######OpenITI# #META#Header#End# ![image file](./0992IbnCardun.AdabSuhba_0027.png) # قال الشيخ الامام العالم القاضي العادل أبو العباس سيدي أحمد بن سيدي ~~الحسن بن عرضون الزجلي رحمه الله : # الحمد لله الذي من على عباده بالالفة تطولا وامتنانا، فأصبحوا بنعمته ~~إخوانا، ونزع الحقد والغل من صدورهم فظلوا في الدنيا أصدقاء، وفي الآخرة ~~رفقاء وخلانا، والصلاة والسلام على مولانا محمد وعلى آله وأصحابه والذين اتبعوه ~~وتمسكوا بسنته، واقتدوا به قولا وفعلا وعدلا وإحسانا (1). # أما بعد : فلما كان التودد والتحابب (2) في الله تعالى، والاخوة في دينه ~~من أفضل القربات وألطف ما يستفاد من الطاعات، وان بمراعاة حقوقها وشروطها ~~تصفو الاخوة عن شوائب الكدرات، وبالمحافظة عليها يتقرب الى الله تعالى وتنال ~~الدرجات، وكان كثير ممن يدعي الاخوة والمحبة في هذه الازمان، لعدم مراعاتهم ~~للشروط والحقوق ينزغ بينهم الشيطان، فتقع بينهم المنافرة والمقاطعة والمدابرة، ~~والمنازعة، صار تعلم شروطها وأسبابها وحقوقها وآدابها، من اجل مايستفيد تعلمه ~~من يريد الالفة على الطاعة، والسلوك على منهاج السنة والجماعة . # وقد اردت ان اقيد في ذلك جملة كافية لنفسي، ولمن ارادها من أبناء ~~جنسي، وينحصر الكلام فيها بحسب مقصدنا في مقدمة، وبابين، وخاتمة . # اما المقدمة، ففي الصحبة معه تعالى، واما الباب الاول . ففي فضل الالفة ~~والاخوة في الله، وشروطها، وفوائدها، وأما الباب الثاني : ففي آداب الصحبة ~~وحقوقها، واما الخاتمة، ففي آداب وحقوق مع سائر الخلق . PageV01P027 ![image file](./0992IbnCardun.AdabSuhba_0028.png) # المقدمة : في الصحبة معه تعالى اعلم ان الصاحب الذي لا يفارق في السفر ~~والحضر والنوم واليقظة هو الله تعالى، الخالق الرازق، فاتخذه صاحبا، وذرهم جانبا ~~بمواصلة الحضور بلا فترة، ومهما فترت، جدد طهرك، واخل به أبدا، ملازما ~~للآداب واياك ثم اياك ان تخلي ليلك ونهارك عن وقت تخلو فيه بنفسك مع مولاك، ~~تتلذذ بمناجاته، وتتعرض لنفحات رحمته ومرضاته، وعليك ان تتعلم آداب الصحبة ~~معه تعالى باطراق الطرف، وجمع الهم، ودوام الصمت وسكون الجوارح، ومبادرة ~~الامر، واجتناب النهي، والتسليم لقدره تعالى، وملازمة الذكر والفكر، وايثار الحق، ~~والخضوع تحت الهيبة والانكسار بالحياء، وقلة السعي في الكسب، ثقة بضمانه ~~تعالى، وتوكلا عليه، والمراقبة والاستقامة ms01 أبدا، فانه آداب الصحبة مع من ~~لايفارقك. PageV01P028 ![image file](./0992IbnCardun.AdabSuhba_0030.png) PageV01P030 ![image file](./0992IbnCardun.AdabSuhba_0031.png) # الكلام في هذا الباب في فصلين : الفصل الاول : في فضيلة الالفة ~~والاخوة : لاخفاء ان صحبة الصلحاء والفضلاء واخوتهم عون كبير، قال ~~تعالى : «وتعاونوا على البر والتقوى»، (1) وقال تعالى «أشداء على الكفار رحماء ~~بينهم» (2) وتأمل تأثير الصحبة في كل شيء، هذه الطيور المفترسة بالصحبة ~~رفعت على الملوك، وهذا العود بصحبة النجار يعتق من النار، وبصحبة الحطاب ~~(تلتهمه) النار ولله در القائل : ~~عليك بأرباب الصدور فمن غدا مضافا لأرباب الصدور تصدرا ~~واياك ان ترضى بصحبة ساقط فتنحط قدرا عن علاك وتحقرا # واعلم ان الالفة ثمرة حسن الخلق، والتفرق ثمرة سوء الخلق، فالخلق الحسن، ~~يزين فيوجب التحابب والتوالف، والخلق السيء يشين فيوجب التباغض والتحاسد ~~والتدابر، فحسن الخلق لاتخفى فضيلته، قال تعالى في مدح نبيه صلى الله عليه ~~وسلم «وانك لعلى خلق عظيم»، (3) فالخلق الحسن صفة الانبياء والصديقين، ~~وضده سموم قاتلة، فاعرف العلة، ثم شمر في علاجها، فالخلق قد يكتسب بالتعلم. # قال السيد البلالي (ه) وكيف ينكر تغير الاخلاق، والكلب يعلم، والفرس ~~والطير، اذ هي صفة الى اعتدال، وافراطها وتفريطها نقص، قال PageV01P031 ![image file](./0992IbnCardun.AdabSuhba_0032.png) ~~تعالى : «والكاظمين الغيض» (5) ولم يقل، والعادمين، كقوله «ولاتسرفوا» (6)، ~~وقوله : «وكان بين ذلك قواما»، (7) ويحصل الكمال، بحمل نفسه على افعال ~~تحليه، فمن كلفها أفعال الجود ليصير طبعا، صار جوادا، وكذا افعال التواضع، ~~وكل خلق فان للعادة أثرا عظيما بالدوام، فلا يستهين بقليل ذنوبه، او كسله، ~~فيصير عادة تحرمه الخير، ويكتسب الخلق بالصحبة ايضا، لان الطبع يسرق من ~~الطبع، لقوله صلى الله عليه وسلم «يحشر المرء على دين خليله، فلينظر أحد كم ~~من يخالل» (8) # قيل للاحنف بن قيس : (9) ممن تعلمت الحلم ؟ قال من قيس بن عاصم ~~المنقرى، (10) قيل له، ومابلغك من خلقه ؟ قال : كان يوما قاعدا في مجلسه، ~~اذ جاءته خادم له بسفود عليه شواء، فسقط السفود من يدها فوقع على ابن له ~~فمات، فدهشت الخادم، فقال لها : لاروعة عليك، انت حرة لوجه الله تعالى» : # وقيل : من حسنت خلائقه، وجبت محبته، ms02 ومالت القلوب اليه، ومن ~~ساءت خلائقه تعينت بغضته، ونفرت النفوس عنه، وأنشدوا : ~~اذا ساء خلق المرء لم يصف عيشه وضاقت عليه في الأمور مذاهبه ~~وذل وان كان العزيز ولم تنل مراتب أهل المكرمات مراتبه ~~وجاهد من أخلاقه ما يمله على مثلها أصحابه وأقاربه ~~وما حمد الناس امرءا ساء خلقه ولكن حسن الخلق يحمد صاحبه PageV01P032 ![image file](./0992IbnCardun.AdabSuhba_0033.png) # قال الغزالي : (11) «ولا يخفى ان ثمرة الخلق الحسن، الالفة وانقطاع ~~الوحشة، ومهما طاب المثمر، طابت الثمرة، فكيف وقد ورد الثناء على نفس ~~الالفة سيما على الدين والتقوى»، قال تعالى «لو أنفقت ما في الارض جميعا ما ~~ألفت بين قلوبهم ولكن الله ألف بينهم» (12). # وقال : «فأصبحتم بنعمته اخوانا» (13) أي بالالفة، وقال في ذم الفرقة ~~«واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا» الى قوله : «لعلكم تهتدون» (14) وقال ~~عليه السلام : «ان أقربكم مني مجلسا أحاسنكم أخلاقا الموطؤون أكنافا، الذين ~~يالفون ويولفون» (15). # وقال صلى الله عليه وسلم «المومن الف مألوف، ولاخير فيمن لا يالف ~~ولا يولف» (16) صح من الاحياء (17). # وقال الراجز : ~~لا خير فيمن لم يكن ألوفا # ولم يكن لغيره مألوفا # وروى : «مثل الاخوين كاليدين يغسل أحدهما الاخرى» (18). # وروى : «ما اصطحب اثنان قط الا كان أحبهما الى الله أرفقهما ~~بصاحبه» (15). PageV01P033 ![image file](./0992IbnCardun.AdabSuhba_0034.png) # قال الغزالي : «وقال أبو ادريس الخولاني (25) لمعاذ : (21) اني أحبك في ~~الله، قال : أبشر ثم أبشر، فاني سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول : ينصب ~~لطائفة من الناس كراسي حول العرش ومنابر من نور تضيء عليها يوم القيامة، ~~وجوههم كالقمر ليلة البدر، يفزع الناس ولا يفزعون، يخاف الناس ولا يخافون، ~~هم أولياء الله الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون، فقيل من هؤلاء يا رسول ~~الله، قال هم المتحابون في الله» (22). ~~اذا كان احدهما اعلى مقاما من الآخر رفع الاخر معه الى مقامه، وانه يلحق به ~~كما يلحق الذرية بالابوين، والاهل بعضهم ببعض، لان الاخوة اذا اكتسبت في ~~الله لم تكن دون أخوة الولادة، وقد قال تعالى : «الحقنا بهم ذرياتهم وما التناهم ~~من عملهم من شيء»، (23) وقال صلى ms03 الله عليه وسلم «سبعة يظلهم الله تحت ~~عرشه يوم لاظل الا ظله، امام عادل، وشاب نشأ في عبادة الله تعالى : ورجل ~~قلبه متعلق بالمسجد اذا خرج منه حتى يعود اليه، ورجلان تحابا في الله، واجتمعا ~~على ذلك وتفرقا عليه، ورجل ذكر الله تعالى خاليا ففاضت عيناه، ورجل دعته ~~امرأة ذات حسن وجمال فقال : اني اخاف الله تعالى، ورجل تصدق بصدقة ~~فأخفاها حتى لايعلم شماله ما تنفق يمينه «(24) قلت : وفي المعنى انشدنا شيخنا ~~ابو يوسف اليدرى (25) بيتين : الاول منهما للاديب ابي زيد عبد الرحمن PageV01P034 ![image file](./0992IbnCardun.AdabSuhba_0035.png) ~~البردعى (66) أحد أدباء فاس، والثاني للشيخ الامام ابي عبد الله محمد ~~القورى (27) رحمه الله تعالى وهما هذان البيتان : ~~يظل الله تحت العرش قوما وهم سبع كما قال المصدق ~~امام شب في حب وجمع و وبكاء ومدعو تصدق # فالبيت الثاني تضمن السبعة كلهم فتأمله. (28) # قال الغزالي : وقال علي (25) كرم الله وجهه عليكم بالاخوان فانهم عدة ~~في الدنيا والآخرة، الآ تسمع الى قول أهل النار «فما لنا من شافعين ولاصديق ~~حميم0 (30). # وقال عمر(61 رضى الله عنه : اذا أصاب أحدكم ودا من أخيه فليتمسك ~~به، فقل من يصيب ذلك، وقال مجاهد : (32) المتحابون في الله اذا التقوا PageV01P035 ![image file](./0992IbnCardun.AdabSuhba_0036.png) ~~فتبسم (33) بعضهم الى بعض تتحات عنهم الخطايا كما تتحات ورق الشجر في ~~يوم عاصف، وقيل كما تتحات ورق الشجر في الشتاء اذا يبس، (34) وقال ~~الفضيل : (35) نظر الرجل الى وجه أخيه على المودة والرحمة عبادة» (36). # وقيل أعجز العجزة من الناس من فرط في كسب الاخوان، وأعجز منه ~~من فرط فيما ظفر به منهم . قلت : لاسيما المفرط في صحبة الصلحاء والفضلاء، ~~فبصحبتهم يستفاد خير الدنيا والآخرة، قال البلالي : ولابد من صحبة كامل تغني ~~عن مرادك لمراده أبدا، فنقب عنه ما خلا قطر من مثله، وبالله لا تعش بدونه ~~فسلامتك مع غيره عزيزة، ووصلك أعز، فعدو عرفك عيبا انفع من أخ مداهن ~~وكانوا رضي الله عنهم يحبون من ينبههم على عيوبهم، وأصل كل معصية وغفلة ~~وشهوة، رضاك عن نفسك وأصل كل طاعة ويقظة ms04 وعفة عدم رضاك عنها. PageV01P036 ![image file](./0992IbnCardun.AdabSuhba_0037.png) PageV01P037 ![image file](./0992IbnCardun.AdabSuhba_0038.png) # اعلم أنه لا يصلح للصحبة كل انسان، ولا كل من يصلح للصحبة في ~~الحضر يصلح للصحبة في السفر، فقد يصلح لصحبة الحضر من لا يصلح لصحبة ~~السفر، وكل من يصلح للصحبة في السفر يصلح في الحضر، فلابد للانسان أن ~~يختار من يصلح للصحبة، قال صلى الله عليه وسلم «المرء على دين خليله، فلينظر ~~أحد كم من يخالل» (1) واعلم أن الصحبة والعزلة اختلف ايهما أرجح، فرجح قوم ~~الصحبة ورجح آخرون العزلة، واختار المحققون الجمع بينهما، فبهما يحصل ~~الكمال، فبالصحبة يستفاد التعليم والتعلم، والنفع والانتفاع، والتأديب والتأدب ~~والاستيناس ونيل الثواب وانالته في القيام بالحقوق، ويكتسب الاخلاق الحسنة ~~من الحلم والاحتمال والتواضع والالفة، واستفادة أمور لازمة من التجارب ~~ومشاهدة الاحوال، لما روى «انما العلم بالتعلم» (2) وبالعزلة يعمل بما علم لأنسه ~~بدوام الذكر، او معرفته بدوام الفكر يثمر حبه تعالى وهي الغاية، وسيلتها قطع ~~علائقه، واخراج محبة الغير، ودوام المجاهدة، ويقين بلا شك، وتوبة بلا ذنب، ~~وزهد بلا رغبة، وتجريد بلا فترة، مظنتها العزلة بعد صحبة مرشد يرقيه بصدقه ~~واخلاصه، وفناء مراده، ليبقى بصفات مرشده، ليتم أمره بربه تعالى، فهناك نتاج ~~الموهبة بازدواج الصحبة والعزلة، نعم، ويحتاج اليهما كل مرشد اذ قلبه كالموسى ~~يحلق بخلوته، ويحلق بصحبته، فهذه فوائد الصحبة والعزلة، وقد اقتطفتها من كلام ~~الامام الغزالي (3) والسيد البلالي رضي الله عنهما واعلم أن في العزلة ايضا فوائد ~~أخر، منها : التخلص من المعاصي التي يتعرض لها غالبا بالخلطة من الغيبة والرياء، ~~والسكوت عن الامر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومسارقة الطبع من الاخلاق ~~الرديئة . PageV01P038 ![image file](./0992IbnCardun.AdabSuhba_0039.png) # ومنها : الخلاص من الفتن وصيانة الدين والنفس، والخلاص من شر الناس ~~وأذاهم، لاسيما في هذه الازمنة التي كثرت فيها الفتن والمعاصي وقد قيل : # اذا مارأيت الشر يبعث أهله # وقام جناة الشر للشر فانقد # ذيل هذا البيت الوالد (ه) رحمه الله تعالى بقوله : # وبيتك فالزم تنج من كل فتنة # ومن صالح الاعمال دأبا تزود # واعلم ان الصحبة تقع اتفاقية واختيارية، فالاتفاقية كالصحبة ms05 بالجوار ~~وسبب الاجتماع في المكتب أو في المدرسة أو في السوق، أو على باب ملك او ~~في الاسفار، او في شيء من المعاملات التي تقع بسبب الاضطرار، فقد يضطر ~~الانسان لصحبة العامة، بل ولصحبة السفهاء، وفي صحبة العامة قيل : ~~صحبناهم لما اضطررنا اليهم كما اضطر صياد الى صحبة الكلب ~~وهل أنا الا كالمصلي بقفرة إذا لم يجد ماء تيمم بالتراب # وقد يضطر ايضا لصحبة السفهاء ليتقي بهم سفاهة من هو أشر منهم، فقد ~~قيل : ضاع من لاسفيه له، ولما أنشد النابغة (5) بين يدي النبي صلى الله عليه ~~وسلم . ~~ولا خير في حلم اذا لم تكن (6) له بوادر تحمى صفوه أن يكدرا ~~ولاخير في جهل اذا لم يكن له حليم اذا ما أورد الأمر أصدرا # قال له رسول الله (ص) لايفضض الله فاك، (7) فكان من احسن الناس ~~ثغرا، اذا سقط له سن نبت آخر مكانه، وقال مصعب بن الزبير : (8) «ماقل PageV01P039 ![image file](./0992IbnCardun.AdabSuhba_0040.png) ~~سفهاء قوم الا ذلوا وفي هذا المعنى قال أخونا شقيقنا الفقيه الاديب النبيه ابو ~~عبد الله محمد (9) حفظه الله وهداه : ~~من لم يكن ذا كلاب عدت عليه الذئاب ~~من لم يواخ سفيها كشط عنه الاهاب # وهذا كله مع الاضطرار، ولابد من مراعات حقوق الجميع، وستاتي ار ~~شاء الله في الخاتمة . # وأما الصحبة الاختيارية كمن أراد مصاحبة انسان لمرافقته في سفر أو في ~~عمل من الاعمال من شركة أو غيرها أو في أمر دين، أو علم، أو غير ذلك ~~من الفوائد المرادة، فقد تستفاد من الصحبة فوائد دينية ودنيوية، أما الدنيوية، ~~فالانتفاع بالمال أو بالجاه أو بالنفس والاعانة باليد، أو مجرد الاستيناس بالمشاهدة ~~والمجاورة، وأما الدينية، فيجتمع فيها أيضا أغراض مختلفة، منها : الاستفادة في العلم ~~والعمل، ومنها الاستفادة من الجاه تحصنا به عن ايذاء من يشوش القلب، ويصد ~~عن العبادة، ومنها : استفادة المال للاكتفاء به عن تضييع الاوقات في طلب ~~القوت، ومنها : الاستعانة في المهمات، فيكون عدة في المصائب، وعمدة في ~~الاحوال، ومنها : التبرك بمجرد الدعاء، ومنها انتظار الشفاعة في ms06 الآخرة، فقد قال ~~بعض السلف : استكثروا من الاخوان، فان لهم الشفاعة، ولكل مومن شفاعة، ~~فلعلك تدخل في شفاعة أخيك، الى غير ذلك من الفوائد المرادة عند عقد الاخوة، ~~فالاخوة في الدين واقعة في هذا القسم، ولا ثواب الا في الافعال الاختيارية، فلا ~~ترغيب الا فيها : # واعلم ان الصحبة عبارة عن المجالسة والمخالطة والمعاشرة، وهذه لا يقصد ~~الانسان بها غيره الا اذا احبه، والمحبوب اما ان يحب لذاته، أو لغرض فالغرض ~~الذي يقصد، اما ان يكون من أغراض الدنيا، أو يكون متعلقا بالآخرة أويكون ~~متعلقا بالله، فهي أربعة أقسام : # الأول : أن يكون محبوبا بذاته تتلذذ برؤيته ومشاهدته، لاتصافه بحسن ~~الخلقة، أو حسن الخلق، وسائر الاوصاف المحمودة، أو لمناسبة باطنة توجب الالفة PageV01P040 ![image file](./0992IbnCardun.AdabSuhba_0041.png) ~~والموافقة، فان شبيه الشيء ينجذب اليه، وقد قيل : ان الطيور على أشكالها تقع، ~~وقد جاء : «الارواح جنود مجندة، فما تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها ~~اختلف» (10). # قال الناظم : ~~أما سمعت عن الارواح ما ذكروا فيها وجاعت به الآثار والحجج ~~ان التناكر يكسوها مخالفة وما تعارف منها فهو ممتزج # وهذا الحب لا يدخل فيه الحب لله، بل هو حب بالطبع، ان اتصل به ~~غرض مذموم صار مذموما، والا فهو مباح، اذ الحب اما محمود، واما مذموم، ~~واما مباح. # الثالي : ان يحبه لغرض دنيوي يتوصل به الى محبوب آخر، كحب الذهب ~~والفضة ليتوصل بهما لقضاء الحاجات والمآرب، كحب أهل الجاه لينتفع بجاههم ~~في الدنيا، او أهل الصنائع، والحرف، والعلم ليقتبس منهم ما ينتفع به في دنياه ~~وهذا ينقسم الى مذموم ومباح، ان قصد به التوصل الى مقاصد مذمومة فهو ~~حب مذموم، والا فهو مباح . # الثالث : أن يحبه لغرض أخروي، كمن يحب أستاذه وشيخه لتحصيل ~~العلم، وتحسين العمل، ان كان قصده الفوز في الآخرة، فهذا من جملة المحبين ~~في الله، وكذلك من يحب تلميذه لينال بواسطته رتبة التعليم، اذ لا يتم التعليم ~~إلا بمعلم، وكذلك من يحب خدمته ليتفرغ بذلك للعلم والعمل والتفرغ لعبادة ~~الله تعالى، فهو محب في الله، وكذلك ms07 من يحب من يواسيه بماله، ويقضي أغراضه ~~بقصد الفراغ للعلم والعمل، والتقرب الى الله تعالى فهو محب في الله، وكذا من ~~يحب زوجته لكونها حصنته عن الوساوس، وصان بها دينه، وليولد له ولد صالح ~~يدعو له فهو محب في الله. # قال الغزالي : وليس من شرط حب الله الا يحب في العاجل حظا البتة، ~~اذ الدعاء الذي أمر به الانبياء فيه جمع بين الدنيا والآخرة، قال : فكل حب ~~لولا الايمان بالله واليوم الآخر لم يتصور وجوده، فهو حب لله تعالى، وكل زيادة PageV01P041 ![image file](./0992IbnCardun.AdabSuhba_0042.png) ~~في الله (11). # الرابع : أن يحب لله وفي الله لا لغرض، وهذا أعلى الدرجات، ويتفاوت ~~الناس فيه بحسب تفاوتهم في حب الله تعالى، والمواساة بالمال هي على قدر المحبة، ~~فمنهم من يسمح بالشطر، ومنهم بأقل من ذلك، فمقادير الاموال بموازين المحبة، ~~والاجر والثواب في المحبة في الله ولله بقدر قوة المحبة . PageV01P042 ![image file](./0992IbnCardun.AdabSuhba_0043.png) ~~فمنهم من عد خمس (1) شروط تعتبر في الصاحب، وهي : العقل، ~~والخلق الحسن، والصلاح، والزهد في الدنيا، والصدق، وعلى هذه الخمس اقتصر ~~الامام الغزالي في الاحياء، (2) وبداية الهداية. (3) ~~ومنهم من انهاها الى سبعة، فعد فيها ان يكون سليم الصدر، وان يكون ~~ثابت العهد، وان يقوم بحقوقك كما تقوم بحقوقه . ~~ومنهم من انهاها الى أربعة عشر، فعد فيها ان يكون عالما وعاملا وورعا ~~وشفيقا ورفيقا وكريما وحليما ونصوحا وأمينا، ومحبا للفقراء والخير وأهله، وبقية ~~الاربعة عشر، وبقية السبعة قبلها مذكورة في الخمسة الاولى . ~~أما الشرط الاول : وهو العقل، فهو راس المال، وهو الاصل، فلا خير ~~في صحبة الاحمق، فالى الوحشة والقطيعة يرجع آخرها، وأخس احواله انه يضرك ~~حيث يريد ان ينفعك، والعدو العاقل، خير من الصديق الاحمق قال علي رضي ~~الله عنه : ~~فلا تصحب أخا جهل وإياك وإياه ~~فكم من جاهل أردي حليما حين واخاه ~~يقاس المرء بالمرء إذا ما المره ماشاه ~~وللشيء على الشيء مقاييس وأشباه ~~وللقلب على القلب دليل حين يلقاه (4) PageV01P043 ![image file](./0992IbnCardun.AdabSuhba_0044.png) # ولذلك قيل : مقاطعة الاحمق قربان الى الله تعالى، قال الثوري ~~(5) : النظر الى ms08 وجه الاحمق خطيئة مكتوبة، ويعني بالعاقل الذي يفهم الامور ~~على ما هي عليه اما بنفسه، واما اذا فهم وعلم، فقد قيل، الصحبة مع العاقل ~~زيادة في الدين والصحبة مع الاحمق نقصان في الدين، وحسرة وندامة عند الموت، ~~وخسارة في الآخرة . # وقال عمر بن عبد العزيز : (6) اني لالتقي العاقل فأكون عاقلا أياما، ومن ~~أسقط ذكر العاقل من الشروط استغنى بالعلم والعمل، اذ العالم العامل، لا يكون ~~الا عاقلا، والعالم العامل هو العاقل حقيقة، وبصحبته يستفيد الانسان العلم وينشط ~~في العمل، كما أن صحبة العاقل تزيد في العقل . # وأما جسن الخلق : فلابد منه، اذ رب عاقل يدرك الاشياء على ما هي ~~عليه ولكن اذا غلبه غضب أو شهوة أو بخل أو جبن أطاع هواه، وخالف ما ~~هو المعلوم عنده، لعجزه عن فهمه صفاته، وتقويم أخلاقه، فلا خير في صحبته، ~~وقد جمع علقمة العطاردي (7) في وصيته لابنه لما حضرته الوفاة ~~قال : يابنى ان عرضت لك صحبة انسان فاصحب من اذا خدمته صانك، وان ~~صحبته زانك، وان قعدت بك مؤنة، مانك، اصحب من اذا مددت يدك بخير ~~مدها، وان رأى منك حسنة عدها وان رأى منك سيئة سدها، من اذا سألته ~~أعطاك، وان. سكت ابتداك، وان نزلت بك نازلة، واساك، من اذا قلت قولا ~~صدقك، وان حاولت أمرا أمرك، وان نازعته آثارك، (8) قال ابن اكثم، قال ~~المامون : رو) فأين هذا ؟ قيل تدري لم أوصاه بذلك ؟ لانه أراد أن لا يصحب PageV01P044 ![image file](./0992IbnCardun.AdabSuhba_0045.png) ~~أحدا، (18 وقال بعض الادباء : لا تصحب من الناس من لا يكتم سرك، ويستر ~~عيبك، ويكون معك في النوائب، ويوثرك بالرغائب، وينشر حسنتك، ويطوي ~~سيئتك فان لم تجده فلا تصحب الا نفسك «وقال على رضي الله عنه : ~~ان أخاك الحق من كان معك ومن يضر نفسه لينفعك ~~ومن اذا ريب الزمان صدعك شتت شمل نفسه ليجمعك (11) # وقال يوسف بن الحسين (12) رضي الله عنه : ~~أحب من الاخوان كل موات وفي غضيض الطرف عن عترات ~~يوافقني في كل أمر أحبه ويحفظني حيا وبعد ممات ms09 ~~فمن لي بهذا ليتني قد وجدته فقاسمته مالي من الحسنات # وقال الجنيد : (13) لأن يصحبني فاسق حسن الخلق أحب الي أن ~~يصحبني قارىء سيء الخلق. # وأما الصلاح : فأمر لابد منه أيضا، ولابد في الصاحب من وصفين : أن ~~يكون سنيا في اعتقاده، وان يكون تقيا في دينه، فانه ان كان بدعيا أو فاسقا ~~ربما جر الناس الى مذهبه، أو ظن الناس فيه ذلك، فان المرء على دين خليله (14) ~~كما قيل : # عن المرء لا تسأل وسل عن قرينه # فكل قرين بالمقارن مقتدى # فمن خالط العلماء والفضلاء حسب منهم، ومن خالط الاشرار والفجار ~~حسب منهم. PageV01P045 ![image file](./0992IbnCardun.AdabSuhba_0046.png) # قال يوسف بن اسباط ر15) : كان أعمامي قدرية، وأخوالي رافشية، ~~فأنقذني الله تعالى بسفيان الثوري حين صحبته، فهذه فائدة الصحبة، فلا تسحب ~~فاسقا، ولا مصرا على معصية أبدا، فمن لم يخف الله تعالى لا تومن عائلته، ولا ~~يرثق بصداقته، لانه يتغير لتغير الاغراض، قال تعالى : «ولا تطع من أغفلنا قبله ~~عن ذكرنا واتبع هواه، (16) ومشاهدة الفاسق المصر تزيل الخوف من القلب، ~~وتهون المعصية، لان الطبع يسرق وفي صحبة المبتدع أيضا خطر بسراية البدعة، ~~وتعدى شؤمها اليه . # وقال عمر رضى الله عنه : «عليك باخوان الصدق تعش في أكنافهم فانهم ~~زينة في الرخاء، وعدة في البلاء، وضع أمر أخيك على أحسنه حتى يجيئك ما ~~يغلبك منه، واعتزل عدوك، واحذر صديقك الا الامين، ولا أمين الا من خشي ~~الله، ولا تصحب الفاجر فتتعلم من فجوره، ولا تطلعه على سرك، واستشر في ~~أمورك الذين يخشون الله. # وقال السيد ابن عطاء الله : (17) «لا تصحب من لا ينهضك حاله، ولا ~~بدلك على الله مقاله، ربما (18) كنت مسيئا فأراك الاحسان منك ~~(صحبتك)(19) الى من (20) هو أسوأ حالا منك (21)، قال ناظمه السيد ابن ~~عباد : (22) ~~(15) يوسف بن اسباط الشيباني واعظ زاهد روى عن سفيان الثوري وثقة ابن معين وقال فيه البخاري ~~كان قد دفن كتبه فكان لا يجيء بحديثه كما ينبغي أنظر ميزان الآعتدال 328/2. ~~(16) سورة الكهف آية 28. ~~17) أحمد بن محمد بن عبد الكريم الاسكندري فقيه ms10 متصوف شاذلي الطريقة أخذ عن أبي العباس المرسي # له مؤلفات عديدة اشتهر بالحكم التي كثرت الشروح عليها توفي بالقاهرة في جمادى الأولى سنة 709 # ه أنظر شذرات الذهب 19/6 والدرر الكامنة 273/1 وكشف الظنون 675 ودائرة المعارف # الاسلامية 240/1 وشجرة النور 204. ~~(18) في الحكم المطبوعة ص : 1) بشرح زروق (وربما). ~~(19) زيادة من الحكم ص : 119. ~~(20) في الحكم لمن ص : و11 ~~(21) أنظر الحكم بشرح زروق ص : 119 مكتبة النجاح. ~~22) عمد بن ابراهيم آلرندي النفزي زاهد صنف في التصوف كتبا عجيبة وشرح الحكم العطائية ونظمها # واشتهرت رسائله الكبرى والصغرى مولده سنة 733 ه وتوفي في رجب سنة 792 ه وقد أطال # النري في ترجمته أنظر النفح 3541/5 وشجرة النور 238 جذوة الأقتباس 315/1 ونيل الابتهاج 287 # هامش الدياج وسلوة الانفاس 133/2. PageV01P046 ![image file](./0992IbnCardun.AdabSuhba_0047.png) ~~ان التواخى فضله لا ينكر وإن خلا من شرطه لا يشكر ~~فالشرط فيه ان تواخي العارفا عن الحظوظ واللحوظ صارفا ~~مقاله وحاله سيان مادعوا إلا الى الرحمن ~~أنواره دائمة السراية فيه وقد حفت بك الرعاية ~~فهذه فائدة التواخي فلا يكن منك بها تراخي ~~وقاصد الفاقد هذا الشرطا بصحبة يعقدها قد أخطا ~~لكونه يرى بها محاسنه فنفسه ذات اغترار آمنة # وأما الزهد في الدنيا، وعدم الحرص عليها : فصحبة الحريص سم قاتل، ~~لان الطباع مجبولة على التشبه والاقتداء بالطبع، لانه يسترق من الطبع من حيث ~~لا يدري، فمجالسة الحريص تزيد في الحرص لا محالة ومجالسة الزاهد، تزهد في ~~الدنيا، فلذلك تكره صحبة طلاب الدنيا وتستحب صحبة الراغبين في الاخرة، ~~الذين يحبون الفقراء ويجالسونهم، اذ لا خفاء في ذم الدنيا، فقد جاء بذلك الكتاب ~~والسنة، وكفى أنها «لعب ولهو وزينة» (23) ودار الغرور، وفي الصحيح «يهرم ~~ابن آدم وتشب منه خصلتان : الحرص وطول الامل»، (24) وصح في الترمذي ~~ما ذييان جائعان أرسلا في غنم بافسد لها من حرص المرء على المال والشرف ~~لدينه، (25) قال الشعبي (26) «وجدت البلايا إنما يسوقها الى أهلها الحرص ~~والشره، فالقناعة نجاة وحرية وصيانة وعز وراحة وفراغ (27) والحريص لا يدرك ~~ما لم يقدر له ms11 . # ومن علامات الزهد، اخفاؤه، وعدم فرحه (28) بموجود، وحزنه على ~~مفقود وطلبه، وبذل ما عدا ضروراته، واستواء مادحه وذامه عنده، وغلبة أنسه ~~بالله تعالى، وحلاوة طاعته، قال البلالي : وله ادخار قوت سنة قال : ولا يضره ~~حاله كما له كثرة مال وجاه ونحوهما، كحال السلف ولا تجتمع محبة الله والدنيا ~~لاحد البتة، انتهى كلامه رضي الله عنه . PageV01P047 ![image file](./0992IbnCardun.AdabSuhba_0048.png) # وأما الصدق فلا تصحب كذابا، فانك منه على غرور، وهو مثل السراب، ~~يقرب منك البعيد، ويبعد عنك القريب، قال تعالى : «انما يفتري الكذب الذين ~~لا يومنون بآيات الله.»، (29) وفي الحديث «أيكون المومن كذابا، ؟ قال لا» ~~(30)، وقيل صدق اللسان، أول سعادة الانسان، وقيل من قل صدقه، قل ~~صديقه، ولبعضهم : ~~وما شىء اذا فكرت فيه بأذهب للمروؤة والجمال ~~من الكذب الذي لا خير فيه وأبعد بالبهاء من الرجال # فالكذاب لا يوثق بصحبته، فقد يكذب في ادعاء الصحبة، ويكون ذا ~~(31) وجهين، (وذو الوجهين) (32) لا يكون عند الله وجيها اذ المراد من ~~الصاحب أن يكون ثابت العهد، غير ملول، ولا متلون، وان يكون سالم الصدر ~~في الحضور والغيبة، لا حسودا ولا حقودا، فلا يظهر من نفسه المودة ظاهرا وهو ~~منطو على غير ذلك، ولعل شرط الصدق يشمل هذا كله ولهذا اقتصر عليه من ~~عد الشروط خمسة، ولعله يشمل أيضا قولهم وأن يقوم بحقوقك كما تقوم بحقوقه، ~~اذ لا خير في صحبة من لا يرى لك مثل ما ترى له، لانه كاذب في ادعاء الصحبة، ~~ولعله يشمل أيضا كونه نصوحا أمينا، فمن لم يكن ناصحا أمينا بل غاشا خائنا، ~~فليس بصادق في ادعاء الصحبة، وقد تتداخل بعض هذه الشروط فعد الصلاح ~~من الشروط يشمل هذه كلها، اذ الصلاح يستلزمها والله اعلم . # قال السيد البلالي : فالكذوب والاحمق والسيء الخلق الذي لا يملك نفسه ~~في غضب ولا شهوة، والفاسق والبخيل والحريص وصبيان ونساء، فكل منهم ~~يومن شره، ولا يرجى خيره غالبا، وسر فساد الخلق، من صحبة الاغيار، ~~اصحب من يزينك ويعينك ولا يشينك، صحبة الاغيار يرجع وحشة وقطيعة، ~~الاخوان ثلاثة ms12 : أخ للآخرة، وأخ للدنيا، وأخ للتأنس به، وترعى السلامة من ~~شره، فالاول كالغذاء لا يستغنى عنه، والثاني كالدواء يحتاج اليه في كل وقت، ~~والثالث كالداء قد تبتلي به فتجب مداواته الى الخلاص منه . PageV01P048 ![image file](./0992IbnCardun.AdabSuhba_0049.png) # فائدة : ما استقبحته منه فاجتنبه، فالسعيد من وعظها بغيره لو اجتنب الناس ~~ماكرهوه كملت آدابهم انتهى كلامه رضي الله عنه . # فائدة : «قال بعض العلماء : ومن له قرناء سوء، واراد ان لايرجع اليهم ~~فليشخضهم وليصل عليهم صلاة الجنازة، واستدل على ذلك بان النبي صلى الله ~~عليه وسلم كبر اربعا على قوم لم يغزوا معه». # واما من لم يضطر لصحبة من لا خلاق له، فليفر من صحبته فراره من ~~الاسد. # ولما تكلم الغزالي على شروط الصحبةقال : «ولعلك تعدم اجتماع هذه ~~الخصال في سكان المدارس والمجالس، لكن عليك بأحد أمرين : اما بالعزلة ~~والانفراد ففيه سلامتك، واما ان تكون مخالطتك مع شركائك بقدر خصالهم» ~~.(33) # وقال بعض العلماء في وصيته لولده : ان أشر ما أنهاك عنه ~~واعظمه : مخالطتك الأقران السوء الارذال، وانهاك ان تسمع لهم قولا، او تنظر ~~لهم في افعال، يابني هم الغارون في الحال والمغترون في المآل، يابني : من شأنهم ~~قطع الزمان بالفحشاء والمناكر، يابني : بروقهم خلب، وريحهم ضد المسك ~~والعنابر، يابني : مخالطتهم تصد عن الصعود على المنابر، ولذلك قيل : ~~إذا كنت في قوم فاصحب خيارهم ولاتصحب الأردا فتردى مع الردى ~~عن المرء لا تسأل وسل عن قرينه فكل قرين بالمقارن مقتدى # يابنى : اجتنب رأيهم وعطله تعطيلا، واحذر ان تشاورهم في أمر، او ~~تتخذهم صهرا او خلية، اولئك خلائق، «ان هم الا كالانعام بل هم اضل سبيلا ~~.(34) ~~ولذلك قيل : ~~خليلي كم ثوب وكم من عمامة على جسد ما فيه علم ولا عقل ~~وكم لحية طالت على ذقن جاهل فأزرى بها من بعدما طالت الجهل ~~وكم راكب بغلا له عقل بغله تأمل ترى بغلا على ظهره بغل ~~العمرك ما زين الرجال لحاؤهم ولكنما الزين النباهة والعقل PageV01P049 ![image file](./0992IbnCardun.AdabSuhba_0050.png) ~~وقال بعض العلماء الادباء : (35). ~~فخف أبناء جنسك واخش منهم كما تخشى ms13 الضراغم والسبنتا (36) ~~وخالطهم وزايلهم (36) حذارا وكن كالسامرى إذا لمستا ~~وإن جهلوا عليك فقل سلاما فعلك سوف تسلم ان فعلتا ~~وقال آخر : ~~تنح عن الدنيا وصحبة أهلها وباينهم مادمت في الحي باقيا ~~فما منهم الا حسود وشامت تراه بأقوال النميمة غاديا ~~إذا نلت خيرا أظهروا لك ودهم وأبدوا سرور الوجه مادمت واليا ~~وان نالك الدهر الخؤون بصرفه بدا منهم الشيء الذي كان خافيا ~~وصار الصديق المظهر الود والرضى يجرد سيفا للعداوة ماضيا ~~فما في بنى الدنيا الدنية صاحب يدوم على حال اذا كنت نائيا ~~فشمر الى التقوى ودع كل حاسد وراع حقوق الله ان كنت واعيا ~~فما الخير الا في الخمول مع التقى وما الغنم الا ان تقوم اللياليا ~~أنشدني عمى أبو حفص عمر بن عرضون (38) رحمه الله هذين البيتين : # ولا صديق اذا خان الزمان وفي ~~ما في زمانك هذا من تصاحبه ولا ~~فعش فريدا ولا تركن الى احد فقد نصحتك نصحا بالغا وكفى ~~قد خمسهما الوالد رحمه الله تعالى ورضي عنه فقال : # لامور لهالخلق والرزق والتصريف أجمعه ~~الجأ الى الله في كل الامور له الخلق و ~~وباعد الناس واحذر من تصادقه ما في زمانك هذا من تصاحبه # ولاصديق اذا خان الزمان وفى ~~في صحبة الناس جلب الهم والنكد والمكر والغش والأحزان والحجسد ~~فان أردت صفاء القلب للأبد فعش فريدا ولا تركن الى أحد # فقد نصحتك نصحا بالغا وكفى PageV01P050 ![image file](./0992IbnCardun.AdabSuhba_0051.png) ~~وقد قلت في ذلك تصديرا وتعجيزا : ~~ما في زمانك هذا من تصاحبه ولا خليل على خلاته اعتكفا ~~ما في بني الجنس من ترجى مودته ولا صديق إذا خان الزمان وفي ~~فعش فريدا ولا تركن الى أحد سوى ولي تقي ربه عرفا ~~فالزمه وانبذ سواه أبدا يا فتى فقد نصحتك نصحا بالغا وكفى ~~وقد حذر الناس من قرناء السوء الغاية، قديما وحديئا نظما ونثرا، وفي ~~هذا المقدار كفاية، والله ولي التوفيق بفضله. PageV01P051 ![image file](./0992IbnCardun.AdabSuhba_0052.png) PageV01P052 ![image file](./0992IbnCardun.AdabSuhba_0053.png) # قال الامام الغزالي : «اعلم ان عقد الاخوة رابطة بين الشخصين، كعقد ~~النكاح بين الزوجين، وكما ms14 يقتضي النكاح حقوقا بجب الوفاء بها قياما بحق النكاح ~~فكذا عقد الاخوة، فلأ خيك عليك حق في المال، وفي النفس، وفي اللسان، وفي ~~القلب بالعفو وبالدعاء وبالاخلاص وبالوفاء، وبالتخفيف وترك التكلف ~~والتكليف» انتهى (1). # وقال السيد البلالي : «عقد الاخوة، وأخيتك لله، واسقطنا الحقوق والكلفة ~~(2) مثله انتهى . # ورأيت لبعضهم نص وثيقة عقد الاخوة والمحبة وهي : # هذا ما اشترى فلان بن فلان الفلاني من فلان بن فلان الفلاني، اشترى ~~منه في عقد واحد وصفقة واحدة، جميع المودة المعروفة بمودة القلب لمدينة ~~الاخلاص بالمحلة المعروفة بمودة القلب، بالدائم الى الممات، بجملتها وكليتها، من ~~حدودها وحقوقها، ومجاري مياه الرعاية والكلاية فيها، وكل حق هو لها، داخل ~~فيها، وكل حق هو لها خارج عنها من المراعاة والمحافظة والذب والنصرة والملاحظة ~~والموافقة، والرضى والاحتمال والكظم والغض، والبذل والايثار (3) وتجنب ~~الشتات، ويحيط بهذه المودة، ويشتمل عليها حدود أربعة : الحد الاول منها ينتهي ~~الى الخلة والصفا، والحد الثاني ينتهى منها الى المراعاة والوفا، والحد الثالث ينتهي ~~الى المساعدة والولاء، والحد الرابع ينتهي الى المشاهدة واللقاء، واليه يشرع بابها، ~~اشترى منه في عقد واحد وصفقة واحدة، شراء صحيحا جائزا عند أهل الحب، ~~ماضيا في شرع التوكل، تاما عند أهل الايخاء والدارمة ره) بألف ألف في ألف PageV01P053 ![image file](./0992IbnCardun.AdabSuhba_0054.png) ~~ألف في ألف ألف مدى الانفاس والارواح والأرأس، وشرط كل واحد منهما ~~على صاحبه بذل القلوب والآمال والتفادي بالارواح والاموال والكليات والعدل ~~ورد النميمة والبذل، ثم نقد كل واحد منهما هذا الثمن والمثمن وقبضها، ووقع ~~التسليم لما وقع العقد عليه، واعترافهما بالبراعة عما اشترطا على أنفسهما فيه، على ~~ان لا يقبل كل واحد منهما طوارق السوء، والشناعات، وقبض كل واحد منهما ~~الثمن والمثمن، المذكورين في هذا الكتاب، وتراضيا هذه الوثيقة، واشهدا على ~~انفسهما بجميع مضمونها، وضمن كل واحد منهما الدرك والرجوع اليه، على ما ~~يوجبه حكم الاخلاص والصفا، ويقتضيه موجب الشرع والوفاء، فمتى ادعيا ~~جميعا، او ادعى احدهما على الآخر، او ادعى عليهما من يخالف هذه الوثيقة ظاهرا ~~او باطنا في سر ms15 سرائره، او في خفي ضمائر ضميره، او في سرى ونيمه او في ~~متحول احساس فهمه، فروح صفاتهما نقية من الغش، وقلوب وفائهما بريئة من ~~الخيانة، ومحبتهما محروسة بعيون المحافظة ومعرفتهما موصونة بهمم الملاحظة، ولم ~~تدنس بوهم فكر، ولا تتدرن بفهم ذكر، فدعوى المدعى لذلك زور وبهتان، ~~وباطل وعدوان والمخالف لشروط هذه الوثيقة خارج عن ذمام، التحقيق حاصل ~~في نزوة الدعاوي والتمزيق والتمحيق، مخالف لارباب الفتوة والمعرفة، محانب ~~لاصحاب المحبة والمروة والحق والصدق، وما تضمنته هذه الوثيقة (5) والصدق ~~والحقيقة، وعلى ذلك شهدا. # ثم انهما ترافعا بعد جميع ذلك (6) المسلمين جائز الحكم عند أهل المعرفة ~~والوفاء، نافذ القضاء عند أرباب المودة والصفاء، فوقف على جميع ذلك بشروطها ~~واوصافها وغايتها ونهايتها، وثبتها وامضاها، واجراها في مجلس حكمه وقضائه، ~~وحكم بصحتها وجوازها واشهدا على انفسهما بذلك طوعا، وذلك في يوم الالتقاء ~~من شهر المواصلة سنة حسن الاعمال، وبلوغ الآمال، شهد على اقرارهما بذلك ~~الالفة من الصفاء والرعاية من الوفاء، والمساعدة من الرضا وحسن الخلق من ~~الالقاء في التاريخ. # قال بعضهم : ومعلوم انه لم تكتب هذه الوثيقة الا عن قلب قريح وفؤاد ~~جريح، ودمع ساجم، وبدن لم يخف لومه لائم، وانه لم يشترط على نفسه هذه ~~الشروط الروحانية، ولم يكتب هذه العهود الوجدانية الا عن قلب بسيوف الهوى ~~جريح، وبدن من سكرات الحتوف على باب المنى طريح، فيكون القلب جريا على PageV01P054 ![image file](./0992IbnCardun.AdabSuhba_0055.png) ~~الاقوال والبدن، مساعدا على الافعال فلا يفترقان ولا يتنافيان، ولا يتميزان، فهذا ~~ذاك، وذاك هذا ~~ألفى من الناس كلهم ظعنا استودع الله وجهه الحسنا ~~كناك وحتى ضمنا جسد كأننى كنته وكان أنا ~~حتى رمانا منه فما يعلم ما بيننا ففرقنا ~~إنا الى الله راجعون فما يبلي محب كما بليت أنا # قال بعضهم لأخيه : لما غرقت في البحر لم رميت نفسك معي، ~~قال : ظننت انك أنا . فاذا انعقدت الاخوة فلابد من مراعاة حقوقها، ويجمعها ~~ثمانية أصول : # الأول : المال، فالمشاركة بالمال حتى لا يختص احدهما بشيء دون الآخر، ~~حق من حقوق الاصدقاء، قال تعالى ms16 : «ليس عليكم جناح ان تأكلوا من بيوتكم» ~~الى قوله : «او صديقكم» (7)، قال المفسرون : قرن الله الصديق بالقرابة، لقرب ~~مودته . # وقال ابن عباس : الصديق اوكد من القرابة، قال الغزالي : «والمواساة بالمال ~~مع الاخوة على ثلاث مراتب، أدناها ان تنزله منزلة عبدك وخادمك، فتقوم بحاجته ~~من فضلة مالك، فاذا سنحت له حاجة، وكان عندك فضلة على حاجتك اعطيته ~~ابتداء، ولم تحوجه الى السؤال، وان احوجته الى السؤال، فهو غاية التقصير» (8). # الثانية : ان تنزله منزلة نفسك، وترضى بمشاركته اياك في مالك حتى ~~تسمح بمشاطرته . # الثالثة : وهى العليا، ان توثره على نفسك، وتقدم حاجته على حاجتك ~~وهذه رتبة الصديقين، ومنتهى درجات المتحابين . # ومن تمام (9) هذه المرتبة : الايثار بالنفس ايضا كما روى انه (10) سعى ~~بجماعة من الصوفية الى بعض الخلفاء، فأمر بضرب رقابهم، وفيهم أبو الحسين ~~النوري، فبادر الى السياف ليكون اول قتيل، فقيل له في ذلك، فقال : أحببت PageV01P055 ![image file](./0992IbnCardun.AdabSuhba_0056.png) ~~ان اوثر اخواني بالحياة في هذه اللحظة، فكان ذلك سبب نجاة جميعهم في حكاية ~~ان عقد الاخوة لم تنعقد بعد في الباطن، وانما الجاري بينكما مخالطة رسمية لا ~~وقع لها في العقل (12) والدين. ~~الحق الثالي : الاعانة بالنفس والجاه في قضاء الحاجات والمهمات في اموره كلها، ~~تبادرها قبل السؤال وتقدمها على حوائجك كلها مع بشاشة واستبشار، وفرح ~~وسرور، وقبول المنة، وستر واحسان وصيانة عن كل ما يسوء، قال بعضهم : ~~اذا استقضيت أخاك الحاجة فلم يقضها فذكره ثانية فلعله نسي، فان لم يقضها ~~فكبر عليه واقرأ هذه الآية : «والموتى يبعثهم الله» (13)، وقضى ابن شبرمة (14) ~~حاجة لبعض اخوانه كبيرة، فجاءه بهدية فقال : ما هذا ؟ فقال : لما اسديته الي، ~~قال : خذ مالك عافاك الله، اذا سألت اخاك حاجة فلم يجهد نفسه في قضائها ~~فتوضأ للصلاة وكبر عليه أربع تكبيرات وعده في الموتى . # وقال جعفر بن محمد (15) : اني لا سارع الى قضاء حوائج اعدائ مخافة ~~ان أردهم فيستغنوا عني (16)، هذا في الاعداء فكيف في الاصدقاء، وكان في ~~السلف من يتفقد عيال أخيه وأولاده بعد موته أربعين سنة، يقوم بحاجتهم، ms17 ~~ويواسيهم، ويتردد كل يوم اليهم، ويمونهم بماله، فكانوا لا يفقدون من أبيهم الا ~~عينه، وبهذا تظهر الشفقة والاخوة. # قال ميمون بن مهران (17) : «من لم تنتفع بصداقته لم تضرك عداوته». PageV01P056 ![image file](./0992IbnCardun.AdabSuhba_0057.png) # الحق الثالث : على اللسان، بالموافقة على أقواله، والمساعدة على اغراضه ~~من غير مخالفة، ولا منازعة، فان المخالفة توجب البغضاء، وبالسكوت عن ذكر ~~عيوبه في حضرته وغيبته، بل يتجاهل ويسكت عن الرد عليه فيما يتكلم به، ~~فلا يماريه ولا يناقشه، ولا يتجسس، ويكتم اسراره، ولا يكشف شيئا منها ولو ~~بعد القطيعة والوحشة، فان ذلك من لؤم الطبع وخبث الباطن، وقد قيل : صدور ~~الأحرار، قبور الأسرار. # وبالجملة، فليسكت عن كل أمر يكرهه جملة وتفصيلا، الا اذا وجب عليه ~~النطق في أمر بمعروف، او نهي عن منكر، ولم يجد رخصة في السكوت، فليتكلم ~~بما تقتضيه النصيحة، فان ذلك احسان اليه في التحقيق، فان الاخوة كما تقتضى ~~السكوت عن المكاره، فتقتضى أيضا النطق بالنصائح و (المحاب) بل هو اخص ~~الاخوة، لان من يقنع بالسكوت يصحبه أهل القبور، وانما تراد الاخوة ليستفاد ~~منهم، لا ليتخلص من اذاهم، فعليه ان يتودد اليه بلسانه، ويسميه بأحسن اسمائه ~~ويثني عليه بمحاسنه، ويذب عنه وعن عرضه، ويشكره على الخير، وينصحه سرا ~~بلا تصريح بلطف، ويتفقده في أحواله، ويسأله عن عارض ان عرض له، فمعنى ~~الاخوة : المساهمة في السراء والضراء . # وفي الحديث : «اذا احب احدكم اخاه، فليعلمه بأنه يحبه» (18). # قال الغزالى : وانما امر بالاخبار لأن ذلك يوجب زيادة حب، فان عرف ~~انك تحبه فانه يحبك بالطبع لا محالة، فلا يزال الحب يتزايد بين المتحابين (19)، ~~والتحاب بين المومنين مطلوب في الشرع، ومحبوب في الدين، ولذلك علم فيه ~~صلى الله عليه وسلم الطريق فقال : «تهادوا تحابوا» (20). # الحق الرابع (21) : على القلب، العفو عن الزلات والهفوات، والاغضاء ~~عن العيوب والعورات، فمن طلب صديقا بلا عيب بقي بلا صديق . ~~قال الشاعر : ~~ومن لم يغمض عينه عن صديقه وعن بعض ما فيه يمت وهو عاتب ~~ومن يتتبع جاهدا كل عترة يجدها ولا يسلم له الدهر ms18 صاحب PageV01P057 ![image file](./0992IbnCardun.AdabSuhba_0058.png) # واعلم ان هفوة الصديق ان كانت في دينه بارتكاب معصية او اصرار عليها ~~فعليك التلطف في نصحه وحمله على التوبة والورع، فان لم تقدر وبقي مصرا ~~فقد اختلف في ادامة حق مودته او مقاطعته، فذهب أبو ذر (22) رضي الله عنه ~~الى الانقطاع، وقال : اذا انقلب اخوك عما كان عليه فابغضه من حيث احببته، ~~وان ذلك من مقتضى الحب في الله والبغض في الله، وذهب أبو الدرداء (23) ~~وجماعة من الصحابة الى خلاف ذلك، قال أبو الدرداء : اذا تغير اخوك وحال ~~عما كان فلا تدعه لاجل ذلك، فان أخاك يعوج مرة ويستقيم اخرى، وقال النخعي ~~(24) : لا تقطع اخاك ولا تهجره عند الذنب فانه يرتكبه اليوم ويتركه غدا. # حكى عن اخوين من السلف انقلب احدهما من الاستقامة فقيل ~~لاخيه : الا تقطعه وتهجره ؟ فقال : احوج ما كان الي في هذا الوقت لما وقع ~~في عترته ان آخذ بيده واتلطف به في المعاتبة، وادعو له بالعود الى ما كان عليه، ~~وآخر طوى أربعين يوما يبتهل لاخيه حتى عوفي من شهوة كبيرة اصابها (25)، ~~فعظم اهتمامك وانصحه سرا فقط . # قال الغزالي : هذه طريقة قوم وهي الطف وافقه من طريقة أبي ذر، ~~وطريقته احسن واسلم اما كونها الطف فلما فيها من الرفق والاستمالة والتعطف ~~المفضي (26) الى الرجوع والتوبة، واما كونها أفقه، فمن حيث ان الاخوة عقد ~~ينزل منزلة القرابة، فاذا انعقدت تأكد الحق، ووجب الوفاء بموجبها فلا يهمل ايام ~~حياته وفقره، وفقر الدين اشد من فقر المال، والاخوة عدة للنائبات وهذا من ~~اشدها (27). PageV01P058 ![image file](./0992IbnCardun.AdabSuhba_0059.png) # واما زلته في حقه : فلا خلاف ان العفو والاحتمال والتماس الاعذار اولى ~~فقد قيل ينبغي ان تستنبط لزلة اخيك سبعين عذرا. # اذا شئت ان تدعى كريما معظما ظريفا حليما ماجدا فطنا حرا ~~فمهما بدت من صاحب لك زلة فكن انت محتالا لزلته عذرا ~~وقد قيل : ~~خذ من خليلك ما صفا دون (28) الذي فيه الكدر ~~فالعمر أقصر من معا تبة الخليل على الغير ~~وقيل : إذا كنت في كل الأمور (29) معاتبا صديقك ms19 (30) لا تلقى الذي لاتعاتبه ~~فعش واحدا أو صل أخاك فإنه مقارف (31) ذنب مرة ومجانبه ~~إذا أنت لم تشرب مرارا من(32) القذى ظمئت وأي الناس تصفو مشاربه (33) ~~ومهما اعتذر اخوك صادقا او كاذبا فاقبل، فقد قيل : ~~أقبل معاذير من ياتيك معتذرا أبر عندك فيما قال أو فجرا # وقد أجلك من يعصيك مستترا ~~فقد أبرك من يرضيك ظاهره وقد أجلك ~~قال بعضهم : اذا وقع العتاب فقوبل بالاعتذار فعليك بالقبول قبله . # ونقل الغزالي حديثا : «من اعتذر اليه اخوه فلم يقبل فعليه اثم صاحب ~~المكس» (34). # وقال أبو سليمان (35) لأحمد بن أبي الحواري (36) : اذا واخيت اخا في ~~هذا الزمان فلا تعاتبه على ما يكرهه، فانك لا تأمن من ان ترى في جوابك ما PageV01P059 ![image file](./0992IbnCardun.AdabSuhba_0060.png) ~~هو شر من الاول، قال فجربته فوجدته كذلك، وقال بعضهم : الصبر على مضض ~~الاخ خير من معاتبته والمعاتبة خير من القطيعة والمقاطعة خير من الوقيعة. # وقال بعضهم كثرة العتاب سبب القطيعة، واخراج جميعه دليل على قلة ~~الاكتراث بأمر الصديق، وقد قيل : علة المعادات قلة المبالات بل تتوسط حالتي ~~تركه وعتابه، فيسامح بالمتاركة، ويستصلح بالمعاتبة، فان المعاتبة والاستصلاح اذا ~~اجتمعا لم يلبث معهما نفور ولم يبق معهما وجد، وقيل : # ويبقى الود ما بقي العتاب وتركي للعتاب من العتاب # وقال بعض الحكماء : لا تكثرن معاتبة اخوانك، فيهون عليهم سخطك، ~~وقال منصور النميري(37): ~~أقلل عتاب من استربت بوده لست تنال مودة بعتاب # وحكى الاصمعى(38) عن بعض الاعراب انه قال : تناس مساوىء ~~الاخوان يدم لك ودهم فمن حق الاخوان ان تغفر هفوتهم، وتستر زلتهم، لأن ~~من رام بريئا من الهفوات، سليما من الزلات، رام أمرا معوزا، واقترح وصفا ~~معجزا، قالت الحكماء : اي عالم لا يهفو، او صارم لا ينبو، او جواد لا يكبو، ~~وقالوا : من حاول صديقا يامن زلته، ويروم اغتياظه به، كان كضال الطريق الذي ~~لا يزدادر39) لنفسه أتعابا الا ازداد بعدا. # وينبغي ان لا يبالغ في البغض عند الوقيعة، قال تعالى : «عسى الله ان يجعل ~~بينكم وبين الذين عاديتم منهم مودة (40)»، «أحبب ms20 حبيبك هونا ما عسى ان ~~يكون بغيضك يوما ما وابغض بغيضك يوما ما، عسى ان يكون حبيبك يوما ~~ما» (41). # قال عمر : لا يكن حبك كلفا، ولا بغضك تلفا وهو (42) ان تحب تلف ~~صاحبك مع هلاكك (43). PageV01P060 ![image file](./0992IbnCardun.AdabSuhba_0061.png) # الحق الخامس : على القلب أيضا، الصفاء والوفاء، والخلوص في المودة ~~ظاهرا وباطنا، حاضرا وغائبا، حيا وميتا، ليكمل وده سرا وعلنا ويضمر ما ~~يضمره، ويفرح بمساره، ويحزن بمكارهه، ويحسن الوفاء مع أهله وأقاربه بعد موته، ~~ولا يسمع فيه ولا في مسلم سوعا ولا يصادق عدوه، فالحب انما يراد بالاخوة. # قال الغزالي : فان انقطع قبل الموت حبط العمل، وضاع السعي ولذلك ~~قال عليه السلام في السبعة الذين يظلهم الله في ظله ورجلان تحابا ره4) في الله ~~اجتمعا على ذلك وافترقا عليه الحديث، واكرام أهل وده بعده كنحو اكرامه صلى ~~الله عليه وسلم صويحبات خديجة بعدها ر5ه) فمن الوفاء، مراعات جميع من يوالي ~~الأصدقاء والأقارب بالفرح بتفقد المتعلقين بالصاحب أكثر لدلالته على قوة ~~الشفقة، فمن حق الاخاء، بذل المجهود في النصح والتناهي في رعاية ما بينهما ~~من الحقوق، فليس في ذلك إفراط وان تناهى، ولا مجاوزة حد وان كثر وأوفى، ~~وتستوي حالتهما في المغيب والمشهد، ولا يكون مغيبهما أفضل من مشهدهما ~~وأولى، فان فضل المشهد على المغيب لوم، وفضل المغيب على المشهد كرم، ~~واستواؤهما حفاظ. # قال بعض الشعراء : ~~علي لاخواني رقيب من الصفا تبيد الليالي وهو ليس يبيد ~~يذكرنيهم في مغيب ومشهد فسيان منهم غائب وشهيد ~~وإني لأستحيى أخى ان أبره قريبا وأجفوه وهو بعيد # ومن الوفاء ان لا يتغير حاله في التواضع مع أخيه، وان ارتفع شأنه واتسعت ~~ولايته وعظم جاهه، فالترفع على الاخوان لاجل تجدد الاحوال لؤم . # ان الكرام اذا ما استعملوا (46) ذكروا # من كان يألفهم في المنزل الخشن # أوصى بعض السلف ابنه فقال : يا بني، لا تصحب من الناس إلا إن ~~افتقرت اليه قرب منك، وان استغنيت لم يطمع فيك، وان علت رتبته لم يرتفع PageV01P061 ![image file](./0992IbnCardun.AdabSuhba_0062.png) ~~عليك، وقال بعض الحكماء : إذا ولي ms21 أخوك ولاية فثبت على نصف مودته لك ~~فهو كثير. # قال الأحنف : الاخاء جوهرة رفيعة ان لم تحرصها كانت معرضة للآفات، ~~فاحرصها بالكظم حتى تعتذر الى من ظلمك، وبالرضى حتى لا تستكثر من ~~نفسك الفضل ولا من أخيك التقصير. # ومن آثار الصدق والاخلاص وتمام الوفاء، ان يكون شديد الحرج من ~~المفارقة، نفور الطبع عن أسبابها، كما قال : # وجدت مصيبات الزمان جميعها # سوى فرقة الاحباب هينة الخطب # ومن الوفاء أن لا يسمع بلاغات الناس على صديقه، لا سيما من يظهر ~~اولا انه محب لصديقه كيلا يتهم ثم يلقى الكلام عرضا وينقل عن الصديق ما ~~يوغر القلب، فذلك من دقائق الحيل. # قال رجل لحكيم : قد جئت خاطبا لمودتك قال : ان جعلت مهرها ثلاثا، ~~فقلت ما هي ؟ قال : لا تسمع علي بلاغا، ولا تخالفني في أمر، ولا توطئني عثرة. # الحق السادس (47) : التخفيف وترك التكلف والتكليف، فلا تكلفه شيئا ~~يثقل عليه من حاجاتك ومهماتك، فيخفف المؤونة دوام الالفة فلا يستمد من ~~جاهه وماله، ولا يكلفه التواضع له، والتفقد والقيام بحقوقه بل لا يقصد بمحبته ~~الا الله تعالى تبركا بدعائه واستئناسا بلقائه واستعانة به على دينه، وتمام التخفيف ~~بطي بساط التكلف حتى لا تستحيى منه فيما لا يستحيي من نفسه . # قال الجنيد : ما تواخى اثنان في الله فاستوحش أحدهما من صاحبه، أو ~~احتشم الا لعلة في أحدهما، وقال على رضي الله عنه : شر الاصدقاء من تكلف ~~لك، ومن أحوجك الى مداراته والجأك الى الاعتذار، وقال الفضيل : انما تقاطع ~~الناس بالتكلف، يزور أحدهما أخاه، فتكلف له، فيقطعه ذلك. # وينبغي ان يقصد التوسط في زيارته، وفي غشيانه، غير مقلل ولا مكثر، ~~فتقليل الزيارة داعية الهجران، وكثرتها سبب الملل، قال صلى الله عليه وسلم : «يا ~~أبا هريرة زر غبا تزدد حبا» (48). PageV01P062 ![image file](./0992IbnCardun.AdabSuhba_0063.png) # اذا اكثرت ملك من تزور ~~وقال آخر : ~~أقلل زيارتك الصديق ولا تطل هجرانه فتلج في هجرانه # إن الصديق يلج في غشيانه لصديقه فيمل من غشيانه ~~حتى تراه بعد طول سروره بمكانة متثاقلا بمكانه ~~واذا تواني عن ms22 صيانة نفسه رجل تناقص واستخف بشأنه ~~ومن كلام الحكماء : رب مواصلة أدت الى تثقيل، وتخفيف أدى الى قطيعة. ~~قال بكر بن عاد : ~~أزورك أحيانا حذار ملالة فلا تلميني فيما رأيت من الحبس ~~فإني رأيت الناس فيهم ملالة فلولا غروب الشمس ملوا من الشمس # الحق السابع (50) : الدعاء له بظهر الغيب حيا وميتا : فتدعو لأخيك ~~أبدا في غيبته، وهو أنفع لك، ولا يفرق بينك وبينه، فان دعاءك له دعاء لنفسك، ~~تحقيقا . قال السيد البلالي : أوصى رسول الله صلى الله عليه وسلم بعض من ~~رآه في منام : «اذا طلبت خيرا لنفسك، فاطلبه لغيرك، ودعاؤه لأخيه مجاب، لقول ~~الملك آمين، ولك مثل ذلك، الحديث رواه مسلم، وصح من كان في حاجة أخيه، ~~كان الله في حاجته». # طلب موسى عليه الصلاة والسلام لغيره حاجة لعلهم يصطلون، أوصله ~~الله تعالى بالواد المقدس، وطلب الخضر عليه السلام لغيره، فأوصله الله لماء الحياة، ~~وطلب الهدهد لغيره رأى الارض كزجاجة وآثر نفسه ببره فهلك، ولم ير الفخ، ~~فافهم وتأمل وجوه الشفاعات، وتخصيص أهلها انتهى. # ويتأكد الدعاء للميت، لما جاء : «مثل الميت في قبره، مثل الغريق يتعلق ~~بكل شيء ينتظر دعوة من ولد او والد او أخ او قريب» (51) وانه ليدخل على PageV01P063 ![image file](./0992IbnCardun.AdabSuhba_0064.png) ~~قبور الأموات من دعاء الأحياء من الانوار مثل الجبال. وقال بعض ~~السلف : الدعاء للأموات بمنزلة الهدايا للأحياء، فيدخل الملك على الميت معه طبق ~~من نور عليه منديل من نور، فيقول هذه هدية لك من عند أخيك فلان، ~~قال : «فيفرح بذلك كما يفرح الحى بالهدية، انتهى من الاحياء» (52). # الحق الثامن : النصيحة له في دينه ودنياه بجميع الجوارح، من النظر والسمع ~~والبصر واللسان واليدان (53) (كذا) والرجلان (54) (كذا). # اما النظر : فتنظر الى صديقك نظر مودة وشفقة، ولا تصرف بصرك في ~~وقت إقباله عليك، وكلامك معه، وتنظر لشيء من عوارته، ولا تلتفت لعيوبه، ~~فان ذلك غش وخديعة ينافي النصيحة. # واما السمع : فتسمع حديثه متلذذا بسماعه، مصدقا به، وتظهر الاستبشار ~~به، ولا تقطع حديثه، فان أرهقه عارض اعتذرت له، وتحرس لسانك ms23 عن سماع ~~ما يكره جهدك. # واما اللسان : فقد تقدم، ومن ذلك ألا ترفع صوتك عليه ولا تخاطبه الا ~~بما يفهم، ولا تغيب عنه نصيحة في دينه ولا في دنياه، قال القائل : # لا خير فيمن ليس ينصح خله # حتى يراه يلازم التسديدا # ويتقي كثرة المزاح والعنف، ويتقي التجشأ والتخلل والتثاؤب بمحضره، ~~ويسد فاه، وكثرة البصاق ونحوه. # واما اليدان : بأن لا تقبضهما عن معونته في كل ما يتعاطى باليد، ولا ~~تتناول بهما شئا مما يكره، ولا تشبك أصابعك، ولا تعبث بهما. # واما الرجلان : فأن تمشي وراءه مشي الاتباع، لا مشى المتبوعين، ولا ~~تقدم الا بقدر ما يقدمك، ولا تقرب الا بقدر ما يقربك، وتقوم له اذا أقبل، ~~لا تقعد الا بقعوده، وتوسع له في المجلس، وتسعى في حوائجه جهدك # وامل القلب : فبسلامة الصدر والصفاء، وخلوص الطوية كما قدمنا، ولا ~~تضمر له الا خيرا ولابد من استعمال حقوق عامة المسلمين والله الموفق. PageV01P064 ![image file](./0992IbnCardun.AdabSuhba_0065.png) # فالعالم أدبه الحلم : والاحتمال، والهيبة، والوقار، والتواضع لغير ظا لم، وترك ~~هزل وما لا ينبغي، والرفق بالمتعلمين، والصبر على عسر فهمهم، وبذل المجهود ~~في إصلاح الرعية بحسن ارشادهم، وترك الأجر عليه، وقول لا أدري اذا سئل ~~عما لا يعلم، وصرف الهمة الى السائل، ومنع المتعلم من كل علم يضره، وعن ~~إرادة غير الله تعالى بالعلم، وعن فرض كفاية قبل فرض عين، بصلاح ظاهره ~~وباطنه بالتقوى. # وأدب المتعلم : يبدأ بالسلام ويقل الكلام، ويسأله بعد إذنه فيه، ولا ~~يعارض قوله بنقل، ولا يسارر عليه، ولا يلتفت كأنه في صلاة، ولا يكثر سؤاله، ~~ولا يسأله في طريق حتى ينتهي الى منزله ويتقي سوء ظنه أنه على شيء، فهو ~~أعلم بسره، وتأمل قوله تعالى : «أقتلت نفسا زاكية» (1) اعتمادا على الظاهر. # وآدابه مع أبويه : خفض جناح وصوت وسماع كلامهما، وامتثال أمرهما، ~~والقيام لهما، ولا يتقدمهما في أمر ولا غيره، ويسرع إجابتهما ومرضاتهما حياة ~~وموتا، ولا يمن عليهما بشيء، وينظر اليهما بغض وبسط وصبر، ولا يسافر الا ~~باذنهما، ويفعل ما يونس ولا يوحش. # وأما الولد ms24 : فمن حقه أن يؤدب ويهذب، ويعلم المحاسن ويحفظ من قرناء ~~السوء بعد حضانته ورضاعه من صالحة تأكل الحلال، ويعود خشانة القوت ~~واللباس والفراش وآدابهما، ويذم له كثرة الأكل والذهب والفضة والطمع والثياب ~~الملونة، ويجنب صحبة صبى منعم، والشعر المغزل (2)، ويعلمه القرآن ثم السنة، ~~ثم سير الصلحاء ويجازيه بكل صفة جليلة، ويمدحه بها في الناس، ويتغافل على ~~تقصيره، وان عاود عوتب سرا، ولا يكثر فيشق عليه الملامة، ويخوف الاطلاع PageV01P065 ![image file](./0992IbnCardun.AdabSuhba_0066.png) ~~عليه ليحفظ الهيبة، وتخوفه أمه، ويمنع النوم نهارا، ورفاهيته نهارا كي لا يكسل، ~~وتفتر قواه، ويمنع من الافتخار بشيء، ويعود التواضع إكراما لمعاشريه، ويمنع ~~البصاق والمخاط والتثاؤب بمحضر أحد، ووضع رجل على رجل، وكثرة الكلام، ~~ومالا يليق (3)، ويروح نادرا بلعب جميل من وهج تأديبه، ويعلم طاعة والديه ~~ومعلمه، ويومر بالصلاة لسبع سنين، ويضرب عليها لعشر، ويفرق بينهم في ~~المضاجع (4)، ويعود الطهارة شرعا، ولا يسمح له في تركها، ومع قرب بلوغه ~~تلقى اليه الامور، ويعلم أن المراد من الاطعمة تقوية بدنه على طاعة ربه تعالى، ~~والموت يقطع نعيمها، والعاقل ينتظر الموت ساعة بعد ساعة، ويتزود لآخرته، ~~وشدة الحياء يثبت هذا في قلبه كنقشه في حجر. # قال شيخنا وبركتنا سيدي عبد الله بن محمد الهبطي رك) رحمه الله تعالى ~~ورضي عنه : ~~إن الصغير قبله جديد من الصدا مجرد حميد ~~فكلما له يكون سابقا لديه يمسى راسخا محققا ~~فدله يا أيها الولى على الذي في ديننا مرضي ~~كالحب في الاله والرسول وفي رجال القرب والوصول ~~وأن يدبر الكتاب والسنن وما لربه عليه من منن ~~حتى يصير عقله ذكيا وفهمه مثبتا زكيا ~~وذكره في السر والاعلان بقلبه كذاك باللسان ~~فيستفيد اكبر الافادة مشاهدا للغيب فى الشهادة ~~فكلما تجول فيه العين فهو له على المراد عون ~~فيا له من منصب كريم قد نال منه ذو الحجا السليم ~~علم بنيك أيها الانسان جميع ما يرضي به الرحمان ~~لقنهم الاذكار باللسان حتى يفيض النور في الأركان ~~ولا تظن أن ذي المعاني بعيدة عن رتبة الصبيان PageV01P066 ![image file](./0992IbnCardun.AdabSuhba_0067.png) ms25 ~~فإنها هي التي قد سبقت الى النفوس عندما قد أبرزت ~~عليها قد تؤكد الميثاق يوم السنا وإليه اشتاق # وفي بطون أمهات كانوا يشاهدون من له الأكوان ~~وإنما الحجاب بالمحسوس به تكدر صفا النفوس # وكلما قد طالت الأعمار تكاثفت على الحجا الأستار ~~فهم الى تلك المعاني أقرب وأمرهم سهل لمن يهذب ~~فحضهم على المرام الأول وسددن وقاربن وحاول (6) # واما الزوجان : فمن حق الزوج على الزوجة الاعتدال والادب في أمور ~~ثمانية : ~~الاول : الوليمة. الثاني : حسن الخلق والعشرة بمداعبة ونحوها مع هيبة. ~~الثالث : التوسعة في نفقة معتدلة، ولا يوثر نفسه بطعام. الرابع : التعليم، فيعلمها ~~أحكام دينها من الاعتقادات والطهارة، وما يلزمها من أحكام الحيض والصلاة ~~والسلام. والخامس : الغيرة، فلا يتغافل عن أمور تخشى غوائلها، بلا ظن سيء، ~~وتجسس عن البواطن، ولا يسمح في ملاقات الاجانب البتة. السادس : العدل ~~بين نسائه تسوية مبيته وعطائه، لا بمحبة ووطء، اذ لا يملكهما وتسوية الوطء، ~~والاقتصار على الواحدة أسلم، وله بنشوزها تأديبها بوعظ ثم تخويف ثم هجر، ~~ثم ضرب لا مبرح ولا وجهها. السابع : الجماع، أدبه طهر وتسمية ثم اللهم جنبنا ~~الشيطان وجنبه ما رزقتنا (7)، ونية أعفافها ومسرتها وولد بعد ملاعبتها، وغسل ~~فرج مستحم بلا تجرد واستقبال ونظر فرج، وليس لها منعه، ويتأنى لتقضي ~~وطرها، ويحرم وطء الدبر، وروى ملعون فاعله (8)، ولأبي داود بريء مما نزل ~~على محمد صلى الله عليه وسلم. الثامن : الولادة، أدبها عدم شدة فرح بذكر ~~وحزن بأنثى، فانه لا يدري أيهما أنفع، قال البلالي : ويحرم تنقيب آذانهما ووشام ~~ونحوه، ويؤذن في أذنه لوقته، ويقيم في اليسرى ره)، ويحنك بثمرة ونحوها، PageV01P067 ![image file](./0992IbnCardun.AdabSuhba_0068.png) ~~ويسمى باسم حسن كعبد الله (10) ونحوه، وروى في فضل التسمية بمحمد ~~أخبار كثيرة (11، والعقيقة يوم سابع (12) المولود ضحوة، وهي مستحبة وقيل ~~سنة، وشرطها كالاضحية، ثم يتصدق بزنة شعره ذهبا أو فضة، ثم ختانه في صغره. # واما الحقوق التي على الزوجة : فعليها صيانة نفسها، وعرض زوجها ~~ودينه وماله، وتوثره على نفسها وأقاربها وعلى أبويها تعليما وتأديبا، فتلزم بيتها ~~منقبضة عن جيرانها وغيرهم ms26 وفي غيبة زوجها من زينة ونحوها، فتلزم الانقباض ~~والصلاح في غيبته وتظهر (13) اللعب والانبساط وأسباب اللذات والتجمل في ~~حضوره. # وقد جمعنا في آداب الأزواج تأليفا سميناه «مقنع المحتاج في آداب الازواج» ~~(14) يحتوي على مجلد، وقد جردنا منه مختصرا، فعليك بمطالعتهما اذ الكلام في ~~آداب الازواج والولدان عريض (15)، والله الموفق. # واما حق المسلم على المسلم : فان يسلم عليه اذا لقيه ابتداء او ردا، ~~ويشمته اذا عطس (16) وتسمع تحميده، ويذكر من نسي، ويجيبه اذا دعاه، ~~ويعوده اذا مرض، ويشهد جنازته اذا مات، ويبر(قسمه) (17) إذا أقسم، وينصح ~~له اذا استنصحه، ويحب له من الخير ما يحب لنفسه، ويكف عنه شره، «فالمسلم ~~من سلم المسلمون من يده ولسانه» (18)، ويبذل له من خيره ما استطاع في دينه ~~ودنياه، فان لم يقدر على شيء فكلمة طيبة، فللمسلم على المسلم صيانة ورعاية PageV01P068 ![image file](./0992IbnCardun.AdabSuhba_0069.png) ~~وما يونسه شرعا، سيما الايتام والضعفاء والمساكين، فان كان من القرابة فيزيد ~~على ذلك حق صلة الرحم بالاحسان والزيارة، وحسن الكلام، واحتمال الجفاء، ~~وصح «من وصل رحمه وصله الله، ومن قطعها قطعه الله» (19)، وان كان مملوكا ~~فله حق الرفق به، وتوفيه حقوقه وكسوته وطعامه وتعليمه دينه (20). وان كان ~~جارا فله حق الجوار، فيحتمله، ويرفق به، ويحسن اليه، ويستره ويصونه، ويغض ~~بصره عما يحمله الى داره وعن أهله، ويقضي حوائجه، ويعفو عنه، ويهنئه ويعزيه، ~~ويتقي طول كلامه معه مخافة الوقوع في الغيبة وشبهها. صح عنه صلى الله عليه ~~وسلم : ثلاثا «لا يومن حتى يأمن جاره بوائقه» (21). وان كان ضيفا فله حق ~~الضيافة، فيتلقاه بالبشر، وطلاقة الوجه، والانبساط وتعجيل القرى، وترك ~~التكلف. # وموجبات المودة ثلاثة : ان تبدأ أخاك بالسلام، وتوسع له في المجلس، ~~وتدعوه بأحب اسمائه اليه. # وجماع حسن الخلق ثلاثة : كف الاذى، وبذل المعروف، واحتمال الاذى، ~~وبيان ذلك كله : ان تكون لأخيك كما تحب ان يكون لك . # وافضل الفضائل : «ان تصل من قطعك، وتعطي من حرمك، وتعفو عمن ~~ظلمك» (22) «ولا يحل لمسلم ان يهجر أخاه فوق ثلاث ليال» (23)، والسلام ~~يخرج من الهجران، وخيرهما الذي ms27 يبدأ بالسلام، واما الكافر فالصحبة مع الحربي ~~بقتله واسترقاقه فقط، وأما الذمى فبإهانته والاعراض عن معاملته ومكالمته، ~~وتوسعة طريقه ونحوها ويحرم اذاه، وصح «من قتله لم يرح ريح الجنة» (24). # وأما البدعي فلا (يباح) داع الى بدعته، لقوله صلى الله عليه وسلم : «من ~~رغب عن سنتي فليس مني» (25) وينهى وينفر، وينصح ويهجر أهل الاهواء ~~وجوبا. PageV01P069 ![image file](./0992IbnCardun.AdabSuhba_0070.png) # وأما الفاسق المجاهر بالكبائر، فيجب هجرانه أيضا، لان البغض في الله ~~والحب في الله من الايمان (26) والله المستعان. # واما الملوك والامراء، فاياك ثم اياك مخالطتهم، وقد جاء في التحذير من ذلك ~~آثار واخبار فانظرها في الاحياء (27). ~~وقال الشاعر : # ان الملوك بلاء حيثما حلوا # فلا يكن لك من أكنافهم ظل ~~وقال آخر : ~~قل للأمير مقالة من عالم فطن نبيه ~~إن الفقيه اذا اتى ابوابكم لا خير فيه ~~وقال آخر : ~~تباعد عن السلطان لا تغش بابه فتسلب دينا أو تصاب بفاقده ~~فليس بناج من الم ببابه وإن هو أغناه وسد مفاقده ~~وما هو الا النار تحرق من دنا إليه فلا تقربه واخش بوادره # قال الامام الغزالي : «لا يجوز الدخول عليهم الا لعذرين : أحدهما ان يكون ~~أمر التزام لا أمر اكرام، واعلم انه لو امتنع او ذي او فسد عليهم طاعة الرعية ~~واضطرب أمر السياسة، فيجب عليه الاجابة طاعة لهم، ومراعاة مصلحة الخلق ~~حتى لا تضطرب الولاية. والثاني : ان يدخل عليهم في دفع ظلم عن مسلم سواه ~~أو عن نفسه اما بطريق الحسبة، أو بطريق التظلم، فذلك رخصة بشرط ان لا ~~يكذب ولا يثني، ولا يدع نصيحة يتوقع لها قبولا» (28). وقال أيضا : «ولا ~~تجالس الملوك فإن فعلت، فأدبه ترك الغيبة، ومجانبة الكذب، وصيانة السر، وقلة ~~الحوائج وتهذيب الأخلاق، والأغراب (29) في الخطاب والمذاكرة بأخلاق الملوك، ~~وقلة الملاعبة وكثرة الحذر منهم وان ظهرت لك (30) المودة، ولا تتجشأ بحضره PageV01P070 ![image file](./0992IbnCardun.AdabSuhba_0071.png) ~~(31)، ولا تتخلل بعد الأكل عنده، وعلى الملك ان يتحمل كل شيء الا افشاء ~~السر، والقدح في الملك والتعرض للحرم (32) انتهى». ~~ولبعضهم : ~~أخادم أبواب الملوك نصيحة تمسك بها مهما رملك ms28 بها الدهر ~~اذا قربوك فاحذر من تقلبهم وكن على مثل حد السيف فالغمر يغتر ~~وان اودعوك السر فاحفظ سرارهم حياتك واحذر أن يذاع لهم سر ~~وسالمهم في مالهم تنج منهم وان مسك الاقلال واضطرك الفقر ~~فكل سفين سالم البحر سالم وإن (سد) منه شيئا استفه البحر # وهذا آخر ما أردنا تقييده في هذه الجملة، جعلها الله تعالى من الاعمال ~~التى لا تنقطع بالموت، ولا تعقب صاحبها حسرة الفوت، بمنه وكرمه، وجوده ~~وطوله، والصلاة والسلام على مولانا محمد الكريم، وعلى آله واصحابه أفضل ~~الصلاة وأزكى التسليم. # وكان آلفراغ من تقييده في غرة ربيع الثاني عام ثلاثة وثمانين وتسعمائة ~~عرفنا الله خيره وبركته، على يد ملفقه عبد الله تعالى احمد بن الحسن بن يوسف ~~بن عمر بن يحيى بن عمر المعروف بابن عرضون الزجلي الموسوي الصالحي اصلح ~~الله تعالى احواله، وسدد بمنه أفعاله واقواله إنه على ما يشاء قدير، وبالاجابة جدير، ~~وهو مولانا ونعم النصير. # انتهى وكمل على يد ناسخه لنفسه، ثم لمن شاء الله بعده أحمد بن علي ~~بن أحمد الشريف بأواسط جمادى الثانية عام تسعة وألف. PageV01P071 ms29