتصديقا له. وقرىء: لهو ~~الرزق العظيم وهو ما رزقوه من السعادة العظمى. { لمثل ~~هذا فليعمل العملون } أي لنيل هذا المرام الجليل يجب ~~أن يعمل العاملون لا للحظوظ الدنيوية السريعة الانصرام ~~المشوبة بفنون الآلام وهذا أيضا يحتمل أن يكون من كلام رب ~~العزة { أذلك خير نزلا أم شجرة الزقوم } أصل ~~النزل الفضل والريع فاستعير للحاصل من الشيء فانتصابه على ~~التمييز أي أذلك الرزق المعلوم الذي حاصله اللذة والسرور ~~خير نزلا أم شجرة الزقوم التي حاصلها الألم والغم. ويقال ~~النزل لما يقام ويهيأ من الطعام الحاضر للنازل فانتصابه على ~~الحالية. والمعنى أن الرزق المعلوم نزل أهل الجنة، وأهل ~~النار نزلهم شجرة الزقوم فأيهما خير في كونه نزلا. ~~والزقوم اسم شجرة صغيرة الورق دفرة مرة كريهة الرائحة ~~تكون في تهامة سميت به الشجرة الموصوفة. ### || [37.63-69] # { إنا جعلنها فتنة للظلمين } محنة وعذابا لهم ~~في الآخرة وابتلاء في الدنيا فإنهم لما سمعوا أنها في النار ~~قالوا كيف يمكن ذلك والنار تحرق الشجر ولم يعلموا أن من قدر على ~~خلق حيوان يعيش في النار ويتلذذ بها أقدر على خلق الشجر في ~~النار وحفظه من الاحتراق. # { إنها شجرة تخرج فى أصل الجحيم } منبتها في قعر ~~جهنم وأغصانها ترتفع إلى دركاتها. وقرىء نابتة في أصل الجحيم { ~~طلعها } أي حملها الذي يخرج منها مستعار في طلع النخلة لمشاركته ~~له من الشكل والطلوع عن الشجر. ms2787 قالوا: أول التمر طلع ثم ~~خلال ثم بلح ثم رطب ثم تمر { كأنه رءوس الشيطين } ~~في تناهي القبح والهول. وهو تشبيه بالمخبل كتشبيه الفائق في ~~الحسن بالملك. وقيل الشياطين الحيات الهائلة القبيحة ~~المنظر، لها أعراف وقيل إن شجرا يقال له الأستن خشنا منتنا ~~مرا منكر الصورة يسمى ثمره رؤوس الشياطين { فإنهم ~~لآكلون منها } أي من الشجرة أو من طلعها فالتأنيث مكتسب من ~~المضاف إليه { فمالئون منها البطون } لغلبة الجوع أو ~~للقسر على أكلها وإن كرهوها ليكون ذلك بابا من العذاب. # { ثم إن لهم عليها } على الشجرة التي ملأوا منها ~~بطونهم بعدما شبعوا منها وغلبهم العطش وطال استسقاؤهم كما ينبىء عنه ~~كلمة ثم ويجوز أن تكون لما في شرابهم من مزيد الكراهة والبشاعة { ~~لشوبا من حميم } لشرابا من غساق أو صديد مشوبا بماء ~~حميم يقطع أمعاءهم. وقرىء بالضم وهو اسم لما يشاب به، ~~والأول مصدر سمي به { ثم إن مرجعهم } أي مصيرهم. وقد ~~قرىء كذلك. { لإلى الجحيم } لإلى دركاتها أو إلى نفسها فإن ~~الزقوم والحميم نزل يقدم إليهم قبل دخولها وقيل الحميم خارج ~~عنها لقوله تعالى: # هذه جهنم التى يكذب بها المجرمون يطوفون ~~بينها وبين حميم ءان # [سورة الرحمن: الآيتان 43, 44] يذهب بهم عن مقارهم ومنازلهم في ~~الجحيم إلى شجرة الزقوم فيأكلون منها إلى أن يمتلئوا ثم يسقون ~~من الحميم ثم يردون إلى الجحيم. ويؤيده أنه قرىء ثم إن ~~منقلبهم. # { إنهم ألفوا ءاباءهم ضالين } تعليل لاستحقاقهم ما ~~ذكر من فنون العذاب بتقليد الآباء في الدين من غير أن يكون لهم ولا ~~لآبائهم شيء يتمسك به أصلا، أي وجدوهم ضالين في نفس الأمر ليس ~~لهم ما يصلح شبهة فضلا عن صلاحية الدليل. ### || [37.70-76] # { فهم على ءاثارهم يهرعون } من غير أن يتدبروا أنهم ~~على الحق أولا مع ظهور كونهم على الباطل بأدنى تأمل. والإهراع: ~~الإسراع الشديد، كأنهم يزعجون ويحثون حثا على الإسراع على ~~آثارهم وقيل هو إسراع فيه شبه رعدة. # { ولقد ضل قبلهم } أي قبل قومك قريش { أكثر ~~الأولين } من الأمم السالفة وهو جواب ms2788 قسم محذوف. وكذا قوله ~~تعالى: { ولقد أرسلنا فيهم منذرين } أي أنبياء أولي ~~عدد كثير وذوي شأن خطير بينوا لهم بطلان ما هم عليه وأنذروهم ~~عاقبته الوخيمة وتكرير القسم لإبراز كمال الاعتناء بتحقيق ~~مضمون كل من الجملتين { فانظر كيف كان عاقبة ~~المنذرين } من الهول والفظاعة لما لم يلتفتوا إلى الإنذار ولم ~~يرفعوا له رأسا. والخطاب إما لرسول الله صلى الله عليه وسلم أو ~~لكل أحد ممن يتمكن من مشاهدة آثارهم وحيث كان المعنى أنهم ~~أهلكوا إهلاكا فظيعا استثني منهم المخلصون بقوله تعالى: { إلا ~~عباد الله المخلصين } أي الذين أخلصهم الله تعالى بتوفيقهم ~~للإيمان والعمل بموجب الإنذار. وقرىء المخلصين بكسر اللام، أي ~~الذين أخلصوا دينهم لله تعالى. # { ولقد نادانا نوح } نوع تفصيل لما أجمل فيما قبل ببيان ~~أحوال بعض المرسلين وحسن عاقبتهم متضمن لبيان سوء عاقبة بعض ~~المنذرين حسبما أشير إليه بقوله تعالى: # فانظر كيف كان عاقبة المنذرين # [سورة يونس: الآية 73] كقوم نوح وآل فرعون وقوم لوط وقوم إلياس ~~ولبيان حسن عاقبة بعضهم الذين أخلصهم الله تعالى ووفقهم للإيمان ~~كما أشار إليه الاستثناء كقوم يونس عليه السلام ووجه تقديم قصة ~~نوح على سائر القصص غني عن البيان. واللام جواب قسم محذوف وكذا ~~ما في قوله تعالى: { فلنعم المجيبون } أي وبالله لقد دعانا ~~نوح حين يئس من إيمان قومه بعدما دعاهم إليه أحقابا ودهورا فلم ~~يزدهم دعاؤه إلا فرارا ونفورا فأجبناه أحسن الإجابة فوالله لنعم ~~المجيبون نحن فحذف ما حذف ثقة بدلالة ما ذكر عليه والجمع دليل ~~العظمة والكبرياء. # { ونجينه وأهله من الكرب العظيم } أي من ~~الغرق وقيل من أذية قومه. ### || [37.77-83] # { وجعلنا ذريته هم البقين } فحسب حيث أهلكنا الكفرة ~~بموجب دعائه # رب لا تذر على الأرض من الكفرين ديارا # [سورة نوح: الآية 26] وقد روي أنه مات كل من كان معه في ~~السفينة غير أبنائه وأزواجهم أو هم الذين بقوا متناسلين إلى يوم ~~القيامة. قال قتادة: الناس كلهم من ذرية نوح عليه السلام ~~وكان له ثلاثة أولاد سام وحام ويافث، فسام أبو العرب ms2789 وفارس ~~والروم، وحام أبو السودان من المشرق إلى المغرب ويافث أبو ~~الترك ويأجوج ومأجوج { وتركنا عليه فى الآخرين } من ~~الأمم { سلم على نوح } أي هذا الكلام بعينه وهو وارد على ~~الحكاية كقولك قرأت سورة أنزلناها والمعنى يسلمون عليه تسليما ~~ويدعون له على الدوام أمة بعد أمة. وقيل ثمة قول مقدر أي ~~فقلنا وقيل ضمن تركنا معنى قلنا. وقوله تعالى: { فى العلمين } ~~متعلق بالجار والمجرور. ومعناه الدعاء بثبات هذه التحية ~~واستمرارها أبدا في العالمين من الملائكة والثقلين جميعا. وقوله ~~تعالى: { إنا كذلك نجزى المحسنين } تعليل لما فعل به ~~عليه الصلاة والسلام من التكرمة السنية من إجابة دعائه ~~أحسن إجابة وإبقاء ذريته وتبقية ذكره الجميل وتسليم العالمين ~~عليه إلى آخر الدهر بكونه من زمرة المعروفين بالإحسان الراسخين ~~فيه وأن ذلك من قبيل مجازاة الإحسان بالإحسان وذلك إشارة إلى ما ~~ذكر من الكرامات السنية التي وقعت جزاء له عليه الصلاة ~~والسلام وما فيه من معنى البعد مع قرب العهد بالمشار إليه ~~للإيذان بعلو رتبته وبعد منزلته في الفضل والشرف. والكاف ~~متعلقة بما بعدها أي مثل ذلك الجزاء الكامل نجزي الكاملين في ~~الإحسان لا جزاء أدنى منه. وقوله تعالى: { إنه من عبادنا ~~المؤمنين } تعليل لكونه من المحسنين بخلوص عبوديته وكمال إيمانه ~~وفيه من الدلالة على جلالة قدرهما ما لا يخفى. { ثم أغرقنا ~~الآخرين } أي المغايرين لنوح وأهله وهم كفار قومه أجمعين. { ~~وإن من شيعته } أي ممن شايعه في أصول الدين { لإبرهيم ~~} وإن اختلفت فروع شرائعهما. ويجوز أن يكون بين شريعتيهما اتفاق ~~كلي أو أكثر. وعن ابن عباس رضي الله عنهما: من أهل دينه وعلى ~~سنته أو ممن شايعه على التصلب في دين الله ومصابرة ~~المكذبين وما كان بينهما إلا نبيان هما هود وصالح عليهم الصلاة ~~والسلام وكان بين نوح وإبراهيم ألفان وستمائة وأربعون سنة. ### || [37.84-90] # { إذ جاء ربه } منصوب باذكر أو متعلق بما في الشيعة من ~~معنى المشايعة { بقلب سليم } أي من آفات القلوب أو من العلائق ~~الشاغلة عن التبتل إلى الله عز وجل. ms2790 ومعنى المجيء به ربه ~~إخلاصه له كأنه جاء به متحفا إياه بطريق التمثيل { إذ قال ~~لأبيه وقومه ماذا تعبدون } بدل من الأولى أو ظرف لجاء ~~أو لسليم أي أي شيء تعبدونه { أئفكا ءالهة دون الله ~~تريدون } أي أتريدون آلهة من دون الله إفكا أي للإفك فقدم ~~المفعول على الفعل للعناية ثم المفعول له على المفعول به لأن ~~الأهم مكافحتهم بأنهم على إفك وباطل في شركهم. ويجوز أن يكون ~~إفكا مفعولا به بمعنى أتريدون إفكا ثم يفسر الإفك بقوله آلهة من ~~دون الله دلالة على أنها إفك في نفسها للمبالغة أو يراد بها ~~عبادتها بحذف المضاف، ويجوز أن يكون حالا بمعنى آفكين { فما ~~ظنكم برب العلمين } أي بمن هو حقيق بالعبادة لكونه ربا ~~للعالمين حتى تركتم عبادته خاصة وأشركتم به أخس مخلوقاته أو فما ~~ظنكم به أي شيء هو من الأشياء حتى جعلتم الأصنام له أندادا أو فما ~~ظنكم به ماذا يفعل بكم وكيف يعاقبكم بعدما فعلتم من الإشراك به { ~~فنظر نظرة فى النجوم } قيل كانت له عليه الصلاة ~~والسلام حمى لها نوبة معينة في بعض ساعات الليل فنظر ليعرف ~~هل هي تلك الساعة فإذا هي قد حضرت { فقال إني سقيم } وكان ~~صادقا في ذلك فجعله عذرا في تخلفه عن عيدهم وقيل أراد إني ~~سقيم القلب لكفركم وقيل نظر في علمها أو في كتبها أو في أحكامها ولا ~~منع من ذلك حيث كان قصده عليه الصلاة والسلام إيهامهم حين ~~أرادوا أن يخرجوا به عليه الصلاة والسلام إلى معبدهم ليتركوه ~~فإن القوم كانوا نجامين فأوهمهم أنه قد استدل بأمارة في علم ~~النجوم على أنه سقيم أي مشارف للسقم وهو الطاعون وكان أغلب ~~الأسقام عليهم وكانوا يخافون العدوى ليتفرقوا عنه فهربوا منه إلى ~~معيدهم وتركوه في بيت الأصنام وذلك قوله تعالى: { فتولوا ~~عنه مدبرين } أي هاربين مخافة العدوى. ### || [37.91-96] # { فراغ إلى ءالهتهم } أي ذهب إليها في خفية وأصله الميل ~~بحيلة { فقال } للأصنام استهزاء { ألا تأكلون } أي من ~~الطعام الذي كانوا يصنعونه عندها لتبرك ms2791 عليه { ما لكم لا ~~تنطقون } أي بجوابي { فراغ عليهم } فمال مستعليا عليهم ~~وقوله تعالى: { ضربا باليمين } مصدر مؤكد لراغ عليهم فإنه ~~بمعنى ضربهم، أو لفعل مضمر هو حال من فاعله، أي فراغ عليهم يضربهم ~~ضربا، أو هو الحال منه على أنه مصدر بمعنى الفاعل أي فراغ عليهم ~~ضاربا باليمين أي ضربا شديدا قويا وذلك لأن اليمين أقوى ~~الجارحتين وأشدهما، وقوة الآلة تقتضي قوة الفعل وشدته، وقيل ~~بالقوة والمتانة كما في قوله: [الوافر] # إذا ما راية رفعت لمجد # تلقاها عرابة باليمين # أي بالقوة وعلى ذلك مدار تسمية الحلف باليمين لأنه يقوي ~~الكلام ويؤكده وقيل بسبب الحلف وهو قوله تعالى: # وتالله لأكيدن أصنمكم # [سورة الأنبياء: الآية 57] { فأقبلوا إليه } أي المأمورون ~~بإحضاره عليه الصلاة والسلام بعدما رجعوا من عيدهم إلى بيت ~~الأصنام فوجدوها مكسورة فسألوا عن الفاعل فظنوا أنه عليه ~~الصلاة والسلام فعله فقيل فأتوا به { يزفون } حال من واو ~~أقبلوا أي يسرعون من زفيف النعام. وقرىء يزفون من أزف إذا ~~دخل في الزفيف. أو من أزفه أي حمله على الزفيف أي يزف بعضهم ~~بعضا ويزفون على البناء للمفعول أي يحملون على الزفيف ويزفون ~~من وزف يزف إذا أسرع ويزفون من زفاه إذا حداه كأن بعضهم يزفو ~~بعضا لتسارعهم إليه عليه الصلاة والسلام { قال } أي بعدما أتوا به ~~عليه الصلاة والسلام وجرى بينه صلى الله عليه وسلم وبينهم من ~~المحاورات ما نطق به قوله تعالى: # قالوا ءأنت فعلت هذا بئالهتنا يإبرهيم # [سورة الأنبياء: الآية 62] إلى قوله تعالى: # لقد علمت ما هؤلاء ينطقون # [سورة الأنبياء: الآية 65] { أتعبدون ما تنحتون } ما ~~تنحتونه من الأصنام وقوله تعالى: { والله خلقكم وما ~~تعملون } حال من فاعل تعبدون مؤكدة للإنكار والتوبيخ أي ~~والحال أنه تعالى خلقكم وخلق ما تعملونه فإن جواهر أصنامهم ~~ومادتها بخلقه تعالى وشكلها وإن كان بفعلهم لكنه بإقداره تعالى إياهم ~~عليه وخلقه ما يتوقف عليه فعلهم من الدواعي والعدد والأسباب، وما ~~تعملون إما عبارة عن الأصنام فوضعه موضع ضمير ما تنحتون للإيذان ~~بأن مخلوقيتها لله عز ms2792 وجل ليس من حيث نحتهم لها فقط بل من ~~حيث سائر أعمالهم أيضا من التصوير والتحلية والتزيين ~~ونحوها، وإما على عمومه فينتظم الأصنام انتظاما أوليا مع ما فيه ~~من تحقيق الحق ببيان أن جميع ما يعملونه كائنا ما كان مخلوق ~~له سبحانه. وقيل ما مصدرية أي عملكم على أنه بمعنى المفعول وقيل ~~بمعناه فإن فعلهم إذا كان بخلق الله تعالى كان مفعولهم المتوقف ~~على فعلهم أولى بذلك. ### || [37.97-102] # { قالوا ابنوا له بنينا فألقوه فى الجحيم } أي ~~في النار الشديدة الاتقاد من الجحمة وهي شدة التأجج، ~~واللام عوض من المضاف إليه أي جحيم ذلك البنيان وقد ذكر كيفية بنائهم ~~له في سورة الأنبياء { فأرادوا به كيدا } فإنه عليه ~~الصلاة والسلام لما قهرهم بالحجة وألقمهم الحجر قصدوا ما ~~قصدوا لئلا يظهر للعامة عجزهم { فجعلنهم الأسفلين ~~} الأذلين بإبطال كيدهم وجعله برهانا نيرا على علو شأنه عليه ~~الصلاة والسلام يجعل النار عليه بردا وسلاما { وقال ~~إنى ذاهب إلى ربى } أي مهاجر إلى حيث أمرني ربي كما قال ~~إني مهاجر إلى ربي وهو الشام أو إلى حيث أتجرد فيه لعبادته ~~تعالى { سيهدين } أي إلى ما فيه صلاح ديني أو إلى مقصدي وبت القول ~~بذلك لسبق الوعد أو لفرط توكله أو للبناء على عادته تعالى معه ولم ~~يكن كذلك حال موسى عليه السلام حيث قال: # عسى ربى أن يهدينى سواء السبيل # [سورة القصص: الآية 22] ولذلك أتى بصيغة التوقع. # { رب هب لى من الصلحين } أي بعض الصالحين يعينني على ~~الدعوة والطاعة ويؤنسني في الغربة يعني الولد لأن لفظ الهبة على ~~الإطلاق خاص به وإن كان قد ورد مقيدا بالأخوة في قوله تعالى: # ووهبنا له من رحمتنا أخاه هرون نبيا # [سورة مريم: الآية 53] ولقوله تعالى: { فبشرنه بغلم ~~حليم } فإنه صريح في أن المبشر به عين ما استوهبه عليه ~~الصلاة والسلام ولقد جمع فيه بشارات ثلاث: بشارة أنه غلام ~~وأنه يبلغ أوان الحلم وأنه يكون حليما، وأي حلم يعادل ~~حلمه عليه الصلاة والسلام حين عرض عليه أبوه الذبح فقال: ms2793 # يأبت افعل ما تؤمر ستجدنى إن شاء الله من ~~الصبرين # [سورة الصافات: الآية 102] وقيل ما نعت الله الأنبياء عليهم ~~الصلاة والسلام بأقل مما نعتهم بالحلم لعزة وجوده غير ~~إبراهيم وابنه فإنه تعالى نعتهما به وحالهما المحكية بعد أعدل ~~بينة بذلك. # والفاء في قوله تعالى: { فلما بلغ معه السعي } فصيحة ~~معربة عن مقدر قد حذف تعويلا على شهادة الحال وإيذانا بعدم ~~الحاجة إلى التصريح به لاستحالة التخلف والتأخر بعد ~~البشارة كما مر في قوله تعالى: # فلما رأينه أكبرنه # [سورة يوسف: الآية 31] وفي قوله تعالى: # فلما رءاه مستقرا عنده # [سورة النمل: الآية 40] أي فوهبناه له فنشأ فلما بلغ رتبة أن يسعى ~~معه في أشغاله وحوائجه. ومعه متعلق بمحذوف ينبىء عنه السعي لا ~~بنفسه لأن صلة المصدر لا تتقدمه ولا يبلغ لأن بلوغهما لم يكن ~~معا كأنه لما ذكر السعي قيل مع من فقيل معه وتخصيصه لأن ~~الأب أكمل في الرفق والاستصلاح فلا يستسيغه قبل أوانه أو لأنه ~~استوهبه لذلك وكان له يومئذ ثلاث عشرة سنة. # { قال } أي إبراهيم عليه السلام { يبنى إنى أرى فى ~~المنام أنى أذبحك } أي أرى هذه الصورة بعينها أو ما هذه ~~عبارته وتأويله وقيل إنه رأى ليلة التروية كأن قائلا يقول له: ~~إن الله يأمرك بذبح ابنك هذا فلما أصبح روى في ذلك من ~~الصباح إلى الرواح أمن الله هذا الحلم أم من الشيطان، فمن ~~ثمة سمي يوم التروية فلما أمسى رأى مثل ذلك فعرف أنه من ~~الله تعالى فمن ثمة سمي يوم عرفة ثم رأى مثله في الليلة ~~الثالثة فهم بنحره فسمي اليوم يوم النحر. # وقيل إن الملائكة حين بشرته بغلام حليم قال: إذن هو ذبيح الله ~~فلما ولد وبلغ حد السعي معه قيل له: أوف بنذرك. والأظهر ~~الأشهر أن المخاطب إسماعيل عليه السلام إذ هو الذي وهب إثر ~~المهاجرة ولأن البشارة بإسحاق بعده معطوف على البشارة بهذا الغلام ~~ولقوله عليه الصلاة والسلام: # " أنا ابن الذبيحين " # فأحدهما جده إسماعيل عليه السلام والآخر أبوه عبد الله ~~فإن عبد ms2794 المطلب نذر أن يذبح ولدا أن سهل الله تعالى له حفر ~~بئر زمزم أو بلغ بنوه عشرة فلما حصل ذلك وخرج السهم على عبد ~~الله فداه بمائة من الإبل ولذلك سنت الدية مائة ولأن ذلك ~~كان بمكة. وكان قرنا الكبش معلقين بالكعبة حتى احترقا في ~~أيام ابن الزبير ولم يكن إسحاق ثمة ولأن بشارة إسحاق كانت ~~مقرونة بولادة يعقوب منه فلا يناسبه الأمر بذبحه مراهقا. وما ~~روي أنه عليه الصلاة والسلام سئل أي النسب أشرف؟ فقال ~~يوسف صديق الله ابن يعقوب إسرائيل الله ابن إسحاق ذبيح ~~الله ابن إبراهيم خليل الله فالصحيح أنه عليه الصلاة ~~والسلام قال يوسف بن إسحاق بن إبراهيم والزوائد من الراوي، ~~وما روي من أن يعقوب كتب إلى يوسف مثل ذلك لم يثبت: وقرىء إني ~~بفتح الياء فيهما. # { فانظر ماذا ترى } من الرأي وإنما شاوره فيه وهو أمر ~~محتوم ليعلم ما عنده فيما نزل من بلاء الله تعالى فيثبت قدمه ~~إن جزع ويأمن عليه إن سلم وليوطن نفسه عليه فيهون ويكتسب ~~المثوبة عليه بالانقياد له قبل نزوله. وقرىء ماذا تري بضم التاء ~~وكسر الراء وبفتحها مبنيا للمفعول { قال يأبت افعل ما ~~تؤمر } أي تؤمر به فحذف الجار أولا على القاعدة المطردة ~~ثم حذف العائد إلى الموصول بعد انقلابه منصوبا بإيصاله إلى الفعل أو ~~حذفا دفعة أو افعل أمرك على إضافة المصدر إلى المفعول وتسمية المأمور ~~به أمرا. وقرىء ما تؤمر به، وصيغة المضارع للدلالة على أن الأمر ~~متعلق به متوجه إليه مستمر إلى حين الامتثال به { ستجدنى ~~إن شاء الله من الصبرين } على الذبح أو على قضاء الله ~~تعالى. ### || [37.103] # { فلما أسلما } أي استسلما لأمر الله تعالى وانقادا وخضعا له ~~يقال سلم لأمر الله وأسلم واستسلم بمعنى واحد. وقرىء بهن ~~جميعا. وأصلها من قولك سلم هذا لفلان إذا خلص له ومعناه سلم من ~~أن ينازع فيه وقولهم سلم لأمر الله وأسلم له منقولان منه ~~ومعناهما أخلص نفسه لله وجعلها سالمة له وكذلك معنى استسلم استخلص ~~نفسه ms2795 له تعالى. وعن قتادة رضي الله عنه في أسلما: أسلم إبراهيم ابنه ~~وإسماعيل نفسه. { وتله للجبين } صرعه على شقه فوقع ~~جبينه على الأرض وهو أحد جانبي الجبهة وقيل كبه على وجهه ~~بإشارته كيلا يرى منه ما يورث رقة تحول بينه وبين أمر الله ~~تعالى وكان ذلك عند الصخرة من منى. وقيل في الموضع المشرف على ~~مسجد منى وقيل في المنحر الذي ينحر اليوم فيه. ### || [37.104-109] # { وندينه أن يإبرهيم قد صدقت الرؤيا } ~~بالعزم على الإتيان بالمأمور به وترتيب مقدماته. وقد روي أنه أمر ~~السكين بقوته على حلقه مرارا فلم يقطع ثم وضع السكين على ~~قفاه فانقلب السكين فعند ذلك وقع النداء. وجواب لما محذوف ~~إيذانا بعدم وفاء التعبير بتفاصيله كأنه قيل كان ما كان مما لا ~~يحيط به نطاق البيان من استبشارهما وشكرهما لله تعالى على ما أنعم ~~به عليهما من دفع البلاء بعد حلوله والتوفيق لما لم يوفق أحد ~~لمثله، وإظهار فضلهما بذلك على العالمين مع إحراز الثواب العظيم إلى ~~غير ذلك { إنا كذلك نجزى المحسنين } تعليل لتفريج تلك ~~الكربة عنهما بإحسانهما واحتج به من جوز النسخ قبل وقوع المأمور ~~به فإنه عليه الصلاة والسلام كان مأمورا بالذبح لقوله تعالى: # افعل ما تؤمر # [سورة الصافات: الآية 102] ولم يحصل { إن هذا لهو البلاء ~~المبين } الذي يتميز فيه المخلص عن غيره أو المحنة البينة ~~الصعوبة إذ لا شيء أصعب منها. { وفدينه بذبح } بما ~~يذبح بدله فيتم به الفعل { عظيم } أي عظيم الجثة سمين أو عظيم ~~القدر لأنه يفدي به الله نبيا ابن نبي من نسله سيد ~~المرسلين. قيل كان ذلك كبشا من الجنة. عن ابن عباس رضي الله ~~عنهما: أنه الكبش الذي قربه هابيل فتقبل منه وكان يرعى في ~~الجنة حتى فدي به إسماعيل عليه السلام. وقيل فدي بوعل أهبط ~~عليه من ثبير. وروي أنه هرب من إبراهيم عليه السلام عند الجمرة ~~فرماه بسبع حصيات حتى أخذه فبقي سنة في الرمي. وروي أنه ~~رمى الشيطان حين تعرض له بالوسوسة عند ذبح ولده. ms2796 وروي أنه ~~لما ذبحه قال جبريل عليه السلام: الله أكبر الله أكبر فقال ~~الذبيح: لا إله إلا الله والله أكبر فقال إبراهيم: ~~الله أكبر ولله الحمد فبقي سنة. والفادي في الحقيقة هو ~~إبراهيم وإنما قيل وفديناه لأنه تعالى هو المعطي له والآمر به ~~على التجوز في الفداء أو الإسناد { وتركنا عليه فى ~~الآخرين سلم على إبرهيم } قد سلف بيانه في خاتمة ~~قصة نوح عليه السلام. ### || [37.110-116] # { كذلك نجزى المحسنين } ذلك إشارة إلى إبقاء ذكره الجميل ~~فيما بين الأمم لا إلى ما أشير إليه فيما سبق فلا تكرار. وعدم تصدير ~~الجملة بإنا للاكتفاء بما مر آنفا { إنه من عبادنا ~~المؤمنين } الراسخين في الإيمان على وجهة الإيقان والاطمئنان. # { وبشرنه بإسحق نبيا من الصلحين } أي ~~مقضيا بنبوته مقدرا كونه من الصالحين وبهذا الاعتبار وقعا ~~حالين ولا حاجة إلى وجود المبشر به وقت البشارة فإن وجود ذي ~~الحال ليس بشرط وإنما الشرط مقارنة تعلق الفعل به لاعتبار ~~معنى الحال فلا حاجة إلى تقدير مضاف يجعل عاملا فيهما مثل وبشرناه ~~بوجود إسحاق بأن يوجد إسحاق نبيا من الصالحين، ومع ذلك لا ~~يصير نظير قوله تعالى: # فادخلوها خلدين # [سورة الزمر: الآية 73] فإن الداخلين كانوا مقدرين خلودهم وقت ~~الدخول وإسحاق عليه السلام لم يكن مقدرا نبوة نفسه وصلاحها ~~حين ما يوجد، ومن فسر الغلام بإسحاق جعل المقصود من البشارة ~~نبوته عليه الصلاة والسلام وفي ذكر الصلاح بعد تعظيم لشأنه ~~وإيماء إلى أنه الغاية لها لتضمنها معنى الكمال والتكميل ~~بالفعل على الإطلاق. # { وبركنا عليه } على إبراهيم في أولاده { وعلى ~~إسحق } بأن أخرجنا من صلبه أنبياء بني إسرائيل وغيرهم ~~كأيوب وشعيب عليهم السلام أو أفضنا عليهما بركات الدين ~~والدنيا. وقرىء وبركنا. { ومن ذريتهما محسن } في عمله ~~أو لنفسه بالإيمان والطاعة { وظلم لنفسه } بالكفر ~~والمعاصي { مبين } ظاهر ظلمه وفيه تنبيه على أن النسب لا ~~تأثير له في الهداية والضلال وأن الظلم في أعقابهما لا يعود ~~عليهما بنقيصة ولا عيب { ولقد مننا على موسى وهرون ~~} أي أنعمنا عليهما بالنبوة وغيرها من ms2797 النعم الدينية ~~والدنيوية { ونجينهما وقومهما } وهم بنو إسرائيل { ~~من الكرب العظيم } هو ملكة آل فرعون وتسلطهم عليهم بألوان ~~الغشم والعذاب كما في قوله تعالى: # وإذ أنجينكم من ءال فرعون # [سورة الأعراف: الآية 141] وقيل هو الغرق وهو بعيد لأنه لم يكن ~~عليهم كربا ومشقة. # { ونصرنهم } أي إياهما وقومهما على عدوهم { فكانوا } ~~بسبب ذلك { هم الغلبين } عليهم غلبة لا غاية وراءها بعد أن ~~كان قومهما في أسرهم وقسرهم مقهورين تحت أيديهم العادية يسومونهم ~~سوء العذاب. وهذه التنجية وإن كانت بحسب الوجود مقارنة لما ذكر من ~~النصر والغلبة لكنها لما كانت بحسب المفهوم عبارة عن التخليص ~~من المكروه بدىء بها ثم بالنصر الذي يتحقق مدلوله بمحض تنجية ~~المنصور من عدوه من غير تغليبه عليه ثم بالغلبة لتوفية مقام ~~الامتنان حقه بإظهار أن كل مرتبة من هذه المراتب الثلاث ~~نعمة جليلة على حيالها. ### || [37.117-125] # { وءاتينهما } بعد ذلك { الكتب المستبين } أي ~~البليغ في البيان والتفصيل وهو التوراة { وهدينهما } ~~بذلك { الصراط المستقيم } الموصل إلى الحق والصواب بما ~~فيه من تفاصيل الشرائع وتفاريع الأحكام { وتركنا عليهما ~~فى الآخرين سلم على موسى وهرون } أي أبقينا فيما ~~بين الأمم الآخرين هذا الذكر الجميل والثناء الجزيل { إنا ~~كذلك } الجزاء الكامل { نجزى المحسنين } الذين هما من ~~جملتهم لا جزاء قاصرا عنه { إنهما من عبادنا المؤمنين ~~} سبق بيانه. # { وإن إلياس لمن المرسلين } هو إلياس بن ياسين من ~~سبط هارون أخي موسى عليهم السلام بعث بعده وقيل إدريس لأنه قرىء ~~مكانه إدريس وإدراس وقرىء إيليس وقرىء إلياس بحذف الهمزة { إذ ~~قال لقومه ألا تتقون } أي عذاب الله تعالى. { أتدعون ~~بعلا } أتعبدونه وتطلبون الخير منه وهو اسم صنم كان لأهل بك من ~~الشأم وهو البلد المعروف اليوم ببعلبك قيل كان من ذهب طوله ~~عشرون ذراعا وله أربعة أوجه فتنوا به وعظموه حتى أخدموه أربعمائة ~~سادن وجعلوهم أنبياء فكان الشيطان يدخل جوفه ويتكلم بشريعة ~~الضلالة، والسدنة يحفظونها ويعلمونها الناس. وقيل البعل ~~الرب بلغة اليمن أي أتعبدون بعض البعول. { وتذرون أحسن ~~الخلقين } أي وتتركون عبادته وقد ms2798 أشير إلى المقتضى للإنكار ~~المعني بالهمزة ثم صرح به بقوله تعالى: ### || [37.126-136] # { الله ربكم ورب ءابائكم الأولين } بالنصب على ~~البدلية من أحسن الخالقين. وقرىء بالرفع على الابتداء. ~~والتعرض لذكر ربوبيته تعالى لآبائهم لتأكيد إنكار تركهم ~~عبادته تعالى والإشعار ببطلان آراء آبائهم أيضا { فكذبوه ~~فإنهم } بسبب تكذيبهم ذلك { لمحضرون } أي العذاب. والإطلاق ~~للاكتفاء بالقرائن على أن الإحضار المطلق مخصوص بالشر عرفا { ~~إلا عباد الله المخلصين } استثناء من ضمير محضرون { ~~وتركنا عليه فى الآخرين } { سلم على آل ياسين } ~~هو لغة في الياس كسيناء في سينين وقيل هو جمع له أريد به هو ~~وأتباعه كالمهلبين والخبيبين. وفيه أن العلم إذا جمع يجب ~~تعريفه كالمثالين. وقرىء بإضافة آل إلى ياسين لأنهما في المصحف ~~مفصولان فيكون ياسين أبا إلياس { إنا كذلك نجزى ~~المحسنين إنه من عبادنا المؤمنين } مر تفسيره { ~~وإن لوطا لمن المرسلين إذ نجينه } أي اذكر ~~وقت تنجيتنا إياه { وأهله أجمعين إلا عجوزا فى ~~الغبرين } أي الباقين في العذاب أو الماضين الهالكين. # { ثم دمرنا الآخرين } فإن في ذلك شواهد على جلية أمره ~~وكونه من جملة المرسلين. ### || [37.137-145] # { وإنكم } يا أهل مكة { لتمرون عليهم } على ~~منازلهم في متاجركم إلى الشأم وتشاهدون آثار هلاكهم فإن سدوم في ~~طريق الشأم { مصبحين } داخلين في الصباح { وباليل } أي ~~ومساء أهم نهارا وليلا، ولعلها وقعت بقرب منزل يمر بها المرتحل ~~عنه صباحا والقاصد له مساء { أفلا تعقلون } أتشاهدون ذلك فلا ~~تعقلون حتى تعتبروا به وتخافوا أن يصيبكم مثل ما أصابهم. # { وإن يونس لمن المرسلين } وقرىء بكسر النون { إذ ~~أبق } أي هرب وأصله الهرب من السيد لكن لما كان هربه من قومه ~~بغير إذن ربه حسن إطلاقه عليه { إلى الفلك المشحون } أي ~~المملوء { فسهم } فقارع أهله { فكان من المدحضين } ~~فصار من المغلوبين بالقرعة وأصله المزلق عن مقام الظفر. روي أنه ~~عليه الصلاة والسلام لما وعد قومه بالعذاب خرج من بينهم قبل ~~أن يأمره الله تعالى به فركب السفينة فوقفت فقال فيها عبد آبق ~~فاقترعوا فخرجت القرعة عليه فقال: أنا الآبق ورمى ms2799 بنفسه في الماء ~~{ فالتقمه الحوت } فابتلعه من اللقمة { وهو مليم } ~~داخل في الملامة أو آت بما يلام عليه أو مليم نفسه. وقرىء مليم ~~بالفتح مبنيا من ليم كمشيب في مشوب { فلولا أنه كان من ~~المسبحين } الذاكرين الله كثيرا بالتسبيح مدة عمره أو في ~~بطن الحوت وهو قوله: # لا إله إلا أنت سبحنك إنى كنت من ~~الظلمين # [سورة الأنبياء: الآية 87] وقيل من المصلين فإنه عليه الصلاة ~~والسلام كان كثير الصلاة في الرخاء { للبث فى بطنه ~~إلى يوم يبعثون } حيا وقيل ميتا وفيه حث على إكثار ~~الذكر وتعظيم لشأنه ومن أقبل عليه في السراء أخذ بيده عند ~~الضراء { فنبذنه بالعراء } بأن حملنا الحوت على لفظه ~~بالمكان الخالي عما يغطيه من شجر أو نبت. روي أن الحوت سار مع ~~السفينة رافعا رأسه يتنفس فيه يونس عليه السلام ويسبح ولم ~~يفارقهم حتى انتهوا إلى البر فلفظه سالما لم يتغير منه شيء ~~فأسلموا. وروي أن الحوت قذفه بساحل قرية من الموصل. واختلف في ~~مقدار لبثه فقيل أربعون يوما وقيل عشرون وقيل سبعة وقيل ثلاثة وقيل ~~لم يلبث إلا قليلا ثم أخرج من بطنه بعيد الوقت الذي التقم فيه. ~~روى عطاء أنه حين ابتلعه أوحى الله تعالى إلى الحوت إني جعلت ~~بطنك له سجنا ولم أجعله لك طعاما. { وهو سقيم } مما ناله قيل ~~صار بدنه كبدن الطفل حين يولد. ### || [37.146-149] # { وأنبتنا عليه } أي فوقه مظلة عليه { شجرة من ~~يقطين } وهو كل ما ينبسط على الأرض ولا يقوم على ساق كشجر ~~البطيخ والقثاء والحنظل وهو يفعيل من قطن بالمكان إذا أقام ~~به والأكثرون على أنه الدباء غطته بأوراقها عن الذباب ~~فإنه لا يقع عليه ويدل عليه أنه قيل لرسول الله صلى الله عليه ~~وسلم إنك تحب القرع قال: # " أجل هي شجرة أخي يونس " # وقيل هي التين وقيل الموز تغطى بورقه واستظل بأغصانه وأفطر ~~على ثماره وقيل كان يستظل بالشجرة وكانت وعلة تختلف إليه فيشرب ~~من لبنها. # { وأرسلنه إلى مائة ألف } هم قومه الذين هرب منهم ~~وهم أهل ms2800 نينوى. والمراد به إرساله السابق أخبر أولا بأنه من ~~المرسلين على الاطلاق ثم أخبر بأنه قد أرسل إلى أمة جمة وكأن ~~توسيط تذكير وقت هربه إلى الفلك وما بعده بينهما لتذكير سببه وهو ~~ما جرى بينه عليه الصلاة والسلام وبين قومه من إنذاره إياهم ~~عذاب الله تعالى وتعيينه لوقت حلوله وتعللهم وتعليقهم لإيمانهم ~~بظهور أماراته كما مر تفصيله في سورة يونس ليعلم أن إيمانهم ~~الذي سيحكى بعد لم يكن عقيب الإرسال كما هو المتبادر من ترتيب ~~الإيمان عليه بالفاء بعد اللتيا والتي وقيل: هو إرسال آخر إليهم ~~وقيل: إلى غيرهم وليس بظاهر { أو يزيدون } أي في مرأى الناظر ~~فإنه إذا نظر إليهم قال إنهم مائة ألف أو يزيدون، والمراد هو ~~الموصف بالكثرة. وقرىء بالواو { فئامنوا } أي بعد ما شاهدوا ~~علائم حلول العذاب إيمانا خالصا { فمتعنهم } أي بالحيارة ~~الدنيا { إلى حين } قدره الله سبحانه لهم. قيل لعل عدم ختم ~~هذه القصة وقصة لوط بما ختم به سائر القصص للتفرقة بينهما ~~وبين أرباب الشرائع وأولي العزم من الرسل أو اكتفاء ~~بالتسليم الشامل لكل الرسل المذكورين في آخر السورة. # { فاستفتهم } أمر الله عز وجل في صدر السورة الكريمة ~~رسوله صلى الله عليه وسلم بتبكيت قريش وإبطال مذهبهم في إنكار ~~البعث بطريق الاستفتاء وساق البراهين القاطعة الناطقة بتحققة ~~لا محالة وبين وقوعه وما سيلقونه عند ذلك من فنون العذاب واستثنى ~~منهم عباده المخلصين وفصل ما لهم من النعيم المقيم ثم ذكر أنه ~~قد ضل من قبلهم أكثر الأولين وأنه تعالى أرسل إليهم منذرين على ~~وجه الإجمال ثم أورد قصص كل واحد منهم على وجه التفصيل ~~مبينا في كل قصة منها أنهم من عباده تعالى واصفا لهم تارة ~~بالإخلاص وأخرى بالإيمان ثم أمره عليه الصلاة والسلام ههنا ~~بتبكيتهم بطريق الاستفتاء عن وجه أمر منكر خارج عن العقول ~~بالكلية وهي القسمة الباطلة اللازمة لما كانوا عليه من الاعتقاد ~~الزائغ حيث كانوا يقولون كبعض أجناس العرب جهينة وبني سلمة ~~وخزاعة وبني مليح، الملائكة بنات الله والفاء لترتيب ms2801 الأمر على ما ~~سبق من كون أولئك الرسل الذين هم أعلام الخلق عليهم الصلاة ~~والسلام عباده تعالى فإن ذلك مما يؤكد التبكيت ويظهر بطلان ~~مذهبهم الفاسد ثم تبكيتهم بما يتضمنه كفرهم المذكور من الاستهانة ~~بالملائكة يجعلهم إناثا ثم أبطل أصل كفرهم المنطوي على هذين الكفرين ~~وهو نسبة الولد إليه سبحانه وتعالى عن ذلك علوا كبيرا ولم ينظمه ~~في سلك التبكيت لمشاركتهم النصارى في ذلك أي فاستخبرهم { ~~ألربك البنات } اللاتي هن أوضع الجنسين { ولهم البنون ~~} الذين هم أرفعهما فإن ذلك مما لا يقول به من له أدنى شيء من ~~العقل. ### || [37.150-153] # وقوله تعالى: { أم خلقنا الملئكة إنثا } إضراب ~~وانتقال من التبكيت بالاستفتاء السابق إلى التبكيت بهذا كما ~~أشير إليه أي بل أخلقنا الملائكة الذين هم من أشرف الخلائق وأبعدهم ~~من صفات الأجسام ورذائل الطبائع إناثا والأنوثة من أخس صفات ~~الحيوان. وقوله تعالى: { وهم شهدون } استهزاء بهم تجهيل لهم ~~كقوله تعالى: # أشهدوا خلقهم # [سورة الزخرف: الآية 19] وقوله تعالى: # ما أشهدتهم خلق السموات والأرض ولاخلق ~~أنفسهم # [سورة الكهف: الآية 51] فإن أمثال هذه الأمور لا تعلم إلا ~~بالمشاهدة إذ لا سبيل إلى معرفتها بطريق العقل وانتفاء النقل ~~مما لا ريب فيه فلا بد أن يكون القائل بأنوثتهم شاهدا عند خلقهم ~~والجملة إما حال من فاعل خلقنا أي بل أخلقناهم إناثا والحال أنهم ~~حاضرون حينئذ أو عطف على خلقنا أي بل أهم شاهدون وقوله تعالى: # { ألا إنهم من إفكهم ليقولون ولد الله } ~~استئنفاف من جهته غير داخل تحت الأمر بالاستفتاء مسوق لإبطال أصل ~~مذهبهم الفاسد ببيان أن مبناه ليس إلا الإفك الصريح ~~والافتراء القبيح من غير أن يكون لهم دليل أو شبهة قطعا { ~~وإنهم لكذبون } في قولهم ذلك كذبا بينا لا ريب ~~فيه. وقرىء ولد الله على أنه خبر مبتدأ محذوف أي الملائكة ولده ~~تعالى عن ذلك علوا كبيرا فإن الولد فعل بمعنى مفعول يستوي ~~فيه الواحد والجمع والمذكر والمؤنث { أصطفى البنات ~~على البنين } إثبات لإفكهم وتقرير لكذبهم فيما قالوا ببيان ~~استلزامه لأمر بين الاستحالة ms2802 هو اصطفاؤه تعالى البنات على البنين، ~~والاصطفاء أخذ صفوة الشيء لنفسه، وقرىء بكسر الهمزة على حذف ~~حرف الاستفهام ثقة بدلالة القرائن عليه وجعله بدلا من ولد الله ~~ضعيف وتقدير القول أي لكاذبون في قولهم اصطفى الخ تعسف بعيد. ### || [37.154-158] # { ما لكم كيف تحكمون } بهذا الحكم الذي يقضي ببطلانه ~~بديهة العقل { أفلا تذكرون } بحذف إحدى التاءين من ~~تتذكرون، وقرىء تذكرون من ذكر، والفاء للعطف على مقدر أي ~~ألا تلاحظون ذلك فلا تتذكرون بطلانه فإنه مركوز في عقل كل ~~ذكي وغبي. # { أم لكم سلطن مبين } إضراب وانتقال من توبيخهم ~~وتبكيتهم بما ذكر إلي تبكيتهم بتكليفهم ما لا يدخل تحت الوجود ~~أصلا أي بل ألكم حجة واضحة نزلت عليكم من السماء بأن ~~الملائكة بناته تعالى ضرورة أن الحكم بذلك لا بد له من سند ~~حسي أو عقلي وحيث انتفى كلاهما فلا بد من سند نقلي { فأتوا ~~بكتبكم } الناطق بصحة دعواكم { إن كنتم صدقين ~~} فيها وفي هذه الآيات من الإنباء عن السخط العظيم والإنكار ~~الفظيع لأقاويلهم والاستبعاد الشديد لأباطيلهم وتسفيه أحلامهم ~~وتركيك عقولهم وأفهامهم مع استهزاء بهم وتعجيب من جهلهم ما لا ~~يخفى على من تأمل فيها. وقوله تعالى: # { وجعلوا بينه وبين الجنة نسبا } التفات إلى ~~الغيبة للإيذان بانقطاعهم عن الجواب وسقوطهم عن درجة الخطاب ~~واقتضاء حالهم أن يعرض عنهم وتحكى جناياتهم لآخرين والمراد ~~بالجنة الملائكة قالوا الجنس واحد ولكن من خبث من الجن ~~ومرد وكان شرا كله فهو شيطان ومن طهر منهم ونسك وكان خيرا كله ~~فهو ملك وإنما عبر عنهم بذلك الاسم وضعا منهم وتقصيرا بهم ~~مع عظم شأنهم فيما بين الخلق أن يبلغوا منزلة المناسبة التي ~~أضافوها إليهم فجعلهم هذا عبارة عن قولهم الملائكة بنات الله وإنما ~~أعيد ذكره تمهيدا لما يعقبه من قوله تعالى: { ولقد علمت ~~الجنة إنهم لمحضرون } أي وبالله لقد علمت الجنة التي ~~عظموها بأن جعلوا بينها وبينه تعالى نسبا وهم الملائكة أن ~~الكفرة لمحضرون النار معذبون بها لكذبهم وافترائهم في قولهم ~~ذلك، والمراد به المبالغة في التكذيب ms2803 ببيان أن الذين يدعي ~~هؤلاء لهم تلك النسبة ويعلمون أنهم أعلم منهم بحقيقة الحال ~~يكذبونهم في ذلك ويحكمون بأنهم معذبون لأجله حكما مؤكدا وقيل: ~~إن قوما من الزنادقة يقولون: الله تعالى وإبليس أخوان فالله هو ~~الخير الكريم وإبليس هو الشر اللئيم وهو المراد بقوله ~~تعالى: { وجعلوا بينه وبين الجنة نسبا }. قال ~~الإمام الرازي وهذا القول عندي أقرب الأقاويل وهو مذهب المجوس ~~القائلين بيزدان واهرمن من. وقال مجاهد قالت قريش: الملائكة ~~بنات الله فقال أبو بكر الصديق رضي الله عنه: فمن أمهاتهم تبكيتا ~~لهم؟ فقالوا سروات الجن وقيل: معنى جعلوا بينه وبين الجنة ~~نسبا جعلوا بينهما مناسبة حيث أشركوا به تعالى الجن في استحقاف ~~العبادة فعلى هذه الأقاويل يجوز أن يكون الضمير في إنهم ~~لمحضرون للجنة فالمعنى لقد علمت الشياطين أن الله تعالى يحضرهم ~~النار ويعذبهم بها ولو كانوا مناسبين له تعالى أو شركاء في ~~استحقاف العبادة لما عذبهم والوجه هو الأول فإن قوله: ### || [37.159-164] # { سبحن الله عما يصفون } حكاية لتنزيه الملائكة ~~إياه تعالى عما وصفه المشركون به بعد تكذيبهم لهم في ذلك ~~بتقدير قول معطوف على علمت. وقوله تعالى: { إلا عباد الله ~~المخلصين } شهادة منهم ببراءة المخلصين من أن يصفوه تعالى ~~بذلك متضمنة لتبرئهم منه بحكم اندراجهم في زمرة المخلصين على ~~أبلغ وجه وآكده على أنه استثناء منقطع من واو يصفون كأنه قيل ~~ولقد علمت الملائكة أن المشركين لمعذبون لقولهم ذلك وقالوا سبحان ~~الله عما يصفونه به لكن عباد الله الذين نحن من جملتهم برآه من ~~ذلك الوصف وقوله تعالى: { فإنكم وما تعبدون ما أنتم ~~عليه بفتنين } تعليل وتحقيق لبراءة المخلصين مما ذكر ~~ببيان عجزهم عن إغوائهم وإضلالهم. والالتفات إلى الخطاب لإظهار ~~كمال الاعتناء بتحقيق مضمون الكلام وما تعبدون عبارة عن ~~الشياطين الذين أغووهم وفيه إيذان بتبرئهم عنهم وعن عبادتهم ~~كقولهم بل كانوا يعبدون الجن وما نافية وأنتم خطاب لهم ولمعبوديهم ~~تغليبا، وعلى متعلقة بفاتنين يقال فتن فلان على فلان امرأته أي ~~أفسدها عليه والمعنى فإنكم ومعبوديكم أيها المشركون لستم ms2804 بفاتنين ~~عليه تعالى بإفساد عباده وإضلالهم. # { إلا من هو صال الجحيم } منهم أي داخلها لعلمه تعالى ~~بأنه يصير على الكفر بسوء اختياره ويصير من أهل النار لا محالة ~~وأما المخلصون منهم فأنتم بمعزل من إفسادهم وإضلالهم، فهم لا جرم ~~برآء من أن يفتتنوا بكم ويسلكوا مسلككم في وصفه تعالى بما وصفتموه ~~به. وقرىء صال بضم اللام على أنه جمع محمول على معنى من قد ~~سقط واوه لالتقاء الساكنين وقوله تعالى: { وما منا إلا له ~~مقام معلوم } تبيين لجلية أمرهم وتعيين لحيزهم في موقف ~~العبودية بعد ما ذكر من تكذيب الكفرة فيما قالوا وتنزيه الله ~~تعالى عن ذلك وتبرئة المخلصين عنه وإظهار لقصور شأنهم وقماءتهم أي وما ~~منا أحد إلا له مقام معلوم في العبادة والانتهاء إلى إمر الله ~~تعالى مقصور عليه لا يتجاوزه ولا يستطيع أن يزل عنه خضوعا ~~لعظمته وخشوعا لهيبته وتواضعا لجلاله كما روي فمنهم راكع لا ~~يقيم صلبه وساجد لا يرفع رأسه قال ابن عباس رضي الله عنهما (ما ~~في السموات موضع شبر إلا وعليه ملك يصلي أو يسبح) وروي ~~أنه عليه الصلاة والسلام قال: # " أطت السماء وحق لها أن تئط والذي نفسي بيده ما فيها ~~موضع أربع أصابع إلا وفيه ملك واضع جبهته ساجد لله تعالى ". # وقال السدي إلا له مقام معلوم في القربة والمشاهدة. ### || [37.165-172] # { وإنا لنحن الصافون } في مواقف الطاعة ومواطن الخدمة ~~{ وإنا لنحن المسبحون } المقدسون لله سبحانه عن كل ما ~~لا يليق بجناب كبريائه، وتحلية كلامهم بفنون التأكيد لإبراز أن ~~صدوره عنهم بكمال الرغبة والنشاط هذا هو الذي تقتضيه جزالة ~~التنزيل وقد ذكر في تفسير الآيات الكريمة وإعرابها وجوه أخر ~~فتأمل والله الموفق. # { وإن كانوا ليقولون } إن هي المخففة من الثقيلة، وضمير ~~الشأن محذوف، واللام هي الفارقة أي إن الشأن كانت قريش ~~تقول: { لو أن عندنا ذكرا من الأولين } أي كتابا من ~~كتب الأولين من التوارة والإنجيل. { لكنا عباد الله ~~المخلصين } أي لأخلصنا العبادة لله تعالى ولما خالفنا كما ~~خالفوا وهذا كقولهم: # لئن ms2805 جاءهم نذير ليكونن أهدى من إحدى الأمم # [سورة فاطر: الآية 42] والفاء في قوله تعالى: { فكفروا به } ~~فصيحة كما في قوله تعالى: # أن اضرب بعصاك البحر فانفلق # [سورة الشعراء: الآية 63] أي فجاءهم ذكر وأي ذكر، سيد الأذكار ~~وكتاب مهيمن على سائر الكتب والأسفار فكفروا به { فسوف ~~يعلمون } أي عاقبة كفرهم وغائلته. # { ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين } ~~استئناف مقرر للوعيد وتصديره بالقسم لغاية الاعتناء بتحقيق ~~مضمونه أي وبالله لقد سبق وعدنا لهم بالنصرة والغلبة وهو قوله ~~تعالى: { إنهم لهم المنصورون }. ### || [37.173-179] # { وإن جندنا } وهم أتباع المرسلين { لهم الغلبون } ~~على أعدائهم في الدنيا والآخرة ولا يقدح في ذلك انهزامهم في بعض ~~المشاهد فإن قاعدة أمرهم وأساسه الظفر والنصرة وإن وقع في ~~تضاعيف ذلك شوب من الابتلاء والمحنة، والحكم للغالب. وعن ابن ~~عباس رضي الله عنهما: إن لم يبصروا في الدنيا نصروا في ~~الآخرة. وقرىء على عبادنا بتضمين سبقت معنى حققت وتسميتها ~~كلمة مع أنها كلمات لانتظامها في معنى واحد. وقرىء كلماتنا. # { فتول عنهم } فأعرض عنهم واصبر { حتى حين } إلى ~~مدة يسيرة وهي مدة الكف عن القتال، وقيل يوم بدر، وقيل: ~~يوم الفتح. { وأبصرهم } على أسوأ حال وأفظع نكال حل بهم ~~من القتل والأسر، والمراد بالأمر بأبصارهم الإيذان بغاية قربه ~~كأنه بين يديه. { فسوف يبصرون } ما يقع حينئذ من الأمور، ~~وسوف للوعيد دون التبعيد { أفبعذابنا يستعجلون } ~~روي أنه لما نزل فسوف يبصرون قالوا متى هذا فنزل { فإذا ~~نزل بساحتهم } أي فإذا نزل العذاب الموعود بفنائهم كأنه ~~جيش قد هجمهم فأناخ بفنائهم بغتة فشن عليهم الغارة وقطع دابرهم ~~بالمرة. وقيل: المراد نزول رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم ~~الفتح. وقرىء نزل بساحتهم على إسناده إلى الجار والمجرور. وقرىء ~~نزل مبنيا للمفعول من التنزيل أي نزل العذاب { فساء ~~صباح المنذرين } فبئس صباح المنذرين صباحهم. واللام ~~للجنس. والصباح مستعار من صباح الجيش المبيت لوقت نزول ~~العذاب ولما كثرت منهم الغارة في الصباح سموها صباحا، وإن وقعت ~~ليلا. روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم: لما ms2806 أتى خيبر ~~وكانوا خارجين إلى مزارعهم ومعهم المساحي قالوا: محمد والخميس ~~ورجعوا إلى حصنهم فقال عليه الصلاة والسلام: # " الله أكبر خربت خيبر إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح ~~المنذرين " # { وتول عنهم حتى حين وأبصر فسوف يبصرون } ~~تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم إثر تسلية وتأكيد لوقوع ~~الميعاد غب تأكيد مع ما في إطلاق الفعلين عن المعفول من الإيذان ~~بأن ما يبصره عليه الصلاة والسلام حينئذ من فنون المسار وما ~~يبصرونه من أنواع المضار لا يحيط به الوصف والبيان. وقيل: أريد ~~بالأول عذاب الدنيا، وبالثاني عذاب الآخرة. ### || [37.180-182] # { سبحن ربك رب العزة عما يصفون } تنزيه لله ~~سبحانه عن كل ما يصفه المشركون به مما لا يليق بجناب كبريائه ~~وجبروته مما ذكر في السورة الكريمة وما لم يذكر من الأمور التي ~~من جملتها ترك إنجاز الموعود على موجب كلمته السابقة لا سيما ~~في حق رسول الله صلى الله عليه وسلم كما ينبىء عنه التعرض ~~لعنوان الربوبية المعربة عن التربية والتكميل والمالكية ~~الكلية مع الإضافة إلى ضميره عليه الصلاة والسلام أولا ~~وإلى العزة ثانيا كأنه قيل سبحان من هو مربيك ومكملك ~~ومالك العزة والغلبة على الإطلاق عما يصفه المشركون به من ~~الإشياء التي منها ترك نصرتك عليهم كما يدل عليه استعجالهم ~~بالعذاب وقوله تعالى: { وسلم على المرسلين } تشريف لهم ~~عليهم السلام بعد تنزيهه تعالى عما ذكر وتنويه بشأنهم وإيذان ~~بأنهم سالمون عن كل المكاره فائزون بجميع المآرب. وقوله تعالى: ~~{ والحمد لله رب العلمين } إشارة إلى وصفه عز وجل ~~بصفاته الكريمة الثبوتية بعد التنبيه على اتصافه بجميع ~~صفاته السلبية، وإيذان باستتباعها للأفعال الجميلة التي من ~~جملتها إفاضته عليهم من فنون الكرامات السنية والكمالات ~~الدينية والدنيوية وإسباغه عليهم وعلى من تبعهم من صنوف ~~النعماء الظاهرة والباطنة الموجبة لحمده تعالى وإشعار بأن ~~وعده عليه الصلاة والسلام من النصرة والغلبة قد تحققت، ~~والمراد تنبيه المؤمنين على كيفية تسبيحه تعالى وتحميده ~~والتسليم على رسله الذين هم وسائط بينهم وبينه عز وعلا في ~~فيضان الكمالات الدينية والدنيوية ms2807 عليهم، ولعل توسيط ~~التسليم على المرسلين بين تسبيحه تعالى وتحميده لختم السورة ~~الكريمة بحمده تعالى مع ما فيه من الإشعار بأن توفيقه تعالى ~~للتسليم عليهم من جملة نعمه الموجبة للحمد. عن علي رضي الله ~~عنه من " أحب أن يكتال بالمكيال الأوفى من الأجر يوم القيامة ~~فليكن آخر كلامه إذا قام من مجلسه سبحان ربك رب العزة ~~عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين ". وعن ~~رسول صلى الله عليه وسلم # " من قرأ والصافات أعطي من الأجر عشر حسنات بعدد كل ~~جني وشيطان، وتباعدت عنه مردة الشياطين. وبرىء من الشرك ~~وشهد له حافظاه يوم القيامة أنه كان مؤمنا بالمرسلين " ### | [38 - سورة ص] ### || [38.1-2] # (سورة ص مكية وآياتها ثمان وثمانون آية) # { بسم الله الرحمن الرحيم } { ص } بالسكون على الوقف. ~~وقرىء بالكسر والفتح لالتقاء الساكنين ويجوز أن يكون الفتح ~~بإضمار حرف القسم في موضع الجر كقولهم الله لأفعلن بالجر وأن ~~يكون ذلك نصبا بإضمار اذكر أو اقرأ لا فتحا كما مر في فاتحة ~~سورة البقرة وامتناع الصرف للتعريف والتانيث لأنها علم ~~للسورة وقد صرفها من قرأ صاد بالتنوين على أنه اسم الكتاب ~~أو التنزيل. وقيل هو في قراءة الكسر أمر من المصاداة وهي المعارضة ~~والمقابلة ومنها الصدى الذي ينعكس من الأجسام الصلبة بمقابلة ~~الصوت ومعناه عارض القرآن بعملك فاعمل بأوامره وانته عن ~~نواهيه وتخلق بأخلاقه ثم إن جعل اسما للحرف مسرودا على ~~منهاج التحدي أو الرمز إلى كلام مثل صدق الله أو صدق محمد كما ~~نقل عن أكابر السلف أو اسما للسورة خبرا لمبتدأ محذوف أو نصبا ~~على إضمار اذكر أو اقرأ أو أمرا من المصاداة فالواو في قوله ~~تعالى: { والقرءان ذي الذكر } للقسم وإن جعل مقسما به ~~فهي للعطف عليه فإن أريد بالقرآن كله بالمغايرة بينهما حقيقة ~~وإن أريد عين السورة فهي اعتبارية كما في قولك مررت بالرجل ~~الكريم وبالنسمة المباركة وأيا ما كان ففي التكرير مزيد ~~تأكيد لمضمون الجملة المقسم عليها والذكر الشرف والنباهة ~~كما في قوله تعالى: # وإنه لذكر ms2808 لك ولقومك # [سورة الزخرف: الآية 44] أو الذكرى والموعظة أو ذكر ما يحتاج إليه ~~في أمر الدين من الشرائع والأحكام وغيرها من أقاصيص الأنبياء ~~عليهم الصلاة والسلام وأخبار الأمم الدارجة والوعد والوعيد ~~وجواب القسم على الوجه الأول والرابع والخامس محذوف هو ما ينبىء عنه ~~التحدي والأمر والإقسام به من كون المتحدى به معجزا وكون ~~المأمور به واجبا وكون المقسم به حقيقا بالإعظام أي أقسم بالقرآن ~~أو بصاد وبه إنه لمعجز أو لواجب العمل به أو لحقيق بالإعظام، وأما ~~على الوجهين الباقيين فهو الكلام المرموز إليه ونفس الجملة ~~المذكورة قبل القسم فإن التسمية تنويه بشأن المسمى وتنبيه على ~~عظم خطره أي إنه لصادق والقرآن ذي الذكر أو هذه السورة عظيمة ~~الشأن والقرآن الخ على طريقة قولهم هذا حاتم والله، ولما كان كل ~~واحد من هذه الأجوبة منبئا عن انتفاء الريب عن مضمونه بالكلية ~~أبناء بينا كان قوله تعالى: # { بل الذين كفروا فى عزة وشقاق } إضرابا عن ذلك ~~كأنه قيل لا ريب فيه قطعا وليس عدم إذعان الكفرة له لشائبة ريب ~~ما فيه، بل هم في استكبار وحمية شديدة وشقاق بعيد لله تعالى ~~ولرسوله ولذلك لا يذعنون له وقيل الجواب ما دل عليه الجملة ~~الإضرابية أي ما كفر به من كفر لخلل وجده فيه بل الذين ~~كفروا الخ وقرىء في غرة أي في غفلة عما يجب عليهم التنبه له ~~من مبادىء الإيمان ودواعيه. ### || [38.3-5] # { كم أهلكنا من قبلهم من قرن } وعيد لهم على كفرهم ~~واستكبارهم ببيان ما أصاب من قبلهم من المستكبرين. وكم مفعول ~~أهلكنا، ومن قرن تمييز والمعنى وقرنا كثيرا أهلكنا من القرون ~~الخالية { فنادوا } عند نزول بأسنا وحلول نقمتنا استغاثة وتوبة ~~لينجوا من ذلك. وقوله تعالى: { ولات حين مناص } حال من ضمير ~~نادوا واستغاثوا طلبا للنجاة والحال أن ليس الحين حين مناص أي ~~فوت ونجاة، من ناصه أي فاته لا من ناص بمعنى تأخر، ولا: هي ~~المشبهة بليس زيدت عليها تاء التانيث للتأكيد كما زيدت على ~~رب وثم. وخصت بنفي الأحيان ms2809 ولم يبرز إلا أحد معموليها ~~والأكثر حذف اسمها. وقيل هي النافية للجنس زيدت عليها التاء ~~وخصت بنفي الأحيان، وحين مناص. منصوب على أنه اسمها أي ولا ~~حين مناص. وقرىء بالرفع فهو على الأول اسمها والخبر محذوف أي ~~وليس حين مناص حاصلا لهم وعلى الثاني مبتدأ محذوف الخبر أي ولا ~~حين مناص كائن لهم وقرىء بالكسر كما في قوله: [الخفيف] # طلبوا صلحنا ولات أوان # فأجبنا أن لات حين بقاء # إما لأن لات تجر الأحيان كما أن لولا تجر الضمائر في ~~نحو قوله: [السريع] # [أومت بكفيها من الهودج] # لولاك هذا العام لم أحجج # أو لأن أوان شبه بإذ في قوله: [الوافر] # نهيتك عن طلابك أم عمرو # بعافية وأنت إذ صحيح # في أنه زمان قطع منه المضاف إليه وعوض التنوين لأن أصله ~~أوان صلح ثم حمل عليه حين مناص تنزيلا لقطع المضاف إليه من ~~مناص إذ أصله حين مناصهم منزلة قطعه من حين لما بين المضافين ~~من الإتحاد ثم بني الحين لإضافته إلى غير متمكن. وقرىء ~~لات بالكسر كجير. ويقف الكوفيون عليها بالهاء كالأسماء ~~والبصريون بالتاء كالأفعال. وما قيل: من أن التاء مزيدة على ~~حين لاتصالها به في الإمام مما لا وجه له فإن خط المصحف خارج ~~عن القياس. { وعجبوا أن جاءكم منذر منهم } حكاية ~~لأباطيلهم المتفرعة على ما حكي من استكبارهم وشقاقهم أي عجبوا من ~~أن جاءهم رسول من جنسهم بل أدون منهم في الرياسة الدنيوية ~~والمال على معنى أنهم عدوا ذلك أمرا عجيبا خارجا عن احتمال ~~الوقوع وأنكروه أشد الإنكار لا أنهم اعتقدوا وقوعه وتعجبوا ~~منه { وقال الكفرون } وضع فيه الظاهر موضع الضمير ~~غضبا عليهم وإيذانا بأنه لا يتجاسر على مثل ما يقولونه إلا ~~المتوغلون في الكفر والفسوق { هذا سحر } فيما يظهره من ~~الخوارق { كذاب } فيما يسنده إلى الله تعالى من الإرسال والإنزال ~~{ أجعل الالهة إلها وحدا } بأن نفى الألوهية عنهم ~~وقصرها على واحد { إن هذا لشىء عجاب } بليغ في العجب ~~وذلك لأنه خلاف ما ألفوا عليه آباءهم الذين أجمعوا على ms2810 ~~ألوهيتهم وواظبوا على عبادتهم كابرا عن كابر فإن مدار كل ما ~~يأتون وما يذرون من أمور دينهم هو التقليد والاعتياد فيعدون ما ~~يخالف ما اعتادوه عجيبا بل محالا. # وأما جعل مدار تعجبهم عدم وفاء علم الواحد وقدرته بالأشياء ~~الكثيرة فلا وجه له لما أنهم لا يدعون أن لآلهتهم علما وقدرة ~~ومدخلا في حدوث شيء من الأشياء حتى يلزم من نفي ألوهيتهم بقاء ~~الآثار بلا مؤثر. وقرىء عجاب بالتشديد وهو أبلغ ككرام ~~وكرام. روي # " أنه لما أسلم عمر رضي الله عنه شق ذلك على قريش فاجتمع خمسة ~~وعشرون من صناديدهم فأتوا أبا طالب فقالوا أنت شيخنا وكبيرنا ~~وقد علمت ما فعل هؤلاء السفهاء وقد جئناك لتقضي بيننا وبين ~~ابن أخيك فاستحضر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال: يا ابن أخي ~~هؤلاء قومك يسألونك السؤال فلا تمل كل الميل على قومك فقال ~~صلى الله عليه وسلم: " ماذا تسألونني " قالوا ارفضنا وارفض ذكر ~~آلهتنا وندعك وإلهك فقال صلى الله عليه وسلم: " أرأيتم إن أعطيتكم ~~ما سألتم أمعطي أنتم كلمة واحدة تملكون بها العرب وتدين لكم بها ~~العجم " قالوا نعم وعشرا فقال: " قولوا لا إله إلا الله " فقاموا ~~وقالوا ذلك ". ### || [38.6-7] # { وانطلق الملأ منهم } أي وانطلق الأشراف من قريش عن مجلس ~~أبي طالب بعد ما بكتهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالجواب ~~العتيد وشاهدوا تصلبه عليه الصلاة والسلام في الدين ~~وعزيمته على أن يظهره على الدين كله ويئسوا مما كانوا ~~يرجونه بتوسط أبي طالب من المصالحة على الوجه المذكور { أن ~~امشوا } أي قائلين بعضهم لبعض على وجه النصيحة امشوا { ~~واصبروا على ءالهتكم } أي واثبتوا على عبادتها متحملين ~~لما تسمعونه في حقها من القدح، وأن هي المفسرة، لأن الانطلاق ~~عن مجلس التقاول لا يخلو عن القول. وقيل: المراد بالانطلاق ~~الاندفاع في القول وامشوا من مشت المرأة إذا كثرت ولادتها ومنه ~~الماشية للتفاؤل أي اجتمعوا واكثروا. وقرىء امشوا بغير أن على ~~إضمار القول وقرىء يمشون أن اصبروا { إن هذا لشيء ~~يراد } تعليل للأمر بالصبر ms2811 أو لوجوب الامتثال به أي هذا الذي ~~شاهدناه من محمد صلى الله عليه وسلم من أمر التوحيد ونفي آلهتنا ~~وأبطال أمرها لشيء يراد أي من جهته عليه الصلاة والسلام ~~إمضاؤه وتنفيذه لا محالة من غير صارف يلويه ولا عاطف يثنيه، لا ~~قول يقال من طرف اللسان أو أمر يرجى فيه المسامحة بشفاعة أو ~~امتنان فاقطعوا أطماعكم عن استنزاله من رأيه بوساطة أبي طالب ~~وشفاعته وحسبكم أي لا تمنعوا من عبادة آلهتكم بالكلية فاصبروا علها ~~وتحملوا ما تسمعونه في حقها من القدح وسوء القالة. وقيل: إن ~~هذا الأمر لشيء يريده الله تعالى ويحكم بإمضائه وما أراد الله كونه ~~فلا مرد له ولا ينفع فيه إلا الصبر، وقيل: إن هذا الأمر لشيء ~~من نوائب الدهر يراد بنا فلا انفكاك لنا منه وقيل: إن دينكم ~~لشيء يراد أي يطلب ليؤخذ منكم وتغلبوا عليه. وقيل: إن هذا الذي ~~يدعيه من التوحيد أو يقصده من الرياسة والترفع على العرب ~~والعجم لشيء يتمنى ويريده كل أحد فتأمل في هذه الأقاويل ~~واختر منها ما يساعده النطم الجليل { ما سمعنا بهذا } ~~الذي يقوله { فى الملة الآخرة } أي الملة النصرانية التي ~~هي آخر الملل فإنهم مثلثة أو في الملة التي أدركنا عليها ~~آباءنا. ويجوز أن يكون الجار والمجرور حالا من هذا أي ما سمعنا بهذا ~~من أهل الكتاب ولا الكهان كائنا في الملة المترقبة ولقد كذبوا ~~في ذلك أقبح كذب فإن حديث البعثة والتوحيد كان أشهر الأمور قبل ~~الظهور { إن هذا } أي ما هذا { إلا اختلاق } أي كذب ~~اختلقه. ### || [38.8-11] # { أأنزل عليه الذكر } أي القرآن { من بيننا } ونحن ~~رؤساء الناس وأشرافهم كقولهم: # لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم # [سورة الزخرف: الآية 31] ومرادهم إنكار كونه ذكرا منزلا من عند ~~الله عز وجل كقولهم: # لو كان خيرا ما سبقونا إليه # [سورة الأحقاف: الآية 11] وأمثال هذه المقالات الباطلة ودليل على ~~أن مناط تكذيبهم ليس إلا الحسد وقصر النظر على الحطام ~~الدنيوي { بل هم فى شك من ذكري } أي من ms2812 القرآن أو الوحي ~~لميلهم إلى التقليد وإعراضهم عن النظر في الأدلة المؤدية ~~إلى العلم بحقيته وليس في عقيدتهم ما يبتون به فهم مذبذبون بين ~~الأوهام ينسبونه تارة إلى السحر وأخرى إلى الاختلاق { بل لما ~~يذوقوا عذاب } أي بل لم يذوقوا بعد عذابي فإذا ذاقوه تبين ~~لهم حقيقة الحال، وفي لما دلالة على أن ذوقهم على شرف الوقوع ~~والمعنى أنهم لا يصدقون به حتى يمسهم العذاب وقيل لم يذوقوا عذابى ~~الموعود في القرآن ولذلك شكوا فيه { أم عندهم خزائن ~~رحمة ربك العزيز الوهاب } بل أعندهم خزائن رحمته تعالى ~~يتصرفون فيها حسبما يشاءون حتى يصيبوا بها من شاءوا ويصرفوها ~~عمن شاءوا ويتحكموا فيها بمقتضي آرائهم فيتخيروا للنبوة بعض ~~صناديدهم. والمعنى أن النبوة عطية من الله عز وجل يتفضل بها ~~على من يشاء من عباده المصطفين لا مانع له فإنه العزيز أي الغالب ~~الذي لا يغالب الوهاب الذي له أن يهب كل ما يشاء لكل من ~~يشاء. وفي إضافة اسم الرب المنبىء عن التربية والتبليغ إلى ~~الكمال إلى ضميره عليه الصلاة والسلام من تشريفه واللطف به ما ~~لا يخفى، وقوله تعالى: { أم لهم ملك السموات ~~والأرض وما بينهما } ترشيح لما سبق أي بل ألهم ملك هذه ~~العوالم العلوية والسفلية حتى يتكلموا في الأمور الربانية ~~ويتحكموا في التدابير الإلهية التي يستأثر بها رب العزة ~~والكبرياء. وقوله تعالى: # { فليرتقوا فى الأسباب } جواب شرط محذوف أي إن كان لهم ~~ما ذكر من الملك فليصعدوا في المعارج والمناهج التي يتوصل بها إلى ~~العرش حتى يستووا عليه ويدبروا أمر العالم وينزلوا الوحي إلى من ~~يختارون ويستصوبون وفيه من التهكم بهم ما لا غاية وراءه. ~~والسبب في الأصل هو الوصلة وقيل: المراد بالأسباب السموات ~~لأنها أسباب الحوادث السفلية وقيل أبوابها. { جند ما ~~هنالك مهزوم من الأحزاب } أي هم جند ما من الكفار ~~المتحزبين على الرسل مهزوم مكسور عما قريب فلا تبال بما ~~يقولون ولا تكترث بما يهذون. وما مزيدة للتقليل والتحقيرة نحو ~~قولك أكلت شيئا ما، وقيل: للتعظيم على ms2813 الهزء. وهنالك إشارة إلى ~~حيث وضعوا فيه أنفسهم من الانتداب لمثل ذلك القول العظيم. ### || [38.12-14] # وقوله تعالى: { كذبت قبلهم قوم نوح وعاد وفرعون ~~ذو الأوتاد } الخ استئناف مقرر لمضمون ما قبله ببيان أحوال ~~العتاة الطغاة الذين هؤلاء جند ما جنودهم مما فعلوا من ~~التكذيب وفعل بهم من العقاب. وذو الأوتاد معناه ذو الملك ~~الثابت أصله من ثبات البيت المطنب بأوتاده فاستعير لثبات ~~الملك ورسوخ السلطنة واستقامة الأمر. قال الأسود بن يعفر: ~~[الكامل] # ولقد غنوا فيها بأنعم عيشة # في ظل ملك ثابت الأوتاد # أو ذو الجموع الكثيرة وسموا بذلك لأن بعضهم يشد بعضا كالوتد ~~يشد البناء وقيل: نصب أربع سوار وكان يمد يدي المعذب ورجليه ~~إليه ويضرب عليها أوتادا ويتركه حتى يموت. وقيل: كان يمده بين ~~أربعة أوتاد في الأرض ويرسل عليه العقارب والحيات. وقيل: كانت له ~~أوتاد وحبال يلعب بها بين يديه { وثمود وقوم لوط ~~وأصحاب الأيكة } أصحاب الغيضة من قوم شعيب عليه السلام ~~وقوله تعالى: { أولئك الأحزاب } إما بدل من الطوائف ~~المذكورة كما أن ذلك الكتاب بدل من ألم على أحد الوجوه وفيه فضل ~~تأكيد وتنبيه على أنهم الذين جعل الجند المهزوم منهم وقوله ~~تعالى: { إن كل إلا كذب الرسل } استئناف جيء به تقريرا ~~لتكذيبهم وبيانا لكيفيته وتمهيدا لما يعقبه أي ما كل أحد من ~~آحاد أولئك الأحزاب أو ما كل حزب منهم إلا كذب الرسل لأن ~~تكذيب واحد منهم تكذيب لهم جميعا لاتفاق الكل على الحق. وقيل ~~ما كل حزب إلا كذب رسوله على نهج مقابلة الجمع بالجمع، ~~وأيا ما كان فالاستثناء مفرغ من أعم العام في خبر المبتدأ، أي ~~ما كل أحد منهم محكوما عليه بحكم إلا محكوم عليه بأنه كذب ~~الرسل وقيل ما كل واحد منهم مخبرا عنه بخبر إلا مخبر عنه ~~بأنه كذب الرسل وفي إسناد التكذيب إلى الطوائف المذكورة ~~على وجه الإبهام أولا والإيذان بأن كلا منهم حزب على حياله ~~تحزب على رسوله ثانيا وتبيين كيفية تكذيبهم بالجملة ~~الاستثنائية ثالثا فنون من المبالغة مسجلة ms2814 عليهم باستحقاق أشد ~~العذاب وأفظعه ولذلك رتب عليه قوله تعالى: { فحق عقاب } أي ~~ثبت ووقع على كل منهم عقابي الذي كانت توجبه جناياتهم من أصناف ~~العقوبات المفصلة في مواقعها وإما مبتدأ. وقوله تعالى: # إن كل إلا كذب الرسل # [سورة ص: الآية 14] خبره بحذف العائد أي إن كل منهم الخ والجملة ~~استئناف مقرر لما قبله مؤكد لمضمونه مع ما فيه من بيان كيفية ~~تكذيبهم والتنبيه على أنهم الذين جعل الجند المهزوم منهم كما ~~ذكر وقيل: هو مبتدأ وخبر، والمعنى أن الأحزاب الذين جعل الجند ~~المهزوم منهم هم هم وأنهم الذين وجد منهم التكذيب فتدبر. ~~وأما ما قيل من أنه خبر والمبتدأ قوله تعالى: { وعاد } الخ أو ~~قوله: # وقوم لوط # [سورة الحج: الآية 43] الخ فمما يجب تنزيه ساحة التنزيل عن ~~أمثاله. ### || [38.15-17] # { وما ينظر هؤلآء } شروع في بيان عقاب كفار مكة إثر ~~بيان عقاب أضرابهم من الأحزاب الذين أخبر فيما سبق بأنهم جند ~~حقير منهم مهزوم عن قريب فإن ذلك مما يوجب انتظار السامع ~~وترقبه إلي بيانه قطعا، وفي الإشارة إليهم بهؤلاء تحقير لشأنهم ~~وتهوين لأمرهم، وأما جعله إشارة إلى الأحزاب باعتبار حضورهم ~~بحسب الذكر أو حضورهم في علم الله عز وجل فليس في حيز ~~الاحتمال أصلا كيف لا والانتظار سواء كان حقيقة أو استهزاء إنما ~~يتصوو في حق من لم يترتب على أعماله نتائجها بعد، وبعد ما ~~بين عقاب الأحزاب واستئصالهم بالمرة لم يبق مما أريد بيانه ~~من عقوباتهم أمر منتظر وإنما الذين في مرصد الأنتظار كفار ~~مكة حيث ارتكبوا من عظائم الجرائم وكبائر الجرائر الموجبة لأشد ~~العقوبات مثل ما ارتكب الأحزاب أو أشد منه ولما يلاقوا بعد شيئا ~~من غوائلها أي وما ينتظر هؤلاء الكفرة الذين هم أمثال أولئك ~~الطوائف المهلكة في الكفر والتكذيب { إلا صيحة وحدة } ~~هي النفخة الثانية لا بمعني أن عقابهم نفسها بما فيها من ~~الشدة والهول فإنها داهية يعم هولها جميع الأمم برها ~~وفاجرها بل بمعنى أنه ليس بينهم وبين حلول ما أعد لهم من العقاب ms2815 ~~الفظيع إلا هي حيث أخرت عقوبتهم إلى الآخرة لما أن تعذيبهم ~~بالاستئصال حسبما يستحقونه. والنبي عليه الصلاة والسلام ~~بين أظهرهم خارج عن السنة الإلهية المبنية على الحكم الباهرة ~~كما نطق به قوله تعالى: # وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم # [سورة الأنفال: الآية 33] وأما ما قيل: من أنها النفخة الأولى ~~فمما لا وجه له أصلا لما أنه لا يشاهد هولها ولا يصعق بها ~~إلا من كان حيا عند وقوعها وليس عقابهم الموعود واقعا عقيبها ~~ولا العذاب المطلق مؤخرا إليها بل يحل بهم من حين موتهم { ما ~~لها من فواق } أي من توقف مقدار فواق وهو ما بين ~~الحلبتين. وقرىء بضم الفاء وهما لغتان. وقوله تعالى: { ~~وقالوا ربنا عجل لنا قطنا قبل يوم الحساب } ~~حكاية لما قالوه عند سماعهم بتأخير عقابهم إلى الآخرة أي قالوا بطريق ~~الاستهزاء والسخرية عجل لنا قطنا من العذاب الذي توعدنا به ولا ~~تؤخره إلى يوم الحساب الذي مبدؤه الصيحة المذكورة. والقط: ~~القطعة من الشيء من قطه إذا قطعه، ويقال لصحيفة الجائزة قط ~~لأنها قطعة من القرطاس، وقد فسر بها أي عجل لنا صحيفة أعمالنا ~~لننظر فيها. وقيل ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم وعد الله تعالى ~~المؤمنين الجنة فقالوا على سبيل الهزء به عجل لنا نصيبنا ~~منها. وتصدير دعائهم بالنداء المذكور للإمعان في الاستهزاء ~~كأنهم يدعون ذلك بكمال الرغبة والابتهال. # { اصبر على ما يقولون } من أمثال هذه المقالات الباطلة { ~~واذكر } لهم { عبدنا داوود } أي قصته تهويلا لأمر ~~المعصية في أعينهم وتنبيها لهم على كمال قبح ما اجترؤا عليه من ~~المعاصي فإنه عليه الصلاة والسلام مع علو شأنه واختصاصه ~~بعظائم النعم والكرامات لما ألم بصغيرة نزل عن منزلته ~~ووبخته الملائكة بالتمثيل والتعريض حتى تفطن فاستغفر ~~ربه وأناب ووجد منه ما يحكى من بكائه الدائب وغمه الواصب ~~وندمه الدائم فما الظن بهؤلاء الكفرة والأذلين من كل ~~ذليل المرتكبين لأكبر الكبائر المصرين على أعظم المعاصي أو ~~تذكر قصته عليه الصلاة والسلام وصن نفسك أن تزل فيما ~~كلفت من مصابرتهم ms2816 وتحمل أذيتهم كيلا يلقاك ما لقيه من ~~المعاتبة { ذا الأيد } أي ذا القوة يقال فلان أيد وذو أيد ~~وآد بمعنى، وإياد كل شيء ما يتقوى به { إنه أواب } ~~رجاع إلى مرضاة الله تعالى وهو تعليل لكونه ذا الأيد ودليل على ~~أن المراد به القوة في الدين فإنه عليه الصلاة والسلام ~~كان يصوم يوما ويفطر يوما ويقوم نصف الليل. ### || [38.18-20] # { إنا سخرنا الجبال معه } استئناف سيق لتعليل قوته ~~في الدين وأوابيته إلى مرضاته تعالى ومع متعلقة بالتسخير، ~~وإيثارها على اللام لما أشير إليه في سورة الأنبياء من أن تسخير ~~الجبال له عليه الصلاة والسلام لم يكن بطريق تفويض التصرف ~~الكلي فيها إليه عليه الصلاة والسلام كتسخير الريح وغيرها ~~لسليمان عليه السلام بل بطريق التبعية له عليه الصلاة ~~والسلام والاقتداء به في عبادة الله تعالى. وقيل: بما بعدها وهو ~~أقرب بالنسبة إلى ما في سورة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام { ~~يسبحن } أي يقدسن الله عز وجل بصوت يتمثل له أو بخلق الله ~~تعالى فيها الكلام أو بلسان الحال وقيل: يسرن معه من السباحة وهو ~~حال من الجبال وضع موضع مسبحات للدلالة على تجدد التسبيح ~~حالا بعد حال أو استئناف مبين لكيفية التسخير { بالعشي ~~والإشراق } أي وقت الإشراق وهو حين تشرق الشمس أي تضيء ويصفو ~~شعاعها وهو وقت الضحى وأما شروقها فطلوعها يقال شرقت الشمس ~~ولما تشرق. وعن أم هانىء رضي الله عنها أنه عليه الصلاة ~~والسلام صلى صلاة الضحى وقال: هذه الإشراق. وعن ابن عباس رضي ~~الله عنهما: ما عرفت صلاة الضحى إلا بهذه الآية. # { والطير } عطف على الجبال { محشورة } حال من الطير ~~والعامل سخرنا أي وسخرنا الطير حال كونها محشورة عن ابن ~~عباس رضي الله عنهما كان إذا سبح جاوبته الجبال بالتسبيح ~~واجتمعت إليه الطير فسبحت وذلك حشرها. وقرىء والطير محشورة ~~بالرفع على الابتداء والخبرية { كل له أواب } استئناف ~~مقرر لمضمون ما قبله مصرح بما فهم منه إجمالا من تسبيح الطير ~~أي كل واحد من الجبال والطير لأجل تسبيحه رجاع إلى ~~التسبيح ms2817 ووضع الأواب موضع المسبح إما لأنها كانت ترجع ~~التسبيح والمرجع رجاع لأنه يرجع إلى فعله رجوعا بعد ~~رجوع، وإما لأن الأواب هو التواب الكثير الرجوع إلى الله ~~تعالى، ومن دأبه إكثار الذكر وإدامة التسبيح والتقديس وقيل ~~الضمير لله عز وجل أي كل من داود والجبال والطير لله أواب ~~أي مسبح مرجع للتسبيح { وشددنا ملكه } قويناه ~~بالهيبة والنصرة وكثرة الجنود. وقرىء بالتشديد للمبالغة قيل: ~~كان يبيت حول محرابه أربعون ألف مستلئم وقيل: ادعى رجل على آخر ~~بقرة وعجز عن إقامة البينة فأوحى الله تعالى إليه في المنام أن ~~اقتل المدعى عليه فتأخر فأعيد الوحي في اليقظة فأعلمه الرجل ~~فقال: إن الله تعالى لم يأخذني بهذا الذنب ولكن بأني قتلت ~~أبا هذا غيلة فقال الناس: إن أذنب أحد ذنبا أظهره الله تعالى ~~عليه فقتله فهابوه وعظمت هيبته في القلوب { وآتيناه ~~الحكمة } النبوة وكمال العلم وإتقان العمل وقيل: الزبور ~~وعلم الشرائع وقيل: كل كلام وافق الحق فهو حكمة { وفصل ~~الخطاب } أي فصل الخصام بتمييز الحق عن الباطل أو الكلام ~~الملخص الذي ينبه المخاطب على المرام من غير التباس لما قد روعي ~~فيه مظان الفصل والوصل والعطف والاستئناف والإظهار والإضمار ~~والحذف والتكرار، وإنما سمي به أما بعد لأنه يفصل المقصود ~~عما سبق تمهيدا له كالحمد والصلاة وقيل: هو الخطاب الفصل الذي ~~ليس فيه إيجاز يخل ولا إطناب ممل كما جاء في نعت كلام النبوة ~~فصل لا نزر ولا هذر. ### || [38.21-22] # { وهل أتاك نبؤا الخصم } استفهام معناه التعجيب ~~والتشويق إلى استماع ما في حيزه لإيذانه بأنه من الأنباء البديعة ~~التي حقها أن تشيع فيما بين كل حاضر وباد. والخصم في الأصل ~~مصدر ولذلك يطلق على الواحد وما فوقه كالضيف، ومعنى خصمان فريقان ~~{ إذ تسوروا المحراب } إذا تصعدوا سوره ونزلوا إليه. ~~والسور الحائط المرتفع ونظيره تسنمه إذا علا سنامه وتذراه ~~إذا علا ذروته. وإذ متعلقة بمحذوف أي نبأ تحاكم الخصم إذ ~~تسوروا أو بالنبأ على أن المراد به الواقع في عهد داود عليه ~~السلام وأن إسناد ms2818 الإتيان إليه على حذف مضاف أي قصة نبأ الخصم ~~أو بالخصم لما فيه من معنى الخصومة لا بأتى لأن إتيانه الرسول ~~صلى الله عليه وسلم لم يكن حينئذ وقوله تعالى: { إذ دخلوا على ~~داوود } بدل مما قبله أو ظرف لتسوروا { ففزع منهم } روي ~~أنه تعالى بعث إليه ملكين في صورة إنسانين قيل: هما جبريل ~~وميكائيل عليهما السلام فطلبا أن يدخلا عليه فوجداه في يوم عبادته ~~فمنعهما الحرس فتسوروا عليه المحراب بمن معهما من الملائكة فلم ~~يشعر إلا وهما بين يديه جالسان ففزع منهم لأنهم نزلوا عليه من ~~فوق على خلاف العادة والحرس حوله في غير يوم الحكومة والقضاء. قال ~~ابن عباس رضي الله عنهما: إن داود عليه السلام جزأ زمانه ~~أربعة أجزاء يوما للعبادة ويوما للقضاء ويوما للاشتغال بخاصة ~~نفسه ويوما للوعظ والتذكير. { قالوا } استئناق وقع جوابا عن ~~سؤال نشأ من حكاية فزعه عليه الصلاة والسلام، وكأنه قيل: ~~فماذا قالت الملائكة عند مشاهدتهم لفزعه، فقيل قالوا إزالة لفزعه { ~~لا تخف خصمان } أي نحن فوجان متخاصمان على تسمية مصاحب الخصم ~~خصما { بغى بعضنا على بعض } هو على الفرض وقصد ~~التعريض فلا كذب فيه { فاحكم بيننا بالحق ولا تشطط ~~} أي لا تجر في الحكومة وقرىء ولا تشطط أي لا تبعد عن الحق وقرىء ~~ولا تشطط ولا تشاطط وكلها من معنى الشطط وهو مجاوزة الحد ~~وتخطي الحق { واهدنا إلى سواء الصرط } إلى وسط طريق ~~الحق بزجر الباغي عما سلكه من طريق الجور وإرشاده إلى منهاج ~~العدل. ### || [38.23-24] # { إن هذا أخى } استئناف لبيان ما فيه الخصومة أي أخي في ~~الدين أو في الصحبة، والتعرض لذلك تمهيد لبيان كمال قبح ما ~~فعل به صاحبه { له تسع وتسعون نعجة ولى نعجة ~~وحدة } هي الأنثى من الضأن وقد يكنى بها عن المرأة والكناية ~~والتعريض أبلغ في المقصود. وقرىء تسع وتسعون بفتح التاء ~~ونعجة بكسر النون. وقرىء ولي نعجة بسكون الياء. { فقال ~~أكفلنيها } أي ملكنيها، وحقيقته اجعلني أكفلها كما أكفل ~~ما تحت يدي، وقيل: اجعلها كفلي أي نصيبي. ms2819 { وعزنى فى ~~الخطاب } أي غلبني في مخاطبته إياي محاجة بأن جاء بحجاج لم ~~أقدر على رده في مغالبته إياي. أو في الخطبة يقال خطبت المرأة ~~وخطبها هو فخاطبني خطابا أي غالبني في الخطبة فغلبني حيث زوجها ~~دوني. وقرىء وعازني أي غالبني وعزني بتخفيف الزاي طلبا ~~للخفة، وهو تخفيف غريب كأنه قيس على ظلت ومست { قال ~~لقد ظلمك بسؤال نعجتك إلى نعاجه } جواب قسم ~~محذوف قصد به عليه الصلاة والسلام المبالغة في إنكار فعل صاحبه ~~وتهجين طمعه في نعجة من ليس له غيرها مع أن له قطيعا منها ~~ولعله عليه الصلاة والسلام قال ذلك اعتراف صاحبه بما ادعاه ~~عليه، أو بناه على تقدير صدق المدعي. والسؤال مصدر مضاف إلى ~~مفعوله، وتعديته إلى مفعول آخر بإلى لتضمنه معنى الإضافة والضم. ~~{ وإن كثيرا من الخلطاء } أي الشركاء الذين خلطوا ~~أموالهم { ليبغي } ليتعدى. وقرىء بفتح الياء على تقدير النون ~~الخفيفة وحذفها وبحذف الياء اكتفاء بالكسرة { بعضهم على ~~بعض } غير مراع لحق الصحبة والشركة. { إلا الذين ~~ءامنوا وعملوا الصلحت } منهم فإنهم يتحامون عن البغي ~~والعدوان { وقليل ما هم } أي وهم قليل وما مزيدة للإبهام ~~والتعجب من قلتهم، والجملة اعتراض { وظن داوود أنما ~~فتنه } الظن مستعار للعلم الاستدلالي لما بينهما من ~~المشابهة الظاهرة أي علم بما جرى في مجلس الحكومة. وقيل: لما ~~قضى بينهما نظر أحدهما إلى صاحبه فضحك ثم صعدا إلى السماء ~~حيال وجهه فعلم عليه الصلاة والسلام أنه تعالى ابتلاه. وليس ~~المعنى على تخصيص الفتنة به عليه الصلاة والسلام دون غيره ~~بتوجيه القصر المستفاد من كلمة إنما إلى المفعول بالقياس إلى ~~مفعول آخر كما هو الاستعمال الشائع الوارد على توجيه القصر إلى ~~متعلقات الفعل وقيوده باعتبار النفي فيه والإثبات فيها كما في مثل ~~قولك إنما ضربت زيدا وإنما ضربته تأديبا بل على تخصيص حاله عليه ~~الصلاة والسلام بالفتنة بتوجيه القصر إلى نفس الفعل بالقياس إلى ~~ما يغايره من الأفعال لكن لا باعتبار النفي والإثبات معا في خصوصية ~~الفعل فإنه غير ممكن قطعا بل باعتبار ms2820 النفي فيما فيه من معنى ~~مطلق الفعل واعتبار الإثبات فيما يقارنه من المعنى المخصوص فإن ~~كل فعل من الأفعال المخصوصة ينحل عند التحقيق إلى معنى مطلق هو ~~مدلول لفظ الفعل وإلى معنى مخصوص يقارنه ويقيده وهو أثره في ~~الحقيقة فإن معنى نصر مثلا فعل النصر يرشدك إلى ذلك قولهم ~~معنى فلان يعطي ويمنع: يفعل الإعطاء والمنع فمورد القصر في ~~الحقيقة ما يتعلق بالفعل باعتبار النفي فيه والإثبات فيما يتعلق ~~به، فالمعنى: وعلم داود عليه السلام أنما فعلنا به الفتنة لا ~~غير. # قيل: ابتليناه بأمرأة أوريا وقيل: امتحناه بتلك الحكومة هل ~~يتنبه بها لما قصد منها. وإيثار طريق التميل لأنه أبلغ في ~~التوبيخ فإن التأمل فيه إذا أداه إلى الشعور بما هو الغرض ~~كان أوقع في نفسه وأعظم تأثيرا في قلبه وأدعى إلى التنبه للخطأ ~~مع ما فيه من مراعاة حرمته عليه الصلاة والسلام بترك المجاهرة ~~والإشعار بأنه أمر يستحى من التصريح به وتصويره بصورة ~~التحاكم لإلجائه عليه الصلاة والسلام إلى التصريح بنسبة ~~نفسه إلى الظلم وتنبيهه عليه الصلاة والسلام على أن ~~أوريا بصدد الخصام. # { فاستغفر ربه } إثر ما علم أن ما صدر عنه ذنب { ~~وخر راكعا } أي ساجدا على تسمية السجود ركوعا لأنه مبدؤه أو ~~خر للسجود راكعا أي مصليا كأنه أحرم بركعتي الاستغفار { ~~وأناب } أي رجع إلى الله تعالى بالتوبة. وأصل القصة أن داود ~~عليه السلام رأى امرأة رجل يقال له أوريا فمال قلبه إليها فسأله ~~أن يطلقها فاستحيى أن يرده ففعل فتزوجها وهي أم سليمان عليه ~~السلام وكان ذلك جائزا في شريعته معتادا فيما بين أمته غير ~~مخل بالمروءة حيث كان يسأل بعضهم بعضا أن ينزل له عن امرأته ~~فيتزوجها إذا أعجبته. وقد كان الأنصار في صدر الإسلام يواسون ~~المهاجرين بمثل ذلك من غير نكير خلا أنه عليه الصلاة والسلام ~~لعظم منزلته وارتفاع مرتبته وعلو شأنه نبه بالتمثيل على أنه ~~لم يكن ينبغي له أن يتعاطى ما يتعاطاه آحاد أمته ويسأل رجلا ~~ليس له إلا امرأة واحدة أن ms2821 ينزل عنها فيتزوجها مع كثرة نسائه بل ~~كان يجب عليه أن يغالب هواه ويقهر نفسه ويصبر على ما امتحن به. ~~وقيل: لم يكن أوريا تزوجها بل كان خطبها ثم خطبها داود عليه ~~السلام فآثر عليه السلام أهلها فكان ذنبه عليه الصلاة ~~والسلام أن خطب على خطبة أخيه المسلم. هذا وأما ما يذكر من ~~أنه عليه الصلاة والسلام دخل ذات يوم محرابه وأغلق بابه ~~وجعل يصلي ويقرأ الزبور فبينما هو كذلك إذ جاءه الشيطان في ~~صورة حمامة من ذهب فمد يده ليأخذها لابن صغير له فطارت فامتد ~~إليها فطارت فوقعت في كوة فتبعها فأبصر امرأة جميلة قد نقضت شعرها ~~فغطى بدنها وهي امرأة أوريا وهو من غزاة البلقاء فكتب إلى ~~أيوب بن صوريا وهو صاحب بعث البلقاء أن أبعث أوريا وقدمه ~~على التابوت وكان من يتقدم على التابوت لا يحل له أن يرجع ~~حتى يفتح الله علي يديه أو يستشهد ففتح الله تعالى على يده وسلم ~~فأمر برده مرة أخرى وثالثة حتى قتل وأتاه خبر قتله فلم يحزن ~~كما كان يحزن على الشهداء وتزوج امرأته فإفك مبتدع مكروه ومكر ~~مخترع بئسما مكروه تمجه الأسماع وتنفر عنه الطباع ويل لمن ~~ابتدعه وأشاعه وتبا لمن اخترعه وأذاعه، ولذلك قال علي رضي الله ~~عنه: من حدث بحديث داود عليه السلام على ما يرويه القصاص ~~جلدته مائة وستين وذلك حد الفرية على الأنبياء صلوات الله ~~تعالى وسلامه عليهم. # هذا وقد قيل إن قوما قصدوا أن يقتلوه عليه الصلاة والسلام ~~فتسوروا المحراب ودخلوا عليه فوجدوا عنده أقواما فتصنعوا بهذا ~~التحاكم فعلم عليه الصلاة والسلام غرضهم فهم بأن ينتقم منهم ~~فظن أن ذلك ابتلاء له من الله عز وجل فاستغفر ربه مما هم ~~به وأناب. ### || [38.25-27] # { فغفرنا له ذلك } أي ما استغفر منه. وروي أنه عليه ~~الصلاة والسلام بقي ساجدا أربعين يوما وليلة لا يرفع رأسه ~~إلا لصلاة مكتوبة أو لما لا بد منه ولا يرقأ دمعه حتى نبت منه ~~العشب إلى رأسه ولم يشرب ماء إلا ms2822 ثلثاه دمع وجهد نفسه راغبا إلى الله ~~تعالى في العفو عنه حتى كاد يهلك واشتغل بذلك عن الملك حتى وثب ~~ابن له يقال له إيشا على ملكه ودعا إلى نفسه فاجتمع إليه أهل ~~الزيغ من بني إسرائيل فلما غفر له حاربه فهزمه { وإن له ~~عندنا لزلفى } لقربة وكرامة بعد المغفرة { وحسن مئاب } ~~حسن مرجع في الجنة. # { يداوود إنا جعلنك خليفة فى الأرض } إما حكاية ~~لما خوطب به عليه الصلاة والسلام مبينة لزلفاه عنده عز ~~وجل وإما مقول قول مقدر هو معطوف على غفرنا، أو حال من فاعله ~~أو وقلنا له أو قائلين له يا داود الخ أي استخلفناك على الملك فيها ~~والحكم فيما بين أهلها أو جعلناك خليفة ممن كان قبلك من الأنبياء ~~القائمين بالحق وفيه دليل بين على أن حاله عليه الصلاة ~~والسلام بعد التوبة كما كانت قبلها لم تتغير قط. # { فاحكم بين الناس بالحق } بحكم الله تعالى فإن ~~الخلافة بكلا معنييه مقتضية له حتما { ولا تتبع الهوى } ~~أي هوى النفس في الحكومات وغيرها من أمور الدين والدنيا { ~~فيضلك عن سبيل الله } بالنصب على أنه جواب النهي. ~~وقيل: هو مجزوم بالعطف على النهي مفتوح لالقتاء الساكنين أي ~~فيكون الهوى أو اتباعه سببا لضلالك عن دلائله التي نصبها على ~~الحق تكوينا وتشريعا. وقوله تعالى: { إن الذين يضلون ~~عن سبيل الله } تعليل لما قبله ببيان غائلته وإظهار سبيل ~~الله في موقع الإضمار لزيادة التقرير والإيذان بكمال شناعة ~~الضلال عنه { لهم عذاب شديد } جملة من خبر ومبتدأ وقعت ~~خبرا لأن أو الظرف خبرا لأن وعذاب مرتفع على الفاعلية بما فيه ~~من معنى الاستقرار. { بما نسوا } بسبب نسيانهم وقوله تعالى: { ~~يوم الحساب } إما مفعول لنسوا فيكون تعليلا صريحا لثبوت ~~العذاب الشديد لهم بنسيان يوم الحساب بعد الإشعار بعلية ما ~~يستتبعه ويستلزمه أعني الضلال عن سبيل الله تعالى فإنه مستلزم ~~لنسيان يوم الحساب بالمرة بل هذا فرد من أفراده أو ظرف لقوله ~~تعالى: لهم أي لهم عذاب شديد يوم القيامة بسبب نسيانهم الذي هو ms2823 ~~عبارة عن ضلالهم، ومن ضرورته أن يكون مفعوله سبيل الله فيكون ~~التعليل المصرح به حينئذ عين التعليل المشعر به بالذات غيره ~~بالعنوان ومن لم يتنبه لهذا السر السري قال بسبب نسيانهم وهو ~~ضلالهم عن السبيل فإن تذكره يقتضي ملازمة الحق ومخالفة ~~الهوى فتدبر. # { وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما بطلا } ~~كلام مستأنف مقرر لما قبله من أمر البعث والحساب والجزاء وما ~~خلقناهما وما بينهما من المخلوقات على هذا النظام البديع الذي ~~تحار في فهمه العقول خلقا باطلا أي خاليا عن الغاية الجليلة ~~والحكمة الباهرة بل منطويا على الحق المبين والحكم البالغة حيث ~~خلقنا من بين ما خلقنا نفوسا أودعناها العقل والتمييز بين ~~الحق والباطل والنافع والضار ومكناها من التصرفات ~~العلمية والعملية في استجلاب منافعها واستدفاع مضارها ونصبنا ~~للحق دلائل آفاقية وأنفسية ومنحناها القدرة على الاستشهاد بها ثم ~~لم نقتصر على ذلك المقدار من الألطاف بل أرسلنا إليها رسلا وأنزلنا ~~عليها كتبا بينا فيها كل دقيق وجليل وأزحنا عللها بالكلية ~~وعرضناها بالتكليف للمنافع العظيمة وأعددنا لها عاقبة وجزاء على حسب ~~أعمالها { ذلك } إشارة إلى ما نفي من خلق ما ذكر باطلا { ظن ~~الذين كفروا } أي مظنونهم فإن جحودهم بأمر البعث والجزاء ~~الذي عليه يدور فلك تكوين العالم قول منهم ببطلان خلق ما ذكر ~~وخلوه عن الحكمة سبحانه وتعالى عما يقولون علوا كبيرا. { ~~فويل للذين كفروا } مبتدأ وخبر والفاء لإفادة ترتب ~~ثبوت الويل لهم على ظنهم الباطل كما أن وضع الموصول موضع ضميرهم ~~للإشعار بما في خيز الصلة بعلية كفرهم له، ولا تنافى بينهما لأن ~~ظنهم من باب كفرهم. ومن في قوله تعالى: { من النار } تعليلية ~~كما في قوله تعالى: # فويل لهم مما كتبت أيديهم # [سورة البقرة: الآية 79] ونظائره، ومفيدة لعلية النار لثبوت ~~الويل لهم صريحا بعد الإشعار بعلية ما يؤدي إليها من ظنهم ~~وكفرهم أي فويل لهم بسبب النار المترتبة على ظنهم وكفرهم. ### || [38.28-29] # { أم نجعل الذين ءامنوا وعملوا الصلحت ~~كالمفسدين فى الأرض } أم منقطعة، وما فيها من بل للإضراب ~~الانتقالي ms2824 عن تقرير أمر البعث والحساب والجزاء بما مر من نفي خلق ~~العالم خاليا عن الحكم والمصالح إلى تقريره وتحقيقه بما في الهمزة ~~من إنكار التسوية بين الفريقين ونفيها على أبلغ وجه وآكده أي بل ~~أنجعل المؤمنين المصلحين كالكفرة المفسدين في أقطار الأرض كما ~~يقتضيه عدم البعث وما يترتب عليه من الجزاء لاستواء الفريقين في ~~التمتع بالحياة الدنيا بل الكفرة أوفر حظا منها من المؤمنين ~~لكن ذلك الجعل محال فتعين البعث والجزاء حتما لرفع الأولين إلى ~~أعلى عليين ورد الآخرين إلى أسفل سافلين. وقوله تعالى: { ~~أم نجعل المتقين كالفجار } إضراب وانتقال عن إثبات ~~ما ذكر بلزوم المحال الذي هو التسوية بين الفريقين المذكورين ~~على الإطلاق إلى إثباته بلزوم ما هو أظهر منه استحالة وهو ~~التسوية بين أتقياء المؤمنين وأشقياء الكفرة وحمل الفجار ~~على فجرة المؤمنين مما لا يساعده المقام ويجوز أن يراد بهذين ~~الفريقين عين الأولين ويكون التكرير باعتبار وصفين آخرين هما ~~أدخل في إنكار التسوية من الوصفين الأولين وقيل قال كفار قريش ~~للمؤمنين: إنا نعطى في الآخرة من الخير ما تعطون فنزلت. { ~~كتاب } خبر مبتدأ محذوف هو عبارة عن القرآن أو السورة. وقوله ~~تعالى: { أنزلنه إليك } صفته. وقوله تعالى: { مبارك } ~~خبر ثان للمتدأ أو صفة لكتاب عند من يجوز تأخير الوصف ~~الصريح عن غير الصريح. وقرىء مباركا على أنه حال من مفعول ~~أنزلنا ومعنى المبارك الكثير المنافع الدينية والدنيوية. وقوله ~~تعالى: { ليدبروا ءايته } متعلق بأنزلناه أي أنزلناه ~~ليتفكروا في آياته التي من جملتها هذه الآيات المعربة عن أسرار ~~التكوين والتشريع فيعرفوا ما يدبر ظاهرها من المعاني الفائقة ~~والتأويلات اللائقة وقرىء ليتدبروا على الأصل ولتدبروا على ~~الخطاب أي أنت وعلماء أمتك بحذف إحدى التاءين { وليتذكر ~~أولو الألبب } أي وليتعظ به ذوو العقول السلمية أو ~~ليستحضروا ما هو كالمركوز في عقولهم من فرط تمكنهم من معرفته لما ~~نصب عليه من الدلائل فإن الكتب الإلهية مبينة لما لا يعرف ~~إلا بالشرع ومرشدة إلى ما لا سبيل للعقل إليه. ### || [38.30-32] # { ووهبنا لداوود سليمن نعم ms2825 العبد } وقرىء نعم ~~العبد أي سليمان كما ينبىء عنه تأخيره عن داود مع كونه مفعولا ~~صريحا لوهبنا ولأن قوله تعالى: { إنه أواب } أي رجاع إلى ~~الله تعالى بالتوبة أو إلى التسبيح مرجع له تعليل للمدح وهو من ~~حاله لما أن الضمير المجرور في قوله تعالى: { إذ عرض عليه ~~} راجع إليه عليه الصلاة والسلام قطعا وإذ منصوب باذكر أي ~~اذكر ما صدر عنه إذ عرض عليه { بالعشي } هو من الظهر إلى ~~آخر النهار { الصفنت } فإنه يشهد بأنه أواب وقيل: ~~لنعم وتأخير الصافنات عن الظرفين لما مر مرارا من التشويق ~~إلى المؤخر. والصافن من الخيل: الذي يقوم على طرف سنبك يد ~~أو رجل، وهو من الصفات المحمودة في الخيل لا يكاد يتفق إلا في ~~العراب الخلص، وقيل: هو الذي يجمع يديه ويسويهما. وأما الذي ~~يقف على سنبكه فهو المنخيم { الجياد } جمع جواد وجود وهو الذي ~~يسرع في جريه وقيل: الذي يجود عند الركض، وقيل: وصفت بالصفون ~~والجودة لبيان جمعها بين الوصفين المحمودين واقفة وجارية أي إذا ~~وقفت كانت ساكنة مطمئنة في مواقفها وإذا جرت كانت سراعا خفافا في ~~جريها. وقيل: هو جمع جيد. روي أنه عليه الصلاة والسلام غزا ~~أهل دمشق ونصيبين وأصاب ألف فرس وقيل: أصابها أبوه من العمالقة ~~فورثها منه وقيل: خرجت من البحر لها أجنحة فقعد يوما بعد ما صلى ~~الظهر على كرسيه فاستعرضها فلم تزل تعرض عليه حتى غربت ~~الشمس وغفل عن العصر أو عن ورد كان له من الذكر وقتئذ ~~وتهيبوه فلم يعلموه فاغتم لما فاته فاستردها فعقرها تقربا لله ~~تعالى وبقي مائة فما في أيدي الناس من الجياد فمن نسلها وقيل: لما ~~عقرها أبدله الله خيرا منها وهي الريح تجري بأمره. { فقال إنى ~~أحببت حب الخير عن ذكر ربى } قاله عليه الصلاة ~~والسلام عند غروب الشمس اعترافا بما صدر عنه من الاشتغال بها عن ~~الصلاة وندما عليه وتمهيدا لما يعقبه من الأمر بردها وعقرها، ~~والتعقيب باعتبار أواخر العرض المستمر دون ابتدائه والتأكيد ~~للدلالة على أن اعترافه ms2826 وندمه عن صميم القلب لا لتحقيق مضمون ~~الخير، وأصل أحببت أن يعدى بعلى لأنه بمعنى آثر لكن لما أنيب ~~مناب أنبت عدي تعديته وحب الخير مفعوله كأنه قيل: أنبت ~~حب الخير عن ذكر ربي ووضعته موضعه، والخبر المال الكثير ~~والمراد به الخيل التي شغلته عليه الصلاة والسلام ويحتمل أنه ~~سماها خيرا لتعلق الخير بها قال عليه الصلاة والسلام: # " الخير معقود بنواصي الخيل إلى يوم القيامة " # وقرىء أني { حتى توارت بالحجاب } متعلق بقوله أحببت ~~باعتبار استمرار المحبة ودوامها حسب استمرار العرض أي أنبت حب ~~الخير عن ذكر ربي واستمر ذلك حتى توارت أي غربت الشمس ~~تشبيها لغروبها في مغربها بتوارى المخبأة بحجابها، وإضمارها من غير ~~ذكر لدلالة العشي عليها وقيل: الضمير للصافنات أي توارت بحجاب الليل ~~أي بظلامه. ### || [38.33-34] # { ردوها على } من تمام مقالة سليمان عليه السلام ومرمى ~~غرضه من تقديم ما قدمه ومن لم يتنبه له مع ظهوره توهم أنه ~~متصل بمضمر هو جواب لمضمر آخر كأن سائلا قال: فماذا قال سليمان ~~عليه السلام فقيل قال: ردوها فتأمل والفاء في قوله تعالى: { ~~فطفق مسحا } فصيحة مفصحة عن جملة قد حذفت ثقة بدلاله ~~الحال عليها وإيذانا بغاية سرعة الامتثال بالأمر أي فردوها عليه ~~فأخذ يمسح السيف مسحا { بالسوق والأعناق } أي بسوقها ~~وأعناقها يقطعها من قولهم مسح علاوته أي ضرب عنقه عنه وقيل: جعل ~~يمسح بيده أعناقها وسوقها حبا لها وإعجابا بها وليس بذاك ~~وقرىء بالسؤق على همز الواو لضمتها كما في أدؤر وقرىء ~~بالسؤوق تنزيلا لضمة السين منزلة ضمه الواو وقرىء بالساق ~~اكتفاء بالواحد عن الجمع لأمن الالباس. # { ولقد فتنا سليمن وألقينا على كرسيه ~~جسدا ثم أناب } أظهر ما قيل في فتنته عليه الصلاة ~~والسلام ما روي مرفوعا أنه قال: # " لأطوفن الليلة على سبعين امرأة تأتي كل واحدة بفارس يجاهد ~~في سبيل الله تعالى ولم يقل إن شاء الله تعالى فطاف عليهن فلم ~~تحمل إلا امرأة واحدة جاءت بشق رجل، والذي نفسي بيده لو قال ~~إن شاء الله لجاهدوا في سبيل ms2827 الله فرسانا أجمعون " # وقيل: ولد له ابن فاجتمعت الشياطين على قتله فعلم ذلك فكان ~~يغذوه في السحاب فما شعر به إلى أن ألقي على كرسيه ميتا ~~فتنبه لخطئه حيث لم يتوكل على الله عز وعلا. وقيل إنه غزا ~~صيدون من الجزائر فقتل ملكها وأصاب بنتا له تسمى جرادة من ~~أحسن الناس فاصطفاها لنفسه وأسلمت وأحبها وكان لا يرقأ دمعها ~~جزعا على أبيها فأمر الشياطين فمثلوا لها صورته وكانت تغدو ~~إليها وتروح مع ولائدها يسجدن لها كعادتهن في ملكه فأخبره آصف ~~بذلك فكسر الصورة وعاقب المرأة ثم خرج وحده إلى فلاة وفرش له ~~الرماد فجلس عليه تائبا إلى الله تعالى باكيا متضرعا وكانت له ~~أم ولد يقال لها أمينة إذا دخل للطهارة أو لإصابة امرأة ~~يعطيها خاتمه وكان ملكه فيه فأعطاها يوما فتمثل لها بصورته شيطان ~~اسمه صخر وأخذ الخاتم فتختم به وجلس على كرسيه فاجتمع عليه الخلق ~~ونفذ حكمه في كل شيء إلا في نسائه وغير سليمان عن هيئته ~~فأتى أمينة لطلب الخاتم فأنكرته وطردته فعرف أن الخطيئة قد ~~أدركته فكان يدور على البيوت يتكفف وإذا قال أنا سليمان حثوا ~~عليه التراب وسبوه ثم عمد إلى السماكين ينقل لهم السمك ~~فيعطونه كل يوم سمكتين فمكث على ذلك أربعين صباحا عدد ما عبد ~~الوثن في بيته فأنكر آصف وعظماء بني إسرائيل حكم الشيطان ثم ~~طار اللعين وقذف الخاتم في البحر فابتلعته سمكة فوقعت في يد ~~سليمان فبقر بطنها فإذا هو بالخاتم فتختم به وخر ساجدا وعاد ~~إليه ملكه وجاب صخرة لصخر فجعله فيها وسد عليه بأخرى ثم أوثقهما ~~بالحديد والرصاص وقذفه في البحر وعلى هذا. فالجسد عبارة عن صخر ~~سمي به وهو جسم لا روح فيه لأنه تمثل بما لم يكن كذلك ~~والخطيئة تغافله عليه الصلاة السلام عن حال أهله لأن اتخاذ ~~التماثيل لم يكن محظورا حينئذ، وسجود الصورة بغير علم منه لا ~~يضره. ### || [38.35-38] # { قال } بدل من أناب وتفسيره له { رب اغفر لي } أي ما صدر ~~عني من الزلة { وهب ms2828 لى ملكا لا ينبغى لأحد من ~~بعدي } لا يتسهل له ولا يكون ليكون معجزة لي مناسبة لحالي فإنه ~~عليه الصلاة والسلام لما نشأ في بيت الملك والنبوة وورثهما ~~معا استدعى من ربه معجزة جامعة لحكمهما أو لا ينبغي لأحد أن ~~يسلبه مني بعد هذه السلبة أو لا يصح لأحد من بعدي لعظمته ~~كقولك لفلان ما ليس لأحد من الفضل والمال على إرادة وصف الملك ~~بالعظمة لا أن لا يعطى أحد مثله فيكون منافسة وقيل كان ملكا عظيما ~~فخاف أن يعطى مثله أحد فلا يحافظ على حدود الله تعالى. وتقديم ~~الاستغفار على الاستيهاب لمزيد اهتمامه بأمر الدين جريا على سنن ~~الأنبياء عليهم الصلاة والسلام والصالحين. وكون ذلك أدخل في ~~الإجابة. وقرىء لي بفتح الياء { إنك أنت الوهاب } تعليل ~~للدعاء بالمغفرة والهبة معا لا بالأخيرة فقط فإن المغفرة أيضا ~~من أحكام وصف الوهابية فقط. # { فسخرنا له الريح } أي فذللناها لطاعته إجابة لدعوته فعاد ~~أمره عليه الصلاة والسلام إلى ما كان عليه قبل الفتنة. وقرىء ~~الرياح { تجرى بأمره } بيان لتسخيرها له { رخاء } أي ~~لينة من الرخاوة طيبة لا تزعزع وقيل: طيعة لا تمنع عليه كالمأمور ~~المنقاد { حيث أصاب } أي حيث قصد وأراد. حكى الأصمعي عن ~~العرب أصاب الصواب فأخطأ الجواب { والشيطين } عطف على ~~الريح { كل بناء وغواص } بدل من الشياطين { وءاخرين ~~مقرنين فى الأصفاد } عطف على كل بناء داخل في حكم ~~البدل كأنه عليه الصلاة والسلام فصل الشياطين إلى عملة ~~استعملهم في الأعمال الشاقة من البناء والغوص ونحو ذلك وإلى مردة ~~قرن بعضهم مع بعض في السلاسل لكفهم عن الشر والفساد. ولعل ~~أجسامهم شفافة فلا ترى صلبة فيمكن تقييدها ويقدرون على الأعمال ~~الصعبة وقد جوز أن يكون الإقران في الأصفاد عبارة عن كفهم عن ~~الشرور بطريق التمثيل. والصفد القيد وسمي به العطاء ~~لأنه يرتبط بالمنعم عليه وفرقوا بين فعليهما فقالوا صفده قيده ~~وأصفده أعطاه على عكس وعد وأوعد. ### || [38.39-41] # وقوله تعالى: { هذا } الخ إما حكاية لما خوطب به سيلمان عليه ~~السلام مبينة لعظم ms2829 شأن ما أوتي من الملك وأنه مفوض إليه ~~تفويضا كليا وإما مقول لقول مقدر هو معطوف على سخرنا أو حال ~~من فاعله كما مر في خاتمة قصة داود عليه السلام أي وقلنا له ~~أو قائلين له هذا الأمر الذي أعطيناكه من الملك العظيم والبسطة ~~والتسلط على ما لم يسلط عليه غيرك { عطاؤنا } الخاص بك { ~~فامنن أو أمسك } فأعط من شئت وامنع من شئت { بغير ~~حساب } حال من المستكن في الأمر أي غير محاسب على منه وإمساكه ~~لتفويض التصرف فيه إليك على الإطلاق أو من العطاء أي هذا عطاؤنا ~~ملتبسا بغير حساب لغاية كثرته، أو صلة له وما بينهما اعتراض على ~~التقديرين، وقيل: الإشارة إلى تسخير الشياطين والمراد بالمن ~~والإمساك الإطلاق والتقييد { وإن له عندنا لزلفى } ~~في الآخرة مع ما له من الملك العظيم في الدنيا { وحسن مئاب ~~} هو الجنة قيل: فتن سليمان عليه السلام بعد ما ملك عشرين سنة ~~وملك بعد الفتنة عشرين سنة. وذكر الفقيه أبو حنيفة أحمد بن داود ~~الدينوري في تاريخه أن سليمان عليه السلام ورث ملك أبيه ~~في عصر كيخسرو بن سياوش وسار من الشام إلى العراق فبلغ خبره ~~كيخسرو فهرب إلى خراسان فلم يلبث حتى هلك ثم سار سليمان عليه ~~السلام إلى مرو. ثم إلى بلاد الترك فوغل فيها ثم جاز بلاد ~~الصين ثم عطف إلى أن وافى بلاد فارس فنزلها أياما ثم عاد إلى ~~الشام ثم أمر ببناء بيت المقدس فلما فرغ منه سار إلى تهامة ~~ثم إلى صنعاء وكان من حديثه مع صاحبتها ما ذكره الله تعالى وغزا ~~بلاد المغرب الأندلس وطنجة وغيرهما والله تعالى أعلم. # { واذكر عبدنا أيوب } عطف على اذكر عبدنا داود. وعدم ~~تصدير قصة سليمان بهذا العنوان لكمال الاتصال بينه وبين ~~داود عليهما السلام. وأيوب هو ابن عيص بن إسحاق عليه ~~السلام { إذ نادى ربه } بدل اشتمال من عبدنا، وأيوب ~~عطف بيان له { إنى } بأني { مسنى الشيطن } بفتح ياء ~~مسني. وقرىء بإسكانها وإسقاطها { بنصب } أي تعب وقرىء بفتح ~~النون وبفتحتين ms2830 وبضمتين للتثقيل. { وعذاب } أي ألم ووصب ~~يريد مرضه وما كان يقاسيه من فنون الشدائد وهو المراد بالضر ~~في قوله إني مسنى الضر وهو حكاية لكلامه الذي ناداه به بعبارته ~~وإلا لقيل أنه مسه الخ والإسناد إلى الشيطان إما لأنه ~~تعالى مسه بذلك لما فعل بوسوسته كما قيل إنه أعجب بكثرة ماله أو ~~استغاثه مظلوم فلم يغثه أو كانت مواشيه في ناحية ملك كافر فداهنه ولم ~~يغزه أو لامتحان صبره فيكون اعترافا بالذنب أو مراعاة للأدب أو ~~لأنه وسوس إلى أتباعه حتى رفضوه وأخرجوه من ديارهم أو لأن ~~المراد بالنصب والعذاب ما كان يوسوس به إليه في مرضه من تعظيم ما ~~نزل به من البلاء والقنوط من الرحمة ويغريه على الكراهة والجزع ~~فالتجأ إلى الله تعالى في أن يكفيه ذلك بكشف البلاء أو بالتوفيق ~~لدفعه ورده بالصبر الجميل، وليس هذا تمام دعائه عليه الصلاة ~~والسلام بل من جملته قوله: # وأنت أرحم الراحمين # [سورة الأعراف: الآية 151] فاكتفى هنها عن ذكره بما في سورة ~~الأنبياء كما ترك هناك ذكر الشيطان ثقة بما ذكر ههنا. ### || [38.42-44] # وقوله تعالى { اركض برجلك } الخ إما حكاية لما قيل له أو ~~مقول لقول مقدر معطوف على نادى أي فقلنا له اركض برجلك أي اضرب ~~بها الأرض وكذا قوله تعالى { هذا مغتسل بارد وشراب } ~~فإنه أيضا إما حكاية لما قيل له بعد امتثاله بالأمر وبنوع ~~الماء أو مقول لقول مقدر معطوف على مقدر ينساق إليه الكلام ~~كأنه قيل: فضربها فنبعت عين فقلنا له هذا مغتسل تغتسل به وتشرب ~~منه فيبرأ ظاهرك وباطنك وقيل: نبعت عينان حارة للاغتسال وباردة ~~للشرب ويأباه ظاهر النظم الكريم وقوله تعالى { ووهبنا له ~~أهله } معطوف على مقدر مترتب على مقدر آخر يقتضيه القول ~~المقدر آنفا كأنه قيل: فاغتسل وشرب فكشفنا بذلك ما به من ضر كما ~~في سورة الأنبياء ووهبنا له أيضا أهله إما بإحيائهم بعد هلاكهم ~~وهو المروي عن الحسن أو بجمعهم بعد تفرقهم كما قيل { ومثلهم ~~معهم } عطف على أهله فكان له من ms2831 الأولاد ضعف ما كان له قبل { ~~رحمة منا } أي لرحمة عظيمة عليه من قبلنا { وذكرى لأولي ~~الألبب } ولتذكيرهم بذلك ليصبروا على الشدائد كما صبر ويلجأوا ~~إلى الله عز وجل فيما يحيق بهم كما لجأ ليفعل بهم ما فعل به من ~~حسن العاقبة { وخذ بيدك ضغثا } معطوف على اركض أو على ~~وهبنا بتقدير قلنا أي وقلنا خذ بيدك الخ والأول أقرب لفظا ~~وهذا أنسب معنى فإن الحاجة إلى هذا الأمر لا تمس إلا بعد ~~الصحة، فإن امرأته رحمة بنت افرايم بن يوسف وقيل: ليا بنت ~~يعقوب وقيل: ماصر بنت ميشا بن يوسف عليه السلام ذهبت لحاجة ~~فأبطأت فحلف إن برىء ليضربنها مائة ضربة فأمره الله تعالى بأخذ ~~الضغث، والضغث الحزمة الصغيرة من الحشيش ونحوه. وعن ابن ~~عباس رضي الله عنهما قبضة من الشجر. وقال { فاضرب به } أي ~~بذلك الضغث { ولا تحنث } في يمينك فإن البر يتحقق به ولقد ~~شرع الله سبحانه هذه الرخصة رحمة عليه وعليها لحسن خدمتها ~~إياه ورضاه عنها وهي باقية ويجب أن يصيب المضروب كل واحد من ~~المائة إما بأطرافها قائمة أو بأعراضها مبسوطة على هيئة الضرب { ~~إنا وجدنه صابرا } فيما أصابه في النفس والأهل والمال ~~وليس في شكواه إلى الله تعالى إخلال بذلك فإنه لا يسمى جزعا ~~كتمني العافية وطلب الشفاء على أنه قال ذلك خيفة الفتنة في ~~الدين حيث كان الشيطان يوسوس إلى قومه بأنه لو كان نبيا ~~لما ابتلي بمثل ما ابتلي به وإرادة القوة على الطاعة فقد بلغ ~~أمره إلى أن لم يبق منه إلا القلب واللسان. ويروى أنه عليه ~~الصلاة والسلام قال في مناجاته: إلهي قد علمت أنه لم يخالف ~~لساني قلبي ولم يتبع بصري ولم يهبني ما ملكت يميني ولم آكل إلا ~~ومعي يتيم ولم أبت شبعان ولا كاسيا ومعي جائع أو عريان فكشف الله ~~تعالى عنه { نعم العبد } أي أيوب { إنه أواب } تعليل ~~لمدحه أي رجاع إلى الله تعالى. ### || [38.45-48] # { واذكر عبادنا إبرهيم وإسحق ويعقوب }. عطف ~~بيان لعبادنا. وقرىء عبدنا إما ms2832 على أن إبراهيم وحده لمزيد ~~شرفه عطف بيان، وقيل: بدل وقيل نصب بإضمار أعني، والباقيان ~~عطف على عبدنا، وإما على أن عبدنا اسم جنس وضع موضع الجمع. { ~~أولى الأيدى والأبصر } أولي القوة في الطاعة ~~والبصيرة في الدين أو أولي الأعمال الجليلة والعلوم الشريفة ~~فعبر بالأيدي عن الأعمال لأن أكثرها تباشر بها، وبالأبصار عن ~~المعارف لأنها أقوى مباديها، وفيه تعريض بالجهلة البطالين ~~أنهم كالزمنى والعماة وتوبيخ على تركهم المجاهدة والتأمل ~~مع تمكنهم منهما. وقرىء أولي الأيد بطرح الياء والاكتفاء ~~بالكسر. وقرىء أولي الأيادي على جمع الجمع. { إنا أخلصنهم ~~بخالصة } تعليل لما وصفوا به من شرف العبودية وعلو ~~الرتبة في العلم والعمل أي جعلناهم خالصين لنا بخصلة خالصة عظيمة ~~الشأن كما ينبىء عنه التنكير التفخيمي. وقوله تعالى { ~~ذكرى الدار } بيان للخالصة بعد إبهامها للتفخيم أي تذكر ~~للدار الآخرة دائما فإن خلوصهم في الطاعة بسبب تذكرهم ~~لها وذلك لأن مطمح أنظارهم ومطرح أفكارهم في كل ما يأتون وما ~~يذرون جوار الله عز وجل والفوز بلقائه ولا يتسنى ذلك إلا في ~~الآخرة وقيل: أخلصناهم بتوفيقهم لها واللطف بهم في اختيارها ويعضد ~~الأول قراءة من قرأ بخالصتهم. وإطلاق الدار للإشعار بأنها ~~الدار في الحقيقة وإنما الدنيا معبر. وقرىء بإضافة خالصة ~~إلى ذكرى أي بما خلص من ذكرى الدار على معنى أنهم لا يشوبون ~~ذكراها بهم آخر أصلا أو تذكيرهم الآخرة وترغيبهم فيها وتزهيدهم في ~~الدنيا كما هو شأن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام. وقيل: ~~ذكرى الدار الثناء الجميل في الدنيا ولسان الصدق الذي ليس ~~لغيرهم. # { وإنهم عندنا لمن المصطفين الأخيار } لمن ~~المختارين من أمثالهم المصطفين عليهم في الخير. والأخيار جمع ~~خير كشر وأشرار، وقيل: جمع خير أو خير مخفف منه ~~كأموات في جمع ميت وميت { واذكر إسمعيل } فصل ~~ذكره عن ذكره أبيه وأخيه للإشعار بعراقته في الصبر الذي هو ~~المقصود بالتذكير. { واليسع } هو ابن أخطوب بن العجوز ~~استخلفه الياس على بني إسرائيل ثم استنبىء واللام فيه حرف تعريف ~~دخل على يسع كما في قول من قال: ms2833 [الطويل] # رأيت الوليد بن اليزيد مباركا # [شديدا بأعباء الخلافة كاهله] # وقرىء والليسع كأن أصله ليسع فيعل من اللسع دخل عليه حرف ~~التعريف وقيل: هو على القراءتين علم أعجمي دخل عليه اللام وقيل: ~~هو يوشع. { وذا الكفل } هو ابن عم يسع أو بشر بن أيوب. واختلف ~~في نبوته ولقبه فقيل فر إليه مائة نبي من بني إسرائيل من القتل ~~فآواهم وكفلهم، وقيل كفل بعمل رجل صالح كان يصلي كل يوم ~~مائة صلاة { وكل } أي وكلهم { من الأخيار } المشهورين ~~بالخيرية. ### || [38.49-53] # { هذا } إشارة إلى ما تقدم من الآيات الناطقة بمحاسنهم. { ~~ذكر } أي شرف لهم وذكر جميل يذكرون به أبدا أو نوع من الذكر ~~الذي هو القرآن وباب منه مشتمل على أنباء الأنبياء عليهم ~~السلام. وعن ابن عباس رضي الله عنهما: هذا ذكر من مضى من ~~الأنبياء. وقوله تعالى { وإن للمتقين لحسن مآب } ~~شروع في بيان أجرهم الجزيل في الآجل بعد بيان ذكرهم الجميل في ~~العاجل وهو باب آخر من أبواب التنزيل. والمراد بالمتقين إما ~~الجنس وهم داخلون في الحكم دخولا أوليا وإما نفس المذكورين عبر ~~عنهم بذلك مدحا لهم بالتقوى التي هي الغاية القاصية من الكمال. { ~~جنت عدن } عطف بيان لحسن مآب عند من يجوز تخالفهما ~~تعريفا وتنكيرا فإن عدنا معرفة لقوله تعالى: # جنت عدن التى وعد الرحمن عباده # [سورة الكهف: الآية 31] أو بدل منه أو نصب على المدح. وقوله تعالى: { ~~مفتحة لهم الأبواب } حال من جنات عدن، والعامل ~~فيها ما في للمتقين من معنى الفعل. والأبواب مرتفعة باسم المفعول ~~والرابط بين الحال وصاحبها إما ضمير مقدر كما هو رأي ~~البصريين أي الأبواب منها أو الألف واللام القائمة مقامه كما ~~هو رأي الكوفيين إذ الأصل أبوابها، وقرئتا مرفوعتين على ~~الابتداء والخبر، أو على أنهما خبران لمحذوف أي هي جنات عدن هي ~~مفتحة. # { متكئين فيها } حال من ضمير لهم والعامل فيها مفتحة. ~~وقوله تعالى { يدعون فيها بفكهة كثيرة وشراب } ~~استئناف لبيان حالم فيها وقيل: هو أيضا حال مما ذكر أو من ضمير ~~متكئين ms2834 والاقتصار على دعاء الفاكهة للإيذان بأن مطاعمهم لمحض ~~التفكه والتلذذ دون التغذي فإنه لتحصيل بدل المتحلل ولا ~~تحلل ثمة { وعندهم قصرت الطرف } أي على أزواجهن لا ~~ينظرن إلى غيرهم { أتراب } لدات لهم فإن التحاب بين ~~الأقران أرسخ أو بعضهن لبعض لا عجوز فيهن ولا صبية. واشتقاقه ~~من التراب فإنه يمسهم في وقت واحد { هذا ما توعدون ~~ليوم الحساب } أي لأجله فإن الحساب علة للوصول إلى ~~الجزاء. وقرىء بالياء ليوافق ما قبله. والالتفات أليق بمقام ~~الامتنان والتكريم. ### || [38.54-59] # { إن هذا } أي ما ذكر من أنواع النعم والكرامات { ~~لرزقنا } أعطيناكموه { ما له من نفاد } انقطاع أبدا { ~~هذا } أي الأمر هذا أو هذا كما ذكر أو هذا ذكر وقوله تعالى { ~~وإن للطاغين لشر مآب } شروع في بيان أضداد الفريق ~~السابق { جهنم } إعرابه كما سلف { يصلونها } أي ~~يدخلونها، حال من جهنم. { فبئس المهاد } وهو المهد ~~والمفرش مستعار من فراش النائم، والمخصوص بالذم محذوف وهو جهنم ~~لقوله تعالى: # لهم من جهنم مهاد # [سورة الأعراف: الآية 41] { هذا فليذوقوه } أي ليذوقوا هذا ~~فليذوقوه كقوله تعالى: # وإيى فارهبون # [سورة البقرة: الآية 40] أو العذاب هذا فليذوقوه أو هذا مبتدأ خبره { ~~حميم وغساق } وما بينهما اعتراض وهو على الأولين خبر مبتدأ ~~محذوف أي هو حميم. والغساق ما يغسق من صديد أهل النار، من ~~غسقت العين إذا سال دمعها وقيل: الحميم يحرق بحره والغساق ~~يحرق ببرده. وقيل لو قطرت منه قطرة في المشرق لنتنت أهل ~~المغرب، ولو قطرت قطرة في المغرب لنتنت أهل المشرق. وقيل: الغساق ~~عذاب لا يعلمه إلا الله تعالى. وقرىء بتخفيف السين { وءاخر ~~من شكله } أي ومذوق آخر أو عذاب آخر من مثل هذا المذوق أو ~~العذاب في الشدة والفظاعة. وقرىء وأخر أي ومذوقات أخر أو ~~أنواع عذاب أخر. وتوحيد ضمير شكله بتأويل ما ذكر أو الشراب ~~الشامل للحميم. والغساق أو هو راجع إلى الغساق { أزوج } ~~أي أجناس وهو خبر لآخر يجوز أن يكون ضروبا، أو صفة له أو للثلاثة أو ~~مرتفع بالجار والخبر محذوف مثل لهم. # { هذا ms2835 فوج مقتحم معكم } حكاية ما يقال من جهة ~~الخزنة لرؤساء الطاغين إذا دخلوا النار واقتحمها معهم فوج ~~كانوا يتبعونهم في الكفر والضلالة. والاقتحام الدخول في الشيء ~~بشدة. قال الراغب «الاقتحام توسط شدة مخيفة» وقوله تعالى ~~{ لا مرحبا بهم } من إتمام كلام الخزنة بطيق الدعاء على ~~الفوج، أو صفة للفوج. أو حال منه، أي مقول أو مقولا في حقهم لا ~~مرحبا بهم، أي لا أتوا مرحبا أو لا رحبت بهم الدار مرحبا. { ~~إنهم صالو النار } تعليل من جهة الخزنة لاستحقاقهم ~~الدعاء عليهم أو وصفهم بما ذكر. وقيل: لا مرحبا بهم إلى هنا كلام ~~الرؤساء في حق أتباعهم عند خطاب الخزنة لهم باقتحام الفوج معهم ~~تضجرا من مقارنتهم وتنفرا من مصاحبتهم. وقيل: كل ذلك كلام ~~الرؤساء بعضهم مع بعض في حق الأتباع. ### || [38.60-63] # { قالوا } أي الأتباع عند سماعهم ما قيل في حقهم، ووجه خطابهم ~~للرؤساء في قولهم { بل أنتم لا مرحبا بكم } الخ على ~~الوجهين الأخيرين ظاهر، وأما على الوجه الأول فلعلهم إنما ~~خاطبوهم مع أن الظاهر أن يقولوا بطريق الاعتذار إلى الخزنة ~~بل هم لا مرحبا بهم الخ قصدا منهم إلى إظهار صدقهم بالمخاطبة مع ~~الرؤساء والتحاكم إلى الخزنة طمعا في قضائهم بتخفيف عذابهم ~~أو تضعيف عذاب خصمائهم أي بل أنتم أحق بما قيل لنا أو قلتم. ~~وقوله تعالى { أنتم قدمتموه لنا } تعليل لأحقيتهم بذلك ~~أي أنتم قدمتم العذاب أو الصلي لنا وأوقعتمونا فيه بتقديم ما ~~يؤدي إليه من العقائد الزائغة والأعمال السيئة وتزيينها في ~~أعيننا وإغرائنا عليها لا أنها باشرناها من تلقاء أنفسنا { ~~فبئس القرار } أي فبئس المقر جهنم قصدوا بذمها تغليظ ~~جناية الرؤساء عليهم { قالوا } أي الأتباع أيضا وتوسيطه بين ~~كلاميهم لما بينهما من التباين البين ذاتا وخطابا أي قالوا ~~معرضين عن خصومتهم متضرعين إلى الله تعالى { ربنا من قدم ~~لنا هذا فزده عذابا ضعفا فى النار } كقولهم # ربنا هؤلاء أضلونا فئاتهم عذابا ضعفا من ~~النار # [سورة الأعراف: الآية 38] أي عذابا مضاعفا أي ذا ضعف وذلك بأن ~~يزيد عليه ms2836 مثله ويكون ضعفين كقوله # ربنا ءاتهم ضعفين من العذاب # [سورة الأحزاب: الآية 68] وقيل: المراد بالضعف الحيات ~~والأفاعي. # { وقالوا } أي الطاغون { ما لنا لا نرى رجالا كنا ~~نعدهم من الأشرار } يعنون فقراء المسلمين الذين كانوا ~~يسترذلونهم ويسخرون منهم { أتخذنهم سخريا } بهمزة ~~استفهام سقطت لأجلها همزة الوصل.والجملة استئناف لا محل لها من ~~الإعراب قالوه إنكارا على أنفسهم وتأنيبا لها في الاستسخار منهم { ~~أم زاغت عنهم الأبصر } متصل باتخذناهم على أن أم ~~متصلة والمعنى أي الأمرين فعلنا بهم الاستسخار منهم أم الازدراء ~~بهم وتحقيرهم، وإن أبصارنا كانت تزيغ عنهم وتقتحمهم على معنى ~~إنكار كل واحد من الفعلين على أنفسهم توبيخا لها أو على أنها ~~منقطعة والمعنى أتخذناهم سخريا بل أزاغت عنهم أبصارنا كقولك أزيد ~~عندك أم عندك عمرو على معنى توبيخ أنفسهم على الاستسخار ثم ~~الإضراب والانتقال منه إلى التوبيخ على الازدراء والتحقير. ~~وقرىء اتخذناهم بغير همزة على أنه صفة أخرى لرجالا فقوله تعالى ~~أم زاغت متصل بقوله ما لنا لا نرى والمعنى ما لنا لا نراهم في ~~النار أليسوا فيها فكذلك لا نراهم أم زاغت عنهم أبصارنا وهم فيها وقد ~~جوز أن تكون الهمزة مقدرة على هذه القراءة وقرىء سخريا بضم ~~السين. ### || [38.64-69] # { إن ذلك } أي الذي حكي من أحوالهم { لحق } لا بد من ~~وقوعة ألبتة. وقوله تعالى { تخاصم أهل النار } خبر مبتدأ ~~محذوف، والجملة بيان لذلك وفي الإبهام أولا والتبيين ثانيا ~~مزيد تقرير له. وقيل: بدل من محل ذلك. وقيل بدل من حق أو عطف ~~بيان له. وقرىء بالنصب على أنه بدل من ذلك وما قيل: من أنه ~~صفة له فقد قيل عليه: إن اسم الإشارة لا يوصف إلا بالمعرف ~~باللام يقال بهذا الرجل ولا يقال بهذا غلام الرجل. # { قل } أمر لرسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقول للمشركين { ~~إنما أنا منذر } من جهته تعالى أنذركم عذابه { وما من ~~إله } في الوجود { إلا الله الوحد } الذي لا يقبل ~~الشركة والكثرة أصلا { القهار } لكل شيء سواه. { رب ~~السموات والأرض وما بينهما ms2837 } من المخلوقات فكيف ~~يتوهم أن يكون له شريك منها { العزيز } الذي لا يغلب في أمر ~~من أموره { الغفار } المبالغ في المغفرة يغفر ما يشاء لمن يشاء، ~~وفي هذه النعوت من تغرير التوحيد والوعد للموحدين والوعيد ~~للمشركين ما لا يخفى. وتثنية ما يشعر بالوعيد من وصفي القهر ~~والعزة وتقديمهما على وصف المغفرة لتوفية مقام الإنذار حقه. # { قل } تكرير الأمر للإيذان بأن المقول أمر جليل له شأن خطير ~~لا بد من الاعتناء به أمرا وائتمارا. { هو } أي ما أنبأتكم به من ~~أني منذر من جهته تعالى وأنه تعالى واحد لا شريك له وأنه متصف ~~بما ذكر من الصفات الجليلة والأظهر أنه القرآن وما ذكر داخل ~~فيه دخولا أوليا كما يشهد به آخر السورة الكريمة وهو قول ابن ~~عباس ومجاهد وقتادة { نبأ عظيم } وارد من جهته تعالى. ~~وقوله تعالى { أنتم عنه معرضون } استئناف ناع عليهم سوء ~~صنيعهم به ببيان أنهم لا يقدرون قدره الجليل حيث يعرضون عنه مع ~~عظمته وكونه موجبا للإقبال الكلي وتلقيه بحسن القبول، وقيل: صفة ~~أخرى لنبأ. وقوله تعالى { ما كان لى من علم بالملإ ~~الأعلى } الخ استئناف مسوق لتحقيق أنه نبأ عظيم وارد من جهته ~~تعالى بذكر نبأ من أنبائه على التفصيل من غير سابقة معرفة به ولا ~~مباشرة سبب من أسبابها المعتادة فإن ذلك حجة بينة دالة على ~~أن ذلك بطريق الوحي من عند الله تعالى وأن سائر أنبيائه أيضا ~~كذلك. والملأ الأعلى هم الملائكة وآدم عليهم السلام وإبليس عليه ~~اللعنة. وقوله تعالى { إذ يختصمون } متعلق بمحذوف يقتضيه ~~المقام إذ المراد نفي علمه عليه الصلاة والسلام بحالهم لا ~~بذواتهم. والتقدير ما كان لي فيما سبق عمل ما بوجه من الوجوه بحال ~~الملأ الأعلى وقت اختصامهم. وتقدير الكلام كما اختاره الجمهور ~~تحجير للواسع فإن علمه عليه الصلاة والسلام غير مقصور على ما ~~جرى بينهم من الأقوال فقط بل عام لها وللأفعال أيضا من سجود ~~الملائكة واستكبار إبليس وكفره حسبما ينطق به الوحي فلا بد من ~~اعتبار العموم في نفيه ms2838 أيضا لا محالة. ### || [38.70-71] # وقوله تعالى { إن يوحى إلى إلا أنما أنا نذير ~~مبين } اعتراض وسط بين إجمالي اختصامهم وتفصيله تقريرا لثبوت ~~علمه عليه الصلاة والسلام وتعيينا لسببه إلا أن بيان ~~انتفائه فيما سبق لما كان منبئا عن ثبوته الآن ومن البين عدم ~~ملابسته عليه الصلاة والسلام بشيء من مباديه المعهودة تعين ~~أنه ليس إلا بطريق الوحي حتما فجعل أمرا مسلم الثبوت غنيا عن ~~الإخبار به قصدا وجعل مصب الفائدة والمقصود إخبار ما هو داع ~~إلى الوحي ومصحح له تحقيقا لقوله تعالى: # إنما أنا منذر # [سورة ص: الآية 65] في ضمن تحقيق علمه عليه الصلاة والسلام ~~بقصة الملأ الأعلى، فالقائم مقام الفاعل ليوحى إما ضمير عائد ~~إلى الحال المقدر أو مايعمه وغيره فالمعنى ما يوحى إلى حال ~~الملأ الأعلى أو ما يوحى إلي ما يوحى من الأمور الغيبية التي من ~~جملتها حالهم إلا لأنما أنا نذير مبين من جهته تعالى فإن كونه ~~عليه الصلاة والسلام كذلك من دواعي الوحي إليه ومن موجباته ~~حتما وأما أن القائم مقام الفاعل هو الجار والمجرور أو هو ~~إنما أنا نذير مبين بلا تقديير الجار وأن المعنى ما يوحى ~~إلي إلا للإنذار أو ما يوحى إلي أن أنذر وأبلغ ولا أفرط في ~~ذلك كما قيل فمع ما فيه من الاضطرار إلى التكلف في توجيه قصر ~~الوحي على كونه للإنذار في الأول وقصره على الأنذار في الثاني ~~فلا يساعده سباق النظم الكريم وسياقه، كيف لا والاعتراض حينئذ ~~يكون أجنبيا مما توسط بينهما من إجمال الاختصام وتفصيله ~~فتأمل والله المرشد. وقرىء إنما بالكسر على الحكاية. وقوله ~~تعالى: { إذ قال ربك للملئكة } شروع في تفصيل ما أجمل ~~من الاختصام الذي هو ما جرى بينهم من التقاول وحيث كان تكليمه ~~تعالى إياهم بواسطة الملك صح إسناد الاختصام إلى الملائكة وإذ ~~بدل من إذ الأولى وليس من ضرورة البدلية دخولها على نفس الاختصام ~~بل يكفي اشتمال ما في حيزها عليه فإن القصة ناطقة بذلك تفصيلا، ~~والتعرض لعنوان الربوبية مع الإضافة إلى ms2839 ضميره عليه ~~الصلاة والسلام لتشريفه والإيذان بأن وحي هذا النبأ إليه ~~تربية وتأييد له عليه الصلاة والسلام. والكاف وارد باعتبار ~~حال الآمر لكونه أدل على كونه وحيا منزلا من عنده تعالى كما في ~~قوله تعالى: # قل يعبادي الذين أسرفوا على أنفسهم # [سورة الزمر: الآية 53] الخ دون حال المأمور وإلا لقيل: ربي لأنه ~~داخل في حيز الأمر. { إنى خلق } أي فيما سيأتي وفيه ما ليس في ~~صيغة المضارع من الدلالة على أنه تعالى فاعل له ألبتة من غير ~~صارف يلويه ولا عاطف يثنيه { بشرا } قيل: أي جسما كثيفا يلاقى ~~ويباشر. وقيل: خلقا بادي البشرة بلا صوف ولا شعر، ولعل ما جرى عند ~~وقوع المحكي ليس هذا الاسم الذي لم يخلق مسماه حينئذ فضلا عن ~~تسميته به بل عبارة كاشفة عن حاله وإنما عبر عنه بهذا الاسم عند ~~الحكاية { من طين } لم يتعرض لأوصافه من التغير والاسوداد ~~والمسنونية اكتفاء بما ذكر في مواقع أخر. ### || [38.72-75] # { فإذا سويته } أي صورته بالصورة الإنسانية والخلقة ~~البشرية أو سويت أجزاء بدنه بتعديل طبائعه { ونفخت فيه ~~من روحى } النفخ إجراء الريح إلى تجويف جسم صالح لإمساكها ~~والامتلاء بها. وليس ثمة نفخ ولا منفوخ وإنما هو تمثيل لإفاضة ~~ما به الحياة بالفعل على المادة القابلة لها أي فإذا كملت ~~استعداده وأفضت عليه ما يحيى به من الروح التي هي أمري { فقعوا ~~له } أمر من وقع وفيه دليل على أن المأمور به ليس مجرد ~~الانحناء كما قيل أي اسقطوا له { سجدين } تحية له وتكريما. # { فسجد الملئكة } أي فخلقه فسواه فنفخ فيه الروح فسجد ~~له الملائكة { كلهم } بحيث لم يبق منهم أحد إلا سجد { ~~أجمعون } أي بطريق المعية بحيث لم يتأخر في ذلك أحد منهم عن ~~أحد، ولا اختصاص لإفادة هذا المعنى بالحالية بل يفيده التأكيد أيضا ~~وقيل أكد بتأكيدين مبالغة في التعميم. هذا وأما أن سجودهم ~~هذا هل ترتب على ما حكي من الأمر التعليقي كما تقتضيه هذه ~~الآية الكريمة والتي في سورة الحجر فإن ظاهرهما يستدعي ترتبه ~~عليه ms2840 من غير أن يتوسط بينهما شيء غير ما يفصح عنه الفاء الفصيحة ~~من الخلق والتسوية ونفخ الروح أو على الأمر التنجيزي كما ~~يقتضيه ما في سورة البقرة وما في سورة الأعراف وما في سورة بني ~~إسرائيل وما في سورة الكهف وما في سورة طه من الآيات الكريمة فقد ~~مر تحقيقه بتوفيق الله عز وجل في سورة البقرة وسورة الأعراف ~~{ إلا إبليس } استثناء متصل لما أنه كان جنيا مفردا ~~مغمورا بألوف من الملائكة موصوفا بصفاتهم فغلبوا عليه ثم ~~استثنى استثناء واحد منهم أو لأن من الملائكة جنسا يتوالدون ~~وهو منهم أو منقطع. وقوله تعالى: { استكبر } على الأول ~~استئناف مبين لكيفية ترك السجود المفهوم من الاستثناء فإن ~~تركه يحتمل أن يكون للتامل والتروي وبه بتحقق أنه للإباء ~~والاستكبار. وعلى الثاني يجوز اتصاله بما قبله أي لكن إبليس ~~استكبر { وكان من الكفرين } أي وصار منهم بمخالفته للأمر ~~واستكباره عن الطاعة أو كان منهم في علم الله تعالى عز وجل { ~~قال يإبليس ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي ~~أستكبرت أم كنت من العالين } أي خلقته بالذات من ~~غير توسط أب وأم والتثنية لإبراز كمال الاعتناء بخلقه عليه ~~الصلاة والسلام المستدعي لإجلاله وإعظامه قصدا إلى تأكيد ~~الإنكار وتشديد التوبيخ. { أستكبرت } بهمزة الإنكار وطرح ~~همزة الوصل أي أتكبرت من غير استحقاق { أم كنت من ~~العلين } المستحقين للتفوق وقيل: أستكبرت الآن أم لم تزل ~~منذ كنت من المستكبرين. وقرىء بحذف همزة الاستفهام ثقة بدلالة ~~أم عليها. ### || [38.76-80] # وقوله تعالى: { قال أنا خير منه } أدعاء منه لشيء ~~مستلزم لمنعه من السجود على زعمه وإشعار بأنه لا يليق أن يسجد ~~الفاضل للمفضول كما يعرب عنه قوله: # لم أكن لأسجد لبشر خلقته من صلصل من حمإ ~~مسنون # [سورة الحجر: الآية 33] وقوله تعالى { خلقتني من نار ~~وخلقته من طين } تعليل لما ادعاه من فضله عليه عليه ~~الصلاة والسلام، ولقد أخطأ اللعين حيث خص الفضل بما من جهة ~~المادة والعنصر وزل عنه ما من جهة الفاعل كما أنبأ عنه وقوله ~~تعالى: ms2841 # لما خلقت بيدى # [سورة ص: الآية 75] وما من جهة الصورة كما نبه عليه قوله تعالى: # ونفخت فيه من روحى # [سورة الحجر: الآية 29] وما من جهة الغاية وهو ملاك الأمر، ولذلك ~~أمر الملائكة بسجوده عليهم السلام حين ظهر لهم أنه أعلم منهم ~~بما يدور عليه من أمر الخلافة في الأرض وأن له خواص ليست لغيره. ~~{ قال فاخرج منها } الفاء لترتيب الأمر على ما ظهر من ~~اللعين من المخالفة للأمر الجليل وتعليلها بالأباطيل أي فاخرج ~~من الجنة أو من زمرة الملائكة وهو المراد بالأمر بالهبوط لا ~~الهبوط من السماء كما قيل فإن وسوسته لآدم عليه السلام كانت بعد ~~هذا الطرد وقد بين كيفية وسوسته في سورة البقرة. وقيل: ~~اخرج من الخلقة التي كنت فيها وانسلخ منها فإنه كان يفتخر بخلقته ~~فغير الله خلقته فاسود بعد ما كان أبيض وقبح بعد ما كان حسنا ~~وأظلم بعد ما كان نورانيا وقوله تعالى: { فإنك رجيم } تعليل ~~للأمر بالخروج أي مطرود من كل خير وكرامة، فإن من يطرد ~~يرجم بالحجارة أو شيطان يرجم بالشهب { وإن عليك لعنتى ~~} أي إبعادي عن الرحمة، وتقييدها بالإضافة مع إطلاقها في قوله ~~تعالى: # وإن عليك اللعنة # [سورة الحجر: الآية 35] لما أن لعنة اللاعنين من الملائكة ~~والثقلين أيضا من جهته تعالى وأنهم يدعون عليه بلعنة الله تعالى ~~وإبعاده من الرحمة { إلى يوم الدين } أي يوم الجزاء ~~والعقوبة، وفيه إيذان بأن اللعنة مع كمال فظاعتها ليست جزاء ~~لجنايته بل هي أنموذج لما سيلقاه مستمرا إلى ذلك اليوم لكن لا على ~~أنها تنقطع يومئذ كما يوهمه ظاهر التوقيت بل على أنه سيلقى ~~يومئذ من ألوان العذاب وأفانين العقاب ما ينسى عنده اللعنة وتصير ~~كالزائل ألا يرى إلى قوله تعالي: # فأذن مؤذن بينهم أن لعنة الله على ~~الظلمين # [سورة الأعراف: الآية 44] وقوله تعالى: # ويلعن بعضهم بعضا # [سورة العنكبوت: الآية 25]. # { قال رب فأنظرنى } أي أمهلني وأخرني، والفاء متعلقة ~~بمحذوف ينسحب عليه الكلام أي إذ جعلتني رجيما فأمهلني ولا تمتني { ~~إلى يوم يبعثون } أي آدم وذريته للجزاء ms2842 بعد فنائهم، ~~وأراد بذلك أن يجد فسحة لإغوائهم ويأخذ منهم ثأره وينجو من ~~الموت بالكلية إذ لا موت بعد يوم البعث. # { قال فإنك من المنظرين } ورود الجواب بالجملة ~~الاسمية مع التعرض لشمول ما سأله لآخرين على وجه يشعر بكون ~~السائل تبعا لهم في ذلك دليل واضح على أنه إخبار بالإنظار ~~المقدر لهم أزلا، لا إنشاء لإنظار خاص به، وقد وقع إجابة لدعائه ~~وأن استنظاره كان طلبا لتأخير الموت إذ به يتحقق كونه منهم ~~لا لتأخير العقوبة كما قيل فإن ذلك معلوم من إضافة اليوم إلى ~~الدين أي إنك من جملة الذين أخرت آجالهم أزلا حسبما تقتضيه ~~حكمة التكوين. ### || [38.81-85] # { إلى يوم الوقت المعلوم } الذي قدره الله وعينه ~~لفناء الخلائق، وهو وقت النفخة الأولى لا إلى وقت البعث الذي هو ~~المسؤول. فالفاء ليست لربط نفس الأنظار بالاستنظار بل لربط ~~الإخبار المذكور به كما في قول من قال: [الوافر] # فإن ترحم فأنت لذاك أهل # فإنه لا إمكان لجعل الفاء فيه لربط ما له تعالى من الأهلية ~~القديمة للرحمة الحادثة بل هي لربط الإخبار بتلك الأهلية ~~للرحمة بوقوعها، هذا وقد ترك التوقيت في سورة الأعراف كما ترك ~~النداء والفاء في الاستنظار والإنظار تعويلا على ما ذكر ههنا وفي ~~سورة الحجر وإن خطر ببالك أن كل وجه من وجوه النظم الكريم ~~لا بد أن يكون له مقام يقتضيه مغاير لمقام غيره وأن ما حكي ~~من اللعين إنما صدر عنه مرة وكذا جوابه لم يقع إلا دفعة ~~فمقام الاستنظار والإنظار إن اقتضى أحد الوجوه المحكية فذلك ~~الوجه هو المطابق لمقتضى الحال والبالغ إلى رتبة البلاغة ودرجة ~~الإعجاز، وأما ما عداه من الوجوه فهو بمعزل من بلوغ طبقة ~~البلاغة فضلا عن العروج إلى معارج الإعجاز فقد سلف تحقيقه في ~~سورة الأعراف بفضل الله تعالى وتوفيقه. { قال فبعزتك } ~~الباء للقسم والفاء لترتيب مضمون الجملة على الإنظار ولا ينافيه ~~قوله تعالى فبما أغويتني وقوله رب بما أغويتني فإن إغواءه تعالى ~~إياه أثر من آثار قدرته تعالى وعزته وحكم ms2843 من أحكام قهره ~~وسلطنته فمآل الإقسام بهما واحد ولعل اللعين أقسم بهما جميعا ~~فحكى تارة قسمه بأحدهما وأخرى بالآخر أي فأقسم بعزتك { ~~لأغوينهم أجمعين } أي ذرية آدم بتزيين المعاصي لهم { ~~إلا عبادك منهم المخلصين } وهم الذين أخلصهم الله ~~تعالى لطاعته وعصمهم من الغواية. وقرىء المخلصين على صيغة الفاعل ~~أي الذين أخلصوا قلوبهم وأعمالهم لله تعالى. # { قال } أي الله عز وجل { فالحق والحق أقول } يرفع ~~الأول على أنه مبتدأ محذوف الخبر أو خبر محذوف المبتدأ، ونصب ~~الثاني على أنه مفعول لما بعده قدم عليه للقصر، أي لا أقول ~~إلا الحق. والفاء لترتيب ما بعدها على ما قبلها أي فالحق قسمي ~~{ لأملأن جهنم } على أن الحق إما اسمه تعالى، أو نقيض ~~الباطل عظمه الله تعالى بإقسامه به أو فأنا الحق أو فقولي الحق ~~وقوله تعالى: { لأملأن جهنم } الخ حينئذ جواب لقسم محذوف ~~أي والله لأملأن الخ وقوله تعالى: # والحق أقول # [سورة ص: الآية 84] على كل تقدير اعتراض مقرر على الوجهين ~~الأولين لمضمون الجملة القسمية، وعلى الوجه الثالث لمضمون ~~الجملة المتقدمة أعني فقولي الحق. وقرئا منصوبين على أن ~~الأول مقسم به كقولك الله لأفعلن وجوابه لأملأن وما بينهما ~~اعتراض. وقرئا مجرورين على أن الأول مقسم به قد أضمر حرف قسمه ~~كقولك الله لأفعلن والحق أقول على حكاية لفظ المقسم به على ~~تقدير كونه نقيض الباطل ومعناه التأكيد والتشديد. # وقرىء بجر الأول على إضمار حرف القسم ونصب الثاني على ~~المفعولية { منك } أي من جنسك من الشياطين { وممن تبعك ~~} في الغواية والضلال { منهم } من ذرية آدم { أجمعين } ~~تأكيد للكاف وما عطف عليه أي لأملأنها من المتبوعين والأتباع ~~أجمعين، كقوله تعالى: # لمن تبعك منهم لأملأن جهنم منكم أجمعين # [سورة الأعراف: الآية 18] وهذا القول هو المراد بقوله تعالى: # ولكن حق القول منى لأملأن جهنم من ~~الجنة والناس أجمعين # [سورة السجدة: الآية 13] وحيث كان مناط الحكم ههنا اتباع ~~الشيطان اتضح أن مدار عدم المشيئة في قوله تعالى: # ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها # [سورة السجدة: الآية 83] اتباع الكفرة ms2844 للشيطان بسوء اختيارهم ~~لا تحقق القول فليس في ذلك شائبة الجبر فتدبر. ### || [38.86-88] # { قل ما أسألكم عليه } على القرآن أو على تبليغ ما ~~يوحى إلي. { من أجر } دنيوي { وما أنا من ~~المتكلفين } أي المتصنعين بما ليسوا من أهله حتى أنتحل ~~النبوة وأتقول القرآن { إن هو } أي ما هو { إلا ذكر } ~~من الله عز وجل { للعلمين } أي للثقلين كافة { ~~ولتعلمن نبأه } أي ما أنبأ به من الوعد والوعيد وغيرهما ~~أو صحة خبره وأنه الحق والصدق { بعد حين } بعد الموت أو ~~يوم القيامة أو عند ظهور الإسلام وفشوه. وقيل: من بقى علم ذلك أذا ~~ظهر أمره وعلا ومن مات علمه بعد الموت وفيه من التهديد ما لا ~~يخفى. # عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " من قرأ سورة ص كان له بوزن كل جبل سخره الله لداود عشر ~~حسنات وعصم أن يصر على ذنب صغير أو كبير " # وقال أبو أمامة: عصمه الله تعالى من كل ذنب صغير أو كبير, ~~والله أعلم. ### | [39 - سورة الزمر] ### || [39.1-3] # (سورة الزمر مكية إلا قوله { قل يا عبادي } الآية وآياتها خمس وسبعون ~~آية) # { بسم الله الرحمن الرحيم } { تنزيل الكتب } ~~خبر لمبتدأ محذوف هو اسم إشارة أشير به إلى السورة تنزيلا لها ~~منزلة الحاضر المشار إليه لكونها على شرف الذكر والحضور كما مر ~~مرارا. وقد قيل هو ضمير عائد إلى الذكر في قوله تعالى: # إن هو إلا ذكر للعلمين # [سورة الأنعام: الآية 90] وقوله تعالى: { من الله العزيز ~~الحكيم } صلة للتنزيل أو خبر ثان أو حال من التنزيل عاملها ~~معنى الإشارة أو من الكتاب الذي هو مفعول معنى، عاملها المضاف، وقيل ~~هو خبر لتنزيل الكتاب، والوجه الأول أو في بمقتضى المقام الذي ~~هو بيان أن السورة أو القرآن تنزيل الكتاب من الله تعالى لا ~~بيان أن تنزيل الكتاب منه تعالى لا من غيره كما يفيده الوجه ~~الأخير. وقرىء تنزيل الكتاب بالنصب على إضمار فعل نحو اقرأ أو ~~الزم. والتعرض لوصفي العزة والحكمة للإيذان بظهور أثريهما في ~~الكتاب بجريان أحكامه ms2845 ونفاذ أوامره ونواهيه من غير مدافع ولا ممانع، ~~وبابتناء جميع ما فيه على أساس الحكم الباهرة. وقوله تعالى: { ~~إنا أنزلنا إليك الكتب بالحق } شروع في بيان شأن ~~المنزل إليه وما يجب عليه إثر بيان شأن المنزل وكونه من عند ~~الله تعالى، والمراد بالكتاب هو القرآن وإظهاره على تقدير كونه هو ~~المراد بالأول أيضا لتعظيمه ومزيد الاعتناء بشأنه. والباء إما ~~متعلقة بالإنزال أي بسبب الحق وإثباته وإظهاره أو بداعية الحق ~~واقتضائه للإنزال وإما بمحذوف هو حال من نون العظمة أو من الكتاب ~~أو أنزلناه إليك محقين في ذلك أو أنزلناه ملتبسا بالحق والصواب ~~أي كل ما فيه حق لا ريب فيه موجب للعمل به حتما. والفاء في ~~قوله تعالى: { فاعبد الله مخلصا له الدين } لترتيب الأمر ~~بالعبادة على إنزال الكتاب إليه عليه الصلاة والسلام بالحق أي ~~فاعبده تعالى ممحضا له الدين من شوائب الشرك والرياء ~~حسبما بين في تضاعيف ما أنزل إليك. وقرىء برفع الدين على أنه ~~مبتدأ خبره الظرف المقدم عليه لتأكيد الاختصاص المستفاد من ~~اللام. والجملة استئناف وقع تعليلا للأمر بإخلاص العبادة. وقوله ~~تعالى: { ألا لله الدين الخالص } استئناف مقرر لما قبله ~~من الأمر بإخلاص الدين له تعالى، ووجوب الامتثال به. وعلى القراءة ~~الأخيرة مؤكد لاختصاص الدين به تعالى أي ألا هو الذي يجب أن ~~يخص بإخلاص الطاعة له لأنه المتفرد بصفات الألوهية ~~التي من جملتها الاطلاع على السرائر والضمائر. وقوله تعالى: # { والذين اتخذوا من دونه أولياء } تحقيق لحقية ما ~~ذكر من إخلاص الدين الذي هو عبارة عن التوحيد ببيان بطلان ~~الشرك الذي هو عبارة عن ترك إخلاصه، والموصول عبارة عن المشركين ~~ومحله الرفع على الابتداء خبره ما سيأتي من الجملة المصدرة ~~بأن. # والأولياء عن الملائكة وعيسى عليهم السلام والأصنام. وقوله ~~تعالى: { ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى ~~} حال بتقدير القول من واو اتخذوا مبنية لكيفية إشراكهم وعدم ~~خلوص دينهم. والاستثناء مفرغ من أعم العلل. وزلفى مصدر ~~مؤكد على غير لفظ المصدر ملاق له في المعنى أي والذين ms2846 لم يخلصوا ~~العبادة لله تعالى بل شابوها بعبادة غيره قائلين ما نعبدهم لشيء من ~~الأشياء إلا ليقربونا إلى الله تعالى تقريبا. { إن الله ~~يحكم بينهم } أي وبين خصمائهم الذين هم المخلصون للدين. ~~وقد حذف لدلالة الحال عليه كما في قوله تعالى: # لا نفرق بين أحد من رسله # [سورة البقرة: الآية 285] على أحد الوجهين أي بين أحد منهم وبين ~~غيره وعليه قول النابغة: [الطويل] # فما كان بين الخير لو جاء سالما # أبو حجر إلا ليال قلائل # أي بين الخير وبيني وقيل: ضيمر بينهم للفريقين جميعا { فيما ~~هم فيه يختلفون } من الدين الذي اختلفوا فيه بالتوحيد ~~والإشراك وادعى كل فريق منهم صحة ما انتحله وحكمه تعالى في ذلك ~~إدخال الموحدين الجنة والمشركين النار فالضمير للفريقين ~~هذا هو الذي يستدعيه مساق النظم الكريم، وأما تجويز أن يكون ~~الموصول عبارة عن المعبودين على حذف العائد إليه وإضمار المشركين من ~~غير ذكر تعويلا على دلالة المساق عليهم، ويكون التقدير والذين ~~اتخذهم المشركون أولياء قائلين ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله ~~إن الله يحكم بينهم أي بين العبدة والمعبودين فيما هم فيه ~~يختلفون حيث يرجو العبدة شفاعتهم وهم يلعنونهم فبعد الإغضاء عما ~~فيه من التعسفات بمعزل من السداد، كيف لا وليس فيما ذكر من طلب ~~الشفاعة واللعن مادة يختلف فيها الفريقان اختلافا محوجا ~~إلى الحكم والفصل وإنما ذاك ما بين فريقي الموحدين والمشركين ~~في الدنيا من الاختلاف في الدين الباقي إلى يوم القيامة. وقرىء ~~قالوا ما نعبدهم فهو بدل من الصلة ولا خبر للموصول كما قيل إذ ليس ~~في الإخبار بذلك مزيد مزية. وقرىء ما نعبدكم إلا لتقربونا ~~حكاية لما خاطبوا به آلهتهم. وقرىء نعبدهم إتباعا للباء { إن ~~الله لا يهدى } أي لا يوفق للاهتداء إلى الحق الذي هو ~~طريق النجاة عن المكروه والفوز بالمطلوب { من هو كذب ~~كفار } أي راسخ في الكذب مبالغ في الكفر كما يعرب عنه قراءة ~~كذاب وكذوب فإنهما فاقدان للبصيرة غير قابلين للاهتداء ~~لتغييرهما الفطرة الأصلية بالتمرن في الضلالة والتمادي ~~في ms2847 الغي. والجملة تعليل لما ذكر من حكمه تعالى. ### || [39.4] # { لو أراد الله أن يتخذ ولدا } الخ استئناف مسوق ~~لتحقيق الحق وإبطال القول بأن الملائكة بنات الله وعيسى ابنه ~~تعالى عن ذلك علوا كبيرا ببيان استحالة اتخاذ الولد في حقه ~~تعالى على الإطلاق ليندرج فيه استحالة ما قيل اندراجا أوليا أي ~~أراد الله أن يتخذ ولدا { لاصطفى } أي لاتخذ { مما ~~يخلق } أي من جملة ما يخلقه أو من جنس ما يخلقه { ما يشاء } أن ~~يتخذه إذ لا موجود سواه إلا وهو مخلوق له تعالى لامتناع ~~تعدد الواجب ووجوب استناد جميع ما عداه إليه، ومن البين أن ~~اتخاذ الولد منوط بالمماثلة بين المتخذ والمتخذ وأن ~~المخلوق لا يماثل خالقه حتى يمكن اتخاذه ولدا فما فرضناه ~~اتخاذ ولد لم يكن اتخاذ ولد بل اصطفاء عبد وإليه أشير حيث ~~وضع الاصطفاء موضع الاتخاذ الذي تقتضيه الشرطية تنبيها على ~~استحالة مقدمها لاستلزام فرض وقوعه بل فرض إرادة وقوعه انتفاءه أي ~~لو أراد الله تعالى أن يتخذ ولدا لفعل شيئا ليس هو من اتخاذ ~~الولد في شيء أصلا بل إنما هو اصطفاء عبد ولا ريب في أن ما ~~يستلزم فرض وقوعه انتفاءه فهو ممتنع قطعا فكأنه قيل لو أراد الله ~~أن يتخذ ولدا لامتنع ولم يصح لكن لا على أن الامتناع منوط ~~بتحقق الإرادة بل على أنه متحقق عند عدمها بطريق الأولوية ~~على منوال لو لم يخف الله لم يعصه. وقوله تعالى: { سبحنه } ~~تقرير لما ذكر من استحالة اتخاذ الولد في حقه تعالى وتأكيد له ~~ببيان تنزهه تعالى عنه أي تنزه بالذات عن ذلك تنزهه الخاص به ~~على أن السبحان مصدر من سبح إذا بعد أو أسبحه تسبيحا لائقا ~~به على أنه علم للتسبيح مقول على ألسنة العباد أو سبحوه ~~تسبيحا حقيقا بشأنه. وقوله تعالى: { هو الله الوحد ~~القهار } استئناف مبين لتنزهه تعالى بحسب الصفات إثر ~~بيان تنزهه تعالى عنه بحسب الذات فإن صفة الألوهية ~~المستتبعة لسائر صفات الكمال النافية لسمات النقصان والوحدة ~~الذاتية الموجبة لامتناع ms2848 المماثلة والمشاركة ببنه تعالى وبين غيره ~~على الإطلاق مما يقضي بتنزهه تعالى عما قالوا قضاء متقنا، ~~وكذا وصف القهارية لما أن اتخاذ الولد شأن من يكون تحت ~~ملكوت الغير عرضة للفناء ليقوم ولده مقامه عند فنائه ومن هو ~~مستحيل الفناء قهار لكل الكائنات كيف يتصور أن يتخذ من ~~الأشياء الفانية ما يقوم مقامه. ### || [39.5] # وقوله تعالى: { خلق السموات والأرض بالحق } تفصيل ~~لبعض أفعاله تعالى الدالة على تفرده بما ذكر من الصفات ~~الجليلة أي خلقهما وما بينهما من الموجودات ملتبسة بالحق والصواب ~~مشتملة على الحكم والمصالح. وقوله تعالى: { يكور اليل على ~~النهار ويكور النهار على اليل } بيان لكيفية ~~تصرفة تعالى فيهما بعد بيان خلقهما فإن حدوث الليل والنهار ~~في الأرض منوط بتحريك السموات أي يغشى كل واحد منهما الآخر ~~كأنه يلفه عليه لف اللباس على اللابس أو يغيبه به كما يغيب ~~الملفوف باللفافة أو يجعله كارا عليه كرورا متتابعا تتابع ~~أكوار العمامة. وصيغة المضارع للدلالة على التجدد { وسخر ~~الشمس والقمر } جعلهما منقادين لأمره تعالى. وقوله تعالى: { ~~كل يجرى لأجل مسمى } بيان لكيفية تسخيرهما أي ~~كل منهما يجري لمنتهى دورته أو منقطع حركته وقد مر تفصيله غير ~~مرة { إلا هو العزيز } الغالب القادر على كل شيء من ~~الأشياء التي من جملتها عقاب العصاة { الغفار } المبالغ في ~~المغفرة ولذلك لا يعاجل بالعقوبة وسلب ما في هذه الصنائع البديعة ~~من آثار الرحمة. وتصدير الجملة بحرف التنبيه لإظهار كمال ~~الاعتناء بمضمونها. ### || [39.6] # { خلقكم من نفس وحدة } بيان لبعض آخر من أفعاله ~~الدالة على ما ذكر، وترك عطفه على خلق السموات للإيذان ~~باستقلاله في الدلالة ولتعلقه بالعالم السفلي، والبداءة يخلق ~~الإنسان لعراقته في الدلالة لما فيه من تعاجيب آثار القدرة ~~وأسرار الحكمة وأصالته في المعرفة فإن الإنسان بحال نفسه أعرف ~~والمراد بالنفس نفس آدم عليه السلام. وقوله { ثم جعل ~~منها زوجها } عطف على محذوف هو صفة لنفس أي من نفس خلقها ~~ثم جعل منها زوجها أو على معنى واحدة أي من نفس واحدة ثم جعل ~~منها ms2849 زوجها فشفعها أو على خلقكم لتفاوت ما بينهما في الدلالة ~~فإنهما وإن كانتا آيتين دالتين على ما ذكر لكن الأولى ~~لاستمرارها صارت معتادة وأما الثانية فحيث لم تكن معتادة خارجة ~~عن قياس الأولى كما يشعر به التعبير عنها بالجعل دون الخلق كانت ~~أدخل في كونها آية وأجلب للتعجب من السامع فعطفت على الأولى ~~بثم دلالة على مباينتها لها فضلا ومزية وتراخيها عنها فيما يرجع إلى ~~زيادة كونها آية فهو من التراخي في الحال والمنزلة. وقيل أخرج ~~ذرية آدم من ظهره كالذر ثم خلق منه حواء ففيه ثلاث آيات ~~مترتبة: خلق آدم عليه السلام بلا أب وأم وخلق حواء من ~~قصيراه، ثم تشعيب الخلق الفائت للحصر منهما. وقوله تعالى: # { وأنزل لكم } بيان لبعض آخر من أفعاله الدالة على ما ~~ذكر أي قضى أو قسم لكم فإن قضاياه وقسمه توصف بالنزول من ~~السماء حيث تكتب في اللوح المحفوظ أو أحدث لكم بأسباب نازلة ~~من السماء كالأمطار وأشعة الكواكب { من الأنعم ~~ثمنية أزوج } ذكرا وأنثى هي الإبل والبقر والضأن ~~والمعز وقيل خلقها في الجنة ثم أنزلها. وتقديم الظرفين على ~~المفعول والصريح لما مر مرارا من الاعتناء بما قدم ~~والتشويق إلى ما أخر فإن كون الإنزال لمنافعهم وكونه من ~~الجهة العالية من الأمور المهمة المشوقة إلى ما أنزل لا ~~محالة. وقوله تعالى: { يخلقكم فى بطون أمهتكم } ~~استئناف مسوق لبيان كيفية خلقهم وأطواره المختلفة الدالة ~~على القدرة الباهرة. وصيغة المضارع للدلالة على التدرج ~~والتجدد. وقوله تعالى: { خلقا من بعد خلق } مصدر مؤكد ~~أي يخلقكم فيها خلقا كائنا من بعد خلق أي خلقا مدرجا حيوانا ~~سويا من بعد عظام مكسوة لحما من بعد عظام عارية من بعد مضغ ~~مخلقة من بعد مضغ غير مخلقة من بعد علقة من بعد نطفة { فى ~~ظلمت ثلث } متعلق بيخلقكم وهي ظلمة البطن وظلمة ~~الرحم وظلمة المشيمة أو ظلمة الصلب والبطن والرحم. # { ذلكم } إشارة إليه تعالى باعتبار أفعاله المذكورة، وما فيه من ~~معنى البعد للإيذان ببعد منزلته تعالى في العظمة والكبرياء. ms2850 ~~ومحله الرفع على الابتداء أي ذلكم العظيم الشأن الذي عددت ~~أفعاله { الله } وقوله تعالى: { ربكم } خبر آخر أي مربيكم ~~فيما ذكر من الأطوار وفيما بعدها ومالككم المستحق لتخصيص العبادة ~~به { له الملك } على الإطلاق في الدنيا والآخرة ليس لغيره ~~شركة في ذلك بوجه من الوجوه. والجملة خبر آخر. وكذا قوله تعالى: { ~~لا إله إلا هو } والفاء في قوله تعالى: { فأنى ~~تصرفون } لترتيب ما بعدها على ما ذكر من شؤونه تعالى أي فكيف ~~تصرفون عن عبادته تعالى مع وفور موجباتها ودواعيها وانتفاء ~~الصارف عنها بالكلية إلى عبادة غيره من غير داع إليها مع كثرة ~~الصوارف عنها. ### || [39.7-8] # { إن تكفروا } به تعالى بعد مشاهدة ما ذكر من فنون نعمائه ~~ومعرفة شؤونه العظيمة الموجبة للإيمان والشكر { فإن الله ~~غنى عنكم } أي فاعلموا أنه تعالى غني عن إيمانكم وشكركم ~~غير متأثر من انتفائهما { ولا يرضى لعباده الكفر } أي ~~عدم رضاه بكفر عباده لأجل منفعتهم ودفع مضرتهم رحمة عليهم لا ~~لتضرره تعالى به { وإن تشكروا يرضه لكم } أي يرض ~~الشكر لأجلكم ومنفعتكم لأنه سبب لفوزكم بسعادة الدارين لا ~~لانتفاعه تعالى به وإنما قيل لعباده لا لكم لتعميم الحكم وتعليله ~~بكونهم عباده تعالى. وقرىء بإسكان الهاء { ولا تزر وازرة ~~وزر أخرى } بيان لعدم سراية كفر الكافر إلى غيره أصلا أي لا ~~تحمل نفس حاملة للوزر حمل نفس أخرى { ثم إلى ربكم ~~مرجعكم } بالبعث بعد الموت { فينبئكم } عند ذلك { بما ~~كنتم تعملون } أي كنتم تعملونه في الدنيا من أعمال الكفر ~~والإيمان أي يجازيكم بذلك ثوابا وعقابا. { إنه عليم بذات ~~الصدور } أي بمضمرات القلوب فكيف بالأعمال الظاهرة وهو تعليل ~~للتنبيه. # { وإذا مس الإنسن ضر } من مرض وغيره { دعا ربه ~~منيبا إليه } راجعا إليه مما كان يدعوه في حالة الرخاء ~~لعمله بأنه بمعزل من القدرة على كشف ضره، وهذا وصف للجنس بحال ~~بعض أفراده كقوله تعالى: # إن الإنسان لظلوم كفار # [سورة إبراهيم: الآية 34]. { ثم إذا خوله نعمة منه } ~~أي أعطاه نعمة عظيمة من لدنه تعالى من التخول وهو التعهد ms2851 أي ~~جعله خائل مال من قولهم فلان خائل مال إذا كان متعهدا له حسن ~~القيام به أو من الخول وهو الافتخار أي جعله يخول أي يختال ~~ويفتخر { نسى ما كان يدعو إليه } أي نسي الضر الذي ~~كان يدعو الله تعالى فيما سبق إلى كشفه { من قبل } أي من قبل ~~التخويل أو نسي ربه الذي كان يدعوه ويتضرع إليه، إما بناء على ~~أن ما بمعنى من كما في قوله تعالى: # وما خلق الذكر والأنثى # [سورة الليل: الآية 3] وقوله تعالى: # ولا أنتم عبدون ما أعبد # [سورة الكافرون: الآية 3] وإما إيذانا بأن نسيانه بلغ إلى حيث ~~لا يعرف مدعوه ما هو فضلا عن أن يعرفه من هو كما مر في قوله تعالى: # عما أرضعت # [سورة الحج: الآية 2] { وجعل لله أندادا } شركاء في العبادة ~~{ ليضل } الناس بذلك { عن سبيله } الذي هو التوحيد وقرىء ~~ليضل بفتح الياء أي يزداد ضلالا أو يثبت عليه وإلا فأصل الضلال ~~غير متأخر عن الجعل المذكور. واللام لام العاقبة كما في قوله ~~تعالى: # فالتقطه ءال فرعون ليكون لهم عدوا وحزنا # [سورة القصص: الآية 8] خلا أن هذا أقرب إلى الحقيقة لأن الجاعل ~~ههنا قاصد بجعله المذكور حقيقة الإضلال والضلال وإن لم يعرف ~~لجهله أنهما إضلال وضلال وأما آل فرعون فهم غير قاصدين ~~بالتقاطهم العداوة أصلا. { قل } تهديدا لذلك الضال المضل ~~وبيانا لحاله ومآله { تمتع بكفرك قليلا } أي تمتعا ~~قليلا أو زمانا قليلا { إنك من أصحب النار } أي ~~ملازميها والمعذبين فيها على الدوام وهو تعليل لقلة التمتع، ~~وفيه من الإقناط من النجاة ما لا يخفى كأنه قيل: إذ قد أبيت قبول ~~ما أمرت به من الإيمان والطاعة فمن حقك أن تؤمر بتركه لتذوق ~~عقوبته. ### || [39.9] # { أمن هو قانت ءاناء اليل } الخ من تمام الكلام المأمور ~~به وأم إما متصلة قد حذف معادلها ثقة بدلالة مساق الكلام عليه كأنه ~~قيل له تأكيدا للتهديد وتهكما به: أأنت أحسن حالا ومآلا أمن ~~هو قائم بمواجب الطاعات ودائم على أداء وظائف العبادات في ساعات ~~الليل حالتي ms2852 السراء والضراء لا عند مساس الضر فقط كدأبك ~~حال كونه { سجدا وقائما } أي جامعا بين الوصفين ~~المحمودين، وتقديم السجود على القيام لكونه أدخل في معنى العبادة. ~~وقرىء كلاهما بالرفع على أنه خبر بعد خبر { يحذر الآخرة } ~~حال أخرى على الترادف أو التداخل. أو استئناف وقع جوابا عما ~~نشأ من حكاية حاله من القنوت والسجود والقيام كأنه قيل ما باله ~~يفعل ذلك فقيل يحذر عذاب الآخرة { من رحمة ربه } فينجو ~~بذلك مما يحذره ويفوز بما يرجوه كما ينبىء عنه التعرض لعنوان ~~الربوبية المنبئة عن التبليغ إلى الكمال مع الإضافة إلى ضمير ~~الراجي لا أنه يحذر ضر الدنيا ويرجو خيرها فقط، وإما منقطعة ~~وما فيها من الإضراب للانتقال من التهديد إلى التبكيت بتكليف ~~الجواب الملجىء إلى الاعتراف بما بينهما من التباين البين ~~كأنه قيل: بل أمن هو قانت الخ أفضل أمن هو كافر مثلك كما هو المعنى ~~على قراءة التخفيف { قل } بيانا للحق وتنبيها على شرف العلم ~~والعمل { هل يستوى الذين يعلمون } حقائق الأحوال ~~فيعملون بموجب علمهم كالقانت المذكور { والذين لا يعلمون } ~~أي ما ذكر أو شيئا فيعملون بمقتضى جهلهم وضلالهم كدأبك والاستفهام ~~للتنبيه على أن كون الأولين في أعلى معارج الخير وكون الآخرين ~~في أقصى مدارج الشر من الظهور بحيث لا يكاد يخفى على أحد من ~~منصف ومكابر وقيل: هو وارد على سبيل التشيبه أي كما لا يستوي ~~العالمون والجاهلون لا يستوي القانتون والعاصون. وقوله تعالى { ~~إنما يتذكر أولو الألبب } كلام مستقل غير داخل في ~~الكلام المأمور به وارد من جهته تعالى بعد الأمر بما ذكر من القوارع ~~الزاجرة عن الكفر والمعاصي لبيان عدم تأثيرها في قلوب الكفرة ~~لاختلال عقولهم كما في قول من قال: [البسيط] # عوجوا فحيوا لنعمى دمنة الدار # ماذا تحيون من نؤي وأحجار # أي إنما يتعظ بهذه البيانات الواضحة أصحاب العقول الخالصة عن ~~شوائب الخلل وهؤلاء بمعزل من ذلك. وقرىء إنما يذكر بالإدغام. ### || [39.10-12] # { قل يعبادي الذين ءامنوا اتقوا ربكم } أمر ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم بتذكير ms2853 المؤمنين وحملهم على التقوى ~~والطاعة إثر تخصيص التذكر بأولي الألباب إيذانا بأنهم هم كما ~~سيصرح به أي قل لهم قولي هذا بعينه وفيه تشريف لهم بإضافتهم إلي ضمير ~~الجلالة ومزيد اعتناء بشأن المأمور به فإن نقل عين أمر الله ~~أدخل في إيجاب الإمتثال به. وقوله تعالى: { للذين أحسنوا } ~~تعليل للأمر أو لوجوب الامتثال به وإيراد الإحسان في حيز الصلة ~~التقوى للإيذان بأنه من باب الإحسان وأنهما متلازمان وكذا ~~الصبر كما مر في قوله تعالى: # إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون # [سورة النحل: الآية 128] وفي قوله تعالى: # إنه من يتق ويصبر فإن الله يضيع أجر ~~المحسنين # [سورة يوسف: الآية 90] وقوله تعالى { فى هذه الدنيا } ~~متعلق بأحسنوا أي عملوا الأعمال الحسنة في هذه الدنيا على وجه ~~الإخلاص وهو الذي عبر عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم حين سئل عن ~~الإحسان بقوله عليه السلام: # " أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك " # { حسنة } أي حسنة عظيمة لا يكتنه كنهها وهي الجنة. وقيل: ~~هو متعلق بحسنة على أنه بيان لمكانها أو حال من ضميرها في ~~الظرف فالمراد بها حينئذ الصحة والعافية { وأرض الله ~~واسعة } فمن تعسر عليه التوفر على التقوى والإحسان في وطنه ~~فليهاجر إلى حيث يتمكن فيه من ذلك كما هو سنة الأنبياء ~~والصالحين فإنه لا عذر له في التفريط أصلا وقوله تعالى: { ~~إنما يوفى الصبرون } الخ ترغيب في التقوى المأمور بها، ~~وإيثار الصابرين على المتقين للإيذان بأنهم حائزون لفضيلة ~~الصبر كحيازتهم لفضيلة الإحسان لما أشير إليه من استلزام التقوى ~~لهما مع ما فيه من زيادة حث على المصابرة والمجاهدة في تحمل مشاق ~~المهاجرة ومتاعبها أي إنما يوفى الذين صبروا على دينهم وحافظوا ~~على حدوده ولم يفرطوا في مراعاة حقوقه لما اعتراهم في ذلك من ~~فنون الآلام والبلايا التي من جملتها مهاجرة الأهل ومفارقة ~~الأوطان { أجرهم } بمقابلة ما كابدوا من الصبر { بغير ~~حساب } أي بحيث لا يحصى ولا يحصر. عن ابن عباس رضي الله عنهما: ~~لا يهتدي ms2854 إليه حساب الحساب، ولا يعرف. وفي الحديث # " أنه تنصب الموازين يوم القيامة لأهل الصلاة والصدقة والحج ~~فيؤتون بها أجورهم ولا تنصب لأهل البلاء بل ينصب عليهم الأجر ~~صبا حتى يتمنى أهل العافية في الدنيا أن أجسادهم تقرض ~~بالمقاريض مما يذهب به أهل البلاء من الفضل " # { قل إنى أمرت أن أعبد الله مخلصا له الدين } ~~أي من كل ما ينافيه من الشرك والرياء وغير ذلك أمر رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم ببيان ما أمر به نفسه من الإخلاص في عبادة الله ~~الذي هو عبارة عما أمر به المؤمنون من التقوى مبالغة في حثهم ~~على الإتيان بما كلفوه وتمهيدا لما يعقبه مما خوطب به المشركون. # { وأمرت لأن أكون أول المسلمين } أي وأمرت بذلك ~~لأجل أن أكون مقدمهم في الدنيا والآخرة لأن إحراز قصب ~~السبق في الدين بالإخلاص فيه. والعطف لمغايرة الثاني الأول ~~بتقييده بالعلة والإشعار بأن العبادة المذكورة كما تقتضي ~~الأمر بها لذاتها تقتضيه لما يلزمها من السبق في الدين ويجوز ~~أن تجعل اللام مزيدة كما في أردت لأن أقوم بدليل قوله تعالى: # أمرت أن أكون أول من أسلم # [سورة الأنعام: الآية 14] فالمعنى وأمرت أن أكون أول من أسلم من ~~أهل زماني أو من قومي أو أكون أول من دعا غيره إلى ما دعا إليه ~~نفسه. ### || [39.13-16] # { قل إنى أخاف إن عصيت ربى } بترك الإخلاص والميل إلى ~~ما أنتم عليه من الشرك { عذاب يوم عظيم } هو يوم القيامة ~~وصف بالعظمة لعظمة ما فيه من الدواهي والأهوال { قل الله ~~أعبد } لا غيره لا استقلالا ولا اشتراكا { مخلصا له دينى ~~} من كل شوب. أمر عليه الصلاة والسلام أولا ببيان كونه ~~مأمورا بعبادة الله تعالى وخلاص الدين له ثم بالإخبار بخوفه من ~~العذاب على تقدير العصيان ثم بالإخبار بامتثاله بالأمر على أبلغ ~~وجه وآكده إظهارا لتصلبه في الدين وحسما لأطماعهم الفارغة ~~وتمهيدا لتهديدهم بقوله تعالى { فاعبدوا ما شئتم } أن ~~تعبدوه { من دونه } تعالى وفيه من الدلالة على شدة الغضب ~~عليهم ما لا يخفي كأنهم ms2855 لما لم ينتهوا عما نهوا عنه أمروا به كي ~~يحل بهم العقاب. # { قل إن الخسرين } أي الكاملين في الخسران الذي هو عبارة ~~عن إضاعة ما يهمه وإتلاف ما لا بد منه { الذين خسروا ~~أنفسهم وأهليهم } باختيارهم الكفر لهما أي أضاعوهما ~~وأتلفوهما { يوم القيمة } حين يدخلون النار حيث عرضوهما ~~للعذاب السرمدي وأوقعوهما في هلكة لا هلكة وراءها. وقيل: ~~خسروا أهليهم لأنهم إن كانوا من أهل النار فقد خسروهم كما خسروا ~~أنفسهم إن كانوا من أهل الجنة فقد ذهبوا عنهم ذهابا لا إياب ~~بعده. وفيه أن المحذور ذهاب ما لو آب لانتفع به الخاسر وذلك غير ~~متصور في الشق الأخير. وقيل: خسروهم لأنهم لم يدخلوا الذين ~~لهم أهل في الجنة وخسروا أهليهم الذين كانوا يتمتعون بهم لو ~~آمنوا، وأيا ما كان فليس المراد مجرد تعريف الكاملين في الخسران ~~بما ذكر بل بيان أنهم هم، إما بجعل الموصول عبارة عنهم أو ~~عما هم مندرجون فيه اندراجا أوليا. وما في قوله تعالى { ألا ~~ذلك هو الخسران المبين } من استئناف الجملة وتصديرها ~~بحرف التنبيه والإشارة بذلك إلى بعد منزلة المشار إليه في ~~الشر. وتوسيط ضمير الفصل وتعريف الخسران ووصفه بالمبين من ~~الدلالة على كمال هوله وفظاعته وأنه لا خسران وراءه ما لا ~~يخفى. وقوله تعالى { لهم من فوقهم ظلل من النار } الخ ~~نوع بيان لخسرانهم بعد تهويله بطريق الإيهام على أن لهم خبر ~~لظلل. ومن فوقهم متعلق بمحذوف قيل: هو حال من ظلل. والأظهر ~~أنه حال من الضمير في الظرف المقدم ومن النار صفة لظلل ~~أي لهم كائنة من فوقهم ظلل كثيرة متراكبة بعضها فوق بعض كائنة من ~~النار { ومن تحتهم } أيضا { ظلل } أي أطباق كثيرة بعضها ~~تحت بعض ظلل لآخرين بل لهم أيضا عد ترديهم في دركاتها { ذلك ~~} العذاب الفظيع هو الذي { يخوف الله به عباده } ~~ويحذرهم إياه بآيات الوعيد ليجتنبوا ما يوقعهم فيه { يا ~~عباد فاتقون } ولا تتعرضوا لما يوجب سخطي. وهذه عظة من ~~الله تعالى بالغة منطوية على غاية اللطف والمرحمة وقرىء ms2856 يا ~~عبادي. ### || [39.17-19] # { والذين اجتنبوا الطغوت } أي البالغ أقصى غية ~~الطغيان، فعلوت منه بتقديم اللام على العين بني للمبالغة في ~~المصدر كالرحموت والعظموت. ثم وصف به للمبالغة في النعت. ~~والمراد به هو الشيطان { أن يعبدوها } بدل الاشتمال منه ~~فإن عبادة غير الله تعالى عبادة للشيطان إذ هو الآمر بها ~~والمزين لها. { وأنابوا إلى الله } وأقبلوا إليه معرضين ~~عما إقبالا كليا. # { لهم البشرى } بالثواب على ألسنة الرسل أو الملائكة ~~عند حضور الموت وحين يحشرون وبعد ذلك { فبشر عباد الذين ~~يستمعون القول فيتبعون أحسنه } هم الموصوفون ~~بالاجتناب والإنابة بأعيانهم لكن وضع موضع ضميرهم الظاهر ~~تشريفا لهم بالإضافة ودلالة على أن مدار اتصافهم بالوصفين ~~الجليلين كونهم نقادا في الدين يميزون الحق من الباطل ~~ويؤثرون الأفضل فالأفضل { أولئك } إشارة إليهم باعتبار ~~اتصافهم بما ذكر من النعوت الجليلة، وما فيه من معنى البعد ~~للإيذان بعلو رتبتهم وبعد منزلتهم في الفضل. ومحله الرفع ~~على الابتداء خبره ما بعده من الموصول أي أولئك المنعوتون بالمحاسن ~~الجملية { الذين هداهم الله } للدين الحق { ~~وأولئك هم أولو الألبب } أي هم أصحاب العقول ~~السليمة عن معارضة الوهم ومنازعة الهوى المستحقون للهداية لا ~~غيرهم، وفيه دلالة على أن الهداية تحصل بفعل الله تعالى وقبول ~~النفس لها { أفمن حق عليه كلمة العذاب أفأنت ~~تنقذ من فى النار } بيان لأحوال أضداد المذكورين على طريقة ~~الإجمال وتسجيل عليهم بحرمان الهداية وهم عبدة الطاغوت ~~ومتبعو خطواتها كما يلوح به التعبير عنهم بمن حق عليه كلمة ~~العذاب فإن المراد بها قوله تعالى لإبليس: # لأملأن جهنم منك وممن تبعك منهم أجمعين # [سورة ص: الآية 85] وقوله تعالى: # لمن تبعك منهم لأملأن جهنم منكم أجمعين # [سورة الأعراف: الآية 18] وأصل الكلام أمن حق عليه كلمة العذاب ~~فأنت تنقذه على أنها شرطية دخل عليها الهمزة لإنكار مضمونها ثم ~~الفاء لعطفها على جملة مستتبعة لها مقدرة بعد الهمزة ليتعلق ~~الإنكار والنفي بمضمونيهما معا أي أأنت مالك أمر الناس فمن ~~حق عليه كلمة العذاب فأنت تنقذه ثم كررت الهمزة في الجزاء ~~لتأكيد الإنكار وتذكيره ms2857 لما طال الكلام ثم وضع موضع الضمير ~~من في النار لمزيد تشديد الإنكار والاستبعاد والتنبيه على أن ~~المحكوم عليه بالعذاب بمنزلة الواقع في النار وأن اجتهاده عليه ~~الصلاة والسلام فى دعائهم إلى الإيمان سعي في إنقاذهم من ~~النار ويجوز أن يكون الجزاء محذوفا. وقوله تعالى أفأنت الخ جملة ~~مستقلة مسوقة لتقرير مضمون الجملة السابقة وتعيين ما حذف منها ~~وتشديد الإنكار بتنزيل من استحق العذاب منزلة من دخل النار ~~وتصوير الاجتهاد في دعائه إلى الإيمان بصورة الإنقاذ من النار ~~كأنه قيل أولا: أفمن حق عليه العذاب فأنت تخلصه منه ثم شدد ~~النكير فقيل أفأنت تنقذ من في النار وفيه تلويح بأنه تعالى هو ~~الذي يقدر على الإنفاذ لا غيره وحيث كان المراد بمن في النار ~~الذين قيل في حقهم: # لهم من فوقهم ظلل من النار ومن تحتهم ظلل # [سورة الزمر: الآية 16] استدرك منهم بقوله تعالى: ### || [39.20-21] # { لكن الذين اتقوا ربهم لهم غرف من فوقها ~~غرف } وهم الذين خوطبوا بقوله تعالى: # يا عباد فاتقون # [سورة الزمر: الآية 16] ووصفوا بما عدد من الصفات الفاضلة وهم ~~المخاطبون أيضا فيما سبق بقوله تعالى: # يعباد الذين ءامنوا اتقوا ربكم # [سورة الزمر: الآية 10] الآية وبين أن لهم درجات عالية في ~~جنات النعيم بمقابلة ما للكفرة من دركات سافلة في الجحيم أي ~~لهم علالي بعضها فوق بعض { مبنية } بناء المنازل المبنية ~~المؤسسة على الأرض في الرصانة والإحكام { تجرى من تحتها } ~~من تحت تلك الغرف { الأنهر } من غير تفاوت بين العلو ~~والسفل { وعد الله } مصدر مؤكد لقوله تعالى لهم غرف الخ ~~فإنه وعد وأي وعد { لا يخلف الله الميعاد } لاستحالته ~~عليه سبحانه. # { ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء } استئناف ~~وارد إما لتمثيل الحياة الدنيا في سرعة الزوال وقرب الاضمحلال ~~بما ذكر من أحوال الزرع ترغيبا عن زخارفها وزينتها وتحذيرا من ~~الاغترار بزهرتها كما في نظائر قوله تعالى: # إنما مثل الحيوة الدنيا # [سورة يونس: الآية 24] الآية أو للاستشهاد على تحقق الموعود من ~~الأنهار الجارية من تحت الغرف بما ms2858 يشاهد من إنزال الماء من ~~السماء وما يترتب عليه من آثار قدرته تعالى وأحكام حكمته ~~ورحمته والمراد بالماء المطر. وقيل: كل ماء في الأرض فهو من ~~السماء ينزل إلى الصخرة ثم يقسمه الله تعالى بين البقاع { ~~فسلكه } فأدخله ونظمه { ينابيع فى الأرض } أي عيونا ~~ومجاري كالعروق في الأجساد وقيل: مياها نابعة فيها فإن الينبوع ~~يطلق على المنبع والنابع فنصبها على الحال وعلى الأول بنزع ~~الجار أي في ينابيع { ثم يخرج به زرعا مختلفا ~~ألوانه } أصنافه من بر وشعير وغيرهما أو كيفياته من الألوان ~~والطعوم وغيرهما وكلمة ثم للتراخي في الرتبة أو الزمان. ~~وصيغة المضارع لاستحضار الصورة { ثم يهيج } أي يتم جفافه ~~ويشرف على أن يثور من منابته { فتراه مصفرا } من بعد ~~خضرته ونضرته وقرىء مصفارا { ثم يجعله حطما } ~~فتاتا متكسرة كأن لم يغن بالأمس ولكون هذه الحالة من الآثار ~~القوية علقت بجعل الله تعالى كالإخراج { إن فى ذلك } ~~إشارة إلى ما ذكر تفصيلا، وما فيه من معنى البعد للإيذان ببعد ~~منزلته في الغرابة والدلالة على ما قصد بيانه { لذكرى } ~~لتذكيرا عظيما { لأولي الألبب } لأصحاب العقول الخالصة عن ~~شوائب الخلل وتنبيها لهم على حقيقة الحال يتذكرون بذلك أن حال ~~الحياة الدنيا في سرعة التقصي والانصرام كما يشاهدونه من حال ~~الحطام كل عام فلا يغترون ببهجتها ولا يفتتنون بفتنتها أو ~~يجزمون بأن من قدر على إنزال الماء من السماء وإجرائه في ~~ينابيع الأرض قادر على إجراء الأنهار من تحت الغرف، هذا وأما ~~ما قيل إن في ذلك لتذكيرا وتنبيها على أنه لا بد من صانع ~~حكيم وأنه كائن عن تقدير وتدبير لا عن تعطيل وإهمال فبمعزل من ~~تفسير الآية الكريمة وإنما يليق ذلك بما لو ذكر ما ذكر من ~~الآثار الجليلة والأفعال الجميلة من غير إسناد لها إلى مؤثر ما ~~فحيث ذكرت مسندة إلى الله عز وجل تعين أن يكون متعلق ~~التذكير والتنبيه شؤونه تعالى أو شؤون آثاره حسبما بين لا ~~وجوده تعالى. ### || [39.22] # وقوله تعالى { أفمن شرح الله صدره للإسلم } الخ ms2859 ~~استئناف جار مجرى التعليل لما قبله من تخصيص الذكرى بأولي ~~الألباب. وشرح الصدر للإسلام عبارة عن تكميل الاستعداد له فإنه ~~محل للقلب الذي هو منبع للروح التي تتعلق بها النفس ~~القابلة للإسلام فانشراحه مستدع لاتساع القلب واستضاءته بنوره ~~فإنه روي أنه عليه الصلاة والسلام قال: # " " إذا دخل النور القلب انشرح وانفسح " فقيل فما علامة ذلك؟ قال ~~عليه الصلاة والسلام: " الإنابة إلى دار الخلود والتجافي عن ~~دار الغرور والتأهب للموت قبل نزوله " # والكلام في الهمزة والفاء كالذي مر في قوله تعالى: # أفمن حق عليه كلمة العذاب # [سورة الزمر: الآية 19] وخبر من محذوف لدلالة ما بعده عليه ~~والتقدير أكل الناس سواء فمن شرح الله صدره أي خلقه ~~متسع الصدر مستعدا للإسلام فبقي على الفطرة الأصلية ولم ~~يتغير بالعوارض المكتسبة القادحة فيها { فهو } بموجب ذلك مستقر ~~{ على نور } عظيم { من ربه } وهو اللطف الإلهي الفائض ~~عليه عند مشاهدة الآيات التكوينية والتنزيلية والتوفيق ~~للاهتداء بها إلى الحق كمن قسا قلبه وحرج صدره بسبب تبديل ~~فطرة الله بسوء اختياره واستولى عليه ظلمات العي والضلالة ~~فأعرض عن تلك الآيات بالكلية حتى لا يتذكر بها ولا يغتنمها { ~~فويل للقسية قلوبهم من ذكر الله } أي من أجل ~~ذكره الذي حقه أن تنشرح له الصدور وتطمئن به القلوب أي إذا ~~ذكر الله تعالى عندهم أو آياته اشمأزوا من أجله وازدادت قلوبهم ~~قساوة كقوله تعالى فزادتهم رجسا. وقرىء عن ذكر الله أي عن قبوله ~~{ أولئك } البعداء الموصوفون بما ذكر من قساوة القلوب { فى ~~ضلل } بعد عن الحق { مبين } ظاهر كونه ضلالا لكل أحد ~~قيل: نزلت الآية في حمزة وعلي رضي الله عنهما وأبي لهب وولده ~~وقيل: في عمار بن ياسر رضي الله عنه وأبي جهل وذويه. ### || [39.23] # { الله نزل أحسن الحديث } هو القرآن الكريم. روي أن ~~أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ملوا ملة فقالوا له عليه ~~الصلاة والسلام حدثنا حديثا. وعن ابن مسعود وابن عباس رضي ~~الله عنهم قالوا: لو حدثتنا فنزلت. والمعنى أن فيه مندوحة عن ~~سائر ms2860 الأحاديث. وفي إيقاع الاسم الجليل مبتدأ، وبناء نزل عليه ~~من تفخيم أحسن الحديث ورفع محله والاستشهاد على حسنه وتأكيد ~~استناده إليه تعالى وأنه من عنده لا يمكن صدوره عن غيره ~~والتنبيه على أنه وحي معجز ما لا يخفى { كتبا } بدل من ~~أحسن الحديث أو حال منه سواء اكتسب من المضاف إليه تعريفا أو لا ~~فإن مساغ مجيء الحال من النكرة والمضافة اتفاقي ووقوعه حالا ~~مع كونه اسما لا صفة إما لاتصافه بقوله تعالى { متشبها ~~} أو لكونه في قوة مكتوبا ومعنى كونه متشابها تشابه معانيه في ~~الصحة والأحكام والابتناء على الحق والصدق واستنباع منافع ~~الخلق في المعاد والمعاش وتناسب ألفاظه في الفصاحة وتجاوب نظمه في ~~الإعجاز { مثاني } صفة أخرى لكتابا أوحال أخرى منه وهو جمع ~~مثنى بمعنى مردود ومكرر لما ثني من قصصه وأنبائه وأحكامه ~~وأوامره ونواهيه ووعده ووعيده ومواعظه. وقيل لأنه يثنى في ~~التلاوة، وقيل: هو جمع مثنى مفعل من التثنية بمعنى التكرير ~~والإعادة كما في قوله تعالى: # ثم ارجع البصر كرتين # [سورة الملك: الآية 4] أي كرة بعد كرة. ووقوعه صفة لكتابا ~~باعتبار تفاصيله كما يقال القرآن سور وآيات ويجوز أن ينتصب على ~~التمييز من متشابها كما يقال رأيت رجلا حسنا شمائل أي شمائله ~~والمعنى متشابهة مثانية { تقشعر منه جلود الذين ~~يخشون ربهم } قيل صفة لكتابا أو حال منه لتخصصه ~~بالصفة، والأظهر أنه استئناف مسوق لبيان آثاره الظاهرة في ~~سامعيه بعد بيان أوصافه في نفسه ولتقرير كونه أحسن الحديث. ~~والاقشعرار التقبض يقال اقشعر الجلد إذا تقبض تقبضا شديدا ~~وتركيبه من القشع وهو الأديم اليابس قد ضم إليه الراء ليكون ~~رباعيا ودالا على معنى زائد يقال اقشعر جلده وقف شعره إذا ~~عرض له خوف شديد من منكر هائل دهمه بغتة. والمراد إما بيان ~~إفراط خشيتهم بطريق التمثيل والتصوير أو بيان حصول تلك ~~الحالة وعروضها لهم بطريق التحقيق. والمعني أنهم إذا سمعوا ~~القرآن وقوارع آيات وعيده أصابتهم هيبة وخشية تقشعر منها ~~جلودهم وإذا ذكروا رحمة الله تعالى تبدلت خشيتهم رجاء ورهبتهم ~~رغبة ms2861 وذلك قوله تعالى. # { ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله } أي ~~ساكنة مطمئنة إلى ذكر رحمته تعالى وإنما لم يصرح بها إيذانا ~~بأنها أول ما يخطر بالبال عند ذكره تعالى. { ذلك } أي الكتاب ~~الذي شرح أحواله { هدى الله يهدى به من يشاء } أن يهديه ~~بصرف مقدوره إلى الاهتداء بتأمله فيما في تضاعيفه من شواهد ~~الحقية ودلائل كونه من عند الله تعالى { ومن يضلل الله } ~~أي يخلق فيه الضلالة بصرف قدرته إلى مباديها وإعراضه عما يرشده ~~إلى الحق بالكلية وعدم تأثره بوعيده ووعده أصلا أو ومن يخذل ~~{ فما له من هاد } يخلصه من ورطة الضلال وقيل: ذلك الذي ~~ذكر من الخشية والرجاء إثر هداه تعالى يهدي بذلك الأثر من ~~يشاء من عبادة ومن يضلل أي ومن لم يؤثر فيه لطفه لقسوة قلبه ~~وإصراره على فجوره فما له من هاد من مؤثر فيه بشيء قط. ### || [39.24-29] # { أفمن يتقى بوجهه } الخ استئناف جار مجرى التعليق لما ~~قبله من تباين حالي المهتدي والضال. والكلام في الهمزة ~~والفاء وحذف الخبر كالذي مر في نظيريه. والتقدير أكل الناس ~~سواء فمن شأنه أنه يقي نفسه بوجهه الذي هو أشرف أعضائه { سوء ~~العذاب } أي العذاب السيء الشديد { يوم القيمة } ~~لكون يده التي بها كان يتقي المكاره والمخاوف مغلولة إلى عنقه كمن ~~هو آمن لا يعتريه مكروه ولا يحتاج إلى الاتقاء بوجه من الوجوه. وقيل ~~نزلت في أبي جهل { وقيل للظلمين } عطف على يتقي أي ~~ويقال لهم من جهة خزنة النار. وصيغة الماضي للدلالة على ~~التحقق والتقرر وقيل: هو حال من ضمير يتقي بإضمار قد، ~~ووضع المظهر في مقام المضمر للتسجيل عليهم بالظلم والإشعار ~~بعلة الأمر في قوله تعالى { ذوقوا ما كنتم تكسبون } أي ~~وبال ما كنتم تكسبونه في الدنيا على الدوام من الكفر والمعاصي. ~~{ كذب الذين من قبلهم } استئناف مسوق لبيان أصاب بعض ~~الكفرة من العذاب الدنيوي إثر بيان ما يصيب الكل من العذاب ~~الأخروي. أي كذب الذين من قبلهم من الأمم السالفة. { ~~فأتهم العذاب } المقدر لكل أمة ms2862 منهم { من حيث ~~لا يشعرون } من الجهة التي لا يحتسبون ولا يخطر ببالهم إتيان ~~الشر منها. { فأذاقهم الله الخزى } أي الذل ~~والصغار { فى الحياة الدنيا } كالمسخ والخسف والقتل ~~والسبي والإجلاء ونحو ذلك من فنون النكال. { ولعذاب ~~الأخرة } المعد لهم { أكبر } لشدته وسرمديته { لو ~~كانوا يعلمون } أي لو كان من شأنهم أن يعلموا شيئا لعلموا ~~ذلك واعتبروا به. { ولقد ضربنا للناس فى هذا ~~القرءان من كل مثل } يحتاج إليه الناظر في أمور دينه { ~~لعلهم يتذكرون } كي يتذكروا به ويتعظوا. { قرءانا ~~عربيا } حال مؤكدة من هذا على أن مدار التأكيد هو الوصف ~~كقولك جاءني زيد رجلا صالحا أو مدح له { غير ذي عوج } لا ~~اختلاف فيه بوجه من الوجوه فهو أبلغ من المستقيم وأخص بالمعاني. ~~وقيل: المراد بالعوج الشك. { لعلهم يتقون } علة أخرى ~~مترتبة على الأولى. { ضرب الله مثلا رجلا فيه شركاء ~~متشكسون } إيراد لمثل من الأمثال القرآنية بعد بيان أن ~~الحكمة في ضربها هو التذكر والاتعاظ بها وتحصيل التقوى. ~~والمراد بضرب المثل ههنا تطبيق حالة عجيبة بأخرى مثلها وجعلها ~~مثلها كما مر في سورة بس ومثلا مفعول ثان لضرب ورجلا مفعوله ~~الأول أخر عن الثاني للتشويق إليه وليتصل به ما هو من ~~تتمته التي هي العمدة في التمثيل وفيه ليس بصلة لشركاء كما قيل ~~بل هو خبر له وبيان أنه في الأصل كذلك مما لا حاجة إليه. ~~والجملة في حيز النصب على أنه وصف لرجلا أو الوصف هو الجار ~~والمجرور وشركاء مرتفع به على الفاعلية لاعتماده على الموصوف ~~فالمعنى جعل الله تعالى مثلا للمشرك حسبما يقود إليه مذهبه من ~~ادعاء كل من معبوديه عبوديته عبدا يتشارك فيه جماعة يتجاذبونه ~~ويتعاورونه في مهماتهم المتباينة في تحيره وتوزع قلبه { ~~ورجلا } أي وجعل للموحد مثلا رجلا { سلما } أي خالصا { ~~لرجل } فرد ليس لغيره عليه سبيل أصلا. # وقرىء سلما وسلما بفتح السين وكسرها مع سكون اللام. والكل ~~مصادر من سلم له كذا أي خلص نعت به مبالغة أو حذف منها ذو. ~~وقرىء سالما وسالم، أي ms2863 وهناك رجل سالم. وتخصيص الرجل لأنه أفطن ~~لما يجري عليه من الضر والنفع. { هل يستويان مثلا } ~~إنكار واستبعاد لاستوائهما ونفي له على أبلغ وجه وآكده وإيذان ~~بأن ذلك من الجلاء والظهور بحيث لا يقدر أحد أن يتفوه ~~باستوائهما أو يتلعثم في الحكم بتباينهما ضرورة أن أحدهما في أعلى ~~عليين والآخر في أسفل سافلين. وهو السر في إبهام الفاضل ~~والمفضول وانتصاب مثلا على التمييز أي هل يستوي حالاهما ~~وصفتاهما. والاقتصار في التمييز على الواحد لبيان الجنس. وقرىء ~~مثلين. كقوله تعالى: # وأكثر أمولا وأولدا # [سورة التوبة: الآية 6] للإشعار باختلاف النوع أو لأن المراد هل ~~يستويان في الوصفين على أن الضمير للمثلين، لأن التقدير ~~مثل رجل فيه الخ ومثل رجل الخ. وقوله تعالى { الحمد لله ~~} تقرير لما قبله من نفي الاستواء بطريق الاعتراض وتنبيه ~~للموحدين على أن ما لهم من المزية بتوفيق الله تعالى وأنها ~~نعمة جليلة موجبة عليهم أن يداوموا على حمده وعبادته أو على أن ~~بيانه تعالى بضرب المثل أن لهم المثل الأعلى وللمشركين مثل السوء صنع ~~جميل ولطف تام منه عز وجل مستوجب لحمده وعبادته. وقوله تعالى ~~{ بل أكثرهم لا يعلمون } إضراب وانتقال من بيان عدم ~~الاستواء على الوجه المذكور إلى بيان أن أكثر الناس وهو ~~المشركون لايعلمون ذلك مع كمال ظهوره فيبقون في ورطة الشرك ~~والضلال. ### || [39.30-31] # وقوله تعالى: { إنك ميت وإنهم ميتون } تمهيد لما ~~يعقبه من الاختصام يوم القيامة. وقرىء مائت ومائتون. وقيل: كانوا ~~يتربصون برسول الله صلى الله عليه وسلم موته أي إنكم جميعا بصدد ~~الموت. { ثم إنكم يوم القيمة عند ربكم } أي ~~مالك أموركم { تختصمون } فتحتج أنت عليهم بأنك بلغتهم ما ~~أرسلت به من الأحكام والمواعظ التي من جملتها ما في تضاعيف هذه ~~الآيات واجتهدت في الدعوة إلى الحق حق الاجتهاد وهم قد لجوا ~~في المكابرة والعناد. وقيل: المراد به الاختصام العام الجاري في ~~الدنيا بين الأنام. والأول هو الأظهر الأنسب بقوله تعالى. ### || [39.32-35] # { فمن أظلم ممن كذب على الله } فإنه إلى آخره مسوق ~~لبيان حال ms2864 كل من طرفي الاختصام الجاري في شأن الكفر والإيمان لا ~~غير. أي أظلم من كل ظالم من افترى على الله سبحانه وتعالى بأن ~~أضاف إليه الشريك والولد { وكذب بالصدق } أي بالأمر الذي ~~هو عين الحق ونفس الصدق وهو ما جاء به النبي صلى الله عليه ~~وسلم. { إذ جاءه } أي في أول مجيئه من غير تدبر فيه ولا ~~تأمل { أليس فى جهنم مثوى للكفرين } أي لهؤلاء ~~الذين افتروا على الله سبحانه وسارعوا إلى التكذيب بالصدق من ~~أول الأمر. والجمع باعتبار معنى من كما أن الإفراد في الضمائر ~~السابقة باعتبار لفظها. أو لجنس الكفرة وهم داخلون في الحكم ~~أوليا. # { والذي جاء بالصدق وصدق به } الموصول عبارة عن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم ومن تبعه كما أن المراد في قوله تعالى: # ولقد ءاتينا موسى الكتب لعلهم يهتدون # [سورة المؤمنون: الآية 49] هو عليه الصلاة والسلام وقومه، وقيل عن ~~الجنس المتناول للرسل والمؤمنين بهم. ويؤيده قراءة ابن مسعود ~~رضي الله عنه: «والذين جاءوا بالصدق وصدقوا به» وقيل: هو صفة ~~لموصوف محذوف هو الفوج والفريق { أولئك } الموصوفون لما ~~ذكر من المجيء بالصدق والتصديق به { هم المتقون } المنعوتون ~~بالتقوى التي هي أجل الرغائب. وقرىء وصدق به بالتخفيف، أي ~~صدق به الناس فأداه إليهم كما نزل من غير تغيير، وقيل: وصار ~~صادقا به أي بسببه، لأن ما جاء به من القرآن معجزة دالة على ~~صدقه عليه الصلاة والسلام. وقرىء صدق به على البناء للمفعول. # { لهم ما يشآءون عند ربهم } بيان لما لهم في الآخرة ~~من حسن المآب بعد بيان ما لهم في الدنيا من محاسن الأعمال، أي لهم ~~كل ما يشاؤونه من جلب المنافع ودفع المضار في الآخرة لا في ~~الجنة فقط، لما أن بعض ما يشاؤونه من تكفير السيئات والأمن من ~~الفزع الأكبر وسائر أهوال القيامة إنما يقع قبل دخول الجنة { ~~ذلك } الذي ذكر من حصول كل ما يشاؤونه { جزاء المحسنين } ~~أي الذين أحسنوا أعمالهم وقد مر تفسير الإحسان غير مرة. وقوله ~~تعالى: { ليكفر الله عنهم ms2865 أسوأ الذى عملوا } الخ ~~متعلق بقوله تعالى لهم ما يشاؤون لكن لا باعتبار منطوقه ضرورة أن ~~التفكير المذكور لا يتصور كونه غاية لثبوت ما يشاؤون لهم في ~~الآخرة، كيف لا وهو بعض ما سيثبت لهم فيها بل باعتبار فحواه فإنه ~~حيث لم يكن إخبارا بما ثبت لهم فيما مضى بل بما سيثبت لهم فيا سيأتي ~~كان في معنى الوعد به كما مر في قوله تعالى وعد الله فإنه مصدر ~~مؤكد لما قبله من قوله تعالى: # لهم غرف من فوقها غرف # [سورة الزمر: الآية 20] فإنه في معنى وعدهم الله غرفا فانتصب به ~~وعد الله كأنه قيل: وعدهم الله جميع ما يشاءونه من زوال المضار ~~وحصول المسار ليكفر عنهم بموجب ذلك الوعد أسوأ الذي عملوا دفعا ~~لمضارهم. # { ويجزيهم أجرهم بأحسن الذى كانوا يعملون ~~} إعطاء لمنافعهم. وإظهار الاسم الجليل في موقع الإضمار لإبراز ~~كمال الاعتناء بمضمون الكلام. وإضافة الأسوأ والأحسن إلى ما بعدهما ~~ليست من قبيل إضافة المفضل إلى المفضل عليه بل من إضافة ~~الشيء إلى بعضه للقصد إلى التحقيق والتوضيح من غير اعتبار ~~تفضيله عليه، وإنما المعتبر فيهما مطلق الفضل والزيادة لا على ~~المضاف إليه المعين بخصوصه كما في قوله: # " الناقص والأشج أعدلا بني مروان " # خلا أن الزيادة المعتبرة فيهما ليست بطريق الحقيقة بل هي في ~~الأول بالنظر إلى ما يليق بحالهم من استعظام سيئاتهم وإن ~~قلت واستصغار حسناتهم وإن جلت. والثاني بالنظر إلى لطف ~~أكرم الأكرمين من استكثار الحسنة اليسيرة ومقابلتها بالمثوبات ~~الكثيرة وحمل الزيادة على الحقيقة وإن أمكن في الأول بناء على ~~أن تخصيص الأسوأ بالذكر لبيان تكفير ما دونه بطريق ~~الأولوية ضرورة استلزام تكفير الأسوأ لتكفير السيء لكن لما ~~لم يكن ذلك في الأحسن كان الأحسن نظمهما في سلك واحد من الاعتبار. ~~والجمع بين صيغتي الماضي والمستقبل في صلة الموصول الثاني دون ~~الأول للإيذان باستمرارهم على الأعمال الصالحة بخلاف السيئة. ### || [39.36-37] # { أليس الله بكاف عبده } إنكار ونفي لعدم كفايته تعالى ~~على أبلغ وجه وآكده كأن الكفاية من التحقق والظهور ms2866 بحيث لا ~~يقدر أحد على أن يتفوه بعدمها أو يتلعثم في الجواب بوجودها. ~~والمراد بالعبد إما رسول الله صلى الله عليه وسلم أو الجنس ~~المنتظم له عليه السلام انتظاما أوليا. ويؤيده قراءة من قرأ ~~عباده، وفسر بالأنبياء عليهم الصلاة والسلام. وكذا قراءة من ~~قرأ بكافي عباده على صيغة المغالبة إما من الكفاية لإفادة ~~المبالغة فيها، وإما من المكافأة بمعنى المجازاة وهذه تسلية لرسول ~~الله صلى الله عليه وسلم عما قالت له قريش إنا نخاف أن تخبلك ~~آلهتنا ويصيبك مضرتها لعيبك إياها وفي رواية قالوا لتكفن ~~عن شتم آلهتنا أو ليصيبنك منهم خبل أو جنون كما قال قوم هود # إن نقول إلا اعتراك بعض آلهتنا بسوء # [سورة هود: الآية 54] وذلك قوله تعالى { ويخوفونك بالذين ~~من دونه } أي الأوثان التي اتخذوها آلهة من دونه تعالى. والجملة ~~استئناف وقيل: حال { ومن يضلل الله } حتى غفل عن كفايته ~~تعالى وعصمته له عليه الصلاة والسلام وخوفه بما لا ينفع ولا ~~يضر أصلا { فما له من هاد } يهديه إلى خير ما. { ومن ~~يهد الله فما له من مضل } يصرفه عن مقصده أو يصيبه ~~بسوء يخل بسلوكه إذ لا راد لفعله ولا معارض لإرادته كما ينطق ~~به قوله تعالى { أليس الله بعزيز } غالب لا يغالب منيع ~~لا يمانع ولا ينازع. { ذى انتقام } ينتقم من أعدائه لأوليائه. ~~وإظهار الاسم الجليل في موقع الإضمار لتحقيق مضمون الكلام ~~وتربية المهابة. ### || [39.38-42] # { ولئن سألتهم من خلق السموات والأرض ~~ليقولن الله } لوضوح الدليل وسنوح السبيل { قل } ~~تبكيتا لهم { أفرايتم ما تدعون من دون الله إن ~~أرادنى الله بضر هل هن كشفت ضره } أي بعد ما ~~تحققتم أن خالق العالم العلوي والسفلي هو الله عز وجل ~~فأخبروني أن آلهتكم إن أرادني الله بضر هل يكشفن عني ذلك الضر ~~{ أو أرادنى برحمة } أي أو أرادني بنفع { هل هن ~~ممسكت رحمته } فيمنعنها عني. وقرىء كاشفات ضره ~~وممسكات رحمته بالتنوين فيهما ونصب ضره ورحمته. وتعليق إرادة ~~الضر والرحمة بنفسه عليه الصلاة والسلام للرد في نحورهم ~~حيث ms2867 كانوا خوفوه معرة الأوثان ولما فيه من الإيذان بإمحاض ~~النصيحة. { قل حسبى الله } أي في جميع أموري من إصابة ~~الخير ودفع الشر. روي أنه عليه الصلاة والسلام لما سألهم ~~سكتوا فنزل ذلك { عليه يتوكل المتوكلون } لا على ~~غيره أصلا لعلمهم بأن كل ما سواه تحت ملكوته تعالى: { قل ~~يقوم اعملوا على مكانتكم } على حالتكم التي أنتم ~~عليها من العداوة التي تمكنتم فيها فإن المكانة تستعار من العين ~~للمعنى كما تستعار هنا وحيث للزمان مع كونهما للمكان. وقرىء ~~على مكاناتكم { إنى عمل } أي على مكانتي فحذف اللاختصار ~~والمبالغة في الوعيد والاشعار بأن حاله لا تزال تزداد قوة بنصر ~~الله عز وجل وتأييده ولذلك توعدهم بكونه منصورا عليهم في ~~الدارين بقوله تعالى { فسوف تعلمون من يأتيه عذاب ~~يخزيه } فإن خزي أعدائه دليل غلبته عليه الصلاة والسلام ~~وقد عذبهم الله تعالى وأخزاهم يوم بدر. { ويحل عليهم ~~عذاب مقيم } أي دائم هو عذاب النار. # { إنا أنزلنا عليك الكتب للناس } لأجلهم فإنه ~~مناط مصالحهم في المعاش والمعاد { بالحق } حال من فاعل أنزلنا ~~أو من مفعوله { فمن اهتدى } بأن عمل بما فيه { فلنفسه } ~~أي إنما نفع به نفسه { ومن ضل } بأن لم يعمل بموجبه { ~~فإنما يضل عليها } لما أن وبال ضلاله مقصور عليها. # { وما أنت عليهم بوكيل } لتجبرهم على الهدى، وما وضيفتك ~~إلا البلاغ وقد بلغت أي بلاغ { الله يتوفى الأنفس ~~حين موتها والتى لم تمت فى منامها } أي يقبضها من ~~الأبدان بأن يقطع تعلقها عنها وتصرفها فيها إما ظاهرا وباطنا ~~كما عند الموت أو ظاهرا فقط كما عند النوم { فيمسك التى ~~قضى عليها الموت } ولا يردها إلى البدن. وقرىء قضي على ~~البناء للمفعول ورفع الموت. { ويرسل الأخرى } أي النائمة ~~إلى بدنها عند التيقظ { إلى أجل مسمى } هو الوقت المضرب ~~لموته وهو غاية لجنس الإرسال الواقع بعد الإمساك لا لفرد منه فإن ~~ذلك مما لا امتداد فيه ولا كمية. وما روي عن ابن عباس رضي الله ~~عنهما أن في ابن آدم نفسا وروحا بينهما مثل مثل ms2868 الشمس ~~فالنفس هي التي بها العقل والتمييز والروح هي التي بها ~~النفس والتحرك فتتوفيان عند الموت وتتوفى النفس وحدها عند ~~النوم قريب مما ذكر. { إن فى ذلك } أي فيما ذكر من ~~التوفي على الوجهين والإمساك في أحدهما والإرسال في الآخر { ~~لآيات } عجيبة دالة على كمال قدرته تعالى وحكمته وشمول رحمته { ~~لقوم يتفكرون } في كيفية تعلقها بالإبدان وتوفيها ~~عنها تارة بالكلية كما عند الموت وإمساكها باقية لا تفنى بفنائها ~~وما يعتريها من السعادة والشقاوة وأخرى عن ظواهرها فقط كما عند ~~النوم وإرسالها حينا بعد حين إلى انقضاء آجالها. ### || [39.43-45] # { أم اتخذوا } أي بل أتخذ قريش { من دون الله } من ~~دون إذنه تعالى { شفعاء } تشفع لهم عنده تعالى؟ { قل أولو ~~كانوا لا يملكون شيئا ولا يعقلون } الهمزة لإنكار ~~الواقع واستقباحه والتوبيخ عليه أي قل أتتخذونهم شفعاء ولو ~~كانوا لا يملكون شيئا من الأشياء ولا يعقلونه فضلا عن أن يملكوا ~~الشفاعة عند الله تعالى أو هي لإنكار الوقوع ونفيه على أن المراد ~~بيان أن ما فعلوا ليس من اتخاذ الشفعاء في شيء لأنه فرع ~~كون الأوثان شفعاء وذلك أظهر المحالات فالمقدر حينئذ غير ما ~~قدر أولا وعلى أي تقدير كان فالواو للعطف على شرطية قد حذفت ~~للدلالة المذكورة عليها أي أيشفعون لو كانوا يملكون شيئا ولو كانوا ~~لا يملكون الخ وجواب لو محذوف لدلالة المذكور عليه وقد مر تحقيقه ~~مرارا. { قل } بعد تبكيتهم وتجهيلهم بما ذكر تحقيقا للحق { ~~لله الشفعة جميعا } أي هو مالكها لا يستطيع أحد شفاعة ~~ما إلا أن يكون المشفوع له مرتضى، والشفيع مأذونا له وكلاهما ~~مفقود ههنا. وقوله تعالى { له ملك السموات والأرض } ~~تقرير له وتأكيد أي له ملكهما وما فيهما من المخلوقات لا يملك أحد ~~أن يتكلم في أمر من أموره بدون إذنه ورضاه { ثم إليه ~~ترجعون } يوم القيامة لا إلى أحد سواه لا استقلالا ولا ~~اشتراكا فيفعل يؤمئذ ما يريد { وإذا ذكر الله وحده } دون ~~آلهتهم { اشمأزت قلوب الذين لا يؤمنون بالأخرة ~~} أي انقبضت ونفرت كما في ms2869 قوله تعالى: # وإذا ذكرت ربك في القرآن وحده ولوا على ~~أدبارهم نفورا # [سورة الإسراء: الآية 46] { وإذا ذكر الذين من دونه } ~~فرادى أو مع ذكر الله تعالى { إذا هم يستبشرون } لفرط ~~افتتانهم بها ونسيانهم حق الله تعالى، ولقد بولغ في بيان حاليهم ~~القبيحتين حيث بين الغاية فيهما فإن الاستبشار هو أن يمتلىء ~~القلب سرورا حتى ينبسط له بشرة الوجه، والاشمئزاز أن يمتلىء ~~غيظا وغما ينقبض منه أديم الوجه. والعامل في إذا الأولى اشمأزت، ~~وفي الثانية ما هو العامل في إذا المفاجأة تقديره وقت ذكر الذين ~~من دونه فاجأوا وقت الاستبشار. ### || [39.46-49] # { قل اللهم فاطر السموات والأرض علم ~~الغيب والشهدة } أي التجىء إليه تعالى بالدعاء لما ~~تحيرت في أمر الدعوة وضجرت من شدة شكيمتهم في المكابرة والعناد ~~فإنه القادر على الأشياء بجملتها والعالم بالأحوال برمتها. { ~~أنت تحكم بين عبادك * فيما كانوا فيه يختلفون ~~} أي حكما يسلمه كل مكابر معاند، ويخضع له كل عات مارد وهو ~~العذاب الدنيوي أو الأخروي. وقوله تعالى { ولو أن للذين ~~ظلموا ما فى الأرض جميعا } الخ كلام مستأنف مسوق لبيان ~~آثار الحكم الذي استدعاه النبي صلى الله عليه وسلم وغاية شدته ~~وفظاعته أي لو أن لهم جميع ما في الدنيا من الأموال والذخائر. { ~~ومثله معه لافتدوا به من سوء العذاب يوم ~~القيمة } أي لجعلوا كل ذلك فدية لأنفسهم من العذاب الشديد ~~وهيهات ولات حين مناص. وهذا كما ترى وعيد شديد وإقناط كلي لهم ~~من الخلاص. { وبدا لهم من الله ما لم يكونوا ~~يحتسبون } أي ظهر لهم من فنون العقوبات ما لم يكن في حسابهم. ~~وهذه غاية من الوعيد لا غاية وراءها ونظيره في الوعد قوله تعالى: # فلا تعلم ما أخفى لهم من قرة أعين # [سورة السجدة: الآية 17] { وبدا لهم سيئات ما كسبوا } ~~سيئات أعمالهم أو كسبهم حين تعرض عليهم صحائفهم { وحاق بهم ما ~~كانوا به يستهزءون } أي أحاط بهم جزاؤه { فإذا مس ~~الإنسن ضر دعانا } إخبار عن الجنس بما يفعله غالب أفراده. ~~والفاء لترتيب ما بعدها من المناقضة. ms2870 والتعكيس على ما مر من ~~حالتيهم القبيحتين وما بينهما اعتراض مؤكد للإنكار عليهم أي ~~أنهم يشمئزون عن ذكر الله تعالى وحده ويستبشرون بذكر الآلهة ~~فإذا مسهم ضر دعوا من اشمأزوا عن ذكره دون من استبشروا ~~بذكره { ثم إذا خولنه نعمة منا } أعطيناه إياها ~~تفضلا، فإن التخويل مختص به لا يطلق على ما أعطي جزاء { قال ~~إنما أوتيته على علم } أي على علم مني بوجوه كسبه أو ~~بأني سأعطاه لما لي من الاستحقاق أو على علم من الله تعالى بي ~~وباستحقاقي. والهاء لما، أن جعلت موصولة، وإلا فلنعمة ~~والتذكير لما أن المراد شيء من النعمة { بل هى فتنة } أي ~~محنة وابتلاء له أيشكر أم يكفر وهو رد لما قاله. وتغيير السبك ~~للمبالغة فيه والإيذان بأن ذلك ليس من باب الإيتاء المنبىء عن ~~الكرامة وإنما هو أمر مباين بالكلية. وتأنيث الضمير باعتبار ~~لفظ النعمة أو باعتبار الخبر وقرىء بالتذكير. # { ولكن أكثرهم لا يعلمون } أن الأمر كذلك وفيه ~~دلالة على أن المراد بالإنسان هو الجنس. ### || [39.50-52] # { قد قالها الذين من قبلهم } الهاء لقوله إنما أوتيته ~~على علم لأنها كلمة أو جملة وقرىء بالتذكير. والموصول عبارة عن ~~قارون وقومه حيث قال إنما أوتيته على علم عندي وهم راضون به. { ~~فمآ أغنى عنهم ما كانوا يكسبون } من متاع الدنيا ~~ويجمعون منه. { فأصبهم سيئات ما كسبوا } جزاء سيئات ~~أعمالهم أو أجزية ما كسبوا. وتسميتها سيئات لأنها في مقابلة ~~سيئاتهم وجزاء سيئة سيئة مثلها { والذين ظلموا من ~~هؤلاء } المشركين ومن للبيان أو للتبعيض أي أفرطوا في الظلم ~~والعتو. { سيصيبهم سيئات ما كسبوا } من الكفر ~~والمعاصي كما أصاب أولئك. والسين للتأكيد. وقد أصابهم أي إصابة ~~حيث قحطوا سبع سنين وقتل صناديدهم يوم بدر { وما هم ~~بمعجزين } أي فائتين. # { أو لم يعلموا } أي أقالوا ذلك ولم يعلموا أو أغفلوا ولم ~~يعلموا { أن الله يبسط الرزق لمن يشاء } أن يبسطه له ~~{ ويقدر } لمن يشاء أن يقدره له من غير أن يكون لأحد مدخل ما في ~~ذلك حيث حبس عنهم الرزق ms2871 سبعا ثم بسطه لهم سبعا { إن فى ~~ذلك } الذي ذكر { لآيات } دالة على أن الحوادث كافة من ~~الله عز وجل. { لقوم يؤمنون } إذ هم المستدلون بها على ~~مدلولاتها. ### || [39.53-59] # { قل يعبادى الذين أسرفوا على أنفسهم } أي ~~أفرطوا في الجناية عليها بالإسراف في المعاصي. وإضافة العباد تخصصه ~~بالمؤمنين على ما عرف القرآن الكريم. # { لا تقنطوا من رحمة الله } أي لا تيأسوا من مغفرته ~~أولا ولا تفضله ثانيا { إن الله يغفر الذنوب جميعا ~~} عفوا لمن يشاء ولو بعد حين بتعذيب في الجملة بغيره حسبما يشاء. ~~وتقييده بالتوبة خلاف الظاهر كيف لا وقوله تعالى: # إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ~~ذلك لمن يشاء # [سورة النساء: الآية 116] ظاهر في الإطلاق فيما عدا الشرك. ومما ~~يدل عليه التعليل بقوله تعالى { إنه هو الغفور الرحيم ~~} على المبالغة وإفادة الحصر والوعد بالرحمة بعد المغفرة وتقديم ما ~~يستدعي عموم المغفرة مما في عبادي من الدلالة على الذلة ~~والاختصاص المقتضيين للترحم، وتخصيص ضرر الإسراف بأنفسهم ~~والنهي عن القنوط مطلقا عن الرحمة فضلا عن المغفرة وإطلاقها ~~وتعليله بأن الله يغفر الذنوب ووضع الاسم الجليل موضع ~~الضمير لدلالته على أنه المستغني والمنعم على الإطلاق. # والتأكيد بالجميع وما روي من أسباب النزول الدالة على ورود ~~الآية فيمن تاب لا يقتضي اختصاص الحكم بهم ووجوب حمل المطلق على ~~المقيد في كلام واحد مثل أكرم الكاملين غير مسلم فكيف فيما هو ~~بمنزلة كلام واحد ولا يخل بذلك الأمر بالتوبة، والإخلاص في ~~قوله تعالى: { وأنيبوا إلى ربكم وأسلموا له من ~~قبل أن يأتيكم العذاب ثم لا تنصرون } إذا ليس ~~المدعى أن الآية تدل على حصول المغفرة لكل أحد من غير توبة ~~وسبق تعذيب لتغني عن الأمر بهما وتنافي الوعيد بالعذاب { ~~واتبعوا أحسن ما أنزل إليكم من ربكم } أي ~~القرآن أو المأمور به دون المنهي عنه أو العزائم دون الرخص أو ~~الناسخ دون المنسوخ ولعله ما هو أنجى وأسلم كالإنابة والمواظبة ~~على الطاعة { من قبل أن يأتيكم العذاب بغتة ~~وأنتم لا تشعرون ms2872 } بمجيئه لتتداركوا وتتأهبوا له { أن ~~تقول نفس } أي كراهة أن تقول. والتنكير للتكثير كما في ~~قوله تعالى: # علمت نفس ما أحضرت # [سورة التكوير: الآية 14] فإنه مسلك ربما يسلك عند إرادة التكثير ~~والتعميم، وقد مر تحقيقه في مطلع سورة الحجر { يحسرتى } ~~بالألف بدلا من ياء الإضافة وقرىء يا حسرتاه بهاء السكت وقفا. ~~وقرىء يا حسرتاي بالجمع بين العوضين. وقرىء با حسرتي على الأصل ~~أي احضري فهذا أوان حضورك. { على ما فرطت } أي على تفريطي ~~وتقصيري { فى جنب الله } أي حانبه وفي حقه وطاعته وعليه قول ~~من قال # أما تتقين الله في جنب وامق # له كبد حرى وعين ترقرق # وهو كناية فيها مبالغة وقيل: في ذات الله على تقدير مضاف كالطاعة ~~وقيل: في قربه من قوله تعالى: # والصحب بالجنب # [سورة النساء: الآية 36] وقرىء. في ذكر الله { وإن كنت لمن ~~السخرين } أي المستهزئين بدين الله تعالى وأهله. ومحل ~~الجملة النصب على الحال أي فرطت وأنا ساخر { أو تقول لو ~~أن الله هدانى } بالإرشاد إلى الحق { لكنت من ~~المتقين } الشرك والمعاصي { أو تقول حين ترى ~~العذاب لو أن كرة } رجعة إلى الدنيا { فأكون من ~~المحسنين } في العقيدة والعمل وأو للدلالة على أنها لا ~~تخلو عن هذه الأقوال تحسرا وتحيرا وتعللا بما لا طائل تحته. ~~وقوله تعالى: { بلى قد جاءتك ءايتى فكذبت بها ~~واستكبرت وكنت من الكفرين } رد من الله تعالى عليه ~~لما تضمنه قوله لو أن الله هداني من معنى النفي وفصله عنه لما ~~أن تقديمه يفرق القرائن وتأخير المردود يخل بالترتيب ~~الوجودي لأنه يتحسر بالتفريط ثم يتعلل بفقد الهداية ثم ~~يتمنى الرجعة وهو لا يمنع تأثير قدرة الله تعالى في فعل العبد ~~ولا ما فيه من إسناد الفعل إليه كما عرفت، وتذكير الخطاب باعتبار ~~المعنى وقرىء بالتأنيث. ### || [39.60-63] # { ويوم القيمة ترى الذين كذبوا على الله } ~~بأن وصفوه بما لا يليق بشأنه كاتخاذ الولد { وجوههم ~~مسودة } بما ينالهم من الشدة أو بما يتخيل عليها من ظلمة ~~الجهل. والجملة حال قد اكتفي فيها بالضمير عن ms2873 الواو على أن ~~الرؤية بصرية أو مفعول ثان لها على أنها عرفانية { أليس ~~فى جهنم مثوى } أي مقام { للمتكبرين } عن الإيمان ~~والطاعة، وهو تقرير لما قبله من رؤيتهم كذلك { وينجى الله ~~الذين اتقوا } الشرك والمعاصي أي من جهنم. وقرىء ينجي ~~من الإنجاء. { بمفازتهم } مصدر ميمي إما من فاز بالمطلوب أي ~~ظفر به، والباء متعلقة بمحذوف هو حال من الموصول مفيدة لمقارنة ~~تنجيتهم من العذاب لنيل الثواب أي ينجيهم الله تعالى من مثوى ~~المتكبرين ملتبسين بفوزهم بمطلوبهم الذي هو الجنة. وقوله تعالى { ~~لا يمسهم السوء ولا هم يحزنون } إما حال أخرى من ~~الموصول أو من ضمير مفازتهم مفيدة لكون نجاتهم أو فوزهم بالجنة غير ~~مسبوقة بمساس العذاب والحزن. وإما من فاز منه أي نجا منه، والباء ~~للملابسة. قوله تعالى: { لا يمسهم } إلى آخره تفسير وبيان ~~لمفازتهم أي ينجيهم الله تعالى ملتبسين بنجاتهم الخاصة بهم أي ~~بنفي السوء والحزن عنهم أو للسببية إما على حذف المضاف أي ~~ينجيهم بسبب مفازتهم التي هي تقواهم كما يشعر به إيراده في حيز ~~الصلة، وإما على إطلاق المفازة على سببها الذي هو التقوى وليس ~~المراد نفي دوام المساس والحزن بل دوام نفيهما كما مر مرارا. { ~~الله خلق كل شىء } من خير وشر وإيمان وكفر لكن لا ~~بالجبر بل بمباشرة الكاسب لأسبابها. { وهو على كل شىء ~~وكيل } يتولى التصرف فيه كيفما يشاء { له مقاليد ~~السموات والأرض } لا يملك أمرها ولا يتمكن من التصرف ~~فيها غيره وهو عبارة عن قدرته تعالى وحفظه لها. وفيها مزيد دلالة ~~على الاستقلال والاستبداد لأن الخزائن لا يدخلها ولا يتصرف فيها ~~إلا من بيده مفاتيحها. وهو جمع مقليد أو مقلاد من قلدته إذا ~~ألزمته، وقيل: جمع إقليد معرب كليد على الشذوذ كالمذاكير. # " وعن عثمان رضي الله عنه أنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن ~~المقاليد فقال عليه الصلاة والسلام: " تفسيرها لا إله إلا ~~الله والله أكبر وسبحان الله وبحمده وأستغفر الله ولا حول ولا ~~قوة إلا بالله العلي العظيم هو الأول والآخر ms2874 والظاهر ~~والباطن بيده الخير يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير " # والمعنى على هذا أن لله هذه الكلمات يوحد بها ويمجد وهي مفاتيح ~~خير السموات والأرض من تكلم بها أصابه { والذين كفروا ~~بئايت الله أولئك هم الخسرون } متصل بما ~~قبله والمعنى أن الله تعالى خالق لجميع الأشياء ومتصرف فيها ~~كيفما يشاء بالإحياء والإماتة بيده مقاليد العالم العلوي ~~والسفلي. والذي كفروا بآياته التكوينية المنصوبة في الآفاق ~~والأنفس والتنزيلية التي من جملتها هاتيك الآيات الناطقة بذلك هم ~~الخاسرون خسرانا لا خسار وراءه، هذا وقيل: هو متصل بقوله تعالى ~~وينجي الله وما بينهما اعتراض فتدبر. ### || [39.64-67] # { قل أفغير الله تأمرونى أعبد أيها ~~الجهلون } أي أبعد مشاهدة هذه الآيات غير الله أعبد، ~~وتأمروني اعتراض للدلالة على أنهم أمروه به عقيب ذلك وقالوا ~~استلم بعض آلهتنا نؤمن بإلهك لفرط غباوتهم. ويجوز أن ينتصب غير ~~بما يدل عليه تأمروني أعبد لأنه بمعنى تعبدونني، وتقولون لي أعبد ~~على أن أصله تأمرونني أن أعبد فحذف أن ورفع ما بعدها كما في ~~قوله: [الطويل] # ألا أيهذا الزاجري أحضر الوغى # وأن أشهد اللذات هل أنت مخلدي # ويؤيده قراءة أعبد بالنصب وقرىء تأمرونني بإظهار النونين ~~على الأصل وبحذف الثانية { ولقد أوحى إليك وإلى ~~الذين من قبلك } أي من الرسل عليهم السلام { لئن ~~أشركت ليحبطن عملك ولتكونن من الخسرين } ~~كلام وارد على طريقة الفرض لتهييج الرسل وإقناط الكفرة ~~والإيذان بغاية شناعة الإشراك وقبحه وكونه بحيث ينهى عنه من لا ~~يكاد يمكن أن يباشره فكيف بمن عداه. وإفراد الخطاب باعتبار كل ~~واحد واللام الأولى موطئة للقسم والأخريان للجواب وإطلاق ~~الاحباط يحتمل أن يكون من خصائصهم عند الإشراك منهم لأن الإشراك ~~منهم أشد وأقبح وأن يكون مقيدا بالموت كما صرح به في قوله تعالى: # ومن يرتدد منكم عن دينه فيمت وهو كافر ~~فأولئك حبطت أعملهم # [سورة البقرة: الآية 217] وعطف الخسران عليه من عطف المسبب على ~~السبب. # { بل الله فاعبد } رد لما أمروه به ولولا دلالة التقديم ~~على القصر لم يكن كذلك { وكن من الشكرين ms2875 } إنعامه عليك وفيه ~~إشارة إلى ما يوجب الاختصاص ويقتضيه. { وما قدروا الله حق ~~قدره } ما قدروا عظمته تعالى في أنفسهم حق عظمته حيث جعلوا له ~~شريكا ووصفوه بما لا يليق بشؤونه الجليلة وقرىء بالتشديد { ~~والأرض جميعا قبضته يوم القيمة والسموت ~~مطويت بيمينه } تنبيه على غاية عظمته وكمال قدرته ~~وحقارة الأفعال العظام التي تتحير فيها الأوهام بالنسبة إلى قدرته ~~تعالى ودلالة على أن تخريب العالم أهون شيء عليه على طريقة ~~التمثيل والتخييل من غير اعتبار القبضة واليمين حقيقة ولا ~~مجازا كقولهم شابت لمة الليل. والقبضة المرة من القبض ~~أطلقت بمعنى القبضة هي المقدار المقبوض بالكف تسمية بالمصدر أو ~~بتقدير ذات قبضة. وقرىء بالنصب على الظرف تشبيها للموقت ~~بالمبهم. وتأكيد الأرض بالجميع لأن المراد بها الأرضون السبع ~~أو جميع أبعاضها البادية والغائرة. وقرىء مطويات على أنها حال ~~والسموات معطوفة على الأرض منظومة في حكمها. { سبحانه ~~وتعالى عما يشركون } ما أبعد وما أعلى من هذه قدرته ~~وعظمته عن إشراكهم أو عما يشركونه من الشركاء. ### || [39.68-71] # { ونفخ فى الصور } هي النفخة الأولى { فصعق من فى ~~السموات ومن فى الأرض } أي خروا أمواتا أو مغشيا عليهم ~~{ إلا من شاء الله } قيل: هم جبريل وميكائيل وإسرافيل فإنهم ~~لا يموتون بعد وقيل: حملة العرش. { ثم نفخ فيه أخرى } ~~نفخة أخرى هي النفخة الثانية. وأخرى يحتمل النصب والرفع. ~~{ فإذا هم قيام } قائمون من قبورم أو متوقفون. وقرىء بالنصب ~~على أن الخبر { ينظرون } وهو حال من ضميره والمعنى يقلبون ~~أبصارهم في الجوانب كالمبهوتين أو ينتظرون ما يفعل بهم. { ~~وأشرقت الأرض بنور ربها } بما أقام فيها من العدل ~~استعير له النور لأنه يزين البقاع ويظهر الحقوق كما يسمى ~~الظلم ظلمة. وفي الحديث: # " الظلم ظلمات يوم القيامة " # ولذلك أضيف الأسم الجليل إلى ضمير الأرض أو بنور خلقه فيها بلا ~~توسط أجسام مضيئة ولذلك أضيف إلى الاسم الجليل. { ووضع ~~الكتب } الحساب والجزاء من وضع المحاسب كتاب المحاسبة بين ~~يديه أو صحائف الأعمال في أيدي العمال واكتفى باسم الجنس عن الجمع ~~وقيل: اللوح ms2876 المحفوظ يقابل به الصحائف. { وجيء بالنبيين ~~والشهداء } للأمم وعليهم من الملائكة والمؤمنين وقيل: ~~المستشهدون { وقضى بينهم } بين العباد { بالحق وهم ~~لا يظلمون } بنقص ثواب أو زيادة عقاب على ما جرى به الوعد. # { ووفيت كل نفس ما عملت } أي جزاءه { وهو أعلم ~~بما يفعلون } فلا يفوته شيء من أفعالهم. وقوله تعالى { ~~وسيق الذين كفروا إلى جهنم زمرا } الخ تفصيل ~~للتوفية وبيان لكيفيتيها أي سيقوا إليها بالعنف والإهانة ~~أفواجا متفرقة بعضها في إثر بعض مترتبة حسب ترتب طبقاتهم في ~~الضلالة والشرارة. والزمر جمع زمرة، واشتقاقها من الزمر ~~وهو الصوت إذ الجماعة لا تخلو عنه. { حتى إذا جاءوها ~~فتحت أبوبها } ليدخلوها. وحتى هي التي تحكى بعدها الجملة. ~~وقرىء بالتشديد. { وقال لهم خزنتها } تقريعا وتوبيخا { ~~ألم يأتكم رسل منكم } من جنسكم. وقرىء نذر منكم. { ~~يتلون عليكم ءايت ربكم وينذرونكم لقاء ~~يومكم هذا } أي وقتكم هذا وهو وقت دخولهم النار، وفيه ~~دليل على أنه لا تكليف قبل الشرع من حيث أنهم عللوا ~~توبيخهم بإتيان الرسل وتبليغ الكتب { قالوا بلى } قد ~~أتونا وأنذرونا { ولكن حقت كلمة العذاب على ~~الكفرين } حيث قال الله تعالى لإبليس: # لأملأن جهنم منك وممن تبعك منهم أجمعين # [سورة ص: الآية 85] وقد كنا ممن تبعه وكذبنا الرسل وقلنا ما ~~نزل الله من شيء إن أنتم إلا تكذبون. ### || [39.72-75] # { قيل ادخلوا أبوب جهنم خلدين فيها } أي ~~مقدرا خلودكم فيها. وإبهام القائل لتهويل المقول { فبئس ~~مثوى المتكبرين } اللام للجنس والمخصوص بالذم محذوف ~~ثقة بذكره آنفا أي فبئس مثواهم جهنم. ولا يقدح ما فيه من ~~الإشعار بأن كون مثواهم جهنم لتكبرهم عن الحق في أن ~~دخولهم النار لسبق كلمة العذاب عليهم فإنها إنما حقت عليهم ~~بناء على تكبرهم وكفرهم وقد مر تحقيقه في سورة الم السجدة. # { وسيق الذين اتقوا ربهم إلى الجنة } مساق ~~إعزاز وتشريف للإسراع بهم إلى دار الكرامة. وقيل: سيق مراكبهم إذ ~~لا يذهب بهم إلا راكبين { زمرا } متفاوتين حسب تفاوت مراتبهم ~~في الفضل وعلو الطبقة. { حتى إذا جاءوها وفتحت ~~أبوبها } وقرىء بالتشديد. وجواب ms2877 إذا محذوف للإيذان بأن لهم ~~حينئذ من فنون الكرامات ما لا يحدق به نطاق العبارات كأنه قيل ~~حتى إذا جاؤها وقد فتحت أبوابها { وقال لهم خزنتها ~~سلم عليكم } من جميع المكاره والآلام { طبتم } طهرتم من ~~دنس المعاصي أو طبتم نفسا بما أتيح لكم من النعيم. { ~~فادخلوها خلدين } كان ما كان مما يقصر عنه البيان { ~~وقالوا الحمد لله الذى صدقنا وعده } بالبعث ~~والثواب { وأورثنا الأرض } يريدون المكان الذي استقروا ~~فيه على الاستعارة وإيراثها تمليكها مخلفة عليهم من أعمالهم أو ~~تمكينهم من التصرف فيها تمكين الوارث فيما يرثه { نتبوأ ~~من الجنة حيث نشاء } أي يتبوأ كل واحد منا في أي مكان ~~أراده من جنته الواسعة على أن فيها مقامات معنوية لا يتمانع ~~واردها { فنعم أجر العملين } الجنة { وترى ~~الملئكة حافين } محدقين { من حول العرش } أي حوله ~~ومن مزيدة أو لابتداء الحفوف { يسبحون بحمد ربهم } أي ~~ينزهونه تعالى عما لا يليق به ملتبسين بحمده. والجملة حال ثانية ~~أو مقيدة للأولى والمعنى ذاكرين له تعالى بوصف جلاله وإكرامه ~~تلذذا به، وفيه إشعار بأن أقصى درجات العليين وأعلى لذائذهم ~~هو الاستعراق في شؤونه عز وجل { وقضى بينهم بالحق } أي ~~بين الخلق بإدخال بعضهم النار وبعضهم الجنة أو بين الملائكة ~~بإقامتهم في منازلهم على حسب تفاضلهم { وقيل الحمد لله ~~رب العلمين } أي على ما قضي بيننا بالحق وأنزل كلا منا ~~منزلته التي هي حقه. والقائلون هم المؤمنون ممن قضى بينهم أو ~~الملائكة. وطي ذكرهم لتعيينهم وتعظيمهم. # عن النبي صلى الله عليه وسلم: # " من قرأ سورة الزمر لم يقطع الله تعالى رجاءه يوم القيامة ~~وأعطاه ثواب الخائفين " # وعن عائشة رضي الله عنها أنه عليه الصلاة والسلام كان يقرأ ~~كل ليلة بني إسرائيل والزمر. ### | [40 - سورة غافر] ### || [40.1-3] # { حم } بتفخيم الألف وتسكين الميم. وقرىء بإمالة الألف ~~وبإخراجها بين بين وبفتح الميم لالتقاء الساكنين أو نصبها ~~بإضمار اقرأ ونحوه، ومنع الصرف للتعريف والتأنيث أو للتعريف ~~وكونها على زنة قابيل وهابيل. وبقية الكلام فيه وفي قوله ~~تعالى { تنزيل الكتب } كالذي ms2878 سلف في آلم السجدة. وقوله ~~تعالى { من الله العزيز العليم } كما في مطلع سورة ~~الزمر في الوجوه كلها. ووجه التعرض لنعتي العزة والعلم ما ~~ذكر هناك. { غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب ~~ذى الطول } إما صفات أخر لتحقيق ما فيها من الترغيب ~~والترهيب والحث على ما هو المقصود، والإضافة فيها حقيقية على أنه ~~لم يرد بها زمان مخصوص وأريد بشديد العقاب مشدده أو الشديد ~~عقابه بحذف اللام للازدواج وأمن الالتباس أو إبدال وجعله ~~وحده بدلا كما فعله الزجاج مشوش للنظم، وتوسيط الواو بين ~~الأولين لإفادة الجمع بين محو الذنوب وقبول التوبة أو تغاير ~~الوصفين إذ ربما يتوهم الاتحاد أو تغاير موقع الفعلين لأن ~~الغفر هو الستر مع بقاء الذنب وذلك لمن لم يتب # " فإن التائب من الذنب كمن لا ذنب له " # والتوب مصدر كالتوبة وقيل: هو جمعها والطول الفضل بترك ~~العقاب المستحق، وفي توحيد صفة العذاب مغمورة بصفات الرحمة دليل ~~سبقها ورجحانها { لا إله إلا هو } فيجب الإقبال ~~الكلي على طاعته في أوامره ونواهيه { إليه المصير } ~~فحسب لا إلى غيره لا استقلالا ولا اشتراكا فيجازي كلا من المطيع ~~والعاصي. ### || [40.4-6] # { ما يجدل فى ءايت الله } أي بالطعن فيها واستعمال ~~المقدمات الباطلة لإدحاض الحق كقوله تعالى: # وجدلوا بالبطل ليدحضوا به الحق # [سورة الكهف: الآية 56]. { إلا الذين كفروا } بها وأما ~~الذين آمنوا فلا يخطر ببالهم شائبة شبهة منها فضلا عن الطعن فيها ~~وأما الجدال فيها لحل مشكلاتها وكشف معضلاتها واستنباط حقائقها ~~الكلية وتوضيح مناهج الحق في مضايق الأفهام ومزالق الأقدام ~~وإبطال شبه أهل الزيغ والضلال فمن أعظم الطاعات ولذلك قال ~~عليه الصلاة والسلام: # " إن جدالا في القرآن كفر " # بالتنكير للفرق بين جدال وجدال والفاء في قوله تعالى { ~~فلا يغررك تقلبهم فى البلاد } لترتيب النهي أو ~~وجوب الانتهاء على ما قبلها من التسجيل عليهم بالكفر الذي لا ~~شيء أمقت منه عند الله تعالى ولا أجلب لخسران الدنيا ~~والآخرة فإن من تحقق ذلك لايكاد يغتر بما لهم من حظوظ ~~الدنيا وزحارفها فإنهم مأخوذون عما ms2879 قليل أخذ من قبلهم ~~من الأمم حسبما ينطق به قوله تعالى { كذبت قبلهم ~~قوم نوح والأحزاب من بعدهم } أي الذين تحزبوا على ~~الرسل وناصبوهم بعد قوم نوح مثل عاد وثمود وأضرابهم { وهمت ~~كل أمة } من تلك الأمم العاتية { برسولهم } وقرىء ~~برسولها { ليأخذوه } ليتمكنوا منه فيصيبوا به ما أرادوا من ~~تعذيب أو قتل من الأخذ بمعنى الأسر { وجدلوا ~~بالبطل } الذي لا أصل ولا حقيقة له أصلا { ليدحضوا ~~به الحق } الذي لا محيد عنه كما فعل هؤلاء المذكورون { ~~فأخذتهم } بسبب ذلك أخذ عزيز مقتدر { فكيف كان ~~عقاب } الذي عاقبتهم به فإن آثار دمارهم عبرة للناظرين ~~ولآخذن هؤلاء أيضا لاتحادهم في الطريقة واشتراكهم في الجريرة ~~كما ينبىء عنه قوله تعالى: # { وكذلك حقت كلمة ربك } أي كما وجب وثبت حكمه ~~تعالى وقضاؤه بالتعذيب على أولئك الأمم المكذبة المتحزبة على ~~رسلهم المجادلة بالباطل لإدحاض الحق به وجب أيضا { على ~~الذين كفروا } أي كفروا بك وتحزبوا عليك وهموا بما لم ~~ينالوا كما ينبىء عنه إضافة اسم الرب إلى ضميره عليه الصلاة ~~والسلام فإن ذلك للإشعار بأن وجوب كلمة العذاب عليهم من ~~أحكام تربيته التي من جملتها نصرته عليه الصلاة والسلام ~~وتعذيب أعدائه وذلك إنما يتحقق بكون الموصول عبارة عن كفار ~~قومه لا عن الأمم المهلكة وقوله تعالى { أنهم أصحب ~~النار } في حيز النصب بحذف لام التعليل أي لأنهم مستحقو ~~أشد العقوبات وأفظعها التي هي عذاب النار وملازموها أبدا ~~لكونهم كفارا معاندين متحزبين على الرسول عليه الصلاة ~~والسلام كدأب من قبلهم من الأمم المهلكة فهم لسائر فنون ~~العقوبات أشد استحقاقا وأحق استيجابا وقيل: هو في محل الرفع على ~~أنه بدل من كلمة ربك والمعنى مثل ذلك الوجوب وجب على الكفرة المهلكة ~~كونهم من أصحاب النار أي كما وجب إهلاكهم في الدنيا بعذاب ~~الاستئصال كذلك وجب تعديبهم بعذاب النار في الآخرة ومحل ~~الكاف على التقديرين النصب على أنه نعت لمصدر محذوف. ### || [40.7] # { الذين يحملون العرش ومن حوله } وهم أعلى طبقات ~~الملائكة عليهم السلام وأولهم وجودا وحملهم إياه وحفيفهم ms2880 حوله ~~مجاز عن حفظهم وتدبيرهم له وكناية عن زلفاهم من ذي العرش جل ~~جلاله ومكانتهم عنده ومحل الموصول الرفع على الابتداء ~~خبره: # { يسبحون بحمد ربهم } والجملة استئناف مسوق لتسلية ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ببيان أن أشراف الملائكة عليهم ~~السلام مثابرون على ولاية من معه من المؤمنين ونصرتهم ~~واستدعاء ما يسعدهم في الدارين أي ينزهونه تعالى عن كل ما لا ~~يليق بشأنه الجليل ملتبسين بحمده على نعمائه التي لا تتناهى { ~~ويؤمنون به } إيمانا حقيقيا بحالهم، والتصريح به مع ~~الغنى عن ذكره رأسا لإظهار فضيلة الإيمان وإبراز شرف أهله ~~والإشعار بعلة دعائهم للمؤمنين حسبما ينطق به قوله تعالى: { ~~ويستغفرون للذين ءامنوا } فإن المشاركة في الإيمان ~~أقوى المناسبات وأتمها وأدعى الدواعي إلى النصح والشفقة، وفي ~~نظم استغفارهم لهم في سلك وظائفهم المفروضة عليهم من تسبيحهم ~~وتحميدهم وإيمانهم إيذان بكمال اعتنائهم به وإشعار بوقوعه عند ~~الله تعالى في موقع القبول. روي أن حملة العرش أرجلهم في ~~الأرض السفلى ورؤوسهم قد خرقت العرش وهم خشوع لا يرفعون ~~طرفهم. وعن النبي صلى الله عليه وسلم: # " لا تتفكروا في عظم ربكم ولكن تفكروا فيما خلق الله من الملائكة ~~فإن خلقا من الملائكة يقال له إسرافيل زاوية من زوايا العرش ~~على كاهله وقدماه في الأرض السفلى وقد مرق رأسه من سبع ~~سموات وإنه ليتضاءل من عظمة الله حتى يصير كأنه الوصع " # وفي الحديث: # " إن الله أمر جميع الملائكة أن يغدوا ويروحوا بالسلام على ~~حملة العرش تفضيلا لهم على سائرهم " # وقيل: خلق الله تعالى العرش من جوهرة خضراء وبين القائمتين من ~~قوائمه خفقان الطير المسرع ثمانين عام وقيل: حول العرش سبعون ~~ألف صف من الملائكة يطوفون به مهللين مكبرين ومن ورائهم سبعون ~~ألف صف قيام قد وضعوا أيديهم على عواتقهم رافعين أصواتهم ~~بالتهليل والتكبير ومن ورائهم مائة ألف صف قد وضعوا أيمانهم ~~على الشمائل ما منهم أحد إلا وهو يسبح بما لا يسبح به الآخر { ~~ربنا } على إرادة القول أي يقولون ربنا على أنه إما ~~بيان لاستغفارهم ms2881 أو حال. # { وسعت كل شيء رحمة وعلما } أي وسعت رحمتك ~~وعلمك فأزيل عن أصله للإغراق في وصفه تعالى بالرحمة والعلم ~~والمبالغة في عمومهما وتقديم الرحمة لأنها المقصودة بالذات هنها ~~والفاء في قوله تعالى { فاغفر للذين تابوا واتبعوا ~~سبيلك } أي للذين عملت منهم التوبة واتباع سبيل الحق لترتيب ~~الدعاء على ما قبلها من سعة الرحمة والعلم { وقهم عذاب ~~الجحيم } واحفظهم عنه وهو تصريح بعد إشعار للتأكيد. ### || [40.8-10] # { ربنا وأدخلهم } عطف على قهم وتوسيط النداء بينهما ~~للبمالغة في الجؤار { جنت عدن التى وعدتهم } أي ~~وعدتهم إياها وقرىء جنة عدن { ومن صلح من ~~ءابائهم وأزوجهم وذرياتهم } أي صلاحا مصححا ~~لدخول الجنة في الجملة وإن كان دون صلاح أصولهم وهو عطف على ~~الضمير الأول أي وأدخلها معهم هؤلاء ليتم سرورهم ويتضاعف ابتهاجهم ~~أو على الثاني لكن لا بناء على الوعد العام للكل كما قيل إذ لا ~~يبقى حينئذ للعطف وجه بل بناء على الوعد الخاص بهم بقوله تعالى: # ألحقنا بهم ذريتهم # [سورة الطور: الآية 21] بأن يكونوا أعلى درجة من ذريتهم قال سعيد ~~بن جبير: يدخل المؤمن الجنة فيقول أين أبي أين ولدي أين ~~زوجي فيقال إنهم لم يعملوا مثل عملك فيقول إني كنت أعمل لي ~~ولهم فيقال أدخلوهم الجنة. وسبق الوعد بالإدخال والإلحاق لا ~~يستدعي حصول الموعود بلا توسط شفاعة واستغفار وعليه مبنى قول ~~من قال فائدة الاستغفار زيادة الكرامة والثواب والأول هو الأولى ~~لأن الدعاء بالإدخال فيه صريح وفي الثاني ضمني وقرىء صلح ~~بالضم وذريتهم بالإفراد { إنك أنت العزيز } أي الغالب ~~الذي لا يمتنع عليه مقدور { الحكيم } أي الذي لا يفعل إلا ~~ما تقتضيه الحكمة الباهرة من الأمور التي من جملتها إنجاز ~~الوعد فالجملة تعليل لما قبلها. # { وقهم السيئت } أي العقوبات لأن جزاء السيئة سيئة ~~مثلها أو جزاء السيئات على حذف المضاف وهو تعميم بعد ~~تخصيص أو مخصوص بالأتباع أو المعاصي في الدنيا فمعنى قوله تعالى ~~{ ومن تق السيئت يومئذ فقد رحمته }: ومن تقه ~~المعاصي في الدنيا فقد رحمته في الآخرة كأنهم طلبوا ms2882 لهم السبب ~~بعد ما سألوا المسبب { وذلك } إشارة إلى الرحمة المفهومة ~~من (رحمته) أو إليها وإلى الوقاية وما فيه من معنى البعد ~~لما مر مرارا من الإشعار ببعد درجة المشار إليه { هو ~~الفوز العظيم } الذي لا مطمع وراءه لطامع. # { إن الذين كفروا } شروع في بيان أحوال الكفرة بعد ~~دخولهم النار بعد ما بين فيما سبق أنهم أصحاب النار { ~~ينادون } أي من مكان بعيد وهم في النار وقد مقتوا ~~أنفسهم الأمارة بالسوء التي وقعوا فيما وقعوا باتباع ~~هواها أو مقت بعضهم بعضا من الأحباب كقوله تعالى: # يكفر بعضكم ببعض ويلعن بعضكم بعضا # [سورة العنكبوت: الآية 25] أي أبغضوها أشد البغض وأنكروها أبلغ ~~الإنكار وأظهروا ذلك على رؤوس الأشهاد فيقال لهم عند ذلك { ~~لمقت الله أكبر من مقتكم أنفسكم } أي لمقت ~~الله أنفسكم الأمارة بالسوء أو مقته إياكم في الدنيا { إذ ~~تدعون } من جهة الأنبياء { إلى الإيمن } فتأبون ~~قبوله { فتكفرون } اتباعا لأنفسكم الأمارة ومسارعة إلى ~~هواها أو اقتداء بأخلائكم المضلين واستحبابا لآرائهم أكبر ~~من مقتكم أنفسكم الأمارة بالسوء أو من مقت بعضكم بعضا اليوم ~~فإذ ظرف للمقت الأول وإن توسط بينهما الخبر لما في الظروف من ~~الاتساع وقيل: لمصدر آخر مقدر أي مقته إياكم إذ تدعون وقيل: ~~مفعول لأذكروا والأول هو الوجه وقيل: كلا المقتين في الآخرة وإذ ~~تدعون تعليل لما بين الظرف والسبب من علاقة اللزوم والمعنى ~~لمقت الله إياكم الآن أكبر من مقتكم أنفسكم لما كنتم تدعون ~~إلى الإيمان فتكفرون، وتخصيص هذا الوجه بصورة كون المراد ~~بأنفسهم أضرابهم مما لا داعي إليه. ### || [40.11-12] # { قالوا ربنا أمتنا اثنتين وأحييتنا ~~اثنتين } صفتان لمصدري الفعلين المذكورين أي إماتتين ~~وإحياءتين أو موتتين وحياتين على أنهما مصدران لهما أيضا بحذف ~~الزوائد أو لفعلين يدل عليهما المذكوران فإن الإماتة والإحياء ~~ينبئان عن الموت والحياة حتما كأنه قيل: أمتنا فمتنا موتتين ~~اثنتين وأحييتنا فحيينا حياتين اثنتين على طريقة قول من ~~قال: [الطويل] # وعضة دهر يا ابن مروان لم تدع # من المال إلا مسحت أو مجلف # أي لم تدع ms2883 فلم يبق إلا مسحت الخ قيل: أرادوا بالإماتة الأولى ~~خلقهم أمواتا وبالثانية إماتتهم عند انقضاء آجالهم على أن ~~الإماتة جعل الشيء عادم الحياة أعم من أن يكون بإنشائه كذلك ~~كما في قولهم سبحان من صغر البعوض وكبر الفيل أو بجعله كذلك ~~بعد الحياة وبالإحياءين الإحياء الأول وإحياء البعث وقيل: أرادوا ~~بالإماتة الأولى ما بعد حياة الدنيا وبالثانية ما بعد حياة ~~القبر وبالإحياءين ما في القبر وما عند البعث وهو الأنسب بحالهم، ~~وأما حديث لزوم الزيادة على النص ضرورة تحقق حياة الدنيا ~~فمدفوع لكن لا بما قيل من عدم اعتدادهم بها لزوالها وانقضائها ~~وانقطاع آثارها وأحكامها بل بأن مقصودهم إحداث الاعتراف بما ~~كانوا ينكرونه في الدنيا كما ينطق به قولهم: { فاعترفنا ~~بذنوبنا } والتزام العمل بموجب ذلك الاعتراف ليتوسلوا بذلك إلى ~~ما علقوا به أطماعهم الفارغة من الرجع إلى الدنيا كما قد صرحوا ~~به حيث قالوا: # فارجعنا نعمل صلحا إنا موقنون # [سورة السجدة: الآية 12] وهو الذي أرادوه بقولهم { فهل إلى ~~خروج من سبيل } مع نوع استبعاد له واستشعار يأس منه لا ~~أنهم قالوه بطريق القنوط البحت كما قيل: ولا ريب في أن الذي ~~كان ينكرونه ويفرعون عليه فنون الكفر والمعاصي ليس إلا ~~الإحياء بعد الموت وأما الإحياء الأول فلم يكونوا ينكرونه ~~لينظموه في سلك ما اعترفوا به وزعموا أن الاعتراف يجديهم ~~نفعا وإنما ذكروا الموتة الأولى مع كونهم معترفين بها في ~~الدنيا لتوقف حياة القبر عليها وكذا حال الموتة في القبر فإن ~~مقصدهم الأصلي هو الاعتراف بالإحياءين وإنما ذكروا الإماتتين ~~لترتيبهما عليهما ذكرا حسب ترتبهما عليهما وجودا وتنكير سبيل ~~للإبهام أي من سبيل ما كيفما كان وقوله تعالى: # { ذلكم } الخ جواب لهم باستحالة حصول ما يرجونه ببيان ما ~~يوجبها من أعمالهم السيئة أي ذلكم الذي أنتم فيه من العذاب ~~مطلقا لا مقيدا بالخلود كما قيل: { بأنه } أي بسبب أن ~~الشأن { إذا دعى الله } في الدنيا أي عبد { وحده } ~~أي منفردا { كفرتم } أي بتوحيده { وإن يشرك به ~~تؤمنوا } أي بالإشراك به وتسارعوا فيه، ms2884 وفي إيراد إذا وصيغة ~~الماضي في الشرطية الأولى وإن وصيغة المضارع في الثانية ما لا ~~يخفى من الدلالة على كمال سوء حالهم وحيث كان حالكم كذلك { ~~فالحكم لله } الذي لا يحكم إلا بالحق ولا يقضي إلا بما ~~تقتضيه الحكمة { العلي الكبير } الذي ليس كمثله شيء في ~~ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد لا ~~معقب لحكمه وقد حكم بأنه لا مغفرة للمشرك ولا نهاية لعقوبته ~~كما لا نهاية لشناعته فلا سيبل لكم إلى الخروج أبدا. ### || [40.13-15] # { هو الذى يريكم ءايته } الدالة على شؤونه العظيمة ~~الموجبة لتفرده بالألوهية لتستدلوا بها على ذلك وتعملوا بموجبها ~~فتوحدوه تعالى وتخصوه بالعبادة { وينزل } بالتشديد وقرىء ~~بالتخفيف من الإنزال { لكم من السماء رزقا } أي سبب رزق ~~وهو المطر وإفراده بالذكر مع كونه من جملة الآيات الدالة على ~~كمال قدرته تعالى لتفرده بعنوان كونه من آثار رحمته وجلائل ~~نعمته الموجبة للشكر، وصيغة المضارع في الفعلين للدلالة على ~~تجدد الإراءة والتنزيل واستمرارهما، وتقديم الجار والمجرور على ~~المفعول لما مر غير مرة { وما يتذكر } بتلك الآيات ~~الباهرة ولا يعمل بمقتضاها { إلا من ينيب } إلى الله تعالى ~~ويتفكر فيما أودعه في تضاعيف مصنوعاته من شواهد قدرته الكاملة ~~ونعمته الشاملة الموجبة لتخصيص العبادة به تعالى ومن ليس كذلك ~~فهو بمعزل من التذكر والاتعاظ { فادعوا الله مخلصين ~~له الدين } أي إذا كان الأمر كما ذكر من اختصاص التذكر بمن ~~ينيب فاعبدوه أيها المؤمنون مخلصين له دينكم بموجب إنابتكم ~~إليه تعالى وإيمانكم به { ولو كره الكفرون } ذلك ~~وغاظهم إخلاصكم. # { رفيع الدرجت } نحو بديع السموات على أنه صفة مشبهة ~~أضيفت إلى فاعلها بعد النقل إلى فعل بالضم كما هو المشهور ~~وتفسيره بالرافع ليكون من إضافه اسم الفاعل إلى المفعول بعيد في ~~الاستعمال أي رفيع درجات ملائكته أي معارجهم ومصاعدهم إلى العرش ~~{ ذو العرش } أي مالكه وهما خبران آخران لقوله تعالى: (هو) ~~أخبر عنه بهما إيذانا بعلو شأنه تعالى وعظم سلطانه ~~الموجبين لتخصيص العبادة به وإخلاص الدين له إما ms2885 بطريق ~~الاستشهاد بهما عليهما فإن ارتفاع معارج ملائكته إلى العرش ~~وكون العرش العظيم المحيط بأكناف العالم العلوي والسفلي تحت ~~ملكوته وقبضة قدرته مما يقضي بكون علو شأنه وعظم سلطانه في ~~غاية لاغاية وراءها وإما بجعلهما عبارة عنهما بطريق المجاز ~~المتفرع على الكناية كالاستواء على العرش وتمهيدا لما يعقبهما من ~~قوله تعالى { يلقي الروح من أمره } فإنه خبر آخر لما ~~ذكر منبىء عن إنزال الرزق الروحاني الذي هو الوحي بعد بيان ~~إنزال الرزق الجسماني الذي هو المطر أي ينزل الوحي الجاري من ~~القلوب منزلة الروح من الأجساد وقوله تعالى من أمره بيان ~~للروح الذي أريد به الوحي فإنه أمر بالخير أو حال منه أي ~~حال كونه ناشئا ومبتدأ من أمره أو صفة له على رأي من يجوز ~~حذف الموصول مع بعض صلته أي الروح الكائن من أمره أو متعلق ~~بيلقي ومن للسببية كالباء مثل ما في قوله تعالى: # مما خطيئتهم # [سورة نوح: الآية 25] أي يلقي الوحي بسبب أمره { على من يشاء ~~من عباده } وهو الذي اصطفاه لرسالته وتبليغ أحكامه إليهم { ~~لينذر } أي الله تعالى أو الملقى عليه أو الروح، وقرىء لتنذر على ~~أن الفاعل هو الرسول عليه الصلاة والسلام أو الروح لأنها قد تؤنث { ~~يوم التلاق } إما ظرف للمفعول الثاني أي لينذر الناس يوم ~~العذاب التلاق وهو يوم القيامة لأنه يتلاقى فيه الأرواح ~~والأجسام وأهل السموات والأرض أو هو المفعول الثاني اتساعا أو ~~أصالة فإنه من شدة هوله وفظاعته حقيق بالإنذار أصالة وقرىء ~~لينذر على البناء للمفعول ورفع اليوم. ### || [40.16-17] # { يوم هم برزون } بدل من يوم التلاق أي خارجون من ~~قبورهم أو ظاهرون لا يسترهم شيء من جبل أو أكمة أو بناء لكون ~~الأرض يومئذ قاعا صفصفا ولا عليهم ثياب إنما هم عراة مكشوفون ~~كما جاء في الحديث # " يحشرون عراة حفاه غرلا " # وقيل: ظاهرة نفوسهم لا تحجبهم غواشي الأبدان. أو أعمالهم ~~وسرائرهم { لا يخفى على الله منهم شىء } استئناف ~~لبيان بروزهم وتقرير له وإزاحة لما يتوهمه المتوهمون في ~~الدنيا من الاستتار ms2886 توهما باطلا أو خبر ثان وقيل: حال من ~~ضمير بارزون أي لا يخفى عليه تعالى شيء ما من أعيانهم ~~وأعمالهم وأحوالهم الجليلة والخفية السابقة واللاحقة. # { لمن الملك اليوم لله الوحد القهار } حكاية ~~لما يقع حينئذ من السؤال والجواب بتقدير قول معطوف على ما قبله ~~من الجملة المنفية المستأنفة أو مستأنف يقع جوابا عن سؤال نشأ ~~من حكاية بروزهم وظهور أحوالهم كأنه قيل فماذا يكون حينئذ ~~فقيل: يقال الخ أي ينادي مناد لمن الملك اليوم فيجيبه أهل ~~المحشر لله الواحد القهار وقيل المجيب هو السائل بعينه لما روي ~~أنه يجمع الله الخلائق يوم القيامة في صعيد واحد في أرض بيضاء ~~كأنها سبيكة فضة لم يعص الله فيها قط فأول ما يتكلم به أن ~~ينادي مناد لمن الملك اليوم لله الواحد القهار وقيل حكاية لما ~~ينطق به لسان الحال من تقطع أسباب التصرفات المجازية واختصاص ~~جميع الأفاعيل بقبضة القدرة الإلهية { اليوم تجزى كل ~~نفس بما كسبت } إلخ إما من تتمة الجواب لبيان حكم ~~اختصاص الملك به تعالى ونتيجته التي هي الحكم السوي والقضاء ~~الحق أو حكاية لما سيقوله تعالى يومئذ عقيب السؤال والجواب ~~أي تجزى كل نفس من النفوس البرة والفاجرة بما كسبت من ~~خير أو شر { لا ظلم اليوم } بنقص ثواب أو زيادة عذاب { ~~إن الله سريع الحساب } أي سريع حسابه تماما إذ لا ~~يشغله تعالى شأن عن شأن فيحاسب الخلائق قاطبة في أقرب زمان كما ~~نقل عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه تعالى إذا أخذ في ~~حسابهم لم يقل أهل الجنة إلا فيها ولا أهل النار إلا فيها ~~فيكون تعليلا لقوله تعالى اليوم تجزى الخ فإن كون ذلك اليوم ~~بعينه يوم التلاقي ويوم البروز مما يوهم استبعاد وقوع الكل ~~فيه أو سريع مجيئا فيكون تعليلا للإنذار. ### || [40.18-21] # { وأنذرهم يوم الأزفة } أي القيامة سميت بها لأزوفها ~~وهو القرب غير أن فيه إشعارا بضيق الوقت وقيل الخطة الآزفة ~~وهي مشارفة أهل النار دخولها وقيل: وقت حضور الموت كما في قوله ~~تعالى: ms2887 # فلولا إذا بلغت الحلقوم # [سورة الواقعة: الآية 83] وقوله: # كلا إذا بلغت التراقي # [سورة القيامة: الآية 26] وقوله تعالى: { إذ القلوب لدى ~~الحناجر } بدل من يوم الآزفة فإنها ترتفع من أماكنها ~~فتلتصق بحلوقهم فلا تعود فيتروحوا ولا تخرج فيستريحوا بالموت { ~~كظمين } على الغم حال من أصحاب القلوب على المعنى إذ ~~الأصل قلوبهم أو من ضميرها في الظرف وجمع السلامة باعتبار ~~أن الكظم من أحوال العقلاء كقوله تعالى: # فظلت أعنقهم لها خضعين # [سورة الشعراء: الآية 4] أو من مفعول أنذرهم على أنها حال ~~مقدرة أي أنذرهم مقدرا كظمهم أو مشارفين الكظم. # { ما للظلمين من حميم } أي قريب مشفق { ولا شفيع ~~يطاع } أي لا شفيع مشفع على معنى نفي الشفاعة والطاعة ~~معا على طريقة قوله: [الطويل] # على لاحب لا يهتدى بمنار # [إذا سافه العوذ الديافي جرجرا] # والضمائر إن عادت إلى الكفار وهو الظاهر فوضع الظالمين موضع ~~ضميرهم للتسجيل عليهم بالظلم وتعليل الحكم به { يعلم خائنة ~~الأعين } النظرة الخائنة كالنظرة الثانية إلى غير المحرم ~~واستراق النظر إليه أو خيانة الأعين على أنها مصدر كالعافية { ~~وما تخفي الصدور } من الضمائر والأسرار والجملة خبر آخر ~~مثل يلقي الروح للدلالة على أنه ما من خفي إلا وهو متعلق ~~العلم والجزاء. { والله يقضى بالحق } لأنه المالك ~~الحاكم على الإطلاق فلا يقضي بشيء إلا وهو حق وعدل { والذين ~~يدعون } يعبدونهم { من دونه } تعالى { لا يقضون بشيء } ~~تهكم بهم لأن الجماد لا يقال في حقه يقضي أو لا يقضي. ~~وقرىء تدعون على الخطاب التفاتا أو على إضمار قل { إن ~~الله هو السميع البصير } تقرير لعلمه تعالى بخائنة ~~الأعين وقضائه بالحق ووعيد لهم على ما يقولون ويفعلو ن وتعريض ~~بحال ما يدعون من دونه. { أولم يسيروا فى الأرض ~~فينظروا كيف كان عقبة الذين كانوا من قبلهم ~~} أي مآل حال من قبلهم من الأمم المكذبة لرسلهم كعاد وثمود ~~وأضرابهم. { كانوا هم أشد منهم قوة } قدرة وتمكنا من ~~التصرفات. وإنما جيء بضمير الفصل مع أن حقه التوسط بين ~~معرفتين لمضاهاة أفعل للمعرفة في امتناع دخول ms2888 اللام عليه. ~~وقرىء أشد منكم بالكاف { وءاثارا في الأرض } مثل القلاع ~~الحصينة والمدائن المتينة، وقيل: المعنى وأكثر آثارا، كقوله: ~~[مجزوء الطويل] # [يا ليت زوجك قد غدا] # متقلدا سيفا ورمحا # { فأخذهم الله بذنوبهم } أخذا وبيلا { وما كان ~~لهم من الله من واق } أي من واق يقيهم عذاب الله. ### || [40.22-26] # { ذلك } أي ما ذكر من الأخذ { بأنهم } بسبب أنهم { ~~كانت تأتيهم رسلهم بالبينت } أي المعجزات أو ~~بالأحكام الظاهرة { فكفروا فأخذهم الله إنه قوى ~~} متمكن مما يريد غاية التمكن { شديد العقاب } لا يؤبه ~~عند عقابه بعقاب. { ولقد أرسلنا موسى بئايتنا } ~~وهي معجزاته { وسلطن مبين } أي وحجة قاهرة وهي إما عين ~~الآيات والعطف لتغاير العنوانين وإما بعض مشاهيرها كالعصا أفردت ~~بالذكر مع اندراجها تحت الآيات لإنافتها إفراد جبريل وميكال به ~~مع دخولها في الملائكة عليهم السلام. { إلى فرعون ~~وهمن وقارون فقالوا سحر كذاب } أي فيما ~~أظهره من المعجزات وفيما ادعاه من رسالة رب العالمين. { ~~فلما جاءهم بالحق من عندنا } وهو ما ظهر على يده من ~~المعجزات القاهرة { قالوا اقتلوا أبناء الذين ءامنوا ~~معه واستحيوا نساءهم } كما قال فرعون سنقتل أبناءهم ~~ونستحيي نساءهم أي أعيدوا عليهم ما كنتم تفعلونه أولا وكان ~~فرعون قد كف عن قتل الولدان فلما بعث عليه الصلاة والسلام ~~وأحس بأنه قد وقع ما وقع أعاده عليهم غيظا وحنقا وزعما ~~منه أنه يصدهم بذلك عن مظاهرته ظنا منهم أنه المولود الذي ~~حكم المنجمون والكهنة بذهاب ملكهم على يده { وما كيد ~~الكفرين إلا فى ضلل } أي في ضياع وبطلان لا يغني ~~عنهم شيئا وينفذ عليهم لا محالة القدر المقدور والقضاء المحتوم. ~~واللام إما للعهد والإظهار في موقع الإضمار لذمهم بالكفر ~~والإشعار بعلة الحكم، أو للجنس وهم داخلون فيه دخولا أوليا. ~~والجملة اعتراض جيء به في تضاعيف ما حكي عنهم من الأباطيل ~~للمسارعة إلى بيان بطلان ما أظهروه من الإبراق والإرعاد ~~واضمحلاله بالمرة. # { وقال فرعون ذرونى أقتل موسى } كان ملؤه إذا ~~هم بقتله عليه الصلاة والسلام كفوه بقولهم ليس هذا بالذي ~~تخافه فإنه أقل ms2889 من ذاك وأضعف وما هو إلا بعض السحرة، وبقولهم ~~إذا قتلته أدخلت على الناس شبهة واعتقدوا أنك عجزت عن ~~معارضته بالحجة وعدلت إلى المقارعة بالسيف، والظاهر من دهاء ~~اللعين ونكارته أنه كان قد استيقن أنه نبي وأن ما جاء به ~~آيات باهرة وما هو بسحر ولكن كان يخاف إن هم بقتله أن ~~يعاجل بالهلاك، وكان قوله هذا تمويها على قومه وإيهاما أنهم هم ~~الكافون له عن قتله ولولاهم لقتله وما كان الذي يكفه إلا ما في ~~نفسه من الفزع الهائل. وقوله: { وليدع ربه } تجلد منه ~~وإظهار لعدم المبالاة بدعائه ولكنه أخوف ما يخافه { إنى ~~أخاف } إن لم أقتله { أن يبدل دينكم } أن يغير ما ~~أنتم عليه من الدين الذي هو عبارة عن عبادته وعبادة الأصنام ~~لتقربهم إليه { أو أن يظهر فى الأرض الفساد } ما يفسد ~~دنياكم من التحارب والتهارج إن لم يقدر على تبديل دينكم ~~بالكلية. وقرىء بالواو الجامعة، وقرىء بفتح الياء والهاء ~~ورفع الفساد، وقرىء يظهر بتشديد الظاء والهاء من تظهر ~~بمعنى تظاهر أي تتابع وتعاون. ### || [40.27-28] # { وقال موسى } أي لقومه حين سمع بما تقوله اللعين من ~~حديث قتله عليه الصلاة والسلام { إنى عذت بربى ~~وربكم من كل متكبر لا يؤمن بيوم الحساب } ~~صدر عليه الصلاة والسلام كلامه بإن تأكيدا له وإظهارا ~~لمزيد الاعتناء بمضمونه وفرط الرغبة فيه، وخص اسم الرب ~~المنبىء عن الحفظ والتربية لأنهما الذي يستدعيه وأضافه إليه ~~وإليهم حثا لهم على موافقته في العياذ به تعالى والتوكل عليه ~~فإن في تظاهر النفوس تأثيرا قويا في استجلاب الإجابة ولم يسم ~~فرعون بل ذكره بوصف يعمه وغيره من الجبابرة لتعميم الاستعاذة ~~والإشعار بعلة القساوة والجرأة على الله تعالى. وقرىء عت ~~بالإدغام. # { وقال رجل مؤمن من ءال فرعون } قيل كان قبطيا ~~ابن عم لفرعون آمن بموس سرا، وقيل: كان إسرائيليا، أو ~~غريبا موحدا { يكتم إيمنه } أي من فرعون وملئه { ~~أتقتلون رجلا } أتقصدون قتله. { أن يقول } لأن يقول، ~~أو كراهة أن يقول { ربى الله } أي وحده من غير روية وتأمل ms2890 ~~في أمره { وقد جاءكم بالبينت } والحال أنه قد جاءكم ~~بالمعجزات الظاهرة التي شاهدتموها وعهدتموها { من ربكم } ~~أضافه إليهم بعد ذكر البينات احتجاجا عليهم واستنزالا لهم عن ~~رتبة المكابرة ثم أخذهم بالاحتجاج من باب الاحتياط، فقال { ~~وإن يك كذبا فعليه كذبه } لا يتخطاه وبال كذبه ~~فيحتاج في دفعه إلى قتله { وإن يك صدقا يصبكم بعض ~~الذى يعدكم } أي إن لم يصبكم كله فلا أقل من إصابة ~~بعضه لا سيما إن تعرضتم له بسوء، وهذا كلام صادر عن غاية ~~الإنصاف وعدم التعصب ولذلك قدم من شقي الترديد كونه كاذبا ~~أو يصبكم ما يعدكم من عذاب الدنيا وهو بعض ما يعدهم كأنه ~~خوفهم بما هو أظهر احتمالا عندهم، وتفسير البعض بالكل ~~مستدلا بقول لبيد: [الكامل] # تراك أمكنة إذا لم أرضها # أو يرتبط بعض النفوس حمامها # مردود لما أن مراده بالبعض نفسه { إن الله لا يهدى ~~من هو مسرف كذاب }. احتجاج آخر ذو وجهين أحدهما أنه ~~لو كان مسرفا كذابا لما هداه الله تعالى إلى البينات ولما ~~أيده بتلك المعجزات وثانيهما إن كان كذلك خذله الله وأهلكه فلا ~~حاجة لكم إلى قتله ولعله أراهم المعنى الثاني وهو عاكف على ~~المعنى الأول لتلين شكيمتهم وقد عرض به لفرعون بأنه مسرف ~~كذاب لا يهديه الله سبيل الصواب ومنهاج النجاة. ### || [40.29-33] # { يقوم لكم الملك اليوم ظهرين } غالبين عالين ~~على بني إسرائيل { فى الأرض } أي أرض مصر لا يقاومكم أحد في ~~هذا الوقت { فمن ينصرنا من بأس الله } من أخذه وعذابه. { ~~إن جاءنا } أي فلا تفسدوا أمركم ولا تتعرضوا لبأس الله بقتله ~~فإنه إن جاءنا لم يمنعنا منه أحد وإنما نسب ما يسرهم من ~~الملك والظهور في الأرض إليهم خاصة ونظم نفسه في سلكهم فيما ~~يسوؤهم من مجىء بأس الله تعالى تطييبا لقلوبهم وإيذانا بأنه ~~ناصح لهم ساع في تحصيل ما يجديهم ودفع ما يرديهم سعيه في حق ~~نفسه ليتأثر بنصحه. # { قال فرعون } بعد ما سمع نصحه { ما أريكم } أي ما ~~أشير عليكم { إلا ما أرى } وأستصوبه من ms2891 قتله { وما ~~أهديكم } بهذا الرأي { إلا سبيل الرشاد } أي الصواب، ~~أو لا أعلمكم إلا ما أعلم ولا أسر عنكم خلاف ما أظهره، ~~ولقد كذب حيث كان مستشعرا للخوف الشديد ولكنه كان يتجلد ~~ولولاه لما استشار أحدا أبدا. وقرىء بتشديد الشين للمبالغة ~~من رشد كعلام أو من رشد كعباد لا من أرشد كجبار من أجبر لأنه مقصور ~~على السماع أو للنسبة إلى الرشد كعواج وبتات غير منظور فيه إلى ~~فعل. # { وقال الذى ءامن } مخاطبا لقومه: { يقوم إنى ~~أخاف عليكم } في تكذيبه والتعرض بالسوء { مثل يوم ~~الأحزاب } مثل أيام الأمم الماضية يعني وقائعهم، وجمع ~~الأحزاب مع التفسير أغنى عن جمع اليوم { مثل دأب قوم نوح ~~وعاد وثمود } أي مثل جزاء ما كانوا عليه من الكفر وإيذاء ~~الرسل. { والذين من بعدهم } كقوم لوط { وما الله ~~يريد ظلما للعباد } فلا يعاقبهم بغير ذنب ولا يخلي ~~الظالم منهم بغير انتقام وهو أبلغ من قوله تعالى: # وما ربك بظلم للعبيد # [سورة فصلت: الآية 46] لما أن المنفي فيه إرادة ظلم ما فينتفي ~~الظلم بطريق الأولوية { ويقوم إنى أخاف عليكم يوم ~~التناد } خوفهم بالعذاب الأخروي بعد تخويفهم بالعذاب ~~الدنيوي ويوم التناد يوم القيامة لأنه ينادي فيه بعضهم ~~للاستغاثة أو يتصايحون بالويل والثبور أو يتنادى أصحاب الجنة ~~وأصحاب النار حسبما حكي في سورة الأعراف. وقرىء بتشديد ~~الدال وهو أن يند بعضهم من بعض كقوله تعالى: # يوم يفر المرء من أخيه # [سورة عبس: الآية 34] وعن الضحاك إذا سمعوا زفير النار ندوا ~~هربا فلا يأتون قطرا من الأقطار إلا وجدوا ملائكة صفوفا ~~فبينا هم يموج بعضهم في بعض إذ سمعوا مناديا أقبلوا إلى ~~الحساب { يوم تولون مدبرين } بدل من يوم التناد أي ~~منصرفين عن الموقف إلى النار أو فارين منها حسبما نقل آنفا { ~~ما لكم من الله من عاصم } يعصمكم من عذابه. والجملة ~~حال أخرى من ضمير تولون. { ومن يضلل الله فما له ~~من هاد } يهديه إلى طريق النجاة. ### || [40.34-37] # { ولقد جاءكم يوسف } هو يوسف بن يعقوب عليهما السلام ~~على أن ms2892 فرعونه فرعون موسى أو على نسبة أحوال الآباء إلى ~~الأولاد، وقيل سبطه يوسف بن إبراهيم بن يوسف الصديق. { من ~~قبل } من قبل موسى { بالبينت } بالمعجزات الواضحة { ~~فما زلتم فى شك مما جاءكم به } من الدين { حتى ~~إذا هلك } بالموت { قلتم لن يبعث الله من بعده ~~رسولا } ضما إلى تكذيب رسالته تكذيب رسالة من بعده أو ~~جزما بأن لا يبعث بعده رسول مع الشك في رسالته. وقرىء ألن ~~يبعث الله على أن بعضهم يقرر بعضا بنفي البعث { كذلك } أي ~~مثل ذلك الإضلال الفظيع { يضل الله من هو مسرف } في ~~عصيانه { مرتاب } في دينه شاك فيما تشهد به البينات لغلبة ~~الوهم والانهماك في التقليد. # { الذين يجدلون فى ءايت الله } بدل من الموصول ~~الأول أو بيان له أو صفة باعتبار معناه كأنه قيل كل مسرف ~~مرتاب أو المسرفين المرتابين { بغير سلطن } متعلق ~~بيجادلون أي بغير حجة صالحة للتمسك بها في الجملة { ~~ءاتهم } صفة سلطان { كبر مقتا عند الله وعند ~~الذين ءامنوا } فيه ضرب من التعجب والاستعظام وفي كبر ضمير ~~يعود إلى من وتذكيره باعتبار اللفظ وقيل إلى الجدال المستفاد من ~~يجادلون { كذلك } أي مثل ذلك الطبع الفظيع { يطبع الله ~~على كل قلب متكبر جبار } فيصدر عنه أمثال ما ذكر ~~من الإسراف والارتياب والمجادلة بالباطل. وقرىء بتنوين قلب، ~~ووصفه بالتكبر والتجبر لأنه منبعهما { وقال فرعون ~~يهمن ابن لى صرحا } أي بناء مكشوفا عاليا من صرح ~~الشيء إذا ظهر { لعلى أبلغ الأسبب } أي الطرق { ~~أسبب السموات } بيان لها وفي إبهامها ثم إيضاحها ~~تفخيم لشأنها وتشويق للسامع إلى معرفتها { فأطلع إلى ~~إله موسى } بالنصب على جواب الترجي. وقرىء بالرفع عطفا ~~على أبلغ، ولعله أراد أن يبني له رصدا في موضع عال ليرصد ~~منه أحوال الكواكب التي هي أسباب سماوية تدل على الحوادث ~~الأرضية فيرى هل فيها ما يدل على إرسال الله تعالى إياه أو أن ~~يرى فساد قوله عليه الصلاة والسلام بأن إخباره من إله ~~السماء يتوقف على اطلاعه عليه ووصوله إليه وذلك لا يتأتى إلا ms2893 ~~بالصعود إلى السماء وهو مما لا يقوى عليه الإنسان وما ذاك ~~إلا لجهله بالله سبحانه وكيفية استنبائه { وإنى لأظنه ~~كذبا } فيما يدعيه من الرسالة { وكذلك } أي ومثل ذلك ~~التزيين البليغ المفرط { زين لفرعون سوء عمله } ~~فانهمك فيه انهماكا لا يرعوي عنه بحال { وصد عن السبيل } ~~أي الرشاد. والفاعل في الحقيقة هو الله تعالى، ويؤيده قراءة ~~زين بالفتح وبالتوسط الشيطان. وقرىء وصد على أن فرعون ~~صد الناس عن الهدى بأمثال هذه التمويهات والشبهات. ويؤيده ~~قوله تعالى: { وما كيد فرعون إلا فى تباب } أي خسار ~~وهلاك أو على أنه من صد صدودا أي أعرض. وقرىء بكسر الصاد ~~على نقل حركة الدال إليه. وقرىء وصد على أنه عطف على سوء ~~عمله وقرىء وصدوا أي هو وقومه. ### || [40.38-42] # { وقال الذى ءامن } أي مؤمن آل فرعون، وقيل موسى عليه ~~السلام. { يقوم اتبعون } فيما دللتكم عليه { أهدكم ~~سبيل الرشاد } أي سبيلا يصل سالكه إلى المقصود وفيه ~~تعريض بأن ما يسلكه فرعون وقومه سبيل الغي والضلال. { ~~يقوم إنما هذه الحيوة الدنيا متع } أي تمتع ~~يسير لسرعة زوالها أجمل لهم أولا ثم فسر فافتتح بذم ~~الدنيا وتصغير شأنها لأن الإخلاد إليها رأس كل شر ومنه تتشعب ~~فنون ما يؤدي إلى سخط الله تعالى ثم ثنى بتعظيم الآخرة ~~فقال: { وإن الأخرة هى دار القرار } لخلودها ودوام ~~ما فيها. { من عمل } في الدنيا { سيئة فلا يجزى } في ~~الآخرة { إلا مثلها } عدلا من الله سبحانه وفيه دليل على ~~أن الجنايات تغرم بأمثالها { ومن عمل صلحا من ~~ذكر أو أنثى وهو مؤمن فأولئك } الذين عملوا ~~ذلك { يدخلون الجنة يرزقون فيها بغير حساب } ~~أي بغير تقدير وموازنة بالعمل بل أضعافا مضاعفة فضلا من الله ~~عز وجل ورحمة. وجعل العمل عمدة والإيمان حالا للإيذان بأنه ~~لا عبرة بالعمل بدونه، وأن ثوابه أعلى من ذلك { ويقوم ~~ما لى أدعوكم إلى النجوة وتدعوننى إلى النار } ~~كرر نداءهم إيقاظا لهم عن سنة الغفلة واعتناء بالمنادى له ومبالغة في ~~توبيخهم على ما يقابلون به نصحه. ومدار التعجب الذي ms2894 يلوح به ~~الاستفهام دعوتهم إياه إلى النار ودعوته إياهم إلى النجاة كأنه ~~قبل: أخبروني كيف هذه الحال أدعوكم إلى الخير وتدعونني إلى الشر وقد ~~جعله بعضهم من قبيل ما لي أراك حزينا أي ما لك تكون حزينا. ~~وقوله تعالى: { تدعوننى لأكفر بالله } بدل أو بيان ~~فيه تعليل والدعاء كالهداية في التعدية بإلى واللام { وأشرك ~~به ما ليس لى به } بشركته له تعالى في المعبودية وقيل ~~بربوبيته { علم } والمراد نفي المعلوم والإشعار بأن الألوهية ~~لا بد لها من برهان موجب للعلم بها. { وأنا أدعوكم ~~إلى العزيز الغفار } الجامع لجميع صفات الألوهية من كمال ~~القدرة والغلبة وما يتوقف عليه من العلم والإرادة والتمكن من ~~المجازاة والقدرة على التعذيب والغفران. ### || [40.43-46] # { لا جرم } لا رد لما دعوه إليه وجرم فعل ماض بمعنى حق ~~وفاعله قوله تعالى: { أن ما تدعوننى إليه ليس له ~~دعوة فى الدنيا ولا فى الآخرة } أي حق ووجب عدم دعوة ~~آلهتهم إلى عبادتها أصلا أو عدم دعوة مستجابة أو عدم استجابة دعوة ~~لها وقيل جرم بمعنى كسب وفاعله مستكن فيه أي كسب ذلك الدعاء ~~إليه بطلان دعوته بمعنى ما حصل من ذلك إلا ظهور بطلان دعوته ~~وقيل: جرم فعل من الجرم وهو القطع كما أن بدا من لا بد فعل ~~من التبديد أي التفريق والمعنى لا قطع لبطلان ألوهية الأصنام أي لا ينقطع ~~في وقت ما فينقلب حقا ويؤيده قولهم لا جرم أنه يفعل بضم الجيم وسكون ~~الراء وفعل وفعل أخوان كرشد ورشد { وأن مردنا إلى ~~الله } أي بالموت عطف على أن ما تدعونني داخل في حكمه وكذا ~~قوله تعالى: { وأن المسرفين } أي في الضلال والطغيان ~~كالإشراك وسفك الدماء { هم أصحب النار } أي ملازموها ~~{ فستذكرون } وقرىء فستدكرون أي فسيذكر بعضكم بعضا ~~عند معاينة العذاب { ما أقول لكم } من النضائح { وأفوض ~~أمرى إلى الله } قاله لما أنهم كانوا توعدوه { إن ~~الله بصير بالعباد } فيحرس من يلوذ به من المكاره { ~~فوقاه الله سيئات ما مكروا } شدائد مكرهم وما هموا به ~~من إلحاق ms2895 أنواع العذاب بمن خالفهم قيل نجا مع موسى عليه ~~السلام { وحاق بئال فرعون } أي بفرعون وقومه، وعدم ~~التصريح به للاستغناء بذكرهم عن ذكره ضرورة أنه أولى منهم ~~بذلك وقيل: بطلبة المؤمن من قومه لما أنه فر إلى جبل ~~فاتبعه طائفة ليأخذوه فوجدوه يصلي والوحوس صفوف حوله فرجعوا ~~رعبا فقتلهم { سوء العذاب } الغرق والقتل والنار. # { النار يعرضون عليها غدوا وعشيا } جملة مستأنفة ~~مسوقة لبيان كيفية سوء العذاب، أو النار خبر مبتدأ محذوف، ~~كأن قائلا قال ما سوء العذاب فقيل هو النار ويعرضون ~~استئناف للبيان، أو بدل من سوء العذاب ويعرضون حال منها أو من ~~الآل ولا يشترط في الحيق أن يكون الحائق ذلك السوء بعينه ~~حتى يرد أن آل فرعون لم يهموا بتعذيبه بالنار ليكون ~~ابتلاؤهم بها من قبيل رجوع ما هموا به عليهم بل يكفي في ذلك ~~أن يكون مما يطلق عليه اسم السوء. وقرئت منصوبة على الاختصاص ~~أو بإضمار فعل يفسره يعرضون مثل يصلون فإن عرضهم على ~~النار بإحراقهم بها من قولهم عرض الأسارى على السيف إذا ~~قتلوا به وذلك لأرواحهم كما روى ابن مسعود رضي الله عنه ~~أن أرواحهم في أجواف طير سود تعرض على النار بكرة وعشيا ~~إلى يوم القيامة، وذكر الوقتين إما للتخصيص وإما فيما بينهما ~~فالله تعالى أعلم بحالهم وإما للتأبيد هذا ما دامت الدنيا. # { ويوم تقوم الساعة } يقال للملائكة { أدخلوا ءال ~~فرعون أشد العذاب } أي عذاب جهنم فإنه أشد مما ~~كانوا فيه، أو أشد عذاب جهنم، فإن عذابها ألوان بعضها أشد من ~~بعض. وقرىء ادخلوا من الدخول أي يقال لهم ادخلوا يا آل فرعون ~~أشد العذاب. ### || [40.47-50] # { وإذ يتحاجون فى النار } أي واذكر لقومك وقت ~~تخاصمهم فيها { فيقول الضعفاء } منهم { للذين ~~استكبروا } وهم رؤساؤهم { إنا كنا لكم تبعا } ~~أتباعا كخدم في جمع خادم، أو ذوي تبع أي أتباع على إضمار ~~المضاف أو تبعا على الوصف بالمصدر مبالغة { فهل أنتم ~~مغنون عنا نصيبا من النار } بالدفع أو بالحمل، ونصيبا ~~منصوب بمضمر يدل عليه مغنون أي ms2896 دافعون عنا نصيبا الخ. أو ~~بمغنون على تضمينه معنى الحمل أي مغنون عنا حاملين نصيبا الخ ~~أو نصب على المصدرية كشيئا في قوله تعالى: # لن تغني عنهم أمولهم ولا أولدهم من الله ~~شيئا # [سورة آل عمران: الآية 10 و 116 وسورة المجادلة: الآية 17] فإنه في ~~موقع غناء فكذلك نصيبا { قال الذين استكبروا إنا ~~كل فيها } أي نحن وأنتم فكيف تغني عنكم ولو قدرنا لأغنينا ~~عن أنفسنا. وقرىء كلا على التأكيد لاسم إن بمعنى كلنا ~~وتنوينه عوض عن المضاف إليه ولا مساغ لجعله حالا من المستكن في ~~الظرف فإنه لا يعمل في الحال المتقدمة كما يعمل في الظرف ~~المتقدم فإنك تقول كل يوم لك ثوب ولا تقول جديدا لك ثوب { ~~إن الله قد حكم بين العباد } وقضى قضاء متقنا لا ~~مرد له ولا معقب لحكمه. # { وقال الذين فى النار } من الضعفاء والمستكبرين جميعا ~~لما ضاقت حيلهم وعيت بهم عللهم { لخزنة جهنم } أي ~~للقوام بتعذيب أهل النار، ووضع جهنم موضع الضمير للتهويل ~~والتفظيع أو لبيان محلهم فيها بأن تكون جهنم أبعد دركات ~~النار وفيها أعتى الكفرة وأطغاهم أو لكون الملائكة الموكلين ~~بعذاب أهلها أقدر على الشفاعة لمزيد قربهم من الله تعالى: { ~~ادعوا ربكم يخفف عنا يوما } أي مقدار يوم أو في يوم ~~ما من الأيام على أنه ظرف لا معيار شيئا { من العذاب } ~~واقتصارهم في الاستدعاء على ما ذكر من تخفيف قدر يسير من العذاب ~~في مقدار قصير من الزمان دون رفعه رأسا أو تخفيف قدر كثير منه ~~في زمان مديد لأن ذلك عندهم مما ليس في حيز الإمكان ولا يكاد ~~يدخل تحت أمانيهم { قالوا } أي الخزنة { أو لم تك ~~تأتيكم رسلكم بالبينت } أي ألم تنبهوا على هذا ولم ~~تك تأتيكم رسلكم في الدنيا على الاستمرار بالحجج الواضحة الدالة ~~على سوء مغبة ما كنتم عليه من الكفر والمعاصي، كما في قوله ~~تعالى: # ألم يأتكم رسل منكم يتلون عليكم ءايت ربكم ~~وينذرونكم لقاء يومكم هذا # [سورة الزمر: الآية 71] أرادوا بذلك إلزامهم وتوبيخهم على ms2897 إضاعة ~~أوقات الدعاء وتعطيل أسباب الإجابة { قالوا بلى } أي أتونا ~~بها فكذبناهم كما نطق به قوله تعالى: # بلى قد جاءنا نذير فكذبنا وقلنا ما نزل ~~الله من شيء إن أنتم إلا فى ضلل كبير # [سورة الملك: الآية 9] والفاء في قوله تعالى: { قالوا فادعوا ~~} فصحية كما في قول من قال # فقد جئنا خراسانا # أي إذا كان الأمر كذلك فادعوا أنتم فإن الدعاء لمن يفعل ذلك ~~مما يستحيل صدوره عنا وتعليل امتناعهم عن الدعاء بعدم الإذن ~~فيه مع عرائه عن بيان أن سببه من قبلهم كما تفصح عنه الفاء ~~ربما يوهم أن الإذن في حيز الإمكان وأنهم لو أذن لهم فيه ~~لفعلوا ولم يريدوا بأمرهم بالدعاء إطماعهم في الإجابة بل إقناطهم ~~منها وإظهار خيبتهم حسبما صرحوا به في قولهم: { وما دعاء ~~الكفرين إلا فى ضلل } أي ضياع وبطلان. ### || [40.51-55] # وقوله تعالى: # { إنا لننصر رسلنا والذين ءامنوا } كلام مستأنف ~~مسوق من جهته تعالى لبيان أن ما أصاب الكفرة من العذاب ~~المحكي من فروع حكم كلي تقتضيه الحكمة وهو أن شأننا المستمر ~~أنا ننصر رسلنا وأتباعهم { فى الحيوة الدنيا } بالحجة ~~والظفر والانتقام لهم من الكفرة بالاستئصال والقتل والسبي وغير ~~ذلك من العقوبات ولا يقدح في ذلك ما قد يتفق لهم من صورة الغلبة ~~امتحانا إذ العبرة إنما هي بالعواقب وغالب الأمر. # { ويوم يقوم الأشهد } أي يوم القيامة عبر عنه بذلك ~~للإشعار بكيفية النصرة وأنها تكون عند جميع الأولين والآخرين ~~بشهادة الأشهاد للرسل بالتبليغ وعلى الكفرة بالتكذيب { يوم لا ~~ينفع الظلمين معذرتهم } بدل من الأول وعدم نفع ~~المعذرة لأنها باطلة. وقرىء لا تنفع بالتاء { ولهم ~~اللعنة } أي البعد عن الرحمة { ولهم سوء الدار } أي ~~جهنم { ولقد ءاتينا موسى الهدى } ما يهتدى به من ~~المعجزات والصحف والشرائع { وأورثنا بنى إسرءيل ~~الكتب } وتركنا عليهم من بعده التوراة { هدى وذكرى } ~~هداية وتذكرة أو هاديا ومذكرا { لأولى الألبب } لذوي ~~العقول السليمة العاملين بما في تضاعيفه { فاصبر } على ما نالك ~~من أذية المشركين { إن وعد الله } أي وعده الذي ينطق ms2898 به ~~قوله تعالى: # ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين إنهم ~~لهم المنصورون وإن جندنا لهم الغلبون # [سورة الصافات: الآية 171] أو وعده الخاص بك أو جميع مواعيده ~~التي من جملتها ذلك { حق } لا يحتمل الإخلاف أصلا واستشهد بحال ~~موسى وفرعون { واستغفر لذنبك } تداركا لما فرط منك من ~~ترك الأولى في بعض الأحايين فإنه تعالى كافيك في نصرة دينك ~~وإظهاره على الدين كله { وسبح بحمد ربك بالعشى ~~والإبكار } أي ودم على التسبيح ملتبسا بحمده تعالى، وقيل ~~صل لهذين الوقتين إذ كان الواجب بمكة ركعتين بكرة وركعتين ~~عشيا، وقيل صل شكرا لربك بالعشي والإبكار، وقيل هما صلاة ~~العصر وصلاة الفجر. ### || [40.56-58] # { إن الذين يجدلون فى ءايت الله } ويجحدون بها { ~~بغير سلطن أتهم } في ذلك من جهته تعالى، وتقييد ~~المجادلة بذلك مع استحالة إتيانه للإيذان بأن التكلم في أمر ~~الدين لا بد من استناده إلى سطان مبين ألبتة وهذا عام لكل ~~مجادل مبطل وإن نزل في مشركي مكة. وقوله تعالى: { إن فى ~~صدورهم إلا كبر } خبر لإن، أي ما في قلوبهم إلا تكبر ~~عن الحق وتعظم عن التفكر والتعلم، أو إلا إرادة الرياسة ~~والتقدم على الإطلاق أو إلا إرادة أن تكون النبوة لهم دونك حسدا ~~وبغيا حسبما قالوا: # لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم # [سورة الزخرف: الآية 31]وقالوا: # لو كان خيرا ما سبقونا إليه # [سورة الأحقاف: الآية 11] ولذلك يجادلون فيها لا أن فيها موقع ~~جدال ما أو أن لهم شيئا يتوهم أن يصلح مدارا لمجادلتهم في ~~الجملة. وقوله تعالى: { ما هم ببلغيه } صفة لكبر. قال ~~مجاهد ما هم ببالغي مقتضى ذلك الكبر وهو ما أرادوه من الرياسة ~~أو النبوة، وقيل المجادلون هم اليهود وكانوا يقولون لست صاحبنا ~~المذكور في التوراة بل هو المسيح بن داود يريدون الدجال يخرج ~~في آخر الزمان ويبلغ سلطانه البر والبحر وتسير معه الأنهار ~~وهو آية من آيات الله تعالى فيرجع إلينا الملك فسمى الله تعالى ~~تمنيهم ذلك كبرا ونفى أن يبلغوا متمناهم { فاستعذ ~~بالله } أي فالتجىء إليه ms2899 من كيد من يحسدك ويبغي عليك وفيه ~~رمز إلى أنه من همزات الشياطين { إنه هو السميع ~~البصير } لأقوالكم وأفعالكم. وقوله تعالى: # { لخلق السموات والأرض أكبر من خلق الناس } ~~تحقيق للحق وتبيين لأشهر ما يجادلون فيه من أمر البعث على ~~منهاج قوله تعالى: # أوليس الذى خلق السموات والأرض بقدر على ~~أن يخلق مثلهم # [سورة يس: الآية 81] { ولكن أكثر الناس لا يعلمون } ~~لقصورهم في النظر والتأمل لفرط غفلتهم واتباعهم لأهوائهم. { ~~وما يستوى الأعمى والبصير } أي الغافل والمستبصر { ~~والذين ءامنوا وعملوا الصلحت ولا المسيء } أي ~~والمحسن والمسيء فلا بد أن تكون لهم حال أخرى يظهر فيها ما ~~بين الفريقين من التفاوت وهي فيما بعد البعث وزيادة لا في ~~المسيء لتأكيد النفي لطول الكلام بالصلة ولأن المقصود نفي ~~مساواته للمحسن فيما له من الفضل والكرامة والعاطف الثاني عطف ~~الموصول بما عطف عليه على الأعمى والبصير لتغاير الوصفين في ~~المقصود أو الدلالة بالصراحة والتمثيل { قليلا ما ~~تتذكرون } على الخطاب بطريق الالتفات أي تذكرا قليلا ~~تتذكرون، وقرىء على الغيبة. والضمير للناس أو الكفار. ### || [40.59-64] # { إن الساعة لآتية لا ريب فيها } أي في مجيئها ~~لوضوح شواهدها وإجماع الرسل على الوعد بوقوعها. { ولكن ~~أكثر الناس لا يؤمنون } لا يصدقون بها لقصور أنظارهم ~~على ظواهر ما يحسون به. # { وقال ربكم ادعونى } أي اعبدوني { أستجب لكم } أي ~~أثبكم لقوله تعالى: { إن الذين يستكبرون عن ~~عبادتى سيدخلون جهنم دخرين } أي صاغرين أذلاء وإن ~~فسر الدعاء بالسؤال كان الأمر الصارف عنه منزلا منزلة ~~الاستكبار عن العبادة للمبالغة أو المراد بالعبادة الدعاء فإنه ~~من أفضل أبوابها. وقرىء سيدخلون على صيغة المبني للمفعول من ~~الإدخال. # { الله الذى جعل لكم اليل لتسكنوا فيه } بأن ~~حلقه باردا مظلما ليؤدي إلى ضعف المحركات وهدء الحواس ~~لتستريحوا فيه. وتقديم الجار والمجرور على المفعول قد مر سره ~~مرارا { والنهار مبصرا } أي مبصرا فيه أو به. { إن ~~الله لذو فضل } عظيم لا يوازيه ولا يدانيه فضل. { على ~~الناس ولكن أكثر الناس لا يشكرون } لجهلهم ~~بالمنعم وإغفالهم مواضع النعم، وتكرير الناس ms2900 لتخصيص الكفران ~~بهم. # { ذلكم } المتفرد بالأفعال المقتضية للألوهية والربوبية { ~~الله ربكم خلق كل شىء لا إله إلا هو } ~~أخبار مترادفة تخصص اللاحقة منها السابقة وتقررها. وقرىء خالق ~~بالنصب على الاختصاص فيكون لا إله إلا هو استئنافا بما هو ~~كالنتيجة للأوصاف المذكورة { فأنى تؤفكون } فكيف، ومن أي ~~وجه تصرفون عن عبادته خاصة إلى عبادة غيره { كذلك يؤفك ~~الذين كانوا بئايت الله يجحدون } أي مثل ذلك ~~الإفك العجيب الذي لا وجه له ولا مصحح أصلا يؤفك كل من جحد ~~بآياته تعالى أي آية كانت لا إفكا آخر له وجه ومصحح في الجملة ~~{ الله الذى جعل لكم الأرض قرارا والسماء ~~بناء } بيان لفضله تعالى المتعلق بالمكان بعد بيان فضله ~~المتعلق بالزمان. وقوله تعالى: { وصوركم فأحسن ~~صوركم } بيان لفضله المتعلق بأنفسهم، والفاء في فأحسن ~~تفسيرية فإن الإحسان عين التصوير أي صوركم أحسن تصوير حيث ~~خلقكم منتصبي القامة بادي البشرة متناسب الأعضاء والتخطيطات ~~متهيئا لمزاولة الصنائع واكتساب الكمالات. { ورزقكم من ~~الطيبات } أي اللذائذ { ذلكم } الذي نعت بما ذكر من ~~النعوت الجليلة { الله ربكم } خبران لذلكم { فتبارك ~~الله } أي تعالى بذاته { رب العلمين } أي مالكهم ~~ومربيهم والكل تحت ملكوته مفتقر إليه في ذاته ووجوده وسائر ~~أحواله جميعا بحيث لو انقطع فيضه عنه آنا لانعدم بالكلية. ### || [40.65-68] # { هو الحي } المتفرد بالحياة الذاتية الحقيقة { لا إله ~~إلا هو } إذ لا موجود يدانيه في ذاته وصفاته وأفعاله { ~~فادعوه } فاعبدوه خاصة لاختصاص ما يوجبه به تعالى { ~~مخلصين له الدين } أي الطاعة من الشرك الجلي والخفي { ~~الحمد لله رب العلمين } أي قائلين ذلك، عن ابن ~~عباس رضي الله عنهما: من قال لا إله إلا الله فليقل على ~~أثرها الحمد الله رب العالمين. # { قل إنى نهيت أن أعبد الذين تدعون من دون ~~الله لما جاءنى البينت من ربى } من الحجج والآيات ~~أو من الآيات لكونها مؤيدة لأدلة العقل منبهة عليها فإن الآيات ~~التنزيلية مفسرات للآيات التكوينية الآفاقية والأنفسية. { ~~وأمرت أن أسلم لرب العلمين } أي بأن أنقاد له ~~وأخلص له ديني { هو الذى ms2901 خلقكم من تراب } أي في ضمن ~~خلق آدم عليه الصلاة والسلام منه حسبما مر تحقيقه مرارا. { ~~ثم من نطفة } أي ثم خلقكم خلقا تفصيليا من نطفة أي مني. { ~~ثم من علقة ثم يخرجكم طفلا } أي أطفالا. والإفراد ~~لإرادة الجنس، أو لإرادة كل واحد من أفراده. { ثم ~~لتبلغوا أشدكم } علة ليخرجكم معطوفة على علة أخرى له ~~مناسبة لها كأنه قيل ثم يخرجكم طفلا لتكبروا شيئا فشيئا ثم ~~لتبلغوا كمالكم في القوة والعقل وكذا الكلام في قوله تعالى: { ~~ثم لتكونوا شيوخا } ويجوز عطفه على لتبلغوا. وقرىء ~~شيخا كقوله تعالى طفلا { ومنكم من يتوفى من قبل } ~~أي من قبل الشيخوخة بعد بلوغ الأشد أو قبله أيضا. { ~~ولتبلغوا } متعلق بفعل مقدر بعده أي ولتبلغوا { أجلا ~~مسمى } هو وقت الموت، أو يوم القيامة يفعل ذلك { ~~ولعلكم تعقلون } ولكي تعقلوا ما في ذلك من فنون الحكم ~~والعبر { هو الذي يحيي } الأموات { ويميت } الأحياء أو ~~الذي يفعل الإحياء والإماتة { فإذا قضى أمرا } أي أراد ~~أمرا من الأمور { فإنما يقول له كن فيكون } من غير ~~توقف على شيء من الأشياء أصلا وهذا تمثيل لتأثير قدرته تعالى في ~~المقدورات عند تعلق إرادته بها وتصوير لسرعة ترتب المكونات على ~~تكوينه من غير أن يكون هناك أمر ومأمور. والفاء الأولى ~~للدلالة على أن ما بعدها من نتائج ما قبلها من اختصاص الإحياء ~~والإماتة به سبحانه. ### || [40.69-74] # { ألم تر إلى الذين يجدلون فى ءايت الله ~~أنى يصرفون } تعجيب من أحوالهم الشنيعة وآرائهم الركيكة ~~وتمهيد لما يعقبه من بيان تكذيبهم بكل القرآن وبسائر الكتب ~~والشرائع وترتيب الوعيد على ذلك كما أن ما سبق من قوله تعالى: # إن الذين يجدلون فى ءايت الله # [سورة غافر: الآية 56] الخ بيان لا بتناء جدالهم على مبنى فاسد ~~لا يكاد يدخل تحت الوجود هو الأمنية الفارغة فلا تكرير فيه أي ~~انظر إلى هؤلاء المكابرين المجادلين في آياته تعالى الواضحة ~~الموجبة للإيمان بها الزاجرة عن الجدال فيها كيف يصرفون عنها مع ~~تعاضد الدواعي إلى الإقبال عليها وانتفاء الصوارف عنها ms2902 ~~بالكلية. وقوله تعالى: { الذين كذبوا بالكتب } ~~أي بكل القرآن أو بجنس الكتب السماوية فإن تكذيبه تكذيب ~~لها في محل الجر على أنه بدل من الموصول الأول أو في حيز ~~النصب أو الرفع على الذم، وإنما وصل الموصول الثاني بالتكذيب ~~دون المجادلة لأن المعتاد وقوع المجادلة في بعض المواد لا في ~~الكل. وصيغة الماضي للدلالة على التحقق كما أن صيغة المضارع في ~~الصلة الأولى للدلالة على تجدد المجادلة وتكررها { وبما ~~أرسلنا به رسلنا } من سائر الكتب أو مطلق الوحي والشرائع ~~{ فسوف يعلمون } كنه ما فعلوا من الجدال والتكذيب عند ~~مشاهدتهم لعقوباته { إذ الأغلل فى أعنقهم } ظرف ~~ليعلمون إذ المعنى على الاستقبال. ولفظ الماضي لتيقنه { ~~والسلسل } عطف على الأغلال. والجار في نية التأخير وقيل: ~~مبتدأ حذف خبره لدلالة خبر الأول عليه، وقيل: قوله تعالى: { يسحبون ~~} بحذف العائد أي يسحبون بها وهو على الأولين حال من المستكن ~~في الظرف وقيل: استئناف وقع جوابا عن سؤال نشأ من حكاية حالهم ~~كأنه قيل فماذا يكون حالهم بعد ذلك فقيل يسحبون { فى ~~الحميم } وقرىء والسلاسل يسحبون بالنصب وفتح الياء على ~~تقديم المفعول وعطف الفعلية على الاسمية، والسلاسل بالجر حملا ~~على المعنى لأن قوله تعالى: { الأغلل فى أعنقهم } في ~~معنى أعناقهم في الأغلال أو إضمارا للباء ويدل عليه القراءة به ~~{ ثم فى النار يسجرون } أي يحرقون من سجر التنور إذا ~~ملأه بالوقود ومنه السجير للصديق كأنه سجر بالحب أي ~~ملىء والمراد بيان أنهم يعذبون بأنواع العذاب وينقلون من ~~باب إلى باب { ثم قيل لهم أين ما كنتم تشركون * ~~من دون الله قالوا ضلوا عنا } أي يقال لهم ويقولون. ~~وصيغة الماضي للدلالة على التحقيق ومعنى ضلوا عنا غابوا ~~عنا وذلك قبل أن يقرن بهم آلهتهم أو ضاعوا عنا فلم نجد ما ~~كنا نتوقع منهم. { بل لم نكن ندعوا من قبل شيئا ~~} أي بل تبين لنا أنا لم نكن نعبد شيئا بعبادتهم لما ظهر ~~لنا اليوم أنهم لم يكونوا شيئا يعتد به كقولك حسبته فلم يكن. # { كذلك } أي مثل ms2903 ذلك الضلال الفظيع { يضل الله ~~الكفرين } حيث لا يهتدون إلى شيء ينفعهم في الآخرة أو كما ~~ضل عنهم آلهتهم يضلهم عن آلهتهم حتى لو تطالبوا لم يتصادفوا. ### || [40.75-78] # { ذلكم } الإضلال { بما كنتم تفرحون فى الأرض } أي ~~تبطرون وتتكبرون { بغير الحق } وهو الشرك والطغيان { وبما ~~كنتم تمرحون } تتوسعون في البطر والأشر. والالتفات للمبالغة ~~في التوبيخ. # { ادخلوا أبوب جهنم } أي أبوابها السبعة المقسومة لكم ~~{ خلدين فيها } مقدرا خلودكم فيها { فبئس مثوى ~~المتكبرين } أي عن الحق جهنم والتعبير عن مدخلهم بالمثوى ~~لكون دخولهم بطريق الخلود { فاصبر } إلى أن يلاقوا ما أعد ~~لهم من العذاب { إن وعد الله } بتعذيبهم { حق } كائن لا ~~محالة { فإما نرينك } أي فإن نرك وما مزيدة لتأكيد ~~الشرطية ولذلك لحقت النون الفعل ولا تلحقه مع إن وحدها { بعض ~~الذى نعدهم } وهو القتل والأسر { أو نتوفينك } قبل ~~ذلك { فإلينا يرجعون } يوم القيامة فنجازيهم بأعمالهم ~~وهو جواب نتوفينك وجواب نرينك محذوف مثل فذاك ويجوز أن يكون ~~جوابا لهما بمعنى إن نعذبهم في حياتك أو لم نعذبهم فإنا نعذبهم ~~في الآخرة أشد العذاب وأفظعه كما ينبىء عنه الاقتصار على ذكر ~~الرجوع في هذا المعرض. # { ولقد أرسلنا رسلا من قبلك منهم من قصصنا ~~عليك ومنهم من لم نقصص عليك } إذ قيل عدد ~~الأنبياء عليهم السلام مائة وأربعة وعشرون ألفا، والمذكور قصصهم ~~أفراد معدودة وقيل أربعة آلاف من بني إسرائيل وأربعة آلاف من ~~سائر الناس. { وما كان لرسول } أي وما صح وما استقام ~~لرسول منهم { أن يأتى بئاية إلا بإذن الله } فإن ~~المعجزات على تشعب فنونها عطايا من الله تعالى قسمها بينهم حسبما ~~اقتضته مشيئته المبنية على الحكم البالغة كسائر القسم ليس لهم ~~اختيار في إيثار بعضها والاستبداد بإتيان المقترح منها { فإذا ~~جاء أمر الله } بالعذاب في الدنيا والآخرة { قضي ~~بالحق } بإنجاء المحق وإثابته وإهلاك المبطل وتعذيبه { ~~وخسر هنالك } أي وقت مجيء أمر الله، اسم مكان استعير ~~للزمان { المبطلون } أي المتمسكون بالباطل على الإطلاق فيدخل ~~فيهم المعاندون المقترحون دخولا أوليا. ### || [40.79-82] # { الله الذى جعل لكم ms2904 الأنعم } قيل هي الإبل ~~خاصة، أي خلقها لأجلكم ومصلحتكم. وقوله تعالى: { لتركبوا ~~منها ومنها تأكلون } تفصيل لما دل عليه اللام إجمالا، ~~ومن لابتداء الغاية ومعناها ابتداء الركوب والأكل منها أي ~~تعلقهما بها، وقيل: للتبعيض أي لتركبوا بعضها وتأكلوا بعضها لا ~~على أن كلا من الركوب والأكل مختص ببعض معين منها بحيث لا ~~يجوز تعلقه بما تعلق به الآخر بل على أن كل بعض منها صالح ~~لكل منهما، وتغيير النظم الكريم في الجملة الثانية لمراعاة ~~الفواصل مع الإشعار بأصالة الركوب { ولكم فيها منفع } ~~أخر غير الركوب والأكل كألبانها وأوبارها وجلودها { ~~ولتبلغوا عليها حاجة فى صدوركم } بحمل أثقالكم من ~~بلد إلى بلد { وعليها وعلى الفلك تحملون } لعل ~~المراد به حمل النساء والولدان عليها بالهودج، وهو السر في فصله ~~عن الركوب. والجمع بينها وبين الفلك في الحمل لما بينهما من ~~المناسبة التامة حتى سميت سفائن البر وقيل: هي الأزواج ~~الثمانية فمعنى الركوب والأكل منها تعلقهما بالكل لكن لا على ~~أن كلا منهما تعلقه بما تعلق به الآخر بل على أن بعضها ~~يتعلق به كلاهما كالإبل والبقر، والمنافع تعم الكل، وبلوغ ~~الحاجة عليها يعم البقر { ويريكم ءايته } دلائله الدالة ~~على كمال قدرته ووفور رحمته { فأى ءايت الله } أي فأي ~~آية من تلك الآيات الباهرة { تنكرون } فإن كلا منها من ~~الظهور بحيث لا يكاد يجترىء على إنكارها من له عقل في الجملة ~~وهو ناصب لأي، وإضافة الآيات إلى الاسم الجليل لتربية المهابة ~~وتهويل إنكارها وتذكير أي هو الشائع المستفيض، والتأنيث قليل ~~لأن التفرقة بين المذكر والمؤنث في الأسماء غير الصفات نحو ~~حمار وحمارة غريب وهي في أي أغرب لإبهامه. # { أفلم يسيروا } أي أقعدوا فلم يسيروا { فى الأرض ~~فينظروا كيف كان عقبة الذين من قبلهم } من ~~الأمم المهلكة. وقوله تعالى: { كانوا أكثر منهم ~~وأشد قوة } الخ استئناف مسوق لبيان مبادي أحوالهم ~~وعواقبها { وءاثارا فى الأرض } باقية بعدهم من الأبنية ~~والقصور والمصانع، وقيل هي آثار أقدامهم في الأرض لعظم أجرامهم { ~~فمآ أغنى عنهم ما كانوا يكسبون } ما ms2905 الأولى نافية ~~أو استفهامية منصوبة بأغنى، والثانية موصولة أو مصدرية مرفوعة، ~~أي لم يغن عنهم أو أي شيء أغنى عنهم مكسوبهم أو كسبهم. ### || [40.83-85] # { فلما جاءتهم رسلهم بالبينت } بالمعجزات أو ~~بالآيات الواضحة { فرحوا بما عندهم من العلم } أي ~~أظهروا الفرح بذلك وهو ما لهم من العقائد الزائغة والشبه ~~الداخصة. وتسميتها علما للتهكم بهم، أو علم الطبائع والتنجيم ~~والصنائع ونحو ذلك، أو هو علم الأنبياء الذي أظهره رسلهم على ~~أن معنى فرحهم به ضحكهم منه واستهزاؤهم به، ويؤيده قوله ~~تعالى: { وحاق بهم ما كانوا به يستهزءون } وقيل ~~الفرح أيضا للرسل فإنهم لما شاهدوا تمادي جهلهم وسوء عاقبتهم ~~فرحوا بما أوتوا من العلم المؤدي إلى حسن العاقبة وشكروا ~~الله عليه وحاق بالكافرين جزاء جهلهم واستهزائهم { فلما ~~رأوا بأسنا } شدة عذابنا ومنه قوله تعالى: # بعذاب بئيس # [سورة الأعراف: الآية 165] { قالوا ءامنا بالله وحده ~~وكفرنا بما كنا به مشركين } يعنون الأصنام { فلم ~~يك ينفعهم إيمنهم لما رأوا بأسنا } أي عند ~~رؤية عذابنا لامتناع قبوله حينئذ ولذلك قيل فلم يك يمعنى لم ~~يصح ولم يستقم. والفاء الأولى لبيان عاقبة كثرتهم وشدة قوتهم ~~وما كانوا يكسبون بذلك زعما منهم أن ذلك يغني عنهم فلم يترتب ~~عليه إلا عدم الإغناء فبهذا الاعتبار جرى مجرى النتيجة وإن كان ~~عكس الغرض ونقيض المطلوب كما في قولك وعظته فلم يتعظ، والثانية ~~تفسير وتفصيل لما أبهم وأجمل من عدم الإغناء وقد كثر في الكلام ~~مثل هذه الفاء ومبناها على أن التفسير بعد الإبهام والتفصيل بعد ~~الإجمال، والثالثة لمجرد التعقيب وجعل ما بعدها تابعا لما قبلها ~~واقعا عقيبه لأن مضمون قوله تعالى: فلما جاءتهم الخ هو أنهم ~~كفروا فصار مجموع الكلام بمنزلة أن يقال فكفروا ثم لما رأوا ~~بأسنا آمنوا، والرابعة للعطف على آمنوا كأنه قيل فآمنوا فلم ~~ينفعهم لأن النافع هو الإيمان الاختياري { سنة الله ~~التى قد خلت فى عباده } أي سن الله تعالى ذلك سنة ~~ماضية في العباد وهو من المصادر المؤكدة { وخسر هنالك ~~الكفرون } أي وقت رؤيتهم البأس على ms2906 أنه اسم مكان قد ~~استعير للزمان كما سلف آنفا. # عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " من قرأ سورة المؤمن لم يبق روح نبي ولا صديق ولا شهيد ~~ولا مؤمن إلا صلى عليه واستغفر له ". ### | [41 - سورة فصلت] ### || [41.1-6] # { حم } إن جعل إسما للسورة فهو إما خبر لمبتدأ محذوف وهو ~~الأظهر لما مر من سره مرارا أو مبتدأ خبره { تنزيل } وهو ~~على الأول خبر بعد خبر، وخبر لمبتدأ محذوف إن جعل مسرودا على ~~نمط التعديد وقوله تعالى: { من الرحمن الرحيم } متعلق ~~به مؤكد لما أفاده التنوين من الفخامة الذاتية بالفخامة الإضافية، ~~أو خبر آخر. أو تنزيل مبتدأ لتخصصه بالصفة خبره { كتاب } وهو ~~على الوجوه الأول بدل منه أو خبر آخر أو خبر لمحذوف. ونسبة ~~التنزيل إلى الرحمن الرحيم للإيذان بأنه مدار للمصالح الدينية ~~والدنيوية، واقع بمقتضى الرحمة الربانية حسبما ينبىء عنه قوله ~~تعالى: # وما أرسلنك إلا رحمة للعلمين # [سورة الأنبياء: الآية 107]. { فصلت ءايته } ميزت بحسب ~~النظم والمعنى وجعلت تفاصيل في أساليب مختلفة ومعان متغايرة من ~~أحكام وقصص ومواعظ وأمثال ووعد ووعيد. وقرىء فصلت، أي ~~فرقت بين الحق والباطل، أو فصل بعضها من بعض باختلاف ~~الأساليب والمعاني من قولك فصل من البلد فصولا { قرءانا ~~عربيا } نصب على المدح أو الحالية من كتاب لتخصصه بالصفة أو من ~~آياته { لقوم يعلمون } أي معانيه لكونه على لسانهم، وقيل ~~لأهل العلم والنظر، لأنهم المنتفعون به. واللام متعلقة بمحذوف هو ~~صفة أخرى لقرآنا، أي كائنا لقوم الخ، أو بتنزيل على أن من ~~الرحمن الرحيم ليست بصفة له أو بفصلت { بشيرا ونذيرا } ~~صفتان أخريان لقرآنا أي بشيرا لأهل الطاعة ونذيرا لأهل المعصية، أو ~~حالان من كتاب، أو من آياته. وقرئا بالرفع على الوصفية لكتاب أو ~~الخبرية لمحذوف { فأعرض أكثرهم } عن تدبره مع كونه على ~~لغتهم { فهم لا يسمعون } سماع تفكر وتأمل حتى يفهموا جلالة ~~قدره فيؤمنوا به { وقالوا } أي لرسول الله صلى الله عليه وسلم ~~عند دعوته إياهم إلى الإيمان والعمل بما في القرآن { قلوبنا فى ~~أكنة ms2907 } أي أغطية متكاثفة { مما تدعونا إليه وفى ~~ءاذاننا وقر } أي صمم، وأصله الثقل. وقرىء بالكسر، وقرىء ~~بفتح القاف { ومن بيننا وبينك حجاب } غليظ يمنعنا عن ~~التواصل، ومن للدلالة على أن الحجاب مبتدأ من الجانبين بحيث ~~استوعب ما بينهما من المسافة المتوسطة ولم يبق ثمة فراغ أصلا ~~وهذه تمثيلات لنبو قلوبهم عن إدراك الحق وقبوله ومج أسماعهم ~~له كأن بها صمما وامتناع مواصلتهم وموافقتهم للرسول عليه الصلاة ~~والسلام. # { فاعمل } أي على دينك وقيل في إبطال أمرنا { إننا ~~عملون } أي على ديننا، وقيل في إبطال أمرك والأول هو الأظهر ~~فإن قوله تعالى: { قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى ~~إلى إنما إلهكم إله واحد } تلقين للجواب عنه أي ~~لست من جنس مغاير لكم حتى يكون بيني وبينكم حجاب وتباين مصحح ~~لتباين الأعمال والأديان، كما ينبىء عنه قولكم. # فاعمل إننا عاملون # [سورة فصلت: الآية 5] بل إنما أنا بشر مثلكم مأمور بما أمرتم به ~~حيث أخبرنا جميعا بالتوحيد بخطاب جامع بيني وبينكم فإن الخطاب ~~في إلهكم محكي منتظم لكل لا أنه خطاب منه عليه الصلاة والسلام ~~للكفرة كما في مثلكم، وقيل المعنى لست ملكا ولا جنيا لا يمكنكم ~~التلقي منه ولا أدعوكم إلى ما تنبو عته العقول والأسماع وإنما ~~أدعوكم إلى التوحيد والاستقامة في العمل، وقد تدل عليهما دلائل ~~العقل وشواهد النقل. وقيل المعنى إني لست بملك وإنما أنا بشر ~~مثلكم وقد أوحي إلي دونكم فصحت بالوحي إلي وأنا بشر نبوتي ~~وإذا صحت نبوتي وجب عليكم اتباعي، فتأمل. والفاء في قوله تعالى: { ~~فاستقيموا إليه } لترتيب ما بعدها على ما قبلها من إيحاء ~~الوحدانية فإن ذلك موجب لاستقامتهم إليه تعالى بالتوحيد والإخلاص في ~~الأعمال { واستغفروه } مما كنتم عليه من سوء العقيدة ~~والعمل. وقوله تعالى: { وويل للمشركين } ترهيب وتنفير لهم ~~عن الشرك إثر ترغيبهم في التوحيد. ### || [41.7-8] # وصفهم بقوله تعالى: { الذين لا يؤتون الزكوة } لزيادة ~~التحذير والتخويف عن منع الزكاة حيث جعل من أوصاف المشركين ~~وقرن بالكفر بالآخرة، حيث قيل { وهم بالأخرة كفرون } وهو ~~عطف على لا ms2908 يؤتون داخل في حيز الصلة، واختلافهما بالفعلية ~~والاسمية لما أن عدم إيتائها متجدد والكفر أمر مستمر. ونقل عن ~~ابن عباس رضي الله عنهما أنه فسر لا يؤتون الزكاة بقوله لا يقولون لا ~~إله إلا الله فإنها زكاة الأنفس، والمعنى لا يطهرون أنفسهم من الشرك ~~بالتوحيد، وهو مأخوذ من قوله تعالى: # ونفس وما سواها # [سورة الشمس: الآية 7] وقال الضحاك ومقاتل لا ينفقون في الطاعات ولا ~~يتصدقون وقال مجاهد لا يزكون أعمالهم. # { إن الذين ءامنوا وعملوا الصلحت لهم أجر ~~غير ممنون } أي لا يمن به عليهم من المن وأصله الثقل أو لا ~~يقطع من مننت الحبل قطعته. وقيل نزلت في المرضى والهرمى إذا ~~عجزوا عن الطاعة كتب لهم الأجر كأصح ما كانوا يعملونه. ### || [41.9-10] # { قل أئنكم لتكفرون } إنكار وتشنيع لكفرهم وإن ~~واللام إما لتأكيد الإنكار وتقديم الهمزة لاقتضائها الصدارة لا ~~لإنكار التأكيد وإما للإشعار بأن كفرهم من البعد بحيث ينكر ~~العقلاء وقوعه فيحتاج إلى التأكيد وإنما علق كفرهم بالموصول حيث ~~قيل: { بالذى خلق الأرض فى يومين } لتفخيم شأنه تعالى ~~واستعظام كفرهم به أي بالعظيم الشأن الذي قدر وجودها أي حكم ~~بأنها ستوجد في مقدار يومين أو في نوبتين على أن ما يوجد في كل ~~نوبة يوجد بأسرع ما يكون وإلا فاليوم الحقيقي إنما يتحقق بعد ~~وجودها وتسوية السموات وإبداع نيراتها وترتيب حركاتها { ~~وتجعلون له أندادا } عطف على تكفرون داخل في حكم الإنكار ~~والتوبيخ. وجمع الأنداد باعتبار ما هو الواقع لا بأن يكون مدار ~~الإنكار هو التعدد أي وتجعلون له أندادا والحال أنه لا يمكن أن ~~يكون له ند واحد { ذلك } إشارة إلى الموصول باعتبار اتصافه بما ~~في حيز الصلة وما فيه من معنى البعد مع قرب العهد بالمشار إليه ~~للإيذان ببعد منزلته في العظمة وإفراد الكاف لما مر مرارا من ~~أن المراد ليس تعيين المخاطبين وهو مبتدأ خبره ما بعده أي ~~ذلك العظيم الشأن الذي فعل ما ذكر { رب العلمين } أي ~~خالق جميع الموجودات ومربيها دون الأرض خاصة فكيف يتصور أن ~~يكون ms2909 أخس مخلوقاته ندا له وقوله تعالى: { وجعل فيها ~~رواسى } عطف على خلق داخل في حكم الصلة والجعل إبداعي وحديث ~~لزوم الفصل بينهما بجملتين خارجتين عن حيز الصلة مدفوع بأن ~~الأولى متحدة بقوله تعالى: تكفرون فهو بمنزلة الإعادة له، ~~والثانية اعتراضية مقررة لمضمون الكلام بمنزلة التأكيد فالفصل بهما ~~كلا فصل على أن فيه فائدة التنبيه على أن مجرد المعطوف عليه كاف ~~في تحقق ربوبيته للعالمين واستحالة أن يجعل له ند فكيف إذا ~~انضم إليه المعطوفات وقيل هو عطف على مقدر أي خلقها وجعل الخ ~~وقيل هو كلام متسأنف وأيا ما كان فالمراد تقدير الجعل لا الجعل ~~بالفعل. وقوله تعالى: { من فوقها } متعلق بجعل أو بمضمر هو صفة ~~لرواسي أي كائنة من فوقها مرتفعة عليها لتكون منافعها معرضة لأهلها ~~ويظهر للنظار ما فيها من مراصد الاعتبار ومطارح الأفكار { ~~وبرك فيها } أي قدر أن يكثر خيرها بأن يخلق أنواع ~~الحيوانات التي من جملتها الإنسان وأصناف النبات التي منها معايشهم ~~{ وقدر فيها أقوتها } أي حكم بالفعل بأن يوجد فيما سيأتي ~~لأهلها من الأنواع المختلفة أقواتها المناسبة لها على مقدار معين ~~تقتضيه الحكمة. وقرىء وقسم فيها أقواتها { في أربعة ~~أيام } متعلق بحصول الأمور المذكورة، لا بتقديرها أي قدر حصولها ~~في يومين وإنما قيل في أربعة أيام أي تتمة أربعة تصريحا بالفذلكة ~~{ سوآء } مصدر مؤكد لمضمر، هو صفة لأيام أي استوت سواء أي ~~استواء كما ينبىء عنه القراءة بالجر وقيل هو حال من الضمير في ~~أقواتها أو في فيها. وقرىء بالرفع أي هو سواء { للسائلين } ~~متعلق بمحذوف تقديره هذا الحصر للسائلين عن مدة خلق الأرض وما ~~فيها أو بقدر أي قدر فيها أقواتها لأجل السائلين أي الطالبين ~~لها المحتاجين إليها من المقتاتين. ### || [41.11-12] # وقوله تعالى: # { ثم استوى إلى السماء } شروع في بيان كيفية التكوين ~~إثر كيفية التقدير، ولعل تخصيص البيان بما يتعلق بالأرض وأهلها ~~لما أن بيان اعتنائه تعالى بأمر المخاطبين وترتيب مبادي معايشهم ~~قبل خلقهم مما يحملهم على الإيمان ويزجرهم عن الكفر والطغيان أي ثم ms2910 ~~قصد نحوها قصدا سويا لا يلوي على غيره { وهى دخان } أي أمر ~~ظلماني عبر به عن مادتها أو عن الأجزاء المتصغرة التي ركبت هي منها ~~أو دخان مرتفع من الماء كما سيأتي وإنما خص الاستواء بالسماء مع ~~أن الخطاب المترتب عليه متوجه إليهما معا حسبما ينطق به قوله ~~تعالى: { فقال لها وللأرض } اكتفاء بذكر تقدير ما فيها كأنه ~~قيل فقال لها وللأرض التي قدر وجود ما فيها: { ائتيا } أي كونا ~~واحدثا على وجه معين وفي وقت مقدر لكل منكما وهو عبارة عن تعلق ~~إرادته تعالى بوجودهما تعلقا فعليا بطريق التمثيل بعد تقدير أمرهما ~~من غير أن يكون هناك أمر ومأمور كما في قوله تعالى كن وقوله تعالى: ~~{ طوعا أو كرها } تمثيل لتحتم تأثير قدرته تعالى فيهما ~~واستحالة امتناعهما من ذلك لا إثبات الطوع والكره لهما وهما ~~مصدران وقعا موقع الحال، أي طائعتين أو كارهتين. وقوله تعالى: { ~~قالتا أتينا طائعين } أي منقادين تمثيل لكمال تأثرهما ~~بالذات عن القدرة الربانية وحصولهما كما أمرتا به وتصوير لكون ~~وجودهما كما هما عليه جاريا على مقتضى الحكمة البالغة، فإن الطوع ~~منبىء عن ذلك والكره موهم لخلافه وإنما قيل طائعين باعتبار ~~كونهما في معرض الخطاب والجواب كقوله تعالى: # سجدين # [سورة يوسف: الآية 4 وسورة الحجر: الآية 29 وسورة الشعراء: الآية 46 ~~وسورة ص: الآية 72] قوله تعالى: { فقضاهن سبع سموات } ~~تفسير وتفصيل لتكوين السماء المجمل المعبر عنه بالأمر وجوابه لا ~~أنه فعل مترتب على تكوينها أي خلقهن خلقا إبداعيا وأتقن أمرهن ~~حسبما تقتضيه الحمكة. والضمير: إما للسماء على المعنى أو مبهم ~~وسبع سموات حال على الأول تمييز على الثاني { فى يومين } في ~~وقت مقدر بيومين وقد بين مقدار زمان خلق الأرض وخلق ما فيها ~~عند بيان تقديرهما فكان خلق الكل في ستة أيام حسبما نص عليه في ~~مواقع من التنزيل. # { وأوحى فى كل سماء أمرها } عطف على (قضاهن) أي خلق ~~في كل منها ما فيها من الملائكة والنيرات وغير ذلك مما لا يعلمه ~~إلا الله تعالى كما ms2911 قاله قتادة والسدي فالوحي عبارة عن التكوين ~~كالأمر مقيد بما قيد به المعطوف عليه من الوقت أو أوحى إلى أهل كل ~~منها أو أمره وكلفهم ما يليق بهم من التكاليف فهو بمعناه ومطلق ~~عن القيد المذكور، وأيا ما كان فعلى ما قرر من التفصيل لا دلالة في ~~الآية الكريمة على الترتيب بين إيجاد الأرض وإيجاد السماء وإنما ~~الترتيب بين التقدير والإيجاد. # وإما على تقدير كون الخلق وما عطف عليه من الأفعال الثلاثة على ~~معانيها الظاهرة فهي وما في سورة البقرة من قوله تعالى: # هو الذى خلق لكم ما فى الأرض جميعا ثم استوى ~~إلى السماء فسواهن سبع سموات # [سورة البقرة: الآية 29] تدلان على تقدم خلق الأرض وما فيها على خلق ~~السماء وما فيها، وعليه إطباق أكثر أهل التفسير وقد رري أن العرش ~~العظيم كان قبل خلق السموات والأرض على الماء ثم إنه تعالى أحدث في ~~الماء اضطرابا فأزبد فارتفع منه دخان فأما الزبد فبقي على وجه ~~الماء فخلق فيه اليبوسة فجعله أرضا واحدة ثم فتقها فجعلها ~~أرضين، وأما الدخان فارتفع وعلا فخلق منه السموات. وروي أنه ~~تعالى خلق جرم الأرض يوم الأحد ويوم الاثنين ودحاها وخلق ما ~~فيها يوم الثلاثاء ويوم الأربعاء وخلق السموات وما فيهن يوم ~~الخميس ويوم الجمعة وخلق آدم عليه السلام في آخر ساعة منه وهي ~~الساعة التي تقوم فيها القيامة وقيل إن خلق جرم الأرض مقدم على ~~خلق السموات لكن دحوها وخلق ما فيها مؤخر عنه لقوله تعالى: # والأرض بعد ذلك دحها # [سورة النازعات: الآية 30] ولما روي عن الحسن رحمه الله من أنه تعالى ~~خلق الأرض في موضع بيت المقدس كهيئة الفهر عليه دخان ملتزق ~~بها ثم أصعد الدخان وخلق منه السموات وأمسك الفهر في موضعها ~~وبسط منها الأرض وذلك قوله تعالى: # كانتا رتقا ففتقنهما # [سورة الأنبياء: الآية 30] الآية وليس المراد بنظمها مع السماء في ~~سلك الآمر بالإتيان إنشاءها وإحداثها بل إنشاء دحوها وجعلها على ~~وجه خاص يليق بها من شكل معين ووصف مخصوص كأنه قيل ms2912 ائتيا على ما ~~ينبغي أن تأتيا عليه ائتي يا أرض مدحوة قرارا ومهادا لأهلك ~~وائتي يا سماء مقببة سقفا لهم. ومعنى الإتيان الحصول على ذلك ~~الوجه كما تبىء عنه قراءة آتيا وآتينا من المواتاة وهي ~~الموافقة. وأنت خبير بأن المذكور قبل الأمر بالإتيان ليس مجرد ~~خلق جرم الأرض حتى يتأتى ما ذكر بل خلق ما فيها أيضا من ~~الأمور المتأخرة عن دحوها قطعا، فالأظهر أن يسلك مسلك الأولين ~~ويحمل الأمر بالإتيان على تكوينهما متوافقتين على الوجه المذكور ~~وليس من ضرورته أن يكون دحوها مترتبا على ذلك التكوين وإنما ~~اللازم ترتب حصول التوافق عليه، ولا ريب في أن تكوين السماء على ~~الوجه اللائق بها كاف في حصوله، ولا يقدح في ذلك تكوين الأرض على ~~الوجه المذكور قبل ذلك وأن يجعل الأرض في قوله تعالى: # والأرض بعد ذلك دحها # منصوبا بمضمر قد حذف على شرطية التفسير ويجعل ذلك إشارة إلى ~~ذكر ما ذكر من بناء السماء ورفع سمكها وتسويتها وغيرها لا إلى ~~أنفسها وتحمل البعدية إما على أنه قاصر عن الأول في الدلالة على ~~القدرة القاهرة كما قيل وإما على أنه أدخل في الإلزام لما أن ~~المنافع المنوطة بما في الأرض أكثر وتعلق مصالح الناس بذلك أظهر ~~وإحاطتهم بتفاصيلها أكمل وليس ما روي عن الحسن رضي الله عنه ~~نصا في تأخر دحو الأرض عن خلق السماء فإن بسط الأرض معطوف على ~~إصعاد الدخان وخلق السماء بالواو فلا دلالة في ذلك على الترتيب ~~قطعا وقد نقل الإمام الواحدي عن مقاتل أن خلق السماء مقدم على ~~إيجاد الأرض فضلا عن دحوها فلا بد من حمل الأمر بإتيانهما ~~حينئذ أيضا على ما ذكر من التوافق والمواتاة ولا يقدح في ذلك ~~تقدم خلق السماء على خلق الأرض كما لم يقدح فيه تقدم خلق الأرض ~~على خلق السماء، هذا كله على تقدير كون كلمة ثم للتراخي ~~الزماني وأما على تقدير كونها للتراخي الرتبي كما جنح إليه ~~الأكثرون فلا دلالة في الآية الكريمة على الترتيب كما في الوجه ms2913 ~~الأول وعلى ذلك بني الكلام في تفسير قوله تعالى: # هو الذى خلق لكم ما في الأرض جميعا # [سورة البقرة: الآية 29] الآية وإنما لم يحمل الخلق هناك على معنى ~~التقدير كما حمل عليه ههنا لتوفية مقام الامتنان حقه. { ~~وزينا السماء الدنيا بمصبيح } من الكواكب فإنها ~~كلها ترى متلألئة عليها كأنها فيها والالتفات إلى نون العظمة ~~لإبراز مزيد العناية بالأمر. وقوله تعالى: { وحفظا } مصدر ~~مؤكد لفعل معطوف على زينا أي وحفظناها من الآفات أو من ~~المسترقة حفظا وقيل مفعول له على المعنى كأنه قيل وخلقنا ~~المصابيح زينة وحفظا { ذلك } الذي ذكر بتفاصيله { تقدير ~~العزيز العليم } المبالغ في القدرة والعلم. ### || [41.13-14] # { فإن أعرضوا } متصل بقوله تعالى: # قل أئنكم # [سورة السجدة: الآية 9] الخ أي فإن أعرضوا عن التدبر فيما ذكر من ~~عظائم الأمور الداعية إلى الإيمان أو عن الإيمان بعد هذا البيان { ~~فقل } لهم { أنذرتكم } أي أنذركم وصيغة الماضي للدلالة على ~~تحقيق الإندار المنبىء عن تحقيق المنذر به { صعقة } أي ~~عذابا هائلا شديد الوقع كأنه صاعقة { مثل صعقة عاد ~~وثمود } وقرىء صعقة مثل صعقة عاد وثمود وهي المرة من ~~الصعق أو الصعق يقال صعقته الصاعقة صعقا فصعق صعقا وهو ~~من باب فعلته ففعل { إذ جاءتهم الرسل } حال من صاعقة ~~عاد ولا سداد لجعله ظرفا لأنذرتكم أو صفة لصاعقة لفساد المعنى ~~وأما جعله صفة لصاعقة عاد أي الكائنة إذ جاءتهم ففيه حذف ~~الموصول مع بعض صلته { من بين أيديهم ومن خلفهم } ~~متعلق بجاءتهم أي من جميع جوانبهم واجتهدوا بهم من كل جهة أو من ~~جهة الزمان الماضي بالإنذار عما جرى فيه على الكفار ومن جهة ~~المستقبل بالتحذير عما سيحيق بهم من عذاب الدنيا وعذاب الآخرة ~~وقيل المعنى جاءتهم الرسل المتقدمون والمتأخرون على تنزيل مجيء ~~كلامهم ودعوتهم إلى الحق منزلة مجيء أنفسهم فإن هودا وصالحا ~~كانا داعيين لهم إلى الإيمان بهما ويجميع الرسل ممن جاء من بين ~~أيديهم أي من قبلهم وممن يجيء من خلفهم أي من بعدهم فكأن الرسل ~~قد جاءوهم وخاطبوهم بقوله تعالى: { ألا ms2914 تعبدوا إلا الله ~~} أي بأن لا تعبدوا على أن أن مصدرية أو أن لا تعبدوا على أنها ~~مفسرة { قالوا لو شاء ربنا } أي إرسال الرسل لا إنزال ~~الملائكة كما قيل فإنه عار عن إفادة ما أرادوه من نفي رسالة البشر ~~وقد مر فيما سلف { لأنزل ملئكة } أي لأرسلهم لكن لما ~~كان إرسالهم بطريق الإنزال قيل لأنزل { فإنا بما أرسلتم ~~به } أي على زعمكم وفيه ضرب تهكم بهم { كفرون } لما أنكم ~~بشر مثلنا من غير فضل لكم علينا. روي أن أبا جهل قال في ~~ملأ من قريش: قد التبس علينا أمر محمد فلو التمستم لنا رجلا ~~عالما بالشعر والكهانة والسحر فكلمه ثم أتانا ببيان من أمره ~~فقال عتبة بن ربيعة والله لقد سمعت الشعر والكهانة والسحر ~~وعلمت من ذلك علما وما يخفي علي فأتاه فقال أنت يا محمد خير ~~أم هاشم أنت خير أم عبد المطلب أنت خير أم عبد الله فيم ~~تشتم آلهتنا وتضللنا فإن كنت تريد الرياسة عقدنا لك اللواء ~~فكنت رئيسا وإن تك بك الباءة زوجناك عشر نسوة تختارهن أي ~~بنات قريش شئت وإن كان بك المال جمعنا لك ما تستغني ورسول ~~الله صلى الله عليه وسلم ساكت فلما فرغ عتبة قال عليه الصلاة ~~والسلام: " بسم الله الرحمن الرحيم حم " إلى قوله تعالى: # مثل صعقة عاد وثمود # [سورة فصلت: الآية 13] فأمسك عتبة على فيه عليه الصلاة والسلام ~~وناشده بالرحم ورجع إلى أهله ولم يخرج إلى قريش فلما احتبس ~~عنهم قالوا ما نرى عتبة إلا قد صبأ فانطلقوا إليه وقالوا يا ~~عتبة ماحبسك عنا إلا أنك قد صبأت فغضب ثم قال والله لقد كلمته ~~فأجابني بشيء والله ما هو بشعر ولا كهانة ولا سحر ولما بلغ صاعقة ~~عاد وثمود أمسكت بفيه وناشدته بالرحم أن يكف وقد علمتم أن ~~محمدا إذا قال شيئا لم يكذب فخفت أن ينزل بكم العذاب. ### || [41.15-16] # { فأما عاد فاستكبروا فى الأرض } شروع في حكاية ما ~~يخص بكل واحدة من الطائفتين من الجناية والعذاب إثر حكاية ms2915 ما ~~يعم الكل من الكفر المطلق أي فتعظموا فيها على أهلها أو ~~استعلوا فيها واستولوا على أهلها { بغير الحق } أي بغير ~~استحقاق للتعظيم والولاية { وقالوا } مدلين بشدتهم وقوتهم { ~~من أشد منا قوة } حيث كانوا ذوي أجسام طوال وخلق ~~عظيم وقد بلغ من قوتهم أن الرجل كان ينزع الصخرة من الجبل ~~فيقتلعها بيده { أو لم يروا } أي أغفلوا أو ألم ينظروا ولم ~~يعلموا علما جليا شبيها بالمشاهدة والعيان { أن الله ~~الذى خلقهم هو أشد منهم قوة } أي قدرة فإنه ~~تعالى قادر بالذات مقتدر على ما لا يتناهى قوي على ما لا يقدر ~~عليه غيره مفيض للقوى والقدر على كل قوي وقادر وإنما أورد في ~~حيز الصلة خلقهم دون خلق السموات والأرض لادعائهم الشدة في ~~القوة وفيه ضرب من التهكم بهم { وكانوا بئايتنا } ~~المنزلة على الرسل { يجحدون } أي ينكرونها وهم يعرفون ~~حقيقتها وهو عطف على فاستكبروا كقوله تعالى وقالوا وما بينهما ~~اعتراض للرد على كلمتهم الشنعاء { فأرسلنا عليهم ريحا ~~صرصرا } أي باردة تهلك وتحرق بشدة بردها من الصر وهو البرد ~~الذي يصر أي يجمع ويقبض، أو عاصفة تصوت في هبوبها من الصرير { ~~فى أيام نحسات } جمع نحسة من نحس نحسا نقيض سعد ~~سعدا. وقرىء بالسكون على التخفيف أو على أنه نعت على فعل أو ~~وصف بمصدر مبالغة. قيل كن آخر شوال من الأربعاء إلى الأربعاء ~~وما عذب قوم إلا في يوم الأربعاء { لنذيقهم عذاب الخزى ~~فى الحيوة الدنيا } وقرىء لتذيقهم على إسناد الإذاقة ~~إلى الريح أو إلى الأيام وأضيف العذاب إلى الخزي الذي هو ~~الذل والاستكانة على أنه وصف له كما يعرب عنه قوله سبحانه { ~~ولعذاب الأخرة أخزى } وهو في الحقيقة وصف للمعذب ~~وقد وصف به العذاب للمبالغة { وهم لا ينصرون } بدفع ~~العذاب عنهم بوجه من الوجوه. ### || [41.17-21] # { وأما ثمود فهدينهم } فدللناهم على الحق بنصب ~~الآيات التكوينية وإرسال الرسل وإنزال الآيات التشريعية وأزحنا ~~عللهم بالكلية وقد مر تحقيق معنى الهدى في تفسير قوله تعالى: # هدى للمتقين # [سورة البقرة: الآية 2]. وقرىء ثمود بالنصب ms2916 بفعل يفسره ما بعده ~~ومنونا في الحالين وبضم الثاء { فاستحبوا العمى على ~~الهدى } أي اختاروا الضلالة على الهداية { فأخذتهم ~~صعقة العذاب الهون } داهية العذاب وقارعة العذاب ~~والهون الهوان وصف به العذاب مبالغة أو أبدل منه { بما ~~كانوا يكسبون } من اختيار الضلالة { ونجينا الذين ~~ءامنوا وكانوا يتقون } من تلك الصاعقة { ويوم يحشر ~~أعداء الله } شروع في بيان عقوباتهم الآجلة إثر بيان ~~عقوباتهم العاجلة. والتعبير عنهم بأعداء الله تعالى لذمهم ~~والإيذان بعلة ما يحيق بهم من ألوان العذاب، وقيل: المراد بهم ~~الكفار من الأولين والآخرين ويرده ما سيأتي من قوله تعالى: # فى أمم قد خلت من قبلهم من الجن والإنس # [سورة فصلت: الآية 25 وسورة الأحقاف: الآية 18] وقرىء يحشر على ~~بناء الفاعل ونصب أعداء الله وبنون العظمة وضم الشين وكسرها { ~~إلى النار } أي إلى موقف الحساب إذ هناك تتحقق الشهادة ~~الآتية لا بعد تمام السؤال والجواب وسوقهم إلى النار والتعبير ~~عنه بالنار إما للإيذان بأنها عاقبة حشرهم وأنهم على شرف ~~دخولها وإما لأن حسابهم يكون على شفيرها. ويوم إما منصوب ~~باذكر أو ظرف لمضمر مؤخر قد حذف إيهاما لقصور العبارة عن ~~تفصيله كما مر في قوله تعالى: # يوم يجمع الله الرسل # [سورة المائدة: الآية 109] وقيل: ظرف لما يدل عليه قوله تعالى { ~~فهم يوزعون } أي يحبس أولهم على آخرهم ليتلاحقوا وهو عبارة ~~عن كثرتهم وقيل: يساقون ويدفعون إلى النار. وقوله تعالى { ~~حتى إذا ما جاءوها } أي جميعا غاية ليحشر أو ليوزعون أي ~~حتى إذا حضروها. وما مزيدة لتأكيد اتصال الشهادة بالحضور { ~~شهد عليهم سمعهم وأبصرهم وجلودهم بما ~~كانوا يعملون } في الدنيا من فنون الكفر والمعاصي بأن ~~ينطقها الله تعالى أو يظهر عليها آثار ما اقترفوا بها. وعن ابن ~~عباس رضي الله عنهما أن المراد بشهادة الجلود شهادة الفروج وهو ~~الأنسب بتخصيص السؤال بها في قوله تعالى { وقالوا لجلودهم ~~لم شهدتم علينا } فإن ما تشهد به من الزنا أعظم جناية ~~وقبحا وأجلب للخزي والعقوبة مما يشهد به السمع والأبصار من ~~الجنايات المكتسبة بتوسطهما. وقيل: ms2917 المراد بالجلود الجوارح أي ~~سألوها سؤال توبيخ، لما روي أنهم قالوا لها فعنكن كنا ~~نناضل، وفي رواية بعدا لكن وسحقا، عنكن كنت أجادل. وصيغة ~~جمع العقلاء في خطاب الجلود وفي قوله تعالى: { قالوا أنطقنا ~~الله الذى أنطق كل شىء } لوقوعها في موقع السؤال ~~والجواب المختصين بالعقلاء أي أنطقنا الله الذي أنطق كل ناطق ~~وأقدرنا على بيان الواقع فشهدنا عليكم بما عملتم بواسطتنا من ~~القبائح ما كتمناها. # وقيل: ما نطقنا باختيارنا بل أنطقنا الله الذي أنطق كل شيء ~~وليس بذاك لما فيه من إيهام الاضطرار في الإخبار. وقيل: سألوها ~~سؤال تعجب فالمعنى حينئذ ليس نطقنا بعجب من قدرة الله الذي ~~أنطق كل حي. { وهو خلقكم أول مرة وإليه ~~ترجعون } فإن من قدر على خلقكم وإنشائكم أولا وعلى إعادتكم ~~ورجعكم إلى جزائه ثانيا لا يتعجب من إنطاقه لجوارحكم. ولعل ~~صيغة المضارع مع أن هذه المحاورة بعد البعث والرجع لما أن ~~المراد بالرجع ليس مجرد الرد إلى الحياة بالبعث بل مايعمه وما ~~يترتب عليه من العذاب الخالد المترقب عند التخاطب على تغليب ~~المتوقع على الواقع على أن فيه مراعاة الفواصل. ### || [41.22] # وقوله تعالى: # { وما كنتم تستترون أن يشهد عليكم سمعكم ~~ولا أبصركم ولا جلودكم } حكاية لما سيقال لهم ~~يومئذ من جهته تعالى بطريق التوبيخ والتقريع تقريرا لجواب الجلود ~~أي ما كنتم تستترون في الدنيا عند مباشرتكم الفواحش مخافة أن ~~تشهد عليكم جوارحكم بذلك كما كنتم تستترون من الناس مخافة ~~الافتضاح عندهم بل كنتم جاحدين بالبعث والجزاء رأسا { ولكن ~~ظننتم أن الله لا يعلم كثيرا مما تعملون } من ~~القبائح المخفية فلا يظهرها في الآخرة ولذلك اجترأتم على ما ~~فعلتم، وفيه إيذان بأن شهادة الجوارح بإعلامه تعالى حينئذ لا ~~بأنها كانت عالمة بما شهدت به عند صدوره عنهم. عن ابن مسعود رضي ~~الله عنه: كنت مستترا بأستار الكعبة فدخل ثلاثة نفر، ثقفيان ~~وقرشي، أو قرشيان وثقفي فقال أحدهم أترون أن الله يسمع ما ~~نقول قال الآخر يسمع إن جهرنا، ولا يسمع أن أخفينا فذكرت ذلك ms2918 ~~للنبي صلى الله عليه وسلم فأنزل الله تعالى: { وما كنتم ~~تستترون } الآية. فالحكم المحكي حينئذ يكون خاصا بمن كان ~~على ذلك الاعتقاد من الكفرة، ولعل الأنسب أن يراد بالظن ~~معنى مجازي يعم معناه الحقيقي وما يجري مجراه من الأعمال ~~المنبئة عنه كما في قوله تعالى: # يحسب أن ماله أخلده # [سورة الهمزة: الآية 3] ليعم ما حكي من الحال جميع أصناف ~~الكفرة فتدبر. ### || [41.23-26] # { وذلكم } إشارة إلى ما ذكر من ظنهم، وما فيه من معنى ~~البعد للإيذان بغاية بعد منزلته في الشر و السوء وهو مبتدأ. ~~وقوله تعالى: { ظنكم الذى ظننتم بربكم أرداكم } ~~خبران له ويجوز أن يكون ظنكم بدلا وأرداكم خبرا. { ~~فأصبحتم } بسبب ذلك الظن السوء الذي أهلككم { من ~~الخسرين } إذ صار ما منحوا لنيل سعادة الدارين سببا ~~لشقاء النشأتين { فإن يصبروا فالنار مثوى لهم } أي ~~محل ثواء وإقامة أبدية لهم بحيث لا براح لهم منها. والالتفات ~~إلى الغيبة للإيذان باقتضاء حالهم أن يعرض عنهم ويحكى سوء ~~حالهم لغيرهم، أو للإشعار بإبعادهم عن حيز الخطاب وإلقائهم في ~~غاية دركات النار. { وإن يستعتبوا } أي يسألوا العتبى ~~وهو الرجوع إلى ما يحبونه جزعا مما هم فيه. { فما هم من ~~المعتبين } المجابين إليها، ونظيره قوله تعالى: # سواء علينا أجزعنا أم صبرنا ما لنا من محيص # [سورة إبراهيم: الآية 21] وقرىء وإن يستعتبوا فما هم من ~~المعتبين أي إن يسألوا أن يرضوا ربهم، فما هم فاعلون لفوات ~~المكنة. # { وقيضنا لهم } أي قدرنا وقرنا للفكرة في الدنيا { ~~قرناء } جمع قرين أي أخدانا من الشياطين يستولون عليهم استيلاء ~~القيض على البيض وهو القشر وقيل: أصل القيض البدل ومنه المقايضة ~~للمعاوضة. { فزينوا لهم ما بين أيديهم } من أمور ~~الدنيا واتباع الشهوات { وما خلفهم } من أمور الآخرة حيث ~~أروهم أن لا بعث ولا حساب ولا مكروه قط. { وحق عليهم ~~القول } أي ثبت وتقرر عليهم كلمة العذاب وتحقق موجبها ~~ومصداقها، وهو قوله تعالى لإبليس: # فالحق والحق أقول لأملأن جهنم منك وممن ~~تبعك منهم أجمعين # [سورة ص: الآية 85]. وقوله تعالى: # لمن تبعك ms2919 منهم لأملأن جهنم منكم أجمعين # [سورة الأعراف: الآية 18] كما مر مرارا. { فى أمم } حال من ~~الضمير المجرور أي كائنتين في جملة أمم وقيل: في بمعنى مع، ~~وهذا كما ترى صريح في أن المراد بأعداء الله تعالى فيما سبق ~~المعهودون من عاد وثمود لا الكفار من الأولين والآخرين كما قيل. # { قد خلت } صفة لأمم، أي مضت { من قبلهم من الجن ~~والإنس } على الكفر والعصيان كدأب هؤلاء { إنهم كانوا ~~خسرين } تعليل لاستحقاقهم العذاب، والضمير للأولين والآخرين. ~~{ وقال الذين كفروا } من رؤساء المشركين لأعقابهم أو قال ~~بعضهم لبعض { لا تسمعوا لهذا القرءان } أي لا تنصتوا ~~له { والغوا فيه } وعارضوه بالخرافات من الرجز والشعر ~~والتصدية والمكاء، أو ارفعوا أصواتكم بها لتشوشوه على القارىء. ~~وقرىء بضم الغين والمعنى واحد، يقال لغى يلغى، كلقي ~~يلقى. ولغا يلغو، إذا هذى { لعلكم تغلبون } أي ~~تغلبونه على قراءته. ### || [41.27-30] # { فلنذيقن الذين كفروا } أي فوالله لنذيقن هؤلاء ~~القائلين واللاغين أو جميع الكفار وهم داخلون فيهم دخولا أوليا { ~~عذابا شديدا } لا يقادر قدره { ولنجزينهم أسوأ ~~الذى كانوا يعملون } أي جزاء سيئات أعمالهم، التي هي في ~~أنفسها أسوأ، وقيل: إنه لا يجازيهم بمحاسن أعمالهم، كإغاثة ~~الملهوفين وصلة الأرحام. وقرى الأضياف لأنها محبطة بالكفر. ~~وعن ابن عباس رضي الله عنهما " عذابا شديدا يوم بدر، وأسوأ الذي ~~كانوا يعملون في الآخرة ". { ذلك } مبتدأ. وقوله تعالى: { جزاء ~~أعداء الله } خبره أي ما ذكر من الجزاء جزاء معد ~~لأعدائه تعالى. وقوله تعالى: { النار } عطف بيان للجزاء أو ~~ذلك خبر مبتدأ محذوف، أي الأمر ذلك على أنه عبارة عن مضمون ~~الجملة لا عن الجزاء، وما بعده جملة مستقلة مبنية لما قبلها. ~~وقوله تعالى { لهم فيها دار الخلد } جملة مستقلة مقررة لما ~~قبلها، أو النار مبتدأ هي خبره أي هي بعينها دار إقامتهم على ~~أن التجريد وهو أن ينتزع من أمر ذي صفة أمر آخر مثله ~~مبالغة لكماله فيها، كما يقال: في البيضة عشرون منا حديد وقيل: ~~هي على معناها والمراد أن لهم في النار المشتملة على الدركات ms2920 ~~دارا مخصوصة هم فيها خالدون { جزاء بما كانوا بئايتنا ~~يجحدون } منصوب بفعل مقدر، أي يجزون جزاء أو بالمصدر السابق ~~فإن المصدر ينتصب بمثله كما في قوله تعالى: # فإن جهنم جزاؤكم جزاء موفورا # [سورة الإسراء: الآية 63] والباء الأولى متعلقة بجزاء، والثانية ~~بيجحدون قدمت عليه لمراعاة الفواصل، أي بسبب ما كانوا يجحدون ~~بآياتنا الحقة أو يلغون فيها وذكر الجحود لكونه سببا للغو. # { وقال الذين كفروا } وهم متقلبون فيما ذكر من ~~العذاب { ربنا أرنا اللذين أضلنا من الجن ~~والإنس } يعنون فريقي شياطين النوعين المقيضين لهم الحاملين ~~لهم على الكفر والمعاصي بالتسويل والتزيين، وقيل: هما إبليس ~~وقابيل، فإنهما سنا الكفر والقتل بغير الحق. وقرىء أرنا ~~تخفيفا، كفخذ في فخذ، وقيل: معناه أعطناهما. وقرىء باختلاس ~~كسرة الراء { نجعلهما تحت أقدامنا } أي ندوسهما ~~انتقاما منهما وقيل: نجعلهما في الدرك الأسفل. { ليكونا من ~~الأسفلين } أي ذلا ومنهانة أو مكانا { إن الذين قالوا ~~ربنا الله } شروع في بيان حسن أحوال المؤمنين في الدنيا ~~والآخرة بعد بيان سوء حال الكفرة فيهما، أي قالوه اعترافا ~~بربوبيته تعالى وإقرارا بوحدانيته { ثم استقموا } أي ~~ثبتوا على الإقرار ومقتضياته على أن ثم للتراخي في الزمان أو في ~~الرتبة فإن الاستقامة لها الشأن كله، وما روي عن الخلفاء ~~الراشدين رضي الله تعالى عنهم في معناها من الثبات على الإيمان ~~وإخلاص العمل وأداء الفرائض بيان لجزئياتها { تتنزل ~~عليهم الملئكة } من جهته تعالى يمدونهم فيما يعن لهم ~~من الأمور الدينية والدنيوية بما يشرح صدورهم ويدفع عنهم الخوف ~~والحزن بطريق الإلهام، كما أن الكفرة يغويهم ما قيض لهم من قرناء ~~السوء بتزيين القبائح، وقيل: تتنزل عند الموت بالبشرى، وقيل: ~~إذا قاموا من قبورهم، وقيل: البشرى في مواطن ثلاثة: عند الموت ~~وفي القبر وعند البعث، والأظهر هو العموم والإطلاق كما ستعرفه { ~~ألا تخافوا } ما تقدمون عليه، فإن الخوف غم يلحق لتوقع ~~المكروه { ولا تحزنوا } على ما خلفتم، فإنه غم يلحق ~~لوقوعه، من فوات نافع أو حصول ضار وقيل: المراد نهيهم عن الغموم ~~على الاطلاق والمعنى الله أن تعالى ms2921 كتب لكم الأمن من كل غم فلن ~~تذوقوه أبدا. # وأن إما مفسرة أو مخففة من الثقيلة والأصل بأنه لا تخافوا، ~~والهاء ضمير الشأن. وقرىء لا تخافوا، أي يقولون لا تخافوا على ~~أنه حال من الملائكة أو استئناف { وأبشروا } أي سروا { ~~بالجنة التى كنتم توعدون } في الدنيا على ألسنة ~~الرسل، هذا من بشاراتهم في أحد المواطن الثلاثة. ### || [41.31-33] # وقوله تعالى: { نحن أولياؤكم فى الحيوة الدنيا } ~~الخ من بشاراتهم في الدنيا، أي أعوانكم في أموركم نلهمكم الحق، ~~ونرشدكم إلى ما فيه خيركم وصلاحكم، ولعل ذلك عبارة عما يخطر ~~ببال المؤمنين المستمرين على الطاعات من أن ذلك بتوفيق الله تعالى ~~وتأييده لهم بواسطة الملائكة عليهم السلام. { وفي الآخرة } ~~نمدكم بالشفاعة ونتلقاكم بالكرامة حين يقع بين الكفرة وقرنائهم ~~ما يقع من التعادي والخصام { ولكم فيها } أي في الآخرة { ما ~~تشتهى أنفسكم } من فنون الطيبات { ولكم فيها ما ~~تدعون } ما تتمنون. افتعال من الدعاء، بمعنى الطلب أي ~~تدعون لأنفسكم وهو أعم من الأول، ولكم في الموضعين خبر وما ~~مبتدأ. وفيها حال من ضميره في الخبر، وعدم الاكتفاء بعطف ما ~~تدعون على ما تشتهي للإشباع في البشارة والإيذان باستقلال كل ~~منهما { نزلا من غفور رحيم } حال مما تدعون مفيدة لكون ~~ما يتمنونه بالنسبة إلى ما يعطون من عظائم الأجور كالنزل للضيف. # { ومن أحسن قولا ممن دعا إلى الله } أي إلى توحيده ~~تعالى وطاعته. عن ابن عباس رضي الله عنهما: هو رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم دعا إلى الإسلام، وعنه أنهم أصحاب رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم. وقيل: نزلت في المؤذنين، والحق أن حكمها عام لكل من ~~جمع ما فيها من الخصال الحميدة، وإن نزلت فيمن ذكر { وعمل ~~صلحا } فيما بينه وبين ربه { وقال إننى من ~~المسلمين } ابتهاجا بأنه منهم أو اتخاذا للإسلام دينا ونحلة ~~من قولهم هذا قول فلان أي مذهبه لا أنه تكلم بذلك. وقرىء ~~إني بنون واحدة. ### || [41.34-37] # { ولا تستوى الحسنة ولا السيئة } جملة مستأنفة سيقت ~~لبيان محاسن الأعمال الجارية بين العباد ms2922 إثر بيان محاسن ~~الأعمال الجارية بين العبد وبين الرب عز وجل ترغيبا لرسول ~~الله صلى الله عليه وسلم في الصبر على أذية المشركين، ومقابلة إساءتهم ~~بالإحسان، أي لا تستوي الخصلة الحسنة والسيئة في الآثار والأحكام. ولا ~~الثانية مزيدة لتأكيد النفي، وقوله تعالى { ادفع بالتى ~~هى أحسن } الخ استئناف مبين لحسن عاقبة الحسنة، أي ادفع ~~السيئة حيث اعترضتك من بعض أعاديك بالتي هي أحسن ما يمكن دفعها ~~به من الحسنات كالإحسان إلى من أساء فإنه أحسن من العفو، ~~وإخراجه مخرج الجواب عن سؤال من قال كيف أصنع للمبالغة ولذلك ~~وضع أحسن موضع الحسنة. وقوله تعالى: { فإذا الذى بينك ~~وبينه عداوة كأنه ولى حميم } بيان لنتيجة الدفع ~~المأمور به، أي فإذا فعلت ذلك صار عدوك المشاق مثل الولي ~~الشفيق { وما يلقاها } أي ما يلق هذه الخصلة والسجية ~~التي هي مقابلة الإساءة بالإحسان { إلا الذين صبروا } أي ~~شأنهم الصبر { وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم } من الخير ~~وكمال النفس، وقيل: الحظ العظيم: الجنة، وقيل: هو الثواب. قيل: ~~نزلت في أبي سفيان بن حرب وكان مؤذيا لرسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فصار وليا مصافيا { وإما ينزغنك من الشيطن ~~نزغ } النزغ والنسغ بمعنى وهو شبه النخس، شبه به وسوسة ~~الشيطان لأنها بعث على الشر، وجعل نازعا على طريقة جد ~~جده، أو أريد: وإما ينزغنك نازغ وصفا للشيطان بالمصدر أي ~~وإن صرفك الشيطان عما وصيت به من الدفع بالتي هي أحسن { ~~فاستعذ بالله } من شره ولا تطعه { إنه هو ~~السميع } باستعاذتك { العليم } بنيتك أو بصلاحك. وفي جعل ~~ترك الدفع بالأحسن من آثار نزغات الشيطان مزيد تحذير وتنفير ~~عنه. { ومن ءايته } الدالة على شؤونه العظيمة # الليل والنهار والشمس والقمر # كل منها مخلوق من مخلوقاته مسخر لأمره # لا تسجدوا للشمس ولا للقمر # لأنهما من جملة مخلوقاته المسخرة لأوامره مثلكم { واسجدوا ~~لله الذى خلقهن } الضمير للأربعة لأن حكم جماعة ما لا ~~يعقل حكم الأنثى أو الإناث، أو لأنها عبارة عن الآيات. وتعليق ~~الفعل بالكل مع كفاية بيان مخلوقية ms2923 الشمس والقمر للإيذان بكمال ~~سقوطهما عن رتبة المسجودية بنظمهما في المخلوقية في سلك الأعراض التي ~~لا قيام لها بذاتها، وهو السر في نظم الكل في سلك آياته تعالى { ~~إن كنتم إياه تعبدون } فإن السجود أقصى مراتب العبادة ~~فلا بد من تخصيصه به سبحانه. وهو موضع السجود عند الشافعي ~~رحمه الله وعندنا آخر الآية الأخرى لأنه تمام المعنى ### || [41.38-41] # { فإن استكبروا } عن الامتثال { فالذين عند ربك } ~~من الملائكة { يسبحون له بالليل والنهار } أي دائما { ~~وهم لا يسئمون } لا يفترون ولا يملون. وقرىء لا ~~يسأمون بكسر الياء. # { ومن ءايته أنك ترى الأرض خشعة } يابسة ~~متطامنة مستعار من الخشوع بمعنى التذلل { فإذا أنزلنا ~~عليها الماء } أي المطر { اهتزت وربت } أي تحركت ~~بالنبات وانتفخت، لأن النبت إذا دنا أن يظهر ارتفعت له الأرض ~~وانتفخت ثم تصدعت عن النبات، وقيل: تزخرفت بالنبات. وقرىء ~~ربأت أي ارتفعت { إن الذى أحيها } بما ذكر بعد ~~موتها { لمحى الموتى } بالبعث { أنه على كل شىء } ~~من الأشياء التي من جملتها الإحياء { قدير } مبالغ في القدرة. # { إن الذين يلحدون } يميلون عن الاستقامة. وقرىء ~~يلحدون { في آياتنا } بالطعن فيها وتحريفها بحملها على المحامل ~~الباطلة { لا يخفون علينا } فنجازيهم بإلحادهم. وقوله ~~تعالى: { أفمن يلقى في النار خير أم من يأتي ~~آمنا يوم القيامة } تنبية على كيفية الجزاء { اعملوا } ~~من الأعمال المؤدية إلى ما ذكر من الإلقاء في النار والإتيان ~~آمنا، وفيه تهديد شديد { تطغوا إنه بما تعملون ~~بصير } فيجازيكم بحسب أعمالكم. وقوله تعالى: # { إن الذين كفروا بالذكر لما جاءهم } بدل من ~~قوله تعالى إن الذين يلحدون الخ وخبر إن هو الخبر السابق ~~وقيل: مستأنف وخبرها محذوف وقال الكسائي: سد مسده الخبر ~~السابق، والذكر القرآن. وقوله تعالى { وإنه لكتب عزيز ~~} أي كثير المنافع عديم النظير، أو منيع لا تتأتى معارضته. ~~جملة حالية مفيدة لغاية شناعة الكفر به. ### || [41.42-44] # وقوله تعالى: { لا يأتيه البطل من بين يديه ولا ~~من خلفه } أي لا يتطرق إليه الباطل من جهة من الجهات. صفة ~~أخرى يديه لكتاب. وقوله تعالى: ms2924 { تنزيل من حكيم حميد } ~~خبر لمبتدأ محذوف، أو صفة أخرى لكتاب مفيدة لفخامته الإضافية كما ~~أن الصفتين السابقتين مفيدتان لفخامته الذاتية. وقوله تعالى: لا ~~يأتيه الخ اعتراض عند من لا يجوز تقديم غير الصريح من الصفات على ~~الصريح، كل ذلك لتأكيد بطلان الكفر بالقرآن. وقوله تعالى: { ما ~~يقال لك } الخ تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم عما يصيبه ~~من أذية الكفار أي ما يقال في شأنك وشأن ما أنزل إليك من القرآن ~~من جهة كفار قومك { إلا ما قد قيل للرسل من قبلك } ~~أي إلا ما قد قيل في حقهم مما لا خير فيه: { إن ربك لذو ~~مغفرة } لأنبيائه { وذو عقاب أليم } لأعدائهم وقد نصر ~~من قبلك من الرسل وانتقم من أعدائهم وسيفعل مثل ذلك بك ~~وبأعدائك أيضا. { ولو جعلنه قرءانا أعجميا } جواب ~~لقولهم: هلا أنزل القرآن بلغة العجم، والضمير للذكر { ~~لقالوا لولا فصلت ءايته } أي بينت بلسان نفقهه. ~~وقوله تعالى: { ءأعجمى وعربى } إنكار مقرر للتحضيض. ~~والأعجمي يقال لكلام لا يفهم، وللمتكلم به. والياء للمبالغة ~~في الوصف كأحمري، والمعنى أكلام أعجمي ورسول أو مرسل إليه ~~عربي على أن الإفراد مع كون المرسل إليهم أمة جمة لما أن ~~المراد بيان التنافي والتنافر بين الكلام وبين المخاطب به ~~لا بيان كون المخاطب واحدا أو جمعا. وقرىء أعجمي أي أكلام ~~منسوب إلى أمة العجم. وقرىء أعجمي على الإخبار بأن القرآن ~~أعجمي والمتكلم والمخاطب عربي ويجوز أن يراد هلا فصلت ~~آياته فجعل بعضها أعجميا لإفهام العجم وبعضها عربيا لإفهام ~~العرب وأيا ما كان فالمقصود بيان أن آيات الله تعالى على أي ~~وجه جاءتهم وجدوا فيها متعنتا يتعللون به. { قل هو للذين ~~ءامنوا هدى } يهديهم إلى الحق { وشفاء } لما في الصدور من ~~شك وشبهة { والذين لا يؤمنون } مبتدأ خبره { فى ~~ءاذانهم وقر } على أن التقدير هو أي القرآن في آذانهم وقر ~~على أن وقر خبر للضمير المقدر، وفي آذانهم متعلق بمحذوف وقع ~~حالا من وقر وهو أوفق لقوله تعالى: { وهو عليهم عمى } ~~وقيل: خبر ms2925 الموصول في آذانهم ووقر فاعل الظرف وقيل: وقر ~~مبتدأ والظرف خبره والجملة خبر للموصول وقيل: التقدير والذين ~~لا يؤمنون في آذانهم منه وقر، ومن جوز العطف على عاملين عطف ~~الموصول على الموصول الأول أي هو للأولين هدى وشفاء وللآخرين ~~وقر في آذانهم { أولئك } إشارة إلى الموصول الثاني باعتبار ~~اتصافه بما في حيز صلته وملاحظة ما أثبت له، وما فيه من معنى ~~العبد مع قرب العهد بالمشار إليه للإيذان ببعد منزلته في الشر ~~مع ما فيه من كمال المناسبة للنداء من بعيد أي أولئك البعداء ~~الموصوفون بما ذكر من التصام عن الحق الذي يسمعونه والتعامي عن ~~الآيات الظاهرة التي يشاهدونها { ينادون من مكان بعيد } ~~تمثيل لهم في عدم قبولهم واستماعهم له بمن ينادى من مسافة نائية ~~لا يكاد يسمع من مثلها الأصوات. ### || [41.45-47] # { ولقد ءاتينا موسى الكتب فاختلف فيه } كلام ~~مستأنف مسوق لبيان أن الاختلاف في شأن الكتب عادة قديمة للأمم ~~غير مختص بقومك على منهاج قوله تعالى: # ما يقال لك إلا ما قد قيل للرسل من قبلك # [سورة فصلت، الآية 43] أي وبالله لقد آتيناه التوراة فاختلف فيها ~~فمن مصدق لها ومكذب وهكذا حال قومك في شأن ما آتيناك من القرآن ~~فمن مؤمن به وكافر. { ولولا كلمة سبقت من ربك } في ~~حق أمتك المكذبة وهي العدة بتأخير عذابهم وفصل ما بينهم ~~وبين المؤمنين من الخصومة إلى يوم القيامة بنحو قوله تعالى: # بل الساعة موعدهم # [سورة القمر، الآية 46] وقوله تعالى: # ولكن يؤخرهم إلى أجل مسمى # [سورة النمل، الآية 61، وسورة فاطر، الآية 45] { لقضي بينهم } ~~باستئصال المكذبين كما فعل بمكذبي الأمم السالفة { وإنهم } ~~أي كفار قومك { لفى شك منه مريب } أي من القرآن، وجعل ~~الضمير الأول لليهود والثاني للتوراة مما لا وجه له. { من ~~عمل صلحا } بأن آمن بالكتب وعمل بموجبها { فلنفسه } ~~أي فلنفسه يعمله أو فنفعه لنفسه لا لغيره { ومن أساء ~~فعليها } ضرره لا على غيره { وما ربك بظلم ~~للعبيد } اعتراض تذييلي مقرر لمضمون ما قبله مبني على ~~تنزيل ترك إثابة المحسن بعمله ms2926 أو إثابة الغير بعمله وتنزيل ~~التعذيب بغير إساءة أو بإساءة غيره منزلة الظلم الذي يستحيل ~~صدوره عنه سبحانه وتعالى وقد مر ما في المقام من التحقيق ~~والتفصيل في سورة آل عمران وسورة الأنفال. # { إليه يرد علم الساعة } أي إذا سئل عنها يقال الله ~~يعلم أو لا يعلمها إلا الله تعالى { وما تخرج من ثمرت من ~~أكمامها } أي من أوعيتها جمع كم بالكسر وهو وعاء الثمرة ~~كجف الطلعة. وقرىء من ثمرة على إرادة الجنس والجمع لاختلاف ~~الأنواع. وقد قرىء بجمع الضمير أيضا، وما نافية ومن الأولى ~~مزيدة للاستغراق، واحتمال أن تكون ما موصولة معطوفة على ~~الساعة ومن مبينة بعيد { وما تحمل من أنثى ولا ~~تضع } أي حملها. وقوله تعالى { إلا بعلمه } استثناء مفرغ ~~من أعم الأحوال أي وما يحدث شيىء من خروج ثمرة ولا حمل حامل ~~ولا وضع واضع ملابسا بشيء من الأشياء إلا ملابسا بعلمه المحيط { ~~ويوم يناديهم أين شركائى } أي بزعمكم كما نص عليه في ~~قوله تعالى: # نادوا شركائى الذين زعمتم # [سورة الكهف، الآية 52] وفيه تهكم بهم وتقريع لهم ويوم منصوب ~~باذكر أو ظرف لمضمر مؤخر قد ترك إيذانا بقصور البيان عنه كما ~~مر في قوله تعالى: # يوم يجمع الله الرسل # [سورة المائدة، الآية 109] { قالوا ءاذناك } أي أخبرناك { ما ~~منا من شهيد } لهم بالشركة إذ تبرأنا منهم لما عاينا ~~الحال وما منا أحد إلا وهو موحد لك، أو ما منا من أحد يشاهدهم ~~لأنهم ضلوا عنهم حينئذ وقيل: هو قول الشركاء أي ما منا من شهيد ~~لهم بأنهم كانوا محقين. وقولهم آذناك إما لأن هذا التوبيخ ~~مسبوق بتوبيخ آخر مجاب عنه بهذا الجواب أو لأن معناه أنك علمت ~~من قلوبنا وعقائدنا الآن أنا لا نشهد تلك الشهادة الباطلة لأنه ~~إذا علمه من نفوسهم فكأنهم أعلموه، أو لأن معناه الإنشاء لا ~~الإخبار بإيذان قد كان قبل ذلك. ### || [41.48-50] # { وضل عنهم ما كانوا يدعون } أي يعبدون { من قبل } ~~أي غابوا عنهم أو ظهر عدم نفعهم فكان حضورهم كغيبتهم { وظنوا ~~} أي أيقنوا ms2927 { ما لهم من محيص } مهرب والظن معلق عنه ~~بحرف النفي. { لا يسئم الإنسن } أي لا يمل ولا يفتر { ~~من دعاء الخير } من طلب السعة في النعمة وأسباب المعيشة ~~وقرىء من دعاء بالخير { وإن مسه الشر } أي العسر ~~والضيقة { فيئوس قنوط } فيه مبالغة من جهة البناء ومن جهة ~~التكرير ومن جهة أن القنوط عبارة عن يأس مفرط يظهر أثره في ~~الشخص فيتضاءل وينكسر أي مبالغ في قطع الرجاء من فضل الله تعالى ~~ورحمته، وهذا وصف للجنس بوصف غالب أفراده لما أن اليأس من ~~رحمته تعالى لا يتأتى إلا من الكافر وسيصرح به { ولئن ~~أذقنه رحمة منا من بعد ضراء مسته } بتفريجها ~~عنه { ليقولن هذا لى } أي حقي أستحقه لما لي من ~~الفضل والعمل أو لي لا لغيري فلا يزول عني أبدا { وما أظن ~~الساعة قائمة } أي تقوم فيما سيأتي { ولئن رجعت إلى ~~ربى } على تقدير قيامها { إن لى عنده للحسنى } أي ~~للحالة الحسنى من الكرامة وذلك لاعتقاده أن ما أصابه من نعم ~~الدنيا لا ستحقاقه له وأن نعم الآخرة كذلك { فلننبئن ~~الذين كفروا بما عملوا } أي لنعلمنهم بحقيقة أعمالهم ~~حين أظهرناها بصورة الحقيقية وقد مر تحقيقه في الأعراف عند قوله ~~تعالى: # والوزن يومئذ الحق # [سورة الأعراف، الآية 8] وفي قوله تعالى: # إنما بغيكم على أنفسكم # [سورة يونس، الآية 23] من سورة يونس { ولنذيقنهم من عذاب ~~غليظ } لا يقادر قدره ولا يبلغ كنهه. ### || [41.51-54] # { وإذا أنعمنا على الإنسن أعرض } أي عن الشكر { ~~ونأى بجانبه } أي ذهب بنفسه وتباعد بكليته تكبيرا وتعظيما ~~والجانب مجاز عن النفس كما في قوله تعالى: # فى جنب الله # [سورة الزمر، الآية 56] ويجوز أن يراد به عطفه ويكون عبارة عن ~~الانحراف والازورار كما قالوا: «ثنى عطفة وتولى بركنه»: { ~~وإذا مسه الشر فذو دعاء عريض } أي كثير مستعار مما ~~له عرض متسع للإشعار بكثرته واستمراره وهو أبلغ من الطويل إذ ~~الطول أطول الامتدادين فإذا كان عرضه كذلك فما ظنك بطوله. ولعل ~~هذا شأن بعض غير البعض الذي حكي عنه اليأس والقنوط أو ms2928 شأن ~~الكل في بعض الأوقات. # { قل أرءيتم } أي أخبروني { إن كان } أي القرآن { من ~~عند الله ثم كفرتم به } مع تعاضد موجبات الإيمان به { ~~من أضل ممن هو فى شقاق بعيد } أي من أضل منكم، ~~فوضع الموصول موضع الضمير شرحا لحالهم وتعليلا لمزيد ضلالهم { ~~سنريهم ءايتنا } الدالة على حقيته وكونه من عند الله { فى ~~الأفاق } هو ما أخبرهم به النبي صلى الله عليه وسلم من الحوادث ~~الآتية وآثار النوازل الماضية وما يسر الله تعالى له ولخلفائه من ~~الفتوح والظهور على آفاق الدنيا والاستيلاء على بلاد المشارق ~~والمغارب على وجه خارق للعادة { وفى أنفسهم } هو ما ظهر فيما ~~بين أهل مكة وما حل بهم وقال ابن عباس رضي الله عنهما في الآفاق ~~أي منازل الأمم الخالية وآثارهم وفي أنفسهم يوم بدر وقال مجاهد ~~والحسن والسدي في الآفاق ما يفتح الله من القرى عليه عليه ~~الصلاة والسلام والمسلمين وفي أنفسهم فتح مكة وقيل: في الآفاق أي ~~في أقطار السموات والأرض من الشمس والقمر والنجوم وما يترتب عليها ~~من الليل والنهار والأضواء والظلال والظلمات ومن النبات والأشجار ~~والأنهار وفي أنفسهم من لطيف الصنعة وبديع الحكمة في تكوين الأجنة ~~في ظلمات الأرحام وحدوث الأعضاء العجيبة والتركيبات الغريبة ~~كقوله تعالى: # وفى أنفسكم أفلا تبصرون # [سورة الذاريات، الآية 21] واعتذر بأن معنى السين مع أن إراءة ~~تلك الآيات قد حصلت قبل ذلك أنه تعالى سيطلعهم على تلك الآيات ~~زمانا فزمانا ويزيدهم وقوفا على حقائقها يوما فيوما { حتى ~~يتبين لهم } بذلك { أنه الحق } أي القرآن أو الإسلام ~~والتوحيد. # { أولم يكف بربك } استئناف وارد لتوبيخهم على ترددهم في ~~شأن القرآن وعنادهم المحوج إلى إراءة الآيات وعدم اكتفائهم ~~بإخباره تعالى، والهمزة للإنكار، والواو للعطف على مقدر يقتضيه ~~المقام أي ألم يغن ولم يكف ربك والباء مزيدة لتأكيد ولا ~~تكاد تزاد إلا مع كفى. وقوله تعالى: { أنه على كل شىء ~~شهيد } بدل منه أي ألم يغنهم عن إراءة الآيات الموعودة ~~المبينة لحقية القران ولم يكفهم في ذلك أنه تعالى شهيد على ms2929 جميع ~~الأشياء، وقد أخبر بأنه من عنده وقيل: معناه أن هذا الموعود ~~من إظهار آيات الله في الآفاق وفي أنفسهم سيرونه ويشاهدونه ~~فيتبينون عند ذلك أن القرآن تنزيل عالم الغيب الذي هو على ~~كل شيء شهيد أي مطلع يستوي عنده غيبه وشهادته فيكفيهم ذلك ~~دليلا على أنه حق وأنه من عنده ولو لم يكن كذلك لما قوي هذه ~~القوة ولما نصر حاملوه هذه النصرة فتأمل. # وأما ما قيل: من أن المعنى أولم يكفك أنه تعالى على كل ~~شيء شهيد محقق له فيحقق أمرك بإظهار الآيات الموعودة كما حقق ~~سائر الأشياء الموعودة فمع إشعاره بما لا يليق بجلالة منصبه عليه ~~السلام من التردد فيما ذكر من تحقيق الموعود يرده قوله تعالى: { ~~ألا إنهم فى مرية من لقاء ربهم } أي في شك عظيم من ~~ذلك بالبعث والجزاء فإنه صريح في أن عدم الكفاية معتبر بالنسبة ~~إليهم وقرىء مرية بالضم وهو لغة فيها { ألا إنه بكل ~~شىء محيط } عالم بجميع الأشياء جملها وتفاصيلها وظواهرها ~~وبواطنها فلا تخفى عليها خافية منهم وهو مجازيهم على كفرهم ~~ومريتهم لا محالة. # عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " من قرأ سورة فصلت أعطاه الله تعالى بكل حرف عشر حسنات " # والله أعلم. ### | [42 - سورة الشورى] ### || [42.1-3] # سورة حم عسق # وتسمى الشورى مكية وهي ثلاث وخمسون آية # { حم * عسق } اسمان للسورة، ولذلك فصل بينهما. وعدا آيتين، ~~وقيل: اسم واحد والفصل ليناسب سائر الحواميم. وقرىء حم سق. فعلى ~~الأول هما خبران لمبتدأ محذوف، وقيل: حم مبتدأ وعسق خبره وعلى ~~الثاني الكل خبر واحد. وقوله تعالى: { كذلك يوحى إليك ~~وإلى الذين من قبلك الله العزيز الحكيم } كلام ~~مستأنف وارد لتحقيق أن مضمون السورة موافق لما في تضاعيف سائر ~~الكتب المنزلة على الرسل المتقدمة في الدعوة إلى التوحيد ~~والإرشاد إلى الحق أو أن إيحاءها مثل إيحائها بعد تنويهها ~~بذكر اسمها والتنبيه على فخامة شأنها. والكاف في حيز النصب على ~~أنه مفعول ليوحي على الأول وعلى أنه نعت لمصدر مؤكد له على ~~الثاني ms2930 وذلك على الأول إشارة إلى ما فيها وعلى الثاني إلى ~~إيحائها، وما فيه من معنى البعد للإيذان بعلو رتبة المشار ~~إليه وبعد منزلته في الفضل أي مثل ما في هذه السورة من المعاني ~~أوحي إليك في سائر السور وإلى من قبلك من الرسل في كتبهم، على أن ~~مناط المماثلة ما أشير إليه من الدعوة إلى التوحيد والإرشاد إلى الحق ~~وما فيه صلاح العباد في المعاش والمعاد، أو مثل إيحائها أوحي ~~إليك عند إيحاء سائر السور وإلى سائر الرسل عند إيحاء كتبهم ~~إليهم لا إيحاء مغايرا له كما في قوله تعالى: # إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح # [سورة النساء، الآية 163] الآية. على أن مدار المثلية كونه ~~بواسطة الملك. وصيغة المضارع على حكاية الحال الماضية للإيذان ~~باستمرار الوحي وأن إيحاء مثله عادته. وفي جعل مضمون السورة أو ~~إيحائها مشبها به من تفخيمها مالا يخفى وكذا في وصفه تعالى بوصفي ~~العزة والحكمة. وتأخير الفاعل لمراعاة الفواصل مع ما فيه من ~~التشويق. وقرىء يوحى، على البناء للمفعول على أن كذلك مبتدأ ~~ويوحى خبره المسند إلى ضميره أو مصدر، ويوحى مسند إلى إليك ~~والله مرتفع بما دل عليه يوحى كأنه قيل: من يوحي، فقيل ~~الله. والعزيز الحكيم صفتان له، أو مبتدأ كما في قراءة نوحي، ~~والعزيز وما بعده خبران له أو العزير الحكيم صفتان له. ### || [42.4-7] # وقوله تعالى: { له ما في السموات وما في الأرض ~~وهو العلى العظيم } خبران له وعلى الوجوه السابقة ~~استئناف مقر لعزته وحكمته. # { تكاد السموات } وقرىء بالياء { يتفطرن } ~~يتشققن من عظمة الله تعالى وقيل: من دعاء الولد له كما في سورة ~~مريم وقرىء ينفطرن، والأول أبلغ لأنه مطاوع فطر،و هذا ~~مطاوع فطر. وقرىء تنفطرن بالتاء لتأكيد التأنيث وهو نادر ~~{ من فوقهن } أي يبتدأ التفطر من جهتهن الفوقانية وتخصيصها ~~على الأول لما أن أعظم الآيات وأدلها على العظمة والجلال من ~~تلك الجهة، وعلى الثاني للدلالة على التفطر من تحتهن بالطريق ~~الأولى، لأن تلك الكلمة الشنعاء الواقعة في الأرض حيث أثرت في ms2931 ~~جهة الفوق فلأن تؤثر في جهة التحت أولى وقيل: الضمير للأرض ~~فإنها في معنى الأرضين { والملئكة يسبحون بحمد ~~ربهم } ينزهونه تعالى عما لا يليق به ملتبسين بحمده { ~~ويستغفرون لمن فى الأرض } بالسعي فيما يستدعي مغفرتهم ~~من الشفاعة والإلهام وترتيب الأسباب المقربة إلى الطاعة واستدعاء ~~تأخير العقوبة طمعا في إيمان الكافر وتوبة الفاسق. وهذا يعم ~~المؤمن والكافر، بل لو فسر الاستغفار بالسعي فيما يدفع الخلل ~~المتوقع عم الحيوان بل الجماد وحيث خص بالمؤمنين كما في ~~قوله تعالى: # ويستغفرون للذين ءامنوا # [سورة غافر، الآية 7] فالمراد به الشفاعة { ألا إن الله هو ~~الغفور الرحيم } إذ ما من مخلوق إلا وله حظ عظيم من ~~رحمته تعالى، والآية على الأول زيادة تقرير لعظمته تعالى، وعلى ~~الثاني بيان لكمال تقدسه عما نسب إليه، وأن ترك ~~معاجلتهم بالعقاب على تلك الكلمة الشنعاء بسبب استغفار الملائكة ~~وفرط غفرانه ورحمته، ففيها رمز إلى أنه يقبل استغفارهم ~~ويزيدهم على ما طلبوه من المغفرة رحمة. { والذين اتخذوا ~~من دونه أولياء } شركاء وأندادا { الله حفيظ عليهم ~~} رقيب على أحوالهم وأعمالهم فيجازيهم بها { وما أنت عليهم ~~بوكيل } بموكل بهم أو بموكول إليك أمرهم وإنما وظيفتك ~~الإنذار. # { وكذلك أوحينا إليك قرءانا عربيا } ذلك إشارة ~~إلى مصدر أوحينا ومحل الكاف النصب على المصدرية، وقرآنا عربيا ~~مفعول لأوحينا أي ومثل ذلك الإيحاء البديع البين المفهم ~~أوحينا إليك قرآنا عربيا لا لبس فيه عليك ولا على قومك، ~~وقيل: إشارة إلى معنى الآية المتقدمة من أنه تعالى هو الحفيظ ~~عليهم وإنما أنت نذير فحسب، فالكاف مفعول به لأوحينا، وقرآنا ~~عربيا حال من المفعول به أي أوحيناه إليك وهو قرآن عربي ~~بين. { لتنذر أم القرى } أي أهلها وهي مكة { ومن ~~حولها } من العرب { وتنذر يوم الجمع } أي يوم القيامة ~~لأنه يجمع فيه الخلائق قال تعالى: # يوم يجمعكم ليوم الجمع # [سورة التغابن، الآية 9] وقيل: تجمع فيه الأرواح والأشباح، وقيل: ~~الأعمال والعمال. والإنذار يتعدى إلى مفعولين، وقد يستعمل ~~ثانيهما بالباء، وقد حذف هنها ثاني مفعولي الأول وأول مفعولي ~~الثاني للتهويل وإيهام ms2932 التعميم. وقرىء لينذر بالياء على أن ~~فاعله ضمير القرآن. { لا ريب فيه } اعتراض مقرر لما قبله { ~~فريق فى الجنة وفريق فى السعير } أي بعد جمعهم في ~~الموقف فإنهم يجمعون فيه أولا ثم يفرقون بعد الحساب، والتقدير ~~منهم فريق والضمير للمجموعين لدلالة الجمع عليه وقرئا ~~منصوبين على الحالية منهم أي وتنذر يوم جمعهم متفرقين أي ~~مشارفين للتفرق أو متفرقين في داري الثواب والعقاب. ### || [42.8] # { ولو شاء الله لجعلهم } أي في الدنيا { أمة ~~واحدة } وقيل: مهتدين أو ضالين وهو تفصيل لما أجمله ابن ~~عباس رضي الله عنهما في قوله على دين واحد فمعنى قوله تعالى { ~~ولكن يدخل من يشاء فى رحمته } أنه تعالى يدخل في ~~رحمته من يشاء أن يدخله فيها ويدخل في عذابه من يشاء أن يدخله ~~فيه ولا ريب في أن مشيئته تعالى لكل من الإدخالين تابعة ~~لاستحقاق كل من الفريقين لدخول مدخله. ومن ضرورة اختلاف الرحمة ~~والعذاب اختلاف حال الداخلين فيهما قطعا فلم يشأ جعل الكل أمة ~~واحدة بل جعلهم فريقين، وإنما قيل: { والظلمون ما ~~لهم من ولى ولا نصير } للإيذان بأن الإدخال في العذاب ~~من جهته الداخلين بموجب سوء اختبارهم لا من جهته تعالى كما في ~~الإدخال في الرحمة لا لما قيل من المبالغة في الوعيد وقيل مؤمنين ~~كلهم وهو ما قاله مقاتل على دين الإسلام كما في قوله تعالى: # ولو شاء الله لجمعهم على الهدى # [سورة الأنعام، الآية 35] وقوله تعالى: # ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها # [سورة السجدة، الآية 13] والمعنى ولو شاء الله مشيئة قدرة ~~لقسرهم على الإيمان ولكنه شاء مشيئة حكمة، وكلفهم وبنى ~~أمرهم على ما يختارون ليدخل المؤمنين في رحمته وهم المرادون ~~بقوله تعالى: { يدخل من يشاء } وترك الظالمين بغير ولي ولا ~~نصير، وأنت خبير بأن فرض جعل الكل مؤمنين يأباه تصدير ~~الاستدراك بإدخال بعضهم في رحمته إذ الكل حينئذ داخلون فيها ~~فكان المناسب حينئذ تصديره بإخراج بعضهم من بينهم وإدخالهم ~~في عذابه فالذي يقتضيه سياق النظم الكريم وسباقه أن يراد ~~الاتحاد في الكفر، كما ms2933 في قوله تعالى: # كان الناس أمة وحدة فبعث الله النبيين # [سورة البقرة، الآية 213] الآية على أحد الوجهين بأن يراد بهم ~~الذين في فترة إدريس أو في فترة نوح عليهما السلام فالمعنى ولو شاء ~~الله لجعلهم أمة واحدة متفقة على الكفر، بأن لا يرسل إليهم ~~رسولا لينذرهم ما ذكر من يوم الجمع وما فيه من ألوان الأهوال ~~فيبقوا على ما هم عليه من الكفر ولكن يدخل من يشاء في رحمته أي ~~شأنه ذلك فيرسل إلى الكل من ينذرهم ما ذكر فيتأثر بعضهم ~~بالإنذار فيصرفون اختيارهم إلى الحق فيوفقهم الله للإيمان ~~والطاعة ويدخلهم في رحمته ولا يتأثر به الآخرون ويتمادون في ~~غيهم، وهم الظالمون فيبقون في الدنيا على ما هم عليه من الكفر ~~ويصيرون في الآخرة إلى السعير من غير ولي يلي أمرهم ولا نصير ~~يخلصهم من العذاب. ### || [42.9-11] # { أم اتخذوا من دونه أولياء } جملة مستأنفة مقربة لما ~~قبلها من انتفاء أن يكون للظالمين ولي أو نصير وأم منقطعة وما ~~فيها من بل للانتقال من بيان ما قبلها إلى بيان ما بعدها ~~والهمزة لإنكار الوقوع ونفيه على أبلغ وجه وآكده لا لإنكار ~~الواقع واستقباحه، قيل: إذ المراد بيان أن ما فعلوا ليس من ~~اتخاذ الأولياء في شيء لأن فرع كون الأصنام أولياء، وهو أظهر ~~الممتنعات أي بل أتخذوا متجاوزين الله أولياء من الأصنام وغيرها ~~هيهات. وقوله تعالى { فالله هو الولى } جواب شرط محذوف، ~~كإنه قيل بعد إبطال ولاية ما اتخذوه أولياء إن أرادوا وليا في ~~الحقيقة فالله هو الولي لا ولي سواه { وهو يحيي الموتى ~~} أي ومن شأنه ذلك { وهو على كل شىء قدير } فهو الحقيق ~~بأن يتخذ وليا فليخصوه بالاتخاذ دون من لا يقدر على شيء. # { وما اختلفتم فيه من شىء } حكاية لقول رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم للمؤمنين أي وما خالفكم الكفار فيه من أمور ~~الدين فاختلفتم أنتم وهم { فحكمه } راجع { إلى الله } ~~وهو إثابة المحقين وعقاب المبطلين { ذلكم } الحاكم العظيم ~~الشأن { الله ربى } مالكي { عليه توكلت } في مجامع ms2934 ~~أموري خاصة لا على غيره { وإليه أنيب } أرجع في كل ما ~~يعن لي من معضلات الأمور لا إلى أحد سواه وحيث كان التوكل ~~أمرا واحدا مستمرا والإنابة متعددة متجددة حسب تجدد موادها ~~أوثر في الأول صيغة الماضي، وفي الثاني صيغة المضارع، وقيل: ~~وما اختلقتم فيه وتنازعتم في شيء من الخصومات فتحاكموا فيه إلى ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا تؤثروا على حكومته حكومة غيره، ~~وقيل: وما اختلفتم فيه من تأويل واشتبه عليكم فارجعوا في بيانه ~~إلى المحكم من كتاب الله والظاهر من سنة رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، وقيل: وما وقع بينكم الخلاف فيه من العلوم التي تتعلق ~~بتكليفكم ولا طريق لكم إلى علمه فقولوا الله أعلم كمعرفة الروح ~~ولا مساغ لحمل هذا على الاجتهاد لعدم جوازه بحضرة الرسول عليه ~~الصلاة والسلام { فاطر السموات والأرض } خبر آخر ~~لذلكم أو خبر لمبتدأ محذوف أو مبتدأ خبره { جعل لكم } ~~وقرىء بالجر على أنه بدل من الضمير أو وصف للاسم الجليل في ~~قوله تعالى إلى الله وما بينهما اعتراض بين الصفة والموصوف { ~~من أنفسكم } من جنسكم { أزوجا } نساء وتقديم الجار ~~والمجرور على المفعول الصريح قد مر سره غير مرة { ومن ~~الأنعم } أي وجعل للأنعام من جنسها { أزوجا } أو خلق لكم ~~من الأنعام أصنافا أو ذكورا وإناثا { يذرؤكم } يكثركم من ~~الذرء وهو البث وفي معناه الذرو والذر { فيه } أي فيما ~~ذكر من التدبير فإن جعل الناس والأنعام أزواجا يكون بينهم ~~توالد كالمنبع للبث والتكثير { ليس كمثله شىء } أي ليس ~~مثله شيء في شأن من الشؤون التي من جملتها هذا التدبير ~~البديع والمراد من مثله ذاته كما في قولهم مثلك لا يفعل كذا على ~~قصد المبالغة في نفيه عنه فإنه إذا نفي عمن يناسبه كان نفيه ~~عنه أولى ثم سلكت هذه الطريقة في شأن من لا مثل له وقيل: ~~مثله صفته أي ليس كصفته صفة { وهو السميع البصير } ~~المبالغ في العلم بكل ما يسمع ويبصر. ### || [42.12-13] # { له مقاليد السموات والأرض } أي خزائنهما { ~~يبسط ms2935 الرزق لمن يشاء ويقدر } يوسع ويضيق حسبما ~~تقتضيه مشيئته المؤسسة على الحكم البالغة { إنه بكل شىء ~~عليم } مبالغ في الإحاطة به فيفعل كل ما يفعل على ما ينبغي ~~أن يفعل عليه، والجملة تعليل لما قبلها وتمهيد لما بعدها من ~~قوله تعالى: { شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا ~~والذى أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم ~~وموسى وعيسى } وإيذان بأن ما شرع لهم صادر عن كمال العلم ~~والحكمة كما أن بيان نسبته إلى المذكورين عليهم الصلاة والسلام ~~تنبيه على كونه دينا قديما أجمع عليه الرسل. والخطاب لأمته ~~عليه الصلاة والسلام أي شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا ~~ومن بعده من أرباب الشرائع وأولي العزائم من مشاهير الأنبياء ~~عليهم الصلاة والسلام وأمرهم به أمرا مؤكدا، على أن ~~تخصيصهم بالذكر لما ذكر من علو شأنهم ولاستمالة قلوب الكفرة ~~إليه لاتفاق الكل على نبوة بعضهم، وتفرد اليهود في شأن موسى ~~عليه السلام وتفرد النصارى في حق عيسى عليه السلام وإلا فما من ~~نبي إلا وهو مأمور بما أمروا به، وهو عبارة عن التوحيد ودين ~~الإسلام وما لا يختلف باختلاف الأمم وتبدل الأعصار من أصول ~~الشرائع والأحكام كما ينبىء عنه التوصية فإنها معربة عن تأكيد ~~الأمر والاعتناء بشأن المأمورية والمراد بإيحائه إليه عليه ~~الصلاة والسلام إما ما ذكر في صدر السورة الكريمة وفي ~~قوله تعالى: # وكذلك أوحينا # [سورة الشورى، الآية 7] الآية أو ما يعمهما وغيرهما مما وقع في ~~سائر المواقع التي من جملتها قوله تعالى: # ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة إبرهيم حنيفا # [سورة النحل، الآية 123] وقوله تعالى: # قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلى أنما ~~إلهكم إله واحد # [سورة الكهف، الآية 110] وغير ذلك. والتعبير عن ذلك عند نسبته ~~إليه عليه الصلاة والسلام بالذي لزيادة تفخيم شأنه من تلك ~~الحيثية، وإيثار الإيحاء على ما قبله وما بعده من التوصية ~~لمراعاة ما وقع في الآيات المذكورة ولما في الإيحاء من التصريح ~~برسالته عليه الصلاة والسلام القامع لإنكار الكفرة، والالتفات ~~إلى نون العظمة لإظهار ms2936 كمال الاعتناء بإيحائه وهو السر في تقديمه ~~على ما بعده مع تقدمه عليه زمانا، وتقديم توصية نوح عليه ~~السلام للمسارعة إلى بيان كون المشروع لهم دينا قديما، وتوجيه ~~الخطاب إليه عليه الصلاة والسلام بطريق التلوين للتشريف والتنبيه ~~على أنه تعالى شرعه لهم على لسانه عليه الصلاة والسلام. { ~~أن أقيموا الدين } أي دين الإسلام الذي هو توحيد الله تعالى ~~وطاعته والإيمان بكتبه وبرسله وبيوم الجزاء وسائر ما يكون الرجل ~~به مؤمنا. والمراد بإقامته تعديل أركانه وحفظه من أن يقع فيه ~~زيغ أو المواظبة عليه والتشمر له، ومحل أن أقيموا إما النصب على ~~أنه بدل من مفعول شرع، والمعطوفين عليه أو الرفع على أنه جواب عن ~~سؤال نشأ من إبهام المشروع كأنه قيل: وما ذاك فقيل هو إقامة ~~الدين، وقيل: بدل من ضمير به وليس بذاك لما أنه مع إفضائه إلى ~~خروجه عن حيز الإيحاء إلى النبي عليه الصلاة والسلام مستلزم ~~لكون الخطاب في قوله تعالى: { ولا تتفرقوا فيه } للأنبياء ~~المذكورين عليهم الصلاة والسلام وتوجيه النهي إلى أممهم تمحل ~~ظاهر مع أن الأظهر أنه متوجه إلى أمته صلى الله عليه وسلم وأنهم ~~المتفرقون كما ستحيط به خبرا أي تتفرقوا في الدين الذي هو عبارة ~~عما ذكر من الأصول دون الفروع المختلفة حسب اختلاف الأمم ~~باختلاف الأعصار كما ينطق به قوله تعالى: # لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا # [سورة المائدة، الآية 48]. وقوله تعالى: { كبر على ~~المشركين } شروع في بيان أحوال بعض من شرع لهم ما شرع من ~~الدين القويم أي عظم وشق عليهم { ما تدعوهم إليه } من ~~التوحيد ورفض عبادة الأصنام واستبعدوه حيث قالوا: # أجعل الألهة إلها وحدا إن هذا لشىء عجاب # [سورة ص، الآية 5] وقوله تعالى: { الله يجتبى إليه من ~~يشاء } استئناف وارد لتحقيق الحق وفيه إشعار بأن منهم من يجيب ~~إلى الدعوة أي الله يجتلب إلى ما تدعوهم إليه من يشاء أن ~~يجتبيه إليه وهو من صرف اختياره إلى ما دعي إليه كما ينبىء ~~عنه قوله تعالى: { ويهدى إليه من ينيب } أي ms2937 يقبل إليه ~~حيث يمده بالتوفيق والألطاف. ### || [42.14] # وقوله تعالى: { وما تفرقوا } شروع في بيان أحوال أهل ~~الكتاب عقيب الإشارة الإجمالية إلى أحوال أهل الشرك قال ابن ~~عباس رضي الله عنهما هم اليهود والنصارى، لقوله تعالى: # وما تفرق الذين أوتوا الكتب إلا من بعد ما ~~جاءتهم البينة # [سورة البينة، الآية 4] أي وما تفرقوا في الدين الذي دعوا إليه ولم ~~يؤمنوا كما آمن بعضهم { إلا من بعد ما جاءهم العلم } ~~بحقيته بما شاهدوا في رسول الله صلى الله عليه وسلم والقرآن من ~~دلائل الحقية حسبما وجدوه في كتابهم، أو العلم بمبعثه عليه ~~الصلاة والسلام وهو استثناء مفرغ من أعم الأحوال أو من أعم ~~الأوقات أي وما تفرقوا في حال من الأحوال أو في وقت من الأوقات إلا ~~حال مجيء العلم { بغيا بينهم } وحمية وطلبا للرياسة لا ~~لأن لهم في ذلك شبهة { ولولا كلمة سبقت من ربك } ~~وهي العدة بتأخير العقوبة { إلى أجل مسمى } هو يوم ~~القيامة { لقضى بينهم } لأوقع القضاء بينهم باستئصالهم ~~لاستيجاب جناياتهم لذلك قطعا. وقوله تعالى { وإن الذين ~~أورثوا الكتب من بعدهم } الخ بيان لكيفية كفر ~~المشركين بالقرآن إثر بيان كيفية كفر أهل الكتاب. وقرىء ~~ورثوا وورثوا أي وإن المشركين الذين أورثوا القرآن من بعد ~~ما أورث أهل الكتاب كتابهم { لفى شك منه } من القرآن { ~~مريب } موقع في القلق أو في الريبة ولذلك لا يؤمنون به لا لمحض ~~البغي والمكابرة بعد ما علموا بحقيته كدأب أهل الكتابين. # هذا وأما ما قيل: من أن ضمير تفرقوا لأمم الأنبياء عليهم ~~الصلاة والسلام وأن المراد تفرق كل أمة بعد نبيها مع ~~علمهم بأن الفرقة ضلال وفساد وأمر متوعد عليه على ألسنة ~~الأنبياء عليهم الصلاة والسلام فيرده قوله تعالى: { ولولا ~~كلمة سبقت من ربك إلى أجل مسمى لقضى ~~بينهم } ، وكذا ما قيل من أن الناس أمة واحدة مؤمنين بعد ما ~~أهلك الله تعالى الأرض بالطوفان فلما مات الآباء اختلف الأبناء ~~فيما بينهم وذلك حين بعث الله تعالى النبيين مبشرين ومنذرين وجاءهم ~~العلم وإنما اختلفوا ms2938 للبغي بينهم فإن مشاهير الأمم المذكورة قد ~~أصابهم عذاب الاستئصال من غير إنظار وإمهال، على أن مساق النظم ~~الكريم لبيان أحوال هذه الأمة، وإنما ذكر من ذكر من الأنبياء ~~عليهم الصلاة والسلام لتحقيق أن ما شرع لهؤلاء دين قديم أجمع ~~عليه أولئك الأعلام عليهم الصلاة والسلام تأكيدا لوجوب إقامته وتشديدا ~~للزجر عن التفرق والاختلاف فيه فالتعرض لبيان تفرق أممهم عنه ~~ربما يوهم الإخلال بذلك المرام. ### || [42.15] # { فلذلك } أي فلأجل ما ذكر من التفرق والشك المريب أو فلأجل ~~أنه شرع لهم الدين القويم القديم الحقيق بأن ينافس فيه ~~المتنافسون { فادع } أي الناس كافة إلى إقامة ذلك الدين بموجبه ~~فإن كلا من تفرقهم وكونهم في شك مريب ومن شرع ذلك الدين لهم على ~~لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم سبب للدعوة إليه والأمر بها، ~~وليس المشار إليه ما ذكر من التوصية والأمر بالإقامة والنهي عن ~~التفرق حتى يتوهم شائبة التكرار، وقيل: المشار إليه نفس الدين ~~المشروع، واللام بمعنى إلى كما في قوله تعالى: # بأن ربك أوحى لها # [سورة الزلزلة، الآية 5] أي فإلى ذلك الدين فادع { واستقم } ~~عليه وعلى الدعوة إليه { كما أمرت } وأوحي إليك { ولا ~~تتبع أهواءهم } الباطلة { وقل ءامنت بما أنزل ~~الله من كتب } أي كتاب كان من الكتب المنزلة لا كالذين ~~آمنوا ببعض منها وكفروا ببعض، وفيه تحقيق للحق وبيان لاتفاق ~~الكتب في الأصول وتأليف لقلوب أهل الكتابين وتعريض بهم وقد مر ~~بيان كيفية الإيمان بها في خاتمة سورة البقرة { وأمرت ~~لاعدل بينكم } في تبليغ الشرائع والأحكام وفصل القضايا عند ~~المحاكمة والخصام، وقيل معناه لأسوي بيني وبينكم ولا آمركم بما لا ~~أعمله ولا أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه ولا أفرق بين أكابركم ~~وأصاغركم، واللام إما على حقيقتها والمأمور به محذوف أي أمرت ~~بذلك لأعدل، أو زائدة أي أمرت أن أعدل والباء محذوفة. { الله ~~ربنا وربكم } أي خالقنا جميعا ومتولي أمورنا { لنا ~~أعملنا } لا يتخطانا جزاؤها ثوابا كان أو عقابا { ولكم ~~أعملكم } لا تجاوزكم آثارها لنستفيد بحسناتكم ونتضرر بسيئاتكم { ~~لا ms2939 حجة بيننا وبينكم } أي لا محاجة ولا خصومة لأن ~~الحق قد ظهر ولم يبق للمحاجة حاجة ولا للمخالفة محمل سوى ~~المكابرة { الله يجمع بيننا } يوم القيامة { وإليه ~~المصير } فيظهر هناك حالنا وحالكم. وهذا كما ترى محاجزة في ~~مواقف المجاوبة لا متاركة في مواطن المحاربة حتى يصار إلى النسخ ~~بآية القتال. ### || [42.16-18] # { والذين يحاجون فى الله } أي في دينه { من بعد ما ~~استجيب له } من بعد ما استجاب له الناس ودخلوا فيه، ~~والتعبير عن ذلك بالاستجابة باعتبار دعوتهم إليه أو من بعد ما ~~استجاب الله لرسوله عليه الصلاة والسلام وأيده بنصره أو من بعد ~~ما استجاب له أهل الكتاب بأن أقروا بنبوته عليه الصلاة ~~والسلام واستفتحوا به قبل مبعثه عليه الصلاة والسلام وذلك ~~أن اليهود والنصارى كانوا يقولون للمؤمنين كتابنا قبل كتابكم ~~ونبينا قبل نبيكم ونحن خير منكم وأولى بالحق. { حجتهم ~~داحضة عند ربهم } زالة زائلة باطلة بل لا حجة لهم أصلا ~~وإنما عبر عن أباطيلهم بالحجة مجاراة معهم على زعمهم الباطل. { ~~وعليهم غضب } عظيم لمكابرتهم الحق بعد ظهوره { ولهم ~~عذاب شديد } لا يقادر قدره. # { الله الذى أنزل الكتب } أي جنس الكتاب { بالحق } ~~ملتبسا به في أحكامه وأخباره أو بما يحق إنزاله من العقائد ~~والأحكام. { والميزان } والشرع الذي يوزن به الحقوق ويسوى ~~بين الناس، أو نفس العدل بأن أنزل الأمر به أو آلة الوزن { ~~وما يدريك } أي أي شيء يجعلك عالما { لعل الساعة } ~~التي يخبر بمجيئها الكتاب الناطق بالحق { قريب } أي شيء قريب ~~أو قريب مجيئها، وقيل: القريب بمعنى ذات قرب، أو الساعة بمعنى ~~البعث والمعنى أنها على جناح الإتيان فاتبع الكتاب واعمل به ~~وواظب على العدل قبل أن يفاجئك اليوم الذي يوزن فيه الأعمال ويوفي ~~جزاؤها. # { يستعجل بها الذين لا يؤمنون بها } استعجال ~~إنكار واستهزاء، كانوا يقولون متى هي ليتها قامت حتى يظهر لنا ~~الحق أهو الذي نحن عليه أم الذي عليه محمد وأصحابه { والذين ~~ءامنوا مشفقون منها } خائفون منها مع اعتناء بها لتوقع ~~الثواب { ويعلمون أنها الحق } أي الكائن ms2940 لا محالة { ~~ألا إن الذين يمارون فى الساعة } يجادلون فيها، من ~~المرية أو من مريت الناقة إذا مسحت ضرعها بشدة للحلب لأن كلا ~~من المتجادلين يستخرج ما عند صاحبه بكلام فيه شدة { لفى ~~ضلل بعيد } عن الحق فإن البعث أشبه الغائبات بالمحسوسات فمن ~~لم يهتد إلى تجويزه فهو عن الاهتداء إلى ما وراءه أبعد وأبعد. ### || [42.19-22] # { الله لطيف بعباده } أي بر بليغ البر بهم يفيض عليهم ~~من فنون ألطافه ما لا يكاد يناله أيدي الأفكار والظنون { يرزق ~~من يشاء } أن يرزقه كيفما يشاء فيخص كلا من عباده بنوع من ~~البر على ما تقتضيه مشيئته المبنية على الحكم البالغة. { وهو ~~القوى } الباهر القدرة الغالب على كل شيء { العزيز } ~~المنيع الذي لا يغلب. { من كان يريد حرث الآخرة } الحرث ~~في الأصل إلقاء البذر في الأرض يطلق على الزرع الحاصل منه المتضمن ~~لتشبيه الأعمال بالبذور ويستعمل في ثمرات الأعمال ونتائجها بطرق ~~الاستعارة المبنية على تشبيهها بالغلال الحاصلة من البذور أي من ~~كان يريد بأعماله ثواب الآخرة { نزد له فى حرثه } نضاعف ~~له ثوابه بالواحد عشرة إلى سبعمائة فما قوقها { ومن كان يريد ~~} بأعماله { حرث الدنيا } وهو متاعها وطيباتها { نؤته ~~منها } أي شيئا منها حسبما قسمنا له لا ما يريده ويبتغيه { وما ~~له فى الآخرة من نصيب } إذ كانت همته مقصورة على الدنيا ~~وقد مر تفصيله في سورة الإسراء. # { أم لهم شركاء } أي بل ألهم شركاء من الشياطين، والهمزة ~~للتقرير والتقريع { شرعوا لهم } بالتسويل { من الدين ما ~~لم يأذن به الله } كالشرك وإنكار البعث والعمل للدنيا، ~~وقيل: شركاؤهم أوثانهم وإضافتها إليهم لأنهم الذين جعلوها شركاء ~~لله تعالى وإسناد الشرع إليها لأنها سبب ضلالتهم وافتتانهم كقوله ~~تعالى: { إنهن أضللن كثيرا } [سورة إبراهيم، الآية 36] أو ~~تماثيل من سن الضلالة لهم { ولولا كلمة الفصل } أي ~~القضاء السابق بتأخير الجزاء أو العدة بأن الفصل يكون يوم ~~القيامة { لقضى بينهم } أي بين الكافرين والمؤمنين أو بين ~~المشركين وشركائهم { وإن الظلمين لهم عذاب أليم } ~~وقرىء بالفتح عطفا على كلمة الفصل ms2941 أي ولولا كلمة الفصل وتقدير ~~عذاب الظالمين في الآخرة لقضي بينهم في الدنيا فإن العذاب ~~الأليم غالب في عذاب الآخرة. # { ترى الظلمين } يوم القيامة والخطاب لكل أحد ممن يصلح ~~له للقصد إلى أن سوء حالهم غير مختص برؤية راء دون راء { ~~مشفقين } خائفين { مما كسبوا } من السيئات { وهو ~~واقع بهم } أي ووباله لاحق بهم لا محالة أشفقوا أو لم ~~يشفقوا، والجملة حال من ضمير مشفقين أو اعتراض { والذين ~~ءامنوا وعملوا الصلحت فى روضت الجنت } ~~مستقرون في أطيب بقاعها وأنزهها { لهم ما يشاءون عند ~~ربهم } أي ما يشتهونه من فنون المستلذات حاصل لهم عند ربهم ~~على أن عند ربهم ظرف للاستقرار العامل في لهم، وقيل ظرف ~~ليشاءون { ذلك } إشارة إلى ما ذكر من حال المؤمنين، وما فيه من ~~معنى البعد للإيذان ببعد منزلة المشار إليه { هو الفضل ~~الكبير } الذي لا يقادر قدره ولا يبلغ غايته. ### || [42.23-24] # { ذلك } الفضل الكبير هو { الذى يبشر الله عباده } ~~أي يبشرهم به، فحذف الجار ثم العائد إلى الموصول كما في قوله ~~تعالى: # أهذا الذى بعث الله رسولا # [سورة الفرقان، الآية 41] أو ذلك التبشير الذي يبشره الله تعالى ~~عباده { الذين ءامنوا وعملوا الصلحات }. وقرىء ~~يبشر من أبشر. # { قل لا أسألكم عليه } روي أنه اجتمع المشركون في ~~مجمع لهم فقال بعضهم لبعض: أترون أن محمدا يسأل على ما يتعاطاه ~~أجرا فنزلت. أي لا أطلب منكم على ما أنا عليه من التبليغ والبشارة ~~{ أجرا } نفعا { إلا المودة فى القربى } أي إلا أن ~~تودون لقرابتي منكم أو تودوا أهل قرابتي، وقيل الاستثناء منقطع ~~والمعنى لا أسألكم أجرا قط ولكن أسألكم المودة. وفي القربي ~~حال منها أي إلا المودة ثابتة في القربى متمكنة في أهلها أو في ~~حق القرابة. والقربى مصدر كالزلفى بمعنى القرابة. روي ~~أنها لما نزلت # " قيل: يا رسول الله من قرابتك هؤلاء الذين وجبت علينا ~~مودتهم؟ قال علي وفاطمة وابناهما " # وعن النبي صلى الله عليه وسلم: # " حرمت الجنة على من ظلم أهل بيتي وآذاني في عترتي، ومن ~~اصطنع ms2942 صنيعة إلى أحد من ولد عبد المطلب ولم يجازه فأنا ~~أجازيه عليها غدا إذا لقيني يوم القيامة " # وقيل: القربى التقرب إلى الله أي إلا أن تودوا الله ورسوله ~~في تقربكم إليه بالطاعة والعمل الصالح. وقرىء إلا مودة في ~~القربى. { ومن يقترف حسنة } أي يكتسب أي حسنة كانت ~~فتتناول مودة ذي القربى تناولا أوليا. وعن السدي: أنها ~~المرادة، وقيل: نزلت في الصديق رضي الله عنه ومودته فيهم. { ~~نزد له فيها } أي في الحسنة { حسنا } بمضاعفة الثواب. ~~وقرىء يزد أي يزد الله وقرىء حسنى. { إن الله ~~غفور } لمن أذنب. { شكور } لمن أطاع بتوفيقه للثواب والتفضل ~~عليه بالزيادة. # { أم يقولون } بل أيقولون { افترى } محمد { على الله ~~كذبا } بدعوى النبوة وتلاوة القرآن، على أن الهمزة للإنكار ~~التوبيخي كأنه قيل: أيتمالكون أن ينسبوا مثله عليه ~~السلام. وهو هو. إلى الافتراء لا سيما الافتراء على الله الذي ~~هو أعظم الفرى وأفحشها. وقوله تعالى { فإن يشإ الله ~~يختم على قلبك } استشهاد على بطلان ما قالوا ببيان أنه ~~عليه السلام لو افترى على الله تعالى لمنعه من ذلك قطعا، ~~وتحقيقه أن دعوى كون القرآن افتراء عليه تعالى قول منهم بأنه ~~تعالى لا يشاء صدوره عن النبي صلى الله عليه وسلم بل يشاء عدم ~~صدوره عنه ومن ضرورته منعه عنه قطعا، فكأنه قيل: لو كان ~~افتراء عليه تعالى لشاء عدم صدوره عنك وإن يشأ ذلك يختم على ~~قلبك بحيث لم يخطر ببالك معنى من معانيه ولم تنطق بحرف من حروفه ~~وحيث لم يكن الأمر كذلك بل تواتر الوحي حينا فحينا تبين أنه ~~من عند الله تعالى. # هذا وقيل: المعنى إن يشأ يجعلك من المختوم على قلوبهم فإنه لا ~~بجترىء على الافتراء عليه تعالى إلا من كان كذلك ومؤداه استبعاد ~~الافتراء من مثله عليه السلام وأنه في البعد مثل الشرك بالله ~~والدخول في جملة المختوم على قلوبهم. وعن قتادة يختم على قلبك ~~ينسك القرآن ويقطع عنك الوحي. يعني لوا افترى على الله الكذب ~~لفعل به ذلك، وهذا معنى ما قيل: ms2943 لو كذب على الله لأنساه القرآن، ~~وقيل: يختم على قلبك يربط عليه بالصبر حتى لا يشق عليك ~~أذاهم. # { ويمح الله البطل ويحق الحق بكلمته } ~~استئناف مقرر لنفي الافتراء غير معطوف على يختم كما ينبىء عنه ~~إظهار الاسم الجليل، وسقوط الواو كما في بعض المصاحف لاتباع ~~اللفظ كما في قوله تعالى: # ويدع الإنسن بالشر # [سورة الإسراء، الآية 11] أي ومن عادته أنه تعالى يمحو الباطل ~~ويثبت الحق بوحيه أو بقضائه كقول الله تعالى: # بل نقذف بالحق على البطل فيدمغه # [سورة الأنبياء، الآية 18] فلو كان افتراء كما زعموا لمحقه ودمغه. ~~أو عدة لرسول الله صلى الله عليه وسلم بأنه تعالى يمحو الباطل ~~الذي هم عليه من البهت والتكذيب ويثبت الحق الذي هو عليه بالقرآن ~~أو بقضائه الذي لا مرد له بنصرته عليهم. { إنه عليم بذات ~~الصدور } فيجري عليها أحكامها اللائقة من المحو والإثبات. ### || [42.25-26] # { وهو الذى يقبل التوبة عن عباده } التوبة هي ~~الرجوع عن المعاصي بالندم عليها والعزم على أن لا يعاودها أبدا. ~~وروى جابر رضي الله عنه أن أعرابيا دخل مسجد رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، وقال: اللهم إني أستغفرك وأتوب إليك وكبر ~~فلما فرغ من صلاته قال له علي رضي الله عنه يا هذا إن سرعة ~~اللسان بالاستغفار توبة الكذابين وتوبتك هذه تحتاج إلى ~~التوبة فقال يا أمير المؤمنين، وما التوبة قال اسم يقع على ستة ~~معان: على الماضي من الذنوب الندامة، ولتضييع الفرائض الإعادة ~~ورد المظالم وإذابة النفس في الطاعة كما ربيتها في المعصية ~~وإذقتها مرارة الطاعة كما أذقتها حلاوة المعصية والبكاء بدل كل ~~ضحك ضحكته. { ويعفوا عن السيئت } صغيرها وكبيرها لمن ~~يشاء { ويعلم ما تفعلون } كائنا ما كان من خير وشر ~~فيجازي ويتجاوز حسبما تقتضيه مشيئته المبنية على الحكم والمصالح. ~~وقرىء ما تفعلون بالتاء. { ويستجيب الذين ءامنوا ~~وعملوا الصلحت } أي يستجيب الله لهم فحذف اللام كما في ~~قوله تعالى: { وإذا كالوهم } [سورة المطففين، الآية 3] أي كالوا ~~لهم، والمراد إجابة دعوتهم والإثابة على طاعتهم فإنها كدعاء ~~وطلب لما يترتب ms2944 عليها، ومنه قوله عليه السلام: # " أفضل الدعاء الحمد لله " # أو يستجيبون بالطاعة إذا دعاهم إليها. وعن إبراهيم بن أدهم ~~أنه قيل له ما بالنا ندعو فلا نجاب قال لأنه دعاكم ولم ~~تجيبوه ثم قرأ: # والله يدعو إلى دار السلام # [سورة يونس، الآية 25] { ويزيدهم من فضله } على ما سألوا ~~واستحقوا بموجب الوعد. { والكفرون لهم عذاب شديد }. ~~بدل ما للمؤمنين من الثواب والفضل المزيد. ### || [42.27-29] # { ولو بسط الله الرزق لعباده لبغوا فى الأرض ~~} لتكبروا وأفسدوا فيها بطرا أو لعلا بعضهم على بعض ~~بالاستيلاء والاستعلاء، كما عليه الجبلة البشرية. وأصل البغي ~~طلب تجاوز الاقتصاد فيما يتحرى من حيث الكمية أو الكيفية { ~~ولكن ينزل بقدر } أي بتقدير { ما يشاء } أن ينزله ~~مما تقتضيه مشيئته { إنه بعباده خبير بصير } محيط ~~بخفايا أمورهم وجلاياها فيقدر لكل واحد منهم في كل وقت من ~~أوقاتهم ما يليق بشأنهم فيفقر ويغني ويمنع ويعطي ويقبض ~~ويبسط حسبما تقتضيه الحكمة الربانية. ولو أغناهم جميعا لبغوا ~~ولو أفقرهم لهلكوا. وروي أن أهل الصفة تمنوا الغنى ~~فنزلت وقيل: نزلت في العرب كانوا إذا أخصبوا تحاربوا وإذا أجدبوا ~~انتجعوا. # { وهو الذى ينزل الغيث } أي المطر الذي يغيثهم من الجدب ~~ولذلك خص بالنافع منه. وقرىء ينزل من الانزال { من بعد ما ~~قنطوا } يئسوا منه وتقييد تنزيله بذلك مع تحققه بدونه أيضا ~~لتذكر كمال النعمة. وقرىء بكسر النون { وينشر رحمته } أي ~~بركات الغيث ومنافعه في كل شيء من السهل والجبل والنبات ~~والحيوان، أو رحمته الواسعة المنتظمة لما ذكر انتظاما أوليا { ~~وهو الولى } الذي يتولى عباده بالإحسان ونشر الرحمة { ~~الحميد } المستحق للحمد على ذلك لا غيره. { ومن ءايته ~~خلق السموات والأرض } على ما هما عليه من تعاجيب الصنائع ~~فإنها بذاتها وصفاتها تدل على شؤونه العظيمة { وما بث ~~فيهما } عطف على السموات أو الخلق { من دابة } من حي، على ~~إطلاق اسم المسبب على السبب أو مما يدب على الأرض فإن ما ~~يختص بأحد الشيئين المتجاورين يصح نسبته إليهما كما في قوله ~~تعالى: # يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان # [سورة الرحمن، ms2945 الآية 22] وإنما يخرج من الملح. وقد جوز أن يكون ~~للملائكة عليهم السلام مشي مع الطيران فيوصفوا بالدبيب وأن يخلق ~~الله في السماء حيوانا يمشون فيها مشي الأناسي على الأرض كما ~~ينبىء عنه قوله تعالى: # ويخلق ما لا تعلمون # [سورة النحل، الآية 8] وقد روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " فوق السماء السابعة بحر من أسفله وأعلاه كما بين السماء ~~والأرض ثم فوق ذلك ثمانية أوعال بين ركبهن وأظلافهن كما ~~بين السماء والأرض ثم فوق ذلك العرش العظيم " # { وهو على جمعهم } أي حشرهم بعد البعث للمحاسبة. وقوله ~~تعالى: { إذا يشاء } متعلق بما قبله لا بقوله تعالى { قدير } ~~فإن المقيد بالمشيئة جمعه تعالى لا قدرته، وإذا عند كونها ~~بمعنى الوقت كما تدخل الماضي تدخل المضارع. ### || [42.30-35] # { وما أصبكم من مصيبة } أي مصيبة كانت { فبما ~~كسبت أيديكم } أي فهي بسبب معاصيكم التي اكتسبتموها. ~~والفاء لأن ما شرطية أو متضمنة لمعنى الشرط. وقرىء بدونها ~~اكتفاء بما في الباء من معنى السببية. { ويعفوا عن كثير } ~~من الذنوب فلا يعاقب عليها. والآية مخصوصة بالمجرمين فإن ما أصاب ~~غيرهم لأسباب أخرى منها تعريضه للثواب بالصبر عليه { وما ~~أنتم بمعجزين فى الأرض } فائتين ما قضي عليكم من ~~المصائب وإن هربتم من أقطارها كل مهرب. { وما لكم من دون ~~الله من ولي } يحميكم منها { ولا نصير } يدفعها عنكم. # { ومن ءايته الجوار } السفن الجارية { فى البحر } ~~وقرىء الجواري { كالأعلم } أي كالجبال على الإطلاق لا ~~التي عليها النار للاهتداء خاصة. { إن يشأ يسكن الريح } ~~التي تجريها. وقرىء الرياح. { فيظللن رواكد على ~~ظهره } فيبقين ثوابت على ظهر البحر أي غير جاريات لا غير ~~متحركات أصلا. { إن فى ذلك } الذي ذكر من السفن اللاتي ~~يجرين تارة ويركدن أخرى على حسب مشيئته تعالى { لايات } ~~عظيمة في أنفسها كثيرة في العدد دالة على ما ذكر من شؤونه ~~تعالى. { لكل صبار شكور } لكل من حبس نفسه عن التوجه ~~إلى ما لا ينبغي ووكل همته بالنظر في آيات الله تعالى ~~والتفكر في آلائه أو لكل مؤمن ms2946 كامل، فإن الإيمان نصفه صبر ~~ونصفه شكر. { أو يوبقهن بما كسبوا } عطف على يسكن ~~والمعنى إن يشأ يسكن الريح فيركدن أو يرسلها فيغرقن بعصفها. ~~وإيقاع الإيباق عليهن مع أنه حال أهلهن للمبالغة والتهويل. ~~وإجراء حكمه على العفو في قوله تعالى { ويعف عن كثير } ~~لما أن المعنى أو يرسلها فيوبق ناسا وينج آخرين بطريق العفو ~~عنهم. وقرىء ويعفو على الاستئناف { ويعلم الذين ~~يجدلون فى ءايتنا } عطف على علة مقدرة مثل لينتقم منهم ~~وليعلم الخ كما في قوله تعالى: # ولنجعله ءاية للناس # [سورة مريم، الآية 21] وقوله: # ولنعلمه من تأويل الأحاديث # [سورة يوسف، الآية 31] ونظائرهما. وقرىء بالرفع على الاستئناف ~~وبالجزم عطفا على يعف فيكون المعنى وإن يشأ يجمع بين إهلاك ~~قوم وإنجاء قوم وتحذير قوم. { ما لهم من محيص } أي من ~~مهرب من العذاب. والجملة معلق عنها الفعل. ### || [42.36-40] # { فما أوتيتم من شىء } مما ترغبون وتتنافسون فيه. { ~~فمتع الحيوة الدنيا } أي فهو متاعها تتمتعون به مدة ~~حياتكم { وما عند الله } من ثواب الآخرة { خير } ذاتا ~~لخلوص نفعه { وأبقى } زمانا حيث لا يزول ولا يفنى { ~~للذين ءامنوا وعلى ربهم يتوكلون } لا على غيره ~~أصلا. والموصول الأول لما كان متضمنا لمعنى الشرط من حيث أن ~~إيتاء ما أوتوا سبب للتمتع بها في الحياة الدنيا دخلت جوابها ~~الفاء بخلاف الثاني. وعن علي رضي الله عنه أنه تصدق أبو بكر ~~رضي الله عنه بماله كله فلامه جمع من المسلمين فنزلت. وقوله ~~تعالى: # { والذين يجتنبون كبئر الإثم } أي الكبائر من هذا ~~الجنس { والفوحش وإذا ما غضبوا هم يغفرون } مع ما ~~بعده عطف على الذين آمنوا، أو مدح بالنصب أو الرفع وبناء ~~يغفرون على الضمير خبرا له للدلالة على أنهم الأخصاء ~~بالمغفرة حال الغضب لعزة منالها وقرىء كبير الإثم وعن ابن ~~عباس رضي الله عنهما كبير الإثم الشرك. { والذين ~~استجابوا لربهم وأقاموا الصلوة } نزل في الأنصار ~~دعاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الإيمان فاستجابوا له. { ~~وأمرهم شورى بينهم } أي ذو شورى لا ينفردون برأي حتى ~~يتشاوروا ويجتمعوا ms2947 عليه وكانوا قبل الهجرة وبعدها إذا حزبهم ~~أمر اجتمعوا وتشاوروا { ومما رزقنهم ينفقون } أي في ~~سبيل الخير، ولعل فصله عن قرينه بذكر المشاورة لوقوعها عند ~~اجتماعهم للصلوات. { والذين إذا أصابهم البغى هم ~~ينتصرون } أي ينتقمون ممن بغى عليهم على ما جعله الله ~~تعالى لهم كراهة التذلل، وهو وصف لهم بالشجاعة بعد وصفهم بسائر ~~مهمات الفضائل وهذا لا ينافي وصفهم بالغفران فإن كلا ~~منهما فضيلة محمودة في موقع نفسه، ورذيلة مذمومة في موقع صاحبه، ~~فإن الحلم عن العاجز وعوراء الكرام محمود وعن المتغلب ولغواء ~~اللئام مذموم فإنه إغراء على البغي، وعليه قول من قال # إذا أنت أكرمت الكريم ملكته # وإن أنت أكرمت اللئيم تمردا # فوضع الندى في موضع السيف بالعلا # مضر كوضع السيف في موضع الندى # وقوله تعالى: { وجزاء سيئة سيئة مثلها } بيان لوجه ~~كون الانتصار من الخصال الحميدة مع كونه في نفسه إساءة إلى ~~الغير، بالإشارة إلى أن البادىء هو الذي فعله لنفسه، فإن ~~الأفعال مستتبعة لأجزيتها حتما إن خيرا فخير وإن شرا فشر، ~~وفيه تنبيه على حرمة التعدي، وإطلاق السيئة على الثانية ~~لأنها تسوء من نزلت به { فمن عفا } عن المسيء إليه { ~~وأصلح } بينه وبين من يعاديه بالعفو والإغضاء كما في ~~قوله تعالى: # فإذا الذى بينك وبينه عداوة كأنه ولى ~~حميم # [سورة فصلت، الآية 34] { فأجره على الله } عدة مبهمة ~~منبئة عن عظم شأن الموعود وخروجه عن الحد المعهود. { إنه ~~لا يحب الظلمين } البادئين بالسيئة والمتعدين في ~~الانتقام. ### || [42.41-45] # { ولمن انتصر بعد ظلمه } أي بعد ما ظلم، وقد ~~قرىء به. { فأولئك } إشارة إلى من باعتبار المعنى، كما ~~أن الضميرين لها باعتبار اللفظ. { ما عليهم من سبيل } ~~بالمعاتبة أو المعاقبة { إنما السبيل على الذين ~~يظلمون الناس } يبتدئونهم بالإضرار أو يعتدون في الانتقام. ~~{ ويبغون فى الأرض بغير الحق } أي يتكبرون فيها ~~تجبرا وفسادا { أولئك } الموصوفون بما ذكر من الظلم ~~والبغي بغير الحق { لهم عذاب أليم } بسبب ظلمهم وبغيهم { ~~ولمن صبر } على الأذى { وغفر } لمن ظلمه ولم ينتصر ~~وفوض أمره إلى الله تعالى ms2948 { إن ذلك } الذي ذكر من ~~الصبر والمغفرة { لمن عزم الأمور } أي إن ذلك منه، ~~فحذف ثقة بغاية ظهوره كما في قولهم السمن منوان بدرهم، وهذا ~~في المواد التي لا يؤدي العفو إلى الشر كما أشير إليه. { ~~ومن يضلل الله فما له من ولى من بعده } من ناصر ~~يتولاه من بعد خذلانه تعالى إياه. { وترى الظلمين ~~لما رأوا العذاب } أي حين يرونه. وصيغة الماضي ~~للدلالة على التحقق. { يقولون هل إلى مرد } أي إلى ~~رجعة إلى الدنيا { من سبيل } حتى نؤمن ونعمل صالحا. { ~~وتراهم يعرضون عليها } أي على النار المدلول عليها ~~بالعذاب، والخطاب في الموضعين لكل من يتأتى منه الرؤية. { ~~خشعين من الذل } متذللين متضائلين مما دهاهم. { ~~ينظرون من طرف خفى } أي يبتدىء نظرهم إلى النار من ~~تحريك لأجفانهم ضعيف كالمصبور ينظر إلى السيف. { وقال الذين ~~ءامنوا إن الخسرين } أي المتصفين بحقيقة الخسران { ~~الذين خسروا أنفسهم وأهليهم } بالتعريض للعذاب ~~الخالد. { يوم القيمة } إما ظرف لخسروا فالقول في ~~الدنيا أو لقال، فالقول يوم القيامة أي يقولون حين يرونهم على ~~تلك الحال. وصيغة الماضي للدلالة على تحققه. وقوله تعالى: { ألا ~~إن الظلمين فى عذاب مقيم } إما من تمام كلامهم، أو ~~تصديق من الله تعالى لهم. ### || [42.46-49] # { وما كان لهم من أولياء ينصرونهم } برفع العذاب ~~عنهم { من دون الله } حسبما كانوا يرجون ذلك في الدنيا { ~~ومن يضلل الله فما له من سبيل } يؤدي سلوكه إلى ~~النجاة. # { استجيبوا لربكم } إذا دعاكم إلى الإيمان على لسان ~~نبيه { من قبل أن يأتى يوم لا مرد له من ~~الله } أي لا يرده الله بعد ما حكم به على أن من صلة ~~مرد أو من قبل أن يأتي من الله يوم لا يمكن رده. { ما ~~لكم من ملجأ يومئذ } أي مفر تلتجئون إليه. { وما ~~لكم من نكير } أي إنكار لما اقترفتموه لأنه مدون في صحائف ~~أعمالكم وتشهد عليكم جوارحكم. { فإن أعرضوا فما ~~أرسلنك عليهم حفيظا } تلوين للكلام، وصرف له عن خطاب ~~الناس بعد أمرهم بالاستجابة، وتوجيه له إلى الرسول عليه ms2949 الصلاة ~~والسلام أي فإن لم يستجيبوا وأعرضوا عما تدعوهم إليه فما أرسلناك ~~رقيبا ومحاسبا عليهم. { إن عليك إلا البلغ } وقد فعلت. ~~{ وإنا إذا أذقنا الإنسن منا رحمة } أي نعمة من ~~الصحة والغنى والأمن { فرح بها } أريد بالإنسان الجنس؛ لقوله ~~تعالى: { وإن تصبهم سيئة } أي بلاء من مرض وفقر وخوف. { ~~بما قدمت أيديهم فإن الإنسن كفور } بليغ الكفر ~~ينسى النعمة رأسا ويذكر البلية ويستعظمها ولا يتأمل سببها بل ~~يزعم أنها أصابته بغير استحقاق لها، وإسناد هذه الخصلة إلى الجنس ~~مع كونها من خواص المجرمين لغلبتهم فيما بين الأفراد، وتصدير ~~الشرطية الأولى بإذا مع إسناد الإذاقة إلى نون العظمة للتنبيه ~~على أن إيصال النعمة محقق الوجود كثير الوقوع وأنه مقتضى ~~الذات، كما أن تصدير الثانية بإن وإسناد الإصابة إلى السيئة ~~وتعليلها بأعمالهم للإيذان بندرة وقوعها وأنها بمعزل عن ~~الانتظام في سلك الإرادة بالذات. ووضع الظاهر موضع الضمير ~~للتسجيل على أن هذا الجنس موسوم بكفران النعم. # { لله ملك السموات والأرض } فمن قضيته أن يملك ~~التصرف فيهما وفي كل ما فيهما كيفما يشاء ومن جملته أن يقسم ~~النعمة والبلية حسبما يريده. { يخلق ما يشاء } مما تعلمه ~~ومما لا تعلمه { يهب لمن يشاء إنثا } من الأولاد { ~~ويهب لمن يشاء الذكور } منهم من غير أن يكون في ذلك ~~مدخل لأحد. ### || [42.50-51] # { أو يزوجهم } أي يقرن بين الصنفين فيهبهما جميعا { ~~ذكرانا وإنثا } قالوا معنى يزوجهم أن تلد غلاما ~~ثم جارية أو جارية ثم غلاما أو تلد ذكرا وأنثى توأمين. { ~~ويجعل من يشاء عقيما } والمعنى يجعل أحوال العباد في ~~حق الأولاد مختلفة على ما تقتضيه المشيئة فيهن فيهب لبعض إما ~~صنفا واحدا من ذكر أو أنثى وإما صنفين ويعقم آخرين. ولعل ~~تقديم الإناث لأنها أكثر لتكثير النسل أولأن مساق الآية ~~للدلالة على أن الواقع ما تتعلق به مشيئته تعالى لا ما تتعلق به ~~مشيئة الإنسان والإناث كذلك أو لأن الكلام في البلاء والعرب ~~تعدهن أعظم البلايا أو لتطييب قلوب آبائهن أو للمحافظة على ~~الفواصل ولذلك عرف الذكور أو ms2950 لجبر التأخير. وتغيير العاطف في ~~الثالث لأنه قسيم المشترك بين القسمين ولا حاجة إليه في الرابع ~~لإفصاحه بأن قسيم المشترك بين الأقسام المتقدمة وقيل: المراد ~~بيان أحوال الأنبياء عليهم السلام حيث وهب لشعيب ولوط إناثا ~~ولإبراهيم ذكورا وللنبي صلى الله عليه وسلم ذكورا وإناثا وجعل ~~يحيى وعيسى عقيمين { إنه عليم قدير } مبالغ في العلم ~~والقدرة فيفعل ما فيه حكمة ومصلحة. # { وما كان لبشر } أي وما صح لفرد من أفراد البشر { أن ~~يكلمه الله } بوجه من الوجوه { إلا وحيا } أي إلا ~~بأن يوحي إليه ويلهمه ويقذف في قلبه كما أوحى إلى أم موسى ~~وإلى إبراهيم عليهما السلام في ذبح ولده، وقد روي عن مجاهد: ~~أوحى الله الزبور إلى داود عليه السلام في صدره. أو بأن ~~يسمعه كلامه الذي يخلقه في بعض الأجرام من غير أن يبصر من ~~يكلمه وهو المراد بقوله تعالى { أو من وراء حجاب } فإنه ~~تمثيل له بحال الملك المحتجب الذي يكلم بعض خواصه من وراء ~~الحجاب يسمع صوته ولا يرى شخصه وذلك كما كلم موسى وكما ~~يكلم الملائكة عليهم السلام أو بأن يكلمه بواسطة الملك. ~~وذلك قوله تعالى { أو يرسل رسولا } أي ملكا { فيوحى } ~~ذلك الرسول إلى المرسل إليه الذي هو الرسول البشري { بإذنه ~~} أي بأمره تعالى وتيسيره { ما يشاء } أن يوحيه إليه وهذا هو ~~الذي يجري بينه تعالى وبين الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ~~في عامة الأوقات من الكلام، وقيل: قوله تعالى وحيا وقوله تعالى ~~أو يرسل مصدران واقعان موقع الحال وقوله تعالى أو من وراء حجاب ~~ظرف واقع موقعها، والتقدير وما صح أن يكلم إلا موحيا أو ~~مسمعا من وراء حجاب أو مرسلا. وقرىء أو يرسل بالرفع على إضمار ~~مبتدأ، وروي أن اليهود قالت للنبي عليه الصلاة والسلام ~~ألا تكلم الله وتنظر إليه إن كنت نبيا كما كلمه موسى ونظر ~~إليه فإنا لن نؤمن حتى تفعل ذلك فقال عليه السلام لم بنظر ~~موسى عليه السلام إلى الله تعالى فنزلت. وعن عائشة رضي الله ~~عنها: " من زعم أن ms2951 محمدا رأى ربه فقد أعظم على الله الفرية، ~~ثم قالت رضي الله عنها: أو لم تسمعوا ربكم يقول فتلت هذه ~~الآية ". { إنه على } متعال عن صفات المخلوقين لا يتأتى ~~جريان المفاوضة بينه تعالى وبينهم إلا بأحد الوجوه المذكورة ~~{ حكيم } يجري أفعاله على سنن الحكمة فيكلم تارة بواسطة ~~وأخرى بدونها إما إلهاما وإما خطابا. ### || [42.52-53] # { وكذلك } أي ومثل ذلك الإيحاء البديع { أوحينا إليك ~~روحا من أمرنا } هو القرآن الذي هو للقلوب بمنزلة الروح ~~للأبدان حيث يحييها حياة أبدية، وقيل: هو جبريل عليه ~~السلام. ومعنى إيحائه إليه عليهما السلام إرساله إليه بالوحي ~~{ ما كنت تدرى } قبل الوحي { ما الكتب } أي أي شيء ~~هو { ولا الإيمن } أي الإيمان بتفاصيل ما في تضاعيف الكتاب ~~من الأمور التي لا تهتدي إليها العقول لا الإيمان بما يستقل به ~~العقل والنظر فإن درايته عليه الصلاة والسلام له مما لا ~~ريب فيه قطعا { ولكن جعلنه } أي الروح الذي أوحيناه ~~إليك { نورا نهدى به من نشاء } هدايته { من عبادنا ~~} وهو الذي يصرف اختياره نحو الاهتداء به. وقوله تعالى { ~~وإنك لتهدى } تقرير لهدايته تعالى وبيان لكيفيتها. ومفعول ~~لتهدي محذوف ثقة بغاية الظهور أي إنك لتهدي بذلك النور من ~~نشاء هدايته { إلى صرط مستقيم } هو الإسلام وسائر ~~الشرائع والأحكام. وقرىء لتهدى أي ليهديك الله، وقرىء ~~لتدعو { صرط الله } بدل من الأول وإضافته إلى الاسم الجليل ~~ثم وصفه بقوله تعالى { الذى له ما فى السموات وما ~~في الأرض } لتفخيم شأنه وتقرير استقامته وتأكيد وجوب سلوكه ~~فإن كون جميع ما فيهما من الموجودات له تعالى خلقا وملكا ~~وتصرفا مما يوجب ذلك أتم إيجاب. { ألا إلى الله تصير ~~الأمور } أي أمور ما فيهما قاطبة لا إلى غيره ففيه من الوعد ~~للمهتدين إلى الصراط المستقيم والوعيد للضالين عنه ما لا يخفي. # عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " من قرأ سورة حم عسق كان ممن تصلي عليه الملائكة ~~ويستغفرون ويسترحمون له ". ### | [43 - سورة الزخرف] ### || [43.1-8] # سورة الزخرف مكية، وقيل إلا قوله: " واسأل من أرسلنا " وآياتها ms2952 تسع ~~وثمانون. # { حم } الكلام فيه كالذي مر في فاتحة سورة يس خلا أن ~~الظاهر على تقدير اسميته كونه اسما للقرآن لا للسورة كما قيل: ~~فإن ذلك مخل بجزالة النظم الكريم { والكتب } بالجر ~~على أنه مقسم به إما ابتداء أو عطفا على حم على تقدير كونه ~~مجرورا بإضمار باء القسم، على أن مدار العطف المغايرة في ~~العنوان، ومناط تكرير القسم المبالغة في تأكيد مضمون الجملة ~~القسمية { المبين } أي البين لمن أنزل عليهم لكونه بلغتهم ~~وعلى أساليبهم، أو المبين لطريق الهدى من طريق الضلالة الموضح ~~لكل ما يحتاج إليه في أبواب الديانة. { إنا جعلنه ~~قرءانا عربيا } جواب للقسم لكن لا على أن مرجع التأكيد ~~جعله كذلك كما قيل بل ما هو غايته التي يعرب عنها قوله تعالى { ~~لعلكم تعقلون } فإنها المحتاجة إلى التحقيق والتأكيد ~~لكونها منبئة عن الاعتناء بأمرهم وإتمام النعمة عليهم وإزاحة ~~أعذارهم، أي جعلنا ذلك الكتاب قرآنا عربيا لكي تفهموه وتحيطوا ~~بما فيه من النظم الرائق والمعنى الفائق ولتقفوا على ما يتصمنه ~~من الشواهد الناطقة بخروجه عن طوق البشر وتعرفوا حق النعمة في ~~ذلك وتنقطع أعذاركم بالكلية. { وإنه فى أم الكتب } أي ~~في اللوح المحفوظ، فإنه أصل الكتب السماوية. وقرىء إم ~~الكتاب بالكسر { لدينا } أي عندنا { لعلى } رفيع القدر ~~بين الكتب شريف. { حكيم } ذو حكمة بالغة، أو محكم وهما ~~خبران لإن وما بينهما بيان لمحل الحكم، كأنه قيل بعد ~~بيان اتصافه بما ذكر من الوصفين الجليلين: هذا في أم الكتاب ~~ولدينا. والجملة إما عطف على الجملة المقسم عليها، داخلة في ~~حكمها ففي الإقسام بالقرآن على علو قدره عنده تعالى براعة ~~بديعة وإيذان بأنه من علو الشأن بحيث لا يحتاج في بيانه إلى ~~الاستشهاد عليه بالإقسام بغيره بل هو بذاته كاف في الشهادة على ~~ذلك من حيث الإقسام به كما أنه كاف فيها من حيث إعجازه ورمز ~~إلى أنه لا يخطر بالبال عند ذكره شيء آخر منه بالإقسام به. ~~وإما مستأنفة مقررة لعلو شأنه الذي أنبأ عنه الإقسام به على ~~منهاج ms2953 الاعتراض في قوله تعالى: # وإنه لقسم لو تعلمون عظيم # [سورة الواقعة، الآية 76] وبعدما بين علو شأن القرآن العظيم ~~وحقق أن إنزاله على لغتهم ليعقلوه ويؤمنوا به ويعملوا بموجبه ~~عقب ذلك بإنكار أن يكون الأمر بخلافه فقيل { أفنضرب ~~عنكم الذكر } أي ننحيه ونبعده عنكم. مجاز من قولهم: ضرب ~~الغرائب عن الحوض، وفيه إشعار باقتضاء الحكمة توجه الذكر إليهم ~~وملازمته لهم كأنه يتهافت عليهم. والفاء للعطفه على محذوف يقتضيه ~~المقام أي أنهملكم فننحى الذكر عنكم { صفحا } أي إعراضا عنكم ~~على أنه مفعول له للمذكور أو مصدر مؤكد لما دل هو عليه فإن ~~التنحية منبئة عن الصفح والإعراض قطعا كأنه قيل: أفنصفح عنكم ~~صفحا أو بمعنى الجانب فينتصب على الظرفية أي أفننحيه عنكم جانبا ~~{ أن كنتم قوما مسرفين } أي لأن كنتم منهمكين في ~~الإسراف مصرين عليه على معنى إن حالكم وإن اقتضى ~~تخليتكم وشأنكم حتى تموتوا على الكفر والضلالة وتبقوا في ~~العذاب الخالد لكنا لسعة رحمتنا لا نفعل ذلك بل نهديكم إلى ~~الحق بإرسال الرسول الأمين وإنزال الكتاب المبين. # وقرىء بالكسر على أن الجملة شرطية مخرجة للمحقق مخرج ~~المشكوك لاستجهالهم، والجزاء محذوف ثقة بدلالة ما قبله عليه. ~~وقوله تعالى: { وكم أرسلنا من نبي فى الأولين } { ~~وما يأتيهم من نبى إلا كانوا به يستهزءون } ~~تقرير لما قبله ببيان أن إسراف الأمم السالفة لم يمنعه تعالى ~~من إرسال الأنبياء إليهم، وتسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم عن ~~استهزاء قومه به. وقوله تعالى { فأهلكنا أشد منهم ~~بطشا } أي من هؤلاء المسرفين، عدة له عليه الصلاة ~~والسلام، ووعيد لهم بمثل ما جرى على الأولين، ووصفهم بأشدية ~~البطش لإثبات حكمهم لهؤلاء بطريق الأولوية. { ومضى مثل ~~الأولين } أي سلف في القرآن غير مرة ذكر قصتهم التي ~~حقها أن تسير مسير المثل. ### || [43.9-10] # { ولئن سألتهم من خلق السموات والأرض ~~ليقولن خلقهن العزيز العليم } أي ليسندن خلقها ~~إلى من هذا شأنه في الحقيقة وفي نفس الأمر، لا أنهم يعبرون ~~عنه بهذا العنوان. وسلوك هذه الطريقة للإشعار بأن اتصافه تعالى ~~بما ms2954 سرد من جلائل الصفات والأفعال وبما يستلزمه ذلك من البعث ~~والجزاء أمر بين لا ريب فيه وأن الحجة قائمة عليهم شاؤا أو ~~أبوا. وقد جوز أن يكون ذلك عين عبارتهم. وقوله تعالى { الذى ~~جعل لكم الأرض مهدا } استئناف من جهته تعالى أي بسطها ~~لكم تستقرون فيها. { وجعل لكم فيها سبلا } تسلكونها في ~~أسفاركم { لعلكم تهتدون } أي لكي تهتدوا بسلوكها إلى ~~مقاصدكم أو بالتفكر فيها إلى التوحيد الذي هو المقصد الأصلي. ### || [43.11-14] # { والذى نزل من السماء ماء بقدر } بمقدار تقتضيه ~~مشيئته المبنية على الحكم والمصالح. { فأنشرنا به } أي ~~أحيينا بذلك الماء { بلدة ميتا } خاليا عن النماء والنبات ~~بالكلية. وقرىء ميتا بالتشديد. وتذكيره لأن البلدة في ~~معنى البلد والمكان. والالتفات إلى نون العظيمة لإظهار كمال ~~العناية بأمر الإحياء، والإشعار بعظم خطره { كذلك } أي مثل ~~ذلك الإحياء الذي هو في الحقيقة إخراج النبات من الأرض { ~~تخرجون }. أي تبعثون من قبوركم أحياء. وفي التعبير عن إخراج ~~النبات بالإنشار الذي هو إحياء الموتى وعن إحيائهم بالإخراج ~~تفخيم لشأن الإنبات وتهوين لأمر العبث لتقويم سنن الاستدلال ~~وتوضيح منهاج القياس. # { والذى خلق الأزوج كلها } أي أصناف المخلوقات. وعن ~~ابن عباس رضي الله عنهما الأزواج: الضروب والأنواع كالحلو ~~والحامض والأبيض والأسود والذكر والأنثى. وقيل: كل ما سوى ~~الله تعالى فهو زوج كالفوق والتحت واليمين واليسار إلى غير ذلك. { ~~وجعل لكم من الفلك والأنعم ما تركبون } أي ما ~~تركبونه تغليبا للأنعام على الفلك فإن الركوب متعد بنفسه، ~~واستعماله في الفلك ونحوها بكلمة في للرمز إلى مكانيتها وكون ~~حركتها غير إرادية كما مر في سورة هود عند قوله تعالى: # وقال اركبوا فيها # [سورة هود، الآية 41] { لتستووا على ظهوره } أي لتستعلوا ~~على ظهور ما تركبونه من الفلك والأنعام، والجمع باعتبار المعنى ~~{ ثم تذكروا نعمة ربكم إذا استويتم عليه } ~~أي تذكروها بقلوبكم معترفين بها مستعظمين لها، ثم تحمدوا عليها ~~بألسنتكم. { وتقولوا سبحن الذى سخر لنا هذا } ~~متعجبين من ذلك، كما يروي # " عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان إذا وضع رجله ms2955 في الركاب ~~قال: " بسم الله فإذا استوى على الدابة قال الحمد لله على كل حال ~~سبحان الذي سخر لنا هذا " إلى قوله تعالى " لمنقلبون " وكبر ~~ثلاثا وهلل ثلاثا " # { وما كنا له مقرنين } أي مطيقين من أقرن الشيء إذا ~~أطاقه وأصله وجده قرينته لأن الصعب لا يكون قرينة للضعيف. ~~وقرىء بالتشديد، والمعنى واحد. وهذا من تمام ذكر نعمته تعالى ~~إذ بدون اعتراف المنعم عليه بالعجز عن تحصيل النعمة، لا يعرف ~~قدرها ولا حق المنعم بها. { وإنا إلى ربنا لمنقلبون } ~~أي راجعون وفيه إيذان بأن حق الراكب أن يتأمل فيما يلابسه من ~~المسير ويتذكر منه المسافرة العظمى التي هي الانقلاب إلى الله ~~تعالى فيبنى أموره في مسيره ذلك على تلك الملاحظة ولا يخطر ~~بباله في شيء مما يأتي ويذر أمرا ينافيها ومن ضرورته أن يكون ~~ركوبه لأمر مشروع. ### || [43.15-18] # { وجعلوا له من عباده جزءا } متصل بقوله تعالى ولئن ~~سألتهم. الخ أي وقد جعلوا له سبحانه بألسنتهم واعتقادهم بعد ذكل ~~الاعتراف من عباده ولدا وإنما عبر عنه بالجزء لمزيد استحالته ~~في حق الواحد الحق من جميع الجهات. وقرىء جزؤا بضمتين. { ~~إن الإنسن لكفور مبين } ظاهر الكفران مبالغ فيه ~~ولذلك يقولون ما يقولون، سبحان الله عما يصفون. { أم اتخذ ~~مما يخلق بنات } أم منقطعة وما فيها من معنى بل ~~للانتقال من بيان بطلان جعلهم له تعالى ولدا على الإطلاق إلى ~~بيان بطلان جعلهم ذلك الولد من أخس صنفيه. والهمزة للإنكار ~~والتوبيخ والتعجيب من شأنهم. وقوله تعالى { وأصفكم ~~بالبنين } إما عطف على اتخذ داخل في حكم الإنكار والتعجيب ~~أو حال من فاعله بإضمار قد أو بدونه على الخلاف المشهور. ~~والالتفات إلى خطابهم لتأكيد الإلزام وتشديد التوبيخ أي بل اتخذ ~~من خلقه أخس الصنفين واختار لكم أفضلهما: على معنى هبوا أنكم ~~اجترأتم على إضافة اتخاذ جنس الولد إليه سبحانه مع ظهور ~~استحالته وامتناعه أما كان لكم شيء من العقل ونبذ من الحياء حتى ~~اجترأتم على التفوه بالعظيمة الخارقة للعقول من ادعاء أنه تعالى ~~آثركم على نفسه ms2956 بخير الصنفين وأعلاهما وترك له شرهما وأدناهما. ~~وتنكير بنات وتعريف البنين لتربية ما اعتبر فيهما من الحقارة ~~والفخامة. # { وإذا بشر أحدهم بما ضرب للرحمن مثلا } الخ ~~استئناف مقرر لما قبله، وقيل حال على معنى أنهم نسبوا إليه ما ~~ذكر ومن حالهم أن أحدهم إذا بشر به اغتم. والالتفات ~~للإيذان باقتضاء ذكر قبائحهم أن يعرض عنهم وتحكى لغيرهم ~~تعجيبا منها أي إذا أخبر أحدهم بولادة ما جعله مثلا له سبحانه ~~إذ الولد لا بد أن يجانس الوالد ويماثله { ظل وجهه ~~مسودا } أي صار أسود في الغاية من سوء ما بشر به { وهو ~~كظيم } مملوء من الكرب والكآبة. والجملة حال وقرىء مسود ~~ومسواد، على أن في ظل ضمير المبشر، ووجهه مسود جملة ~~وقعت خبرا له. # { أو من ينشأ فى الحلية } تكرير للإنكار، وتثنية ~~للتوبيخ. ومن منصوبة بمضمر معطوف على جعلوا أي أو جعلوا من ~~شأنه أن يربى في الزينة وهو عاجز عن أن يتولى أمره بنفسه، ~~فالهمزة لإنكار الواقع واستقباحه، وقد جوز انتصابها بمضمر ~~معطوف على اتخذ فالهمزة حينئذ لإنكار الوقوع واستبعاده، وإقحامها ~~بين المعطوفين لتذكير ما في أم المنقطعة من الإنكار وتأكيده. ~~والعطف للتغاير العنواني أي أو اتخذ من هذه الصفة الذميمة ~~صفته { وهو } مع ما ذكر من القصور { فى الخصام } أي ~~الجدال الذي لا يكاد يخلو عنه الإنسان في العادة { غير مبين } ~~غير قادر على تقرير دعواه وإقامة حجته لنقصان عقله وضعف ~~رأيه. وإضافة غير لا تمنع عمل ما بعده في الجار المتقدم لأنه ~~بمعنى النفي. وقرىء ينشأ، ويناشأ من الإفعال والمفاعلة ~~والكل بمعنى واحد، ونظيره غلاه وأغلاه وغالاه. ### || [43.19-22] # { وجعلوا الملئكة الذين هم عباد الرحمن ~~إنثا } بيان لتضمن كفرهم المذكور لكفر آخر، وتقريع لهم بذلك ~~وهو جعلهم أكمل العباد وأكرمهم على الله عز وجل أنقصهم رأيا ~~وأخسهم صنفا. وقرىء عبيد الرحمن، وقرىء عبد الرحمن على ~~تمثيل زلفاهم، وقرىء أنثا وهو جمع الجمع. { أشهدوا خلقهم ~~} أي أحضروا خلق الله تعالى إياهم فشاهدوهم إناثا حتى يحكموا ~~بأنوثتهم، فإن ذلك مما يعلم ms2957 بالمشاهدة، وهو تجهيل لهم وتهكم ~~بهم. وقرىء أأشهدوا بهمزتين مفتوحة ومضمومة وآأشهدوا بألف ~~بينهما. { ستكتب شهدتهم } هذه في ديوان أعمالهم { ~~ويسئلون } عنها يوم القيامة. وقرىء سيكتب وسنكتب بالياء ~~والنون. وقريء شهاداتهم. وهي قولهم إن لله جزءا وإن له بنات ~~وأنها الملائكة. وقرىء يساءلون من المساءلة للمبالغة. { ~~وقالوا لو شاء الرحمن ما عبدنهم } بيان لفن ~~آخر من كفرهم، أي لو شاء عدم عبادتنا للملائكة مشيئة ارتضاء ~~ما عبدناهم أرادوا بذلك بيان أن ما فعلوه حق مرضي عنده ~~تعالى وأنهم إنما يفعلونه بمشيئته تعالى إياه منهم مع اعترافهم ~~بقبحه حتى ينتهض ذمهم به دليلا للمعتزلة، ومبنى كلامهم الباطل ~~على مقدمتين: إحداهما أن عبادتهم لهم بمشيئته تعالى، والثانية ~~أن ذلك مستلزم لكونها مرضية عنده تعالى ولقد أخطأوا في ~~الثانية حيث جهلوا أن المشيئة عبارة عن ترجيح بعض الممكنات على ~~بعض كائنا ما كان من غير اعتبار الرضا أوالسخط في شيء من ~~الطرفين ولذلك جهلوا بقوله تعالى: { ما لهم بذلك } أي بما ~~أرادوا بقولهم ذلك من كون ما فعلوه بمشيئة الارتضاء لا بمطلق ~~المشيئة فإن ذلك محقق ينطق به ما لا يحصى عن الآيات الكريمة { ~~من علم } يستند إلى سند ما { إن هم إلا يخرصون } ~~يتمحلون تمحلا باطلا وقد جوز أن يشار بذلك إلى أصل ~~الدعوى كأنه لما أظهر وجوه فسادها وحكى شبههم المزيفة نفى أن ~~يكون لهم بها علم من طريق العقل ثم أضرب عنه إلى إبطال أن يكون ~~لهم سند من جهة النقل فقيل: # { أم ءاتينهم كتبا من قبله } من قبل القرآن أو من ~~قبل ادعائهم ينطق بصحة ما يدعونه { فهم به } بذلك الكتاب ~~{ مستمسكون } وعليه معولون { بل قالوا إنا وجدنا ~~ءاباءنا على أمة وإنا على ءاثرهم مهتدون } أي ~~لم يأتوا بحجة عقلية أو نقلية بل اعترفوا بأن لا سند لهم سوى ~~تقليد آبائهم الجهلة مثلهم والأمة الدين والطريقة التي تؤم أي ~~تقصد كالرحلة لما يرحل إليه. وقرىء إمة بالكسر، وهي ~~الحالة التي يكون عليها الآم أي القاصد. وقوله تعالى على آثارهم ms2958 ~~مهتدون خبر إن والظرف صلة لمهتدون. ### || [43.23-27] # { وكذلك } أي والأمر كما ذكر من عجزهم عن الحجة وتشبثهم ~~بذيل التقليد. وقوله تعالى { ما أرسلنا من قبلك فى ~~قرية من نذير إلا قال مترفوها إنا وجدنا ~~ءاباءنا على أمة وإنا على ءاثرهم مقتدون } ~~استئناف مبين لذلك دال على أن التقليد دال على أن التقليد ~~فيما بينهم ضلال قديم ليس لأسلافهم أيضا سند غيره، وتخصيص ~~المترفين بتلك المقالة للإيذان بأن التنعم وحب البطالة هو الذي ~~صرفهم عن النظر إلى التقليد { قال } حكاية لما جرى بين ~~المنذرين وبين أممهم عند تعللهم بتقليد آبائهم، أي قال كل ~~نذير من أولئك المنذرين لأممهم { أولو جئتكم } أي أتقتدون ~~بآبائكم ولو جئتكم { بأهدى } بدين أهدى { مما وجدتم ~~عليه ءاباءكم } من الضلالة التي ليست من الهداية في شيء وإنما ~~عبر عنها بذلك مجاراة معهم على مسلك الإنصاف وقرىء على أنه ~~حكاية أمر ماض أوحي حينئذ إلى كل نذير لا على أنه خطاب ~~للرسول صلى الله عليه وسلم وكما قيل، لقوله تعالى: { قالوا إنا ~~بما أرسلتم به كفرون } فإنه حكاية عن الأمم قطعا ~~أي قالت كل أمة لنذيرها إنا بما أرسلت به إلخ وقد أجمل عند ~~الحكاية للإنجاز كما مر في قوله تعالى: # يأيها الرسل كلوا من الطيبت # [سورة المؤمنون، الآية 51] وجعله حكاية عن قومه عليه الصلاة ~~والسلام بحمل صيغة الجمع على تغليبه على سائر المنذرين عليهم ~~السلام، وتوجيه كفرهم إلى ما أرسل به الكل من التوحيد ~~لإجماعهم عليه كما في نظائر قوله تعالى: # كذبت عاد المرسلين # [سورة الشعراء، الآية 123] تمحل بعيد يرده بالكلية قوله تعالى ~~{ فانتقمنا منهم } أي بالاستئصال { فانظر كيف كان ~~عقبة المكذبين } من الأمم المذكورين فلا تكترث بتكذيب ~~قومك. { وإذ قال إبراهيم } أي واذكر لهم وقت قوله عليه ~~الصلاة والسلام { لأبيه وقومه } المكبين على التقليد ~~كيف تبرأ مما هم فيه بقوله { إننى براء مما تعبدون } ~~وتمسك بالبرهان ليسلكوا مسلكه في الاستدلال أو ليقلدوه إن لم يكن ~~لهم بد من التقليد فإنه أشرف آبائهم وبراء مصدر نعت به ms2959 مبالغة ~~ولذلك يستوي فيه الواحد والمتعدد والمذكر والمؤنث. وقرىء ~~بريء وبراء بضم الباء ككريم وكرام وما إما مصدرية أو ~~موصولة حذف عائدها أي إنني بريء من عبادتكم أو معبودكم. # { إلا الذى فطرنى } استثناء منقطع أو متصل على أن ما ~~تعم أولي العلم وغيرهم وأنهم كانوا يعبدون الله والأصنام أو صفة ~~على أن ما موصوفة أي إنني براء من آلهة تعبدونها غير الذي فطرني ~~{ فإنه سيهدين } أي سيثبتني على الهداية أو سيهدين إلى ما ~~وراء الذي هداني إليه إلى الآن والأوجه أن السين للتأكيد دون ~~التسويف، وصيغة المضارع للدلالة على الاستمرار. ### || [43.28-31] # { وجعلها } أي جعل إبراهيم كلمة التوحيد التي ما تكلم به ~~عبارة عنها { كلمة بقية فى عقبه } أي في ذريته حيث ~~وصاهم بها كما نطق به قوله تعالى: # ووصى بها إبرهيم بنيه ويعقوب # [سورة البقرة، الآية 132] الآية فلا يزال فيهم من يوحد الله تعالى ~~ويدعو إلى توحيده. وقرىء كلمة وفي عقبه على التخفيف { ~~لعلهم يرجعون } علة للجعل أي جعلها باقة في عقبه رجاء ~~أن يرجع إليها من أشرك منهم بدعاء الموحد { بل متعت ~~هؤلاء } إضراب عن محذوف ينساق إليه الكلام كأنه قيل: جعلها ~~كلمة باقية في عقبه بأن وصى بها بنيه رجاء أن يرجع إليها من ~~أشرك منهم بدعاء الموحد فلم يحصل ما رجاه بل متعت منهم هؤلاء ~~المعاصرين للرسول صلى الله عليه وسلم من أهل مكة { وءاباءهم } ~~بالمد في العمر والنعمة فاغتروا بالمهلة وانهمكوا في الشهوات ~~وشغلوا بها عن كلمة التوحيد. { حتى جاءهم } أي هؤلاء { ~~الحق } أي القرآن { ورسول } أي رسول { مبين } ظاهر ~~الرسالة واضحها بالمعجزات الباهرة، أو مبين للتوحيد بالآيات ~~البينات والحجج. وقرىء متعنا ومتعت بالخطاب على إنه تعالى ~~اعترض به على ذاته في قوله تعالى: { وجعلها كلمة بقية ~~} [سورة الزخرف، الآية 28] الخ مبالغة في تعييرهم، فإن التمتع ~~بزيادة النعم يوجب عليهم أن يجعلوه سببا لزيادة الشكر والثبات ~~على التوحيد والإيمان فجعله سببا لزيادة الكفران أقصى مراتب ~~الكفر والضلال. # { ولما جاءهم الحق } لينبههم عما هم فيه من الغفلة ms2960 ~~ويرشدهم إلى التوحيد ازدادوا كفرا وعتوا وضموا إلى كفرهم ~~السابق معاندة الحق والاستهانة به حيث { قالوا هذا سحر ~~وإنا به كفرون } فسموا القرآن سحرا، وكفروا به ~~واستحقروا الرسول صلى الله عليه وسلم. { وقالوا لولا نزل ~~هذا القرءان على رجل من القريتين } أي من إحدى ~~القريتين مكة والطائف على نهج قوله تعالى: # يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان # [سورة الرحمن، الآية 22] { عظيم } أي بالجاه والمال كالوليد بن ~~المغيرة المخزومي وعروة بن مسعود الثقفي وقيل: حبيب بن عمر ~~بن عمير الثقفي. وعن مجاهد وعتبة بن ربيعة وكنانة بن عبد ~~ياليل ولم يتفوهوا بهده العظيمة حسدا على نزوله إلى الرسول صلى ~~الله عليه وسلم دون من ذكر من عظمائهم مع اعترافهم بقرآنيته بل ~~استدلالا على عدمها بمعنى أنه لو كان قرآنا لنزل إلى أحد هؤلاء ~~بناء على ما زعموا من أن الرسالة منصب جليل لا يليق به إلا من ~~له جلالة من حيث المال والجاه ولم يدروا أنها رتبة روحانية لا ~~يترقى إليها إلا همم الخواص المختصين بالنفوس الزكية المؤيدين ~~بالقوة القدسية المتجلين بالفضائل الأنسية، وأما المتزخرفون ~~بالزخارف الدنيوية المتمتعون بالحظوظ فهم من استحقاق تلك الرتبة ~~بألف منزل. ### || [43.32-35] # وقوله تعالى { أهم يقسمون رحمة ربك } إنكار فيه ~~تجهيل لهم وتعجيب من تحكمهم والمراد بالرحمة النبوة { نحن ~~قسمنا بينهم معيشتهم } أي أسباب معيشتهم { فى ~~الحيوة الدنيا } قمسة تقتضيها مشيئتنا المبنية على الحكم ~~والمصالح ولم نفوض أمرها إليهم علما منا بعجزهم عن تدبيرها ~~بالكلية { ورفعنا بعضهم فوق بعض } في الرزق وسائر ~~مبادي المعاش { درجت } متفاوتة بحسب القرب والبعد حسبما ~~تقتضيه الحكمة فمن ضعيف وقوي وفقير وغني وخادم ومخدوم وحاكم ~~ومحكوم { ليتخذ بعضهم بعضا سخريا } ليصرف بعضهم ~~بعضا في مصالحهم ويستخدموهم في مهمتهم ويتسخروهم في أشغالهم حتى ~~يتعايشوا ويترافدوا ويصلوا إلى مرافقهم لا لكمال في الموسع ولا ~~لنقص في المقتر، ولو فوضنا ذلك إلى تدبير خويصة أمرهم وما ~~يصلحهم من متاع الدنيا الدنيئة وهو طرف التمام على هذه الحالة ~~فما ظنهم بأنفسهم في تدبير أمر الدين وهو أبعد ms2961 من مناط ~~العيوق ومن أين لهم البحث عن أمر النبوة والتخير لها من ~~يصلح لها ويقوم بأمرها { ورحمت ربك } أي النبوة وما يتبعها ~~من سعادة الدارين { خير مما يجمعون } من حطام الدنيا ~~الدنيئة الفانية. وقوله تعالى: { ولولا أن يكون الناس ~~أمة وحدة } استئناف مبين لحقارة متاع الدنيا ودناءة ~~قدره عند الله عز وجل، والمعنى أن حقارة شأنه بحيث لولا أن ~~يرغب الناس لحبهم الدنيا في الكفر إذا رأوا أهله في سعة ~~وتنعم فيجتمعوا عليه لأعطيناه بحذافيره من هو شر الخلائق وأدناهم ~~منزلة وذلك قوله تعالى: { لجعلنا لمن يكفر ~~بالرحمن لبيوتهم سقفا من فضة } أي متخذة منها، ~~ولبيوتهم بدل اشتمال من لمن. وجمع الضمير باعتبار معنى من ~~كما أن إفراد المستكن في يكفر باعتبار لفظها. والسقف جمع ~~سقف كرهن جمع رهن، وعن الفراء أنه جمع سقيفة كسفن ~~وسفينة. وقرىء سقفا بسكون القاف تخفيفا، وسقفا اكتفاء ~~بجمع البيوت، وسقفا كأنه لغة في سقف وسقوفا { ومعارج } ~~أي جعلنا لهم معارج من فضة أي مصاعد جمع معرج وقرىء معاريج ~~جمع معراج { عليها يظهرون } أي يعلون السطوح والعلالي { ~~ولبيوتهم } أي وجعلنا لبيوتهم { أبوبا وسررا } من فضة ~~{ عليها } أي على السرر { يتكئون } ولعل تكرير ذكر بيوتهم ~~لزيادة التقرير. # { وزخرفا } أي زينة عطف على سقفا أو ذهبا عطف على محل من ~~فضة. { وإن كل ذلك لما متع الحيوة الدنيا } ~~أي وما كل ما ذكر من البيوت الموصوفة بالصفات المفصلة إلا ~~شيء يتمتع به في الحياة الدنيا. وفي معناه ما قرىء: { وما ~~كل ذلك إلا متاع الحياة الدنيا } وقرىء بتخفيف ما على أن ~~أن هي المخففة، واللام هي الفارقة. وقرىء بكسر اللام، على ~~أنها لام العلة وما موصولة قد حذف عائدها أي للذي هو متاع الخ ~~كما في قوله تعالى: # تماما على الذى أحسن # [سورة الأنعام، الآية 154] { والأخرة } بما فيها من فنون النعم ~~التي يقصر عنها البيان. { عند ربك للمتقين } أي عن ~~الكفر والمعاصي، وبهذا تبين أن العظيم هو العظيم في الآخرة لا ~~في الدنيا. ### || [43.36-40] # { ومن يعش ms2962 } أي يتعام { عن ذكر الرحمن } وهو القرآن. ~~وإضافته إلى اسم الرحمن للإيذان بنزوله رحمة للعالمين. وقرىء ~~يعش بالفتح، أي يعم يقال عشى يعشى إذا كان في بصره آفة وعشا ~~يعشو إذا تعشى بلا آفة كعرج وعرج. وقرىء يعشو على أن من ~~موصولة مضمنة معنى الشرط، والمعنى ومن يعرض عنه لفرط ~~اشتغاله بزهرة الحياة الدنيا وانهماكه في حظوظها الفانية ~~والشهوات. { نقيض له شيطانا فهو له قرين } لا يفارقه ~~ولا يزال يوسوسه ويغويه. وقرىء يقيض بالياء، على إسناده إلى ~~ضمير الرحمن، ومن رفع يعشو فحقه أن يرفع يقيض. { وإنهم ~~} أي الشياطين الذين قيض كل واحد منهم لكل واحد ممن يعشو { ~~ليصدونهم } أي قرناءهم فمدار جمع الضميرين باعتبار معنى ~~من كما أن مدار إفراد الضمائر السابقة اعتبار لفظها. { عن ~~السبيل } المستبين الذي يدعو إليه القرآن { ويحسبون } أي ~~العاشون { أنهم } أي الشياطين { مهتدون } أي إلى السبيل ~~المستقيم وإلا لما اتبعوهم أو يحسبون أن أنفسهم مهتدون لأن ~~اعتقاد كون الشياطين مهتدين مستلزم لاعتقاد كونهم كذلك لاتحاد ~~مسلكهما. والجملة حال من مفعول يصدون بتقدير المبتدأ أو من فاعله ~~أو منهما لاشتمالها على ضميريهما أي وأنهم ليصدونهم عن الطريق ~~الحق وهم يحسبون أنهم مهتدون إليه. وصيغة المضارع في الأفعال ~~الأربعة للدلالة على الاستمرار التجددي لقوله تعالى: # { حتى إذا جاءنا } فإن حتى وإن كانت ابتدائية داخلة على ~~الجملة الشرطية لكنها تقتضي حتما أن تكون غاية لأمر ممتد كما ~~مر مرارا. وإفراد الضمير في جاء وما بعده لما أن المراد ~~حكاية مقالة كل واحد واحد من العاشقين لقرينه لتهويل الأمر ~~وتفظيع الحال والمعنى يستمر العاشقون على ما ذكر من مقارنة ~~الشياطين والصد والحسبان الباطل حتى إذا جاءنا كل واحد منهم ~~مع قرينه يوم القيامة { قال } مخاطبا له { يا ليت بينى ~~وبينك } في الدنيا { بعد المشرقين } أي بعد المشرق ~~والمغرب أي تباعد كل منهما عن الآخر فغلب المشرق وثنى، ~~وأضيف البعد إليهما { فبئس القرين } أي أنت وقوله تعالى: { ~~ولن ينفعكم } الخ حكاية لما سيقال لهم حينئذ من جهة الله عز ms2963 ~~وجل توبيجا وتقريعا أي لن ينفعكم. { اليوم } أي يوم ~~القيامة تمنيكم لمباعدتهم. { إذ ظلمتم } أي لأجل ظلمكم ~~أنفسكم في الدنيا باتباعكم إياهم في الكفر والمعاصي، ~~وقيل: إذ ظلمتم بدل من اليوم أي إذ تبين عندكم وعند الناس ~~جميعا أنكم ظلمتم أنفسكم في الدنيا وعليه قول من قال # إذا ما انتسبنا لم تلدني لئيمة # ولم تجدي من أن تقري بها بدا] # أي تبين أني لم تلدني لئيمة بل كريمة وقوله تعالى: { ~~أنكم فى العذاب مشتركون } تعليل لنفي النفع أي لأن ~~حقكم أن تشتركوا أنتم وقرناؤكم في العذاب كما كنتم مشتركين في ~~سببه في الدنيا، ويجوز أن يسند الفعل إليه لكن لا بمعنى لن ~~ينفعكم اشتراككم في العذاب كما ينفع الواقعين في شدائد الدنيا ~~اشتراكهم فيها لتعاونهم في تحمل أعبائها وتقسمهم لعنائها لأن ~~لكل منهم ما لا تبلغه طاقته كما قيل لأن الانتفاع بذلك الوجه ~~ليس مما يخطر ببالهم حتى يرد عليهم بنفيه بل بمعنى لن يحصل لكم ~~التشفي بكون قرنائكم معذبين مثلكم حيث كنتم تدعون عليهم ~~بقولكم: # ربنا ءاتهم ضعفين من العذاب والعنهم لعنا ~~كبيرا # [سورة الأحزاب، الآية 68] وقولكم: # فآتهم عذابا ضعفا من النار # [سورة الأعراف، الآية 38] ونظائرهما لتتشفوا بذلك. كان رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم يبالغ في المجاهدة في دعاء قومه وهم لا يزيدون ~~إلا غيا وتعاميا عما يشاهدونه من شواهد النبوة وتصاما عما ~~يسمعونه من بينات القرآن فنزل. # { أفأنت تسمع الصم أو تهدى العمى } وهو إنكار ~~تعجيب من أن يكون هو الذي يقدر على هدايتهم وهم قد تمرنوا في ~~الكفر واستعرقوا في الضلال بحيث صار ما بهم من العشى عمى ~~مقرونا بالصمم. { ومن كان فى ضلل مبين } عطف على العمي ~~باعتبار تغاير الوصفين، ومدار الإنكار هو التمكن والاستقرار في ~~الضلال المفرط بحيث لا ارعواء له منه لا توهم القصور من قبل ~~الهادي ففيه رمز إلى أنه لا يقدر على ذلك إلا الله تعالى وحده ~~بالقسر والإلجاء. ### || [43.41-45] # { فإما نذهبن بك } أي فإن قبضناك قبل أن نبصرك ~~عذابهم ونشفي ms2964 بذلك صدرك وصدور المؤمنين { فإنا منهم ~~منتقمون } لا محالة في الدنيا والآخرة. فما مزيدة للتأكيد ~~بمنزلة لام القسم في أنها لا تفارق النون المؤكدة { أو ~~نرينك الذى وعدنهم } أي أو أردنا أن نريك العذاب ~~الذي وعدناهم { فإنا عليهم مقتدرون } بحيث لا مناص ~~لهم من تحت ملكتنا وقهرنا، ولقد أراه عليه السلام ذلك يوم ~~بدر { فاستمسك بالذى أوحى إليك } من الآيات والشرائع ~~سواء عجلنا لك الموعود أو أخرناه إلى يوم الآخرة. وقرىء ~~أوحى على البناء للفاعل، وهو الله عز وجل. { إنك على ~~صرط مستقيم } تعليل للاستمساك أو للأمر به { وإنه ~~لذكر } لشرف عظيم { لك ولقومك وسوف تسئلون } ~~يوم القيامة عنه وعن قيامكم بحقوقه. { واسئل من أرسلنا ~~من قبلك من رسلنا } أي واسأل أممهم وعلماء دينهم كقوله ~~تعالى: # فاسأل الذين يقرءون الكتب من قبلك # [سورة يونس، الآية 94] وفائدة هذا المجاز التنبيه على أن ~~المسؤول عنه عين ما نطقت به ألسنة الرسل لا ما يقوله أممهم ~~وعلماؤهم من تلقاء أنفسهم. قال الفراء: هم إنما يخبرونه عن ~~كتب الرسل فإذا سألهم فكأنه سأل الأنبياء عليهم الصلاة ~~والسلام { أجعلنا من دون الرحمن ءالهة يعبدون } ~~أي هل حكمنا بعبادة الأوثان وهل جاءت في ملة من مللهم، والمراد ~~به الاستشهاد بإجماع الأنبياء على التوحيد، والتنبيه على أنه ~~ليس ببدع ابتدعه حتى يكذب ويعادى. ### || [43.46-51] # { ولقد أرسلنا موسى بئايتنا } ملتبسا بها { ~~إلى فرعون وملايه فقال إنى رسول رب ~~العالمين } أريد باقتصاصه تسلية رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~والاستشهاد بدعوة موسى عليه السلام إلى التوحيد إثر ما أشير ~~إلى إجماع جميع الرسل عليهم السلام عليه. { فلما جاءهم ~~بئايتنا إذا هم منها يضحكون } أي فاجؤا وقت ضحكهم ~~منها أي استهزأوا بها أول ما رأوها ولم يتأملوا فيها. { وما ~~نريهم من ءاية } من الآيات { إلا هى أكبر من ~~أختها } إلا وهي بالغة أقصى مراتب الإعجاز بحيث يحسب كل ~~من ينظر إليها أنها أكبر من كل ما يقاس بها من الآيات، والمراد ~~وصف الكل بغاية الكبر من غير ملاحظة قصور في ms2965 شيء منها أو ~~إلا وهي مختصة بضرب من الإعجاز مفضلة بذلك الاعتبار على غيرها ~~{ وأخذنهم بالعذاب } كالسنين والطوفان والجراد وغيرها. ~~{ لعلهم يرجعون } لكي يرجعوا عما هم عليه من الكفر. { ~~وقالوا يأيها الساحر } نادوه بذلك في مثل تلك ~~الحالة لغاية عتوهم ونهاية حماقتهم، وقيل كانوا يقولون للعالم ~~الماهر ساحر لاستعظامهم علم السحر. وقرىء أيه الساحر بضم ~~الهاء. { ادع لنا ربك } ليكشف عنا العذاب { بما عهد ~~عندك } بعهده عندك من النبوة أو استجابة دعوتك أو من كشف ~~العذاب عمن اهتدى أو بما عهد عندك فوفيت به من الإيمان ~~والطاعة { إننا لمهتدون } أي لمؤمنون على تقدير كشف ~~العذاب عنا بدعوتك كقولهم: # لئن كشفت عنا الرجز لنؤمنن لك # [سورة الأعراف، الآية 134] { فلما كشفنا عنهم العذاب } ~~بدعوته { إذا هم ينكثون } فاجؤوا وقت نكث عهدهم بالاهتداء ~~وقد مر تفصيله في الأعراف. { ونادى فرعون } بنفسه أو ~~بمناديه { فى قومه } في مجمعهم وفيما بينهم بعد أن كشف ~~العذاب عنهم مخافة أن يؤمنوا { قال يقوم أليس لى ~~ملك مصر وهذه الأنهر } أنهار النيل ومعظمها أربعة ~~أنهر: الملك ونهر طولون ونهر دمياط ونهر تنيس { تجرى من ~~تحتى } أي من تحت قصري أو أمري وقيل: من تحت سريري لارتفاعه، ~~وقيل: بين يدي في جناني وبساتيني. والواو إما عاطفة لهذه ~~الأنهار على ملك مصر فتجري حال منها أو للحال فهذه مبتدأ ~~والأنهار صفتها وتجري خبر للمبتدأ { أفلا تبصرون } ذلك يريد ~~به استعظام ملكه. ### || [43.52-56] # { أم أنا خير } مع هذه المملكة والبسطة { من هذا ~~الذى هو مهين } ضعيف حقير من المهانة، وهي القلة. { ولا ~~يكاد يبين } أي الكلام قاله افتراء عليه عليه السلام ~~تنقيصا له عليه السلام في أعين الناس باعتبار ما كان في ~~لسانه عليه السلام من نوع رتة وقد كانت ذهبت عنه لقوله ~~تعالى: # قد أوتيت سؤلك # [سورة طه، الآية 36] وأم إما منقطعة والهمزة للتقرير كأنه قال ~~إثر ما عدد أسباب فضله ومبادي خيريته أثبت عندكم واستقر ~~لديكم أني أنا خير وهذه حالي من هذا الخ وإما متصلة فالمعنى ~~أفلا تبصرون ms2966 أم تبصرون خلا أنه وضع قوله: { أنا خير } موضع ~~تبصرون لأنهم إذا قالوا له أنت خير فهو عنده بصراء، وهذا من ~~باب تنزيل السبب منزلة المسبب، ويجوز أن يجعل من تنزيل المسبب منزلة ~~السبب فإن إبصارهم لما ذكر من أسباب فضله سبب على زعمه لحكمهم ~~بخيريته. { فلولا ألقى عليه أسورة من ذهب } أي ~~فهلا ألقي إليه مقاليد الملك إن كان صادقا، لما أنهم كانوا ~~إذا سودوا رجلا سوروه وطوقوه بطوق من ذهب. وأسورة جمع ~~سوار. وقرىء أساور جمع أسورة، وقرىء أساورة جمع أسوار ~~بمعنى السوار على تعويض التاء من ياء أساوير، وقد قرىء كذلك، ~~وقرىء عليه أسورة وأساور، على البناء للفاعل وهو الله تعالى: { ~~أو جاء معه الملئكة مقترنين } مقرونين يعينونه أو ~~يصدقونه من قرنته به فاقترن أو متقارنين من اقترن بمعنى تقارن. { ~~فاستخف قومه } فاستفزهم وطلب منهم الخفة في مطاوعته، أو ~~فاستخف أحلامهم. { فأطاعوه } فيما أمرهم به { إنهم ~~كانوا قوما فسقين } فلذلك سارعوا إلى طاعة ذلك الفاسق ~~الغوي. # { فلما ءاسفونا } أي أغضبونا أشد الغضب، منقول من أسف ~~إذا اشتد غضبه. { انتقمنا منهم فأغرقنهم ~~أجمعين } في اليم. { فجعلنهم سلفا } قدوة لمن ~~بعدهم من الكفار يسلكون مسلكهم في استيجاب مثل ما حل بهم من ~~العذاب، وهو إما مصدر نعت به أو جمع سالف كخدم جمع خادم. ~~وقرىء بضم السين واللام، على أنه جمع سليف أي فريق قد سلف ~~كرغف أو سالف كصبر أو سلف كأسد. وقرىء سلفا بإبدال ~~ضمة اللام فتحة أو على أنه جمع سلفة أي ثلة قد سلفت. { ~~ومثلا للأخرين } أي عظة لهم أو قصة عجيبة تسير مسير ~~الأمثال لهم فيقال: مثلكم مثل قوم فرعون. ### || [43.57-58] # { ولما ضرب ابن مريم مثلا } أي ضربه ابن ~~الزبعرى حين جادل رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى: # إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم # [سورة الأنبياء، الآية 98] حيث قال أهذا لنا ولآلهتنا أو لجميع ~~الأمم. فقال عليه الصلاة والسلام: هو لكم ولآلهتكم ولجميع ~~الأمم. فقال اللعين: خصمتك ورب الكعبة، ms2967 أليس النصارى يعبدون ~~المسيح واليهود عزيرا وبنو مليح الملائكة فإن كان هؤلاء في ~~النار فقد رضينا أن نكون نحن وآلهتنا معهم. ففرح به قومه ~~وضحكوا وارتفعت أصواتهم. وذلك قوله تعالى { إذا قومك منه ~~} أي من ذلك المثل { يصدون } أي يرتفع لهم جلبة وضجيج فرحا ~~وجذلا. وقرىء يصدون أي من أجل ذلك المثل يعرضون عن ~~الحق أي يثبتون على ما كانوا عليه من الإعراض أو يزدادون فيه، ~~وقيل: هو أيضا من الصديد، وهما لغتان فيه نحو يعكف ويعكف ~~وهو الأنسب بمعنى المفاجأة. { وقالوا ءأالهتنا خير أم ~~هو } حكاية لطرف من المثل المضروب، قالوه تمهيدا لما بنوا ~~عليه من الباطل المموه بما يغتر به السفهاء، أي ظاهر أن ~~عيسى خير من آلهتنا فحيث كان هو في النار فلا بأس بكوننا مع ~~آلهتنا فيها. واعلم أن ما نقل عنهم من الفرح ورفع الأصوات لم ~~يكن لما قيل: من أنه عليه الصلاة والسلام سكت عند ذلك إلى ~~أن نزل قوله تعالى: # إن الذين سبقت لهم منا الحسنى # [سورة الأنبياء، الآية 121] الآية. فإن ذلك مع إيهامه لما يجب ~~تنزيه ساحته عليه الصلاة والسلام عنه من شائبة الإفحام من ~~أول الأمر خلاف الواقع كيف لا وقد روي أن قول ابن الزبعرى: ~~خصمتك ورب الكعبة صدر عنه من أول الأمر عند سماع الآية ~~الكريمة بلغة قومك أما فهمت أن ما لما لا يعقل. وإنما لم ~~يخص عليه السلام هذا الحكم بآلهتهم حين سأل الفاجر عن الخصوص ~~والعموم عملا بما ذكر من اختصاص كلمة ما بغير العقلاء لأن ~~إخراج بعض المعبودين عنه عند المحاجة موهم للرخصة في عبادته ~~في الجملة فعممه عليه السلام للكل لكن لا بطريق عبارة ~~النص بل بطريق الدلالة بجامع الاشتراك في المعبودية من دون الله ~~تعالى، ثم بين عليه الصلاة والسلام بقوله بل هم عبدوا ~~الشياطين التي أمرتهم بذلك أن الملائكة والمسيح بمعزل من أن ~~يكونوا معبوديهم كما نطق به قوله تعالى: # سبحنك أنت ولينا من دونهم بل كانوا يعبدون ~~الجن # [سورة سبأ، الآية ms2968 41] الآية وقد مر تحقيق المقام عند قوله تعالى: # إن الذين سبقت لهم منا الحسنى # [سورة الأنبياء، الآية 101] الآية. بل إنما كان ما أظهروه من ~~الأحوال المنكرة لمحض وقاحتهم وتهالكهم على المكابرة والعناد كما ~~ينطق به قوله تعالى: { ما ضربوه لك إلا جدلا } أي ما ~~ضربوا لك ذلك المثل إلا لأجل الجدال والخصام لا لطلب الحق ~~حتى يذعنوا له عند ظهوره ببيانك. # { بل هم قوم خصمون } أي لد شداد الخصومة مجبولون على ~~المحك واللجاج. وقيل: لما سمعوا قوله تعالى: # إن مثل عيسى عند الله كمثل ءادم خلقه من ~~تراب # [سورة آل عمران، الآية 59] قالوا نحن أهدى من النصارى لأنهم ~~عبدوا آدميا ونحن نعبد الملائكة فنزلت، فقولهم: # أألهتنا خير أم هو # [سورة الزخرف، الآية 58] حينئذ تفصيل لآلهتهم على عيسى عليه ~~السلام؛ لأن المراد بهم الملائكة، ومعنى ما ضربوه الخ ما ~~قالوا هذا القول إلا للجدل، وقيل: لما نزلت # إن مثل عيسى # [سورة آل عمران، الآية 59] الآية قالوا ما يريد محمد بهذا إلا أن ~~نعبده وأنه يستأهل أن يعبد وإن كان بشرا كما عبدت النصارى ~~المسيح وهو بشر. ومعنى يصدون يضجون ويضجرون. والضمير في ~~أم هو لمحمد عليه الصلاة والسلام، وغرضهم بالموازنة بينه ~~عليه السلام وبين آلهتهم الاستهزاء به، وقد جوز أن يكون ~~مرادهم التنصل عما أنكر عليهم من قولهم: الملائكة بنات الله ~~تعالى. ومن عبادتهم لهم كأنهم قالوا ما قلنا بدعا من القول ولا ~~فعلنا منكرا من الفعل فإن النصارى جعلوا المسيح ابن الله ~~وعبدوه فنحن أشف منهم قولا وفعلا حيث نسبنا إليه الملائكة ~~وهم نسبوا إليه الأناسي. ### || [43.59-61] # فقوله تعالى: { إن هو إلا عبد أنعمنا عليه } أي ~~بالنبوة { وجعلنه مثلا لبنى إسرآءيل } أي أمرا ~~عجيبا حقيقا بأن يسير ذكره كالأمثال السائرة. على الوجه الأول ~~استئناف مسوق لتنزيهه عليه السلام عن أن ينسب إليه ما نسب ~~إلى الأصنام بطريق الرمز كما نطق به صريحا قوله تعالى: # إن الذين سبقت لهم منا الحسنى # [سورة الأنبياء، الآية 101] الآية وفيه تنبيه على بطلان رأي من ms2969 ~~رفعه عن رتبة العبودية وتعريض بفساد رأي من يرى رأيهم في ~~شأن الملائكة وعلى الثاني والرابع لبيان أنه قياس باطل بباطل ~~أو بأبطل على زعمهم وما عيسى إلا عبد كسائر العبيد قصارى أمره ~~أنه ممن أنعمنا عليهم بالنبوة وخصصناه ببعض الخواص البديعة ~~بأن خلقناه بوجه بديع وقد خلقنا آدم بوجه أبدع منه فأين هو ~~من رتبة الربوبية، ومن أين يتوهم صحة مذهب عبدته حتى يفتخر ~~عبدة الملائكة بكونهم أهدى منهم أو يعتذروا بأن حالهم أشف أو ~~أخف من حالهم، وأما على الوجه الثالث فهو لردهم وتكذيبهم في ~~افترائهم على رسول الله صلى الله عليه وسلم ببيان أن عيسى في ~~الحقيقة وفيما أوحي إلى الرسول عليهما الصلاة والسلام ليس ~~إلا أنه عبد منعم عليه كما ذكر فكيف يرضى عليه السلام ~~بمعبوديته أو كيف يتوهم الرضا بمعبودية نفسه. وقوله تعالى: { ~~ولو نشاء } الخ لتحقيق أن مثل عيسى عليه السلام ليس ببدع ~~من قدرة الله وأنه تعالى قادر على أبدع من ذلك وأبرع، مع ~~التنبيه على سقوط الملائكة أيضا من درجة المعبودية أي قدرتنا ~~بحيث لو نشاء { لجعلنا } أي لخلقنا بطريق التوالد { منكم } ~~وأنتم رجال ليس من شأنكم الولادة { ملئكة } كما خلقناهم ~~بطريق الإبداع { فى الأرض } مستقرين فيها كما جعلناهم مستقرين ~~في السماء { يخلفون } أي يخلفونكم مثل أولادكم فيما تأتون ~~وما تذرون ويباشرون الأفاعيل المنوطة بمباشرتكم مع أن شأنهم ~~التسبيح والتقديس في السماء فمن شأنهم بهذه المثابة بالنسبة إلى ~~القدرة الربانية كيف يتوهم استحقاقهم للمعبودية أو انتسابهم ~~إليه تعالى عن ذلك علوا كبيرا. # { وإنه } وإن عيسى { لعلم للساعة } أي إنه بنزوله ~~شرط من أشراطها، وتسميته علما لحصوله به أو بحدوثه بغير أب، أو ~~بإحيائه الموتى دليل على صحة البعث الذي هو معظم ما ينكره ~~الكفرة من الأمور الواقعة في الساعة وقرىء لعلم أي علامة ~~وقرىء للعلم وقرىء لذكر على تسمية ما يذكر به ذكرا ~~كتسمية ما يعلم به علما. وفي الحديث: # " إن عيسى عليه السلام ينزل على ثنية بالأرض المقدسة يقال ~~لها أفيق ms2970 وعليه ممصرتان وبيده حربة وبها يقتل الدجال ~~فيأتي بيت المقدس، والناس في صلاة الصبح فيتأخر الإمام ~~فيقدمه عيسى عليه السلام ويصلي خلفه على شريعة محمد ~~صلى الله عليه وسلم ثم يقتل الخنازير ويكسر الصليب ويخرب ~~البيع والكنائس ويقتل النصارى إلا من آمن به ". # وقيل: الضمير للقرآن لما أن فيه الإعلام بالساعة { فلا ~~تمترن بها } فلا تشكن في وقوعها { واتبعون } أي ~~واتبعوا هداي أو شرعي أو رسولى، وقيل: هو قول الرسول مأمورا ~~من جهته تعالى { هذا } أي الذي أدعوكم إليه أو القرآن على أن ~~الضمير في إنه له { صرط مستقيم } موصل إلى الحق. ### || [43.62-66] # { ولا يصدنكم الشيطن } عن اتباعي { إنه لكم ~~عدو مبين } بين العداوة حيث أخرج أباكم من الجنة ~~وعرضكم للبلية. # { ولما جاء عيسى بالبينت } أي بالمعجزات أو بآيات ~~الإنجيل أو بالشرائع الواضحات { قال } لبني إسرائيل { قد ~~جئتكم بالحكمة } لأعلمكم إياها { ولأبين لكم ~~بعض الذى تختلفون فيه } وهو ما يتعلق بأمور الدين، ~~وأما ما يتعلق بأمور الدنيا فليس بيانه من وظائف الأنبياء ~~عليهم السلام كما قال عليه السلام: # " أنتم أعلم بأمور دنياكم " # { فاتقوا الله } في مخالفتي { وأطيعون } فيما أبلغه ~~عنه تعالى { إن الله هو ربى وربكم فاعبدوه } ~~بيان لما أمرهم بالطاعة فيه، وهو اعتقاد التوحيد والتعبد ~~بالشرائع { هذا } أي التوحيد والتعبد بالشرائع { صرط ~~مستقيم } لا يضل سالكه وهو إما من تتمة كلامه عليه ~~السلام أو استئناف من جهته تعالى مقرر لمقالة عيسى عليه ~~السلام. { فاختلف الأحزاب } الفرق المتحزبة { من ~~بينهم } أي من بين من بعث إليهم من اليهود والنصارى. { ~~فويل للذين ظلموا } من المختلفين { من عذاب يوم ~~أليم } هو يوم القيامة. { هل ينظرون } أي ما ينتظر الناس ~~{ إلا الساعة أن تأتيهم } أي إلا إتيان الساعة. { ~~بغتة } أي فجأة لكن لا عند كونهم مترقبين لها بل غافلين عنها ~~مشتغلين بأمور الدنيا منكرين لها وذلك قوله تعالى: { وهم لا ~~يشعرون }. ### || [43.67-73] # { الأخلاء } المتحابون في الدنيا على الإطلاق أو في الأمور ~~الدنيوية { يومئذ } يوم إذ تأتيهم الساعة { بعضهم ~~لبعض عدو } لانقطاع ما بينهم ms2971 من علائق الخلة ~~والتحاب لظهور كونها أسبابا للعذاب. { إلا المتقين } ~~فإن خلتهم في الدنيا لما كانت في الله تبقى على حالها بل ~~تزداد بمشاهدة كل منهم آثار خلتهم من الثواب ورفع الدرجات، ~~والاستثناء على الأول متصل وعلى الثاني منقطع { يعباد لا ~~خوف عليكم اليوم ولا أنتم تحزنون } حكاية لما ~~ينادى به المتقون المتحابون في الله يومئذ تشريفا لهم وتطييبا ~~لقلوبهم. { الذين ءامنوا بئايتنا } صفة للمنادى أو ~~نصب على المدح. { وكانوا مسلمين } أي مخلصين وجوههم لنا ~~جاعلين أنفسهم سالمة لطاعتنا، وهو حال من واو آمنوا. عن مقاتل: ~~إذا بعث الله الناس فزع كل أحد فينادي مناد يا عبادي فيرفع ~~الخلائق رؤوسهم على الرجاء ثم يتبعها الذين آمنوا الآية فينكس ~~أهل الأديان الباطلة رؤوسهم. { ادخلوا الجنة أنتم ~~وأزوجكم } نساؤكم المؤمنات. { تحبرون } تسرون سرورا ~~يظهر حباره أي أثره على وجوهكم، أو تزينون من الحبرة وهو حسن ~~الهيئة، أو تكرمون إكراما بليغا. والحبرة المبالغة فيما وصف ~~بجميل. { يطاف عليهم } بعد دخولهم الجنة حسبما أمروا ~~به. { بصحف من ذهب وأكوب } كذلك. والصحاف جمع ~~صحفة، قيل: هي كالقصعة، وقيل: أعظم القصاع الجفنة ثم ~~القصعة ثم الصحفة ثم المكيلة. والأكواب جمع كوب وهو كوز لا عروة ~~له. { وفيها } أي في الجنة { ما تشتهيه الأنفس } من ~~فنون الملاذ. وقرىء ما تشتهي. { وتلذ الأعين } أي ~~تستلذه وتقر بمشاهدته، وقرىء وتلذه { وأنتم فيها ~~خلدون } إتمام للنعمة وإكمال للسرور، فإن كل نعيم له ~~زوال بالآخرة مقارن لخوفه لا محالة. والالتفات للتشريف. # { وتلك الجنة } مبتدأ وخبر { التى أورثتموها } ~~وقرىء ورثتموها { بما كنتم تعملون } في الدنيا ~~الأعمال الصالحة، شبه جزاء العمل بالميراث لأنه يخلفه العامل ~~عليه، وقيل تلك الجنة مبتدأ وصفة والموصول مع صلته خبره، وقيل: ~~هو صفة الجنة كالوجه الأول والخبر بما كنتم تعملون فتتعلق الباء ~~بمحذوف لا بأورثتموها كما في الأولين. { لكم فيها فكهة ~~كثيرة } بحسب الأنواع والأصناف لا بحسب الأفراد فقط { منها ~~تأكلون } أي بعضها تأكلون في كل نوبة، وأما الباقي فعلى ~~الأشجار على الدوام لا ترى فيها شجرة خلت ms2972 عن ثمرها لحظة فهي ~~مزينة بالثمار أبدا موقرة بها. وعن النبي صلى الله عليه وسلم: # " لا ينزع رجل من الجنة من ثمرها إلا نبت مثلاها مكانها ". ### || [43.74-79] # { إن المجرمين } أي الراسخين في الإجرام وهم الكفار حسبما ~~نبىء عنه إيرادهم في مقابلة المؤمنين بالآيات { فى عذاب ~~جهنم خلدون } خبر إن، أو خالدون هو الخبر، وفي متعلقة ~~به. { لا يفتر عنهم } أي لا يخفف العذاب عنهم، من قولهم ~~فترت عنه الحمى إذا سكنت قليلا، والتركيب للضعف. { وهم ~~فيه } أي في العذاب. وقرىء فيها أي في النار { مبلسون } ~~آيسون من النجاة. { وما ظلمنهم } بذلك { ولكن ~~كانوا هم الظلمين } لتعريضهم أنفسهم للعذاب الخالد. { ~~ونادوا } خازن النار { يا مالك } وقرىء يا مال على ~~الترخيم بالضم والكسر، ولعله رمز إلى ضعفهم وعجزهم عن تأدية ~~اللفظ بتمامه. { ليقض علينا ربك } أي ليمتنا حتى ~~نستريح من قضى عليه إذا أماته والمعنى سل ربك أن يقضي علينا، ~~وهذا لا ينافي ما ذكر من إبلاسهم لأنه جؤار وتمن للموت لفرط ~~الشدة { قال إنكم مكثون } أي في العذاب أبدا لا ~~خلاص لكم منه بموت ولا بغيره، عن ابن عباس رضي الله عنهما: ~~أنه لا يجيبهم إلا بعد ألف سنة، وقيل: بعد مائة، وقيل: بعد ~~أربعين سنة. # { لقد جئنكم بالحق } في الدنيا بإرسال الرسل وإنزال ~~الكتب وهو خطاب توبيخ وتقريع من جهة الله تعالى مقرر لجواب ~~مالك ومبين لسبب مكثهم، وقيل: في قال ضمير الله تعالى: { ~~ولكن أكثركم للحق } أي حق كان { كرهون } لا ~~يقبلونه وينفرون عنه، وأما الحق المعهود الذي هو التوحيد أو ~~القرآن فكلهم كارهون له مشمئزون منه { أم أبرموا أمرا ~~} كلام مبتدأ ناع على المشركين ما فعلوا من الكيد برسول الله صلى ~~الله عليه وسلم. وأم منقطعة وما فيها من معنى بل للانتقال من ~~توبيخ أهل النار إلى حكاية جناية هؤلاء، والهمزة للإنكار، ~~فإن أريد بالإبرام الإحكام حقيقة فهي لإنكار الوقوع واستبعاده، ~~وإن أريد الإحكام صورة فهي لإنكار الواقع واستقباحه أي أأبرم ~~مشركو مكة أمرا من كيدهم ومكرهم برسول ms2973 الله صلى الله عليه وسلم. { ~~فإنا مبرمون } كيدنا حقيقة لا هم أو فإنا مبرمون كيدنا ~~بهم حقيقة كما أبرموا كيدهم صورة كقوله تعالى: # أم يريدون كيدا فالذين كفروا هم المكيدون # [سورة الطور، الآية 42] وكانوا يتناجون في أنديتهم ويتشاورون في ~~أموره عليه الصلاة والسلام. ### || [43.80-84] # { أم يحسبون } أي بل أيحسبون { أنا لا نسمع سرهم ~~} وهو ما حدثوا به أنفسهم أو غيرهم في مكان خال { ونجوهم } ~~أي ما تكلموا به فيما بينهم بطريق التناجي { بلى } نحن نسمعهما ~~ونطلع عليهما { ورسلنا } الذين يحفظون عليهم أعمالهم ~~ويلازمونهم أينما كانوا { لديهم } عندهم { يكتبون } أي ~~يكتبونهما أو يكتبون كل ما صدر عنهم من الأفعال والأقوال التي من ~~جملتها ما ذكر من سرهم ونجواهم. والجملة إما عطف على ما يترجم ~~عنه بلى، أو حال، أي نسمعهما والحال أن رسلنا يكتبون { قل } ~~أي للكفرة تحقيقا للحق وتنبيها لهم على أن مخالفتك لهم بعدم ~~عبادتك لما يعبدونه من الملائكة عليهم السلام ليست لبغضك ~~وعداوتك لهم أو لمعبوديهم، بل إنما هو لجزمك باستحالة ما ~~نسبوا إليهم وبنوا عليه عبادتهم من كونهم بنات الله تعالى { إن ~~كان للرحمن ولد فأنا أول العبدين } أي له ~~وذلك لأنه عليه الصلاة والسلام أعلم الناس بشؤونه تعالى ~~وبما يجوز عليه وبما لا يجوز وأولاهم بمراعاة حقوقه ومن مواجب ~~تعظيم الوالد تعظيم ولده، وفيه من الدلالة على انتفاء كونهم ~~كذلك على أبلغ الوجوه وأقواها وعلى كون رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم على قوة يقين وثبات قدم في باب التوحيد ما لا يخفى مع ما ~~فيه من استنزال الكفرة عن رتبة المكابرة حسبما يعرب عنه ~~إيراد إن مكان لو المنبئة عن امتناع مقدم الشرطية، وقيل: إن ~~كان للرحمن ولد في زعمكم فأنا أول العابدين الموحدين لله تعالى، ~~وقيل: فأنا أول الآنفين أي المستنكفين منه أو من أن يكون له ~~ولد، من عبد يعبد إذا اشتد أنفه، وقيل: إن نافية أي ما ~~كان للرحمن ولد فأنا أول من قال بذلك. وقرىء ولد. # { سبحن رب السموات والأرض رب ms2974 العرش عما ~~يصفون } أي يصفونه به من أن يكون له ولد. وفي إضافة اسم ~~الرب إلى أعظم الأجرام وأقواها تنبيه على أنها وما فيها من ~~المخلوقات حيث كانت تحت ملكوته وربوبيته كيف يتوهم أن يكون ~~شيء منها جزءا منه سبحانه وفي تكرير اسم الرب تفخيم لشأن ~~العرش. { فذرهم } حيث لم يذعنوا للحق بعد ما سمعوا هذا ~~البرهان الجلي. { يخوضوا } في أباطيلهم { ويلعبوا } في ~~دنياهم فإن ما هم فيه من الأفعال والأقوال ليست إلا من باب ~~الجهل واللعب. والجزم في الفعل لجواب الأمر. { حتى يلقوا ~~يومهم الذى يوعدون } من يوم القيامة فإنهم يومئذ ~~يعلمون ما فعلوا وما يفعل بهم. { وهو الذى فى السماء ~~إله وفى الأرض إله } الظرفان متعلقان بالمعنى ~~الوصفي، الذي ينبىء عنه الاسم الجليل من معنى المعبودية ~~بالحق بناء على اختصاصه بالمعبود بالحق كما مر في تفسير ~~البسملة، كأنه قيل: وهو الذي مستحق لأن يعبد فيهما، وقد مر ~~تحقيقه في سورة الأنعام. وقرىء وهو الذي في السماء الله وفي ~~الأرض الله، والراجع إلى الموصول مبتدأ قد حذف لطول الصلة بمتعلق ~~الخبر والعطف عليه، ولا مساغ لكون الجار خبرا مقدما وإله ~~مبتدأ مؤخر للزوم عراء الجملة حينئذ عن العائد، نعم يجوز أن ~~يكون صلة للموصول وإله خبرا لمبتدأ محذوف، على أن الجملة ~~بيان للصلة وأن كونه في السماء على سبيل الإلهية لا على ~~سبيل الاستقرار، وفيه نفي الآلهة السماوية والأرضية وتخصيص ~~لاستحقاق الإلهية به تعالى. وقوله تعالى: { وهو الحكيم ~~العليم } كالدليل على ما قبله. ### || [43.85-89] # { وتبارك الذى له ملك السموات والأرض وما ~~بينهما } إما على الدوام كالهواء أو في بعض الأوقات كالطير. ~~{ وعنده علم الساعة } أي العلم بالساعة التي فيها تقوم ~~القيامة { وإليه ترجعون } للجزاء. والالتفات للتهديد، ~~وقرىء على الغيبية، وقرىء تحشرون. # { ولا يملك الذين يدعون } أي يدعونهم، وقرىء ~~بالتاء مخففا ومشددا { من دونه الشفعة } كما يزعمون { ~~إلا من شهد بالحق } الذي هو التوحيد { وهم يعلمون } ~~بما يشهدون به عن بصيرة وإيقان وإخلاص، وجمع الضمير باعتبار ~~معنى من كما أن ms2975 الإفراد أولا باعتبار لفظها، والاستثناء ~~إما متصل والموصول عام لكل ما يعبد من دون الله، أو منفصل ~~على أنه خاص بالأصنام. { ولئن سألتهم من خلقهم } أي ~~سألت العابدين والمعبودين { ليقولن الله } لتعذر الإنكار ~~لغاية بطلانه { فأنى يؤفكون } فكيف يصرفون عن عبادته إلى ~~عبادة غيره مع اعترافهم بكون الكل مخلوقا له تعالى { وقيله } ~~بالجر، إما على أنه عطف على الساعة أي عنده علم الساعة وعلم ~~قوله عليه الصلاة والسلام { يا رب } الخ. فإن القول ~~والقيل والقال كلها مصادر، أو على أن الواو للقسم، وقوله ~~تعالى: { إن هؤلاء قوم لا يؤمنون } جوابه. وفي ~~الإقسام به من رفع شأنه عليه الصلاة والسلام وتفخيم دعائه ~~والتجائه إليه تعالى ما لا يخفى. وقرىء بالنصب بالعطف على ~~سرهم أو على محل الساعة أو بإضمار فعله أو بتقدير فعل القسم، ~~وقرىء بالرفع على الابتداء والخبر مابعده، وقد جوز عطفه على ~~علم الساعة. { فاصفح عنهم } فأعرض عن دعوتهم واقنط عن ~~إيمانهم { وقل سلم } أي أمري تسلم منكم ومتاركة. { فسوف ~~يعلمون } حالهم البتة وإن تأخر ذلك، وهو وعيد من الله تعالى ~~لهم وتسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم. وقرىء تعلمون على أنه ~~داخل في حيز قل. # عن النبي صلى الله عليه وسلم: # " من قرأسورة الزخرف كان ممن يقال له يوم القيامة يا عباد ~~لا خوف عليكم اليوم ولا أنتم تحزنون ادخلوا الجنة بغير حساب ". ### | [44 - سورة الدخان] ### || [44.1-4] # سورة الدخان مكية # إلا قوله { إنا كاشفوا العذاب } الآية وهي سبع أو تسع وخمسون آية # { حم * والكتب المبين } الكلام فيه كالذي سلف في السورة ~~السابقة. { إنا أنزلنه } أي الكتاب المبين الذي هو ~~القرآن. { فى ليلة مبركة } هي ليلة القدر، وقيل ليلة ~~البراءة ابتدىء فيها إنزاله، وأنزل فيها جملة إلى السماء ~~الدنيا من اللوح وأملاه جبريل عليه السلام على السفرة ثم ~~كان ينزله على النبي صلى الله عليه وسلم نحو ما في ثلاث وعشرين ~~سنة كما مر في سورة الفاتحة. ووصفها بالبركة لما أن نزول ~~القرآن مستتبع للمنافع الدينية والدنيوية بأجمعها ms2976 أو لما فيها من ~~تنزل الملائكة والرحمة وإجابة الدعوة وقسم النعمة وفصل الأقضية ~~وفضيلة العبادة وإعطاء تمام الشفاعة لرسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، وقيل: يزيد في هذه الليلة ماء زمزم زيادة ظاهرة { إنا ~~كنا منذرين } استئناف مبين لما يقتضي الإنزال كأنه قيل: ~~إنا أنزلناه لأن من شأننا الإنذار والتحذير من العقاب، وقيل: ~~جواب للقسم وقوله تعالى إنا أنزلناه الخ اعتراض وقيل: جواب ثان ~~بغير عاطف. { فيها يفرق كل أمر حكيم } استئناف كما ~~قبله فإن كونها مفرق الأمور المحكمة أو الملتبسة بالحكمة ~~الموافقة لها يستدعي أن ينزل فيها القرآن الذي هو من عظائمها، ~~وقيل: صفة أخرى لليلة وما بينهما اعتراض وهذا يدل على أنها ~~ليلة القدر ومعنى يفرق أنه يكتب ويفصل كل أمر حكيم من أرزاق ~~العباد وآجالهم وجميع أمورهم من هذه الليلة إلى الأخرى من السنة ~~القابلة، وقيل: يبدأ في استنساخ ذلك من اللوح في ليلة البراءة ~~ويقع الفراغ في ليلة القدر فتدفع نسخة الأرزاق إلى ميكائيل ~~ونسخة الحروب إلى جبريل وكذا الزلازل والخسف والصواعق، ونسخة ~~الأعمال إلى إسماعيل صاحب سماء الدنيا وهو ملك عظيم ونسخة ~~المصائب إلى ملك الموت عليهم السلام. وقرىء يفرق ~~بالتشديد، وقرىء يفرق على البناء للفاعل أي يفرق الله تعالى ~~كل أمر حكيم، وقرىء نفرق بنون العظمة. ### || [44.5-9] # { أمرا من عندنا } نصب على الاختصاص أي أعني بهذا الأمر ~~أمرا حاصلا من عندنا على مقتضى حكمتنا وهو بيان لفخامته ~~الإضافية بعد بيان فخامته الذاتية ويجوز كونه حالا من كل أمر ~~لتخصصه بالوصف أو من ضميره في حكيم وقد جوز أن يراد به مقابل ~~النهي ويجعل مصدرا مؤكدا ليفرق لاتحاد الأمر والفرقان في ~~المعنى، أو لفعله المضمر لما أن الفرق به، أو حالا من أحد ~~ضميري أنزلناه أي آمرين أو مأمورا به { إنا كنا مرسلين ~~} بدل من إنا كنا منذرين وقيل: جواب ثالث وقيل: مستأنف، ~~وقوله تعالى { رحمة من ربك } غاية للإرسال متأخرة عنه على ~~أن المراد بها الرحمة الواصلة إلى العباد وباعث متقدم عليه على ~~أن ms2977 المراد مبدؤها أي إنا أنزلنا القرآن لأن من عادتنا إرسال ~~الرسل بالكتب إلى العباد لأجل إفاضة رحمتنا عليهم أو لاقتضاء ~~رحمتنا السابقة إرسالهم، ووضع الرب موضع الضمير للإيذان بأن ~~ذلك من أحكام الربوبية ومقتضياتها، وإضافته إلى ضميره عليه ~~الصلاة والسلام لتشريفه أو تعليل ليفرق أو لقوله تعالى أمرا، ~~على أن قوله تعالى رحمة مفعول للإرسال كما في قوله تعالى: # وما يمسك فلا مرسل له # [سورة فاطر، الآية 2] أي يفرق فيها كل أمر أو تصدر الأوامر من ~~عندنا لأن من عادتنا إرسال رحمتنا. ولا ريب في أن كلا من قسمة ~~الأرزاق وغيرها والأوامر الصادرة منه تعالى من باب الرحمة فإن ~~الغاية لتكليف العباد تعريضهم للمنافع. وقرىء رحمة بالرفع، أي ~~تلك رحمة. وقوله تعالى: { إنه هو السميع العليم } ~~تحقيق لربوبيته تعالى وأنها لا تحق إلا لمن هذه نعوته. # { رب السموات والأرض وما بينهما } بدل من ربك أو ~~بيان أو نعت، وقرىء بالرفع على أنه خبر آخر أو استئناف على ~~إضمار مبتدأ { إن كنتم موقنين } أي إن كنتم من أهل ~~الإيقان في العلوم أو إن كنتم موقنين في إقراركم بأنه تعالى ~~رب السموات والأرض وما بينهما إذا سئلتم من خلقها فقلتم ~~الله علمتم أن الأمر كما قلنا أو إن كنتم مريدين اليقين ~~فاعلموا ذلك { لا إله إلا هو } جملة مستأنفة مقررة لما ~~قبلها، وقيل: خبر لقوله رب السموات الخ وما بينهما اعتراض { ~~يحيى ويميت } مستأنفة كما قبلها وكذا قوله تعالى { ربكم ~~ورب ءابائكم الأولين } بإضمار مبتدأ أو بدل من رب ~~السموات على قراءة الرفع، أو بيان أو نعت له، وقيل: فاعل ليميت، ~~وفي يحيي ضمير راجع إلى رب السموات. وقرىء بالجر بدلا من ~~رب السموات على قراءة الجر. { بل هم فى شك } مما ذكر من ~~شؤونه تعالى غير موقنين في إقرارهم { يلعبون } لا يقولون ما ~~يقولون عن جد وإذعان بل مخلوطا بهزؤ ولعب. ### || [44.10-14] # الفاء في قوله تعالى { فارتقب } لترتيب الارتقاب أو الأمر به ~~على ما قبلها فإن كونهم في شك مما يوجب ms2978 ذلك حتما أي فانتظر ~~لهم { يوم تأتى السماء بدخان مبين } أي يوم شدة ~~ومجاعة فإن الجائع يرى بينه وبين السماء كهيئة الدخان ~~إما لضعف بصره أو لأن في عام القحط يظلم الهواء لقلة الأمطار ~~وكثرة الغبار أو لأن العرب تسمي الشر الغالب دخانا وذلك ~~أن قريشا لما استعصت على رسول الله صلى الله عليه وسلم دعا عليهم ~~فقال: # " اللهم اشدد وطأتك على مضر واجعلها عليهم سنين كسني يوسف " # فأخذتهم سنة حتى أكلوا الجيف والعظام والعلهز وكان الرجل ~~يرى بين السماء والأرض الدخان وكان يحدث الرجل ويسمع كلامه ~~ولا يراه من الدخان وذلك قوله تعالى: # { يغشى الناس } أي يحيط بهم { هذا عذاب أليم } أي ~~قائلين ذلك، فمشى إليه عليه الصلاة والسلام أبو سفيان ونفر ~~معه وناشدوه الله تعالى والرحم وواعدوه إن دعا لهم وكشف عنهم ~~أن يؤمنوا، وذلك قوله تعالى { ربنا اكشف عنا العذاب ~~إنا مؤمنون } وهذا قول ابن عباس وابن مسعود رضي الله ~~عنهم وبه أخذ مجاهد ومقاتل وهو اختيار الفراء والزجاج، ~~وقيل: هو دخان يأتي من السماء قبل يوم القيامة، فيدخل في أسماع ~~الكفرة حتى يكون رأس الواحد كالرأس الحنيذ ويعتري المؤمن منه ~~كهيئة الزكام وتكون الأرض كلها كبيت أوقد فيه ليس فيه خصاص. ~~وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " أول الآيات الدخان ونزول عيسى ابن مريم ونار تخرج من قعر ~~عدن أبين تسوق الناس إلى المحشر، قال حذيفة: يا رسول الله ~~وما الدخان؟ فتلا الآية، وقال يملأ ما بين المشرق والمغرب ~~يمكث أربعين يوما وليلة أما المؤمن فيصيبه كهيئة الزكمة وأما ~~الكافر فهو كالسكران يخرج من منخريه وأذنيه ودبره " # والأول هو الذي يستدعيه مساق النظم الكريم قطعا. فإن قوله ~~تعالى: { أنى لهم الذكرى } إلخ رد لكلامهم واستدعائهم ~~الكشف وتكذيب لهم في الوعد بالإيمان المنبىء عن التذكر والاتعاظ ~~بما اعتراهم من الداهية أي كيف يتذكرون أو من أين يتذكرون بذلك ~~ويفون بما وعدوه من الإيمان عند كشف العذاب عنهم { وقد جاءهم ~~رسول مبين } أي والحال أنهم شاهدوا من ms2979 دواعي التذكر ~~وموجبات الاتعاظ ما هو أعظم منه في إيجابها حيث جاءهم رسول ~~عظيم الشأن وبين لهم مناهج الحق بإظهار آيات ظاهرة ومعجزات ~~قاهرة تخر لها صم الجبال. { ثم تولوا عنه } عن ذلك ~~الرسول وهو هو ريثما شاهدوا منه ما شاهدوه من العظائم الموجبة للإقبال ~~عليه ولم يقتنعوا بالتولي { وقالوا } في حقه { معلم ~~مجنون } أي قالوا تارة يعلمه غلام أعجمي لبعض ثقيف وأخرى ~~مجنون، أو يقول بعضهم كذا وآخرون كذا فهل يتوقع من قوم هذه ~~صفاتهم أن يتأثروا بالعظة والتذكير، وما مثلهم إلا كمثل الكلب إذا ~~جاع ضغا وإذا شبع طغى. ### || [44.15-19] # وقوله تعالى: { إنا كاشفوا العذاب قليلا إنكم ~~عائدون } جواب من جهته تعالى عن قولهم ربنا اكشف عنا العذاب ~~إنا مؤمنون بطريق الالتفات لمزيد التوبيخ والتهديد وما بينهما ~~اعتراض أي إنا نكشف العذاب المعهود عنكم كشفا قليلا أو زمانا ~~قليلا إنكم تعودون إثر ذلك إلى ما كنتم عليه من العتو والإصرار على ~~الكفر وتنسون هذه الحالة. وصيغة الفاعل في الفعلين للدلالة على ~~تحققهما لا محالة، ولقد وقع كلاهما حيث كشفه الله تعالى بدعاء ~~النبي صلى الله عليه وسلم فما لبثوا أن عادوا إلى ما كانوا عليه ~~من العتو والعناد. ومن فسر الدخان بما هو من الأشراط قال إذا ~~جاء الدخان تضور المعذبون به من الكفار والمنافقين وغوثوا ~~وقالوا ربنا اكشف عنا العذاب إنا مؤمنون فيكشفه الله تعالى ~~عنهم بعد أربعين يوما وريثما يكشفه عنهم يرتدون ولا يتمهلون. # { يوم نبطش البطشة الكبرى } يوم القيامة وقيل: يوم ~~بدر وهو ظرف لما دل عليه قوله تعالى { إنا منتقمون } لا ~~لمنتقمون لأن إن مانعة من ذلك أي يومئذ ننتقم إنا منتقمون وقيل: ~~هو بدل من بدل من يوم تأتي الخ وقرىء نبطش أي نحمل الملائكة ~~على أن يبطشوا بهم البطشة الكبرى وهو التناول بعنف وصولة أو نجعل ~~البطشة الكبرى باطشة بهم وقرىء نبطش بضم الطاء وهي لغة. { ~~ولقد فتنا قبلهم قوم فرعون } أي امتحناهم بإرسال موسى عليه ~~السلام أو أوقعناهم في الفتنة بالإمهال ms2980 وتوسيع الرزق عليهم ~~وقرىء بالتشديد، للمبالغة أو لكثرة القوم. أي امتحناهم بإرسال ~~موسى عليه السلام أو أوقعناهم في الفتنة بالإمهال وتوسيع الرزق ~~عليهم وقرىء بالتشديد، للمبالغة أو لكثرة القوم. { وجاءهم ~~رسول كريم } على الله تعالى أو على المؤمنين أو في نفسه لأن الله ~~تعالى لم يبعث نبيا إلا من سراة قومه وكرامهم. { أن أدوا ~~إلى عباد الله } أي بأن أدوا إلي بني إسرائيل وأرسلوهم ~~معي أو بأن أدوا إلي يا عباد الله حقه من الإيمان وقبول ~~الدعوة، وقيل: أن مفسرة، لأن مجيء الرسول لا يكون إلا برسالة ~~ودعوة، وقيل: مخففة من الثقيلة أي جاءهم بأن الشأن أدوا إلى ~~إلخ. وقوله تعالى: { إني لكم رسول أمين } تعليل للأمر أو ~~لوجوب المأمور به أي رسول غير ظنين قد ائتمننى الله تعالى على ~~وحيه وصدقني بالمعجزات القاهرة. { وأن لا تعلوا على ~~الله } أي لا تتكبروا عليه تعالى بالاستهانة بوحيه وبرسوله وأن ~~كالتي سلفت، وقوله تعالى: { إنى ءاتيكم } أي من جهته تعالى { ~~بسلطن مبين } تعليل للنهي أي آتيكم بحجة واضحة لا ~~سبيل إلى إنكارها وآتيكم على صيغة الفاعل أو المضارع، وفي إيراد ~~الأداء مع الأمين، والسلطان مع العلا من الجزالة ما لا يخفى. ### || [44.20-28] # { وإنى عذت بربى وربكم } أي التجأت إليه وتوكلت عليه ~~{ أن ترجمون } من أن ترجموني أي تؤذوني ضربا أو شتما أو ~~أن تقتلوني، قيل لما قال وأن لا تعلوا على الله توعدوه بالقتل. ~~وقرىء بإدغام الذال في التاء. { وإن لم تؤمنوا لى ~~فاعتزلون } أي وإن كابرتم مقتضى العقل ولم تؤمنوا لي فخلوني ~~كفافا علي ولا لي، ولا تتعرضوا لي بشر ولا أذى فليس ذلك جزاء من ~~يدعوكم إلى ما فيه فلاحكم. وحمله على معنى فاقطعوا أسباب الوصلة ~~عني فلا موالاة بيني وبين من لا يؤمن يأباه المقام. # { فدعا ربه } بعدما تموا على تكذيبه عليه السلام { إن ~~هؤلآء } أي بأن هؤلاء { قوم مجرمون } وهو تعريض ~~بالدعاء عليهم بذكر ما استوجبوه به ولذلك سمي دعاء وقرىء ~~بالكسر على إضمار القول. قبيل كان دعاؤه ms2981 اللهم عجل لهم ما ~~يستحقونه بإجرامهم، وقيل: هو قوله: # ربنا لا تجعلنا فتنة للقوم الظلمين # [سورة يونس، الآية 85] { فأسر بعبادى ليلا } بإضمار القول ~~إما بعد الفاء أي فقال ربه: أسر بعبادي وإما قبلها كأنه ~~قيل قال: إن كان الأمر كما تقول فأسر بعبادي أي ببني إسرائيل ~~فقد دبر الله تعالى أن تتقدموا. وقرىء بوصل الهمزة من سرى. { ~~إنكم متبعون } أي يتبعكم فرعون وجنوده بعد ما علموا ~~بخروجكم. { واترك البحر رهوا } مفتوحا ذا فجوة واسعة، أو ~~ساكنا على هيئته بعد ما جاوزته، ولا تضربه بعصاك لينطبق ولا ~~تغيره عن حاله ليدخله القبط. { إنهم جند مغرقون } ~~وقرىء أنهم بالفتح أي لأنهم { كم تركوا } أي كثيرا تركوا ~~بمصر { من جنت وعيون وزروع ومقام كريم } محافل ~~مزينة ومنازل محسنة { ونعمة } أي تنعم { كانوا فيها ~~فكهين } متنعمين وقرىء فكهين { كذلك } الكاف في حيز ~~النصب وذلك إشارة إلى مصدر فعل يدل عليه تركوا، أي مثل ذلك السلب ~~سلبناهم إياها { وأورثنها قوما ءاخرين } وقيل: مثل ~~ذلك الإخراج أخرجناهم منها، وقيل: في حيز الرفع على الخبرية أي ~~الأمر كذلك فحينئذ يكون أورثناها معطوفا على تركوا وعلى الأولين ~~على الفعل المقدر. ### || [44.29-35] # { فما بكت عليهم السماء والأرض } مجاز عن عدم ~~الاكتراث بهلاكهم والاعتداد بوجودهم، فيه تهكم بهم وبحالهم ~~المنافية لحال من يعظم فقده فيقال له بكت عليه السماء والأرض، ~~ومنه (ما روي إن المؤمن ليبكي عليه مصلاه ومحل عبادته ~~ومصاعد عمله ومهابط رزقه وآثاره في الأرض)، وقيل: تقديره أهل ~~السماء والأرض. { وما كانوا } لما جاء وقت هلاكهم { ~~منظرين } ممهلين إلى وقت أخر أو إلى الآخرة، بل عجل لهم في ~~الدنيا. # { ولقد نجينا بنى إسرءيل } بأن فعلنا بفرعون وقومه ما ~~فعلنا { من العذاب المهين } من استعباد فرعون إياهم وقتل ~~أبنائهم واستحياء نسائهم على الخسف والضيم { من فرعون } بدل ~~من العذاب إما على جعله نفس العذاب لإفراطه فيه، وإما على حذف ~~المضاف أي عذاب فرعون، أو حال من المهين أي كائنا من فرعون. ~~وقرىء من فرعون على معنى هل تعرفونه من ms2982 هو في عتوه ~~وتفرعنه، وفي إبهام أمره أولا وتبيينه بقوله تعالى { ~~إنه كان عاليا من المسرفين } ثانيا من الإفصاح عن ~~كنه أمره في الشر والفساد ما لا مزيد عليه. وقوله تعالى من ~~المسرفين إما خبر ثان لكان أي كان متكبرا مسرفا، أو حال من ~~الضمير في عاليا أي كان رفيع الطبقة من بين المسرفين فائقا ~~لهم بليغا في الإسراف. { ولقد اخترنهم } أي بني إسرائيل ~~{ على علم } أي عالمين بأنهم أحقاء بالاختيار أو عالمين ~~بأنهم يزيغون في بعض الأوقات ويكثر منهم الفرطات { على ~~العلمين } جميعا لكثرة الأنبياء فيهم أو على عالمي زمانهم ~~{ وءاتينهم من الأيت } كفلق البحر وتظليل الغمام ~~وإنزال المن والسلوى وغيرها من عظائم الآيات التي لم يعهد ~~مثلها في غيرهم. { ما فيه بلؤا مبين } نعمة جلية أو ~~اختبار ظاهر لننظر كيف يعملون. # { إن هؤلآء } يعني كفار قريش لأن الكلام فيهم وقصة فرعون ~~وقومه مسوقة للدلالة على تماثلهم في الإصرار على الضلالة ~~والتحذير عن حلول مثل ما حل بهم. { ليقولون إن هى إلا ~~موتتنا الأولى } أي ما العاقبة ونهاية الأمر إلا الموتة ~~الأولى المزيلة للحياة الدنيوية، ولا قصد فيه إلى إثبات موتة ~~أخرى كما في قولك حج زيد الحجة الأولى ومات. وقيل لما قيل ~~لهم: إنكم تموتون موتة تعقبها حياة كما تقدمتكم موتة كذلك قالوا ~~ما هي إلا موتتنا الأولى أي ما الموتة التي تعقبها حياة إلا ~~الموتة الأولى وقيل: المعنى ليست الموتة إلا هذه الموتة دون ~~الموتة التي تعقب حياة القبر كما تزعمون { وما نحن ~~بمنشرين } بمبعوثين. ### || [44.36-40] # { فأتوا بئابائنا } خطاب لمن وعدهم بالنشور من الرسول ~~عليه الصلاة والسلام والمؤمنين { إن كنتم صدقين } فيما ~~تعدونه من قيام الساعة وبعث الموتى ليظهر أنه حق وقيل: ~~كانوا يطلبون إليهم أن يدعوا الله تعالى فينشر لهم قصي بن ~~كلاب ليشاوروه وكان كبيرهم ومفزعهم في المهمات والملمات. # { أهم خير } رد لقولهم وتهديد لهم أي أهم خير في القوة ~~والمنعة اللتين يدفع بهما أسباب الهلاك { أم قوم تبع } هو ~~تبع الحميري الذي سار بالجيوش ms2983 وحير الحيرة وبني سمرقند وقيل ~~هدمها وكان مؤمنا وقومه كافرين ولذلك ذمهم الله تعالى دونه ~~وكان يكتب في عنوان كتابه بسم الله الذي ملك بحرا وبحرا أي بحارا ~~كثيرة وعن النبي صلى الله عليه وسلم: # " لا تسبوا تبعا فإنه كان قد أسلم " # وعنه عليه الصلاة والسلام: # " ما أدري أكان تبع نبيا أو غير نبي " # وعن ابن عباس رضي الله عنهما: «أنه كان نبيا». وقيل لملوك ~~اليمن التبابعة لأنهم يتبعون، كما يقال لهم الأقيال لأنهم ~~يتقيلون. { والذين من قبلهم } عطف على قوم تبع والمراد ~~بهم عاد وثمود وأضرابهم من كل جبار عنيد أولي بأس شديد. ~~والاستفهام لتقرير أن أولئك أقوى من هؤلاء. وقوله تعالى { ~~أهلكنهم } استئناف لبيان عاقبة أمرهم. وقوله تعالى: { ~~إنهم كانوا مجرمين } تعليل لإهلاكهم ليعلم أن أولئك ~~حيث أهلكوا بسبب إجرامهم مع ما كانوا في غاية القوة والشدة ~~فلأن يهلك هؤلاء وهم شركاء لهم في الإجرام أضعف منهم في الشدة ~~والقوة أولى. # { وما خلقنا السموات والأرض وما بينهما } أي ما ~~بين الجنسين. وقرىء وما بينهن { لاعبين } لاهين من غير ~~أن يكون في خلقهما غرض صحيح وغاية حميدة. { ما خلقنهما } ~~وما بينهما { إلا بالحق } استثناء مفرغ من أعم الأحوال أو ~~أعم الأسباب أي ما خلقناهما ملتبسا بشيء من الأشياء إلا ملتبسا ~~بالحق أو ما خلقناهما بسبب من الأسباب إلا بسبب الحق الذي هو ~~الإيمان والطاعة والبعث والجزاء. { ولكن أكثرهم لا ~~يعلمون } أن الأمر كذلك فينكرون البعث والجزاء { إن يوم ~~الفصل } أي فصل الحق عن الباطل وتمييز المحق من المبطل أو ~~فصل الرجل عن أقاربه وأحبائه { ميقتهم } وقت موعدهم { ~~أجمعين } وقرىء ميقاتهم بالنصب على أنه اسم إن ويوم ~~الفصل خبرها أي أن ميعاد حسابهم وجزائهم في يوم الفصل. ### || [44.41-50] # { يوم لا يغنى } بدل من يوم الفصل أو صفة لميقاتهم أو ظرف ~~لما دل عليه الفصل لا لنفسه { مولى } من قرابة أو غيرها { عن ~~مولى } أي مولى كان { شيئا } أي شيئا من الإغناء { ولا ~~هم ينصرون } الضمير لمولى الأول باعتبار المعنى لأنه ms2984 عام. # { إلا من رحم الله } بالعفو عنه وقبول الشفاعة في ~~حقه، ومحله الرفع على البدل من الواو أو النصب على الاستثناء { ~~إنه هو العزيز } الذي لا ينصر من أراد تعذيبه { ~~الرحيم } لمن أراد أن يرحمه { إن شجرة الزقوم } ~~وقرىء بكسر الشين وقد مر معنى الزقوم في سورة الصافات { ~~طعام الأثيم } أي الكثير الآثام والمراد به الكافر لدلالة ما ~~قبله وما بعده عليه { كالمهل } وهو ما يمهل في النار حتى ~~يذوب وقيل: هو دردي الزيت { يغلى فى البطون } وقرىء ~~بالتاء على إسناد الفعل إلى الشجرة. { كغلى الحميم } ~~غليانا كغليه { خذوه } على إرادة القول والخطاب للزبانية { ~~فاعتلوه } أي جروه، والعتل الأخذ بمجامع الشيء وجره بقهر ~~وعنف وقرىء بضم التاء وهي لغة فيه. { إلى سواء الجحيم ~~} أي وسطه { ثم صبوا فوق رأسه من عذاب الحميم } ~~كان الأصل يصب من فوق رؤوسهم الحميم فقيل يصب من فوق رؤوسهم ~~عذاب هو الحميم للمبالغة ثم أضيف العذاب إلى الحميم للتخفيف وزيد ~~من للدلالة على أن المصبوب بعض هذا النوع { ذق إنك أنت ~~العزيز الكريم } أي وقولوا له ذلك استهزاء به وتقريعا له ~~على ما كان يزعمه، روي أن أبا جهل قال لرسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: ما بين جبليها أعز ولا أكرم مني فوالله ما تستطيع أنت ~~ولا ربك أن تفعلا بي شيئا. وقرىء بالفتح أي لأنك أو عذاب ~~أنك { إن هذا } أي العذاب { ما كنتم به تمترون } ~~تشكون وتمارون فيه والجمع باعتبار المعنى لأن المراد جنس ~~الأثيم. ### || [44.51-59] # { إن المتقين } أي عن الكفر والمعاصي { فى مقام } في ~~موضع قيام، والمراد المكان على الإطلاق فإنه من الخاص الذي شاع ~~استعماله في معنى العموم. وقرىء بضم الميم وهو موضع إقامة { ~~أمين } يأمن صاحبه الآفات والانتقال عنه وهو من الأمن الذي هو ~~ضد الخيانة، وصف به المكان بطريق الاستعارة، كأن المكان ~~المخيف يخون صاحبه لما يلقى فيه من المكاره { فى جنت ~~وعيون } بدل من مقام جيء به دلالة على نزاهته واشتماله على ~~طيبات المآكل والمشارب { يلبسون من ms2985 سندس وإستبرق } ~~إما خبر ثان أو حال من الضمير في الجار، أو استئناف. والسندس ما ~~رق من الحرير، والإستبرق ما غلظ منه معرب. { متقبلين ~~} في المجالس ليستأنس بعضهم ببعض { كذلك } أي الأمر كذلك أو ~~كذلك أثبناهم { وزوجنهم بحور عين } على الوصف وقرىء ~~بالإضافة أي قرناهم بهن والحور جمع الحوراء وهي البيضاء، ~~والعين جمع العيناء وهي العظيمة العينين واختلف في أنهن نساء ~~الدنيا أو غيرها { يدعون فيها بكل فكهة } أي يطلبون ~~ويأمرون بإحضار ما يشتهونه من الفواكه لا يتخصص شيء منها بمكان ~~ولا زمان { ءامنين } من كل ما يسوؤهم { لا يذوقون فيها ~~الموت إلا الموتة الأولى } بل يستمرون على الحياة ~~أبدا والاستثناء منقطع أو متصل على أن المراد بيان استحالة ~~ذوق الموت فيها على الإطلاق كأنه قيل: لا يذوقون فيها الموت إلا ~~إذا أمكن ذوق الموتة الأولى حينئذ { ووقهم عذاب الجحيم ~~} وقرىء مشددا للمبالغة في الوقاية. { فضلا من ربك } أي ~~أعطوا ذلك كله عطاء وتفضلا منه تعالى. وقرىء بالرفع أي ذلك ~~فضل { ذلك هو الفوز العظيم } الذي لا فوز وراءه إذ هو ~~خلاص عن جميع المكاره ونيل لكل المطلب. وقوله تعالى { فإنما ~~يسرنه بلسنك لعلهم يتذكرون } فذلكة للسورة ~~الكريمة إنما أنزلنا الكتاب المبين بلغتك كي يفهمه قومك ~~ويتذكروا ويعملوا بموجبه وإذ لم يفعلوا ذلك { فارتقب } فانتظر ~~ما يحل بهم { إنهم مرتقبون } ما يحل بك. روي عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم: # " من قرأ حم الدخان ليلة الجمعة أصبح مغفورا له ". ### | [45 - سورة الجاثية] ### || [45.1-4] # سورة الجلثية مكية وهي سبع أو ست وثلاثون آية { حم } الكلام فيه كما ~~مر في فاتحة سورة المؤمن فإن جعل اسما للسورة، فمحله الرفع ~~على أنه خبر لمبتدأ محذوف أي هذا مسمى بحم. والإشارة إلى ~~السورة قبل جريان ذكرها قد وقفت على سره مرارا، وإن جعل ~~مسرودا على نمط التعديد فلا حظ له من الإعراب. وقوله تعالى: { ~~تنزيل الكتب } على الأول خبر بعد خبر، على أنه مصدر ~~أطلق على المفعول مبالغة، وعلى الثاني خبر لمبتدأ مضمر يلوح ms2986 به ~~ما قبله أي المؤلف من جنس ما ذكر تنزيل الكتاب وقيل: هو خبر ~~لحم أي المسمى به تنزيل الخ وقد مر مرارا أن الذي يجعل ~~عنوانا للموضوع حقه أن يكون قبل ذلك معلوم الانتساب إليه، وإذ ~~لا عهد بالتسمية بعد فحقها الإخبار بها، وأما جعله خبرا له ~~بتقدير المضاف وإبقاء التنزيل على أصله أي تنزيل حم تنزيل الكتاب ~~فمع عرائه عن إفادة فائدة يعتد بها تمحل على تمحل. وقوله ~~تعالى: { من الله العزيز الحكيم } كما مر في صدر سورة ~~الزمر على التفصيل، وقيل: حم مقسم به، وتنزيل الكتاب صفته، وجواب ~~القسم قوله تعالى: { إن فى السموات والأرض لأيات ~~للمؤمنين } وهو على الوجوه المتقدمة كلام مسأنف مسوق ~~للتنبيه على الآيات التكوينية الآفاقية والأنفسية، ومحل الآيات ~~إما نفس السموات والأرض فإنهما منطويتان من فنون الآيات على ما ~~يقصر عنه البيان وإما خلقهما كما في قوله تعالى: # إن فى خلق السموات والأرض # [سورة البقرة، الآية 164] وهو الأوفق بقوله تعالى { وفى خلقكم ~~} أي من نطفة ثم من علقة متقلبة في أطوار مختلفة إلى تمام الخلق { ~~وما يبث من دابة } عطف على المضاف دون المضاف إليه أي ~~وفيما ينشره ويفرقه من دابة. # { ءايت } بالرفع على أنه مبتدأ خبره الظرف المقدم. والجملة ~~معطوفة على ما قبلها من الجملة المصدرة بإن وقيل: آيات عطف على ~~ما قبلها من آيات باعتبار المحل عند من يجوزه وقريء آية ~~بالتوحيد، وقرىء آيات بالنصب عطفا على ما قبلها من اسم إن والخبر هو ~~الخبر كأنه قيل: وإن في خلقكم ما يبث من دابة آيات { لقوم ~~يوقنون } أي من شأنهم أن يوقنوا بالأشياء على ما هي عليه. ### || [45.5-8] # { واختلف اليل والنهار } بالجر على إضمار الجار ~~المذكور في الآيتين قبله. وقد قرىء بذكره. والمراد باختلافهما ~~إما تعاقبهما أو تفاوتهما طولا وقصرا. { وما أنزل الله ~~من السماء } عطف على اختلاف { من رزق } أي من مطر، وهو سبب ~~للرزق عبر عنه بذلك تنبيها على كونه آية من جهتي القدرة ~~والرحمة. { فأحيا به الأرض } بأن ms2987 أخرج منها أصناف الزروع ~~والثمرات والنبات. { بعد موتها } وعرائها عن آثار الحياة ~~وانتقاء قوة التنمية عنها وخلو أشجارها عن الثمار. { وتصريف ~~الرياح } من جهة إلى أخرى، ومن حال إلى حال. وقرىء بتوحيد ~~الريح. وتأخيره عن إنزال المطر مع تقدمه عليه في الوجود، إما ~~للإيذان بأنه آية مستقلة حيث لو روعي الترتيب الوجودي لربما ~~توهم أن مجموع تصريف الرياح وإنزال المطر آية واحدة، وإما ~~لأن كون التصريف آية ليس لمجرد كونه مبدأ لإنشاء المطر بل له ~~ولسائر المنافع التي من جملتها سوق السفن في البحار. { ءايات ~~لقوم يعقلون } بالرفع على أنه مبتدأ خبره ما تقدم من ~~الجار والمجرور. والجملة معطوفة على ما قبلها. وقرىء بالنصب ~~على الاختصاص، وقيل: على أنها اسم أن والمجرور المتقدم خبرها ~~بطريق العطف على معمولي عاملين مختلفين هما أن وفي أقيمت ~~الواو مقامهما فعملت الجر في اختلاف والنصب في آيات. وتنكير ~~آيات في المواقع الثلاثة للتفخيم كما وكيفا واختلاف الفواصل ~~لاختلاف مراتب الآيات في الدقة والجلاء. # { تلك آيت الله } مبتدأ وخبر. وقوله تعالى: { نتلوها ~~عليك } حال عاملها معنى الإشارة وقيل: هو الخبر وآيات الله ~~بدل أو عطف بيان { بالحق } حال من فاعل نتلو ومن مفعوله أي ~~نتلوها محقين أو ملتبسة بالحق { فبأى حديث } من الأحاديث ~~{ بعد الله وءايته } أي بعد آيات الله، وتقديم الاسم ~~الجليل لتعظيمها، كما في قولهم: أعجبني زيد وكرمه، أو بعد حديث ~~الله الذي هو القرآن حسبما نطق به قوله تعالى: # الله نزل أحسن الحديث # [سورة الزمر، الآية 23] وهو المراد بآياته أيضا ومناط العطف ~~التغاير العنواني. { يؤمنون } بصيغة الغيبة وقرىء بالتاء. ~~{ ويل لكل أفاك } كذاب { أثيم } كثير الآثام. { يسمع ~~ءايت الله } صفة أخرى لأفاك وقيل: حال من الضمير في أثيم. ~~{ تتلى عليه } حال من آيات الله ولا مساغ لجعله مفعولا ~~ثانيا ليسمع، لأن شرطه أن يكون ما بعده مما لا يسمع ~~كقولك سمعت زيدا يقرأ. { ثم يصر } أي يقيم على كفره. ~~وأصله من إصرار الحمار على العانة. { مستكبرا } عن الإيمان بما ~~سمعه من آيات ms2988 الله تعالى والإذعان لما تنطق به من الحق مزدريا ~~لها معجبا بما عنده من الأباطيل. وقيل: نزلت في النضر بن ~~الحارث وكان يشتري من أحاديث الأعاجم ويشغل بها الناس عن استماع ~~القرآن، لكنها وردت بعبارة عامة ناعية عليه وعلى كل من يسير ~~سيرته ما هم فيه من الشر والفساد. وكلمة ثم لاستبعاد الإصرار ~~والاستكبار بعد سماع الآيات التي حقها أن تذعن لها القلوب ~~وتخضع لها الرقاب كما في قول من قال # يرى غمرات الموت ثم يزورها # { كأن لم يسمعها } أي كأنه لم يسمعها فخفف وحذف ضمير ~~الشأن. والجملة حال من يصر أي يصر شبيها بغير السامع. { ~~فبشره بعذاب أليم } على إصراره واستكباره. ### || [45.9-11] # { وإذا علم من ءايتنا شيئا } أي إذا بلغه من آياتنا ~~شيء وعلم أنه من آياتنا لا أنه علمه كما هو عليه فإنه بمعزل عن ~~ذلك العلم، وقيل: إذا علم منها شيئا يمكن أن يتشبث به المعاند ~~ويجد له محملا فاسدا يتوصل به إلى الطعن والغميزة { اتخذها } ~~أي الآيات كلها { هزوا } أي مهزوءا بها لا ما سمعه فقط، ~~وقيل: الضمير للشيء، والتأنيث لأنه في معنى الآية. { أولئك ~~} إشارة إلى كل أفاك من حيث الاتصاف بما ذكر من القبائح، ~~والجمع باعتبار الشمول للكل كما في قوله تعالى: # كل حزب بما لديهم فرحون # [سورة المؤمنون، الآية 5] كما أن الإفراد فيما سبق من الضمائر ~~باعتبار كل واحد واحد. { لهم } بسبب جناياتهم المذكورة { ~~عذاب مهين } وصف العذاب بالإهانة توفية لحق استكبارهم ~~واستهزائهم بآيات الله سبحانه وتعالى. { من ورائهم جهنم } ~~أي من قدامهم لأنهم متوجهون إلى ما أعد لهم، أو من خلفهم لأنهم ~~معرضون عن ذلك مقبلون على الدنيا فإن الوراء اسم للجهة التي ~~يواريها الشخص من خلف وقدام. { ولا يغنى عنهم } ولا يدفع { ~~ما كسبوا } من الأموال والأولاد { شيئا } من عذاب الله تعالى ~~أو شيئا من الإغناء { ولا ما اتخذوا من دون الله ~~أولياء } أي الأصنام، وتوسيط حرف النفي بين المعطوفين مع أن ~~عدم إغناء الأصنام أظهر وأجلى من عدم إغناء الأموال ms2989 والأولاد ~~قطعا مبني على زعمهم الفاسد حيث كانوا يطمعون في شفاعتهم وفيه ~~تهكم. { ولهم } فيما وراءهم من جهنم { عذاب عظيم } لا ~~يقادر قدره. # { هذا } أي القرآن { هدى } في غاية الكمال من الهداية كأنه ~~نفسها { والذين كفروا } أي بالقرآن وإنما وضع موضع ضميره ~~في قوله تعالى: { بآيت ربهم } لزيادة تشنيع كفرهم به وتفظيع ~~حالهم { لهم عذاب من رجز } أي من أشد العذاب { أليم } ~~بالرفع صفة عذاب، وقرىء بالجر على أنه صفة رجز، وتنوين عذاب ~~في المواقع الثلاثة للتفخيم، ورفعه إما على الابتداء وإما على ~~الفاعلية. ### || [45.12-14] # { الله الذى سخر لكم البحر } بأن جعله أملس السطح ~~يطفو عليه ما يتخلل كالأخشاب ولا يمنع الغوض والخرق لميعانه. { ~~لتجرى الفلك فيه بأمره } وأنتم راكبوها { ~~ولتبتغوا من فضله } بالتجارة والغوص والصيد وغيرها { ~~ولعلكم تشكرون } ولكي تشكروا النعم المترتبة على ذلك { ~~وسخر لكم ما فى السموات وما فى والأرض } من ~~الموجودات بأن جعلها مدارا لمنافعكم { جميعا } إما حال من ما ~~في السموات والأرض، أو توكيد له { منه } متعلق بمحذوف هو صفة ~~لجميعا أو حال من ما، أي جميعا كائنا منه تعالى، أو سخر لكم ~~هذه الأشياء كائنة منه مخلوقة له تعالى أو خبر لمحذوف أي هي ~~جميعا منه تعالى. وقرىء منه على المفعول له ومنه على أنه ~~فاعل سخر على الإسناد المجازي أو خبر مبتدأ محذوف أي ذلك منه ~~{ إن فى ذلك } أي فيما ذكر من الأمور العظام { لآيات } ~~عظيمة الشأن كثيرة العدد { لقوم يتفكرون } في بدائع ~~صنع الله تعالى فإنهم يقفون بذلك على جلائل نعمه تعالى ~~ودقائقها ويوفقون لشكرها. # { قل للذين ءامنوا } حذف المقول لدلالة { يغفروا } ~~عليه فإنه جواب للأمر باعتبار تعلقه به لا باعتبار نفسه فقط أي ~~قل لهم اغفروا يغفروا. { للذين لا يرجون أيام الله } ~~أي يعفوا ويصفحوا عن الذين لا يتوقعون وقائعه تعالى بأعدائه من ~~قولهم أيام العرب لوقائعها، وقيل: لا يأملون الأوقات التي وقتها ~~الله تعالى لثواب المؤمنين ووعدهم الفوز فيها. قيل: نزلت قبل آية ~~القتال ثم نسخت بها، وقيل: نزلت ms2990 في عمر رضي الله عنه حين ~~شتمه غفاري فهم أن يبطش به، وقيل: حين قال ابن أبي ما ~~قال، وذلك أنهم نزلوا في غزوة بني المصطلق على بئر يقال لها ~~المر يسيع فأرسل ابن أبي غلامه يستقي فأبطأ عليه فلما ~~أتاه قال له: ما حبسك؟ قال: غلام عمر قعد على طرف البئر فما ترك ~~أحدا يستقي حتى ملأ قرب النبي صلى الله عليه وسلم وقرب أبي ~~بكر، فقال ابن أبي: ما مثلنا ومثل هؤلاء إلا كما قيل: سمن ~~كلبك يأكلك فبلغ ذلك عمر رضي الله عنه فاشتمل سيفه يريد ~~التوجه إليه فأنزلها الله تعالى. # { ليجزى قوما بما كانوا يكسبون } تعليل للأمر ~~بالمغفرة، والمراد بالقوم المؤمنون والتنكير لمدحهم والثناء ~~عليهم، أي أمروا بذلك ليجزي يوم القيامة قوما أيما قوم قوما ~~مخصوصين بما كسبوا في الدنيا من الأعمال الحسنة التي من جملتها ~~الصبر على أذية الكفار والإغضاء عنهم بكظم الغيظ واحتمال المكروه ~~ما يقصر عنه البيان من الثواب العظيم. هذا وقد جوز أن يراد ~~بالقوم الكفرة وبما كانوا يكسبون سيئاتهم التي من جملتها ما حكي ~~من الكلمة الخبيثة، والتنكير للتحقير، وفيه أن مطلق الجزاء لا ~~يصلح تعليلا للأمر بالمغفرة لتحققه على تقديري المغفرة وعدمها ~~فلا بد من تخصيصه بالكل بأن لا يتحقق بعض منه في الدنيا أو ~~بما يصدر عنه تعالى بالذات وفي ذلك من التكلف ما لا يخفى وأن يراد ~~كلا الفريقين وهو أكثر تكلفا وأشد تمحلا. وقرىء ليجزى قوم ~~وليجزى قوما أي ليجزى الجزاء قوما، وقرىء لنجزي بنون ~~العظمة. ### || [45.15-20] # { من عمل صلحا فلنفسه ومن أساء فعليها } لا ~~يكاد يسري عمل إلى غير عامله. { ثم إلى ربكم } مالك ~~أموركم { ترجعون } فيجازيكم على أعمالكم خيرا كان أو شرا { ~~ولقد ءاتينا بنى إسرءيل الكتب } أي التوراة { ~~والحكم } أي الحكمة النظرية والعملية والفقه في الدين أو ~~فصل الخصومات بين الناس إذ كان الملك فيهم. { والنبوة } ~~حيث كثر فيهم الأنبياء ما لم يكثر في غيرهم { ورزقناهم ~~من الطيبات } مما أحل الله تعالى من اللذائذ ms2991 كالمن والسلوى { ~~وفضلنهم على العلمين } حيث آتيناهم ما لم نؤت من ~~عداهم من فلق البحر وإظلال الغمام ونظائرهما وقيل: على عالمي ~~زمانهم { وءاتينهم بينت من الأمر } دلائل ظاهرة في ~~أمر الدين ومعجزات قاهرة وقال ابن عباس رضي الله عنهما هو ~~العلم بمبعث النبي صلى الله عليه وسلم وما بين لهم من أمره ~~وأنه يهاجر من تهامة إلى يثرب ويكون أنصاره أهل يثرب. { فما ~~اختلفوا } في ذلك الأمر { إلا من بعد ما جاءهم ~~العلم } بحقيقته وحقيته فجعلوا ما يوجب زوال الخلاف موجبا ~~لرسوخه { بغيا بينهم } أي عداوة وحسدا لا شكا فيه { إن ~~ربك يقضى بينهم يوم القيمة } بالمؤاخذة ~~والجزاء { فيما كانوا فيه يختلفون } من أمر الدين. # { ثم جعلنك على شريعة } أي سنة وطريقة عظيمة ~~الشأن { من الأمر } أي أمر الدين { فاتبعها } بإجراء ~~أحكامها في نفسك وفي غيرك من غير إخلال بشيء منها { ولا ~~تتبع أهواء الذين لا يعلمون } أي آراء الجهلة ~~واعتقاداتهم الزائغة التابعة للشهوات وهم رؤساء قريش كانوا ~~يقولون له عليه الصلاة والسلام: ارجع إلى دين آبائك { ~~إنهم لن يغنوا عنك من الله شيئا } مما أراد بك إن ~~اتبعتهم { وإن الظلمين بعضهم أولياء بعض } لا ~~يواليهم ولا يتبع أهواءهم إلا من كان ظالما مثلهم { والله ~~ولى المتقين } الذين أنت قدوتهم فدم على ما أنت عليه من ~~توليه خاصة والإعراض عما سواه بالكلية. { هذا } أي ~~القرآن أو اتباع الشريعة { بصائر للناس } فإن ما فيه من ~~معالم الدين وشعائر الشرائع بمنزلة البصائر في القلوب { وهدى ~~} من ورطة الضلالة { ورحمة } عظيمة { لقوم يوقنون } من ~~شأنهم الإيقان بالأمور. ### || [45.21-22] # { أم حسب الذين اجترحوا السيئت } استئناف مسوق ~~لبيان تباين حالي المسيئين والمحسنين إثر تباين حالي الظالمين ~~والمتقين. وأم منقطعة وما فيها من معنى بل للانتقال من ~~البيان الأول إلى الثاني. والهمزة لإنكار الحسبان لكن لا ~~بطريق إنكار الوقوع ونفيه كما في قوله تعالى: # أم نجعل الذين ءامنوا وعملوا الصلحت ~~كالمفسدين فى الأرض أم نجعل المتقين ~~كالفجار # [سورة ص، الآية 28] بل بطريق إنكار الواقع واستقباحه والتوبيخ ms2992 ~~عليه، والاجتراح الاكتساب { أن نجعلهم } أي نصيرهم في ~~الحكم والاعتبار وهم على ما هم عليه من مساوي الأحوال. # { كالذين ءامنوا وعملوا الصلحت } وهم فيما هم ~~فيه من محاسن الأعمال ونعاملهم معاملتهم في الكرامة ورفع الدرجة. ~~وقوله تعالى: { سواء محيهم وممتهم } أي محيا ~~الفريقين جميعا ومماتهم. حال من الضمير في الظرف والموصول معا ~~لاشتماله على ضميريهما على أن السواء بمعنى المستوى، ومحياهم ~~ومماتهم مرتفعان به على الفاعلية. والمعنى أم حسبوا أن نجعلهم ~~كائنين مثلهم حال كون الكل مستويا محياهم ومماتهم، كلا لا ~~يستوون في شيء منهما فإن هؤلاء في عز الإيمان والطاعة ~~وشرفهما في المحيا وفي رحمة الله تعالى ورضوانه في الممات وأولئك ~~في ذل الكفر والمعاصي وهوانهما في المحيا وفي لعنة الله ~~والعذاب الخالد في الممات شتان بينهما. وقد قيل: المراد إنكار أن ~~يستووا في الممات كما استووا في الحياة لأن المسيئين والمحسنين ~~مستو محياهم في الرزق والصحة وإنما يفترقون في الممات. وقرىء ~~محياهم ومماتهم بالنصب على أنهما ظرفان كمقدم الحاج، وسواء ~~حال على حاله أي حال كونهم مستوين في محياهم ومماتهم وقد ذكر في ~~الآية الكريمة وجوه أخر من الإعراب والذي يليق بجزالة التنزيل ~~هو الأول فتدبر. وقرىء سواء بالرفع على أنه خبر ومحياهم ~~مبتدأ فقيل الجملة بدل من الكاف وقيل: حال وأيا ما كان فنسبة ~~حسبان التساوي إليهم في ضمن الإنكار التوبيخي مع أنهم بمعزل ~~منه جازمون بفضلهم على المؤمنين للمبالغة في الإنكار والتشديد في ~~التوبيخ فإن إنكار حسبان التساوي والتوبيخ عليه إنكار ~~لحسبان الجزم بالفضل وتوبيخ عليه على أبلغ وجه وآكده. { ساء ~~ما يحكمون } أي ساء حكمهم هذا أو بئس شيئا حكموا به ذلك. { ~~وخلق الله السموات والأرض بالحق } استئناف مقرر ~~لما سبق من الحكم فإن خلق الله تعالى لهما ولما فيهما بالحق ~~المقتضي للعدل يستدعي لا محالة تفصيل المحسن على المسيء في ~~المحيا والممات وانتصار المظلوم من الظالم وإذا لم يطرد ذلك ~~في المحيا فهو بعد الممات حتما { ولتجزى كل نفس بما ~~كسبت } عطف على بالحق ms2993 لأن فيه معنى التعليل إذ معناه ~~خلقها مقرونة بالحكمة والصواب دون العبث والباطل فحاصله خلقها ~~لأجل ذلك ولتجزى الخ أو على علة محذوفة مثل ليدل بها على ~~قدرته أو ليعدل ولتجزى { وهم } أي النفوس المدلول عليها بكل ~~نفس { لا يظلمون } بنقص ثواب أو بزيادة عقاب، وتسمية ذلك ~~ظلما مع أنه ليس كذلك على ما عرف من قاعدة أهل السنة لبيان ~~غاية تنزه ساحة لطفه تعالى عما ذكر تنزيله منزلة الظلم الذي ~~يستحيل صدوره عنه تعالى. ### || [45.23-25] # { أفرأيت من اتخذ إلهه هواه } تعجيب من حال من ~~ترك متابعة الهدى إلى مطاوعة الهوى فكأنه عبده أي أنظرت ~~فرأيته فإن ذلك مما يقضى منه العجب. وقرىء آلهة هواه ~~لأن أحدهم كان يستحسن حجرا فيعبده فإذا رأى أحسن منه رفضه ~~إليه فكأنه اتخذ آلهة شتى { وأضله الله } وخذله { ~~على علم } أي عالما بضلاله وتبديله لفطرة الله تعالى التي فطر ~~الناس عليها. { وختم على سمعه وقلبه } بحيث لا ~~يتأثر بالمواعظ ولا يتفكر في الآيات والنذر. { وجعل على ~~بصره غشوة } مانعة عن الاستبصار والاعتبار. وقرىء بفتح ~~الغين وضمها، وقرىء غشوة { فمن يهديه من بعد الله } ~~أي من بعد إضلاله تعالى إياه بموجب تعاميه عن الهدى وتماديه في ~~الغي { أفلا تذكرون } أي ألا تلاحظون فلا تذكرون ~~وقرىء تتذكرون على الأصل. # { وقالوا } بيان لأحكام ضلالهم المحكي أي قالوا من غاية ~~غيهم وضلالهم { ما هى } أي ما الحياة { إلا حياتنا ~~الدنيا } التي نحن فيها { نموت ونحيا } أي يصيبنا الموت ~~والحياة فيها وليس وراء ذلك حياة وقيل: نكون نطفا وما قبلها وما ~~بعدها ونحيا بعد ذلك، أو نموت بأنفسنا ونحيا ببقاء أولادنا أو ~~يموت بعضنا ويحيا بعضنا وقد جوز أن يريدوا به التناسخ فإنه ~~عقيدة أكثر عبدة الأوثان. وقرىء نحيا { وما يهلكنا ~~إلا الدهر } إلا مرور الزمان وهو في الأصل مدة بقاء العالم ~~من دهره أي غلبه. وقرىء إلا دهر يمر وكانوا يزعمون أن ~~المؤثر في هلاك الأنفس هو مرور الأيام والليالي وينكرون ملك ~~الموت وقبضه للأرواح بأمر الله تعالى ms2994 ويضيفون الحوادث إلى الدهر ~~والزمان. ومنه قوله صلى الله عليه وسلم: # " لا تسبوا الدهر فإن الله هو الدهر " # أي فإن الله هو الآتي بالحوادث لا الدهر. { وما لهم بذلك ~~} أي بما ذكر من اقتصار الحياة على ما في الدنيا واستناد الحياة ~~والموت إلى الدهر { من علم } ما مستند إلى عقل أو نقل { إن ~~هم إلا يظنون } ما هم إلا قوم قصارى أمرهم الظن ~~والتقليد من غير أن يكون لهم شيء يصح أن يتمسك به في الجملة، ~~هذا معتقدهم الفاسد في أنفسهم { وإذا تتلى عليهم ~~ءايتنا } الناطقة بالحق الذي من جملته البعث { بينت ~~} واضحات الدلالة على ما نطقت به أو مبينات له { ما كان ~~حجتهم } بالنصب على أنه خبر كان أي ما كان متمسكا لهم ~~شيء من الأشياء. { إلا أن قالوا ائتوا بئابآئنا إن ~~كنتم صدقين } في أنا نبعث بعد الموت أي إلا هذا القول ~~الباطل الذي يستحيل أن يكون من قبيل الحجة، وتسميته حجة ~~إما لسوقهم إياه مساق الحجة على سبيل التهكم بهم أو لأنه ~~من قبيل: # [وخيل قد دلفت لها بخيل] # تحية بينهم ضرب وجيع # وقرىء برفع حجتهم على أنها اسم كان فالمعنى ما كان حجتهم ~~شيئا من الأشياء إلا هذا القول الباطل. ### || [45.26-29] # { قل الله يحييكم } ابتداء { ثم يميتكم } عند ~~انقضاء آجالكم لا كما تزعمون من أنكم تحيون وتموتون بحكم ~~الدهر. { ثم يجمعكم } بعد الموت { إلى يوم ~~القيمة } للجزاء { لا ريب فيه } أي في جمعكم فإن من ~~قدر على البدء قدر على الإعادة والحكمة اقتضت الجمع للجزاء لا ~~محالة والوعد المصدق بالآيات دل على وقوعها حتما، والإتيان ~~بآبائهم حيث كان مزاحما للحكمة التشريعية امتنع إيقاعه { ~~ولكن أكثر الناس لا يعلمون } استدراك من قوله ~~تعالى لا ريب فيه وهو إما من تمام الكلام المأمور به أو ~~كلام مسوق من جهته تعالى تحقيقا للحق وتنبيها على أن ~~ارتيابهم لجهلهم وقصورهم في النظر والتفكر لا لأن فيه شائبة ~~ريب ما { ولله ملك السموات والأرض } بيان ~~لاختصاص الملك المطلق والتصرف الكلي فيهما ms2995 وفيما بينهما ~~بالله عز وجل إثر بيان تصرفه تعالى في الناس بالإحياء ~~والإماتة والبعث والجمع للمجازاة. { ويوم تقوم الساعة ~~يومئذ يخسر المبطلون } العامل في يوم يخسر ويومئذ ~~بدل منه. # { وترى كل أمة } من الأمم المجموعة { جاثية } باركة ~~على الركب مستوفزة، وقرىء جاذية أي جالسة على أطراف الأصابع ~~والجذو أشد استيفازا من الجثو. وعن ابن عباس رضي الله ~~عنهما جائية مجتمعة وقيل: جماعات من الجثوة وهي الجماعة. { ~~كل أمة تدعى إلى كتبها } إلى صحيفة أعمالها. ~~وقرىء كل بالنصب على أنه بدل من الأول وتدعى صفة أو حال ~~أو مفعول ثان. { اليوم تجزون ما كنتم تعملون } أي ~~يقال لهم ذلك وقوله تعالى: # { هذا كتبنا } الخ من تمام ما يقال حينئذ وحيث كان ~~كتاب كل أمة مكتوبا بأمر الله تعالى أضيف إلى نون العظمة ~~تفخيما لشأنه وتهويلا لأمره فهذا مبتدأ وكتابنا خبره. وقوله ~~تعالى: { ينطق عليكم } أي يشهد عليكم { بالحق } من غير ~~زيادة ولا نقص، خبر آخر أو حال وبالحق حال من فاعل ينطق. ~~وقوله تعالى { إنا كنا نستنسخ } الخ تعليل لنطقه عليهم ~~بأعمالهم من غير إخلال بشيء منها أي إنا كنا فيما قبل نستكتب ~~الملائكة { ما كنتم تعملون } في الدنيا من الأعمال حسنة ~~كانت أو سيئة. ### || [45.30-35] # وقوله تعالى: { فأما الذين ءامنوا وعملوا ~~الصلحت فيدخلهم ربهم فى رحمته } أي في جنته، ~~تفصيل لما يفعل بالأمم بعد بيان ما خوطبوا به من الكلام ~~المنطوي على الوعد والوعيد. { ذلك } أي الذي ذكر من الإدخال في ~~رحمته تعالى { هو الفوز المبين } الظاهر كونه فوزا لا فوز ~~وراءه { وأما الذين كفروا أفلم تكن ءايتى ~~تتلى عليكم } أي فيقال لهم بطريق التوبيخ والتقريع ألم ~~يكن يأتيكم رسلي فلم تكن آياتي تتلى عليكم فخذف المعطوف عليه ~~ثقة بدلالة القريبة عليه. { فاستكبرتم } عن الإيمان بها { ~~وكنتم قوما مجرمين } أي قوما عادتهم الإجرام { وإذا ~~قيل إن وعد الله } أي ما وعده من الأمور الآتية أو وعده ~~بذلك { حق } أي واقع لا محالة أو مطابق للواقع { والساعة } ~~التي هي أشهر ما ms2996 وعده { لا ريب فيها } أي في وقوعها. وقرىء ~~والساعة بالنصب عطفا على اسم إن وقراءة الرفع للعطف على محل ~~إن واسمها. { قلتم } لغاية عتوكم { ما ندرى ما ~~الساعة } أي أي شيء هي استغرابا لها { إن نظن إلا ~~ظنا } أي ما نفعل إلا ظنا وقد مر تحقيقه في قوله تعالى: # إن أتبع إلا ما يوحى إلى # [سورة الأنعام، الآية 50] وقيل: ما نعتقد إلا ظنا أي لا علما وقيل: ~~ما نحن إلا نظن ظنا وقيل: ما نظن إلا ظنا ضعيفا ويرده قوله ~~تعالى { وما نحن بمستيقنين } أي لإمكانه فإن مقابل ~~الاستيقان مطلق الظن لا الضعيف منه ولعل هؤلاء غير القائلين ما ~~هي إلا حياتنا الدنيا { وبدا لهم } أي ظهر لهم حينئذ { ~~سيئات ما عملوا } على ما هي عليه من الصورة المنكرة ~~الهائلة وعاينوا وخامة عاقبتها أو جزاءها فإن جزاء السيئة سيئة ~~{ وحاق بهم ما كانوا به يستهزءون } من الجزاء ~~والعقاب. # { وقيل اليوم ننساكم } نترككم في العذاب ترك المنسي { ~~كما نسيتم } في الدنيا { لقاء يومكم هذا } أي كما ~~تركتم عدته ولم تبالوا به، وإضافة اللقاء إلى اليوم إضافة ~~المصدر إلى ظرفه. { ومأواكم النار وما لكم من ~~نصرين } أي ما لأحد منكم ناصر واحد يخلصكم منها { ~~ذلكم } العذاب { بأنكم } بسبب أنكم { اتخذتم ~~ءايت الله هزوا } مهزوءا بها ولم ترفعوا لها رأسا { ~~وغرتكم الحيوة الدنيا } فحسبتم أن لا حياة سواها { ~~فاليوم لا يخرجون منها } أي من النار. وقرىء ~~يخرجون من الخروج. والالتفات إلى الغيبة للإيذان بإسقاطهم عن ~~رتبة الخطاب استهانة أو بنقلهم من مقام الخطاب إلى غيابة النار ~~{ ولهم يستعتبون } أي يطلب منهم أن يعتبوا ربهم أي ~~يرضوه لفوات أوانه. ### || [45.36-37] # { فلله الحمد } خاصة { رب السموات ورب الأرض ~~رب العلمين } فلا يستحق الحمد أحد سواه، وتكرير الرب ~~للتأكيد والإيذان بأن ربوبيته تعالى لكل منها بطريق الأصالة. ~~وقرىء برفع الثلاثة على المدح بإضمار هو { وله الكبرياء ~~فى السموات والأرض } لظهور آثارها وأحكامها فيهما، ~~وإظهارهما في موقع الإضمار لتفخيم شأن الكبرياء { وهو ~~العزيز } الذي لا يغلب { الحكيم ms2997 } في كل ما قضى وقدر ~~فاحمدوه وكبروه وأطيعوه. # عن النبي عليه الصلاة والسلام: # " من قرأ حم الجاثية ستر الله تعالى عورته وسكن روعته يوم ~~الحساب ". ### | [46 - سورة الأحقاف] ### || [46.1-4] # سورة الأحقاف مكية # وآيها أربع أو خمس وثلاثون آية # { حم تنزيل الكتب من الله العزيز الحكيم } ~~الكلام فيه كالذي مر في مطلع السورة السابقة. { ما خلقنا ~~السموات والأرض } بما فيهما من حيث الجزئية منهما ومن حيث ~~الاستقرار فيهما. { وما بينهما } من المخلوقات { إلا ~~بالحق } استثناء مفرغ من أعم المفاعيل. أي إلا خلقا ملتبسا ~~بالحق الذي تقتضيه الحكمة التكوينية والتشريعية، أو من أعم ~~الأحوال من فاعل خلقنا أو من مفعوله أي ما خلقناها في حال من ~~الأحوال إلا حال ملابستنا بالحق أو حال ملابستها به. وفيه من ~~الدلالة على وجود الصانع تعالى وصفات كماله وابتناء أفعاله على ~~حكم بالغة وانتهائها إلى غايات جليلة ما لا يخفى. { وأجل ~~مسمى } عطف على الحق بتقدير مضاف أي وبتقدير أجل مسمى ~~ينتهي إليه أمر الكل وهو يوم القيامة يوم تبدل الأرض غير ~~الأرض والسموات وبرزوا لله الواحد القهار، وقيل: هو آخر مدة ~~البقاء المقدر لكل واحد، ويأباه قوله تعالى { والذين ~~كفروا عما أنذروا معرضون } فإن ما أنذروه يوم ~~القيامة وما فيه من الطامة التامة والأهوال العامة لا آخر ~~أعمارهم وقد جوز كون ما مصدرية، والجملة حالية. أي ما خلقنا ~~الخلق إلا بالحق وتقدير الأجل الذي يجازون عنده، والحال أنهم ~~غير مؤمنين به معرضون عنه وعن الاستعداد له. { قل } توبيخا لهم ~~وتبكيتا { أرءيتم } أخبروني، وقرىء أرأيتكم. { ما ~~تدعون } ما تعبدون { من دون الله } من الأصنام { أرونى ~~} تأكيد لأرأيتم. { ماذا خلقوا من الأرض } بيان للإبهام ~~في ماذا { أم لهم شرك } أي شركة مع الله تعالى. { فى ~~السموات } أي في خلقها أو ملكها وتدبيرها حتى يتوهم أن ~~يكون لهم شائبة استحقاق للمعبودية فإن ما لا مدخل له في وجود ~~شيء من الأشياء بوجه من الوجوه فهو بمعزل من ذلك الاستحقاق ~~بالمرة وإن كان من الأحياء العقلاء فما ظنكم بالجماد. ms2998 ~~وقوله تعالى { ائتونى بكتب } الخ. تبكيت لهم بتعجيزهم عن ~~الإتيان بسند نقلي بعد تبكيتهم بالتعجيز عن الإتيان بسند عقلي أي ~~ائتوني بكتاب إلهي كائن { من قبل هذا } الكتاب أي القرآن ~~الناطق بالتوحيد وإبطال الشرك دال على صحة دينكم { أو ~~أثرة من علم } أو بقية من علم بقيت عليكم من علوم ~~الأولين شاهدة باستحقاقهم للعبادة { إن كنتم صدقين } في ~~دعواكم فإنها لا تكاد تصح ما لم يقم عليها برهان عقلي أو ~~سلطان نقلي، وحيث لم يقم عليها شيء منهما وقد قامت على ~~خلافها أ دلة العقل والنقل تبين بطلانها. وقرىء إثارة ~~بكسر الهمزة أي مناظرة فإنها تثير المعاني، وأثرة أي شيء ~~أوثرتم به وخصصتم من علم مطوي من غيركم، وإثرة بالحركات الثلاث ~~مع سكون الثاء، إما المكسورة فبمعنى الأثرة، وأما المفتوحة فهي ~~المرة من أثر الحديث أي رواه، وأما المضمومة فاسم ما يؤثر ~~كالخطبة التي هي اسم ما يخطب به. ### || [46.5-7] # { ومن أضل ممن يدعو من دون الله من لا ~~يستجيب له } إنكار ونفي لأن يكون أحد يساوي المشركين في ~~الضلال. وإن كان سبك التركيب لنفي الأضل منهم من غير تعرض لنفي ~~المساوي كما مر غير مرة أي هم أضل من كل ضال، حيث تركوا ~~عبادة خالقهم السميع القادر المجيب الخبير إلى عبادة مصنوعهم ~~العاري عن السمع والقدرة والاستجابة { إلى يوم القيمة } ~~غاية لنفي الاستجابة { وهم عن دعائهم } الضمير الأول ~~لمفعول يدعو والثاني لفاعله والجمع فيهما باعتبار معنى من كما ~~أن الإفراد فيما سبق باعتبار لفظها { غفلون } لكونهم ~~جمادات، وضمائر العقلاء لإجرائهم إياها مجرى العقلاء، ووصفها ~~بما ذكر من ترك الاستجابة والغفلة مع ظهور حالها للتهكم بها ~~وبعبدتها كقوله تعالى: # إن تدعوهم لا يسمعوا دعاءكم # [سورة فاطر، الآية 14] الآية. { وإذا حشر الناس } عند قيام ~~القيامة { كانوا لهم أعداء وكانوا بعبادتهم ~~كفرين } أي مكذبين بلسان الحال أو المقال، على ما يروى ~~أنه تعالى يحيي الأصنام فتتبرأ عن عبادتهم. وقد جوز أن ~~يراد بهم كل من يعبد من دون الله من الملائكة والجن ms2999 والإنس ~~وغيرهم، ويبنى إرجاع الضمائر وإسناد العداوة والكفر إليهم على ~~التغليب، ويراد بذلك تبرؤهم عنهم وعن عبادتهم، وقيل: ضمير ~~كانوا للعبدة وذلك قولهم: # والله ربنا ما كنا مشركين # [سورة الأنعام، الآية 23] # { وإذا تتلى عليهم ءايتنا بينات } واضحات أو ~~مبينات { قال الذين كفروا للحق } أي لأجله وفي شأنه ~~وهو عبارة عن الآيات المتلوة وضع موضع ضميرها تنصيصا على ~~حقيتها ووجوب الإيمان بها كما وضع الموصول موضع ضمير المتلو ~~عليهم تسجيلا عليهم بكمال الكفر والضلالة. { لما جاءهم } أي في ~~أول ما جاءهم من غير تدبر وتأمل { هذا سحر مبين } أي ~~ظاهر كونه سحرا. ### || [46.8-9] # { أم يقولون افتراه } إضراب وانتقال من حكاية شناعتهم ~~السابقة إلى حكاية ما هو أشنع منها. وما في أم من الهمزة للإنكار ~~التوبيخي المتضمن للتعجيب أي بل أيقولون افترى القرآن { قل ~~إن افتريته } على الفرض { فلا تملكون لى من الله ~~شيئا } إذ لا ريب في أنه تعالى يعاجلني حينئذ بالعقوبة فكيف ~~أجترىء على أن أفتري عليه تعالى كذبا فأعرض نفسي للعقوبة التي ~~لا مناص عنها { هو أعلم بما تفيضون فيه } أي تندفعون ~~فيه من القدح في وحي الله والطعن في آياته وتسميته سحرا تارة ~~وفرية أخرى { كفى به شهيدا بينى وبينكم } حيث يشهد ~~لي بالصدق والبلاغ وعليكم بالكذب والجحود وهو وعيد بجراء إفاضتهم. ~~وقوله تعالى: { وهو الغفور الرحيم } وعد بالغفران ~~والرحمة لمن تاب وآمن، وإشعار بحلم الله تعالى عنهم مع عظم ~~جرائمهم. # { قل ما كنت بدعا من الرسل } البدع بمعنى البديع ~~كالخل بمعنى الخليل وهو ما لا مثل له. وقرىء بفتح الدال على ~~أنه صفة كقيم وزيم، أو جمع مقدر بمضاف أي ذا بدع، وقد ~~جوز ذلك في القراءة الأولى أيضا على أنه مصدر. كانوا يقترحون ~~عليه عليه الصلاة والسلام آيات عجيبة ويسألونه عن المغيبات ~~عنادا ومكابرة فأمر عليه السلام بأن يقول لهم ما كنت بديعا ~~من الرسل قادرا على ما لم يقدروا عليه حتى آتيكم بكل ما ~~تقترحونه وأخبركم بكل ما تسألون عنه من الغيوب فإن من قبلي ms3000 ~~من الرسل عليهم الصلاة والسلام ما كانوا يأتون إلا بما آتاهم ~~الله تعالى من الآيات ولا يخبرونهم إلا بما أوحي إليهم { وما ~~أدرى ما يفعل بى ولا بكم } أي أي شيء يصيبنا فيما ~~يستقبل من الزمان من أفعاله تعالى وماذا يقدر لنا من قضاياه. ~~وعن الحسن رضي الله عنه ما أدري ما يصير إليه أمري وأمركم في ~~الدنيا. وعن ابن عباس رضي الله عنهما: ما يفعل بي ولا بكم في ~~الآخرة وقال: هي منسوخة بقوله تعالى: # ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر # [سورة الفتح، الآية 2]، وقيل: يجوز أن يكون المنفي هي الدراية ~~المفصلة، والأظهر الأوفق لما ذكر من سبب النزول أن ما ~~عبارة عما ليس علمه من وظائف النبوة من الحوادث والواقعات ~~الدنيوية دون ما سيقع في الآخرة فإن العلم بذلك من وظائف ~~النبوة، وقد ورد به الوحي الناطق بتفاصيل ما يفعل بالجانبين. هذا ~~وقد روي عن الكلبي أن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قالوا ~~له عليه السلام وقد ضجروا من أذية المشركين حتى متى نكون على ~~هذا فقال: " ما أدري ما يفعل بي ولا بكم أأترك بمكة أم أومر ~~بالخروج إلى أرض ذات نخيل وشجر قد رفعت لي ورأيتها " يعني في ~~منامه، وجوز أن تكون ما موصولة، والاستفهامية أقضى لحق مقام ~~التبرؤ عن الدراية. # وتكرير لا لتذكير النفي المنسحب إليه وتأكيده. وقرىء ما ~~يفعل على إسناد الفعل على ضميره تعالى. { إن أتبع إلا ~~ما يوحى إلى } أي ما أفعل إلا اتباع ما يوحى إلي، على ~~معنى قصر أفعاله عليه الصلاة والسلام على اتباع الوحي لا ~~قصر اتباعه على الوحي كما هو المتسارع إلى الأفهام وقد مر تحقيقه ~~في سورة الأنعام. وقرىء يوحي على البناء للفاعل، وهو جواب عن ~~اقتراحهم الأخبار عما لم يوح إليه عليه السلام من الغيوب، ~~وقيل: عن استعجال المسلمين أن يتخلصوا عن أذية المشركين والأول ~~هو الأوفق لقوله تعالى: { وما أنا إلا نذير } أنذركم عقاب ~~الله تعالى حسبما يوحى إلي { مبين } بين ms3001 الإنذار بالمعجزات ~~الباهرة. ### || [46.10] # { قل أرءيتم إن كان } أي ما يوحى إلي من القرآن { من ~~عند الله } لا سحرا ولا مفترى كما تزعمون. وقوله تعالى { ~~وكفرتم به } حال بإضمار قد من الضمير في الخبر وسطت ~~بين أجزاء الشرط مسارعة إلى التسجيل عليهم بالكفر، أو عطف على ~~كان كما في قوله تعالى: # قل أرءيتم إن كان من عند الله ثم كفرتم به # [سورة فصلت، الآية 52] لكن لا على أن نظمه في سلك الشرط المتردد ~~بين الوقوع وعدمه عندهم باعتبار حاله في نفسه بل باعتبار حال ~~المعطوف عليه عندهم فإن كفرهم به أمر محقق عندهم أيضا وإنما ~~ترددهم في أن ذلك كفر بما من عند الله تعالى أم لا وكذا الحال في ~~قوله تعالى: { وشهد شاهد من بنى إسرءيل } وما بعده من ~~الفعلين فإن الكل أمور محققة عندهم وإنما ترددهم في أنها ~~شهادة وإيمان بما من عند الله تعالى واستكبار عنه أولا والمعنى ~~أخبروني إن كان ذلك في الحقيقة من عند الله تعالى وكفرتم به وشهد شاهد ~~عظيم الشأن من بني إسرائيل الواقفين على شؤون الله تعالى وأسرار ~~الوحي بما أوتوا من التوراة. { على مثله } أي مثل القرآن من ~~المعاني المنطوية في التوراة المطابقة لما في القرآن من التوحيد ~~والوعد والوعيد وغير ذلك فإنها عين ما فيه في الحقيقة كما يعرب ~~عنه قوله تعالى: # وإنه لفى زبر الأولين # [سورة الشعراء، الآية 196] وقوله تعالى: # إن هذا لفى الصحف الأولى # [سورة الأعلى، الآية 18] والمثلية باعتبار تأديتها بعبارات أخر أو ~~على مثل ما ذكر من دونه من عند الله تعالى والمثلية لما ذكر ~~وقيل: المثل صلة والفاء في قوله تعالى: { فئامن } للدلالة على ~~أنه سارع إلى الإيمان بالقرآن لما علم أنه من جنس الوحي ~~الناطق بالحق وهو # " عبد الله بن سلام لما سمع بمقدم رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم المدينة أتاه فنظر إلى وجهه الكريم فعلم أنه ليس بوجه ~~كذاب وتأمله فتحقق أنه النبي المنتظر فقال له إني سائلك ~~عن ثلاث لا يعلمهن إلا ms3002 نبي ما أول أشراط الساعة، وما أول ~~طعام يأكله أهل الجنة، والولد ينزع إلى أبيه أو إلى أمة فقال ~~عليه الصلاة والسلام: " أما أول أشراط الساعة فنار تحشرهم ~~من المشرق إلى المغرب، وأما أول طعام أهل الجنة فزيادة كبد ~~حوت، وأما الولد فإن سبق ماء الرجل نزعه وإن سبق ماء المرأة ~~نزعته " فقال أشهد أنك رسول الله حقا فقام ثم قال يا رسول ~~الله إن اليهود قوم بهت فإن علموا بإسلامي قبل أن تسألهم ~~عني بهتوني عندك فجاءت اليهود فقال لهم النبي عليه السلام: " ~~أي رجل عبد الله فيكم " فقالوا خيرنا وابن خيرنا وسيدنا ~~وابن سيدنا وأعلمنا وابن أعلمنا قال: " أرأيتم إن أسلم عبد ~~الله " ، قالوا: أعاذه الله من ذلك فخرج إليهم عبد الله ~~فقال: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله. ~~فقالوا شرنا وابن شرنا وانتقصوه، قال: هذا ما كنت أخاف يا ~~رسول الله وأحذر " # قال سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه: ما سمعت رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم يقول لأحد يمشي على الأرض إنه من أهل الجنة إلا ~~لعبد الله بن سلام، وفيه نزل { وشهد شاهد } [سورة ~~الأحقاف، الآية 10]. وقيل: الشاهد موسى عليه السلام وشهادته بما ~~في التوراة من بعثة النبي عليهما الصلاة والسلام وبه قال ~~الشعبي. وقال مسروق: والله ما نزلت في عبد الله بن سلام ~~فإن آل حم نزلت بمكة وإنما أسلم عبد الله بالمدينة، وأجاب ~~الكلبي: بأن الآية مدنية وإن كانت السورة مكية. { ~~واستكبرتم } عطف على شهد شاهد. وجواب الشرط محذوف، ~~والمعنى أخبروني إن كان من عند الله تعالى وشهد على ذلك أعلم ~~بني إسرائيل فآمن به من غير تلعثم واستكبرتم عن الإيمان به بعد هذه ~~المرتبة من أضل منكم بقرينة قوله تعالى: # قل أرءيتم إن كان من عند الله ثم كفرتم به ~~من أضل ممن هو فى شقاق بعيد # [سورة فصلت، الآية 52] وقوله تعالى: { إن الله لا يهدى ~~القوم الظلمين } فإن عدم الهداية مما ينبىء عن ~~الضلال قطعا، ms3003 ووصفهم بالظلم للإشعار بعلة الحكم، فإن ~~تركه تعالى لهدايتهم لظلمهم. ### || [46.11-12] # { وقال الذين كفروا } حكاية لبعض آخر من أقاويلهم ~~الباطلة في حق القرآن العظيم والمؤمنين به، أي قال كفار ~~مكة. { للذين ءامنوا } أي لإجلهم { لو كان } أي ما جاء ~~به عليه الصلاة والسلام من القرآن والدين { خيرا ما ~~سبقونا إليه } فإن معالي الأمور لا ينالها أيدي ~~الأراذل، وهم سقاط، عامتهم فقراء وموال ورعاة قالوه زعما ~~منهم أن الرياسة الدينية مما ينال بأسباب دنيوية كما قالوا ~~لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم، وزل عنهم ~~أنها منوطة بكمالات نفسانية وملكات روحانية مبناها الإعراض عن ~~زخارف الدنيا الدنية والإقبال على الآخرة بالكلية وأن من فاز ~~بها فقد جازها بحذافيرها ومن حرمها فما له منها من خلاق، وقيل: ~~قاله بنو عامر وغطفان وأسد وأشجع لما أسلم جهينة ومزينة وأسلم ~~وغفار، وقيل: قالته اليهود حين أسلم عبد الله بن سلام ~~وأصحابه، ويأباه أن السورة مكية ولا بد حينئذ من الالتجاء إلى ~~إدعاء أن الآية نزلت بالمدينة. # { وإذ لم يهتدوا به } ظرف لمحذوف يدل عليه ما قبله ~~ويترتب عليه ما بعده أي وإذ لم يهتدوا بالقرآن قالوا ما قالوا ~~{ فسيقولون } غير مكتفين بنفي خيريته { هذا إفك قديم ~~} كما قالوا أساطير الأولين، وقيل المحذوف ظهر عنادهم وليس ~~بذاك. { ومن قبله } أي من قبل القرآن وهو خبر لقوله تعالى { ~~كتاب موسى } قيل: والجملة حالية أو مستأنفة، وأيا ما كان ~~فهو لرد قولهم هذا إفك قديم وإبطاله، فإن كونه مصدقا لكتاب ~~موسى مقرر لحقيته قطعا. { إماما ورحمة } حالان من كتاب ~~موسى أي إماما يقتدى به في دين الله تعالى وشرائعه كما يقتدى ~~بالإمام ورحمة من الله تعالى لمن آمن به وعمل بموجبه { وهذا } ~~الذي يقولون في حقه ما يقولون { كتاب } عظيم الشأن { مصدق ~~} أي لكتاب موسى الذي هو إمام ورحمة أو لما من بين يديه من جميع ~~الكتب الإلهية. وقد قرىء كذلك { لسانا عربيا } حال من ~~ضمير الكتاب في مصدق أو من نفسه لتخصصه بالصفة وعاملها ms3004 معنى ~~الإشارة، وعلى الأول مصدق وقيل: مفعول لمصدق أي يصدق ذا لسان ~~عربي. { لينذر الذين ظلموا } متعلق بمصدق وفيه ضمير ~~الكتاب أو الله تعالى أو الرسول عليه الصلاة والسلام ويؤيد ~~الأخير القراءة بتاء الخطاب { وبشرى للمحسنين } في حيز ~~النصب عطفا على محل لينذر وقيل: في محل الرفع على أنه خبر مبتدأ ~~مضمر أي وهو بشرى وقيل: على أنه عطف على مصدق. ### || [46.13-15] # { إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقموا } أي ~~جمعوا بين التوحيد الذي هو خلاصة العلم، والاستقامة في أمور ~~الدين التي هي منتهى العمل وثم للدلالة على تراخي رتبة العمل ~~وتوقف الاعتداد به على التوحيد { فلا خوف عليهم } من لحوق ~~مكروه { ولا هم يحزنون } من فوات محبوب. والفاء لتضمن ~~الاسم معنى الشرط والمراد بيان دوام نفي الحزن لا بيان نفي ~~دوام الحزن كما يوهمه كون الخبر مضارعا وقد مر بيانه مرارا { ~~أولئك } الموصوفون بما ذكر من الوصفين الجليلين { ~~أصحب الجنة خلدين فيها } حال من المستكن في ~~أصحاب. وقوله تعالى: { جزاء } منصوب إما بعامل مقدر أي يجزون ~~جزاء أو بمعنى ما تقدم فإن قوله تعالى أولئك أصحاب الجنة في ~~معنى جازيناهم. { بما كانوا يعملون } من الحسنات العلمية ~~والعملية. # { ووصينا الإنسن } بأن يحسن { بولديه إحسنا } ~~وقرىء حسنا أي بأن يفعل بهما حسنا أي فعلا ذا حسن أو ~~كأنه في ذاته نفس الحسن لفرط حسنه. وقرىء بضم السين أيضا، ~~وبفتحهما أي بأن يفعل بهما فعلا حسنا أو وصيناه إيصاء حسنا. ~~{ حملته أمه كرها ووضعته كرها } أي ذات كره أو ~~حملا ذا كره وهو المشقة. وقرىء بالفتح وهما لغتان كالفقر، ~~وقيل: المضموم اسم والمفتوح مصدر. { وحمله وفصله } أي ~~مدة حمله وفصاله، وهو الفطام، وقرىء وفصله. والفصال كالفطم ~~والفطام بناء ومعنى، والمراد به الرضاع التام المنتهي به. ~~كما أراد بالأمد المدة من قال: # كل حي مستكمل مدة العمر ومود إذا انتهى أمده # { ثلاثون شهرا } تمضي عليها بمعاناة المشاق ومقاساة ~~الشدائد لأجله وهذا دليل على أن أقل مدة الحمل ستة أشهر لما ~~أنه إذا حط ms3005 عنه للفصال حولان لقوله تعالى: # حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة # [سورة البقرة، الآية 233] يبقي للحمل ذلك، قيل: ولعل تعيين أقل ~~مدة الحمل وأكثر مدة الرضاع لانضباطهما وتحقق ارتباط النسب ~~والرضاع بهما { حتى إذا بلغ أشده } أي اكتمل واستحكم ~~قوته وعقله { وبلغ أربعين سنة } قيل: لم يبعث نبي ~~قبل أربعين. وقرىء حتى إذا استوى وبلغ أشده. { قال رب ~~أوزعنى } أي ألهمني، وأصله أولعني من أوزعته بكذا { أن ~~أشكر نعمتك التى أنعمت على وعلى والدى } ~~أي نعمة الدين أو ما يعمها وغيرها. { وأن أعمل صلحا ~~ترضه } التنكير للتفخيم والتكثير { وأصلح لى فى ~~ذريتى } أي واجعل الصلاح ساريا في ذريتي راسخا فيهم كما في ~~قوله: # [وإن تعتذر بالمحل من ذي ضروعها # إلى الضيف] يجرح في عراقيبها نصلي # قال ابن عباس: أجاب الله تعالى دعاء أبي بكر رضي الله عنهم ~~فأعتق تسعة من المؤمنين منهم عامر بن فهيرة ولم يرد شيئا من ~~الخير إلا أعانه الله تعالى عليه ودعا أيضا فقال وأصلح لي في ~~ذريتي فأجابه الله عز وجل فلم يكن له ولد إلا آمنوا جميعا ~~فاجتمع له إسلام أبويه وأولاده جميعا فأدرك أبوه أبو قحافة ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم وابنه عبد الرحمن بن أبي بكر وابن ~~عبد الرحمن أبو عتيق كلهم أدركوا النبي عليه الصلاة ~~والسلام ولم يكن ذلك لأحد من الصحابة رضوان الله تعالى عليهم ~~أجمعين. { إنى تبت إليك } عما لا ترضاه أو عما يشغلني عن ~~ذكرك { وإنى من المسلمين } الذين أخلصوا لك أنفسهم. ### || [46.16-17] # { أولئك } إشارة إلى الإنسان، والجمع لأن المراد به الجنس ~~المتصف بالوصف المحكي عنه، وما فيه من معنى البعد للإشعار ~~بعلو رتبته وبعد منزلته، أي أولئك المنعوتون بما ذكر من ~~النعوت الجليلة. { الذين نتقبل عنهم أحسن ما ~~عملوا } من الطاعات، فإن المباح حسن ولا يثاب عليه. { ~~ونتجاوز عن سيئتهم } وقرىء الفعلان بالياء على ~~إسنادهما إلى الله تعالى، وعلى بنائهما للمفعول، ورفع أحسن على ~~أنه قائم مقام الفاعل، وكذا الجار والمجرور. { فى أصحب ~~الجنة } أي ms3006 كائنين في عدادهم منتظمين في سلكهم { وعد ~~الصدق } مصدر مؤكد لما أن قوله تعالى نتقبل ونتجاوز وعد من ~~الله تعالى لهم بالتقبل والتجاوز. { الذى كانوا يوعدون } ~~على ألسنة الرسل. # { والذى قال لولديه } عند دعوتهما له إلى الإيمان { ~~أف لكما } هو صوت يصدر عن المرء عند تضجره، واللام لبيان ~~المؤفف له كما في هيت لك. وقرىء أف بالفتح والكسر بغير ~~تنوين وبالحركات الثلاث مع التنوين. والموصول عبارة عن الجنس ~~القائل ذلك القول ولذلك أخبر عنه بالمجموع كما سبق. قيل: هو في ~~الكافر العاق لوالديه المكذب بالبعث. وعن قتادة: هو نعت عبد ~~سوء عاق لوالديه فاجر لربه. وما روي من أنها نزلت في عبد ~~الرحمن بن أبي بكر رضي الله عنهما قبل إسلامه يرده ما سيأتي ~~من قوله تعالى: # أولئك الذين حق عليهم القول # [سورة الأحقاف، الآية 18] الآية. فإنه كان من أفاضل المسلمين ~~وسرواتهم، وقد كذبت الصديقة رضي الله عنها من قال ذلك. { ~~أتعداننى أن أخرج } أبعث من القبر بعد الموت. وقرىء ~~أخرج، من الخروج. { وقد خلت القرون من قبلى } ولم ~~يبعث منهم أحد { وهما يستغيثان الله } يسألانه أن ~~يغيثه ويوفقه للإيمان. { ويلك } أي قائلين له ويلك، وهو في ~~الأصل دعاء عليه بالثبور أريد به الحث والتحريض على الإيمان لا ~~حقيقة الهلاك. { ءامن إن وعد الله حق } أي البعث ~~أضافاه إليه تعالى تحقيقا للحق وتنبيها على خطئه في إسناد ~~الوعد إليهما. وقرىء أن وعد الله أي آمن بأن وعد الله حق { ~~فيقول } مكذبا لهما { ما هذا } الذي تسميانه وعد الله { ~~إلا أسطير الأولين } أباطيلهم التي سطروها في الكتب من ~~غير أن يكون لها حقيقة. ### || [46.18-20] # { أولئك } القائلون هذه المقالات الباطلة { الذين حق ~~عليهم القول } وهو قوله تعالى لإبليس: # لاملان جهنم منك وممن تبعك منهم أجمعين # [سورة ص، الآية 85] كما ينبىء عنه قوله تعالى: { فى أمم قد ~~خلت من قبلهم من الجن والإنس } وقد مر تفسيره في ~~سورة الم السجدة { إنهم } جميعا { كانوا خسرين } قد ~~ضيعوا فطرتهم الأصلية الجارية مجرى رؤوس أموالهم باتباعهم ms3007 ~~الشيطان، والجملة تعليل للحكم بطريق الاستئناف التحقيقي. { ~~ولكل } من الفريقين المذكورين { درجت مما عملوا } ~~مراتب من أجزية ما عملوا من الخير والشر. والدرجات غالبة في مراتب ~~المثوبة، وإيرادها ههنا بطريق التغليب. { وليوفيهم ~~أعملهم } أي أجزية أعمالهم. وقرىء بنون العظمة. { وهم ~~لا يظلمون } بنقص ثواب الأولين وزيادة عقاب الآخرين. ~~والجملة إما حال مؤكدة للتوفية، أو استئناف مقرر لها، واللام ~~متعلقة بمحذوف مؤخر كأنه قيل وليوفيهم أعمالهم ولا يظلمهم ~~حقوقهم، فعل ما فعل من تقدير الأجزية على مقادير أعمالهم فجعل ~~الثواب درجات والعقاب دركات. { ويوم يعرض الذين ~~كفروا على النار } أي يعذبون بها من قولهم عرض ~~الأسارى على السيف أي قتلوا، وقيل: يعرض النار عليهم بطريق القلب ~~مبالغة. { أذهبتم طيبتكم } أي يقال لهم ذلك وهو الناصب ~~للظرف. وقرىء أأذهبتم بهمزتين وبألف بينهما على الاستفهام ~~التوبيخي أي أصبتم وأخذتم ما كتب لكم من حظوظ الدنيا ~~ولذائذها. { فى حيتكم الدنيا واستمتعتم بها } فلم ~~يبق لكم بعد ذلك شيء منها. { فاليوم تجزون عذاب ~~الهون } أي الهوان. وقد قرىء كذلك. { بما كنتم } في ~~الدنيا { تستكبرون فى الأرض بغير الحق } بغير ~~استحقاق لذلك { وبما كنتم تفسقون } أي تخرجون عن طاعة ~~الله عز وجل أي بسبب استكباركم وفسقكم المستمرين. وقرىء ~~تفسقون بكسر السين. ### || [46.21-24] # { واذكر } أي لكفار مكة { أخا عاد } أي هودا عليه ~~السلام، { إذ أنذر قومه } بدل اشتمال منه أي وقت إنذاره ~~إياهم. { بالاحقاف } جمع حقف، وهو رمل مستطيل مرتفع ~~فيه انحناء من احقوقف الشيء إذا اعوج. وكانت عاد أصحاب عمد ~~يسكنون بين رمال مشرفة على البحر بأرض يقال لها الشحر من ~~بلاد اليمن، وقيل: بين عمان ومهرة. { وقد خلت ~~النذر } أي الرسل جمع نذير بمعنى المنذر. { من بين ~~يديه } أي من قبله { ومن خلفه } أي من بعده. والجملة ~~اعتراض مقرر لما قبله مؤكد لوجوب العمل بموجب الإنذار، وسط ~~بين أنذر قومه وبين قوله { أن لا تعبدوا إلا الله ~~} مسارعة إلى ما ذكر من التقرير والتأكيد وإيذانا باشتراكهم في ~~العبارة المحكية، والمعنى واذكر لقومك إنذار هود قومه ms3008 عاقبة ~~الشرك والعذاب العظيم، وقد أندر من تقدمه من الرسل، ومن تأخر ~~عنه قومهم مثل ذلك فاذكرهم. وأما جعلها حالا من فاعل أنذر ~~على معنى أنه عليه الصلاة والسلام أنذرهم، وقال لهم لا ~~تعبدوا إلا الله { إنى أخاف عليكم عذاب يوم عظيم } ~~وقد أعلمهم أن الرسل الذين بعثوا قبله والذين سيبعثون بعده ~~كلهم منذرون نحو إنذاره، فمع ما فيه من تكلف تقدير الإعلام لا ~~بد في نسبة الخلو إلى من بعده من الرسل من تنزيل الآتي ~~منزلة الخالي. { قالوا أجئتنا لتأفكنا } أي تصرفنا ~~{ عن ءالهتنا } عن عبادتها { فأتنا بما تعدنا } من ~~العذاب العظيم { إن كنت من الصدقين } في وعدك بنزوله ~~بنا. # { قال إنما العلم } أي بوقت نزوله أو العلم بجميع ~~الأشياء التي من جملتها ذلك { عند الله } وحده لا علم لي ~~بوقت نزوله ولا مدخل لي في إتيانه وحلوله وإنما علمه عند الله ~~تعالى فيأتيكم به في وقته المقدر له. { وأبلغكم ما ~~أرسلت به } من مواجب الرسالة التي من جملتها بيان نزول ~~العذاب إن لم تنتهوا عن الشرك من غير وقوف على وقت نزوله. ~~وقرىء أبلغكم من الإبلاغ. { ولكنى أراكم قوما ~~تجهلون } حيث تقترحون علي ما ليس من وظائف الرسل من الإتيان ~~بالعذاب وتعيين وقته. والفاء في قوله تعالى: { فلما رأوه } ~~فصيحة، والضمير إما مبهم يوضحه قوله تعالى { عارضا } تمييز أو ~~حال أو راجع إلى ما استعجلوه بقولهم فائتنا بما تعدنا أي فأتاهم ~~فلما رأوه سحابا يعرض في أفق السماء { مستقبل ~~أوديتهم } أي متوجه أوديتهم. والإضافة فيه لفظية كما في ~~قوله تعالى { قالوا هذا عارض ممطرنا } ولذلك وقعا ~~وصفين للنكرة { بل هو } أي قال هود وقد قرىء كذلك، وقرىء ~~قل، وهو رد عليهم، أي ليس الأمر كذلك بل هو { ما ~~استعجلتم به } من العذاب { ريح } بدل من ما أو خبر لمبتدأ ~~محذوف. { فيها عذاب أليم } صفة لريح. ### || [46.25-26] # وكذا قوله تعالى: { تدمر } أي تهلك { كل شىء } من نفوسهم ~~وأموالهم { بأمر ربها } وقرىء يدمر كل شيء من دمر دمارا إذا ~~هلك ms3009 فالعائد إلى الموصوف محذوف أو هو الهاء في ربها ويجوز أن ~~يكون استئنافا واردا لبيان أن لكل ممكن فناء مقضيا منوطا ~~بأمر بارئه، وتكون الهاء لكل شيء لكونه بمعنى الأشياء وفي ذكر ~~الأمر والرب والإضافة إلى الريح من الدلالة على عظمة شأنه عز ~~وجل ما لا يخفى. والفاء في قوله تعالى: { فأصبحوا لا يرى ~~إلا مسكنهم } فصيحة أي فجاءتهم الريح فدمرتهم فأصبحوا ~~بحيث لا يرى إلا مساكنهم. وقرىء ترى بالتاء ونصب مساكنهم. ~~خطابا لكل أحد يتأتى منه الرؤية تنبيها على أن حالهم بحيث ~~لو حضر كل أحد بلادهم لا يرى فيها إلا مساكنهم. { كذلك } ~~أي مثل ذلك الجزاء الفظيع. { نجزي القوم المجرمين } وقد ~~مر تفصيل القصة في سورة الأعراف. وقد روي أن الريح كانت ~~تحمل الفسطاط والظعينة فترفعها في الجو حتى ترى كأنها ~~جرادة. قيل: أول من أبصر العذاب امرأة منهم قالت رأيت ريحا ~~فيها كشهب النار، وروي أن أول ما عرفوا به أنه عذاب ما رأوا ~~ما كان في الصحراء من رحالهم ومواشيهم تطير بها الريح بين السماء ~~والأرض فدخلوا بيوتهم وغلقوا أبوابهم فقلعت الريح الأبواب ~~وصرعتهم فأمال الله تعالى الأحقاف فكانوا تحتها سبع ليال ~~وثمانية أيام لهم أنين ثم كشفت الريح عنهم فاحتملتهم فطرحتهم في ~~البحر. وروي أن هودا عليه السلام لما أحس بالريح خط ~~على نفسه وعلى المؤمنين حظا إلى جنب عين تنبع. وعن ابن عباس ~~رضي الله عنهما اعتزل هود ومن معه في حظيرة ما يصيبهم من الريح ~~إلا ما يلين على الجلود وتلذه الأنفس وإنها لتمر من عاد بالظعن ~~بين السماء والأرض وتدمغهم بالحجارة. # { ولقد مكنهم } أي قررنا عادا أو أقدرناهم، وما في ~~قوله تعالى: { فيما إن مكنكم فيه } موصولة أو موصوفة، ~~وأن نافية، أي في الذي أو في شيء ما مكناكم فيه من السعة ~~والبسطة وطول الأعمار وسائر مبادي التصرفات كما في قوله تعالى: # ألم يروا كم أهلكنا من قبلهم من قرن ~~مكنهم فى الأرض ما لم نمكن لكم # [سورة الأنعام، الآية 6] ومما يحسن ms3010 موقع إن ههنا التفصي ~~عن تكرر لفظة ما، وهو الداعي إلى قلب ألفها هاء في مهما، ~~وجعلها شرطية أو زائدة مما لا يليق بالمقام. { وجعلنا ~~لهم سمعا وأبصرا وأفئدة } ليستعملوها فيما خلقت ~~له ويعرفوا بكل منها ما نيطت به معرفته من فنون النعم ~~ويستدلوا بها على شؤون منعمها عز وجل ويداوموا على شكره. { ~~فما أغنى عنهم سمعهم } حيث لم يستعملوه في استماع ~~الوحي ومواعظ الرسل. # { ولا أبصرهم } حيث لم يجتلوا بها الآيات التكوينية ~~المنصوبة في صحائف العالم. { ولا أفئدتهم } حيث لم ~~يستعملوها في معرفة الله تعالى. { من شىء } أي شيئا من الإغناء. ~~ومن مزيدة للتأكيد. وقوله تعالى: { إذ كانوا يجحدون ~~بآيات الله } متعلق بما أغنى وهو ظرف جرى مجرى التعليل من ~~حيث أن الحكم مرتب على ما أضيف إليه فإن قولك أكرمته إذا ~~أكرمني، في قوة قولك أكرمته لإكرامه لأنك إذا أكرمته وقت ~~إكرامه فإنما أكرمته فيه لوجود إكرامه فيه وكذا الحال في حيث { ~~وحاق بهم ما كانوا به يستهزءون } من العذاب الذي ~~كانوا يستعجلونه بطريق الاستهزاء ويقولون فائتنا بما تعدنا إن ~~كنت من الصادقين. ### || [46.27-28] # { ولقد أهلكنا ما حولكم } يا أهل مكة { من القرى ~~} كحجر ثمود، وقرى قوم لوط. { وصرفنا الأيت } كررناها ~~لهم { لعلهم يرجعون } لكي يرجعوا عما هم فيه من الكفر ~~والمعاصي. { فلولا نصرهم الذين اتخذوا من دون ~~الله قربانا ءالهة } القربان: ما يتقرب به إلى الله ~~تعالى. وأحد مفعولي اتخذوا ضمير الموصول المحذوف، والثاني ~~آلهة، وقربانا حال، والتقدير فهلا نصرهم وخلصهم من العذاب ~~الذين اتخذوهم آلهة حال كونها متقربا بها إلى الله تعالى، حيث ~~كانوا يقولون ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى، وهؤلاء ~~شفعاؤنا عند الله. وفيه تهكم بهم، ولا مساغ لجعل قربانا مفعولا ~~ثانيا، وآلهة بدلا منه لفساد المعنى؛ فإن البدل وإن كان هو ~~المقصود لكنه لا بد في غير بدل الغلط من صحة المعنى بدونه، ~~ولا ريب في أن قولنا اتخذوهم من دون الله قربانا، أي متقربا به ~~مما لا صحة له قطعا؛ لأنه ms3011 تعالى متقرب إليه لا متقرب به فلا ~~يصح أنهم اتخذوهم قربانا متجاوزين الله في ذلك وقرىء ~~قربانا بضم الراء { بل ضلوا عنهم } أي غابوا عنهم وفيه ~~تهكم آخر بهم كأن عدم نصرهم لغيبتهم أو ضاعوا عنهم أي ظهر ~~ضياعهم عنهم بالكلية، وقيل: امتنع نصرهم امتناع نصر الغائب عن ~~المنصور { وذلك } أي ضياع آلهتهم عنهم وامتناع نصرهم { ~~إفكهم } أي أثر إفكهم الذي هو اتخاذهم إياها آلهة ~~ونتيجة شركهم. وقرىء أفكهم، وكلاهما مصدر كالحذر والحذر، ~~وقرىء أفكهم على صيغة الماضي، فذلك إشارة حينئذ إلى الاتخاذ ~~أي وذلك الاتخاذ الذي هذه ثمرته وعاقبته صرفهم عن الحق، ~~وقرىء أفكهم بالتشديد للمبالغة، وآفكهم من الأفعال أي ~~جعلهم آفكين، وقرىء آفكهم على صيغة اسم الفاعل مضافا إلى ~~ضميرهم أي قولهم الإفك أي ذو الإفك، كما يقال قول كاذب. { وما ~~كانوا يفترون } عطف على إفكهم أي وأثر افترائهم على الله ~~تعالى، أو أثر ما كانوا يفترونه عليه تعالى، وقرىء وذلك إفك مما كانوا ~~يفترون أي بعض ما كانوا يفترون من الإفك. ### || [46.29-30] # { وإذ صرفنا إليك نفرا من الجن } أملناهم إليك ~~وأقبلنا بهم نحوك. وقرىء صرفنا بالتشديد للتكثير، لأنهم ~~جماعة، وهو السر في جمع الضمير في قوله تعالى { يستمعون ~~القرءان } وما بعده، وهو حال مقدرة من نفرا لتخصصه بالصفة، أو ~~صفة أخرى له أي واذكر لقومك وقت صرفنا إليك نفرا كائنا من ~~الجن مقدرا استماعهم القران. { فلما حضروه } أي القرآن ~~عند تلاوته أو الرسول عند تلاوته له على الالتفات والأول هو ~~الأظهر. { قالوا } أي قال بعضهم لبعض { أنصتوا } أي اسكتوا ~~لنسمعه { فلما قضى } أتم وفرغ عن تلاوته، وقرىء على ~~البناء للفاعل وهو ضمير الرسول عليه الصلاة والسلام وهذا يؤيد ~~عود ضمير حضروه إليه عليه الصلاة والسلام. { ولوا إلى ~~قومهم منذرين } مقدرين إنذارهم عند رجوعهم إليهم. روي ~~أن الجن كانت تسترق السمع فلما حرست السماء ورجموا بالشهب ~~قالوا ما هذا إلا لنبأ حدث فنهض سبعة نفر أو ستة نفر من أشراف ~~جن نصيبين أو نينوى، منهم زوبعة فضربوا حتى ms3012 بلغوا تهامة ثم ~~اندفعوا إلى وادي نخلة فوافوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ~~قائم في جوف الليل يصلي أو في صلاة الفجر فاستمعوا لقراءته ~~وذلك عند منصرفه من الطائف. و # " عن سعيد بن جبير: ما قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم على ~~الجن ولا رآهم وإنما كان يتلو في صلاته فمروا به فوقفوا ~~مستمعين وهو لا يشعر بهم فأنبأه الله تعالى باستماعهم. وقيل: بل ~~أمره الله تعالى أن ينذر الجن ويقرأ عليهم فصرف إليه نفرا ~~منهم جمعهم له فقال عليه الصلاة والسلام: " إني أمرت أن ~~أقرأ على الجن الليلة فمن يتبعني قالها ثلاثا " فأطرقوا إلا عبد ~~الله بن مسعود رضي الله عنه قال فانطلقنا حتى إذا كنا ~~بأعلى مكة في شعب الجحون خط لي خطا، فقال: " لا تخرج منه حتى ~~أعود إليك " ثم افتتح القرآن وسمعت لغطا شديدا حتى خفت على ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم وغشيته أسودة كثيرة حالت بيني ~~وبينه حتى ما أسمع صوته عليه الصلاة والسلام ثم انقطعوا ~~كقطع السحاب فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: " هل رأيت ~~شيئا " قلت نعم رجالا سودا مستشعري ثياب بيض فقال: " أولئك ~~جن نصيبين وكانوا اثني عشر ألفا " # والسورة التي قرأها عليهم اقرأ باسم ربك. # { قالوا } أي عند رجوعهم إلى قومهم { يقومنا إنا ~~سمعنا كتبا أنزل من بعد موسى } قيل: قالوه لأنهم ~~كانوا على اليهودية. وعن ابن عباس رضي الله عنهما: إن الجن ~~لم تكن سمعت بأمر عيسى عليه السلام. { مصدقا لما بين ~~يديه } أرادوا به التوراة { يهدى إلى الحق } من العقائد ~~الصحيحة { وإلى طريق مستقيم } موصل إليه وهو ~~الشرائع والأعمال الصالحة. ### || [46.31-33] # { يقومنا أجيبوا داعى الله وءامنوا به } أرادوا ~~به ما سمعوه من الكتاب وصفوه بالدعوة إلى الله تعالى بعد ما ~~وصفوه بالهداية إلى الحق والصراط المستقيم لتلازمهما، دعوهم إلى ~~ذلك بعد بيان حقيته واستقامته ترغيبا لهم في الإجابة ثم ~~أكدوه بقولهم { يغفر لكم من ذنوبكم } أي بعض ذنوبكم ~~وهو ما كان في خالص ms3013 حق الله تعالى فإن حقوق العباد لا تغفر ~~بالإيمان. { ويجركم من عذاب أليم } معد للكفرة. ~~واختلف في أن لهم أجرا غير هذا أو لا والأظهر أنهم في حكم ~~بني آدم ثوابا وعقابا. وقوله تعالى: { ومن لا يجب داعى ~~الله فليس بمعجز فى الأرض } إيجاب للإجابة بطريق ~~الترهيب إثر إيجابها بطريق الترغيب، وتحقيق لكونهم منذرين. ~~وإظهار داعي الله من غير اكتفاء بأحد الضميرين للمبالغة في ~~الإيجاب بزيادة التقرير وتربية المهابة وإدخال الروعة، ~~وتقييد الإعجاز بكونه في الأرض لتوسيع الدائرة أي فليس بمعجز له ~~تعالى بالهرب وإن هرب كل مهرب من أقطارها أو دخل في أعماقها. ~~وقوله تعالى { وليس له من دونه أولياء } بيان لاستحالة ~~نجاته بواسطة الغير إثر بيان استحالة نجاته بنفسه. وجمع ~~الأولياء باعتبار معنى من فيكون من باب مقابلة الجمع بالجمع ~~لانقسام الآحاد إلى الآحاد كما أن الجمع في قوله تعالى { ~~أولئك } بذلك الاعتبار، أي أولئك الموصوفون بعد إجابة داعي ~~الله. { فى ضلل مبين } أي ظاهر كونه ضلالا بحيث لا يخفى ~~على أحد حيث أعرضوا عن إجابة من هذا شأنه. # { أولم يروا } الهمزة للإنكار، والواو للعطف على مقدر ~~يستدعيه المقام. والرؤية قلبية أي ألم يتفكروا ولم يعلموا علما ~~جازما متاخما للمشاهدة والعيان { أن الله الذى خلق ~~السموات والأرض } ابتداء من غير مثال يحتذيه ولا قانون ~~ينتحيه. { ولم يعى بخلقهن } أي لم يتعب ولم ينصب بذلك ~~أصلا أو لم يعجز عنه. يقال عييت بالأمر إذا لم يعرف وجهه. ~~وقوله تعالى: { بقادر } في حيز الرفع لأنه خبر أن كما ينبىء ~~عنه القراءة بغير باء، ووجه دخولها في القراءة الأولى اشتمال ~~النفي الوارد في صدر الآية على أن وما في حيزها كأنه قيل: ~~أو ليس الله بقادر. { على أن يحيى الموتى } ولذلك أجيب ~~عنه بقوله تعالى: { بلى إنه على كل شىء قدير } تقريرا ~~للقدرة على وجه عام يكون كالبرهان على المقصود. ### || [46.34-35] # { ويوم يعرض الذين كفروا على النار } ظرف عامله ~~قول مضمر، مقوله { أليس هذا بالحق } على أن الإشارة ~~إلى ما يشاهدونه ms3014 حينئذ من حيث هو من غير أن يخطر بالبال لفظ ~~يدل عليه فضلا عن تذكيره وتأنيثه إذ هو اللائق بتهويله وتفخيمه ~~وقد مر في سورة الأحزاب، وقيل: هي إلى العذاب وفيه تهكم بهم ~~وتوبيخ لهم على استهزائهم بوعد الله ووعيده وقولهم وما نحن ~~بمعذبين { قالوا بلى وربنا } أكدوا جوابهم بالقسم ~~كأنهم يطمعون في الخلاص بالاعتراف بحقيتها كما في الدنيا وأنى ~~لهم ذلك. { قال فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون } ~~بها في الدنيا ومعنى الأمر الإهانة بهم والتوبيخ لهم. والفاء في ~~قوله تعالى: { فاصبر كما صبر أولوا العزم من ~~الرسل } جواب شرط محذوف أي إذا كان عاقبة أمر الكفرة ما ~~ذكر فاصبر على ما يصيبك من جهتهم كما صبر أولو الثبات والحزم ~~من الرسل فإنك من جملتهم بل من عليتهم ومن للتبيين، وقيل: ~~للتبعيض، والمراد بأولي العزم أصحاب الشرائع الذين اجتهدوا في ~~تأسيسها وتقريرها وصبروا على تحمل مشاقها ومعاداة الطاعنين ~~فيها، ومشاهيرهم نوح وإبراهيم وموسى وعيسى عليهم الصلاة ~~والسلام، وقيل: هم الصابرون على بلاء الله كنوح صبر على أذية ~~قومه، كانوا يضربونه حتى يغشى عليه، وإبراهيم صبر على النار ~~وعلى ذبح ولده، والذبيح على الذبح، ويعقوب على فقد الولد ~~والبصر، ويوسف على الجب والسجن، وأيوب على الضر، وموسى قال له ~~قومه: # إنا لمدركون قال كلا إن معى ربى سيهدين # [سورة الشعراء، الآية 61]، وداود بكى على خطيئته أربعين سنة، ~~وعيسى لم يضع لبنة على لبنة صلوات الله تعالى وسلامه عليهم ~~أجمعين. # { ولا تستعجل لهم } أي لكفار مكة بالعذاب فإنه على ~~شرف النزول بهم { كأنهم يوم يرون ما يوعدون } من ~~العذاب { لم يلبثوا } في الدنيا { إلا ساعة } يسيرة { ~~من نهار } لما يشاهدون من شدة العذاب وطول مدته. وقوله تعالى ~~{ بلاغ } خبر مبتدأ محذوف، أي هذا الذي وعظتم به كفاية في ~~الموعظة أو تبليغ من الرسول ويؤيده أنه قرىء بلغ، وقرىء ~~بلاغا أي بلغوا بلاغا { فهل يهلك إلا القوم ~~الفسقون } أي الخارجون عن الاتعاظ أو عن الطاعة. وقرىء ~~بفتح الياء وكسر اللام، وبفتحهما، من هلك ms3015 وهلك، وبنون ~~العظيمة من الإهلاك ونصب القوم ووصفه. # عن النبي صلى الله عليه وسلم: # " من قرأ سورة الأحقاف كتب له عشر حسنات بعدد كل رملة في ~~الدنيا ". ### | [47 - سورة محمد] ### || [47.1-4] # سورة محمد صلى الله عليه وسلم، وتسمى القتال مدنية وقيل مكية، وآيها تسع ~~أو ثمان وثلاثون # { الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله } أي أعرضوا عن ~~الإسلام وسلوك طريقة، من صد صدودا، أو منعوا الناس عن ذلك ~~من صده صدا كالمطعمين يوم بدر وقيل: هم اثنا عشر رجلا ~~من أهل الشرك كانوا يصدون الناس عن الإسلام ويأمرونهم بالكفر، ~~وقيل أهل الكتاب الذين كفروا وصدوا من أراد منهم ومن غيرهم ~~أن يدخل في الإسلام، وقيل: هو عام في كل من كفر وصد { ~~أضل أعملهم } أي أبطلها وأحبطها وجعلها ضائعة لا أثر ~~لها أصلا، لكن لا بمعنى أنه أبطلها وأحبطها بعد أن لم تكن كذلك ~~بل بمعنى أنه حكم ببطلانها وضياعها، فإن ما كانوا يعملون من ~~أعمال البر كصلة الأرحام وقرى الأضياف وفك الأسارى وغيرها ~~من المكارم ليس لها أثر من أصلها لعدم مقارنتها للإيمان أو أبطل ~~ما عملوا من الكيد لرسول الله صلى الله عليه وسلم والصد عن سبيله ~~بنصر رسوله وإظهار دينه على الدين كله، وهو الأوفق لما سيأتي ~~من قوله تعالى: # فتعسا لهم وأضل أعملهم # [سورة محمد، الآية 8]. وقوله تعالى: { فإذا لقيتم } [سورة محمد، ~~الآية 4] الخ. { والذين ءامنوا وعملوا الصلحات } ~~قيل: هم ناس من قريش وقيل: من الأنصار وقيل: هم مؤمنو أهل ~~الكتاب وقيل: عام للكل { وءامنوا بما نزل على ~~محمد } خص بالذكر الإيمان بذلك مع اندراجه فيما قبله ~~تنويها بشأنه وتنبيها على سمو مكانه من بين سائر ما يجب ~~الإيمان به وأنه الأصل في الكل، ولذلك أكد بقوله تعالى { ~~وهو الحق من ربهم } بطريق حصر الحقية فيه، وقيل: ~~حقيته بكونه ناسخا غير منسوخ، فالحق على هذا مقابل الزائل ~~وعلى الأول مقابل الباطل، وأيا ما كان فقوله تعالى من ربهم ~~حال من ضمير الحق. وقرىء نزل على البناء للفاعل، ms3016 وأنزل على ~~البناءين، ونزل بالتخفيف { كفر عنهم سيئتهم } أي ~~سترها بالإيمان والعمل الصالح. { وأصلح بالهم } أي حالهم ~~في الدين والدنيا بالتأييد والتوفيق. # { ذلك } إشارة إلى ما مر من إضلال الأعمال وتكفير السيئات ~~وإصلاح البال، وهو مبتدأ خبره قوله تعالى: { بأن الذين ~~كفروا اتبعوا البطل وأن الذين ءامنوا ~~اتبعوا الحق من ربهم } أي ذلك كائن بسبب أن ~~الأولين اتبعوا الشيطان كما قاله مجاهد ففعلوا ما فعلوا من ~~الكفر والصد، فبيان سببية اتباعه للإضلال المذكور متضمن ~~لبيان سببيتهما له لكونه أصلا مستتبعا لهما قطعا وبسبب أن ~~الآخرين اتبعوا الحق الذي لا محيد عنه كائنا من ربهم ففعلوا ما ~~فعلوا من الإيمان به وبكتابه ومن الأعمال الصالحة فبيان سببية ~~اتباعه لما ذكر من التكفير والإصلاح بعد الإشعار بسببية ~~الإيمان والعمل الصالح له متضمن لبيان سببيتهما له لكونه ~~مبدأ ومنشأ لهما حتما فلا تدافع بين الإشعار والتصريح في شيء ~~من الموضعين ويجوز أن يحمل الباطل على ما يقابل الحق وهو ~~الزائل الذاهب الذي لا أصل له أصلا فالتصريح بسببية اتباعه ~~لإضلال أعمالهم وإبطالها لبيان أن إبطالها لبطلان مبناها ~~وزواله، وأما حمله على ما لا ينتفع به فليس كما ينبغي لما أن ~~الكفر والصد أفحش منه فلا وجه للتصريح بسببيته لما ذكر من ~~إضلال أعمالهم بطريق القصر بعد الإشعار بسببيتهما له فتدبر. # ويجوز أن يراد بالباطل نفس الكفر والصد وبالحق نفس الإيمان ~~والأعمال الصالحة، فيكون التنصيص على سببيتهما لما ذكر من ~~الإضلال ومن التكفير والإصلاح تصريحا بالسببية المشعر بها في ~~الموقعين { كذلك } أي مثل ذلك الضرب البديع { يضرب الله ~~} أي يبين { للناس أمثلهم } أي أحوال الفريقين ~~وأوصافهما الجارية في الغرابة مجرى الأمثال وهي اتباع الأولين ~~الباطل وخيبتهم وخسرانهم واتباع الآخرين الحق وفوزهم وفلاحهم ~~والفاء في قوله تعالى { فإذا لقيتم الذين كفروا } ~~لترتيب ما في حيزها من الأمر على ما قبلها فإن ضلال أعمال ~~الكفرة وخيبتهم وصلاح أحوال المؤمنين وفلاحهم، مما يوجب أن ~~يرتب على كل من الجانبين ما يليق به من الأحكام أي فإذا كان ms3017 ~~الأمر كما ذكر فإذا لقيتموهم في المحاربة { فضرب الرقاب } ~~أصله فاضربوا الرقاب ضربا فحذف الفعل وقدم المصدر وأنيب ~~منابه مضافا إلى المفعول، وفيه اختصار وتأكيد بليغ، والتعبير ~~به عن القتل تصوير له بأشنع صورة وتهويل لأمره وإرشاد للغزاة إلى ~~أيسر ما يكون منه. { حتى إذا أثخنتموهم } أي أكثرتم ~~قتلهم وأغلظتموه، من الشيء الثخين وهو الغليظ أو أثقلتموهم بالقتل ~~والجراح حتى أذهبتم عنهم النهوض. { فشدوا الوثاق } ~~فأسروهم واحفظوهم، والوثاق اسم لما يوثق به وكذا الوثاق ~~بالكسر، وقد قرىء بذلك. { فإما منا بعد وإما فداء ~~} أي فإما تمنون منا بعد ذلك أو تفدون فداء. والمعنى ~~التخيير بين القتل والاسترقاق والمن والفداء وهذا ثابت عند ~~الشافعي رحمه الله تعالى وعندنا منسوخ، قالوا نزل ذلك يوم بدر، ~~ثم نسخ والحكم إما القتل أو الاسترقاق. وعن مجاهد ليس اليوم ~~من ولا فداء إنما هو الإسلام أو ضرب العنق، وقرىء فدا كعصا. # { حتى تضع الحرب أوزارها } أوزار الحرب آلاتها ~~وأثقالها التي لا تقوم إلا بها من السلاح والكراع. وأسند وضعها ~~إليها وهو لأهلها إسنادا مجازيا، وحتى غاية عند الشافعي لأحد ~~الأمور الأربعة أو للمجموع. والمعنى أنهم لا يزالون على ذلك ~~أبدا إلى أن لا يكون مع المشركين حرب بأن لا تبقى لهم شوكة، وقيل ~~بأن ينزل عيسى عليه السلام وأما عند أبي حنيفة رحمه الله تعالى فإن ~~حمل الحرب على حرب بدر فهي غاية للمن والفداء والمعنى يمن ~~عليهم ويفادون حتى تضع حرب بدر أوزارها، وإن حملت على الجنس فهي ~~غاية للضرب والشد والمعنى أنهم يقتلون ويؤسرون حتى يضع جنس ~~الحرب أوزارها بأن لا يبقى للمشركين شوكة. # وقيل أوزارها آثامها أي حتى يترك المشركون شركهم ومعاصيهم بأن ~~أسلموا. { ذلك } أي الأمر ذلك أو افعلوا ذلك { ولو يشاء ~~الله لانتصر منهم } لانتقم منهم ببعض أسباب الهلكة ~~والاستئصال { ولكن } لم يشأ ذلك { ليبلو بعضكم ~~ببعض } فأمركم بالقتال وبلاكم بالكافرين لتجاهدوهم فتستوجبوا ~~الثواب العظيم بموجب الوعد والكافرين بكم ليعاجلهم على أيديكم ~~ببعض عذابهم كي يرتدع بعضهم عن الكفر. { والذين ms3018 قتلوا فى ~~سبيل الله } أي استشهدوا. وقرىء قاتلوا أي جاهدوا وقتلوا ~~وقتلوا. { فلن يضل أعملهم } أي فلن يضيعها. ~~وقرىء يضل أعمالهم على البناء للمفعول. ويضل أعمالهم من ~~ضل وعن قتادة أنها نزلت في يوم أحد. ### || [47.5-9] # { سيهديهم } في الدنيا إلى أرشد الأمور وفي الآخرة إلى ~~الثواب أو سيثبت هدايتهم { ويصلح بالهم ويدخلهم ~~الجنة عرفها لهم } في الدنيا بذكر أوصافها بحيث ~~اشتاقوا إليها أو بينها لهم بحيث يعلم كل أحد منزله ويهتدي ~~إليه كأنه كان ساكنه منذ خلق وعن مقاتل: أن الملك الموكل ~~بعمله في الدنيا يمشي بين يديه فيعرفه كل شيء أعطاه الله ~~تعالى. أو طيبها لهم من العرف وهو طيب الرائحة، أو حددها لهم ~~وأفرزها، من عرف الدار فجنة كل منهم محددة مفرزة. والجملة ~~إما مستأنفة أو حال بإضمار قد أو بدونه. # { يأيها الذين ءامنوا إن تنصروا الله } أي دينه ~~ورسوله { ينصركم } على أعدائكم ويفتح لكم { ويثبت ~~أقدامكم } في مواطن الحرب ومواقفها أو على محجة الإسلام. { ~~والذين كفروا فتعسا لهم } التعس الهلاك والعثار ~~والسقوط والشر والبعد والانحطاط، ورجل تاعس وتعس. وانتصابه ~~بفعله الواجب حذفه سماعا أي فقال تعسا لهم أو فقضى تعسا لهم. ~~وقوله تعالى: { وأضل أعملهم } عطف عليه داخل معه في ~~حيز الخبرية للموصول. # { ذلك } أي ما ذكر من التعس وإضلال الأعمال { بأنهم } ~~بسبب أنهم { كرهوا ما أنزل الله } من القرآن لما فيه من ~~التوحيد وسائر الأحكام المخالفة لما ألفوه واشتهته أنفسهم ~~الأمارة بالسوء { فأحبط } لأجل ذلك { أعملهم } التي ~~لو كانوا عملوها مع الإيمان لأثيبوا عليها. ### || [47.10-13] # { أفلم يسيروا فى الأرض } أي أقعدوا في أماكنهم فلم ~~يسيروا فيها { فينظروا كيف كان عقبة الذين من ~~قبلهم } من الأمم المكذبة فإن آثار ديارهم تنبىء عن ~~أخبارهم. وقوله تعالى: { دمر الله عليهم } استئناف مبني ~~على سؤال نشأ من الكلام كأنه قيل كيف كان عاقبتهم فقيل استأصل ~~الله تعالى عليهم ما اختص بهم من أنفسهم وأهليهم وأموالهم، يقال ~~دمره أهلكه ودمر عليه أهلك عليه ما يختص به. { ~~وللكفرين } أي ولهؤلاء الكافرين السائرين ms3019 بسيرتهم { ~~أمثلها } أمثال عواقبهم أو عقوباتهم لكن لا على أن لهؤلاء ~~أمثال ما لأولئك وأضعافه، بل مثله، وإنما جمع باعتبار مماثلته ~~لعواقب متعددة حسب تعدد الأمم المعذبة. وقيل يجوز أن يكون ~~عذابهم أشد من عذاب الأولين وقد قتلوا وأسروا بأيدي من كانوا ~~يستخفونهم ويستضعفونهم والقتل بيد المثل أشد ألما من الهلاك ~~بسبب عام، وقيل المراد بالكافرين المتقدمون بطريق وضع الظاهر ~~موضع الضمير، كأنه قيل دمر الله عليهم في الدنيا ولهم في ~~الآخرة أمثالها. # { ذلك } إشارة إلى ثبوت أمثال عقوبة الأمم السالفة لهؤلاء { ~~بأن الله مولى الذين ءامنوا } أي ناصرهم على ~~أعدائهم. وقرىء ولي الذين { وأن الكفرين لا مولى ~~لهم } فيدفع عنهم ما حل بهم من العقوبة والعذاب ولا يخالف ~~هذا قوله تعالى: # ثم ردوا إلى الله مولهم الحق # [سورة الأنعام، الآية 62] فإن المولى هناك بمعنى المالك. # إن الله يدخل الذين ءامنوا وعملوا ~~الصلحت جنت تجرى من تحتها الأنهر } بيان ~~لحكم ولايته تعالى لهم وثمرتها الأخروية. { والذين كفروا ~~يتمتعون } أي ينتفعون في الدنيا بمتاعها { ويأكلون ~~كما تأكل الأنعم } غافلين عن عواقبهم { والنار ~~مثوى لهم } أي منزل ثواء وإقامة. والجملة إما حال مقدرة ~~من واو يأكلون، أو استئناف { وكأين } كلمة مركبة من الكاف، ~~وأي بمعنى كم الخبرية ومحلها الرفع بالابتداء. وقوله تعالى: { ~~من قرية } تمييز لها. وقوله تعالى: { هى أشد قوة من ~~قريتك } صفة لقرية كما أن قوله تعالى: { التى أخرجتك ~~} صفة لقريتك، وقد حذف عنهما المضاف وأجري أحكامه عليهما كما ~~يفصح عنه الخبر الذي هو قوله تعالى: { أهلكنهم } أي وكم من ~~أهل قرية هم أشد قوة من أهل قريتك الذين كانوا سببا لخروجك ~~من بينهم. ووصف القرية الأولى بشدة القوة للإيذان بأولوية ~~الثانية منها بالإهلاك لضعف قوتها كما أن وصف الثانية بإخراجه ~~عليه الصلاة والسلام للإيذان بأولويتها به لقوة جنايتها. وعلى ~~طريقته قول النابغة: # كليب لعمري كان أكثر ناصرا # وأيسر جرما منك ضرج بالدم # وقوله تعالى: { فلا نصر لهم } بيان لعدم خلاصهم من ~~العذاب بواسطة الأعوان والأنصار إثر بيان عدم خلاصهم ms3020 منه ~~بأنفسهم. والفاء لترتيب ذكر ما بالغير على ذكر ما بالذات وهو ~~حكاية حال ماضية. ### || [47.14-15] # { أفمن كان على بينة من ربه } تقرير لتباين حالي ~~فريقي المؤمنين والكافرين وكون الأولين في أعلى عليين ~~والآخرين في أسفل سافلين وبيان لعلة ما لكل منهما من الحال. ~~والهمزة للإنكار، والفاء للعطف على مقدر يقتضيه المقام، وقد ~~قرىء بدونها. ومن عبارة عن المؤمنين المتمسكين بأدلة الدين، ~~وجعلها عبارة عن النبي عليه الصلاة والسلام أو عنه وعن ~~المؤمنين لا يساعده النظم الكريم على أن الموازنة بينه عليه ~~الصلاة والسلام وبينهم مما يأباه منصبه الجليل. والتقدير ~~أليس الأمر كما ذكر فمن كان مستقرا على حجة ظاهرة وبرهان ~~نير من مالك أمره ومربيه وهو القرآن الكريم وسائر المعجزات ~~والحجج العقلية. { كمن زين له سوء عمله } من الشرك وسائر ~~المعاصي مع كونه في نفسه أقبح القبائح { واتبعوا } بسبب ~~ذلك التزيين { أهواءهم } الزائغة وانهمكوا في فنون الضلالات ~~من غير أن يكون لهم شبهة توهم صحة ما هم عليه فضلا عن حجة ~~تدل عليه. وجمع الضميرين الأخيرين باعتبار معنى من، كما أن ~~إفراد الأولين باعتبار لفظها. # { مثل الجنة التى وعد المتقون } استئناف مسوق ~~لشرح محاسن الجنة الموعودة آنفا للمؤمنين، وبيان كيفية ~~أنهارها التي أشير إلى جريانها من تحتها، وعبر عنهم بالمتقين ~~إيذانا بأن الإيمان والعمل الصالح من باب التقوى الذي هو عبارة ~~عن فعل الواجبات بأسرها وترك السيئات عن آخرها، ومثلها: وصفها ~~العجيب الشأن. وهو مبتدأ محذوف الخبر فقدره النضر بن ~~شميل: مثل الجنة ما تسمعون. وقوله تعالى: { فيها أنهار } ~~إلخ مفسر له وقدره سيبويه فيما يتلى عليكم مثل الجنة، ~~والأول هو الأنسب لصدر النظم الكريم، وقيل المثل زائدة كزيادة ~~الاسم في قول من قال: # إلى الحول ثم اسم السلام عليكما # [ومن يبك حولا كاملا فقد اعتذر] # والجنة مبتدأ خبره فيها أنهار إلخ. { من ماء غير ءاسن } ~~أي غير متغير الطعم والرائحة. وقرىء غير أسن. { ~~وأنهار من لبن لم يتغير طعمه } بأن صار قارصا ~~ولا خازرا كألبان الدنيا. { وأنهر من ms3021 خمر لذة ~~للشربين } لذيذة ليس فيها كراهة طعم وريح ولا غائلة سكر ~~ولا خمار، وإنما هي تلذذ محض. ولذة إما تأنيث لذ بمعنى لذيذ، ~~أو مصدر نعت به مبالغة. وقرىء لذة بالرفع على أنها صفة ~~أنهار، وبالنصب على العلة أي لأجل لذة الشاربين { وأنهر ~~من عسل مصفى } لا يخالطه الشمع وفضلات النحل وغيرها. وفي ~~هذا تمثيل لما يجري مجرى الأشربة في الجنة بأنواع ما يستطاب ~~منها ويستلذ في الدنيا بالتخلية عما ينغصها وينقصها والتحلية ~~بما يوجب غزارتها ودوامها. { ولهم فيها } مع ما ذكر من فنون ~~الأنهار { من كل الثمرت } أي صنف من كل الثمرات { ~~ومغفرة } أي ولهم مغفرة عظيمة لا يقادر قدرها. # وقوله تعالى: { من ربهم } متعلق بمحذوف هو صفة لمغفرة مؤكدة ~~لما أفاده التنكير من الفخامة الذاتية بالفخامة الإضافية أي كائنة ~~من ربهم. وقوله تعالى: { كمن هو خلد فى النار } خبر ~~لمبتدأ محذوف تقديره أمن هو خالد في هذه الجنة حسبما جرى به ~~الوعد كمن هو خالد في النار كما نطق به قوله تعالى: والنار ~~مثوى لهم، وقيل هو خبر لمثل الجنة على أن في الكلام حذفا، ~~تقديره أمثل الجنة كمثل جزاء من هو خالد في النار أو أمثل ~~أهل الجنة كمثل من هو خالد في النار، فعري عن حرف الإنكار ~~وحذف ما حذف تصويرا لمكابرة من يسوي بين المتمسك بالبينة ~~وبين التابع للهوى بمكابرة من سوى بين الجنة الموصوفة بما ~~فصل من الصفات الجليلة وبين النار. { وسقوا ماء حميما } ~~مكان تلك الأشربة { فقطع أمعاءهم } من فرط الحرارة قيل ~~إذا دنا منهم شوى وجوههم وانمازت فروة رؤوسهم فإذا شربوه قطع ~~أمعاءهم. ### || [47.16-18] # { ومنهم من يستمع إليك } هم المنافقون وإفراد الضمير ~~باعتبار لفظ من كما أن جمعه فيما سيأتي باعتبار معناها. كانوا ~~يحضرون مجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم فيسمعون كلامه ولا ~~يعونه ولا يراعونه حق رعايته تهاونا منهم. { حتى إذا ~~خرجوا من عندك قالوا للذين أوتوا العلم } من ~~الصحابة رضي الله عنهم { ماذا قال ءانفا } أي ما الذي ms3022 قال ~~الساعة على طريقة الاستهزاء وإن كان بصورة الاستعلام. وآنفا من ~~قولهم أنف الشيء لما تقدم منه مستعار من الجارحة ومنه استأنف ~~الشيء وائتنف، وهو ظرف بمعنى وقتا مؤتنفا. أو حال من الضمير في ~~قال. وقرىء أنفا. { أولئك } الموصوفون بما ذكر { ~~الذين طبع الله على قلوبهم } لعدم توجههم نحو الخير ~~أصلا. { واتبعوا أهواءهم } الباطلة فلذلك فعلوا ما فعلوا ~~مما لا خير فيه { والذين اهتدوا } إلى طريق الحق { ~~زادهم } أي الله تعالى { هدى } بالتوفيق والإلهام { ~~وءاتهم تقوهم } أعانهم على تقواهم أو أعطاهم جزاءها أو ~~بين لهم ما يتقون. # { فهل ينظرون إلا الساعة } أي القيامة. وقوله تعالى: { ~~أن تأتيهم بغتة } أي تباغتهم بغتة وهي المفاجأة. بدل ~~اشتمال من الساعة والمعنى أنهم لا يتذكرون بذكر أهوال الأمم ~~الخالية ولا بالأخبار بإتيان الساعة وما فيها من عظائم الأهوال وما ~~ينتظرون للتذكر إلا إتيان نفس الساعة بغتة. وقرىء بغتة بفتح ~~الغين. وقوله تعالى: { فقد جاء أشراطها } تعليل لمفاجأتها، ~~لا لإتيانها مطلقا على معنى أنه لم يبق من الأمور الموجبة للتذكر ~~أمر مترقب ينتظرونه سوى إتيان نفس الساعة إذ قد جاء أشراطها ~~فلم يرفعوا لها رأسا ولم يعدوها من مبادىء إتيانها فيكون إتيانها ~~بطريق المفاجأة لا محالة. والأشراط جمع شرط بالتحريك، وهي ~~العلامة والمراد بها مبعثه صلى الله عليه وسلم وانشقاق القمر ~~ونحوهما. وقوله تعالى: { فأنى لهم إذا جاءتهم ~~ذكراهم } حكم بخطئهم وفساد رأيهم في تأخير التذكر إلى إتيانها ~~ببيان استحالة نفع التذكر حينئذ كقوله تعالى: # يومئذ يتذكر الإنسن وأنى له الذكرى # [سورة الفجر، الآية 23] أي وكيف لهم ذكراهم إذا جاءتهم على أن أنى ~~خبر مقدم وذكراهم مبتدأ وإذا جاءتهم اعتراض وسط بينهما رمزا ~~إلى غاية سرعة مجيئها وإطلاق المجىء عن قيد البغتة لما أن مدار ~~استحالة نفع التذكر كونه عند مجيئه مطلقا لا مقيدا بقيد البغتة. ~~وقرىء أن تأتهم على أنه شرط مستأنف جزاؤه فأنى لهم إلخ. ~~والمعنى إن تأتهم الساعة بغتة لأنه قد ظهر أماراتها فكيف لهم ~~تذكرهم واتعاظهم إذا جاءتهم. ### || [47.19-20] # { فاعلم أنه ms3023 لا إله إلا الله } أي إذا علمت أن ~~مدار السعادة هو التوحيد والطاعة ومناط الشقاوة هو الإشراك ~~والعصيان فاثبت على ما أنت عليه من العلم بالوحدانية والعمل ~~بموجبه. { واستغفر لذنبك } وهو الذي ربما يصدر عنه عليه ~~الصلاة والسلام من ترك الأولى، عبر عنه بالذنب نظرا إلى منصبه ~~الجليل، كيف لا وحسنات الأبرار سيئات المقربين وإرشاد له عليه ~~الصلاة والسلام إلى التواضع وهضم النفس واستقصار العمل. { ~~وللمؤمنين والمؤمنت } أي لذنوبهم بالدعاء لهم ~~وترغيبهم فيما يستدعي غفرانهم. وفي إعادة صلة الاستغفار تنبيه على ~~اختلاف متعلقيه جنسا، وفي حذف المضاف وإقامة المضاف إليه ~~مقامه إشعار بعراقتهم في الذنب وفرط افتقارهم إلى الاستغفار. { ~~والله يعلم متقلبكم } في الدنيا فإنها مراحل لا ~~بد من قطعها لا محالة. { ومثواكم } في العقبى فإنها موطن ~~إقامتكم فلا يأمركم إلا بما هو خير لكم فيهما فبادروا إلى الامتثال ~~بما أمركم به فإنه المهم لكم في المقامين وقيل يعلم جميع أحوالكم ~~فلا يخفى عليه شيء منها. # { ويقول الذين ءامنوا } حرصا منهم على الجهاد { لولا ~~نزلت سورة } أي هلا نزلت سورة نؤمر فيها بالجهاد { فإذا ~~أنزلت سورة محكمة وذكر فيها القتال } بطريق ~~الأمر به أي سورة مبينة لا تشابه ولا احتمال فيها لوجه آخر سوى ~~وجوب القتال. عن قتادة. كل سورة فيها ذكر القتال فهي محكمة ~~لم تنسخ. وقرىء فإذا نزلت سورة، وقرىء وذكر على إسناد ~~الفعل إلى ضميره تعالى ونصب القتال. { رأيت الذين فى ~~قلوبهم مرض } أي ضعف في الدين وقيل نفاق وهو الأظهر الأوفق ~~لسياق النظم الكريم. { ينظرون إليك نظر المغشى ~~عليه من الموت } أي تشخص أبصارهم جبنا وهلعا كدأب من ~~أصابته غشية الموت { فأولى لهم } أي فويل لهم وهو أفعل من ~~الولي وهو القرب وقيل من آل ومعناه الدعاء عليهم بأن يليهم ~~المكروه أو يؤول إليه أمرهم، وقيل هو مشتق من الويل وأصله أويل ~~نقلت العين إلى ما بعد اللام فوزنه أفلع. ### || [47.21-22] # { طاعة وقول معروف } كلام مستأنف أي أمرهم طاعة الخ. أو ~~طاعة وقول معروف خير لهم، ms3024 أو حكاية لقولهم، ويؤيده قراءة أبي: ~~يقولون طاعة وقول معروف أي أمرنا ذلك { فإذا عزم الأمر } ~~أسند العزم وهو الجد إلى الأمر وهو لأصحابه مجازا كما في قوله ~~تعالى: # إن ذلك من عزم الأمور # [سورة لقمان، الآية 17]. وعامل الظرف محذوف أي خالفوا وتخلفوا ~~وقيل ناقضوا وقيل كرهوا وقيل هو قوله تعالى: # { فلو صدقوا الله } على طريقة قولك إذا حضرني طعام فلو ~~جئتني لأطعمتك أي فلو صدقوه تعالى فيما قالوا من الكلام المنبىء عن ~~الحرص على الجهاد بالجري على موجبه. { لكان } أي الصدق { خيرا ~~لهم } وفيه دلالة على اشتراك الكل فيما حكي عنهم من قوله ~~تعالى: # لولا نزلت سورة # [سورة محمد، الآية 20] وقيل: فلو صدقوه في الإيمان وواطأت قلوبهم في ~~ذلك ألسنتهم، وأيا ما كان فالمراد بهم الذين في قلوبهم مرض وهم ~~المخاطبون بقوله تعالى: { فهل عسيتم } الخ بطريق الالتفات ~~لتأكيد التوبيخ وتشديد التقريع أي هل يتوقع منكم { إن ~~توليتم } أمور الناس وتأمرتم عليهم { أن تفسدوا فى ~~الأرض وتقطعوا أرحامكم } تناحرا على الملك وتهالكا ~~على الدنيا فإن من شاهد أحوالكم الدالة على الضعف في الدين ~~والحرص على الدنيا حين أمرتم بالجهاد الذي هو عبارة عن إحراز ~~كل خير وصلاح ودفع كل شر وفساد وأنتم مأمورون شأنكم الطاعة ~~والقول المعروف يتوقع منكم إذا أطلقت أعنتكم وصرتم آمرين ما ذكر ~~من الإفساد وقطع الأرحام. وقيل: إن أعرضتم عن الإسلام أن ترجعوا ~~إلى ما كنتم عليه في الجاهلية من الإفساد في الأرض بالتغاور ~~والتناهب وقطع الأرحام بمقاتلة بعض الأقارب بعضا ووأد البنات، ~~وفيه أن الواقع في حيز الشرط في مثل هذا المقام لا بد أن تكون ~~محذوريته باعتبار ما يستتبعه من المفاسد لا باعتبار ذاته، ولا ريب ~~في أن الإعراض عن الإسلام رأس كل شر وفساد فحقه أن يجعل ~~عمدة في التوبيخ لا وسيلة للتوبيخ بما دونه من المفاسد. ~~وقرىء وليتم على البناء للمفعول أي جعلتم ولاة، وقرىء ~~توليتم أي تولاكم ولاة جور خرجتم معهم وساعدتموهم في ~~الإفساد وقطيعة الرحم. وقرىء وتقطعوا من التقطع ms3025 بحذف إحدى ~~التاءين، فانتصاب أرحامكم حينئذ على نزع الجار أي في أرحامكم. ~~وقرىء وتقطعوا من القطع. وإلحاق الضمير بعسى لغة أهل ~~الحجاز، وأما بنو تميم فيقولون عسى أن تفعل وعسى أن تفعلوا. ### || [47.23-26] # { أولئك } إشارة إلى المخاطبين بطريق الالتفات إيذانا ~~بأن ذكر هناتهم أوجب إسقاطهم عن رتبة الخطاب وحكاية ~~أحوالهم الفظيعة لغيرهم، وهو مبتدأ خبره { الذين لعنهم ~~الله } أي أبعدهم من رحمته { فأصمهم } عن استماع الحق ~~لتصامهم عنه بسوء اختيارهم. { وأعمى أبصرهم } ~~لتعاميهم عما يشاهدونه من الآيات المنصوبة في الأنفس والآفاق. # { أفلا يتدبرون القرءان } أي ألا يلاحظونه ولا ~~يتصفحونه وما فيه من المواعظ والزواجر حتى لا يقعوا فيما وقعوا ~~فيه من الموبقات { أم على قلوب أقفالها } فلا يكاد يصل ~~إليها ذكر أصلا. وأم منقطعة وما فيها من معنى بل للانتقال من ~~التوبيخ بعدم التدبر إلى التوبيخ بكون قلوبهم مقفلة لا تقبل ~~التدبر والتفكر. والهمزة للتقرير، وتنكير القلوب إما لتهويل ~~حالها وتفظيع شأنها بإبهام أمرها في القساوة والجهالة كأنه قيل ~~على قلوب منكرة لا يعرف حالها ولا يقادر قدرها في القساوة وإما ~~لأن المراد بها قلوب بعض منهم وهم المنافقون. وإضافة الأقفال ~~إليها للدلالة على أنها أقفال مخصوصة بها مناسبة لها غير مجانسة ~~لسائر الأقفال المعهودة. وقرىء أقفالها وإقفالها على المصدر. # { إن الذين ارتدوا على أدبرهم } أي رجعوا إلى ~~ما كانوا عليه من الكفر وهم المنافقون الذين وصفوا فيما سلف بمرض ~~القلوب وغيره من قبائح الأفعال والأحوال فإنهم قد كفروا به عليه ~~الصلاة والسلام { من بعد ما تبين لهم الهدى } ~~بالدلائل الظاهرة والمعجزات القاهرة، وقيل هم اليهود وقيل أهل ~~الكتابين جميعا كفروا به عليه الصلاة والسلام بعدما وجدوا ~~نعته في كتابهم وعرفوا أنه المبعوث بذلك. وقوله تعالى: { ~~الشيطن سول لهم } جملة من مبتدأ وخبر، وقعت خبرا ~~لإن أي سهل لهم ركوب العظائم من السول وهو الاسترخاء، وقيل ~~من السول المخفف من السؤل لاستمرار القلب فمعنى سول له ~~أمرا حينئذ أوقعه في أمنيته فإن السؤل الأمنية. وقرىء سول مبنيا ~~للمفعول على حذف ms3026 المضاف أن كيد الشيطان. { وأملى لهم } ~~ومد لهم في الأماني والآمال، وقيل أمهلهم الله تعالى ولم ~~يعاجلهم بالعقوبة. وقرىء وأملي لهم على صيغة المتكلم ~~فالمعنى أي الشيطان يغويهم وأنا أنظرهم فالواو للحال أو ~~للاستئناف. وقرىء أملى لهم على البناء للمفعول أي أمهلوا ~~ومد في عمرهم. # { ذلك } إشارة إلى ما ذكر من ارتدادهم لا إلى الإملاء كما ~~نقل عن الواحدي ولا إلى التسويل كما قيل لأن شيئا منهما ليس ~~مسببا عن القول الآتي وهو مبتدأ خبره قوله تعالى: { بأنهم } ~~أي بسبب أنهم { قالوا } يعني المنافقين المذكورين لا اليهود ~~الكافرين به عليه الصلاة والسلام بعد ما وجدوا نعته في ~~التوارة كما قيل فإن كفرهم به ليس بسبب هذا القول ولو فرض صدوره ~~عنهم سواء كان المقول لهم المنافقين أو المشركين على رأي القائل، بل ~~من حين بعثته عليه الصلاة والسلام { للذين كرهوا ما ~~نزل الله } أي لليهود الكارهين لنزول القرآن على رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم مع علمهم بأنه من عند الله تعالى حسدا وطمعا في ~~نزوله عليهم لا للمشركين كما قيل فإن قوله تعالى: { سنطيعكم ~~فى بعض الأمر } عبارة قطعا عما حكي عنهم بقوله تعالى: # ألم تر إلى الذين نافقوا يقولون لإخوانهم ~~الذين كفروا من أهل الكتاب لئن أخرجتم ~~لنخرجن معكم ولا نطيع فيكم أحدا أبدا وإن ~~قوتلتم لننصرنكم # [سورة الحشر، الآية 11] وهم بنو قريظة والنضير الذين كانوا ~~يوالونهم ويوادونهم وأرادوا بالبعض الذي أشاروا إلى عدم إطاعتهم ~~فيه إظهار كفرهم وإعلان أمرهم بالفعل قبل قتالهم وإخراجهم من ~~ديارهم فإنهم كانوا يأبون ذلك قبل مساس الحاجة الضرورية الداعية ~~إليه لما كان لهم في إظهار الإيمان من المنافع الدنيوية، وإنما ~~كانوا يقولون لهم ما يقولون سرا كما يعرب عنه قوله تعالى: { ~~والله يعلم إسرارهم } أي إخفاءهم لما يقولونه لليهود. ~~وقرىء أسرارهم أي جميع أسرارهم التي من جملتها قولهم هذا، ~~والجملة اعتراض مقرر لما قبله متضمن للإفشاء في الدنيا والتعذيب في ~~الآخرة. ### || [47.27-29] # والفاء في قوله تعالى: { فكيف إذا توفتهم ~~الملئكة } لترتيب ما ms3027 بعدها على ما قبلها. وكيف منصوب بفعل ~~محذوف هو العامل في الظرف كأنه قيل يفعلون في حياتهم ما يفعلون من ~~الحيل، فكيف يفعلون إذا توفتهم الملائكة، وقيل مرفوع على أنه ~~خبر لمبتدأ محذوف أي فكيف حالهم أو حياتهم إذا توفتهم الخ. ~~وقرىء توفاهم على أنه إما ماض أو مضارع قد حذف إحدى تاءيه. ~~{ يضربون وجوههم وأدبرهم } حال من فاعل توفتهم أو ~~من مفعوله، وهو تصوير لتوفيهم على أهول الوجوه وأفظعها. وعن ابن ~~عباس رضي الله عنهما لا يتوفى أحد على معصية إلا يضرب ~~الملائكة وجهه ودبره. { ذلك } التوفي الهائل { بأنهم } ~~أي بسبب أنهم { اتبعوا ما أسخط الله } من الكفر ~~والمعاصي { وكرهوا رضوانه } أي ما يرضاه من الإيمان ~~والطاعة حيث كفروا بعد الإيمان وخرجوا عن الطاعة بما صنعوا من ~~المعاملة مع اليهود { فأحبط } لأجل ذلك { أعملهم } التي ~~عملوها حال إيمانهم من الطاعات أو بعد ذلك من أعمال البر التي لو ~~عملوها حال الإيمان لا نتفعوا بها. # { أم حسب الذين فى قلوبهم مرض } هم المنافقون الذين ~~فصلت أحوالهم الشنيعة، وصفوا بوصفهم السابق لكونه مدارا لما ~~نعي عليهم بقوله تعالى: { أن لن يخرج الله أضغنهم ~~} فأم منقطعة وأن مخففة من أن وضمير الشأن الذي هو اسمها محذوف ~~ولن بما في حيزها خبرها. والأضغان جمع ضغن وهو الحقد، أي بل ~~أحسب الذين في قلوبهم حقد وعداوة للمؤمنين أنه لن يخرج الله ~~أحقادهم ولن يبرزها لرسوله صلى الله عليه وسلم وللمؤمنين فتبقى ~~أمورهم مستورة والمعنى أن ذلك مما لا يكاد يدخل تحت الاحتمال. ### || [47.30-33] # { ولو نشاء } إراءتهم { لأرينكهم } لعرفناكهم بدلائل ~~تعرفهم بأعيانهم معرفة متاخمة للرؤية. والالتفات إلى نون العظمة ~~لإبراز العناية بالإراءة { فلعرفتهم بسيمهم } بعلامتهم ~~التي نسمهم بها. وعن أنس رضي الله عنه ما خفي على رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم بعد هذه الآية شىء من المنافقين كان يعرفهم بسيماهم ~~ولقد كنا في بعض الغزوات وفيها تسعة من المنافقين يشكوهم الناس ~~فناموا ذات ليلة وأصبحوا وعلى كل واحد منهم مكتوب هذا منافق. ~~واللام لام ms3028 الجواب كررت في المعطوف للتأكيد، والفاء لترتيب ~~المعرفة على الإراءة، وأما ما في قوله تعالى: { ولتعرفنهم ~~فى لحن القول } فلجواب قسم محذوف. ولحن القول نحوه ~~وأسلوبه أو إمالته إلى جهة تعريض وتورية، ومنه قيل للمخطىء لاحن ~~لعدله بالكلام عن سمت الصواب. { والله يعلم أعملكم } ~~فيجازيكم بحسب قصدكم، وهذا وعد للمؤمنين وإيذان بأن حالهم بخلاف ~~حال المنافقين. # { ولنبلونكم } بالأمر بالجهاد ونحوه من التكاليف الشاقة { ~~حتى نعلم المجهدين منكم والصبرين } على ~~مشاق الجهاد علما فعليا يتعلق به الجزاء { ونبلو ~~أخبركم } ما يخبر به عن أعمالكم فيظهر حسنها وقبيحها. ~~وقرىء ويبلو بالياء، وقرىء نبلو بسكون الواو، على معنى ونحن ~~نبلوا. # { إن الذين كفروا وصدوا } الناس { عن سبيل الله ~~وشاقوا الرسول } وعادوه { من بعد ما تبين لهم ~~الهدى } بما شاهدوا نعته عليه الصلاة والسلام في التوراة بما ~~ظهر على يديه من المعجزات ونزل عليه من الآيات وهم قريظة والنضير ~~أو المطعمون يوم بدر. { لن يضروا الله } بكفرهم وصدهم { ~~شيئا } من الأشياء أو شيئا من الضرر أو لن يضروا رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم بمشاقته شيئا. وقد حذف المضاف لتعظيمه وتفظيع ~~مشاقته. { وسيحبط أعملهم } أي مكايدهم التي نصبوها في ~~إبطال دينه تعالى ومشاقة رسوله عليه الصلاة والسلام فلا ~~يصلون بها إلى ما كانوا يبغون من الغوائل ولا تثمر لهم إلا القتل ~~والجلاء عن أوطانهم. { يأيها الذين ءامنوا أطيعوا ~~الله وأطيعوا الرسول ولا تبطلوا أعملكم } بما ~~أبطل به هؤلاء أعمالهم من الكفر والنفاق والعجب والرياء والمن ~~والأذى ونحوها، وليس فيه دليل على إحباط الطاعات بالكبائر. ### || [47.34-38] # { إن الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله ثم ~~ماتوا وهم كفار فلن يغفر الله لهم } حكم يعم ~~كل من مات على الكفر وإن صح نزوله في أصحاب القليب. # { فلا تهنوا } أي لا تضعفوا { وتدعوا إلى السلم } أي ~~ولا تدعوا الكفار إلى الصلح خورا فإن ذلك إعطاء الدنية. ~~ويجوز أن يكون منصوبا بإضمار أن على جواب النهي. وقرىء ولا ~~تدعوا من ادعى القوم بمعنى تداعوا نحو ارتموا الصيد ~~وتراموه ومنه ms3029 تراءوا الهلال فإن صيغة التفاعل قد يراد بها ~~صدور الفعل عن المتعدد من غير اعتبار وقوعه عليه. ومنه قوله تعالى: # عم يتساءلون # [سورة النبأ، الآية 1] على أحد الوجهين. والفاء لترتيب النهي على ~~ما سبق من الأمر بالطاعة. وقوله تعالى: { وأنتم الأعلون } ~~جملة حالية مقررة لمعنى النهي مؤكدة لوجوب الانتهاء، وكذا قوله ~~تعالى: { والله معكم } فإن كونهم الأعلين وكونه عز ~~وجل ناصرهم من أقوى موجبات الاجتناب عما يوهم الذل ~~والضراعة وكذا توفيته تعالى لأجور الأعمال حسبما يعرب عنه قوله ~~تعالى: { ولن يتركم أعملكم } أي ولن يضيعها من وترت ~~الرجل إذا قتلت له قتيلا من ولد أو أخ أو حميم فأفردته عنه من ~~الوتر الذي هو الفرد. وعبر عن ترك الإثابة في مقابلة الأعمال ~~بالوتر الذي هو إضاعة شيء معتد به من الأنفس والأموال مع أن الأعمال ~~غير موجبة للثواب على قاعدة أهل السنة إبرازا لغاية اللطف ~~بتصوير الثواب بصورة الحق المستحق وتنزيل ترك الإثابة منزلة ~~إضاعة أعظم الحقوق وإتلافها، وقد مر في قوله تعالى: # فاستجاب لهم ربهم أنى لا أضيع عمل عامل ~~منكم # [سورة آل عمران، الآية 195]. # { إنما الحيوة الدنيا لعب ولهو } لا ثبات لها ولا ~~اعتداد بها { وإن تؤمنوا وتتقوا يؤتكم أجوركم } ~~أي ثواب إيمانكم وتقواكم من الباقيات الصالحات التي يتنافس فيها ~~المتنافسون. { ولا يسئلكم أمولكم } بحيث يخل أداؤها ~~بمعاشكم، وإنما اقتصر على نزر يسير منها هو ربع العشر ~~تؤدونها إلى فقرائكم. { ؤإن يسئلكموها } أي أموالكم { ~~فيحفكم } أي يجهدكم بطلب الكل فإن الإحفاء والإلحاف ~~المبالغة وبلوغ الغاية، يقال أحفى شاربه إذا استأصله، { ~~تبخلوا } فلا تعطوا { ويخرج أضغنكم } أي أحقادكم. ~~وضمير يخرج لله تعالى ويعضده القراءة بنون العظمة، أو للبخل لأنه ~~سبب الأضغان، وقرىء يخرج من الخروج بالياء والتاء مسندا إلى ~~الأضغان. # { هآ أنتم هؤلاء } أي أنتم أيها المخاطبون هؤلاء الموصوفون. ~~وقوله تعالى: { تدعون لتنفقوا فى سبيل الله } استئناف ~~مقرر لذلك أو صلة لهؤلاء على أنه بمعنى الذين، أي ها أنتم ~~الذين تدعون ففيه توبيخ عظيم وتحقير من شأنهم. والإنفاق في ms3030 ~~سبيل الله يعم الغزو والزكاة وغيرهما. { فمنكم من يبخل ~~} أي ناس يبخلون وهو في حيز الدليل على الشرطية السابقة. # { ومن يبخل فإنما يبخل عن نفسه } فإن كلا من ~~نفع الإنفاق وضرر البخل عائد إليه، والبخل يستعمل بعن وعلى ~~لتضمنه معنى الإمساك والتعدي. # { والله الغنى } دون من عداه. { وأنتم الفقراء } ~~فما يأمركم به فهو لاحتياجكم إلى ما فيه من المنافع فإن امتثلتم ~~فلكم وإن توليتم فعليكم. وقوله تعالى: { وإن تتولوا } عطف ~~على إن تؤمنوا أي وإن تعرضوا عن الإيمان والتقوى { يستبدل ~~قوما غيركم } يخلف مكانكم قوما آخرين { ثم لا ~~يكونوا أمثلكم } في التولي عن الإيمان والتقوى بل ~~يكونوا راغبين فيهما. قيل: هم الأنصار، وقيل: الملائكة، وقيل: أهل ~~فارس؛ لما روي # " أنه عليه الصلاة والسلام سئل عن القوم وكان سلمان إلى ~~جنبه فضرب على فخذه فقال: " هذا وقومه والذي نفسي بيده لو كان ~~الإيمان منوطا بالثريا لتناوله رجال من فارس " # ، وقيل: كندة والنخع، وقيل: العجم، وقيل: الروم. # عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " من قرأ سورة محمد كان حقا على الله عز وجل أن يسقيه ~~من أنهار الجنة ". ### | [48 - سورة الفتح] ### || [48.1] # مدنية نزلت في مرجع رسول الله صلى الله عليه وسلم من الحديبية وآيها ~~تسع وعشرون # { إنا فتحنا لك } فتح البلد عبارة عن الظفر به عنوة أو ~~صلحا بحراب أو بدونه فإنه ما لم يظفر به منغلق، مأخوذ من فتح ~~باب الدار. وإسناده إلى نون العظمة لاستناد أفعال العباد إليه ~~تعالى خلقا وإيجادا، والمراد به فتح مكة شرفها الله وهو المروي ~~عن أنس رضي الله عنه، بشر به رسول الله صلى الله عليه وسلم عند ~~انصرافه من الحديبية، والتعبير عنه بصيغة الماضي على سنن سائر ~~الأخبار الربانية للإيذان بتحققه لا محالة تأكيدا للتبشير كما ~~أن تصدير الكلام بحرف التحقيق لذلك، وفيه من الفخامة المنبئة عن ~~عظمة شأن المخبر جل جلاله وعز سلطانه ما لا يخفى، وقيل هو ما ~~أتيح له عليه الصلاة والسلام في تلك السنة من فتح خيبر وهو ms3031 ~~المروي عن مجاهد وقيل هو صلح الحديبية فإنه وإن لم يكن فيه ~~حراب شديد بل ترام بين الفريقين بسهام وحجارة لكن لما كان ~~الظهور للمسلمين حيث سألهم المشركون الصلح كان فتحا بلا ريب، ~~وروي عن ابن عباس رضي الله عنهما: رموا المشركين حتى أدخلوهم ~~ديارهم. وعن الكلبي ظهروا عليهم حتى سألوا الصلح وقد روي ~~أنه عليه الصلاة والسلام حين بلغه أن رجلا قال ما هذا بفتح لقد ~~صددنا عن البيت وصد هدينا قال بل هو أعظم الفتوح، وقد رضي ~~المشركون أن يدفعوكم بالراح ويسألوكم القضية ويرغبوا إليكم في ~~الأمان وقد رأوا منكم ما يكرهون. وعن الشعبي نزلت بالحديبية وأصاب ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم في تلك الغزوة ما لم يصب في غزوة ~~حيث أصاب أن بويع بيعة الرضوان وغفر له ما تقدم من ذنبه وما ~~تأخر وبلغ الهدي محله وأطعموا نخل خيبر وظهرت الروم على فارس ~~ففرح به المسلمون وكان في فتح الحديبية آية عظيمة هي أنه نزح ماؤها ~~حتى لم يبق فيها قطرة فتمضمض رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم مجه ~~فيها فدرت بالماء حتى شرب جميع من كان معه وشبع وقيل: فجاش ~~الماء حتى امتلأت ولم ينفد ماؤها بعد، وقيل هو جميع ما فتح له عليه ~~الصلاة والسلام من الفتوح وقيل هو ما فتح الله له عليه الصلاة ~~والسلام من الإسلام والنبوة والدعوة بالحجة والسيف ولا فتح أبين ~~منه وأعظم وهو رأس الفتوح كافة إذ لا فتح من فتوح الإسلام إلا وهو ~~شعبة وفرع من فروعه وقيل الفتح بمعنى القضاء ومنه الفتاحة للحكومة ~~والمعنى قضينا لك على أهل مكة أن تدخلها من قابل وهو المروي عن ~~قتادة رضي الله عنه وأيا ما كان فحذف المفعول للقصد إلى نفس الفعل ~~والإيذان بأن مناط التبشير نفس الفتح الصادر عنه سبحانه لا ~~خصوصية المفتوح { فتحا مبينا } بينا ظاهر الأمر مكشوف ~~الحال أو فارقا بين الحق والباطل. ### || [48.2-4] # وقوله تعالى: # { ليغفر لك الله } غاية للفتح من حيث إنه مترتب على ms3032 ~~سعيه عليه الصلاة والسلام في إعلاء كلمة الله تعالى بمكابدة ~~مشاق الحروب واقتحام موارد الخطوب، والالتفات إلى اسم الذات ~~المستتبع لجميع الصفات للإشعار بأن كل واحد مما انتظم في سلك ~~الغاية من أفعاله تعالى صادر عنه تعالى من حيثية غير حيثية الآخر ~~مترتبة على صفة من صفاته تعالى: { ما تقدم من ذنبك وما ~~تأخر } أي جميع ما فرط منك من ترك الأولى، وتسميته ذنبا ~~بالنظر إلى منصبه الجليل. { ويتم نعمته عليك } بإعلاء ~~الدين وضم الملك إلى النبوة وغيرهما مما أفاضه عليه من النعم ~~الدينية والدنيوية. { ويهديك صرطا مستقيما } في تبليغ ~~الرسالة وإقامة مراسم الرياسة. وأصل الاستقامة وإن كانت حاصلة ~~قبل الفتح لكن حصل بعد ذلك من اتضاح سبل الحق واستقامة ~~مناهجه ما لم يكن حاصلا قبل. { وينصرك الله } إظهار الاسم ~~الجليل لكونه خاتمة الغايات ولإظهار كمال العناية بشأن النصر ~~كما يعرب عنه تأكيده بقوله تعالى: { نصرا عزيزا } أي نصرا فيه ~~عزة أو قويا منيعا على وصف المصدر بوصف صاحبه مجازا للمبالغة أو ~~عزيزا صاحبه. { هو الذى أنزل السكينة } بيان لما أفاض ~~عليهم من مبادي الفتح من الثبات والطمأنينة أي أنزلها { فى ~~قلوب المؤمنين } بسبب الصلح والأمن إظهارا لفضله تعالى ~~عليهم بتيسير الأمن بعد الخوف { ليزدادوا إيمنا مع ~~إيمنهم } أي يقينا منضما إلى يقينهم أو أنزل فيها السكون إلى ~~ما جاء به عليه الصلاة والسلام من الشرائع ليزدادوا إيمانا بها ~~مقرونا مع إيمانهم بالوحدانية واليوم الآخر عن ابن عباس رضي ~~الله عنهما أن أول ما أتاهم به النبي صلى الله عليه وسلم التوحيد ~~ثم الصلاة والزكاة ثم الحج والجهاد فازدادوا إيمانا مع إيمانهم، ~~أو أنزل فيها الوقار والعظمة لله تعالى ولرسوله ليزدادوا باعتقاد ~~ذلك إيمانا إلى إيمانهم. { ولله جنود السموات والأرض ~~} يدبر أمرها كيفما يريد يسلط بعضها على بعض تارة ويوقع بينهما ~~السلم أخرى حسبما تقتضيه مشيئته المبنية على الحكم والمصالح { ~~وكان الله عليما } مبالغا في العلم بجميع الأمور { ~~حكيما } في تقديره وتدبيره. ### || [48.5-6] # وقوله تعالى: { ليدخل المؤمنين والمؤمنت جنت ~~تجرى ms3033 من تحتها الأنهر خلدين فيها } متعلق بما ~~يدل عليه ما ذكر من كون جنود السموات والأرض له تعالى من ~~معنى التصرف والتدبير أي دبر ما دبر من تسليط المؤمنين ليعرفوا ~~نعمة الله في ذلك ويشكروها فيدخلهم الجنة { ويكفر عنهم ~~سيئتهم } أي يغطيها ولا يظهرها. وتقديم الإدخال في الذكر ~~على التكفير مع أن الترتيب في الوجود على العكس للمسارعة إلى بيان ~~ما هو المطلب الأعلى { وكان ذلك } أي ما ذكر من الإدخال ~~والتكفير { عند الله فوزا عظيما } لا يقادر قدره لأنه ~~منتهى ما يمتد إليه أعناق الهمم من جلب نفع ودفع ضر. وعند ~~الله حال من فوزا لأنه صفته في الأصل فلما قدم عليه صار ~~حالا أي كائنا عند الله أي في علمه تعالى وقضائه والجملة اعتراض ~~مقرر لما قبله. # { ويعذب المنفقين والمنفقت والمشركين ~~والمشركت } عطف على يدخل. وفي تقديم المنافقين على ~~المشركين ما لا يخفى من الدلالة على أنهم أحق منهم بالعذاب. { ~~الظانين بالله ظن السوء } أي ظن الأمر السوء وهو أن ~~لا ينصر رسوله والمؤمنين { عليهم دائرة السوء } أي ما ~~يظنونه ويتربصونه بالمؤمنين فهو حائق بهم ودائر عليهم. وقرىء ~~دائرة السوء بالضم وهما لغتان من ساء، كالكره والكره خلا ~~أن المفتوح غلب في أن يضاف إليه ما يراد ذمه من كل شيء ~~وأما المضموم فجار مجرى الشر { وغضب الله عليهم ~~ولعنهم وأعد لهم جهنم } عطف على ما استحقوه في ~~الآخرة على ما استوجبوه في الدنيا. والواو في الأخيرين مع أن ~~حقهما الفاء المفيدة لسببية ما قبلها لما بعدها للإيذان ~~باستقلال كل منهما في الوعيد وأصالته من غير اعتبار استتباع ~~بعضها لبعض { وساءت مصيرا } أي جهنم. ### || [48.7-11] # { ولله جنود السموات والأرض وكان الله ~~عزيزا حكيما } إعادة لما سبق قالوا فائدتها التنبيه على أن ~~لله تعالى جنود الرحمة وجنود العذاب وأن المراد ههنا جنود ~~العذاب كما ينبىء عنه التعرض لوصف العزة. { إنا أرسلنك ~~شاهدا } أي على أمتك لقوله تعالى: # ويكون الرسول عليكم شهيدا # [سورة البقرة، الآية 143] { ومبشرا } على الطاعة { ونذيرا } ~~على ms3034 المعصية. # { لتؤمنوا بالله ورسوله } الخطاب للنبي عليه ~~الصلاة والسلام ولأمته { وتعزروه } وتقووه بتقوية دينه ~~ورسوله { وتوقروه } وتعظموه { وتسبحوه } وتنزهوه أو ~~تصلوا له من السبحة. { بكرة وأصيلا } غدوة وعشيا. عن ابن ~~عباس رضي الله عنهما: صلاة الفجر وصلاة الظهر وصلاة العصر. ~~وقرىء الأفعال الأربعة بالياء التحتانية، وقرىء وتعزروه ~~بضم التاء وتخفيف الزاي المكسورة، وقرىء بفتح التاء وضم ~~الزاي وكسرها، وتعززوه بزاءين، وتوقروه من أوقره بمعنى ~~وقره. # { إن الذين يبايعونك } أي على قتال قريش تحت الشجرة. ~~وقوله تعالى: { إنما يبايعون الله } خبر إن يعني أن ~~مبايعتك هي مبايعة الله عز وجل لأن المقصود توثيق العهد ~~بمراعاة أوامره ونواهيه. وقوله تعالى: { يد الله فوق ~~أيديهم } حال أو استثناف مؤكد له على طريقة التخييل، ~~والمعنى أن عقد الميثاق مع الرسول كعقده مع الله تعالى من غير ~~تفاوت بينهما، كقوله تعالى: # من يطع الرسول فقد أطاع الله # [سورة النساء، الآية 80] وقرىء إنما يبايعون لله أي لأجله ~~ولوجهه. { فمن نكث فإنما ينكث على نفسه } أي فمن ~~نقض عهده فإنما يعود ضرر نكثه على نفسه. وقرىء بكسر الكاف. ~~{ ومن أوفى بما عهد عليه الله } بضم الهاء ~~فإنه أبقى بعد حذف الواو توسلا بذلك إلى تفخيم لام الجلالة. ~~وقرىء بكسرها أي ومن وفى بعهده. { فسيؤتيه أجرا ~~عظيما } هو الجنة. وقرىء بما عهد، وقرىء فسنؤتيه بنون ~~العظمة. # { سيقول لك المخلفون من الأعراب } هم أعراب غفار ~~ومزينة وجهينة وأشجع وأسلم والديل تخلفوا عن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم حين استنفر من حول المدينة من الأعراب وأهل ~~البوادي ليخرجوا معه عند إرادته المسير إلى مكة عام الحديبية ~~معتمرا حذرا من قريش أن يتعرضوا له بحرب أو يصدوه عن البيت ~~وأحرم عليه الصلاة والسلام وساق معه الهدي ليعلم أنه لا يريد ~~الحرب وتثاقلوا عن الخروج وقالوا نذهب إلى قوم قد غزوه في عقر ~~داره بالمدينة وقتلوا أصحابه فنقاتلهم فأوحى الله تعالى إليه ~~عليه الصلاة والسلام بأنهم سيعتلون ويقولون { شغلتنا ~~أمولنا وأهلونا } ولم يكن لنا من يخلفنا فيهم ويقوم ~~بمصالحهم ويحميهم من ms3035 الضياع. وقرىء شغلتنا بالتشديد للتكثير ~~{ فاستغفر لنا } الله تعالى ليغفر لنا تخلفنا عنك حيث لم ~~يكن ذلك باختيار بل عن اضطرار { يقولون بألسنتهم ما ~~ليس فى قلوبهم } بدل من سيقول أو استئناف لتكذيبهم في ~~الاعتذار والاستغفار. # { قل } ردا لهم عند اعتذارهم إليك بأباطيلهم. { فمن ~~يملك لكم من الله شيئا } أي فمن يقدر لأجلكم من مشيئة ~~الله تعالى وقضائه على شيء من النفع { إن أراد بكم ضرا } ~~أي ما يضركم من هلاك الأهل والمال وضياعهما حتى تتخلفوا عن ~~الخروج لحفظهما ودفع الضرر عنهما وقرىء ضرا بالضم. { أو ~~أراد بكم نفعا } أي ومن يقدر على شيء من الضرر إن أراد ~~بكم ما ينفعكم من حفظ أموالكم وأهليكم فأي حاجة إلى التخلف ~~لأجل القيام بحفظهما وهذا تحقيق للحق ورد لهم بموجب ظاهر ~~مقالتهم الكاذبة، وتعميم الضر والنفع لما يتوقع على تقدير ~~الخروج من القتل والهزيمة والظفر والغنيمة يرده قوله تعالى: { ~~بل كان الله بما تعملون خبيرا } فإنه إضراب عما ~~قالوا وبيان لكذبه بعد بيان فساده على تقدير صدقه أي ليس ~~الأمر كما تقولون بل كان الله خبيرا بجميع ما تفعلون من الأعمال ~~التي من جملتها تخلفكم وما هو من مباديه. ### || [48.12] # وقوله تعالى: { بل ظننتم } الخ بدل من كان الله الخ مفسر لما ~~فيه من الإبهام أي بل ظننتم { أن لن ينقلب الرسول ~~والمؤمنون إلى أهليهم أبدا } بأن يستأصلهم المشركون ~~بالمرة فخشيتم إن كنتم معهم أن يصيبكم ما أصابهم فلأجل ذلك ~~تخلفتم لا لما ذكرتم من المعاذير الباطلة. والأهلون جمع أهل وقد ~~يجمع على أهلات كأرضات على تقدير تاء التأنيث، وأما الأهالي ~~فاسم جمع كالليالي. وقرىء إلى أهلهم { وزين ذلك فى ~~قلوبكم } وقبلتموه واشتغلتم بشأن أنفسكم غير مبالين بهم. ~~وقرىء زين على البناء للفاعل بإسناده إلى الله سبحانه أو إلى ~~الشيطان { وظننتم ظن السوء } المراد به إما الظن الأول، ~~والتكرير لتشديد التوبيخ والتسجيل عليه بالسوء أو ما يعمه ~~وغيره من الظنون الفاسدة التي من جملتها الظن بعدم صحة رسالته ~~عليه الصلاة والسلام فإن ms3036 الجازم بصحتها لا يحوم حول فكره ~~وما ذكر من الاستئصال. { وكنتم قوما بورا } أي هالكين عند ~~الله مستوجبين لسخطه وعقابه على أنه جمع بائر كعائذ وعوذ أو ~~فاسدين في أنفسكم وقلوبكم ونياتكم لا خير فيكم، وقيل البور من ~~بار كالهلك من هلك بناء ومعنى ولذلك وصف به الواحد والجمع ~~والمذكر والمؤنث. ### || [48.13-15] # { ومن لم يؤمن بالله ورسوله } كلام مبتدأ من جهته ~~تعالى غير داخل في الكلام الملقن مقرر لبوارهم ومبين لكيفيته أي ~~ومن لم يؤمن بهما كدأب هؤلاء المخلفين. { فإنا أعتدنا ~~للكفرين سعيرا } أي لهم، وإنما وضع موضع الضمير الكافرون ~~إيذانا بأن من لم يجمع بين الإيمان بالله وبرسوله فهو كافر ~~وأنه مستوجب للسعير بكفره، وتنكير سعيرا للتهويل أو لأنها نار ~~مخصوصة. # { ولله ملك السموات والأرض } وما فيهما ينصرف في ~~الكل كيف يشاء. { يغفر لمن يشاء } أن يغفر له { ويعذب ~~من يشاء } أن يعذبه من غير دخل لأحد في شيء منهما وجودا ~~وعدما، وفيه حسم لأطماعهم الفارغة في استغفاره عليه الصلاة والسلام ~~لهم { وكان الله غفورا رحيما } مبالغا في المغفرة ~~والرحمة لمن يشاء، ولا يشاء إلا لمن تقتضي الحكمة مغفرته ممن ~~يؤمن به وبرسوله وأما من عداه من الكافرين فهم بمعزل من ذلك قطعا ~~{ سيقول المخلفون } أي المذكورون وقوله تعالى: { إذا ~~انطلقتم إلى مغانم لتأخذوها } ظرف لما قبله لا شرط ~~لما بعده أي سيقولون عند انطلاقكم إلى مغانم خيبر لتحوزوها حسبما ~~وعدكم إياها وخصكم بها عوضا مما فاتكم من غنائم مكة { ذرونا ~~نتبعكم } إلى خيبر ونشهد معكم قتال أهلها { يريدون أن ~~يبدلوا كلم الله } بأن يشاركوا في الغنائم التي خصها ~~بأهل الحديبية فإنه عليه الصلاة والسلام رجع من الحديبية في ذي ~~الحجة من سنة ست وأقام بالمدينة بقيتها وأوائل المحرم من سنة سبع ~~ثم غزا خيبر بمن شهد الحديبية ففتحها وغنم أموالا كثيرة فخصها ~~بهم حسبما أمره الله عز وجل وقرىء كلم الله وهو جمع كلمة ~~وأيا ما كان فالمراد ما ذكر من وعده تعالى غنائم خيبر لأهل ~~الحديبية خاصة ms3037 لا قوله تعالى: # لن تخرجوا معى أبدا # [سورة التوبة، الآية 83] فإن ذلك في غزوة تبوك. # { قل } إقناطا لهم { لن تتبعونا } أي لا تتبعونا فإنه نفي ~~في معنى النهي للمبالغة { كذلكم قال الله من قبل } أي ~~عند الانصراف من الحديبية { فسيقولون } للمؤمنين عند سماع ~~هذا النهي { بل تحسدوننا } أي ليس ذلك النهي حكم الله بل ~~تحسدوننا أن نشارككم في الغنائم وقرىء تحسدوننا بكسر السين وقوله تعالى ~~{ بل كانوا لا يفقهون } أي لا يفهمون { إلا قليلا } ~~إلا فهما قليلا وهو فطنتهم لأمور الدنيا، رد لقولهم الباطل ~~ووصف لهم بما هو أعظم من الحسد وأطم من الجهل المفرط وسوء ~~الفهم في أمور الدين. ### || [48.16-18] # { قل للمخلفين من الأعراب } كرر ذكرهم بهذا العنوان ~~مبالغة في ذمهم { ستدعون إلى قوم أولى بأس شديد ~~} هم بنو حنيفة قوم مسيلمة الكذاب، أو غيرهم ممن ارتدوا بعد ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو المشركون لقوله تعالى { ~~تقتلونهم أو يسلمون } أي يكون أحد الأمرين إما ~~المقاتلة أبدا أو الإسلام لا غير، كما يفصح عنه قراءة أو يسلموا. ~~وأما من عداهم فينتهي قتالهم بالجزية كما ينتهي بالإسلام. وفيه ~~دليل على إمامة أبي بكر رضي الله عنه إذا لم تتفق هذه الدعوة ~~لغيره إلا إذا صح أنهم ثقيف وهوازن فإن ذلك كان في عهد النبوة ~~فيخص دوام نفي الاتباع بما في غزوة خيبر كما قاله محي السنة ~~وقيل هم فارس والروم ومعنى يسلمون ينقادون فإن الروم نصارى ~~وفارس مجوس يقبل منهم الجزية. { فإن تطيعوا يؤتكم الله ~~أجرا حسنا } هو الغنيمة في الدنيا والجنة في الآخرة { وإن ~~تتولوا } عن الدعوة { كما توليتم من قبل } في ~~الحديبية { يعذبكم عذابا أليما } لتضاعف جرمكم. # { ليس على الأعمى حرج ولا على الأعرج حرج ولا ~~على المريض حرج } أي في التخلف عن الغزو لما بهم من ~~العذر والعاهة فإن التكليف يدور على الاستطاعة. وفى نفي ~~الحرج عن كل من الطوائف المعدودة مزيد اعتناء بأمرهم وتوسيع ~~لدائرة الرخصة. { ومن يطع الله ورسوله } فيما ذكر من ~~الأوامر والنواهي ms3038 { يدخله جنت تجرى من تحتها ~~الأنهر }. وقرىء ندخله بنون العظيمة { ومن يتول } أي ~~عن الطاعة { يعذبه } وقرىء بالنون { عذابا أليما }. لا ~~يقادر قدره { لقد رضي الله عن المؤمنين } هم ~~الذين ذكر شأن مبايعتهم. وبهذه الآية سميت بيعة الرضوان. ~~وقوله تعالى { إذ يبايعونك تحت الشجرة } منصوب برضي. ~~وصيغة المضارع لاستحضار صورتها، وتحت الشجرة متعلق به أو بمحذوف ~~هو حال من مفعوله. روي # " أنه عليه الصلاة والسلام لما نزل الحديبية بعث خراش بن ~~أمية الخزاعي رسولا إلى أهل مكة فهموا به فمنعه الأحابيش ~~فرجع فبعث عثمان بن عفان رضي الله عنه فأخبرهم أنه عليه ~~الصلاة والسلام لم يأت لحرب وإنما جاء زائرا لهذا البيت معظما ~~لحرمته فوقروه وقالوا إن شئت أن تطوف بالبيت فافعل فقال ما ~~كنت لأطوف قبل أن يطوف رسول الله صلى الله عليه وسلم واحتبس ~~عندهم فأرجف بأنهم قتلوه فقال عليه الصلاة والسلام: " لا ~~نبرح حتى نناجز القوم " ودعا الناس إلى البيعة فبايعوه تحت ~~الشجرة وكانت سمرة وقيل: سدرة على أن يقاتلوا قريشا ولا ~~يفروا. وروي على الموت دونه وأن لا يفروا فقال لهم رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم أنتم اليوم خير أهل الأرض وكانوا ألفا ~~وخمسمائة وخمسة وعشرين " # وقيل: ألفا وأربعمائة.وقيل ألفا: وثلثمائة. وقوله تعالى: { ~~فعلم ما فى قلوبهم } عطف على يبايعونك لما عرفت من أنه ~~بمعنى بايعوك لا على رضي فإن رضاه تعالى عنهم مترتب على علمه تعالى ~~بما في قلوبهم من الصدق والإخلاص عند مبايعتهم له صلى الله عليه ~~وسلم. وقوله تعالى { فأنزل السكينة عليهم } عطف على رضي ~~أي فأنزل عليهم الطمأنينة والأمن وسكون النفس بالربط على قلوبهم ~~وقيل: بالصلح. { وأثبهم فتحا قريبا } هو فتح خيبر غب ~~انصرافهم من الحديبة كما مر تفصيله. وقرىء وآتاهم. ### || [48.19-21] # { ومغانم كثيرة يأخذونها } أي مغانم خيبر. والالتفات ~~إلى الخطاب على قراءة الأعمش وطلحة ونافع لتشريفهم في مقام ~~الامتنان. { وكان الله عزيزا } غالبا { حكيما } مراعيا ~~لمقتضى الحكمة في أحكامه وقضاياه. # { وعدكم الله مغانم كثيرة } هي ما يفيؤه على ~~المؤمنين إلى ms3039 يوم القيامة. { تأخذونها } في أوقاتها المقدرة ~~لكل واحدة منها. { فعجل لكم هذه } أي غنائم خيبر { ~~وكف أيدى الناس عنكم } أي أيدي أهل خيبر وحلفائهم من ~~بني أسد وغطفان حيث جاءوا لنصرتهم فقذف الله في قلوبهم الرعب ~~فنكصوا وقيل: أيدي أهل مكة بالصلح { ولتكون ءاية ~~للمؤمنين } أمارة يعرفون بها صدق الرسول صلى الله عليه وسلم ~~في وعده إياهم عند رجوعه من الحديبية ما ذكر من المغانم ~~وفتح مكة ودخول المسجد الحرام. واللام متعلقة إما بمحذوف مؤخر ~~أي ولتكون آية لهم فعل ما فعل من التعجيل والكف أو بما تعلق به ~~علة أخرى محذوفة من أحد الفعلين أي فعجل لكم هذه أو كف أيدي ~~الناس لتغتنموها ولتكون الخ فالواو على الأول اعتراضية وعلى ~~الثاني عاطفة { ويهديكم } بتلك الآية { صرطا مستقيما ~~} هو الثقة بفضل الله تعالى والتوكل عليه في كل ما تذرزن. { وأخرى ~~} عطف على هذه أي فعجل لكم هذه المغانم ومغانم أخرى { لم ~~تقدروا عليها } وهي مغانم هوازن في غزوة حنين ووصفها ~~بعدم القدرة عليها لما كان فيها من الجولة قبل ذلك لزيادة ترغيبهم ~~فيها وقوله تعالى: { قد أحاط الله بها } صفة أخرى لأخرى ~~مفيدة لسهولة تأتيها بالنسبة إلى قدرته تعالى بعد بيان صعوبة ~~منالها بالنظر إلى قدرتهم أي قدر الله عليها واستولى وأظهركم عليها ~~وقيل: حفظها لكم ومنعها من غيركم هذا وقد قيل: إن أخرى منصوب ~~بمضمر يفسره قد أحاط الله بها أي وقضى الله أخرى ولا ريب في أن ~~الإخبار بقضاء الله إياها بعد اندراجها في جملة المغانم ~~الموعودة بقوله تعالى: { وعدكم الله مغانم كثيرة ~~تأخذونها } [سورة الفتح، الآية 20] ليس فيه مزيد فائدة وإنما ~~الفائدة في بيان تعجيلها. { وكان الله على كل شىء ~~قديرا } لأن قدرته تعالى ذاتية لا تختص بشيء دون شيء. ### || [48.22-25] # { ولو قتلكم الذين كفروا } أي أهل مكة ولم ~~يصالحوكم، وقيل: حلفاء خيبر { لولوا الأدبر } ~~منهزمين { ثم لا يجدون وليا } يحرسهم { ولا نصيرا } ~~ينصرهم { سنة الله التى قد خلت من قبل } أي سن ~~الله غلبة أنبيائه سنة ms3040 قديمة فيمن مضى من الأمم. { ولن ~~تجد لسنة الله تبديلا } أي تغييرا { وهو الذى ~~كف أيديهم } أي أيدي كفار مكة { عنكم وأيديكم ~~عنهم ببطن مكة } أي في داخلها { من بعد أن ~~أظفركم عليهم } وذلك (أن عكرمة بن أبي جهل خرج في ~~خمسائة إلى الحديبية فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم خالد بن ~~الوليد على جند فهزمهم حتى أدخلهم حيطان مكة ثم عاد) وقيل: ~~كان يوم الفتح وبه استشهد أبو حنيفة على أن مكة فتحت عنوة لا ~~صلحا. { وكان الله بما تعملون } من مقاتلتهم وهزمهم ~~أولا والكف عنهم ثانيا لتعظيم بيته الحرام. وقرىء بالياء. { ~~بصيرا } فيجازيكم بذلك أو يجازيهم { هم الذين كفروا ~~وصدوكم عن المسجد الحرام والهدى } بالنصب عطفا ~~على الضمير المنصوب في صدوكم. وقرىء بالجر عطفا على المسجد ~~بحذف المضاف أي ونحر الهدي، وبالرفع على معنى وصد الهدي، ~~وقوله تعالى { معكوفا } حال من الهدي أي محبوسا. # وقوله تعالى: { أن يبلغ محله } بدل اشتمال من الهدي أو ~~منصوب بنزع الخافض أي محبوسا من أن يبلغ مكانه الذي يحل فيه ~~نحره، وبه استدل أبو حنيفة رحمه الله تعالى على أن المحصر ~~محل هديه الحرم، قالوا بعض الحديبية من الحرم. وروي أن ~~خيامه صلى الله عليه وسلم كانت في الحل ومصلاه في الحرم. وهناك ~~نحرت هداياه صلى الله عليه وسلم والمراد صدها عن محلها المعهود ~~الذي هو منى. # { ولولا رجال مؤمنون ونساء مؤمنت لم ~~تعلموهم } لم تعرفوهم بأعيانهم لاختلاطهم وهو صفة لرجال ~~ونساء. وقوله تعالى: { أن تطئوهم } أي توقعوا بهم وتهلكوهم ~~بدل اشتمال منهم أو من الضمير المنصوب في تعلموهم { فتصيبكم ~~منهم } أي من جهتهم { معرة } أي مشقة ومكروه كوجوب الدية ~~أو الكفارة بقتلهم والتأسف عليهم وتعيير الكفار وسوء قالتهم ~~والإثم بالتقصير في البحث عنهم وهي مفعلة من عره إذا عراه ~~ودهاه ما يكرهه. { بغير علم } متعلق بأن تطؤهم أي غير ~~عالمين بهم وجواب لولا محذوف لدلالة الكلام عليه، والمعنى لولا ~~كراهة أن تهلكوا ناسا مؤمنين بين الكافرين غير عالمين بهم ~~فيصيبكم ms3041 بذلك مكروه لما كف أيديكم عنهم. وقوله تعالى { ~~ليدخل الله فى رحمته } متعلق بما يدل عليه الجواب ~~المحذوف كأنه قيل عقيبه لكن كفها عنهم ليدخل بذلك الكف ~~المؤدي إلى الفتح بلا محذور في رحمته الواسعة بقسميها. { من ~~يشآء } وهم المؤمنون فإنهم كانوا خارحين من الرحمة الدنيوية ~~التي من جملتها الأمن مستضعفين تحت أيدي الكفرة، وأما الرحمة ~~الأخروية فهم وإن كانوا غير محرومين منها بالمرة لكنهم كانوا ~~قاصرين في إقامة مراسم العبادة كما ينبغي فتوفيقهم لإقامتها على ~~الوجه الأتم إدخال لهم في الرحمة الأخروية وقد جوز أن يكون ~~من يشاء عبارة عمن رغب في الإسلام من المشركين ويأباه قوله ~~تعالى { لو تزيلوا } الخ فإن فرض التنزيل وترتيب التعذيب ~~عليه يقتضي تحقق المباينة بين الفريقين بالإيمان والكفر قبل ~~التزيل حتما أي لو تفرقوا وتميز بعضهم من بعض. وقرىء لو ~~تزايلوا { لعذبنا الذين كفروا منهم عذابا أليما ~~} بقتل مقاتلتهم وسبي ذراريهم. والجملة مستأنفة مقررة لما ~~قبلها. ### || [48.26] # { إذ جعل الذين كفروا } منصوب باذكر على المفعولية، أو ~~بعذبنا على الظرفية، وقيل: بمضمر هو أحسن الله إليكم وأيا ما كان ~~فوضع الموصول موضع ضميرهم لذمهم بما في حيز الصلة وتعليل الحكم ~~به. والجعل إما بمعنى الإلقاء فقوله تعالى: { فى قلوبهم ~~الحمية } أي الأنفة والتكبر متعلق به أو بمعنى التصيير فهو ~~متعلق بمحذوف هو مفعول ثان له أي جعلوها ثابتة راسخة في قلوبهم { ~~حمية الجهلية } بدل من الحمية أي حمية الملة ~~الجاهلية أو الحمية الناشئة من الجاهلية. وقوله تعالى: { فأنزل ~~الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين } على ~~الأول عطف على جعل والمراد تذكير حسن صنيع الرسول صلى الله عليه ~~وسلم والمؤمنين بتوفيق الله تعالى وسوء صنيع الكفرة وعلى الثاني ~~على ما يدل عليه الجملة الامتناعية كأنه قيل: لم يتزيلوا فلم ~~نعذب فأنزل إلخ. وعلى الثالث على المضمر تفسير له. والسكينة ~~الثبات والوقار. يروى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما نزل ~~الحديبية بعثت قريش سهيل بن عمرو القرشي وحويطب بن عبد ~~العزى ومكرز بن حفص ms3042 بن الأحنف على أن يعرضوا على النبي صلى ~~الله عليه وسلم أن يرجع من عامه ذلك على أن تخلي له قريش مكة من ~~العام القابل ثلاثة أيام ففعل ذلك وكتبوا بينهم كتابا فقال ~~عليه الصلاة والسلام لعلي رضي الله عنه " اكتب بسم الله ~~الرحمن الرحيم " فقالوا ما نعرف ما هذا اكتب باسمك اللهم ~~ثم قال " اكتب هذا ما صالح عليه رسول الله أهل مكة فقالوا لو ~~كنا نعلم أنك رسول الله ما صددناك عن البيت وما قاتلناك ~~اكتب هذا ما صالح عليه محمد بن عبد الله أهل مكة " فقالوا لو ~~كنا نعلم أنك رسول الله ما صددناك عن البيت وما قاتلناك اكتب ~~هذا ما صالح عليه محمد بن عبد الله أهل مكة فقال صلى الله عليه ~~وسلم اكتب ما يريدون فهم المؤمنون أن يأبوا ذلك ويبطشوا بهم ~~فأنزل الله السكينة عليهم فتوقروا وحلموا. { وألزمهم ~~كلمة التقوى } أي كلمة الشهادة، أو بسم الله الرحمن ~~الرحيم، أو محمد رسول الله وقيل: كلمة التقوى هي الوفاء ~~بالعهد والثبات عليه وإضافتها إلى التقوى لأنها سبب التقوى ~~وأساسها أو كلمة أهلها. { وكانوا أحق بها } متصفين بمزيد ~~استحقاق لها على أن صيغة التفصيل للزيادة مطلقا، وقيل أحق ~~بها من الكفار { وأهلها } أي المستأهل لها { وكان الله ~~بكل شىء عليما } فيعلم حق كل شيء فيسوقه إلى مستحقه. ### || [48.27-28] # { لقد صدق الله رسوله الرؤيا } رأى رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم قبل خروجه إلى الحديبية كأنه وأصحابه قد دخلوا ~~مكة آمنين وقد حلقوا رؤوسهم وقصروا فقص الرؤيا على أصحابه ~~ففرحوا واستبشروا وحسبوا أنهم داخلوها في عامهم فلما تأخر ذلك ~~قال عبد الله بن أبي وعبد الله بن نفيل ورفاعة بن ~~الحارث والله ما حلقنا ولا قصرنا ولا رأينا المسجد الحرام فنزلت ~~أي صدقه صلى الله عليه وسلم في رؤياه كما في قولهم صدقني سن ~~بكره وتحقيقه أراه الرؤيا الصادقة. وقوله تعالى: { بالحق } ~~إما صفة لمصدر مؤكد محذوف أي صدقا ملتبسا بالحق أي بالغرض ~~الصحيح والحكمة البالغة التي هي ms3043 التمييز بين الراسخ في الإيمان ~~والمتزلزل فيه، أو حال من الرؤيا أي ملتبسة بالحق ليست من قبيل ~~أضغاث الأحلام وقد جوز أن يكون قسما بالحق الذي هو من أسماء ~~الله تعالى أو بنقيض الباطل. وقوله تعالى: { لتدخلن ~~المسجد الحرام } جوابه وهو على الأولين جواب قسم محذوف ~~أي والله لتدخلن إلخ. وقوله تعالى: { إن شاء الله } تعليق ~~للعدة بالمشيئة لتعليم العباد للإشعار بأن بعضهم لا يدخلونه ~~لموت أو غيبة أو غير ذلك أو هي حكاية لما قاله ملك الرؤيا ~~لرسول الله صلى الله عليه وسلم أو لما قاله عليه الصلاة والسلام ~~لأصحابه { ءامنين } حال من فاعل لتدخلن والشرط معترض وكذا ~~قوله تعالى: { محلقين رءوسكم ومقصرين } أي محلقا ~~بعضكم ومقصرا آخرون، وقيل: محلقين حال من ضمير آمنين ~~فتكون متداخلة { لا تخفون } حال مؤكدة من فاعل لتدخلن أو ~~آمنين أو محلقين أو مقصرين، أو استئناف أي لا تخافون بعد ذلك ~~{ فعلم ما لم تعلموا } عطف على صدق، والمراد بعلمه ~~تعالى العلم الفعلي المتلعق بأمر حادث بعد المعطوف عليه، أي ~~فعلم عقيب ما أراه الرؤيا الصادقة ما لم تعلموا من الحكمة ~~الداعية إلى تقديم ما يشهد بالصدق علما فعليا { فجعل } لأجله ~~{ من دون ذلك } أي من دون تحقق مصداق ما أراه من دخول المسجد ~~الحرام إلخ { فتحا قريبا } وهو فتح خيبر، والمراد بجعله ~~وعده وإنجازه من غير تسويف ليستدل به على صدق الرؤيا حسبما قال ~~ولتكون آية للمؤمنين. وأما جعل ما في قوله تعالى ما لم تعلموا ~~عبارة عن الحكمة في تأخير فتح مكة إلى العام القابل كما جنح إليه ~~الجمهور فتأباه الفاء فإن علمه تعالى بذلك متقدم على إراءة الرؤيا ~~قطعا. # { هو الذي أرسل رسوله بالهدى } أي ملتبسا به أو ~~بسببه ولأجله { ودين الحق } وبدين الإسلام { ليظهره ~~على الدين كله } ليعليه على جنس الدين بجميع أفراده التي هي ~~الأديان المختلفة بنسخ ما كان حقا من بعض الأحكام المتبدلة بتبدل ~~الأعصار وإظهار بطلان ما كان باطلا أو بتسليط المسلمين على أهل ~~سائر الأديان إذ ms3044 ما من أهل دين إلا وقد قهرهم المسلمون، وفيه ~~فضل تأكيد لما وعد من الفتح وتوطين لنفوس المؤمنين على أنه سبحانه سيفتح ~~لهم من البلاد ويتيح لهم من الغلبة على الأقاليم ما يستقلون إليه ~~فتح مكة { وكفى بالله شهيدا } على أن ما وعده كائن لا ~~محالة أو على نبوته عليه الصلاة والسلام بإظهار المعجزات. ### || [48.29] # { محمد } خبر مبتدأ محذوف. وقوله تعالى { رسول الله } ~~بدل أو بيان أو نعت، أي ذلك الرسول المرسل بالهدى ودين الحق ~~محمد رسول الله، وقيل: محمد، مبتدأ، رسول الله خبره والجملة ~~مبينة للمشهود به. وقوله تعالى { والذين معه } مبتدأ ~~خبره { أشداء على الكفار رحماء بينهم } وأشداء ~~جمع شديد، ورحماء جمع رحيم، والمعنى أنهم يظهرون لمن خالف ~~دينهم الشدة والصلابة ولمن وافقهم في الدين الرحمة والرأفة، ~~كقوله تعالى: # أذلة على المؤمنين أعزة على الكفرين # [سورة المائدة، الآية 54] وقرىء أشداء ورحماء بالنصب على المدح ~~أو على الحال من المستكن في معه لوقوعه صلة فالخبر حينئذ قوله ~~تعالى { تراهم ركعا سجدا } أي تشاهدهم حال كونهم راكعين ~~ساجدين لمواظبتهم على الصلوات، وهو على الأول خبر آخر، أو ~~استئناف. وقوله تعالى: { يبتغون فضلا من الله ~~ورضوانا } أي ثوابا ورضا إما خبر آخر، أو حال من ضمير تراهم ~~أو من المستتر في ر كعا سجدا أو استئناف مبني على سؤال نشأ ~~من بيان مواظبتهم على الركوع والسجود كأنه قيل ماذا يردون ~~بذلك فقيل يبتغون فضلا من الله إلخ { سيمهم } أي سمتهم. ~~وقرىء سيماؤهم بالياء بعد الميم والمد وهما لغتان، وفيها لغة ~~ثالثة هي السيماء بالمد وهو مبتدأ خبره { فى وجوههم } أي ~~في جباههم. وقوله تعالى { من أثر السجود } حال من المستكن ~~في الجار أي من التأثير الذي يؤثره كثرة السجود وما روي عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم من قوله عليه الصلاة والسلام # " لا تقلبوا صوركم " # أي لا تسموها إنما هو فيما إذا اعتمد بجبهته على الأرض ليحدث ~~فيها تلك السمة وذلك محض رياء ونفاق والكلام فيما حدث في جبهة ~~السجاد الذي ms3045 لا يسجد إلا خالصا لوجه الله عز وجل وكان ~~الإمام زين العابدين وعلي بن عبد الله بن العباس رضي الله ~~عنهما يقال لهما ذو الثفنات لما أحدثت كثرة سجودهما في مواقعه ~~منهما أشباه ثفنات البعير قال قائلهم # ديار علي والحسين وجعفر # وحمزة والسجاد ذي الثفنات # وقيل: صفرة الوجه من خشية الله تعالى وقيل: ندى الطهور وتراب ~~الأرض، وقيل: استنارة وجوههم من طول ما صلوا بالليل قال عليه ~~الصلاة والسلام: # " من كثرت صلاته بالليل حسن وجهه بالنهار " # وقرىء من آثار السجود، ومن إثر السجود بكسر الهمزة { ذلك ~~} إشارة إلى ما ذكر من نعوتهم الجليلة وما فيه من معنى البعد مع ~~قرب العهد بالمشار إليه للإيذان بعلو شأنه وبعد منزلته في ~~الفضل وهو مبتدأ خبره قوله تعالى { مثلهم } أي وصفهم العجيب ~~الشأن الجاري في الغرابة مجرى الأمثال. وقوله تعالى { في ~~التوراة } حال من مثلهم والعامل معنى الإشارة. # وقوله تعالى { ومثلهم فى الإنجيل } عطف على مثلهم الأول ~~كأنه قيل: ذلك مثلهم في التوراة والإنجيل، وتكرير مثلهم لتأكيد ~~غرابته وزيادة تقريرها. وقوله تعالى { كزرع أخرج شطأه } ~~الخ تمثيل مستأنف أي هم كزرع أخرج فراخه وقيل: هو تفسير لذلك على ~~أنه إشارة مبهمة وقيل: خبر لقوله تعالى ومثلهم في الإنجيل على أن ~~الكلام قد تم عند قوله تعالى مثلهم في التوراة وقرىء شطأه ~~بفتحات. وقرىء شطاه بفتح الطاء وتخفيف الهمزة وشطاءه بالمد ~~وشطه بحذف الهمزة ونقل حركتها إلى ما قبلها وشطوه بقلبها واوا ~~{ فازره } فقواه من المؤازرة بمعنى المعاونة أو من الإيزار ~~وهي الإعانة وقرىء فأزره بالتخفيف وأزره بالتشديد أي شد ~~أزره. وقوله تعالى { فاستغلظ } فصار غليظا بعد ما كان ~~دقيقا { فاستوى على سوقه } فاستقام على قصبه جمع ساق ~~وقرىء سؤقه بالهمزة. # { يعجب الزراع } بقوته وكثافته وغلظه وحسن منظره وهو مثل ~~ضربه الله عز وجل لأصحابه عليه الصلاة والسلام قلوا في ~~بدء الإسلام ثم كثروا واستحكموا فترقى أمرهم يوما فيوما بحيث ~~أعجب الناس وقيل: مكتوب في الإنجيل سيخرج قوم ينبتون نبات ~~الزرع يأمرون بالمعروف وينهون ms3046 عن المنكر. وقوله تعالى: { ليغيظ ~~بهم الكفار } علة لما يعرب عنه الكلام من تشبيههم بالزرع في ~~زكائه واستحكامه أو لما بعده من قوله تعالى: { وعد الله ~~الذين ءامنوا وعملوا الصلحت منهم مغفرة ~~وأجرا عظيما } فإن الكفار إذا سمعوا بما أعد للمؤمنين في ~~الآخرة مع ما لهم في الدنيا من العزة غاظهم ذلك أشد غيظ ~~ومنهم للبيان. # عن النبي صلى الله عليه وسلم: # " من قرأ سورة الفتح فكأنما كان ممن شهد مع رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فتح مكة ". ### | [49 - سورة الحجرات] ### || [49.1] # { يأيها الذين ءامنوا } تصدير الخطاب بالنداء لتنبيه ~~المخاطبين على أن ما في حيزه أمر خطير يستدعي مزيد اعتنائهم ~~بشأنه وفرط اهتمامهم بتلقيه ومراعاته، ووصفهم بالإيمان ~~لتنشيطهم والإيذان بأنه داع إلى المحافظة عليه ووازع عن ~~الإخلال به { لا تقدموا } أي لا تفعلوا التقديم على أن ~~ترك المفعول للقصد إلى نفس الفعل من غير اعتبار تعلقه بأمر من ~~الأمور على طريقة قولهم فلان يعطي ويمنع أي يفعل الإعطاء ~~والمنع، أو لا تقدموا أمرا من الأمور على أن حذف المفعول ~~للقصد إلى تعميمه، والأول أوفى بحق المقام لإفادته النهي عن ~~التلبس بنفس الفعل الموجب لانتفائه بالكلية المستلزم لانتفاء ~~تعلقه بمفعوله بالطريق البرهاني وقد جوز أن يكون التقديم ~~بمعنى التقدم ومنه مقدمة الجيش للجماعة المتقدمة ويعضده قراءة ~~من قرأ لا تقدموا بحذف إحدى التاءين من تتقدموا من القدوم ~~وقوله تعالى: { بين يدى الله ورسوله } مستعار مما بين ~~الجهتين المسامتتين ليدي الإنسان تهجينا لما نهوا عنه، والمعنى ~~لا تقطعوا أمرا قبل أن يحكما به وقيل المراد بين يدي رسول ~~الله وذكر الله تعالى لتعظيمه والإيذان بجلالة محله عنده عز ~~وجل. قيل نزل فيما جرى بين أبي بكر وعمر رضي الله عنهما ~~لدى النبي صلى الله عليه وسلم في تأمير الأقرع بن حابس ~~أو القعقاع بن معبد { واتقوا الله } في كل ما تأتون ~~وما تذرون من الأقوال والأفعال التي من جملتها ما نحن فيه { ~~إن الله سميع } لأقوالكم { عليم } بأفعالكم فمن حقه ~~أن ms3047 يتقى ويراقب. ### || [49.2] # { يأيها الذين ءامنوا لا ترفعوا أصوتكم فوق ~~صوت النبى } شروع في النهي عن التجاوز في كيفية القول عند ~~النبي عليه الصلاة والسلام بعد النهي عن التجاوز في نفس ~~القول والفعل، وإعادة النداء مع قرب العهد به للمبالغة في ~~الإيقاظ والتنبيه والإشعار باستقلال كل من الكلامين باستدعاء ~~الاعتناء بشأنه أي لا تبلغوا بأصواتكم وراء حد يبلغه عليه ~~الصلاة والسلام بصوته وقرىء لا ترفعوا بأصواتكم على أن ~~الباء زائدة { ولا تجهروا له بالقول } إذا كلمتموه { ~~كجهر بعضكم لبعض } أي جهرا كائنا كالجهر الجاري ~~فيما بينكم بل اجعلوا صوتكم أخفض من صوته عليه الصلاة ~~والسلام وتعهدوا في مخاطبته اللين القريب من الهمس كما هو ~~الدأب عند مخاطبة المهيب المعظم وحافظوا على مراعاة أبهة ~~النبوة وجلالة مقدارها، وقيل معنى لا تجهروا له بالقول كجهر ~~بعضكم لبعض لا تقولوا له يا محمد يا أحمد وخاطبوه بالنبوة ~~قال ابن عباس، رضي الله عنهما لما نزلت هذه الآية قال أبو ~~بكر يا سول الله والله لا أكلمك إلا السرار أو أخا السرار ~~حتى ألقى الله تعالى وعن عمر رضي الله عنه أنه كان يكلمه ~~عليه الصلاة والسلام كأخي السرار لا يسمعه حتى يستفهمه ~~وكان أبو بكر رضي الله عنه إذا قدم على رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم الوفود أرسل إليهم من يعلمهم كيف يسلمون ويأمرهم ~~بالسكينة والوقار عند رسول الله صلى الله عليه وسلم وقوله تعالى: { ~~أن تحبط أعملكم } إما علة للنهي أي لا تجهروا خشية ~~أن تحبط أو كراهة أن تحبط كما في قوله تعالى: # يبين الله لكم أن تضلوا # [سورة النساء، الآية 17] أو للنهي أي لا تجهروا لأجل الحبوط ~~فإن الجهر حيث كان بصدد الأداء إلى الحبوط فكأنه فعل لأجله ~~على طريقة التمثيل كقوله تعالى: # ليكون لهم عدوا وحزنا # [سورة القصص، الآية 8] وليس المراد بما نهي عنه من الرفع ~~والجهر ما يقارنه الاستخفاف والاستهانة فإن ذلك كفر بل ما ~~يتوهم أن يؤدي إليه مما يجري بينهم في أثناء المحاورة من ~~الرفع ms3048 والجهر حسبما يعرب عنه قوله تعالى: { كجهر ~~بعضكم لبعض } خلا أن رفع الصوت فوق صوته عليه ~~الصلاة والسلام لما كان منكرا محضا لم يقيد بشيء ولا ما ~~يقع منهما في حرب أو مجادلة معاند أو إرهاب عدو أو نحو ذلك وعن ~~ابن عباس رضي الله عنهما نزلت في ثابت بن قيس بن شماس ~~وكان في أذنه وقر وكان جهوري الصوت وربما كان يكلم ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فيتأذى بصوته وعن أنس رضي الله ~~عنه # " أنه لما نزلت الآية فقد ثابت وتفقده عليه الصلاة ~~والسلام فأخبر بشأنه فدعاه فسأله فقال يا رسول الله لقد ~~أنزلت إليك هذه الآية وإني رجل جهير الصوت فأخاف أن يكون ~~عملي قد حبط فقال له عليه الصلاة والسلام " لست هناك إنك ~~تعيش بخير وتموت بخير وإنك من أهل الجنة " # وأما ما يروى عن الحسن من أنها نزلت في بعض المنافقين ~~الذين كانوا يرفعون أصواتهم فوق صوته عليه الصلاة والسلام فقد ~~قيل محمله أن نهيهم مندرج تحت نهي المؤمنين بدلالة النص { ~~وأنتم لا تشعرون } حال من فاعل تحبط أي والحال أنكم ~~لا تشعرون بحبوطها وفيه مزيد تحذير مما نهوا عنه. ### || [49.3-4] # وقوله تعالى: # { إن الذين يغضون أصوتهم عند رسول الله } الخ ~~ترغيب في الانتهاء عما نهوا عنه بعد الترهيب عن الإخلال به ~~أي يخفضونها مراعاة للأدب أو خشية من مخالفة النهي { ~~أولئك } إشارة إلى الموصول باعتبار اتصافه بما في حيز ~~الصلة، وما فيه من معنى البعد مع قرب العهد بالمشار إليه ~~لما مر مرارا من تفخيم شأنه وهو مبتدأ خبره { الذين ~~امتحن الله قلوبهم للتقوى } أي جربها للتقوى ~~ومرنها عليها أو عرفها كائنة للتقوى خالصة لها فإن ~~الامتحان سبب المعرفة، واللام صلة لمحذوف أو للفعل باعبتار ~~الأصل أو ضرب قلوبهم بضروب المحن والتكاليف الشاقة لأجل ~~التقوى فإنها لا تظهر إلا بالاصطبار عليها أو أخلصها للتقوى من ~~امتحن الذهب إذا أذابه وميز إبريزه من خبثه. وعن عمر رضي ~~الله عنه أذهب عنها الشهوات { لهم } في الآخرة ms3049 { مغفرة } ~~عظيمة لذنوبهم { وأجر عظيم } لا يقادر قدره، والجملة إما ~~خبر آخر لإن كالجملة المصدرة باسم الإشارة أو استئناف لبيان ~~جزائهم إحمادا لحالهم وتعريضا بسوء حال من ليس مثلهم { إن ~~الذين ينادونك من وراء الحجرت } أي من خارجها من ~~خلفها أو قدامها، ومن ابتدائية دالة على أن المناداة ~~نشأت من جهة الوراء وأن المنادى داخل الحجرة لوجوب اختلاف ~~المبدأ والمنتهى بحسب الجهة بخلاف ما لو قيل ينادونك وراء ~~الحجرات وقرىء الحجرات بفتح الجيم وبسكونها وثلاثتها جمع ~~حجرة وهي القطعة من الأرض المحجورة بالحائط ولذلك يقال ~~لحظيرة الإبل حجرة وهي فعلة من الحجر بمعنى مفعول ~~كالغرفة والقبضة والمراد بها حجرات أمهات المؤمنين ومناداتهم ~~من ورائها إما بأنهم أتوها حجرة حجرة فنادوه عليه الصلاة ~~والسلام من ورائها أو بأنهم تفرقوا على الحجرات متطلبين ~~له عليه الصلاة والسلام فناداه بعض من وراء هذه وبعض من وراء ~~تلك فأسند فعل الأبعاض إلى الكل وقد جوز أن يكونوا قد ~~نادوه من وراء الحجرة التي كان عليه الصلاة والسلام فيها ~~ولكنها جمعت إجلالا له عليه الصلاة والسلام وقيل إن الذي ~~ناداه عيينة بن حصن الفزاري والأقرع بن حابس وفدا ~~على رسول الله صلى الله عليه وسلم في سبعين رجلا من بني تميم ~~وقت الظهيرة وهو راقد فقالا يا محمد اخرج إلينا وإنما أسند ~~النداء إلى الكل لأنهم رضوا بذلك أو أمروا به أو لأنه ~~وجد فيما بينهم { أكثرهم لا يعقلون } إذ لو كان ~~لهم عقل لما تجاسروا على هذه المرتبة من سوء الأدب. ### || [49.5-7] # { ولو أنهم صبروا حتى تخرج إليهم } أي ولو ~~تحقق صبرهم وانتظارهم حتى تخرج إليهم فإن «أن» وإن دلت ~~بما في حيزها على المصدر لكنها تفيد بنفسها التحقق والثبوت ~~للفرق البين بين قولك بلغني قيامك وبلغني أنك قائم وحتى ~~تفيد أن الصبر ينبغي أن يكون مغيا بخروجه عليه الصلاة ~~والسلام فإنها مختصة بما هو غاية للشيء في نفسه ولذلك تقول ~~أكلت السمكة حتى رأسها ولا تقول حتى نصفها أو ثلثها بخلاف ~~إلى فإنها ms3050 عامة وفي إليهم إشعار بأنه لو خرج لا لأجلهم ~~ينبغي أن يصبروا حتى يفاتحهم بالكلام أو يتوجه إليهم { ~~لكان } أي الصبر المذكور { خيرا لهم } من الاستعجال لما ~~فيه من رعاية حسن الأدب وتعظيم الرسول الموجبين للثناء ~~والثواب والإسعاف بالمسؤول إذ روي أنهم وفدوا شافعين في أسارى ~~بني العنبر فأطلق النصف وفادى النصف { والله غفور ~~رحيم } بليغ المغفرة والرحمة واسعهما فلن يضيق ساحتهما عن ~~هؤلاء إن تابوا وأصلحوا. # { يأيها الذين ءامنوا إن جاءكم فاسق بنبإ ~~فتبينوا } أي فتعرفوا وتفحصوا (روي أنه عليه الصلاة ~~والسلام بعث الوليد بن عقبة أخا عثمان رضي الله عنه لأمه ~~مصدقا إلى بني المصطلق وكان بينه وبينهم إحنة فلما ~~سمعوا به استقبلوه فحسب أنهم مقاتلوه فرجع وقال لرسول الله صلى ~~الله عليه وسلم قد ارتدوا ومنعوا الزكاة فهم عليه الصلاة ~~والسلام بقتالهم فنزلت) وقيل: (بعث إليهم خالد بن الوليد فوجدهم ~~منادين بالصلاة متهجدين فسلموا إليه الصدقات فرجع). وفي ترتيب ~~الأمر بالتبين على فسق المخبر إشارة إلى قبول خبر الواحد ~~العدل في بعض المواد وقرىء فتثبتوا أي توقفوا إلى أن يتبين ~~لكم الحال { أن تصيببوا } حذار أن تصيبوا { قوما ~~بجهالة } ملتبسين بجهالة حالهم { فتصبحوا } بعد ظهور ~~براءتهم عما أسند إليهم { على ما فعلتم } في حقهم { ~~ندمين } مغتمين غما لازما متمنين أنه لم يقع فإن تركيب ~~هذه الأحرف الثلاثة يدور مع الدوام. # { واعلموا أن فيكم رسول الله } أن بما في حيزها ~~ساد مسد مفعولي اعلموا باعتبار ما بعده من قوله تعالى: { لو ~~يطيعكم فى كثير من الأمر لعنتم } فإنه حال من ~~أحد الضميرين في فيكم والمعنى أن فيكم رسول الله كائنا على ~~حالة يجب عليكم تغييرها أو كائنين على حالة الخ وهي أنكم ~~تريدون أن يتبع عليه الصلاة والسلام رأيكم في كثير من الحوادث ~~ولو فعل ذلك لوقعتم في الجهد والهلاك، وفيه إيذان بأن بعضهم ~~زينوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم الإيقاع ببني المصطلق تصديقا ~~لقول الوليد وأنه عليه الصلاة والسلام لم يطع أمرهم، وأما ~~صيغة المضارع فقد ms3051 قيل إنها للدلالة على أن امتناع عنتهم ~~لامتناع استمرار طاعته عليه الصلاة والسلام لهم لأن عنتهم ~~إنما يلزم من استمرار الطاعة فيما يعن لهم من الأمور إذ فيه ~~اختلال أمر الإبالة وانقلاب الرئيس مرءوسا لا من إطاعته في ~~بعض ما يرونه نادرا بل فيها استمالتهم بلا معرة، وقيل: إنها ~~للدلالة على أن امتناع عنتهم لاستمرار امتناع طاعته عليه ~~الصلاة والسلام لهم في ذلك فإن المضارع المنفي قد يدل على ~~استمرار النفي بحسب المقام كما في نظائر قوله تعالى ولا هم ~~يحزنون، والتحقيق أن الاستمرار الذي تفيده صيغة المضارع يعتبر ~~تارة بالنسبة إلى ما يتعلق بالفعل من الأمور الزمانية المتجددة ~~وذلك بأن يعتبر الاستمرار في نفس الفعل على الإبهام ثم يعتبر ~~تعلق ما يتعلق به بيانا لما فيه الاستمرار، وأخرى بالنسبة إلى ما ~~يتعلق به من نفس الزمان المتجدد وذلك إذا اعتبر تعلقه بما يتعلق ~~به أولا ثم اعتبر استمراره، فيتعين أن يكون ذلك بحسب الزمان فإن ~~أريد باستمرار الطاعة استمرارها وتجددها بحسب تجدد مواقعها ~~الكثيرة التي يفصح عنه قوله تعالى في كثير من الأمر فالحق هو ~~الأول ضرورة أن مدار امتناع العنت هو امتناع ذلك الاستمرار ~~سواء كان ذلك الامتناع بعدم وقوع الطاعة في أمر ما من تلك ~~الأمور الكثيرة أصلا أو بعدم وقوعها في كلها مع وقوعها في بعض ~~يسير منها، حتى لو لم يمتنع ذلك الاستمرار بأحد الوجهين ~~المذكورين بل وقعت الطاعة فيما ذكر من كثير من الأمر في وقت من ~~الأوقات وقع العنت قطعا وإن أريد به استمرار الطاعة الواقعة ~~في الكل وتجددها بحسب تجدد الزمان واستمراره فالحق هو الثاني، ~~فإن مناط امتناع العنت حينئذ ليس امتناع استمرار الطاعة ~~المذكورة ضرورة أنه موجب لوقوع العنت بل هو الاستمرار الزماني ~~لامتناع تلك الطاعة الواقعة في تلك الأمور الكثيرة بأحد الوجهين ~~المذكورين حتى لو لم يستمر امتناعها بأن وقعت تلك الطاعة في ~~وقت من الأوقات وقع العنت حتما واعلم أن الأحق بالاختيار ~~والأولى بالاعتبار هو الوجه الأول لأنه أوفق ms3052 بالقياس المقتضي ~~لاعتبار الامتناع واردا على الاستمرار حسب ورود كلمة لو المفيدة ~~للأول على صيغة المضارع المفيدة للثاني، على أن اعتبار الاستمرار ~~واردا على النفي على خلاف القياس بمعونة المقام، إنما يصار ~~إليه إذا تعذر الجريان على موجب القياس أو لم يكن فيه مزيد مزية ~~كما في قوله تعالى: # ولا هم يحزنون # [سورة البقرة، الآية 38] حيث حمل على استمرار نفي الحزن عنهم إذ ~~ليس في استمرار الحزن مزيد فائدة. وأما إذا انتظم الكلام مع ~~مراعاة موجب القياس حق الانتظام فالعدول عنه تمحل لا يخفى ~~وقوله تعالى: { ولكن الله حبب إليكم الإيمن } ~~الخ تجريد للخطاب وتوجيه له إلى بعضهم بطريق الاستدراك بيانا ~~لبراءتهم عن أوصاف الأولين وإحمادا لأفعالهم أي ولكنه تعالى ~~جعل الإيمان محبوبا لديكم. # { وزينه فى قلوبكم } حتى رسخ حبه فيها ولذلك أتيتم ~~بما يليق به من الأقوال والأفعال { وكره إليكم الكفر ~~والفسوق والعصيان } ولذلك اجتنبتم عما يليق بها مما ~~لا خير فيه من آثارها وأحكامها، ولما كان في التحبيب والتكريه ~~معنى إنهاء المحبة والكراهة وإيصالهما إليهم استعملا بكلمة إلى ~~وقيل هو استدراك ببيان عذر الأولين كأنه قيل لم يكن ما صدر ~~عنكم في حق بني المصطلق من خلل في عقيدتكم بل من فرط حبكم ~~للإيمان وكراهتكم للكفر والفسوق والعصيان والأول هو الأظهر لقوله ~~تعالى: { أولئك هم الرشدون } أي السالكون إلى الطريق السوي ~~الموصل إلى الحق، والالتفات إلى الغيبة كالذي في قوله تعالى: # وما ءاتيتم من زكاة تريدون وجه الله فأولئك هم المضعفون # [سورة الروم، الآية 39]. ### || [49.8-10] # { فضلا من الله ونعمة } أي وإنعاما تعليل لحبب أو ~~كره، وما بينهما اعتراض وقيل نصبهما بفعل مضمر أي جرى ذلك ~~فضلا وقيل يبتغون فضلا { والله عليم } مبالغ في العلم ~~فيعلم أحوال المؤمنين وما بينهم من التفاضل { حكيم } يفعل ~~كل ما يفعل بموجب الحكمة. { وإن طائفتان من ~~المؤمنين اقتتلوا } أي تقاتلوا والجمع باعتبار المعنى { ~~فأصلحوا بينهما } بالنصح والدعاء إلى حكم الله تعالى { ~~فإن بغت } أي تعدت { إحداهما على الأخرى } ولم ~~تتأثر بالنصيحة { فقتلوا التى ms3053 تبغى حتى تفىء } أي ~~ترجع { إلى أمر الله } إلى حكمه أو إلى ما أمر به { ~~فإن فاءت } إليه وأقلعت عن القتال حذارا من قتالكم { ~~فأصلحوا بينهما بالعدل } بفصل ما بينهما على حكم ~~الله تعالى ولا تكتفوا بمجرد متاركتهما عسى يكون بينهما قتال في ~~وقت آخر، وتقييد الإصلاح بالعدل لأنه مظنة الحيف لوقوعه بعد ~~المقاتلة وقد أكد ذلك حيث قيل: { وأقسطوا } أي واعدلوا في ~~كل ما تأتون وما تذرون { إن الله يحب المقسطين } ~~فيجازيهم أحسن الجزاء والآية نزلت في قتال حدث بين الأوس ~~والخزرج في عهده عليه الصلاة والسلام بالسعف والنعال، وفيها ~~دلالة على أن الباغي لا يخرج بالبغي عن الإيمان وأنه إذا ~~أمسك عن الحرب ترك لأنه فيء إلى أمر الله تعالى وأنه يجب ~~معاونة من بغي عليه بعد تقديم النصح والسعي في المصالحة. # { إنما المؤمنون إخوة } استئناف مقرر لما قبله من ~~الأمر بالإصلاح أي أنهم منتسبون إلى أصل واحد هو الإيمان ~~الموجب للحياة الأبدية، والفاء في قوله تعالى: { فأصلحوا ~~بين أخويكم } للإيذان بأن الأخوة الدينية موجبة للإصلاح، ~~ووضع المظهر مقام المضمر مضافا إلى المأمورين للمبالغة في ~~تأكيد وجوب الإصلاح والتحضيض عليه وتخصيص الاثنين بالذكر لإثبات ~~وجوب الإصلاح فيما فوق ذلك بطريق الأولوية لتضاعف الفتنة ~~والفساد فيه وقيل المراد بالأخوين الأوس والخزرج وقرىء بين ~~إخوتكم وإخوانكم { واتقوا الله } في كل ما تأتون وما ~~تذرون من الأمور التي من جملتها ما أمرتم به من الإصلاح { ~~لعلكم ترحمون } راجين أن ترحموا على تقواكم. ### || [49.11] # { يأيها الذين ءامنوا لا يسخر قوم } أي منكم { ~~من قوم } آخرين أيضا منكم وقوله تعالى: { عسى أن يكونوا ~~خيرا منهم } تعليل للنهي أو لموجبه أي عسى أن يكون ~~المسخور منهم خيرا عند الله تعالى من الساخرين، والقوم مختص ~~بالرجال لأنهم القوام على النساء وهو في الأصل إما جمع قائم ~~كصوم وزور في جمع صائم وزائر أو مصدر نعت به فشاع في ~~الجمع، وأما تعميمه للفريقين في مثل قوم عاد وقوم فرعون فإما ~~للتغليب أو لأنهن توابع، واختيار الجمع ms3054 لغلبة وقوع السخرية في ~~المجامع، والتنكير إما للتعميم أو للقصد إلى نهي بعضهم عن ~~سخرية بعض لما أنها مما يجري بين بعض وبعض { ولا نساء } ~~أي ولا تسخر نساء من المؤمنات { من نساء } منهن { عسى أن ~~يكن } أي المسخور منهن { خيرا منهن } أي من الساخرات ~~فإن مناط الخيرية في الفريقين ليس ما يظهر للناس من الصور ~~والأشكال ولا الأوضاع والأطوار التي عليها يدور أمر السخرية ~~غالبا بل إنما هو الأمور الكامنة في القلوب فلا يجترىء أحد على ~~استحقار أحد فلعله أجمع منه لما نيط به الخيرية عند الله ~~تعالى فيظلم نفسه بتحقير من وقره الله تعالى والاستهانة بمن ~~عظمه الله تعالى وقرىء عسوا أن يكونوا وعسين أن يكن ~~فعسى حينئذ هي ذات الخبر كما في قوله تعالى: # فهل عسيتم # [سورة محمد، الآية 22] وأما على الأول فهي التي لا خير لها { ~~ولا تلمزوا أنفسكم } أي ولا يعب بعضكم بعضا فإن ~~المؤمنين كنفس واحدة أو لا تفعلوا ما تلمزون به فإن من فعل ~~ما يستحق به اللمز فقد لمز نفسه واللمز الطعن باللسان وقرىء ~~بضم الميم { ولا تنابزوا بالألقب } أي ولا يدع ~~بعضكم بعضا بلقب السوء فإن النبز مختص به عرفا { بئس ~~الاسم الفسوق بعد الإيمان } أي بئس الذكر المرتفع ~~للمؤمنين أن يذكروا بالفسق بعد دخولهم الإيمان أو اشتهارهم به ~~فإن الاسم ههنا بمعنى الذكر من قولهم طار اسمه في الناس ~~بالكرم أو باللؤم، والمراد به إما تهجين نسبة الكفر والفسوق إلى ~~المؤمنين خصوصا إذ روي أن الآية نزلت في # " صفية بنت حيي أتت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت إن ~~النساء يقلن لي يا يهودية بنت يهوديين فقال عليه الصلاة ~~والسلام: " هلا قلت إن أبي هارون وعمي موسى وزوجي محمد " # عليهم السلام أو الدلالة على أن التنابز فسق والجمع بينه ~~وبين الإيمان قبيح { ومن لم يتب } عما نهي عنه { ~~فأولئك هم الظلمون } بوضع العصيان موضع الطاعة ~~وتعريض النفس للعذاب. ### || [49.12] # { يأيها الذين ءامنوا اجتنبوا كثيرا من الظن } ~~أي كونوا على ms3055 جانب منه، وإبهام الكثير لإيجاب الاحتياط والتأمل ~~في كل ظن ظن حتى يعلم أنه من أي قبيل، فإن من ~~الظن ما يجب اتباعه كالظن فيما لا قاطع فيه من العمليات وحسن ~~الظن بالله تعالى، ومنه ما يحرم كالظن في الإلهيات والنبوات ~~وحيث يخالفه قاطع وظن السوء بالمؤمنين، ومنه ما يباح كالظن ~~في الأمور المعاشية { إن بعض الظن إثم } تعليل للأمر ~~بالاجتناب أو لموجبه بطريق الاستئناف التحقيقي والإثم الذنب ~~الذي يستحق العقوبة عليه وهمزته منقلبة من الواو كأنه يثم ~~الأعمال أي يكسرها. { ولا تجسسوا } أي ولا تبحثوا عن عورات ~~المسلمين، تفعل من الجس لما فيه من معنى الطلب كما أن التلمس ~~بمعنى التطلب لما في اللمس من الطلب وقد جاء بمعنى الطلب في قوله ~~تعالى: # وأنا لمسنا السماء # [سورة الجن، الآية 8] وقرىء بالحاء من الحس الذي هو أثر ~~الجس وغايته ولتقاربهما يقال للمشاعر الحواس بالحاء والجيم وفي ~~الحديث: # " لا تتبعوا عورات المسلمين فإن من تتبع عورات المسلمين تتبع ~~الله عورته حتى يفضحه ولو في جوف بيته " # { ولا يغتب بعضكم بعضا } أي لا يذكر بعضكم بعضا بالسوء ~~في غيبته # " وسئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الغيبة فقال أن تذكر ~~أخاك بما يكره فإن كان فيه فقد اغتبته وإن لم يكن فيه فقد ~~بهته " # وعن ابن عباس رضي الله عنهما الغيبة إدام كلاب الناس { ~~أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا } تمثيل ~~وتصوير لما يصدر عن المغتاب من حيث صدوره عنه ومن حيث تعلقه ~~بصاحبه على أفحش وجه وأشنعه طبعا وعقلا وشرعا مع مبالغات من ~~فنون شتى الاستفهام التقريري وإسناد الفعل إلى أحد إيذانا ~~بأن أحدا من الأحدين لا يفعل ذلك وتعليق المحبة بما هو في ~~غاية الكراهة وتمثيل الاغتياب بأكل لحم الإنسان وجعل المأكول ~~أخا للآكل وميتا وإخراج تماثلها مخرج أمر بين غني عن ~~الإخبار به وقرىء ميتا بالتشديد وانتصابه على الحالية من اللحم ~~وقيل من الأخ والفاء في قوله تعالى: { فكرهتموه } لترتيب ما ~~بعدها على ما قبلها من التمثيل ms3056 كأنه قيل وحيث كان الأمر كما ~~ذكر فقد كرهتموه وقرىء كرهتموه أي جبلتم على كراهته { ~~واتقوا الله } بترك ما أمرتم باجتنابه والندم على ما صدر ~~عنكم من قبل { إن الله تواب رحيم } مبالغ في قبول ~~التوبة وإفاضة الرحمة حيث يجعل التائب كمن لم يذنب ولا يخص ~~ذلك بتائب دون تائب بل يعم الجميع وإن كثرت ذنوبهم. # " روي أن رجلين من الصحابة رضي الله عنهم بعثا سلمان إلى ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يبغي لهما إداما وكان أسامة على ~~طعامه عليه الصلاة والسلام فقال ما عندي شيء فاخبرهما سلمان ~~فقالا: لو بعثنا سلمان إلى بئر سميحة لغار ماؤها فلما راحا إلى ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لهما " ما لي أرى خضرة اللحم ~~في أفواهكما " فقالا ما تناولنا لحما فقال عليه الصلاة والسلام ~~" إنكما قد اغتبتما فنزلت ". ### || [49.13-14] # { يأيها الناس إنا خلقنكم من ذكر وأنثى } من ~~آدم وحواء أو خلقنا كل واحد منكم من أب وأم الكل سواء في ~~ذلك فلا وجه للتفاخر بالنسب وقد جوز أن يكون تأكيدا ~~للنهي السابق بتقرير الأخوة المانعة من الاغتياب { ~~وجعلنكم شعوبا وقبائل } الشعب الجمع العظيم ~~المنتسبون إلى أصل واحد وهو يجمع القبائل، والقبيلة تجمع ~~العمائر، والعمارة تجمع البطون والبطن يجمع الأفخاذ والفخذ ~~يجمع الفصائل فخزيمة شعب وكنانة قبيلة وقريش عمارة وقصي ~~بطن وهاشم فخذ والعباس فصيلة وقيل الشعوب بطون العجم والقبائل ~~بطون العرب { لتعرفوا } ليعرف بعضكم بعضا بحسب الأنساب ~~فلا يعتزى أحد إلى غير آبائه، لا لتتفاخروا بالآباء والقبائل ~~وتدعوا التفاوت والتفاضل في الأنساب وقرىء تتعارفوا على ~~الأصل ولتعارفوا بالإدغام ولتعرفوا { إن أكرمكم عند ~~الله أتقكم } تعليل للنهي عن التفاخر بالأنساب المستفاد ~~من الكلام بطريق الاستئناف التحقيقي كأنه قيل إن الأكرم ~~عنده تعالى هو الأتقى فإن فاخرتم ففاخروا بالتقوى وقرىء ~~بأن المفتوحة على حذف لام التعليل كأنه قيل لم لا نتفاخر ~~بالأنساب فقيل لأن أكرمكم عند الله أتقاكم لا أنسبكم فإن ~~مدار كمال النفوس وتفاوت الأشخاص هو التقوى فمن رام نيل ~~الدرجات ms3057 العلا فعليه التقوى قال عليه الصلاة والسلام # " من سره أن يكون أكرم الناس فليتق الله " # وقال عليه الصلاة والسلام # " يا أيها الناس إنما الناس رجلان مؤمن تقي كريم على الله ~~تعالى وفاجر شقي هين على الله تعالى " # وعن ابن عباس رضي الله عنهما كرم الدنيا الغنى وكرم الآخرة ~~التقوى { إن الله عليم } بكم وبأعمالكم { خبير } ببواطن ~~أحوالكم. # { قالت الأعراب ءامنا } نزلت في نفر من بني أسد قدموا ~~المدينة في سنة جدب فأظهروا الشهادتين وكانوا يقولون لرسول ~~الله صلى الله عليه وسلم أتيناك بالأثقال والعيال ولم نقاتلك كما ~~قاتلك بنو فلان يريدون الصدقة ويمنون عليه عليه الصلاة والسلام ~~ما فعلوا { قل } ردا لهم { لم تؤمنوا } إذ الإيمان ~~هو التصديق المقارن للثقة وطمأنينة القلب ولم يحصل لكم ذلك ~~وإلا لما مننتم علي ما ذكرتم كما ينبىء عنه آخر السورة { ~~ولكن قولوا أسلمنا } فإن الإسلام انقياد ودخول في ~~السلم وإظهار الشهادة وترك المحاربة مشعر به، وإيثار ما عليه ~~النظم الكريم على أن يقال لا تقولوا آمنا ولكن قولوا أسلمنا ~~أو لم تؤمنوا ولكن أسلمتم للاحتراز من النهي عن التلفظ ~~بالإيمان وللتفادي عن إخراج قولهم مخرج التسليم والاعتداد به ~~مع كونه تقولا محضا { ولما يدخل الإيمن فى قلوبكم ~~} حال من ضمير قولوا أي ولكن قولوا أسلمنا حال عدم مواطأة ~~قلوبكم لألسنتكم، وما في لما من معنى التوقع مشعر بأن ~~هؤلاء قد آمنوا فيما بعد { وإن تطيعوا الله ورسوله } ~~بالإخلاص وترك النفاق { لا يلتكم من أعملكم } لا ~~ينقصكم { شيئا } من أجورها من لات يليت ليتا إذا نقص ~~وقرىء لا يألتكم من الألت وهي لغة غطفان أو شيئا من ~~النقص { إن الله غفور } لما فرط من المطيعين { رحيم } ~~بالتفضيل عليهم. ### || [49.15-18] # { إنما المؤمنون الذين ءامنوا بالله ورسوله ~~ثم لم يرتابوا } لم يشكوا، من ارتاب مطاوع رابه إذا ~~أوقعه في الشك مع التهمة وفيه إشارة إلى أن فيهم ما يوجب ~~نفي الإيمان عنهم وثم للإشعار بأن اشتراط عدم الارتياب في ~~اعتبار الإيمان ليس في حال إنشائه فقط ms3058 بل وفيما يستقبل فهي ~~كما في قوله تعالى ثم استقاموا { وجهدوا بأمولهم ~~وأنفسهم فى سبيل الله } في طاعته على تكثر فنونها من ~~العبادات البدنية المحضة والمالية الصرفة والمشتملة عليهما معا ~~كالحج والجهاد { أولئك } الموصوفون بما ذكر من الأوصاف ~~الجميلة { هم الصدقون } أي الذين صدقوا في دعوى الإيمان ~~لا غيرهم. روي أنه لما نزلت الآية جاءوا وحلفوا أنهم مؤمنون ~~صادقون فنزل لتكذيبهم قوله تعالى: { قل أتعلمون الله ~~بدينكم } أي أتخبرونه بذلك بقولكم آمنا والتعبير عنه ~~بالتعليم لغاية تشنيعهم { والله يعلم ما فى السموات ~~وما فى الأرض } حال من مفعول تعلمون مؤكدة لتشنيعهم، وقوله ~~تعالى: { والله بكل شيء عليم } تذييل مقرر لما قبله ~~أي مبالغ في العلم بجميع الأشياء التي من جملتها ما أخفوه من ~~الكفر عند إظهارهم الإيمان وفيه مزيد تجهيل وتوبيخ لهم { ~~يمنون عليك أن أسلموا } أي يعدون إسلامهم منة ~~عليك وهي النعمة التي لا يطلب موليها ثوابا ممن أنعم بها ~~عليه من المن بمعنى القطع لأن المقصود بها قطع حاجته وقيل ~~النعمة الثقيلة من المن { قل لا تمنوا على ~~إسلمكم } أي لا تعدوا إسلامكم منة علي أو لا تمنوا ~~علي بإسلامكم فنصب بنزع الخافض { بل الله يمن عليكم ~~أن هداكم للايمن } على ما زعمتم مع أن الهداية لا ~~تستلزم الاهتداء وقرىء إن هداكم وإذ هداكم { إن كنتم ~~صدقين } في ادعاء الإيمان وجوابه محذوف يدل عليه ما قبله ~~أي فلله المنة عليكم، وفي سياق النظم الكريم من اللطف ما لا ~~يخفى فإنهم لما سموا ما صدر عنهم إيمانا ومنوا به فنفي ~~كونه إيمانا وسمي إسلاما قيل يمنون عليك بما هو في الحقيقة ~~إسلام وليس بجدير بالمن بل لو صح ادعاؤهم للإيمان فلله المنة ~~عليهم بالهداية إليه لا لهم. { إن الله يعلم غيب ~~السموات والأرض } أي ما غاب فيهما { والله بصير ~~بما تعملون } في سركم وعلانيتكم فكيف يخفى عليه ما في ~~ضمائركم وقرىء بالياء. # عن النبي صلى الله عليه وسلم # " من قرأ سورة الحجرات أعطي من الأجر بعدد من أطاع الله ms3059 ~~وعصاه ". ### | [50 - سورة ق] ### || [50.1-3] # مكية، وهي خمس وأربعون آية # { ق والقرءان المجيد } أي ذي المجد والشرف على سائر ~~الكتب أو لأنه كلام المجيد أو لأن من علم معانيه وعمل بما ~~فيه مجد عند الله تعالى وعند الناس والكلام فيه كالذي ~~فصل في مطلع سورة ص وقوله تعالى: { بل عجبوا أن جاءهم ~~منذر منهم } أي لأن جاءهم منذر من جنسهم لا من جنس ~~الملك أو من جلدتهم، إضراب عما ينبىء عنه جواب القسم ~~المحذوف كأنه قيل والقرآن المجيد أنزلناه إليك لتنذر به الناس ~~حسبما ورد في صدر سورة الأعراف كأنه قيل بعد ذلك لم يؤمنوا به ~~بل جعلوا كلا من المنذر والمنذر به عرضة للنكير والتعجيب مع ~~كونهما أوفق شيء لقضية العقول وأقربه إلى التلقي بالقبول، ~~وقيل التقدير والقرآن المجيد إنك لمنذر ثم قيل بعده إنهم ~~شكوا فيه ثم أضرب عنه وقيل بل عجبوا أي لم يكتفوا بالشك ~~والرد بل جزموا بالخلاف حتى جعلوا ذلك من الأمور العجيبة ~~وقيل هو إضراب عما يفهم من وصف القرآن بالمجيد كأنه قيل ~~ليس سبب امتناعهم من الإيمان بالقرآن أنه لا مجد له ولكن ~~لجهلهم { فقال الكفرون هذا شىء عجيب } تفسير ~~لتعجبهم وبيان لكونه مقارنا لغاية الإنكار مع زيادة تفصيل ~~لمحل التعجب، وهذا إشارة إلى كونه عليه الصلاة والسلام منذرا ~~بالقرآن وإضمارهم أولا للإشعار بتبعيتهم بما أسند إليهم وإظهارهم ~~ثانيا للتسجيل عليهم بالكفر بموجبه أو عطف لتعجبهم من البعث على ~~تعجبهم من البعثة على أن هذا إشارة إلى مبهم يفسره ما بعده من ~~الجملة الإنكارية، ووضع المظهر موضع المضمر إما لسبق اتصافهم ~~بما يوجب كفرهم وإما للإيذان بأن تعجبهم من البعث لدلالته ~~على استقصارهم لقدرة الله سبحانه عنه مع معاينتهم لقدرته تعالى ~~على ما هو أشق منه في قياس العقل من مصنوعاته البديعة أشنع من ~~الأول وأعرق في كونه كفرا. # { أءذا متنا وكنا ترابا } تقرير للتعجب وتأكيد للإنكار ~~والعامل في إذا مضمر غني عن البيان لغاية شهرته مع دلالة ما ~~بعده عليه أي أحين ms3060 نموت ونصير ترابا نرجع كما ينطق به النذير ~~والمنذر به مع كمال التباين بيننا وبين الحياة حينئذ وقرىء ~~إذا متنا على لفظ الخبر أو على حذف أداة الإنكار { ذلك } ~~إشارة إلى محل النزاع { رجع بعيد } أي عن الأوهام أو ~~العادة أو الإمكان وقيل الرجع بمعنى المرجوع الذي هو الجواب ~~فناصب الظرف حينئذ ما ينبىء عنه المنذر من البعث. ### || [50.4-8] # { قد علمنا ما تنقص الأرض منهم } رد لاستبعادهم ~~وإزاحة له فإن من عم علمه ولطف حتى انتهى إلى حيث علم ما ~~تنقص الأرض من أجساد الموتى وتأكل من لحومهم وعظامهم كيف يستبعد ~~رجعه إياهم أحياء كما كانوا. عن النبي صلى الله عليه وسلم # " كل ابن آدم يبلى إلا عجب الذنب " # وقيل ما تنقص الأرض منهم ما يموت فيدفن في الأرض منهم { ~~وعندنا كتب حفيظ } حافظ لتفاصيل الأشياء كلها أو ~~محفوظ من التغير، والمراد إما تمثيل علمه تعالى بكليات الأشياء ~~وجزئياتها بعلم من عنده كتاب محيط يتلقى منه كل شيء أو ~~تأكيد لعلمه تعالى بها بثبوتها في اللوح المحفوط عنده { بل ~~كذبوا بالحق } إضراب وانتقال من بيان شناعتهم السابقة ~~إلى بيان ما هو أشنع منه وأفظع وهو تكذيبهم للنبوة الثابتة ~~بالمعجزات الباهرة { لما جاءهم } من غير تأمل وتفكر، ~~وقرىء لما جاءهم بالكسر على أن اللام للتوقيت أي وقت مجيئه ~~إياهم وقيل الحق القرآن أو الإخبار بالبعث { فهم فى أمر ~~مريج } أي مضطرب لاقرار له، من مرج الخاتم في أصبعه حيث ~~يقولون تارة إنه شاعر وتارة ساحر وأخرى كاهن { أفلم ~~ينظروا } أي أغفلوا أو أعموا فلم ينظروا { إلى السماء ~~فوقهم } بحيث يشاهدونها كل وقت { كيف بنينها } أي ~~رفعناها بغير عمد { وزينها } بما فيها من الكواكب ~~المرتبة على نظام بديع { وما لها من فروج } من فتوق ~~لملاستها وسلامتها من كل عيب وخلل، ولعل تأخير هذا لمراعاة ~~الفواصل { والأرض مددنها } أي بسطناها { وألقينا ~~فيها روسي } جبالا ثوابت من رسا الشيء إذا ثبت والتعبير ~~عنها بهذا الوصف للإيذان بأن إلقاءها بإرساء الأرض بها { ~~وأنبتنا فيها من ms3061 كل زوج } من كل صنف { بهيج } حسن. # { تبصرة وذكرى } علتان للأفعال المذكورة معنى وإن ~~انتصبتا بالفعل الأخير أو لفعل مقدر بطريق الاستئناف أي فعلنا ~~ما فعلنا تبصيرا وتذكيرا { لكل عبد منيب } أي راجع إلى ~~ربه منفكر في بدائع صنائعه. ### || [50.9-13] # وقوله تعالى: { ونزلنا من السماء ماء مبركا } أي ~~كثير المنافع، شروع في بيان كيفية إنبات ما ذكر من كل زوج ~~بهيج وهو عطف على أنبتنا وما بينهما على الوجه الأخير اعتراض ~~مقرر لما قبله ومنبه على ما بعده { فأنبتنا به } أي بذلك ~~الماء { جنت } كثيرة أي أشجارا ذوات ثمار { وحب ~~الحصيد } أي حب الزرع الذي شأنه أن يحصد من البر والشعير ~~وأمثالهما، وتخصيص إنبات حبه بالذكر لأنه المقصود بالذات { ~~والنخل } عطف على جنات. وتخصيصها بالذكر مع اندراجها في ~~الجنات لبيان فضلها على سائر الأشجار وتوسيط الحب بينهما ~~لتأكيد استقلالها وامتيازها عن البقية مع ما فيه من مراعاة ~~الفواصل { بسقت } أي طوالا أو حوامل من أبسقت الشاة إذا ~~حملت فيكون من باب أفعل فهو فاعل وقرىء باصقات لأجل القاف { ~~لها طلع نضيد } أي منضود بعضه فوق بعض، والمراد تراكم ~~الطلع أو كثرة ما فيه من الثمر، والجملة حال من النخل كباسقات ~~بطريق الترادف أو من ضميرها في باسقات على التداخل، أو: الحال هو ~~الجار والمجرور وطلع مرتفع به على الفاعلية وقوله تعالى: # { رزقا للعباد } أي لنرزقهم،، علة لقوله تعالى فأنبتنا ~~وفي تعليله بذلك بعد تعليل أنبتنا الأول بالتبصرة والتذكير ~~تنبيه على أن الواجب على العبد أن يكون انتفاعه بذلك من حيث ~~التذكر والاستبصار أهم وأقدم من تمتعه به من حيث الرزق، وقيل ~~رزقا مصدر من معنى أنبتنا لأن الإنبات رزق { وأحيينا ~~به } أي بذلك الماء { بلدة ميتا } أرضا جدبة لا نماء ~~فيها أصلا بأن جعلناها بحيث ربت وأنتبت أنواع النبات ~~والأزهار فصارت تهتز بها بعد ما كانت جامدة هامدة، وتذكير ميتا ~~لأن البلدة بمعنى البلد والمكان { كذلك الخروج } جملة قدم ~~فيها الخبر للقصد إلى القصر وذلك إشارة إلى الحياة المستفادة من ms3062 ~~الأحياء وما فيه من معنى البعد للإشعار ببعد رتبتها أي مثل ~~تلك الحياة البديعة حياتكم بالبعث من القبور لا شيء مخالف لها، ~~وفي التعبير عن إخراج النبات من الأرض بالإحياء وعن حياة ~~الموتى بالخروج تفخيم لشأن الإنبات وتهوين لأمر البعث وتحقيق ~~للمماثلة بين إخراج النبات وإحياء الموتى لتوضيح منهاج القياس ~~وتقريبه إلى أفهام الناس وقوله تعالى: # { كذبت قبلهم قوم نوح } إلخ استئناف وارد لتقرير ~~حقية البعث ببيان اتفاق كافة الرسل عليهم السلام عليها وتعذيب ~~منكريها { وأصحب الرس } قيل هم ممن بعث إليهم شعيب ~~عليه السلام وقيل وقيل، كما مر في سورة الفرقان على التفصيل { ~~وثمود وعاد وفرعون } أي هو وقومه ليلائم ما قبله وما ~~بعده { وإخون لوط } قيل كانوا من أصهاره عليه الصلاة ~~والسلام. ### || [50.14-17] # { وأصحب الأيكة } هم ممن بعث إليهم شعيب عليه السلام ~~غير أهل مدين { وقوم تبع } سبق شرح حالهم في سورة ~~الدخان { كل كذب الرسل } أي فيما أرسلوا به من ~~الشرائع التي من جملتها البعث الذي أجمعوا عليه قاطبة أي كل ~~قوم من الأقوام المذكورين كذبوا رسولهم أو كذب جميعهم جميع ~~الرسل بالمعنى المذكور وإفراد الضمير باعتبار لفظ الكل أو ~~كل واحد منهم كذب جميع الرسل لاتفاقهم على الدعوة إلى التوحيد ~~والإنذار بالبعث والحشر فتكذيب واحد منهم تكذيب للكل وهذا على ~~تقدير رسالة تبع ظاهر وأما على تقدير عدمها وهو الأظهر فمعنى ~~تكذيب قومه الرسل تكذيبهم بمن قبلهم من الرسل المجمعين على ~~التوحيد والبعث وإلى ذلك كان يدعوهم تبع { فحق وعيد } أي ~~فوجب وحل عليهم وعيدي وهي كلمة العذاب وفيه تسلية للرسول صلى ~~الله عليه وسلم وتهديد لهم. # { أفعيينا بالخلق الأول } استئناف مقرر لصحة البعث ~~الذي حكيت أحوال المنكرين له من الأمم المهلكة، والعي بالأمر ~~العجز عنه يقال عي بالأمر وعيي به إذا لم يهتد لوجه عمله، ~~والهمزة للإنكار والفاء للعطف على مقدر ينبىء عنه العي من ~~القصد والمباشرة كأنه قيل أقصدنا الخلق الأول فعجزنا عنه ~~حتى يتوهم عجزنا عن الإعادة { بل هم فى لبس من خلق ms3063 ~~جديد } عطف على مقدر يدل عليه ما قبله كأنه قيل هم غير ~~منكرين لقدرتنا على الخلق الأول بل هم في خلط وشبهة في خلق ~~مستأنف لما فيه من مخالفة العادة وتنكير خلق لتفخيم شأنه ~~والإشعار بخروجه عن حدود العادات والإيذان بأنه حقيق بأن يبحث ~~عنه ويهتم بمعرفته. # { ولقد خلقنا الإنسن ونعلم ما توسوس به ~~نفسه } أي ما تحدثه به نفسه وهو ما يخطر بالبال، والوسوسة ~~الصوت الخفي، ومنه وسواس الحلي والضمير لما إن جعلت ~~موصولة والباء كما في صوت بكذا أو للإنسان إن جعلت مصدرية ~~والباء للتعدية { ونحن أقرب إليه من حبل الوريد } ~~أي أعلم بحاله ممن كان أقرب إليه من حبل الوريد، عبر عن قرب ~~العلم بقرب الذات تجوزا لأنه موجب له وحبل الوريد مثل في ~~فرط القرب، والحبل العرق وإضافته بيانية والوريدان عرقان ~~مكتنفان بصفحتي العنق في مقدمها متصلان بالوتين يردان من الرأس ~~إليه وقيل سمي وريدا لأن الروح ترده { إذ يتلقى ~~المتلقيان } منصوب بما في أقرب من معنى الفعل والمعنى ~~أنه لطيف يتوصل علمه إلى ما لا شيء أخفى منه وهو أقرب من ~~الإنسان من كل قريب حين يتلقى ويتلقن الحفيظان ما يتلفظ به ~~وفيه إيذان بأنه تعالى غني عن استحفاظهما لإحاطة علمه بما ~~يخفى عليهما وإنما ذلك لما في كتبتهما وحفظهما لأعمال العبد ~~وعرض صحائفهما يوم يقوم الأشهاد وعلم العبد بذلك مع علمه ~~بإحاطته تعالى بتفاصيل أحواله خبرا من زيادة لطف له في الكف ~~عن السيئات والرغبة في الحسنات، وعنه عليه الصلاة والسلام # " إن مقعد ملكيك على ثنيتيك ولسانك قلمهما وريقك مدادهما ~~وأنت تجري فيما لا يعنيك لا تستحي من الله ولا منهما " # وقد جوز أن يكون تلقي الملكين بيانا للقرب على معنى ~~إنا أقرب إليه مطلعون على أعماله لأن حفظتنا وكتبتنا موكلون ~~به { عن اليمين وعن الشمال قعيد } أي عن اليمين قعيد ~~وعن الشمال قعيد أي مقاعد كالجليس بمعنى المجالس لفظا ومعنى ~~فحذف الأول لدلالة الثاني عليه كما في قول من قال # رماني بأمر كنت ms3064 منه ووالدي # بريئا، ومن أجل الطوي رماني # وقيل: يطلق الفعيل على الواحد والمتعدد كما في قوله تعالى: # والملئكة بعد ذلك ظهير # [سورة التحريم، الآية 4] ### || [50.18-19] # { ما يلفظ من قول } ما يرمي به من فيه من خير أو شر ~~وقرىء ما يلفظ على البناء للمفعول { إلا لديه رقيب } ~~ملك يرقب قوله ويكتبه فإن كان خيرا فهو صاحب اليمين بعينه ~~وإلا فهو صاحب الشمال ووجه تغيير العنوان غني عن ~~البيان والإفراد مع وقوفهما معا على ما صدر عنه لما أن ~~كلا منهما رقيب لما فوض إليه لا لما فوض إلى صاحبه كما ينبىء ~~عنه قوله تعالى: { عتيد } أي معد مهيأ لكتابة ما أمر به من ~~الخير أو الشر ومن لم يتنبه له توهم أن معناه رقيبان عتيدان ~~وتخصيص القول بالذكر لإثبات الحكم في الفعل بدلالة النص واختلف ~~فيما يكتبانه فقيل يكتبان كل شيء حتى أنينه في مرضه وقيل ~~إنما يكتبان ما فيه أجر أو وزر وهو الأظهر كما ينبىء عنه قوله ~~صلى الله عليه وسلم: # " كاتب الحسنات على يمين الرجل وكاتب السيئات على يساره وكاتب ~~الحسنات أمير على كاتب السيئات فإذا عمل حسنة كتبها ملك اليمين ~~عشرا وإذا عمل سيئة قال صاحب اليمين لصاحب الشمال دعه سبع ~~ساعات لعله يسبح أو يستغفر " # { وجاءت سكرة الموت بالحق } بعد ما ذكر استبعادهم ~~للبعث والجزاء وأزيح ذلك بتحقيق قدرته تعالى وعلمه وبين أن ~~جميع أعمالهم محفوظة مكتوبة عليهم أتبع ذلك ببيان ما يلاقونه ~~لا محالة من الموت والبعث وما يتفرع عليه من الأحوال والأهوال ~~وقد عبر عن وقوع كل منها بصيغة الماضي إيذانا بتحققها وغاية ~~اقترابها، وسكرة الموت شدته الذاهبة بالعقل والباء إما ~~للتعدية كما في قولك جاء الرسول بالخبر والمعنى أحضرت سكرة ~~الموت حقيقة الأمر والذي نطقت به كتب الله ورسله أو حقيقة ~~الأمر وجلية الحال من سعادة الميت وشقاوته، وقيل الحق الذي لا ~~بد أن يكون لا محالة من الموت أو الجزاء فإن الإنسان خلق ~~له وإما للملابسة كالتي في قوله تعالى: # تنبت ms3065 بالدهن # [سورة المؤمنون، الآية 20] أي ملتبسة بالحق أي بحقيقة الأمر أو ~~بالحكمة والغاية الجميلة وقرىء سكرة الحق بالموت والمعنى ~~أنها السكرة التي كتبت على الإنسان بموجب الحكمة وأنها ~~لشدتها توجب زهوق الروح أو تستعقبه وقيل الباء بمعنى مع ~~وقيل سكرة الحق سكرة الله تعالى على أن الإضافة للتهويل ~~وقرىء سكرات الموت { ذلك } أي الموت { ما كنت منه ~~تحيد } أي تميل وتنفر عنه والخطاب للإنسان فإن النفرة ~~عنه شاملة لكل فرد من أفراده طبعا. ### || [50.20-24] # { ونفخ فى الصور } هي النفخة الثانية { ذلك } أي وقت ~~ذلك النفخ على حذف المضاف { يوم الوعيد } أي يوم إنجاز ~~الوعيد الواقع في الدنيا أي يوم وقوع الوعيد على أنه عبارة عن ~~العذاب الموعود وقيل ذلك إشارة إلى الزمان المفهوم من نفخ ~~فإن الفعل كما يدل على الحدث يدل على الزمان وتخصيص الوعيد ~~بالذكر مع أنه يوم الوعد أيضا لتهويله ولذلك بدىء ببيان حال ~~الكفرة. # { وجاءت كل نفس } من النفوس البرة والفاجرة { معها ~~سائق وشهيد } وإن اختلفت كيفية السوق والشهادة حسب ~~اختلاف النفوس عملا أي معها ملكان أحدهما يسوقها إلى المحشر ~~والآخر يشهد بعملها أو ملك جامع بين الوصفين كأنه قيل معها ~~ملك يسوقها ويشهد عليها وقيل السائق كاتب السيئات والشهيد كاتب ~~الحسنات وقيل السائق نفسه أو قرينه والشهيد جوارحه أو أعماله ~~ومحل معها النصب على الحالية من كل لإضافته إلى ما هو في ~~حكم المعرفة كأنه قيل كل النفوس أو الجر على أنه وصف ~~لنفس أو الرفع على أنه وصف لكل وقوله تعالى: # { لقد كنت فى غفلة من هذا } محكي بإضمار قول هو ~~إما صفة أخرى لنفس أو حال أخرى منها أو استئناف منبي على سؤال ~~نشأ مما قبله كأنه قيل فماذا يفعل بها فقيل يقال لقد كنت في ~~غفلة إلخ، وخطاب الكل بذلك لما أنه ما من أحد إلا وله غفلة ~~ما عن الآخرة، وقيل الخطاب للكافر وقرىء كنت بكسر التاء على ~~اعتبار تأنيث النفس والتذكير على القراءة المشهورة بتأويل الشخص ~~كما في قول جبلة ms3066 بن حريث: # يا نفس إنك باللذات مسرور # فاذكر فهل ينفعنك اليوم تذكير # { فكشفنا عنك غطاءك } الغطاء: الحجاب المغطي لأمور ~~المعاد وهو الغفلة والإنهماك في المحسوسات والألف بها وقصر النظر ~~عليها { فبصرك اليوم حديد } نافذ لزوال المانع للإبصار ~~وقرىء بكسر الكاف في المواضع الثلاثة { وقال قرينه } أي ~~الشيطان المقيض له مشيرا إليه { هذا ما لدى عتيد } ~~أي هذا ما عندي وفي ملكتي عتيد لجهنم قد هيأته لها بإغوائي ~~وإضلالي وقيل قال الملك الموكل به مشيرا إلى ما معه من ~~كتاب عمله هذا مكتوب عندي عتيد مهيأ للعرض، وما إن جعلت موصوفة ~~فعتيد صفتها وإن جعلت موصولة فهي بدل منها أو خبر بعد خبر أو خبر ~~لمبتدأ محذوف { ألقيا فى جهنم كل كفار } خطاب من ~~الله تعالى للسائق والشهيد أو للملكين من خزنة النار أو لواحد ~~على تنزيل تثنية الفاعل منزلة تثنية الفعل وتكريره كقول من ~~قال: # فإن تزجراني يا ابن عفان أنزجر # وإن تدعاني أحم عرضا ممنعا # أو على أن الألف بدل من نون التأكيد على إجراء الوصل مجرى ~~الوقف ويؤيده أنه قرىء ألقين بالنون الخفيفة { عنيد } ~~معاند للحق. ### || [50.25-29] # { مناع للخير } كثير المنع للمال عن حقوقه المفروضة ~~وقيل: المراد بالخير الإسلام فإن الآية نزلت في الوليد بن ~~المغيرة لما منع بني أخيه منه { معتد } ظالم متخط للحق { ~~مريب } شاك في الله وفي دينه { الذى جعل مع الله ~~إلها ءاخر } مبتدأ متضمن لمعنى الشرط خبره { فألقيه ~~فى العذاب الشديد } أو بدل من كل كفار، وقوله تعالى: { ~~فألقيه } تكرير للتوكيد أو مفعول لمضمر يفسره فألقياه. { ~~قال قرينه } أي الشيطان المقيض له وإنما استؤنف استئناف ~~الجمل الواقعة في حكاية المقاولة لما أنه جواب لمحذوف دل عليه ~~قوله تعالى { ربنا ما أطغيته } فإنه منبىء عن سابقة ~~كلام اعتذر به الكافر كأنه قال هو أطغاني فأجاب قرينه ~~بتكذيبه، وإسناد الطغيان إليه بخلاف الجملة الأولى فإنها واجبة ~~العطف على ما قبلها دلالة على أن الجمع بين مفهوميهما في ~~الحصول أعني مجيء كل نفس مع الملكين وقول ms3067 قرينه { ولكن ~~كان } هو بالذات { فى ضلل بعيد } من الحق فأعنته عليه ~~بالإغواء والدعوة إليه من غير قسر وإلجاء كما في قوله تعالى: # وما كان لى عليكم من سلطن إلا أن دعوتكم ~~فاستجبتم لى # [سورة إبراهيم، الآية 22]. # { قال } استئناف مبني على سؤال نشأ مما قبله كأنه قيل: ~~فماذا قال الله تعالى فقيل قال { لا تختصموا لدى } أي ~~في موقف الحساب والجزاء إذ لا فائدة في ذلك { وقد قدمت ~~إليكم بالوعيد } على الطغيان في دار الكسب في كتبي وعلى ~~ألسنة رسلي فلا تطمعوا في الخلاص عنه بما أنتم فيه من التعلل ~~بالمعاذير الباطلة، والجملة حال فيها تعليل للنهي على معنى ~~لا تختصموا وقد صح عندكم أني قدمت إليكم بالوعيد حيث قلت ~~لإبليس: # لأملأن جهنم منك وممن تبعك منهم أجمعين # [سورة ص، الآية 85] فاتبعتموه معرضين عن الحق فلا وجه للاختصام ~~في هذا الوقت، والباء مزيدة أو متعدية على أن قدم بمعنى ~~تقدم وقد جوز أن يكون قدمت واقعا على قوله تعالى: { ما ~~يبدل القول لدى } الخ ويكون بالوعيد متعلقا بمحذوف هو ~~حال من المفعول أو الفاعل أي وقد قدمت إليكم هذا القول ~~ملتبسا بالوعيد مقترنا به أو قدمته إليكم موعدا لكم به فلا ~~تطمعوا أن أبدل وعيدي، والعفو عن بعض المذنبين لأسباب داعية ~~إليه ليس بتبديل فإن دلائل العفو تدل على تخصيص الوعيد وقوله ~~تعالى: { وما أنا بظلم للعبيد } وارد لتحقيق الحق ~~على الوجه الكلي وتبيين أن عدم تبديل القول وتحقيق موجب ~~الوعيد ليس من جهته تعالى من غير استحقاق له منهم بل إنما ~~ذلك بما صدر عنهم من الجنايات الموجبة له حسبما أشير إليه ~~آنفا أي وما أنا بمعذب للعبيد بغير ذنب من قبلهم والتعبير ~~عنه بالظلم مع أن تعذيبهم بغير ذنب ليس بظلم على ما تقرر ~~من قاعدة أهل السنة فضلا عن كونه ظلما مفرطا لبيان كمال ~~نزاهته تعالى عن ذلك بتصويره بصورة ما يستحيل صدوره عنه ~~سبحانه من الظلم وصيغة المبالغة لتأكيد هذا المعنى بإبراز ما ~~ذكر من التعذيب ms3068 بغير ذنب في معرض المبالغة في الظلم وقيل: هي ~~لرعاية جمعية العبيد من قولهم فلان ظالم لعبده وظلام لعبيده ~~على أنها مبالغة كما لا كيفا. ### || [50.30-32] # { يوم نقول لجهنم هل امتلات وتقول هل من ~~مزيد } سؤال وجواب جيء بهما على منهاج التمثيل والتخييل ~~لتهويل أمرها والمعنى أنها مع اتساعها وتباعد أقطارها تطرح ~~فيها من الجنة والناس فوجا بعد فوج حتى تمتلىء أو أنها من ~~السعة بحيث يدخلها من يدخلها وفيها بعد محل فارغ، أو أنها لغيظها على ~~العصاة نطلب زيادتهم وقرىء يقول بالياء، والمزيد إما مصدر ~~كالمحيد والمجيد أو مفعول كالمبيع ويوم إما منصوب باذكر أو ~~أنذر أو ظرف لنفخ فيكون ذلك حينئذ إشارة إليه من غير ~~حاجة إلى تقدير مضاف أو لمقدر مؤخر أي يكون من الأحوال ~~والأهوال ما يقصر عنه المقال { وأزلفت الجنة ~~للمتقين } شروع في بيان حال المؤمنين بعد النفخ ومجيء ~~النفوس إلى موقف الحساب، وقد مر سر تقديم بيان حال الكفرة ~~عليه وهو عطف على نفخ أي قربت للمتقين عن الكفر والمعاصي ~~بحيث يشاهدونها من الموقف ويقفون على ما فيها من فنون المحاسن ~~فيبتهجون بأنهم محشورون إليها فائزون بها وقوله تعالى { غير ~~بعيد } تأكيد للإزلاف أي مكانا غير بعيد بحيث يشاهدونها أو ~~حال كونها غير بعيد أي شيئا غير بعيد ويجوز أن يكون التذكير ~~لكونه على زنة المصدر الذي يستوي في الوصف به المذكر والمؤنث أو ~~لتأويل الجنة بالبستان. # { هذا ما توعدون } إشارة إلى الجنة، والتذكير لما ~~أن المشار إليه هو المسمى من غير أن يخطر بالبال لفظ ~~يدل عليه فضلا عن تذكيره وتأنيثه فإنهما من أحكام اللفظ ~~العربي كما مر في قوله تعالى: # فلما رأى الشمس بازغة قال هذا ربى # [سورة الأنعام، الآية 78] وقوله تعالى: # ولما رأى المؤمنون الأحزاب قالوا هذا ما ~~وعدنا الله ورسوله # [سورة الأحزاب، الآية 22] ويجوز أن يكون ذلك لتذكير الخبر، وقيل: ~~هو إشارة إلى الثواب وقيل: إلى مصدر أزلفت وقرىء يوعدون ~~والجملة إما اعتراض بين البدل والمبدل منه وإما مقدر بقول ms3069 ~~هو حال من المتقين أو من الجنة والعامل أزلفت أي مقولا ~~لهم أو مقولا في حقها هذا ما توعدون { لكل أواب } أي ~~رجاع إلى الله تعالى بدل من المتقين بإعادة الجار { حفيظ } ~~حافظ لتوبته من النقض وقيل: هو الذي يحفظ ذنوبه حتى يرجع ~~عنها ويستغفر منها وقيل: هو الحافظ لأوامر الله تعالى وقيل: ~~لما استودعه الله تعالى من حقوقه. ### || [50.33-36] # { من خشى الرحمن بالغيب وجاء بقلب منيب } ~~بدل بعد بدل أو بدل من موصوف أواب ولا يجوز أن يكون في ~~حكمه لأن (من) لا يوصف به ولا يوصف إلا بالذي أو مبتدأ ~~خبره { ادخلوها } بتأويل يقال لهم ادخلوها والجمع ~~باعتبار معنى من وقوله تعالى بالغيب متعلق بمحذوف هو حال من ~~فاعل خشي أو مفعوله، أو صفة لمصدره أي خشية ملتبسة بالغيب حيث ~~خشي عقابه وهو غائب عنه أو هو غائب عن الأعين لا يراه أحد، ~~والتعرض لعنوان الرحمانية للإشارة بأنهم مع خشيتهم عقابه ~~راجون رحمته أو بأن علمهم بسعة رحمته تعالى لا يصدهم عن ~~خشيته تعالى وأنهم عاملون بموجب قوله تعالى: # نبىء عبادى أني أنا الغفور الرحيم * وأن عذابى ~~هو العذاب الأليم # [سورة الحجر، الآية 49] ووصف القلب بالإنابة لما أن العبرة برجوعه إلى ~~الله تعالى { بسلام } متعلق بمحذوف هو حال من فاعل ادخلوها أي ~~ملتبسين بسلامة من العذاب وزوال النعم أو بسلام من جهة الله ~~تعالى وملائكته { ذلك } إشارة إلى الزمان الممتد الذي وقع في ~~بعض منه ما ذكر من الأمور { يوم الخلود } إذ لا انتهاء ~~له أبدا. # { لهم ما يشاءون } من فنون المطالب كائنا ما كان { فيها ~~} متعلق بيشاءون وقيل: بمحذوف هو حال من الموصول أو من ~~عائده المحذوف من صلته { ولدينا مزيد } هو ما لا يخطر ~~ببالهم ولا يندرج تحت مشيئتهم من معالي الكرامات التي لا عين ~~رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر وقيل: إن السحابة تمر ~~بأهل الجنة فتمطرهم الحور فتقول نحن المزيد الذي قال تعالى ~~ولدينا مزيد { وكم أهلكنا قبلهم } أي قبل قومك ms3070 { من ~~قرن هم أشد منهم بطشا } أي قوة كعاد وأضرابها { ~~فنقبوا فى البلد } أي خرقوا فيها ودوخوا وتصرفوا في ~~أقطارها أو جالوا في أكناف الأرض كل مجال حذار الموت، وأصل ~~التنقيب والنقب التنقير عن الأمر والبحث والطلب والفاء للدلالة ~~على أن شدة بطشهم أقدرتهم على التنقيب قيل: هي عاطفة في ~~المعنى كأنه قيل: اشتد بطشهم فنقبوا الخ وقرىء بالتخفيف { ~~هل من محيص } أي هل لهم من مخلص من أمر الله تعالى ~~والجملة إما على إضمار قول هو حال من واو نقبوا أي ~~فنقبوا في البلاد قائلين هل من محيص أو على إجراء التنقيب ~~لما فيه من معنى التتبع والتفتيش مجرى القول أو هو كلام ~~مستأنف وارد لنفي أن يكون لهم محيص وقيل: ضمير نقبوا لإهل ~~مكة أي ساروا في مسايرهم وأسفارهم في بلاد القرون فهل رأوا ~~لهم محيصا حتى يؤملوا مثله لأنفسهم ويعضده القراءة على ~~صيغة الأمر وقرىء، فنقبوا بكسر القاف من النقب وهو أن ~~ينتقب خف البعير أي أكثروا السير حتى نقبت أقدامهم أو ~~أخفاف إبلهم. ### || [50.37-41] # { إن فى ذلك } أي فيما ذكر من قصتهم وقيل: فيما ذكر في ~~السورة { لذكرى } لتذكرة وعظة { لمن كان له قلب } أي ~~قلب سليم يدرك به كنه ما يشاهده من الأمور ويتفكر فيها كما ~~ينبغي فإن من كان له ذلك يعلم أن مدار دمارهم هو الكفر ~~فيرتدع عنه بمجرد مشاهدة الآثار من غير تذكير { أو ألقى ~~السمع } أي إلى ما يتلى عليه من الوحي الناطق بما جرى ~~عليهم فإن من فعله يقف على جلية الأمر فينزجر عما يؤدي ~~إليه من الكفر، فكلمة أو لمنع الخلو دون الجمع فإن إلقاء ~~السمع لا يجدي بدون سلامة القلب كما يلوح به قوله تعالى { ~~وهو شهيد } أي حاضر بفطنته لأن من لا يحضر ذهنه ~~فكأنه غائب، وتجريد القلب عما ذكر من الصفات للإيذان بأن من ~~عري قلبه عنها كمن لا قلب له أصلا. # { ولقد خلقنا السموات والأرض وما بينهما } ~~من أصناف المخلوقات { فى ستة أيام وما مسنا ms3071 } بذلك ~~مع كونه مما لا يفي به القوى والقدر { من لغوب } من ~~إعياء ما ولا تعب في الجملة وهذا رد على جهلة اليهود في ~~زعمهم أنه تعالى بدأ خلق العالم يوم الأحد وفرغ منه يوم ~~الجمعة واستراح يوم السبت واستلقى على العرش، سبحانه وتعالى ~~عما يقولون علوا كبيرا { فاصبر على ما يقولون } أي ~~ما يقوله المشركون في شأن البعث من الأباطيل المبنية على ~~الإنكار والاستبعاد فإن من فعل هذه الأفاعيل بلا فتور قادر ~~على بعثهم والانتقام منهم أو ما يقوله اليهود من مقالات الكفر ~~والتشبيه { وسبح بحمد ربك } أي نزهه تعالى عن ~~العجز عما يمكن وعن وقوع الخلف في أخباره التي من ~~جملتها الإخبار بوقوع البعث وعن وصفه تعالى بما يوجب التشبيه ~~حامدا له تعالى على ما أنعم به عليك من إصابة الحق وغيرها { ~~قبل طلوع الشمس وقبل الغروب } هما وقت الفجر ~~والعصر وفضيلتهما مشهورة { ومن اليل فسبحه } وسبحه ~~بعض الليل { وأدبر السجود } وأعقاب الصلوات جمع دبر ~~وقرىء بالكسر من أدبرت الصلاة إذا انقضت وتمت ومعناه وقت ~~انقضاء السجود وقيل: المراد بالتسبيح الصلوات فالمراد بما قبل ~~الطلوع صلاة الفجر وبما قبل الغروب الظهر والعصر وبما من ~~الليل العشاءان والتهجد وما يصلى بأدبار السجود النوافل بعد ~~المكتوبات { واستمع } أي لما يوحى إليك من أحوال القيامة، ~~وفيه تهويل وتفظيع للمخبر به { يوم يناد المناد } أي ~~إسرافيل أو جبريل عليهما السلام فيقول أيتها العظام البالية ~~واللحوم المتمزقة والشعور المتفرقة إن الله يأمركن أن تجتمعن ~~لفصل القضاء وقيل: إسرافيل ينفخ وجبريل ينادي بالحشر { من ~~مكان قريب } بحيث يصل نداؤه إلى الكل على سواء وقيل: من ~~صخرة بيت المقدس وقيل: من تحت أقدامهم وقيل من منابت شعورهم ~~يسمع من كل شعرة ولعل ذلك في الإعادة مثل كن في البدء. ### || [50.42-45] # { يوم يسمعون الصيحة } بدل من يوم ينادي الخ وهي ~~النفخة الثانية { بالحق } متعلق بالصيحة والعامل في الظرف ما ~~يدل عليه قوله تعالى: { ذلك يوم الخروج } أي يوم يسمعون ~~الصيحة ملتبسة بالحق الذي هو البعث بخرجون ms3072 من القبور { ~~إنا نحن نحيي ونميت } في الدنيا من غير أن يشاركنا في ~~ذلك أحد { وإلينا المصير } للجزاء في الآخرة لا إلى غيرنا ~~لا استقلالا ولا اشتراكا { يوم تشقق الأرض عنهم } بحذف ~~إحدى التاءين من تتشقق وقرىء بتشديد الشين وتشقق على ~~البناء للمفعول من التفعيل وتنشق { سراعا } مسرعين { ذلك ~~حشر } بعث وجمع وسوق { علينا يسير } أي هين وتقديم ~~الجار والمجرور لتخصيص اليسر به تعالى { نحن أعلم بما ~~يقولون } من نفي البعث وتكذيب الآيات الناطقة به وغير ذلك ~~مما لا خير فيه { وما أنت عليهم بجبار } بمتسلط تقسرهم ~~على الإيمان أو تفعل بهم ما تريد وإنما أنت مذكر { فذكر ~~بالقرءان من يخاف وعيد } وأما من عداهم فنحن نفعل بهم ~~ما توجبه أقوالهم وتستدعيه أعمالهم من ألوان العقاب وفنون ~~العذاب. # عن النبي عليه الصلاة والسلام: # " من قرأ سورة ق هون الله عليه ثارات الموت وسكراته ". ### | [51 - سورة الذاريات] ### || [51.1-6] # مكية، وآيها ستون # { والذريت ذروا } أي الرياح التي تذرو التراب وغيره وقرىء ~~بإدغام التاء في الذال { فالحملت وقرا } أي السحب ~~الحاملة للمطر أو الرياح الحاملة للسحاب وقرىء وقرا على ~~تسمية المحمول بالمصدر { فالجريت يسرا } أي السفن ~~الجارية في البحر أو الرياح الجارية في مهابها أو السحب الجارية ~~في الجو بسوق الرياح أو الكواكب الجارية في مجاريها ومنازلها ~~ويسرا صفة لمصدر محذوف أي جريا ذا يسر { فالمقسمت ~~أمرا } أي الملائكة التي تقسم الأمور من الأمطار والأرزاق ~~وغيرها أو السحب التي يقسم الله تعالى بها أرزاق العباد وقد ~~جوز أن يراد بالكل الرياح تنزيلا لاختلاف العنوان منزلة ~~اختلاف الذات فإنها كما تذرو ما تذروه تثير السحاب وتحمله ~~وتجري في الجو جريا سهلا وتقسم الأمطار بتصريف السحاب في ~~الأقطار، فإن حملت الأمور المقسم بها على ذوات مختلفة فالفاء ~~لترتيب الإقسام باعتبار ما بينها من التفاوت في الدلالة على كمال ~~القدرة وإلا فهي لترتيب ما صدر عن الريح من الأفاعليل فإنها ~~تذرو الأبخرة إلى الجو حتى تنعقد سحابا فتجري به باسطة له ~~إلى ما أمرت به فتقسم ms3073 المطر وقوله تعالى: { إن ما توعدون ~~لصدق وإن الدين لواقع } جواب للقسم، وفي تخصيص ~~الأمور المذكورة بالإقسام بها رمز إلى شهادتها بتحقق مضمون ~~الجملة المقسم عليها من حيث إنها أمور بديعة مخالفة لمقتضى ~~الطبيعة فمن قدر عليها فهو قادر على البعث الموعود، وما ~~موصولة أو مصدرية ووصف الوعد بالصدق كوصف العيشة بالرضا ~~والدين الجزاء ووقوعه حصوله. ### || [51.7-13] # { والسماء ذات الحبك } قال ابن عباس وقتادة وعكرمة ذات ~~الخلق المستوي وقال سعيد بن جبير ذات الزينة وقال مجاهد ~~هي المتقنة البنيان وقال مقاتل والكلبي والضحاك ذات الطرائق ~~والمراد إما الطرائق المحسوسة التي هي مسير الكواكب أو ~~المعقولة التي يسلكها النظار أو النجوم فإن لها طرائق وعن ~~الحسن حبكها نجومها حيث تزينها كما تزين الموشى طرائق ~~الوشي. وهي إما جمع حباك أو حبيكة كمثال ومثل ~~وطريقة وطرق وقرىء الحبك بوزن القفل والحبك بوزن ~~السلك والحبك كالجبل والحبك كالبرق والحبك كالنعم ~~والحبك كالإبل. # { إنكم لفى قول مختلف } أي متخالف متناقض وهو ~~قولهم في حقه عليه الصلاة والسلام تارة شاعر وأخرى ساحر ~~وأخرى مجنون وفي شأن القرآن الكريم تارة شعر وأخرى سحر وأخرى ~~أساطير، وفي هذا الجواب تأييد لكون الحبك عبارة عن الاستواء ~~كما يلوح به ما نقل عن الضحاك من أن قول الكفرة لا يكون ~~مستويا إنما هو متناقض مختلف، وقيل: النكتة في هذا القسم ~~تشبيه أقوالهم في اختلافها وتنافي أغراضها بطرائق السموات في ~~تباعدها واختلاف غاياتها وليس بذاك. { يؤفك عنه من أفك ~~} أي يصرف عن القرآن أو الرسول عليه الصلاة والسلام من ~~صرف إذ لا صرف أفظع منه وأشد وقيل: يصرف عنه من صرف في ~~علم الله تعالى وقضائه ويجوز أن يكون الضمير للقول المختلف على ~~معنى يصدر إفك من أفك عن ذلك القول وقرىء من أفك أي من ~~أفك الناس وهم قريش حيث كانوا يصدون الناس عن الإيمان. { ~~قتل الخراصون } دعاء عليهم كقوله تعالى: # قتل الإنسن ما أكفره # [سورة عبس، الآية 17] وأصله الدعاء بالقتل والهلاك ثم جرى مجرى ~~اللعن والخراصون الكذابون المقدرون ms3074 ما لا صحة له وهم أصحاب ~~القول المختلف كأنه قيل قتل هؤلاء الخراصون وقرىء قتل ~~الخراصين أي قتل الله { الذين هم فى غمرة } من الجهل ~~والضلال { سهون } غافلون عما أمروا به. { يسئلون ~~أيان يوم الدين } أي متى وقوع يوم الجزاء لكن لا بطريق ~~الاستعلام حقيقة بل بطريق الاستعجال استهزاء وقرىء إيان ~~بكسر الهمزة { يوم هم على النار يفتنون } جواب للسؤال ~~أي يقع يوم هم على النار يحرقون ويعذبون ويجوز أن يكون يوم ~~خبرا لمبتدأ محذوف أي هو يوم هم الخ والفتح لإضافته إلى غير ~~متمكن ويؤيده أنه قرىء بالرفع. ### || [51.14-20] # { ذوقوا فتنتكم } أي مقولا لهم هذا القول وقوله تعالى ~~{ هذا الذى كنتم به تستعجلون } جملة من مبتدأ وخبر ~~داخلة تحت القول المضمر أي هذا ما كنتم تستعجلون به بطريق ~~الاستهزاء ويجوز أن يكون هذا بدلا من فتنتكم بتأويل العذاب ~~والذي صفته. # { إن المتقين فى جنت وعيون } لا يبلغ كنهها ~~ولا يقادر قدرها { ءاخذين ما ءاتهم ربهم } أي ~~قابلين لما أعطاهم راضين به على معنى أن كل ما آتاهم حسن ~~مرضي يتلقى بحسن القبول { إنهم كانوا قبل ذلك } في ~~الدنيا { محسنين } أي لأعمالهم الصالحة آتين بها على ما ~~ينبغي فلذلك نالوا ما نالوا من الفوز العظيم ومعنى الإحسان ~~بالإجمال ما أشار إليه عليه الصلاة والسلام بقوله: # " أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك " # وقد فسر بقوله تعالى. # { كانوا قليلا من اليل ما يهجعون } أي كانوا يهجعون ~~في طائفة قليلة من الليل على أن قليلا ظرف أو كانوا يهجعون ~~هجوعا قليلا على أنه صفة للمصدر وما مزيدة في الوجهين ويجوز أن ~~تكون مصدرية أو موصولة مرتفعة بقليلا على الفاعلية أي كانوا قليلا ~~من الليل هجوعهم أو ما يهجعون فيه، وفيه مبالغات في تقليل ~~نومهم واستراحتهم ذكر القليل والليل الذي هو وقت الراحة ~~والهجوع الذي هو الغرار من النوم وزيادة ما، ولا مساغ لجعل ما ~~نافية على معنى أنهم لا يهجعون من الليل قليلا بل يحيونه ~~كله لما أن ms3075 ما النافية لا يعمل ما بعدها فيما قبلها { ~~وبالأسحر هم يستغفرون } أي هم مع قلة هجوعهم وكثرة ~~تهجدهم يداومون على الاستغفار في الأسحار كأنهم أسلفوا ليلهم ~~باقتراف الجرائم، وفي بناء الفعل على الضمير إشعار بأنهم ~~الأحقاء بأن يوصفوا بالاستغفار كأنهم المختصون به لاستدامتهم ~~له وإطنابهم فيه. # { وفى أمولهم حق } أي نصيب وافر يستوجبونه على أنفسهم ~~تقربا إلى الله تعالى وإشفاقا على الناس { للسائل ~~والمحروم } للمستجدي والمتعفف الذي يحسبه الناس غنيا ~~فيحرم الصدقة { وفى الأرض ءايت للموقنين } أي دلائل ~~واضحة على شؤونه تعالى على التفصيل من حيث إنها مدحوة ~~كالبساط الممهد وفيها مسالك وفجاج للمتقلبين في أقطارها ~~والسالكين في مناكبها وفيها سهل وجبل وبر وقطع متجاورات وعيون ~~متفجرة ومعادن مفتنة وأنها تلقح بألوان النبات وأنواع الأشجار ~~وأصناف الثمار المختلفة الألوان والطعوم والروائح وفيها دواب ~~منبثة قد رتب كلها ودبر لمنافع ساكنيها ومصالحهم في صحتهم ~~واعتلالهم. ### || [51.21-25] # { وفى أنفسكم } أي وفي أنفسكم آيات إذ ليس في العالم شيء ~~إلا وفى الأنفس له نظير يدل دلالته على ما نفرد به من ~~الهيئات النافعة والمناظر البهية والتركيبات العجيبة والتمكن من ~~الأفعال البديعة واستنباط الصنائع المختلفة واستجماع الكمالات ~~المتنوعة { أفلا تبصرون } ألا تنظرون فلا تبصرون بعين ~~البصيرة. # { وفى السماء رزقكم } أي أسباب رزقكم أو تقديره وقيل: ~~المراد بالسماء السحب وبالرزق المطر فإنه سبب الأقوات { وما ~~توعدون } من الثواب لأن الجنة في السماء السابعة أو لأن ~~الأعمال وثوابها مكتوبة مقدرة في السماء وقيل: إنه مبتدأ خبره ~~قوله تعالى: { فورب السماء والأرض إنه لحق } على ~~أن الضمير لما وأما على الأول فإما له وإما لما ذكر من أمر ~~الآيات والرزق على أنه مستعار لاسم الإشارة { مثل ما ~~أنكم تنطقون } أي كما أنه لا شك لكم في أنكم تنطقون ~~ينبغي أن لا تشكوا في حقيته ونصبه على الحالية من المستكن في ~~لحق أو على أنه وصف لمصدر محذوف أي إنه لحق حقا مثل ~~نطقكم وقيل: إنه مبني على الفتح لإضافته إلى غير متمكن وهو ~~ما إن كانت عبارة ms3076 عن شيء وأن بما في حيزها إن جعلت زائدة. ومحله ~~الرفع على أنه صفة لحق ويؤيده القراءة بالرفع. # { هل أتاك حديث ضيف إبرهيم } تفخيم لشأن الحديث ~~وتنبيه على أنه ليس مما علمه رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~بغير طريق الوحي، والضيف في الأصل مصدر ضافه ولذلك يطلق على ~~الواحد والجماعة كالزور والصوم وكانوا اثني عشر ملكا وقيل ~~تسعة عاشرهم جبريل وقيل ثلاثة جبريل وميكائل وملك آخر معهما ~~عليهم السلام وتسميتهم ضيفا لأنهم كانوا في صورة الضيف حيث ~~أضافهم إبراهيم عليه السلام أو لأنهم كانوا في حسابه كذلك { ~~المكرمين } أي المكرمين عند الله تعالى أو عند إبراهيم حيث ~~خدمهم بنفسه ويزوجته { إذ دخلوا عليه } ظرف للحديث أو ~~لما في الضيف من معنى الفعل أو المكرمين إن فسر بإكرام ~~إبراهيم { فقالوا سلاما } أي نسلم عليك سلاما { قال } أي ~~إبراهيم { سلم } أي عليكم سلام، عدل به إلى الرفع ~~بالابتداء للقصد إلى الثبات والدوام حتى تكون تحيته عليه ~~الصلاة والسلام أحسن من تحيتهم وقرئا مرفوعين وقرىء سلم ~~وقرىء منصوبا والمعنى واحد { قوم منكرون } أنكرهم عليه ~~الصلاة والسلام للسلام الذي هو علم للإسلام أو لأنهم ~~ليسوا ممن عهدهم من الناس أو لأن أوضاعهم وأشكالهم خلاف ~~ما عليه الناس ولعله عليه الصلاة والسلام إنما قاله في ~~نفسه من غير أن يشعرهم بذلك لا أنه خاطبهم به جهرا أو سألهم ~~أن يعرفوه أنفسهم كما قيل وإلا لكشفوا أحوالهم عند ذلك ~~ولم يتصد عليه الصلاة والسلام لمقدمات الضيافة. ### || [51.26-30] # { فراغ إلى أهله } أي ذهب إليهم على خفية من ضيفه ~~فإن من أدب المضيف أن يبادره بالقرى ويبادر به حذارا من أن ~~يكفه ويعذره أو يصير منتظرا والفاء في قوله تعالى: { فجاء ~~بعجل سمين } فصيحة مفصحة عن جمل قد حذفت ثقة بدلالة ~~الحال عليها وإيذانا بكمال سرعة المجىء بالطعام كما في قوله ~~تعالى: # أن اضرب بعصاك البحر فانفلق # [سورة الشعراء، الآية 63] أي فذبح عجلا فحنذه فجاء به { ~~فقربه إليهم } بأن وضعه لديهم حسبما هو المعتاد { قال ~~ألا تأكلون ms3077 } إنكارا لعدم تعرضهم للأكل { فأوجس ~~منهم } أضمر في نفسه { خيفة } لتوهم أنهم جاءوا للشر ~~وقيل وقع في قلبه أنهم ملائكة جاءوا للعذاب { قالوا لا تخف ~~} قيل مسح جبريل عليه السلام العجل بجناحه فقام يدرج حتى ~~لحق بأمه فعرفهم وأمن منهم { وبشروه } وفي سورة ~~الصافات وبشرناه أي بواسطتهم { بغلم } هو إسحاق عليه ~~السلام { عليم } عند بلوغه واستوائه { فأقبلت امرأته ~~} سارة لما سمعت بشارتهم إلي بيتها وكانت في زاوية تنظر ~~إليهم { فى صرة } في صيحة من الصرير، ومحله النصب على ~~الحالية أو المفعولية إن جعل أقبلت بمعنى أخذت كما يقال أقبل ~~يشتمني { فصكت وجهها } أي لطمته من الحياء لما أنها ~~وجدت حرارة دم الطمث وقيل ضربت بأطراف أصابعها جبينها كما ~~يفعله المتعجب { وقالت عجوز عقيم } أي أنا عجوز عاقر ~~فكيف ألد. # { قالوا كذلك } مثل ذلك القول الكريم { قال ربك } ~~وإنما نحن معبرون نخبرك به عنه تعالى لا أنا نقوله من ~~تلقاء أنفسنا { إنه هو الحكيم العليم } فيكون قوله ~~حقا وفعله متقنا لا محالة. روي أن جبريل عليه السلام قال ~~لها انظري إلى سقف بيتك فنظرت فإذا جذوعه مورقة مثمرة، ولم ~~تكن هذه المفاوضة مع سارة فقط بل مع إبراهيم عليه السلام ~~أيضا حسبما شرح في سورة الحجر وإنما لم يذكر ههنا ~~اكتفاء بما ذكر هناك كما أنه لم يذكر هناك سارة اكتفاء بما ذكر ههنا ~~وفي سورة هود. ### || [51.31-39] # { قال } أي إبراهيم عليه السلام لما علم أنهم ملائكة ~~أرسلوا لأمر { فما خطبكم } أي شأنكم الخطير الذي لأجله ~~أرسلتم سوى البشارة { أيها المرسلون قالوا إنآ ~~أرسلنآ إلى قوم مجرمين } يعنون قوم لوط { لنرسل ~~عليهم } أي بعد ما قلبنا قراهم وجعلنا عاليها سافلها ~~حسبما فصل في سائر السور الكريمة { حجارة من طين } أي ~~طين متحجر هو السجيل { مسومة } مرسلة من أسمت الماشية ~~أي أرسلتها، أو معلمة من السومة وهي العلامة وقد مر تفصيله ~~في سورة هود { عند ربك للمسرفين } المجاوزين الحد في ~~الفجور وقوله تعالى { فأخرجنا } الخ حكاية من جهته تعالى ~~لما جرى على ms3078 قوم لوط عليه السلام بطريق الإجمال بعد ~~حكاية ما جرى بين الملائكة وبين إبراهيم عليه السلام من ~~الكلام والفاء فصيحة مفصحة عن جمل قد حذفت ثقة بذكرها في ~~مواضع أخر كأنه قيل فباشروا ما أمروا به فأخرجنا بقولنا ~~فأسر بأهلك الخ { من كان فيها } أي في قرى قوم لوط ~~وإضمارها بغير ذكر لشهرتها { من المؤمنين } ممن أمن بلوط ~~{ فما وجدنا فيها غير بيت } أي غير أهل بيت { من ~~المسلمين } قيل هم لوط وابنتاه وقيل كان لوط وأهل بيته ~~الذين نجوا ثلاثة عشر { وتركنا فيها } أي في القرية { ~~ءاية } أي علامة دالة على ما أصابهم من العذاب قيل هي تلك ~~الأحجار أو صخر منضود فيها أو ماء منتن { للذين يخافون ~~العذاب الأليم } أي من شأنهم أن يخافوه لسلامة فطرتهم ~~ورقة قلوبهم دون من عداهم من ذوي القلوب القاسية فإنهم لا ~~يعتدون بها ولا يعدونها آية { وفى موسى } عطف على قوله ~~تعالى وفي الأرض أو على قوله تعالى وتركنا فيها آية على معنى ~~وجعلنا في موسى آية كقول من قال: # علفتها تبنا وماء باردا # { إذ أرسلنه } قيل هو منصوب بآية وقيل بمحذوف أي ~~كائنة وقت إرسالنا وقيل بتركنا { إلى فرعون بسلطن ~~مبين } هو ما ظهر على يديه من المعجزات الباهرة { فتولى ~~بركنه } أي فأعرض عن الإيمان به وازور كقوله تعالى: # ونأى بجانبه # [سورة الإسراء، الآية 83، وسورة فصلت الآية 51] وقيل فتولى بما ~~يتقوى به من ملكه وعساكره فإن الركن اسم لما يركن إليه ~~الشيء وقرىء بركنه بضم الكاف { وقال سحر } أي هو ~~ساحر { أو مجنون } كأنه نسب ما ظهر على يديه عليه ~~الصلاة والسلام من الخوارق العجيبة إلى الجن وتردد في أنه ~~حصل باختياره وسعيه أو بغيرهما. ### || [51.40-47] # { فأخذنه وجنوده فنبذنهم فى اليم } وفيه من ~~الدلالة على غاية عظم شأن القدرة الربانية ونهاية قمأة فرعون ~~وقومه ما لا يخفى { وهو مليم } أي آت بما يلام عليه من ~~الكفر والطغيان والجملة حال من الضمير في فأخذناه { وفى عاد ~~إذ أرسلنا عليهم الريح العقيم } وصفت ms3079 بالعقم لأنها ~~أهلكتهم وقطعت دابرهم أو لأنها لم تتضمن خيرا ما من إنشاء مطر ~~أو إلقاح شجر وهي النكباء أو الدبور أو الجنوب { ما تذر من ~~شىء أتت عليه } أي جرت عليه { إلا جعلته ~~كالرميم } هو كل ما رم وبلي وتفتت من عظم أو نبات أو ~~غير ذلك { وفى ثمود إذ قيل لهم تمتعوا حتى حين ~~} وهو قوله تعالى تمتعوا في داركم ثلاثة أيام قيل قال لهم ~~صالح عليه السلام تصبح وجوهكم غدا مصفرة وبعد غد محمرة ~~واليوم الثالث مسودة ثم يصبحكم العذاب { فعتوا عن أمر ~~ربهم } أي فاستكبروا عن الامتثال به { فأخذتهم ~~الصعقة } قيل لما رأوا العلامات التي بينها صالح عليه ~~السلام من اصفرار وجوههم واحمرارها واسودادها عمدوا إلى قتله ~~عليه السلام فنجاه الله تعالى إلى أرض فلسطين، ولما كان ضحوة ~~اليوم الرابع تحنطوا وتكفنوا بالأنطاع فأتتهم الصيحة فهلكوا ~~وقرىء الصعقة وهي المرة من الصعق { وهم ينظرون } ~~إليها ويعاينونها { فما استطعوا من قيام } كقوله تعالى: # فأصبحوا في دارهم جثمين # [سورة الأعراف، الآية 78، وسورة العنكبوت، الآية37] { وما كانوا ~~منتصرين } بغيرهم كما لم يمتنعوا بأنفسهم. # { وقوم نوح } أي وأهلكنا قوم نوح فإن ما قبله يدل عليه ~~أو واذكر ويجوز أن يكون معطوفا على محل في عاد ويؤيده ~~القراءة بالجر وقيل هو معطوف على مفعول فأخذناه { من قبل ~~} أي من قبل هؤلاء المهلكين، { إنهم كانوا قوما ~~فسقين } خارجين عن الحدود فيما كانوا فيه من الكفر ~~والمعاصي { والسماء بنينها بأيد } أي بقوة { وإنا ~~لموسعون } لقادرون من الوسع بمعنى الطاقة والموسع القادر ~~على الإنفاق أو لموسعون السماء أو ما بينها وبين الأرض أو ~~الرزق. ### || [51.48-52] # { والأرض فرشنها } مهدناها وبسطناها ليستقروا عليها { ~~فنعم المهدون } أي نحن { ومن كل شىء } أي من ~~الأجناس { خلقنا زوجين } أي نوعين ذكرا وأنثى، وقيل ~~متقابلين: السماء والأرض والليل والنهار والشمس والقمر والبر ~~والبحر ونحو ذلك { لعلكم تذكرون } أي فعلنا ذلك كله ~~كي تتذكروا فتعرفوا أنه خالق الكل ورازقه وأنه المستحق ~~للعبادة وأنه قادر على إعادة الجميع فتعملوا بمقتضاه وقوله ~~تعالى: ms3080 { ففروا إلى الله } مقدر لقول خوطب به النبي ~~صلى الله عليه وسلم بطريق التلوين. والفاء إما لترتيب الأمر على ما ~~حكي من إثارة غضبه الموجبة للفرار منها ومن أحكام رحمته ~~المستدعية للفرار إليها، كأنه قيل قل لهم إذا كان الأمر ~~كذلك فاهربوا إلى الله الذي هذه شؤونه بالإيمان والطاعة كي ~~تنجوا من عقابه وتفوزوا بثوابه، وإما للعطف على جملة مقدرة ~~مترتبة على قوله تعالى لعلكم تذكرون كأنه قيل قل لهم ~~فتذكروا ففروا إلى الله الخ، وقوله تعالى: { إنى لكم منه ~~نذير مبين } تعليل للأمر بالفرار إليه تعالى أو لوجوب ~~الامتثال به فإن كونه عليه الصلاة و السلام منذرا منه ~~تعالى موجب عليه عليه الصلاة والسلام أن يأمرهم بالفرار ~~إليه وعليهم أن يمتثلوا به أي إني لكم من جهته تعالى منذر ~~بين كونه منذرا منه تعالى أو مظهر لما يجب إظهاره من العذاب ~~المنذر به، وفي أمره تعالى للرسول صلى الله عليه وسلم بأن ~~يأمرهم بالهرب إليه تعالى من عقابه وتعليله بأنه عليه ~~الصلاة والسلام ينذرهم من جهته تعالى لا من تلقاء نفسه. ~~وعد كريم بنجاتهم من المهروب وفوزهم بالمطلوب وقوله تعالى: { ~~ولا تجعلوا مع الله إلها ءاخر } نهي موجب للفرار ~~من سبب العقاب بعد الأمر بالفرار من نفسه كما يشعر به قوله ~~تعالى: { إنى لكم منه } أي من الجعل المنهي عنه { ~~نذير مبين } فإن تعلق كلمة من بالإنذار مع كون صلته ~~الباء بتضمينه معنى الإفرار يقال فر منه أي هرب وأفره ~~غيره كأنه قيل وفروا من أن تجعلوا معه تعالى اعتقادا أو ~~قولا إلها آخر وفيه تأكيد لما قبله من الأمر بالفرار من العقاب ~~إليه تعالى لكن لا بطريق التكرير كما قيل بل بالنهي عن سببه ~~وإيجاب الفرار منه. # { كذلك } أي الأمر مثل ما ذكر من تكذيبهم الرسول وتسميتهم ~~له ساحرا أو مجنونا، وقوله تعالى: { ما أتى الذين من ~~قبلهم } الخ تفسير له أي ما أتاهم { من رسول } من رسل ~~الله { إلا قالوا } في حقه { سحر أو مجنون } ولا ~~سبيل ms3081 إلى انتصاب الكاف بأتى لامتناع عمل ما بعد (ما) ~~النافية فيما قبلها. ### || [51.53-56] # { أتواصوا به } إنكار وتعجيب من حالهم وإجماعهم على ~~تلك الكلمة الشنيعة التي لا تكاد تخطر ببال أحد من العقلاء ~~فضلا عن التفوه بها أي أأوصى بهذا القول بعضهم بعضا حتى ~~اتفقوا عليه وقوله تعالى: { بل هم قوم طغون } إضراب عن ~~كون مدار اتفاقهم على الشر تواصيهم بذلك وإثبات لكونه أمرا ~~أقبح من التواصي وأشنع منه من الطغيان الشامل للكل الدال ~~على أن صدور تلك الكلمة الشنيعة عن كل واحد منهم بمقتضى ~~جبلته الخبيثة لا بموجب وصية من قبلهم بذلك من غير أن يكون ~~ذلك مقتضى طباعهم { فتول عنهم } فأعرض عن جدالهم فقد ~~كررت عليهم الدعوة فأبوا إلا الإباء { فما أنت بملوم } على ~~التولي بعد ما بذلت المجهود وجاوزت فيه الإبلاغ كل حد ~~معهود. # { وذكر } أي أفعل التذكير والموعظة ولا تدعهما بالمرة أو ~~فذكرهم وقد حذف الضمير لظهور الأمر { فإن الذكرى ~~تنفع المؤمنين } أي الذين قدر الله تعالى إيمانهم أو ~~الذين آمنوا بالفعل فإنها تزيدهم بصرة وقوة في اليقين { وما ~~خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون } استئناف مؤكد ~~للأمر مقرر لمضمون تعليله فإن كون خلقهم مغيا بعبادته تعالى ~~مما يدعوه عليه الصلاة والسلام إلى تذكيرهم ويوجب عليهم ~~التذكر والاتعاظ، ولعل تقديم خلق الجن في الذكر لتقدمه على ~~خلق الإنس في الوجود ومعنى خلقهم لعبادته تعالى خلقهم مستعدين ~~لها ومتمكنين منها أتم استعداد وأكمل تمكن مع كونها مطلوبة ~~منهم بتنزيل ترتب الغاية على ما هي ثمرة له منزلة ترتب ~~الغرض على ما هو غرض له فإن استتباع أفعاله تعالى لغايات ~~جليلة مما لا نزاع فيه قطعا، كيف لا وهي رحمة منه تعالى ~~وتفضل على عباده وإنما الذي لا يليق بجنابه عز وجل ~~تعليلها بالغرض بمعنى الباعث على الفعل بحيث لولاه لم يفعله ~~لإفضائه إلى استكماله بفعله وهو الكامل بالفعل من كل وجه، ~~وأما بمعنى نهاية كمالية يفضي إليها فعل الفاعل الحق فغير ~~منفي أفعاله تعالى بل كلها جارية على ذلك ms3082 المنهاج، وعلى هذا ~~الاعتبار يدور وصفه تعالى بالحكمة ويكفي في تحقيق معنى التعليل ~~ على ما يقوله الفقهاء ويتعارفه أهل اللغة هذا المقدار وبه ~~يتحقق مدلول اللام وأما إرادة الفاعل لها فليست من مقتضيات ~~اللام حتى يلزم من عدم صدور العبادة عن البعض تخلف المراد ~~عن الإرادة فإن تعوق البعض عن الوصول إلى الغاية مع تعاضد ~~المبادى وتآخذ المقدمات الموصلة إليها لا يمنع كونها غاية كما ~~في قوله تعالى: # كتاب أنزلنه إليك لتخرج الناس من الظلمت ~~إلى النور # [سورة إبراهيم، الآية 1] ونظائره، وقيل المعنى إلا ليؤمروا ~~بعبادتي كما في قوله تعالى: # وما أمروا إلا ليعبدوا إلها وحدا # [سورة التوبة، الآية 31] وقيل: المراد سعداء الجنسين كما أن ~~المراد بقوله تعالى # ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن والإنس # [سورة الأعراف، الآية 179] أشقياؤهما ويعضده قراءة من قرأ وما ~~خلقت الجن والإنس من المؤمنين وقال مجاهد واختاره البغوي ~~معناه إلا ليعرفون ومداره قوله صلى الله عليه وسلم فيما يحكيه عن ~~رب العزة: # " كنت كنزا مخفيا فأحببت أن أعرف فخلقت الخلق لأعرف " # ولعل السر في التعبير عن المعرفة بالعبادة على طريق إطلاق ~~اسم السبب على المسبب التنبيه على أن المعتبر هي المعرفة ~~الحاصلة بعبادته تعالى لا ما يحصل بغيرها كمعرفة الفلاسفة. ### || [51.57-60] # { ما أريد منهم من رزق وما أريد أن يطعمون } ~~بيان لكون شأنه تعالى مع عباده متعاليا عن أن يكون كشأن ~~السادة مع عبيدهم حيث يملكونهم ليستعينوا بهم في تحصيل ~~معايشهم وتهيئة أرزاقهم أي ما أريد أن أصرفهم في تحصيل رزقي ~~ولا رزقهم بل أتفضل عليهم برزقهم وبما يصلحهم ويعيشهم من ~~عندي فليشتغلوا بما خلقوا له من عبادتي { إن الله هو ~~الرزاق } الذي يرزق كل ما يفتقر إلى الرزق، وفيه تلويح ~~بأنه غني عنه وقرىء إني أنا الرزاق { ذو القوة ~~المتين } بالرفع على أنه نعت للرزاق أو لذو أو خبر بعد ~~خبر أو خبر لمضمر وقرىء بالجر على أنه وصف للقوة على ~~تأويل الاقتدار أو الأيد. # { فإن للذين ظلموا } أي ظلموا أنفسهم بتعريضها ~~للعذاب الخالد ms3083 بتكذيب رسول الله صلى الله عليه وسلم أو وضعوا مكان ~~التصديق تكذيبا وهم أهل مكة { ذنوبا } أي نصيبا وافرا من ~~العذاب { مثل ذنوب أصحبهم } مثل أنصباء نظرائهم ~~من الأمم المحكية وهو مأخوذ من مقاسمة السقاة الماء بالذنوب ~~وهو الدلو العظيم المملوء { فلا يستعجلون } أي لا يطلبوا ~~مني أن أعجل في المجىء به يقال استعجله أي حثه على ~~العجلة وأمره بها ويقال استعجله أي طلب وقوعه بالعجلة ومنه ~~قوله تعالى: # أتى أمر الله فلا تستعجلوه # [سورة النحل، الآية 1] وهو جواب لقولهم # متى هذا الوعد إن كنتم صادقين # [سورة يونس، الآية 48] { فويل للذين كفروا } وضع الموصول ~~موضع ضميرهم تسجيلا عليهم بما في حيز الصلة من الكفر وإشعارا ~~بعلة الحكم. والفاء لترتيب ثبوت الويل لهم على أن لهم عذابا ~~عظيما كما أن الفاء الأولى لترتيب النهي عن الاستعجال على ~~ذلك، ومن في قوله تعالى: { من يومهم الذى يوعدون } ~~للتعليل أي يوعدونه من يوم بدر وقيل يوم القيامة وهو الأنسب ~~بما في صدر السورة الكريمة الآتية والأول هو الأوفق لما قبله ~~من حيث إنهما من العذاب الدنيوي. # عن النبي صلى الله عليه وسلم: # " من قرأ والذاريات أعطاه الله تعالى عشر حسنات بعدد كل ~~ريح هبت وجرت في الدنيا ". ### | [52 - سورة الطور] ### || [52.1-8] # سورة الطور مكية # وآيها تسع أو ثمان وأربعون آية # { والطور } الطور بالسريانية الجبل والمراد به طور سينين ~~وهو جبل بمدين سمع فيه موسى عليه السلام كلام الله تعالى { ~~وكتب مسطور } مكتوب على وجه الانتظام فإن السطر ~~ترتيب الحروف المكتوبة والمراد به القرآن أو ألواح موسى عليه ~~السلام وهو الأنسب بالطور أو ما يكتب في اللوح أو ما يكتبه ~~الحفظة { فى رق منشور } الرق الجلد الذي يكتب فيه استعير ~~لما يكتب فيه الكتاب من الصحيفة، وتنكيرهما للتفخيم أو ~~للإشعار بأنهما ليسا مما يتعارفه الناس { والبيت ~~المعمور } أي الكعبة وعمارتها بالحجاج والعمار ~~والمجاورين أو الضراح وهو في السماء الرابعة وعمرانه كثرة ~~غاشيته من الملائكة { والسقف المرفوع } أي السماء ولا ~~يخفى حسن موقع العنوان المذكور ms3084 { والبحر المسجور } أي ~~المملوء وهو البحر المحيط أو الموقد من قوله تعالى: # وإذا البحار سجرت # [التكوير، الآية 6] فالمراد به الجنس روي أن الله تعالى يجعل ~~البحار يوم القيامة نارا يسجر بها نار جهنم. # { إن عذاب ربك لواقع } أي لنازل حتما جواب للقسم ~~وقوله تعالى: { ما له من دافع } إما خبر ثان لأن أو ~~صفة لواقع ومن دافع إما مبتدأ للظرف أو مرتفع به على ~~الفاعلية ومن مزيدة للتأكيد. وتخصيص هذه الأمور بالإقسام بها ~~لما أنها أمور عظام تنبىء عن عظم قدرة الله تعالى وكمال ~~علمه وحكمته الدالة على إحاطته تعالى بتفاصيل أعمال العباد ~~وضبطها الشاهدة بصدق أخباره التي من جملتها الجملة المقسم ~~عليها. ### || [52.9-16] # وقوله تعالى: { يوم تمور السماء مورا } ظرف لواقع ~~مبين لكيفية الوقوع منبىء عن كمال هوله وفظاعته، والمور ~~الاضطراب والتردد في المجيء والذهاب وقيل هو تحرك في تموج قيل ~~تدور السماء كما تدور الرحا وتتكفأ بأهلها تكفؤ السفينة وقيل ~~تختلف أجزاؤها { وتسير الجبال سيرا } أي تزول عن وجه ~~الأرض فتصير هباء، وتأكيد الفعلين بمصدريهما للإيذان بغرابتهما ~~وخروجهما عن الحدود المعهودة أي مورا عجيبا وسيرا بديعا لا ~~يدرك كنههما. # { فويل يومئذ للمكذبين } أي إذا وقع ذلك أو إذا ~~كان الأمر كما ذكر فويل يوم إذ يقع ذلك لهم { الذين هم ~~فى خوض } أي اندفاع عجيب في الأباطيل والأكاذيب { يلعبون } ~~يلهون { يوم يدعون إلى نار جهنم دعا } أي يدفعون ~~إليها دفعا عنيفا شديدا بأن تغل أيديهم إلى أعناقهم وتجمع ~~نواصيهم إلى أقدامهم فيدفعوا إلى النار وقرىء يدعون من ~~الدعاء فيكون دعا حالا بمعنى مدعوعين. ويوم إما بدل من ~~يوم تمور أو ظرف لقول مقدر قبل قوله تعالى: { هذه ~~النار التى كنتم بها تكذبون } أي يقال لهم ذلك ~~ومعنى التكذيب بها تكذيبهم بالوحي الناطق بها وقوله تعالى: { ~~أفسحر هذا } توبيخ وتقريع لهم حيث كانوا يسمونه ~~سحرا كأنه قيل كنتم تقولون للقرآن الناطق بهذا سحر فهذا ~~أيضا سحر. وتقديم الخبر لأنه محط الإنكار ومدار التوبيخ { ~~أم أنتم لا تبصرون } أي أم ms3085 أنتم عمي عن المخبر ~~عنه كما كنتم عميا عن الخبر، أو أم سدت أبصاركم كما سدت ~~في الدنيا على زعمكم حيث كنتم تقولون # إنما سكرت أبصارنا بل نحن قوم مسحورون # [سورة الحجر، الآية 15] { اصلوها فاصبروا أو لا تصبروا ~~} أي ادخلوها وقاسوا شدائدها فافعلوا ما شئتم من الصبر ~~وعدمه { سواء عليكم } أي الأمران في عدم النفع لا بدفع ~~العذاب ولا بتخفيفه وقوله تعالى: { إنما تجزون ما كنتم ~~تعملون } تعليل للاستواء فإن الجزاء حيث كان واجب الوقوع ~~حتما كان الصبر وعدمه سواء في عدم النفع. ### || [52.17-21] # { إن المتقين فى جنت ونعيم } أي في آية جنات ~~وأي نعيم على أن التنوين للتفخيم أو في جنات ونعيم مخصوصة ~~بالمتقين على أنه للتنويع { فكهين } ناعمين متلذذين { بما ~~ءاتهم ربهم } وقرىء فكهين وفاكهون على أنه الخبر ~~والظرف لغو متعلق بالخبر أو خبر آخر { ووقهم ربهم ~~عذاب الجحيم } عطف على آتاهم على أن ما مصدرية أو على ~~خبر إن، أو حال بإضمار قد إما من المستكن في الخبر أو في ~~الحال وإما من فاعل أتي أو من مفعوله أو منهما، وإظهار الرب ~~في موقع الإضمار مضافا إلى ضميرهم للتشريف والتعليل { كلوا ~~واشربوا } أي يقال لهم كلوا واشربوا أكلا وشربا { هنيئا ~~} أو طعاما وشرابا هنيئا وهو الذي لا تنغيض فيه { بما ~~كنتم تعملون } بسببه أو بمقابلته، وقيل: الباء زائدة وما ~~فاعل هنيئا أي هناكم ما كنتم تعملون أي جزاؤه { متكئين ~~على سرر مصفوفة } مصطفة { وزوجنهم بحور عين ~~} وقرىء بحور عين على إضافة الموصوف إلى صفته بالتأويل المشهور ~~وقرىء بعين عين، والباء مع أن التزويج مما يتعدى إلى مفعولين ~~لما فيه من معنى الوصل والإلصاق أو للسببية إذ المعنى ~~صيرناهم أزواجا بسببهن فإن الزوجية لا تتحقق بدون انضمامهن ~~إليهم وقوله تعالى: { والذين ءامنوا } إلخ كلام مستأنف ~~مسوق لبيان حال طائفة من أهل الجنة إثر بيان حال الكل وهم ~~الذين شاركتهم ذريتهم في الإيمان وهو مبتدأ خبره ألحقنا بهم ~~وقوله تعالى: { واتبعتهم ذريتهم } عطف على آمنوا وقيل: ~~اعتراض وقوله تعالى: ms3086 { بإيمن } متعلق بالاتباع أي اتبعتهم ~~ذريتهم بإيمان في الجملة قاصر عن رتبة إيمان الآباء، واعتبار ~~هذا القيد للإيذان بثبوت الحكم في الإيمان الكامل أصالة لا إلحاقا ~~وقرىء ذرياتهم للمبالغة في الكثرة وذرياتهم بكسر الذال وقرىء ~~وأتبعناهم ذرياتهم أي جعلناهم تابعين لهم في الإيمان وقرىء ~~أتبعتهم { ألحقنا بهم ذريتهم } أي في الدرجة كما ~~روي أنه عليه الصلاة والسلام قال: # " إنه تعالى يرفع ذرية المؤمن في درجته وإن كانوا دونه ~~لتقر بهم عينه ثم تلا هذه الآية " # { وما ألتنهم } وما نقصنا الآباء بهذا الإلحاق { من ~~عملهم } من ثواب عملهم { من شىء } بأن أعطينا بعض مثوباتهم ~~أبناءهم فتنقص مثوبتهم وتنحط درجتهم وإنما رفعناهم إلى منزلتهم ~~بمحض التفضل والإحسان وقرىء ألتناهم بكسر اللام من ألت ~~يألت كعلم يعلم والأول كضرب يضرب ولتناهم من لات يليت ~~وآلتناهم من آلت يؤلت وولتناهم من ولت يلت والكل ~~بمعنى واحد. # هذا وقد قيل الموصول معطوف على حور، والمعنى قرناهم بالحور ~~وبالذين آمنوا أي بالرفقاء والجلساء منهم فيتمتعون تارة بملاعبة ~~الحور وأخرى بؤانسة الإخوان المؤمنين. وقوله تعالى واتبعتهم ~~عطف على زوجناهم وقوله تعالى بإيمان متعلق بما بعده أي بسبب ~~إيمان عظيم رفيع المحل وهو إيمان الآباء ألحقنا بدرجاتهم ~~ذريتهم وإن كانوا لا يستأهلونها تفضلا عليهم وعلى آبائهم ليتم ~~سرورهم ويكمل نعيمهم أو بسبب إيمان داني المنزلة وهو إيمان ~~الذرية كأنه قيل: بشيء من الإيمان لا يؤهلهم لدرجة الآباء ~~ألحقناهم بهم { كل امرىء بما كسب رهين } قيل: هو فعيل ~~بمعنى مفعول والمعنى كل امرىء مرهون عند الله تعالى بالعمل ~~الصالح فإن عمله فكه وإلا أهلكه وقيل: بمعنى الفاعل والمعنى ~~كل امرىء بما كسب راهن أي دائم ثابت وهذا أنسب بالمقام فإن ~~الدوام يقتضي عدم المفارقة بين المرء وعمله ومن ضرورته أن لا ~~ينقص من ثواب الآباء شيء فالجملة تعليل لما قبلها. ### || [52.22-25] # { وأمددنهم بفكهة ولحم مما يشتهون } ~~وزدناهم على ما كان لهم من مبادي التنعم وقتا فوقتا ما يشتهون ~~من فنون النعماء وألوان الآلاء { يتنزعون فيها } أي ~~يتعاطون فيها هم ms3087 وجلساؤهم بكمال رغبة واشتياق كما ينبىء عنه ~~التعبير عن ذلك بالتنازع { كأسا } أي خمرا تسمية لها باسم ~~محلها { لا لغو فيها } أي في شربها حيث لا يتكلمون في ~~أثناء الشرب بلغو الحديث وسقط الكلام { ولا تأثيم } ولا ~~يفعلون ما يؤثم به فاعله أي ينسب إلى الإثم لو فعله في دار ~~التكليف كما هو ديدن المنادمين في الدنيا وإنما يتكلمون بالحكم ~~وأحاسن الكلام ويفعلون ما يفعله الكرام، وقرىء لا لغو فيها ولا ~~تأثيم بالفتح { ويطوف عليهم } أي بالكأس { غلمان لهم ~~} أي مماليك مخصوصون بهم وقيل: هم أولادهم الذين سبقوهم { ~~كأنهم لؤلؤ مكنون } مصون في الصدف من بياضهم ~~وصفائهم أو مخزون لأنه لا يخزن إلا الثمين الغالي القيمة. قيل ~~لقتادة: هذا الخادم فكيف المخدوم؟ فقال: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: # " والذي نفسي بيده إن فضل المخدوم على الخادم كفضل القمر ليلة ~~البدر على سائر الكواكب " # وعنه عليه الصلاة والسلام: # " إن أدنى أهل الجنة منزلة من ينادي الخادم من خدامه فيجيبه ~~ألف ببابه لبيك لبيك " # { وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون } أي يسأل كل ~~بعض منهم بعضا آخر عن أحواله وأعماله فيكون كل بعض سائلا ~~ومسؤولا لا أنه يسأل بعض معين منهم بعضا آخر معينا. ### || [52.26-33] # { قالوا } أي المسؤولون وهم كل واحد في الحقيقة { إنا كنا ~~قبل } أي في الدنيا { فى أهلنا مشفقين } أرقاء القلوب ~~خائفين من عصيان الله تعالى معتنين بطاعته أو وجلين من العاقبة { ~~فمن الله علينا } بالرحمة أو التوفيق للحق { ووقنا ~~عذاب السموم } عذاب النار النافذة في المسام نفوذ السموم ~~وقرىء ووقانا بالتشديد { إنا كنا من قبل ندعوه } أي ~~نعبده أو نسأله الوقاية { إنه هو البر } المحسن { ~~الرحيم } الكثير الرحمة الذي إذا عبد أثاب وإذا سئل أجاب ~~وقرىء أنه بالفتح بمعنى لأنه { فذكر } فاثبت على ما أنت ~~عليه من التذكير لما أنزل إليك من الآيات والذكر الحكيم ولا ~~تكترث بما يقولون مما لا خير فيه من الأباطيل. # { فما أنت بنعمة ربك } بحمده وإنعامه بصدق النبوة ~~ورجاحة العقل { بكهن ولا ms3088 مجنون } كما يقولون قاتلهم الله ~~أنى يؤفكون { أم يقولون شاعر نتربص به ريب ~~المنون } وهو ما يقلق النفوس ويشخص بها من حوادث الدهر وقيل: ~~المنون الموت وهو في الأصل فعول منه مه إذا قطعه لأن ~~الموت قطوع أي بل أيقولون ننتظر به نوائب الدهر { قل ~~تربصوا فإنى معكم من المتربصين } أتربص هلاككم ~~كما تتربصون هلاكي وفيه عدة كريمة بإهلاكهم { أم تأمرهم ~~أحلمهم } أي عقولهم { بهذا } أي بهذا التناقض في المقال ~~فإن الكاهن يكون ذا فطنة ودقة نظر في الأمور والمجنون مغطى عقله ~~مختل فكره والشاعر ذو كلام موزون متسق مخيل فكيف يجتمع ~~أوصاف هؤلاء في واحد. وأمر الأحلام بذلك مجاز عن أدائها إليه { ~~أم هم قوم طاغون } مجاوزون الحدود في المكابرة والعناد لا ~~يحومون حول الرشد والسداد، ولذلك يقولون ما يقولون من الأكاذيب ~~الخارجة عن دائرة العقول والظنون وقرىء بل هم { أم ~~يقولون تقوله } أي اختلقه من تلقاء نفسه { بل لا ~~يؤمنون } فلكفرهم وعنادهم يرمون بهذه الأباطيل التي لا يخفى على ~~أحد بطلانها، كيف لا وما رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا واحد من ~~العرب فكيف أتى بما عجز عنه كافة الأمم من العرب والعجم. ### || [52.34-40] # { فليأتوا بحديث مثله } مثل القرآن في النعوت التي ~~استقل بها من حيث النظم ومن حيث المعنى { إن كانوا ~~صدقين } فيما زعموا فإن صدقهم في ذلك يستدعي قدرتهم على ~~الإتيان بمثله بقضية مشاركتهم له عليه الصلاة والسلام في ~~البشرية والعربية مع ما بهم من طول الممارسة للخطب والأشعار ~~وكثرة المزاولة لأساليب النظم والنثر والمبالغة في حفظ الوقائع ~~والأيام، ولا ريب في أن القدرة على الشيء من موجبات الإتيان به ~~ودواعي الأمر بذلك { أم خلقوا من غير شىء } أي أم ~~أحدثوا وقدروا هذا التقدير البديع من غير محدث ومقدر؟ وقيل: ~~أم خلقوا من أجل لا شيء من عبادة وجزاء { أم هم الخلقون ~~} لأنفسهم فلذلك لا يعبدون الله سبحانه { أم خلقوا ~~السموات والأرض بل لا يوقنون } أي إذا سئلوا من خلقكم ~~وخلق السموات والأرض قالوا الله ms3089 وهم غير موقنين بما قالوا وإلا لما ~~أعرضوا عن عبادته { أم عندهم خزائن ربك } أي خزائن رزقه ~~ورحمته حتى يرزقوا النبوة من شاءوا ويمسكوها عمن شاءوا، أو ~~عندهم خزائن علمه وحكمته حتى يختاروا لها من اقتضت الحكمة ~~اختياره { أم هم المسيطرون } أي الغالبون على الأمور ~~يدبرونها كيفما شاءوا حتى يدبروا أمر الربوبية ويبنوا الأمور على ~~إرادتهم ومشيئتهم، وقرىء المصيطرون بالصاد لمكان الطاء { أم ~~لهم سلم } منصوب إلى السماء { يستمعون فيه } صاعدين ~~إلى كلام الملائكة وما يوحى إليهم من علم الغيب حتى يعلموا ما هو ~~كائن من الأمور التي يتقولون فيها رجما بالغيب ويعلقون بها ~~أطماعهم الفارغة { فليأت مستمعهم بسلطن مبين } ~~بحجة واضحة تصدق استماعه. # { أم له البنت ولكم البنون } تسفيه لهم وتركيك ~~لعقولهم وإيذان بأن من هذا رأيه لا يكاد يعد من العقلاء فضلا ~~عن الترقي إلى عالم الملكوت والتطلع على الأسرار الغيبية. ~~والالتفات إلى الخطاب لتشديد ما في أم المنقطعة من الإنكار ~~والتوبيخ. # { أم تسئلهم أجرا } رجوع إلى خطابه عليه الصلاة ~~والسلام وإعراض عنهم أي بل أتسألهم أجرا على تبليغ الرسالة { ~~فهم } لذلك { من مغرم } من التزام غرامة فادحة { ~~مثقلون } محملون الثقل فلذلك لا يتبعونك. ### || [52.41-47] # { أم عندهم الغيب } ي اللوح المحفوظ المثبت فيه الغيوب ~~{ فهم يكتبون } ما فيه حتى يتكلموا في ذلك بنفى أو إثبات { ~~أم يريدون كيدا } هو كيدهم برسول الله صلى الله عليه وسلم في ~~دار الندوة { فالذين كفروا } هم المذكورون، ووضع الموصول ~~موضع ضميرهم للتسجيل عليهم بما في حيز الصلة من الكفر وتعليل ~~الحكم به، أو جميع الكفرة وهم داخلون فيهم دخولا أوليا { هم ~~المكيدون } أي هم الذين يحيق بهم كيدهم أو يعود عليهم وباله ~~لا من أرادوا أن يكيدوه وهو ما أصابهم يوم بدر أو هم ~~المغلوبون في الكيد من كايدته فكدته { أم لهم إله غير ~~الله } يعينهم ويحرسهم من عذابه { سبحن الله عما ~~يشركون } أي عن إشراكهم أو عن شركة ما يشركونه { وإن ~~يروا كسفا } قطعة { من السماء سقطا } لتعذيبهم { ~~يقولوا } من فرط ms3090 طغيانهم وعنادهم { سحب مركوم } أي هم ~~في الطغيان بحيث لو أسقطناه عليهم حسبما قالوا: # أو تسقط السماء كما زعمت علينا كسفا # [سورة الإسراء، الآية 92] لقالوا هذا سحاب تراكم بعضه على بعض ~~يمطرنا ولم يصدقوا أنه كسف ساقط للعذاب { فذرهم حتى ~~يلقوا } وقرىء حتى يلقوا { يومهم الذى فيه ~~يصعقون } على البناء للمفعول من صعقته الصاعقة أو من ~~أصعقته. وقرىء يصعقون بفتح الياء والعين وهو يوم يصيبهم ~~الصعقة بالقتل يوم بدر لا النفخة الأولى كما قيل: إذ لا يصعق ~~بها إلا من كان حيا حينئذ ولأن قوله تعالى: # { يوم لا يغنى عنهم كيدهم شيئا } أي شيئا من ~~الإغناء بدل من يومهم ولا يخفى أن التعرض لبيان عدم نفع ~~كيدهم يستدعي استعمالهم له طمعا في الانتفاع به وليس ذلك إلا ما ~~دبروه في أمره صلى الله عليه وسلم من الكيد الذي من جملته ~~مناصبتهم يوم بدر، وأما النفخة الأولى فليست مما يجري في ~~مدافعته الكيد والحيل وقيل: هو يوم موتهم وفيه ما فيه مع ما ~~تأباه الإضافة المنبئة عن اختصاصه بهم { ولا هم ينصرون } من ~~جهة الغير في دفع العذاب عنهم { وإن للذين ظلموا } أي ~~لهم ووضع الموصول موضع الضمير لما ذكر من قبل أي وإن لهؤلاء ~~الظلمة { عذابا } آخر { دون ذلك } دون ما لاقوه من القتل أي ~~قبله وهو القحط الذي أصابهم سبع سنين أو وراءه كما في قوله: # تريك القذى من دونها وهو دونها # [تراه إذا ما ذاقها يتمطق] # وهو عذاب القبر وما بعده من فنون عذاب الآخرة. وقرىء دون ذلك ~~قريبا { ولكن أكثرهم لا يعلمون } أن الأمر كما ~~ذكرنا، وفيه إشارة إلى أن فيهم من يعلم ذلك وإنما يصر على ~~الكفر عنادا أو لا يعلمون شيئا أصلا. ### || [52.48-49] # { واصبر لحكم ربك } بإمهالهم إلى يومهم الموعود وإبقائك ~~فيما بينهم مع مقاساة الأحزان ومعاناة الهموم. { فإنك ~~بأعيننا } أي في حفظنا وحمايتنا بحيث نراقبك ونكلؤك، وجمع ~~العين لجمع الضمير والإيذان بغاية الاعتناء بالحفظ { وسبح } ~~أي نزهه تعالى عما لا يليق به ملتبسا { بحمد ms3091 ربك } على ~~نعمائه الفائتة للحصر { حين تقوم } من أي مكان قمت. قال سعيد ~~بن جبير وعطاء أي قل حين تقوم من مجلسك (سبحانك اللهم ~~وبحمدك)، وقال ابن عباس رضي الله عنهما: معناه صل لله حين ~~تقوم من منامك، وقال الضحاك والربيع: " إذا قمت إلى الصلاة ~~فقل سبحانك اللهم وبحمدك وتبارك اسمك وتعالى جدك ولا إله ~~غيرك " وقوله تعالى: # { ومن اليل فسبحه } إفراد لبعض الليل بالتسبيح لما ~~أن العبادة فيه أشق على النفس وأبعد عن الرياء كما يلوح به ~~تقديمه على الفعل { وإدبر النجوم } أي وقت إدبارها من ~~آخر الليل أي غيبتها بضوء الصباح، وقيل: التسبيح من الليل صلاة ~~العشاءين وإدبار النجوم صلاة الفجر وقرىء أدبار النجوم ~~بالفتح أي في أعقابها إذا غربت أو خفيت. # عن النبي عليه الصلاة والسلام: # " من قرأ سورة والطور كان حقا على الله تعالى أن يؤمنه من ~~عذابه وأن ينعمه في جنته ". ### | [53 - سورة النجم] ### || [53.1-2] # سورة والنجم مكية # وآيها إحدى أو اثنتان وستون # { والنجم إذا هوى } المراد بالنجم إما الثريا فإنه ~~اسم غالب له، أو جنس النجوم. وبهويه غروبه، وقيل: طلوعه، ~~يقال هوى هويا بوزن قبول إذا غرب وهويا بوزن دخول إذا علا ~~وصعد. وأما النجم من نجوم القرآن فهويه نزوله، والعامل في ~~إذا فعل القسم فإنه بمعنى مطلق الوقت منسلخ من معنى الاستقبال ~~كما في قولك آتيك إذا احمر البسر. وفي الإقسام بذلك على ~~نزاهته عليه الصلاة والسلام عن شائبه الضلال والغواية من ~~البراعة البديعة وحسن الموقع ما لا غاية وراءه، أما على الأولين ~~فلأن النجم شأنه أن يهتدي به الساري إلى مسالك الدنيا ~~كأنه قيل والنجم الذي يهتدي به السابلة إلى سواء السبيل. # { ما ضل صحبكم } أي ما عدل عن طريق الحق الذي هو ~~مسلك الآخرة. { وما غوى } أي وما اعتقد باطلا قط أي هو في ~~غاية الهدى والرشد وليس مما تتوهمونه من الضلال والغواية في ~~شىء أصلا، وأما على الثالث فلأنه تنويه بشأن القرآن كما أشير ~~إليه في مطلع سورة يس وسورة ms3092 الزخرف وتنبيه على مناط اهتدائه عليه ~~الصلاة والسلام ومدار رشاده، كأنه قيل والقرآن الذي هو ~~علم في الهداية إلى مناهج الدين ومسالك الحق ما ضل عنها ~~محمد عليه الصلاة والسلام وما غوى. والخطاب لقريش، وإيراده ~~عليه الصلاة والسلام بعنوان صاحبيته لهم للإيذان بوقوفهم على ~~تفاصيل أحواله الشريفة وإحاطتهم خبرا ببراءته عليه الصلاة ~~والسلام مما نفي بالكلية وباتصافه عليه الصلاة والسلام ~~بغاية الهدى والرشاد فإن طول صحبتهم له عليه الصلاة ~~والسلام ومشاهدتهم لمحاسن شؤونه العظيمة مقتضية لذلك حتما. ~~وتقييد القسم بوقت الهوي على الوجه الأخير ظاهر وأما على ~~الأولين فلأن النجم لا يهتدي به الساري عند كونه في وسط ~~السماء ولا يعلم المشرق من المغرب ولا الشمال من الجنوب وإنما ~~يهتدي به عند هبوطه أو صعوده مع ما فيه من كمال المناسبة لما ~~سيحكى من تدلي جبريل من الأفق الأعلى ودنوه منه عليهما ~~السلام، هذا هو اللائق بشأن التنزيل الجليل. وأما حمل هويه ~~انتثاره يوم القيامة أو على انقضاض النجم الذي يرجم به أو حمل ~~النجم على النبات وحمل هويه على سقوطه على الأرض أو على ظهوره ~~منها فمما لا يناسب المقام. ### || [53.3-9] # { وما ينطق عن الهوى } أي وما يصدر نطقه بالقرآن عن ~~هواه ورأيه أصلا فإن المراد استمرار نفي النطق عن الهوى لا ~~نفي استمرار النطق عنه كما مر مرارا. # { إن هو } أي ما الذي ينطق به من القرآن { إلا وحى } من ~~الله تعالى. وقوله تعالى: { يوحى } صفة مؤكدة لوحي رافعة لاحتمال ~~المجاز مفيدة للاستمرار التجددي { علمه شديد القوى } أي ~~ملك شديد قواه وهو جبريل عليه السلام فإنه الواسطة في ~~إبداء الخوارق وناهيك دليلا على شدة قوته أنه قلع قرى قوم لوط ~~من الماء الأسود الذي هو تحت الثرى وحملها على جناحه ورفعها إلى ~~السماء ثم قلبها وصاح بثمود صيحة فأصبحوا جاثمين وكان هبوطه على ~~الأنبياء وصعوده في أسرع من رجعة الطرف { ذو مرة } أي حصافة ~~في عقله ورأيه ومتانة في دينه { فاستوى } عطف على علمه ~~بطريق التفسير فإنه إلى ms3093 قوله تعالى ما أوحى بيان لكيفية ~~التعليم أي فاستقام على صورته التي كان يتمثل بها كلما هبط ~~بالوحي وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أحب أن يراه في ~~صورته التي جبل عليها وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم بحراء ~~فطلع له جبريل عليه السلام من المشرق فسد الأرض من المغرب ~~وملأ الأفق فخر رسول الله صلى الله عليه وسلم فنزل جبريل عليه ~~السلام في صورة الآدميين فضمه إلى نفسه وجعل يمسح الغبار ~~عن وجهه قيل: ما رآه أحد من الأنبياء في صورته غير النبي ~~عليه الصلاة والسلام فإنه رآه فيها مرتين مرة في الأرض ~~ومرة في السماء وقيل: استوى بقوته على ما جعل له من الأمر. ~~وقوله تعالى: { وهو بالأفق الأعلى } أفق الشمس حال من ~~فاعل استوى { ثم دنا } أي أراد الدنو من النبي عليهما ~~الصلاة والسلام { فتدلى } أي استرسل من الأفق الأعلى مع ~~تعلق به فدنا من النبي، يقال تدلت الثمرة ودلى رجليه من ~~السرير وأدلى دلوه والدوالي الثمر المعلق { فكان } أي مقدار ~~امتداد ما بينهما { قاب قوسين } أي مقدارهما فإن القاب ~~والقيب والقاد والقيد والقيس المقدار، وقيل: فكان جبريل ~~عليه السلام كما في قولك هو مني معقد الإزار. { أو أدنى ~~} أي على تقديركم كما في قوله تعالى: # أو يزيدون # [سورة الصافات، الآية 147] والمراد تمثيل ملكة الاتصال وتحقيق ~~استماعه لما أوحي إليه بنفي البعد الملبس. ### || [53.10-14] # { فأوحى } أي جبريل عليه السلام { إلى عبده } عبد ~~الله تعالى، وإضماره قبل الذكر لغاية ظهوره كما في قوله تعالى: # ما ترك على ظهرها # [سورة فاطر، الآية 45] { ما أوحى } أي من الأمور العظيمة التي ~~لا تفي بها العبارة أو فأوحى الله تعالى حينئذ بواسطة جبريل ما ~~أوحى، قيل أوحى إليه أن الجنة محرمة على الأنبياء حتى ~~تدخلها وعلى الأمم حتى تدخلها أمتك { ما كذب الفؤاد } أي ~~فؤاد محمد عليه الصلاة والسلام { ما رأى } أي ما رآه ~~ببصره من صورة جبريل عليهما السلام أي ما قال فؤاده لما رآه لم ~~أعرفك ولو ms3094 قال ذلك لكان كاذبا لأنه عرفه بقلبه كما رآه ببصره ~~وقرىء ما كذب أي صدقه ولم يشك أنه جبريل بصورته { ~~أفتمرونه على ما يرى } أي أتكذبونه فتجادلونه على ما ~~يراه معاينة، أو أبعد ما ذكر من أحواله المنافية للمماراة ~~تمارونه، من المراء وهو الملاحاة والمجادلة واشتقاقه من مرى ~~الناقة كأن كلا من المتجادلين يمري ما عند صاحبه، وقرىء ~~أفتمرونه أي أفتغلبونه في المراء من ماريته فمريته ولما فيه من ~~معنى الغلبة عدي بعلى كما يقال غلبته على كذا وقيل: ~~أفتمرونه أفتجحدونه من مراه حقه إذا جحده { ولقد رءاه ~~نزلة أخرى } أي وبالله لقد رأى جبريل في صورته مرة أخرى من ~~النزول نصبت النزلة نصب الظرف الذي هو مرة لأن الفعلة اسم ~~للمرة من الفعل فكانت في حكمها، وقيل: تقديره ولقد رآه نازلا ~~نزلة أخرى فنصبها على المصدر. { عند سدرة المنتهى } هي ~~شجرة نبق في السماء السابعة عن يمين العرش ثمرها كقلال هجر، ~~وورقها كآذان الفيول تنبع من أصلها الأنهار التي ذكرها الله ~~تعالى في كتابه يسير الراكب في ظللها سبعين عاما لا يقطعها، ~~والمنتهى موضع الانتهاء أو الانتهاء كأنها في منتهى الجنة ~~وقيل: إليها ينتهي علم الخلائق وأعمالهم ولا يعلم أحد ما ~~وراءها، وقيل ينتهي إليها أرواح الشهداء، وقيل ينتهي إليها ما ~~يهبط من فوقها ويصعد من تحتها قيل: إضافة السدرة إلى المنتهى إما ~~إضافة الشيء إلى مكانه كقولك أشجار البستان أو إضافة المحل إلى ~~الحال كقولك كتاب الفقه، والتقدير سدرة عندها منتهى علوم ~~الخلائق أو إضافة الملك إلى المالك على حذف الجار والمجرور أي ~~سدرة المنتهى إليه وهو الله عز وجل قال تعالى إلى ربك ~~المنتهى. ### || [53.15-21] # { عندها جنة المأوى } أي الجنة التي يأوي إليها المتقون ~~أو أرواح الشهداء، والجملة حالية، وقيل: الأحسن أن يكون الحال ~~هو الظرف وجنة المأوى مرتفع به على الفاعلية. وقوله تعالى: { ~~إذ يغشى السدرة ما يغشى } ظرف زمان لرآه لا لما ~~بعده من الجملة المنفية كما قيل: فإن ما النافية لا يعمل ما ~~بعدها ms3095 فيما قبلها، والغشيان بمعنى التعظية والستر ومنه الغواشي ~~أو بمعنى الإتيان يقال فلان يغشاني كل حين، أي يأتيني، ~~والأول هو الأليق بالمقام وفي إبهام ما يغشى من التفخيم ما لا ~~يخفى، وتأخيره عن المفعول للتشويق إليه أي ولقد رآه عند السدرة ~~وقت غشيها ما غشيها مما لا يكتنهه الوصف ولا يفي به البيان ~~كيفا ولا كما. وصيغة المضارع لحكاية الحال الماضية استحضارا ~~لصورتها البديعة وللإيذان باستمرار الغشيان بطريق التجدد وقيل: ~~يغشاها الجم الغفير من الملائكة يعبدون الله تعالى عندها، وقيل: ~~يزورونها متبركين بها كما يزور الناس الكعبة وقيل: يغشاها سبحات ~~أنوار الله عز وجل حين يتجلى لها كما تجلى للجبل لكنها كانت ~~أقوى من الجبل وأثبت حيث لم يصبها ما أصابه من الدك وقيل: ~~يغشاها فراش أو جراد من ذهب، وهو قول ابن عباس وابن مسعود ~~والضحاك. وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " رأيت السدرة يغشاها فراش من ذهب ورأيت على كل ورقة ملكا ~~قائما يسبح الله تعالى " # ، وعنه عليه الصلاة والسلام # " يغشاها رفرف من طير خضر " # { ما زاغ البصر } أي ما مال بصر رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~عما رآه { وما طغى } وما تجاوزه مع ما شاهد هناك من الأمور ~~العجيبة المذهلة ما لا يحصى بل أثبته إثباتا صحيحا متيقنا أو ~~ما عدل عن رؤية العجائب التي أمر برؤيتها ومكن منها وما ~~جاوزها. # { لقد رأى من ءايت ربه الكبرى } أي والله لقد ~~رأى الآيات التي هي كبراها وعظماها حين عرج به إلى السماء ~~فأري من عجائب الملك والملكوت ما لا يحيط به نطاق العبارة، ~~ويجوز أن تكون الكبرى صفة للآيات والمفعول محذوف أي شيئا عظيما ~~من آيات ربه وأن تكون من مزيدة. # { أفرءيتم اللت والعزى ومنوة الثالثة ~~الأخرى } هي أصنام كانت لهم، فاللات كانت لثقيف بالطائف وقيل ~~لقريش بنخلة. وهي فعلة من لوى لأنهم كانوا يلوون عليها ~~ويطوفون بها. وقرىء بتشديد التاء على أنه اسم فاعل اشتهر ~~به رجل كان يلت السمن بالزيت ويطعمه الحاج ms3096 وقيل كان يلت ~~السويق بالطائف ويطعمه الحاج فلما مات عكفوا على قبره ~~يعبدونه وقيل كان يجلس على حجر فلما مات سمي الحجر باسمه ~~وعبد من دون الله وقيل: كان الحجر على صورته. # والعزى تأنيث الأعز كانت لغطفان وهي سمرة كانوا يعبدونها ~~فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم خالد بن الوليد فقطعها فخرجت ~~منها شيطانة ناشرة شعرها واضعة يدها على رأسها وهي تولول ~~فجعل خالد يضربها بالسيف حتى قتلها فأخبر رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فقال: # " تلك العزى ولن تعبد أبدا ". # ومناة صخرة لهذيل وخزاعة وقيل لثقيف وكأنها سميت مناة ~~لأن دماء النسائك تمنى عندها أي تراق. وقرىء ومناءة وهي ~~مفعلة من النوء كأنهم كانوا يستمطرون عندها الأنواء تبركا بها، ~~و(الأخرى) صفة ذم لها وهي المتأخرة الوضيعة المقدار. وقد ~~جوز أن تكون الأولية والتقدم عندهم للات والعزى. ثم أنهم ~~كانوا مع ما ذكر من عبادتهم لها يقولون إن الملائكة وتلك ~~الأصنام بنات الله تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا فقيل لهم ~~توبيخا وتبكيتا أفرأيتم الخ. والهمزة للإنكار، والفاء لتوجيهه إلى ~~ترتيب الرؤية على ما ذكر من شؤون الله تعالى المنافية لها غاية ~~المنافاة، وهي قلبية ومفعولها الثاني محذوف لدلالة الحال عليه ~~فالمعنى أعقيب ما سمعتم من آثار كمال عظمة الله عز وجل في ~~ملكه وملكوته وجلاله وجبروته وإحكام قدرته ونفاذ أمره في الملأ ~~الأعلى وما تحت الثرى وما بينهما رأيتم هذه الأصنام مع غاية ~~حقارتها وقماءتها بنات له تعالى وقيل المعنى أفرأيتم هذه ~~الأصنام مع حقارتها وذلتها شركاء الله تعالى مع ما تقدم من ~~عظمته وقيل أخبروني عن آلهتكم هل لها شيء من القدرة والعظمة ~~التي وصف بها رب العزة في الآي السابقة وقيل المعنى أظننتم ~~أن هذه الأصنام التي تعبدونها تنفعكم وقيل أظننتم أنها تشفع لكم ~~في الآخرة وقيل أفرأيتم إلى هذه الأصنام إن عبدتموها لا تنفعكم ~~وإن تركتموها لا تضركم والأول هو الحق كما يشهد به قوله ~~تعالى: # { ألكم الذكر وله الأنثى } شهادة بينة فإنه توبيخ ~~مبني ms3097 على التوبيخ الأول وحيث كان مداره تفضيل جانب أنفسهم على ~~جنابه تعالى بنسبتهم إليه تعالى الإناث مع اختيارهم لأنفسهم الذكور ~~وجب أن يكون مناط الأول نفس تلك النسبة حتى يتسنى بناء ~~التوبيخ الثاني عليه، وظاهر أن ليس في شيء من التقديرات ~~المذكورة من تلك النسبة عين ولا أثر وأما ما قيل من أن هذه ~~الجملة مفعول ثان للرؤية وخلوها عن العائد إلى المفعول الأول ~~لما أن الأصل أخبروني أن اللات والعزى ومناة ألكم الذكر وله ~~هن أي تلك الأصنام فوضع موضعها الأنثى لمراعاة الفواصل وتحقيق ~~مناط التوبيخ فمع ما فيه من التمحلات التي ينبغي تنزيه ساحة ~~التنزيل عن أمثالها يقتضي اقتصار التوبيخ على ترجيح جانبهم الحقير ~~على جناب الله العزيز الجليل من غير تعرض للتوبيخ على نسبة الولد ~~إليه سبحانه. ### || [53.22] # { تلك } إشارة إلى القسمة المنفهمة من الجملة الاستفهامية { ~~إذا قسمة ضيزى } أي جائرة حيث جعلتم له تعالى ما تستنكفون ~~منه وهي فعلى من الضيز وهو الجور لكنه كسر فاؤه لتسلم الياء ~~كما فعل في بيض فإن فعلى بالكسر لم يأت في الوصف، وقرىء ~~ضئزى بالهمزة من ضأزه إذا ظلمه على أنه مصدر نعت. وقرىء ~~ضيزى إما على أنه مصدر وصف به كدعوى أو على أنه صفة كسكرى وعطشى. ### || [53.23-25] # { إن هى } الضمير للأصنام أي ما الأصنام باعتبار الألوهية التي ~~يدعونها { إلا أسماء } محضة ليس تحتها مما تنبىء هي عنه ~~من معنى الألوهية شيء ما أصلا. وقوله تعالى { سميتموها } صفة ~~لأسماء وضميرها لها لا للأصنام والمعنى جعلتموها أسماء لا جعلتم لها ~~أسماء فإن التسمية نسبة بين الاسم والمسمى فإذا قيست إلى ~~الإسم فمعناها جعله إسما للمسمى وإن قيست إلى المسمى فمعناها ~~جعله مسمى للإسم، وإنما اختير ههنا المعنى الأول من غير تعرض ~~للمسمى لتحقيق أن تلك الأصنام التي يسمونها آلهة أسماء مجردة ~~ليس لها مسميات قطعا كما في قوله تعالى: # ما تعبدون من دونه إلا أسماء سميتموها # [سورة يوسف، الآية 40] الآية لا أن هناك مسميات لكنها لا تستحق ~~التسمية وقيل ms3098 هي للأسماء الثلاثة المذكورة حيث كانوا يطلقونها ~~على تلك الأصنام لاعتقادهم أنها تستحق العكوف على عبادتها ~~والإعزاز والتقرب إليها بالقرابين وأنت خبير بأنه لو سلم ~~دلالة الأسماء المذكورة على ثبوب تلك المعاني الخاصة للأصنام ~~فليس في سلبها عنها مزيد فائدة بل إنما هي في سلب الألوهية عنها ~~كما هو زعمهم المشهور في حق جميع الأصنام على وجه برهاني، فإن ~~انتفاء الموصوف يقتضي انتفاء الوصف بطريق الأولوية أي ما هي إلا ~~أسماء خالية عن المسميات وضعتموها { أنتم وءاباؤكم } ~~بمقتضى أهوائكم الباطلة { ما أنزل الله بها من سلطن ~~} برهان تتعلقون به { إن يتبعون } التفات إلى الغيبة ~~للإيذان بأن تعداد قبائحهم اقتضى الإعراض عنهم وحكاية جناياتهم ~~لغيرهم أي ما يتبعون فيما ذكر من التسمية والعمل بموجبها { إلا ~~الظن } إلا توهم أن ما هم عليه حق توهما باطلا { وما ~~تهوى الأنفس } أي تشتهيه أنفسهم الأمارة بالسوء { ولقد ~~جاءهم من ربهم الهدى } قيل هي حال من فاعل يتبعون أو ~~اعتراض وأيا ما كان ففيه تأكيد لبطلان اتباع الظن وهو النفس ~~وزيادة تقبيح لحالهم فإن ابتاعهما من أي شخص كان قبيح وممن ~~هداه الله تعالى بإرسال الرسول صلى الله عليه وسلم وإنزال الكتاب ~~أقبح. # { أم للإنسن ما تمنى } أم منقطعة وما فيها من بل ~~للانتقال من بيان أن ما هم عليه غير مستند إلا إلى توهمهم ~~وهوى أنفسهم إلى بيان أن ذلك مما لا يجدي نفعا أصلا. ~~والهمزة للإنكار والنفي، أي ليس للإنسان كل ما يتمناه ~~وتشتهيه نفسه من الأمور التي من جملتها أطماعهم الفارغة في ~~شفاعة الآلهة ونظائرها التي لا تكاد تدخل تحت الوجود { فلله ~~الآخرة والأولى } تعليل لانتفاء أن يكون للإنسان ما يتمناه ~~حتما فإن اختصاص أمور الآخرة والأولى جميعا به تعالى مقتض ~~لانتفاء أن يكون له أمر من الأمور. ### || [53.26-29] # وقوله تعالى: { وكم من ملك فى السموات لا تغنى ~~شفعتهم شيئا } إقناط لهم عما علقوا به أطماعهم من ~~شفاعة الملائكة لهم موجب لإقناطهم من شفاعة الأصنام بطريق ~~الأولوية وكم خبرية مفيدة للتكثير محلها ms3099 الرفع على الابتداء، ~~والخبر هي الجملة المنفية وجمع الضمير في شفاعتهم مع إفراد ~~الملك باعتبار المعنى أي وكثير من الملائكة لا تغني شفاعتهم عند ~~الله تعالى شيئا من الإغناء في وقت من الأوقات { إلا من بعد ~~أن يأذن الله } لهم في الشفاعة { لمن يشاء } إن يشفعوا له ~~{ ويرضى } ويراه أهلا للشفاعة من أهل التوحيد والإيمان، ~~وأما من عداهم من أهل الكفر والطغيان فهم من إذن الله تعالى ~~بمعزل من الشفاعة بألف منزل، فإذا كان حال الملائكة في باب ~~الشفاعة كما ذكر فما ظنهم بحال الأصنام { إن الذين لا ~~يؤمنون بالآخرة } وبما فيها من العقاب على ما يتعاطونه من ~~الكفر والمعاصي { ليسمون الملئكة } المنزهين عن سمات ~~النقصان على الإطلاق أي يسمون كل واحد منهم { تسمية الأنثى ~~} فإن قولهم الملائكة بنات الله قول منهم بأن كلا منهم بنته ~~سبحانه، وهي التسمية بالأنثى، وفي تعليقها بعدم الإيمان بالآخرة ~~إشعار بأنها في الشناعة والفظاعة واستتباع العقوبة في الآخرة ~~بحيث لا يجترىء عليها إلا من لا يؤمن بها رأسا. وقوله تعالى: { ~~وما لهم به من علم } حال من فاعل يسمون أي يسمونهم ~~والحال أنه لا علم لهم بما يقولون أصلا. وقرىء بها أي ~~بالملائكة أو بالتسمية. { إن يتبعون } في ذلك { إلا ~~الظن } الفاسد { وإن الظن } أي جنس الظن كما يلوح به ~~الإظهار في موقع الإضمار { لا يغنى من الحق شيئا } من ~~الإغناء، فإن الحق الذي هو عبارة عن حقيقة الشيء لا يدرك إلا ~~بالعلم، والظن لا اعتداد به في شأن المعارف الحقيقية وإنما يعتد ~~به في العمليات وما يؤدي إليها. { فأعرض عن من تولى عن ~~ذكرنا } أي عنهم. ووضع الموصول موضع ضميرهم للتوسل به، أي ~~وصفهم بما في حيز صلته من الأوصاف القبيحة وتعليل الحكم بها أي ~~فأعرض عمن أعرض عن ذكرنا المفيد للعلم اليقيني وهو القرآن ~~المنطوي على علوم الأولين والآخرين المذكر لأمور الآخرة أو عن ~~ذكرنا كما ينبغي فإن ذلك مستتبع لذكر الآخرة وما فيها من الأمور ~~المرغوب فيها والمرهوب عنها. { ولم يرد ms3100 إلا الحيوة ~~الدنيا } راضيا بها قاصرا نظره عليها، والمراد النهي عن دعوته ~~والاعتناء بشأنه فإن من أعرض عما ذكر وانهمك في الدنيا بحيث ~~كانت هي منتهى همته وقصارى سعيه لا تزيده الدعوة إلى خلافها ~~إلا عنادا وإصرارا على الباطل. ### || [53.30-31] # { ذلك } أي ما أداهم فيه من التولي وقصر الإرادة على الحياة ~~الدنيا { مبلغهم من العلم } لا يكادون يجاوزونه إلى ~~غيره حتى تجديهم الدعوة والإرشاد وجمع الضمير في مبلغهم ~~باعتبار معنى من كما أن إفراده فيما سبق باعتبار لفظها، ~~والمراد بالعلم مطلق الإدراك المنتظم للظن الفاسد والجملة ~~اعتراض مقرر لمضمون ما قبلها من قصر الإرادة على الحياة الدنيا. ~~وقوله تعالى: { إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله ~~وهو أعلم بمن اهتدى } تعليل للأمر بالإعراض وتكرير ~~قوله تعالى هو أعلم لزيادة التقرير والإيذان بكمال تباين ~~المعلومين والمراد بمن ضل من أصر عليه ولم يرجع إلى الهدى ~~أصلا وبمن اهتدى من شأنه الاهتداء في الجملة أي هو المبالغ في ~~العلم بمن لا يرعوي عن الضلال أبدا وبمن يقبل الاهتداء في الجملة ~~لا غيره فلا تتعب نفسك في دعوتهم فإنهم من القبيل الأول، وفي ~~تعليل الأمر بإعراضه عليه السلام عن الاعتناء بأمرهم باقتصار ~~العلم بأحوال الفريقين عليه تعالى رمز إلى أنه تعالى يعاملهم ~~بموجب علمه بهم فيجزى كلا منهم بما يليق به من الجزاء ففيه وعيد ~~ووعد ضمنا كما سيأتي صريحا. # { ولله ما فى السموات وما في الأرض } أي خلقا ~~وملكا لا لغيره أصلا لا استقلالا ولا اشتراكا. وقوله تعالى: { ~~ليجزى } الخ متعلق بما دل عليه أعلم الخ وما بينهما اعتراض ~~مقرر لما قبله فإن كون الكل مخلوقا له تعالى مما يقرر ~~علمه تعالى بأحوالهم # ألا يعلم من خلق # [سورة الملك، الآية 14] كأنه قيل فيعلم ضلال من ضل واهتداء من ~~اهتدى ويحفظهما ليجزي { الذين أساءوا بما عملوا } أي ~~بعقاب ما عملوا من الضلال الذي عبر عنه بالإساءة بيانا لحاله ~~أو بسبب ما عملوا. # { ويجزى الذين أحسنوا } أي اهتدوا { بالحسنى } أي ~~بالمثوبة الحسنى التي ms3101 هي الجنة أو بسبب أعمالهم الحسنى، وقيل ~~متعلق بما دل عليه قوله تعالى: # ولله ما فى السموات وما في الأرض # [سورة آل عمران، الآيات 109 و129 وسورة النساء، الآيات 126 و131] كأنه ~~قيل خلق ما فيهما ليجزي الخ، وقيل: متعلق بضل واهتدى على أن ~~اللام للعاقبة أي هو أعلم بمن ضل ليؤول أمره إلى أن يجزيه ~~الله تعالى بعمله وبمن اهتدى ليؤول أمره إلى أن يجزيه ~~بالحسنى وفيه من البعد ما لا يخفى، وتكرير الفعل لإبراز كمال ~~الاعتناء بأمر الجزاء والتنبيه على تباين الجزاءين. ### || [53.32-35] # { الذين يجتنبون كبئر الإثم } بدل من الموصول ~~الثاني. وصيغة الاستقبال في صلته للدلالة على تجدد الاجتناب ~~واستمراره، أو بيان أو نعت أو منصوب على المدح، وكبائر الإثم ما ~~يكبر عقابه من الذنوب وهو ما رتب عليه الوعيد بخصوصه. وقرىء ~~كبير الإثم، على إرادة الجنس أو الشرك { والفوحش } وما فحش ~~من الكبائر خصوصا { إلا اللمم } أي إلا ما قل وصغر فإنه ~~مغفور ممن يجتنب الكبائر قيل هي النظرة والغمزة والقبلة وقيل ~~هي الخطرة من الذنب وقيل كل ذنب لم يذكر الله عليه حدا ولا ~~عذابا، وقيل عادة النفس الحين بعد الحين والاستثناء منقطع { إن ~~ربك وسع المغفرة } حيث يغفر الصغائر باجتناب الكبائر، ~~فالجملة تعليل لاستثناء اللمم وتنبيه على أن إخراجه عن حكم ~~المؤاخذة به ليس لخلوه عن الذنب في نفسه بل لسعة المغفرة ~~الربانية وقيل المعنى له أن يغفر لمن يشاء من المؤمنين ما يشاء ~~من الذنوب صغيرها وكبيرها، ولعل تعقيب وعيد المسيئين ووعد ~~المحسنين بذلك حينئذ لئلا ييأس صاحب الكبيرة من رحمته تعالى ~~ولا يتوهم وجوب العقاب عليه تعالى. # { هو أعلم بكم } أي بأحوالكم يعلمها { إذ أنشأكم } في ~~ضمن إنشاء أبيكم آدم عليه السلام { من الأرض } إنشاء ~~إجماليا حسبما مر تقريره مرارا { وإذ أنتم أجنة } أي ~~ووقت كونكم أجنة { فى بطون أمهتكم } على أطوار مختلفة ~~مترتبة لا يخفى عليه حال من أحوالكم وعمل من أعمالكم التي من ~~جملتها اللمم الذي لولا المغفرة الواسعة لأصابكم وباله ms3102 فالجملة ~~استئناف مقرر لما قبلها والفاء في قوله تعالى { فلا تزكوا ~~أنفسكم } لترتيب النهي عن تزكية النفس على ما سبق من أن ~~عدم المؤاخذة باللمم ليس لعدم كونه من قبيل الذنوب بل لمحض ~~مغفرته تعالى مع علمه بصدوره عنكم أي إذا كان الأمر كذلك فلا ~~تثنوا عليها بالطهارة عن المعاصي بالكلية أو بما يستلزمها من زكاء ~~العمل ونماء الخير بل اشكروا الله تعالى على فضله ومغفرته. { هو ~~أعلم بمن اتقى } المعاصي جميعا، وهو استئناف مقرر للنهي ~~ومشعر بأن فيهم من يتقيها بأسرها، وقيل كان ناس يعملون أعمالا ~~حسنة ثم يقولون صلاتنا وصيامنا وحجنا فنزلت وهذا إذا كان بطريق ~~الإعجاب أو الرياء فأما من اعتقد أن ما عمله من الأعمال ~~الصالحة من الله تعالى وبتوفيقه وتأييده ولم يقصد به التمدح لم ~~يكن من المزكين أنفسهم فإن المسرة بالطاعة طاعة وذكرها شكر. # { أفرأيت الذى تولى } أي عن اتباع الحق والثبات ~~عليه { وأعطى قليلا } أي شيئا قليلا أو إعطاء قليلا { ~~وأكدى } أي قطع العطاء من قولهم أكدى الحافر إذا بلغ الكدية ~~أي الصلابة كالصخرة فلا يمكنه أن يحفر قالوا نزلت في الوليد ~~بن المغيرة كان يتبع رسول الله صلى الله عليه وسلم فعيره بعض ~~المشركين، وقال له تركت دين الأشياخ وضللتهم فقال أخشى عذاب ~~الله فضمن أن يتحمل عنه العذاب إن أعطاه بعض ماله فارتد وأعطاه ~~بعض المشروط وبخل بالباقي وقيل نزلت في العاص بن وائل ~~السهمي لما أنه كان يوافق النبي صلى الله عليه وسلم في بعض ~~الأمور، وقيل في أبي جهل كان ربما يوافق الرسول صلى الله عليه ~~وسلم في بعض الأمور، وكان يقول والله ما يأمرنا محمد إلا بمكارم ~~الأخلاق وذلك قوله تعالى: { وأعطى قليلا وأكدى } والأول ~~هو الأشهر المناسب لما بعده من قوله تعالى: { أعنده علم ~~الغيب فهو يرى } الخ أي أعنده علم بالأمور الغيبية التي ~~من جملتها تحمل صاحبه عنه يوم القيامة. ### || [53.36-40] # { أم لم ينبأ بما فى صحف موسى وإبرهيم الذى ~~وفى } أي وفر وأتم ما ابتلي ms3103 به من الكلمات أو أمر به أو ~~بالغ في الوفاء بما عاهد الله وتخصيصه بذلك لاحتماله ما لم ~~يحتمله غيره كالصبر على نار نمرود حتى إنه أتاه جبريل عليه ~~السلام حين يلقى في النار فقال ألك حاجة فقال أما إليك ~~فلا وعلى ذبح الولد ويروى أنه كان يمشي كل يوم فرسخا ~~يرتاد ضيفا فإن وافقه أكرمه وإلا نوى الصوم وتقديم موسى لما ~~أن صحفه التي هي التوراة أشهر عندهم وأكثر. { ألا تزر ~~وزرة وزر أخرى } أي أنه لا تحمل نفس من شأنها الحمل ~~حمل نفس أخرى على أن «أن» هي المخففة من الثقيلة وضمير ~~الشأن الذي هو اسمها محذوف والجملة المنفية خبرها ومحل الجملة ~~الجر على أنها بدل مما في صحف موسى أو الرفع على أنها خبر ~~مبتدأ محذوف كأنه قيل: ما في صحفهما فقيل هو أن لا تزر الخ ~~والمعنى أنه لا يؤاخذ أحد بذنب غيره ليتخلص الثاني عن ~~عقابه ولا يقدح في ذلك قوله عليه الصلاة والسلام # " من سن سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى ~~يوم القيامة فإن ذلك وزر الإضلال الذي هو وزره " # وقوله تعالى: # { وأن ليس للإنسن إلا ما سعى } بيان لعدم انتفاع ~~الإنسان بعمل غيره من حيث جلب النفع إليه إثر بيان عدم ~~انتفاعه به من حيث دفع الضرر عنه، وأما شفاعة الأنبياء عليهم ~~السلام واستغفار الملائكة عليهم السلام ودعاء الأحياء للأموات ~~وصدقتهم عنهم وغير ذلك مما لا يكاد يحصى من الأمور النافعة ~~للإنسان مع أنها ليست من عمله قطعا فحيث كان مناط منفعة كل ~~منها عمله الذي هو الإيمان والصلاح ولم يكن لشيء منها نفع ما ~~بدونه جعل النافع نفس عمله وإن كان بانضمام عمل غيره إليه وأن ~~مخففة كأختها معطوفة عليها وكذا قوله تعالى: # { وأن سعيه سوف يرى } أي يعرض عليه ويكشف له يوم ~~القيامة في صحيفته وميزانه من أريته الشيء. ### || [53.41-50] # { ثم يجزاه } أي يجزى الإنسان سعيه يقال جزاه الله بعمله ~~وجزاه على عمله بحذف الجار وإيصال الفعل ويجوز ms3104 أن يجعل ~~الضمير للجزاء ثم يفسر بقوله تعالى: { الجزاء الأوفى } أو ~~يبدل هو عنه كما في قوله تعالى: # وأسروا النجوى الذين ظلموا # [سورة الأنبياء، الآية 3] { وأن إلى ربك المنتهى } أي ~~انتهاء الخلق ورجوعهم إليه تعالى لا إلى غيره استقلالا ولا ~~اشتراكا وقرىء بكسر إن على الابتداء { وأنه هو أضحك ~~وأبكى } أي هو خلق قوتي الضحك والبكاء { وأنه هو ~~أمات وأحيا } لا يقدر على الإماتة والإحياء غيره فإن أثر ~~القاتل نقض البنية وتفريق الاتصال وإنما يحصل الموت عنده بفعل ~~الله تعالى على العادة { وأنه خلق الزوجين الذكر ~~والأنثى من نطفة إذا تمنى } تدفق في الرحم أو تخلق أو ~~يقدر منها الولد من منى بمعنى قدر { وأن عليه النشأة ~~الأخرى } أى الإحياء بعد الموت وفاء بوعده وقرىء النشاءة ~~بالمد وهي أيضا مصدر نشأه. { وأنه هو أغنى وأقنى } ~~وأعطى القنية وهي ما يتأثل من الأموال وأفردها بالذكر لأنها ~~أشرف الأموال أو أرضى، وتحقيقه جعل الرضا له قنية { وأنه ~~هو رب الشعرى } أي رب معبودهم وهي العبور وهي أشد ضياء ~~من الغميصاء وكانت خزاعة تعبدها سن لهم ذلك أبو كبشة رجل من ~~أشرافهم وكانت قريش تقول لرسول الله صلى الله عليه وسلم: أبو كبشة ~~تشبيها له عليه الصلاة والسلام به لمخالفته إياهم في دينهم. # { وأنه أهلك عادا الأولى } هي قوم هود عليه السلام ~~وعاد الأخرى إرام، وقيل: الأولى القدماء لأنهم أولى الأمم ~~هلاكا بعد قوم نوح، وقرىء عاد الأولى بحذف الهمزة ونقل ضمتها إلى ~~اللام وعاد لولى بإدغام التنوين في اللام وطرح همزة أولى ونقل حركتها ~~إلى لام التعريف. ### || [53.51-58] # { وثمود } عطف على عادا لأن ما بعده لا يعمل فيه وقرىء ~~وثمودا بالتنوين { فما أبقى } أي أحدا من الفريقين { وقوم ~~نوح } عطف عليه أيضا { من قبل } أي من قبل إهلاك عاد ~~وثمود { إنهم كانوا هم أظلم وأطغى } من الفريقين ~~حيث كانوا يؤذونه وينفرون الناس عنه وكانوا يحذرون صبيانهم ~~أن يسمعوا منه وكانوا يضربونه عليه الصلاة والسلام حتى لا ~~يكون به حراك وما أثر فيهم ms3105 دعاؤه قريبا من ألف سنة { ~~والمؤتفكة } هي قرى قوم لوط ائتفكت بأهلها أي انقلبت بهم ~~{ أهوى } أي أسقطها إلى الأرض بعد أن رفعها على جناح جبريل ~~عليه السلام إلى السماء { فغشها ما غشى } من فنون ~~العذاب وفيه من التهويل والتفظيع ما لا غاية وراءه { فبأى ~~ءالاء ربك تتمارى } تشك. والخطاب للرسول عليه الصلاة ~~والسلام على طريقة قوله تعالى: # لئن أشركت ليحبطن عملك # [سورة الزمر، الآية 65] أو لكل أحد. وإسناد فعل التماري إلى ~~الواحد باعتبار تعدده بحسب تعدد متعلقة فإن صيغة التفاعل وإن ~~كانت موضوعة لإفادة صدور الفعل عن المتعدد ووقوعه عليه بحيث يكون ~~كل من ذلك فاعلا ومفعولا معا لكنها قد تجرد عن المعنى ~~الثاني فيراد بها المعنى الأول فقط كما في يتداعونهم أي يدعونهم وقد ~~تجرد عنهم أيضا فيكتفى بتعدد الفعل بتعدد متعلقه كما فيما نحن فيه ~~فإن المراء متعدد بتعدد الآلاء فتدبر، وتسمية الأمور المعدودة آلاء مع ~~أن بعضها نقم لما أنها أيضا نعم من حيث إنها نصرة للأنبياء ~~والمؤمنين وانتقام لهم وفيها عظات وعبر للمعتبرين. # { هذا نذير من النذر الأولى } هذا إما إشارة إلى ~~القرآن، والنذير مصدر، أو إلى الرسول عليه الصلاة والسلام ~~والنذير بمعنى المنذر، وأيا ما كان فالتنوين للتفخيم ومن ~~متعلقه بمحذوف هو نعت لنذير مقرر له ومتضمن للوعيد أي هذا ~~القرآن الذي تشاهدونه نذير من قبيل الإنذارات المتقدمة التي ~~سمعتم عاقبتها، أو هذا الرسول منذر من جنس المنذرين الأولين ~~والأولى على تأويل الجماعة لمراعاة الفواصل وقد علمتم أحوال ~~قومهم المنذرين وفي تعقيبه بقوله تعالى: { أزفت الأزفة } ~~إشعار بأن تعذيبهم مؤخر إلى يوم القيامة أي دنت الساعة ~~الموصوفة بالدنو في نحو قوله تعالى: # اقتربت الساعة # [سورة القمر، الآية 1] { ليس لها من دون الله كاشفة } أي ~~ليس لها نفس قادرة على كشفها عند وقوعها إلا الله تعالى لكنه لا ~~يكشفها أو ليس لها الآن نفس كاشفة بتأخيرها إلا الله تعالى ~~فإنه المؤخر لها أو ليس لها كاشفة لوقتها إلا الله تعالى ~~كقوله تعالى: # لا يجليها لوقتها ms3106 إلا هو # [سورة الأعراف، الآية 87] أو ليس لها من غير الله تعالى كشف على أن ~~كاشفة مصدر كالعافية. ### || [53.59-62] # { أفمن هذا الحديث } أي القرآن { تعجبون } إنكارا { ~~وتضحكون } استهزاء مع كونه أبعد شيء من ذلك { ولا تبكون ~~} حزنا على ما فرطتم في شأنه وخوفا من أن يحيق بكم ما حاق ~~بالأمم المذكورة { وأنتم سمدون } أي لاهون أو مستكبرون من ~~سمد البعير إذا رفع رأسه أو مغنون لتشغلوا الناس عن استماعه ~~من السمود بمعنى الغناء على لغة حمير أو خاشعون جامدون من ~~السمود بمعنى الجمود والخشوع كما في قول من قال: # رمى الحدثان نسوة آل سعد # بمقدار سمدن له سمودا # فرد شعورهن السود بيضا # ورد وجوهن البيض سودا # والجملة حال من فاعل لا تبكون خلا أن مضمونها على الوجه ~~الأخير قيد للنفي والإنكار وارد على نفي البكاء والسمود معا، ~~وعلى الوجوه الأول قيد للنفي والإنكار متوجه إلى نفي البكاء ~~ووجود السمود والأول أوفى بحق المقام فتدبر. والفاء في قوله ~~تعالى { فاسجدوا لله واعبدوا } لترتيب الأمر أو موجبه ~~على ما تقرر من بطلان مقابلة القرآن بالإنكار والاستهزاء ووجوب ~~تلقيه بالإيمان مع كمال الخضوع والخشوع أي وإذا كان الأمر كذلك ~~فاسجدوا لله الذي أنزله واعبدوه. # عن النبي عليه الصلاة والسلام: # " من قرأ سورة والنجم أعطاه الله تعالى عشر حسنات بعدد من ~~صدق بمحمد وجحد به بمكة شرفها الله تعالى ". ### | [54 - سورة القمر] ### || [54.1-3] # سورة القمر مكية # وآيها خمس وخمسون آية # { اقتربت الساعة وانشق القمر } روي أن الكفار ~~سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم آية، فانشق القمر. قال ابن ~~عباس رضي الله عنهما: انفلق فلقتين فلقة ذهبت وفلقة بقيت. ~~وقال ابن مسعود رأيت حراء بين فلقتي القمر. وعن عثمان بن ~~عطاء عن أبيه أن معناه سينشق يوم القيامة ويرده قوله ~~تعالى: { وإن يروا ءاية يعرضوا ويقولوا سحر ~~مستمر } فإنه ناطق بأنه قد وقع وأنهم قد شاهدوا بعد ~~مشاهدة نظائره. وقرىء وقد انشق القمر. أي اقتربت الساعة وقد ~~حصل من آيات اقترابها أن القمر قد ms3107 انشق ومعنى الاستمرار ~~الاطراد أو الاستحكام أي وإن يروا آية من آيات الله يعرضوا ~~عن التأمل فيها ليقفوا على حقيتها وعلو طبقتها ويقولوا سحر ~~مطرد دائم يأتي به محمد على مر الزمان لا يكاد يختلف بحال ~~كسائر أنواع السحر، أو قوي مستحكم لا يمكن إزالته وقيل مستمر: ~~ذاهب يزول ولا يبقى تمنية لأنفسهم، وتعليلا وهو الأنسب بغلوهم ~~في العناد والمكابرة ويؤيده ما سيأتي لرده. وقرىء وإن يروا ~~على البناء للمفعول من الإراءة { وكذبوا } أي بالنبي صلى ~~الله عليه وسلم وما عاينوه مما أظهره الله تعالى على يده من ~~المعجزات { واتبعوا أهواءهم } التي زينها الشيطان لهم أو ~~كذبوا الآية التي هي انشقاق القمر واتبعوا أهواءهم وقالوا ~~سحر القمر أو سحر أعيننا والقمر بحاله. وصيغة الماضي للدلالة ~~على التحقق. وقوله تعالى: { وكل أمر مستقر } استئناف ~~مسوق لإقناطهم عما علقوا به أمانيهم الفارغة من عدم استقرار ~~أمره عليه الصلاة والسلام حسبما قالوا سحر مستمر ببيان ~~ثباته ورسوخه أي وكل أمر من الأمور مستقر أي منته إلى غاية ~~يستقر عليها لا محالة، ومن جملتها أمر النبي صلى الله عليه ~~وسلم فسيصير إلى غاية يتبين عندها حقيته وعلو شأنه. وإبهام ~~المستقر عليه للتنبيه على كمال ظهور الحال وعدم الحاجة إلى ~~التصريح به، وقيل: المعنى كل أمر من أمرهم وأمره عليه ~~الصلاة والسلام مستقر أي سيثبت ويستقر على حالة خذلان أو ~~نصرة في الدنيا وشقاوة أو سعادة في الآخرة. وقرىء بالفتح على ~~أنه مصدر أو اسم مكان أو اسم زمان أي ذو استقرار أو ذو موضع ~~استقرار أو ذو زمان استقرار، وبالكسر والجر على أنه صفة أمر، ~~وكل عطف على الساعة أي اقتربت الساعة وكل أمر مستقر. ### || [54.4-9] # { ولقد جاءهم } أي في القران. وقوله تعالى: { من الأنباء ~~} أي أنباء القرون الخالية أو أنباء الآخرة، متعلق بمحذوف هو حال ~~مما بعده أي وبالله لقد جاءهم كائنا من الأنباء { ما فيه ~~مزدجر } أي ازدجار من تعذيب أو وعيد، أو موضع ازدجار على أن ~~في تجريدية والمعنى أنه في ms3108 نفسه موضع ازدجار، وتاء الافتعال ~~تقلب دالا مع الدال والذال والزاي للتناسب وقرىء مزجر ~~بقلبها زاء وإدغامها { حكمة بلغة } غايتها لا خلل فيها ~~وهي بدل من ما أو خبر لمحذوف. وقرىء بالنصب حالا منها فإنها ~~موصولة أو موصوفة تخصصت بصفتها فساغ نصب الحال عنها. { فما ~~تغنى النذر } نفي للإغناء، أو إنكار له. والفاء لترتيب ~~عدم الإغناء على مجيء الحكمة البالغة مع كونه مظنة للإغناء ~~وصيغة المضارع للدلالة على تجدد عدم الإغناء واستمراره حسب ~~تجدد مجيء الزواجر واستمراره، وما على الوجه الثاني منصوبة أي ~~فأي إغناء تغني النذر وهو جمع نذير بمعنى المنذر أو مصدر بمعنى ~~الإنذار. # { فتول عنهم } لعلمك بأن الإنذار لا يؤثر فيهم البتة { ~~يوم يدعو الداع } منصوب بيخرجون أو باذكر. والداعي ~~إسرافيل عليه السلام ويجوز أن يكون الدعاء فيه كالأمر في ~~قوله تعالى: # كن فيكون # [سورة آل عمران، الآية 59] وإسقاط الياء للاكتفاء بالكسر تخفيفا { ~~إلى شىء نكر } أي منكر فظيع تنكره النفوس لعدم العهد ~~بمثله وهو هول القيامة وقرىء نكر بالتخفيف ونكر بمعنى أنكر ~~{ خشعا أبصرهم } حال من فاعل { يخرجون } والتقديم ~~لأن العامل متصرف أي يخرجون { من الأجداث } أذلة أبصارهم من ~~شدة الهول وقرىء خاشعا والإفراد والتذكير لأن فاعله ظاهر ~~غير حقيقي التأنيث. وقرىء خاشعة على الأصل، وقرىء خشع ~~أبصارهم على الابتداء والخبر على أن الجملة حال { كأنهم ~~جراد منتشر } في الكثرة والتموج والتفريق في الأقطار { ~~مهطعين إلى الداع } مسرعين مادي أعناقهم إليه أو ~~ناظرين إليه { يقول الكفرون } استئناف وقع جوابا عما ~~نشأ من وصف اليوم بالأهوال وأهله بسوء الحال كأنه قيل فماذا ~~يكون حينئذ فقيل يقول الكافرون { هذا يوم عسر } أي صعب ~~شديد، وفي إسناد القول المذكور إلى الكفار تلويح بأن المؤمنين ~~ليسوا في تلك المرتبة من الشدة { كذبت قبلهم قوم نوح ~~} شروع في تعداد بعض ما ذكر من الأنبياء الموجبة للازدجار، ~~ونوع تفصيل لها وبيان لعدم تأثرهم بها تقريرا لفحوى قوله ~~تعالى: # فما تغنى النذر # [سورة القمر، الآية 5] أي فعل التكذيب قبل تكذيب قومك قوم نوح ms3109 ~~وقوله تعالى: { فكذبوا عبدنا } تفسير لذلك التكذيب ~~المبهم كما في قوله تعالى: # ونادى نوح ربه فقال رب # [سورة هود، الآية 45] الخ، وفيه مزيد تقرير وتحقيق للتكذيب وقيل: ~~معناه كذبوه تكذيبا إثر تكذيب كلما خلا منهم قرن مكذب جاء ~~عقيبه قرن آخر مكذب مثله. # وقيل: كذبت قوم نوح الرسل فكذبوا عبدنا لأنه من جملتهم وفي ~~ذكره عليه الصلاة والسلام بعنوان العبودية مع الإضافة إلى ~~نون العظمة تفخيم له عليه الصلاة والسلام ورفع لمحله وزيادة ~~تشنيع لمكذبيه { وقالوا مجنون } أي لم يقتصروا على مجرد ~~التكذيب بل نسبوه إلى الجنون { وازدجر } عطف على قالوا أي ~~وزجر عن التبليغ بأنواع الأذية وقيل: هو من جملة ما قالوه أي ~~هو مجنون وقد ازدجرته الجن وتخبطته. ### || [54.10-14] # { فدعا ربه أنى } أي بأني وقرىء بالكسر على إرادة ~~القول { مغلوب } أي من جهة قومي ما لي قدرة على الانتقام منهم ~~{ فانتصر } أي فانتقم لي منهم وذلك بعد تقرر يأسه منهم بعد ~~اللتيا والتي فقد روي أن الواحد منهم كان يلقاه فيخنقه حتى ~~يخر مغشيا عليه ويقول اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون { ~~ففتحنا أبوب السماء بماء منهمر } منصب وهو تمثيل ~~لكثرة الأمطار وشدة انصبابها وقرىء ففتحنا بالتشديد لكثرة ~~الأبواب { وفجرنا الأرض عيونا } أي جعلنا الأرض كلها ~~كأنها عيون متفجرة وأصله وفجرنا عيون الأرض فغير قضاء لحق ~~المقام { فالتقى الماء } أي ماء السماء وماء الأرض والإفراد ~~لتحقيق أن التقاء الماءين لم يكن بطريق المجاورة والتقارب بل ~~بطريق الاختلاط والاتحاد وقرىء الماءان لاختلاف النوعين ~~والماوان بقلب الهمزة واوا. { على أمر قد قدر } أي كائنا ~~على حال قد قدرها الله تعالى من غير تفاوت أو على حال قدرت ~~وسويت وهو أن قدر ما أنزل على قدر ما أخرج أو على أمر قدره ~~الله تعالى وهو هلاك قوم نوح بالطوفان { وحملناه } أي نوحا ~~عليه السلام { على ذات ألوح } أي أخشاب عريضة { ودسر ~~} ومسامير جمع دسار من الدسر وهو الدفع وهي صفة للسفينة أقيمت ~~مقامها من حيث إنها كالشرح لها تؤدي مؤداها { تجرى ms3110 ~~بأعيننا } بمرأى منا أي محفوظة بحفظنا { جزاء لمن كان ~~كفر } أي فعلنا ذلك جزاء لنوح عليه السلام لأنه كان نعمة ~~كفروها فإن كل نبي نعمة من الله تعالى على أمته ورحمة وأي ~~نعمة ورحمة وقد جوز أن يكون على حذف الجار وإيصال الفعل إلى ~~الضمير واستتاره في الفعل بعد انقلابه مرفوعا وقرىء لمن كفر ~~أي للكافرين. ### || [54.15-19] # { ولقد تركنها } أي السفينة أو الفعلة { ءاية } يعتبر ~~بها من يقف على خبرها. وقال قتادة أبقاها الله تعالى بأرض ~~الجزية، وقيل: على الجودي دهرا طويلا حتى نظر إليها أوائل هذه ~~الأمة. { فهل من مدكر } أي معتبر بتلك الآية الحقيقة ~~بالاعتبار وقرىء مذتكر على الأصل ومذكر بقلب التاء ذالا ~~والإدغام فيها { فكيف كان عذابى ونذر } استفهام تعظيم ~~وتعجيب أي كانا على كيفية هائلة لا يحيط بها الوصف، والنذر جمع ~~نذير بمعنى الإنذار. { ولقد يسرنا القرءان } الخ جملة ~~قسمية وردت في أواخر القصص الأربع تقريرا لمضمون ما سبق من قوله ~~تعالى: # ولقد جاءهم من الأنباء ما فيه مزدجر حكمة ~~بلغة فما تغنى النذر # [سورة القمر، الآيتان 4، 5] وتنبيها على أن كل قصة منها مستقلة ~~بإيجاب الإدكار كافية في الازدجار ومع ذلك لم تقع واحدة في حيز ~~الاعتبار، أي وبالله لقد سهلنا القرآن لقومك بأن أنزلناه على ~~لغتهم وشحناه بأنواع المواعظ والعبر وصرفنا فيه من الوعيد ~~والوعد { للذكر } أي للتذكر والاتعاظ { فهل من مدكر } ~~إنكار ونفي للمتعظ على أبلغ وجه وآكده حيث يدل على أنه لا ~~يقدر أحد أن يجيب المستفهم بنعم وحمل تيسيره على تسهيل حفظه ~~بجزالة نظمه وعذوبة ألفاظه وعباراته مما لا يساعده المقام. { ~~كذبت عاد } أي هودا عليه السلام ولم يتعرض لكيفية تكذيبهم ~~له روما للاختصار ومسارعة إلى بيان ما فيه الازدجار من العذاب. ~~وقوله تعالى: { فكيف كان عذابى ونذر } لتوجيه قلوب ~~السامعين نحو الاصغاء إلى ما يلقى إليهم قبل ذكره لا لتهويله ~~وتعظيمه وتعجيبهم من حالة بعد بيانه كما قبله وما بعده كأنه ~~قيل كذبت عاد فهل سمعتم أو فاسمعوا كيف كان عذابي ms3111 وإنذاراتي ~~لهم. وقوله تعالى: { إنا أرسلنا عليهم ريحا صرصرا } ~~استئناف ببيان ما أجمل أولا أي أرسلنا عليهم ريحا باردة أو ~~شديدة الصوت { فى يوم نحس } شؤم { مستمر } أي شؤمه أو ~~مستمر عليهم إلى أن أهلكهم أو شامل لجميعهم كبيرهم وصغيرهم أو ~~مشتد مراراته، وكان يوم الأربعاء آخر الشهر. ### || [54.20-27] # { تنزع الناس } تقلعهم روي أنهم دخلوا الشعاب والحفر ~~وتمسك بعضهم ببعض فنزعتهم الريح وصرعتهم موتى { كأنهم ~~أعجاز نخل منقعر } أي منقلع عن مغارسه قيل: شبهوا بأعجاز ~~النخل وهي أصولها بلا فروع لأن الريح كانت تقلع رؤوسهم ~~فتبقي أجسادا وجثثا بلا رؤوس، وتذكير صفة نخل للنظر إلى اللفظ ~~كما أن تأنيثها في قوله تعالى: # أعجاز نخل خاوية # [سورة الحاقة، الآية 7] للنظر إلى المعنى. وقوله تعالى { فكيف ~~كان عذابى ونذر } تهويل لهما وتعجيب من أمرهما بعد بيانهما ~~فليس فيه شائبة تكرار وما قيل من أن الأول لما حاق بهم في ~~الدنيا والثاني لما يحيق بهم في الآخرة يرده ترتيب الثاني على ~~العذاب الدنيوي { ولقد يسرنا القرءان للذكر فهل ~~من مدكر } الكلام فيه كالذي مر فيما سبق. # { كذبت ثمود بالنذر } أي الإنذارات والمواعظ التي ~~سمعوها من صالح أو بالرسل عليهم السلام فإن تكذيب أحدهم تكذيب ~~للكل لاتفاقهم على أصول الشرائع { فقالوا أبشرا منا } أي ~~كائنا من جنسنا، وانتصابه بفعل يفسره ما بعده { وحدا } أي ~~منفردا لا تبع له أو واحدا من آحادهم لا من أشرافهم وهو صفة أخرى ~~لبشرا وتأخيره عن الصفة المؤولة للتنبيه على أن كلا من الجنسية ~~والوحدة مما يمنع الاتباع ولو قدم عليها لفاتت هذه النكتة ~~وقرىء أبشر منا واحد على الابتداء. وقوله تعالى: { ~~نتبعه } خبره والأول أوجه للاستفهام { إنا إذا } أي على ~~تقدير اتباعنا له وهو منفرد ونحن أمة جمة { لفى ضلل } ~~عن الصواب { وسعر } أي جنون فإن ذلك بمعزل من مقتضى العقل ~~وقيل: كان يقول لهم إن لم تتبعوني كنتم في ضلال عن الحق وسعر أي ~~نيران جمع سعير فعكسوا عليه عليه السلام لغاية عتوهم فقالوا ~~إن اتبعناك كنا ms3112 إذن كما تقول { أءلقى الذكر } أي الكتاب ~~والوحي { عليه من بيننا } وفينا من هو أحق منه بذلك { بل ~~هو كذاب أشر } أي ليس الأمر كذلك بل هو كذا وكذا حمله ~~بطره على الترفع علينا بما ادعاه وقوله تعالى: { سيعلمون ~~غدا من الكذاب الأشر } حكاية لما قاله تعالى لصالح ~~عليه السلام وعدا له ووعيدا لقومه، والسين لتقريب مضمون ~~الجملة وتأكيده والمراد بالغد وقت نزول العذاب أي سيعلمون البتة ~~عن قريب من الكذاب الأشر الذي حمله أشره وبطره على الترفع أصالح ~~هو أم من كذبه. وقرىء ستعلمون، على الالتفات لتشديد التوبيخ، ~~أو على حكاية ما أجابهم به صالح. وقرىء الأشر كقولهم حذر في حذر. ~~وقرىء الأشر أي الأبلغ في الشرارة وهو أصل مرفوض كالأخير، ~~وقيل: المراد بالغد يوم القيامة ويأباه قوله تعالى: # { إنا مرسلوا الناقة } الخ. فإنه استئناف مسوق لبيان ~~مبادي الموعود حتما أي مخرجوها من الهضبة حسبما سألوا { فتنة ~~لهم } أي امتحانا { فارتقبهم } أي فانتظرهم وتبصر ما ~~يصنعون { واصطبر } على أذيتهم. ### || [54.28-35] # { ونبئهم أن الماء قسمة بينهم } مقسوم، لها يوم ~~ولهم يوم. وبينهم لتغليب العقلاء { كل شرب محتضر } ~~يحضره صاحبه في نوبته { فنادوا صحبهم } هو قدار بن ~~سالف، أحيمر ثمود { فتعاطى فعقر } فاجترأ على تعاطي الأمر ~~العظيم غير مكترث له فأخذت العقر بالناقة، وقيل: فتعاطى الناقة ~~فعقرها، أو فتعاطى السيف فقتلها، والتعاطي تناول الشيء بتكلف. ~~{ فكيف كان عذابى ونذر } الكلام فيه كالذي مر في صدر ~~قصة عاد { إنا أرسلنا عليهم صيحة وحدة } هي صيحة ~~جبريل عليه السلام { فكانوا } أي فصاروا { كهشيم ~~المحتظر } أي كالشجر اليابس الذي يتخذه من يعمل الحظيرة ~~لأجلها أو كالحشيش اليابس الذي يجمعه صاحب الحظيرة لماشيته في ~~الشتاء. وقرىء بفتح الظاء أي كهشيم الحظيرة أو الشجر المتخذ ~~لها { ولقد يسرنا القرءان للذكر فهل من مدكر ~~* كذبت قوم لوط بالنذر * إنا أرسلنا عليهم ~~حصبا } أي ريحا تحصبهم أي ترميهم بالحصباء { إلا آل لوط ~~نجينهم بسحر } في سحر وهو آخر الليل وقيل: هو السدس ~~الأخير منه أي ملتبسين بسحر { نعمة ms3113 من عندنا } أي إنعاما ~~منا وهو علة لنجينا { كذلك } أي مثل ذلك الجزاء العجيب { ~~نجزى من شكر } نعمتنا بالإيمان والطاعة. ### || [54.36-43] # { ولقد أنذرهم } لوط عليه السلام { بطشتنا } أي ~~أخذتنا الشديدة بالعذاب { فتماروا } فكذبوا { بالنذر } ~~متشاكين { ولقد راودوه عن ضيفه } قصدوا الفجور بهم { ~~فطمسنا أعينهم } فمسحناها وسويناها كسائر الوجه. روي ~~أنهم لما دخلوا داره عنوة صفقهم جبريل عليه السلام صفقة ~~فتركهم يترددون لا يهتدون إلى الباب حتى أخرجهم لوط عليه ~~السلام { فذوقوا عذابى ونذر } أي فقلنا لهم ذوقوا على ~~ألسنة الملائكة أو ظاهر الحال والمراد به الطمس فإنه من جملة ما ~~أنذروه من العذاب { ولقد صبحهم بكرة } وقرىء بكرة ~~غير مصروفة على أن المراد بها أول نهار مخصوص { عذاب ~~مستقر } لا يفارقهم حتى يسلمهم إلى النار. وفي وصفه ~~بالاسقرار إيماء إلى أن ما قبله من عذاب الطمس ينتهي إليه { ~~فذوقوا عذابى ونذر } حكاية لما قيل لهم حينئذ من جهته ~~تعالى تشديدا للعذاب { ولقد يسرنا القرءان للذكر ~~فهل من مدكر } مر ما فيه من الكلام. # { ولقد جاء آل فرعون النذر } صدرت قصتهم بالتوكيد ~~القسمي لإبراز كمال الاعتناء بشأنها لغاية عظم ما فيها من ~~الآيات وكثرتها وهول ما لاقوه من العذاب وقوة إيجابها للاتعاظ. ~~والاكتفاء بذكر آل فرعون للعلم بأن نفسه أولى بذلك أي وبالله ~~لقد جاءهم الإنذارات. وقوله تعالى { كذبوا بئايتنا ~~كلها } استئناف مبني على سؤال نشأ من حكاية مجيء النذر ~~كأنه قيل: فماذا فعلوا حينئذ فقيل: كذبوا بجميع آياتنا، وهي ~~الآيات التسع { فأخذنهم أخذ عزيز } لا يغالب { ~~مقتدر } لا يعجزه شيء. # { أكفركم } يا معشر العرب { خير } قوة وشدة وعدة ~~وعدة أو مكانة { من أولئكم } الكفار المعدودين والمعنى ~~أنه أصابهم ما أصابهم مع ظهور خيريتهم منكم فيما ذكر من ~~الأمور فهل تطمعون أن لا يصيبكم مثل ذلك وأنتم شر منهم مكانا ~~وأسوأ حالا. وقوله تعالى: { أم لكم براءة فى الزبر } ~~إضراب وانتقال من التبكيت بما ذكر إلى التبكيت بوجه آخر أي بل ~~ألكم براءة وأمن من تبعات ما تعملون من الكفر والمعاصي ms3114 وغوائلهما ~~في الكتب السماوية فلذلك تصرون على ما أنتم عليه. ### || [54.44-49] # وقوله تعالى: { أم يقولون نحن جميع منتصر } إضراب من ~~التبكيت المذكور إلى وجه آخر من التبكيت. والالتفات للإيذان ~~باقتضاء حالهم للإعراض عنهم وإسقاطهم عن رتبة الخطاب وحكاية ~~قبائحهم لغيرهم أي بل أيقولون واثقين بشوكتهم نحن أولو حزم ~~ورأي أمرنا مجتمع لا نرام ولا نضام أو منتصر من الأعداء لا ~~نغلب أو متناصر بعضنا بعضا. والإفراد باعتبار لفظ الجميع. ~~وقوله تعالى: { سيهزم الجمع } رد وإبطال لذلك، والسين ~~للتأكيد أي يهزم جمعهم البتة { ويولون الدبر } أي الأدبار ~~وقد قرىء كذلك. والتوحيد لإرادة الجنس أو إرادة أن كل واحد ~~منهم يولي دبره وقد كان كذلك يوم بدر. (قال سعيد بن المسيب: ~~سمعت عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول: لما نزلت سيهزم الجمع ~~ويولون الدبر كنت لا أدري أي جمع يهزم فلما كان يوم بدر ~~رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يلبس الدرع ويقول: { سيهزم ~~الجمع ويولون الدبر } فعرفت تأويلها). وقرىء سيهزم الجمع أي ~~الله عز وعلا { بل الساعة موعدهم } أي ليس هذا تمام ~~عقوبتهم، بل الساعة موعد أصل عذابهم وهذا من طلائعه { ~~والساعة أدهى وأمر } أي في أقصى غاية من الفظاعة ~~والمرارة. والداهية الأمر الفظيع الذي لا يهتدى إلى الخلاص عنه. ~~وإظهار الساعة في موقع إضمارها لتربية تهويلها. # { إن المجرمين } من الأولين والآخرين { فى ضلل ~~وسعر } أي في هلاك ونيران مسعرة وقيل: في ضلال عن الحق في ~~الدنيا، ونيران في الآخرة. وقوله تعالى: { يوم يسحبون } ~~الخ منصوب إما بما يفهم من قوله تعالى في ضلال أي كائنون في ~~ضلال وسعر يوم يجرون { فى النار على وجوههم } وإما بقول ~~مقدر بعده أي يوم يسحبون يقال لهم { ذوقوا مس سقر } أي قاسوا ~~حرها وألمها. وسقر علم جهنم ولذلك لم يصرف من سقرته النار ~~وصقرته إذا لوحته. والقول المقدر على الوجه الأول حال من ~~ضمير يسحبون. { إنا كل شىء } من الأشياء { خلقنه ~~بقدر } أي ملتبسا بقدر معين اقتضته الحكمة التي عليها يدور ~~أمر ms3115 التكوين أو مقدرا مكتوبا في اللوح قبل وقوعه. وكل شيء ~~منصوب بفعل يفسره ما بعده وقرىء بالرفع على أنه مبتدأ ~~وخلقناه خبره. ### || [54.50-55] # { وما أمرنا إلا وحدة } أي كلمة واحدة سريعة التكوين ~~وهو قوله تعالى كن أو إلا فعلة واحدة هو الإيجاد بلا معالجة { ~~كلمح بالبصر } في اليسر والسرعة وقيل: معناه قوله تعالى: # وما أمر الساعة إلا كلمح البصر # [سورة النحل، الآية 77] { ولقد أهلكنا أشيعكم } أي ~~أشباهكم في الكفر من الأمم وقيل: أتباعكم { فهل من مدكر ~~} يتعظ بذلك { وكل شىء فعلوه } من الكفر والمعاصي مكتوب ~~على التفصيل { فى الزبر } أي في ديوان الحفظة { وكل صغير ~~وكبير } من الأعمال { مستطر } مسطور في اللوح المحفوظ ~~بتفاصيله، ولما كان بيان سوء حال الكفرة بقوله تعالى { إن ~~المجرمين } الخ مما يستدعي بيان حسن حال المؤمنين ~~ليتكافأ الترهيب والترغيب بين ما لهم من حسن الحال بطريق ~~الإجمال فقيل: { إن المتقين } بالإيمان أي من الكفر ~~والمعاصي { في جنت } عظيمة الشأن { ونهر } أي أنهار. ~~كذلك والإفراد للاكتفاء باسم الجنس مراعاة للفواصل، وقرىء ~~نهر جمع نهر كأسد وأسد { فى مقعد صدق } في مكان ~~مرضي وقرىء في مقاعد صدق { عند مليك مقتدر } أي ~~مقربين عند مليك لا يقادر قدر ملكه وسلطانه فلا شيء إلا وهو ~~تحت ملكوته سبحانه ما أعظم شأنه. # عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " من قرأ سورة القمر في كل غب بعثه الله تعالى يوم القيامة ~~ووجهه مثل القمر ليلة البدر ". ### | [55 - سورة الرحمن] ### || [55.1-5] # مكية، أو مدنية أو متبعضة وآيها ثمان وسبعون # لما عدد في السورة السابقة ما نزل بالأمم السالفة من ضروب ~~نقم الله عز وجل وبين عقيب كل ضرب منها أن القرآن قد ~~يسر لحمل الناس على التذكر والاتعاظ ونعى عليهم إعراضهم ~~عن ذلك عدد في هذه السورة الكريمة ما أفاض على كافة الأنام من ~~فنون نعمه الدينية والدنيوية الأنفسية والآفاقية، وأنكر عليهم ~~إثر كل فن منها إخلالهم بمواجب شكرها، وبدىء بتعليم ~~القرآن فقيل: { الرحمن علم القرءان } لأن أعظم ~~النعم شأنا وأرفعها ms3116 مكانا كيف لا وهو مدار للسعادة الدينية ~~والدنيوية عيار على سائر الكتب السماوية، ما من مرصد يرنو إليه ~~أحداق الأمم إلا وهو منشؤه ومناطه، ولا مقصد يمتد إليه أعناق ~~الهمم إلا وهو منهجه وصراطه، وإسناد تعليمه إلى اسم الرحمن ~~للإيذان بأنه من آثار الرحمة الواسعة وأحكامها، وقد اقتصر على ~~ذكره تنبيها على أصالته وجلالة قدره، ثم قيل: { خلق ~~الإنسن * علمه البيان } تعيينا للمعلم وتبيينا ~~لكيفية التعليم، والمراد بخلق الإنسان إنشاؤه على ما هو عليه من ~~القوى الظاهرة والباطنة، والبيان هو التعبير عما في الضمير ~~وليس المراد بتعليمه مجرد تمكين الإنسان من بيان نفسه بل منه ~~ومن فهم بيان غيره أيضا إذ هو الذي يدور عليه تعليم القرآن. ~~والجمل الثلاث أخبار مترادفة للرحمن، وإخلاء الأخيرتين عن ~~العاطف لورودها على منهاج التعديد. { الشمس والقمر ~~بحسبان } أي يجريان بحساب مقدر في بروجهما ومنازلهما بحيث ~~ينتظم بذلك أمور الكائنات السفلية وتختلف الفصول والأوقات وتعلم ~~السنون والحساب. ### || [55.6-9] # { والنجم } أي النبات الذي ينجم أي يطلع من الأرض ولا ساق له ~~{ والشجر } أي الذي له ساق { يسجدان } أي ينقادان له تعالى ~~فيما يريد بهما طبعا انقياد الساجدين من المكلفين طوعا. ~~والجملتان خبران آخران للرحمن جردتا عن الرابط اللفظي تعويلا ~~على كمال قوة الارتباط والمعنوي إذ لا يتوهم ذهاب الوهم إلى كون ~~حال الشمس والقمر بتسخير غيره تعالى ولا إلى كون سجود النجم ~~والشجر لما سواه تعالى كأنه قيل: الشمس والقمر بحسبانه والنجم ~~والشجر يسجدان له، وإخلاء الجملة الأولى عن العاطف لما ذكر من ~~قبل وتوسيط العاطف بينها وبين الثانية لتناسبهما من حيث ~~التقابل لما أن الشمس والقمر علويان والنجم والشجر سفليان ومن ~~حيث إن كلا من حال العلويين وحال السفليين من باب الانقياد ~~لأمر الله عز وجل. # { والسماء رفعها } أي خلقها مرفوعة محلا ورتبة حيث جعلها ~~منشأ أحكامه وقضاياه ومتنزل أوامره ومحل ملائكته، وفيه من ~~التنبيه على كبرياء شأنه وعظم ملكه وسلطانه ما لا يخفى. ~~وقرىء بالرفع على الابتداء. { ووضع الميزان } أي شرع ~~العدل وأمر به ms3117 بأن وفر كل مستحق ما استحقه ووفى كل ذي ~~حق حقه حتى انتظم به أمر العالم واستقام، كما قال عليه ~~الصلاة والسلام: # " بالعدل قامت السموات والأرض " # قيل: فعلى هذا الميزان: القرآن، وهو قول الحسين بن الفضل، كما ~~في قوله تعالى: # وأنزلنا معهم الكتب والميزان # [سورة الحديد، الآية 25] وقيل: هو ما يعرف به مقادير الأشياء من ~~ميزان ومكيال ونحوهما، وهو قول الحسن وقتادة والضحاك فالمعنى ~~خلقه موضوعا مخفوضا على الأرض حيث علق به أحكام عباده وقضاياهم ~~وما تعبدهم به من التسوية والتعديل في أخذهم وإعطائهم. { ألا ~~تطغوا فى الميزان } أي لئلا تطغوا فيه على أن «أن» ~~ناصبة ولا نافية ولام العلة مقدرة متعلقة بقوله تعالى ووضع ~~الميزان أو أن لا تطغوا على أنها مفسرة لما في الشرع من معنى ~~القول ولا ناهية أي لا تعتدوا ولا تتجاوزوا الإنصاف. وقرىء لا ~~تطغوا على إرادة القول. { وأقيموا الوزن بالقسط } ~~قوموا وزنكم بالعدل وقيل: أقيموا لسان الميزان بالقسط والعدل، ~~وقيل: الإقامة باليد والقسط بالقلب، { ولا تخسروا ~~الميزان } أي لا تنقصوه، أمر أولا بالتسوية ثم نهى عن ~~الطغيان الذي هو اعتداء وزيادة ثم عن الخسران الذي هو تطفيف ~~ونقصان وكرر لفظ الميزان تشديدا للتوصية به وتأكيدا للأمر ~~باستعماله والحث عليه. وقرىء ولا تخسروا بفتح التاء وضم السين ~~وكسرها يقال: خسر الميزان يخسره وبفتح السين أيضا على أن الأصل ولا ~~تخسروا في الميزان فحذف الجار وأوصل الفعل. ### || [55.10-13] # { والأرض وضعها } أي خفضها مدحوة على الماء { للأنام } ~~أي الخلق، قيل: المراد به كل ذي روح وقيل: كل ما على ظهر ~~الأرض من دابة وقيل: الثقلان. وقوله تعالى: { فيها فكهة } ~~الخ. استئناف مسوق لتقرير ما أفاده الجملة السابقة من كون الأرض ~~موضوعة لمنافع الأنام وتفصيل المنافع العائدة إلى البشر، وقيل: ~~حال مقدرة من الأرض، فالأحسن حينئذ أن يكون الحال هو الجار ~~والمجرور، وفاكهة رفع على الفاعلية أي فيها ضروب كثيرة مما ~~يتفكه به. { والنخل ذات الأكمام } هي أوعية الثمر جمع ~~كم أو كل ما يكم أي يغطى من ms3118 ليف وسعف وكفرى فإنه ما ~~ينتفع به كالمكموم من ثمره وجماره وجذوعه. { والحب } هو ما ~~يتغذى به كالحنطة والشعير. { ذو العصف } هو ورق الزرع، ~~وقيل: التبن { والريحان } قيل: هو الرزق أريد به اللب أي ~~فيها ما يتلذذ به من الفواكه والجامع بين التلذذ والتغذي وهو ثمر النخل ~~وما يتغذى به وهو الحب الذي له عصف هو علف الأنعام وريحان هو ~~مطعم الناس. وقرىء والحب ذا العصف والريحان أي خلق الحب ~~والريحان أو أخص، ويجوز أن يراد وذا الريحان فحذف المضاف ~~وأقيم المضاف إليه مقامه. والريحان إما فيعلان من روح ~~فقلبت واوه ياء وأدغم ثم خفف، أو فعلان قلبت واوه ياء ~~للتخفيف أو للفرق بينه وبين الروحان وهو ما له روح قاله ~~القرطبي { فبأى ءالاء ربكما تكذبان } الخطاب للثقلين ~~المدلول عليهما بقوله تعالى للأنام، وسينطق به قوله تعالى أيها ~~الثقلان والفاء لترتيب الإنكار والتوبيخ على ما فصل من فنون ~~النعماء وصنوف الآلاء الموجبة للإيمان والشكر حتما، والتعرض ~~لعنوان الربوبية المنبئة عن المالكية الكلية والتربية مع ~~الإضافة إلى ضميرهم لتأكيد النكير وتشديد التوبيخ ومعنى تكذيبهم ~~بآلائه تعالى كفرهم إما بإنكار كونه نعمة في نفسه كتعليم القرآن ~~يستند إليه من النعم الدينية وإما بإنكار كونه من الله تعالى مع ~~الاعتراف بكونه نعمة في نفسه كالنعم الدنيوية الواصلة إليهم ~~بإسناده إلى غيره تعالى استقلالا أو اشتراكا صريحا أو دلالة فإن ~~إشراكهم لآلهتهم به تعالى في العبادة من دواعي إشراكهم لها به ~~تعالى فيما يوجبها، والتعبير عن كفرهم المذكور بالتكذيب لما أن ~~دلالة الآلاء المذكورة على وجوب الإيمان والشكر شهادة منها بذلك ~~فكفرهم بها تكذيب بها لا محالة أي فإذا كان الأمر كما فصل ~~فبأي فرد من أفراد آلاء مالككما ومربيكما بتلك الآلاء ~~تكذبان مع أن كلا منها ناطق بالحق شاهد بالصدق. ### || [55.14-22] # { خلق الإنسن من صلصل كالفخار } تمهيد للتوبيخ ~~على إخلالهم بمواجب شكر النعمة المتعلقة بذوات كل واحد من ~~الثقلين. والصلصال الطين اليابس الذي له صلصلة، والفخار الخزف. ~~وقد خلق الله تعالى آدم عليه ms3119 السلام من تراب جعله طينا ثم حمأ ~~مسنونا ثم صلصالا فلا تنافي بين الآية الناطقة بأحدها وبين ما ~~نطق بأحد الآخرين. { وخلق الجان } أي الجن أو أبا ~~الجن. { من مارج } من لهب صاف { من نار } بيان لمارج ~~فإنه في الأصل للمضطرب، من مرج إذا اضطرب. { فبأى ءالاء ~~ربكما تكذبان } مما أفاض عليكما في تضاعيف خلقكما من سوابغ ~~النعم { رب المشرقين ورب المغربين } بالرفع على ~~خبرية مبتدأ محذوف أي الذي فعل ما ذكر من الأفاعيل البديعة ~~رب مشرقي الصيف والشتاء ومغربيهما، ومن قضيته أن يكون رب ما ~~يبنهما من الموجودات قاطبة، وقيل على الابتداء والخبر قوله ~~تعالى مرج الخ. وقرىء بالجر على أنه بدل من ربكما. { ~~فبأى ءالاء ربكما تكذبان } مما في ذلك من فوائد لا ~~تحصى من اعتدال الهواء واختلاف الفصول وحدوث ما يناسب كل فصل ~~في وقته إلى غير ذلك. { مرج البحرين } أي أرسلهما من ~~مرجت الدابة إذا أرسلتها والمعنى أرسل البحر الملح والبحر ~~العذب { يلتقيان } أي يتجاوران ويتماس سطوحهما لا فصل ~~بينهما في مرأى العين وقيل: أرسل بحري فارس والروم يلتقيان في ~~المحيط لأنهما خليجان يتشعبان منه { بينهما برزخ } أي حاجز ~~من قدرة الله عز وجل أو من الأرض { لا يبغيان } أي لا ~~يبغي أحدهما على الآخر بالممازجة وإبطال الخاصية أو لا يتجاوزان ~~حديهما بإغراق ما بينهما { فبأى ءالاء ربكما تكذبان } ~~وليس منهما شيء يقبل التكذيب { يخرج منهما اللؤلؤ } ~~الدر { والمرجان } الخرز الأحمر المشهور وقيل: اللؤلؤ كبار ~~الدر والمرجان صغاره فنسبة خروجهما حينئذ إلى البحرين مع ~~أنهما إنما يخرجان من الملح على ما قالوا، لما قيل: أنهما لا ~~يخرجان إلا من ملتقى الملح والعذب، أو لأنهما لما التقيا وصارا ~~كالشيء الواحد ساغ أن يقال يخرجان منهما كما يقال يخرجان من البحر مع ~~أنهما لا يخرجان من جميع البحر، ولكن من بعضه وهو الأظهر. وقرىء ~~يخرج مبنيا للمفعول من الإخراج ومبنيا للفاعل بنصب اللؤلؤ ~~والمرجان وبنون العظمة. ### || [55.23-29] # { فبأى ءالاء ربكما تكذبان * وله الجوار } أي ~~السفن جمع جارية، وقرىء ms3120 برفع الراء وبحذف الياء كقول من قال: # لها ثنايا أربع حسان # وأربع فكلها ثمان # { المنشآت } المرفوعات الشرع، أو المصنوعات، وقرىء بكسر ~~الشين. أي الرافعات الشرع، أو اللاتي ينشئن الأمواج بجريهن { ~~فى البحر كالأعلم } كالجبال الشاهقة جمع علم وهو ~~الجبل الطويل. { فبأى ءالاء ربكما تكذبان } من خلق ~~مواد السفن والإرشاد إلى أخذها وكيفية تركيبها وإجرائها في ~~البحر بأسباب لا يقدر على خلقها وجمعها وترتيبها غيره سبحانه { ~~كل من عليها } أي على الأرض من الحيوانات أو المركبات ومن ~~للتغليب أو من الثقلين { فان } هالك لا محالة { ويبقى وجه ~~ربك } أي ذاته عز وجل { ذو الجلل والإكرام } أي ذو ~~الاستغناء المطبق والفضل التام وقيل: الذي عنده الجلال والإكرام ~~للمخلصين من عباده وهذه من عظائم صفاته تعالى، ولقد قال صلى الله ~~عليه وسلم: # " ألظوا بياذا الجلال والإكرام " # وعنه عليه الصلاة والسلام: # " أنه مر برجل وهو يصلي ويقول يا ذا الجلال والإكرام، فقال ~~قد استجيب لك " # وقرىء ذي الجلال والإكرام على أنه صفة ربك، وأيا ما كان ففي ~~وصفه تعالى بذلك بعد ذكر فناء الخلق وبقائه تعالى يفيض عليهم ~~بعد فنائهم أيضا آثار لطفه وكرمه حسبما ينبيء عنه قوله تعالى: { ~~فبأى ءالاء ربكما تكذبان } فإن أحياءهم بالحياة ~~الأبدية وإثابتهم بالنعيم المقيم أجل النعماء وأعظم الآلاء { ~~يسأله من فى السموات والأرض } قاطبة ما يحتاجون إليه ~~في ذواتهم ووجوداتهم حدوثا وبقاء وسائر أحوالهم سؤالا مستمرا ~~بلسان المقال أو بلسان الحال فإنهم كافة من حيث حقائقهم ~~الممكنة بمعزل من استحقاق الوجود وما يتفرع عليه من الكمالات ~~بالمرة بحيث لو انقطع ما بينهم وبين العناية الإلهية من ~~العلاقة لم يشموا رائحة الوجود أصلا فهم في كل آن مستمرون على ~~الاستدعاء والسؤال وقد مر في تفسير قوله تعالى: # وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها # [سورة إبراهيم، الآية 34 والنحل، الآية 18] من سورة إبراهيم عليه ~~السلام { كل يوم } أي كل وقت من الأوقات. { هو فى شأن ~~} من الشؤون التي من جملتها إعطاء ما سألوا فإنه تعالى لا يزال ~~ينشىء أشخاصا ويفني ms3121 آخرين ويأتي بأحوال ويذهب بأحوال حسبما ~~تقتضيه مشيئته المبنية على الحكم البالغة، وفي الحديث: # " من شأنه أن يغفر ذنبا ويفرج كربا ويرفع قوما ويضع آخرين " # قيل: وفيه رد على اليهود حيث يقولون إن الله لا يقضي يوم ~~السبت شيئا. ### || [55.30-33] # { فبأى ءالاء ربكما تكذبان } مع مشاهدتكم لما ذكر من ~~إحسانه. # { سنفرغ لكم } أي سنتجرد لحسابكم وجزائكم وذلك يوم ~~القيامة عند انتهاء شؤون الخلق المشار إليها بقوله تعالى: # كل يوم هو فى شأن # [سورة الرحمن، الآية 29] فلا يبقى حينئذ إلا شأن واحد هو الجزاء ~~فعبر عنه بالفراغ لهم بطريق التمثيل وقيل: هو مستعار من قول ~~المتهدد لصاحبه؛ سأفرغ لك أي سأتجرد للإيقاع بك من كل ما ~~يشغلني عنه والمراد التوفر على النكاية فيه والانتقام منه. ~~وقرىء سيفرغ مبنيا للفاعل وللمفعول. وقرىء سنفرغ إليكم أي ~~سنقصد إليكم. { أيها الثقلان } هما الإنس والجن سميا ~~بذلك لثقلهما على الأرض أو لرزانة آرائهما أو لأنهما مثقلان ~~بالتكليف { فبأى ءالاء ربكما } التي من جملتها التنبيه على ~~ما سيلقونه يوم القيامة للتحذير عما يؤدي إلى سوء الحساب { ~~تكذبان } بأقوالكما وأعمالكما. # { يمعشر الجن والإنس } هما الثقلان خوطبا باسم جنسهما ~~لزيادة التقرير ولأن الجن مشهورون بالقدرة على الأفاعيل الشاقة ~~فخوطبوا بما ينبىء عن ذلك لبيان أن قدرتهم لا تفي بما كلفوه. ~~{ إن استطعتم } إن قدرتم على { أن تنفذوا من ~~أقطر السموات والأرض } أي أن تهربوا من قضائي ~~وتخرجوا من ملكوتي ومن أقطار سمواتي وأرضي { فانفذوا } منها ~~وخلصوا أنفسكم من عقابي { لا تنفذون } لا تقدرون عل النفوذ ~~{ إلا بسلطن } أي بقوة وقهر، وأنتم من ذلك بمعزل بعيد. ~~روي أن الملائكة تنزل فتحيط بجميع الخلائق فإذا رآهم الجن ~~والإنس هربوا فلا يأتون وجها إلا وجدوا الملائكة أحاطت به. ### || [55.34-40] # { فبأى ءالاء ربكما تكذبان } أي من التنبيه والتحذير ~~والمساهلة والعفو مع كمال القدرة على العقوبة { يرسل ~~عليكما شواظ } قيل: هو اللهب الخالص وقيل: المختلط بالدخان ~~وقيل: اللهب الأخضر المنقطع من النار وقيل: هو الدخان الخارج من ~~اللهب وقيل: هو النار والدخان جميعا. ms3122 وقرىء شواظ بكسر الشين ~~{ من نار } متعلق بيرسل أو بمضمر هو صفة لشواظ أي كائن من ~~نار، والتنوين للتفخيم { ونحاس } أي دخان وقيل: صفر مذاب ~~يصب على رؤوسهم، وقرىء بكسر النون، وقرىء بالجر عطفا على ~~نار، وقرىء نرسل بنون العظمة، ونصب شواظا ونحاسا، وقرىء ~~نحس جمع نحاس مثل لحاف ولحف، وقرىء ونحس أي نقتل ~~بالعذاب. { فلا تنتصران } أي لا تمتنعان { فبأى ءالاء ~~ربكما تكذبان } فإن بيان عاقبة ما هم عليه من الكفر ~~والمعاصي لطف وأي لطف ونعمة وأي نعمة. { فإذا انشقت ~~السماء } أي انصدعت يوم القيامة { فكانت وردة } كوردة ~~حمراء وقرىء وردة بالرفع على أن كان تامة أي حصلت سماء ~~وردة فيكون من باب التجريد كقول من قال: # ولئن بقيت لأرحلن بغزوة # تحوي الغنائم أو يموت كريم # { كالدهان } خبر ثان لكانت، أو نعت لوردة أو حال من اسم ~~كانت، أي كدهن الزيت، وهو إما جمع دهن، أو اسم لما يدهن به ~~كالحزام والأدام، وقيل: هو الأديم الأحمر. وجواب إذا محذوف أي ~~يكون من الأحوال والأهوال ما لا يحيط به دائرة المقال. { فبأى ~~ءالاء ربكما تكذبان } مع عظم شأنها { فيومئذ } أي يوم ~~إذ تنشق السماء حسبما ذكر. { لا يسئل عن ذنبه إنس ~~ولا جان } لأنهم يعرفون بسيماهم وذلك أول ما يخرجون من ~~القبور ويحشرون إلى الموقف ذودا ذودا على اختلاف مراتبهم، وأما ~~قوله تعالى: # فوربك لنسئلنهم أجمعين # [سورة الحجر، الآية 92] ونحوه ففي موقف المناقشة والحساب، وضمير ~~ذنبه للإنس لتقدمه رتبة، وإفراده لما أن المراد فرد من الإنس ~~كأنه قيل: لا يسأل عن ذنبه إنسي ولا جني. { فبأى ءالاء ~~ربكما تكذبان } مع كثرة منافعها، فإن الإخبار بما ذكر ~~مما يزجركم عن الشر المؤدي إليه، وأما ما قيل: مما أنعم ~~الله على عباده المؤمنين في هذا اليوم فلا تعلق له بالمقام. ### || [55.41-46] # وقوله تعالى: # { يعرف المجرمون بسيمهم } استئناف يجري مجرى ~~التعليل لعدم السؤال، قيل: يعرفون بسواد الوجوه وزرقة العيون، ~~وقيل: بما يعلوهم من الكآبة والحزن { فيؤخذ بالنواصى ~~والأقدام } الجار والمجرور هو القائم مقام ms3123 الفاعل، يقال ~~أخذه إذا كان المأخوذ مقصودا بالأخذ، ومنه قوله تعالى: # خذوا حذركم # [سورة النساء، الآية 71] ونحوه. وأخذ به إذا كان المأخوذ شيئا من ~~ملابسات المقصود بالأخذ منه قوله تعالى: # لا تأخذ بلحيتى ولا برأسى # [سورة طه، الآية 94] وقول المستغيث خذ بيدي أخذ الله بيدك. أي ~~يجمع بين نواصيهم وأقدامهم في سلسلة من وراء ظهورهم، وقيل: ~~تسحبهم الملائكة، تارة تأخذ بالنواصي وتارة تأخذ بالأقدام. { ~~فبأى ءالاء ربكما تكذبان }. وقوله تعالى: # { هذه جهنم التى يكذب بها المجرمون } على ~~إرادة القول، أي يقال لهم ذلك بطريق التوبيخ على أن الجملة ~~إمااستئناف وقع جوابا عن سؤال ناشىء من حكاية الأخذ بالنواصي ~~والأقدام، كأنه قيل: فماذا يفعل بهم عند ذلك فقيل يقال إلخ. أو ~~حال من أصحاب النواصي والأقدام، لأن الألف واللام عوض عن ~~المضاف إليه وما بينهما اعتراض. { يطوفون بينها } أي بين ~~النار يحرقون بها { وبين حميم ءان } ماء بالغ من ~~الحرارة أقصاها يصب عليهم أو يسقون منه، وقيل: إذا استغاثوا ~~من النار أغيثوا بالحميم. { فبأى ءالاء ربكما تكذبان } ~~وقد أشير إلى سر كون بيان أمثال هذه الأمور من قبيل الآلاء ~~مرارا. # { ولمن خاف مقام ربه } شروع في تعداد الآلاء الفائضة ~~عليهم في الآخرة بعد تعداد ما وصل إليهم في الدنيا من الآلاء ~~الدينية والدنيوية واعلم أن ما عدد فيما بين هذه الآية ~~وبين خاتمة السورة والكريمة من فنون الكرامات كما أن أنفسها ~~آلاء جليلة واصلة إليهم في الآخرة، كذلك حكاياتها الواصلة إليهم ~~في الدنيا آلاء عظيمة لكونها داعية لهم إلى السعي في تحصيل ما ~~يؤدي إلى نيلها من الإيمان والطاعة وأن ما فصل من فاتحة ~~السورة الكريمة إلى قوله تعالى: # كل يوم هو فى شأن # [سورة الرحمن، الآية 29] من النعم الدينية والدنيوية والأنفسية ~~والآفاقية آلاء جليلة واصلة إليهم في الدنيا وكذلك حكاياتها من ~~حيث إيجابها للشكر والمثابرة على ما يؤدي إلى استدامتها، وأما ~~ما عدد فيما بين قوله تعالى سنفرغ لكم وبين هذه الآية من ~~الأحوال الهائلة التي ستقع في الآخرة فليست ms3124 هي من قبيل الآلاء ~~وإنما الآلاء حكاياتها الموجبة للانزجار عما يؤدي إلى ~~الإبتلاء بها من الكفر والمعاصي كما أشير إليه في تضاعيف ~~تعدادها. ومقامه تعالى موقفه الذي يقف فيه العباد للحساب يوم ~~يقوم الناس لرب العالمين، أو قيامه تعالى على أحواله من قام ~~عليه إذا راقبه، أو مقام الخائف عند ربه للحساب بأحد ~~المعنيين. وإضافته إلى الرب للتفخيم والتهويل أو هو مقحم ~~للتعظيم. # { جنتان } جنة للخائف الإنسي وجنة للخائف الجني فإن ~~الخطاب للفريقين فالمعنى لكل خائفين منكما أو لكل واحد جنة ~~لعقيدته وأخرى لعمله، أو جنة لفعل الطاعات وأخرى لترك المعاصي، ~~أو جنة يثاب بها وأخرى يتفضل بها عليه أو روحانية وجسمانية وكذا ~~ما جاء مثنى بعد ### || [55.47-53] # { فبأى ءالاء ربكما تكذبان } وقوله تعالى: # { ذواتا أفنان } صفة لجنتان وما بينهما اعتراض وسط ~~بينهما تنبيها على أن تكذيب كل من الموصوف والصفة موجب ~~للإنكار والتوبيخ والأفنان إما جمع فن أي ذواتا أنواع من ~~الأشجار والثمار، أو جمع فنن أي ذواتا أغصان متشعبة من فروع ~~الشجر وتخصيصها بالذكر لأنها التي تورق وتثمر وتمد الظل { ~~فبأى ءالاء ربكما تكذبان } وليس فيها شيء يقبل التكذيب. # { فيهما عينان تجريان } صفة أخرى لجنتان أي في كل ~~واحدة منهما عين تجري كيف يشاء صاحبها في الأعالي والأسافل، وقيل: ~~تجريان من جبل من مسك، وعن ابن عباس والحسن: تجريان بالماء ~~الزلال إحداهما التسنيم والأخرى السلسبيل، وقيل: إحداهما من ماء ~~غير آسن والأخرى من خمر لذة للشاربين قال أبو بكر الوراق: ~~فيهما عينان تجريان لمن كانت عيناه في الدنيا تجريان من مخافة ~~الله عز وجل { فبأى ءالاء ربكما تكذبان }. وقوله ~~تعالى { فيهما من كل فكهة زوجان } أي صنفان: معروف ~~وغريب أو رطب ويابس، صفة أخرى لجنتان. وتوسيط الاعتراض بين ~~الصفات لما مر آنفا { فبأى ءالاء ربكما تكذبان }. ### || [55.54-60] # وقوله تعالى: { متكئين } حال من الخائفين لأن من خاف في ~~معنى الجمع، أو نصب على المدح { على فرش بطائنها من ~~إستبرق } من ديباج ثخين، وحيث كانت بطائنها كذلك فما ظنك ~~بظهائرها، ms3125 وقيل: ظهائرها من سندس وقيل: من نور { وجنى ~~الجنتين دان } أي ما يجتنى من أشجارها من الثمار قريب ~~يناله القائم والقاعد والمضطجع. قال ابن عباس رضي الله ~~عنهما: تدنو الشجرة حتى يجتنيها ولي الله إن شاء قائما وإن ~~شاء قاعدا وإن شاء مضطجعا. وقرىء جنى بكسر الجيم. { فبأى ~~ءالاء ربكما تكذبان }. وقوله تعالى: # { فيهن } أي في الجنان المدلول عليها بقوله تعالى: # جنتان # [سورة سبأ، الآية 15 وسورة الرحمن، الآية 46 و62] لما عرفت أنهما ~~لكل خائفين من الثقلين أو لكل خائف حسب تعدد عمله، وقد ~~اعتبر الجمعية في قوله تعالى متكئين وقيل فيما فيهما من الأماكن ~~والقصور وقيل في هذه الآلاء المعدودة من الجنتين والعينين ~~والفاكهة والفرش. { قصرت الطرف } نساء يقصرن أبصارهن ~~على أزواجهن لا ينظرن إلى غيرهم { لم يطمثهن إنس ~~قبلهم ولا جان } أي لم يمس الإنسيات أحد من الإنس ولا ~~الجنيات أحد من الجن قبل أزواجهن المدلول عليهم بقاصرات ~~الطرف، وقيل: بقوله تعالى متكئين، وفيه دليل على أن الجن ~~يطمثون. وقرىء يطمثهن بضم الميم. والجملة صفة لقاصرات ~~الطرف، لأن إضافتها لفظية، أو حال منها لتخصصها بالإضافة. { ~~فبأى ءالاء ربكما تكذبان }. وقوله تعالى: # { كأنهن الياقوت والمرجان } إما صفة لقاصرات ~~الطرف، أو حال منها كالتي قبلها أي مشبهات بالياقوت في حمرة ~~الوجنة، والمرجان أي صغار الدر في بياض البشرة وصفائها،، فإن ~~صغار الدر أنصع بياضا من كباره قيل: إن الحوراء تلبس سبعين ~~حلة فيرى مخ ساقها من ورائها كما يرى الشراب الأحمر في ~~الزجاجة البيضاء { فبأى ءالاء ربكما تكذبان }. وقوله ~~تعالى: { هل جزاء الإحسن إلا الإحسن } استئناف مقرر ~~لمضمون ما فصل قبله أي ما جزاء الإحسان في العمل إلا الإحسان ~~في الثواب. ### || [55.61-70] # { فبأى ءالاء ربكما تكذبان } وقوله تعالى: { ومن ~~دونهما جنتان } مبتدأ وخبر، أي ومن دون تينك الجنتين ~~الموعودتين للخائفين المقربين جنتان أخريان لمن دونهم من أصحاب ~~اليمين { فبأى ءالاء ربكما تكذبان }. وقوله تعالى { ~~مدهامتان } صفة لجنتان وسط بينهما الاعتراض لما ذكر ~~من التنبيه على أن تكذيب كل من ms3126 الموصوف والصفة حقيق بالإنكار ~~والتوبيخ أي خضراوان تضربان إلى السواد من شدة الخضرة، وفيه ~~إشعار بأن الغالب على هاتين الجنتين النبات والرياحين المنبسطة ~~على وجه الأرض وعلى الأوليين الأشجار والفواكه. { فبأى ءالاء ~~ربكما تكذبان * فيهما عينان نضاختان } أي ~~فوارتان بالماء. والنضخ أكثر من النضح بالحاء المهملة، وهو ~~الرش { فبأى ءالاء ربكما تكذبان * فيهما فكهة ~~ونخل ورمان } عطف الأخيران على الفاكهة عطف جبريل وميكال ~~على الملائكة بيانا لفضلهما فإن ثمرة النخل فاكهة وغذاء ~~والرمان فاكهة ودواء وعن هذا قال أبو حنيفة رحمه الله: من ~~حلف لا يأكل فاكهة فأكل رمانا أو رطبا لم يحنث { فبأى ~~ءالاء ربكما تكذبان } وقوله تعالى: { فيهن خيرت } ~~صفة أخرى لجنتان كالجملة التي قبلها. والكلام في جميع الضمير ~~كالذي مر فيما مر. وخيرات مخففة من خيرات لأن خيرا ~~الذي بمعنى أخير لا يجمع. وقد قرىء على الأصل { حسان } أي ~~حسان الخلق والخلق. ### || [55.71-78] # { فبأى ءالاء ربكما تكذبان }. وقوله تعالى: # { حور } بدل من خيرات { مقصورت فى الخيام } قصرن في ~~خدورهن، يقال امرأة قصيرة وقصورة، أي مخدرة أو مقصورات ~~الطرف على أزواجهن، وقيل إن الخيمة من خيامهن درة ~~مجوفة. { فبأى ءالاء ربكما تكذبان }. وقوله تعالى: { ~~لم يطمثهن إنس قبلهم ولا جان } كالذي مر في ~~نظيره من جميع الوجوه. { فبأى ءالاء ربكما تكذبان * ~~متكئين } نصب على الاختصاص { على رفرف خضر } الرفوف ~~إما اسم جنس أو اسم جمع واحده رفرفة قيل هو ما تدلى من ~~الأسرة من أعالي الثياب وقيل هو ضرب من البسط، أو البسط، ~~وقيل الوسائد وقيل: النمارق وقيل: كل ثوب عريض رفرف ويقال ~~لأطراف البسط وفضول الفسطاط رفارف ورفرف السحاب هيدبه { ~~وعبقرى حسان } العبقري منسوب إلى عبقر، تزعم العرب أنه ~~اسم بلد الجن فينسبون إليه كل شيء عجيب، والمراد به الجنس، ~~ولذلك وصف بالجمع حملا على المعنى كما في رفرف على أحد ~~الوجهين، وقرىء على رفارف خضر بضمتين وعباقري كمدائني ~~نسبة إلى عباقر في اسم البلد { فبأى ءالاء ربكما تكذبان ~~}. وقوله تعالى: { تبرك اسم ربك } تنزيه وتقديس له ms3127 تعالى ~~فيه تقرير لما ذكر في السورة الكريمة من آلائه الفائضة على ~~الأنام أي تعالى اسمه الجليل الذي من جملته ما صدرت به ~~السورة من اسم الرحمن المنبىء عن إفاضته الآلاء المفصلة ~~وارتفع عما لا يليق بشأنه من الأمور التي من جملتها جحود ~~نعمائه وتكذيبها، وإذا كان حال اسمه بملابسة دلالته عليه فما ~~ظنك بذاته الأقدس الأعلى، وقيل: الاسم بمعنى الصفة وقيل مقحم ~~كما في قول من قال: # إلى الحول ثم اسم السلام عليكما # [ومن يبك حولا كاملا فقد اعتذر] # { ذى الجلل والإكرام } وصف به الرب تكميلا لما ذكر من ~~التنزيه والتقرير. وقرىء ذو الجلال على أنه نعت للاسم. # عن النبي صلى الله عليه وسلم: # " من قرأ سورة الرحمن أدى شكر ما أنعم الله عليه ". ### | [56 - سورة الواقعة] ### || [56.1-5] # مكية وهي ست وتسعون آية # { إذا وقعت الواقعة } أي إذا قامت القيامة، وذلك عند ~~النفخة الثانية. والتعبير عنها بالواقعة للإيذان بتحقق وقوعها لا ~~محالة كأنها واقعة في نفسها مع قطع النظر عن الوقوع الواقع في ~~حيز الشرط كأنه قيل كانت الكائنة وحدثت الحادثة. وانتصاب إذا ~~بمضمر ينبىء عن الهول والفظاعة، كأنه قيل إذا وقعت الواقعة ~~يكون من الأهوال ما لا يفي به المقال، وقيل بالنفي المفهوم من ~~قوله تعالى: { ليس لوقعتها كاذبة } أي لا يكون عند ~~وقوعها نفس تكذب على الله تعالى أو تكذب في نفيها كما تكذب اليوم ~~واللام كهي في قوله تعالى: # يليتنى قدمت لحياتى # [سورة الفجر، الآية 24] وهذه الجملة على الوجه الأول اعتراض مقرر ~~لمضمون الشرط على أن الكاذبة مصدر كالعافية أي ليس لأجل وقعتها ~~وفي حقها كذب أصلا بل كل ما رود في شأنها من الأخبار حق ~~صادق لا ريب فيه. وقوله تعالى: { خافضة رافعة } خبر مبتدأ ~~محذوف أي هي خافضة لأقوام رافعة لآخرين وهو تقرير لعظمتها ~~وتهويل لأمرها، فإن الوقائع العظام شأنها كذلك، أو بيان لما ~~يكون يومئذ من حط الأشقياء إلى الدركات، ورفع السعداء إلى ~~الدرجات، ومن زلزلة الأشياء وإزالة الأجرام عن مقارها بنثر ~~الكواكب ms3128 وإسقاط السماء كسفا وتسيير الجبال في الجو كالسحاب. ~~وتقديم الخفض على الرفع للتشديد في التهويل. وقرىء خافضة رافعة ~~بالنصب على الحال من الواقعة. وقوله تعالى: { إذا رجت ~~الأرض رجا } أي زلزلت زلزالا شديدا بحيث ينهدم ما فوقها من ~~بناء وجبل، متعلق بخافضة رافعة أي تخفض وترفع وقت رج الأرض ~~إذ عند ذلك ينخفض ما هو مرتفع ويرتفع ما هو منخفض، أو بدل من ~~إذا وقعت. { وبست الجبال بسا } أي فتتت حتى صارت ~~مثل السويق الملتوت من بس السويق إذا لته أو سيقت وسيرت من ~~أماكنها من بس الغنم إذا ساقها كقوله تعالى # وسيرت الجبال # [سورة النبأ، ، الآية 20]. وقرىء رجت وبست أي ارتجت وذهبت. ### || [56.6-10] # { فكانت } أي فصارت بسبب ذلك { هباء } غبارا { منبثا } ~~منتشرا { وكنتم } إما خطاب للأمة الحاضرة والأمم السالفة ~~تغليبا أو للحاضرة فقط { أزوجا } أي أصنافا { ثلثة } فكل ~~صنف يكون مع صنف آخر في الوجود أو في الذكر فهو زوج. وقوله ~~تعالى: # { فأصحب الميمنة ما أصحب الميمنة * ~~وأصحب المشئمة ما أصحب المشئمة } تقسيم ~~وتنويع للأزواج الثلاثة مع الإشارة الإجمالية إلى أحوالهم قبل ~~تفصيلها. فقوله تعالى فأصحاب الميمنة مبتدأ وقوله ما أصحاب ~~الميمنة خبره على أن ما الاستفهامية مبتدأ ثان ما بعده خبره ~~والجملة خبر الأول، والأصل ما هم أي أي شيء هم في حالهم ~~وصفتهم فإن ما وإن شاعت في طلب مفهوم الاسم والحقيقة لكنها قد ~~يطلب بها الصفة والحال، وتقول ما زيد فيقال عالم أو طبيب فوضع ~~الظاهر موضع الضمير لكونه أدخل في التفخيم، وكذا الكلام في قوله ~~تعالى: { وأصحب المشئمة ما أصحب المشئمة } ~~والمراد تعجيب السامع من شأن الفريقين في الفخامة والفظاعة كأنه ~~قيل فأصحاب الميمنة في غاية حسن الحال وأصحاب المشأمة في نهاية ~~سوء الحال. وتكلموا في الفريقين، فقيل أصحاب الميمنة أصحاب ~~المنزلة السنية وأصحاب المشأمة أصحاب المنزلة الدنية أخذا من ~~تيمنهم بالميامن وتشاؤمهم بالشمائل، وقيل الذين يؤتون صحائفهم ~~بأيمانهم والذين يؤتونها بشمائلهم، وقيل الذين يؤخذ بهم ذات ~~اليمين إلى الجنة والذين يؤخذ بهم ذات الشمال ms3129 إلى النار، وقيل: ~~أصحاب اليمن وأصحاب الشؤم فإن السعداء ميامين على أنفسهم ~~بطاعاتهم والأشقياء مشائيم عليها بمعاصيهم. وقوله تعالى: { ~~والسبقون السبقون } هو القسم الثالث من الأزواج ~~الثلاثة ولعل تأخير ذكرهم مع كونهم أسبق الاقسام وأقدمهم في ~~الفضل ليقترن ذكرهم ببيان محاسن أحوالهم، على أن إيرادهم ~~بعنوان السبق مطلقا معرب عن إحرازهم لقصب السبق من جميع الوجوه ~~وتكلموا فيهم أيضا فقيل هم الذين سبقوا إلى الإيمان والطاعة عند ~~ظهور الحق من غير تلعثم وتوان، وقيل: الذين سبقوا في حيازة ~~الفضائل والكمالات، وقيل هم الذين صلوا إلى القبلتين كما قال ~~تعالى: # والسبقون الأولون من المهجرين والأنصر # [سورة التوبة، الآية 100] وقيل هم السابقون إلى الصلوات الخمس، ~~وقيل: المسارعون في الخيرات. وأيا ما كان فالجملة مبتدأ وخبر. ~~والمعنى والسابقون هم الذين اشتهرت أحوالهم وعرفت محاسنهم، كقول ~~أبي النجم: # أنا أبو النجم وشعري شعري # وفيه من تفخيم شأنهم والإيذان بشيوع فضلهم واستغنائهم عن الوصف ~~بالجميل ما لا يخفى، وقيل والسابقون إلى طاعة الله تعالى السابقون ~~إلى رحمته أو السابقون إلى الخير السابقون إلى الجنة. ### || [56.11-14] # وقوله تعالى { أولئك } إشارة إلى السابقين، وما فيه من ~~معنى البعد مع قرب العهد بالمشار إليه للإيذان ببعد منزلتهم ~~في الفضل ومحله الرفع على الابتداء، خبره ما بعده أي أولئك ~~الموصوفون بذلك النعت الجليل { المقربون } أي الذين قربت ~~إلى العرش العظيم درجاتهم وأعليت مراتبهم ورقيت إلى حظائر ~~القدس نفوسهم الزكية هذا أظهر ما ذكر في إعراب هذه الجمل ~~وأشهره والذي تقتضيه جزالة التنزيل أن قوله تعالى: # فأصحب الميمنة # [سورة الواقعة، الآية 8] خبر مبتدأ محذوف، وكذا قوله تعالى: # وأصحب المشئمة # [سورة الواقعة، الآية 9] وقوله تعالى: # والسبقون # [سورة الواقعة، الآية 10] فإن المترقب عند بيان انقسام الناس إلى ~~الأقسام الثلاثة بيان أنفس الأقسام الثلاثة وأما أوصافها ~~وأحوالها فحقها أن تبين بعد ذلك بإسنادها إليها، والتقدير ~~فأحدها أصحاب الميمنة والآخر أصحاب المشأمة والثالث السابقون، ~~خلا أنه لما أخر بيان أحوال القسمين الأوليين عقب كل ~~منهما بجملة معترضة بين القسمين منبئة عن ترامي أحوالهما في ms3130 ~~الخير والشر إنباء إجماليا مشعرا بأن لأحوال كل منهما ~~تفصيلا مترقبا لكن لا على أن ما الاستفهامية مبتدأ وما بعدها ~~خبر على ما رآه سيبويه في أمثاله بل على أنها خبر لما بعدها ~~فإن مناط الإفادة بيان أن أصحاب الميمنة أمر بديع كما يفيده ~~كون ما خبر إلا بيان أن أمرا بديعا أصحاب الميمنة كما يفيده ~~كونها مبتدأ وكذا الحال في ما أصحاب المشأمة وأما القسم الأخير ~~فحيث قرن بيان محاسن أحواله بذكره لم يحتج فيه إلى تقديم ~~الأنموذج فقوله تعالى السابقون مبتدأ والإظهار في مقام الإضمار ~~للتفخيم وأولئك مبتدأ ثان أو بدل من الأول وما بعده خبر له أو ~~للثاني والجملة خبر للأول. وقوله تعالى: { في جنت النعيم ~~} متعلق بالمقربون أو بمضمر هو حال من ضميره أي كائنين في جنات ~~النعيم وقيل خبر ثان لاسم الإشارة وفيه أن الإخبار بكونهم فيها ~~بعد الإخبار بكونهم مقربين ليس فيه مزيد مزية وقرىء في جنة ~~النعيم. # وقوله تعالى: { ثلة من الأولين } خبر مبتدأ محذوف أي ~~هم أمة جمة من الأولين، وهم الأمم السالفة من لدن آدم إلى ~~نبينا عليهما الصلاة والسلام وعلى من بينهما من الأنبياء ~~العظام. { وقليل من الآخرين } أي من هذه الأمة ولا يخالفه ~~قوله عليه الصلاة والسلام: # " إن أمتي يكثرون سائر الأمم " # فإن أكثرية سابقي الأمم السالفة من سابقي هذه الأمة لا تمنع ~~أكثرية تابعي هؤلاء من تابعي أولئك، ولا يرده قوله تعالى: في ~~أصحاب اليمين # ثلة من الأولين وثلة من الآخرين # [سورة الواقعة، الآية 39، 40] لأن كثرة كل من الفريقين في أنفسهما ~~لا تنافي أكثرية أحدهما من الآخر وسيأتي أن الثلثين من هذه ~~الأمة وقد روي مرفوعا أن الأولين والآخرين ههنا أيضا متقدمو هذه ~~الأمة ومتأخروهم واشتقاق الثلة من الثل وهو الكسر. ### || [56.15-21] # { على سرر موضونة } حال أخرى من المقربين أو من ضميرهم ~~في الحال الأولى وقيل: خبر آخر للضمير والموضونة المنسوجة ~~بالذهب مشبكة بالدر والياقوت أو المتواصلة من الوضن وهو النسج { ~~متكئين عليها متقبلين } حالان من الضمير المستكن ms3131 ~~فيما تعلق به على سرر أي مستقرين على سرر متكئين عليها متقابلين ~~لا ينظر بعضهم من أقفاء بعض وهو وصف لهم بحسن العشرة وتهذيب ~~الأخلاق والآداب. { يطوف عليهم } حال أخرى أو استئناف أي ~~يدور حولهم للخدمة { ولدن مخلدون } أي مبقون أبدا على ~~شكل الولدان وطراوتهم لا يتحولون عنها وقيل مقرطون والخلد القرط ~~قيل: هم أولاد أهل الدنيا لم يكن لهم حسنات فيثابوا عليها ولا ~~سيئات فيعاقبوا عليها، روي ذلك عن علي رضي الله عنه وعن الحسن ~~رحمه الله، وفي الحديث أولاد الكفار خدام أهل الجنة { ~~بأكواب } بآنية لا عرى لها ولا خراطيم. { وأباريق } أي ~~آنية ذات عرى وخراطيم { وكأس من معين } أي خمر جارية من ~~العيون قيل: إنما أفرد الكأس لأنها لا تسمى كأسا إلا إذا كانت ~~مملوءة { لا يصدعون عنها } أي بسببها. وحقيقته لا يصدر ~~صداعهم عنها. وقرىء لا يصدعون أي لا يتصدعون ولا يتفرقون، ~~كقوله تعالى: # يومئذ يصدعون # [سورة الروم، الآية 43] وقرىء لا يصدعون أي لا يفرق بعضهم بعضا { ~~ولا ينزفون } أي لا يسكرون من أنزف الشارب إذا نفد عقله أو ~~شرابه { وفكهة مما يتخيرون } أي يختارونه ويأخذون خيره ~~وأفضله. # { ولحم طير مما يشتهون } أي يتمنون وقرىء ولحوم ~~طير. ### || [56.22-29] # { وحور عين } بالرفع عطف على ولدان أو مبتدأ محذوف الخبر أي ~~وفيها أو لهم حور. وقرىء بالجر عطفا على جناب النعيم، كأنه ~~قيل هم في جنات وفاكهة ولحم ومصاحبة حور أو على أكواب لأن معنى ~~يطوف عليهم ولدان مخلدون بأكواب ينعمون بأكواب وبالنصب أي ~~ويؤتون حورا. { كأمثل اللؤلؤ المكنون } صفة لحور أو ~~حال. { جزاء بما كانوا يعملون } مفعول له أي يفعل بهم ذلك ~~كله جزاء بأعمالهم، أو مصدر مؤكد أي يجزون جزاء. { لا ~~يسمعون فيها لغوا } أي باطلا { ولا تأثيما } أي ولا ~~نسبة إلى الإثم أي لا لغو فيها ولا تأثيم ولا سماع كقوله: # [لا تفزع الأرنب أهوالها] # ولا ترى الضب بها ينجحر # { إلا قيلا } أي قولا { سلما سلما } بدل من قيلا ~~كقوله تعالى: # لا يسمعون فيها لغوا ms3132 إلا سلما # [سورة مريم، الآية 62]، أو صفته أو مفعوله بمعنى لا يسمعون فيها ~~إلا أن يقولوا سلاما سلاما والمعنى أنهم يفشون السلام فيسلمون ~~سلاما بعد سلام أو لا يسمع كل من المسلم والمسلم عليه إلا ~~سلام الآخر بدءا أو ردا. وقرىء سلام سلام على الحكاية. وقوله ~~تعالى: # { وأصحب اليمين } شروع في تفصيل ما أجمل عند التقسيم من ~~شؤونهم الفاضلة إثر تفصيل شؤون السابقين وهو مبتدأ وقوله تعالى: ~~{ ما أصحب اليمين } جملة استفهامية مسوقة لتفخيمهم ~~والتعجيب من حالهم وقد عرفت كيفية سبكها، محلها إما الرفع على ~~أنها خبر للمبتدأ أو معترضة لا محل لها. والخبر قوله تعالى: { ~~فى سدر مخضود } وهو على الأول خبر ثان للمبتدأ أو خبر ~~لمبتدأ محذوف، والجملة استئناف لبيان ما أبهم في قوله تعالى: { ~~ما أصحب اليمين } من علو الشأن أي هم في سدر غير ذي شوك ~~لا كسدر الدنيا وهو شجر النبق كأنه خضد شوكه أي قطع وقيل: ~~مخضود أي مثني أغصانه لكثرة حمله من خضد الغصن إذا ثناه وهو ~~رطب { وطلح منضود } قد نضد حمله من أسفله إلى أعلاه ليست ~~له ساق بارزة وهو شجر الموز أو أم غيلان وله أنوار كثيرة ~~منتظمة طيبة الرائحة وعن السدي: شجر يشبه طلح الدنيا ~~ولكن له ثمر أحلى من العسل. وعن علي رضي الله عنه أنه قرأ وطلع ~~وما شأن الطلح وقرأ قوله تعالى: # لها طلع نضيد # [سورة ق، الآية 10] فقيل أو نحولها قال: آي القرآن لا تهاج ~~ولا تحول وعن ابن عباس نحوه. ### || [56.30-40] # { وظل ممدود } ممتد منبسط لا يتقلص ولا يتفاوت كظل ما ~~بين طلوع الفجر وطلوع الشمس { وماء مسكوب } يسكب لهم ~~أينما شاءوا وكيفما أرادوا بلا تعب أو مصبوب سائل يجري على الأرض ~~في غير أخدود، كأنه مثل حال السابقين بأقصى ما يتصور لأهل ~~المدن وحال أصحاب اليمين بأكمل ما يتصور لأهل البوادي إيذانا ~~بالتفاوت بين الحالين { وفكهة كثيرة } بحسب الأنواع ~~والأجناس { لا مقطوعة } في وقت من الأوقات كفواكه الدنيا { ~~ولا ممنوعة } عن متناوليها بوجه ms3133 من الوجوه لا يحظر عليها كما ~~يحظر على بساتين الدنيا. وقرىء فاكهة كثيرة بالرفع على ~~وهناك فاكهة الخ. كقوله تعالى وحور عين. { وفرش مرفوعة } ~~أي رفيعة القدر أو منضدة مرتفعة أو مرفوعة على الأسرة وقيل الفرش ~~النساء حيث يكنى بالفراش عن المرأة وارتفاعها كونهن على ~~الأرائك. قال تعالى: # هم وأزوجهم فى ظلل على الأرائك متكئون # [سورة يس، الآية 56] ويدل عليه قوله تعالى: { إنا ~~أنشأنهن إنشاء } وعلى التفسير الأول أضمر لهن لدلالة ذكر ~~الفرش التي هي المضاجع عليهن دلالة بينة والمعنى ابتدأنا خلقهن ~~ابتداء جديدا أو أبدعناهن من غير ولاد إبداء أو إعادة وفي ~~الحديث: هن اللواتي قبضن في دار الدنيا عجائز شمطا رمصا ~~جعلهن الله تعالى بعد الكبر أترابا على ميلاد واحد في الاستواء ~~كلما أتاهن أزواجهن وجدوهن أبكارا. وذلك قوله تعالى: { ~~فجعلنهن أبكرا } وقوله تعالى: { عربا } جمع عروب ~~وهي المتحببة إلى زوجها الحسنة التبعل. وقرىء عربا بسكون ~~الراء { أترابا } مستويات في السن بنات ثلاث وثلاثين سنة وكذا ~~أزواجهن واللام في قوله تعالى: { لأصحب اليمين } متعلقة ~~بأنشأنا أو جعلنا أو بأترابا كقولك هذا ترب لهذا أي مساو له في ~~السن وقيل: بمحذوف هو صفة لأبكارا أي كائنات لأصحاب اليمين أو ~~خبر مبتدأ محذوف أي هن لأصحاب اليمين وقيل: خبر لقوله تعالى: # { ثلة من الأولين * وثلة من الآخرين } وهو بعيد بل ~~هو خبر مبتدأ محذوف ختمت به قصة أصحاب اليمين أي هم أمة من الأولين وأمة ~~من الآخرين وقد مر الكلام فيهما، وعن أبي العالية ومجاهد وعطاء والضحاك ~~ثلة من الأولين أي من سابقي هذه الأمة وثلة من الآخرين من هذه ~~الأمة في آخر الزمان. وعن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله ~~عنهما في هذه الآية قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " هم جميعا من أمتي ". ### || [56.41-45] # { وأصحب الشمال } شروع في تفصيل أحوالهم التي أشير عند ~~التنويع إلى هولها وفظاعتها بعد تفصيل حسن حال أصحاب اليمين. ~~والكلام في قوله تعالى: { ما أصحب الشمال } عين ما فصل ~~في ms3134 نظيره وكذا في قوله تعالى { فى سموم وحميم } والسموم ~~حر نار ينفذ في المسام والحميم المتناهي في الحرارة. { وظل ~~من يحموم } من دخان أسود بهيم { لا بارد } كسائر الظلال ~~{ ولا كريم } فيه خير ما في الجملة سمي ذلك ظلا ثم نفى عنه ~~وصفاه البرد والكرم الذي عبر به عن دفع أذى الحر لتحقيق أنه ليس بظل ~~وقرىء لا بارد ولا كريم بالرفع أي لا هو بارد ولا كريم. وقوله ~~تعالى: { إنهم كانوا قبل ذلك مترفين } تعليل ~~لابتلائهم بما ذكر من العذاب أي إنهم كانوا قبل ما ذكر من ~~سوء العذاب في الدنيا منعمين بأنواع النعم من المآكل والمشارب ~~والمساكن الطيبة والمقامات الكريمة منهمكين في الشهوات فلا جرم ~~عذبوا بنقائضها. ### || [56.46-51] # { وكانوا يصرون على الحنث العظيم } أي الذنب العظيم ~~الذي هو الشرك ومنه قولهم بلغ الغلام الحنث أي الحلم وقت ~~المؤاخذة بالذنب { وكانوا يقولون } لغاية عتوهم وعنادهم { ~~أءذا متنا وكنا ترابا وعظما } أي كان بعض أجزائنا ~~من اللحم والجلد ترابا وبعضها عظاما نخرة وتقديم التراب لعراقته ~~في الاستبعاد وانقلابه من الأجزاء البادية، وإذا متمحضة للظرفي والعامل ~~فيها ما دل عليه، قوله تعالى { أئنا لمبعثون } لا نفسه لأن ما بعد أن ~~واللام والهمزة لا يعمل فيما قبلها وهو نبعث وهو المرجع للإنكار، ~~وتقييده بالوقت المذكور ليس لتخصيص إنكاره به فإنهم منكرون ~~للإحياء بعد الموت وإن كان البدن على حاله بل لتقوية الإنكار ~~للبعث بتوجيهه إليه في حالة منافية له بالكلية، وتكرير الهمزة ~~لتأكيد النكير وتحلية الجملة بأن لتأكيد الإنكار لا لإنكار ~~التأكيد كما عسى يتوهم من ظاهر النظم فإن تقديم الهمزة لاقتضائها ~~الصدارة كما في مثل قوله تعالى: # أفلا تعقلون # [سورة البقرة، الآيات 44 و76، وآل عمران، الآية 65، والأنعام، الآية 32، ~~والأعراف، الآية 169، إلى آخره...] على رأي الجمهور فإن المعنى عندهم ~~تعقيب الإنكار لا إنكار التعقيب كما هو المشهور وليس مدار إنكارهم ~~كونهم ثابتين في المبعوثية بالفعل في حال كونهم ترابا وعظاما بل ~~كونهم بعرضية ذلك واستعدادهم ومرجعه إلى إنكار البعث بعد تلك ms3135 ~~الحالة، وفيه من الدلالة على غلوهم في الكفر وتماديهم في الضلال ما لا ~~مزيد عليه وتكرير الهمزة في قوله تعالى: # { أو ءاباؤنا الأولون } لتأكيد النكير والواو للعطف على ~~المستكن في لمبعوثون وحسن ذلك الفصل بالهمزة يعنون أن بعث آبائهم ~~الأولين أبعد من الوقوع وقرىء أو آباؤنا { قل } ردا لإنكارهم ~~وتحقيقا للحق { إن الأولين والأخرين } من الأمم الذين ~~من جملتهم أنتم وآباؤكم وفي تقديم الأولين مبالغة في الرد حيث كان ~~إنكارهم لبعث آبائهم أشد من إنكارهم لبعثهم مع مراعاة الترتيب ~~الوجودي { لمجموعون } بعد البعث وقرىء لمجمعون { إلى ~~ميقت يوم معلوم } إلى ما وقتت به الدنيا من يوم معلوم ~~والإضافة بمعنى من كخاتم فضة { ثم إنكم أيها الضالون ~~} عطف على أن الأولين داخل تحت القول وثم للتراخي زمانا أو رتبة { ~~المكذبون } أي بالبعث والخطاب لأهل مكة وأضرابهم. ### || [56.52-57] # { لأكلون } بعد البعث والجمع ودخول جهنم { من شجر من ~~زقوم } من الأولى لابتداء الغاية والثانية لبيان الشجر وتفسيره ~~أي مبتدئون الأكل من شجر هو زقوم وقيل: من الثانية متعلقة بمضمر هو ~~وصف لشجر أي كائن من زقوم { فمالئون منها البطون } أي ~~بطونكم من شدة الجوع { فشربون عليه } عقيب ذلك بلا ريث { ~~من الحميم } أي الماء الحار في الغاية وتأنيث ضمير الشجر ~~أولا وتذكيره ثانيا باعتبار المعنى واللفظ وقرىء من شجرة فضمير ~~عليه حينئذ للزقوم وقيل: للأكل وقوله تعالى: { فشربون شرب ~~الهيم } كالتفسير لما قبله على طريقة قوله تعالى: # فكذبوا عبدنا # [سورة القمر، الآية 9] أي لا يكون شربكم شربا معتادا بل يكون مثل ~~شرب الهيم وهي الإبل التي بها الهيام وهو داء يصيبها فتشرب ولا ~~تروى جمع أهيم وهيماء وقيل: الهيم الرمال على أنه جمع الهيام ~~بفتح الهاء وهو الرمل الذي لا يتماسك جمع على فعل كسحاب ~~وسحب ثم حفف وفعل به ما فعل بجمع أبيض والمعنى أنه يسلط عليهم ~~من الجوع والتهاب النار في أحشائهم ما يضطرهم إلى أكل الزقزم ~~الذي هو كالمهل فإذا ملأوا منه بطونهم وهو في غاية الحرارة والمرارة ~~سلط عليهم ms3136 من العطش ما يضطرهم إلى شرب الحميم الذي يقطع أمعاءهم ~~فيشربونه شرب الهيم وقرىء شرب الهيم بالفتح وهو أيضا مصدر وقرىء ~~بالكسر على أنه اسم المشروب. { هذا } الذي ذكر من أنواع ~~العذاب { نزلهم يوم الدين } أي يوم الجزاء فإذا كان ذلك ~~نزلهم وهو ما يعد للنازل مما حضر فما ظنك بما لهم بعدما استقر لهم ~~القرار واطمأنت بهم الدار في النار وفيه من التهكم بهم ما لا يخفى ~~وقرىء نزلهم بسكون الزاي تخفيفا والجملة مسوقة من جهته تعالى ~~بطريق الفذلكة مقررة لمضون الكلام المقن غير داخلة تحت القول. ~~وقوله تعالى: { نحن خلقنكم فلولا تصدقون } تلوين ~~للخطاب وتوجيه له إلى الكفرة بطريق الإلزام والتبكيت. والفاء ~~لترتيب التحضيض على ما قبلها أي فهلا تصدقون بالخلق فإن ما لا ~~يحققه العمل ولا يساعده بل ينبىء عن خلافه ليس من التصديق في شيء ~~وقيل: بالبعث استدلالا عليه بالإنشاء فإن من قدر عليه قدر على الإعادة ~~حتما والأول هو الوجه كما ستحيط به خبرا. ### || [56.58-65] # { أفرءيتم ما تمنون } أي تقذفون في الأرحام من النطف ~~وقرىء بفتح التاء من منى النطفة بمعنى أمناها { ءأنتم ~~تخلقونه } أي تقدرونه وتصورونه بشرا سويا { أم نحن ~~الخلقون } له من غير دخل شيء فيه، وأم قيل: منقطعة لأن ما ~~بعدها جملة فالمعنى بل أنحن الخالقون على أن الاستفهام للتقرير ~~وقيل: متصلة ومجىء الخالقون بعد نحن بطريق التأكيد لا بطريق الخبرية ~~أصالة { نحن قدرنا بينكم الموت } أي قسمناه عليكم ~~ووقتنا موت كل أحد بوقت معين حسبما تقتضيه مشيئتنا المبنية على ~~الحكم البالغة وقرىء قدرنا مخففا { وما نحن بمسبوقين } ~~أي إنا قادرون { على أن نبدل أمثلكم } لا يغلبنا أحد ~~على أن نذهبكم ونأتي مكانكم بأشباهكم من الخلق { وننشئكم ~~فيما لا تعلمون } من الخلق والأطوار ولا تعهدون بمثلها قال ~~الحسن رحمه الله أي نجعلكم قردة وخنازير وقيل: المعنى وننشئكم في ~~البعث على غير صوركم في الدنيا فيمن هذا شأنه كيف يعجز عن إعادتكم ~~وقيل: المعنى وما يسبقنا أحد فيهرب من الموت أو بغير وقته ms3137 وعلى أن نبدل ~~إلخ إما حال من فاعل قدرنا أو علة للتقدير وعلى بمعنى اللام وبينهما ~~اعتراض. # { ولقد علمتم النشأة الأولى } هي خلقهم من نطفة ثم ~~من علقة ثم من مضغة وقيل: هي فطرة آدم عليه السلام من التراب { ~~فلولا تذكرون } فهلا تتذكرون أن من قدر عليها قدر على ~~النشأة الأخرى حتما فإنه أقل صنعا لحصول المواد وتخصيص ~~الأجزاء وسبق المثال وفيه دليل على صحة القياس وقرىء فلولا ~~تذكرون من الثلاثي وفي الخبر عجبا كل العجب للمكذب بالنشأة ~~الآخرة وهو يرى النشأة الأولى وعجبا للمصدق بالنشأة الآخرة وهو يسعى ~~لدار الغرور. # { أفرءيتم ما تحرثون } أي تبذرون حبه وتعملون في أرضه ~~{ ءأنتم تزرعونه } تنبتونه وتردونه نباتا يرف { أم نحن ~~الزارعون } أي المنبتون لا أنتم والكلام في أم كما مر آنفا { لو ~~نشاء لجعلناه حطما } هشيما متكسرا متفتتا بعد ما ~~أنبتناه وصار بحيث طمعتم في حيازة غلاله { فظلتم } بسبب ذلك { ~~تفكهون } تتعجبون من سوء حاله إثر ما شاهدتموه على أحسن ما ~~يكون من الحال أو تندمون على ما تعبتم فيه وأنفقتم عليه أو على ما ~~اقترفتم لأجله من المعاصي فتتحدثون فيه والتفكه التنقل بصنوف ~~الفاكهة وقد استعير للتنقل بالحديث وقرىء تفكنون أن تتندمون ~~وقرىء فظلتم بالكسر وفظللتم على الأصل. ### || [56.66-72] # { إنا لمغرمون } أي لملزمون غرامة ما أنفقنا أو مهلكون ~~بهلاك رزقنا من الغرام وهو الهلاك وقرىء أئنا على الاستفهام ~~والجملة على القراءتين مقدرة بقول هو في حيز النصب على الحالية من ~~فاعل تفكهون أي قائلين أو تقولون إنا لمغرمون { بل نحن محرومون ~~} حرمنا رزقنا أو محارفون محدودون لا حظ لنا ولا بخت لا مجدودون. # { أفرءيتم الماء الذى تشربون } عذبا فراتا، وتخصيص ~~هذا الوصف بالذكر مع كثرة منافعه لأن الشرب أهم المقاصد المنوطة به ~~{ ءأنتم أنزلتموه من المزن } أي من السحاب واحده ~~مزنة وقيل: هو السحاب الأبيض وماؤه أعذب { أم نحن ~~المنزلون } له بقدرتنا { لو نشاء جعلنه أجاجا } ~~ملحا زعاقا لا يمكن شربه وحذف اللام ههنا مع إثباتها في ~~الشرطية الأولى للتعويل على ms3138 علم السامع أو الفرق بين المطعوم ~~والمشروب في الأهمية وصعوبة الفقد والشرطيتان مستأنفتان مسوقتان ~~لبيان أن عصمته تعالى للزرع والماء عما يخل بالتمتع بهما نعمة ~~أخرى بعد نعمة الإنبات والإنزال مستوجبة للشكر فقوله تعالى: { ~~فلولا تشكرون } تحضيض على شكر الكل { أفرءيتم ~~النار التى تورون } أي تقدحونها وتستخرجونها من الزناد { ~~ءأنتم أنشأتم شجرتها } التي منها الزناد وهي المرخ ~~والعفار { أم نحن المنشئون } لها بقدرتنا والتعبير عن ~~خلقها بالإنشاء المنبىء عن بديع الصنع والمعرب عن كمال القدرة ~~والحكمة لما فيه من الغرابة الفارقة بينها وبين سائر الشجر التي لا ~~تخلو عن النار حتى قيل: في كل شجر نار واستمجد المرخ والعفار كما ~~أن التعبير عن نفخ الروح بالإنشاء في قوله تعالى: # ثم أنشأناه خلقا آخر # [سورة المؤمنون، الآية 14]. ### || [56.73-77] # وقوله تعالى: # { نحن جعلنها تذكرة } استئناف مبين لمنافعها أي ~~جعلناها تذكيرا لنار جهنم حيث علقنا بها أسباب المعاش لينظروا ~~إليها ويذكروا ما أعدوا به من نار جهنم أو تذكرة وأنموذجا من نار ~~جهنم لما روي عن النبي عليه الصلاة والسلام: # " ناركم هذه التي يوقدها بنو آدم جزء من سبعين جزءا من حر ~~جهنم " # وقيل: تبصرة من أمر العبث فإنه ليس بأبدع من إخراج النار من ~~الشيء الرطب { ومتعا } ومنفعة { للمقوين } للذين ينزلون ~~القواء وهي الفقر وتخصيصهم بذلك لأنهم أحوج إليها فإن المقيمين أو ~~النازلين بقرب منهم ليسوا بمضطرين إلى الاقتداح بالزناد، وقد جوز أن ~~يراد بالمقوين الذين خلت بطونهم ومزاودهم من الطعام وهو بعيد لعدم ~~انحصار ما يهمهم ويسد خللهم فيما لا يؤكل إلا بالطبخ وتأخير هذه ~~المنفعة للتنبيه على أن الأهم هو النفع الأخروي. والفاء في قوله ~~تعالى { فسبح باسم ربك العظيم } لترتيب ما بعدها على ~~عدد من بدائع صنعه تعالى وروائع نعمه الموجبة لتسبيحه تعالى إما ~~تنزيها له تعالى عما يقوله الجاحدون بوحدانية الكافرون بنعمته مع ~~عظمها وكثرتها أو تعجبا من أمرهم في غمط تلك النعم الباهرة مع ~~جلالة قدرها وظهور أمرها أو شكرا على تلك النعم السابقة أي فأحدث ~~التسبيح ms3139 بذكر اسمه تعالى أو بذكره فإن إطلاق الإسم للشيء ذكر له ~~والعظيم صفة للاسم أو الرب { فلا أقسم } أي فأقسم ولا مزيدة ~~للتأكيد كما في قوله تعالى: # لئلا يعلم # [سورة الحديد، الآية 29] أو فلأنا أقسم فحذف المبتدأ وأشيع فتحة لام ~~الابتداء، ويعضده قراءة من قرأ فلأقسم أو فلا رد لكلام يخالف ~~المقسم عليه، وأما ما قيل: من أن المعنى فلا أقسم إذا لأمر أوضح ~~من أن يحتاج إلى قسم فيأباه تعيين المقسم به وتفخيم شأن القسم ~~به { بموقع النجوم } أي بمساقطها وهي مغاربها وتخصيصها ~~بالقسم لما في غروبها من زوال أثرها والدلالة على وجود مؤثر دائم ~~لا يتغير أو لأن ذلك وقت قيام المتهجدين والمبتهلين إليه تعالى ~~وأوان نزول الرحمة والرضوان عليهم أو بمنازلها ومجاريها فإن له ~~تعالى في ذلك من الدليل على عظم قدرته وكمال حكمته ما لا يحيط به ~~البيان وقيل: النجوم نجوم القرآن ومواقعها أوقات نزولها وقوله ~~تعالى: { وإنه لقسم لو تعلمون عظيم } اعتراض في ~~اعتراض قصد به المبالغة في تحقيق مضمون الجملة والقسيمة وتأكيده ~~حيث اعترض بقوله وإنه لقسم بين القسم وجوابه الذي هو قوله تعالى: # { إنه لقرءان كريم } أي كثير النفع لاشتماله على أصول ~~العلوم المهمة في صلاح المعاش والمعاد أو حسن مرضي أو كريم عند ~~الله تعالى وقوله تعالى لو تعلمون وسط بين الموصوف وصفته، وجواب ~~لو إما متروك أريد به نفي علمهم أو محذوف ثقة بظهوره أي لعظمتموه ~~أو لعملتم بموجبه. ### || [56.78-83] # { فى كتب مكنون } أي مصون من غير المقربين من الملائكة ~~لا يطلع عليه من سواهم وهو اللوح { لا يمسه إلا ~~المطهرون } إما صفة أخرى لكتاب فالمراد بالمطهرين الملائكة ~~المنزهون عن الكدورات الجسمانية وأوضار الأوزار أو للقرآن فالمراد ~~بهم المطهرون من الأحداث فيكون نفيا بمعنى النهي أي لا ينبغي أن ~~يمسه إلا من كان على طهارة من الناس على طريقة قوله عليه الصلاة ~~والسلام: # " المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه " # أي لا ينبغي له أن يظلمه أو يسلمه إلى من يظلمه ms3140 وقيل: لا يطلبه ~~إلا المطهرون من الكفر وقرىء المتطهرون والمطهرون بالإدغام ~~والمطهرون من أطهره بمعنى طهره والمطهرون أي أنفسهم أو غيرهم ~~بالاستغفار أو غيره { تنزيل من رب العلمين } صفة أخرى ~~للقرآن وهو مصدر نعت به حتى جرى مجرى اسمه وقرىء تنزيلا { ~~أفبهذا الحديث } الذي ذكرت نعوته الجليلة الموجبة ~~لإعظامه وإجلاله وهو القرآن الكريم { أنتم مدهنون } أي ~~متهاونون به كمن يدهن في الأمر أي يلين جانبه ولا يتصلب فيه ~~تهاونا به { وتجعلون رزقكم } أي شكر رزقكم { أنكم ~~تكذبون } أي تضعون التكذيب موضع الشكر وقرىء وتجعلون شكركم ~~أنكم تكذبون أي تجعلون شكركم لنعمة القرآن أنكم تكذبون به وقيل: ~~الرزق المطر والمعنى وتجعلون شكر ما يرزقكم الله تعالى من الغيث ~~أنكم تكذبون بكونه من الله تعالى حيث تنسبونه إلى الأنواء والأول ~~هو الأوفق لسباق النظم الكريم وسياقه فإن قوله عز وجل: # { فلولا إذا بلغت الحلقوم } إلخ تبكيت مبني على ~~تكذيبهم بالقرآن فيما نطق به قوله تعالى نحن خلقناكم إلى هنا من ~~القوارع الدالة على كونهم تحت ملكوته تعالى من حيث ذواتهم ومن حيث ~~طعامهم وشرابهم وسائر أسباب معايشهم كما ستقف عليه، ولولا للتحضيض ~~لإظهار عجزهم وإذا ظرفية أي فهلا إذا بلغت النفس أي الروح ~~وقيل: نفس أحدكم الحلقوم وتداعت إلى الخروج. ### || [56.84-90] # { وأنتم حينئذ } أيها الحاضرون حول صاحبها { تنظرون } ~~إلى ما هو فيه من الغمرات { ونحن أقرب إليه } علما وقدرة ~~وتصرفا { منكم } حيث لا تعرفون من حاله إلا ما تشاهدونه من آثار ~~الشدة من غير أن تقفوا على كنهها وكيفيتها وأسبابها ولا أن ~~تقدروا على دفع أدنى شيء منها ونحن المتولون لتفاصيل أحواله بعلمنا ~~وقدرتنا أو بملائكة الموت { ولكن لا تبصرون } لا تدركون ~~ذلك لجهلكم بشؤوننا. وقوله تعالى: # { فلولا إن كنتم غير مدينين } أي غير مربوبين من دان ~~السلطان رعيته إذا ساسهم واستعبدهم ناظر إلى قوله تعالى نحن ~~خلقناكم فلولا تصدقون فإن التحضيض يستدعي عدم المحضض عليه حتما ~~وقوله تعالى: { ترجعونها } أي النفس إلى مقرها هو العامل في ~~إذا والمحضض عليه بلولا الأولى ms3141 والثانية مكررة للتأكيد وهي مع ما في ~~حيزها دليل جواب الشرط والمعنى إن كنتم غير مربوبين كما ينبىء ~~عنه عدم تصديقكم بخلقنا إياكم فهلا ترجعون النفس إلى مقرها عند ~~بلوغها الحلقوم { إن كنتم صدقين } في اعتقادكم فإن عدم ~~تصديقهم بخالقيته تعالى لهم عبارة عن تصديقهم بعدم خالقيته تعالى ~~بوجب مذهبهم. وقوله تعالى: # { فأما إن كان من المقربين } إلخ شروع في بيان حال ~~المتوفي بعد الممات إثر بيان حاله عند الوفاة أي فأما إن كان ~~الذي بين حاله من السابقين من الأزواج الثلاثة عبر عنهم بأجل ~~أوصافهم { فروح } أي فله استراحة وقرىء فروح بضم الراء وفسر ~~بالرحمة لأنها سبب لحياة المرحوم وبالحياة الدائمة { وريحان } ~~ورزق { وجنت نعيم } أي ذات تنعم { وأما إن كان من ~~أصحب اليمين } عبر عنهم بالعنوان السابق إذا لم يذكر لهم ~~فيما سبق وصف واحد ينبىء عن شأنهم سواه كما ذكر للفريقين ~~الآخرين. ### || [56.91-96] # وقوله تعالى: { فسلم لك من أصحب اليمين } إخبار ~~من جهته تعالى بتسليم بعضهم على بعض كما يفصح عنه اللام لا حكاية ~~إنشاء سلام بعضهم على بعض وإلا لقيل عليك والالتفات إلى خطاب كل ~~واحد منهم للتشريف { وأما إن كان من المكذبين ~~الضالين } وهم أصحاب الشمال عبر عنهم بذلك حسبما وصفوا به عند ~~بيان أحوالهم بقوله تعالى: # ثم إنكم أيها الضالون المكذبون # [سورة الواقعة، الآية 51] ذما لهم بذلك وإشعارا بسبب ما ابتلوا به ~~من العذاب { فنزل } أي فله نزل كائن { من حميم } يشرب بعد ~~أكل الزقوم كما فصل فيما قبل. { وتصلية جحيم } أي إدخال في ~~النار وقيل: إقامة فيها ومقاساة لألوان عذابها وقيل: ذلك ما يجده في ~~القبر من سموم النار ودخانها { إن هذا } أي الذي ذكر في ~~السورة الكريمة { لهو حق اليقين } أي حق الخبز اليقين ~~وقيل: الحق الثابت من اليقين والفاء في قوله تعالى: { فسبح ~~باسم ربك العظيم } لترتيب التسبيح أو الأمر به على ما قبلها ~~فإن حقية ما فصل في تضاعيف السورة الكريمة مما يوجب تنزيهه ~~تعالى عما لا يليق بشأنه الجليل ms3142 من الأمور التي من جملتها ~~الإشراك به والتكذيب بآياته الناطقة بالحق. عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم: # " من قرأ سورة الواقعة في كل ليلة لم تصبه فاقة أبدا ". ### | [57 - سورة الحديد] ### || [57.1-3] # مكية، وقيل مدنية وآيها تسع وعشرون # { سبح لله ما فى السموات والأرض } التسبيح ~~تنزيه الله تعالى اعتقادا وقولا وعملا عما لا يليق بجنابه ~~سبحانه من سبح في الأرض والماء إذا ذهب وأبعد فيهما وحيث ~~أسند ههنا إلى غير العقلاء أيضا فإن ما في السموات والأرض ~~يعم جميع ما فيهما سواء كان مستقرا فيهما أو جزءا منهما كما ~~مر في آية الكرسي. أريد به معنى عام مجازي شامل لما نطق ~~به لسان المقال كتسبيح غيرهم فإن كل فرد من أفراد الموجودات ~~يدل بإمكانه وحدوثه على الصانع القديم الواجب الوجود المتصف ~~بالكمال المنزه عن النقصان وهو المراد بقوله تعالى: # وإن من شىء إلا يسبح بحمده # [سورة الإسراء، الآية 44] وهو متعد بنفسه كما في قوله تعالى: ~~وسبحوه. واللام إما مزيدة للتأكيد كما في نصحت له وشكرت ~~له أو للتعليل أي فعل التسبيح لأجل الله تعالى وخالصا ~~لوجهه، ومجيئه في بعض الفواتح ماضيا وفي البعض مضارعا للإيذان ~~بتحققه في جميع الأوقات، وفيه تنبيه على أن حق من شأنه ~~التسبيح الاختياري أن يسبحه تعالى في جميع أوقاته كما عليه ~~الملأ الأعلى حيث يسبحون الليل والنهار لا يفترون { وهو ~~العزيز } القادر الغالب الذي لا يمانعه ولا ينازعه شيء { ~~الحكيم } الذي لا يفعل إلا ما تقتضيه الحكمة والمصلحة، والجملة ~~اعتراض تذييلي مقرر لمضمون ما قبله مشعر بعلة الحكم وكذا قوله ~~تعالى: { له ملك السموات والأرض } أي التصرف الكلي ~~فيهما وفيما فيهما من الموجودات من حيث الإيجاد والإعدام وسائر ~~التصرفات مما نعلمه وما لا نعلمه. وقوله تعالى: # { يحيي ويميت } استئناف مبين لبعض أحكام الملك والتصرف. ~~وجعله حالا من ضمير له ليس كما ينبغي { وهو على كل شىء ~~} من الأشياء التي من جملتها ما ذكر من الإحياء والإماته { ~~قدير } مبالغ في القدرة { هو الأول } السابق على سائر ms3143 ~~الموجودات لما أنه مبدئها ومبدعها { والآخر } الباقي بعد ~~فنائها حقيقة أو نظرا إلى ذاتها مع قطع النظر عن مبقيها فإن ~~جميع الموجودات الممكنة إذا قطع النظر عن علتها فهي فانية { ~~والظهر } وجودا لكثرة دلائله الواضحة { والبطن } ~~حقيقة فلا تحوم حوله العقول. والواو الأولى والأخيرة للجمع ~~بين الوصفين المكتنفين بهما والوسطى للجمع بين المجموعين فهو ~~متصف باستمرار الوجود في جميع الأوقات والظهور والخفاء { وهو ~~بكل شىء عليم } لا يعزب عن علمه شيء من الظاهر ~~والخفي. ### || [57.4-7] # { هو الذى خلق السموات والأرض فى ستة أيام ~~ثم استوى على العرش } بيان لبعض أحكام ملكهما وقد مر ~~تفسيره مرارا { يعلم ما يلج فى الأرض وما يخرج ~~منها وما ينزل من السماء وما يعرج فيها } مر ~~بيانه في سورة سبأ { وهو معكم أينما كنتم } تمثيل ~~لإحاطة علمه تعالى بهم وتصوير لعدم خروجهم عنه أينما داروا. وقوله ~~تعالى: { والله بما تعملون بصير } عبارة عن إحاطته ~~بأعمالهم فتأخيره عن الخلق لما أن المراد به ما يدور عليه الجزاء ~~من العلم التابع للمعلوم لا لما قيل من أنه دليل عليه. وقوله تعالى: # { له ملك السموات والأرض } تكرير للتأكيد وتمهيد ~~لقوله تعالى: { وإلى الله ترجع الأمور } أي إليه وحده ~~لا إلى غيره استقلالا أو اشتراكا ترجع جميع الأمور، على البناء ~~للمفعول من رجع رجعا. وقرىء على البناء للفاعل من رجع ~~رجوعا. { يولج اليل فى النهار ويولج النهار فى ~~اليل } مر تفسيره مرارا. وقوله تعالى: # { وهو عليم } أي مبالغ في العلم { بذات الصدور } أي ~~بمكنوناتها اللازمة لها، بيان لإحاطة علمه تعالى بما يضمرونه ~~من نياتهم بعد بيان إحاطته بأعمالهم التي يظهرونها. # { ءامنوا بالله ورسوله وأنفقوا مما جعلكم ~~مستخلفين فيه } أي جعلكم خلفاء في التصرف فيه من غير أن ~~تملكوه حقيقة عبر عما بأيديهم من الأموال والأرزاق بذلك تحقيقا ~~للحق وترغيبا لهم في الإنفاق، فإن من علم أنها الله عز وجل ~~وإنما هو بمنزلة الوكيل يصرفها إلى ما عينه الله تعالى من ~~المصارف هان عليه الإنفاق أو جعلكم خلفاء ممن قبلكم ms3144 فيما كان ~~بأيديهم بتوريثه إياكم فاعتبروا بحالهم حيث انتقل منهم إليكم ~~وسينتقل منكم إلى من بعدكم فلا تبخلوا به { فالذين ءامنوا ~~منكم وأنفقوا } حسبما أمروا به { لهم } بسبب ذلك { أجر ~~كبير } وفيه من المبالغات ما لا يخفى حيث جعل الجملة إسمية، ~~وأعيد ذكر الإيمان والإنفاق وكرر الإسناد وفخم الأجر بالتنكير ~~ووصف بالكبير. ### || [57.8-10] # وقوله عز وجل: { وما لكم لا تؤمنون بالله } ~~استئناف مسوق لتوبيخهم على ترك الإيمان حسبما أمروا به بإنكار أن ~~يكون لهم في ذلك عذر ما في الجملة على أن لا تؤمنون حال من ~~الضمير في لكم والعامل ما فيه من معنى الاستقرار أي أي شيء ~~حصل لكم غير مؤمنين، على توجيه الإنكار والنفي إلى السبب فقط مع ~~تحقيق المسبب لا إلى السبب والمسبب جميعا كما في قوله تعالى: # وما لى لا أعبد الذى فطرنى # [سورة يس، الآية 22] فإن همزة الاستفهام كما تكون تارة لإنكار ~~الواقع كما في أتضرب أباك وأخرى لإنكار الوقوع كما في أأضرب أبي ~~كذلك ما الاستفهامية قد تكون لإنكار سبب الواقع ونفيه فقط كما ~~فيما نحن فيه وفي قوله تعالى: # ما لكم لا ترجون لله وقارا # [سورة نوح، الآية 13] فيكون مضمون الجملة الحالية محققا فإن ~~كلا من عدم الإيمان وعدم الرجاء أمر محقق قد أنكر ونفي سببه ~~وقد تكون لإنكار سبب الوقوع ونفيه فيسريان إلى المسبب أيضا كما ~~في قوله تعالى: # وما لى لا أعبد # [سورة يس، الآية 22] إلى آخره فيكون مضمون الجملة الحالية مفروضا ~~قطعا فإن عدم العبادة أمر مفروض حتما قد أنكر ونفي سببه ~~فانتفى نفسه أيضا. وقوله تعالى: # { والرسول يدعوكم لتؤمنوا بربكم } حال من ضمير ~~لا تؤمنون مفيدة لتوبيخهم على الكفر مع تحقق ما يوجب عدمه ~~بعد توبيخهم عليه مع عدم ما يوجبه، أي وأي عذر في ترك ~~الإيمان والرسول يدعوكم إليه وينبهكم عليه. وقوله تعالى: { وقد ~~أخذ ميثقكم } حال من مفعول يدعوكم أي وقد أخذ الله تعالى ~~ميثاقكم بالإيمان من قبل وذلك بنصب الأدلة والتمكين من النظر. ~~وقرىء وقد أخذ ms3145 مبنيا للمفعول برفع ميثاقكم { إن كنتم ~~مؤمنين } لموجب ما فإن هذا موجب لا موجب وراءه. { هو ~~الذى ينزل على عبده } حسبما يعن لكم من المصالح { ~~ءايت بينات } واضحات { ليخرجكم } أي الله تعالى أو ~~العبد بها { من الظلمت إلى النور } من ظلمات الكفر إلى ~~نور الإيمان { وإن الله بكم لرؤوف رحيم } حيث ~~يهديكم إلى سعادة الدارين بإرسال الرسول وتنزيل الآيات بعد نصب ~~الحجج العقلية. # وقوله تعالى: { وما لكم ألا تنفقوا فى سبيل الله } ~~توبيخ لهم على ترك الإنفاق المأمور به بعد توبيخهم على ترك ~~الإيمان بإنكار أن يكون لهم في ذلك أيضا عذر من الأعذار. وحذف ~~المفعول لظهور أنه الذي بين حاله فيما سبق وتعيين المنفق ~~فيه لتشديد التوبيخ، أي وأي شيء لكم في أن لا تنفقوا فيما ~~هو قربة إلى الله تعالى ما هو له في الحقيقة وإنما أنتم خلفاؤه ~~في صرفه إلى ما عينه من المصارف. وقوله: { ولله ميراث ~~السموات والأرض } حال من فاعل لا تنفقوا ومفعوله مؤكدة ~~للتوبيخ فإن ترك الإنفاق بغير سبب قبيح منكر ومع تحقق ما يوجب ~~الإنفاق أشد في القبح وأدخل في الإنكار، فإن بيان بقاء جميع ~~ما في السموات والأرض من الأموال بالآخرة لله عز وجل من غير أن ~~يبقى من أصحابها أحد أقوى في إيجاب الإنفاق عليهم من بيان أنها ~~لله تعالى في الحقيقة وهم خلفاؤه في التصرف فيها كأنه قيل وما لكم ~~في ترك إنفاقها في سبيل الله والحال أنه لا يبقى لكم منها شيء ~~بل تبقى كلها لله تعالى، وإظهار الاسم الجليل في موقع الإضمار ~~لزيادة التقرير وتربية المهابة. # وقوله تعالى: { لا يستوى منكم من أنفق من قبل ~~الفتح وقتل } بيان لتفاوت درجات المنفقين حسب تفاوت ~~أحوالهم في الإنفاق بعد بيان أن لهم أجرا كبيرا على الإطلاق ~~حثا لهم على تحري الأفضل، وعطف القتال على الإنفاق للإيذان ~~بأنه من أهم مواد الإنفاق مع كونه في نفسه من أفضل العبادات ~~وأنه لا يخلو من الإنفاق أصلا. وقسيم من أنفق محذوف لظهوره ~~ودلالة ms3146 ما بعده عليه وقرىء قبل الفتح بغير من والفتح فتح ~~مكة { أولئك } إشارة إلى من أنفق والجمع بالنظر إلى معنى ~~من كما أن أفراد الضميرين السابقين بالنظر إلى لفظها، وما فيه ~~من معنى البعد مع قرب العهد بالمشار إليه للإشعار ببعد ~~منزلتهم وعلو طبقاتهم في الفضل، ومحله الرفع على الابتداء أي ~~أولئك المنعوتون بذينك النعتين الجميلين { أعظم درجة } ~~وأرفع منزلة { من الذين أنفقوا من بعد وقتلوا } ~~لأنهم إنما فعلوا ما فعلوا من الإنفاق والقتال قبل عزة الإسلام ~~وقوة أهله عند كمال الحاجة إلى النصرة بالنفس والمال وهم السابقون ~~الأولون من المهاجرين والأنصار الذين قال فيهم النبي صلى الله ~~عليه وسلم: # " لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهبا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه " # وهؤلاء فعلوا ما فعلوا بعد ظهور الدين ودخول الناس فيه أفواجا ~~وقلة الحاجة إلى الإنفاق والقتال { وكلا } أي وكل واحد من ~~الفريقين { وعد الله الحسنى } أي المثوبة الحسنى وهي ~~الجنة لا الأولين فقط. وقرىء وكل بالرفع على الابتداء أي وكل ~~وعده الله تعالى { والله بما تعملون خبير } بظواهره ~~وبواطنه فيجازيكم بحسبه وقيل نزلت الآية في أبي بكر رضي الله ~~تعالى عنه فإنه أول من آمن وأول من أنفق في سبيل الله وخاصم ~~الكفار حتى ضرب ضربا أشرف به على الهلاك. ### || [57.11] # وقوله تعالى: # { من ذا الذى يقرض الله قرضا حسنا } ندب بليغ من ~~الله تعالى إلى الإنفاق في سبيله بعد الأمر به والتوبيخ على تركه ~~وبيان درجات المنفقين أي من ذا الذي ينفق ماله في سبيله ~~تعالى رجاء أن يعوضه فإنه كمن يقرضه وحسن الإنفاق بالإخلاص ~~فيه وتحري أكرم المال وأفضل الجهات { فيضاعفه له } بالنصب ~~على جواب الاستفهام باعتبار المعنى كأنه قيل أيقرض الله أحد ~~فيضاعفه له أي فيعطيه أجره أضعافا { وله أجر كريم } أي ~~وذلك الأجر المضموم إليه الأضعاف كريم في نفسه حقيق بأن يتنافس ~~فيه المتنافسون وإن لم يضاعف فكيف وقد ضوعف أضعافا كثيرة. ~~وقرىء بالرفع عطفا على يقرض أو حملا على تقدير مبتدأ أي فهو ms3147 ~~يضاعفه، وقرىء يضعفه بالرفع والنصب. ### || [57.12-13] # { يوم ترى المؤمنين والمؤمنت } ظرف لقوله تعالى ~~وله أجر كريم أو لقوله تعالى فيضاعفه أو منصوب بإضمار اذكر ~~تفخيما لذلك اليوم. وقوله تعالى: { يسعى نورهم } حال من ~~مفعول ترى قيل نورهم الضياء الذي يرى { بين أيديهم ~~وبأيمنهم } وقيل: هو هداهم وبأيمانهم كتبهم أي يسعى ~~إيمانهم وعملهم الصالح بين أيديهم وفي أيمانهم كتب أعمالهم، ~~وقيل هو القرآن وعن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه: (يؤتون ~~نورهم على قدر أعمالهم فمنهم من يؤتى نوره كالنخلة ومنهم من ~~يؤتى كالرجل القائم وأدناهم نورا من نوره على إبهام رجله ~~ينطفىء تارة ويلمع أخرى). قال الحسن: يستضيئون به على الصراط. ~~وقال مقاتل: يكون لهم دليلا إلى الجنة { بشراكم اليوم ~~جنت } مقدر بقول هو حال أو استئناف أي يقال لهم بشراكم أي ~~ما تبشرون به جنات أو بشراكم دخول جنات { تجرى من ~~تحتها الأنهر خلدين فيها ذلك } أي ما ذكر من ~~النور والبشرى بالجنات المخلدة { هو الفوز العظيم } الذي ~~لا غاية وراءه وقرىء ذلك الفوز العظيم. # { يوم يقول المنفقون والمنفقت } بدل من يوم ~~ترى { للذين ءامنوا انظرونا } أي انتظرونا يقولون ذلك ~~لما أن المؤمنين يسرع بهم إلى الجنة كالبرق الخاطف على ركاب ~~تزف بهم وهؤلاء مشاة أو انظروا إلينا فإنهم إذا نظروا إليهم ~~استقبلوهم بوجوههم فيستضيئون بالنور الذي بين أيديهم. وقرىء ~~أنظرونا من النظرة وهي الإمهال جعل اتئادهم في المضي إلى ~~أن يلحقوا بهم إنظارا لهم { نقتبس من نوركم } أي نستضىء ~~منه وأصله اتخاذ القبس. { قيل } طردا لهم وتهكما بهم من جهة ~~المؤمنين أو جهة الملائكة { ارجعوا وراءكم } أي إلى الموقف { ~~فالتمسوا نورا } فإنه من ثم يقتبس أو إلى الدنيا ~~فالتمسوا النور بتحصيل مباديه من الإيمان والأعمال الصالحة أو ~~ارجعوا خائبين خاسئين فالتمسوا نورا آخر وقد علموا أن لا نور ~~وراءهم وإنما قالوه تخييبا لهم أو أرادوا بالنور ما وراءهم من ~~الظلمة الكثيفة تهكما بهم { فضرب بينهم } بين الفريقين { ~~بسور } أي حائط، والباء زائدة { له باب باطنه } أي باطن ~~السور ms3148 أو الباب وهو الجانب الذي يلي الجنة { فيه الرحمة ~~وظهره } وهو الطرف الذي يلي النار { من قبله } من جهته ~~{ العذاب } وقرىء فضرب على البناء للفاعل. ### || [57.14-16] # { يندونهم } استئناف مبني على السؤال كأنه قيل فماذا ~~يفعلون بعد ضرب السور ومشاهدة العذاب فقيل ينادونهم { ألم ~~نكن } في الدنيا { معكم } يريدون به موافقتهم لهم في ~~الظاهر { قالوا بلى } كنتم معنا بحسب الظاهر { ~~ولكنكم فتنتم أنفسكم } محنتموها بالنفاق وأهلكتموها ~~{ وتربصتم } بالمؤمنين الدوائر { وارتبتم } في أمر ~~الدين { وغرتكم الأمانى } الفارغة التي من جملتها ~~الطمع في انتكاس أمر الإسلام { حتى جاء أمر الله } أي ~~الموت { وغركم بالله } الكريم { الغرور } أي غركم ~~الشيطان بأن الله عفو كريم لا يعذبكم. وقرىء الغرور بالضم ~~{ فاليوم لا يؤخذ منكم فدية } فداء وقرىء تؤخذ ~~بالتاء { ولا من الذين كفروا } أي ظاهرا وباطنا { ~~مأواكم النار } لا تبرحونها أبدا { هى مولكم } أي ~~أولى بكم وحقيقته مكانكم الذي يقال فيه هو أولى بكم كما ~~يقال هو مئنة الكرم أي مكان لقول القائل إنه لكريم أو مكانكم ~~عن قريب من الولي وهو القرب أو ناصركم على طريقة قوله: # [وخيل قد دلفت لها بخيل] # تحية بينهم ضرب وجيع # أو متوليكم تتولا كم كما توليتم موجباتها { وبئس المصير } ~~أي النار. { ألم يأن للذين ءامنوا أن تخشع ~~قلوبهم لذكر الله } استئناف ناع عليهم تثاقلهم في أمور ~~الدين ورخاوة عقدهم فيها واستبطاء لانتدابهم لما ندبوا إليه ~~بالترغيب والترهيب. وروي أن المؤمنين كانوا مجدبين بمكة ~~فلما هاجروا أصابوا الرزق والنعمة وفتروا عما كانوا عليه ~~فنزلت. وعن ابن مسعود رضي الله عنه: ما كان بين إسلامنا وبين ~~أن عوتبنا بهذه الآية إلا أربع سنين. وعن ابن عباس رضي الله ~~تعالى عنهما أن الله استبطأ قلوب المؤمنين فعاتبهم على رأس ~~ثلاث عشرة سنة من نزول القرآن أي ألم يجىء وقت أن تخشع ~~قلوبهم لذكره تعالى وتطمئن به ويسارعوا إلى طاعته بالامتثال ~~بأوامره والانتهاء عما نهوا عنه من غير توان ولا فتور من أنى ~~الأمر إذا جاء أناه أي وقته. وقرىء ألم يئن ms3149 من آن يئين بمعنى ~~أنى، وقرىء ألما يأن، وفيه دلالة على أن المنفي متوقع. { ~~وما نزل من الحق } أي القرآن وهو عطف على ذكر الله فإن ~~كان هو المراد به أيضا فالعطف لتغاير العنوانين فإنه ذكر ~~وموعظة كما أنه حق نازل من السماء، وإلا فالعطف كما في قوله ~~تعالى: # إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت ~~قلوبهم وإذا تليت عليهم ءايته زادتهم ~~إيمنا # [سورة الأنفال، الآية 2] ومعنى الخشوع له الانقياد التام لأوامره ~~ونواهيه والعكوف على العمل بما فيه من الأحكام التي من جملتها ما ~~سبق وما لحق من الإنفاق في سبيل الله تعالى. وقرىء نزل من ~~التنزيل مبنيا للفاعل وأنزل { ولا يكونوا كالذين أوتوا ~~الكتب من قبل } عطف على تخشع. وقرىء بالتاء على ~~الالتفات؛ للاعتناء بالتحذير، وقيل: هو نهي عن مماثلة أهل الكتاب ~~في قسوة القلوب بعد أن وبخوا وذلك أن بني إسرائيل كان الحق ~~يحول بينهم وبين شهواتهم وإذا سمعوا التوراة والإنجيل خشعوا ~~لله ورقت قلوبهم { فطال عليهم الأمد } أي الأجل. ~~وقرىء الأمد بتشديد الدال، أي الوقت الأطول وغلبهم الجفاء ~~وزالت عنهم الروعة التي كانت تأتيهم من الكتابين { فقست ~~قلوبهم } فهي كالحجارة أو أشد قسوة { وكثير منهم ~~فسقون } أي خارجون عن حدود دينهم رافضون لما في كتابهم ~~بالكلية. ### || [57.17-19] # { اعلموا أن الله يحيي الأرض بعد موتها } تمثيل ~~لإحياء القلوب القاسية بالذكر والتلاوة بإحياء الأرض الميتة ~~بالغيث للترغيب في الخشوع والتحذير عن القساوة { قد بينا ~~لكم الأيت } التي من جملتها هذه الآيات { لعلكم ~~تعقلون } كي تعقلوا ما فيها وتعملوا بموجبها فتفوزوا بسعادة ~~الدارين. # { إن المصدقين والمصدقت } أي المتصدقين ~~والمتصدقات وقد قرىء كذلك، وقرىء بتخفيف الصاد من التصديق، أي ~~الذين صدقوا الله ورسوله { وأقرضوا الله قرضا حسنا } ~~قيل: هو عطف على ما في المصدقين من معنى الفعل فإنه في حكم ~~الذين اصدقوا أو صدقوا على القراءتين وعقب بأن فيه فصلا ~~بين أجزاء الصلة بأجنبي وهو المصدقات وأجيب بأن المعنى ~~أن الناس الذين تصدقوا وتصدقن وأقرضوا فهو عطف على الصلة من ~~حيث ms3150 المعنى من غير فصل، وقيل إن المصدقات ليس بعطف على ~~المصدقين بل هو منصوب على الاختصاص كأنه قيل إن المصدقين على ~~العموم تغليبا وأخص المصدقات من بينهم كما تقول إن الذين ~~آمنوا ولا سيما العلماء منهم وعملوا الصالحات لهم كذا لكن لا على ~~أن مدار التخصيص مزيد استحقاقهن لمضاعفة الأجر كما في المثال ~~المذكور بل زيادة احتياجهن إلى التصدق الداعية إلى الاعتناء ~~بحثهن على التصدق لما روي أنه عليه الصلاة والسلام قال: # " يا معشر النساء تصدقن فإني أريتكن أكثر أهل النار " # ، وقيل: هو صلة لموصول محذوف معطوف على المصدقين كأنه قيل ~~والذين أقرضوا. والقرض الحسن عبارة عن التصدق من الطيب عن طيبة ~~النفس وخلوص النية على المستحق للصدقة. { يضاعف لهم } على ~~البناء للمفعول مسندا إلى ما بعده من الجار والمجرور، وقيل: إلى ~~مصدر ما في حيز الصلة على حذف مضاف أي ثواب التصدق. وقرىء ~~على البناء للفاعل أي يضاعف الله تعالى، وقرىء يضعف بتشديد ~~العين وفتحها { ولهم أجر كريم } مر ما فيه من الكلام. # { والذين ءامنوا بالله ورسله } كافة وقد مر بيان ~~كيفية الإيمان بهم في خاتمة سورة البقرة. # { أولئك } إشارة إلى الموصول الذي هو مبتدأ وما فيه من ~~معنى البعد مع قرب العهد بالمشار إليه قد مر سره مرارا، ~~وهو مبتدأ ثان. وقوله تعالى: { هم } مبتدأ ثالث خبره { ~~الصديقون والشهداء } وهو مع خبره خبر للثاني وهو مع خبره ~~خبر للأول أو هم ضمير الفصل، وما بعده خبر لأولئك والجملة خبر للموصول ~~أي أولئك { عند ربهم } بمنزلة الصديقين والشهداء المشهورين ~~بعلو الرتبة ورفعة المحل وهم الذين سبقوا إلى التصديق ~~واستشهدوا في سبيل الله تعالى أو هم المبالغون في الصدق حيث ~~آمنوا وصدقوا جميع أخباره تعالى ورسله والقائمون بالشهادة لله ~~تعالى بالوحدانية ولهم بالإيمان أو على الأمم يوم القيامة وقوله ~~تعالى: { لهم أجرهم ونورهم } بيان لثمرات ما وصفوا به ~~من نعوت الكمال على أنه جملة من مبتدأ وخبر محلها الرفع على ~~أنه خبر ثان للموصول أو الخبر هو الجار وما بعده ms3151 مرتفع به على ~~الفاعلية والضمير الأول على الوجه الأول للموصول والأخيران ~~للصديقين والشهداء أي لهم مثل أجرهم ونورهم المعروفين. # بغاية الكمال وعزة المنال وقد حذف أداة التشبية تنبيها على ~~قوة المماثلة وبلوغها حد الإتحاد كما فعل ذلك حيث قيل هم ~~الصديقون والشهداء، وليست المماثلة بين ما للفريق الأول من الأجر ~~والنور وبين تمام ما للفريقين الأخيرين بل بين تمام ما للأول من ~~الأصل والأضعاف وبين ما للآخرين من الأصل بدون الأضعاف وأما على ~~الوجه الثاني فمرجع الكل واحد والمعنى لهم الأجر والنور ~~الموعودان لهم، هذا هو الذي تقتضيه جزالة النظم الكريم وقد قيل ~~والشهداء مبتدأ وعند ربهم خبره وقيل: الخبر لهم أجرهم الخ { ~~والذين كفروا وكذبوا بآيتنا أولئك } الموصوفون ~~بتلك الصفة القبيحة { أصحب الجحيم } بحيث لا يفارقونها ~~أبدا. ### || [57.20] # { اعلموا أنما الحيوة الدنيا لعب ولهو ~~وزينة وتفاخر بينكم وتكاثر فى الأمول ~~والأولد } بعد ما بين حال الفريقين في الآخرة، شرح ~~حال الحياة الدنيا التي اطمأن بها الفريق الثاني، وأشير إلى ~~أنها من محقرات الأمور التي لا يركن إليها العقلاء فضلا عن ~~الاطمئنان بها وأنها مع ذلك سريعة الزوال وشيكة الاضمحلال حيث ~~قيل: { كمثل غيث أعجب الكفار } أي الحراث { ~~نباته } أي النبات الحاصل به { ثم يهيج } أي يجف بعد ~~خضرته ونضارته { فتراه مصفرا } بعد ما رأيته ناضرا ~~مونقا. وقرىء مصفارا وإنما لم يقل فيصفر إيذانا بأن ~~اصفراره مقارن لجفافه وإنما المترتب عليه رؤيته كذلك { ثم ~~يكون حطاما } هشيما متكسرا ومحل الكاف. قيل: النصب على ~~الحالية من الضمير في لعب لأنه في معنى الوصف، وقيل الرفع على أنه ~~خبر للحياة الدنيا بتقدير المضاف أي مثل الحياة الدنيا كمثل الخ ~~وبعد ما بين حقارة أمر الدنيا تزهيدا فيها وتنفيرا عن ~~العكوف عليها أشير إلى فخامة شأن الآخرة وعظم ما فيها من اللذات ~~والآلام ترغيبا في تحصيل نعيمها المقيم وتحذيرا من عذابها ~~الأليم، وقدم ذكر العذاب فقيل { وفى الأخرة عذاب ~~شديد } لأنه من نتائج الانهماك فيما فصل من أحوال الدنيا { ~~ومغفرة } عظيمة { من الله ms3152 ورضوان } عظيم لا يقادر ~~قدره. { وما الحيوة الدنيا إلا متع الغرور } أي ~~لمن اطمأن بها ولم يجعلها ذريعة إلى الآخرة. عن سعيد بن جبير: ~~الدنيا متاع الغرور إن ألهتك عن طلب الآخرة فأما إذا دعتك إلى ~~طلب رضوان الله تعالى فنعم المتاع ونعم الوسيلة. ### || [57.21-23] # { سابقوا } أي سارعوا مسارعة المسابقين لأقرانهم في المضمار { ~~إلى مغفرة } عظيمة كائنة { من ربكم } أي إلى موجباتها ~~من الأعمال الصالحة { وجنة عرضها كعرض السماء ~~والأرض } أي كعرضهما جميعا وإذا كان عرضها كذلك فما ظنك ~~بطولها، وقيل: المراد بالعرض البسطة. وتقديم المغفرة على الجنة ~~لتقديم التخلية على التحلية. { أعدت للذين آمنوا ~~بالله ورسله } فيه دليل على أن الجنة مخلوقة بالفعل وأن ~~الإيمان وحده كاف في استحقاقها { ذلك } الذي وعد من المغفرة ~~والجنة { فضل الله } عطاؤه { يؤتيه } تفضلا وإحسانا { من ~~يشآء } إيتاءه إياه من غير إيجاب { والله ذو الفضل ~~العظيم } ولذلك يؤتى من يشاء مثل ذلك الفضل الذي لا غاية ~~وراءه. # { ما أصاب من مصيبة فى الأرض } كجدب وعاهة في الزرع ~~والثمار { ولا فى أنفسكم } كمرض وآفة { إلا فى كتب } ~~أي إلا مكتوبة مثبتة في علم الله تعالى أو في اللوح { من قبل ~~أن نبرأها } أي نخلق الأنفس أو المصائب أو الأرض { إن ~~ذلك } أي إثباتها في كتاب { على الله يسير } لاستغنائه ~~فيه عن العدة والمدة. { لكيلا تأسوا } أي أخبرناكم بذلك ~~لئلا تحزنوا { على ما فاتكم } من نعم الدنيا { ولا ~~تفرحوا بما ءاتكم } أي أعطاكم الله تعالى منها، فإن من ~~علم أن الكل مقدر يفوت ما قدر فواته ويأتي ما قدر ~~إتيانه لا محالة لا يعظم جزعه على ما فات ولا فرحه بما هو آت، ~~وقرىء بما أتاكم من الإتيان. وفي القراءة الأولى إشعار بأن ~~فوات النعم يلحقها إذا خليت وطباعها وأما حصولها وبقاؤها فلا ~~بد لهما من سبب يوجدها ويبقيها، وقرىء بما أوتيتم. والمراد ~~به نفي الأسى المانع عن التسليم لأمر الله تعالى والفرح الموجب ~~للبطر والاختيال، ولذلك عقب بقوله تعالى: { والله لا يحب ~~كل مختال ms3153 فخور } فإن من فرح بالحظوظ الدنيوية وعظمت في ~~نفسه اختال وافتخر بها لا محالة، وفي تخصيص التذييل بالنهي عن ~~الفرح المذكور إيذان بأنه أقبح من الأسى. ### || [57.24-26] # { الذين يبخلون ويأمرون الناس بالبخل } بدل من ~~كل مختال، فإن المختال بالمال يضن به غالبا ويأمر غيره به. ~~أو مبتدأ خبره محذوف يدل عليه قوله تعالى: { ومن يتول ~~فإن الله هو الغنى الحميد } فإن معناه ومن يعرض ~~عن الإنفاق فإن الله غني عنه وعن إنفاقه محمود في ذاته لا ~~يضره الإعراض عن شكره بالتقرب إليه بشيء من نعمه، وفيه تهديد ~~وإشعار بأن الأمر بالإنفاق لمصالحة المنفق. وقرىء فإن الله ~~الغني. # { لقد أرسلنا رسلنا } أي الملائكة إلى الأنبياء أو ~~الأنبياء إلى الأمم وهو الأظهر { بالبينت } أي الحجج ~~والمعجزات { وأنزلنا معهم الكتب } أي جنس الكتاب ~~الشامل للكل { والميزان ليقوم الناس بالقسط } أي ~~بالعدل. روي (أن جبريل عليه السلام نزل بالميزان فدفعه إلى ~~نوح عليه السلام وقال مر قومك يزنوا به)، وقيل أريد به ~~العدل ليقام به السياسة ويدفع به العدوان. { وأنزلنا ~~الحديد } قيل: نزل آدم عليه السلام من الجنة ومعه خمسة ~~أشياء من حديد: السندان والكلبتان والميقعة والمطرقة والإبرة، ~~وروي ومعه المر والمسحات. وعن الحسن: وأنزلنا الحديد ~~خلقناه كقوله تعالى وأنزل لكم من الأنعام وذلك أن أوامره ~~تعالى وقضاياه وأحكامه تنزل من السماء. وقوله تعالى: { فيه ~~بأس شديد } لأن آلات الحروب إنما تتخذ منه { ومنفع ~~للناس } إذ ما من صنعة إلا والحديد أو ما يعمل بالحديد ~~آلتها. والجملة حال من الحديد. وقوله تعالى: { وليعلم ~~الله من ينصره ورسله } عطف على محذوف يدل عليه ما ~~قبله فإنه حال متضمنة للتعليل كأنه قيل ليستعملوه وليعلم ~~الله علما يتعلق به الجزاء من ينصره ورسله باستعمال السيوف ~~والرماح وسائر الأسلحة في مجاهدة أعدائه أو متعلق بمحذوف مؤخر ~~والواو اعتراضية أي وليعلم الله من ينصره ورسله أنزله وقيل ~~عطف على قوله تعالى ليقوم الناس بالقسط. وقوله تعالى: { ~~بالغيب } حال من فاعل ينصر أو مفعوله أي غائبا عنهم أو ~~غائبين عنه. ms3154 وقوله تعالى: { إن الله قوى عزيز } اعتراض ~~تذييلي جىء به تحقيقا للحق وتنبيها على أن تكليفهم الجهاد ~~وتعريضهم للقتال ليس لحاجته في إعلاء كلمته وإظهار دينه إلى ~~نصرتهم بل إنما هو لينتفعوا به ويصلوا بامتثال الأمر فيه إلى ~~الثواب وإلا فهو غني بقدرته وعزته عنهم في كل ما يريده. # { ولقد أرسلنا نوحا وإبرهيم } نوع تفصيل لما أجمل ~~في قوله تعالى لقد أرسلنا رسلنا إلخ. وتكرير القسم لإظهار مزيد ~~الاعتناء بالأمر أي وبالله لقد أرسلناهما { وجعلنا فى ~~ذريتهما النبوة والكتب } يأن استنبأناهم وأوحينا ~~إليهم الكتب وقيل المراد بالكتاب الخط بالقلم { فمنهم } أي ~~من الذرية أو من المرسل إليهم المدلول عليهم بذكر الإرسال والمرسلين { ~~مهتد } إلى الحق { وكثير منهم فسقون } خارجون عن ~~الطريق المستقيم، والعدول عن سنن المقابلة للمبالغة في الذم ~~والإيذان بغلبة الضلال وكثرتهم. ### || [57.27] # { ثم قفينا على ءاثرهم برسلنا } أي ثم أرسلنا ~~بعدهم رسلنا { وقفينا بعيسى ابن مريم } أي أرسلنا ~~رسولا بعد رسول حتى انتهى إلى عيسى ابن مريم عليه السلام ~~والضمير لنوح وإبراهيم ومن أرسلا إليهم، أو من عاصرهما من ~~الرسل لا للذرية فإن الرسل المقفى بهم من الذرية { ~~وءاتينه الإنجيل } وقرىء بفتح الهمزة فإنه أعجمي لا ~~يلزم فيه مراعاة أبنية العرب { وجعلنا فى قلوب الذين ~~اتبعوه رأفة } وقرىء رآفة على فعالة. { ورحمة } أي ~~وفقناهم للتراحم والتعاطف بينهم ونحوه في شأن أصحاب النبي ~~عليه الصلاة والسلام # رحماء بينهم # [سورة الفتح، الآية 29] { ورهبانية } منصوب إما بفعل مضمر ~~يفسره الظاهر أي وابتدعوا رهبانية { ابتدعوها } وإما بالعطف ~~على ما قبلها وابتدعوها صفة لها أي وجعلنا في قلوبهم رأفة ورحمة ~~ورهبانية مبتدعة من عندهم أي وفقناهم للتراحم بينهم ولابتداع ~~الرهبانية واستحداثها وهي المبالغة في العبادة بالرياضة والانقطاع عن ~~الناس ومعناها الفعلة المنسوبة إلى الرهبان وهو الخائف ~~فعلان من رهب كخشيان من خشي، وقرىء بضم الراء كأنها ~~نسبة إلى الرهبان وهو جمع راهب كراكب وركبان وسبب ابتداعهم ~~إياها أن الجبابرة ظهروا على المؤمنين بعد رفع عيسى عليه ~~السلام فقاتلوهم ثلاث مرات فقتلوا حتى لم ms3155 يبق منهم إلا قليل ~~فخافوا أن يفتتنوا في دينهم فاختاروا الرهبانية في قلل ~~الجبال فارين بدينهم مخلصين أنفسهم للعبادة. وقوله تعالى: { ~~ما كتبنها عليهم } جملة مستأنفة، وقيل صفة أخرى ~~لرهبانية والنفي على الوجه الأول متوجة إلى أصل الفعل. وقوله ~~تعالى: { إلا ابتغاء رضون الله } استثناء منقطع أي ما ~~فرضناها نحن عليهم رأسا ولكنهم ابتدعوها ابتغاء رضوان الله ~~فذمهم حينئذ بقوله تعالى: { فما رعوها حق رعايتها } من ~~حيث أن النذر عهد مع الله لا يحل نكثه لا سيما إذا قصد به ~~رضاه تعالى وعلى الوجه الثاني متوجه إلى قيده لا إلى نفسه. ~~والاستثناء متصل من أعم العلل أي ما كتبناها عليهم بأن وفقناهم ~~لابتداعها لشيء من الأشياء إلا ليبتغوا بها رضوان الله ويستحقوا ~~بها الثواب ومن ضرورة ذلك أن يحافظوا عليها ويراعوها حق رعايتها ~~فما رعاها كلهم بل بعضهم { فئاتينا الذين ءامنوا ~~منهم } إيمانا صحيحا وهو الإيمان برسول الله صلى الله عليه وسلم ~~بعد رعاية رهبانيتهم لا مجرد رعايتها فإنها بعد البعثة لغو ~~محض وكفر بحت وأنى لها استتباع الأجر { أجرهم } أي ما ~~يخص بهم من الأجر { وكثير منهم فسقون } خارجون عن ~~حد الاتباع، وحمل الفريقين على من مضى من المراعين لحقوق ~~الرهبانية من قبل النسخ والمخلين بها إذ ذاك بالتثليث والقول ~~بالاتحاد وقصد السمعة من غير تعرض لإيمانهم برسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وكفرهم به مما لا يساعده المقام. ### || [57.28-29] # { يأيها الذين ءامنوا } أي بالرسل المتقدمة { اتقوا ~~الله } فيما نهاكم عنه { وءامنوا برسوله } أي بمحمد ~~عليه الصلاة والسلام وفي إطلاقه إيذان بأنه علم فرد في ~~الرسالة لا يذهب الوهم إلى غيره { يؤتكم كفلين } نصيبين ~~{ من رحمته } لإيمانكم بالرسول وبمن قبله من الرسل عليهم ~~الصلاة والسلام لكن لا على معنى أن شريعتهم باقية بعد ~~البعثة بل على أنها كانت حقة قبل النسخ { ويجعل لكم ~~نورا تمشون به } يوم القيامة حسبما نطق به قوله تعالى: # يسعى نورهم بين أيديهم وبأيمنهم # [سورة الحديد، الآية 12] { ويغفر لكم } ما أسلفتم من الكفر ~~والمعاصي { والله ms3156 غفور رحيم } أي مبالغ في المغفرة ~~والرحمة. وقوله تعالى: { لئلا يعلم أهل الكتب } ~~متعلق بمضمون الجملة الطلبية المتضمنة لمعنى الشرط إذ التقدير ~~إن تتقوا الله وتؤمنوا برسوله يؤتكم كذا وكذا لئلا يعلم ~~الذين لم يسلموا من أهل الكتاب أي ليعلموا ولا مزيدة كما ينبىء عنه ~~قراءة ليعلم ولكي يعلم ولأن يعلم بإدغام النون في الياء وأن في ~~قوله تعالى: { أن لا يقدرون على شىء من فضل الله } ~~مخففة من الثقيلة واسمها الذي هو ضمير الشأن محذوف والجملة في ~~حيز النصب على أنها مفعول يعلم أي ليعلموا أنه لا ينالون شيئا ~~مما ذكر من فضله من الكفلين والنور والمغفرة ولا يتمكنون من نيله ~~حيث لم يأتوا بشرطه الذي هو الإيمان برسوله. وقوله تعالى: { ~~وأن الفضل بيد الله } عطف على أن لا يقدرون. وقوله ~~تعالى: { يؤتيه من يشاء } خبر ثان لأن، وقيل: هو الخبر ~~والجار حال لازمة. وقوله تعالى: { والله ذو الفضل ~~العظيم } اعتراض تذييلي مقرر لمضمون ما قبله وقد جوز أن ~~يكون الأمر بالتقوى والإيمان لغير أهل الكتاب فالمعنى اتقوا الله ~~واثبتوا على إيمانكم برسول الله صلى الله عليه وسلم يؤتكم ما وعد ~~من آمن من أهل الكتاب من الكفلين في قوله تعالى: # أولئك يؤتون أجرهم مرتين # [سورة القصص، الآية 54] ولا ينقصكم من مثل أجرهم لأنكم مثلهم في ~~الإيمانين لا تفرقون بين أحد من رسله. وروي أن مؤمني أهل ~~الكتاب افتخروا على سائر المؤمنين بأنهم يؤتون أجرهم مرتين ~~وادعوا الفضل عليهم فنزلت. وقرىء ليلا بقلب الهمزة ياء لانفتاحها ~~بعد كسرة، وقرىء بسكون الياء وفتح اللام كاسم المرأة، وبكسر ~~اللام مع سكون الياء. وقرىء أن لا يقدروا. هذا وقد قيل: لا ~~غير مزيدة وضمير لا يقدرون للنبي عليه الصلاة والسلام ~~وأصحابه والمعنى لئلا يعتقد أهل الكتاب أنه لا يقدر النبي ~~عليه الصلاة والسلام والمؤمنون به على شيء من فضل الله الذي هو ~~عبارة عما أوتوه من سعادة الدارين على أن عدم علمهم بعدم ~~قدرتهم على ذلك كناية عن علمهم بقدرتهم عليه فيكون ms3157 قوله تعالى ~~وأن الفضل بيد الله إلخ عطفا على أن لا يعلم. # عن النبي صلى الله عليه وسلم: # " من قرأ سورة الحديد كتب من الذين آمنوا بالله ورسله ". ### | [58 - سورة المجادلة] ### || [58.1] # مدنية. وقيل العشر الأول مكي والباقي مدني وآيها اثنتان وعشرون # { قد سمع الله } بإظهار الدال وقرىء بإدغامها في ~~السين { قول التى تجادلك فى زوجها } أي تراجعك ~~الكلام في شأنه وفيما صدر عنه في حقها من الظهار وقرىء ~~تحاورك وتحاولك أي تسائلك { وتشتكى إلى الله } عطف ~~على تجادلك أي تتضرع إليه تعالى وقيل حال من فاعله أي ~~تجادلك وهي متضرعة إليه تعالى وهي خولة بنت ثعلبة بن ~~مالك بن خزامة الخزرجية، ظاهر عنها زوجها أوس بن الصامت ~~أخو عبادة ثم ندم على ما قال فقال لها ما أظنك إلا ~~قد حرمت علي فشق عليها ذلك فاستفتت رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فقال حرمت عليه فقالت يا رسول الله ما ذكر طلاقا ~~فقال حرمت عليه. وفي رواية: ما أراك إلا قد حرمت عليه في ~~المرار كلها فقالت أشكو إلى الله فاقتي ووجدي وجعلت تراجع ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم وكلما قال عليه الصلاة والسلام ~~حرمت عليه هتفت وشكت إلى الله تعالى فنزلت وفي كلمة قد ~~إشعار بأن الرسول عليه الصلاة والسلام والمجادلة كانا يتوقعان ~~أن ينزل الله تعالى حكم الحادثة ويفرج عنها كربها كما ~~يلوح به ما روي أنه عليه الصلاة والسلام قال لها عند ~~استفتائها ما عندي في أمرك شيء وأنها كانت ترفع رأسها إلى ~~السماء وتقول: اللهم إني أشكو إليك فأنزل على لسان نبيك ~~ومعنى سمعه تعالى لقولها إجابة دعائها لا مجرد علمه ~~تعالى بذلك كما هو المعني بقوله تعالى: { والله ~~يسمع تحاوركما } أي يعلم تراجعكما الكلام وصيغة ~~المضارع للدلالة على استمرار السمع حسب استمرار التحاور وتجدده ~~وفي نظمها في سلك الخطاب تغليبا تشريف لها من جهتين والجملة ~~استئناف جار مجرى التعليل لما قبله فإن إلحافها في ~~المسألة ومبالغتها في التضرع إلى الله تعالى ومدافعته عليه ms3158 ~~الصلاة والسلام إياها بجواب منبىء عن التوقف وترقب الوحي ~~وعلمه تعالى بحالهما من دواعي الإجابة وقيل هي حال وهو ~~بعيد وقوله عز وجل: { إن الله سميع بصير } تعليل ~~لما قبله بطريق التحقيق أي مبالغ في العلم بالمسموعات ~~والمبصرات ومن قضيته أن يسمع تحاورهما ويرى ما يقارنه من ~~الهيئات التي من جملتها رفع رأسها إلى السماء وسائر آثار ~~التضرع. وإظهار الاسم الجليل في الموقعين لتربية المهابة وتعليل ~~الحكم بوصف الألوهية وتأكيد استقلال الجملتين. ### || [58.2-3] # وقوله تعالى: { الذين يظهرون منكم من نسائهم ~~} شروع في بيان شأن الظهار في نفسه وحكمه المترتب عليه شرعا ~~بطريق الاستئناف والظهار أن يقول الرجل لامرأته أنت علي كظهر ~~أمي مشتق من الظهر وقد مر تفصيله في الأحزاب وألحق به ~~الفقهاء تشبيهها بجزء محرم. وفي منكم مزيد توبيخ للعرب ~~وتهجين لعادتهم فيه فإنه كان من أيمان أهل جاهليتهم خاصة ~~دون سائر الأمم وقرىء يظاهرون من اظاهر ويظاهرون ويظهرون ~~وقوله تعالى: { ما هن أمهتهم } خبر للموصول أي ما ~~نساؤهم أمهاتهم على الحقيقة فهو كذب بحت وقرىء أمهاتهم ~~بالرفع على لغة تميم وبأمهاتهم { إن أمهتهم } أي ما ~~هن { إلا اللائى ولدنهم } فلا تشبه بهن في ~~الحرمة إلا من ألحقها الشرع بهن من المرضعات وأزواج النبي ~~عليه الصلاة والسلام فدخلن بذلك في حكم الأمهات وأما الزوجات ~~فأبعد شيء من الأمومة { وإنهم ليقولون } بقولهم ذلك { ~~منكرا من القول } على أن مناط التأكيد ليس صدور القول ~~عنهم فإنه أمر محقق بل كونه منكرا أي عند الشرع وعند العقل ~~والطبع أيضا كما يشعر به تنكيره ونظيره قوله تعالى إنكم ~~لتقولون قولا عظيما { وزورا } أي محرفا عن الحق { وإن ~~الله لعفو غفور } أي مبالغ في العفو والمغفرة فيغفر لما ~~سلف منه على الإطلاق أو بالمتاب عنه وقوله تعالى: { ~~والذين يظهرون من نسائهم ثم يعودون لما ~~قالوا } تفصيل لحكم الظهار بعد بيان كونه أمرا منكرا بطريق ~~التشريع الكلي المنتظم لحكم الحادثة انتظاما أوليا أي والذين ~~يقولون ذلك القول المنكر ثم يعودون لما قالوا أي إلى ما ms3159 ~~قالوا بالتدارك والتلافي لا بالتقرير والتكرير كما في قوله ~~تعالى: # أن تعودوا لمثله أبدا # [سورة النور، الآية 17] فإن اللام وإلى تتعاقبان كثيرا كما في ~~قوله تعالى: # هدانا لهذا # [سورة الأعراف، الآية 43] وقوله تعالى: # فاهدوهم إلى صرط الجحيم # [سورة الصافات، الآية 23] وقوله تعالى: # بأن ربك أوحى لها # [سورة الزمر، الآية 5] وقوله تعالى: # وأوحى إلى نوح # [سورة هود، الآية 36] # { فتحرير رقبة } أي فتداركه أو فعليه أو فالواجب إعتاق ~~رقبة أي رقبة كانت وعند الشافعي رحمه الله تعالى يشترط ~~الإيمان، والفاء للسببية ومن فوائدها الدلالة على تكرر وجوب ~~التحرير بتكرر الظهار وقيل: (ما قالوا) عبارة عما حرموه ~~على أنفسهم بلفظ الظهار تنزيلا للقول منزلة المقول فيه كما ~~ذكر في قوله تعالى: # ونرثه ما يقول # [سورة مريم، الآية 80] أي المقول فيه من المال والولد فالمعنى ~~ثم يريدون العود للاستمتاع فتحرير رقبة { من قبل أن ~~يتماسا } أي من قبل أن يستمتع كل من المظاهر ~~والمظاهر منها بالآخر جماعا ولمسا ونظرا إلى الفرج بشهوة ~~وإن وقع شيء من ذلك قبل التكفير يجب عليه أن يستغفر ولا يعود ~~حتى يكفر وإن أعتق بعض الرقبة ثم مس عليه أن يستأنف عند ~~أبي حنيفة رحمه الله تعالى { ذلكم } إشارة إلى الحكم ~~المذكور وهو مبتدأ خبره { توعظون به } أي تزجرون به عن ~~ارتكاب المنكر المذكور فإن الغرامات مزاجر عن تعاطي الجنايات ~~والمراد بذكره بيان أن المقصود من شرع هذا الحكم ليس ~~تعريضكم للثواب بمباشرتكم لتحرير الرقبة الذي هو علم في ~~استتباع الثواب العظيم بل هو ردعكم وزجركم عن مباشرة ما ~~يوجبه { والله بما تعملون } من الأعمال التي من جملتها ~~التكفير وما يوجبه من جناية الظهار { خبير } أي عالم ~~بظواهرها وبواطنها ومجازيكم بها فحافظوا على حدود ما شرع لكم ~~ولا تخلوا بشيء منها. ### || [58.4-5] # { فمن لم يجد } أي الرقبة { فصيام شهرين } أي ~~فعليه صيام شهرين { متتابعين من قبل أن يتماسا } ~~ليلا أو نهارا عمدا أو خطأ { فمن لم يستطع } أي ~~الصيام لسبب من الأسباب { فإطعام ستين مسكينا } لكل ~~مسكين نصف صاع ms3160 من بر أو صاع من غيره ويجب تقديمه على ~~المسيس لكن لا يستأنف إن مس في خلال الإطعام { ذلك } إشارة ~~إلى مامر من الباين والتعليم للأحكام والتنبيه عليها وما ~~فيه من معنى البعد قد مر سره مرارا ومحله إما الرفع ~~على الابتداء أو النصب بمضمر معلل بما بعده أي ذلك واقع أو ~~فعلنا ذلك { لتؤمنوا بالله ورسوله } وتعملوا ~~بشرائعه التي شرعها لكم وترفضوا ما كنتم عليه في جاهليتكم { ~~وتلك } إشارة إلى الأحكام المذكورة وما فيه من معنى البعد ~~لتعظيمها كما مر غير مرة { حدود الله } التي لا يجوز ~~تعديها { وللكفرين } أي الذين لا يعملون بها { عذاب ~~أليم } عبر عنه بذلك للتغليظ على طريقة قوله تعالى: # ومن كفر فإن الله غنى عن العلمين # [سورة آل عمران، الآية 97]. # { إن الذين يحادون الله ورسوله } أي يعادونهما ~~ويشاقونهما فإن كلا من المتعاديين كما أنه يكون في عدوة ~~وشق غير عدوة الآخر وشقه كذلك يكون في حد غير حد الآخر ~~غير أن لورود المحادة في أثناء ذكر حدود الله دون المعاداة ~~والمشاقة من حسن الموقع ما لا غاية وراءه { كبتوا } أي أخزوا ~~وقيل خذلوا وقيل أذلوا وقيل أهلكوا وقيل لعنوا وقيل غيظوا ~~وهو ما وقع يوم الخندق قالوا معنى كبتوا سيكبتون على طريقة ~~قوله تعالى: # أتى أمر الله # [سورة النحل، الآية 1] وقيل: أصل الكبت الكب { كما كبت ~~الذين من قبلهم } من كفار الأمم الماضية المعادين ~~للرسل عليهم الصلاة والسلام { وقد أنزلنا ءايت بينت ~~} حال من واو كبتوا أي كبتوا لمحادتهم والحال أنا قد أنزلنا ~~آيات واضحات فيمن حاد الله ورسوله ممن قبلهم من الأمم وفيما ~~فعلنا بهم وقيل: آيات تدل على صدق الرسول وصحة ما جاء به { ~~وللكفرين } أي بتلك الآيات أو بكل ما يجب الإيمان به ~~فيدخل فيه تلك الآيات دخولا أوليا { عذاب مهين } يذهب ~~بعزهم وكبرهم. ### || [58.6-7] # { يوم يبعثهم الله } منصوب بما تعلق به اللام من ~~الاستقرار أو بمهين أو بإضمار أذكر تعظيما لليوم وتهويلا له { ~~جميعا } أي كلهم بحيث لا يبقى منهم ms3161 أحد غير مبعوث أو ~~مجتمعين في حالة واحدة { فينبئهم بما عملوا } من ~~القبائح ببيان صدورها عنهم أو بتصويرها في تلك النشأة بما ~~يليق بها من الصور الهائلة على رؤوس الأشهاد تخجيلا لهم ~~وتشهيرا بحالهم وتشديدا لعذابهم وقوله تعالى: { أحصه الله ~~} استئناف وقع جوابا عما نشأ مما قبله من السؤال إما عن ~~كيفية التنبئة أو عن سببها كأنه قيل كيف ينبئهم بأعمالهم ~~وهي أعراض متقضية متلاشية فقيل أحصاه الله عددا لم يفته منه ~~شيء فقوله تعالى: { ونسوه } حينئذ حال من مفعول أحصى بإضمار ~~قد أو بدونه على الخلاف المشهور أو قيل لم ينبئهم بذلك فقيل أحصاه الله ~~ونسوه فينبئهم به ليعرفوا أن ما عاينوه من العذاب إنما حاق ~~بهم لأجله فيه مزيد توبيخ وتنديم لهم غير التخجيل والتشهير { ~~والله على كل شىء شهيد } لا يغيب عنه أمر من الأمور ~~قط والجملة اعتراض تذييلي مقرر لإحصائه تعالى وقوله ~~تعالى: # { ألم تر أن الله يعلم ما فى السموات وما في ~~الأرض } استشهاد على شمول شهادته تعالى كما في قوله ~~تعالى: # ألم تر إلى الذى حاج إبرهيم فى ربه # [سورة البقرة، الآية 258] وفي قوله تعالى: # ألم تر أنهم فى كل واد يهيمون # [سورة الشعراء، الآية 225] أي ألم تعلم علما يقينيا متاخما ~~للمشاهدة بأنه تعالى يعلم ما فيهما من الموجودات سواء كان ~~ذلك بالاستقرار فيهما أو بالجزئية منهما وقوله تعالى: { ما ~~يكون من نجوى ثلثة } الخ استئناف مقرر لما قبله ~~من سعة علمه تعالى ومبين لكيفيته ويكون من كان التامة ~~وقرىء تكون بالتاء اعتبارا لتأنيث النجوى وإن كان غير ~~حقيقي أي ما يقع من تناجي ثلاثة نفر أي من مسارتهم على أن نجوى ~~مضافة إلى ثلاثة أو على أنها موصوفة بها إما بتقدير مضاف ~~أي من أهل نجوى ثلاثة أو يجعلهم نجوى في أنفسهم مبالغة { ~~إلا هو } أي الله عز وجل: { رابعهم } أي جاعلهم أربعة ~~من حيث إنه تعالى يشاركهم في الاطلاع عليها وهو استثناء ~~مفرع من أعم الأحوال { ولا خمسة } ولا نجوى خمسة { إلا ms3162 ~~هو سادسهم } وتخصيص العددين بالذكر إما لخصوص الواقعة فإن ~~الآية نزلت في تناجي المنافقين وإما لبناء الكلام على أغلب ~~عادات المتناجين وقد عمم الحكم بعد ذلك فقيل: { ولا أدنى ~~من ذلك } أي مما ذكر كالواحد والاثنين { ولا أكثر } ~~كالستة وما فوقها { إلا هو معهم } يعلم ما يجري بينهم ~~وقرىء ولا أكثر بالرفع عطفا على محل من نجوى أو محل ولا ~~أدنى بأن جعل لا لنفي الجنس { أينما كانوا } من الأماكن ~~ولو كانوا تحت الأرض فإن علمه تعالى بالأشياء ليس لقرب مكاني ~~حتى يتفاوت باختلاف الأمكنة قربا وبعدا { ثم ينبئهم } ~~وقرىء ينبئهم بالتخفيف { بما عملوا يوم ~~القيمة } تفضيحا لهم وإظهارا لما يوجب عذابهم { أن ~~الله بكل شىء عليم } لأن نسبة ذاته المقتضية للعلم إلى ~~الكل سواء. ### || [58.8-10] # { ألم تر إلى الذين نهوا عن النجوى ثم ~~يعودون لما نهوا عنه } نزلت في اليهود والمنافقين كانوا ~~يتناجون فيما بينهم ويتغامزون بأعينهم إذا رأوا المؤمنين ~~فنهاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم عادوا لمثل فعلهم ~~والخطاب للرسول عليه الصلاة والسلام والهمزة للتعجيب من حالهم ~~وصيغة المضارع للدلالة على تكرر عودهم وتجدده واستحضار ~~صورته العجيبة وقوله تعالى: { ويتنجون بالإثم ~~والعدوان ومعصيت الرسول } عطف عليه داخل في حكمه ~~أي بما هو إثم في نفسه وعدوان للمؤمنين وتواص بمعصية الرسول ~~عليه الصلاة والسلام وذكره عليه الصلاة والسلام بعنوان ~~الرسالة بين الخطابين المتوجهين إليه عليه الصلاة والسلام ~~لزيادة تشنيعهم واستعظام معصيتهم وقرىء وينتجون بالإثم ~~والعدوان بكسر العين ومعصيات الرسول: { وإذا جاءوك حيوك ~~بما لم يحيك به الله } فيقولون: السام عليكم. أو أنعم ~~صباحا والله سبحانه يقول: # وسلم على المرسلين # [سورة الصافات، الآية 181] { ويقولون فى أنفسهم } أي فيما ~~بينهم { لولا يعذبنا الله بما نقول } أي هلا ~~يعذبنا الله بذلك لو كان محمد نبيا { حسبهم جهنم } ~~عذابا { يصلونها } يدخلونها { فبئس المصير } أي جهنم { ~~يأيها الذين ءامنوا إذا تناجيتم } في أنديتكم ~~وفي خلواتكم { فلا تتنجوا بالإثم والعدوان ~~ومعصية الرسول } كما يفعله المنافقون وقرىء فلا تنتجوا ~~وفلا تناجوا بحذف إحدى التاءين ms3163 { وتنجوا بالبر ~~والتقوى } أي بما يتضمن خير المؤمنين والاتقاء عن معصية ~~الرسول عليه الصلاة والسلام. { واتقوا الله الذى إليه ~~تحشرون } وحده لا إلى غيره استقلالا أو اشتراكا ~~فيجازيكم بكل ما تأتون وتذرون { إنما النجوى } المعهودة ~~التي هي التناجي بالإثم والعدوان { من الشيطن } لا من ~~غيره فإنه المزين لها والحامل عليها وقوله تعالى: { ~~ليحزن الذين ءامنوا } خبر آخر أي إنما هي ليحزن ~~المؤمنين بتوهمهم أنها في نكبة أصابتهم { وليس بضارهم } ~~أي الشيطان أو التناجي بضار المؤمنين { شيئا } من الأشياء أو ~~شيئا من الضرر { إلا بإذن الله } أي بمشيئته { وعلى ~~الله فليتوكل المؤمنون } ولا يبالوا بنجواهم فإنه ~~تعالى يعصمهم من شره وضره. ### || [58.11-12] # { يأيها الذين ءامنوا إذا قيل لكم تفسحوا } ~~أي توسعوا وليفسح بعضكم عن بعض ولا تتضاموا من قولهم أفسح ~~عني أي تنح وقرىء تفاسحوا وقوله تعالى: { فى ~~المجلس } متعلق بقيل وقرىء في المجلس على أن المراد ~~به الجنس وقيل: مجلس الرسول عليه الصلاة والسلام وكانوا ~~يتضامون تنافسا في القرب منه عليه الصلاة والسلام حرصا على ~~استماع كلامه وقيل: هو المجلس من مجالس القتال وهي مركز ~~الغزاة كقوله تعالى: # مقاعد للقتال # [سورة آل عمران، الآية 121] قيل: كان الرجل يأتي الصف ويقول: ~~تفسحوا فيأبون لحرصهم على الشهادة وقرىء في المجلس بفتح ~~اللام فهو متعلق بتفسحوا قطعا أي توسعوا في جلوسكم ولا ~~تتضايقوا فيه { فافسحوا يفسح الله لكم } أي في كل ما ~~تريدون التفسح فيه من المكان والرزق والصدر والقبر وغيرها { ~~وإذا قيل انشزوا } أي انهضوا للتوسعة على المقبلين أو لما ~~أمرتم به من صلاة أو جهاد أو غيرهما من أعمال الخير { ~~فانشزوا } فانهضوا ولا تتثبطوا ولا تفرطوا وقرىء بكسر الشين { ~~يرفع الله الذين ءامنوا منكم } بالنصر وحسن الذكر في ~~الدنيا والإيواء إلى غرف الجنان في الآخرة { والذين أوتوا ~~العلم } منهم خصوصا { درجت } عالية بما جمعوا من أثرتي ~~العلم والعمل فإن العلم مع علو رتبته يقتضي العمل المقرون ~~به مزيد رفعة لا يدرك شأوه العمل العاري عنه وإن كان في ~~غاية الصلاح ولذلك ms3164 يقتدي بالعالم في أفعاله ولا يقتدى بغيره وفي ~~الحديث: # " فضل العالم على العابد كفضل القمر ليلة البدر على سائر ~~الكواكب " # { والله بما تعملون خبير } تهديد لمن لم يمتثل ~~بالأمر وقرىء يعملون بالياء التحتانية. # { يأيها الذين ءامنوا إذا نجيتم الرسول } في ~~بعض شؤونكم المهمة الداعية إلى مناجاته عليه الصلاة والسلام: { ~~فقدموا بين يدى نجوكم صدقة } أي فتصدقوا قبلها ~~مستعار ممن له يدان وفي هذا الأمر تعظيم الرسول صلى الله عليه ~~وسلم وإنفاع الفقراء والزجر عن الإفراط في السؤال والتمييز بين ~~المخلص والمنافق ومحب الآخرة ومحب الدنيا واختلف في أنه ~~للندب أو للوجوب لكنه نسخ بقوله تعالى: # أءشفقتم # [سورة المجادلة، الآية 13] وهو وإن كان متصلا به تلاوة لكنه ~~متراخ عنه نزولا وعن علي رضي الله عنه: " إن في كتاب الله ~~آية ما عمل بها أحد غيري كان لي دينار فصرفته فكنت إذا ~~ناجيته عليه الصلاة والسلام تصدقت بدرهم " وهو على القول ~~بالوجوب محمول على أنه لم يتفق للأغيناء مناجاة في مدة بقائه ~~إذ روي أنه لم يبق إلا عشرا وقيل: إلا ساعة { ذلك } أي ~~التصدق { خير لكم وأطهر } أي لأنفسكم من الريبة وحب ~~المال وهذا يشعر بالندب لكن قوله تعالى: { فإن لم ~~تجدوا فإن الله غفور رحيم } منبىء عن الوجوب لأنه ~~ترخيص لمن لم يجد في المناجاة بلا تصدق. ### || [58.13-15] # { أءشفقتم أن تقدموا بين يدى نجوكم صدقت } ~~أي أخفتم الفقر من تقديم الصدقات أو أخفتم التقديم لما يعدكم ~~الشيطان عليه من الفقر وجمع صدقات لجمع المخاطبين { فإذ لم ~~تفعلوا } ما أمرتم به وشق عليكم ذلك { وتاب الله ~~عليكم } بأن رخص لكم أن لا تفعلوه وفيه إشعار بأن إشفاقهم ~~ذنب تجاوز الله عنه لما رأى منهم من الانفعال ما قام مقام ~~توبتهم وإذ على بابها من المضي وقيل: بمعنى إذا كما في ~~قوله تعالى: # إذ الأغلل فى أعنقهم # [سورة غافر، الآية 71] وقيل: بمعنى إن: { فأقيموا الصلوة ~~وءاتوا الزكوة } أي فإذ فرطتم فيما أمرتم به من ~~تقديم الصدقات فتداركوه بالمثابرة على إقامة الصلاة وإيتاء ms3165 ~~الزكاة { وأطيعوا الله ورسوله } في سائر الأوامر فإن ~~القيام بها كالجابر لما وقع في ذلك من التفريط { والله خبير ~~بما تعملون } ظاهرا وباطنا { ألم تر } تعجيب من حال ~~المنافقين الذين كانوا يتخذون اليهود أولياء ويناصحونهم وينقلون ~~إليهم أسرار المؤمنين أي ألم تنظر { إلى الذين تولوا } ~~أي والوا { قوما غضب الله عليهم } وهم اليهود كما ~~أنبأ عنه قوله تعالى: # من لعنه الله وغضب عليه # [سورة المائدة، الآية 60] { ما هم منكم ولا منهم } لأنهم ~~منافقون مذبذبون بين ذلك والجملة مستأنفة أو حال من فاعل ~~تولوا { ويحلفون على الكذب } أي يقولون والله إنا ~~لمسلمون وهو عطف على تولوا داخل في حكم التعجيب وصيغة المضارع ~~للدلالة على تكرر الحلف وتجدده حسب تكرر ما يقتضيه وقوله ~~تعالى: { وهم يعلمون } حال من فاعل يحلفون مفيدة لكمال ~~شناعة ما فعلوا فإن الحلف على ما يعلم أنه كذب في غاية ~~القبح وفيه دلالة على أن الكذب يعم ما يعلم المخبر عدم ~~مطابقته للواقع وما لا يعلمه. روي # " أنه عليه الصلاة والسلام كان في حجرة من حجراته فقال: " ~~يدخل عليكم الآن رجل قلبه قلب جبار، وينظر بعين شيطان " فدخل ~~عبد الله بن نبتل المنافق، وكان أزرق، فقال له رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: " علام تشتمني أنت وأصحابك " فحلف بالله ما فعل ~~فقال عليه الصلاة والسلام: فانطلق فجاء بأصحابه فحلفوا بالله ما ~~سبوهفعلت " # فنزلت. # { أعد الله لهم } بسبب ذلك { عذابا شديدا } نوعا من ~~العذاب متفاقما { إنهم ساء ما كانوا يعملون } فيما ~~مضى من الزمان المتطاول فتمرنوا على سوء العمل وضروا به ~~وأصروا عليه. ### || [58.16-18] # { اتخذوا أيمنهم } الفاجرة التي يحلفون بها عند ~~الحاجة وقرىء بكسر الهمزة أي إيمانهم الذي أظهروه لأهل ~~الإسلام { جنة } وقاية وسترة دون دمائهم وأموالهم فالاتخاذ ~~على هذه القراءة عبارة عن التستر بما أظهروه بالفعل وأما على ~~القراءة الأولى عبارة عن إعدادهم لأيمانهم الكاذبة وتهيئتهم لها ~~إلى وقت الحاجة ليحلفوا بها ويتخلصوا من المؤاخذة لا عن ~~استعمالها بالفعل فإن ذلك متأخر عن المؤاخذة المسبوقة بوقوع ~~الجناية والخيانة، ms3166 واتخاذ الجنة لا بد أن يكون قبل ~~المؤاخذة وعن سببها أيضا كما يعرب عنه الفاء في قوله ~~تعالى: { فصدوا } أي الناس { عن سبيل الله } في خلال ~~أمنهم بتثبيط من لقوا عن الدخول في الإسلام وتضعيف أمر ~~المسلمين عندهم { فلهم عذاب مهين } وعيد ثان بوصف آخر ~~لعذابهم وقيل: الأول عذاب القبر وهذا عذاب الآخرة. { لن ~~تغنى عنهم أمولهم ولا أولدهم من الله } أي ~~من عذابه تعالى { شيئا } من الإغناء روي أن رجلا منهم قال: ~~لننصرن يوم القيامة بأنفسنا وأموالنا وأولادنا { أولئك ~~} الموصوفون بما ذكر من الصفات القبيحة { أصحب النار } ~~أي ملازموها ومقارنوها { هم فيها خلدون } لا يخرجون منها ~~أبدا { يوم يبعثهم الله جميعا } قيل: هو ظرف لقوله ~~تعالى: { لهم عذاب مهين } { فيحلفون له } أي لله ~~تعالى يومئذ على أنهم مسلمون { كما يحلفون لكم } في ~~الدنيا { ويحسبون } في الآخرة { أنهم } بتلك الأيمان ~~الفاجرة { على شىء } من جلب منفعة أو دفع مضرة كما كانوا ~~عليه في الدنيا حيث كانوا يدفعون بها عن أرواحهم وأموالهم ~~ويستجرون بها فوائد دنيوية { ألا إنهم هم الكذبون } ~~البالغون في الكذب إلى غاية لا مطمح وراءها حيث تجاسروا على ~~الكذب بين يدي علام الغيوب وزعموا أن أيمانهم الفاجرة ~~تروج الكذب لديه كما تروجه عند الغافلين. ### || [58.19-22] # { استحوذ عليهم الشيطن } أي استولى عليهم من حذت ~~الإبل إذا استوليت عليها وجمعتها وهو مما جاء على الأصل كاستصوب ~~واستنوق أي ملكهم { فأنسهم ذكر الله } بحيث لم يذكروه ~~بقلوبهم ولا بألسنتهم { أولئك } الموصوفون بما ذكر من ~~القبائح { حزب الشيطن } أي جنوده وأتباعه { ألا إن ~~حزب الشيطن هم الخسرون } أي الموصوفون بالخسران ~~الذي لا غاية وراءه حيث فوتوا على أنفسهم النعيم المقيم وأخذوا ~~بدله العذاب الأليم، وفي تصدير الجملة بحرفي التنبيه والتحقيق ~~وإظهار المضافين معا في موقع الإضمار بأحد الوجهين وتوسيط ضمير ~~الفصل من فنون التأكيد ما لا يخفى { إن الذين يحادون ~~الله ورسوله } استئناف مسوق لتعليل ما قبله من خسران حزب ~~الشيطان عبر عنهم بالموصول للتنبيه بما في حيز الصلة على أن ~~موادة ms3167 من حاد الله ورسوله محادة لهما والإشعار بعلة ~~الحكم { أولئك } بما فعلوا من التولي والموادة { فى ~~الأذلين } أي في جملة من هو أذل خلق الله من الأولين ~~والآخرين لأن ذلة أحد المتخاصمين على مقدار عزة الآخر وحيث ~~كانت عزة الله عز وجل غير متناهية كانت ذلة من يحاده كذلك. # { كتب الله } استئناف وارد لتعليل كونهم في الأذلين أي ~~قضى وأثبت في اللوح وحيث جرى ذلك مجرى القسم أجيب بما يجاب ~~به فقيل: { لأغلبن أنا ورسلى } أي بالحجة والسيف وما ~~يجري مجراه أو بأحدهما ونظيره قوله تعالى: # ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين إنهم ~~لهم المنصورون وإن جندنا لهم الغلبون # [سورة الصافات، الآية 171 - 173] وقرىء ورسلي بفتح الياء { إن ~~الله قوى } على نصر أنبيائه { عزيز } لا يغلب عليه في ~~مراده. # { لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر } ~~الخطاب للنبي عليه الصلاة والسلام أو لكل أحد وتجد إما ~~متعد إلى اثنين فقوله تعالى: { يوادون من حاد الله ~~ورسوله } مفعوله الثاني أو إلى واحد فهو حال من مفعوله لتخصصه ~~بالصفة وقيل: صفة أخرى له أي قوما جامعين بين الإيمان بالله ~~واليوم الآخر وبين موادة أعداء الله ورسوله والمراد بنفي ~~الوجدان نفي الموادة على معنى أنه لا ينبغي أن يتحقق ذلك ~~وحقه أن يمتنع ولا يوجد بحال وإن جد في طلبه كل أحد { ولو ~~كانوا } أي من حاد الله ورسوله والجمع باعتبار معنى من ~~كما أن الإفراد فيما قبله باعتبار لفظها { ءاباءهم } آباء ~~الموادين { أو أبناءهم أو إخونهم أو عشيرتهم } ~~فإن قضية الإيمان بالله تعالى أن يهجر الجميع بالمرة والكلام ~~في لو قد مر على التفصيل مرارا { أولئك } إشارة إلى ~~الذين لا يوادونهم وإن كانوا أقرب الناس إليهم وأمس رحما وما ~~فيه من معنى البعد لرفعة درجتهم في الفضل وهو مبتدأ خبره { ~~كتب فى قلوبهم الإيمن } أي أثبته فيها وفيه دلالة عل ~~خروج العمل من مفهوم الإيمان فإن جزء الثابت في القلب ثابت ~~فيه قطعا ولا شيء من أعمال الجوارح يثبت فيه { وأيدهم } ~~أي قواهم ms3168 { بروح منه } أي من عند الله تعالى وهو نور ~~القلب أو القرآن أو النصر على العدو وقيل: الضمير للإيمان ~~لحياة القلوب به فمن تجريدية وقوله تعالى: { ويدخلهم } ~~الخ بيان لآثار رحمته الأخروية إثر بيان ألطافه الدنيوية أي ~~ويدخلهم في الآخرة { جنت تجرى من تحتها الانهار ~~خالدين فيها } أبد الآبدين وقوله تعالى: { رضى الله ~~عنهم } استئناف جار مجرى التعليل لما أفاض عليهم من آثار ~~رحمته العاجلة والآجلة وقوله تعالى: { ورضوا عنه } بيان ~~لابتهاجهم بما أوتوه عاجلا وآجلا وقوله تعالى: { أولئك ~~حزب الله } تشريف لهم ببيان اختصاصهم به عز وجل وقوله ~~تعالى: { ألا إن حزب الله هم المفلحون } بيان ~~لاختصاصهم بالفوز بسعادة الدارين والفوز بسعادة النشأتين والكلام ~~في تحلية الجملة بفنون التأكيد كما مر في مثلها. # عن النبي عليه الصلاة والسلام: # " من قرأ سورة المجادلة كتب من حزب الله يوم القيامة ". ### | [59 - سورة الحشر] ### || [59.1] # مدنية، وآيها أربع وعشرون # { سبح لله ما فى السموات وما في الأرض وهو ~~العزيز الحكيم } مر ما فيه من الكلام في صدر سورة الحديد ~~وقد كرر الموصول ههنا لزيادة التقرير والتنبيه على استقلال كل ~~من الفريقين بالتسبيح. روي أنه عليه الصلاة والسلام لما قدم المدينة ~~صالح بني النضير وهم رهط من اليهود من ذرية هارون عليه الصلاة ~~والسلام نزلوا المدينة في فتن بني إسرائيل انتظارا لبعثه عليه الصلاة ~~والسلام وعاهدهم أن لا يكونوا له ولا عليه فلما ظهر عليه الصلاة ~~والسلام يوم بدر قالوا هو النبي الذي نعته في التوراة لا ترد ~~له راية فلما كان يوم أحد ما كان ارتابوا ونكثوا فخرج كعب بن ~~الأشرف في الأربعين راكبا إلى مكة فحالفوا قريشا عند الكعبة على ~~قتاله عليه الصلاة والسلام فأمر عليه الصلاة والسلام محمد بن ~~مسلمة الأنصاري فقتل كعبا غيلة وكان أخاه من الرضاعة ثم ~~صبحهم بالكتائب فقال لهم: اخرجوا من المدينة فاستمهلوه عليه ~~الصلاة والسلام عشرة أيام ليتجهزوا للخروج فدس عبد الله ~~بن أبي المنافق وأصحابه إليهم لا تخرجوا من الحصن فإن قاتلوكم ~~فنحن معكم ms3169 لا نخذلكم ولئن خرجتم لنخرجن معكم فدربوا على الأزقة ~~وحصنوها فحاصرهم النبي عليه الصلاة والسلام إحدى وعشرين ~~ليلة فلما قذف الله في قلوبهم الرعب وأيسوا من نصر المنافقين طلبوا ~~الصلح فأبى عليهم إلا الجلاء على أن يحمل كل ثلاثة أبيات على ~~بعير ما شاءوا من متاعهم فجلوا إلى الشأم إلى أريحا وأذرعات إلا أهل ~~بيتين منهم آل أبي الحقيق وآل حيي بن أخطب فإنهم لحقوا ~~بخيبر ولحقت طائفة منهم بالحيرة فأنزل الله تعالى: { سبح لله ~~ما فى السموات } إلى قوله: # والله على كل شيء قدير # [سورة الحشر، الآيه 6]. ### || [59.2] # وقوله تعالى: { هو الذى أخرج الذين كفروا من أهل ~~الكتب من ديرهم } بيان لبعض آثار عزته تعالى وأحكام ~~حكمته إثر وصفه تعالى بالعزة القاهرة والحكمة الباهرة على ~~الإطلاق. والضمير راجع إليه تعالى بذلك العنوان إما بناء على كمال ~~ظهور اتصافه تعالى بهما مع مساعدة تامة من المقام أو على جعله ~~مستعارا لاسم الإشارة كما في قوله تعالى: # قل أرأيتم إن أخذ الله سمعكم وأبصركم ~~وختم على قلوبكم من إله غير الله يأتيكم ~~به # [سورة الأنعام، الآية 46] أي بذلك وعليه قول رؤبة بن العجاج: # فيهما خطوط من سواد وبلق # كأنه في الجلد توليع البهق # كما هو المشهور كأنه قيل: ذلك المنعوت بالعزة والحكمة الذي أخرج ~~الخ ففيه إشعار بأن في الإخراج حكمة باهرة وقوله تعالى: { لأول ~~الحشر } أي في أول حشرهم إلى الشام وكانوا سبط لم يصبهم جلاء قط ~~وهم أول من أخرج من جزيرة العرب إلى الشام أو هذا أول حشرهم وآخر ~~حشرهم إجلاء عمر رضي الله عنه إياهم من خيبر إلى الشام وقيل: آخر ~~حشرهم حشر يوم القيامة لأن المحشر يكون بالشام. # { ما ظننتم } أيها المسلمون { أن يخرجوا } من ديارهم بهذا ~~الذل والهوان لشدة بأسهم وقوة منعتهم { وظنوا أنهم ~~مانعتهم حصونهم من الله } أي ظنوا أن حصونهم تمنعهم ~~أو مانعتهم من بأس الله تعالى. وتغيير النظم بتقديم الخبر وإسناد ~~الجملة إلى ضميرهم للدلالة على كمال وثوقهم بحصانة حصونهم ~~واعتقادهم في ms3170 أنفسهم أنهم في عزة ومنعة لا يبالى معها بأحد يتعرض ~~لهم أو يطمع في معازتهم، ويجوز أن يكون مانعتهم خبرا لأن ~~وحصونهم مرتفعا على الفاعلية { فاتهم الله } أي أمر الله ~~تعالى وقدره المقدور لهم { من حيث لم يحتسبوا } ولم يخطر ~~ببالهم وهو قتل رئيسهم كعب بن الأشرف فإنه مما أضعف قوتهم وفل ~~شوكتهم وسلب قلوبهم الأمن والطمأنينة. وقيل: الضمير في أتاهم ولم ~~يحتسبوا للمؤمنين فأتاهم نصر الله وقرىء فآتاهم أي فآتاهم الله ~~العذاب أو النصر { وقذف فى قلوبهم الرعب } أي أثبت ~~فيها الخوف الذي يرعبها أي يملؤها { يخربون بيوتهم ~~بأيديهم } ليسدوا بما نقضوا منها من الخشب والحجارة أفواه ~~الأزقة ولئلا يبقى بعد جلائهم مساكن للمسلمين ولينقلوا معهم بعض ~~آلاتها المرغوب فيها مما يقبل النقل { وأيدى المؤمنين } ~~حيث كانوا يخربونها إزالة لمتحصنهم ومتمنعهم وتوسيعا لمجال ~~القتال ونكاية لهم وإسناد هذا إليهم لما أنهم السبب فيه فكأنهم ~~كلفوهم إياه وأمروهم به. قيل: الجملة حال أو تفسير للرعب ~~وقرىء يخربون بالتشديد للتكثير وقيل: الإخراب التعطيل أو ~~ترك الشيء خرابا والتخريب النقض والهدم { فاعتبروا يأولى ~~الأبصر } فاتعظوا بما جرى عليهم من الأمور الهائلة على وجه ~~لا يكاد تهتدي إليه الأفكار واتقوا مباشرة ما أداهم إليه من ~~الكفر والمعاصي، أو انتقلوا من حال الفريقين إلى حال أنفسكم فلا ~~تعولوا على تعاضد الأسباب بل توكلوا على الله عز وجل وقد ~~استدل به على حجية القياس كما فصل في موقعه. ### || [59.3-5] # { ولولا أن كتب الله عليهم الجلاء } أي الخروج عن ~~أوطانهم على ذلك الوجه الفظيع { لعذبهم فى الدنيا } ~~بالقتل والسبي كما فعل ببني قريظة { ولهم فى الآخرة عذاب ~~النار } استئناف غير متعلق بجواب لولا جيء به لبيان أنهم ~~إن نجوا من عذاب الدنيا بكتابة الجلاء لا نجاة لهم من عذاب ~~الآخرة { ذلك } أي ما حاق بهم وما سيحيق { بأنهم } بسبب ~~أنهم { شاقوا الله ورسوله } وفعلوا ما فعلوا مما حكي ~~عنهم من القبائح { ومن يشاق الله } وقرىء يشاقق الله كما ~~في الأنفال والاقتصار على ذكر مشاقته تعالى لتضمنها ms3171 ~~لمشاقته عليه الصلاة والسلام وليوافق قوله تعالى { فإن ~~الله شديد العقاب } وهو إما نفس الجزاء قد حذف منه ~~العائد إلى عند من يلتزمه أي شديد العقاب له أو تعليل للجزاء ~~المحذوف أي يعاقبه الله فإن الله شديد العقاب وأيا ما كان ~~فالشرطية تكملة لما قبلها وتقرير لمضمونه وتحقيق للسببية ~~بالطريق البرهاني كأنه قيل ذلك الذي حاق بهم من العقاب العاجل ~~والآجل بسبب مشاقتهم لله تعالى ورسوله، وكل من يشاق الله ~~كائنا من كان فله بسبب ذلك عقاب شديد فإذن لهم عقاب شديد { ~~ما قطعتم من لينة } أي أي شيء قطعتم من نخلة وهي ~~فعلة من اللون وياؤها مقلوبة من واو لكسرة ما قبلها ~~كديمة وتجمع على ألوان وقيل من اللين وتجمع على لين وهي ~~النخلة الكريمة { أو تركتموها } الضمير لما وتأنيثه ~~لتفسيره باللينة كما في قوله تعالى: # ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها # [سورة فاطر، الآية 2] { قائمة على أصولها } كما كانت من ~~غير أن تتعرضوا لها بشيء ما. وقرىء على أصلها إما على ~~الاكتفاء من الواو بالضم أو على أنه جمع كرهن، وقرىء قائما ~~على أصوله ذهابا إلى لفظ ما { فبإذن الله } فذاك أي ~~قطعها وتركها بأمر الله تعالى: { وليخزى الفسقين } أي ~~وليذل اليهود ويغيظهم أذن في قطعها وتركها لأنهم إذا رأوا ~~المؤمنين يتحكمون في أموالهم كيف أحبوا ويتصرفون فيها حسبما ~~شاؤوا من القطع والترك يزدادون غيظا ويتضاعفون حسرة واستدل به ~~على جواز هدم ديار الكفرة وقطع أشجارهم وإحراق زروعهم زيادة ~~لغيظهم. وتخصيص اللينة بالقطع إن كانت من الألوان لاستبقاء ~~العجوة والبرنية اللتين هما كرام النخيل وإن كانت هي الكرام ~~ليكون غيظهم أشد. ### || [59.6-7] # وقوله تعالى: { وما أفاء الله على رسوله } شروع في ~~بيان حال ما أخذ من أموالهم بعد بيان ما حل بأنفسهم من ~~العذاب العاجل والآجل وما فعل بديارهم ونخيلهم من التخريب ~~والقطع. أي ما أعاده إليه من مالهم وفيه إشعار بأنه كان حقيقيا ~~بأن يكون له عليه الصلاة والسلام وإنما وقع في أيديهم بغير ms3172 حق ~~فرجعه الله تعالى إلى مستحقه لأنه تعالى خلق الناس لعبادته ~~وخلق ما خلق ليتوسلوا به إلى طاعته فهو جدير بأن يكون ~~للمطيعين { منهم } أي من بني النضير { فما أوجفتم ~~عليه } أي فما أجريتم على تحصيله وتغنمه. من الوجيف وهو ~~سرعة السير { من خيل ولا ركاب } هي ما يركب من الإبل ~~خاصة كما أن الراكب عندهم راكبها لا غير، وأما راكب الفرس فإنما ~~يسمونه فارسا، ولا واحد لها من لفظها وإنما الواحدة منها راحلة ~~والمعنى ما قطعتم لها شقة بعيدة ولا لقيتم مشقة شديدة ولا قتالا ~~شديدا وذلك لأنه كانت قراهم على ميلين من المدينة فمشوا إليها ~~مشيا وما كان فيهم راكب إلا النبي عليه الصلاة والسلام فافتتحها ~~صلحا من غير أن يجري بينهم مسايفة كأنه قيل وما أفاء الله على ~~رسوله منهم فما حصلتموه بكد اليمين وعرق الجبين { ولكن ~~الله يسلط رسله على من يشاء } أي سنته تعالى ~~جارية على أن يسلطهم على من يشاء من أعدائهم تسليطا خاصا ~~وقد سلط النبي عليه الصلاة والسلام على هؤلاء تسليطا غير ~~معتاد من غير أن تقتحموا مضايق الخطوب وتقاسوا شدائد ~~الحروب فلا حق لكم في أموالهم { والله على كل شيء ~~قدير } فيفعل ما يشاء كما يشاء تارة على الوجوه المعهودة ~~وأخرى على غيرها. وقوله تعالى: # { ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى } بيان ~~لمصارف الفيء بعد بيان إفاءته عليه عليه الصلاة والسلام من ~~غير أن يكون للمقاتلة فيه حق وإعادة عين العبارة الأولى لزيادة ~~التقرير، ووضع أهل القرى موضع ضميرهم للإشعار بشمول ما ~~لعقاراتهم أيضا { فلله وللرسول ولذى القربى ~~واليتامى والمسكين وابن السبيل } اختلف في قسمة ~~الفيء فقيل يسدس لظاهر الآية ويصرف سهم الله إلى عمارة ~~الكعبة وسائر المساجد، وقيل يخمس لأن ذكر الله للتعظيم ويصرف ~~الآن سهم الرسول عليه الصلاة والسلام إلى الإمام على قول، وإلى ~~العساكر والثغور على قول، وإلى مصالح المسلمين على قول. وقبل ~~يخمس خمسة كالغنيمة فإنه عليه الصلاة والسلام كان يقسم ~~الخمس كذلك ويصرف الأخماس ms3173 الأربعة كما يشاء والآن على الخلاف ~~المذكور { كيلا يكون } أي الفيء الذي حقه أن يكون للفقراء ~~يعيشون به { دولة } بضم الدال، وقرىء بفتحها وهي ما يدول ~~للإنسان أي يدور من الغنى والجد والغلبة. # وقيل الدولة بالفتح من الملك بالضم وبالضم من الملك ~~بكسرها، أو بالضم في المال وبالفتح في النصرة. أي كيلا يكون ~~جدا { بين الأغنياء منكم } يتكاثرون به أو كيلا يكون ~~دولة جاهلية بينكم؛ فإن الرؤساء منهم كانوا يستأثرون ~~بالغنيمة ويقولون من عز بز. وقيل الدولة بالضم ما ~~يتداول كالغرفة اسم ما يغترف فالمعنى كيلا يكون الفيء شيئا ~~يتداوله الأغنياء ويتعاورونه فلا يصيب الفقراء. والدولة ~~بالفتح بمعنى التداول فالمعنى كيلا يكون ذا تداول بينهم أو كيلا ~~يكون إمساكه تداولا بينهم لا يخرجونه إلى الفقراء. وقرىء ~~دولة بالرفع على أن كان تامة، أي كيلا يقع دولة على ما فصل ~~من المعاني { وما ءاتكم الرسول } أي ما أعطاكموه من ~~الفيء أو من الأمر { فخذوه } فإنه حقكم أو فتمسكوا به فإنه ~~واجب عليكم { وما نهكم عنه } عن أخذه أو عن تعاطيه { ~~فانتهوا } عنه { واتقوا الله } في مخالفته عليه ~~الصلاة والسلام { إن الله شديد العقاب } فيعاقب من ~~يخالف أمره ونهيه. ### || [59.8-9] # { للفقراء المهجرين } بدل من لذي القربى وما عطف ~~عليه فإن الرسول عليه الصلاة والسلام لا يسمى فقيرا. ومن ~~أعطى الأغنياء ذوي القربى خص الإبدال بما بعده وأما تخصيص ~~اعتبار الفقر بفيء بني النضير فتعسف ظاهر { الذين أخرجوا ~~من ديرهم وأمولهم } حيث اضطرهم كفار مكة وأحوجوهم ~~إلى الخروج وكانوا مائة رجل فخرجوا منها { يبتغون فضلا من ~~الله ورضوانا } من الديار والأموال. وقيد ذلك ثانيا بما ~~يوجب تفخيم شأنهم ويؤكده { وينصرون الله ورسوله } ~~عطف على يبتغون فهي حال مقدرة أي ناوين لنصرة الله تعالى ~~ورسوله، أو مقارنة فإن خروجهم من بين الكفار مراغمين لهم ~~مهاجرين إلى المدينة نصرة وأي نصرة { أولئك } الموصوفون ~~بما فصل من الصفات الحميدة { هم الصدقون } الراسخون في ~~الصدق حيث ظهر ذلك بما فعلوا ظهورا بينا { والذين ~~تبوءوا الدار والإيمن } كلام ms3174 مستأنف مسوق لمدح الأنصار ~~بخصال حميدة من جملتها محبتهم للمهاجرين ورضاهم باختصاص ~~الفيء بهم أحسن رضا وأكمله. ومعنى تبوئهم الدار أنهم اتخذوا ~~المدينة والإيمان مباءة وتمكنوا فيهما أشد تمكن، على تنزيل ~~الحال منزلة المكان. وقيل ضمن التبوؤ معنى اللزوم. وقيل ~~تبوؤوا الدار وأخلصوا الإيمان كقول من قال: # علفتها تبنا وماء باردا # وقيل المعنى تبوؤا دار الهجرة ودار الإيمان، فحذف المضاف ~~من الثاني، والمضاف إليه من الأول، وعوض منه اللام. وقيل ~~سمى المدينة بالإيمان لكونها مظهره ومنشأه { من قبلهم ~~} أي من قبل هجرة المهاجرين على المعاني الأول، ومن قبل تبوؤ ~~المهاجرين على الأخيرين. ويجوز أن يجعل اتخاذ الإيمان مباءة ~~ولزومه وإخلاصه على المعاني الأول عبارة عن إقامة كافة ~~حقوقه التي من جملتها إظهار عامة شعائره وأحكامه، ولا ~~ريب في تقدم الأنصار في ذلك على المهاجرين لظهور عجزهم عن إظهار ~~بعضها لا عن إخلاصه قلبا واعتقادا إذ لا يتصور تقدمهم ~~عليهم في ذلك. # { يحبون من هاجر إليهم } خبر للموصول أي يحبونهم من ~~حيث مهاجرتهم إليهم لمحبتهم الإيمان { ولا يجدون فى ~~صدورهم } أي في نفوسهم { حاجة } أي شيئا محتاجا إليه يقال ~~خذ منه حاجتك أي ما تحتاج إليه، وقيل إثر حاجة كالطلب ~~والحزازة والحسد والغيظ { مما أوتوا } أي ما أوتي المهاجرون ~~من الفيء وغيره { ويؤثرون } أي يقدمون المهاجرين { على ~~أنفسهم } في كل شيء من أسباب المعاش حتى إن من كان عنده ~~امرأتان كان ينزل عن إحداهما ويزوجها واحدا منهم { ولو كان ~~بهم خصاصة } أي حاجة وخلة. وأصلها خصاص البيت وهي ~~فرجه والجملة في حيز الحال، وقد عرفت وجهه مرارا. وكان ~~النبي عليه الصلاة والسلام قسم أموال بني النضير على المهاجرين ~~ولم يعط الأنصار إلا ثلاثة نفر محتاجين أبا دجانة سماك بن ~~خرشة وسهل بن حنيف والحارث بن الصمة، وقال لهم إن ~~شئتم قسمتم للمهاجرين من أموالكم ودياركم وشاركتموهم في هذه ~~الغنيمة وإن شئتم كانت لكم دياركم وأموالكم، ولم يقسم لكم شيء ~~من الغنيمة فقالت الأنصار بل نقسم لهم من أموالنا وديارنا ~~ونؤثرهم بالغنيمة ms3175 ولا نشاركهم فيها فنزلت وهذا صريح في أن قوله ~~تعالى والذين تبوؤا الخ مستأنف غير معطوف على الفقراء أو ~~المهاجرين نعم يجوز عطفه على أولئك فإن ذلك إنما يستدعي شركة ~~الأنصار للمهاجرين في الصدق دون الفيء فيكون قوله تعالى يحبون ~~وما عطف عليه استئنافا مقررا لصدقهم أو حالا من ضمير تبوؤا { ~~ومن يوق شح نفسه } الشح بالضم والكسر وقد قرىء به ~~أيضا: اللؤم. # وإضافته إلى النفس لأنه غريزة فيها مقتضية للحرص على المنع ~~الذي هو البخل أي ومن يوق بتوفيق الله تعالى شحها حتى يخالفها ~~فيما يغلب عليها من حب المال وبغض الإنفاق { فأولئك } ~~إشارة إلى من باعتبار معناها العام المنتظم للمذكورين انتظاما ~~أوليا { هم المفلحون } الفائزون بكل مطلوب الناجون عن كل ~~مكروه. والجملة اعتراض وارد لمدح الأنصار والثناء عليهم وقرىء ~~يوق بالتشديد. ### || [59.10] # { والذين جاءوا من بعدهم } هم الذين هاجروا بعد ما قوي ~~الإسلام أو التابعون بإحسان وهم المؤمنون بعد الفريقين إلى يوم ~~القيامة ولذلك قيل إن الآية قد استوعبت جميع المؤمنين، وأيا ما ~~كان فالموصول مبتدأ خبره { يقولون } الخ والجملة مسوقة ~~لمدحهم بمحبتهم لمن تقدمهم من المؤمنين ومراعاتهم لحقوق ~~الأخوة في الدين والسبق بالإيمان كما أن ما عطفت عليه من الجملة ~~السابقة لمدح الأنصار، أي يدعون لهم { ربنا اغفر لنا ~~ولإخوننا } أي في الدين الذي هو أعز وأشرف عندهم من النسب { ~~الذين سبقونا بالإيمن } وصفوهم بذلك اعترافا بفضلهم ~~{ ولا تجعل فى قلوبنا غلا } وقرىء غمرا وهما ~~الحقد { للذين ءامنوا } على الإطلاق { ربنا إنك ~~لرءوف رحيم } أي مبالغ في الرأفة والرحمة، فحقيق بأن تجيب ~~دعاءنا. ### || [59.11-12] # { ألم تر إلى الذين نفقوا } حكاية لما جرى بين ~~الكفرة والمنافقين من الأقوال الكاذبة والأحوال الفاسدة، وتعجيب ~~منها بعد حكاية محاسن أحوال المؤمنين وأقوالهم على اختلاف ~~طبقاتهم. والخطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم، أو لكل أحد ممن ~~له حظ من الخطاب. وقوله تعالى: { يقولون } الخ استئناف لبيان ~~المتعجب منه. وصيغة المضارع للدلالة على استمرار قولهم أو ~~لاستحضار صورته. واللام في قوله تعالى: ms3176 { لإخوانهم الذين ~~كفروا من أهل الكتب } للتبليغ. والمراد بأخوتهم إما ~~توافقهم في الكفر أو صداقتهم وموالاتهم. واللام في قوله ~~تعالى: # { لئن أخرجتم } أي من دياركم قسرا واللام موطئة للقسم. ~~وقوله تعالى: { لنخرجن معكم } جواب القسم، أي والله ~~لئن أخرجتم لنخرجن معكم البتة ونذهبن في صحبتكم أينما ~~ذهبتم { ولا نطيع فيكم } أي في شأنكم { أحدا } يمنعنا من ~~الخروج معكم { أبدا } وإن طال الزمان، وقيل لا نطيع في ~~قتالكم أو خذلانكم وليس بذاك لأن تقدير القتال مترقب بعد ولأن ~~وعدهم لهم على ذلك التقدير ليس مجرد عدم طاعتهم لمن يدعوهم إلى ~~قتالهم بل نصرتهم عليه كما ينطق به قوله تعالى: { وإن ~~قوتلتم لننصرنكم } أي لنعاوننكم على عدوكم على أن ~~دعوتهم إلى خذلان اليهود مما لا يمكن صدوره عن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم والمسلمين حتى يدعوا عدم طاعتهم فيها ضرورة أنها ~~لو كانت لكانت عند استعدادهم لنصرتهم وإظهار كفرهم ولا ريب ~~في أن ما يفعله عليه الصلاة والسلام عند ذلك قتلهم لا دعوتهم ~~إلى ترك نصرتهم، وأما الخروج معهم فليس بهذه المرتبة من إظهار ~~الكفر لجواز أن يدعوا أن خروجهم معهم لما بينهم من الصداقة ~~الدنيوية لا للموافقة في الدين { والله يشهد إنهم ~~لكذبون } في مواعيدهم المؤكدة بالأيمان الفاجرة. وقوله ~~تعالى: # { لئن أخرجوا لا يخرجون معهم } الخ تكذيب لهم في ~~كل واحد من أقوالهم على التفصيل بعد تكذيبهم في الكل على ~~الإجمال { ولئن قوتلوا لا ينصرونهم } وكان الأمر كذلك ~~فإن ابن أبي وأصحابه أرسلوا إلى بني النضير ذلك سرا ثم ~~أخلفوهم وفيه حجة بينة لصحة النبوة وإعجاز القرآن. # { ولئن نصروهم } على الفرض والتقدير { ليولن ~~الأدبر } فرارا { ثم لا ينصرون } أي المنافقون بعد ذلك، ~~أي يهلكهم الله ولا ينفعهم نفاقهم لظهور كفرهم أو ليهزمن ~~اليهود ثم لا ينفعهم نصرة المنافقين. ### || [59.13-15] # { لأنتم أشد رهبة } أي أشد مرهوبية على أنها مصدر من ~~المبني للمفعول { فى صدورهم من الله } أي رهبتهم منكم ~~في السر أشد مما يظهرونه لكم من رهبة الله فإنهم كانوا يدعون ms3177 ~~عندهم رهبة عظيمة من الله تعالى { ذلك } أي ما ذكر من كون ~~رهبتهم منكم أشد من رهبة الله { بأنهم } بسبب أنهم { ~~قوم لا يفقهون } أي شيئا حتى يعلموا عظمة الله تعالى ~~فيخشوه حق خشيته. # { لا يقتلونكم } أي اليهود والمنافقون بمعنى لا يقدرون على ~~قتالكم { جميعا } أي مجتمعين متفقين في موطن من المواطن { ~~إلا فى قرى محصنة } بالدروب والخنادق { أو من وراء ~~جدر } دون أن يصحروا لكم ويبارزوكم لفرط رهبتهم وقرىء ~~جدر بالتخفيف وقرىء جدار وبإمالة فتحة الدال وجدر وجدر ~~وهما الجدار { بأسهم بينهم شديد } استئناف سيق لبيان ~~أن ما ذكر من رهبتهم ليس لضعفهم وجبنهم في أنفسهم فإن ~~بأسهم بالنسبة إلى أقرانهم شديد وإنما ضعفهم وجبنهم بالنسبة ~~إليكم بما قذف الله تعالى قلوبهم من الرعب { تحسبهم جميعا ~~} مجتمعين متفقين { وقلوبهم شتى } متفرقة لا ألفة ~~بينها { ذلك بأنهم } أي ما ذكر من تشتت قلوبهم بسبب ~~أنهم { قوم لا يعقلون } أي لا يعقلون شيئا حتى يعرفوا ~~الحق ويتبعوه وتطمئن به قلوبهم وتتحد كلمتهم ويرموا عن قوس ~~واحدة فيقعون في تيه الضلال وتشتت قلوبهم حسب تشتت طرقه ~~وتفرق فنونه، وأما ما قيل من أن المعنى لا يعقلون أن تشتت ~~القلوب مما يوهن قواهم فبمعزل من السداد. وقوله تعالى: # { كمثل الذين من قبلهم } خبر مبتدأ محذوف تقديره ~~مثلهم أي مثل المذكورين من اليهود والمنافقين كمثل أهل بدر أو ~~بني قينقاع على ما قيل من أنهم أخرجوا قبل بني النضير { ~~قريبا } في زمان قريب، وانتصابه بمثل، إذ التقدير كوقوع مثل ~~الخ { ذاقوا وبال أمرهم } أي سوء عاقبة كفرهم في ~~الدنيا { ولهم } في الآخرة { عذاب أليم } لا يقادر ~~قدره والمعنى أن حال هؤلاء كحال أولئك في الدنيا والآخرة ~~لكن لا على أن حال كلهم كحالهم بل حال بعضهم الذين هم ~~اليهود كذلك وأما حال المنافقين فهي ما نطق به ### || [59.16-19] # قوله تعالى: { كمثل الشيطن } فإنه خبر ثان للمبتدأ ~~المقدر مبين لحالهم متضمن لحال أخرى لليهود وهي اغترارهم ~~بمقالة المنافقين أولا وخيبتهم آخرا وقد أجمل في النظم ms3178 ~~الكريم، حيث أسند كل من الخبرين إلى المقدر المضاف إلى ضمير ~~الفريقين من غير تعيين ما أسند إليه بخصوصه ثقة بأن ~~السامع يرد كلا من المثلين إلى ما يماثله كأنه قيل مثل ~~اليهود في حلول العذاب بهم كمثل الذين من قبلهم الخ. ومثل ~~المنافقين في إغرائهم إياهم على القتال حسبما نقل عنهم كمثل ~~الشيطان { إذ قال للإنسن اكفر } أي أغراه على الكفر ~~إغراء الآمر المأمور على المأمور به { فلما كفر قال إنى ~~برىء منك } وقرىء أنا بريء منك. إن أريد بالإنسان الجنس ~~فهذا التبرؤ من الشيطان يكون يوم القيامة كما ينبىء عنه قوله ~~تعالى { إنى أخاف الله رب العلمين } وإن أريد به ~~أبو جهل، فقوله تعالى: { اكفر } عبارة عن قول إبليس يوم بدر # لا غالب لكم اليوم من الناس وإني جار لكم # [سورة الأنفال، الآية 48] وتبرؤه قوله يومئذ # إني برىء منكم إني أرى ما لا ترون إني أخاف ~~الله # [سورة الأنفال، الآية 48] الآية { فكان عقبتهما } بالنصب ~~على أنه خبر كان واسمها { أنهما فى النار } وقرىء ~~بالعكس وقد مر أنه أوضح { خلدين فيها } وقرىء خالدان ~~فيها على أنه خبر أن وفي النار لغو { وذلك جزاء ~~الظلمين } أي الخلود في النار جزاء الظالمين على الإطلاق ~~دون هؤلاء خاصة. # { يأيها الذين ءامنوا اتقوا الله } أي في كل ما ~~تأتون وما تذرون { ولتنظر نفس ما قدمت لغد } أي ~~أي شيء قدمت من الأعمال ليوم القيامة عبر عنه بذلك لدنوه ~~أو لأن الدنيا كيوم والآخرة هي غده وتنكيره لتفخيمه وتهويله ~~كأنه قيل لغد لا يعرف كنهه لغاية عظمه، وأما تنكير نفس ~~فلاستقلال الأنفس النواظر فيما قدمن لذلك اليوم الهائل، كأنه ~~قيل ولتنظر نفس واحدة في ذلك. # { واتقوا الله } تكرير للتأكيد، أو الأول في أداء الواجبات ~~كما يشعر به ما بعده من الأمر بالعمل، وهذا في ترك المحارم كما ~~يؤذن به الوعيد بقوله تعالى: { إن الله خبير بما ~~تعملون } أي من المعاصي { ولا تكونوا كالذين نسوا ~~الله } أي نسوا حقوقه تعالى وما قدروه حق قدره ولم ms3179 يراعوا ~~مواجب أوامره ونواهيه حق رعايتها { فأنسهم } بسبب ذلك { ~~أنفسهم } أي جعلهم ناسين لها حتى لم يسمعوا ما ينفعها ولم ~~يفعلوا ما يخلصها أو أراهم يوم القيامة من الأهوال ما أنساهم ~~أنفسهم { أولئك هم الفسقون } الكاملون في الفسوق. ### || [59.20-23] # { لا يستوى أصحب النار } الذين نسوا الله تعالى ~~فاستحقوا الخلود في النار. { وأصحب الجنة } الذين ~~اتقوا الله فاستحقوا الخلود في الجنة، ولعل تقديم أصحاب النار ~~في الذكر للإيذان من أول الأمر بأن القصور الذي ينبىء عنه عدم ~~الاستواء من جهتهم لا من جهة مقابليهم فإن مفهوم عدم الاستواء ~~بين الشيئين المتفاوتين زيادة ونقصانا وإن جاز اعتباره بحسب ~~زيادة الزائد، لكن المتبادر اعتباره بحسب نقصان الناقص، وعليه ~~قوله تعالى: # هل يستوى الأعمى والبصير أم هل تستوى ~~الظلمت والنور # [سورة الزمر، الآية 9] إلى غير ذلك من المواقع وأما قوله تعالى # هل يستوى الذين يعلمون والذين لا يعلمون # [سورة الرعد، الآية 16] فلعل تقديم الفاضل فيه لأن صلته ملكة ~~لصلة المفضول والاعدام مسبوقة بملكاتها ولا دلالة في الآية ~~الكريمة على أن المسلم لا يقتص بالكافر وأن الكفار لا يملكون ~~أموال المسلمين بالقهر لأن المراد عدم الاستواء في الأحوال ~~الأخروية كما ينبىء عنه التعبير عن الفريقين بصاحبية النار ~~وصاحبية الجنة وكذا قوله تعالى: { أصحب الجنة هم ~~الفائزون } فإنه استئناف مبين لكيفة عدم الاستواء بين ~~الفريقين أي هم الفائزون بكل مطلوب الناجون عن كل مكروه. # { لو أنزلنا هذا القرءان } العظيم الشأن المنطوي على ~~فنون القوارع { على جبل } من الجبال { لرأيته } مع ~~كونه علما في القسوة وعدم التأثر مما يصادمه { خشعا ~~متصدعا من خشية الله } أي متشققا منها. وقرىء ~~مصدعا بالإدغام وهذا تمثيل وتخييل لعلو شأن القرآن وقوة ~~تأثير ما فيه من المواعظ كما ينطق به قوله تعالى: { وتلك ~~الأمثل نضربها للناس لعلهم يتفكرون } أريد ~~به توبيخ الإنسان على قسوة قلبه وعدم تخشعه عند تلاوته وقلة ~~تدبره فيه { هو الله الذى لا إله إلا هو } وحده ~~{ علم الغيب والشهدة } أي ما غاب عن الحس من ~~الجواهر القدسية وأحوالها ms3180 وما حضر له من الأجرام وأعراضها. ~~وتقديم الغيب على الشهادة لتقدمه في الوجود وتعلق العلم القديم ~~به. أو المعدوم والموجود أو السر والعلانية { هو الرحمن ~~الرحيم هو الله الذى لا إله إلا هو } كرر ~~لإبراز الاعتناء بأمر التوحيد { الملك القدوس } البليغ في ~~النزاهة عما يوجب نقصانا ما. وقرىء بالفتح وهي لغة فيه { ~~السلم } ذو السلامة من كل نقص وآفة، مصدر وصف به ~~للمبالغة { المؤمن } واهب الأمن. وقرىء بالفتح بمعنى ~~المؤمن به على حذف الجار { المهيمن } الرقيب الحافظ ~~لكل شيء مفيعل من الأمن بقلب همزته هاء { العزيز } ~~الغالب { الجبار } الذي جبر خلقه على ما أراد، أو جبر ~~أحوالهم، أي أصلحها { المتكبر } الذي تكبر عن كل ما يوجب ~~حاجة أو نقصانا، أو البليغ الكبرياء والعظمة { سبحن الله ~~عما يشركون } تنزيه له تعالى عما يشركونه به تعالى أو عن ~~إشراكهم به تعالى إثر تعداد صفاته التي لا يمكن أن يشاركه ~~تعالى في شيء منها شيء ما أصلا. ### || [59.24] # { هو الله الخلق } المقدر للأشياء على مقتضى حكمته { ~~البارىء } الموجد لها بريئا من التفاوت، وقيل المميز بعضها من ~~بعض بالأشكال المختلفة { المصور } الموجد لصورها وكيفياتها ~~كما أراد { له الأسماء الحسنى } لدلالتها على المعاني ~~الحسنة { يسبح له ما فى السموات والأرض } ينطق ~~بتنزهه تعالى عن جميع النقائص تنزها ظاهرا { وهو العزيز ~~الحكيم } الجامع للكمالات كافة فإنها مع تكثرها وتشعبها راجعة ~~إلى الكمال في القدرة والعلم. # عن النبي عليه الصلاة والسلام: # " من قرأ سورة الحشر غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر ". ### | [60 - سورة الممتحنة] ### || [60.1] # مدنية، وآيها ثلاث عشرة # { يأيها الذين ءامنوا لا تتخذوا عدوى ~~وعدوكم أولياء } نزلت في حاطب ابن أبي بلتعة وذلك ~~أنه لما تجهز رسول الله صلى الله عليه وسلم لغزوة الفتح كتب إلى ~~أهل مكة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يريدكم فخذوا حذركم ~~وأرسله مع سارة مولاة بني المطلب فنزل جبريل عليه السلام ~~بالخبر فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عليا وعمارا وطلحة ~~والزبير والمقداد وأبا مرثد ms3181 وقال " انطلقوا حتى تأتوا روضة خاخ ~~فإن بها ظعينة معها كتاب حاطب إلى أهل مكة فخذوه منها وخلوها ~~فإن أبت فاضربوا عنقها " فأدركوها ثمة فجحدت فسل علي سيفه ~~فأخرجته من عقاصها فاستحضر رسول الله صلى الله عليه وسلم حاطبا ~~وقال " ما حملك على هذا " فقال يا رسول الله ما كفرت منذ أسلمت ولا ~~غششتك منذ نصحتك ولكني كنت امرءا ملصقا في قريش وليس لي فيهم ~~من يحمي أهلي فأردت أن آخذ عندهم يدا وقد علمت أن كتابي لن ~~يغني عنهم شيئا فصدقه رسول الله صلى الله عليه وسلم وقبل ~~عذره { تلقون إليهم بالمودة } أي توصلون إليهم ~~المودة على أن الباء زائدة كما في قوله تعالى # ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة # [سورة البقرة، الآية 159] أو تلقون إليهم أخبار النبي عليه ~~الصلاة والسلام بسبب المودة التي بينكم وبينهم والجملة إما ~~حال من فاعل لا تتخذوا أو صفة لأولياء وإبراز الضمير في الصفات ~~الجارية على غير من هي له إنما يشترط في الإسم دون الفعل أو ~~استئناف { وقد كفروا بما جاءكم من الحق } حال من ~~فاعل تلقون وقيل من فاعل لا تتخذوا وقرىء لما جاءكم أي ~~كفروا لأجل ما جاءكم بمعنى جعل ما هو سبب الإيمان سببا للكفر { ~~يخرجون الرسول وإيكم } أي من مكة وهو إما حال من ~~فاعل كفروا أو استئناف مبين لكفرهم وصيغة المضارع لاستحضار ~~الصورة وقوله تعالى: { أن تؤمنوا بالله ربكم } ~~تعليل للإخراج وفيه تغليب المخاطب على الغائب والتفات من التكلم ~~إلى الغيبة للإشعار بما يوجب الإيمان من الألوهية والربوبية { ~~إن كنتم خرجتم جهادا فى سبيلى وابتغاء مرضاتى } ~~متعلق بلا تتخذوا كأنه قيل لا تتولوا أعدائي إن كنتم أوليائي ~~وقوله تعالى: { تسرون إليهم بالمودة } استئناف وارد ~~على نهج العتاب والتوبيخ أي تسرون إليهم المودة أو الأخبار ~~بسبب المودة { وأنا أعلم } أي والحال أني أعلم منكم { ~~بما أخفيتم وما أعلنتم } ومطلع رسولي على ما تسرون ~~فأي طائل لكم في الإسرار وقيل أعلم مضارع والباء مزيدة وما ~~موصولة أو مصدرية وتقديم الإخفاء ms3182 على الإعلان قد مر وجهه في ~~قوله تعالى: # يعلم ما يسرون وما يعلنون # [سورة البقرة، الآية 77] { ومن يفعله منكم } أي الاتخاذ { ~~فقد ضل سواء السبيل } فقد أخطأ الحق والصواب. ### || [60.2-5] # { إن يثقفوكم } أي إن يظفروا بكم { يكونوا لكم ~~أعداء } أي يظهروا ما في قلوبهم من العداوة ويرتبوا عليها ~~أحكامها { ويبسطوا إليكم أيديهم وألسنتهم ~~بالسوء } بما يسوؤكم من القتل والأسر والشتم { وودوا لو ~~تكفرون } أي تمنوا ارتدادكم، وصيغة الماضي للإيذان بتحقق ~~ودادتهم قبل أن يثقفوهم أيضا { لن تنفعكم أرحمكم } ~~قراباتكم { ولا أولدكم } الذين توالون المشركين لأجلهم ~~وتتقربون إليهم محاماة عليهم { يوم القيمة } بجلب نفع ~~أو دفع ضر { يفصل بينكم } استئناف لبيان عدم نفع ~~الأرحام والأولاد يومئذ أي يفرق الله بينكم بما اعتراكم من الهول ~~الموجب لفرار كل منكم من الآخر حسبما نطق به قوله تعالى # يوم يفر المرء من أخيه # [سورة عبس، الآية 34] الآية فما لكم ترفضون حق الله تعالى لمراعاة ~~حق من هذا شأنه وقرىء يفصل ويفصل مبنيا للمفعول ويفصل ~~ويفصل مبنيا للفاعل وهو الله تعالى ونفصل ونفصل بالنون { ~~والله بما تعملون بصير } فيجازيكم به { قد كانت ~~لكم أسوة حسنة } أي خصلة حميدة حقيقة بأن يؤتسى ~~ويقتدى بها وقوله تعالى: { فى إبرهيم والذين معه } ~~أي من أصحابه المؤمنين صفة ثانية لأسوة أو خبر لكان ولكم ~~للبيان أو حال من المستكن في حسنة أو صلة لها لا لأسوة عند من ~~لا يجوز العمل بعد الوصف { إذ قالوا } ظرف لخبر كان { ~~لقومهم إنا برآء منكم } جمع بريء كظريف وظرفاء ~~وقرىء براء كظراف وبراء كرخال وبراء على الوصف بالمصدر ~~مبالغة { ومما تعبدون من دون الله } من الأصنام { ~~كفرنا بكم } أي بدينكم أو بمعبودكم أو بكم وبه فلا نعتد ~~بشأنكم وبآلهتكم { وبدا بيننا وبينكم العداوة ~~والبغضاء أبدا } أي هذا دأبنا معكم لا نتركه { حتى ~~تؤمنوا بالله وحده } وتتركوا ما أنتم عليه من الشرك ~~فتنقلب العداوة حينئذ ولاية والبغضاء محبة. # { إلا قول إبرهيم لأبيه لأستغفرن لك } ~~استثناء من قوله تعالى أسوة حسنة فإن استغفاره عليه ms3183 الصلاة ~~والسلام لأبيه الكافر وإن كان جائزا عقلا وشرعا لوقوعه قبل ~~تبين أنه من أصحاب الجحيم كما نطق به النص لكنه ليس مما ~~ينبغي أن يؤتسى به أصلا إذ المراد به ما يجب الائتساء به حتما ~~لورود الوعيد على الإعراض عنه بما سيأتي من قوله تعالى: # ومن يتول فإن الله هو الغنى الحميد # [سورة الممتحنة، الآية 6] فاستثناؤه من الأسوة إنما يفيد عدم وجوب ~~استدعاء الإيمان والمغفرة للكافر المرجو إيمانه وذلك مما لا ~~يرتاب فيه عاقل، وأما عدم جوازه فلا دلالة للاستثناء عليه قطعا ~~هذا وأما تعليل عدم كون استغفاره عليه الصلاة السلام لأبيه ~~الكافر مما ينبغي أن يؤتسى به بأنه كان قبل النهي أو لموعدة ~~وعدها إياه فبمعزل من السداد بالكلية لابتنائه على تناول النهي ~~لاستغفاره عليه الصلاة والسلام له وإنبائه عن كونه مؤتسى به ~~لو لم ينه عنه وكلاهما بين البطلان لما أن مورد النهي ~~هو الاستغفار للكافر بعد تبين أمره وقد عرفت أن استغفاره عليه ~~الصلاة والسلام لأبيه كان قبل ذلك قطعا وأن ما يؤتسى به ما ~~يجب الائتساء به لا ما يجوز فعله في الجملة، وتجويز أن يكون ~~استغفاره عليه الصلاة والسلام له بعد النهي كما هو المفهوم من ~~ظاهر قوله أو لموعدة وعدها إياه مما لا مساغ له وتوجيه الاستثناء ~~إلى العدة بالاستغفار لا إلى نفس الاستغفار بقوله # واغفر لأبي # [سورة الشعراء، الآية 86] الآية لأنها كانت هي الحاملة له عليه ~~الصلاة والسلام على الاستغفار، وتخصيص هذه العدة بالذكر دون ~~ما وقع في سورة مريم من قوله تعالى: # سأستغفر لك ربي # [سورة مريم، الآية 47] لورودها على طريق التوكيد القسمي، وأما جعل ~~الاستغفار دائرا عليها وترتيب التبرؤ على تبين الأمر فقد مر ~~تحقيقه في سورة التوبة وقوله تعالى: { وما أملك لك من ~~الله من شىء } من تمام القول المستثنى محله النصب على أنه ~~حال من فاعل لأستغفرن لك أي أستغفر لك وليس في طاقتي إلا ~~الاستغفار فمورد الاستثناء نفس الاستغفار لا قيده الذي هو في ~~نفسه من خصال ms3184 الخير لكونه إظهارا للعجز وتفويضا للأمر إلى الله ~~تعالى. وقوله تعالى: { ربنا عليك توكلنا وإليك ~~أنبنا وإليك المصير } الخ من تمام ما نقل عن إبراهيم ~~عليه السلام ومن معه من الأسوة الحسنة، وتقديم الجار ~~والمجرور لقصر التوكل والإنابة والمصير على الله تعالى قالوه ~~بعد المجاهرة وقشر العصا التجاء إلى الله تعالى في جميع ~~أمورهم لا سيما في مدافعة الكفرة وكفاية شرورهم كما ينطق به ~~قوله تعالى: # { ربنا لا تجعلنا فتنة للذين كفروا } بأن ~~تسلطهم علينا فيفتنونا بعذاب لا نطيقه { واغفر لنا } ما ~~فرط منا من الذنوب { ربنا إنك أنت العزيز } الغالب ~~الذي لا يذل من التجأ إليه ولا يخيب رجاء من توكل عليه { ~~الحكيم } الذي لا يفعل إلا ما فيه حكمة بالغة وتكرير النداء ~~للمبالغة في التضرع والجؤار. هذا وأما جعل الآيتين تلقينا ~~للمؤمنين من جهته تعالى وأمرا لهم بأن يتوكلوا عليه وينيبوا ~~إليه ويستعيذوا به من فتنة الكفرة ويستغفروا مما فرط منهم تكملة ~~لما وصاهم به من قطع العلائق بينهم وبين الكفرة فلا يساعده ~~النظم الكريم. ### || [60.6-9] # { لقد كان لكم فيهم } أي في إبراهيم ومن معه { أسوة ~~حسنة } تكرير للمبالغة في الحث على الائتساء به عليه الصلاة ~~والسلام ولذلك صدر بالقسم. وقوله تعالى: { لمن كان يرجو ~~الله واليوم الآخر } بدل من لكم فائدته الإيذان بأن ~~من يؤمن بالله واليوم الآخر لا يترك الاقتداء بهم وأن تركه من ~~مخايل عدم الإيمان بهما كما ينبىء عنه قوله تعالى: { ومن ~~يتول فإن الله هو الغنى الحميد } فإنه مما ~~يوعد بأمثاله الكفرة. # { عسى الله أن يجعل بينكم وبين الذين عاديتم ~~منهم } أي من أقاربكم المشركين { مودة } بأن يوافقوكم في ~~الدين وعدهم الله تعالى بذلك لما رأى منهم من التصلب في الدين ~~والتشدد لله في معاداة آبائهم وأبنائهم وسائر أقربائهم ~~ومقاطعتهم إياهم بالكلية تطييبا لقلوبهم ولقد أنجز وعده ~~الكريم حين أتاح لهم الفتح فأسلم قومهم فتم بينهم من ~~التحاب والتصافي ما تم { والله قدير } أي مبالغ في ~~القدرة فيقدر على تقليب القلوب وتغيير الأحوال ms3185 وتسهيل أسباب ~~المودة { والله غفور رحيم } فيغفر لمن أسلم من ~~المشركين ويرحمهم وقيل غفور لما فرط منكم في موالاتهم من قبل ~~ولما بقي في قلوبكم من ميل الرحم. { لا ينهكم الله ~~عن الذين لم يقتلوكم فى الدين ولم يخرجوكم ~~من ديركم } أي لا ينهاكم عن البر بهؤلاء فإن قوله تعالى: ~~{ أن تبروهم } بدل من الموصول { وتقسطوا إليهم } أي ~~تفضلوا إليهم بالقسط أي العدل { إن الله يحب المقسطين ~~} أي العادلين. روي أن قتيلة بنت عبد العزى قدمت مشركة على ~~بنتها أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنه بهدايا فلم تقبلها ولم ~~تأذن لها بالدخول فنزلت فأمرها رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ~~تدخلها وتقبل منها وتكرمها وتحسن إليها وقيل المراد بهم ~~خزاعة وكانوا صالحوا رسول الله صلى الله عليه وسلم على ألا يقاتلوه ~~ولا يعينوا عليه { إنما ينهكم الله عن الذين ~~قتلوكم فى الدين وأخرجوكم من ديركم } وهم عتاة ~~أهل مكة { وظهروا على إخرجكم } وهم سائر أهلها { أن ~~تولوهم } بدل اشتمال من الموصول أي إنما ينهاكم عن أن ~~تتولوهم { ومن يتولهم فأولئك هم الظلمون } ~~لوضعهم الولاية في موضع العداوة أو هم الظالمون لأنفسهم بتعريضها ~~للعذاب. ### || [60.10-11] # { يأيها الذين ءامنوا } بيان لحكم من يظهر الإيمان ~~بعد بيان حكم فريقي الكافرين { إذا جاءكم المؤمنت ~~مهجرت } من بين الكفار { فامتحنوهن } فاختبروهن بما ~~يغلب على ظنكم موافقة قلوبهن للسانهن في الإيمان. يروى # " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول للتي يمتحنها بالله ~~الذي لا إله إلا هو " ما خرجت من بغض زوج بالله ما خرجت رغبة عن ~~أرض إلى أرض بالله ما خرجت التماس دنيا بالله ما خرجت إلا حبا لله ~~ورسوله " # { الله أعلم بإيمنهن } " لأنه المطلع على ما في ~~قلوبهن والجملة اعتراض { فإن علمتموهن } بعد الامتحان { ~~مؤمنت } علما يمكنكم تحصيله وتبلغه طاقتكم بعد اللتيا ~~والتى من الاستدلال بالعلائم والدلائل والاستشهاد بالأمارات ~~والمخايل وهو الظن الغالب، وتسميته علما للإيذان بأنه جار مجرى ~~العلم في وجوب العمل به { فلا ترجعوهن إلى الكفار } ~~أي ms3186 إلى أزواجهن الكفرة لقوله تعالى: { لا هن حل لهم ~~ولا هم يحلون لهن } فإنه تعليل للنهي عن رجعهن إليهم، ~~والتكرير إما لتأكيد الحرمة أو لأن الأول لبيان زوال النكاح ~~الأول والثاني لبيان امتناع النكاح الجديد { وأتوهم مآ ~~أنفقوا } أي وأعطوا أزواجهن مثل ما دفعوا إليهن من المهور ~~وذلك أن صلح الحديبية كان على أن من جاءنا منكم رددناه ~~فجاءت سبيعة بنت الحارث الأسلمية مسلمة والنبي عليه الصلاة ~~والسلام بالحديبية فأقبل زوجها مسافر المخزومي وقيل صيفي بن ~~الراهب فقال يا محمد اردد علي امرأتي فإنك قد شرطت أن ترد ~~علينا من أتاك منا فنزلت لبيان أن الشرط إنما كان في الرجال دون ~~النساء فاستحلفها رسول الله صلى الله عليه وسلم فحلفت فأعطى زوجها ~~ما أنفق وتزوجها عمر رضي الله عنه. # { ولا جناح عليكم أن تنكحوهن } فإن إسلامهن حال ~~بينهن وبين أزواجهن الكفار { إذآ ءاتيتموهن ~~أجورهن } شرط إيتاء المهر في نكاحهن إيذانا بأن ما أعطى ~~أزواجهن لا يقوم مقام المهر { ولا تمسكوا بعصم ~~الكوافر } جمع عصمة وهي ما يعتصم به من عقد وسبب أي لا يكن ~~بينكم وبين المشركات عصمة ولا علقة زوجية قال ابن عباس رضي ~~الله عنهما: من كانت له امرأة كافرة بمكة فلا يعتدن بها من ~~نسائه لأن اختلاف الدارين قطع عصمتها منه وعن النخعي رحمه ~~الله هي المسلمة تلحق بدار الحرب فتكفر وعن مجاهد أمرهم بطلاق ~~الباقيات مع الكفار ومفارقتهن، وقرىء ولا تمسكوا بالتشديد ولا ~~تمسكوا بحذف إحدى التاءين من تتمسكوا { واسألوا مآ أنفقتم ~~} من مهور نسائكم اللاحقات بالكفار { وليسئلوا مآ ~~أنفقوا } من مهور أزواجهن المهاجرات { ذلكم } الذي ذكر { ~~حكم الله } وقوله تعالى { يحكم بينكم } كلام مستأنف ~~أو حال من حكم الله على حذف الضمير أي يحكمه الله أو جعل الحكم ~~حاكما على المبالغة { والله عليم حكيم } يشرع ما تقتضيه ~~الحكمة البالغة. # روي أنه لما نزلت الآية أدى المؤمنون ما أمروا به من مهور ~~المهاجرات إلى أزواجهن المشركين وأبى المشركون أن يؤدوا شيئا من ~~مهور الكوافر إلى أزواجهن ms3187 المسلمين، فنزل قوله تعالى { وإن ~~فاتكم } أي سبقكم وانفلت منكم { شىء من أزوجكم إلى ~~الكفر } أي أحد من أزواجكم وقد قرىء كذلك وإيقاع شيء ~~موقعه للتحقير والإشباع في التعميم أو شيء من مهور أزواجكم { ~~فعقبتم } أي فجاءت عقبتكم أي نوبتكم من أداء المهر شبه ما ~~حكم به على المسلمين والكافرين من أداء مهور نساء أولئك تارة ~~وأداء أولئك مهور نساء هؤلاء أخرى بأمر يتعاقبون فيه كما ~~يتعاقب في الركوب وغيره { فاتوا الذين ذهبت أزوجهم ~~مثل ما أنفقوا } من مهر المهاجرة التي تزوجتموها ولا تؤتوه ~~زوجها الكافر، وقيل معناه إن فاتكم فأصبتم من الكفار عقبى هي ~~الغنيمة فآتوا بدل الفائت من الغنيمة. وقرىء فأعقبتم وفعقبتم ~~بالتشديد وفعقبتم بالتخفيف وفتح القاف وبكسرها. قيل جميع من ~~لحق بالمشركين من نساء المؤمنين المهاجرين ست نسوة أم الحكم ~~بنت أبي سفيان وفاطمة بنت أمية وبروع بنت عقبة وعبدة بنت ~~عبد العزى وهند بنت أبي جهل وكلثوم بنت جرول { واتقوا ~~الله الذى أنتم به مؤمنون } فإن الإيمان به تعالى ~~يقتضي التقوى منه تعالى. ### || [60.12] # { يأيها النبى إذا جاءك المؤمنت يبايعنك } ~~أي مبايعات لك أي قاصدات للمبايعة نزلت يوم الفتح فإنه عليه ~~الصلاة والسلام لما فرغ من بيعة الرجال شرع في بيعة النساء { ~~على أن لا يشركن بالله شيئا } أي شيئا من الأشياء أو ~~شيئا من الإشراك { ولا يسرقن ولا يزنين ولا يقتلن ~~أولدهن } أريد به وأد البنات وقرىء ولا يقتلن ~~بالتشديد { ولا يأتين ببهتن يفترينه بين ~~أيديهن وأرجلهن } كانت المرأة تلتقط المولود فتقول ~~لزوجها هو ولدي منك كني عنه بالبهتان المفترى بين يديها ~~ورجليها لأن بطنها الذي تحمله فيه بين يديها ومخرجه بين ~~رجليها. # { ولا يعصينك فى معروف } أي فيما تأمرهن به من معروف ~~وتنهاهن عنه من منكر، والتقييد بالمعروف مع أن الرسول صلى ~~الله عليه وسلم لا يأمر إلا به التنبيه على أنه لا يجوز طاعة ~~مخلوق في معصية الخالق وتخصيص الأمور المعدودة بالذكر في ~~حقهن لكثرة وقوعها فيما بينهن مع اختصاص بعضها بهن { ~~فبايعهن ms3188 } أي على ما ذكر وما لم يذكر لوضوح أمره وظهور ~~أصالته في المبايعة من الصلاة والزكاة وسائر أركان الدين ~~وشعائر الإسلام، وتقييد مبايعتهن بما ذكر من مجيئهن لحثهن ~~على المسارعة إليها مع كمال الرغبة فيها من غير دعوة لهن إليها { ~~واستغفر لهن الله } زيادة على ما في ضمن المبايعة فإنها ~~عبارة عن ضمان الثواب من قبله عليه الصلاة والسلام بمقابلة ~~الوفاء بالأمور المذكورة من قبلهن { إن الله غفور رحيم ~~} أي مبالغ في المغفرة والرحمة فيغفر لهن ويرحمهن إذا وفين ~~بما بايعن عليه. واختلف في كيفية مبايعته عليه الصلاة والسلام ~~لهن يومئذ فروي أنه عليه الصلاة والسلام لما فرغ من بيعة ~~الرجال جلس على الصفا ومعه عمر رضي الله عنه أسفل منه فجعل ~~عليه الصلاة والسلام يشترط عليهن البيعة وعمر يصافحهن. وروي ~~أنه كلف امرأة وقفت على الصفا فبايعتهن. وقيل دعا بقدح من ~~ماء فغمس فيه يده ثم غمسن أيديهن. وروي أنه عليه الصلاة ~~والسلام بايعهن وبين يديه وأيديهن ثوب قطري، والأظهر الأشهر ~~ما قالت عائشة رضي الله عنها والله ما أخذ رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم على النساء قط إلا بما أمر الله تعالى وما مست كف رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم كف امرأة قط وكان يقول إذا أخذ عليهن ~~قد بايعتكن، كلاما، وكان المؤمنات إذا هاجرن إلى رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم يمتحنهن بقول الله عز وجل: { يأيها ~~النبى إذا جاءك المؤمنت } [سورة الممتحنة، الآية 12] ~~إلى آخر الآية فإذا أقررن بذلك من قولهن قال لهن انطلقن فقد ~~بايعتكن. ### || [60.13] # { يأيها الذين ءامنوا لا تتولوا قوما غضب ~~الله عليهم } هم عامة الكفرة، وقيل اليهود، لما روي ~~أنها نزلت في بعض فقراء المسلمين كانوا يواصلون اليهود ليصيبوا ~~من ثمارهم. # { قد يئسوا من الآخرة } لكفرهم بها أو لعلمهم بأنه لا ~~خلاق لهم فيها لعنادهم الرسول المنعوت في التوراة المؤيد ~~بالآيات { كما يئس الكفر من أصحب القبور } أي ~~كما يئس منها الذين ماتوا منهم لأنهم وقفوا على حقيقة الحال ~~وشاهدوا ms3189 حرمانهم من نعيمها المقيم وابتلاءهم بعذابها الأليم ~~والمراد وصفهم بكمال اليأس منها، وقيل المعنى كما يئسوا من ~~موتاهم أن يبعثوا ويرجعوا إلى الدنيا أحياء والإظهار في موقع ~~الإضمار للإشعار بعلة يأسهم. # عن النبي صلى الله عليه وسلم: # " من قرأ سورة الممتحنة كان له المؤمنون والمؤمنات شفعاء يوم ~~القيامة ". ### | [61 - سورة الصف] ### || [61.1-3] # مدنية، وقيل مكية، وآيها أربع عشرة # { سبح لله ما فى السموات وما فى الأرض وهو ~~العزيز الحكيم } الكلام فيه كالذي مر في نظيره. { يأيها ~~الذين ءامنوا لم تقولون ما لا تفعلون } روي أن ~~المسلمين قالوا لو علمنا أحب الأعمال إلى الله تعالى لبذلنا فيه ~~أموالنا وأنفسنا فلما نزل الجهاد كرهوه فنزلت وماقيل من أن النازل ~~قوله تعالى # إن الله يحب الذين يقتلون فى سبيله صفا # [سورة الصف، الآية 4] بين الاختلال. وروي أنهم قالوا: يا رسول الله لو ~~نعلم أحب الأعمال إلى الله تعالى لسارعنا إليه، فنزلت: # هل أدلكم على تجرة # [سورة الصف، الآية 10] إلى قوله تعالى # وتجهدون فى سبيل الله بأمولكم وأنفسكم # [سورة الصف، الآية 11] فولوا يوم أحد. وفيه التزام أن ترتيب ~~الآيات الكريمة ليس على ترتيب النزول وقيل لما أخبر الله تعالى ~~بثواب شهداء بدر قالت الصحابة اللهم أشهد لئن لقينا قتالا ~~لنفرغن فيه وسعنا ففروا يوم أحد فنزلت. وقيل إنها نزلت ~~فيمن يتمدح كاذبا حيث كان الرجل يقول قتلت ولم يقتل وطعنت ~~ولم يطعن وهكذا، وقيل كان رجل قد آذى المسلمين يوم بدر ونكى ~~فيهم فقتله صهيب وانتحل قتله آخر فنزلت في المنتحل. وقيل ~~نزلت في المنافقين ونداؤهم بالإيمان تهكم بهم وبإيمانهم وليس بذاك ~~كما ستعرفه، ولم مركبة من اللام الجارة وما الاستفهامية قد حذفت ~~ألفها تخفيفا لكثرة استعمالهما معا كما في عم وفيم ~~ونظائرهما. معناها لأي شيء تقولون نفعل ما لا تفعلون من الخير ~~والمعروف على أن مدار التعبير والتوبيخ في الحقيقة عدم فعلهم ~~وإنما وجها إلى قولهم تنبيها على تضاعف معصيتهم ببيان أن ~~المنكر ليس ترك الخير الموعود فقط بل الوعد به أيضا، وقد ms3190 كانوا ~~يحسبونه معروفا ولو قيل لم لا تفعلوا ما تقولون لفهم منه أن ~~المنكر هو ترك الموعود { كبر مقتا عند الله أن ~~تقولوا ما لا تفعلون } بيان لغاية قبح ما فعلوه وفرط ~~سماجته. وكبر من باب نعم وبئس فيه ضمير مبهم مفسر بالنكرة ~~بعده، وأن تقولوا هو المخصوص بالذم. وقيل قصد فيه التعجب من ~~غير لفظه وأسند إلى أن تقولوا. ونصب مقتا على تفسيره دلالة ~~على أن قولهم ما لا يفعلون مقت خالص لا شوب فيه كبر عند من ~~يحقر دونه كل عظيم. ### || [61.4-5] # وقوله تعالى: # { إن الله يحب الذين يقتلون فى سبيله صفا ~~} بيان لما هو مرضي عنده تعالى بعد بيان ما هو ممقوت عنده. وهذا ~~صريح في أن ما قالوه عبارة عن الوعد بالقتال لا عما تقوله ~~الممتدح أو انتحله المنتحل أو ادعاه المنافق وأن مناط ~~التعبير والتوبيخ هو إخلافهم لا وعدهم كما أشير إليه. وقرىء ~~يقاتلون بفتح التاء ويقتلون، و(صفا) مصدر وقع موقع الفاعل أو ~~المفعول ونصبه على الحالية من فاعل يقاتلون أي صافين أنفسهم ~~أو مصفوفين. وقوله تعالى: { كأنهم بنين مرصوص } حال ~~من المستكن في الحال الأولى أي مشبهين في تراصهم من غير فرجة ~~وخلل ببنيان رص بعضه إلى بعض ورصف حتى صار شيئا واحدا. ~~وقوله تعالى: { وإذ قال موسى لقومه } كلام مستأنف مقرر ~~لما قبله من شناعة ترك القتال وإذ منصوب على المفعولية بمضمر خوطب ~~به النبي عليه الصلاة والسلام بطريق التلوين. أي واذكر ~~لهؤلاء المعرضين عن القتال وقت قول موسى لبني إسرائيل حين ~~ندبهم إلى قتال الجبابرة بقوله: # ياقوم ادخلوا الأرض المقدسة التى كتب الله ~~لكم ولا ترتدوا على أدبركم فتنقلبوا ~~خسرين # [سورة المائدة، الآية 21] فلم يمتثلوا بأمره وعصوه أشد عصيان ~~حيث قالوا: # ياموسى إن فيها قوما جبارين وإنا لن ندخلها ~~حتى يخرجوا منها فإن يخرجوا منها فإنا ~~دخلون # [سورة المائدة، الآية 22] إلى قوله تعالى: # فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا ههنا قعدون # [سورة المائدة، الآية 24] وأصروا على ذلك وآذوه عليه الصلاة ~~والسلام كل الأذية ms3191 { يقوم لم تؤذوننى } أي بالمخالفة ~~والعصيان فيما أمرتكم به. وقوله تعالى: { وقد تعلمون أنى ~~رسول الله إليكم } جملة حالية مؤكدة لإنكار الإيذاء ~~ونفي سببه، وقد لتحقيق العلم وصيغة المضارع للدلالة على ~~استمراره أي والحال أنكم تعلمون علما قطعيا مستمرا بمشاهدة ما ~~ظهر بيدي من المعجزات القاهرة التي معظمها إهلاك عدوكم ~~وإنجاؤكم من ملكته أني رسول الله إليكم لأرشدكم إلى خير ~~الدنيا والآخرة ومن قضية علمكم بذلك أن تبالغوا في تعظيمي ~~وتسارعوا إلى طاعتي. # { فلما زاغوا } أي أصروا على الزيغ عن الحق الذي جاء به ~~موسى عليه السلام واستمروا عليه { أزاغ الله قلوبهم } ~~أي صرفها عن قبول الحق والميل إلى الصواب لصرف اختيارهم نحو ~~الغي والضلال. وقوله تعالى { والله لا يهدى القوم ~~الفسقين } اعتراض تذييلي مقرر لمضمون ما قبله من الإزاغة، ~~ومؤذن بعلته أي لا يهدي القوم الخارجين عن الطاعة ومنهاج الحق ~~المصرين على الغواية هداية موصلة إلى البغية، لا هداية موصلة ~~إلى ما يوصل إليها فإنها شاملة للكل والمراد بهم إما المذكورون ~~خاصة، والإظهار في موقع الإضمار لذمهم بالفسق وتعليل عدم ~~الهداية به. أو جنس الفاسقين وهم داخلون في حكمه دخولا أوليا ~~وأيا ما كان فوصفهم بالفسق ناظر إلى ما في قوله تعالى: # فافرق بيننا وبين القوم الفسقين # [سورة المائدة، الآية 25] وقوله تعالى: # فلا تأس على القوم الفسقين # [سورة المائدة، الآية 26] هذا هو الذي تقتضيه جزالة النظم الكريم ~~ويرتضيه الذوق السليم. وأما ما قيل بصدد بيان أسباب الأذية من ~~أنهم كانوا يؤذونه عليه الصلاة والسلام بأنواع الأذى من ~~انتقاصه وعيبه في نفسه وجحود آياته وعصيانه فيما تعود إليهم ~~منافعه وعبادتهم البقر وطلبهم رؤية الله جهرة والتكذيب الذي هو ~~تضييع حق الله وحقه فمما لا تعلق له بالمقام. ### || [61.6-8] # وقوله تعالى: # { وإذ قال عيسى ابن مريم } إما معطوف على إذ الأولى ~~معمول لعاملها، وإما معمول لمضمر معطوف على عاملها { بنى ~~إسرءيل } ناداهم بذلك استمالة لقلوبهم إلى تصديقه في قوله ~~تعالى: { إنى رسول الله إليكم مصدقا لما بين ~~يدى من التوراة } فإن ms3192 تصديقه عليه الصلاة والسلام ~~إياها من أقوى الدواعي إلى تصديقهم إياه. وقوله تعالى: { ~~ومبشرا برسول يأتى من بعدى } معطوف على مصدقا أي داع ~~إلى تصديقه عليه الصلاة والسلام مثله من حيث إن البشارة به ~~واقعة في التوارة والعامل فيهما ما في الرسول من معنى الإرسال لا ~~الجار فإنه صلة للرسول والصلات بمعزل من تضمن معنى الفعل ~~وعليه يدور العمل أي أرسلت إليكم حال كوني مصدقا لما تقدمني من ~~التوارة ومبشرا بمن يأتي من بعدي من رسول { اسمه أحمد } أي ~~محمد صلى الله عليه وسلم، يريد أن ديني التصديق بكتب الله ~~وأنبيائه جميعا ممن تقدم وتأخر. وقرىء من بعدي بفتح الياء ~~{ فلما جاءهم بالبينت } أي بالمعجزات الظاهرة { قالوا ~~هذا سحر مبين } مشيرين إلى ما جاء به أو إليه عليه ~~الصلاة والسلام وتسميته سحرا للمبالغة ويؤيده قراءة من قرأ هذا ~~ساحر { ومن أظلم ممن افترى على الله الكذب ~~وهو يدعى إلى الإسلام } أي أي الناس أشد ظلما ممن ~~يدعى إلى الإسلام الذي يوصله إلى سعادة الدارين فيضع موضع الإجابة ~~الافتراء على الله عز وجل بقوله لكلامه الذي هو دعاء عباده ~~إلى الحق هذا سحر. أي هو أظلم من كل ظالم وإن لم يتعرض ظاهر ~~الكلام لنفي المساوي وقد مر بيانه غير مرة. وقرىء يدعى ~~يقال دعاه وادعاه مثل لمسه والتمسه { والله لا يهدى ~~القوم الظلمين } أي لا يرشدهم إلى ما فيه فلاحهم لعدم ~~توجههم إليه { يريدون ليطفئوا نور الله } أي يريدون أن ~~يطفئوا دينه أو كتابه أو حجته النيرة. واللام مزيدة لما فيها ~~من معنى الإرادة تأكيدا لها، كما زيدت لما فيها من معنى ~~الإضافة تأكيدا لها في لا أبا لك أو يريدون الافتراء ليطفئوا نور ~~الله { بأفوههم } بطعنهم فيه، مثلت حالهم بحال من ينفخ في ~~نور الشمس بفيه ليطفئه { والله متم نوره } أي مبلغه ~~إلى غايته بنشره في الآفاق وإعلائه وقرىء متم نوره بلا إضافة ~~{ ولو كره الكفرون } أي إرغاما لهم والجملة في حيز ~~الحال على ما بين مرارا. ### || [61.9-13] # { هو ms3193 الذي أرسل رسوله بالهدى } بالقرآن أو المعجزة ~~{ ودين الحق } والملة الحنيفية { ليظهره على الدين ~~كله } ليعليه على جميع الأديان المخالفة له ولقد أنجز الله ~~عز وعلا وعده حيث جعله بحيث لم يبق دين من الأديان إلا وهو ~~مغلوب مقهور بدين الإسلام { ولو كره المشركون } ذلك. ~~وقرىء هو الذي أرسل نبيه { يأيها الذين ءامنوا ~~هل أدلكم على تجرة تنجيكم من عذاب أليم } ~~وقرىء تنجيكم بالتشديد. وقوله تعالى: { تؤمنون بالله ~~ورسوله وتجهدون فى سبيل الله بأمولكم ~~وأنفسكم } استئناف وقع جوابا عما نشأ مما قبله كأنهم قالوا ~~كيف نعمل أو ماذا نصنع فقيل تؤمنون بالله الخ. وهو خبر في معنى ~~الأمر جيء به للإيذان بوجوب الامتثال فكأنه قد وقع فأخبر ~~بوقوعه ويؤيده قراءة من قرأ { ءامنوا بالله ورسوله ~~وجهدوا } وقرىء تؤمنوا وتجاهدوا على إضمار لام الأمر ~~{ ذلكم } إشارة إلى ما ذكر من الإيمان والجهاد بقسميه وما فيه من ~~معنى البعد لما مر غير مرة { خير لكم } على الإطلاق، أو من ~~أموالكم وأنفسكم { إن كنتم تعلمون } أي أن كنتم من أهل ~~العلم فإن الجهلة لا يعتد بأفعالهم، أو إن كنتم تعلمون أنه ~~خير لكم حينئذ لأنكم إذا علمتم ذلك واعتقدتموه أحببتم الإيمان ~~والجهاد فوق ما تحبون أنفسكم وأموالكم فتخلصون وتفلحون { ~~يغفر لكم ذنوبكم } جواب للأمر المدلول عليه بلفظ الخبر، ~~أو لشرط أو استفهام دل عليه الكلام، تقديره أن تؤمنوا ~~وتجاهدوا أو هل تقبلون أن أدلكم يغفر لكم، وجعله جوابا لهل ~~أدلكم بعيد لأن مجرد الدلالة لا يوجب المغفرة { ويدخلكم ~~جنت تجرى من تحتها الأنهر ومسكن طيبة فى ~~جنت عدن ذلك } أي ما ذكر من المغفرة وإدخال الجنات ~~الموصوفة بما ذكر من الأوصاف الجليلة { الفوز العظيم } الذي ~~لا فوز وراءه { وأخرى } ولكم إلى هذه النعم العظيمة نعمة ~~أخرى عاجلة { تحبونها } وترغبون فيها، وفيه تعريض بأنهم ~~يؤثرون العاجل على الآجل، وقيل أخرى منصوبة بإضمار يعطكم، أو ~~تحبون، أو مبتدأ خبره { نصر من الله } وهو على الأول بدل، ~~أو بيان، وعلى تقدير النصب خبر مبتدأ محذوف { وفتح ms3194 قريب } ~~أي عاجل، عطف على نصر على الوجوه المذكورة. وقرىء نصرا وفتحا ~~قريبا على الاختصاص، أو على المصدر أي تنصرون نصرا ويفتح لكم ~~فتحا، أو على البدلية من أخرى على تقدير نصبها، أي يعطكم نعمة ~~أخرى نصرا وفتحا { وبشر المؤمنين } عطف على محذوف مثل قل ~~يا أيها الذين آمنوا وبشر، وعلى تؤمنون فإنه في معنى آمنوا ~~كأنه قيل آمنوا وجاهدوا أيها المؤمنون وبشرهم يا أيها ~~الرسول بما وعدتهم على ذلك عاجلا وآجلا. ### || [61.14] # { يأيها الذين ءامنوا كونوا أنصر الله } ~~وقرىء أنصارا لله بلا إضافة لأن المعنى كونوا بعض أنصار ~~الله. وقرىء كونوا أنتم أنصار الله { كما قال عيسى ابن ~~مريم للحواريين من أنصرى إلى الله } أي من ~~جندي متوجها إلى نصرة الله كما يقتضيه قوله تعالى: { قال ~~الحواريون نحن أنصار الله } والإضافة الأولى إضافة ~~أحد المتشاركين إلى الآخر لما بينهما من الاختصاص، والثانية ~~إضافة الفاعل إلى المفعول، والتشبيه باعتبار المعنى أي كونوا ~~أنصار الله كما كان الحواريون أنصاره حين قال لهم عيسى من ~~أنصاري إلى الله أو قل لهم كونوا كما قال عيسى للحواريين. ~~والحواريون أصفياؤه وهم أول من آمن به وكانوا إثني عشر رجلا { ~~فئامنت طآئفة من بنى إسرءيل } أي بعيسى وأطاعوه ~~فيما أمرهم به من نصرة الدين { وكفرت طائفة } أخرى به ~~وقاتلوهم { فأيدنا الذين ءامنوا على عدوهم } أي ~~قويناهم بالحجة أو بالسيف وذلك بعد رفع عيسى عليه السلام { ~~فأصبحوا ظهرين } غالبين. # عن النبي صلى الله عليه وسلم # " من قرأ سورة الصف كان عيسى مصليا عليه مستغفرا له ما دام في ~~الدنيا وهو يوم القيامة رفيقه ". ### | [62 - سورة الجمعة] ### || [62.1-3] # مدنية، وآيها إحدى عشرة # [سورة الصف، الآية 10] { يسبح لله ما فى السموات وما ~~في الأرض } تسبيحا مستمرا { الملك القدوس العزيز ~~الحكيم } وقد قرىء الصفات الأربع بالرفع على المدح { ~~هو الذى بعث فى الأميين } أي في العرب لأن أكثرهم لا ~~يكتبون ولا يقرأون قيل بدئت الكتابة بالطائف أخذوها من أهل ~~الحيرة وهم من أهل الأنبار { رسولا منهم } أي كائنا من ms3195 ~~جملتهم أميا مثلهم { يتلو عليهم ءايته } مع كونه ~~أميا مثلهم لم يعهد منه قراءة ولا تعلم { ويزكيهم } صفة ~~أخرى لرسولا معطوفة على يتلوا أي يحملهم على ما يصيرون به ~~أزكياء من خبائث العقائد والأعمال { ويعلمهم الكتب ~~والحكمة } صفة أخرى لرسولا مترتبة في الوجود على ~~التلاوة وإنما وسط بينهما التزكية التي هي عبارة عن ~~تكميل النفس بحسب قوتها العملية وتهذيبها المتفرع على ~~تكميلها بحسب القوة النظرية الحاصل بالتعليم المترتب على ~~التلاوة للإيذان بأن كلا من الأمور المترتبة نعمة جليلة على ~~حيالها مستوجبة للشكر فلو روعي ترتيب الوجود لتبادر إلى ~~الفهم كون الكل نعمة واحدة كما مر في سورة البقرة وهو ~~السر في التعبير عن القرآن تارة بالآيات وأخرى بالكتاب ~~والحكمة رمزا إلى أنه باعتبار كل عنوان نعمة على حدة ولا ~~يقدح فيه شمول الحكمة لما في تضاعيف الأحاديث النبوية من ~~الأحكام والشرائع { وإن كانوا من قبل لفى ضلل مبين ~~} من الشرك وخبث الجاهلية وهو بيان لشدة افتقارهم إلى من ~~يرشدهم وإزاحة لما عسى يتوهم من تعلمه عليه الصلاة ~~والسلام من الغير، وإن هي المخفقة واللام هي الفارقة { ~~وءاخرين منهم } عطف على الأميين أو على المنصوب في ~~يعلمهم أي يعلمهم ويعلم آخرين منهم أي من الأميين وهم ~~الذين جاءوا بعد الصحابة إلى يوم الدين فإن دعوته عليه ~~الصلاة والسلام وتعليمه يعم الجميع { لما يلحقوا بهم } ~~صفة لآخرين أي لم يلحقوا بهم بعد وسيلحقون { وهو العزيز ~~الحكيم } المبالغ في العزة والحكمة ولذلك مكن رجلا أميا من ~~ذلك الأمر العظيم واصطفاه من بين كافة البشر. ### || [62.4-8] # { ذلك } الذي امتاز به من بين سائر الأفراد { فضل الله ~~} وأحسانه { يؤتيه من يشاء } تفضلا وعطية { والله ذو ~~الفضل العظيم } الذي يستحقر دونه نعيم الدنيا ونعيم ~~الآخرة. # { مثل الذين حملوا التوراة } أي علموها وكلفوا ~~العمل بها { ثم لم يحملوها } أي لم يعملوا بما في ~~تضاعيفها من الآيات التي من جملتها الآيات الناطقة بنبوة رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم { كمثل الحمار يحمل أسفارا } ~~أي كتبا من العلم يتعب ms3196 بحملها ولا ينتفع بها، ويحمل إما حال ~~والعامل فيها معنى المثل أو صفة للحمار إذ ليس المراد به ~~معينا فهو في حكم النكرة كما في قول من قال: # ولقد أمر على اللئيم يسبني # فمضيت ثمت قلت لا يعنيني # { بئس مثل القوم الذين كذبوا بئايت الله } ~~أي بئس مثلا مثل القوم الذين كذبوا بآيات الله، على أن ~~التمييز محذوف والفاعل المفسر به مستتر. ومثل القوم هو ~~المخصوص بالذم والموصول صفة للقوم. أو بئس مثل القوم مثل ~~الذين كذبوا إلخ على أن مثل القوم فاعل بئس والمخصوص بالذم ~~الموصول بحذف المضاف أو بئس مثل القوم المكذبين مثل هؤلاء على ~~أن الموصول صفة القوم والمخصوص بالذم محذوف وهم اليهود الذين ~~كذبوا بما في التوراة من الآيات الشاهدة بصحة نبوة محمد ~~صلى الله عليه وسلم { والله لا يهدى القوم الظلمين } ~~الواضعين للتكذيب في موضع التصديق أو الظالمين لأنفسهم بتعريضها ~~للعذاب الخالد. # { قل يأيها الذين هادوا } أي تهودوا { إن زعمتم ~~أنكم أولياء لله من دون الناس } كانوا يقولون نحن ~~أبناء الله وأحباؤه ويدعون أن الدار الآخرة لهم عند الله ~~خالصة ويقولون لن يدخل الجنة إلا من كان هودا فأمر رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم بأن يقول لهم إظهارا لكذبهم إن ~~زعمتم ذلك { فتمنوا الموت } أي فتمنوا من الله أن ~~يميتكم وينقلكم من دار البلية إلى دار الكرامة { إن كنتم ~~صدقين } جوابه محذوف لدلالة ما قبله عليه أي إن كنتم ~~صادقين في زعمكم واثقين بأنه حق فتمنوا الموت فإن من ~~أيقن بأنه من أهل الجنة أحب أن يتخلص إليها من هذه الدار ~~التي هي قرارة الأكدار { ولا يتمنونه أبدا } إخبار بما ~~سيكون منهم والباء في قوله تعالى: { بما قدمت أيديهم } ~~متعلقة بما يدل عليه النفي أي يأبون التمني بسبب ما عملوا من ~~الكفر والمعاصي الموجبة لدخول النار ولما كانت اليد من بين ~~جوارح الإنسان مناط عامة أفاعيله عبر بها تارة عن النفس ~~وأخرى عن القدرة { والله عليم بالظلمين } أي بهم، ~~وإيثار الإظهار على الإظمار لذمهم ms3197 والتسجيل عليهم بأنهم ظالمون ~~في كل ما يأتون وما يذرون من الأمور التي من جملتها ادعاء ما ~~هم عنه بمعزل، والجملة تذييل لما قبلها مقررة لمضمونه أي ~~عليم بهم وبما صدر عنهم من فنون الظلم والمعاصي المفضية ~~إلى أفانين العذاب وبما سيكون منهم من الاحتراز عما يؤدي ~~إلى ذلك فوقع الأمر كما ذكر فلم يتمن منهم موته أحد كما يعرب ~~عنه قوله تعالى: # { قل إن الموت الذى تفرون منه } فإن ذلك إنما ~~يقال لهم بعد ظهور فرارهم من التمني وقد قال عليه الصلاة ~~والسلام: # " لو تمنوا لماتوا من ساعتهم " # وهذه إحدى المعجزات أي إن الموت الذي تفرون منه ولا تجسرون ~~على أن تتمنوه مخافة أن تؤخذوا بوبال كفركم { فإنه ~~ملقيكم } البتة من غير صارف يلويه ولا عاطف يثنيه والفاء ~~لتضمن الاسم معنى الشرط باعتبار الوصف وقرىء بدونها ~~وقرىء تفرون منه ملاقيكم { ثم تردون إلى علم ~~الغيب والشهدة } الذي لا تخفى عليه خافية { ~~فينبئكم بما كنتم تعملون } من الكفر والمعاصي بأن ~~يجازيكم بها. ### || [62.9-10] # { يأيها الذين ءامنوا إذا نودى للصلوة } أي ~~فعل النداء لها أي أذن لها { من يوم الجمعة } ~~بيان لإذا وتفسير لها وقيل من بمعنى في كما في قوله تعالى: # أرونى ماذا خلقوا من الأرض # [سورة فاطر، الآية 40] أي في الأرض وإنما سمي جمعة لاجتماع ~~الناس فيه للصلاة وقيل أول من سماها جمعة كعب بن لؤي ~~وكانت العرب تسميه العروبة وقيل إن الأنصار قالوا قبل ~~الهجرة لليهود يوم يجتمعون فيه بكل سبعة أيام وللنصارى مثل ~~ذلك فهلموا نجعل لنا يوما نجتمع فيه فنذكر الله فيه ونصلي ~~فقالوا يوم السبت لليهود ويوم الأحد للنصارى فاجعلوه يوم ~~العروبة فاجتمعوا إلى سعد بن زرارة فصلى بهم ركعتين ~~وذكرهم فسموه يوم الجمعة لاجتماعهم فيه فأنزل الله آية ~~الجمعة فهي أول جمعة كانت في الإسلام. وأما أول جمعة جمعها ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو أنه لما قدم المدينة مهاجرا ~~نزل قباء على بني عمرو بن عوف وأقام بها يوم الاثنين ~~والثلاثاء والأربعاء ms3198 والخميس وأسس مسجدهم ثم خرج يوم الجمعة ~~عامدا المدينة فأدركته صلاة الجمعة في بني سالم بن عوف في بطن ~~واد لهم فخطب وصلى الجمعة { فاسعوا إلى ذكر الله } ~~أي امشوا واقصدوا إلى الخطبة والصلاة { وذروا البيع } ~~واتركوا المعاملة { ذلكم } أي السعي إلى ذكر الله وترك البيع ~~{ خير لكم } من مباشرته فإن نفع الآخرة أجل وأبقى { إن ~~كنتم تعلمون } أي الخير والشر الحقيقين أو إن كنتم أهل ~~العلم. # { فإذا قضيت الصلوة } أي أديت وفرغ منها { ~~فانتشروا فى الأرض } لإقامة مصالحكم { وابتغوا من ~~فضل الله } أي الربح فالأمر للإطلاق بعد الحظر وعن ابن ~~عباس رضي الله عنهما لم يؤمروا بطلب شيء من الدنيا إنما هو ~~عيادة المرضى وحضور الجنائز وزيارة أخ في الله وعن الحسن وسعيد ~~بن المسيب طلب العلم وقيل صلاة التطوع { واذكروا الله ~~كثيرا } ذكرا كثيرا أو زمانا كثيرا ولا تخصوا ذكره تعالى ~~بالصلاة { لعلكم تفلحون } كي تفوزوا بخير الدارين. ### || [62.11] # { وإذا رأوا تجرة أو لهوا انفضوا إليها } # " روي أن أهل المدينة أصابهم جوع وغلاء شديد فقدم دحية ~~بن خليفة بتجارة من زيت الشام والنبي عليه الصلاة ~~والسلام يخطب يوم الجمعة فقاموا إليه خشية أن يسبقوا إليه ~~فما بقي معه عليه الصلاة والسلام إلا ثمانية وقيل أحد عشر ~~وقيل اثنا عشر وقيل أربعون فقال عليه الصلاة والسلام: " والذي ~~نفس محمد بيده لو خرجوا جميعا لأضرم الله عليهم الوادي ~~نارا» " # وكانوا إذا أقبلت العير استقبلوها بالطبل والتصفيق وهو المراد ~~باللهو وتخصيص التجارة برجع الضمير لأنها المقصودة أو لأن ~~الانفضاض للتجارة مع الحاجة إليها والانتفاع بها إذا كان مذموما ~~فما ظنك بالانفضاض بالكلية إلى اللهو وهو مذموم في نفسه، ~~وقيل تقديره إذا رأوا تجارة انفضوا إليها أو لهوا انفضوا إليه ~~فحذف الثاني لدلالة الأول عليه وقرىء إليهما { وتركوك ~~قائما } أي على المنبر { قل ما عند الله } من الثواب { ~~خير من اللهو ومن التجرة } فإن ذلك نفع محقق ~~مخلد بخلاف ما فيهما من النفع المتوهم { والله خير ~~الرازقين } فإليه اسعوا ومنه اطلبوا الرزق. ms3199 # عن النبي صلى الله عليه وسلم: # " من قرأ سورة الجمعة أعطي من الأجر عشر حسنات بعدد من ~~أتى الجمعة ومن لم يأتها في أمصار المسلمين ". ### | [63 - سورة المنافقون] ### || [63.1-3] # مدنية، وآيها إحدى عشرة # { إذا جاءك المنفقون } أي حضروا مجلسك { قالوا ~~نشهد إنك لرسول الله } مؤكدين كلامهم بأن واللام ~~للإيذان بأن شهادتهم هذه صادرة عن صميم قلوبهم وخلوص ~~اعتقادهم ووفور رغبتهم ونشاطهم. وقوله تعالى: { والله ~~يعلم إنك لرسوله } اعتراض مقرر لمنطوق كلامهم وسط ~~بينه وبين قوله تعالى: { والله يشهد إن المنفقين ~~لكذبون } تحقييقا وتعيينا لما نيط به التكذيب من أنهم ~~قالوه عن اعتقاد كما أشير إليه وإماطة من أول الأمر لما عسى ~~يتوهم من توجه التكذيب إلى منطوق كلامهم أي والله يشهد أنهم ~~لكاذبون فيما ضمنوا مقالتهم من أنها صادرة عن اعتقاد وطمأنينة ~~قلب والإظهار في موقع الإضمار لذمهم والإشعار بعلة الحكم. # { اتخذوا أيمنهم } الفاجرة التي من جملتها ما حكي ~~عنهم { جنة } أي وقاية عما يتوجه إليهم من المؤاخذة ~~بالقتل والسبي أو غير ذلك واتخاذها جنة عبارة عن إعدادهم ~~وتهيئتهم لها إلى وقت الحاجة ليحلفوا بها ويتخلصوا عن المؤاخذة ~~لا عن استعمالها بالفعل فإن ذلك متأخر عن المؤاخذة المسبوقة ~~بوقوع الجناية واتخاذ الجنة لا بد أن يكون قبل المؤاخذة وعن ~~سببها أيضا كما يفصح عنه الفاء في قوله تعالى: { فصدوا عن ~~سبيل الله } أي قصدوا من أراد الدخول في الإسلام بأنه عليه ~~الصلاة والسلام ليس برسول ومن أراد الإنفاق في سبيل الله ~~بالنهي عنه كما سيحكى عنهم، ولا ريب في أن هذا الصد منهم ~~متقدم على حلفهم بالفعل وقرىء إيمانهم أي ما أظهروه على ~~ألسنتهم فاتخاذه جنة عبارة عن استعماله بالفعل فإنه وقاية دون ~~دمائهم وأموالهم فمعنى قوله تعالى فصدوا حينئذ فاستمروا على ~~ما كانوا عليه من الصد والإعراض عن سبيله تعالى: { إنهم ~~ساء ما كانوا يعملون } من النفاق والصد وفي ساء معنى ~~التعجب وتعظيم أمرهم عند السامعين { ذلك } إشارة إلى ما تقدم ~~من القول الناعي عليهم إنهم أسوأ الناس أعمالا ms3200 أو إلى ما ~~وصف من حالهم في النفاق والكذب والاستتار بالإيمان الصوري، وما ~~فيه من معنى البعد مع قرب العهد بالمشار إليه لما مر ~~مرارا من الإشعار ببعد منزلته في الشر { بأنهم } أي بسبب ~~أنهم { ءامنوا } أي نطقوا بكلمة الشهادة كسائر من يدخل في ~~الإسلام { ثم كفروا } أي ظهر كفرهم بما شوهد منهم من ~~شواهد الكفر ودلائله أو نطقوا بالإيمان عند المؤمنين ثم ~~نطقوا بالكفر عند شياطينهم { فطبع على قلوبهم } حتى ~~تمرنوا على الكفر واطمأنوا به وقرىء على البناء للفاعل ~~وقرىء فطبع الله. { فهم لا يفقهون } حقيقة الإيمان ولا ~~يعرفون حقيته أصلا. ### || [63.4-5] # { وإذا رأيتهم تعجبك أجسمهم } لضخامتها ويروقك ~~منظرهم لصباحة وجوههم { وإن يقولوا تسمع لقولهم } ~~لفصاحتهم وذلاقة ألسنتهم وحلاوة كلامهم وكان ابن أبي جسيما ~~فصيحا يحضر مجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم في نفر من أمثاله ~~وهم رؤساء المدينة وكان عليه الصلاة والسلام ومن معه يعجبون ~~بهياكلهم ويسمعون إلى كلامهم وقيل الخطاب لكل أحد ممن يصلح ~~للخطاب ويؤيده قراءة يسمع على البناء للمفعول وقوله تعالى: { ~~كأنهم خشب مسندة } في حيز الرفع على أنه خبر مبتدأ ~~محذوف أو كلام مستأنف لا محل له شبهوا في جلوسهم في مجالس رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم مستندين فيها بخشب منصوبة مسندة إلى ~~الحائط في كونهم أشباحا خالية عن العلم والخير، وقرىء خشب ~~على أنه جمع خشبة كبدن جمع بدنة، وقيل هو جمع خشباء وهي ~~الخشبة التي دعر جوفها أي فسد شبهوا بها في نفاقهم وفساد ~~بواطنهم وقرىء خشب كمدرة ومدر { يحسبون كل صيحة ~~عليهم } أي واقعة عليهم ضارة لهم لجبنهم واستقرار الرعب في ~~قلوبهم، وقيل كانوا على وجل من أن ينزل الله فيهم ما يهتك ~~أستارهم ويبيح دماءهم وأموالهم { هم العدو } أي هم ~~الكاملون في العداوة والراسخون فيها فإن أعدى الأعادي العدو ~~المكاشر الذي يكاشرك وتحت ضلوعه الداء الدوي، والجملة ~~مستأنفة وجعلها مفعولا ثانيا للحسبان مما لا يساعده النظم ~~الكريم أصلا فإن الفاء في قوله تعالى: { فاحذرهم } لترتيب ~~الأمر بالحذر على ms3201 كونهم أعدى الأعداء { قتلهم الله } ~~دعاء عليهم وطلب من ذاته تعالى أن يلعنهم ويخزيهم أو تعليم ~~للمؤمنين أن يدعوا عليهم بذلك وقوله تعالى: { أنى يؤفكون ~~} تعجيب من حالهم أي كيف يصرفون عن الحق إلى ما هم عليه من ~~الكفر والضلال. { وإذا قيل لهم } عند ظهور جنايتهم ~~بطريق النصيحة { تعالوا يستغفر لكم رسول الله ~~لووا رؤوسهم } أي عطفوها استكبارا { ورأيتهم ~~يصدون } يعرضون عن القائل أو عن الاستغفار { وهم ~~مستكبرون } عن ذلك. ### || [63.6-8] # { سواء عليهم أستغفرت لهم } كما إذا جاءوك معتذرين ~~من جنايتهم وقرىء استغفرت بحذف حرف الاستفهام ثقة بدلالة أم ~~عليه وقرىء آستغفرت بإشباع همزة الاستفهام لا بقلب همزة الوصل ~~ألفا { أم لم تستغفر لهم } كما إذا أصروا على قبائحهم ~~واستكبروا عن الاعتذار والاستغفار { لن يغفر الله لهم } ~~أبدا لإصرارهم على الفسق ورسوخهم في الكفر { إن الله لا ~~يهدى القوم الفسقين } الكاملين في الفسق الخارجين عن ~~دائرة الاستصلاح المنهمكين في الكفر والنفاق، والمراد إما هم ~~بأعيانهم والإظهار في موقع الإضمار لبيان غلوهم في الفسق أو ~~الجنس وهم داخلون في زمرتهم دخولا أوليا وقوله تعالى: { هم ~~الذين يقولون } أي للأنصار { لا تنفقوا على من عند ~~رسول الله } صلى الله عليه وسلم { حتى ينفضوا } يعنون ~~فقراء المهاجرين، استئناف جار مجرى التعليل لفسقهم أو لعدم ~~مغفرته تعالى لهم وقرىء حتى ينفضوا من أنفض القوم إذا ~~فنيت أزوادهم وحقيقته حان لهم أن ينفضوا مزاودهم. وقوله تعالى: ~~{ ولله خزائن السموات والأرض } رد وإبطال لما ~~زعموا من أن عدم إنفاقهم يؤدي إلى انفضاض الفقراء من حوله عليه ~~الصلاة والسلام ببيان أن خزائن الأرزاق بيد الله تعالى خاصة ~~يعطي من يشاء ويمنع من يشاء { ولكن المنفقين لا ~~يفقهون } ذلك لجهلهم بالله تعالى وبشؤونه ولذلك يقولون من ~~مقالات الكفر ما يقولون. # { يقولون لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن ~~الأعز منها الأذل } روي أن جهجاه بن سعيد أجير ~~عمر رضي الله عنه نازع سنانا الجهني حليف ابن أبي ~~واقتتلا فصرخ جهجاه يا للمهاجرين وسنان يا للأنصار فأعان جهجاها ~~رجال من فقراء ms3202 المهاجرين ولطم سنانا فاشتكى إلى ابن أبي فقال ~~للأنصار لا تنفقوا الخ والله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن ~~الأعز منها الأذل عنى بالأعز نفسه وبالأذل جانب المؤمنين ~~وإسناد القول المذكور إلى المنافقين لرضاهم به فرد عليهم ذلك ~~بقوله تعالى: { ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين ~~} أي ولله الغلبة والقوة ولمن أعزه من رسوله والمؤمنين لا ~~لغيرهم { ولكن المنفقين لا يعلمون } من فرط ~~جهلهم وغرورهم فيهذون ما يهذون. روي أن عبد الله بن أبي ~~لما أراد أن يدخل المدينة اعترضه ابنه عبد الله بن عبد الله ~~بن أبي وكان مخلصا وقال لئن لم تقر لله ولرسوله بالعز ~~لأضربن عنقك فلما رأى منه الجد قال أشهد أن العزة لله ~~ولرسوله وللمؤمنين فقال النبي عليه الصلاة والسلام لابنه جزاك ~~الله عن رسوله وعن المؤمنين خيرا. ### || [63.9-11] # { يأيها الذين ءامنوا لا تلهكم أمولكم ولا ~~أولدكم عن ذكر الله } أي لا يشغلكم الاهتمام بتدبير ~~أمورها والاعتناء بمصالحها والتمتع بها عن الاشتغال بذكره عز ~~وجل من الصلاة وسائر العبادات المذكرة للمعبود والمراد نهيهم ~~عن التلهي بها، وتوجيه النهي إليها للمبالغة كما في قوله ~~تعالى: # ولا يجرمنكم شنان قوم # [سورة المائدة، الآية 2] الخ { ومن يفعل ذلك } أي التلهي ~~بالدنيا من الدين { فأولئك هم الخسرون } أي ~~الكاملون في الخسران حيث باعوا العظيم الباقي بالحقير الفاني { ~~وأنفقوا مما رزقنكم } أي بعض ما أعطيناكم تفضلا من ~~غير أن يكون حصوله من جهتكم ادخارا للآخرة { من قبل أن ~~يأتى أحدكم الموت } بأن يشاهد دلائله ويعاين أماراته ~~ومخايله، وتقديم المفعول على الفاعل لما مر مرارا من الاهتمام ~~بما قدم والتشويق إلى ما أخر { فيقول } عند تيقنه بحلوله ~~{ رب لولا أخرتنى } أي أمهلتني { إلى أجل قريب } أي ~~أمد قصير { فأصدق } بالنصب على جواب التمني وقرىء فأتصدق ~~{ وأكن من الصلحين } بالجزم عطفا على محل فأصدق كأنه ~~قيل إن أخرتني أصدق وأكن وقرىء وأكون بالنصب عطفا على لفظه ~~وقرىء وأكون بالرفع أي وأنا أكون، عدة منه بالصلاح { ولن ~~يؤخر الله نفسا } أي ولن يمهلها { إذا جاء أجلها ms3203 } ~~أي آخر عمرها أو انتهى إن أريد بالأجل الزمان الممتد من أول ~~العمر إلى آخره { والله خبير بما تعملون } فمجازيكم ~~عليه إن خيرا فخير وإن شرا فشر فسارعوا في الخيرات واستعدوا ~~لما هو آت وقرىء يعملون بالياء التحتانية. # عن النبي صلى الله عليه وسلم: # " من قرأ سورة المنافقين برىء من النفاق ". ### | [64 - سورة التغابن] ### || [64.1-4] # مختلف فيها، وآيها ثماني عشرة # { يسبح لله ما فى السموات وما فى الأرض } أي ~~ينزهه سبحانه جميع ما فيهما من المخلوقات عما لا يليق بجناب ~~كبريائه تنزيها مستمرا { له الملك وله الحمد } لا ~~لغيره إذ هو المبدىء لكل شيء وهو القائم به والمهيمن عليه وهو ~~المولي لأصول النعم وفروعها، وأما ملك غيره فاسترعاء من جنابه ~~وحمد غيره اعتداء بأن نعمة الله جرت على يده { وهو على ~~كل شىء قدير } لأن نسبة ذاته المقتضية للقدرة إلى الكل ~~سواء { هو الذى خلقكم } خلقا بديعا حاويا لجميع مبادي ~~الكمالات العلمية والعملية ومع ذلك { فمنكم كافر } أي فبعضكم ~~أو فبعض منكم مختار للكفر كاسب له على خلاف ما تستدعيه خلقته { ~~ومنكم مؤمن } مختار للإيمان كاسب له حسبما تقتضيه خلقته، ~~وكان الواجب عليكم جميعا أن تكونوا مختارين للإيمان شاكرين لنعمة ~~الخلق والإيجاد وما يتفرع عليها من سائر النعم، فما فعلتم ذلك مع ~~تمام تمكنكم منه بل تشعبتم شعبا وتفرقتم فرقا. وتقديم الكفر ~~لأنه الأغلب فيما بينهم والأنسب بمقام التوبيخ، وحمله على ~~معنى فمنكم كافر مقدر كفره موجه إليه ما يحمله عليه ومنكم ~~مؤمن مقدر إيمانه موفق لما يدعوه إليه مما لا يلائم المقام { ~~والله بما تعملون بصير } فيجازيكم بذلك فاختاروا منه ما ~~يجديكم من الإيمان والطاعة، وإياكم وما يرديكم من الكفر والعصيان ~~{ خلق السموات والأرض بالحق } بالحكمة البالغة ~~المتضمنة للمصالح الدينية والدنيوية { وصوركم فأحسن ~~صوركم } حيث برأكم في أحسن تقويم وأودع فيكم من القوى ~~والمشاعر الظاهرة والباطنة ما نيط بها جميع الكمالات البارزة ~~والكامنة وزينكم بصفوة صفات مصنوعاته وخصكم بخلاصة خصائص ~~مبدعاته وجعلكم أنموذج جميع مخلوقاته في هذه النشأة { ~~وإليه ms3204 المصير } في النشأة الأخرى لا إلى غيره استقلالا أو ~~اشتراكا فأحسنوا سرائركم باستعمال تلك القوى والمشاعر فيما ~~خلقن له. # { يعلم ما فى السموات والأرض } من الأمور الكلية ~~والجزئية والأحوال الجلية والخفية { ويعلم ما تسرون وما ~~تعلنون } أي ما تسرونه فيما بينكم وما تظهرونه من الأمور، ~~والتصريح به مع اندراجه فيما قبله لأنه الذي يدور عليه ~~الجزاء ففيه تأكيد للوعد والوعيد وتشديد لهما وقوله تعالى: { ~~والله عليم بذات الصدور } اعتراض تذييلي مقرر لما ~~قبله من شمول علمه تعالى لسرهم وعلنهم أي هو محيط بجميع ~~المضرات المستكنة في صدور الناس بحيث لا تفارقها أصلا فكيف يخفى ~~عليه ما يسرونه وما يعلنونه، وإظهار الجلالة للإشعار بعلة ~~الحكم وتأكيد استقلال الجملة. قيل وتقديم تقرير القدرة على ~~تقرير العلم لأن دلالة المخلوقات على قدرته بالذات وعلى علمه ~~بما فيها من الإتقان والاختصاص ببعض الأنحاء. ### || [64.5-7] # { ألم يأتكم } أيها الكفرة { نبؤا الذين كفروا من ~~قبل } كقوم نوح ومن بعدهم من الأمم المصرة على الكفر { ~~فذاقوا وبال أمرهم } عطف على كفروا والوبال الثقل ~~والشدة المترتبة على أمر من الأمور وأمرهم كفرهم عبر عنه ~~بذلك للإيذان بأنه أمر هائل وجناية عظيمة أي ألم يأتكم خبر الذين ~~كفروا من قبل فذاقوا من غير مهلة ما يستتبعه كفرهم في الدنيا { ~~ولهم } في الآخرة { عذاب أليم } لا يقادر قدره { ذلك } ~~أي ما ذكر من العذاب الذي ذاقوه في الدنيا وما سيذوقونه في ~~الآخرة { بأنه } بسبب أن الشأن { كانت تأتيهم رسلهم ~~بالبينت } أي بالمعجزات الظاهرة { فقالوا } عطف على كانت ~~{ أبشر يهدوننا } أي قال كل قوم من المذكورين في حق ~~رسولهم الذي أتاهم بالمعجزات منكرين لكون الرسول من جنس البشر ~~متعجبين من ذلك أبشر يهدينا كما قالت ثمود # أبشرا منا وحدا نتبعه # [سورة القمر، الآية 24] وقد أجمل في الحكاية فأسند القول إلى ~~جميع الأقوام وأريد بالبشر الجنس فوصف بالجمع كما أجمل الخطاب ~~والأمر في قوله تعالى: # يأيها الرسل كلوا من الطيبت واعملوا ~~صلحا # [سورة المؤمنون، الآية 51] { فكفروا } أي بالرسل { وتولوا } ~~عن التدبر فيما ms3205 أتوا به من البينات وعن الإيمان بهم { ~~واستغنى الله } أي أظهر استغناءه عن إيمانهم وطاعتهم ~~حيث أهلكهم وقطع دابرهم، ولولا غناه تعالى عنهما لما فعل ذلك { ~~والله غنى } عن العالمين فضلا عن إيمانهم وطاعتهم { ~~حميد } يحمده كل مخلوق بلسان الحال، أو مستحق للحمد بذاته ~~وإن لم يحمده حامد. # { زعم الذين كفروا أن لن يبعثوا } الزعم ادعاء ~~العلم يتعدى إلى مفعولين وقد قام مقامهما أن المخففة مع ما في ~~حيزها، والمراد بالموصول كفار مكة أي زعموا أن الشأن لن ~~يبعثوا بعد موتهم أبدا { قل } ردا عليهم وإبطالا لزعمهم ~~بإثبات ما نفوه { بلى } أي تبعثون وقوله: { وربى لتبعثن ~~ثم لتنبؤن بما عملتم } أي لتحاسبن ولتجزون ~~بأعمالكم، جملة مستقلة داخلة تحت الأمر واردة لتأكيد ما أفاده ~~كلمة بلى من إثبات البعث وبيان تحقيق أمر آخر متفرع عليه ~~منوط به ففيه تأكيد لتحقيق البعث بوجهين { وذلك } أي ما ذكر ~~من البعث والجزاء { على الله يسير } لتحقق القدرة التامة ~~وقبول المادة. ### || [64.8-11] # الفاء في قوله تعالى: { فئامنوا } فصيحة مفصحة عن شرط قد ~~حذف ثقة بغاية ظهوره أي إذا كان الأمر كذلك فآمنوا { بالله ~~ورسوله } محمد صلى الله عليه وسلم { والنور الذى أنزلنا ~~} وهو القرآن فإنه بإعجازه بين بنفسه مبين لغيره كما ~~أن النور كذلك. والالتفات إلى نون العظمة لإبراز كمال العناية ~~بأمر الإنزال { والله بما تعملون } من الامتثال بالأمر ~~وعدمه { خبير } فمجازيكم عليه. والجملة اعتراض تذييلي مقرر ~~لما قبله من الأمر موجب للامتثال به بالوعد والوعيد، والالتفات ~~إلى الإسم الجليل لتربية المهابة وتأكيد استقلال الجملة { ~~يوم يجمعكم } ظرف لتنبؤن وقيل لخبير لما فيه من معنى ~~الوعيد كأنه قيل والله مجازيكم ومعاقبكم يوم يجمعكم أو مفعول ~~لأذكر وقرىء نجمعكم بنون العظمة { ليوم الجمع } ليوم ~~يجمع فيه الأولون والآخرون أي لأجل ما فيه من الحساب والجزاء { ~~ذلك يوم التغابن } أي يوم غبن بعض الناس بعضا بنزول ~~السعداء منازل الأشقياء لو كانوا سعداء وبالعكس وفي الحديث: # " ما من عبد يدخل الجنة إلا أري مقعده من النار لو أساء ms3206 ليزداد ~~شكرا وما من عبد يدخل النار إلا أري مقعده من الجنة لو أحسن ~~ليزداد حسرة " # وتخصيص التغابن بذلك اليوم للإيذان بأن التغابن في الحقيقة هو ~~الذي يقع فيه لا ما يقع في أمور الدنيا. # { ومن يؤمن بالله ويعمل صلحا } أي عملا صالحا { ~~يكفر } أي الله عز وجل وقرىء بنون العظمة { عنه ~~سيئته } يوم القيامة { ويدخله جنت تجرى من ~~تحتها الأنهر خلدين فيها أبدا } وقرىء ندخله ~~بالنون { ذلك } أي ما ذكر من تكفير السيئات وإدخال الجنات { ~~الفوز العظيم } الذي لا فوز وراءه لانطوائه على النجاة من ~~أعظم الهلكات والظفر بأجل الطلبات { والذين كفروا ~~وكذبوا بئايتنا أولئك أصحب النار ~~خلدين فيها وبئس المصير } أي النار كأن هاتين ~~الآيتين الكريمتين بيان لكيفية التغابن { ما أصاب من ~~مصيبة } من المصائب الدنيوية { إلا بإذن الله } أي ~~بتقديره وإرادته كأنها بذاتها متوجهة إلى الإنسان متوقفة على ~~إذنه تعالى: { ومن يؤمن بالله يهد قلبه } عند ~~إصابتها للثبات والاسترجاع وقيل يهد قلبه حتى يعلم أن ما ~~أصابه لم يكن ليخطئه وما أخطأه لم يكن ليصيبه وقيل يهد ~~قلبه أي يلطف به ويشرحه لازدياد الطاعة والخير. وقرىء يهد ~~قلبه على البناء للمفعول ورفع قلبه، وقرىء بنصبه على نهج ~~سفه نفسه وقرىء بالهمزة أي يسكن { والله بكل شيء } من ~~الأشياء التي من جملتها القلوب وأحوالها { عليم } فيعلم إيمان ~~المؤمن ويهدي قلبه إلى ما ذكر. ### || [64.12-14] # { وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول } كرر الأمر للتأكيد ~~والإيذان بالفرق بين الطاعتين في الكيفية وتوضيح مورد التولي في ~~قوله تعالى: { فإن توليتم } أي عن إطاعة الرسول، وقوله ~~تعالى: { فإنما على رسولنا البلغ المبين } تعليل ~~للجواب المحذوف أي فلا بأس عليه إذ ما عليه إلا التبليغ المبين ~~وقد فعل ذلك بما لا مزيد عليه، وإظهار الرسول مضافا إلى نون ~~العظمة في مقام إضماره لتشريفه عليه الصلاة والسلام والإشعار ~~بمدار الحكم الذي هو كون وظيفته عليه الصلاة والسلام محض ~~البلاغ ولزيادة تشنيع التولي عنه { الله لا إله إلا ~~هو } جملة من مبتدأ وخبر أي هو المستحق للمعبودية ms3207 لا غيره، وفي ~~إضمار خبر لا مثل في الوجود أو يصح أن يوجد خلاف للنجاة معروف { ~~وعلى الله } أي عليه تعالى خاصة دون غيره لا استقلالا ولا ~~اشتراكا { فليتوكل المؤمنون } وإظهار الجلالة في موقع ~~الإضمار للإشعار بعلة التوكل والأمر به فإن الألوهية مقتضية ~~للتبتل إليه تعالى بالكلية وقطع التعلق عما سواه بالمرة. # { يأيها الذين ءامنوا إن من أزوجكم ~~وأولدكم عدوا لكم } يشغلونكم عن طاعة الله تعالى أو ~~يخاصمونكم في أمور الدين أو الدنيا { فاحذروهم } الضمير ~~للعدو فإنه يطلق على الجمع نحو قوله تعالى: # فإنهم عدو لى # [سورة الشعراء، الآية 77] أو للأزواج والأولاد جميعا فالمأمور به ~~على الأول الحذر عن الكل وعلى الثاني إما الحذر عن البعض لأن ~~منهم من ليس بعدو وإما الحذر عن مجموع الفريقين لاشتمالهم على ~~العدو { وأن تعفوا } عن ذنوبهم القابلة للعفو بأن تكون ~~متعلقة بأمور الدنيا أو بأمور الدين لكن مقارنة للتوبة { ~~وتصفحوا } بترك التثريب والتعيير { وتغفروا } بإخفائها ~~وتمهيد عذرها { فإن الله غفور رحيم } يعاملكم بمثل ~~ما عملتم ويتفضل عليكم. وقيل إن ناسا من المؤمنين أرادوا ~~الهجرة عن مكة فثبطهم أزواجهم وأولادهم وقالوا تنطلقون ~~وتضيعوننا فرقوا لهم ووقفوا فلما هاجروا بعد ذلك ورأوا ~~المهاجرين الأولين قد فقهوا في الدين أرادوا أن يعاقبوا أزواجهم ~~وأولادهم فزين لهم العفو، وقيل قالوا لهم أين تذهبون وتدعون ~~بلدكم وعشيرتكم وأموالكم فغضبوا عليهم وقالوا لئن جمعنا الله ~~في دار الهجرة لم نصبكم بخير فلما هاجروا منعوهم الخبر فحثوا ~~على أن يعفوا عنهم ويردوا إليهم البر والصلة. ### || [64.15-18] # { إنما أمولكم وأولدكم فتنة } بلاء ومحنة ~~يوقعونكم في الإثم من حيث لا تحتسبون { والله عنده أجر ~~عظيم } لمن آثر محبة الله تعالى وطاعته على محبة الأموال ~~والأولاد والسعي في تدبير مصالحهم { فاتقوا الله ما ~~استطعتم } أي ابذلوا في تقواه جهدكم وطاقتكم { واسمعوا ~~} مواعظه { وأطيعوا } أوامره { وأنفقوا } مما رزقكم في ~~الوجوه التي أمركم بالإنفاق فيها خالصا لوجهه { خيرا ~~لأنفسكم } أي ائتوا خيرا لأنفسكم وافعلوا ما هو خير لها ~~وأنفع وهو تأكيد للحث على امتثال هذه ms3208 الأوامر وبيان لكون ~~الأمور المذكورة خيرا لأنفسهم، ويجوز أن يكون صفة لمصدر محذوف ~~أو إنفاقا خيرا أو خبرا لكان مقدرا جوابا للأوامر أي يكن خيرا ~~لأنفسكم { ومن يوق شح نفسه فأولئك هم ~~المفلحون } الفائزون بكل مرام. # { إن تقرضوا الله } بصرف أموالكم إلى المصارف التي عينها { ~~قرضا حسنا } مقرونا بالإخلاص وطيب النفس { يضعفه لكم ~~} بالواحد عشرة إلى سبعمائة وأكثر. وقرىء يضعفه لكم { ~~ويغفر لكم } ببركة الإنفاق ما فرط منكم من بعض الذنوب { ~~والله شكور } يعطى الجزيل بمقابلة النزر القليل { حليم } ~~لا يعاجل بالعقوبة مع كثرة ذنوبكم { علم الغيب ~~والشهدة } لا يخفى عليه خافية { العزيز الحكيم } ~~المبالغ في القدرة والحكمة. # عن النبي صلى الله عليه وسلم: # " من قرأ سورة التغابن دفع عنه موت الفجأة ". ### | [65 - سورة الطلاق] ### || [65.1] # مدنية، وآياتها إحدى عشرة أو اثنتا عشرة # { يأيها النبى إذا طلقتم النساء } تخصيص النداء ~~به عليه الصلاة والسلام مع عموم الخطاب لأمته أيضا لتشريفه ~~عليه الصلاة والسلام وإظهار جلالة منصبه، وتحقيق أنه المخاطب ~~حقيقة، ودخولهم في الخطاب بطريق استتباعه عليه الصلاة والسلام ~~إياهم. وتغليبه عليهم لا لأن نداءه كندائهم، فإن ذلك ~~الاعتبار لو كان في حيز الرعاية لكان الخطاب هو الأحق به لشمول ~~حكمه للكل قطعا والمعنى إذا أردتم تطليقهن وعزمتم عليه كما ~~في قوله تعالى: # إذا قمتم إلى الصلوة # [سورة المائدة، الآية 6] { فطلقوهن لعدتهن } أي ~~مستقبلات لها كقولك أتيته لليلة خلت من شهر كذا فإن المرأة إذا ~~طلقت في طهر يعقبه القرء الأول من أقرائها فقد طلقت ~~مستقبلة لعدتها، والمراد أن يطلقن في طهر لم يقع فيه جماع ~~ثم يخلين حتى تنقضي عدتهن وهذا أحسن الطلاق وأدخله في ~~السنة { وأحصوا العدة } واضبطوها وأكملوها ثلاثة أقراء ~~كوامل { واتقوا الله ربكم } في تطويل العدة عليهن ~~والإضرار بهن. وفي وصفه تعالى بربوبيته لهم تأكيد للأمر ~~ومبالغة في إيجاب الاتقاء { لا تخرجوهن من بيوتهن } من ~~مساكنهن عند الفراق إلى أن تنقضي عدتهن، وإضافتها إليهن ~~وهي لأزواجهن لتأكيد النهي ببيان كمال استحقاقهن لسكناها ~~كأنها أملاكهن { ولا يخرجن } ولو ms3209 بإذن منكم فإن الإذن ~~بالخروج في حكم الإخراج، وقيل المعنى لا يخرجن باستبداد ~~منهن أما إذا اتفقا على الخروج جاز إذ الحق لا يعدوهما { ~~إلا أن يأتين بفاحشة مبينة } استثناء من الأول قيل ~~هي الزنا فيخرجن لإقامة الحد عليهن وقيل إلا أن يبذون على ~~الأزواج فيحل حينئذ إخراجهن، ويؤيده قراءة إلا أن يفحشن ~~عليكم أو من الثاني للمبالغة في النهي عن الخروج ببيان أن ~~خروجها فاحشة { وتلك } إشارة إلى ما ذكر من الأحكام وما في ~~إسم الإشارة من معنى البعد مع قرب العهد بالمشار إليه ~~للإيذان بعلو درجتها وبعد منزلتها { حدود الله } التي ~~عينها لعباده { ومن يتعد حدود الله } أي حدوده ~~المذكورة بأن أحل بشيء منها على أن الإظهار في حيز الإضمار ~~لتهويل أمر التعدي، والإشعار بعلة الحكم في قوله تعالى: { ~~فقد ظلم نفسه } أي أضر بها، وتفسير الظلم بتعريضها ~~للعقاب يأباه قوله تعالى: { لا تدرى لعل الله يحدث ~~بعد ذلك أمرا } فإنه استئناف مسوق لتعليل مضمون الشرطية، ~~وقد قالوا إن الأمر الذي يحدثه الله تعالى أن يقلب قلبه عما ~~فعله بالتعدي إلى خلافه فلا بد أن يكون الظلم عبارة عن ضرر ~~دنيوي يلحقه بسبب تعديه ولا يمكن تداركه أو عن مطلق ~~الضرر الشامل للدنيوي والأخروي، ويخص التعليل بالدنيوي ~~لكون احتراز الناس منه أشد واهتمامهم بدفعه أقوى. وقوله ~~تعالى: { لا تدرى } خطاب للمتعدي بطريق الالتفات لمزيد ~~الاهتمام بالزجر عن التعدي، لا للنبي عليه الصلاة والسلام كما ~~توهم، فالمعنى ومن يتعد حدود الله فقد أضر بنفسه فإنك لا ~~تدري أيها المتعدي عاقبة الأمر لعل الله يحدث في قلبك بعد ~~ذلك الذي فعلت من التعدي أمرا يقتضي خلاف ما فعلته فيبدل ~~ببغضها محبة، وبالإعراض عنها إقبالا إليها ويتسنى تلافيه رجعة ~~أو استئناف نكاح. ### || [65.2-3] # { فإذا بلغن أجلهن } شارفن آخر عدتهن { ~~فأمسكوهن } فراجعوهن { بمعروف } بحسن معاشرة وإنفاق ~~لائق { أو فارقوهن بمعروف } بإيفاء الحق واتقاء الضرر ~~بأن يراجعها ثم يطلقها تطويلا للعدة { وأشهدوا ذوى عدل ~~منكم } عند الرجعة والفرقة قطعا للتنازع، وهذا أمر ندب ms3210 كما في ~~قوله تعالى: # وأشهدوا إذا تبايعتم # [سورة البقرة، الآية 282] ويروى عن الشافعي أنه للوجوب في الرجعة ~~{ وأقيموا الشهدة لله } أيها الشهود عند الحاجة ~~خالصا لوجهه تعالى: { ذلكم } إشارة إلى الحث على الإشهاد ~~والإقامة أو على جميع ما في الآية { يوعظ به من كان يؤمن ~~بالله واليوم الآخر } إذ هو المنتفع به والمقصود تذكيره ~~وقوله تعالى: { ومن يتق الله } الخ جملة اعتراضية مؤكدة ~~لما سبق من وجوب مراعاة حدود الله تعالى بالوعد على الاتقاء عن ~~تعديها كما أن ما تقدم من قوله تعالى: # ومن يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه # [سورة الطلاق، الآية 1] مؤكد له بالوعيد على تعديها فالمعنى ومن ~~يتق الله فطلق للسنة ولم يضار المعتدة ولم يخرجها من مسكنها ~~واحتاط في الإشهاد وغيره من الأمور { يجعل له مخرجا } مما ~~عسى يقع في شأن الأزواج من الغموم والوقوع في المضايق ويفرج ~~عنه ما يعتريه من الكروب { ويرزقه من حيث لا يحتسب } ~~أي من وجه لا يخطر بباله ولا يحتسبه ويجوز أن يكون كلاما جيء ~~به على نهج الاستطراد عند ذكر قوله تعالى: { ذلكم يوعظ به ~~من كان يؤمن بالله } [سورة الطلاق، الآية 2] إلى آخره ~~فالمعنى ومن يتق الله في كل ما يأتي وما يذر يجعل له مخرجا ~~ومخلصا من غموم الدنيا والآخرة فيندرج فيه ما نحن فيه اندراجا ~~أوليا. عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قرأها فقال: # " مخرجا من شبهات الدنيا ومن غمرات الموت ومن شدائد يوم ~~القيامة " # وقال عليه الصلاة والسلام: # " إني لأعلم آية لو أخذ الناس بها لكفتهم " # { ومن يتق الله } فما زال يقرؤها ويعيدها. وروي # " أن عوف بن مالك الأشجعي أسر المشركون ابنه سالما فأتى رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فقال: " أسر ابني وشكا إليه الفاقة " فقال ~~عليه الصلاة والسلام: " اتق الله وأكثر قول لا حول ولا قوة إلا ~~بالله العلي العظيم " # ففعل فبينا هو في بيته إذ قرع ابنه الباب ومعه مائة من ~~الإبل غفل عنها العدو فاستاقها فنزلت. # { ومن يتوكل على الله فهو ms3211 حسبه } أي كافيه في ~~جميع أموره { إن الله بلغ أمره } بالإضافة أي منفذ ~~أمره وقرىء بتنوين بالغ ونصب أمره أي يبلغ ما يريده لا ~~يفوته مراد ولا يعجزه مطلوب، وقرىء برفع أمره على أنه ~~مبتدأ وبالغ خبر مقدم، والجملة خبر إن أو بالغ خبر إن، ~~وأمره مرتفع به على الفاعلية أي نافذ أمره. وقرىء بالغا ~~أمره على أنه حال وخبر إن قوله تعالى: { قد جعل الله ~~لكل شىء قدرا } أي تقديرا وتوقيتا أو مقدارا وهو بيان ~~لوجوب التوكل عليه تعالى، وتفويض الأمر إليه لأنه إذا علم أن ~~كل شيء من الرزق وغيره لا يكون إلا بتقديره تعالى لا يبقى إلا ~~التسليم للقدر والتوكل على الله تعالى. ### || [65.4-5] # { واللائى يئسن من المحيض من نسائكم } لكبرهن ~~وقد قدروه بستين سنة وبخمس وخمسين { إن ارتبتم } أي شككتم ~~وجهلتم كيف عدتهن { فعدتهن ثلثة أشهر ~~واللائى لم يحضن } بعد لصغرهن أي فعدتهن أيضا كذلك ~~فحذف ثقة بدلالة ما قبله عليه { وأولت الأحمال ~~أجلهن } أي منتهى عدتهن { أن يضعن حملهن } سواء ~~كن مطلقات أو متوفي عنهن أزواجهن وقد نسخ به عموم ~~قوله تعالى: # والذين يتوفون منكم ويذرون أزوجا يتربصن ~~بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا # [سورة البقرة، الآية 234] لتراخي نزوله عن ذلك لما هو المشهور من ~~قول ابن مسعود رضي الله عنه: من شاء باهلته أن سورة النساء ~~القصرى نزلت بعد التي في سورة البقرة، وقد صح أن سبيعة بنت ~~الحارث الأسلمية ولدت بعد وفاة زوجها بليال فذكرت ذلك لرسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فقال لها قد حللت فتزوجي { ومن ~~يتق الله } في شأن أحكامه ومراعاة حقوقها { يجعل له ~~من أمره يسرا } أي يسهل عليه أمره ويوفقه للخير. { ~~ذلك } إشارة إلى ما ذكر من الأحكام، وما فيه من معنى ~~البعد مع قرب العهد بالمشار إليه للإيذان ببعد منزلته في ~~الفضل. وإفراد الكاف مع أن الخطاب للجمع كما يفصح عنه قوله ~~تعالى: { أمر الله أنزله إليكم } لما أنها لمجرد الفرق ~~بين الحاضر والمنقضي لا لتعيين خصوصية المخاطبين وقد ms3212 مر في ~~قوله تعالى: # ذلك يوعظ به من كان منكم يؤمن بالله # [سورة البقرة، الآية 232] من سورة البقرة { ومن يتق الله } ~~بالمحافظة على أحكامه { يكفر عنه سيئته } فإن ~~الحسنات يذهبن السيئات { ويعظم له أجرا } بالمضاعفة. ### || [65.6-9] # وقوله تعالى: # { أسكنوهن من حيث سكنتم } استئناف وقع جوابا عن سؤال ~~نشأ مما قبله من الحث على التقوى كأنه قيل كيف نعمل ~~بالتقوى في شأن المعتدات فقيل أسكنوهن مسكنا من حيث سكنتم أي ~~بعض مكان سكناكم. وقوله تعالى: { من وجدكم } أي من وسعكم أي ~~مما تطيقونه عطف بيان لقوله من حيث سكنتم وتفسير له. # { ولا تضاروهن } أي في السكنى { لتضيقوا عليهن ~~} وتلجئوهن إلى الخروج { وإن كن } أي المطلقات { أولت ~~حمل فأنفقوا عليهن حتى يضعن حملهن } ~~فيخرجن من العدة، أما المتوفى عنهن أزواجهن فلا نفقة لهن ~~{ فإن أرضعن لكم } بعد ذلك { فئاتوهن أجورهن } ~~على الإرضاع { وأتمروا بينكم بمعروف } أي تشاوروا، ~~وحقيقته ليأمر بعضكم بعضا بجميل في الإرضاع والأجر ولا يكن من ~~الأب مماكسة ولا من الأم معاسرة { وإن تعاسرتم } أي ~~تضايقتم { فسترضع له أخرى } أي فستوجد ولا تعوز مرضعة ~~أخرى، وفيه معاتبة للأم على المعاسرة { لينفق ذو سعة من ~~سعته ومن قدر عليه رزقه فلينفق مما ءاتاه ~~الله } وإن قل أي لينفق كل واحد من الموسر والمعسر ما ~~يبلغه وسعه { لا يكلف الله نفسا إلا ما ءاتاها } ~~جل أو قل فإنه تعالى لا يكلف نفسا إلا وسعها وفيه تطييب ~~لقلب المعسر وترغيب له في بذل مجهوده وقد أكد ذلك بالوعد ~~حيث قيل { سيجعل الله بعد عسر يسرا } أي عاجلا أو ~~آجلا. { وكأين من قرية } أي كثير من أهل قرية { عتت } أي ~~أعرضت { عن أمر ربها ورسله } بالعتو والتمرد والعناد ~~{ فحاسبنها حسابا شديدا } بالاستقصاء والتنفير ~~والمناقشة في كل نقير وقطمير { وعذبنها عذابا ~~نكرا } أي منكرا عظيما. وقرىء نكرا، والمراد حساب الآخرة ~~وعذابها، والتعبير عنهما بلفظ الماضي للدلالة على تحققهما كما في ~~قوله تعالى: # ونادى أصحب الجنة # [سورة الأعراف، الآية 44] { فذاقت وبال أمرها وكان ~~عقبة أمرها خسرا ms3213 } هائلا لا خسر وراءه. ### || [65.10-11] # { أعد الله لهم عذابا شديدا } تكرير للوعيد وبيان ~~لكونه مترقبا كأنه قيل أعد الله لهم هذا العذاب { فاتقوا ~~الله يأولى الألبب } ويجوز أن يراد بالحساب استقصاء ~~ذنوبهم وإثباتها في صحائف الحفظة وبالعذاب ما أصابهم عاجلا، وقد ~~جوز أن يكون عتت وما عطف عليه صفة للقرية وأعد لهم جوابا ~~لقوله تعالى كأين { الذين كفروا } منصوب بإضمار أعني ~~بيانا للمنادى أو عطف بيان له أو نعت، وفي إبداله منه ضعف ~~لتعذر حلوله محله. { قد أنزل الله إليكم ذكرا } هو ~~جبريل عليه السلام سمي به لكثرة ذكره أو لنزوله بالذكر الذي ~~هو القرآن كما ينبىء عنه إبدال قوله تعالى { رسولا } منه أو ~~لأنه مذكور في السموات وفي الأمم، أو أريد بالذكر الشرف كما في ~~قوله تعالى: # وإنه لذكر لك ولقومك # [سورة الزخرف، الآية 44] كأنه في نفسه شرف إما لأنه شرف للمنزل ~~عليه وإما لأنه هو مجد وشرف عند الله تعالى كقوله تعالى: # عند ذى العرش مكين # [سورة التكوير، الآية20] أو هو النبي عليه الصلاة والسلام وعليه ~~الأكثر عبر عنه بالذكر لمواظبته على تلاوة القرآن أو تبليغه ~~والتذكير به وعبر عن إرساله بالإنزال بطريق الترشيح أو لأنه ~~مسبب عن إنزال الوحي إليه، وأبدل منه رسولا للبيان أو هو ~~القرآن ورسولا منصوب بمقدر مثل أرسل أو بذكرا على إعمال المصدر ~~المنون أو بدل منه على أنه بمعنى الرسالة وقوله تعالى: { يتلو ~~عليكم ءايت الله مبينت } نعت لرسولا وآيات الله ~~القرآن ومبينات حال منها أي حال كونها مبينات لكم ما تحتاجون ~~إليه من الأحكام وقرىء مبينات أي بينها الله تعالى لقوله ~~تعالى: # قد بينا لكم الآيت # [سورة الحديد، الآية 17] واللام في قوله تعالى: { ليخرج ~~الذين ءامنوا وعملوا الصلحت } متعلقة بيتلو أو ~~بأنزل وفاعل يخرج على الأول ضمير الرسول عليه الصلاة والسلام أو ~~ضمير الجلالة، والموصول عبارة عن المؤمنين بعد إنزاله أي ليحصل ~~لهم الرسول أو الله عز وعلا ما هم عليه الآن من الإيمان والعمل ~~الصالح أو ليخرج من علم أو ms3214 قدر أنه سيؤمن { من الظلمت ~~إلى النور } من الضلالة إلى الهدى { ومن يؤمن بالله ~~ويعمل صلحا } حسبما بين في تضاعيف ما أنزل من الآيات ~~المبينات { يدخله جنت تجرى من تحتها الأنهر } ~~وقرىء ندخله بالنون وقوله تعالى: { خلدين فيها أبدا ~~} حال من مفعول يدخله والجمع باعتبار معنى من كما أن ~~الإفراد في الضمائر الثلاثة باعتبار لفظها. وقوله تعالى: { قد ~~أحسن الله له رزقا } حال أخرى منه أو من الضمير في ~~خالدين بطريق التداخل وإفراد ضمير له قد مر وجهه وفيه معنى ~~التعجب والتعظيم لما رزقه الله المؤمنين من الثواب. ### || [65.12] # { الله الذى خلق سبع سموات } مبتدأ وخبر { ومن ~~الأرض مثلهن } أي خلق من الأرض مثلهن في العدد. وقرىء ~~مثلهن بالرفع على أنه مبتدأ ومن الأرض خبره واختلف في كيفية ~~طبقات الأرض فالجمهور على أنها سبع أرضين طباقا بعضها فوق بعض ~~بين كل أرض وأرض مسافة كما بين السماء والأرض وفي كل أرض ~~سكان من خلق الله تعالى وقال الضحاك مطبقة بعضها فوق بعض من ~~غير فتوق بخلاف السموات قال القرطبي والأول أصح لأن الأخبار ~~دالة عليه كما روى البخاري وغيره من # " أن كعبا حلف بالذي فلق البحر لموسى أن صهيبا حدثه أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم لم ير قرية يريد دخولها إلا قال حين ~~يراها اللهم رب السموات السبع وما أظللن ورب الأرضين السبع ~~وما أقللن ورب الشياطين وما أضللن ورب الرياح وما أذرين نسألك ~~خير هذه القرية وخير أهلها ونعوذ بك من شرها وشر من فيها " # وعن ابن عباس رضي الله عنهما أن نافع بن الأزرق سأله هل ~~تحت الأرضين خلق قال نعم قال فما الخلق قال إما ملائكة أو جن. ~~قال الماوردي وعلى هذا تختص دعوة الإسلام بأهل الأرض العليا ~~دون من عداهم وإن كان فيهن من يعقل من خلق وفي مشاهدتهم ~~السماء واستمدادهم الضوء منها قولان أحدهما أنهم يشاهدون السماء ~~من كل جانب من أرضهم ويستمدون الضياء منها والثاني أنهم لا ~~يشاهدون السماء وأن الله تعالى خلق ms3215 لهم ضياء يشاهدونه. وحكى ~~الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس رضي الله عنهما أنها سبع ~~أرضين متفرقة بالبحار وتظل الجميع السماء { يتنزل ~~الأمر بينهن } أي يجري أمره وقضاؤه بينهن وينفذ ملكه ~~فيهن، وعن قتادة: في كل سماء وفي كل أرض خلق من خلقه وأمر ~~من أمره وقضاء من قضائه، وقيل هو ما يدبر فيهن من عجائب ~~تدبيره. وقرىء ينزل الأمر { لتعلموا أن الله على ~~كل شىء قدير } متعلق بخلق أو بيتنزل أو بمضمر يعمهما أي ~~فعل ذلك لتعلموا أن من قدر على ما ذكر قادر على كل شيء { ~~وأن الله قد أحاط بكل شىء علما } لاستحالة صدور ~~الأفاعيل المذكورة ممن ليس كذلك ويجوز أن يكون العامل في اللام ~~بيان ما ذكر من الخلق وتنزل الأمر أي أوحى ذلك وبينه ~~لتعلموا بما ذكر من الأمور التي تشاهدونها والتي تتلقونها من الوحي ~~من عجائب المصنوعات أنه لا يخرج عن قدرته وعلمه شيء ما أصلا ~~وقرىء ليعلموا. عن النبي صلى الله عليه وسلم: # " من قرأ سورة الطلاق مات على سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~". ### | [66 - سورة التحريم] ### || [66.1-3] # مدنية، وآيها اثنتا عشرة # { يأيها النبى لم تحرم ما أحل الله لك } ~~روي أن النبي عليه الصلاة والسلام خلا بمارية في يوم عائشة ~~وعلمت بذلك حفصة فقال لها اكتمي علي فقد حرمت مارية على نفسي ~~وأبشرك أن أبا بكر وعمر يملكان بعدي أمر أمتي فأخبرت به عائشة ~~وكانتا متصادقتين، وقيل خلا بها في يوم حفصة فأرضاها بذلك ~~واستكتمها فلم تكتم فطلقها واعتزل نساءه فنزل جبريل عليه ~~السلام فقال راجعها فإنها صوامة قوامة وإنها لمن نسائك في ~~الجنة وروي أنه عليه الصلاة والسلام شرب عسلا في بيت ~~زينب بنت جحش فتواطأت عائشة وحفصة فقالتا نشم منك ريح ~~المغافير وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكره التفل فحرم ~~العسل فنزلت فمعناه لم تحرم ما أحل الله لك من ملك اليمين أو ~~من العسل { تبتغى مرضات أزوجك } إما تفسير لتحرم أو ~~حال من فاعله ms3216 أو استئناف ببيان ما دعاه إليه مؤذن بعدم ~~صلاحيته لذلك { والله غفور } مبالغ في الغفران قد غفر لك ~~هذه الزلة { رحيم } قد رحمك ولم يؤاخذك به وإنما عاتبك ~~محاماة على عصمتك { قد فرض الله لكم تحلة ~~أيمنكم } أي شرع لكم تحليلها وهو حل ما عقده بالكفارة ~~أو بالاستثناء متصلا حتى لا يحنث والأول هو المراد منها { ~~والله مولكم } سيدكم ومتولي أموركم { وهو العليم ~~} بما يصلحكم فيشرعه لكم { الحكيم } المتقن في أفعاله ~~وأحكامه فلا يأمركم ولا ينهاكم إلا حسبما تقتضيه الحكمة { وإذ ~~أسر النبى إلى بعض أزوجه } وهي حفصة { حديثا } ~~أي حديث تحريم مارية أو العسل أو أمر الخلافة { فلما نبأت ~~به } أي أخبرت حفصة عائشة بالحديث وأفشته إليها وقرىء أنبأت ~~به { وأظهره الله عليه } أي أطلع الله تعالى النبي ~~عليه الصلاة والسلام على إفشاء حفصة { عرف } أي النبي عليه ~~الصلاة والسلام حفصة { بعضه } بعض الحديث الذي أفشته. قيل ~~هو حديث الإمامة روي أنه عليه الصلاة والسلام قال لها ألم أقل ~~لك اكتمي علي قالت: والذي بعثك بالحق ما ملكت نفسي فرحا ~~بالكرامة التي خص الله تعالى بها أباها { وأعرض عن بعض } ~~أي عن تعريف بعض تكرما، قيل هو حديث مارية { فلما نبأها ~~به } أي أخبر النبي عليه الصلاة والسلام حفصة بما عرفه من ~~الحديث { قالت من أنبأك هذا } أي إفشاءها للحديث { ~~قال نبأنى العليم الخبير } الذي لا تخفى عليه ~~خافية. ### || [66.4-5] # { إن تتوبا إلى الله } خطاب لحفصة وعائشة على الالتفات ~~للمبالغة في العتاب { فقد صغت قلوبكما } الفاء للتعليل ~~كما في قولك اعبد ربك فالعبادة حق أي فقد وجد منكما ما ~~يوجب التوبة من ميل قلوبكما عما يجب عليكما من مخالصة رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم وحب ما يحبه وكراهة ما يكرهه وقرىء ~~فقد زاغت { وإن تظاهرا عليه } بإسقاط إحدى التاءين. ~~وقرىء على الأصل، وبتشديد الظاء، وتظهرا أي تتعاونا عليه بما ~~يسوؤه من الإفراط في الغيرة وإفشاء سره { فإن الله هو ~~موله وجبريل وصلح المؤمنين } أي فلن يعدم ~~من يظاهره ms3217 فإن الله هو ناصره وجبريل رئيس الكروبيين ~~قرينه ومن صلح من المؤمنين أتباعه وأعوانه قال ابن عباس رضي ~~الله تعالى عنهما: أراد بصالح المؤمنين أبا بكر وعمر رضي الله ~~عنهما وقد روي ذلك مرفوعا إلى النبي عليه الصلاة والسلام وبه ~~قال عكرمة ومقاتل وهو اللائق بتوسيطه بين جبريل والملائكة عليهم ~~السلام فإنه جمع بين الظهير المعنوي والظهير الصوري، كيف ~~لا وإن جبريل ظهير له عليهما السلام يؤيده بالتأييدات الإلهية ~~وهما وزيراه وظهيراه في تدبير أمور الرسالة وتمشية أحكامها ~~الظاهرة ولأن بيان مظاهرتهما له عليه الصلاة والسلام أشد ~~تأثيرا في قلوب بنتيهما وتوهينا لأمرهما فكان حقيقا بالتقديم ~~بخلاف ما إذا أريد به جنس الصالحين كما هو المشهور { ~~والملئكة } مع تكاثر عددهم وامتلاء السموات من جموعهم { ~~بعد ذلك } قيل أي بعد نصرة الله عز وجل وناموسه الأعظم ~~وصالح المؤمنين { ظهير } أي فوج مظاهر له كأنهم يد واحدة على ~~من يعاديه فماذا يفيد تظاهر امرأتين على من هؤلاء ظهراؤه وما ~~ينبىء عنه قوله تعالى بعد ذلك من فضل نصرتهم على نصرة غيرهم ~~من حيث إن نصرة الكل نصرة الله تعالى، وإن نصرته تعالى بهم ~~وبمظاهرتهم أفضل من سائر وجوه نصرته. هذا ما قالوه ولعل ~~الأنسب أن يجعل ذلك إشارة إلى مظاهرة صالح المؤمنين خاصة، ~~ويكون بيان بعدية مظاهرة الملائكة تداركا لما يوهمه الترتيب ~~الذكري من أفضلية المقدم فكأنه قيل بعد ذكر مظاهرة صالح ~~المؤمنين: وسائر الملائكة بعد ذلك ظهير له عليه الصلاة والسلام ~~إيذانا بعلو رتبة مظاهرتهم وبعد منزلتها وخبرا لفصلها عن ~~مظاهرة جبريل عليه السلام. # { عسى ربه إن طلقكن أن يبدله } أي يعطيه عليه ~~السلام بدلكن { أزوجا خيرا منكن } على التغليب، أو ~~تعميم الخطاب، وليس فيه ما يدل على أنه عليه الصلاة والسلام لم ~~يطلق حفصة وإن في النساء خيرا منهن فإن تعليق طلاق الكل ~~لا ينافي تطليق واحدة وما علق لما لم يقع لا يجب وقوعه ~~وقرىء أن يبدله بالتشديد { مسلمت مؤمنت } مقرات ~~مخلصات أو منقادات مصدقات { قنتت } مصليات أو مواظبات ms3218 على ~~الطاعة { تئبت } من الذنوب { عبدت } متعبدات أو ~~متذللات لأمر الرسول عليه الصلاة والسلام { سئحت } صائمات ~~سمي الصائم سائحا لأنه يسيح في النهار بلا زاد أو مهاجرات وقرىء ~~سيحات { ثيبت وأبكارا } وسط بينهما العاطف ~~لتنافيهما. ### || [66.6-8] # { يأيها الذين ءامنوا قوا أنفسكم } بترك المعاصي ~~وفعل الطاعات { وأهليكم } بأن تأخذوهم بما تأخذون به أنفسكم ~~وقرىء أهلوكم عطفا على واو قوا فيكون أنفسكم عبارة عن أنفس ~~الكل على تغليب المخاطبين أي قوا أنتم وأهلوكم أنفسكم { نارا ~~وقودها الناس والحجارة } أي نارا تتقد بهما اتقاد ~~غيرها بالحطب وأمر المؤمنين باتقاء هذه النار المعدة للكافرين ~~كما نص عليه في سورة البقرة للمبالغة في التحذير { عليها ~~ملئكة } أي تلي أمرها وتعذيب أهلها وهم الزبانية { غلاظ ~~شداد } غلاظ الأقوال شداد الأفعال أو غلاظ الخلق شداد الخلق ~~أقوياء على الأفعال الشديدة { لا يعصون الله ما أمرهم ~~} أي أمره على أنه بدل اشتمال من الله أو فيما أمرهم به على ~~نزع الخافض أي لا يمتنعون من قبول الأمر ويلتزمونه { ~~ويفعلون ما يؤمرون } أي ويؤدون ما يؤمرون به من غير ~~تثاقل ولا توان. وقوله تعالى: { يأيها الذين كفروا لا ~~تعتذروا اليوم } مقول لقول قد حذف ثقة بدلالة الحال ~~عليه أي يقال لهم ذلك عند إدخال الملائكة إياهم النار حسبما ~~أمروا به { إنما تجزون ما كنتم تعملون } في الدنيا ~~من الكفر والمعاصي بعد ما نهيتم عنهما أشد النهي وأمرتم ~~بالإيمان والطاعة فلا عذر لكم قطعا. # { يأيها الذين ءامنوا توبوا إلى الله توبة ~~نصوحا } أي بالغة في النصح وصفت التوبة بذلك على الإسناد ~~المجازي وهو وصف التائبين وهو أن ينصحوا بالتوبة أنفسهم ~~فيأتوا بها على طريقتها وذلك أن يتوبوا عن القبائح لقبحها ~~نادمين عليها مغتمين أشد الاغتمام لارتكابها عازمين على أنهم ~~لا يعودون في قبيح من القبائح موطنين أنفسهم على ذلك بحيث لا ~~يلويهم عنه صارف أصلا. عن علي رضي الله عنه: أن التوبة يجمعها ~~ستة أشياء: على الماضي من الذنوب الندامة وللفرائض الإعادة ورد ~~المظالم واستحلال الخصوم وأن تعزم على أن ms3219 لا تعود وأن تذيب نفسك ~~في طاعة الله كما ربيتها في المعصية وأن تذيقها مرارة الطاعة كما ~~أذقتها حلاوة المعصية. وعن شهر بن حوشب أن لا يعود ولو حز ~~بالسيف وأحرق بالنار، وقيل نصوحا من نصاحة الثوب أي توبة ~~ترفو خروقك في دينك وترم خللك وقيل خالصة من قولهم عسل ناصح ~~إذا خلص من الشمع. ويجوز أن يراد توبة تنصح الناس أي تدعوهم إلى ~~مثلها لظهور أثرها في صاحبها واستعماله الجد والعزيمة في العمل ~~بمقتضياتها وقرىء توبا نصوحا، وقرىء نصوحا وهو مصدر نصح ~~فإن النصح والنصوح كالشكر والشكور أي ذات نصوح أو تنصح ~~نصوحا أو توبوا لنصح أنفسكم على أنه مفعول له { عسى ربكم ~~أن يكفر عنكم سيئتكم ويدخلكم جنت تجرى ~~من تحتها الأنهر } ورود صيغة الإطماع للجري على سنن ~~الكبرياء والإشعار بأنه تفضل والتوبة غير موجبة له وأن العبد ~~ينبغي أن يكون بين خوف ورجاء وإن بالغ إقامة وظائف العبادة. # { يوم لا يخزى الله النبى } ظرف ليدخلكم { ~~والذين ءامنوا معه } عطف على النبي وفيه تعريض بمن ~~أخزاهم الله تعالى من أهل الكفر والفسوق واستحماد إلى المؤمنين ~~على أن عصمهم من مثل حالهم وقيل هو مبتدأ خبره قوله تعالى: ~~{ نورهم يسعى بين أيديهم وبأيمنهم } أي على ~~الصراط وهو على الأول استئناف أو حال وهذا قوله تعالى: { ~~يقولون } الخ وعلى الثاني خبر آخر للموصول أي يقولون إذا طفىء ~~نور المنافقين { ربنا أتمم لنا نورنا واغفر لنا ~~إنك على كل شىء قدير } وقيل يدعون تقربا إلى الله مع ~~تمام نورهم وقيل تتفاوت أنوارهم بحسب أعمالهم فيسألون ~~إتمامه تفضلا وقيل السابقون إلى الجنة يمرون مثل البرق على ~~الصراط وبعضهم كالريح وبعضهم حبوا وزحفا وأولئك الذين يقولون ~~ربنا أتمم لنا نورنا. ### || [66.9-10] # { يأيها النبى جهد الكفر } بالسيف { ~~والمنفقين } بالحجة { واغلظ عليهم } واستعمل ~~الخشونة على الفريقين فيما تجاهدهما من القتال والمحاجة { ~~ومأواهم جهنم } سيرون فيها عذابا غليظا { وبئس ~~المصير } أي جهنم أو مصيرهم { ضرب الله مثلا للذين ~~كفروا } ضرب المثل في أمثال هذه المواقع عبارة ms3220 عن إيراد حالة ~~غريبة ليعرف بها حالة أخرى مشاكلة لها في الغرابة أي جعل الله ~~مثلا لحال هؤلاء الكفرة حالا ومآلا على أن مثلا مفعول ثان ~~لضرب، واللام متعلقة به وقوله تعالى: { امرأت نوح وامرأت ~~لوط } أي حالهما، مفعوله الأول أخر عنه ليتصل به ما هو ~~شرح وتفصيل لحالهما ويتضح بذلك حال هؤلاء فقوله تعالى: { ~~كانتا تحت عبدين من عبادنا صلحين } بيان ~~لحالهما الداعية لهما إلى الخير والصلاح أي كانتا في عصمة نبيين ~~عظيمي الشأن متمكنتين من تحصيل خيري الدنيا والآخرة وحيازة ~~سعادتيهما. وقوله تعالى: { فخانتاهما } بيان لما صدر عنهما ~~من الجناية العظيمة مع تحقق ما ينفيها من صحبة النبي أي خانتاهما ~~بالكفر والنفاق، وهذا تصوير لحالهما المحاكية لحال هؤلاء الكفرة ~~في خيانتهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم بالكفر والعصيان مع ~~تمكنهم التام من الإيمان والطاعة. وقوله تعالى: { فلم ~~يغنيا } الخ بيان لما أدى إليه خيانتهما أي فلم يغن النبيان ~~{ عنهما } بحق الزواج { من الله } أي من عذابه تعالى { ~~شيئا } أي شيئا من الإغناء { وقيل } لهما عند موتهما أو يوم ~~القيامة { ادخلا النار مع الدخلين } أي مع سائر الداخلين ~~من الكفرة الذين لا وصلة بينهم وبين الأنبياء عليهم السلام. ### || [66.11-12] # { وضرب الله مثلا للذين ءامنوا امرأت فرعون ~~} أي جعل حالها مثلا لحال المؤمنين في أن وصلة الكفرة لا تضرهم ~~حيث كانت في الدنيا تحت أعدى أعداء الله وهي في أعلى غرف الجنة ~~وقوله تعالى: { إذ قالت } ظرف لمحذوف أشير إليه أي ضرب الله ~~مثلا للمؤمنين حالها إذ قالت { رب ابن لى عندك بيتا فى ~~الجنة } قريبا من رحمتك أو في أعلى درجات المقربين. روي ~~أنها لما قالت ذلك أريت بيتها في الجنة من درة وانتزع ~~روحها { ونجنى من فرعون وعمله } أي من نفسه ~~الخبيثة وعمله السيء { ونجنى من القوم الظلمين } من ~~القبط التابعين له في الظلم { ومريم ابنة عمران } عطف ~~على امرأة فرعون تسلية للأرامل أي وضرب الله مثلا للذين آمنوا ~~حالها وما أوتيت من كرامة الدنيا والآخرة والاصطفاء ms3221 على نساء ~~العالمين مع كون قومها كفارا { التى أحصنت فرجها ~~فنفخنا فيه } وقرىء فيها أي مريم { من روحنا } من روح ~~خلقناه بلا توسط أصلا { وصدقت بكلمت ربها } بصحفه ~~المنزلة أو بما أوحى إلى أنبيائه { وكتبه } بجميع كتبه ~~المنزلة وقرىء بكلمة الله وكتابه أي بعيسى وبالكتاب المنزل ~~عليه وهو الإنجيل { وكانت من القنتين } أي من عداد ~~المواظبين على الطاعة، والتذكير للتغليب والإشعار بأن طاعتها لم ~~تقصر عن طاعات الرجال حتى عدت من جملتهم أو من نسلهم ~~لأنها من أعقاب هارون أخي موسى عليهما السلام. # وعن النبي عليه الصلاة والسلام: # " كمل من الرجال كثير ولم يكمل من النساء إلا أربع آسية بنت ~~مزاحم ومريم بنت عمران وخديجة بنت خويلد وفاطمة بنت محمد ~~صلوات الله عليه وفضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر ~~الطعام " # وعن النبي صلى الله عليه وسلم: # " من قرأ سورة التحريم آتاه الله توبة نصوحا ". ### | [67 - سورة الملك] ### || [67.1-2] # مكية، وتسمى الواقية والمنجية لأنها تقي وتنجي قارئها من عذاب القبر، ~~وآيها ثلاثون # { تبارك الذى بيده الملك } البركة النماء والزيادة ~~حسية كانت أو عقلية، وكثرة الخير ودوامه أيضا، ونسبتها إلى ~~الله عز وجل على المعنى الأول وهو الأليق بالمقام باعتبار ~~تعاليه عما سواه في ذاته وصفاته وأفعاله، وصيغة التفاعل ~~للمبالغة في ذلك فإن ما لا يتصور نسبته إليه تعالى من الصيغ ~~كالتكبر ونحوه إنما تنسب إليه سبحانه باعتبار غاياتها، وعلى ~~الثاني باعتبار كثرة ما يفيض منه على مخلوقاته من فنون ~~الخيرات، والصيغة حينئذ يجوز أن تكون لإفادة نماء تلك الخيرات ~~وازديادها شيئا فشيئا وآنا فآنا بحسب حدوثها أو حدوث ~~متعلقاتها، ولاستقلالها بالدلالة على غاية الكمال وإنبائها عن ~~نهاية التعظيم لم يجز استعمالها في حق غيره سبحانه، ولا ~~استعمال غيرها من الصيغ في حقه تبارك وتعالى. وإسنادها إلى ~~الموصول للاستشهاد بما في حيز الصلة على تحقق مضمونها، واليد ~~مجاز عن القدرة التامة والاستيلاء الكامل، أي تعالى وتعاظم ~~بالذات عن كل ما سواه ذاتا وصفة وفعلا الذي بقبضة قدرته ~~التصرف الكلي في ms3222 كل الأمور. { وهو على كل شىء } من ~~الأشياء { قدير } مبالغ في القدرة عليه يتصرف فيه حسبما ~~تقتضيه مشيئته المبنية على الحكم البالغة. والجملة معطوفة على ~~الصلة مقررة لمضمونها مفيدة لجريان أحكام ملكه تعالى في ~~جلائل الأمور ودقائقها. وقوله تعالى: # { الذى خلق الموت والحيوة } شروع في تفصيل بعض ~~أحكام الملك وآثار القدرة وبيان ابتنائهما على قوانين ~~الحكم والمصالح واستتباعهما لغايات جليلة. والموصول بدل من ~~الموصول الأول داخل معه في حكم الشهادة بتعاليه تعالى. والموت ~~عند أصحابنا صفة وجودية مضادة للحياة، وأما ما روي عن ابن ~~عباس رضي الله عنهما من أنه تعالى خلق الموت في صورة كبش ~~أملح لا يمر بشيء ولا يجد رائحته شيء إلا مات وخلق الحياة في ~~صورة فرس بلقاء لا تمر بشيء ولا يجد رائحتها شيء إلا حيي، ~~فكلام وارد على منهاج التمثيل والتصوير. وقيل هو عدم الحياة ~~فمعنى خلقه حينئذ تقديره أو إزالة الحياة وأيا ما كان ~~فالأقرب أن المراد به الموت الطارىء وبالحياة ما قبله وما ~~بعده لظهور مداريتهما، لما ينطق به قوله تعالى: { ~~ليبلوكم أيكم أحسن عملا } فإن استدعاء ملاحظتهما ~~لإحسان العمل بما لا ريب فيه مع أن نفس العمل لا يتحقق بدون ~~الحياة الدنيوية. وتقديم الموت لكونه أدعى إلى إحسان العمل، ~~واللام متعلقة بخلق أي خلق موتكم وحياتكم، على أن الألف ~~واللام عوض عن المضاف إليه ليعاملكم معاملة من يختبركم أيكم ~~أحسن عملا فيحازيكم على مراتب متفاوتة حسب تفاوت طبقات علومكم ~~وأعمالكم فإن العمل غير مختص بعمل الجوارح، ولذلك فسره ~~عليه الصلاة والسلام بقوله: # " أيكم أحسن عقلا وأورع عن محارم الله وأسرع في طاعة الله " # فإن لكل من القلب والقالب عملا خاصا به، فكما أن الأول ~~أشرف من الثاني، كذلك الحال في عمله، كيف لا ولا عمل بدون ~~معرفة الله عز وجل الواجبة على العباد أثر ذي أثير وإنما طريقها ~~النظري التفكر في بدائع صنع الله تعالى والتدبر في آياته ~~المنصوبة في الأنفس والآفاق، وقد روي عنه عليه الصلاة ~~والسلام أنه قال: # " لا ms3223 تفضلوني على يونس بن متى فإنه كان يرفع له كل ~~يوم مثل عمل أهل الأرض " # قالوا وإنما كان ذلك التفكر في أمر الله عز وجل الذي هو ~~عمل القلب ضرورة أن أحدا لا يقدر على أن يعمل بجوارحه كل ~~يوم مثل عمل أهل الأرض. وتعليق فعل البلوى أي تعقيبه بحرف ~~الاستفهام لا التعليق المشهور الذي يقتضي عدم إيراد المفعول أصلا ~~مع اختصاصه بأفعال القلوب لما فيه من معنى العلم باعتبار ~~عاقبته كالنظر ونظائره ولذلك أجري مجراه بطريق التمثيل، وقيل ~~بطريق الاستعارة التبعية. وإيراد صيغة التفضيل مع أن الابتلأ ~~شامل لهم باعتبار أعمالهم المنقسمة إلى الحسن والقبيح أيضا لا ~~إلى الحسن والأحسن فقط للإيذان بأن المراد بالذات والمقصد ~~الأصلي من الابتلاء هو ظهور كمال إحسان المحسنين مع تحقق أصل ~~الإيمان والطاعة في الباقين أيضا لكمال تعاضد الموجبات له وأما ~~الإعراض عن ذلك فبمعزل من الاندراج تحت الوقوع فضلا عن الانتظام ~~في سلك الغاية للأفعال الإلهية وإنما هو عمل يصدر عن عامله ~~بسوء اختياره من غير مصحح له ولا تقريب وفيه من الترغيب في ~~الترقي إلى معارج العلوم ومدارج الطاعات والزجر عن مباشرة ~~نقائضها ما لا يخفى { وهو العزيز } الغالب الذي لا يفوته ~~من أساء العمل { الغفور } لمن تاب منهم. ### || [67.3] # { الذى خلق سبع سموات } قيل هو نعت للعزيز الغفور أو ~~بيان أو بدل والأوجه أنه نصب أو رفع على المدح متعلق ~~بالموصلين السابقين معنى وإن كان منقطعا عنهما إعرابا كما مر ~~تفصيله في قوله تعالى: # الذين يؤمنون بالغيب # [سورة البقرة، الآية 3] من سورة البقرة منتظم معهما في سلك ~~الشهادة بتعاليه سبحانه، ومع الموصول الثاني في كونه مدارا ~~للبلوى كما نطق به قوله تعالى: # وهو الذى خلق السموات والأرض فى ستة أيام ~~وكان عرشه على الماء ليبلوكم أيكم أحسن ~~عملا # [سورة هود، الآية 7] وقوله تعالى: { طباقا } صفة لسبع سموات أي ~~مطابقة على أنه مصدر طابقت النعل إذا خصفتها وصف به المفعول ~~أو مصدر مؤكد لمحذوف هو صفتها أي طوبقت طباقا. وقوله تعالى: ms3224 { ~~ما ترى فى خلق الرحمن من تفوت } صفة أخرى لسبع ~~سموات، وضع فيها خلق الرحمن موضع الضمير للتعظيم والإشعار بعلة ~~الحكم وبأنه تعالى خلقها بقدرته القاهرة رحمة وتفضلا، وبأن في ~~إبداعها نعما جليلة أو استئناف، والخطاب للرسول عليه الصلاة ~~والسلام أو لكل أحد ممن يصلح للخطاب، ومن لتأكيد النفي أي ~~ما ترى فيه من شيء من تفاوت أي اختلاف وعدم تناسب، من الفوت، ~~فإن كلا من المتفاوتين يفوت منه بعض ما في الآخر وقرىء من ~~تفوت، ومعناهما واحد. وقوله تعالى: { فارجع البصر هل ~~ترى من فطور } متعلق به على معنى التسبب حيث أخبر أولا ~~بأنه لا تفاوت في خلقهن ثم قيل فارجع البصر حتى يتضح لك ذلك ~~بالمعاينة ولا يبقى عندك شبهة ما، والفطور الشقوق والصدوع جمع ~~فطر وهو الشق يقال فطره فانفطر. ### || [67.4-9] # { ثم ارجع البصر كرتين } أي رجعتين أخريين في ~~ارتياد الخلل والمراد بالتثنية التكرير والتكثير كما في لبيك ~~وسعديك أي رجعة بعد رجعة وإن كثرت. { ينقلب إليك ~~البصر خاسئا } أي بعيدا محروما من إصابة ما التمسه من العيب ~~والخلل كأنه يطرد عن ذلك طردا بالصغار والقماءة { وهو ~~حسير } أي كليل لطول المعاودة وكثرة المراجعة. وقوله تعالى: # { ولقد زينا السماء الدنيا } بيان لكون خلق ~~السموات في غاية الحسن والبهاء إثر بيان خلوها عن شائبة ~~القصور. وتصدير الجملة بالقسم لإبراز كمال الاعتناء بمضمونها أي ~~وبالله لقد زينا أقرب السموات إلى الأرض { بمصبيح } أي ~~بكواكب مضيئة بالليل إضاءة السرج من السيارات والثوابت تتراءى كأن ~~كلها مركوزة فيها مع أن بعضها في سائر السموات وما ذاك إلا ~~لأن كل واحدة منها مخلوقة على نمط رائق تحار في فهمه الأفكار ~~وطراز فائق تهيم في دركه الأنظار { وجعلنها رجوما ~~للشيطين } وجعلنا لها فائدة أخرى هي رجم أعدائكم بانقضاض ~~الشهب المقتبسة من نار الكواكب، وقيل معناه وجعلناها ظنونا ~~ورجوما بالغيب لشياطين الإنس وهم المنجمون، ولا يساعده المقام ~~والرجوم جمع رجم بالفتح وهو ما يرجم به { وأعتدنا لهم } ~~في الآخرة { عذاب السعير } بعد الاحتراق في ms3225 الدنيا بالشهب { ~~وللذين كفروا بربهم } من الشياطين وغيرهم { عذاب ~~جهنم } وقرىء بالنصب على أنه عطف على عذاب السعير وللذين ~~على لهم { وبئس المصير } أي جهنم { إذا ألقوا فيها ~~سمعوا لها } أي لجهنم وهو متعلق بمحذوف وقع حالا من قوله ~~تعالى: { شهيقا } لأنه في الأصل صفته فلما قدمت صارت حالا أي ~~سمعوا كائنا لها شهيقا أي صوتا كصوت الحمير وهو حسيسها المنكر ~~الفظيع قالوا الشهيق في الصدر والزفير في الحلق { وهى تفور } ~~أي والحال أنها تغلي بهم غليان المرجل بما فيه، وجعل الشهيق ~~لأهلها منهم وممن طرح فيها قبلهم كما في قوله تعالى: # لهم فيها زفير وشهيق # [سورة هود، الآية 106] يرده قوله تعالى: { تكاد تميز } أي ~~تتميز وتتفرق { من الغيظ } أي من شدة الغضب عليهم فإنه ~~صريح في أنه من آثار الغضب عليهم كما في قوله تعالى: # سمعوا لها تغيظا وزفيرا # [سورة الفرقان، الآية 12] فأين هو من شهيقهم الناشىء من شدة ما ~~يقاسونه من العذاب الأليم، والجملة إما حال من فاعل تفور أو خبر ~~آخر. وقوله تعالى: { كلما ألقى فيها فوج } استئناف ~~مسوق لبيان حال أهلها بعد بيان حال نفسها وقيل حال من ضميرها ~~أي كلما ألقى فيها جماعة من الكفرة. # { سألهم خزنتها } بطريق التوبيخ والتقريع ليزدادوا ~~عذابا فوق عذاب وحسرة على حسرة { ألم يأتكم نذير } يتلو ~~عليكم آيات ربكم وينذركم لقاء يومكم هذا كما وقع في سورة ~~الزمر ويعرب عنه جوابهم أيضا { قالوا } اعترافا بأنه تعالى قد ~~أزاح عللهم بالكلية { بلى قد جاءنا نذير } جامعين بين ~~حرف الجواب ونفس الجملة المجاب بها مبالغة في الاعتراف بمجىء ~~النذير وتحسرا على ما فاتهم من السعادة في تصديقهم وتمهيدا ~~لبيان ما وقع منهم من التفريط تندما واغتماما على ذلك أي قال ~~كل فوج من تلك الأفواج قد جاءنا نذير أي واحد حقيقة أو حكما ~~كأنبياء بني إسرائيل فإنهم في حكم نذير واحد فأنذرنا وتلا علينا ~~ما نزل الله تعالى من آياته. # { فكذبنا } ذلك النذير في كونه نذيرا من جهته تعالى: { ~~وقلنا } في حق ms3226 ما تلاه من الآيات إفراطا في التكذيب وتماديا ~~في النكير { ما نزل الله } على أحد { من شىء } من الأشياء ~~فضلا عن تنزيل الآيات عليكم { إن أنتم } أي ما أنتم في ادعاء ~~أنه تعالى نزل عليكم آيات تنذروننا بما فيها { إلا فى ~~ضلل كبير } بعيد عن الحق والصواب. وجمع ضمير الخطاب مع ~~أن مخاطب كل فوج نذيره لتغليبه على أمثاله مبالغة في ~~التكذيب وتماديا في التضليل كما ينبىء عنه تعميم المنزل مع ~~ترك ذكر المنزل عليه فإنه ملوح بعمومه حتما وأما إقامة ~~تكذيب الواحد مقام تكذيب الكل فأمر تحقيقي يصار إليه لتهويل ~~ما ارتكبوا من الجنايات لا مساغ لاعتباره من جهتهم ولا لإدراجه ~~تحت عبارتهم، كيف لا وهو منوط بملاحظة إجماع النذر على ما لا ~~يختلف من الشرائع والأحكام باختلاف العصور والأعوام وأين هم من ~~ذلك وقد حال الجريض دون القريض. هذا إذا جعل ما ذكر حكاية عن ~~كل واحد من الأفواج، وأما إذا جعل حكاية عن الكل فالنذير إما ~~بمعنى الجمع لأنه فعيل أو مصدر مقدر بمضاف عام أي أهل نذير ~~أو منعوت به فيتفق كلا طرفي الخطاب في الجمعية، ومن اعتبر ~~الجمعية بأحد الوجوه الثلاثة على التقدير الأول ولم يخص ~~اعتبارها بالتقدير الأخير فقد اشتبه عليه الشؤون واختلط به ~~الظنون وقد جوز أن يكون الخطاب من كلام الخزنة للكفار على ~~إرادة القول على أن مرادهم بالضلال ما كانوا عليه في الدنيا ~~أو هلاكهم أو عقاب ضلالهم تسمية له باسم سببه وأن يكون من ~~كلام الرسل للكفرة وقد حكوه للخزنة فتأمل وكن على الحق ~~المبين. ### || [67.10-14] # { وقالوا } أيضا معترفين بأنهم لم يكونوا ممن يسمع أو يعقل { ~~لو كنا نسمع } كلاما { أو نعقل } شيئا { ما كنا فى ~~أصحب السعير } أي في عدادهم ومن أتباعهم وهم الشياطين ~~لقوله تعالى: # وأعتدنا لهم عذاب السعير # [سورة الملك، الآية 5] كأن الخزنة قالوا لهم في تضاعيف التوبيخ ~~ألم تسمعوا آيات ربكم ولم تعقلوا معانيها حتى لا تكذبوا بها ~~فأجابوا بذلك { فاعترفوا بذنبهم } الذي هو كفرهم ~~وتكذيبهم ms3227 بآيات الله ورسوله { فسحقا } بسكون الحاء، وقرىء ~~بضمها مصدر مؤكد إما لفعل متعد من المزيد بحذف الزوائد كما ~~في قعدك الله أي فأسحقهم الله أي أبعدهم من رحمته سحقا أي ~~إسحاقا أو لفعل مترتب على ذلك الفعل أي فأسحقهم الله فسحقوا ~~أي بعدوا سحقا أي بعدا كما في قول من قال: # وعضة دهر يا ابن مروان لم تدع # من المال إلا مسحت أو مجلف # أي لم تدع فلم يبق إلا مسحت الخ وعلى هذين الوجهين قوله تعالى: # وأنبتها نباتا حسنا # [سورة آل عمران، الآية 37] واللام في قوله تعالى: { لأصحب ~~السعير } للبيان كما في هيت لك ونحوه والمراد بهم الشياطين ~~والداخلون في عدادهم بطريق التغليب. # { إن الذين يخشون ربهم بالغيب } أي يخافون ~~عذابه غائبا عنهم أو غائبين عنه أو عن أعين الناس أو بما ~~خفي منهم وهو قلوبهم { لهم مغفرة } عظيمة لذنوبهم { ~~وأجر كبير } لا يقادر قدره. # { وأسروا قولكم أو اجهروا به } بيان لتساوي ~~السر والجهر بالنسبة إلى علمه تعالى كما في قوله: # سواء منكم من أسر القول ومن جهر به # [سورة الرعد، الآية 10] قال ابن عباس رضي الله عنهما نزلت في ~~المشركين كانوا ينالون من النبي عليه الصلاة والسلام ~~فيوحى إليه عليه الصلاة والسلام فقال بعضهم لبعض أسروا ~~قولكم كيلا يسمع رب محمد فقيل لهم أسروا ذلك أو اجهروا به ~~فإن الله يعلمه، وتقديم السر على الجهر للإيذان بافتضاحهم ~~ووقوع ما يحذرونه من أول الأمر والمبالغة في بيان شمول علمه ~~المحيط لجميع المعلومات كأن علمه تعالى بما يسرونه أقدر ~~منه بما يجهرون به مع كونهما في الحقيقة على السوية فإن علمه ~~تعالى بمعلوماته ليس بطريق حصول صورها بل وجود كل شيء في ~~نفسه علم بالنسبة إليه تعالى أو لأن مرتبة السر متقدمة على ~~مرتبة الجهر إذ ما من شيء يجهر به إلا وهو أو مباديه مضمر في ~~القلب يتعلق به الأسرار غالبا فتعلق علمه تعالى بحالته ~~الأولى متقدم على تعلقه بحالته الثانية. وقوله تعالى: { ~~إنه عليم بذات الصدور } تعليل لما ms3228 قبله، وتقرير له. ~~وفي صيغة الفعيل وتحلية الصدور بلام الاستغراق ووصف الضمائر ~~بصاحبيتها من الجزالة ما لا غاية وارءه كأنه قيل إنه مبالغ ~~في الإحاطة بمضمرات جميع الناس وأسرارهم الخفية المستكنة في ~~صدورهم بحيث لا تكاد تفارقها أصلا فكيف يخفى عليه ما ~~تسرونه وتجهرون به، ويجوز أن يراد بذات الصدور القلوب ~~التي في الصدر، والمعنى أنه عليم بالقلوب وأحوالها فلا يخفى ~~عليه سر من أسرارها. # وقوله تعالى: # { ألا يعلم من خلق } إنكار ونفي لعدم إحاطة علمه ~~تعالى بالمضمر والمظهر، أي ألا يعلم السر والجهر من أوجد ~~بموجب حكمته جميع الأشياء التي هما من جملتها. وقوله ~~تعالى: { وهو اللطيف الخبير } حال من فاعل يعلم مؤكدة ~~للإنكار والنفي، أي ألا يعلم ذلك والحال أنه المتوصل علمه ~~إلى ما ظهر من خلقه وما بطن، ويجوز أن يكون من خلق منصوبا، ~~والمعنى ألا يعلم الله من خلقه والحال أنه بهذه المثابة ~~من شمول العلم، ولا مساغ لإخلاء العلم عن المفعول بإجرائه مجرى ~~يعطي ويمنع على معنى ألا يكون عالما من خلق لأن الخلق لا ~~يتأتى بدون العلم لخلو الحال حينئذ من الإفادة لأن نظم ~~الكلام حينئد ألا يكون عالما وهو مبالغ في العلم. ### || [67.15-18] # { هو الذى جعل لكم الأرض ذلولا } لينة يسهل عليكم ~~السلوك فيها، وتقديم لكم على مفعولي الجعل مع أن حقه التأخر ~~عنهما للاهتمام بما قدم والتشويق إلى ما أخر فإن ما حقه ~~التقديم إذا أخر لا سيما عند كون المقدم مما يدل على كون ~~المؤخر من منافع المخاطبين تبقى النفس مترقبة لوروده فيتمكن ~~لديها عند ذكره فضل تمكن. والفاء في قوله تعالى: { فامشوا ~~فى مناكبها } لترتيب الأمر على الجعل المذكور أي فاسلكوا في ~~جوانبها أو جبالها، وهو مثل لفرط التذليل فإن منكب البعير ~~أرق أعضائه وأنباها عن أن يطأه الراكب بقدمه فإذا جعل الأرض ~~في الذل بحيث يتأتى المشي في مناكبها لم يبق منها شيء لم ~~يتذلل. { وكلوا من رزقه } والتمسوا من نعم الله تعالى: { ~~وإليه النشور } أي المرجع بعد البعث ms3229 لا إلى غيره فبالغوا ~~في شكر نعمه وآلائه. # { ءأمنتم من فى السماء } أي الملائكة الموكلين بتدبير ~~هذا العالم، أو الله سبحانه على تأويل من في السماء أمره وقضاؤه، ~~أو على زعم العرب حيث كانوا يزعمون أنه تعالى في السماء أي ~~أأمنتم من تزعمون أنه في السماء وهو متعال عن المكان. { أن ~~يخسف بكم الأرض } بعد ما جعلها لكم ذلولا تمشون في ~~مناكبها وتأكلون من رزقه لكفرانكم تلك النعمة أي يقلبها ~~ملتبسة بكم فيغيبكم فيها كما فعل بقارون وهو بدل اشتمال من ~~من، وقيل هو على حذف الجار أي من أن يخسف { فإذا هى ~~تمور } أي تضطرب ذهابا ومجيئا على خلاف ما كانت عليه من ~~الذل والاطمئنان { أم أمنتم من فى السماء } إضراب عن ~~التهديد بما ذكر، وانتقال إلى التهديد بوجه آخر، أي بل أأمنتم ~~من في السماء { أن يرسل عليكم حصبا } أي حجارة من ~~السماء كما أرسلها على قوم لوط وأصحاب الفيل، وقيل ريحا فيها ~~حجارة وحصباء كأنها تقلع الحصباء لشدتها وقوتها وقيل هي ~~سحاب فيها حجارة { فستعلمون } عن قريب البتة { كيف نذير ~~} أي إنذاري عند مشاهدتكم للمنذر به ولكن لا ينفعكم العلم ~~حينئذ. وقرىء فسيعلمون بالياء { ولقد كذب الذين من ~~قبلهم } أي من قبل كفار مكة من كفار الأمم السالفة كقوم ~~نوح وعاد وأضرابهم. والالتفات إلى الغيبة لإبراز الإعراض عنهم { ~~فكيف كان نكير } أي إنكاري عليهم بإنزال العذاب أي كان على ~~غاية الهول والفظاعة وهذا هو مورد التأكيد القسمي لا تكذيبهم ~~فقط، وفيه من المبالغة في تسلية رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وتشديد التهديد لقومه ما لا يخفى. ### || [67.19-21] # { أو لم يروا } أغفلوا ولم ينظروا { إلى الطير ~~فوقهم صفت } باسطات أجنحتهن في الجو عند طيرانها ~~فإنهن إذا بسطنها صففن قوادمها صفا { ويقبضن } ويضممنها ~~إذا ضربن بها جنوبهن حينا فحينا للاستظهار به على التحرك وهو ~~السر في إيثار يقبضن الدال على تجدد القبض تارة بعد تارة على ~~قابضات { ما يمسكهن } في الجو عند الصف والقبض على خلاف ~~مقتضى الطبع ms3230 { إلا الرحمن } الواسع رحمته كل شيء بأن ~~برأهن على أشكال وخصائص وهيأهن للجري في الهواء، والجملة ~~مستأنفة أو حال من الضمير في يقبضن { إنه بكل شىء بصير } ~~يعلم كيفية إبداع المبدعات وتدبير المصنوعات. وقوله تعالى: # { أمن هذا الذى هو جند لكم ينصركم من دون ~~الرحمن } تبكيت لهم بنفي أن يكون لهم ناصر غير الله تعالى ~~كما يلوح به التعرض لعنوان الرحمانية ويعضده قوله تعالى: { ما ~~يمسكهن إلا الرحمن } أو ناصر من عذابه تعالى كما هو ~~الأنسب بما سيأتي من قوله تعالى: # إن أمسك رزقه # [سورة الملك، الآية 21] كقوله تعالى: # أم لهم آلهة تمنعهم من دوننا # [سورة الأنبياء، الآية 43] في المعنيين معا خلا أن الاستفهام ~~هناك متوجه إلى نفس المانع وتحققه وههنا إلى تعيين الناصر ~~لتبكيتهم بإظهار عجزهم عن تعيينه، وأم منقطعة مقدرة ببل ~~المفيدة للانتقال من توبيخهم على ترك التأمل فيما يشاهدونه من ~~أحوال الطير المنبئة عن تعاجيب آثار قدرة الله عز وجل إلى ~~التبكيت بما ذكر، والالتفات للتشديد في ذلك ولا سبيل إلى تقدير ~~الهمزة معها لأن ما بعدها من الاستفهامية وهي مبتدأ وهذا ~~خبره والموصول مع صلته صفته كما في قوله تعالى: # من ذا الذى يشفع عنده # [سورة البقرة، الآية 255] وإيثار هذا لتحقير المشار إليه. وينصركم ~~صفة لجند باعتبار لفظه، ومن دون الرحمن على الوجه الأول إما ~~حال من فاعل ينصركم أو نعت لمصدره وعلى الثاني متعلق بينصركم كما ~~في قوله تعالى: # من ينصرنى من الله # [سورة هود، الآية 30] فالمعنى بل من هذا الحقير الذي هو في ~~زعمكم جند لكم ينصركم متجاوزا نصر الرحمن أو ينصركم نصرا ~~كائنا من دون نصره تعالى أو ينصركم من عذاب كائن من عند الله ~~عز وجل. وتوهم أن أم معادلة لقوله تعالى: { أولم ~~يروا } الخ مع القول بأن من استفهامية مما لا تقريب له ~~أصلا. وقوله تعالى: { إن الكفرون إلا فى غرور } ~~اعتراض مقرر لما قبله ناع عليهم ما هم فيه من غاية الضلال أي ~~ما هم في زعمهم أنهم محفوظون من ms3231 النوائب بحفظ آلهتهم لا ~~بحفظه تعالى فقط أو أن آلهتهم تحفظهم من بأس الله إلا في غرور ~~عظيم وضلال فاحش من جهة الشيطان ليس لهم في ذلك شيء يعتد به ~~في الجملة. والالتفات إلى الغيبة للإيذان باقتضاء حالهم للإعراض ~~عنهم وبيان قبائحهم لغيرهم. والإظهار في موقع الإضمار ~~لذمهم بالكفر وتعليل غرورهم به. والكلام في قوله تعالى: # { أمن هذا الذى يرزقكم إن أمسك } أي الله عز ~~وجل { رزقه } بإمساك المطر وسائر مباديه كالذي مر تفصيله ~~خلا أن قوله تعالى: { بل لجوا فى عتو ونفور } منبىء ~~عن مقدر يستدعيه المقام كأنه قيل إثر تمام التبكيت والتعجيز ~~لم يتأثروا بذلك ولم يذعنوا للحق بل لجوا وتمادوا في عتو، أي ~~عناد واستكبار وطغيان ونفور أي شراد عن الحق. ### || [67.22-25] # وقوله تعالى: { أفمن يمشى مكبا على وجهه أهدى } ~~الخ مثل ضرب للمشرك والموحد توضيحا لحالهما وتحقيقا لشأن ~~مذهبيهما، والفاء لترتيب ذلك على ما ظهر من سوء حالهم وخرورهم ~~في مهاوي الغرور وركوبهم متن عشواء العتو والنفور، وعدم ~~اهتدائهم في مسلك المحاجة إلى جهة يتوهم فيها رشد في الجملة ~~فإن تقدم الهمزة عليها صورة إنما هو لاقتضائها الصدارة وأما ~~بحسب المعنى فالأمر بالعكس كما هو المشهور حتى لو كان مكان ~~الهمزة هل لقيل فهل من يمشي مكبا الخ. والمكب الساقط على ~~وجهه يقال أكب خر على وجهه وحقيقته صار ذا كب ودخل في ~~الكب كأقشع الغمام أي صار ذا قشع والمعنى أفمن يمشي وهو يعثر ~~في كل ساعة ويخر على وجهه في كل خطوة لتوعر طريقه واختلال ~~قواه أهدى إلى المقصد الذي يؤمه. # { أمن يمشى سويا } أي قائما سالما من الخبط والعثار { ~~على صرط مستقيم } مستوي الأجزاء لا عوج فيه ولا انحراف ~~قيل خبر من الثانية محذوف لدلالة خبر الأولى عليه ولا حاجة إلى ~~ذلك فإن الثانية معطوفة على الأولى عطف المفرد كقولك أزيد ~~أفضل أم عمرو وقيل أريد بالمكب الأعمى وبالسوي البصير وقيل ~~من يمشي مكبا هو الذي يحشر على وجهه إلى النار ومن يمشي ms3232 ~~سويا الذي يحشر على قدميه إلى الجنة { قل هو الذى ~~أنشأكم } إنشاء بديعا { وجعل لكم السمع } لتسمعوا ~~آيات الله وتمتثلوا بما فيها من الأوامر والنواهي وتتعظوا ~~بمواعظها { والأبصر } لتنظروا بها إلى الآيات التكوينية ~~الشاهدة بشؤون الله عز وجل { والأفئدة } لتتفكروا بها فيما ~~تسمعونه وتشاهدونه من الآيات التنزيلية والتكوينية وترتقوا في ~~معارج الإيمان والطاعة { قليلا ما تشكرون } أي باستعمالها ~~فيما خلقت لأجله من الأمور المذكورة. وقليلا نعت لمحذوف وما ~~مزيدة لتأكيد القلة أي شكرا قليلا أو زمانا قليلا تشكرون، وقيل ~~القلة عبارة عن العدم { قل هو الذى ذرأكم فى الأرض } ~~أي خلقكم وكثركم فيها لا غيره { وإليه تحشرون } للجزء لا ~~إلى غيره اشتراكا أو استقلالا فابنوا أموركم على ذلك { ~~ويقولون } من فرط عتوهم وعنادهم { متى هذا الوعد } ~~أي الحشر الموعود كما ينبىء عنه قوله تعالى: { وإليه ~~تحشرون } { إن كنتم صدقين } يخاطبون به النبي صلى ~~الله عليه وسلم والمؤمنين حيث كانوا مشاركين له عليه الصلاة ~~والسلام في الوعد وتلاوة الآيات المتضمنة له وجواب الشرط محذوف ~~أي إن كنتم صادقين فيما تخبرونه من مجىء الساعة والحشر ~~فبينوا وقته. ### || [67.26-30] # { قل إنما العلم } أي العلم بوقته { عند الله } عز ~~وجل لا يطلع عليه غيره كقوله تعالى: # قل إنما علمها عند ربى # [سورة الأعراف، الآية 187] { وإنما أنا نذير مبين } ~~أنذركم وقوع الموعود لا محالة وأما العلم بوقت وقوعه فليس من ~~وظائف الإنذار. والفاء في قوله تعالى: # { فلما رأوه } فصيحة معربة عن تقدير جملتين، وترتيب ~~الشرطية عليهما، كأنه قيل وقد أتاهم الموعود فرأوه فلما ~~رأوه إلى آخره كما مر تحقيقه في قوله تعالى: # فلما رءاه مستقرا عنده # [سورة النمل، الآية 40] إلا أن المقدر هناك أمر واقع مرتب على ~~ما قبله بالفاء وههنا أمر منزل منزلة الواقع وارد على طريقة ~~الاستئناف. وقوله تعالى: { زلفة } حال من مفعول رأوا، إما ~~بتقدير المضاف أي ذا زلفة وقرب، أو على أنه مصدر بمعنى ~~الفاعل أي مزدلفا، أو على أنه مصدر نعت به مبالغة، أو ظرف ~~أي رأوه في مكان ذي ms3233 زلفة { سيئت وجوه الذين كفروا ~~} بأن غشيتها الكآبة ورهقها القتر والذلة، ووضع الموصول ~~موضع ضميرهم لذمهم بالكفر وتعليل المساءة به { وقيل } ~~توبيخا لهم وتشديدا لعذابهم { هذا الذى كنتم به ~~تدعون } أي تطلبونه في الدنيا وتستعجلونه إنكارا واستهزاء ~~على أنه تفتعلون من الدعاء، وقيل هو من الدعوى أي تدعون أن ~~لا بعث ولا حشر. وقرىء تدعون، هذا وقد روي عن مجاهد أن ~~الموعود عذاب يوم بدر. وهو بعيد. # { قل أرءيتم } أي أخبروني { إن أهلكنى الله } أي ~~أماتني، والتعبير عنه بالإهلاك لما كانوا يدعون عليه صلى الله ~~عليه وسلم وعلى المؤمنين بالهلاك { ومن معى } من المؤمنين { ~~أو رحمنا } بتأخير آجالنا فنحن في جوار رحمته متربصون ~~لإحدى الحسنيين { فمن يجير الكفرين من عذاب أليم ~~} أي لا ينجيكم منه أحد متنا أو بقينا، ووضع الكافرين موضع ~~ضميرهم للتسجيل عليهم بالكفر، وتعليل نفي الإنجاء به { قل ~~هو الرحمن } أي الذي أدعوكم إلى عبادته مولي النعم ~~كلها { ءامنا به } وحده لما علمنا أن كل ما سواه إما ~~نعمة أو منعم عليه { وعليه توكلنا } لا على غيره أصلا ~~لعلمنا بأن ما عداه كائنا ما كان بمعزل من النفع والضر { ~~فستعلمون } عن قريب البتة { من هو فى ضلل مبين } ~~منا ومنكم. وقرىء فسيعلمون بالياء التحتانية { قل ~~أرءيتم } أي أخبروني { إن أصبح ماؤكم غورا } أي ~~غائرا في الأرض بالكلية وقيل بحيث لا تناله الدلاء، وهو مصدر ~~وصف به. { فمن يأتيكم بماء معين } جار، أو ظاهر سهل ~~المأخذ. # عن النبي صلى الله عليه وسلم: # " من قرأ سورة الملك فكأنه أحيا ليلة القدر ". ### | [68 - سورة القلم] ### || [68.1-2] # مكية، وآيها ثنتان وخمسون # { ن } بالسكون على الوقف، وقرىء بالكسر، وبالفتح، لالتقاء ~~الساكنين، ويجوز أن يكون الفتح بإضمار حرف القسم في موضع الجر ~~كقولهم الله لأفعلن بالجر وأن يكون ذلك نصبا بإضمار أذكر لا ~~فتحا كما سبق في فاتحة سورة البقرة. وامتناع الصرف للتعريف ~~والتأنيث على أنه علم للسورة ثم إن جعل إسما للحرف مسرودا ~~على نمط التعديد للتحدي بأحد الطريقين المذكورين في موقعه ms3234 أو ~~إسما للسورة منصوبا على الوجه المذكور أو مرفوعا على أنه خبر ~~لمبتدأ محذوف فالواو في قوله تعالى: { والقلم } للقسم، وإن ~~جعل مقسما به فهي للعطف عليه، وأيا ما كان فإن أريد به ~~قلم اللوح والكرام الكاتبين، فاستحقاقه للإعظام بالإقسام به ~~ظاهر، وإن أريد به الجنس، فاستحقاق ما في أيدي الناس لذلك ~~لكثرة منافعه ولو لم يكن له مزية سوى كونه آلة لتحرير كتب ~~الله عز قائلا لكفى به فضلا موجبا لتعظيمه. وقرىء بإدغام ~~النون في الواو. { وما يسطرون } الضمير لأصحاب القلم المدلول ~~عليهم بذكره، وقيل للقلم على أن المراد به أصحابه، كأنه قيل وأصحاب القلم ~~ومسطوراتهم، على أن ما موصولة أو سطرهم على أنها مصدرية، وقيل ~~للقلم نفسه بإسناد الفعل إلى الآلة وإجرائه مجرى العقلاء ~~لإقامته مقامهم، وقيل المراد بالقلم ما خط في اللوح خاصة، ~~والجمع للتعظيم. وقوله تعالى: { ما أنت بنعمة ربك ~~بمجنون } جواب القسم، والباء متعلقة بمضمر هو حال من الضمير ~~في خبرها والعامل فيها معنى النفي كأنه قيل أنت بريء من ~~الجنون ملتبسا بنعمة الله التي هي النبوة والرياسة العامة ~~والتعرض لوصف الربوبية المنبئة عن التبليغ إلى معارج الكمال مع ~~الإضافة إلى ضميره عليه الصلاة والسلام والإيذان بأنه تعالى ~~يتم نعمته عليه ويبلغه من العلو إلى غاية لا غاية وراءها ~~والمراد تنزيهه عليه الصلاة والسلام عما كانوا ينسبونه ~~عليه الصلاة والسلام إليه من الجنون حسدا وعداوة ومكابرة ~~مع جزمهم بأنه عليه الصلاة والسلام في غاية الغايات ~~القاصية ونهاية النهايات النائية من حصانة العقل ورزانة ~~الرأي. ### || [68.3-9] # { وإن لك } بمقابلة مقاساتك ألوان الشدائد من جهتهم ~~وتحملك لأعباء الرسالة { لأجرا } لثوابا عظيما لا يقادر ~~قدره { غير ممنون } مع عظمه كقوله تعالى: # عطاء غير مجذوذ # [سورة هود، الآية 108] أوغير ممنون عليك من جهة الناس فإنه ~~عطاؤه تعالى بلا توسط { وإنك لعلى خلق عظيم } لا ~~يدرك شأوه أحد من الخلق، ولذلك تحتمل من جهتهم ما لا يكاد ~~يحتمله البشر. وسئلت عائشة رضي الله عنها عن خلقه عليه ~~الصلاة والسلام فقالت: ms3235 « كان خلقه القرآن » ألست تقرأ ~~القرآن. # قد أفلح المؤمنون # [سورة المؤمنون، الآية 1] والجملتان معطوفتان على جواب القسم { ~~فستبصر ويبصرون } قال ابن عباس رضي الله عنهما ~~فستعلم ويعلمون يوم القيامة حين يتبين الحق من الباطل، وقيل ~~فستبصر ويبصرون في الدنيا بظهور عاقبة أمركم بغلبة الإسلام ~~واستيلائك عليهم بالقتل والنهب وصيرورتك مهيبا معظما في قلوب ~~العالمين وكونهم أذلة صاغرين. قال مقاتل: هذا وعيد بعذاب يوم ~~بدر { بأيكم المفتون } أي أيكم الذي فتن بالجنون، والباء ~~مزيدة أو بأيكم الجنون على أن المفتون مصدر كالمعقول والمجلود أو ~~بأي الفريقين منكم المجنون أبفريق المؤمنين أم بفريق الكافرين ~~أي في أيهما يوجد من يستحق هذا الاسم وهو تعريض بأبي جهل بن ~~هشام والوليد بن المغيرة وأضرابهما، كقوله تعالى: # سيعلمون غدا من الكذاب الأشر # [سورة القمر، الآية 26] وقوله تعالى: { إن ربك هو أعلم ~~بمن ضل عن سبيله } تعليل لما ينبىء عنه ما قبله من ظهور ~~جنونهم بحيث لا يخفى على أحد، وتأكيد لما فيه من الوعد والوعيد ~~أي هو أعلم بمن ضل عن سبيله تعالى المؤدي إلى سعادة الدارين ~~وهام في تيه الضلال متوجها إلى ما يفضيه إلى الشقاوة الأبدية وهذا ~~هو المجنون الذي لا يفرق بين النفع والضرر بل يحسب الضرر نفعا ~~فيؤثره والنفع ضررا فيهجره { وهو أعلم بالمهتدين } ~~إلى سبيله الفائزين بكل مطلوب الناجين عن كل محذور، وهم ~~العقلاء المراجيح فيجزي كلا من الفريقين حسبما يستحقه من ~~العقاب والثواب وإعادة هو أعلم لزيادة التقرير، والفاء في قوله ~~تعالى: { فلا تطع المكذبين } لترتيب النهي على ما ينبىء ~~عنه ما قبله من اهتدائه عليه الصلاة والسلام وضلالهم أو ~~على جميع ما فصل من أول السورة، وهذا تهييج وإلهاب للتصميم ~~على معاصاتهم أي دم على ما أنت عليه من عدم طاعتهم وتصلب في ~~ذلك، أو نهي عن مداهنتهم ومداراتهم بإظهار خلاف ما في ضميره ~~عليه الصلاة والسلام استجلابا لقلوبهم لا عن طاعتهم حقيقة ~~كما ينبىء عنه قوله تعالى: { ودوا لو تدهن } فإنه ~~تعليل للنهي أو للانتهاء وإنما عبر ms3236 عنها بالطاعة للمبالغة في ~~الزجر والتنفير أي أحبوا لو تلاينهم وتسامحهم في بعض الأمور { ~~فيدهنون } أي فهم يدهنون حينئذ أو فهم الآن يدهنون ~~طمعا في إدهانك، وقيل هو معطوف على تدهن داخل في حيز لو ~~والمعنى ودوا لو يدهنون عقيب إدهانك، ويأباه ما سيأتي من ~~بدئهم بالإدهان على أن إدهانهم أمر محقق لا يناسب إدخاله تحت ~~التمني، وأيا ما كان فالمعتبر في جانبهم حقيقة الإدهان الذي ~~هو إظهار الملاينة وإضمار خلافها، وأما في جانبه عليه ~~الصلاة والسلام فالمعتبر بالنسبة إلى ودادتهم هو إظهار ~~الملاينة فقط وأما إضمار خلافها فليس في حيز الاعتبار بل ~~هم في غاية الكراهة له إنما اعتباره بالنسبة إليه عليه ~~الصلاة والسلام وفي بعض المصاحف فيدهنوا على أنه جواب التمني ~~المفهوم من ودوا أو أن ما بعده حكاية لودادتهم، وقيل على أنه عطف على ~~تدهن بناء على أن لو بمنزلة إن الناصبة فلا يكون لها جواب ~~وينسبك منها ومما بعدها مصدر يقع مفعولا لودوا كأنه قيل ~~ودوا أن تدهن فيدهنوا وقيل لو على حقيقتها وجوابها وكذا ~~مفعول ودوا أي ودوا إدهانك لو تدهن فيدهنوا لسروا بذلك. ### || [68.10-14] # { ولا تطع كل حلاف } كثير الحلف في الحق والباطل. ~~تقديم هذا الوصف على سائر الأوصاف الزاجرة عن الطاعة لكونه أدخل ~~في الزجر { مهين } حقير الرأي والتدبير { هماز } عياب ~~طعان { مشاء بنميم } مضرب نقال للحديث من قوم إلى قوم ~~على وجه السعاية والإفساد بينهم فإن النميم والنميمة ~~السعاية { مناع للخير } أي بخيل أو مناع للناس من الخير ~~الذي هو الإيمان والطاعة والإنفاق { معتد } متجاوز في الظلم { ~~أثيم } كثير الآثام { عتل } جاف غليظ من عتله إذا قاده ~~بعنف وغلظة { بعد ذلك } بعد ما عد من مثالبه { زنيم } ~~دعي مأخوذ من الزنمة وهي الهنة من جلد الماعز تقطع فتخلى ~~متدلية في حلقها، وفي قوله تعالى بعد ذلك دلالة على أن دعوته ~~أشد معايبه وأقبح قبائحه، قيل هو الوليد بن المغيرة فإنه ~~كان دعيا في قريش وليس من سنخهم ادعاه المغيرة بعد ثماني ~~عشرة ms3237 من مولده وقيل هو الأخنس بن شريق أصله من ثقيف وعداده في ~~زهرة { أن كان ذا مال وبنين } متعلق بقوله تعالى لا ~~تطع أي لا تطع من هذه مثالبه لأن كان متمولا مستظهرا ~~بالبنين. ### || [68.15-19] # وقوله تعالى: { إذا تتلى عليه ءايتنا قال ~~أسطير الأولين } استئناف جار مجرى التعليل للنهي، ~~وقيل متعلق بما دل عليه الجملة الشرطية من معنى الجحود ~~والتكذيب لا بجواب الشرط لأن ما بعد الشرط لا يعمل فيما قبله ~~كأن قيل لكونه مستظهرا بالمال والبنين كذب بآياتنا، وفيه ~~أنه يدل على معنى أن مدار تكذيبه كونه ذا مال وبنين من ~~غير أن يكون لسائر قبائحه دخل في ذلك. وقرىء أأن كان على ~~معنى ألأن كان ذا مال كذب بها أو أتطيعه لأن كان ذا مال. ~~وقرىء إن كان بالكسر والشرط للمخاطب أي لا تطع كل حلاف ~~شارطا يساره لأن إطاعة الكافر لغناه بمنزلة اشتراط غناه في ~~الطاعة. { سنسمه على الخرطوم } بالكي على أكرم مواضعه ~~لغاية إهانته وإذلاله، قيل أصاب أنف الوليد جراحة يوم بدر ~~فبقيت علامتها، وقيل معناه سنعلمه يوم القيامة بعلامة ~~مشوهة يعلم بها عن سائر الكفرة. # { إنا بلونهم } أي أهل مكة بالقحط بدعوة رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم { كما بلونآ أصحب الجنة } وهم قوم من ~~أهل الصلاة كانت لأبيهم هذه الجنة دون صنعاء بفرسخين فكان ~~يأخذ منها قوت سنة ويتصدق بالباقي وكان ينادي الفقراء وقت ~~الصرام، ويترك لهم ما أخطأه المنجل، وما في أسفل الأكداس، وما ~~أخطأه القطاف من العنب، وما بقي على البساط الذي يبسط تحت ~~النخلة إذا صرمت، فكان يجتمع لهم شيء كثير فلما مات أبوهم ~~قال بنوه إن فعلنا ما كان يفعل أبونا ضاق علينا الأمر فحلفوا ~~فيما بينهم. وذلك قوله تعالى: # { إذ أقسموا ليصرمنها مصبحين } ليقطعنها ~~داخلين في الصباح { ولا يستثنون } أي لا يقولون إن شاء الله ~~وتسميته استثناء مع أنه شرط من حيث أن مؤداه مؤدى ~~الاستثناء فإن قولك لأخرجن إن شاء الله ولا أخرج إلا أن يشاء ~~الله بمعنى ms3238 واحد، أو لا يستثنون حصة المساكين كما كان ~~يفعله أبوهم، والجملة مستأنفة. { فطاف عليها } أي على ~~الجنة { طآئف } بلاء طائف، وقرىء طيف { من ربك } مبتدأ ~~من جهته تعالى: { وهم نآئمون } غافلون عما جرت به ~~المقادير. ### || [68.20-26] # { فأصبحت كالصريم } كالبستان الذي صرمت ثماره بحيث لم ~~يبق منها شيء، فعيل بمعنى مفعول، وقيل كالليل أي احترقت ~~فاسودت، وقيل كالنهار أي يبست وابيضت، سميا بذلك لأن ~~كلا منهما ينصرم عن صاحبه، وقيل الصريم الرمال { فتنادوا ~~} أي نادى بعضهم بعضا { مصبحين } داخلين في الصباح { أن ~~اغدوا } أي اغدوا على أن أن مفسرة أو بأن اغدوا على أنها ~~مصدرية أي اخرجوا غدوة { على حرثكم } بستانكم وضيعتكم، ~~وتعدية الغدو بعلى لتضمينه معنى الإقبال أو الاستيلاء { إن ~~كنتم صرمين } قاصدين للصرم { فانطلقوا وهم ~~يتخفتون } أي يتشاورون فيما بينهم بطريق المخافتة وخفي ~~وخفت وخفد ثلاثتها في معنى الكتم ومنه الخفدود ~~للخفاش { أن لا يدخلنها } أي الجنة { اليوم ~~عليكم مسكين } أن مفسرة لما في التخافت من معنى القول. ~~وقرىء بطرحها على إضمار القول والمراد بنهي المسكين عن الدخول ~~المبالغة في النهي عن تمكينه من الدخول كقولهم لا أرينك ههنا ~~{ وغدوا على حرد قدرين } أي على نكد لا غير من حاردت ~~السنة إذا لم يكن فيها مطر وحاردت الإبل إذا منعت درها، ~~والمعنى أنهم أرادوا أن يتنكدوا على المساكين ويحرموهم وهم ~~قادرون على نفعهم فغدوا بحال لا يقدرون فيها إلا على النكد ~~والحرمان وذلك أنهم طلبوا حرمان المساكين فتعجلوا الحرمان ~~والمسكنة أو وغدوا على محاردة جنتهم وذهاب خيرها قادرين ~~بدل كونهم قادرين على إصابة خيرها ومنافعها أي غدوا حاصلين ~~على النكد والحرمان مكان كونهم قادرين على الانتفاع، وقيل الحرد ~~الحرد وقد قرىء بذلك أي لم يقدروا إلا على حنق بعضهم لبعض ~~لقوله تعالى: # يتلومون # [سورة القلم، الآية 30] وقيل الحرد القصد والسرعة أي غدوا قاصدين ~~إلى جنتهم بسرعة قادرين عند أنفسهم على صرامها وقيل هو علم ~~للجنة. # { فلما رأوها قالوا } في بديهة رؤيتهم { إنا ~~لضالون } أي طريق جنتنا وما هي بها. ms3239 ### || [68.27-32] # { بل نحن محرومون } قالوه بعد ما تأملوا ووفقوا على حقيقة ~~الأمر مضربين عن قولهم الأول، أي لسنا ضالين بل نحن محرومون ~~حرمنا خيرها بجنايتنا على أنفسنا { قال أوسطهم } أي ~~رأيا أو سنا { ألم أقل لكم لولا تسبحون } لولا ~~تذكرون الله تعالى وتتوبون إليه من خبث نيتكم وقد كان قال لهم ~~حين عزموا على ذلك اذكروا الله وتوبوا إليه عن هذه العزيمة ~~الخبيثة من فوركم وسارعوا إلى حسم شرها قبل حلول النقمة ~~فعصوه فعيرهم، كما ينبىء عنه قوله تعالى: { قالوا ~~سبحن ربنا إنا كنا ظلمين } وقيل المراد ~~بالتسبيح الاستثناء لاشتراكهما في التعظيم أو لأنه تنزيه له ~~تعالى عن أن يجري في ملكه ما لا يشاؤه { فأقبل بعضهم ~~على بعض يتلومون } أي يلوم بعضهم بعضا فإن منهم من ~~أشار بذلك ومنهم من استصوبه ومنهم من سكت راضيا به ومنهم من ~~أنكره { قالوا يويلنا إنا كنا طغين } متجاوزين ~~حدود الله { عسى ربنا أن يبدلنا } وقرىء بالتشديد أي ~~يعطينا بدلا منها ببركة التوبة والاعتراف بالخطيئة. { خيرا ~~منها إنا إلى ربنا رغبون } راجون العفو طالبون ~~الخير. وإلى لانتهاء الرغبة، أو لضمنها معنى الرجوع. عن ~~مجاهد تابوا فأبدلوا خيرا منها، وروي أنهم تعاقدوا ~~وقالوا إن أبدلنا الله خيرا منها لنصنعن كما صنع أبونا فدعوا ~~الله تعالى وتضرعوا إليه فأبدلهم الله تعالى من ليلتهم ما هو ~~خير منها، قالوا إن الله تعالى أمر جبريل عليه السلام أن ~~يقتلع تلك الجنة المحترقة فيجعلها بزغر من أرض الشام ويأخذ ~~من الشام جنة فيجعلها مكانها، وقال ابن مسعود رضي الله تعالى ~~عنه إن القوم لما أخلصوا وعرف الله منهم الصدق أبدلهم جنة ~~يقال لها الحيوان فيها عنب يحمل البغل منه عنقودا وقال أبو ~~خالد اليماني دخلت تلك الجنة فرأيت كل عنقود منها كالرجل ~~الأسود القائم. وسئل قتادة عن أصحاب الجنة أهم من أهل ~~الجنة أم من أهل النار فقال: لقد كلفتني تعبا. وعن الحسن ~~رحمه الله تعالى: قول أصحاب الجنة إنا إلى ربنا راغبون لا ~~أدري إيمانا كان ذلك ms3240 منهم أو على حد ما يكون من المشركين إذا ~~أصابتهم الشدة، فتوقف في أمرهم، والأكثرون على أنهم تابوا ~~وأخلصوا، حكاه القشيري. ### || [68.33-39] # { كذلك العذاب } جملة من مبتدأ وخبر مقدم لإفادة القصر، ~~والألف واللام للعهد أي مثل الذي بلونا به أهل مكة وأصحاب ~~الجنة عذاب الدنيا. { ولعذاب الآخرة أكبر } أعظم وأشد ~~{ لو كانوا يعلمون } أنه أكبر لاحترزوا عما يؤديهم ~~إليه { إن للمتقين } أي من الكفر والمعاصي { عند ~~ربهم } أي في الآخرة أو في جوار القدس { جنت النعيم } ~~جنات ليس فيها إلا التنعم الخالص عن شائبة ما ينغصه من الكدورات ~~وخوف الزوال كما عليه نعيم الدنيا. وقوله تعالى: # { أفنجعل المسلمين كالمجرمين } تقرير لما قبله من ~~فوز المتقين بجنات النعيم، ورد لما يقوله الكفرة عند ~~سماعهم بحديث الآخرة وما وعد الله المسلمين فيها فإنهم كانوا ~~يقولون إن صح أنا نبعث كما يزعم محمد ومن معه لم يكن ~~حالنا وحالهم إلا مثل ما هي في الدنيا وإلا لم يزيدوا علينا ولم ~~يفضلونا وأقصى أمرهم أن يساوونا. والهمزة للإنكار والفاء للعطف ~~على مقدر يقتضيه المقام أي أنحيف في الحكم فنجعل المسلمين ~~كالكافرين ثم قيل لهم بطريق الالتفات لتأكيد الرد وتشديده { ما ~~لكم كيف تحكمون } تعجيبا من حكمهم واستبعادا له وإيذانا ~~بأنه لا يصدر عن عاقل { أم لكم كتب } نازل من السماء { ~~فيه تدرسون } أي تقرأون { إن لكم فيه لما تخيرون ~~} أي ما تتخيرونه وتشتهونه، وأصله أن لكم بالفتح لأنه ~~مدروس فلما جيء باللام كسرت ويجوز أن يكون حكاية للمدروس ~~كما هو كقوله تعالى: # وتركنا عليه فى الآخرين سلم على نوح فى ~~العلمين # [سورة الصافات، الآية 78] وتخير الشيء واختياره أخذ خيره { أم ~~لكم أيمن علينا } أي عهود مؤكدة بالأيمان { بلغة } ~~متناهية في التوكيد. وقرئت بالنصب على الحال والعامل فيها أحد ~~الظرفين { إلى يوم القيمة } متعلق بالمقدر في لكم أي ~~ثابتة لكم إلى يوم القيامة لا نخرج عن عهدتها حتى نحكمكم يومئذ ~~ونعطيكم ما تحكمون أو ببالغة أي أيمان تبلغ ذلك اليوم وتنتهي ~~إليه وافرة لم تبطل ms3241 منها يمين. { إن لكم لما تحكمون } ~~جواب القسم، لأن معنى أم لكم علينا أيمان أم أقسمنا لكم. ### || [68.40-44] # { سلهم } تلوين للخطاب وتوجيه له إلى رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم بإسقاطهم عن رتبة الخطاب أي سلهم مبكتا لهم. { أيهم ~~بذلك } الحكم الخارج عن العقول { زعيم } أي قائم يتصدى ~~لتصحيحه { أم لهم شركاء } يشاركونهم في هذا القول ويذهبون ~~مذهبهم. { فليأتوا بشركائهم إن كانوا صدقين } في ~~دعواهم إذ لا أقل من التقليد، وقد نبه في هذه الآيات الكريمة ~~على أن ليس لهم شيء يتوهم أن يتشبثوا به حتى التقليد الذي لا ~~يفلح من تشبث بذيله، وقيل المعنى أم لهم شركاء يجعلونهم ~~مثل المسلمين في الآخرة. { يوم يكشف عن ساق } أي يوم ~~يشتد الأمر ويصعب الخطب، وكشف الساق مثل في ذلك وأصله ~~تشمير المخدرات عن سوقهن في الهرب، قال حاتم: # أخو الحرب إن عضت به الحرب عضها # وإن شمرت عن ساقها الحرب شمرا # وقيل ساق الشيء أصله الذي به قوامه كساق الشجر وساق الإنسان، ~~أي يوم يكشف عن أصل الأمر فتظهر حقائق الأمور وأصولها بحيث ~~تصير عيانا، وتنكيره للتهويل أو التعظيم. وقرىء تكشف ~~بالتاء على البناء للفاعل والمفعول، والفعل للساعة أو الحال، ~~وقرىء نكشف بالنون وتكشف بالتاء المضمومة وكسر الشين ~~من أكشف الأمر أي دخل في الكشف. وناصب الظرف فليأتوا، أو مضمر ~~مقدم أي اذكر يوم الخ. أو مؤخر أي يوم يكشف عن ساق الخ. يكون من ~~الأهوال وعظائم الأحوال ما لا يبلغه الوصف { ويدعون إلى ~~السجود } توبيخا وتعنيفا على تركهم إياه في الدنيا وتحسيرا ~~لهم على تفريطهم في ذلك { فلا يستطيعون } لزوال القدرة ~~عليه، وفيه دلالة على أنهم يقصدون السجود فلا يتأتى منهم ~~ذلك. عن ابن مسعود رضي الله عنه تعقم أصلابهم أي ترد ~~عظاما بلا مفاصل لا تنثني عند الرفع والخفض. وفي الحديث وتبقى ~~أصلابهم طبقا واحدا أي فقارة واحدة { خشعة أبصرهم ~~} حال من مرفوع يدعون، على أن أبصارهم مرتفع به على الفاعلية، ~~ونسبة الخشوع إلى الأبصار لظهور أثره فيها { ترهقهم ms3242 } ~~تلحقهم وتغشاهم { ذلة } شديدة { وقد كانوا يدعون ~~إلى السجود } في الدنيا. والإظهار في موضع الإضمار لزيادة ~~التقرير، أو لأن المراد به الصلاة أو ما فيها من السجود والدعوة ~~دعوة التكليف. { وهم سلمون } متمكنون منه أقوى تمكن، أي ~~فلا يجيبون إليه ويأبونه وإنما ترك ذكره ثقة بظهوره. # { فذرنى ومن يكذب بهذا الحديث } أي كله إلي ~~فإني أكفيك أمره، أي حسبك في الإيقاع به والانتقام منه أن ~~تكل امره إلي وتخلي بيني وبينه، فإني عالم بما ~~يستحقه من العذاب، ومطيق له. والفاء لترتيب الأمر على ما قبلها ~~من أحوالهم المحكية أي وإذا كان حالهم في الآخرة كذلك فذرني ~~ومن يكذب بهذا القرآن، وتوكل علي في الانتقام منه. وقوله ~~تعالى: { سنستدرجهم } استئناف مسوق لبيان كيفية التعذيب ~~المستفاد من الأمر السابق إجمالا، والضمير لمن والجمع باعتبار ~~معناها كما أن الإفراد في يكذب باعتبار لفظها أي سنستنزلهم ~~إلى العذاب درجة فدرجة بالإحسان وإدامة الصحة وازدياد النعمة. { ~~من حيث لا يعلمون } أنه استدراج وهو الإنعام عليهم بل ~~يزعمون أنه إيثار لهم وتفضيل على المؤمنين مع أنه سبب ~~لهلاكهم. ### || [68.45-50] # { وأملى لهم } وأمهلهم ليزدادوا إثما وهم يزعمون أن ~~ذلك لإرادة الخير بهم. { إن كيدى متين } لا يوقف عليه ~~ولا يدفع بشيء، وتسمية ذلك كيدا لكونه في صورة الكيد { أم ~~تسئلهم } على الإبلاغ والإرشاد { أجرا } دنيويا { فهم } ~~لأجل ذلك { من مغرم } أي غرامة مالية { مثقلون } مكلفون ~~حملا ثقيلا فيعرضون عنك { أم عندهم الغيب } أي اللوح أو ~~المغيبات { فهم يكتبون } منه ما يحكمون ويستغنون به عن ~~علمك { فاصبر لحكم ربك } وهو إمهالهم وتأخير نصرتك ~~عليهم { ولا تكن كصحب الحوت } أي يونس عليه السلام { ~~إذ نادى } في بطن الحوت { وهو مكظوم } مملوء غيظا، ~~والجملة حال من ضمير نادى وعليها يدور النهي على النداء فإنه ~~أمر مستحسن ولذلك لم يذكر المنادى وإذ منصوب بمضاف محذوف أي ~~لا يكن حالك كحاله وقت ندائه أي لا يوجد منك ما وجد منه من ~~الضجر والمغاضبة فتبتلى ببلائه. # { لولا أن تداركه نعمة من ربه } وقرىء ms3243 رحمة وهو ~~توفيقه للتوبة وقبولها منه، وحسن تذكير الفعل للفصل ~~بالضمير، وقرىء تداركته وتداركه أي تتداركه على حكاية الحال ~~الماضية بمعنى لولا أن كان يقال فيه تتداركه. { لنبذ ~~بالعراء } بالأرض الخالية من الأشجار { وهو مذموم } مليم ~~مطرود من الرحمة والكرامة، وهو حال من مرفوع نبذ عليها يعتمد ~~جواب لولا لأنها هي المنفية لا النبذ بالعراء كما مر في الحال ~~الأولى، والجملة الشرطية استئناف، وإن لبيان كون المنهي عنه ~~أمرا محذورا مستتبعا للغائلة. وقوله تعالى: { فاجتبه ~~ربه } عطف على مقدر أي فتداركته نعمة من ربه فاجتباه بأن ~~رد إليه الوحي، وأرسله إلى مائة ألف أو يزيدون، وقيل استنبأه ~~إن صح أنه لم يكن نبيا قبل هذه الواقعة { فجعله من ~~الصلحين } من الكاملين في الصلاح بأن عصمه من أن يفعل ~~فعلا يكون تركه أولى. روي أنها نزلت بأحد حين هم ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يدعو على المنهزمين من المؤمنين، ~~وقيل حين أراد أن يدعو على ثقيف. ### || [68.51-52] # { وإن يكاد الذين كفروا ليزلقونك بأبصرهم ~~} وقرىء ليزلقونك بفتح الياء من زلقه بمعنى أزلقه ~~ويزهقونك. وإن هي المخففة واللام دليلها والمعنى أنهم من ~~شدة عداوتهم لك ينظرون إليك شزرا بحيث يكادون يزلون ~~قدمك فيرمونك، من قولهم نظرا يكاد يصرعني، أي لو أمكنه بنظره ~~الصرع لفعله أو أنهم يكادون يصيبونك بالعين إذ قد روي ~~أنه كان في بني أسد عيانون فأراد بعضهم أن يعين رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فنزلت. وفي الحديث # " إن العين لتدخل الرجل القبر والجمل القدر " # ولعله من خصائص بعض النفوس، وعن الحسن. دواء الإصابة بالعين أن ~~تقرأ هذه الآية: { لما سمعوا الذكر } أي وقت سماعهم ~~بالقرآن على أن لما ظرفية منصوبة بيزلقونك وذلك لاشتداد ~~بغضهم وحسدهم عند سماعه. { ويقولون } لغاية حيرتهم في ~~أمره عليه الصلاة والسلام ونهاية جهلهم بما في تضاعيف ~~القرآن من تعاجيب الحكم وبدائع العلوم المحجوبة عن العقول ~~المنغمسة بأحكام الطبائع ولتنفير الناس عنه { إنه ~~لمجنون } وحيث كان مدار حكمهم الباطل ما سمعوه منه عليه ~~الصلاة ms3244 والسلام رد ذلك ببيان علو شأنة وسطوع برهانه ~~فقيل: { وما هو إلا ذكر للعالمين } على أنه حال من ~~فاعل يقولون مفيدة لغاية بطلان قولهم وتعجيب السامعين من ~~جرأتهم على تفوه تلك العظيمة أي يقولون ذلك والحال أنه ذكر ~~للعالمين، أي تذكير وبيان لجميع ما يحتاجون إليه من أمور دينهم ~~فأين من أنزل عليه ذلك وهو مطلع على أسراره طرا ومحيط ~~بجميع حقائقه خبرا مما قالوا، وقيل معناه شرف وفضل، لقوله ~~تعالى: # وإنه لذكر لك ولقومك # [سورة الزخرف، الآية 44]، وقيل الضمير لرسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وكونه مذكرا وشرفا للعالمين لا ريب فيه. # عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " من قرأ سورة القلم أعطاه الله ثواب الذين حسن الله ~~أخلاقهم ". ### | [69 - سورة الحاقة] ### || [69.1-4] # مكية، وآيها اثنتان وخمسون # { الحاقة } أي الساعة، أو الحالة الثابتة الوقوع الواجبة ~~المجىء لا محالة، أو التي يحق فيها الأمور الحقة من الحساب ~~والثواب والعقاب، أو التي تحق فيها الأمور أي تعرف على الحقيقة ~~من حقه يحقه إذا عرف حقيقته، جعل الفعل لها مجازا وهو لما ~~فيها من الأمور أو لمن فيها من أولي العلم وأيا ما كان فحذف ~~الموصوف للإيذان بكمال ظهور اتصافه بهذه الصفة وجريانها مجرى ~~الإسم، وارتفاعها على الابتداء، خبرها { ما الحاقة } على أن ~~ما مبتدأ ثان، والحاقة خبره، والجملة خبر للمبتدأ الأول. ~~والأصل ما هي أي أي شيء هي في حالها وصفتها فإن ما قد ~~يطلب بها الصفة والحال، فوضع الظاهر موضع المضمر تأكيدا لهولها. ~~هذا ما ذكروه في إعراب هذه الجملة ونظائرها، وقد سبق في سورة ~~الواقعة أن مقتضى التحقيق أن تكون ما الاستفهامية خبرا لما ~~بعدها فإن مناط الإفادة بيان أن الحاقة أمر بديع وخطب ~~فظيع كما يفيده كون ما خبرا لا بيان أن أمرا بديعا الحاقة ~~كما يفيده كونها مبتدأ وكون الحاقة خبرا. وقوله تعالى: { ~~وما أدراك } أي وأي شيء أعلمك { ما الحاقة } تأكيد ~~لهولها وفظاعتها ببيان خروجها عن دائرة علوم المخلوقات على ~~معنى أن عظم شأنها ومدى ms3245 هولها وشدتها بحيث لا تكاد ~~تبلغه دراية أحد ولا وهمه وكيفما قدرت حالها فهي أعظم من ~~ذلك وأعظم فلا يتسنى الإعلام. وما في حيز الرفع على الابتداء، ~~وأدراك خبره. ولا مساغ ههنا للعكس. وما الحاقة جملة من ~~مبتدأ وخبر على الوجه الذي عرفته، محلها النصب على إسقاط ~~الخافض لأن أدرى يتعدى إلى المفعول الثاني بالباء كما في ~~قوله تعالى: # ولا أدراكم به # [سورة يونس، الآية 16] فلما وقعت جملة الاستفهام معلقة له ~~كانت في موضع المفعول الثاني والجملة الكبيرة معطوفة على ما ~~قبلها من الجملة الواقعة خبرا لقوله تعالى: { الحاقة } ~~مؤكدة لهولها كما مر { كذبت ثمود وعاد بالقارعة } ~~أي بالحالة التي تقرع الناس بفنون الأفزاع والأهوال والسماء ~~بالانشقاق والانفطار، والأرض والجبال بالدك والنسف، والنجوم ~~بالطمس والانكدار. ووضعها موضع ضمير الحاقة للدلالة على ~~معنى القرع فيها تشديدا لهولها، والجملة استئناف مسوق لإعلام ~~بعض أحوال الحاقة له عليه الصلاة والسلام إثر تقرير ~~أنه ما أدراه عليه الصلاة والسلام بها أحد، كما في قوله ~~تعالى: # وما أدراك ماهيه نار حامية # [سورة القارعة، الآية 10، 11] ونظائره خلا أن المبين هناك ~~نفس المسؤول عنها وههنا حال من أحوالها، كما في قوله ~~تعالى: # وما أدراك ما ليلة القدر ليلة القدر خير من ~~ألف شهر # [سورة القدر، الآية 2، 3] فكما أن المبين هناك ليس نفس ليلة ~~القدر بل فضلها وشرفها، كذلك المبين ههنا هول الحاقة وعظم ~~شأنها وكونها بحيث يحق إهلاك من يكذب بها كأنه قيل وما ~~أدراك ما الحاقة كذبت بها ثمود وعاد فأهلكوا. ### || [69.5-9] # { فأما ثمود فأهلكوا بالطاغية } أي بالواقعة ~~المجاوزة للحد، وهي الصيحة أو الراجفة { وأما عاد ~~فأهلكوا بريح صرصر } أي شديدة الصوت لها صرصرة، أو ~~شديدة البرد تحرق ببردها { عاتية } شديدة العصف كأنها عتت ~~على خزانها فلم يتمكنوا من ضبطها أو على عاد فلم يقدروا على ~~ردها. وقوله تعالى: { سخرها عليهم } الخ استئناف جىء ~~به بيانا ليكفية إهلاكهم بالريح أي سلطها الله عليهم بقدرته ~~القاهرة { سبع ليال وثمنية أيام حسوما } أي ~~متتابعات، جمع حاسم كشهود جمع ms3246 شاهد من حسمت الدابة إذا تابعت ~~بين كيها أو نحسات حسمت كل خير واستأصلته أو قاطعات قطعت ~~دابرهم، ويجوز أن يكون مصدرا منتصبا على العلة بمعنى قطعا أو ~~على المصدر لفعله المقدر حالا أي تحسمهم حسوما، ويؤيده ~~القراءة بالفتح. وهي كانت أيام العجوز من صبيحة أربعاء إلى ~~غروب الأربعاء الآخر، وإنما سميت عجوزا لأن عجوزا من عاد ~~توارت في سرب فانتزعتها الريح في اليوم الثامن فأهلكتها، ~~وقيل هي أيام العجز وهي آخر الشتاء وأسماؤها الصن والصنبر ~~والوبر والآمر والمؤتمر والمعلل ومطفىء الجمر وقيل ومكفىء ~~الظعن. { فترى القوم } إن كنت حاضرا حينئذ { فيها } في ~~مهابها أو في تلك الليالي والأيام { صرعى } موتى جمع صريع ~~{ كأنهم أعجاز نخل } أي أصول نخل { خاوية } متآكلة ~~الأجواف. # { فهل ترى لهم من باقية } أي بقية أو نفس باقية أو ~~بقاء على أنها مصدر كالكاذبة والطاغية. { وجاء فرعون ومن ~~قبله } أي ومن تقدمه. وقرىء ومن قبله أي ومن عنده ~~من أتباعه، ويؤيده أنه قرىء ومن معه { والمؤتفكت ~~} أي قرىء قوم لوط أي أهلها { بالخاطئة } بالخطإ أو ~~بالفعلة أو الأفعال ذات الخطإ التي من جملتها تكذيب البعث ~~والقيامة. ### || [69.10-15] # { فعصوا رسول ربهم } أي فعصى كل أمة رسولها حين ~~نهوهم عما كانوا يتعاطونه من القبائح { فأخذهم } أي الله ~~عز وجل { أخذة رابية } أي زائدة في الشدة كما زادت ~~قبائحهم في القبح من ربا الشيء إذا زاد. { إنا لما طغا ~~الماء } بسبب إصرار قوم نوح على فنون الكفر والمعاصي ~~ومبالغتهم في تكذيبه عليه الصلاة والسلام فيما أوحى إليه من ~~الأحكام التي من جملتها أحوال القيامة. { حملنكم } أي في ~~أصلاب أبائكم { فى الجارية } في سفينة نوح عليه السلام ~~والمراد بحملهم فيها رفعهم فوق الماء إلى انقضاء أيام ~~الطوفان، لا مجرد رفعهم إلى السفينة كما يعرب عنه كلمة في ~~فإنها ليست بصلة للحمل بل متعلقة بمحذوف هو حال من مفعوله أي ~~رفعناكم فوق الماء وحفظناكم حال كونكم في السفينة الجارية ~~بأمرنا وحفظنا، وفيه تنبيه على أن مدار نجاتهم محض عصمته ~~تعالى إنما ms3247 السفينة سبب صوري { لنجعلها } أي لنجعل الفعلة ~~التي هي عبارة عن إنجاء المؤمنين وإغراق الكافرين. { لكم ~~تذكرة } عبرة ودلالة على كمال قدرة الصانع وحكمته وقوة ~~قهره وسعة رحمته { وتعيها } أي تحفظها والوعي أن تحفظ ~~الشيء في نفسك والإيعاء أن تحفظه في غير نفسك من وعاء وقرىء ~~تعيها بسكون العين تشبيها له بكتف. { أذن وعية } أي أذن ~~من شأنها أن تحفظ ما يجب حفظه بتذكره وإشاعته والتفكر فيه ~~ولا تضيعه بترك العمل به. والتنكير للدلالة على قلتها وأن ~~من هذا شأنه مع قلته يتسبب لنجاة الجم الغفير وإدامة ~~نسلهم. وقرىء أذن بالتخفيف. { فإذا نفخ فى الصور ~~نفخة وحدة } شروع في بيان نفس الحاقة وكيفية وقوعها ~~إثر بيان عظم شأنها بإهلاك مكذبيها، وإنما حسن إسناد الفعل ~~إلى المصدر لتقييده وحسن تذكيره للفصل. وقرىء نفخة واحدة ~~بالنصب على إسناد الفعل إلى الجار والمجرور، والمراد بها النفخة ~~الأولى التي عندها خراب العالم. { وحملت الأرض والجبال ~~} أي وقلعت ورفعت من أماكنها بمجرد القدرة الإلهية أوبتوسط ~~الزلزلة أو الريح العاصفة. { فدكتا دكة وحدة } أي ~~فضربت الجملتان إثر رفعهما بعضها ببعض ضربة واحدة حتى تندق ~~وترجع كثيبا مهيلا وهباء منبثا، وقيل فبسطتا بسطة واحدة فصارتا ~~قاعا صفصفا لا ترى فيها عوجا ولا أمتا من قولهم اندك ~~السنام إذا تفرش وبعير أدك وناقة دكاء ومنه الدكان. { ~~فيومئذ } فحينئذ { وقعت الواقعة } أي قامت القيامة. ### || [69.16-19] # { وانشقت السماء } لنزول الملائكة { فهى } أي السماء { ~~يومئذ واهية } ضعيفة مسترخية بعدما كانت محكمة { ~~والملك } أي الخلق المعروف بالملك { على أرجائها } أي ~~جوانبها جمع رجا بالقصر أي تنشق السماء التي هي مساكنهم ~~فيلجأون إلى أكنافها وحافاتها. # { ويحمل عرش ربك فوقهم } فوق الملائكة الذين هم على ~~الأرجاء أو فوق الثمانية { يومئذ ثمنية } من الملائكة عن ~~النبي عليه الصلاة والسلام هم اليوم أربعة فإذا كان يوم ~~القيامة أيدهم الله تعالى بأربعة آخرين فيكونون ثمانية. وروي ~~ثمانية أملاك أرجلهم في تخوم الأرض السابعة والعرش فوق رؤوسهم ~~وهم مطرقون مسبحون. وقيل: بعضهم على صورة الإنسان وبعضهم على ~~صورة ms3248 الثور وبعضهم على صورة النسر. وروي ثمانية أملاك في خلق ~~الأوعال ما بين أظلافها إلى ركبها مسيرة سبعين عاما. وعن ~~شهر بن حوشب أربعة منهم يقولون: سبحانك اللهم وبحمدك لك ~~الحمد على عفوك بعد قدرتك، وأربعة يقولون سبحانك اللهم ~~وبحمدك لك الحمد على حلمك بعد علمك. وعن الحسن الله أعلم ~~أثمانية أم ثمانية آلاف وعن الضحاك ثمانية صفوف لا يعلم عددهم ~~إلا الله تعالى. ويجوز أن يكون الثمانية من الروح أو من خلق آخر. ~~وقيل: هو تمثيل لعظمته تعالى بما يشاهد من أحوال السلاطين يوم ~~خروجهم على الناس للقضاء العام لكونها أقصى ما يتصور من ~~العظمة والجلال وإلا فشؤونه سبحانه أجل من كل ما يحيط به ~~فلك العبارة والإشارة { يومئذ تعرضون } أي تسألون ~~وتحاسبون، عبر عنه بذلك تشبيها له بعرض السلطان العسكر ~~لتعرف أحوالهم. روي أن في يوم القيامة ثلاث عرضات فأما ~~عرضتان فاعتذار واحتجاج وتوبيخ وأما الثالثة ففيها تنشر الكتب ~~فيأخذ الفائز كتابه بيمينه والهالك بشماله، وهذا وإن كان ~~بعد النفخة الثانية لكن لما كان اليوم إسما لزمان متسع. يقع ~~فيه النفختان والصعقة والنشور والحساب وإدخال أهل الجنة الجنة ~~وأهل النار النار. صح جعله ظرفا للكل { لا تخفى منكم ~~خافية } حال من مرفوع تعرضون أي تعرضون غير خاف عليه تعالى ~~سر من أسراركم قبل ذلك أيضا وإنما العرض لإفشاء الحال ~~والمبالغة في العدل، أو غير خاف يومئذ على الناس كقوله تعالى: # يوم تبلى السرائر # [سورة الطارق، الآية 9] وقرىء يخفى بالياء التحتانية { فأما ~~من أوتى كتبه بيمينه } تفصيل لأحكام العرض { ~~فيقول } تبجحا وابتهاجا. { هاؤم اقرؤا كتبيه } ها ~~اسم لخذ وفيه ثلاث لغات أجودهن هاء يا رجل وهاء يا امرأة ~~وهاؤا يا رجلان أو امرأتان وهاؤون يا رجال وهاؤن يا نسوة. ~~ومفعوله محذوف، وكتابيه مفعول اقرؤوا لأنه أقرب العاملين، ~~ولأنه لو كان مفعول هاؤم لقيل اقرؤه إذ الأولى إضماره حيث ~~أمكن، والهاء فيه وفي حسابيه وماليه وسلطانيه للسكت تثبت في ~~الوقف وتسقط في الوصل واستحب إثباتها لثباتها في الإمام. ### || [69.20-27] # { إنى ms3249 ظننت أنى ملق حسابيه } أي علمت، ولعل ~~التعبير عنه بالظن للإشعار بأنه لا يقدح في الاعتقاد ما ~~يهجس في النفس من الخطرات التي لا ينفك عنها العلوم النظرية ~~غالبا. { فهو فى عيشة راضية } ذات رضا على النسبة ~~بالصيغة كما يقال دارع في النسبة بالحرف أو جعل لها مجازا وهو ~~لصاحبها وذلك لكونها صافية عن الشوائب دائمة مقرونة بالتعظيم. ~~{ فى جنة عالية } مرتفعة المكان لأنها في السماء أو ~~الدرجات أو الأبنية والأشجار { قطوفها } جمع قطف وهو ما ~~يجتنى بسرعة والقطف بالفتح مصدر. { دانية } يتناولها ~~القاعد. { كلوا واشربوا } بإضمار القول، والجمع باعتبار ~~المعنى { هنيئا } أكلا وشربا هنيئا أو هنئتم هنيئا. { بما ~~أسلفتم } بمقابلة ما قدمتم من الأعمال الصالحة { فى ~~الأيام الخالية } أي الماضية في الدنيا، وعن مجاهد أيام ~~الصيام. وروي يقول الله تعالى: # " يا أوليائي طالما نظرت إليكم في الدنيا وقد قلصت شفاهكم عن ~~الأشربة وغارت أعينكم وخمصت بطونكم فكونوا اليوم في نعيمكم ~~وكلوا واشربوا " # الآية. { وأما من أوتى كتبه بشماله } ورأى ما ~~فيه من قبائح الأعمال { فيقول يليتنى لم أوت ~~كتبيه ولم أدر ما حسابيه } لما شاهد من سوء ~~العاقبة { يليتها } يا ليت الموتة التي متها { كانت ~~القاضية } أي القاطعة لأمري ولم أبعث بعدها، ولم ألق ما ~~ألقى فضمير ليتها للموتة، ويجوز أن يكون لما شاهده من ~~الحالة أي يا ليت هذه الحالة كانت الموتة التي قضت علي لما ~~أنه وجدها أمر من الموت فتمناه عندها وقد جوز أن يكون ~~للحياة الدنيا أي يا ليت الحياة الدنيا كانت الموتة ولم أخلق ~~حيا. ### || [69.28-36] # { ما أغنى عنى ماليه } ما لي من المال والأتباع على أن ~~ما نافية والمفعول محذوف أو استفهامية للإنكار أي أي شيء أغنى ~~عني ما كان لي من اليسار. { هلك عنى سلطنيه } أي ملكي ~~وتسلطي على الناس أو حجتي التي كنت أحتج بها في الدنيا أو ~~تسلطي على القوى والآلات فعجزت عن استعمالها في العبادات. # { خذوه } حكاية لما يقوله الله تعالى يومئذ لخزنة النار { ~~فغلوه } أي شدوه بالأغلال { ثم ms3250 الجحيم صلوه } أي لا ~~تصلوه إلا الجحيم وهي النار العظيمة ليكون الجزاء على وفق ~~المعصية حيث كان يتعاظم على الناس { ثم فى سلسلة ذرعها ~~} أي طولها { سبعون ذراعا فاسلكوه } فأدخلوه فيها بأن ~~تلفوها على جسده فهو فيما بينها مرهق لا يستطيع حراكا ما ~~وتقديم السلسلة كتقديم الجحيم للدلالة على الاختصاص والاهتمام ~~بذكر ألوان ما يعذب به وثم لتفاوت ما بين الغل والتصلية وما ~~بينهما وبين السلك في السلسلة في الشدة. { إنه كان لا ~~يؤمن بالله العظيم } تعليل بطريق الاستئناف التحقيقي ~~ووصفه تعالى بالعظم للإيذان بأنه المستحق للعظمة فحسب، ~~فمن نسبها إلى نفسه استحق أعظم العقوبات { ولا يحض ~~على طعام المسكين } ولا يحث على بذل طعامه أو على ~~إطعامه فضلا أن يبذل من ماله، وقيل ذكر الحض للتنبيه على ~~أن تارك الحض بهذه المنزلة فما ظنك بتارك الفعل، وفيه ~~دلالة على أن الكفار مخاطبون بالفروع في حق المؤاخذة. قالوا ~~تخصيص الأمرين بالذكر لما أن أقبح العقائد الكفر وأشنع الرذائل ~~البخل وقسوة القلب. { فليس له اليوم ههنا حميم } ~~أي قريب يحميه ويدفع عنه ويحزن عليه لأن أولياءه يتحامونه ~~ويفرون منه { ولا طعام إلا من غسلين } أي من غسالة ~~أهل النار وصديدهم فعلين من الغسل. ### || [69.37-44] # { لا يأكله إلا الخطئون } أصحاب الخطايا، من ~~خطىء الرجل إذا تعمد الذنب لا من الخطإ المقابل للصواب دون ~~المقابل للعمد، عن ابن عباس رضي الله عنهما أنهم المشركون ~~وقرىء الخاطيون بإبدال الهمزة ياء وقرىء بطرحها وقد ~~جوز أن يراد بهم الذين يتخطون الحق إلى الباطل ويتعدون ~~حدود الله. # { فلا أقسم } أي فأقسم على أن لا مزيدة للتأكيد وأما ~~حمله على معنى نفي الإقسام لظهور الأمر واستغنائه عن التحقيق ~~فيرده تعيين المقسم به بقوله تعالى: { بما تبصرون وما ~~لا تبصرون } كما مر في سورة الواقعة أي أقسم بالمشاهدات ~~والمغيبات وقيل بالدنيا والآخرة وقيل بالأجسام والأرواح والإنس ~~والجن والخلق والخالق والنعم الظاهرة والباطنة، والأول منتظم ~~للكل { أنه } أي القرآن { لقول رسول } يبلغه عن الله ~~تعالى فإن الرسول لا يقول ms3251 عن نفسه { كريم } على الله تعالى ~~وهو النبي أو جبريل عليهما السلام { وما هو بقول شاعر ~~} كما تزعمون تارة { قليلا ما تؤمنون } إيمانا قليلا ~~تؤمنون { ولا بقول كاهن } كما تدعون ذلك تارة أخرى { ~~قليلا ما تذكرون } أي تذكرا قليلا أو زمانا قليلا ~~تتذكرون على أن القلة بمعنى النفي أي لا تؤمنون ولا تتذكرون ~~أصلا، قيل ذكر الإيمان مع نفي الشاعرية والتذكر مع نفي ~~الكاهنية لما أن عدم مشابهة القرآن الشعر أمر بين لا ينكره ~~إلا معاند بخلاف مباينته للكهانة فإنها تتوقف على تذكر أحواله ~~عليه الصلاة والسلام ومعاني القرآن المنافية لطريقة ~~الكهنة ومعاني أقوالهم، وأنت خبير بأن ذلك أيضا مما لا ~~يتوقف على تأمل قطعا وقرىء بالياء فيهما { تنزيل من رب ~~العلمين } نزله على لسان جبريل عليه السلام { ولو ~~تقول علينا بعض الاقاويل } سمي الافتراء تقولا ~~لأنه قول متكلف والأقوال المفتراة أقاويل تحقيرا لها كأنها ~~جمع أفعولة من القول كالأضاحيك، جمع أضحوكة. ### || [69.45-52] # { لأخذنا منه باليمين } أي بيمينه { ثم لقطعنا ~~منه الوتين } أي نياط قلبه بضرب عنقه وهو تصوير لإهلاكه ~~بأفظع ما يفعله الملوك بمن يغضبون عليه وهو أن يأخد القتال ~~بيمينه ويكفحه بالسيف ويضرب عنقه وقيل اليمين بمعنى القوة قال ~~قائلهم: # إذا ما راية رفعت لمجد # تلقاها عرابة باليمين # { فما منكم } أيها الناس { من أحد عنه } عن القتل أو ~~المقتول { حجزين } دافعين وصف لأحد فإنه عام { وإنه ~~} أي وإن القرآن { لتذكرة للمتقين } لأنهم المنتفعون ~~به { وإنا لنعلم أن منكم مكذبين } فنجازيهم على ~~تكذيبهم { وإنه لحسرة على الكفرين } عند ~~مشاهداتهم لثواب المؤمنين { وإنه لحق اليقين } الذي لا ~~يحوم حوله ريب ما { فسبح باسم ربك العظيم } أي فسبح ~~بذكر اسمه العظيم تنزيها له عن الرضا بالتقول عليه وشكرا على ~~ما أوحي إليك. عن النبي صلى الله عليه وسلم: # " من قرأ سورة الحاقة حاسبه الله حسابا يسيرا ". ### | [70 - سورة المعارج] ### || [70.1-4] # مكية وآيها أربع وأربعون # { سأل سائل } أي دعا داع { بعذاب واقع } أي استدعاه ~~وطلبه وهو النضر بن الحارث حيث قال إنكارا ms3252 واستهزاء: # إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ~~ائتنا بعذاب أليم # [الأنفال، الآية 32]، وقيل أبو جهل حيث قال أسقط علينا كسفا من ~~السماء، وقيل هو الحارث بن النعمان الفهري وذلك أنه لما بلغه ~~قول رسول الله صلى الله عليه وسلم في علي رضي الله عنه # " من كنت مولاه فعلي مولاه " # قال اللهم إن كان ما يقول محمد حقا فأمطر علينا حجارة من ~~السماء، فما لبث حتى رماه الله تعالى بحجر فوقع على دماغه ~~فخرج من أسفله فهلك من ساعته، وقيل هو الرسول عليه الصلاة ~~والسلام استعجل عذابهم. وقرىء سأل، وهو إما من السؤال ~~على لغة قريش فالمعنى ما مر أو من السيلان، ويؤيده أنه ~~قرىء سال سيل أي اندفع واد بعذاب واقع. وصيغة الماضي للدلالة ~~على تحقق وقوعه إما في الدنيا وهو عذاب بوم بدر فإن النضر ~~قتل يومئذ صبرا، وقد مر حال الفهري، وإما في الآخرة فهو ~~عذاب النار والله أعلم. { للكفرين } صفة أخرى لعذاب أي ~~كائن للكافرين، أو صلة لواقع، أو متعلق بسأل أي دعا للكافرين ~~بعذاب واقع. وقوله تعالى: { ليس له دافع } صفة أخرى ~~لعذاب، أو حال منه لتخصصه بالصفة أو بالعمل أو من الضمير في ~~للكافرين على تقدير كونه صفة لعذاب أو استئناف { من الله } ~~متعلق بواقع أو بدافع أي ليس له دافع من جهته تعالى: { ذي ~~المعارج } ذي المصاعد التي يصعد فيها الملائكة بالأوامر ~~والنواهي أو هي عبارة عن السموات المترتبة بعضها فوق بعض { ~~تعرج الملئكة والروح } أي جبريل عليه السلام، أفرد ~~بالذكر لتميزه وفضله وقيل الروح خلق هم حفظة على الملائكة كما ~~أن الملائكة حفظة على الناس. { إليه } إلى عرشه تعالى وإلى ~~حيث تهبط منه أوامره تعالى وقيل هو من قبيل قول إبراهيم عليه ~~السلام: # إنى ذاهب إلى ربى # [سورة الصافات، الآية 99] أي إلى حيث أمرني به. # { فى يوم كان مقداره خمسين ألف سنة } مما يعده ~~الناس وهو بيان لغاية ارتفاع تلك المعارج وبعد مداها على ~~منهاج التمثيل ms3253 والتخييل، والمعنى أنها من الارتفاع بحيث لو ~~قدر قطعها في زمان لكان ذلك الزمان مقدار خمسين ألف سنة من ~~سني الدنيا، وقيل معناه تعرج الملائكة والروح إلى عرشه ~~تعالى في يوم كان مقداره كمقدار خمسين ألف سنة أي يقطعون في ~~يوم ما يقطعه الإنسان في خمسين ألف سنة لو فرض ذلك، وقيل في ~~يوم متعلق بواقع، وقيل بسال على تقدير كونه من السيلان، ~~فالمراد به يوم القيامة، واستطالته إما لأنه كذلك في الحقيقة ~~أو لشدته على الكفار أو لكثرة ما فيه من الحالات والمحاسبات، ~~وأيا ما كان فذلك في حق الكافر وأما في حق المؤمن فلا، ~~لما روى أبو سعيد الخدري رضي الله عنه أنه قيل لرسول الله ~~صلى الله عليه وسلم ما أطول هذا اليوم، فقال عليه الصلاة ~~والسلام: # " والذي نفسي بيده أنه ليخف على المؤمن حتى إنه يكون ~~أخف من صلاة مكتوبة يصليها في الدنيا ". ### || [70.5-8] # قوله تعالى: { فاصبر صبرا جميلا } متعلق بسأل لأن ~~السؤال كان عن استهزاء وتعنت وتكذيب بالوحي، وذلك مما يضجره ~~عليه الصلاة والسلام أو كان عن تضجر واستبطاء للنصر، أو بسأل ~~سائل أو سال سيل فمعناه جاء العذاب لقرب وقوعه فقد شارفت ~~الانتقام. { إنهم يرونه } أي العذاب الواقع أو يوم ~~القيامة على تقدير تعلق «في يوم» بواقع { بعيدا } أي يستبعدونه ~~بطريق الإحالة فلذلك يسألون به { ونراه قريبا } هينا في ~~قدرتنا غير بعيد علينا ولا متعذر على أن البعد والقرب ~~معتبران بالنسبة إلى الإمكان. والجملة تعليل للأمر بالصبر. وقوله ~~تعالى: { يوم تكون السماء كالمهل } متعلق بقريبا أي ~~يمكن ولا يتعذر في ذلك اليوم أو بمضمر دل عليه واقع أو بمضمر ~~مؤخر، أي يوم تكون السماء كالمهل الخ يكون من الأحوال والأهوال ~~ما لا يوصف، أو بدل من في يوم على تقدير تعلقه بواقع. هذا ما ~~قالوا ولعل الأقرب أن قوله تعالى سأل سائل حكاية لسؤالهم ~~المعهود على طريقة قوله تعالى: # يسئلونك عن الساعة # [سورة الأعراف، الآية 187] وقوله تعالى: # ويقولون متى هذا الوعد # [سورة يونس، الآية48] ms3254 ونحوهما إذ هو المعهود بالوقوع على الكافرين ~~لا ما دعا به النضر أو أبو جهل أو الفهري فالسؤال بمعناه ~~والباء بمعنى عن كما في قوله تعالى: # فاسأل به خبيرا # [سورة الفرقان، الآية 59] وقوله تعالى: # ليس له دافع # [سورة المعارج، الآية 2] الخ استئناف مسوق لبيان وقوع المسؤول ~~عنه لا محالة وقوله تعالى: { فاصبر صبرا جميلا } [سورة ~~المعارج، الآية 5] مترتب عليه وقوله تعالى: { إنهم يرونه ~~بعيدا ونراه قريبا } [سورة المعارج، الآية 6، 7] تعليل للأمر ~~بالصبر كما ذكر. وقوله تعالى: { يوم تكون } [سورة المعارج، ~~الآية 8] الخ متعلق بليس له دافع أو بما يدل هو عليه أي يقع يوم ~~تكون السماء كالمهل، وهو ما أذيب على مهل من الفلزات وقيل ~~دردي الزيت. ### || [70.9-15] # { وتكون الجبال كالعهن } كالصوف المصبوغ ألوانا ~~لاختلاف ألوان الجبال منها # جدد بيض وحمر مختلف ألونها وغرابيب سود # [سورة فاطر، الآية 27] فإذا بست وطيرت في الجو أشبهت العهن ~~المنفوش إذا طيرته الريح { ولا يسئل حميم حميما } أي لا ~~يسأل قريب قريبا عن أحواله ولا يكلمه لابتلاء كل منهم بما ~~يشغله عن ذلك. وقرىء على البناء للمفعول، أي لا يطلب من ~~حميم حميم أو لا يسأل منه حالة. { يبصرونهم } أي يبصر ~~الأحماء الأحماء فلا يخفون عليهم وما يمنعهم من التساؤل إلا ~~تشاغلهم بحال أنفسهم، وقيل ما يغني عنه من مشاهدة الحال ~~كبياض الوجه وسواده، والأول أدخل في التهويل. وجمع الضميرين ~~لعموم الحميم. وقرىء يبصرونهم، والجملة استئناف { يود ~~المجرم } أي يتمنى الكافر وقيل كل مذنب. وقوله تعالى: { ~~لو يفتدي من عذاب يومئذ } أي العذاب الذي ابتلوا به ~~يومئذ { ببنيه * وصحبته وأخيه } حكاية لودادتهم. ~~ولو في معنى التمني، وقيل هي بمنزلة أن الناصبة فلا يكون لها ~~جواب وينسبك منها ومما بعدها مصدر يقع مفعولا ليود والتقدير ~~يود افتداءه ببنيه الخ. والجملة استئناف لبيان أن اشتغال ~~كل مجرم بنفسه بلغ إلى حيث يتمنى أن يفتدي بأقرب الناس إليه ~~وأعلقهم بقلبه فضلا أن يهتم بحاله ويسأل عنها. وقرىء ~~يومئذ بالفتح على البناء للإضافة إلى غير متمكن، وبتنوين عذاب ms3255 ~~ونصب يومئذ وانتصابه بعذاب لأنه في معنى تعذيب. # { وفصيلته } أي عشيرته التي فصل عنهم { التى تؤويه } ~~أي تضمنه في النسب أو عند الشدائد { ومن فى الأرض جميعا } ~~من الثقلين والخلائق ومن للتغليب { ثم ينجيه } عطف على ~~يفتدي أو يود لو يفتدي ثم لو ينجيه الافتداء، وثم لاستبعاد ~~الإنجاء، يعني يتمنى لو كان هؤلاء جميعا تحت يده وبذلهم في ~~فداء نفسه ثم ينجيه ذلك وهيهات { كلا } ردع للمجرم عن ~~الودادة وتصريح بامتناع إنجاء الافتداء، وضمير { إنها } إما ~~للنار المدلول عليها بذكر العذاب أو هو مبهم ترجم عند الخبر ~~الذي هو قوله تعالى: { لظى } وهي علم للنار منقول من اللظى ~~بمعنى اللهب. ### || [70.16-24] # { نزاعة للشوى } نصب على الاختصاص، أو حال مؤكدة والشوى ~~الأطراف أو جمع شواة وهي جلدة الرأس. وقرىء نزاعة بالرفع على ~~أنه خبر ثان لأن أو هو الخبر ولظى بدل من الضمير، أو ~~الضمير للقصة ولظى مبتدأ ونزاعة خبره { تدعوا } أي تجذب ~~وتحضر وقيل تدعو وتقول لهم إلي إلي يا كافر يا منافق وقيل ~~تدعو المنافقين والكافرين بلسان فصيح ثم تلتقطهم التقاط الحب، ~~وقيل تدعو تهلك، وقيل تدعو زبانيتها { من أدبر } أي عن ~~الحق { وتولى } أعرض عن الطاعة { وجمع فأوعى } أي جمع ~~المال فجعله في وعاء وكنزه ولم يؤد زكاته وحقوقه وتشاغل به ~~عن الدين وزهى باقتنائه حرصا وتأميلا { إن الإنسن خلق ~~هلوعا } الهلع سرعة الجزع عند مس المكروه وسرعة المنع عند ~~مس الخير وقد فسره أحسن تفسير قوله تعالى: { إذا مسه ~~الشر } أي الفقر والمرض ونحوهما { جزوعا } أي مبالغا في ~~الجزع مكثرا منه { وإذا مسه الخير } أي السعة والصحة ~~{ منوعا } مبالغا في المنع والإمساك. والأوصاف الثلاثة أحوال ~~مقدرة أو محققة لأنها طبائع جبل الإنسان عليها. وإذا الأولى ظرف ~~لجزوعا والثانية لمنوعا { إلا المصلين } استثناء للمتصفين ~~بالنعوت الجليلة الآتية من المطبوعين على القبائح الماضية لأنباء ~~نعوتهم عن الاستغراق في طاعة الحق والإشفاق على الخلق والإيمان ~~بالجزاء والخوف من العقوبة وكسر الشهوة وإيثار الآجل على العاجل ~~على خلاف القبائح المذكورة الناشئة ms3256 من الانهماك في حب العاجلة ~~وقصر النظر عليه. # { الذين هم على صلاتهم دائمون } لا يشغلهم عنها ~~شاغل { والذين فى أمولهم حق معلوم } أي نصيب معين ~~يستوجبونه على أنفسهم تقربا إلى الله تعالى وإشفاقا على الناس ~~من الزكاة المفروضة والصدقات الموظفة. ### || [70.25-34] # { للسائل } للذي يسأله { والمحروم } الذي لا يسأله ~~فيظن أنه غني فيحرم { والذين يصدقون بيوم الدين } ~~أي بأعمالهم حيث يتعبون أنفسهم في الطاعات البدنية والمالية ~~طمعا في المثوبة الأخروية بحيث يستدل بذلك على تصديقهم بيوم ~~الجزاء { والذين هم من عذاب ربهم مشفقون } خائفون ~~على أنفسهم مع ما لهم من الأعمال الفاضلة استقصارا لها ~~واستعظاما لجنابه عز وجل كقوله تعالى: # والذين يؤتون ما ءاتوا وقلوبهم وجلة أنهم ~~إلى ربهم رجعون # [سورة المؤمنون، الآية 60] وقوله تعالى: { إن عذاب ربهم ~~غير مأمون } اعتراض مؤذن بأنه لا ينبغي لأحد أن يأمن عذابه ~~تعالى وإن بالغ في الطاعة { والذين هم لفروجهم ~~حفظون * إلا على أزوجهم أو ما ملكت ~~أيمنهم فإنهم غير ملومين } سلف تفسيره في سورة ~~المؤمنين { فمن ابتغى } أي طلب لنفسه { وراء ذلك } وراء ~~ما ذكر من الأزواج والمملوكات { فأولئك } المبتغون { هم ~~العادون } المتعدون لحدود الله تعالى { والذين هم ~~لامنتهم وعهدهم رعون } لا يخلون بشيء من ~~حقوقها { والذين هم بشهدتهم قائمون } أي مقيمون ~~لها بالعدل إحياء لحقوق الناس وتخصيصها بالذكر مع اندراجها في ~~الأمانات لإبانة فضلها وقرىء لأمانتهم وبشهادتهم، على إرادة ~~الجنس { والذين هم على صلاتهم يحافظون } أي يراعون ~~شرائطها ويكملون فرائضها وسننها ومستحباتها وآدابها، وتكرير ~~ذكر الصلاة ووصفهم بها أولا وآخرا باعتبارين للدلالة على ~~فضلها وإنافتها على سائر الطاعات. وتكرير الموصولات لتنزيل ~~اختلاف الصفات منزلة اختلاف الذوات، كما في قول من قال: # إلى الملك القرم وابن الهمام # وليث الكتائب في المزدحم # إيذانا بأن كل واحد من الأوصاف المذكورة نعت جليل على حياله ~~له شأن خطير مستتبع لأحكام جمة حقيق بأن يفرد له موصوف ~~مستقل ولا يجعل شيء منها تتمة للآخر. ### || [70.35-41] # { أولئك } إشارة إلى الموصوفين بما ذكر من الصفات، وما ~~فيه من معنى ms3257 البعد مع قرب العهد بالمشار إليهم للإيذان بعلو ~~شأنهم وبعد منزلتهم في الفضل وهو مبتدأ خبره { في جنت } ~~أي مستقرون في جنات لا يقادر قدرها ولا يدرك كنهها. وقوله ~~تعالى: { مكرمون } خبر آخر، أو هو الخبر وفي جنات متعلق به ~~قدم عليه لمراعاة الفواصل، أو بمضمر هو حال من الضمير في ~~الخبر أي مكرمون كائنين في جنات. # { فمال الذين كفروا قبلك } حولك { مهطعين } ~~مسرعين نحوك مادي أعناقهم إليك مقبلين بأبصارهم عليك { عن ~~اليمين وعن الشمال عزين } أي فرقا شتى جمع عزة، ~~وأصلها عزوة من العز، وكأن كل فرقة تعتزي إلى غير من ~~تعتزي إليه الأخرى، كان المشركون يحلقون حول رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم حلقا حلقا وفرقا فرقا ويستهزئون بكلامه عليه ~~الصلاة والسلام ويقولون إن دخل هؤلاء الجنة كما يقول محمد ~~فلندخلنها قبلهم فنزلت { أيطمع كل امرىء منهم أن ~~يدخل جنة نعيم } بلا إيمان { كلا } ردع لهم عن ذلك ~~الطمع الفارغ { إنا خلقنهم مما يعلمون } قيل هو ~~تعليل للردع والمعنى إنا خلقناهم من أجل ما يعلمون كما في قول ~~الأعشى: # أأزمعت من آل ليلى ابتكارا # وشطت على ذي هوى أن تزارا # وهو تكميل النفس بالإيمان والطاعة فمن لم يستكملها بذلك فهو ~~بمعزل من أن يبوأ مبوأ الكاملين فمن أين لهم أن يطمعوا في دخول ~~الجنة وهم مكبون على الكفر والفسوق وإنكار البعث، وقيل معناه ~~إنا خلقناهم مما يعلمون من نطفة مذرة فمن أين يتشرفون ويدعون ~~التقدم ويقولون لندخلن الجنة قبلهم، وقيل إنهم مخلوقون من نطفة ~~قذرة لا تناسب عالم القدس فمتى لم تستكمل الإيمان والطاعة ولم ~~تتخلق بالأخلاق الملكية لم تستعد لدخولها ولا يخفى ما في ~~الكل من التمحل والأقرب أنه كلام مستأنف قد سبق تمهيدا لما ~~بعده من بيان قدرته تعالى على أن يهلكهم لكفرهم بالبعث ~~والجزاء واستهزائهم برسول الله صلى الله عليه وسلم وبما نزل عليه ~~من الوحي وادعائهم دخول الجنة بطريق السخرية وينشىء بدلهم ~~قوما آخرين فإن قدرته تعالى على ما يعلمون من النشأة الأولى ~~حجة ms3258 بينة على قدرته تعالى على ذلك كما يفصح عنه الفاء ~~الفصيحة في قوله تعالى: { فلا أقسم برب المشرق ~~والمغرب } والمعنى إذا كان الأمر كما ذكر من أنا ~~خلقناهم مما يعلمون فأقسم برب المشارق والمغارب. { إنا ~~لقدرون * على أن نبدل خيرا منهم } أي نهلكهم ~~بالمرة حسبما تقتضيه جناياتهم ونأتي بدلهم بخلق آخرين ليسوا ~~على صفتهم { وما نحن بمسبوقين } بمغلوبين إن أردنا ~~ذلك لكن مشيئتنا المبنية على الحكم البالغة اقتضت تأخير ~~عقوباتهم. ### || [70.42-44] # { فذرهم } فخلهم وشأنهم { يخوضوا } في باطلهم الذي من ~~جملته ما حكي عنهم { ويلعبوا } في دنياهم { حتى ~~يلقوا يومهم الذى يوعدون } وهو يوم البعث عند ~~النفخة الثانية لا يوم النفخة الأولى كما توهم فإن قوله ~~تعالى: { يوم يخرجون من الأجداث } بدل من يومهم. ~~وقرىء يخرجون على البناء للمفعول من الإخراج { سراعا } حال ~~من مرفوع يخرجون أي مسرعين { كأنهم إلى نصب } وهو كل ما ~~نصب فعبد من دون الله تعالى. وقرىء بسكون الصاد، وبفتح ~~النون وسكون الصاد أيضا. { يوفضون } يسرعون { خشعة ~~أبصرهم } وصفت أبصارهم بالخشوع مع أنه وصف الكل لغاية ~~ظهور آثاره فيها { ترهقهم ذلة } تغشاهم ذلة شديدة { ~~ذلك } الذي ذكر ما سيقع فيه من الأحوال الهائلة { اليوم ~~الذى كانوا يوعدون } في الدنيا. # عن النبي صلى الله عليه وسلم: # " من قرأ سورة سأل سائل أعطاه الله ثواب الذين هم لأماناتهم ~~وعهدهم راعون ". ### | [71 - سورة نوح] ### || [71.1-4] # مكية، وآيها تسع أو ثماني وعشرون # { إنا أرسلنا نوحا إلى قومه أن أنذر قومك } ~~أي بأن أنذرهم، على أن أن مصدرية حذف منها الجار وأوصل ~~إليها الفعل، فإن حذفه مع أن وأن مطرد، وجعلت صلتها أمرا ~~كما في قوله تعالى: # وأن أقم وجهك # [سورة يونس، الآية 105] لأن مدار وصلها بصيغ الأفعال دلالتها ~~على المصدر وذلك لا يختلف بالخبرية والإنشائية، ووجوب كون الصلة ~~خبرية في الموصول الإسمي إنما هو للتوصل إلى وصف المعارف ~~بالجمل وهي لا توصف إلا بالجمل الخبرية، وليس الموصول الحرفي ~~كذلك وحيث استوى الخبر والإنشاء في الدلالة على المصدر استويا في ~~صحة الوصل ms3259 بهما فيتجرد عند ذلك كل منهما عن المعنى الخاص ~~بصيغته فيبقى الحدث المجرد عن معنى الأمر والنهي والمضي ~~والاستقبال، كأنه قيل أرسلناه بالإنذار، وقيل المعنى أرسلناه ~~بأن قلنا له أنذر أي أرسلناه بالأمر بالإنذار، ويجوز أن تكون ~~أن مفسرة لما في الإرسال من معنى القول فلا يكون للجملة محل من ~~الإعراب، وعلى الأول محلها النصب عند سيبويه والفراء، والجر ~~عند الخليل والكسائي كما هو المعروف. وقرىء أنذر بغير أن ~~على إرادة القول. { من قبل أن يأتيهم عذاب أليم } ~~عاجل أو آجل لئلا يبقى لهم عذر ما أصلا. { قال } استئناف ~~مبني على سؤال نشأ من حكاية إرساله عليه الصلاة والسلام ~~بالوجه المذكور كأنه قيل ما فعل عليه الصلاة والسلام فقيل ~~قال لهم: { يقوم إنى لكم نذير مبين } منذر موضح ~~لحقيقة الأمر. وقوله تعالى: { أن اعبدوا الله واتقوه ~~وأطيعون } متعلق بنذير على الوجهين المذكورين { يغفر لكم ~~من ذنوبكم } أي بعض ذنوبكم وهو ما سلف في الجاهلية فإن ~~الإسلام يجبه { ويؤخركم إلى أجل مسمى } هو الأمد ~~الأقصى الذي قدره الله تعالى لهم بشرط الإيمان والطاعة وراء ما ~~قدره لهم على تقدير بقائهم على الكفر والعصيان فإن وصف ~~الأجل بالمسمى، وتعليق تأخيرهم إليه بالإيمان والطاعة صريح في ~~أن لهم أجلا آخر لا يجاوزونه إن لم يؤمنوا وهو المراد بقوله ~~تعالى: { إن أجل الله } أي ما قدر لكم على تقدير بقائكم ~~على الكفر { إذا جاء } وأنتم على ما أنتم عليه من الكفر { لا ~~يؤخر } فبادروا إلى الإيمان والطاعة قبل مجيئه حتى لا ~~يتحقق شرطه الذي هو بقاؤكم على الكفر فلا يجيء، ويتحقق شرط ~~التأخير إلى الأجل المسمى فتؤخروا إليه ويجوز أن يراد به وقت ~~إتيان العذاب المذكور في قوله تعالى: { من قبل أن ~~يأتيهم عذاب أليم } فإنه أجل موقت له حتما وحمله ~~على الأجل الأطول مما لا يساعده المقام كيف لا والجملة تعليل ~~للأمر بالعبادة المستتبعة للمغفرة والتأخير إلى الأجل المسمى فلا ~~بد أن يكون المنفي عند مجيء الأجل هو التأخير الموعود فكيف ~~يتصور أن ms3260 يكون ما فرض مجيئه هو الأجل المسمى. { لو كنتم ~~تعلمون } أي لو كنتم تعلمون شيئا لسارعتم إلى ما أمرتكم به. ### || [71.5-9] # { قال } أي نوح عليه الصلاة والسلام مناجيا ربه وحاكيا ~~له تعالى وهو أعلم بحاله ما جرى بينه وبين قومه من القيل ~~والقال في تلك المدد الطوال بعد ما بذل في الدعوة غاية المجهود ~~وجاوز في الإنذار كل حد معهود وضاقت عليه الحيل وعيت به ~~العلل. { رب إنى دعوت قومى } إلى الإيمان والطاعة { ~~ليلا ونهارا } أي دائما من غير فتور ولا توان { فلم ~~يزدهم دعائى إلا فرارا } مما دعوتهم إليه وإسناد ~~الزيادة إلى الدعاء لسببيته لها كما في قوله تعالى: # زادتهم إيمنا # [سورة الأنفال، الآية 2] { وإنى كلما دعوتهم } أي إلى ~~الإيمان { لتغفر لهم } بسببه { جعلوا أصبعهم فى ~~ءاذنهم } أي سدوا مسامعهم من استماع الدعوة { ~~واستغشوا ثيابهم } أي بالغوا في التغطي بها كأنهم ~~طلبوا أن تغشاهم ثيابهم أو تغشيهم لئلا يبصروه كراهة النظر ~~إليه أو لئلا يعرفهم فيدعوهم { وأصروا } أي أكبوا على ~~الكفر والمعاصي مستعار من أصر الحمار على العانة إذا أصر ~~أذنيه وأقبل عليها { واستكبروا } عن اتباعي وطاعتي { ~~استكبارا } شديدا { ثم إنى دعوتهم جهرا * ثم ~~إنى أعلنت لهم وأسررت لهم إسرارا } أي دعوتهم ~~تارة جهرا ومرة غب مرة على وجوه متخالفة وأساليب متفاوتة، ~~وثم لتفاوت الوجوه فإن الجهار أشد من الإسرار، والجمع ~~بينهما أغلظ من الإفراد أو لتراخي بعضها عن بعض، وجهارا ~~منصوب بدعوتهم على المصدر لأنه أحد نوعي الدعاء أو أريد ~~بدعوتهم جاهرتهم أو هو صفة لمصدر أي دعوتهم دعاء جهارا أي ~~مجاهرا به أو مصدر في موقع الحال أي مجاهرا. ### || [71.10-14] # { فقلت استغفروا ربكم } بالتوبة عن الكفر والمعاصي ~~{ إنه كان غفارا } للتائبين كأنهم تعللوا وقالوا إن ~~كنا على الحق فكيف نتركه وإن كنا على الباطل فكيف يقبلنا ~~بعد ما عكفنا عليه دهرا طويلا فأمرهم بما يمحق ما سلف منهم من ~~المعاصي ويجلب إليهم المنافع ولذلك وعدهم بما هو أوقع في ~~قلوبهم وأحب إليهم من الفوائد العاجلة، وقيل لما ms3261 كذبوه بعد ~~تكرير الدعوة حبس الله تعالى عنهم القطر وأعقم أرحام نسائهم ~~أربعين سنة وقيل سبعين سنة فوعدهم أنهم إن آمنوا أن يرزقهم ~~الله تعالى الخصب ويدفع عنهم ما كانوا فيه { يرسل السماء ~~عليكم مدرارا } أي كثير الدرور، والمراد بالسماء المظلة ~~أو السحاب { ويمددكم بأمول وبنين ويجعل لكم ~~جنت } بساتين { ويجعل لكم } فيها { أنهارا } جارية ~~{ ما لكم لا ترجون لله وقارا } إنكار لأن يكون لهم ~~سبب ما في عدم رجائهم لله تعالى وقارا على أن الرجاء بمعنى ~~الاعتقاد، ولا ترجون حال من ضمير المخاطبين والعامل فيها معنى ~~الاستقرار في لكم على أن الإنكار متوجه إلى السبب فقط مع تحقق ~~مضمون الجملة الحالية لا إليهما معا كما في قوله تعالى: # وما لى لا أعبد الذى فطرنى # [سورة يس، الآية 22] ولله متعلق بمضمر وقع حالا من وقارا ولو ~~تأخر لكان صفة له أي أي سبب حصل لكم حال كونكم غير ~~معتقدين لله تعالى عظمة موجبة لتعظيمه بالإيمان به والطاعة له ~~{ وقد خلقكم أطوارا } أي والحال أنكم على حال منافية لما ~~أنتم عليه بالكلية وهي أنكم تعلمون أنه تعالى خلقكم تارات ~~عناصر ثم أغذية ثم أخلاطا ثم نطفا ثم علقا ثم مضغا ثم عظاما ~~ولحوما ثم أنشأ كم خلقا آخر فإن التقصير في توقير من هذه شؤونه ~~في القدرة القاهرة والإحسان التام مع العلم بها مما لا يكاد ~~يصدر عن العاقل. هذا وقد قيل الرجاء بمعنى الأمل أي ما لكم لا ~~تؤملون له تعالى توقيرا أي تعظيما لمن عبده وأطاعه ولا ~~تكونون على حال تؤملون فيها تعظيم الله تعالى إياكم في دار ~~الثواب، ولله بيان للموقر ولو تأخر لكان صلة للوقار والأول هو ~~الذي تستدعيه الجزالة التنزيلية فإن اللائق بحال الكفرة استبعاد ~~أن لا يعتقدوا وقارا لله تعالى وعظمته مع مشاهدتهم لآثارها ~~وأحكامها الموجبة للاعتقاد حتما، وأما عدم رجائهم لتعظيم ~~الله إياهم في دار الثواب فليس في حيز الاستبعاد والإنكار مع ~~أن في جعل الوقار بمعنى التوقير من التعسف، وفي قوله ولله ~~بيان ms3262 للموقر ولو تأخر لكان صلة للوقار من التناقض ما لا يخفى ~~فإن كونه بيانا للموقر يقتضي أن يكون التوقير صادرا عنه ~~تعالى والوقار وصفا للمخاطبين وكونه صلة للوقار يوجب كون ~~الوقار وصفا له تعالى وقيل ما لكم لا تخافون لله عظمة وقدرة على ~~أخذكم بالعقوبة أي أي عذر لكم في ترك الخوف منه تعالى. وعن ~~سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما ما لكم لا ~~تخشون لله عقابا ولاترجون منه ثوابا، وعن مجاهد والضحاك ما ~~لكم لا تبالون لله عظمة، قال قطرب هي لغة حجازية يقولون لم ~~أرج أي لم أبال. ### || [71.15-19] # وقوله تعالى: # { ألم تروا كيف خلق الله سبع سموات طباقا } ~~أي متطابقة بعضها فوق بعض { وجعل القمر فيهن نورا } أي ~~منورا لوجه الأرض في ظلمة الليل، ونسبته إلى الكل مع ~~أنه في السماء الدنيا لما أنها محاطة بسائر السموات فما فيها ~~يكون في الكل أو لأن كل واحدة منها شفافة لا تحجب ما ~~وراءها فيرى الكل كأنها سماء واحدة ومن ضرورة ذلك أن يكون ما ~~في واحدة منها كأنه في الكل { وجعل الشمس سراجا } ~~يزيل ظلمة الليل ويبصر أهل الدنيا في ضوئها وجه الأرض ~~ويشاهدون الآفاق كما يبصر أهل البيت في ضوء السراج ما يحتاجون ~~إلى إبصاره وليس القمر بهذه المثابة إنما هو نور في الجملة { ~~والله أنبتكم من الأرض نباتا } أي أنشأكم منها ~~فاستعير الإنبات للإنشاء لكونه أدل على الحدوث والتكون من ~~الأرض، ونباتا إما مصدر مؤكد لأنبتكم بحذف الزوائد ويسمى اسم ~~مصدر أو لما يترتب عليه من فعله أي أنبتكم من الأرض فنبتم ~~نباتا ويجوز أن يكون الأصل أنبتكم من الأرض إنباتا فنبتم نباتا ~~فيحذف من الجملة الأولى المصدر ومن الثانية الفعل اكتفاء في كل ~~منهما بما ذكر في الأخرى كما مر في قوله تعالى: # أم تريدون أن تسئلوا رسولكم كما سئل موسى # [سورة البقرة، الآية 108] وقوله تعالى: # وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو وإن ~~يردك بخير فلا راد لفضله # [سورة ms3263 الأنعام، الآية 17]. { ثم يعيدكم فيها } بالدفن عند ~~موتكم { ويخرجكم } منها عند البعث والحشر { إخراجا } ~~محققا لا ريب فيه { والله جعل لكم الأرض بساطا } ~~تتقلبون عليها تقلبكم على بسطكم في بيوتكم، وتوسيط لكم بين ~~الجعل ومفعوليه مع أن حقه التأخير لما مر مرارا من الاهتمام ~~ببيان كون المجعول من منافعهم والتشويق إلى المؤخر فإن النفس ~~عند تأخير ما حقه التقديم لا سيما عند كون المقدم ملوحا ~~بكونه من المنافع تبقى مترقبة له فيتمكن عند وروده لها فضل ~~تمكن. ### || [71.20-24] # { لتسلكوا منها سبلا فجاجا } أي طرقا واسعة جمع فج ~~وهو الطريق الواسع وقيل هو المسلك بين الجبلين، ومن متعلقة بما ~~قبلها لما فيه من معنى الاتخاذ أو بمضمر هو حال من سبلا أي ~~كائنة من الأرض ولو تأخر لكان صفة لها. # { قال نوح } أعيد لفظ الحكاية لطول العهد بحكاية مناجاته ~~لربه، أي قال مناجيا له تعالى: { رب إنهم عصونى } ~~أي تموا على عصياني فيما أمرتهم به مع ما بالغت في إرشادهم ~~بالعظة والتذكير. { واتبعوا من لم يزده ماله ~~وولده إلا خسارا } أي واستمروا على اتباع رؤسائهم ~~الذين أبطرتهم أموالهم وغرتهم أولادهم وصار ذلك سببا ~~لزيادة خسارهم في الآخرة فصاروا أسوة لهم في الخسار، وفي وصفهم ~~بذلك إشعار بأنهم إنما اتبعوهم لوجاهتهم الحاصلة لهم ~~بسبب الأموال والأولاد لما شاهدوا فيهم من شبهة مصححة للاتباع ~~في الجملة. وقرىء وولده بالضم والسكون على أنه لغة كالحزن ~~أو جمع كالأسد. { ومكروا } عطف على صلة من والجمع باعتبار ~~معناها كما أن الإفراد في الضمائر الأول باعتبار لفظها { ~~مكرا كبارا } أي كبيرا في الغاية وقرىء بالتخفيف والأول ~~أبلغ منه وهو أبلغ من الكبير وذلك احتيالهم في الدين ~~وصدهم للناس عنه وتحريشهم على أذية نوح عليه السلام { ~~وقالوا لا تذرن ءالهتكم } أي لا تتركوا عبادتها على ~~الإطلاق إلى عبادة رب نوح { ولا تذرن ودا ولا سواعا ~~ولا يغوث ويعوق ونسرا } أي ولا تذرن عبادة هؤلاء، ~~خصوها بالذكر مع اندراجها فيما سبق لأنها كانت أكبر أصنامهم ~~وأعظمها قدرا عندهم وقد ms3264 انتقلت هذه الأصنام عنهم إلى العرب ~~فكان ود لكلب وسواع لهمدان ويغوث لمذحج ويعوق لمراد ونسر ~~لحمير. وقيل هي أسماء رجال صالحين وكانوا بين أدم ونوح، ~~وقيل من أولاد آدم عليه السلام ماتوا فقال إبليس لمن بعدهم ~~لو صورتم صورهم فكنتم تنظرون إليهم وتتبركون بهم ففعلوا ~~فلما مات أولئك قال لمن بعدهم إنهم كانوا يعبدونهم ~~فعبدوهم، وقيل كان ود على صورة رجل، وسواع على صورة امرأة، ~~ويغوث على صورة أسد، ويعوق على صورة فرس، ونسر على صورة نسر. ~~وقرىء ودا بضم الواو ويغوثا ويعوقا للتناسب، ومنع صرفهما ~~للعجمة والعلمية. { وقد أضلوا } أي الرؤساء { كثيرا } ~~خلقا كثيرا، أو الأصنام كقوله تعالى: # رب إنهن أضللن كثيرا من الناس # [سورة إبراهيم، الآية 36]. { ولا تزد الظلمين إلا ~~ضلالا } عطف على قوله تعالى: { رب إنهم عصونى } على ~~حكاية كلام نوح بعد قال وبعد الواو النائبة عنه أي قال رب ~~إنهم عصوني، وقال لا تزد الظالمين إلا ضلالا. ووضع الظاهر ~~موضع ضميرهم للتسجيل عليهم بالظلم المفرط وتعليل الدعاء عليهم ~~به. والمطلوب هو الضلال في تمشية مكرهم ومصالح دنياهم أو ~~الضياع والهلاك كما في قوله تعالى: # إن المجرمين فى ضلل وسعر # [سورة القمر، الآية 47] ويؤيده ما سيأتي من دعائه عليه الصلاة ~~والسلام. ### || [71.25-28] # { مما خطيئتهم } أي من أجل خطيئاتهم، وما مزيدة بين ~~الجار والمجرور للتوكيد والتفخيم، ومن لم ير زيادتها جعلها ~~نكرة وجعل خطيئاتهم بدلا منها. وقرىء مما خطاياهم، ~~ومما خطياتهم أي بسبب خطيئاتهم المعدودة وغيرها من خطاياهم { ~~أغرقوا } بالطوفان لا بسبب آخر { فأدخلوا نارا } المراد ~~إما عذاب القبر فهو عقيب الإغراق، وإن كانوا في الماء. عن ~~الضحاك أنهم كانوا يغرقون من جانب ويحرقون من جانب أو ~~عذاب جهنم والتعقيب لتنزيله منزلة المتعقب لإغراقهم لاقترابه ~~وتحققه لا محالة وتنكير النار إما لتعظيمها وتهويلها، أو ~~لأنه تعالى أعد لهم على حسب خطيئاتهم نوعا من النار. { ~~فلم يجدوا لهم من دون الله أنصارا } أي لم يجد أحد ~~منهم واحدا من الأنصار، وفيه تعريض باتخاذهم آلهة من دون الله ~~تعالى ms3265 وبأنها غير قادرة على نصرهم، وتهكم بهم. { وقال ~~نوح رب لا تذر على الأرض من الكفرين ديارا } ~~عطف على نظيره السابق. وقوله تعالى: { مما خطيئتهم } ~~الخ. اعتراض وسط بين دعائه عليه الصلاة والسلام للإيذان من ~~أول الأمر، بأن ما أصابهم من الإغراق والإحراق لم يصبهم إلا ~~لأجل خطيئاتهم التي عددها نوح عليه السلام وأشار إلى ~~استحقاقهم للإهلاك لأجلها لا أنها حكاية لنفس الإغراق والإحراق ~~على طريقة حكاية ما جرى بينه عليه الصلاة والسلام ~~وبينهم من الأحوال والأقوال وإلا لأخر عن حكاية دعائه هذا. ~~وديارا من الأسماء المستعملة في النفي العام يقال ما بالدار ~~ديار أو ديور كقيام وقيوم، أي أحد وهو فيعال من ~~الدور أو من الدار أصله ديوار قد فعل به ما فعل ~~بأصل سيد، لا فعال وإلا لكان دوارا. # { إنك إن تذرهم } عليها كلا أو بعضا { يضلوا عبادك ~~} عن طريق الحق { ولا يلدوا إلا فاجرا كفارا } أي إلا ~~من سيفجر ويكفر فوصفهم بما يصيرون إليه وكأنه اعتذار مما عسى ~~يرد عليه من أن الدعاء بالاستئصال مع احتمال أن يكون من ~~أخلافهم من يؤمن منكر وإنما قاله لاستحكام علمه بما يكون ~~منهم ومن أعقابهم بعدما جربهم واستقرأ أحوالهم قريبا من ألف سنة { ~~رب اغفر لى ولولدى } أبوه لمك بن متوشلح وأمه ~~سمحاء بنت إنوش كانا مؤمنين، وقيل: هما آدم وحواء وقرىء ~~ولولدي يريد ساما وحاما { ولمن دخل بيتى } أي منزلي ~~وقيل: مسجدي وقيل: سفينتي { مؤمنا } بهذا القيد خرجت امرأته ~~وابنه كنعان ولكن لم يجزم عليه الصلاة والسلام بخروجه إلا ~~بعد ما قيل له: إنه ليس من أهلك وقد مر تفصيله في سورة هود، ~~الآية 36 { وللمؤمنين والمؤمنت } عمهم بالدعاء ~~إثر ما خص به من يتصل به نسبا ودينا { ولا تزد ~~الظلمين إلا تبارا } أي هلاكا قيل: غرق معهم صبيانهم ~~أيضا لكن لا على وجه العقاب لهم بل لتشديد عذاب آبائهم ~~وأمهاتهم بإراءة هلاك أطفالهم الذين كانوا أعز عليهم من ~~أنفسهم. قال عليه الصلاة والسلام: # " يهلكون مهلكا واحدا ويصدرون مصادر ms3266 شتى " # وعن الحسن أنه سئل عن ذلك فقال علم الله براءتهم فأهلكهم ~~بغير عذاب، وقيل: أعقم الله تعالى أرحام نسائهم وأيبس أصلاب ~~آبائهم قبل الطوفان بأربعين أو سبعين سنة فلم يكن معهم صبي ~~حين غرقوا. # عن النبي صلى الله عليه وسلم: # " من قرأ سورة نوح كان من المؤمنين الذين تدركهم دعوة نوح ~~عليه السلام ". ### | [72 - سورة الجن] ### || [72.1-2] # مكية وآيها ثمان وعشرون # { قل أوحى إلى } وقرىء أحي إلي أصله وحي وقد قرىء ~~كذلك من وحي إليه فقلبت الواو المضمومة همزة كأعد وأزن في ~~وعد ووزن { أنه } بالفتح لأنه فاعل أوحي والضمير للشأن { ~~استمع } أي القرآن كما ذكر في الأحقاف وقد حذف لدلالة ما بعده ~~عليه { نفر من الجن } النفر ما بين الثلاثة للعشرة، والجن ~~أجسام عاقلة خفية يغلب عليهم النارية أو الهوائية، وقيل: نوع ~~من الأرواح المجردة وقيل: هي النفوس البشرية المفارقة عن ~~أبدانها وفيه دلالة على أنه عليه الصلاة والسلام لم يشعر ~~بهم وباستماعهم ولم يقرأ عليهم وإنما اتفق حضورهم في بعض أوقات ~~قراءته فسمعوها فأخبره الله تعالى بذلك وقد مر ما فيه من التفصيل في ~~الأحقاف { فقالوا } لقومهم عند رجوعهم إليهم { إنا ~~سمعنا قرءانا } كتابا مقروءا { عجبا } بديعا مباينا ~~لكلام الناس في حسن النظم ودقة المعنى وهو مصدر وصف به للمبالغة { ~~يهدى إلى الرشد } إلى الحق والصواب { فئامنا به } أي ~~بذلك القرآن { ولن نشرك بربنا أحدا } حسبما نطق به ما ~~فيه من دلائل التوحيد. ### || [72.3-8] # { وأنه تعلى جد ربنا } بالفتح قالوا هو وما بعده ~~من الجمل المصدرة بأن في أحد عشر موضعا عطف على محل الجار ~~والمجرور في فآمنا به كأنه قيل: فصدقناه وصدقنا أنه تعالى جد ~~ربنا أي ارتفع عظمته، من جد فلان في عيني أي عظم تمكنه أو ~~سلطانه أو غناه على أنه مستعار من الجد الذي هو البخت ~~والمعنى وصفه بالاستغناء عن الصاحبة والولد لعظمته أو لسلطانه ~~لغناه وقرىء بالكسر وكذا الجمل المذكورة عطفا على المحكي بعد ~~القول وهو الأظهر لوضوح اندارج كلها تحت القول، ms3267 وأما اندارج ~~الجمل الآتية تحت الإيمان والتصديق كما يقتضيه العطف على محل ~~الجار والمجرور ففيه إشكال كما ستحيط به خبرا وقوله تعالى { ~~ما اتخذ صحبة ولا ولدا } بيان لحكم تعالي جده ~~وقرىء جدا ربنا على التمييز وجد ربنا بالكسر أي صدق ~~ربوبيته وحق إلهية عن اتخاذ الصاحبة والولد، وذلك أنهم ~~لما سمعوا القرآن ووفقوا للتوحيد والإيمان تنبهوا للخطأ فيما ~~اعتقده كفرة الجن من تشبيه الله تعالى بخلقه في اتخاذ الصاحبة ~~والولد فاستعظموه ونزهوه تعالى عنه. # { وأنه كان يقول سفيهنا } أي إبليس أو مردة الجن { ~~على الله شططا } أي قولا ذا شطط أي بعد عن القصد ومجاوزة ~~للحد أو هو شطط في نفسه لفرط بعده عن الحق وهو نسبة ~~الصاحبة والولد إليه تعالى وتعلق الإيمان والتصديق بهذا القول ~~ليس باعتبار نفسه فإنهم كانوا عالمين بقول سفهائهم من قبل أيضا ~~بل باعتبار كونه شططا كأنه قيل: وصدقنا أن ما كان يقوله ~~سفيهنا في حقه تعالى كان شططا وأما تعلقهما بقوله تعالى: { ~~وأنا ظننا أن لن تقول الإنس والجن على الله ~~كذبا } فغير ظاهر وهو اعتذار منهم عن تقليدهم لسفيههم أي ~~كنا نظن أنه لن يكذب على الله تعالى أحد أبدا ولذلك اتبعنا ~~قوله وكذبا مصدر مؤكد لتقول لأنه نوع من القول أو وصف ~~لمصدره المحذوف أي قولا كذبا أي مكذوبا فيه وقرىء لن ~~تقول بحذف احدى التاءين فكذبا مصدر مؤكد له لأن الكذب هو ~~التقول { وأنه كان رجال من الإنس يعوذون برجال ~~من الجن } كان الرجل من العرب إذا أمسى في واد قفر وخاف على ~~نفسه يقول أعوذ بسيد هذا الوادي من سفهاء قومه يريد الجن ~~وكبيرهم فإذا سمعوا بذلك استكبروا وقالوا سدنا الإنس والجن ~~وذلك قوله تعالى: { فزادوهم } أي زاد الرجال العائذون الجن ~~{ رهقا } أي تكبرا وعتوا أو فزاد الجن العائذين غيا بأن ~~أضلوهم حتى استعاذوا بهم { وأنهم ظنوا } أي الإنس { ~~كما ظننتم } أيها الجن على أنه كلام بعضهم لبعض { أن ~~لن يبعث الله أحدا } وقيل: المعنى أن الجن ظنوا كما ms3268 ~~ظننتم أيها الكفرة الخ فتكون هذه الآية وما قبلها من جملة ~~الكلام الموحى به والأقرب أنهما كذلك على كل تقدير عطفا على ~~أنه استمع اذ لا معنى لادراجهما تحت ما ذكر من الإيمان والتصديق ~~وكذا قوله تعالى: { وأنا لمسنا السماء } وما بعده من ~~الجمل المصدرة بأنا ينبغي أن تكون معطوفة على ذلك على أن ~~الموحى عين عبارة الجن بطريق الحكاية كأنه قيل: قل أوحي ~~إلي كيت وكيت وهذه العبارات أي طلبنا بلوغ السماء أو خبرها ~~واللمس مستعار من المس للطلب كالجس يقال لمسه والتمسه ~~وتلمسه كطلبه واطلبه وتطلبه { فوجدنها ملئت حرسا ~~} أي حراسا اسم جمع كخدم، مفرد اللفظ، ولذلك قيل: { شديدا } ~~قويا وهم الملائكة يمنعونهم عنها { وشهبا } جمع شهاب، وهي ~~الشعلة المقتبسة من نار الكواكب. ### || [72.9-11] # { وأنا كنا نقعد } قبل هذا { منها } من السماء { ~~مقعد للسمع } خالية عن الحرس والشهب أو صالحة للترصد ~~والاستماع، وللسمع متعلق بنقعد أي لأجل السمع أو بمضمر هو صفة ~~لمقاعد كائنة للسمع { فمن يستمع الآن } في مقعد من المقاعد ~~{ يجد له شهابا رصدا } أي شهابا راصدا له ولأجله يصده ~~عن الاستماع بالرجم أو ذوي شهاب راصدين له على أنه اسم مفرد في ~~معنى الجمع كالحرس، قيل: حدث هذا عند مبعث النبي عليه ~~الصلاة والسلام والصحيح أنه كان قبل البعث أيضا لكنه كثر ~~الرجم بعد البعثة وزاد زيادة حتى تنبه لها الإنس والجن ومنع ~~الاستراق أصلا فقالوا ما هذا إلا لأمر أراده الله تعالى بأهل الأرض ~~وذلك قولهم { وأنا لا ندرى أشر أريد بمن فى الأرض } ~~بحراسة السماء { أم أراد بهم ربهم رشدا } أي خيرا، ~~ونسبة الخير إلى الله تعالى دون الشر من الآداب الشريفة القرآنية ~~كما في قوله تعالى: # وإذا مرضت فهو يشفين # [سورة الشعراء، الآية 80] ونظائره { وأنا منا الصلحون } ~~أي الموصوفون بصلاح الحال في شأن أنفسهم وفي معاملتهم مع غيرهم ~~المائلون إلى الخير والصلاح حسبما تقتضيه الفطرة السليمة لا إلى ~~الشر والفساد كما هو مقتضى النفوس الشريرة { ومنا دون ذلك ~~} أي قوم دون ذلك ms3269 فحذف الموصوف وهم المقتصدون في صلاح الحال على ~~الوجه المذكور لا في الإيمان والتقوى كما توهم فإن هذا بيان ~~لحالهم قبل استماع القرآن كما يعرب عنه قوله تعالى { كنا ~~طرائق قددا } وأما حالهم بعد استماعه فسيحكى بقوله تعالى: # وأنا لما سمعنا الهدى # [سورة الجن، الآية 13] إلى قوله تعالى: # وأنا منا المسلمون # [سورة الجن، الآية 14] أي كنا قبل هذا ذوي طرائق أي مذاهب أو ~~مثل طرائق في اختلاف الأحوال، أم كانت طرائقنا طرائق قددا أي ~~متفرقة مختلفة جمع قدة من قد كالقطعة من قطع. ### || [72.12-17] # { وأنا ظننا } أي علمنا الآن { أن لن نعجز الله } ~~أي أن الشأن لن نعجز الله كائنين { فى الأرض } أينما كنا من ~~أقطارها { ولن نعجزه هربا } هاربين منها إلى السماء أو لن ~~نعجزه في الأرض إن أراد بنا أمرا ولن نعجزه هربا إن طلبنا { ~~وأنا لما سمعنا الهدى } أي القرآن الذي هو الهدى ~~بعينه { ءامنا به } من غير تلعثم وتردد { فمن يؤمن ~~بربه } وبما أنزله { فلا يخاف } فهو لا يخاف { بخسا } أي ~~نقصا في الجزاء { ولا رهقا } ولا أن ترهقه ذلة أو جزاء بخس ~~ولا رهق إذا لم يبخس أحدا حقا ولا رهق أحدا ظلما، فلا يخاف ~~جزاءهما وفيه دلالة على أن من حق من آمن بالله تعالى أن يجتنب ~~المظالم. وقرىء فلا يخف، والأول أدل على تحقيق نجاة المؤمن ~~واختصاصها به { وأنا منا المسلمون ومنا ~~القسطون } الجائرون عن طريق الحق الذي هو الإيمان والطاعة ~~{ فمن أسلم فأولئك } إشارة إلى من أسلم والجمع ~~باعتبار المعنى { تحروا } توخوا { رشدا } عظيما يبلغهم ~~إلى دار الثواب { وأما القسطون } الجائرون عن سنن الإسلام ~~{ فكانوا لجهنم حطبا } توقد بهم كما توقد بكفرة ~~الإنس { وأن لو استقموا } أن مخففة من الثقيلة، ~~والجملة معطوفة قطعا على أنه استمع والمعنى وأوحي إلي أن ~~الشأن لو استقام الجن والإنس أو كلاهما { على الطريقة } ~~التي هي ملة الإسلام { لأسقينهم ماء غدقا } أي ~~لوسعنا عليهم الرزق وتخصيص الماء الغدق وهو الكثير بالذكر، ~~لأنه أصل المعاش والسعة ولعزة وجوده ms3270 بين العرب وقيل: لو ~~استقام الجن على الطريقة المثلى أي لو ثبت أبوهم الجان على ما ~~كان عليه من عبادة الله تعالى وطاعته ولم يتكبر عن السجود لآدم عليه ~~السلام ولم يكفر وتبعه ولده في الإسلام لأنعمنا عليهم ووسعنا ~~رزقهم { لنفتنهم فيه } لنختبرهم كيف يشكرونه وقيل: معناه ~~إنه لو استقام الجن على طريقتهم القديمة ولم يسلموا باستماع ~~القرآن لوسعنا عليهم الرزق استدارجا لنوقعهم في الفتنة ونعذبهم ~~في كفران النعمة { ومن يعرض عن ذكر ربه } عن عبادته أو ~~عن موعظته أو وحيه { يسلكه } يدخله { عذابا صعدا } أي ~~شاقا صعبا يعلو المعذب ويغلبه على أنه مصدر وصف به مبالغة. ### || [72.18-23] # { وأن المسجد لله } عطف على قوله تعالى أنه استمع ~~أي وأوحي إلي أن المساجد مختصة بالله تعالى وقيل: معناه ~~ولأن المساجد لله { فلا تدعوا } أي لا تعبدوا فيها { مع ~~الله أحدا } غيره. وقيل: المراد بالمساجد المسجد الحرام ~~والجمع لأن كل ناحية منه مسجد له قبلة مخصوصة أو لأنه قبلة ~~المساجد وقيل: الأرض كلها لأنها جعلت مسجدا للنبي عليه ~~الصلاة والسلام وقيل: مواضع السجود على أن المراد نهي ~~السجود لغير الله تعالى وقيل: أعضاء السجود السبعة وقيل: السجدات ~~على أنه جمع المصدر الميمي { وأنه } من جملة الموحى أي ~~وأوحي إلي أن الشأن { لما قام عبد الله } أي النبي ~~عليه الصلاة والسلام وإيراده بلفط العبد للإشعار بما هو ~~المقتضي لقيامه وعبادته للتواضع لأنه واقع موقع كلامه عن نفسه ~~{ يدعوه } حال من فاعل قام أي يعبده وذلك قيامه لصلاة الفجر ~~بنخلة كما مر تفصيله في سورة الأحقاف. { كادوا } أي الجن { ~~يكونون عليه لبدا } متراكمين من ازدحامهم عليه تعجبا مما ~~شاهدوا من عبادته وسمعوا من قراءته واقتداء أصحابه به قياما ~~وركوعا وسجودا لأنهم رأوا ما لم يروا مثله وسمعوا بما لم ~~يسمعوا بنظيره وقيل: معناه لما قام عليه الصلاة والسلام ~~يعبد الله وحده مخالفا للمشركين كاد المشركون يزدحون عليه متراكمين ~~واللبد جمع لبدة وهي ما تلبد بعضه على بعض، ومنها لبدة ~~الأسد. وقرىء لبدا جمع لبدة ms3271 وهي بمعنى اللبدة ولبد جمع لابد ~~كساجد وسجد ولبدا بضمتين جمع لبود كصبور وصبر وعن ~~قتادة تلبدت الإنس والجن على هذا الأمر ليطفئوه فأبى الله إلا ~~أن يظهره على من ناوأه. # { قل إنما أدعو } أي أعبد { ربى ولا أشرك به } ~~بربي في العبادة { أحدا } فليس ذلك ببدع ولا مستنكر يوجب ~~التعجب أو الإطباق على عداوتي. وقرىء قال على أنه حكاية لقوله ~~عليه الصلاة والسلام للمتراكمين عليه والأول هو الأظهر ~~والأوفق لقوله تعالى: { قل إنى لا أملك لكم ضرا ولا ~~رشدا } كأنه أريد لا أملك لكم ضرا ولا نفعا ولا غيا ولا رشدا ~~فترك من كلا المتقابلين ما ذكر في الآخر. { قل إنى لن ~~يجيرنى من الله أحد } إن أرادني بسوء { ولن أجد من ~~دونه ملتحدا } ملتجأ ومعدلا هذا بيان لعجزه عليه الصلاة ~~والسلام عن شؤون نفسه بعد بيان عجزه عليه الصلاة والسلام ~~عن شؤون غيره. وقوله تعالى: { إلا بلاغا من الله } ~~استئناء من قوله لا أملك، فإن التبليغ إرشاد ونفع وما بينهما ~~اعتراض مؤكد لنفي الاستطاعة أو من ملتحدا أي لن أجد من دونه منجا ~~إلا أن أبلغ عنه ما أرسلني به، وقيل: إلا مركبة من إن الشرطية ~~ولا النافية ومعناه أن لا أبلغ بلاغا من الله والجواب محذوف ~~لدلالة ما قبله عليه { ورسلته } عطف على بلاغا ومن الله ~~صفته لا صلته أي لا أملك لكم إلا تبليغا كائنا منه تعالى ~~ورسالاته التي أرسلني بها { ومن يعص الله ورسوله } في ~~الأمر بالتوحيد إذ الكلام فيه { فأن له نار جهنم } ~~وقرىء بفتح الهمزة على معنى فحقه أو فجزاؤه أن له نار جهنم { ~~خلدين فيها } في النار أو في جهنم والجمع باعتبار المعنى { ~~أبدا } بلا نهاية. ### || [72.24-27] # وقوله تعالى: # { حتى إذا رأوا ما يوعدون } غاية لمحذوف يدل عليه ~~الحال من استضعاف الكفار لأنصاره عليه الصلاة والسلام ~~واستقلالهم لعدده كأنه قيل لا يزالون على ما هم عليه حتى إذا ~~رأوا ما يوعدون من فنون العذاب في الآخرة { فسيعلمون } ~~حينئذ { من أضعف ناصرا وأقل ms3272 عددا } وحمل ما يوعدون ~~على ما رأوه يوم بدر يأباه قوله تعالى: { قل إن أدرى } أي ما ~~أدري { أقريب ما توعدون أم يجعل له ربى أمدا } ~~فإنه رد لما قاله المشركون عند سماعهم ذلك متى يكون ذلك الموعد ~~إنكارا له واستهزاء به فقيل قل إنه كائن لا محالة وأما وقته فما ~~أدري متى يكون { علم الغيب } بالرفع قيل: هو بدل من ~~ربي أو عطف بيان له ويأباه الفاء في قوله تعالى { فلا ~~يظهر على غيبه أحدا } إذ يكون النظم حينئذ أم يجعل له ~~عالم الغيب أمدا فلا يظهر عليه أحدا، وفيه من الاختلال ما لا ~~يخفى فهو خبر مبتدأ محذوف أي هو عالم الغيب. والجملة استئناف ~~مقرر لما قبله من عدم الدراية والفاء لترتيب عدم الإظهار على ~~تفرده تعالى بعلم الغيب على الاطلاق أي فلا يطلع على غيبه إطلاعا ~~كاملا ينكشف به جلية الحال انكشافا تاما مرجبا لعين اليقين أحدا ~~من خلقه { إلا من ارتضى من رسول } أي إلا رسولا ارتضاه ~~لإظهاره على بعض غيوبه المتعلقة برسالته كما يعرب عنه بيان من ~~ارتضى بالرسول تعلقا تاما إما لكونه من مبادىء رسالته بأن يكون ~~معجزة دالة على صحتها وإما لكونه من أركانها وأحكامها كعامة ~~التكاليف الشرعية التي أمر بها المكلفون، وكيفيات أعمالهم ~~وأجزيتها المترتبة عليها في الآخرة وما تتوقف هي عليه من أحوال ~~الآخرة التي من جملتها قيام الساعة والبعث وغير ذلك من الأمور ~~الغيبية التي بيانها من وظائف الرسالة، وأما ما لا يتعلق بها على ~~أحد الوجهين من الغيوب التي من جملتها وقت قيام الساعة فلا يظهر ~~عليه أحدا أبدا على أن بيان وقته مخل بالحكمة التشريعية التي ~~عليها يدور فلك الرسالة وليس فيه ما يدل على نفي كرامات الأولياء ~~المتعلقة بالكشف فإن اختصاص الغاية القاصية من مراتب الكشف ~~بالرسل لا يستلزم عدم حصول مرتبة ما من تلك المراتب لغيرهم ~~أصلا ولا يدعي أحد لأحد من الأولياء ما في رتبة الرسل عليهم ~~السلام من الكشف الكامل الحاصل بالوحي الصريح. وقوله ms3273 تعالى: { ~~فإنه يسلك من بين يديه ومن خلفه رصدا } ~~تقرير وتحقيق للإظهار المستفاد من الاستثناء وبيان لكيفيته أي ~~فإنه يسلك من جميع جوانب الرسول عليه السلام عند إظهاره على ~~غيبه حرسا من الملائكة يحرسونه من تعرض الشياطين لما أظهره عليه ~~من الغيوب المتعلقة برسالته. ### || [72.28] # وقوله تعالى: # { ليعلم أن قد أبلغوا رسلت ربهم } متعلق ~~بيسلك غاية له من حيث إنه مترتب على الإبلاغ المترتب عليه إذ ~~المراد به العلم المتعلق بالإبلاغ الموجود بالفعل، وأن مخففة من ~~الثقيلة واسمها الذي هو ضمير الشأن محذوف والجملة خبرها، ورسالات ~~ربهم عبارة عن الغيب الذي أريد إظهار المرتضى عليه والجمع ~~باعتبار تعدد أفراده، وضمير أبلغوا إما للرصد فالمعنى أنه ~~تعالى يسلكهم من جميع جوانب المرتضى ليعلم أن الشأن قد أبلغوه ~~رسالات ربهم سالمة عن الاختطاف والتخليط علما مستتبعا للجزاء، ~~وهو أن يعلمه موجودا حاصلا بالفعل كما في قوله تعالى: # حتى نعلم المجهدين # [سورة محمد، الآية 31] والغاية في الحقيقه هو الإبلاغ والجهاد ~~وإيراد علمه تعالى لإبراز اعتنائه تعالى بأمرهما والإشعار بترتيب ~~الجزاء عليهما والمبالغة في الحث عليهما والتحذير عن التفريط فيهما ~~وإما لمن ارتضى والجمع باعتبار معنى من كما أن الإفراد في ~~الضميرين السابقين باعتبار لفظهما فالمعنى ليعلم أنه قد أبلغ ~~الرسل الموحى إليهم رسالات ربهم إلى أممهم كما هي من غير اختطاف ~~ولا تخليط بعد ما أبلغها الرصد إليهم كذلك. وقوله تعالى: { ~~وأحاط بما لديهم } أي بما عند الرصد أو الرسل عليهم ~~السلام حال من فاعل يسلك بإضمار قد أو بدونه على الخلاف ~~المشهور جيء بها لتحقيق استغنائه تعالى في العلم بالإبلاغ عما ~~ذكر من سلك الرصد على الوجه المذكور أي يسلكهم بين يديه ومن ~~خلفه يترتب عليه علمه تعالى بما ذكر والحال أنه تعالى قد أحاط ~~بما لديهم من الأحوال جميعا. # { وأحصى كل شىء } مما كان وما سيكون { عددا } أي فردا ~~فردا وهو تمييز منقول من المفعول به كقوله تعالى: # وفجرنا الأرض عيونا # [سورة القمر، الآية 12] والأصل أحصى عدد كل شيء وقيل: هو ms3274 حال أي ~~معدودا محصورا أو مصدر بمعنى إحصاء وأيا ما كان ففائدته بيان ~~أن علمه تعالى بالأشياء ليس على وجه كلي إجمالي بل على وجه جزئي ~~تفصيلي فإن الإحصاء قد يراد به الإحاطة الإجمالية كما في قوله ~~تعالى: # وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها # [سورة إبراهيم، الآية 24 وسورة النحل، الآية 18] أي لا تقدروا على حصرها ~~إجمالا فضلا عن التفصيل وذلك لأن أصل الإحصاء أن الحاسب إذا ~~بلغ عقدا معينا من عقود الأعداد كالعشرة والمائة والألف وضع ~~حصاة ليحفظ بها كمية ذلك العقد فيبني على ذلك حسابه هذا ~~وأما ما قيل: من أن قوله تعالى: { وأحاط بما لديهم } ~~الخ معطوف على مقدر يدل عليه قوله تعالى ليعلم كأنه قيل: قد علم ~~ذلك وأحاط بما لديهم الخ فبمعزل من السداد. # عن النبي صلى الله عليه وسلم: # " من قرأ سورة الجن كان له بعدد كل جني صدق محمدا ~~وكذب به عتق رقبة ". ### | [73 - سورة المزمل] ### || [73.1-3] # مكية وآيها تسع عشرة أو عشرون # { يأيها المزمل } أي المتزمل، من تزمل بثيابه ~~إذا تلفف بها فأدغم التاء في الزاي وقد قرىء على الأصل ~~وقرىء المزمل من زملة مبنيا للمفعول ومبنيا للفاعل. ~~وقيل: خوطب به النبي عليه الصلاة والسلام تهجينا لما كان ~~عليه من الحالة، حيث كان عليه الصلاة والسلام متلففا بقطيفة ~~مستعدا للنوم كما يفعله من لا يهمه أمر ولا يعنيه شأن ~~فأمر بأن يترك التزمل إلى التشمر للعبادة والهجود إلى التهجد، ~~وقيل: دخل عليه الصلاة والسلام على خديجة وقد جئث فرقا ~~أول ما أتاه جبريل عليهما السلام وبوادره ترعد فقال زملوني ~~زملوني فحسب أنه عرض له فبينا هو على ذلك إذ ناداه جبريل ~~فقال: يا أيها المزمل فيكون تخصيص وصف التزمل بالخطاب ~~للملاطفة والتأنيس، كا في قوله عليه الصلاة والسلام لعلي رضي ~~الله عنه حين غاضب فاطمة رضي الله عنها فأتاه وهو نائم وقد لصق ~~بجنبه التراب قم يا أبا تراب ملاطفة له وإشعارا بأنه غير ~~عاتب عليه، وقيل المعنى: يا أيها الذي زمل ms3275 أمرا عظيما هو ~~أمر النبوة أي حمله والزمل الحمل وازدمله أي احتمله، فالتعرض ~~للوصف حينئذ للإشعار بعليته للقيام، أو للأمر به فإن تحميله ~~عليه الصلاة والسلام لأعباء النبوة مما يوجب الاجتهاد في ~~العبادة { قم اليل } أي قم إلى الصلاة. وانتصاب الليل على ~~الظرفية وقيل: القيام مستعار للصلاة ومعنى قم صل. وقرىء ~~بضم الميم وبفتحها. { إلا قليلا } استثناء من الليل. وقوله ~~تعالى: { نصفه } بدل من الليل الباقي بعد الثنيا بدل الكل ~~أي قم نصفه، والتعبير عن النصف المخرج بالقليل لإظهار كمال ~~الاعتداد بشأن الجزء المقارن للقيام والإيذان بفضله وكون ~~القيام فيه بمنزلة القيام في أكثره في كثرة الثواب، واعتبار ~~قلته بالنسبة إلى الكل مع عرائه عن الفائدة خلاف الظاهر { أو ~~انقص منه } أي أنقص القيام من النصف المقارن له في الصورة ~~الأولى { قليلا } أي نقصا قليلا أو مقدارا قليلا بحيث لا ينحط ~~إلى نصف النصف. ### || [73.4-6] # { أو زد عليه } أي زد القيام على النصف المقارن له ~~فالمعنى تخييره عليه الصلاة والسلام بين أن يقوم نصفه ~~أو أقل منه أو أكثر وقيل: قوله تعالى نصفه بدل من قليلا ~~والتخيير بحاله، وليس بسديد، أما أولا فلأن الحقيق بالاعتناء ~~الذي ينبىء عنه الإبدال هو الجزء الباقي بعد الثنيا المقارن ~~للقيام لا الجزء المخرج العاري عنه، وأما ثانيا فلأن نقص ~~القيام وزيادته إنما يعتبران بالقياس إلى معياره الذي هو النصف ~~المقارن له فلو جعل نصفه بدلا من قليلا لزم اعتبار نقص ~~القيام وزيادته بالقياس إلى ما هو عار عنه بالكلية، والاعتذار ~~بتساوي النصفين مع كونه تمحلا ظاهرا اعتراف بأن الحق هو الأول. ~~وقيل: نصفه بدل من الليل وإلا قليلا استثناء من النصف، والضمير ~~في منه وعليه للنصف والمعنى التخيير بين أمرين بين أن يقوم أقل ~~من نصف الليل على البتات وبين أن يختار أحد الأمرين وهما ~~النقصان من النصف والزيادة عليه. وقيل: الضميران للأقل من ~~النصف كأنه قيل: قم أقل من نصفه أو قم أنقص من ذلك الأقل أو ~~أزيد منه قليلا. وقيل: والذي يليق ms3276 بجزالة التنزيل هو الأول والله ~~أعلم بما في كتابه الجليل. { ورتل القرءان } في أثناء ما ~~ذكر من القيام أي اقرأه على تؤدة وتبيين حروف { ترتيلا } ~~بليغا بحيث يتمكن السامع من عدها من قولهم ثغر رتل ورتل إذا ~~كان مفلجا. # { إنا سنلقى عليك } أن سنوحي إليك وإيثار الإلقاء عليه ~~لقوله تعالى: { قولا ثقيلا }. وهو القرآن العظيم المنطوي على ~~تكاليف شاقة ثقيلة على المكلفين لا سيما على الرسول عليه ~~الصلاة والسلام فإنه عليه الصلاة والسلام مأمور بتحملها ~~وتحميلها للأمة، والجملة اعتراض بين الأمر وتعليله لتسهيل ما ~~كلفه عليه الصلاة والسلام من القيام. وقيل: معنى كونه ~~ثقيلا أنه رصين لرزانة لفظه ومتانة معناه أو ثقيل على المتأمل فيه ~~لافتقاره إلى مزيد تصفية للسر وتجريد للنظر أو ثقيل في الميزان أو ~~على الكفار والفجار أو ثقيل تلقيه. عن ابن عباس رضي الله عنهما كان ~~إذا نزل عليه الوحي ثقل عليه وتربد له جلده، وعن عائشة رضي ~~الله تعالى عنها رأيته ينزل عليه الوحي في اليوم الشديد البرد ~~فيفصم عنه وإن جبينه ليرفض عرقا. { إن ناشئة اليل } أي ~~إن النفس التي تنشأ من مضجعها إلى العبادة أي تنهض، من نشأ من ~~مكانه إذا نهض أو إن قيام الليل على أن الناشئة مصدر من نشأ ~~كالعافية أو إن العبادة التي تنشأ بالليل أي تحدث أوان ساعات ~~الليل فإنها تحدث واحدة بعد واحدة، أو ساعاتها الأول من نشأ إذا ~~ابتدأ { هى أشد وطأ } أي هي خاصة أشد ثبات قدم أو كلفة ~~فلا بد من الاعتناء بالقيام. وقرىء وطاء أي أشد مواطأة يواطىء ~~قلبها لسانها إن أريد بها النفس أو يواطىء فيها قلب القائم لسانه ~~إن أريد بها القيام أو العبادة أو الساعات أو أشد موافقة لما ~~يراد من الخشوع والإخلاص { وأقوم قيلا } وأسد مقالا وأثبت ~~قراءة لحضور القلب وهدوء الأصوات. ### || [73.7-13] # { إن لك فى النهار سبحا طويلا } أي تقلبا وتصرفا في ~~مهماتك واشتغالا بشواغلك فلا تستطيع أن تتفرغ للعبادة فعليك بها ~~في الليل وهذا بيان للداعي الخارجي ms3277 إلى قيام الليل بعد بيان ما ~~في نفسه من الداعي. وقرىء سبخا أي تقرق قلب بالشواغل مستعار ~~من سبخ الصوف وهو نفشه ونشر أجزائه. { واذكر اسم ربك } ~~ودم على ذكره تعالى ليلا ونهارا على أي وجه كان من تسبيح ~~وتهليل وتحميد وصلاة وقراءة قرآن ودراسة علم. { وتبتل ~~إليه } أي وانقطع إليه بمجامع الهمة واستغراق العزيمة في ~~مراقبته، وحيث لم يكن ذلك إلا بتجريد نفسه عليه الصلاة والسلام ~~عن العوائق الصادة عن مراقبة الله تعالى وقطع العلائق عما سواه ~~قيل: { تبتيلا } مكان تبتلا مع ما فيه من رعاية الفواصل. # { رب المشرق والمغرب } مرفوع على المدح وقيل: على ~~الابتداءه، خبره: { لا إله إلا هو } وقرىء بالجر على ~~أنه بدل من ربك، وقيل: على إضمار حرف القسم جوابه لا إله ~~إلا هو. والفاء في قوله تعالى: { فاتخذه وكيلا } لترتيب ~~الأمر وموجبه على اختصاص الألوهية والربوبية به تعالى: { ~~واصبر على ما يقولون } مما لا خير فيه من الخرافات { ~~واهجرهم هجرا جميلا } بأن تجانبهم وتداريهم ولا تكافئهم ~~وتكل أمورهم إلى ربهم كما يعرب عنه قوله تعالى: { وذرنى ~~والمكذبين } أي دعني وإياهم وكل أمرهم إلي فإني ~~أكفيكهم { أولى النعمة } أرباب التنعم وهم صناديد قريش { ~~ومهلهم قليلا } زمانا قليلا { إن لدينا أنكالا } ~~جمع نكل وهو القيد الثقيل. والجملة تعليل للأمر أي إن لدينا ~~أمورا مضادة لتنعمهم { وجحيما * وطعاما ذا غصة } ينشب ~~في الحلوق ولا يكاد يساغ كالضريع والزقوم { وعذابا ~~أليما } ونوعا آخر من العذاب مؤلما لا يقادر ولا يدرك كنهه، ~~كل ذلك معد لهم ومرصد. ### || [73.14-19] # وقوله تعالى: { يوم ترجف الأرض والجبال } أي تضطرب ~~وتتزلزل، ظرف للاستقرار الذي تعلق به لدينا، وقيل: متعلق بمضمر هو ~~صفة لعذابا أي عذابا واقعا يوم ترجف { وكانت الجبال } مع ~~صلابتها وارتفاعها { كثيبا } رملا مجتمعا من كثب الشيء إذا جمعه ~~كأنه فعيل بمعنى مفعول. { مهيلا } منثورا من هيل هيلا إذا ~~نثر وأسيل. # { إنا أرسلنا إليكم } يا أهل مكة { رسولا شهدا ~~عليكم } يشهد يوم القيامة بما صدر عنكم من الكفر والعصيان { ~~كما أرسلنا ms3278 إلى فرعون رسولا } هو موسى عليه السلام ~~وعدم تعيينه لعدم دخله في التشبيه { فعصى فرعون ~~الرسول } الذي أرسلناه إليه ومحل الكاف النصب على أنها صفة ~~لمصدر محذوف أي إنا أرسلنا إليكم رسولا فعصيتموه كما يعرب عنه ~~قوله تعالى: { شهدا عليكم } إرسالا كائنا كما أرسلنا إلى ~~فرعون رسولا فعصاه وقوله تعالى: { فأخذنه أخذا وبيلا } ~~خارج من التشبيه جيء به للتنبيه على أنه سيحيق بهؤلاء ما حاق ~~بأولئك لا محالة والوبيل الثقيل الغليظ من قولهم كلأ وبيل أي ~~وخيم لا يستمرأ لثقله، والوبيل العصا الضخمة. { فكيف ~~تتقون } أي كيف تقون أنفسكم { إن كفرتم } أي بقيتم على ~~الكفر { يوما } أي عذاب يوم { يجعل الولدن } من شدة ~~هوله وفظاعة ما فيه من الدواهي { شيبا } شيوخا جمع أشيب إما ~~حقيقة أو تمثيلا وأصله أن الهموم والأحزان إذا تفاقمت على المرء ~~ضعفت قواه وأسرع فيه الشيب وقد جوز أن يكون ذلك وصفا لليوم ~~بالطول وليس بذاك. { السماء منفطر } أي منشق، وقرىء ~~متفطر أي متشقق والتذكير لإجرائه على موصوف مذكر أي شيء منفطر ~~عبر عنها بذلك للتنبه على أنه تبدلت حقيقتها وزال عنها اسمها ~~ورسمها ولم يبق منها إلا ما يعبر عنه بالشيء، وقيل: لتأويل السماء ~~بالسقف وقيل: هو من باب النسب أي ذات انفطار. والباء في قوله ~~تعالى: { به } مثلها في فطرت العود بالقدوم { كان وعده ~~مفعولا } الضمير لله عز وجل، والمصدر مضاف إلى فاعله، أو ~~لليوم وهو مضاف إلى مفعوله. { إن هذه } إشارة إلى الآيات ~~المنطوية على القوارع المذكورة { تذكرة } موعظة { فمن شاء ~~اتخذ إلى ربه سبيلا } بالتقرب إليه بالإيمان والطاعة ~~فإنه المنهاج الموصل إلى مرضاته. ### || [73.20] # { إن ربك يعلم أنك تقوم أدنى من ثلثى ~~اليل } أي أقل منهما استعير له الأدنى لما أن المسافة بين ~~الشيئين إذا دنت قل ما بينهمامن الأحياز { ونصفه وثلثه ~~} بالنصب عطفا على أدنى. وقرئا بالجر عطفا على ثلثي الليل. { ~~وطائفة من الذين معك } أي ويقوم معك طائفة من أصحابك ~~{ والله يقدر اليل والنهار } وحده لا يقدر على ~~تقديرهما أحد ms3279 أصلا فإن تقديم الاسم الجليل مبتدأ وبناء يقدر ~~عليه موجب للاختصاص قطعا كما يعرب عنه قوله تعالى: { علم أن ~~لن تحصوه } أي علم أن الشأن لن يقدروا على تقدير الأوقات ~~ولن تستطيعوا ضبط الساعات أبدا { فتاب عليكم } بالترخيص في ~~ترك القيام المقدور ورفع التبعة عنكم في تركه. # { فاقرءوا ما تيسر من القرءان } فصلوا لما تيسر ~~لكم من صلاة الليل عبر عن الصلاة بالقراءة كما عبر عنها بسائر ~~أركانها. قيل: كان التهجد واجبا على التخيير المذكور فعسر عليهم ~~القيام به فنسخ به ثم نسخ هذا بالصلوات الخمس وقيل: هي قراءة ~~القرآن بعينها قالوا من قرأ مائة آية من القرآن في ليلة لم ~~يحاجه وقيل: # " من قرأ مائة آية كتب من القانتين " # وقيل: خمسين آية: { علم أن سيكون منكم مرضى } ~~استئناف مبين لحكمة أخرى داعية إلى الترخيص والتخفيف. # { وءاخرون يضربون فى الأرض } يسافرون فيها للتجارة { ~~يبتغون من فضل الله } وهو الربح وقد عمم ابتغاء الفضل ~~لتحصيل العلم { وءاخرون يقاتلون فى سبيل الله } وإذا ~~كان الأمر كما ذكر وتعاضدت الدواعي إلى الترخيص { فاقرءوا ما ~~تيسر منه } من غير تحمل المشاق { وأقيموا الصلوة } ~~أي المفروضة { وءاتوا الزكوة } الواجبة وقيل: هي زكاة ~~الفطر إذ لم يكن بمكة زكاة ومن فسرها بالزكاة المفروضة جعل آخر ~~السورة مدنيا { وأقرضوا الله قرضا حسنا } أريد به ~~الإنفاقات في سبيل الخيرات أو أداء الزكاة على أحسن الوجوه ~~وأنفعها للفقراء { وما تقدموا لأنفسكم من خير } كان ~~مما ذكر وما لم يذكر { تجدوه عند الله خيرا وأعظم ~~أجرا } من الذي تؤخرونه إلى الوصية عند الموت وخيرا ثاني ~~مفعولي تجدوا وهو تأكيد أو فصل وإن لم يقع بين معرفتين فإن ~~أفعل من في حكم المعرفة ولذلك يمتنع من حرف التعريف وقرىء هو ~~خير على الابتداء والخبر. { واستغفروا الله } في كافة ~~أحوالكم فإن الإنسان قلما يخلو من تفريط { إن الله غفور ~~رحيم }. # عن النبي صلى الله عليه وسلم: # " من قرأ سورة المزمل دفع الله عنه العسر في الدنيا والآخرة ~~". ### | [74 - سورة المدثر] ### || [74.1-4] # مكية ms3280 وآيها ست وخمسون # { يأيها المدثر } أي المتدثر هو لابس الدثار وهو ما ~~يلبس فوق الشعار الذي يلي الجسد قيل: هي أول سورة نزلت. ~~روي عن جابر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ~~قال: # " كنت على جبل حراء فنوديت يا محمد إنك رسول الله فنظرت عن ~~يميني ويساري فلم أر شيئا فنظرت فوقي فإذا به قاعد على عرش ~~بين السماء والأرض يعني الملك الذي ناداه فرعبت ورجعت إلى ~~خديجة فقلت: دثروني فنزل جبريل وقال: { يأيها المدثر } ~~" # عن الزهري أن أول ما نزل سورة اقرأ إلى قوله تعالى: # ما لم يعلم # [سورة العلق، الآية 5] فحزن رسول الله صلى الله عليه وسلم وجعل يعلو ~~شواهق الجبال فأتاه جبريل عليه السلام وقال: إنك نبي الله ~~فرجع إلى خديجة فقال: # " دثروني وصبوا علي ماء باردا " # فنزل جبريل فقال: { يأيها المدثر } وقيل: سمع من ~~قريش ما كرهه فاغتم فتغطى بثوبه متفكرا كما يفعل المغموم ~~فأمر أن لا يدع إنذارهم وإن أسمعوه وآذوه. وقيل: كان نائما ~~متدثرا. وقيل: المراد المتدثر بلباس النبوة والمعارف الإلهية. ~~وقرىء المدثر على صيغة اسم المفعول من دثره أي الذي ~~دثر هذا الأمر العظيم وعصب به وفي حرف أبي المنذر يا أيها ~~المتدثر على الأصل { قم } أي من مضجعك أو قم قيام عزم ~~وتصميم { فأنذر } أي افعل الإنذار وأحدثه وقيل: أنذر ~~قومك كقوله تعالى: # وأنذر عشيرتك الأقربين # [سورة الشعراء، الآية 214] أو جميع الناس حسبما ينبىء عنه ~~قوله تعالى: # وما أرسلنك إلا كافة للناس بشيرا ونذيرا # [سورة سبأ، الآية 28] { وربك فكبر } واختص ربك بالتكبير ~~وهو وصفه تعالى بالكبرياء اعتقادا وقولا ويروى أنه لما قال ~~رسول الله: # " الله أكبر " # فكبرت خديجة وفرحت وأيقنت أنه الوحي وقد يحمل على تكبير ~~الصلاة والفاء لمعنى الشرط كأنه قيل: ما كان أي أي شيء حدث ~~فلا تدع تكبيره أو للدلالة على أن المقصود الأولى من الأمر ~~بالقيام أن يكبر ربه وينزهه من الشرك فإن أول ما يجب ~~معرفة الصانع جل جلاله ثم تنزيهه عما لا ms3281 يليق بجنابه. # { وثيابك فطهر } مما ليس بطاهر فإنه واجب في الصلاة ~~وأولى وأحب في غيرها وذلك بصيانتها وحفظها عن النجاسات وغسلها بعد ~~تلطخها وبتقصيرها أيضا فإن طولها يؤدي إلى جر الذيول على ~~القاذورات وهو أول ما أمر به عليه الصلاة والسلام من رفض ~~العادات المذمومة وقيل: هو أمر بتطهير النفس مما يستقذر من ~~الأفعال ويستهجن من الأحوال يقال: فلان طاهر الذيل والأردان ~~إذا وصفوه بالنقاء من المعايب ومدانس الأخلاق. ### || [74.5-10] # { والرجز فاهجر } أي واهجر العذاب بالثبات على هجر ما ~~يؤدي إليه من المآثم وقرىء بكسر الراء وهما لغتان كالذكر ~~والذكر { ولا تمنن تستكثر } ولا تعط مستكثرا أي رائيا ~~لما تعطيه كثيرا أو طالبا للكثير على أنه نهي عن الاستغزار ~~وهو أن يهب شيئا وهو يطمع أن يتعوض من الموهوب له أكثر ~~مما أعطاه وهو جائز ومنه الحديث: # " المستغزر يثاب من هبته " # فالنهي إما للتحريم وهو خاص برسول الله صلى الله عليه وسلم لأن ~~الله تعالى اختار له أشرف الأخلاق وأحسن الآداب أو للتنزيه للكل ~~تستكثر بالسكون اعتبارا بحال الوقف أو إبدالا من تمنن كأنه ~~قيل: ولا تمنن ولا تستكثر على أنه من المن الذي في قوله ~~تعالى منا ولا أذى من يمن بما يعطي يستكثره ويعيد به ~~وقرىء بالنصب بإضمار أن مع إبقاء عملها كقول من قال: # ألا أيهذا الزاجري أحضر الوغى # [وأن أشهد اللذات هل أنت مخلدي] # وقد قرىء بإثباتها ويجوز في قراءة الرفع أن يحذف أن ويبطل ~~عملها كما يروى أحضر الوغى بالرفع { ولربك } أي لوجهه ~~تعالى أو لأمره { فاصبر } فاسعمل الصبر وقيل: على أذية ~~المشركين وقيل: على أداء الفرائض. # { فإذا نقر فى الناقور } أي نفخ في الصور وهو فاعل من ~~النقر بمعنى التصويت وأصله القرع الذي هو سبب الصوت والفاء ~~للسببية كأنه قيل: اصبر على أذاهم فبين أيديهم يوم هائل ~~يلقون فيه عاقبة أذاهم وتلقى عاقبة صبرك عليه والعامل في ~~إذا ما دل عليه قوله تعالى: { فذلك يومئذ يوم عسير ~~* على الكفرين } فإن معناه عسر الأمر على ms3282 الكافرين ~~وذلك إشارة إلى وقت النقر وما فيه من معنى البعد مع قرب ~~العهد بالمشار إليه للإيذان ببعد منزلته في الهول والفظاعة ~~ومحله الرفع على الابتداء ويومئذ بدل منه مبني على الفتح ~~لإضافته إلى غير متمكن والخبر يوم عسير وقيل: يومئذ ظرف للخبر ~~إذ التقدير وذلك وقت وقوع يوم عسير وعلى متعلقة بعسير وقيل: ~~بمحذوف هو صفة لعسير أو حال من المستكن فيه وقوله تعالى: { ~~غير يسير } تأكيد لعسره عليهم مشعر بيسره على المؤمنين ~~واختلف في أن المراد به يوم النفخة الأولى أو الثانية، والحق ~~أنها الثانية، إذ هي التي يختص عسرها بالكافرين وأما النفخة ~~الأولى فحكمها الذي هو الإصعاق يعم البر والفاجر على أنها ~~مختصة بمن كان حيا عند وقوعها وقد جاء في الأخبار أن في الصور ~~ثقبا بعدد الأرواح كلها وأنها تجمع في تلك الثقوب في النفخة ~~الثانية فتخرج عند النفخ من كل ثقبة روح إلى الجسد الذي ~~نزعت منه فيعود الجسد حيا بإذن الله تعالى. ### || [74.11-15] # { ذرنى ومن خلقت وحيدا } حال إما من الياء أي ذرني ~~وحدي معه فإني أكفيكه في الانتقام منه أو من التاء أي ~~خلقته وحدي لم يشركني في خلقه أحد أو من العائد المحذوف ~~أي ومن خلقته وحيدا فريدا لا مال له ولا ولد، وقيل: نزلت ~~في الوليد بن المغيرة المخزومي وكان يلقب في قومه الوحيد فهو ~~تهكم به وبلقبه وصرف له عن الغرض الذي يؤمونه من مدحه إلى جهة ~~ذمه بكونه وحيدا من المال والولد أو وحيدا من أبيه لأنه كان ~~زنيما كما مر أو وحيدا في الشرارة { وجعلت له مالا ~~ممدودا } مبسوطا كثيرا أو ممدا بالنماء من مد النهر ومده ~~نهر آخر، قيل: كان له الضرع والزرع والتجارة. وعن ابن عباس ~~رضي الله عنهما هو ما كان له بين مكة والطائف من صنوف ~~الأموال، وقيل: كان له بالطائف بستان لا ينقطع ثماره صيفا ~~وشتاء. وقال ابن عباس ومجاهد وسعيد بن جبير كان له ألف ~~دينار وقال قتادة: ستة آلاف دينار، وقال ms3283 سفيان الثوري: أربعة آلاف ~~دينار، وقال الثوري أيضا: ألف ألف دينار. # { وبنين شهودا } حضورا معه بمكة يتمتع بمشاهدتهم لا ~~يفارقونه للتصرف في عمل أو تجارة لكونهم مكفيين لوفور نعمهم ~~وكثرة خدمهم أو حضورا في الأندية والمحافل لوجاهتهم واعتبارهم ~~قيل: كان له عشرة بنين وقيل: ثلاثة عشر وقيل: سبعة كلهم رجال ~~الوليد بن الوليد وخالد وعمارة وهشام والعاص والقيس وعبد شمس ~~أسلم منهم ثلاثة خالد وهشام وعمارة { ومهدت له تمهيدا ~~} وبسطت له الرياسة والجاه العريض حتى لقب ريحانة قريش { ~~ثم يطمع أن أزيد } على ما أوتيه وهو استبعاد واستنكار ~~لطمعه وحرصه إما لأنه لا مزيد على ما أوتي سعة وكثرة أو لأنه ~~مناف لما هو عليه من كفران النعم ومعاندة المنعم وقيل: إنه ~~كان يقول إن كان محمد صادقا فما خلقت الجنة إلا لي. ### || [74.16-19] # { كلا } ردع وزجر له عن طمعه الفارغ وقطع لرجائه الخائب ~~وقوله تعالى: { إنه كان لأيتنا عنيدا } تعليل لذلك على ~~وجه الاستئناف التحقيقي فإن معاندة آيات المنعم مع وضوحها ~~وكفران نعمته مع سيوغها مما يوجب حرمانه بالكلية وإنما أوتي ما ~~أوتي استدارجا قيل: ما زال بعد نزول هذه الآية في نقصان من ~~ماله حتى هلك { سأرهقه صعودا } سأغشيه بدل ما يطمعه من ~~الزيادة أو الجنة عقبة شاقة المصعد وهو مثل لما يلقى من العذاب ~~الصعب الذي لا يطاق وعن النبي صلى الله عليه وسلم: # " يكلف أن يصعد عقبة في النار كلما وضع يده عليها ذابت فإذا ~~رفعها عادت وإذا وضع رجله ذابت فإذا رفعها عادت " # وعنه عليه الصلاة والسلام: # " الصعود جبل من نار يصعد فيه سبعين خريفا ثم يهوي فيه ~~كذلك أبدا " # { إنه فكر وقدر } تعليل للوعيد واستحقاقه له أو ~~بيان لعناده لآياته تعالى أي فكر ماذا يقول في شأن القرآن ~~وقدر في نفسه ما يقوله { فقتل كيف قدر } تعجيب من ~~تقديره وإصابته فيه الغرض الذي كان ينتحيه قريش قاتلهم الله أو ~~ثناء عليه بطريق الاستهزاء أو حكاية لما كرروه من قولهم قتل كيف ~~قدر تهكما بهم ms3284 وبإعجابهم بتقديره واستعظامهم لقوله معنى قولهم ~~قتله الله ما أشجعه أو أخزاه الله ما أشعره الإشعار بأنه قد ~~بلغ من الشجاعة والشعر مبلغا حقيقيا بأن يدعو عليه حاسده ~~بذلك. روي أن الوليد قال لبني مخزوم والله لقد سمعت من محمد ~~آنفا كلاما ما هو من كلام الإنس ولا من كلام الجن إن له ~~لحلاوة وإن عليه لطلاوة وإن أعلاه لمثمر وإن أسفله لمغدق ~~وإنه يعلو ولا يعلى فقالت قريش صبأ والله الوليد والله لتصبأن ~~قريش كلهم فقال ابن أخيه أبو جهل أنا أكفيكموه فقعد عنده ~~حزينا وكلمه بما أحماه فقام فأتاهم ققال تزعمون أن محمدا ~~مجنون فهل رأيتموه يخنق وتقولون إنه كاهن فهل رأيتموه يتكهن ~~وتزعمون أنه شاعر فهل رأيتموه يتعاطى شعرا قط وتزعمون أنه كذاب ~~فهل جربتم عليه شيئا من الكذب فقالوا في كل ذلك اللهم لا ~~ثم قالوا فما هو ففكر فقال ما هو إلا ساحر أما رأيتموه يفرق ~~بين الرجل وأهله وولده ومواليه وما الذي يقوله إلا سحر يأثره ~~عن أهل بابل فارتج النادي فرحا وتفرقوا معجبين بقوله ~~متعجبين منه. ### || [74.20-29] # { ثم قتل كيف قدر } تكرير للمبالغة وثم للدلالة على ~~أن الثانية أبلغ من الأولى وفيما بعد على أصلها من التراخي ~~الزماني. # { ثم نظر } أي في القرآن، مرة بعد مرة { ثم عبس } ~~قطب وجهه لما لم يجد فيه مطعنا ولم يدر ماذا يقول وقيل: ~~نظر في وجوه الناس ثم قطب وجهه وقيل: نظر إلى رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم ثم قطب في وجهه { وبسر } اتباع لعبس { ثم ~~أدبر } عن الحق أو عن رسول الله صلى الله عليه وسلم { ~~واستكبر } عن اتباعه { فقال إن هذا إلا سحر ~~يؤثر } أي يروى ويتعلم والفاء للدلالة على أن هذه الكلمة لما ~~خطرت بباله تفوه بها من غير تلعثم وتلبث وقوله تعالى: { إن ~~هذا إلا قول البشر } تأكيد لما قبله ولذلك أخلي عن ~~العاطف { سأصليه سقر } بدل من سأرهقه صعودا { وما ~~أدراك ما سقر } أي أي شيء أعلمك ما سقر على ms3285 أن ما ~~الأولى مبتدأ وأدراك خبره وما الثانية خبر لأنها المفيدة لما ~~قصد إفادته من التهويل والتفظيع وسقر مبتدأ أي أي شيء هي في ~~وصفها لما مر مرارا من أن ما قد يطلب بها الوصف وإن ~~كان الغالب أن يطلب بها الاسم والحقيقة وقوله تعالى { لا ~~تبقى ولا تذر } بيان لوصفها وحالها وإنجاز للوعد أي لا ~~تبقي شيئا يلقى فيها إلا أهلكته وإذا هلك لم تذره هالكا حتى ~~يعاد أو لا تبقي على شيء ولا تدعه من الهلاك بل كل ما يطرح ~~فيها هالك لا محالة. { لواحة للبشر } مغيرة لأعالي ~~الجلد مسودة لها قيل تلفح الجلد لفحة فتدعه أشد سوادا من ~~الليل وقيل: تلوح للناس كقوله تعالى # ثم لترونها عين اليقين # [سورة التكاثر، الآية 7] وقرىء لواحة بالنصب على الاختصاص ~~للتهويل. ### || [74.30-31] # { عليها تسعة عشر } أي ملكا أو صنفا أو صفا أو ~~نقيبا من الملائكة يلون أمرها ويتسلطون على أهلها وقرىء بسكون ~~عين عشر حذرا من توالي الحركات فيما هو في حكم اسم واحد وقرىء ~~تسعة أعشر جمع عشير مثل يمين وأيمن. # { وما جعلنا أصحب النار } أي المدبرين لأمرها ~~القائمين بتعذيب أهلها { إلا ملئكة } ليخالفوا جنس ~~المعذبين فلا يرقوا لهم ولا يستروحوا إليهم ولأنهم أقوى ~~الخلق وأقومهم بحق الله عز وجل وبالغضب له تعالى وأشدهم ~~بأسا. عن النبي صلى الله عليه وسلم: # " لأحدهم مثل قوة الثقلين يسوق أحدهم الأمة وعلى رقبته جبل ~~فيرمي بهم في النار ويرمي بالجبل عليهم " # وروي أنه لما نزل عليها تسعة عشر قال أبو جهل لقريش أيعجز كل ~~عشرة منكم أن يبطشوا برجل منهم فقال أبو الاشد بن أسيد بن ~~كلدة الجمحي وكان شديد البطش أنا أكفيكم سبعة عشر فاكفوني ~~أنتم اثنين فنزلت أي ما جعلناهم رجالا من جنسكم { وما ~~جعلنا عدتهم إلا فتنة للذين كفروا } أي ما ~~جعلنا عددهم إلا العدد الذي تسبب لافتتانهم وهو التسعة عشر فعبر ~~بالأثر عن المؤثر تنبيها على التلازم بينهما وليس المراد مجرد جعل ~~عددهم ذلك العدد المعين في نفس الأمر ms3286 بل جعله في القرآن أيضا ~~كذلك وهو الحكم بأن عليها تسعة عشر، إذ بذلك يتحقق افتتانهم ~~باستقلالهم له واستبعادهم لتولي هذا العدد القليل لتعذيب أكثر ~~الثقلين واستهزائهم به حسبما ذكر وعليه يدور ما سيأتي من استيقان ~~أهل الكتاب وازدياد المؤمنين إيمانا قالوا المخصص لهذا العدد ~~أن اختلاف النفوس البشرية في النظر والعمل بسبب القوى ~~الحيوانية الاثنتي عشرة والطبيعية السبع أو أن جهنم سبع دركات ~~ست منها لأصناف الكفرة كل صنف يعذب بترك الاعتقاد والاقرار ~~والعمل أنواعا من العذاب يناسبها وعلى كل نوع ملك أو صنف أو ~~صف يتولاه، وواحدة لعصاة الأمة يعذبون فيها بترك العمل نوعا ~~يناسبه ويتولاه واحد أو أن الساعات أربع وعشرون خمسة منها ~~مصروفة للصلوات الخمس فيبقى تسعة عشر قد تصرف إلى ما يؤاخذ به ~~بأنواع العذاب يتولاها الزبانية { ليستيقن الذين ~~أوتوا الكتب } متعلق بالجعل على المعنى المذكور أي ~~ليكتسبوا اليقين بنبوته عليه الصلاة والسلام وصدق القرآن لما ~~شاهدوا ما فيه موافقا لما في كتابهم { ويزداد الذين ~~ءامنوا إيمنا } أي يزداد إيمانهم كيفية بما رأوا من تسليم ~~أهل الكتاب وتصديقهم أنه كذلك أو كمية بانضمام إيمانهم بذلك إلى ~~إيمانهم بسائر ما أنزل { ولا يرتاب الذين أوتوا ~~الكتب والمؤمنون } تأكيد لما قبله من الاستيقان وإزدياد ~~الإيمان ونفي لما قد يعتري المستيقن من شبهة ما وإنما لم ينظم ~~المؤمنون في سلك أهل الكتاب في نفي الارتياب حيث لم يقل ولا يرتابوا ~~للتنبيه على تباين النفيين حالا فإن انتفاء الارتياب من أهل الكتاب ~~مقارن لما ينافيه من الجحود، ومن المؤمنين مقارن لما يقتضيه من ~~الإيمان وكم بينهما والتعبير عنهم باسم الفاعل بعد ذكرهم بالموصول ~~والصلة الفعلية المنبئة عن الحدوث للإيذان بثباتهم على الإيمان بعد ~~ازدياده ورسوخهم في ذلك { وليقول الذين فى قلوبهم ~~مرض } شك أو نفاق فيكون إخبارا بما سيكون في المدينة بعد ~~الهجرة { والكفرون } المصرون على التكذيب { ماذا أراد ~~الله بهذا مثلا } أي أي شيء أراد بهذا العدد المستغرب ~~استغراب المثل وقيل: لما استبعدوه حسبوا أنه مثل مضروب وإفراد ms3287 ~~قولهم هذا بالتعليل مع كونه من باب فتنتهم للإشعار باستقلاله في ~~الشناعة { كذلك يضل الله من يشاء } ذلك إشارة إلى ما ~~قبله من معنى الإضلال والهداية ومحل الكاف في الأصل النصب على ~~أنها صفة محذوف وأصل التقدير يضل الله من يشاء { ويهدى من ~~يشاء } إضلالا وهداية كائنين مثل ما ذكر من الإضلال والهداية ~~فحذف المصدر وأقيم وصفه مقامه ثم قدم على الفعل لإفادة القصر ~~فصار النظم مثل ذلك الإضلال وتلك الهداية يضل الله من يشاء ~~إضلاله لصرف اختياره إلى جانب الضلال عند مشاهدته لآيات الله ~~الناطقة بالحق ويهدي من يشاء هدايته لصرف اختياره عن مشاهدة تلك الآيات ~~إلى جانب الهدى لا إضلالا وهداية أدنى منهما. # { وما يعلم جنود ربك } أي جموع خلقه التي من جملتها ~~الملائكة المذكورون { إلا هو } إذ لا سبيل لأحد إلى حصر ~~الممكنات والوقوف على حقائقها وصفاتها ولو إجمالا فضلا عن الاطلاع ~~على تفاصيل أحوالها من كم وكيف ونسبة { وما هى } أي سقر أو عدة ~~خزنتها والآيات الناطقة بأحوالها { إلا ذكرى للبشر } إلا ~~تذكرة لهم. ### || [74.32-35] # { كلا } ردع لمن أنكرها أو إنكار ونفي لأن يكون لهم تذكر { ~~والقمر * واليل إذ أدبر } وقرىء إذ دبر بمعنى ~~أدبر كقبل بمعنى أقبل ومنه قولهم صاروا كأمس الدابر قيل: ~~هو من دبر الليل النهار إذا خلفه { والصبح إذا أسفر ~~} أي أضاء وانكشف { إنها لإحدى الكبر } جواب للقسم أو ~~تعليل لكلا والقسم معترض للتوكيد، والكبر جمع الكبرى جعلت ~~ألف التأنيث كتائها فكما جمعت فعلة على فعل جمعت فعلى ~~عليها ونظيرها القواصع في جمع القاصعاء كأنها جمع قاصعة أي ~~لإحدى البلايا أو لإحدى الدواهي الكبر على معنى أن ~~البلايا الكبر أو الدواهي الكبر كثيرة وهذه واحدة في العظم ~~لانظيرة لها. ### || [74.36-42] # { نذيرا للبشر } تمييز لإحدى الكبر إنذارا أو حال مما دلت ~~عليه الجملة أي كبرت منذرة وقرىء نذير بالرفع على أنه خبر بعد ~~خبر لأن أو لمبتدأ محذوف { لمن شاء منكم أن يتقدم أو ~~يتأخر } بدل من للبشر أي نذيرا لمن شاء منكم ms3288 أن يسبق إلى الخير ~~فيهديه الله تعالى أو لم يشأ ذلك فيضله، وقيل: لمن شاء خبر وأن ~~يتقدم أو يتأخر مبتدأ فيكون في معنى قوله تعالى فمن شاء فليؤمن ~~ومن شاء فليكفر { كل نفس بما كسبت رهينة } مرهونة ~~عند الله تعالى بكسبها والرهينة اسم بمعنى الرهن كالشتيمة بمعنى ~~الشتم لا صفة وإلا لقيل رهين لأن فعيلا بمعنى مفعول لا يدخله ~~التاء { إلا أصحب اليمين } فإنهم فاكون رقابهم بما ~~أحسنوا من أعمالهم كما يفك الراهن رهنه بأداء الدين وقيل: هم ~~الملائكة وقيل: الأطفال وقيل: هم الذين سبقت لهم من الله تعالى ~~الحسنى وقيل: الذين كانوا عن يمين آدم عليه السلام يوم الميثاق ~~وقيل: الذين يعطون كتبهم بأيمانهم { فى جنت } لا يكتنه ~~كنهها ولا يدرك وصفها وهو خبر لمبتدأ محذوف والجملة استئناف ~~وقع جوابا عن سؤال نشأ مما قبله من استثناء أصحاب اليمين كأنه ~~قيل: ما بالهم فقيل هم في جنات وقيل: حال من أصحاب اليمين وقيل: من ~~ضميرهم في قوله تعالى { يتساءلون } وقيل: ظرف للتساؤل وليس ~~المراد بتساؤلهم أن يسأل بعضهم بعضا على أن يكون كل واحد منهم ~~سائلا ومسؤولا معا بل صدور السؤال عنهم مجردا عن وقوعه عليهم فإن ~~صيغة التفاعل وإن وضعت في الأصل للدلالة على صدور الفعل عن ~~المتعدد ووقوعه عليه معا بحيث يصير كل واحد من ذلك فاعلا ~~ومفعولا معا كما في قولك تراءى القوم أي رأى كل واحد منهم الآخر ~~لكنها قد تجرد عن المعنى الثاني ويقصد بها الدلالة على الأول فقط ~~فيذكر للفعل حينئذ مفعول كما في قولك تراءوا الهلال فمعنى ~~يتساءلون { عن المجرمين } يسألونهم عن أحوالهم وقد حذف ~~المسؤول لكونه عين المسؤول عنه وقوله تعالى { ما سلككم فى ~~سقر } مقدر بقول هو حال من فاعل يتساءلون أي يسألونهم قائلين ~~أي شيء أدخلكم فيها فتأمل ودع عنك ما تكلف فيه المتكلفون. ### || [74.43-50] # { قالوا } أي المجرمون مجيبين للسائلين { لم نك من ~~المصلين } للصلوات الواجبة { ولم نك نطعم المسكين } ~~على معنى اسمترار نفي الإطعام لا على نفي ms3289 استمرار الإطعام كما مر ~~مرارا وفيه دلالة على أن الكفار مخاطبون بالفروع في حق ~~المؤاخذذة { وكنا نخوض مع الخائضين } أي نشرع في الباطل ~~مع الشارعين فيه { وكنا نكذب بيوم الدين } أي بيوم ~~الجزاء أضافوه إلى الجزاء مع أن فيه من الدواهي والأهوال ما لا غاية ~~له لأنه أدهاها وأهولها وأنهم ملابسوه وقد مضت بقية الدواهي ~~وتأخير جنايتهم هذه مع كونها أعظم من الكل لتفخيمها كأنهم ~~قالوا وكنا بعد ذلك كله مكذبين بيوم الدين ولبيان كون ~~تكذيبهم به مقارنا لسائر جناياتهم المعدودة مستمرا إلى آخر عمرهم ~~حسبما نطق به قولهم { حتى أتنا اليقين } أي الموت ~~ومقدماته { فما تنفعهم شفعة الشفعين } لو شفعوا ~~لهم جميعا والفاء في قوله تعالى: { فما لهم عن التذكرة ~~معرضين } لترتيب إنكار إعراضهم عن القرآن بغير سبب على ما ~~قبلها من موجبات الإقبال عليه والاتعاظ به من سوء حال المكذبين ~~ومعرضين حال من الضمير في الجار الواقع خبرا لما الاستفهامية ~~وعن متعلقة به أي فإذا كان حال المكذبين به على ما ذكر فأي ~~شيء حصل لهم معرضين عن القرآن مع تعاضد موجبات الإقبال عليه ~~وتآخذ الدواعي إلى الإيمان به وقوله تعالى. # { كأنهم حمر مستنفرة } حال من المستكن في معرضين ~~بطريق التداخل أي مشبهين بحمر نافرة. ### || [74.51-56] # { فرت من قسورة } أي من أسد فعولة من القسر وهو ~~القهر والغلبة وقيل: هي جماعة الرماة الذين يتصيدونها شبهوا في ~~إعراضهم عن القرآن واستماع ما فيه من المواعظ وشرادهم عنه بحمر ~~جدت في نفارها مما أفزعها وفيه من ذمهم وتهجين حالهم ما لا ~~يخفى وقوله تعالى: { بل يريد كل امرىء منهم أن ~~يؤتى صحفا منشرة } عطف على مقدر يقتضيه المقام كأنه ~~قيل: لا يكتفون بتلك التذكرة ولا يرضون بها بل يريد كل واحد منهم ~~أن يؤتى قراطيس تنشر وتقرأ وذلك أنهم قالوا لرسول الله صلى الله ~~عليه وسلم لن نتبعك حتى تأتي كل واحد منها بكتاب من السماء ~~عنوانه من رب العالمين إلى فلان بن فلان نؤمر فيها باتباعك كما ~~قالوا لن ms3290 نؤمن لرقيك حتى تنزل علينا كتابا نقرؤه وقرىء صحفا ~~منشرة بسكون الحاء والنون { كلا } ردع لهم عن تلك الجراءة { ~~بل لا يخافون الآخرة } فلذلك يعرضون عن التذكرة لا لامتناع ~~إيتاء الصحف { كلا } ردع عن إعراضهم { إنه } أي القرآن { ~~تذكرة } وأي تذكرة { فمن شاء } أن يذكره { ذكره } وحاز ~~بسببه سعادة الدارين { وما يذكرون } بمجرد مشيئتهم للذكر كما ~~هو المفهوم من ظاهر قوله تعالى فمن شاء ذكره إذ لا تأثير ~~لمشيئة العبد وإرادته في أفعاله، وقوله تعالى { إلا أن يشاء ~~الله } استئناء مفرغ من أعم العلل أو من أعم الأحوال أي وما ~~يذكرون بعلة من العلل أو في حال من الأحوال إلا بأن يشاء الله أو ~~حال أن يشاء الله ذلك وهو تصريح بأن أفعال العباد بمشيئة الله ~~عز وجل وقرىء تذكرون على الخطاب التفاتا وقرىء بهما مشددا ~~{ هو أهل التقوى } أي حقيق بأن يتقى عقابه ويؤمن به ~~ويطاع { وأهل المغفرة } حقيق بأن يغفر لمن آمن به ~~وأطاعه. # عن النبي صلى الله عليه وسلم: # " من قرأ سورة المدثر أعطاه الله عشر حسنات بعدد من صدق ~~بمحمد صلى الله عليه وسلم وكذب به بمكة ". ### | [75 - سورة القيامة] ### || [75.1-3] # مكية وآياتها أربعون # { لا أقسم بيوم القيمة } إدخال لا النافية على فعل ~~القسم شائع وفائدتها توكيد القسم قالوا إنها صلة مثلها في ~~قوله تعالى لئلا يعلم أهل الكتاب وقيل: هي للنفي لكن لا لنفي ~~نفس الإقسام بل لنفي ما ينبىء هو عنه من إعظام المقسم به ~~وتفخيمه كأن معنى لا أقسم بكذا لا أعظمه بإقسامي به حق ~~إعظامه فإنه حقيق بأكثر من ذلك وأكثر وأما ما قيل: من أن ~~المعنى نفي اللإقسام لوضوح الأمر فقد عرفت ما فيه في قوله ~~تعالى: # فلا أقسم بموقع النجوم # [سورة الواقعة، الآية 75] وقيل: إن لا نفي ورد لكلام معهود قبل ~~القسم كأنهم أنكروا البعث فقيل لا أي ليس الأمر كذلك ثم ~~قيل: أقسم بيوم القيامة كقولك لا والله إن البعث حق وأيا ما ~~كان ففي الإقسام على تحقق البعث ms3291 بيوم القيامة من الجزالة ما لا ~~مزيد عليه وقد مر تفصيله في سورة يس وسورة الزخرف { ولا ~~أقسم بالنفس اللوامة } أي بالنفس المتقية التي ~~تلوم النفوس يومئذ على تقصيرهن في التقوى ففيه طرف من ~~البراعة التي في القسم السابق أو بالنفس التي لا تزال تلوم ~~نفسها وإن اجتهدت في الطاعات أو بالنفس المطمئنة اللائمة للنفس ~~الأمارة وقيل: بالجنس لما روي أنه عليه الصلاة والسلام ~~قال: # " ليس من نفس برة ولا فاجرة إلا وتلوم نفسها يوم القيامة إن ~~عملت خيرا قالت كيف لم أزدد وإن عملت شرا قالت ليتني كنت ~~قصرت " # ولا يخفى ضعفه فإن هذا القدر من اللوم لا يكون مدارا ~~للإعظام بالإقسام وإن صدر عن النفس المؤمنة المسيئة فكيف من ~~الكافرة المندرجة تحت الجنس وقيل: بنفس آدم عليه السلام ~~فإنها لا تزال تتلوم على فعلها الذي خرجت به من الجنة ~~وجواب القسم ما دل عليه قوله تعالى: # { أيحسب الإنسن أن لن نجمع عظامه } وهو ليبعثن، ~~والمراد بالإنسان الجنس والهمزة لإنكار الواقع واستقباحه وأن ~~مخففة من الثقيلة وضمير الشأن الذي هو اسمها محذوف أي أيحسب ~~أن الشأن لن نجمع عظامه فإن ذلك حسبان باطل فإنا تجمعها ~~بعد تشتتها ورجوعها رميما ورفاتا مختلطا بالتراب وبعد ما ~~سفتها الرياح وطيرتها في أقطار الأرض وألقتها في البحار وقيل: ~~إن عدي بن أبي ربيعة ختن الأخنس بن شريق وهما اللذان ~~كان النبي عليه الصلاة والسلام يقول فيهما: # " اللهم اكفني جاري السوء " # قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: يا محمد حدثنى عن يوم القيامة ~~متى يكون وكيف أمره فأخبره رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ~~لو عاينت ذلك اليوم لم أصدقك، أو ويجمع الله هذه العظام. ### || [75.4-10] # { بلى } أي نجمعها حال كوننا { قدرين على أن ~~نسوى بنانه } أي نجمع سلامياته ونضم بعضها إلى بعض كما ~~كانت مع صغرها ولطافتها فكيف بكبار العظام أو على أن نسوي ~~أصابعه التي هي أطرافه وآخر ما يتم به خلقه وقرىء قادرون { ~~بل يريد الإنسن ليفجر أمامه } عطف ms3292 على أيحسب إما ~~على أنه استفهام مثله أضرب عن التوبيخ بذلك إلى التوبيخ بهذا ~~أو على أنه إيجاب انتقل إليه عن الاستفهام أي بل يريد ليدوم ~~على فجوره فيما بين يديه من الأوقات وما يستقبله من الزمان لا ~~يرعوى عنه { يسئل أيان يوم القيمة } أي متى يكون ~~استبعادا أو استهزاء. # { فإذا برق البصر } أي تحير فزعا من برق الرجل إذا نظر ~~إلى البرق فدهش بصره وقرىء بفتح الراء وهي لغة أو من البريق ~~بمعنى لمع من شدة شخوصه وقرىء باق أي انفتح وانفرج { وخسف ~~القمر } أي ذهب ضوؤه وقرىء على النباء للمفعول { وجمع ~~الشمس والقمر } بأن يطلعهما الله تعالى من المغرب وقيل: ~~جمعا في ذهاب الضوء وقيل: يجمعان أسودين مكورين كأنهما ثوران ~~عقيران في النار وتذكير الفعل لتقدمه وتغليب المعطوف { يقول ~~الإنسن يومئذ } أي يوم إذ تقع هذه الأمور { أين ~~المفر } أي الفرار يأسا منه وقرىء بالكسر أي موضع الفرار ~~وقد جوز أن يكون هو أيضا مصدرا كالمرجع. ### || [75.11-16] # { كلا } ردع من طلب المفر وتمنيه { لا وزر } لا ملجأ، ~~مستعار من الجبل وقيل: كل ما التجأت إليه وتخلصت به فهو ~~وزرك { إلى ربك يومئذ المستقر } أي إليه وحده ~~استقرار العباد أو إلى حكمه استقرار أمرهم أو إلى مشيئته موضع ~~قرارهم يدخل من يشاء الجنة ومن يشاء النار { ينبأ ~~الإنسن يومئذ } أي يخبر كل امرىء برا كان أو فاجرا ~~عند وزن الأعمال { بما قدم } أي عمل من عمل خيرا كان أو ~~شرا فيثاب بالأول ويعاقب بالثاني { وأخر } أي لم يعمل خيرا ~~كان أو شرا فيعاقب بالأول ويثاب بالثاني أو بما قدم من حسنة أو ~~سيئة وبما أخر من سنة حسنة أو سيئة فعمل بها بعده أو بما ~~قدم من مال تصدق به في حياته وبما أخر فخلفه أو وقفه أو ~~أوصى به أو بأول عمله وآخره { بل الإنسن على نفسه ~~بصيرة } أي حجة بينة على نفسه شاهدة بما صدر عنه من ~~الأعمال السيئة كما يعرب عنه كلمة على وما سيأتي من ms3293 الجملة ~~الحالية وصفت بالبصارة مجازا كما وصفت الآيات بالأبصار في قوله ~~تعالى: # فلما جاءتهم ءايتنا مبصرة # [سورة النمل، الآية 13] أو عين بصيرة أو التاء للمبالغة ومعنى ~~بل الترقي أي ينبأ الإنسان بأعماله بل هو يومئذ عالم بتفاصيل ~~أحواله شاهد على نفسه لأن جوارحه تنطق بذلك وقوله تعالى: { ~~ولو ألقى معاذيره } أي ولو جاء بكل معذرة يمكن أن ~~يعتذر بها عن نفسه حال من المستكن في بصيرة أو من مرفوع ينبأ ~~أي هو بصيرة على نفسه تشهد عليه جوارحه وتقبل شهادتها ولو ~~اعتذر بكل معذرة أو ينبأ بأعماله ولو اعتذر الخ والمعاذير اسم ~~جمع للمعذرة كالمناكير اسم جمع للمنكر وقيل: هو جمع معذار وهو ~~الستر أي ولو أرخى ستوره. كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا ~~لقن الوحي نازع جبريل عليه السلام القراءة ولم يصبر إلى أن ~~يتمها مسارعة إلى الحفظ وخوفا من أن ينفلت منه فأمر عليه ~~الصلاة والسلام بأن يستنصت له ملقيا إليه قلبه وسمعه ~~حتى يقضى إليه الوحي ثم يقفيه بالدراسة إلى أن يرسخ فيه { ~~لا تحرك به } أي بالقرآن { لسانك } عند إلقاء الوحى { ~~لتعجل به } أي لتأخذه على عجلة مخافة أن ينفلت منك. ### || [75.17-23] # { إن علينا جمعه } في صدرك بحيث لا يذهب عليك شيء من ~~معانيه { وقرءانه } أي إثبات قراءته في لسانك { فإذا ~~قرأنه } أي أتممنا قراءته عليك بلسان جبريل عليه السلام ~~وإسناد القراءة إلى نون العظمة للمبالغة في إيجاب التأني { ~~فاتبع قرءانه } فكن مقفيا له ولا تراسله { ثم إن ~~علينا بيانه } أي بيان ما أشكل عليك من معانيه وأحكامه { ~~كلا } ردع له عليه الصلاة والسلام عن عادة العجلة وترغيب ~~له في الأناة وأكد ذلك بقوله تعالى: { بل تحبون ~~العاجلة * وتذرون الآخرة } على تعميم الخطاب للكل أي ~~بل أنتم يا بني آدم لما خلقتم من عجل وجبلتم عليه تعجلون في ~~كل شيء ولذلك تحبون العاجلة وتذرون الآخرة وقيل: كلا ردع ~~للإنسان عن الاغترار بالعاجل فيكون جمع الضمير في الفعلين ~~باعتبار معنى الجنس ويؤيده قراءة الفعلين على ms3294 صيغة الغيبة { ~~وجوه يومئذ ناضرة } أي وجوه كثيرة وهي وجوه المؤمنين ~~المخلصين يوم إذ تقوم القيامة بهية متهللة يشاهد عليها نضرة ~~النعيم على أن وجوه مبتدأ وناضرة خبره ويومئذ منصوب بناضرة، ~~وناظرة في قوله تعالى: { إلى ربها ناظرة } خبر ثان ~~للمبتدإ أو نعت لناضرة وإلى ربها متعلق بناظرة، وصحة وقوع ~~النكرة مبتدأ لأن المقام مقام تفصيل لا على أن ناضرة صفة ~~لوجوه والخبر ناظرة كما قيل لما هو المشهور من أن حق الصفة ~~أن تكون معلومة الانتساب إلى الموصوف عند السامع وحيث لم يكن ~~ثبوت النضرة للوجوه كذلك فحقه أن يخبر به ومعنى كونها ناظرة ~~إلى ربها أنها تراه تعالى مستغرقة في مطالعة جماله بحيث تغفل ~~عما سواه وتشاهده تعالى بلا كيف ولا على جهة وليس هذا في جميع ~~الأحوال حتى ينافيه نظرها إلى غيره وقيل: منتظرة إنعامه ~~ورد بأن الانتظار لا يسند إلى الوجه وتفسيره بالجملة خلاف ~~الظاهر وأن المستعمل بمعناه لا يعدى بإلى. ### || [75.24-33] # { ووجوه يومئذ باسرة } شديدة العبوس وهي وجوه الكفرة ~~{ تظن } يتوقع أربابها { أن يفعل بها فاقرة } داهية ~~عظيمة تقصم فقار الظهر. # { كلا } ردع عن إيثار العاجلة على الآخرة أي ارتدعوا عن ~~ذلك وتنبهوا لما بين أيديكم من الموت الذي ينقطع عنده ما ~~بينكم وبين العاجلة من العلاقة { إذا بلغت التراقى } ~~أي بلغت النفس أعالي الصدر وهي العظام المكتنفة لثغره ~~والنحر عن يمين وشمال { وقيل من راق } أي قال من حضر ~~صاحبها من يرقيه وينجيه مما هو فيه من الرقية وقيل: هو من ~~كلام ملائكة الموت أيكم يرقى بروحه ملائكة الرحمة أو ملائكة ~~العذاب من الرقي { وظن أنه الفراق } وأيقن المحتضر ~~أن ما نزل به للفراق من الدنيا ونعيمها { والتفت الساق ~~بالساق } والتفت ساقه بساقه والتوت عليها عند حلول الموت ~~وقيل: هما شدة فراق الدنيا وشدة إقبال الآخرة وقيل: هما ساقاه ~~حين تلفان في أكفانه { إلى ربك يومئذ المساق } أي إلى ~~الله وإلى حكمه يساق لا إلى غيره { فلا صدق } ما يجب تصديقه ~~من الرسول عليه ms3295 الصلاة والسلام والقرآن الذي نزل عليه أو ~~فلا صدق ماله ولا زكاه { ولا صلى } ما فرض عليه والضمير ~~فيهما للإنسان المذكور في قوله تعالى: # أيحسب الإنسن # [سورة القيامة، الآية 36] وفي دلالة على أن الكفار مخاطبون ~~بالفروع في حق المؤاخذة كما مر { ولكن كذب } ما ذكر ~~من الرسول والقرآن { وتولى } عن الطاعة { ثم ذهب إلى ~~أهله يتمطى } يتبختر افتخارا بذلك من المط فإن المتبختر ~~يمد خطاه فيكون أصله يتمطط أو من المطا وهو الظهر فإنه يلوذ ~~به. ### || [75.34-40] # { أولى لك فأولى } أي ويل لك وأصله أولاك الله ما ~~تكرهه واللام مزيدة كما في # ردف لكم # [سورة النمل، الآية 72] أو أولى لك الهلاك وقيل: هو أفعل من ~~الويل بعد القلب كأدنى من دون أو فعلى من آل يؤول بمعنى عقباك ~~النار { ثم أولى لك فأولى } أي يتكرر عليه ذلك مرة ~~بعد أخرى. # { أيحسب الإنسن أن يترك سدى } أي يخلى مهملا فلا ~~يكلف ولا يجزى وقيل: أن يترك في قبره ولا يبعث وقوله تعالى: { ~~ألم يك نطفة من منى يمنى } الخ، استئناف وارد ~~لإبطال الحسبان المذكور فإن مداره لما كان استبعادهم للإعادة ~~استدل على تحققها ببدء الخلق { ثم كان علقة } أي بقدرة ~~الله تعالى لقوله تعالى: # ثم خلقنا النطفة علقة # [سورة المؤمنون، الآية 14] { فخلق } أي فقدر بأن جعلها مضغة ~~مخلقة { فسوى } فعدل وكمل نشأته { فجعل منه } من ~~الإنسان { الزوجين } أي الصنفين { الذكر والأنثى } بدل ~~الزوجين { أليس ذلك } العظيم الشأن الذي أنشأ هذا الإنشاء ~~البديع { بقادر على أن يحيي الموتى } وهو أهون من ~~البدء في قياس العقل. # روي أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا قرأها قال: # " سبحانك بلى " # وعنه صلى الله عليه وسلم: # " من قرأ سورة القيامة شهدت له أنا وجبريل يوم القيامة ~~أنه كان مؤمنا بيوم القيامة ". ### | [76 - سورة الانسان] ### || [76.1-3] # مكية وآيها إحدى وثلاثون # { هل أتى } استفهام تقرير وتقريب فإن هل بمعنى قد ~~والأصل أهل أتى { على الإنسن } قبل زمان قريب { حين ~~من الدهر } أي طائفة محدودة كائنة من الزمن ms3296 الممتد { لم ~~يكن شيئا مذكورا } بل كان شيئا منسيا غير مذكور ~~بالإنسانية أصلا كالعنصر والنطفة وغير ذلك. والجملة المنفية حال ~~من الإنسان أي غير مذكور أو صفة أخرى لحين على حذف العائد إلى ~~الموصوف أي لم يكن فيه شيئا مذكورا. والمراد بالإنسان الجنس ~~فالإظهار في قوله تعالى: { إنا خلقنا الإنسن من نطفة ~~} لزيادة التقرير، أو آدم عليه السلام، وهو المروي عن ابن عباس ~~وقتادة والثوري وعكرمة والشعبي. قال ابن عباس في رواية أبي ~~صالح عنه: مرت به أربعون سنة قبل أن ينفخ فيه الروح وهو ملقى ~~بين مكة والطائف وفي رواية الضحاك عنه أنه خلق من طين فأقام ~~أربعين سنة ثم من حمإ فأقام أربعين سنة ثم من صلصال فأقام ~~أربعين سنة فتم خلقه بعد مائة وعشرين سنة ثم نفخ فيه ~~الروح، وحكى الماوردي عن ابن عباس رضي الله عنهما أن ~~الحين المذكور ههنا هو الزمن الطويل الممتد الذي لا يعرف ~~مقداره فيكون الأول إشارة إلى خلقه عليه الصلاة والسلام وهذا ~~بيانا لخلق بنيه { أمشاج } أخلاط، جمع مشج أو مشيج، من ~~مشجت الشيء إذا خلطته. وصف النطفة به لما أن المراد بها مجموع ~~الماءين، ولكل منهما أوصاف مختلفة من اللون والرقة والغلظ، ~~وخواص متباينة فإن ماء الرجل أبيض غليظ فيه قوة العقد ~~وماء المرأة أصفر رقيق فيه قوة الانعقاد يخلق منهما الولد ~~فما كان من عصب وعظم وقوة فمن ماء الرجل وما كان من لحم ~~ودم وشعر فمن ماء المرأة. قال القرطبي: وقد روي هذا ~~مرفوعا، وقيل: مفرد كأعشار وأكياش، وقيل: أمشاج ألوان وأطوار ~~فإن النطفة تصير علقة ثم مضغة إلى تمام الخلقة. وقوله تعالى: ~~{ نبتليه } حال من فاعل خلقنا أي مريدين ابتلاءه بالتكليف ~~فيما سيأتي ناقلين له من حال إلى حال على طريقة الاستعارة كما روي ~~عن ابن عباس رضي الله عنهما نصرفه في بطن أمه نطفة ثم علقة ~~إلى آخره { فجعلنه سميعا بصيرا } ليتمكن من استماع ~~الآيات التنزيلية ومشاهدة الآيات التكوينية فهو كالمسبب عن ~~الابتلاء فلذلك عطف على ms3297 الخلق المقيد به بالفاء ورتب عليه ~~قوله تعالى: { إنا هدينه السبيل } بإنزال الآيات ونصب ~~الدلائل { إما شاكرا وإما كفورا } حالان من مفعول هدينا ~~أي مكناه وأقدرناه على سلوك الطريق الموصل إلى البغية في حالتيه ~~جميعا، وإما للتفصيل أو التقسيم، أي هديناه إلى ما يوصل إليها في ~~حاليه جميعا أو مقسوما إليهما بعضهم شاكر بالاهتداء والأخذ فيه ~~وبعضهم كفور بالإعراض عنه وقيل: من السبيل أي عرفناه السبيل ~~إما سبيلا شاكرا أو كفورا على وصف السبيل بوصف سالكه مجازا. ~~وقرىء أما بالفتح على حذف الجواب، أي أما شاكرا فبتوفيقنا، ~~وأما كفورا فبسوء اختياره لا بمجرد إجبارنا من غير اختيار من ~~قبله، وإيراد الكفور لمراعاة الفواصل والإشعار بأن الإنسان ~~قلما يخلو من كفران ما وإنما المؤاخذ عليه الكفر المفرط. ### || [76.4-6] # { إنا أعتدنا للكفرين } من أفراد الإنسان الذي هديناه ~~السبيل { سلسلا } بها يقادون { وأغللا } بها يقيدون ~~{ وسعيرا } بها يحرقون، وتقديم وعيدهم مع تأخرهم للجمع ~~بينهما في الذكر كما في قوله تعالى: # يوم تبيض وجوه وتسود وجوه فأما الذين ~~اسودت وجوههم # [سورة آل عمران، الآية 106] الآية، ولأن الإنذار أهم وأنفع ~~وتصدير الكلام وختمه بذكر المؤمنين أحسن على أن في وصفهم ~~تفصيلا ربما يخل تقديمه بتجاوب أطراف النظم الكريم. وقرىء ~~سلاسلا للتناسب. # { إن الأبرار } شروع في بيان حسن حال الشاكرين إثر بيان ~~سوء حال الكافرين وإيرادهم بعنوان البر للإشعار بما استحقوا ~~به ما نالوه من الكرامة السنية. والأبرار جمع بر أو بار كرب ~~وأرباب وشاهد وأشهاد. قيل: هو من يبر خالقه أي يطيعه وقيل: ~~من يمتثل بأمره تعالى وقيل: من يؤدي حق الله تعالى ويوفي ~~بالنذر، وعن الحسن البر من لا يؤذي الذر { يشربون من ~~كأس } هي الزجاجة إذا كانت فيها خمر وتطلق على نفس الخمر أيضا ~~فمن على الأول ابتدائية وعلى الثاني تبعيضية أو بيانية { كان ~~مزاجها } أي ما تمزج به { كفورا } أي ماء كافور وهو اسم ~~عين في الجنة ماؤها في بياض الكافور ورائحته وبرده. والجملة ~~صفة كأس. وقوله تعالى: { عينا } بدل من كافورا ms3298 وعن قتادة: ~~تمزج لهم بالكافور وتختم لهم بالمسك، وقيل: تخلق فيها رائحة ~~الكافور وبياضه وبرده فكأنها مزجت بالكافور، فعينا على هذين ~~القولين بدل من محل (من كأس) على تقدير مضاف أي يشربون خمرا ~~خمر عين أو نصب على الاختصاص. وقوله تعالى: { يشرب بها ~~عباد الله } صفة عينا أي يشربون بها الخمر لكونها ممزوجة ~~بها وقيل: ضمن يشرب معنى يلتذ وقيل: الباء بمعنى من وقيل: ~~زائدة ويعضده قراءة ابن أبي عبلة يشربها عباد الله وقال: ~~الضمير للكأس والمعنى يشربون العين بتلك الكأس { يفجرونها ~~تفجيرا } أي يجرونها حيثما شاؤوا من منازلهم إجراء سهلا لا ~~يمتنع عليهم بل يجري جريا بقوة واندفاع والجملة صفة أخرى ~~لعينا. ### || [76.7-11] # وقوله تعالى: { يوفون بالنذر } استئناف مسوق لبيان ما ~~لأجله رزقوا ما ذكر من النعيم مشتمل على نوع تفصيل لما ينبىء ~~عنه اسم الأبرار إجمالا كأنه قيل: ماذا يفعلون حتى ينالوا ~~تلك الرتبة العالية؟ فقيل: يوفون بما أوجبوه على أنفسهم فكيف ~~بما أوجبه الله تعالى عليهم { ويخفون يوما كان شره } ~~عذابه { مستطيرا } فاشيا منتشرا في الأقطار غاية الانتشار، ~~من استطار الحريق والفجر وهو أبلغ من طار بمنزلة استنفر من نفر ~~{ ويطعمون الطعام على حبه } أي كائنين على حب ~~الطعام والحاجة إليه كما في قوله تعالى: # لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون # [سورة آل عمران، الآية 92] أي على حب الإطعام بأن يكون ذلك بطيب ~~النفس أو كائنين على حب الله تعالى أو إطعاما كائنا على حبه ~~تعالى وهو الأنسب لما سيأتي من قوله تعالى لوجه الله { مسكينا ~~ويتيما وأسيرا } أي أسير # " فإنه كان عليه الصلاة والسلام يؤتى بالأسير فيدفعه إلى ~~بعض المسلمين فيقول: " أحسن إليه " # أو أسيرا مؤمنا فيدخل فيه المملوك والمسجون وقد سمى رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم الغريم أسيرا فقال: # " غريمك أسيرك فأحسن إلى أسيرك " # { إنما نطعمكم لوجه الله } على إرادة قول هو في موقع ~~الحال من فاعل يطعمون أي قائلين ذلك بلسان الحال أو بلسان ~~المقال إزاحة لتوهم المن المبطل للصدقة وتوقع المكافأة ms3299 المنقصة ~~للأجر. وعن الصديقة رضي الله تعالى عنها أنها كانت تبعث بالصدقة ~~إلى أهل بيت ثم تسأل الرسول ما قالوا؟ فإذا ذكر دعاءهم دعت ~~لهم بمثله ليبقى ثواب الصدقة لها خالصا عند الله تعالى { لا ~~نريد منكم جزاء ولا شكورا } وهو تقرير وتأكيد لما قبله. # { إنا نخاف من ربنا يوما } أي عذاب يوم { عبوسا } ~~يعبس فيه الوجوه أو يشبه الأسد العبوس في الشدة والضراوة { ~~قمطريرا } شديد العبوس فلذلك نفعل بكم ما نفعل رجاء أن ~~يقينا ربنا بذلك شره، وقيل: هو تعليل لعدم إرادة الجزاء ~~والشكور أي إنا نخاف عقاب الله تعالى إن أردناهما { فوقهم ~~الله شر ذلك اليوم } بسبب خوفهم وتحفظهم عنه { ~~ولقهم نضرة وسرورا } أي أعطاهم بدل عبوس الفجار ~~وحزنهم نضرة في الوجوه وسرورا في القلوب. ### || [76.12-14] # { وجزاهم بما صبروا } بصبرهم على مشاق الطاعات ومهاجرة ~~هوى النفس في اجتناب المحرمات وإيثار الأموال { جنة } ~~بستانا يأكلون منه ما شاءوا { وحريرا } يلبسونه ويتزينون به. ~~وعن ابن عباس رضي الله عنهما: (أن الحسن والحسين رضي الله تعالى ~~عنهما مرضا فعادهما النبي صلى الله عليه وسلم في ناس معه ~~فقالوا لعلي رضي الله عنه: لو نذرت على شفاء ولدك فنذر علي ~~وفاطمة رضي الله تعالى عنهما وفضة جارية لهما إن برئا مما بهما ~~أن يصوموا ثلاثة أيام فشفيا وما معهم شيء فاستقرض علي رضي ~~الله عنه من شمعون الخيبري ثلاثة أصوع من شعير فطحنت فاطمة رضي ~~الله تعالى عنها صاعا واختبزت خمسة أقراص على عددهم فوضعوها بين ~~أيديهم ليفطروا فوقف عليهم سائل فقال: السلام عليكم أهل بيت ~~محمد مسكين من مساكين المسلمين أطعموني أطعمكم الله تعالى من ~~موائد الجنة فآثروه وباتوا لم يذوقوا إلا الماء وأصبحوا صياما ~~فلما أمسوا ووضعوا الطعام بين أيديهم وقف عليهم يتيم فآثروه ~~ثم وقف عليهم في الثالثة أسير ففعلوا مثل ذلك فلما أصبحوا أخذ ~~علي بيد الحسن والحسين رضي الله عنهم فأقبلوا إلى النبي صلى ~~الله عليه وسلم فلما أبصرهم وهم يرتعشون كالفراخ من شدة الجوع قال ~~عليه ms3300 الصلاة والسلام: # " ما أشد ما يسوؤني ما أرى بكم " # وقام فانطلق معهم فرأى فاطمة في محرابها قد التصق ظهرها ~~ببطنها وغارت عيناها فساءه ذلك فنزل جبريل عليه السلام وقال: ~~خذها يا محمد هنأك الله تعالى في أهل بيتك) فأقرأه السورة { ~~متكئين فيها على الأرائك } حال من هم في جزاهم ~~والعامل فيها جزى وقيل: صفة لجنة من غير إبراز الضمير. ~~والأرائك هي السرر في الحجال. وقوله تعالى: { لا يرون فيها ~~شمسا ولا زمهريرا } إما حال ثانية من الضمير أو المستكن ~~في متكئين والمعنى أنه يمر عليهم هواء معتدل لا حار محم ولا ~~بارد مؤذ وقيل: الزمهرير القمر في لغة طييء والمعنى أن ~~هواءها مضيء بذاته لا يحتاج إلى شمس ولا قمر { ودانية ~~عليهم ظللها } عطف على ما قبلها حال مثلها أو صفة ~~لمحذوف معطوف على جنة أي وجنة أخرى دانية عليهم ظلالها على أنهم ~~وعدوا جنتين كما في قوله تعالى: # ولمن خاف مقام ربه جنتان # [سورة الرحمن، الآية 46] وقرىء دانية بالرفع على أنه خبر لظلالها ~~والجملة في حيز الحال والمعنى لا يرون فيها شمسا ولا زمهريرا ~~والحال أن ظلالها دانية. قالوا: معناه أن ظلال أشجار الجنة ~~قريبة من الأبرار مظلة عليهم زيادة في نعيمهم على معنى أنه لو ~~كان هناك شمس مؤذية لكانت أشجارها مظلة عليهم مع أنه لا شمس ~~ثمة ولا قمر { وذللت قطوفها تذليلا } أي سخرت ثمارها ~~لمتناوليها وسهل أخذها من الذل وهو ضد الصعوبة. والجملة حال ~~من دانية أي تدنو ظلالها عليهم مذللة لهم قطوفها. أو معطوفة على ~~دانية أي دانية عليهم ظلالها ومذللة قطوفها، وعلى تقدير رفع ~~دانية فهي جملة فعلية معطوفة على جملة اسمية. ### || [76.15-21] # { ويطاف عليهم بئانية من فضة وأكواب } الكوب ~~الكوز العظيم الذي لا أذن له ولا عروة { كانت قواريرا * ~~قواريرا من فضة } أي تكونت جامعة بين صفاء الزجاجة ~~وشفيفها ولين الفضة وبياضها، والجملة صفة لأكواب. وقرىء ~~بتنوين قوارير الثاني أيضا، وقرئا بغير تنوين، وقرىء ~~الثاني بالرفع على هي قوارير { قدروها تقديرا } صفة ~~لقوارير ms3301 ومعنى تقديرهم لها أنهم قدروها في أنفسهم وأرادوا أن ~~تكون على مقادير وأشكال معينة موافقة لشهواتهم فجاءت حسبما ~~قدروها، أو قدروها بأعمالهم الصالحة فجاءت على حسبها، وقيل: ~~الضمير للطائفين بها المدلول عليهم بقوله تعالى: { ويطاف ~~عليهم } الإنسان، الآية 15] فالمعنى قدروا شرابها على قدر ~~اشتهائهم، وقرىء قدروها على البناء للمفعول أي جعلوا قادرين ~~لها كما شاءوا من قدر منقولا من قدرت الشيء. # { ويسقون فيها كأسا كان مزاجها زنجبيلا } أي ما ~~يشبه الزنجبيل في الطعم وكان الشراب الممزوج به أطيب ما تستطيبه ~~العرب وألذ ما تستلذ به { عينا } بدل من زنجبيلا، وقيل: ~~تمزج كأسهم بالزنجبيل بعينه، أو يخلق الله تعالى طعمه فيها، ~~فعينا حينئذ بدل من كأسا كأنه قيل: ويسقون فيها كأسا كأس ~~عين، أو نصب على الاختصاص { فيها تسمى سلسبيلا } لسلاسة ~~انحدارها في الحلق وسهولة مساغها، يقال: شراب سلسل وسلسال ~~وسلسبيل، ولذلك حكم بزيادة الباء، والمراد بيان أنها في طعم ~~الزنجبيل، وليس فيها لذعة بل نقيض اللذع هو السلاسة { ويطوف ~~عليهم ولدن مخلدون } أي دائمون على ما هم عليه من ~~الطراوة والبهاء { إذا رأيتهم حسبتهم لؤلؤا ~~منثورا } لحسنهم وصفاء ألوانهم وإشراق وجوههم وانبثاثهم في ~~مجالسهم ومنازلهم وانعكاس أشعة بعضهم إلى بعض { وإذا رأيت ~~ثم } ليس له مفعول ملفوظ ولا مقدر ولا منوي، بل معناه أن ~~بصرك أينما وقع في الجنة { رأيت نعيما وملكا كبيرا } ~~أي هنيئا واسعا. وفي الحديث # " أدنى أهل الجنة منزلة ينظر في ملكه مسيرة ألف عام يرى ~~أقصاه كما يرى أدناه " # وقيل: لا زوال له، وقيل: إذا أرادوا شيئا كان، وقيل: يسلم ~~عليهم الملائكة ويستأذنون عليهم { عليهم ثياب سندس خضر ~~} قيل: عاليهم ظرف على أنه خبر مقدم وثياب مبتدأ مؤخر، ~~والجملة صفة أخرى لولدان كأنه قيل: يطوف عليهم ولدان فوقهم ~~ثياب الخ، وقيل: حال من ضمير عليهم أو حسبتهم، أي يطوف عليهم ~~ولدان عاليا للمطوف عليهم ثياب الخ، أو حسبتهم لؤلؤا منثورا ~~عاليا لهم ثياب الخ. وقرىء عاليهم بالرفع على أنه مبتدأ خبره ~~ثياب أي ما يعلوه من ms3302 لباسهم ثياب سندس. وقرىء خضر بالجر حملا ~~على سندس بالمعنى لكونه اسم جنس { وإستبرق } بالرفع عطفا ~~على ثياب. وقرىء برفع الأول وجر الثاني، وقرىء بالعكس، ~~وقرىء بجرهما، وقرىء واستبرق بوصل الهمزة والفتح على أنه ~~استفعل من البريق جعل علما لهذا النوع من الثياب. # { وحلوا أساور من فضة } عطف على يطوف عليهم ولا ينافيه ~~قوله تعالى: # أساور من ذهب # [سورة الكهف، الآية 31 وسورة الحج، الآية 23 وسورة فاطر، الآية 33] ~~لإمكان الجمع والمعاقبة والتبعيض، فإن حلي أهل الجنة يختلف ~~حسب اختلاف أعمالهم فلعله تعالى يفيض عليهم جزاء لما عملوه ~~بأيديهم حليا وأنوارا تتفاوت تفاوت الذهب والفضة أو حال من ضمير ~~عاليهم بإضمار قد، وعلى هذا يجوز أن يكون هذا للخدم وذاك ~~للمخدومين. # { وسقهم ربهم شرابا طهورا } هو نوع آخر يفوق ~~النوعين السالفين كما يرشد إليه إسناد سقيه إلى رب العالمين ~~ووصفه بالطهورية فإنه يطهر شاربه عن دنس الميل إلى الملاذ ~~الحسية والركون إلى ما سوى الحق فيتجرد لمطالعة جماله ملتذا ~~بلقائه باقيا ببقائه، وهي الغاية القاصية من منازل الصديقين ~~ولذلك ختم بها مقالة ثواب الأبرار. ### || [76.22-25] # { إن هذا } على إضمار القول أي يقال لهم إن هذا الذي ذكر ~~من فنون الكرامات { كان لكم جزاء } بمقابلة أعمالكم الحسنة { ~~وكان سعيكم مشكورا } مرضيا مقبولا مقابلا بالثواب. { ~~إنا نحن نزلنا عليك القرءان تنزيلا } أي مفرقا ~~منجما لحكم بالغة مقتضة له لا غيرنا كما يعرب عنه تكرير ~~الضمير مع إن { فاصبر لحكم ربك } بتأخير نصرك على ~~الكفار فإن له عاقبة حميدة. { ولا تطع منهم ءاثما أو ~~كفورا } أي كل واحد من مرتكب الإثم الداعي لك إليه ومن ~~الغالي في الكفر الداعي إليه، وأو للدلالة على أنهما سيان في ~~استحقاق العصيان والاستقلال به، والتقسيم باعتبار ما يدعونه إليه ~~فإن ترتب النهي على الوصفين مشعر بعليتهما له فلا بد أن ~~يكون النهي عن الإطاعة في الإثم والكفر فيما ليس بإثم ولا كفر، ~~وقيل الآثم عتبة فإنه كان ركابا للمآثم متعاطيا لأنواع ~~الفسوق والكفور، والوليد فإنه كان غالبا ms3303 في الكفر شديد الشكيمة ~~في العتو { واذكر اسم ربك بكرة وأصيلا } وداوم على ~~ذكره في جميع الأوقات أو دم على صلاة الفجر والظهر والعصر فإن ~~الأصيل ينتظمهما. ### || [76.26-31] # { ومن اليل فاسجد له } وبعض الليل فصل له ولعله ~~صلاة المغرب والعشاء، وتقديم الظرف لما في صلاة الليل من مزيد ~~كلفة وخلوص { وسبحه ليلا طويلا } وتهجد له قطعا من ~~الليل طويلا. # { إن هؤلآء } الكفرة { يحبون العاجلة } وينهمكون في ~~لذاتها الفانية { ويذرون وراءهم } أي أمامهم لا يستعدون أو ~~ينبذون وراء ظهورهم { يوما ثقيلا } لا يعبأون به ووصفه بالثقل ~~لتشبيه شدته وهوله بثقل شيء فادح باهظ لحامله بطريق الاستعارة ~~وهو كالتعليل لما أمر به ونهي عنه. { نحن خلقنهم } لا ~~غيرنا { وشددنا أسرهم } أي أحكمنا ربط مفاصلهم بالأعصاب. ~~{ وإذا شئنا بدلنا أمثلهم } بعد إهلاكهم { ~~تبديلا } بديعا لا ريب فيه هو البعث كما ينبىء عنه كلمة إذا ~~أو بدلنا غيرهم ممن يطيع. كقوله تعالى: # يستبدل قوما غيركم # [سورة التوبة، الآية 39] وإذا للدلالة على تحقق القدرة وقوة ~~الداعية. { إن هذه تذكرة } إشارة إلى السورة أو الآيات ~~القريبة { فمن شاء اتخذ إلى ربه سبيلا } أي فمن شاء ~~أن يتخذ إليه تعالى سبيلا أي وسيلة توصله إلى ثوابه اتخذه أي ~~تقرب إليه بالعمل بما في تضاعيفها. وقوله تعالى: { وما تشاءون ~~إلا أن يشاء الله } تحقيق للحق ببيان أن مجرد مشيئتهم ~~غير كافية في اتخاذ السبيل كما هو المفهوم من ظاهر الشرطية أي وما ~~تشاءون اتخاذ السبيل ولا تقدرون على تحصيله في وقت من الأوقات إلا ~~وقت مشيئته تعالى تحصيله لكم، إذ لا دخل لمشيئة العبد إلا في ~~الكسب وإنما التأثير والخلق لمشيئة الله عز وجل. وقرىء ~~يشاءون بالياء وقرىء إلا ما يشاء الله. وقوله تعالى: { إن ~~الله كان عليما حكيما } بيان لكون مشيئته تعالى مبنية على ~~أساس العلم والحكمة والمعنى أنه تعالى مبالغ في العلم والحكمة ~~فيعلم ما يستأهله كل أحد فلا يشاء لهم إلا ما يستدعيه علمه ~~وتقتضيه حكمته. وقوله تعالى: { يدخل من يشاء فى رحمته } ~~بيان لأحكام ms3304 مشيئته المترتبة على علمه وحكمته أي يدخل في رحمته ~~من يشاء أن يدخله فيها وهو الذي يصرف مشيئته نحو اتخاذ ~~السبيل إليه تعالى حيث يوفقه لما يؤدي إلى دخول الجنة من ~~الإيمان والطاعة { والظلمين } وهم الذين صرفوا مشيئتهم إلى ~~خلاف ما ذكر { أعد لهم عذابا أليما } أي متناهيا في ~~الإيلام. قال الزجاج نصب الظالمين لأن ما قبله منصوب أي يدخل ~~من يشاء في رحمته ويعذب الظالمين، ويكون أعد لهم تفسيرا لهذا ~~المضمر، وقرىء بالرفع على الابتداء. # عن النبي صلى الله عليه وسلم: # " من قرأ سورة هل أتى كان جزاؤه على الله تعالى جنة وحريرا ~~". ### | [77 - سورة المرسلات] ### || [77.1-6] # مكية وآيها خمسون # { والمرسلت عرفا * فالعصفت عصفا * ~~والنشرت نشرا * فالفرقت فرقا * فالملقيت ~~ذكرا } إقسام من الله عز وجل بطوائف من الملائكة أرسلهن ~~بأوامره فعصفن في مضيهن عصف الرياح مسارعة في الامتثال ~~بالأمر وبطوائف أخرى نشرن أجنحتهن في الجو عند انحطاطهن ~~بالوحي أو نشرن الشرائع في الأقطار أو نشرن النفوس الموتى بالكفر ~~والجهل بما أوحين ففرقن بين الحق والباطل فألقين ذكرا إلى ~~الأنبياء { عذرا } للمحقين { أو نذرا } للمبطلين. ولعل ~~تقديم نشر الشرائع ونشر النفوس والفرق على الإلتقاء للإيذان ~~بكونها غاية للإلقاء حقيقة بالاعتناء بها أو للإشعار بأن كلا من ~~الأوصاف المذكورة مستقل بالدلالة على استحقاق الطوائف الموصوفة ~~بها للتفخيم والإجلال بالإقسام بهن ولو جىء بها على ترتيب الوقوع ~~لربما فهم أن مجموع الإلقاء والنشر والفرق هو الموجب لما ~~ذكر من الاستحقاق أو إقسام برياح عذاب أرسلهن فعصفن وبرياح ~~رحمة نشرن السحاب في الجو ففرقن بينه كقوله تعالى: # ويجعله كسفا # [سورة الروم، الآية 48] أو بسحائب نشرن الموات ففرقن كل صنف منها ~~عن سائر الأصناف بالشكل واللون وسائر الخواص، أو فرقن بين من ~~يشكر الله تعالى وبين من يكفر به فألقين ذكرا أما عذرا ~~للمعتذرين إلى الله تعالى بتوبتهم واستغفارهم عند مشاهدتهم أثار ~~رحمته تعالى في الغيث ويشكرونها، وإما إنذار للذين يكفرونها وينسبونها ~~إلى الأنواء، وإسناد إلقاء الذكر إليهن لكونهن سببا في حصوله ~~إذا شكرت ms3305 النعمة فيهن أو كفرت أو إقسام بآيات القرآن المرسلة إلى ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فعصفن سائر الكتب بالنسخ ونشرن آثار ~~الهدى من مشارق الأرض ومغاربها وفرقن بين الحق والباطل فألقين ~~ذكر الحق في أكناف العالمين والعرف إما نقيض النكر وانتصابه ~~على العلة أي أرسلنا للإحسان والمعروف فإن إرسال ملائكة العذاب ~~معروف للأنبياء عليهم السلام والمؤمنين أو بمعنى المتابعة من ~~عرف الفرس وانتصابه على الحالية. والعذر والنذر مصدران من ~~عذر إذا محا الإساءة ومن أنذر إذا خوف وانتصابهما على ~~البدلية من ذكرا، أو على العلية وقرئا بالتثقيل. ### || [77.7-14] # { إن ما توعدون لواقع } جواب للقسم أي إن الذي ~~توعدونه من مجيء القيامة كائن لا محالة { فإذا النجوم ~~طمست } محيت ومحقت أو ذهب بنورها { وإذا السماء ~~فرجت } صدعت وفتحت فكانت أبوابا. { وإذا الجبال ~~نسفت } جعلت كالحب الذي ينسف بالمنسف، ونحوه # وبست الجبال بسا # [سورة الواقعة، الآية 5] وقيل: أخذت من مقارها بسرعة من انتسفت ~~الشيء إذا اختطفته. وقرىء طمست وفرجت ونسفت مشددة { ~~وإذا الرسل أقتت } أي عين لهم الوقت الذي يحضرون فيه ~~للشهادة على أممهم وذلك عند مجيئه وحضوره إذ لا يتعين لهم قيله أو ~~بلغوا الميقات الذي كانوا ينتظرونه وقرىء وقتت على الأصل ~~وبالتخفيف فيهما { لاي يوم أجلت } مقدر بقول هو جواب لإذا ~~في قوله تعالى: { وإذا الرسل أقتت } أو حال من مرفوع أقتت ~~أي يقال لأي يوم أخرت الأمور المتعلقة بالرسل والمراد تعظيم ~~ذلك اليوم والتعجيب من هوله. وقوله تعالى { ليوم الفصل } ~~بيان ليوم التأجيل وهو اليوم الذي يفصل فيه بين الخلائق { ~~وما أدراك ما يوم الفصل } ما مبتدأ أدراك خبره أي ~~أي شيء جعلك داريا ما هو فوضع الضمير يوم الفصل لزيادة ~~تفظيع وتهويل على أن ما خبر ويوم الفصل مبتدأ لا بالعكس كما ~~اختاره سيبويه لأن محط الفائدة بيان كون يوم الفصل أمرا ~~بديعا هائلا لا يقادر قدره ولا يكتنه كنهه كما يفيده ~~خبرية ما لا بيان كون أمر بديع من الأمور يوم الفصل كما يفيده ~~عكسه. ### || [77.15-23] ms3306 # { ويل يومئذ للمكذبين } أي في ذلك اليوم الهائل. ~~وويل في الأصل مصدر منصوب ساد مسد فعله لكن عدل به إلى ~~الرفع للدلالة على ثبات الهلاك ودوامه للمدعو عليه ويومئذ ظرفه ~~أو صفته. # { ألم نهلك الأولين } كقوم نوح وعاد وثمود لتكذيبهم ~~به. وقرىء نهلك بفتح النون من هلكه بمعنى أهلكه { ثم ~~نتبعهم الآخرين } بالرفع على ثم نحن نتبعهم الآخرين من ~~نظرائهم السالكين لمسلكهم في الكفر والتكذيب وهو وعيد لكفار ~~مكة. وقرىء ثم سنتبعهم، وقرىء نتبعهم بالجزم عطفا على ~~نهلك فيكون المراد بالآخرين المتأخرين هلاكا من المذكورين كقوم ~~لوط وشعيب وموسى عليهم السلام. { كذلك } مثل ذلك الفعل ~~الفظيع { نفعل بالمجرمين } أي سنتنا جارية على ذلك { ~~ويل يومئذ } أي يوم إذ أهلكناهم { للمكذبين } بآيات ~~الله تعالى وأنبيائه وليس فيه تكرير لما أن الويل الأول لعذاب ~~الآخرة وهذا لعذاب الدنيا { ألم نخلقكم } أي ألم نقدركم ~~{ من ماء مهين } أي من نطفة قذرة مهينة { فجعلنه فى ~~قرار مكين } هو الرحم { إلى قدر معلوم } إلى مقدار ~~معلوم من الوقت قدره الله تعالى للولادة تسعة أشهر، أو أقل ~~منها أو أكثر { فقدرنا } أي فقدرناه وقد قرىء مشددا أو ~~فقدرنا على ذلك على أن المراد بالقدرة ما يقارن وجود المقدور ~~الفعل { فنعم القدرون } أي نحن. ### || [77.24-30] # { ويل يومئذ للمكذبين } بقدرتنا على ذلك أو على ~~الإعادة { ألم نجعل الأرض كفاتا } الكفات اسم ما ~~يكفت أي يضم ويجمع من كفت الشيء إذا ضمه وجمعه كالضمام ~~والجماع لما يضم ويجمع أي ألم نجعلها كفاتا تكفت { أحياء } ~~كثيرة على ظهرها { وأموتا } غير محصورة في بطنها وقيل هو ~~مصدر نعت به للمبالغة، وقيل جمع كافت كصائم وصيام، أو كفت وهو ~~الوعاء أجرى على الأرض باعتبار بقاعها، وقيل: تنكير أحياء وأمواتا ~~لأن أحياء الإنس وأمواتهم بعض الأحياء والأموات، وقيل: ~~انتصابهما على الحالية من محذوف أي كفاتا تكفتكم أحياء وأمواتا { ~~وجعلنا فيها رواسى } أي ثوابت { شمخت } طوالا ~~شواهق، ووصف جمع المذكر بجمع المؤنث في غير العقلاء مطرد ~~كداجن ودواجن وأشهر معلومات وتنكيرها للتفخيم أو للإشعار ms3307 بأن ~~فيها ما لم يعرف { وأسقينكم ماء فراتا } بأن خلقنا ~~فيها أنهارا ومنابع. # { ويل يومئذ للمكذبين } بأمثال هذه النعم العظيمة { ~~انطلقوا } أي يقال لهم يومئذ للتوبيخ وللتقريع انطلقوا { ~~إلى ما كنتم به تكذبون } في الدنيا من العذاب { ~~انطلقوا } خصوصا { إلى ظل } أي ظل دخان جهنم، كقوله ~~تعالى: # وظل من يحموم # [سورة الواقعة، الآية 43] وقرىء انطلقوا على لفظ الماضي إخبارا ~~بعد الأمر عن عملهم بموجب لاضطرارهم إليه طوعا أو كرها. { ذى ~~ثلث شعب } يتشعب لعظمه ثلاث شعب كما هو شأن الدخان ~~العظيم، تراه يتفرق ذوائب وقيل: يخرج لسان من النار فيحيط ~~بالكفار كالسرادق ويتشعب من دخانها ثلاث شعب فتظلهم حتى ~~يفرغ من حسابهم والمؤمنون في ظل العرش، قيل: خصوصية الثلاث إما ~~لأن حجاب النفس عن أنوار القدس الحس والخيال والوهم أو لأن ~~المؤدي إلى هذا العذاب هوا القوة الوهمية الشيطانية الحالة في ~~الدماغ والقوة الغضبية السبعية التي عن يمين القلب والقوة ~~الشهوية البهيمية التي عن يساره ولذلك قيل: تقف شعبة فوق الكافر ~~وشعبة عن يمينه وشعبة عن يساره. ### || [77.31-38] # { لا ظليل } تهكم بهم أو رد أوهمه لفظ الظل. { ولا ~~يغنى من اللهب } أي غير مغن لهم من حر اللهب شيئا { ~~إنها ترمى بشرر كالقصر } أي كل شررة كالقصر من ~~القصور في عظمها وقيل: هو الغليظ من الشجر، الواحدة قصرة نحو ~~جمر وجمرة، وقرىء كالقصر بفتحتين وهي أعناق الإبل أو أعناق ~~النخل نحو شجرة وشجر، وقرىء كالقصر بمعنى القصور كرهن ورهن ~~وقرىء كالقصر جمع قصرة { كأنه جملة } قيل: هو جمع جمل ~~والتاء لتأنيث الجمع يقال جمل وجمال وجمالة وقيل: اسم جمع ~~كالحجارة { صفر } فإن الشرار لما فيه من النارية يكون أصفر ~~وقيل: سود لأن سواد الإبل يضرب إلى الصفرة والأول تشبيه في ~~العظم، وهذا في اللون والكثرة والتتابع والاختلاط والحركة، ~~وقرىء جمالات جمع جمال أو جمالة، وقرىء جمالات جمع جمالة ~~وقد قرىء بها وهي الحبل العظيم من حبال السفن وقلوس الجسور ~~والتشبيه في امتداده والتفافه. # { ويل يومئذ للمكذبين * هذا يوم لا ينطقون ms3308 } ~~إشارة إلى وقت دخولهم النار أي هذا يوم لا ينطقون فيه بشىء لما ~~أن السؤال والجواب والحساب قد انقضت قبل ذلك ويوم القيامة ~~طويل له مواطن ومواقيت ينطقون في وقت دون وقت فعبر عن وقت ~~بيوم أو لا ينطقون بشيء ينفعهم فإن ذلك كلا نطق وقرىء بنصب ~~اليوم أي هذا الذي فصل واقع يوم لا ينطقون { ولا يؤذن ~~لهم فيعتذرون } عطف على يؤذن منتظم في سلك النفي أي لا ~~يكون لهم إذن واعتذار متعقب له من غير أن يجعل الاعتذار مسببا عن ~~الإذن كما لو نصب { ويل يومئذ للمكذبين * هذا يوم ~~الفصل } بين الحق والباطل والمحق والمبطل { جمعنكم } ~~خطاب لأمة محمد عليه الصلاة والسلام. { والأولين } من ~~الأمم وهذا تقرير وبيان للفصل. ### || [77.39-48] # { فإن كان لكم كيد فكيدون } فإن جميع من كنتم تقلدونهم ~~وتقتدون بهم حاضرون وهذا تقريع لهم على كيدهم للمؤمنين في الدنيا ~~وإظهار لعجزهم { ويل يومئذ للمكذبين } حيث ظهر أن لا ~~حيلة لهم في الخلاص من العذاب. # { إن المتقين } من الكفر والتكذيب { فى ظلل وعيون ~~* وفوكه مما يشتهون } أي مستقرون في فنون الترفه وأنواع ~~التنعم { كلوا واشربوا هنيئا بما كنتم تعملون } ~~مقدر بقول هو حال من ضمير المتقين في الخبر أي مقولا لهم كلوا ~~واشربوا هنيئا بما كنتم تعملونه في الدنيا من الأعمال الصالحة { ~~إنا كذلك } الجزاء العظيم { نجزى المحسنين } أي في ~~عقائدهم وأعمالهم لا جزاء أدنى منه { ويل يومئذ ~~للمكذبين } حيث نال أعداؤهم هذا الثواب الجزيل وهم بقوا في ~~العذاب المخلد الوبيل { كلوا وتمتعوا قليلا إنكم ~~مجرمون } مقدر بقول هو حال من المكذبين أي الويل ثابت لهم ~~مقولا لهم ذلك تذكيرا لهم بحالهم في الدنيا وبما جنوا على أنفسهم ~~من إيثار المتاع الفاني عن قريب على النعيم الخالد وعلل وذلك ~~بإجرامهم دلالة على أن كل مجرم مآله هذا، وقيل: هو كلام ~~متسأنف خوطب به المكذبون في الدنيا بعد بيان مآل حالهم وقرر ~~ذلك بقوله تعالى: # { ويل يومئذ للمكذبين } لزيادة التوبيخ والتقريع { ~~وإذا قيل لهم اركعوا } أي أطيعوا الله ms3309 واخشعوا وتواضعوا له ~~بقبول وحيه واتباع دينه وارفضوا هذا الاستكبار والنخوة { لا ~~يركعون } لا يخشعون ولا يقبلون ذلك ويصرون على ما هم عليه من ~~الاستكبار، وقيل: إذا أمروا بالصلاة أو الركوع لا يفعلون إذ ~~روي أنه نزل حين أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ثقيفا ~~بالصلاة فقالوا لا نجبى فإنها مسبة علينا فقال عليه الصلاة ~~والسلام: # " لا خير في دين ليس فيه ركوع ولا سجود " # وقيل: هو يوم القيامة حين يدعون إلى السجود فلا يستطيعون. ### || [77.49-50] # { ويل يومئذ للمكذبين } وفيه دلالة على أن الكفار ~~مخاطبون بالفروع في حق المؤاخذة { فبأي حديث بعده } أي ~~بعد القرآن الناطق بأحاديث الدارين وأخبار النشأتين على نمط ~~بديع معجز مؤسس على حجج قاطعة وبراهين ساطعة. { يؤمنون } ~~إذا لم يؤمنوا به. وقرىء تومنون على الخطاب. # عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " من قرأ سورة والمرسلات كتب له أنه ليس من المشركين ". ### | [78 - سورة النبإ] ### || [78.1-4] # مكية وآيها أربعون أو إحدى وأربعون # { عم } أصله عما فحذف منه الألف إما فرقا بين ما ~~الاستفهامية وغيرها أو قصدا للخفة لكثرة استعمالها. وقد قرىء ~~على الأصل. وما فيها من الإيهام للإيذان بفخامة شأن المسؤول ~~عنه وهوله وخروجه عن حدود الأجناس المعهودة. أي عن أي شيء ~~عظيم الشأن { يتساءلون } أي أهل مكة وكانوا يتساءلون عن ~~البعث فيما بينهم ويخوضون فيه إنكارا واستهزاء لكن لا على طريقة ~~التساؤل عن حقيقته ومسماه بل عن وقوعه الذي هو حال من أحواله ~~ووصف من أوصافه. فإن ما وإن وضعت لطلب حقائق الأشياء ومسميات ~~أسمائها كما في قولك ما الملك وما الروح لكنها قد يطلب بها ~~الصفة والحال تقول ما زيد فيقال عالم أو طبيب وقيل: كانوا ~~يسألون عنه الرسول عليه الصلاة والسلام والمؤمنين استهزاء كقولهم ~~يتداعونهم أو يدعونهم وتحقيقه أن صيغة التفاعل في الأفعال ~~المتعدية موضوعة لإفادة صدور الفعل عن المتعدد ووقوعه عليه بحيث ~~يصير كل واحد من ذلك فاعلا ومفعولا معا لكنه يرفع بإسناد ~~الفعل إليه ترجيحا لجانب فاعليته ويحال بمفعوليته على ms3310 دلالة ~~العقل كما في قولك تراءى القوم أي رأى كل واحد منهم الآخر ~~وقد تجرد عن المعنى الثاني فيراد بها مجرد صدور الفعل عن المتعدد ~~عاريا عن اعتبار وقوعه عليه فيذكر للفعل حينئذ مفعول متعدد كما ~~في المثال المذكور أو واحد كما قي قولك تراءوا الهلال، وقد يحذف ~~لظهوره كما فيما نحن فيه فالمعنى عن أي شيء يسأل هؤلاء القوم ~~الرسول عليه الصلاة والسلام والمؤمنين، وربما تجرد عن صدور ~~الفعل عن المتعدد أيضا فيراد بها تعدده باعتبار تعدد متعلقه مع ~~وحدة الفاعل كما في قوله تعالى: # فبأى الاء ربك تتمارى # [سورة النجم، الآية 55]. وقوله تعالى: { عن النبإ العظيم } ~~بيان لشأن المسؤول عنه إثر تفخيمه بإيهام أمره وتوجيه أذهان ~~السامعين نحوه وتنزيلهم منزله المستفهمين فإن إيراده عن طريقة ~~الاستفهام من علام الغيوب للتنبيه على أنه لانقطاع قرينه ~~وانعدام نظيره، خارج عن دائرة علوم الخلق، خليق بأن يعتنى ~~بمعرفته ويسأل عنه كأنه قيل عن أي شيء يتساءلون هل ~~أخبركم به ثم قيل بطريق الجواب عن النبأ العظيم على منهاج ~~قوله تعالى: # لمن الملك اليوم لله الوحد القهار # [سورة غافر، الآية 16] فعن متعلقة بما يدل عليه المذكور من مضمر ~~حقه أن يقدر بعدها مسارعة إلى البيان ومراعاة لترتيب السؤال ~~هذا هو الحقيق بالجزالة التنزيلية، وقد قيل هي متعلقة بالمذكور ~~وعم متعلق بمضمر مفسر به وأيد ذلك بأنه قرىء عمه ~~والأظهر أنه مبني على إجراء الوصل مجرى الوقف، وقيل: عن الأولى ~~للتعليل كأنه قيل: لم يتساءلون عن النبأ العظيم. # وقيل قبل عن الثانية استفهام مضمر كأنه قيل عم يتساءلون عن النبأ ~~العظيم والنبأ الخبر الذي له شأن وخطر وقد وصف بقوله تعالى: { ~~الذى هم فيه مختلفون } بعد وصفه بالعظيم تأكيدا لخطره ~~إثر تأكيد، وإشعارا بمدار التساؤل عنه، وفيه متعلق بمختلفون قدم ~~عليه اهتماما به ورعاية للفواصل، وجعل الصلة جملة اسمية للدلالة ~~على الثبات أي هم راسخون في الاختلاف فيه فمن جازم باستحالته ~~يقول: # إن هى إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما ~~يهلكنا إلا الدهر ms3311 وما نحن بمبعوثين # [سورة الجاثية، الآية 24] وشاك يقول # ما ندري ما الساعة إن نظن إلا ظنا وما نحن بمستيقنين # [سورة الجاثية، الآية 32] وقيل: منهم من ينكر المعادين معا ~~كهؤلاء، ومنهم من ينكر المعاد الجسماني فقط كجمهور النصارى، ~~وقد حمل الاختلاف على الاختلاف في كيفية الإنكار فمنهم من ~~ينكره لإنكاره الصانع المختار، ومنهم من ينكره بناء على ~~استحالة المعدوم بعينه، وحمله على الاختلاف بالنفي والإثبات بناء ~~على تعميم التساؤل لفريقي المسلمين والكافرين على أن سؤال ~~الأولين ليزدادوا خشية واستعدادا وسؤال الآخرين ليزدادوا كفرا ~~وعنادا يرده قوله تعالى: { كلا سيعلمون } الخ فإنه صريح ~~في أن المراد اختلاف الجاهلين به، المنكرين له إذ عليه يدور ~~الردع والوعيد لا على خلاف المؤمنين لهم وتخصيصهما بالكفرة بناء على ~~تخصيص ضمير سيعلمون بهم مع عموم الضميرين السابقين للكل مما ~~ينبغي تنزيه التنزيل عن أمثاله هذا ما أدى إليه جليل النظر ~~والذي يقتضيه التحقيق ويستدعيه النظر الدقيق أن يحمل اختلافهم ~~على مخالفتهم للنبي عليه الصلاة والسلام بأن يعتبر في ~~الاختلاف محض صدور الفعل عن المتعدد حسبما ذكر في التساؤل فإن ~~الافتعال والتفاعل صيغتان متآخيتان كالاستباق والتسابق والانتضال ~~والتناضل إلى غير ذلك يجري في كل منها ما يجري في الأخرى لا على ~~مخالفة بعضهم لبعض من الجانبين لأن الكل وإن استحق الردع ~~والوعيد لكن استحقاق كل جانب لهما ليس لمخالفته للجانب الآخر ~~إذ لا حقية في شيء منهما حتى يستحق من يخالفه المؤاخذة بل ~~لمخالفته عليه الصلاة والسلام فكلا ردع لهم عن التساؤل ~~والاختلاف بالمعنيين المذكورين وسيعلمون وعيد لهم بطريق ~~الاستئناف وتعليل للردع، والسين للتقريب والتأكيد وليس مفعوله ما ~~ينبىء عنه المقام من وقوع ما يتساءلون عنه ووقوع ما يختلفون فيه ~~كما في قوله تعالى: # وأقسموا بالله جهد أيمنهم لا يبعث الله ~~من يموت # [سورة النحل، الآية 38] إلى قوله تعالى: # ليبين لهم الذى يختلفون فيه # [سورة النحل، الآية 39] الآية فإن ذلك عار عن صريح الوعيد بل ~~هو عبارة عما يلاقونه من فنون الدواهي والعقوبات، والتعبير ~~عن لقائها بالعلم ms3312 لوقوعه في معرض التساؤل والاختلاف والمعنى ~~ليرتدعوا عما هم عليه فإنهم سيعلمون عما قليل حقيقة الحال ~~إذا حل بهم العذاب والنكال. ### || [78.5-11] # وقوله تعالى: # { ثم كلا سيعلمون } تكرير للردع والوعيد للمبالغة في ~~التأكيد والتشديد، وثم للدلالة على أن الوعيد الثاني أبلغ ~~وأشد وقيل الأول عند النزع والثاني في القيامة وقيل الأول ~~للبعث والثاني للجزاء. وقرىء (ستعلمون) بالتاء على نهج الالتفات ~~إلى الخطاب الموافق لما بعده الخطابات تشديدا للردع والوعيد لا ~~على تقدير قل لهم كما توهم، فإن فيه من الإخلال بجزالة النظم ~~الكريم ما لا يخفى. وقوله تعالى: { ألم نجعل الأرض ~~مهدا * والجبال أوتادا } الخ استئناف مسوق لتحقيق ~~النبأ المتساءل عنه بتعداد بعض الشواهد الناطقة بحقيته إثر ~~ما نبه عليها بما ذكر من الردع والوعيد، ومن ههنا اتضح أن ~~المتساءل عنه هو البعث، لا القرآن أو نبوة النبي عليه الصلاة ~~والسلام كما قيل: والهمزة للتقرير. والالتفات إلى الخطاب على ~~القراءة المشهورة للمبالغة في الإلزام والتبكيت. والمهاد البساط ~~والفراش. وقرىء مهدا على تشبيهها بمهد الصبي وهو ما يمهد ~~له فينوم عليه تسمية للمهود بالمصدر، وجعل الجبال أوتادا لها ~~إرساؤها بها كما يرسي البيت بالأوتاد. { وخلقنكم } عطف في ~~المضارع المنفي بلم داخل في حكمه فإنه في قوة أما جعلنا الخ. ~~أو على ما يقتضيه الإنكار التقريري فإنه في قوة أن يقال قد ~~جعلنا الخ. { أزوجا } أصنافا ذكرا أو أنثى ليسكن كل من ~~الصنفين إلى الآخر وينتظم أمر المعاشرة والمعاش ويتسنى التناسل. # { وجعلنا نومكم سباتا } أي موتا لأنه أحد التوفيين ~~لما بينهما من المشاركة التامة في انقطاع أحكام الحياة، ~~وعليه قوله تعالى: # وهو الذى يتوفكم باليل # [سورة الأنعام، الآية 60] وقوله تعالى: # الله يتوفى الانفس حين موتها والتى لم تمت ~~فى منامها # [سورة الزمر، الآية 42]، وقيل: قطعا عن الإحساس والحركة لإراحة ~~القوى الحيوانية وإزاحة كلالها، والأول هو اللائق بالمقام كما ~~ستعرفه. { وجعلنا اليل } الذي فيه يقع النوم غالبا { ~~لباسا } يستركم بظلامه كما ستركم اللباس ولعل المراد به ما ~~يستتر به عند النوم من اللحاف ms3313 ونحوه فإن شبه الليل به أكمل ~~واعتباره في تحقيق المقصد أدخل، فهو جعل الليل محلا للنوم الذي ~~جعل موتا كما جعل النهار محلا لليقظة المعبر عنها بالحياة في ~~قوله تعالى: { وجعلنا النهار معاشا } أي وقت حياة ~~تبعثون فيه من نومكم الذي هو أخو الموت، كما في قوله تعالى: # وهو الذى جعل لكم اليل لباسا والنوم سباتا ~~وجعل النهار نشورا # [سورة الفرقان، الآية 47] وجعل كون الليل لباسا عبارة عن ستره عن ~~العيون لمن أراد هربا من عدو أو بياتا له أو نحو ذلك مما لا ~~مناسبة له بالمقام وكذا جعل النهار وقت التقلب في تحصيل المعايش ~~والحوايج. ### || [78.12-14] # { وبنينا فوقكم سبعا شدادا } أي سبع سموات قوية ~~الخلق محكمة البناء لا يؤثر فيها مر الدهور وكر العصور، ~~والتعبير عن خلقها بالنباء مبني على تنزيلها منزلة القباب ~~المضروبة على الخلق، وتقديم الظرف على المفعول ليس لمراعاة ~~الفواصل فقط بل للتشويق إليه فإن ما حقه التقديم إذا أخر ~~تبقى النفس مترقبة له فإذا ورد عليها تمكن عندها فضل تمكن { ~~وجعلنا سراجا وهاجا } هذا الجعل بمعنى الإنشاء والإبداع ~~كالخلق خلا أنه مختص بالإنشاء التكويني وفيه معنى التقدير ~~والتسوية وهذا عام له كما في الآية الكريمة وللتشريعي أيضا كما ~~في قوله تعالى: # ما جعل الله من بحيرة # [سورة المائدة، الآية 103] الخ وقوله تعالى: # لكل جعلنا منكم شرعة ومنهجا # [سورة المائدة، الآية 48] وأيا ما كان ففيه إنباء عن ملابسة ~~مفعوله بشيء آخر بأن يكون فيه أوله أو منه أو نحو ذلك ~~ملابسة مصححة لأن يتوسط بينهما شيء من الظروف لغوا كان أو ~~مستقرا لكن لا على أن يكون عمدة في الكلام بل قيدا فيه، كما في ~~قوله تعالى: # وجعل بينهما برزخا # [سورة الفرقان، الآية 53]، وقوله تعالى: # وجعل فيها رواسى # [سورة فصلت، الآية 10] وقوله تعالى: # واجعل لنا من لدنك وليا # [سورة النساء، الآية 75] الآية. فإن كل واحد من هذه الظروف ~~إما متعلق بنفس الجعل أو بمحذوف وقع حالا من مفعوله تقدمت عليه ~~لكونه نكرة وأيا ما كان فهو ms3314 قيد في الكلام حتى إذا اقتضى الحال ~~وقوعه عمدة فيه يكون الجعل متعديا إلى اثنين هو ثانيهما كما في ~~قوله تعالى: # يجعلون أصبعهم فى ءاذانهم # [سورة البقرة، الآية 19] وربما يشتبه الأمر فيظن أنه عمدة ~~فيه، وهو في الحقيقية قيد بأحد الوجهين كما سلف في قوله تعالى: # إني جاعل فى الأرض خليفة # [سورة البقرة، الآية 30] والوهاج الوقاد المتلألىء من وهجت ~~النار إذا أضاءت أو البالغ في الحرارة من الوهج والمراد به الشمس ~~والتعبير عنها بالسراج من روادف التعبير عن خلق السموات ~~بالبناء. # { وأنزلنا من المعصرات } هي السحائب إذا أعصرت أي ~~شارفت أن تعصرها الرياح فتمطر كما في أحصد الزرع إذا حان له ~~أن يحصد ومنه أعصرت الجارية إذا دنت أن تحيض، أو الرياح التي ~~حان لها أن تعصر السحاب. وقرىء بالمعصرات ووجه ذلك أن ~~الإنزال حيث كان من المعصرات سواء أريد بها السحائب أو الرياح فقد ~~كان بها كما يقال أعطاه من يده وبيده وقد فسرت المعصرات بالرياح ~~ذوات الأعاصير ووجهه أن الرياح هي التي تنشىء السحاب وتقدر ~~أخلافه فصلحت أن تجعل مبتدأ للإنزال { مآء ثجاجا } أي ~~منصبا بكثرة، يقال ثج الماء أي سال بكثرة وثجه أي أساله، ~~ومنه قوله عليه الصلاة والسلام: # " أفضل الحج العج والثج " # أي رفع الصوت بالتلبية وصب دماء الهدي. وقرىء ثجاحا ~~بالحاء بعد الجيم، قالوا، مثاجح الماء مصابه. ### || [78.15-17] # { لنخرج به } بذلك الماء { حبا } يقتات كالحنطة والشعير ~~ونحوهما { ونباتا } يعتلف كالتبن والحشيش، وتقديم الحب مع ~~تأخره عن النبات في الإخراج لأصالته وشرفه لأن غالبه غذاء ~~الإنسان { وجنت } الجنة في الأصل هي المرة من مصدر جنه ~~إذا ستره تطلق على النخل والشجر المتكاثف المظلل بالتفاف ~~أغصانه، قال زهير بن أبي سلمى: # كأن عيني في غربي مقتلة # من النواضح تسقي جنة سحقا # وعلى الأرض ذات الشجر، قال الفراء الجنة ما فيه النخيل ~~والفردوس ما فيه الكرم والأول هو المراد. وقوله تعالى: { ~~ألفافا } أي ملتفة تداخل بعضها في بعض، قالوا لا واحد له ~~كالأوزاع والأخياف، وقيل: الواحد لف ككن ms3315 وأكنان أو لفيف ~~كشريف وأشراف، وقيل: هو جمع لف جمع لفاء، كخضر وخضراء وقيل: ~~جمع ملتفة بحذف الزوائد. واعلم أن فيما ذكر من أن أفعاله عز ~~وجل دلالة على صحة البعث وحقيته من وجوه ثلاثة: الأول: باعتبار ~~قدرته تعالى فإن من قدر على إنشاء هذه الأفعال البديعة من غير ~~مثال يحتذيه ولا قانون ينتحيه كان على الإعادة أقدر وأقوى، ~~الثاني: باعتبار علمه وحكمته فإن من أبدع هذه المصنوعات على ~~نمط رائع مستتبع لغايات جليلة ومنافع جميلة عائدة إلى الخلق ~~يستحيل أن يفنيها بالكلية ولا يجعل لها عاقبة باقية، والثالث: ~~باعتبار نفس الفعل فإن اليقظة بعد النوم أنموذج للبعث بعد الموت ~~يشاهدونها كل يوم وكذا إخراج الحب والنبات من الأرض الميتة ~~يعاينونه كل حين كأنه قيل: ألم نفعل هذه الأفعال الآفاقية ~~والأنفسية الدالة بفنون الدلالات على حقية البعث الموجبة للإيمان به ~~فما لكم تخوضون فيه إنكارا وتتساءلون عنه استهزاء. وقوله تعالى: { ~~إن يوم الفصل كان ميقتا } شروع في بيان سر تأخير ~~ما يتساءلون عنه ويستعجلون به قائلين متى هذا الوعد إن كنتم ~~صادقين ونوع تفصيل لكيفية وقوعه وما سيلقونه عند ذلك من فنون ~~العذاب حسبما جرى به الوعيد إجمالا، أي إن يوم فصل الله عز ~~وجل بين الخلائق كان في علمه وتقديره ميقاتا وميعادا لبعث ~~الأولين والآخرين وما يترتب عليه من الجزاء ثوابا وعقابا لا يكاد ~~يتخطاه بالتقدم والتأخر وقيل: حدا توقت به الدنيا وتنتهي عنده ~~أو حدا للخلائق ينتهون إليه ولا ريب في أنهما بمعزل من التقريب ~~الذي أشير إليه على أن الدنيا تنتهي عند النفخة الأولى. ### || [78.18-19] # وقوله تعالى: # { يوم ينفخ فى الصور } أي نفخة ثانية بدل من يوم الفصل ~~أو عطف بيان له مقيد لزيادة تفخيمه وتهويله ولا ضير في تأخر ~~الفصل عن النفخ فإنه زمان ممتد يقع في مبدئه النفخة وفي بقيته ~~الفصل ومباديه وآثاره، والصور هو القرن الذي ينفخ فيه إسرافيل ~~عليه السلام. عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ms3316 قال: # " لما فرغ الله تعالى من خلق السموات والأرض خلق الصور فأعطاه ~~إسرافيل فهو واضعه على فيه شاخص بصره إلى العرش متى يؤمر ~~بالنفخ فيه فيؤمر به فينفخ فيه نفخة لا يبقى عندها في الحياة ~~غير من شاء الله. وذلك قوله تعالى: { ونفخ فى الصور فصعق ~~من فى السموات ومن فى الأرض إلا من شاء الله } ~~[سورة الزمر، الآية 68] ثم يؤمر بأخرى فينفخ نفخة لا يبقى معها ~~ميت إلا بعث وقام وذلك قوله تعالى: { ثم نفخ فيه أخرى ~~فإذا هم قيام ينظرون } [سورة الزمر، الآية 68] " # والفاء في قوله تعالى: { فتأتون } فصيحة تفصح عن جملة قد ~~حذفت ثقة بدلالة الحال عليها وإيذانا بغاية سرعة الإتيان كما في ~~قوله تعالى: # أن اضرب بعصاك البحر فانفلق # [سورة الشعراء، الآية 63] أي فتبعثون من قبوركم فتأتون إلى الموقف ~~عقيب ذلك من غير لبث أصلا { أفواجا } أمما كل أمة مع ~~إمامها كما في قوله تعالى: # يوم ندعوا كل أناس بإممهم # [سورة الإسراء، الآية 71] أو زمرا وجماعات مختلفة الأحوال متباينة ~~الأوضاع حسب اختلاف أعمالهم وتباينها. عن معاذ رضي الله عنه ~~أنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال عليه الصلاة ~~والسلام: # " " يا معاذ سألت عن أمر عظيم من الأمور " ثم أرسل عينيه وقال: ~~" تحشر عشرة أصناف من أمتي بعضهم على صورة القردة وبعضهم على ~~صورة الخنازير وبعضهم منكسون أرجلهم فوق وجوههم يسحبون عليها ~~وبعضهم عمي وبعضهم صم وبكم وبعضهم يمضغون ألسنتهم فهي ~~مدلاة على صدورهم يسيل القيح من أفواههم يتقذرهم أهل الجمع ~~وبعضهم مقطعة أيديهم وأرجلهم وبعضهم مصلبون على جذوع من نار ~~وبعضهم أشد نتنا من الجيف وبعضهم يلبسون جبابا سابغة من قطران ~~لازقة بجلودهم فأما الذين على صورة القردة فالقتات من الناس ~~وأما الذين على صورة الخنازيره فأهل السحت وأما المنكسون على ~~وجوههم فأكلة الربا وأما العمي فالذين يجورون في الحكم وأما ~~الصم والبكم فالمعجبون بأعمالهم وأما الذين يمضغون ألسنتهم ~~فالعلماء الذين خالفت أقوالهم أعمالهم وأما الذين قطعت أيديهم ~~وأرجلهم فهم الذين يؤذون جيرانهم وأما ms3317 المصلبون على جذوع من نار ~~فالسعاة بالناس إلى السلطان وأما الذين هم أشد نتنا من الجيف ~~فالذين يتبعون الشهوات واللذات ومنعوا حق الله تعالى في أموالهم ~~وأما الذين يلبسون الجباب فأهل الكبر والفخر والخيلاء ". # { وفتحت السماء } عطف على ينفخ، وصيغة الماضي للدلالة على ~~التحقق. وقرىء فتحت بالتشديد وهو الأنسب بقوله تعالى: { ~~فكانت أبوبا } أي كثرت أبوابها المفتحة لنزول الملائكة ~~نزولا غير معتاد حتى صارت كأنها ليست إلا أبوابا مفتحة ~~كقوله تعالى: # وفجرنا الأرض عيونا # [سورة القمر، الآية 12] كأن كلها عيون متفجرة وهو المراد بقوله ~~تعالى: # ويوم تشقق السماء بالغمم # [سورة الفرقان، الآية 25] وهو الغمام والذي ذكر في قوله تعالى: # هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله # [سورة البقرة، الآية 210] أي أمره وبأسه في ظل من الغمام والملائكة ~~وقيل: الأبواب الطرق والمسالك أي تكشط فينفتح مكانها وتصير طرقا ~~لا يسدها شيء. ### || [78.20-22] # { وسيرت الجبال } أي في الجو على هيئاتها بعد قلعها من ~~مقارها كما يعرب عنه قوله تعالى: # وترى الجبال تحسبها جامدة وهى تمر مر ~~السحاب # [سورة النمل، الآية 88] أي تراها رأي العين ساكنة في أماكنها ~~والحال أنها تمر مر السحاب الذي يسيره الرياح سيرا حثيثا ~~وذلك أن الأجرام العظام إذا تحركت نحوا من الأنحاء لا تكاد ~~يتبين حركتها وإن كانت في غاية السرعة لا سيما من بعيد وعليه ~~قول من قال: # بأرعن مثل الطود تحسب أنهم # وقوف لحاج والركاب تهملج # وقد أدمج في هذا التشبيه تشبيه حال الجبال بحال السحاب في ~~تخلخل الأجزاء وانتفاشها كما ينطق به قوله تعالى: # وتكون الجبال كالعهن المنفوش # [سورة القارعة، الآية 5] يبدل الله تعالى الأرض ويغير هيأتها ويسير ~~الجبال على تلك الهيئة الهائلة عند حشر الخلائق بعد النفخة ~~الثانية ليشاهدوها ثم يفرقها في الهواء وذلك قوله تعالى { فكانت ~~سرابا } أي فصارت بعد تسييرها مثل السراب كقوله تعالى: # وبست الجبال بسا * فكانت هبآء منبثا # [سورة الواقعة، الآية 5] أي غبارا منتشرا وهي وإن اندكت وانصدعت ~~عند النفخة الأولى لكن تسييرها وتسوية الأرض إنما يكونان بعد ~~النفخة الثانية كما ms3318 نطق به قوله تعالى: # ويسئلونك عن الجبال فقل ينسفها ربى نسفا * ~~فيذرها قاعا صفصفا * لا ترى فيها عوجا ولا أمتا ~~* يومئذ يتبعون الداعى # [سورة طه، الآية 105 - 108] وقوله تعالى: # يوم تبدل الأرض غير الأرض والسموت وبرزوا ~~لله الواحد القهار # [سورة إبراهيم، الآية 48] فإن ابتاع الداعي الذي هو إسرافيل عليه ~~السلام وبرزوا لخلق الله تعالى لا يكون إلا بعد النفخة الثانية. # { إن جهنم كانت مرصادا } شروع في تفصيل أحكام الفصل ~~الذي أضيف إليه اليوم إثر بيان هوله، ووجه تقديم بيان حال ~~الكفار غني عن البيان. والمرصاد اسم للمكان الذي يرصد فيه ~~كالمضمار الذي هو اسم للمكان الذي يضمر فيه الخيل والمنهاج اسم ~~للمكان الذي ينهج فيه أي أنها كانت في حكم الله تعالى وقضائه ~~موضع رصد يرصد فيه خزنة النار الكفار ليعذبوهم فيها. { للطغين ~~} متعلق بمضمر هو إما نعت لمرصادا أي كائنا للطاغين وقوله تعالى: ~~{ مئابا } بدل منه أي مرجعا يرجعون إليه لا محالة وإما حال ~~من مآبا قدمت عليه لكونه نكرة ولو تأخرت لكانت صفة له وقد ~~جوز أن يتعلق بنفس مآبا على أنها مرصاد للفريقين مآب ~~للكافرين خاصة ولا يخفى بعده فإن المتبادر من كونها مرصادا ~~لطائفة كونهم معذبين بها وقد قيل: إنها مرصاد لأهل الجنة ~~يرصدهم الملائكة الذين يستقبلونهم عندها لأن مجازهم عليها وهي ~~مآب للطاغين وقيل المرصاد صيغة مبالغة من الرصد، والمعنى أنها مجدة في ~~ترصد الكفار لئلا يشذ منهم أحد. وقرىء أن بالفتح على تعليل ~~قيام الساعة بأنها مرصاد للطاغين. ### || [78.23-29] # { لبثين فيها } حال مقدرة من المستكن في للطاغين وقرىء ~~لبثين. وقوله تعالى: { أحقابا } ظرف للبثهم أي دهورا متتابعة ~~كلما مضى حقب تبعه حقب آخر إلى غير نهاية فإن الحقب لا يكاد ~~يستعمل إلا حيث يراد تتابع الأزمنة وتواليها فليس فيه ما يدل على ~~تناهي تلك الأحقاب ولو أريد بالحقب ثمانون سنة أو سبعون ألف ~~سنة. وقوله تعالى: { لا يذوقون فيها بردا ولا شرابا * ~~إلا حميما وغساقا } جملة مبتدأه أخبر عنهم بأنهم لا ~~يذقون فيها شيئا ms3319 ما من برد وروح ينفس عنهم حر النار ولا من ~~شراب يسكن من عطشهم ولكن يذوقون فيها حميما وغساقا، وقيل: ~~البرد النوم وقرىء غساقا بالتفخيف وكلاهما ما يسيل من صديدهم ~~{ جزاء } أي جوزوا بذلك جزاء { وفقا } ذا وفاق لأعمالهم أو ~~نفس الوفاق مبالغة أو وافقها وفاقا، وقرىء وفاقا على أنه ~~فعال من وفقه كذا أي لاقه { إنهم كانوا لا يرجون ~~حسابا } تعليل لاستحقاقهم الجزاء المذكور أي كانوا لا يخافون ~~أن يحاسبوا بأعمالهم { وكذبوا بئايتنا } الناطقة ~~بذلك { كذابا } أي تكذيبا مفرطا ولذلك كانوا مصرين على الكفر ~~وفنون المعاصي وفعال من باب فعل شائع فيما بين الفصحاء ~~وقرىء بالتفخيف وهو مصدر كذب قال: # فصدقتها وكذبتها # والمرء ينفعه كذابه # وانتصابه إما بفعله المدلول عليه بكذبوا أي وكذبوا بآياتنا فكذبوا ~~كذابا وإما بنفس كذبوا لتضمنه معنى كذبوا فإن كل من يكذب ~~بالحق فهو كاذب. وقرىء كذابا وهو جمع كاذب فانتصابه على ~~الحالية أي كذبوا بآياتنا كاذبين وقد يكون الكذاب بمعنى ~~الواحد البليغ في الكذب فيجعل صفة لمصدر كذبوا أي تكذيبا كذبا ~~مفرطا كذبه { وكل شىء } من الأشياء التي من جملتها أعمالهم. ~~وانتصابه بمضمر يفسره { أحصينه } أي حفظناه وضبطناه. ~~وقرىء بالرفع على الابتداء { كتبا } مصدر مؤكد لأحصيناه لما ~~أن الإحصاء والكتبة من واد واحد أو لفعله المقدر أو حال بمعنى ~~مكتوبا في اللوح أو في صحف الحفظة، والجملة اعتراض. ### || [78.30-36] # وقوله تعالى: { فذوقوا فلن نزيدكم إلا عذابا } مسبب ~~عن كفرهم بالحساب وتكذيبهم بالآيات، وفي الالتفات المنبىء عن ~~التشديد في التهديد وإيراد لن المفيدة لكون ترك الزيادة من ~~قبيل ما لا يدخل تحت الصحة من الدلالة على تبالغ الغضب ما لا ~~يخفى وقد روي عن النبي عليه الصلاة والسلام أن هذه ~~الآية أشد ما في القرآن على أهل النار. { إن للمتقين ~~مفازا } شروع في بيان محاسن أحوال المؤمنين إثر بيان سوء ~~أحوال الكفرة أي إن للذين يتقون الكفر وسائر قبائح أعمال ~~الكفرة فوزا وظفرا بمباغيهم أو موضع فوز وقيل: نجاة مما فيه ~~أولئك أو موضع نجاة. ms3320 وقوله تعالى: { حدائق وأعنبا } أي ~~بساتين فيها أنواع الأشجار المثمرة وكروما بدل من مفازا. # { وكواعب } أي نساء فلكت ثديهن وهن النواهد { ~~أترابا } أي لدات { وكأسا دهاقا } أي مترعة يقال أدهق ~~الحوض أي ملأه { لا يسمعون فيها } أي في الجنة وقيل: في ~~الكأس { لغوا ولا كذبا } أي لا ينطقون بلغو ولا يكذب بعضهم ~~بعضا. وقرىء كذابا بالتخفيف أي لا يكذبه أو لا يكاذبه { جزاء ~~من ربك } مصدر مؤكد منصوب بمعنى أن للمتقين مفازا فإنه في ~~قوة أن يقال جازى المتقين بمفاز جزاء كائنا من ربك والتعرض ~~لعنوان الربوبية المنبئة عن التبليغ إلى الكمال شيئا فشيئا مع ~~الإضافة إلى ضميره عليه الصلاة والسلام مزيد تشريف له صلى ~~الله عليه وسلم { عطاء } أي تفضلا وإحسانا منه تعالى إذ لا يجب ~~عليه شيء وهو بدل من جزاء { حسابا } صفة لعطاء بمعنى كافيا على ~~أنه مصدر أقيم مقام الوصف أو بولغ فيه من أحسبه الشيء إذا ~~كفاه حتى قال حسبي وقيل: على حسب أعمالهم وقرىء حسابا ~~بالتشديد على أنه بمعنى المحسب كالدارك بمعنى المدرك. ### || [78.37-38] # { رب السموات والأرض وما بينهما } بدل من ربك ~~وقوله تعالى: { الرحمن } صفة له وقيل: صفة للأول وأيا ما ~~كان ففي ذكر ربوبيته تعالى للكل ورحمته الواسعة إشعار بمدار ~~الجزاء المذكور. وقوله تعالى: { لا يملكون منه خطابا } ~~استئناف مقرر لما أفاده الربوبية العامة من غاية العظمة ~~والكبرياء واستقلاله تعالى ما ذكر من الجزاء والعطاء من غير أن ~~يكون لأحد قدرة عليه. وقرىء برفعهما فقيل على أنهما خبران ~~لمبتدأ مضمر وقيل: الثاني نعت للأول وقيل: الأول مبتدأ ~~والثاني خبره ولا يملكون خبر آخر أو هو الخبر والرحمن صفة ~~للأول، وقيل: لا يملكون حال لازمة وقيل: الأول مبتدأ والرحمن ~~مبتدأ ثان ولا يملكون خبره والجملة خبر للأول، وحصل الربط ~~بتكرير المبتدأ بمعناه على رأي من يقول به والأوجه أن يكون ~~كلاهما مرفوعا على المدح أو يكون الثاني نعتا للأول ولا يملكون ~~استئنافا على حاله ففيه ما ذكر من لإشعاره بمدار الجزاء والعطاء ~~كما ms3321 في البدلية لما أن المرفوع أو المنصوب مدحا تابع لما قبله ~~معنى وإن كان منقطعا عنه إعرابا كما فصل في قوله تعالى: # الذين يؤمنون بالغيب # [سورة البقرة، الآية 3] من سورة البقرة وقرىء بجر الأول على ~~البدلية ورفع الثاني على الابتداء والخبر ما بعده أو على أنه ~~خبر لمبتدأ مضمر وما بعده استئناف أو خبر ثان أو حال وضمير لا ~~يملكون لأهل السموات والأرض أي لايملكون أن يخاطبوه تعالى من ~~تلقاء أنفسهم كما ينبىء عنه لفظ الملك خطابا ما في شيء ما ~~والمراد نفي قدرتهم على أن يخاطبوه تعالى بشيء من نقض العذاب أو ~~زيادة الثواب من غير إذنه على أبلغ وجه وآكده وقيل ليس في ~~أيديهم مما يخاطب الله به ويأمر به في أمر الثواب والعقاب خطاب ~~واحد يتصرفون فيه تصرف الملاك فيزيدون فيه أو ينقصون منه { ~~يوم يقوم الروح والملئكة صفا } قيل: الروح خلق ~~أعظم من الملائكة وأشرف منهم وأقرب من رب العالمين وقيل: هو ملك ~~ما خلق الله عز وجل بعد العرش خلقا أعظم منه. عن ابن عباس ~~رضي الله عنهما أنه إذا كان يوم القيامة قام هو وحده صفا ~~والملائكة كلهم صفا.وعنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ~~قال: # " " الروح جند من جنود الله تعالى ليسوا ملائكة لهم رؤوس وأيد ~~وأرجل يأكلون الطعام " ثم قرأ { يوم يقوم الروح } الآية " # وهذا قول أبي صالح ومجاهد قالوا ما ينزل من السماء ملك إلا ~~ومعه واحد منهم نقله البغوي. وقيل: هم أشراف الملائكة وقيل: هم ~~حفظة على الملائكة وقيل: جبريل عليه السلام. وصفا حال أي ~~مصطفين قيل: هما صفان الروح صف واحد أو متعدد والملائكة صف ~~وقيل: صفوف وهو الأوفق لقوله تعالى: # والملك صفا صفا # [سورة الفجر، الآية 22] وقيل: يقوم الكل صفا واحدا. ويوم ~~ظرف لقوله تعالى: { لا يتكلمون }. وقوله تعالى: { إلا ~~من أذن له الرحمن وقال صوابا } بدل من ضمير لا ~~يتكلمون، العائد إلى أهل السموات والأرض الذين من جملتهم الروح ~~والملائكة. وذكر قيامهم واصطفافهم لتحقيق عظمة سلطانه ms3322 وكبرياء ~~ربوبيته وتهويل يوم البعث الذي عليه مدار الكلام من مطلع ~~السورة الكريمة إلى مقطعها. والجملة استئناف مقرر لمضمون قوله ~~تعالى لا يملكون الخ ومؤكد على معنى أن أهل السموات والأرض إذا ~~لم يقدروا يومئذ على أن يتكلموا بشيء من جنس الكلام إلا من ~~أذن الله تعالى له منهم في التكلم وقال ذلك المأذون له قولا صوابا ~~أي حقا فكيف يملكون خطاب رب العزة مع كونه أخص من مطلق الكلام ~~وأعز منه مراما لا على معنى أن الروح والملائكة مع كونهم أفضل ~~الخلائق وأقربهم من الله تعالى إذا لم يقدروا أن يتكلموا بما هو ~~صواب من الشفاعة لمن ارتضى إلا بإذنه فكيف يملكه غيرهم كما قيل ~~فإنه مؤسس على قاعدة الاعتزال فمن سلكه مع تجويزه أن يكون يوم ~~ظرفا للايملكون فقد اشتبه عليه الشؤون واختلط به الظنون وقيل: ~~إلا من أذن الخ منصوب على أصل الاستثناء والمعنى لا يتكلمون إلا ~~في حق شخص أذن له الرحمن وقال ذلك الشخص صوابا أي حقا هو ~~التوحيد وإظهار الرحمن في موضع الإضمار للإيذان بأن مناط الإذن ~~هو الرحمة البالغة لا أن أحدا يستحقه عليه سبحانه وتعالى. ### || [78.39-40] # { ذلك } إشارة إلى يوم قيامهم على الوجه المذكور وما فيه من ~~معنى البعد مع قرب العهد المشار إليه للإيذان بعلو درجته وبعد ~~منزلته في الهول والفخامة ومحله الرفع على الابتداء خبره ما ~~بعده أي ذلك اليوم العظيم الذي يقوم فيه الروح والملائكة مصطفين ~~غير قادرين هم وغيرهم على التكلم من الهيبة والجلال { اليوم ~~الحق } أي الثابت المتحقق لا محالة من غير صارف يلويه ولا ~~عاطف يثنيه والفاء في قوله تعالى: { فمن شاء اتخذ إلى ~~ربه مئابا } فصيحة تفصح عن شرط محذوف، ومفعول المشيئة ~~محذوف لوقوعها شرطا وكون مفعولها مضمون الجزاء وانتفاء الغرابة ~~في تعلقه بها حسب القاعدة المستمرة وإلى ربه متعلق بمآبا قدم ~~عليه اهتماما به ورعاية للفواصل كأنه قيل: وإذا كان الأمر كما ~~ذكر من تحقق اليوم المذكور لا محالة فمن شاء أن يتخذ مرجعا ms3323 إلى ~~ثواب ربه الذي ذكر شأنه العظيم فعل ذلك بالإيمان والطاعة. ~~وقال قتادة: مآبا أي سبيلا، وتعلق الجار به لما فيه من معنى ~~الإفضاء والإيصال كما مر في قوله تعالى: # من استطع إليه سبيلا # [سورة آل عمران، الآية 97]. # { إنا أنذرنكم } أي بما ذكر في السورة من الآيات ~~الناطقة بالبعث وبما بعده من الدواهي أو بها وبسائر القوارع ~~الواردة في القرآن { عذابا قريبا } هو عذاب الآخرة وقربه لتحقق ~~إتيانه حتما ولأنه قريب بالنسبة إليه تعالى، وإن رأوه بعيدا ~~وسيرونه قريبا لقوله تعالى: # كأنهم يوم يرونها لم يلبثوا إلا عشية أو ~~ضحها # [سورة النازعات، الآية 46] وعن قتادة: هو عقوبة الدنيا لأنه ~~أقرب العذابين وعن مقاتل: هو قتل قريش يوم بدر ويأباه قوله ~~تعالى: { يوم ينظر المرء ما قدمت يداه } فإنه إما ~~بدل من عذابا أو ظرف لمضمر هو صفة له أي عذابا كائنا يوم ينظر ~~المرء أي شاهد ما قدمه من خير أو شر على أن ما موصولة منصوبة ~~بينظر، والعائد محذوف أو ينظر أي شيء قدمت يداه على أنها ~~استفهامية منصوبة بقدمت وقيل: المرء عبارة عن الكافر وما في قوله ~~تعالى: { ويقول الكافر يليتنى كنت تربا } ظاهر وضع ~~موضع الضمير لزيادة الذم قيل: معنى تمنيه ليتني كنت ترابا في ~~الدنيا فلم أخلق ولم أكلف أو ليتني كنت ترابا في هذا اليوم ~~فلم أبعث وقيل: يحشر الله تعالى الحيوان فيقتص للجماء من ~~القرناء ثم يرده ترابا فيود الكافر حاله وقيل: الكافر إبليس ~~يرى آدم وولده وثوابهم فيتمنى أن يكون الشيء الذي احتقره ~~حين قال: خلقتني من نار وخلقته من طين. # عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " من قرأ سورة عم يتساءلون سقاه الله تعالى برد الشراب يوم ~~القيامة " # والحمد لله وحده. ### | [79 - سورة النازعات] ### || [79.1-5] # مكية وآيها خمس أو ست وأربعون # { والنزعت غرقا * والنشطت نشطا * ~~والسبحت سبحا * فالسبقت سبقا * ~~فالمدبرت أمرا } إقسام من الله عز وجل بطوائف الملائكة ~~الذين ينزعون الأرواح من الأجساد على الإطلاق كما قاله ابن عباس ~~رضي الله ms3324 عنهما ومجاهد، أو أرواح الكفرة كما قاله علي رضي ~~الله عنه وابن مسعود وسعيد بن جبير ومسروق وينشطونها أي ~~يخرجونها من الأجساد من نشط الدلو من البئر إذا أخرجها ويسبحون ~~في إخراجها سبح الغواص الذي يخرج من البحر ما يخرج فيسبقون ~~بأرواح الكفرة إلى النار وبأرواح المؤمنين إلى الجنة فيدبرون أمر ~~عقابها وثوابها بأن يهيئوها لإدراك ما أعد لها من الآلام ~~واللذات والعطف مع اتخاذ الكل بتنزيل التغاير العنواني ~~منزلة التغاير الذاتي كما في قوله: # إلى الملك القرم وابن الهمام # وليث الكتائب في المزدحم # للإشعار بأن كل واحد من الأوصاف المعدودة من معظمات الأمور ~~حقيق بأن يكون على حياله مناطا لاستحقاق موصوفه للإجلال والإعظام ~~بالإقسام به من غير انضمام الأوصاف الأخر إليه والفاء في ~~الأخيرين للدلالة على ترتبهما على ما قبلهما بغير مهلة كما في ~~قوله: # يا لهف زيابة للحرث ال # صائح فالغانم فالآئب # وغرقا مصدر مؤكد بحذف الزوائد أي إغراقا في النزع حيث تنزعها ~~من أقاصي الأجساد. قال ابن مسعود رضي الله عنه: تنزع روح ~~الكافر من جسده من تحت كل شعرة ومن تحت الأظافير وأصول القدمين ~~ثم تغرقها في جسده ثم تنزعها حتى إذا كادت تخرج تردها في جسده ~~فهذا عملها بالكفار، وقيل: يرى الكافر نفسه في وقت النزع كأنها ~~تغرق. وانتصاب نشطا وسبحا وسبقا أيضا على المصدرية، وأما ~~أمرا فمفعول للمدبرات وتنكيره للتهويل والتفخيم ويجوز أن يراد ~~بالسابحات وما بعدها طوائف من الملائكة يسبحون في مضيهم أي ~~يسرعون فيه فيسبقون إلى ما أمروا به من الأمور الدنيوية ~~والأخروية. والمقسم عليه محذوف تعويلا على إشارة ما قبله من ~~المقسم به إليه ودلالة ما بعده من أحوال القيامة عليه وهو ~~لتبعثن فإن الإقسام بمن يتولى نزع الأرواح ويقوم بتدبير ~~أمورها يلوح بكون المقسم عليه من قبيل تلك الأمور لا محالة ~~وفيه من الجزالة ما لا يخفى. وقد جوز أن يكون إقساما ~~بالنجوم التي تنزع من المشرق إلى المغرب غرقا في النزع بأن تقطع ~~الفلك حتى تنحط في أقصى الغرب ms3325 وتنشط من برج إلى برج أي تخرج ~~من نشط الثور إذا خرج من بلد إلى بلد وتسبح في الفلك فيسبق ~~بعضها بعضا فتدبر أمرا نيط بها كاختلاف الفصول وتقدير الأزمنة ~~وتبين مواقيت العبادات وحيث كانت حركاتها من المشرق إلى المغرب ~~قسرية وحركاتها من برج إلى برج ملائمة عبر عن الأولى بالنزع ~~وعن الثانية بالنشط. أو بأنفس الغزاة أو أيديهم التي تنزع ~~القسي بإغراق السهام وينشطون بالسهم للرمي ويسبحون في البر ~~والبحر فيسبقون إلى حرب العدو فيدبرون أمرها. أو بخيلهم التي ~~تنزع في أعنتها نزعا تغرق فيه الأعنة لطول أعناقها لأنها عراب ~~وتخرج من دار الإسلام إلى دار الحرب وتسبح في جريها لتسبق إلى ~~الغاية فتدبر أمر الظفر والغلبة، وإسناد التدبير إليها لأنها ~~من أسبابه. هذا والذي يليق بشأن التنزيل هو الأول. ### || [79.6-8] # وقوله تعالى: { يوم ترجف الراجفة } منصوب بالجواب ~~المضمر، والمراد بالراجفة الواقعة التي ترجف عندها الأجرام ~~الساكنة، أي تتحرك حركة شديدة وتتزلزل زلزلة عظيمة كالأرض ~~والجبال، وهي النفخة الأولى، وقيل: الراجفة الأرض والجبال ~~لقوله تعالى: # يوم ترجف الأرض والجبال # [سورة المزمل، الآية 14] وقوله تعالى: { تتبعها الرادفة } ~~أي الواقعة التي تردف الأولى، وهي النفخة الثانية حال من ~~الراجفة مصححة لوقوع اليوم ظرفا للبعث أي لتبعثن يوم النفخة ~~الأولى حال كون النفخة الثانية تابعة لها لا قبل ذلك فإنه ~~عبارة عن الزمان الممتد الذي يقع فيه النفختان وبينهما أربعون ~~سنة واعتبار امتداده مع أن البعث لا يكون إلا عنذ النفخة ~~الثانية لتهويل اليوم ببيان كونه موقعا لداهيتين عظيمتين لا ~~يبقى عند وقوع الأولى حي إلا مات ولا عند وقوع الثانية ميت ~~إلا بعث وقام، ووجه إضافته إلى الأولى ظاهر وقيل: يوم ترجف ~~منصوب باذكر فتكون الجملة استئنافا مقررا لمضمون الجواب ~~المضمر كأنه قيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم: اذكر لهم يوم ~~النفختين فإنه وقت بعثهم، وقيل: هو منصوب بما دل عليه قوله ~~تعالى: { قلوب يومئذ واجفة } أي يوم ترجف وجفت القلوب، ~~قيل: قلوب مبتدأ ويومئذ متعلق بواجفة وهي صفة لقلوب ms3326 مسوغة ~~لوقوعه مبتدأ. ### || [79.9-10] # وقوله تعالى: { أبصرها } أي أبصار أصحابها { خشعة } ~~جملة من مبتدإ وخبر وقعت خبرا لقلوب. وقد مر أن حق الصفة ~~أن تكون معلومة الانتساب إلى الموصوف عند السامع حتى قالوا: إن ~~الصفات قبل العلم بها أخبار والأخبار بعد العلم بها صفات فحيث ~~كان ثبوت الوجيف للقلوب وثبوت الخشوع لأبصار أصحابها سواء في ~~المعرفة والجهالة كان جعل الأول عنوانا للموضوع مسلم الثبوت ~~مفروغا عنه وجعل الثاني مخبرا له مقصود الإفادة تحكما بحتا على ~~أن الوجيف الذي هو عبارة عن شدة اضطراب القلب وقلقه من الخوف ~~والوجل أشد من خشوع البصر وأهول فجعل أهون الشرين عمدة ~~وأشدهما فضلة مما لا عهد له في الكلام. وأيضا فتخصيص الخشوع ~~بقلوب موصوفة بصفة معينة غير مشعرة بالعموم والشمول تهوين للخطب ~~في موقع التهويل فالوجه أن يقال: تنكير قلوب يقوم مقام الوصف ~~المختص سواء حمل على التنويع كما قيل وإن لم يذكر النوع ~~الماقبل، فإن المعنى منسحب عليه، أو على التكثير كما هو شر ~~أهر ذا ناب فإن التفخيم كما يكون بالكيفية يكون بالكمية أيضا ~~كأنه قيل: قلوب كثيرة يوم إذ يقع النفختان واجفة أي شديدة ~~الاضطراب. قال ابن عباس رضي الله عنهما: خائفة وجلة. وقال ~~السدي: زائلة عن أماكنها، كما في قوله تعالى: # إذ القلوب لدى الحناجر # [سورة غافر، الآية 18]. وقوله تعالى: { يقولون أءنا ~~لمردودون فى الحفرة } حكاية لما يقوله المنكرون للبعث ~~المكذبون بالآيات الناطقة به إثر بيان وقوعه بطريق التوكيد ~~القسمي وذكر مقدماته الهائلة وما يعرض عند وقوعها للقلوب ~~والأبصار. أي يقولون إذا قيل لهم: إنكم تبعثون منكرين له ~~متعجبين منه: أئنا لمردودون بعد موتنا في الحافرة، أي في الحالة ~~الأولى يعنون الحياة من قولهم: رجع فلان في حافرته أي في طريقته ~~التي جاء فيها فحفرها أي أثر فيها بمشيه، وتسميتها حافرة مع أنها ~~محفورة، كقوله تعالى: # فى عيشة راضية # [سورة الحاقة، الآية 21] أي منسوبة إلى الحفر والرضا أو كقولهم: ~~نهاره صائم على تشبيه القابل بالفاعل. وقرىء في الحفرة وهي ~~بمعنى ms3327 المحفورة. ### || [79.11-15] # وقوله تعالى: { أءذا كنا عظما نخرة } تأكيد لإنكار ~~الرد ونفيه بنسبته إلى حالة منافية له. والعامل في إذا مضمر ~~يدل عليه مردودون أي أئذا كنا عظاما بالية نرد ونبعث مع ~~كونها أبعد شيء من الحياة وقرىء إذا كنا على الخبر أو إسقاط ~~حرف الإنكار. وناخرة من نخر العظم فهو نخر وناخر، وهو ~~البالي الأجوف الذي يمر به الريح فيسمع له نخير { قالوا } ~~حكاية لكفر آخر لهم متفرع على كفرهم السابق ولعل توسيط قالوا ~~بينهما للإيذان بأن صدور هذا الكفر عنهم ليس بطريق الاطراد ~~والاستمرار مثل كفرهم السابق المستمر صدوره عنهم في كافة ~~أوقاتهم حسبما ينبىء عنه حكايته بصيغة المضارع، أي قالوا بطريق ~~الاستهزاء مشيرين إلى ما أنكروه من الردة في الحافرة مشعرين بغاية ~~بعدها من الوقوع: { تلك إذا كرة خسرة } أي ذات خسران ~~أو خاسرة أصحابها، أي إن صحت فنحن إذن خاسرون لتكذيبنا بها. ~~وقوله تعالى: { فإنما هى زجرة وحدة } تعليل لمقدر ~~يقتضيه إنكارهم لإحياء العظام النخرة التي عبروا عنها بالكرة ~~فإن مداره لما كان استصعابهم إياها رد عليهم ذلك فقيل: لا ~~تستصعبوها فإنما هي صيحة واحدة أي حاصلة بصيحة واحدة وهي ~~النفخة الثانية عبر عنها بها تنبيها عل كمال اتصالها بها ~~كأنها عينها وقيل: هي راجع إلى الرادفة. فقوله تعالى: { فإذا ~~هم بالساهرة } حينئذ بيان لترتب الكرة على الزجرة مكافأة ~~أي فإذا هم أحياء على وجه الأرض بعد ما كانوا أمواتا في جوفها ~~وعلى الأول بيان لحضورهم الموقف عقيب الكرة التي عبر عنها ~~بالزجرة. والساهرة الأرض البيضاء المستوية، سميت بذلك لأن ~~السراب يجري فيها من قولهم: عين ساهرة جارية الماء وفي ضدها ~~نائمة وقيل: لأن سالكها لا ينام خوف الهلكة، وقيل: اسم لجهنم، ~~وقال الراغب: هي وجه الأرض، وقيل: هي أرض القيامة. وروى ~~الضحاك عن ابن عباس رضي الله عنهما: أن الساهرة أرض من فضة ~~لم يعص الله تعالى عليها قط خلقها حينئذ، وقيل: هي أرض يجددها ~~الله عز وجل يوم القيامة، وقيل: هي اسم الأرض السابعة ms3328 يأتي ~~بها الله تعالى فيحاسب الخلائق عليها وذلك حين تبدل الأرض غير ~~الأرض، وقال الثوري: الساهرة أرض الشام، وقال وهب بن منبه: جبل ~~بيت المقدس، وقيل: الساهرة بمعنى الصحراء على شفير جهنم. # وقوله تعالى: { هل أتاك حديث موسى } كلام مستأنف وارد ~~لتسلية رسول الله صلى الله عليه وسلم من تكذيب قومه بأنه يصيبهم ~~مثل ما أصاب من كان أقوى منهم وأعظم. ومعنى هل أتاك: إن ~~اعتبر هذا أول ما أتاه عليه الصلاة والسلام من حديثه عليه السلام ~~ترغيب له عليه الصلاة والسلام في استماع حديثه كأنه قيل: هل ~~أتاك حديثه أنا أخبرك به وإن اعتبر إتيانه هذا وهو المتبادر ~~من الإيجاز في الاقتصاص حمله عليه الصلاة والسلام على أن يقر ~~بأمر يعرفه قبل ذلك كأنه قيل: قد أتاك حديثه. ### || [79.16-21] # وقوله تعالى: { إذ ناداه ربه بالواد المقدس } ظرف ~~للحديث لا للإتيان لاختلاف وقتيهما { طوى } بضم الطاء غير ~~منون وقرىء منونا وقرىء بالكسر منونا وغير منون فمن نونه ~~أوله بالمكان دون البقعة، وقيل: هو كثنى مصدر لنادى أو ~~المقدس أي ناداه ندائين أو المقدس مرة بعد أخرى. # { اذهب إلى فرعون } على إرادة القول وقيل: هو تفسير ~~للنداء أي ناداه إذهب وقيل: هو على حذف أن المفسرة ويدل عليه ~~قراءة عبد الله أن اذهب لأن في النداء معنى القول { إنه ~~طغى } تعليل للأمر أو لوجوب الامتثال به { فقل } بعد ما ~~أتيته { هل لك } رغبة وتوجه { إلى أن تزكى } بحذف ~~إحدى التاءين من تتزكى أي تتطهر من دنس الكفر والطغيان. ~~وقرىء تزكى بالتشديد { وأهديك إلى ربك } وأرشدك ~~إلى معرفته عز وجل فتعرفه { فتخشى } إذ الخشية لا تكون ~~إلا بعد معرفته تعالى، قال عز وجل: # إنما يخشى الله من عباده العلماء # [سورة فاطر، الآية 28] وجعل الخشية غاية للهداية لأنها ملاك ~~الأمر، من خشى الله تعالى أتى منه كل خير، ومن أمن اجترأ ~~على كل شر. أمر عليه الصلاة والسلام بأن يخاطبه بالاستفهام ~~الذي معناه العرض ليستدعيه بالتلطف في القول ويستنزله ~~بالمداراة من عتوه وهذا ms3329 ضرب تفصيل لقوله تعالى: # فقولا له قولا لينا لعله يتذكر أو يخشى # [سورة طه، الآية 44]. والفاء في قوله تعالى: { فأراه الآية ~~الكبرى } فصيحة تفصح عن جمل قد طويت تعويلا على تفصيلها في ~~السور الأخرى فإنه عليه الصلاة والسلام ما أراه إياها عقيب هذا ~~الأمر بل بعد ما جرى بينه وبين الله تعالى ما جرى من ~~الاستدعاء والإجابة وغيرهما من المراجعات وبعد ما جرى بينه ~~وبين فرعون ما جرى من المحاورات إلى أن قال: # إن كنت جئت بآية فأت بهآ إن كنت من الصادقين # [سورة الأعراف، الآية 106] والإراءة إما بمعنى التبصير، أو التعريف ~~فإن اللعين حين أبصرها عرفها. وادعاء سحريتها إنما كان إراءة ~~منه وإظهارا للتجلد. ونسبتها إليه عليه الصلاة والسلام بالنظر ~~إلى الظاهر كما أن نسبتها إلى نون العظمة في قوله تعالى: # ولقد أرينه ءايتنا # [سورة طه، الآية 56] بالنظر إلى الحقيقة والمراد بالآية الكبرى ~~قلب العصا حية وهو قول ابن عباس رضي الله عنهما فإنها كانت ~~المقدمة والأصل، والأخرى كالتبع لها، أو هما جميعا، وهو قول ~~مجاهد فإنهما كالآية الواحدة وقد عبر عنهما بصيغة الجمع حيث ~~قال: # اذهب أنت وأخوك بئايتى # [سورة طه، الآية 42] باعتبار ما في تضاعيفهما من بدائع الأمور التي ~~كل منها آية بينة لقوم يعقلون، كما مر تفصيله في سورة طه ~~ولا مساغ لحملها على مجموع معجزاته فإن ما عدا هاتين الآيتين من الآيات ~~التسع إنما ظهرت على يده عليه الصلاة والسلام بعد ما غلب السحرة ~~على مهل في نحو من عشرين سنة كما مر في سورة الأعراف ولا ريب في ~~أن هذا مطلع القصة وأمر السحرة مترقب بعد { فكذب } بموسى ~~عليه السلام وسمى معجزته سحرا { وعصى } الله عز وجل ~~بالتمرد بعد ما علم صحة الأمر ووجوب الطاعة أشد عصيان وأقبحه ~~حيث اجترأ على إنكار وجود رب العالمين رأسا وكان اللعين ~~وقومه مأمورين بعبادته عز وجل وترك العظيمة التي كان يدعيها ~~الطاغية ويقبلها منه فئته الباغية لا بإرسال بني إسرائيل من ~~الأسر والقسر فقط. ### || [79.22-25] # { ثم أدبر ms3330 } أي تولى عن الطاعة أو انصرف عن المجلس { ~~يسعى } أي يجتهد في معارضة الآية أو أريد ثم أقبل أي أنشأ ~~يسعى فوضع موضعه أدبر تحاشيا عن وصفه بالإقبال وقيل: أدبر ~~هاربا من الثعبان فإنه روي أنه عليه الصلاة والسلام لما ~~ألقى العصا انقلبت ثعبانا أشعر فاغرا فاه بين لحييه ~~ثمانون ذراعا وضع لحيه الأسفل على الأرض والأعلى على سور ~~القصر فتوجه نحو فرعون فهرب وأحدث وانهزم الناس مزدحمين فمات ~~منهم خمسة وعشرون ألفا من قومه وقيل: إنها حين انقلبت حية ~~ارتفعت في السماء قدر ميل ثم انحطت مقبلة نحو فرعون وجعلت ~~تقول: يا موسى مرني بما شئت ويقول فرعون: أنشدك بالذي أرسلك ~~إلا أخذته فأخذه فعاد عصا ويأباه أن ذلك كان قبل الإصرار على ~~التكذيب والعصيان والتصدي للمعارضة كما يعرب عنه قوله تعالى: { ~~فحشر } أي فجمع السحرة لقوله: # فأرسل فرعون فى المدائن حشرين # [سورة الشعراء، الآية 53] وقوله تعالى: # فتولى فرعون فجمع كيده # [سورة طه، الآية 60] أي ما يكاد به من السحرة وآلاتهم وقيل: جنوده ~~ويجوز أن يراد جميع الناس { فنادى } في المجمع بنفسه أو بواسطة ~~المنادي { فقال أنا ربكم الأعلى } قيل: قام فيهم ~~خطيبا فقال تلك العظيمة. # { فأخذه الله نكال الآخرة والأولى } النكال بمعنى ~~التنكيل كالسلام بمعنى التسليم وهو التعذيب الذي ينكل من رآه أو ~~سمعه ويمنعه من تعاطي ما يفضي إليه ومحله النصب على أنه ~~مصدر مؤكد كوعد الله وصبغة الله كأنه قيل: نكل الله به نكال ~~الآخرة والأولى وهو الإحراق في الآخرة والإغراق في الدنيا وقيل: ~~مصدر لأخذ أي أخذه الله أخذ نكال الآخرة الخ، وقيل: مفعول له أي ~~أخذه لأجل نكال الخ، وقيل: نصب على نزع الخافض أي أخذه بنكال ~~الآخرة والأولى وإضافته إلى الدارين باعتبار وقوع نفس الأخذ فيهما ~~لا باعتبار أن ما فيه من معنى المنع يكون فيهما فإن ذلك لا ~~يتصور في الآخرة بل في الدنيا فإن العقوبة الأخروية تنكل من ~~سمعها وتمنعه من تعاطي ما يؤدي إليها لا محالة وقيل: المراد ~~بالآخرة والأولى ms3331 قوله: { أنا ربكم الأعلى } وقوله: # ما علمت لكم من إله غيرى # [سورة القصص، الآية 38] قيل: كان بين الكلمتين أربعون سنة ~~فالإضافة إضافة المسبب إلى السبب. ### || [79.26-29] # { إن فى ذلك } أي فيما ذكر من قصة فرعون وما فعل وما ~~فعل به { لعبرة } عظيمة { لمن يخشى } أي لمن من شأنه ~~أن يخشى وهو من من شأنه المعرفة وقوله تعالى: { ءأنتم ~~أشد خلقا } خطاب لأهل مكة المنكرين للبعث بناء على صعوبته في ~~زعمهم بطريق التوبيخ والتبكيت بعد ما بين كمال سهولته ~~بالنسبة إلى قدرة الله تعالى بقوله تعالى: # فإنما هى زجرة وحدة # [سورة الصافات، الآية 19] أي أخلقكم بعد موتكم أشد أي أشق وأصعب ~~في تقديركم { أم السماء } أي أم خلق السماء على عظمها ~~وانطوائها على تعاجيب البدائع التي تحار العقول عن ملاحظة أدناها ~~كقوله تعالى: # لخلق السموات والأرض أكبر من خلق الناس # [سورة غافر، الآية 57] وقوله تعالى: # أو ليس الذى خلق السموات والأرض قادر على ~~أن يخلق مثلهم # [سورة يس، الآية 81] وقوله تعالى: { بنها } الخ، بيان وتفصيل ~~لكيفية خلقها المستفاد من قوله: أم السماء وفي عدم ذكر الفاعل ~~فيه وفيما عطف عليه من الأفعال من التنبيه على تعينه وتفخيم ~~شأنه عز وجل ما لا يخفى. وقوله تعالى: { رفع سمكها } ~~بيان للبناء أي جعل مقدار ارتفاعها من الأرض وذهابها إلى سمت ~~العلو مديدا رفيعا مسيرة خمسمائة عام { فسواها } فعدلها ~~مستوية ملساء ليس فيها تفاوت ولا فطور أو فتممها بما علم أنها ~~تتم به من الكواكب والتداوير وغيرها مما لا يعلمه إلا الخلاق ~~العليم من قولهم: سوى أمر فلان إذا أصلحه { وأغطش ~~ليلها } أي جعله مظلما يقال: غطش الليل وأغطشه الله تعالى كما ~~يقال: ظلم وأظلمه وقد مر هذا في قوله تعالى: # وإذا أظلم عليهم قاموا # [سورة البقرة، الآية 20] ويقال أيضا أغطش الليل كما يقال أظلم { ~~وأخرج ضحها } أي أبرز نهارها عبر عنه بالضحى لأنه ~~أشرف أوقاته وأطيبها فكان أحق بالذكر في مقام الامتنان وهو ~~السر في تأخير ذكر الليل وفي التعبير عن إحداثه بالاخراج ms3332 فإن ~~إفاضة النور بعد الظلمة أتم في الإنعام وأكمل في الإحسان وإضافة ~~الليل والضحى إلى السماء لدوران حدوثهما على حركتها ويجوز أن تكون ~~إضافة الضحى إليها بواسطة الشمس أي أبرز ضوء شمسها والتعبير عنه ~~بالضحى لأنه وقت قيام سلطانها وكمال إشراقها. ### || [79.30-32] # { والأرض بعد ذلك دحها } أي بسطها ومهدها لسكنى ~~أهلها وتقلبهم في أقطارها وانتصاب الأرض بمضمر يفسره دحاها { ~~أخرج منها ماءها } بأن فجر منها عيونا وأجرى أنهارا { ~~ومرعها } أي رعيها وهو في الأصل موضع الرعي وقيل: هو مصدر ~~ميمي بمعنى المفعول، وتجريد الجملة عن العاطف إما لأنها بيان ~~وتفسير لدحاها وتكملة له فإن السكنى لا تتأتى بمجرد البسط ~~والتمهيد بل لا بد من تسوية أمر المعاش من المأكل والمشرب حتما ~~وإما لأنها حال من فاعله بإضمار قد عند الجمهور أو بدونه عند ~~الكوفيين والأخفش، كما في قوله تعالى: # أو جاءوكم حصرت صدورهم # [سورة النساء، الآية 90] { والجبال } منصوب بمضمر يفسره { ~~أرسها } أي أثبتها وأثبت بها الأرض أن تميد بأهلها وهذا ~~تحقيق للحق وتنبيه على أن الرسو المنسوب إليها في مواضع ~~كثيرة من التنزيل بالتعبير عنها بالرواسي ليس من مقتضيات ~~ذواتها بل هو بإرسائه عز وجل ولولاه لما ثبتت في أنفسها فضلا ~~عن إثباتها للأرض وقرىء والأرض والجبال بالرفع على الابتداء ~~ولعل تقديم إخراج الماء والمرعى ذكرا مع تقدم الإرساء عليه ~~وجودا وشدة تعلقه بالدحو لإبراز كمال الاعتناء بأمر المأكل ~~والمشرب مع ما فيه من دفع توهم رجوع ضميري الماء والمرعى إلى ~~الجبال وهذا كما ترى يدل بظاهره على تأخر دحو الأرض عن خلق ~~السماء وما فيها كما يروى عن الحسن من أنه تعالى خلق الأرض ~~في موضع بيت المقدس كهيئة الفهر عليه دخان ملتزق بها ثم أصعد ~~الدخان وخلق منه السموات وأمسك الفهر في موضعها وبسط منها الأرض ~~وذلك قوله تعالى: # كانتا رتقا ففتقنهما # [سورة الأنبياء، الآية 30] الآية وقد مر في سورة حم السجدة أن ~~قوله تعالى: # قل أئنكم لتكفرون بالذى خلق الأرض فى ~~يومين # [سورة فصلت، الآية 9] إلى قوله ms3333 تعالى: # ثم استوى إلى السماء وهى دخان # [سورة فصلت، الآية 11] الآية إن حمل ما فيه من الخلق وما عطف ~~عليه من الأفعال الثلاثة على معانيها الظاهرة لا على تقديرها فهو ~~وما في سورة البقرة من قوله تعالى: # هو الذى خلق لكم ما فى الأرض جميعا ثم استوى ~~إلى السماء فسواهن سبع سموات # [سورة البقرة، الآية 29] يدلان على تقدم خلق الأرض وما فيها على خلق ~~السماء وما فيها وعليه إطباق أكثر أهل التفسير. وقد روي أن ~~العرش كان قبل خلق السموات والأرض على الماء ثم إنه تعالى أحدث ~~في الماء اضطرابا فأزبد فارتفع منه دخان فأما الزبد فبقي على وجه ~~الماء فخلق فيه اليبوسة فجعله أرضا واحدة ثم فتقها فجعلها ~~أرضين وأما الدخان فارتفع وعلا فخلق منه السموات وروي أنه ~~تعالى خلق جرم الأرض يوم الأحد ويوم الاثنين ودحاها وخلق ما ~~فيها يوم الثلاثاء ويوم الأربعاء وخلق السموات وما فيهن يوم ~~الخميس ويوم الجمعة وخلق آدم عليه السلام في آخر ساعة منه وهي ~~الساعة التي تقوم فيها القيامة فالأقرب كما قيل تأويل هذه الآية ~~بأن يجعل ذلك إشارة إلى ذكر ما ذكر من بناء السماء ورفع ~~سمكها وتسويتها وغيرها لا إلى أنفسها ويحمل بعدية الدحو عنها ~~على البعدية في الذكر كما هو المعهود في ألسنة العرب والعجم لا في ~~الوجود لما عرفت من أن انتصاب الأرض بمضمر مقدم قد حذف على ~~شريطة التفسير لا بما ذكر بعده ليفيد القصر وتتعين البعدية في ~~الوجود، وفائدة تأخيره في الذكر إما التنبيه على أنه قاصر في ~~الدلالة على القدرة القاهرة بالنسبة إلى أحوال السماء وإما الإشعار ~~بأنه أدخل في الإلزام لما أن المنافع المنوطة بما في الأرض أكثر ~~وتعلق مصالح الناس بذلك أظهر وإحاطتهم بتفاصيل أحواله أكمل ~~وليس ما روي عن الحسن نصا في تأخر دحو الأرض عن خلق السماء فإن ~~بسط الأرض معطوف على إصعاد الدخان وخلق السماء بالواو التي هي ~~بمعزل من الدلالة على الترتيب، هذا على تقدير حمل ما ذكر في ms3334 آيات ~~سورة السجدة من الخلق وما عطف عليه من الأفعال الثلاثة على ~~معانيها الظاهرة وأما إذا حملت على تقديرها فلا دلالة فيها إلا على ~~تقدم تقدير الأرض وما فيها على إيجاد السماء كما لا دلالة على ~~الترتيب أصلا إذا حملت كلمة ثم فيها وفيما في سورة البقرة على ~~التراخي في الرتبة وقد سلف تفصيل الكلام في السورة المذكورة. ### || [79.33-35] # وقوله تعالى: { متعا لكم ولأنعمكم } إما مفعول له ~~أي فعل ذلك تمتيعا لكم ولأنعامكم لأن فائدة ما ذكر من البسط ~~والتمهيد وإخراج الماء والمرعى واصلة إليهم وإلى أنعامهم فإن ~~المراد بالمرعى ما يعم ما يأكله الإنسان وغيره بناء على ~~استعارة الرعي لتناول المأكول على الإطلاق كاستعارة المرسن ~~للأنف. وقيل: مصدر مؤكد لفعله المضمر أي متعكم بذلك متاعا أو ~~مصدر من غير لفظه فإن قوله تعالى: # أخرج منها ماءها ومرعها # [سورة النازعات، الآية 31] في معنى متع بذلك وقوله تعالى: { فإذا ~~جاءت الطامة الكبرى } أي الداهية العظمى التي تطم على ~~سائر الطامات أي تعلوها وتغلبها وهي القيامة أو النفخة الثانية ~~وقيل: هي الساعة التي يساق فيها الخلائق إلى محشرهم وقيل: التي ~~يساق فيها أهل الجنة إلى الجنة وأهل النار إلى النار شروع في ~~بيان أحوال معادهم إثر بيان أحوال معاشهم بقوله تعالى: # متعا لكم # [سورة المائدة، الآية 96] الخ، والفاء للدلالة على ترتب ما بعدها على ~~ما قبلها عما قليل كما ينبىء عنه لفظ المتاع { يوم يتذكر ~~الإنسن ما سعى } قيل: هو بدل من إذا جاءت والأظهر أنه ~~منصوب بأعني كما قيل تفسيرا للطامة الكبرى فإن الإبدال منها ~~بالظرف المحض مما يوهن تعلقها بالجواب ويجوز أن يكون بدلا من ~~الطامة الكبرى مفتوحا لإضافته إلى الفعل على رأي الكوفيين أي ~~يتذكر فيه كل أحد ما عمله من خير أو شر بأن يشاهده مدونا في ~~صحيفة أعماله وقد كان نسيه من فرط الغفلة وطول الأمد كقوله ~~تعالى: # أحصه الله ونسوه # [سورة المجادلة، الآية 6] ويجوز أن تكون ما مصدرية. ### || [79.36-41] # { وبرزت الجحيم } عطف على جاءت أي أظهرت ms3335 إظهارا بينا لا ~~يخفى على أحد { لمن يرى } كائنا من كان. يروى أنه يكشف عنها ~~فتتلظى فيراها كل ذي بصر وقرىء وبرزت بالتخفيف ولمن رأى ~~ولمن ترى على أن فيه ضمير الجحيم كما في قوله تعالى: # إذا رأتهم من مكان بعيد # [سورة الفرقان، الآية 12] وعلى أنه خطاب لرسول الله صلى الله عليه ~~وسلم أي لمن تراه من الكفار وقوله تعالى: { فأما من طغى } ~~الخ، جواب فإذا جاءت على طريقة قوله تعالى: # فإما يأتينكم منى هدى # [سورة البقرة، الآية 38] الآية، وقيل: هو تفصيل للجواب المحذوف ~~تقديره انقسم الراؤون قسمين فأما من الخ، والذي تستدعيه فخامة ~~التنزيل ويقتضيه مقام التهويل أن الجواب المحذوف كان من عظائم ~~الشؤون ما لم تشاهده العيون كما مر في قوله تعالى: # يوم يجمع الله الرسل # [سورة المائدة، الآية 109] أي فأما من عتا وتمرد عن الطاعة وجاوز ~~الحد في العصيان { وءاثر الحيوة الدنيا } الفانية التي ~~هي على جناح الفوات فانهمك فيما متع به فيها ولم يستعد للحياة ~~الأخروية الأبدية بالإيمان والطاعة { فإن الجحيم } التي ~~ذكر شأنها { هى المأوى } أي هي مأواه واللام سادة مسد ~~الإضافة للعلم بأن صاحب المأوى هو الطاغي كما في قولك: غض ~~الطرف، ودخول اللام في المأوى والطرف للتعريف لأنهما معروفان ~~وهي إما ضمير فصل أو مبتدأ. قيل: نزلت الآية في النضر وأبيه ~~الحارث المشهورين بالغلو في الكفر والطغيان { وأما من ~~خاف مقام ربه } أي مقامه بين يدي مالك أمره يوم ~~الطامة الكبرى يوم يتذكر الإنسان ما سعى { ونهى النفس عن ~~الهوى } عن الميل إليه بحكم الجبلة البشرية ولم يعتد بمتاع ~~الحياة الدنيا وزهرتها ولم يغتر بزخارفها وزينتها علما منه ~~بوخامة عاقبتها. # { فإن الجنة هى المأوى } له لا غيرها وقيل: نزلت ~~الآيتان في أبي عزيز بن عمير ومصعب بن عمير وقد قتل مصعب أخاه ~~أبا عزيز يوم أحد ووقى رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى استشهد ~~رضي الله عنه هذا وقد قيل: جواب إذا ما يدل عليه قوله تعالى: # يوم يتذكر # [سورة النازعات، الآية ms3336 35] الخ، أي فإذا جاءت الطامة الكبرى ~~يتذكر الإنسان ما سعى على طريقة قوله تعالى: # علمت نفس ما أحضرت # [سورة التكوير، الآية 14] وقوله تعالى: # علمت نفس ما قدمت وأخرت # [سورة الانفطار، الآية 5] فيكون قوله تعالى: # وبرزت الجحيم # [سورة الشعراء، الآية 91 وسورة النازعات، الآية 36] عطفا عليه، وصيغة ~~الماضي للدلالة على التحقق، أو حالا من الإنسان بإضمار قد، أو ~~بدونه على اختلاف الرأيين، ولمن يرى مغن عن العائد. وقوله ~~تعالى: { فأما من طغى } الخ، تفصيلا لحالي الإنسان الذي ~~يتذكر ما سعى وتقسيما له بحسب أعماله إلى القسمين المذكورين. ### || [79.42-45] # { يسئلونك عن الساعة أيان مرسها } متى ~~إرساؤها أي إقامتها يريدون متى يقيمها الله تعالى ويثبتها ~~ويكونها وقيل: أيان منتهاها ومستقرها كما أن مرسى السفينة ~~حيث تنتهي إليه وتستقر فيه. وقوله تعالى: { فيم أنت من ~~ذكراها } إنكار ورد لسؤال المشركين عنها أي في أي شيء ~~أنت من أن تذكر لهم وقتها وتعلمهم به حتى يسألونك بيانها، ~~كقوله تعالى: # يسئلونك كأنك حفى عنها # [سورة الأعراف، الآية 187] أي ما أنت من ذكراها لهم وتبيين ~~وقتها في شيء لأن ذلك فرع علمك به وأنى لك ذلك وهو مما ~~استأثر بعلمه علام الغيوب ومن قال بصدد التعليل فإن ذكرها لا ~~يزيدهم إلا غيا فقد نأى عن الحق وقيل: فيم إنكار لسؤالهم وما ~~بعده من الاستئناف تعليل للإنكار وبيان لبطلان السؤال أي فيم ~~هذا السؤال ثم ابتدىء فقيل: أنت من ذكراها، أي إرسالك وأنت ~~خاتم الأنبياء المبعوث في نسيم الساعة علامة من علاماتها، ودليل ~~يدلهم على العلم بوقوعها عن قريب فحسبهم هذه المرتبة من العلم ~~فمعنى قوله تعالى: { إلى ربك منتهها } على هذا الوجه ~~إليه تعالى يرجع منتهى علمها أي علمها بكنهها وتفاصيل أمرها ~~وقت وقوعها لا إلى أحد غيره وإنما وظيفتهم أن يعلموا باقترابها ~~ومشارفتها، وقد حصل لهم ذلك بمبعثك، فما معنى سؤالهم عنها بعد ~~ذلك. وأما على الوجه الأول فمعناه إليه تعالى انتهاء علمها ليس ~~لأحد منه شيء ما كائنا من كان فلأي شيء يسألونك عنها. # وقوله ms3337 تعالى: { إنما أنت منذر من يخشها } على الوجه ~~الأول تقرير لما قبله من قوله تعالى: { فيم أنت من ذكراها } ~~وتحقيق لما هو المراد منه وبيان لوظيفته عليه الصلاة والسلام في ~~ذلك الشأن فإن إنكار كونه عليه الصلاة والسلام في شيء من ~~ذكراها مما يوهم بظاهره أن ليس له عليه الصلاة والسلام أن ~~يذكرها بوجه من الوجوه فأزيح ذلك ببيان أن المنفى عنه عليه ~~الصلاة والسلام ذكرها لهم بتعيين وقتها حسبما كانوا ~~يسألونه عليه الصلاة والسلام عنها فالمعنى إنما أنت منذر ~~من يخشاها، وظيفتك الامتثال بما أمرت من بيان اقترابها وتفصيل ~~ما فيها من فنون الأهوال كما تحيط به خبرا، لا تعيين وقتها الذي ~~لم يفوض إليك فما لهم يسألونك عما ليس من وظائفك بيانه. وعلى ~~الوجه الثاني هو تقرير لقوله تعالى: { أنت من ذكراها } ~~ببيان أن إرساله عليه الصلاة والسلام، وهو خاتم الأنبياء ~~عليهم السلام منذر بمجيء الساعة كما ينطق به قوله عليه الصلاة ~~والسلام: # " بعثت أنا والساعة كهاتين إن كادت لتسبقني " # وقرىء منذر بالتنوين وهو الأصل والإضافة تخفيف صالح للحال ~~والاستقبال، فإذا أريد الماضي تعينت الإضافة. وتخصيص الإنذار بمن ~~يخشى مع عموم الدعوة لأنه المنتفع به. ### || [79.46] # وقوله تعالى: { كأنهم يوم يرونها لم يلبثوا ~~إلا عشية أو ضحها } إما تقرير وتأكيد لما ينبىء عنه ~~الإنذار من سرعة مجيء المنذر به، لا سيما على الوجه الثاني، ~~أي كأنهم يوم يرونها لم يلبثوا بعد الإنذار بها إلا عشية يوم ~~واحد أو ضحاه فلما ترك اليوم أضيف ضحاه إلى عشيته، وإما رد ~~لما أدمجوه في سؤالهم فإنهم كانوا يسألون عنها بطريق الاستبطاء ~~مستعجلين بها وإن كان على نهج الاستهزاء بها # ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صدقين # [سورة يونس، الآية 48] فالمعنى كأنهم يوم يرونها لم يلبثوا بعد ~~الإنذار أو بعد الوعيد بها إلا عشية أو ضحاها. واعتبار كون اللبث ~~في الدنيا أو القبور لا يقتضيه المقام وإنما الذي يقتضيه اعتبار ~~كونه بعد الإنذار أو بعد الوعيد تحقيقا للإنذار وردا ~~لاستبطائهم. والجملة على ms3338 الأول حال من الموصول فإنه على تقديري ~~الإضافة وعدمها مفعول لمنذر كما أن قوله تعالى: # كأن لم يلبثوا إلا ساعة من النهار # [سورة يونس، الآية 45] حال من ضمير المفعول في يحشرهم أي يحشرهم ~~مشبهين بمن لم يلبث في الدنيا إلا ساعة خلا أن الشبه هناك في ~~الأحوال الظاهرة من الزي والهيئة وفيما نحن فيه في الاعتقاد ~~كأنه قيل: تنذرهم مشبهين يوم يرونها في الاعتقاد بمن لم يلبث ~~بعد الإنذار بها إلا تلك المدة اليسيرة، وعلى الثاني مستأنفة لا ~~محل لها من الإعراب. # عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " من قرأ سورة والنازعات كان ممن حبسه الله عز وجل في ~~القبر والقيامة حتى يدخل الجنة قدر صلاة مكتوبة " # والله أعلم. ### | [80 - سورة عبس] ### || [80.1-3] # مكية وآيها اثنتان وأربعون # { عبس وتولى * أن جاءه الأعمى } روي أن ابن أم ~~مكتوم واسمه عبد الله بن شريح بن مالك بن أبي ربيعة ~~الفهري وأم مكتوم اسم أبيه أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وعنده صناديد قريش عتبة وشيبة ابنا ربيعة وأبو جهل بن هشام ~~والعباس بن عبد المطلب وأمية بن خلف والوليد بن المغيرة ~~يدعوهم إلى الإسلام رجاء أن يسلم بإسلامهم غيرهم فقال له: يا ~~رسول الله أقرئني وعلمني مما علمك الله تعالى، وكرر ذلك وهو لا ~~يعلم تشاغله عليه الصلاة والسلام بالقوم فكره رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قطعه لكلامه وعبس وأعرض عنه فنزلت. فكان رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم يكرمه ويقول إذا رآه: # " مرحبا بمن عاتبني فيه ربي " # ويقول له: # " هل لك من حاجة " # واستخلفه على المدينة مرتين وقرىء عبس بالتشديد للمبالغة وأن ~~جاءه علة لتولى أو عبس على اختلاف الرأيين أي لأن جاءه ~~الأعمى والتعرض لعنوان عماه إما لتمهيد عذره في الإقدام على ~~قطع كلامه عليه الصلاة والسلام بالقوم والإيذان باستحقاقه بالرفق ~~والرأفة وإما لزيادة الإنكار كأنه قيل: تولى لكونه أعمى كما ~~أن الالتفات في قوله تعالى: { وما يدريك } لذلك فإن ~~المشافهة أدخل في تشديد العتاب أي وأي ms3339 شيء يجعلك داريا بحاله ~~حتى تعرض عنه وقوله تعالى: { لعله يزكى } استئناف وارد ~~لبيان ما يلوح به ما قبله فإنه مع إشعاره بأن له شأنا منافيا ~~للإعراض عنه خارجا عن دراية الغير وادرائه مؤذن بأنه تعالى يدريه ~~ذلك أي لعله يتطهر بما يقتبس منك من أوضار الأوزار بالكلية ~~وكلمة لعل مع تحقق التزكي واردة على سنن الكبرياء أو على ~~اعتبار معنى الترجي بالنسبة إليه عليه الصلاة والسلام للتنبيه ~~على أن الإعراض عنه عند كونه مرجو التزكي مما لا يجوز فكيف إذا ~~كان مقطوعا بالتزكي كما في قولك: لعلك ستندم على ما فعلت وفيه ~~إشارة إلى أن من تصدى لتزكيتهم من الكفرة لا يرجى منهم التزكي ~~والتذكر أصلا. ### || [80.4-12] # وقوله تعالى: { أو يذكر } عطف على يزكى داخل معه في حكم ~~الترجي. وقوله تعالى: { فتنفعه الذكرى } بالنصب على جواب ~~لعل وقرىء بالرفع عطفا على يذكر أي أو يتذكر فتنفعه موعظتك ~~إن لم يبلغ درجة التزكي التام، وقيل: الضمير في لعله للكافر ~~فالمعنى أنك طمعت في أن يتزكى أو يذكر فتقربه الذكرى إلى قبول ~~الحق ولذلك توليت عن الأعمى وما يدريك أن ذلك مرجو الوقوع { ~~أما من استغنى } أي عن الإيمان وعما عندك من العلوم والمعارف ~~التي ينطوي عليها القرآن { فأنت له تصدى } أي تتصدى وتتعرض ~~بالإقبال عليه والاهتمام بإرشاده واستصلاحه وفيه مزيد تنفير له ~~عليه الصلاة والسلام عن مصاحبتهم فإن الإقبال على المدبر ليس من ~~شيم الكبار وقرىء تصدى بإدغام التاء في الصاد وقرىء ~~تصدى بضم التاء أي تعرض ومعناه يدعوك إلى التصدي له داع من ~~الحرص والتهالك على إسلامه { وما عليك ألا يزكى } وليس ~~عليك بأس في أن لا يتزكى بالإسلام حتى تهتم بأمره وتعرض عمن ~~أسلم والجملة حال من ضمير تصدى وقيل: ما استفهامية للإنكار أي أي ~~شيء عليك في أن لا يتزكى ومآله النفي أيضا. # { وأما من جاءك يسعى } أي حال كونه مسرعا طالبا لما ~~عندك من أحكام الرشد وخصال الخير { وهو يخشى } أي الله تعالى ~~وقيل: يخشى أذية ms3340 الكفار في إتيانك وقيل: يخشى الكبوة إذ لم يكن ~~معه قائد والجملة حال من فاعل يسعى كما أنه حال من فاعل جاءك { ~~فأنت عنه تلهى } تتشاغل يقال: لهى عنه والتهى وتلهى. ~~وقرىء تتلهى وتلهى أي يلهيك شأن الصناديد، وفي تقديم ضميره ~~عليه الصلاة والسلام على الفعلين تنبيه على أن مناط الإنكار ~~خصوصيته عليه الصلاة والسلام أي مثلك خصوصا لا ينبغي أن يتصدى ~~للمستغني ويتلهى الفقير الطالب للخير وتقديم له وعنه للتعريض ~~باهتمامه عليه الصلاة والسلام بمضمونهما، روي أنه عليه الصلاة ~~والسلام ما عبس بعد ذلك في وجه فقير قط ولا تصدى لغنى { كلا } ~~ردع له عليه الصلاة والسلام عما عوتب عليه من التصدي لمن ~~استغنى عما دعاه إليه من الإيمان والطاعة وما يوجبهما من القرآن ~~الكريم مبالغا في الاهتمام بأمره على إسلامه معرضا بسبب ذلك عن ~~إرشاد من يسترشده وقوله تعالى: { إنها تذكرة } أي موعظة ~~يجب أن يتعظ بها ويعمل بموجبها تعليل للردع عما ذكر ببيان ~~علو رتبة القرآن العظيم الذي استغنى عنه من تصدى عليه الصلاة ~~والسلام له وتحقيق أن شأنه يكون موعظة حقيقة بالاتعاظ بها فمن ~~رغب فيها اتعظ بها كما نطق به قوله تعالى: { فمن شاء ذكره } ~~أي حفظه واتعظ به ومن رغب عنها كما فعل المستغني فلا حاجة ~~إلى الاهتمام بأمره فالضميران للقرآن وتأنيث الأول لتأنيث خبره ~~وقيل: الأول للسورة أو للآيات السابقة والثاني للتذكرة والتذكير ~~لأنها في معنى الذكر والوعظ وليس بذلك فإن السورة والآيات وإن ~~كانت متصفة بما سيأتي من الصفات الشريفة لكنها ليست مما ألقي على ~~من استغنى عنه واستحق بسبب ذلك ما سيأتي من الدعاء عليه والتعجب ~~من كفره المفرط لنزولها بعد الحادثة وأما من جوز رجوعهما إلى ~~العتاب المذكور فقد أخطأ وأساء الأدب وخبط خبطا يقضي منه العجب ~~فتأمل وكن على الحق المبين. ### || [80.13-15] # وقوله تعالى: { فى صحف } متعلق بمضمر هو صفة لتذكرة وما ~~بينهما اعتراض جيء به للترغيب فيها والحث على حفظها أي كائنة في ~~صحف منتسخة من اللوح أو ms3341 خبر ثان لأن { مكرمة } عند الله ~~عز وجل { مرفوعة } أي في السماء السابعة، أو مرفوعة ~~المقدار والذكر { مطهرة } منزهة عن مساس أيدي الشياطين. # { بأيدى سفرة } أي كتبة من الملائكة ينتسخون الكتب من ~~اللوح على أنه جمع سافر من السفر وهو الكتب وقيل: بأيدي رسل من ~~الملائكة يسفرون بالوحي بينه تعالى وبين الأنبياء على أنه جمع ~~سفير من السفارة وحملهم على الأنبياء عليهم السلام بعيد فإن ~~وظيفتهم التلقي من الوحي لا الكتب منه وإرشاد الأمة بالأمر ~~والنهي وتعليم الشرائع والأحكام لا مجرد السفارة إليهم وكذا ~~حملهم على القراء لقراءتهم الأسفار أو على أصحابه عليه الصلاة ~~والسلام وقد قالوا: هذه اللفظة مختصة بالملائكة لا تكاد تطلق على ~~غيرهم وإن جاز الإطلاق بحسب اللغة والباء متعلقة بمطهرة. قال ~~القفال: لما لم يمسها إلا الملائكة المطهرون أضيف التطهير ~~إليها لطهارة من يمسها، وقال القرطبي: إن المراد بما في قوله ~~تعالى: # لا يمسه إلا المطهرون # [سورة الواقعة، الآية 79] هؤلاء السفرة الكرام البررة. ### || [80.16-23] # { كرام } عند الله عز وجل أو متعطفين على المؤمنين يكملونهم ~~ويستغفرون لهم { بررة } أتقياء وقيل: مطيعين لله تعالى، من قولهم: ~~فلان يبر خالقه أي يطيعه وقيل: صادقين من بر في يمينه { قتل ~~الإنسن } دعاء عليه بأشنع الدعوات وقوله تعالى: { ما أكفره ~~} تعجب من إفراطه في الكفران وبيان لاستحقاقه للدعاء عليه، والمراد ~~به إما من استغنى عن القرآن الكريم الذي ذكرت نعوته الجليلة ~~الموجبة للإقبال عليه والإيمان به. وإما الجنس باعتبار انتظامه له ~~ولأمثاله من أفراده لا باعتبار جميع أفراده، وفيه مع قصر متنه وتقارب ~~قطريه من الإنباء عن سخط عظيم ومذمة بالغة ما لا غاية وراءه. ~~وقوله تعالى: { من أى شىء خلقه } شروع في بيان إفراطه في ~~الكفران بتفصيل ما أفاض عليه من مبدأ فطرته إلى منتهى عمره من ~~فنون النعم الموجبة لقضاء حقها بالشكر والطاعة مع إخلاله ~~بذلك، وفي الاستفهام عن مبدأ خلقه ثم بيانه بقوله تعالى: { من ~~نطفة خلقه } تحقير له أي من أي شيء حقير مهين خلقه ~~من نطفة ms3342 مذرة خلقه { فقدره } فهيأه لما يصلح له ويليق به ~~من الأعضاء والأشكال أو فقدره أطوارا إلى أن تم خلقه. وقوله ~~تعالى: # { ثم السبيل يسره } منصوب بمضمر يفسره الظاهر، أي ثم ~~سهل مخرجه من البطن بأن فتح فم الرحم وألهمه أن ينتكس، أو ~~يسر له سبيل الخير والشر، ومكنه من السلوك فيهما. وتعريف ~~السبيل باللام دون الإضافة للإشعار بعمومه. { ثم أماته ~~فأقبره } أي جعله ذا قبر يوارى فيه تكرمة له ولم يدعه ~~مطروحا على وجه الأرض جزرا للسباع والطير كسائر الحيوان، يقال ~~قبر الميت إذا دفنه وأقبره إذا أمر بدفنه أو مكن منه. وعد ~~الإماتة من النعم لأنها وصلة في الجملة إلى الحياة الأبدية ~~والنعيم المقيم. { ثم إذا شاء أنشره } أي إذا شاء ~~إنشاره أنشره على القاعدة المستمرة في حذف مفعول المشيئة، وفي ~~تعليق الإنشار بمشيئته تعالى إيذان بأن وقته غير متعين بل هو ~~تابع لها. وقرىء نشره { كلا } ردع للإنسان عما هو عليه. ~~وقوله تعالى: { لما يقض ما أمره } بيان لسبب الردع أي ~~لم يقض بعد من لدن آدم عليه السلام إلى هذه الغاية مع طول ~~المدى وامتداده ما أمره الله تعالى بأسره إذ لا يخلو أحد من ~~تقصير ما كذا قالوا وهكذا نقل عن مجاهد وقتادة ولا ريب في أن ~~مساق الآيات الكريمة لبيان غاية عظيم جناية الإنسان وتحقيق ~~كفرانه المفرط المستوجب للسخط العظيم وظاهر أن ذلك لا يتحقق ~~بهذا القدر من نوع تقصير لا يخلو عنه أحد من أفراده كيف لا ~~وقد قال عليه الصلاة والسلام: # " شيبتني سورة هود " # لما فيها من قوله تعالى: فاستقم كما أمرت. فالوجه أن يحمل ~~عدم القضاء على عموم النفي لا على نفي العموم إما على أن ~~المحكوم عليه هو المستغني أو هو الجنس لكن لا على الإطلاق بل ~~على أن مصداق الحكم بعدم القضاء بعض أفراده وقد أسند إلى ~~الكل كما في قوله تعالى: # إن الإنسان لظلوم كفار # [سورة إبراهيم، الآية 34] للإشباع في اللوم بحكم المجانسة على ~~طريقة قولهم بنو فلان قتلوا ms3343 فلانا والقاتل واحد منهم، وإما على ~~أن مصداقه الكل من حيث هو كل بطريق رفع الإيجاب الكلي دون ~~السلب الكلي، فالمعنى لما يقض جميع أفراده ما أمره بل أخل ~~به بعضها بالكفر والعصيان مع أن مقتضى ما فصل من فنون النعماء ~~الشاملة للكل أن لا يتخلف عنه أحد أصلا. هذا وقد قيل كلا ~~بمعنى حقا فيتعلق بما بعده أي حقا لم يعمل بما أمره به. ### || [80.24-27] # { فلينظر الإنسن إلى طعامه } شروع في تعداد النعم ~~المتعلقة ببقائه بعد تفصيل النعم المتعلقة بحدوثه أي فلينظر إلى ~~طعامه الذي عليه يدور أمر معاشه كيف دبرناه. وقوله تعالى: { ~~أنا صببنا الماء صبا } أي الغيث بدل اشتمال من طعامه ~~لأن الماء سبب لحدوث الطعام فهو مشتمل عليه. وقرىء إنا ~~على الاستئناف، وقرىء أنى بالإمالة. أي كيف صببنا إلى آخره أي ~~صببناه صبا عجيبا. { ثم شققنا الأرض } أي بالنبات { ~~شقا } بديعا لائقا بما يشقها من النبات صغرا وكبرا وشكلا ~~وهيئة. وحمل شقها على ما بالكراب بجعل إسناده إلى نون العظمة من ~~قبيل إسناد الفعل إلى سببه يأباه كلمة ثم. والفاء في قوله ~~تعالى: { فأنبتنا فيها حبا } فإن الشق بالمعنى المذكور ~~لا ترتب بينه وبين الأمطار أصلا ولا بينه وبين إنبات الحب ~~بلا مهلة. وإنما الترتيب بين الأمطار وبين الشق بالنبات على ~~التراخي المعهود وبين الشق المذكور وبين إنبات الحب بلا ~~مهلة، فإن المراد بالنبات ما نبت من الأرض إلى أن يتكامل ~~النمو وينعقد الحب فإن انشقاق الأرض بالنبات لا يزال يتزايد ~~ويتسع إلى تلك المرتبة على أن مساق النظم الكريم لبيان النعم ~~الفائضة من جنابه تعالى على وجه بديع خارج عن العادات المعهودة ~~كما ينبىء عنه تأكيد الفعلين بالمصدرين فتوسيط فعل المنعم عليه ~~في حصول تلك النعم مخل بالمرام. ### || [80.28-38] # وقوله تعالى: { وعنبا } عطف على حبا وليس من لوازم العطف أن ~~يقيد المعطوف بجميع ما قيد به المعطوف عليه فلا ضير في خلو ~~إنبات العنب عن شق الأرض { وقضبا } أي رطبة، سميت بمصدر ~~قضبه أي قطعه ms3344 مبالغة كأنها لتكرر قطعها وتكثره نفس القطع. { ~~وزيتونا ونخلا } الكلام فيهما وفي أمثالهما كما في العنب { ~~وحدائق غلبا } أي عظاما وصف به الحدائق لتكاثفها وكثرة ~~أشجارها أو لأنها ذات أشجار غلاظ مستعار من وصف الرقاب { ~~وفكهة وأبا } أي مرعى من أبه إذا أمه أي قصده لأنه ~~يؤم وينتجع أو من أب لكذا إذا تهيأ له لأنه متهيىء ~~للرعي، أو فاكهة يابسة تؤب للشتاء. وعن الصديق رضي الله عنه ~~أنه سئل عن الأب فقال: أي سماء تظلني، وأي أرض تقلني ~~إذا قلت في كتاب الله ما لا علم لى به. وعن عمر رضي الله عنه ~~أنه قرأ هذه الآية فقال: كل هذا قد عرفنا فما الأب ثم رفع ~~عصا كانت بيده وقال: هذا لعمر الله التكلف، وما عليك يا ابن ~~أم عمر أن لا تدري ما الأب ثم قال: اتبعوا ما تبين لكم من ~~هذا الكتاب وما لا فدعوه. { متعا لكم ولأنعمكم } ~~إما مفعول له أي فعل ذلك تمتيعا لكم ولمواشيكم فإن بعض ~~النعم المعدودة طعام لهم وبعضها علف لدوابهم. والالتفات لتكميل ~~الامتنان. وإما مصدر مؤكد لفعله المضمر بحذف الزوائد، أي متعكم ~~بذلك متاعا، أو لفعل مترتب عليه أي معكم بذلك فتمتعتم متاعا أي ~~تمتعا كما مر غير مرة، أو مصدر من غير لفظه فإن ما ذكر من ~~الأفعال الثلاثة في معنى التمتيع. # { فإذا جاءت الصاخة } شروع في بيان أحوال معادهم إثر ~~بيان مبدأ خلقهم ومعاشهم. والفاء للدلالة على ترتب ما بعدها على ما ~~قبلها من فنون النعم عن قريب كما يشعر لفظ المتاع بسرعة زوالها ~~وقرب اضمحلالها. والصاخة هي الداهية العظيمة التي يصخ لها ~~الخلائق أي يصيخون لها من صخ لحديثه إذا أصاخ له واستمع وصفت بها ~~النفخة الثانية لأن الناس يصيخون لها، وقيل هي الصيحة التي تصخ ~~الآذان أي تصمها لشدة وقعها، وقيل: هي مأخوذة من صخه بالحجر، ~~أي صكه. وقوله تعالى: { يوم يفر المرء من أخيه * ~~وأمه وأبيه * وصحبته وبنيه } إما منصوب بأعني ~~تفسيرا للصاخة أو بدل منها ms3345 مبني على الفتح بالإضافة إلى الفعل ~~على رأي الكوفيين، وقيل بدل من إذا جاءت كما مر في قوله تعالى: # يوم يتذكر # [سورة النازعات، الآية 35] الخ أي يعرض عنهم ولا يصاحبهم ولا يسأل ~~عن حالهم كما في الدنيا لاشتغاله بحال نفسه، وأما تعليل ذلك ~~بعلمه بأنهم لا يغنون عنه شيئا، أو بالحذر من مطالبتهم بالتبعات ~~فيأباه قوله تعالى: { لكل امرىء منهم يومئذ شأن ~~يغنيه } فإنه استئناف وارد لبيان سبب الفرار أي لكل واحد ~~من المذكورين شغل شاغل وخطب هائل يكفيه في الاهتمام به، وأما ~~الفرار حذرا من مطالبتهم أو بغضا لهم كما يروى عن ابن ~~عباس رضي الله تعالى عنهما أنه يفر قابيل من أخيه هابيل، ~~ويفر النبي عليه الصلاة والسلام من أمه، ويفر إبراهيم ~~عليه السلام من أبيه، ونوح عليه السلام من ابنه، ولوط عليه ~~السلام من امرأته، فليس من قبيل هذا الفرار. # وكذا ما يروى أن الرجل يفر من أصحابه وأقربائه لئلا يروه ~~على ما هو عليه من سوء الحال. وقرىء يعنيه بالياء المفتوحة ~~والعين المهملة، أي يهمه من عناه الأمر إذا أهمه أي أوقعه ~~في الهم ومنه: " من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه " لا من ~~عناه إذا قصده كما قيل: وقوله تعالى: { وجوه يومئذ ~~مسفرة } بيان لمآل أمر المذكورين وانقسامهم إلى السعداء ~~والأشقياء بعد ذكر وقوعهم في داهية دهياء فوجوه مبتدأ وإن كانت ~~نكرة لكونها في حيز التنويع ومسفرة خبره ويومئذ متعلق به أي ~~مضيئة متهللة من أسفر الصبح إذا أضاء. وعن ابن عباس رضي الله ~~عنهما أن ذلك من قيام الليل. وفي الحديث: # " من كثر صلاته بالليل حسن وجهه بالنهار ". # وعن الضحاك: من آثار الوضوء وقيل: من طول ما اغبرت في سبيل ~~الله. ### || [80.39-42] # { ضحكة مستبشرة } بما تشاهد من النعيم المقيم والبهجة ~~الدائمة { ووجوه يومئذ عليها غبرة } أي غبار وكدورة ~~{ ترهقها } أي تعلوها وتغشاها { قترة } أي سواد وظلمة { ~~أولئك } إشارة إلى أصحاب تلك الوجوه، وما فيه من معنى ~~البعد للإيذان ببعد درجتهم في سوء الحال ms3346 أي أولئك الموصوفون ~~بسواد الوجوه وغيره { هم الكفرة الفجرة } الجامعون بين ~~الكفر والفجور فلذلك جمع الله تعالى إلى سواد وجوههم الغبرة. عن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " من قرأ سورة عبس جاء يوم القيامة ووجهه ضاحك مستبشر ". ### | [81 - سورة التكوير] ### || [81.1-3] # مكية وآيها تسع وعشرون # { إذا الشمس كورت } أي لفت من كورت العمامة إذا ~~لففتها، على أن المراد بذلك إما رفعها وإزالتها من مقرها ~~فإن الثوب إذا أريد رفعه يلف لفا ويطوى، ونحوه قوله ~~تعالى: # يوم نطوى السماء # [سورة الأنبياء، الآية 104] وإما لف ضوئها المنبسط في الآفاق ~~المنتشر في الأقطار، على أنه عبارة عن إزالتها والذهاب بها بحكم ~~استلزام زوال اللازم لزوال الملزوم أو ألقيت عن فلكها كما وصفت ~~النجوم بالانكدار من طعنه فكوره إذا ألقاه على الأرض. وعن ~~أبي صالح كورت نكست وعن ابن عباس رضي الله عنهما تكويرها ~~إدخالها في العرش. ومدار التركيب على الإدارة والجمع. وارتفاع ~~الشمس على أنه فاعل لفعل مضمر يفسره المذكور وعند البعض ~~على الابتداء. { وإذا النجوم انكدرت } أي انقضت وقيل: ~~تناثرت وتساقطت. روي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه لا ~~يبقى يومئذ نجم إلا سقط في الأرض، وعنه رضي الله عنه أن ~~النجوم قناديل معلقة بين السماء والأرض بسلاسل من نور بأيدي ~~ملائكة من نور فإذا مات من في السموات ومن في الأرض تساقطت من ~~أيديهم وقيل: انكدارها انطماس نورها ويروى أن الشمس والنجوم ~~تطرح في جهنم ليراها من عبدها كما قال: # إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم # [سورة الأنبياء، الآية 98] { وإذا الجبال سيرت } أي عن ~~أماكنها بالرجفة الحاصلة لا في الجو فإن ذلك بعد النفخة ~~الثانية. ### || [81.4-9] # { وإذا العشار } جمع عشراء وهي الناقة التي أتى على حملها ~~عشرة أشهر، وهو اسمها إلى أن تضع لتمام السنة وهي أنفس ما يكون ~~عند أهلها وأعزها عليهم. { عطلت } تركت مهملة لاشتغال ~~أهلها بأنفسهم، وقيل العشار السحائب فإن العرب تشبهها بالحامل ~~ومنه قوله تعالى: # فالحملت وقرا # [سورة الذاريات، الآية 2]. وتعطيلها عدم إمطارها ms3347 وقرىء عطلت ~~بالتخفيف. { وإذا الوحوش حشرت } أي جمعت من كل جانب ~~وقيل: بعثت للقصاص. قال قتادة يحشر كل شيء حتى الذباب ~~للقصاص فإذا قضي بينها ردت ترابا فلا يبقى منها إلا ما ~~فيه سرور لبني آدم وإعجاب بصورته كالطاووس ونحوه. وقرىء ~~حشرت بالتشديد { وإذا البحار سجرت } أي أحميت أو ~~ملئت بتفجير بعضها إلى بعض حتى تعود بحرا واحدا. من سجر ~~التنور إذا ملأه بالحطب ليحميه وقيل: ملئت نيرانا تضطرم بها ~~لتعذيب أهل النار، وعن الحسن يذهب ماؤها حتى لا يبقى فيها قطرة. ~~وقرىء سجرت بالتخفيف. # { وإذا النفوس زوجت } أي قرنت بأجسادها أو قرنت كل ~~نفس بشكلها أو بكتابها أو بعملها أو نفوس المؤمنين بالحور، ~~ونفوس الكافرين بالشياطين { وإذا الموءدة } أي المدفونة حية ~~وكانت العرب تئد البنات مخافة الإملاق أو لحوق العار بهم من أجلهن، ~~قيل: كان الرجل منهم إذا ولدت له بنت ألبسها جبة من صوف ~~أو شعر حتى إذا بلغت ست سنين ذهب بها إلى الصحراء وقد حفر ~~لها حفرة فيلقيها فيها ويهيل عليها التراب وقيل: كانت الحامل ~~إذا قربت حفرت حفرة فتمخضت على رأس الحفرة فإذا ولدت بنتا رمت ~~بها وإن ولدت ابنا حبسته { سئلت * بأى ذنب قتلت } ~~توجيه السؤال إليها لتسليتها وإظهار كمال الغيظ والسخط لوائدها ~~وإسقاطه عن درجة الخطاب والمبالغة في تبكيته كما في قوله تعالى: # أأنت قلت للناس اتخذونى وأمى إلهين # [سورة المائدة، الآية 116] وقرىء سألت أي خاصمت أو سألت الله ~~تعالى أو قاتلها وإنما قيل: قتلت لما أن الكلام إخبار عنها لا ~~حكاية لما خوطبت به حين سئلت ليقال قتلت على الخطاب ولا ~~حكاية لكلامها حين سألت ليقال قتلت على الحكاية عن نفسها. ~~وقد قرىء كذلك وبالتشديد أيضا وعن ابن عباس رضي الله عنهما ~~أنه سئل عن أطفال المشركين فقال لا يعذبون واحتج بهذه ~~الآية. ### || [81.10-14] # { وإذا الصحف نشرت } أي صحف الأعمال فإنها تطوى عند ~~الموت وتنشر عند الحساب. عن النبي عليه الصلاة والسلام ~~أنه قال: # " " يحشر الناس عراة حفاة " فقالت أم سلمة فكيف ms3348 بالنساء ~~فقال: " شغل الناس يا أم سلمة " قالت وما شغلهم قال: " نشر ~~الصحف فيها مثاقيل الذر ومثاقيل الخردل " # وقيل نشرت أي فرقت بين أصحابها، وعن مرثد بن وداعة: ~~إذا كان يوم القيامة تطايرت الصحف من تحت العرش فتقع صحيفة ~~المؤمن في يده في جنة عالية وتقع صحيفة الكافر في يده في سموم ~~وحميم أي مكتوب فيها ذلك وهي صحف غير صحف الأعمال. { وإذا ~~السماء كشطت } قطعت وأزيلت كما يكشط الإهاب عن الذبيحة ~~والغطاء عن الشيء المستور به وقرىء قشطت،، واعتقاب الكاف ~~والقاف غير عزيز كالكافور والقافور. { وإذا الجحيم سعرت ~~} أي أوقدت إيقادا شديدا قيل سعرها غضب الله عز وجل ~~وخطايا بني آدم وقرىء سعرت بالتخفيف. { وإذا الجنة ~~أزلفت } أي قربت من المتقين كقوله تعالى: # وأزلفت الجنة للمتقين غير بعيد # [سورة ق، الآية 31] قيل: هذه اثنتا عشرة خصلة ست منها في الدنيا ~~أي فيما بين النفختين وهن من أول السورة إلى قوله تعالى: { ~~وإذا البحار سجرت } على أن المراد بحشر الوحوش جمعها من ~~كل ناحية لا بعثها للقصاص وست في الآخرة أي بعد النفخة ~~الثانية. وقوله تعالى: { علمت نفس ما أحضرت } جواب ~~إذا على أن المراد بها زمان واحد ممتد يسع ما في سباقها وسباق ~~ما عطف عليها من الخصال، مبدؤه النفخة الأولى ومنتهاه فصل ~~القضاء بين الخلائق لكن لا بمعنى أنها تعلم ما تعلم في كل جزء ~~من أجزاء ذلك الوقت المديد، أو عند وقوع داهية من تلك الدواهي ~~بل عند نشر الصحف إلا أنه لما كان بعض تلك الدواهي من مباديه ~~وبعضها من روادفه نسب علمها بذلك إلى زمان وقوع كلها تهويلا ~~للخطب وتفظيعا للحال، والمراد بما أحضرت أعمالها من الخير والشر ~~وبحضورها إما حضور صحائفها كما يعرب عنه نشرها وإما حضور أنفسها ~~على ما قالوا من أن الأعمال الظاهرة في هذه النشأة بصور عرضية ~~تبرز في النشأة الآخرة بصور جوهرية مناسبة لها في الحسن والقبح ~~على كيفيات مخصوصة وهيئات معينة حتى إن الذنوب والمعاصي تتجسم ~~هناك وتتصور بصورة ms3349 النار. وعلى ذلك حمل قوله تعالى: # وإن جهنم لمحيطة بالكفرين # [سورة التوبة، الآية 49 وسورة العنكبوت، الآية 54] وقوله تعالى: # إن الذين يأكلون أمول اليتمى ظلما إنما ~~يأكلون فى بطونهم نارا # [سورة النساء، الآية 10] وكذا قوله عليه الصلاة والسلام في حق ~~من يشرب من آنية الذهب والفضة # " إنما يجرجر في بطنه نار جهنم " # ولا بعد في ذلك، ألا يرى أن العلم يظهر في عالم المثال على ~~صورة اللبن كما لا يخفى على من له خبرة بأحوال الحضرات الخمس ~~وقد روي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه يؤتى بالأعمال الصالحة على صور ~~حسنة وبالأعمال السيئة على صور قبيحة فتوضع في الميزان وأيا ما ~~كان فإسناد إحضارها إلى النفس مع أنها تحضر بأمر الله تعالى ~~كما ينطق به قوله تعالى: # يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا # [سورة آل عمران، الآية 30] الآية لأنها لما عملتها في الدنيا ~~فكأنها أحضرتها في الموقف ومعنى علمها بها حينئذ أنها تشاهدها ~~على ما هي عليه في الحقيقة فإن كانت صالحة تشاهدها على صور أحسن ~~مما كانت تشاهدها عليه في الدنيا لأن الطاعات لا تخلو فيها عن نوع ~~مشقة وإن كانت سيئة تشاهدها على خلاف ما كانت تشاهدها عليه ههنا ~~لأنها كانت مزينة لها موافقة لهواها. وتنكير النفس المفيد لثبوت ~~العلم المذكور لفرد من النفوس أو لبعض منها للإيذان بأن ثبوته ~~لجميع أفرادها قاطبة من الظهور والوضوح بحيث لا يكاد يحوم حوله ~~شائبة اشتباه قطعا يعرفه كل أحد ولو جيء بعبارة تدل على ~~خلافه وللرمز إلى أن تلك النفوس العالمة بما ذكر مع توفر ~~أفرادها وتكثر أعدادها مما يستقل بالنسبة إلى جناب الكبرياء الذي ~~أشير إلى بعض بدائع شؤونه المنبئة عن عظم سلطانه، وأما ما قيل ~~من أن هذا من قبيل عكس كلامهم الذي يقصدون به الإفراط فيما ~~يعكس عنه وتمثيله بقوله تعالى: { ربما يود الذين ~~كفروا لو كانوا مسلمين } وبقول من قال: # قد أترك القرن مصفرا أنامله # [كأن أثوابه مجت بفرصاد] # وبقول من قال ms3350 حين سئل عن عدد فرسانه: رب فارس عندي، وعنده ~~المقانب، قاصدا بذلك التمادي في تكثير فرسانه وإظهار براءته من ~~التزيد وأنه ممن يقلل كثير ما عنده فضلا أن يتزيد فمن لوائح ~~النظر الجليل إلا أن الكلام المعكوس عنه فيما ذكر من الأمثلة ~~مما يقبل الإفراط والتمادي فيه فإنه في الأول كثيرا ما يود وفي ~~الثاني كثيرا ما أترك وفي الثالث كثير من الفرسان وكل واحد من ~~ذلك قابل للإفراط والمبالغة فيه لعدم انحصار مراتب الكثرة وقد ~~قصد بعكسه ما ذكر من التمادي في التكثير حسبما فصل أما فيما نحن ~~فيه فالكلام الذي عكس عنه علمت كل نفس ما أحضرت كما صرح به ~~القائل وليس فيه إمكان التكثير حتى يقصد بعكسه المبالغة ~~والتمادي فيه وإنما الذي يمكن فيه من المبالغة ما ذكرناه فتأمل. ~~ويجوز أن يكون ذلك للإشعار بأنه إذا علمت حينئذ نفس من النفوس ~~ما أحضرت وجب على كل نفس إصلاح عملها مخافة أن تكون هي تلك ~~التي علمت ما أحضرت فكيف وكل نفس تعلمه على طريقة قولك لمن ~~تنصحه لعلك ستندم على ما فعلت وربما ندم بالإنسان على ما فعل ~~فإنك لا تقصد بذلك أن ندمه مرجو الوجود لا متيقن به أو نادر ~~الوقوع بل تريد أن العاقل يجب عليه أن يجتنب أمرا يرجى فيه ~~الندم أو قلما يقع فيه فكيف به إذا كان قطعي الوجود كثير ~~الوقوع. ### || [81.15-16] # { فلا أقسم بالخنس } أي الكواكب الرواجع من خنس إذا ~~تأخر وهي ما عدا النيرين من الدراري الخمسة وهي بهرام ~~وزحل وعطارد والزهرة والمشترى وصفت بقوله تعالى: { ~~الجوار الكنس } لأنها تجري مع الشمس والقمر وترجع حتى ~~تختفي تحت ضوء الشمس فخنوسها رجوعها وكنوسها اختفاؤها تحت ضوئها ~~من كنس الوحش إذا دخل كناسه وهو البيت الذي يتخذه من أغصان ~~الشجر وقيل هي جميع الكواكب تخنس بالنهار فتغيب عن العيون ~~وتكنس بالليل أي تطلع في أماكنها كالوحش في كنسها. ### || [81.17-22] # { واليل إذا عسعس } أي أدبر ظلامه أو أقبل فإنه من ~~الأضداد وكذلك سعسع ms3351 قال الفراء أجمع المفسرون على أن معنى ~~عسعس أدبر وعليه قول العجاج: # حتى إذا الصبح لها تنفسا # وانجاب عنها ليلها وعسعسا # وقيل هي لغة قريش خاصة وقيل: معنى إقبال ظلامه أوفق لقوله ~~تعالى: { والصبح إذا تنفس } لأنه أول النهار وقيل: ~~إدباره أقرب من تنفس الصبح ومعناه أن الصبح إذا أقبل يقبل ~~بإقباله روح ونسيم فجعل ذلك نفسا له مجازا فقيل تنفس ~~الصبح. { إنه } أي القرآن الكريم الناطق بما ذكر من الدواهي ~~الهائلة { لقول رسول كريم } هو جبريل عليه السلام قاله ~~من جهة الله عز وجل { ذى قوة } شديدة كقوله تعالى # شديد القوى # [سورة النجم، الآية 5] وقيل المراد القوة في أداء طاعة الله تعالى ~~وترك الإخلال بها من أول الخلق إلى آخر زمان التكليف { عند ذى ~~العرش مكين } ذي مكانة رفيعة عند الله تعالى عندية إكرام ~~وتشريف لا عندية مكان { مطع } فيما بين ملائكته المقربين ~~يصدرون عن أمره ويرجعون إلى رأيه { ثم أمين } على الوحي، ~~وثم ظرف لما قبله وقيل: لما بعده. وقرىء ثم، تعظيما لوصف ~~الأمانة وتفضيلا لها على سائر الأوصاف { وما صحبكم } هو ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم { بمجنون } كما تبهته الكفرة ~~والتعرض لعنوان المصاحبة للتلويح بإحاطتهم بتفاصيل أحواله عليه ~~الصلاة والسلام خبرا، وعلمهم بنزاهته عليه السلام عما ~~نسبوه إليه بالكلية. وقد استدل به على فضل جبريل عليه عليهما ~~السلام للتباين البين بين وصفيهما، وهو ضعيف إذ المقصود رد ~~قول الكفرة في حقه عليه الصلاة والسلام. # إنما يعلمه بشر # [سورة النحل، الآية 103] # أفترى على الله كذبا أم به جنة # [سورة سبأ، الآية 8] لا تعداد فضائلهما والموازنة بينهما. ### || [81.23-29] # { ولقد رءاه } أي وبالله لقد رأى رسول الله جبريل عليهما ~~الصلاة والسلام { بالأفق المبين } بمطلع الشمس الأعلى ~~{ وما هو } أي رسول الله صلى الله عليه وسلم { على الغيب } ~~على ما يخبره من الوحي إليه وغيره من الغيوب { بضنين } أي ~~ببخيل لا يبخل بالوحي ولا يقصر في التبليغ والتعليم. وقرىء ~~بظنين أي بمتهم من الظنة وهي التهمة { وما هو بقول شيطن ms3352 ~~رجيم } أي قول بعض المسترقة للسمع وهو نفي لقولهم إنه ~~كهانة وسحر. { فأين تذهبون } استضلال لهم فيما يسلكونه في ~~أمر القرآن والفاء لترتيب ما بعدها على ما قبلها من ظهور أنه ~~وحي مبين، وليس مما يقولون في شيء كما تقول لمن ترك الجادة ~~بعد ظهورها هذا الطريق الواضح فأين تذهب { إن هو } ما هو { ~~إلا ذكر للعلمين } موعظة وتذكير لهم. وقوله تعالى { ~~لمن شاء منكم } بدل من العالمين بإعادة الجار. # وقوله تعالى: { أن يستقيم } مفعول شاء أي لمن شاء منكم ~~الاستقامة بتحري الحق وملازمة الصواب. وإبداله من العالمين ~~لأنهم المنتفعون بالتذكير { وما تشاؤون } أي الاستقامة مشيئة ~~مستتبعة لها في وقت من الأوقات { إلا أن يشاء الله } أي إلا ~~وقت أن يشاء الله تعالى تلك المشيئة أي المستتبعة للاستقامة فإن ~~مشيئتكم لا تستتبعها بدون مشيئة الله تعالى لها { رب ~~العلمين } مالك الخلق ومربيهم أجمعين. عن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: # " من قرأ سورة التكوير أعاذه الله أن يفضحه حين تنشر ~~صحيفته ". ### | [82 - سورة الإنفطار] ### || [82.1-5] # مكية وآيها تسع عشرة # { إذا السماء انفطرت } أي انشقت لنزول الملائكة، كقوله ~~تعالى: # ويوم تشقق السماء بالغمم ونزل الملئكة ~~تنزيلا # [سورة الفرقان، الآية 25] وقوله تعالى: # وفتحت السماء فكانت أبوبا # [سورة النبأ، الآية 19] والكلام في ارتفاع السماء كما مر في ارتفاع ~~الشمس { وإذا الكواكب انتثرت } أي تساقطت متفرقة { ~~وإذا البحار فجرت } فتح بعضها إلى بعض فاختلط العذب ~~بالأجاج وزال ما بينهما من البرزخ الحاجز وصارت البحار بحرا ~~واحدا وروي أن الأرض تنشف الماء بعد امتلاء البحار فتصير ~~مستوية وهو معنى التسجير عند الحسن رضي الله عنه، وقيل: إن مياه ~~البحار الآن راكدة مجتمعة فإذا فجرت تفرقت وذهبت وقرىء ~~فجرت بالتخفيف مبنيا للمفعول ومبنيا للفاعل أيضا بمعنى بغت ~~من الفجور نظرا إلى قوله تعالى # لا يبغيان # [سورة الرحمن، الآية 20] { وإذا القبور بعثرت } أي قلب ~~ترابها وأخرج موتاها ونظيره بحثر لفظا ومعنى وهما مركبان من ~~البعث والبحث مع راء ضمت إليهما. وقوله تعالى: { علمت ~~نفس ما قدمت وأخرت ms3353 } جواب إذا لكن لا على أنها ~~تعلمه عند البعث بل عند نشر الصحف لما عرفت من أن المراد بها ~~زمان واحد مبدؤه النفخة الأولى ومنتهاه الفصل بين الخلائق لا ~~أزمنة حسب تعدد كلمة إذا وإنما كررت لتهويل ما في حيزها من ~~الدواهي، والكلام فيها كالذي مر تفصيله في نظيرهما ومعنى ما ~~قدم وأخر ما أسلف من عمل خير أو شر وأخر من سنة حسنة أو ~~سيئة يعمل بها بعده قاله ابن عباس وابن مسعود، وعن ابن عباس ~~أيضا ما قدم من معصية وأخر من طاعة وهو قول قتادة وقيل: ما ~~قدم من أمواله لنفسه وما أخر لورثته، وقبل ما قدم من فرض وأخر من ~~فرض، وقيل: أول عمله وآخره ومعنى علمها بهما علمها التفصيلي ~~حسبما ذكر فيما مر مرارا. ### || [82.6-10] # { يأيها الإنسن ما غرك بربك الكريم } أي أي ~~شيء خدعك وجرأك على عصيانه وقد علمت ما بين يديك من الدواهي ~~التامة والعراقيل الطامة وما سيكون حينئذ من مشاهدة أعمالك ~~كلها. والتعرض لعنوان كرمه تعالى للإيذان بأنه ليس مما يصلح ~~أن يكون مدارا لاغتراره حسبما يغويه الشيطان ويقول له افعل ما ~~شئت فإن ربك كريم قد تفضل عليك في الدنيا وسيفعل مثله في ~~الآخرة فإنه قياس عقيم وتمنية باطلة بل هو مما يوجب المبالغة ~~في الإقبال على الإيمان والطاعة والاجتناب عن الكفر والعصيان ~~كأنه قيل: ما حملك على عصيان ربك الموصوف بالصفات الزاجرة ~~عنه الداعية إلى خلافه. وقوله تعالى { الذى خلقك فسواك ~~فعدلك } صفة ثانية مقررة للربوبية مبينة للكرم منبهة على ~~أن من قدر على ذلك بدءا قدر عليه إعادة، والتسوية جعل ~~الأعضاء سليمة سوية معدة لمنافعها وعدلها عدل بعضها ببعض بحيث ~~اعتدلت ولم تتفاوت أو صرفها عن خلقة غير ملائمة لها. ~~وقرىء فعدلك بالتشديد أي صيرك معتدلا متناسب الخلق من غير ~~تفاوت فيه { في أي صورة ما شاء ركبك } أي ركبك في أي ~~صورة شاءها من الصور المختلفة وما مزيدة وشاء صفة لصورة أي ~~ركبك في أي صورة شاءها واختارها ms3354 لك من الصور العجيبة الحسنة ~~كقوله تعالى: # لقد خلقنا الإنسن فى أحسن تقويم # [سورة التين، الآية 4] وإنما لم يعطف الجملة على ما قبلها لأنها ~~بيان لعدلك. # { كلا } ردع عن الاغترار بكرم الله تعالى وجعله ذريعة إلى ~~الكفر والمعاصي مع كونه موجبا للشكر والطاعة وقوله تعالى: { بل ~~تكذبون بالدين } إضراب عن جملة مقدرة ينساق إليها الكلام ~~كأنه قيل بعد الردع بطريق الاعتراض وأنتم لا ترتدعون عن ذلك بل ~~تجترئون على أعظم من ذلك حيث تكذبون بالجزاء والبعث رأسا أو ~~بدين الإسلام الذي هما من جملة أحكامه فلا تصدقون سؤالا ولا ~~جوابا ولا ثوابا ولا عقابا وقيل: كأنه قيل إنكم لا تستقيمون على ما ~~توجبه نعمي عليكم وإرشادي لكم بل تكذبون الخ وقال القفال: ليس ~~الأمر كما تقولون من أنه لا بعث ولا نشور ثم قيل: أنتم لا ~~تتبينون بهذا البيان بل تكذبون بيوم الدين. وقوله تعالى: { ~~وإن عليكم لحفظين } حال من فاعل تكذبون مفيدة ~~لبطلان تكذيبهم وتحقق ما يكذبون به أي تكذبون بالجزاء والحال ~~أن عليكم من قبلنا لحافظين لأعمالكم. ### || [82.11-18] # { كراما } لدينا { كتبين } لها { يعلمون ما تفعلون ~~} من الأفعال قليلا وكثيرا ويضبطونه نقيرا وقطميرا لتجازوا ~~بذلك وفي تعظيم الكاتبين بالثناء عليهم تفخيم لأمر الجزاء وأنه ~~عند الله عز وجل من جلائل الأمور حيث يستعمل فيه هؤلاء الكرام ~~وقوله تعالى: { إن الأبرار لفى نعيم * وإن الفجار ~~لفى جحيم } استئناف مسوق لبيان نتيجة الحفظ والكتاب من الثواب ~~والعقاب وفي تنكير النعيم والجحيم من التفخيم والتهويل ما لا ~~يخفى. وقوله تعالى: { يصلونها } إما صفة لجحيم أو استئناف ~~مبني على سؤال نشأ من تهويلها كأنه قيل: ما حالهم فيها فقيل ~~يقاسون حرها { يوم الدين } يوم الجزاء الذي كانوا يكذبون ~~به { وما هم عنها بغائبين } طرفة عين فإن المراد دوام ~~نفي الغيبة لا نفي دوام الغيبة لما مر مرارا من أن الجملة ~~الاسمية المنفية قد يراد بها اسمرار النفي لا نفي الاستمرار ~~باعتبار ما تفيده من الدوام والثبات بعد النفي لا قبله وقيل: ~~معناه وما ms3355 كانوا غائبين عنها قيل: ذلك بالكلية بل كانوا يجدون ~~سمومها في قبورهم حسبما قال النبي عليه الصلاة والسلام: # " القبر روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النيران " # وقوله تعالى: # { وما أدراك ما يوم الدين * ثم ما أدراك ما يوم ~~الدين } تفخيم لشأن يوم الدين الذي يكذبون به إثر تفخيم وتهويل ~~لأمره بعد تهويل ببيان أنه خارج عن دائرة دراية الخلق على ~~أي صورة تصوروه فهو فوقها وكيفما تخيلوه فهو أطم من ذلك وأعظم ~~أي وأي شيء جعلك داريا ما يوم الدين، على أن ما الاستفهامية ~~خبر ليوم الدين لا بالعكس كما هو رأي سيبويه لما مر من أن ~~مدار الافادة هو الخبر لا المبتدأ، ولا ريب في أن مناط إفادة ~~الهول والفخامة هنا هو ما لا يوم الدين أي أي شيء عجيب هو في ~~الهول والفظاعة لما مر غير مرة أن كلمة ما قد يطلب بها الوصف ~~وإن كانت موضوعة لطلب الحقيقة وشرح الاسم يقال ما زيد فيقال في ~~الجواب كاتب أو طبيب وفي إظهار يوم الدين في موقع الاضمار ~~تأكيد لهوله وفخامته. ### || [82.19] # وقوله تعالى: { يوم لا تملك نفس لنفس شيئا ~~والأمر يومئذ لله } بيان إجمالي لشأن يوم الدين إثر ~~إبهامه وبيان خروجه عن علوم الخلق بطريق إنجاز الوعد فإن ~~نفي إدرائهم مشعر بالوعد الكريم بالإدراء قال ابن عباس رضي الله ~~عنهما: كل ما في القرآن من قوله تعالى ما أدراك فقد أدراه وكل ~~ما فيه من قوله وما يدريك فقد طوي عنه. ويوم مرفوع على أنه ~~خبر مبتدأ محذوف وحركته الفتح لإضافته إلى غير متمكن كأنه ~~قيل: هو يوم لا يملك فيه نفس من النفوس شيئا من الأشياء الخ أو ~~منصوب بإضمار اذكر كأنه قيل: بعد تفخيم أمر يوم الدين وتشويقه ~~عليه الصلاة والسلام إلى معرفته اذكر يوم لا تملك نفس الخ فإنه ~~يدريك ما هو وقيل بإضمار يدانون وليس بذاك فإنه عار عن إفادة ~~ما يفيده ما قبله كما أن إبداله من يوم الدين على قراءة ms3356 الرفع ~~كذلك بل الحق حينئذ الرفع على أنه خبر لمبتدأ محذوف. # عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " من قرأ سورة الانفطار كتب الله تعالى له بعدد كل قطرة من ~~السماء وبعدد كل قبر حسنة " # والله تعالى أعلم. ### | [83 - سورة المطففين] ### || [83.1-3] # مكية مختلف فيها، وآيها ست وثلاثون # { ويل للمطففين } قيل: الويل شدة الشر وقيل: العذاب ~~الأليم، وقيل: هو واد في جهنم يهوي فيه الكافر أربعين خريفا قبل ~~أن يبلغ قعره، وقيل وقيل، وأيا ما كان فهو مبتدأ وإن كان نكرة ~~لوقوعه في موقع الدعاء. والتطفيف البخس في الكيل والوزن لأن ما ~~يبخس شيء طفيف حقير. وروي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قدم ~~المدينة وكان أهلها من أخبث الناس كيلا فنزلت فأحسنوا الكيل. ~~وقيل: قدمها عليه الصلاة والسلام وبها رجل يعرف بأبي جهينة ومعه ~~صاعان يكيل بأحدهما ويكتال بالآخر، وقيل: كان أهل المدينة ~~تجارا يطففون وكانت بياعاتهم المنابذة والملامسة والمخاضرة ~~فنزلت فحرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فقرأها عليهم وقال: # " خمس بخمس ما نقص قوم العهد إلا سلط الله عليهم عدوهم وما ~~حكموا بغير ما أنزل الله إلا فشا فيهم الفقر وما ظهرت فيهم ~~الفاحشة إلا فشا فيهم الموت ولا طففوا الكيل إلا منعوا النبات ~~وأخذوا بالسنين ولا منعوا الزكاة إلا حبس عنهم القطر " # وقوله تعالى: { الذين إذا اكتالوا على الناس ~~يستوفون } إلخ صفة كاشفة للمطففين شارحة لكيفية تطفيفهم الذي ~~استحقوا به الذم والدعاء أي إذا اكتالوا من الناس مكيلهم ~~بحكم الشراء ونحوه يأخذونه وافيا وافرا وتبديل كلمة على ~~بمن لتضمين الاكتيال معنى الاستيلاء أو للإشارة إلى أنه ~~اكتيال مضر بهم لكن لا على اعتبار الضرر في حيز الشرط الذي ~~يتضمنه كلمة إذا لإخلاله بالمعنى بل في نفس الأمر بموجب ~~الجواب فإن المراد بالاستيفاء ليس أخذ الحق وافيا من غير نقص ~~بل مجرد الأخذ الوافي الوافر حسبما أرادوا بأي وجه تيسر من ~~وجوه الحيل وكانوا يفعلونه بكبس المكيل وتحريك المكيال ~~والاحتيال في ملئه وأما ما قيل: من ms3357 أن ذلك للدلالة على أن ~~اكتيالهم لما لهم على الناس فمع اقتضائه لعدم شمول الحكم ~~لاكتيالهم قبل أن يكون لهم على الناس شيء بطريق الشراء ونحوه ~~مع أنه الشائع فيما بينهم يقتضي أن يكون معنى الاستيفاء أخذ ~~ما لهم عليهم وافيا من غير نقص إذ هو المتبادر منه عند الإطلاق في ~~معرض الحق فلا يكون مدارا لذمهم والدعاء عليهم وحمل ما لهم ~~عليهم على معنى ما سيكون لهم عليهم مع كونه بعيدا جدا مما لا يجدي ~~نفعا فإن اعتبار كون المكيل لهم حالا كان أو مآلا يستدعي كون ~~الاستيفاء بالمعنى المذكور حتما وهكذا حال ما نقل عن الفراء ~~من أن من وعلى تعتقبان في هذا الموضع لأنه حق عليه فإذا ~~قال اكتلت عليك فكأنه قال أخذت ما عليك وإذا قال اكتلت منك ~~فكقوله استوفيت منك فتأمل. # وقد جوز أن تكون على متعلقة بيستوفون ويكون تقديمها على الفعل ~~لإفادة الخصوصية أي يستوفون على الناس خاصة فأما أنفسهم ~~فيستوفون لها وأنت خبير بأن القصر بتقديم الجار والمجرور ~~وإنما يكون فيما يمكن تعلق الفعل بغير المجرور أيضا حسب تعلقه به ~~فيقصد بالتقديم قصره عليه بطريق القلب أو الإفراد أو التعيين ~~حسبما يقتضيه المقام، ولا ريب في أن الاستيفاء الذي هو عبارة عن ~~الأخذ الوافي مما لا يتصور أن يكون على أنفسهم حتى يقصد بتقديم ~~الجار والمجرور قصره على الناس على أن الحديث واقع في الفعل ~~لا فيما وقع عليه فتدبر. والضمير البارز في قوله تعالى { وإذا ~~كالوهم أو وزنوهم } للناس أي إذ كالوا لهم أو وزنوا ~~لهم للبيع ونحوه { يخسرون } أي ينقصون يقال خسر الميزان ~~وأخسره فحذف الجار وأوصل الفعل كما في قوله: # ولقد جنيتك أكمؤا وعساقلا # أي جنيت لك، وجعل البارز تأكيدا للمستكن مما لا يليق بجزالة ~~التنزيل ولعل ذكر الكيل والوزن في صورة الإخسار والاقتصار على ~~الاكتيال في صورة الاستيفاء لما أنهم لم يكونوا متمكنين من الاحتيال ~~عند الاتزان تمكنهم منه عند الكيل والوزن، وعدم التعرض للمكيل ~~والموزون في الصورتين لأن ms3358 مساق الكلام لبيان سوء معاملتهم في ~~الأخذ والإعطاء لا في خصوصية المأخوذ والمعطى. ### || [83.4-6] # وقوله تعالى: { ألا يظن أولئك أنهم مبعوثون } ~~استئناف وارد لتهويل ما ارتكبوه من التطفيف والتعجيب من اجترائهم ~~عليه وأولئك إشارة إلى المطففين ووضعه موضع ضيمرهم للإشعار ~~بمناط الحكم الذي هو وصفهم فإن الإشارة إلى الشيء متعرضة له من ~~حيث اتصافه بوصفه وأما الضمير فلا يتعرض لوصفه وللإيذان بأنهم ~~ممتازون بذلك الوصف القبيح عن سائر الناس أكمل امتياز نازلون ~~منزلة المشار إليها إشارة حسية، وما فيه من معنى البعد ~~للإشعار ببعد درجتهم في الشرارة والفساد أي ألا يظن أولئك ~~الموصوفون بذلك الوصف الشنيع الهائل أنهم مبعوثون { ليوم ~~عظيم } لا يقادر قدر عظمه وعظم ما فيه ومحاسبون فيه على ~~مقدار الذرة والخردلة فإن من يظن ذلك وإن كان ظنا ضعيفا ~~متاخما للشك والوهم لا يكاد يتجاسر على أمثال هاتيك القبائح ~~فكيف بمن تيقنه وقوله تعالى: # { يوم يقوم الناس لرب العلمين } أي لحكمه وقضائه ~~منصوب بإضمار أعني وقيل بمبعوثون أو مرفوع المحل خبرا لمبتدأ ~~مضمر أو مجرور بدلا من يوم عظيم مبني على الفتح لإضافته إلى ~~الفعل وإن كان مضارعا كما هو رأي الكوفيين ويؤيد الأخيرين ~~القراءة بالرفع وبالجر. وفي هذا الإنكار والتعجيب وإيراد ~~الظن ووصف اليوم بالعظم وقيام الناس فيه كافة لله تعالى ~~خاضعين ووصفه تعالى بربوبية العالمين من البيان البليغ لعظم ~~الذنب وتفاقم الإثم في التطفيف وأمثاله ما لا يخفى. ### || [83.7-13] # { كلا } ردع عما كانوا عليه من التطفيف والغفلة عن البعث ~~والحساب وقوله تعالى: { إن كتب الفجار لفى سجين } ~~الخ. تعليل للردع أو وجوب الارتداع بطريق التحقيق وسجين علم لكتاب ~~جامع هو ديوان الشر دون فيه أعمال الشياطين وأعمال الكفرة ~~والفسقة من الثقلين، منقول من وصف كحاتم، وأصله فعيل من السجن ~~وهو الحبس والتضييق لأنه سبب الحبس والتضييق في جهنم أو ~~لأنه مطروح كما قيل تحت الأرض السابعة في مكان مظلم موحش وهو ~~مسكن إبليس وذريته فالمعنى أن كتاب الفجار الذين من ~~جملتهم المطففون أي ما يكتب ms3359 من أعمالهم أو كتابة أعمالهم لفي ~~ذلك الكتاب المدون فيه قبائح أعمال المذكورين. وقوله تعالى: { ~~وما أدراك ما سجين } تهويل لأمره أي هو بحيث لا يبلغه ~~دراية أحد. وقوله تعالى: { كتب مرقوم } أي مسطور بين ~~الكتابة أو معلم يعلم من رآه أنه لا خير فيه وقيل: هو اسم ~~المكان والتقدير ما كتاب السجين أو محل كتاب مرقوم. وقوله ~~تعالى: { ويل يومئذ للمكذبين } متصل بقوله تعالى: { ~~يوم يقوم الناس لرب العلمين } وما بينهما اعتراض ~~وقوله تعالى: { الذين يكذبون بيوم الدين } إما مجرور ~~على أنه صفة ذامة للمكذبين أو بدل منه أو مرفوع أو منصوب على ~~الذم. # { وما يكذب به إلا كل معتد } أي متجاوز عن حدود ~~النظر والاعتبار غال في التقليد حتى استقصر قدرة الله تعالى ~~وعلمه عن الإعادة مع مشاهدته للبدء { أثيم } أي منهمك في ~~الشهوات المخدجة الفانية بحيث شغلته عما وراءها من اللذات ~~التامة الباقية وحملته على إنكارها. { إذا تتلى عليه ~~ءايتنا } الناطقة بذلك { قال } من فرط جهله وإعراضه عن ~~الحق الذي لا محيد عنه { أسطير الأولين } أي هي حكايات ~~الأولين قال الكلبي المراد بالمعتدي الأثيم هو الوليد بن ~~المغيرة، وقيل: النضر بن الحارث، وقيل عام لكل من اتصف ~~بالأوصاف المذكورة، وقرىء إذا يتلى بتذكير الفعل، وقرىء ~~أإذا تتلى على الاستفهام الإنكاري. ### || [83.14-20] # { كلا } ردع للمعتدي الأثيم عن ذلك القول الباطل وتكذيب له ~~فيه. وقوله تعالى: { بل ران على قلوبهم ما كانوا ~~يكسبون } بيان لما أدى بهم إلى التفوه بتلك العظيمة أي ليس ~~في آياتنا ما يصح أن يقال في شأنها مثل هذه المقالات الباطلة ~~بل ركب على قلوبهم وغلب عليها ما كانوا بكسبونها من الكفر ~~والمعاصي حتى صارت كالصدأ في المرآة فحال ذاك بينهم وبين ~~معرفة الحق كما قال صلى الله عليه وسلم: # " إن العبد كلما أذنب ذنبا حصل في قلبه نكتة سوادء حتى يسود ~~قلبه " # ولذلك قالوا ما قالوا والرين الصدأ يقال ران عليه الذنب وغان ~~عليه رينا وغينا، ويقال ران فيه النوم أي رسخ فيه، وقرىء ms3360 ~~بإدغام اللام في الراء { كلا } ردع وزجر عن الكسب الرائن { ~~إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون } فلا يكادون ~~يرونه بخلاف المؤمنين، وقيل: هو تمثيل لإهانتهم بإهانة من ~~يحجب عن الدخول على الملوك. وعن ابن عباس وقتادة وابن أبي ~~مليكة: محجوبون عن رحمته، وعن ابن كيسان: عن كرامته. { ثم ~~إنهم لصالوا الجحيم } أي داخلو النار وثم لتراخي ~~الرتبة فإن صلي الجحيم أشد من الإهانة والحرمان من الرحمة ~~والكرامة. { ثم يقال } لهم توبيخا وتقريعا من جهة الزبانية ~~{ هذا الذى كنتم به تكذبون } فذوقوا عذابه. # { كلا } ردع عما كانوا عليه بعد ردع وزجر إثر زجر. وقوله ~~تعالى { إن كتب الأبرار لفى عليين } استئناف مسوق ~~لبيان محل كتاب الأبرار بعده بيان سوء حال الفجار متصلا ~~ببيان سوء حال كتابهم وفيه تأكيد للردع ووجوب الارتداع. ~~وكتابهم ما كتب من أعمالهم وعليون علم لديوان الخير الذي دون ~~فيه كل ما عملته الملائكة وصلحاء الثقلين منقول من جمع على ~~فعيل من العلو، سمي بذلك إما لأنه سبب الارتفاع إلى ~~أعالي الدرجات في الجنة وإما لأنه مرفوع في السماء السابعة ~~حيث يسكن الكروبيون تكريما له وتعظيما والكلام في قوله تعالى { ~~وما أدراك ما عليون كتب مرقوم } كما مر في ~~نظيره. ### || [83.21-26] # وقوله تعالى: # { يشهده المقربون } صفة أخرى لكتاب أي يحضرونه ~~ويحفظونه أو يشهدون بما فيه يوم القيامة. { إن الأبرار لفى ~~نعيم } شروع في بيان محاسن أحوالهم إثر بيان حال كتابهم على ~~طريقة ما مر في شأن الفجار { على الأرائك } أي على الأسرة ~~في الحجال ولا يكاد تطلق الأريكة على السرير عندهم إلا عند كونه ~~في الحجلة { ينظرون } أي إلى ما شاءوا مد أعينهم إليه من رغائب ~~مناظر الجنة وإلى ما أولاهم الله تعالى من النعمة والكرامة وإلى ~~أعدائهم يعذبون في النار وما تحجب الحجال أبصارهم عن الإدراك. # { تعرف فى وجوههم نضرة النعيم } أي بهجة التنعم ~~وماءه ورونقه. والخطاب لكل أحد ممن له حظ من الخطاب ~~للإيذان بأن ما لهم من آثار النعمة وأحكام البهجة بحيث لا ~~يختص برؤية راء ms3361 دون راء { يسقون من رحيق } شراب خالص ~~لا غش فيه. { مختوم * ختمه مسك } أي مختوم أوانيه ~~وأكوابه بالمسك مكان الطين ولعله تمثيل لكمال نفاسته، وقيل: ~~ختامه مسك أي مقطعه رائحة مسك. وقرىء خاتمه بفتح التاء ~~وكسرها أي ما يختم به ويقطع. { وفى ذلك } إشارة إلى الرحيق وهو ~~الأنسب لما بعده أو إلى ما ذكر من أحوالهم. وما فيه من معنى ~~البعد إما للإشعار بعلو مرتبته وبعد منزلته أو لكونه في الجنة ~~أي في ذلك خاصة دون غيره { فليتنافس المتنفسون } ~~أي فليرغب الراغبون بالمبادرة إلى طاعة الله وقيل: فليعمل العاملون ~~كقوله تعالى: # لمثل هذا فليعمل العملون # [سورة الصافات، الآية 61] وقيل: فليستبق المستبقون وأصل التنافس ~~التغالب في الشيء النفيس وأصله من النفس لعزتها قال الواحدي: نفست ~~الشيء أنفسه نفاسة، والتنافس تفاعل منه كأن كل واحد من ~~الشخصين يريد أن يستأثر به. وقال البغوي: وأصله من الشيء النفيس ~~الذي يحرص عليه نفوس الناس ويريده كل أحد لنفسه وينفس به على ~~غيره أي يضن به. ### || [83.27-33] # { ومزاجه من تسنيم } عطف على ختامه، صفة أخرى لرحيق مثله ~~وما بينهما اعتراض مقرر لنفاسته أي ما يمزج به ذلك الرحيق من ~~ماء تسنيم على أن من بيانية أو تبعيضية أو من نفسه على أنها ~~ابتدائية. والتسنيم علم لعين بعينها سميت به إما لأنها أرفع ~~شراب في الجنة، وإما لأنها تأتيهم من فوق. روي أنها تجري في ~~الهواء متسنمة فتنصب في أوانيهم { عينا } نصب على الاختصاص وجواز ~~أن يكون حالا من تسنيم مع كونه جامدا لاتصافه بقوله تعالى: { ~~يشرب بها المقربون } فإنهم يشربونها صرفا وتمزج لسائر ~~أهل الجنة فالباء مزيدة أو بمعنى من. وقوله تعالى: # { إن الذين أجرموا } الخ حكاية لبعض قبائح مشركي قريش ~~جيء بها تمهيدا لذكر بعض أحوال الأبرار في الجنة { كانوا } في ~~الدنيا { من الذين ءامنوا يضحكون } أي يستهزئون ~~بفقرائهم كعمار وصهيب وخباب وبلال وغيرهم من فقراء المؤمنين. ~~وتقديم الجار والمجرور إما للقصر إشعارا بغاية شناعة ما فعلوا ~~أي كانوا من الذين آمنوا يضحكون مع ms3362 ظهور عدم استحقاقهم لذلك على ~~منهاج قوله تعالى: # أفى الله شك # [سورة إبراهيم، الآية 10] أو لمراعاة الفواصل. { وإذا مروا } ~~أي فقراء المؤمنين { بهم } أي بالمشركين وهم في أنديتهم وهو ~~الأظهر إن جاز العكس أيضا { يتغامزون } أي يغمز بعضهم بعضا ~~ويشيرون بأعينهم { وإذا انقلبوا } من مجالسهم { إلى ~~أهلهم انقلبوا فكهين } ملتذين بذكرهم بالسوء والسخرية ~~منهم وفيه إشارة إلى أنهم كانوا لا يفعلون ذلك بمرأى من المارين ~~بهم ويكتفون حينئذ بالتغامز وقرىء فاكهين قيل: هما بمعنى، ~~وقيل: فكهين أشرين، وقيل: فرحين وفاكهين متفكهين، وقيل: ناعمين، ~~وقيل: مازحين. { وإذا رأوهم } أينما كانوا { قالوا إن ~~هؤلاء لضالون } أي نسبوا المسلمين ممن رأوهم ومن غيرهم إلى ~~الضلال بطريق التأكيد. { وما أرسلوا عليهم } على المسلمين { ~~حفظين } حال من واو قالوا: أي قالوا ذلك والحال أنهم من ~~جهة الله تعالى موكلين بهم يحفظون عليهم أحوالهم ويهيمنون على ~~أعمالهم ويشهدون برشدهم وضلالهم وهذا تهكم بهم وإشعار بأن ما ~~اجترأوا عليه من القول من وظائف من أرسل من جهته تعالى وقد جوز أن ~~يكون ذلك من جملة قول المجرمين كأنهم قالوا إن هؤلاء لضالون ~~وما أرسلوا علينا حافظين إنكارا لصدهم عن الشرك ودعائهم إلى ~~الإسلام وإنما قيل: عليهم نقلا له بالمعنى كما في قولك حلف ليفعلن ~~لا بالعبارة كما في قولك حلف لأفعلن. ### || [83.34-36] # { فاليوم الذين ءامنوا } أي المعهودن من الفقراء { من ~~الكفار } أي من المعهودين وهو الأظهر وإن أمكن التعميم من ~~الجانبين { يضحكون } حين يرونهم أذلاء مغلولين قد غشيهم ~~فنون الهوان والصغار بعد العزة والكبر ورهقهم ألوان العذاب بعد ~~التنعم والترفه. وتقديم الجار والمجرور للقصر تحقيقا للمقابلة ~~أي فاليوم هم من الكفار يضحكون لا الكفار منهم كما كانوا يفعلون في ~~الدنيا. وقوله تعالى: { على الأرائك ينظرون } حال من فاعل ~~يضحكون أي يضحكون منهم ناظرين إليهم وإلى ما هم فيه من سوء الحال ~~وقيل: يفتح للكفار باب إلى الجنة فيقال لهم: اخرجوا إليها فإذا ~~وصلوا إليها أغلق دونهم يفعل بهم ذلك مرارا ويضحك المؤمنون منهم ~~ويأباه قوله تعالى: { هل ms3363 ثوب الكفار ما كانوا ~~يفعلون } فإنه صريح في أن ضحك المؤمنين منهم جزاء لضحكهم منهم ~~في الدنيا فلا بد من المجانسة والمشاكلة حتما والتثويب والإثابة ~~المجازاة وقرىء بإدغام اللام في الثاء. وعنه صلى الله عليه ~~وسلم: # " من قرأ سورة المطففين سقاه الله تعالى يوم القيامة من الرحيق ~~المختوم ". ### | [84 - سورة الإنشقاق] ### || [84.1-5] # مكية وآيها خمس وعشرون # { إذا السماء انشقت } أي بالغمام كما في قوله تعالى: # ويوم تشقق السماء بالغمم # [سورة الفرقان، الآية 25] وعن علي رضي الله تعالى عنه تنشق من المجرة ~~{ وأذنت لربها } أي واستمعت أي انقادت وأذعنت لتأثير ~~قدرته تعالى حين تعلقت إرادته بانشقاقها انقياد المأمور المطواع ~~إذا ورد عليه أمر الآمر المطاع، والتعرض لعنوان الربوبية مع ~~الإضافة إليها للإشعار بعلة الحكم وهذه الجملة ونظيرتها الآتية ~~بمنزلة قوله تعالى: # أتينا طائعين # [سورة فصلت، الآية 11] في الإنباء عن كون ما نسب إلى السماء والأرض ~~من الانشقاق والمد وغيرهما جاريا على مقتضى الحكمة كما أشير ~~إليه فيما سلف { وحقت } أي جعلت حقيقة بالاستماع والانقياد ~~لكن لا بعد أن لم تكن كذلك بل في نفسها وحد ذاتها من قولهم هو ~~محقوق بكذا وحقيق به والمعنى انقادت لربها وهي حقيقة بذلك ~~لكن لا على أن المراد خصوصية ذاتها من بين سائر المقدورات بل ~~خصوصية المقدرة القاهرة الربانية التي يتأتى لها كل مقدور ولا ~~يتخلف عنها أمر من الأمور فحق الجملة أن تكون اعتراضا مقررا لما ~~قبلها لا معطوفة عليه { وإذا الأرض مدت } أي بسطت بإزالة ~~جبالها وآكامها من مقارها وتسويتها بحيث صارت قاعا صفصفا لا ~~ترى فيها عوجا ولا أمتا أو زيدت سعة وبسطة من مده بمعنى ~~أمده أي زاده { وألقت ما فيها } أي رمت ما في جوفها من ~~الموتى والكنوز كقوله تعالى: # وأخرجت الأرض أثقالها # [سورة الزلزلة، الآية 2] { وتخلت } وخلت عما فيها غاية ~~الخلو حتى لم يبق فيها شيء منه كأنها تكلفت في ذلك أقصى ~~جهدها { وأذنت لربها } في الإلقاء والتخلي { وحقت } ~~أي وهي حقيقة بذلك أي شأنها ذلك بالنسبة إلى القدرة ms3364 الربانية ~~وتكرير كلمة إذا مع اتحاد الأفعال المنسوبة إلى السماء والأرض ~~وقوعا في الوقت الممتد الذي هو مدلولها قد مر سره فيما ~~مر. ### || [84.6-13] # { يأيها الإنسن إنك كادح إلى ربك كدحا } أي ~~جاهد ومجد إلى الموت وما بعده من الأحوال التي مثلت باللقاء ~~مبالغ في ذلك فإن الكدح جهد النفس في العمل والكد فيه بحيث ~~يؤثر فيها من كدح جلده إذا خدشة { فملقيه } أي فملاق ~~له عقيب ذلك لا محالة من غير صارف يلويك عنه وقوله تعالى: { ~~فأما من أوتى كتبه بيمينه * فسوف يحاسب ~~حسابا يسيرا } الخ. قيل: جواب إذا كما في قوله تعالى: # فإما يأتينكم منى هدى فمن تبع هداي فلا خوف ~~عليهم ولا هم يحزنون # [سورة البقرة، الآية 38]. وقوله تعالى: { يأيها الإنسن } ~~الخ، اعتراض وقيل: هو محذوف للتهويل والإيماء إلى قصور العبارة عن ~~بيانه أو للتعويل على دلالة ما مر في سورة التكوير والانفطار ~~عليه وقيل: هو ما دل عليه قوله تعالى: { يأيها الإنسن } ~~الخ تقديره لاقى الإنسان كدحه وقيل: هو قوله تعالى فملاقيه وما ~~قبله اعتراض وقيل: هو يا أيها الإنسان الخ بإضمار القول ومعنى ~~يسيرا سهلا لا مناقشة فيه ولا اعتراض وعن الصديقة رضي الله عنها هو ~~أن يعرف ذنوبه ثم يتجاوز عنه { وينقلب إلى أهله ~~مسرورا } أي عشيرته المؤمنين أو فريق المؤمنين مبتهجا بحاله ~~قائلا هاؤم اقرؤوا كتابيه، وقيل: إلى أهله في الجنة من الحور ~~والغلمان { وأما من أوتى كتبه وراء ظهره } أي ~~يؤتاه بشماله من وراء ظهره قيل: تغل يمناه إلى عنقه ويجعل ~~شماله وراء ظهره فيؤتى كتابه بشماله وقيل: تخلع يده اليسرى ~~من وراء ظهره { فسوف يدعو ثبورا } أي يتمنى الثبور وهو ~~الهلاك ويدعوه ياثبواره تعال فإنه أوانك وأنى له ذلك { ~~ويصلى سعيرا } أي يدخلها وقرىء يصلى كقوله تعالى: # وتصلية جحيم # [سورة الواقعة، الآية 94] وقرىء ويصلى كما في قوله تعالى: # نصليه نارا # [سورة النساء، الآية 30]. # { إنه كان فى أهله } فيما بين أهله وعشيرته في الدنيا ~~{ مسرورا } مترفا بطرا مستبشرا كديدن الفجار الذين لا ms3365 يهمهم ~~ولا يخطر ببالم أمور الآخرة ولا يتفكرون في العواقب ولم يكن ~~حزينا متفكرا في حاله ومآله كسنة الصلحاء والمتقين والجملة ~~استئناف لبيان علة ما قبلها. ### || [84.14-20] # وقوله تعالى: { إنه ظن أن لن يحور } تعليل لسروره في ~~الدنيا أي يظن أن لن يرجع إلى الله تعالى تكذيبا للمعاد وأن ~~مخففة من أن سادة مع ما في حيزها مسد مفعولي الظن أو ~~أحدهما على الخلاف المعروف { بلى } إيجاب لما بعد لن. ~~وقوله تعالى: { إن ربه كان به بصيرا } تحقيق وتعليل له ~~أي بلى ليحورن البتة إن ربه الذي خلقه كان به وبأعماله ~~الموجبة للجزاء بصيرا بحيث لا يخفى منها خافية فلا بد من ~~رجعه وحسابه وجزائه عليها حتما، وقيل: نزلت الآيتان في أبي ~~سلمة بن عبد الأشد وأخيه الأسود { فلا أقسم بالشفق } ~~هي الحمرة التي تشاهد في أفق المغرب بعد الغروب أو البياض الذي ~~يليها سمي به لرقته ومنه الشفقة التي هي عبارة عن رقة القلب { ~~واليل وما وسق } وما جمع وضم يقال: وسقه فاتسق ~~واستوسق أي جمعه فاجتمع وما عبارة عما يجتمع بالليل ويأوي إلى ~~مكانه من الدواب وغيرها { والقمر إذا اتسق } أي اجتمع ~~وتم بدرا ليلة أربع وعشرة. # { لتركبن طبقا عن طبق } أي لتلاقن حالا بعد حال ~~كل واحدة منها مطابقة لأختها في الشدة والفظاعة وقيل: الطبق ~~جمع طبقة وهي المرتبة وهو الأوفق للركوب المنبىء عن الاعتلاء ~~والمعنى لتركبن أحوالا بعد أحوال هي طبقات في الشدة بعضها ~~أرفع من بعض وهي الموت وما بعده من مواطن القيامة ودواهيها ~~وقرىء لتركبن بالإفراد على خطاب الإنسان باعتبار اللفظ لا ~~باعتبار شموله لأفراده كالقراءة الأولى وقرىء بكسر الياء على ~~خطاب النفس وليركبن بالياء أي ليركبن الإنسان ومحل عن ~~طبق النصب على أنه صفة لطبقا أي طبقا مجاوزا لطبق أو حال من ~~الضمير لتركبن أي لتركبن طبقا مجاوزين أو مجاوزا أو مجاوزة على ~~حسب القراءة والفاء في قوله تعالى: { فما لهم لا يؤمنون } ~~لترتيب ما بعدها من الإنكار والتعجيب على ما قبلها من ms3366 أحوال يوم ~~القيامة وأهوالها الموجبة للإيمان والسجود أي إذا كان حالهم يوم ~~القيامة كما ذكر فأي شيء لهم حال كونهم غير مؤمنين أي أي ~~شيء يمنعهم من الإيمان مع تعاضد موجباته. ### || [84.21-25] # وقوله تعالى: { وإذا قرىء عليهم القرءان لا يسجدون ~~} جملة شرطية محلها النصب على الحالية نسقا على ما قبلها أي ~~فأي مانع لهم حال عدم سجودهم وخضوعهم واستكانتهم عند قراءة ~~القرآن، وقيل: قرأ النبي عليه الصلاة والسلام ذات يوم: # واسجد واقترب # [سورة العلق، الآية 19] فسجد هو ومن معه من المؤمنين وقريش ~~تصفق فوق رؤوسهم وتصفر فنزلت وبه احتج أبو حنيفة رحمه الله ~~تعالى على وجوب السجدة وعن ابن عباس رضي الله عنهما ليس في ~~المفصل سجدة، وعن أبي هريرة رضي الله عنه أنه سجد فيها وقال: ~~والله ما سجدت إلا بعد أن رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يسجد ~~فيها. وعن أنس رضي الله عنه صليت خلف أبي بكر وعمر وعثمان ~~رضي الله عنهم فسجدوا وعن الحسن هي غير واجبة { بل الذين ~~كفروا يكذبون } بالقرآن الناطق بما ذكر من أحوال القيامة ~~وأهوالها مع تحقق موجبات تصديقه ولذلك لا يخضعون عند تلاوته { ~~والله أعلم بما يوعون } بما يضمرون في قلوبهم ويجمعون في ~~صدورهم من الكفر والحسد والبغي والبغضاء أو بما يجمعون في صحفهم من ~~أعمال السوء ويدخرون لأنفسهم من أنواع العذاب علما فعليا { ~~فبشرهم بعذاب أليم } لأن علمه تعالى بذلك على الوجه ~~المذكور موجب لتعذيبهم حتما { إلا الذين ءامنوا وعملوا ~~الصلحت } استثناء منقطع إن جعل الموصول عبارة عن ~~المؤمنين كافة ومتصل إن أريد به من آمن منهم بعد ذلك وقوله ~~تعالى { لهم أجر غير ممنون } أي غير مقطوع أو ممنون به ~~عليهم استئناف مقرر لما أفاده الاستثناء من انتفاء العذاب عنهم ~~ومبين لكيفيته ومقارنته للثواب العظيم. # عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " من قرأ سورة انشقت أعاذه الله تعالى أن يعطيه كتابه ~~وراء ظهره ". ### | [85 - سورة البروج] ### || [85.1-4] # مكية وآيها ثنتان وعشرون # { والسماء ذات البروج } هي البروج الاثنا عشر ms3367 شبهت ~~بالقصور لأنها تنزلها السيارات ويكون فيها الثوابت، أو منازل ~~القمر أو عظام الكواكب سميت بروجا لظهورها أو أبواب السماء فإن ~~النوازل تخرج منها، وأصل التركيب للظهور { واليوم الموعود ~~} أي يوم القيامة { وشهد ومشهود } أي ومن يشهد في ذلك ~~اليوم من الخلائق وما يحضر فيه من العجائب، وتنكيرهما للإبهام ~~في الوصف أي وشاهد ومشهود لا يكتنه وصفهما أو للمبالغة في ~~الكثرة وقيل: الشاهد محمد صلى الله عليه وسلم والمشهود يوم ~~القيامة، وقيل: عيسى عليه السلام وأمته لقوله تعالى: # وكنت عليهم شهيدا # [سورة المائدة، الآية 117] الخ، وقيل: أمة محمد وسائر الأمم، ~~وقيل: يوم التروية ويوم عرفة، وقيل: يوم عرفة ويوم الجمعة، ~~وقيل: الحجر الأسود والحجيج، وقيل: الأيام والليالي وبنو آدم. ~~وعن الحسن ما من يوم إلا وينادي إني يوم جديد وإني على ما ~~يعمل في شهيد فاغتنمني فلو غابت شمسي لم تدركني إلى ~~يوم القيامة. وقيل: الحفظة وبنو آدم، وقيل: الأنبياء ومحمد ~~عليهم الصلاة السلام { قتل أصحب الأخدود } قيل: هو ~~جواب القسم على حذف اللام منه للطول، والأصل لقتل كما في ~~قول من قال: # حلفت لها بالله حلفة فاجر # لناموا فما إن من حديث ولا صال # وقيل: تقديره لقد قتل وأيا ما كان فالجملة خبرية والأظهر ~~أنها دعائية دالة على الجواب كأنها قيل: أقسم بهذه الأشياء ~~أنهم أي كفار مكة ملعونون كما لعن أصحاب الأخدود لما أن ~~السورة وردت لتثبيت المؤمنين على ما هم عليه من الإيمان ~~وتصبيرهم على أذية الكفرة وتذكيرهم بما جرى على من تقدمهم من ~~التعذيب على الإيمان وصبرهم على ذلك حتى يأنسوا بهم ويصبروا ~~على ما كانوا يلقون من قومهم ويعلموا أن هؤلاء عند الله عز ~~وجل بمنزلة أولئك المعذبين ملعونون مثلهم أحقاء بأن يقال ~~فيهم ما قد قيل فيهم وقرىء قتل بالتشديد والأخدود الخد ~~في الأرض وهو الشق ونحوهما بناء ومعنى الحق والأحقوق. روي عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان لبعض الملوك ساحر فلما كبر ~~ضم إليه غلاما ليعلمه السحر وكان في طريق الغلام ms3368 راهب فسمع ~~منه فرأى في طريقه ذات يوم دابة قد حبست الناس، قيل: كانت ~~الدابة أسدا فأخذ حجرا فقال: اللهم إن كان الراهب أحب إليك ~~من الساحر فاقتلها فكان الغلام بعد ذلك يبرىء الأكمه والأبرص ~~ويشفي من الأدواء وعمي جليس للمك فأبرأه فأبصره الملك فسأله ~~من رد عليك بصرك؟ فقال: ربي فغضب فعذبه فدل على الغلام ~~فعذبه فدل على الراهب فلم يرجع الراهب عن دينه فقد بالمنشار ~~وأبى الغلام فذهب به إلى جبل ليطرح من ذروته فدعا فرجف بالقوم ~~فطاحوا ونجا فذهب به إلى قرقور فلججوا به ليغرقوه فدعا ~~فانكفأت بهم السفينة فغرقوا ونجا فقال للملك: لست بقاتلي حتى ~~تجمع الناس في صعيد وتصلبني على جذع وتأخذ سهما من كنانتي ~~وتقول باسم الله رب الغلام ثم ترميني به فرماه فوقع في صدغه ~~فوضع يده عليه ومات فقال الناس: آمنا برب الغلام قيل ~~للمك: نزل بك ما كنت تحذر فأمر بأخاديد في أفواه السكك وأوقدت ~~فيها النيران فمن لم يرجع منهم طرحه فيها حتى جاءت امرأة معها ~~صبي فتقاعست فقال الصبي: يا أماه اصبري فإنك على الحق ~~فاقتحمت. # وقيل: قال لها: قعي ولا تنافقي ما هي إلا غميضة فصبرت. قيل: أخرج ~~الغلام من قبره في خلافة عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأصبعه ~~على صدغه كما وضعها حين قتل، وعن علي رضي الله عنه: أن بعض ~~ملوك المجوس وقع على أخته وهو سكران فلما صحا ندم وطلب المخرج ~~فقالت له: المخرج أن تخطب بالناس فتقول: إن الله قد أحل ~~نكاح الأخوات ثم تخطبهم بعد ذلك أن الله قد حرمه فخطب فلم ~~يقبلوا منه، فقالت له: ابسط فيهم السوط ففعل فلم يقبلوا، ~~فقالت: ابسط فيهم السيف ففعل فلم يقبلوا، فأمر بالأخاديد وإيقاد ~~النار وطرح من أبى فيها فهم الذين أرادهم الله تعالى بقوله: { ~~قتل أصحب الأخدود }. وقيل: وقع إلى نجران رجل ممن كان ~~على دين عيسى عليه السلام فدعاهم فأجابوه فسار إليهم ذو نواس ~~اليهودي بجنود من حمير فخيرهم بين النار واليهودية ms3369 فأبوا ~~فأحرق منهم اثني عشر ألفا في الأخاديد وقيل: سبعين ألفا وذكر ~~أن طول الأخدود أربعون ذراعا وعرضه اثنا عشر ذراعا. ### || [85.5-6] # { النار } بدل اشتمال من الأخدود { ذات الوقود } وصف لها ~~بغاية العظم وارتفاع اللهب وكثرة ما يوجبه من الحطب وأبدان ~~الناس وقرىء الوقود بالضم وقوله تعالى: { إذ هم عليها ~~قعود } ظرف لقتل أي لعنوا حين أحدقوا بالنار قاعدين حولها ~~في مكان مشرف عليها من حافات الأخدود كما في قوله: # [تشب لمقرورين يصطليانها] # وبات على النار الندى والمحلق ### || [85.7-11] # { وهم على ما يفعلون بالمؤمنين شهود } أي يشهد ~~بعضهم لبعض عند الملك بأن أحدا لم يقصر فيما أمر به أو ~~أنهم شهود يشهدون بما فعلوا بالمؤمنين يوم القيامة يوم تشهد ~~عليهم ألسنتهم وأيديهم. وقيل: على بمعنى مع والمعنى وهم مع ~~ما يفعلون بالمؤمنين من العذاب حضور لا يرقون لهم لغاية قسوة ~~قلوبهم هذا هو الذي يستدعيه النظم الكريم وتنطق به الروايات ~~المشهورة وقد روي أن الجبابرة لما ألقوا المؤمنين في النار ~~وهم قعود حولها علقت بهم النار فأحرقتهم ونجى الله عز وجل ~~المؤمنين منها سالمين وإلى هذا القول ذهب الربيع بن أنس ~~والواحدي وعلى ذلك حملا قوله تعالى ولهم عذاب الحريق { وما ~~نقموا منهم } أي ما أنكروا منهم وما عابوا { إلا أن ~~يؤمنوا بالله العزيز الحميد } استثناء مفصح عن ~~براءتهم عما يعاب وينكر بالكلية على منهاج قوله: # ولا عيب فيهم غير أن ضيوفهم # تلام بنسيان الأحبة والوطن # ووصفه تعالى بكونه عزيزا غالبا يخشى عقابه وحميدا منعما ~~يرجى ثوابه وتأكيد ذلك بقوله تعالى: { الذى له ملك ~~السموات والأرض } للإشعار بمناط إيمانهم وقوله تعالى: { ~~والله على كل شىء شهيد } وعد لهم ووعيد شديد لمعذبيهم ~~فإن علمه تعالى بجميع الأشياء التي من جملتها أعمال الفريقين ~~يستدعي توفير جزاء كل منهما حتما { إن الذين فتنوا ~~المؤمنين والمؤمنت } أي محنوهم في دينهم ليرجعوا عنه ~~والمراد بهم إما أصحاب الأخدود خاصة وبالمفتونين المطروحون في ~~الأخدود وإما الذين بلوهم في ذلك بالأذية والتعذيب على الإطلاق وهم ~~داخلون في ms3370 جملتهم دخولا أوليا. # { ثم لم يتوبوا } أي عن كفرهم وفتنتهم فإن ما ذكر من الفتنة ~~في الدين لا يتصور من غير الكافر فطعا وقوله تعالى { فلهم ~~عذاب جهنم } جملة وقعت خبرا لأن أو الخبر لهم وعذاب ~~مرتفع به على الفاعلية وهو الأحسن والفاء لتضمن المبتدأ معنى ~~الشرط ولا ضير في نسخه بأن وإن خالف الأخفش والمعنى لهم في ~~الآخرة وعذاب جهنم بسبب كفرهم { ولهم عذاب الحريق } وهي ~~نار أخرى عظيمة بسبب فتنتهم للمؤمنين { إن الذين ءامنوا ~~وعملوا الصلحت } على الإطلاق من المفتونين وغيرهم { ~~لهم } بسبب ما ذكر من الإيمان والعمل الصالح { جنت ~~تجرى من تحتها الأنهر } إن أريد بالجنات الأشجار ~~فجريان الأنهار من تحتها ظاهر وإن أريد بها الأرض المشتملة عليها ~~فالتحتية باعتبار جزئها الظاهر فإن أشجارها ساترة لساحتها كما ~~يعرب عنه اسم الجنة وقد مر بيانه مرارا { ذلك } إشارة ~~إما إلى الجنات الموصوفة والتذكير لتأويلها بما ذكر للإشعار ~~بأن مدار الحكم عنوانها الذي يتنافس فيه المتنافسون فإن اسم ~~الإشارة متعرض لذات المشار إليه من حيث اتصافه بأوصافه ~~المذكورة لا لذاته فقط كما هو شأن الضمير فإذا أشير إلى الجنات ~~من حيث ذكرها فقد اعتبر معها عنوانها المذكور حتما وإما إلى ~~ما يفيده قوله تعالى لهم جنات الخ من حيازتهم لها فإن حصولها ~~لهم مستلزم لحيازتهم لها قطعا وأيا ما كان فما فيه من معنى ~~البعد للإيذان بعلو درجته وبعد منزلته في الفضل والشرف ومحله ~~الرفع على الابتداء حبره ما بعده أي ذلك المذكور العظيم الشأن ~~{ الفوز الكبير } الذي يصغر عنده الدنيا وما فيها من ~~فنون الرغائب بحذافيرها والفوز النجاة من الشر والظفر بالخير ~~فعلى الأول هو مصدر أطلق على المفعول مبالغة وعلى الثاني مصدر ~~على حاله. ### || [85.12-16] # { إن بطش ربك لشديد } استئناف خوطب به النبي صلى ~~الله عليه وسلم إيذانا بأن لكفار قومه نصيبا موفورا من مضمونه ~~كما ينبىء عنه التعرض لعنوان الربوبية مع الإضافة إلى ضميره ~~عليه الصلاة والسلام والبطش الأخذ بعنف وحيث وصف بالشدة فقد ~~تضاعف وتفاقم ms3371 وهو بطشه بالجبابرة والظلمة وأخذه إياهم بالعذاب ~~والانتقام كقوله تعالى: # وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهى ظلمة ~~إن أخذه أليم شديد # [سورة هود، الآية 102] { إنه هو يبدىء ويعيد } أي هو ~~يبدىء الخلق وهو يعيده من دخل لأحد في شيء منهما ففيه ~~مزيد تقرير لشدة بطشه أو هو يبدىء البطش بالكفرة في الدنيا ~~ويعيده في الآخرة { وهو الغفور } لمن تاب وآمن { الودود ~~} المحب لمن أطاع. # { ذو العرش } خالقه وقيل: المراد بالعرش الملك أي ذو ~~السلطنة القاهرة وقرىء ذي العرش على أنه صفة ربك { ~~المجيد } العظيم في ذاته وصفاته فإنه واجب الوجود تام ~~القدرة كامل الحكمة وقرىء بالجر على أنه صفة لربك أو ~~للعرش ومجده علوه وعظمته { فعال لما يريد } بحيث لا يتخلف ~~عن إرادته مراد من أفعاله تعالى وأفعال غيره وهو خبر مبتدأ ~~محذوف. ### || [85.17-22] # وقوله تعالى: { هل أتاك حديث الجنود } استئناف مقرر ~~لشدة بطشه تعالى بالظلمة العصاة والكفرة العتاة وكونه فعالا ~~لما يريد متضمن لتسليته عليه الصلاة والسلام بالإشعار بأنه سيصيب ~~قومه ما أصاب الجنود { فرعون وثمود } بدل من الجنود ~~لأن المراد بفرعون هو وقومه والمراد بحديثهم ما صدر عنهم من ~~التمادي في الكفر والضلال وما حل بهم من العذاب والنكال ~~والمعنى قد أتاك حديثهم وعرفت مافعلوا وما فعل بهم فذكر ~~قومك بشؤون الله تعالى وأندرهم أن يصيبهم مثل ما أصاب أمثالهم. ~~وقوله تعالى: { بل الذين كفروا فى تكذيب } إضراب عن ~~مماثلتهم لهم وبيان لكونهم أشد منهم في الكفر والطغيان كأنه ~~قيل: ليسوا مثلهم في ذلك بل أشد منهم في استحقاق العذاب ~~واستيجاب العقاب فإنهم مستقرون في تكذيب شديد للقرآن الكريم أو ~~قيل ليست جنايتهم مجرد عدم التذكر والاتعاظ مما سمعوا من ~~حديثهم بل هم مع ذلك في تكذيب شديد للقرآن الناطق بذلك لكن لا ~~أنهم يكذبون بوقوع الحادثة بل بكون ما نطق به قرآنا من عند ~~الله تعالى مع وضوح أمره وظهور حاله بالبينات الباهرة { ~~والله من ورائهم محيط } تمثيل لعدم نجاتهم من بأس ~~الله تعالى بعدم فوت ms3372 المحاط المحيط وقوله تعالى: { بل هو ~~قرءان مجيد } رد لكفرهم وإبطال لتكذيبهم وتحقيق للحق أي ~~ليس الأمر كما قالوا بل هو كتاب شريف عالي الطبقة فيما بين ~~الكتب الإلهية في النظم والمعنى وقرىء قرآن مجيد بالإضافة أي ~~قرآن رب مجيد { فى لوح محفوظ } أي من التحريف ووصول ~~الشياطين إليه وقرىء محفوظ بالرفع على أنه صفة قرآن. وقرىء ~~في لوح وهو الهواء أي ما فوق السماء السابعة الذي فيه اللوح. # عن النبي صلى الله عليه وسلم: # " من قرأ سورة البروج أعطاه الله تعالى بعدد كل جمعة وعرفة ~~تكون في الدنيا عشر حسنات ". ### | [86 - سورة الطارق] ### || [86.1-5] # مكية وآيها سبع عشرة # { والسماء والطارق } الطارق في الأصل اسم فاعل من طرق ~~طرقا وطروقا إذا جاء ليلا قال الماوردي: " وأصل الطرق ~~الدق ومنه سميت المطرقة وإنما سمي قاصد الليل طارقا لاحتياجه ~~إلى طرق الباب غالبا " ثم اتسع في كل ما ظهر بالليل كائنا ما ~~كان ثم أشبع في التوسع حتى أطلق على الصور الخيالية البادية ~~بالليل قال: # طرق الخيال ولا كليلة مدلج # سدكا بأرجلنا ولم يتبرج # والمراد ههنا الكوكب البادي بالليل أما على أنه اسم جنس أو ~~كوكب معهود وقيل: الطارق النجم الذي يقال له كوكب الصبح وقوله ~~تعالى: { وما أدراك ما الطارق } تنويه بشأنه إثر تفخيمه ~~بالإقسام به وتنبيه على أن رفعة قدره بحيث لا ينالها إدراك ~~الخلق فلا بد من تلقيها من الخلاق العليم فما الأولى مبتدأ ~~وأدراك خبر، والثانية خبر والطارق مبتدأ حسبما بين في نظائره ~~أي وأي شيء أعلمك ما الطارق وقوله تعالى: { النجم الثاقب ~~} خبر مبتدأ محذوف والجملة استئناف وقع جوابا عن استفهام نشأ ~~مما قبله كأنه قيل: ما هو فقيل النجم المضيء في الغاية كأنه ~~يثقب الظلام أو الأفلاك بضوئه وينفذ فيها والمراد به إما الجنس ~~فإن لكل كوكب ضوءا ثاقبا لا محالة وإما كوكب معهود قيل هو ~~زحل وقيل: هو الثريا وقيل: هو الجدي وقيل: النجم الثاقب ~~نجم في السماء السابعة لا يسكنها غيره فإذا أخذت النجوم ms3373 أمكنتها ~~من السماء هبط فكان معها ثم يرجع إلى مكانه من السماء السابعة وهو ~~زحل فهو طارق حين ينزل وحين يصعد وفي إيراده عند الإقسام به ~~بوصف مشترك بينه وبين غيره ثم الإشارة إلى أن ذلك الوصف غير ~~كاشف عن كنه أمره وأن ذلك مما لاتبلغه أفكار الخلائق ثم تفسيره ~~بالنجم الثاقب من تفخيم شأنه وإجلال محله بما لا يخفى. # وقوله تعالى: { إن كل نفس لما عليها حافظ } جواب ~~للقسم وما بينهما اعتراض جيء به لما ذكر من تأكيد فخامة المقسم ~~به المستتبع لتأكيد مضمون الجملة المقسم عليها، وإن نافية، ~~ولما بمعنى إلا ما كل نفس إلا عليها حافظ مهيمن رقيب وهو ~~الله عز وجل كما في قوله تعالى: # وكان الله على كل شىء رقيبا # [سورة الأحزاب، الآية 52] وقيل: هو من يحفظ عملها ويحصي عليها ما ~~تكسب من خير وشر كما في قوله تعالى: # وإن عليكم لحفظين * كراما # [سورة الانفطار، الآية 10] الآية وقوله تعالى: # ويرسل عليكم حفظة # [سورة الأنعام، الآية 61] وقوله تعالى: # له معقبت من بين يديه ومن خلفه يحفظونه # [سورة الرعد، الآية 11] وقرىء لما مخففة على أن إن مخففة من ~~الثقيلة واسمها الذي هو ضمير الشأن محذوف واللام هي الفارقة وما ~~مزيدة أي أن الشأن كل نفس لعليها حافظ والفاء في قوله تعالى: { ~~فلينظر الإنسن مم خلق } للتنبيه على أن ما بين ~~من أن كل نفس عليها حافظ يحصي عليها كل ما يصدر عنها من قول ~~وفعل مستوجب على الإنسان أن يتفكر في مبدأ فطرته حق التفكير حتى ~~يتضح له أن من قدر على إنشائه من مواد لم تشم رائحة الحياة قط فهو ~~قادر على إعادته بل أقدر على قياس العقل فيعمل ليوم الإعادة ~~والجزاء ما ينفعه يومئذ ويجديه ولا يملى على حافظه ما يرديه. ### || [86.6-9] # وقوله تعالى { خلق من ماء دافق } استئناف وقع جوابا عن ~~استفهام مقدر كأنه قيل مم خلق فقيل: خلق من ماء ذي دفق وهو ~~صب فيه دفع وسيلان بسرعة والمراد به الممتزج من الماءين ms3374 في ~~الرحم كما ينبىء عنه قوله تعالى: { يخرج من بين الصلب ~~والترائب } أي صلب الرجل وترائب المرأة وهي عظام صدرها قالوا ~~إن النطفة تتولد من فضل الهضم الرابع وتنفصل عن جميع الأعضاء حتى ~~تستعد لأن يتولد منها مثل تلك الأعضاء ومقرها عروق ملتف بعضها ~~بالبعض عند البيضتين فالدماغ أعظم الأعضاء معونة في توليدها ~~ولذلك تشبهه ويورث الإفراط في الجماع الضعف فيه وله خليفه هو ~~النخاع وهو في الصلب وشعب كثيرة نازلة إلى الترائب وهما أقرب إلى ~~أوعية المني فلذلك خصا بالذكر وقرىء الصلب بفتحتين ~~والصلب بضمتين وفيه لغة رابعة هي صالب. # { أنه } الضمير للخالق تعالى فإن قوله خلق يدل عليه أي ~~أن ذلك الذي خلقه إبتداء مما ذكر { على رجعه } أي على ~~إعادته بعد موته { لقادر } لبين القدرة { يوم تبلى ~~السرائر } أي يتعرف ويتصفح ما أسر في القلوب من العقائد ~~والنيات وغيرها وما أخفي من الأعمال ويميز بين ما طاب منها وما ~~خبث وهو ظرف لرجعه. ### || [86.10-17] # { فما له } أي للإنسان { من قوة } في نفسه يمتنع بها { ~~ولا ناصر } ينتصر به { والسماء ذات الرجع } أي المطر ~~سمي رجعا لما أن العرب كانوا يزعمون أن السحاب يحمل الماء من ~~بحار الأرض ثم يرجعه إلى الأرض أو أرادوا بذلك التفاؤل ليرجع ~~ولذلك سموه أوبا أو لأن الله تعالى يرجعه حينا فحينا. # { والأرض ذات الصدع } هو ما تتصدع عنه الأرض من النبات أو ~~مصدر من المبني للمفعول وهو تشققها بالنبات لا بالعيون كما قيل، ~~فإن وصف السماء والأرض عند الإقسام بهما على حقية القرآن الناطق ~~بالبعث بما ذكر من الوصفين للإيماء إلى أنهما في أنفسهما من ~~شواهده وهو السر في التعبير بالصدع عنه وعن المطر بالرجع وذلك في ~~تشقق الأرض بالنبات المحاكي للنشور حسبما ذكر في مواقع من ~~التنزيل لا في تشققها بالعيون { إنه } أي القرآن الذي من جملته ~~ما تلي من الآيات الناطقة بمبدأ الإنسان ومعاده { لقول فصل ~~} أي فاصل بين الحق والباطل مبالغ في ذلك كأنه نفس الفصل { وما ~~هو بالهزل ms3375 } ليس في شيء منه شائبة هزل بل كله جد محض لا ~~هوادة فيه فمن حقه أن يهتدي به الغواة وتخضع له رقاب العتاة { ~~إنهم } أي أهل مكة { يكيدون } في إبطال أمره وإطفاء نوره { ~~كيدا } حسبما نفى به قدرتهم { وأكيد كيدا } أي أقابلهم بكيد ~~متين لا يمكن رده حيث أستدرجهم من حيث لا يعلمون { فمهل ~~الكفرين } أي لا تشتغل بالانتقام منهم ولا تدع عليهم بالهلاك ~~أو لا تستعجل به والفاء لترتيب ما بعدها على ما قبلها فإن ~~الإخبار بتوليه تعالى لكيدهم بالذات مما يوجب إمهالهم وترك ~~التصدي لمكايدتهم قطعا وقوله تعالى { أمهلهم } بدل من مهل ~~وقوله تعالى: { رويدا } إما مصدر مؤيد لمعنى العامل أو نعت ~~لمصدره المحذوف أي مهلهم إمهالا رويدا أي قريبا كما قاله ابن ~~عباس رضي الله عنهما أو قليلا كما قاله قتادة قال أبو عبيدة هو ~~في الأصل تصغير رود بالضم وأنشد: # [تكاد لا تثلم البطحاء وطأتها] # كأنها ثمل تمشي على رود # أي على مهل وقيل: تصغير ارواد مصدر أرود بالترخيم وله في ~~الاستعمال وجهان آخران كونه اسم فعل نحو رويد زيدا وكونه حالا ~~نحو سار القوم رويدا أي متمهلين وفي إيراد البدل بصيغة لا تحتمل ~~التكثير وتقييده برويدا على أحد الوجهين المذكورين من تسلية ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم وتسكين قلبه ما لا يخفى. وعنه صلى ~~الله عليه وسلم: # " من قرأ سورة الطارق أعطاه الله تعالى بعدد كل نجم في السماء ~~عشر حسنات " # والله أعلم. ### | [87 - سورة الأعلى] ### || [87.1-3] # مكية وآيها تسع عشرة # { سبح اسم ربك الأعلى } أي نزه اسمه عز وجل عن ~~الإلحاد فيه بالتأويلات الزائغة وعن إطلاقه على غيره بوجه يشعر ~~بتشاركهما فيه وعن ذكره لا على وجه الإعظام والإجلال. والأعلى: ~~إما صفة للرب وهو الأظهر أو للاسم. وقرىء سبحان ربي ~~الأعلى. وفي الحديث # " لما نزلت فسبح باسم ربك العظيم، قال عليه الصلاة والسلام ~~اجعلوها في ركوعكم، فلما نزل سبح اسم ربك الأعلى، قال " ~~اجعلوها في سجودكم " # وكانوا يقولون في الركوع اللهم لك ركعت، ms3376 وفي السجود اللهم لك ~~سجدت. { الذى خلق فسوى } صفة أخرى للرب على الوجه ~~الأول، ومنصوب على المدح، على الثاني لئلا يلزم الفصل بين ~~الموصوف والصفة بصفة غيره، أي خلق كل شيء فسوى خلقه، بأن ~~جعل له ما به يتأتى كماله ويتسنى معاشه، وقوله تعالى: { ~~والذى قدر } إما صفة أخرى للرب كالموصول الأول، أو ~~معطوف عليه وكذا حال ما بعده. قدر أجناس الأشياء وأنواعها ~~وأفرادها ومقاديرها وصفاتها وأفعالها وآجالها { فهدى } أي ~~فوجه كل واحد منها إلى ما يصدر عنه وينبغي له طبعا أو ~~اختيارا، ويسره لما خلق له بخلق الميول والإلهامات ونصب الدلائل ~~وإنزال الآيات ولو تتبعت أحوال النباتات والحيوانات لرأيت في كل ~~منها ما تحار فيه العقول. يروى أن الأفعى إذا بلغت ألف سنة ~~عميت وقد ألهمها الله تعالى أن تمسح عينها بورق الرازيانج ~~الغض، يرد إليها بصرها، فربما كانت عند عروض العمى لها في ~~برية بينها وبين الريف مسافة طويلة فتطويها حتى تهجم في بعض ~~البساتين على شجرة الرازيانج لا تخطئها فتحك عينها بورقها، ~~وترجع باصرة بإذن الله عز وجل. ويروى أن التمساح لا يكون له ~~دبر وإنما يخرج فضلات ما يأكله من فمه حيث قيض الله له ~~طائرا قدر غذاؤه من ذلك، فإذا رآه التمساح يفتح فمه فيدخله ~~الطائر فيأكل ما فيه، وقد خلق الله تعالى له من فوق منقاره ومن ~~تحته قرنين لئلا يطبق عليه التمساح فمه. هذا وأما فنون ~~هداياته سبحانه وتعالى للإنسان من حيث الجسمية ومن حيث ~~الحيوانية لا سيما من حيث الإنسانية فمما لا يحيط به فلك ~~العبارة والتحرير ولا يعلمه إلا العليم الخبير. ### || [87.4-7] # { والذى أخرج المرعى } أي أنبت ما يرعاه الدواب غضا ~~طريا يرف { فجعله } بعد ذلك { غثاء أحوى } أي درينا ~~أسود وقيل: أحوى حال من المرعى، أي أخرجه أحوى من شدة ~~الخضرة والري فجعله غثاء بعد ذلك. وقوله تعالى: # { سنقرئك فلا تنسى } بيان لهداية الله تعالى الخاصة ~~برسول الله صلى الله عليه وسلم إثر بيان هدايته تعالى العامة ~~لكافة مخلوقاته وهي ms3377 هدايته عليه الصلاة والسلام لتلقي الوحي ~~وحفظ القرآن الذي هو هدى للعالمين وتوفيقه عليه الصلاة ~~والسلام لهداية الناس أجمعين. والسين إما للتأكيد وإما لأن ~~المراد إقراء ما أوحى الله إليه حينئذ وما سيوحى إليه بعد ذلك ~~فهو وعد كريم باسمترار الوحي في ضمن الوعد بالإقراء أي سنقرئك ~~ما نوحي إليك الآن وفيما بعد على لسان جبريل عليه السلام أو ~~سنجعلك قارئا بإلهام القراءة فلا تنسى أصلا من قوة الحفظ ~~والإتقان مع أنك أمي لا تدري ما الكتاب وما القراءة ليكون ذاك ~~آية أخرى لك مع ما في تضاعيف ما تقرؤه من الآيات البينات من ~~حيث الإعجاز ومن حيث الإخبار بالمغيبات، وقيل فلا تنسى نهي ~~والألف لمراعاة الفاصلة كما في قوله تعالى: # فأضلونا السبيلا # [سورة الأحزاب، الآية 67]. وقوله تعالى: { إلا ما شاء الله } ~~استثناء مفرع من أعم المفاعيل، أي لا تنسى مما تقرؤه شيئا ~~من الأشياء إلا ما شاء الله أن تنساه أبدا بأن نسخ تلاوته، ~~والالتفات إلى الاسم الجليل لتربية المهابة والإيذان بدوران ~~المشيئة على عنوان الألوهية المستتبعة لسائر الصفات، وقيل: ~~المراد به النسيان في الجملة على القلة والندرة كما روي # " أنه عليه الصلاة والسلام أسقط آية في قراءته في الصلاة ~~حسب أبي أنها نسخت فسأله فقال عليه الصلاة والسلام " ~~نسيتها " # ، وقيل: نفي النسيان رأسا فإن القلة قد تستعمل في النفي ~~فالمراد بالنسيان حيئذ النيسان بالكلية إذ هو المنفي رأسا لا ما ~~قد ينسى ثم يدكر. { إنه يعلم الجهر وما يخفى } ~~تعليل لما قبله أي ما ظهر وما بطن من الأمور التي من جملتها ما ~~أوحي إليك فينسي ما يشاء إنساءه ويبقي محفوظا ما يشاء ~~إبقاءه لما نيط بكل منهما من مصالح دينكم. ### || [87.8-10] # { ونيسرك لليسرى } عطف على نقرئك كما ينبىء عنه ~~الالتفات إلى الحكاية وما بينهما اعتراض وارد لما ذكر من التعليل ~~وتعليق التيسير به عليه الصلاة والسلام مع أن الشائع تعليقه ~~بالأمور المسخرة للفاعل كما في قوله تعالى: # ويسر لى أمرى # [سورة طه، الآية 26] للإيذان بقوة تمكينه عليه ms3378 الصلاة والسلام ~~من اليسرى والتصرف فيها بحيث صار ذلك ملكة راسخة له كأنه عليه ~~الصلاة والسلام جبل عليها كما في قوله عليه الصلاة ~~والسلام: # " اعملوا فكل ميسر لما خلق له " # أي نوفقك توفيقا مستمرا للطريقة اليسرى في كل باب من أبواب ~~الدين علما وتعليما واهتداء وهداية فيندرج فيه تيسير طريق تلقي ~~الوحي والإحاطة بما فيه من أحكام الشريعة السمحة والنواميس ~~الإلهية مما يتعلق بتكميل نفسه عليه الصلاة والسلام وتكميل ~~غيره، كما تفصح عنه الفاء في قوله تعالى: { فذكر إن نفعت ~~الذكرى } أي فذكر الناس حسبما يسرناك له بما يوحى إليك ~~واهدهم إلى ما في تضاعيفه من الأحكام الشرعية كما كنت تفعله لا ~~بعد ما استتب لك الأمر كما قيل. وتقييد التذكير ينفع الذكرى لما ~~أن رسول الله صلى الله عليه وسلم طالما كان يذكرهم ويستفرغ فيه ~~غاية المجهود ويتجاوز في الجد كل حد معهود حرصا على إيمانهم ~~وما كان يزيد ذلك بعضهم إلا كفرا وعنادا فأمر عليه الصلاة ~~والسلام بأن يخص التذكير بمواد النفع في الجملة بأن يكون ~~من يذكره كلا أو بعضا ممن يرجى منه التذكر ولا يتعب نفسه ~~في تذكير من لا يورثه التذكير إلا عتوا ونفورا من المطبوع على ~~قلوبهم كما في قوله تعالى: # فذكر بالقرءان من يخاف وعيد # [سورة ق، الآية 45] وقوله تعالى: # فأعرض عن من تولى عن ذكرنا # [سورة النجم، الآية 29] وقيل: هو ذم للمذكرين وإخبار عن حالهم ~~واستبعاد لتأثير التذكير فيهم وتسجيل عليهم بالطبع على قلوبهم ~~كقولك لواعظ عظ المكاسين إن سمعوا منك قصدا إلى أنه مما لا ~~يكون والأول أنسب لقوله تعالى: { سيذكر من يخشى } أي ~~سيتذكر بتذكيرك من من شأنه أن يخشى الله تعالى حق خشيته أو ~~من يخشى الله تعالى في الجملة فيزداد ذلك بالتذكير فيتفكر في ~~أمر ما تذكر به فيقف على حقيته فيؤمن به، وقيل: إن بمعنى إذ ~~كما في قوله تعالى: # وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين # [سورة آل عمران، الآية 139] أي إذ كنتم وقيل هي بمعنى ما أي ms3379 ~~فذكر ما نفعت الذكرى فإنها لا تخلو عن نفع بكل حال، وقيل: ~~هناك محذوف، والتقدير إن نفعت الذكرى وإن لم تنفع كقوله تعالى: # سرابيل تقيكم الحر # [سورة النحل، الآية 81] قاله الفراء والنحاس والجرجاني ~~والزهراوي. ### || [87.11-17] # { ويتجنبها } أي الذكرى { الأشقى } من الكفرة لتوغله في ~~عداوة النبي صلى الله عليه وسلم وقيل: نزلت في الوليد بن المغيرة ~~وعتبة بن أبي ربيعة. { الذى يصلى النار الكبرى } أي ~~الطبقة السفلى من طبقات النار، وقيل: الكبرى نار جهنم ~~والصغرى نار الدنيا لقوله عليه الصلاة والسلام: # " ناركم هذه جزء من سبعين جزءا من نار جهنم " # { ثم لا يموت فيها } حتى يستريح { ولا يحيى } حياة ~~تنفعه وثم للتراخي في مراتب الشدة لأن التردد بين الموت ~~والحياة أفظع من الصلي. # { قد أفلح } أي نجا من المكروه وظفر بما يرجوه { من ~~تزكى } أي تطهر من الكفر والمعاصي بتذكره واتعاظه بالذكرى أو ~~تكثر من التقوى والخشية من الزكاء وهو النماء وقيل تزكى تفعل ~~من الزكاة. وكلمة قد لما أن عند الإخبار بسوء حال المتجنب ~~عن الذكرى في الآخرة يتوقع السامع الأخبار بحسن حال المتذكر ~~فيها وينتظره { وذكر اسم ربه } بقلبه ولسانه { فصلى } ~~أقام الصلوات كقوله تعالى: # وأقم الصلاة لذكري # [سورة طه، الآية 14] أو كبر تكبيرة الافتتاح فصلى، وقيل تزكى ~~أي تصدق صدقة الفطر وذكر اسم ربه أي كبره يوم العيد فصلى أي ~~صلاته. # { بل تؤثرون الحيوة الدنيا } إضراب عن مقدر ينساق ~~إليه الكلام كأنه قيل إثر بيان ما يؤدي إلى الفلاح: لا ~~تفعلون ذلك بل تؤثرون اللذات العاجلة الفانية فتسعون لتحصيلها، ~~والخطاب إما للكفرة فالمراد بإيثار الحياة الدنيا هو الرضا ~~والاطمئنان بها والإعراض عن الآخرة بالكلية كما في قوله تعالى: # إن الذين لا يرجون لقاءنا ورضوا بالحيوة ~~الدنيا واطمأنوا بها # [سورة يونس، الآية 7] الآية، أو للكل فالمراد بإيثارها ما هو ~~أعم مما ذكر وما لا يخلو عنه الإنسان غالبا من ترجيح جانب ~~الدنيا على الآخرة في السعي، وترتيب المبادي. والالتفات على الأول ~~لتشديد التوبيخ وعلى الثاني كذلك في حق الكفرة ms3380 وتشديد العتاب ~~في حق المسلمين. وقرىء يؤثرون بالياء. وقوله تعالى: { ~~والآخرة خير وأبقى } حال من فاعل تؤثرون مؤكدة للتوبيخ ~~والعتاب أي تؤثرونها على الآخرة والحال أن الآخرة خير في نفسها ~~لما أن نعيمها مع كونه في غاية ما يكون من اللذة خالص عن شائبة ~~الغائلة أبدي لا انصرام له. وعدم التعرض لبيان تكدر نعيم ~~الدنيا بالمنغصات وانقطاعه عما قليل لغاية ظهوره. ### || [87.18-19] # { إن هذا } إشارة إلى ما ذكر من قوله تعالى: # قد أفلح من تزكى # [سورة الأعلى، الآية 14] وقيل: إلى ما في السورة جميعا { لفى ~~الصحف الأولى } أي ثابت فيها معناه { صحف إبرهيم ~~وموسى } بدل من الصحف الأولى وفي إبهامها ووصفها بالقدم ثم ~~بيانها وتفسيرها من تفخيم شأنها ما لا يخفى. روي أن جميع ما ~~أنزل الله عز وجل من كتاب مائة وأربعة كتب، أنزل على آدم ~~عليه السلام عشر صحف وعلى شيث خمسين صحيفة وعلى إدريس ثلاثين ~~صحيفة وعلى إبراهيم عشر صحائف عليهم السلام والتوراة والإنجيل ~~والزبور والفرقان. # عن النبي صلى الله عليه وسلم: # " من قرأ سورة الأعلى أعطاه الله عشر حسنات بعدد كل حرف ~~أنزله الله تعالى على إبراهيم وموسى ومحمد عليهم السلام ". ### | [88 - سورة الغاشية] ### || [88.1-4] # مكية وآيها ست وعشرون # { هل أتاك حديث الغشية } قيل: هل بمعنى قد كما ~~في قوله تعالى: # هل أتى على الإنسن # [سورة الإنسان، الآية 1] الآية، قال قطرب: أي قد جاءك يا محمد ~~حديث الغاشية. وليس بذاك بل هو استفهام أريد به التعجيب مما ~~في حيزه والتشويق إلى استماعه والإشعار بأنه من الأحاديث البديعة ~~التي حقها أن يتناقلها الرواة ويتنافس عليها الوعاة من كل ~~حاضر وباد. والغاشية الداهية الشديدة التي تغشى الناس بشدائدها ~~وتكتنفهم بأهوالها وهي القيامة من قوله تعالى: # يوم يغشهم العذاب # [سورة العنكبوت، الآية 55] الخ، وقيل: هي النار من قوله تعالى: # وتغشى وجوههم النار # [سورة إبراهيم، الآية 50] وقوله تعالى: # ومن فوقهم غواش # [سورة الأعراف، الآية 41] والأول هو الحق فإن ما سيروى من حديثها ~~ليس مختصا بالنار وأهلها بل ناطق بأحوال أهل ms3381 الجنة أيضا. ~~وقوله تعالى: { وجوه يومئذ خشعة } إلى قوله تعالى: { ~~مبثوثة } استئناف وقع جوابا عن سؤال من الاستفهام التشويقي ~~كأنه قيل من جهته عليه الصلاة والسلام: # " ما أتاني حديثها، فما هو؟ " # فقيل: وجوه يومئذ، أي يوم إذ غشيت ذليلة، قال ابن عباس رضي ~~الله عنهما: لم يكن أتاه عليه الصلاة والسلام حديثها فأخبره ~~عليه الصلاة والسلام عنها فقال: وجوه الخ، فوجوه مبتدأ ولا ~~بأس بتنكيرها لأنها في موقع التنويع، وخاشعة خبره. وقوله ~~تعالى: { عاملة ناصبة } خبران آخران لوجوه إذ المراد بها ~~أصحابها أي تعمل أعمالا شاقة تتعب فيها وهي جر السلاسل ~~والأغلال والخوض في النار خوض الإبل في الوحل والصعود والهبوط ~~في تلال النار ووهادها، وقيل: عملت في الدنيا أعمال السوء ~~والتذت بها فهي يومئذ في نصب منها، وقيل: عملت ونصبت في أعمال لا ~~تجدي عليها في الآخرة. وقوله تعالى: { تصلى } أي تدخل { نارا ~~حامية } أي متناهية في الحر، خبر آخر لوجوه، وقيل: هو الخبر ~~وما قبله صفات لوجوه، وقد مر غير مرة أن الصفة حقها أن تكون ~~معلومة الانتساب إلى الموصوف عند السامع قبل جعلها صفة له ولا ~~ريب في أن صلي النار وما قبله من الخشوع والعمل والنصب ~~أمور متساوية في الانتساب إلى الوجوه معرفة وجهالة فجعل بعضها ~~عنوانا للموضوع قيدا مفروغا عنه غير مقصود الإفادة وبعضها ~~مناطا للإفادة تحكم بحت ويجوز أن يكون هذا وما بعده من ~~الجملتين استئنافا مبينا لتفاصيل أحوالها. ### || [88.5-8] # { تسقى من عين ءانية } أي متناهية في الحر كما في قوله ~~تعالى: # وبين حميم ءان # [سورة الرحمن، الآية 44] { ليس لهم طعام إلا من ضريع } ~~بيان لطعامهم إثر بيان شرابهم، والضريع يبيس الشبرق وهو شوك ~~ترعاه الإبل ما دام رطبا وإذا يبس تحامته وهو سم قاتل، وقيل: ~~هي شجرة نارية تشبه الضريع وقال ابن كيسان: هو طعام يصرعون ~~عنده ويذلون ويتضرعون إلى الله تعالى طلبا للخلاص منه فسمي ~~بذلك وهذا طعام لبعض أهل النار، والزقوم والغسلين لآخرين { لا ~~يسمن ولا يغنى من جوع } أي ليس ms3382 من شأنه الإسمان والإشباع ~~كما هو شأن طعام الدنيا وإنما هو شيء يضطرون إلى أكله من غير ~~أن يكون له دفع لضرورتهم لكن لا على أن لهم استعدادا للشبع ~~والسمن إلا أنه لا يفيدهم شيئا منهما بل على أنه لا استعداد من ~~جهتهم ولا إفادة من جهة طعامهم، وتحقيق ذلك أن جوعهم وعطشهم ~~ليسا من قبيل ما هو المعهود منهما في هذه النشأة من حالة عارضة ~~للإنسان عند استدعاء الطبيعة لبدل ما يتحلل من البدن مشوقة له ~~إلى المطعوم والمشروب بحيث يلتذ بها عند الأكل والشرب ويستغني ~~بهما عن غيرهما عند استقرارهما في المعدة ويستفيد منهما قوة ~~وسمنا عند انهضامهما بل جوعهم عبارة عن اضطرارهم عند اضطرام ~~النار في أحشائهم إلى إدخال شيء كثيف يملؤها ويخرج ما فيها من ~~اللهب وأما أن يكون لهم شوق إلى مطعوم ما أو التذاذ به عند الأكل ~~واستغناء به عن الغير أو استفادة قوة فهيهات وكذا عطشهم عبارة عن ~~اضطرارهم عند أكل الضريع والتهابه في بطونهم إلى شيء مائع بارد ~~يطفئه من غير أن يكون لهم التذاذ بشربه أو استفادة قوة به في ~~الجملة وهو المعني بما روي أنه تعالى يسلط عليهم الجوع بحيث ~~يضطرهم إلى أكل الضريع فإذا أكلوه يسلط عليهم العطش فيضطرهم إلى ~~شرب الحميم فيشوي وجوههم ويقطع أمعاءهم. وتنكير الجوع للتحقير ~~أي لا يغني من جوع ما، وتأخير نفي الإغناء منه لمراعاة الفواصل ~~والتوسل به إلى التصريح بنفي كلا الأمرين إذ لو قدم لما احتيج إلى ~~ذكر نفي الإسمان ضرورة استلزام نفي الإغناء عن الجوع إياه بخلاف ~~العكس ولذلك كرر لا لتأكيد النفي. وقوله تعالى: { وجوه ~~يومئذ ناعمة } شروع في رواية حديث أهل الجنة، وتقديم ~~حكاية حال أهل النار لأنه أدخل في تهويل الغاشية وتفخيم ~~حديثها، ولأن حكاية حسن حال أهل الجنة بعد حكاية سوء حال ~~أهل النار مما يزيد المحكي حسنا وبهجة والكلام في إعراب ~~الجملة كالذي مر في نظيرتها، وإنما لم تعطف عليها إيذانا بكمال ~~تباين مضمونيهما. ومعنى ناعمة ms3383 ذات بهجة وحسن، كقوله تعالى: # تعرف فى وجوههم نضرة النعيم # [سورة المطففين، الآية 24] أو متنعمة. ### || [88.9-17] # { لسعيها راضية } أي لعملها الذي عملته في الدنيا حيث ~~شاهدت ثمرته { فى جنة عالية } مرتفعة المحل أو علية ~~المقدار. # { لا تسمع } أي أنت أو الوجوه { فيها لغية } لغوا أو ~~كلمة ذات لغو أو نفسا تلغو فإن كلام أهل الجنة كله أذكار ~~وحكم. وقرىء لا تسمع على البناء للمفعول بالياء والتاء ورفع ~~لاغية { فيها عين جارية } أي عيون كثيرة تجري مياهها، ~~كقوله تعالى: # علمت نفس # [سورة التكوير، الآية 14، وسورة الانفطار، الآية 5] { فيها سرر ~~مرفوعة } رفيعة السمك أو المقدار { وأكواب } جمع كوب وهو ~~إناء لا عروة له { موضوعة } أي بين أيديهم { ونمارق } ~~وسائد جمع نمرقة بالفتح والضم { مصفوفة } بعضها إلى بعض { ~~وزرابي } أي بسط فاخرة جمع زربية { مبثوثة } أي ~~مبسوطة { أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت } استئناف ~~مسوق لتقرير ما فصل من حديث الغاشية وما هو مبني عليه من البعث ~~الذي هم فيه مختلفون بالاستشهاد عليه بما لا يستطيعون إنكاره. ~~والهمزة للإنكار والتوبيخ، والفاء للعطف على مقدر يقتضيه المقام ~~وكلمة كيف منصوبة بما بعدها كما في قوله تعالى: # كيف تكفرون بالله # [سورة البقرة، الآية 28] معلقة لفعل النظر، والجملة في حيز الجر ~~على أنها بدل اشتمال من الإبل أي أينكرون ما ذكر من البعث ~~وأحكامه ويستبعدون وقوعه من قدرة الله عز وجل فلا ينظرون إلى ~~الإبل التي هي نصب أعينهم يستعملونها كل حين إلى أنها كيف ~~خلقت خلقا بديعا معدولا به عن سنن خلقة سائر أنواع الحيوانات ~~في عظم جثتها وشدة قوتها وعجيب هيأتها اللائقة بتأتي ما يصدر ~~عنها من الأفاعيل الشاقة كالنوء بأوقارها الثقيلة وجر الأثقال ~~الفادحة إلى الأقطار النازحة وفي صبرها على الجوع والعطش حتى إن ~~أظماءها لتبلغ العشر فصاعدا واكتفائها باليسير ورعيها لكل ما ~~يتيسر من شوك وشجر وغير ذلك مما لا يكاد يرعاه سائر البهائم وفي ~~انقيادها مع ذلك للإنسان في الحركة والسكون والبروك والنهوض حيث ~~يستعملها في ذلك كيفما يشاء ويقتادها بقطارها ms3384 كل صغير وكبير. ### || [88.18-23] # { وإلى السماء } التي يشاهدونها كل لحظة بالليل والنهار { كيف ~~رفعت } رفعا سحيق المدى بلا عماد ولا مساك بحيث لا يناله الفهم ~~والادراك. { وإلى الجبال } التي ينزلون في أقطارها وينتفعون ~~بمياهها وأشجارها { كيف نصبت } نصبا رصينا فهي راسخة لا تميل ~~ولا تميد { وإلى الأرض } التي يضربون فيها ويتقلبون عليها { ~~كيف سطحت } سطحا بتوطئة وتمهيد وتسوية وتوطيد حسبما يقتضيه ~~صلاح أمور ما عليها من الخلائق. وقرىء سطحت مشددا وقرئت ~~الأفعال الأربعة على بناء الفاعل للمتكلم، وحذف الراجع المنصوب. ~~والمعنى أفلا ينظرون نظر التدبر والاعتبار إلى كيفية خلق هذه ~~المخلوقات الشاهدة بحقية البعث والنشور ليرجعوا عما هم عليه من ~~الإنكار والنفور ويسمعوا إنذارك ويستعدوا للقائه بالإيمان ~~والطاعة. والفاء في قوله تعالى: { فذكر } لترتيب الأمر ~~بالتذكير على ما ينبىء عنه الإنكار السابق من عدم النظر أي فاقتصر ~~على التذكير ولا تلح عليهم ولا يهمنك أنهم لا ينظرون ولا ~~يتذكرون. وقوله تعالى: { إنما أنت مذكر } تعليل للأمر. ~~وقوله تعالى: { لست عليهم بمصيطر } تقرير له وتحقيق ~~لمعنى الإنذار أي لست بمتسلط عليهم تجبرهم على ما تريد كقوله ~~تعالى: # يقولون وما أنت عليهم بجبار # [سورة ق، الآية 45]. وقرىء بالسين على الأصل بالإشمام، وقرىء ~~بفتح الطاء قيل: هي لغة بني تميم فإن سيطر عندهم متعد ومنه ~~قولهم: تسيطر. وقوله تعالى: { إلا من تولى وكفر } ~~استثناء منقطع أي لكن من تولى منهم فإن لله تعالى الولاية ~~والقهر. ### || [88.24-26] # { فيعذبه الله العذاب الأكبر } الذي هو عذاب جهنم ~~وقيل: استثناء متصل من قوله تعالى: { فذكر } أي فذكر إلا ~~من انقطع طمعك من إيمانه وتولى فاستحق العذاب الأكبر وما ~~بينهما اعتراض ويعضد الأول أنه قرىء ألا على التنبيه. وقوله ~~تعالى: { إن إلينا إيابهم } تعليل لتعذيبه تعالى بالعذاب ~~الأكبر أي إن إلينا رجوعهم بالموت والبعث لا إلى أحد سوانا لا ~~استقلالا ولا اشتراكا. وجمع الضمير فيه وفيما بعده باعتبار معنى ~~من كما أن إفراده فيما سبق باعتبار لفظها. وقرىء إيابهم ~~على أنه فيعال مصدر فيعل من الإياب، أو فعال ms3385 من أوب ~~كفسار من فسر ثم قيل: إيوابا كديوان في دوان ثم ~~قلبت الواو ياء فأدغمت الياء الأولى في الثانية { ثم إن ~~علينا حسابهم } في المحشر لا على غيرنا وثم للتراخي في ~~الرتبة لا في الزمان فإن الترتب الزماني بين إيابهم وحسابهم لا ~~بين كون إيابهم إليه تعالى وحسابهم عليه تعالى فإنهما أمران ~~مستمران. وفي تصدير الجملتين بأن وتقديم خبرها وعطف الثانية على ~~الأولى بكلمة ثم المفيدة لبعد منزلة الحساب في الشدة من ~~الإنباء عن غاية السخط الموجب لتشديد العذاب ما لا يخفى. # عن النبي صلى الله عليه وسلم: # " من قرأ سورة الغاشية يحاسبه الله تعالى حسابا يسيرا ". ### | [89 - سورة الفجر] ### || [89.1-7] # مكية وآيها ثلاثون # { والفجر } أقسم سبحانه بالفجر كما أقسم بالصبح حيث قال: # والصبح إذا تنفس # [سورة التكوير، الآية 18] وقيل: المراد به صلاته { وليال عشر } ~~هن عشر ذي الحجة ولذلك فسر الفجر بفجر عرفة أو النحر، أو ~~العشر الأواخر من رمضان وتنكيرها للتفخيم وقرىء وليال عشر ~~بالإضافة على أن المراد بالعشر الأيام { والشفع والوتر } ~~أي الأشياء كلها شفعها ووترها أو شفع هذه الليالي ووترها وقد ~~روي أن النبي عليه الصلاة والسلام فسرهما بيوم النحر ويوم ~~عرفة ولقد كثرت فيهما الأقوال والله تعالى أعلم بحقيقة الحال ~~وقرىء بكسر الواو وهما لغتان كالحبر والحبر وقيل: الوتر ~~بالفتح في العدد وبالكسر في الذحل وقرىء والوتر وقرىء ~~والوتر بفتح الواو وكسر التاء. # { واليل إذا يسر } أي يمضي كقوله تعالى: # واليل إذ أدبر # [سورة المدثر، الآية 33] # واليل إذا عسعس # [سورة التكوير، الآية 17] والتقييد لما فيه من وضوح الدلالة على ~~كمال القدرة ووفور النعمة أو يسري فيه من قولهم: صلى المقام ~~أي صلي فيه وحذف الياء اكتفاء بالكسر. وقرىء بإثباتها على ~~الإطلاق وبحذفها في الوقف خاصة وقرىء يسر بالتنوين كما قرىء ~~والفجر، والوتر وهو التنوين الذي يقع بدلا من حرف الإطلاق { هل ~~فى ذلك قسم } الخ تحقيق وتقرير لفخامة شأن المقسم بها ~~وكونها أمورا جليلة حقيقة بالإعظام والإجلال عند أرباب العقول ~~وتنبيه على أن الإقسام ms3386 بها أمر معتد به خليق بأن يؤكد به ~~الأخبار على طريقة قوله تعالى: # وإنه لقسم لو تعلمون عظيم # [سورة الواقعة، الآية 76] وذلك إشارة إما إلى الأمور المقسم بها ~~والتذكير بتأويل ما ذكر كما مر تحقيقه أو إلى الإقسام بها ~~وأيا ما كان فما فيه من معنى البعد للإيذان بعلو رتبة ~~المشار إليه وبعد منزلته في الشرف والفضل أي هل فيما ذكر ~~من الأشياء قسم أي مقسم به { لذى حجر } يراه حقيقا بأن ~~يقسم به إجلالا وتعظيما والمراد تحقيق أن الكل كذلك وإنما ~~أوثرت هذه الطريقة هضما للخلق وإيذانا بظهور الأمر أو هل في ~~إقسامي بتلك الأشياء إقسام لذي حجر مقبول عنده يعتد به ويفعل ~~مثله ويؤكد به المقسم عليه والحجر العقل لأنه يحجر صاحبه ~~أي يمنعه من التهافت فيما لا ينبغي كما سمي عقلا ونهية لأنه ~~يعقل وينهى، وحصاة أيضا من الإحصاء وهو الضبط. قال الفراء: ~~يقال: إنه لذو حجر إذا كان قاهرا لنفسه ضابطا لها والمقسم ~~عليه محذوف وهو ليعذبن كما ينبىء عنه قوله تعالى: { ألم ~~تر كيف فعل ربك بعاد } الخ، فإنه استشهاد بعلمه عليه ~~الصلاة والسلام بما يدل عليه من تعذيب عاد وأضرابهم المشاركين ~~لقومه عليه الصلاة والسلام في الطغيان والفساد على طريقة قوله ~~تعالى: # ألم تر إلى الذى حاج إبرهيم فى ربه # [سورة البقرة، الآية 258] الآية. وقوله تعالى: # ألم تر أنهم فى كل واد يهيمون # [سورة الشعراء، الآية 225] كأنه قيل: ألم تعلم علما يقينيا كيف ~~عذب ربك عادا ونظائرهم فيعذب هؤلاء أيضا لاشتراكهم فيما ~~يوجبه من الكفر والمعاصي والمراد بعاد أولاد عاد بن عوص بن ~~إرم بن سام بن نوح عليه السلام قوم هود عليه السلام سموا ~~باسم أبيهم كما سمي بنو هاشم هاشما وقد قيل لأوائلهم: عاد ~~الأولى ولأواخرهم: عاد الآخرة قال عماد الدين بن كثير: " كل ما ~~ورد في القرآن خبر عاد الأولى إلا ما في سورة الأحقاف " وقوله ~~تعالى: { إرم } عطف بيان لعاد للإيذان بأنهم عاد الأولى ~~بتقدير مضاف أي سبط إرم أو ms3387 أهل إرم على ما قيل من أن إرم اسم ~~بلدتهم أو أرضهم التي كانوا فيها ويؤيده القراءة بالإضافة وأيا ~~ما كان فامتناع صرفها للتعريف والتأنيث وقرىء إرم بإسكان ~~الراء تخفيفا كما قرىء بورقكم { ذات العماد } صفة لإرم ~~أي ذات القدود الطوال على تشبيه قاماتهم بالأعمدة ومنه قولهم: ~~رجل عمد وعمدان إذا كان طويلا أو ذات الخيام والأعمدة حيث كانوا ~~بدويين أهل عمد أو ذات البناء الرفيع أو ذات الأساطين على ~~أن إرم اسم بلدتهم وقرىء إرم ذات العماد بإضافة إرم إلى ~~ذات العماد. # والإرم العلم أي بعاد أهل أعلام ذات العماد على أنها اسم بلدتهم ~~وقرىء إرم ذات العماد أي جعلها الله تعالى رميما بدل من ~~فعل ربك وقيل: هي جملة دعائية اعترضت بين الموصوف والصفة وروي ~~أنه كان لعاد ابنان شديد وشداد فملكا وقهرا ثم مات شديد وخلص ~~الأمر لشداد فملك الدنيا ودانت له ملوكها فسمع بذكر الجنة فقال: ~~أبني مثلها فبنى إرم في بعض صحاري عدن في ثلاثمائة سنة وهي ~~مدينة عظيمة قصورها من الذهب والفضة وأساطينها من الزبرجد ~~والياقوت وفيها أصناف الأشجار والأنهار المطردة ولما تم بناؤها ~~سار إليها بأهل مملكته فلما كان منها على مسيرة يوم وليلة بعث ~~الله تعالى عليهم صيحة من السماء فهلكوا. وعن عبد الله بن قلابة ~~أنه خرج في طلب إبل له فوقع عليها فحمل ما قدر عليه مما ثمة ~~وبلغ خبره معاوية فاستحضره فقص عليه فبعث إلى كعب فسأله ~~فقال: هي إرم ذات العماد وسيدخلها رجل من المسلمين في زمانك ~~أحمر أشقر قصير على حاجبه خال وعلى عقبه خال يخرج في طلب إبل ~~له ثم التفت إلى ابن قلابة فقال: هذا ذلك الرجل. ### || [89.8-13] # { التى لم يخلق مثلها فى البلد } صفة أخرى لإرم ~~أي لم يخلق مثلهم في عظم الأجرام والقوة حيث كان طول الرجل ~~منهم أربعمائة ذراع وكان يأتي الصخرة العظيمة فيحملها ويلقيها ~~على الحي فيهلكهم أو لم يخلق مثل مدينة شداد في جميع بلاد ~~الدنيا وقرىء لم يخلق على ms3388 إسناده إلى الله تعالى. # { وثمود } عطف على عاد وهي قبيلة مشهورة سميت باسم جدهم ~~ثمود أخي جديس وهما ابنا عامر بن إرم بن سام بن نوح عليه ~~السلام وكانوا عربا من العاربة يسكنون الحجر بين الحجاز وتبوك ~~وكانوا يعبدون الأصنام كعاد { الذين جابوا الصخر ~~بالواد } أي قطعوا صخر الجبال فاتخذوا فيها بيوتا نحتوها من ~~الصخر، كقوله تعالى: # وتنحتون من الجبال بيوتا # [سورة الشعراء، الآية 149] قيل: هم أول من نحت الجبال والصخور ~~والرخام وقد بنوا ألفا وسبعمائة مدينة كلها من الحجارة { ~~وفرعون ذى الأوتاد } وصف بذلك لكثرة جنوده وخيامهم التي ~~يضربونها في منازلهم، أو لتعذيبه بالأوتاد { الذين طغوا فى ~~البلد } إما مجرور على أنه صفة للمذكورين أو منصوب أو مرفوع ~~على الذم أي طغى كل طائفة منهم في بلادهم وكذا الكلام في قوله ~~تعالى: { فأكثروا فيها الفساد } أي بالكفر وسائر المعاصي ~~{ فصب عليهم ربك } أي أنزل إنزالا شديدا على كل طائفة ~~من أولئك الطوائف عقيب ما فعلته من الطغيان والفساد { سوط ~~عذاب } أي عذاب شديد لا يدرك غايته وهو عبارة عما حل بكل ~~منهم من فنون العذاب التي شرحت في سائر السور الكريمة وتسميته ~~سوطا للإشارة إلى أن ذلك بالنسبة إلى ما أعد لهم في الآخرة ~~بمنزلة السوط عند السيف والتعبير عن إنزاله بالصب للإيذان ~~بكثرته واستمراره وتتابعه فإنه عبارة عن إراقة شيء مائع أو جار ~~مجراه في السيلان كالرمل والحبوب، وإفراغه بشدة وكثرة واستمرار ~~ونسبته إلى السوط مع أنه ليس من ذلك القبيل باعتبار تشبيهه في ~~نزوله المتتابع المتدارك على المضروب بقطرات الشيء المصبوب، ~~وقيل: السوط خلط الشيء بعضه ببعض فالمعنى ما خلط لهم من ~~أنواع العذاب وقد فسر بالتصبب وبالشدة أيضا لأن السوط يطلق ~~على كل منهما لغة فلا حاجة حينئذ في تشبيهه بالمصبوب إلى اعتبار ~~تكرر تعلقه بالمعذب كما في المعنى الأول فإن كل واحد من هذه ~~المعاني مما يقبل الاستمرار في نفسه ### || [89.14-17] # وقوله تعالى: # { إن ربك لبالمرصاد } تعليل لما قبله وإيذان بأن ~~كفار قومه عليه الصلاة ms3389 والسلام سيصيبهم مثل ما أصاب المذكورين من ~~العذاب كما ينبىء عنه التعرض لعنوان الربوبية مع الإضافة إلى ~~ضميره عليه الصلاة والسلام وقيل: هو جواب القسم وما بينهما ~~اعتراض والمرصاد المكان الذي يترقب فيه الرصد مفعال من رصده ~~كالميقات من وقته وهذا تمثيل لإرصاده تعالى بالعصاة وأنهم لا ~~يفوتونه. وقوله تعالى: { فأما الإنسن } الخ متصل بما قبله ~~كأنه قيل: إنه تعالى بصدد مراقبة أحوال عباده ومجازاتهم ~~بأعمالهم خيرا وشرا فأما الإنسان فلا يهمه ذلك وإنما مطمح ~~أنظاره ومرصد أفكاره الدنيا ولذائذها { إذا ما ابتله ~~ربه } أي عامله معاملة من يبتليه بالغنى واليسار والفاء في ~~قوله تعالى: { فأكرمه ونعمه } تفسيرية فإن الإكرام ~~والتنعيم من الابتلاء { فيقول ربى أكرمن } أي فضلني بما ~~أعطاني من المال والجاه حسبما كنت أستحقه ولا يخطر بباله أنه فضل ~~تفضل به عليه ليبلوه أيشكر أم يكفر، وهو خبر للمبتدأ الذي هو ~~الإنسان والفاء لما في أما من معنى الشرط، والظرف المتوسط على ~~نية التأخير كأنه قيل فأما الإنسان فيقول ربي أكرمن وقت ~~ابتلائه بالإنعام وإنما تقديمه للإيذان من أول الأمر بأن ~~الإكرام والتنعيم بطريق الابتلاء ليتضح اختلال قوله المحكي { ~~وأما إذا ما ابتله } أي وأما هو إذا ما ابتلاه ربه { ~~فقدر عليه رزقه } حسبما تقتضيه مشيئته المبنية على الحكم ~~البالغة { فيقول ربى أهانن } ولا يخطر بباله أن ذلك ~~ليبلوه أيصبر أم يجزع مع أنه ليس من الإهانة في شيء بل التقتير قد ~~يؤدي إلى كرامة الدارين والتوسعة قد تفضي إلى خسرانهما ~~وقرىء فقدر بالتشديد وقرىء أكرمني وأهانني بإثبات الياء، وأكرمن ~~وأهانن بسكون النون في الوقف. { كلا } ردع للإنسان عن مقالته ~~المحكية وتكذيب له فيها في كلتا الحالتين قال ابن عباس رضي الله ~~عنهما المعنى لم أبتله بالغنى لكرامته علي ولم أبتله بالفقر ~~لهوانه علي بل ذلك لمحض القضاء والقدر، وحمل الردع والتكذيب ~~إلى قوله الأخير بعيد. وقوله تعالى: { بل لا تكرمون ~~اليتيم } انتقال من بيان سوء أقواله إلى بيان سوء أفعاله ~~والالتفات إلى الخطاب للإيذان باقتضاء ملاحظة جنايته ms3390 السابقة ~~لمشافهته بالتوبيخ تشديدا للتقريع وتأكيدا للتشنيع والجمع ~~باعتبار معنى الإنسان إذ المراد هو الجنس أي بل لكم أحوال ~~أشد شرا مما ذكر وأدل على تهالككم على المال حيث يكرمكم ~~الله تعالى بكثرة المال فلا تؤدون ما يلزمكم فيه من إكرام ~~اليتيم بالمبرة به وقرىء لا يكرمون. ### || [89.18-24] # { ولا تحاضون } بحذف إحدى التاءين من تتحاضون أي لا ~~يحض بعضكم بعضا { على طعام المسكين } أي على إطعامه. ~~وقرىء تحاضون من المحاضة، وقرىء يحضون بالياء والتاء { ~~وتأكلون التراث } أي الميراث وأصله وراث { أكلا لما ~~} أي ذا لم أي جمع بين الحلال والحرام فإنهم كانوا لا يورثون ~~النساء والصيبان ويأكلون أنصباءهم أو ويأكلون ما جمعه المورث من ~~حلال وحرام عالمين بذلك { وتحبون المال حبا جما } ~~كثيرا مع حرص وشره. وقرىء ويحبون بالياء. # { كلا } ردع لهم عن ذلك وقوله تعالى: { إذا دكت ~~الأرض دكا دكا } الخ استئناف جىء به بطريق الوعيد تعليلا ~~للردع أي إذا دكت الأرض دكا متتابعا حتى انكسر وذهب كل ما ~~على وجهها من جبال وأبنية وقصور حين زلزلت وصارت هباء منبثا ~~وقيل: الدك حط المرتفع بالبسط والتسوية فالمعنى إذا سويت ~~تسوية بعد تسوية ولم يبق على وجها شيء حتى صارت كالصخرة ~~الملساء، وأيا ما كان فهو عبارة عما عرض لها عند النفخة الثانية ~~{ وجاء ربك } أي ظهرت آيات قدرته وآثار قهره مثل ذلك بما ~~يظهر عند حضور السلطان من أحكام هيبته وسياسته، وقيل جاء أمره ~~تعالى وقضاؤه على حذف المضاف للتهويل. # { والملك صفا صفا } أي مصطفين أو ذوي صفوف فإنه ينزل ~~يومئذ ملائكة كل سماء فيصطفون صفا بعد صف بحسب منازلهم ~~ومراتبهم محدقين بالجن والإنس. # { وجىء يومئذ بجهنم } كقوله تعالى: # وبرزت الجحيم # [سورة الشعراء، الآية 91] قال ابن مسعود ومقاتل تقاد جهنم بسبعين ~~ألف زمام كل زمام معه سبعون ألف ملك يجرونها حتى تنصب عن ~~يسار العرش لها تغيظ وزفير وقد رواه مسلم في صحيحه عن ابن ~~مسعود مرفوعا. { يومئذ } بدل من إذا دكت والعامل فيهما ~~قوله تعالى: { يتذكر الإنسن } أي ms3391 يتذكر ما فرط فيه ~~بتفاصيله بمشاهدة آثاره وأحكامه أو بمعاينة عينه على أن الأعمال ~~تتجسم في النشأة الآخرة فيبرز كل من الحسنات والسيئات بما ~~يناسبها من الصور الحسنة والقبيحة أو يتعظ وقوله تعالى: { ~~وأنى له الذكرى } اعتراض جىء به لتحقيق أنه ليس يتذكر ~~حقيقة لعرائه عن الجدوى بعدم وقوعه فى أوانه وأنى خبر مقدم ~~والذكرى مبتدأ وله متعلق بما تعلق به الخبر أي ومن أين يكون ~~له الذكرى وقد فات أوانها وقيل هناك مضاف محذوف أي وأنى له ~~منفعة الذكرى، والاستدلال به على عدم وجوب قبول التوبة في دار ~~التكليف مما لا وجه له، على أن تذكره ليس من التوبة في شيء فإنه ~~عالم بأنها إنما تكون في الدنيا كما يعرب عنه قوله تعالى: # { يقول يليتنى قدمت لحياتى } وهو بدل اشتمال من ~~يتذكر أو استئناف وقع جوابا عن سؤال نشأ منه كأنه قيل: ماذا ~~يقول عند تذكره، فقيل يقول يا ليتني عملت لأجل حياتي هذه أو وقت ~~حياتي في الدنيا أعمالا صالحة أنتفع بها اليوم وليس في هذا ~~التمني شائبة دلالة على استقلال العبد بفعل وإنما الذي يدل عليه ~~ذلك اعتقاد كونه متمكنا من تقديم الأعمال الصالحة وأما أن ذلك ~~بمحض قدرته أو بخلق الله تعالى عند صرف قدرته الكاسبة إليه ~~فكلا، وأما ما قيل من أن المحجور قد يتمنى إن كان ممكنا منه ~~فربما يوهم أن من صرف قدرته إلى أحد طرفي الفعل يعتقد أنه ~~محجور من الطرف الآخر وليس كذلك بل كل أحد جازم بأنه لو صرف ~~قدرته إلى أي طرف كان من أفعاله الاختيارية لحصل وعلى هذا يدور ~~فلك التكليف وإلزام الحجة. ### || [89.25-27] # { فيومئذ } أي يوم إذ يكون ما ذكر من الأحوال والأقوال. # { لا يعذب عذابه أحد * ولا يوثق وثاقه أحد } ~~الهاء لله تعالى أي لا يتولى عذاب الله تعالى ووثاقه أحد سواه ~~إذ الأمر كله له أو للإنسان أي لا يعذب أحد من الزبانية مثل ما ~~يعذبونه وقرىء الفعلان على البناء للمفعول والضمير للإنسان ~~أيضا وقيل ms3392 المراد به أبي بن خلف أي لا يعذب أحد مثل عذابه ولا يوثق ~~بالسلاسل والأغلال مثل وثاقه لتناهيه في الكفر والعناد وقيل: لا ~~يحمل عذاب الإنسان كقوله تعالى: # ولا تزر وازرة وزر أخرى # [سورة الأنعام، الآية 164] وقوله تعالى: { يأيتها النفس ~~المطمئنة } حكاية لأحوال من اطمأن بذكر الله عز وجل ~~وطاعته إثر حكاية أحوال من اطمأن بالدنيا، وصفت بالاطمئنان ~~لأنها تترقى في معارج الأسباب والمسببات إلى المبدأ المؤثر ~~بالذات فتستقر دون معرفته وتستغني به في وجودها وسائر شؤونها ~~عن غيره بالكلية، وقيل؛ هي النفس المؤمنة المطمئنة إلى الحق ~~الواصلة إلى ثلج اليقين بحيث لا يخالجها شك ما وقيل: هي ~~الآمنة التي لا يستفزها خوف ولا حزن ويؤيده أنه قرىء يا أيتها ~~النفس الآمنة المطمئنة أي يقول الله تعالى ذلك بالذات كما كلم ~~موسى عليه السلام أو على لسان الملك عند تمام حساب الناس وهو ~~الأظهر وقيل: عند البعث وقيل عند الموت. ### || [89.28-30] # { ارجعى إلى ربك } أي إلى موعده أو إلى أمره { راضية } ~~بما أوتيت من النعيم المقيم { مرضية } عند الله عز وجل { ~~فادخلى فى عبادى } في زمرة عبادي الصالحين المختصين بي { ~~وادخلى جنتى } معهم أو انتظمي في سلك المقربين واستضيئي ~~بأنوارهم فإن الجواهر القدسية كالمرايا المتقابلة وقيل: المراد ~~بالنفس الروح والمعنى فادخلى أجساد عبادي التي افترقت عنها ~~وادخلي دار ثوابي، وهذا يؤيد كون الخطاب عند البعث وقرىء ~~فادخلي في عبدي وقرىء في جسد عبدي وقيل: نزلت في حمزة بن ~~عبد المطلب وقيل: في حبيب بن عدي رضي الله عنهما والظاهر ~~العموم. # عن النبي صلى الله عليه وسلم: # " من قرأ سورة الفجر في الليالي العشر غفر له ومن قرأها في ~~سائر الأيام كانت له نورا يوم القيامة ". ### | [90 - سورة البلد] ### || [90.1-3] # مكية وأيها عشرون # { لا أقسم بهذا البلد } أقسم سبحانه بالبلد الحرام ~~وبما عطف عليه على أن الإنسان خلق ممنوا بمقاساة الشدائد ~~ومعاناة المشاق واعترض بين القسم وجوابه بقوله تعالى: { ~~وأنت حل بهذا البلد } إما لتشريفه عليه الصلاة ~~والسلام بجعل حلوله به ms3393 مناطا لإعظامه بالإقسام به أو التنبيه ~~من أول الأمر على تحقق مضمون الجواب بذكر بعض مواد المكابدة ~~على نهج براعة الاستهلال وبيان أنه عليه الصلاة والسلام مع ~~جلالة قدره وعظم حرمته قد استحلوه في هذا البلد الحرام ~~وتعرضوا له بما لا خير فيه وهموا بما لم ينالوا عن ~~شرحبيل يحرمون أن يقتلوا بها صيدا ويعضدوا بها شجرة ~~ويستحلون إخراجك وقتلك أو لتسليته عليه الصلاة والسلام بالوعد ~~بفتحه على معنى وأنت حل به في المستقبل كما في قوله تعالى: # إنك ميت وإنهم ميتون # [سورة الزمر، الآية 30] تصنع فيه ما تريد من القتل والأسر وقد كان ~~كذلك حيث أحل له عليه الصلاة والسلام مكة وفتحها عليه وما ~~فتحت على أحد قبله ولا أحلت له فأحل عليه الصلاة والسلام ~~فيها ما شاء وحرم ما شاء قتل ابن خطل وهو متعلق بأستار ~~الكعبة ومقيس بن ضبابة وغيرهما وحرم دار أبي سفيان ثم ~~قال: # " " إن الله حرم مكة يوم خلق السموات والأرض فهى حرام إلى ~~أن تقوم الساعة لم تحل لأحد قبلي ولن تحل لأحد بعدي ولم ~~تحل لي إلا ساعة من نهار فلا يعضد شجرها ولا يختلى خلاها ولا ~~ينفر صيدها ولا تحل لقطتها إلا لمنشد " فقال العباس يا رسول ~~الله إلا الإذخر فإنه لقيوننا وقبورنا وبيوتنا فقال عليه ~~الصلاة والسلام " إلا الإذخر " " # { ووالد } عطف على هذا البلد والمراد به إبراهيم وبقوله ~~تعالى { وما ولد } إسماعيل والنبي صلوات الله عليهم أجمعين ~~حسبما ينبىء عنه المعطوف عليه فإنه حرم إبراهيم ومنشأ إسماعيل ~~ومسقط رأس رسول الله عليهم الصلاة والسلام والتعبير عنهما بما ~~دون من للتفخيم والتعظيم كتنكير والد، وإيرادهم بعنوان الولاد ~~ترشيح لمضمون الجواب وإيماء إلى أنه متحقق في حالتي الوالدية ~~والولدية وقيل: آدم عليه السلام ونسله وهو أنسب لمضمون الجواب ~~من حيث شموله للكل إلا أن التفخيم المستفاد من كلمة ما لا ~~بد فيه من اعتبار التغليب وقيل: وكل والد وولده. ### || [90.4-11] # { لقد خلقنا الإنسن فى كبد } أي تعب ومشقة فإنه لا ~~يزال يقاسي ms3394 فنون الشدائد من وقت نفخ الروح إلى حين نزعها ~~وما وراءه يقال كبد الرجل كذا إذا وجعت كبده وأصله كبده إذا ~~أصاب كبده ثم اتسع فيه حتى استعمل في كل نصب ومشقة، ومنه ~~اشتقت المكابدة كما قيل: كبته بمعنى أهلكه وهو تسلية لرسول الله ~~صلى الله عليه وسلم مما كان يكابده من كفار قريش والضمير في قوله ~~تعالى: { أيحسب } لبعضهم الذي كان عليه الصلاة والسلام يكابد ~~منهم مايكابد كالوليد بن المغيرة وأضرابه وقيل: هو أبو الأشد ~~بن كلدة الجمحي وكان شديد القوة مغترا بقوته وكان يبسط له ~~الأديم العكاظي فيقوم عليه ويقول من أزالني عنه فله كذا ~~فيجذبه عشرة فينقطع قطعا ولا تزل قدماه أي أيظن هذا القوي ~~المارد المتضعف للمؤمنين { أن لن يقدر عليه أحد } أن ~~مخففة من أن واسمها الذي هو ضمير الشأن محذوف أي أيحسب أنه ~~لن يقدر على الانتقام منه أحد { يقول أهلكت مالا ~~لبدا } يريد كثرة ما أنفقه فيما كان أهل الجاهلية يسمونها ~~مكارم ويدعونها معالي ومفاخر { أيحسب أن لم يره أحد } ~~حين كان ينفق وأنه تعالى لا يسأله عنه ولا يجازيه عليه { ألم ~~نجعل له عينين } يبصر بهما { ولسانا } يترجم به عن ~~ضمائره { وشفتين } يستر بهما فاه ويستعين بهما على النطق ~~والأكل والشرب وغيرها { وهدينه النجدين } أي طريقي ~~الخير والشر أو الثديين وأصل النجد المكان المرتفع { فلا ~~اقتحم العقبة } أي فلم يشكر تلك النعم الجليلة بالأعمال ~~الصالحة وعبر عنها بالعقبة التي هي الطريق في الجبل لصعوبة ~~سلوكها. ### || [90.12-20] # وقوله تعالى: # { وما أدراك ما العقبة } أي أي شيء أعلمك ما اقتحام ~~العقبة لزيادة تقريرها وكونها عند الله تعالى بمكانة رفيعة { ~~فك رقبة } أي هو إعتاق رقبة { أو إطعام فى يوم ذى ~~مسغبة } أي مجاعة { يتيما ذا مقربة } أي قرابة { أو ~~مسكينا ذا متربة } أي افتقار وحيث كان المراد باقتحام ~~العقبة هذه الأمور حسن دخول لا على الماضي فإنها لا تكاد ~~تقع إلا مكررة إذ المعنى فلا فك رقبة ولا أطعم يتيما أو ~~مسكينا والمسغبة والمقربة ms3395 والمتربة مفعلات من سغب إذا جاع وقرب ~~من النسب وترب إذا افتقر وقرىء فك رقبة أو أطعم على ~~الإبدال من اقتحم { ثم كان من الذين ءامنوا } عطف على ~~المنفي بلا وثم للدلالة على تراخي رتبة الإيمان ورفعة محله ~~لاشتراط جميع الأعمال الصالحة به { وتواصوا بالصبر } عطف ~~على آمنوا أي أوصى بعضهم بعضا بالصبر على طاعة الله { وتواصوا ~~بالمرحمة } بالرحمة على عباده أو بموجبات رحمته من الخيرات ~~{ أولئك } إشارة إلى الموصول باعتبار اتصافه بما في حيز ~~صلته، وما فيه من معنى البعد مع قرب العهد بالمشار إليه ~~للإيذان ببعد درجتهم في الشرف والفضل أي أولئك الموصوفون ~~بالنعوت الجليلة المذكورة { أصحب الميمنة } أي اليمين أو ~~اليمن { والذين كفروا بئايتنا } بما نصبناه دليلا ~~على الحق من كتاب وحجة أو بالقرآن { هم أصحب المشئمة ~~} أي الشمال أو الشؤم { عليهم نار مؤصدة } مطبقة من ~~آصدت الباب إذا أطبقته وأغلقته وقرىء موصدة بغير همزة من ~~أوصدته. # عن النبي صلى الله عليه وسلم # " من قرأ لا أقسم بهذا البلد أعطاه الله تعالى الأمان من ~~غضبه يوم القيامة ". ### | [91 - سورة الشمس] ### || [91.1-6] # مكية وآيها خمس عشرة # { والشمس وضحها } أي ضوئها إذا أشرقت وقام سلطانها، ~~وقيل: الضحوة ارتفاع النهار والضحى فوق ذلك والضحاء بالفتح ~~والمد إذا امتد النهار وكاد ينتصف { والقمر إذا تلها } ~~بأن طلع بعد غروبها وقيل: إذا تلا طلوعه طلوعها وقيل: إذا تلاها ~~في الاستدارة وكمال النور { والنهار إذا جلها } أي ~~جلى الشمس فإنها تتجلى عند انبساط النهار فكأنه جلاها مع ~~أنها التي تبسطه أو جلى الظلمة أو الدنيا أو الأرض وإن لم يجر ~~لها ذكر للعلم بها { واليل إذا يغشها } أي الشمس ~~فيغطي ضوءها أو الآفاق أو الأرض وحيث كانت الواوات العاطفة ~~نوائب للواو الأولى القسمية القائمة مقام الفعل والباء سادة ~~مسدهما معا في قولك أقسم بالله حققن أن يعملن عمل الفعل والجار ~~جميعا كما تقول ضرب زيد عمرا وبكر خالدا { والسماء وما ~~بنها } أي ومن بناها وإيثار ما على من لإرادة الوصفية ~~تفخيما كأنه قيل: ms3396 والقادر العظيم الشأن الذي بناها وجعلها ~~مصدرية مخل بالنظم الكريم وكذا الكلام في قوله تعالى: { ~~والأرض وما طحها } أي بسطها من كل جانب كدحاها. ### || [91.7-13] # { ونفس وما سواها } أي أنشأها وأبدعها مستعدة لكمالاتها ~~والتنكير للتفخيم على أن المراد نفس آدم عليه السلام أو للتكثير ~~وهو الأنسب للجواب { فألهمها فجورها وتقواها } أي ~~أفهمها إياهما وعرفها حالها من الحسن والقبح وما تؤدي إليه ~~كل منهما ومكنها من اختيار أيهما شاءت وتقديم الفجور ~~لمراعاة الفواصل { قد أفلح من زكها } أي فاز بكل ~~مطلوب ونجا من كل مكروه من أنماها وأعلاها بالتقوى وهو جواب ~~القسم وحذف اللام لطول الكلام وتكرير قد في قوله تعالى: # { وقد خاب من دسها } لإبراز كمال الاعتناء بتحقيق ~~مضمونه والإيذان بتعلق القسم به أيضا أصالة أي خسر من نقصها ~~وأخفاها بالفجور وأصل دسى دسس كتقضى وتقضض وقيل: هو ~~كلام تابع لقوله تعالى: { فألهمها فجورها وتقواها } ~~بطريق الاستطراد وإنما الجواب ما حذف تعويلا على دلالة قوله تعالى ~~{ كذبت ثمود بطغواها } عليه كأنه قيل: ليدمدمن الله ~~تعالى على كفار مكة لتكذيبهم رسول الله صلى الله عليه وسلم كما دمدم ~~على ثمود لتكذيبهم صالحا عليه السلام وهو على الأول استئناف وارد ~~لتقرير مضمون قوله تعالى: { وقد خاب من دسها } والطغوى ~~بالفتح الطغيان والباء للسببية أي فعلت التكذيب بسبب ~~طغيانها كما تقول ظلمني بجراءته على الله تعالى أو صلة للتكذيب ~~أي كذبت بما أوعدت به من العذاب ذي الطغوى كقوله تعالى: # فأهلكوا بالطاغية # [سورة الحاقة، الآية 5] وقرىء بطغواها بضم الطاء وهو أيضا مصدر ~~كالرجعى { إذ انبعث أشقها } منصوب بكذبت أو بالطغوى أي ~~حين قام أشقى ثمود وهو قدار بن سالف أو هو ومن تصدى معه ~~لعقر الناقة من الأشقياء فإن أفعل التفضيل إذا أضيف يصلح ~~للواحد والمتعدد والمذكر والمؤنث وفضل شقاوتهم على من عداهم ~~لمباشرتهم العقر مع اشتراك الكل في الرضا به { فقال لهم } ~~أي لثمود { رسول الله } أي صالح عليه السلام عبر عنه بعنوان ~~الرسالة إيذانا بوجوب طاعته وبيانا لغاية عتوهم تماديهم في ms3397 ~~الطغيان وهو السر في إضافة الناقة إلى الله تعالى في قوله تعالى: ~~{ ناقة الله } أي ذروا ناقة الله { وسقيها } ولا تذودوها ~~عنها في نوبتها. ### || [91.14-15] # { فكذبوه } أي في وعيده بقوله تعالى: # ولا تمسوها بسوء فيأخذكم عذاب أليم # [سورة الأعراف، الآية 73] وقد جوز أن يكون ضمير لهم للأشقين ولا ~~يلائمه ذكر سقياها. # { فعقروها } أي الأشقى والجمع على تقدير وحدته لرضا الكل ~~بفعله وقال قتادة بلغنا أنه لم يعقرها حتى تابعه صغيرهم ~~وكبيرهم وذكرهم وأنثاهم وقال الفراء: عقرها اثنان والعرب ~~تقول: هذان أفضل الناس { فدمدم عليهم ربهم } فأطبق ~~عليهم العذاب وهو من تكرير قولهم ناقة مدمومة إذا ألبسها الشحم { ~~بذنبهم } بسبب ذنبهم المحكي والتصريح بذلك مع دلالة الفاء ~~عليه للإنذار بعاقبة الذنب ليعتبر به كل مذنب { فسواها } أي ~~الدمدمة بينهم لم يفلت منهم أحد من صغير وكبير أو فسوى ثمود ~~بالأرض أو سواها في الهلاك { ولا يخاف عقبها } أي ~~عاقبتها وتبعتها كما يخاف سائر المعاقبين من الملوك فيبقي بعض ~~الإبقاء وذلك أنه تعالى لا يفعل فعلا إلى بحق وكل من فعل فإنه ~~بحق لا يخاف عاقبة فعله وإن كان من شأنه الخوف والواو للحال أو ~~للاستئناف وقرىء فلا يخاف وقرىء ولم يخف. # عن رسول الله صلى الله عليه وسلم # " من قرأ سورة الشمس فكأنما تصدق بكل شيء طلعت عليه الشمس ~~والقمر ". ### | [92 - سورة الليل] ### || [92.1-8] # مكية وآيها إحدى وعشرون # { واليل إذا يغشى } أي حين يغشى الشمس كقوله تعالى: # واليل إذا يغشها # [سورة الشمس، الآية 4] أو النهار أو كل ما يواريه بظلامه { ~~والنهار إذا تجلى } ظهر بزوال ظلمة الليل أو تبين ~~وتكشف بطلوع الشمس { وما خلق الذكر والأنثى } أي والقادر ~~العظيم القدرة الذي خلق صنفي الذكر والأنثى من كل ما له ~~توالد وقيل: هما آدم وحواء وقرىء والذكر والأنثى وقرىء ~~والذي خلق الذكر والأنثى وقيل: ما مصدرية { إن سعيكم ~~لشتى } جواب القسم وشتى جمع شتيت أي أن مساعيكم لأشتات ~~مختلفة وقوله تعالى: { فأما من أعطى واتقى * وصدق ~~بالحسنى } الخ تفصيل لتلك المساعي المشتتة ms3398 وتبيين لأحكامها ~~أي فأما من أعطى حقوق ماله واتقى محارم الله تعالى التي نهى عنها ~~وصدق بالخصلة الحسنى وهي الإيمان أو بالكلمة الحسنى وهي كلمة ~~التوحيد أو بالملة الحسنى وهي ملة الإسلام أو بالمثوبة الحسنى ~~وهي الجنة { فسنيسره لليسرى } فسنهيئه للخصلة التي تؤدي ~~إلى يسر وراحة كدخول الجنة ومباديه من يسر الفرس للركوب إذا ~~أسرجها وألجمها { وأما من بخل } أي بماله فلم يبذله في ~~سبيل الخير { واستغنى } أي زهد فيما عنده تعالى كأنه مستغن ~~عنه فلم يتقه أو استغنى بشهوات الدنيا عن نعيم الآخرة. ### || [92.9-16] # { وكذب بالحسنى } أي ما ذكر من المعاني المتلازمة { ~~فسنيسره للعسرى } أي للخصلة المؤدية إلى العسر والشدة ~~كدخول النار ومقدماته لاختياره لها ولعل تصدير القسمين ~~بالإعطاء والبخل مع أن كلا منهما أدنى رتبة مما بعدهما في ~~استتباع التيسير لليسرى والتيسير للعسرى للإيذان بأن كلا منهما ~~أصل فيما ذكر لا تتمة لما بعدهما من التصديق والتقوى والتكذيب ~~والاستغناء وتفسير الأول بإعطاء الطاعة والثاني بالبخل بما أمر مع ~~كونه خلاف الظاهر يأباه قوله تعالى: # { وما يغنى عنه } أي ولا يغني أو أي شيء يغني عنه { ~~ماله } الذي يبخل به { إذا تردى } أي هلك تفعل من ~~الردى الذي هو الهلاك أو تردى في الحفرة إذا قبر أو تردى في ~~قعر جهنم { إن علينا للهدى } استئناف مقرر لما قبله أي ~~إن علينا بموجب قضائنا المبني على الحكم البالغة حيث خلقنا ~~الخلق للعبادة أن نبين لهم طريق الهدى وما يؤدي إليه من طريق ~~الضلال وما يؤدي إليه وقد فعلنا ذلك بما لا مزيد عليه حيث ~~بينا حال من سلك كلا الطريقين ترغيبا وترهيبا ومن ههنا تبين ~~أن الهداية هي الدلالة على ما يوصل إلى البغية لا الدلالة ~~الموصلة إليها قطعا { وإن لنا للآخرة والأولى } أي ~~التصرف الكلي فيهما كيفما نشاء فنفعل فيهما ما نشاء من الأفعال ~~التي من جملتها ما وعدنا من التيسير لليسرى والتيسير للعسرى وقيل: ~~إن لنا كل ما في الدنيا والآخرة فلا يضرنا ترككم الاهتداء ~~بهدانا { فأنذرتكم نارا ms3399 تلظى } بحذف إحدى التاءين من ~~تتلظى أي تتلهب وقرىء على الأصل { لا يصلها } صليا لازما ~~{ إلا الأشقى } إلا الكافر فإن الفاسق لا يصلاها صليا لازما ~~وقد صرح به قوله تعالى: { الذى كذب وتولى } أي كذب ~~بالحق وأعرض عن الطاعة. ### || [92.17-21] # { وسيجنبها } أي سيبعد عنها { الأتقى } المبالغ في ~~اتقاء الكفر والمعاصي فلا يحوم حولها فضلا عن دخولها أو صليها ~~الأبدي وأما من دونه ممن يتقي الكفر دون المعاصي فلا يبعد ~~عنها هذا التبعيد وذلك لا يستلزم صليها بالمعنى المذكور فلا يقدح ~~في الحصر السابق { الذى يؤتى ماله } يعطيه ويصرفه في ~~وجوه البر والحسنات وقوله تعالى: { يتزكى } إما بدل من ~~يؤتي داخل في حكم الصلة لا محل له أو في حيز النصب على أنه حال ~~من ضمير يؤتي أي يطلب أن يكون عند الله تعالى زاكيا ناميا لا ~~يريد به رياء ولا سمعة. # { وما لأحد عنده من نعمة تجزى } استئناف مقرر لكون ~~إيتائه للتزكي خالصا لوجه الله تعالى أي ليس لأحد عنده نعمة من ~~شأنها أن تجزى وتكافأ فيقصد بإيتاء ما يؤتى مجازاتها وقوله ~~تعالى: { إلا ابتغاء وجه ربه الأعلى } استثناء منقطع ~~من نعمة وقرىء بالرفع على البدل من محل نعمة فإنه الرفع إما ~~على الفاعلية أو على الابتداء ومن مزيدة ويجوز أن يكون مفعولا ~~له لأن المعنى لا يؤتي ماله إلا ابتغاء وجه ربه لا لمكافأة ~~نعمة والآيات نزلت في حق أبي بكر الصديق رضي الله عنه حين ~~اشترى بلالا في جماعة كان يؤذيهم المشركون فأعتقهم ولذلك قالوا: ~~المراد بالأشقى أبو جهل أو أمية بن خلف وقد روى عطاء والضحاك ~~عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه # " عذب المشركون بلالا وبلال يقول: أحد أحد فمر به ~~النبي عليه الصلاة والسلام فقال: " أحد يعني الله تعالى ينجيك ~~" ثم قال لأبي بكر رضي الله عنه: " إن بلالا يعذب في الله " فعرف ~~مراده عليه الصلاة والسلام فانصرف إلى منزله فأخذ رطلا من ذهب ~~ومضى به إلى أمية بن خلف فقال له: أتبيعني بلالا؟ قال: ms3400 نعم، ~~فاشتراه فأعتقه فقال المشركون: ما أعتقه أبو بكر إلا ليد كانت ~~له عنده " # فنزلت وقوله تعالى: { ولسوف يرضى } جواب قسم مضمر أي ~~وبالله لسوف يرضى وهو وعد كريم بنيل جميع ما يبتغيه على أكمل ~~الوجوه وأجملها إذ به يتحقق الرضا وقرىء يرضى مبنيا ~~للمفعول من الإرضاء. # عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " من قرأ سورة والليل أعطاه الله تعالى حتى يرضى وعافاه من ~~العسر ويسر له اليسر ". ### | [93 - سورة الضحى] ### || [93.1-4] # مكية وآيها إحدى عشرة # { والضحى } هو وقت ارتفاع الشمس وصدر النهار قالوا: ~~تخصيصه بالإقسام به لأنها الساعة التي كلم فيها موسى عليه ~~السلام وألقى فيها السحرة سجدا لقوله تعالى: # وأن يحشر الناس ضحى # [سورة طة، الآية 59] وقيل: أريد به النهار كما في قوله تعالى: # أن يأتيهم بأسنا ضحى # [سورة الأعراف، الآية 98] في مقابلة بياتا { واليل } أي جنس ~~الليل { إذا سجى } أي سكن أهله أو ركد ظلامه من سجا البحر ~~سجوا إذا سكنت أمواجه، ونقل عن قتادة ومقاتل وجعفر ~~الصادق أن المراد بالضحى هو الضحى الذي كلم الله تعالى ~~فيه موسى عليه السلام وبالليل ليلة المعراج وقوله تعالى: { ما ~~ودعك ربك } جواب القسم أي ما قطعك قطع المودع وقرىء ~~بالتخفيف أي ما تركك { وما قلى } أي وما أبغضك وحذف ~~المفعول إما للاستغناء عنه بذكره من قبل أو للقصد إلى نفي صدور ~~الفعل عنه تعالى بالكلية مع أن فيه مراعاة للفواصل. روي أن ~~الوحي تأخر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أياما لتركه الاستثناء ~~كما مر في سورة الكهف أو لزجره سائلا ملحا فقال المشركون: ~~إن محمدا ودعه ربه وقلاه فنزلت ردا عليهم وتبشيرا له ~~عليه الصلاة والسلام بالكرامة الحاصلة والمترقبة كما يشعر به ~~إيراد اسم الرب المنبىء عن التربية والتبليغ إلى الكمال مع ~~الإضافة إلى ضميره عليه الصلاة والسلام وحيث تضمن ما سبق من نفي ~~التوديع والقلى أنه تعالى يواصله بالوحي والكرامة في الدنيا ~~بشره عليه الصلاة والسلام بأن ما سيؤتيه في الآخرة أجل وأعظم ~~من ذلك ms3401 فقيل: { وللآخرة خير لك من الأولى } لما أنها ~~باقية صافية عن الشوائب على الإطلاق وهذه فانية مشوبة بالمضار ~~وما أوتي عليه الصلاة والسلام من شرف النبوة وإن كان مما لا ~~يعادله شرف ولا يدانيه فضل لكنه لا يخلو في الدنيا من بعض ~~العوارض الفادحة في تمشية الأحكام مع أنه عندما أعد له عليه ~~الصلاة والسلام في الآخرة من السبق والتقدم على كافة الأنبياء ~~والرسل يوم الجمع # يوم يقوم الناس لرب العلمين # [المطففين، الآية 6] وكون أمته شهداء على سائر الأمم ورفع درجات ~~المؤمنين وإعلاء مراتبهم بشفاعته وغير ذلك من الكرامات السنية ~~التي لا تحيط بها العبارة بمنزلة بعض المبادي بالنسبة إلى ~~المطالب وقيل: المراد بالآخرة عاقبة أمره عليه الصلاة والسلام ~~أي لنهاية أمرك خير من بدايته لا تزال تتزايد قوة وتتصاعد ~~رفعة. ### || [93.5-7] # وقوله تعالى: { ولسوف يعطيك ربك فترضى } عدة ~~كريمة شاملة لما أعطاه الله تعالى في الدنيا من كمال النفس ~~وعلوم الأولين والآخرين وظهور الأمر وإعلاء الدين بالفتوح ~~الواقعة في عصره عليه الصلاة والسلام وفي أيام خلفائه الراشدين ~~وغيرهم من الملوك الإسلامية وفشو الدعوة والإسلام في مشارق ~~الأرض ومغاربها ولما ادخر له من الكرامات التي لا يعلمها إلا الله ~~تعالى وقد أنبأ ابن عباس رضي الله عنهما عن شمة منها حيث ~~قال له عليه الصلاة والسلام: # " في الجنة ألف قصر من لؤلؤ أبيض ترابه المسك " # واللام للابتداء دخلت الخبر لتأكيد مضمون الجملة والمبتدأ ~~محذوف تقديره ولأنت سوف يعطيك الخ، لا للقسم لأنها لا تدخل ~~على المضارع إلا مع النون المؤكدة وجمعها مع سوف للدلالة على ~~أن الإعطاء كائن لا محالة وإن تراخى لحكمة وقيل: هي للقسم ~~وقاعدة التلازم بينها وبين نون التأكيد قد استثنى النحاة ~~منها صورتين إحداهما أن يفصل بينها وبين الفعل بحرف التنفيس ~~كهذه الآية وكقوله: والله لسأعطيك والثانية أن يفصل بينهما بمعمول ~~الفعل كقوله تعالى: # لإلى الله تحشرون # [سورة آل عمران، الآية 158] وقال أبو علي الفارسي: ليست هذه اللام ~~هي التي في قولك: إن زيدا لقائم بل ms3402 هي التي في قولك: ~~لأقومن ونابت سوف عن إحدى نوني التأكيد فكأنه قيل: وليعطينك ~~وكذلك اللام في قوله تعالى: { وللآخرة } الخ، وقوله تعالى: { ~~ألم يجدك يتيما فآوى } تعديد لما أفاض عليه الصلاة ~~والسلام من أول أمره إلى ذلك الوقت من فنون النعماء العظام ~~ليستشهد بالحاضر الموجود على المترقب الموعود فيطمئن قلبه وينشرح ~~صدره والهمزة لإنكار النفي وتقرير المنفي على أبلغ وجه كأنه ~~قيل: قد وجدك الخ، والوجود بمعنى العلم ويتيما مفعوله الثاني ~~وقيل: بمعنى المصادقة ويتيما حال من مفعوله. روي أن أباه مات ~~وهو جنين قد أتت عليه ستة أشهر وماتت أمه وهو ابن ثمان ~~سنين فكفله عمه أبو طالب وعطفه الله عليه فأحسن تربيته ~~وذلك إيواؤه وقرىء فأوى وهو إما من أواه بمعنى آواه أو من ~~أوى له إذا رحمه وقوله تعالى: { ووجدك ضالا } عطف على ~~ما يقتضيه الإنكار السابق كما أشير إليه أو على المضارع المنفي ~~بلم داخل في حكمه كأنه قيل: أما وجدك يتيما فآوى ووجدك ~~غافلا عن الشرائع التي لا تهتدي إليها العقول كما في قوله ~~تعالى: # ما كنت تدرى ما الكتب # [سورة الشورى، الآية 52] وقيل: ضل في صباه في بعض شعاب مكة ~~فرده أبو جهل إلى عبد المطلب. وقيل: ضل مرة أخرى وطلبوه ~~فلم يجدوه فطاف عبد المطلب بالكعبة سبعا وتضرع إلى الله تعالى ~~فسمعوا مناديا ينادي من السماء: يا معشر الناس لا تضجوا فإن ~~لمحمد ربا لا يخذله ولا يضيعه وإن محمدا بوادي تهامة عند ~~شجر السمر فسار عبد المطلب وورقة بن نوفل فإذا النبي ~~عليه الصلاة والسلام قائم تحت شجرة يلعب بالأغصان والأوراق. # وقيل: أضلته مرضعته حليمة عند باب مكة حين فطمته وجاءت به ~~لترده على عبد المطلب. وقيل: ضل في طريق الشام حين خرج به ~~أبو طالب. يروى أن إبليس أخذ بزمام ناقته في ليلة ظلماء فعدل ~~به عن الطريق فجاء جبريل عليه السلام فنفخ نفخة وقع منها إلى ~~أرض الهند ورده إلى القافلة { فهدى } فهداك إلى مناهج ~~الشرائع المنطوية في تضاعيف ms3403 ما أوحي إليك من الكتاب المبين ~~وعلمك ما لم تكن تعلم أو أزال ضلالك عن جدك أو عمك. ### || [93.8-11] # { ووجدك عائلا } أي فقيرا وقرىء عيلا وقرىء عديما { ~~فأغنى } فأغناك بمال خديجة أو بمال حصل لك من ربح التجارة ~~أو بما أفاء عليك من الغنائم قال عليه الصلاة والسلام: # " جعل رزقي تحت ظل رمحي " # وقيل: قنعك وأغنى قلبك. # { فأما اليتيم فلا تقهر } فلا تغلبه على ماله وقال ~~مجاهد: لا تحتقر وقرىء فلا تكهر أي فلا تعبس في وجهه { ~~وأما السائل فلا تنهر } فلا تزجر ولا تغلظ له ~~القول بل رده ردا جميلا قال إبراهيم بن أدهم: نعم القوم ~~السؤال يحملون زادنا إلى الآخرة وقال إبراهيم النخعي: ~~السائل يريد الآخرة يجيء إلى باب أحدكم فيقول: أتبعثون إلى ~~أهليكم بشيء؟ وقيل: المراد بالسائل ههنا الذي يسأل عن الدين. # { وأما بنعمة ربك فحدث } بشكرها وإشاعتها وإظهار ~~آثارها وأحكامها أريد بها ما أفاضه الله تعالى عليه عليه ~~الصلاة والسلام من فنون النعم التي من جملتها النعم المعدودة ~~الموجودة منها والموعودة والمعنى أنك كنت يتيما وضالا وعائلا ~~فآواك الله تعالى وهداك وأغناك فمهما يكن من شيء فلا تنس حقوق ~~نعمة الله تعالى عليك في هذه الثلاث واقتد بالله تعالى وأحسن كما ~~أحسن الله إليك فتعطف على اليتيم فآوه وترحم على السائل وتفقده ~~بمعروفك ولا تزجره عن بابك وحدث بنعمة الله كلها وحيث كان ~~معظمها نعمة النبوة فقد اندرج تحت الأمر هدايته عليه الصلاة ~~والسلام للضلال وتعليمه للشرائع والأحكام حسبما هداه الله عز ~~وجل وعلمه من الكتاب والحكمة. # عن النبي صلى الله عليه وسلم: # " من قرأ سورة والضحى جعله الله تعالى فيمن يرضى لمحمد أن ~~يشفع له وعشر حسنات يكتبها الله له بعدد كل يتيم وسائل ". ### | [94 - سورة الشرح] ### || [94.1-3] # { ألم نشرح لك صدرك } لما كان الصدر محلا لأحوال ~~النفس ومخزنا لسرائرها من العلوم والإدراكات والملكات والإرادات ~~وغيرها عبر بشرحه عن توسيع دائرة تصرفاتها بتأييدها بالقوة ~~القدسية وتحليتها بالكمالات الأنسية أي ألم نفسحه حتى حوى ~~عالمي الغيب ms3404 والشهادة وجمع بين ملكتي الاستفادة ~~والإفادة فما صدك الملابسة بالعلائق الجسمانية عن اقتباس ~~أنوار الملكات الروحانية وما عاقك التعلق بمصالح الخلق عن ~~الاستغراق في شؤون الحق وقيل: أريد به ما روي (أن جبريل ~~أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم في صباه أو يوم الميثاق فاستخرج ~~قلبه فغسله ثم ملأه إيمانا وعلما) ولعله تمثيل لما ذكر أو ~~أنموذج جسماني مما سيظهر له عليه الصلاة والسلام من ~~الكمال الروحاني والتعبير عن ثبوت الشرح بالاستفهام ~~الإنكاري عن انتفائه للإيذان بأن ثبوته من الظهور بحيث لا ~~يقدر أحد على أن يجيب عنه بغير بلى وزيادة الجار والمجرور ~~مع توسيطه بين الفعل ومفعوله للإيذان من أول الأمر بأن ~~الشرح من منافعه عليه الصلاة والسلام ومصالحه مسارعة إلى ~~إدخال المسرة في قلبه عليه الصلاة والسلام وتشويقا له إلى ما ~~يعقبه ليتمكن عنده وقت وروده فضل تمكن وقوله تعالى: { ~~ووضعنا عنك وزرك } عطف على ما أشير إليه من مدلول الجملة ~~السابقة كأنه قيل: قد شرحنا صدرك ووضعنا الخ، وعنك متعلق ~~بوضعنا وتقديمه على المفعول الصريح مع أن حقه التأخر عنه ~~لما مر آنفا من القصد إلى تعجيل المسرة والتشويق إلى المؤخر ~~ولما أن في وصفه نوع طول فتأخير الجار والمجرور عنه مخل ~~بتجاوب أطراف النظم الكريم أي حططنا عنك عبأك الثقيل. # { الذى أنقض ظهرك } أي حمله على النقيض وهو صوت ~~الانقضاض والانفكاك كما يسمع من الرحل المتداعي إلى ~~الانتقاض من ثقل الحمل، مثل به حاله عليه الصلاة والسلام ~~مما كان يثقل عليه ويغمه من قرطاته قبل النبوة أو من عدم ~~إحاطته بتفاصيل الأحكام والشرائع أو من تهالكه على إسلام ~~المعاندين من قومه وتلهفه ووضعه عنه مغفرته وتعليم الشرائع ~~وتمهيد عذره بعد أن بلغ وبالغ وقرىء وحططنا وحللنا ~~مكان وضعنا وقرىء (وحللنا عنك وقرك). ### || [94.4-8] # { ورفعنا لك ذكرك } بعنوان النبوة وأحكامها أي رفع حيث ~~قرن اسمه باسم الله تعالى في كلمة الشهادة والأذان والإقامة ~~وجعل طاعته طاعته تعالى وصلى عليه هو وملائكته وأمر المؤمنين ~~بالصلاة عليه وسمي ms3405 رسول الله ونبي الله، والكلام في العطف ~~وزيادة لك كالذي سلف وقوله تعالى: { فإن مع العسر يسرا ~~} تقرير لما قبله ووعد كريم بتيسير كل عسير له عليه ~~الصلاة والسلام وللمؤمنين كأنه قيل: خولناك ما خولناك من ~~جلائل النعم فكن على ثقة بفضل الله تعالى ولطفه فإن مع العسر ~~يسرا كثيرا وفي كلمة مع إشعار بغاية سرعة مجيء اليسر كأنه ~~مقارن للعسر { إن مع العسر يسرا } تكرير للتأكيد أو عدة ~~مستأنفة بأن العسر مشفوع بيسر آخر كثواب الآخرة كقولك: إن ~~للصائم فرحة إن للصائم فرحتان أي فرحة عند الإفطار وفرحة عند ~~لقاء الرب وعليه قوله عليه الصلاة والسلام: # " لن يغلب عسر يسرين " # فإن المعرف إذا أعيد يكون الثاني عين الأول سواء كان ~~معهودا أو جنسا، وأما المنكر فيحتمل أن يراد بالثاني فرد مغاير ~~لما أريد بالأول { فإذا فرغت } أي من التبليغ وقيل: من ~~الغزو { فانصب } فاجتهد في العبادة واتعب شكرا لما أوليناك من ~~النعم السالفة ووعدناك من الآلاء الآنفة وقيل: فإذا فرغت من ~~صلاتك فاجتهد في الدعاء وقيل: إذا فرغت من دنياك فانصب في ~~صلاتك { وإلى ربك } وحده { فارغب } بالسؤال ولا تسأل ~~غيره فإنه القادر على إسعافك لا غيره وقرىء فرغب أي ~~فرغب الناس إلى طلب ما عنده. # عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " من قرأ ألم نشرح فكأنما جاءني وأنا مغتم ففرج عني ". ### | [95 - سورة التين] ### || [95.1-2] # مكية وقيل: مدنية، وآيها ثمان # { والتين والزيتون } هما هذا التين وهذا الزيتون خصهما ~~الله سبحانه من بين الثمار بالإقسام بهما لاختصاصهما بخواص ~~جليلة فإن التين فاكهة طيبة لا فضل له وغذاء لطيف سريع ~~الهضم ودواء كثير النفع يلين الطبع ويحلل البلغم ويطهر ~~الكليتين ويزيل ما في المثانة من الرمل ويسمن البدن ويفتح سدد ~~الكبد والطحال. و # " روى أبو ذر رضي الله عنه أنه أهدى للنبي عليه الصلاة ~~والسلام سل من تين فأكل منه وقال لأصحابه: " كلوا فلو قلت ~~إن فاكهة نزلت من الجنة لقلت هذا لأن فاكهة الجنة بلا عجم ~~فكلوها فإنها ms3406 تقطع البواسير وتنفع من النقرس " # وعن علي بن موسى الرضا التين يزيل نكهة الفم ويطول الشعر ~~وهو أمان من الفالج وأما الزيتون فهو فاكهة وإدام ودواء ولو لم ~~يكن له سوى اختصاصه بدهن كثير المنافع مع حصوله في بقاع لا ~~دهنية فيها لكفى به فضلا وشجرته هي الشجرة المباركة المشهود ~~لها في التنزيل. ومر معاذ بن جبل رضي الله عنه بشجرة الزيتون ~~فأخذ منها قضيبا واستاك به وقال: سمعت النبي عليه الصلاة ~~والسلام يقول: # " نعم السواك الزيتون من الشجرة المباركة يطيب الفم ويذهب ~~بالحفرة " # وسمعته يقول: # " هو سواكي وسواك الأنبياء قبلي " # وقيل: هما جبلان من الأرض المقدسة يقال لهما بالسريانية: ~~طورتينا وطورزيتا لأنهما منبتا التين والزيتون وقيل: التين جبال ~~ما بين حلوان وهمدان والزيتون جبال الشام لأنهما منابتهما كأنه ~~قيل: ومنابت التين والزيتون وقال قتادة: التين الجبل الذي ~~عليه دمشق والزيتون الجبل الذي عليه بيت المقدس وقال عكرمة ~~وابن زيد: التين دمشق والزيتون بيت المقدس وهو اختيار الطبري ~~وقال محمد بن كعب: التين مسجد أصحاب الكهف والزيتون مسجد ~~إيليا وعن ابن عباس رضي الله عنهما: التين مسجد نوح عليه ~~السلام الذي بناه على الجودي والزيتون مسجد بيت المقدس وقال ~~الضحاك: التين المسجد الحرام والزيتون المسجد الأقصى، والصحيح ~~هو الأول قال ابن عباس رضي الله عنهما: هو تينكم الذي تأكلون ~~وزيتونكم الذي تعصرون منه الزيت وبه قال مجاهد وعكرمة وإبراهيم ~~النخعي وعطاء وجابر وزيد ومقاتل والكلبي { وطور سينين } ~~هو الجبل الذي ناجى عليه موسى ربه وسينين وسيناء علمان للموضع ~~الذي هو فيه ولذلك أضيف إليهما وسينون كبيرون في جواز الإعراب ~~بالواو والياء والإقرار على الياء وتحريك النون بالحركات ~~الإعرابية. ### || [95.3-5] # { وهذا البلد الأمين } أي الآمن من أمن الرجل أمانة ~~فهو أمين وهو مكة شرفها الله تعالى وأمانتها أنها تحفظ من ~~دخلها كما يحفظ الأمين ما يؤتمن عليه ويجوز أن يكون فعيلا ~~بمعنى مفعول من أمنه لأنه مأمون الغوائل كما وصف بالآمن في ~~قوله تعالى: # حرما ءامنا # [سورة القصص، الآية 57 وسورة ms3407 العنكبوت، الآية 67] بمعنى ذي أمن ~~ووجه الإقسام بهاتيك البقاع المباركة المشحونة ببركات الدنيا ~~والدين غني عن الشرح والتبيين. # { لقد خلقنا الإنسن } أي جنس الإنسان { فى أحسن ~~تقويم } أي كائنا في أحسن ما يكون من التقويم والتعديل صورة ~~ومعنى حيث برأه الله تعالى مستوي القامة متناسب الأعضاء متصفا ~~بالحياة والعلم والقدرة والإرادة والتكلم والسمع والبصر وغير ~~ذلك من الصفات التي هي من أنموذجات من الصفات السبحانية وآثار ~~لها وقد عبر بعض العلماء عن ذلك بقوله: خلق آدم على صورته ~~وفي رواية على صورة الرحمن وبنى عليه تحقيق معنى قوله: # " من عرف نفسه فقد عرف ربه " # وقال: إن النفس الإنسانية مجردة ليست حالة في البدن ولا ~~خارجة عنه متعلقة به تعلق التدبير والتصرف تستعمله كيفما ~~شاءت فإذا أرادت فعلا من الأفاعيل الجسمانية تلقيه إلى ما في ~~القلب من الروح الحيواني الذي هو أعدل الأرواح وأصفاها ~~وأقربها منها وأقواها مناسبة إلى عالم المجردات إلقاء روحانيا ~~وهو يلقيه بواسطة ما في الشرايين من الأرواح إلى الدماغ الذي هو ~~منبت الأعصاب التي فيها القوى المحركة للإنسان فعند ذلك يحرك ~~من الأعضاء ما يليق بذلك الفعل من مباديه البعيدة والقريبة ~~فيصدر عنه ذلك بهذه الطريقة فمن عرف نفسه على هذه الكيفية من ~~صفاتها وأفعالها تسنى له أن يترقى إلى معارج معرفة رب العزة ~~عز سلطانه ويطلع على أنه سبحانه منزه عن كونه داخلا في ~~العالم أو خارجا عنه يفعل فيه ما يشاء ويحكم ما يريد بواسطة ما ~~رتبه فيه من الملائكة الذين يستدل على شؤونهم بما ذكر من ~~الأرواح والقوى المرتبة في العالم الإنساني الذي هو نسخة ~~للعالم الأكبر وأنموذج منه وقوله تعالى: { ثم رددنه ~~أسفل سفلين } أي جعلناه من أهل النار الذين هم أقبح ~~من كل قبيح وأسفل من كل سافل لعدم جريانه على موجب ما ~~خلقناه عليه من الصفات التي لو عمل بمقتضاها لكان في أعلى ~~عليين وقيل: رددناه إلى أرذل العمر وهو الهرم بعد الشباب ~~والضعف بعد القوة كقوله تعالى: # ومن نعمره ننكسه ms3408 فى الخلق # [سورة يس، الآية 68] وأيا ما كان فأسفل سافلين إما حال من ~~المفعول أي رددناه حال كونه أسفل سافلين أو صفة لمكان محذوف ~~أي رددناه مكانا أسفل سافلين والأول أظهر وقرىء أسفل ~~السافلين. ### || [95.6-8] # وقوله تعالى: # { إلا الذين ءامنوا وعملوا الصلحت } على الأول ~~استثناء متصل من ضمير رردناه فإنه في معنى الجمع وعلى الثاني ~~منقطع أي لكن الذين كانوا صالحين من الهرمى { فلهم أجر ~~غير ممنون } غير منقطع على طاعتهم وصبرهم على ابتلاء الله ~~تعالى بالشيخوخة والهرم وعلى مقاساة المشاق والقيام بالعبادة ~~على تخاذل نهوضهم أو غير ممنون به عليهم وهذه الجملة على الأول ~~مقررة لما يفيده الاستثناء من خروج المؤمنين عن حكم الرد ~~ومبنية لكيفية حالهم والخطاب في قوله تعالى: { فما يكذبك ~~بعد بالدين } للرسول عليه الصلاة والسلام أي فأي شيء ~~يكذبك دلالة أو نطقا بالجزاء بعد ظهور هذه الدلائل الناطقة به، ~~وقيل: ما بمعنى من، وقيل: الخطاب للإنسان على طريق الالتفات ~~لتشديد التوبيخ والتبكيت أي فما يجعلك كاذبا بسبب الدين ~~وإنكاره بعد هذه الدلائل والمعنى أن خلق الإنسان من نطفة ~~وتقويمه بشرا سويا وتحويله من حال إلى حال كمالا ونقصانا من ~~أوضح الدلائل على قدرة الله عز وجل على البعث والجزاء فأي ~~شيء يضطرك بعد هذا الدليل القاطع إلى أن تكون كاذبا بسبب ~~تكذيبه أيها الإنسان؟ # { أليس الله بأحكم الحكمين } أي أليس الذي فعل ما ~~ذكر بأحكم الحاكمين صنعا وتدبيرا حتى يتوهم عدم الإعادة ~~والجزاء وحيث استحال عدم كونه أحكم الحاكمين تعين الإعادة ~~والجزاء فالجملة تقرير لما قبلها، وقيل: الحكم بمعنى القضاء فهي ~~وعيد للكفار وأنه يحكم عليهم بما يستحقونه من العذاب. # عن النبي صلى الله عليه وسلم: # " أنه كان إذا قرأها يقول بلى وأنا على ذلك من الشاهدين " # وعنه عليه الصلاة والسلام: # " من قرأ سورة والتين أعطاه الله تعالى الخصلتين العافية ~~واليقين ما دام في دار الدنيا وإذا مات أعطاه الله تعالى من ~~الأجر بعدد من قرأ هذه السورة ". ### | [96 - سورة العلق] ### || [96.1-3] # مكية وآيها تسع ms3409 عشرة # { قرأ } أي ما يوحى إليك فإن الأمر بالقراءة يقتضي المقروء ~~قطعا وحيث لم يعين وجب أن يكون ذلك ما يتصل بالأمر حتما ~~سواء كانت السورة أول ما نزل أو لا والأقرب أن هذا إلى قوله ~~تعالى: { ما لم يعلم } أول ما نزل عليه عليه الصلاة السلام ~~كما ينطق به حديث الزهري المشهور وقوله تعالى: { باسم ربك ~~} متعلق بمضمر هو حال من ضمير الفاعل أي اقرأ ملتبسا باسمه ~~تعالى أي مبتدئا به لتتحقق مقارنته لجيمع أجزاء المقروء والتعرض ~~لعنوان الربوبية المنبئة عن التربية والتبيلغ إلى الكمال ~~اللائق شيئا فشيئا مع الإضافة إلى ضميره عليه السلام للإشعار ~~بتبليغه عليه السلام إلى الغاية القاصية من الكمالات البشرية ~~بإنزال الوحي المتواتر ووصف الرب بقوله تعالى: { الذى خلق ~~} لتذكير أول النعماء الفائضة عليه، عليه الصلاة والسلام منه ~~تعالى والتنبيه على أن من قدر على خلق الإنسان على ما هو عليه ~~من الحياة وما يتبعها من الكمالات العلمية والعملية من مادة لم ~~تشم رائحة الحياة فضلا عن سائر الكمالات قادر على تعليم ~~القراءة للحي العالم المتكلم أي الذي أنشأ الخلق واستأثر به أو ~~خلق كل شيء وقوله تعالى: # { خلق الإنسن } على الأول تخصيص لخلق الإنسان بالذكر من ~~بين سائر المخلوقات لاستقلاله ببدائع الصنع والتدبير وعلى ~~الثاني إفراد للإنسان من بين سائر المخلوقات بالبيان وتفخيم ~~لشأنه إذ هو أشرفهم وإليه التنزيل وهو المأمور بالقراءة ويجوز ~~أن يراد بالفعل الأول أيضا خلق الإنسان ويقصد بتجريده عن ~~المفعول الإبهام ثم التفسير روما لتفخيم فطرته وقوله تعالى: { ~~من علق } أي دم جامد لبيان كمال قدرته تعالى بإظهار ما ~~بين حالته الأولى والآخرة من التباين البين وإيراده بلفظ الجمع ~~بناء على أن الإنسان في معنى الجمع لمراعاة الفواصل ولعله هو ~~السر في تخصيصه بالذكر من بين سائر أطوار الفطرة الإنسانية مع ~~كون النطفة والتراب أدل منه على كمال القدرة لكونهما أبعد ~~منه بالنسبة إلى الإنسانية ولما كان خلق الإنسان أو النعم ~~الفائضة عليه عليه الصلاة والسلام منه تعالى أقدم الدلائل ms3410 ~~الدالة على وجوده عز وجل وكمال قدرته وعلمه وحكمته وصف ذاته ~~تعالى بذلك أولا ليستشهد عليه السلام به على تمكينه تعالى له من ~~القراءة ثم كرر الأمر بقوله تعالى: { اقرأ } أي افعل ما أمرت ~~به تأكيدا للإيجاب وتمهيدا لما يعقبه من قوله تعالى: { وربك ~~الأكرم } الخ، فأنه كلام مستأنف وارد لإزاحة ما بينه عليه ~~السلام من العذر بقوله عليه السلام: # " ما أنا بقارىء " # يريد أن القراءة شأن من يكتب ويقرأ وأنا أمي فقيل له: ~~وربك الذي أمرك بالقراءة مبتدئا باسمه هو الأكرم. ### || [96.4-7] # { الذى علم بالقلم } أي علم ما علم بواسطة القلم لا ~~غيره فما علم القارىء بواسطة الكتابة والقلم يعلمك بدونهما ~~وقوله تعالى: # { علم الإنسن ما لم يعلم } بدل اشتمال من علم ~~بالقلم أي علمه به وبدونه من الأمور الكلية والجزئية والجلية ~~والخفية ما لم يخطر بباله وفي حذف المفعول أولا وإيراده ~~بعنوان عدم المعلومية ثانيا من الدلالة على كمال قدرته تعالى ~~وكمال كرمه والإشعار بأنه تعالى يعلمه من العلوم مما لا تحيط ~~به العقول ما لا يخفى { كلا } ردع لمن كفر بنعمة الله تعالى ~~بطغيانه وإن لم يسبق ذكره للمبالغة في الزجر وقوله تعالى: { ~~إن الإنسن ليطغى } أي ليجاوز الحد ويستكبر على ربه ~~بيان للمردوع والمردوع عنه قيل: هذا إلى آخر السورة نزل في ~~أبي جهل بعد زمان وهو الظاهر وقوله تعالى: { أن رءاه ~~استغنى } مفعول له أي يطغى لأن رأى نفسه مستغنيا على أن ~~استغنى مفعول ثان لرأى لأنه بمعنى علم ولذلك ساغ كون فاعله ~~ومفعوله ضميري واحد كما في علمتني وإن جوزه بعضهم في الرؤية ~~البصرية أيضا وجعل من ذلك عائشة رضي الله عنها: «لقد رأيتنا مع ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم وما لنا طعام إلا الأسودان» وتعليل ~~طغيانه برؤيته لا بنفس الاستغناء كما ينبىء عنه قوله تعالى: # ولو بسط الله الرزق لعباده لبغوا فى الأرض # [سورة الشورى، الآية 27] للإيذان بأن مدار طغيانه عمله ~~الفاسد. رويأن أبا جهل قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: ms3411 أتزعم ~~أن من استغنى طغى فاجعل لنا جبال مكة فضة وذهبا لعلنا نأخذ ~~منها فنطغى فندع ديننا ونتبع دينك فنزل عليه جبريل عليه ~~السلام فقال: إن شئت فعلنا ذلك ثم إن لم يؤمنوا فعلنا ~~بهم ما فعلنا بأصحاب المائدة فكف رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~عن الدعاء إبقاء عليهم. ### || [96.8-14] # وقوله تعالى: { إن إلى ربك الرجعى } تهديد للطاغي ~~وتحذير له عن عاقبة الطغيان والالتفات للتشديد في التهديد ~~والرجعى مصدر بمعنى الرجوع كالبشرى، وتقديم الجار والمجرور ~~عليه أي إن إلى مالك أمرك رجوع الكل بالموت والبعث لا إلى ~~غيره استقلالا ولا اشتراكا فسترى حينئذ عاقبة طغيانك وقوله ~~تعالى: # { أرءيت الذى ينهى * عبدا إذا صلى } تقبيح ~~وتشنيع لحاله وتعجيب منها وإيذان بأنها من الشناعة والغرابة ~~بحيث يجب أن يراها كل من يتأتى منه الرؤية ويقضي منها ~~العجب. روي أن أبا جهل قال في ملأ من طغاة قريش لئن رأيت ~~محمدا يصلي لأطأن عنقه فرآه عليه السلام في الصلاة فجاءه ~~ثم نكص على عقبيه فقالوا: ما لك؟ قال: إن بيني وبينه لخندقا ~~من نار وهولا وأجنحة فنزلت ولفظ العبد وتنكيره لتفخيمه عليه ~~السلام واستعظام النهي وتأكيد التعجب منه والرؤية ههنا ~~بصرية وأما ما في قوله تعالى: { أرءيت إن كان على ~~الهدى * أو أمر بالتقوى } وما في قوله تعالى: { ~~أرءيت إن كذب وتولى } فقلبية معناه أخبرني فإن ~~الرؤية لما كانت سببا للإخبار عن المرئي أجرى الاستفهام عنها ~~مجرى الاستخبار عن متعلقها والخطاب لكل من صلح للخطاب، ونظم ~~الأمر والتكذيب والتولي في سلك الشرط المتردد بين الوقوع ~~وعدمه ليس باعتبار نفس الأفعال المذكورة من حيث صدورها عن ~~الفاعل فإن ذلك ليس في حيز التردد أصلا بل باعتبار أوصافها ~~التي هي كونها أمرا بالتقوى وتكذيبا وتوليا كما في قوله تعالى: # قل أرءيتم إن كان من عند الله ثم كفرتم # [سورة فصلت، الآية 52] كما مر والمفعول الأول لأرأيت محذوف وهو ~~ضمير يعود إلى الموصول أو اسم إشارة يشار به إليه ومفعوله ~~الثاني سد مسده الجملة الشرطية ms3412 بجوابها المحذوف فإن المفعول ~~الثاني لأرأيت لا يكون إلا جملة استفهامية أو قسمية والمعنى أخبرني ~~ذلك الناهي إن كان على الهدى فيما ينهي عنه من عبادة الله تعالى ~~أو آمرا بالتقوى فيما يأمر به من عبادة الأوثان كما يعتقده أو ~~مكذبا للحق معرضا عن الصواب كما نقول نحن: { ألم يعلم ~~بأن الله يرى } أي يطلع على أحواله فيجازيه بها حتى ~~اجترأ على ما فعل وإنما أفرد التكذيب والتولي بشرطية مستقلة ~~مقرونة بالجواب مصدرة باستخبار مستأنف ولم ينظما في سلك الشرط ~~الأول بعطفهما على كان للإيذان باستقلالهما بالوقوع في نفس الأمر ~~واستتباع الوعيد الذي ينطق به الجواب، وأما القسم الأول فأمر ~~مستحيل قد ذكر في حيز الشرط لتوسيع الدائرة وهو السر في تجريد ~~الشرطية الأولى عن الجواب والإحالة به على جواب الثانية هذا وقد ~~قيل: أرأيت الأول بمعنى أخبرني مفعوله الأول الموصول ومفعوله ~~الثاني الشرطية الأولى بجوابها المحذوف لدلالة جواب الشرطية ~~الثانية عليه وأرأيت في الموضعين تكرير للتأكيد ومعناه أخبرني ~~عمن ينهى بعض عباد الله عن صلاته إن كان ذلك الناهي على ~~طريقة سديدة فيما ينهى عن عبادة الله تعالى أو كان آمرا بالمعروف ~~والتقوى فيما يأمر به من عبادة الأوثان كما يعتقده وكذلك إن ~~كان على التكذيب للحق والتولي عن الدين الصحيح كما نقول نحن ~~ألم يعلم بأن الله يرى ويطلع على أحواله من هداه وضلاله فيجازيه ~~على حسب ذلك فتأمل وقيل: المعنى أرأيت الذي ينهى عبدا ~~يصلي والمنهي عن الهدى آمر بالتقوى والناهي مكذب متولي فما ~~أعجب من ذا، وقيل: الخطاب الثاني للكافر فإنه تعالى كالحاكم ~~الذي حضره الخصمان يخاطب هذا مرة والآخر أخرى وكأنه قال: يا ~~كافر أخبرني إن كان صلاته هدى ودعاؤه إلى الله تعالى أمرا ~~بالتقوى أتنهاه. # وقيل: هو أمية بن خلف كان ينهى سلمان عن الصلاة. ### || [96.15-18] # { كلا } ردع للناهي اللعين وخسوء له واللام في قوله تعالى: { ~~لئن لم ينته } موطئة للقسم أي والله لئن لم ينته عما ~~هو عليه ولم ينزجر { لنسفعا بالناصية } لنأخذن ms3413 بناصيته ~~ولنسحبنه بها إلى النار والسفع القبض على الشيء وجذبه بعنف ~~وشدة وقرىء لنسفعن بالنون المشددة وقرىء لأسفعن وكتبته في ~~المصحف بالألف على حكم الوقف والاكتفاء بلام العهد عن الإضافة ~~لظهور أن المراد ناصية المذكور { ناصية كذبة خاطئة } ~~بدل من الناصية وإنما جاز إبدالها من المعرفة وهي نكرة لوصفها ~~وقرئت بالرفع على هي ناصية وبالنصب وكلاهما على الذم والشتم ~~ووصفها بالكذب والخطإ على الإسناد المجازي وهما لصاحبها وفيه من ~~الجزالة ما ليس في قوله ناصية كاذب خاطىء { فليدع ناديه ~~} أي أهل ناديه ليعينوه وهو المجلس الذي ينتدي فيه القوم أي ~~يجتمعون. روي أن أبا جهل مر برسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وهو يصلي فقال ألم أنهك فأغلظ له رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فقال: أتهددني وأنا أكثر أهل الوادي ناديا فنزلت: { سندع ~~الزبانية } ليجروه إلى النار والزبانية الشرط، الواحد ~~زبنية كعفرية من الزبن وهو الدفع وقيل: زبني وكأنه نسب ~~إلى الزبن ثم غير كأمسى وأصلها زباني فقيل: زبانية بتعويض ~~التاء عن الياء والمراد ملائكة العذاب وعن النبي صلى الله عليه ~~وسلم: # " لو دعا ناديه لأخذته الزبانية عيانا " ### || [96.19] # { كلا } ردع بعد ردع وزجر إثر زجر { لا تطعه } أي دم ~~على ما أنت عليه من معاصاته { واسجد } وواظب على سجودك ~~وصلاتك غير مكترث به { واقترب } وتقرب بذلك إلى ربك وفي ~~الحديث # " أقرب ما يكون العبد إلى ربه إذا سجد " # عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " من قرأ سورة العلق أعطي من الأجر كأنما قرأ المفصل كله ~~". ### | [97 - سورة القدر] ### || [97.1-3] # مختلف فيها، وآيها خمس # { إنا أنزلنه فى ليلة القدر } تنويه بشأن القرآن ~~الكريم وإجلال لمحله بإضماره المؤذن بغاية نباهته المغنية عن ~~التصريح به كأنه حاضر في جميع الأذهان وبإسناد إنزاله إلى نون ~~العظمة المنبىء عن كمال العناية به وتفخيم وقت إنزاله بقوله ~~تعالى: { وما أدراك ما ليلة القدر } لما فيه من ~~الدلالة على أن علو قدرها خارج عن دائرة دراية الخلق لا ~~يدريها ولا يدريها إلا علام الغيوب ms3414 كما يشعر به قوله ~~تعالى: { ليلة القدر خير من ألف شهر } فإنه بيان ~~إجمالي لشأنها إثر تشويقه عليه السلام إلى درايتها فإن ذلك ~~معرب عن الوعد بإدرائها وقد مر بيان كيفية إعراب الجملتين وفي ~~إظهار ليلة القدر في الموضعين من تأكيد التفخيم ما لا يخفى ~~والمراد بإنزاله فيها إما إنزال كله إلى السماء الدنيا كما ~~روي أنه أنزل جملة واحدة في ليلة القدر من اللوح المحفوظ إلى ~~السماء الدنيا وأملاه جبريل عليه السلام على السفرة ثم كان ~~ينزله على النبي عليه السلام نجوما في ثلاث وعشرين سنة ~~وإما ابتداء إنزاله فيها كما نقل عن الشعبي. وقيل: المعنى ~~أنزلناه في شأن ليلة القدر وفضلها كما في قول عمر رضي الله عنه: ~~خشيت أن ينزل في قرآن، وقول عائشة رضي الله عنها: لأنا أحقر في ~~نفسي من أن ينزل في قرآن فالأنسب أن يجعل الضمير حينئذ للسورة ~~التي هي جزء من القرآن لا للكل واختلفوا في وقتها فأكثرهم على أنها ~~في شهر رمضان في العشر الأواخر في أوتارها وأكثر الأقوال أنها ~~السابعة منها ولعل السر في إخفائها تعريض من يريدها للثواب ~~الكثير بإحياء الليالي الكثيرة رجاء لموافقتها وتسميتها بذلك إما ~~لتقدير الأمور وقضائها فيها لقوله تعالى: # فيها يفرق كل أمر حكيم # [سورة الدخان، الآية 4] أو لخطرها وشرفها على سائر الليالي وتخصيص ~~الألف بالذكر إما للتكثير أو لما روي أنه عليه السلام ذكر ~~رجلا من بني إسرائيل لبس السلاح في سبيل الله ألف شهر فعجب ~~المؤمنون منه وتقاصرت إليهم أعمالهم فأعطوا ليلة هي خير من مدة ~~ذلك الغازي وقيل: إن الرجل فيما مضى ما كان يقال له عابد ~~حتى يعبد الله تعالى ألف شهر فأعطوا ليلة إن أحيوها كانوا ~~أحق بأن يسموا عابدين من أولئك العباد، وقيل: أري النبي ~~عليه السلام أعمار الأمم كافة فاستقصر أعمار أمته فخاف أن لا ~~يبلغوا من العمل مثل ما بلغ غيرهم في طول العمر فأعطاه الله ليلة ~~القدر وجعلها خيرا من ألف شهر لسائر الأمم، وقيل: كان ms3415 ملك ~~سليمان خمسمائة شهر وملك ذي القرنين خمسمائة شهر فجعل الله ~~تعالى العمل في هذه الليلة لمن أدركها خيرا من ملكهما. ### || [97.4-5] # وقوله تعالى: # { تنزل الملئكة والروح فيها } استئناف مبين ~~لمناط فضلها على تلك المدة المتطاولة وقد سبق في سورة النبأ ما ~~قيل في شأن الروح على التفصيل وقيل: هم خلق من الملائكة لا ~~يراهم الملائكة إلا تلك الليلة أي تنزل الملائكة والروح في تلك ~~الليلة من كل سماء إلى الأرض أو إلى السماء الدنيا { بإذن ~~ربهم } متعلق بتنزل أو بمحذوف هو حال من فاعله أي ملتبسين ~~بإذن ربهم أي بأمره { من كل أمر } أي من أجل كل أمر قضاه ~~الله عز وجل لتلك السنة إلى قابل كقوله تعالى: # فيها يفرق كل أمر حكيم # [سورة الدخان، الآية 4] وقرىء من كل امرىء أي من أجل كل ~~إنسان، قيل: لا يلقون فيها مؤمنا مؤمنة إلا سلموا عليه { سلم ~~هى } أي ما هي إلا سلامة أي لا يقدر الله تعالى إلا السلامة ~~والخير وأما في غيرها فيقضي سلامة وبلاء أو ما هي إلا سلام ~~لكثرة ما يسلمون فيها على المؤمنين { حتى مطلع الفجر } ~~أي وقت طلوعه وقرىء بالكسر على أنه مصدر كالمرجع أو اسم زمان ~~على غير قياس كالمشرق وحتى متعلقة بتنزل على أنها غاية لحكم ~~التنزل أي لمكثهم في محل تنزلهم أو لنفس تنزلهم بأن لا ينقطع ~~تنزلهم فوجا بعد فوج إلى طلوع الفجر، وقيل: متعلقة بسلام بناء ~~على أن الفصل بين المصدر ومعموله بالمبتدأ مغتفر في الجار. # عن النبي صلى الله عليه وسلم: # " من قرأ سورة القدر أعطي من الأجر كمن صام رمضان وأحيا ~~ليلة القدر ". ### | [98 - سورة البينة] ### || [98.1-2] # مختلف فيها، وآيها ثمان # { لم يكن الذين كفروا من أهل الكتب } أي ~~اليهود والنصارى وإيرادهم بذلك العنوان للإشعار بعلة ما نسب ~~إليهم من الوعد باتباع الحق فإن مناط ذلك وجدانهم له في ~~كتابهم وإيراد الصلة فعلا لما أن كفرهم حادث بعد أنبيائهم { ~~والمشركين } أي عبدة الأصنام وقرىء والمشركون عطفا على ~~الموصول ms3416 { منفكين } أي عما كانوا عليه من الوعد باتباع الحق ~~والإيمان بالرسول المبعوث في آخر الزمان والعزم على إنجازه وهذا ~~الوعد من أهل الكتاب مما لا ريب فيه حتى إنهم كانوا يستفتحون ~~ويقولون: اللهم افتح علينا وانصرنا بالنبي المبعوث في آخر ~~الزمان ويقولون لأعدائهم من المشركين: قد أظل زمان نبي يخرج ~~بتصديق ما قلنا فنقتلكم معه قتل عاد وإرم وأما من المشركين ~~فلعله قد وقع من متأخريهم بعد ما شاع ذلك من أهل الكتاب ~~واعتقدوا صحته بما شاهدوا من نصرتهم على أسلافهم كما يشهد به أنهم ~~كانوا يسألونهم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم هل هو المذكور في ~~كتابهم وكانوا يغرونهم بتغيير نعوته عليه السلام وانفكاك ~~الشيء أن يزايله بعد التحامه كالعظم إذا انفك من مفصله وفيه ~~إشارة إلى كمال وكادة وعدهم أي لم يكونوا مفارقين للوعد المذكور ~~بل كانوا مجمعين عليه عازمين على إنجازه { حتى تأتيهم ~~البينة } التي كانوا قد جعلوا إتيانها ميقاتا لاجتماع الكلمة ~~والاتفاق على الحق فجعلوه ميقاتا للانفكاك والافتراق وإخلاف ~~الوعد والتعبير عن إتيانها بصيغة المضارع باعتبار حال المحكي ~~لا باعتبار حال الحكاية كما في قوله تعالى: # واتبعوا ما تتلوا الشيطين # [سورة البقرة، الآية 102] أي تلت وقوله تعالى: # { رسول } بدل من البينة عبر عنه عليه السلام بالبينة ~~للإيذان بغاية ظهور أمره وكونه ذلك الموعود في الكتابين وقوله ~~تعالى: { من الله } متعلق بمضمر هو صفة لرسول مؤكد لما أفاده ~~التنوين من الفخامة الذاتية بالفخامة الإضافية أي رسول وأي رسول ~~كائن منه وقوله تعالى: { يتلو } صفة أخرى أو حال من الضمير في ~~متعلق الجار { صحفا مطهرة } أي منزهة عن الباطل لا يأتيه ~~الباطل من بين يديه ولا من خلقه أو من أن يمسه غير المطهرين ~~ونسبة تلاوتها إليه عليه السلام من حيث إن تلاوة ما فيها ~~بمنزلة تلاوتها. ### || [98.3-5] # وقوله تعالى: { فيها كتب قيمة } صفة لصحفا أو حال من ~~ضميرها من مطهرة ويجوز أن يكون الصفة أو الحال الجار والمجرور ~~فقط وكتب مرتفعا به على الفاعلية ومعنى قيمة ms3417 مستقيمة ناطقة ~~بالحق والصواب. وقوله تعالى: # { وما تفرق الذين أوتوا الكتب } إلخ كلام مسوق ~~لغاية تشنيع أهل الكتاب خاصة وتغليظ جناياتهم ببيان أن ما ~~نسب إليهم من الانفكاك لم يكن لاشتباه ما في الأمر بل كان بعد ~~وضوح الحق وتبين الحال وانقطاع الأعذار بالكلية وهو السر في ~~وصفهم بإيتاء الكتاب المنبىء عن كمال تمكنهم من مطالعته ~~والإحاطة بما في تضاعيفه من الأحكام والأخبار التي من جملتها ~~نعوت النبي عليه الصلاة والسلام بعد ذكرهم فيما سبق بما ~~هو جار مجرى اسم الجنس للطائفتين ولما كان هؤلاء ~~والمشركون باعتبار اتفاقهم على الرأي المذكور في حكم فريق واحد ~~عبر عما صدر عنهم عقيب الاتفاق عند الإخبار بوقوعه بالانفكاك ~~وعند بيان كيفية وقوعه بالتفرق اعتبار الاستقلال كل من فريقي أهل ~~الكتاب وإيذانا بأن انفكاكهم عن الرأي المذكور ليس بطريق الاتفاق على ~~رأي أخر بل بطريق الاختلاف القديم وقوله تعالى. # { إلا من بعد ما جاءتهم البينة } استثناء مفرغ من ~~أعم الأوقات أي وما تفرقوا في وقت من الأوقات إلا من بعد ما ~~جاءتهم الحجة الواضحة الدالة على أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم هو الموعود في كتابهم دلالة جلية لا ريب فيها كقوله تعالى: # وما اختلف الذين أوتوا الكتب إلا من بعد ما ~~جاءهم العلم # [سورة آل عمران، الآية 19]. وقوله تعالى { وما أمروا إلا ~~ليعبدوا الله } جملة حالية مفيدة لغاية قبح ما فعلوا أي ~~والحال أنهم ما أمروا بما أمروا في كتابهم إلا لأجل أن ~~يعبدوا الله، وقيل: اللام بمعنى أن أي إلا بأن يعبدوا الله، ~~ويعضده قراءة إلا أن يعبدوا الله { مخلصين له الدين } أي ~~جاعلين دينهم خالصا له تعالى أو جاعلين أنفسهم خالصة له ~~تعالى في الدين. { حنفاء } مائلين عن جميع العقائد الزائغة ~~إلى الإسلام { ويقيموا الصلوة ويؤتوا الزكوة } إن ~~أريد بهما ما في شريعتهم من الصلاة والزكاة فالأمر ظاهر وإن ~~أريد ما في شريعتنا فمعنى أمرهم بهما في الكتابين أن أمرهم ~~باتباع شريعتنا أمر لهم بجميع أحكامها التي هما من جملتها. ms3418 # { وذلك } إشارة إلى ما ذكر من عبادة الله تعالى بالإخلاص ~~وإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وما فيه من معنى البعد للإشعار ~~بعلو رتبته وبعد منزلته. { دين القيمة } أي دين الملة ~~القيمة، وقرىء الدين القيمة على تأويل الدين بالملة. هذا وقد ~~قيل: قوله تعالى: { لم يكن الذين كفروا } إلى قوله كتب ~~قيمة حكاية لما كانوا يقولونه قبل مبعثه عليه السلام من ~~أنهم لا ينفكون عن دينهم إلى مبعثه ويعدون أن ينفكوا عنه ~~حينئذ ويتفقوا على الحق وقوله تعالى: { وما تفرق الذين ~~أوتوا الكتب } الخ بيان لإخلافهم الوعد وتعكيسهم الأمر ~~بجعلهم ما هو سبب لانفكاكهم عن دينهم الباطل حسبما وعدوه سببا ~~لثباتهم عليه وعدم انفكاكهم عنه ومثل ذلك بأن يقول الفقير ~~الفاسق لمن يعظه لا أنفك عما أنا فيه حتى أستغني فيستغني ~~فيزداد فسقا فيقول له واعظه لم تكن منفكا عن الفسق حتى توسر ~~وما عكفت على الفسق إلا بعد اليسار، وأنت خبير بأن هذا إنما ~~يتسنى بعد اللتيا والتي على تقدير أن يراد بالتفرق تفرقهم عن ~~الحق بأن يقال التفرق عن الحق مستلزم للثبات على الباطل فكأنه ~~قيل: وما أجمعوا على دينهم إلا من بعد ما جاءتهم البينة وأما ~~على تقدير أن يراد به تفرقهم فرقا فمنهم من آمن ومنهم من أنكر ~~ومنهم من عرف وعاند كما جوزه القائل فلا فتأمل. ### || [98.6-7] # { إن الذين كفروا من أهل الكتب والمشركين ~~فى نار جهنم } بيان لحال الفريقين في الآخرة بعد بيان ~~حالهم في الدنيا، وذكر المشركين لئلا يتوهم اختصاص الحكم ~~بأهل الكتاب حسب اختصاص مشاهدة شواهد النبوة في الكتاب بهم ~~ومعنى كونهم فيها أنهم بصيرون إليها يوم القيامة، وإيراد ~~الجملة الاسمية للإيذان بتحقق مضمونها لا محالة أو أنهم فيها الآن ~~إما على تنزيل ملابستهم لما يوجبها منزلة ملابستهم لها وإنا على ~~أن ما هم فيه من الكفر والمعاصي عين النار إلا أنها ظهرت في ~~هذه النشأة بصورة عرضية وستخلعها في النشأة الآخرة وتظهر ~~بصورتها الحقيقية كما في قوله تعالى: # وإن جهنم لمحيطة بالكفرين # [سورة ms3419 التوبة، الآية 49 وسورة العنكبوت، الآية 54]في سورة الأعراف. # { خلدين فيها } حال من المستكن في الخبر، واشتراك ~~الفريقين في دخول دار العذاب بطريق الخلود لا ينافي تفاوت ~~عذابهم في الكيفية فإن جهنم دركات وعذابها ألوان { أولئك ~~} إشارة إليهم باعتبار اتصافهم بما هم فيه من القبائح المذكورة ~~وما فيه من معنى البعد للإشعار بغاية بعد منزلتهم في الشر أي ~~أولئك البعداء المذكورون { هم شر البرية } شر الخليقة ~~أي أعمالا وهو الموافق لما سيأتي في حق المؤمنين فيكون في حيز ~~التعليل لخلودهم في النار، أو شرهم مقاما ومصيرا فيكون تأكيدا ~~لفظاعة حالهم، وقرىء بالهمز على الأصل. # { إن الذين ءامنوا وعملوا الصلحت } بيان ~~لمحاسن أحوال المؤمنين إثر بيان سوء حال الكفرة جريا على السنة ~~القرآنية من شفع الترهيب بالترغيب { أولئك } المنعوتون بما ~~هو في الغاية القاصية من الشرف والفضيلة من الإيمان والطاعة. { هم ~~خير البرية } وقرىء خيار البرية وهو جمع خير، نحو جيد ~~وجياد. ### || [98.8] # { جزآؤهم } بمقابلة ما لهم من الإيمان والطاعة { عند ~~ربهم جنت عدن * تجرى من تحتها الأنهر } إن ~~أريد بالجنات الأشجار الملتفة الأغصان كما هو الظاهر، فجريان ~~الأنهار من تحتها ظاهر، وإن أريد بها مجموع الأرض وما عليها فهو ~~باعتبار الجزء الظاهر، وأيا ما كان فالمراد جريانها بغير ~~أخدود. { خلدين فيها أبدا } متنعيمن بفنون النعم ~~الجسمانية والروحانية وفي تقديم مدحهم بخيرية البرية وذكر الجزاء ~~المؤذن بكون ما منحوه في مقابلة ما وصفوا به وبيان كونه من ~~عنده تعالى والتعرض لعنوان الربوبية المنبئة عن التربية ~~والتبليغ إلى الكمال مع الإضافة إلى ضميرهم وجمع الجنات ~~وتقييدها بالإضافة وبما يزيدها نعيما وتأكيدا الخلود بالأبود من ~~الدلالة على غاية حسن حالهم ما لا يخفى. { رضى الله ~~عنهم } استئناف مبين لما يتفضل عليهم زيادة على ما ذكر من ~~أجزية أعمالهم { ورضوا عنه } حيث بلغوا من المطالب قاصيتها ~~وملكوا من المآرب ناصيتها وأتيح لهم ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ~~ولا خطر على قلب بشر { ذلك } أي ما ذكر من الجزاء والرضوان { ~~لمن خشى ربه ms3420 } فإن الخشية التي هي من خصائص العلماء ~~بشؤون الله عز وجل مناط لجميع الكمالات العلمية والعملية ~~المستتبعة للسعادة الدينية والدنيوية. والتعرض لعنوان الربوبية ~~المعربة عن المالكية والتربية للإشعار بعلة الخشية والتحذير من ~~الاغترار بالتربية. # عن النبي صلى الله عليه وسلم: # " من قرأ سورة البينة كان يوم القيامة مع خير البرية مساء ~~ومقيلا ". ### | [99 - سورة الزلزلة] ### || [99.1-4] # مختلف فيها، وآيها ثمان # { إذا زلزلت الأرض } أي حركت تحريكا عنيفا متكررا ~~متداركا { زلزالها } أي الزلزال المخصوص بها على مقتصى ~~المشيئة الإلهية المبنية على الحكم البالغة وهو الزلزال الشديد ~~الذي لا غاية وراءه أو زلزالها العجيب الذي لا يقادر قدره أو ~~زلزالها الداخل في حيز الإمكان وقرىء بفتح الزاي وهو اسم ~~وليس في الأبنية فعلال بالفتح إلا في المضاعف وقولهم خزعال ~~نادر وقد قيل: الزلزال بالفتح أيضا مصدر كالوسواس والجرجار ~~والقلقال وذلك عند النفخة الثانية لقوله عز وجل { ~~وأخرجت الأرض أثقالها } أي ما في جوفها من الأموات ~~والدفائن جمع ثقل وهو متاع البيت وإظهار الأرض في موقع ~~الإضمار لزيادة التقرير أو للإيماء إلى تبدل الأرض غير الأرض أو ~~لأن إخراج الأثقال حال بعض أجزائها { وقال الإنسن } أي ~~كل فرد من أفراده لما يدهمهم من الطامة التامة ويبهرهم ~~من الداهية العامة { ما لها } زلزلت هذه المرتبة الشديدة ~~من الزلزال وأخرجت ما فيها من الأثقال استعظاما لما شاهدوه من ~~الأمر الهائل وقد سيرت الجبال في الجو وصيرت هباء وقيل: هو ~~قول الكافر إذ لم يكن مؤمنا بالبعث والأظهر هو الأول على ~~أن المؤمن يقوله بطريق الاستعظام والكافر بطريق التعجب { ~~يومئذ } بدل من إذا وقوله تعالى: { تحدث أخبارها } ~~عامل فيهما ويجوز أن يكون إذا منتصبا بمضمر أي يوم إذ زلزلت ~~الأرض تحدث الخلق أخبارها إما بلسان الحال حيث تدل دلالة ~~ظاهرة على ما لأجله زلزالها وإخراج أثقالها وإما بلسان المقال ~~حيث ينطقها الله تعالى فتخبر بما عمل عليها من خير وشر وروي ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم: # " أنها تشهد على كل أحد بما عمل على ظهرها ms3421 " # وقرىء تنبىء أخبارها وقرىء تنبىء من الإنباء. ### || [99.5-8] # { بأن ربك أوحى لها } أي تحدث أخبارها بسبب إيحاء ~~ربك لها وأمره إياها بالتحديث على أحد الوجهين ~~ويجوز أن يكون بدلا من أخبارها كأنه قيل: تحدث ~~بأخبارها بأن ربك أوحى لأن التحديث يستعمل بالباء وبدونا ~~وأوحى لها بمعنى أوحى إليها. # { يومئذ } أي يوم إذ يقع ما ذكر { يصدر الناس } من ~~قبورهم إلى موقف الحساب { أشتاتا } متفرقين بحسب طبقاتهم بيض ~~الوجوه آمنين وسود الوجوه فزعين كما مر في قوله تعالى فتأتون ~~أفواجا وقيل: يصدرون عن الموقف أشتاتا ذات اليمين إلى الجنة ~~وذات الشمال إلى النار { ليروا أعملهم } أي أجزية ~~أعمالهم خيرا كان أو شرا وقرىء ليروا بالفتح وقوله تعالى: { ~~فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره * ومن يعمل ~~مثقال ذرة شرا يره } تفصيل ليروا وقرىء يره ~~والذرة النملة الصغيرة وقيل ما يرى في شعاع الشمس من الهباء ~~وأيا ما كان فمعنى ما يعادلها من خير وشر إما مشاهدة جزائه ~~فمن الأولى مختصة بالسعداء والثانية بالأشقياء كيف لا وحسنات ~~الكافر محبطة بالكفر وسيئات المؤمن المجتنب عن الكبائر معفوة وما ~~قيل: من أن حسنة الكافر تؤثر في نقص العقاب يرده قوله تعالى: # وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء ~~منثورا # [سورة الفرقان، الآية 23] وأما مشاهدة نفسه من غير أن يعتبر معه ~~الجزاء ولا عدمه بل يفوض كل منهما إلى سائر الدلائل الناطقة ~~بعفو صغائر المؤمن المجتنب عن الكبائر وإثابته بجميع حسناته ~~وبحبوط حسنات الكافر ومعاقبته بجميع معاصيه فالمعنى ما روي ~~عن ابن عباس رضي الله عنهما: # " ليس من مؤمن ولا كافر عمل خيرا أو شرا إلا أراه الله تعالى ~~إياه أما المؤمن فيغفر له سيئاته ويثيبه بحسناته وأما الكافر ~~فيرد حسناته تحسرا ويعاقبه بسيئاته " # عن النبي صلى الله عليه وسلم: # " من قرأ سورة إذا زلزلت أربع مرات كان كمن قرأ القرآن ~~كله " # والله أعلم. ### | [100 - سورة العاديات] ### || [100.1-5] # مختلف فيها، وآيها إحدى عشرة # { والعديت } أقسم سبحانه بخيل الغزاة التي تعدو نحو ~~العدو وقوله تعالى: { ضبحا ms3422 } مصدر منصوب إما بفعله المحذوف ~~الواقع حالا منها أي تضبح ضبحا وهو صوت أنفاسها عند عدوها أو ~~بالعاديات فإن العدو مستلزم للضبح كأنه قيل: والضابحات أو حال ~~على أنه مصدر بمعنى الفاعل أي ضابحات { فالموريت قدحا } ~~الإيراء إخراج النار والقدح الصك يقال قدح فأورى أي ~~فالتي تورى النار من حوافرها وانتصاب قدحا كانتصاب ضبحا على ~~الوجوه الثلاثة { فالمغيرت } أسند الإغارة التي هي مباغتة ~~العدو للنهب أو للقتل أو للأسر إليها وهي حال أهلها وإيذانا ~~بأنها العمدة في إغارتهم { صبحا } أي في وقت الصبح وهو المعتاد ~~في الغارات يعدون ليلا لئلا يشعر بهم العدو ويهجمون علهيم صباحا ~~ليروا ما يأتون وما يذرون وقوله تعالى: { فأثرن به } ~~عطف على الفعل الذي دل عليه اسم الفاعل إذ المعنى واللاتي ~~عدون فأورين فأغرن فأثرن به أي فهيجن بذلك الوقت { نقعا } ~~أي غبارا وتخصيص إثارته بالصبح لأنه لا يثور أو لا يظهر ~~ثورانه بالليل وبهذا ظهر أن الإيراء الذي لا يظهر في النهار ~~واقع في الليل ولله در شأن التنزيل وقيل النقع الصياح ~~والجلبة وقرىء فأثرن بالتشديد بمعنى فأظهرن به غبارا ~~لأن التأثير فيه معنى الإظهار { فوسطن به } أي توسطن ~~بذلك الوقت أو توسطن ملتبسات بالنقع { جمعا } من جموع الأعداء ~~والفاءات للدلالة على ترتب ما بعد كل منها على ما قبلها كما ~~في قوله: # يا لهف زيابة للحارث # الصابح فالغانم فالآيب # فإن توسط الجمع مترتب على الإثارة المترتبة على الإغارة ~~المترتبة على الإيراء المترتب على العدو. ### || [100.6-11] # وقوله تعالى: { إن الإنسن لربه لكنود } أي لكفور ~~من كند النعمة كنودا جواب القسم والمراد بالإنسان بعض أفراده. ~~روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث إلى أناس من بني ~~كنانة سرية واستعمل عليها المنذر بن عمرو الأنصاري وكان أحد ~~النقباء فأبطأ عليه الصلاة والسلام خبرها شهرا فقال المنافقون ~~إنهم قتلوا فنزلت السورة إخبارا للنبي عليه عليه الصلاة ~~والسلام بسلامتها وبشارة له بإغارتها على القوم ونعيا على ~~المرجفين في حقهم ما هم فيه من الكنود وفي تخصيص ms3423 خيل الغزاة ~~بالإقسام بها من البراعة ما لا مزيد عليه كأنه قيل: وخيل ~~الغزاة التي فعلت كيت وكيت وقد أرجف هؤلاء في حق أربابها ما ~~أرجفوا أنهم مبالغون في الكفران { وإنه على ذلك } أي ~~وإن الإنسان على كنوده { لشهيد } يشهد على نفسه بالكنود ~~لظهور أثره عليه { وإنه لحب الخير } أي المال كما في ~~قوله تعالى إن ترك خيرا { لشديد } أي قوي مطيق مجد في ~~طلبه وتحصيله متهالك عليه يقال هو شديد لهذا الأمر وقوي له ~~إذا كان مطيقا له ضابطا وقيل: الشديد البخيل أي إنه لأجل ~~حب المال وثقل إنفاقه عليه لبخيل ممسك ولعل وصفه بهذا ~~الوصف القبيح بعد وصفه بالكنود للإيماء إلى أن من جملة الأمور ~~الداعية للمنافقين إلى النفاق حب المال لأنهم بما يظهرون من ~~الإيمان يعصمون أموالهم ويحوزون من الغنائم نصيبا وقوله تعالى: ~~{ أفلا يعلم إذا بعثر ما فى القبور } الخ تهديد ~~ووعيد والهمزة للإنكار والفاء للعطف على مقدر يقتضيه المقام أي ~~أيفعل ما يفعل من القبائح أو ألا يلاحظ فلا يعلم حاله إذا بعث ~~من في القبور من الموتى وإيراد ما لكونهم إذ ذاك بمعزل عن ~~رتبة العقلاء وقرىء بحثر وبحث وبحثر وبحث على بنائهما ~~للفاعل { وحصل } أي جمع محصلا أو ميز خيره من شره وقرىء ~~وحصل مبنيا للفاعل وحصل مخففا { ما فى الصدور } من ~~الأسرار الخفية التي من جملتها ما يخفيه المنافقون من الكفر ~~والمعاصي فضلا عن الأعمال الجلية { إن ربهم } أي المبعوثين ~~كنى عنهم بعد الإحياء الثاني بضمير العقلاء بعد ما عبر ~~عنهم قبل ذلك بما بناء على تفاوتهم في الحالين كما فعل نظيره ~~بعد الإحياء الأول حيث التفت إلى الخطاب في قوله تعالى: # وجعل لكم السمع والأبصر # [سورة النحل، الآية 78] الآية بعد قوله: # ثم سواه ونفخ فيه من روحه # [سورة السجدة، الآية 9] إيذانا بصلاحيتهم للخطاب بعد نفخ الروح ~~وبعدمها قبله كما أشير إليه هناك { بهم } بذواتهم وصفاتهم ~~وأحوالهم بتفاصيلها { يومئذ } يوم إذ يكون ما ذكر من بعث ما ~~في القبور وتحصيل ما في ms3424 الصدور { لخبير } أي عالم بظواهر ما ~~عملوا وبواطنه علما موجبا للجزاء متصلا به كما ينبىء عنه ~~تقييده بذلك اليوم وإلا فمطلق علمه سبحانه محيط بما كان وما ~~سيكون وقوله تعالى بهم ويومئذ متعلقان بخبير قدما عليه لمراعاة ~~الفواصل واللام غير مانعة من ذلك وقرأ ابن السماك إن ربهم ~~بهم يومئذ خبير. # عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " من قرأ سورة والعاديات أعطي من الأجر عشر حسنات بعدد ~~من بات بمزدلفة وشهد جمعا ". ### | [101 - سورة القارعة] ### || [101.1-4] # مكية وآيها إحدى عشرة # { القارعة } القرع هو الضرب بشدة واعتماد بحيث يحصل منه ~~صوت شديد وهي القيامة التي مبدؤها النفخة الأولى ومنتهاها ~~فصل القضاء بين الخلائق كما مر في سورة التكوير سميت بها ~~لأنها تقرع القلوب والأسماع بفنون الأفزاع والأهوال وتخرج ~~جميع الأجرام العلوية والسفلية من حال إلى حال السماء بالانشقاق ~~والانفطار والشمس والنجوم بالتكوير والانكدار والانتشار والأرض ~~بالزلزال والتبديل والجبال بالدك والنسف وهي مبتدأ خبره قوله ~~تعالى: { ما القارعة } على أن ما الاستفهامية خبر القارعة ~~مبتدأ لا بالعكس لما مر غير مرة أن محط الفائدة هو الخبر ~~لا المبتدأ ولا ريب في أن مدار إفادة الهول والفخامة ههنا هو ~~كلمة ما لا القارعة أي أي شيء عجيب هي في الفخامة والفظاعة ~~وقد وضع الظاهر موضع الضمير تأكيدا للتهويل وقوله تعالى: { وما ~~أدراك ما القارعة } تأكيد لهولها وفظاعتها ببيان خروجها ~~عن دائرة علوم الخلق على معنى أن عظم شأنها ومدى ~~شدتها بحيث لا تكاد تناله دراية أحد حتى يدريك بها وما ~~فى حيز الرفع على الابتداء وأدراك هو الخبر ولا سبيل إلى العكس ~~ههنا وما القارعة جملة كما مر محلها النصب على نزع الخافض ~~لأن أدرى يتعدى إلى المفعول الثاني بالباء كما في قوله تعالى: # ولا أدراكم به # [سورة يونس، الآية 16] فلما وقعت الجملة الاستفهامية معلقة له ~~كانت في موقع المفعول الثاني له والجملة الكبيرة معطوفة على ~~ما قبلها من الجملة الواقعة خبرا للمبتدأ الأول أي وأي شيء ~~أعلمك ما شأن القارعة ولما ms3425 كان هذا منبئا عن الوعد الكريم ~~بإعلامها أنجز ذلك بقوله تعالى: # { يوم يكون الناس كالفراش المبثوث } على أن يوم ~~مرفوع على أنه خبر مبتدأ محذوف وحركته الفتح لإضافته إلى ~~الفعل وإن كان مضارعا كما هو رأي الكوفيين أي هي يوم يكون ~~الناس فيه كالفراش المبثوث في الكثرة والانتشار والضعف والذلة ~~والاضطراب والتطاير إلى الداعي كتطاير الفراش إلى النار أو منصوب ~~بإضمار اذكر كأنه قيل بعد تفخيم أمر القارعة وتشويقه عليه ~~الصلاة والسلام إلى معرفتها اذكر يوم يكون الناس الخ فإنه ~~يدريك ما هي هذا وقد قيل: إنه ظرف ناصبه مضمر يدل عليه ~~القارعة أي تقرع يوم يكون الناس الخ وقيل: تقديره ستأتيكم ~~القارعة يوم يكون الخ. ### || [101.5-6] # { وتكون الجبال كالعهن المنفوش } أي كالصوف الملون ~~بالألوان المختلفة المندوف في تفرق أجزائها وتطايرها في الجو ~~حسبما نطق به قوله تعالى: # وترى الجبال تحسبها جامدة وهى تمر مر ~~السحاب # [سورة النمل، الآية 88] وكلا الأمرين من آثار القارعة بعد النفخة ~~الثانية عند حشر الخلق يبدل الله عز وجل الأرض غير الأرض ~~ويغير هيئاتها ويسير الجبال عن مقارها على ما ذكر من الهيئات ~~الهائلة ليشاهدها أهل المحشر وهي وإن اندكت وتصدعت عند النفخة ~~الأولى لكن تسييرها وتسوية الأرض إنما يكونان بعد النفخة الثانية ~~كما ينطق به قوله تعالى: # ويسئلونك عن الجبال فقل ينسفها ربى نسفا * ~~فيذرها قاعا صفصفا * لا ترى فيها عوجا ولا أمتا ~~* يومئذ يتبعون الداعى # [سورة طه، الآيات 105 - 108] وقوله تعالى: # يوم تبدل الأرض غير الأرض والسموت وبرزوا ~~لله الواحد القهار # [سورة إبراهيم، الآية 48] فإن اتباع الداعي الذي هو إسرافيل عليه ~~السلام وبروز الخلق لله سبحانه لا يكون إلا بعد البعث قطعا وقد ~~مر تمام الكلام في سورة النمل وقوله تعالى: { فأما من ~~ثقلت موزينه } الخ بيان إجمالي لتحزب الناس إلى حزبين ~~وتنبيه على كيفية الأحوال الخاصة بكل منهما إثر بيان ~~الأحوال الشاملة للكل والموازين إما جمع الموزون وهو العمل ~~الذي له وزن وخطر عند الله كما قاله الفراء أو جمع ميزان ~~قال ms3426 ابن عباس رضي الله عنهما إنه ميزان له لسان وكفتان لا ~~يوزن فيه إلا الأعمال قالوا توضع فيه صحائف الأعمال فينظر إليه ~~الخلائق إظهارا للمعدلة وقطعا للمعذرة وقيل: الوزن عبارة عن ~~القضاء السوي والحكم العادل وبه قال مجاهد والأعمش والضحاك ~~واختاره كثير من المتأخرين قالوا إن الميزان لا يتوصل به إلا ~~إلى معرفة مقادير الأجسام فكيف يمكن أن يعرف به مقادير الأعمال ~~التي هي أعراض منقضية وقيل: إن الأعمال الظاهرة في هذه النشأة ~~بصور عريضة تبرز في النشأة الآخرة بصور جوهرية مناسبة لها في ~~الحسن والقبح وقد روي عن ابن عباس رصي الله عنهما أنه يؤتى ~~بالأعمال الصالحة على صور حسنة وبالأعمال السيئة على صور قبيحة ~~فتوضع في الميزان أي فمن ترجحت مقادير حسناته. ### || [101.7-11] # { فهو فى عيشة راضية } أي ذات رضا أو مرضية { وأما ~~من خفت موزينه } بأن لم يكن له حسنة يعتد بها أو ترجحت سيئاته ~~على حسناته { فأمه } أي فمأواه { هاوية } هي من أسماء ~~النار سميت به لغاية عمقها وبعد مهواها. # روى أن أهل النار تهوي فيها سبعين خريفا وقيل إنها اسم ~~للباب الأسفل منها وعبر عن المأوى باللام لأن أهلها يأوون ~~إليها كما يأوي الولد إلى أمه وعن قتادة وعكرمة والكلبي أن ~~المعنى فأم رأسه هاوية في قعر جهنم لأنه يطرح فيها منكوسا ~~والأول هو الموافق لقوله تعالى: { وما أدراك ما هيه * ~~نار حامية } فإنه تقرير لها بعد إبهامها والإشعار بخروجها ~~عن الحدود المعهودة للتفخيم والتهويل وهي ضمير الهاوية والهاء ~~للسكت وإذا وصل القارىء حذفها وقيل: حقه أن لا يدرج لئلا ~~يسقطها الإدراج لأنها ثابتة في المصحف وقد أجيز إثباتها مع الوصل. # عن النبي صلى الله عليه وسلم: # " من قرأ القارعة ثقل الله تعالى به ميزانه يوم القيامة ~~". ### | [102 - سورة التكاثر] ### || [102.1-6] # مختلف فيها، وآيها ثمان # { ألهكم التكاثر } أى شغلكم التغالب في الكثرة ~~والتفاخر بها. روى أن بني عبد مناف وبني سهم ~~تفاخروا وتعادوا وتكاثروا بالسادة والأشراف في الإسلام ~~فقال كل من الفريقين نحن أكثر منكم ms3427 سيدا وأعز عزيزا وأعظم ~~نفرا فكثرهم بنو عبد مناف فقال بنو سهم إن البغي ~~أفنانا في الجاهلية فعادونا بالأحياء والأموات فكثرهم ~~بنو سهم والمعنى أنكم تكاثرتم بالأحياء { حتى زرتم ~~المقابر } أي حتى إذا استوعبتم عددهم صرتم إلى ~~التفاخر والتكاثر بالأموات فعبر عن بلوغهم ذكر الموتى بزيارة ~~القبور تهكما بهم وقيل كانوا يزورون المقابر فيقولون هذا ~~قبر فلان وهذا قبر فلان يفتخرون بذلك وقيل: المعنى ألهاكم ~~التكاثر بالأموال والأولاد إلى أن متم وقبرتم مضيعين أعماركم ~~في طلب الدنيا معرضين عما يهمكم من السعي لأخراكم فتكون ~~زيارة القبور عبارة عن الموت وقرىء أألهاكم على الاستفهام ~~التقريري { كلا } ردع وتنبيه على أن العاقل بنبغي أن لا ~~يكون معظم همه مقصورا على الدنيا فإن عاقبة ذلك وخيمة { ~~سوف تعلمون } سوء مغبة ما أنتم عليه إذا عاينتم ~~عاقبته. # { ثم كلا سوف تعلمون } تكرير للتأكيد وثم للدلالة ~~على أن الثاني أبلغ من الأول أو الأول عند الموت أو في ~~القبر والثاني عند النشور { كلا لو تعلمون علم ~~اليقين } أي لو تعلمون ما بين أيديكم علم الأمر اليقين ~~أي كعلمكم ما تستيقنونه لفعلتم ما لا يوصف ولا يكتنه فحذف ~~الجواب للتهويل وقوله تعالى: { لترون الجحيم } جواب قسم ~~مضمر أكد به له الوعيد وشدد به التهديد وأوضح به ما ~~أنذروه بعد إبهامه تفخيما. ### || [102.7-8] # { ثم لترونها } تكرير للتأكيد أو الأولى إذا رأتهم من ~~مكان بعيد والثانية إذا وردوها أو المراد بالأولى المعرفة ~~وبالثانية المشاهدة والمعاينة { عين اليقين } أي الرؤية ~~التي هي نفس اليقين فإن علم المشاهدة أقصى مراتب اليقين { ~~ثم لتسئلن يومئذ عن النعيم } أي عن النعيم الذي ~~ألهاكم الالتذاذ به عن الدين وتكاليفه فإن الخطاب مخصوص بمن ~~عكف همته على استيفاء اللذات ولم يعش إلا ليأكل الطيب ~~ويلبس اللين ويقطع أوقاته باللهو والطرب لا يعبأ بالعلم ~~والعمل ولا يحمل نفسه مشاقهما فأما من تمتع بنعمة الله تعالى ~~وتقوى بها على طاعته وكان ناهضا بالشكر فهو من ذلك بمعزل ~~بعيد وقيل الآية مخصوصة بالكفار. # عن النبي صلى الله ms3428 عليه وسلم: # " من قرأ سورة التكاثر لم يحاسبه الله تعالى بالنعيم الذي ~~أنعم به عليه في دار الدنيا وأعطي من الأجر كأنما قرأ ألف ~~آية ". ### | [103 - سورة العصر] ### || [103.1-3] # مكية وآيها ثلاث # { والعصر } أقسم سبحانه بصلاة العصر لفضلها الباهر أو ~~بالعشي الذي هو ما بين الزوال والغروب كما أقسم بالضحى أو ~~بعصر النبوة لظهور فضله على سائر الأعصار أو بالدهر لانطوائه ~~على تعاجيب الأمور القارة والمارة { إن الإنسن لفى خسر ~~} أي خسران في متاجرهم ومساعيهم وصرف أعمارهم في مباغيهم ~~والتعريف للجنس والتنكير للتعظيم { إلا الذين ءامنوا ~~وعملوا الصلحت } فإنهم في تجارة لن تبور حيث باعوا ~~الفاني الخسيس واشتروا الباقي النفيس واستبدلوا الباقيات ~~الصالحات بالعاديات الرائحات فيا لها من صفقة ما أربحها وهذا ~~بيان لتكميلهم لأنفسهم وقوله تعالى: { وتواصوا بالحق } ~~الخ بيان لتكميلهم لغيرهم أي وصى بعضهم بعضا بالأمر الثابت ~~الذي لا سبيل إلى إنكاره ولا زوال في الدارين لمحاسن آثاره وهو ~~الخير كله من الإيمان بالله عز وجل واتباع كتبه ورسله في ~~كل عقد وعمل { وتواصوا بالصبر } أي عن المعاصي التي ~~تشتاق إليها النفس بحكم الجبلة البشرية وعلى الطاعات التي يشق ~~عليها أداؤها أو على ما يبلو الله عز وجل به عباده وتخصيص ~~هذا التواصي بالذكر مع اندراجه تحت التواصي بالحق لإبراز كمال ~~الاعتناء به أو لأن الأول عبارة عن رتبة العبادة التي هي فعل ~~ما يرضى به الله تعالى والثاني عن رتبة العبودية التي هي الرضا ~~بما فعل الله تعالى فإن المراد بالصبر ليس مجرد حبس النفس عما ~~تتشوق إليه من فعل وترك بل هو تلقي ما ورد منه تعالى بالجميل ~~والرضا به ظاهرا وباطنا. # عن رسول الله صلى الله عليه وسلم # " من قرأ سورة والعصر غفر الله تعالى له وكان ممن تواصى ~~بالحق وتواصى بالصبر ". ### | [104 - سورة الهمزة] ### || [104.1-4] # مكية وآيها تسع # { ويل } مبتدأ خبره { لكل همزة لمزة } وساغ ~~الابتداء به مع كونه نكرة لأنه دعاء عليهم بالهلكة أو بشدة ~~الشر والهمز الكسر كالهزم واللمز الطعن كاللهز شاعا ms3429 في الكسر ~~من أعراض الناس والطعن فيهم وبناء فعلة للدلالة على أن ~~ذلك منه عادة مستمرة قد ضرى بها وكذلك اللعنة ~~والضحكة وقرىء لكل همزة لمزة بسكون الميم وهو ~~المسخرة الذي يأتي بالأضاحيك فيضحك منه ويستهزأ به وقيل: نزلت ~~في الأخنس بن شريق فإنه كان ضاريا بالغيبة والوقيعة، ~~وقيل: في أمية بن خلف، وقيل: في الوليد بن المغيرة واغتيابه ~~لرسول الله صلى الله عليه وسلم وغضه من جنابه الرفيع واختصاص ~~السبب لا يستدعي خصوص الوعيد بهم بل كل من اتصف بوصفهم ~~القبيح فله ذنوب منه مثل ذنوبهم { الذى جمع مالا } بدل ~~من كل أو منصوب أو مرفوع على الذم وقرىء جمع بالتشديد ~~التكثير وتنكير مالا للتفخيم والتكثير الموافق لقوله تعالى: { ~~وعدده } وقيل: معنى عدده جعله عدة لنوائب الدهر ~~وقرىء وعدده أي جمع المال وضبط عدده أو جمع ماله ~~وعدده الذين ينصرونه من قولك فلان ذو عدد وعدد إذا كان ~~له عدد وافر من الأنصار والأعوان وقيل هو فعل ماض بفك ~~الإدغام { يحسب أن ماله أخلده } أي يعمل عمل من ~~يظن أن ماله يبقيه حيا والإظهار في موقع الإضمار لزيادة ~~التقرير وقيل طول المال أمله ومناه الأماني البعيدة ~~حتى أصبح لفرط غفلته وطول أمله يحسب أن المال تركه خالدا ~~في الدنيا لا يموت وقيل هو تعريض بالعمل الصالح والزهد في ~~الدنيا وأنه هو الذي أخلد صاحبه في الحياة الأبدية والنعيم ~~المقيم فأما المال فليس بخالد لا بمخلد. وروي أن الأخنس ~~كان له أربعة آلاف دينار وقيل: عشرة آلاف والجملة مستأنفة أو ~~حال من فاعل جمع { كلا } ردع له عن ذلك الحسبان الباطل ~~وقوله تعالى: { لينبذن } جواب قسم مقدر والجملة استئناف ~~مبين لعلة الردع أي والله ليطرحن بسبب تعاطيه للأفعال ~~المذكورة { فى الحطمة } أي في النار التي شأنها أن تحطم ~~وتكسر كل ما يلقى فيها كما أن شأنه كسر أعراض الناس ~~وجمع المال. ### || [104.5-9] # وقوله تعالى: { وما أدراك ما الحطمة } لتهويل أمرها ~~ببيان أنها ليست من الأمور التي تنالها عقول الخلق، وقوله ms3430 ~~تعالى: { نار الله } خبر مبتدأ محذوف والجملة بيان لشأن ~~المسؤول عنها أي هي نار الله { الموقدة } بأمر الله عز ~~سلطانه وفي إضافتها إليه سبحانه ووصفها بالإيقاد من تهويل ~~أمرها ما لا مزيد عليه { التى تطلع على الأفئدة } ~~أي تعلو أوساط القلوب وتغشاها وتخصيصها بالذكر لما أن الفؤاد ~~ألطف ما في الجسد وأشدة تألما بأدنى أذى يمسه أو لأنه محل ~~العقائد الزائغة والنيات الخبيثة ومنشأ الأعمال السيئة. # { إنها عليهم مؤصدة } أي مطبقة من أوصدت الباب وأصدته أي ~~أطبقته. { فى عمد ممددة } إما حال من الضمير المجرور ~~في عليهم أي كائنين في عمد ممددة أي موثقين فيها مثل المقاطر ~~التي تقطر فيها اللصوص أو خبر مبتدأ مضمر أي هم في عمد أو ~~صفة لمؤصدة قاله أبو البقاء أي كائنة في عمد ممدودة بأن تؤصد ~~عليهم الأبواب وتمدد على الأبواب العمد استيثاقا في استيثاق ~~اللهم أجرنا منها يا خير مستجار وقرىء عمد بضمتين. # عن النبي صلى الله عليه وسلم: # " من قرأ سورة الهمزة أعطاه الله تعالى عشر حسنات بعدد من ~~استهزأ بمحمد وأصحابه ". ### | [105 - سورة الفيل] ### || [105.1] # مكية وآيها خمس # { ألم تر كيف فعل ربك بأصحب الفيل } الخطاب ~~لرسول الله صلى الله عليه وسلم والهمزة لتقرير رؤيته عليه الصلاة ~~والسلام بإنكار عدمها وكيف معلقة لفعل الرؤية منصوبة بما ~~بعدها والرؤية علمية أي ألم تعلم علما رصينا متاخما ~~للمشاهدة والعيان باستماع الأخبار المتواترة ومعاينة الآثار ~~الظاهرة وتعليق الرؤية بكيفية فعله عز وجل لا بنفسه ~~بأن يقال ألم تر ما فعل ربك الخ لتهويل الحادثة والإيذان ~~بوقوعها على كيفية هائلة وهيئة عجيبة دالة على عظم قدرة ~~الله تعالى وكمال علمه وحكمته وعزة بيته وشرف رسوله عليه ~~الصلاة والسلام فإن ذلك من الإرهاصات لما روي أن القصة وقعت ~~في السنة التي ولد فيها النبي عليه الصلاة والسلام وتفصيلها ~~أن أبرهة بن الصباح الأشرم ملك اليمن من قبل أصحمة ~~النجاشي بنى بصنعاء كنيسة وسماها القليس وأراد أن يصرف ~~إليها الحاج فخرج رجل من كنانة فقعد فيها ليلا ms3431 فأغضبه ذلك ~~وقيل أججت رفقة من العرب نارا فحملتها الريح فأحرقتها فحلف ~~ليهدمن الكعبة فخرج مع جيشه ومعه فيل له اسمه محمود وكان قويا ~~عظيما وإثنا عشر فيلا غيره وقيل: ثمانية وقيل: ألف وقيل: كان ~~معه وحده فلما بلغ المغمس خرج إليه عبد المطلب وعرض عليه ~~ثلث أموال تهامة ليرجع فأبى وعبأ جيشه وقدم الفيل فكان ~~كلما وجهوه إلى الحرم برك ولم يبرح وإذا وجهوه إلى اليمن أو إلى ~~غيره من الجهات هرول فأرسل الله تعالى طيرا سودا وقيل: خضرا ~~وقيل: بيضا مع كل طائر حجر في منقاره وحجران في رجليه أكبر ~~من العدسة وأصغر من الحمصة فكان الحجر يقع على رأس الرجل ~~فيخرج من دبره وعلى كل حجر اسم من يقع عليه ففروا فهلكوا في ~~كل طريق ومنهل. وروي أن أبرهة تساقطت أنامله وآرابه وما مات ~~حتى انصدع صدره عن قلبه وانفلت وزيره أبو يكسوم وطائر يحلق ~~فوقه حتى بلغ النجاشي فقص عليه القصة فلما أتمها وقع عليه ~~الحجر فخر ميتا بين يديه وقيل: إن أبرهة أخذ لعبد المطلب ~~مائتي بعير فخرج إليه في شأنها فلما رآه أبرهة عظم في عينه وكان ~~رجلا وسيما جسيما وقيل: هذا سيد قريش وصاحب عير مكة ~~الذي يطعم الناس في السهل والوحوش في رؤوس الجبال فنزل أبرهة عن ~~سريره وجلس على بساطه وقيل: أجلسه معه على سريره ثم قال ~~لترجمانه قل له ما حاجتك فلما ذكر حاجته قال: سقطت من ~~عيني حيث جئت لأهدم البيت الذي هو دينك ودين آبائك وعصمتكم ~~وشرفكم في قديم الدهر لا تكلمني فيه ألهاك عنه ذود أخذت لك ~~فقال عبد المطلب أنا رب الإبل وإن للبيب ربا يحميه ثم رجع ~~وأتى باب الكعبة فأخذ بحلقته ومعه نفر من قريش يدعون الله عز ~~وجل فالتفت وهو يدعو فإذ هو بطير من نحو اليمن فقال والله ~~إنها لطير غريبة ما هي نجدية ولا تهامية فأرسل حلقة الباب ثم ~~انطلق مع أصحابه ينتظرون ماذا يفعل أبرهة فأرسل الله تعالى ~~عليهم الطير ms3432 فكان ما كان وقيل: كان أبرهة جد النجاشي الذي ~~كان في زمن النبي عليه الصلاة والسلام. وعن عائشة رضي الله ~~عنها قالت: رأيت قائد الفيل وسائسه أعميين مقعدين يتسطعمان ~~وقرىء ألم تر بسكون الراء للجد في إظهار أثر الجازم. ### || [105.2-5] # وقوله تعالى { ألم يجعل كيدهم فى تضليل } الخ ~~بيان إجمالي لما فعله الله تعالى بهم والهمزة للتقرير ~~كما سبق ولذلك عطف على الجملة الاستفهامية ما بعدها كأنه ~~قيل: قد جعل كيدهم في تعطيل الكعبة وتخريبها في تضييع وإبطال ~~بأن دمرهم أشنع تدمير { وأرسل عليهم طيرا أبابيل ~~} أي طوائف وجماعات جمع أبالة وهي الحزمة الكبيرة شبهت بها ~~الجماعة من الطير في تضامها وقيل: أبابيل مثل عبابيد وشماطيط ~~لا واحد لها { ترميهم بحجارة } صفة لطيرا. وقرىء ~~يرميهم بالتذكير لأن الطير اسم جمع وتأنيثه باعتبار ~~المعنى { من سجيل } من طين متحجر معرب سنك كل وقيل ~~كأنه علم للديوان الذي كتب فيه عذاب الكفار كما أن سجينا علم ~~للديوان الذي يكتب فيه أعمالهم كأنه قيل بحجارة من جملة العذاب ~~المكتوب المدون، واشتقاقه من الإسجال وهو الإرسال { ~~فجعلهم كعصف مأكول } كورق زرع وقع فيه الأكال وهو ~~أن يأكله الدود أو أكل حبه فبقي صفرا منه أو كتبن أكلته ~~الدواب وراثته أشير إليه بأول أحواله. عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم: # " من قرأ سورة الفيل أعفاه الله تعالى أيام حياته من الخسف ~~والمسخ " # والله أعلم. ### | [106 - سورة قريش] ### || [106.1-4] # مكية وآيها أربع # { لإيلف قريش } متعلق بقوله تعالى فليعبدوا، والفاء لما ~~في الكلام من معنى الشرط إذ المعنى أن نعم الله تعالى ~~عليهم غير محصورة فإن لم يعبدوه لسائر نعمه فليعبدوه لهذه ~~النعمة الجليلة وقيل بمضمرة تقديره فعلنا ما فعلنا من إهلاك ~~أصحاب الفيل لإيلاف الخ وقيل: تقديره أعجبوا لإيلاف الخ وقيل: ~~بما قبله من قوله تعالى: # فجعلهم كعصف مأكول # [سورة الفيل، الآية 5] ويؤيده أنهما في مصحف أبي سورة ~~واحدة بلا فصل، والمعنى أهلك من قصدهم من الحبشة ليتسامع ~~الناس بذلك فيتهيبوا لهم زيادة تهيب ويحترموهم فضل ms3433 احترام ~~حتى ينتظم لهم الأمن في رحلتيهم فلا يجترىء عليهم أحد ~~وكانت لقريش رحلتان يرحلون في الشتاء إلى اليمن وفي الصيف إلى ~~الشام فيمتارون ويتجرون وكانوا في رحلتيهم آمنين لأنهم أهل ~~حرم الله تعالى وولاة بيته العزيز فلا يتعرض لهم والناس ~~بين متخطف ومنهوب. والإيلاف من قولك آلفت المكان إيلافا ~~إذا ألفته وقرىء لإلاف قريش أي لمؤالفتهم، وقيل: يقال ~~ألفته إلفا وإلافا وقرىء لإلف قريش، وقريش ولد النضر بن ~~كنانة سموا بتصغير القرش وهو دابة عظيمة في البحر تعبث ~~بالسفن ولا تطاق إلا بالنار، والتصغير للتعظيم وقيل: من ~~القرش وهو الكسب لأنهم كانوا كسابين بتجاراتهم وضربهم في ~~البلاد. وقوله تعالى: # { إيلفهم رحلة الشتاء والصيف } بدل من الأول، ~~ورحلة مفعول لإيلافهم وإفرادها مع أن المراد رحلتي الشتاء ~~والصيف لأمن الإلباس، وفي إطلاق الإيلاف عن المفعول أولا ~~وإبدال هذا منه تفخيم لأمره وتذكير لعظيم النعمة فيه. ~~وقرىء ليألف قريش إلفهم رحلة الشتاء والصيف، وقرىء رحلة ~~بالضم وهي الجهة التي يرحل إليها { فليعبدوا رب هذا ~~البيت * الذى أطعمهم } بسبب تينك الرحلتين اللتين ~~تمكنوا فيهما بواسطة كونهم من جيرانه { من جوع } شديد كانوا ~~فيه قبلهما، وقيل: أريد به القحط الذي أكلوا فيه الجيف ~~والعظام { وءامنهم من خوف } عظيم لا يقادر قدره وهو ~~خوف أصحاب الفيل أو خوف التخطف في بلدهم وفي مسايرهم وقيل: ~~خوف الجذام فلا يصيبهم في بلدهم. # عن النبي صلى الله عليه وسلم: # " من قرأ سورة قريش أعطاه الله تعالى عشر حسنات بعدد من ~~طاف بالكعبة واعتكف به " ### | [107 - سورة الماعون] ### || [107.1-7] # مختلف فيها وآيها سبع # { أرءيت الذى يكذب بالدين } استفهام أريد به تشويق ~~السامع إلى معرفة من سيق له الكلام، والتعجيب منه. والخطاب ~~لرسول الله صلى الله عليه وسلم. وقيل: لكل عاقل والرؤية بمعنى ~~المعرفة وقرىء أرأيتك بزيادة حرف الخطاب والفاء في قوله ~~تعالى: { فذلك الذى يدع اليتيم } جواب شرط محذوف على ~~أن ذلك مبتدأ والموصول خبره والمعنى هل عرفت الذي يكذب ~~بالجزاء أو بالإسلام إن لم تعرفه أو إن أردت ms3434 أن تعرفه فهو ~~الذي يدفع اليتيم دفعا عنيفا ويزجره زجرا قبيحا ووضع اسم ~~الإشارة المتعرض لوصف المشار إليه موضع الضمير للإشعار بعلة ~~الحكم والتنبيه بما فيه من معنى البعد على بعد منزلته في ~~الشر والفساد. قيل: هو أبو جهل كان وصيا ليتيم فأتاه ~~عريانا يسأله من مال نفسه فدفعه دفعا شنيعا، وقيل: أبو ~~سفيان نحر جزورا فسأله يتيم لحما فقرعه بعصاه، وقيل: هو ~~الوليد بن المغيرة وقيل: هو العاص بن وائل السهمي، ~~وقيل: هو رجل بخيل من المنافقين، وقيل: الموصول على عمومه. ~~وقرىء يدع اليتيم أي يتركه ويجفوه { ولا يحض } أي ~~أهله وغيرهم من الموسرين { على طعام المسكين } وإذا ~~كان حال من ترك حث غيره على ما ذكر فما ظنك بحال من ترك ~~ذلك مع القدرة عليه. والفاء في قوله تعالى: { فويل } الخ، ~~إما لربط ما بعدها بشرط محذوف كأنه قيل: إذا كان ما ذكر ~~من عدم المبالاة باليتيم والمسكين من دلائل التكذيب ~~بالدين وموجبات الذم والتوبيخ فويل { للمصلين * الذين ~~هم عن صلتهم ساهون } غافلون غير مبالين بها { الذين ~~هم يراءون } أي يرون الناس أعمالهم ليروهم الثناء ~~عليها { ويمنعون الماعون } أي الزكاة أو ما يتعاور ~~عادة فإن عدم المبالاة باليتيم والمسكين حيث كان كما ذكر ~~فعدم المبالاة بالصلاة التي هي عماد الدين والرياء الذي هو شعبة ~~من الكفر ومنع الزكاة التي هي قنطرة الإسلام وسوء المعاملة مع ~~الخلق أحق بذلك وإما لترتيب الدعاء عليهم بالويل على ما ذكر من ~~قبائحهم ووضع المصلين موضع ضميرهم ليتوسل بذلك إلى بيان أن ~~لهم قبائح أخر غير ما ذكر. # عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " من قرأ سورة الدين غفر له إن كان للزكاة مؤديا ". ### | [108 - سورة الكوثر] ### || [108.1-3] # مكية وآيها ثلاث # { إنا أعطينك } وقرىء أنطيناك { الكوثر } أي ~~الخير المفرط الكثير من شرف النبوة الجامعة لخيري الدارين ~~والرياسة العامة المستتبعة لسعادة الدنيا والدين، فوعل من ~~الكثرة وقيل: هو نهر في الجنة وعن النبي عليه الصلاة ~~والسلام أنه قرأها فقال: # " أتدرون ما الكوثر؟ إنه ms3435 نهر في الجنة وعدنيه ربي فيه ~~خير كثير " # وروي في صفته أنه أحلى من العسل وأشد بياضا من اللبن ~~وأبرد من الثلج وألين من الزبد حافتاه الزبرجد وأوانيه من فضة ~~عدد نجوم السماء. وروي لا يظمأ من شرب منه أبدا أول وارديه ~~فقراء المهاجرين الدنسو الثياب الشعث الرؤوس الذين لا ~~يزوجون المنعمات ولا تفتح لهم أبواب السدد يموت أحدهم ~~وحاجته تتلجلج في صدره لو أقسم على الله لأبره. وعن ابن عباس ~~رضي الله عنهما أنه فسر الكوثر بالخير الكثير فقال له سعيد بن ~~جبير: فإن ناسا يقولون: هو نهر في الجنة فقال: هو من ~~الخير الكثير وقيل: هو حوض فيها وقيل: هو أولاده وأتباعه أو ~~علماء أمته أو القرآن الحاوي لخير الدنيا والدين. والفاء في ~~قوله تعالى: { فصل لربك } لترتيب ما بعدها على ما قبلها ~~فإن إعطاءه تعالى إياه عليه السلام ما ذكر من العطية التي لم ~~يعطها ولن يعطيها أحدا من العالمين مستوجب للمأمور به أي ~~استيجاب أي فدم على الصلاة لربك الذي أفاض عليك هذه النعمة ~~الجليلة التي لا يضاهيها نعمة خالصة لوجهه خلاف الساهين عنها ~~المرائين فيها أداء لحقوق شكرها فإن الصلاة جامعة لجميع ~~أقسام الشكر { وانحر } البدن التي هي خيار أموال العرب باسمه ~~تعالى وتصدق على المحاويج خلافا لمن يدعهم ويمنع عنهم الماعون. ~~وعن عطية: هي صلاة الفجر بجمع والنحر بمنى وقيل: صلاة العيد ~~والتضحية وقيل: هي جنس الصلاة والنحر وضع اليمين على الشمال ~~وقيل: هو أن يرفع يديه في التكبير إلى نحره هو المروي عن ~~النبي عليه الصلاة والسلام. وعن ابن عباس رضي الله عنهما: ~~استقبل القبلة بنحرك وهو قول الفراء والكلبي وأبي الأحوص ~~{ إن شانئك } أي مبغضك كائنا من كان { هو الأبتر } ~~الذي لا عقب له حيث لا يبقى منه نسل ولا حسن ذكر، وأما ~~أنت فتبقى ذريتك وحسن صيتك وآثار فضلك إلى يوم القيامة ولك في ~~الآخرة ما لا يندرج تحت البيان وقيل: نزلت في العاص بن وائل ~~وأيا ما كان فلا ريب ms3436 في عموم الحكم. # عن النبي صلى الله عليه وسلم: # " من قرأ سورة الكوثر سقاه الله تعالى من كل نهر في الجنة ~~ويكتب له عشر حسنات بعدد كل قربان قربه العباد في يوم ~~النحر ". ### | [109 - سورة الكافرون] ### || [109.1-6] # مكية وآيها ست # { قل يأيها الكفرون } هم كفرة مخصوصون قد علم الله ~~تعالى أنه لا يتأتى منهم الإيمان أبدا. روي أن رهطا من ~~عتاة قريش قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم: هلم فاتبع ~~ديننا ونتبع دينك تعبد آلهتنا سنة ونعبد إلهك سنة، فقال: # " معاذ الله أن أشرك بالله غيره " # ، فقالوا: فاستلم بعض آلهتنا نصدقك ونعبد إلهك فنزلت، فغدا ~~إلى المسجد الحرام وفيه الملأ من قريش فقام على رؤوسهم فقرأها ~~عليهم فأيسوا { لا أعبد ما تعبدون } أي فيما يستقبل ~~لأن «لا» لا تدخل غالبا إلا على مضارع في معنى الاستقبال ~~كما أن ما لا تدخل إلا على مضارع في معنى الحال والمعنى لا ~~أفعل في المستقبل ما تطلبونه مني من عبادة آلهتكم { ولا ~~أنتم عبدون ما أعبد } أي ولا أنتم فاعلون فيه ما أطلب ~~منكم من عبادة إلهي { ولا أنا عابد ما عبدتم } أي وما ~~كنت قط عابدا فيما سلف ما عبدتم فيه أي لم يعهد مني عبادة ~~صنم في الجاهلية فكيف ترجى مني في الإسلام { ولا أنتم ~~عبدون ما أعبد } أي وما عبدتم في وقت من الأوقات ما ~~أنا على عبادته وقيل: هاتان الجملتان لنفي العبادة حالا كما أن ~~الأولين لنفيها استقبالا وإنما لم يقل ما عبدت ليوافق ما عبدتم ~~لأنهم كانوا موسومين قبل البعثة بعبادة الأصنام، وهو عليه ~~السلام لم يكن حينئذ موسوما بعبادة الله تعالى وإيثار ما في ~~أعبد على من لأن المراد هو الوصف كأنه قيل: ما أعبد من ~~المعبود العظيم الشأن الذي لا يقادر قدر عظمته وقيل: إن ما ~~مصدرية أي لا أعبده عبادتكم ولا تعبدون عبادتي وقيل: الأوليان ~~بمعنى الذي والأخريان مصدريتان وقيل: قوله تعالى: { ولا أنا ~~عابد ما عبدتم } تأكيد لقوله تعالى: { لا أعبد ما ~~تعبدون ms3437 } وقوله تعالى: { ولا أنتم عبدون ما أعبد ~~} ثانيا تأكيد لمثله المذكور أولا وقوله تعالى: { لكم ~~دينكم } تقرير لقوله تعالى: { لا أعبد ما تعبدون } ~~وقوله تعالى: { ولا أنا عابد ما عبدتم } كما أن قوله ~~تعالى: { ولى دين } تقرير لقوله تعالى: { ولا أنتم ~~عبدون ما أعبد } والمعنى أن دينكم الذي هو الإشراك ~~مقصور على الحصول لكم لا يتجاوزه إلى الحصول لي أيضا كما تطمعون ~~فيه فلا تعلقوا به أمانيكم الفارغة فإن ذلك من المحالات ~~وأن ديني الذي هو التوحيد مقصور على الحصول لي لا يتجاوزه إلى ~~الحصول لكم أيضا لأنكم علقتموه بالمحال الذي هو عبادتي ~~لآلهتكم أو استلامي إياها ولأن ما وعدتموه عين الإشراك، وحيث ~~كان مبنى قولهم: تعبد آلهتنا سنة ونعبد إلهك سنة على شركة ~~الفريقين في كلتا العبادتين كان القصر المستفاد من تقديم المسند ~~قصر إفراد حتما ويجوز أن يكون هذا تقريرا لقوله تعالى: { ولا ~~أنا عابد ما عبدتم } أي ولي ديني لا دينكم كما هو في ~~قوله تعالى: # ولكم ما كسبتم # [سورة البقرة الآية 134 و141] وقيل: المعنى إني نبي مبعوث ~~إليكم لأدعوكم إلى الحق والنجاة فإذا لم تقبلوا مني ولم ~~تتبعوني فدعوني كفافا ولا تدعوني إلى الشرك فتأمل. # عن النبي صلى الله عليه وسلم: # " من قرأ سورة الكافرون فكأنما قرأ ربع القرآن وتباعدت عنه ~~مردة الشياطين وبرىء من الشرك وتعافى من الفزع الأكبر ". ### | [110 - سورة النصر] ### || [110.1-2] # مدنية وآيها ثلاث # { إذا جاء نصر الله } أي إعانته تعالى وإظهاره إياك على ~~عدوك { والفتح } أي فتح مكة وقيل: جنس نصر الله تعالى ~~ومطلق الفتح فإن فتح مكة لما كان مفتاح الفتوح ومناطها ~~كما أن نفسها أم القرى وإمامها جعل مجيئه بمنزلة مجيء ~~سائر الفتوح وعلق به أمره عليه السلام بالتسبيح والحمد ~~والتعبير عن حصول النصر والفتح بالمجيء للإيذان بأنهما ~~متوجهان نحوه عليه السلام وأنهما على جناح الوصول إليه عليه ~~السلام عن قريب. روي أنها نزلت قبل الفتح وعليه الأكثر. وقيل: ~~في أيام التشريق بمنى في حجة الوداع، فكلمة إذا حينئذ ms3438 باعتبار ~~أن بعض ما في حيزها أعني رؤية دخول الناس الخ، غير منقض ~~بعد وكان فتح مكة لعشر مضين من شهر رمضان سنة ثمان ومع ~~النبي عليه الصلاة والسلام عشرة آلاف من المهاجرين والأنصار ~~وطوائف العرب وأقام بها خمس عشرة ليلة وحين دخلها وقف على باب ~~الكعبة ثم قال: # " " لا إله إلا الله وحده لا شريك له صدق وعده ونصر ~~عبده وهزم الأحزاب وحده ". ثم قال: " يا أهل مكة ما ترون أني ~~فاعل بكم؟ " قالوا: خيرا أخ كريم وابن أخ كريم، قال: " اذهبوا ~~فأنتم الطلقاء " # فأعتقهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد كان الله تعالى أمكنه ~~من رقابهم عنوة وكانوا له فياء ولذلك سمي أهل مكة الطلقاء ثم ~~بايعوه على الإسلام ثم خرج إلى هوازن { ورأيت الناس } أي ~~أبصرتهم أو علمتهم { يدخلون فى دين الله } أي ملة ~~الإسلام التي لا دين يضاف إليه تعالى غيرها والجملة على الأول ~~حال من الناس وعلى الثاني مفعول ثان لرأيت وقوله تعالى: { ~~أفواجا } حال من فاعل يدخلون أي يدخلون فيه جماعات كثيفة ~~كأهل مكة والطائف واليمن وهوازن وسائر قبائل العرب وكانوا قبل ~~ذلك يدخلون فيه واحدا واحدا واثنين اثنين. روي أنه عليه ~~السلام لما فتح مكة أقبلت العرب بعضها على بعض فقالوا: إذا ظفر ~~بأهل الحرم فلن يقاومه أحد وقد كان الله تعالى أجارهم من ~~أصحاب الفيل ومن كل من أرادهم فكانوا يدخلون في دين الإسلام ~~أفواجا من غير قتال وقرىء فتح الله والنصر وقرىء يدخلون على ~~البناء للمفعول. ### || [110.3] # { فسبح بحمد ربك } فقل: سبحان الله حامدا له أو فتعجب ~~لتيسير الله تعالى ما لم يخطر ببال أحد من أن يغلب أحد على ~~أهل حرمه المحترم واحمده على جميل صنعه، هذا على الرواية ~~الأولى ظاهر وأما على الثانية فلعله عليه السلام أمر بأن ~~يداوم على ذلك استعظاما لنعمه لا بإحداث التعجب لما ذكر فإنه ~~إنما يناسب حالة الفتح أو فاذكره مسبحا حامدا زيادة في عبادته ~~والثناء عليه لزيادة إنعامه عليك أو فصل له ms3439 حامدا على نعمه. ~~روي أنه لما فتح باب الكعبة صلى صلاة الضحى ثمان ركعات. أو ~~فنزهه عما يقوله الظلمة حامدا له على أن صدق وعده أو فاثن على ~~الله تعالى بصفات الجلال حامدا له على صفات الإكرام { ~~واستغفره } هضما لنفسك واستقصارا لعملك واستعظاما لحقوق ~~الله تعالى واستدراكا لما فرط منك من ترك الأولى. عن عائشة رضي ~~الله عنها # " أنه كان عليه الصلاة والسلام يكثر قبل موته أن يقول: " ~~سبحانك اللهم وبحمدك استغفرك وأتوب إليك " وعنه عليه السلام: ~~" إني لأستغفر في اليوم والليلة مائة مرة " # وروي أنه لما قرأها النبي عليه الصلاة والسلام على أصحابه ~~استبشروا وبكى العباس فقال عليه السلام: # " " ما يبكيك يا عم؟ " فقال: نعيت إليك نفسك، قال عليه ~~السلام: " إنها لكما تقول " فلم ير عليه السلام بعد ذلك ~~ضاحكا مستبشرا وقيل: إن ابن عباس هو الذي قال ذلك فقال عليه ~~السلام: " لقد أوتي هذا الغلام علما كثيرا " # أو لعل ذلك للدلالة على تمام أمر الدعوة وتكامل أمر الدين ~~كقوله تعالى: # اليوم أكملت لكم دينكم # [سورة المائدة، الآية 3] وروي أنها لما نزلت خطب رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فقال: # " إن عبدا خيره الله تعالى بين الدنيا وبين لقائه فاختار ~~لقاء الله تعالى " # فعلم أبو بكر رضي الله عنه فقال: فديناك بأنفسنا وآبائنا ~~وأولادنا. و # " عنه عليه السلام أنه دعا فاطمة رضي الله عنها فقال: " يا ~~بنتاه إنه نعيت إلي نفسي " فبكت فقال: " لا تبكي فإنك أول ~~أهلي لحوقا بي " # وعن ابن مسعود رضي الله عنه أن هذه السورة تسمى سورة ~~التوديع، وقيل: هو أمر بالاستغفار لأمته { إنه كان توبا } ~~منذ خلق المكلفين أي مبالغا في قبول توبتهم فليكن كل تائب ~~مستغفر متوقعا للقبول. # عن النبي صلى الله عليه وسلم: # " من قرأ سورة النصر أعطي من الأجر كمن شهد مع محمد يوم ~~فتح مكة ". ### | [111 - سورة المسد] ### || [111.1-2] # مكية وآيها خمس # { تبت } أي هلكت { يدا أبى لهب } هو عبد العزى بن ~~عبد المطلب وإيثار التباب على الهلاك وإسناده إلى ms3440 يديه لما روي ~~أنه لما نزل # وأنذر عشيرتك الأقربين # [سورة الشعراء، الآية 214] رقى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~الصفا وجمع أقاربه فأنذرهم فقال أبو لهب: تبا لك ألهذا ~~دعوتنا؟ وأخذ حجرا ليرميه عليه السلام به { وتب } أي وهلك ~~كله وقيل: المراد بالأول هلاك جملته كقوله تعالى: # ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة # [سورة البقرة، الآية 195] ومعنى وتب وكان ذلك وحصل كقول من ~~قال: # جزاني جزاه الله شر جزائه # جزاء الكلاب العاويات وقد فعل # ويؤيده قراءة من قرأ وقد تب وقيل: الأول إخبار عن هلاك ~~عمله لأن الأعمال تزاول غالبا بالأيدي والثاني إخبار عن الهلاك ~~نفسه وقيل كلاهما دعاء عليه بالهلاك وقيل الأول دعاء والثاني إخبار ~~وذكر كنيته للتعريض بكونه جهنميا ولاشتهاره بها ولكراهة ذكر ~~اسمه القبيح وقرىء أبو لهب كما قيل: علي بن أبو طالب ~~وقرىء أبي لهب بسكون الهاء { ما أغنى عنه ماله وما ~~كسب } أي لم يغن عنه حين حل به التباب على أن ما ~~نافية أو أي شيء أغنى عنه على أنها استفهامية في معنى ~~الإنكار منصوبة بما بعدها أصل ماله وما كسبه من الأرباح ~~والنتائج والمنافع والوجاهة والأتباع أو ماله الموروث من أبيه ~~والذي كسبه بنفسه أو عمله الخبيث الذي هو كيده في عداوة ~~النبي عليه الصلاة والسلام أو عمله الذي ظن أنه منه على ~~شيء كقوله تعالى: # وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء ~~منثورا # [سورة الفرقان، الآية 23] وعن ابن عباس رضي الله عنهما ما كسب ~~ولده وروي أنه كان يقول: إن كان ما يقول ابن أخي حقا فأنا ~~أفتدي منه نفسي بمالي وولدي فأستخلص منه وقد خاب مرجاه وما ~~حصل ما تمناه فافترس ولده عتبة أسد في طريق الشام بين العير ~~المكتنفة به وقد كان عليه السلام دعا عليه وقال: # " اللهم سلط عليه كلبا من كلابك " # وهلك نفسه بالعدسة بعد وقعة بدر لسبع ليال فاجتنبه أهله ~~مخافة العدوى وكانت قريش تتقيها كالطاعون فبقي ثلاثا حتى أنتن ~~ثم استأجروا بعض السودان فاحتملوه ودفنوه فكان ms3441 الأمر كما أخبر ~~به القرآن. ### || [111.3-5] # { سيصلى } بفتح الياء وقرىء بضمها وفتح اللام بالتخفيف ~~والتشديد والسين لتأكيد الوعيد وتشديده أي سيدخل لا محالة بعد ~~هذا العذاب العاجل في الآخرة { نارا ذات لهب } أي نارا ~~عظيمة ذات اشتعال وتوقد وهي نار جهنم وليس هذا نصا في أنه لا ~~يؤمن أبدا حتى يلزم تكليفه الإيمان بالقرآن مكلفا بأن يؤمن ~~بأنه لا يؤمن أبدا فيكون مأمورا بالجمع بين النقيضين كما ~~هو المشهور فإن صلي النار غير مختص بالكفار فيجوز أن يفهم ~~أبو لهب من هذا أن دخوله النار لفسقه ومعاصيه لا لكفره فلا ~~اضطرار إلى الجواب المشهور من أن ما كلفه هو الإيمان بجميع ما ~~جاء به النبي عليه الصلاة والسلام إجمالا لا الإيمان بتفاصيل ~~ما نطق به القرآن حتى يلزم أن يكلف الإيمان بعدم إيمانه ~~المستمر { وامرأته } عطف على المستكن في سيصلى لمكان الفصل ~~بالمفعول وهي أم جميل بنت حرب أخت أبي سفيان وكانت تحمل ~~حزمة من الشوك والحسك والسعدان فتنثرها بالليل في طريق النبي ~~عليه الصلاة والسلام وكان عليه الصلاة والسلام يطؤه كما يطأ ~~الحرير وقيل: كانت تمشي بالنميمة ويقال لمن يمشي بالنمائم ~~ويفسد بين الناس يحمل الحطب بينهم أي يوقد بينهم النار { ~~حمالة الحطب } بالنصب على الشتم والذم وقيل: على الحالية ~~بناء على أن الإضافة غير حقيقية إذ المراد أنها تحمل يوم ~~القيامة حزمة من حطب جهنم كالزقوم والضريع. وعن قتادة أنها مع ~~كثرة مالها كانت تحمل الحطب على ظهرها لشدة بخلها فعيرت ~~بالبخل فالنصب حينئذ على الشتم حتما وقرىء بالرفع على أنه خبر ~~وامرأته مبتدأ وقرىء حمالة للحطب بالتنوين نصبا ورفعا وقرىء ~~مريته بالتصغير للتحقير { فى جيدها حبل من مسد } ~~جملة من خبر مقدم ومبتدأ مؤخر والجملة حالية وقيل: الظرف خبر ~~لامرأته وحبل مرتفع به على الفاعلية وقيل: هو حال من امرأته على ~~تقدير عطفها على ضمير سيصلى وحبل فاعل كما ذكر والمسد ما يفتل ~~من الحبال فتلا شديدا من ليف المقل وقيل: من أي ليف كان وقيل: ~~من ms3442 لحاء شجر باليمن وقد يكون من جلود الإبل وأوبارها والمعنى ~~في عنقها حبل مما مسد من الحبال وأنها تحمل تلك الحزمة من ~~الشوك وتربطها في جيدها كما يفعل الحطابون تخسيسا بحالها وتصويرا ~~لها بصورة بعض الحطابات من المواهن لتمتعض من ذلك ويتمعض بعلها ~~وهما في بيت العز والشرف. قال مرة الهمداني: كانت أم ~~جميل تأتي كل يوم بإبالة من حسك فتطرحها على طريق المسلمين ~~فبينا هي ذات ليلة حاملة حزمة أعيت فقعدت على حجر لتستريح ~~فجذبها الملك من خلفها فاختنقت بحبلها. # عن النبي صلى الله عليه وسلم: # " من قرأ سورة تبت رجوت أن لا يجمع الله بينه وبين أبي ~~لهب في دار واحدة ". ### | [112 - سورة الإخلاص] ### || [112.1-4] # مختلف فيها، وآيها أربع # { قل هو الله أحد } الضمير للشأن ومدار وضعه وموضعه ~~مع عدم سبق ذكره الإيذان بأنه من الشهرة والنباهة بحيث ~~يستحضره كل أحد وإليه يشير كل مشير وإليه يعود كل ضمير ~~كما ينبىء عنه اسمه الذي أصله القصد أطلق على المفعول ~~مبالغة ومحله الرفع على الابتداء خبره الجملة بعده ولا حاجة ~~إلى الربط لأنها عين الشأن الذي عبر عنه بالضمير والسر في ~~تصدير الجملة به التنبيه من أول الأمر على فخامة مضمونها ~~وجلالة حيزها مع ما فيه من زيادة تحقيق وتقرير فإن الضمير ~~لا يفهم من أول الأمر إلا شأن مبهم له خطر جليل فيبقى الذهن ~~مترقبا لما أمامه مما يفسره ويزيل إبهامه فيتمكن عند وروده ~~له فضل تمكن، وهمزة أحد مبدلة من الواو وأصله وحد لا ~~كهمزة ما يلازم النفي ويراد به العموم كما في قوله تعالى: # فما منكم من أحد عنه حجزين # [سورة الحاقة، الآية 47] وما في قوله عليه السلام # " ما أحلت الغنائم لأحد سود الرؤوس غيركم " # فإنها أصلية وقال مكي: أصل أحد واحد فأبدلت الواو همزة ~~فاجتمع ألفان لأن الهمزة تشبه الألف فحذفت إحداهما تخفيفا. ~~وقال ثعلب: إن أحد لا يبنى عليه العدد ابتداء فلا يقال أحد ~~واثنان كما يقال واحد واثنان ولا يقال رجل أحد كما ms3443 يقال رجل ~~واحد ولذلك اختص به تعالى أو هو لما سئل عنه أي الذي ~~سألتم عنه هو الله إذ روي أن قريشا قالوا صف لنا ربك ~~الذي تدعونا إليه وانسبه فنزلت فالضمير مبتدأ والله خبره وأحد ~~بدل منه أو خبر ثان أو خبره مبتدأ محذوف وقرىء هو الله أحد ~~بغير قل وقرىء الله أحد بغير قل هو وقرىء قل هو ~~الواحد وقوله تعالى: { الله الصمد } مبتدأ وخبر والصمد ~~فعل بمعنى مفعول من يصمد إليه إذا قصده أي هو السيد ~~المصمود إليه في الحوائج المستغنى بذاته وكل ما عداه محتاج ~~إليه في جميع جهاته وقيل الصمد الدائم الباقي الذي لم يزل ~~ولا يزال وقيل الذي يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد وتعريفه ~~لعلمهم بصمديته بخلاف أحديته وتكرير الإسم الجليل للإشعار ~~بأن من لم يتصف بذلك فهو بمعزل من استحقاق الألوهية وتعرية ~~الجملة عن العاطف لأنها كالنتيجة للأولى بين أولا ألوهيته ~~عز وجل المستتبعة لكافة نعوت الكمال ثم أحديته الموجبة ~~تنزهه عن شائبة التعدد والتركيب بوجه من الوجوه وتوهم ~~المشاركة في الحقيقة وخواصها ثم صمديته المقتضية لاستغنائه ~~الذاتي عما سواه وافتقار جميع المخلوقات إليه في وجودها ~~وبقائها وسائر أحوالها تحقيقا للحق وإرشادا لهم إلى سنته ~~الواضح ثم صرح ببعض أحكام جزئية مندرجة تحت الأحكام السابقة ~~فقيل { لم يلد } تنصيصا على إبطال زعم المفترين في حق ~~الملائكة والمسيح ولذلك ورد النفي على صيغة الماضي أي لم ~~يصدر عنه ولد لأنه لا يجانسه شيء ليمكن أن يكون له من ~~جنسه صاحبة فيتوالد كما نطق به قوله تعالى: # أنى يكون له ولد ولم تكن له صحبة # [سورة الأنعام، 101] ولا يفتقر إلى ما يعينه أو يخلفه لاستحالة ~~الحاجة والفناء عليه سبحانه { ولم يولد } أي لم يصدر ~~عنه شيء لاستحالة نسبة العدم سابقا ولاحقا والتصريح به مع ~~كونهم معرفين بمضمونه لتقرير ما قبله وتحقيقه بالإشارة إلى ~~أنهما متلازمان إذ المعهود أن ما يلد يولد وما لا فلا ومن ~~قضية الاعتراف بأنه لا يلد فهو قريب من عطف ms3444 لا يستقدمون على ~~لا يستأخرون كما مر تحقيقه. { ولم يكن له كفوا أحد } ~~أي لم يكافئه أحد ولم يماثله ولم يشاكله من صاحبة وغيرها ~~وله صلة لكفؤ قدمت عليه مع أن حقها التأخر عنه ~~للاهتمام بها لأن المقصود نفي المكافأة عن ذاته تعالى وقد ~~جوز أن يكون خبرا لا صلة ويكون كفؤا حالا من أحد وليس بذاك ~~وأما تأخير اسم كان فلمراعاة الفواصل ووجه الوصل بين هذه ~~الجمل غني عن البيان وقرىء بضم الكاف والفاء مع تسهيل ~~الهمزة وبضم الكاف وكسرها مع سكون الفاء هذا ولانطواء ~~السورة الكريمة مع تقارب قطريها على أشتات المعارف الإلهية ~~والرد على من ألحد فيها ورد في الحديث النبوي أنها تعدل ~~ثلث القرآن فإن مقاصده منحصرة في بيان العقائد والأحكام ~~والقصص ومن عدلها لكلمة اعتبر المقصود بالذات منه. روي عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم: أنه قال: # " أسست السموات السبع والأرضون السبع على قل هو الله أحد " # أي ما خلقت إلا لتكون دلائل على توحيد الله تعالى ومعرفة ~~صفاته التي نطقت بها هذه السورة. # " وعنه عليه السلام أنه سمع رجلا يقرأ قل هو الله أحد فقال ~~وجبت فقيل ما وجبت يا رسول الله قال وجبت له الجنة ". ### | [113 - سورة الفلق] ### || [113.1-3] # مختلف فيها، وآيها خمس # { قل أعوذ برب الفلق } الفلق الصبح كالفرق لأنه ~~يفلق عنه الليل والفرق فعل بمعنى مفعول فإن كل واحد من ~~المفلوق والمفلوق عنه مفعول وقيل هو ما انفلق من عموده وقيل ~~هو كل ما يفلقه الله تعالى كالأرض عن النبات والجبال عن ~~العيون والسحاب عن الأمطار والحب والنوى عما يخرج منهما وغير ~~ذلك وفي تعليق العياذ باسم الرب المضاف إلى الفلق المنبىء ~~عن النور عقيب الظلمة والسعة بعد الضيق والفتق بعد الرتق ~~عدة كريمة بإعاذة العائذ مما يعوذ منه وإنجائه منه وتقوية ~~لرجائه بتذكير بعض نظائره ومزيد ترغيب له في الجد ~~والاعتناء بقرع باب الالتجاء إليه تعالى، وأما الإشعار بأن ~~من قدر أن يزيل ظلمة الليل من هذا العالم قدر أن ms3445 يزيل عن ~~العائذ ما يخافه كما قيل فلا إذ لا ريب للعائذ في قدرته ~~تعالى على ذلك حتى يحتاج إلى التنبيه عليها. # { من شر ما خلق } أي من شر ما خلقه من الثقلين ~~وغيرهما كائنا ما كان من ذوات الطبائع والاختيار وهذا كما ~~ترى شامل لجميع الشرور فمن توهم أن الاستعاذة ههنا من ~~المضار البدنية وأنها تعم الإنسان وغيره مما ليس بصدد ~~الاستعاذة ثم جعل عمومها مدارا لإضافة الرب إلى الفلق فقد ~~نأى عن الحق بمراحل وإضافة الشر إليه لاختصاصه بعالم ~~الخلق المؤسس على امتزاج المواد المتباينة وتفاعل كيفياتها ~~المتضادة المستتبعة للكون والفساد وأما عالم الأمر فهو خير محض ~~منزه عن شوائب الشر بالمرة وقوله تعالى: { ومن شر غاسق } ~~تخصيص لبعض الشرور بالذكر مع اندراجه فيما قبله لزيادة مساس ~~الحاجة إلى الاستعاذة منه لكثرة وقوعه ولأن تعيين المستعاذ ~~منه أدل على الاعتناء بالاستعاذة وأدعى إلى الإعاذة أي ومن ~~شر ليل معتكر ظلامه من قوله تعالى: # إلى غسق الليل # [سورة الإسراء، الآية 78] وأصل الغسق الامتلاء يقال غسقت العين ~~إذا امتلأت دمعا وقيل هو السيلان وغسق الليل انصباب ظلامه ~~وغسق العين سيلان دمعها وإضافة الشر إلى الليل لملابسته له ~~بحدوثه فيه وتنكيره لعدم شمول الشر لجميع أفراده ولا لكل ~~أجزائه وتقييده بقوله تعالى: { إذا وقب } أي دخل ظلامه ~~في كل شيء لأن حدوثه فيه أكثر والتحرز منه أصعب وأعسر ~~ولذلك قيل الليل أخفى للويل وقيل الغاسق هو القمر إذا ~~امتلأ ووقوبه دخوله في الخسوف واسوداده لما روي # " عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت أخذ رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم بيدي فأشار إلى القمر فقال " تعوذي بالله تعالى ~~من شر هذا فإنه الغاسق إذا وقب " # وقيل التعبير عن القمر بالغاسق لأن جرمه مظلم وإنما ~~يستنير بضوء الشمس ووقوبه المحاق في آخر الشهر والمنجمون ~~يعدونه نحسا ولذلك لا يشتغل السحرة بالسحر الموروث للتمريض ~~إلا في ذلك الوقت قيل وهو المناسب لسبب النزول وقيل الغاسق ~~الثريا ووقوبها سقوطها لأنها إذا سقطت كثرت الأمراض ms3446 ~~والطواعين وقيل هو كل شر يعتري الإنسان ووقوبه هجومه. ### || [113.4-5] # { ومن شر النفثت فى العقد } أي ومن شر ~~النفوس أو النساء السواحر اللاتي يعقدن عقدا في خيوط وينفثن ~~عليها والنفث النفخ مع ريق وقيل بدون ريق وقرىء النافثات كما ~~قرىء النفثات بغير ألف وتعريفها إما للعهد أو للإيذان ~~بشمول الشر لجميع أفرادهن وتمحضهن فيه وتخصيصه بالذكر لما ~~روى ابن عباس وعائشة رضي الله عنهم # " أنه كان غلام من اليهود يخدم النبي عليه الصلاة ~~والسلام وكان عنده أسنان من مشطه عليه السلام فأعطاها ~~اليهود فسحروه عليه السلام فيها وتولاه لبيد بن الأعصم ~~اليهودي وبناته وهن النافثات في العقد فدفنها في بئر أريس ~~فمرض النبي عليه الصلاة والسلام فنزل جبريل عليه السلام ~~بالمعوذتين وأخبره بموضع السحر وبمن سحره وبم سحره فأرسل ~~عليه الصلاة والسلام عليا كرم الله وجهه والزبير وعمارا ~~رضي الله عنهم فنزحوا ماء البئر فكأنه نقاعة الحناء ~~ثم رفعوا راعوثة البئر وهي الصخرة التي توضع في أسفل البئر ~~فأخرجوا من تحتها الأسنان ومعها وتر قد عقد فيه إحدى عشرة ~~عقدة مغرزة بالأبر فجاءوا بها النبي صلى الله عليه وسلم فجعل ~~يقرأ المعوذتين عليها فكان كلما قرأ آية انحلت عقدة ووجد ~~عليه السلام خفة حتى انحلت العقدة الأخيرة عند تمام السورتين ~~فقام عليه السلام كأنما أنشط من عقال فقالوا يا رسول الله ~~أفلا نقتل الخبيث فقال عليه السلام: " أما أنا فقد عافاني ~~الله عز وجل وأكره أن أثير على الناس شرا " قالت عائشة ~~رضي الله عنها ما غضب النبي عليه الصلاة والسلام غضبا ينتقم ~~لنفسه قط إلا أن يكون شيئا هو لله تعالى فيغضب لله وينتقم ~~وقيل المراد بالنفث في العقد إبطال عزائم الرجال بالحيل ~~مستعار من تليين العقدة بنفث الربق ليسهل حل " # ها { ومن شر حاسد إذا حسد } أي إذا أظهر ما في نفسه ~~من الحسد وعمل بمقتضاه بترتيب مقدمات الشر ومبادىء الأضرار ~~بالمحسود قولا أو فعلا والتقييد بذلك لما أن ضرر الحسد قبله ~~إنما يحيق بالحاسد لا غير. # عن ms3447 النبي صلى الله عليه وسلم: # " من قرأ المعوذتين فكأنما قرأ الكتب التي أنزلها الله تعالى ~~". ### | [114 - سورة الناس] ### || [114.1-4] # مختلف فيها، وآيها ست # { قل أعوذ } وقرىء فى السورتين بحذف الهمزة ونقل حركتها إلى اللام ~~{ برب الناس } أى مالك أمورهم ومربيهم بإفاضة ما يصلحهم ودفع ~~ما يضرهم وقوله تعالى { ملك الناس } عطف بيان جىء به لبيان أن ~~تربيته تعالى إياهم ليست بطريق تربية سائر الملاك لما تحت أيديهم من ~~مماليكهم بل بطريق الملك الكامل والتصرف الكلى والسلطان القاهر وكذا قوله ~~تعالى { إله الناس } فإنه لبيان أن ملكه تعالى ليس بمجرد ~~الاستيلاء عليهم والقيام بتدبير أمورهم وسياستهم والتولى لترتيب مبادىء ~~حفظهم وحمايتهم كما هو قصارى أمر الملوك بل هو بطريق المعبودية المؤسسة ~~على الألوهية المقتضية للقدرة التامة على التصرف الكلى فيهم إحياء وإماتة ~~وإيجادا وإعداما، وتخصيص الإضافة بالناس مع انتظام جميع العاملين فى ~~سلك ربوبيته تعالى وملكوتيته وألوهيته للإرشاد إلى منهاج الاستعاذة ~~المرضية عنده تعالى الحقيقة بالإعاذة فإن توسل العائذ بربه وانتسابه ~~إليه تعالى بالمربوبية والمملوكية والعبودية فى ضمن جنس هو فرد من أفراده ~~من دواعى مزيد الرحمة والرأفة وأمره تعالى بذلك من دلائل الوعد الكريم ~~بالإعاذة لا محالة ولأن المستعاذ منه شر الشيطان المعروف بعداوتهم ففى ~~التنصيص على انتظامهم فى سلك عبوديته تعالى وملكوته رمز إلى إنجائهم من ~~ملكة الشيطان وتسلطه عليهم حسبما ينطق به قوله تعالى # إن عبادي ليس لك عليهم سلطان # [سورة الحجر، الآية 42] فمن جعل مدار تخصيص الإضافة مجرد كون الاستعاذة ~~من المضار المختصة بالنفوس البشرية فقد قصر فى توفية المقام حقه وأما جعل ~~المستعاذ منه فيما سبق المضار البدنية فقد عرفت حاله وتكرير المضاف إليه ~~لمزيد الكشف والتقرير والتشريف بالإضافة { من شر الوسواس } هو ~~اسم بمعنى الوسوسة وهى الصوت الخفى كالزلزال بمعنى الزلزلة وأما المصدر ~~فبالكسر والمراد به الشيطان سمى لفعله مبالغة كأنه نفس الوسوسة { ~~الخناس } الذى عادته أن يخنس أي يتأخر إذا ذكر الإنسان ربه. ### || [114.5-6] # { الذى يوسوس في صدور الناس } إذا غفلوا عن ذكره تعالى ms3448 ~~ومحل الموصول إما الجر على الوصف وإما الرفع أو النصب على الذم { من ~~الجنة والناس } بيان للذي يوسوس على أنه ضربان جني وإنسي ~~كما قال عز وجل # شياطين الإنس والجن # [سورة الأنعام، الآية 112] أو متعلق بيوسوس أى يوسوس فى صدورهم من جهة ~~الجن ومن جهة الإنس وقد جوز أن يكون بيانا للناس على أنه يطلق على الجن ~~أيضا حسب إطلاق النفر والرجال عليهم ولا تعويل عليه، وأقرب منه أن يراد ~~بالناس الناسى ويجعل سقوط الياء كسقوطها في قوله تعالى # يدع الداع # [سورة القمر، الآية 6] ثم يبين بالجنة والناس فإن كل فرد من أفراد ~~الفريقين مبتلى بنسيان حق الله تعالى إلا من تداركه شوافع عصمته وتناوله ~~واسع رحمته عصمنا الله تعالى من الغفلة عن ذكره ووفقنا لأداء حقوق شكره. ms3449