######OpenITI# #META# المؤلف: محمد بن محمد بن محمد الغزي العامري الدمشقي، أبو البركات، بدر الدين ابن رضي الدين (المتوفى: 984هـ) #META# bkid: 450 #META# pdfcs: 2 #META# Shamela_short_metadata_record: #META# الكتاب: المطالع البدرية في المنازل الرومية ¶ المؤلف: محمد بن محمد بن محمد الغزي العامري الدمشقي، أبو البركات، بدر الدين ابن رضي الدين (المتوفى: 984هـ) ¶ حققها وقدم لها: المهدي عيد الرواضيّة ¶ الناشر: دار السويدي للنشر والتوزيع، أبو ظبي - الإمارات العربية المتحدة، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت - لبنان ¶ الطبعة: الأولى، 2004 م ¶ عدد الأجزاء: 1 ¶ [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع] #META# auth: الغزي، أبو البركات #META# Lng: محمد بن محمد بن محمد الغزي العامري الدمشقي، أبو البركات، بدر الدين ابن رضي الدين #META# الطبعة: الأولى، 2004 م #META# max: 304 #META# onum: 37060 #META# pdf: 1 #META# bk: المطالع البدرية في المنازل الرومية #META# authinf: بدر الدين الغزي (904 - 984 هـ = 1499 - 1577 م) ¶ محمد بن محمد بن محمد الغزي العامري الدمشقي، أبو البركات، بدر الدين ابن رضي الدين: فقيه شافعي، عالم بالأصول والتفسير والحديث. ¶ مولده ووفاته في دمشق. ¶ له مئة وبضعة عشر كتابا، منها ثلاثة تفاسير، وحواش وشروح كثيرة، ورسائل منها (المراح في المزاح - ط) و (المطالع البدرية في المنازل الرومية - خ) [ثم طُبع] و (جواهر الذخائر في الكبائر والصغائر - خ) قصيدة رائية في المواعظ. ¶ وهو أبو نجم الدين محمد المؤرخ، وقد جمع ابنه أسماء كتبه في كتاب أفرده لذلك. ¶ ولزم بدر الدين العزلة في أواسط عمره، فكان لا يزور أحدا من الأعيان ولا الحكام بل يقصدونه. ¶ وكان كريما محسنا جعل لتلاميذه رواتب وأكسية وعطايا ¶ نقلا عن: الأعلام للزركلي #META# bver: 1 #META# over: 1 #META# ndata: بسم الله0E544F4Fالوكيل). #META# bkord: 5641 #META# archive: 2 #META# عدد الأجزاء: 1 #META# الناشر: دار السويدي للنشر والتوزيع، أبو ظبي - الإمارات العربية المتحدة، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت - لبنان #META# الكتاب: المطالع البدرية في المنازل الرومية #META# seal: B657EC7A #META# oauth: 651 #META# authno: 651 #META# ad: 984 #META# idx: 1 #META# comp: 1 #META# حققها وقدم لها: المهدي عيد الرواضيّة #META# higrid: 984 #META# cat: البلدان والجغرافيا والرحلات #META# iso: المطالع البدريه في المنازل الروميه #META# digitization_comments: [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع] #META# DownloadSource: Abū Yaʿqūb's Shamela database #META# DownloadDate: 2017? #META# ConversionDate: 2020-10-01 #META#Header#End# بسم الله الرحمن الرحيم # وبه أكتفي # الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، وتدر البركات، وبمنته تغفر الزلات ~~وتقال العثرات، وبرحمته تقر العيون السخنات، بلم الشمل بعد الشتات، وبرأفته ~~يحصل للقلوب القلقة الثبات، بوصل الحبل بعد البتات، أحمده على توافر نعمائه ~~التي مدها علينا ظلا ظليلا، وتواتر آلائه التي أولاها ووالاها مقاما ~~ورحيلا، وأشكره شكرا يكون بمزيد النعم كفيلا، ولمديد الكرم الوافر الوافي ~~منيلا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادة معترف بوجوب ~~وجوده، مغترف من بحار كرمه وجوده، وأشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله، أشرف ~~رسله وسيد عبيده وناصر دينه القيم وصاحب لواء تحميده، صلى الله وسلم عليه ~~وعلى آله وأصحابه وأتباعه وأشياعه وجنوده، ما عزمت همة امرء على إقامة، أو ~~همت عزيمته بسفر، وما تجلى صبح بلوغ المآرب عن سرى ليل المطالب وسفر، أما بعد. # فهذا تعليق، أبرزه عون من الله تعالى وتوفيق، قصدت به ضبط موارد الرحلة ~~الرومية، وذكر معاهد الوجهة الشمالية، والتنويه بأسماء بعض من جمعتنا به ~~الرحلة من الأئمة الشيوخ، ذوي التحقيق والرسوخ، من أصحاب وخلان وأصدقاء ~~وإخوان، ما بين أقران نبلاء، وأعيان كملاء، وتلامذة فضلاء، زادهم الله علما ~~وعملا، ومن أركان دولة ملك البسيطة، وقطب الدائرة التي هي بالعالم محيطة، ~~ظل الله في الأرض، النافذ الأمر في الطول منها والعرض، ملك البرين والبحرين ~~والعراقين، وحامي الحرمين الشريفين، سليمان الزمان وإسكندر العصر والأوان ~~السلطان سليمان خان بن عثمان، لا زالت شمس ملكه مشرقة الأنوار، والدنيا ~~لابسة من شعار سلطانه حلل الفخار، ولا زالوا هم مقيمين في دولته ميزان ~~العدل بالقسط، متعاضدين متفقين في نصرة الحق وإعلاء كلمته على أحسن نظام وأنسب PageV01P021 ~~شمط، مطرزا حلته بذكر بعض ما فتح الله تعالى به من منثور ومنظوم، ومهمات # لطيفة من غوامض العلوم، وقد وسمته بالمطالع البدرية في المنازل الرومية، ~~والله تعالى أسأل أن يجعله لوجهه الكريم خالصا، وأن يظلنا بظله العميم حيث ~~يكون الظل قالصا بمنه ويمنه، وفضله وطوله، فأقول مستعينا بالله سبحانه، ~~ومؤملا فضله ms001 وغفرانه، ومتوكلا في كل أحوالي عليه، ومفوضا جميع أموري إليه: ~~إنني استخرت الله تعالى - وما خاب من استخاره - واستشرت كما أمرت من هو أهل ~~للاستشارة، في السفر إلى البلاد الرومية قاصدا محل تخت الملك مدينة ~~قسطنطينية لأمر اقتضى ذلك، وألجأ إلى سلوك هذه المسالك في مدينة دمشق ~~الشام، بعد فراق روحها سيدي الوالد شيخ الإسلام، حين نضب المعين، وفقد ~~المعين، وخان الأمين، ومان من لم نعهده، يمين وقل الناصر، وعز المواصر، ~~وخذل المؤازر، وصدت الإخوان، وندت الخلان، وافتضح من ذلك الخطب اليسير، من ~~مدعي الصحبة والأخوة خلق كثير بحيث: # لم يبق صاف ولا مصاف ... ولا معين ولا معين # وفي المساوي بدا التساوي ... فلا أمين ولا يمين PageV01P022 ~~فضاقت الأرض والنفس والمعيشة، وناوشت كلاب المزابل أسد بيشة، فتعينت الرحلة ~~عن المملكة فضلا عن البلد، وحسنت مفارقة النفس فضلا عن الأهل والولد. # ولا يقيم على ضيم يسام به ... إلا الأذلان عير الحي والوتد # إن الهوان حمار الدار يألفه ... والحر ينكره والفيل والأسد # هذا على الخسف مربوط برمته ... وذا يشج فلا يرثى له أحد # فاستعذت بالله من العجز والكسل، ورفضت التعلل بعسى ولعل، ولبست جلباب ~~العزم، وامتطيت مطية الحزم، وأدخلت على معتل التواني حرف الجزم، وجزمت على ~~ترك الدعة والسكون أي جزم، وأخذت في إعداد الأهبة وارتياد الصحبة، إلى # أن كمل الاستعداد، وحصلت الراحلة والرفقة والزاد، وخرجت من مدينة دمشق ~~المحروسة، ومن المنازل والديار المأنوسة، عصر يوم الاثنين المكرم، ثامن عشر ~~شهر رمضان المعظم، سنة ست وثلاثين وتسعمائة، وصحبني من الخدم والرفاق ~~والأصحاب فئة صحبة قاضي القضاة ولي الدين ابن الفرفور، (وقد حصل عنده PageV01P023 ~~بصحبتي في الظاهر غاية السرور، والله يعلم خافية الأعين وما تخفي الصدور)، ~~فوصلت معه إلى الأسعدية والناصرية، وهما بسفح جبل قاسيون من الصالحية، ثم ~~أرسلت معه إلى قرية دمر جماعة من الرفاق مع الأحمال، وعن لي الرجوع إلى ~~الديار لقضاء مآرب وأشغال، وأنشد لسان الحال فقال: # أقول لصحبي حين ساروا، ترفقوا ... لعلي أرى من بالجناب الممنع # وألثم أرضا ينبت العز ms002 تربها ... وأسقي ثراها من سحائب أدمعي # وينظر طرفي أين أترك مهجتي ... فقد أقسمت أن لا تسير غدا معي # وما أنا إن خلفتها متأسف ... عليها وقد حلت بأكرم موضع # ولكن أخاف العمر في البين ينقضي ... على ما أرى والشمل غير مجمع # وأرجو إلهي أن يمن بجمعنا ... قريبا بخير فهو أكرم من دعي # فوصلت إلى الدار آخر ذلك النهار، والشمس كحبيب يودع حبيبه، وقد عراه PageV01P024 ~~من ألم الوداع اصفرار كما قيل: # ورب نهار للفراق أصيله ... ووجهي كلا لونيهما متناسب # ثم فطرت في المنزل عل عادتي المألوفة، وفطر عندي من الأصحاب جماعة لطيفة، ~~ثم احتفت بي الوالدة والأولاد، وتشاكينا حرارة الأكباد ولهيب الفؤاد، ~~وأنشدت بلسان الحال قول من قال: # غدا أودع قوما أودعوا كبدي ... نارا، وعهدي بهم بردا على الكبد # أبدي التجلد أحيانا فيبهرني ... ريق يجف وخد بالدموع ندي # لم أنس يوما تنازعنا حديث نوى ... وقولها وهي تبكي: آه يا سندي # كنا إلى القرب أخلدنا فنغصه ... هذا الرحيل الذي ما مر في خلدي # ثم خرجت إلى مدرسة الكاملية، وتمشيت ومعي ولدي أحمد - أنشأه الله PageV01P025 ~~تعالى - في جامع بني أمية، فصار لا يفارقني لحظة، ويعيرني في كل ساعة لحظه، وقلت: # لم أنس يوم الفراق المر حين دنا ... والقلب باك وطرف العين منبهت # ونور عيني المفدى أحمد ولدي ... يمشي قليلا أمامي ثم يلتفت # ثم أسرجت في الكاملية على عادتها الشموع والمصابيح، وصليت فيها مع جماعة ~~من الأصحاب صلاة التراويح، ثم بت تلك الليلة في قلق وألم، واستيقظت أواخر ~~الليل فإذا والدتي عند رأسي لم تنم: # أتغلبني عيناي ليلة بيننا ... ووالدتي من شدة الوجد لم تنم # أمن قسوة هذا أم الكرب غامر ... لقلبي مما حل فيه من الألم # أي والله إن القلب لشديد الاحتراق، موثق من الكرب بأشد الوثاق، مثخن ~~بجراحات الفراق: # خليلي لا والله ما القلب سالم ... وإن ظهرت مني مخايل صاحي # وإلا فما بالي ولم أشهد الوغا ... أبيت كأني مثخن بجراح # فتهيأت حينئذ للصلاة بعد الطهور، وتناولت مما حضر من السحور، وتمليت بوجه PageV01P026 ~~الوالدة ms003 والأولاد بقية تلك الليلة، في تلك السويعات اليسيرة القليلة إلى أن ~~أذن داعي الفلاح، ولمع الفجر بضيائه ولاح وسطع وجه المحجة وبان فتصدع الشمل ~~حينئذ وبان: # قالوا الرحيل وما تملت باللقا ... عيني ولا امتلأت بغير مدامعي # فتيقنت روحي بأن مقالهم ... أن يصدق الحادي أشد مصارع # فيا لله ما ألفه الصباح من عوائد الفراق وما أثره في الأكباد من ~~الانفلاق، وقلت: # أقول للصبح حين أجرى ... عوائدا منه بالفراق # لا أشكر السعي منك حتى ... تكون لي رائد التلاق # ولما بلغ مولانا المقر الكريم، شيخ المسلمين السيد عبد الرحيم هذان ~~البيتان، أنشدني لنفسه في هذا الشأن قوله: PageV01P027 # إن يكن للصباح فضل على الليل ... بتنويره دجى الأحلاك # فله في تفرق الشمل فعل ... لم تسعه دوائر الأفلاك # ثم نهضت إلى صلاة الصبح، مؤملا من الله تعالى الصلاح والنجح، ثم لما ~~ابتسم وجه الصباح وسفر، شددت علي باكيا أهبة السفر: # عجبا لقلبي يوم راعتني النوى ... ودنا التفرق كيف لم يتفطر # ثم طافت بي الأحباب للوداع، وتعين العزم على الإزماع، فودعت الوالدة ~~والأولاد وسائر الأهل، وتجرعت من ذلك ما ليس بالعذب ولا بالسهل، فما منهم ~~إلا من لزمني وانتحب، فما أحق المتلازمين منا بقول بعض العرب: # باتا بأنعم ليلة حتى بدا ... صبح تلوح كالأغر الأشقر # فتلازما عند الفراق صبابة ... أخذ الغريم بفضل ثوب المعسر PageV01P028 ~~والأولاد إذ ذاك ثلاثة، كل منهم في أول سن الحداثة، أكبرهم لم يبلغ السبع ~~ولا عرف الضر والنفع، وهم يبكون ويتعللون بالمحال، وينشدون بلسان الحال: # أيا أبتا لا ترم عندنا ... فإنا بخير إذا لم ترم # نخاف إذا أضمرتك البلا ... د نجفى ويقطع عنا الرحم # واندفعت في سري منشدا والدموع تستوقف القطار، وتستوكف الأمطار وتبل تلك ~~الأقطار، والقلب في وله وعدم إشعار، عما عليه من إنشاد أشعار، فقلت: # ودعت قلبي يوم ودعتهم ... وقلت للنوم انصرف راشدا # وقلت للأفراح عني ارحلي ... حتى تريني لهم شاهدا PageV01P029 ~~وكان لذلك الوداع موقف مشهود، ينثر فيه من الدمع لؤلؤ منضود، وينظم عقودا ~~في نواحي الخدود، وقلت: # موقف للوداع ينثر ms004 فيه ... درر نظمت من الآماق # كونت مثل وجدنا في اجتماع ... وبدت مثل شملنا في افتراق # وقد أسرجت الفوانيس والخيول، وألجمت الأفواه بما أجرت العيون من السيول، ~~وطاشت الألباب وذهلت العقول من توادع الأحباب، وصبرنا على ما هو أمر من ~~الحين من معالجة شدة البين: # من لم يكن أخذ الهوى بفؤاده ... فلقد أخذت من الهوى بنصيب # فرأيت أن أشد كل بلية ... قضيت على أحد فراق حبيب # - # ولقد نظرت إلى الفراق فلم أجد ... للموت لو فقد الفراق سبيلا # ثم ركبت الجواد بعد أن استودعت الله تعالى جميع الأهل والوالدة والأولاد ~~ولقد أصابني بفراقهم ما أنه: PageV01P030 # لو كان بالفلك الدوار لم يدر ... أو كان بالماء لم يشرب من الكدر # أو كان بالعيس ما بي يوم فرقتهم ... أعيت على السابق الحادي فلم يسر ### | AUTO الخروج من دمشق # وصحبت معي من الكتب النافعة في الأسفار بعض أجزاء وأسفار، وخرجت من ~~المدينة وقت الإسفار، وصحبني جماعة من الأصحاب للوداع، وأسرعنا في السير ~~قبل أن يتكاثروا غاية الإسراع، هذا والدموع لا ينحبس وبلها إلا وأخلفه ~~طلها، وكلما أفرغ ذنوبها امتلأ سجلها، والجوانح لا يهمد وقد ضرامها، إلا ~~وأخلفه حر أوامها، ولا يخمد تأجج نيرانها إلا وأردفه توهج دخانها والشوق ~~بالأحشاء عابث # وبجوانب الضلوع عابث، والقلب من اضطراب أهوائه خافق، وغراب البين ببعد ~~الأحبة ناعق، وسرنا سير مشمعل نطوي البيد كطي السجل، فوصلنا بعد تعالي ~~الصباح وارتفاع الشمس قيد ثلاثة رماح إلى المنزل المقرر، وهو قرية ابن ~~فرفور دمر، وهي قرية كبيرة كثيرة الخيرات وافرة الغلات طيبة النبات، فنزلنا ~~بها بمرج لطيف، بديع التدبيج والتفويف، ذي عرف أعطر، وربيع أزهر، من عشب ~~أخضر، وأقحوان أصفر، وشقيق أحمر، وغير ذلك مما هو عجيب التلوين غريب ~~التكوين، وقد حف به من غالب جوانبه نهر بردى وهو أكبر أنهار الشام وأكثرها ~~مددا بل هو أصل PageV01P031 ~~الأنهار ومصرفها وأوسعها وأسرعها وأشرفها، يسقي ما لا يحصى من القرى، ويسد ~~عند كل قرية ثم يعود كما كان نهرا. فهو من المنن الغزيرة، ومن الأعاجيب ms005 ~~الشهيرة، كما قيل: # نهر يسيل كما يذوب نضار ... وتدور في أيدي الس قاة عقار # فإذا استقام فصارم دامي الظبا ... وإذا انحنا جنب به فسوار # مغرورق التيار ملتطم كما ... خفقت بظهر مهب ريح نار # أحمر وأخضر النبات بشطه ... فكأن ذا خد وذاك عذار # وكما قيل: # نهر يهيم بحسنه من لم يهم ... ويجيد فيه الشعر من لم يشعر # ما اصفر وجه الشمس عند غروبها ... إلا لفرقة حسن ذاك المنظر # ومن أحسن ما قيل في وصف نهر عند الأصيل قول عبد الله بن شارة الإشبيلي: PageV01P032 # النهر قد رقت غلالة صبغه ... وعليه من ذهب الأصيل طراز # تترقرق الأمواج فيه كأنها ... عكن الخصور تهزها الأعجاز # فأقمنا بذلك المنزل نهار الثلاثاء تاسع عشر شهر رمضان بالتمام، فيا له من ~~يوم ما كان أطوله، وأخلقه بقول أبي تمام: # يوم الفراق لقد خلقت طويلا ... لم تبق لي صبرا ولا معقولا # وما أحسن ما قال بعده: # لو حار مرتاد المنية لم يجد ... إلا الفراق على النفوس سبيلا # قالوا: الرحيل، فما شككت بأنه ... نفس عن الدنيا تريد رحيلا # وفي معناه قول المتنبي رحمه الله تعالى: # أحيا وأيسر ما قاسيت ما قتلا ... والبين جار على ضعفي وما عدلا PageV01P033 ~~والوجد يقوى كما يقوى النوى أبدا ... والصبر ينحل في جسمي كما نحلا # لولا مفارقة الأحباب ما وجدت ... لها المنايا إلى أرواحنا سبلا # فلم أزل أتقلى بجمر ذلك النهار، وأجاري ذلك النهر من دموعي بأنهار، أكن ~~من الوجد ما غاية الثكلى تكنه، وأبدي من الحنين ما لا تطيق الجوانح تجنه: # فلله كم من لوعة كنت كاتما ... لها خيفة العذال نم بها دمعي # إذا كان من عيني على ما تكنه ... ضلوعي من الأسرار عين فما صنعي # وقد برح الخفا بما أخفيه من البرحاء، ونزحت أرشية جفوني مياه عيوني بيد ~~البكاء: # أهذا ولما تمض للبين ليلة ... فكيف إذا مرت عليه شهور # فما انقضى ذلك النهار، وحل من الصوم الإفطار، إلا وقد أشرفت النفس على ~~الزهوق والقلب على الانفطار، ثم أقمنا من ليلة الأربعاء أطول الليال إلى ms006 ~~مقدار حد الوصية من المال، فما كان أقصر ليلة الثلاثاء وأطول ليلة بعدها، ~~فيا لها من ليلة ما PageV01P034 ~~أخفها يتلوها ليلة ما أشدها كما قيل: # إن الليالي للأنام مناهل ... تطوى وتنشر بينها الأعمار # فقصارهن مع الهموم طويلة ... وطوالهن مع السرور قصار # فلما طلع القمر وسطع نوره وانتشر، ومد بساطه الأزهر على ذلك الزهر، وصقل # نور ضيائه صداد ذلك النهر، عزمنا على الترحال، وشددنا الأحمال على ~~البغال، وودعنا من الأصحاب من بقي وأنشدناهم إن نعش نلتقي، وسرنا وقلبي ~~يتوقف عن اللحاق، ويتخلف عن الرفاق، ويتخوف من فرق الفراق بعد فرح التلاق: # ولولا الترجي للمحبين لم تكن ... قلوبهم يوم النوى تعمر الصدرا # واستمر بنا السير من ذلك الوقت إلى وقت الغداء وجزنا في خلاله بوادي بردى ~~وهو واد أفيح كثير الأشجار، بعيد القرار عظيم المقدار، عديم المماثل ~~والنظير، ذو مرأى حسن ومنظر نضير، يحف كل قطر منه بستان، ويدور بجنباته نهر ~~بردى كالثعبان، قد بسطت يد السماء به بسطا سندسية، وطرحت عليه مطارح بالزهر ~~موشية، وقد جر عليه النسيم بعد ذلك ذيوله، وأجال بميدانه خيوله، واستنطق ~~أطياره، وشقق أزراره، وأفشى أسراره، وأذاع رنده وعراره، وفضض نواره، وذهب PageV01P035 ~~أزهاره، ونثر درهمه وديناره، وحيا ورده وبهاره، وصافح آسه وجلناره، وأطاب ~~تنآه وأخباره، وأمالت بنشأتها قدوده، وأخجلت بقبلتها خدوده، وحشدت جنوده، ~~وحشرت بيضه وسوده، ونشرت ألويته وبنوده، وملأت تهائمه ونجوده، ونظمت جواهره ~~وعقوده، وأعطت مواثيقه وعهوده: # محل كأن الشمس تخجل كلما ... نضت ثوبها عن معطفيه مغيبا # تنم رياح الخلد منه لأهله ... ويطفح تسنيم ويرشح طيبا # ثم جزنا بأعين التوت وهي في أمر مريج، وشهيق وعجيج، وزفير ونشيج، ولغط ~~وضجيج، واضطراب والتواء، واعوجاج واستواء، وشكوى مما صنعته يد النوى، وما ~~أثارته وأثرته شدة الهوى، (ولم نزل) نجد في السير ولا نرفق، حتى نزلنا ~~تعالي النهار من يوم الأربعاء عشرين شهر رمضان بمنزلة خان الفندق على عين ~~ماء بارد PageV01P036 ~~عذب غدق يغدق، فأقمنا به ريثما نستريح، ونزيح علل الرفاق والدواب ونريح، ثم ~~ترحلنا منه عندما حان وقت ms007 الزوال وامتد الظل ومال، وكان ذلك اليوم # أطول من ظل القناة، وأحر من دمع المقلاة، وسرنا والقيظ يشتد حره، والهجير ~~يتلظى جمره، إلى أن وافينا وادي الزبداني، وقد أعرس بالورد وتزين بالعرار ~~والرند، واطردت جداوله أي طرد، وفاح نسيمه المنعش للروح بالطيب والبرد، ~~فتلقانا أهله بحزم الورد النصيبي، ووفر منه ذلك اليوم حظي ونصيبي، وقلت: # جزنا بقوم كرام ... وافوا بورد نصيبي # فاجزلوا منه حظي ... ومنه وفوا نصيبي # فيا له من واد ما أحلاه وأملحه، وأفسحه وأفيحه وأفوحه، كأن رياضه سماء ~~زينت بالزواهر، أو قباب زمرد رصعت من الدر والياقوت بأنفس الجواهر، أو ~~عذارى تتجلى في حلل سندسية باسطة أكفها للتسليم، أو مهدية أقداحا ختامها ~~مسك ومزاجها من صفاء التسنيم، فتركنا عشه ودرجنا، وما عجنا على غير المسير ~~ولا عرجنا، فوصلنا قرية صرغايا أصيل ذلك اليوم، فنزلنا في أحسن المنازل ~~بخلاف بقية القوم في أرض خضرة، بين مياه خصرة وأزهار عطرة، وأشجار نضرة، ~~وجورات تميس بقدود الحور، وتتستر بالأوراق تسترها بالشعور، وحمائم تترنم ~~على أعواد الغصون، وتبدي فنون الأشواق والشجون، كما قيل: # تشدوا بعيدان الأراك حمائم ... شدو القيان عزفن بالأعواد PageV01P037 ~~مال النسيم بقضيبه فتمايلت ... مهتزة الأعطاف والأجياد # هذي تودع تلك توديع التي ... قد أيقنت منها بوشك بعاد # واستعبرت بفراقها عين الندى ... فابتل مئزر غصنها المياد # فبتنا في ذلك المنزل المعظم القدر ليلة الخميس حادي عشر، وهي في أرجح ~~ميلي الإمام الشافعي رضي الله عنه ليلة القدر، وقلت من أبيات: # وقرية صرغايا المعظمة القدر ... نزلنا بها في مرجها ليلة القدر # ثم رحلنا منها وقد بزغ القمر بين النجوم كالملك لابس التاج، مرتديا بين عساكره # بأبيض الديباج، وقد عوض نوره وأغنى في الحالين عن السراج، فسلكنا مسالك ~~سهلة ثم أدركنا مدارك مستصعبة وأعقبنا رقي عقبة، وما أدريك ما العقبة، هي ~~عقبة الرمانة التي منها القلوب ملانة، ذات مدارج وعرة، ومناهج عسرة، ومهاد ~~ومشارف، ومثان ومعاطف، تخلع القلب وتقطع النياط، وتذكر بالحشر والحساب ~~والصراط، فزاد حزنها على الفؤاد أحزانه، ورادف بثه وأشجانه، ثم قطعناها ms008 عند ~~الصباح، وسرنا في مهامة فيح وفياف فساح، ولم نزل في إتهام وإنجاد، وصعود ~~ربوة وهبوط واد، حتى انتهينا إلى واد كبير، ذي منظر نضير، وعشب كثير، ~~وعينان تجريان على صخر بماء زلال خصر نمير، كما قيل: PageV01P038 # وواد حكى الخنساء لا في شجونها ... ولكن له عينان تجري على صخر ### | AUTO بعلبك # قد بسط الربيع به بسطا سندسية، ومطارف عبقرية ترتاح لرؤيتها الأرواح، ~~وترتع النفوس منها في مراتع الارتياح، ثم فارقناه وهو يصفر، ويتبلج وجهه ~~ويسفر، ونحن نحضر في السير ولا نخسر، حتى وصلنا إلى مدينة بعلبك، وعوض ~~اليقين منها بالشك، فنزلنا بها ضحوة النهار على رأس العين، في مكان أفيح ~~مقابلة فلاة مد العين، بها مروج وروضات هي مرتع النواظر ومتنفس الخواطر، قد ~~أخذت أذوات الجنان، وأسفرت عن رفرف خضر وعبقري حسان، وأتت من الحسن ~~والإحسان، بما يقصر عن وصفه لسان القلم وقلم اللسان، كما قيل: # إني دخلت لبعلبك فشاقني ... عين بها الظل الظليل مخيم # فلأجل ذا من أهلها أنا مكرم ... ولأجل عين ألف عين تكرم # ورأس العين هو مكان كالبركة، ينبع منه ماء ثجاج، عذب نمير خصر ليس بملح ~~ولا أجاج، ويدخل إلى المدينة فيجوب في أكنافها حتى تحس بالري من أظفارها ~~وأطرافها، وبجانب ذلك المكان صفة متسعة، وبالقرب منه مسجد كانت تقام فيه # الجمعة. وتلقانا بهذا المنزل المذكور جماعة من أعيان أهل المدينة، وقد ~~رفعت عنهم بواسطة شهر الصوم المؤنة، منهم الشيخ الإمام العالم العلامي ~~البهاي العصي PageV01P039 ~~وولداه وغيرهم من الأكابر والقضاة، وكل من القوم يعتذر بكرم شهر الصوم، ~~فقلت وعن الحق ما حلت: # شهر الصيام كريم ... لكنكم بخلاء # هب أننا في صيام ... أليس يأتي العشاء؟ # وقلت: # شهر الصيام كريم ... والبخل فيكم سجية # هبنا نصوم نهارا ... أليس تأتي العشية؟ # وقلت: # شهر الصيام كريم ... والفطر رخصة سفر # وإن نصم فمغيب ... للشمس ميقات فطر # وقلت: # شهر الصيام كريم ... والفطر للسفر رخصة PageV01P040 ~~والليل لا صوم فيه ... فالله بالفطر خصه # ثم ركبنا حين تعوضت الشمس بفيها من ظلها، ودخلنا المدينة على حين ms009 غفلة من ~~أهلها، لنخبر وبلها من طلها، وعلها من نهلها، وحزنها من سهلها، وخرجها من ~~دخلها، وكثرها من قلها، وجدها من هزلها، وسفسافها من جزلها، فوجدناها مدينة ~~قديمة بها بقايا عمارات عظيمة، وآثار مآثر مقيمة، وأزقة فسيحة وأسواق ~~مليحة، وأكثر أهلها من أكثر أهل الجنة، لولا ما ينسب إلى بعضهم من بغضهم ~~السنة، ودخلنا إلى جامعها الكبير الرحيب، فتلقانا خادمه بالتأهيل والترحيب، ~~وفرش لنا سجادة وعكفنا فيه وقتا طويلا على الاعتكاف والعبادة، ثم تكلمنا مع ~~القيم فوجدناه # لطيف الذات، كامل الأذوات، فسألناه عما يقال عن أهل بعلبك وعن رأس العين ~~فقال: نعم هو حق ليس بالمين، فإنها كانت عينين فأصابتهما وصمة العين، فحضر ~~مغربي ملعون الوالدين، فسرق منهما عينا في قنينة، وذهب بها إلى رأس جبل قرب ~~المدينة، فانكسرت منه وجرت عينا هناك، ثم حضر مغربي آخر، وأهل المدينة بين ~~متأسف وباك، فقال: يا أهل بعلبك كأنكم بالعين الأخرى وقد اغتالتها يد ~~البين، وأصبحت مدينتكم برأس بلا عينين، ويمكنني أن أقول على هذه العين ~~الباقية عزيمة، فلا تزال بدياركم باقية مقيمة، فجمعوا له مالا لبدا، ~~وازدلفوا إليه حتى كادوا يكونون عليه لبدا، فرقى تلك العين ووضع عليها حجرا ~~رصدا، فلم تبد بعد أبدا وزادت على طول المدا مددا، ورأينا قلعتها الحصينة، ~~وهي ذات أبنية متينة، وأعمدة كثيرة طويلة، وأحجار كبيرة ثقيلة يظن من PageV01P041 ~~رآها أنها صخور محررة لولا ما تحتها من الحجارة المختصرة، وقد كانت من غرر ~~القلاع المشتهرة بالارتفاع والامتناع، وهي الآن خراب مأوى للبوم والغراب، ~~ورأينا الحجر المعروف بحجر الحبلى، وهو حجر مربع مستطيل، عرضه كالصفة ~~العريضة وطوله كالحائط الطويل، وهو خارج المدينة على نحو ثلث ميل، وهو أحد ~~حجارة بناء القلعة العجيبة، وله عندهم حكاية من جنس ما تقدم عن العين ~~غريبة، وسلمنا على ولي الله تعالى الشيخ محمد المنير العطار، وهو من عباد ~~الله الصلحاء الأخيار، كثير الأوراد والأذكار، ملازم للعبادة آناء الليل ~~وأطراف النهار، وقد كان ممن يتردد إلى سيدي شيخ الإسلام الوالد، وكان يسميه ms010 ~~بالصالح الزاهد، وزرنا سيدي القطب العارف بالله تعالى الشيخ عبد الله ~~اليونيني من أسفل الجبل، ثم عدنا إلى المخيم وقرص الشمس قد أفلت من يد ~~السماء، وأفل وارتحل ذلك النهار، وحل للصائم الإفطار، ثم لما كفيت مؤنة ~~العشاء، ومضى نحو عشرين درجة بعد العشاء، وآن للسامر أن يهجع، أزمع القاضي ~~على الرحيل وأجمع، وكان ذلك # برأي منه منكوس، وحظ له متعوس، فضل عن سواء السبيل، وعن الطريق السهل ~~القريب إلى طريق صعب طويل، فضيع وقت الراحة في التعب في غير طائل، وصرف ~~ساعة تجلي الحق في السعي في الباطل، ولم نزل نصل السير بالسرى، ونكحل ~~الأعين بإثمد الثرى، ونعزل عن محال العيون والي الكرى، حتى وصلنا إلى قرية ~~الراس، وقد تعبت البهائم والناس، فنزلنا بها ضحوة نهار الجمعة ثاني عشرين ~~الشهر، وقد حمى النهار واشتد الحر، في مكان محجر وعر، موحش وغر، معطش محر، ~~فيه مياه سخنة، متغيرة اخبة، يسيرة قليلة، ضعيفة عليلة، فأقمنا هناك إلى ~~وقت شدة القيلولة، ثم ارتحل عنها من تلك الساعة قاصدا قرية الزراعة فلم نحل بها: PageV01P042 # حتى رأيت اليوم ولى عمره ... والليل مقتبل الشبيبة داني # والشمس تنفض زعفرانا في الربى ... وتفت مسكتها على الحيطان # فنزلنا حينئذ بها في مرج فسيح الرحاب، وسيع الجناب، مربع الأجناب، به ~~للدواب مراتع ومرافق ومرابع، يسافر النظر في أرجائه، ولا يقف على مدى ~~انتهائه، وبه ماء عذب جار، لكنه من حرارة الشمس حار. # ثم رحلنا منها عندما بزغ القمر، ونبغ نوره وظهر، وبلغ أقصى الآفاق ~~وانتشر، واستمر بنا الخبب والركض، في بسيط من الأرض، فسيح الطول والعرض: # سريت به أحييه لا حية السرى ... تموت، ولا ميت الصباح يعاد # يقلب مني العزم إنسان مقلة ... له الأفق جفن والظلام سهاد ### | AUTO حمص # ولم نزل نعاني السرى، ونعاصي الكرى، إلى أن بلغ الليل غايته، ورفع الفجر ~~رايته، ونكصت النجوم على أعقابها، وسفرت الجونة عن نقابها، وتجلى وجه ~~النهار مستبشرا، ووفدت تباشير الصباح زمرا، ثم برزت الشمس في مروط PageV01P043 ~~الورس، ثم صقلت مرآتها وانجلت، ms011 ورفعت رايتها وعلت، فوافينا مدينة حمص ذلك ~~الوقت من يوم السبت، فنزلنا بمرج أخضر حسن النبت يجري به مياه لابدة بعاصم ~~حماة، ممدة مع طاعتها لعاصي حماة، وتحفه بساتين حسنة مزدهاة، وتلقانا بها ~~جماعة من وجوه الناس، منهم الشيخ الصالح الفاضل عبد القادر ابن الدعاس، ثم ~~دخلنا المدينة بنية الزيارة، فوجدنا غالب دورها سوداء الحجارة، لكنها واسعة ~~الأفنية، متينة الأبنية، قديمة العمائر، عظيمة المآثر، ودخلنا إلى جامعها ~~الكبير، وزرنا بظاهرها سيدي خالد ابن الوليد الصحابي الجليل الشهير، وهذه ~~البلدة أصح بلاد الشام هواء، وأعدلها تربة وماء، وليس بها حية ولا عقرب، بل ~~يقال إن الحمصي بأي بلد كان لا تدنو منه عقرب ولا تقرب، وكذلك الثوب ~~المغسول بمائها إلى أن يغسل بغيره، قيل وهو مجرب، قال القزويني: ومن ~~عجائبها الصورة التي على باب المسجد، نصفها الأعلى على صورة إنسان، ونصفها ~~الأسفل صورة عقرب بذنب وزبان، تطبع تلك الصورة بالطين الحر وتلقى في ماء، ~~فإذا شرب منه الملدوغ برئ من الضر، وبظاهرها على نحو ميل بركتها المعظمة ~~التي تصاد منها السمك الكبار، وتجلب إلى دمشق وغيرها من الأقطار، وعند أهل ~~حمص تغفل شديد، وحماقة ما عليها من مزيد، فمما يحكى عنهم من الحكايات ~~المشهورة، أن بخارج المدينة ناعورة فرآها مرة رجل حموي، فقال: ما غربك بهذه ~~الفلاة، أترى أهل حمص سرقوك من حماة؟ فاختشوا أن يأخذها أهل حماة ليلا، ~~فأعدوا لحراستها رجلا وخيلا، ومعهم أنواع السلاح، يدورون حولها كل ليلة إلى PageV01P044 ~~الصباح، وحكى بعض ظرفاء المؤرخين في وقائع الحمقى والمغفلين: أن رجلا رأى ~~بحمص يهوديا عطارا في دكان يؤذن بها على باب الجامع في أوقات الأذان، يقول: ~~أهل حمص يشهدون أن لا إله إلا الله، أهل حمص يشهدون أن محمدا رسول الله، ~~ورأى الإمام يصلي ورجله خارجة من المحراب، فسأل من # رجل عن دار القاضي ليشتكي له ذلك المصاب، فطأطأ برأسه وكشف عن فلسه، فدخل ~~إلى القاضي يشتكي ما دهاه، فوجد عنده صبيا قد علاه، فخرج وهو يستغيث، فقال ~~له: ارجع ms012 يا خبيث، ما بالك؟ وما حالك؟ فحكى له القصة، فقال: أنا أزيح عنك ~~الغصة، أما اليهودي فهو يؤدي للمسجد أجرة الدكان، ويؤذن دون المسلمين ~~متبرعا بالأذان، وأما الإمام فلعل أصاب رجله بعض نجاسة الكلاب، فما رأى أن ~~يدخلها معه في المحراب، وأما الذي سألته عن الدار فقد أجابك بما به أشار، ~~وذلك أن بابي مقنطر معلا، وعليه قنديل مدلى، وأما الصبي الذي كان فوق ظهره، ~~فهو تحت نظره وحجره، وفي تربيته وحجره، وأحب أن يعلم إن كان بلغ مبالغ ~~الرجال يسلمه ما له تحت يده من المال. # ومن أغرب الحكايات واقعة عبد السلام الحمصي الملقب بديك الجن الشاعر، وهي ~~واقعة غريبة لم يسمع بمثلها في الدهور الغوائر، وذلك أنه كان يحب جارية له ~~وغلاما، وقد افتتن بهما عشقا وهياما، فمن شدة ما حصل له من قوة المحبة لهما ~~والوله، خشي أن يفجعه فيهما الدهر ويمتع بهما غيره، فقتلهما وجدا عليهما ~~وغيرة، ثم صنع من رماديهما برنيتين للمشروب وكان ينادمهما منادمة المحب ~~المحبوب، وإذا اشتاق إلى الجارية قبل البرنية المجبولة من رمادها المرصد، ~~وملأ منها قدحه وبكى وأنشد: PageV01P045 # يا طلعة طلع الحمام عليها ... وجنى لها ثمر الردى بيديها # رويت من دمها التراب وطالما ... روى الهوى شفتي من شفتيها # وأجلت سيفي في مجال خناقها ... ومدامعي تجري على خديها # فوحق نعليها وما وطىء الثرى ... شيء أعز علي من نعليها # ما كان قتليها لأني لم أكن ... أبكي إذا سقط الغبار عليها # لكن بخلت على سواي بحسنها ... وأنفت من نظر العيون إليها # وإذا اشتاق إلى الغلام، قبل البرنية المعمولة من رماده، وملأ قدحه منها، ~~واندفع يقول في إنشاده: # أشفقت أن يرد الزمان بغدره ... أو أبتلى بعد الوصال بهجره # قمر أنا استخرجته من دجنه ... لبليتي وأثرته من خدره # فقتلته وله علي كرامة ... فلي الحشا وله الفؤاد بأسره PageV01P046 ~~عهدي به ميتا كأحسن نائم ... والطرف يسفح أدمعي في نحره # غصص تكاد تفيض منها نفسه ... ويكاد يخرج قلبه من صدره # لو كان يدري الميت ماذا بعده ... بالحي منه بكى ms013 له في قبره # فأي رقاعة أعظم من هذه الرقاعة، وأي خلاعة تشبه هذه الخلاعة، والجنون ~~فنون، فإنا لله وإنا إليه راجعون، وكان ديك الجن هذا ماجنا خليعا ظريفا ~~مطبوعا مغفلا رقيعا، عاكفا على القصف واللهو، رافلا في ثياب المجون والزهو، ~~متلافا لما يحصله (من المال)، وشعره في غاية الجودة والكمال، ولقب بديك ~~الجن لأنه كان يصبغ لحيته وشاربه وحاجبه بألوان مختلفة، ومات سنة خمس أو ست ~~وثلاثين ومائتين. # وقد رأيت أنا بجامع حمص منبرا معظما قديما حسنا مطعما، وكأنه تخلخل ~~وتضعضع، وتقلقل وتقنع، فسمرت بعرضه دفة بيضاء ثقيلة خشنة عريضة طويلة غير ~~مجلوة ولا مصقولة، وهذا من قبيل ما سردناه، ومن جنس ما أوردناه، ولا حول ~~ولا قوة إلا بالله. # (رجع) فلما أن دعى مؤذن حمص من المسلمين لصلاة الظهر وأذن، أجبناه PageV01P047 ~~بصلاتها مجموعة مع العصر، ثم رحلنا قاصدين الرستن، وسرنا بعزم غير مرتاب، ~~وبسير يطوي البيد كطي السجل للكتاب، والحر قد قويت عزيمته واشتدت شكيمته. # والغبار الكثيف ألبس عطفي ... عسليا وديني التوحيد # وكسى عارضي ثوب مشيب ... ورداء الشباب غض جديد # فوصلناها عندما سئمت الشمس من الحرور، وركنت إلى الاكتنان والوكور، وكاد ~~قرصها في العين الحمئة يغور، فنزلنا بمرج أريج، ذي نبت بهيج، ومنظر فريج، ~~يحتوشه العاصي من جانبيه، ويتوصل من جسر على عشر قناطر إليه، وهذا الجسر ~~واسع الفناء، محكم البناء، قد أحكم بالبلاط الأسود تبليطه، وله جوانب عالية ~~من حافيته تحوطه، والرستن لها ذكر في الملاحم والفتن، وهي قرية على تل قاطع ~~الجسر من جهة حمص، ثم هي الآن مأوى لكل سارق ولص. # (رجع) فلما تنبه القمر بعدما رقد، واستنار من مشرقه واتقد، وأسن حسامه ~~المجلو وأحد، وآن تجلى الواحد الأحد، من ليلة يسفر صباحها عن يوم الأحد، لم ~~يبق منا بذلك المحل أحد، وسرنا نقطع مسافة البيداء، ونطوي شقتها طي الرداء، ~~فبينا أنا أسير أمام القوم، وقد غلب عليهم النعاس، وحكم عليهم النوم، وإذا ~~باثنين من السراق يظن أنهما من الرفاق، فوقف المملوك الماشي أمامي وحار، ~~وخاف ms014 منهما وجبن وخار، فزبرته وزجرته ونهرته، ثم تقدمت إليهما وسلمت عليهما ~~لأسبر كنههما وأخبر من هما، وأنا محترز منهما قابضة يدي على الحسام، فألقيا إلي PageV01P048 ~~السلام وعدلا عن الطريق بعد أن ردا علي السلام، فتبعتهما فذهبا وأسرعا في ~~المشي وهربا، ثم وقفا يتوامران ويتشازران ويتشاوران، فسقت وراءهما فسقط ~~أحدهما في بعض تلك الوهاد سقطة عظيمة هلك منها أو كاد، وحار الآخر وخاص، ثم ~~ولى مدبرا وله خصاص، ولم نزل نسير مستعدين ونسري مجدين في تلك الفدافد ~~والفيافي ونحن كما قال الرصافي: # ومجدين في السرى قد تعاطوا ... خمرات الكرى بغير كؤوس # جنحوا وانحنوا على العيس حتى ... خلتهم يعتبون أيدي العيس # نبذوا الغمض وهو حلو إلى أن ... وجدوه سلافة في الرءوس ### | AUTO حماة # فما طلع من الغد وجه النهار، ولا بدا فيه حاجب الأسفار، إلا وقد أشرفنا ~~على مدينة حماة، جعلها الله تعالى في حفظه وحماه، تتلع إلينا أجياد قصورها ~~وغرفاتها، وتبسم عن ثغور أسوارها، وفلج شرفاتها كالعذارى شدت مناطقها، ~~وتوجت بالإكليل مفارقها، فحمدنا عند الصباح السرى، ونفرنا عن وكر العيون ~~طير الكرى، ثم دخلنا المدينة حين أشرق وجه الشمس مسفرا ضاحكا مستبشرا من ~~يوم الأحد رابع عشر في شهر رمضان، ونزلنا خارجها على نحو نصف ميل ببستان، ~~ذي زهور وفينان، وأغصان تتمايل تمايل النشوان، ومذانب تسل PageV01P049 ~~السيوف، وترى لنفسها على الأنهار المشفوف، وتخترق من مكللات الثمار الصفوف، ~~وتدور على سوف الغصون كالخلاخل، وتلتوي بها التواء اللسان المجادل، ودولاب ~~يحن الحنين الجوار، ويضرم في القلب المشوق حر الأوار، ويهيج لوعة الصب ~~المغترب النازح الدار، كما قيل في نعته: # ودولاب إذا أن ... يزيد القلب أشجانا # سقى الغصن وغناه ... فما يبرح نشوانا # فما مضى من حين النزول إلا القليل، حتى عزم القاضي وصمم على الرحيل، ~~فأرسلت اليه كلاما خشنا، وقلت: هذا الذي تفعله ليس حسنا، فإن رحلت أقمت أنا ~~بالبلد، ثم لا يتبعك من غير جماعتك أحد، فأخر بسبب ذلك الرحيل والمسير إلى ~~ثلث الليل الأخير، ثم ركبت ودخلت المدينة قاصدا جامعها الكبير، ثم ms015 قصدت ~~زاوية القطب الرباني سيدي الشيخ عبد القادر الكيلاني، أعاد الله علينا من ~~بركاته وأمدنا بمدده، وفيها الآن جماعة باقية من ذريته وولده، فتلقانا منهم ~~الشيخان الفاضلان والشابان الكاملان الشيخ بركات والشيخ عبد القادر ولدا ~~الشيخ العابد # العالم العارف بالله تعالى الشيخ قاسم وأخوا شيخ الزاوية الآن صاحبنا ~~الشيخ الكامل العالم العامل ذي الإخلاص والصفاء والصدق والوفاء الشيخ أبو ~~محمد وفا، فابتهجا بنا وأنزلانا بأعلى الزاوية في الرواق، وكان الشيخ وفا ~~قد خرج حينئذ PageV01P050 ~~إلى تلقينا بالوطاق، فما مضى ساعة من حين التلاق حتى حضر فتلاقينا بالتقبيل ~~والعناق، وحن كل منا حنين المغرم المشتاق، وأن أنين الموجع الأحشاء من ألم ~~الفراق، فيا له من صديق وأخ للروح شقيق: # نسيب إخاء وهو غير مناسب ... قريب صفاء وهو غير قريب # ثم دخلنا إلى خلوة هناك مطلة على العاصي، وقبالتها ناعورة ينصب منها ~~الماء إلى الأداني من الزاوية والأقاصي، وهو مكان بهج مستظرف مستنزه فرج، ~~ثم أحضر الشيخ وفا المنشور المكتتب له بالمشيخة بعد أخيه، ورضا أخويه ~~المذكورين بما رقم وزبر فيه، فكتبت عليه تقريظا وأجزته بما يجوز لي وعني ~~روايته أيضا، وقدم رجل من جماعته فتيا صورتها رجل عمر طبقة على مكان موقوف ~~بغير إذن من مستحقي الوقف ولا ممر لها إلا منه، ثم وقفها على نفسه ثم على ~~ذريته، فهل يصح وقفها أم لا؟ وما الحكم في ذلك؟ فكتبت عليها: الحمد لله ~~اللهم اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك، لا يصح الوقف المذكور، بل ولا ~~يجوز عمارة الطبقة، إذ لا مسوغا شرعيا وهي ملك لأربابها، لكنها غير محرمة ~~فتزال أو تبقى بأجرة مثل إن كان في ذلك مصلحة للوقف، ثم لا يحكم بأن وقفها ~~صحيح إذا أبقيت بأجرة لأنا حكمنا بإبطاله أولا لا بوقفه، إذ الوقف لا يحتمل ~~الوقف والله الموفق. PageV01P051 # ولم نزل نسرح في روض من ذلك الاجتماع، ونشرح ما وجدناه من البعد والانقطاع، ~~ونجول في ميادين بحوث ونقول، في أنواع العلوم المعقول منها والمنقول، ~~ونتجاذب أطراف أخبار، ونتذاكر ms016 مذاكرة ألطف من نسيم الأسحار، # حتى هرم شباب ذلك النهار، وأخذ بنيانه في الانهيار، وأذنت الشمس بالغروب ~~وانثنى قوس حاجبها وهو محجوب، وحل من الصيام الإفطار، وذر إثمد الليل في ~~عيون الأقطار، فصلينا بالزاوية صلاة المغرب، ثم قدم لنا سماطا عن كرم شيم ~~مقدمه معرب، مشتمل على كل نوع مفتخر معجب، ثم ودعنا هو وإخوته ومن حضر، ~~وقرأوا الفاتحة ودعوا لنا بجمع الشمل بعد قضاء الوطر، وأرسلوا معنا إلى ~~المخيم خمسة رجال بأسلحة من قسي ونبال، وفارقت من فارقت لا عن ملالة، وودعت ~~من ودعت لا عن تعوض، وصدروا من الوداع ووردت، واجتمعوا في تلك البقاع ~~وانفردت، (وأتهموا في بلادهم وأنجدت)، وسرت: # ولوجدي من العروض بسيط ... ومديد ووافر وطويل # لم أكن عارفا بهذا إلى أن ... قطع القلب بالفراق الخليل # وتمثلت وقد جد العزم بقول أبي المغيرة بن حزم: PageV01P052 # واجد بالخليل من برحاء الش ... وق وجدان غيره بالحبيب # إن قلبي لكم لكالكبد الحرا ... وقلبي لغيركم كالقلوب # ثم بتنا بذلك البستان المذكور، وتلك الناعورة بالقرب منا تحن وتدور، ~~وتنجد في طلب الماء وتغور، كما قيل: # ناعورة مذعورة ... ولهانة وحائرة # الماء فوق كتفها ... وهي عليه دائرة # بل من هذا القبيل: # باتت تحن وما بها وجدي ... وأحن من طرب إلى نجد # فدموعها تحيى الرياض بها ... ودموع عيني أحرقت خدي # ولك أن تقول: # باتت تحن وما بها كربي ... وأحن من شوق إلى حبي PageV01P053 ~~فدموعها تحيى الرياض بها ... ودموع عيني أحرقت قلبي # ولك أن تنشد: # باتت تحن وما بها شجني ... وأحن من شوق إلى وطني # فدموعها تحيى الرياض بها ... ودموع عيني أحرقت بدني # ومدينة حماة هذه من أحسن بلاد الشام، وألطفها، وأملحها، وأظرفها، ~~وأنزهها، وأترفها، وبها قلعة شامخة، عالية باذخة، حصينة مانعة، مكينة ~~واسعة، مليحة الأبراج والأبواب، لكنها الآن خراب، وبالمدينة جوامع ومساجد ~~ومآثر ومعاهد ذات بهاء ورونق، ومعظمها منقوش البناء بالحجر الأبلق، مستدير ~~بها العاصي على غالبها من الشرق والشمال، وتتناوح فيها مهاب رياح الجنوب ~~والشمال، وتحفها بساتين من غالب الجهات، وروضات طيبة النبات ذات ms017 ظل ظليل ~~وماء سلسبيل، تنساب بها الجداول انسياب الأراقم بكل سبيل، وتهدي حياة ~~النفوس تحيات أنفاسها الصحيحة بنسيمها العليل، وتتجاذب نواعيرها وهي من ألم ~~الأحزان باكية، ومن تزايد الوجد والأشجان شاكية، كيف وقد فارقت من الأغصان ~~مآلف، ومن الرياض معاهد ومقاصف، ومن الحمام الهواتف مقاعد للسمع ومواقف، ~~ودارت طائعة في خدمة العاصي، وسقت بما يجري من عيونها الداني من الأرض ~~والقاصي، فلا غرو أن هيجت بحنينها الأحزان، وذكرت الغريب حنين أهله فأثارت ~~عنده لواعج الأشجان. PageV01P054 # وحماة وشيزر مخصوصتان بكثرة النواعير العظام دون غيرهما من بلاد الشام، وما ~~أحسن ما قال الشيخ جمال الدين بن نباتة في طرديته: # أحسن بوجه الزمن الوسيم ... تعرف فيه نضرة النعيم # وحبذا وادي حماة الرحب ... حيث زهى العيش به والعشب # أرض السناء والهناء والمرج ... والأمن واليمن ورايات الفرج # ذات النواعير سقاه الرب ... وأمهات عصفه والأب # تعلمت نوح الحمام الهتف ... أيام كانت ذات فرع أهيف # لا عيب إلا أن معناها الهنى ... ينسى أخا الغربة حب الوطن # وكلها من الحنين قلب ... وكيف لا والماء فيها صب # لله ذاك السفح والوادي الفرد ... والماء معسول الرضاب مطرد # يصبو بها الرائي فكيف السامع ... ويحمد العاصي فكيف الطائع PageV01P055 ~~إذا نظرت للربا والنهر ... فارد عن الربيع أو عن جعفر # محاسن تلهي العيون والفكر ... ربيع روضات وشحرور صفر # أمام كل منزل بستان ... وبين كل قرية ميدان # أما رأيت الورق في الأوراق ... جاذبة القلوب بالأطواق # ومما قاله ابن حجة الحموي فيها: # مرج حماة بنواعيره ... زاد على المقياس في روضته # فاغتاظ نمور دمشق لذا ... فقلت لا أفكر في غيضته # وله فيها: # بوادي دمشق الشام من أيمن الشط ... وحقك تطوي شقة الهم بالبسط # بلاد إذا ما ذقت كوثر نيلها ... أهيم (كأني قد ثملت باسفنط) PageV01P056 ~~ومن يجتهد في أن في الأرض بقعة ... تشابهها قل أنت مجتهد مخطي # وصوب حديثي ماءها وهوائها ... فإن أحاديث الصحيحين ما تخطي # إلى أن يقول: # ومذ مد ذاك النهر ساقا مدملجا ... وراح بنقش النبت يمشي على بسط # لوينا خلاخيل النواعير فالتوت ... وأبدت لنا دورا ms018 على ساقه السبط # وظرف من قال يهجوها وأهلها: # عم الفساد حمى حماة فمردها ... ورجالها ونساؤهن جميعا # شبه النواعير التي يهوونها ... من مسه العاصي يدور سريعا # (رجع إلى سياق الرحلة) ثم رحلنا من ذلك البستان حين مضى من الليل ~~الثلثان، فلم نزل نسري وندلج ولا نعول على غير المسير ولا نعرج، إلى أن ~~أسفر وجه الصباح المبتلج، فوافينا في الطريق عربان مدلج، وهم نزول على بعض ~~تلك الجبال، ومعهم خيل وجمال، فلاقونا عند الإشراق، وباعونا من لبن النياق، ~~ورأى بعضنا امرأة منهم تقطع من زرع، فقال: لا يحل لك هذا في الشرع، فقالت PageV01P057 ~~يعيش (رأس مدلج) لا عدانا بره وخيره، يحلل لنا هذا وغيره، فلا حول ولا قوة ~~إلا بالله العلي العظيم، ثم سرنا فلما تكامل من النهار شبابه، واستنار وجهه ~~وصفى إهابه، أفضى بنا إلى خان شيخون المسير، وهو مكان موحش معطش، يسقى فيه ~~من بئر على بعير، فلما انهار ذلك النهار، ومال الظل وامتد، وحمى الحر ~~واشتد، واحتدم حموه واحتد، أخذنا في أهبة الترحال، وشددنا الأحمال على ~~البغال، ولم نزل نسير في تلك الفيافي وهجيرها يلفح، وزفيرها لا يكف عنا ولا ~~يصفح، إلى أن حان وقت المغيربان، واختفت الشمس عن العيان، فوصلنا إلى معرة ~~النعمان، وذلك في ليلة يسفر صباحها عن يوم الثلاثاء سادس عشرين رمضان، ~~فنزلنا بها بمكان مخوف كثير السراق والذؤبان، وبتنا بها وقلوبنا تخفق فرقا ~~وتطير وجلا، وإن رأينا غير شيء ظنناه رجلا. # وقد كانت المعرة مدينة كبيرة وانتشأ بها من العلماء جماعة كثيرة، وناهيك ~~بأبي العلاء رأس النبلاء وعين الفضلاء، وزين الأدباء، وفخر الشعراء، والشيخ ~~العلامة الفهامة زين الدين بن الوردي، أفقه الشعراء، وأشعر الفقهاء، وأنبه ~~الظرفاء، وأظرف النبهاء، وكفاه برهانا على كماله وحجة نظمه الحاوي المسمى ~~بالبهجة، وغيرهم من الأفاضل والأعيان الأماثل، وأما الآن فقد تعوضت من ذوي # العلم بذوي الظلم، ومن أهل الفضل بأهل الجهل، ومن الأماثل بالأراذل، ومن ~~الفقهاء بالسفهاء، ومن الحداق بالسراق ومن أهل الأداب بالذئاب في الثياب، ~~وعامة أهلها الآن ms019 لصوص إلا ما أخرجه من التعميم الخصوص، فأقمنا بها سواد ~~الليل ثم رحلنا البغال والخيل ورحلنا منها عند ظهور نجم الصبح الثاقب. ~~وحدور ضده المراقب، PageV01P058 ~~وذهاب الفجر الكاذب، وإياب ضده المعاقب، ذي الألقاب الغر والمناقب، فوصلنا ~~وقت الضحى الأعلى إلى منزل سراقب، وهو منزل رحيب، ذو مرعى خصيب، قد أخذ من ~~الحسن والإحسان أوفر نصيب، غير أنه كثير الطرار والطراق، جم اللصوص ~~والسراق، فلما حان وقت الظهر وآن، رحلنا قاصدين قرية زيتان، فوصلناها ~~ونزلنا بها: # والشمس تجنح للغروب مريضة ... والليل نحو مغيبها يتطلع # بمكان نضر المنظر حسن المخبر يدور به النهر الواصل من جهة حلب، وهو في ~~العذوبة والخفة غاية ما يطلب، فصادفت الخواطر فيه مرتعا والبهائم مرعى ~~ومربعا، وبتنا به تلك الليلة وهي ليلة الأربعاء ثم نسخ الهجوع الهجود، ~~وانتهى المقام مع انتهاء قيام نبي الله داود، فأزمعنا على السرى وعزمنا على ~~رفض الكرى، فسلكوا بنا طريقا عسرا عسرا، ودربا بعيدا محجرا، وسبيلا وعرا ~~مضجرا، متعدد التهائم والنجود، متزايد الهبوط والصعود، حتى تعبت الرجال ~~والخيل، وولى الليل مشمر الذيل، وبرق من الفجر نوره، ولاحت من الصباح ~~تباشيره، وتتابعت راياته في الأفق الشرقي حتى: # كأن سواد الليل والصبح طالع ... بقايا مجال الكحل في الأعين الزرق PageV01P059 ### | AUTO حلب # ثم تجلى وجهه الأشقر، وتبلج ضاحكا وأسفر، ثم تطلعت عين الشمس ومدت حبالها ~~الشديدة المرس، الحاكية في لونها لون الورس، ثم ارتفعت وعلت، وفارت # قدرها وغلت، وتزايد حرها، واتقد جمرها، فتراءى لنا حينئذ وجه حلب من ~~بعيد، وفارقنا القاضي من مقام الشيخ سعيد، (فيا له من فراق سعيد، ورأي ~~سديد، وأمر حميد، ثم قصدنا باب المقام الحميد) ودخلنا مدينة حلب بسلام، ~~وذلك يوم الأربعاء سابع عشرين شهر الصيام، ونزلنا في زاوية الشيخي الإمامي ~~الكبيري العارف بالله تعالى، الشيخ حسين البيري رحمه الله تعالى ورضي عنه ~~وأرضاه، فتلقانا ولده صديقنا وصاحبنا، ذو الدين الثخين، والورع المتين، ~~والعقل الرصين، الشيخ العالم الفاضل أحمد أبو العباس شهاب الدين، ولم يصدق ~~بالقدوم والحضور من عظم ما حصل ms020 عنده من السرور، ولم يعرفنا إلا من قريب، ~~فقابلنا حينئذ بالترحيب وتلقانا بالتقبيل والتعنيق، وبكينا فرحا بجمع الشمل ~~بعد التفريق، ثم أفرد لنا ثلاثة أمكنة فضية متسعة مستحسنة، منها مكان مشرف ~~أنيق، مشرف بشبابيك على الطريق، فجزاه الله عنا الجزاء الحسن، وأمده بوافر ~~الجود وكامل المنن (بمنه وكرمه) آمين. # وقد كان هو اجتمع بي في دمشق مدة مديدة، وقرأ علي فيها كتبا عديدة، ~~وأعطيته نسخة بتأليفي المسمى بالدر النضيد في أدب المفيد والمستفيد، وكتب ~~بخطه تأليفي المسمى بالبرهان الناهض في نية استباحة الوطيء للحائض، وقرأ PageV01P060 ~~علي غالب الأول، وتمم الثاني قراءة وأكمل، وكتبت له إجازة حسنة جاء فيها ما ~~قلته بديها: # فهو الشهاب شبيه البدر في شرف ... وفي علاء وتكميل وتنوير # والبحر فضلا وإفضالا فيا عجبا ... للبحر كيف انتهى حقا إلى البيري # ولم يزل أهل تلك الديار والأقطار يطيرون الينا كل مطار، بين سار بالليل ~~وسارب بالنهار (لحصول مآرب وبلوغ أوطار)، فمنهم أحد المتقين وعباد الله ~~الصالحين الإمام الفاضل الفهامة الشيخ جمال الدين يوسف بن محمد بن عثمان ~~الشهير بابن العوامة، الخطيب والإمام بجامع الطواشي بباب المقام، قرأ علي # مواضع متعددة من المنهاج قراءة سلك فيها أعدل طريق، وأقوم منهاج، محققا ~~لمعانيها مدققا لمبانيها، وسمع من نظمي قصيدتي الآتية القافية القافية غرة ~~القصائد التي رثيت بها شيخ الإسلام الوالد، ووسمتها بنفث الصدر المصدور وبث ~~القلب المحرور، وأولها: # قلب يذوب وأدمع تتدفق ... والجسم بينهما غريق محرق # وسمع أوائل شرحي المنظوم على ألفية ابن مالك، وأخذ عني أشياء كثيرة غير ذلك. PageV01P061 # ومنهم الشيخ الإمام والحبر الهمام شيخ المسلمين أبو عبد الله محمد شمس ~~الدين الخناجري الشافعي، شيخ الفواضل والفضائل، وإمام الأكابر والأفاضل، ~~وبدر الإنارة المشرق لسرى القوافل، وشمس الحقائق التي مع ظهورها النجوم ~~أوافل، له المناقب الثواقب، والفوائد الفرائد، والمناهج المباهج، وله ~~بالعلم عناية تكشف العماية، ونباهة تكسب النزاهة، ودراية تعضد الرواية، ~~ومباحثة تشوق، ومنافثة تروق، مع طلاقة وجه، وتمام بشر، وكمال خلق، وحسن ~~سمت، وخير هدي، وأعظم وقار، وكثرة صمت: # ملح ms021 كالرياض غازلت الشم ... س رباها وافتر عنها الربيع # فهي للعين منظر مونق الحس ... ن وللنفس سؤدد مجموع # وقد كان اجتمع بي وبالوالد شيخ الإسلام في مصر ثم في الشام، ووقع بيني ~~وبينه مفاوضة ومذاكرة، ومباحثة ومحاورة، مع إذعانه لما أذكر، وقبوله لما ~~أقول، وهو يدعو لي ويشكر، وعلى الله تعالى القبول، والله المسؤول أن يوفقنا ~~وإياه والمسلمين لما يحب من القول والعمل، وأن يعصمنا وإياهم من الخطأ ~~والخطل والزيغ والزلل. # ومنهم الشيخ العالم العامل والإمام الأوحد الكامل أعز الأصحاب والأحباب، أبو # هريرة عبد الرحمن بن حسن الكردي الشهير بابن القصاب، إمام قد سما PageV01P062 ~~بجلالة قدره، ونبذ الدنيا وراء ظهره، ووضع الله له البركة في علمه وعمله ~~وعمره، يظل يقطع ليله مستعبرا، ويهش للجهل مبتذرا، عالما أنه سيحمد عند ~~صباحه السرى، مع رواية ودراية وسلوك وهداية ومراتب علية في الزهد والولاية، ~~قد جبل الله القلوب على محبته والنفوس على مودته: # وإذا أحب الله يوما عبده ... ألقى عليه محبة للناس # فما رمقه طرف إلا وأحب أن يفديه بسواده، ولا نال أحد دعوته إلا ورأى ~~بركتها في نفسه وماله وأولاده، نفعنا الله تعالى به وبالصالحين من عباده. ~~حضر للسلام علي، ثم أضافني إلى منزله وقدم ما حضر من شهي مأكله، ثم دعا لي ~~ببلوغ ما أرجوه، وصرف كل سوء ومكروه، وحصل له وارد بشرني فيه بعموم الخير ~~من سائر الوجوه، وذكر لي أنه كتب على سؤال وخالفه في ما كتب ابن بلال، وأن ~~الشيخ أحمد الهندي قال: أصابا من وجه وأخطآ من آخر، ولم يفصل مجمل المقال. ~~والسؤال مضمونه: ما الرزق الذي يحصل به للحيوان الرفق؟ فكتب ابن بلال: هو ~~ما يؤكل حراما أو حلالا، وكتب هو: هو ما ينتفع به استقلالا، فافهمته بلطف ~~مقصد الهندي، ثم سألني عن التحقيق في ذلك، فذكرت له ما عندي فاستحسن ما ~~قلته وقبل يدي، ثم بكى وقال: هكذا، هكذا، وإلا فلا، لا يا سيدي، ثم حصل لنا ~~أنس حصل منه بكاء وأنين، وتعانق وتلازم وحنين، والله ms022 تعالى يعاملنا وإياه ~~والمسلمين بخفي لطفه آمين. # ومنهم الشيخ المحقق والإمام المدقق حسنة الليالي والأيام، وقرة عين ~~المسلمين PageV01P063 ~~والإسلام، الشهاب أبو العباس أحمد الهندي الحنفي عامله الله وإيانا ببره ~~الوفي ولطفه الخفي آمين، شيخ له في تحقيق العلوم قدم عال وأشتات معال وخاطر ~~يجول في أوسع مجال، فيبرز نفائس لآل، وعرائس جمال، ويأتي بسحر حلال # وبحر زلال: # فضائل مثل الحصا كثيرة ... وخاطر يغرف من بحر # كان عندنا بالشام مدة، وأقام يدرس بالجامع الأموي في كتب عدة، وهو محب ~~معتقد، غير ثان ولا منتقد، لطيف الذات والطباع، بخلاف من يأتي من تلك ~~البقاع، سلم علي وتردد إلي وسمع مني وأخذ عني، وذكرت بحضوره قول ابن عباس ~~وتبعه الشعبي بجواز صلاة الجنازة بغير طهارة، فاستفاده وتلقاه بالقبول، ثم ~~أيده بقول أبي حنيفة رحمه الله بجواز التيمم لها مع وجود الماء وأنها عنده ~~لا تبطل بالقهقهة، وعلل ذلك بأنها عنده صلاة من وجه ودعاء من وجه، وبحثت ~~معه في غير ذلك أيضا. # ومنهم الصالح النير الدين الخير القدوة العلامة، الشيخ زين الدين عمر ابن ~~أسامة، حضر إلي وسلم ودعا والتمس الخاطر والدعاء، وحصل بيننا وبينه صحبة ~~ومودة، وأخوة ومحبة. # ومنهم الشيخ الفاضل العالم المواظب على وظائف الخير والملازم، المثابر على PageV01P064 ~~تلاوة القرآن إمام جامع الأطروش، الشيخ عز الدين محمد بن الشيخ عبد الرحمن ~~بن شعبان، وقع بيننا وبينه مذاكرة ومفاوضة ومحاورة، فاعترف بالفضل التام ~~وأنشدني عند القيام: # كانت محادثة الركبان تخبرني ... عن علمكم وسناكم أطيب الخبر # حتى التقينا فلا والله ما سمعت ... أذني بأعظم مما قد رأى بصري # ومنهم الشيخ الفاضل العالم العامل ذو السكينة والوقار، أبو زكريا يحيى ~~ابن حسن بن قحقار، إمام الحنفية بالجامع الكبير، المشهور بابن الخازندار، ~~سلم علينا بالجامع وتودد، وأسرع وأشرع إلى تقبيل يدي وما تردد، فأجللت عن ~~ذلك مقامه، وضاعفت حسن تلقيه وإكرامه. # ومنهم الشاب النبيل العالم الأصيل الفاضل الجليل، البدري حسين بن الشيخ ~~زين الدين عمر بن قاضي القضاة جلال الدين النصيبي الشافعي، له حسب صميم، ms023 ~~وسلف في العلم قديم، ومنهج على السنة قويم، وبيت له بالعلم والدين تعظيم ~~وتفخيم، فلله ما هنالك من خيم ومناد لا يقبل الرخيم، حسن الصورة، جيد ~~السيرة، عف السريرة، ذو رغبة في الخير وأهله، وسلوك على قويم محجته وسبله، PageV01P065 ~~سلم علي مرارا وتردد، ولا شكك في اعتقاده ولا تردد، وتقرب وتحبب وتودد، ~~وسأل مسائل على وجه الاستفادة في أنواع العلوم، وسأل في القراة بعد القدوم، ~~ثم أضافنا إلى مدرستهم الشرفية، وقدم سماطا هائلا بأنواع المبرات آهلا ~~وبأصناف الطيبات حافلا. # ومنهم صاحبنا الشيخ العالم الفاضل والأوحد البارع الكامل ذو القريحة ~~الوقادة، والفطنة النقادة، والطبيعة المنقادة، الفائق في حسن الخبر ~~والمخبر، شمس الدين محمد بن خليل بن الحاج علي بن أحمد بن محمد بن قنبر، ~~اجتمع بي في دمشق الشام المحروس، وحضر عندي بعض مجالس الدروس، ولم تزل ~~مكاتباته تفد إلي وترد كل وقت علي، وكاتبته بمكاتبة لطيفة فيها نكت ظريفة ~~حكيتها في تذكرتي، وسمع بحلب قصيدتي القافية على التمام، وقد اهتم بقضاء ~~أشغال لنا غاية الاهتمام، فجزاه الله عنا جزاء الحسنى. # ومنهم الشيخ الصالح المعتقد، زين الدين عمر بن الشيخ الصالح يحيى ابن ~~الشيخ الصالح العارف بالله تعالى سيدي محمد الكواكبي البيري الرحبي، حضر هو ~~وأهله وأهل حارته وسلم، وعزم علينا لزاوية جده بالجلوم وصمم، فذهبنا إليها ~~يوم الجمعة تاسع عشرين رمضان المعظم، واستمرينا عندهم وهم لا يمكنونا من التحول PageV01P066 ~~عنهم والانتقال إلى عشية يوم الأحد ثاني شهر شوال، فجزاهم الله عنا كل خير ~~ووقاهم كل بؤس وشر وضير. # ومنهم الشيخ العلامة والقدوة الفهامة المقتفي سنن الهدى وآثاره، خطيب ~~الجامع الكبير، الشيخ شمس الدين محمد الحنفي الشهير بابن الحمارة، سلم ~~علينا وتودد بعد صلاة الجمعة بالجامع، وهو بصفة المتودد المتواضع المتخاضع. # ومنهم الشيخ الفاضل العالم الكامل البارع في فنون العلوم وأنواع الآداب، ~~الشيخ عبد الوهاب بن الشيخ إبراهيم بن العرضي المفتي بحلب، حضر لدي، وسلم ~~علي، وسألني عن الخوف والرجاء، فأجبته بما فتح به، وسألني عن حديث: لو وزن ~~خوف المؤمن ms024 ورجاؤه لاعتدلا. فقلت له: عده الزركشي في كتابه في الأحاديث ~~المشتهرة مما لا أصل له، مع أن له أصلا، فإنه أخرجه عبد الله بن أحمد في ~~زوائد الزهد عن ثابت البناني بلفظ: كانا سواء. كما أفاده شيخنا شيخ الإسلام ~~الجلال السيوطي في كتابه الدرر المنتثرة، ثم أنشدته أبيات أبي نواس في ~~الرجاء: # تكثر ما استطعت من الخطايا ... فإنك بالغ ربا غفورا # ستبصر إن وردت عليه عفوا ... وتلقى سيدا ملكا كبيرا PageV01P067 ~~تعض ندامة كفيك مما ... تركت مخافة النار السرورا # وخبره هذه الطرف بقوله في الخوف: # سبحان ذي الملكوت أية ليلة ... مخضت صبيحتها بيوم الموقف # لو أن عينا في المنام تخيلت ... ما في القيامة كائنا لم تطرف # فكتب ذلك من إملائي، ثم دعا والتمس دعائي، والله تعالى يوفقنا وإياه لما ~~يحبه في الدارين ويرضاه. # ومنهم الشيخ العالم المنور، موفق الدين أحمد بن شيخ الشيوخ أبي ذر، وهو ~~رفيقنا من حلب في السفر. # ومنهم العالم النبيل والفاضل الأصيل الجميل الطاهر الحسن السريرة، السيد ~~الشريف الحسيب النسيب، شمس الدين محمد بن النويرة، اجتمع بي وأثنى واستفاد # منا وأخذ عنا. # (ومنهم الشيخ العالم محيي الدين بن دغيم من أعيان حلب. PageV01P068 # ومنهم السيد الشريف الحسيب النسيب، برهان الدين إبراهيم بن أحمد بن إبراهيم ~~المعروف بابن البرهان، الإمام بمحلة حمام الذهب). # ومنهم الشاب الفاضل إمام المدرسة الشرفية، عز الدين بن علو الدين ~~الحاضري، من أعيان الحنفية. # ومنهم الشيخ العلامة والقدوة الفهامة (قاضي القضاة ذو العقل الوافر ~~والحصا) الأصيل النبيل الرئيس النفيس الذي لم يزل في ثوب السيادة يرفل ~~القاضي ابن جنغل، حضر لدي وسلم علي وتودد وتردد، وقدم لنا هدية من الحلاوة ~~القرعية. # ومنهم الشاب الزاهد والخاشع العابد والأوحد الناسك والأمجد السالك فخر ~~الكبار وخير الأخيار، سيدي أحمد بن الأمير محمد بن إدريس الدفتردار، ذو ~~أبهة وبهاء وحبوة مملوءة مكارم خالية من ازدها، وخلقة سمت في مطالع الحسن ~~إلى أنهى كمال وأكمل انتهاء، تتحلى بجمانها الخرائد ويحسد حسنها النيرات ~~الفراقد، وتنبه من سنة الغفلة، ولا أقول لأجل ms025 السجعة ألف راقد، أضافنا يوم ~~العيد إلى محله السعيد وتأنق في سماط أحضره، وقدمه وما أخره، وليكن هذا ~~خاتمة سردهم وواسطة عقدهم، وثم جماعة آخرون تركنا ذكرهم خوف الإطالة وحذر ~~السآمة والملالة. # وأخبرنا أصحابنا الشموس الثلاثة، ابن الخناجري، وابن قنبر، والسيد ابن PageV01P069 ~~النويرة، والبدر بن النصيبي، وغيرهم، أن المشهور بحلب بابن بلال رجل جاهل ~~لا يعرف شيئا، وإنما روج أمره أمراؤه مماليك الحمزاوي وأولاده، وإسكانه له ~~في بيته خشية أن ينزل فيه رومي، وأنه سعى له في بعض وظائف ابن المستوفي ~~فحصل له بذلك غنية وشهرة بعد فقر وخمول، وذكروا عنه ترهات تدل على جهل كبير # لم أر ذكرها هنا، ورأيت من خالفهم في ذلك كله، وقال إنه من حملة العلم ~~وأهله، والله أعلم بحقيقة أمره وبموافقة علانيته لسره، والذي يظهر هو ~~الثاني لكنه رجل لا مداراة عنده لأنه تركماني. ### | AUTO ذكر إرجاع ابن الفرفور وما حدث بعد ذلك من الأمور # ولما كان يوم الاثنين ثالث شوال المبارك حضر أولقان من جهة بكاربكي ~~بالشام أمير الأمراء الكرام عيسى باشا، البالغ من مراتب الكمالات ما شاء، ~~وصحبتهما مكاتبات من الأمير المذكور تخبر بحضور مرسوم بعود القاضي ابن ~~الفرفور محتفظا به للتفتيش عليه وتحرير ما نسب من المظالم إليه، وأن ~~المتولي لذلك القاضي ابن إسرافيل المنصوب لقضاء الشام مكانه وعدوه عيسى ~~باشا المشار إليه PageV01P070 ~~لتكمل في حقه الإهانة، فنعوذ بالله من زوال النعم ومفاجأة النقم، فطلع من ~~الشام أعز طلوع ورجع إليها والعياذ بالله أذل رجوع، فلما وصله ذلك الخبر ~~حار وجبن وخار ولاذ واستجار، وذل بعد تجبر وما أذل من هو جبار، وانكسر بعد ~~فخره وتكبره وما أسرع كسر الفخار، وقد دخلت عليه بعد بلوغي هذا الخبر، ~~فوجدته في غاية الذلة والاتضاع والاختضاع، ووجهه ممتقع غاية الامتقاع، ~~ومنتقع نهاية الانتقاع، وهو وجماعته كما قال الله تعالى (إذ القلوب لدى ~~الحناجر كاظمين ما للظالمين من حميم ولا شفيع يطاع)، فتوجع واشتكى وتأوه ~~وبكى، ثم أظهر الجلد وأضمر البلوى، وقال الحمد لله ما ms026 لأحد علينا تبعة ولا ~~شكوى، ولا ظلامة ولا دعوى، وسوف يعلم أهل الشام مقدار أيامنا وحسن أقضيتنا ~~وأحكامنا. # فطيبت قلبه، وسكنت لبه، وقلت له: لا تخش من الرجوع؛ فإن مقامك عند الناس ~~مرفوع، وهذا إن شاء الله آخر القطوع، ثم عانقني معانقة المثكل المفجوع، ~~وسقينا نبات الخدود بمياه الدموع، ثم أنجد وأتهمت، وأيمن وأشأمت، فعاد هو ~~من الغد إلى الشام، وانتقض من حبله الإبرام، وتهتك حجابه، وانفضت عنه ~~أحزابه، وشائنة # أحبابه وأصحابه، وتقطعت أسبابه، وأبيعت أمتعته وأسبابه، وبيوته، ~~وعماراته، وبساتينه، وجنيناته، وأراضيه وقراه، وأعيد لأربابه كل ما كان ~~اغتصبه أو اشتراه، وتعدى ذلك إلى سائر جهاته وجهات زوجاته وبناته، وخرج ~~عليه من كان داخلا فيه وراكنا إليه، وشدد عليه في الحساب من كان يعده من ~~الأحباب، فأتاه الخوف من جانب الأمن، ومن حيث أمل الربح جاءه الغبن: PageV01P071 # رب من ترجو به دفع الأذى ... عنك يأتيك الأذى من قبله # ربما يرجو الفتى نفع فتى ... خوفه أولى به من أمله # ولم يزل في محبسه بقلعة دمشق، يرشق بسهام المصائب أي رشق، إلى أن مات به ~~في السنة الثالثة في جمادى الآخر، فنسأل الله العفو والعافية الغامرة، في ~~الدين والدنيا والآخرة، آمين. # واستخرنا الله تعالى سبحانه وقوى العزم على السفر صحبة جانم الحمزاوي مع ~~الخزانة، وقد كنت اجتمعت به مرتين بحلب والشام، وحصل منه غاية التعظيم ~~والإكرام، ثم حصل بيني وبينه محبة زائدة، وصار له في اعتقاد تام حتى كان لا ~~يخاطبني إلا بمولانا شيخ الإسلام، وخرجت من حلب قبل الزوال من يوم الثلاثاء ~~رابع شهر شوال، وكانت مدة إقامتنا بها ستة أيام نصفها مع الفطر ونصفها مع ~~الصيام. وحلب مدينة عظيمة كبيرة قديمة، صحيحة الهواء، خفيفة الماء، واسعة ~~الفناء، حسنة البناء، عظيمة المآثر والمعاهد، كثيرة الجوامع والمساجد، ~~وكانت من الفتوحات العثمانية وإلى آخر دولة بني أمية مضافة إلى قنسرين، ~~ولذلك قل ذكرها في كتب المؤرخين. ثم تدرجت في العمارة وقنسرين في الخراب ~~والاندراس إلى أن PageV01P072 ~~صارت قنسرين مضافة إلى حلب في أيام ms027 بني العباس، وافتتحت في سنة ست عشرة من ~~الهجرة، وقيل سبع عشرة وقيل خمس عشرة، وبينها وبين قنسرين اثنا عشر ميلا ~~تزيد أو تنقص قليلا، وهي من الإقليم الرابع أعدل الأقاليم إقليما، ولذلك # أهلها أنضر الناس وجوها، وأصحهم جسوما، وقبلتها موافقة لقبلة دمشق الشام، ~~ولها من الكور والضياع العظام ما يجمع سائر الغلات النفيسة كالفستق وحبة ~~الخضراء والزيتون والتين، وكانت من أكثر البلاد أشجارا وأحسنها بساتين، ~~فأفناها كثرة وقوع الخلاف بين الملوك والسلاطين. وقلعتها حصينة مانعة شامخة ~~عالية واسعة، يعجز عن مثلها الرائد، وتمتنع على الطالب والقاصد، تكاد تناطح ~~نجوم الجوزاء وتتجاوز كرة الهواء وتناجي أبراجها بروج السماء، ويحيط بها ~~خندق عظيم مملوء على الدوام، وبها بباب المقام بها مقام إبراهيم عليه ~~الصلاة والسلام، وبها كتابات قديمة رومانية من ذلك ما على الرخامة البيضاء ~~التي هي الآن بالمدرسة الحلاوية، وهي شفافة إذا جعل تحتها نور ظهر من ~~أعلاها أو جعل في أعلاها بان من أدناها، وعليها كتابة سريانية عربت، فإذا ~~هي: عمل هذا للملك قلطيانوس والنسر الطائر في رابع عشر درجة من برج العقرب، ~~فيكون مقدار ذلك إلى تعريبه ثلاثة الآف سنة، وهذا اللوح أحضره السلطان ~~الملك العادل نور الدين الشهيد من فامية، وكان يحشي فيه القطايف للفقهاء، ~~وطوله يزيد على ثلاثة أذرع، وعرضه على ذراعين، وقد بذل الفرنج فيه مالا ~~جزيلا فلم يجابوا إليه. ومن محاسنها جبل PageV01P073 ~~الجوشن، وهو من أنزه الجبال نباتا ذا حسن معتدل الأرواح طيب الأنفاس، وبه ~~كما يقال معدن النحاس، ومحاسن حلب كثيرة وخيراتها غزيرة، ومما قاله فيها ~~صاحبها الملك الناصر ذو المناقب الغر والمآثر: # سقى حلب الشهباء في كل أزمة ... سحابة غيث نوؤها ليس يقلع # فتلك دياري لا العقيق ولا الغضا ... وتلك ربوعي لا زرود ولعلع # وقال نفيس الدين الآمدي: # سقى حلبا ومن فيها سحاب ... كدمعي حين يهمي بانسجام # فإن بها وإن شطت مغاني ... أحباء على قلبي كرام # وقال الشيخ زين الدين بن الوردي: # عليك بصهوة الشهباء تلقى ... بجوشنها محاربة الزمان # فللغرفات في الفردوس ms028 طيب ... يضوع شذاه من باب الجنان # وللصنوبري: PageV01P074 # فاخري يا حلب المد ... ن يزد جاهك جاها # فإذا ما كانت المدن ... رخاخا كنت شاها # فلما أن عزمنا على الرحيل منها في اليوم المذكور، لم يتخلف أحد من ~~الأصحاب عن الحضور، ثم أخذوا في أصناف الوداع وهم بين مثن وداع وباك ومتأسف ~~على عدم ملازمة الاجتماع، وأنا أودعهم والجوانح ملتهبة، والدموع منسربة، ~~والشوق بالقلوب لاعب، وغراب البين بفرقة الإخوان ناعب، ثم أخذت في أسباب ~~الترحال وأنشدت بلسان الحال والقال: # ليت شعري أنلتقي بعد هذا ... أم وداعا يكون هذا اللقاء # فاذكروني وزودوني دعاء ... خير زاد تزودوني الدعاء # ثم لما قدموا الجواد، قرأ في قفاي ابن الشيخ حسين (إن الذي فرض عليك ~~القرآن لرادك إلى معاد)، ثم أنشد البيتين المجربين في عود من قيلا في قفاه ~~إلى محل وطنه سالما واجتماعه بقائلهما بعون الله كما نص عليه في الإحياء ~~حجة الإسلام الغزالي أمدنا الله تعالى بمدده المترادف المتوالي، وهما: # يا من يريد الرحيل عنا ... أسعدك الله في ارتحالك PageV01P075 ~~كان لك الله خير واق ... أمنك الله في المسالك # والله تعالى يقدر ذلك، أنه سبحانه القادر المالك، ثم ذهبنا إلى حارتنا ~~الأخرى وهي حارة الجلوم إلى زاوية الشيخ محمد الكواكبي بلغنا الله تعالى ~~ببركته ما نحب ونروم، وكان لنا عند حفيده الشيخ عمر جزيئات، فوجدناه قد ~~تقاضاها على أتم # الحالات، وتلقانا هو وأعيان أهل المحلة مودعين، وباكين من ألم الفراق ~~متوجعين، ثم خرجوا معنا مشاة من باب أنطاكية إلى قاطع النهر، ثم جاوزوا ~~العمران وانتهوا إلى البر، فحلفنا عليهم في العود فعادوا بعد الدعاء وقراءة ~~الفاتحة، فجزاهم الله تعالى خيرا على أفعالهم الجميلة ونياتهم الصالحة، ~~فلما عطف المودعون بالعود لقطرهم والرجوع، وتبرأ التابع من المتبوع، وطفيت ~~نيران الوداع بمياه الدموع، ترادفت على القلب أشجانه، وتزايدت كروبه ~~وأحزانه، ثم وقفت هناك وقفة المسلم، وودعت البلاد الشامية وداع المتأمل ~~المتألم، وأنشدت: # خليلي هذا موقف من متيم ... فعوجا قليلا وانظراه يسلم # ثم سرت وقلبي في تلك التلاع وتلك الأجارع، وقد ms029 فارقت الصبر عند مفارقة ~~تلك المنازع، وودعت الجلد عند وداعي تلك المجامع والجوامع، وقد خامرني ~~الفرق واستولى على جفني الأرق، وأولعت بما يولع به المشفق، وأنفقت دمعي وكل PageV01P076 ~~امرء بما عنده ينفق، ورحم الله زهيرا المهلبي، فعن حالي عبر بقوله: # إلى كم جفوني بالدموع قريحة ... وحتام قلب بالتفرق خافق # ففي كل يوم لي حنين مجدد ... وفي كل أرض لي حبيب مفارق # ومن خلقي أني ألوف وأنه ... يطول التفاتي للذين أفارق # وأقسم ما فارقت في الأرض موضعا ... ويذكر إلا والدموع سوابق # ولم أزل أسير ممتعا من شميم عرار نجد، ومحملا أنفاس الصبا حقائب الوجد، ~~وقد أخذ مني البين أخذته، وفلذ من فؤادي فلذته، واستولت على قلبي كروب جمة ~~وخطوب مدلهمة، منها فراق الوالدة والأولاد والأهل، وسلوكي من ذلك طريقا ليس ~~بالهين ولا بالسهل، ثم انفرادي صحبة من لا أثق به على نفسي بعد اجتماعي ~~بأهل مودتي وأنسي، وتبدلي من أمن الإقامة بخوف السفر، وبخشونة عيش أهل ~~البدو من رفاهية عيش أهل الحضر، وتغربي في بلاد لم أعرفها، وائتلافي مع # وجوه لم آلفها، فصرت في حالة دونها مفارقة الحياة لولا ما أرتجيه من ~~تدارك لطف الله، فما أشبه تلك الحال بما تخيله الأمير حسام الدين الحاجري ~~الإربلي، حيث قال: # لما نظر العذال حالي بهتوا ... في الحال وقالوا لوم هذا عنت PageV01P077 ~~لا تحسب إلا أننا نعذله ... من يسمع من يعقل من يلتفت # وأتمثل في الإنشاد بقول العماد: # بالله عرفت ما بحالي صنعوا ... خلوه بنار شوقهم ينصدع # ما لم أر شملي بهم يجتمع ... ما أحسبني بعيشتي أنتفع # وأتوجع مما ألقاه متخلقا بقول زين الدين الكاتب ابن عبيد الله: # لم تجد همي ولا ولهي ... أم مفقود لها وله # ما بقاء الروح في جسدي ... غير تعذيب لها وله # ثم ألتمس بقول القائل متمثلا: # وعسى إلهي أن يمن بنظمنا ... عقدا كما كنا عليه وأفضلا # فلربما نثر الجمان تعمدا ... ليكون أحسن في النظام وأجملا PageV01P078 ~~وأنسخ الوحشة بالإيناس بما جرى على لساني إذ ذاك من قول بعض الناس: # أبشر ms030 بخير عاجل ... تنسى به ما قد مضى # فلرب أمر مسخط ... لك في عواقبه الرضى # إن شاء الله تعالى، واستمر بنا السير متصل الأعمال، غير مخفق المساعي ~~والآمال، إلى بلوغ الشمس من غاية الرفعة المآرب، غير منهبطة في المشارق ولا ~~منحدرة في المغارب، فوصلنا حينئذ إلى المنزل المبارك بظاهر قرية الأثارب، ~~ثم بتنا بها ليلة الأربعاء خامس شهر شوال نقاسي كرب تلك الأحوال، ونعاني ~~خطوب هاتيك الأهوال، ونعالج شدة الأشواق، ونتوجع من ألم الفراق، ونطارح # ذوات الأطواق، وننشد قول أبي فراس الحارث بن سعيد بن حمدان في نحو هذا الشأن: # أقول وقد ناحت بقربي حمامة ... أيا جارتا هل بات حالك حالي # معاذ الهوى ما ذقت طارقة الهوى ... ولا خطرت منك الهموم ببالي # أتحمل محزون الفؤاد قوائم ... على غصن نائي المسافة عالي # أيا جارتا ما أنصف الدهر بيننا ... تعالي أقاسمك الهموم تعالي PageV01P079 ~~تعالي تري روحا لدي ضعيفة ... تردد في جسم يعذب بالي # أيضحك مأسور وتبكي طليقة ... ويسكت محزون ويندب سالي # لقد كنت أولى منك بالدمع مقلة ... ولكن دمعي في الحوادث غالي # فلما طرب طائر السحر، وأذهب نسيمه ما بقلب الساهر من الوحر، وطرزت طرة ~~الظلام يد الإصباح، وأرسل الفجر في رداء الليل خيط الصباح، ترحلنا من ذلك ~~المنزل بعد صلاة الصبح، وسألنا من الله تعالى المعونة والنجح، ثم جزنا وقت ~~الإشراق على الرصيف، وهو عجيب الوضع والترصيف، طول نصف ميل أو ينقص عنه ~~بقليل، ثم سرنا بوادي العمق ونزلنا بوسطه وسايرنا النهر الجاري هناك وحللنا ~~بشطه، وذلك وقت الضحى الأعلى من النهار، وما أشبه ذلك المنزل بقول أبي ~~القاسم بن العطار: # نزلنا بشاطئ النهر بين حدائق ... بها حدق الأزهار يستوقف الحدق PageV01P080 ~~وقد نسجت كف النسيم مفاضة ... عليه وما غير الحباب لها حلق # فنزلنا هناك كيما نستريح ونقيل، ونزيح علل الرفاق والدواب ونزيل، ثم ~~أخذنا في التحميل والترحيل، وسرنا نحث في المسير والرحيل، فوصلنا منزلة ~~يغره وقد تضمخت صفحات الربى بخلوق الأصيل، وأرزمت المطايا على الدعة أرزام ~~الفصيل، بعد أن قطعنا جسرها الطويل، ms031 وهو جسر محكم البناء متسع الفناء لكنه # تهدم من طول الزمان، وعليه مكتوب عمارة مولانا السلطان الملك الأشرف ~~قايتباي، تغمده الله بالرحمة والغفران، فبتنا بها تلك الليلة، وهي ليلة ~~الخميس، فلما تبسم وجه الشرق بعد التعبيس، وآذن روح الصبح بالتنفيس، رحلنا ~~الخيل والبغال عوضا عن حمر النعم والعيس، ثم سرنا ذلك النهار وهو سادس شوال ~~جامعين بين الاعتكار والتغليس، في عقاب من عقبات، وحدر من مهاوي حدرات، ~~وغياض وأشجار، وفياف وقفار، ومهامة ينقطع فيها الرفيق عن الرفيق، ومسالك ~~غاية في السعة وأخرى نهاية في الضيق، وكان ابتداء السير في ذلك النهار: # في بسيط من الفيافي إذا ما ... سابق الطرف فيه عاد حسيرا # وانتهينا إلى عقاب وجدنا ... في ذراها من العقاب كثيرا # وسلكنا ما بين حزن وسهل ... وقطعنا دماثيا ووعورا PageV01P081 ~~وصعدنا إلى السماء ارتفاعا ... وهبطنا إلى القرار حدورا # وقضينا مناسك الهم فيه ... ونفرنا من الكروب نفورا # فأول عقبة تلقيناها عقبة بغراص ذات الجموح والشماص، فما حصل منها النجاة ~~والخلاص، حتى زالت الشمس ولات حين مناص، وهي مشتملة على أشجار خضرة، ومفاوز ~~مقفرة، ومسالك مزلة وعرة، ودورات ولفتات وعطفات وفتلات، وفي آخرها خان ~~ومقيل وأشجار عظيمة تحتها ظل ظليل ونسيم يشفي العليل، (ومياه كثيرة) خصرة ~~تروي الغليل، وهناك مسجد قديم البنيان، يجري الماء فيه في مثل الشاذروان، ~~ويتحدر في ذلك المكان على حصباء كالدر والمرجان، وقد قيل: # وتحدث الماء الزلال مع الحصا ... فجرى النسيم عليه يسمع ما جرى # وكأن فوق الماء وشيا ظاهرا ... وكأن تحت الماء درا مضمرا # فيا له من نعيم في عقاب ورحمة بعد عذاب، وراحة في بؤس، وبشر في عبوس، PageV01P082 ~~فترامينا على ذلك الماء الزلال، وارتمينا بين تلك الظلال، فاسترحنا ساعة في ~~ظل تلك الشجرات، ونقعنا الغلة من ذلك العذب الفرات، وخفف عنا ذلك النسيم من ~~شدة السموم بعض ما نجد، حتى كان ذلك المكان بقول المنازي قد قصد: # وقانا وقدة الرمضاء ظل ... سقاه مضاعف الظل العميم # نزلنا دوحه فحنا علينا ... حنو المرضعات على الفطيم # يراعي الشمس أنى قابلتنا ms032 ... فيحجبها ويأذن للنسيم # وسقانا على ظمأ زلالا ... ألذ من المدام مع النديم # تروع حصاه حالية العذارى ... فتلمس جانب العقد النظيم PageV01P083 ~~وتعارفنا في ذلك المكان بالقاضي كمال الدين التادفي قاضي حلب، ثم مكة كان ~~فوجدنا عنده لطافة وحشمة وظرافة، ثم صار بيننا وبينه أكد صحبة وأشد مودة ~~ومحبة، ثم استقبلنا من ذلك المحل والمركز العقبة المعروفة بعقبة المركز، ~~وهي عقبة طويلة مديدة صعبة وعرة شديدة، تقطع الأسباب، وتخلع الألباب، وتذكر ~~بالصراط والميزان والحساب، كأنما الخطابي عناها بقوله: # سلكت عقابا في طريقي كأنها ... صياصي ديوك أو أكف عقاب # وما ذاك إلا أن ذنبي أحاط بي ... فكان عقابي في سلوك عقاب # ورأينا في طيها معدن الدهنج، وجبالا من آس عرف طيبها يتأرج، وغياض ماؤها ~~سلسبيل وطلها سجسج، ورياض سقفها مفوف وبساطها مدبج، وقفار نيران حرها ~~يتوهج، وسمومها يلفح الوجوه ويلفج، وسبل وعرة المدرج عسرة المنهج، يضيق ~~الصدر من حزونها ويحرج، فلم نزل نرقى ربوات يخيل لراقيها أنه لامس النجوم، ~~ونهبط وهدات يظن من هوى فيها أنه لابس التخوم، ونسلك مسالك كالصراط إلا أنه ~~غير المستقيم، يضل العقل فيها ويتحير ويهيم، ويقاسي القلب من هولها العذاب ~~الأليم، وقد اشتدت حمارة القيظ، والنفوس من جواز تلك العقبة # الكؤود تكاد تميز PageV01P084 ~~من الغيظ. فلم نزل ذلك اليوم في شغل شاغل حتى جمعنا بين طرفي البكر ~~والأصائل، وولى ذلك النهار الطائل وعطفه في الثوب القصير رافل، وأخذت الشمس ~~في الاصفرار من ذلك المنظر المهول، وعزمت على الفرار وصممت على الأفول، ~~فنزلنا حينئذ بمرج متسع قاطع قلعة المركز، قد ألبسه الربيع ثيابا سندسية ~~طرفها بأنواع الزهر وطرز، وسحب عليه النسيم أذياله، فاكتست من عرفه شذا، ~~وجرت في خلاله عيون كالأنهار سالمة من الكدر والقذا، ودارت كاسات رحيقها ~~فانتشى الغصن مستنبذا، وروى العشب واغتذا، وجاوره البحر المالح فلم يحصل له ~~بمجاورته أذى، فبتنا بتلك البقعة المتسعة ليلة سابع شوال وهي ليلة الجمعة، ~~ورحلنا منها عندما اكتهل الليل وشاب، وأقبل النهار يخطر في برود الشباب، ~~وغردت الحمائم على أعوادها، وأعربت ms033 بعجمتها عما أكنته من الشجو في فؤادها، ~~فأثارت تباريح أشجان لم تبرح، وأفاضت مياه أجفان لم تنزح، وترنمت متمثلا في ~~تلك البقاع بقول عدي ابن زيد المعروف بابن الرقاع العاملي: # ومما شجاني أنني كنت نائما ... أعلل من برد الكرى بالتنسم # إلى أن دعت ورقاء في غصن أيكة ... تردد مبكاها بحسن الترنم # ولما تلاقينا وجدت بنانها ... مخضبة تحكى عصارة عندم # فقلت خضبت الكف بعدي هكذا ... ولم تحفظي عهد المشوق المتيم # فقالت وأذكت في الحشا لاعج الهوى ... مقالة من بالود لم يتبرم PageV01P085 ~~بكيت دما يوم النوى فمسحته ... بكفي فاحمرت بناني من دمي # وحقك ما هذا خضاب خضيبة ... سوى أنت بالهنان والروم متهم # ولكنني لما رأيتك راجلا ... وقد كنت لي كفي وزندي ومعصم # فلو قبل مبكاها بكيت صبابة ... لسعدي شفيت النفس قبل التندم # ولكن بكت قبلي فهيج لي البكا ... بكاها فقلت الفضل للمتقدم # ثم سرنا في بسيط من الأرض عريض مرآه لا يخترقه النسيم بمسراه، يكاد البصر ~~يقف عند مداه مشتمل على ربيع مريع ذي زهو بديع، وأشجار من الآس عنبرية ~~الأرواح والأنفاس، يجلب منظرها أنواع الإيناس، ثم نزلنا الضحى الأعلى كيما ~~نستريح ونريح، ونزيل بعض العلل ونزيح، بمكان قرب قراقابي ومعناه الباب ~~الأسود، وهو باب قديم مقنطر بالحجارة السود، مرصف منضد، لكنه من تطاول ~~الزمان قد تهدم وتهدد، ثم سرنا منه فنزلنا (والشمس قد) عصفرت أبرادها ودنى في PageV01P086 ~~العين الحمئة إيرادها بمكان يعرف بأستك، بهمزة مفتوحة على وزن مرتك، عند ~~عين ماء نمير تجاه بسطه، وربيع قد فرش بسطه، وأظهر سروره وبسطه، وأخرج ~~سوسانه ولسانه وقرطه، فبتنا به ليلة السبت ثامن شوال، ثم عزمنا على الترحال ~~وشددنا الخيل وحملنا البغال: # حين شاب الدجى وخاف من الهجر ... فغطى المشيب بالزعفران # فلما سرنا قليلا لحقني الأمير جانم ومعه جماعة فسلموا وقالوا: أردنا ~~المثول لخدمتكم في هذه الساعة. فقلت: ما الخبر؟ فقالوا: سؤال حضر. فقلت: ما ~~السؤال؟ فتقدم الأمير جانم وقال: هو عن قوله تعالى (إن مثل عيسى عند الله ~~كمثل آدم) فقلت: ما المقصود؟ ms034 فقال: الضمير في خلقه وما بعده على من يعود؟ ~~فقلت: على عيسى. فقال: قد وقع بين علماء القاهرة فيه إشكال فإنه قال خلقه ~~من تراب فتم الخلق بهذا المقال، ثم قال له كن هذا تحصيل حاصل أي وهو محال، ~~فقلت: كلا، بل المقصود بقوله خلقه من تراب صور هيكله الجسماني، وبقوله ثم ~~قال له كن نفخ فيه الروح وأتم فيه البشرية والخلق الإنساني. فشكر وأثنى ~~وذكر أن ذلك التحقيق لم يسمعه إلا منا، ولم يزل يتودد ويتواضع ويتلطف ~~ويتخاضع، فلما تعالى النهار وترافع، وتوالى حره وتتابع، وصلنا إلى مدينة ~~المصيصة بعد أن سلكنا # مسالك وعرة عويصة، وهي مدينة بكثرة الأشجار والمياه مخصوصة يجري بفنائها ~~نهر جيحان وبها عليه جسر عظيم البنيان وعليها بابان يقفلان عليه إلى الآن ~~وقد كانت من غرر البلدان، وانتشأ بها جماعة من الأعيان، لكنها الآن خربت، PageV01P087 ~~وأكلت الدهور على محاسنها وشربت، وتركت ساحتها كدار مية بالعلياء فالسند، ~~وغادرتها منفضة الفناء منقضة البناء كأن لم يكن بها سيد ولا سند، ولم يغن ~~بها بالأمس أحد، لم يبق منها غير رسومها الواهنة الواهية وأطلالها العالية ~~البالية وأزقتها الخالية الخاوية: # طلول إذا دمعي شكا البين بينها ... شكا غير ذي نطق إلى غير ذي فهم # (وقد تراجعت الآن في العمران والتحقت بصغار البلدان). # وجيحان بجيم بالفتح ثم ياء آخر الحروف بالسكون، ثم حاء مهملة وآخره نون، ~~نهر معروف بالعظم، زاخر الأمواج كالبحر الخضم، يقارب في كبره نهر الفرات، ~~وماؤه لطيف عذب فرات، يلتوي التواء الأرقم، وينسحب انسحاب المخرم، وينعطف ~~انعطاف السوار بالمعصم: # فجدوله في سرحة الماء منصل ... ولكنه في الجزع عطف سوار # وأمواجه أرداف غيد نواعم ... تلفعن بالآصال ريط نضار PageV01P088 ~~ولابن الأبار: # ونهر كما ذابت سبائك فضة ... حكى بمحانيه انعطاف الأراقم # إذا الشفق استولى عليه احمراره ... تبدى خضيبا مثل دامي الصوارم # يمر ببلاد السيس بين تلك الجبال والشعوب، ثم يسير في حدود بلاد الروم من ~~الشمال إلى الجنوب في وداة وجبال وتلال حتى يمر بالمصيصة من جهة الشمال، ~~ويسير بجوانبها ms035 من مشارقها إلى مغاربها، فلما وافيناها وحللنا بها نزلنا ~~بها في علوة، وذلك يوم السبت ضحوة، يصاحبنا الهواء الرطب ونسيمه، والأرج ~~العنبري # وتقسيمه، والنفس النجدي الذي هو في الصحة شقيقه وقسيمه، في ظل شجرة بطم ~~في غاية الكبر والعظم، كثيرة الأغصان، غزيرة الأفنان، يكاد يستظل بظلها ~~أكثر من ألف إنسان. ذات طول عظيم وقوام قويم، يرجع عن بلوغ طرفها طرف العين ~~كليلا، ولا يشفى من نظره لأعاليها عليلا، ولا يروى من ترائيه لأقاصيها ~~غليلا، وقد قسنا أصلها باليدين فكان أربعة باعات وشبرين، قد فاقت الأشجار ~~طيبا ونضرة وعظما، فيا لها من شجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء، فهي ~~من أغرب ما عايناه وأعجب ما شاهدناه، وقد جرى في نعتها والقريحة جامدة، ~~ونيرانها بعد ذكائها وتوقدها خامدة، ما تمثله الجنان ونطق به اللسان ورقمه ~~البنان، وهو قولي: PageV01P089 # يا سرحة سرحت في شط جيحان ... وزاحمت في علاها برج كيوان # فروعك الشم لا تحصى قواعدها ... والأصل أربع باعات وشبران # لنا بظلك مغنى لم يشب بعنا ... فنون أفيائه من فيء أفنان # به نسيم يصفى الروح من كدر ... وينعش القلب من تبريح أشجان # يعمنا في زمان القيظ منك ندى ... لو أن أقوامنا في العد ألفان # هذا هو الجود لا ما قيل من قدم ... عن حاتم وعدي وابن جدعان # لا زلت مخضلة الأغصان يانعة ... يسقيك كل ملت القطر هتان ### | AUTO أدنة # فقيلنا في ظلها إلى أن استوفى النهار حد الانتصاف، وانتصفنا بحماها من ~~حموه غاية الانتصاف، ثم سرنا تارة في ظل وأخرى في حرور، وطورا ننجد وآونة ~~نغور، حتى كادت عين الشمس تغور، فوصلنا حينئذ مدينة أدنة، وهي مدينة صغيرة ~~مستحسنة، قد استوعبت من الظرف أجناسه وأنواعه، واستوعبت من اللطف شيمة ~~وطباعه، ذات رياض أنيقة وأشجار وريقة: PageV01P090 # وحدائق تشبيك وشى برودها ... حتى تشبهها شبائب عبقر # يجري النسيم خلالها وكأنما ... غمست فضول ردائه بالعنبر # ومساكن حسنة بأهلها معمورة، وأسواق بجميع ما يحتاج اليه مغمورة، ويتوصل ~~إليها من جسر عظيم على نهر سيحان، ويمر بخلالها وجوانبها هذا ms036 النهر ~~كالثعبان، وعليه نواعير تسقي ما هناك من البساتين والغيطان، وهي بمدينة ~~حماة أشبه البلدان، والنهر المذكور هو بسين مهملة مفتوحة ثم ياء تحتية ~~بالسكون ثم حاء مهملة وآخره نون، نهر عظيم يعد من الأنهار الكبار، وهو ~~يقارب في كبره نهر جيحان المار، وهما كما قال النووي شيخ الإسلام وقطب ~~الأنام على الإطلاق غير سيحون وجيحون اللذين هما من الجنة بالاتفاق، فنزلنا ~~داخل باب المدينة في مسجد صغير، وبجانبه بئر ماء عذب معين نمير، فاسترحنا ~~فيه ساعة حتى تكاملت الجماعة، ثم دخلت جامعها الكبير وقت المغرب فصليتها ~~فيه والعشاء معا، واجتمع بي الإمام والمؤذن فسلما علي والتمس كل منا من ~~صاحبه الدعاء، ثم سرنا هجمة الديجور إلى محل الوطاق بشط النهر المذكور، وهو ~~مكان بديع قد عذب ماؤه، وراق روضه ورق هواؤه، وتفسحت مساحاته ومارجت ~~أرجاؤه، وقد أهدى اليه الربيع نوافحه، وأسدى لواقحه، وأسدل ملاحفه، وأسبل ~~مطارفه، وألان معاطفه، وأفاض معارفه، وأصفى ملبسه، ووشى سندسه، وحدق ~~أحداقه، وأرخى أوراقه: PageV01P091 # وتبسم ثغر النور عن شنب القطر ... ودب عذار الطل في صفحة النهر # فزينة الأرض مشهورة، وحلة الروض منشورة، والبسيطة قد مدت بساطا مفوفا، ~~وأهدت من ذخائرها ألطافا وتحفا: # فالنور عقد والغصون سوالف ... والجزع زند والسرى سوار # رقص القضيب بها وقد شرب الثرى ... وشدا الحمام وصفق التيار # فأقمنا هنالك تلك الليلة، وهي ليلة الأحد تاسع شوال، ثم يوم الأحد ~~بالتمام والكمال، # ثم نحو الثلثين من ليلة تسفر عن يوم الاثنين، ونحن ما بين ربيع ورتيع، ~~وزهر ونهر، وموج ومرج، وحدائق وماء دافق، ورياض ونهر فياض، ونسيم وتسنيم، ~~وجنة ونعيم، وروح وريحان، وعرف من الجنان، ودولاب يحن حنين المستهام، ~~المدنف من شدة الغرام، ويطارح بشجوه سجع الحمام، كما قيل: # لله دولاب يفيض بسلسل ... في روضة قد أينعت أفنانا # قد طارحته به الحمائم شجوها ... فيجيبها ويرجع الألحانا # فكأنه دنف يدور بمعهد ... ضاقت مجاري طرفه عن دمعه PageV01P092 ~~يبكي ويسأل فيه عمن بانا ... . فتفتحت أضلاعه أجفانا # وذلك النهر يجول في حلة فضية تذهبها الشمس بكرة وأصيلا، ms037 ويجلوا صداها ~~صيقل القمر ليلا، ونهر عطفه خيلا، ويسحب في تبختره بين الرياض ذيلا، ~~فتناديه تلك الأشجار على رسلك ف (إنك لن تخرق الأرض ولن تبلغ الجبال طولا) ~~وتلقانا في ذلك المقام جماعة من الأصحاب ما بين عرب وأروام قاصدين بلاد ~~الشام، فتلاقينا بالتحية والسلام، وجمعنا بين السلام والوداع، وذيلنا ~~الافتراق من ذلك الاجتماع، وأنشدتهم والقلب بالفراق منكوي، والجسم على ~~نيران الفؤاد محتوي، لفخر الرؤساء الشريف الرضي الموسوي: # والدمع تنحدر من الآماق ... وتفور من جوانب الأحداق # أيها الرائح المجد تحمل ... حاجة للمتيم المشتاق # وأقر عني السلام أهل المصلى ... وبلاغ السلام بعض التلاق # وإذا ما مررت بالخيف فاشهد ... أن قلبي إليه بالأشواق PageV01P093 ~~وإذا ما سئلت عني فقل ... وما أظنه اليوم باق # ضاع قلبي فأنشده لي بين جمع ... وهى عند بعض تلك الحداق # وابك عني فطالما كنت ... من قبل أعير الدموع للعشاق # ثم ترحلوا عنا، وأشأموا وأتهمنا، والشوق بالجوانح مكتنف، والدمع من ~~الآماق منذرف، والقلب ذاهب معهم لم يستقر ولم يقف، فضارعت مرامه، وأنشدت أمامه: # لله أي هوى برامه ... حيث القلوب المستهامه # لم يبق قلب في الحمى ... إلا وقد أعطى زمامه # بالله يا حادي القلوب ... إذا رجعت مع السلامه # فاخدع فؤادي عله ... يرعى لمنزله ذمامه # فلما مضى من ليلة الاثنين عاشر شوال، مقدار أقصى ما يوصى به المريض من PageV01P094 ~~المال، حكمنا على معزول السرى بالاستعمال، ومتواني السير بالاستعجال، ولم ~~نزل نجهد في سلوك مهامة تجمع بين النفس والجزع، وتتصيد عنقاء البسالة في ~~شرك الفزع، ونصعد أنف كل تنوفة وثنية، ونعقد لجهاد كل ماذق ومارق أفضل نية ~~ما بين غابات أشجار تضيق الأنفاس، أحسن أنواعها البطم والبلوط وشيء قليل من ~~الآس، فقيلنا بحدرة من جملة الهيش، بها بعض ماء حار وحشيش، وبتنا ليلة ~~الثلاثاء بمكان من جملة جبال الورسخ، بين غابات محتبكة وجبال شمخ، لا مغيث ~~بها لمظلوم ولا مستصرخ، فبت ونيران الفؤاد لا تتبوخ، وغليله لا يروي ولا ~~ينفخ، والصدر لا يتفسح من كربه بل يتفسخ، والضلوع تقصف من بعض ذلك وترضخ، ms038 ~~والدموع تنضح صحن الخد وتنضخ، وأنا متمثل بقول القائل: # أحبائي ما لي بحياتي نفع ... مذ عز لشملنا بشت جمع # في الليل إذا أرقني ذكركم ... أبكي أسفا جهد المقل الدمع # وبقول الآخر: PageV01P095 # الشوق إليكم شديد البرح ... والوجد يجل شرحه عن شرح # صبرا فعسى سماؤه أن تصحى ... لا بد لكل ليلة من صبح # ثم رحلنا من ذلك المكان عندما شاب مفرق الليل، وولى من الصباح مشمر ~~الذيل، وبرز الفجر من خبائه، وبسط على العالم رداء ضيائه، فما سرنا إلا ~~قليلا حتى تلقتنا عقبة الكولك، وهي عقبة عسرة المذهب وعرة المسلك، ضيقة ~~المدارج متشعبة المناهج، متعددة الهبوط والصعود، متزايدة التهائم والنجود، ~~كأن نجودها صعود إلى السماء، وأغوارها نزول إلى قرار الماء، فدخلنا بها في ~~أمر عظيم، وطريق غير مستقيم، وعذاب يوم عقيم، بينا نحن في عقاب عقاب إذا ~~نحن في مهاد وهاد، وبينما نحن في رأس جبل إذا نحن في بطن واد. نهبط فنظن أن ~~قد بلغنا من الأرض أدناها، ونرقى فنتوهم أن قد تناولنا من السماء سهاها، ~~ونسلك سبلا تحار فيها القطا، ولا تهتدي إليها الخطى، ويكثر من طارقها وأن ~~ألفها الخطأ، فهي كما وصفها أو نظيرها مولانا المقر الكريم، مولانا السيد ~~بدر الدين عبد الرحيم بقوله: PageV01P096 # كم عقاب في عقاب ... دونها مر السحاب # ليس للطير رقيا ... فوقها حتى العقاب # حال من يرقى إليها ... كرقي في اضطراب # كاد أن يكن من يرقى ... إليها لمس الشهاب # حارت الأفكار فيها ... بين هاتيك الشعاب # وانثنى العقل ضليلا ... بأسى تلك الهضاب # وربا الكرب ازديادا ... مذ بدت تلك الروابي # ودموع العين تجري ... بجفان كالجواب # يسدر المرء فلا يقوى ... على رد الجواب # وإذا يهوي انحدارا ... صار في أقصى التراب # كم سقيط صار منها ... في أفانين العذاب # من يقم منها صحيحا ... كان في أفق التحابي PageV01P097 ~~فعدول المرء عنها ... أبدا عين الصواب # ورأينا بهذه العقبة أشجار صنوبر كالسواري، يتخذ منها أعظم ما يكون من ~~الصواري، والبعض منها ساقط منعجر كأعجاز نخل منقعر كما ضرب به النبي الصادق ~~مثل هلاك المنافق. ms039 وفي وداتها ماء يجري من الثلج، يتكسر ويفج من كل فج، ~~وبها مكان بين جبلين منتصبين كالجدارين لا يدرك الطرف أعلاهما ولو احتد، ~~ولا يرقى مبلغ الطير أدناهما ولو اجتهد وجد، يجري بينهما ماء كثير عذب زلال ~~ثجاج نمير وبه نسيم يداوي السقيم، ونبت أريج من كل زوج بهيج، فيا له من ~~منظر ما أبهاه وأحسنه وأفرجه وأزهاه، يرتقى منه إلى سفح أحدهما في عقبة ~~كؤود، ذات صخرات سود، ومسالك لا تتسلق فيها القرود، ولا يمر بها الفئران ~~إلا وهي في صورة الحيران في غاية الخوف والرجفان. أصعب الطرق والمذاهب، ~~وأحزن السبل على ماش وراكب، فلم نزل نخبط في سهل هذا الجبل ووعره، ونخلط ~~سيرا ترابه بصخرة، ونشق أعطافه شقا، وندق جنادله بالحوافر دقا، مكتنفين ~~الفزع ملتحفين الجزع، إلى أن جزمتنا عوامله بالحذف، ومنعتنا علاته من ~~الصرف، وأسفر لنا وجهه العبوس، ومحياه الذي في مشاهدته البؤس، عن مكان ~~واسع، به بعض ماء نابع وربيع مريع رائع، وهناك للوزير بير باشا خان وعمارة ~~وجامع، لكنها الآن خراب مأوى للبوم والحشرات والذئاب، فاسترحنا به ساعة دون ~~أن نحل عن الدواب، ثم سرنا إلى منزل به ربيع، وماء عيون جريها ليس بالسريع، ~~فقيلنا به ثم سرنا في ربوات ووهدات وأنهار، حتى انهار جميع بناء ذلك ~~النهار، فحين حان الغروب، وآن PageV01P098 ~~لقرص الشمس الوجوب، واتصفت صلاة المغرب بالوجوب، نزلنا بشط نهر في غاية ~~الاتساع، شديد الجري والدفاع، أكثر في الارتفاع من مائة ذراع، ويحاذيه مرج ~~أفيح ومسرح ومشرح، وربيع يجول # فيه الطرف ويمرح، وهو بالقرب من آق كبرى ومعناه الجسر الأبيض بالعربية، ~~وهو آخر ما كانت تحكمه الجراكسة وأول البلاد القرمانية، فبتنا بشط ذلك ~~النهر ليلة الأربعاء ثاني عشر الشهر، وهناك هواء شديد، وبرد ما عليه من ~~مزيد، حتى خيل لنا أن الشتاء عاد بأنوائه والبرد رجع بأدوائه، فاشتكت منه ~~الأسنان ورجف الجنان، وقعدنا تحت الرعدة ننتظر الفرج بعد الشدة، ثم رحلنا منه: # والبدر يجنح للغروب كأنه ... قد سل فوق الماء سيفا مذهبا # ثم ms040 برق من الفجر نوره، ولاحت من الصباح تباشيره، فسرنا في مخاضات وطلعات ~~ونزلات (إلى أن ترافع النهار وتعالى، وتتابع حره وتوالى)، وقيلنا ذلك ~~النهار بمكان بشط بعض تلك الأنهار. ثم سرنا فجزنا على بساتين بها فواكه ~~وزيتون، وشذى يفوح من أشجار زيزفون، ونزلنا بمكان به مياه ومرج، وبالقرب ~~منه جبال من ثلج، فحصل فيه برد شديد وريح بارد، ومطر يقوى ويضعف لكنه متوال ~~متوارد، فقطعنا تلك الليلة بين همل وهطل، وعطاء من السحب لا يكدره مطل، ~~ورقصت القلوب لتصفيق الرياح، وفقدت النفوس الروح والخواطر الارتياح، وطال ~~الليل مع أنه قصير الذيل، كما قال أبو المعالي الحظيري: # أقول والليل في امتداد ... وأدمع الغيث في انسفاح PageV01P099 ~~أظن ليلي بغير شك ... قد بات يبكي على الصباح # هذا والشمس في آخر برج السرطان، والصيف قد ألقى على الأرض الجران، وحكم ~~في الوجود بقوة السلطان، فكان كما قال مولانا المقر الكريم الشيخي الإمامي ~~البدري السيد عبد الرحيم: # جادت لنا الأنواء مغدقة ... والصيف أقبل مسرع الجري # فكأنما شمس الضحى خرفت ... فتشبه السرطان بالجدي # ومما قلته: # نوء الشتاء وبرده وافى وقد ... حكم المصيف بقوة السلطان # فلعل هذا الدهر أمسى ذاهلا ... فأتى بنوء الجدي في السرطان # فلما طلع الفجر ولاح، وضربت بشائر الصباح، عزمنا على التبكير بالسير ~~والتغليس، وذلك ثالث عشر شوال يوم الخميس، فوصلنا مدينة أركلي والشمس ~~مستوفية اللألاء مرتقية درجة العلاء، لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء. وهي مدينة PageV01P100 ~~صغيرة، وبها بساتين وأشجار كثيرة، وفيها جامع لطيف بالدفوف الثقيلة مفروش، ~~وبه منبر لعله من الخشب لكنه مستور بالجص المنقوش، وبه تختات مرتفعة زيادة ~~فيه كالسدة، لكنها أكثر من نصفه تسع من المصلين عدة، وأقمنا به من ذلك ~~الوقت إلى العصر، ثم سرنا إلى الخيام بعد أن دعا لنا جماعة ممن حضر الصلاة ~~والإمام، وخارجه منارة عالية ذات طول مديد، وهي مفردة في المدينة ترى من ~~خارجها من نحو نصف بريد، والبرد فيها موجود، والقطر غير مدفوع ولا مردود، ~~ولا يدرك بها من الزرع شيء كالقمح وما ms041 شابهه، ولا غير القراصيا من جنس ~~الفاكهة، وهي شقراء وبعضها شقة بيضاء وشقة حمراء، فنزلنا خارج المدينة بمرج ~~أفيح، فيه للطرف مسرح وللخواطر مسنح، زكي المرابع (زهي المراتع)، يجري إلى ~~جانبه نهر نهاية في العذوبة والخصر، فارتاحت الأنفس من الحصر والألسن من ~~الخضر، ونسيت بحلاوة اليوم ما مر بالأمس، وباشرت الملاذ بالحواس الخمس، ~~فأقمنا بقية ذلك النهار ثم ليلة الجمعة رابع عشر الشهر إلى وقت الاستغفار، ~~وانقطع منا فيها لمواصلة السير جماعة، منهم الشيخي البرهاني ابن جماعة، ثم ~~سرنا من ذلك المكان وقد: # كحل الفجر لنا جفن الدجى ... وغدا في وجنة الصبح لثاما # تحسب البدر محيا ثمل ... قد سقته راحة الصبح مداما ### | AUTO قونية # ولم نزل نسير ونسري، وننزل منازل لا نعلم اسمها ولا ندري، حتى سرينا PageV01P101 ~~ليلة الأحد سادس عشر الشهر سروة فوصلنا مدينة قونية ضحوة، والشمس قد اكتسبت ~~بعد ضعفها قوة، وانجلت في حللها المذهبة أجمل جلوة، وارتقت من أوجها ذروة، ~~وارتفعت عن مشرقها قدر غلوة، ومن متن برجها صهوة، وكست الأرض والجبال من ~~رونق ضيائها أحسن كسوة، ومدينة قونية مدينة غراء وأرض خضراء، ذات تربة ~~زكية، ونفحة ذكية، ورياض أنيقة، # وأشجار نضرة وريقة، ومحيا صبيح، وترتيب مليح، أسواقها مرضية، وخاناتها ~~فضية، ومساجدها وضية، وعيشتها رضية، وزمانها ربيع، وجنابها رفيع، ونسيمها ~~وان، وجنانها دان، وقاطنها بحبها عان، وليس لها في مزية الحسن بين البلاد ~~القرمانية ثان، وبها مساجد متعددة، وعمارات متجددة، وجامع عتيق، ذو معهد ~~أنيق، وبناء وثيق، ومقام رجل مشهور بالولاية يقال له ملا خنكار، يقام عنده ~~وقت كل جمعة يضرب فيه بالدف والمزمار، ويحيط بها سور عظيم، ذو بناء قديم، ~~به شخوص وأشباح، وجسوم تكاد تنطق لولا فقدها الأرواح، وعلى بعض أبوابها ~~صورة إنسان، متصلة أقدامه ببعض حجارة البنيان، فهذا هو المنكر الذي لا ~~نرضاه ولا حول ولا قوة إلا بالله، وهي الآن سرة بلاد قرمان، وقد كانت تخت ~~الملك في قديم الزمان، وقد انتشأ بها جماعة من الصوفية، ومن أئمة الفقهاء ~~الشافعية والحنفية، ومنهم شيخ ms042 الإسلام فخر القضاة والحكام (القاضي علاء ~~الدين وولده العلامة محب الدين وشيخ الصوفية الإمام صدر الدين أعاد الله ~~تعالى من بركاتهم علينا وعلى المسلمين)، فنزلنا خارجها بمرج من تلك المروج، ~~به ربيع تمور به الريح وتموج، وبعض غدران مياه PageV01P102 ~~يخصب بها روض الحياة، وتسحب ذيل صفائها على صفاء ذلك المحل وحصاة، كما قيل: # وضاحية وردت بها غديرا ... يقدر من صفاء الماء أرضا # كأن الوحش حين تغب فيه ... يقبل بعضها للشوق بعضا # فأقمنا به بقية يوم الأحد، ثم ليلة الاثنين بالكمال، ثم عزمنا وجه الصبح ~~المسفر عن سابع عشر شوال، على الترحل والانتقال، والتحول والارتحال، فلم ~~نزل نجوب في فياف ومهامة، ونجول بين أنهار ومنازه، ورياض قد تولاها الولي، ~~ووسمها الوسمي، وجمشتها نسمات الرياح، وأظلتها رايات الصباح، وغازلت كواكب ~~الفجر عيون نرجسها الوقاح، وباكرت الصبا تقبيل ثنايا نورها: # من قبل أن ترشف شمس الضحى ... ريق الفؤاد من ثغور الأقاح # إلى أن نزلنا بمرج متسع الساحة، كبير المساحة، مرتع النواظر، ومتنفس ~~الخواطر، تسفر كل ناحية منه عن خد روض أزهر، وعذار نبت أخضر، وتبسم عن ثغر ~~حباب في نهر كالحباب، وترفل من الربيع في ملابس سندسيات، وتهدي نوافح ~~مسكيات، وتزهى من بهجتها بأحسن منظر، وتتيه بجلباب أينع من برد الشباب ~~وأنضر، فقيلنا به ذلك النهار، ونقعنا الغلة من الماء البارد، ونفعنا العلة ~~من النسيم المعطار، ولم نزل نسير بين تلك الأزهار والأنهار، في العشايا ~~والأبكار، حتى PageV01P103 ~~وصلنا ضحوة الأربعاء تاسع عشر الشهر للمدينة البيضاء، وهي التي تسمى عندهم ~~بآق شهر، وهي مدينة لطيفة، حسنة ظريفة، من أنزه المدن القرمانية وهي آخرها، ~~وألطف البلاد العثمانية وأخيرها، مبيضة كسقيط الثلج، مصطفة كبيوت الشطرنج، ~~ذات مياه خصرة، وبساتين خضرة عظيمة المنازه، كثيرة الغلات والفواكه، يجلب ~~منها الفاكهة إلى ما يحاذيها من البلاد الرومية حتى إلى المدينة العظمى ~~القسطنطينية، ويخترق أرجائها نهر سلسال، كدمع المهجور إذا سال: # يظن به ذوب اللجين فإن بدت ... له الشمس أجرت فوقه ذوب عسجد # وبها أسواق معمورة، بالخيرات الموفورة مغمورة، ومساجد ms043 عظيمة، وحمامات # قديمة، وعمارة بظاهرها بها مسجد للجمعة معظم، منسوبة لحسين باشا الوزير ~~الأعظم، وتكية ينزلها المسافرون، ويحلها المتفقهون القاطنون، وليس لها سور ~~ولا حصار معمور، وهي من أرخا هذه البلاد لسعة رزقها ونزرة خلقها وكثرة ~~مغلها وقلة أهلها وكثافة غيطانها وخفة قطانها، وبها على دون مرحلة بركة ~~كبيرة بها، بعض مراكب صغيرة، يصاد بها منها السمك الكبار والصغار، ويجلب ~~إلى ما حولها من الأقطار، فنزلنا بها بمصلى العيد، وهو منزل بديع غير بعيد، ~~قد راق فيه الماء، ورق PageV01P104 ~~به الهواء، وسفر له الدهر عن محياه، وتبسم له الزهر وحياه، وأحدقت به ~~البساتين أحداق الهالة بالقمر، والأكمام بالزهر، وامتدت له بطحته الخضراء ~~امتداد البصر، وبالقرب من هذه المحلة والمنزلة، مقام خجا ناصر الدين ~~المشهور عندهم بالولاية والوله، وله عندهم حكايات مضحكة تدل على التغفل ~~والبله، نظير ما يحكى عن مصحفة جحا، وكلاهما من المغفلين الصلحاء، فأقمنا ~~بها إلى وسط النهار، ووقت الزوال والإظهار، ثم أخذنا نجوب ونجول في وهاد ~~وتلول، ووعر وسهول، وفياف وقفار، وربيع وأزهار، ولم نزل نسري ونسير ليلا ~~ونهارا، ونجدب بالنجب الفيافي أصالا وأسحارا، وتغيب عنا الشموس والأقمار ~~فنتخذ من المشاعل والفوانيس شموسا وأقمارا، إلى أن وصلنا إلى مدينة قرا ~~حصار يوم الجمعة حادي عشر الشهر وقت الإبكار، وقد نشر علم الشمس الأصفر، ~~وتخلق الكون بردعها المعصفر، وأشرق وجهها الأشقر في الآفاق وأسفر، وهي ~~مدينة مستظرفة بين جبال مستلطفة، وعلى جبل صغير عال في وسطها قلعة منيعة، ~~بديعة رفيعة، أمينة حصينة، علية مكينة، سمية متينة، سوداء الحجارة وبها تسمت # المدينة، وعلى هذه المدينة بساتين كثيرة ومياه غزيرة، وبظاهرها مرج أريج، ~~ذو نبت بهيج، فسيح الرحاب، رحب الجناب، كثيرة الكلأ والعشب، زائد الري # والخصب، يسافر PageV01P105 ~~النظر فيه، ويرتاح بمرائيه، وبها أسواق جميلة، ومساجد جليلة، وعمارة حسنة ~~متسعة، بها مسجد معظم تقام فيه الجمعة، فجمعنا بها فية الجمعة مع العصر، ~~وجمعنا بين الإتمام والقصر، وأول ما شاهدنا في تلك البقعة طرائق الروم يوم ~~الجمعة، وهو أن يصعد المؤذنون المنارة ms044 يعلمون بالصلاة ويصلون ويسلمون على ~~سيدنا رسول الله، ثم لا يصعد بعد ذلك إلا واحد للأذان، ثم يشرع المقرئون ~~على السدة واحد بعد واحد في قراءة القرآن، وبعد الفراغ من القراءة والختام ~~ينشد منشدا أبياتا بالتركي أو العربي بأواز وأنغام، فكان ما حفظته مما ~~أنشده يومئذ قوله: # لي حبيب عربي ... مدني قرشي # وجهه في نظري ... كل صباح وعشي # ثم يصلون السنة ثم يصعد الخطيب ويفعل أفعالا كثيرة بعضها مخالفة للسنة من ~~ذلك عدم الاتكاء على سيف ونحوه ثم تركه السلام، ثم الخطبة بأواز عال ~~وأنغام، ثم الدق على درج المنبر بالرجل حالة الهبوط والصعود، ثم الالتفات ~~يمينا وشمالا في القيام والقعود، وكان نزولنا خارجها بذلك المرج، بعد أن ~~أحطنا علما بالدخل منها والخرج. واجتمعنا هناك برجل جاء بعدنا في البحر من ~~أهل الشام، فاستخبرناه عن الأهل والأصحاب فأخبرنا بأنهم طيبون وبلغنا منهم ~~السلام، فزاد تحريك وجد لم يكن بالساكن، وأكد مؤكد شوق لتلك الأحباب ~~والأماكن، ففاضت الدموع من الأجفان، واشتعل القلب بالنيران، وتمثلت قول ~~بعضهم في PageV01P106 ~~هذا الشأن: # يا ساري الليل هل من رامة خبر ... فإنني لسواه لست أنتظر # بالله ربك أخبرني فها كبدي ... تكاد من ذكرهم بالوجد تنفطر # أحباب قلبي وأخواني وأهل مني ... روحي إذا طربت والسمع والبصر # أعندكم أنني من بعد فرقتكم ... لا استلذ بما يهوى له النظر # ترى أراكم على بانات كاظمة ... والعذل قد غاب والأحباب قد حضروا # ويجمع الله شملا طالما لعبت ... به الليالي ولم يسعف به القدر # ثم رحلنا من ذلك المكان بين الصلاتين والدموع تسقي تلك الأباطح، والأنفاس ~~تتصعد من لهب الجوانح، فما سرنا إلا يسيرا من ذلك المكان حتى مررنا بحمام ~~حامي المياه بغير إسخان، ولم نزل في حث السير والسرى، وعصيان الراحة وودع ~~الكرى، وجول مهامة وبراري، وجوب فياف وصحاري: # ألوي الضلوع من الولوع بخطرة ... من شيم برق أو شميم عرار # وأنيخ حيث دموع عيني منهل ... يروي وحيث حشاي موقد نار PageV01P107 ~~فلم نزل في حط وترحال، ووخد وإرقال، إلى أن وصلنا إلى ms045 محلة ابن أوكي وقت ~~الضحى العال، من يوم الأحد ثالث عشرين شوال، وهو مرج كبير ذو عشب كثير، قد ~~بسط الغيث به بساطا أخضر، بحيث لا يكاد شيء من سواد أرضه يرى، وبجانبه قلعة ~~لطيفة منقورة في جبل عالية الموضع سامية المكان مرتفعة المحل، وهو معد لرعي ~~الخيول السلطانية وتربيتها وإصلاح شأنها وتنميتها، وبأسفله اصطبلات برسم ~~تلك الخيل تصان بها وتأوي إليها في الليل، ثم رحلنا وقت الظهيرة من تلك ~~المحلة المذكورة، ولم نزل نسير وقد جد المسير، وحمى الهجير، وكاد أن يبلغ ~~الغبار الكثير الفلك الأثير، فلما تضمخ جيب الأصيل بالعبير، وسقطت الشمس من ~~الغرب على خبير، بعد أن عراها من خوف هول ذلك الحال اصفرار، وأعقبت من ~~شفقها في الأفاق لون الاحمرار، وصلنا حينئذ إلى محلة أرمني بازار، وهي قصبة ~~حسنة العمارة، بها مسجد لطيف ومنارة، فنزلنا بظاهرها منزلا تشتهيه الأنفس ~~وتلتذه الأعين، وتسبح من حسنه الأفواه والألسن، فسيح الأرجاء، واسع ~~الأنحاء، صحيح الهواء، به أعين زائدة الخصر والعذوبة، فوق الغاية المطلوبة ~~والحالة المرغوبة، وبتنا في مقعد هناك معظم عال، مركب # على عين تجري بماء عذب زلال، فلما ابتسم ثغر الأفق بعد الوجوم، وفاض نهر ~~المجرة على حصباء النجوم، نبهنا أيدي المطي عن سنة السكون، وحركنا منها ما ~~كان مبنيا على السكون، ورحلنا من ذلك PageV01P108 ~~المكان المركب على العين صبيحة رابع عشرين الشهر، وهو يوم الاثنين في وهاد ~~وتلال، وحجارة ورمال، وغياض وأشجار، ومياه كالأنهار، ودربندات هنالك وعرة ~~المسالك بعيدة المدارك، كثيرة الهبوط والصعود، والتهائم والنجود، والغبار ~~يكحل بإثمدة الأبصار، فيكاد أن يفقدها حاسة الإبصار، ويدخل في الخياشيم، ~~فيحول بينها وبين روح النسيم، ويكسو الأجساد ثيابا لم تعن فيها يد خياط، ~~ولم يلج فيها سم الخياط، حتى يدع البياض سوادا، ويدر على الملونات من قتامة ~~رمادا، فلم نزل نحث مطايا السير والسرى، ونريق من كاسات العيون طلا الكرى، ~~ونحن كما قال بديع الزمان، وعلامة همدان: # كأنا على أرجوحة في مسيرنا ... لغور بنا تهوي ونجد بنا تعلو # كأن السرى ms046 ساق كأن الكرى طلا ... كأنا لها شرب كأن المنى نقل # كأنا جياع والمطي لنا فم ... كأن الفلا زاد كأن السرى أكل # كأن ينابيع الثرى ثدي مرضع ... وفي حجرها مني ومن ناقتي طفل # حتى وصلنا إلى مدينة ينكي شهر، يوم الثلاثاء خامس عشرين الشهر، وهي بلدة ~~نضيرة لطيفة صغيرة، جميلة المنظر، جليلة المخبر، ذات أسواق موفورة، ومساجد ~~معمورة، وخارجها نهر كبير، ذو ماء كثير، عذب زلال نمير، خضناه وقطعناه، ~~وركبناه وما رهبناه، واستصحبناه وما استصعبناه، وهو يلتوي تحتنا PageV01P109 ~~التواء الصلال، وينسل في تلك الأراضي أي انسلال، ويدور بجوانبها دور ~~الهلال، ويتراءى بين الشقائق كأنه العذار في الخد الوسيم، ويلبس درعا محكمة ~~الزرد من نسج النسيم، كما قيل: # حاكت الريح على الماء زرد ... أي درع لقتال لو جمد # فنزلنا بها بعمارة عتيقة، محكمة وثيقة، حسنة أنيقة، وكنا قد سبقنا القوم ~~في ذلك اليوم، ثم سرنا (إلى أن نزلنا) بمرج فسيح الأرجاء، واسع الفضاء، ذو ~~مرعى غزير، وربيع كثير، ونهر كبير: # وقد غشى النبت بطحاءه ... كبدو العذار بخد أسيل # وقد ولت الشمس مجتثة ... إلى الغرب ترنو بطرف كحيل # كأن سناها على نهره ... بقايا نجيع بسيف صقيل # وبتنا هناك مجاورين لذلك النهر، ليلة الأربعاء سادس عشرين الشهر، ثم رحلنا PageV01P110 ~~منه عندما نصل خضاب الليل، وشمر زنجيه للهرب من رومي الصباح الذيل، ولمع ~~صارم الفجر من الشرق كلمعان البرق، وسرنا في دروب محجرة، ودربندات مضجرة، ~~وشعراء بالخوف مشعرة، وأرض خالية من الأنيس مقفرة، ومسالك عسرة وعرة، إلى ~~عقبة ينخفض عنها طرف العقاب، ويعسكر دونها جيش السحاب، بها أشجار لا تعد ~~ولا تحصى، ولا يدرك الأدنى منها والأقصى، فلم نزل نجوب كل مسلك وطريق، تارة ~~في السعة وتارة في الضيق، إلى أن وصلنا وقت الضحى الأنيق، عند تعالي وجه ~~الشمس الشريق، من يوم الأربعاء إلى مدينة أزنيق، وهي مدينة عظيمة المنظر ~~حسنة المخبر، ممتعة بالروض الناعم والنسيم الأعطر، من أحسن البلاد الرومية ~~أزقة وأسواقا، وأكثرها فوائد وأرزاقا، وأوضحها بياضا وإشراقا، وأبدعها ~~اتصالا بالبساتين والتصاقا، وأملحها مرسى، ms047 وأمنحها أنسا، وأينعها روضا، ~~وأترعها حوضا، معتدلة الهواء، سامية البناء، واسعة الفناء، ساكنة المساكن، ~~مكينة الأماكن، لائحة المباهج، واضحة المناهج، صافية الزلال، ضافية الظلال، ~~معشبة الشعاب، عامرة الجناب، مرنة الرباب، هامرة السحاب، سابغة المدارع، ~~سائغة المشارع، سافرة المطالع، وافرة الصنائع، # وهي مخصوصة بعمل الصيني الرومي وبه تعرف، وهو ألطف من معمول الصين وأظرف، ~~وبها فاكهة كثيرة حسنة، وقد رأينا بها قراصيا ملونة ما بين بيضاء وشقراء PageV01P111 ~~وسوداء وحمراء، وبخارجها بحرة كبيرة، وبها أسماك كثيرة، وقد جست خلال هذه ~~المدينة، وجزت في أماكنها المكينة، ورأيت العجب من محاسنها الجمة ~~المستبينة، فدخلت بها جنة حفت من طرقها بالمكاره، وعقيلة عقلت قلب الطائع ~~والكاره، ثم نزلنا بظاهرها على نحو نصف ميل، بمرج أريج وظل ظليل، قد نسجت ~~به يد السحب بسطا عجيبة التلوين، غريبة التكوين، نقوشها تفوق الحبر، ويكاد ~~يضاهي الزهر ما فيها من الزهر، فيا له من بلد ومنزل عزيز، بديع التفويف ~~والتطريف والتطريز: # كل المنازل والبلاد عزيزة ... عندي ولا كمنازلي وبلادي # فأقمنا هناك إلى وقت الظهيرة، حين قبض النهار ظله وبسط حروره (وهجر برده ~~وواصل هجيره)، ثم قطعنا مرحلة قصيرة بين أشجار كثيرة ومياه غزيرة، وبتنا ~~بساحة واد حللنا به، بين ظفر التوحش ونابه، لا تعرف جنوبنا من المضاجع ~~قرارا، ولا تطعم عيوننا النوم إلا غرارا، إلى أن قضي الليل نحبه، وغور ~~الصبح شهبه، ففوقنا سهام العزم، وأطرنا عن زنده شرار الحزم، وسرنا في دروب ~~ضيقة المناهج، ودربندات وعرة المدارج، ومفاوز ومهالك ومسالك يضل فيها ~~السالك: # ومهامة كالبحر لا أثر ... للمقتفي فيها ولا سنن # لو سار فيها النجم ضل بها ... حيران لا شام ولا يمن PageV01P112 ~~تضيق من رؤيتها الصدور، وتنفر من وحشتها النفوس غاية النفور، كثيرة ~~الأشجار، وغالبها لا ثمار له ولا أزهار، وهناك مكان يعرف باغش تنكز ومعناه ~~بحر الشجر، لا يصدق وصفه عقل ويكفي شاهد البصر، وقلت: # عهدنا البحر من ماء ... ولم نعهده من شجر # وليس العقل يقبل ذا ... ك ويكفي شاهد البصر # شهدنا فيه أمواجا ... من البلوط والشمر ms048 # ومن أثل ومن ضال ... ومن أرز بلا ثمر # وأجودها إذا اعتبرت ... بلا نفع ولا ضرر # به سفن ركبناها ... لنقضي نهمة السفر # من الخيل السوابح فيه ... بالآصال والبكر # تسير بها مجاديف ... القوائم سرعة البصر # سنابكها لها شرر ... كقدح الزند بالحجر # إذا أدجت بعثيرها ... أعاضت عن سنا القمر PageV01P113 ~~فلم نزل نغوص في عبابه، ونرقى على ثبجه رقى حبابه، ونخلط بدك الحوافر ~~جنادله بترابه، هذا وحكم الحر لم ينسخ، وإهابه لم يسلخ، والريح تهب سموما، ~~وتهدي إلى القلوب سموما، والغبار متراكم متراكب، تكاد أن لا تبين معه الشمس ~~فكيف الكواكب، مع أن الشمس ليس لها في ذلك المحل مواكب، ولا محامل ولا ~~مراكب، ولا تبلغ من تلك الأشجار إلا رؤوس المناكب، ولا تنسج عليها إلا ~~كنسيج العناكب، فما قطعناه إلا بعد جهد جهيد، وتعب شديد، وعناء ما عليه من ~~مزيد، ثم لم نزل نقطع مسالك ضيقة ومتسعة، ومناهج منخفضة ومرتفعة، نصعد على ~~التهائم ونغور في النجود، ونسلك كل مسلك لم يكن بالمعمور ولا بالمعهود، ولا ~~كان مسلكا إلا للذئاب واللصوص والأسود، إلى أن وصلنا ضحوة يوم الجمعة ~~المشهود، إلى بلدة أزنكميد ويقال لها أزنكمود، ثم نزلنا خارجها بنحو نصف ~~ميل لكي نستريح ونقيل، ونخفف عنا ذلك العبء الثقيل، بمكان خضر الأرجاء ~~والنواحي، بهج المرابع والضواحي، وفيه ماء جار، وأشجار جوز كبار، فقوي فيه ~~الحر واشتد، واحتدم واحتد، واعتدى واعتد، وتمادى وامتد، وتنفست في ذلك # المكان الجحيم، وصار الماء أبرد منه ماء الحمام كأنما سيق من الحميم. # فبينما الناس في التهاف والتهاب، واضطرام واضطراب، وغرق من العرق، وحرق ~~من الحرق، وقد تستروا بظل فروع الأشجار والورق، واتخذوا أغصانها من سهام ~~الشمس درق، وإذا بالحمزاوي قد عزم على الرحيل والمسير، فضج من ذلك الصغير ~~والكبير، واستنجد بي بعضهم في التواني قليلا والتأخير، لتنكسر سورة ذلك ~~السعير، وكنت قد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في المنام قبل ذلك ~~الوقت بيسير، فقلت PageV01P114 ~~لهم: لا خوف إن شاء الله تعالى ولا حذر، ولا ضر ولا ضرار ms049 ولا ضرر، فإن ~~النبي صلى الله عليه وسلم مصاحب لنا في السفر، فلما سرنا هبت الرياح، ~~فتنفست من تلك الكرب الأرواح، وعاودها الروح والارتياح، وكان هبوبها من ~~طلائع الرحمة، ومقدمات كشف الغمة، ثم أبرقت السماء فسلت مذهب نصولها، ورعدت ~~فضربت مبشر طبولها، وجعل السحاب يعبىء كتائبه، والرباب يرتب مواكبه، ثم ~~ترادف البرق والرعد، وأنجز بالإغاثة بالغيث الوعد، ثم صوب صوب الغمام ~~سهامه، ثم لبس الجو لحرب المحل لأمه، فلم يبق قطر إلا وقد نفذت فيه تلك ~~السهام، ولا أفق إلا وقد علاه من خيوط الودق مثل القتام، ثم تتابع رشق ~~القطر، واتصل الهمل والهمر، وسالت الأودية كالأنهار، وجرت السيول تحت ~~أرجلنا متواترة التيار، وانشقت السماء بصاعقة، لم تزل القلوب منها وجلة ~~خافقة، وسقطت في البحر كالشهاب في سرعة مروق النشاب، ثم لم تلبث السماء أن ~~أقلعت، والأرض أن شربت ماءها وبلعت، والسحب أن تكشفت وتقشعت، وعاد الفصل ~~إلى طبعه، ورجع الوقت إلى وضعه، وكان النهار قد عزم على الرحيل، ورفل في ~~برد الأصيل: # وبدا لنا ترس من الذهب الذي ... لم ينتزع من معدن يتعمل # مرآة تبر لم تشن بصياغة ... كلا ولا جليت بكف الصيقل PageV01P115 ~~تسمو إلى كبد السماء كأنما ... تبغي هناك دفاع خطب معضل # حتى إذا بلغت إلى حيث انتهت ... وقفت كوقفة سائل عن منزل # ثم انثنت تبغي الحدور كأنها ... طير أشف مخافة من أجدل # فوصلنا حينئذ إلى خان وسيع، في مرج وربيع، وعشب مخصب مريع، وعيون جارية، ~~وبالقرب منه أطلال بالية، وعروش خالية، وآثار أسوار عالية، وقصور مستهدمة، ~~تدل على أنها كانت مدينة معظمة، فنزلنا هناك ولم يحصل بحمد الله من ذلك ~~المطر كبير ضرر، ولا عظيم أثر، بل خفف حر القلوب، وأزال تلك الكروب، ولبد ~~المسالك والفجاج، من التراب الثائر والعجاج، فبتنا بذلك المحل بعد أن ~~تفقدنا الأحمال، وأصلحنا الأحوال وذلك ليلة السبت تاسع عشرين شوال، فلما ~~تفرى عن وجنة الأفق عذار الغيهب، وتتوج كسرى المشرق بالتاج المذهب، عزمنا ~~على الترحال وشددنا على الدواب الأحمال، ثم سرنا فوصلنا ms050 إلى بلدة كثكثيبزه ~~وقت الزوال، وقد بلغت الشمس من مرتقاها درجة الكمال، واستقامت مقيمة ميزان ~~الاعتدال، وهي بلدة عامرة ذات خيرات غامرة ونعم ظاهرة (وأمم متكاثرة)، وبها ~~أسواق متسعة، وعمارة تقام فيها الجمعة، عظيمة الآثار مزدهاة، عديمة الأنظار ~~والأشباه، منسوبة لمصطفى باشا الوزير رحمه الله، وبظاهرها مرج أفيح، للناظر ~~فيه مسرح، وللخاطر مسنح ومشرح: # ولقد نزلت به وكف ربيعه ... في نسج حلة نوره يتأنق PageV01P116 ~~وشذا خيوط المزن يرسلها الحيا ... إبرا وأكمام النبات تفتق # فأقمنا بذلك البلد بقية اليوم ثم ليلة الأحد، فلما أسفر نهاره، وحمدت ~~آثاره وتكلم عصفوره وترنم هزاره، وفاخر شيحه بعرفه عراره، حييناه بصلاة ~~الصبح، وأملنا من الله الصلاح والنجح، وفارقناه غير مذمم، ويممنا إن شاء ~~الله تعالى خير ميمم، وما زلنا ذلك النهار نساير السبيل حيث سار، ونأخذ ~~تارة اليمين وتارة اليسار، بين # جنات معروشات وغير معروشات، وأراض موشات بالربيع منقوشات، وبطاح وأدواح، ~~ومروج فساح، وانبساط وانشراح، وبسيط له اتساع وانفساح، ومياه لها على درر ~~الحصباء انسحاب وانسياح، وروضات يعترى ويعترض إليها اهتزاز وارتياح، ووجنات ~~جنات ريقها ندا وثغورها أقاح: # وأرض من الحصباء بيضاء قد جرت ... جداول ماء فوقها تتفجر # كما سبحت تبغي النجاة أراقم ... على روضة فيها الأقاح منور # إلى أن تداعى بنيان النهار في الانهيار، فوافتنا الرحمة من سائر الأقطار، ~~بوافر الغيث ومديد الأمطار، فاستبشرنا وحق لنا الاستبشار ودخلنا حينئذ ~~مدينة أسكودار، وداعي الفلاح يدعو إلى الصلاة الوسطى، فازداد القلب بذلك سرورا PageV01P117 ~~وبسطا، وأجبناه بصلاتها من غير توان ولا إبطاء، وأسكودار بلدة لطيفة حسنة ~~ظريفة فسيحة الأرجاء، صحيحة الهواء، ضوؤها صقيل، ومجتلاها جميل، ونسيمها ~~أرج النشر عليل، يمتد أمامها بسيط أنضر، وبساط أخضر، قد أجرى الله فيه ~~مذانب الماء تسقيه وتحتف بها بساتين ملتفة الأشجار يانعة الثمار، والبحر ~~الأعظم القسطنطيني ينساب بين يديها، وينعطف عليها، ويحنو إليها، ويعنو ~~خاضعا لديها، وبها مساجد وضية وعمارات فضية وأسواق حسنة وخانات مستحسنة، ~~ومنها يركب في المعدية إلى المدينة العظمى القسطنطينية، فعدى الحمزاوي ~~بالخزانة ومن معه من القوم بعد ms051 العصر من ذلك اليوم، واستخرت الله تعالى في ~~الإقامة بها بقية اليوم، وهو يوم الأحد ثم من تلك الليلة إلى الغد، فنزلت ~~بمن معي بعمارة هناك على الساحل، وأرحنا الأبدان والرواحل، فتلقانا خادمها ~~بالتأهيل والترحيب، وأنزلنا في مكان بها متسع رحيب، فلما أسفر وجه الصباح ~~وحيعل داعي الفلاح واستنار وجه المحجة بعدما كان بسواد الليل منتقبا، ~~وابتهجت الأنفس بقدوم فجر كان مرتقبا، وتخلق الكون بردع الشمس، وحمد ظهورها ~~في ذلك اليوم كما حمد # بالأمس، ورد علينا مشرف شريف، وكتاب عال منيف، من مولانا وسيدنا المقر ~~الكريم الإمام العلامة شيخ المسلمين السيد عبد الرحيم، مضمونة الاعتذار عن ~~عدم تلقيه بحمى شديدة بنافض تعتريه، وأنه هيأ لنا منزلا، ولكن ننزل في عمارة PageV01P118 ~~السلطان محمد أولا، حتى يجتمع بالوزير مولانا إياس باشا، ثم يستأذنه في ~~النزول بذلك المكان أو حيث ما شاء، وصدر الرسالة بقوله الحمد لله وهو على ~~جمعهم إذ يشاء قدير: # وقد يجمع الله الشتيتين بعدما ... يظنان كل الظن أن لا تلاقيا # مرحبا بالحبيب ابن الحبيب السيد ابن السيد الحبر الأريب، ذي المجد ~~والمفاخر المأثورة، والجد والمناقب المشهورة، إمام المؤمنين وشيخ المسلمين: # قدمت خير مقدم تحمده ... ويمن طالع كذا تشهده # يا خير من خلف عن خير خلف ... ما زلت تحيى ما حيا سحب درف # قرت ببقياك عيون البشر ... كما لها درت عيون البشر # زينك الإله ذو الجلال ... بحلية الجمال والكمال # ليس يرى لمجدك انصرام ... ما كرت الشهور والأعوام # ففعلنا كما أشار، وصعدنا المعدية عصر ذلك النهار، وهو يوم الاثنين مستهل ~~شهر ذي القعدة، تفاؤلا بأن الحظ قد أبرز سعده، والسعد قد أنجز وعده، وأن ~~الوقت لنا إن شاء الله تعالى في إقبال، ونجاح سعي وبلوغ آمال، فلما ارتقينا ~~من ذروتها أعلاها، PageV01P119 ~~قلنا لأصحابنا (اركبوا فيها بسم الله مجراها ومرساها)، ثم أرخي شراعها، ~~ورفعت مرساها، وسارت بنا في ذلك البحر العباب، تحسبها جامدة وهي تمر مر ~~السحاب، وتمثلت بما قال بعض أهل الآداب: # تأمل حالنا والجو طلق ... محياه وقد طفل المساء # وقد ms052 جالت بنا عذراء حبلى ... يجاذب مرطها ريح رخاء # ببحر كالسجنجل في صفاء ... تعاين وجهها فيه السماء ### | AUTO القسطنطينية # ولم نزل نسير ونحن جلوس، وهي تتبختر بنا تبختر العروس، وتجول بنا خلال ~~ذلك البحر وتجوس، تارة بإبطاء وطورا بإسراع، وحينا بمجاديف وآونة بأشراع، ~~وذلك البحر قد راق نعتا، ورق وصفا، والأمواج به تعطف صفا وتنقصف قصفا، ~~وتأتي خاضعة إلى البر فتقبل منه كفا وتتيه آونة فتنعطف عنه عطفا وتثنى عن ~~الإلمام به عطفا، وتستحي تارة فتبدي له تملقا ولطفا، إلى أن أرسينا بمرسى ~~قسطنطينية العظمى، ذات المحل الأسمى والحمى الأحمى، فتلقانا الأمين سنان ~~جلبي أمين الصقالة، وعظمنا وأجلنا غاية العظمة والجلالة، وأحلنا منزلته ~~وحلاله، وكان مولانا السيد أسبغ الله ظلاله، وختم بالصالحات أعماله، قد أرسل PageV01P120 ~~إليه بسببنا رسالة، وأزاح عنه بمعرفتنا الجهالة، فحييناه بالتحية والسلام، ~~ودخلنا المدينة بسلام، وذلك حين نشر الأصيل رداءه المذهب، وتقوضت خيام ~~الضياء ومدت سرادقات الغيهب: # والشمس تنفض زعفرانا في الربا ... وتمد فوق الماء سيفا مذهبا # ومعلوم أن هذه المدينة دار الطمأنينة وقاعدة الروم وأم المدائن ومقر ~~الملك، ومركز دوران الفلك، ومحط الرحال، ومآل الترحال، ومعدن الفخار، وموطن ~~الرؤساء والكبار، ومنبع الإقبال، ومربع الآمال، ومنتهى المقاصد والمطالب، ~~ومشتهى القاصد والطالب، ومظهر شموس السعادة، ومقر جيوش السيادة، آيات ~~محاسنها لم تزل بألسن السمار متلوة، وعرائس بدائعها لم تبرح على أعين ~~النظار مجلوة، من أجل ما فتح من البلاد، وأعظم ما استخلصته يد الصلاح من ~~الفساد، كم خطبها عظيم من ملوك الزمان، وأمهرها مواضي المشرفية وعوالي ~~المران، وهي أشد ما يكون إباء وأقوى ما يمكن منعه واستعصاء إلى أن قصدها من ادخر # له ذلك الفتح في خبر طويل الشرح، وهو المرحوم السعيد الشهيد السلطان محمد ~~خان بن مراد خان، ووالد السلطان بايزيد بوأهم الله غرف الجنان، بمزيد العفو ~~والغفران، وذلك في سنة سبع وخمسين وثمانمائة، فذلت له صعابها، وخضعت لسطوته ~~رقابها، ولان جماحها وتسنى انفتاحها وأعلن فيها بالتهليل والتكبير، وصرح ~~فيها بالصلاة على البشير النذير، وقامت بها قامات المنائر، ms053 وارتفعت فيها ~~درجات المنابر، وأخرست PageV01P121 ~~النواقيس، ونطق بالتأذين على رغم إبليس، وخطت بها المساجد والمدارس، وعمرت ~~بأوقات الخيرات بعدما كانت دوارس، ونصب الدين المحمدي خيامه، ورفع الشرع ~~الأحمدي على قللها أعلامه، وبدلت من الإنجيل بالقرآن، وعوضت من الرهبان ~~بعلماء الايمان، فأصبحت شموس الدين بآفاقها مشرقة، وسحب اليقين بجنباتها ~~مغدقة. وبها من الأئمة الأعلام، وعلماء الإسلام، من العرب والعجم والأروام، ~~ما يتجمل به الزمان، ويفتخر به العصر والأوان. ومن الجنود الوافرة والأمم ~~المتكاثرة ما يعز به الدين ويذل به الطغاة المعتدين والبغاة المفسدين، ~~وسنذكر فيما بعد إن شاء الله تعالى بعض من اجتمع بنا من أعيانها وأهليها ~~وقطانها. وبها من المساجد والجوامع، التي هي لأنواع الخيرات جوامع، ما تقر ~~به أعين الموحدين، وتزداد به عبادة المتعبدين، ومن العمارات العظيمة ذات ~~الصدقات الجسيمة والمبرات العميمة ما هو جار أجره إلى يوم الدين، ويشهد ~~لفاعله أنه من المحسنين المهتدين. ومن أجلها المساجد الإحدى عشرة الفائقة ~~المتقاربة المتلاصقة، البديعة الحسنة الرائقة، المنسوبة إلى السلطان محمد ~~المشار اليه، أسبغ الله تعالى ملابس رحمته ورضوانه عليه، وهي المدارس ~~الثمانية اللاتي مدرسوها أعظم مدرسي الروم، ولكل منهم أجزل أجر وأجل معلوم، ~~والتاسعة العمارة التي يطعم بها الفقهاء والمتفقهون، ويحلها وينزل بها ~~المقيمون والقاطنون، والمسافرون والظاعنون، وتجري عليهم الأطعمة صباحا # ومساء، ويعم خيرها من لا يحصى رجالا ونساء، والعاشرة الجامع المعظم ~~السامي الرفعة، المتسع الرقعة، التي تقال فيه الخطبة، وتقام فيه الجمعة، ~~ويجرى في هذه الأماكن من الخيرات ما لا يمكن حده، ولا يحصر عده، والحادية ~~عشرة المارستان وهو مدرسة على كيفية PageV01P122 ~~العمارة. وبها امام مراتب وبجوانبها الحجرات المتعلقة بالمرضى، وهو من أعجب ~~الأشياء لا يرى أحسن منه بناء، ولا أبدع إنشاء، ولا أكمل انتهاء في الحسن ~~وانتماء، ولا أكثر خيرا، ولا أحسن شربا وميرا، وفيه من قناطير الأشربة ~~والأكحال الرفيعة المطيبة، والأدوية الحسنة المعجبة، وسائر المعاجين ~~المعمولة على القواعد الطبية والقوانين إلى ما يضاف إلى ذلك من لحوم الطيور ~~والأغنام على اختلافها وتباين أصنافها، مع ما يحتاج ms054 إليه كل واحد ممن ~~يوافيه ويحل فيه من غطاء ووطاء، ومشموم ومدرور وشبه ذلك على ما هو معد على ~~أكمله هنالك، وقد رتب على ذلك كله من الأطباء الماهرين والشهود المبرزين ~~والنظار العارفين والخدام المتصرفين كل ماهر في معالجته، موثوق بعدالته، ~~مسلم إليه في معرفته، غير مقصر في تصرفه وخدمته، ويحصل منه كل يوم من ~~التفرقة على الصادرين والواردين ما لا يدخل تحت ضبط حيسوب، ولا يحيط به ~~دفتر ولا مكتوب، وفي مبانيه الرائقة، وصناعاته الفائقة، وطرره الرهيبة ~~ونقوشه العجيبة المنتخبة التي ترفل في ملابس الإعجاب، وتسحر العقول ~~والألباب، ما يفتن النفوس، ويكشف البدور والشموس، ويعجز عن وصفها خطات ~~الأقلام في ساحة الطروس. # وأما مسجدها الأعظم أيا صوفيا الذي كان كنيستها العظمى فهو من أعظم ~~معاهدها وأجل مشاهدها، يحار النظر فيه، وينحسر دون تصور قوادمه وخوافيه، ذو ~~أبنية غريبة جميلة، وأعمدة عجيبة جليلة، وقبة عظيمة محيرة للعقل في التربيع ~~والتسديس والتثمين والتدوير والتقويس، فكم من بناء داخل بناء وقوس داخل آخر، # وكم من إحكام وضع، وتحديق صنع، كاثر بذلك بها إرم ذات العماد PageV01P123 ~~وفاخر، فلا يحيط به نظر ولا تفكر، ولا يحكيه عقل ولا تصور: # تجاوز حد الوهم واللحظ والمنى ... وأعشى الحجى لألاؤه المتضاوي # فتنعكس الأفكار وهي حواسر ... وتنقلب الأبصار وهي خواسي # وقد كان بها صور أجسام عجيبة الأشكال والأجرام، وقد طمس أكثرها وبقي ~~أثرها، وبها مسجد آخر كان كنيسة أخرى يقال له أيا صوفيا الصغرى ذو أبنية ~~غريبة وأشكال عجيبة، ولكن ليس كالذي سبق ولا يقاربه ولا يناظره في جلالته ~~ولا يناسبه، فما كل صهباء خمرة، ولا كل حمراء جمرة، ولا كل سوداء تمرة: # وما كل دار آنست دارة الحما ... ولا كل بيضاء الترائب زينب # وبها من المباني الهائلة، والأسواق الحافلة، والمرابع الرائعة، والمصانع ~~الناصعة، والقصور الشاهقة، والمساكن الرائقة، والمسالك المتسعة، والربوع ~~المبدعة، والمرامي العالية والمراقي السامية، ما تحار فيه الأوهام، وتكل ~~دون وصفه الأقلام: # هي القصور البيض لا ما حدثوا ... هي القصور البيض لا ما حدثوا PageV01P124 ~~تختطف الأبصار ms055 من لألائها ... تختطف الأبصار من لألائها # وبها من المفترجات الظريفة، والمنتزهات اللطيفة، والرياض النضرة، والمروج ~~الخضرة، والأزهار الزاهرة، والأشجار الباهرة، ما هو نزهة النفوس، ومسرة ~~العبوس، وبهجة الخواطر، وقرة النواظر، ومن محاسنها أيضا أن بكل بيت منها ~~روضا وبئرا يفيض منها الماء فيضا: # فالجو رقراق الشعاع مفوف ... والماء فياض الآتي معسجد # والروض في حلى الربيع كأنما ... نطف الغمائم لؤلؤ وزبرجد # وبها من الآثار القديمة، والأعمدة العظيمة، والمعالم الجسيمة، والمراسم ~~المقيمة، ما # يذهل الألباب، ويستولي عليها منه العجب العجاب. # فلما دخلناها في الوقت المذكور، وركنا إلى الاكتنان والوكور، نزلنا أولا ~~كما أشار مولانا السيد في عمارة المرحوم السلطان محمد، شمله الله تعالى ~~برحمته وتغمد، فشاهدنا منها أعظم مشهد وأكرم معبد ومعهد، وخيرات تدل على ~~رحمة منشئها وتشهد، وحضر خادم المكان فتفقد مصالحنا وتعهد، وأخلى لنا مكانا ~~متسعا فضيا وأفرد، وفرش لنا فرشا موطا موطد، وبتنا هناك بأنعم ليلة وأسعد، ~~على مهاد وطى ووطاء ممهد، غير أن لواعج الأشواق لا تهمد، ونيران الفراق لا ~~تنطفئ ولا تخمد، بل تتزايد ضراما وتتوقد، وتتأطد وتتأكد، وكلما جمعنا شمل ~~النوم تبدد، أو PageV01P125 ~~عقلنا ناده تفلت وتشرد، والقلب كلما آلمه القلق رفع عقيرته وأنشد: # هل إلى أن تنام عيني سبيل ... إن عهدي بالنوم عهد طويل # وقد توارد على القلب تقلقان، أنتجهما تحرقان، وأوجبهما تشوقان، أحدهما ~~إلى الأهل والأولاد والأوطان، والثاني إلى مشاهدة مالك الروح والجنان ~~والفؤاد السيد الكريم عبد الرحيم، والثاني أغلب وللأرق أجلب وللب أسلب، إذ ~~لا يقاس الشاهد بالغائب، ولا يلتحق أفراد الجمع بقوة الواحد، ولا الداني ~~الدار بالبعيد المزار: # وأبرح ما يكون الشوق يوما ... إذا دنت الخيام من الخيام # وقد طال ذلك الليل مع قصره وعسعس، وسألته عن صبحه فقال لو كان حيا لتنفس، ~~كما قال المنشد وهو ابن منقذ رحمه الله تعالى: # ولرب ليل تاه فيه نجمه ... قضيته سهرا فطال وعسعسا # وسألته عن صبحه فأجابني ... لو كان في قيد الحياة تنفسا PageV01P126 ~~فلما تنفس الصباح بعد ما أيسناه، وتحققنا أنه في قيد الحياة، ms056 وأظهر نوره في ~~الآفاق وسناه، وانجاب طيلسان الليل، وشمر للفرار من النهار الذيل، وستر ~~كافور الفجر مسك الغياهب، وظهرت الشمس المنيرة على الأنجم الثواقب، قصدت منزل # مولانا المشار إليه، للسلام عليه والمثول بين يديه، فوجدته قد جد به ذلك ~~المرض، وأثر في جسمه بعد ذلك الجوهر العرض، وأثقله حمل عبئه وبهض، فلما ~~رآني اجتهد في القيام ونهض، فتلاقينا بالتقبيل والعناق، وتهادينا تحف ~~الأشواق، وتشاكينا روعة الفراق، وحن كل منا حنين المغرم المشتاق، وحمدنا ~~الله تعالى على ما من به من التلاق، وتسابقت شهب الدموع من الآماق، وتراكضت ~~جارية في جوانب الأحداق، وتراكمت من العيون سحبها، وقضى من النحيب نحبها، ~~وأنشدت لبعضهم: # ولما وقفنا للسلام تبادرت ... دموعي إلى أن كدت بالدمع أغرق # فقلت لعيني هل مع الوصل عبرة ... فقالت ألسنا بعده نتفرق # ولبعضهم: # ووقفت بين تأمل وتململ ... يبدو السرور على فؤادي الجازع # حيران لا أدري لقرب رائق ... أذري المدامع أم لبعد رائع PageV01P127 ~~ثم جدد البكاء بالانتحاب الزائد، لفراق شيخ الإسلام الوالد، فحرك لواعج ~~أحزان لم تفتر ولم تهمد، وأضرم نيران أشجان لم تنطف ولم تخمد، فأخذ كل منا ~~من ذلك حظه وبلغ منه نصيبه، واسترجعنا وحوقلنا من تلك المصيبة، وتوجعنا ~~وتألمنا من رشق سهامها المصيبة، ثم أخذنا نجول في ميادين مذاكرة، ونخوض في ~~بحار محاورة، ونستخرج كمائن محادثة، ونستفتح خزائن منافثه، ونجتلي أبكار ~~أفكار، ونجتذب أهداب آداب، ونقيد شوارد فوائد وأوابد فرائد، فمضى لنا من ~~ذلك يوم: # أشف من الليالي في صفاء ... وأحلى من معاطاة الكؤوس # فلما استوت شمس ذلك اليوم، ومالت الرؤوس وقت القيلولة للنوم، خرجنا من ~~عنده للسلام على صاحبنا وصديقنا وحبيبنا الشيخ الأوحد والإمام الأمجد ملا ~~حاجي جلبي عبد الرحيم بن علي بن المؤيد، هو صدر من صدور أئمة الدين، # وكبير من كبراء الأولياء المهتدين، وقدوة في أفراد العلماء الزاهدين، ~~حامل لواء المعارف، ومحرز التالد منها والطارف، محافظ على الكتاب والسنة، ~~قائم بأداء الفرض والسنة، حامل لأعباء صلاح الأمة، باسط للضعفاء وذوي ~~الحاجات جناح الرأفة والرحمة، ذو أوراد ms057 وأذكار يعمر بها مجالسه، وأحوال ~~وأسرار يغمر بها مجالسه، وجد في العبادة، وجهد في الزهادة، ومواظبة صيام، ~~وملازمة قيام: PageV01P128 # يقضى بنفع الناس سائر يومه ... ويجفوه في جنح الظلام مضاجع # فينفك عنه يومه وهو ذاكر ... وينفك عنه ليله وهو راكع # فبادرته بالسلام عليه والذهاب إليه لعلمي بأنه ضعيف البنية، قديم السن ~~عسر المشية، فقابلني بالرحب والترحيب، وعانقني معانقة الحبيب الحبيب، وترحم ~~على شيخ الإسلام وبالغ في الثناء وابتهل في الدعاء، ولم يدع شيئا من أنواع ~~الإكرام وأصناف الاحترام وأجناس التلطف في الكلام، فلم أر أحسن من لقائه، ~~ولا أزين من ولائه، ولا أجلى من محادثته، ولا أحلى من منافثته، فلم أدر ~~أأرد أم أرود، وافد على مجالس جود أو مجال سجود، وقد كان هو اجتمع بشيخ ~~الإسلام في بلاد الشام حين قدمها قافلا من الحجاز، وفاز بمشاهدته كل مفاز، ~~فأكرمه وواخاه وخالله ووالاه، وشهد كل منهما في الآخر أنه ولي الله، فلبثنا ~~عنده وقتا نجوب في أرجاء المؤانسة ونجول، ثم ودعناه ومضينا إلى محل النزول، ~~وأرسل هو خلف شخص من أكابر الروم، ليعلم صاحبنا الوزير بالقدوم، فأعاد ~~الجواب بأنه فرح بذلك وسر به، وابتهج غاية الابتهاج بسببه، وأن ميعاد ~~الاجتماع به يوم الجمعة بكرة أو يوم الخميس عشية لتنقضي ضيافة السلطان بسبب ~~مهم ختان أولاده للأمراء والينكجرية، وهذا المشار إليه هو الهمام المرتضى ~~والحسام المنتضى، حسنة الأيام وغيث الأنام، غمام الندا الهاطل، وحمام العدا ~~العاجل، ناظم شمل الفريق، وفاتح باب الأزمة والضيق، جامع أشتات المعالي ~~ومحرز شرط الكمال، # فلم يصلح إلا له المقر الكريم العالي الأميري الكبير الوزير المشير ~~العالم العادل الفاضل الكامل الممهدي PageV01P129 ~~المشيدي الذخري العضدي، زعيم جيوش الموحدين، عاضد الغزاة والمجاهدين، آصف ~~الدهر وفريد العصر ووجيد المصر وفخر القطر، وسم العداة وآفة الجزر، ومالك ~~بيض الطروس وسمر السطور بالبيض والسمر، عين الوزراء العظام، ورأس الأمراء ~~الفخام، وأشدهم بأسا وأقواهم جأشا، مولانا الوزير المعظم والمشير المفخم ~~إياس باشا: # ذو عزمة كالتماع البرق واقدة ... تجىء من نصره بالعارض الهطل # لولا السعود ms058 التي نيطت بهمته ... لكنت أنسبها بعدا إلى زحل # أدام الله سعده، وحرس بعين العناية مجده، ما دارت الأفلاك وسبحت الأملاك، ~~وهو ممن له محبة واعتقاد تام، في سيدي الوالد شيخ الإسلام، وقد حضر إلى عند ~~الوالد حين كان بكلربكي بالشام متخشعا متواضعا طالبا للبركة والدعاء، راغبا ~~في اللحظ والإمداد، ملتمسا للصحبة والوداد، ولم تزل الصحبة بيننا وبينه من ~~ذلك الزمان، والمكاتبات تتردد بيننا وبينه في كل حين وأوان، فوفينا له بما ~~وعد به وشرطه، PageV01P130 ~~واجتمعنا به بكرة الجمعة في بستانه بر الغلطة، فحصل منه غاية التعظيم، ~~ونهاية التبجيل والتكريم، وتلقاني إلى خارج الدار، وهو مظهر للسرور ~~والاستبشار، فبادر كل منا لصاحبه وسابق، وصافح واستلم والتزم وعانق، وحيا ~~بأطيب السلام، ووانس بأعذب الكلام، وسألني عن جماعة من أهل الشام، وترحم ~~وترضى على سيدي شيخ الإسلام، وتألم لفراقه وتوجع وحوقل لتلك المصيبة ~~واسترجع ثم قال: هو باق وسره ما فات، فإن من خلف مثلك ما مات، فإنك نعم ~~الخلف، كما كان رحمه الله نعم السلف، ونعتني بالعلم والفضل التام، وشهرني ~~بذلك عند الخاص والعام، وسألني ابتداء منه فيما لنا من الحاجات والأشغال، ~~لتقضى بإذن الله تعالى على أكمل الأحوال، والله تعالى هو المأمول، في ~~المقاصد # كلها والمسؤول، في قضاء الحاجات جلها وقلها، وسألني عن محل النزول فقلت ~~له الآن في عمارة السلطان محمد ويريد مولانا السيد أن ينزلنا عنده؛ فقد ~~أخلى لنا مكانا حسنا وأفرد، فقال: تقدمنا السيد وسبق، وإلا فنحن كنا بذلك ~~أحق. وحصل منه من التواضع والرقة ما لا يعبر عنه ولم يصدر في حق أحد غيرنا ~~منه ولله تعالى الحمد أهل الثناء والمجد، ثم اجتمعت به ببيته بالمدينة ثاني ~~مرة، فبالغ في الإكرام والمبرة، وأظهر غاية البشر والمسرة، وأهديت له ~~مهاداة الأحباب، مصحفا معظما بخط ابن البواب، وبردة لطيفة، وسبحة بلور ~~ظريفة، فقابل ذلك بالإقبال والقبول والتقبيل، وأنزل منزلة الكثير ذلك النزر ~~القليل، وقرأ في المصحف في أماكن عدة، ثم قرأ بعض أبيات من البردة، وسألني ~~عن معناها، فأجبته ms059 بأجوبة ارتضاها، وسألني: هل المعوذتان من القرآن قطعا أو ~~هما من قبيل التعوذ؟ فقلت له: PageV01P131 # هما من القرآن قطعا. وأما ما نقل عن ابن مسعود أنه أسقطهما من مصحفه وأنكر ~~كونهما قرآنا؛ فعنه أجوبة منها أن هذا النقل لم يصح عن ابن مسعود كما قال ~~الفخر الرازي وابن حزم في المحلى وغيرهما، وعليه شيخ الإسلام محيي الدين ~~النووي، ومنها أنه إنما أنكر كتابتهما لا كونهما قرآنا، لأنه كانت السنة ~~عنده أن لا يكتب في المصحف إلا ما أمر النبي صلى الله عليه وسلم بإثباته ~~فيه، ولم يجده كتب ذلك ولا سمعه أمر به، وعليه القاضي أبو بكر وغيره، ~~واستحسنه ابن حجر ورد الجواب الأول بصحة النقل عن ابن مسعود بإسقاطهما من ~~مصحفه من طريق أحمد وابنه وابن حبان والطبراني وغيرهم، ومنها أنه لم يستقر ~~عنده القطع بأنهما من القرآن، ثم حصل الاتفاق بعد ذلك، وحاصله أنهما كانتا ~~متواترتين في عصره، لكنهما لم تتواترا عنده لا أنهما تواترا بعد ذلك، لما ~~يلزم عليه من أن القرآن أو بعضه ليس بمتواتر في الأصل، وهذا الجواب لابن ~~الصباغ وهو حسن. وقال ابن قتيبة في مشكل القرآن: ظن ابن مسعود أن المعوذتين ~~ليستا من القرآن # لأنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم يعوذ بهما الحسن والحسين رضي الله ~~عنهما فأقام على ظنه، ولا نقول إنه أصاب في ذلك وأخطأ المهاجرون والأنصار، ~~ومما يؤيد قوله رواية الدارقطني والبزار عنه أنه كان يحك المعوذتين من ~~المصحف ويقول: إنما أمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يتعوذ بهما فأعجبه ذلك ~~جدا وسألني في كتابته، ثم عن لي كتابة شرح مختصر لطيف على البردة، فكتبته ~~في مدة يسيرة، وسميته الزبدة، وآخر على آية الكرسي محرر مطول، ففرغ في مدة ~~يسيرة وتكمل، وبيضت للوزير نسخة بالأول، ففرح بها غاية الفرح، وسر كثيرا ~~وانشرح، ثم اجتمع به قاضي العسكر قادري جلبي، فكلمه PageV01P132 ~~وأكد عليه بسببي وقال: كل (ما هو) متعلق به فهو متعلق بي، وأمره بالاعتناء ~~بشأني من كل الوجوه، ms060 وقال: ليس لي صديق في الشام إلا هذا الرجل وأبوه، ~~وأمرني بالاجتماع بالقاضي المشار إليه للمعرفة به والسلام عليه، فأكرم غاية ~~الإكرام، وبالغ في التعظيم والاحترام، ووعد بقضاء الأشغال على التمام، وصار ~~بيننا وبينه صحبة ومودة ومحبة، واجتمعت بمولانا الوزير، والمدبر المشير، ~~قسيم المشار إليه، وتاليه وعاضده ومواليه، المقر الكريم العالي المولوي ~~الأمير الكبير الزعيم المشير الذخري العضدي الممهدي الموطدي، فخر الملوك ~~والسلاطين، ذخر الفقراء والمساكين، آصف الزمان وفريد الأوان، ضالة الناشىء ~~الناشد، وبغية القاصي العاضد، وحديقة الرأي الرائد، غيث الندى الغائث، وليث ~~الوغا اللايث، مولانا قاسم باشا الوزير الثالث: # خلى له عن طريق المجد حاسده ... ومر ساحل صوب العارض الهطل # حلم وعزم ورأي محصد وندا ... سبحان جامع هذا الفضل في رجل # فأهل غاية التأهيل، وبالغ في الإكرام والتبجيل، والتمس ما لنا من ~~الضرورات والمهمات، ليسعى في قضائها على أكمل الحالات، والله تعالى هو ~~المأمول # والمقصود والمسؤول. وصار بيننا وبين المشار إليه صداقة ومحبة ومودة ~~ومؤانسة وصحبة، والله PageV01P133 ~~تعالى يعاملنا وإياه بخفي ألطافه ووفي عونه وإسعافه بمنه وكرمه آمين). # هذا كله وأرباب الدولة مشتغلون بمهم الختان، المتعلق بأولاد مولانا ~~السلطان، وليس ثم موكب ولا ديوان، واستمر ذلك مدة وأياما عدة، استوعبت غالب ~~شهر ذي القعدة، فلما انفتح الديوان مفتتح ذي الحجة الحرام، اهتم الوزير ~~بحاجتنا غاية الاهتمام، والتمس منا كتابة ورقة بما نطلبه، وما نحن بصدده، ~~فكتبناها فسلمها هو لقاضي العسكر بيده، وأكد عليه بسبب ذلك ووصى، فبادر ذلك ~~سفر السلطان إلى مدينة برصاه وصحبه إبراهيم باشا الوزير الأعظم، ثم كان ~~عودهما في أواخر شهر المحرم، وسنذكر إن شاء الله تعالى ما جرى بعد ذلك من ~~بلوغ المرام، ثم العود الى بلاد الشام إن شاء الله تعالى، ولنلتفت الآن الى ~~سياق التنقلات فى المنازل الرومية والتفضلات الرحيمية، فأقول: # لما نزلت بعمارة السلطان محمد، وانفردت بذلك المكان المفرد، وصرت بين أهل ~~تلك المدينة كالشامة البيضاء فى الثور الأسود، أعاني الغربة وأقاسي الكربة، ~~لا أجد مألفا ولا صديقا ولا أنيسا ولا شفيقا ms061 ولا رفيقا رفيقا، فاستوحش ~~قلبي، وطاش لبي، وزاد كربي، وعظم خطبي، وضاق صدري، وقل صبري، وترادفت علي ~~هموم، وتواردت لدي غموم، من ذلك فراق الوالدة والأولاد والأهل، وارتكاب خطة ~~أمر لم يكن بالهين ولا بالسهل، ودخولي في أمر لم أعتده، وشأن لم آلفه ولم PageV01P134 ~~أرتده وأعهده، وكنت سمعت من متمعقلين بالشام بأن هؤلاء الأروام لا يعرفون ~~مقدار أحد، ولا يلتفتون إلى من صدر أو ورد، فزادني ذلك فرقا، وأكسبني ~~وسواسا وقلقا، فألقى الله سبحانه على الجنان، ما نطق به اللسان، وأبان عنه ~~البيان، وجرى به البنان، فقلت: # إلى الله في كل الأمور توسلي ... بهادي الورى المختار أشرف مرسل # محمد المبعوث من آل هاشم ... إلى الخلق بالدين القويم المكمل # لقد خص بالإرسال حقا بآخر ... كما خص في الإنشاء خلقا بأول # رفعت إليه قصتي من حوادث ... وهى جلدي منها وقل تحملي # ألا يا رسول الله أني عائذ ... بجاهك من خطب عراني مجلل # فراق لأولادي وأمي وعشرتي ... وأهلي وأصحابي وداري ومنزلي # وتشتيت شملي في البلاد وغربتي ... بغير شفوق لي عليه معولي # وقصدي لحاجات أروم قضاءها ... سريعا وأخشى أنها لا تعجل # ويخفق من إخفاقها القلب سيدي ... ويؤنسه علمي بأنك موئلي # وخوفي من كيد الحسود ومكره ... ومن قصده بغيا إصابة مقتلي PageV01P135 ~~ومن ذل نفسي عند إعراض مدبر ... وفتنة تعظيم لإقبال مقبل # وكثرة تردادي لباب محجب ... عزيز إليه كل وقت توصلي # ومن رؤيتي غير الإله وفعله ... لدي كل حال مجمل ومفصل # فقوتي منها الله ثم وسيلتي ... محمد الهادي النبي المفضل # فليس على غير الإله توكلي ... وليس بغير الهاشمي توسلي # فببركة التوجه إلى الله الملك العلام، والتوسل بنبيه محمد عليه أفضل ~~الصلاة والسلام، لم يقابلنا أحد من الأكابر إلا بغاية الإكرام والتعظيم ~~والتبجيل والاحترام، والله تعالى هو المأمول في نجاح المطالب وبلوغ المآرب ~~إنه سبحانه لا يخيب من توكل عليه، والتجأ في كل أموره إليه، وكان من تمام ~~السعد والتوفيق، الانتماء إلى جناب الجناب الكريم العريق، الصديق الصديق، ~~بل الشقيق الشفيق، بل الركن الوثيق، والسيد على التحقيق، ms062 ذي الحسب الصميم ~~الظاهر، والنسب الكريم الطاهر، والجلال الباهي الباهر، والجمال الزاهي ~~الزاهر، والكمال المتجلي في أعلى # كمالات المظاهر، والفضل الذي تطفل الفاضل على موائده، واستسقى من نمير ~~موارده، والبيت الذي نمي على قواعد الدين بل نمي الدين على قواعده، فقام ~~على أرفع أركان وأثبت أساس، وارتفع بالفضل على سائر الناس، كيف وبانيه عم ~~النبي صلى الله عليه PageV01P136 ~~وسلم أبو الفضل العباس، فهو ابن عم من ختمت به الرسالة والنبوة، وعمته بركة ~~العمومة الزاكية والبنوة، السيد الكريم والسند العظيم الإمام بدر الدين أبو ~~الفتح عبد الرحيم، فأنزلني بمنزل جوار منزله، وأنهلني من صافي منهله، وأغدق ~~علي سبب فضله وتفضله، فأقمنا بذلك المنزل حينا من الدهر نحو شهر ونصف شهر، ~~ثم انتقلنا إلى مكان نفيس لطيف حسن أنيس، أخلاه لنا داخل داره، بالقرب من ~~مكانه الذي هو مقيم به وجواره، فلم نزل مدة مقامنا في حماه وجواره، فكان ~~لنا جارا كجار إبي دواد، وغمرتنا منه بوالغ نعم وسوابغ أياد، وأنالنا من ~~شمول لطفه ولطف شمائله ما برد الكبد وأثلج الفؤاد، ومن القرب إلى حضرته ما ~~خفف عن القلب حر نيران البعاد، أخالني بمجالسته جليس القعقاع بن شور، ~~وأقتطف من مؤانسته أنيق ثمر وأعبق نور، وأجتني من مفاكهاته الجنيات ما هو ~~ألذ من فاكهة الجنات، وأتحلى بزلال بحره المتدفق الجاري، وأتجلى بعقد نظمه ~~الفائق على الدرر بل الدراري، وأجمع من زهر منثوره ما فاق عرار نجد، وسما ~~على شذا البان والرند، وأربى على عرف النرجس والورد، وأنبسط في داره تبسطي ~~في داري وأبلغ، PageV01P137 ~~وأتنعم في ظلال جواره بأخفض عيش وأرفع وأرفغ، وأتفيأ من ظلاله أورف ظل ~~وأسبغ، فألفى منه ركنا عظيما، ومأوى كريما، وأبا برا رحيما، فكان حكاية بعض ~~ذلك الحال ما أنشده طفيل الغنوي، فقال: # جزى الله خيرا جعفرا حين أزلقت ... بنا نعلنا في الواطئين فزلت # أبو أن يملونا ولو أن أمنا ... تلاقي الذي يلقون منا لملت # هم خلطونا في النفوس وألجأوا ... إلى حجرات أدفأت وأظلت # وقد كتبت عنه أشياء تفوق ms063 الحصر، وكتب عني أشياء قصد بها حصول الرفعة ~~والجبر، فمما كتبته عنه واستفدته منه مؤلفه شرح المقامات، وهو عجيب في ~~بابه، ولم يكمل إلى الآن. وشرحه على الخزرجية، وهو جامع حسن، وشرحه على ~~شواهد التلخيص المسمى بمعاهد التنصيص، وقد لخصته في منزله في مختصر سميته ~~تقريب المعاهد، وغير ذلك من مؤلفاته ومروياته، وحكى لي عن بعض مشايخ الكبار ~~أن العالمة المحدثة فاطمة بنت المنجا التنوخية كانت متزوجة برجل دونها في ~~الفضل، ثم تغاضبا وتفارقا فلامها بعض تلامذتها على فراقه، فأنشدت: PageV01P138 # لما رأيت الود منه قد انقضى ... وأراد حبل الوصل أن يتمزقا # فارقته ونفضت من يده يدي ... وقرأت لي وله وأن يتفرقا # ونقل بلفظه وقرأته بخطه ما حكى أن الرشيد أجرى الخيل يوما بالرقة، فوقف ~~متلوما حتى طلعت، فإذا في أولها فرسان في عنان، فتأملهما فقال: فرسي والله، ~~ثم تبين وقال: وفرس ابني عبد الله، فجاء الفرسان أمام الخيل، فرسه السابق ~~وفرس المأمون المصلي فسر بذلك. قال الأصمعي: فقلت للفضل يا أبا العباس هذا ~~من أيامي فاحتل بأن توصلني فقال: يا أمير المؤمنين إن الأصمعي قد أعد في ~~أمر الفرسين شيئا يزيد به سرور أمير المؤمنين، فقال هات يا أصمعي. قلت: يا ~~أمير المؤمنين كنت وابنك اليوم وفرساكما كما قالت الخنساء، وقد قيل لها كدت ~~تفضلين أخاك على أبيك: # جارى أباه فأقبلا وهما ... يتعاوران ملاءة الحضر # وهما كأنهما وقد برزا ... صقران قد حطا على وكر # حتى إذا جد الجراء وقد ... ساوت هناك العذر بالعذر # وعلا هتاف الناس أيهما؟ ... قال المجيب هناك لا أدري PageV01P139 ~~برقت صفحة وجه والده ... ومضى على غراته يجري # أولى فأولى أن يساويه ... لولا جلال السن والكبر # قيل لأبي عبيد: ليس هذا في مجموع شعرها، فقال: العامة أسقط من أن يجاد ~~عليها بمثل هذا قولها ملاءة الحضر، يعني به غبرة الفرسين اللذين أثاراهما ~~جعلتهما كأنهما يرتديان بها ويتجاذبانها. # ونقل أن عائشة بنت طلحة وسكينة بنت الحسين كانتا تحت مصعب بن الزبير ~~فحجتا معا ومحملاهما متعادلان، فأنشد حادي عائشة: # عائش ms064 يا ذات الحمال الستين ... لا زلت مذ عشت كذا تحجين # فأجابه حادي سكينة: # عائش ما ذي ضرة تشنوك ... لولا أبوها ما اهتدى أبوك # فقالت عائشة لحاديها: أكفف، والقصة مشهورة. # وحكى لي عن الشيخ العلامة زين الدين الأسدي أنه حكى له عمن نقل عن قاضي ~~القضاة صدر الدين المناوي أنه قرأ قول الخنساء في أخيها: PageV01P140 # ولولا كثرة الباكين حولي ... على أمواتهم لقتلت نفسي # وما يبكون مثل أخي ولكن ... أسلي النفس عنه بالتأسي # فصحفها وما بيكون بتقديم الباء الموحدة، واحتج به على جواز إدخال الباء ~~على الفعل المضارع كما هو في ألسنة العوام، فذكر ذلك للركراكي قاضي القضاة ~~المالكي فأظهر استحسان ذلك، وحسن له أن يذكره بحضرة السلطان وكان في نفسه ~~منه شيء، فلما ذكر ذلك بحضرة السلطان، قال المالكي: لعل هذا تصحف على ~~مولانا، وإنما هو يبكون بتقديم الياء المثناة من تحت، فخجل صدر الدين، ~~ويقال إن ذلك كان سبب موته والله تعالى أعلم. # وأنشدني للعلامة المحقق الشيخ شهاب الدين بن شقير التونسي رحمه الله: # سائلي عن قضيتي في البراغيث ... خذ الشرح إن أردت التقصي # نحن فيها ما بين قتل وفتل ... وهي فينا ما بين قرص ورقص # وذكر أنه أنشده أيضا لنفسه أو غيره يهجو، وهو نوع لطيف: # جماعة كلهم قشور ... ما فيهم واحد لباب PageV01P141 ~~رابعهم كلبهم ولكن ... من حيث ما يبدو الحساب # وأنشدني لسيدي الوالد شيخ الإسلام رضي الله عنه مما أنشده إياه، وكان قد ~~رآه راكبا في موكب السائر شخصا أسود يقال له عبد القادر العدوي: # لما رأيت البدر سائر أسودا ... في موكب متلاطم الأمواج # ناديتهم لا تعجبوا من شأنه ... البدر يسري مع ظلام داجي # وحكى عن سيدي الوالد رضي الله عنه وأمدنا بمدده في الدنيا والآخرة، أن ~~مما وقع له معه وهو نازل عنده في بيته مختفيا في قيطون بيت ابن حجر ببركة ~~الرطلي من القاهرة أنه كان كثيرا من الليالي ما يوقظه للقيام، ويسمع صوته ~~عند رأسه يقول: يا هو قم. وبينه وبينه ثلاثة أبواب مغلقة، وأنه ms065 كان كثير ~~التغلق إذ ذاك، فقال له هذه خلوة حصلت لك فلا تخرج منها حتى تبلغ الأربعين ~~فكان كذلك. # وحكى لي عنه رضي الله عنه أنه حكى له أنه كان مغرما بحب الجمال، فأراه ~~الله تعالى في عالم الحسن صورة حورية، فانتسخ ذلك من قلبه بالكلية، وأخبرني ~~أنه كان جالسا بحضرته يوما، رضي الله عنه، فدخل رجل يقال له وفا الجوهري ~~وهو من محبيه وهو متغير الوجه فسأله عن حاله، فقال: يا سيدي رأيت الليلة ~~مناما وأنسيته، فقال له رضي الله عنه وهو يضحك: أخبرك به؟ فقال: نعم، فقال: ~~رأيت النبي صلى الله عليه وسلم وهو يخبرك أن أجلك اقترب فتيقظ لنفسك، فصرخ وفا PageV01P142 ~~صرخة كادت روحه تخرج معها، وقال: نعم، هكذا والله رأيت، ثم قام من المجلس ~~وهو مضطرب متواجد، فما كان إلا دون الشهر ومات وفا # المذكور. وحكى لي عنه أيضا غير ذلك، وكراماته رضي الله عنه أكثر من أن ~~تحصر، وقد ذكرت منها جانبا في القصيدة القافية التي رثيته بها، وسأذكرها ~~قريبا إن شاء الله تعالى. # وأخبرني عن قاضي القضاة محب الدين بن الشحنة عمن ينقل عنه من أهل العرفان ~~والعلم، أن من قرأ آية الكرسي إحدى عشرة مرة عند قصده حاجة أو دخوله على ~~كبير، فإنه يقضي حاجته ويعظم في عين ذلك الكبير، ولم يزل في حرز وحماية ~~ونجاح مقصد وكفاية، (وقد نقلت ذلك أيضا عن بعض من اعتقد فيه الصلاح، وذكر ~~أنها تقرأ سبع عشرة مرة)، ونقل عن بعض الصلحاء من أهل مصر أنه من قرأ بعد ~~العطاس فاتحة الكتاب ثم قوله تعالى: (قال من يحيى العظام وهي رميم، قل ~~يحيها الذي أنشأها أول مرة وهو بكل خلق عليم) ومر بلسانه على أسنانه ~~جميعها، فإنها تحفظ من الآفات، ولا يصيبه منها سوء، ومما أنشدنا إياه من ~~نظمه، فسح الله في أجله، ونفع بعلمه قوله، وهو معنى مخترع: # أحب من البرية كل سمح ... قريب المستقى سهل القياد # إذا ناداه مفتقر لبر ... أجاب نداه قبل صدى المنادي ms066 # وقوله مضمنا: # دع الهوى واعزم على ... فعل التقى ولا تسل # فآفة الرأي الهوى ... وآفة العجز الكسل PageV01P143 ~~وقوله أيضا: # افعل جميلا وانسه تحصه ... من سره يدري ونجواه # فإن أسنى حلة لامرئ ... أن يفعل الخير وينساه # وقوله وقد جلس فوقه في مجلس بعض الرؤساء جاهل: # إن يقعد الجاهل فوقي ولم ... يرع ذمام العلم والأصل # فالشمس يعلو زحل أوجها ... وهي على الغاية في الفضل # وقوله: # كثير من الخلان يبدي تملقا ... وفي قلبه داء من الشر موبق # كبحر أجاج لا يسوغ مذاقه ... يريك صفاء قاعه وهو مغرق # وقوله: # في الدهر قوم ملئت نفوسهم من خبث # أجد في فراق ما قد ألفوا من رفث # اغسل رجلي فإنك نويت رفع الحدث PageV01P144 ~~وقوله: # حال المقل لم يزل ... يشكو اضطرارا مسه # يقول لما ضيفه ... يذهب عنه أنسه # إن الذي يزورني ... يظلمني ونفسه # وقوله: # يا واهبا غفرانه لمن أعز شأنه ... هب لفؤادي قوة تزد به إيمانه # حتى يقول دائما لمن يرى جثمانه ... سبحانه سبحانه سبحانه سبحانه # وقوله: # أرى الدهر يسعف جهاله ... فأوفر حظ به الجاهل # وانظر حظي به ناقصا ... أيحسبني أنني فاضل # فأجبته بديهة بقولي: # أعبد الرحيم سليل العلا ... ويا فاضلا دونه الفاضل PageV01P145 ~~أتعتب دهرا غدا موقنا ... بأنك في أهله الكامل # وقوله أحجية: # يا سيدا قد تسامى ... عن كل شين ومقت # ما بنوره منتهاها ... مرادف غب وقت # فأجبته بقولي: # يا سيدا ذا نعوت ... علت على كل نعت # لعل آخر صاد ... بما تحاجيه يأتي # وبقولي أيضا: # يا بحر علم وجود ... لكل غاد وصاد # لعل ذا اللغز يأتي ... في ختم سورة صاد # ومن الغرائب ما سمعه في المنام، وقد مات السلطان سليم خان، وأخفي موته ~~إلى أن يحضر ولده سليمان: PageV01P146 # قل لشياطين البغاة اخسئوا ... قد أوتي الملك سليمان # وأخبرني أنه رأى نفسه في المنام وهو ينشد ويشير للأديب علاء الدين ابن ~~مليك وكان حيا: # هذا الأديب لص نشال ... في كل بيت كم لو خزيه # يبط يشرط ويشتال ... ويش يعملوا أهل قطيه # وكتب لبعض الأكابر وقد التمس منه حاجة ففوض قضاءها لرجل ms067 اسمه صالح قوله: # يا مظهر الآمل والمرتجي ... ومفخر الحامد والمادح # خالص ودي لم يكن فاسدا ... فلا تكل أمري إلى صالح # وكتب لقاضي قسطنطينية سعدي، وقد عمر منزلا وسكن فيه يوم النيروز قوله: # يا عظيما دونه شمس الضحى ... بدليل قط ما فيه خفا PageV01P147 ~~هي بالمنزل تعطى شرفا ... وبك المنزل يعطى الشرفا # وأنشدني أول اجتماعي به في بيته بمنزلة القسطنطينية في هذه الرحلة قوله: # عجب الأنام لنور قطر زرته ... يا ذا العلا والمجد والتمكين # فعجبت من إعجابهم وأجبتهم ... لم لا يضيء الكون بدر الدين # وأنشدني من قصائده الطوال، حرس الله ذاته من عين الكمال، شيئا كثيرا كتبت ~~منها جملة في غير هذا الكتاب، واخترت أن أذكر هنا منها ما أرسله لشيخ ~~الإسلام الوالد ضمن كتاب وهو قوله: # يا فؤادي وأين مني فؤادي ... لست أدريه ضل في أي واد # شعب الحب قد تشعب قلبي ... في ذراها وغاب عنه الهادي # يا خليلي إن تمرا بلعل ... فانشداه ما بين تلك الوهاد # وهو في قبضة الغرام أسير ... دون فاد أو هالك دون وادي # ليس غير الصدى يرد جوابا ... لي عنه في حالة الإنشاد # كلما قلت أين ضل فؤادي ... رد لي منه أين ضل فؤادي # كم ليال سهرتها وسميري ... في دجاها زهر النجوم البوادي PageV01P148 ~~أذرع الأفق بين شرق وغرب ... بجفون تعاف طيب الرقاد # أحسنت صنعة البديع فوافت ... بجناس بين السها والسهاد # وكذاك الطباق لاح فصبري ... في انتقاص ومدمعي في ازدياد # والصباح استعار من هجر حبي ... حلة أورثته طول التمادي # فترى الطرف في ارتقاب سناه ... مثل رقبى أهلة الأعياد # لو بدا لي وجه الرضي لأغنى ... عن سناه بنوره الوقاد # سيد لم يزل يمد مواليه ... بفيض من أغزر الأمداد # ولعبد الرحيم رحمى لديه ... هو في ظلها وثير المهاد # لم يزل منه لي نتائج لطف ... غاديات تفوق سح الغوادي # والتفات بخاطر حائل ما ... بين حالي وبين أهل العناد # وسلوك على طريق قويم ... موصل هديه لنهج الرشاد # لست أنسى لياليا بحماه ... بت فيها قرير عين الوداد # راتعا من ولائها في برود ms068 ... نسجها محكم بصنع الأياد PageV01P149 ~~وظلال من فيضه سابغات ... لم يزل في جبرها في امتداد # وتلاف لما بدا من تلاف ... بصلاح يزيل عيث الفساد # ليت أيامنا المواضي تفدى ... بالبواقي من جالبات البعاد # فله في الحشا اضطرام لهيب ... ليس يطفى بغير نيل المراد # حقق الله في التلاقي رجاء ... هو للنفس أشرف الأزواد # وأزاح الأعذار عنه وحيا ... وأراح الفؤاد مما يعادي # يا ولي الوجود عطفا على من ... هو من منتداك في خير ناد # ما له غير ظل جودك ظل ... فهو يعدو به على كل عاد # دمت للعالمين بحر علوم ... يرتوي منه كل صاد وغادي # ولشيخ الشيوخ نجلك سعد ... ذو نمو من مالك الإسعاد # ومعاليه قرة لعيون ... من نوال وسخنة للمعادي # ما أذيل اللقاء من يوم بين ... وأعاد السرور لطف المعاد PageV01P150 ~~وما كتبه أيضا لشيخ الإسلام أيضا ضمن مطالعة وأراد إرسالها صحبة مولانا ~~حاجي جلبي حين قدم الشام حاجا، ثم لم يتيسر إرسالها معه فأرسلها صحبة غيره، ~~واختصر منها الأبيات المتعلقة بالمشار إليه: # هل لي إلى سبل اللقاء وصول ... لأرى وحبل مسرتي موصول # وتقر عين طالما باتت به ... والجفن معها بالقذا مكحول # ويقر قلب دائم خفقانه ... ويصح جسم بالأسى معلول # وأقول غفرا للذي جنت النوى ... وأحيد عن ذمي لها وأحول # وأرى الذي فوق العنان محله ... رأي العيان وينقضي التخييل # وتزول أوهام الحلوم وينتهي ... شبه يحقق دركها التأميل # فهنالك الآمال يذهب عينها ... ويفوت وسواس بها ويزول # وأرى محياه رضيا كاسمه ... عني وبرغم حاسد وجهول # فهو المنى والقصد والسؤل الذي ... أبغيه والمرجو والمأمول # يا من به وبحبه وولائه ... أحيا وأقبر لست عنه أزول # عودتني بلطيف بر عادة ... كم عاد لي مما تعيد جميل PageV01P151 ~~ترتاح روحي عند لقياها كما ... يرتاح من روح الشفاء عليل # ويهزني عند إذكاري لطفها ... طرب كما هز الحكيم شمول # وأظل مرتقبا طلوع سعودها ... رقبى الهلال وقد أطل حلول # والآن إبطاء سيبها في سحه ... وغدت رياض الأنس وهي محول # وذوت غروس أنت غارسها ومن ... شأن السحاب تكرم وهطول # فابلل بها رمقا متى أهملته ... حق ms069 الفناء وحتم التحويل # ولأنت أكرم شيمة من أن يرى ... لك سائل والدمع منه يسيل # واهنأ بلقيا سيد فرع الورى ... علما وقد طابت لديه أصول # متفرد جمعت حسان خلاله ... غررا لها زهر السماء حجول # عرف المعارف قد تضوع نشره ... منه وبقوله عليه دليل # حسب المشيد به اختصار حديثه ... متعمدا فالشرح فيه يطول # يهوى لقاك بالسماع وقد أبى ... إلا العيان فجد منه رحيل PageV01P152 ~~وإذا التقى البحران قل في مجمع ... البحرين مهما شئت فهو قليل # والعبد في حال التلاقي راغب ... في دعوة تعطى المنى وتنيل # لا زلت ظلا سابغا يأوي له ... من كان في طلب الخلاص يجول # ولنجلك البدري أسنى رتبة ... تسمو إليها همة وتميل # ويدوم كهفا للأنام وملجأ ... في ظله تأوي الورى وتقيل # ما سل سيف الفجر من غمد الدجى ... وبدا بكف الشرق وهو صقيل # وما كتبه له أيضا ضمن مطالعة من أدرنة: # محبك فيك كما تعهد ... من الود والشوق بل أزيد # يرى كلما بعدت داره ... صباباته عنه لا تبعد # ومهما تقادم عهد اللقاء ... جديدا تلهفه يوجد # فأنى وكيف ومن أين ... للدنو سبيل إذا يقصد # وكم بيننا جبل شاهق ... تخلل ساحته فدفد # وسد من المنع أسوارة ... تسورها قط لا يحدد PageV01P153 ~~ولكن إذا جاء عون الإله ... تسهل ما كان يستمرد # فيا واحدا في العلى والنهى ... وهل فيهما غيرك الأوحد # رضي القلب منك منأى الذي ... له طول دهري استرفد # فكن كاسمك المجتبى إنه ... لطبق مسماك إذ يورد # ولا تخلني من دعاء به ... رجائي قوي لما أقصد # فلي مدد منه أحيا به ... وبعد الممات إذا ألحد # بقيت من الله في نعمة ... تفوق يد الحصر إذا تعدد # ونجلك بحر العلوم الذي ... يزيد على البحر إذ يزبد # ولا زلتما نيري دهرنا ... عظيميه ما وجد الفرقد # وكتب إليه وامتدحه بقصائد أخرى كثيرة، ذكرت غالبها في غير هذا الكتاب، ~~وكتب إلى المرحوم ملك الأمراء كافل المملكة الشامية الأمير أركماس، وقد لبس # خلعة: PageV01P154 # قد أمكنت فرص الإقبال فانتهز ... وحل موعدها بالسعد فانتجز # واركب إليها براق العزم وامض لها ... كالبرق يومض ms070 خفافا على نشز # واجذب عنان الأماني غير محترس ... وخذ بفود المعالي غير محترز # واهزز بكف اقتدار كل ذي ميس ... واطعن به كل قلب غير ذي ميز # وأمدد يمينك للاجىء بمكرمة ... وابسط يسارك للمسترفد العوز # وسس بحزمك ما في الناس من مرحج ... ورض بعزمك حد الجامح النشز # وحاذر الخلق واصحبهم على دخل ... ولا تدع حالة المستوفز الحفز # واستعمل الحزم في كل الأمور فمن ... يضيع الحزم لم يظفر ولم يفز # واهنأ بخلعة عز بالوفا وردت ... وبالهناء قد غدت مرقومة الطرز # واخلع بلبسك إياها قلوب عدا ... وجوههم قبحت من شدة الشمز # وأعذر بفضلك في تقليل عدتها ... فالعذر أوضح من شمس على وشز # ضاقت علي قوافيها ألم ترني ... أتيت بعد نفيس الدر بالخرز PageV01P155 ~~لو كان لي بسط عيش كان لي لسن ... لذي البلاغة لم يحوج ولم يعز # يا من بأخلاقه فات الملوك علا ... كما تفاوت بين الصدر والعجز # ومن بنائله أحيا الوجود كما ... يحيي الحيا حين يهمي ميت الجرز # دم وابق واسلم وجز في دولة وعلا ... ما لم يحاوله مخلوق ولم يحز # واستجلها بنت فكر في مروط سنا ... لغير مجدك لم تملك ولم تحز # زائية لم تدع مرمى لذي غرض ... ولو أتى ببسيط القول والرجز # كفيلة للذي يأتي يعارضها ... أن لا يعود بغير الهزؤ والطنز # واسمح لها بقبول منك يجبرها ... ولو بلحظ من الإيماء والرمز # وكتب إلى القاضي سعدي بن عيسى قاضي القسطنطينية: # قرت عيون العلا مذ بت راعيها ... وبالثناء شدت إذ صرت داعيها # ومنك قد أشرقت أيامها وغدت ... من مدها بالسنا بيضا لياليها PageV01P156 ~~وكيف لا يبهج الأيام سؤود من ... سمت معاليه عن قرم يساميها # لا تسألن سوى علياه عنه تصب ... فالدار تنبئ عن مقدار بانيها # كأنه نسخة في المجد مثبتة ... ومن عداه دخيل في حواشيها # انظر بعينك في الأشخاص هل تر من ... يولي المعالي سواه أو يواليها # واستخبر البيض عن مقدار همته ... تخبرك بالعجز منها عن مواضيها # واستفهم السمر عن أدنى عزائمه ... تجبك عن كنه علياها عواليها # يا من يقيس جداه بالسحاب أفق ms071 ... فالبحر يعجز عنها إذ يجاريها # جدواه مال وجدوى السحب جود حيا ... فالفرق كالصبح يبدو في دياجيها # أكرم به بشرا أنشأه بارئه ... على خلال تعالت عن مباريها # آثاره لكن بالتفصيل مفصحة ... عن حسن ظاهرها منه وخافيها # من أين ما جئتها تظفر بمخبرها ... أمن قوادمها أم من خوافيها # تبارك الله كم من آية ظهرت ... من مجده وفم الأيام تاليها PageV01P157 ~~يكفيك أن عطاياه وأنعمه ... تجيب قبل صدى عاف يناديها # ما فيه عيب سوى أن الوفود له ... تنسى بتأهيله قربى أهاليها # أقامه الله للأيام يظهر ما ... محت يد الدهر من آثار عافيها # إذا تأملته حق التأمل يا ... من ليس في قلبه بلوى يناجيها # تظن أن كرام الناس قد نشروا ... والأرض جادت على الدنيا بما فيها # يا واحد العصر صبح الفضل منك بدا ... كالشمس في الظهر لا شيء يواريها # من مغرب الكون للشرق المنير فلا ... يرى لعلياك ذو مجد يوازيها # أين الثرى والثريا في كثافته ... ونورها وتجليها بزاهيها # تعلم المكرمات الناس منك فقد ... أصبحت مرشدها فيهم وهاديها # كم عاطل الحال مثلي مسه كرم ... من منتداك فأمسى وهو حاليها # وكم شكى قسوة الأيام ذو كرب ... فما انثنى عنك إلا لان قاسيها # وراضها منك تدبير ومرحمة ... فأبدلته بوصل من تجافيها # وكم غدت سحب الإحسان ممسكة ... وجود كفك يغني عن غواديها PageV01P158 ~~إيه لعمري قذفت الأنام بما ... حويت من رتب أعيت مراقيها # وحزت من شيم شام اللحاق بها ... لمع البروق فلم يلحق هواديها # وسدت بالسؤود المحض الذي عمرت ... ربوعه لك أخلاق تعانيها # وسعيك الجد في تأثيل مكرمة ... بين البرية مشكور مساعيها # دم وابق واسلم لمعروف تجدده ... بين الأنام لمثريها وعافيها # في دولة بدوام السعد دائرة ... والله باللطف والإسعاد حاميها # واهنأ بنور وزعام عائدا أبدا ... إليك منه مسرات تواليها # في صحة واغتباط وانبساط يد ... فيما له النفس تهوى من مراضيها # وما لذاتك في الدنيا وزخرفها ... شيء يساوي علاها أو يدانيها # يا من بعليائه الأمثال سائرة ... ما بين حاضرها تبدو وباديها # في مثل ذا اليوم يهدي القادرون إلى ... أربابهم غررا تسمو ms072 غواليها # وليس لي غير مقدور الثناء فلي ... فيه حدائق قد طابت مجانيها # إن أدعها لك في حمد وفي مدح ... جاءت إلي مطيعات قوافيها PageV01P159 ~~ففيه أهديت أبياتا إذا قبلت ... أربت على درر تزهو مرائيها # عسى تهب لها ريح القبول فلا ... يرى لها شاعر يوما يحاكيها # وعش لمجد يرى الأنام منك به ... مفاخرا تملأ الدنيا معاليها # وسعد نجلك ممدود الظلال فلا ... يرى لعليائه نقص يشانيها # في كل لمح له مجد يجدده ... محمود أخلاقه اللاتي تراعيها # ما رنحت عذبات الرند بارحة ... وما ترنم في الأدواح شاديها # ونظمه ونثره لا يعد ولا يحصى، وفضائله وفواضله لا تحد ولا تستقصى، وهذا ~~القدر كاف، وبما قصدناه واف، ومما حصل منه من الخير العام والجبر التام ~~وغاية الأنعام، ما ألزمني بإملائه عليه، أحسن الله تعالى إليه، بعد أن ~~أحجمت عن ذلك، وحق لمثلي أن يكون عن مثل ذلك محجما، ورقى دمي حياء وخجلا، ~~حتى لا تجد منه محجما، وأستعفيته فما أعفى. ولم يزل جازما ومصمما، فأجبته ~~إلى ذلك وإن كان فيه متهكما، فمما كتبته بخطي وخدمت به حضرته الكريمة ~~قصيدتي القافية التي رثيت بها سيدي شيخ الإسلام الوالد، رضي الله عنه ~~وأرضاه، وجعل فردوس الجنة منقلبه ومثواه، المسماة بنفث الصدر المصدور وبث ~~القلب المحرور، وقد تقدمت الإشارة إليها، والوعد بها، وهي هذه: # قلب يذوب وأدمع تتدفق ... والجسم بينهما غريق محرق # وجوانح فنيت ضنا ومرائر ... شقت وحق لمثلها يتشقق PageV01P160 ~~وتنفس الصعداء نارا من جوى ... كبد تقطع بالأسى وتمزق # أواه من حدث تذوب له الحشا ... وبدونه الأرواح منا تزهق # ومصيبة عمت وطمت فالورى ... من خطبها في نار كرب تقلق # والجو أظلم والبلاد تضوحت ... والأرض ترجف والصخور تفلق # لم لا وشمس العلم غابت في الثرى ... أبدا وفي يوم القيامة تشرق # وضياء عين الكون زال لفقدها ... إنسانها فإلى العلا لا ترمق # والبحر غاض ودره متألق ... والبر فاض وسره متدفق # قسما بجوهر دره المكنون أو ... بمصون سر نشره يستنشق # وبطيب عرف من علوم نشرها ... في الكون في كل المعالم يعبق # وبحبل عرفان ms073 به مستمسك ... وإلى الوصول به له متعلق # ما ذقت طعم النوم بعد فراقكم ... إلا لماظا أو خبالا يخنق # أو لحظة فيها أراكم فأجبروا ... بدوامها وعلى العبيد تصدقوا PageV01P161 ~~إني لأعلم أنكم لم تغفلوا ... عن عبدكم حتى بكم يستلحق # وأنا بذا مستبشرا لكنني ... من حجب حسمان الثرى متقلق # فلعل يرفع ذا الحجاب بسرعة ... وأفك من قيد الجسوم وأطلق # إني سئمت من الفراق وإنني ... من مر طول زمان مرا فرق # ليس المرؤة سادتي أن تتركوا ... نارا بعبدكم تشب وتحرق # أو تتركوه بعدكم يا منيتي ... بسهام أغراض المصائب يرشق # أو تتركوه للبلاء متعرضا ... فلقد غدا بولائكم يتدرق # بل خلصوه من شوائب دهره ... فعليه أنتم منه حقا أشفق # والعبد عبدكم ورق جنابكم ... والقصد منكم أنه لا يعتق # منوا بقرب لا يقول وربما ... من الفتى وهو المغيظ المحنق # بل أنت راض يا رضي ولم تزل ... عين الرضى منكم إليه تحدق # حاشاكم أن تغمضوها عنه أو ... أن تصرفوها بالقلى أو تطرقوا PageV01P162 ~~يا سادتي لولاكم ما كان لي ... فضل به بين الورى أتخلق # كلا ولا ذكر ولا صيت ولا ... قد شاع أني في العلوم محقق # كلا ولا ألقيت درسا مبهجا ... قيدت فيه أوابدا لا تلحق # كلا ولا أبديت بحثا فاتحا ... بابا إلى التحقيق قد يتطرق # كلا ولا جمعت تصانيفي التي ... سارت مسير الشمس ما يتفرق # كلا ولا بالشيخ ادعى في الورى ... كلا ولا وفقت في ما أنطق # كلا ولا ألبست ثوب جلاله ... متجددا طول المدا لا يخلق # والظن فيكم أن فيضكم الذي ... قد عمني قدما دواما يغدق # حاشاكم أن تجزروا والمدد الذي ... عم العوالم سيبه المتدفق # حاشاكم أن تتركوني ساعيا ... فيما لعل السعي فيه يخفق # حاشاكم أن تقطعوا عاداتكم ... يا سادة عاداتهم لا تخرق # والخرق للعادات من سيماهم ... والعهد منهم دائم والموثق # أو لم تقم عشرا بلا قوت ولا ... حدث وأنت بوارد مستغرق PageV01P163 ~~هلا تركت المالكي بمجلس السلطا ... ن مطروحا صريعا يشهق # لما بغى عدوا عليك ولم يفق ... حتى غدا مثواه لحد ضيق # أنجزت في الفيقى ما أوعدته ms074 ... لما بغى عدوا فقلت سيشنق # أنت الذي في نحو عام لم تزل ... من نزر مال باتساع تنفق # هلا سمعت صريخ نور الدين من ... أرض الحجاز وكان باسمك يصعق # وبمصر تخبر أن خالتك التي ... تدعى بزينب قد نعتها جلق # في يوم ماتت مثلما أخبرتهم ... بوفاة أولاد وأنت مصدق # أخبرتنا أن الجراكسة انقضت ... أيامهم من قبل أن يتمزقوا # وذكرت غربتهم وأن غرابهم ... بالبين بينهم يحوم وينعق # وذكرت أن الروم تملك ملكهم ... مع أنهم لم يثبتوا أن يلتقوا # والشام تسلب منهم كالشعر سل ... من العجين وما به ما يعلق # أو لم تخبرني بأن أخاك لا ... يبقى سبوعا وهو حي يرزق # مع صحة وسلامة فبدونه ... قد ضمه لحد عليه مطبق PageV01P164 ~~أو لم تخبر أن زيدا لم يرح ... فعراه سقم فهو منه معوق # أو لم تخبرني برؤيا المصطفى ... كشفا وأسرار بوجهك تبرق # بشرتني بالفتح والإقبال والعرفا ... ن يا قطب الوجود المطلق # فلي الهنا أن تم ذلك سيدي ... والله أنك عارف ومحقق # ولكم كرامات وخرق عوائد ... ظهرت ظهور الشمس لما تشرق # ولكم تصانيف تعد كرامة ... لكم إلى أمثالها لم تسبقوا # يا بحر جوهرك الفريد لعقد كت ... ب القوم واسطة علاها رونق # لب العوارف والرسالة إذ غدا ... فيها العشرى الأمام يدقق # أوضحت برهانا به ودلائلا ... وفتحت كشفا بات ما يستغلق # أو ليس نظمك سيدي الثلثين في ... يوم يكون كرامة تتحقق # يا بر عرف النفحة المسكي لم ... تسبق له أبدا كما لا تلحق # يا حبر هذبت الأصول بنظمه ... دررا لوامع صنعها متأنق PageV01P165 ~~مع سبك جمع الجوامع السبكي إب ... ريزا به عقد الجواهر ينسق # طابت فروع أنت جامع أصلها ... بالدر تثمر واللآلي تورق # لخصت تلخيصا ومصباحا معا ... وفوائدا مع ما بها يتعلق # في نحو كراس بأعذب منطق ... وبحسنه نظما تهذب منطق # ألفت شرحا للصدور عليهما ... فتفسحت نورا فلا تتضيق # حليت عقد الخزرجي وجيده ... بالجود فهو مقلد ومطوق # ولك المداخل في السماء بهيئة ... كسيت بهاء ضؤها يتألق # ونظمت عقدا في العقائد جامعا ... لجواهر نسقت بعرف تنسق # وسلكت في الأثر الشريف ms075 بسلك ... ك الدرر اللطيف مسالكا لا تطرق # وقلائد العقيان في تلخيصها ... نظم عجيب مستجاد مونق # نظم اللالىء المبدعات بصنعه الخ ... ط المؤنق صنعه متنمق PageV01P166 ~~والأرتماطيقي علم قل من ... يدريه أو رسما له يتحقق # صنفت فيه مصنفا ما مثله ... حسنا كضوء البدر بل هو أشرق # وجمعت في علم الفلاحة جامعا ... لملاحة فيه الفلاح محقق # أفصحت في نظم الفصيح وفائت ... عن حر معنى لفظه يترقق # وكشفت أستار الحروف وسرها ... كشفا به رتق المغيب يفتق # وفتحت عين القوم بالتنبيه عن ... أسرار نوم وهي كنز مطبق # وبنات فكرك في العلوم عقائل ... كملت جلالا حسنها يتعشق # ولقد جلوت لنا غوامض سرها ... كالشمس يجلوها علينا المشرق # يا محسنا في قوله وفعاله ... وصفاته في الكل أنت موفق # فالحسن والإحسان من أخلاقكم ... خلقا وضدهما لكم لا يخلق # يا هاديا طرق النجاة بلطفه ... وبذي الجهالة في الهداية يرفق # يا داعيا لله في أوقاته ... وعلى عباد الله طرا يشفق PageV01P167 ~~يا عارفا بالله حقا غارفا ... من بحر توحيد كؤوسا تدهق # يا غارقا في لجة والسؤ لا ... يعروا امرىء في صفو ذكر يغرق # يا مخرجا منه نفيس جواهر ... لم يحوها إلا الذي يتعمق # يا ناصرا دين الإله وكاسرا ... جند الضلال وحزب من تزندق # يا موضح الحق المبين بحجة ... فضحت حكيما بالسفاه يشقشق # من ليس تأخذه ملامة لائم ... في الله أو يثنيه قدم أحمق # يا راقيا في كل علم ذروة ... لا يعتليها من لها يتسلق # فتحت له أبواب مقفلها كما ... فتقت له من سرها ما يرتق # يا كاشفا في كل علم معضلا ... من أسره مكبول جهل مطلق # يا من غدا من سر تأويل بدا ... في نور تنزيل الهدى يتخرق # يا حافظ العصر الذي لحديثه ... إعلان أسرار لمن يتذوق # للسنة الغراء نصرك لم يزل ... للحق يظهر والضلالة يمحق # يا شافعي العصر شافي عي ذي ... حصر غدا من حصره يتأوق PageV01P168 ~~يا من بأصل الفقه كان مؤسسا ... لقواعد ليست بنقض تطرق # نحو الرضى أتم من عمرو ومن ... زيد وأعلم من يزيد وأوثق # لأبي الأسيود ظالم خلفا ms076 غدا ... عدلا فمن هو أحمر أو أزرق # قد فاق في علم العروض خليله ... ولديه أبحره غدت تترقرق # يا من فصاحته لديها يعرب ... عجمي لفظ لا يبين فينطق # تركت بلاغته ابن وائل باقلا ... في عيه وهو الخطيب الأشدق # يا من له في الشعر نسج محكم ... وسواه فهو مهلهل وممزق # إن امرء القيس الأمير عبيده ... وجريرهم رق له وفرزدق # يا أيها الحيسوب من عن نفسه ... وهي الرضية باحث ومدقق # أنت الذي لعمى القلوب مبصر ... ولدائها أذكى طبيب يحدق # يا سيدا حاز الكمال بأسره ... في كل فن سابقا لا يلحق # ثوب التجلد سيدي متخرق ... وبقرب وصل يرقع المتخرق PageV01P169 ~~والقلب مني بالفراق مفرق ... وبجمع شمل يجمع المتفرق # والهم يغزوني بجمع جموعه ... فإذا انقضى جيش تبدا فيلق # ولدفعه أعددت جند تحققي ... منكم له مدد كبحر يدفق # من سركم سور له وحماكم ... حصن وفيضكم عليه خندق # وأنا بسابغ درعكم متحصن ... وبسابل من ذيلكم متوثق # وبسابق من لحظكم متدرع ... وبلاحق من حفظكم متدرق # وبكامل من سركم متشبث ... وبشامل من سركم متعلق # لكن باب القلب عن فرح بما ... لا يقتضي قربا إليكم مغلق # وبقربكم ووصالكم فرح ومس ... رور إليه مستهام شيق # وبحيكم وفنائكم مسترهن ... طوبى له إن كان رهنا يغلق # والصدر منشرح لبث صفاتكم ... لكنه عن شرح بثي ضيق PageV01P170 ~~عجبا له لم لا يقد وتحته ... نيران تزفر باللهيب وتشهق # هل ذاك من جلد به أو قسوة ... أوقد حتى ما به ما يحرق # بل ذا لحفظ الله حيث مقركم ... فيه فلا سوء له يتطرق # أنت المبارك حيث كنت كما بذا ... خوطبت بالكشف الذي لا يمدق # وحماك حصن لا يضام من التجأ ... يوما إليه ولا بضر يرهق # يا مرتج من فتح باب مرتج ... باب الحمى العالي الذرى لا يغلق # ثم أمنا يا داخلا فيه ولو ... أن الدماء من كل فج تهرق # وأسخر بمن يبغي أذاك وسهمه ... بالبغي عدوانا عليك مفوق # فالمكر سيئه يحيق بأهله ... والسهم من ذي البغي فيه يمرق # لا تأرقن من خوف سطوة حاسد ... إن الممنع بالحمى لا ms077 يأرق # للسلم فيه مع السلامة مشرق ... والأمن منه مع الأمانة مشرق PageV01P171 ~~والله إن حمى الرضى لمانع ... لا يستطيع له عدو يخرق # لا يعتدي سبع عليه مثلما ... لا يعتلي عدوا عليه محلق # والله إن حمى الرضى لجامع ... حربا وسلما مهلك أو مشفق # بر لمن والاه روض مثمر ... وعلى الذي لاواه قفر سملق # بحر لراجيه فرات مغدق ... ولمن يناوئه أجاج مغرق # والله إن حمى الرضى لهامع ... جودا به كل المعاهد تلتق # فالفضل للآفاق منه شامل ... لكن بفاضل في العطاء ويافق # فالكل من أهل الحمى يعطى على ... حسب المقام وليس فيه مملق # والله إن حمى الرضى لساطع ... بسنا به بصر البصيرة يبرق # نور على أهل الهداية مشرق ... كالشمس تشرق في الضحى بل أشرق # يهدي به الله إلى سبل الهدى ... في ليل جهل بالضلالة يغسق # والله إن حمى الرضى لنافع ... حيث الخلائق في القيامة تغرق # بعد النبيين الرضى مشفع ... بالصالحين وذي الشهادة ملحق PageV01P172 ~~والعاملين بعلمهم مع أهل تص ... ديق يرافقهم ولم يتفرقوا # والله إن حمى الرضى لواسع ... عن كل أهل الأرض لا يتضيق # فيه الضعيف مع القوى وذو الغنى ... وكذا الفقير وذو الحجى والأخرق # فاقصد حماه تفز بكل سلامة ... إن الحوادث للحمى لا تطرق # وقصيدتي الخائية المعجمة، المنبئة عن شرح الحال والمترجمة، وهي مرثاة فيه ~~رضي الله تعالى عنه أيضا، وهي: # عقد التصبر بعد بعدك يفسخ ... والقلب من حمل الأسى يتفسخ # وجوى الجوانح من جوائح دهرنا ... نيرانه تذكو ولا تتبوخ # والبين يصرخ بيننا بجموعه ... رفقا بنا نفسا فهل مستصرخ # أذهبت عين زماننا فضيائه ... بظلام جهل من عماه ينسخ # وخفضت رتبته بوهن بعدما ... قد كان يعلو بالرضى ويشمخ # فاجبر مصابك يا زمان بنشر ما ... أبقاه من طيب به تتضمخ # من كل علم كان فيه مفردا ... وبه له قدم التقدم يرسخ PageV01P173 ~~ومعارف وفرت له سهما وما ... من عارف إلا ومنها يرضخ # وعوارف في الدين أبدت حجة ... للحق تجبر والضلالة تفدخ # ومؤلفات في الفنون فرائد ... أبدا تدون في الطروس وتنسخ # ودوام فيض ليس يجزر مده ... غدق مريع ms078 في العوالم ينضخ # ومكارم لم يحص عد صنوفها ... مع الاختصار مترجم ومؤرخ # لم ينقطع عمل الرضي فعلمه ... للخلق والأكوان سيل يجلخ # أو بدر أو شمس الضحى أو أنجم ... تهدي بليل أو جبال شمخ # عم العباد دينهم وسريهم ... وكذا البلاد مضيقها والسربخ # لم ينفه إلا حسود جاهل أحمق ... أعمى البصيرة أو أصم أصلخ # كم من إمام في العلوم مفنن ... قد قام دون مقامه يتدربخ # والجود منه جرى كبحر زاخر ... ما عن عموم الكون منه برزخ # أو كالسحاب الرطب أرخى في الملا ... أهدابه لم يخل منه فرسخ PageV01P174 ~~الملا والوقف منه جرى ففي أوكاره ... أمنا أقام معشش ومفرخ # والثالث الولد الذي هو صالح ... أرجو بأني لست منه أسلخ # فالفيض من إمداده قد عمني ... فغدوت أعشب إذ حسودي يسبخ # وبخمس عشرة قد بلغت نهاية ... وبسبع عشرة أنني متسيخ # وعصرت من لب المعاني دهنه ... إذ للنوى والقشر غيري يرضخ # ولبست ثوب جلالة من غير ما ... دنس وحاشا أنه يتوسخ # عنوان ذاك مبشر أن الرجا ... حق وليس لباطل يتجوخ # هذا وتقصيري عريض طائل ... وأنا بسيري في مداه أملخ # إني لأخشى من قيامي في غد ... في موقف لم يلف فيه مصرخ # ومعنف لي بالذنوب وقائل ... ماذا صنعت بعلمنا وموبخ # لكنني أرجو بجاه محمد ... من قدره يعلو الأنام ويبدخ # هادي الورى وشفيعهم في الحشر إذ ... في الصور إسرافيل يوما ينفخ PageV01P175 ~~تطهير نفسي من ذنوب دنست ... لصحائفي وغدت بها تتلطخ # وعلى الصراط ثبات أقدامي إذا ... أقدام أهل الشر عنه تزلخ # وأرافق العلماء منهم والدي ... في ظل عرش للهجير يبوخ # تحت اللواء الأحمدي وحوضه ... شرب لنا يروي الفؤاد وينقخ # ونجاور الرحمن في فردوسه ... وهو المقام الأقدس المتزمخ # ونرى الإله على الدوام ووجهه ... باد فبخ بخ ذاك منه يبخبخ # وعلى النبي محمد من قد زكت ... أعراقه شرفا وطابت أسنخ # والآل والأصحاب من بسيوفهم ... محقوا رؤوس الكفر لما دوخوا # أزكى صلاة مع سلام لم يزل ... في الكون عرف شذاه مسكا ينضخ # وقصيدتي التائية المثلثة، الجامعة لأسماء من قيل فيه إنه من المبعوثين ms079 ~~لتجديد دين الأمة في رأس كل قرن، وهي هذه: # قد صح في الأخبار أن الهنا ... في أول من كل قرن باعث PageV01P176 ~~من جدد الدين القويم وقد رأوا ... عمر الخليفة أولا يا حارث # والشافعي برأس قرن بعده ... ويقال إن الأشعري الثالث # والأستراباذي قيل ورجحوا ... إن السريجي الإمام الوارث # والأسفرايني مع سهل قضى ... في رابع فقضى بكل باحث # ورأيت من عد الإمام الباقلا ... ني المجدد وهو قول ثالث # والخامس الطوسي حجتنا فكم ... خفيت بطيب ظهور ذاك خبائث # والفخر سادسهم أو الحبر الإما ... م الرافعي فذاك غيث غائث # والسابع الشيخ الإمام ابن دقي ... ق العيد جزما فهو ليث لائث # والثامن البلقيني قد بعثت على ... إعطائه هذا المقام بواعث # أو أحمد الغزي جدي فهو من ... جادت له عند الجدال مباحث # أو حافظ العصر العراقي الذي ... زالت بنصرته الحديث حوادث # أما السيوطي الجلال فمن يقل ... هو تاسع لهم فما هو عابث # ولئن حلفت بأنه شيخي الإما ... م الشيخ زين الدين ما أنا حانث PageV01P177 ~~فيه أغاث الله جل عباده ... فلجأ له العافي ولاذ اللاهث # وأظن أن العاشر المهدي أو ... عيسى يجيء بدين قرن حادث # فالأمر أقرب ما يكون فقد بدت ... أشراط الأخرى والمسير حثاحث # فالعالم المحمود مدحور وذو الجه ... ل الظلوم كذئب سوء عائث # والكذب فاش والأمانة ضيعت ... والشر ناش والمعاهد ناكث # والقبض للعلم ابتدى أوما ترى ... قبض الأئمة وهو خطب كارث # والعلم يرفع إذ أهين ورفعه ... في الأرض إن لم يبق منهم لابث # وأنشدته من قصائدي غير ذلك، وهذا القدر كاف ذكره هنا، وأنشدته من ~~المقاطيع جملة مستكثرة منها قولي ونقله بخطه الكريم: # أقول للصبح حين أجرى ... عوائدا منه بالفراق # لا أشكر السعي منك حتى ... تكون لي رائد التلاق # وكذا قولي في مقابلة هذا المعنى أيضا: PageV01P178 # شكرت سعي الصباح لما ... وافى بشيرا بالاجتماع # وقلت غفرا لما جنته ... يداك في حالة الوداع # وقد مر الأول في أوائل الرحلة وسنعيد ذكر الثاني عند محله إن شاء الله ~~تعالى وقولي، وهو أول شىء نظمته مطلقا: # يا رب يا ms080 رحمن يا الله ... يا منقذ المسكين من بلواه # امنن علي وجد بما ترضاه ... بجميل فضل منك يا الله # وقولي: # قد هتفت ورقاء ليلا فهيجت ... لواعج شوق فالدموع سواجم # ذبت وبيت الله لو كنت صادقا ... لما سبقتني بالبكاء الحمائم # بعد أن أنشدته بيتي أبي العباس أحمد بن يحيى بسندنا إليه، وهما: # لقد هتفت في جنح ليل حمامة ... إلى إلفها شوقا وإني لنائم PageV01P179 ~~كذبت وبيت الله لو كنت عاشقا ... لما سبقتني بالبكاء الحمائم # وقولي: # من رام أن يبلغ أقصى المنى ... في الحشر مع تقصيره في القرب # فليخلص الحب لمولى الورى ... والمصطفى فالمرء مع من أحب # بعد أن أنشدته بيتي شيخ الإسلام ابن حجر رحمه الله تعالى بسندنا إليه، وهما: # وقائل هل عمل صالح ... أعددته يدفع عنك الكرب # فقلت حسبي خدمة المصطفى ... وحبه، فالمرء مع من أحب # فطرب لمقطوعي طربا موصولا بسرور، وارتاح لهما ارتياح الصادي بعد الصدور، ~~وترنح لسماعهما ترنح الغصن النشوان، وقال عنهما وعن إماميها ليس الخبر ~~كالعيان، وليس كل إمام يستحق التقديم، ولا كل إنسان تجوز عليه الصلاة ~~والتسليم، وأنشدته أيضا قولي ملغزا: PageV01P180 # إذا ما اشترت بنت أباها وعتقه ... به مستقر ثم أعتق عبده # وعن بنته قد مات ثم ابن عمه ... ومات بلا وراث العبد بعده # فهل يرث المعتوق ذي البنت وحدها ... أو البنت وابن العم أو هو وحده # وجواب شيخ الإسلام الوالد عنه بقوله: # يجوز ابن عم للعصوبة ماله ... وليس لبنت ما تحاول قصده # وميراثها بالعتق من بعد عاصب ... بنفس نسيب حيث قدرت فقده # وقد غلطت فيه قضاه ميؤن قد ... غدت أربعا والحمد لله وحده # وأنشدته منها غير ذلك وقد قيد كثيرا منها بخطه، وكتبت له ملغزا: # يا إماما له الفضائل تعزى ... وهماما أضحى لراجيه كنزا # ما بسيط حروفه ليس تحصى ... وهو حرفان لا سوى أن تجزا # كل جزء منه استوى القلب إما ... جاء معنى أو جاء للفظ يعزى # نصفه ربعه ولا ربع فيه ... وسوى الخمس منه ما تم أجزا PageV01P181 ~~واذا ما تصحف البدء منه ... فهو وصف لكامل نال ms081 عزا # أضمر القلب غادة إن تصحف ... آخرا فهو قولها حين تهزا # وعلى حمل صخرة ذو اقتدار ... ثم عن حمل إبرة سام عجزا # هاكه واضحا بدون خفاء ... لغزه ظاهر وإن كان رمزا # دمت في رفعة وحفظ إلهى ... لك دوما حصنا حصينا وحرزا # فأجابني عنه أسبغ الله ظله بقوله: # زادك الله بالدراية عزا ... فلقد قمت للهداية كنزا # يا بديع الألفاظ غر المعاني ... صار منك البيان للدهر طرزا # من يجاريك في العلوم يجاري ... اليم والمجد من تجرية يهزا # إن لغزا أرسلته فاق بدر الت ... م حسنا وأورث الفكر عجزا # من يفتش فليس يلقى له ثم نظي ... را فقد تفرد رمزا PageV01P182 ~~ثم من يبتغي مضاهاته لا ... تسمع الأذن منه في ذاك ركزا # وتراه وقد تحير مما ... نابه للفرار يجمز جمزا # من يطق يلمس السماء ويأتي ... بالدراري حتى يحاكيه لغزا # قلت لما أجبت عنه إذا ما ... إبل لم تكن لدي فمعزى # غير أني بالستر منه وثيق ... فإليه كل الفضائل تعزى # دام في نعمة وظل سعود ... ما أمال النسيم غصنا وهزا # ثم كتب هو إلي لغزا، فقال: # يا من غدا وكواكب الجوزاء ... تعنو لرتبته لدى العلياء # ما اسم تراه مثلثا ومسدسا ... وبه تبين غوامض الأشياء # حرف وصحف آخرا منه يكن ... فعلا لمن يأتيك بعد مساء # ومتى تحرف فاءه مع عينه ... كانت مواقعه كما الحلواء # ويكون ظرفا إن تصحف فاءه ... ويجوز منك جلائل النعماء # ومتى تحرفها تجده مسارعا ... فيما تحب على أتم وفاء PageV01P183 ~~وبقلبه تلقاه سباقا إلى ... شىء تعينه بدون عناء # وإذا حذفت اللام من مقلوبه ... تلقاه فعل الخائف المتنائي # واقلبه يبقى فعل شىء تلقه ... يدنو ويبعد من حذار لقاء # واسم لشىء فيه رفق بين ... يزهيك منه حذاقة الإيواء # وانظر إليه وحله بجواهر ... من لفظك المخصوص باللآلاء # واسلم ودم في دولة وسعادة ... ما عوقب الإصباح بالإمساء # فأجبته عنه بقولي: # ألغزت لي يا سيد الفضلاء ... في العصر بل يا أوحد العلماء # في اسم يكون مثلثا ومسدسا ... ومع التعمي عمدة البصراء # فيه من السر البديع عجائب ... وغرائب تبدو بدون ms082 خفاء # يلفى مثنى في الوجود ومفردا ... مع أنه يسمو عن الإحصاء # لا همز فيه ومن عجائبه يرى ... والهمز فيه شامل الأجزاء # حرف لأوسطه تجده أولا ... أو آخرا من غالب الأشياء PageV01P184 ~~ولختمه صحف وحرف ما بقي ... منه يكن في البحر والبيداء # وإذا عكست فمن نبات تلقه ... أيضا وحلى الغادة الحسناء # وتراه للممنوع جاء محللا ... إذ لامه صارت مكان الفاء # وتراه رأي العين وثبا ظاهرا ... مع نقل آخره لعين الراء # هذا جواب اللغز يا من مجده ... سام عن الأمثال والنظراء # لا زلت في عز وسعد ما زهى ... نجم بأرض أو سما بسماء # (وذكرت له أنه رفع لي سؤال قديما صورته: # ما قولكم يا سيد الفقهاء ... في العصر يا أوحد العلماء # يا شيخ الإسلام الذي ألفاظه ... زين الدروس وحلية الإفتاء # في مشكل أمر النبي ونهيه ... جامعا في جلسة الإقعاء # ما الجمع بينهما، وهل صحا معا ... أو لا، فبين ذاك يا مولاي # لا زلت كهفا للأنام وملجأ ... ما عوقب الإصباح بالإمساء # وبقيت في عز وسعد دائم ... وسعادة لا تنقضي وهناء PageV01P185 ~~فأجاب بأنهما صحيحان وأنهما محمولان على معان، فذكرت أن جوابي موافق لما ~~ذكره، أسبغ الله ظله ومد عمره، ومعنى الجواب: # من بعد حمد الله ذي الآلاء ... حمدا كثيرا جل عن إحصاء # قد صح عن هادي الأنام محمد ... أمر ونهي منه عن إقعاء # والجمع بينهما بأن الأمر في ... شيء وأن النهي في أشياء # فالأمر وضع الأليتين بباطن ... الأقدام وافر منها كالاستلقاء # والنهي للوركين تجلس ناصبا ... فخذيك مثل الذئب والعواء # وأبو عبيدة زاد وضع يديه مع ... هذا بأرض أو نجود وطاء # أو غير هذا والكراهة قد حكوا ... في الكل عن جمع من الفضلاء # هذا جواب محمد الغزي من ... يرجو من الرحمن خير عطاء # ثم الصلاة على النبي وآله ... والصحب والأتباع والعلماء) PageV01P186 ~~وأنشدته لشيخ الإسلام الوالد مما استجد له من النظم بعده جملة، وكتب غالبها ~~بخطه، فمن ذلك قول شيخ الإسلام موريا: # قولوا لمن ينكر ما ... ينكره من حالتي # النصح حقا لك أن ... ترجع عن ملامتي # وقوله ms083 رضى الله ناظما للحديث الشريف، وهو من أحسن ما قيل وأبلغ: # قال محمد رسول الله قولا صادقا # تركت فيكم واعظين صامتا وناطقا # الموت والقرآن كن بصدق هذا واثقا # وقوله رضى الله عنه: # وحقك ما قلبي بغيرك مغرم ... وأنت بصدق الحال يا رب أعلم # أزلت النوى عني برحمتك التي ... بها أنت بي مني أبر وأرحم # وكرمتني حتى جمعت تفرقي ... وأفنيتني عني فمن منك أكرم # لك الخلق والأمر الذي عم حكمه ... وجودا وإبداعا وحكمك محكم # وما ثم إلا أنت يخشى ويرتجى ... ويقصي ويدني كيف ما شاء يحكم # ويا فوز من بصرته فرأى الهدى ... وصار عن السر الخفي يترجم PageV01P187 ~~ويا ويل من أعميته فهوى إلى ... حضيض به نار الجهالة تضرم # وكل لما قدرته متوجه ... بعزم عليه جازم ومصمم # وذلك فيه حكمة ومحجة ... على ذي ضلال حيث لا يتظلم # تباركت يا مولى الموالي مقدسا ... عن الشرك والشك الذي يتوهم # تعززت يا الله عن وصف واصف ... يحوم على كنه يجل ويعظم # وما عارف إلا الذي صار فانيا ... وما هو إلا مسلم ومسلم # إلهي كما أفقدتني الغير موجدا ... وجودا به كل العوالم تعدم # أدم لي الفنا حتى أكون بلا أنا ... بجنة رضوان الرضى أتنعم # وقوله رضي الله عنه: # يا غياثي وملجأي وعياذي ... أنت ربي وسيدي وملاذي # يا إلهي من لي سواك مغيث ... يتولى من الأذى إنقاذي PageV01P188 ~~فأجرني إذ لا سواك مجيري ... وأعذني إذ لا سواك معاذي # قد تركت السوى انتباذا وطرحا ... فأدم لي ترك السوى وانتباذي # والتذاذي في الفقد فيك فحقق ... فيك فقدي حتى يدوم التذاذي # واتخاذي عبدا به يا هنائي ... أن أودي إليك شكر اتخاذي # فمعي حيث كنت في شهودي ... وبقلبي إن كنت فيه لواذي # فأنلني احترام حضرة أنس ... غيبتني عن حرمة الأستاذ # واسقني صرف كأس منة فضل ... يا غياثي وملجأي وعياذي # وقوله رضي الله عنه: # إني من الله في رعاية ... مذ لاحظتني عين العناية # ومذ حماني من السوى لم ... أزل من السوء في حماية # قولوا لمن ظل في ضلال ... هلكت فارجع إلى الهداية # ما ms084 تنتهي عن أذاك إلا ... أن ينتهي فيك للنهاية # يوقعك الله في نكال ... أضعاف ما رمت من نكاية PageV01P189 ~~ويك اتق الله ليس مما ... يوقعه فيك من وقاية # ما غاية الظلم غير خزي ... ولعنة الله لا لغاية # يا من نوى أن علي يجنى ... عليك قد حقت الجناية # من مالك الملك سيدي لي ... جاه عظيم ولي ولاية # وآية الحق نصره لي ... بسطوة وهي أي آية # كفيت بالله وهو حسبي ... وهو تعالى فيه الكفاية # وقوله رضي الله عنه (قديما ولا مزيد على قوافيه): # الله حسبي على قوم علي بغوا ... وبالأباطيل في عرضي المصون لغوا # قوم إذا سمعوا عني الجميل عموا ... عنه وصموا وإلا فتشوا وصغوا # وإن رأوني بضر سرهم ضرري ... وإن رأوني بخير أزبدوا ورغوا # يا رب عاملهم بالعدل منك وخذ ... حقي وحقق بهم ما حاولوا وبغوا PageV01P190 ~~يا رب قد مكروا فامكر بهم عجلا ... فإنهم حسدوني وافتروا وبغوا # يا رب إني ضعيف يا قوي ومن ... سواك يأخذهم أخذ الذين طغوا # وقوله أيضا رضي الله عنه، وهو مجرب للفرج: # يا رب من كل الوجوه تضيقت ... واشتد من كل الجهات المخرج # إن لم تفرجها بفضل واسع ... عنا وإلا من سواك يفرج # وقوله رضي الله عنه، وقد قاله في عالم برزخي، وأصبح يحفظه: # إني من حيث الجسوم ... والرسوم والصور # كأسطر دلت على ... آي المعاني والسور # وهي حروف ما لها ... معنى سوى عين الأثر # لو كنت روحا لم أزل ... عطلت كل معتبر # وما عرفت أزلا ... بالعقل أين المستقر # أو كنت من جسم فقط ... من كان يدري ما الخبر PageV01P191 ~~وقبل كانت طينتي ... ليست تبالي بسقر # فائتلفا فاشفقا ... بالوهم من حر الشرر # وما على كل إذا ... عرفت حقا من ضرر # ولنختم ما ذكرناه هنا من درر ألفاظه الثمينة بقوله رضي الله عنه: # قد بان بالكشف أن لا بغير الس ... تر والصفح الجميل اعتصام # وبان لي أن ليس للعبد مع ... سيده إلا الرضى والسلام # وقد عمت البركة هذه الرحلة بما سقناه من كلام قطب الأنام، جمعنا الله ~~تعالى به # في دار ms085 السلام، بجاه سيدنا محمد عليه أفضل الصلاة والسلام. # ومما أخذه عني مولانا المشار إليه قاصدا به الجبر، وتعظيم القدر كتابي ~~المسمى بالدر النضيد في أدب المفيد والمستفيد، وكتابي المسمى بالبرهان ~~الناهض في نية استباحة الوطيء للحائض، وقد أهديت له نسخة بهما، فجبر ~~بقبولهما، وأظهر الاستبشار بحصولهما، وأحاط علما بما فيهما، وقرأهما من ~~قوادمهما إلى خوافيهما، وشرحي المعجز العجيب السهل القريب، الذي لم أسبق ~~بحمد الله إلى مثاله، ولم ينسج مؤلف على منواله، مع سهولة المدارك، ووضوح ~~المسالك، الموضوع منظوما مع المزج على ألفية ابن مالك، مع توفيته ببيان ~~مقاصدها وشروحها بل بمقاصد قواعد العربية وتوضيحها المسمى بالبهجة الوفية ~~بحجة الألفية ومختصره اللطيف الجامع الوجيز (المسمى بدار تم الخصاصة عن ~~قارىء الخلاصة)، وقد شرعت في كتابته PageV01P192 ~~في منزله العزيز، وغير ذلك من المؤلفات، وهي الآن بحمد الله زهاء سبعين ~~مؤلفا، ومما نقله عني ما أخبرته به بسندي إلى قاضي القضاة تاج الدين السبكي ~~أنه كان يوما في مجلس والده شيخ الإسلام تقي الدين وجرى ذكر الحريري وأنه ~~ترنم يوما في خلوة بقوله في المقامات: # من ذا الذي ما ساء قط ... ومن له الحسنى فقط # وأنه سمع هاتفا يقول ولم ير شخصه: # محمد الهادي الذي ... عليه جبريل هبط # قال فقلت بحضرة الشيخ الإمام كان ينبغي أن يجيب بقوله: # وذاك فرد نادر ... أعذر فيه للغلط # وإن مما عد من محاسن الشيخ شمس الدين بن عدلان شيخ الشافعية في زمنه أنه ~~سئل هل الأفضل أبو بكر أم علي؟ وكان في مكان لا يمكنه فيه التصريح بمذهب ~~أهل السنة، فقال: علي أفضل القرابة وأبو بكر أفضل الصحابة، انتهى. ولا شك # أن أفضلية الصحابة يلزم منها أفضلية القرابة، فإن القرابة الصحابة قد ~~دخلوا في المفضولين وغيرهم معلوم فضل الصحابة عليهم فتأمله، وهو أحسن من ~~جواب ابن الجوزي حيث قال: أفضلهما من بنته تحته لما سئل من أفضل الناس بعد ~~النبي صلى الله عليه وسلم أعلي أم أبو بكر، فإن فيه إيهاما، ولذلك لما خاف ~~من الاستفسار ms086 نزل عن كرسيه في الحال وأنشدته لأبي نصر الفارابي رحمه الله: PageV01P193 # أخي خل حيز ذوي باطل ... وكن بالحقائق في حيز # فما الدار دار مقام لنا ... ولا المرء في الأرض بالمعجز # ينافس هذا لهذا على ... أقل من الكلم الموجز # وهل نحن إلا خطوط وقعن ... على نقطة وقع مستوفز # محيط العوالم أولى بنا ... فماذا التزاحم في المركز # فنقل جميع ذلك مع غيره، وسألني عن وصل الوتر هل الأفضل أن يكون بتشهد أو ~~بتشهدين؟ فقلت: القاعدة أن ما كان أكثر عملا أو أشق كان أفضل، لكن ذكر ~~جماعة من أصحابنا أن فعله بتشهد واحد أفضل لخبر أبي داود أنه صلى الله عليه ~~وسلم أمر بذلك وقال: لا تشبهوا صلاة الوتر بصلاة المغرب. # وسألني عن مسألة الاغتراف فأوسعت له تقريرها، وذكرت له أن ملخص ذلك أن ~~الصحيح من المذهب سنها، وأنها بعد النية في الغسل، وبعد غسل الوجه في ~~الوضوء، وهل تعتبر الغسلة الأولى فيه فقط أو الغسلات الثلاث خلاف مشي ابن ~~عبد السلام على الأول والزركشي على الثاني، والأول هو الذي اعتمده شيخ ~~الإسلام الوالد، والثاني هو الذي مال إليه شيخنا شيخ الإسلام زكريا واخترته ~~في شرحي الكبير على المنهاج والاحتياط مع الأول، وأنشدته لشيخ الاسلام زين ~~الدين خطاب: PageV01P194 # أوجب جمهور الثقات الظراف ... عند التوضيء نية الاغتراف # من بعد غسل الوجه من بلعها ... فماؤه مستعمل لا خلاف # ووافق الشاشي ابن عبد السلام ... في تركها والبغوي ذا العفاف # وابن العجيل الحبر أفتى على ... إهمالها والحبر فتواه كاف # وسألني عن بيع المرتد ما الراجح فيه؟ فقلت: صحته كما صححه النووي في كثير ~~من كتبه ويؤخذ تصحيحه من المنهاج أيضا، فقال: من أين؟ فقلت: من قوله في باب ~~الخيار ولو قتل بردة سابقة ضمنه البائع في الأصح فسر بذلك، وأنشدته لشيخ ~~الإسلام الوالد رضي الله عنه سؤالا ملغزا، وهو: # أيها الشيخ الفقيه أجب ... عن سؤالي وأبن ما خفى # أي شيء بيعه جائز ... وهو لا يضمن إن أتلفا # وجوابي عنه بإشارته رضي الله تعالى عنه بقولي: # يا ms087 إماما في العلوم غدا ... راقيا من العلا غرفا # خذ جوابا عن سؤال به ... زاد قدري في الورى شرفا # ذاك مرتد فقد صححوا ... بيعه وأهدره إن أتلفا PageV01P195 ~~وسألني عن لغز سمعه وهو نجس العين يطهر نجس العين، فذكرت له أن شيخ الإسلام ~~الوالد سألني عنه في بيتين وهما: # يا سيدا هو بفقه في الورى يشتهر ... أوضح لنا ما نجس لنجس يطهر # وإني أجبته بقولي: # هذا الذي سألت عنه هو فيما يظهر ... نجس دبغ دابغ به الإهاب يطهر # ويمكن الجواب عنه أيضا إذا لم يقيد النجس بنجس العين بما أشرت إليه في قولي: # إذ خلط ماء نجس بمثله فيطهر ... إن قلتين بلغا ولم يكن تغير # واستجازني لولده النبيل العريق الأصيل اللبيب النجيب الحسيب النسيب ~~الشهابي أبي العباس أحمد، ولأولاد ولده المذكور وهم: الموفقي عبد الرحمن، ~~والسيدة # راضية تاج الشرف، وعينهم ورأسهم النجمي أبو الفرج محمد، كثر الله تعالى ~~وتبارك من هذه السلالة الزكية وبارك، وقد أجزتهم بالشرط المعتبر عند أهل ~~الأثر، جميع ما يجوز لي روايته وتصح نسبته إلي ودرايته، وكتبت له صورة ~~استدعاء باستجازته لولدي أحمد شهاب الدين وأخوته، أنشأهم الله تعالى نشوء ~~الصالحين، وجعلهم من حزبه المفلحين، ولفظه: # بسم الله الرحمن الرحيم # الحمد لله الذي أطلع بدر دينه المشرق من مشرق آيات كتابه العزيز، وأعجز PageV01P196 ~~الفصحاء والبلغاء بإعجاز فصاحته وبلاغته غاية التعجيز، وجعل العلماء ورثة ~~الأنبياء، فورثوهم العلم الفائق على الدر والإبريز، وعمهم بتوفيقه لهداية ~~عباده وخصهم بالتقديم والتبريز، وأظهرهم على أسرار شريعته بما منحوا من صدق ~~التصوير وحسن التمييز، وأظفرهم بآثار حكمته فلمحوا وجه الأمر والنهي ~~والتجويز، وأرشدهم لسلوك مجاز حقيقته وأبهج بعموم كرمه المجاز منهم ~~والمجيز. # أحمده حمد من لم يشهد سواه من بلوغ سن التمييز، وأشكره شكر من غمرته نعمه ~~وعطاياه من وقت النشأة وإلى حين التجهيز، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا ~~شريك له، شهادة تنجي مخلصها من فنون الهلكات، وتحله من حصون النجاة في حرز ~~حريز، وأشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله وحبيبه ms088 وصفيه وخليله المختص بجوامع ~~الكلم ذات المعنى البسيط واللفظ الوجيز، صلى الله عليه وسلم وعلى آله ~~وأصحابه ما نسج ديباج المعاني على منوال البيان حللا بديعة التفويف ~~والتطريز، أما بعد: # فالمسؤول من فضل مولانا البر الإمام الأفضل، والبدر التمام الأكمل، ~~والبحر الطام الذي هو مع أمنه البارد العذب، والحبر الهمام الذي هو للأحبار ~~رأس وغيره # كعب، ذي الحسب الصميم الظاهر، والنسب الكريم الطاهر، والجلال الباهي ~~الباهر، والجمال الزاهي الزاهر، والكمال المتجلي في أعلى كمالات المظاهر، ~~والفضل الذي تطفل الفاضل على موائده، واستسقى من نمير موارده، والبيت الذي ~~نمي على قواعد الدين بل نمي الدين على قواعده، فقام على أرفع أركان وأثبت ~~أساس، كيف وبانيه عم النبي صلى الله عليه وسلم أبو الفضل العباس، فهو ابن ~~عم من ختمت به الرسالة والنبوة وعمته بركة العمومة الزاكية والبنوة، فعمرت باطنه PageV01P197 ~~وظاهره، وغمرت وارداته وخواطره، فبرز في سماء الكمال بدرا منيرا، وظهر من ~~فحول العلماء ملكا مهيبا وسيدا كبيرا، وبلغ في فنون العلوم قصب السبق عند ~~النضال، وصال في ميادين البلاغة الواسعة الشاسعة وجال، مظهرا ما اختفى على ~~غيره من غوامضها ومجليا، ومطرزا من إبريز ألفاظه الرائقة حللها ومحليا، فما ~~من إمام وإن تقدم عصره إلا وتأخر عنه مصليا، وتقدم بين يديه (خاضعا و) مسلما: # تلك المكارم لا أرى متأخرا ... أولى بها منه ولا متقدما # قد غمر ألباب الفصحاء ببحر بيانه الزاخر، وسخر بها حين سحرها بسحره ~~الحلال، فنادته يا أيها الساحر يا أيها الساخر، ونهض برهانا جليا ودليلا ~~قويا على كم ترك الأول للآخر، من جمع الله له بين العلم والعمل، ومنحه من ~~كل فضل فوق بلوغ الأمل، ووهبه مع شرف الذات شرف الخصال وخصال الشرف، وجعل ~~شرفه في الخير حجة على من قال لا خير في الشرف: # شرف يطل على السماك وسؤدد ... كالصبح لا يسع العدا إنكاره # مولانا السيد الكريم، والسند العظيم، شيخ المسلمين بدر الدين أبو الفتح ~~عبد الرحيم العباسي الشافعي، أدام الله تعالى إسباغ ظلاله، وأصحبه التوفيق ~~والتسديد في ms089 سائر أقواله وأفعاله، التفضل بإجازة ولد كاتب هذه الأحرف أبي ~~الفضل أحمد PageV01P198 ~~شهاب # الدين وأخواته خديجة وجويرية وأصيل، ومن سيحدث له من الأخوة على مذهب من ~~يرى ذلك جميع ما يجوز له وعنه روايته، وما تصح إليه نسبته ودرايته، وما له ~~من تأليف وجمع وترصيف، على اختلاف أنواع ذلك وأصنافه، وتعدد نعوته وأوصافه، ~~من إيجاز وإسهاب، وانتقاء واقتضاب، وشروح ومتون، ومنثور ومنظوم في سائر ~~الفنون، مردفا ما يسديه إليهم من التفضل والفضل، بما أسداه إلى أبيهم من ~~قبل، وإن تفضل مع ذلك بذكر مولده ومنشئه وبلده، وأسماء أعيان شيوخه الأئمة، ~~وعلماء الدين وهداة الأمة، وتعداد بعض أسماء تآليفه النافعة، وتصانيفه ~~الجامعة، مطرزا ذلك بما يصوغه من مناظيمه البارعة، ومقاطيعه الرائعة، وبعض ~~أسانيد مروياته إن تيسر، فهو من فضله ومن أهله، ونرجو أن يكون في محله، ~~والمرجو من الله تعالى أن يحقق الأمل، ويرزقنا الخلوص في القول والعمل، ~~والله يمد ظله الوريف، ويديم سعده الشريف، ويوفقنا وإياه لما يزلف لديه، ~~ويتطول بكرمه على تقصيرنا يوم العرض عليه بمنه ويمنه آمين. # فكتب في جواب ذلك: # بسم الله الرحمن الرحيم # الحمد لله الذي أنار ببدر الدين أفق المعارف، وجعله في حرم الفضائل كعبة ~~مجد يحجها البادي والعاكف، وصيره للعلوم ركنا يستلمه كل ساع وطائف، فما شهد ~~معانيه أحد إلا طرب وزمزم، ولا شاهد رفيع مقامه ممار إلا صلى على النبي ~~وسلم، واستمسك بالعروة الوثقى من وفائه وتذمم. # أحمده حمد معترف بالعجز والتقصير، وأشكره شكر مغترف من بحر فضله العذب ~~النمير، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادة تقضي لقائلها ~~بالجنة، وتكون له من الموبقات جنة، وأشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله وصفيه ~~وحبيبه وخليله، المبعوث إلى سائر الأمم، والمنعوت بشيم المحاسن ومحاسن الشيم، # صلى الله وسلم عليه وعلى آله وأصحابه وخواصه وأحبابه، ما استمد قلم لكتابة PageV01P199 ~~إجازة، ورقم به بليغ بلاغته وإعجازه، وبعد: # فإن المرء وإن يكن في نفسه حقيرا، وعن تسنم رتب العلوم لا يألو توانيا ~~وتقصيرا، فربما ms090 يشهد فيه بلوغ إلى صهوات العلوم، ورقي إلى أسنى درجات ~~المنثور والمنظوم، فضلا من الله ومنة، وسترا لما بباطنه أجنة، وشعاعا من ~~نور عالم انعكس إليه، فرأى فيه ما هو مقرر لديه، ولولا ذلك لما سئل الفقير، ~~مع ما جبل عليه من العجز والتقصير، من علامة الزمان، ونادرة العصر والأوان، ~~البحر ابن البحر، وأجل مفاخر الدهر، شيخ الإفتاء والتدريس، وقرة عين مولانا ~~محمد بن إدريس، العلامة ابن العلامة، المخصوص بالتقدم في المراتب العلمية ~~والإمامة، الشيخ الإمام المحقق المدقق بدر الدين أبي البركات محمد بن ~~المرحوم الشهيد السعيد شيخ الإسلام رضي الدين أبي الفضل محمد بن مولانا ~~الشيخ الإمام العلامة شيخ المسلمين رضي الدين الغزي العامري الشافعي. من ~~جعل الله منهاجه للطالبين إرشادا، وللراغبين في مهمات الدين توفيقا وسدادا، ~~كم رفع للرافعي علما منشورا، وأحيا لمحيي الدين النووي ذكرا كان مقبورا، ~~وسقى الروضة من فضله عذبا نميرا، وأصبح روض اليمنى لسحائب فوائده ممطورا، ~~والمنهج القويم بمهذب أبحاثه واضح المسالك، وأضحى العزيز بلفظه الوجيز سهل ~~المدارك، وأبحاثه المفيدة بغرائب تدقيقها قوت الأرواح، وتآليفه الفريدة ~~ببديع بيانها عروس الأفراح، فرع فاق الأصول، وغاص على درر الأصلين فحصل على ~~أعظم محصول، ووشح ألفية ابن مالك بجواهر نظمه ونثره، وأتى من نير فوائده ~~بما لا ينكر من نور بدره، وفك مأسور الإفهام بتقييده المطلق، حين فتح الله ~~عليه بفتح المغلق، كم أبدع في تأليفاته وأغرب، وأدهش في مصنفاته وأعجب، ~~ورصع من درها النضيد وجوهرها الفريد في صفائح صحف الفضائل، ما أعجز الأواخر ~~ولم يأت بمثله الأوائل، فلله دره من عالم PageV01P200 ~~حاز قصب السبق في ميادين العلوم، وملك أزمة أفانين المنثور والمنظوم حسب ~~البليغ العجز عن أوصافه لو جاء بالزهر الزواهر تزهر، أو حاول الشعرى لدى ~~اشعاره قالت علاه إنه لا يشعر، لا زالت فوائده غررا في جبهات الطروس، ~~وفرائده دررا تتقلد بها نفائس النفوس، ما جرت جياد الأقلام في ميادين ~~الكلام ببديع النظام، وها أنا ممتثل أوامره المطاعة فيما أشار إليه حسب ~~الاستطاعة من الإجازة ms091 لريحانة أنسه، وثمرة غرسه، ونور بدره، وضياء شمسه، ~~الشهاب المتوقد ذكاؤه، النامي سناه والسامي سناؤه، شهاب الدين أبي الفضل ~~أحمد أسعد الله جده، وحباه فوق ما حبا به أباه وجده، ولأخواته ومن سيحدث له ~~من الأخوة المأمول وجودهم من منح الله المرجوة، وقد أجزت له ولهم أن يرووا ~~عني جميع ما التمس مني بشرطه المعتبر عند أهل الأثر، إجازة عامة وخاصة، ~~وعلى كل فرد مما تجوز عني روايته ناصة، وأما مولدي (ففي سحر يوم السبت رابع ~~عشري شهر رمضان المعظم قدره سنة سبع وستين وثمانمائة بالقاهرة المعزية حمى ~~الله حماها وحرسها ورعاها: # بلاد بها نيطت علي تمائمي ... وأول أرض مس جلدي ترابها # وقد أدركت بها وبغيرها من العلماء العاملين والأئمة المجتهدين من لم يسمح ~~الدهر بمثاله، ولم ينسج على منواله، وكلهم أجازني بما تجوز له روايته، وما ~~تصح إليه نسبته ودرايته، فأول من فتق لساني بذكر الله تعالى من برع أبناء ~~زمانه مجدا PageV01P201 ~~وجلالا وفضلا وأفضالا، الشيخ الإمام العلامة والحبر البحر الفهام، صاحب ~~التصانيف المشتهرة، والتآليف المعتبرة، شمس الدين أبو عبد الله محمد بن ~~برهان الدين النشائي المالكي قاضي القضاة بالديار المصرية، أسبغ الله تعالى ~~ظلاله وختم بالصالحات أعماله، ولم أزل في رعايته وتربيته وعنايته وبركته ~~إلى أن فرق الدهر بيننا بالاغتراب سنة أربع وعشرين وتسعمائة. # ومنهم الشيخ الإمام العلامة محيي الدين الكافياجي الحنفي، تغمده الله ~~برحمته ورضوانه وعفوه السابل وامتنانه، أجازني بمؤلفاته، وكتب بخطه أنها ~~زهاء مائة مؤلف. # ومنهم الشيخ الإمام العلامة أمين الدين الأقصرائي الحنفي، شملته سحائب ~~الرضوان والعفو والغفران. # ومنهم الشيخ الإمام العلامة قاضي القضاة محب الدين بن الشحنة الحنفي، لا ~~زالت سحائب الغفران هامعة، وأنوار الرضوان لديه لامعة. # ومنهم الشيخ الإمام العلامة سيف الدين الحنفي، تغمده الله برحمته وأسكنه ~~بحبوحة جنته. PageV01P202 # ومنهم الشيخ العلامة قاضي القضاة شمس الدين محمد الأمشاطي الحنفي، أمده ~~الله بمدد الرحمة، وأسبغ عليه بذلك جلابيب النعمة. # ومنهم الشيخ الإمام العلامة قاضي القضاة برهان الدين إبراهيم اللقاني ~~المالكي، لا زالت الرحمة تغشاه ولا ms092 تفارق مثواه. # ومنهم الشيخ الإمام العلامة قاضي القضاة ولي الدين محمد السيوطي الشافعي، ~~غشيته سحائب الرضوان، وضفيت عليه جلابيب الغفران. # ومنهم الشيخ الإمام العالم العلامة قاضي القضاة شرف الدين موسى بن عيد ~~الحنفي، وهو السعيد الشهيد، حباه الله من غفرانه بالمزيد، قرأت عليه كثيرا، ~~ووردت من علومه عذبا نميرا. # ومنهم الشيخ الإمام العالم العلامة سراج الدين عمر العبادي الشافعي، رحمه ~~الله رحمة واسعة، وأمطر عليه سحائب عفوه الهامعة. # ومنهم الشيخ الإمام العالم العلامة شمس الدين أبو عبد الله محمد الجوجري ~~الشافعي، حفه الغفران والعفو والامتنان، أجازني بمروياته ومؤلفاته، ومنها شرحه # على المنهاج، وشرحه على الإرشاد. # ومنهم الشيخ الإمام العلامة جلال الدين محمد البكري الشافعي رحمه الله، ~~قال لي من لفظه: أنا عريق في صداقتكم، فإنني صديق جدك لأبيك وصديق جدك PageV01P203 ~~لأمك، ومما أجازني به نكته على المنهاج وحاشيته على الروضة. # ومنهم الشيخ الإمام العلامة شمس الدين أبو عبد الله محمد بن قاسم ~~الشافعي، دامت عليه الرحمة، وتمت له بالمغفرة والنعمة، ومما أجازني به جميع ~~مؤلفاته. # ومنهم الشيخ الإمام حافظ العصر المسند الرحلة المحدث فخر الدين عثمان بن ~~محمد الديمي الشافعي سقى الله تعالى بصوب الرحمة ثراه. # ومنهم الشيخان المسندان المعمران نجم الدين الصحراوي والهرساني، سمعت ~~عليهما صحيح البخاري كاملا بالجامع الأزهر، بحق روايتهما له عن العراقي عن ~~الحجار، وذلك سنة سبع وسبعين وثمانمائة. # ومنهم الشيخ المسند المعمر المحدث الرحلة بدر الدين حسن بن نبهان، تغمده ~~الله بالرحمة والرضوان، قرأت عليه جميع صحيح البخاري في مجالس متعددة في ~~شهر رمضان سنة ست وثمانين وثمانمائة، وأجازني به بحق روايته له عن عائشة ~~بنت عبد الهادي عن الحجار. # ومنهم الشيخ الإمام العلامة برهان الدين إبراهيم بن ظهيرة الشافعي، قاضي ~~مكة المشرفة عند قدومه إلى مصر سنة ثمان وسبعين وثمانمائة. PageV01P204 # ومنهم الشيخ الإمام العلامة محمد القلشاني قاضي الجماعة بتونس المحروسة عند ~~قدومه إلى مصر للحج سنة ثمان وسبعين وثمانمائة تغمده الله برحمته. # ولنختم من لقيته من العلماء بمسك ختامها، ووسطى نظامها الشيخ الإمام ~~العلامة ms093 الحبر البحر الفهامة محب الدين محمد بن الغرسي خليل البصروي ~~الشافعي، سقى الله ثراه، وجعل الجنة مثواه، قرأت عليه كثيرا، وأخذت عنه ~~علما غزيرا، # وأجازني بمروياته ومؤلفاته، وخصني بها، ودفعها إلي هي ومسوداته جميعها في ~~مرض موته. ومن تآليفه قطعة على المنهاج من أماكن متفرقة، وقطعة على الإرشاد ~~كذلك، وشرح ألفية العراقي في علوم الحديث، وشرح ألفية البرماوي في الأصول، ~~وشرح مختصر ابن الحاجب في الأصول، وشرح القواعد الكبرى لابن بسام، وشرح ~~الخزرجية في العروض وهما شرحان كبير وصغير، وشرح المنفرجة وغير ذلك. نفعني ~~الله بمصاحبته وتربيته ورعايته، فرحمه الله رحمة واسعة، وأمطر عليه سحائب ~~عفوه الهامعة، هذا ما حضرني من أسماء شيوخي، وثم آخرون مثبتون فيما هو غائب ~~عني الآن. وكلهم أجازني بمروياته وتأليفاته ومصنفاته وكتب لي خطة بذلك. # وأما ما وقع لي من تأليف، فإنه شيء يستحى من ذكره، ويرغب في إخفائه ~~وستره، بالنسبة إلى ما عند الفقير من العجز والتقصير، فأعلاها وأجلها ~~وأغلاها شرح البخاري الذي ألفته بالديار الرومية سنة خمس وست وتسعمائة، ~~وشرح آخر مبسوط وصلت فيه إلى صلاة الليل، وشرح على مقامات الحريري جاوز ~~النصف، وقطعة على الإرشاد في الفقه، وشرح شواهد تلخيص المفتاح، وشرح ~~الخزرجية في العروض، وإياها سودت به وجه الطروس، وأفنيت به أرطالا كثيرة من ~~النفوس، مما يسمى شعرا، ومما يشبه أن يدعى نثرا، فهو شيء لا أرضى إثباته، ~~ولا أستحسن أبياته، وإن تداولته الأقلام، وولع برقمه كثير من الأنام، فمنه: PageV01P205 # إن رمت أن تسبر طبع امرئ ... فاعتبر الأقوال ثم الفعال # فإن تجدها حسنت مخبرا ... من حسن الوجه فذاك الكمال # ومنه: # عذرت أخا الجهالة مذ رآني ... وأولاني جفا منه وذلا # رأني لا بعيني أدمي ... فأدبر معرضا عني وولى # ومنه: # يا مشتري العبد الرقيق بماله ... هلا اشتريت الحر إذ هو أجدر # إن العبد ليس بشاكر لك نعمة ... والحر يحمد ما فعلت ويشكر # ومنه: # حال المقل ناطق ... عما خفي من عيبه # فإن رأيت عاريا ... فلا تسل عن ثوبه PageV01P206 ~~ومنه: # أحب من البرية كل سمح ms094 ... قريب المستقى سهل القياد # إذا ناداه مفتقر لبر ... أجاب نداه قبل صدى المنادي # ومنه: # إذا ما كنت في قوم غريبا ... فخاطبهم بقول يستطاب # ولا تأسف إذا فاهوا بفحش ... غريب الدار تنبحه الكلاب # ومنه: # كثير من الخلان يبدي تملقا ... وفي قلبه دافن الشر موبق # كبحر أجاج لا يسوغ مذاقه ... يريك صفاء قاعه وهو مغرق # ومنه: # يا من بنى داره لدنيا ... عاد بها الربح منه خسرا # لسان أحوالها ينادي ... عمرت دارا بهدم أخرى PageV01P207 ~~ومنه: # يا منكرا فعل الجميل ... إذ مت بأعظم خزية # لم لا تكون مذمما ... وفعلت فعلتك التي # ومنه: # أرى الدهر يسعف جهاله ... فأوفر حظ به الجاهل # وانظر حظي به ناقصا ... أيحسبني أنني فاضل # ومنه: # إذا ما تصدى ظالم للأذى ... فكن على ما تبدى منه أجر صابر # ودعه وما يلقاه من شؤم بغيه ... وكله إلى فعل الجدود العواثر # ومنه: # إن يقعد الجاهل فوقي ولم ... يرع ذمام العلم والأصل # فالشمس يعلو زحل أوجها ... وهي على الغاية في الفضل PageV01P208 ~~وأما القصائد المطولات، فقد تفضل مولانا المشار إليه بكتابة كثير منها، فلا ~~حاجة إلى الإطالة بذكر شيء منها، وقد آن أن أحبس عنان القلم عن الجري في ~~هذا المضمار، وأكفكف من غلوائه خيفة العثار، وأن أوصف بمهذار أو مكثار، وهو ~~يسأل العفو عما بهذه الأليفاظ من الزلل، وإصلاح ما غشيها من الخلل، لا زال ~~من رقم باسمه، وزبر برسمه. سعيد الحركات، مزيد البركات، رفيع الدرجات، دائم ~~المسرات، ما دامت الأرض والسموات، قال ذلك وكتبه العبد الفقير المعترف ~~بالعجز والتقصير عبد الرحيم بن عبد الرحمن بن أحمد العباسي الشافعي غفر ~~الله ذنوبه، وستر في الدارين عيوبه، وذلك يوم السبت سابع عشر شوال المبارك ~~سنة سبع وثلاثين وتسعمائة بمدينة القسطنطينية المحروسة، الحمد لله وحده ~~وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وآله وصحبه وسلم، وحسبنا الله ونعم ~~الوكيل. # وقد اعتنى بحاجتنا مولانا قاضي العسكر المنصور أتم اعتناء، فعاجلنا سفر ~~السلطان، أدام الله إسباغ ظله على الأكوان إلى مدينة بروسا المحمية، فنوينا ~~الإقامة بمدينة القسطنطينية لهذه القضية، فاستمرينا ms095 في منزل مولانا السيد ~~المشار إليه، أدام الله إسباغ ظله عليه، نتملى بمشاهدة طلعته البهية، ~~ونتحلا بسماع ألفاظه # العلية، ونحن لا نمل من المقام، ونرى أشهرنا كأنها أيام، إلى أن فشا ~~الطاعون بالبلدة، وقاسى الناس من أهواله كل شدة، وفقد جمع من الأحباب، ~~فتعوذنا بالله من ذلك المصاب، ولم يصر المقام بها من المستطاب، فعزم مولانا ~~السيد المشار إليه على السفر منها إلى بعض البلاد # الخالية من الكدر، وأن يستصحبنا معه ولا بد في ذلك السفر، فاستخرنا الله ~~تعالى في ذلك والسلوك معه حيث شاء من المسالك. PageV01P209 ### | AUTO ذكر الرحلة الأزنكمودية # ثم لما سافر السلطان، وتعطل من قضاء الأشغال المهمة الديوان، وكان الهواء ~~قد تغير، والجو بالوخم قد تكدر، وظهر الوباء ونشا، وكثر الطاعون وفشا، ~~وتحول النسيم سموما، وصارت المياه سموما، وانقلب زلالها حميما، ومن يتبرد ~~بها محموما، ولا يسأل حميم حميما، فوصفت لنا بلدة أزنكمود بلطافة الهواء، ~~وعذوبة الماء، وقلة الوباء، وطيب البقعة، وارتفاع الرقعة، وتناهي الرفعة، ~~وسلامة الطبائع، وسعة المرابع والمراتع، وكثرة المنازه وأنواع الفواكه، ~~فاستخرنا الله تعالى في السفر إليها والحلول لديها، إلى أن يعتدل الزمان ~~ويعود السلطان. فتوجهنا إليها صحبة المولى السيد المشار إليه، أسبغ الله ~~تعالى نعمه عليه، وخرجنا من المدينة، ونزلنا في السفينة ضحى يوم الاثنين ~~المكرم ثاني عشر شهر الله المحرم سنة سبع وثلاثين وتسعمائة من هجرة النبي ~~صلى الله عليه وسلم، وركبنا ذلك البحر وما رهبناه، واستصحبناه وما ~~استصعبناه، وسرنا فيه في أطيب هواء، وأحسن استواء، وقد سكن هائجه وركد ~~مائجه، وصلح مزاجه وحسن علاجه، وتلك تجاريه المشية تتبختر تبختر الجارية ~~الناشية، وتنساب في الجناب كالحباب، وتأتي من الحركة في صورة السكون بالعجب ~~العجاب، فتحسبها جامدة وهي تمر مر السحاب، ثم سكن الريح حتى كأنه ميت، وصار ~~البحر كأنه قعب لبن أو زيت: # قد كان بحرا قبل ذلك زاخرا ... فغدا بذلك وهو بر مقفر # وكان النهار قد قضى، ووفى دينه وقضى، وذهب مهرولا ومضى، وأشرف القمر PageV01P210 ~~وأضاء، فأرسينا حينئذ بالقرب من ساحل ms096 قرية يقال لها قزل اضا، فبتنا هناك ~~والليل مزهر السراج، لابس من نور القمر أبيض الديباج، وقد رق ذلك البحر ~~وراق، وحلا وصفا وإن كان مر المذاق، وأشرقت جنباته غاية الإشراق: # كأن الشعاع على متنه ... فرند مصفحة سيف صدي # وأشبه إذ درجته الصبا ... برادة تبر على مبرد # فلما هبت بعد سكونها الصبا، وهب من نومه الصباح، واستتر نور القمر ~~واختفى، وبدا نور الفجر ولاح، نشر من المركب بنوده، وقلد شراعه وأحكم ~~شدوده، ثم رحلنا وسرنا، وأشرع ذلك الشراع فأشرعنا، وخفق ذلك الجناح فطرنا، ~~فلم نزل نسير وذلك المركب يكاد يطير وذلك البحر: # تتكسر الأمواج فيه فتنثني ... بيد الصبابة مبيضة أعطافها # فكأن شهب الخيل قد غرقت به ... فطفت على أمواجه أعرافها # فلما انتصف ذلك النهار، ظلمنا ذلك البحر وجار، وكان أمسى مس القرين بعد ~~أن كان نعم الجار، ثم أزبد ورغا، وتعدى وطغى، وعتا مفسدا وبغى، ورام ما لم ~~ينله وبغى، واشتدت به الرياح وعصفت، وأتت به الأمواج من كل جانب واختلفت، ~~واضطرب وتكسرت وانقصفت، وصار السير به في حكم الحرمة بعد PageV01P211 ~~الإباحة، فألقينا المراسي وقت العصر بوسط الباحة؛ لكي يحصل لنا من تلك ~~الحال الراحة، فما ازداد القلب إلا خوفا وفرقا، والعين إلا سهادا وأرقا، ~~والحلق إلا غصة وشرقا، والفؤاد إلا اضطرابا وقلقا، وقد أثارت الريح من ~~الموج حنقا، ومشت عليه خببا وعنقا، فأعادته كالبنان، وأصارت المركب فوقه ~~يتلاعب كقضيب البان، حتى آليت ألا أودعها تحية، ولا يورثني هبوبها أريحية. # وبتنا ليلة الأربعاء بين تلك الأمواج، ونحن في غاية الاضطراب والارتجاج، ~~وأقمنا بذلك المحل إلى أن قوضت خيام الليل ورحل، وسل صارم الفجر من قرابه، ~~وتجلى النهار في جوهري أهابه، وأسفر من المشرق وجه الشمس يوح، فجرت بنا ~~السفينة في موج كالجبال كجري سفينة نوح. ومما جربنا فيه الفكر في هذا ~~الحال، وجرى به اللسان فنطق وقال، أبيات على وجه المطارحة، وهي لتلك ~~الأحوال شارحة، وفي تلك الميادين سارحة، فقلت بيتا ثم قال بيتا إلى آخرها: # لي: # أزبد البحر هياجا ms097 ورغى ... وتعلى وتعدى وطغى # له: # قلت لما جد فينا عزمه ... وجميل الصبر منا استفرغا # لي: # وبنا قد أنشبت أظفاره ... ولنا كشر نابا قد شغا # له: # وبغى إصلاح ما يحملنا ... بفساد الحال لما أن بغا PageV01P212 ~~لي: # ربنا سخره وأصرف شره ... وأنلنا من حباه المبتغى # له: # وانثر الريح رخاء سجسجا ... وأعد ظل الأماني مسبغا # لي: # وأرحنا من أذى مركبه ... فهو عن مقصدنا قد روغا # له: # وتوانا عن منايا لاهيا ... عن هوان بلبان مضغا # لي: # بحبال جرها في موجه ... في جبال مدها لن يفرغا # له: # وبإيعاد عظيم قد هذا ... وهو في لج عباب دلفا # لي: # فبسلم قد لقينا حربه ... وهو قد شب لنا نار الوغا PageV01P213 ~~له: # فهو أعمى ما رآنا أبكم ... لم يجبنا بل أصم ما صغى # لي: # لشهي الأكل قد أحرمنا ... ولصافي شربنا ما سوغا # له: # ورجاء القلب في اللطف غدا ... واثقا في دفع ضر بلغا # ولم نزل نسير ونمور في مواسط تلك البحور، طورا في الصعود وطورا في ~~الحدور، إلى أن رجع البحر إلى المواددة والمصافاة، بعد تلك القسوة ~~والمجافاة، ووافى بريح طيبة أحسن موافاة)، فما كان إلا سويعات يسيرة ~~وأشرفنا على البلدة، واستبشرنا بالفرج بعد الشدة، ثم أكملنا أبيات المطارحة ~~بعد مدة، فقلت: # فاستجاب الله منا وكفى ... شر شيطان الأسى إذ نزغا # له: # وحبانا بره في بره ... وإلى ما يبتغي قد بلغا PageV01P214 ~~لي: # فنعمنا في رياض الأنس في ... رفعة مع خفض عيش رفغا # له: # فله الحمد على ما خصنا ... من هبات ظلها قد أسبغا # لي: # وعلى المختار منه دائما ... صلوات كل حين تبتغى # وعلى الآل مع الأصحاب ما ... أفل النجم دجى أو بزغا # ثم أرسينا بمرساها عندما انطبق جفن الظلام على عين الشمس ومضى اليوم مضي ~~أمس، وكان استقرارنا بتلك البلد الأنيس منتصف المحرم ليلة الخميس، فحللنا ~~منها المحل المودود وحللنا بها المشدود والمعقود، وجددنا بمعاهدها العهود، ~~ووفا لنا الدهر بالعود إليها الوعود، فتبدل الكدر بالصفاء، وأيام الجفاء ~~بليال الوفاء، ونزلنا في بيت صاحبنا الحاج مصلح الدين مصطفى، فوجدناه غائبا ms098 ~~في تطلب عبد له قد أبق، وركب في الفرار طبقا عن طبق، فتلقانا أهله وأولاده ~~بالترحيب والتأهيل والتكريم والتبجيل، وأنزلونا بغرفة لطيفة حسنة مرتفعة، ~~فتركنا هنالك ما معنا من الأسباب PageV01P215 ~~والأمتعة، وأقمنا هنالك في أنزه مكان إلى وقت الصلاة من يوم الجمعة، ~~فصليناها في مسجد البلد الجامع، وهو مسجد متسع لكل أهل البلدة جامع، إذ لا ~~جمعة بها في سواه، ولا خطبة فيما عداه، فوجدناه مسجدا عتيقا فضيا أنيسا ~~أنيقا، ذا أبنية متينة # وعمارة مكينة، وهو مرتفع في أعلى المدينة، يصعد إليه ويرقى في أطول طريق ~~وأرفع مرقى، وأما خطيبه ففي الأسمال غاية، وفي الإعجام آية، وفي التبديل ~~والتحريف نهاية، مع ما يضاف إلى ذلك كما قيل من سوء الاعتقاد وتبديل القرآن ~~كالنطق بالظاء مكان الضاد، وذكره أحاديث لا نعرفها، وصدور ترهات منه لا ~~نقدر نصفها، فقضينا ببطلان تلك الصلاة، وقضيناها ظهرا ولا قوة إلا بالله، ~~ولما قضيت الصلاة انتشرنا في أرض تلك البلدة وأضافنا من الأصحاب بها عدة، ~~فلم نزل نجوب في أطرافها، ونجول في أكنافها، ونتفرج في مفترجاتها، ونتنزه في # متنزهاتها، وقد أخذت الأرض زخرفها وازينت، وبينت من صنعة الله وصبغته ما ~~بينت، فغدت تتبرج في ملابس عبقرية، وتتأرج بأنفاس عنبرية، وتشمخ على غيرها ~~من البلدان بارتفاعها، وتفتخر على مجاوريها بحصانتها وامتناعها، وتزهو بطيب ~~هوائها ومائها، وتسمو بجدة رونقها وقدم بنائها، وتستحل طيب فواكهها، وتستجل ~~عرائس منازهها (وتقسم بعلو هضابها أن لا تفوز الثريا برشف رضابها) وقد ~~استدار بها البحر استدارة السوار بالزند، وألبس ذلك الجسم حلل العرار ~~والرند، وركب خلائق الوهد على ذلك النجد، وكتب بخضاب الربيع على نقاء ذلك النهد، PageV01P216 ~~ثم آب الحاج مصطفى من غيبته، وقرب المسافة من أوبته، وحيانا بسلامه وتحيته، ~~ثم أعادنا إلى منزله وعقوته، بعد أن عقد في قسمه علينا وأليته، (فعدنا ~~إليه) وحللنا لديه في تلك الغرفة المذكورة آنفا، فشاهد منها مشارقا للإنس ~~ومشارفا، وهو يهدي إلينا من تحف هداياه لطائفا، وقد أحاط بنا من سائر ~~الجهات بستان ذو أفياء وأفنان، ms099 (وزهور مدبجة الألوان)، عرائس مسرحات زاهية، ~~وعرائش كرمات عالية، ذات قطوف دانية، ونسيم معطار، وحفيف أشجار، وتغريد ~~أطيار، من شحرور وهزار، يهيج كل منها لوعة الصب النازح الدار، ويضرم في ~~قلبه من أشواقه لاعج النار، ويطير بقلبه أنى طار، كما قال في الإنشاد ابن ~~حصن كاتب المعتضد ابن عباد: # وما هاجني إلا ابن ورقاء هاتف ... على فنن بين الجزيرة والنهر # مفستق طوق لازوردي كلكل ... وموشى الطلى أحوى القوادم والظفر # أدار على الياقوت أجفان لؤلؤ ... وصاغ على الأجفان طوقا من التبر # حديد شبا المنقار داج كأنه ... شبا قلم من فضة مد في حبر # توسد من فرع الأراك أريكة ... ومال على طي الجناح مع النحر PageV01P217 ~~ولما رأى دمعي مراقا أرابه ... بكائي فاستولى على الغصن النضر # وحث جناحيه وصفق طائرا ... وطار بقلبي حيث طار ولا أدري # ولم نزل هناك ليالي وأياما آمنين، وأعيان المدينة يهرعون إلينا مسلمين ~~وداعين وملتمسين للدعاء ومؤمنين ومعظمين ومبجلين ومكرمين، ونحن في لذة عيش، ~~سالمين من الكدر والطيش، لولا ما يعترضه من تذكر البلاد، والتألم لمفارقة ~~الأهل والأولاد، فكان كلما هنئ العيش تنغص، وكلما ازداد الأنس تنقص، وكلما ~~هممنا ببسط وانشراح أدركنا بسيط هم وأتراح، كما قيل: # منغص العيش لا يأوي إلى دعة ... من كان ذا بلد وكان ذا ولد # والساكن النفس من لم ترض همته ... سكنى بلاد ولم يشكو إلى أحد # ولولا ما من به تعالى من مجالسة مولانا السيد ليلا ونهارا، وتملينا ~~بطلعته السعيدة عشيا وأبكارا، وتحلينا بدرر ألفاظه ومؤانسته مساء وأسحارا، ~~لتفتت القلب جدادا وانفطر الكبد انفطارا، فكنت أرتاح بروح مؤانسته ارتياح ~~اللهفان للنسيم البليل، وأشفى بمكالمته كلم القلب العليل، وأروى برؤيته ما ~~به من الغليل، وأدخل في الليل حالة السكون بقلب خافق فيه من الأدواء دخيل، ~~وأتلقى المنام بطرف شحيح بالكرى بخيل، وكلما فتشت للأوطان في فكري ذنبا ~~أجعله سببا PageV01P218 ~~للسلو أو عيبا أركن به إلى الراحة والهدوء قال الاختبار لا سبيل إلى ذلك، ~~وجعل يعرض علي من حسناتها ما جلى به ظلام الليل الحالك، ms100 ولولا أني أرجع إلى ~~جميل الصبر بعد الذهاب، وأعلل النفس بتنفس الكرب بقرب الإياب، لأمسيت أثرا ~~بعد عين، ولكنت أحد من قتله يوم البين: # البين جرعني نقيع الحنظل ... والبين أثكلني وإن لم أثكل # ما حسرتي أن كنت أقضي إنما ... حسرات قلبي أنني لم أفعل # نقل فؤادك ما استطعت من الهوى ... ما الحب إلا للحبيب الأول # كم منزل في الأرض يألفه الفتى ... وحنينه أبدا لأول منزل # وهذه عادة الأيام في اعتقاب تجميعها بتفريقها، وإسراقها كل نفس بريقها، ~~لا تجمع شملا إلا شتته، ولا تصل حبلا إلا بتته، من أطاعها عصته، ومن داناها ~~أقصته، ومن وصلها قطعته، ومن نزع إليها نزعته، ومن أرضاها أغضبته وأحرجته، ~~ومن سكن دارها أزعجته وأخرجته، بصرنا الله تعالى بمعايبها، وأعاذنا من ~~بلاياها ومصائبها بمنه وكرمه آمين، إنه أرحم الراحمين. # ومما فتح الله به في تلك البيوت من الأبيات، ولولا تقريض السيد المولى ~~لها لما PageV01P219 ~~استحقت الإثبات، قولي: # أترى لمغرى بالغرام مواسي ... أم من سقام شفه من آسي # أو من دواء عله يشفيه أو ... من رقية تحميه من وسواس # إني ومن يهواه إما هاجر ... أو مبعد أو ساكن الأرماس # وزمانه قد عظه بنوائب الأني ... اب بل وضوارس الأضراس # شوق وحزن واغتراب مع ضنى ... جسد وبعد الدار والإفلاس # وببعضها يفنى الحمول فكيف مع ... تحميل ذي الأنواع والأجناس # فالروح فيه في السياق وجسمه ... بال وفي الأحشاء حز مواسي # والعظم عار ليس يمسكه سوى ... جلد ومن لهب الجوانح كاسي # والقلب ذاب فماؤه دمعا جرى ... ودخانه يجري مع الأنفاس # والطرف طول الليل لم يطرف وإن ... يغمض فيرجع حاسرا كالخاسي # يجري على متن النجوم بسرعة ... والنجم كالمشدود بالأمراس PageV01P220 ~~فالطرف في جولاته كالطرف في ... ميدانه والنجم كالبرجاس # والليل مثل السيل في إقباله ... لم يحص بالمكيال والمقياس # أو مثل بحر مزبد متلاطم ... أمواجه مثل الجبال رواسي # أو عسكر كسر الصباح وجنده ... لما علاه بسطوة وببأس # وأظنه ماسوره إذ ليس من ... حسن له يرجى ولا إحساس # فلقد ألفت سواده وغدوت من ... طول المدا لبياض صبح ناسي ms101 # وإلى إلهي أشتكي ما ألتقي ... مما أعاني حمله وأقاسي # وإليه في كل الأمور توسلي ... بمن اجتباه من جميع الناس # هو أشرف الخلق الذي قد طهرت ... أخلاقه من سائر الأدناس # هادي الأنام شفيع مذنبهم غدا ... عون الغريب وللفقير مواسي # من أظهر الدين الحنيف بسطوة ... أمسى بها إبليس في إبلاس # فعسى صباح للمنى يأتي بتف ... ريج الكروب السود بعد اليأس PageV01P221 ~~وعسى نهار بالتداني مشرق ... يمحو دجى ليل التنائي الماسي # إني لأرجو ذاك يحصل عاجلا ... وتراض خيل الحظ بعد شماس # وترى بوادي السعد وهي حواضر ... وترى عواري الجد وهي كواسي # ويرى جنى روض الأماني دانيا ... فلقد تبدا ذاوي الأغراس # وتعود كالأعياد أيام الوفا ... وترى ليال القرب كالأعراس # وتفيق عين الدهر بعد منامها ... ويرق قلب من جفاه قاسي # ويفي بحق ضائع متذكرا ... لعهوده من بعد طول تناسي # ويمن ربي باجتماع الشمل مع ... أهلي بأسنى حالة وأناسي # في منزل أركانه بنيت على ... تقوى من الله بخير أساس # فالباب ليس بمرتح عن مرتج ... روح الإله على مدا الأنفاس # عودتني بجميل لطفك سيدي ... في كل نائبة كطود راسي PageV01P222 ~~ورحمتني في غربتي بمؤمل ... وأزلت ما بي بالوزير إياس # عضد الملوك وساعد لهم بدا ... كالعين للوزراء بل كالرأس # بحر جرى عالي الذرى غيث الورى ... ليث السرى عند الندا والبأس # ورحمت عبدك إذ لجأت به إلى ... عبد الرحيم السيد العباسي # فبه تبدل كربة بمسرة ... وتعوض الإنحاس باستئناس # مولى تردا بالكمال موزرا ... من كل محمود بخير لباس # فرع لدوحة بيت آل محمد ... مترنح بجني وطيب غراس # بحلى الفوائد والفرائد والعوا ... ئد والمحامد والمشاهد كاسي # فرد لأنواع المحاسن جامع ... بالبشر بذكر مشهد العباس # نور النبوة لائح في وجهه ... زاه كما المشكاة والنبراس # وأجله عن ضرب أمثال وعن ... تخييل أشكال وذكر قياس PageV01P223 ~~ماذا يقول مفوه في وصفه ... لو أنه يعطى ذكاء إياس # إن البديع بما حواه لعاجز ... عن حصره بالنقش في القرطاس # لا زال محفوظا بعين عناية ... تغني عن الحفاظ والحراس # ولمجده خضر السعادة دائم ... باق بسؤدده بقاء الياس # ولمجده ظل السيادة وارف ms102 ... ما أمتد ظل في رياض الآس # فلما وقف مولانا السيد المشار إليه، أسبغ الله نعمه عليه، على هذه ~~الأبيات، أجابني عليها بأبيات أبيات، فقال: # قسما بخير الخلق مولى الناس ... وبعمه وصفيه العباس # ما مثل در قد نظمت عقوده ... متناسق الأنواع والأجناس # وافا فأهدى للمسامع حسنة ... شنفا حيث شرفا بغير قياس # وبما تبدا من بديع بيانه ... قد صير الأفكار في إبلاس # لو صورت زهرا معاني لفظه ... كانت لكيوان كتاج الرأس PageV01P224 ~~أو قايست أنواره شمس الضحى ... أضحت كما المشكاة والنبراس # سبحان مبدع فكرة قد أبرزت ... ما فيه من غرر وحسن جناس # عالي الطباق فمتنه عن سافل ... عار ومن حلل البلاغة كاسي # تنشى معانيه بلطف فنونها ... ما ليس ينشئه سلاف الكأس # ويعيد روح الأنس روح بديعه ... من بعد ما قد غاب في الأرماس # ويرد روض البشر أخضر يانعا ... زاهي الروابي بعد طول يباس # فترى به ورق الفصاحة صدحا ... وكأنها القينات في الأعراس # وإذا شذا قمري فضل بيانه ... ما معبد في روضة المقياس # لله ناظم درة الغواص في ... لجج العلوم بفكره الغطاس # فهو الذي فرع الشيوخ بعلمه ... والعمر غض في أجد لباس # وله معارف ليس ينكرها سوى ... من يبتلى في العقل بالوسواس # ومؤلفات شاهدات أنه ... بالبحر غير مشبه ومقاس # عن فضله حدث ولا حرج فما ... ينفيه إلا ذو الشنار الخاسي PageV01P225 ~~من ينكر الشمس المنيرة غير من ... هو للعمى في حالتيه يقاسي # لا غرو أن يعي مجاري فضله ... تعيى البغال بجرية الأفراس # إني لأرفع مجده عن نعته ... ببديع أوصاف مضت لأناس # وأجله أن أستعير لذاته ... من حلم أحنف أو ذكاء إياس # ورث المحامد كابرا عن كابر ... وبنى علاه على أجل أساس # لله در أب له قد كان في ... أوج العلا الطود الأشم الراسي # ما أن رأت عيناه مثل جلاله ... وخلاله كلا ورب الناس # حلم له رضوى يخف ومقول ... يدع الجواهر وهي في أبخاس # وطويل باع في العلوم مديدة ... ببسيط وافره الأنام يواسي # وسماحة تدع ابن برمك مادرا ... وترد حاتم في قلا وتناسي # وولاية قرت عيون ms103 أولى الولا ... وبها عيون أولى العناد خواسي PageV01P226 ~~ونصائح تدع الغوى مرشدا ... ويلين منها كل قلب قاسي # وله كرامات تعذر حصرها ... كالقطر والأمواج والأنفاس # من ذا يحاول عشر عشر نعوته ... لو يضرب الأخماس في الأسداس # والله إني عن وفاء حقوقه ... في غاية الإقتار والإفلاس # فله من المولى الكريم مواهب ... تكسوه بالرضوان خير لباس # ولأوحد العلماء وارث مجده ... رتب ترى فوق السماك رواسي # وقباب سعد لم تزل علياؤها ... مشدودة الأطناب والأمراس # وبكل لمح يستجد سيادة ... تدع الحسود بحالة الخناس # عذرا سليل المجد عن نظم امرء ... قد رق من جور الزمان القاسي # إن ابن سبعين لمعذور إذا ... ما فكره أضحى كعود عاسي # فكن الرضي بن الرضي بن الرضي ... بما أتى من فاقد الإحساس # وتلق بالبشر الذي عودته ... ما قد بدا من مخلص عباسي # ولئن تكن نزرا ركيكا سافلا ... فالستر منك لدائه كالآس PageV01P227 ~~جمحت قوافيه فلما راضها ... بك أذعنت من بعد فرط شماس # وغدت بفخر المدح فيك رفيعة ... ولها منابر في العلا وكراسي # وبدت تجر على جرير مرطها ... وأبي فراس مفخرا ونؤاس # وعلى حبيب قد تعذر وصلها ... وابن الحسين اخى الندا والبأس # لا زلت ترقى للمعالي دائما ... وفضاؤها لعلاك كالبرجاس # ولمجدك العالي الثناء من الورى ... يجري كما الأوقاف والأحباس # ولعيشك الخضر المنعم حافظ ... من أن يرد رجاؤه للياس # ما فوقت أيدي اليراع بوشيها ... مبيضة الأطراس بالأنقاس # ثم كتب لي لغزا زاده الله تعالى رفعة وعزا: # يا من غدا لب العلوم حاويا ... وبجواهر البديع حاليا # ما اسم ثلاثي ترى حروفه ... ثلاثة وقد ترى ثمانيا PageV01P228 ~~وهو على استوائه فعل وإن ... عكسته كان كذاك باديا # وإن حذفت أولا منه يرى ... فعلا يكون ذاهبا وجاءيا # وإن تحرفه فذو الذوق يحد ... عنه ويلفى لأساه قاليا # وإن عكسته تراه صالحا ... من بعد ما كان مهينا واهيا # وكله في حال قلبه يرى ... فعلا به تحصل المرائيا # وإن أزلت عينه أقام في ... مقامه ولا يكون نابيا # وإن قلبته تجده رقة ... يحكي الذي بالسقم أضحى باليا # وإن جعلت لامه فاء له ... كان لما ms104 تزبره مساويا # وإن قلبته فشىء حامض ... يأكل منه حاضرا وباديا # وإن لثلثيه اعتبرت تلقه ... أمر لمن غدا بربع ثاويا # واسم لبلدة تناءت دارها ... ودونها كم قطعوا فيافيا PageV01P229 ~~وهو إذا اعتبرته حقيقة ... تراه شيئا نائيا ودانيا # يوجد في أرض العراق مثلما ... يوجد في أرض الحجاز ناميا # وفي خراسان إذا طلبته ... يلفى وفي الروم يكون وافيا # ومصر والشام ففيهما له ... مآثر قد عدمت مضاهيا # فاقبله لغزا قد أتى من مخلص ... لم يبرح الدهر عليك ثانيا # وحله وحله بجوهر ... من لفظك الجزل بقيت ساميا # منعما في ظل عيش لم يزل ... عليك دوما سابغا وضافيا # فأجبته عنه، وألحقت به لغزا فقلت: # يا من بدر العلم أضحى حاليا ... وفكره للمشكلات جاليا # أبديت لي لغزا بديعا لم يزل ... قدري به بين الأنام راقيا # في اسم ثلاثي متى فصلته ... صارت به أحرفه ثمانيا # وإن عكست لفظه فاسم لما ... يكون من نفس الجريح باقيا # وإن تصحفه محرفا فمشر ... وب غدا التركي منه حاسيا PageV01P230 ~~وإن حذفت صدره وكرر الب ... اقي فمن صخر تراه زاهيا # وصحف الباقي محرفا تجد ... ذا الذوق عنه لا يكون قاليا # وإن عكسته فأمر من يرى ... للنوق حالة الرحيل حاديا # وإن ترخمه بتصحيف فذا ... عضوا لأعضاء يكون حاويا # وإن حذفت عينه محرفا ... تجده في فصل الشتاء آتيا # وهو بأرض الهند يلقى جاريا ... ومن وراء النهر يلفى ساريا # أيضا وفي الغرب يلوح مثلما ... يظهر في الشرق جليا باديا # هذا وما اسم ذو ثلاث أحرف ... وهو لسبع قد يكون وافيا # وذو هدى بهاؤه لا يختفي ... ترى به وصفا لنا مساويا # وظاهر وإن تصحفه اختفى ... وفي جهات البر يبقى جاريا # محذوف غير منه شىء ضده ... محذوف فاء فيه كان ثاويا # محرفا ودان فونان إذا ... حرفت أولا وأيضا ثانيا PageV01P231 ~~وإن نقلت أولا لآخر ... فهو سبيل كم أعان عانيا # وإن نقلت آخرا لأوسط ... أمسى الفقير من آساه شاكيا # وإن تصحف ذا فمحظور به ... ترى الغوى كل وقت لاهيا # هاك الجواب ثم لغزا سافلا ... وللمعالي بالقبول راقيا # فحله بحله الحل له ... يحل ms105 في أوج السماء ساميا # لا زلت في عز وسعد دائم ... ما رادفت أيامنا اللياليا # فأجابني، أمتع الله بحياته، عن لغزي هذا بقوله: # يا بدر دين الله يا من غدا ... لكل فن في الورى حاويا # ألغزت في اسم شامخ قدره ... ما زال في أوج العلا عاليا # إن قلت بدر فهو أزهى سنا ... إذ بك أضحى للسهار راقيا # كم فيه در عقده لم يزل ... عند الذي يخبره غاليا PageV01P232 ~~وفيه رد لحسود يرى ... بحسنه بين الورى خاسيا # وفيه بر نبته مخصب ... وفيه بر لم يزل جاريا # لو سافر الراغب بردا له ... لعد في درب الوفا وانيا # كم فيه للظمآن برد يرى ... من برد يروى به صافيا # أحسن من تحبير برد غدا ... به يماني يرى كاسيا # لو ابن برد رام نظما له ... أعيى وأضحى عجزه باديا # أو النواسي غدا بالذي ... أحدثه العجب به ناسيا # أو الوليد اعتد ما صاغه ... في كل نوع عبثا واهيا # والمتنبي غدا عاجزا ... بمعجز أضحى به غاويا # أو المعري تعرى عن الرش ... د ولم يلق له هاديا # وليس بدعا ذاك ممن غدا ... بمجده عطل العلا حاليا # لا زال في سعد وفي نعمة ... ما لاح نجم في الدجى زاهيا PageV01P233 ~~ثم كتبت له لغزا، فقلت: # يا من صفا في العلم مورد شربه ... لما تروى من مناهل عذبه # ما اسم ثلاثي معمى لم يزل ... تبصره في شرق الوجود وغربه # هو صامت أبدي ويلفى ناطقا ... لكن برمز في الكلام لعجبه # هو ظاهر خاف وليس به يرى ... غش ولكن غشه في قلبه # وإذا حذفت الصدر منه تلقه ... جمعا لمن يلقى الصدور بحربه # وإذا تصحف فهو أمر شامخ ... مع نعت جمع مشرف في حزبه # ومع الزيادة آخرا يلفى به ... بلد زهى بين البلاد بخصبه # وإذا تصحف فاسم خود كاد أن ... يقضي بها معشوقها من حبه # وإذا جعلت الفاء لاما فهو ما ... يبدى المتيم من محاسن حبه # وإذا تصحف قلبه فقبيلة ... في البدو عدت من أماثل عربه # فامنن بحل اللغز يا برا بلا ... مثل ويا بحرا سما ms106 عن مشبه # يا من إذا الأعلام عدت كان مع ... أعيانهم كالبدر صحبة شهبه PageV01P234 ~~واسلم ودم في نعمة لا تنقضي ... ما انهل قطر من مواقع سحبه # فأجاب عنه بقوله: # يا من غدا والعلم مورد شربه ... يصفو كما تصفو موارد حبه # ألغزت في لغز بديع لم يدع ... فضلا لدى فهم اللبيب ولبه # ومنعته نطقا فأصبح صامتا ... وعتا على فكر الأريب بحجبه # وغدا يلوح ويختفي والغش من ... أفعاله متمكن في قلبه # حاولت جهبذ فكرتي في رده ... غزلا وفسخ معاقد من عجبه # فبدا له غز يحاول منعه ... عما أراد ولا تني في حربه # وأراه عزا شامخا من معشر ... عز الطلائع أصبحوا من حزبه # لو أدركته من كثير عزة ... فكر لأبعد عن مواقع قربه # ولو استجاش لنصره وعلا لما ... أغنت ودام على الإباء بشعبه # لله غزة ربع ناظمه لقد ... أبدت لنا بدرا زهى في شهبه PageV01P235 ~~وبه دمشق تشرفت أرجاؤها ... لما أناخ بها مطايا ركبه # وغدت به تبعا لمصر تجول في ... حلل الفخار بما ارتوت من عذبه # نشر العلوم بها فأصبح ما انطوى ... منها جليا وادعا في سربه # فعساه يلفى كالرضي أبيه بالش ... عر الذي وافا بذمه عربه # لا زال في سعد وعز ما زها ... بدر الدجى في شرقه أو غربه # وكتب لي لغزا أيضا، وهو: # يا واحد العصر الذي ... أوصافه لا تحصر # ما اسم ثلاثي غدا ... معروفه لا ينكر # ليس بحسن جسمه ... وبالعيون يبصر # يمضي ولا رجل له ... مضاء طرف يحضر # ويختفي في جوفه ... المحبوب والمستنكر # قد خف لكن قلبه ... ليس عليه يقدر PageV01P236 ~~متى تصحف فاءه ... به كثيرا يسبر # وإن حذفتها يكن ... له شؤون تزبر # وإن تصحف عينه ... فاسم لشىء يكبر # وتارة يكون فعلا ... حاله مقدر # وتارة حرفا لما ... يحيد عنه المخبر # وإن قلبته يكن ... خير متاع يخبر # وإن تصحف فاءه ... واللام لا تعتبر # يختص بالفعل وعن ... فحواه لا يقصر # وإن تحرف فاءه ... ولامه تختصر # يختص بي معروفه ... ولى حياة يقصر # وإن تصحف لامه ... وعينه لا تذكر PageV01P237 ~~فهو مباح لك يا ... من للقلوب يجبر # فحله ms107 محله ... فهو الفريد الجوهر # واسلم ودم في نعمة ... ليس لها تغير # دورية آخرها ... أولها لا يفتر # ما لاح ليل ومحا ... دجاه صبح مسفر # فأجبته عنه، وألحقت به لغزا أيضا، فقلت: # يا سيدا أوصافه ... مثل النجوم تزهر # ألغزت لي في اسم غدا ... للكون طرا يغمر # ليس يحس جسمه ... والعين فيه تستر # أوله كآخر ... ليس به تغير # يطول مع أساه ... ومع سرور يقصر PageV01P238 ~~وهو مطيع ربه ... لكن تراه يكفر # متى تصحف فاؤه ... فهو لسبر مصدر # واسم لألة لها ... يخسر من قد يخسر # صحف وحرف فاءه ... أو عينه يختصر # يعم أشياء كما ... بالسبر أيضا يأمر # وجاء فعلا للذي ... من الملال يحسر # وأمر ذي سخاوة ... للضيف لما يحضر # ترخيمه بالعطف أو ... بالمطل قد يفسر # وإن تصحف فاءه ... فهو لنار أثر # أو عينه ترى به ... باقي فعل يذكر # وإن تصحفهما ... اذهب أمرا يحذر # هذا وما مربع ... مع أنه معشر # مسير ميسر ... مبشر ومنشر PageV01P239 ~~كماله لا يختفى ... وهو بعين يبصر # إن تحذف الزائد ... فهو بعباب يزخر # والرد بالسوء لمن ... يسأل منه يؤثر # متى حذفت صدره ... منه السقوط يحدر # وإن أزلت جوفه ... فآكل لا يفتر # وإن ترخمه أتى ... بعكسه إذ تأمر # وقلبه اسم عاقد ... ووصف شىء يحضر # وإن تصحف فاءه ... فهو نبات عطر # وثم أوصاف له ... بين الورى تشتهر # فحل عقده بعقد ... دره لا يقدر # لا زلت في سعادة ... أوصافها لا تحصر PageV01P240 ~~دورية أفلاكها ... دائرة لا تفتر # ما لاح نجم مزهر ... وفاح نجم مزهر # فأجابني عن لغزي بقوله: # يا من غدا مثل اسمه ... لما دجى ينور # ألغزت في شىء غدت ... نعماؤه لا تحصر # مرخما حرفه ... تلقه نهى لا يقدر # وإن تصحفه يكن ... منه بهاء يزهر # وإن أعدت لامه ... حباك روض نضر # واعكسه فهو راهب ... مما جناه يحذر # وإن حذفت ثالثا ... منه عراه بهر # واقلبه فهو الرعب ... من قلب جبان ينفر # فهاك حل اللغز من ... مقصر يعتذر # واسلم ودم في نعمة ... ما لاح ليلا قمر PageV01P241 ~~وكتبت له لغزا أيضا، فقلت: # يا أوحد العصر يا ... من عليه شكري وقف ms108 # ما اسم ثلاث حروف ... وإن عكست فحرف # وتارة هو فعل ... لذلك الاسم وصف # فأجابني بقوله: # يا من لمجد علاه ... بكر المعاني تزف # ألغزت شيئا بديعا له ... القلوب ترف # كم مال عن ذي كمال ... وللجهول يحف # وكم به جاء فتح ... وكم به حل حتف # وإن ترخمه يأتي ... له معاني تصف # وإن ترخم وتقلب ... يلوح من ذاك حرف # وفاءه أحذف تجده ... اسما به جاء عرف # واعكسه تشهده حرفا ... والنهي منه يشف # لا زلت ترقى المعالي ... ما دام يطرف طرف PageV01P242 ~~ولم نزل بذلك المكان المذكور، ننشر من الإنشاء زهر منثور، وننظم من القصائد ~~درر بحور، ونحلى من نواشي الطروس بلآليء السطور، معاقد خصور ولبات نحور، ~~وأتمتع من ذلك السيد المولى بمجالسته، وأتمنع إلا عن مسامرته ومؤانسته، ~~وأرتشف من نمير زلال مفاكهة أحاديث أحلى من ارتشاف الرضاب، وأغترف من بحر ~~علومه فوائد لها عندي اقتضاء واقتضاب: # أحاديث أحلى في النفوس من المنى ... وألطف من مر النسيم إذا سرى # فيا لها من أيام غرر جلت غسقا وتعالت نسقا، وبثت من علوم ونشت من منثور ~~ومنظوم، وذكرت أيامنا بالبلاد الشامية، التي هي بالمحاسن موشية، وبعكوفنا ~~فيها على العلم بكرة وعشية، فهناك كم من صارفة حرفت وعارفة عرفت وعقيلة ~~عقلت وكلمة رمقت فومقت ومقلت فنقلت، قد ناب فيها عن والدتي هذا السيد أبا ~~شفيقا وعن أخوتي أخا برا شقيقا: # شقيق أخاء لا شقيق أخوة ... نسيب صفاء إن ذكرت نسيبا # بل سيد ومولى ومالك الرق والولاء، ومنقذ بشريف فضله وتفضله نفسا أشرفت ~~على البلاء، يؤنسني في وحشتي تلك مأنسة، ويقدمني في كل الأمور على نفسه، بل ~~هو الروح الروحانية والنفس الإنسانية، والقلب لكنه السليم من الانقلاب، ~~والعين لكنها القريرة بالأحباب، قد رفعت من صدق الاتحاد الاثنينية بيننا، ~~ولولا ملاحظة السيادة والعبودية لقلت له: يا أنا، استغفر الله تعالى، بل ~~نلحظ مقام PageV01P243 ~~العبودية ونحفظ رتبة السيادة ونقف على قدم الخدمة بين يديه متأدبين كما هو ~~جاري العادة، ويكون هذا الموقف إعزازا لا إذلالا، ولا نتخذ كل وقت سوء ~~الأدب ms109 ادلالا، لا زال مقامه كل وقت شريفا، وشرفه عاليا على كل شرف منيفا، ~~وظله في الآفاق صافيا وريفا، وسعده واردا ورائدا من الإقبال منهلا وريفا، ~~فلم نزل مقيمين هناك بذاك المكان إلى أن عاد السلطان من جوب تلك البلدان، ~~وضرب له بظاهر تلك البلدة الخيام، وكان ذلك أواخر شهر المحرم الحرام، ~~واستمر به المقام هناك ثلاثة أيام، ثم عن له الركوب من هناك في البحر ~~المالح لما رأى في ذاك من المصالح، فبطل أعمال الركائب وأعمل ركوب المراكب، ~~وعدى الى القسطنطينية محل تخت ملكه في القارب، فما مضى ذلك اليوم وغده حتى ~~ضمته سراياه وبلده، ثم تلاحقت به العساكر تترا، وتألفت مسرعة برا وبحرا، ~~وكنا قد سئمنا هناك من المقام، وإن لم # يسأموا منا أهل ذلك المقام، وآل الإكرام منهم الى الإبرام، وإن لم نبلوا ~~من صحبتنا أقصى المرام، فأجمعنا على الرحيل وأزمعنا، ولم تك هناك الخيل ~~معنا وليس ثم محمل ولا مركب غير ما حملنا إليها # من ذلك المركب المنسوب إلى الرئيس لطفي، وحاله في النذالة والسفاهة غير ~~مخفي، وإلا المركب المنسوب لابنه ماميه، ساق الله ما يستحقه إليه، فأرسلنا ~~وراءهما بسبب ذلك، وذكرنا لهما ما هنالك، وشرحنا لهما جلية الخبر، وقلنا: ~~إن كنتم تهيأتم للسفر وإلا فهنا مراكب أخر، وقصدنا تقريب الرجعة والمضي إلى ~~القسطنطينية سرعة، فقالوا: قد تكاملت أمورنا ولكن اصبروا علينا إلى يوم ~~الجمعة، فمضت الجمعة ولا حس ولا PageV01P244 ~~خبر، ولا عين لهما ولا أثر، ولا أسفر وجه واحد منهما ولا حضر، ونحن في غاية ~~القلق والضجر، فأرسلنا إليهما وأكدنا في الحضور عليهما فحضرا واعتذرا، ~~وذكرا أن السفر ولا بد يوم الاثنين، فجاء ذلك اليوم ولا عين ولا خبر وليس ~~إلا الكذب والمين، ونحن نقول: هما أين؟ هما أين؟ فغضبنا من ذلك وحردنا، ~~وأكدنا عليهما بسببه وشددنا، فحضرا وأجمعا ووعدا بأن السفر ولا بد يوم ~~الأربعاء، وأقسما على ذلك وتقطعا، فحضر الأربعاء ولم يحضرا ولم يشاهدا ولم ~~ينظرا ولا خبر منهما ولا مخبر عنهما، فأيقنا أن ms110 ليس واحد منهما مسلما، ثم ~~انقضى ذلك اليوم ومضى، ونحن نتقلى على جمر الغضا، ونمزج الغيظ بالرضى، وقد ~~ضاق علينا ذلك الفضاء، وصار صبرنا كأمس مضى. # ومضت بعد ذلك مدة، وأيام عدة، ثم حضر أحدهما معتذرا، مستكينا بما جرى ~~مستغفرا، وعاهد ووعد وذكر بأن يوم الأحد ولا بد يكون السفر، فانتظر ذلك ~~الأحد أحد انتظار، إلى أن وافى بوعده ذلك النهار، ثم مضى يوم الأحد، ولم ~~يحضر منهما أحد، ولا أنجز ما عاهد عليه ووعد، ثم حضرا بعد أيام، وقالا: قد # استحيينا منكم ونحن نصدقكما الكلام، فإن مركب لطفي لم يتم، ومركب ماميه ~~أشرف على التمام، ويكمل وسقه ولا بد يوم الخميس، (ويحصل من الكروب ~~التنفيس)، ويكون نزولكم فيه بخير يوم الجمعة وقت التغليس، وأقسموا على ذلك ~~قسما لا يفجر من كان مسلما، فارتجينا بذلك تنفيس الكروب، وقلنا قد يصدق ~~الكذوب، فارتقبنا ذلك رقبى الهلال، ولم نشكو في انتظاره من الكلال، فلم PageV01P245 ~~نزل بذلك الحال حتى حل ذلك الوقت وحال، ومضى يوم الجمعة بالتمام والكمال، ~~وتصرمت بعده عدة ليال، فتزايد الكرب، وذاب من نار الانتظار القلب، وضنى ~~الجسد والفؤاد، من خلف الميعاد بعد الميعاد، فذكرنا ذلك لقاضي البلد، ~~فأحضرهما وتوعد، وأنكر عليهما وتهدد، وبالغ في ذلك وشدد، وأبرق في إيعاده ~~وأرعد، فقالا: لا عذر لنا بعد اليوم، ولا إنكار ولا لوم، ويوم الثلاثاء من ~~كل بد يركب القوم، ويأخذ مركبنا في السير والعوم، وحلفا على ذلك وعاهدا، ~~وبالغا في أيمانهما وعهودهما وأكدا، فحضرا يوم الثلاثاء يحثان في المسير ~~احتثاثا، ويظهران أنهما لا يبديان للعهد انتكاثا، وقالا: لم يوافق هذا ~~النهار ريح موافق ولا رزكار، وبعد يومين تنصلح الرياح غاية الانصلاح، ويحصل ~~رزكار موات للرواح، وفي يوم السبت يكون السفر على البت، فجاء السبت وانصرم، ~~واتقد جمر القلب واضطرم، ثم مضى يوم الأحد ولم يحضر منهما أحد، فلما كان ~~ضحى يوم الاثنين حضر أحد الاثنين واعتذر بما لن ينفعه، عذرا ما كان أصقعه، ~~وقال: نرسل في الغد صندلا لنقل الأسباب والأمتعة، ms111 فلم نصدقه من كثرة ما ~~كذب، وأقمنا جده مقام اللعب، فلما انجلى وجه الصباح وتهلل، ظهر لنا من بعد ~~ذلك الصندل، ففرحنا به فرحنا بالمواسم، وانتظرنا وصوله للثغر وثغر كل منا ~~باسم، وما علمنا أن هذا الفرح يعقبه بؤس، وهذا البشر بديله عبوس، فأنزلنا ~~فيه في تلك الساعة PageV01P246 ~~الأسباب والأمتعة والجماعة على أننا نبكر لهم صباحا، ونركب معهم غدوا ~~ورواحا، # فأمطرت السماء تلك الليلة مطرا غزيرا، صار منه الوادي غديرا، واستمر يوم ~~الأربعاء ثم ليلة الخميس معا، ثم أسفر وجه الخميس ووجه الجو في غاية ~~التعبيس، وعيون المزن ذارفة، وسقف الأفق واكفة، والقلوب من ذلك راجفة ~~واجفة، الى أن تعالى النهار، وكاد جرف الصبر ينهار، فكف حينئذ الوبل، ~~وتنازل الى مرتبة الطل، والشمس من خلل السحاب تظهر كالحسناء في النقاب أو ~~مثل عذراء تبرز وتستتر بالخباء، أو كما قال الشريف ابن طباطبا: # متى أبصرت شمسا تحت غيم ... ترى المرآة في كف الحسود # يقابلها فيكسبها غشاء ... بأنفاس تزايد في الصعود # فعزمنا على الرحيل، والتجول في برد الأصيل، وخرجنا وقت العصر من تلك ~~المدينة، قاصدين في زعمنا الركوب في السفينة، وذلك يوم ثامن عشرين صفر ختم ~~بالخير والظفر، وأخذنا في السير والترحال، والقلب في غاية الأوجال من تلك ~~الأوحال والأحوال، فلما وصلنا إلى قرب الساحل التي السفينة به، تلقونا ~~الجماعة، ومالوا بنا إلى قرية هناك بقربه يقال لها ينكيجه باللغة الرومية، ~~ومعناه الجديدة بالتصغير في اللغة العربية، وقالوا لنا: استريحوا هنا في ~~هذا المكان، وعرفنا الجماعة أنه كذب في قوله ومان، فنزلنا هناك ببيت عال من ~~الدفوف، متخرق الحيطان والسقوف، تتناوح به رياح الجنوب والشمال، من العلو ~~والسفل واليمين والشمال، فلم نزل بذلك المكان ثلاثة عشر يوما، لا نجد ~~بالنهار راحة ولا نذوق بالليل نوما، ونحن في أسوء الأحوال، وأشد الأوجال، ~~من تلك الأمطار والأوحال، وقد اشتد البرد، وبلغ الجد وفرغ الجهد، ووقع ~~الثلج على الجبال حوالينا، ووصلت PageV01P247 ~~سهامه إلينا، وقلنا الحمد لله اللهم حوالينا ولا علينا، وهذان النذلان ~~يعدانا بمواعيدهما المعروفة، ms112 ويجريان من الكذب على عوائدهما المألوفة، ~~ويعاهدان ثم يخلفان، ويكذبان فيما عليه يحلفان، فلم تزل تلك دعواهم، أضعف ~~الله قواهم، # وضاعف بلواهم وأبعدهم وأخزاهم (وعاملهم بعدله وجزاهم)، فما أجرأهم على ~~النفاق وأجراهم، فبينا أنا أقاسي من ذلك حزنا وحربا، وأتنفس الصعداء غموما ~~وكربا، وألاقي من تلك الأهوال وصبا ونصبا، وأكاد أتميز غيظا وغضبا (وقد بلغ ~~السيل في الحالين الزبا)، وضاق الخناق، واشتد الوثاق، وتزايد الإغراق ~~والإحراق، وبلغ إلى حد لا يستطاع وصفه ولا يطاق، فما راعني إلا البشرى ~~بوصول خيلنا، وسوقها من فضل الله سوقا لنا، فاستخرت الله تعالى في السفر في ~~البحر وصممت، وعزمت عليه وعزمت وجزمت، وكان قد تنجز أمر ماميه حقيقة في تلك ~~الساعة، وعزم على الركوب في سفينته السيد ومن معه من الجماعة، وعرض علينا ~~ماميه الركوب فيها عرض الكرماء فأنشدته: # ما أنت نوح فتنجيني سفينته ... ولا المسيح أنا أمشي على الماء # ومما جرى على اللسان فيه وفي أبيه ما أنشدته على البديه، وهو قولي: # إن يقل المريض ثلث مالي ... لا نذل النساء والرجال # نصرفه في الحال إلى ماميه ... لكن أبوه يدعي عليه PageV01P248 ~~يقول هذا خلقي وطبعي ... فالمال أستحقه بالشرع # حينئذ يقول ماميه له ... لقد خبرت فرعه وأصله # وقد حويت كثره وقله ... وقد وردت عله ونهله # وقد بقي لي دائما جبله ... وخصلة طبعية وخله # فالمال أستحقه من دونكا ... فلا تمدن إليه عينكا # فعند ذا يغضب لطفي منه ... ولم يزل معنفا بلعنه # يقول أنت غاصب حقوقي ... في كل وقت مظهرا عقوقي # يقول ماميه إذا طلبت ... حقي فما أن لك قد عققت # يقول لطفي كيف قلت حقي ... وذلك الوصف أتم خلقي # ألست من يوعد ثم يحلف ... خمسين ألف قسم ويخلف # قال ابنه لقد رأوني أكذبا ... منك بإجماع وألعن أبا # وقد تركبت عليك الحجة ... وظهرت منها لي المحجة # إن العقوق يقتضي استحقاقي ... إذ هو من نذالة الفساق PageV01P249 ~~فما ذكرته هو الدليل ... قد قام لي عليك يا جهول # وأنت إن كذبت إذ واعدتا ... فللذي فعلت ما وصلتا # ألست قد نبذت ms113 بالعراء ... السيد الشريف ذا العلاء # عين الأماثل ورأس الناس ... عبد الرحيم السيد العباس # مع كبر المقدار والسن ولم ... أرع له الحقوق أصلا والذمم # ومعه ذاك الغريب الشامي ... مع أنه المفتي بأرض الشام # فشاط لطفي عند ذا القول وقال ... من بعد أن آلمه ذاك المقال # أليس تزعم بأنك ابني ... فقد أخذت ذا الطباع عني # وقد نقلته جميعا مني ... فإنه قبلك كان فني # وثم عندي منه أصناف أخر ... وثم أوصاف لدي تدخر # وأنت لم تدر سوى ما قد ظهر ... ولست تعلم الذي عندي استتر PageV01P250 ~~وكنت قد نويت أني أنفعك ... ببعض ما عندي ولست أمنعك # فإن عندي منه ما لن يفرغا ... قط وما بلغت هذا المبلغا # قال له ماميه بل عرفت ما ... عندك باديا وما قد تكتما # ثم اكتسبت الضعف من سواكا ... غير الذي اقترحته من ذاكا # فالآن قدري فيه فوق قدرك ... هذا وما بلغت نصف عمرك # فسل من الأنذال عن مقالي ... يعترفوا بالمقام العالي # فذل لطفي حين قال ذلك ... وصار وجهه كليل حالك # ثم أتاه بكلام حسن ... وبمقال لين لا خشن # وقال يا ابني يا أخا المروة ... ويا أبا الرجلة والفتوة # والقصد بالمروة النذالة ... والقصد بالفتوة السفالة # قد فقت فيهما جميع الخلق ... وقد سلخت خلقي وخلقي # فانت يا قرة عيني مني ... فقد تيقنت بأنك ابني PageV01P251 ~~فاسمع كلامي وارع لي تعليمي ... وارفع مقامي واسع في تكريمي # فقال: كلا لست أعطي حقي ... أو بعضه لأحد في الخلق # وإن تكن أبي فمن كمال ... سفالتي منعك من ذا المال # فعند ذا رفع كل أمره ... لبعض من له بذاك خبره # قال هما كفرسي رهان ... أو كشريكي شركة العنان # فإن هذين بلا محاله ... رأسان قدوتان في النذالة # وإنني والله لست أعلم ... أيهما في ذلك المقدم # إن قلت ماميه ففيها أمة ... أو قلت لطفي فهو نذل الأمة # فإن هذا الذل مع أصالته ... أعظم حجة على سفالته # وذلك الجفاء من ماميه ... نذالة ظاهرة عليه # والصلح قالوا سيد الأحكام ... وهو اعتماد سائر الحكام PageV01P252 ~~والرأي أن تصطلحا وتقسما ... جميع ذا الموصى به ms114 بينكما # فأنتما أنذل هذي الأمة ... فافترقا على رضى بالقسمة # ومما قلته في لطفي العنيد، ونحن في ذلك الحال الشديد، الذي ما عليه من مزيد: # عامل الله بعدل ... أنذل الأقوام لطفي # وتولانا بفضل ... وتلافانا بلطف # ثم ركبت من ذلك المكان، أنا ومن معي من الصبيان، وصحبنا معنا ما قل من # الأمتعة، وتركنا بقيتها في المركب مودعة، وودعنا مولانا السابق في الذكر ~~المتقدم بالذكر وداعا استولى على القلب واستعلى على الفكر، وفارقته بالجسم ~~والقلب له مصطحب، وأنا ضاحك من ودع ذلك المحل ومن وداع ذلك الحال منتحب، ~~وتذكرت بوداع ذلك الصاحب الحبيب وداع كل صاحب وحبيب، وبهذا الفراق والنأي ~~القريب فراق كل ناء قريب، وأنا أتململ بين نار قلب في نهاية الاضطرام، وماء ~~طرف منسجم غاية الانسجام، وأتمثل بقول علي بن هشام: # يا موقد النار يذكيها فيخمدها ... قر الشتاء بأرواح وأمطار # قم فاصطل النار من قلبي مضرمة ... بالشوق من مهجتي يا موقد النار # ويا أخا الذود قد طال الظماء بها ... ما يعرف الري من جدب وإقتار PageV01P253 ~~رد بالعطاش على عيني ومحجرها ... تروي العطاش بدمع واكف جاري # يا مزمع البين لا كان الرحيل فإن ... كان الرحيل فإني غير صبار # إن غاب شخصك عن عيني فلم تره ... فإن ذكرك مقرون بإضمار ### | AUTO ذكر العود إلى القسطنطينية # وما جرى بعد ذلك من الأمور المرضية # وكان رحيلنا من ذلك المكان الذي مر ذكره وتقدم، يوم الثلاثاء عاشر شهر ~~ربيع الأول المكرم بمولد النبي صلى الله عليه وسلم، وسرنا والسماء متسترة ~~بأجنحة الفواخت، والطرف من خوف ما يحصل من نؤها باهت، ولم نزل نسير ونلتهم ~~الأرض التهام الضمير، ونرتبط بالجد ارتباط الفعل بالضمير، ونجول في وداة ~~وأشجار، ونحوب في مياه كالأنهار، إلى أن انهار جرف بناء ذلك النهار، ونحن ~~نصل السير بالسرى، ونعاصى عاذل الكرى، واليباب يخفضنا إلى بطون وهاده، ~~ويرفعنا إلى ظهور نجاده، والليل قد أرفلنا في بجاده وجللنا برداء سواده، والقمر # قد حجبه الغيم في أفقه، فلم يظهر من غربه ولا شرقه، وعوض عنه بسناء ms115 برقه، ~~والرذاذ يلطم الجباه، ويهجم على العيون والأفواه، وذيل الوحل على الأرض ~~منسبل، وستره على بطحائها منسدل، (وسلطان النوم عن الطرف ينعزل وعلى وصليه ~~إلى المقل منفصل) والإعمال في السير متصل، وكل منا بحالة الخائف PageV01P254 ~~الوجل، إلى أن اهتدينا بعد أن كدنا نضل، إلى المنزل المعروف بدل، وهو منزل ~~إلى جانب البحر بين تلال في مضيق، ومنها ينزل في المعدية إلى قرب أزنيق ~~فيقرب على الناس الطريق، وبها عمارة لابن هرسك للقاطنين والواردين، وعند ~~المعدية على الدرب خان للمسافرين، وبظاهره عين ماؤها معين، يصب في حوض كبير ~~لورود الواردين، فنزلنا بذلك الخان، إلى أن آن وقت الفجر وحان، ونحن لا ~~نهجع، ولا يستقر لنا مضجع، ودمعنا ودمع الغمام ذارف، وسقف الخان والسماء ~~واكف، فبتنا بليلة نابغية وأحزان يعقوبية وتصبرات أيوبية، لا نجد من تلك ~~البأساء ملجأ ولا مقيلا، ونلقي من أعيننا وأعين المزن بالليل قبل النهار ~~سبحا طويلا، فعندما تجلى وجه السحر، وذبح لضيف الصباح مطية الظلام ونحر، خف ~~القطر وقل، وتنازل من الوبل إلى الطل، فأخذنا في الترحال، وركبنا متون تلك ~~الأوحال، وسمونا مع الماء سمو حبابه حالا على حال. ولم نزل نقطع مهامة ~~وقفار، ونجوز في أودية كالبحار، يندهش بزمع فيها البصر ويحار، إلى أن وصلنا ~~إلى كيكثبزة ضحوة النهار، فما ملنا إلى النزول ولا عجنا، ولا عولنا على غير ~~المسير ولا عرجنا، واستمر السير ذلك النهار جميعه والسحاب لا يكفكف دموعه، ~~والشمس متسترة بخدرها لا تبرح خوف ذلك الزلق من وكرها، والأرض لا تثبت ~~الرجل من كثرة الوحل على ظهرها، وتلك الجياد ترسف فيه كالراسف في الأقياد، ~~وقد ضنى من ذلك القلب والفؤاد، والثياب منقوشة بأيدي الخيل من العاتق إلى ~~الذيل، ووافانا (في PageV01P255 ~~ذلك النهار) جماعة ممن كان صحبنا في الطريق، وممن عد # في ذلك الفريق، واتسم لنا بسمة الرفيق، راجعا كل منهم إلى بلده، مؤملا ~~لقي أهله وولده، فحملناهم أطيب السلام إلى أحبابنا بأرض الشام، وقد فنى ~~القلب تحرقا وثوب الصبر تمزقا وتذكرنا مرارة الفراق وحلاوة ms116 اللقاء، فتزايد ~~من الجوانح الالتهاب، ومن الدموع الانسراب والانسكاب، ولم يمكننا لهم إذ ~~ذاك كتابة كتاب، وتمثلت بقول أبي حيان بوأه الله تعالى غرف الجنان: # لم أؤخر عمن أحب كتابي ... لقلى فيه أو لترك هواه # غير أني إذا كتبت كتابا ... غلب الدمع مقلتي فمحاه # وأنشدتهم والقلب في شغل شاغل، والدمع من العينين سائل، للصلاح الإربلي ~~نديم الملك الكامل: # بالله عليك أيها المرتحل ... بلغ عني أحبتي ما فعلوا # قل مات فإن قالوا متى قل لهم ... من يوم فراقكم أتاه الأجل # وأنشدتهم والفؤاد مستعر والدمع منتثر وعلى الخدين منتشر والقلب لا PageV01P256 ~~يسكن ولا يقر، لبعضهم: # أيها الراكب الميمم أرضي ... بلغن بعضي السلام لبعضي # إن جسمي كما تراه بأرض ... وفؤادي ومالكيه بأرض # قد قضى الله بيننا بفراق ... فعسى باجتماعنا سوف يقضي # حقق الله رجاءنا وتقبل دعاءنا بمنه وكرمه آمين. # ثم فارقتهم والجوانح ملتهبة والدموع منسربة، وأنا ألتفت إليهم مرة بعد ~~أخرى، وأجر رجلي جرا وهلم جرا، إلى أن غابوا عن البصر، وعاد عيانهم إلى ~~الأثر، وحديثهم إلى الخبر، ثم تذكرت قدومهم إلى البلاد، وإخبارهم عني عند ~~سؤال الوالدة والأولاد، فأنشدت: # كأني بأمي لا عدمت حنوها ... إذا جاء من أرضي إلى أرضها قفل # يعمهم من نجوها كل ساعة ... تسائلهم عني وعن حالتي الرسل # يقولون أين البدر أين محله ... إلى ما انتهى لم لا أتى هل له شغل # أضامت به حال أطالت له يد ... أأخره نقص أقدمه فضل # يقولون قد نال الأماني جميعها ... وعما قليل سوف يجتمع الشمل PageV01P257 ~~وقد نشرت في الخافقين علومه ... ومقدار سموا وقيمته تعلوا # ناشدتهم بالله ألا صدقتم ... لدي أجد ما تقولون أم هزل # ولم نزل نسير، ونقطع حجة ذلك الوحل الكثير، إلى أن حان وقت الأصيل، فبدت ~~الشمس مصفرة كلون العليل، ونزل ذلك الوبل إلى مرتبة الطل، وشمر قليلا ذيله ~~المهطل، لكنه ما أهمل همله ولا أبطل، ولا أنعزل عن عمله ولا تعطل، ووصلنا ~~إلى قرية القرطل: # والشمس قد مدت أديم شعاعها ... في الأرض تجنح غير أن لم تذهب # خلت الرذاذ ms117 برادة من فضة ... قد غربلت من فوق نطع مذهب # والقرطل قرية لطيفة، تلاصق ساحل البحر وسيفه يضرب ماؤه في حيطانها، ويدخل ~~أحيانا إلى بعض بيوتها وأوطانها، وسكانها نصارى قد أكتسبوا ذلة وصغارا، ~~وألبسوا من هواء ذلك البحر نحولا وصفارا، وبها سمك كثير، وخان متسع كبير، ~~وهو مسبل للمسافرين، وبالقرب منه عين ماء معين، وبظاهرها مزارع وبساتين، ~~وقد مررت بها على بستان ذي فنون أفنان، فحياني بوجه مشرق، وحباني برداء ~~مغدق، وأنعشني بشذا رند معبق، وأدهشني بأصوات أطيار تنطق، حتى كأن بكل عود ~~عودا يخفق: PageV01P258 # وما كنت أدري قبل ذلك والهوى ... فنون بأن الروض يهوى ويعشق # فحرك سواكن أحزان، وأثار كمائن أشجان، وأذكرني بالأهل والأوطان، فترادفت ~~لي زفرات وحنين، وتتابعت مني عبرات وأنين، وتمثلت بقول بعض المغرمين: # تالله لقد سمعت بالدوح أنين ... ورقاء تنادي بنحيب وحنين # الإلف مجاوري وهذا كلفي ... ما حال قرين قد نأى عنه قرين # ثم بتنا بذلك الخان، والنوم لا تألفه العينان، ولا يعرف طريقا للأجفان، ~~والغرام للقلب مقلق، والبكاء للكبد مغلق، ولواعج الجوانح مع وجود ذلك البرد ~~تحرق، وقد اجتمع هناك من أدمع العين والغمام نهر مغدق بل بحر مغرق، وذلك ~~الليل بأذيال الوجود متعلق، ولعهوده أن لا يفاجئه الصباح متوثق، والصباح في ~~نومه مستغرق، أو مقيد في قعر سجن لا فاك له منه ولا مطلق، أو ميت ثوى فحواه ~~لحد مطبق ضيق، ولم نزل نستشم رائحة أجناده (ونستنشق، ونسأل عنه) كل مغرب ~~ومشرق، إلى أن سطع نوره المشرق، وتهلل وجهه من المشرق، ونحن نكذب PageV01P259 ~~ولا نصدق، فحين ظهر دليله وبان، وقام بوجوده البرهان، ترحلنا من ذلك الخان، ~~وفارقنا ذلك المكان، وسرنا نقتفي البيداء، ونعتلي كل ثنية جرداء، والشمس ~~محجوبة عن الأبصار، والمطر تجلبه إلى تلك الأمصار من جنود السحاب أنصار، ~~ومن بعوث الرياح إعصار، والنفوس منحصرة من ذلك غاية الانحصار، فلما تعالى ~~النهار، انبثق ريق بناء ذلك الغيم عن مائه وانهار، وأرسل إلى الأرض مطرا ~~كالأنهار، فصير كل قرارة حفيرا، وغادر كل ربوة غديرا، وخط كل ms118 طريق خطا، ~~وجعل كل جانب شطا، وكثرت بالأوحال الأوجال، ولم يبق للنفوس في ميادين الصبر ~~مجال، ولم نزل نسير على تلك الأحوال، وأكفنا مرفوعة بالدعاء والابتهال، إلى ~~أن وصلنا بلدة أسكودار وقت الزوال، فذهب ذلك الكرب وزال، ثم نزلنا في ~~المعدية قاصدين المدينة العظمى قسطنطينية، ولما (فرغنا من الأرض وصحوها ~~ومسراها وممشاها) وضمت إلينا تلك السفينة ودخلناها قلنا لمن معنا (اركبوا ~~فيها بسم الله مجراها ومرساها إن ربي لغفور رحيم (فرحمنا الله بريح موافق ~~مستقيم تسخر لنا به ذلك البحر، فامتطينا بركوبها # مطاه، وتذلل لنا فصفعنا بأجنحتها قفاه، ولم تزل تسير بنا ونحن قعود، وقد ~~خدمتنا في هذه الخطرة السعود، وأنجزت لنا ببلوغ المقصود الوعود، فوصلنا ~~أصيل ذلك اليوم إلى الساحل، وانطوت بحمد الله شقة تلك المراحل. # ثم دخلنا المدينة، وحصلت إن شاء الله تعالى الطمأنينة، وكان استقرارنا ~~بالمنزل الذي أفرده لنا السيد وتفضل، وذلك النهار الذي هو يوم الخميس ثاني ~~عشر الشهر قد تحول، والليل الذي هو مسفر عن يوم الجمعة قد عول، والقلب يصبو ~~لمنازله ولا كأول PageV01P260 ~~منزل، ويحن لأحبابه ولا كالحبيب الأول، وأقمت بذلك المنزل وتلك الدار ستة ~~عشر يوما لا يقر لي من البعاد قرار، ولا أجد جلدا ولا أطيق اصطبارا، ولا ~~أطعم النوم إلا غرارا، وقد وهيت من فراق على فراق بداهية دهيا، وبقيت لا ~~ميتا مع الأموات ولا حيا مع الأحياء، وكلما تمثلت لتلك المعاهد، وسألت عن ~~تلك الموارد، لا أجدها إلا صما عميا، فلم أزل أتطارح في تلك المنازل، ~~وأتجرع غصص المنايا من خطب البين النازل: # وأنتسم نواسم تلك المعالم ... فيفوح لي كالعنبر المتنفس # ونمشي حفاة في ذراها تأدبا ... نرى أننا نمشي بواد مقدس # وقد تزايد الشوق وربا، وزاد القلب هموما وكربا، وأثار فيه حربا زبونا ~~وحربا، وتطايرت من نيران القلوب زفراته شررا ولهبا، واعتلت من محاني الضلوع ~~على الربا، وبلغ سيل العيون من محاجرها الزبا، وكل حسام الصبر ونبا، وعثر ~~جواد الاحتمال وكبا، وأنا مع كل ذلك أستخبر عن أخبار ذلك الحبيب ms119 ولا خبر ~~ولا نبأ، وقد طال الليل وأظلم واحلولك ولا نوم، وشابهه في نعته ما بعده من اليوم: # فلم أر أنسا قبله عاد وحشة ... وبردا على الأحشاء عاد غليلا # ومن تك أيام السرور قصيرة ... به كان ليل الحزن منه طويلا # وأنشد قول القائل مترجيا: # ولرب نازلة يضيق لها الفتى ... ذرعا وعند الله منها المخرج PageV01P261 ~~ضاقت فلما استحكمت حلقاتها ... فرجت وكان يظنها لا تفرج # فما راعني إلا دخول البشير علي بقدومه، ثم اجتلاء طلعته الشريفة مع ~~تسليمه، فتلاقينا بالتحية وتلافينا، وبكينا حتى انكبينا، ووالينا الحمد لله ~~تعالى وأثنينا، وكم من نعمة لله تعالى علينا، فدنا الأنس، وانشرحت النفس، ~~ونسخ باليوم ما وقع بالأمس، وأخذنا نتفاوض مفاوضة الأصدقاء، ونتحدث عن ~~أخبار ذلك السفر وآثار أولئك الرفقاء، ولا تسل عن حسن هذا الاجتماع وأنس ~~هذا اللقاء: # حديث تخال الروح عند سماعه ... لما هز من أعطافه تترنح # فكان بذلك لنوم عيني سبيل، وعهدي بالنوم عهد طويل، وهو في الحقيقة لم ~~يفارقني بل هو في كل حالة مرافق، وليس تألم القلب لمفارقته له وإنما هو ~~لتألم الأجساد، فإنه وإن نزح عن العين ما برح في الفؤاد، فهو في الحقيقة لم ~~يخرج عن شعار أجداده وهو السواد: # حضرت فكنت في بصري مقيما ... وغبت فكنت في أقصى فؤادي # وما شطت بنا دار ولكن ... نقلت من السواد إلى السواد PageV01P262 ~~وما زلنا بذلك نجتلي أنوار المحاضرة، ونجتني نوار المذاكرة، ونلتقط نثير ~~لآلىء الفوائد، وننظم عقود المقاطيع والقصائد، ونرد من العلوم أجل المصادر ~~وأعذب الموارد، ونوالي أهل الولا، ونختص بذوي السؤود والعلا، ويتردد إلينا ~~للانتفاع جماعة من الفضلاء، ولنشير إلى ذكر جماعة أيضا ممن اجتمعنا به أو ~~اجتمع علينا في مدينة قسطنطينية أم الممالك الرومية وتخت سلطنة الممالك ~~الإسلامية، وكذلك في الرحلة الأزنكميدية. # فأولهم وأولاهم، وأعلمهم وأعلاهم، الشيخ الأوحد، والإمام الأمجد المعروف ~~بحاجي جلبي (عبد الرحيم بن علي) ابن المؤيد. وقد قدمنا بعض ترجمته وذكر # محبته وأخوته ومودته، وقد حصل لي منه قبول تام، وكنت عنده بمقام سام، ~~يسمني بالعالم ms120 المدقق، والعارف المحقق، وقد استفدت منه واستفاد مني، وأخذت ~~عنه وأخذ عني، واستجزته لولدي أحمد ولمن سيحدث لي من الأولاد، ويوجد على ~~مذهب من يرى ذلك، ويسلك هذه المسالك. فمما أخذ عني مؤلفي المسمى ب الزبدة ~~في شرح البردة، وتفسير آية الكرسي، وبحث وتحقيق أوضحته في معنى الكلام ~~النفسي، وقصيدتي القافية القافية، التي هي ببعض مناقب شيخ الإسلام وافية، ~~وقصيدتي الخائية المعجمة، وحل بعض طلاسم الكنوز المعظمة، وأن كتابه خلاق ~~عليم، وحملها ينفع لدفع الطاعون، وأنه مجرب كما رواه لنا الأئمة الواعون، ~~وأنشدته لنفسي: # من رام أن يبلغ أقصى المنى ... في الحشر مع تقصيره في القرب # فليخلص الحب لمولى الورى ... والمصطفى فالمرء مع من أحب PageV01P263 ~~ولشيخ الإسلام رضي الله عنه: # إن تكن عن حال الذين احتباهم ... ربهم عاجزا وتطلب قربا # حب مولاك والذين اصطفاهم ... تبق معهم فالمرء مع من أحبا # ومما أفادني إياه نقلا عن بعض العارفين أن الإنسان إذا قال ربنا خمس مرات ~~ودعا أستجيب له، واحتج بقوله تعالى حكاية عن إبراهيم عليه الصلاة والسلام ~~(ربنا إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع عند بيتك المحرم) إلى قوله: ~~(ربنا وتقبل دعائي ربنا اغفر لي ولوالدي وللمؤمنين يوم يقوم الحساب) ~~فاستحضرت في الحال دليلا آخر ببركته، وهو قوله تعالى: (ربنا ما خلقت هذا ~~باطلا) إلى قوله: (ربنا وآتنا ما وعدتنا على رسلك ولا تخزنا يوم القيامة ~~إنك لا تخلف الميعاد)، وهي تمام الخمس، ثم عقبها بقوله: (فاستجاب لهم ربهم) ~~فسر بذلك كثيرا وشكر ودعا. # ومنهم ولده العلامة المحقق والفهامة المدقق الرافع قواعد هذا البيت ~~والمؤسس، ملا علي جلبي المدرس، فرع الأصل العزيز، وطبع الأدب المحجل أسلاك ~~الدرر وسبائك الإبريز، المعترف له في ميدان البلاغة فرسان البراعة بالسبق ~~والتبريز، أحد المشيخة الذين تفرط بحلى أنبائهم كل أذن مصيخة، فترسخوا ~~للعلا وتوشحوا بغر الحلا، وكرعوا في بحر علم لا يكدره الدلا، لم يزل متحليا ~~من الشيم الفاضلية بأنفسها درا، PageV01P264 ~~متجليا في سعودها الشارقة بدرا متخليا عن كل ما يعقب الإقبال على ms121 السعادات ~~إدبارا، متسنما من ذروة مراتب الصفات وصفات المراتب أحصاها منالا وأسماها ~~منارا، متبسما من أخلاق المجد ومجد الأخلاق أزهرها نضارة وأنضرها إزهارا ~~متنسما من رياح الأريحية نفحة طيبة ونسيما معطارا، (أحضره والده لدي، فسلم ~~علي وتودد إلي، وصار بيننا وبينه أكد صحبة وأشد محبة). # ومنهم أخوه الشاب النجيب، والفاضل الأريب، الواصل إلى رتبة النهاية في ~~المبادىء، والفائق بفضله الحاضر من أقرانه والبادي، سيدي أبو الهدى عبد ~~الهادي، شاب نشأ في عبادة الله، وراعى في صغره من الهدي والهدى أباه، ~~اختطفته يد المنية في صباه، ودعاه ربه إلى جواره فلباه، فمات بالطاعون ~~شهيدا في صفر الخير سنة سبع وثلاثين وتسعمائة، ونحن إذ ذاك ببلدة أزنكميد، ~~رحمه الله تعالى، وكان قد جمعه أبوه علي، وأمره بالتردد إلي، وحضر مجلسي ~~عند أبيه، وسمع ما صدر مني من البحث فيه. # ومنهم أخوه أيضا الطفل الزكي والشاب الذكي، الموسوم بسمة الولاية، ~~والملحوظ بعين العناية، ذو الأنس الظاهر، والخلق الطاهر، محيي الدين عبد ~~القادر، أحضره والده إلي، وأمره بالمثول للاستفادة بين يدي، أنشأه الله ~~تعالى نشوءا صالحا، وجعله من متاجر الخيرات رابحا بمنه وكرمه. # ومنهم الشيخ الإمام العلامة القدوة العمدة الفهامة، فرع الحسب الصميم، ونبع # الأصل الكريم، وطبع الفضل العميم، وطوع الخلق العظيم، قدوة الأئمة، وواحد ~~أسانيد الأمة، قاضي القضاة، وإمام الفقهاء والنحاة، ورب العقل الوافر ~~والحصاة، روض العلم الوارف الظلال والفيء، والوافر الريع والري، قاضي ~~أماسية وما معها PageV01P265 ~~القاضي عبد الحي ابن أخي حاجي جلبي المشار إليه، أفاض الله نعمه عليه، ~~اجتمع بي وبوالدي بالشام عند قدومه إليها قاصدا بيت الله الحرام، فصار ~~بيننا وبينه صحبة ومودة ومحبة. # ومنهم الفاضل اللبيب، والعالم الأريب، الباسق في شجرة كريمة الأعراق، ~~ساطعة الإشراق، طيبة الأثمار والإيراق، محرزا في ميدان طهارة الأردان قصب ~~السباق، متميزا في عنفوان الشباب بحسن الخلق وإحسان الأخلاق، ابن قاضي ~~العسكر الإمام عبد الرحمن أخي حاجي جلبي أيضا المسمى هو بعبد الرزاق، انقصف ~~غضر أجله في ريعانه، وكبا جواد أمله في ميدانه، فلبى داعي ms122 ربه إذ دعاه، ~~وأجاب ندائه مسارعا للقياه؛ فمات شهيدا بالطاعون في شهر صفر المذكور قبل ~~ابن عمه المشار إليه بأيام رحمه الله، وكان قد اجتمع بي مسلما، وأخذ عني ~~متفهما. # ومنهم المقر العالي الكريم، والجناب السامي الجسيم، المولوي الإمامي ~~العالمي العلامي زين ممالك الإسلام، وحسنة الليالي والأيام، ورجل الكمال ~~والكلام، وحامل فخر الأقلام، ولواء الشرع المنيف والأحكام، ونجل الشراة ~~الأعلام، غرة الزمن البهيم، وبورد الآمال الهييم، الفائق بدرر علمه وكلمه ~~على الدارين، قاضي قضاة العساكر المنصورة الروم إيليه محيي الدين بن ~~الفناري. # ومنهم المقر الكريم العالي، الجامع أشتات المعالي، حسنة الأيام والليالي، ~~علامة الزمان، ووحيد الأقران، والمشار إليه بالبنان والبيان، زين الأكابر ~~والأماثل، ورأس الأعيان الأفاضل، ومقصد المتلمس والسائل، ومحط رجل أمل الآمل، # ومغيث الفقراء واليتامى والأرامل، ذو السيرة الحسنة المشكورة، قادري جلبي ~~قاضي قضاة PageV01P266 ~~العساكر الأناظولية المنصورة، أدام الله بهجة الدنيا ببهجة سلطانه، ووالى ~~تمهيد ربوعه وتشييد أركانه، وضاعف السعد في أمره وشأنه، قد اعتنى بأمري ~~غاية العناية، وحصل منه كل تعظيم ورعاية، وقررني في تدريس حسن جليل نفيس، ~~ابتداء منه من غير سؤال، ولا طلب ولا التماس بحال، هذا مع نزر اجتماعي عليه ~~وعدم ملازمتي له وقلة ترددي إليه، وإنما كان كلام الباشا معه بسببي وتحريضه ~~عليه بما يتعلق بي بسبب كتابة براءات بتجديد ما بيدي من الجهات وشؤون أخرى ~~لا تبرز، وقد انقضى كل منها بحمد الله وتنجز. # ومنهم قاضي قضاة المسلمين وأولى ولاة الموحدين، وينبوع العلم واليقين، ~~العادل العدل في أحكامه، والجزل في إقدامه، والمراقب لله في فعله وكلامه، ~~عين إنسان الزمان، وإنسان عين البيان، قاضي القسطنطينية سعدي بن عيسى بن ~~أمير خان، ما قرن به فاضل في الروم إلا رجحه، ولا ألقي إليه مبهم من العلم ~~إلا كشفه وأوضحه، له صادقات عزائم، لا تأخذه في الله لومة لائم، إلى عفة ~~ونزاهة وإيابة، وهمة علية وصيانة، وطلاقة وجه وبشرة، وناء جميل يتضوع نشره، ~~مع خلق وضي وخلق رضي: # يقابلني له خلق وضي ... لصدق بشره خلق رضي ms123 # مع إجلال وتعظيم، ومبالغة في التكريم، واعتراف بالفضل الجسيم، عامله الله ~~بفضله ولطفه العميم. PageV01P267 # ومنهم الشيخ العلامة والقدوة الفهامة، والإمام الأوحد، والهمام الأمجد، ~~مولانا خجا جلبي بن مولانا محيي الدين محمد، أحد المدرسين الثمانية، ذو همة ~~علية، وفطنة ألمعية، ووقار ما مثله وقار، ومآثر كأنها علم في رأسه نار، ~~ومفاخر طوالعها صبح ونهار، وسجايا عريقة المجد ماجد الأعراق، خليقة بالحمد ~~حميدة الأخلاق، # قد سقته العلوم زلالها، ومدت عليه ظلالها، وأحلته الجلالة حلالها، وسقته ~~الأصالة عذبها وسلسالها، فعلا قدرا، ولاح في سماء السناء بدرا، وصار لأولئك ~~الصدور صدرا، وقع بيني وبينه بحث في أن النعت في قوله تعالى (لا يسمن ولا ~~يغني من جوع) متعلق بطعام أو بضريع فهو مال، وأنا قلت: متعلق بضريع، وذكر ~~كل منا حجته في ذلك، ثم أوردت عليه ظاهر الحصر منا مع أنه طعامهم الزقوم، ~~وهو غير الضريع، وشرابهم الحميم، فأجاب بأن ذلك يختلف بتعدد الأشخاص، ~~واعترضت. . . في الصفوة فإنه جزم بها مكسورة الصاد لا غير، فقلت له بل هي ~~مثلثة الصاد، وبيننا وبينه محبة وصحبة، وهو يتأدب معي كثيرا، ويجلني إجلالا ~~كبيرا، وهو صهر مولانا حاجي جلبي أخو زوجته الكبرى، وهي أم ولده الكبير. # ومنهم الإمام العالم العامل، والهمام الأمجد الكامل، القدوة الأمة، وأحد ~~أئمة الأمة، ذو المناقب الرضية المرضية، والأخلاق الزكية، الشيخ الإمام أبو ~~عبد الله محمد شمس الدين شمسي جلبي أحد مدرسي الثمانية، بيننا وبينه محبة ~~وصحبة، ومصافاة وموافاة، وذكر لي أن سنه دون الخمسين سنة، مع أنه نقي ~~الشيبة ذو شيبة حسنة، وأنشدته بحضرة مولانا حاجي جلبي لشيخ الإسلام تقي ~~الدين بن دقيق العيد بسندي إليه قوله: PageV01P268 # وددت بأن الشيب عاجل المنى ... وقرب من عهد الشباب مزاره # لأكسب من عصر الشباب نشاطه ... وأكسب من عصر المشيب وقاره # فسر بذلك وابتهج واستبشر، وحمد الله تعالى وشكر. # ومنهم الشيخ الصالح العالم الأوحد الكامل الخير الجيد المقرئ المجود، ~~الشيخ إبراهيم بن محمد بن إبراهيم الحلبي الأصل، ثم القسطنطيني الخطيب ~~والإمام بجامع المرحوم السلطان محمد، اجتمع ms124 بي مرات وتودد، وصار بيننا ~~وبينه أعظم # مودة وأوكد، وأعارني من كتبه عدة أيام تآليف ما ألفته ببلاد الروم كتفسير ~~آية الكرسي وشرح البردة، والله يعاملنا وإياه والمسلمين بلطفه الخفي وبره ~~الحفي وجوده الوفي بمنه وكرمه آمين. # ومنهم الشيخ النبيل الوقور، المنسوب للعلم، والموسوم بالحلم، والمعدود من ~~ذوي العقل والحصاة، والمشار إليه في أعيان القضاة، قاضي المنزلة ثم ~~الخانكة، فتح الله صحبنا من حلب إلى الروم، وتكلمنا معه في بعض العلوم، ~~وصار بيننا وبينه مواددة ومجاملة، ومصادقة ومخاللة، ومما سألني عنه لبس ~~الوشق فأجبته بأنه كالسمور والقول بالحل هو المعتمد والذي عليه الجمهور، ~~وبحثت معه في وجه ذلك بما لا يسع هذا الكتاب ذكره، وسأوضح الكلام على ذلك ~~إن شاء الله تعالى في الرسالة التي أفردتها للكلام في ذلك وشرعت في ~~تأليفها، والله تعالى يقدر إتمامها والنفع بها. PageV01P269 # ومنهم الشيخ الأوحد، والأصيل الأمجد، ذو البيت الذي طارت مناقب نزاهته كل ~~مطار، وانتظمت أسلاك أصالته في أجياد الأسطار، وسرت نسمات فضيلته سرى نسمات ~~باسمات الأزهار، وهمت سحاب سماحته كالغيث المدرار، فسما في سماء المجد علما ~~راسخ القواعد، مشار إليه من كل غائب وشاهد، حينا للصلة وآونة للعابد، ~~تصطفيه الرتب العلية السنية، وتتنافس فيه الخطط الشرعية السنية، فطورا ~~مقدما في أندية الأمراء والأعيان، وتارة صدرا في قضاة العدل والإحسان، ~~القضائي الكمال التادفي قاضي حلب ثم مكة. كان صحبني من حلب إلى البلاد ~~الرومية، فأسفر عن أعذب أخلاق، وأكرم أعراق، وأحسن طوية، وأنشدني من نظمه ~~قصيدة تائية، ومقامه أكبر من الشعر، وأعلى في القيمة وأغلى في السعر. # ومنهم الشيخ النبيل، والفاضل الأصيل، فخر النبلاء، وأوحد الفضلاء، القليل ~~الأنظار والأشباه، قاضي أزنكميد محيي الدين محمد ابن قاضيها لطف الله، حضر # لدينا ببلده للسلام، ثم أرسل هدية من الدجاج والفاكهة والأغنام. وبعث ~~إلينا ألغازا فقهية وغيرها رآها في كتاب عنده ولم يدر ما هي فحللناها له ~~وأجبناه عنها. # ومنهم الشاب النير، الدين الخير، الصالح الذكي، الفاضل الزكي، اللطيف ~~الذات والطباع، المباين بحسن الأخلاق أهل تلك ms125 البقاع، عين الأزلام والأصحاب ~~(الحاج مصلح الدين لطفي بن الحاج) محمد الأزنكميدي الشهير بابن القصاب من ~~أعيان بلدة أزنكميد وكبارها وموسريها ورؤسائها وتجارها، أقمنا عنده PageV01P270 ~~ببيته ببلدة أزنكميد في عيش رغيد، وإكرام ما عليه من مزيد، كما تقدم ذكر ~~ذلك مع ما اتفق لنا هنالك، وقد أخذ عني وسمع مني وقرأ علي حديث رؤيا النبي ~~صلى الله عليه وسلم الملكين وإسرائهما به، ورؤيته لإبراهيم الخليل عليه ~~السلام، ومالك خازن النار عليه السلام وأصحاب التنور والسابح في البحر وما ~~مع ذلك الحديث المشهور بطوله وبعض كتابي الزبدة في شرح البردة وبعض شرحي ~~المنظوم على الألفية وغير ذلك، واستجازني بما يجوز لي وعني روايته له ~~ولأولاده الثلاثة عبد الكريم المراهق وعبد اللطيف السداسي وعبد المطلب ~~الثلاثي، ثم اجتمع بي في القسطنطينية عند رحلته إليها للملازمة، والله ~~تعالى يرزقنا وإياه حسن الخاتمة بمنه وكرمه آمين. # ومنهم الشيخ الجليل الكبير النبيل المتخشع الخاضع المتواضع الشهير بالدين ~~والخير السائر بين أمثاله أحسن سير، شيخ محمد المتولي بعمارة السلطان سليم ~~خان تغمده الله بالرحمة والرضوان، وهو قرابة شيخ كمال ناظر النظار بالشام ~~كان سلم مرات متواضعا وملتمسا للبركة والدعاء، وأضافني إلى منزله واحتفل ~~فيما هيئه من مأكله وأحضر ابنه وولدي كمال وهما محمد وجمال للسلام علي ~~والمثول بين يدي، والله تعالى يصلح الأحوال ويوفقنا لما يحب في الحال ~~والمال بمنه وكرمه آمين. # ومنهم الشيخ العالم، المواظب على الخير والملازم، العالم الأريب، البليغ ~~الأديب، الفصيح الخطيب، المتولي خطابة العمارة المذكورة، وخوجا باش ~~الينكجرية المنصورة، رجل لطيف الذات، كامل الأذوات، مشتهر بعلمه وفضله، ذو ~~رغبة في الخير وأهله، وبيني وبينه أكد صحبة وأشد محبة، والله تعالى يعاملنا ~~وإياه والمسلمين بخفي لطفه ووفي كرمه آمين. # ومنهم الشيخ الأمجد، والفاضل الأوحد، والحافظ للقرآن المجيد، والمقرئ ~~بالإتقان PageV01P271 ~~والتجويد، يوسف سنان جلبي بن عبد الله، سار محفل بعمارة السلطان سليم شاه ~~المشار إليها أعلاه. رجل مشتهر بالديانة والعفة والأمانة والقراءة الحسنة ~~والطريقة المستحسنة، محب لنا مصافي، مكافيء بالخير وموافي. في غاية اللطف ms126 ~~والحسن والمروءة وعلو الهمة، والله تعالى يغمرنا وإياه والمسلمين بالمغفرة ~~والرحمة آمين. # ومنهم الشيخ العلامة، والقدوة الفهامة المشهور بالفضل، والمشتهر بالعلم ~~والعقل، البالغ في فضائله الثريا، والراقي في فضائله مقاما عليا، الشيخ شمس ~~الدين محمد المصري الشهير بمهيا، حضر لدي وسلم علي وتودد في سلامه، وتلطف ~~في مخاطبته وكلامه، والله تعالى يبلغنا وإياه والمسلمين الأمل، ويوفقنا ~~للإخلاص في القول والعمل آمين. # ومنهم القاضي المشهور بالعدل، المنسوب للعلم والفضل، ذو الهمة العلية ~~الرفيعة، والفكرة المطيعة والطبيعة، المشتهر بحسن الطوية، عبد الصمد قاضي ~~الزاوية كان ثم شيخ الأشرفية، وقع بيننا وبينه مجالسات ومباحثات ومؤانسات ~~وتذكرت هنا قول بعضهم: # ورقيع أراد أن يعرف النحو ... بزي العناد لا المستفتي # قال لي: لست تعرف النحو مثلي ... قلت: سلني عنه أجب في الوقت # قال: ما المبتدا وما الخبر المجرور ... أخبر، فقلت: تنقم يف وعذت PageV01P272 ~~ومنهم الشيخ النبيل العريق الأصيل، محيي الدين (يحيى بن بركات بن المرجاني، ~~المكي الأصل، النير الوجه، الأسود الشاش المشهور بابن قايماز قراباش، رجل ~~الكمال والكلام، وصاحب الحال والمقام، ذو الأذكار المأثورة والأوراد، ~~الشائع بين الأروام في أعلى مقامات الاعتقاد، بيننا وبينه صحبة وخلة ومحبة، ~~وتودد وتردد، والله تعالى يصلح أحوالنا، ويبلغنا والمسلمين آمالنا بمنه ~~وكرمه). # ومنهم المقام العالي، ذو المفاخر والمآثر والمعالي، الأميري الكبيري ~~العلائي علي ابن المرحوم السعيد الشهيد مولانا السلطان المؤيد أحمد بن ~~مولانا المرحوم السعيد الشهيد السلطان الملك الأشرف إينال، سقى الله عهدهما ~~شآبيب الرحمة والأفضال، وحرس سعده وثبت مجده، أحلته هنالك الأقدار، واطمأنت ~~به في تلك المدينة الدار، منعزلا عن مداخلة الناس إلا بالتودد والتلطف ~~والإيناس، حضر مسلما علي ومتوددا إلي. وبيننا وبينه مواددات لطيفة، ~~ومنافثات ظريفة، والله تعالى يحرس من كل سوء ذاته الشريفة بمنه وكرمه آمين. # وليكن هو آخر سردهم، وخاتمة عدهم، وواسطة عقدهم، وأما من دون هؤلاء ~~فجماعة لا يحصى لهم عددا، ولا يبلغ الضابط لهم أمدا، وهذا القدر كاف، ~~وبحصول المقصود واف، ولنرجع إلى سياق الرحلة المباركة إن شاء الله تعالى فنقول: # فلما استقر ms127 بنا الركاب في مدينة قسطنطينية في دار مولانا المشار إليه، ~~بعد العود من الرحلة الأزنكميدية، على ما شرح من الأحوال المرضية، نرتع في ~~رياض مجاورة ومحاورة، ونكرع في حياض مؤانسة ومذاكرة، وفد الشتاء بقوته ~~حاشرا عساكره وجنوده، وناشرا راياته الدكن على الوجود وبنوده، فأرسلت ~~الرياح نشرا بين يدي الرحمة، وتتابعت الأنواء والأنداء كقطع ليل مدلهمة، ~~وتفتحت أبواب السماء بماء منهمر، وتفجرت الأرض عيونا فالتقى الماء على أمر ~~قد قدر، ووقع # الثلج، وغمر النهج، وامتلأ به الفج والمرج، وستر سواد الأرض ببيض المطارف ~~وحاد على الربا والوهاد بتالد من ذلك وطارف، كما قال السري الرفاء: PageV01P273 # أما ترى الثلج قد خاطت أنامله ... ثوبا يزر على الدنيا بأزرار # نار ولكنها ليست بمبدية ... نورا وماء ولكن ليس بالجاري # فيصبح الناس وصباحهم أبيض، وجناحهم لا ينهض، والعروق لا تنبض، والبروق لا ~~تومض، والنيران مقرورة، وشياه الجليد مطرورة، والوجوه في عبوس، والوجود في ~~بؤس، قد جمدت الأبدان حتى كأنها بلا نفوس، فأقمنا نكابد من ذلك الحال في ~~تلك الأيام عيشا مريرا، واستمرينا أياما عديدة نشابه أهل الجنة بلا تشبيه ~~في أنا لا نرى فيها شمسا ولكن زمهريرا، ونشرب المياه من كأس كان مزاجها ~~بالثلج كافورا، ونتخذ النار من البرد جنة، ونرضى بها ونحن المؤمنين بأن ~~تكون لنا جنة، ولم يزل البرد مشتد الشكيمة، ماضي العزيمة، قد تهدد وتوعد، ~~وأبرق وأرعد، والأنواء متواردة، والأنداء متوافدة، وإن لم تكن متتابعة، ولا ~~كبقية السنين متزايدة، فإن هذا العام على ما شرح ولله الحمد أقل بردا من ~~بقية الأعوام، كما أجمع عليه من سكن الروم من العرب والعجم والأروام، ~~واستمر جيش الغمام محاصرا ليالي وأيام، يجرد بوارقه، ويخوف بصوت رعده ~~صواعقه، ويفوق عن قوسه الممدود في الأفق نبل وبله، ويبعث تحت مدد قطره ~~سرايا سيوله، فيستولي على الربى بخيله ورجله، والثلوج قد شابت منها قلوب ~~الرجال، كما شابت بها مفارق الجبال، إلى أن هزمه الربيع بجنده، وغلبه بجيوش ~~زهره وشوكة ورده، PageV01P274 ~~وأراح النفس من روعة برده برائحة رائع عراره ورنده، ms128 وأصبحت السماء صاحية، ~~والشمس وإن تسترت أحيانا مسفرة ضاحية، وأركان الرفاهية غير واهية، ومعالم ~~العافية غير عافية: # ووجوه هاتيك الرياض سوافر ... غيد تزان من المياه بأعين # والأرض تجلى في رداء أخضر ... والجو يبرز في قناع أدكن # والربى قد تعممت بملونات الأزهار، وأراقم المذانب قد انسابت في مغائر ~~الأنهار، والزمن قد استقبل آذاره، وخلع في بسيطة عذاره، وقد أشرق الجو ~~بإشراق الخمائل والنبات، وتلك المدينة قد أحدقت بها الأنهار من سائر ~~الجهات، ونحن نمرح في جهاتها، وتسرح العين في منتزهاتها، ونسير في مفترجات ~~تلك الأقطار، إلى أن قضينا أكمل الأوطار، وتمتعنا من تلك المنازل الرفيعة ~~بالحدائق الغضية والنسيم المعطار، بحيث تضاحك الورد والبهار، وتفاوح الرند ~~والعرار، والطير قد تكلم، والعود قد ترنم. وقد خيم السرور، وتضاعفت بتضاعيف ~~البحر الحبور، ومضى لنا مع مولانا السيد فيه يوم حسن، وحسن يوم تممت حسنه ~~البدور ووفيت بوفائه النذور: # يوم لنا بالبحر مختصر ... ولكل يوم مسرة فضر PageV01P275 ~~والسفن تعدو في العباب بنا ... والماء مرتفع ومنحدر # فكأنما أمواجه عكن ... وكأنما داراته سرر # ومضى لنا يوم آخر في البر قد غاب عذاله، وكملت أوصافه وخلاله، وتم حسنه ~~وجماله: # في رياض من الشقائق أضحت ... يتهادى بها نسيم الرياح # زرتها والغمام يجلد منها ... زهرات تفوق لون الراح # قلت: ما ذنبها؟ فقال مجيبا: ... سرقت حمرة الخدود الملاح # فنزلنا بها تحت سرحات مؤنقة، ودوحات مورقة، متضوعة بعرف الزهر معبقة، في ~~أرض سندسية اللباس، ذات مطارف متنوعة الأجناس، بين خامات زرع تموج يدافعها ~~موج البحر، وتلوح طلائعها من كتائب الزهر، فماء الندى مسكوب، ورواق الظل ~~مضروب، والريح يصفق والغصن يتثنى والقبر يصرصر والبلبل # يتغنى والحمام ينوح ويندب، ويشكو من جوى دهره ويعتب، فتذكرت به نوح ~~الغريب بفقد بلاده، وتأوهه لنأيه عن أهله وأولاده، واندفع لسان الحال قائلا ~~في إنشاده، حاكيا ما PageV01P276 ~~توجع منه القلب وتألم ومضمنا لتضمين بيت أبي كبير الهذلي لعوف ابن محلم: # أفي كل عام غربة ونزوح ... أما للنوى من ونية فيريح # لقد طلح البين المشت ركائبي ... فهل أرين البين ms129 وهو طليح # وأرقني بالروح نوح حمامة ... فنحت وذو البث الغريب ينوح # على أنها ناحت ولم تذر دمعة ... ونحت وأسراب الدموع سفوح # وناحت وفرخاها بحيث تراهما ... ومن دون أفراخي مهامه فيح # ألا يا حمام الأيك الفك حاضر ... وغصنك مياد ففيم تنوح # لعل إلهي أن يمن بفضله ... فتلقى عصا التطواف وهي طريح # ويسكن قلب دائم خفقانه ... وينعم جفن بالبكاء قريح PageV01P277 ~~فاستجاب الله سبحانه وتعالى، وضاعف بره وفضله ووالى، وهيأ أسباب العود إن ~~شاء الله تعالى إلى الوطن، والرجوع إلى الأهل والسكن، وذلك أنا لما خرجنا ~~من الأوكار، وسرحنا في روضات الجنات بعد ملازمتنا موقد النار، وانتشرنا في ~~تلك الأرض، وجمعنا في اجتماعنا بالأصحاب بين النافلة والفرض، اهتم الوزير ~~بأمرنا غاية الاهتمام، وأظهر عزم الرجال وكذلك قاضي العسكر وغيره، الى أن ~~نجح الأمر إن شاء الله تعالى بالتمام، وحصل المقصود إن شاء الله تعالى على ~~الكمال، ولله الحمد على توافر نعمائه وتكاثر امتنانه كما ينبغي لجلال وجهه، ~~وعظيم سلطانه، حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه، يكافئ مزيد كرمه ويوافيه. # ومما حدث في هذه الأيام أن ورد علي كتب من بلاد الشام من الأهل والأقارب ~~والمعارف، يتضمن أن ابن إسرافيل قاضي دمشق كتب عروضا بغالب الوظائف، # وذلك من غير معرفة سابقة، توجب عداوة أو مصادقة، وإنما ذلك بإيحاء بعض ~~المعاندين، من الأعداء والحاسدين، والعجب أن لا نكير من الأصحاب مع الكثرة، ~~ولا إعانة منهم على المعادين ولا نصرة، مع سلامة أهل الشام من أذانا، ~~وانتفاعهم بتعليمنا وفتوانا، ولعل ثم عذر من الإخوان اختفى علينا الآن، هذا ~~كله مع اقامتي في كل جهة من النواب جماعة، والقيام بشعائرها ومصالحها حسب ~~الاستطاعة، وغيبتى في باب السلطان، والاعتناء بأموري في بلاد الروم من ~~أركان الدولة والأعيان، فذكرت ذلك لهم فأنكروه وأعظموه جدا وأكبروه، ثم كتب ~~لي بحمد الله بجميع جهاتي تجديد، وحكم سلطاني جديد، وأضيف الى ذلك ما كان ~~أخرج منها عنا، ونزع بالعدوان والتدليس منا، وازددنا من فضل الله تعالى ~~جهات أخرى، فحصل بذلك للمحبين البشرى، وازداد ms130 الشانيؤن خسرا وقهرا، وكان ~~ذلك بحمد الله تعالى من اللطف الخفي والمن الوفي، وبالله تعالى استعين ~~واكتفي، PageV01P278 ~~ومما جرى على الجنان فنطق به اللسان قولي: # حاولت من دهري الأمان فراغا ... فأريته عما طلبت فراغا # ويئست من أهليه أجمعهم فما ... أرجو مراء منهم حنى أو راغا # والصبر عنهم قد سلكت سبيله ... وعلى الحشا أفرغته إفراغا # كم قد شرقت بغصة منهم وما ... لاقيت مما قد غصصت مساغا # غصبوا الثعالب طبعهم فتراهم ... لا يسأمون عن المراد رواغا # وكأنهم صبغوا بحالك لؤمهم ... طبعا يزيد مدى الزمان صباغا # ولجأت للرحمن فيما أبتغى ... فبلغت مما أرتجيه بلاغا # وأنالني باللطف حظا وافرا ... وعلي أسبغ ظله إسباغا # وأراحنى بعد العناء بمنه ... فضلا وأبلغني المنى إبلاغا # فله تعالى الحمد مني ما اهتدى ... قلب الى سبل الهدى أو زاغا # هدانا الله إلى سبل الهدى ووقانا، وحمانا من الضلال والردى وكفانا (بمنه ~~وكرمه كيد الحساد ومكر العدا آمين) PageV01P279 ### | AUTO ذكر الرجوع الى الوطن # والأوبة بعد طول مدة هذه الغيبة # ثم لما انقضت بحمد الله تعالى جميع الأشغال، وانتظمت بعون الله سائر ~~الأحوال، ومن الله تعالى بالظفر، شرعنا مسرعين في أهبة السفر، وذلك السيد ~~الكريم والولي الحميم في تعاطي حاجاتي بنفسه مهتم على أتم الأحوال وأكمل ~~الأمور، وبمفارقتي له مغتم، وببلوغ أربي مسرور، إلى أن كمل الاستعداد ~~وتهيأت الرفقة والزاد. # وأسرج جواد الأوبة، وتقوضت خيام الغيبة، وحم يوم الفراق، واحتدم ذلك ~~التلاق، وأضرمت تلك الأعلاق، وأعدت الركاب، وحضر للوداع جميع الأصحاب، ~~وتحقق السير عن ذلك الحمى، وأشأم حاد كان بالأمس أتهما، وأجريت الدموع، ~~وطلق الهجوع، وأضرمت نيران الزفرات الأكباد والضلوع: # ومدت أكف للوداع فصافحت ... وكادت عيون للفراق تسيل # فيا لساعات التوديع ما أشد كربها وأحد عزمها، وأكثرها إلهابا للخلد، ~~وذهابا بالجلد، وذوابا للجلد والجسد، ومما قلته: # يا قاتل الله قلبي كم أحمله ... ما لا يطيق لقد رثت علائقه # في كل يوم له خل يودعه ... مع الزمان ومحبوب يفارقه # وأنشدت ذلك السيد الحبيب، وأنا وهو منتحب ومفارق لجسماني ولقلبي مصطحب: PageV01P280 # لك الإله أودع ms131 ... يا أيها المودع # مؤملا من فضله ... شملي بكم يجتمع # فالقلب قد أذابه ... حر الفراق الموجع # وماؤه ما قد جرى ... من أدمع لا تقلع # فما يرى من زفرتي ... دخان المرتفع # فغلب علينا من الشجون ما نزع القلب من الصدر أو كاد، حتى قطع علينا ترادف # البكاء ذلك الإنشاد، ثم غيض كل منا دمعه المنهمل، وإن لم يستطع إطفاء ما ~~بقلبه المشتعل، وأنشدني ما هو له يرتجل: # أستودع الله منك مجدا ... أصبح بين الأنام فردا # أستودع الله منك ذاتا ... بكل ما في الوجود تفدى # أستودع الله منك جودا ... بجوده المعصرات أعدى # أستودع الله منك ركنا ... أضحى لمن يرتجيه رفدا # أستودع الله منك طبعا ... صفا لمن ينتحيه وردا PageV01P281 ~~أستودع الله منك بشرا ... لنجح راجيه قد تصدى # أستودع الله منك ذاتا ... أدل من شارق وأهدى # يا سائرا والقلوب تسري ... بسير لايطيق بعدا # والصبر لم يبق منه إلا ... ما لم يطق للهيام ردا # لولا رجاء اللقاء كادت ... تهد منا القلوب هدا # فهو لها كالغذاء يحيي ... نفوسنا بالمنى ممدا # فسر قربنا لكل خير ... مصاحبا دولة وسعدا # وصحة لا تزال تكسو ... ذاتك مما تحوك بردا # لا تشتكي في النهار حرا ... ولا بجنح الظلام بردا # لموطن السعد في أمان ... تزداد عزا به ومجدا # والوقت في غاية اعتدال ... وطالع السعد قد تبدى # أعظم بها سفرة وسيرا ... أكرم بها وجهة وقصدا PageV01P282 ~~صحبت برا وأنت بحر ... والجود والبر منك مدا # فيا له من قران سعد ... حاسده بالردى تردا # لا عدمت مجدك المعالي ... ولا رأت من علاك فقدا # وسرت في دولة وأمن ... ما حمد الحامدون حمدا # ثم كررنا الوداع خارج المدينة، وعضدي بيده الكريمة، إلى أن أصعدني ~~السفينة، ثم شمر ذيله ومضى، وأودع قلبي جمر الغضا، (ثم توركنا على المطية ~~الدهماء، ونبطنا الولية الماشية على الماء)، ثم رفع شراع السفينة ومرساها، ~~وقلنا لأصحابنا (اركبوا فيها بسم الله مجراها ومرساها)، ثم سارت بنا من تلك ~~المرسى وسرت فيها وأنا أكفكف أمطار الدموع، وأخلب المدينة لأجل من فيها ~~بالطرف الوامق والقلب الولوع، ولم أزل ms132 أتبعه ويتبعني بالبصر، الى أن غاب كل ~~منا عن النظر: # وقد علاني وعراني بعد حبي خبل # وكل من خاطبني قلت له قد رحلوا # يقول من أبصرني وسوس هذا الرجل # (وتلك السفينة تهفوا بقوادم غربان، وتعطف بسوالف غزلان، وتنساب في PageV01P283 ~~الجناب كالحباب، وتحسبها جامدة وهي تمر مر السحاب) ولم تزل بنا تسير وتمور، ~~وتنجد بين الأمواج وتغور، ونحن كما قال الشريف أبو القاسم شارحا مقصورة حازم: # وغريبة الإنشاء سرنا فوقها ... والبحر يسكن تارة ويموج # عجنا نؤم بها معاهد طالما ... كرمت فعاج الأنس حيث تعوج # وامتد من شمس الشروق أمامنا ... نور له مرأى هناك بهيج # فكأن ماء البحر ذائب فضة ... قد سال فيه من النضار خليج # وسرنا بعزم لا يفك جده، ولا يتجاوز حده، وحزم لا يثنى رسنه، ولا يلم بعين ~~وسنه، وجزم لا يبلغ مجتهد جده، ولا تعتري العجز والتواني جده، وتلك الجارية ~~المنشية تتبختر بنا على سبط البحر تبختر الجارية الناشية على بسط البر الى ~~حين انتصاف ذلك النهار، فوصلنا إلى مرساة بلدة أسكودار، ونزلنا في عمارة ~~داخل البلد، وأقمنا بها إلى وقت صلاة الجمعة من الغد، فصلينا الجمعة بتلك ~~البقعة، ثم # أسرعنا إلى التحميل مبادرين، وبادرنا إلى الرحيل مسرعين، PageV01P284 ~~ولم نزل نفري أديم الثرى، ونجدب مطي الفيافي بجدب البرى، إلى أن هرم ذلك ~~النهار، وكاد جرف اليوم ينهار، وما بطل السير ولا تعطل، حتى أشرفنا على ~~قرية القرطل، وبتنا بها ليلة السبت رابع عشرين شوال بمكان مشرف عال، مخضر ~~الجنبات، طيب النفحات، مستحسن النبات، حسن للبيات، فحين تبدى النور، وتكلم ~~العصفور، أزمعنا على الترحال، وشددنا الخيل والأحمال، واستمر بنا السير ~~متصل الأعمال، إلى أن وصلنا الى كيكثبزه وقت الزوال، ودائره البيضاء يتمنى ~~مركز الزوال، فأقمنا بها ريثما نقيل، ونريح علل الرفاق ونزيل. # ثم رحلنا منه وسرنا نجد في السير، ونسرع إسراع الطير، إلى أن جد المسير ~~وحمى الهجير، فوصلنا إلى ساحل البحر إلى محل التعدي، وقد علمنا من تكرر ~~صحبته ما هو منطو عليه من الجور والتعدي، فاخترنا من ms133 الجواري المنشئات ~~جارية حالكة السيات، واستخرنا الله في ركوبها، ودعوناه في تيسير مرامها ~~ومطلوبها، ثم حللنا بها وأنسناها، وتأملنا من الله الرحمة وما آيسناها، ~~وقلنا لأصحابنا (اركبوا فيها بسم الله مجراها ومرساها)، ثم أسرعت في ~~اندفاعها، وقد استذرينا تحت ظل شراعها: # فحسبته خوف العواصف طائرا ... مد الجنان على بنية جناحا # (ولم نزل نسير والبحور هو (؟) والعيش صفو والزمان لهو)، حتى إذا كنا PageV01P285 ~~بالمواسط أمر الله تعالى باجتماع الرياح المختلفة، وتفريق تلك الواحة ~~المؤتلفة، فضربنا في البحر يمينا ويسارا، وسرنا إقبالا وإدبارا، وتدفعت ~~الأمواج وعظم الارتجاج، وعصفت الجنوب، وعسفت الجنوب ومسي السفر ما كان، ~~وجاءهم الموج من كل مكان، فرجفت القلوب وخرست الألسن، وجرت الرياح بما لم ~~تشته السفن. وقد اشتدت علينا الرياح الغربية، وتحكمت فينا المياه البحرية، ~~ولم نزل في # تلك السفينة بين قوادمها وخوافيها، نلاحظ المنايا حينا وحينا نوافيها، قد ~~تبدلنا من ظل علا ومفاخر، بقفر بحر طامي اللجج زاخر، ومن صهوات الخيول ~~المسرجة، بلهوات بحر امتطينا ثبجه، ولم نزل نعاني أليم الوجد وعظيم ~~التبريح، إلى أن أذن الله سبحانه بسكون الريح، ثم أرسينا بعد عناء طويل ~~بمرساة القرية المعروفة بالديل، ثم ترحلنا من تلك المرسى، وتبدلنا من تلك ~~الوحشة أنسا، ونزلنا عند العشية بقرية هناك سكن ينكجرية، فبتنا جميعا بها، ~~ولم نفرق بين ظهر المطر وقبتها، فلما بدا من الفجر سفور، ونثر للصبح كافور، ~~وأحرقت فحمة الليل عنبر الصباح، وخبا من النجوم الزهر كل مصباح، ترحلنا من ~~ذلك المنزل، وتركنا الراحة عنا بمعزل، وسرنا في دربندات ووداة كثيرات ~~الأشجار الملتفة والمياه، إلى أن تضاحى النهار، واستبان رونقه واستنار، ~~فنزلنا بقرية تعرف بقرية الدروند، بها مياه شديدة البرد، وأشجار طيبة النشر ~~كالعرار والرند. PageV01P286 # ثم أخذنا في أهبة الترحال، ورحلنا منه بعد الزوال، وسرنا في فياف كثيرة ~~التراب والعجاج، واسعة الشعوب والفجاج، شديدة الحر والسموم، (ماؤها بعد قوة ~~محموم، ونسيمها بعد تنفسه مزكوم، وسحاب وخير مركوم، وثوب حميمه مرقوم). ثم ~~انتهينا إلى تلال وأوعار، وأشجار من شجر البادية صغار وكبار، ms134 إلى أن أشرفنا ~~على بحرة أزنيق، ذات المنظر الأنيق، والوجه الشريق، وهب نسيم الروح منبعثا ~~بما به الروح تحيا بعد موت وتبعث، وعاد إلى الأجسام رونق حسنها وكادت به ~~تفنى حقيقا وتجدث. (ثم مسينا ساحلها على بساط أخضر، وأديم أنضر) ثم لم نزل ~~في طريقنا ذلك نتجول على تلك المنازل، ونتحول في هاتيك الخمائل. ودخلنا ~~البلدة والشمس مرضى أصائلها، والربى معصفرة وصائلها، ونزلنا بها بعمارة ~~منسوبة للوزير الأعظم الهمام إبراهيم باشا والد عيسى باشا نائب الشام، ~~وبتنا بها ليلة الاثنين سادس عشرين شوال، ونحن في أحسن حال وأيسر بال. # ثم رحلنا عندما اكتهل من الليل الشباب، وشمر ذيله للهرب والذهاب، وأقبلت ~~تباشير الصباح تترى، وأخفى الأفق زهرا وأظهر رهزا، وسرنا ساعة بجانب شاطيء ~~بركتها، ثم ارتقينا على كاهل عقبتها، ثم أظلم الجو، وتراكم النو، وارتفع ~~الصحو، وتبدل بالكدر الصفو، وهما الغمام، وأرسلت شآبيب الأمطار كالسهام، ~~وغلب اليأس على الأمل، وقلت: أنا الغريق فما خوفي من البلل، ولم نزل في ~~صعود وهبوط، ورجاء وقنوط، وبسط وقبض، ورفع وخفض، لا نرى مفعولا إلا للفاعل ~~المختار، ولا نشهد موصولا إلا وقد انفصل عن صلته وعوائده بلا اختيار، ~~والحال عن المكاره لا تتميز، وقد أحوج ابتداء السير فيها إلى خير انقاضئه ~~وأعوز، فلا ترى إلا التعجب من هذا النعت، والتقلب بين العوج والأمت، والأكف مرتفعة PageV01P287 ~~بأكيد الدعاء إلى (القريب المجيب) إله الأرض والسماء، عسى يحف بالعطف ~~بالنقل إلى خير بدل، وهو سامع للاستغاثة عز وجل، ثم انقلبت تلك القلبة عند ~~انقلابنا من العقبة، ثم طلعت الشمس، ومدت حبالها الشديدة المرس، وأفضا بنا ~~السير إلى فضاء واسع، وقطر شاسع، وقرى كثيرة، ونعم غزيرة، وكان وصولنا ضحوة ~~نهار الاثنين سادس عشرين الشهر، إلى مدينة الجديدة المعروفة بينكى شهر، ~~ونزلنا بخارجها على شاطئ النهر، في مرج واسع ذي مرعى وزهر، ثم عزمنا على ~~الترحال وقت الظهر، وشددنا الأحمال وامتطينا الظهر، وسرنا سيرا مجدا لم نأل ~~فيه جهدا إلى أن تهدم من النهار بنيانه، وأقبل الليل ولاحت نيراته ms135 ونيرانه، ~~وأطبق الظلام جفنه وأعرض، فوصلنا إلى قرية آق بيق ومعناه الشارب الأبيض، ~~وبها حمام وخان، وخارجها أشجار كثيرة من السنديان، وبتنا بها ليلة الثلاثاء ~~سابع عشرين الشهر المذكور، ثم رحلنا منها حين تقوضت خيام الديجور، وجرد ~~الفجر سيفه المشهور، ولم نزل نجوب تلك الفيافي والقفار إلى تعالي ذلك ~~النهار، فوصلنا إلى القرية المعروفة بأرمنى بازار، ونزلنا خارجها # بذلك المقعد المار المركب على العين، وأقمنا هناك إلى ما بين الصلاتين، ~~ثم سرنا منه والأبدان أيضا تعب، والهاجرة ذات لهب، ولم نزل نجوب كل تنوفة، ~~ونقتحم كل مخوفة، إلى أن قضى اليوم نحبه، وواصل قرص الشمس غربه، فانتهينا ~~إلى قرية بوزيك ومعناه التل الأشهب، وبها عمارة لقاسم باشا الوزير أتقن ~~وضعها ورتب، وأبدع في عمارتها وأغرب، فنزلنا بظاهرها بمرج وسيع به أعين ~~وربيع، وبتنا به ليلة الأربعاء إلى أن سلب الليل خضابه، وأماط الفجر نقابه، ~~ثم أخذنا في السير والترحال، ولم نرث لتلك المطى من الكلال، ولم نزل نسير ~~ذلك اليوم، إلى أن حل الفطر من الصوم، ثم شرعنا نشق جلابيب الليل شقا، ~~ونحاسبه من عمره على ما تبقى، إلى أن أفضى بنا السير PageV01P288 ~~إلى قرية تعرف بالسقا، فنزلنا بها لنكسر سلطان النوم، ونجبر برعي الأعين ~~ساعة بعض ما نالها من الشؤم، ثم سرنا منه عندما تبدى وجه الفجر في قندس ~~الليل، وهزم أدهم الليل بأشهب من جياد الخيل، ثم ابتسم وجه الصباح بعد ~~التعبيس، عن عشر من الشهر وهو نهار الخميس، ولم نزل نجوب كل بيداء، ونقتري ~~كل شجر أو برداء، إلى أن وصلنا الضحى العالي إلى قرية تعرف بالقالاي وربما ~~سميت أيضا بالكامالي، فلبثنا ساعة بذلك المكان، ثم سرنا فوصلنا إلى قرية آق ~~وران، واليوم قد ولى شبابه، والمساء قد استحكمت أسبابه، وذلك ليلة الجمعة ~~ذات الإتمام والكمال لثلاثين من شهر شوال، ثم رحلنا منه عندما در قرن ~~الغزالة من المشرق، وانجلى وجه مرآتها المشرق، فما تضاحى ذلك النهار حتى ~~حصلنا بمدينة قرا حصار، واتفق حصولنا في تلك البقعة ms136 ذهابا وإيابا يوم ~~الجمعة، فنزلنا بها بعمارتها منزلا مرتضى أعقب بالرضى وأنس أنسى ما مضى، ~~وطابت الروح وانبسطت النفس، وأنست راحة ذلك اليوم ما اعترانا من تعب الأمس، ~~واجتمع بنا في ذلك المنزل رجل من الأعيان يقال له الحاج شعبان بن الحاج ~~رمضان، ثم عمنا بخيره وميره، وخدمنا بغسيل وغيره، # وسأل عمن رمى صيدا فأبان منه عضوا أيحل هو والعضو أم لا؟ فأجبت بأنه إن ~~كان الجرح مدفقا ومات في الحال حل العضو والبدن، وإن كان غير مدفق ومات منه ~~بعد مدة حرما أو ذبحه PageV01P289 ~~حل هو دون العضو، فاستملا ذلك الجواب وكتبه، وابتهج به وأطربه، وسر به ~~وأعجبه. # ثم أقمنا بتلك البلدة ذلك اليوم ليلة السبت مستهل شهر ذي القعدة إلى أن ~~حان أول وقت الصوم، فلما نشر الصبح راياته وحيعل الداعي إلى صلاته أجبناه ~~مثوبين، ثم ترحلنا مؤنبين، ولم نزل نتابع السير ونواصل، إلى أن مال المعتدل ~~واعتدل المائل، (ولم نزل نحث في الرحيل، ونصل المساء بالصباح والغدو ~~بالأصيل) فكان بلوغ الغاي في قرية عظيمة تعرف بالشاي حين هرم النهار وشاخ، ~~وسكن حره وباخ، وقد أعيى الركب وباخ، فنزلنا بها بمرج أفيح، فيه للعيون ~~مسرح، وللنواظر مسنح، وظل دوحات نتفيأ منها الظلال، عن اليمين تارة وأخرى ~~عن الشمال، فبتنا به والزهر أنضر من الندى، في ظل أخضر بارد الأنداء: # والليل يخفي نفسه في نفسه ... والصبح كشاف كل غطاء # وكأنما الإصباح تنثر مهرقا ... أثر المداد به من الأمساء # فما صحت العيون من نشوة رقادها، إلا لتغريد الطيور في أعوادها، فبادرنا ~~لأداء الفرض مسارعين فما منا إلا متوض أو مصل. # ثم رحلنا قاصدين قرية نسق لي، فوصلناها حين تضاحى النهار، وتصاحى بعد ~~الإسكار، وتهلل وجهه واستنار، فما استقر بنا القرار، ولا ضمتنا أطراف تلك الدار PageV01P290 ~~حتى عن لنا ما يقتضي المسارعة والبدار، إلى مدينة آق شهر وشهرتها عندهم ~~أقشار، فوصلنا ذلك اليوم وهو الأحد ثاني الشهر آخر النهار. ونزلنا بعمارة ~~حسين باشا بها، وهي عمارة بلغت في المحاسن النهى، قد ms137 كملت في صفاتها ~~ونعوتها، وبها مياه تجري في مسجدها وبيوتها، وأقمنا بها بقية ذلك النهار، ~~ثم ليلة # الاثنين ثالث الشهر إلى وقت الإسفار، ثم رحلنا منها حين أذكت ذكاء قبتها ~~علينا، وسفرت فكشفت عن صحبتها إلينا، وسرنا في ظل ظليل وزهر بليل وهواء ~~صحيح ونسيم عليل إلى أن حان وقت المقيل، فنزلنا بمكان يقال له سكت لي أي ~~موضع الصفصاف، وأقمنا إلى أن تجاوز النهار حد الانتصاف، ثم أخذنا في ~~التحميل والترحيل، ولم نزل بين وخد وذميل، وإجازة ميل بعد ميل، إلى أن ~~وصلنا إلى قرية تلعى حين حان وقت الأصيل، وبدت الشمس بلون العليل، فنزلنا ~~بشاطىء نهرها في ظل دوح ظليل: # تحسب النهر عنده تثنى ... وتخال الغصون فيه سيل # فبتنا بذلك المنزل بجانب النهر ليلة الثلاثاء رابع الشهر، فلما انفجر فجر ذلك PageV01P291 ~~النهار، وهبينا من النوم هبوب نسيم الأسحار، أخذنا في الترحال، وشددنا ~~الخيل والأحمال، وأخذنا نسير ونجد في المسير، إلى (أن رفل عطف اليوم في ~~الثوب النضير، فوصلنا في) وقت العصر أو بعده بيسير إلى قرية تعرف بصلاح ~~الدين، وربما عجمت الحاء في لغة الأعجمين، وأقمنا بها إلى أن عطس أنف ~~الصباح، وحيعل داعي الفلاح، وتبدا علم الفجر ولاح، فسرنا سيرا مجدا، لم نأل ~~فيه اجتهاد ولا جهدا، فما فتئنا كذلك ولم نزل، إلى أن حط الركاب بمدينة ~~قونية ونزل، وذلك وقت الطفل، حين أقبل العشاء وطفل، وتبختر النهار في الثوب ~~القصير ورفل، ثم أقمنا بها يوم الأربعاء ويوم الخميس معا، ثم من يوم الجمعة ~~إلى وقت الصلاة في عمارة الوزير الأعظم بير باشا رحمه الله، وحضرنا في ذلك ~~الوقت من النهار وقت الشيخ الصالح المشهور بمنلا خنكار. # ثم أخذنا في الترحال والمسير، وقد حمى الحر واشتد الهجير، فسرنا غير بعيد ~~نحو نصف أو ثلثي بريد، ينقص عن ذلك شيئا أو يزيد، فأحسست بفتور في الحواس، ~~وثقل شديد في الرأس. فلم أجد بدا من النزول على حي هناك نزول، # فأقمنا بذلك المكان في جوار أولئك التركمان إلى أن ms138 هتف داعي العترفان، ~~وحيعل المثوب بالأذان، (نهار السبت ثامن أيام شهر ذي القعدة الحرام) فلم نجد PageV01P292 ~~بدا من الرحيل، واحتساب الصبر الجميل، فلما تعالى النهار وتصاحى، وتلألأ ~~وجهه وتضاحى، نزلنا بشاطىء نهر يقال له سارسينا، قد فاق بعذوبته وخصره على ~~مياه تلك البلدان وأربى: # وعليه الشمس قد ... ألقت شعاعا كاللهب # شبه مس أخضر ... عليه حلى من ذهب # فنزلت في فنائه كي أزيح العلة، وأنفع ببرده الغلة، فتضاعف حر الحمى ولم ~~يبرده ذلك الماء، ثم لم نجد بدا من الجد في المسير، وإن اجتمع هجير الحمى ~~والهجير، ولم نزل (نواصل السير ليلا ونهارا، ونتابع السرى إظلاما وأقمارا)، ~~ونجوب تلك الفيافي والقفار، أناء الليل وأطراف النهار، وكلما تذكرت البلاد ~~انقلب العذاب عذبا أو الأهل والأولاد وجدت سهلا ما كان صعبا، وقد اشتد ~~التعب والعناء، وتحكم الألم والضنى، وكاد أن يستولي على الهيكل الفناء: # ولذة جسمي بذاك الضنى ... وراحة قلبي ذاك الألم # ومدة هذا الهيام ثلاثة من الأيام إلى أن أدت بنا الرحلة إلى البلدة ~~المعروفة PageV01P293 ~~بأركلي وتسمى بهرقلة، وكان حلولنا بتلك البلدة يوم الاثنين عاشر ذي القعدة، ~~وقد تضاعف السقم وترادف الألم، واشتد بي المرض، وغير جوهر الجسم ذلك العرض، ~~وعجزت عن الحركة والانتقال والتحول والارتحال مدة ثلاث ليال، وأنا أتلهب من ~~شدة البعاد، وأتلهف وأتشوق إلى معاهد البلاد، وأتأسف وأتمثل بقول العباس بن ~~الأحنف: # يا بعيد الدار عن وطنه ... مفردا يبكي على شجنه # كلما جد الرحيل به ... زادت الأسقام في بدنه # ولقد زاد الفؤاد شجا ... طائر يبكي على فننه # شفه ما شفني فبكى ... كلنا يبكي على سكنه # فحين طال المطال، واشتد ذلك الحال، لم نجد بدا من اكتراء جمال ومن شراء ~~محمل يحملنا، فحين تم الأمر وكمل، وحضر المحمل والجمل، وامتطينا مطاه وشرع ~~في خطاه، بل في خطاه، ثم خرجنا من تلك البلدة وذلك يوم الأربعاء ثاني عشر ~~القعدة، فلم يلبث ذلك الجمل المذكور حتى مر على بعض ما على تلك الأنهار من PageV01P294 ~~الجسور، فزلت إحدى رجليه أو يديه، فسقط في ms139 النهر هو ومن عليه، فكان ذلك من ~~أنكأ القرح، ومن الكي أثر الجرح، ولم يسعنا غير الصبر والاحتساب، والتبدل ~~بجميع الأثواب، ثم نزلنا تلك الليلة ببعض قراها واستعملنا ما كنا استصحبنا ~~من قراها، ثم أصلحنا الأحوال، وعزمنا على الترحال، عندما غاص نهر المجرة، ~~وهتمت أسنان الكواكب المفترة، وضحك وجه الشرق بعد التعبيس، فأسفر عن ثالث ~~عشرين الشهر يوم الخميس، وسرنا مجتهدين وأسرعنا مجدين إلى أن نزلنا بقرية ~~تعرف بشجاع الدين، ثم رحلنا منه وقت الإظهار، وانتصاف ذلك النهار، ولم نزل ~~نقطع أديم الفلا ونفري، حتى أنخنا بالقرب من آق كبري، والعشية تخور ~~بدمانها، وذكاء تتسخط بدمائها، فبتنا بذلك المكان بالقرب من النهر ليلة ~~الجمعة رابع عشرين الشهر إلى أن أنشد لسان الحال قول من قال: # لم نر الليل حيث رق دجاه ... وبدا طيلسانه ينجاب # وكأن الصباح في الأفق باز ... والدجى بين مخلبيه غراب # وكأن السماء لجة بحر ... وكأن النجوم فيها حباب # وقد تشوقت الأبصار لسفور الأسفار، فحين أسفر النهار واستراحت أعين النظار ~~من ألم الانتظار، أخذنا في المسير بعد التحميل، وجمعنا بين طرفي البكر ~~والأصيل، وغالب سيرنا ذلك النهار في مروج وأنهار، وعيون جارية، وأشجار # سامية، وجبال عالية، إلى أن وضعنا الرحال ليلة السبت بمرج أفيح حسن ~~النبت، بالقرب من PageV01P295 ~~عقبة الكولك المارة النعت، ذات العوج والأمت، ووعورة المنهج وصعوبة السمت، ~~فأقمنا به إلى أن رأيت الفجر والنسر خاضب جناحه ورشا علي بالعنبر الورد: # وحلت يد الجوزاء عقد وشاحها ... إزاء الثريا وهي مقطوعة العقد # ثم قطعنا تلك العقبة وسلكنا مسالكها المستصعبة، ولم نزل نرقى فيها إلى أن ~~بلغنا مراقيها وإذا هناك قلعة قد عقدت الجبل حبوتها، وأزلقت الغراب أن يطأ ~~ذروتها، وعصم سوار الوادي الملوي معصمها، وحمت غرر دهمائها أدهمها، فالخيل ~~تصعد إليها أنجما بين طالع كطالعها وغارب كغاربها، والأرجل منها على كرة لا ~~تستقر بأخمص راجلها، ولا بحافر فرس راكبها، تأوي الطيور الكواسر لأدنى ~~حافاتها، وتبلغ النفوس نهايتها عند موافاتها، وتزل أقدام الصاعدين عن أكثر ~~صفاتها، وتعجز أوصاف الواصفين ms140 عن بعض صفاتها: # يأوي إليها كل أعور ناعب ... وتهب فيها كل ريح صرصر # ويكاد من يرقى إليها مرة ... من دهره يشكو انقطاع الأبهر PageV01P296 ~~فما حصل منها الانفصال، ولا انقطع تتابع السير والاتصال، حتى آن وقت ~~الزوال، وامتد الظل ومال، فنزلنا في مكان كالبستان، به أشجار صنوان وغير ~~صنوان، وعيون باردة سارحة متطاردة، فارتمينا في ذلك المكان وأرحنا تعب ~~الأبدان، ولكن لم يحصل لي راحة لاشتداد الحمى ولم يبرد حموها برد ذلك ~~الماء، ولم نزل نحث السير والسرى، ونعاصي الراحة والكرى، والعلا يذوب من ~~كدنا خجلا، والنجم يرعد من سرانا وجلا، والحرور تعجب من تجرينا عليه ~~والسموم يتحول من أقدامنا لديه، ونحن نقاسي كرب الزمان ومحنه، وقد أمضى كل ~~منا راحلته وبدنه، وأضاق ذكرى وطنه وسكنه عطنه، إلى أن وصلنا ظهر يوم الأحد # سادس عشرة مدينة أدنة، فنزلنا بها في عمارة لابن رمضان مستحسنة، وألقى كل ~~منا عصاه وخلع رسنه، وغشيه مما قاسى النعاس أمنه، واستمرينا ثلاثة أيام في ~~تلك الأمكنة، ثم برزنا يوم الأربعاء تاسع عشر الشهر إلى ظاهر المدينة ~~بشاطىء النهر، وقد صحبنا من تلك البلدة جماعات من الرفاق عدة، فلما تكامل ~~عدة النفر عزمنا بهم على السفر، ثم رحلنا بالقوم بعد الظهر في ذلك اليوم ~~(وقد حضر سمومه وغاب نسيمه)، ثم سرنا نساير السبيل، ونقطع ميلا بعد ميل، ~~إلى أن تجاوزنا الأصيل، وأظلنا ليل كظهر الفيل، فنزلنا حينئذ بالمصيصة على ~~شاطىء جيحان، حين آن وقت العشاء وحان، فحين نزلنا عن ظهور الدواب وحللنا ~~عنها، وقعنا وقعة لا أحلى عند المسافر منها، فلم نستفق إلا والليل قد شابت ~~مفارقه، وأزهرت مغاربه ومشارقه، وقد تخلق الشرق بدرعه المزعفر، وضرب في ~~علياه رنكه PageV01P297 ~~الأصفر، فأخذنا في أهبة الترحال وشددنا على الخيل الأحمال، وقد أشيع أن ~~الدرب مخوف، وأن اللصوص به تطوف، وسرنا في براري وقفار، ذات أشجار كبار، ~~موحشة المسالك، كثيرة المهالك، قد لمع سرابها، وتوقدت هضابها، وصرخ بومها، ~~ونعق غرابها، وقد اشتد حر الشمس، وفاخر اليوم، في شدائده الأمس، فلم ms141 نزل ~~سائرين سائر ذلك اليوم إلى أن حل من الفطر الصوم، وغشى الأعين النوم، وعم ~~الإعياء واللغوب جميع القوم، وسامهم ذلك الحر والسموم أشد سوم، وعاموا في ~~العرق كل عوم، وراموا الركون إلى الاستراحة أي روم، فنزلنا حينئذ بالناس ~~بجانب البحر بالقرب من قلعة باياس وبتنا بذلك المقام ليلة الجمعة حادي ~~عشرين القعدة الحرام، ثم سرنا منه ووجه المحجة قد أماط النقاب ووضح بشعب ~~الفجاج والشعاب. وحللنا في مروج وأزهار، ومياه وأنهار، وجزنا بعقبة المركز ~~وقطعناها وانتهينا إلى عقبة بغراص ووصلناها وقيلنا بأسفلها في روض نضير، به ~~ماء عذب نمير، وأشجار من آس، وفواكه مختلفة الأجناس، ثم أخذنا في عقبة # بغراص، ذات الالتواء والاعتياص، إلى أن سقطت الشمس للغروب، وقد أنضت ~~الرواحل من الإعياء وضعفت الأنفس من اللغوب، فنزلنا بوسطها عند المسجد ~~والخان، والمياه الجارية في مثل الشاذروان، فاستراحت الأجسام وارتاحت ~~الأرواح، وانشرحت الأنفس غاية الانشراح، ونقعنا الغلة من ذلك الماء وخفف ~~بعض ما كنت أجده من الحمى، ثم PageV01P298 ~~رحلنا من ذلك المكان المذكور، وقد استنارت بالقمر ظلمة الديجور، وسرنا في ~~مسالك وعرة، وشعوب متشعبة مضجرة، وإهباط وإصعاد، وإغوار وإنجاد، ثم اكفهر ~~وجه السماء وتغير، ودمدم الرعد وزمجر، وأومض البرق من الغرب والشرق، وهبت ~~الرياح نشرا، وأقبلت السحب زمرا، فرجفت القلوب، وأحست بملاقاة الكروب، ~~واستمر ذلك التهديد، وتواتر من الرعد الوعيد، واختلفت آراء الريح، وجاد ~~الغمام بماءه جود الشحيح، ثم أقشعت السماء، وارتفعت تلك الأنواء، وتفرق جمع ~~السحاب، وتمزق منه الجلباب، وأسفر وجه القمر من لثام الغمام، وأزهرت الزهر ~~كالزهر تفتح عنه الكمام، فزالت تلك الكروب، واطمأنت بحمد الله القلوب، ولم ~~نزل نسير إلى أن أظل التنوير، وجسر الصبح المنير: # ولاحت الشمس تحكي عند مطلعها ... مرآة تبر بدت في كف مرتعش # فانحدرنا من تلك العقبة، وسرنا في أرض مستوية مصطحبة بين أشجار كثيرة ~~الظلال، وأنهار تجري بماء زلال، ثم تلقانا بر واسع الفجاج والشعاب، كثير ~~العجاج والتراب، طويل المساحة ممتد الساحة، لا يبلغ الطرف منتهاه، ويكل ~~الطرف عن بلوغ مداه، ms142 فلم نزل نسير به من بكره، إلى أن أبدى النهار حره ~~وأضطرم جمره، فقيلنا حينئذ بخان يغره، ثم رحلنا منه متوجهين إلى تلقاء بلدة PageV01P299 ~~تيزين، فوصلناها عندما دخلت الشمس خدر الغروب، وتسترت بسربها المحجوب، ~~وأسبل الليل إزاره، وعم ظلامه الوجود وأقطاره. وهي بلدة قديمة، ذات عمائر ~~عظيمة، وآثار معاهد مقيمة، فسيحة الأرجاء، صحيحة الهواء، ممتدة الغاية في ~~الحسن والانتهاء، واسعة الرقعة، طيبة البقعة، سامية الارتفاع، مشرقة ~~البقاع، مباركة الأغوار والتلاع، ممرغة الجنبات، متنوعة النبات، ممدودة ~~الظلال، مودودة الحلال، مأمولة السعادة مسعودة الآمال، قد أخذت من كل ~~المحاسن نصيبا، وفوقت إلى سهم الفضائل سهما مصيبا ومليت ظرفا ونخبا، وأوتيت ~~من كل شيء سببا، فبتنا بها وقد عزمنا على الرحلة وأتينا صدقاتها نحلة. # ثم سرنا من ذلك المكان حين أبرز الأفق ذنب السرحان، وآن انبلاج الفجر ~~وحان، (ليلة الأحد ثالث عشرين)، ثم أخذنا في المسير صباحا إلى أن تعالى ~~النهار وتضاحى، ودخلنا في معاملة الحلقة وقت الغداء، ونزلنا في قرية يقال ~~لها تل عدا، فتلقانا أهلها بالسلام والترحيب والإكرام، وأنزلونا في بيوتهم، ~~وأسهمونا في قوتهم، وتواردت علينا منهم الضيافات، وزالت عنا بحمد الله تلك ~~المخافات واطمأنت الأنفس وطابت الأرواح، وزال العناء وحصل الارتياح. # فأقمت بها إلى يوم الاثنين رابع عشرين القعدة وقت الصباح، فلما بدا بنوره ~~ولاح، وملأ ضياؤه تلك البطاح، وكان ذلك المرض قد غلب، واشتد بأسه وخلب، ~~وأذهب بالقوى وسلب، فاستخرت الله تعالى في المضي إلى حلب إذ لا تخلو PageV01P300 ~~من حبيب، ومن دواء وطبيب، فعسى يحصل فيه الإبلال، ويزول ذلك النصب والكلال، ~~وينحل برم الحمى بتلك الحلال، فسرنا قاصديها تلك الساعة، ومشى معنا من تلك ~~القرية جماعة، باذلين السمع والطاعة، متقربين إلينا بحسب الاستطاعة، إلى أن ~~حططنا بها رحال الألمام، وخلعنا على عطف الصلاة برد الإتمام، وكان ~~استقرارنا بها بين الصلاتين (من اليوم المذكور وهو الاثنين) في زاوية ~~البيري المعروف بالشيخ حسين، فتلقانا ولده صاحبنا الشهابي أحمد، أحسن ملتقى ~~وأحمد، وأخلى لنا ثلاثة أمكنة وأفرد، وكنا ظننا أن الدموع ms143 نفدت، وأن نيران ~~القلوب خمدت، # فتراكمت من العيون سحبها، وتزايد من القلوب كربها، وأخذنا بعد السلام في ~~شرح ما فعلت الأشواق، وإن كانت الإحاطة بوصفه تكليف بما لا يطاق، ثم تسارعت ~~إلينا للسلام سائر الإخوان، من العلماء والرؤساء والأعيان، فألفيتهم لم ~~ينقص الله لهم عددا، ولا أراهم بالفراق شملا مبددا، فسر الجميع بالاجتماع، ~~وأقمنا كما كنا على المذاكرة والانتفاع، وكأني ما مددت إليهم يدا للوداع، ~~فنثروا من در الثناء منثورا ومنظوما، ونشروا من برود الثناء مطويا ومكتوما، ~~فأنشدتهم: # إني وإن شط المزار وبددت ... أيدي النوائب شملنا المنظوما # لم أخل من حسن الثناء عليكم ... مذ غبت عنكم ظاعنا ومقيما # ولم أزل بتلك الحضرة أجتلي أنوار المحاضرة، وأجتني نوار المذاكرة، ~~وأستأنف ما عرفته من ولاتها، وأجدد العهد بعلمائها وفضلائها، غير أن ذلك ~~المرض يقصر بي PageV01P301 ~~في الخطى، ويقعدني عن اعتلاء ذرى المطى، ويرهبني بقوة السطى، ويمنحني ما ~~أراد وما أغناني عن ذلك العطا، ولم يزل يتعالى ويتعاظم، ويتوالى (ويتفاقم، ~~ويذهب في متجره مذهبا ويبلغ في سيله الزبى، ويرقى في سبيله على الربى)، ~~وحكماء تلك البلدة يترددون إلي كل مدة، ويصفون من الأدوية عدة، فلم يزدد ~~الأمر إلا شدة، وأرادوا إبراد الحمى فكان إبرادها رعدة، فاستخرت الله في ~~ترك التطبب، والإبعاد عنهم والتجنب، والانقياد لحكم الله والاستسلام لديه، ~~وتفويض الأمر إليه، والتوكل في كل الأمور عليه، ثم قدم من الشام في تلك ~~الأيام الحاج محمد المغربي البواب وأقرأنا السلام من الأهل والأصحاب، وأخبر ~~بما صنع القاضي قاتله الله في الجهات. وما احتوى عليه من التعصبات ~~والترهات، فلم ننزعج لذلك لاعتمادنا على الله، ويقيننا الصادق أن لا فاعل ~~إلا الله، (وحمدنا الله على سلامة الأصحاب والأهل، وعددنا ما عداه من الأمر ~~السهل)، واستمرينا بتلك البلدة إلى أن انصرم شهر ذي القعدة، ثم دخل شهر ذي ~~الحجة، وأقام بوفود # العيد الحجة، فصلينا بجامع الأطروش صلاة العيد، ثم أضافنا الشيخ عبد ~~الرحمن الكردي إلى منزله السعيد (وأخلى لنا خلوته بالجامع المذكور، وسعى في ~~أنواع إكرامنا بالسعي ms144 مشكور، فجزاه الله عنا الجزاء الموفور، فأقمنا PageV01P302 ~~هناك أيام التشريق، وليالي البيض) ذات الوجه الشريق، وكنا قد بعنا بعض ~~الخيل والبغال، واستخرنا الله تعالى في السفر مع الجمال، وكان قد تهيأ في ~~تلك الأيام قفل كبير إلى بلاد الشام، فرددت الاستخارة، وجددت الاستشارة في ~~السفر معه في المحارة، فجاء أكابر القفل إلينا وقالوا: أنت المؤمر علينا ~~وألقوا إلينا مقاليد الأمور، وقالوا: مر متى شئت بالمرور، فكل منا بطاعتك ~~مأمور، فوقع الاتفاق مع تلك الرفاق، أن يكون يوم الأحد منتصف الشهر التبريز ~~إلى الوطاق، وكنت قد سئمت من النوى والشتات، وأزعجني خبر الجنة تحت أقدام ~~الأمهات، وهمت بالوطن هيام ابن طالب بالحوض والعطن، وحننت إلى تلك البقاع ~~حنينه إلى أثلاث القاع وأخذت في الإزماع، وفاجأت الأصحاب بالوداع، وعزمت ~~عزما أذن للدموع بالانسكاب وللقلوب بالانصداع: # ويوم وقفنا للوداع وكلنا ... يعد مطيع الشوق من كان أجزما # نصرت بقلب لا يعنف في الهوى ... وعين متى استطمرتها أمطرت دما # فيا له وداعا ذابت له الأجساد، والتهبت به الأكباد، وكاد يتصدع منه ~~الفؤاد، ثم أنشدت أولئك المودعين ما قاله بعض المتأدبين: # أودعكم وأودعكم لقلبي ... وعون الله حسبكم وحسبي PageV01P303 ~~وأرعى حبكم ما دمت حيا ... وأرجو فضلكم في رعي حبي # ثم ركبت على المحارة، وخرج إلى وداعي غالب أهل الحارة، وكان النهار قد ~~تحول، والليل قد عول، وأسبل ذيله وأسدل، وأردف إعجازا وناء بكلكل، فوصلنا ~~إلى خارج المدينة، وهم مشاة (بين يدي) بسكينة، فجددنا هناك معهم الوداع، ثم # انقلبوا ما بين مثن وداع، ونزلنا خارج المدينة في محل التبريز، في منزل ~~عزيز، بديع التفويف والتطريز، ثم أقمنا في ذلك المحل يوم الأحد إلى أن ~~تكامل السفر ولم يبق منهم بالمدينة أحد، فاتفقنا مع أولئك النفر أن يكون ~~السير من ليلة الاثنين طلوع القمر، فحين كشف أدهم الليل، بأشقر من جياد ~~الخيل، حملنا الأحمال على تلك الأجمال، وأخذنا في التنقل والارتحال. # ولما اتضح الصبح وبان، وبدا نوره للعيان، نزلنا بمنزل خان طومان، ونحن في ~~غاية الدعة والاطمئنان. وهو منزل ms145 فسيح الساحة، مستطيل المساحة، حاو لأصناف ~~النضارة والملاحة، فلما اكتهل شباب ذلك النهار، واعتراه بعد النضارة ~~اصفرار، اخترنا عن ذلك المكان الرحلة، وصرمنا حبله وقطعنا وصله، وكان منتهى ~~السير إلى سراقب، عند ظهور النجم الثاقب، وهجوم الظلام الواقب، من ليلة ~~الثلاثاء سابع عشر الشهر، واستمرينا بذلك المكان يوم الثلاثاء إلى العصر، ~~فلما حيعل داعي الصلاة، وأجابه إليها من دعاه، أخذنا في أهبة الترحيل، ~~وشرعنا في الشد والتحميل، وقطعنا بالسير عمر ذلك الأصيل، إلى أن وصلنا إلى ~~مدينة المعرة ثلث ليلة الأربعاء أو قبله بقليل، فنزلنا بظاهرها بمربع، فيه ~~للخواطر منزع، وللدواب PageV01P304 ~~مرتع، ولبرد العلة ألطف مشرع، فلم نزل به بقية تلك الليلة ثم من يومها إلى ~~أن استوفى ميله، وأسرج للرحلة خيله، وشمر للذهاب ذيله، فاقتفينا أثره في ~~الرحيل، وشرعنا بين وخد وذميل، وقطع فرسخ بعد ميل، إلى أن أخذ منا السهر، ~~وشق جلباب الظلام سناء القمر، وصلنا إلى خان شيخون مستعيذين بالله من شر كل ~~خؤون، فلما ابتسم وجه الشرق بعد التعبيس، وأسفر صبح يوم الخميس، نفس عنا ~~تنفسه غاية التنفيس، فحصل لنا بنوره بعد الوحشة كل تأنيس، ثم استمرينا في ~~ذلك المكان إلى أن حان وقت العصر وآن، ثم أخذنا نجوب تلك البراري، ونجول في ~~هاتيك الصحاري، إلى أن احتجب النور وبرز الديجور، # فارتعنا لإطلال الظلام وإقبال جيش حام، ثم اقتحمنا عساكره أي اقتحام، إلى ~~أن أقبلت طليعة القمر من تلك الآكام، فحصل لجيش الظلام الانهزام، ودخلنا ~~مدينة حماة بسلام، وذلك ليلة الجمعة عشرين ذي الحجة الحرام، وكان منزلنا ~~بظاهرها بالموقف، في مقعد عال مشرف، إلى أن برز الفجر من خبائه، وملأ ~~الخافقين بضيائه، فتلقانا في ذلك المكان جماعة من الأعيان المنتسبين إلى ~~الشيخ العارف علوان، وبلغونا سلام ولده الشيخ محمد واعتذروا عن عدم تلقيه ~~لنا بأنه أرمد، وقد تضاعف عليه الرمد واشتد، لكنه قد صمم وأكد أن نحصل في ~~مكان عينه لنا وأفرد، وكانت الحمى في ذلك الوقت قد اشتدت، واحتدمت جدا ~~واحتدت، فلم يمكننا وقتئذ إجابة ms146 مرامهم، بل ولا جواب كلامهم، بل ولا رد ~~سلامهم، فذهبوا ثم عادوا وقد كثروا وازدادوا، PageV01P305 ~~وبالغوا في التأكيد وزادوا فلم يمكنني إلا المضي معهم إلى حيثما أرادوا، ~~ولم تزل أهل محلته يوافونا في الطريق زمرا، ويفدون علينا نفرا فنفرا، إلى ~~أن نزلنا في ذلك المكان، وهو بالقرب من ضريح الشيخ علوان، فتلقانا ولده ~~بالسلام، وبالغ في الترحيب والإكرام، وأقمت عنده ثلاثة أيام، آخرها يوم ~~الاثنين ثالث عشرين الحجة الحرام، أجتلي في تلك الأيام وأجتلب، وأجتني ولا ~~أجتنب، وأقتني لكل ما أحب: # فالكف عن صلة والأذن عن حسن ... والعين عن قرة والقلب عن حائر # فوجدته درة بين الناس مغفلة، وخزانة على كل فائدة مقفلة، وهدية من الدهر ~~الضنين محتفلة، وحسنة من الدهر الكثير العيوب، ونوبة من الزمن الجم الذنوب، ~~بما شئت من أدب يتألق، وفضل تتعطر به النسمات وتتخلق، ونفس كريمة الشمائل ~~والضرائب، وقريحة يقذف بحرها بدرر الغرائب وجواهر الرغائب، إلى خشية لله ~~تحول بين القلوب وقرارها، وتثني النفوس عن اغترارها، ولسان يبوح بأشواقه، ~~وجفن يسخو بدرر آماقه، وحرص على لقاء كل ذي علم وأدب، ومن # يمت إلى أهل الديانة والعبادة بسبب، مع نزاهة عن الدنيا، وهمة نيطت ~~بالثريا، ولهجة ترقرق فيها ماء البشر فأحيا، وحيا ومحاضرة مستفزة للحلوم، ~~ودعابة ما PageV01P306 ~~خالع العذر معها بملوم، قد نشأ على عفة وصيانة وأمانة وديانة، فعظم الله ~~شأنه، ورفع بالعلم والعمل مكانته ومكانه، وأعلى به منار الهداية، ورزق ~~الناس الانتفاع به في البداية والنهاية، فازدحموا على مورده والمورد العذب ~~كثير الزحام، والتأموا بمعهده وحيث الكرم يزدحم الأنام، وأنشدوا لذي مشهده: # لقد حسنت بك الأيام حتى ... كأنك في فم الزمن ابتسام # لم يزل يقطع الليل ساهرا، ويهش للجميل مبادرا، ويقطف من العلم أزاهرا، ~~ويجمع إلى شرف الخلال خلال الشرف، ويقيم بشرفه في الخبر الحجة على من قال ~~لا خير في الشرف، ويعمر بالحسنات إناءه، ويتبع في القربات آباءه، بانيا كما ~~بنوا، وباديا من حيث انتهوا. فهو حبر الأكارم، وبحر المكارم، وتاج المفاخر، ~~وحجة المفاخر، ودليل ms147 كم ترك الأول للآخر، ولقد سبرت أحواله، وخبرت أفعاله ~~وأقواله، فرأيت وشاهدت وعندما حمدت مشاهدي أنشدت: # وما زلت في الأخبار أسمع عنكم ... حديثا كنشر المسك إذ يتضوع # فلما تلاقينا وجدت محاسنا ... من الفضل أضعاف الذي كنت أسمع # فلم أزل ملازما حلاله، متأملا جلاله، ومستحسنا خلاله، وكأنني ما عملت PageV01P307 ~~الرحلة إلا له، إلى أن فجر الفراق، وما رق وما راق، وتهيأ نفرنا، وتأتى ~~سفرنا، وأزفت النوى، وأثارت الجوى، فأخذت في الوداع، وشاع خبر الجواز وذاع، ~~ولما استقلت نحائب الرفاق، وتهادينا تحف الأشواق، وتشاكينا روعة الفراق. ~~وشددنا الأقتاب والأقتاد، وأعددنا الأهبة والزاد، فبالغ في الإنعام واعتذر، ~~وزود حتى لم يذر، ثم خرج لوداعي إلى ظاهر البلدة، ومعه من أعيان أهل محلته ~~عدة، وكذلك الشيخ الإمام البحر الهمام الحسيب النسيب، الآخذ من صدق المحبة ~~وصفاء المودة بأوفر # نصيب. ذو الإخلاص والصفاء، والصدق والوفاء، مولانا السيد أبو البركات ~~وفا، هو وبعض أخوته، وغالب أهل محلته، وذلك كما مضى يوم الاثنين، ثم سرت ~~أذري دمع العين، وآسي لشمل لا ينفك من روعة البين، وآسف لعهد كنت إليه ~~استنمت، ولعيني في ظله أنمت، فيا لله كم سربلتني النوى سقما، وأصارت في ~~عقلي لمما، وألبست جسمي مرضا، وسربلت قلبي من عناء، ثم جددت الوداع لذينك ~~المحبين. وتجرعت من فراقهما ما ليس بالهين، وأنشدت موجع الجنان مغروق ~~الأجفان: # ما أنصفتني النائبات رمينني ... بمودعين وليس لي قلبان # ثم حلفت عليهما وعلى من معهما بالرجوع، واندفعت أنشد في تلك (الربوع، وقد ~~بل الثرى وبل تلك الدموع): PageV01P308 # ماذا وقوفك والركاب يساق ... أين الجوى والمدمع المهراق # ألغير هذا اليوم تخبىء أم ترى ... بخلت عليك بمائها الآماق # حق وقد رحلوا بقلبك والكرى ... إن النواظر لا الدموع تراق # ثم أخذنا نسير، ونجد في المسير، إلى أن وصلنا إلى الرستن، وقد اختفى ~~النهار وأكمن، وتستر حسب ما أمكن، ونادى منادي العشاء وأعلن، وأقمنا بها ~~إلى أن هرول الليل، وشمر لذهابه الذيل، فأعملنا الركاب، وأخذنا في الذهاب، ~~وشرعنا في أسباب الإياب، وذلك ليلة الثلاثاء رابع عشرين ms148 الحجة إلى أن بان ~~وجه المحجة، وأقام بوجود الفجر الحجة، ثم بدت الشمس من المشرق، وانجلى وجه ~~بشرها المشرق، فمررنا على مدينة حمص مصبحين، ونزلنا بظاهرها في ذلك الحين، ~~ثم جددنا عهدا بمعاهدها، وزرنا بظاهرها قبر خالدها، وافتقدنا بها من سراة ~~الناس الشيخ عبد القادر بن الدعاس، فأخبرنا بسكناه الأرماس، فلا حول ولا ~~قوة إلا بالله العلي العظيم العزيز الحكيم. وهذا حال الدنيا لم تزل بأهلها لاعبة، # ولنفوسهم ونفائسهم بيد منونها سالبة، وخيل مناياها ما فتئت راكضة، بين ~~ذاهب وذاهبة: PageV01P309 # فأولها وأوسطها عناء ... بلا فصل وآخرها فناء # ومع هذا فالغبطة بها شديدة، والآمال فيها مع العلم بأنها دار البلى ~~جديدة، حتى كان حقيقة ما يعلم من استحالتها ارتياب، والرحلة عنها إليها ~~إياب، لقد حق أن يرفضها البصير، ويستعد لما إليه يصير. ونسأل الله في ~~هدايتنا فنعم المولى ونعم النصير، ألهمنا الله طريق إرشادنا، وأعاننا على ~~الاستعداد لمعادنا، وقضى في العاجل والآجل بإسعادنا، إنه على كل شيء قدير، ~~وبالإجابة جدير. # فأقمنا بتلك المدينة ذلك النهار بتمامة، ثم ليلة الأربعاء إلى أن كشف ~~القمر عن لثامه، ومد نوره على خراب ذلك المكان وأكامه، وبلغ من اعتلائه ~~أقصى غاية مرامه، فأخذنا في الترحال، وشددنا الأحمال على تلك الجمال، فبلغ ~~السير وقت الضحى وانتهى إلى قرية حسية وقيلنا بها. ثم سرنا قاصدين بلدة ~~قارا، وقطعنا فيافي وقفارا، وبراري وصحارى، إلى أن مال النهار كل الميل، ~~وأقبل الليل إقبال السيل، ومد خيامه وسرادقه، وزين بالزهر مغاربه ومشارقه، ~~فوصلنا حينئذ تلك المدينة، وحصل بها الاستقرار والطمأنينة، وهذه المدينة ~~مدينة قديمة (البنيان، واسعة الأركان) بها آثار مقيمة، وبعض عمائر عظيمة. ~~سامية الأرجاء، واسعة الفناء، موضوعة على نسبة حسنة في الاعتدال والاستواء، ~~رائقة الموضوع، بديعة المجموع، كوكبها يقظان، وجوها عريان، وروضها فريج، ~~ونسيمها أريج، ما شئت من منظر عجيب، وجانب رحيب، وبسيط خصيب، يزهو بالحسن ~~المحض، والنور PageV01P310 ~~الغض، وناهيك ببلاد الشام شامة الأرض، كما قال عرقلة الدمشقي: # هذا هو الزمن الربيع المؤنق ... والعيشة الرغد التي هي تعشق # فعلام ms149 تصحو والحمام كأنها ... سكرى تغني تارة وتصفق # وتلوم في حب الديار جهالة ... هيهات يسلوها فؤاد شيق # والشام شامة وجنة الدنيا كما ... إنسان مقلتها الغضيضة جلق # من آسها لك جنة لا تنقضي ... ومن الشقيق جهنم لا تحرق # في نيرب ضحكت ثغور أقاحه ... لما بكاها العارض المتدفق # فأرحنا بها تعب الأبدان، وتلقانا بها جماعة من الأعيان، وقدموا ما حضر من ~~ميسورهم، وسألونا في النزول بدورهم، فاعتذرنا عن ذلك، ولم نزل هنالك في ذلك ~~المجلس النفيس، إلى أن ولى يوم الخميس، فعن لنا المسرى في الليلة الغراء، ~~فأخذنا نجوب تلك الصحراء، إلى أن وصلنا إلى بلدة النبك فجرا، فبادرناها PageV01P311 ~~بصلاة الفجر، واغتنمنا بتعجيلها للأجر، ثم هدأنا هدأة الوصيب، ووسنا سنة ~~النصيب، فلم نفق إلا والشمس قد طلعت، وارتقت لذروتها وارتفعت، فحللنا ~~بحلال، فأصلحنا الأحوال، وتجهزنا للارتحال، فوصلنا إلى القطيفة وقت الزوال، ~~وهي قرية عامرة، ذات خيرات وافرة، وغلال متكاثرة. فيحاء الضواحي، جميلة ~~النواحي، مخضرة الأرجاء، فضية الأنحاء، وهي من وقف المرحوم السعيد ولي الله ~~تعالى الملك العادل نور الدين الشهيد من جملة أوقافه على المرستان، وهي ~~الآن في ذخيرة السلطان، فأنخنا بها من عطن، وقد أشرفنا بحمد الله على ~~الوطن. وأقمنا بها إلى العصر، وقد زال العناء والحصر، وحصل الجبر والنصر، ~~ثم سرنا قافلين عن أوطار بحمد الله مقضية، ومساع بفضل الله مرضية. # ولم نزل نجوب في تلك البرية، إلى أن وصلنا إلى قرية القصير عشية، فنزلنا ~~بها واليوم في سن الاكتهال، وأيدينا مرتفعة بالشكر لله تعالى والابتهال، ~~وهي قرية حسنة، ودمنة مستحسنة، طيبة الهواء، مشرقة الأضواء. جمة الخيرات، ~~طيبة النبات، كاملة الأذوات، فهي بغية النفس، وغاية الأنس، ومنية الطرف، ~~ومسرح الطرف، وسلوة الخاطر، ونزهة الناظر، من حيث استقبلتها أشرقت وكيف ما # لمحت أساريرها برقت: # بلاد بها الحصباء در وتربها ... عبير وأنفاس الرياح شمول PageV01P312 ~~تسلسل فيها ماؤها وهو مطلق ... وصح نسيم الروض وهو عليل # فبتنا بها ليلتنا، ونقعنا فيها غلتنا، وأبدلنا فيها علتنا، وقد اشتد ~~الشوق والهيام، وتضاعف التلهف والغرام، وطرد عن أعيننا ms150 تلك الليلة المنام: # وأبرح ما يكون الشوق يوما ... إذا دنت الخيام من الخيام # وكلما قيل غدا تدنو الدار، ويقرب المزار، طربت على السماع، وانتشيت برقبى ~~الاجتماع، وكفكفت العبرات، وتمثلت بهذه الأبيات: # قالوا غدا تدنو فواحسرتا ... لو أن بالعمر غدا يشترى # يا ليلة قد بقيت هل أرى ... أحمد في صبح دجاها السرى # أسمع بالقرب ولكنني ... لا تنطفىء ناري حتى أرى PageV01P313 ~~ولم أزل أرقب النجم أنى سار، تارة عن اليمين وأخرى عن اليسار، وطورا في ~~ارتفاع وحينا في انحدار: # أرأيت ما قد قال لي نجم الدجى ... لما رأى طرفي يديم شهودا # حتام ترمقني بطرف ساهر ... أقصر فلست حبيبك المبعودا # واستمريت أرقب مواقع النجوم، وأترصد ثواقب الرجوم، وأنتظر ابتسام الليل ~~بعد الوجوم، وهو لا يزداد إلا تماديا، وكلما استعجلته في السرى أراني ~~تباطئا، وكلما رآني نشطا ازداد توانيا: # فمن كان يحمد ليلا في تقاصره ... فإن ليلي لا يرجى له سحر # لا تسألوني إلا عن أوائله ... فإن آخر ليلي ما له خبر # فلم أزل أسارقه عقله، وأحاول منه غفلة، إلى أن مال ميلة، فاغتلته غيلة، ~~وأبخسته كيله، ولم أعطه نيله (وجلت عليه جولة، ولم أبق له حيلة) فحينئذ أسرج # خيله وشمر للفرار ذيله: # وولت نجوم للثريا كأنها ... خواتيم تبدو في بنان يد تخفى PageV01P314 ~~ومر على آثارها وبراتها ... كصاحب ورد أكمنت خيله خلفا # وأقبلت الشعرى العبور بلبه ... بمرزمها اليعبوب تجنبه طرفا # كأن بني نعش ونعشا عطائل ... بوجره قد أظلوا في مهمة خشفا # كأن سهيلا في مطالع أفقه ... مفارق ألف لم يجد بعده الفا # كأن سهاها عاشق بين عود ... فآونة يبدو وآونة يخفى # كأن الهزيع الأبنوسي وهنة ... سرى بالنسج الخسرواني ملتفا # كأن ظلام الليل إذ مال ميلة ... صريع مدام بات يشربها صرفا # كأن السماكين اللذين تظاهرا ... على لبدتيه ضامنان له الحتفا # كأن فعل قطبها فارس له لواءان ... مركوزان قد كره الزحفا # تشبيه آخر: # كأن الدجى لما تولت نجومه ... مدبر حرب قد هزمنا له صفا # كأن عليه للهجيرة روضة ... مفتحة الأنوار أو نثره زعفا PageV01P315 ~~كأنا وقد ألقى ms151 إلينا هلاله ... سلبناه جاما أو قصمنا له وقفا # كأن السهى إنسان عين غريقة ... من الدمع تبدو كلما ذرفت ذرفا # كأن سهيلا فارس عاين الوغى ... ففر ولم يشهد طرادا ولا زحفا # كأن سنا المريخ شعلة قابس ... تخطفها عجلان يقذفها قذفا # كأن أفول البيد طرق تعلقت ... به سنة ما هب فيها ولا أغفى # فلما بقي من الليل القليل، أخذنا في التحميل، وسألنا من الله التيسير ~~والتسهيل، ثم شرعنا نسير في تلك الهضاب، ونجول في هاتيك الشعاب، إلى أن ~~تمزق من الليل الجلباب، وتقشع ظلامه وانجاب، وظهر الفجر من الحجاب، ومد من سرادق # ضيائه على الوجود الأطناب، (وافتر ثغر الضوء في وجه ذلك الجو)، وأقبل ~~الصبح مبشرا بالاجتماع، كما كان منذرا بالفراق في حالة الوداع، فشكرت سعيه ~~إذ ذاك، وأنشدت وأنا باك: # شكرت سعي الصباح لما ... وافا بشيرا بالاجتماع # وقلت غفرا لما جنته ... يداك في حالة الوداع PageV01P316 ~~فلما لاح ابن ذكاء والتحف الجو بالضياء هب علينا نسيم تلك الديار، وقابلنا ~~وجهها بالاستبشار، فطار القلب كل مطار، وجادت العين بالدمع المدرار، وأنشدت ~~في تلك الأقطار والدمع يستوقف القطار: # هبت سحرا فنبهت وسواسي ... نشوى خطرت عليلة الأنفاس # أهدت أرج الرجاء بعد اليأس ... ما أحسن بعد وحشتي إيناسي # وما برحنا نلتحف من تلك البقاع برودا، ونقابل من هضابها نهودا، ومن رباها ~~أعينا وخدودا، ونلتمس منها معاهد وعهودا، وقد برز إلى الملتقى سائر الأصحاب ~~والأصدقاء، ولم يزالوا يتواردون إلي، ويطيلون التسليم علي، وقد استطارت ~~صدوع كبدي من الحنين إلى ولدي، فلم يكن بأسرع من إقبال المبشر بقدومه، ثم ~~اجتلاء طلعته مع تسليمه، فأرسلت الدموع تترى، وحمدت الله تعالى شكرا، ~~وأنشدت لبعضهم شعرا: # عيني دمعت مسرة بالجمع ... قالوا مهلا ما في البكاء من نفع # دع عينك تستغنم منهم نظرا ... ماذا زمن تشغلها بالدمع PageV01P317 ~~وكان من جملة الملتقين إلى ذلك المكان من الأصحاب والأصدقاء والخلان، الشيخ ~~الإمام الأوحد، والحبر الهمام الأمجد فخر السنة والملة، وإمام الأئمة ~~الجلة، ولي الله الكريم عليه، المنقطع إليه، المنتفع بالقراءة والتلاوة بين ~~يديه. أجل ms152 العلماء العابدين، وأنبل الأولياء الزاهدين، وأحفل الفقهاء ~~الماجدين، الشيخ أبو العباس أحمد # شهاب الدين العريقي الأصيلي المعروف نسبه بالميلي. # والشيخ الفقيه العالم النبيه الحبر الأواه الخاشع لله، العالم العلامة ~~والحافظ الفهامة، خير الأخيار وحبر الأحبار، ذو الفضل المتين، والعقل ~~الرصين، الشيخ محمد شمس الدين العجلوني الريموني. والشيخ الأفضل الأوحد ~~الأكمل، عين الأصحاب، ورأس الأحباب، ذو الحكم الظاهرة، والشيم الطاهرة، ~~والنباهة الحاضرة، والنزاهة التي أذعنت لها الدنيا وترجى لها الآخرة، ذو ~~الفضل المبين، والعقل المتين، الشيخ أبو المحاسن يوسف جمال الدين بن خضر ~~الشافعي الصوفي القادري. # (والشاب الفاضل العالم الكامل، ذو الأعراق الزكية، والأخلاق المرضية، ~~الكثير المحاسن، القليل المساوىء، الشمس محمد بن الحمزاوي). # والشيخ الفاضل والعالم العامل المهذب الأخلاق، الطيب الأعراق، ذو المحبة ~~الصادقة، والأخلاق الموافقة، ذو المحل الأسمى، المطابق منه الاسم المسمى، PageV01P318 ~~خير التلاميذ، ورأس الأسانيد، اللابس من التقوى خير لباس، المحب ابن ~~الزرخوني القواس. # والشيخ العلامة الإمام الفهامة، الحبر المجيد، الباحث المفيد، الأوحد ~~الفريد، ذو الفضل البارع، والذكاء الصادع، الطيب الموارد والمشارع. الآتي ~~من ذكائه بما تقضى منه العجب، الشيخ زين الدين الحموي المسمى برجب. # والشيخ العالم الإمام الأوحد الأمجد الهمام، المرتقي بفضله إلى أعلى ~~مقام، المفنن في العلوم، والمتبحر في المنطوق والمفهوم، ذو الخلق المعتدل ~~والطبع المستوي، الشيخ علاء الدين ابن أبي سعيد الحموي. # والشيخ العالم المحقق، الفاضل البارع المدقق، البعيد الهمم، الزكي الشيم، ~~الراسخ القدم، ذو الذهن الثاقب، والفكر الصائب، المتقدم على أكثر من يدرس ~~ويفتي، الشيخ شمس الدين محمد الجبرتي. # والشيخ الفاضل، والعالم العامل، الأوحد الكامل، الأصيل الجليل، الحسيب ~~النبيل، الرئيس النفيس الكامل المروة والتام الفتوة، ذو المناقب التي يحدها ~~ذكاء، والفعال التي في غيرها قطع الشركا، والأصول التي من فروعها سرى الحسب ~~والزكا العضيدي الذخري، الشيخ بدر الدين البكري. PageV01P319 # والشيخ الصالح الكامل العابد الزاهد العامل المحب الصادق، والخل الموافق، ~~ذو الإخلاص والصفاء، والصدق والوفاء، اللاهي بربه عن الملاهي، الشيخ الصوفي ~~عبد الكريم الأمياهي. # والشيخ الفاضل البارع الكامل العالم العامل، ذو المناقب والشمائل، الحافظ ~~اللافظ، المذكر ms153 الواعظ، الحسن السمت، الطيب النعت ذو الدين الثخين، والعقل ~~المتين، والفضل المبين، قرة عين المحب وسخنة عين العادي، الشيخ أبو الحسن ~~علاء الدين ابن البغدادي، وغيرهم من المحبين والأصحاب المتوددين، والتلامذة ~~المترددين ولم يزالوا يفدون زمرا ويردون نفرا فنفرا. # فلما كثر المترددون والمنتابون، وقد وصلنا إلى محلة القابون، نزلت من ~~المحارة في رأس تلك الحارة، وامتطيت صهوة جوادي، وقد قوى فؤادي عند مشاهدة ~~بلادي، وظهرت للصحة إن شاء الله بوادي. فيا له من طرف أشهب، قد اختصر من ~~بالغ في وصفه وأسهب، مريع رائق، لاحق سابق، مطلق الجرائد، قيد الأوابد، ~~يلوح كالصباح، ويسابق الطرف ويباري الرماح، ويمرح بين اختيال وارتياح، ~~وارتجاج وارتجاح. تستوقف اللحظات في حضرته برقة حسنه وكمال خلقته. ذي نخوة ~~شمخت به عن نده، وشهامة طمحت به عن ضده، فهو الأشمط الذي حقه PageV01P320 ~~لا يغمط. أكرم به من مرتاض سالك، ومجتهد على غايات السابقين الأولين ~~متهالك، وأشهب يروي مني عن مالك. قد لبس وقار المشيب في ريعان العمر ~~القشيب، وأنصتت الآذان من صهيله المطيل المطيب، لما ارتدى بالبياض إلى نغمة # الخطيب، فسار بي الفرس المذكور سير المهيب الوقور بين تلك الأصحاب ~~والأصدقاء والأحباب، فشاهدت نورا خلاف العادة إشراقة، وعز على ضوء النيرين ~~لحاقه. عرفته البصائر قبل الأبصار، وأنكرته النواظر لعلو جوهر نوره على ~~الأنوار، فأيقنت أن لله في أرضه المقدسة من الأسرار، ما لا يظهر عليه من ~~عباده إلا الأخيار، ولم نزل نسير بوقار وسكينة إلى أن دخلنا بحمد الله ~~المدينة: # هي الدار لا أصحو بها من علاقة ... لأمر لنا بين الجوانح مضمر # فجاد على أرجائها الغيث أنها ... منازل جيران كرام ومعشر # ثم وصلت إلى منزل الأحباب، ومنزه الألباب ووفدت على تلك الأعتاب، ~~(واستفتحت تلك الأبواب): # تركت هوى ليلى وسعدى بمعزل ... وعدت إلى تصحيح أول منزل # ونادت بي الأشواق مهلا فهذه ... منازل من تهوى رويدك فانزل PageV01P321 ~~فنزلت بذلك الجناب، وتلقيت أولئك الأحباب، فجمع الله تعالى الشمل، وله ~~سبحانه المنة والفضل، بالوالدة والأولاد وبقية الأهل، فتلقتني والدتي دامعة ~~العين، ms154 تناديني بقرة العين، وتشكوني بالانقطاع والبين، وتحمد الله على ~~رؤيتي قبل حين الحين، وكذلك بقية الأولاد والأخوات، والحمد لله الذي بنعمته ~~تتم الصالحات: # وألقت عصاها واستقرت بها النوى ... كما قر عينا بالإياب المسافر # فيا لله هنالك من صلة رحم، وشمل منتظم، وصدع ملتئم، وقلب منجبر غير ~~منقسم. وطلع نجم السعد، ويسر الله تعالى بإنجاز ذلك الوعد، وحللنا حلول ~~الحياة بالجسم، والإعراب في آخر الاسم، فاتقد سراج الأنس في ليل ذلك ~~التوهم، وأومض برق التبسم في وجه ذلك التجهم، ومضى لنا من ذهول الألباب، ~~ومحادثة الأحباب، ومجاذبة أهداب الآداب: # يوم كأن نسيمه من عنبر ... وتخال أن أديمه من جوهر # لو باعت الأيام آخر مثله ... بالعمر أجمع كنت أول مشتري # وقد قالوا ليس يعدل ساعة الفراق إلا ساعة التلاق: PageV01P322 # فلولا البعد ما حمد التداني ... ولولا البين ما طاب التلاقي # ولم أزل بالوطن أتلافا ما فرط، وأستبدل الراحة بالعناء والرضى بالسخط، ~~إلى أن انصلحت الأحوال، وحسنت في الحال والمال إن شاء الله تعالى، ونسأل ~~الله المحسن المجمل المنعم المفضل أن يختم لنا بالحسنى ويبوأنا من رضاه ~~المحل الأشرف الأسنى، وأن يرزقنا في سائر أحوالنا من أمنه أمنا، إنه سبحانه ~~أكرم الأكرمين وأرحم الراحمين، وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين. # انتهت الرحلة المباركة الملقبة بالمطالع البدرية في المنازل الرومية (على ~~يد منشئها فقير عفو الله تعالى وغفرانه، محمد بن محمد بن محمد بن أحمد بن ~~عبد الله ابن بدر مفرج بن بدر بن عثمان بن جابر العامري الشهير بابن الغزي ~~الشافعي، غفر الله له ولهم ولسائر المسلمين، في ليلة يسفر صباحها عن يوم ~~الأربعاء المبارك سادس عشرين ذي الحجة سنة أربعين وتسعمائة، أحسن الله ~~ختامها وقدر في خير تمامها بمنه وكرمه، آمين وصلى الله على سيدنا محمد وآله ~~وصحبه وسلم، وحسبنا الله ونعم الوكيل). PageV01P323 ms155