######OpenITI# #META# 000.SortField :: Shia_000181 #META# 000.BookURI :: NOCODE #META# 010.AuthorAKA :: NODATA #META# 010.AuthorNAME :: المحقق الأردبيلي #META# 011.AuthorBORN :: NOTGIVEN #META# 011.AuthorDIED :: 993 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: زبدة البيان #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: فقه الشيعة من القرن الثامن #META# 022.BookVOLS :: 1 #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: NODATA #META# 030.LibURI :: Shia_000181 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: http://shiaonlinelibrary.com/الكتب/181_زبدة-البيان-المحقق-الأردبيلي #META# 031.LibURL :: NODATA #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: تحقيق وتعليق : محمد الباقر البهبودي #META# 041.EdNUMBER :: NODATA #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: NODATA #META# 044.EdPLACE :: NODATA #META# 045.EdYEAR :: NODATA #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #####SUBJECT#BIBLIOGRAPHY# #META#Header#End# # بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين والصلاة على رسوله وآله ~~أجمعين. # أما بعد (1): # اعلم أن هنا فائدة لا بد قبل شروع في المقصود من الإشارة إليها وهي أن ~~المشهور بين الطلبة أنه لا يجوز تفسير القرآن بغير نص وأثر حتى قال الشيخ ~~أبو علي الطبرسي قدس سره في تفسيره الكبير " واعلم أنه قد صح عن النبي صلى ~~الله عليه وآله وعن الأئمة عليهم السلام أن تفسير القرآن لا يجوز إلا ~~بالأثر الصحيح والنص الصريح ورى العامة عن النبي صلى الله عليه وآله أنه ~~قال من فسر القرآن برأيه فأصاب الحق فقد أخطأ، قالوا وكره جماعة من ~~التابعين القول في القرآن بالرأي كسعيد بن المسيب [وعبيدة السلماني] وسالم ~~بن عبد الله وغيرهم والقول في ذلك أن الله سبحانه ندب إلى الاستنباط وأوضح ~~السبيل إليه ومدح أقواما عليه فقال " لعلمه الذين يستنبطونه منه (2) " وذم ~~آخرين على ترك تدبره والإضراب عن التفكر فيه فقال " أفلا يتدبرون القرآن أم ~~على قلوب أقفالها (3) " وذكر أن القرآن منزل بلسان العرب، " إنا جعلناه ~~قرآنا عربيا (4) ". # PageV00P001 # إلى أن قال: " هذا وأمثاله يدل على أن الخبر متروك الظاهر، فيكون معناه ~~إن صح أن من حمل القرآن على رأيه، ولم يعلم شواهد (1) ألفاظه فأصاب الحق ~~فقد أخطأ الدليل وقد روي أن النبي صلى الله عليه وآله قال إن القرآن ذلول ~~ذو وجوه فاحملوه على أحسن الوجوه ". # " وروي عن عبد الله بن عباس أنه قسم وجوه التفسير على أربعة أقسام: تفسير ~~لا يعذر أحد بجهالته، وتفسير تعرفه العرب بكلامها، وتفسير يعلمه العلماء، و ~~تفسير لا يعلمه إلا الله عز وجل: فأما الذي لا يعذر أحد بجهالته، فهو ما ~~يلزم الكافة من الشرائع التي في القرآن، وجمل دلائل التوحيد (2) وأما الذي ~~تعرفه العرب بلسانها فهو حقائق اللغة ومصوغ كلامهم (3) وأما الذي يعلمه ~~العلماء فهو تأويل المتشابه و فروع الأحكام وأما الذي لا يعلمه إلا الله عز ~~وجل فهو ما يجري مجرى الغيوب وقيام الساعة تم كلامه (4). # أقول: تحرير الكلام أن ms001 الخبر محمول على ظاهره، غير متروك الظاهر، و أنه ~~صحيح مضمونه على ما اعترف به في أول كلامه، حيث قال قد صح عن النبي صلى ~~الله عليه وآله، بيانه أن الشيخ أبا على رحمه الله قال في أول تفسيره: ~~التفسير معناه كشف المراد عن اللفظ المشكل، والتأويل رد أحد المحتملين إلى ~~ما يطابق الآخر، وقيل التفسير كشف المغطى، والتأويل انتهاء الشئ ومصيره، ~~وما يؤل إليه أمره، وهما قريبان من الأولين فالمعنى من فسر وبين وجزم وقطع ~~بأن المراد من اللفظ المشكل مثل المجمل والمتشابه كذا، بأن يحمل المشترك ~~اللفظي مثلا على # PageV00P002 # أحد المعاني من غير مرجح وهو إما دليل نقلي كخبر منصوص أو آية أخرى كذلك ~~أو ظاهر أو إجماع، أو عقلي. أو المعنوي (1) المراد به أحد معانيه بخصوصه ~~بدليل بغير الدليل المذكور، على فرد معين، فقد أخطأ (2). # وبالجملة المراد من التفسير الممنوع برأيه وبغير نص هو القطع بالمراد من ~~اللفظ الذي غير ظاهر من غير دليل، بل بمجرد رأيه وميله، واستحسان عقله من ~~غير شاهد معتبر شرعا كما يوجد في كلام المبدعين وهو ظاهر لمن تتبع كلامهم ~~والمنع منه ظاهر عقلا، والنقل كاشف عنه، وهذا المعنى غير بعيد عن الأخبار ~~المذكورة بل ظاهرها ذلك. # PageV00P003 # * (كتاب الطهارة) * نبدأ بالفاتحة تيمنا وتبركا ثم نذكر آياتها. # بسم الله الرحمن الرحيم يمكن الاستدلال بها على راجحية التسمية عند ~~الطهارة بل عند كل فعل إلا ما أخرجه الدليل بأن الظاهر أن المراد بها تعليم ~~العباد ابتداء فعلهم فإن معناه على ما قاله الشيخ أبو علي الطبرسي رحمه ~~الله في كتاب تفسيره الكبير: استعينوا في الأمور باسم الله تعالى بأن ~~تبدأوا بها في أوائلها كما فعله الله تعالى في القرآن فتقديره استعينوا ~~بأسمائه الحسنى، وكأن المراد في أول أموركم وابتدائها كما يظهر من المقام ~~بأن تقولوا " باسم الله " فينبغي قوله في ابتداء الأكل والشرب واللبس ~~والذبح وغيرها كما قاله الفقهاء، ويؤيده الخبر المشهور: كل أمر ذي بال لم ~~يبدء فيه باسم الله فهو أبتر، وغيره ms002 من الشواهد. # ثم إنه يمكن الاستدلال بها على وجوب ذلك [في ابتداء الأفعال والأمور] إلا ~~ما وقع الاتفاق أو دليل آخر على عدمه مثل الذبح بالطريق المشهور من ~~الاستدلال: # بأن الآية بل الخبر أيضا دلتا على وجوب التسمية وضع عنه المتفق على عدمه ~~بقي الباقي تحته فوجب في الذبح. # الحمد لله رب العالمين: # والاستدلال بها على رجحان قولها عند كل فعل مثل الاستدلال الأول و يؤيده ~~أيضا الخبر المشهور كل أمر ذي بال لم يبدأ فيه بالحمد لله فهو أبتر و أجذم ~~وغيره مثل ما نقل في الكافي عن الصادق عليه السلام أنه قال إن الرجل إذا ~~أراد أن يطعم فأهوى بيده فقال بسم الله والحمد لله رب العالمين غفر الله له ~~قبل أن تصير اللقمة إلى فيه (1) وهذا مؤيد للتسمية أيضا. وليس ببعيد كون ~~الفاتحة أول القرآن # PageV00P004 # مبتدءا بالتسمية فالتحميد، يكون مؤيدا أيضا. قال في الكشاف في بيان كون ~~الباء للاستعانة: " إن المؤمن لما اعتقد أن الفعل لا يجيئ معتدا به في ~~الشرع واقعا على السنة حتى يصدره باسم الله لقوله عليه السلام كل أمر ذي ~~بال لم يبدء فيه باسم الله فهو أبتر و إلا كان فعلا كلا فعل، جعل فعله ~~مفعولا باسم الله كما يفعل الكتب بالقلم ". وفي بيان كونها بمعنى المصاحبة: ~~" هذا مقول على ألسنة العباد إلى قوله ومعناه تعليم عباده كيف يتبركون ~~باسمه، وكيف يحمدونه " أي في أوائل فعلهم كما هو الظاهر من المقام والبيان. ~~قال البيضاوي في رب العالمين أي مربيها دلالة على أن الممكن في بقائه محتاج ~~إلى العلة كحال حدوثه، وليس بواضح، نعم في الحمد لله رب العالمين دلالة على ~~كونه تعالى قادرا مختارا من وجهين (1) فيفهم كون العالم حادثا أيضا فافهم. # وفي قوله " الرحمن الرحيم " دلالة على العفو والصفح وفي قوله " مالك يوم ~~الدين " دلالة على الترغيب والترهيب وإثبات القيامة والمعاد لأن المكلف إذا ~~علم ذلك يرجو ويخاف كما قيل " إياك نعبد " العبادة غاية الخضوع والتذلل ~~وكذا في الكشاف وتفسير البيضاوي ms003 وفي مجمع البيان: هي ضرب من الشكر وغاية ~~فيه لأنها الخضوع بأعلى مراتبه مع التعظيم وفي كون المراد هنا ما ذكروه ~~تأمل فإن الظاهر أن ليس ذلك واجبا ولا يدعيه العباد، ويدل على وجوب تخصيصه ~~تعالى بالعبادة إذ حاصله قولوا نخصك بالعبادة، ولا نعبد غيرك، فيجب العبادة ~~و الإخلاص فيها حتى يحسن الأمر بالقول، ويكونوا هم صادقين في القول بل ~~الظاهر أن المقصود من هذا القول هو التخصيص بالعبادة أي العبادة والإخلاص ~~فيها، وهي النية فيفهم وجوبها فيحرم تركها، والرئاء بقصد غيره تعالى ~~بالعبادة " وإياك نستعين " يدل على عدم جواز الاستعانة في العبادة بغيره ~~تعالى بل في شئ من الأمور إلا ما أخرجه # PageV00P005 # الدليل والأول أظهر والثاني أعم، فعلى الأول يدل على عدم جواز التولية في ~~العبادات مثل الوضوء والغسل، بل على عدم جواز التوكيل في سائر العبادات ~~وعلى عدم [جواز] الاستعانة في الصلاة بالاعتماد على الغير، مثل الآدمي ~~والحائط قياما أو قعودا أو ركوعا أو سجودا وغير ذلك مما لا يحصى، وعلى ~~الثاني يدل عليها وعلى عدم الاستعانة بغيره تعالى في شئ من الأمور حتى ~~السؤال وأيضا يدل عليه أنه مذموم في الأخبار حتى نقل عنه صلى الله عليه ~~وآله أنه قال لقوم قالوا له: اضمن لنا الجنة، قال: بشرط أن لا تسألوا أحدا ~~شيئا فصاروا بحيث لو وقع من يد أحدهم السوط وهو راكب ينزل ويأخذ، ولم يسأل ~~أحدا أن يعطيه، وإذا عطشوا قاموا من محلهم وشربوا الماء و لم يطلبوه ممن ~~قرب إليه [المشربة]. # والحاصل أن ذم السؤال من غير الله معلوم عقلا ونقلا من غير هذه الآية ~~أيضا فعلى هذا يمكن أن تحمل الآية على مرجوحية الاستعانة بغيره مطلقا إلا ~~ما أخرجه الدليل والتفصيل بالكراهية والتحريم يفهم من غيرها أو تحمل على ~~الكراهية إلا ما يعلم تحريمه أو على التحريم حتى تعلم الكراهية والجواز ~~والله يعلم. # " اهدنا الصراط المستقيم " الآية. الآية تدل على رجحان طلب الخير من الله ~~تعالى سيما أصل الخير وأساسه، وهو الصراط المستقيم: ms004 أي دين الاسلام قاله ~~المفسرون وقيل إنه النبي والأئمة عليهم السلام القائمون مقامه، وهو المروي ~~عن أئمتنا قال الشيخ أبو علي الطبرسي رحمه الله ثم قال الأولى حمل الآية ~~على العموم حتى يدخل جميع ذلك فيه لأن الصراط المستقيم وهو الدين الذي أمر ~~الله تعالى به من التوحيد والعدل وولاية من أوجب الله تعالى طاعته، ولا ~~يخفى المسامحة في التفسير الثاني، أو عبادة الله فقط دون غيره كما يدل عليه ~~بعض الآيات مثل قوله تعالى " وأن اعبدوني هذا صراط مستقيم (1) " فيدل على ~~مشروعية الدعاء، بل على استحبابه مطلقا حتى لثبات الأمر الذي عليه مثل ~~الدين وعدم تغيره وحصول دين المغضوب عليهم والذين هم الضالون فيكون تحريضا ~~وترغيبا إلى الانقطاع إلى الله تعالى وطلب التوفيق # PageV00P006 # منه في الأمور كلها، واعتقاد أنه لا يصير الانسان من عند نفسه وفعله من ~~دون توفيق الله وهدايته إياه مقبولا عنده بل مسلما أيضا. # ثم اعلم أيضا أن في نظم السورة دلالة ما على طريق تعليم الدعاء وهو كونه ~~بعد التسمية والتحميد والثناء والتوسل بالعبادة كما هو المتعارف وورد به ~~الرواية (1). # وأيضا إني ما رأيت أحدا يتوجه إلى استنباط هذه الأحكام من الفاتحة نعم ~~ذكروا في تفسيرها ما يمكن الاستنباط منه، وكأنهم تركوها للظهور أو لوجودها ~~في غيرها والله يعلم. # ولما توقفت صحة العبادة على الإيمان أشرت إلى بعض الآيات التي تتعلق به، ~~منها " أولئك على هدى من ربهم وأولئك هم المفلحون " وهي إشارة إلى المتقين ~~" الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ومما رزقناهم ينفقون " ~~أما إعرابها فظاهر فإن " أولئك " مبتدأ و " على هدى " متعلق بمقدر خبره و " ~~من ربهم " متعلق بمقدر صفة هدى وكذا أولئك الثاني مبتدأ، والمفلحون خبره، ~~وهم ضمير فصل لا محل له من الإعراب عند البعض، ومبتدأ وما بعده خبره، ~~والجملة خبر أولئك عند الآخرين، واختير أولئك وكرر للتأكيد والتصريح ~~والمبالغة في كون الفلاح للمتقين والموصوفين بالصفات المذكورة كما أن الفصل ~~يدل عليه مع إفادته الحصر، وكذا تعريف الخبر. وأما لغتها ms005 فأيضا ظاهرة إذ ~~الهداية هي الدلالة على ما يوصل إلى المطلوب أو الدلالة الموصلة ولعل ~~الثاني أولى، والفلاح النجاح والظفر على ما قيل والمعنى أن هؤلاء الموصوفين ~~هم الذين اتصفوا بهداية من الله أو المنتفعون بها دون غيرهم، وأنهم ~~الظافرون بالبغية والمطلوب وهو الخلاص من النار لا غيرهم. # وأما الدلالة على الأحكام فلا يخلو من خفاء، بيانها أنها تدل على وجوب ما ~~هو سبب الفلاح من التقوى والإيمان بالغيب، وإقامة الصلاة، أي فعلها ~~والمحافظة عليها أفعالا، وكيفية، ووقتا، وإيتاء الزكاة مستحقها، والإنفاق ~~مما رزقهم الله مطلقا لا من المحرمات وذلك لأنه يفهم منه حصر الفلاح في فعل ~~هذه المذكورات، و # PageV00P007 # معلوم أن الفلاح الذي هو النجاة من العذاب والوصول إلى الجنة واجب فيكون ~~ما هو موقوف عليه وسبب له واجبا وذلك هو المطلوب. # والتقوى على ما نقل من أهل البيت عليهم السلام هو أن لا يراك الله حيث ~~نهاك ولا يفقدك حيث أمرك، أي التقوى هو اجتناب جميع المنهيات وارتكاب جميع ~~المأمورات. # والإيمان بالغيب، قيل هو التصديق بالغائب الغير المحسوس: وقيل بما غاب عن ~~العباد علمه، وقيل بما جاء من عند الله، وقيل بجميع ما أوجبه الله تعالى أو ~~ندب إليه وأباحه، وقيل بالقيامة والجنة والنار، وقيل هو التصديق بالقلب ~~فالغيب هو القلب حينئذ. # واعلم أنه ينبغي هنا تحقيق الإيمان شرعا إذ يتوقف عليه أمور كثيرة فنقول: # لا شك أنه مطلق التصديق في اللغة، وأما في الشرع، فنقل في مجمع البيان أن ~~المعتزلة قالوا بأجمعهم أن الإيمان هو فعل الطاعات فمنهم من اعتبر الفرائض ~~والنوافل ومنهم من اعتبر الفرائض حسب، واعتبروا اجتناب الكبائر كلها وكأنه ~~يريد بفعل الطاعات مجموع الأمور الثلاثة: اعتقاد الحق والإقرار به والعمل ~~بمقتضاه، كما قال في الكشاف ونقل القاضي البيضاوي أنه مذهب المعتزلة وجمهور ~~المحدثين و الخوارج فمن أخل بالاعتقاد فهو منافق ومن أخل بالإقرار فهو كافر ~~ومن أخل بالعمل فهو فاسق عند الكل، وكافر عند الخوارج، وخارج عن الإيمان ~~غير داخل في الكفر عند المعتزلة. ms006 # وأما دليلهم فليس مما يعتد به إلا أنه يفهم ذلك من كثير من الأخبار ~~المذكورة في كتاب الإيمان والكفر من الكافي وغيره من الكتب المعتبرة من ~~الأصحاب حيث يدل على دخول الأعمال فيه، وأن المؤمن يخرج عن الإيمان حين ~~الفسق ثم إذا تاب يصير مؤمنا. # منها ما نقل في مجمع البيان قال: وروى العامة والخاصة عن علي بن موسى ~~الرضا عليه السلام أن الإيمان هو التصديق بالقلب، والإقرار باللسان، والعمل ~~بالأركان PageV00P008 # وعنه عليه السلام أيضا الإيمان قول مقول وعمل معمول، وعرفان بالعقول، ~~واتباع الرسول صلى الله عليه وآله. # ويدل على ضعف مذهبهم عطف العبادات على الإيمان في القرآن العزيز بل ~~الأخبار أيضا. وأيضا إسناد الإيمان إلى القلب في مثل قوله تعالى " وقلبه ~~مطمئن بالإيمان " " أولئك كتب في قلوبهم الإيمان " " ولما يدخل الإيمان في ~~قلوبكم " (1) وأيضا اقتران الإيمان بالمعاصي في مثل قوله " وإن طائفتان من ~~المؤمنين اقتتلوا " و " يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى " ~~و " الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم " (2) وأيضا تكليف المؤمن ~~بالعبادات واجتناب المنهيات مثل قوله تعالى " يا أيها الذين آمنوا أطيعوا ~~الله " (3) وغير ذلك من الآيات. ولو كان الأعمال داخلة فيه لما حسن جميع ~~ذلك، ويحتاج إلى التأويل والتكلف، فلا يصار إليه إلا بدليل قطعي المتن وقوي ~~الدلالة إذ الخروج عن ظاهر القطعي لا يجوز إلا بأقوى منه أو بالمثل، وأيضا ~~الأصل والاستصحاب وعدم الخروج عن معناه اللغوي، فإنه فيها بمعنى التصديق ~~اتفاقا على ما قالوه، ومعلوم أن الخروج عنه إلى التصديق والإقرار والأعمال ~~يحتاج إلى دليل قوي بخلاف التصديق الخاص، فإنه بعض أفراد معناه اللغوي، ولا ~~يبعد ضم الاقرار أيضا إليه، باعتبار أن الكتمان للعناد وغيره إذا تمكن من ~~الإظهار لا يجوز، وفيه أنه لا يستلزم الدخول حتى أنه لو لم يقل ذلك بالقول ~~لا يكون مؤمنا بل لا يستلزم عدم العلم أيضا وأيضا باعتبار أنه إما مرادف ~~للإسلام أو أخص، ومعلوم اعتبار الاقرار فيه، وفيه أيضا أن لمانع أن يمنع ~~ذلك وهو ms007 ظاهر فالعمل غير داخل في الإيمان، والأخبار الواردة بذلك محمولة ~~على الإيمان الكامل الذي يكون للمؤمنين المتقين المتورعين المخلصين ~~المقبولين. # وأما الإيمان المطلق عند الأصحاب فهو التصديق والإقرار بالله وبرسله و # PageV00P009 # بما جاءت به على الاجمال وبخصوص كل شئ علم كونه مما جاءت به [على ~~الاجمال] وبالولاية والإمامة والوصايا لأهل البيت عليهم السلام بخصوص كل ~~واحد واحد مع عدم صدور ما يقتضي خروجه عنه والارتداد، مثل سب النبي صلى ~~الله عليه وآله وإلقاء المصحف في القاذورات. # فالنشر إلى ما يدل على كون أمير المؤمنين عليه السلام إماما وهو غير ~~محصور، و نقتصر على نبذ منه. # منه قوله تعالى (1) " يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف ~~يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين " عاطفين عليهم متذللين ~~جمع ذليل ودخول " على " إما لتضمين معنى العطف أو للتنبيه على أنه مع ذلك ~~حافظون للمؤمنين، و حاكمون عليهم وهم في حمايتهم أو لمقابلة " أعزة على ~~الكافرين " شدائد غالبين عليهم من عزه إذا غلبه " يجاهدون في سبيل الله " ~~صفة أخرى لهم أو حال من الضمير في أعزة " ولا يخافون لومة لائم " عطف على ~~يجاهدون بمعنى أنهم جامعون بين المجاهدة في سبيل الله والتصلب في دينه " ~~ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله واسع " إشارة إلى أن الأوصاف المذكورة من ~~عطية الله وفضله، وتهيئ أسبابه، لا يمكن كسبه بغير عون وفضل منه، وهو كثير ~~الفضل، ولا ينقصه إعطاء شئ " عليم " بمواقع الأشياء يعرف استحقاق كل أحد ~~لأي مقدار من الفضل والإنعام. # وظاهر أنها في أمير المؤمنين عليه السلام وأصحابه والذين ارتدوا بعده من ~~الخوارج ومحاربيه يوم الجمل وصفين وغيره إذ ما وقع ارتداد قبله، ولا بعده ~~إلا أمثال ذلك معه، ولأن هذه غير موجودة إلا فيه وأصحابه لأن الحرب الذي ~~فعله كان محل اللوم فإن الخوارج أهل القرآن والصلحاء وعائشة زوجة رسول الله ~~صلى الله عليه وآله و معها أصحابه ومعاوية خال المؤمنين ومعه أصحابه، فكان ~~محل اللوم. ولكن ما كان هو ms008 وأصحابه يخافون من لومة أي لائم كان، لأنهم ~~كانوا على الحق فلا يحبون غير الله مع ذلتهم وصغر نفوسهم مع المؤمنين، ~~وتواضعه عليه السلام معهم مشهور حتى نسب إلى # PageV00P010 # الدعابة لكثرة تواضعه، وقالوا: إنه كان فينا كأحدنا في زمان خلافته ويمشي ~~في وق الكوفة وينادي خلوا سبيل المؤمن المجاهد في سبيل الله ولأنه الذي ثبت ~~محبة الله له أي إرادة الله له بالهدى والتوفيق في الدنيا لما يحب ويرضى، ~~وحسن الثواب في الآخرة ومحبته لله أي إرادة طاعته جميعها والتحرز عن معاصيه ~~كلها. # ويؤيده ما روي من محبة الله تعالى ورسوله له ومحبته لله وللرسول في خبر ~~الراية قال الإمام نور الدين علي بن محمد المكي المالكي في كتابه فصول ~~المهمة في معرفة الأئمة هذه عبارته: # فصل في محبة الله تعالى ورسوله له وذلك أنه صح النقل في كثير من الأحاديث ~~الصحيحة والأخبار الصريحة في صحيحي البخاري ومسلم وغيرهما أن النبي صلى ~~الله عليه وآله قال يوم خيبر: لأعطين الراية غدا رجلا يفتح الله على يديه، ~~يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله فبات الناس يخوضون ليلتهم أيهم يعطاها ~~فلما أصبح الناس غدوا على رسول الله صلى الله عليه وآله كل منهم يرجو أن ~~يعطاها فقال صلى الله عليه وآله: أين علي بن أبي طالب؟ فقيل يا رسول الله! ~~هو أرمد فقال فأرسلوا إليه فأتي به فبصق في عينيه ودعا له فبرأ حتى كأن لم ~~يكن به وجع فأعطاه الراية، فقال علي عليه السلام: يا رسول الله أقاتل حتى ~~يكونوا مثلنا؟ قال صلى الله عليه وآله: أنفذ على رسلك حتى تنزل بساحتهم ثم ~~أدعهم إلى الاسلام و أخبرهم بما يجب عليهم فيه، فوالله لأن يهدي الله بك ~~رجلا واحدا خير لك من أن يكون لك حمر النعم. قال فمضى ففتح الله على يده. # وفي صحيح مسلم قال عمر بن الخطاب فما أحببت الإمارة إلا يومئذ فتساوت له ~~رجاء أن ادعى لها، قالت العلماء قوله " فتساوت لها " بالسين المهملة أي ~~تطاولت لها ms009 و حرصت عليها حتى أبديت وجهي وتصديت لذلك ليتذكرني قالوا إنما ~~كانت محبة عمر لها لما دلت عليه من محبة الله تعالى ورسوله ومحبتها له ~~والفتح على يديه، قاله الشيخ عبد الله اليافعي (1) في كتابه المرهم انتهى ~~كلامه. # PageV00P011 # ورأيت أيضا مثل ما نقله في مواضع منها مصابيح الأنوار بتغيير ما عد من ~~الصحاح عن سهل بن سعد أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال يوم خيبر: ~~لأعطين هذه الراية غدا رجلا يفتح الله على يديه يحب الله ورسوله، ويحبه ~~الله ورسوله فلما أصبح الناس غدوا على رسول الله صلى الله عليه وآله كلهم ~~يرجون أن يعطاها فقال: أين علي بن أبي طالب؟ # فقالوا: هو يا رسول الله يشتكي عينيه قال فأرسلوا إليه فبصق رسول الله ~~صلى الله عليه وآله في عينيه فبرأ كأن لم يكن به وجع فأعطاه الراية فقال ~~علي: يا رسول الله أقاتلهم حتى يكونوا مثلنا؟ فقال انفذ على رسلك أي رفقك ~~ولينك والرسل السير اللين و [ذكر] نحو ذلك بحيث لا يتغير المعنى والمقصود، ~~ونقله من الصحاح (1). # تأمل رحمك الله في هذا الخبر واختياره للمحبة من الجانبين واختصاصه بها ~~مع عدم كونه حاضرا مع الصحابة وتعرض الصحابة لهذا مع غيبته وهذه القصة ~~كالصريحة في عدم وجود هذا الوصف في ذلك الزمان إلا فيه. # وكذا يؤيده قصة الطير وهي مشهورة أيضا مروية في كتب العامة والخاصة قال ~~أخطب خوارزم في كتاب المناقب في آخر الفصل التاسع في بيان أنه أفضل ~~الأصحاب: وأخبرنا الشيخ وذكر الإسناد إلى قوله عن أنس بن مالك قال أهدي ~~لرسول الله صلى الله عليه وآله طير فقال اللهم إئتني بأحب خلقك إليك يأكل ~~معي من هذا الطير فقلت: اللهم اجعله رجلا من الأنصار فجاء علي بن أبي طالب ~~فقلت: إن رسول الله على حاجة قال: فذهب ثم جاء فقلت: إن رسول الله على ~~حاجة، قال: # فذهب ثم جاء فقال رسول الله صلى الله عليه وآله افتح ففتحت ثم دخل فقال ~~يا علي ما ms010 حدث بك؟ قال: هذه آخر ثلاث كرات يردني أنس يزعم أنك على حاجة، ~~قال صلى الله عليه وآله ما حملك على ما صنعت يا أنس؟ قال سمعت دعاءك فأحببت ~~أن يكون في رجل من قومي فقال النبي صلى الله عليه وآله إن الرجل قد يحب ~~قومه إن الرجل قد يحب قومه ومثله في كتب أخر مثل فصول المهمة ثم نقل شعرا ~~في بيان أن الرجل يحب قومه. # وبالجملة فمحبته لله وللرسول، ومحبة الله ومحبة رسوله له ظاهر، وفي # PageV00P012 # الأخبار ما لا يحصى، من ذلك ما يعلم من كتاب أخطب خوارزم في الفصل السادس ~~في بيان محبة الرسول صلى الله عليه وآله إياه والحث على محبته وموالاته، ~~ونهيه عن بغضه. # ومن جملة ذلك ما روي بالإسناد في هذا الفصل عن عائشة قالت: قال رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وهو في بيتي: ادعوا لي حبيبي فدعوت أبا بكر فنظر إليه ~~رسول الله ثم وضع رأسه ثم قال: ادعوا لي حبيبي فقلت: ويلكم ادعوا له علي ~~ابن أبي طالب فوالله ما يريد غيره، فلما رآه فرج الستور الذي عليه ثم أدخله ~~فيه فلم يزل يحتضنه حتى قبض ويده عليه، وغير ذلك. # وعدم خوفه من لومة لائم واضح ومتفق عليه وكذا كونه أذله على المؤمنين ~~وأعزه على الكافرين، وكذا ارتداد قوم بعد رسول الله صلى الله عليه وآله ~~ومقاتلته عليه السلام معهم وهو أيضا مذكور في الأخبار الكثيرة ومعلوم ~~كالشمس عند الارتفاع. # ومن ذلك حكاية الخوارج والجمل وصفين وغير ذلك مما هو معلوم من التواريخ ~~ومن كتب أهل العلم مثل كتاب كمال الدين بن طلحة الشافعي وفصول المهمة ~~للمالكي. والخوارزمي قال بإسناده عن علي بن أبي طالب عليه السلام قال كنت ~~أمشي مع النبي صلى الله عليه وآله في بعض طرق المدينة فأتينا على حديقة ~~فقلت: يا رسول الله ما أحسن هذه الحديقة؟ فقال: لك في الجنة أحسن منها، ثم ~~أتينا على حديقة أخرى فقلت: يا رسول الله ما أحسن هذه الحديقة؟ قال: ms011 لك في ~~الجنة أحسن منها حتى أتينا على سبع حدائق أقول: يا رسول الله ما أحسن هذه ~~الحديقة؟ فيقول: لك في الجنة أحسن منها، فلما خلا له الطريق اعتنقني وأجهش ~~باكيا فقلت: يا رسول الله ما يبكيك؟ قال الضغائن في صدور أقوام لا يبدونها ~~لك إلا بعدي، فقلت في سلامة من ديني؟ قال: في سلامة من دينك. # وفي كتاب الخوارزمي بإسناده عن علي عليه السلام قال: أمرت بقتال ثلاثة: ~~القاسطين والناكثين والمارقين فأما القاسطون فأهل الشام، وأما الناكثون ~~فذكرهم (1) وأما # PageV00P013 # المارقون فأهل النهروان يعني الحرورية. # ونقل في الفصل الثامن في بيان أن الحق معه وأنه مع الحق جداله عليه ~~السلام مع معاوية وقتل عمار، وقوله صلى الله عليه وآله له: ستقتلك الفئة ~~الباغية، وأنت مع الحق و الحق معك، يا عمار إذا رأيت عليا سلك واديا وسلك ~~الناس واديا غيره فاسلك مع علي ودع الناس فإنه لن يدليك في ردى ولن يخرجك ~~عن الهدى، يا عمار إنه من تقلد سيفا أعان به عليا على عدوه قلده الله تعالى ~~يوم القيامة وشاحا من در، ومن تقلد سيفا أعان به عدو علي قلده الله تعالى ~~يوم القيامة وشاحا من نار قال قلنا: حسبك. # ونقل في هذا الفصل عن علي بإسناده قال: يا عجبي أعصى ويطاع معاوية، ونقل ~~أن ابن عباس قال له: لأنه يطاع ولا يعصى، أي معاوية وأنت عن قليل تعص ولا ~~تطاع. # وبالجملة الأوصاف كلها موجودة فيه ويؤيد كونها فيه تعالى متصلا بالآية ~~المذكورة " إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ~~ويؤتون الزكاة وهم راكعون " مع إجماع المفسرين على أنه في شأنه عليه السلام ~~والأدلة على إمامته ووصايته من المعقول والمنقول غير محصورة وليس هنا محل ~~ذكرها و المقصود من ذكر نبذ منها تزيين هذا الكتاب به فنقول في الطهارة ~~آيات: # الأولى: # يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى ~~المرافق وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم إلى الكعبين وإن كنتم جنبا فاطهروا وإن ~~كنتم مرضى أو ms012 على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء فلم ~~تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه ما يريد الله ~~ليجعل عليكم من حرج ولكن يريد ليطهركم وليتم نعمته PageV00P014 # عليكم لعلكم تشكرون (1). # تخصيص المؤمن بالخطاب لأن الكافر لم يقم إلى الصلاة، ولأنه المنتفع به ~~كما في أكثر التكاليف " إذا قمتم إلى الصلاة " أي إذا صليتم فإن المراد ~~بالقيام قيامها، والتقدير إذا أردتم الصلاة مثلا " إذا قرأت القرآن فاستعذ ~~بالله " (2) فأقيم مسبب الإرادة مقامها للإشعار بأن الفعل ينبغي أن لا يترك ~~ولا يتهاون فيه، ويفعل سابقا على القصد الذي لا يمكن إلا بعده، فظاهر الأمر ~~الوجوب، فيجب الوضوء للصلاة بأن يعسل الوجه. والغسل محمول على العرفي، وفسر ~~بإجراء الماء على العضو ولو كان بالآلة وأقله أن يحري ويتعدى من شعر إلى ~~آخر، وظاهرها يدل على وجوبه كلما قام إليها لأن ظاهر " إذا " العموم عرفا ~~وإن لم يكن لغة، ولأن الظاهر أن القيام إليها علة، ولكن قيد بالإجماع ~~والأخبار بالمحدثين. # وقيل: كان ذلك في أول الأمر ثم نسخ وقيل الأمر فيه للندب ورد النسخ بما ~~روي عنه صلى الله عليه وآله: المائدة آخر القرآن نزولا فأحلوا حلالها ~~وحرموا حرامها ولي في النسخ تأمل إلا أن يقال المراد نسخ وجوب الوضوء على ~~المتوضئين المفهوم من عموم فاغسلوا، فعمومه منسوخ، وليس ذلك بتخصيص حيث كان ~~العموم مرادا معمولا به، وكذا في الندب إلا أن يقال الندب بالنسبة إلى ~~المتوضئين فيكون المراد به الرجحان المطلق، فكان الندب بالنسبة إلى ~~المتوضئين والوجوب بالنسبة إلى غيرهم هذا صحيح ولكن ليس هذا قولا (1) بأن ~~الأمر للندب فقط كما قاله في الكشاف وأيضا قال فيه حمله على الوجوب والندب ~~إلغاز وتعمية، فلا يجوز في القرآن لأنه استعمال اللفظ في وقت لمعنييه ~~الحقيقي والمجازي في إطلاق واحد، وفيه تأمل لأنه مجاز والمجاز غير إلغاز، ~~ولكن بعيد لعدم القرينة إلا أن يريد مع فهم التفصيل فهو إلغاز ولكن يجوز ~~ذلك بالبيان النبوي " كما في سائر الإطلاقات والعمومات ms013 المخصوصات مثل آيات ~~الصلاة والزكاة وغيرها. # PageV00P015 # على أنه قال فيه بعده بأسطر: إن المراد بمسح الرجلين المفهوم من عطفهما ~~على الرأس الغسل القليل، ولا شك أنه بالنسبة إلى الرأس مسح حقيقي فهو لفظ ~~واحد أطلق في إطلاق واحد على المعنى الحقيقي والمجازي معا، مع عدم القرينة ~~بل مع الاشتباه، فهو إلغاز وتعمية، وهل هذا إلا تناقض؟ فظهر كون المراد ~~المعنى الحقيقي في الرجلين أيضا كما فهمه بعض الصحابة وأهل البيت عليهم ~~السلام فتأمل فيه. # والآية تدل على وجوب أمور في الوضوء: # الأول غسل الوجه وهو العضو المعلوم عرفا، وقد حد في بعض الأخبار المعتبرة ~~بأنه الذي يدور عليه الإبهام والوسطى عرضا، وطولا من قصاص شعر الرأس إلى ~~الذقن، وهو أول فعل في الوضوء، فظاهر الآية لا يدل على اعتبار النية، ولا ~~على تعيين الابتداء، لكن اعتبار النية معلوم إذ لا يمكن الفعل الاختياري ~~بدونها وفعلهم عليهم السلام كان من الأعلى إلى الأسفل في أعضاء الغسل فهو ~~أحوط، ولا على وجوب الترتيب بين أجزاء العضو، بل لا يمكن ذلك حقيقة، نعم ~~ملاحظة العرفي حسن ولا على وجوب التخليل مطلقا ويدل على عدمه الروايات ~~الصحيحة (1) ولا على وجوب المس والدلك باليد لصدق الغسل مع الكل، فكلما دل ~~دليل من خبر أو إجماع يقال به، والباقي يبقى على حاله. # الثاني غسل اليدين والترتيب مستفاد من الاجماع والخبر ويمكن فهمه من ~~الآية أيضا بتكلف بأن يقال يفهم تقديم الوجه لوجود الفاء التعقيبية ولا ~~قائل بعدم الترتيب حينئذ فإن الحنفية لا توجب الترتيب أصلا، بل تجوز تقديم ~~غسل الرجلين على غسل الوجه (2). # PageV00P016 # وأيضا عطف الباقي على الوجه الذي هو مدخول الفاء يفيد التعقيب في كل واحد ~~فتأمل فيه فإنها تدل على فعل المجموع بعد القيام إلى الصلاة فكأنه قال: # إذا قمتم إلى الصلاة فتوضؤا ولا تدل على الموالاة أيضا وفهمها بأنه يفهم ~~تعقيب الكل بلا فصل، وذلك غير ممكن فيراعي ما أمكن بعيد، فإن المراد مجرد ~~التعقيب لا بلا مهلة، وعلى تقدير كونها مرادة فلا ms014 يفهم إلا كون غسل الوجه ~~بلا مهلة. # نعم: يفهم وجوب الموالاة وبطلان الوضوء بتركها، مع جفاف جميع الأعضاء ~~السابقة من الروايات الصحيحة (1) بل الاجماع ويمكن فهم أن محل الوجوب في ~~غسل اليدين إلى المرافق، وإن سلم أن ظاهرها كون الابتداء من الأصابع، ولكن ~~انعقد إجماع الأمة على عدم وجوب ذلك فيكون إلى هنا لانتهاء غاية المغسول ~~ومحمولة على معناها اللغوي لا الغسل بمعنى كونه منتهاه بعد الابتداء من ~~الأصابع، وأنه يكفي مسمى الغسل فيه أيضا كالوجه على أي وجه كان ولا يبعد ~~وجوب غسل المرفق وإن كان غاية وخارجا من باب المقدمة لأنه مفصل وحد مشترك، ~~كما ثبت في الأصول فقول القاضي البيضاوي: وجب غسلها احتياطا غير مناسب. # الثالث مسح الرأس مطلقا، بما يصدق مقبلا ومدبرا قليلا أو كثيرا على أي ~~وجه كان إلا أن إجماع الأصحاب، على ما نقل، وفعلهم عليهم السلام خصصه بمقدم ~~الرأس ببقية البلل، لا بالماء الجديد اختيارا، وجوزه بعض نادر، ودليله ليس ~~بناهض عليه، فإنه روايتان صحيحتان دالتان على عدم جواز المسح بفضلة الوضوء ~~والندى بل بالماء الجديد، وحملتا، على التقية لذلك مع ما فيه، وعلى غير ~~الاختيار والاحتياط لا يترك وقد منع بأكثر من ثلاث أصابع استحبابا، ووجوبا ~~كأنه بالإجماع، و ذهب البعض إلى وجوب ثلاث أصابع، ولا دليل عليه، وعموم ~~الآية والأخبار بل خصوصها ينفيه. # الرابع مسح الرجلين بالمسمى كالرأس وفي الرواية الصحيحة أنه بكل الكف ~~ويفهم من الأخرى كل الظهر، وإلى أصل الساق ومفصل القدم (2) وهو # PageV00P017 # المراد بالكعب، ويدل عليه اللغة، وهو مذهب العلامة وكأنه موافق لمذهب ~~العامة فافهم، ودليل مسحها إجماع الإمامية وأخبارهم، وظاهر الآية، فإن ~~قراءة الجر صريحة في ذلك لأنه عطف على رؤوسكم لا يحتمل غيره، وهو ظاهر وجر ~~الجوار ضعيف خصوصا مع الاشتباه، وحرف العطف، ولهذا ما قاله في الكشاف وقال: ~~المراد بالمسح حينئذ الغسل القليل. وقد عرفت ما فيه وقراءة النصب أيضا ~~كذلك، لأنه عطف على محل رؤوسكم وأمثاله في القرآن العزيز وغيره كثيرة جدا ~~وعطفه على ms015 الوجه معلوم قبحه خصوصا في مثل القرآن العزيز، وليس وجود التحديد ~~في المغسول دليلا عليه كما قاله البيضاوي بل هو دليل على ما ذهب إليه ~~أصحابنا لحصول التعادل بأن يكون العضو الأول من المغسول والممسوح غير محدود ~~والثاني منهما محدودا وللقاضي هنا مباحث ولنا كذلك، يطلب من الحاشية، وظاهر ~~الآية عدم الترتيب بينهما، ولا دليل عليه أيضا من الاجماع والأخبار، بل ~~أكثر الأصحاب على عدمه والأصل مؤيد، ولا شك في الصدق مع فعله غير مرتب ~~فتأمل. # والظاهر أنه لا يشترط في المسح عدم تحقق أقل الغسل إذ قد يكون المقابلة ~~باعتبار النية أو باعتبار عدم جواز المسح في المغسول، أو باعتبار بعض أفراد ~~الغسل مثل عدم الدلك لصدق الاسم المذكور في الكتاب والسنة والإجماع لغة ~~وعرفا وللزوم تأخير البيان عن وقت الحاجة لو كان مرادا، ولم يبين فتأمل، ~~وبالجملة لا شك في صدق المسح مع المس وقلة البلل الذي لا يقال أنه غسل، وإن ~~تحقق معه أقل الغسل المتعارف عنده، ولأنه تكليف شاق منفي فإن تحقق المسح ~~بحيث يظهر البلل على العضو، ولم يوجد أقل الغسل كالدهن مشكل فقول الشيخ زين ~~الدين في شرح الشرايع (1) بذلك بعيد نعم يمكن كونه أحوط. # وظاهر إذا قمتم كون الوضوء واجبا لغيره، وهي الصلاة مثلا و " إن كنتم ~~جنبا فاطهروا " أي: فاغتسلوا كون الغسل واجبا لنفسه لأن الظاهر أنه معطوف ~~على قوله " إذا قمتم " فتقديره يا أيها الذين آمنوا إن كنتم جنبا فاطهروا ~~ويدل عليه الأخبار أيضا مثل إذا التقى الختانان وجب الغسل (2) ويتفرع عليه ~~صحة نية # PageV00P018 # وجوب الغسل لمن لم يجب عليه مشروط به، وعلى تقدير وجوبه لغيره أيضا ليس ~~بمضيق بل موسع وإنما يتضيق بتضيق المشروط به، وقد صرحوا بذلك. # إلا أن يقال إنه معطوف على إن كنتم محدثين محذوفا وكأنه قيل إذا قمتم إلى ~~الصلاة إن كنتم محدثين توضؤوا وإن كنتم جنبا فاغتسلوا، ويؤيده كون باقي ~~الطهارات كذلك، ويشعر به بعض الأخبار وقوله " إن " وإلا كان المناسب " إذا ~~" فتخصص العمومات من ms016 الأخبار والآية أيضا على تقدير كونه معطوفا على إذا و ~~يؤيده الكثرة وتتمة الآية أيضا. # " وإن كنتم مرضى " كأنه عطف على محذوف هو كنتم صحاحا حاضرين قادرين، أي ~~إذا قمتم إلى الصلاة وكنتم صحاحا حاضرين قادرين على استعمال الماء فإن كنتم ~~محدثين لغير الجنابة توضؤوا، وإن كنتم جنبا فاغتسلوا وإن كنتم مرضى مرضا ~~يضركم استعمال الماء، أو مسافرين فلم تقدروا على استعمال الماء لعدمه أو ~~للتضرر " به أو جاء أحد منكم من الغائط " لعله هنا كناية عن الحدث الخارج ~~من أحد السبيلين فأو، بمعنى الواو " أو لامستم النساء " لعله كناية عن ~~الجماع الموجب لغسل الجنابة وهو الدخول حتى تغيب الحشفة قبلا أو دبرا " ~~فتيمموا صعيدا طيبا " أي اقصدوا أرضا طاهرة مباحة فامسحوا بأيديكم بعض ~~وجوهكم وبعض أيديكم مبتدئا من الصعيد أو ببعض الصعيد، لأن تضعوا أيديكم على ~~بعضه، ثم تمسحوا الوجه واليد أو من بعد التيمم كما ورد في الرواية أي ما ~~يتيمم به هو الصعيد فلا دلالة على تقدير كونها تبعيضية على وجوب لصق شئ من ~~الصعيد، فيجب كونه ترابا يلصق كما توهم. # فالآية تدل على وجوب الغسل، وأن الجنابة موجبة له، وأن الغائط بل البول ~~والريح أيضا أحداث موجبة للوضوء وأن المرض والسفر مع عدم القدرة على الماء ~~موجب للتيمم بدلهما، ومشعرة بأنه يبيح به ما يبيح بهما وعلى اشتراط طاهرية ~~ما يتيمم به، بل إباحته أيضا بل طهارة الماء وإباحته أيضا في الوضوء والغسل ~~وأن كيفية التيمم أن المسح يكفي ببعض الوجه مطلقا وكذا ببعض اليد وأنه ~~PageV00P019 # لا يحتاج إلى الاستيعاب والتخليل وأن أول أفعال التيمم مسح الوجه. # والوضوء والغسل والتيمم مبينات في كتاب الفروع مع أحكامها وجميع واجباتها ~~وموجباتها والفروعات الكثيرة ليس هذا محلها إذ المقصود هنا ما يمكن فهمه من ~~الآيات الكريمة، ثم لا يخفى أن نظم هذه الآية مثل التي سيجئ لا يخلو عن ~~إشكال على حسب فهمنا مثل ترك الحدث في أولها وذكر الجنابة فقط بعضه ~~والإجمال الذي لم يفهم أن الغسل بعد ms017 القيام إلى الصلاة أم لا، وترك كنتم ~~حاضرين صحاحا قادرين على استعمال الماء، ثم عطف إن كنتم عليه، وترك تقييد ~~المرضى وتأخير فلم تجدوا عن قوله أو جاء وذكر جاء أحد منكم من الغائط أو ~~لامستم مع عدم الحاجة إليهما إذ يمكن الفهم عما سبق، والعطف بأو، والمناسب ~~بالواو، وغير ذلك مثل الاختصار في بيان الحدث الأصغر على الغائط والتعبير ~~عنه بجاء أحد منكم من الغائط والأكبر على لامستم والتعبير عن الجنابة به ~~وكأنه لذلك قال في كشف الكشاف ونعم ما قال: والآية من معضلات القرآن ثم طول ~~الكلام في توجيه " أو " في قوله: # أو جاء أحد منكم ولعل السر في الترغيب على الاجتهاد، وتحصيل العلوم ~~لتظفير السعادات الدائمة. # ثم في الآية احتمالات وأبحاث أخر ستجئ في الثانية إن شاء الله تعالى وقد ~~استدل بقوله " فلم تجدوا ماء " على طلب الماء غلوة سهم في الحزنة، وغلوتين ~~في السهلة ولا دلالة عليه فيها، ولا في الخبر (1) والأصل ينفيه نعم ينبغي ~~الطلب حتى يتحقق عدم الماء عنده عرفا مثل رحله وحواليه مع الاحتمال فتأمل. # " ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج " قيل: أي ما يريد الله الأمر بالوضوء ~~للصلاة أو بالتيمم تضييقا عليكم ويحتمل أن يكون المراد ما يريد الله جعل ~~الحرج عليكم بالتكاليف الشاقة مثل تحصيل الماء على كل وجه ممكن مع عدم كون ~~الماء حاضرا وإن كان ممكنا في نفس الأمر، ولا [يكلف] بالطلب الشاق كالحفر # PageV00P020 # وغيره بل بني على الظاهر فقبل التيمم ولا كلف في التيمم أيضا بأن يوصل ~~الأرض إلى جميع البدن أو أعضاء الوضوء بل التيمم أيضا وأن يطلب ما يمكن ~~إيصاله بل يكفي مجرد وجه الأرض، وهو مقتضى الشريعة السمحة. # " ولكن يريد ليطهركم " أي من الذنوب فإن العبادة مثل الوضوء كفارة للذنوب ~~أو لينظفكم عن الأحداث ويزيل المنع عن الدخول فيما شرط فيه الطهارة عليكم ~~فيطهركم بالماء عند وجوده وعند الإعواز بالتراب، فالآية تدل على أن التيمم ~~رافع في الجملة وطهارة فيباح به ما يباح بالماء، ms018 ويؤيده ما في الأخبار و ~~يكفيك الصعيد عشر سنين والتراب أحد الطهورين ورب الماء ورب التراب واحد (1) ~~فيبعد منع إباحة التيمم ما يبيحه الماء، وأنه يجب لما يجب له. # ثم إنه يزول التيمم بزوال المانع لأنه لا يرفع الحدث بالكلية نعم يحتمل ~~رفعه إلى أن يتحقق الماء أو توجد القدرة على استعماله إذ لا استبعاد في حكم ~~الشارع بزوال الحدث إلى مدة فإنه مجرد حكم الشارع فلعل البحث يرجع إلى ~~اللفظي فتأمل. واللام للعلة فمفعول يريد محذوف وهو الأمر في الموضعين وقيل ~~زائدة و ليجعل وليطهركم مفعول، والتقدير لأن يجعل عليكم ولأن يطهركم وليس ~~فيه قصور وضعف: لأن " أن " لا تقدر بعد اللام المزيدة كما قاله البيضاوي. ~~لأن الشيخ المحقق الرضي قدس سره قال في شرح الكافية: وكذا اللام زائدة في ~~لا أبا لك عند سيبويه، وكذا اللام المقدر بعدها أن بعد فعل الأمر والإرادة ~~كقوله تعالى " و ما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين " على أنه قال ~~البيضاوي أيضا في تفسير قوله تعالى " يريد الله ليبين لكم " أن يبين مفعول ~~يريد، واللام مزيدة لتأكيد معنى الاستقبال اللازم للإرادة، وهل هذه إلا ~~تناقض. # " وليتم نعمته " أي ليتم بشرعه ما هو مطهر لأبدانكم ومكفر لذنوبكم في ~~الدين، أو ليتم برخصه إنعامه " عليكم " بعزائمه " لعلكم تشكرون " نعمته ثم ~~أمر # PageV00P021 # الله تعالى بعد ذلك بذكر النعمة والميثاق والعهد الذي عاهدتم بقوله " ~~واذكروا نعمة الله عليكم وميثاقه الذي واثقكم به " الآية وأمر المؤمنين ~~بكونهم قوامين لله شهداء بالعدل فأوجب عليهم ذلك، ونهاهم عن أن يحملهم ~~البغض على العدول والخروج عن الشرع بقوله " يا أيها الذين آمنوا كونوا ~~قوامين لله شهداء بالقسط ولا يجر منكم شنآن قوم على أن لا تعدلوا اعدلوا هو ~~أقرب للتقوى " قال البيضاوي في " اعدلوا هو أقرب للتقوى " إذا كان هذا مع ~~الكفار فما ظنك بالعدل مع المؤمنين؟ ثم أمر بالتقوى ووعدهم بالامتثال ~~وأوعدهم على تركه بقوله " واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون ". # ثم اعلم أن في حكاية ابني ms019 آدم نبينا وآله وعليه السلام إشارة إلى أن ~~التقوى شرط لقبول العمل: " واتل عليهم نبأ ابني آدم بالحق " صفة مصدر محذوف ~~أي أتل واقرأ تلاوة متلبسة بالحق أو حال من ضمير " أتل " أو من نبأ " إذ ~~قربا قربانا " ظرف نبأ، أو حال منه، والقربان اسم لم يتقرب به إلى الله من ~~ذبيحة وغيرها كما أن الحلوان اسم لما يحلى أي يعطى وهو في الأصل مصدر ولهذا ~~لم يثن مع أن المراد منه اثنان، وقيل تقديره إذ قرب كل واحد منهما قربانا ~~فلا يحتاج إلى التثنية " فتقبل من أحدهما ولم يتقبل من الآخر قال " قابيل " ~~لأقتلنك " وعده بالقتل بعد عدم قبول قربانه وقبول قربان أخيه، لفرط الحسد ~~على ذلك ولبقاء ما يريده له " قال " أخوه هابيل " إنما يتقبل الله من ~~المتقين " أي إنما أصابك ما أصابك من عدم القبول عند الله من قبل نفسك، لا ~~من قبلي، فلم تقتلني؟ فاقتل نفسك لا نفسي، وفيه إشارة إلى أن الحاسد ينبغي ~~أن يرى حرمانه من تقصيره فيكون الذنب له لا للمحسود، فلا بد أن يجتهد في ~~تحصيل ما صار به المحسود محسودا و محفوظا لا في إزالة حظ المحسود فإن ذلك ~~يضره ولا ينفع الحاسد، بل يضره و هو ظاهر. وفيه دلالة على أن القبول يشترط ~~فيه التقوى كما قلناه. # قال البيضاوي: وفيه إشارة إلى أن الطاعة لا تقبل إلا من مؤمن متق وفيه ~~إشكال ولهذا ما شرطه الفقهاء فإن الفسق لا يمنع من صحة عبادة إذا فعلت على ~~PageV00P022 # وجهها، ويمكن أن يقال المراد اشتراط التقوى في تلك العبادة أي لا يقبل ~~الله العبادة إلا من المتقين فيها بأن يأتي به بحيث لا يكون عصيانا مثل أن ~~يقصد بها الرئاء أو غيره من المبطلات أو المراد تقوى عن ذنب ينافي تلك ~~العبادة فيكون إشارة إلى أن الأمر بالشئ يستلزم النهي عن ضده وهو موجب ~~للفساد، وبالجملة يشترط في قبولها عدم كونها معصية ولا مستلزما لها، الله ~~يعلم " لئن بسطت إلي يدك لتقتلني ما ms020 أنا بباسط يدي إليك لأقتلك إني أخاف ~~الله رب العالمين " قال في الكشاف: كان هابيل أقوى من قابيل، ولكنه تحرج عن ~~قتله واستسلم له خوفا من الله تعالى لأن الدفع لن يبح بعد أو تحريا لما هو ~~الأفضل، قال عليه الصلاة والسلام: كن عبد الله المقتول، ولا تكن عبد الله ~~القاتل، ويمكن أن يقال التسليم غير ظاهر، وكذا كونه مباحا فإن وجوب حفظ ~~النفس عقلي ولا يمكن إباحة التسليم الذي هو ينافيه بل هو قتل النفس والآية ~~لا تدل على التسليم، فإنه قال " ما أنا بباسط يدي إليك لأقتلك " فإنه يدل ~~على عدم بسط اليد بقصد قتله لا للدفع أيضا وهو ظاهر ويمكن فهم وجوب الدفن ~~من آخر الآية (1) فافهم. # الثانية: يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ~~ما تقولون ولا جنبا إلا عابري سبيل حتى تغتسلوا وإن كنتم مرضى أو على سفر ~~أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا ~~طيبا فامسحوا بوجوهكم وأيديكم إن الله كان عفوا غفورا (2). # أي لا تصلوا أيها المؤمنون، والمخاطبون هم الذين يعلمون ما يقولون من ~~السكارى وليس كل سكران لا يعقل فيصح تكليفهم ونهيهم عن الصلاة حين علموا # PageV00P023 # أن يشرعوا في الصلاة لا الذين لا يعلمون ما يقولون بزوال عقلهم فتأمل. # " وأنتم سكارى " من الشراب ونحوه بحيث إذا دخلتم في الصلاة ما تعرفون ولا ~~تعلمون ما تقولون " حتى تعلموا " لأن الصلاة مع زوال العقل لا تصح وهو ~~ظاهر، ولهذا أوجب الفقهاء القضاء على السكران، وجملة " وأنتم سكارى " حال ~~عن فاعل " لا تقربوا "، " ولا جنبا " عطف عليها أي لا تقربوا الصلاة جنبا ~~وهو من وجد منه الجنابة ولم يغتسل مذكرا أو مؤنثا واحدا أو أكثر " حتى ~~تغتسلوا " إلا المسافرين منكم فإنه تجوز صلاته جنبا لكن بالتيمم مع تعذر ~~الغسل كما سيجيئ. # وقيد العبور لأغلبية الاحتياج إلى التيمم في السفر، وقيل المراد لا ~~تقربوا مواضع الصلاة وهي المساجد وأنتم سكارى ولا أنتم جنب إلا أن ms021 تكونوا ~~عابرين فيها بأن تدخلوا من باب وتخرجوا من آخر، وقال في مجمع البيان وهو ~~المروي عن أبي جعفر عليه السلام (1) ويؤيده عدم الاحتياج إلى قيده بالتيمم ~~وجعل في مجمع البيان ذكر كون الصلاة مع التيمم بعده مؤيدا وكأنه يريد لزوم ~~التكرار وهو غير لازم، والقول بتحريم دخول السكران المسجد غير معلوم إلا ~~يكون للصلاة فيرجع إلى تحريمها حينئذ، وحذف المضاف تكلف وعموم المساجد غير ~~جيد لعدم جواز العبور في المسجدين وأن تتمة الآية أحكام الصلاة، فلو لم يكن ~~المراد الدخول فيها لن يفهم ذلك. # فالظاهر أن المراد بصدر الآية الدخول في الصلاة وإن أمكن جعل جنبا ~~باعتبار المساجد بارتكاب تقدير، ويحتمل أن يكون المنهي القرب إلى الصلاة ~~مطلقا ومجملا: بالنسبة إلى السكران فعلها، وبالنسبة إلى الجنب الدخول إلى ~~مواضعها ويكون ذلك معلوما بالبيان ولا يخلو عن بعض والأول أبعد هذا كله على ~~تقدير عدم صحة الرواية وأما على تقديرها فالقول بمضمونها متعين وفي الآية ~~دلالة ما على عدم خروج المؤمن عن الإيمان بشرب الخمر فتأمل فيه وعلى تحريم ~~دخول شارب الخمر الذي يعقل إذا علم عدم عقله بعد الدخول في الصلاة أو في ~~المساجد # PageV00P024 # أو فيهما ويحتمل كون كل مزيل للعقل كذلك وفيها الإشارة إلى أن القلب لا ~~بد أن لا يكون غافلا حال الصلاة ولا مشغولا بغير ما يتعلق بها وكذا على ~~تحريم دخول الجنب فيها أو في المسجد إلا المتيمم المسافر أو العابر فيه ~~وعدم حصول رفع الحدث بالتيمم. # " وإن كنتم مرضى أو على سفر " يعني ولا يقربها الجنب حتى يغتسل فلا بد من ~~الغسل للصلاة، إن تمكن منه، فإن لم يتمكن منه لمرض يضر معه الغسل ضررا يعد ~~ذلك ضررا عرفا فيتيمم لها ولعل القيد للإجماع والخبر وإلا ظاهر الآية تجويز ~~التيمم للمرض مطلقا أو لسفر لا يكون فيه الماء بوجه. # فتقدير الآية: يا أيها الذين آمنوا إن كنتم مرضى مرضا لا تقدرون على ~~استعمال الماء أو مسافرين كذلك محتاجين إلى التطهير مطلقا محدثين بحدث أصغر ms022 ~~أو أكبر فتيمموا! وأشار إلى مطلق المحدث بالحدث الأصغر بقوله " أو جاء أحد ~~منكم من الغائط " أي المواضع التي يغاط فيها فهو كناية عن الحدث الأصغر ~~ولكن في إدخال الكل فيه فيه تأمل، فإن الظاهر أنه مخصوص بالغائط أو كناية ~~عما يخرج عن السبيلين البول والغائط والريح أيضا كما أن " أو لامستم النساء ~~" كناية عن الجماع الموجب للغسل وقد فسر به في الروايات (1) وهو مذهب ~~الأصحاب وأبي حنيفة كالمباشرة في الصوم والاعتكاف، ويحتمل كونه كناية عن ~~مطلق موجب الغسل لكنه بعيد سيما المس (2) و " فلم تجدوا " عطف على " أو جاء ~~" قيدا للمرض والسفر والفاء إشارة إلى أن عدم الوجدان ينبغي أن يكون بعد ~~الحدث فالقبل لا يكفي، وعلى تقدير تخصيص الغائط واللمس (3) كما هو الظاهر ~~يكون كون باقي الموجبات مثل الدماء الثلاثة وخروج المني بغير جماع ومس ~~الميت وزوال العقل بالنوم والسكر ونحوه حدثا مفهوما من غير الكتاب من السنة ~~والإجماع. # PageV00P025 # والمعنى: إن كنتم مرضى أو على سفر، وجاء أحد منكم، فيكون أو بمعنى الواو ~~كما مر " فلم تجدوا ماء " أي لم تقدروا على استعمال الماء بوجه إما لعدمه ~~أو لعدم القدرة على استعماله للتضرر به أو لعدم تحصيله وحينئذ يكون حكم عدم ~~القدرة على استعمال الماء بغير سفر ومرض مفهوما من غير الآية أو من سوقها ~~للإشعار في قوله: فلم تجدوا ماء. # ثم الخلاف في كيفية التيمم كثير والمشهور عند أصحابنا النية مقارنة لضرب ~~اليدين على الأرض ضربة للوجه فيمسحه باليدين من قصاص شعر الرأس إلى طرف ~~الأنف الأعلى، وضربة لليدين فيمسح ببطن كل واحدة ظهر الأخرى من الزند إلى ~~أطراف الأصابع إن كان بدلا عن الغسل. وإن كان بدلا عن الوضوء فضرب واحد، ~~ودليله غير ظاهر، وقيل ضربه واحدة فيهما والآية تدل عليه فافهم وكذا ~~الأخبار الصحيحة (1) وقيل ضربتان فيهما لبعض الأخبار ولا يبعد كون الضرب ~~فيهما واحدا والتخيير أو استحباب الثانية جمعا بين الأدلة والظاهر أنهما ~~أحوط وتفصيل باقي الأحكام معلوم من محله والمشهور كون الضرب أول ms023 الأفعال ~~ويمكن فهم كونه المسح من الآية فافهم والأحوط أن ينوي عند الضرب والمسح ~~وكذا الموالاة في الجملة ولا بد من كون التيمم بالصعيد، وهو مطلق الأرض ولا ~~يشترط التراب فيصح بالحجر الأملس وهو الأظهر من مذهب الأصحاب ومذهب أبي ~~حنيفة ويؤيده اللغة وقوله تعالى " صعيدا زلقا " ولا ينافيه ما في سورة ~~المائدة من قوله " منه ": لأنه يدل على كون المسح بالوجه واليد ببعض الأرض ~~فلا بد أن يكون شيئا ملصوقا باليد ومن للتبعيض. لأنه يجوز كونها لابتداء ~~الغاية لا للتبعيض هكذا قال في الكشاف وغيره، ويجوز كونها للتبعيض مع عدم ~~لزوم لصوق شئ لما مر ويؤيده إهمالها هنا لأنه لو كان المراد وجوب اللصوق ما ~~كان ينبغي تركها، ولهذا لا يعتبر اللصوق في اليد لمسح اليد أيضا فتأمل. # PageV00P026 # وأيضا في الأخبار ما يدل على أن المراد بالصعيد مطلق الأرض ويجوز التيمم ~~بالحجر، والمراد بالطيب كأنه الطاهر، ويحتمل المباح أيضا، ففي الآية دلالة ~~على كون الغائط ونحوه حدثا أصغر موجبا للطهارة أي الوضوء والتيمم، و عدم ~~اشتراط حصول المني في الجنابة فيكفي غيبوبة الحشفة لصدق الملامسة التي هي ~~الجماع، وخرج ما دون غيبوبة الحشفة بالإجماع والخبر، وعلى كون الجماع حدثا ~~أكبر موجبا للغسل والتيمم، وعدم احتياج الوضوء في غسل الجنابة، ودلالة ~~الآية السابقة عليه أظهر، ووجوب التيمم بالصعيد للعذر ونفي غيره بالأصل، ~~وعدم الدليل، وعلى كونه مبيحا واعتبار المسح باليدين والوجه عرفا ويشعر بأن ~~المسح أول أفعال التيمم إلا أن يريد بالتيمم بالصعيد الضرب باليد عليه، ~~وعلى كون التيمم البدل عن الوضوء والغسل واحدا فيكفي ضربة واحدة فيهما وعلى ~~بطلان صلاة السكران للنهي فيجب القضاء لأنها فائتة. # ولا يبعد فهم عموم بدلية التيمم عن الوضوء والغسل وعموم إباحة ما يبيح ~~بهما به، ومنع فخر المحققين من جواز الطواف بالبيت للجنب المتيمم لأنه جنب ~~ولا يجوز دخوله في المسجد إلا عابرا لهذه الآية، وليس الدخول للطواف عبورا، ~~بعيد لعدم الفرق بين العبادات وأيضا يلزم المحذور إما عدم وجوب الطواف ~~عليه، أو ms024 عدم تحلله حتى يتمكن من الغسل وهو حرج منع بالعقل والنقل وللأخبار ~~الكثيرة جدا بأنه أحد الطهورين وأنه يكفي عشر سنين إشارة إلى دوامه وأن رب ~~الماء و رب التراب واحد (1) وغير ذلك والكل صريح في العموم وظاهر هذه الآية ~~يشعر به ولا تدل على ما ذكره لبعد تقدير مواضع الصلاة لما مر، وأن الأولى ~~كون المعنى ولا يقرب الجنب الصلاة إلا حال السفر كما تقدم وأن المراد على ~~تقدير مواضع الصلاة بلا تيمم يعني لا يجوز دخول الجنب بغير طهور ولو ~~بالتيمم المسجد إلا عابرا مع التيمم وهو ظاهر، وحينئذ ما يفهم كون المتيمم ~~جنبا ولا عدم # PageV00P027 # [جواز] دخوله المسجد فبقي ما ذكرناه من الأدلة سالما عن المعارض فتأمل. # " إن الله كان عفوا غفورا " أي كثير الصفح والتجاوز كثير المغفرة والستر ~~على ذنوب عباده. # الثالثة: وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء ويقيموا ~~الصلاة ويؤتوا الزكاة (1). # لعل المأمورين هم الأناس المكلفون أو الكفار فقط، وهو أظهر بحسب اللفظ ~~والأول بحسب المعنى " مخلصين " حال عنهم " والدين " مفعوله " وحنفاء " حال ~~آخر و " يقيموا ويؤتوا " عطف على " يعبدوا " أي أمروا بأن يعبدوا الله ~~مخلصين له ما يوجب الدين أي الجزاء والأجر وهي العبادة ولا يعبدوا غيره ولا ~~يشركوه في عبادة الله، وفيها إشارة إلى أن الرئاء شرك فتأمل " حنفاء " أي ~~مائلين عن الطريق الباطل إلى طريق الصواب والحق فهو تأكيد لحصر العبادة في ~~الله المفهوم من قوله " إلا " بعد تأكيده بالإخلاص، وعطف يقيموا ويؤتوا يدل ~~على زيادة الاهتمام بشأن الصلاة والزكاة. # واستدل بها على وجوب النية في العبادات كلها حتى الطهارات مائية و ~~ترابية، وفي الدلالة تأمل ظاهر، خصوصا على ما فسر البيضاوي وما أمروا أي ~~الكفار في كتبهم، نعم يمكن الاستلال بها على إيقاع ما ثبت كونها عبادة ~~شرعية على وجه الإخلاص لا غير، وأما النية على الوجه الذي ذكرها الأصحاب ~~فلا، وهم أعرف ويدل أيضا على وجوب التعبد وهو واضح، والدليل عليه كثير، بل ~~لا يحتاج إلى الدليل ms025 ويؤكده " وذلك دين القيمة " أي دين الملة المستقيمة ~~الحقة ويحتمل كون المراد بالدين التعبد أي إيقاع العبادة مخلصا وإقامة ~~الصلاة وإيتاء الزكاة هو التعبد بالملة المستقيمة وهي شريعة نبينا صلى الله ~~عليه وآله وكون الإضافة بيانية. وتقدير الملة الذي فعله المفسرون لإظهار ~~موصوف القيمة فإنها صفة، وأما ما قاله في مجمع # PageV00P028 # البيان: تقديره دين الملة القيمة لأنه إذا لم يقدر ذلك كان إضافة للشئ ~~إلى صفته، و ذلك غير جائز لأنه بمنزلة إضافة الشئ إلى نفسه، فغير واضح: لأن ~~الكوفيين يجوزونها والذين لم يجوزوها إنما لم يجوزوها مع إفادة معنى ~~الصفتية لا مطلقا وهو مصرح، ولهذا يجوز الإضافة البيانية بالاتفاق وعلى ~~تقدير العدم، فالفرق بين إضافته إلى الملة والقيمة غير واضح، خصوصا مع ~~القول بكون الصفة والموصوف بمنزلة شئ واحد فافهم والقائل به أعرف. # وقريب منه قوله " وقضى ربك أن لا تعبدوا إلا إياه " أي أمر ربك أمرا ~~مقطوعا به أي حكم وقال: لا تعبدوا إلا إياه، أي يجب أن تعبدوا الله وحده ~~ولا تعبدوا غيره فتجب العبادة لله وتحرم لغيره، فتدل على الإخلاص فافهم، أو ~~حكم بأن لا تعبدوا فعلى الأول أن مفسرة وعلى الثاني صلة، مع حذف الباء ~~عنها، وهو قياس مطرد عندهم. # الرابعة " أنه " أي المنزل " لقرآن كريم " (2) صفة أي قرآن حسن مرضي أو ~~كثير النفع " في كتاب مكنون " صفة بعد أخرى أو خبر بعد خبر أي مستور عن ~~الخلق في لوحه المحفوظ " لا يمسه إلا المطهرون " صفة لقرآن أو كتاب أو خبر ~~إن. # قيل: تدل على عدم جواز مس القرآن للمحدث مطلقا وهو موقوف على كونه خبرا ~~بمعنى النهي وكونه صفة لقرآن أو خبر إن بتقدير مقول فيه لا يمسه إلا ~~المطهرون ورجوع ضمير لا يمسه إلى القرآن أو إلى المنزل. والرجوع إلى كتاب ~~مكنون وكونه صفة له محتمل واضح مذكور في الكشاف ويكون المراد حينئذ ~~بالمطهرون الملائكة المطهرون من الذنوب مع بقائه بمعناه الخبري وجواز كونه ~~صفة لقرآن وخبر إن باعتبار ما كان، والأصل يؤيده ms026 وليس ههنا إجماع ولا خبر ~~صريح صحيح والاحتياط واضح. # الخامسة " فيه " أي في مسجد قبا " رجال يحبون أن يتطهروا والله يحب ~~المتطهرين " (3) وفي سبب النزول دلالة على استحباب الجمع بين الأحجار ~~والماء # PageV00P029 # في الاستنجاء والمبالغة في الاجتناب عن النجاسات وأن العلم لا يحتاج ~~[إليه] ظ للعمل في مثل ذلك فتأمل. # قيل لما نزلت قال النبي صلى الله عليه وآله: يا معشر الأنصار ما الذي ~~صنعتم فقد نزلت فيكم؟ فخافوا أن نزلت فيهم ما يسوؤهم بفعلهم ذلك، فقالوا: ~~نتبع الأحجار الماء، فتلا النبي صلى الله عليه وآله " فيه رجال يحبون أن ~~يتطهروا " الخ [وقال:] فقد أثنى عليكم (1) فطابت نفوسهم على محبتهم وحرصهم ~~على التطهير من النجاسات كحرص المحب على المحبوب ومحبة الله إياهم أنه يرضى ~~عنهم ويحسن إليهم كما يفعل المحب بمحبوبه، وهي تشعر بالمدح على فعل مقدمات ~~العبادات. # وتدل على حصول الأجر، بالسعي في عمل الخير من المقدمات القريبة و ~~البعيدة، حتى الخطوات في تحصيل الحج وغير ذلك مع بعض الأخبار قوله تعالى: # " ذلك بأنهم " أي المسلمين المجاهدين " ولا يصيبهم ظمأ ولا نصب ولا مخمصة ~~في سبيل الله ولا يطؤن موطئا يغيظ الكفار ولا ينالون من عدو نيلا إلا كتب ~~لهم به عمل صالح إن الله لا يضيع أجر المحسنين ولا ينفقون نفقة صغيرة ولا ~~كبيرة ولا يقطعون واديا إلا كتب لهم ليجزيهم الله أحسن ما كانوا يعملون (2) ~~" أي كتب لهم ذلك العمل من الانفاق وقطع الوادي، أو كتب لهم به عمل صالح ~~فيدل على استحباب ما يتوقف عليه المستحب، بل على وجوب ما يتوقف عليه الواجب ~~فتأمل (3). # السادسة: وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به ويذهب عنكم رجز الشيطان ~~وليربط على قلوبكم ويثبت به الأقدام (4). # PageV00P030 # فيها دلالة على كون الماء طاهرا ومطهرا ويتطهر به ويرفع حدث الجنابة به ~~وأن الاحتلام من الشيطان، ويحتمل أن يراد من رجز الشيطان المني، ويدل على ~~نجاسته فتأمل فيه قال في الكشاف: رجز الشيطان ورجسه تخييله ووسوسته إليهم ~~وتخويفه إياهم من العطش، وقيل الجنابة، ms027 وذلك أن إبليس تمثل لهم وكان ~~المشركون قد سبقوهم إلى الماء ونزل المؤمنون في كثيب أعفر تسوخ فيه الأقدام ~~على غير ماء، وناموا فاحتلم أكثرهم، فقال لهم: أنتم يا أصحاب محمد! تزعمون ~~أنكم على الحق، وإنكم تصلون على غير الوضوء وعلى الجنابة، وقد عطشتم، ولو ~~كنتم على الحق ما سبق عليكم هؤلاء على الماء، وما ينتظرون بكم إلا أن ~~يجهدكم العطش، فإذا قطع العطش أعناقكم مشوا إليكم فقتلوا من أحبوا وساقوا ~~بقيتكم إلى مكة، فحزنوا حزنا شديدا وأشفقوا، فأنزل الله مطرا فمطروا ليلا ~~حتى جرى الوادي، واتخذ رسول الله صلى الله عليه وآله وأصحابه الحياض على ~~عدوة الوادي، وسقوا الركاب، واغتسلوا وتوضؤوا وتلبد الرمل الذي كان بينهم ~~وبين العدو حتى ثبتت عليه الأقدام وزالت وسوسة الشيطان وطابت النفوس. # ويؤيد هذه الآية آيات أخر مثل قوله تعالى " وأنزلنا من السماء ماء طهورا ~~لنحيي به بلدة ميتا ونسقيه مما خلقنا أنعاما وأناسي كثيرا (1) " وهي تدل ~~على إباحة الماء وجواز التصرف فيه أي تصرف كان، حتى يثبت المانع. # وقريب منه قوله " وأنزلنا من السماء ماء بقدر فأسكناه في الأرض، وإنا على ~~ذهاب به لقادرون فأنشأنا لكم به جنات من نخيل وأعناب لكم فيها فواكه كثيرة ~~ومنها تأكلون وشجرة تخرج من طور سيناء تنبت بالدهن وصبغ للآكلين (2). # فيه دلالة على إباحة الماء والنخل والعنب والزيتون وفي قوله تعالى " وإن ~~لكم في الأنعام لعبرة نسقيكم مما في بطونها ولكم فيها منافع كثيرة ومنها ~~تأكلون وعليها وعلى الفلك تحملون " دلالة على الانتفاع بالأنعام مثل الإبل ~~والبقر: يحل # PageV00P031 # أكلها وسائر الانتفاعات وكذا الجلوس في السفينة. # ويدل عليه أيضا " فإذا استويت أنت ومن معك على الفلك فقل الحمد لله الذي ~~نجينا من القوم الظالمين وقل رب أنزلني منزلا مباركا وأنت خير المنزلين (1) ~~" وتدل على رجحان قول ذلك بعد الجلوس في الفلك. وقوله " منزلا " إما اسم ~~مكان محل النزول، أو مصدر ميمي أي إنزالا مباركا كثير الخير والبركة، ~~والظاهر استحبابه في مطلق المنزل، كما ورد به الرواية (2). # ويستحب بعد ms028 ركوب الدابة تلاوة قوله تعالى " سبحان الذي سخر لنا هذا وما ~~كنا له مقرنين وإنا إلى ربنا لمنقلبون " (3) وقوله تعالى: " والحمد لله رب ~~العالمين ". # السابعة: ويسئلونك عن المحيض قل هو أذى فاعتزلوا النساء في المحيض ولا ~~تقربوهن حتى يطهرن فإذا تطهرن فأتوهن من حيث أمركم الله إن الله يحب ~~التوابين ويحب المتطهرين (4). # قيل: كانوا في الجاهلية يمتنعون عن مؤاكلة الحيض ومشاربتهن ومجالستهن ~~فسألوا عن ذلك فنزلت، والمحيض مصدر كالمجئ والمبيت يعني يسألونك يا محمد عن ~~الحيض وأحكامه قل يا محمد إنه أذى، أي قذر ونجس وموذ لمن يقربه، للنفرة منه ~~" فاجتنبوا النساء في المحيض " أي مجامعتهن في الفرج زمان الحيض، وهو عن ~~ابن عباس وعائشة والحسن وقتادة ومجاهد ومحمد رفيق أبي يوسف وهو مذهب أكثر ~~أصحابنا، ويدل عليه أنه المتبادر من اعتزالهن، إذ المقصود من معاشرتهن # PageV00P032 # هو الجماع في الفرج، والأصل (1) والاستصحاب وبعض الروايات والشهرة و ~~الكثرة، وسهولة الجمع بينها وبين ما ينافيها (2) بالحمل على الاستحباب، ~~والامتناع عن مطلق الدخول، بل مطلق الانتفاع منهن حينئذ حسن، وعدم المقاربة ~~بالتعانق والتقبيل أحوط. # وقيل: اجتنبوا عما تحت الإزار فيحل ما فوقه وهو مذهب أبي حنيفة و أبي ~~يوسف وكونه مذهبا للشافعي أيضا كما قاله في مجمع البيان غير ظاهر مع أنه ~~نقل عن الشافعي أنه قال اجتنبوا مجامعتهن لقوله صلى الله عليه وآله إنما ~~أمرتم أن تجتنبوا مجامعتهن إذا حضن، ولم يأمركم بإخراجهن عن البيوت كفعل ~~الأعاجم. # ولم يسنده أيضا في الكشاف إلا إلى أبي حنيفة وأبي يوسف ونقل عن عايشة ~~أنها قالت تجتنب شعار الدم (3) وله ما سوى ذلك وأنت تعلم عدم فهم هذا ~~المعنى من الآية فالحمل عليه بعيد موجب للإجمال الذي هو منفي عن القرآن ~~العزيز إلا عند الضرورة، وليس له دليل إلا ما نقل محمد صاحب أبي يوسف عن ~~عائشة أن عبد الله بن عمر سألها هل يباشر الرجل امرأته وهي حائض؟ فقالت تشد ~~إزارها على سفلتها ثم ليباشرها إن شاء، وما روى زيد بن أسلم أن رجلا ms029 سأل ~~النبي صلى الله عليه وآله ما يحل لي من امرأتي وهي حائض؟ قال لتشد عليها ~~إزارها ثم شأنك بأعلاها. # ثم قال محمد: وهذا قول أبي حنيفة، وقد جاء ما هو أرخص من هذا عن عائشة ~~أنها قالت تجتنب شعار الدم وله ما سوى ذلك. وأنت تعلم بعد تسليم صحة ~~الإسناد أن الأول منقول عن عايشة وقولها ليس بحجة وما أسندته إليه صلى الله ~~عليه وآله ودلالته أيضا ليست بصريحة والثاني غير معلوم الصحة وليس بعام ولا ~~صريح، ومع ذلك # PageV00P033 # يقبل الحمل على الاستحباب، للجمع بين الأدلة، كما يفهم أنه فعله محمد حيث ~~قال: # وقد جاء أرخص. # " ولا تقربوهن " تأكيد للاعتزال، وبيان لغايته، وهو مؤيد للمعنى الأول إذ ~~الظاهر من مقاربة النساء هو ذلك. وأما الغاية فقراءة التخفيف يدل على أنه ~~انقطاع الدم كما هو مذهب أكثر الأصحاب ويدل عليه بعض الروايات والجمع بين ~~الروايات والقراءات، إذ تحمل قراءة التشديد وبعض الروايات الأخر على عدم ~~الرجحان المطلق إلى حين الغسل: التحريم قبل الانقطاع والكراهية بعده إلى ~~حين الغسل، وقراءة التشديد يدل على أنها إما الغسل أو الوضوء أو غسل الفرج ~~بعد الانقطاع. # والأول مذهب الشافعي ومنسوب إلى بعض الأصحاب وهو ابن بابويه والظاهر أنه ~~ليس كذلك (1) ولا بد له من حمل قراءة التخفيف أيضا على الغسل للجمع بين ~~القراءتين، حتى يصح هذا، وقال في الكشاف وذهب الشافعي إلى أنه لا يقربها ~~حتى تطهر وتطهر فيجمع بين الأمرين وهو قول واضح، ويعضده " فإذا تطهرن ". ~~كأنه يريد ذلك وإلا فغير واضح إذ بين غاية التخفيف والتشديد منافاة ولا ~~يمكن الجمع إلا على ما قلنا وأشار إليه القاضي وكأن في مجيئه كذلك مناقشة ~~سهلة. # والثاني مختار صاحب مجمع البيان، حيث قال: واختلف فيه أي في غاية تحريم ~~الوطي فمنهم من جعل الغاية انقطاع الدم، ومنهم من قال إذا توضأت أو غسلت ~~فرجها حل وطيها عن عطا وطاوس، وهو مذهبنا (1) وما اختاره ما نعرف # PageV00P034 # مذهبا لأصحابنا وهو أعرف بما قال، ومعلوم زواله بالغسل ولنا ms030 في تحقيق هذه ~~الآية مع الأحكام رسالة جامعة للأقوال والأبحاث وتحقيق المقال فمن أرادها ~~فعليه بمطالعتها، وأما مذهب أبي حنيفة على ما ذكره في الكشاف فبعيد عن ~~الآية كثيرا ولا وجه له، وهو أنه إن كان لأكثر الدم فيحرم إلى انقطاع الدم ~~وفي أقله إلى بعد الغسل أو بعد مضي وقت صلاة كامل مع أنه بقي حكم الوسط إلا ~~أن يريد بالأقل غير الأكثر أو العكس. # وأنت تعلم بعد إرادة الله تعالى مثل هذا المعنى عن هذه الآية، مع احتياج ~~الخلق في أكثر الأوقات إلى حكمها، سيما مع عدم بيان واضح، ومعلوم عدم ذلك، ~~وإلا لما اختلف الفقهاء وما يختفي عن مثل الشافعي وغيره، فالعقل يجزم بعدم ~~إمكان إرادة هذا المعنى من هذه فتأمل ولا تقل على الله ما لا تعلم فإن الذي ~~تتخيل من استحسان العقل من عدم الاحتياج إلى الصبر إذا كان الدم كثيرا ~~واحتياجه في القليل، باطل بطلانا واضحا، وزمان الغسل قليل جدا وإن وقت ~~الصلاة حينئذ لا معنى له، ويمكن الاعتبارات التي أحسن منها، مثل كونها حارة ~~المزاج أو الباردة وكونها في البلاد الحارة أو الباردة وكونها قريبة إلى سن ~~PageV00P035 # الصغر وسن اليأس وغيرها مما لا يتناهى فلا يمكن، الجرأة في الأحكام ~~الإلهية بمثل هذه الأشياء. # " فإذا تطهرن فآتوهن " أي، فجامعوهن فالأمر بالجماع للإباحة بالمعنى ~~الأخص أو بالمعنى الأعم فيمكن حينئذ الأحكام الأربعة فيه " من حيث أمركم ~~الله " من قبل الطهر لا من قبل الحيض عن السدي والضحاك، وقيل من قبل النكاح ~~دون الفجور عن ابن الحنفية، والأول أليق قال الزجاج معناه عن الجهات التي ~~يحل فيها، ولا تقربوهن من حيث لا يجوز مثل كونهن صائمات أو محرمات أو ~~معتكفات، وقال الفراء: ولو أراد الفرج لقال في حيث فلما قال " من حيث " ~~علمنا أنه أراد من الجهة التي أمركم الله فيها كذا في مجمع البيان " إن ~~الله يحب التوابين ويحب المتطهرين " أي بالماء، ويدل عليه سبب نزول قوله ~~تعالى " فيه رجال (1) " الآية المشهورة، وقيل التوابين من ms031 الكباير، ~~والمتطهرين من الصغاير كأنه بالتوبة أيضا، أو بأنهم لم يفعلوها، ولم يذكر ~~المطهرات لدخولهن في المطهرين كما في كثير من الأحكام، أو يكون المراد بهما ~~التائبين عن الدخول في الحيض والمتنزهين عنه (2). # PageV00P036 # الثامنة: إنما المشركون نجس، فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا ~~(1). # النجس القذر، ظاهرها حصر أوصاف المشركين في النجاسة أي ليس لهم وصف إلا ~~النجاسة، فالحصر إضافي بالنسبة إلى الطهارة أي لا طهارة لهم. # فقول الفخر الرازي: حصر الله تعالى في هذه الآية الشريفة النجاسة في ~~المشركين أي لا نجس غيرهم، وعكس بعض الناس ذلك وقال لا نجس إلا المسلم، حيث ~~ذهب إلى أن الماء الذي استعمله المسلم في رفع الحدث مثل الوضوء والغسل نجس ~~فالمنفصل من أعضائه من ذلك الماء حينئذ نجس بخلاف الماء الذي استعمله ~~المشرك فإنه طاهر لعدم إزالة حدثه (2) باطل أراد منه أبا حنيفة فإنه الذي ~~ذهب إلى ذلك على ما هو المشهور وفيه تعريض عظيم على أبي حنيفة، حيث إنه عكس ~~ما قال الله تعالى، مع أنه ليس في محله على ما عرفت. # PageV00P037 # ومنه يعلم أن مذهبه نجاسة المشركين نجاسة عينية كما هو الظاهر المتبادر ~~لغة وعرفا، فيجب الحمل عليه، وهو مذهب الإمامية وابن عباس حيث نقل الكشاف ~~والبيضاوي أنه قال أعيانهم نجسة كالكلاب والخنازير، وعن الحسن أنه قال: من ~~صافح مشركا توضأ أي غسل يده فحمل الآية على أنهم ذو نجاسة لأن معهم الشرك ~~الذي هو بمنزلة النجس، أو لأنهم لا يتطهرون ولا يغتسلون ولا يجتنبون ~~النجاسات كما فعله صاحب الكشاف والبيضاوي بعيد من جهة جعلهما [النجس] ظ ~~بمعنى ذي النجاسة وجعل الشرك بمنزلته مع عدم ظهور ذلك أيضا وإخراج القرآن ~~عن الظاهر بغير دليل وهو غير جائز عقلا ونقلا. # وزاد القاضي بعد قوله فهم ملابسون لها غالبا قوله: وفيه دليل على أن ما ~~الغالب فيه النجاسة نجس (1) وأنت تعلم أن عدم التطهير والاجتناب غالبا لا ~~يستلزم نجاستهم حقيقة، نعم يظن كونهم ذوي نجاسة، والأصل في الأشياء الطهارة ~~ما لم يعلم ms032 أنه نجس، فالحكم بالنجاسة حقيقة لا معنى له حينئذ: فكأنه على ~~وجه المجاز و حينئذ لا دليل فيه إذ لا يلزم من تسميتهم بالنجاسة مبالغة ~~للغلبة، كونهم [ذوي] نجاسة حقيقة فضلا عن نجاسة غيرهم مما الغالب فيه ذلك، ~~بل لا يلزم صحة إطلاقها عليه مجازا لعدم اطراد المجاز نعم لو قيل بالنجاسة ~~حقيقة وعلم أن لا دليل لها إلا الغلبة وقيل بصحة القياس قيل بنجاسة ما ~~الغالب فيه أيضا للقياس، ولكن لا شك في أنها مرتبة خاصة من الغلبة، فمن ~~غلبتها لنجاستهم لا يعلم كون كل غلبة كذلك إذ قد يكون مرتبة منها علة ولا ~~يكون ما دونها كذلك، وأيضا يلزمه كون المسلم الغالب نجاسة بدنه نجسا فلا ~~يعذر قائله (2) ويجب اجتنابه. وليس كذلك. # ثم إن الظاهر من المشرك هو الذي أثبت للواجب شريكا، فهو غير الموحد فلا ~~يدخل الموحد الكتابي ويحتمل أن يجعل الجميع مشركا لقوله تعالى " عزير ابن ~~الله والمسيح ابن الله " إلى قوله " تعالى عما يشركون (3) " وقد استدل به # PageV00P038 # على شرك الكل أيضا صاحب الكشاف في غير هذا الموضع فتأمل فيه ويستفاد من ~~الآية أحكام: # منها كون المشرك نجسا، ويتفرع عليه نجاسة ما باشره من المايعات كما ينجس ~~سائر الأشياء بملاقات النجاسة رطبا فقوله تعالى: " طعامهم حل لكم " (1) ~~يراد به الحبوب كما ورد به الرواية (2) ويحتمل كون المراد حلية طعامهم من ~~حيث إنه طعامهم (3) أي أنه لا يصير الطعام بمجرد أنه طعامهم حراما بل، إنما ~~يحرم # PageV00P039 # منه ما نجس بملاقات النجس فتأمل. # ومنها كون الكفار مكلفين بالفروع ومنها عدم جواز دخولهم في المسجد الحرام ~~صريحا فإن المراد ذلك والنهي عن القرب للمبالغة كما في قوله " فلا تقربوا ~~الزنا " (1) والحمل على الحج والعمرة كما فعله أبو حنيفة بعيد غير مفهوم، ~~ولا ينافيه الخبر الدال على منعهم عن الحج والعمرة ولا يضر عدم دلالته على ~~المنع عن دخول المسجد فاستدلال أبي حنيفة به عليه غير جيد، ويمكن فهم تحريم ~~دخولهم المسجد مطلقا أي مسجد كان. # [ومنها عدم تمكين المسلمين ms033 لهم بمعنى منعهم عن دخوله، بل قيل هو المراد ~~من النهي] (2). # ومنها عدم جواز إدخال مطلق النجاسة المسجد، وإن لم يتعد، كما هو مذهب ~~العلامة. للتعليل المفهوم فإن عدم دخولهم المسجد متفرع على نجاستهم فكأنه ~~قيل لا يدخلون المسجد لأنهم أنجاس والأنجاس لا يجوز دخولهم المسجد لاستلزام ~~كون النجاسة في المسجد ويؤيده وجوب تعظيم شعائر الله، وما روي من قوله صلى ~~الله عليه وآله جنبوا مساجدكم النجاسة (3) فيجب إزالة النجاسة عن المسجد ~~بالطريق الأولى. ولكن الآية ليست بصريحة لاختصاص الحكم بنجاسة الشرك ولم ~~يثبت وجوب تعظيم الشعائر إلى هذه المرتبة، والرواية ما تعرف سندها فضلا عن ~~صحتها ولهذا ذهب الأكثر إلى عدم الجواز مع التعدي لا بدونه، ولعل دليلهم ~~الاجماع مؤيدا بما تقدم من التعظيم، والخبر مع الحمل على التعدي. # التاسعة: يا أيها الذين آمنوا - وجه التخصيص قد تقدم - إنما الخمر ~~والميسر والأنصاب والأزلام رجس (4). # PageV00P040 # قيل: قذر يعاف عند العقول وإفراده لأنه جنس أو لأنه خبر للخمر، وخبر ~~المعطوفات محذوف من جنسه، ويدل هو عليه: أو المضاف محذوف، وكأنه قيل إنما ~~تعاطي الخمر الآية ويحتمل أن يكون خبرا عن كل واحد واحد " من عمل الشيطان " ~~صفة رجس أو خبر آخر، نسب إليه لأنه من تزيينه. # " فاجتنبوه " يحتمل كون الضمير راجعا إلى كل واحد من المذكورات أو المنهي ~~عنه المفهوم، أو الرجس، أو عمل الشيطان، أو التعاطي، " لعلكم تفلحون " لكي ~~تفلحوا بالاجتناب عما نهي عنه، وفي الآية مبالغة زائدة من وجوه شتى في ~~تحريم الخمر والميسر من جهة المقارنة بالأصنام التي عبادتها كفر، و الحصر ~~بأنه ليس إلا الرجس، ثم كونه من عمل الشيطان. ثم الأمر بالاجتناب بعد ذلك ~~كله والتصدير بأنما والإشعار بأن شاربها لا يفلح ثم التأكيد ببيان ضررها ~~بقوله " إنما يريد الشيطان " و " فهل أنتم منتهون " (1) وبعده بالأمر بطاعة ~~الله ورسوله فيما أمرا به ونهيا عنه، والحذر. وغير ذلك فتأمل. # وفي الآية دلالة على تحريم تعاطي هذه الأشياء المذكورة في الخمر بالشرب ~~قال في مجمع البيان الخمر عصير ms034 العنب المشتد وهو العصير الذي يسكر كثيره، ~~ونقل عن ابن عباس أن المراد بالخمر جميع الأشربة التي تسكر " والميسر " أي ~~القمار كله بلعبه " والأنصاب " بالتعظيم والعبادة لها جمع نصب، وهو الصنم " ~~والأزلام " بالاستقسام وهي الأقداح والسهام كانوا يستقسمون به لحوم الجزور ~~في الجاهلية ونهوا عنه وهو مشهور قال في مجمع البيان في الكلام حذف والمعنى ~~شرب الخمر وتناوله أو التصرف فيه وعبادة الأنصاب والاستقسام بالأزلام " رجس ~~" أي خبيث إلى قوله: والرجس واقع على الخمر وما ذكر بعدها. # وفي هذه الآية دلالة على تحريم سائر التصرفات في الخمر من الشرب والبيع # PageV00P041 # والشراء والاستعمال على جميع الوجوه ولا دلالة فيها على نجاسة الخمر، ~~ولهذا قال الصدوق: إن الله عز وجل حرم شربها لا الصلاة في ثوب إصابته فتأمل ~~والأخبار مختلفة في ذلك، والأصل يؤيده، نعم إن ثبت كون الرجس بمعنى النجس ~~الشرعي فقط لدلت عليها لكن قال في القاموس (1) إن الرجس بالكسر القذر وبحرك ~~وتفتح الراء وتكسر الجيم والمأثم وكل ما استقذر من العمل، والعمل المؤدي ~~إلى العذاب و الشك والعقاب والغضب، ورجس كفرح وكرم رجاسة عمل عملا قبيحا. # قال في مجمع البيان قال الزجاج: الرجس في اللغة اسم لكل ما استقذر من عمل ~~يقال رجس يرجس إذا عمل عملا قبيحا فالإجماع الذي على كون الرجس بمعنى النجس ~~في التهذيب غير معلوم، بل كونه بمعنى النجس الشرعي، إذ ما يفهم ذلك إلا من ~~القذر، وكونه بذلك المعنى غير ظاهر، والظاهر أنه بمعنى المأثم أو الفعل ~~المؤدي إلى العقاب أو القبيح كما في آية التطهير ليصح كونه خبرا عن الميسر ~~وغيره أيضا وإن سلم مجيئه بمعنى النجس وبالجملة لا دلالة فيها على نجاسة ~~الخمر وهو ظاهر بل لا دلالة في الأخبار (2) أيضا لاختلافها والجمع بحمل ما ~~يدل على وجوب الغسل على الاستحباب أولى من حمل ما يدل على عدمه على التقية ~~(3). # العاشرة: وثيابك فطهر (4). # قيل في معناه أمور كثيرة، والمتبادر هو الأمر بتطهير الثياب عن النجاسات ~~مؤيدا بأن الكفار ما كانوا يتطهرون من ms035 النجاسة بأن لا تنجسها وإن نجست # PageV00P042 # تطهرها بالماء المطلق لأنه المفهوم من التطهير إذ لا عرف في التطهير ~~بغيره، فدلت على وجوب طهارة الثياب، وكونها بالماء المعروف لا غير، وأن ~~صدقة يكفي للطهارة من غير عصر، ولا ورود ولا عدد، إلا ما أخرجه الدليل من ~~إجماع أو خبر والتفصيل معلوم من كتب الفروع، وإن أريد تقصير الثياب كما قيل ~~ونقل عن الصادق عليه السلام أيضا فيمكن فهم الطهارة حينئذ أيضا لأنها ~~المقصود من التقصير كما علل القائل به، وفي الرواية تشمير الثياب طهور لها، ~~قال الله تعالى " وثيابك فطهر " أي فشمر (1) ويحتمل أن يكون المراد التنظيف ~~الذي هو الطهارة لغة، فإن النظافة مطلوبة للشارع بإزالة الوسخ ونحوه، ففهم ~~وجوب الطهارة الشرعية محل تأمل ولكن ظاهر الأمر الوجوب، ومعلوم عدم الوجوب ~~غير الشرعية، ولهذا على تقدير حملها على الشرعية ما حملت على الأعم من أن ~~يكون فيما يجب إزالة النجاسة فيه مثل الصلاة، أم لا. بل خصت بالأول فتأمل " ~~والرجز فاهجر " أي خص الرجز بوجوب الاجتناب، والحصر إضافي أو يكون التقديم ~~لغيره، قيل الرجز بالضم والكسر هو الصنم، والمراد عدم عبادته وعدم تعظيمه ~~والثبات على هجره، فإنه صلى الله عليه وآله كان بريئا منه، لم يزل ولا ~~يزال، ويحتمل أن يكون المراد أعم، فيدخل غيره صلى الله عليه وآله وترك من ~~أهله (2) ورعيته أو كسره وإهانته بمهما أمكن له صلى الله عليه وآله أو أعم، ~~وقيل الرجز هو العذاب والمراد وجوب اجتناب موجبه وهو الشرك وعبادة الأصنام ~~وغيره من المعاصي مطلقا، وقيل بالضم الصنم وبالكسر العذاب قال في القاموس ~~الرجز بالكسر والضم: القذر وعبادة الأوثان، والعذاب والشرك، فعلى الأول ~~يكون تأكيدا لقوله " وثيابك فطهر " وتفسيرا له وهو هنا المناسب لتكبير ~~الصلاة وطهارة الثياب وعلى هذا حمل في بعض استدلالات الأصحاب وقيل معناه ~~أخرج حب الدنيا عن قلبك لأنه رأس كل خطيئة. # PageV00P043 # الحادية عشرة: وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن قال إني جاعلك للناس ~~إماما قال ومن ذريتي قال لا ينال عهدي ms036 الظالمين (1). # الابتلاء هو الاختبار والامتحان والكلمات هي التكاليف الشاقة على بعض ~~الاحتمالات مثل ذبح الولد وغيره من تكاليفه المذكورة في التفاسير، وقيل هي ~~السنن الحنيفية العشر خمس في الرأس وخمس في البدن أما الرأس فالمضمضة، ~~والاستنشاق والفرق، وقص الشارب، والسواك، وأما البدن فالختان، وحلق العلة، ~~و تقليم الأظفار، ونتف الإبطين والاستنجاء بالماء (2) ونسخ شريعة نبينا صلى ~~الله عليه وآله شريعة من قبلنا لا ينافي إثبات بعض أحكامها لأن المراد نسخ ~~المجموع من حيث هو مجموع والاتمام هنا هو فعل التكاليف تاما، وعلى ما أمر ~~به، والإمام: المقتدى به في أفعاله وأقواله، وهو أحد معنيي الإمام في مجمع ~~البيان وفي الكشاف هو اسم لمن يؤتم به كالإزار لما يؤتزر به، يعني يأتمون ~~بك في دينهم، والذرية هو النسل ومن يحصل من الشخص من الأولاد، والنيل هو ~~الوصول والإدراك، والعهد هو الإمامة كما هو الظاهر وفي مجمع البيان وهو ~~المروي عن أبي جعفر وأبي عبد الله عليهما السلام. # والظلم كأنه الفسق الذي يصير به الانسان غير عدل كما يفهم من الكشاف حيث ~~قال فيه: وأنما ينال عهدي من كان عادلا بريئا من الظلم، وإذ ظرف أذكر ~~المحذوف في أمثاله، والمخاطب هو نبينا صلى الله عليه وآله. وإبراهيم مفعول ~~ابتلى " وربه " فاعله، والضمير المضاف إليه راجع إلى إبراهيم و " بكلمات " ~~متعلقة بابتلى وفاء فأتمهن للتعقيب وهو فعل ومفعول وفاعله ضمير إبراهيم، ~~وفاعل قال ضمير الرب والياء اسم إن، وجاعل خبره: مضاف إلى الكاف الذي هو ~~مفعوله الأول والثاني إماما، وللناس إما متعلق به أو بمقدر حال عن إماما، ~~وضمير قال لإبراهيم والواو للاستيناف ومن ابتدائية أو زائدة، لوجود زيادتها ~~في المثبت، أو للتبعيض مفعول # PageV00P044 # فعل مقدر، والتقدير واجعل أو تجعل ذريتي أو بعض ذريتي إماما أيضا على ~~طريق السؤال، ويحتمل [كون] العطف على محذوف والتقدير واجعلني إماما واجعل ~~بعض ذريتي أيضا كذلك. # وأما عطفه على الكاف في " جاعلك " كما قاله صاحب الكشاف والقاضي البيضاوي ~~فمما لا أعرف له وجه صحة لأنه حينئذ يصير ms037 بعض الذرية مفعولا أو لا للجعل ~~الذي أخبر الله تعالى بفعله، فيكون من تتمة قوله، فيلزم أن يكون ذلك البعض ~~أيضا إماما مخبرا بجعله كذلك مع أنه من كلام إبراهيم وسؤاله الإمامة فكأن ~~مقصودهما أنه يسأل الله تعالى أن يجعل البعض أيضا مفعولا الجعل مثله، كما ~~قلناه، والعبارة وقعت قاصرة عنه، ومفيدة لغيره كما ترى. # وقد قال صاحب الكشاف مثله في قوله تعالى بعد هذه الآية " وإذ قال إبراهيم ~~رب اجعل هذا بلدا آمنا وارزق أهله من الثمرات من آمن منهم بالله واليوم ~~الآخر قال ومن كفر فأمتعه قليلا ثم أضطره إلى عذاب النار " فإنه قال " ومن ~~كفر " عطف على " من آمن " كما عطف ومن ذريتي على الكاف في " جاعلك " فزادنا ~~الحيرة و " لا ينال " فعل فاعله عهدي والظالمين مفعوله، ولا شك أنه أولى من ~~العكس كما قرئ على ما نقل (1) إذ إسناد النيل إلى العهد أولى فإنه النائل، ~~لا أنهم يصلون إليه وينالونه، وأن صح ذلك أيضا لأنه من الجانبين. # ثم اعلم أن صاحب الكشاف استدل بهذه الآية على اعتبار العدالة في الإمام ~~حيث قال: وقالوا في هذا دليل على أن الفاسق لا يصلح للإمامة، وكيف يصلح لها ~~من لا يجوز حكمه وشهادته، ولا تجب طاعته، ولا يقبل خبره، ولا يقدم للصلاة ~~انتهى فيفهم منه المبالغة في ذلك الاشتراط، ونقل عن أبي حنيفة أيضا ما يدل ~~عليه، حيث قال: كان يعني أبا حنيفة يقول في المنصور وأشياعه لو أرادوا بناء ~~مسجد وأرادوني على عد أجره لما فعلت، وعن ابن عيينة لا يكون الظالم إماما ~~قط وكيف يجوز نصب الظالم للإمامة والإمام إنما هو لكف الظلمة، فإذا نصب من ~~كان ظالما في نفسه فقد جاء المثل السائر " من استرعى الدئب ظلم " انتهى. ~~أيضا # PageV00P045 # يفهم من كلامه اشتراط العدالة في القاضي والشاهد والراوي وإمام الجماعة ~~مع أنه حنفي المذهب كما هو المشهور والظاهر من كلامه، وخلاف ذلك كله مشهور ~~عنه، والمعمول عندهم. # وفي الاستدلال تأمل إذ الواسطة بين الظلم والعدل ثابتة، ms038 فلا يلزم من ~~مانعية الأول (1) للإمامة اشتراط الثاني لها، وهو ظاهر ولعله يريد به غيره ~~أو يضم معه عدم القول بالواسطة أي كل من لم يجوزها للفاسق لم يجوزها لغير ~~العدل و يمكن الاستدلال به على اشتراطها في إمام الجماعة، بمعنى عدم تجويز ~~إمامة الفاسق لصدق الإمام عليه بالتفسير الماضي، وإن كان المقصود بالسؤال ~~هو الخلافة والإمامة المطلقة إذ لا يبعد كون المراد بالعهد ما هو الأعم ~~منها أي ما أجوز تفويض أمري إلى الظالم، فإنه غير معقول، بل ظلم كما يفهم ~~في الكشاف، ولا شك في كون تجويز إمامة الفاسق للجماعة تفويض أمر عظيم إليه، ~~وقد فسر عهد الله بأمره و وصيته في مجمع البيان، حيث قال في تفسير " والذين ~~ينقضون عهد الله " وعهد الله وصيته وأمره يقال عهد الخليفة إلى فلان كذا أي ~~أمره وأوصى به ولاشتراك (2) علية منع الفاسق من مطلق الإمامة فيه، كما يظهر ~~من كلام صاحب الكشاف و كذا في القاضي والشاهد والراوي فتأمل فإن الغرض ~~إظهار الإشعار في الآية بما ذكرناه، وإنما الاعتماد على غيرها من الآيات ~~والروايات وإجماع الأصحاب و الاحتياط. # وقال القاضي: وفيه دليل على عصمة الأنبياء من الكبائر قبل البعثة، وأن ~~الفاسق لا يصلح للإمامة (3) والأولى أن يقول: ولو فبل البعثة، ولعل وجه ~~الدلالة أن فاعل الكبيرة وقتا ما يصدق عليه أنه ظالم في الجملة، وقد نفى ~~الله العهد الذي هو الإمامة مطلقا عمن صدق عليه أنه ظالم في الجملة، وهو ~~ظاهر على تقدير كون # PageV00P046 # المشتق حقيقة لمن اتصف به وقتا ما، وكذا على تقدير كونه حقيقة حين اتصاف ~~المشتق بالمبدء فقط، فإن ذلك ليس بمراد ها هنا، فيتعين الأول. # [فقد نفى الله العهد الذي هو الإمامة عمن صدق عليه أنه ظالم في الجملة] ~~(1). # فحاصله أن الذي اتصف أو يتصف بالظلم بالفعل أي وقتا ما أو بالإمكان على ~~الخلاف بين المنطقيين لا تناله الإمامة، وتخصيصه بوقت دون آخر يخرجه عن ~~ظاهره ولا يجوز ذلك إلا بدليل يجوز تخصيص مثله بمثله وليس، ms039 وكذا الكلام في ~~الإمام والخليفة فلزم من كلامه عدم جواز كون من اتصف بفسق ما وقتا ما نبيا ~~وإماما فلا بد من كونهم معصومين من أول عمرهم إلى آخره من الكبائر على زعمه ~~أيضا وهو خلاف مذهب الأشاعرة بل خلاف معتقده، فإنه يعتقد وقوع الكبائر منهم ~~مثل ما وقع من آدم على نبينا وآله وعليه السلام فإنه سمي بالعصيان والظلم ~~أيضا في قوله تعالى: # " وعصى آدم ربه - فتكونا من الظالمين (2) " بل بوقوع الكفر ممن يعتقد ~~إمامته إلا أن يؤول ذلك بالصغاير وتختص الآية بالنبوة، وهو بعيد، إذ الظاهر ~~أن العهد هو الإمامة وهي أعم كما ذهب إليه صاحب الكشاف كما مر وفهم من كلام ~~القاضي أيضا حيث قال: # وإن الفاسق لا يصلح للإمامة بعد إثبات العصمة للأنبياء قبل البعثة، وأيضا ~~للعلة الظاهرة من الآية وهي الظلم. # وكذا استدلال الأصحاب بها على وجوب العصمة عن الذنوب مطلقا للنبي صلى ~~الله عليه وآله والإمام، فكأنهم نظروا إلى أن الظلم في الأصل هو انتقاص ~~الحق، وقيل وضع الشئ في غير موضعه من قولهم " ومن أشبه أباه فما ظلم (3) " ~~أي فما وضع الشبه في غير موضعه كذا في مجمع البيان أو التعدي عن حدود الله ~~كما يفهم من قوله تعالى: " ومن يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه (4) " وغيره إذ ~~لا شك أن فعل الصغيرة خروج عن الاستقامة والطاعة، وأنه نقص ووضع في غير ~~المحل، وتعد عن # PageV00P047 # الحدود، إذ حدود الله هي الأوامر والنواهي أيضا ترك حكم الله ورفضه لا ~~يتفاوت فيه الحال بالكبر والصغر، فإنه يكون عاصيا سيما بالنسبة إلى ~~الأنبياء والأئمة [المعصومين] عليهم أفضل الصلوات والتسليمات على أن البعض ~~لم يقل بالصغيرة، بل يقول: الذنوب كلها كبائر. # وبالجملة الذي نقلته عن القاضي ههنا مع عدم انطباقه على مذهبه، وبعض ~~قوانين الأصول عندهم مثل مجازية صدق المشتق على من انقضى عنه المبدء، وإلا ~~يلزم صدق الكافر حقيقة على أكابر الصحابة، وتعليق الحكم على المشتق يفيد ~~علية المبدء له حين الاتصاف، وأن الحكم حين وجود ms040 العلة مثل أكرم العلماء، ~~يدل على صدوره عنه بغير روية وإجرائه على لسانه ليكون حجة عليه، وفضيحة له ~~عند الله وعند الناس، كما هو الموجود مثله في غير هذا المحل أيضا ومن غيره ~~أيضا كثيرا كما سيظهر لك إذا تأملت كلامهم وسيجيئ بعضه إن شاء الله وقد ~~أشرت إليها في مواضع [شتى] سأجمعها إن شاء الله. PageV00P048 # كتاب الصلاة وهو يتنوع أنواعا الأول في البحث عنها بقول مطلق وفيه آيات: # الأولى: إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا (1). # مفروضة أو موقتة فلا تضيعوها ولا تخلوا بشرائطها وأوقاتها، وسيأتي تتمة ~~البحث فيها إن شاء الله تعالى. # الثانية: حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وقوموا لله قانتين (2). # كأن الأمر بمحافظة الصلوات بالأداء لوقتها، والمداومة عليها، بعد بيان ~~أحكام الأزواج والأولاد لئلا يلهيهم الاشتغال بهم عنها و " الوسطى " تأنيث ~~الأوسط من الوسط أي البين أو الفضل، وخصها بعد العموم للاهتمام بحفظها، ~~لأفضليتها قيل: هي الظهر، وهو المروي عن الباقر والصادق (3) عليهما السلام ~~كذا في مجمع البيان وقيل: العصر يدل عليه الرواية عنه صلى الله عليه وآله: ~~شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر (4) وقيل: كل واحدة من الصلوات الخمس، ~~ولكن وجه ظاهر، وقيل هي مخفية مثل ليلة القدر، وساعة الإجابة، واسم الله ~~الأعظم، لأن يهتموا بالكل غاية الاهتمام، ويدركوا الفضيلة في الكل، فهي تدل ~~على جواز العمل المعين لوقت من غير جزم بوجوده، مثل عمل ليلة القدر، ~~والعيد، وأول رجب وغيرها مع عدم ثبوت الهلال، وقد صرح بذلك في الأخبار فلا ~~يشترط الجزم في النية، ولهذا جاز الترديد فيها ليلة الشك فافهم. # " وقوموا لله " في الصلاة " قانتين " ذاكرين لله في قيامكم، والقنوت أن ~~يذكر # PageV00P049 # الله قائما، وقيل كانوا يتكلمون في الصلاة فنهوا عنه وقيل هو الركود وكف ~~الأيدي و البصر كذا في الكشاف. # قال في مجمع البيان: " وقوموا لله قانتين " قال ابن عباس معناه داعين ~~والقنوت هو الدعاء في الصلاة حال القيام، وهو المروي عن أبي جعفر وأبي عبد ~~الله عليهما السلام (1) وقيل طائعين وقيل خاشعين ms041 وقيل ساكتين والذكر أنسب ~~من الدعاء فإنه أعم و الأصحاب لا يشترطون الدعاء في القنوت فإنهم يجعلون ~~كلمات الفرج أفضله، وليس فيها دعاء، فدلت الآية على وجوب محافظة الصلوات ~~خرج ما ليس بواجبة منها إجماعا بقي الباقي منها تحت العموم فلا يبعد ~~الاستدلال بها على وجوب الجمعة والعيدين والآيات أيضا. # واستدل بها على وجوب القنوت فيها، وفيه تأمل، لاحتمال معان آخر كما مر، ~~وعدم ثبوت كونه بالمعنى المتعارف عند الفقهاء واحتمال كونه مخصوصا بالوسطى ~~كما قيل، ولأنه أمر بالقيام فهو إما قيام حقيقي أو كناية عن الاشتغال ~~بالعبادة لله تعالى في حال القنوت فالواجب حينئذ هو القيام حال القنوت لا ~~القنوت، وإن احتمل حينئذ وجوب القنوت أيضا إذ على تقدير تركه ما وجد ~~المأمور به، وهو القيام حال القنوت فوجوبه يستلزم وجوبه، لكن وجوبه غير ~~معلوم القائل، وعلى تقديره يكون مشروطا أي إن قنتم فقوموا، والأصل عدم ~~الوجوب وهو مذهب الأكثر، وأنه ليس في روايتي تعليم النبي صلى الله عليه ~~وآله صلاة الأعرابي والصادق عليه السلام حماد بن عيسى وغيرها (2) من ~~الروايات، فالاستحباب غير بعيد، ويمكن حمل الآية عليه فتأمل. # الثالثة: وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها لا نسألك رزقا نحن نرزقك ~~والعاقبة للتقوى (3). # أي أقبل أنت مع أهلك على عبادة الله والصلاة، واستعينوا بها على حاجتكم # PageV00P050 # ولا تهتم بأمر الرزق والمعيشة، فإن رزقك يأتيك من عندنا، ونحن رازقوك، ~~ولا نسألك أن ترزق نفسك ولا أهلك، ففرغ بالك لأمر الآخرة، وعن عروة بن ~~الزبير أنه كان إذا رأى ما عند السلاطين قرأ " ولا تمدن الآية " (1) ثم ~~ينادي الصلاة الصلاة رحمكم الله، وعن بكر بن عبد الله المزني كان إذا أصاب ~~أهله خصاصة قال: قوموا وصلوا، بهذا أمر الله رسوله صلى الله عليه وآله ثم ~~يتلو هذه الآية. # ثم ظاهر الآية وجوب أمر أهله بالصلاة فقط ولعل المراد وجوبها على الآمر ~~بها أيضا وترك للظهور إذ هو مأمور بالصبر عليها، وعدم جعل طلب الرزق وكسبه ~~مانعا عن ذلك، معللا بأنه يأتيه من ms042 عند الله ما يحتاج إليه هو وأهله من غير ~~سبب وكسب، وتخصيص الأهل يحتمل لكثرة الاهتمام، وكونه معهم دائما وكون رزقهم ~~مانعا. # فيحتمل المضمون ترك الكسب للرزق بالكلية، والتوجه إلى الأمر بالمعروف ~~والتصبر على مشاقة الصلاة والأمر بها، وعدم تكليفه برزق نفسه، وعياله، و ~~يكون ذلك من خصائصه، ويحتمل العموم إن توجه إليها غيره صلى الله عليه وآله ~~مثل توجهه إليها كما في آيات أخر (2) ولهذا قيل من كان في عمل الله كان ~~الله في عمله، وقال بعض الفقهاء: طالب العلم المتقي لا يحتاج إلى الكسب ~~للرزق فإنه يأتيه من عند الله بغير كسب من حيث لا يحتسب. # وفي مجمع البيان: وأمر يا محمد أهل بيتك وأهل دينك بالصلاة وروى أبو سعيد ~~الخدري قال: لما نزلت هذه الآية كان رسول الله صلى الله عليه وآله يأتي باب ~~فاطمة وعلي عليهما السلام تسعة أشهر عند كل صلاة فيقول: الصلاة الصلاة ~~رحمكم الله إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا، ~~ورواه ابن عقدة بإسناده بطرق كثيرة عن أهل البيت عليهم الصلاة والسلام ~~وغيرهم، مثل أبي برذة وأبي رافع (3) وقال أبو جعفر عليه الصلاة والسلام ~~أمره الله تعالى أن يخص أهله دون الناس ليعلم الناس أن لأهله # PageV00P051 # عند الله منزلة ليست للناس، فأمرهم مع الناس، ثم أمرهم خاصة (1) هذا يدل ~~على أن المراد بأهلك من يختص به من أهله لا أهل دينه أيضا. # " واصطبر عليها " أي على فعلها وعلى أمرهم بها، وعلى مشاق ذلك " لا نسألك ~~رزقا " لا لخلقنا ولا لنفسك، بل كلفناك العبادة وأداء الرسالة وضمنا رزق ~~الجميع " نحن نرزقك " الخطاب للنبي صلى الله عليه وآله والمراد به الجميع ~~أي نرزق الخلق جميعهم، ولا نسترزقهم وننفعهم ولا ننتفع بهم، فيكون أبلغ ~~الامتنان عليهم " و العاقبة للتقوى " أي العاقبة المحمودة لأهل التقوى. # واعلم أن هذا التفسير لا يناسب رواية أبي جعفر عليه الصلاة والسلام وهو ~~الظاهر، وأنه خلاف الظاهر، وأن ظاهرها اختصاصه بعدم طلب الرزق وأنه يرزقه، ~~وكذا أهل بيته ms043 لا كل خلقه، فإنه لا يفهم كعدم فهم أهل دينك من أهلك وهي تدل ~~على وجوب الأمر بها والصبر عليها، ولا يبعد فهم الأمر بكل المأمور [به] ~~والصبر على التكاليف الشاقة، وعدم جعل الرزق مانعا عنها، وعدم الاعتداد ~~بالدنيا وجعلها محمودة، وكون التقوى هي العاقبة المحمودة. # الرابعة: قد أفلح المؤمنون الذين هم في صلاتهم خاشعون (2). # في مجمع البيان أي خاضعون متواضعون متذللون لا يرفعون أبصارهم عن مواضع ~~سجودهم، ولا يلتفتون يمينا ولا شمالا، وروي أن النبي صلى الله عليه وآله ~~رأى رجلا يعبث بلحيته في صلاته فقال أما إنه لو خشع قلبه لخشعت جوارحه، وفي ~~هذا دلالة على أن الخشوع في الصلاة يكون بالقلب والجوارح. أما بالقلب فهو ~~أن يفرغ قلبه بجميع همه لها، والإعراض عما سواها، فلا يمكن فيه غير العبادة ~~والمعبود وأما بالجوارح فبغض البصر والإقبال إليها، وترك الالتفات والعبث، ~~وفيما ذكر من # PageV00P052 # غض البصر، مطلقا فتأمل (1) إذ المستحب النظر إلى موضع السجدة حال القيام ~~إلى آخر ما هو المشهور. نعم، ورد غض البصر حال الركوع، في رواية حماد (2) ~~وفي رواية زرارة النظر إلى ما بين الرجلين (3) وحمل الشيخ الأولى على ~~الثانية بأنه إذا لم ينظر إلا إلى ما بين رجليه كأنه غض بصره ويحتمل العمل ~~بهما، فيكون كل واحد من الغض والنظر مستحبا تخييريا وأيضا كون الإقبال ~~إليها من الجوارح غير ظاهر فتأمل. # وفي الكشاف: الخشوع في الصلاة خشية القلب، وإلزام البصر موضع السجود ولعل ~~مراده حال القيام، وبالجملة الظاهر أنه حضور القلب وتأثره وخوفه و طمعه، ~~ويظهر ذلك بالتوجه بالكلية إلى الصلاة وإلى الله، بحيث يظهر أثر البكاء في ~~العين، والاضطراب في القلب، واستعمال الأعضاء الظاهرة على الوجه المندوب ~~وترك المكروهات مثل العبث بجسده وثيابه، والالتفات يمينا وشمالا، بل النظر ~~إلى غير المسجد حال القيام، والتمطي والتثاؤب والفرقعة وغير ذلك مما بين في ~~الفروع وورد في الأصول (4) يعني لا يفعل المكروهات، ويفعل المندوبات في ~~الصلاة. # " والذين عن اللغو معرضون " واللغو لا يعنيك من قول أو فعل، ms044 كاللعب ~~والهزل، وما يوجب المروة إلقاءه وإطراحه، يعني أن لهم من الجد في العبادة ~~ما يشغلهم عن الهزل وقال في الكشاف: ولما وصفهم بالخشوع في الصلاة، أتبعه ~~الوصف بالإعراض عن اللغو ليجمع لهم الفعل والترك الشاقين على الأنفس اللذين ~~هما قاعدتا بناء التكليف، وأنت تعلم أن الخشوع في الصلاة كان مشتملا على ~~الفعل والترك، وترك اللغو أي ما لا يعني مطلقا فعلا كان أو تركا، فترك الذي # PageV00P053 # هو ما لا ينفع (1) أيضا داخل في الإعراض عن اللغو فكأنه للتأكيد وبالجملة ~~هو شامل لكل من الفعل والترك اللذين لا ينفعان، ولا يحصل الإعراض عن ذلك ~~إلا بترك المباحات أيضا فعلا وتركا، فيوجب ذلك الاشتغال بالعبادة دائما ~~فتأمل. # فدلت على الترغيب بالخشوع بالمعنى المتقدم [فيها] حتى كاد أن يكون له دخل ~~عظيم في الإيمان، أي في كماله فدلت على استحباب بعض الأفعال في الصلاة ~~وكراهية البعض على الاجمال، وتفصيله يعلم من الأخبار، ومذكور في الفروع ~~وكذا دلت على الترغيب بالإعراض عن اللغو، بل يفهم وجوب ذلك حيث إن له دخلا ~~في الإيمان أي في كماله، وقارنه بفعل الزكاة، وترك الزنا ودلت أيضا على أن ~~فعل الزكاة وترك الزنا كذلك حيث قال عاطفا على الذين " والذين هم للزكاة ~~فاعلون والذين هم لفروجهم حافظون " الآية، المراد بالزكاة هنا المصدر فيكون ~~مثل ما يقال " فاعل الضرب " بإضافة الفاعل إلى الأحداث كما هو المتعارف مثل ~~أن يقال " من فاعل هذا " يقال " زيد أو الله أو خلق الله. # قوله " والذين هم على صلواتهم يحافظون " في مجمع البيان أي يقيمونها في ~~أوقاتها ولا يضيعونها، وإنما أعاد ذكر الصلاة تنبيها على عظم قدرها وعلو ~~رتبتها عنده تعالى " أولئك هم الوارثون " معناه أن من كان بهذه الصفات ~~واجتمعت فيه هذه الخلال، هم الوارثون يوم القيامة منازل أهل النار من ~~الجنة، فقد روي عن النبي صلى الله عليه وآله قال ما منكم من أحد إلا وله ~~منزلان في الجنة ومنزل في النار فإن مات ودخل النار ورث أهل الجنة منزله، ~~وقيل ms045 إن معنى الميراث هنا أنهم يصيرون إلى الجنة بعد الأحوال المتقدمة، ~~وينتهي أمرهم إليها، كالميراث الذي يصير الوارث إليه، ثم وصف الوارثين ~~فقال: " الذين يرثون الفردوس هم فيها خالدون " الفردوس اسم من أسماء الجنة، ~~وقيل هو اسم لرياض الجنة، وقيل هي جنة مخصوصة، قال في الكشاف: ليس ذكر ~~الصلاة هنا مكررا بل لأنهما مختلفان إذ وصفوا أولا بالخشوع في صلاتهم وآخرا ~~بالمحافظة عليها، وذلك بأن لا يسهو # PageV00P054 # عنها، ويؤدوها في أوقاتها، ويقيموا أركانها، ويوكلوا نفوسهم بالاهتمام ~~بها، و بما ينبغي أن يتم به أوصافها. وأيضا قد وحدت أولا لتفاد الخشوع في ~~جنس الصلاة أي صلاة كانت وجمعت آخرا لتفاد المحافظة على أعدادها، وهي ~~الصلوات الخمس، والوتر والسنن المرتبة مع كل صلاة، وصلاة الجمعة، والعيدين ~~والجنازة، والاستسقاء، والكسوف، والخسوف، وصلاة الضحى، والتهجد، و صلاة ~~التسبيح، وصلاة الحاجة وغيرها من النوافل أي أولئك الجامعون لهذه الأوصاف، ~~هم الوارثون الأحقاء بأن يسموا وراثا دون من عداهم ثم ترجم الوارثين بقوله ~~" الذين يرثون الفردوس " فجاء بفخامة وجزالة لإرثهم لا يخفى على الناظر ~~ومعنى الإرث ما مر في سورة مريم (1). أنث الفردوس على تأويل الجنة وهي ~~البستان الواسع الجامع لأنواع الثمر، وروي أن الله تعالى بنى جنة الفردوس ~~لبنة من ذهب، ولبنة من فضة، وجعل خلالها المسك الأذفر وفي رواية لبنة من ~~مسك مذري، و غرس فيها من جيد الفاكهة، وجيد الريحان. # ففيها دلالة على الترغيب بمحافظة الصلوات بالمعنى المتقدم، وأنه لا بد من ~~محافظة جميعها حتى يكون موجبة لحصر إرث الفردوس، والخلود في المتصف بها ~~بخلاف الخشوع، فإنه يكفي في الواحدة أيها كانت كما ذكره صاحب الكشاف وإن ~~جميع ما ذكره من الصلوات مرغوبة إلا صلاة الضحى فإنها بدعة عندنا. # * (النوع الثاني) * في دلايل الصلوات الخمس وأوقاتها وفيه آيات: # الأولى: أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل وقرآن الفجر إن # PageV00P055 # قرآن الفجر كان مشهودا ومن الليل فتهجد به نافلة لك عسى أن يبعثك ربك ~~مقاما محمودا (1). # في الكشاف: دلكت الشمس غربت وقيل زالت وروي ms046 عن النبي صلى الله عليه وآله ~~" أتاني جبرئيل لدلوك الشمس فصلى بي الظهر (2) " واشتقاقه من الدلك لأن ~~الانسان يدلك عينيه عند النظر إليها، فإن كان الدلوك الزوال، فالآية جامعة ~~لأوقات الصلوات الخمس والظاهر ذلك كما يدل عليه اللغة والرواية المتقدمة، و ~~كذا روايات الخاصة، ولكن يتوقف مع ذلك على كون الغسق غير دخول أول الليل، ~~بل الظلمة الشديدة، وهو نصف الليل كما يدل عليه بعض روايات الخاصة ففيها ~~دلالة على سعة وقت جميع الصلوات الخمس على الاجمال، فيخصص ويتعين بضم ~~الأخبار أو الاجماع على الوجه المقرر فيتم المطلوب فتأمل. # قال في الكشاف: والغسق الظلمة، هو وقت صلاة العشاء، وفيه إجمال من حيث ~~عدم معلومية آخر الوقت بل أوله أيضا وقال فيه أيضا " وقرآن الفجر " صلاة ~~الفجر، سميت قرآنا، وهو القراءة لأنها ركن كما سميت ركوعا وسجودا وقنوتا، ~~لعل مراده بالركن هو الواجب الذي بتركه عمدا تبطل الصلاة لا سهوا أيضا كما ~~هو اصطلاح الأصحاب " مشهودا " تشهده ملائكة الليل والنهار، هذا إن فعلت في ~~أول وقتها، ففيه إشارة إلى المبالغة في فعلها أول الوقت، وعند بعض الفقهاء ~~ليس الوقت إلا الآخر في جميع الصلوات الموسعة، ومن يفعلها في أول الوقت فهو ~~مقدمها، ويجزئ، فهو خروج عن النص بالهوى فتأمل. # قال في مجمع البيان في الدلوك: فقال قوم زوالها وهو المروي عن أبي جعفر ~~وأبي عبد الله عليهما الصلاة والسلام (3) ومعنى " لدلوك الشمس " عند ~~دلوكها. # وقيل غسق الليل هو أول بدو الليل عن ابن عباس، وقيل هو انتصاف الليل # PageV00P056 # عن أبي جعفر وأبي عبد الله عليهما السلام (1) ثم قال واستدل قوم من ~~أصحابنا بالآية على أن وقت الظهرين موسع إلى آخر النهار، لأنه سبحانه أوجب ~~إقامة الصلاة من وقت دلوكها إلى غسق الليل وذلك يقتضي أن بينهما وقتا، ولم ~~يرتضه الشيخ أبو جعفر قدس الله روحه (2) قال إن الدلوك هو غروب الشفق (3) ~~ومن قال إن الدلوك هو الزوال أمكنه أن يقول إن المراد بيان وجوب الصلوات ~~الخمس، على ما ذكره الحسن لا ms047 لبيان وقت صلاة واحدة. # وأقول: إنه يمكن الاستدلال بالآية على ذلك أي على سعة الوقت على الوجه ~~المشهور بأن يقال: إن الله سبحانه جعل دلوك الشمس الذي هو الزوال إلى غسق ~~الليل وقتا للصلوات الأربع إلا أن الظهر والعصر اشتركا في الوقت من الزوال ~~إلى الغروب، والمغرب والعشاء الآخرة اشتركا في الوقت مع المغرب إلى الغسق ~~وأفرد صلاة الفجر بالذكر في قوله تعالى " إن قرآن الفجر " ففي الآية بيان ~~وجوب الصلوات الخمس، وبيان أوقاتها، ويؤيد ذلك ما رواه العياشي بالإسناد عن ~~عبيد بن زرارة عن أبي عبد الله عليه الصلاة والسلام في قوله تعالى " أقم ~~الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل " قال: إن الله افترض أربع صلوات أول ~~وقتها من # PageV00P057 # زوال الشمس إلى انتصاف الليل، منها صلاتان أول وقتهما من عند زوال الشمس ~~إلى غروب الشمس إلا أن هذه قبل هذه، ومنها صلاتان أول وقتهما من عند غروب ~~الشمس إلى انتصاف الليل إلا أن هذه قبل هذه، وإلى ذلك ذهب المرتضى علم ~~الهدى قدس الله روحه في أوقات الصلوات وهذه الرواية (1) موجودة في الأصول ~~ويوجد غيرها أيضا ونقلها الشيخ أيضا في كتبه (2) وقال بها. # وقال الزجاج إن في قوله تعالى " أقم الصلاة وأقم قرآن الفجر " فائدة ~~عظيمة هي أنها تدل على أن الصلاة لا تكون إلا بقراءة لأن قوله أقم الصلاة ~~وأقم قرآن الفجر قد أمر فيه أن يقيم الصلاة بالقراءة حتى سميت الصلاة قرآنا ~~فلا تكون صلاة إلا بقرآن فيه تأمل كما في قول الكشاف خصوصا في قوله: " ~~وقنوتا " فإنه ليس بمشروع إلا في بعض الصلوات عندهم الوتر والصبح، وجزء ~~مستحب فتأمل. # قوله " ومن الليل فتهجد " الآية تدل على وجوب صلاة الليل واختصاصه به صلى ~~الله عليه وآله يمنع من التأسي فيه. # الثانية: أقم الصلاة طرفي النهار (3). # قيل إن طرفي النهار وقت صلاة الفجر والمغرب، وقيل غدوة وعشية، و هي صلاتا ~~الصبح والعصر وقيل والظهر أيضا لأن بعد الزوال كله عشية ومساء عند العرب، ~~فتدل على سعة وقتهما في ms048 الجملة، وينبغي إدخال العشائين أيضا. # وزلفا من الليل. # قيل العشائين وقيل أي ساعات من الليل وهي ساعاته القريبة من آخر النهار. ~~وقيل: زلفا من الليل أي قربا من الليل، وحقها على هذا التفسير أن يعطف على ~~الصلاة أي أقم الصلاة وأقم زلفا من الليل على معنى وأقم صلوات يتقرب بها ~~إلى الله عز وجل في بعض الليل فيمكن أن يكون إشارة إلى صلاة # PageV00P058 # الليل المشهورة. " إن الحسنات يذهبن السيئات " يحتمل وجهين تكفير الذنوب ~~بالطاعات، في صريحة في وقوع التكفير وكذا غيرها من الآيات والأخبار واللطف ~~يعني أن الطاعات موجب لترك المعصيات بالخاصية أو بسبب لطفه تعالى كقوله ~~تعالى " إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر " (1) " ذلك ذكرى للذاكرين " أي ~~ما ذكر من قوله " فاستقم " (2) إلى ههنا عظة للمتعظين، ثم رجع إلى ذلك ~~للتذكير بالصبر بقوله " واصبر فأن الله لا يضيع أجر المحسنين " وهو دليل ~~على الحث والتحريض والترغيب على الوعظ والاتعاظ، وعلى الصبر والإحسان وهو ~~ظاهر. # الثالثة: فسبحان الله حين تمسون وحين تصبحون وله الحمد في السماوات ~~والأرض وعشيا وحين تظهرون (3). # سئل ابن عباس هل تجد الصلوات الخمس في القرآن؟ قال: نعم، وقرأ هذه الآية ~~فالتسبيح حين تمسون صلاة المغرب والعشاء وحين تصبحون صلاة الفجر وعشيا صلاة ~~العصر، وحين تظهرون صلاة الظهر، ويحتمل أن يراد بالأول المغرب وبعشيا ~~العشاء وبتظهرون الظهرين وغير ذلك مثل أن يراد بعشيا المغرب والعشاء ~~وبتمسون العصر وبتظهرون الظهر فقط. وعشيا عطف على حين فيكون وله الحمد ~~معترضة ويحتمل عطفه على السماوات ولكن يبعد حينئذ فهم الصلاة و يحتمل أن ~~يراد من الحمد الصلات إلا أنه حينئذ الصلوات في السماوات غير ظاهرة وعطف " ~~عشيا " " وحين تظهرون " أيضا على السماوات غير مناسب، وحين تظهرون مشعر ~~بعطفه على الأول وترك حين في عشيا كأنه لعدم مجئ الفعل منه فتأمل. # الرابعة: فاصبر على ما يقولون وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل غروبها ~~(4). # PageV00P059 # معناه في الكشاف: فكأنه قال: صل لله قبل طلوع الشمس، يعني صلاة الفجر، ~~وقبل غروبها يعني الظهر ms049 والعصر لأنهما واقعتان في النصف الأخير من النهار ~~فحينئذ فيها دلالة على وجوب الصلوات الثلاث وسعة وقتها، وعدم اختصاصها بأول ~~الوقت، فالقول بأن وقت صلاة الفجر إلى الإسفار والتنوير كما هو قول بعض ~~أصحابنا غير واضح وكذا اختصاص الظهر بأول الوقت وكذا العصر بأول وقتها. وهو ~~ظاهر بناء على تفسير التسبيح بالصلاة، وأما على الاحتمال بكون المراد هو ~~التسبيح حقيقة فلا دلالة، بل المراد هو الترغيب والتحريض، على تسبيحه تعالى ~~وتنزيهه في هذه الأوقات الشريفة. # " ومن آناء الليل فسبح وأطراف النهار لعلك ترضى " قدم الظرف ههنا على ~~الفعل عكس الأول، للاهتمام بفعلها ليلا لعدم شغل النفس حينئذ ولأنها أشق ~~ويحتمل كون " من " بمعنى " في " وابتدائية، وقال في الكشاف: وقد تناول ~~التسبيح في آناء الليل صلاة العتمة، وفي أطراف النهار صلاة المغرب، وصلاة ~~الفجر على التكرار إرادة الاختصاص كما اختصت في قوله " حافظوا على الصلوات ~~والصلاة الوسطى " عند بعض المفسرين. # ويحتمل " من آناء الليل " إرادة صلاة الليل المشهورة أيضا أو مطلق الصلاة ~~ليلا فإنها عبادة مطلوبة جدا وإرادة نافلة الفجر أيضا، وكذا من أطراف ~~النهار أيضا بحمل الأمر على الرجحان المطلق فتأمل. # الخامسة: وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل الغروب ومن الليل فسبحه ~~وأدبار السجود (1) أي سبح حامدا ربك قبل الطلوع وقبل الغروب وسبحه أيضا في ~~بعض الليل وفي أدبار السجود، والتسبيح، إما محمول على ظاهره، أو على الصلاة # PageV00P060 # فالصلاة قبل طلوع الشمس الفجر، وقبل الغروب الظهر والعصر، ومن الليل ~~العشاءان، فيها دلالة على سعة وقتها، وأدبار السجود التسبيح في آثار ~~الصلوات والسجود والركوع يعبر بهما عن الصلاة، وقيل النوافل بعد المكتوبات، ~~وعن علي عليه الصلاة والسلام الركعتان بعد المغرب وروي عن النبي صلى الله ~~عليه وآله من صلى بعد المغرب قبل أن يتكلم كتبت صلاته في عليين ومثلها ~~موجود من طرقنا أيضا (1). # والظاهر أن المراد قبل أن يتكلم بكلام أجنبي لا التعقيب، وهو مفسر في ~~الرواية الصحيحة به والأدبار جمع دبر وقرئ بكسر الهمزة مصدرا والكل من ~~أدبرت الصلاة: ms050 إذا انقضت وتمت، ومعناه وقت قضاء السجود كقولهم أتيتك خفوق ~~النجم، ويقرب من الآية ما في الطور " فسبح بحمد ربك حين تقوم (2) " أي سبح ~~بحمد ربك حين تقوم من أي مكان، وقيل: من نومك، وقيل تقوم: إلى الصلاة ~~المفروضة، فقل سبحانك اللهم وبحمدك وقيل: وصل بأمر ربك حين تقوم من مقامك، ~~قيل: الركعتان قبل صلاة الفجر، وقيل حين تقوم من المجلس فقل سبحانك اللهم ~~وبحمدك لا إله إلا أنت اغفر لي وتب علي وقد روي مرفوعا أنه كفارة المجلس ~~(3) وروي عن علي عليه الصلاة والسلام من أحب أن يكتال بالمكيال الأوفى ~~فليكن آخر كلامه من مجلسه: سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على ~~المرسلين والحمد لله رب العالمين (4). # وقيل أذكر الله بلسانك حين تقوم إلى الصلاة إلى أن تدخل في الصلاة " و من ~~الليل فسبحه وإدبار النجوم " بالكسر قيل المراد الأمر بقول: سبحان الله ~~وبحمدك في هذه الأوقات وقيل يعني صلاة الليل، وروى زرارة وحمران ومحمد بن ~~مسلم عن # PageV00P061 # أبي جعفر وأبي عبد الله عليهما السلام في هذه الآية قالا إن رسول الله ~~صلى الله عليه وآله كان يقوم من الليل ثلاث مرات فينظر في آفاق السماء ~~فيقرأ خمس آيات من آل عمران: " إن في خلق السماوات والأرض - إلى قوله تعالى ~~- إنك لا تخلف الميعاد " ثم يفتح صلاة الليل الخبر (1). # وقيل معناه صلاة المغرب والعشاء الآخرة، وإدبار النجوم يعني الركعتين قبل ~~صلاة الفجر وهو المروي عن أبي جعفر وأبي عبد الله عليهما السلام (2) وذلك ~~حين تدبر النجوم أي حين تغيب بضوء الصبح، وقيل معناه صلاة الفجر المفروضة ~~وقيل معناه لا تغفل عن ذكر ربك صباحا ومساء ونزهه في جميع أحوالك ليلا ~~ونهارا فإنه لا يغفل عنك وعن حفظك، وفي هذه الآية دلالة على أنه سبحانه قد ~~ضمن حفظه وكلايته حتى بلغ الرسالة، الله يعلم بحقيقة كلامه وغيره. # ويدل على رجحان القيام للصلاة عن المضاجع، والصلاة بالليل ودعاء الرب ~~خوفا من العقاب، وطمعا في الثواب، والإنفاق مما رزقه الله تعالى ms051 قوله ~~تعالى: # " تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفا وطمعا ومما رزقناهم ينفقون ~~(3) " ترتفع جنوبهم عن مواضع اضطجاعهم لصلاة الليل وهم المتهجدون بالليل ~~الذين يقومون عن فرشهم للصلاة، وهو المروي عن أبي جعفر وأبي عبد الله ~~عليهما السلام، فهو القيام في الليل لصلاة الليل والتهجد المشهور، وظاهر ~~الآية أنهم يقومون للدعاء خوفا من عدم الإجابة وطمعا لها، كأنه الدعاء في ~~الوتر وغيره، وقيل هم الذين لا ينامون حتى يصلوا العشاء الآخرة، قال أنس ~~نزلت فينا معاشر الأنصار كنا نصلي المغرب فلا نرجع إلى رحالنا حتى نصلي مع ~~النبي صلى الله عليه وآله صلاة العشاء وقيل هم الذين يصلون ما بين المغرب ~~والعشاء الآخرة وهي صلاة الأوابين، و قيل هم الذين يصلون العشاء والفجر في ~~جماعة " يدعون ربهم خوفا " من عذاب الله # PageV00P062 # وطمعا في رحمة الله ومما رزقهم الله ينفقون في سبيل الله وطاعته (1). # واعلم أن وجوب الصلوات ليس من الفقه فإنه من ضروريات الدين، مع أن الآيات ~~الدالة عليها في غاية الاجمال فكان تركها أليق، ولكن ذكرنا بعض الآيات في ~~ذلك لبيان الوقت، وبعض الفوايد الأخر. # تذنيب " سابقوا إلى مغفرة من ربكم " (2) قيل تدل على أن المراد بالأمر ~~الفور، و ذلك غير ظاهر، فإنه يحتمل أن يقال: المراد استحباب المسارعة فإنه ~~إنما يقال مثل هذا الكلام عرفا إذا لم يكن واجبا فتأمل ويؤيده دخول ~~المستحبات أيضا فيه فتدل على استحباب فعل العبادات أول وقتها كما تقدم. # * (النوع الثالث) * في القبلة وفية آيات: # منها: قد نرى تقلب وجهك في السماء فلنولينك قبلة ترضيها فول وجهك شطر ~~المسجد الحرام وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره وأن الذين أوتوا الكتاب ~~ليعلمون أنه الحق من ربهم وما الله بغافل عما تعملون (3). # الرؤية هنا بمعنى العلم، والتقلب التحول والتحرك في الجهات، والقبلة هي ~~الكعبة للقادر على المشاهدة على سبيل العادة، وللبعيد الجهة على ما هو ~~المشهور الرضا هو المحبة والتولية هو التصبير والتصريف والشطر هو الجانب ~~والنحو والجهة والحرام هو المحرم كالكتاب بمعنى المكتوب، والحق ms052 هو وضع الشئ ~~موضعه، و الغفلة هي السهو عن بعض الأشياء. # PageV00P063 # المقصود [من الآية] أن الله تعالى: يقول للنبي صلى الله عليه وآله إنا قد ~~نعلم تردد وجهك في جهة السماء أي توجهك نحوها انتظارا لتحويل القبلة، ~~النازل منها نحوك، إلى قبلة تحبها وتتشوق إليها لأغراضك الصحيحة التي في ~~نفسك، ووافقت في ذلك مشية الله وحكمته، وهي قبلة أبيك إبراهيم عليه وآله ~~السلام وأدعى إلى الإيمان لأنها مفخرتهم ومطافهم، فلنعطينك تلك القبلة ~~المرضية. # ثم بينها بقوله: " فول " أي فاجعل تولية وجهك في جهة المسجد وسمته، و ~~اصرفه نحو المسجد المحرم فيه القتال، وإخراج الملتجي والمصيد، وباقي ما ~~يحرم على المحرم يعني اجعل قبلتك التي تتوجه إليها للصلاة وغيرها تلك الجهة ~~ثم أشار إلى وجوب ذلك على كل مكلف في كل مكان بقوله تعالى: " وحيث ما كنتم ~~فولوا وجوهكم شطره " ولعل في التعبير بالنحو والمسجد دون البيت دلالة على ~~وسعة أمر القبلة، وأنها الجهة الواسعة، لا البيت كما هو للقريب واختيار ~~المسجد دون الحرم مع أنها أدل لئلا يتوهم كون الحرم قبلة للبعيد كما قيل، ~~على أنه يحتمل إن يكون المراد الحرم ويكون التعبير عنه باسم أشرف أجزائه، ~~فيكون تسمية للكل باسم الجزء، أو على أن حكمه حكم المسجد في وجوب التعظيم ~~ويؤيده وصفه بالحرام ويحتمل أن يكون التعبير عن البيت بالمسجد الحرام، ~~تسمية للجزء باسم الكل فيكون القبلة للقريب نفسه، وللبعيد جهته كما هو مذهب ~~أكثر الأصحاب، وعلى التقادير لا تفاوت في القبلة المتعينة للبعيد فإنها ~~مبينة إما على العلامات الموضوعة لها شرعا على ما ذكره الفقهاء، مثل جعل ~~الجدي خلف المنكب الأيمن، وهو مجمع الكتف والعضد، وقال المحقق الثاني وهو ~~الكتف، وذلك غير ظاهر بحسب اللغة و الشرع والدليل، وإما على المقدمات ~~الهيوية كما بينها أهلها لكل إقليم إقليم، فالجهة حينئذ هي السمت والجانب ~~المأخوذ للتوجه إلى القبلة المعتبرة في الأمور المعينة على الوجه المقرر من ~~العلامات المتعينة له إما من دليل شرعي أو عقلي كما أشير إليه وقد ms053 ذكر ~~أصحابنا تعاريف كثيرة لها وكاد أن لا يكون واحد منها سالما مع أنه لا ~~اعتداد بتحقيقها إذ الواجب استعمال العلامات فقط وليست الجهة واقعة في النص ~~PageV00P064 # بحيث ما لم تتحقق لم يجز لنا التوجه إلى القبلة، وهو أمر ظاهر. # ثم اعلم أنه قال في مجمع البيان ذكر أبو إسحاق الثعلبي عن كنانة (1) عن ~~ابن عباس أنه قال: البيت كله قبلة، وقبلة البيت الباب، والبيت قبلة أهل ~~المسجد، و المسجد قبلة أهل الحرم، والحرم قبلة أهل الأرض، وهذا موافق لما ~~قاله أصحابنا أن الحرم قبلة من نأى عن الحرم من أهل الآفاق انتهى (2) لعله ~~يريد بعض الأصحاب وهو الشيخ ومن تبعه وقد ضعفه المتأخرون إذ دليله بعض ~~الروايات الغير الصحيحة، ويدل على كون القبلة هي البيت نفسه للقريب وجهته ~~للبعيد أدلة صحيحة وإن كان في إفادتها تأمل إلا أنها تتم بضم أمور أخر، مع ~~أنه يلزمه خروج الصف عن القبلة إذا زاد عن الحرم إلا أن يؤول بجهة الحرم، ~~فيبقى النزاع في القريب حيث يجوز الشيخ مع قدرة التوجه إلى البيت التوجه ~~إلى الحرم مع العلم بأنه غير موافق للبيت وكذا المسجد على أنه ينبغي أن ~~يقول من خرج بدل من نأى وأيضا كون الباب فقط قبلة البيت غير واضح، ولا ~~مطابق لكلام أصحابنا بل للأدلة أيضا، فكلام ابن عباس غير واضح، ولعل ~~الإسناد إليه غير صحيح أو محمول على الأفضلية. # وأيضا إن أمر القبلة على ما أفهم من قلة أدلته مع اهتمام الشارع ببيان ~~أحكام الشرع حتى مستحبات الخلا واسع جدا، وليس أمر القبلة يضيق بل فيه وسعة ~~وقناعة بأدنى التوجه المناسب إلى جهة البيت كما يفهم من كلام بعض الأصحاب ~~مثل المحقق الثاني من أنه لا بد من حصول زاويتين قائمتين من الخط الخارج من ~~بين عيني المصلي الواصل إلى الخط الذي هو الجهة مع أنه ما بين الخط الجهتي ~~وكلام الذكرى من أنه لا يجوز الانحراف ولو قليلا. # أما قلة الأدلة فظاهرة إذ الآية الكريمة في غاية ms054 الاجمال، إذ من يعرف أن ~~نحو المسجد أين؟ مع أنه ورد في المدينة المشرفة، فإذا علم ذلك هناك ببيان ~~مثلا فمن أين يفهم حال جميع الآفاق مع الاحتياج إليه للكل للصلاة ليلا ~~ونهارا بل # PageV00P065 # دائما لمن يصلي والذبح والاحتضار والدفن وللمستحبات من الجلوس والدعاء ~~والانحراف في الخلا وغير ذلك، وليس من الأخبار الآن إلا خبر واحد في ~~التهذيب (1) في نهاية ما يكون من ضعف السند فإنه قال عن الطاطري بغير واسطة ~~عن جعفر بن سماعة عن علاء بن رزين عن محمد بن مسلم عن أحدهما عليهما الصلاة ~~و السلام قال سألته عن القبلة قال: ضع الجدي على قفاك وصل، وطريقه إليه غير ~~واضح، وهو ضعيف جدا على ما ذكروه وفي الطريق جعفر بن سماعة، وهو أيضا من ~~الضعفاء وآخر في الفقيه (2) بغير إسناد قال رجل للصادق عليه الصلاة ~~والسلام: # إني أكون في السفر ولا أهتدي للقبلة بالليل، فقال أتعرف الكوكب الذي يقال ~~له الجدي؟ قلت: نعم، قال: اجعله على يمينك وإذا كنت في طريق الحج فاجعله ~~بين كتفيك، وهما مع ما في سندهما في غاية الاجمال كما ترى واستبعد من ~~الحكيم العالم أن يكلف بمثل هذا التكليف الشاق بهذه الأدلة فقط. # وأما ما يدل على عدم الضيق فهو بعض الأخبار الصحيحة أيضا مثل قولهم عليهم ~~الصلاة والسلام: بين المشرق والمغرب قبلة (3) كما يظهر من قوله تعالى: أيضا ~~" ولله المشرق والمغرب " (4) الآية على الظاهر. # وإن كان السبب ترك الأدلة المفصلة تفويض أمر القبلة إلى علم الهيئة فعلى ~~تقدير التسليم فذلك أيضا علم دقيق كثير المقدمات على ما يفهم من لسان أهله، ~~ولا يمكن الوصول إلى التحقيق به إلا بمشقة كثيرة في زمان طويل، والتكليف به ~~أيضا بعيد عن الشرع وقوانينه ولطفه، وكونه شريعة سهلة سمحة، والتفويض إلى ~~تقليد أهل ذلك العلم أيضا بعيد، إذ تقليدهم مع عدم عدالتهم، ليس من قوانين ~~الشرع، إذ الظاهر أنه لا بد من الانتهاء إلى قول بعض الحكماء الذي لا نعلم ~~إسلامه فضلا عن العدالة وإن ms055 أمكن وجود من يعلم عدالته مع علمه به من غير ~~أخذ ممن تقدم من الحكماء فهو نادر جدا. # PageV00P066 # ومع ذلك كله لا يحصل العلم بالبيت، بل ولا مكة بل ولا الحرم أيضا، نعم ~~يدعي بعضهم القدرة عليه، مع وجود آلات كثيرة بحيث لا يمكن استحصاله إلا ~~لمثل السلطان، و مع ذلك كيف يمكن في البراري والقرى التي لا يعلم عرضها وما ~~رصدوها بل في البلد المرصد أيضا فإنهم يعينون عرض البلد من موضع معين من ~~البلد، مثل وسط البلد فيبقى نهاية البلد غير مرصد، فيتفاوت الحال فلا يفيد ~~إلا تخمينا مع أنه في الأصل تخميني إذ التحقيق على ما يظهر من كلامهم مما ~~يعسر جدا، بل لا يمكن لعدم مساعدة الآلات. # على أنا نجد الاختلاف فيما بينهم أيضا في المسائل والتحقيقات، نعم يقرب ~~ذلك للمهرة في الجملة، ولكن لا يسمن ولا يغني من جوع، وأيضا ما نعرف وجه ضم ~~الأصحاب مشرق الاعتدال ومغربه، إلى علامة العراق، مع أن الظاهر أن قبلتهم ~~ليست نقطة الجنوب كما يظهر من المشاهدة في مكة وتعيين الجدي خلف المنكب مع ~~أنهم يقولون حين كونه علامة هو واقع على النقطة الشمالية التي يوافق خط نصف ~~النهار والقطب، فيكون حينئذ بين الكتفين فكأنه بالنسبة إلى بعض البلدان. # وأيضا جعل النجم الصغير الذي بينه وبين الفرقدين قطبا لكونه عنده كما ~~يظهر من كلام العلامة أيضا على ما رأيت في حاشيته على المحرر غير واضح، على ~~ما سمعت من بعض أهل هذا العلم الذي هو خالي الذي لا نظير له اليوم في هذا ~~العالم بل يقول إن القطب قريب من الجدي جدا وأيضا شاهدته كما قال فإني نظرت ~~وعلمت علامة ورأيت هذا النجم الصغير يتحرك كثيرا ويقطع دائرة كثيرة، وحركة ~~الجدي كانت قليلة جدا، ودائرته أقل من دائرة تلك النجم بكثير، إذ رأيته ~~كأنه ما يتحرك من أول الليل إلى نصفه تخمينا ثم تبين له حركة قليلة وأيضا ~~كلام أكثر الأصحاب خال عن تسميته قطبا وما رأيته إلا في ms056 شرح الإرشاد للشيخ ~~زين الدين رحمه الله. # ثم جعلهم قبلة خراسان مثلا مثل قبلة العراق كالكوفة بعيد أيضا لأنه شرقي ~~بالنسبة إلى الكوفة من مكة، مع أنهم يقولون إن قبلتها يقينية، إذ ثبت ~~بالتواتر صلاة المعصوم فيه بتلك القبلة، والعجب أنا نرى الجدي في الكوفة ~~خلف المنكب PageV00P067 # لا خلف الكنف كما قاله المحقق الثاني وجعل قبلة خراسان وأكثر بلاد العجم ~~على وضع الجدي خلف الكتف، وغير ما كان على غير ذلك إليه (1) والظاهر خلاف ~~ذلك وأن ما فعله بعيد جدا خصوصا في الخراسان. الله يعلم. # ومنها: ولله المشرق والمغرب فأينما تولوا فثم وجه الله إن الله واسع عليم ~~(3). # " المشرق " مبتدأ " لله " متعلق بمقدر خبره و " المغرب " عطف عليه والفاء ~~للتفريع وأين للمكان و " ما " زائدة كما في حيثما وكيفما، متضمن لمعنى ~~الشرط، و هو مفعول فيه لتولوا، وهو فعل شرط حذف نونه بالجزم وفاء " فثم " ~~للجزاء و " وجه الله " مبتدأ و " ثم " ظرف لمقدر خبره، والجملة جزاؤه، ~~والمقصود من الآية على ما يفهم من الكشاف أن البلاد والأرض المنقسمة إلى ~~المشرق أي النصف الذي فيه محل طلوعها، والمغرب أي النصف الذي فيه محل ~~غروبها كلها ملك لله، ففي أي مكان فعلتم التولية بمعنى تولية وجوهكم شطر ~~المسجد الحرام بدليل قوله تعالى: " فول وجهك شطر المسجد الحرام وحيث ما ~~كنتم فولوا وجوهكم شطره " فثم وجه الله أي ثم جهته التي جعلها قبلة لكم، ~~وأمركم أن تجعلوا وجوهكم إليها حيث ما كنتم أو فثم ذاته تعالى يعني عالم ~~فعلتم فيه، فيقبل منكم ويثيبكم مثل ما أثابكم في المسجد الحرام وبيت ~~المقدس. # يعني أنكم إذا منعتم أن تصلوا في المسجد الحرام أو في بيت المقدس كما فهم ~~من الآية السابقة، وهي " ومن أظلم " الآية (3) فإنها قبلها بلا فصل فقد ~~جعلت لكم الأرض مسجدا فصلوا في أي بقعة وأي جزء منها أردتم فإن الكل لله، ~~وافعلوا التولية، أي ولوا وجوهكم شطر المسجد الحرام فإن ذلك ممكن في كل ~~مكان، و # PageV00P068 # ليست بمخصوصة بمكان دون ms057 مكان، ويريد الله أن يدفع بذلك وهم من يتوهم عدم ~~إمكان التوجه إلى جهة واحدة من جميع الأمكنة. # " إن الله واسع " الرحمة يريد التوسعة واليسر لعباده " عليم " بمصالحهم ~~فإن المصلحة الحاصلة للصلاة في المساجد حاصلة لهم في أي مكان كان مع ~~التولية وحصول سائر الشرايط، وليست هذه بمنسوخة ولا مخصوصة بحال الضرورة ~~ولا بالنوافل مطلقا أو حال السفر كما يفهم من سائر التفاسير. # أما سبب النزول فقيل كان اليهود أنكروا تحويل القبلة إلى الكعبة عن بيت ~~المقدس، وقيل نزلت في [صلاة] التطوع على الراحلة، حيث توجهت حال السفر قاله ~~في مجمع البيان ثم قال: هذا مروي عن أئمتنا عليهم السلام روي عن جابر أنه ~~قال: # بعث النبي صلى الله عليه وآله سرية (1) كنت فيها وأصابتنا ظلمة، فلم نعرف ~~القبلة، فقال طائفة منا قد عرفنا القبلة هي هنا قبل الشمال فصلوا وخطوا ~~خطوطا، قول بعضنا القبلة هي ههنا قبل الجنوب فخطوا خطوطا فلما أصبحوا وطلعت ~~الشمس أصبحت تلك الخطوط لغير القبلة، فلما رجعنا من سفرنا سألنا النبي صلى ~~الله عليه وآله عن ذلك فسكت فأنزل الله تعالى هذه الآية. # وقيل كان للمسلمين التوجه حيث شاؤوا في صلاتهم، وفيه نزلت الآية ثم نسخت ~~بقوله تعالى " فول " الآية ويفهم من رواية جابر أنه لا تجب الصلاة حال ~~الحيرة إلى أكثر من جانب واحد ويكفي الظن إلى جهته، وإن لم يكن عن علامات ~~شرعية وأن العلم قبل الفعل ليس بشرط بل إذا حصل الظن وفعل وكان موافقا ~~لغرضه كان مجزيا لا يحتاج إلى الإعادة، كما يفهم من عبارات الأصحاب. # وأما الحكم المستفاد من الآية بناء على الأول فهو إباحة الصلاة في أي ~~مكان كان، وعموم التوجه إلى المسجد الحرام، وأما على ما يستفاد من ظاهرها ~~قبل التأمل فهو عدم اشتراط القبلة مطلقا ويقيد بحال الضرورة، أو النافلة ~~على الراحلة سفرا لما مر، وغير ذلك، ويحتمل عموم النافلة فتأمل. # PageV00P069 # * (النوع الرابع) * في مقدمات أخر للصلاة وفيه آيات: # الأولى: يا بني آدم قد أنزلنا عليكم لباسا ms058 (1). # أي خلقناه لكم بتدبيرات سماوية وأسباب نازلة منه، ونظيره قوله تعالى: # " وأنزل لكم من الأنعام " (2) وقوله تعالى " وأنزلنا الحديد (3) " فأشار ~~إلى أن للأمور السماوية مثل المطر دخلا في حصول اللباس، وقد تكون إشارة إلى ~~الرتبة فقط، فإن حصول اللباس لما كان بأمر الله وحكمته، وكان عاليا، فصار ~~نازلا من الأعلى إلى الأسفل " يواري سوأتكم " صفة " لباسا " يستر عورتكم و ~~روي أن العرب كانوا يطوفون بالبيت عراة ويقولون لا نطوف في ثياب عصينا الله ~~فيها " وريشا " عطف على لباسا، وهو لباس التجمل. # ففي الأول إشارة إلى وجوب ستر العورة باللباس مطلقا لقوله يواري سوأتكم ~~فإنه يدل على قبح الكشف وأن الستر مراد الله تعالى، وفي الثاني إلى استحباب ~~التجمل باللباس ويمكن فهم اشتراط كون اللباس مباحا لأن الله تعالى لا يمن ~~بإعطاء الحرام " ولباس التقوى " أي خشية الله أو الإيمان أو لباس يقصد به ~~العبادة والخشية من الله تعالى والتواضع له كالصوف والشعر، أو مطلق اللباس ~~الذي يتقى به من الضرر، كالحر والبرد والجرح، مبتدأ " وذلك خير " خبره بأن ~~يكون " ذلك " مبتدأ ثان (4) وخبره " خير " والجملة خبر لباس، أو " ذلك " ~~صفته وخير خبره أي لباس التقوى المشار إليه خير، وقرئ بالنصب (5) عطفا على ~~لباسا كأنه يريد على الأخير لباس يتقى به عن الحر والبرد والجرح والقتل دون ~~اللباس الذي # PageV00P070 # يستر عورته أو يتجمل به، فاللباس ثلاثة قد امتن الله على عباده بخلقه. ~~وحينئذ في " ذلك خير " تأمل ويمكن كونه خيرا لأنه يحصل به الستر والحفظ عن ~~الحر والبرد والجرح بخلافها، ويحتمل رجوعه إلى اللباس مطلقا ثم أشار بقوله ~~" ذلك من آيات الله لعلهم يتذكرون يا بني آدم لا يفتننكم الشيطان كما أخرج ~~أبويكم من الجنة ينزع عنهما لباسهما ليريهما سوأتهما إنه يريكم هو وقبيله ~~من حيث لا ترونهم إنا جعلنا الشياطين أولياء للذين لا يؤمنون " إلى أن ~~إنزال اللباس من آيات الله ليتذكر الانسان ويتعظ، وأوصى إلى بني آدم أن لا ~~يمتحنه الشيطان ويبتليه ببلية، بأن يوقعه في ذنب يوجب دخوله ms059 النار وينزع ~~لباسه ويبدو عورته، كما فعل بأبويه، وأنه يراهم وهم لا يرونه، فالحذر كل ~~الحذر منه، ولا بد من عدم الغفلة، وقال إن الشيطان (1) هو [وقبيله] ظ ~~أولياء الذين لا يؤمنون فلا يجوز للمؤمن أن يأخذه وليا. # " وإذا فعلوا فاحشة قالوا وجدنا عليها آباءنا والله أمرنا بها " كأن ~~المراد بالفاحشة الذنب الفاحش قال القاضي: فعلة متناهية في القبح والفحش، ~~كعبادة الصنم وكشف العورة إذا فعلوها يعتذرون باتباع الآباء وأن الله أمرهم ~~بها فرده الله تعالى بأن قال " قل إن الله لا يأمر بالفحشاء " أي الله لا ~~يأمر بالفحش والقبح فإنه قبيح ومنهي عنه، كأنه ترك الأول لظهور قبحة وعدم ~~صلاحيته للعذر (2) ومثله في القرآن كثير، ففيه دلالة على عدم جواز التقليد، ~~وأن الله لا يأمر بالقبح، وأنه قبيح، وأنه لا يفعل القبيح، وأن الفعل في ~~نفسه قبيح، من غير أمر الشارع، وأمثالها كثيرة في القرآن العزيز مثل " إن ~~الله يأمر بالعدل و الاحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر (3) ~~" فقول الأشعري إن الحسن محض قول الشارع افعل، والقبح قوله لا تفعل: باطل، ~~وهو واضح. # وأكد نفي صدور القبح عن الله تعالى بقوله " أتقولون على الله ما لا ~~تعلمون # PageV00P071 # قل أمر ربي بالقسط " ومعلوم قبح الأمر بالفحش، وأن الآمر به ليس بمسقط ~~ففيها تأكيدات على نفي القبح عن الله تعالى، وكون الفعل قبيحا في نفسه فهو ~~حجة على النافي من الأشعري. # الثانية: يا بني آدم خذوا زينتكم (1). # أي لباسكم، حيث إنه ساتر للعورة، فهو زينة " عند " دخول " كل مسجد " ~~لطواف أو صلاة أو مطلق دخول المساجد، ويحتمل أن يريد أخد ثياب التجمل فيهما ~~فإن الزينة أخذت لله تعالى، فعلى الأول دليل وجوب ستر العورة في الصلاة ~~والطواف. وعلى الثاني استحباب الزينة فيهما، أو مطلق المسجد، وقد فسر ~~بالمشط والسواك والخاتم والسجادة والسبحة، ثم عقب الأمر بالستر بالأمر ~~بالأكل و الشرب وعدم التنزه عن ذلك، بقوله " وكلوا وأشربوا " ما طاب أو ~~أبيح أو استلذ مما خلقه الله لكم كاللبس " و ms060 " لكن " لا تسرفوا " بتعدي ~~حدود الله مطلقا بتحريم الحلال، وبالعكس، أو في المأكل والمشرب والملبس، ~~فلا يجوز أكل وشرب ولبس ما لا يجوز، ولا ينبغي ما لا يليق بحاله، وعدم لبس ~~لباس التجمل وقت النوم والخدمة، ونحو ذلك كما بين في محل تفصيله. أو في ~~الأكل والشرب حتى يكون إشارة إلى كراهة وتحريم كثرة الأكل المؤدي إلى المرض ~~ولهذا قيل (2) جمع الله الطب في نصف آية " كلوا واشربوا ولا تسرفوا " " إن ~~الله لا يحب المسرفين " أي يبغضه، فينبغي حمل " ولا تسرفوا " على الاسراف ~~الحرام، ثم أكد ما تقدم بقوله " قل من حرم زينة الله " أي قل يا محمد ما ~~حرم الله زينته أي الأمور التي خلقها الله تعالى لزينة عباده " التي أخرج " ~~الله " لعباده " أي خلقها لعباده وأخرجها من النبات كالقطن والكتان ومن ~~الحيوانات كالصوف والسفر آلات " والطيبات # PageV00P072 # من الرزق " المستلذات من المأكل والمشرب أو المباحات، ففيها دلالة واضحة ~~على أن الأشياء خلقت على الإباحة دون الحرمة، كما في غيرها، كما صرح به ~~صاحب الكشاف في أول سورة البقرة في قوله تعالى " هو الذي خلق لكم ما في ~~الأرض جميعا (1) " أي لانتفاعكم بجميع ما خلق فيها بل هي وما فيها كما دل ~~عليه العقل فاجتمع الآن العقل والنقل على أن الأصل في الأمور هو الإباحة، ~~وغيرها يحتاج إلى الدليل فتأمل. " قل هي للذين آمنوا " أي الطيبات ثابتة ~~ومباحة للمؤمنين مع مشاركة الكفار لهم " في الحياة الدنيا خالصة " للمؤمنين ~~مختصة بهم " يوم القيمة " ففي الحياة الدنيا، متعلقة بمتعلق " للذين " ~~ويحتمل بآمنوا، وخالصة حال عن ضمير الطيبات في متعلق " للذين " ويوم القيمة ~~ظرف لخالصة. # ثم أشار مرة أخرى إلى حصر المحرمات الإضافية بقوله " قل إنما حرم ربي ~~الفواحش " الفواحش ما زاد فحشه وقبحه، وقيل: المراد ما يتعلق بالفروج " ما ~~ظهر منها وما بطن " جهرها وسرها " والإثم " أي ما يوجب الإثم تعميم بعد ~~تخصيص وقيل: شرب الخمر " والبغي " الظلم والكبر " بغير الحق " متعلق بالبغي ~~مؤكدا له " وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به ms061 سلطانا " تهكم بالمشركين، و ~~تنبيه على وجوب اتباع البرهان، حيث يفهم أنه لو كان على الشرك برهان لوجب ~~إلا أن البرهان عليه محال، وعلى تحريم اتباع ما لم يدل عليه برهان " وأن ~~تقولوا على الله ما لا تعلمون " بالإلحاد في صفاته، والافتراء عليه، وإسناد ~~الأمور الغير الصادرة عنه إليه تعالى، منها أن الحكم في المسألة كذا مع أنه ~~ليس كذلك وأن الله يعلم كذا ولم يكن كذلك، ويدخل فيه الفتوى والقضاء بغير ~~الاستحقاق وهو ظاهر، ومعلوم وجود محرمات غير هذه المذكورات فهي متروكة ~~الظاهر، و مخصوصة بها، والحصر إضافي فتأمل. # الثالثة: حرمت عليكم الميتة (2). # PageV00P073 # كأنه إشارة إلى بيان المستثنى الذي أشار إليه بقوله " إلا ما يتلى (1) " ~~فمن المحرمات المتلوة الميتة والظاهر أنها كل حيوان فارقته الروح من غير ~~تذكية شرعية، ولو باخراج المسلم السمك من الماء حيا وأخذ الجراد كذلك ~~ويحتمل أن يكون المراد كل حيوان مأكول اللحم حين حياته، وفارقته الروح من ~~غير تذكية شرعية فيكون التحريم من جهة الموت الخاصة كما هو ظاهر سوق الآية، ~~وظاهر لفظ الميتة مشعر بأن ما لم تحل فيه الحياة منها لا يكون حراما ولهذا ~~استثناه الأصحاب مؤيدا بالإجماع على الظاهر والأخبار ويمكن أن يقال: # المتبادر من تحريم الميتة تحريم أكلها كما في الدم ولحم الخنزير، وإن ثبت ~~تحريم جميع انتفاعاتها فيكون بغيرها ويحتمل فهمه أيضا ولهذا قالوا يحرم ~~جميع الانتفاعات بالميتة لأن العين ما تحرم، وتقدير الأعم أولى، لئلا يلزم ~~الاجمال والترجيح بلا مرجح، إذ لا قرينة على الخصوص فافهم وحينئذ يدل على ~~عدم جواز لبس جلد الميتة في الصلاة وغيرها، دبغت أم لا، كما يدل عليه ~~الأخبار بل إجماع الأصحاب، ولا دلالة في الآية على نجاسة الميتة فتأمل، ~~وسوف يأتي البحث في تتمة الآية في كتاب الأطعمة إنشاء الله تعالى. # الرابعة والخامسة: والأنعام خلقها لكم فيها دفء ومنافع ومنها تأكلون (2)، ~~الآية. # عد الله تعالى نعما منها خلق الأنعام للإنسان، المشتملة على الدفء و هو ~~ما يدفأ به من الأكسية والملابس المأخوذة ms062 من شعرها وصوفها ووبرها، ومنافع ~~أخرى لهم مثل الركوب واللبن والحرث، وأكل لحومها وغيرها ثم عد نعما أخر ~~بقوله " والله جعل لكم من بيوتكم " أي جعل من البيوت المأخوذة من الحجر ~~والمدر وغيرهما " سكنا " أي ما تسكن النفس إليه، وتطمئن إليه من مسكن و # PageV00P074 # موضع تسكنون فيه " وجعل لكم من جلود الأنعام " يعني الأدم " بيوتا " قال ~~القاضي ويجوز أن يتناول المتخذ من الوبر والصوف والشعر فإنها من حيث إنها ~~نابتة على جلودها يصدق عليها أنها مأخوذة من جلودها، فتأمل فيه " تستخفونها ~~" قبابا وخياما يخف عليكم حملها في أسفاركم " يوم ظعنكم " أي وقت ارتحالكم ~~من مكان إلى آخر " ويوم إقامتكم " أي الوقت الذي تنزلون موضعا تقيمون فيه، ~~لا يثقل عليكم في الحالين " ومن أصوافها " وهي للضأن " وأوبارها " وهي ~~للإبل " و أشعارها " للمعز (1) " أثاثا " مالا، قيل أنواعا من متاع البيت ~~من الفرش والأكسية " ومتاعا " أي سلعة تنتفعون بها وتتخذونها " إلى حين " ~~إلى يوم القيمة عن الحسن وقيل إلى وقت الموت، يحتمل أن يراد به موت المالك ~~أو موت الأنعام، وقيل إلى وقت البلى والفنا، وفيه إشارة إلى أنها فانية فلا ~~ينبغي للعاقل أن يختارها كذا في مجمع البيان والأول بعيد. # السادسة: والله جعل لكم مما خلق ظلالا (2). # أي وجعل لكم مما خلق من الأشجار والأبنية ظلالا أشياء تستظلون بها في ~~الحر والبرد " وجعل لكم من الجبال أكنانا " مواضع تسكنونها من كهف و ثقبة ~~تأوون إليهما " وجعل لكم سرابيل " قمصا من القطن والكتان والصوف " تقيكم ~~الحر " ترك البرد، لأن ما يقيه يقيه، واختاره على البرد، لأن المخاطبين أهل ~~الحر وليس عندهم البرد إلا قليلا، فالحفظ عنه أهم عندهم، و قيل: إن الحر ~~يقتل دون البرد، ويحتمل أن البرد يمكن دفعه بشئ مثل النار والدخول في ~~البيت، بخلاف الحر " وسرابيل " الدروع والجواشن " تقيكم # PageV00P075 # بأسكم " شدة الطعن والضرب في الحروب، وتدفع عنكم سلاح أعدائكم وفيها ~~دلالة على إباحة هذه الأمور ونحوها وهو ظاهر فتأمل " يعرفون نعمة الله ثم ~~ينكرونها (1) " في الكشاف قال: إنكارهم النعمة هو ms063 قولهم: لولا فلان ما أصبت ~~كذا لبعض نعم الله، وإنما لا يجوز التكلم بنحو هذا القول إذا لم يعتقد أنها ~~من الله وأنه أجراها على يد فلان وجعله سببا في نيلها، فتدل على تحريم هذا ~~القول، بل هو قريب من الكفر، ويدل عليه بعض الأخبار أيضا، فلا بد من ~~الاجتناب و الاحتياط. # السابعة: ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه وسعى في خرابها ~~أولئك ما كان لهم أن يدخلوها إلا خائفين لهم في الدنيا خزي ولهم في الآخرة ~~عذاب عظيم (2). # المنع هو الصد والحيلولة، قال في مجمع البيان: الظلم اسم ذم لا يجوز ~~إطلاقه على الأنبياء والمعصومين كأنه التعدي وخلاف العدل، والخروج عن طاعة ~~الله تعالى، والسعي هو الكسب، يقال فلان يسعى على عياله أي يكسب لهم وضده ~~الوقف والترك، والخراب هو الهدم، ومن للاستفهام الإنكاري مبتدأ و أظلم ~~خبره، ومساجد المفعول الأول لمنع، وأن يذكر مفعوله الثاني، ويحتمل أن يكون ~~محذوفة عن أن، لأن حذف حرف الجر عن أن قياس ويجوز أن يكون مفعولا له بحذف ~~المضاف، أي كراهة أن يذكر. # كذا في الكشاف، ومجمع البيان، ولا يرد عليه أنه يفيد تحريم المنع المعلل ~~والمقيد لا المطلق، فيعلم الجواز في الجملة، لأن نهاية ما يفهم منه أنه من ~~منع لا لذلك، لا يكون أظلم، بل يوجد من هو أظلم وهو كذلك فلا يحتاج إلى ~~أنها للمبالغة فيكون المبالغة أقل من المنع للكراهة، وزاد في # PageV00P076 # مجمع البيان احتمال كون المذكور بدلا عن مساجد، بدل اشتمال، كأنه يقول ~~ليس أحد أظلم ممن منع أن يذكر في مساجد الله اسمه، لعل علاقة الاشتمال مثل ~~اشتمال الظرف على المظروف والتقدير: ومن أظلم ممن منع الناس من مساجد الله ~~كراهية أن يذكر أو من ذكر الله، وفي جعل مساجد ممنوعا كما وقع في الاحتمال ~~الأول مسامحة، فيحتمل القول بحذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه، فكأن ~~الأصل " مترددي مساجد الله " فلا يرد ما قيل إن " منع " يقتضي مفعولين، ولا ~~يمكن أن يقدر ms064 إلا الذكر فإنه الممنوع. على أن الذكر ممنوع منه، والناس هم ~~الممنوعون. # والمقصود تحريم المنع من ذكر الله في المساجد أي مسجد كان، وبأي ذكر كان ~~وإن كان سبب النزول خاصا بأنه كان النزول في الروم حيث غزوا في بيت المقدس ~~وخربوه، أو في المشركين حيث منعوا رسول الله صلى الله عليه وآله أن يدخل ~~المسجد الحرام عام الحديبية فتأمل. # ولا يبعد أن يراد به مطلق العبادة فيه، بل المنع عن مطلق العبادة، لظهور ~~العلة وتدل الآية على تحريم السعي في خرابه، فيحرم الخراب بالطريق الأولى ~~وفي ذكر السعي في الخراب بعد المنع إشعار ما بأن يكون المنع عن الذكر فيها ~~تخريبا، والعبادة فيها تعميرا، فيدخل الذكر فيها في تعمير المساجد، وأما ~~دلالة تتمة الآية على تحريم دخول المساجد على الكفار كما قيل، فليس بظاهر. ~~إذ ليس بظاهر في أن معناها النهي عن تمكن الكفار وتمكينهم من دخولها، إذ قد ~~يكون معناها كما هو الظاهر ما كان ينبغي لهم الدخول في نفس الأمر ولا يليق ~~لهم ذلك إلا خائفين من أذى المسلمين، والإخراج لهم، وصار الأمر الآن ~~بالعكس، يعني في الواقع ما يستحقون الدخول إلا خائفين وذليلين وهو يتعدون ~~ذلك ويمنعون المسلمين من الدخول، كما يدل عليه أيضا آخرها " لهم في الدنيا ~~خزي ولهم في الآخرة عذاب عظيم " ويمكن كون ذلك الدخول خائفا والخزي (1) هو ~~الذل في الدنيا أو إعطاء الجزية عن يد وهم صاغرون ويكون العذاب العظيم في ~~الآخرة إشارة إلى # PageV00P077 # عذاب يوم القيامة، وهو عظيم، وأي عظيم نعوذ بالله منه. # قيل (1) في الآية أحكام، ما عرفناها بل لم يظهر كون بعضها حكما في نفس ~~الأمر مثل وجوب اتخاذ المساجد كفاية، ووجوب عمارة ما استهدم منها، ووجوب ~~شغلها بالذكر، واستحباب كل واجب كفائي عينا فتأمل وهو أعلم. # الثامنة: إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر وأقام الصلاة ~~وآتى الزكاة ولم يخش إلا الله فعسى أولئك أن يكونوا من المهتدين (2). # فيها حث عظيم وترغيب جزيل على تعمير المساجد، ms065 وأن له شانا كبيرا عند الله ~~حتى أنه لا بد من اتصاف فاعله بهذه الأوصاف الجليلة، وإلا ففعله كعدمه ~~فينبغي أن يكون التعمير ممن يقيم الصلاة ويؤتي الزكاة، ولم يخش إلا الله ~~وإلا فتعميره ليس تعميرا مرضيا. # والمراد المبالغة، وإلا فالتعمير أمر مطلوب للشارع من كل مؤمن ويترتب ~~عليه ثوابه الذي قرره [الله] ولكن قد يكون فيه الزيادة بالإخلاص، واتصاف ~~فاعله بالأفعال الحسنة، ولا بعد في ذلك، ولهذا قيل " حسنات الأبرار سيئات ~~المقربين " فكأنه إشارة إلى أن المؤمن الكامل لم يترك شيئا من العبادات، بل ~~يجعل غير الله معدوما حتى لم يخف مما يهلكه من الإنس والجن، ويجعل خوفه ~~وطمعه منحصرا فيه تعالى، ومع ذلك يرجى أن يكون من المهتدين. # ثم إنه قيل يحتمل أن يكون المراد بالتعمير رم المساجد بإصلاح ما يستهدم ~~وتزيينها، وإزالة ما تكره النفس منه، مثل كنسها، فإنه روي: من كنس مسجدا ~~يوم الخميس وليلة الجمعة وأخرج من التراب مقدار ما يذر في العين غفر له (3) ~~والاسراج فيها روي أنه من أسرج في مسجد سراجا لم تزل الملائكة وحملة العرش # PageV00P078 # يستغفرون له ما دام ذلك المسجد ضوؤه، ويحتمل أن يكون المراد شغلها ~~بالعبادة مثل الصلاة والزكاة وتلاوة القرآن، وتجنبها من أعمال الدنيا ~~واللهو واللعب وعمل الصنايع بل الحديث فإنه مروي: الحديث في المسجد يأكل ~~الحسنات كما تأكل النار الحطب، قيل المراد اللهو من الحديث وأيضا قد ذكروا ~~أن منع المساجد من العبادة فيها تخريب حتى إطفاء السراج، ويمكن أن يكون ~~المراد كلاهما ولا بعد في ذلك لوجود الدليل عليهما، كما عرفت، مع إمكان ~~الصدق عرفا وشرعا وإن يكن لغة وعرفا عاما والله يعلم بحقيقة الحال. # وهنا آيات أخر تتعلق بالمساجد ذكرنا آية منها: # وأقيموا وجوهكم عند كل مسجد وادعوه مخلصين له الدين (1). # أي توجهوا إلى عبادة الله مستقيمين، غير عادلين إلى غيرها، وأقيموها نحو ~~القبلة في كل وقت سجود أو في كل مكانه وهو الصلاة، أو في أي مسجد حضرت ~~الصلاة وأنتم فيه، لا تؤخروها حتى ms066 تعودوا إلى مساجدكم، فيحتمل استخراج صلاة ~~التحية على ما قيل فتأمل ثم أمرهم بالدعاء عند كل مسجد مخلصين له ذلك وفيه ~~دلالة على الحث على الدعاء في المساجد. # " يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا الذين اتخذوا دينكم هزوا ولعبا من الذين ~~أوتوا الكتاب من قبلكم والكفار أولياء واتقوا الله إن كنتم مؤمنين " (2) ~~يعني الذين يتخذون دينكم لهوا ولعبا وهزؤا، ويتمسخرون بدينكم من أهل الكتاب ~~والمشركين، لا يصح ولا يجوز لكم أيها المؤمنون أن تحبوهم وتولوهم ويكون ~~بينكم وبينهم مودة ووداد، أو تكونوا أولياء لهم، وتجعلونهم أولياء لكم، بل ~~بينكم وبينهم البغضاء والقتال، فإن محبة الله لا يجتمع مع محبة عدوه، ~~واتقوا الله في موالاتكم أعداء الله إن كنتم مؤمنين حقا وأن الإيمان يعاند ~~موالاة أعداء # PageV00P079 # الدين، ففيه إشعار بعدم جواز موالاة الفساق، والمعاشرة معهم، بحيث يشعر ~~بالصداقة فافهم. # التاسعة: وإذا ناديتم إلى الصلاة اتخذوها هزوا ولعبا ذلك بأنهم قوم لا ~~يعقلون (1). # أي لا تتخذوا الذين إذا ناديتم إلى الصلاة اتخذوا مناداة الصلاة أي ~~الأذان هزوا ولعبا " أولياء " قيل: كان رجل من النصارى إذا سمع أشهد أن ~~محمدا رسول الله في الأذان قال حرق الكاذب، يعني المؤذن فدخلت خادمته أي ~~جاريته بنار ذات ليلة وهو نائم، فتطايرت منها شرارة في البيت فاحترق البيت، ~~واحترق هو وأهله لعنه الله، قيل فيه دليل على ثبوت الأذان بنص الكتاب لا ~~بالمنام وحده، وفيه تأمل إذ فيه دلالة على ثبوته في الشرع، ففي الكتاب ~~دلالة على أنه كان في الشرع ذلك أما ثبوته بالكتاب فلا، ولما كان لعبهم ~~وهزوهم من أفعال السفهاء والجهلة قال: " لا يعقلون " كأنه لا عقل لهم. # * (النوع الخامس) * * (في مقارنات الصلاة وفيه آيات) * قد استدل على وجوب ~~القيام والنية والقنوت بقوله تعالى: " وقوموا لله قانتين " وفي إفادته لها ~~تأمل لا يخفى، وكذا استدل على وجوب تكبيرة الاحرام المشهور على الوجه ~~المنقول بقوله تعالى " وكبره تكبيرا " وبقوله " وربك فكبر " (2) وفي ~~دلالتهما أيضا خفاء فافهم، واستدل على وجوب القراءة حتى السورة أيضا بقوله ms067 ~~تعالى وهي الرابعة: " فاقرؤا ما تيسر من القرآن (3) " وبقوله تعالى: # PageV00P080 # " فاقرؤا ما تيسر منه (1) " وفي إتمام الاستدلال به أيضا تأمل يعلم ~~بالتأمل في تقريره مع التأمل في الآية وتفسيرها وقد فسرت القراءة بصلاة ~~الليل، وهو ظاهر سوق الكلام، أو تلاوة القرآن في الليل أو مطلقا استحبابا ~~أو وجوبا، لحفظ المعجزة وغيرها، والمخاطب هو صلوات الله عليه مع طائفة معه، ~~وأما القراءة في الصلاة فلا يفهم فتأمل. # الخامسة: يا أيها الذين آمنوا اركعوا واسجدوا واعبدوا ربكم و افعلوا ~~الخير لعلكم تفلحون (2). # ليس فيها دلالة على استحباب السجود عند قراءتها، بل وجوب الركوع و ~~السجود، كأنه في الصلاة، وعبادة الرب من الصوم والصلاة والحج والغزو وغير ~~ذلك ثم أمر بفعل الخيرات مطلقا مثل صلة الرحم، وفي الكشاف صلة الرحم و ~~مكارم الأخلاق وافعلوا ذلك كله لعلكم تفلحون وأنتم راجون الفلاح، طامعون ~~فيه، غير مستيقنين، ولا تتكلوا على أعمالكم، وعن عقبة بن عامر قال: قلت: يا ~~رسول الله في سورة الحج سجدتان؟ قال: نعم، إن لم تسجدهما فلا تقرأهما (3). # السادسة: وأن المساجد لله فلا تدعوا مع الله أحدا (4). # قيل المراد بالمساجد الأعضاء السبعة التي يسجد عليها، وأيد بقوله صلى ~~الله عليه وآله: # أمرت أن أسجد على سبعة آراب أي أعضاء، وقد روي عن أبي جعفر عليه الصلاة ~~والسلام (5) فالمعنى أنها لله أي خلقت لأن يعبد بها الله، فلا تشركوا معه ~~غيره في سجودكم عليها وظاهر أنها المساجد المعروفة كما قيل، فالمعنى أنها ~~مختصة بالله تعالى، فلا يتعبد فيها مع الله غيره، وقيل: المراد بقاع الأرض ~~كلها # PageV00P081 # لقوله صلى الله عليه وآله " جعلت لي الأرض مسجدا " فلا يعبد فيها غيره، ~~وقيل المسجد الحرام عبر [عنه] بالمساجد لأنه قبلتها وهو بعيد، الله يعلم. # قيل السجدات (1) جمع مسجد بالفتح مصدرا، فالمراد يجب السجود لله، فلا ~~يفعل لغيره. # السابعة: فسبح باسم ربك العظيم ومثلها: سبح اسم ربك الأعلى (2). # روي من طرق العامة أنه لما نزلت الأولى قال النبي صلى الله عليه وآله ~~اجعلوها في ركوعكم، ولما نزلت ms068 الثانية قال: اجعلوها في سجودكم (3) ومن ~~طرقنا (4) عن الصادق عليه الصلاة والسلام أنه يقول في الركوع سبحان ربي ~~العظيم وفي السجود سبحان ربي الأعلى الفريضة واحدة والسنة ثلاثة، ~~فالروايتان تدلان على كون الذكر الخاص فيهما، ولكن بحذف " وبحمده " وتدل ~~غيرهما على زيادته وهي مقبولة كما ثبت في الأصول، وكذا على إجزاء مطلق ~~التسبيح، بل مطلق الذكر وذلك غير بعيد، والاحتياط قولهما ثلاثا مع زيادة ~~وبحمده. # الثامنة: ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها وابتغ بين ذلك سبيلا (5). # قال في مجمع البيان: في معناه أقوال أحدهما أن معناه لا تجهر بإشاعة ~~صلاتك عند من يؤذيك، ولا تخافت بها عند من يلتمسها منك عن الحسن، وروي أن ~~النبي صلى الله عليه وآله كان إذا صلى فجهر في صلاته تسمع له المشركون ~~فشتموه، وآذوه فأمره سبحانه بترك الجهر، وكان ذلك بمكة في أول الأمر وبه ~~قال سعيد بن جبير وروي عن أبي جعفر وأبي عبد الله عليهما السلام ولا يخفى ~~بعده، فإنه حينئذ لا معنى لقوله # PageV00P082 # " ولا تخافت بها وابتغ " ولعل الرواية عنهما غلط، ويؤيده نقل خلاف ذلك ~~عنه عليه الصلاة والسلام أو الاخفات محمول على عدم حديث النفس، بحيث لا ~~يظهر الحروف والابتغاء على وجه لا يسمع من يؤذي ويستمع فتأمل. # وثانيها: أن معناه لا تجهر بدعائك ولا تخافت به، ولكن أطلب بين ذلك ~~سبيلا، فالمراد بالصلاة الدعاء، ولا يخفى بعده أيضا فإن المتبادر منها ~~الصلاة الشرعية، وأن الاخفات في الدعاء مطلوب قال الله تعالى " ادعوا ربكم ~~تضرعا و خفية (1) " وفي موضع آخر " وخيفة ودون الجهر من القول (2) " وفي ~~الأخبار ما يدل عليه كثير. # وثالثها أن معناه ولا تجهر بصلاتك كلها ولا تخافك بها كلها وابتغ بين ذلك ~~سبيلا: بأن تجهر بصلاة الليل، وتخافت بصلاة النهار، ليمكن المتابعة و ~~الجماعة في الفريضة والقيام للنافلة أيضا. هذا أيضا بعيد، وغير مفهوم، مع ~~أنه لا بد من جعل صلاة الفجر من الليلية، وجعل ركعتي العشاء والأخيرة من ~~المغرب من النهارية، وهو مما لا يفهم بوجه. ms069 # ورابعا لا تجهر جهرا يشغل به من يصلي قربك، ولا تخافت حتى لا تسمع نفسك ~~عن الجبائي وقريب منه ما رواه أصحابنا عن أبي عبد الله عليه السلام أنه قال ~~الجهر بها رفع الصوت شديدا والمخافتة ما لم تسمع أذنك وابتغ بين ذلك سبيلا ~~أي قراءة وسط بين الجهر والمخافتة، وهذا هو المتبادر فالمنهي هو الجهر ~~العالي جدا بحيث يخرج عن كونه قارئا في الصلاة، والاخفات الخفي بحيث يلحق ~~بحديث النفس، ويخرج عن القراءة، فلا يجوز الافراط ولا التفريط، بل يجب ~~الوسط و الاقتصاد والعدل، وما بين الافراط والتفريط، ولكن علم من السنة ~~الشريفة اختيار بعض أفراد هذا الوسط في بعض الصلوات: الجهر في الجملة للرجل ~~في الصبح وأولتي المغرب والعشاء، وجميع النوافل الليلية، والاخفات في ~~غيرها. # PageV00P083 # ولكن كون ذلك على سبيل الوجوب غير معلوم الدليل، إذ لا دليل على وجوب ~~التفصيل المشهور، ويؤيد عدمه الأصل، والرواية الصحيحة (1) وظاهر الآية ~~وخفاء معنى الجهر والاخفات، وبيانهم في الرجل بحيث يعد عرفا جهرا والاخفات ~~بما لا يسمعه القريب [أو] بحيث لا يعد عرفا جهرا، بل يعد إخفاتا، وإن كان ~~مما يسمعه القريب بل البعيد أيضا وفي المرأة لا يسمعه الأجنبي، غير معلوم ~~المأخذ، مع عدم الوضوح، والبيان، فإن فيه خفاء، فيمكن حمل الرواية المجملة ~~في الجهر و الاخفات على الاستحباب، للجمع كما هو مذهب علم الهدى في ~~الانتصار والله يعلم بحقيقة الحال والصواب. # وقال في الكشاف: " بصلاتك " بقراءة صلاتك على حذف المضاف، لأنه لا يلتبس ~~من قبل أن الجهر والمخافتة صفتان تعتقبان على الصوت لا غير، والصلاة أفعال ~~وأذكار، وكان رسول الله صلى الله عليه وآله يرفع صوته بقراءته، فإذا سمعه ~~المشركون لغوا وسبوا، فأمر بأن يخفض من صوته، والمعنى ولا تجهر حتى تسمع ~~المشركين ولا تخاف حتى لا تسمع من خلفك، وابتغ بين الجهر والمخافتة سبيلا ~~وسطا انتهى، هذا مع عدم ظهوره لا يوافق المسألة، إذ ليس دائما مأمورا ~~باسماع من خلفه، بل مأمور في بعضها بذلك في الجملة وفي بعضها ms070 بعدمه، وذهب ~~قوم إلى أن الآية منسوخة بقوله " ادعوا ربكم تضرعا وخفية (2) " وابتغاء ~~السبيل مثل لانتحاء الوجه الوسط في القراءة وفيها ما تقدم، مع زيادة لزوم ~~النسخ، على أنه غير لازم لامكان الجمع فتأمل. # التاسعة: إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا ~~عليه وسلموا تسليما (3). # أي قولوا الصلاة والسلام على رسول الله أو اللهم صل وسلم عليه، في ~~الكشاف: # PageV00P084 # معناه الدعاء بأن يترحم عليه ويسلم، وفي رواية كعب الأحبار (1) إنا قد ~~عرفنا السلام عليك يا رسول الله فكيف الصلاة؟ فقال: قولوا: اللهم صل على ~~محمد وآل محمد كما صليت على إبراهيم وآل إبراهيم وظاهرها وجوب الصلاة ~~والسلام عليه في الجملة، فيحتمل أن يكون الصلاة هي التي جزء التشهد، ~~والسلام حال حياته، وقد يكون واجبا حينئذ، أو يكون مندوبا كما يسلم عليه في ~~آخر الصلاة يقول السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته أو يقصد ~~بالسلام المخرج عن الصلاة أو يكون بمعنى التسليم والانقياد كما قيل، ويحتمل ~~وجوب الصلاة عليه كلما ذكر، كما دل عليه بعض الأخبار، وبالجملة لا يفهم ~~وجوب غير ذلك. # قال في الكشاف: الصلاة عليه واجبة، وقد اختلفوا في حال وجوبها، فمنهم من ~~أوجبها كلما جرى ذكره، وفي الحديث من ذكرت عنده فلم يصل علي فدخل النار ~~فأبعده الله، هذه مروية من طرقنا (2) أيضا مع غيرها، ويروى أنه قيل: يا ~~رسول الله أرأيت قول الله تعالى: " إن الله وملائكته يصلون على النبي " ~~فقال عليه الصلاة والسلام: هذا من العلم المكنون، ولولا أنكم سألتموني عنه، ~~ما # PageV00P085 # أخبرتكم به، إن الله وكل بي ملكين، فلا أذكر عند عبد مسلم فيصلي على إلا ~~قال ذانك الملكان غفر الله لك، وقال الله وملائكته جوابا لذينك الملكين ~~آمين، ولا أذكر عند عبد مسلم فلا يصلي على إلا قال ذانك الملكان: لا غفر ~~الله لك، وقال الله وملائكته جوابا لذينك الملكين: آمين (1) ومنهم من قال: ~~يجب في كل مجلس مرة، وإن تكرر ذكره، كما قيل في آية السجدة، وتسميت العاطس ms071 ~~وكذلك في كل دعاء في أوله وآخره، ومنهم من أوجبها في العمر مرة وكذا قال في ~~إظهار الشهادتين مرة، والذي يقتضيه الاحتياط الصلاة عليه عند كل ذكر، لما ~~ورد من الأخبار انتهى. # والأخبار من طرقنا أيضا مثل الأول موجودة مع صحة بعضها، ولا شك أن احتياط ~~الكشاف أحوط، واختار في كنز العرفان (2) الوجوب كلما ذكر وقال إنه اختيار ~~الكشاف، ونقل عن ابن بابويه، وأنت تعلم أنه لم يفهم اختياره ويمكن اختيار ~~الوجوب في كل مجلس مرة إن صلى آخرا، وإن صلى ثم ذكر يجب أيضا كما في تعدد ~~الكفارة بتعدد الموجب، إذا تخللت، وإلا فلا، ولعل دليل عدم الوجوب الأصل ~~والشهرة المستندان إلى عدم تعليمه صلى الله عليه وآله؟ للمؤذنين، و تركهم ~~ذلك مع عدم وقوع نكير لهم، كما يفعلون الآن، ولو كان لنقل فتأمل. # ثم قال في الكشاف: فإن قلت: فما تقول في الصلاة على غيره صلى الله عليه ~~وآله قلت القياس يقتضي جواز الصلاة على كل مؤمن، لقوله تعالى: " هو الذي ~~يصلي عليكم و ملائكته (3) " وقوله " وصل عليهم إن صلاتك سكن لهم (4) " ~~وقوله صلى الله عليه وآله اللهم صل على آل أبي أوفى (5) ولكن للعلماء ~~تفصيلا في ذلك، وهو أنها إن كان على سبيل التبع كقولك صلى الله على النبي ~~وآله، فلا كلام فيها، وأما إذا أفرد # PageV00P086 # غيره من أهل البيت بالصلاة كما يفرد هو، فمكروه لأن ذلك صار شعارا لذكر ~~رسول الله صلى الله عليه وآله، ولأنه يؤدي إلى الاتهام بالرفض (1). # ولا يخفى ما فيه فإن ما ذكره برهان لا قياس، وإن البرهان من العقل والنقل ~~كتابا وسنة كما نقله، ومثله قوله تعالى " وبشر الصابرين الذين إذا أصابتهم ~~مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون أولئك عليهم صلوات من ربهم و رحمة ~~(2) " فإنها تدل على إن صلوات الله على من يقول هذا بعد المصيبة، ولا شك في ~~صدوره كذلك عن أهل البيت بل غيرهم أيضا، فإذا ثبت لهم الصلاة من الله فيجوز ~~القول بذلك لهم، وهو ظاهر ms072 اقتضى جوازه مطلقا، بل الانفراد بخصوصه فلا مجال ~~للتفصيل، ولا ينبغي جعله شعارا له أيضا صلى الله عليه وآله ولا ذلك مانعا، ~~مع أنه لا معنى للحكم بكراهة ما ثبت بالبرهان العقلي والنقلي كتابا وسنة من ~~الترغيب والتحريض بالأمر به، وإنما صار ذلك شعارا له أيضا صلى الله عليه ~~وآله بسبب جعلهم ذلك له صلى الله عليه وآله ومنعهم لغيره صلى الله عليه ~~وآله. # ومع أن كون أهل بيته مثله في هذه الحال مما لا قصور فيه، كما هو عند ~~الاجتماع، وإنما صار ذلك شعار الرفضة، لأنهم فعلوا ذلك، وتركه غيرهم بغير ~~وجه وإلا فهو مقتضى البرهان، ومع ذلك لا يستلزم كونه شعارا لهم، ومتداولا ~~بينهم تركه وإلا يلزم ترك العبادات كذلك فإنها شعارهم، وبالجملة لا ينبغي ~~منع ما يقتضي العقل والنقل جوازه بل استحبابه وكونه عبادة، بسبب أن جماعة ~~من المسلمين يفعلون هذه السنة والعبادة، فإن ذلك تعصب وعناد محض، و [ليس] ~~فيه تقرب إلى الله تعالى وطلب لمرضاته وعمل لله تعالى، وهو ظاهر، ولا يناسب ~~من العلماء العمل إلا لله. # ولهم أمثال ذلك كثيرة، مثل ما ورد في تسنيم القبور أن المستحب هو ~~التسطيح، ولكن هو شعار للرفضة فالتسنيم خير منه، وكذلك في التختم باليمين # PageV00P087 # وغير ذلك، ومنه ذكر " على " بعد قوله صلى الله عليه وعلى آله وترك الآل ~~معه صلى الله عليه وسلم مع أنه مرغوب بغير نزاع، وإنما النزاع كان في ~~الافراد، فإنهم يتركون الآل معه، و يقولون صلى الله عليه والعجب أنهم ~~يتركون الآل وفي حديث كعب الأحبار (1) حيث يقولون سأله عن كيفية الصلاة ~~عليه، فقال صلى الله عليه وآله قولوا اللهم صل على محمد وآل محمد كما صليت ~~على إبراهيم وآل إبراهيم الخ فتأمل. # ويدل على أن إيذاء الله ورسوله حرام موجب للعن أبدا قوله تعالى: " إن ~~الذين يؤذون الله ورسوله لعنهم الله في الدنيا والآخرة وأعد لهم عذابا ~~مهينا (2) " ويدل على تحريم إيذاء المؤمنين والمؤمنات، أي المسلمين ~~والمسلمات بغير استحقاق وجناية يقتضي ذلك ms073 ويبيحه قوله تعالى " والذين يؤذون ~~المؤمنين و المؤمنات بغير ما اكتسبوا " أي بغير جناية واستحقاق تبيح ذلك " ~~فقد احتملوا بهتانا وإثما مبينا ". # ويدل على أن التقوى وهو الاتيان بالمأمور به، والانتهاء عن المعاصي و ~~القول السديد أي قولا حقا عدلا موجب لاصلاح الأعمال، وغفران الذنوب قوله ~~تعالى " يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا يصلح لكم أعماكم ~~ويغفر لكم ذنوبكم (3) " والمراد حفظ اللسان في كل باب لان حفظه وسداد القول ~~رأس الخير كله والمعنى راقبوا الله من حفظ ألسنتكم وتسديد قولكم، فإنكم إن ~~فعلتم ذلك أعطاكم الله ما هو غاية الطلبة، من تقبل حسناتكم، والإثابة ~~عليها، ومن مغفرة سيئاتكم وتكفيرها، وقيل: إصلاح الأعمال التوفيق في المجئ ~~بها صالحة مرضية. # PageV00P088 # * (النوع السادس) * في المندوبات وفيه آيات: # الأولى: فصل لربك وانحر (1). # قيل: المراد صلاة العيد، فيكون دليلا على وجوبها، ويكون الشرائط مستفادة ~~من السنة الشريفة ويؤيده " وانحر " على تقدير أن المراد به نحر الإبل كما ~~قيل، ويمكن إرادة ذبح ما ذبح ليدخل الشاة وغيرها أيضا، أي صل صلاة العيد، ~~واذبح أضحيتك، ويكون المراد الهدي الواجب، أو يكون وجوب الأضحية مخصوصا به ~~صلى الله عليه وآله للإجماع المنقول على الظاهر على عدم وجوبها على أمته، ~~بل هي سنة مؤكدة للأخبار المذكورة في محلها، وإن نقل الوجوب عن ابن الجنيد ~~في في الدروس قال: وروى الصدوق خبرين (2) بوجوبها على الواجد، وأخذ ابن ~~الجنيد بهما، وقيل المراد صلاة الفجر بالمشعر، وذبح الهدي بمنى، وقيل ~~المراد الصلاة مطلقا وجعل نحر المصلي إلى القبلة فيها، وهو كناية عن ~~استقبال القبلة فيها فكأنه قيل: صل إلى القبلة ويحتمل كون المراد رجحان فعل ~~الصلاة لله مطلقا والذبح له، ويكون التفصيل بالوجوب والندب من السنة ~~والاجماع وقد نقل في مجمع البيان (3) أخبارا دالة على أن المراد رفع اليد ~~بالتكبيرات في الصلاة إلى محاذاة نحر الصدر وهو أعلاه كالمنحر، أو موضع ~~القلادة قاله في القاموس وهي رواية عمر بن يزيد قال سمعت أبا عبد الله عليه ~~السلام يقول في ms074 قوله " فصل لربك وانحر " هو رفع يديك حذاء وجهك، ورواية عبد ~~الله بن سنان عنه عليه الصلاة والسلام مثلها ورواية جميل قال: قلت لأبي عبد ~~الله عليه الصلاة والسلام " فصل لربك وانحر " فقال بيده # PageV00P089 # هكذا يعني استقبل بيديه حذاء وجه القبلة في افتتاح الصلاة (1) وفي رواية ~~مقاتل ابن حبان عن الأصبغ بن نباتة عن أمير المؤمنين عليه الصلاة والسلام ~~قال: لما نزلت هذه السورة قال النبي صلى الله عليه وآله لجبرئيل ما هذه ~~النحيرة التي أمرني ربي بها؟ قال: # ليست بنحيرة ولكنه يأمرك إذا عزمت للصلاة أن ترفع يديك، إذا كبرت وإذا ~~ركعت، وإذا رفعت رأسك من الركوع، وإذا سجدت فإنه صلاتنا وصلاة الملائكة في ~~السماوات السبع فإن لكل شئ زينة، وإن زينة الصلاة رفع الأيدي على كل ~~تكبيرة. # وقال النبي صلى الله عليه وآله: رفع الأيدي من الاستكانة قلت وما ~~الاستكانة؟ قال: ألا تقرأ هذه الآية " فما استكانوا لربهم وما يتضرعون (2) ~~". # وقال في مجمع البيان بعده: أورده الثعلبي والواحدي في تفسيريهما فيكون ~~المراد مطلق الصلاة ورفع اليدين معا إلى حذاء الوجه والخد حال تكبيراتها، ~~ويكون مستحبا كما هو رأي أكثر الأصحاب، ويؤيده الأصل والشهرة والاحتمالات ~~في الآية. وبعض الأخبار الدالة على الترك، مثل صحيحة (3) حماد المشهورة ~~الطويلة فإنه ترك فيها رفع اليد في تكبير السجود كجلوس الاستراحة يدل على ~~عدم وجوبها لأنه في مقام التعليم، وكما في صحيحه (4) علي بن جعفر عن أخيه ~~موسى بن جعفر عليهما السلام قال: على الإمام أن يرفع يده في الصلاة، ليس ~~على غيره أن يرفع يده في الصلاة. # والظاهر أنه لا قائل بالفرق، قال في التهذيب وقال محمد بن الحسن: المعنى ~~في # PageV00P090 # هذ أن فعل الإمام أكثر فضلا وأشد تأكيدا من فعل المأموم، وإن كان فعل ~~المأموم أيضا فيه فضل على ما بيناه، والأولى " الغير " بدل " المأموم " في ~~الموضعين (1) والرواية الأخيرة فإنها تدل على أنها من زينة الصلاة، وأنه من ~~التضرع والخضوع فيها ومعلوم عدم وجوبهما، فإنهما زائدتان على الأصل ~~والاحتياط أن لا ms075 يترك، فإنه نقل عن السيد قدس سره وجوبه، كأنه لما تقدم، مع ~~صحة رواية عبد الله بن سنان فإنها صحيحة في التهذيب ولرواية أخرى صحيحة في ~~التهذيب (2). # ويحتمل إرادة السيد قدس سره أيضا بالوجوب والاستحباب فإنه قد يطلق ذلك ~~عليه، ويؤيده أنه ما نقل عنه وجوب التكبير صريحا ويبعد وجوب الرفع به مع ~~عدم وجوبه، وجعل ذلك شرطا، ولهذا قال الشهيد رحمه الله: كأنه قائل بوجوب ~~التكبير أيضا إذ لا معنى لوجوب الكيفية مع استحباب الأصل، وفيه تأمل معلوم، ~~و يدل على عدمه أيضا بعض الأخبار. # ويمكن فهم استحباب التعوذ بالله، وأخذ العوذة بالله من الشيطان، والجن ~~والإنس، وسحرهم، ومن عينهم، من المعوذتين، وأيضا يمكن فهم استحباب ~~الاستغفار والتوبة إلى الله تعالى مع عدم العلم بحصول الذنب، فلا يبعد ~~الغسل المستحب له حينئذ أيضا من سورة النصر، وغيرها استفهم الله يفهمك. # الثانية: فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم (3). # لما ذكر العمل الصالح قبله بقوله: " من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو ~~مؤمن " الآية ذكر الاستعاذة من الشيطان اللعين عند تلاوة القرآن، إشارة إلى ~~أن الاستعاذة من جملة العمل الصالح، أي إذا أردت قراءة القرآن فاستعذ بالله ~~من الشيطان الرجيم من أن يوسوسك ويغلطك وينسيك، بأن تقول أعوذ بالله من ~~الشيطان الرجيم وعبر عن إرادة القراءة بالقراءة للظهور والتبادر كما يقال ~~إذا أفطرت فقل هذا # PageV00P091 # الدعاء وإذا أكلت فسم واغسل يديك، والمراد قبله كقوله تعالى: " إذا قمتم ~~إلى الصلاة فاغسلوا " الآية روي عن عبد الله بن مسعود قال قرأت على رسول ~~الله صلى الله عليه وآله فقلت أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم ~~فقال لي: قل أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، هكذا أقرأنيه جبرئيل عليه ~~السلام عن القلم عن اللوح المحفوظ (1) فظاهر هذه الآية الشريفة بانضمام أن ~~الأمر للوجوب، يفيد وجوب الاستعاذة عند ابتداء قراءة القرآن مطلقا حتى أنه ~~لو قطعها في الأثناء ثم أراد أن يقرأ فيستعيذ ثم يقرء ولو كانت كلمة، ~~والحاصل أنه يستعيذ دائما ms076 فيقرأ إلا في الاستدامة، فيلزم وجوبه في كل ركعة ~~يقرأ فيها، ولكن الظاهر أنه ما ذهب إليه أحد من العلماء، و يحتمل كون ~~الوجوب من خصايصه صلى الله عليه وآله، نعم نقل وجوبها عن أبي علي الحسن بن ~~الشيخ الطوسي رحمهما الله في أول الركعة قبل الحمد، فقط، محتجا بها، ولا ~~دلالة فيها عليه بخصوصه، وكأنه نظر إلى أنه يعلم الوجوب دائما، وما ذهب ~~إليه أحد من العلماء فيختص بأول الركعة، فلا يكون المراد إلا ذلك، وهو بعيد ~~إذ القول لغيره في ذلك أيضا بعيد، وإرادة قراءة الركعة الأولى من الصلاة ~~الواجبة من ذلك أيضا بعيد، لا يفهم من غير قرينة دالة عليه، فلا يمكن إرادة ~~الله تعالى ذلك فيحمل على الاستحباب دائما كما هو الظاهر، ويؤيده بعد ~~التخصيص المذكور، وقرب كون الأمر للندب، ولو كان مجازا مع كثرته، وكونه ~~خيرا منه، فتبقى الآية على عمومها، وبعد وجوب الاستعاذة مع عدم القائل ~~بمجرد إرادة الأمر المندوب أي قراءة القرآن، إذ له أن يرجع بعد، فما تجب ~~القراءة أصلا، فكيف الاستعاذة؟ # ولهذا قالوا لا يجب الغسل مثلا إلا إذا كانت غايته من الصلاة ودخول ~~المساجد و قراءة العزائم واجبة، فلا يوجبونه بقصد الصلاة وغيرها، وهو ظاهر ~~ومصرح به فتأمل. # PageV00P092 # والأصل (1) وقول أكثر العلماء وعدمها في تعليم الصلاة كما مر، وخلو ~~الأخبار عنها فتأمل. # قال في مجمع البيان (2) والاستعاذة استدفاع الأدنى بالأعلى، على وجه ~~الخضوع والتذلل، وتأويله: استعذ بالله من وسوسة الشيطان عند قراءتك لتسلم ~~في التلاوة من الزلل وفي التأويل من الخطل، والاستعاذة عند التلاوة مستحبة ~~غير واجبة بلا خلاف في الصلاة وخارج الصلاة. فحملها على الاستحباب غير بعيد ~~إلا أن الظاهر حينئذ كان استحبابا في أول كل ركعة، وما رأيت قائلا به منا ~~فكأنه خص بالدليل مثل الاجماع، وأنه فعل واحد وقراءة واحدة، مع أنها ليست ~~بصريحة في العموم بحيث يشمل كل ركعة فتأمل فيه، والأخبار أيضا ظاهرة في ~~الاستحباب في أول ركعة فقط، حيث ما ذكر غيرها فتأمل. # وبالجملة ms077 المسألة لا يخلو عن إشكال إن نظر إلى ظاهر الآية، فإن ظاهرها ~~الوجوب أو الاستحباب دائما، وما نجد قائلا فكأنهم حملوها على الاستحباب ~~دائما وأخرجوا غير الركعة الأولى من سائر الركعات، للإجماع ونحوه. وقال ~~القاضي: # والجمهور على أنه للاستحباب، وفيه دليل على أن المصلي يستعيذ في كل ركعة ~~لأن الحكم المرتب على شرط يتكرر بتكرره قياسا (3). وهذا جيد إلا قوله " ~~قياسا " لبطلانه، وعدم ظهور الأصل والعلة، فالتكرر والعموم ليس للقياس بل ~~للعموم العرفي المفهوم من مثل هذه العبارة عرفا، كما في قوله تعالى " إذا ~~قمتم إلى الصلاة ". # الثالثة آيات متعددة، الأولى: يا أيها المزمل قم الليل إلا قليلا نصفه أو ~~انقص منه قليلا أو زد عليه ورتل القرآن ترتيلا (4) # PageV00P093 # أصل المزمل المتزمل، من تزمل، أدغم التاء في الزاي كما هو المشهور، لقرب ~~المخرج، أي قم الليل أيها المزمل بالثياب أو بأعباء النبوة للصلاة في جميع ~~الليل أو أن القيام بالليل كناية عن الصلاة بالليل وقال في مجمع البيان: ~~إنه عبارة عن الصلاة بالليل " إلا قليلا " منه وهو " نصفه " فنصفه بدل عن ~~قليلا، كما هو الظاهر وقلته بالنسبة إلى جميع الليل، " أو انقص أو زد " عطف ~~على " قم " بتقدير فتأمل. # وضمير " منه وعليه " للنصف أو قليلا، فمعناه قم واشتغل بالصلاة نصف ~~الليل، أو أقل منه أو أزيد منه، وإلى هذا أشار الصادق عليه السلام على ما ~~نقل في مجمع البيان قال عليه السلام القليل النصف أو انقص من القليل، أو زد ~~على القليل، ويبعد كون نصفه بدلا من الليل، لتوسط الاستثناء بين البدل ~~والمبدل منه. مع الالتباس بل الظاهر خلافه، ولزوم لغوية أو انقص منه، لأنه ~~بعينه معنى قوله قم نصف الليل، إلا قليلا، فيحتاج إلى العذر بأنه قيل أو ~~انقص لمناسبة أو زد كما قال في مجمع البيان، أو أنه قد يحسن الترديد بين ~~الشئ على البت وبينه وبين غيره على التخيير كما فعله صاحب الكشاف والقاضي ~~وصاحب كنز العرفان (1) وكلاهما تكلف بعيد عن فصاحة كلام الله تعالى، خصوصا ~~الثاني ms078 لأن مرجعه إلى التخيير بينهما. # قال البيضاوي: أو " نصفه " بدل من الليل، والاستثناء منه، والضمير في منه ~~وعليه للأقل من النصف كالثلث، فيكون التخيير بينه وبين الأقل منه كالربع ~~والأكثر منه، كالنصف، ولا يخفى ما فيه من لزوم لغوية الاستثناء فإنه ينبغي ~~أن يقول حينئذ: قم نصف الليل أو انقص منه، ومن أن الأقل ليس مرتبة معينة ~~حتى يقال أو انقص منه أو زد عليه ليصل إلى الربع والنصف وهو ظاهر. # وكذا كون المراد بإلا قليلا: قليلا من الليالي، وهو ليالي العذر والمرض ~~لعدم ظهور كون الليل للاستغراق، وعدم الاحتياج إلى الاستثناء، وللاحتياج ~~إلى التكلف في الاستثناء والبدل، وفي أو انقص أو زد ولما سيجئ في هذه ~~السورة من # PageV00P094 # قوله " إن ربك يعلم أنك تقوم " الخ. # فيمكن أن تكون هذه الآية إشارة إلى وجوب صلاة الليل عليه صلى الله عليه ~~وآله كقوله تعالى " ومن الليل فتهجد به نافلة لك "، (1) أي يجب عليك التهجد ~~وهو الصلاة بالليل، زيادة على باقي الصلوات مخصوصة بك دون أمتك، على ما ~~قيل، ويكون المراد بالترخيص المفهوم من قوله تعالى في آخر هذه السورة: " ~~فاقرؤا ما تيسر من القرآن " وقوله " فاقرؤا ما تيسر منه " التخفيف في ~~الوقت، لا اسقاط الصلاة بالكلية، على تقدير [كون] المراد من القراءة الصلاة ~~وأما على تقدير حملها على القراءة فقط فيلزم السقوط بالكلية، فيمكن حملها ~~على عدم القدرة فتأمل. # وعن ابن عباس تكون مندوبة على الأمة لدليل الاختصاص من الاجماع، و ظاهر ~~الآية والأخبار مع الأصل. # الثانية: إن ربك يعلم أنك تقوم أدنى - أي أقرب - وأقل من ثلثي الليل ~~ونصفه وثلثه (2). # وهما عطف على " أدنى " أي أنك تقوم نصف الليل وثلثه، وعلى قراءة الجر عطف ~~على ثلث الليل أي أقل من نصفه وأقل من ثلثه " و " كذا تقوم " طائفة من ~~الذين معك " نقل في مجمع البيان رواية: أنه كان علي بن أبي طالب عليه ~~السلام وأبا ذر. " والله يقدر الليل والنهار " يعلم مقدارهما، فيعلم القدر ~~الذي تقومون فيه، وهو القادر على ms079 التقدير والعلم بحيث يوافق ما أراد به ~~النصف أو الناقص أو الزائد " علم أن لن تحصوه " علم أنكم لا تطيقون إحصاء ~~الوقت المقدر على الحقيقة، والمداومة على ذلك بسهولة " فتاب عليكم " أي خفف ~~عليكم، أو لا يلزمكم عقابا وإثما على التقصير في ذلك، كما لا يلزم التائب، ~~بل رفع الذنب والتبعة في ترك ذلك عنكم، كما رفعها عن التائب، فأراد بالتوبة ~~لازمها، فدلت على سقوط العقاب بها " فاقرؤا ما تيسر من القرآن " أي اقرؤا ~~في صلاة الليل مقدار # PageV00P095 # ما أردتم وأحببتم بالمعنى المتقدم، وعبر عن الصلاة بالقراءة لأنها جزء ~~الصلاة وتبطل الصلاة بتركها عمدا كالتعبير بالركوع والسجود عنها. # قال في مجمع البيان هو قول أكثر المفسرين كما أن المراد بقم الليل صلاة ~~الليل بإجماع المفسرين إلا أبا مسلم فإنه قال: المراد قراءة القرآن في ~~الليل فكأنه يريد الإشارة إلى أن من يقول بأن الليل هو الصلاة فيه، فينبغي ~~أن يقول المراد بفاقرؤا هو صلاة الليل، وقال فيه أيضا: والظاهر أن معنى ما ~~تيسر مقدار ما أردتم وأحببتم وهو ظاهر بقرينة إرادة التخفيف ولأنه المتبادر ~~من هذه العبارة ولهذا لو قيل: أعط السائل ما تيسر ونحوه لا يفهم المخاطب ~~إلا ذلك، فقد ظهر أن لا يمكن الاستدلال بنحوه على وجوب السورة على ما هو ~~المشهور كما أشرت إليه في محله فتذكر. # وأشار إلى أعذار أخر للتخفيف بقوله " علم أن سيكون منكم مرضى وآخرون ~~يضربون في الأرض يبتغون من فضل الله " كأن المراد بالضرب في الأرض السفر ~~للتجارة ونحوها مما يحصل به المال، أو لتحصيل العلم أو الحج أو الزيارات أو ~~صلة الرحم، وكلما كان لله تعالى من المشي والسفر في الأرض. # وقد وردت روايات كثيرة في الترغيب على التجارة من طريق العامة والخاصة ~~مذكورة في محلها قال في مجمع البيان: قال عبد الله بن مسعود " أيما رجل جلب ~~شيئا إلى مدينة من مدائن المسلمين صابرا محتسبا فباعه بسعر يومه، كان عند ~~الله بمنزلة الشهداء ثم قرأ وآخرون يضربون في الأرض " الآية ms080 (1). # " وآخرون يقاتلون في سبيل الله " هذا عذر آخر فإن المقاتلة تمنع من ~~الصلاة بالليل، فالكل عذر للتخفيف، ولهذا رتب عليه التخفيف وقال تعالى " ~~فاقرؤا ما تيسر منه " أي من القرآن تأكيدا للحكم المتقدم، وعلى كل تقدير لا ~~ينبغي الترك بالكلية فيمكن الاستدلال بهذه الآيات على وجوب صلاة الليل على ~~النبي صلى الله عليه وآله والاستحباب على أمته في الجملة، سواء كان في كل ~~الليل أو بعضه، ولا ينبغي الأقل # PageV00P096 # من ثلاثة عشر ركعة مشهورة، ولا يشترط صحة البعض بالبعض، ولا يلزم فعل ~~كلها بل يكون تخييرا بين الكل والبعض الذي يطلق عليه الصلاة، والكل أفضل، و ~~يفهم عدم سقوطها سفرا ومرضا أيضا وذلك مفهوم من الأخبار بل الاجماع أيضا. # ويحتمل أن يكون صلاة الليل في المقدار المتقدم واجبة ثم نسخ الوجوب عن ~~الأمة بقوله " إن ربك " الآية بتخصيصه بهم دونه، لبقائه عليه صلى الله عليه ~~وآله بالإجماع وبقوله تعالى " ومن الليل فتهجد " الآية، وأن يكون مستحبة ثم ~~خفف ورخص بمعنى سقوط تأكيد ذلك المقدار مطلقا خصوصا عند الأعذار، ويحتمل أن ~~يكون المراد بفاقرؤا قراءة القرآن بالليل استحبابا لا وجوبا فإن قراءة ~~القرآن مستحبة مطلقا خصوصا في الليل، ويدل عليه الأخبار من العامة والخاصة. # فإن قيل قراءة القرآن واجبة كفاية للحفظ في الصدر، لبقاء الأحكام ~~والمعجزة وأدلة أصول الدين، فليحمل عليه، قيل: لأن القيد حينئذ يصير لغوا ~~فتأمل. # قال في مجمع البيان: ثم اختلفوا في القدر المستحب في الليل، المراد بهذه ~~الآية، فقال سعيد بن جبير خمسون آية، وقال ابن عباس مائة آية، وعن الحسن من ~~قرأ مائة آية في ليلة لم يحاجه القرآن وقال من قرأ مائة آية في ليلة كتب من ~~القانتين، وينبغي أن يكون المراد ما يصدق عليه وما تيسر لما مر، وكلما زاد ~~فهو أحسن، فإن زيادة الخير خير، ويحمل ما ورد من المقدار في الأخبار على ~~التأكيد روي عن الصادق عليه السلام أنه قال قال رسول الله صلى الله عليه ~~وآله من قرأ عشر آيات في ms081 ليله لم يكتب من الغافلين ومن قرأ خمسين آية كتب ~~من الذاكرين، ومن قرأ مائة آية كتب من القانتين، ومن قرأ مائتي آية كتب من ~~الخاشعين ومن قرأ ثلاث مائة آية كتب من الفائزين، ومن قرأ خمس مائة آية كتب ~~من المجتهدين، و من قرأ ألف آية كتب له قنطار من بر، والقنطار خمسة عشر ~~مثقالا من الذهب والمثقال أربعة وعشرون قيراطا أصغرها مثل جبل أحد وأكبرها ~~ما بين السماء و الأرض. وقال الصادق عليه السلام من قرأ في المصحف متع ~~ببصره، وخفف عن والديه ولو كانا كافرين. PageV00P097 # ثم إنه ينبغي القراءة في المصحف كما دل عليه الخبر، وإن كان حافظا. # وعنه عليه الصلاة والسلام يرفعه إلى النبي صلى الله عليه وآله: ليس شئ ~~أشد على الشيطان من القراءة في المصحف نظرا، والمصحف في البيت يطرد ~~الشيطان: وقال إسحاق بن عمار قال: قلت لأبي عبد الله عليه الصلاة والسلام: ~~جعلت فداك أني أحفظ القرآن على ظهر قلبي فأقرأ على ظهر قلبي أفضل أو أنظر ~~في المصحف؟ قال اقرأه وانظر في المصحف، فهو أفضل، أما علمت أن النظر في ~~المصحف عبادة، وكل ذلك عن عدة الداعي. # وقال في آداب المتعلمين للمحقق خواجة نصير الدين الطوسي قدس سره إن قراءة ~~القرآن نظرا أفضل لقول النبي صلى الله عليه وآله أفضل أعمال أمتي قراءة ~~القرآن نظرا، وأيضا إنه قد يحصل الغلط بالاشتباه بين الحروف مثل الضاد ~~والظاء، وغير ذلك، وينبغي أن يقرأها مستقبلا لعموم استحباب الاستقبال ~~ومتطهرا وقاعدا إذا لم يكن في الصلاة وقائما فيها للتأدب، ولما قال في عدة ~~الداعي وقال عليه الصلاة والسلام كأنه الصادق عليه الصلاة والسلام لأنه ~~تقدم لقارئ القرآن بكل حرف يقرء في الصلاة قائما مائة حسنة، وقاعدا خمسون ~~حسنة ومتطهرا في غير الصلاة خمس وعشرون حسنة، وغير متطهر عشر حسنات، أما ~~أني لا أقول " المرا " حرف بل له بالألف عشر، وباللام عشر، وبالميم عشر، ~~وبالراء عشر، وأيضا عن الحسين ابن علي عليهما الصلاة والسلام قال: من قرأ ms082 ~~آية من كتاب الله عز وجل في صلاته كتب الله له بكل حرف مائة حسنة، فإن ~~قرأها في غير صلاة كتب الله له بكل حرف عشرا. # وتدل على أن القراءة قائما في الصلاة ضعفها فيها جالسا الرواية المتقدمة ~~المذكورة في عدة الداعي فتدل على أن كون الصلاة قائما أفضل حتى الوتيرة، ~~وقد بينته في محله وأدلة قراءة القرآن كثيرة (1) وشرائطها مذكورة في محلها، ~~والغرض هنا الإشارة إليها مجملا. وينبغي أن يكون بالترتيل كما قال الله ~~تعالى بعد قوله # PageV00P098 # " أو زد عليه ": " ورتل القرآن ترتيلا " روي عن أمير المؤمنين عليه ~~السلام (1) في معناه: # بينه بيانا ولا تهذه هذ الشعر ولا تنثره نثر الرمل، ولكن أقرع به القلوب ~~القاسية ولا يكونن هم أحدكم آخر السورة. أي اقرأ متفكرا على هنيئك كما قيل ~~إنه يكون بحيث لو أراد السامع عد حروف الكلمات لعده كما روي في قراءة رسول ~~الله صلى الله عليه وآله عن عائشة في الكشاف، وقيل: البيان لا يتم بالتعجيل ~~وإنما يتم أن يبين جميع الحروف ويوفي حقها من إشباع الحركات، وكأنه إشارة ~~إلى ما قيل في معناه إنه بيان الكلمات وأداء الحروف، وعن أبي عبد الله عليه ~~الصلاة والسلام قال: إذا مررت بآية فيها ذكر الجنة فاسأل الله الجنة، وإذا ~~مررت بآية فيها ذكر النار، فتعوذ بالله من النار (2) وقيل هو أن يقرأه على ~~نظمه وتواليه، ولا يغير لفظا ولا يقدم مؤخرا وكأن المراد حينئذ الوجوب لا ~~الاستحباب، وروى أبو بصير عن أبي عبد الله عليه السلام (3) في معناه قال هو ~~أن تتمكث فيه، وتحسن به صوتك، وروي عن أم سلمة أنها قالت: كان رسول الله ~~صلى الله عليه وآله يقطع قراءته آية آية، وعن أنس قال: كان رسول الله صلى ~~الله عليه وآله يمد صوته مدا (4) وأكثر ما روي في معناه يدل على أنه مستحب ~~فهو مؤيد لحمل قيام الليل على الاستحباب فتأمل. # ويؤيد استحباب القراءة ليلا قوله " إنا سنلقي عليك قولا ثقيلا " يعني ~~سنوحي عليك القرآن، وجه الثقل ms083 كون الأحكام الشاقة فيه سيما على رسول الله ~~صلى الله عليه وآله فإنه يعمل به ويأمر به، ويبلغ ويتحمل الأذى فيه، ولما ~~فيه من قيام الليل، ومجاهدة النفس، وترك الراحة، أو أنه يثقل في الآخرة في ~~ميزان الأعمال العمل به وقراءته، وأنه قول ربنا فثقيل عظيم " إن ناشئة ~~الليل " أي النفس التي تقوم وتنشئ في الليل للصلاة أو القراءة " هي أشد وطأ ~~" أي كلفة ومشقة " وأقوم قيلا " أي أشد مقالا وقراءة لحضور القلب. # PageV00P099 # ثم أشار في آخر السورة إلى وجوب إقامة الصلاة المفروضة المقررة، و الزكاة ~~كذلك بقوله " وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة " وإلى القرض المعروف أو مطلق ~~الأنفاق في سبيل الله بل مطلق الاحسان فافهم بقوله " وأقرضوا الله قرضا ~~حسنا " على وجه حسن معروف خال عن الأذى والمنة والرئاء " وما تقدموا ~~لأنفسكم من خير " من مال بل مطلق الاحسان " وتجدوا عند الله هو خيرا وأعظم ~~أجرا " ما موصول متضمن لمعنى الشرط، مبتدأ مع صلته، وتجدوه خبر بمنزلة ~~الجزاء وماء المفعول الأول لتجدوا و " عند " ظرفه وهو فصل بين مفعوله الأول ~~ومفعوله الثاني و هو خيرا، وكأنه وجد شرط الفصل وهو كون ما بعده معرفة، لأن ~~خيرا يستعمل بمن لأن معناه خيرا مما تؤخرونه إلى وقت الوصية، وإليه أشار ~~فيما روي عن عنبسة العابد قال: قلت لأبي عبد الله عليه الصلاة والسلام ~~أوصني فقال أعد جهازك وقدم زادك، وكن وصي نفسك، ولا تقل لغيرك، يبعث إليك ~~بما يصلحك (1) أو من مطلق ما تترك إنفاقه وفعله من التقربات، والطاعات ~~والمستعمل بمن بمنزلة المعرفة، ولهذا لا يعرف باللام، مع أنه قد توجد مع ~~كون ما بعده نكرة أيضا اطرادا للباب، و " أعظم " عطف على " خيرا " و " أجرا ~~" تميز عن نسبة وجدان ما عنده خيرا وأعظم. قال القاضي هو تأكيد وفصل، وقال ~~في التركيب فصل أو بدل أو تأكيد، فيه أنه يلزم تأكيد المنصوب بالمرفوع ~~وبدليته عنه، وقال في مجمع البيان أو صفة لها، فيه أن المشهور أن الضمير لا ~~يوصف ولا يوصف به، ms084 ثم أشار إلى وجوب الاستغفار والتوبة بقوله " واستغفروا ~~الله " في جميع الأحوال، فإن الانسان لا يخلو عن تفريط وتقصير وذنب دائما " ~~إن الله غفور رحيم " دليل على وجوب الاستغفار، يعني يجب عليكم ذلك، فإنه ~~يغفر لكم فإنه ستار لذنوبكم و صفوح عنكم رحيم بكم [عليكم] فلا تتركوه، فدلت ~~على وجوب الاستغفار ومشروعيته دائما وإن لم يشعر بالذنب فيمكن استحباب ~~التوبة حينئذ دائما من غير شعور بصدور الذنب، ويدل على قبول التوبة أيضا ~~فافهم. # PageV00P100 # * (النوع السابع) * في أحكام متعددة يتعلق بالصلاة وفيه آيات: # الأولى: وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها إن الله كان على كل ~~شئ حسيبا (1). # قال مجمع البيان: اللغة، التحية السلام يقال حيى يحيي تحية إذا سلم قال ~~في القاموس أيضا التحية هو السلام ثم قال في مجمع البيان المعنى " وإذا ~~حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها " أمر الله تعالى المسلمين برد السلام على ~~المسلم بأحسن مما سلم إن كان مؤمنا وإلا فليقل وعليكم، لا يزيد على ذلك، ~~فقوله بأحسن منها للمسلمين خاصة، وقوله أو ردوها لأهل الكتاب عن ابن عباس، ~~فإذا قال المسلم " السلام عليكم " فقلت وعليكم السلام ورحمة الله [وإذا قال ~~السلام عليكم ورحمة الله فقلت وعليكم السلام ورحمة الله] وبركاته فقد حييته ~~بأحسن منها وهذا منتهى السلام، وقيل إن قوله " أو ردوها " للمسلمين أيضا ~~إلى قوله: وهذا أقوى لما روي عن النبي صلى الله عليه وآله قال إذا سلم ~~عليكم أهل الكتاب فقولوا وعليكم. # وذكر علي بن إبراهيم في تفسيره عن الصادقين عليهما الصلاة والسلام أن ~~المراد بالتحية في الآية السلام وغيره من البر، وذكر الحسن أن رجلا دخل على ~~النبي صلى الله عليه وآله فقال: السلام عليك! فقال النبي: وعليك السلام ~~ورحمة الله، فجاءه آخر وسلم عليه فقال: السلام عليك ورحمة الله، فقال ~~النبي: وعليك السلام ورحمة الله وبركاته، فجاءه آخر فقال: السلام عليك ~~ورحمة الله وبركاته فقال النبي صلى الله عليه وآله وعليك [السلام ورحمة ~~الله وبركاته] فقيل يا رسول الله زدت للأول ms085 والثاني في التحية ولم تزد ~~للثالث؟ فقال إنه لم يبقي لي من التحية شيئا فرددت عليه مثله (2) انتهى. # وقال القاضي: الجمهور على أنه في السلام، وتدل على وجوب الجواب إما # PageV00P101 # بأحسن منها، وهو أن يزيد عليه ورحمة الله، فإن قاله المسلم زاد وبركاته ~~وهي النهاية، وإما برد مثله لما روي - ونقل الرواية المتقدمة إلى قوله: ~~ومنه قيل " أو " للترديد بين إن يحيي المسلم ببعض التحية، وبين أن يحيي ~~بتمامها، وهو الوجوب على الكفاية، وحيث السلام مشروع فلا يرد في الخطبة ~~وقراءة القرآن وفي الحمام وعند قضاء الحاجة ونحوها والتحية في الأصل مصدر ~~حياك الله على الأخبار من الحياة ثم استعمل للحكم والدعاء بذلك، ثم قبل لكل ~~دعاء فغلب في السلام، و قيل المراد بالتحية العطية وأوجب الثواب (1) أو ~~الرد على المتهب، وهو قول قديم للشافعي (2). # وقال في الكشاف: الأحسن منها أن يقول وعليكم السلام ورحمة الله إذا قال ~~السلام عليكم، وأن يزيد وبركاته، إذا قال ورحمة الله، ونقل الرواية ~~المتقدمة. # فقد ظهر من اللغة وتفسيري مجمع البيان والقاضي، بل الكشاف أيضا أن المراد ~~بالتحية هنا هي التحية الغالبة المتعارفة بين المسلمين، بعد رفع ما كان ~~متعارفا في الجاهلية، وهي لسلام المتعارف بينهم فالحمل عليه أولى من الحمل ~~على العطية فيجب عوضها أو ردها كما قاله الشافعي في القديم، لأنه خلاف ~~المتبادر، والأصل، عدم وجوب عوض العطية، ووجوب ردها، بل ردها مذموم شرعا ~~جدا (3)، فلا يمكن الايجاب بمثل هذا الاحتمال وكذا حملها على السلام وعلى ~~كل بر كما نقل عن تفسير علي بن إبراهيم، نعم لو ثبت صحة الرواية المنقولة ~~في تفسيره يمكن حملها على الرجحان المطلق لا الوجوب إذ الظاهر لعدم القائل ~~بوجوب تعويذ كل بر وإحسان، وهو معلوم من الروايات أيضا فتأمل وكذا حملها ~~على كل تحية من السلام ونحوه مثل صباحكم ومسائكم ونحوها لعدم التبادر # PageV00P102 # وبعد الفهم، وعدم ظهور الوجوب، والأصل عدمه، وليس بظاهر من الآية فالأصل ~~ينفيه، ولأنه تحية الجاهلية، والإسلام نسخه. # وبالجملة الذي يتبادر من الآية ms086 السلام المتعارف بين المسلمين، ولهذا لا ~~خلاف في وجوب رده فهو معنى بالآية، وغيره غير ظاهر كونه مرادا بها، فيترك ~~بالأصل، والاحتياط ظاهر لا يترك. # وأيضا الظاهر أن كل صيغة صحيحة متعارفة في العرف بالقواعد المقررة توجب ~~وجوب الرد مثل السلام فقط، كما هو متعارف بين الناس بحذف الخبر، فإنه جائز، ~~ولصدق التحية عليه أيضا على ما فسرت، ويحتمل العدم للأصل، وعدم كونه ~~متعارفا شرعا وعرفا عاما، وعدم العلم بكونه مرادا في الآية لأنها غير صريح ~~في العموم، لأنها مهملة، وإن كان ظاهرها عرفا عاما، ثم إن الظاهر وجوب الرد ~~بالمثل، أو بالأحسن كليا لا خلاف فيه، ويدل عليه الأخبار أيضا فالإجماع ~~والخبر مؤيدان للآية، والظاهر أيضا أنه فوري على ما يظهر من كلامهم ويدل ~~عليه الفاء، فلو ترك يأثم ويبقى في ذمته، مثل سائر الحقوق، و هذا مؤيد ~~لفورية حقوق الناس فتأمل، وليس ببعيد، لأنه المتعارف والمطلوب من المسلم ~~عليه. # وأيضا قالوا: يجب الاسماع وهو أيضا ليس بواضح الدليل، بل بعض الأخبار ~~الصحيحة صريحة في عدم وجوب الاسماع (1) وأنه يكفي أن يجيب في نفسه بحيث لا ~~يسمع المسلم إلا أن يكون إجماعيا فتؤول الأخبار وأيضا ظاهرهم أن الوجوب ~~كفائي وظاهر الدليل خلافه بل الوجوب العيني، لأنه المتبادر من الأمر الذي ~~للوجوب لأنه إذا خوطب به كل واحد يفهم وجوبه عليهم، مع عدم دليل مسقط عن ~~البعض بفعل البعض، لكن الظاهر إجماع الأمة على ذلك، ولأنه إنما سلم سلاما ~~واحدا، فليس له إلا عوض واحد، ولكن الظاهر أنه إنما يسقط بفعل من كان داخلا ~~في المسلم عليهم، ويكون ذلك مكلفا بالجواب، فلا يسقط برد من لم يكن كذلك ~~فلو خصص البعض من جماعة، لم يجب الرد إلا على من خصص، ولا # PageV00P103 # يسقط عنه برد غيره، وأيضا لو رد غير المكلف ولو كان داخلا فيهم لا يسقط ~~عن الباقين، لأنه قد وجب الرد عليهم، ولم يأت أحد به، إذ لا يجب على غير ~~البالغ فهو بمنزلة العدم، ويمكن أن يقال فلو ms087 سلم عليهم وهو داخل ومقصود ~~أيضا بالسلام فكأن المسلم ما أوجب الرد بل جاء بكلام يريد عوضه بواجب وغير ~~واجب فكأنه ما أتى بالموجب أو أنه لما قصد السلام على غير المكلف فكأنه سلم ~~على غير المكلف وحده فتأمل. # وأيضا لو سلم غير البالغ المميز الذي يقصد التحية فظاهر الآية وجوب رده ~~كالبالغ، وقيل لا يجب لعدم كونه مكلفا وأفعاله شرعية، وشرطية المكلفية ~~والشرعية غير ظاهرة، ولو قيل إن أفعال الصبي شرعي كما هو الظاهر فالاجزاء ~~والوجوب قوي والاحتياط واضح. ثم إنه معلوم أن وجوب الرد إنما يكون في ~~السلام المشروع، ولكن الظاهر عموم المشروعية حتى يحصل المانع، فيجب الرد ~~حال الخطبة والقراءة والحمام والخلاء، فإن الظاهر استحباب ذلك كله ~~ومشروعيته إلا أن يكون ثوابه أقل من بعض الأفراد الأخر، نعم إن ثبت كراهية ~~السلام في هذه المواضع بمعنى كونه مرجوحا من عدمه ويكون الجواب مخصوصا ~~بالمستحب والراجح لم يجب الرد ولكن ظاهر الآية العموم، ولهذا قيل بوجوب رد ~~سلام الأجنبية مع القول بالتحريم فتأمل، والظاهر أن الكراهة بهذا المعنى لا ~~بالمعنى الأقل ثوابا من فرد آخر، كما قال بعض الأصحاب أن لا كراهة في ~~العبادات إلا بهذا المعنى، وظاهر الأصحاب الوجوب كليا فكأنه بالإجماع ~~وبالعموم العرفي المفهوم من الآية والرواية، ويؤيدها ما ورد من الرد في ~~الصلاة فيدل على المشروعية بل الوجوب إذ السلام منهي عنه فيها، فلو لم يكن ~~واجبا لم يرد وهو مذكور في الرواية الصحيحة بقول السلام عليكم بمثل ما قال ~~المسلم، فالظاهر الوجوب فتأمل واحفظ. # ثم إن الظاهر أن الرد بالمثل شامل لقوله السلام عليكم إذا قاله المسلم من ~~غير إشكال ويؤيده الرواية المتقدمة وغيرها، وعمل الطائفة، والظاهر أنه كذلك ~~PageV00P104 # وعليكم السلام بتقديم الخبر، لعدم التفاوت بين التقديم والتأخير، ولما ~~تقدم في الرواية المذكورة في مجمع البيان والكشاف والبيضاوي وكذا بالتنكير ~~والتعريف وسلامي وسلام الله ونحو ذلك على الظاهر، وأن الأفضلية تحصل بضم ~~ورحمة الله وبركاته مع عدمها في الأول، وأن الانسان مخير في الرد ms088 بينهما ~~بظاهر الآية وغيره، ولكن خصص الأحسن بالمسلم، فما قيل إن معنى الآية أن ~~الأحسن للمسلم، والمثل للكافر الكتابي خلاف ظاهر الآية، والأصل عدم وجوب ~~العوض بأحسن، فكلاهما في المسلم يجوز، والأحسن حسن، وفي الكتابي يمكن المثل ~~لما تقدم من الروايتين مع احتمال تخصيص الأمر بالمسلم، فلا يجب رد الكتابي ~~أيضا كالحربي لعدم حسن التحية عليهم، بل يجب البغض وعدم المحبة لمن حارب ~~الله ورسوله وينبغي تتبع ما في الرواية مثل وعليك، فتأمل. # ثم إنه ذكر البعض أن السلام على المصلي مستحب وليس بمكروه كأنه للعموم ~~وأنه إذا سلم عليه يجب الرد، ولو ترك يمكن أن يبطل صلاته إن كان وقت السلام ~~مشغولا بذكر من أذكار الصلاة كالقراءة، فإن ذلك حرام لفورية الجواب فيكون ~~كلاما أجنبيا منهيا، والنهي في العبادة مبطل لها كما ثبت في الأصول وأنت ~~تعلم عدم صراحة العموم، ولهذا قيل بالكراهة في الخلاء والحمام للعاري وعلى ~~تقديره فالوجوب حينئذ مقدما على أفعال الصلاة ممنوع، لوجوب الموالاة في ~~القراءة فلا فورية (1) وعلى تقدير وجوبه قد يكون مساويا مخيرا بينه وبين ~~الموالاة، وعلى تقدير الرجحان فتحريم الكلام فرع أن الأمر بالشئ مستلزم ~~للنهي عن ضده الخاص وقد حققناه في موضعه، ثم إنه على تقدير ذلك ينبغي أن ~~يكون النهي شاملا للأفعال أيضا كالأذكار إذا منعت من الرواح إلى أن يرد إذا ~~سلم وذهب فيبطل الصلاة مطلقا إلا إذا علم إمكان رده، ولم يشتغل قبله بشئ ~~ينافيه، إلا أن يقال لا يجب الذهاب إلى أن يرد وتبطل، فلو تعارضا سقط وجوب # PageV00P105 # الرد، ويتعين الاشتغال بها حينئذ فيحتاج إلى الدليل وأيضا ينبغي أن يقول ~~بالبطلان بناء على تقديره إذا تكلم بذكر في وقت يمكن الرد وإن لم يكن ذاكرا ~~حين سلم عليه، بل ذكر بعد أن ذهب وراح المسلم إلا أنه يمكن أن يرد السلام ~~من غير إبطال للصلاة بأن يصيح حتى يصل إليه الرد فكأنه المراد. # ثم إن كون الكلام الأجنبي منهيا في الصلاة لا يستلزم بطلانها لأنه نهي ~~مبطل ms089 إذ النهي في العبادة معناه أن يكون المنهي نفس العبادة فيبطل حينئذ ~~فلو تكلم الانسان في الصلاة بكلام أجنبي منهي عنه بالعرض كالتسليم لم يدل ~~على البطلان، نعم لو تكلم بجزء واجب منهي عنه، واكتفى بذلك ولم يتداركه في ~~وقته، بطل ذلك الجزء، وببطلانه يبطل الكل من جهة ترك الجزء، لا من جهة أن ~~النهي في العبادة مبطل، ففي الصلاة المذكورة على تقدير تسليم النهي عن كلمة ~~وكلام حين ترك الرد لو عاد بعده في وقت ما فات الموالاة التي هي شرط وأعاد ~~ذلك الكلام لم تبطل صلاته إلا أن نثبت أن كل كلام أجنبي حرام ومبطل، وإن ~~كان قرآنا وذكرا وذلك غير ثابت، بل في النهي ما يدل على اختصاص ذلك بغير ~~القرآن، وكذا لو أتى بالأذكار المستحبة فتأمل جدا هذا. # الثانية: قل إن صلاتي ونسكي محياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له ~~وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين (1). # قيل: المراد بنسكي سائر العبادات، فهو تعميم بعد تخصيص، وقيل أفعال الحج، ~~والمراد بالمحيا والممات العبادات الواقعة حال الحياة والتي تقع بعد الموت ~~بالوصية، مثل التدبير (2) أو كون نفس الحياة والموت لله أي العبادة خالصة ~~له، و الحياة والممات خاصة به لا يقدر عليهما ولا يفعلهما غيره، " وبذلك ~~أمرت " أي بالقول المذكور أو بالإخلاص في الأمور الذي فهم منها، وقد استفيد ~~منها النية و وجوب كون العبادة لله لا لغيره، فيفهم بالمفهوم تحريم الشرك ~~الظاهر مثل عبادة # PageV00P106 # الأصنام والكواكب، والخفي وهو والرياء والسمعة، ويشكل إدخال قصد حصول ~~الثواب وعدم العقاب بالعبادة فيه، فإن فعلها لوجوبها حسن بل واجب عندهم و ~~هو مستلزم لذلك وما نقل عن أمير المؤمنين (1) عليه الصلاة والسلام فمن ~~خصائص مثله، على أنه لا يدل عليه بل يدل على أن فعله عليه الصلاة والسلام ~~ما كان لذلك بل لكون الله أهلا له وكذا لا يفهم أن الإخلاص المذكور من ~~أحكام الاسلام فيكون كل مسلم مأمورا به، ولا يدل أيضا على كون العبادات ~~شكرا لله وهو ظاهر. # وفي ms090 دلالتها على أن صحة الصلاة بل سائر العبادات متوقفة على معرفة الله ~~ووحدانيته، وكونه مربيا وكونه منشئا للعالمين، وعالما وقادرا وحكيما فإن ~~العلم بكونه مربيا ومنشئا لهم يستلزم العلم بكونه عالما وقادرا وحكيما حفاء ~~نعم يمكن الاستدلال به على وجوب المعرفة، وتوقف الصحة عليها للمأمور بذلك ~~القول، فإنه يفهم أنه يجب قول ذلك، ومعرفة القول وفهمه وصدقه مع التعلقات ~~متوقفة عليها، وأبعد منه توقفها على معرفة تلك الأمور بالدليل سيما مع ~~القول بأنه بدون ذلك مسلم في الظاهر إذ لا يشترط في صحة الصلاة غير الاسلام ~~والايمان ويمكن فهم عدم جواز إسناد خلق شئ من العالم إلى غيره مثل الكواكب ~~والعقول والأفلاك. # الثالثة: إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ~~ويؤتون الزكاة وهم راكعون (2). # حصر ولاية الخلق في الله ورسوله والذين آمنوا: الذين يقيمون الصلاة و ~~يتصدقون حال صلاتهم راكعين، الظاهر من الولي هو المتولي للأمر كله، و ~~الأولى بهم من أنفسهم، ومن بيده أمورهم مثل الله ورسوله والإمام، إذ لا ~~معنى للحصر في المذكورين بغير هذا المعنى، مثل المولى والناصر والمحب، وكون # PageV00P107 # الولي بغير هذا المعنى في الآية السابقة (1) مع بعدها على تقدير تسليمه ~~لا يدل على كونه هنا أيضا كذلك، وكذا في الآية المتأخرة (2) وقال على ~~القوشجي في شرحه للتجريد: اتفق المفسرون على أنها نزلت في علي بن أبي طالب ~~عليه الصلاة والسلام حين تصدق بخاتمه في الصلاة راكعا ويدل عليه الروايات ~~من الخاصة و العامة (3) وسوق الآية، واختصاص الأوصاف المذكورة به عليه ~~الصلاة والسلام بالإجماع، والجمع للتعظيم، وترغيب الناس في التصدق، ولأنه ~~نقل في أخبارنا أنه وقع مثل هذا الفعل من كل من الأئمة الأحد عشر من ولده ~~عليهم الصلاة والسلام والحصر إضافي بالنسبة إلى من يتوقع أنه ولي مثله في ~~ذلك الزمان، و يكفي للحصر علمه تعالى بأنه يقع التردد، بل يجزم جماعة ~~بخلافه ولا يحتاج إلى ثبوته حين النزول إن ثبت عدم ثبوته حينئذ له عليه ~~الصلاة والسلام فإن لله أن يخبر بأنه ms091 الإمام حين الاحتياج وهو بعد فوته صلى ~~الله عليه وآله بغير فصل وهو ظاهر، وأنه بعد وجود أدات الحصر وانحصار ~~الأوصاف فيه عليه الصلاة والسلام واتفاق المفسرين على أنه في حقه عليه ~~الصلاة والسلام يدل على اختصاصه به فلا معنى لجعل " وهم راكعون " عطفا أو ~~جعله بمعنى خاضعون والاعتراض بأنه قد يكون بمعنى الناصر و غيره مما أشرنا ~~إليه وبأنه ليس في حقه للجمع وللحصر وهم لا يقولون به (4) كما قال علي ~~القوشجي، مع أنه لو صح لكان اعتراضه على الله تعالى فإنه قال اتفق المفسرون ~~على أنه في حق علي عليه الصلاة والسلام حين تصدق بخاتمه في الصلاة وهو ~~راكع. # PageV00P108 # " ومن يتول الله ورسوله والذين آمنوا فإن حزب الله هم الغالبون " كأنه ~~قال فهم حزب الله وحزب الله هم الغالبون، وضع المظهر موضع المضمر تنبيها ~~على البرهان عليه، وتنويها بذكرهم، وتعظيما لشأنهم: وتشريفا لهم بهذا ~~الاسم، و تعريضا يمن يوالي غير هؤلاء، فإنهم حزب الشيطان، والحزب بمعنى ~~القوم فالآية تدل على جواز النية في الزكاة قصدا فقط، والتصدق ونيته في ~~الصلاة وتسمية التصدق زكاة لأن الظاهر أن الذي فعله ما كان زكاة واجبة، وإن ~~كانت واجبة فتدل على جواز التأخير في الجملة وإخراج القيمة، قال أخطب ~~خوارزم في الفصل السابع عشر في بيان ما أنزل الله من الآيات في شأنه: أخبر ~~الإمام إلى قوله فقال لهم النبي صلى الله عليه وآله إنما وليكم الله ورسوله ~~إلى قوله وهم راكعون ثم إن النبي صلى الله عليه وآله خرج إلى المسجد والناس ~~بين قائم وراكع، فبصر بسائل فقال له النبي صلى الله عليه وآله هل أعطاك أحد ~~شيئا؟ فقال نعم خاتما من ذهب (1) فقال له النبي صلى الله عليه وآله من ~~أعطاكه؟ # قال ذلك القائم وأومأ بيده إلى علي عليه الصلاة والسلام فقال النبي صلى ~~الله عليه وآله على أي حال أعطاك؟ فقال أعطاني وهو راكع، فكبر النبي صلى ~~الله عليه وآله ثم قرأ " ومن يتول الله ورسوله " الآية فأنشد حسان ms092 بن ثابت ~~في ذلك: # أبا حسن تفديك نفسي ومهجتي * وكل بطيئ في الهوى ومسارع أيذهب مدحي في ~~المحبر ضايعا (2) * وما المدح في جنب الإله بضايع # PageV00P109 # فأنت الذي أعطيت إذ كنت راكعا * فدتك نفوس القوم يا خير راكع فأنزل فيك ~~الله خير ولاية * فبينها في محكمات الشرايع ثم روي عنه صلى الله عليه وآله ~~باسناده " إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك هم خير البرية (1) " هم يا ~~علي أنت وشيعتك وموعدي وموعدكم الحوض إذا جثت الأمم للحساب تدعون غرا ~~محجلين ونقل في هذا الكتاب مرارا أن المراد بخير البرية هو علي عليه الصلاة ~~والسلام، ونقل أنه كان إذا أقبل قالت الصحابة هذا خير البرية، وكانوا ~~يدعونه به. # الرابعة: إنني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني وأقم الصلاة لذكري إن ~~الساعة آتية أكاد أخفيها أي أظهرها فالهمزة للإزالة لتجزى كل نفس بما تسعى ~~(2). # قيل: معناه أقم الصلاة لذكرك إياها فإن فاتتك ثم ذكرت فصلها أي وقت كان، ~~فأراد بذكري ذكر الصلاة، لاستلزام ذكرها ذكره، أو بحذف المضاف، و فهم ~~المعنى المذكور من غير ضم الخبر (3) مشكل، ومعه لا يحتاج إليه في ذلك نعم ~~يؤكده. # الخامسة: وهو الذي جعل الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذكر أو أراد ~~شكورا (4). # أي جعل كل واحد منهما خليفة الآخر للذي أراد أن يذكر نعمة الله فيهما أو ~~يشكره عليهما فيهما، وحاصله جعل ذلك إرادة [أن يراد] ذكره وشكر نعمه # PageV00P110 # فيهما استدل بها على مشروعية فعل فائت الليل نهارا والعكس، فإن معناها ~~الليل خليفة النهار فيما يصح أن يقع فيه، وبالعكس، وفهمه من مجردها مشكل ~~كسابقتها فافهم (1). # السادسة: فإذا انسلخ الأشهر الحرم إلى قوله: فإن تابوا وأقاموا الصلاة ~~وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم (2). # قيل: استدل بها على أن تارك الصلاة مستحلا مرتد يجب قتله، لأنه تعالى علق ~~المنع من قتلهم على التوبة وإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، ولا شك أن تركهم ~~الصلاة كان على وجه الاستدلال، لعدم تحقق اعتقاد وجوبها من المشرك و الحكم ~~المعلق على مجموع لا يتحقق ms093 إلا مع تحقق المجموع، ويكفي في حصول نقيضه فوات ~~واحد من المجموع، ولا يخفى ما فيه فافهم. # السابعة: يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم لعلكم ~~تتقون (3). # أما اللغة فالعبادة هي أقصى غاية الخضوع كما مر في " إياك نعبد " والخلق ~~هو الفعل والإيجاد على تقدير واستواء. والباقي ظاهر. # وأما الاعراب فلعلكم تتقون، جملة حالية عن الخالق، لكن على طريق التشبيه ~~بالراجي لاستحالة حقيقة الرجاء منه، أو عن المخلوقين أو عن العابدين و أما ~~كونها علة فتكون بمعنى كي فيكون موافقا لقوله تعالى " وما خلقت الجن و ~~الإنس إلا ليعبدون " (4) كما يظهر من مجمع البيان ففيه أنه نقل في الكشاف ~~وتفسير القاضي أن لعل ما جاء بهذا المعنى فعلى تقدير التسليم يحتمل كون ما ~~ذكر في مجمع البيان محصل المعنى، ومعناها المجازي، والمنع المذكور فيهما ~~يكون باعتبار # PageV00P111 # الحقيقة " الذين " عطف على مفعول خلقكم، وغلب الخطاب على الغيبة في لعلكم ~~أو حذف " وإياهم " للظهور. # وأما المعنى فهو الأمر وإيجاب مطلق العبادة على كل الناس المخلوقين مسلما ~~كان أو كافرا حرا أو عبدا إلا ما أخرجه الدليل من الصبيان والمجانين، و ~~المتصف بالمانع من العبادة، وأما الاستنباط فهو أنها تدل على وجوب العبادة ~~في الجملة، ومشروعيتها مطلقا فلا يحتاج إلى التوقيف، فتصلح النافلة دائما ~~والصوم كذلك وإعادة العبادة والقضاء وغير ذلك من أنواع العبادات، وكون ~~الكافر مكلفا والعبد كذلك حتى يثبت المنع، وأما دلالتها على أن العبد لا ~~يستحق بعبادته ثوابا لأنها تدل على أن الوجوب المذكور للشكر على النعم ~~المعدودة عليهم، على ما ذكره القاضي ومثله قال في مجمع البيان فغير ظاهرة، ~~لجواز كون ذكر النعم المعدودة للترغيب والتحريص على الفعل، والمنع من ~~الترك، لأن الآمر إذا كان ذا نعم كثيرة، وذكر نعمة عند الأمر، يكون ذلك أتم ~~وأعلى في حصول الأمر فيزيد للمأمورين رغبة في الفعل، وحثا في عدم الترك، ~~نعم يمكن كون ذلك المعنى أيضا ولكن مع قيام هذا الاحتمال ما صارت الدلالة ~~عليه واضحة، نعم لا ms094 بد من دليل على إثبات استحقاق الثواب عليها، غير هذا ~~الأمر، لقيام ذلك الاحتمال وذلك موجود ولعله إجماع الخاصة والآيات والأخبار ~~الكثيرة، والدليل المذكور في أصول الكلام (1) ويؤيده أن المنعم الغني ~~المطلق يمن على العباد في مواضع كثيرة بهذه النعم، وإنما هو المناسب مع عدم ~~إرادة العوض، فلا ينبغي كونها سببا وموجبا للعبادة فتأمل. # الثامنة: الذي جعل لكم الأرض فراشا والسماء بناء وأنزل من السماء ماء ~~فأخرج به من الثمرات رزقا لكم فلا تجعلوا لله أندادا وأنتم تعلمون (2). # أما الاعراب، فالذي إما منصوب بأنه صفة بعد صفة للرب، أو بالمدح، و # PageV00P112 # الأرض والفراش مفعولا جعل، والسماء والبناء عطف عليهما، و " من " الأولى ~~ابتدائية، والثانية تبعيضية، ويكون الرزق حينئذ حالا أو مفعولا له، أي حال ~~كونه رزقا، أو ليكون رزقا ومرزوقا لكم، أو بيانية مقدمة على المبين، و هو ~~الرزق كما يقال أنفقت من الدراهم ألفا وأنزل عطف على جعل، وماء مفعوله ~~وأخرج عطف عليه، ورزقا مفعوله، وضمير به راجع إلى الماء، ولكم صفة رزقا ~~والفاء في " فلا " للتفريع إما على اعبدوا، أو على لعل، أو على الذي خلقكم ~~و " أندادا " مفعول فلا تجعلوا، وأنتم تعلمون جملة حالية من فاعل " فلا ~~تجعلوا " ومفعوله إما محذوف، أو مقدر وهو أنه لا يقدر على مثل هذه الأفعال ~~غيره تعالى أو أنه لا ند له. # وأما اللغة فالفراش هو البساط، والبناء هو المبني وهو هنا قبة وفي الأصل ~~أعم من أن يكون بيتا أو قبة كذا في الكشاف، والند المثل الذي يكون ضدا. # وأما المعنى فباعتبار ضمها إلى الأولى هو الأمر بعبادة الله الموصوف ~~بالصفات المذكورة، والنهي عن الاشراك به، والإشارة إلى قطع عذرهم بالجهل، ~~لعدم القدرة، ولعدم ما يوصلهم إليه لوجود العلم والتمييز فيهم، ووجود ما ~~يوصلهم من خلق هذه المذكورات الذي لا يقدر عليه غيره، سيما الضد الذي ~~يجعلونه شريكا له، وقائما مقامه من الأصنام، فإنها لا تقدر على شئ ولا تنفع ~~ولا تضر. # وأما الأحكام المستنبطة منها، فهي إباحة السكون في ms095 أي جزء كان من الأرض ~~على أي وجه أراد، والصلاة فيه، وسائر العبادات كذلك، وطهارتها أيضا، و ~~استعمال الماء في أي شئ كان على أي وجه اتفق، وطهارته، بل طهوريته أيضا ~~لأنها من جملة انتفاعاته المتعارفة المطلوبة منه ومقام الامتنان يعم جميع ~~ذلك مع إباحة جميع الثمرات المخرجة به للرزق، وقيل: الثمرة أعم من المطعوم ~~والملبوس والرزق أعم من المأكول والمشروب، وفيه تأمل إذ الثمرة المخرجة هي ~~الرزق لا غير، فما ذكر أنها أعم من الملبوس غير ظاهر حقيقة، ولكنه لا يبعد ~~شمولها PageV00P113 # للكل فإن القطن مثلا ثمرة شجرة، والإبريسم يحصل من ورق الشجر ويكون ~~المراد بالرزق ما يعيش به الانسان ويؤيده ما ذكره في مجمع البيان في تفسير ~~الآية الثالثة بعد هذه، في بيان " كلما رزقوا " من أن الرزق عبارة عما يصح ~~الانتفاع به ولا يكون لأحد المنع منه، فيدخل الجميع فيه. # وتحريم الشرك (1) وثبوت الوحدانية وأن الجاهل معذور على تقدير عدم القدرة ~~على العلم أو عدم الدليل الموصل إليه، وذلك من تقييد النهي بالحال (2) ~~بالعلم الذي مر تفسيره فيعلم منه عدم التكليف بما لا يطاق، فيبطل مذهب من ~~يقول به وأما دلالتها على كون العبادات شكرا وعدم استحقاق الثواب لأن ~~الصفات المذكورة للآمر الذي هو الله تفيد عليتها للتكليف بها، على ما ذكره ~~القاضي ههنا وفي الآية السالفة على وجه يفهم اعتقاده لذلك أنه الحق، فباطل ~~لما مر في السالفة والظاهر أنه ما ذهب إليه من الطائفة المحقة، بل من مطلق ~~المسلمين إلا قليل، وليس بمذهب مشهور من المتعبدين بالشريعة فإن الثواب ~~والعقاب قريب أن يكونا من ضروريات دين محمد صلى الله عليه وآله بل كل ~~الأديان، وبهما يثبتون الحشر والنشر، وعليه يدل كثير من الآيات والأخبار بل ~~الاجماع، لأن هذا المذهب منسوب إلى أبي القاسم البلخي فقط على ما ذكره في ~~شرح التجريد الجديد وحاله أيضا ليس بظاهر الله يعلم. # ثم اعلم أن في الآية الثالثة بعد هذه التي ذكرناها، دلالة على إبطال قوله ~~حيث قال تعالى: ms096 " وبشر الذين آمنوا وعملوا الصالحات أن لهم جنات " الآية ~~حيث يعلم تعليل حصول هذه النعم العظام للإنسان بالايمان والعمل الصالح ~~فيكون مستحقا لها وهو ظاهر كدلالتها على خروج العمل الصالح عن الايمان، ~~وكذا في غيرها أيضا من الآيات. # PageV00P114 # * (النوع الثامن) * فيما عدا اليومية من الصلوات وأحكام تلحق اليومية ~~أيضا وفيه آيات: # الأولى: يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ~~ذكر الله وذروا البيع ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون. # الثانية: فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله ~~واذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون. # الثالثة: وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها وتركوك قائما قل ما عند ~~الله خير من اللهو ومن التجارة والله خير الرازقين (1). # خص الخطاب بالمؤمنين أي المسلمين لأنهم المنتفعون بإيجاب الصلاة الخاصة ~~وهي صلاة الجمعة عليهم بعد سماع الأذان، لقوله تعالى " اسعوا " أي اذهبوا ~~وامضوا على ما روي، وعبر بالسعي، الذي يفيد المبالغة في الذهاب، للمبالغة ~~في الفعل و عدم الترك، لأنه قد روي أن المستحب هو الرواح إلى الصلاة ~~بالسكينة والوقار لا بالسرعة، وذكر الله هو الصلاة فكأنه قال إليها إلا أنه ~~عبر عنها بالذكر إشارة إلى أنها ذكر الله، وأنه ينبغي القصد بفعلها أنها ~~ذكر الله، ويحتمل الخطبة. # وكأن تحريم البيع والشراء وقت وجوبها تعبد وإن لم يكن مانعا عنها إذ يجوز ~~الجمع بين المضي إلى الصلاة الواجب، والبيع والشراء، وهو ظاهر، فلا ينبغي ~~التعدي إلى سائر ما يشبهه، لأنه قياس ممنوع، من غير ظهور العلة، مع مخالفته ~~للأصل، وما يدل على إباحتها من العقل والنقل كتابا وسنة إجماعا، ولا # PageV00P115 # يبعد عدم الانعقاد، وإن لم يكن النهي مطلقا دالا على الفساد، ليتم ~~المطلوب و الترغيب إلى الصلاة، ولأن ما يدل على انعقاده هو إباحته، فمع ~~رفعها لا ينعقد مؤيدا بأصل عدم انتقال المال إلا بديل، وليس بظاهر كون ~~العقد الحرام الذي لا يرضى الله به دليلا موجبا لذلك فتأمل. # وبالجملة انتقال مال البايع إلى المشتري وبالعكس الذي الأصل ms097 عدمه يحتاج ~~إلى الدليل، ومجرد البيع الذي هو حرام وخلاف ما يرضى الله به غير ظاهر في ~~ذلك، مع أنه قد يدعى ظهور عدم الانعقاد من النهي، كما ادعى بعض الأصوليين ~~فتأمل. # " ذلكم خير لكم " أي السعي إليها وترك البيع خير لكم، إن كنتم من أهل ~~العلم والعرفان، أو إن كنتم تعلمون الخير والشر، تعلمون أن ذلك خير بالنسبة ~~إليكم من عدمها وما يتبعه. # ثم أباح الله بعد أداء الصلاة الانتشار وطلب الرزق به من فضل الله ورحمته ~~و لطفه، إشارة إلى أن التاجر والكاسب للرزق، لا ينبغي أن يعتمد على كسبه ~~وتجارته بل إنما يطلب من فضل الله عليه ورحمته، ويجعل الكسب والتجارة وسيلة ~~وسببا لذلك وبسبب ترغيبه، فالأمر هنا بعد التحريم للإباحة، وإن كان في ~~الأصل للوجوب، للإجماع على عدم وجوب ذلك، ويحتمل الوجوب في بعض الأحيان مثل ~~الكسب للنفقة الواجبة. # ثم أشار في الآية الثالثة إلى ذم المسلمين، وظاهر أنهم الذين كانوا معه ~~صلى الله عليه وآله بأنهم إذا رأوا أو علموا تجارة أو لم يعلموا بل ظنوا ~~بسبب سماع صوت دال عليهما في الجملة وهو المراد باللهو - قيل كان للتجار ~~الذين يجيؤن بالتجارة إلى المدينة طبل يضربونه بعد الوصول، لأخبار الناس، - ~~ذهبوا إلى التجارة الموهومة القليلة الفائدة الفانية، وتركوا تجارة باقية ~~عظيمة، وهي الصلاة معك، تركا مستلزما للعقاب بترك واجب عظيم، وقطعه المحرم، ~~ولمفارقته صلى الله عليه وآله في الدنيا، فإنه روي PageV00P116 # أنهم لما سمعوا صوت الطبل تركوه قائما في الصلاة وذهبوا إليها، وقد علم ~~سبب وحدة الضمير. # ثم أمر صلى الله عليه وآله بالقول لهم أن ما عند الله من الخير الباقي ~~وهو خير الآخرة والدنيا خير من التجارة المحققة والموهومة أو منها ومن ~~اللهو إذ قيل ذهب بعضهم لمحض الطبل وبعضهم للتجارة وحينئذ يمكن أن يكون ~~التقدير " وانفضوا إليه " وحذف لدلالة المذكور عليه، وأمثاله كثيرة، وأن ~~الله تعالى خير الرازقين فيرزق من غير أن يسرع إلى التجارة، فلو ترك الذهاب ~~لله ولعبادته لرزق خيرا ms098 مما تخيل حصوله بسبب المسارعة إليها وترك العبادة. # ثم اعلم أن الذي استفيد من الآية الشريفة، هو وجوب صلاة الجمعة على كل ~~مؤمن بعد النداء يوم الجمعة مطلقا وتحريم البيع حينئذ ثم إباحته بعدها وقد ~~ذكروا لها شروطا وفروعا كثيرة في كتب الفقه فليطلب هناك غير أنا نذكر أن ~~أكثر الروايات الموجودة الآن في الكتب وأصحها وأصرحها أن العدد المشترط في ~~وجوبها هو الخمسة، وهو قول أكثر الفقهاء المعروفين الآن، وقال في مجمع ~~البيان: والعدد يتكامل عند أهل البيت عليهم السلام بسبعة، وهو في بعض ~~الروايات وبعض الأقوال للشيخ مع أنه يقول بالوجوب التخييري بالخمسة والحتمي ~~بالسبعة جمعا للأخبار وهو أعلم. # وقال أيضا في فضل السورة: منصور بن حازم عن أبي عبد الله عليه السلام قال ~~من الواجب على كل مؤمن إذا كان لنا شيعة أن يقرأ في ليلة الجمعة بالجمعة ~~وسبح اسم ربك الأعلى وفي صلاة الظهر بالجمعة والمنافقين، فإذا فعل ذلك ~~فكأنما يعمل بعمل رسول الله صلى الله عليه وآله وكان ثوابه وجزاؤه على الله ~~تعالى الجنة (1) وما رأيت هذه في الكتب المشهورة إلا في ثواب الأعمال (2) ~~للصدوق فإنه نقلها في ثواب سور القرآن بإسناده وفيه محمد بن حسان وهو مجهول ~~وإسماعيل بن مهران وفيه خلاف، وإن كان الظاهر أنه ثقة، والحسن وهو مشترك ~~والذي يظهر من ثواب الأعمال أنه ابن # PageV00P117 # علي كأنه ابن فضال الله يعلم، فالوجوب ما يثبت والاستحباب غير بعيد، لما ~~ثبت بالنص وبإجماع الأمة العمل بالروايات في السنن والوصول إلى ما نقل فيها ~~من الثواب وإن لم يكن كما نقل، ولهذا أثبت الجمهور وأصحابنا الاستحباب ~~والكراهة بالرواية الضعيفة فالجمهور وأصحابنا يتعبدون بها، وما ذكرها ~~الصدوق القائل بوجوب قراءتها في ظهر يوم الجمعة (1) في الفقيه وما ذكرها ~~القائل باستحباب الجمعة وسبح اسم في المغرب والعشاء ليلة الجمعة، وسندها ~~غير واضح، وآخرها صريحة في أن المراد القراءة في الصلاة وأولها ظاهر في ذك ~~فيحتمل إرادة قراءتهما في أوليي المغرب أو العشاء أو هما، والظاهر الأخير، ~~وعليه ms099 حمل في المختلف رواية أبي بصير عن الصادق عليه السلام قال اقرأ في ~~ليلة الجمعة الجمعة وسبح اسم ربك (2) وتدل على العشاء الرواية عن الصادق ~~عليه الصلاة والسلام فإذا كان العشاء الآخرة فاقرء سورة الجمعة وسبح اسم ~~ربك، واستحباب ذلك في ليلة الجمعة خصوصا في الصلوات سيما الفرائض خصوصا ~~العشاء غير بعيد، كاختيار الجمعتين في الظهرين، ولهذه الرواية وغيرها، ~~وللخروج عن الخلاف المنقول، ولا شك أن ذلك أحوط، وكأن المراد الاستحباب، ~~لعدم القائل بالوجوب على الظاهر فتأمل. # الرابعة: ولا تصل على أحد منهم مات أبدا ولا تقم على قبره إنهم كفروا ~~بالله ورسوله وماتوا وهم فاسقون (3). # ظاهرها يدل على عدم جواز الصلاة في وقت من الأوقات على أحد من الكفار ~~الذين ماتوا على كفرهم، وكذا الوقوف على قبورهم للدعاء لهم، وأن علة ذلك هو ~~الكفر، وفيها إشعار بجواز ذلك للمسلمين مطلقا فتأمل. # الخامسة: وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة (4). # PageV00P118 # أي إذا سافرتم فلا جناح عليكم أن تقصروا الصلاة الرباعية الفريضة بحذف ~~ركعتي آخرها، ويمكن ونافلتها أيضا، والآية مجملة بيانها بالأخبار والاجماع ~~فالسفر شرط لقصر الصلاة بالآية، ودلت عليه الأخبار أيضا والاجماع وأما ~~الخوف فظاهر قوله " إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا إن الكافرين كانوا لكم ~~عدوا مبينا " يعني إن خفتم فتنة الذين كفروا في أنفسكم أو دينكم، أنه أيضا ~~شرط فلا قصر مع الأمن، ولكنه بالمفهوم الشرطي وهو وإن كان حجة إلا أنه ~~مشروط بعدم ظهور فائدة للتقييد سوى المفهوم كما بين في موضعه، وقد يكون ~~وقوع الخوف وقت النزول أو كونه الأغلب والأعم كما قيل وأمثاله في القرآن ~~والسنة كثيرة مثل " فإن خفتم أن لا يقيما حدود الله فلا جناح عليهما فيما ~~افتدت " (1) " ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء إن أردن تحصنا " (2) وأيضا هو ~~معتبر ما لم يعارضه أقوى من ذلك وهنا معارض بأقوى وأصرح منه من الاجماع ~~ومنطوق الأخبار. # قال القاضي: وقد تظافرت السنن على جوازه أيضا في حال الأمن فترك المفهوم ~~بالمنطوق وإن ms100 كان المفهوم حجة أيضا لأنه أقوى. ويدل عليه الخبر الصحيح عن ~~زرارة ومحمد بن مسلم (3) أنهما قالا قلنا لأبي جعفر عليه الصلاة والسلام ما ~~تقول في الصلاة في السفر كيف هي وكم هي؟ فقال: إن الله عز وجل يقول: " وإذا ~~ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة " فصار التقصير في ~~السفر واجبا كوجوب التمام في الحضر، قالا: قلنا إنما قال الله تعالى " فليس ~~عليكم جناح " ولم يقل افعلوا، فكيف أوجب ذلك كما أوجب التمام في الحضر؟ ~~فقال عليه الصلاة والسلام: أوليس قد قال الله تعالى في الصفا والمروة " فمن ~~حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوف بهما (4) " ألا ترون أن الطواف ~~بهما واجب مفروض لأن الله عز وجل ذكره في كتابه وصنعه نبيه صلى الله عليه ~~وآله وكذلك التقصير في السفر شئ صنعه النبي صلى الله عليه وآله وذكره الله ~~تعالى في كتابه، قالا: قلنا له: فمن صلى في السفر أربعا # PageV00P119 # أيعيد أم لا؟ قال: إن كان قد قرئت عليه آية التقصير وفسرت له وصلى أربعا ~~أعاد وإن لم يكن قرئت عليه ولم يعلمها فلا إعادة عليه، والصلوات كلها في ~~السفر الفريضة ركعتان كل صلاة إلا المغرب فإنها ثلاث ليس فيها تقصير تركها ~~رسول الله صلى الله عليه وآله في السفر والحضر ثلاث ركعات، وقد سافر رسول ~~الله صلى الله عليه وآله إلى ذي خشب وهي مسيرة يوم من المدينة يكون إليها ~~بريدان أربعة وعشرون ميلا فقصر وأفطر فصارت سنة وقد سمى رسول الله صلى الله ~~عليه وآله قوما صاموا حين أفطر: العصاة. قال فهم العصاة إلى يوم القيامة، ~~وإنا لنعرف أبناءهم إلى يومنا. هذا وفيها فوائد وأحكام كثيرة (1) لذلك نقلت ~~فافهمها. # ثم إن ظاهر الآية يدل على القصر بمجرد صدق السفر، ولكن ثبت بالإجماع أن ~~ذلك لم يكف فعند الشافعي مسيرة يومين ستة عشر فرسخا وعند أبي حنيفة مسيرة ~~ثلاثة أيام بلياليهن مسير الإبل ومشي الأقدام على القصد، ولا اعتبار بإبطاء ~~الضارب المسافر وإسراعه ms101 قال في الكشاف: كأنه أربعة وعشرون فرسخا ولكن لا ~~يناسب إدخال الليل إذ يمكن قطع ثمانية فراسخ في يوم واحد معتدل يوم صوم، ~~ولهذا ما اعتبره القاضي بل قال أربعة برد للشافعي وستة لأبي حنيفة، والبرد ~~جمع بريد وهو أربعة فراسخ، وعند أصحابنا بريدان وهو ثمانية فراسخ يوجب ~~القصر ودلت عليه الروايات الكثيرة الصحيحة عن أهل البيت عليهم الصلاة ~~والسلام وهو أولى، لأن ظاهر الآية أنه يكفي مطلق السفر وما يصدق عليه ولا ~~شك أنه مما # PageV00P120 # يصدق عليه وأنه خرج أقل من ذلك بالإجماع وبقي ما فوقه تحت الآية ولكن يدل ~~على أن الأقل أيضا مثل بريد يوجب ذلك بعض الروايات الصحيحة (1) ولكن الظاهر ~~أنه ما قال به أحد، وحملها على التخيير حينئذ بعض، والبعض الآخر على عدم ~~نية الإقامة، وعلى قصد الرجوع في يومه أو ليلته فيصير بريدان في يوم ولكن ~~تدل رواية صحيحة (2) على وجوب القصر على أهل مكة بالخروج إلى عرفة بحيث ~~يبعد كل مذكورات. # وأيضا ظاهر الآية أن مجرد الخروج إلى السفر وصدق الضرب سبب للقصر ولكن ~~حدده أكثر الأصحاب بالوصول إلى موضع لا يسمع الأذان ولا يرى الجدران أو ~~أحدهما وقال البعض بمجرد الخروج عن موضعه، ولكل شاهد من الروايات فتأمل في ~~تحقيق الحق. # ثم إن ظاهر أيضا أن القصر رخصة لا عزيمة، ولكن مذهب أصحابنا وأبي حنيفة ~~أنه عزيمة أي واجب معين لا يجزئ غيره، لا جائز مخير فيه ويدل عليه ما روي ~~من طرق العامة والروايات الصحيحة عن أهل البيت عليهم الصلاة والسلام وإجماع ~~الطائفة، ونفي الجناح لا ينافي ذلك، مثل وجوب السعي بل يعم وإن كان في ~~الجواز أكثر استعمالا إذ لا شك في أنه لا حرج في فعل الواجب. # فإذا دلت الأخبار من الخاصة والعامة عليه، مثل قول عمر صلاة السفر ركعتان ~~تام غير قصر على لسان نبيكم (3) وقول عائشة أول ما فرضت الصلاة فرضت ركعتين ~~ركعتين في السفر، وزيدت في الحضر (4) فالآية تحمل عليه، ولا شك أن القصر ~~أحوط وأولى، ms102 ومجمع عليه، فلا بد من المصير إليه. # قال في الكشاف: كأنهم ألغوا الاتمام، وكانوا مظة لأن يخطر ببالهم أن # PageV00P121 # عليهم نقصانا في القصر، فرفع عنهم الجناح بقوله " لا جناح " الآية لتطيب ~~أنفسهم بالقصر، ويطمئنوا إليه. # ثم إن لصلاة القصر شرائط وأحكاما مذكورة في مظانها فليطلب هناك و أنه قال ~~أصحابنا: الخوف موجب للقصر كالسفر، فالشرط أحد الأمر المذكورين في الآية ~~وإن لم يفهم من ظاهرها، بل ظاهرها أن كلاهما معا شرط ولكن دلت الأخبار مع ~~الاجماع على أنهما ليسا بشرطين بل أحدها فقط، ولا استبعاد في ذلك فإن أكثر ~~الآيات المستنبطة منها الأحكام في غاية الاجمال، وإنما يفهم تفصيلها من ~~الاجماع والأخبار، على أنه يمكن فهم القصر مع الخوف وحده من آية صلاة الخوف ~~المذكورة بعد آية القصر بلا فصل، حيث دلت على كونها ركعتين ظاهرا و فسرت به ~~فتأمل. # السادسة: وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة. الآية (1). # إشارة إلى الصلاة حال الخوف جماعة، وفيها كمال الاهتمام بها، حيث لا يترك ~~في مثل الحال، مع ارتكاب بعض الأمور في الصلاة، للتحفظ عليها، و بظاهرها ~~تعلق من قال: إن ذلك مخصوص بالنبي صلى الله عليه وآله من جهة الخطاب وسبب ~~النزول، ولكن الظاهر أنه يثبت عمومها بإجماع الطائفة ودليل التأسي وأن حكم ~~الإمام حكمه، فلا شك في الجواز معه، وأما بدونه فإذا وجد ما يخالف القواعد ~~فمشكل ولكن ظاهر ما مر ذلك، مع أنه ليس فيها مخالفة واضحة كثيرة للقواعد. # وتركت ذكر تفصيلها لاحتمال الاختصاص به وبالأئمة عليه وعليهم السلام مع ~~ذكر أحكام صلاة الخوف وأقسامها في الفقه، وعدم ظهور المقصود منها، بل هي ~~صلاة # PageV00P122 # بطن النخل أو ذات الرقاع فتأمل (1) ويمكن أن يكون إشارة إلى صلاة شدة ~~الخوف كما قيل. # السابعة: فإذا قضيتم الصلاة فاذكروا الله قياما وقعودا وعلى جنوبكم فإذا ~~اطمأننتم فأقيموا الصلاة الآية (2). # أي إذا أردتم الصلاة - مثل فإذا قرأت القرآن - فصلوا فالذكر بمعنى الصلاة ~~أو بمعناه، ولكن بأن تصلوا له، وهو في القرآن كثير، فحال الخوف صلوا ms103 مهما ~~أمكنكم على أي وجه يمكن قياما وقعودا ونحو ذلك، ويحتمل أن تكون إشارة إلى ~~صلاة القادر والعاجز أي صلوا قياما إذا كنتم أصحاء، وقعودا إذا كنتم مرضى ~~لا تقدرون على القيام وعلى جنوبكم إذا لم تقدروا على القعود، وقال في مجمع ~~البيان (3) عن ابن مسعود وروي عن ابن عباس أنه قال عقيب تفسير الآية لم ~~يعذر الله أحدا في ترك ذكره إلا المغلوب على عقله، وقد روي في أخبارنا أيضا ~~هذا المعنى للآية ويفهم الترتيب بين القيام والقعود والجنوب في الصلاة، ولم ~~يعلم الترتيب بين الجنبين والاستلقاء ويحتمل إرادة الكل من الجنوب من غير ~~ترتيب، أو مع الترتيب ولعل في الرواية إشارة إليه كما صرح به بعض الأصحاب، ~~ولا شك أنه أحوط وكأنه يؤيد إرادة الصلاة، ولكن يشعر بحال الخوف، قوله " ~~فإذا اطمأننتم " يعني في وقت عدم الاطمينان صلوا على قدر ما تتمكنون منه من ~~القيام والقعود والجنوب، فإذا اطمأننتم وقدرتم على أن تقيموها بأركانها ~~المعتبرة حال القدرة فأقيموا الصلاة أي صلوها بحدودها وحافظوا على أركانها ~~وشرائطها كملا كما هي # PageV00P123 # وقد مضى تفسير تتمتها أعني: " إن الصلاة كانت (1) " الآية. # فإن خفتم فرجالا أو ركبانا فإذا أمنتم فاذكروا الله كما علمكم ما لم ~~تكونوا تعلمون (2). # الرجال جمع راجل، مثل تجار وصيام وقيام والراجل هو الكائن على رجله واقفا ~~كان أو ماشيا، والركبان جمع راكب كالفرسان جمع فارس، وكل شئ علا شيئا فقد ~~ركبه، فرجالا حال، والتقدير فصلوا رجالا يعني إن خفتم من عدو أو سبع أو غرق ~~ونحوها ولم يمكنكم الصلاة تامة الأفعال والشروط كما هي المقررة حال الأمن، ~~فصلوا رجالا على أرجلكم وعلى أي هيئة يمكنكم ماشين أو واقفين إلى القبلة ~~وغيرها بالقيام والركوع والسجود، إن أمكن وإلا فبالنية والتكبير والتشهد و ~~التسليم، يعني تتعمدوا المقدور من الهيئة أو على ظهور دوابكم على أي جهة ~~يتوجه ولو تمكن من القبلة فيها، وإلا فمهما أمكن، وبالجملة في الآية ~~الشريفة إشارة إلى صلاة الخوف على طريق الاجمال، والتفصيل مذكور في الكتب ms104 ~~الفقهية مع أدلتها. # وفي مجمع البيان (3) إن عليا عليه الصلاة والسلام صلى ليلة الهرير خمس ~~صلوات بالايماء، وقيل بالتكبير، وإن النبي صلى الله عليه وآله صلى يوم ~~الأحزاب إيماء " فإذا أمنتم " من الخوف " فاذكروا الله " أي فصلوا صلاة ~~الأمن، وقيل اذكروا الله بالثناء عليه، والحمد له شكرا للخلاص من الخوف ~~والعدو، فكأنه الأولى لظهور الذكر فيه ولفهم صلاة الأمن من قبيله بقوله " ~~فإذا اطمأننتم " الآية، فدلت على استحباب الذكر شكرا لله على دفع الألم أو ~~الخوف " كما علمكم " أي الذكر مثل ما علمكم من الشرايع وكيفية صلاة الخوف ~~والأمن وغيرها، أو شكرا يوازي نعمه، فما موصولة أو مصدرية، و " ما لم ~~تكونوا تعلمون " مفعول علمكم، وما موصولة أو # PageV00P124 # موصوفة، ولم تكونوا صلة له أو صفة، وتعلمون خبر تكونوا. # الثامنة: فإذا فرغت فانصب وإلى ربك فارغب (1). # قيل: فإذا فرغت من الصلاة المكتوبة فانصب إلى ربك في الدعاء، وارغب إليه ~~في المسألة يعطك، وهو مروي عن أبي جعفر وأبي عبد الله عليهما الصلاة ~~والسلام (2) وعن غيرهما أيضا و " انصب " من النصب، وهو التعب أي لا تشتغل ~~بعد الصلاة بالراحة مثل النوم والأكل وعدم الاشتغال بشئ بل اشتغل بالعبادة ~~مثل الدعاء بعدها فيكون المراد التعقيب، وهو الدعاء بعد الصلاة، ونقل عن ~~الصادق عليه الصلاة والسلام أنها الدعاء في دبر الصلاة (3) فتكون إشارة إلى ~~استحباب التعقيب كما هو المشهور والمجمع عليه، وهو الاشتغال بعد الفريضة ~~بالدعاء والمسألة، كما يدل عليه الأخبار من الخاصة (4) والعامة، وينبغي ~~إيقاعها بعد الفريضة قبل الاشتغال بشئ حتى قبل النافلة في صلاة المغرب أيضا ~~ويدل عليه الأخبار بخصوصها، فما ورد من فعلها قبل الكلام وتعجيلها، فالمراد ~~غير التعقيب، كما صرح به في الرواية في الفقيه (5) وينبغي أيضا أن يكون على ~~هيئة الصلاة كما يشعر به الآية، ويدل عليه الأخبار وقاله بعض الأصحاب حتى ~~بالغ في الذكرى أنه يضر بالتعقيب جميع ما يضر بالصلاة، و الظاهر أن المراد ~~المبالغة ونقص الفضيلة، وإلا فالدعاء مستحب على كل هيئة وورد في الحديث بعد ms105 ~~سؤال التعقيب بعد القيام: أنه معقب ما دام متطهرا (6) ويمكن استفادة ~~استحباب الدوام على الطهارة من هذه الرواية. # وبالجملة الظاهر أنه يفهم من الآية استحباب الطاعة بعد الصلاة سيما ~~الدعاء # PageV00P125 # فإنه ورد في الرواية حث عظيم، وترغيب كثير، وثواب جزيل في التعقيب (1) ~~وهو مذكور مع ما ورد في محله فاطلبه، وعدم الفراغ أو النوم فإنهما يضران ~~بالدين و الدنيا، كما ورد في الروايات الكثيرة خصوصا النوم بعد الغداة إلى ~~أن تطلع الشمس فإنه مذموم جدا [وكذا بعد صلاة الليل فإنه ورد أنه لم يمدح ~~صاحبه بصلاة الليل التي صلاها] وكذا ورد ذم الكسل والضجر فينبغي الاجتناب ~~عنها. الله الموفق. # وأيضا فيها إشارة إلى أن الطلب والرغبة إلى الله فقط لا غير حيث قدم ~~الصلاة لإفادة الحصر وقال: " وإلى ربك فارغب " أي لا غيره وهو ظاهر. # التاسعة: وأقيم الصلاة وآتوا الزكاة واركعوا مع الراكعين (2). # الصلاة معلومة لغة وشرعا وإقامتها أداؤها بأركانها وشروطها المعتبرة شرعا ~~والركوع لغة هو الانحناء والانخفاض، وقيل هو الخضوع، وهما متقاربان، وشرعا ~~انحناء خاص، وهو الانحناء بحيث يصل يد مستوي الخلقة ركبتيه، على ما ذكره ~~الفقهاء وقد يطلق ويراد به الصلاة فالمعنى إيجاب الصلاة على الاطلاق ~~والعموم، وإيجاب الركوع فيها مع الراكعين أو الترغيب إلى الخضوع فيها أو ~~مطلقا مع كل خاضع وخاشع، ومعنى " مع " على الأول لا يخلو عن مسامحة إلا أن ~~يكون المراد الترغيب والتحريض على الجماعة، بعد إيجاب الصلاة، فالمعنى ~~حينئذ صلوا مع المصلين أي صلوا جماعة إماما أو مأموما، فيحتمل أن يكون فيها ~~حينئذ إشارة إلى أن الجماعة لا بد لادراكها من الركوع، ويشعر بكون الركوع ~~مع الإمام (3) فلو كان الإمام راكعا وأدركه حينئذ لم يكن مدركا لعدم صدق ~~الركوع مع الراكع، بل بعده # PageV00P126 # ويدل عليه الخبر الصحيح (1) وهو مذهب الشيخ والمشهور خلافه ويدل عليه بعض ~~الأخبار مؤيدا بالكثرة، وبخبر انتظار الإمام راكعا للداخل (2) وبالإجماع ~~المنقول عليه والاحتياط يقتضي الأول بل الأصل أيضا. # أو يكون المراد إيجاب الصلاة التي يجب فيها الجماعة كصلاة الجمعة ms106 ~~والعيدين أو يكون إشارة إلى وجوب الركوع في الصلاة حيث كان الخطاب لبني ~~إسرائيل وما كان الركوع في صلاتهم كأنه قال: صلوا مثل صلاة المسلمين. # ثم اعلم أن ظاهرها أن الخطاب لبني إسرائيل لما سبق من قوله تعالى " يا ~~بني إسرائيل " [الآية] (3) ولكن لما علم عدم الفرق في الحكم، فلا يبعد ~~الاستدلال بها على ثبوته على كل المكلفين، مع أن هذا الحكم موجود في آيات ~~وأخبار أخر كما أن الخطاب فيما يتلوها مخصوص بعلماء اليهود كما قال في مجمع ~~البيان، مع أن الظاهر أن الحكم مشترك للإجماع وغيره، وهو قوله تعالى " ~~أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم وأنتم تتلون الكتاب أو لا تعقلون (4) " ~~قيل: كان علماء بني إسرائيل يأمرون الناس باتباعه صلى الله عليه وآله ولم ~~يؤمنوا به، ولم يتبعوه، فنزلت الآية الكريمة، ومضمونها النهي عن ترك النفس ~~تاركة للخير والعمل الصالح، مثل الايمان به صلى الله عليه وآله واتباعه، ~~وفاعلة للمعاصي والذنوب مع أمر الناس بضدهما، مع قراءة الكتاب الدال على ~~وصفه ووجوب الايمان به واتباعه، وهو التوراة مع العلم بقبح # PageV00P127 # ذلك من العقل، وبالجملة الآية تدل على أن الذي يريد لغيره الخير ولا ~~يريده لنفسه لا يعقل، ففيها توبيخ عظيم لمن يفعل ذلك، فهي تدل على كون ~~النفس مذمومة بذلك عقلا، ففيها دلالة على كون القبح عقليا ولا يدفعه " ~~وأنتم تتلون الكتاب " كما قاله التفتازاني في حاشية الكشاف فافهم. # وليس المراد عدم جواز أمر الناس بالطاعات مع ارتكابه المعاصي كما يتوهم ~~إذ العدالة لا يشترط في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، كما هو الأصل و ~~المشهور ومقتضى الدليل، وعدم اشتراط كون الواعظ متعظا لأن الأمر بالمعروف ~~واجب (1) وفعله واجب آخر، ولا يستلزم ترك الثاني سقوط الأول، وهو ظاهر، بل ~~المراد إظهار قبحه وكونه أفحش وأظهر قبحا عند العقل لا زيادة عقابه، نعم ~~يمكن كون وعظ المتعظ أدخل، فحينئذ يجوز لتارك الصلاة أمر غيره بها، ولهذه ~~المناسبة أيضا ذكرناها هنا، وبالجملة تفهم من ظاهر الآية الحظر والتهديد ~~العظيم، على من ms107 ترك نفسه مع أمر غيره كما يدل عليه قوله تعالى " لم تقولون ~~ما لا تفعلون * كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون " (2) إن حمل على ~~الأعم، لا على خلاف الوعد فقط فيدل على وجوب الوفاء بالوعد. # " واستعينوا بالصبر والصلاة وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين " (3) ~~الاستعانة طلب العون والمعاونة، والصبر منع النفس عن محابها وكفها عن ~~هواها، والمعنى إيجاب الجمع بين الصلاة والصبر، وجعل ذلك معينا لقضاء ~~الحوائج بأن تصلوا صابرين على تكليف الصلاة، متحملين لمشاقها، وما يجب فيها ~~من إخلاص القلب وصدق النيات ودفع الوساوس، ومراعاة الآداب، والاحتراس عن ~~المكاره مع الخشية والخشوع، واستحضار أنه انتصاب بين يدي جبار الأرض ~~والسماوات فإنه إذا فعل ذلك تقضي الحوائج فهي معينة لقضائها وقد وردت ~~الصلاة للحاجة فيحتمل إياها ويحتمل أن يكون المراد بالصبر الصوم فإن الصائم ~~يصبر نفسه على # PageV00P128 # الجوع والعطش، ولهذا سمي شهر رمضان شهر الصبر، والضمير راجع إلى ~~الاستعانة أو الصلاة صابرين على مشاقها، وعلى الأخير حذف ضمير الصوم للظهور ~~واكتفي بإحداهما العمدة، ويحتمل كونه راجعا إلى جميع ما تقدم من تكاليف بني ~~إسرائيل من قوله " اذكروا " الآية. # ويحتمل أن يكون المعنى واستعينوا على البلايا والنوائب بالصبر والصلاة ~~والالتجاء إليهما، كما روي أن رسول الله صلى الله عليه وآله كان إذا حزنه ~~أمر فزع إلى الصلاة ويحتمل كون الصلاة بمعنى الدعاء حينئذ فيكون الأمر ~~بالدعاء والصبر عند البلايا [الخ] " وإنها لكبيرة " أي لشاقة على كل مكلف ~~إلا على المتذللين و المستكينين، وثقيلة من قوله " كبر " على ما في الكشاف ~~وسبب عدم ثقلها عليهم توقعهم ما وعده للمصلين والصابرين، بقوله " وبشر ~~الصابرين (1) " الآية، و إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب (2) " كما ~~يفهم من وصفهم بعده بقوله " الذين يظنون أنهم ملاقوا ربهم وأنهم إليه ~~راجعون " أي الذين يتوقعون لقاء ثوابه ويطمعون به كذا في الكشاف وفي مجمع ~~البيان الظن هنا بمعنى العلم و اليقين. # العاشرة: وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وانصتوا لعلكم ترحمون واذكر ربك في ~~نفسك تضرعا وخيفة ودون ms108 الجهر من القول بالغدو والآصال ولا تكن من الغافلين ~~إن الذين عند ربك لا يستكبرون عن عبادته ويسبحونه وله يسجدون (3). # الانصات هو الاستماع ويحتمل أن يكون مع السكوت، قيل: كانوا يتكلمون في ~~الصلاة فأمروا باستماع قراءة الإمام، بل مطلق القراءة المسموعة، والانصات # PageV00P129 # إليها، لكن الظاهر عدم وجوبهما بالإجماع إلا في الصلاة للمأموم، فيجب ~~عليه استماع قراءة إمامه، والانصات إليها، ويكون المراد وجوب ترك قراءة ~~المأموم في الجملة أي في الجهرية، وما يسمع ولو همهمة في الإخفاتية، وبها ~~استدل عليه بعض الأصحاب، والحنفية وذلك لا يخلو عن بعد، من جهة إطلاق عام ~~كثير الأفراد وإرادة فرد خاص قليل، وأيضا من جهة إيجاب الانصات والاستماع ~~ظاهرا بل صريحا وإرادة عدم وجوبها بل وجوب أمر آخر، وهو ترك القراءة، ~~لاستلزامهما ذلك على أن في الاستلزام تأملا، إذ يمكن القراءة مع الاستماع ~~والانصات إلا أن يريد به السكوت، فيمكن حملها على عموم رجحان الاستماع ~~والانصات، بترك الكلام والتوجه إلى سماعه، وفهم معناه والتدبر فيه، ويكون ~~التفصيل بالوجوب في بعض أوقات الصلاة، وبالاستحباب في الباقي معلوما من ~~غيرها، وعلى استحبابهما للإجماع على عدم وجوبهما إلا ما أخرجه الدليل، ~~ويعلم وجوب ترك قراءة المأموم في موضعه بدليل آخر، وهو الأخبار كما تبين في ~~محله وهي مختلفة، والجمع بينهما لا يخلو عن تكلف، ولهذا اختلف الأصحاب في ~~الحكم وتمام تحقيقه في محله فتأمل. # قوله " واذكر ربك في نفسك تضرعا وخيفة " الآية تدل على وجوب الاخفات في ~~القراءة والدعاء والذكر مطلقا، والظاهر عدم القائل به، ويمكن حمله على موضع ~~وجوب ذلك مثل القراءة في الإخفاتية وأريد بالذكر في النفس عدم الجهر العرفي ~~الفقهي مع إسماع النفس، وذلك لا يخلو عن بعد، لما مر من بعد حمل لفظ عام ~~على فرد قليل منه، بأن يخصص بالقراءة في بعض الصلاة، مع جعل المراد بالذكر ~~في النفس الاخفات المصطلح عليه في الفقه، ويمكن حمله على الحث والترغيب على ~~إخفاء الذكر والدعاء والقراءة مطلقا بحيث لا يسمع أو بمعنى عدم اطلاع الغير ms109 ~~عليه، ليبعد عن الرياء، وعدم الجهر العالي الممنوع منه شرعا، و يؤيده " ~~ودون الجهر من القول " أي الجهر العالي، قال القاضي: أي متكلما من الكلام ~~فوق السر ودون الجهر، فإنه أدخل في الخشوع والاخلاص، وذلك قد يكون ~~PageV00P130 # واجبا إذا كان موجبا لترك الرياء أو يكون قراءة واجبة فيجب إسماع النفس، ~~بحيث يخرج عن حديث النفس، ولا يكون عاليا بحيث يخرج عن الحد، وقد قالوا ذلك ~~في قراءة الصلاة الفريضة، بل يمكن ذلك في مطلق القراءة الواجبة بل مطلق ~~القراءة والدعاء، وفي بعض الأخبار إشارة إلى ذلك، وإن كان في بعضها ما يدل ~~على جواز حديث النفس فتأمل وأول. # ويحتمل أن يكون المراد استحباب إخفات الذكر والدعاء والقراءة، دون ~~المقدار الواجب ليبعد عن الرياء كما قيل في استحباب السر في التصدق ~~المندوبة واستحباب فعل النافلة في المنزل دون المسجد، وإن كان ذلك غير ~~ظاهر، وكذا سائر العبادات، فإن الاخلاص فيها هي العمدة، فكلما بعدت عن شبهة ~~الرياء كانت أولى، فيكون المستحب في مطلق الذكر أوصاف التضرع والخوف ~~والخفات و الذكر بالقلب واللسان، لا بمجرد اللسان والتلفظ به، فيكون " في ~~نفسك " إشارة إلى اعتبار القصد لا إلى السر، ويؤيده قوله " ودون الجهر " ~~حتى لا يلزم التكرار، فالمعنى اذكروا الله متكلما قاصدا ومتضرعا ومخافة ~~وخائفا من عدم الإجابة، وطامعا لها، كما يدل عليه قوله تعالى " خوفا وطمعا ~~(1) ". # وهذا آداب القراءة في نفسها، وأما من حيث الوقت فينبغي أن يكون بالغدو ~~والآصال، أي أوقات الغدوات والعشيات أول النهار وأخره وقت العصر كأنهما ~~اختصا لفضلهما، ولبعد العبادات فيهما عن الرئاء، لعدم اطلاع الناس لأن أكثر ~~الناس فيهما في منزلهم مشغولون بحالهم فتأمل. # ثم رغب في الذكر وعدم تركه ونسيانه والغفلة عنه بقوله تعالى " ولا تكن من ~~الغافلين " ويحتمل التحريم كما هو ثابت في بعض الأوقات، وعموم الترغيب على ~~عدم الغفلة، والتذكر للعبادة والاشتغال بذكر الله كما مر أو استعمال أوامره ~~ونواهيه بأن يذكر الله وثوابه الموعود وعقابه عند أوامره فيفعل ولا يترك ~~وعند النواهي فيترك ms110 ولا يرتكب. # PageV00P131 # ثم إنهم ذكروا استحباب السجدة في آخر هذه السورة، ولعل في قوله " إن ~~الذين " الآية إشارة بعيدة إلى ذلك، وكذا في غيرها والمجموع أحد عشر: آخر ~~الأعراف، والرعد، والنحل، وبني إسرائيل، ومريم، والحج في موضعين والفرقان، ~~والنمل، و ص وإذا السماء انشقت وفي أربع مواضع واجب ألم السجدة عند قوله " ~~إنما يؤمن بآياتنا الذين إذا ذكروا بها خروا سجدا وسبحوا بحمد ربهم وهم لا ~~يستكبرون (1) " وكذا في سورة حم عند قراءة " لا تسجدوا للشمس ولا للقمر ~~واسجدوا لله الذي خلقهن " (2) الآية ويحتمل عند قوله " لا يسئمون (3) " ~~ولعل الأخير أولى، والأحوط السجدة فيهما، وفي آخر والنجم [فاسجدوا لله] " ~~واعبدوا (4) " وآخر اقرأ " واسجد واقترب (5) ". # ولعل دليل الأصحاب على الوجوب في السور الأربع والاستحباب في الباقي هو ~~الاجماع، وبعض الأخبار، مثل ما نقل عن أمير المؤمنين عليه الصلاة والسلام ~~عزائم السجود أربع (6) وقول الصادق عليه الصلاة والسلام: إذا قرئ شئ من ~~العزائم الأربع فسمعتها فاسجد، وإن كنت على غير وضوء وإن كنت جنبا، وإن ~~كانت المرأة لا تصلي، وسائر القرآن أنت فيها بالخيار (7) ولا يستدل على ~~الوجوب بأنها واردة بصيغة الأمر الدالة على الوجوب لأنه منقوص (8) وممنوع ~~إذ لا دلالة # PageV00P132 # فيها على وجوب لسجدة عند [سماع قراءة السجدة وكذا] قراءة الآية التي هي ~~فيها، وهو ظاهر، فلا بد من انضمام مثل: إنه يدل على الوجوب ولا وجوب في غير ~~قراءة هذه الآية والصلاة بالإجماع، وليست سجدة الصلاة بالإجماع وفيه أنه ~~ينبغي أن يدعي الاجماع في المدعى، وعند الشافعي كلها مستحبة وأسقط سجدة ص و ~~عند أبي حنيفة كلها واجبة، وأسقط السجدة الثانية عن الحج (1) قال في الكشاف ~~لأن المراد بالسجدة فيه، هو سجدة الصلاة بقرينة مقارنتها بالركوع، وفيه أنه ~~ما استدل الشافعي على استحبابها عندها بهذه الآية، بل بالحديث كما نقل في ~~الكشاف أيضا وغيره وبالجملة لا بد من الدليل وذلك خارج عن نفس آية السجدة، ~~وهو ظاهر ثم إن الظاهر من السجود هنا هو وضع الجبهة فقط، فلا يجب وضع ms111 ~~الباقي مع احتماله، وكذا الطهارة والذكر، وغير ذلك مما يجب في سجدة الصلاة، ~~و التشهد والتسليم، ويستحب التكبير بعد الرفع والذكر لما روي في الكافي (2) ~~في الصحيح عن أبي عبد الله عليه السلام قال إذا قرأت شيئا من العزائم التي ~~يسجد فيها فلا تكبر قبل سجودك، ولكن تكبر حين ترفع رأسك وفي الصحيح عنه ~~عليه السلام أيضا قال: إذا قرأ أحدكم السجدة من العزائم فليقل في سجوده ~~سجدت لك تعبدا ورقا لا مستكبرا عن عبادتك ولا مستنكفا، ولا مستعظما، بل أنا ~~عبد ذليل، خائف مستجير (3). # ولنتبع الكتاب بذكر آيات: # الأولى: فمن كان يرجو لقاء ربه (4). # في مجمع البيان: أي فمن يطمع في لقاء ثواب ربه ويأمله، ويقر بالبعث إليه ~~والوقوف بين يديه، وقيل: معناه فمن كان يخشى لقاء عذاب ربه وقيل إن الرجاء ~~يشتمل على المعنيين: الخوف والأمل، وأنشد في ذلك قول الشاعر: # PageV00P133 # فلا كل ما ترجو من الخير كائن * ولا كل ما يرجو من الشر واقع. # " فليعمل عملا صالحا " أي خالصا لله يتقرب إليه " ولا يشرك بعبادة ربه ~~أحدا " غيره من ملك أو بشر أو حجر أو شجر عن الحسن، وقيل: معناه لا يرائي ~~في عبادته أحدا عن سعيد بن جبير ومجاهد، وقال: جاء رجل إلى النبي صلى الله ~~عليه وآله فقال: إني أتصدق وأصل الرحم، ولا أصنع ذلك إلا لله فيذكر ذلك مني ~~وأحمد عليه فيسرني ذلك وأعجب منه، فسكت رسول الله صلى الله عليه وآله ولم ~~يقل شيئا فنزلت الآية قال عطا عن ابن عباس إن الله تعالى قال " ولا يشرك ~~بعبادة ربه أحدا " ولم يقل ولا يشرك به لأنه أراد العمل الذي [يعمل] لله ~~ويحب أن يحمد عليه، قال: ولذلك يستحب للرجل أن يدفع صدقته إلى غيره ليقسمها ~~كيلا يعظمه من يصله بها، وروي عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: قال ~~الله عز وجل: أنا أغنى الشركاء عن الشركة فمن عمل عملا أشرك فيه غيري، فأنا ~~منه برئ فهو للذي أشرك أورده مسلم في ms112 الصحيح وروي عن عبادة ابن الصامت ~~وشداد بن أوس قالا: سمعنا رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: من صلى صلاة ~~يرائي بها فقد أشرك، ومن صام صوما يرائي به فقد أشرك، وقرأ هذه الآية، وروي ~~أن أبا الحسن الرضا عليه السلام دخل يوما على المأمون فرآه يتوضأ للصلاة ~~والغلام يصب على يده الماء فقال " ولا يشرك بعبادة ربه أحدا " فصرف المأمون ~~الغلام وتولى إتمام وضوئه بنفسه، وقيل إن هذه الآية آخر آية نزلت من القرآن ~~روى الشيخ أبو جعفر بن بابويه رضي الله عنه بإسناده عن عيسى بن عبد الله عن ~~أبيه عن جده عن علي عليه السلام قال ما من عبد يقرء " قل إنما أنا بشر ~~مثلكم " الخ إلا كان له نورا في مضجعه إلى بيت الله الحرام، وإن كان من أهل ~~البيت الحرام كان له نورا إلى بيت المقدس وقال أبو عبد الله عليه السلام ما ~~من أحد يقرء آخر الكهف عند النوم إلا تيقظ في الساعة التي يريدها (1). # ثم اعلم أن هذه الآية الشريفة بالتفسير المتقدم يدل على وجوب الاخلاص ~~واشتراطه في العبادة بحيث لا يلحقه بعد ذلك أيضا عجب وسرور بعمله، ويدل ~~عليه # PageV00P134 # أيضا قوله تعالى " يحبون أن يحمدوا " الآية (1) وهو في غاية من الاشكال ~~والصعوبة الله يعين ويعفو، ويفهم التأويل مما سيجيئ من الكشاف وأيضا يدل ~~على اشتراط الاستقلال بالعبادة فلا يصح التولية والاستعانة فيها، ويدل عليه ~~أيضا ما روي عن الرضا عليه السلام حين (2) سئل أن يصب الماء عليه ومنعه، ~~فقال السائل ما تحب أن أوجر؟ فقال: توجر أنت وأعاقب أنا، ولكن هذه مع ما ~~تقدم من حكاية المأمون يدلان على صحة ذلك الفعل، وحصول الثواب للمعين ~~والعقاب للمعان، وهو مشكل فإنه ينبغي بطلان العبادة، فكان يجب على المأمون ~~إعادة الوضوء، وعلى الإمام الأمر بها لا الاتمام، والعقاب على المعين أيضا، ~~فإنه يصير معينا على الحرام إلا أن يحمل على الكراهة مع الطلب، ويكون ~~مقصوده عليه السلام بقراءة الآية إشارة إلى المبالغة في ms113 المنع لا الحقيقة، ~~أو يكون ما فعله المأمون من مندوبات الصلاة (3) أو ما تمكن عليه السلام من ~~أكثر من ذلك، ويكون المعين جاهلا وقصد القربة فيثاب، فيكون هذا دليلا لكون ~~الجاهل معذورا. # واعلم أنا قد جربنا الانتباه في وقت أردناه بقراءة الآية المتقدمة، وقد ~~وجدناه كما روي غير مرة وأخبرنا بعض من يوثق به من الأصحاب أيضا بذلك، ~~فالخبر صحيح فيكون وجود النور من المضجع إلى البيت الحرام كذلك صحيحا ~~فإنهما مروية في رواية واحدة، ولا معنى لصدق بعضه وكذب البعض، ولكن مع حشو ~~ذلك النور من الملائكة ويدعون للقارئ إلى أن يستيقظ كما رأيته في غير مجمع ~~البيان مثل التهذيب (4) وسيجيئ في الكشاف كذلك فلعل في مجمع البيان غلطا ~~ونقصا و يؤيده ما رواه أبو جعفر بن بابويه في الفقيه (5) في باب ما يقول ~~الرجل إذا أوى # PageV00P135 # إلى فراشه قال النبي صلى الله عليه وآله من قرأ هذه الآية عند منامه " قل ~~إنما أنا بشر " الآية سطع له نور إلى المسجد الحرام حشو ذلك النور ملائكة ~~يستغفرون له حتى يصبح. # أو يكون في غير هذا المحل وأيضا يكفي للعمل وحصول ذلك الثواب الاجماع و ~~الأخبار من العامة والخاصة المنقولين في حصول الثواب لعامل عمل بما روي عنه ~~عليه السلام وإن لم يكن كما روي، وهو ينفع هنا وفي غيره من الأعمال الكثيرة ~~وفقنا الله وإياكم للعلم والعمل الخالصين. # وفي الكشاف: فمن كان يأمل حسن لقاء ربه وأن يلقاه لقاء رضى وقبول - وقد ~~فسر اللقاء - أو فمن كان يخاف سوء لقاء ربه، والمراد بالنهي عن الاشراك ~~بالعبادة أن لا يرائي بعلمه، وأن لا ينبغي به إلا وجه ربه خالصا، لا يخلط ~~به غيره، وقيل نزلت في جندب بن زهير قال لرسول الله صلى الله عليه وآله أني ~~أعمل العمل لله فإذا اطلع عليه سرني، فقال إن الله لا يقبل ما شورك فيه، ~~وروي أنه قال له: لك أجران أجر السر وأجر العلانية، وذلك إذا قصد أن يقتدى ~~به وعنه عليه ms114 السلام اتقوا الشرك الأصغر قالوا: وما الشرك الأصغر قال ~~الرياء. عن رسول الله صلى الله عليه وآله من قرأ سورة الكهف من آخرها كانت ~~له نورا من قرنه إلى قدمه، ومن قرأها كلها كانت له نورا من الأرض إلى ~~السماء وعنه عليه السلام من قرأ عند مضجعه " قل إنما أنا بشر مثلكم " كان ~~له في مضجعه نورا يتلألأ إلى مكة حشو ذلك النور ملائكة يصلون عليه حتى ~~يقوم، وإن كان مضجعه بمكة كان له نورا يتلألأ من مضجعه إلى البيت المعمور و ~~حشو ذلك النور ملائكة يصلون عليه حتى يستيقظ، فالخبر في ثواب قراءة هذه و ~~تفسيرها ما وافق عليه العامة والخاصة (1). # الثانية: واصبر نفسك أي احبس نفسك يا محمد مع الذين يدعون ربهم بالغداة ~~والعشي (2). # PageV00P136 # يتداومون على الصلاة والدعاء عند الصباح والمساء لا شغل لهم غيره، ~~فيفتتحون يومهم بالدعاء، ويختمونه به، ويحتمل عموم العبادة وما يتقرب به " ~~يريدون وجهه " رضوانه أو يريدون تعظيمه والقربة إليه، دون الرياء والسمعة " ~~ولا تعد عيناك " لا تتجاوز عيناك " عنهم " بالنظر إلى غيرهم من أبناء ~~الدنيا " تريد زينة الحياة الدنيا " أي تريد مجالسة أهل الشرف والغنى وكان ~~النبي صلى الله عليه وآله حريصا على إيمان العظماء طمعا في إيمان أتباعهم، ~~أو لا تمل إلى الدنيا وزينتها قط، ولا إلى أهلها، ولما كان بعض الأحيان ~~يميل إلى ايمان الرؤساء عوتب بهذه الآية، وأمر بالاقبال على فقراء ~~المؤمنين، وأن لا يرجع بصره عنهم إرادة مجالسة الأشراف " ولا تطع من أغفلنا ~~قلبه عن ذكرنا واتبع هواه وكان أمره فرطا " أي من جعلنا قلبه غافلا عن ~~ذكرنا بتعريضه للغفلة هكذا في مجمع البيان (1) ويفهم منه الترغيب والتحريض ~~بمجالسة الفقراء والصلحاء والعباد دون أهل الدنيا والأغنياء، وهو ظاهر. قيل ~~نزلت في سلمان وأبي ذر وصهيب وخباب وذويهم من فقراء أصحابه وذلك أن المؤلفة ~~قلوبهم جاؤوا إلى رسول الله صلى الله عليه وآله عيينة بن حصين والأقرع بن ~~حابس وذووهم فقالوا يا رسول الله إن جلست في صدر المجلس ونحيت ms115 عنا هؤلاء ~~وروايح صنانهم وكانت عليهم جباب الصوف جلسنا نحن إليك وأخذنا عنك، فلا ~~يمنعنا عن الدخول عليك إلا هؤلاء فلما نزلت الآية قام النبي صلى الله عليه ~~وآله يلتمسهم فأصابهم في مؤخر المسجد يذكرون الله عز وجل فقال الحمد لله ~~الذي لم يمتني حتى أمرني أن أصبر نفسي مع رجال من أمتي، معكم الحياة ~~والممات، كذا في مجمع البيان (2) أيضا. # الثالثة: إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي ~~الألباب (3). # الآيات منصوب بأنه اسم إن وخبره الظرف المقدم عليه، أي في إيجاد الله ~~تعالى السماوات والأرض وجعله الليل والنهار مختلفين باعتبار الخواص ~~والأحوال # PageV00P137 # بل اختلاف كل واحد منها: تارة بارد، وتارة حار وتارة قصير وتارة طويل ~~لدلالات وأدلة على وجود الله وتوحيده، صفات الله العليا من الوجودية ~~والسلبية لذوي البصائر والعقول، واللب هو الخالص وسمي العقل به، لأنه أشرف ~~و أخص ما في الانسان فدلت على الترغيب بعلم الكلام بل الهيئة أيضا " الذين ~~يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم " في محل الجر بأنه صفة أو عطف بيان ~~أو تأكيد لأولي، ويحتمل أن يكون مرفوعا أو منصوبا على المدح، وهو إشارة إلى ~~أن ذوي العقول، هم الذين يذكرون الله دائما وعلى كل حال، ولهذا ورد التحريص ~~و الترغيب بذكر الله كثيرا مثل ما روي عنه عليه السلام من أحب أن يرتع في ~~رياض الجنة فليكثر من ذكر الله، يا موسى ذكري حسن على كل حال (1) فدلت على ~~الترغيب بذكر الله دائما وعلى كل حال، صحيحا أو مريضا قائما أو قاعدا أو ~~مضطجعا، و على أي حال كان من غير مانع بوجه من الوجوه عن ذلك، ويحتمل أن ~~يكون معناه يصلون على هذه الهيئة على حسب طاقتهم كما روي عن الخاصة والعامة ~~روي عنه صلى الله عليه وآله أنه قال لعمران بن الحصين صل قائما فإن لم ~~تستطع فقاعدا فإن لم تستطع فعلى جنب تومئ إيماء، وهذه حجة الشافعي على أن ~~المريض يصلي مضطجعا مستقبلا بمقاديم بدنه، وعلى بطلان ms116 مذهب أبي حنيفة أنه ~~يستلقي ومذهب الشافعي موافق لمذهب أصحابنا، ولكن في بعض الروايات الترتيب ~~بين الجنبين اليمين ثم اليسار فيكون المراد حينئذ بذكر الصلاة قاله ~~البيضاوي (1) ورواه علي بن إبراهيم في تفسيره ولا تنافي بين التفسيرين فإنه ~~غير ممتنع وصفهم بالذكر في هذه الأحوال، وهم في الصلاة، وهي تدل على هيئة ~~الصلاة في المرض كما ذكره أصحابنا ودلت عليه الروايات. # " ويتفكرون في خلق السماوات والأرض " عطف على " يتذكرون " فتدل على أن من ~~كمال العقل والبصيرة التفكر في خلقهما للاستدلال به، من جهة # PageV00P138 # اختراع هذه الأجرام وإبداع أوضاعها، وما دبر فيها مما يتحير فيه العقول ~~عن إدراك بعض عجائبها كما يظهر بالتأمل خصوصا مع ملاحظة علم الهيئة على عظم ~~شأن الصانع، وكبرياء سلطانه، وصفاته الثبوتية والسلبية، وكمال قدرته التي ~~تعجز عن تخيله العقل فيتحقق أن ليس لها صانعا إلا الله الذي لا إله إلا هو، ~~ولا يشبه شيئا ولا يقدر القادرون قدره. وعن سفيان الثوري أنه صلى خلف ~~المقام ركعتين ثم رفع رأسه إلى السماء فلما رأى الكواكب غشي عليه، وكان ~~يبول الدم من طول حزنه وفكرته. # وفي الآية دلالة على عظم شأن علم أصول الدين وفضله والتفكر في خلق الله ~~مستدلا به على وجود الله وصفاته، حيث جعل كذكر الله ومن لوازم العقل و شرطه ~~على الظاهر، ولهذا روي في أخبار الخاصة والعامة (1) ما يفيد ذلك مثل ما روي ~~عنه صلى الله عليه وآله أنه لا عبادة كالتفكر، وأن ذلك مفيد للعلم ومعلوم ~~شرف العلم بذات الله على غيره من العلوم والأعمال، فإنه شرط للكل، وعنه صلى ~~الله عليه وآله بينما رجل مستلق على فراشه إذ رفع رأسه فنظر إلى النجوم ~~وإلى السماء فقال أشهد أن لك ربا وخالقا اللهم اغفر لي فنظر الله إليه فغفر ~~له، وعن ابن عمر قال قلت لعايشة أخبريني بأعجب ما رأيت من رسول الله صلى ~~الله عليه وآله فبكت وأطالت ثم قالت: كل أمره عجيب أتاني في ليلتي ودخل ~~لحافي حتى ألصق جلده ms117 بجلدي ثم قال: يا عايشة هل لك أن تأذن لي الليلة في ~~عبادة ربي؟ فقلت يا رسول الله أني لأحب قربك و أحب هواك، قد أذنت لك. فقام ~~إلى قربة من ماء في البيت فتوضأ ولم يكثر من صب الماء ثم قام يصلي فقرأ من ~~القرآن وجعل يبكي حتى بلغ الدموع حقويه ثم جلس فحمد الله وأثنى عليه وجعل ~~يبكي ثم رفع يديه وجعل يبكي حتى رأيت دموعه قد بلت الأرض فأتاه بلال يؤذنه ~~لصلاة الغداة فرآه يبكي فقال له: يا رسول الله أتبكي؟ وقد غفر الله لك ما ~~تقدم من ذنبك وما تأخر؟ فقال يا بلال أفلا أكون عبدا شكورا؟ ثم قال: وما لي ~~لا أبكي وقد أنزل الله علي في هذه الليلة " إن في # PageV00P139 # خلق السماوات والأرض " الآية ثم قال: ويل لم قرأها ولم يتفكر فيها، وروي ~~ويل لمن لاكها بين فكيه ولم يتأملها. # وفي هذه دلالة على أن العبد الشكور هو الذي يبكي كثيرا وأنه ينبغي الأذن ~~من الزوجة إن أراد القيام للعبادة في ليلتها، فكأنه تجب المضاجعة طولها ~~وأنه لا يضر البكاء والدعاء بحضور الزوجة والأصحاب، ولا ينافي الخفية التي ~~هي مطلوبة في الدعاء، وعلى الوعيد في عدم التأمل في معنى الآية، وعدم ~~التفكر فيما يدل على صفاته، وكأنه يشعر بوجوب المعرفة بالدليل ولا يضر عدم ~~العلم بسند الرواية فتأمل. # " ربنا ما خلقت هذا باطلا " كأنه حال عن فاعل " يتفكرون " أي يتفكرون ~~قائلين ربنا و " هذا " إشارة إلى المخلوق المذكور من السماوات والأرض أو ~~الخلق بمعناه (1) أو إليهما يعني ليس ما خلقت عبثا لا حكمة ولا فائدة ولا ~~غرض فيه، بل فيه حكمة عظيمة، ومصالح كثيرة، من جملتها كونها دليلا على ~~التوحيد والعلم والقدرة والإرادة وغير ذلك من الصفات، وكون الأرض مبدءا ~~لوجود الانسان وسببا لاستقراره، وترتب الفوائد التي يراها يترتب على خلق ~~الأرض والسماء واختلاف الليل والنهار، التي لا يحصيها إلا الله، فيمكن أن ~~يستدل بها على أن أفعال الله تعالى معللة بالأعراض الحاصلة للعباد، ms118 فلا يجب ~~عود الغرض من الفعل إلى فاعله، وهو ظاهر، وفيها حكم ومصالح، وأن الباطل ~~والعبث محال عليه وأنه مذموم وقبيح، وأنه منزه عنه كما أشار إليه بقوله " ~~سبحانك " أي ننزهك تنزيها من العبث والباطل. # " فقنا عذاب النار " إشارة إلى أن مجرد العلم بفائدة الخلق، يدل على ~~استحقاق العبادة وحسن التكليف والعقاب بتركها، والتقصير في التفكر وغيره ~~مما يستحق وأن له المغفرة والعفو، وأنه قادر على ذلك ولا قبح فيها، وأنه لا ~~بد لطلبها من العلم بما تقدم، فلا بد من الايمان والعلم بأنه لم يفعل عبثا ~~وباطلا و # PageV00P140 # أن مجرد ذلك كاف للطلب وأنه بذلك أهل لها فتأمل. # " ربنا إنك من تدخل النار فقد أخزيته " بمنزلة العليل للطلب المتقدم ~~كأنهم قالوا إن لم تغفر لنا فتدخلنا النار، فهو الخزي العظيم الذي لا خزي ~~فوقه فهو تأكيد للطلب، وإلحاح فيه، وإظهار الاحتياج إليه تعالى سواء قلنا ~~المراد هو دوام الخلود أم لا؟ ويؤيده الأخبار، فإن الاستعاذة من عذاب النار ~~فيها أكثر من أن تحصى، بل في بعضها ما يدل على أن لا عذاب إلا عذاب النار " ~~وما للظالمين من أنصار " أراد بهم مدخلين النار، وضع المظهر موضع المضمر، ~~للإشارة إلى أن سبب الدخول هو الظلم على أنفسهم لا غير، وأنهم يستحقون ذلك، ~~فالعفو والمغفرة إحسان ولطف وتفضل غير لازم، فيدل على أنه بغير التوبة يجوز ~~ويحتمل كما مر، وهو لتأكيد الطلب حيث لا ناصر لهم، وكأن المراد بالناصر: ~~الذي يخلص الداخل منه بنصرة وغلبة على من أراد إدخالهم، فإنه الظاهر من ~~الناصر فلا ينافي وجود الشفيع فافهم، ويحتمل أن يراد بالظالمين الكفار، فلا ~~يحتاج إلى التأويل. # " ربنا إننا سمعنا مناديا ينادي للايمان أن آمنوا بربكم " أي آمنوا أو ~~بأن آمنوا (1) " فآمنا " قيل المنادي هو النبي صلى الله عليه وآله وقيل ~~القرآن، والأول أظهر، و # PageV00P141 # في ذكره أو لا مجملا ومنكرا ثم مفصلا تأكيد كما في تكرار " ربنا " للطلب. # " ربنا فاغفر لنا ذنوبنا وكفر عنا سيئاتنا " يمكن أن تكون الكبائر، كما ms119 ~~قالوا: وسيئاتنا إشارة إلى الصغاير فإنها تكون مكفرة باجتناب الكبائر عند ~~البعض " وتوفنا مع الأبرار " أمتنا موتتهم، واجعلنا بعده معهم، والأبرار ~~جمع بر أو بار كأصحاب وأرباب في جمع رب وصاحب " ربنا وآتنا ما وعدتنا على ~~رسلك " ما وعدتنا على تصديق رسلك من الأجر والثواب أو ما وعدتنا بلسانهم ~~ونقلهم عنك وهذا السؤال ليس لأن يعمل بوعده وعدم الاخلال به، لاحتمال أن لا ~~يفعل ذلك لأن ذلك محال عليه تعالى الله عنه، بل طلب لبقائه على استحقاق ذلك ~~بالموت على الايمان، والعمل الصالح الكامل الذي يستحق بهما ذلك الوعد، ~~مخافة أن لا يكون من الموعودين لسوء العاقبة، أو لقصور في الامتثال للاخلال ~~بشرائطها من # PageV00P142 # الاخلاص وغيره، أو تعبد واستكانه كما يقول الأنبياء والأولياء عليهم ~~السلام " اللهم اغفر لي " من غير ذنب، بل يظهرون البكاء والخوف العظيم من ~~العقاب والتقصيرات المفرطة والإقرار بالذنوب العظيمة جدا مع عدم شئ منها " ~~ولا تخزنا يوم القيامة " بالعذاب وإدخال النار بأن تعصمنا عما يقتضيه ~~وتوفقنا لما يبعدنا عنه ولا تفعل ذلك بنا " إنك لا تخلف الميعاد " بإثابة ~~المؤمن وإجابة الداعي، بمنزلة دليل على أنه لم يفعل، أي لم تخزنا لأنك وعدت ~~بذلك، وأنت لا تخلف الميعاد، أو أنه خبر بمعنى الدعاء فيكون تأكيدا للعصمة، ~~وقال في مجمع البيان: دعاء بمعنى الخبر فافهم " فاستجاب لهم ربهم أني لا ~~أضيع عمل عامل منكم من ذكر أو أنثى بعضكم من بعض " يحتمل أن يكون المراد ~~فأجاب دعاءهم وطلبهم بأن الله لا يضيع عمل مؤمن فإنه يثيبه على ذلك، فتدل ~~على أنه لا بد من العمل ومن الايمان معه، وقالوا أي استجاب طلبتهم وأعطاهم ~~مرادهم ومقصودهم، فدلت الآية على أن الدعاء مع تقديم العجز والانقطاع ~~مستجاب قال في الكشاف روي عن جعفر الصادق عليه الصلاة و السلام من حزنه [أي ~~أصابه] أمر فقال خمس مرات ربنا أنجاه الله مما أخاف و أعطاه ما أراد وقرأ ~~هذه الآية، وكأنه يريد ذكر المطلب بعد قول ربنا خمسا قال في مجمع البيان ms120 ~~وهذا يتضمن الحث على مواظبة الأدعية التي في الآية المتقدمة والإشارة إلى ~~أنه مما يتعبد الله بها وندب إليها، وذلك يتضمن الإجابة لمن دعا بها انتهى. # ثم إن في تتمة هذه الآيات دلالة على الاستحباب والترغيب العظيم على ~~المهاجرة في سبيل الله وطاعته، والصبر على الأذى في الله وعلى الاخراج عن ~~الديار والأهل، كالصبر على القتل والقتال، فإن ذلك ليس بمخصوص بالمهاجرين ~~معه صلى الله عليه وآله من مكة إلى المدينة لعموم اللفظ قال الله " فالذين ~~هاجروا و أخرجوا من ديارهم وأوذوا في سبيلي وقاتلوا وقتلوا لأكفرن عنهم ~~سيئاتهم ولأدخلنهم جنات تجري من تحتها الأنهار ثوابا من عند الله والله ~~عنده حسن الثواب " (1) # PageV00P143 # لأنها تدل على أن هذه الأمور مطلقا موجبة لمحو الذنوب، والثواب الجزيل ~~ففيها دلالة على أن العمل فيها لا يقع شكرا بل له أجر وعوض، وأن الذنوب ~~يكفر بالعمل الصالح ومثلها كثيرة فتأمل، كقوله تعالى " فمن يعمل مثقال ذرة ~~خيرا يره " (1) الآية. # " يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون ~~(2) " يمكن أن يستدل بها على استحباب المرابطة المصطلحة مع عدم الضرورة، ~~لعدم القائل، وعلى الوجوب معها فهي محمولة على المرابطة المصطلحة و هي ربط ~~النفس وحبسها في ثغور الكفار لدفع من أراد منهم السوء بالمسلمين إن قدروا، ~~ولاخبار المسلمين حتى يدفعوهم فيأمنوا من هجومهم كما يدل عليه بعض الروايات ~~وقال في مجمع البيان: وروي عن أبي جعفر الباقر عليه السلام أنه قال معناه ~~اصبروا على المصائب، وصابروا على عدوكم، وقيل معنى رابطوا أي رابطوا الصلاة ~~أي انتظروها واحدة بعد واحدة لأن المرابطة لم تكن حينئذ روي ذلك عن علي (3) ~~عليه السلام ويؤيده ما روي في انتظار الصلاة بعد الصلاة من الأجر العظيم ~~مثل من جلس في مصلاه بعد الصلاة إلى وقت صلاة أخرى أنه ضيف الله فيكرمه ~~ويعطيه ما سأل (4) قال في مجمع البيان روي عن النبي صلى الله عليه وآله أنه ~~سئل عن أفضل الأعمال فقال: إسباغ الوضوء في السبرات (5) ونقل الأقدام إلى ms121 ~~الجماعات وانتظار الصلاة بعد الصلاة، فذلك الرباط ثم قال وهذه الآية تتضمن ~~جميع ما يتناوله التكليف لأن قوله " اصبروا " يتناول لزوم العبادات وتجنب ~~المحرمات " وصابروا " يتناول ما يتصل بالغير كمجاهدة الجن والإنس وما هو ~~أعظم منها من جهاد النفس " ورابطوا " يدخل فيه الدفاع عن المسلمين والذب عن ~~الدين " واتقوا الله " يتناول الانتهاء عن جميع المناهي والزواجر والايتمار ~~بجميع الأوامر، ثم يتبع جميع ذلك الفلاح والنجاح، وبالله التوفيق. # PageV00P144 # كأنه يريد بلزوم العبادات المتعلقة بنفسه من غير نظر إلى غيره، وكذا ~~بتجنب المحرمات وإن فهم ذلك المعنى من " صابروا " باعتبار كونه من باب ~~المفاعلة بين الاثنين كما أشار إليه قبله، وكذا رابطوا فكأنه حمله على ~~المعنى الأعم المستفاد من معناه اللغوي وهو مشتق من الرباط والمرابطة وقيل ~~معناه اصبروا على مشاق الطاعات وما يصيبكم من الشدائد، وصابروا أي غالبوا ~~أعداء الله في الصبر على شدائد الحرب وأعدى عدوكم في الصبر على مخالفة ~~الهوى، وتخصيصه بعد الأمر بالصبر مطلقا لشدته، ورابطوا أبدانكم وخيولكم في ~~الثغور مترصدين للغزو، و أنفسكم على الطاعة كما قال النبي صلى الله عليه ~~وآله الرباط انتظار الصلاة بعد الصلاة، وعنه عليه السلام: من رابط يوما ~~وليلة كان كعدل صيام شهر وقيامه، ولا يفطر ولا ينفتل عن صلاته إلا لحاجة ~~(1). # " وإذا تتلى عليهم آيات الرحمن خروا سجدا وبكيا (2) " تدل على الترغيب ~~على السجدة، والبكاء عند سماع آيات الله، قالوا يستحب السجدة عند سماع هذه ~~الآية، وليست بمفهومة بخصوصها منها، كأنه من الاجماع والأخبار فتأمل " فخلف ~~من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات فسوف يلقون غيا ": شرا، فيها ~~دلالة على تحريم إضاعة الصلاة واتباع الشهوات قيل المراد بالإضاعة تركها، ~~وقيل تأخيرها عن أوقاتها، وفي آخرها ما يدل على قبول التوبة من التارك ~~والتابع للشهوة مع العمل الصالح حيث قال " إلا من تاب وآمن وعمل صالحا ~~فأولئك يدخلون الجنة ولا يظلمون شيئا " (3). # PageV00P145 # * (كتاب الصوم) * وفيه آيات: # الأولى والثانية: يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على ~~الذين من قبلكم لعلكم ms122 تتقون * أياما معدودات فمن كان منكم مريضا أو على سفر ~~فعدة من أيام أخر إلى قوله إن كنتم تعلمون (1). # يعني أوجب الله وكتب أيها المؤمنون الصوم عليكم كتابة مثل كتابته على ~~الذين من قبلكم - فما مصدرية ولعل التشبيه في أصل الصوم، أو العدد والوقت ~~أيضا لكن غير كما نقل في التفاسير - رجاء لتقواكم أي حال كونكم مرجوا منكم ~~التقوى أو راجين أن تكونوا من المتقين، أو لرجاء تقواكم بالصوم، فإنه أصل ~~ومن العبادات المعتبرة في التقوى، أو لأنه شعارهم ولحصول التقوى لكم به عن ~~سائر المعاصي فإن الصوم يكسر الشهوة كما في الحديث: من لم يطق الباه، فعليه ~~بالصوم، فإن الصوم له وجاء. أي الصوم للعزب بمنزلة الخصاء وفي آخر خصاء ~~أمتي الصوم هذا في مجمع البيان (2) والأول في الكشاف والبيضاوي (3) بل ~~القوة الغضبية وما يتبعها من الشرور ويحصل للنفس انكسار، وعدم الميل والقوة ~~إلى ما يضره كما نجد في أنفسنا إذا كنا مفطرين. # PageV00P146 # والصوم قيل لغة الامساك وشرعا إمساك شخص مخصوص عن أشياء مخصوصة في زمان ~~مخصوص، ولا يضر الاجمال لأن المقصود هو الإشارة إليه في الجملة، لا بين ~~حقيقته إذ لا يعلم ذلك إلا بعد الإحاطة بشرائط صحته ومفسداته، وهو موكول ~~إلى محله، ووجه ذكر الوجوب على الأمم السابقة تسلية المؤمنين بهذا التكليف ~~فيفهم أنه شاق على النفس لأنه مناف لمشتهاها كما مر، ويفهم أيضا الاهتمام ~~بتوطين النفس على فعله، وحسن قبوله " أياما معدودات " أي المفروض عليكم ~~الصوم في أيام معلومات موقتات كما ستعلمونه أو قلائل، فعامله الصيام ~~المصدر، وإن وجد الفصل، لأن الظرف يكفيه رائحة العامل، فليس ذلك موجبا ~~للذهاب إلى التقدير أي صوموا أياما كما قاله البيضاوي مع أنه موجب للتكرار ~~والثقل على الطبيعة، وكذا قله عمل المصدر المعرف كما قيل، ولم يثبت قول من ~~قال بعدم وجوده في القرآن، على أنه قد يكون المراد العمل في غير الظرف ~~فافهم. # ولعل تلك الأيام شهر رمضان كما سنبين عن قريب إن شاء الله تعالى قال في ~~مجمع ms123 البيان وعليه أكثر المفسرين، لا ما وجب ونسخ به وهو عاشورا، وثلاثة ~~أيام من كل شهر كما جوزه البيضاوي إذ جعل مثل هذه الآية منسوخة خلاف الظاهر ~~كثيرا بل لا يجوز النسخ ما لم يتعين، سيما مع بقاء حكم ما بعدها المتفرع ~~عليه وأيضا وجوب ثلاثة أيام على غير النبي صلى الله عليه وآله من المؤمنين ~~غير معلوم وإنما نقل في الكشاف وجوبها عليه فقط وإن نقل في غيره صلى الله ~~عليه وآله وأيضا لا ينافي وجوب رمضان وجوب غيره فلا يصلح نسخا له فتأمل. # ففهم منها وجوب صوم شهر رمضان بانضمام ما، والاهتمام بشأنه، وكونه سببا ~~للتقوى، وعلم أيضا كونه واجبا على غير المريض والمسافر من قوله " فمن كان " ~~أي كل من كان " منكم مريضا " ظاهره مطلق المرض أي مرض كان، وما يصدق عليه ~~المرض عاما كما نقل عن البعض في الكشاف لكن خصه الأصحاب بمرض يضره الصوم ~~إما لعسر برئه وطوله أو زيادته بالأخبار ولعله بالإجماع أيضا والاحتياط، و ~~بالمناسبة العقلية، وبما يفهم من قوله " يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم ~~العسر ". PageV00P147 # قال في الكشاف: وقيل هو المرض الذي يعسر معه الصوم ويزيد فيه لقوله تعالى ~~" يريد الله بكم اليسر " وما رده، ولعله رضي به، ونقل عن الشافعي أنه لا ~~يفطر حتى يجهده الجهد غير المحتمل، وما استدل عليه ودليل غير واضح، والآية ~~و الأخبار تدفعه كما عرفت وأيضا أكثر أهل الاسلام خصص المرض بما مر كما ~~خصصوا السفر بسفر التقصير، ولكن ما قيد بحصول المشقة بالصوم فيه إما دائما ~~أو أكثريا بحيث يضمحل عدمها لعدم ضبطها ولظهور الآية والأخبار الكثيرة في ~~عدم القيد مع عدم الموجب من الاجماع والأخبار، بل عدم الخلاف على عدمه كما ~~يفهم. # وقوله " أو على سفر " أي من كان منكم على سفر، فيكون معطوفا على " مريضا ~~" أي من كان منكم في هذه الأيام راكب السفر وفي البيضاوي: فيه إيماء بأن من ~~سافر في أثناء اليوم لم يفطر كأنه أخذه من لفظة " على ms124 " و " الأيام " وليس ~~بواضح إذ ظاهره كونه في هذه الأيام على السفر، وذلك يتحقق بوجوده أكثره في ~~السفر، كما هو المتعارف باجراء حكم الشئ على أكثره، وتدل عليه أخبار صريحة ~~صحيحة وهو المذهب المنصور من المذاهب في هذه المسألة كما هو المحقق في محله ~~فعليه عدة أيام المرض والسفر بعده بمعنى معدودة، وقرئ بالنصب أي فليصم عدة ~~كذا في الكشاف وتفسير القاضي ولا شك أن " عليه " و " فليصم " مفيدان للوجوب ~~كما هو المقرر في الأصول، فقولهما وجزمهما أنه على سبيل الرخصة لا على سبيل ~~الوجوب - وقيل على الوجوب وزاد القاضي: وذهب إليه الظاهرية وبه قال أبو ~~هريرة - لا يناسب (1) فإنه خروج عن ظاهر الآية بل عما قال في بيان التركيب. # وقال في مجمع البيان (2) وقد ذهب إلى وجوب الافطار في السفر جماعة من ~~الصحابة كعمر بن الخطاب وعبد الله بن العباس وعبد الله بن عمر وعبد الرحمن ~~بن # PageV00P148 # عوف وأبي هريرة وعروة الزبير وهو المروي عن أئمتنا فقد روي أن عمر بن ~~الخطاب أمر رجلا صام سفرا أن يعيد صومه، وروي عنهم عليهم الصلاة والسلام ~~ذلك فقد علم عدم الاجماع أيضا عندهم على الرخصة، بل عدم الخبر الصحيح، بل ~~مطلق الدليل الصحيح لبعد خفائه عنهم، وزيادة البيضاوي قوله " إن أفطر " ~~خلاف الظاهر وارتكاب مثل هذا الحذف في القرآن العزيز من غير ضرورة لا يجوز، ~~إذ العمل بظاهر القرآن بل مطلق الأدلة متعين كما هو المبين في الأصول ~~والعقول. # ففهم من ذلك وجوب القضاء على المريض والمسافر سواء صاما أو أفطرا لإيجابه ~~بقوله " فعدة " على ما مر، فلا يكون ذلك الصوم مجزيا لأنه ما يسقط به ~~القضاء عند الفقهاء، فلا يكون جائزا، إذ لو كان جائزا لأجزأ، وأيضا أحد لم ~~يقل بجوازه من غير أن يكون أحد الواجبين وقد أبطلناهما، وأيضا ظاهر قوله " ~~فليصم غير هذه الأيام " أنه لا يصم هذه، فيكون الصوم فيها حراما كما ذهب ~~إليه أصحابنا ولعله إجماعي وعليه أخبار كثيرة صحيحة (1) بل يفهم تحريم مطلق ~~الصوم في ms125 السفر إلا أنا نجد في الكتب أنهم استثنوا مثل صوم النذر المقيد ~~به، وعليه رواية صحيحة (2) و يجعل بعضهم بل أكثرهم الصوم الغير الواجب في ~~السفر مكروها، وبين ذلك بعضهم بأنه أقل ثوابا إذ لا تكون العبادات إلا ~~راجحة أو حراما فلو كانت جايزة مكروهة لكان بالمعنى الذي مر، وذلك غير ~~واضح، إذ العبادة كما لا يجوز كونها محرمة يجوز كونها مكروهة بالمعنى ~~الحقيقي أيضا إلا أن يقال باعتبار النية، فيحرم لأنه تشريع فتأمل فالظاهر ~~في الصوم سفرا إما التحريم مطلقا إلا ما ثبت استثناؤه، أو الكراهة بمعناه ~~المتعارف في الأصول بمعنى أنه لم يصم لكان أحسن من الصوم أي عدمه خير من ~~وجوده، ولا يعاقب عليه، ولا مانع في العقل أن يقول الشارع ذلك للمكلف وقد ~~ثبت في الأخبار كثيرا النهي عنه سفرا، ولم يثبت ما يدل على الرجحان بخصوصه ~~إلا ما روي في خبرين ضعيفين جدا (3) من فعل أحد الأئمة عليهم الصلاة ~~والسلام في # PageV00P149 # صوم شعبان سفرا، وليس بصريح أيضا في المندوب، لاحتمال النذر، ويحتمل ~~اختصاصه به أيضا ويبعد الجمع بحمل الأكثر الأصح لأجل واحد أو اثنين ضعيفين ~~غير صريحين على الكراهة بالمعنى المذكور، إذ يبعد أن يمنع الإمام بقوله " ~~لا تصم أوليس من البر " (1) عن صوم مثل يوم الغدير، وأول رجب وسائر الأيام ~~المتبركة من يريد صومه ويسأله عن فعله أو لا، بمعنى أن الثواب أقل من ثواب ~~الصائم في الحضر أو بمعنى أن الثواب في الافطار سفرا أكثر من الصوم فيه، إذ ~~ليس الفطر عبادة في السفر على ما هو المشهور في غير الواجب مثل شهر رمضان ~~ويبعد أن يكون الانسان مثابا في السفر بالإفطار بثواب أكثر من الثواب الذي ~~يحصل له بالصوم فيه، وأيضا لا معنى لصومه عليه الصلاة والسلام في السفر مع ~~مرجوحيته من الافطار على ما دل عليه الخبران اللذان هما وجه حمل الأخبار ~~الدالة على نهي الصوم في السفر ندبا على الكراهة فتأمل الله يعلم. # وأما التتابع في القضاء فلا يبعد كونه ms126 مستحبا لما في بعض الروايات، ~~وقراءة " متتابعات (2) " وإن كان الحق عدم حجية ما لم يثبت كونه قرآنا كما ~~بين في الأصول، لكنه مؤيد - وأيضا " سارعوا " (3) وغيره مما يدل على ~~التعجيل في فعل الخير وأيضا ربما يحصل مانع فتفوت تلك العبادة العظيمة ~~وأيضا يتمكن به من الصوم المندوب بالاتفاق، حيث ذهب أكثر الأصحاب إلى عدم ~~جوازه لمن عليه الفرض، وعليه دل الخبر الصحيح والحسن أيضا كلاهما في الكافي ~~(4) وأيضا أظن أن بعض الأصحاب ذهب إلى وجوب التعجيل في القضاء فيخلص بذلك ~~عن الخلاف وما ورد في بعض الروايات من التفصيل من الأمر بالتتابع في الستة ~~والتفريق في # PageV00P150 # الباقي فليس بثابت، بل الظاهر استحباب التتابع مطلقا للروايات، والجمع ~~بينها وبين ما يدل على التفريق لو وجد لا يفيد ترجيح التفريق، ولو في البعض ~~بل ولا التساوي. # وأما معنى " وعلى الذين يطيقونه " ففيه اختلاف كثير والمنقول عن أهل ~~البيت عليهم الصلاة والسلام الذين هم العارفون بالقرآن أن المراد بهم ~~الشيوخ والعجايز الذين كانوا يطيقون أولا الصوم، ثم صاروا بحيث لا يطيقونه ~~إلا على وجه المشقة التي لا يتحمل مثلها عادة أو يطيقونه بجهد وطاقة ومشقة ~~لا يتحمل مثلها في العادة، وكذا الحوامل المقربات، والمرضعات القليلات ~~اللبن كما قاله الأصحاب، فعلى الأول في الآية حذف أي كانوا يطيقونه من قبل ~~والآن ليسوا كذلك وعلى الثاني يكون مؤولا بمعنى يطيقونه الصوم بالجهد ~~والطاقة أي المشقة، والذي يدل عليه ما رواه محمد بن يعقوب في كتابه عن محمد ~~بن يحيى عن محمد بن الحسين عن صفوان بن يحيى عن علا بن رزين عن محمد بن ~~مسلم عن أبي جعفر عليه الصلاة والسلام في قول الله عز وجل " وعلى الذين ~~يطيقونه فدية طعام مسكين " قال الشيخ الكبير والذي يأخذه العطاش [وعن] قوله ~~" فمن لم يستطع فإطعام ستين مسكينا " قال من مرض أو عطاش (1) والظاهر أن ~~هذا الخبر صحيح وما رواه في كتابه صحيحا عن محمد بن مسلم قال: # سمعت أبا جعفر عليه الصلاة والسلام يقول: الشيخ الكبير ms127 والذي به العطاش ~~لا حرج عليهما أن يفطرا في رمضان ويتصدق كل واحد منهما في كل يوم بمد من ~~طعام ولا قضاء عليهما، فإن لم يقدرا فلا شئ عليهما (2) وروي أيضا فيه مرسل ~~ابن بكير عن بعض أصحابه عن أبي عبد الله عليه السلام في قول الله عز وجل " ~~وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين " قال الذين كانوا يطيقون الصوم ~~فأصابهم كبر أو عطاش أو شبه ذلك فعليهم لكل يوم مد، وروي أيضا فيه صحيحا ~~(3) عن محمد بن مسلم قال سمعت أبا جعفر عليه الصلاة والسلام: يقول الحامل ~~والمقرب والمرضع القليلة اللبن لا حرج # PageV00P151 # عليهما أن يفطرا في شهر رمضان، لأنهما لا يطيقان الصوم: وعليهما أن يتصدق ~~كل واحد منهما في كل يوم يفطر فيه بمد من طعام، وعليهما قضاء كل يوم أفطرتا ~~فيه تقضيانه بعد، وفي صحيح آخر فيه عن محمد بن مسلم عن أبي جعفر عليه ~~السلام قال مثله فكأن ترك التاء في " واحد " باعتبار التعبير بالحامل ~~المقرب و لفظه مذكر ويفهم من الخبر الثاني إطلاق رمضان فيمكن حمل المنع ~~الوارد في بعض الروايات على تقدير الصحة على الكراهة وأيضا فهم حكم العطاش ~~ونحوه ودخولهم في الآية. # وقال في مجمع البيان (1) وروي عن بعض أصحابنا عن أبي عبد الله عليه ~~الصلاة والسلام قال معناه: وعلى الذين كانوا يطيقون الصوم، ثم أصابهم كبر ~~أو عطش أو شبه ذلك، فعليهم لكل يوم مد، وكأنه إشارة إلى مرسل ابن بكير ~~فكأنه لصراحته وكونه عاما في المقصود اختاره فكأن الارسال لا يضر حيث أسنده ~~غيره مع عمل الأصحاب بل الظاهر عدم الخلاف قال فيه أيضا وروي عن علي بن ~~إبراهيم بإسناده عن الصادق عليه الصلاة والسلام قال: " وعلى الذين يطيقونه ~~فدية " من مرض في شهر رمضان فأفطر ثم صح ولم يقض ما فات حتى جاء شهر رمضان ~~آخر فعليه أن يقضي ويصدق لكل يوم مدا من طعام، وهذا رأيته في تفسيره من غير ~~أن يسنده ولم يرو عنه في الكافي مع نقله ms128 عنه في هذه المسألة روايتين ~~وسيجيئان. # " ومن تطوع خيرا " أي تطوع في البر في جميع الأمور، سواء كان زيادة في ~~الفدية بأن يطعم أكثر من ستين مسكينا كما قال بعض، أو زيادة على المد ~~لمسكين واحد، أو الأدام كما قال به الآخر، أو الزيادة في الاطعام المذكور ~~مطلقا جامعا بين القولين كما نقل عن ابن عباس كل ذلك في مجمع البيان " فهو ~~" أي التطوع " خير له " وأحسن " وأن تصوموا خير لكم " يعني صومكم خير لكم ~~من الافطار لما فيه من المصالح الخفية والظاهرة، " وأن تصوموا " بمعنى ~~الصوم مبتدأ و " خير " خبره و " لكم " متعلق به. أو أن ثواب من صام أكثر من ~~ثواب فدية من أفطر، و # PageV00P152 # إن كانا واجبين، والظاهر منها أن الصوم خير من اختيار الفدية قال في ~~الكشاف وتفسير القاضي: " وأن تصوموا خير لكم " أيها المطيقون أو المطوقون ~~(1) وحملتم على أنفسكم وجهدتم طاقتكم " خير لكم " من الفدية وتطوع الخير، ~~فتدل على التخيير بين الفدية والصوم لهؤلاء الذين ذكرناهم، فيمكن القول به، ~~لكن بشرط عدم حصول العلم بالضرر الذي يؤول إلى وجوب الافطار، والظاهر من ~~عبارات الأصحاب هو جواز الافطار لا الوجوب " إن كنتم تعلمون " أي إن كنتم ~~تعلمون ما في الصوم من الفضيلة والمصالح تعرفون أنه خير لكم من الفدية ~~والإفطار، ويحتمل أن يكون معناه إن كنتم من أهل العلم والعقل السليم، ~~والتميز بين الحسن والأحسن والقبيح والأقبح (2) تعرفون أنه خير لكم، ~~فالجزاء محذوف، وليس ببعيد كونه إشارة إلى إظهار فضيلة الصوم كما مرت إليها ~~الإشارة في الأخبار مطلقا من غير قيد بما نحن فيه كما هو الظاهر من المعنى ~~الأخير الذي هو أولى وأعم فكأن معناه إن كنتم من أهل العلم والتميز تعرفون ~~خيرية الصوم لكم من الافطار، وبالجملة لا يدل على خيرية الصوم في السفر ~~والمرض عن الافطار كما هو المشهور في ألسنة الطلبة والعوام على طريق ~~التخيير. # والآية دلت على وجوب الافطار للمريض والمسافر وكذا الأخبار بل إجماعهم ~~أيضا على الظاهر، وعلى وجوب القضاء ms129 عليهما أيضا، ولكن إذا اتصل المرض إلى ~~رمضان آخر، فهل يجب عليه القضاء أم لا؟ فعموم الآية يفيد ذلك، وذهب إليه ~~بعض الأصحاب والمشهور عدمه لظهور الروايات الصحيحة مع عدم وجوب الفدية لتلك ~~الروايات ويجب القضاء معها - وذهب إليه الصدوقان وقواه في الدروس وأيضا ~~الشيخ زين الدين في شرح الشرايع - إذا لم يتصل المرض إلى رمضان آخر وصح ~~فيما بينهما بحيث يقدر على القضاء وترك سواء كان متهاونا أم غيره، وهو من ~~كان عازما وأخر باعتقاد وسعة الوقت، ثم حصل له مانع، مثل حيض أو مرض أو سفر ~~ضروري، و # PageV00P153 # المتهاون من لم يخطر بباله أو خطر وعزم على الترك. # وذهب الشيخ وأكثر المتأخرين إلى وجوب الفدية على المتهاون دون غيره وأما ~~القضاء فالظاهر أنه إجماعي عندهم، والروايات تدل على الأول، فليس ببعيد ~~القول به، مثل ما رواه محمد بن يعقوب في كتابه عن علي بن إبراهيم عن أبيه ~~عن ابن أبي عمير بن حماد بن عيسى عن حريز عن محمد بن مسلم عن أبي جعفر وأبي ~~عبد الله عليهما السلام قال: سألتهما عن رجل مرض فلم يصم حتى أدركه رمضان ~~آخر، فقالا: # إن كان برأ ثم توانى قبل أن يدركه رمضان آخر، صام الذي أدركه، وتصدق عن ~~كل يوم بمد من طعام على مسكين، وعليه قضاؤه، إن كان لم يزل مريضا حتى أدركه ~~رمضان آخر صام الذي أدركه وتصدق عن الأول لكل يوم مدا على مسكين، وليس عليه ~~قضاء، وما رواه أيضا فيه عن علي بن إبراهيم عن أبيه ومحمد بن إسماعيل عن ~~فضل بن شاذان جميعا عن ابن أبي عمير عن جميل عن زرارة عن أبي جعفر عليه ~~الصلاة والسلام في الرجل يمرض ويدركه شهر رمضان ويخرج عنه وهو مريض ولا يصح ~~حتى يدركه شهر رمضان آخر، قال: يتصدق عن الأول ويصوم الثاني، وإن كان صح في ~~ما بينهما ولم يصم حتى أدركه شهر رمضان آخر صامهما جميعا ويتصدق عن الأول ~~(1). # وهذه مذكورة في الفقيه أيضا عن جميل ms130 عن زرارة إلى آخر ما نقلناه، و زيادة ~~(2) وجميل هذا الظاهر ابن دراج الثقة لأنه هو الذي نقل وأخذ عن زرارة وروى ~~عنه أيضا ابن أبي عمير كما قال في كتاب النجاشي (3) وطريق الفقيه إليه صحيح ~~كما هو مذكور في كتاب الرجال، فالخبر صحيح في الفقيه وغيره كما سمي في كتب ~~الفقه به مثل المختلف وشرح الشرايع وأما الأول فالظاهر أنه حسن لوجود علي ~~بن إبراهيم بن هاشم وكذا سماه في المختلف والمنتهى وقال الشيخ زين الدين # PageV00P154 # في شرح الشرايع " لصحيحة محمد بن مسلم وزرارة " وما وجدت في كتب الأخبار ~~غير ما ذكرته عن محمد بن مسلم فالظاهر [أنه] إنما عنى ذلك فاشتبه عليه ~~الأمر أو تعمد و ثبت توثيقه عنده، والظاهر أنه يفهم توثيقه من بعض الضوابط ~~والذي رأيته من الأخبار المعتمدة في هذه المسألة في الكتب الخبرين ~~المذكورين والصحيحة المذكورة في التهذيب عن (1) الحسين بن سعيد عن فضالة ~~كأنه هو ابن أيوب الثقة، وطريق الشيخ فيه إلى الحسين صحيح [عن عبد الله بن ~~سنان] عن أبي عبد الله عليه الصلاة و السلام قال: من أفطر في شهر رمضان في ~~عذر ثم أدركه رمضان آخر وهو مريض فليتصدق بمد لكل يوم فأما أنا فإني صمت ~~وتصدقت. # وأما التفصيل الذي ذهب إليه الشيخ في التهذيب، والمتأخرون من الأصحاب ~~فدليله غير واضح إذ نقل له رواية غير ظاهرة الصحة، دلالتها أيضا ضعيفة، ~~فالمصير إليها بعيد، وهي (2) رواية الحسين بن سعيد عن القاسم بن محمد عن ~~علي عن أبي بصير كلهم مشتركون بل ضعفاء غير الحسين عن أبي عبد الله عليه ~~الصلاة والسلام قال إذا مرض الرجل بين رمضان إلى رمضان ثم صح فإنما عليه ~~لكل يوم أفطر مدا فدية طعام، وهو مد لكل مسكين، قال وكذلك أيضا في كفارة ~~الظهار مدا مدا، و إن صح فيما بين الرمضانين، فإنما عليه أن يقضي الصيام، ~~فإن تهاون به وقد صح فعليه الصدقة والصيام، لكل يوم مد إذا فرغ من ذلك ~~الرمضان. والسند علم ms131 و أما الدلالة فليست فيها، إذ ما فيها تفصيل، وليس ~~التهاون أيضا بصريح فيما قاله يعني أخر من غير قصد وعزم على القضاء، بل هو ~~مطلق الترك ولهذا ما ذكر خلافه ولو كان كذلك كان المناسب ذكر ما يقابله أي ~~العازم، وإنما قابله بمن لم يفعل ولم يقض، قال في الصحاح: الهون هو السكينة ~~والوقار، وتهاون به أي استحقره، و الظاهر أن معناه هنا كان عليه القضاء، ~~فإن ترك القضاء ولم يفعله مطلقا كما هو # PageV00P155 # موافق لغيره من الأخبار المعتمدة التي ذكرناها، وغيرها مما لم نذكر، وقول ~~الشيخ زين الدين قدس سره في شرح الشرايع: ودلت عليه - مشيرا إلى ما ذكرناه ~~- الأخبار الصحيحة كصحيحة محمد بن مسلم وزرارة وغيرهما يدل على وجود الصحيح ~~أكثر مما نقلناه، وما عرفناه ذلك، وقد عرفت من هذه الأخبار أن الواجب هو ~~المد أيضا كما هو مذهب الأكثر، ولو كان للأقل (1) دليل على المدين، فحمله ~~على الاستحباب غير بعيد وكذا استحباب القضاء، لمن اتصل مرضه إلى رمضان آخر ~~وكذا التتابع في القضاء لما مر ولصحيحة الحلبي عن أبي عبد الله عليه الصلاة ~~و السلام قال إذا كان على الرجل شئ من رمضان فليقض في أي شهر شاء أياما ~~متتابعة فإن لم يستطع فليقضه كيف شاء، وليحص الأيام، فإن فرق فحسن وإن تابع ~~فحسن، المذكورة في الفقيه وهي في الكافي حسنة (2) وحسنة عبد الله أي عبد ~~الله سنان أيضا وسماها في شرح الارشاد صحيحة، وليس بواضح لأن إبراهيم بن ~~هاشم في الطريق على ما في الكافي عن علي بن إبراهيم عن أبيه عن ابن أبي ~~عمير (3) عن حماد أظنه ابن عيسى عن الحلبي عن عبد الله بن المغيرة عن عبد ~~الله سنان عن أبي عبد الله عليه الصلاة والسلام قال من أفطر شيئا من شهر ~~رمضان في عذر فإن قضاه متتابعا فهو أفضل، وإن قضاه متفرقا فحسن لا بأس به، ~~فعلى تقدير وجود خبر دال على التفرق كلا أو بعضا يحمل على التخيير، وكذا ~~الاختصار للمسافر ms132 على القدر القليل من الأكل والشرب وترك الجماع للأخبار، ~~والجمع والخروج عن # PageV00P156 # الخلاف، وكذا للمريض ترك الزيادة على ما يستضر بتركه للعلة المفهومة من ~~الآية، والأخبار، سيما الخبر الذي يدل على اجتناب الجماع للمسافر، وترك ~~زيادة الأكل والشرب، وأيضا لا يبعد إلحاق المسافر في بعض الأحكام المذكورة ~~بالمريض. # ثم إن الله تعالى أردف وجوب الصوم وأكده وبين تلك الأيام بقوله تعالى ~~أعني الآية الثالثة شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من ~~الهدى والفرقان فمن شهد منكم الشهر فليصمه ومن كان مريضا أو على سفر فعدة ~~من أيام أخر يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر ولتكملوا العدة و ~~لتكبروا الله على ما هداكم ولعلكم تشكرون (1). # الشهر معروف وهو ما بين الهلالين أو ثلاثين يوما ورمضان مصدر رمض بمعنى ~~الحر والشدة فنقل إلى الشهر، وجعل الشهر مضافا إليه، فصار المجموع علما وهو ~~غير منصرف للألف والنون مع التعريف كذا في الكشاف وتفسير القاضي و فيه ~~تأمل، إذ المجموع هو المعرفة والعلم لا المضاف إليه فقط وقيل هو أيضا علم ~~فكانا له علمين مركب ومفرد، فلا يحتاج إلى الجواب بحذف المضاف من العلم ~~فإنه خلاف الأصل، وبعيد عن الطبع والاستعمال في مثل ما روي عنه صلى الله ~~عليه وآله: من صام رمضان ايمانا واحتسابا الحديث (2) ومن أدرك رمضان ولم ~~يغفر له الخبر (3) # PageV00P157 # ولا يبعد أن يحمل مثل هذه على الجواز والبيان عنه صلى الله عليه وآله ~~والذي ورد في البعض من المنع عنه بأنكم لا تقولوا رمضان فإنكم ما تدرون ما ~~هو؟ بل قولوا شهر رمضان بحملها على الكراهة لو ثبت الصحة إذا لم يكن غرض ~~صحيح أو لمن لم يعرف مطلقا وقيل في وجه التسمية إنه إنما سمي الشهر بذلك ~~لارتماض الناس واحتراقهم في حر الجوع وعطش بصومه، أو لارتماض الذنوب فيه ~~به، وهما مبنيان على وجود الصوم في هذا الشهر حين التسمية، وهو غير معلوم. # في الكشاف إن الصوم عبادة قديمة وكأنهم سموه لارتماضهم الخ أو ms133 لوقوع ~~التسمية لهذا الشهر في رمض الهواء بالشمس أي حرارته. والإرادة ظاهرة أي طلب ~~المراد، واليسر والعسر متضادان معلومان أي اللين والصلابة والتكميل ~~والاكمال الاتمام، و " شهر " رفعه إما بأنه خبر مبتدأ محذوف، أي هي يعني ~~الأيام المعدودة التي فرض صومها شهر رمضان، وكونه بدلا عن الصيام كما قيل ~~في تفسير البيضاوي بعيد لحذف المضاف ووجود الفصل الكثير، ولزوم كونه مكتوبا ~~على الذين من قبلنا أيضا وهو غير معلوم أو مبتدأ خبره الذي أنزل أو هو صفة ~~و " فمن شهد " خبره، و لوصفه بما تضمن معنى الشرط صح الفاء في خبره " وهدى ~~وبينات " حالان عن القرآن و " من " بيانية و " الفرقان " عطف على الهدى أي ~~هو آيات واضحات مما يهدي إلى الحق ويفرق بينه وبين الباطل، وإعراب " فمن " ~~الخ ظاهر. # و " لتكملوا " يحتمل عطفه على ما يستفاد مما سبقه أي أسقط الصوم عن ~~المريض والمسافر، وأوجب في أيام أخر لإرادة التيسير، وعدم إرادة التعسير، ~~وللتكميل. # أو يكون التقدير: وشرع ذلك للتكميل. وحذف للظهور، ويحتمل أيضا أن يكون ~~معطوفة على اليسر أي يريد أن تكملوا، قالهما في تفسير القاضي والكشاف وفي ~~الثاني الأول أوجه، ولعل حاصل التفسير: فرض وأوجب عليكم الصيام الشهر ~~الشريف الذي أنزل الله فيه القرآن العزيز الذي هو هاد للناس من الضلال إلى ~~الهدى، ومبين ، الحلال والحرام، والفارق لهم بين الحق والباطل، بمعنى كون ~~ابتداء النزول وقع فيه أو أنزله إلى السماء الدنيا كله كان فيه، ثم ينزل ~~بالتدريج على مقدار PageV00P158 # المصلحة أو أنه نزل في شأنه بعض القرآن، أي وصفه وبيان رتبته بأن فيه ~~ليلة [هي] خير من ألف شهر. # ثم بين كيفية وجوب هذا الصوم بأنه على من يجب وفي أي وقت؟ كما سنذكره في ~~الآية اللاحقة، فقال " فمن شهد " أي حضر في موضع في هذا الشهر غير مسافر بل ~~ولا مريض أيضا، فالشهر مفعول فيه كما صرح به في تفسير القاضي و الكشاف ~~ومجمع البيان، فالشهود هو الحضور في البلد وكأن المراد مع القدرة على ms134 الصوم ~~في الصحة التي يفهم من إيجاب الصوم وفهم من الأولى أيضا، فلا يكون " ومن ~~كان مريضا " بمنزلة الاستثناء والتخصيص فإنه خلاف الظاهر من العبارة و ~~سوقها، ولهذا ما ذكر فيها، وكان المراد أعم من الحضور في بعض أو كله " ~~فليصمه " أي يجب عليكم الصيام في الذي كنتم حاضرين وقادرين فيه على الصوم ~~من الشهر - فنصب ضمير " فليصمه " وإن كان الظاهر على أنه مفعول به، إلا أنه ~~في الحقيقة على الظرفية وحذف الخافض وأوصل الفعل - وذلك لأن الله تعالى ~~يريد ويحب لكم أمرا هينا غير شاق وصلب وحرج وضيق في جميع أموركم، ولا يريد ~~ضد ذلك، بل يريد عدمه، فإن إرادة الشئ مستلزما لعدم إرادة ضده بل ادعي ~~العينية وأكده مع ذلك بقوله " ولا يريد بكم العسر " المنفي بالأول فيفهم ~~منه كمال المبالغة لإرادة اليسر وعدم العسر. # فأشار مرة إلى عدم مرغوبية صوم المسافر لتقييد وجوبه بالحضر، ثم التصريح ~~بصوم عوضه بعد زواله، ثم ببيان العلة له مع نفي ضدها اللازم لإرادة اليسر، ~~ثم التصريح بعدم إرادة العسر، ثم بالعلل الآخر مثل التكبير والشكر على ~~تشريع اليسر دون العسر كما هو منقول عن الأمم السابقة، فيحتمل أن يكون قوله ~~" و لتكملوا " علة الأمر بمراعاة العدة أي إنما أمرتكم بقضاء الشهر لتكملوا ~~عدته " ولتكبروا الله " علة لتعليم كيفية القضاء للمسافر بعد السفر وللمريض ~~بعد المرض " ولعلكم تشكرون " علة اليسر وإسقاط الصوم ففيها لف ونشر، ويحتمل ~~أن يكون كل واحد علة لكل واحد، بل الظاهر أن " لتكملوا " علة القضاء، ~~ولتكبروا PageV00P159 # بمعنى لتعظموا الله وتحمدوه على هدايتكم أو على الذي هداكم إليه من ~~العبادات والعلم بكيفية العمل، فما إما مصدرية أو موصولة، وقيل المراد به ~~التكبير في عيد الفطر أو التكبير عند رؤية الهلال وكلاهما بعيد، سيما ~~الأخير لعدم الفهم و بعد العلية. # فالحكم الذي يستفاد منها وجوب صوم شهر رمضان بعد حصوله من الآية الأولى ~~إجمالا وكذا وجوب الافطار على المسافر والمريض لما مر تحريره، وفهم أيضا من ~~بيان اهتمام الواجب تعالى ms135 بذلك حيث أكده بتأكيدات شتى كما عرفت ووجوب ~~القضاء عليهما، ونفي المشقة والحرج والضيق عن العباد في كل الأمور إلا مشقة ~~علم وجوب تحملها لمصلحة يعلمها الله، وعدم مشروعية عبادة شاقة من عند نفسه ~~كما يدل عليه غيرها من الآيات والأخبار، فتكون الشريعة سمحة سهلة فكأنما ~~ذكرت هذه الآية لتأكيد وجوب الافطار على المسافر والمريض، ليندفع وهم عدم ~~جواز ذلك، بل عدم وجوبه أيضا ولبيان أن الواجب في الآية الأولى هو صوم أيام ~~شهر رمضان أو أن اليسر مطلوب والعسر منفي وإلا فعلم وجوب الصوم من الأولى ~~وعدمه عليهما. # ولا يبعد أيضا الاستدلال على جواز السفر في شهر رمضان من غير ضرورة بهذه ~~الآية وما قبلها، حيث فهم أن المسافر مطلقا يجب عليه الافطار والقضاء كما ~~مر ولو كان السفر غير جائز لما كان كذلك بل كان الواجب عليه الصوم، ويحرم ~~الافطار، ولا يجب القضاء، بل يجزئ ما صامه في السفر، ولأن هذه الآية تدل ~~على نفي العسر وطلب اليسر، ولا شك أن منعه من السفر لما ينتفع به لدينه أو ~~دنياه عسر، وليس بيسر. # ويدل عليه بعض الأخبار الصحيحة الصريحة مثل ما رواه محمد بن مسلم في ~~الصحيح (1) عن أبي عبد الله عليه الصلاة والسلام قال إذا سافر الرجل في شهر ~~رمضان فخرج بعد نصف النهار عليه صيام ذلك اليوم ويعتد به [من شهر رمضان]. ~~وكذا # PageV00P160 # صحيحة الحلبي عن الصادق عليه الصلاة والسلام أنه سئل عن الرجل يخرج من ~~بيته وهو يريد السفر وهو صائم قال إن خرج قبل أن ينتف النهار فليفطر وليقض ~~ذلك اليوم، وإن خرج بعض الزوال فليتم صومه. وهو حسن على رواية الشيخ و صحيح ~~على ما رواه في الفقيه (1) وهذه صريحة في الجواز قبل الزوال ويفهم بعده ~~أيضا في الجملة لعدم المنع في الخبرين وعدم القول بالواسطة على ما أظن. # ولصحيحة رفاعة (2) قال سألت أبا عبد الله عليه الصلاة والسلام عن الرجل ~~يريد السفر في شهر رمضان قال: إذا أصبح في بلده ثم خرج ms136 فإن شاء صام، وإن ~~شاء أفطر، ولصحيحة محمد بن مسلم عن الباقر عليه الصلاة والسلام أنه سئل عن ~~الرجل يعرض له السفر في شهر رمضان وهو مقيم وقد مضى منه أيام فقال: لا بأس ~~أن يسافر ويفطر ولا يصوم، ولصحيحة حماد بن عثمان، قال قلت لأبي عبد الله ~~عليه السلام رجل من أصحابنا جاء خبره من الأعراض (3) وذلك في شهر رمضان ~~أتلقاه وأفطر؟ قال نعم قلت أتلقاه وأفطر أو أقيم وأصوم؟ قال تلقاه وأفطر، ~~ولما في الفقيه في الصحيح عن أبان بن عثمان (4) وسئل الصادق عليه الصلاة ~~والسلام عن الرجل يخرج يشيع أخاه مسيرة يومين أو ثلاثة فقال: إن كان في شهر ~~رمضان فليفطر، قيل: # فأيهما أفضل يصوم أو يشيع؟ قال يشيع إن الله تعالى وضع الصوم عنه إذ ~~أشيع. # ويفهم منه استحباب التشييع على وجه آكد، فافهم وغيرها من الأخبار على ما ~~في المختلف لكن تركتها لعدم الصحة. # والذي يدل على مذهب أبي الصلاح وهو تحريم السفر في شهر رمضان أخبار غير ~~صحيحة إلا خبر أبي بصير عن أبي عبد الله عليه السلام قال سألت أبا عبد الله ~~عليه السلام عن الخروج إذا دخل شهر رمضان فقال لا، إلا فيما أخبرك به: خروج ~~فيه إلى مكة أو غزو في سبيل الله، أو مال تخاف هلاكه، أو أخ تخاف هلاكه، ~~وإنه ليس بأخ # PageV00P161 # من الأب والأم (1) ويمكن الجواب عن استدلاله بضعف الأخبار، وبأن أبا بصير ~~مشترك وأيضا أرسل عن أبي حمزة عنه في الفقيه، فإن كان الثمالي كما هو ~~الظاهر فالطريق على ما قيل قوي على تقدير توثيق أبي بصير وإن كان البطائني ~~فليس بقوي أيضا لأنه مجهول والظاهر أن أبا بصير هو يحيى بن القاسم على ما ~~نقل في الكافي عن علي بن أبي حمزة عن أبي بصير وعلي هو قائد أبي بصير يحيى ~~فيحتمل سقوطه على ما في الفقيه. # وأيضا في الكافي " تريد وداعه " بدل تخاف هلاكه، فلا دلالة فيه حينئذ و ~~بأنه ليس بصريح في التحريم، فإن ms137 كلمة " لا " تحتمل التحريم والكراهة وإن ~~قلنا إن الأول أظهر، ولكنه ليس بمثابة يعارض هذه الأخبار، ويخصص عموم ~~القرآن به إذ لا بد لتخصيص القرآن بالخبر من كون الخبر نصا في الدلالة على ~~ما يخرج به القرآن عن ظاهره، وبالجملة ينبغي في تخصيص قطعي المتن بظني ~~المتن من كون دلالة المخصص الظني قطعية لينجبر به قطعية العام، فلا بد أن ~~يكون دلالة الخاص على الفرد المخرج بالمخصص عن العام القطعي أقوى وأتم من ~~دلالة العام عليه، وهو ظاهر ومبين في الأصول، فلا تغفل عن هذه اللطيفة ~~وبأنه قد يكون بترك ما أخبر به أيضا مثل ما فهم من الأخبار، بل ذلك متعين ~~لعدم إمكان ترك هذه الأخبار كلها، أو أن هذا عام فيخصص بتلك الأخبار يعني ~~نزيد عليه ما وجد في الأخبار الأخر، ولا يمكن حمل تلك على هذا، إذ فيه حصر ~~في أمور مذكورة محصورة ولو حمل على كل ضروري كما هو مذهب أبي الصلاح فهو ~~خلاف الظاهر من الرواية فمذهبه أيضا لا يناسب دليله، ومع ذلك لا يمكن حمل ~~بعض الروايات عليه، كما يعلم إذا تأملتها. # وبعد هذا كله حمله على الكراهية للجمع ويدل عليه ما ذكره الشيخ في ~~التهذيب عن أبي بصير عن أبي عبد الله عليه السلام قلت جعلت فداك يدخل علي ~~شهر # PageV00P162 # رمضان فأصوم بعضا فيحضرني زيارة قبر أبي عبد الله عليه السلام فأزوره ~~وأفطر ذاهبا وجائيا أو أقيم حتى أفطر وأزوره بعد ما أفطر بيوم أو يومين؟ ~~فقال: أقم حتى تفطر قلت جعلت فداك فهو أفضل؟ قال: نعم أما قرأت كتاب الله " ~~فمن شهد منكم الشهر فليصمه ". ففيه دلالة على الأفضلية وكذا يدل عليها ما ~~رواه في الفقيه (1) في صحيحة الحلبي عن أبي عبد الله عليه الصلاة والسلام ~~قال: سألته عن الرجل يدخل شهر رمضان وهو مقيم لا يريد براحا ثم يبدو له بعد ~~ما يدخل، فسكت فسألته غير مرة فقال يقيم أفضل إلا أن يكون له حاجة لا بد من ~~الخروج فيها أو ms138 يتخوف على ماله، وإن كان الحلبي محتملا ولكن الظاهر أنه ثقة ~~كما يفهم من كلامهم و المشهور أنه مكروها إلى أن يمضي ثلاثة وعشرون يوما، ~~فتزول الكراهة للخبر بذلك التفصيل، حيث قال في الرواية: فإذا مضت ليلة ثلاث ~~وعشرين فليخرج حيث شاء. # ثم اعلم أن في الأخبار المتقدمة دلالة على الافطار لو سافر قبل الزوال، و ~~على الصوم والاجزاء لو سافر بعده، ويدل عليها مع ذلك الاجماع المنقول في ~~المختلف عن الشيخ والأخبار الصحيحة الدالة على أن من قصر الصلاة قصر الصوم، ~~ومن لم يقصرها لم يقصره (2) فالعجب أن في المختلف بعد ما اختار ما قلناه ~~هنا ورد مذهب الشيخ قال: قوله إذا خرج بعد الزوال مع تبييت النية للسفر ~~أمسك وعليه الإعادة ليس ببعيد من الصواب، إذ لم يتحقق منه شرط الصوم، وهو ~~النية. فإنه في غاية البعد، إذ لا معنى بالاعتداد بالصوم والأمر به، ووجوب ~~القضاء والإعادة مع أن الأمر مفيد للاجزاء والصحة كما بين في محله إلا أن ~~يؤول بالإمساك وهو بعيد أيضا، وليس له دليل إلا ما تخيل من قوله هنا، إذ لم ~~يتحقق إلى آخره يعني النية شرط فإذا بيت بنية السفر لم يتحقق نية الصوم فلا ~~يصح الصوم، و هو ليس بدليل بعد ما نقلنا لك ما رأيت من أن النية قد لا ~~تشترط في الليل وقد # PageV00P163 # يتحقق على طريق الشرط، ولهذا يوجبون النية على من بيت نية السفر، و ~~يوجبون عليه الصوم لا الامساك فقط حتى يخرج وأيضا قد تحصل النية بالنهار ~~بعد أن عرف أنه إنما يسافر بعد الزوال وحينئذ يصح فيجزي صومه أو يكون تبييت ~~النية في الليل على هذه المثابة أي بأنه إنما يسافر بعد الزوال. # ثم قال بالتخيير بين الافطار والصوم لصحيحة رفاعة المتقدمة، بعد أن قال ~~أصح ما بلغنا في هذا الباب هي مع روايتي الحلبي ومحمد الصحيحتين المتقدمتين ~~و قال إنما قيدنا ذلك بالخروج بعد الزوال، جمعا بين الأخبار، ولك أن تقول: # الجمع بين الأخبار إن اقتضى ms139 ذلك يقتضيه قبل الزوال أيضا فإنه نقل في ~~المختلف أخبارا تدل على وجوب الصوم إذا سافر قبل الزوال أيضا مع أن حمل ~~صحيحة رفاعة على النصف الأول أقرب، لقوله أصبح، ويأبى حمله على تفصيل صحيحة ~~الحلبي المتقدمة فيمكن الحمل على عمومه وهو ظاهر، وحمل المتقدمة على ~~الاستحباب، ويمكن حملها على قبل الزوال على معنى مخير بين أن يبطل سفره ~~فيصوم، وبين أن يلتزمه فيفطر، أو يحمل على أن معناها إن خرج قبل الزوال ~~فيفطر، وإن خرج بعده فيصوم، فهو مخير بين الصوم والإفطار بهذا التفصيل، بل ~~يجب حملها عليه لوجوب حمل المطلق والمجمل على المقيد والمفصل، وقد مضى ~~المفصل والمقيد. # واعلم أنه قد طولنا في هذه المسألة، والعذر ما ذكره في المختلف للتطويل ~~وهو كونه من المسائل الجليلة، وأنه أفتى فيه أولا بما ذكرناه أولا ثم ~~استصوب مذهب الشيخ، بعد رده، واستدل عليه، ثم استصوب التخيير واستدل عليه، ~~وهذا لا يخلو عن اضطراب، على أنه اعترض في هذه المسألة على ابن إدريس ~~بالاضطراب الله تعالى يعلم الصواب. # ثم اعلم أنه لما كانت في الآية المذكورة بعدها دلالة ما على بعض الأحكام ~~مع اشتمالها على التحريض، في الطلب والدعاء والسؤال من الله تعالى، مع ورود ~~أن دعاء الصائم لا يرد ذكرناها هنا. PageV00P164 # وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان فليستجيبوا لي ~~وليؤمنوا بي لعلهم يرشدون (1). # روي أن أعرابيا قال لرسول الله صلى الله عليه وآله أقريب ربنا فنناجيه أم ~~بعيد فنناديه؟ # فنزلت (2). النداء للبعيد المحتاج إلى رفع الصوت والمناجاة للقريب الذي ~~لا يحتاج إلى ذلك والخطاب له صلى الله عليه وآله والتقدير فقل لهم إني قريب ~~- وهو تمثيل لكمال علمه بأفعال العباد واطلاعه على أحوالهم - بحال من قرب ~~مكانه منهم، يعني إذا سألك عبادي - وفي هذه الإضافة تشريف لهم - عن كيفية ~~أحوالي من جهة القرب والبعد فقل إني عليم أعلم دعاءكم، ولو كان في غاية ~~الخفاء كما يسمع القريب إذا قرب فمه إلى أذنه يناجيه، بل أقرب ms140 من حبل ~~الوريد، فأقبل دعاء الداعي إذا دعاني، و لعل " ذكر إذا دعان " للتحريص في ~~الدعاء والترغيب في التكرار، وتعريف الداعي إشارة إلى داع خاص وهو الذي ~~يدعو متيقنا للإجابة، ويطلب ماله فيه المصلحة، لا المحرم، ولا ما لا يليق ~~بحاله وليس فيه المصلحة، أو يكون إلى الجنس، وبالجملة إن الله يعلم المصلحة ~~ويستجيب معها، ولا يستجيب بدونها، ويعجل ويؤخر لذلك ولو لم يستجب يعوض ~~ويثيب في الدنيا والآخرة فعلى تقدير عدم الإجابة لا ينبغي الترك واليأس، ~~فإن ذلك للمصلحة. # فاندفع بما قررناه السؤال المشهور كما ذكره المفسرون أيضا. # وبعد أن وعد بالإجابة والقبول قال: " فليستجيبوا لي " أي اقبلوا أنتم ~~أيضا دعوتي إذا دعوتكم وأمرتكم بالطاعات والدعاء، فاطلبوا واسألوا تضرعا ~~وخفية لا بقلب ساه وغير متوجه، ومتعقل لمعنى ما تقولون، لا جهرا ورياء فإن ~~الله لا يحب المعتدين واطلبوا ولا تستكبروا ولا تتركوا الدعاء استكبارا ~~وتجبرا، وعدم اعتقاد # PageV00P165 # الإجابة وعدم علمه بالسماع وقدرته على الإجابة، فإن من فعل ذلك يدخل ~~النار مقيما فيها. # " وزكريا إذ نادى ربه رب لا تذرني فردا وأنت خير الوارثين " إلى قوله (1) ~~" وكانوا لنا خاشعين " في الكشاف سأل زكريا عليه السلام ربه أن يرزقه ولدا ~~يرثه، ولا يدعه وحيدا بلا وارث ثم رد أمره إلى الله مستسلما فقال وأنت خير ~~الوارثين، إن لم ترزقني من ترثني، فلا أبالي فإنك خير وارث، وإصلاح زوجه أن ~~جعلها صالحة للولادة، بعد عقرها، وقيل تحسين خلقها، وكانت سيئة الخلق، ~~فيمكن أن يستدل بها على تحقق الإرث من الأنبياء عليهم السلام فتذكر! وعلى ~~استحباب هذا الدعاء لطلب الولد، ولا يبعد أن يستجاب له كما لزكريا عليه ~~السلام مثل الآيتين المتقدمتين (2) و يدل عليه الرواية عن أبي عبد الله ~~عليه السلام (3). # " إنهم كانوا " بمنزلة التعليل لاستجابة دعاء الأنبياء السابقين عليهم ~~السلام، يريد أن الأنبياء المتقدمين استحقوا إجابة دعوتهم وقبول دعائهم ~~بمبادرتهم إلى أبواب الخير، ومسارعتهم في تحصيل العبادات كما يفعل الراغبون ~~في الأمور الجادون وقرئ " رغبا ورهبا " بالاسكان، وأنهم يدعون الله رغبا ms141 ~~راغبين في الدعاء، وراجين للإجابة، وخائفين من الرد، وعدم الإجابة، وعقاب ~~ربهم، مثل قوله " ويحذر الآخرة ويرجو رحمة ربه " (4) وأنهم كانوا خاشعين ~~متضرعين، فالمسارعة إلى العبادات مطلقا مطلوبة لله كما في " وسارعوا " (5) ~~فيدل على أن فعلها في أول الوقت أفضل، الصلاة وغيرها، إلا لدليل وعلى ~~الدعاء. # PageV00P166 # فهذه الآية تدل على استحباب كون الداعي مسارعا في الخيرات، وراغبا و ~~راهبا وخاشعا ليستجاب دعاؤه، فيمكن أن يقيد به عموم ما يدل على استجابة ~~الدعاء مطلقا، مثل قوله تعالى " ادعوني أستجب لكم " وهذا أحد الأجوبة لما ~~يقال: # كثيرا ما ندعو ولا نرى الإجابة فتأمل. # قال في مجمع البيان: روى الحارث بن المغيرة قال قلت لأبي عبد الله عليه ~~السلام أني من أهل بيت قد انقرضوا، وليس لي ولد، فقال لي: ادع وأنت ساجد رب ~~هب لي من لدنك ذرية طيبة إنك سميع الدعاء رب لا تذرني فردا وأنت خير ~~الوارثين " (1) فقد أشرنا فيما قلناه إلى معنى قوله تعالى في التحريص على ~~الدعاء في الآيتين الأخيرتين بقوله " ادعوا ربكم تضرعا وخفية إن الله لا ~~يحب المعتدين " و " ادعوني أستجب لكم إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون ~~جهنم داخرين " (2). # " وليؤمنوا بي " أمر بتحصيل الايمان أي التصديق بجميع ما جاء به الأنبياء ~~لمن لا ايمان له، وبالثبات والاستمرار للمتصف به أو التصديق بأنه قادر على ~~الإجابة " لعلهم يرشدون " راجين في ذلك كله الرشد، يعني إصابة الحق والخير. # واعلم أنه لما أمر بعبادات شاقة وهي الصوم بتكميل العدة على وجه أمر به ~~والقيام بوظائف التحميد والتكبير والشكر على ما يليق به، فإن الاتيان ~~بالمأمور به على وجهه ومع شرائطه عسر ومشقة كما يفهم من الرواية المشهورة، ~~وهي على ما سمعتها من بعض الفضلاء أنه روي أنه قال صلى الله عليه وآله ~~شيبتني سورة هود إذ فيها " فاستقم كما أمرت " في الكشاف عن ابن عباس: ما ~~نزلت على رسول الله صلى الله عليه وآله في جميع القرآن آية كانت أشد ولا ~~أشق عليه من هذه الآية، ولهذا قال ms142 شيبتني سورة هود والواقعة وأخواتهما، ~~وروي أن أصحابه قالوا له لقد أسرع فيك الشيب، فقال شيبتني سورة هود (3)، ~~وعن بعض رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله في المنام فقلت له: روي عنك أنك ~~قلت # PageV00P167 # شيبتني سورة هود؟ فقال نعم، فقلت: ما الذي شيبتك منها أقصص الأنبياء؟ و ~~هلاك الأمم؟ فقال: لا، ولكن قوله " فاستقم كما أمرت " (1) وعن جعفر الصادق ~~عليه الصلاة والسلام " فاستقم كما أمرت " قال: افتقر إلى الله بصحة العزم، ~~وغيره من الأخبار عن أهل البيت عليهم السلام وأيضا قال في الفقيه قال أبو ~~جعفر عليه السلام يا جابر من دخل عليه شهر رمضان فصام نهاره، وقام وردا من ~~ليلة، وحفظ فرجه ولسانه، وغض بصره وكف أذاه خرج من الذنوب كيوم ولدته أمه، ~~قال جابر قلت له: جعلت فداك ما أحسن هذا من حديث؟ قال: ما أشد هذا من شرط ~~(2) أتى (3) بهذه الآية الشريفة الدالة على أنه خبير بأحوالهم، سميع ~~لأقوالهم مجيب لدعائهم، مجاز لهم بأعمالهم حتى يهون ذلك عليهم، ويكون حريصا ~~عليها ففهم من الآية وجوب الايمان وقبوله، ووجوب قبول سائر الطاعات واعتقاد ~~إجابة الدعاء، واعتقاد أنه سميع عليم، وأنه ليس في جهة ولا مكان إذ لو كان ~~كذلك لما قرب إلى كل داع، ثم بين أحكام الصوم وكيفية فعله بعد أن بين ~~الفاعل فقال: # أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم هن لباس لكم وأنتم لباس لهن علم ~~الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم فتاب عليكم وعفى عنكم فالآن باشروهن و ~~ابتغوا ما كتب الله لكم وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط ~~الأسود من الفجر ثم أتموا الصيام إلى الليل ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في ~~المساجد تلك حدود الله فلا تقربوها كذلك يبين الله آياته للناس لعلهم يتقون ~~(4). # PageV00P168 # قيل: سبب نزولها أن الله تعالى لما أوجب الصوم على الناس، كان وجوبه بحيث ~~لو صلوا العشاء الآخرة أو رقدوا، ما يحل لهم الأكل والشرب والجماع إلى ~~الليلة القابلة، ثم إن عمر باشر بعد العشاء فندم ms143 وأتى النبي صلى الله عليه ~~وآله واعتذر إليه فقام إليه رجال واعترفوا بما صنعوا بعد العشاء فنزلت كذا ~~في تفسير القاضي والكشاف وقاله في مجمع البيان، أيضا، وأنت تعلم أن هذا ~~أيضا لا يناسب ما نقلنا عنهما في تفسير قوله تعالى في أوائل السورة " وإذ ~~ابتلى إبراهيم ربه بكلمات (1) " الآية أنها تدل على أن الفاسق لا يصلح ~~للإمامة، وأن النبي معصوم قبل النبوة أيضا وهذا دليل على أنه (2). # وأما تفسيرها فهو أن الله تعالى أباح الجماع في الليلة التي يصبح فيها ~~صائما إذ الرفث هو الجماع هنا كما قاله المفسرون، ودل عليه سبب النزول، ~~وكأن لتضمنه معنى الافضاء عدي بالي " هن لباس " استيناف لبيان سبب الإباحة، ~~بمعنى أن الصبر عنهن صعب لأنهن مثل الثياب لكم وأنتم كذلك، فشبه شدة ~~المخالطة والملامسة والانضمام بمخالطة الثياب وملامستها وانضمامها بصاحبها، ~~وقيل هن فروش لكم وأنتم لحاف لهن أو شبه حفظ كل واحد حال صاحبه عن كشفه عند ~~غيره بفعل الساتر وصيانته عن كشف عورته عند الغير. # " علم الله " بيان لزيادة سبب الإباحة ولطفه ورحمته لعباده، بأنه يعلم ~~أنهم ما يفعلون الصبر، بل يختانون الأوامر والنواهي بالمخالفة والمعصية فما ~~يؤدون الأوامر الشرعية التي هي أمانات، ويظلمون أنفسهم بتعريضها للعقاب ~~وتنقيص حظها عن الثواب لشهوتهم وقلة تدبرهم في العواقب ويسعون ويبالغون في ~~الظلم والاختيان والخيانة لكثرة الميل والشهوة، ولهذا قال " تختانون " وما ~~قال # PageV00P169 # " تخونون " إذ الاختيان أبلغ في الخيانة كالاكتساب والكسب، فإن زيادة ~~المباني تدل على زيادة المعاني، كما هو المشهور عندهم، فيحتمل أن يكون ~~الزيادة في الاكتساب هنا (1) إشارة إلى أن المعصية لا تكتب عليها، ولا تصير ~~سببا للعقاب إلا بعد كثرتها: فعلا أو إصرارا والسعي والجد في تحصيلها ~~وتعمدها وعمدها (2) والكسب في الطاعة، إلى أن الطاعة تكتب ويثاب عليها، ~~بمجرد وقوعها، على أي وجه كانت وأدنى شئ منها، فيكون إشارة إلى كمال كرم ~~الله ولطفه ورحمته وشفقته قال صاحب الكشاف وذكر في المطول أيضا أنه إشارة ~~إلى أن النفس إنما تعمل المعاصي بالميل ms144 والشهوة والسعي، فهي أعمل وأجد في ~~المعصية، بخلاف الطاعة. # " فتاب عليكم " أي قبل توبتكم إن تبتم عما فعلتم، ومحا عنكم ذنوب ما ~~فعلتم من المحرم الذي ذكرناه من قبل أو مطلقا لعموم اللفظ، فدل على الوجوب ~~قبول التوبة سمعا، لأن الله تعالى أخبر بذلك " فالآن باشروهن " يعني لما ~~جوزنا ورفعنا التحريم، فافعلوا ما نهيناكم عنه وابتغوا واطلبوا ما كتبنا ~~لكم وقدرنا وأثبتناه في اللوح المحفوظ من الولد، إشارة إلى أنه لا ينبغي ~~حصر الغرض من هذا الفعل في الشهوة وإعطاء النفس ما تريد، بل ينبغي جعل ما ~~هو مطلوب لله منه غرضا ومطلوبا، أو اجعلوا جميع ما تطلبون في مطالبكم ~~وأفعالكم من أرزاقكم و أزواجكم وأولادكم ما كتب الله لكم، أي اقصدوا الذي ~~قدره ورضيه لكم، لا غيره، فإنكم تتعبون في التحصيل، ولم يحصل وما يليق بكم ~~أيضا، لعموم اللفظ. # " وكلوا " أي باشروهن وأطعموا " واشربوا " من حين الافطار إلى أن يعلم ~~لكم الفجر المعترض في الأفق ممتازا عن الظلمة التي معه، فشبه الأول بالخيط ~~الأبيض، والثاني بالأسود، وبين المراد بأن الأول هو الفجر، واكتفى ببيانه ~~عن بيان الثاني لأنه علم من ذلك، ثم بين آخر الصوم بقوله: " ثم أتموا ~~الصيام # PageV00P170 # إلى الليل " بأنه أول الليل، وهو دخول الظلمة في الجملة، وقالوا يعلم ~~بغروب الشمس المعلوم بذهاب الحمرة المشرقية، بحيث لا يبقى منها شئ وإن بقيت ~~صفرة أو بياض، هذا عند أكثر الأصحاب وعند الشيخ باستتار القرص كما عند ~~العامة والروايات مختلفة، ولعل الأحوط ما قاله الأكثر للأكثرية، واحتمال ~~دليل غيره التقييد به، للخبر الدال على أن غيبوبة القرص المذكور في بعض ~~الروايات يعلم بالذهاب المذكور. # ثم إنه نهى عن المباشرة في حال كونهم عاكفين في المساجد، وكأنه لمناسبة ~~اشتراط الصوم في الاعتكاف ذكر متصلا بأحكام الصوم والاعتكاف هو اللزوم لغة، ~~و شرعا هو اللبث المخصوص في مكان مخصوص للقربة، ولا يحسن تعريفه بأنه لبث ~~في جامع صائما للعبادة كما هو في كلام بعض الأصحاب، فإنه مشعر بكون الغرض ~~من اللبث ms145 فيه عبادة أخرى غيره من صلاة أو تسبيح أو قراءة أو غير ذلك وليس ~~كذلك وتفصيل أحكامه وأحكام الصوم يطلب من كتب الفقه. # ثم أكد الأحكام المذكورة بقوله " تلك حدود الله " يعني أن ما نهيتم عنه ~~من المنهيات صريحا أو في ضمن الأمر، من حدود الله " فلا تقربوها " فنهى عن ~~قرب المنهيات وترك المأمورات للمبالغة مثل " لا تقربوا الزنا ".. (1) أو ~~المراد بالقرب المخالفة، وبحدود الله أحكامه أمرا كان أو نهيا أي لا ~~تتعدوها لقوله تعالى " تلك حدود الله فلا تعتدوها " (2) " ومن يتعد حدود ~~الله فقد ظلم نفسه " (3). # " كذلك يبين الله " الخ أي مثل هذا البيان المذكور يبين الله لكم آياته ~~مثل الترخص، رجاء تقواكم عن المعاصي والمحارم. # وأما الأحكام المستفادة منها فهي إباحة الوطئ في ليلة كل يوم يراد صومه ~~أول الليل وآخره أي ليلة كانت، وأي صوم كان، وتحريم ذلك في النهار من ~~المفهوم، ومن مفهوم المفهوم إباحة التقبيل وغيره من الأفعال المتعلقة ~~بالنساء # PageV00P171 # غير الجماع، إذ مفهوم الإباحة المذكورة تحريم الرفث في النهار، ومفهومه ~~ما قلناه، وذلك كله معلوم بالأصل والأخبار بل الاجماع أيضا فخلافه من ~~التحريم والكراهة يحتاج إلى الدليل، ووجوب التوبة، لأنه قد علم سقوط الذنب ~~بها وفعل مسقطه الذي هو مخلص من ضرر عظيم واجب عقلا وسمعا أيضا على ما هو ~~المقرر. # ورجحان المباشرة المستفادة من الأمر أي باشروهن ويحتمل الاستحباب مطلقا ~~إلا أن يدل على غيره دليل، كالكراهة مثل أول ليلة كل شهر غير شهر رمضان، ~~ونصفه وغيرهما مما هو المذكور في الفقه مع دليله، إذ لا قائل بالوجوب أو ~~يكون للإباحة مجملا، والتفصيل مستفاد من الشرع مثل وجوبها لو خاف الوقوع في ~~الزنا، أو بعد مضي أربعة أشهر، واستحبابها في أول ليلة شهر رمضان للرواية ~~وانكسار الشهوة في النهار، ورفع حدث يحتمل وقوعه من غير شعور، وعند كثرة ~~الميل مع عدم الوصول إلى الوجوب، ورجاء حصول ولد يعبد الله، والكراهة مثل ~~ما مر، والإباحة إذا لم يكن دليل على غيرها. # واستحباب النكاح ووجوبه ms146 أو التسري (1) لأن المباشرة المستحبة أو الواجبة ~~موقوفة عليه إذ الأصل عدم التقدير، واستحباب طلب الولد بالنكاح ليعبد الله ~~لا المال والجمال، كما وقع النهي عنهما في الأخبار، ولا قصد التلذذ والشهوة ~~كالبهائم واستحباب القناعة والرضا بما كتب الله، واستحباب اختيار الولود أي ~~من هي في سن من تلد أو من البيت الغالب عليهن الولادة أو الخالية من علامات ~~العقم، مثل عدم الحيض على ما قيل أو التي تزوجت وما ولدت، ولا يبعد فهم ~~كراهة الوطئ في غير القبل الذي ليس هو من مظنة حصول الولد، وكراهة العزل عن ~~الأمة و المتعة، والتحريم في غيرهما يكون مستفادا من غيرها من الأخبار أو ~~الاجماع إن كان. # وإباحة الأكل والشرب بل رجحانهما، لبقاء الأمر في معناه الأصلي في # PageV00P172 # الجملة وإن كان بعد النهي وقلنا إنه للإباحة بمعنى رفع الحظر أم لا، وهذا ~~يجري في المباشرة أيضا، وتحريم الأكل والشرب بعد الفجر للغاية لأن مفهوم ~~الغاية حجة كما هو الحق المبين في الأصول وهذا على تقدير حمل الأمر على ~~الإباحة بالمعنى الأعم واضح، وبالمعنى الأخص كذلك بضم أمر آخر إليه لا على ~~حمله على الاستحباب. # وليس ببعيد اخراج جزء ما قبل الفجر أيضا من باب المقدمة، فيحرمان في ذلك ~~أيضا كما يحرمان في جزء من أول الليل كذلك كما هو المصرح في الأصول والمدلل ~~فحينئذ يمكن أن لا يصح النية مقارنة للفجر، فكيف في النهار، لوجوب تقديمها ~~على المنوي بحيث لا يقع جزء منه خاليا عنها يقينا، وذلك لم يتحقق إلا ~~بوقوعها قبله، ففهم أيضا وجوب النية ليلا لأن الصوم المنوي الذي هو الامساك ~~في تمام النهار مع جزء من الليل من باب المقدمة لا بد أن لا يخلو عن النية ~~يقينا ولو لم تكن في الليل لم يتحقق ذلك، نعم لو فرض تحقق الصوم بدون جزء ~~من الليل يمكن القول بالمقارنة، فيسقط المقدمة كما في سائر ما يجعلونه ~~مقدمة للواجب فبناء على ما تقرر عندهم يلزم مقارنة النية لذلك الجزء، ~~فجوازها من ms147 أول الليل وكذا النهار فيما يجوزونه يحتاج إلى الدليل. # فقد ظهر لك من ذلك أنه على تقدير جعل " حتى " غاية للمباشرة أيضا لا يدل ~~على جواز الوطئ إلى الفجر، فيدل على جواز وقوع الغسل نهارا وصحة صوم المصبح ~~جنبا، وما ذكره في الكشاف بقوله: قالوا فيه دليل على جواز النية بالنهار في ~~صوم شهر رمضان، وعلى جواز تأخير الغسل إلى الفجر، كما قاله القاضي أيضا غير ~~ظاهر، ثم إن الظاهر أن حتى غاية للشرب لأن المذهب الحق الثابت في الأصول أن ~~القيد المذكور بعد الجمل المتعددة للأخيرة فكأنه أشار إليه صاحب الكشاف ~~باسناد ما مر إلى الغير كيف لا، وهو خلاف مذهب الحنفي؟ وأما هنا فيمكن ~~تعلقه بكلوا أيضا لأنه مع الشرب كشئ واحد فكأنهما جملة واحدة، أو نقول ليس ~~بمتعلق إلا بالشرب وكون الأكل مثله لدليل آخر من السنة والاجماع ~~PageV00P173 # أو إجماع مركب، وكذا غاية الجماع، واشتراط الصوم بالغسل في الليل وعدمه ~~يفهم من موضع آخر، وأكثر الأصحاب على اشتراطه، وابن بابويه على عدمه، ~~والأخبار مختلفة، والظاهر مذهب ابن بابويه للأصل والرواية الصحيحة الصريحة ~~(1) بل ظاهر الآية حيث دلت على جواز الرفث والمباشرة في جميع أجزاء الليل ~~والشريعة السهلة وأولوية الجمع بين الأدلة بحمل ما يدل على الغسل ليلا على ~~الاستحباب ولكن الاحتياط مع الجماعة، وتركنا ذكر الأخبار والبحث عنها خوفا ~~من التطويل مع أنها مبينة في موضعها. # وأيضا وجوب الافطار بمعنى تحصيل مبطل للصوم ولو كان بقصد إبطاله في ~~الليل، ويحتمل كون الاتمام إشارة إلى وجوب استمراره إلى الليل حسب فلا يجب ~~غيره. وتحريم الوصال، وأيضا مشروعية الاعتكاف في المسجد، وتحريم مباشرة ~~النساء فيه، ولو ليلا، ولا يفهم منه الشرطية ولا فساد الاعتكاف بالوطئ لأن ~~النهي ليس بمتعلق بالعبادة حتى يلزم تعلق الأمر والنهي معا بشئ واحد شخصي ~~فيكون محالا فيفسد، نعم ذلك ثابت بالأخبار بل الاجماع أيضا على الظاهر، فقد ~~علمت فساد قول القاضي: " وفيه دليل على أن الاعتكاف يكون في المسجد، ولا ~~يختص بمسجد دون مسجد، ms148 وأن الوطئ يحرم فيه ويفسده لأن النهي في العبادات ~~يوجب الفساد ". # لأنك قد علمت أن النهي إنما يدل على الفساد في العبادة إذا تعلق بها أو ~~بجزئها أو بشرطها الشرعي المأمور به. # وبالجملة التحقيق ما أشرت إليه، ففي كل صورة يلزم اجتماع الطلب و النهي ~~يفسد، وهنا ليس كذلك إلا أن يقال: يفهم التنافي هنا فتأمل، بل يمكن كون ~~التحريم لكونه في المسجد لا للاعتكاف فتأمل، وأيضا خفاء في دلالة الآية ~~بمجردها من غير انضمام تعريف الاعتكاف وثبوت الحقيقة الشرعية على أن ~~الاعتكاف لا يكون في غير المسجد، كما هو ظاهر كلامه، وكذا في دلالتها على ~~عدم الاختصاص بمسجد دون مسجد كما هو صريح نقل الكشاف، حيث قال: " وقالوا: ~~فيه دليل على أن # PageV00P174 # الاعتكاف لا يكون إلا في المسجد وأنه لا يختص به مسجد دون مسجد " فإن ~~مضمونها تحريم المباشرة حين الاعتكاف في المساجد - بعد أن سلمنا إرادة عموم ~~المساجد أي أي مسجد كان - ولكن ما يفهم جواز الاعتكاف في أي مسجد كان، بل ~~تحريم المباشرة في أي مسجد يجوز الاعتكاف [ويتحقق الاعتكاف فيه] وقد يكون ~~ذلك مخصوصا ببعض دون بعض، كما قيل إن مالكا يقول باختصاصه بالجامع، وكذا ~~بعض أصحابنا وبعض يقول باشتراطه في مسجد جمع فيه معصوم جمعة، وقيل جماعة، ~~فخصص البعض بالأربعة المسجدين ومسجد الكوفة ومسجد البصرة، وبعضهم بالثلاثة ~~الأول، و بدل البعض البصرة بالمداين وهو بعيد، وقال في الكشاف: وقيل: لا ~~يجوز إلا في مسجد نبي وهو أحد المساجد الثلاثة، وقيل في مسجد جامع والعامة ~~على أنه في مسجد جماعة وقرأ مجاهد " في المسجد " انتهى، لعل المراد ~~بالثلاثة مسجد الحرمين ومسجد الأقصى، والجامع المسجد الأعظم، وهذا يدل على ~~عدم فهم العموم و فهم الاختصاص إلا أن يقال: إنهم فهموا العموم وخصصوا ~~بدليل، وإن كان يلزمهم خلاف ظاهر الآية، ولكنه غير بعيد ولا عزيز. ~~PageV00P175 # * (كتاب الزكاة) * وفيه أبحاث: # * (الأول) * في وجوبها ومحلها وفيه آيات: # الأولى: ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ولكن البر من آمن ms149 ~~بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين وآتى المال على حبه ذوي ~~القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل والسائلين وفي الرقاب وأقام الصلاة ~~وآتى الزكاة والموفون بعدهم إذا عاهدوا والصابرين في البأساء والضراء وحين ~~البأس أولئك الذين صدقوا وأولئك هم المتقون (1). # أي ليس الخير والفعل المرضي كله صرف الوجه في الصلاة إلى القبلة حتى يضاف ~~إليه سائر الطاعات، فيكون الخطاب للمسلمين أيضا أو يكون الخطاب لأهل ~~الكتاب، فإنهم لما أكثروا الخوض في أمر القبلة حين حولت وادعى كل طائفة أن ~~البر هو التوجه إلى قبلته فاليهود يدعي أن البر هو التوجه قبل المغرب أي ~~إلى بيت المقدس، والنصارى قبل المشرق قال الله تعالى ليس البر ذلك بل البر ~~المعتمد عليه هو بر من آمن بالله الآية، فهنا المضاف محذوف، وهو أولى من ~~جعل البر بمعنى البار لموافقة ليس البر، أي من صدق بالله وبجميع صفاته من ~~العلم والإرادة والكراهة والوحدة والقدرة والسمع والبصر والعدل والحكمة ~~وجميع الصفات الثبوتية والسلبية، كأن ذلك كله مراد بالايمان بالله قال في ~~مجمع البيان # PageV00P176 # يدخل فيه جميع ما لا يتم معرفة الله تعالى إلا به كمعرفة حدوث العالم ~~الخ. # وصدق بيوم القيامة بأنه حق وفيه الحساب والعقاب، والحشر والنشر و الميزان ~~وتطاير الكتب وجميع الأمور الواقعة فيه وصدق بوجود الملائكة وأنهم عباد ~~الله يعبدون حيث يؤمرون وبالكتب المنزلة بأنه حق وثابت ومنزل من الله تعالى ~~إلى عباد الله وأن ما فيه حق وصدق، وكذا التصديق بالأنبياء بأنهم مبعوثون ~~إلى الناس لتعليمهم، وأنهم معصومون من الذنوب وما يفعلون إلا الحق. # " وأتى المال " عطف على " آمن " أي من أعطى المال مع حب المال أي مع ~~احتياجه كما روي عنه صلى الله عليه وآله لما سئل أي الصدقة أفضل قال: أن ~~تؤتيه وأنت صحيح شحيح تأمل العيش وتخشى الفقر (1) أو على حب الله تعالى أي ~~لوجهه، والتقرب به إلى الله، وهذا نقله في مجمع البيان عن السيد المرتضى ~~قدس الله روحه قال: ما سبقه إليه أحد و هو مذكور في ms150 الكشاف وتفسير القاضي ~~أيضا، أو على حب الاعطاء، والجار و المجرور حال " وذوي القربى " أي قرابة ~~المعطي أو قرابة النبي صلى الله عليه وآله فإنه ورد الثواب العظيم لاعطاء ~~القرابة، لأنه تصدق وصلة الرحم، وكذا صلة قرابة رسول الله صلى الله عليه ~~وآله فإنها تصدق وصلة رسول الله صلى الله عليه وآله. # واليتيم من الإنس من لا أب له ممن لم يبلغ، ومن باقي الحيوانات ما ليس له ~~أم كذا قيل في مجمع البيان وغيره وفيه أيضا فيحتمل أن يكون معطوفا على ~~القربى فيعطي المال من يكفلهم لأنه لا يصح إيصال المال إلى من لا يعقل، أو ~~يكون معطوفا على ذوي القربى فيعطي المال أنفسهم، نقلا عن الغير في كلا ~~الوجهين، ومنع إعطاء المال للأطفال سيما المميز غير ظاهر إلا أن يكون من ~~الحقوق الواجبة وكذا يشكل إعطاؤه لكل من يكلفهم حيث لا يكون وليا، فينبغي ~~الاعطاء للولي ولا يبعد الاعطاء على تقدير عدمه إلى ثقة ليخرجه عليهم، وصرف ~~المعطي بنفسه عليهم على تقدير عدم الغير فتأمل. # PageV00P177 # والمسكين من ليس له نفقة السنة، على ما قالوا، وابن سبيل من أنقطع بسفره ~~عن أهله ويكون غير قادر على الرواح إلى أهله وإن كان غنيا في أهله، و لعله ~~يشترط عدم قدرته على التصرف في ماله الذي في بلده ببيع ونحوه، والسائل ~~الفقير الذي يسأل فهو أخص من المسكين، والظاهر أن الفقر شرط في الجميع على ~~التقدير الاعطاء من الزكاة الواجبة وترك لعدم الالتباس كما قال في الكشاف و ~~تفسير القاضي " وفي الرقاب " أي أعطى المال في الرقاب بأن يشتري العبيد ~~والإماء ويعتق مطلقا أو الذين تحت الشدة، أو المكاتبين فقط، والأول هو ~~الظاهر من الآية. # وكذا البر بر من أقام الصلاة بحدودها في أوقاتها مع الشرائط المعتبرة ~~فيها، وبر من آتي الزكاة مع الشرايط أيضا، فهما أيضا عطف على " آمن " كما ~~قبلهما " والموفون " أي هم الموفون بعهدهم فهو خبر مبتدأ محذوف، أي الذين ~~ذكروا من أصحاب البر هم الذين يوفون بما ms151 عاهدوا الله، ويمكن أن يعم العهد ~~واليمين والنذر أيضا، بل لا يبعد شموله لما عاهدوا الناس أيضا، وهم ~~الصابرون أيضا أي الحابسون أنفسهم على ما تكرهه لله " في البأساء والضراء " ~~البؤس الفقر والوجع والعلة " وحين البأس " وقت القتال وجهاد العدو أو الشدة ~~والرخاء، والصحة و والمرض و " الصابرين " قيل منصوب على المدح، أي أعني بمن ~~ذكرناه الصابرين كما أن الموفون مرفوع بالمدح، ولكن وجود الواو غير مناسب ~~في المنصوب بالمدح والمرفوع به أيضا لأنهما صفتان في الأصل، ولعدم ما عطفا ~~عليه ظاهرا وكأنه استيناف، ويحتمل أن يكون الموفون عطفا على " من آمن " ~~والصابرين بتقدير وبر الصابرين عطفا عليه أيضا، ولكن في الأول حذف المضاف ~~وأعرب المضاف إليه بإعرابه. وفي الثاني أقيم على حاله كما في " والله يريد ~~الآخرة (1) " بقراءة الجر بتقدير عرض الآخرة، قال في الكشاف " الموفون " ~~عطف على " من آمن " وأخرج " الصابرين " منصوبا على الاختصاص والمدح، إظهارا ~~لفضل الصبر في # PageV00P178 # الشدائد، وقرئ " والصابرون " وقرئ: والموفين والصابرين. # " أولئك الذين صدقوا " أي الموصوفون بالصفات المتقدمة هم الذين صدقوا ~~الله فيما قبلوا وعاهدوا وقت القتال، أو هم الذين صدق أفعالهم نياتهم، وهو ~~المتقون بفعلهم عن نار جهنم وسائر العذاب، أو عن الكفر وسائر المعاصي ~~المهلكة، ويحتمل أن يكون " وآتى المال " إشارة إلى غير الزكاة الواجبة من ~~المندوبات والصلات و آتي الزكاة إشارة إليها أو يكون كلاهما في الواجبة: ~~الأولى لبيان المصرف، و الثانية لبيان الفعل فقط، ويكون الذكر على هذا ~~الوجه والتكرار للاهتمام فما قال في مجمع البيان: في الآية دلالة على وجوب ~~إعطاء مال الزكاة المفروضة غير ظاهر عندي إلا باعتبار حصر البر أو حصر ~~الصدق والتقوى في فاعل المذكورات، و ذلك أيضا غير واضح فافهم. # واعلم أنه ليس في الآية دلالة على وجوب الزكاة بل ولا على وجوب شئ من ~~المذكورات، نعم فيها ترغيب وتحريص على الأمور المذكورة فيعلم الوجوب من ~~موضع آخر، فما كان فيها أحكام يعتد بها مع أن هذه الأحكام يفهم من غيرها ~~مفصلة، ولكن ذكرتها لمتابعة ms152 من تقدمنا كغيرها، واشتمالها على فوائد حتى قال ~~القاضي: والآية جامعة للكمالات الانسانية بأسرها دالة عليها صريحا أو ضمنا ~~فإنها بكثرتها وشعبها منحصرة في ثلاثة أشياء: صحة الاعتقاد، وحسن المعاشرة ~~وتهذيب النفس، وقد أشير إلى الأول بقوله " من آمن - إلى - والنبيين " وإلى ~~الثاني بقوله " وآتى المال على حبه - إلى قوله تعالى - وفي الرقاب " وإلى ~~الثالث بقوله " وأقام الصلاة " إلى آخرها، ولذلك وصف المستجمع لها بالصدق ~~نظرا إلى ايمانه واعتقاده، بالتقوى باعتبار معاشرته للخلق، وتهذيب أفعاله ~~ونفسه أيضا، وكأنه إليه أشار بقوله صلى الله عليه وآله: من عمل بهذه الآية ~~فقد استكمل الايمان (1) وفيها وفيه دلالة على عدم اعتبار الأعمال في ~~الايمان بل في كماله. # PageV00P179 # الثانية: وويل للمشركين الذين لا يؤتون الزكاة وهو بالآخرة هم كافرون ~~(1). # فيها دلالة على وجوب الزكاة على الكفار لأنه يفهم منها أن للوصف بعدم ~~إيتاء الزكاة دخلا في ثبوت الويل لهم، ولكن علم من الاجماع وغيره عدم الصحة ~~منهم إلا بعد الاسلام وكذا علم بالإجماع سقوطها عنهم بالإسلام، ويدل عليه ~~الخبر المشهور " الاسلام يجب ما قبله (2) " وأما دلالتها على كون مستحل ~~تركها كافرا ففيها خفاء، نعم إشعار به من قوله " وهم بالآخرة هم كافرون " ~~فإنه يدل على كفر الموصوفين بعدم الايتاء، وذلك لم يكن إلا مع الاستحلال ~~بالنص والاجماع ولكنهما يكفيان فتلغو الآية أو يقال: لأنهم ما كانوا ~~يتركونها إلا استحلالا فتأمل فيه. # الثالثة: والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم ~~بعذاب أليم يوم يحمى عليها في نار جهنم فتكوى بها جباههم و جنوبهم وظهورهم ~~هذا ما كنزتم لأنفسكم فذوقوا ما كنتم تكنزون (3). # الكنز هو المال المذخور تحت الأرض، ولعل المراد هنا حفظه وعدم إنفاقه في ~~سبيل الله، فيكون " ولا ينفقونها " بيانا للمقصود، ولعل الضمائر للكنوز أو ~~الأموال أو لكل واحد من الذهب والفضة، والتأنيث باعتبار الفضة أو باعتبار ~~التعدد والكثرة، وقيل للفضة والاختصار لقربها، وفهم حكم الذهب بالطريق ~~الأولى و " الذين " مبتدأ تضمن معنى الشرط و " فبشرهم " خبره مع التأويل، و ~~" يوم ms153 " يحتمل أن يكون ظرفا لقوله " فبشر " وأن يكون صفة " عذاب " أو " ~~أليم " # PageV00P180 # أي كائن يوم يحمى، أو ظرف لهما، واختار هذه الأعضاء لأن الجبهة كناية عن ~~الأعضاء المقاديم المواجهة، والجنوب عن الايمان والشمائل والظهور عن ~~المتأخرة فاستوعب الكي البدن كله، وقيل غير ذلك فتأمل. # " هذا ما كنزتم " الآية بتقدير: تقول لهم خزنة جهنم هذا ما كنزتم، والآية ~~ظاهرة في تحريم الكنز، وعدم الأنفاق، فقيل نسخت بالزكاة ولا منافاة، مع أن ~~الأصل عدم النسخ، فيحتمل أن يكون الكنز وعدم الأنفاق كناية عن عدم الزكاة ~~فيكون في الآية إشارة مجملة إلى وجوب الزكاة، وبيانها من النصاب والقدر ~~المخرج وما يخرج منه علم بالإجماع والأخبار، ويدل عليه الخبر من أهل البيت ~~عليهم الصلاة والسلام والتفصيل مذكور في الكتب الفقهية فليطلب هنا. # ويدل ما بعده هذه الآية على أن عدد الشهور اثني عشر، ثم في الآيات بعدها ~~أحكام الجهاد، ويدل على عدم قبول الأنفاق والزكاة من الكفار بعدها قوله ~~تعالى: # " قل أنفقوا طوعا أو كرها لن يتقبل منكم إنكم كنتم قوما فاسقين * وما ~~منعهم أن تقبل منهم نفقاتهم إلا أنهم كفروا بالله وبرسوله (1) " خطاب ~~للكفار بأن إنفاقهم طوعا وكرها سواء في عدم القبول، والمراد بالفسق هو ~~الكفر، قاله في الكشاف و يؤيده " وما منعهم " الآية وقال أيضا المراد ~~بالأمر بالانفاق هو الخبر، لا الانشاء والطلب، ففيها دلالة على عدم قبول ما ~~يعتبر فيه القربة منهم، فتأمل [في صحة وقفهم (2)]. # ويدل على مذمة الكسل وعدم قبول العبادة كسلا وكرها قوله: " ولا يأتون ~~الصلاة إلا وهم كسالى ولا ينفقون إلا وهم كارهون " ففي صحة العبادة من ~~المكره عليها مثل الصلاة جبرا والزكاة التي يأخذها الإمام قهرا تأمل إلا أن ~~يقال: # إنه يؤخذ بحسب الظاهر ويكلف، ولو لم يرض لم ينتفع به في الآخرة بل يمكن ~~عدم السقوط في الدنيا أيضا، ولكن ظاهر كلامهم خلاف ذلك فتأمل، وذلك في مثل # PageV00P181 # الزكاة من الحقوق المالية بعيد حيث إنه حق الناس، ويمكن أخذه منه، فيجب ~~وتبرء ذمته وسقطت النية ms154 منه فيما يشترط، وينوي وليه وهو الإمام عليه الصلاة ~~والسلام، ومن يقوم مقامه، وأما في العبادة المحضة المحتاجة إلى الاخلاص ~~فالظاهر عدم السقوط إلا مع وجوده، فإن حصل بعد الاكراه فيقبل منه [وسقط عنه ~~التكليف في نفس الأمر] وإلا يسقط عنه التكليف بحسب الظاهر بمعنى عدم جواز ~~تكليفه مرة أخرى لا بحسب نفس الأمر فتأمل. # الرابعة: وفي أموالهم حق للسائل والمحروم (1). # من جملة صفة المتقين أنهم يقدرون في أموالهم نصيبا وحظا للمستجدي الذي ~~يطلب وللمتعفف الذي يظن لذلك غنيا فيحرم عن الصدقة والاعطاء، فيمكن أن ~~يستدل بها على الترغيب في نذر الأموال ونحوه، وتعيين شئ منها للمذكورين ولو ~~بالوصية وغيرها، خصوصا إذا يدوم، وأن يكون إشارة إلى ما تقرر شرعا وجوبه ~~مثل الزكاة والخمس فيكون المدح حينئذ باعتبار الكسب والإخراج. # * (الثاني) * * (في قبض الزكاة واعطائها المستحق) * وفيه آيات: # الأولى: خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها وصل عليهم إن صلاتك سكن ~~لهم والله سميع عليم ألم يعلموا أن الله يقبل التوبة عن عباده ويأخذ ~~الصدقات وإن الله هو التواب الرحيم (3). # تدل على جواز الصلاة على غير النبي صلى الله عليه وآله منفردا وكذا يدل ~~عليه قوله # PageV00P182 # صلى الله عليه وآله: اللهم صل على آل أبي أوفى (1) وغير ذلك وقال في ~~الكشاف (2) في تفسير قوله تعالى " يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا ~~تسليما " القياس جواز الصلاة على كل مؤمن لقوله: " هو الذي يصلي عليكم " ~~وقوله " وصل عليهم إن صلاتك سكن لهم " وقوله عليه السلام " اللهم صل على آل ~~أبي أوفى " ولكن للعلماء تفصيلا في ذلك وهو أنها إن كان على سبيل التبع ~~كقولك صلى الله على النبي وآله، فلا كلام فيها، وأما إذا أفرد غيره من أهل ~~البيت بالصلاة كما يفرد هو فمكروه، لأن ذلك صار شعارا لذكر رسول الله صلى ~~الله عليه وآله ولأنه يؤدي إلى الاتهام بالرفض (3). # وقبح هذا الكلام واضح بحيث لا يحتاج إلى التصريح إذ لا معنى لجعل الآيات ~~والأخبار دليل القياس وجعل المدلول قياسا، ومنع ms155 ما صرح الله ورسوله بجوازه ~~وندبه بل وجوبه لأنه شعار النبي صلى الله عليه وآله ولأنه شعار جماعة، لأن ~~الله ورسوله كانا عالمين بذلك، ومع ذلك ندبا إليها فكأنه منع علمهما به ~~وكان خفيا عليهما مفسدة ذلك، نعوذ بالله من ذلك، وكونه شعارا لرسول الله ~~صلى الله عليه وآله لا ينافي جوازه لغيره على أنها إنما صارت شعارا له ~~لمنعهم ذلك وإنها ليست شعارا له وحده، بل يذكر معه آله حتى في الصلاة، فلا ~~وجه للمنع لآله صلوات الله عليه وعلى آله، وقد مر زيادة بحث فيه فتذكر. # وهي تدل على وجوب أخذ الزكاة على النبي صلى الله عليه وآله إن جاء أهلها ~~بها إليه: و أن الزكاة تطهير للمال وتنمية، ووجوب الدعاء عليه لأهله، وأن ~~دعاءه مما يسكن إليه قلوبهم وتطمئن به، ولا تدل على وجوب الدفع إليه ولا ~~إلى النائب، ولا على وجوب الدعاء على مطلق الآخذ، أي الساعي والنائب، لأن ~~الأمر مخصوص به صلى الله عليه وآله بل لا يدل على وجوب الأخذ والدعاء عليه ~~أيضا مطلقا لأنها واردة في جماعة مخصوصة مثل أبي لبابة وأصحابه وقصتهم ~~مشهورة (4) والضمير راجع إليهم فتأمل. # PageV00P183 # وعلى قبول التوبة، وقبول الزكاة على الله بل سائر العبادات، بل وجوب ~~العلم بذلك، وكذا كونه رحيما، وهي أن جماعة تخلفوا عن رسول الله صلى الله ~~عليه وآله حين ذهب إلى الجهاد قيل هم ثلاثة، وقيل عشرة، سبعة منهم أوثقوا ~~أنفسهم على سواري المسجد لما بلغهم ما نزل في المتخلفين، فأيقنوا بالهلاك، ~~فقدم رسول الله صلى الله عليه وآله فدخل المسجد فصلى ركعتين وكان عادته ذلك ~~كلما قدم من سفر، وكأنه لذلك يستحب لكل قادم ذلك كما ورد به الرواية وذكر ~~في الدروس، فسأل عنهم فذكر له أنهم أقسموا أن لا يحلوا أنفسهم حتى يحلهم ~~رسول الله صلى الله عليه وآله قال أنا أقسم أن لا أحلهم حتى أؤمر فيهم، ~~فنزلت الآية المتقدمة على هذه، وهي " وآخرون اعترفوا بذنوبهم (1) " فأطلقهم ~~وأعذرهم فقالوا: يا رسول الله ms156 صلى الله عليه وآله هذه أموالنا الذي خلفتنا ~~عنك فتصدق بها وطهرنا، فقال: ما أمرت أن آخذ من أموالكم، فنزلت " خذ من ~~أموالهم " الآية فأخذ منهم الزكاة المقررة شرعا. # الثانية: يا أيها الذين آمنوا انفقوا من طيبات ما كسبتم ومما أخرجنا لكم ~~من الأرض ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون ولستم بآخذيه إلا أن تغمضوا فيه ~~والله غني حميد (2). # هذا بيان لصفة الصدقة: أمر المؤمنون بالانفاق - لأنهم المنتفعون به كما ~~مر - من بعض طيب مكسوباتهم، سواء كانت من تبعيضية أم ابتدائية، أي حلاله أو ~~جيده المحبوب عندهم كما أشار إليه في قوله " مما تحبون " (3) وبالانفاق من ~~طيب ما أخرجته الأرض، فحذف المضاف بقرينة ما سبق، أو أريد مما هو الطيب من ~~الغلات والثمار والمعادن والكنوز، ونهاهم عن قصد إنفاق الخبيث أي الردي أو ~~الحرام من المال مطلقا " وتنفقون " كأنه حال عن فاعل " تيمموا " أي لا ~~تقصدوا # PageV00P184 # الخبيث من المال حال كونكم منفقين منه أو بأن تنفقوا منه، فيكون بيانا ~~لتيمموا ويحتمل أن يكون " منه " متعلقا بتنفقون ويكون حالا عن الخبيث وضمير ~~منه راجعا إليه، وفيه تكلف. " ولستم " أي حالكم وشأنكم أنكم لا تأخذون ~~الخبيث في عوض حقوقكم إذا كانت لبعضكم على بعض، لرداءته " إلا أن تغمضوا ~~فيه " و تسامحوا في أخذ الخبيث بالمعنيين، فالاغماض مجاز في المسامحة من ~~أغمض بصره إذا غمضه فكما أنه إذا كانت العين مغمضة يؤخذ الردي والمعيب لعدم ~~العلم فكذلك إذا سامح فكأنه لا يرى عيبه ورداءته، وكذا في الحرام أيضا لكن ~~في الأول أظهر وعن ابن عباس أنهم كانوا يتصدقون بحشف التمر وشراره فنهوا ~~عنه. # " واعلموا أن الله غني " عن انفاقكم بالجيد والردي وإنما يأمركم لمصلحتكم ~~وانتفاعكم و " حميد " باثابته إياكم على الأنفاق وقبوله، فهو حقيق بالحمد. ~~ترغيب وبيان لانتفاعهم ولهذا عقبه بقوله تعالى " الشيطان يعدكم الفقر ~~ويأمركم بالفحشاء والله يعدكم مغفرة منه وفضلا والله واسع عليم " أي ~~الشيطان يعدكم الفقر في الأنفاق يعني يقول لا تنفقوا فإنكم إذا أنفقتم ~~تصيرون فقراء محتاجين ويأمركم بالفحشاء أي ms157 المحرمات من عدم الأنفاق وإنفاق ~~الردي أو الحرام وغيره أو البخل وغير ذلك من سائر المعاصي، والله يعدكم ~~مغفرة منه لذنوبكم وفضلا أي خلفا أفضل مما أنفقتم في الدنيا من البركة ~~وتزكية المال من الحرام، والنفس من البخل، وفي الآخرة من الأجر العظيم، ~~والثناء الجميل والله واسع الفضل لمن أنفق عليم بما تعملون، من إنفاق الردي ~~والحرام والجيد والحلال، فيجازي كلا بعمله. # فظاهرها وجوب إنفاق الطيب بالمعنى المتقدم، فيحتمل أن يكون إشارة إلى ~~وجوب اخراج ما يجب في الزكاة من الحلال والجيد المكتسب، وتكون المكتسب ~~عبارة عن المال الذي يجب فيه الزكاة من النقدين والمواشي من الغنم والبقر ~~والإبل فإنها تحصل بالكسب والعمل، والخمس من جميع ما يكتسب، فلا يجوز اخراج ~~الحرام ولا الردي من المرضى والمعيبات من غيرها، ولا يكون مجزيا أيضا لأنه ~~المقصود من النهي، ولعدم العلم بحصول براءة الذمة مع العلم بالاشتغال، وأكد ~~PageV00P185 # ذلك بقوله " ولا تيمموا " الخ وإلى وجوب الزكاة في الغلات وبعض الثمار ~~وجميع ما يخرج من الأرض والخمس فيه أيضا حتى المعادن والكنوز إلا ما أخرج ~~بالدليل من الاجماع والأخبار كجواز اخراج الردي على تقدير كون ما يخرج منه ~~كله رديا أو بالقيمة السوقية على ما يقولون من جواز اخراج القيمة. # فالآية دلت على وجوب إنفاق بعض ما يكتسب، وما يخرج من الأرض، و كون ~~المخرج من الطيب، ويحتمل أن يكون المقصود منها وجوب الزكاة والخمس على ~~الاجمال: فيشعر بوجوب زكاة التجارة أيضا لكنها غير ظاهرة، والأصل وخبر أبي ~~ذر - وهو ما رواه زرارة في الصحيح قال كنت قاعدا عند أبي جعفر عليه السلام ~~وليس عنده غير ابنه جعفر فقال: يا زرارة إن أبا ذر وعثمان تنازعا على عهد ~~رسول الله صلى الله عليه وآله قال عثمان كل مال من ذهب أو فضة يدار ويعمل ~~به ليتجر به ففيه الزكاة إذا حال عليه الحول فقال أبو ذر: أما ما يتجر به ~~أو دير وعمل به فليس فيه زكاة إنما الزكاة فيه إذا كان ركازا ms158 أو كنزا ~~موضوعا، فإذا حال عليه الحول ففيه الزكاة، فاختصما في ذلك إلى رسول الله ~~صلى الله عليه وآله قال فقال [رسول الله صلى الله عليه وآله] القول ما قاله ~~أبو ذر الخبر - (1) ينفيان وكون المراد هو الرجحان المطلق فيشمل الواجب ~~والمندوب وكون المخرج من الكسب استحبابا كذا قيل وفيه بعد. # الثالثة: فلت ذا القربى والمسكين وابن السبيل (2). # أي أعط حق هؤلاء، حق ذي القربى صلة الرحم بالنفس والمال على الوجه الذي ~~يمكن ويليق، ويحتمل وجوب نفقة الأقارب، وتخصيصها بالأبوين والأولاد لاجماع ~~الأصحاب وأخبارهم وحق المسكين وابن السبيل يحتمل أن يكون الزكاة وما يليق ~~أن يراعي المسكين وابن السبيل، وقيل معناها فأعط يا محمد حقوق ذوي قرابتك ~~التي جعلها الله لهم من الأخماس عن مجاهد والسدي، وروى أبو سعيد # PageV00P186 # وغيره أنها لما نزلت هذه الآية على النبي صلى الله عليه وآله أعطى فاطمة ~~عليها السلام فدكا وسلمه إليها وهو المروي عن أبي جعفر وأبي عبد الله ~~عليهما السلام وقيل إنه خطاب له ولغيره، والمراد بالقربى قرابة الرجل وهو ~~أمر بصلة الرحم بالمال والنفس وآت المساكين والمسافر المحتاج ما فرض الله ~~لهم من مالك، كما ذكرناه أولا فيحتمل أن يكون الأمر للوجوب ويكون المراد ~~إعطاء النفقة الواجبة على الأبوين والأولاد، والزكاة على المسكين وابن ~~السبيل، ونحو ذلك مما يجب بإجماع ونحوه، وللرجحان المطلق فيشمل الصلة ~~الواجبة والمندوبة للأقارب وغيرهم فيكون التفصيل والبيان من غيرها " ذلك ~~خير للذين يريدون وجه الله وأولئك هم المفلحون " أي إعطاء الحقوق مستحقها ~~خير لمن يريد رضى الله دون الرئاء والسمعة، فإنه شر لمن يريدهما وأولئك ~~الذين يريدون وجه الله هو الفائزون بثواب الله والقرب لديه. # " وما آتيتم من ربا ليربوا في أموال الناس فلا يربوا عند الله، وما آتيتم ~~من زكاة تريدون وجه الله فأولئك هم المضعفون " في هذه الربا قولان أحدهما ~~أنه ربا حلال وهو أن يعطي الرجل العطية أو يهدي الهدية ليثاب أكثر منها، ~~فليس له أجر ولا وزر عليه عن ابن عباس وطاوس، ms159 وهو المروي عن أبي جعفر عليه ~~السلام والقول الآخر أنه الربا المحرم، فعلى هذا يكون كقوله " يمحق الله ~~الربا ويربي الصدقات (1) " وفي قوله " يريدون وجه الله " دلالة على اشتراط ~~الاخلاص في الأنفاق فكأنه النية فافهم. # الرابعة: إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة ~~قلوبهم وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل الله وابن السبيل فريضة من الله ~~والله عليم حكيم (2). # فيها دلالة ما على وجوب الزكاة، وحصر من يزكى عليه، واللام للاختصاص # PageV00P187 # في الجملة بمعنى الربط المطلق والتعلق، لا الملكية، لأصل عدم الملك، وكون ~~اللام للأعم ويؤيده " وفي الرقاب وفي سبيل الله " فإن " في " ليس للملكية، ~~ولهذا حملها الأصحاب على بيان المصرف والاستحقاق، لا الملك، وإلا يلزم ~~البسط على جميع الأصناف، والشركة بينهم وبين الملاك، فلا يجوز تصرفهم بغير ~~إذنهم، بل الاعطاء لبعضهم بغير إذن الباقين وأيضا يلزم إعطاء العين لا ~~العوض، ونحو ذلك من لوازم الملك والشركة، والكل خلاف الاجماع على الظاهر. # والمراد من الفقراء والمساكين هنا واحد، والذكر للتأكيد ولا فائدة هنا ~~للبحث عن الأسوء، والمراد من لا يقدر على قوت السنة له ولعياله الواجب ~~نفقتهم ولو بالصنعة والكسب، والعامل هو الذي يجمع الزكاة ولا يشترط فيه إلا ~~العمل بظاهر الآية، والمؤلفة هي الطائفة من الكفار التي يعطون حتى يعينوا ~~المسلمين على الكفار ولا يشترط فيهم أيضا إلا ذلك، وفي الرقاب المراد به ~~المماليك تشتري من الزكاة وتعتق واشترط البعض كونهم تحت الشدة وبعض ~~الكتابة، والظاهر الآية خلاف ذلك، وينبغي أن يعتقه الإمام أو المالك أو ~~الوكيل بعد الشراء، و يحتمل العتق بمحض الشراء، والغارم هو الذي عليه دين ~~وليس له عوضه وظاهر الآية عدم اشتراط صرفه في المباح، ولكن قيد به للخبر، ~~ويمكن للإجماع، وفي سبيل الله قيل الجهاد والظاهر أنه مطلق القربات غير ~~المذكورات، وابن السبيل هو الذي انقطع عن بلده وليس عنده ما يوصله إليه، ~~وإن كان له في بلده شئ، و يمكن اشتراط عدم القدرة على التدين وغيره للوصول ~~إلى البلد، فإن المتبادر من ابن السبيل ms160 هو العاجز عن الوصول إلى بلده فتأمل ~~ويحتمل العدم لظاهر اللفظ وعدم ظهور التبادر. # وهنا أحكام تطلب من كتب الفروع، مثل اشتراط الايمان أو حكمه مثل أطفال ~~المؤمنين في غير المؤلفة، وعدم كونه هاشميا إذا كان المعطي غيرهم للخبر و ~~الاجماع على الظاهر، إلا مع العجز، فيعطوا ما يسد الرمق، مثل ما يؤكل حال ~~الضرورة ما لا يجوز أكله للعقل والنقل، ويحتمل مقدار دفع الضرر العرفي الذي ~~PageV00P188 # لا يتحمل مثله، ويجوز من الهاشمي لهم فتأمل، وعدم اشتراط العدالة في ~~الفقراء للأصل، وعموم الآيات والروايات، وعدم دليل صالح له، نعم الظاهر ~~اعتبارها في العامل ليحصل الوثوق به، ولدعوى الاجماع عليه في الدروس، ~~والأحوط اعتبارها فيهم، واشتراط عدم كونه ممن يجب نفقته (1) على المزكي في ~~الفقراء والمساكين بل لا يحتاج إلى الذكر لأن ذلك قادر على القوت. # ويدل على أن إيذاء الرسول صلى الله عليه وآله حرام ويحتمل أن يدل على ~~وجوب القتل والارتداد قوله تعالى: " ومنهم الذين يؤذون النبي و يقولون هو ~~أذن قل أذن خير لكم (2) " الأذن هو الرجل الذي يصدق كل ما سمع، ويقبل قول ~~كل أحد - إلى قوله - " والذين يؤذون رسول الله لهم عذاب أليم " يحتمل ~~العذاب الأليم القتل والخلود في النار، ويدل أيضا على أن كون الشخص بحيث ~~يقبل قول كل أحد ويعمل بمقتضاه ولا يحمله على الكذب ولا يظن ذلك ممدوح كما ~~هو المقرر حتى قبول الايمان من المخالف والمنافق، و العمل بمقتضى ظاهرهما، ~~ولا يكلف ببواطنهم، وأذاه صلوات الله عليه وعلى آله يمكن أن يشمل حال حياته ~~وموته من الاستهزاء والسخرية، وكذا ذريته كما روي أنه قال: فاطمة بضعة مني ~~من آذاها فقد آذاني (3) وغير ذلك من الأخبار الدالة على ذلك. # الخامسة: إن تبدوا الصدقات فنعما هي وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء فهو خير ~~لكم ونكفر عنكم من سيئاتكم والله بما تعملون خبير (4). # أي إن تظهروا الصدقات وإنفاقها فنعم الشئ تلك الصدقة المبداة، يعني # PageV00P189 # أن إبداءها نعم شئ لا قبح فيه، بل فيه ثواب وحسن، وإن ms161 تخفوا الصدقات ~~وتؤتوها الفقراء خفية، فذلك الأنفاق خير لكم من إظهاره، والله يسقط بسبب ~~الأنفاق مطلقا أو الأنفاق المخفي بعض الذنوب عنكم، فمن تبعيضية، قيل: تلك ~~الذنوب صغائر و قيل: أعم فإن العبادات اللاحقة تسقط الذنوب المتقدمة وجوبا، ~~وهو مذهب الاحباط والتكفير وعلى مذهب الأصحاب من بطلان الاحباط والتكفير ~~عندهم على ما هو المشهور (1) بل ادعي عليه الاجماع يكون ذلك الاسقاط تفضلا ~~من الله تعالى بعد ذلك الانفاق فما يصير واجبا إلا بوعده وقوله، لا قبله ~~بسبب الأنفاق، وكذا جميع ما ورد مثله في الاحباط والتكفير من الآيات ~~والروايات، أو يقال: المجمع على بطلانهما هو إحباط المتأخر - ولو كان قليلا ~~- جميع ما تقدم من الطاعة والمعصية، لا اسقاط ما يساويه، الله يعلم. # قال الفخر الرازي: القول بالإحباط باطل، لأن من أتى بالايمان والعمل ~~الصالح استحق الثواب الدائم، فإذا كفر بعده استحق العقاب الدائم، ولا يجوز ~~وجودهما جميعا، ولا اندفاع أحدهما بالآخرة، إذ ليس زوال الباقي بطريان ~~الطاري أولى من اندفاع الطاري لقيام الباقي، والمخلص أن لا يجب عقلا ثواب ~~المطيع ولا عقاب العاصي. # وفيه نظر: أولا أنه لا دخل لقوله " ولا يجوز " الخ في بطلان الاحباط، بل ~~مؤيد له، وثانيا عدم ذكر بطلان ارتفاعهما وثالثا النقض بإيجاد المعدوم، ~~وبالعكس وبطريان الضد كما قيل، ورابعا الحل بأنه لا يجوز رجحان علة الثاني ~~والطاري على الباقي الأول، وخامسا لا شك في إحباط الكفر بالايمان، وبالعكس، ~~وهو صريح القرآن والأخبار، ونقل عليه الاجماع، بل يوجد الاحباط مطلقا فيهما ~~وسادسا أن هذا بالحقيقة بطلان استحقاق الثواب والعقاب، لا الاحباط فتأمل، و ~~سابعا أن المخلص ليس بمخلص، فإنه ليس بابطال الاحباط، لأنه إنما هو على # PageV00P190 # تقدير الاستحقاق، وأيضا إن الاحباط ممكن على تقدير الاستحقاق الشرعي وما ~~أبطله حينئذ فما بطل الاحباط وقد كان المطلوب ذلك، وثامنا ينبغي أن يقول ~~ولا اندفاع الباقي بالطاري كما يقتضيه مدعاه، ودليله، وإلا يصير الدليل أخص ~~من المدعى وهو ظاهر فتأمل، وتاسعا أن لا معنى لنفي الاستحقاق العقلي أصلا ~~مع ms162 أن دليله ينفي الشرعي أيضا فإن القائل لم يدع الاستحقاق عقلا من غير ~~شرع. بل يدعي أن العقل يحكم به بعد ورود الشرع، لوجود الآيات الكثيرة ~~الدالة على ذلك، والقرآن مشحون بذلك مثل " جزاء بما كنتم تعملون (1) " و " ~~بما كسبتم (2) " وأمثال ذلك كثيرة جدا والأشاعرة يدعون أن ليس ذلك ~~بالاستحقاق لا عقلا ولا شرعا وقال العلامة الدواني في إثبات الواجب: الثواب ~~والعقاب ليسا لسابقة استحقاق من غير قيد بالعقل ودليلهم يدل على ذلك وهو أن ~~فعل العبد ليس باختياره، و أنت تعلم فساد هذا الكلام، فإن الآيات والأخبار ~~مشحونة باستحقاق العبد إياهما مثل ما مر، وهب أن لا استحقاق للثواب، ~~لاحتمال التفضيل، فلا معنى للعقاب بغير استحقاق وهو ظاهر، والمخلص أن لا ~~معنى لنفي الحسن والقبح العقليين ولا لعدم استحقاق الثواب فالعقاب بالعمل، ~~وجواز إدخال الشيطان وسائر العصاة الجنة، والأنبياء النار، كما جوزه ~~الأشعري، وأن ما يدل على الاحباط كثير جدا والتأويل ما تقدم فتأمل. # " والله عليم - بجميع - ما تعملون " من الأنفاق أو مطلق العمل سرا وجهرا ~~ليلا ونهارا حسنا وقبيحا ويجازي على ذلك العمل على قدر الاستحقاق، ويتفضل ~~على قدر ما يريد بفضله. # ثم إن ظاهر الآية، يدل على أفضلية إخفاء الصدقة مطلقا، ويدل عليه بعض ~~الروايات أيضا مثل صدقة السر تطفئ غضب الرب وتطفئ الخطيئة # PageV00P191 # كما يطفئ الماء النار، ويدفع سبعين بابا من البلاء (1) وقوله صلى الله ~~عليه وآله: سبعة يظلهم الله يوم لا ظل إلا ظله: الإمام العادل، وشاب نشأ في ~~عبادة الله تعالى، ورجل قلبه متعلق بالمسجد حتى يعود إليه، ورجلان تحابا في ~~الله: اجتمعا عليه، وتفرقا عليه ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال إني ~~أخاف الله عز وجل ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لم يعلم يمينه ما ينفق ~~شماله، ورجل ذكر الله خاليا أي وحده في الخلوة ففاضت عيناه (2). # والمشهور بين الأصحاب أن الاظهار في الفريضة أولى، سيما في المال الظاهر، ~~و لمن هو محل التهمة لدفع تهمة عدم الدفع، وبعده عن الرئاء، ولأن ms163 يتبعه ~~الناس في ذلك، والاخفاء في غيرها ليسلم من الرئاء، والمروي عن ابن عباس أن ~~صدقة التطوع إخفاؤها أفضل، وأما المفروضة فلا يدخلها الرئاء ويلحقها تهمة ~~المنع فاظهارها أفضل وما رواه في مجمع البيان عن علي بن إبراهيم باسناده ~~إلى الصادق عليه السلام قال الزكاة المفروضة تخرج علانية وتدفع علانية، ~~وغير الزكاة إن دفعها سرا فهو أفضل (3) فإن ثبت صحته أو صحة مثله فيخصص هذه ~~الآية ويفصل به، وإلا فهي على عمومها، ومعلوم دخول الرياء في الزكاة ~~المفروضة، كما في سائر العبادات المفروضة، ولهذا اشترط في النية عدمه، ولو ~~تمت التهمة لكانت مختصة بمن يتهم. # PageV00P192 # * (الثالث) * * (في أمور تتبع الاخراج) * وفيه آيات: # الأولى: وما تنفقوا من خير فلأنفسكم وما تنفقون إلا ابتغاء وجه الله وما ~~تنفقوا من خير يوف إليكم وأنتم لا تظلمون (1). # فيها تحريض على الأنفاق بالخير كأنه المال بأن ذلك أنفع للمنفق لا للمنفق ~~عليه، وبأنه موجب لتوفية الأجر، واشتراط القربة والاخلاص لأن الظاهر أن ~~المراد بالنفي في قوله " وما تنفقون " النهي فيفهم النية، فافهم. # الثانية: للفقراء الذين احصروا في سبيل الله لا يستطيعون ضربا في الأرض ~~يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف تعرفهم بسيماهم لا يسألون الناس إلحافا وما ~~تنفقوا من خير فإن الله به عليم (2). # قيل تقديره اعمدوا للفقراء، أو اجعلوا ما تنفقونه للفقراء، أو يكون خبرا ~~لمبتدأ محذوف أي صدقاتكم للفقراء، ولما بين الأنفاق الذي هو خير، أراد أن ~~يشير إلى المنفق عليه الذي الأنفاق عليه خير، فقال " للفقراء " فيحتمل أن ~~يكون التقدير هو للفقراء أي إعطاؤه للفقراء خير، أو ينبغي كون ذلك الفقراء ~~كاخفائه، أي للذين ليس لهم نفقة السنة فعلا [أ] وقوة، وأحصروا أنفسهم في ~~سبيل الله، يعني منعوا أنفسهم عن الكسب بالتجارة وغيرها للتهيؤ للجهاد أو ~~لمطلق العبادة ولا يقدرون على الرواح في التجارة والكسب لاشتغالهم بالجهاد ~~أو العبادة مطلقا " يحسبهم الجاهل " بحالهم " أغنياء " من جهة عفتهم وعدم ~~سؤالهم، وكأن جملة: # PageV00P193 # لا يستطيعون بيان لجملة احصروا أو صلة أخرى للذين أو حال، وكذا ms164 " يحسبهم ~~" و " تعرفهم " بعلاماتهم من الضعف وصفرة الوجه كأن الخطاب لرسول الله صلى ~~الله عليه وآله أو لكل من يتأمل في شأنهم " ولا يسألون الناس الحافا " أي ~~الحاحا إما مصدر فإن الالحاف سؤال خاص أي السؤال بحيث يلازم المسؤول حتى ~~يعطيه ولا يفارقه إلا بإعطاء، أو حال بمعنى ملحفين، والمعنى لا يسألون ~~الناس وإن سألوا لضرورة فلا يسألون سؤال ملحف وملح، وقيل: المراد نفي ~~السؤال والالحاف جميعا، ونقل من كلام العرب مثله (1) وهذا هو المناسب لو ~~فهم، والمراد ليسوا كغيرهم يسألون الناس الحافا لا أنهم يسألون ولا يلحفون، ~~وبالجملة ذكر الالحاف ليس للاعراض (2) بل هو للوقوع، ووقوعه من غيرهم وكثرة ~~قبحه، وفي الحديث: إن الله يحب الحيي الحليم المتعفف ويبغض البذي السائل ~~الملحف (3). # وما تنفقوا من مال، لهم ولغيرهم، سرا وعلانية في سبيل الله، فإنه يعلمه ~~ويجازي عليه على قدر الاستحقاق والمشقة، وحسن المال وحسن الأنفاق، والمنفق ~~عليه، والمكان والزمان، وحذفت النون لتضمن " ما " معنى الشرط، ولهذا دخل ~~الفاء في الخبر، قيل الفقراء هم أصحاب الصفة وهم نحو من أربع مائة رجل من ~~مهاجري قريش لم يكن لهم مساكن في المدينة ولا عشائر، وكانوا في صفة المسجد ~~يتعلمون القرآن بالليل ويلتقطون النوى بالنهار وكانوا يخرجون مع كل سرية ~~بعثها رسول الله صلى الله عليه وآله فمن كان عنده فضل أتاهم به إذا أمسى ~~(4) وعن ابن عباس وقف رسول الله صلى الله عليه وآله يوما على أصحاب الصفة ~~فرأى فقرهم وجهدهم وطيب قلوبهم فقال أبشروا يا أصحاب الصفة فمن بقي من أمتي ~~على النعت الذي أنتم عليه راضيا بما فيه، فإنهم من رفقائي (5). # PageV00P194 # فالحديث إشارة إلى حسن حال أصحاب الصفة وأنهم على أمر عظيم، وكذا من هو ~~مثلهم، ومضمون الآية الشريفة حث الأغنياء على الأنفاق على أمثالهم، و ~~استحبابه، وحث الفقراء على الاتصاف بصفة هؤلاء الموصوفين من الاشتغال ~~بالعبادات وبذل النفس وحبسها في سبيل الله، والصبر على الفقر، والرضا به، ~~وعدم السؤال فإن الظاهر أن الحكم غير مختص بهؤلاء المذكورين كما ms165 يفهم من ~~سوق الآية و ذكر العلماء إياها في باب الزكاة، والخبر المنقول آنفا، وأيضا ~~لعدم وجود الفارق للاتصاف بالصفات الحسنة حينئذ لا كراهة في أخذ الزكاة، ~~وترك الكسب واشتغالا بالعبادة، سيما طلب العلوم الدينية فإنه كالجهاد، بل ~~أعظم ما قالوا وورد به بعض الروايات، بل يكون مستحبا إلا أن يكون صاحب عيلة ~~فيسعى في الكسب لهم دون الاشتغال بالعبادة لاحتمال حصول الزكاة، الله يعلم. # ثم حث على الأنفاق أيضا بل على الأنفاق دائما وبكل ما له بقوله " الذين ~~ينفقون أموالهم بالليل والنهار سرا وعلانية فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف ~~عليهم ولا هم يحزنون " قال في الكشاف وتفسير القاضي ومجمع البيان إنه قال ~~ابن عباس إنها نزلت في علي بن أبي طالب عليه السلام حيث كانت معه أربعة ~~دراهم فتصدق بواحد نهارا وبواحد ليلا وبواحد سرا وبواحد علانية، قال في ~~مجمع البيان وهو المروي عن أبي جعفر وأبي عبد الله عليهما السلام (1) وقيل ~~غير ذلك أيضا مثل أنها نزلت في خيل المرابطة، وقيل في كل منفق كذلك، ~~والظاهر أنها نزلت فيه عليه السلام للأخبار و الشهرة ولكنها عامة فكل من ~~يفعل ذلك فله هذا، ولكن السابق هو عليه السلام فله أجر كل من يفعل من غير ~~أن ينقص من أجر الفاعل شئ للخبر المشهور. (2) وهذه تدل على حسن الأنفاق ~~واستحبابه ولو بكل المال، وفي كل وقت وعدم الخوف والحزن لعدم حصول النفقة ~~له على احتمال: إذ حاصلها وصف الذين يعمون الأوقات والأحوال، وأموالهم ~~بالصدقة، لحرصهم على # PageV00P195 # الخير، فكلما نزلت بهم حاجة محتاج عجلوا قضاءها ولم يؤخروها ولم يتعللوا ~~بوقت ولا حال، ولا مال دون آخر، خوفا من الفوت وعدم الوصول إلى مرضات الله ~~به، والظاهر من " أموالهم " جميع الأموال، ويدل عليه سبب النزول أيضا، وكأن ~~معنى الآية الأنفاق في النهار سرا وعلانية، وكذا في الليل، ولعل محصل سبب ~~النزول ذلك والإشارة إلى الأنفاق مطلقا والمبالغة في ذلك، وعدم تركه وعدم ~~جعل شئ مانعا له، وإلا فالسر إما ليلا أو ms166 نهارا، وكذا العلانية وبالعكس ~~فتأمل. # ويفهم من قوله تعالى " فلهم أجرهم عند ربهم " أن ذلك بالاستحقاق وفي ~~القرآن العزيز والأثر الشريف أمثالها كثيرة فقول المجبرة بأن العبد لا ~~يستحق شيئا بعمله باطل، وتفخيم الأجر، وأنه أجر عظيم (1) وأن ذلك أجر ~~الأنفاق وأنه لا خوف عليهم من أهوال يوم القيامة، ولا هم يحزنون فيه، مع ~~عظم هول ذلك اليوم وحزن الناس فيه كما هو المعلوم والآيات والأخبار مشحونة ~~به وبالجملة عذاب هذا اليوم وشدته معلوم من الدين ضرورة، بحيث لا يحتاج إلى ~~الإشارة، و مع ذلك المنفق المذكور آمن من ذلك كله بالانفاق المذكور، فكان ~~الانفاق أمرا عظيما عند الله، وأن لله اهتماما بحال الفقراء، وفي الأخبار ~~أيضا ما يدل عليه. # الثالثة: يسألونك ماذا ينفقون قل ما أنفقتم من خير فللوالدين و الأقربين ~~واليتامى والمساكين وابن السبيل وما تفعلوا من خير فإن الله به عليم (2). # السؤال طلب الجواب، وأما كونه بصيغة مخصوصة كما قيد به في مجمع البيان ~~فغير واضح، والنفقة، الظاهر أنها صرف المال، وقال فيه: إنها اخراج الشئ عن ~~ملكه ببيع وهبة وصلة وغير ذلك، وقد غلب في العرف على اخراج ما كان من # PageV00P196 # المال من عين أو رزق ولعل المراد بالوالدين أعم ممن كان بواسطة أو بلا ~~واسطة حقيقة أو تغليبا، والأقربين: أقارب المنفق غيرهما، واليتيم: طفل لا ~~أب له، و المسكين من ليس له نفقة السنة، وابن السبيل المسافر المنقطع به " ~~ماذا ينفقون " " ما " مبتدأ و " ذا " خبره، وهما بمنزلة لظ واحد مفعول " ~~ينفقون "، و " ما " موصولة متضمنة لمعنى الشرط، وأنفقتم صلتها و " من " ~~بيان " ما " وحال عن العائد المحذوف " فللوالدين " خبر مبتدأ محذوف ~~والمجموع خبر " ما " وصح دخول الفاء لتضمنها معنى الشرط. # قال في مجمع البيان: إنها نزلت في عمرو بن الجموح وكان شيخا كبيرا وكان ~~ذا مال كثير، فقال: يا رسول الله بماذا أتصدق؟ وعلى من أتصدق؟ فأنزل الله ~~هذه الآية (1) والمعنى يسألونك يا محمد أي شئ ينفقون؟ وكأن المراد ما ~~ينفقون على وجه كامل، ms167 فيدخل المنفق عليه أيضا والقرينة أنه كان في سؤال ~~عمرو وأنه المقصود الحقيقي وأنه مذكور في الجواب فبين في الجواب كلا مما ~~سئل من المنفق والمنفق عليه، لأنه بين أن كل ما أنفق فهو حسن إذ بين أن ~~المنفق لا بد أن يكون خيرا أي مالا فهو مقدر في طرف القلة بما يسمى خيرا ~~وأما في طرف الكثرة فلا حد له فلا يحتاج إلى أن يقال: إنه ترك المنفق وبين ~~المصرف مع أن السؤال عن المنفق للإشارة إلى أن الأهم هو بيان المنفق عليه ~~فينبغي السؤال عنه لا عن المنفق، فإنه أي شئ كان فهو حسن. # هم إنه قال في الكشاف عن السدي: هي منسوخة بفرض الزكاة واعترض عليه ~~القاضي أنه لا ينافي الزكاة حتى ينسخ بها، والظاهر أن المراد أنها كانت ~~نازلة في الزكاة ثم نسخت ببيان مصرفها بآية الزكاة، ولهذا ليست في فرض ~~الزكاة فقط بل في بيان المصرف ويؤيده ما قاله في مجمع البيان وقال السدي: ~~الآية واردة في الزكاة ثم نسخت ببيان مصارف الزكاة، فالمنافاة حاصلة ~~باعتبار الأنفاق على الوالدين مع عدم جواز إعطائها لهما اتفاقا على ما ~~قالوه، وكذا بعض الأقارب # PageV00P197 # وهم الأولاد، فما يمكن حملها على الزكاة الواجبة المتعارفة الآن، فيمكن ~~حملها على الأنفاق الواجب أعم من الزكاة والنفقة الواجبة للوالدين، أو يكون ~~المراد مطلق الراجح أعم من المندوب والواجب، والمندوب يكون أعم، والواجب ~~يكون مخصوصا بغيرهم، أو يكون المراد الأنفاق المندوب لا غير، الله يعلم بما ~~أراده. # الرابعة: يسألونك ماذا ينفقون قل العفو كذلك يبين الله لكم الآيات لعلكم ~~تتفكرون * في الدنيا والآخرة (1). # السائل هنا أيضا عمرو بن الجموح سأل النبي صلى الله عليه وآله عن النفقة ~~في الجهاد أو الصدقات، ويحتمل الأعم: أي أي شئ ينفق " قل العفو " أي أنفقوا ~~العفو فهو منصوب على أنه مفعول فعل محذوف، وقرئ بالرفع أي المنفق العفو، ~~وهو ما فضل عن الأهل والعيال، أو الفضل عن الغنى، أو الوسط من غير إسراف ~~ولا تقتير، وهو المروي ms168 عن أبي عبد الله عليه السلام أو الفاضل عن قوت السنة ~~عن الباقر عليه السلام قال ونسخ بآية الزكاة، وبه قال السدي، أو أطيب المال ~~وأفضله كذا في مجمع البيان (2) ولا شك في بعد النسخ لأنه خلاف الأصل، ~~والمنافاة كذا في غير ظاهرة إلا بالتأويل. # قال في الكشاف: العفو نقيض الجهد، وهو أن ينفق مالا يبلغ إنفاقه منه ~~الجهد واستفراغ الوسع يقال للأرض السهلة العفو، عن النبي صلى الله عليه ~~وآله أن رجلا أتاه ببيضه من ذهب أصابها في بعض المغازي فقال خذها مني صدقة ~~فأعرض عنه رسول الله فأتاه من الجانب الأيمن فقال مثله فأعرض عنه ثم أتاه ~~من الجانب الأيسر فأعرض عنه، فقال هاتها مغضبا فأخذها، فحذفه بها حذفا لو ~~أصابه لشجته أو عقرته ثم قال: يجيئ أحدكم بماله كله يتصدق به، ويجلس ويتكفف ~~الناس، إنما الصدقة عن ظهر غنى (3) ولا يخفى بعد هذا الخبر فإنه بعيد عن ~~خلقه من غير ذنب # PageV00P198 # وبعيد من الفاعل أيضا ذلك وأيضا في الأخبار ما يدل على مدح الصدقة عن جهد ~~واحتياج، والأخبار التي تدل على مواساة الاخوان أو التسوية قد تنافي ذلك، و ~~يكفي في ذلك فعل أمير المؤمنين وأهل بيته عليهم السلام حتى نزلت هل أتى، ~~وقوله تعالى " ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة (1) " أي حاجة ولكن ~~يوافق الأول " ولا تبسطها كل البسط " (2) ومثله " خير الصدقة ما أبقت غنى " ~~(3) ولعل وجه الجمع باعتبار الأشخاص فكل من يقدر على الصبر، ولا تجره ~~الصدقة إلى السؤال، و ارتكاب المحذورات، تكون تصدقه بجهده أفضل، ومن لم يكن ~~كذلك فلا، أو بالنسبة إلى العيال والأهل وعدمهم، الله يعلم. # " كذلك يبين الله لكم الآيات " والحجج في أمر النفقة والخمر والميسر ~~المذكورين في صدر الآية (4) أو مطلق أحكام الشرع بيانا مثل هذا البيان أو ~~يبين لكم الآيات والدلائل في أمور الدين والدنيا، فكذلك، صفة لمفعول مطلق ~~محذوف. لكي تتفكروا في أمور دينكم ودنياكم، وتفهمونها وتختارون ما هو ~~الأصلح وأنفع لكم مثل العفو على الجهد أو ms169 تتفكرون في الدارين فتؤثرون ~~أبقاهما وأكثرهما نفعا ويجوز أن يكون إشارة إلى قوله " إثمهما أكبر من ~~نفعهما " أي لتتفكروا في عقاب الإثم في الآخرة، والنفع في الدنيا حتى لا ~~تختاروا النفع القليل العاجل على العقاب العظيم. # الخامسة: يا أيها الذين آمنوا انفقوا مما رزقناكم من قبل أن يأتي يوم لا ~~بيع فيه ولا خلة ولا شفاعة والكافرون هم الظالمون (5). # أي أنفقوا أيها الذين آمنتم بمحمد صلى الله عليه وآله وبما جاء به، فكأن ~~تخصيصهم لأنهم المنتفعون، فإن الكفار أيضا مكلفون بالفروع على المذهب ~~الصحيح، فكأنه # PageV00P199 # أمر وإيجاب باخراج النفقة: مثل الزكاة ونفقة العيال الواجبة أو صرف المال ~~في الحج وفي سد جوعة المسلم، وبالجملة جميع الواجبات المالية، فدلت على ~~وجوب الأنفاق في الجملة، وخص وبين بالإجماع في المواضع المعينة " من قبل أن ~~يأتي " يوم القيامة الذي لا يكون فيه بيع أصلا حتى تستدركوا ما فاتكم ~~بالانفاق في الدنيا من الثواب العظيم، وإسقاط العقاب الأليم، ولا خلة أي ~~ولا محبة حتى يعينكم أخلاؤكم وأحباؤكم ويساعدوكم على ذلك إذ لا خلة يومئذ ~~إلا بين المتقين كما قال الله تعالى " الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا ~~المتقين (1) " ولا شفاعة هناك إلا لمن ارتضى أو لمن أذن له الرحمن ليشفعوا ~~لكم لحط ما في ذمتكم إذ قد لا يأذن الرحمن لكم بالشفاعة ولم تكونوا من ~~أهلها، أو لم يشفع لكم أحد. # وتاركوا الانفاق هم الظالمون، فعبر عن تارك الزكاة بالكافر للمبالغة، كما ~~عبر عن تارك الحج به في قوله تعالى " ومن كفر فإن الله غني عن العالمين (2) ~~" و أيضا حصر الظالمين فيهم للمبالغة والإشارة إلى كمال الاهتمام بحال ~~الأنفاق، و يحتمل أن يكون هذه جملة مستقلة ويكون الغرض الأخبار بأن الكفر ~~ظلم عظيم كما قال الله تعالى " إن الشرك لظلم عظيم (3) " لأنه ظلم على نفس ~~الكافر بالحرمان عن السعادة والوقوع في الشقاوة الأبديتين بالكلية وأن يوم ~~القيامة هم الذين ظلموا أنفسهم لا أن الله ظلمهم، ويحتمل أن يفهم أن ترك ~~الأنفاق ظلم لكن الكفر ms170 ظلم عظيم وهذا بالنسبة إليه ليس بظلم وحينئذ يحتمل ~~أن يكون الأنفاق شاملا للواجب والمندوب كما قيل، وليس بذلك البعد، والله ~~يعلم. # السادسة: مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع ~~سنابل في كل سنبلة مائة حبة والله يضاعف لمن يشاء والله واسع عليم (4). # أي مثل صدقة الذين ينفقون كمثل حبة أو مثل الذين ينفقون كمثل زارع # PageV00P200 # حبة أخرجت سنابل في كل سنبلة مائة حبة يعني أن النفقة في سبيل الله أي ~~الجهاد أو مطلق القرب بسبع مائة ضعف " والله يضاعف لمن يشاء " أي يفعل هذه ~~الزيادة لمن يشاء أو أنه يزيد على هذه لمن يشاء " والله واسع عليم " أي ~~يوسع ولا يضيع عليه ما يتفضل من الزيادة عليهم بسبب إخلاص المنفق وقدر ~~إنفاقه وتعبه في تحصيله فيثيبه على ما يعلم من حاله، ويمكن أن يكون هذه ~~باعتبار التفضل والمشيئة، و باعتبار التفاوت في حال المنفق [مثل] حال ~~الاخلاص والاحتياج، وحال المنفق عليه مثل اضطراره وصلاحه، وقرابته وشرافته، ~~وطريق الأنفاق من كونه سرا حتى لا يعرف صاحبه فلا ينافيه " من جاء بالحسنة ~~فله عشر أمثالها (1) ". # واعلم أن هذه وما قبلها وما بعدها من الآيات الكثيرة تدل على الترغيب و ~~التحريص في الأنفاق، وأنه لا بد من كونه خالصا لله، وخاليا من الرياء والمن ~~و الأذى وأنها تبطله. # السابعة: الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله ثم لا يتبعون ما انفقوا منا ~~ولا أذى لهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون (2). # المن أن يعتد بإحسانه على من أحسن إليه، مثل أن يقول أحسنت إليك أو إلى ~~فلان، والأذى أن يتطاول عليه ويترفع بسبب ما أنعم عليه، وبالجملة هما ~~معلومان وما ذكرناه بعض أفرادهما وهي تدل على عدم الأجر مع المن والأذى، ~~كما هو صريح في أخرى سيجيئ وفيه تأمل سيجيئ، ولا يبعد أنهما كما يبطلان ~~الأنفاق يبطلان غيره أيضا من الاحسان بأي طريق كان، مثل قضاء حاجة شخص ~~وتعليمه وتخليصه من محنة وتعظيمه ورد الغيبة عنه، ms171 وتعريفه واستعمال الخلق ~~الحسن معه بأن يسامحه فيما فعل بالنسبة إليه ولم يكاف مع قدرته عليه، ~~وبالجملة جميع ما يمكن أن يعد إحسانا و موجبا للأجر. # والحاصل أن مضيعات الأمور الحسنة الموجبة للتقرب الإلهي كثيرة حتى أن # PageV00P201 # السرور بذكر غير إحسانه ومدحه مضيع ومهلك على ما فهم من بعض الروايات بل ~~يمكن فهمه من عموم بعض الآيات مثل قوله تعالى " ولا تحسبن الذين يفرحون بما ~~أتوا ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا فلا تحسبنهم بمفازة من العذاب ولهم ~~عذاب أليم (1) " والعاقل كل العاقل، والحاذق كل الحاذق ينبغي أن لا يفعل ما ~~يضيع سعيه وماله، ولا يصرفهما بحيث لا أجر له، بل يكون وبالا عليه، ويصير ~~سفيها فإنه ادعى في التذكرة الاجماع على أن صرف المال في الحرام موجب للسفه ~~المانع من سائر تصرفاته المالية، وهو يحسب أنه يحسن صنعا، والخلوص من هذه ~~الأمور سيما الرياء والسمعة التي هي الشرك في غاية الصعوبة كا هو المبين في ~~محله، والله الموفق. # ومثلها قوله تعالى " قول معروف ومغفرة خير من صدقة يتبعها أذى والله غني ~~حليم " (2) أي رد جميل بكلام حسن لا قبح فيه والتجاوز عن إلحاح السائل ونيل ~~مغفرة له من الله، والعفو عن السائل بأن يعذره ويغفر مساويه، خير من الصدقة ~~التي يتبعها أذى، والظاهر أن الخير بمعنى أصل الفعل إذ لا خير في الصدقة ~~التي يتبعها أذى كما علم مما سبق، وسيأتي أن المن والأذى يبطلانها، بل بهما ~~يحصل العقاب أيضا إلا أن يقال: إن في ذلك مسامحة وأن الصدقة تحصل بها أجر، ~~ولكن بالأذى يحصل العقاب " والله غني " عن انفاقكم وليس نفعه إلا لكم " ~~حليم " عن معاجلة من يمن ويؤذي بالعقوبة فيؤخر العقاب لحلمه، ونعوذ بالله ~~من غضب الحليم، ويحتمل أن يكون المراد الوصية بالحلم فإن الله مع غناه يحلم ~~عن عقوبة العصاة، فكيف المحتاج لا يحلم عن الذي لا يعصي، وهو في غاية ~~الاحتياج إلى تحصيل الثواب وسقوط العقاب فافهم، وأشار إلى إبطالهما ب‍. # الثامنة: يا أيها الذين ms172 آمنوا لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى كالذي ينفق ~~ماله رئاء الناس ولا يؤمن بالله واليوم الآخر فمثله كمثل صفوان عليه # PageV00P202 # تراب فأصابه وابل فتركه صلدا لا يقدرون على شئ مما كسبوا والله لا يهدي ~~القوم الكافرين (1). # أي لا تحبطوا أجر الصدقة بكل واحد من المن والأذى كابطال المرائي إنفاقه ~~الذي لا يريد به رضى الله ولا ثواب الآخرة، فالكاف في محل النصب بالمصدر، ~~أي لا تبطلوا إبطالا مثل إبطال الذي، ويحتمل الحال فيكون المعنى لا تكونوا ~~مبطليها بهما حال كونكم مثل الذي يبطل بالرياء، والرياء منصوب بأنه مفعول ~~له أو على الحال بمعنى مرائيا، أو المصدر أي إنفاقا رئاء، يعني صفة المصدر ~~أو المضاف إليه له وحذف ووضع مقامه " ولا يؤمن " عطف على " ينفق ماله رئاء ~~الناس " أي وكالذي لا يؤمن بمعنى كابطاله أعماله أو صدقته فقط إذ الكلام ~~فيها أو يكون المعنى كما مر بأن يكون من تتمة التشبيه الأول وتفسيرا ~~للمرائي يعني لا يؤمن المرائي بالله ولا باليوم الآخر فلا يؤمن بحصول ~~الثواب بالانفاق أو الأعم أي لا يريد رضى الله وثواب الله يوم الآخرة ولا ~~يصدق حصولهما بالانفاق والعمل الصالح، ويحتمل عطفه على رئاء بجعله حالا ~~بتأويل المفرد. # " فمثله " مثل المرائي أو مثل المبطل إنفاقه بالمن والأذى والرياء في ~~إنفاقه وعدم الايمان مثل حجر أملس يكون عليه تراب خالص فوقع عليه مطر عظيم ~~القطر فجعل ذلك المطر ذلك الحجر الأملس نقيا من التراب فليس لهم أجر ولا هم ~~ينتفعون بشئ مما كسبوا بطريق الرياء بل وجدوا نقيضه لحرمة الرياء بل كونه ~~شركا كما يشعر به " والله لا يهدي القوم الكافرين " فإنه تعريض وإشارة بأن ~~ذلك كفر فكأنه عبر عنهم بالكافرين كما في ترك الزكاة والحج، ففيها تحريم ~~المن والأذى والرئاء ووجوب الاخلاص في الأنفاق بل سائر الأعمال. # التاسعة: ومثل الذين ينفقون أموالهم ابتغاء مرضات الله وتثبيتا من أنفسهم ~~(2). # PageV00P203 # أي تثبيتا بعض أنفسهم على الايمان، فإن المال شقيق الروح فمن بذل ماله ~~لوجه الله ثبت بعض نفسه، ومن ms173 بذل ماله وروحه ثبتها كلها، أو تصديقا للإسلام ~~وتحقيقا للجزاء مبتدئا من أصل أنفسهم، وفيه تنبيه على أن حكمة الأنفاق ~~للمنفق بتزكية نفسه عن البخل والمن وحب المال " كمثل جنة بربوة " أي ومثل ~~نفقة هؤلاء في الزكاة كمثل بستان في موضع مرتفع فإن الشجرة حينئذ يكون أحسن ~~منظرا وأزكى ثمرة، والربوة مثلث الراء " أصابها وابل " أي مطر عظيم القطر ~~كما مر " فآتت أكلها " أي جاءت بثمرتها " ضعفين " أي مثلي ما كانت تثمر ~~بسبب المطر العظيم، فالمراد بالضعف المثل كما أريد بالزوج الواحد في قوله ~~تعالى " من كل زوجين اثنين " وقيل أربعة أمثاله ونصبه على الحال أي مضاعفا ~~" فإن لم يصبها وابل فطل " أي فيصيبها طل أو فالذي يصيبها طل أو فطل يكفيها ~~لحسن منبتها وبرودة هوائها وارتفاع مكانها، والطل هو المطر الصغير القطر، ~~والمعنى أن نفقات هؤلاء زاكية عند الله تعالى لا تضيع بحال وإن كانت تتفاوت ~~باعتبار ما ينضم إليها من الأحوال ويجوز أن يكون التمثيل لحالهم عند الله ~~تعالى بالجنة على الربوة، ونفقاتهم الكثيرة والقليلة الزائدتين في قرباتهم ~~بالوابل والطل " والله بما تعملون بصير " تحذير عن الرياء والمن والأذى ~~وترغيب في الاخلاص. # " أيود أحدكم " الهمزة فيه للإنكار " أن تكون له جنة من نخيل وأعناب تجري ~~من تحتها الأنهار وله فيها من كل الثمرات " جعل الجنة من النخيل والأعناب ~~مع أن فيها من سائر الأشجار أيضا تغليبا لهما لشرفهما وكثرة منافعهما، ثم ~~ذكر أن فيها من كل الثمرات ليدل على احتوائها على سائر أنواع الأشجار، ~~ويجوز أن يكون المراد بالثمرات المنافع " وأصابه الكبر " أي كبر السن فإن ~~الفاقة و الفقر في الشيخوخة أصعب والواو للحال " وله ذرية ضعفاء " صغار لا ~~قدرة لهم على الكسب " فأصابها إعصار فيه نار فاحترقت " عطف على أصابها، ~~والاعصار ريح عاصفة منعكس من الأرض إلى السماء مستديرة كعمود، والمعنى ~~تمثيل حال من يفعل الأفعال الحسنة، ويضم إليها ما يحبطها كرياء وإيذاء ومن، ~~في الحسرة والندامة PageV00P204 # والأسف إذا كان يوم القيامة واشتدت حاجته إليها، ووجدها محبطة، ms174 بحال من ~~هذا شأنه وأشبه بهم من جال بسيره في عالم الملكوت وترقى بفكره إلى جناب ~~الجبروت ثم نكص على عقبيه إلى عالم الزور، والتفت إلى ما سوى الحق وجعل ~~سعيه هباء منثورا " كذلك يبين الله لكم الآيات لعلكم تتفكرون " أي تتفكرون ~~فيها فتعتبرون بها. # ولنتبع الكتاب بآية " ولا تحسبن الذين يبخلون (1) " فاعل " تحسن " النبي ~~صلى الله عليه وآله، أو كل من يصلح للتخاطب و " الذين " مفعوله الأول بحذف ~~المضاف ليربط به المفعول الثاني، وهو خيرا، و " هو " فصل أي لا نظنن بخل ~~الذين يبخلون خيرا لهم، وعلى قراءة " يحسبن " بالغيبة يحتمل كون الفاعل ~~محسب وعاقل ونحو ذلك، وهو ظاهر من السوق أو " الذين " ومفعوله الأول حينئذ ~~محذوف أي لا يظنن الذين يبخلون بخلهم خيرا لهم، هكذا قالوا، وهذا خلاف ما ~~في الكافية من عدم جواز حذف أحد مفعولي باب حسبت، فكأنه محمول على الغالب. ~~أو على الحذف الذي يكون نسيا منسيا. # قيل في معنى " سيطوقون " يجعل ما يبخل به من المال طوقا في عنقه، والآية ~~نزلت في مانع الزكاة، وهو المروي عن أبي جعفر عليه السلام وروي عن النبي ~~صلى الله عليه وآله أنه قال: ما من رجل لا يؤدي زكاة ماله إلا جعل في عنقه ~~شجاع يوم القيامة ثم تلا عليه السلام هذه الآية، وقيل: ومعناه ويجعل في ~~عنقه طوق من نار، وغير ذلك، و قيل: يؤتى بما بخل من المال فيجعل ذلك طوقا ~~ويعذب به مثل " يوم يحمى (2) " وقيل: معناه: يعود وباله إلى عنقه، وقد يعبر ~~عن الانسان بالرقة كقوله: # " فك رقبة (3) ". # قال في مجمع البيان: قد تضمنت الآية الحث على الأنفاق، والمنع عن # PageV00P205 # الامساك، من جهة أن الأموال إذا كانت تعرض للزوال إما بالموت أو بغيره من ~~الآفات، فأجدر بالعاقل أن لا يبخل بانفاقه، ولا يحرص على إمساكه، فيكون ~~عليه وزره، ولغيره نفعه، ومعنى " ولله ميراث السماوات " الآية أنه يموت من ~~في السماوات و الأرض، ويبقى هو جل جلاله لم يزل ولا يزال، فيبطل ملك كل ms175 ~~مالك إلا ملكه. # وقوله: " والله بما تعملون خبير " تأكيد للوعد والوعيد في الأنفاق والبخل ~~وغيرهما ولا يبعد جعلها دليلا على وجوب بذل نحو العلم إلى كل من يستحقه ~~ويطلبه و يحتاج إليه، مع عدم المانع من تقية ونحوها، لعمومها وعدم منافاة ~~ما روي في تفسيرها، وكذا ورودها في زكاة المال لو سلم، لعدم كون خصوص السبب ~~مخصصا لأن المدار على ظاهر اللفظ ومقتضاه على حسب القوانين، كما ثبت في ~~الأصول ولا ينافيه سيطوقون خصوصا بالمعنى الأخير، ويؤيده ما ورد في الأخبار ~~من عدم المنع [والكتمان وعدم القبول] عن تعليم العلوم مثل ما روي عن النبي ~~صلى الله عليه آله من كتم علما عن أهله الجم بلجام من نار، وما روي عن أمير ~~المؤمنين عليه السلام ما أخذ الله على أهل الجهل أن يتعلموا حتى أخذ على ~~أهل العلم أن يعلموا (1) ولا يخفى ما فيها من التأكيد. # " ولا تحسبن الذين يفرحون بما أتوا ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا فلا ~~تحسبنهم بمفازة من العذاب ولهم عذاب أليم " (2) الخطاب والغيبة كما تقدم في ~~نظيره و " فلا تحسبنهم " تأكيد للأولى، قال في مجمع البيان: ويجوز أن يجعل ~~بدلا والفاء زائدة (3) ومفعولا الأولى محذوفان لدلالة مفعولي الثانية ~~عليهما، أي هم، و بمفازة: أي لا تظنن الذين يفرحون بما فعلوا ويريدون أن ~~يحمدوا على ذلك، و كذا بما لم يفعلوا وهو أشد، أنهم بمنجاة من النار ومن ~~تعذيبها، بل هم قريبون بل واقعون فيها، ولهم عذاب مؤلم. # قال أيضا في مجمع البيان: ثم بين سبحانه خصلة أخرى ذميمة من خصال اليهود # PageV00P206 # نزلت فيهم حيث كانوا يفرحون باجلال الناس ونسبتهم لهم إلى العلم، عن ابن ~~عباس وقيل: نزلت في أهل النفاق لأنهم كانوا يجتمعون على التخلف عن الجهاد ~~مع رسول الله صلى الله عليه وآله فإذا رجعوا اعتذروا وأحبوا أن يقبل منهم ~~العذر، ويحمدوا بما ليسوا عليه من الايمان، عن أبي سعيد الخدري وزيد بن ~~ثابت، وقال أبو القاسم البلخي: إن اليهود قالوا نحن أبناء الله ms176 وأحباؤه ~~وليسوا كذلك وهو المروي عن أبي جعفر عليه السلام، ثم قال: والأقوى أن يكون ~~المعني بالآية من أخبر الله عنهم أنه أخذ ميثاقهم أن يبينوا أمر محمد ولا ~~يكتمونه وعليه أكثر أهل التأويل، وهو مؤيد لما قلناه وكذا في باقي ~~التفاسير. # ولا يبعد الاستدلال بها على تحريم إرادة المحمدة من الغير بما فعل وبما ~~لم يفعل، بل الفرح بهما أيضا، ولكن بمعنى الاعجاب بما فعل لعموم الآية، ~~وعدم التخصيص بالسبب، وخروج غيره بدليله، ويؤيده النهي الموجود في الأخبار ~~عن الفرح المعجب مثل احثوا على وجه المداحين التراب، قال في العدة العجب من ~~المهلكات قال رسول الله صلى الله عليه وآله: ثلاث مهلكات: شح مطاع وهوى ~~متبع وإعجاب المرء بنفسه، وهو محبط للعمل، والعجب إنما هو الابتهاج بالعمل ~~الصالح واستعظامه وأن يرى نفسه خارجا عن حد التقصير، وهذا مهلك، وأما ~~السرور بفعل الحسن مع التواضع لأجل جلاله والشكر على التوفيق لذلك وطلب ~~الاستزادة، فحسن محمود، قال أمير المؤمنين عليه السلام من سرته حسنته ~~وساءته سيئته فهو مؤمن الخ قال في إحياء العلوم: نقل خبر لو صح لهلكنا، روي ~~أنه ذكر أحد في حضرة النبي بمدح فقال: لو رضي بما قلتم فيه لدخل النار، ~~قلت: يكفي هذه الآية فافهم. PageV00P207 # * (كتاب الخمس) * وفيه آيات: # الأولى: واعلموا إنما غنمتم من شئ فإن لله خمسه وللرسول ولذي القربى ~~واليتامى والمساكين وابن السبيل إن كنتم آمنتم بالله وما أنزلنا على عبدنا ~~يوم الفرقان يوم التقى الجمعان والله على كل شئ قدير (1). # قال في مجمع البيان: اللغة: الغنيمة ما أخذ من أموال أهل الحرب من الكفار ~~[بقتال (2)] وقال القاضي (3): الذي أخذتموها من الكفار قهرا (4) وفيهما ~~قصور و المقصود أن المراد بها هنا غنائم دار الحرب التي هي أحد الأمور ~~السبعة التي يجب فيها الخمس عند أكثر أصحابنا وهي غنيمة دار الحرب وأرباح ~~التجارات و الزراعات والصناعات بعد مؤنة السنة لأهله على الوجه المتعارف ~~اللائق من غير إسراف وتقتير، والمعادن والكنوز وما يخرج بالغوص والحلال ~~المختلط بالحرام ms177 مع جهل القدر والمالك، وأرض الذمي إذا اشتراها من مسلم. ~~وضم الحلبي (5) إليها الميراث والهبة والهدية والصدقة، وأضاف الشيخ العسل ~~الجبلي والمن وأضاف الفاضلان (6) الصمغ وشبهه. # PageV00P208 # ومستحقه على المشهور أيضا المذكورون فيقسم ستة أقسام: سهم الله، وسهم ~~رسوله صلى الله عليه وآله وكذا سهم ذي القربى يضعه حيث يشاء من المصالح، ~~وحال عدمه عليه السلام للإمام القائم مقامه، والنصف الآخر للمذكورين من بني ~~هاشم وذلك للروايات عن أهل البيت عليهم السلام وذكر في الكشاف وتفسير ~~البيضاوي أيضا عن أمير المؤمنين عليه السلام قال: المراد أيتامنا ومساكيننا ~~وأبناء سبيلنا، وتفسيرهم مضى في الزكاة وللخمس أحكام يعلم من الكتب الفرعية ~~والذي ينبغي أن يذكر هنا مضمون الآية فهي تدل على وجوبه في غنائم دار الحرب ~~مما يصدق عليه شئ، وأي شئ كان منقولا وغير منقول، قال في الكشاف: حتى الخيط ~~والمخيط، فإن المتبادر من الغنيمة هنا هي ذلك ويؤيده تفسير المفسرين به، ~~وهو كون ما قبل الآية وما بعدها في الحرب مثل " يوم الفرقان " أي يوم حصل ~~الفرق بين الحق والباطل فيه، بأن غلب الحق عليه، و " يوم التقى الجمعان " ~~المسلمون والكفار، والدلالة على الوجوب يفهم من وجوده التأكيد المذكورة ~~فيها: التصدير بالعلم، وليس المراد العلم فقط بل العلم المقارن للعمل، فإن ~~مجرد العلم لا ينفع بل يصير وبالا عليه، و معلوم أن ليس المطلوب في مثل هذه ~~الأمور العلم بها، وهو ظاهر. وتقييده بالايمان أي إن كنتم آمنتم بالله ~~واليوم الآخر، وبما أنزل من الفتح والنصرة يوم الفرقان فاعلموا إنما غنمتم، ~~فجزاؤه محذوف من جنس ما قبله بقرينته، ولكن لا مجرد العلم بل المقارن للعمل ~~كما مر فتأمل. # وذكر الجملة الخبرية وتكرار أن المؤكدة، وحذف الخبر لإفادة العموم ذكره ~~في الكشاف حيث قال: فإن لله خمسه مبتدأ خبره محذوف تقديره فحق أو فواجب أن ~~لله خمسه، وروى الجعفي عن أبي عمرو: فإن لله بالكسر إلى قوله: # والمشهورة أي قراءة فتح أن آكد، من حيث إنه إذا حذف الخبر واحتمل غير ~~واحد ms178 من المقدرات كقولك ثابت، واجب، حق، لازم، وما أشبه ذلك كان أقوى ~~لايجابه من النص على واحد، وفيه تأمل فإنه لا يفيد التأكيد أكثر من واجب و ~~هو ظاهر فتأمل. PageV00P209 # ويحتمل أن يكون خبر مبتدأ محذوف تقديره فالحكم أن لله الخ على ما قيل، بل ~~هذا أولى، والمجموع خير أن الأولى! وصح دخول الفاء في الخبر لكون الاسم ~~موصولا، وأيضا ما عرفت وجه احتياج تقدير الخبر، لم لا يجوز كون " فأن " من ~~غير تقدير خبر أن الأولى، ويكون حاصله اعلموا أن الذي غنمتم فواجب فيه ~~الخمس، وقال في مجمع البيان: قيل في فتح أن قولان: أحدهما أن التقدير: فعلى ~~أن لله خمسه، ثم حذف حرف الجر، والآخر أنه عطف على أن الأولى وحذف خبر ~~الأولى لدلالة الكلام عليه، وتقديره اعلموا إنما غنمتم من شئ فاعلموا أن ~~لله خمسه، والاحتياج إلى هذا أيضا غير ظاهر مع عدم ظهور معنى فاء العطف على ~~التقدير الثاني. # ثم إنه يفهم من ظاهر الآية وجوب الخمس في كل الغنيمة، وهي في اللغة بل ~~العرف أيضا الفائدة، ويشعر به بعض الأخبار مثل ما روي في التهذيب بإسناده ~~عن أبي عبد الله عليه السلام قال قلت له: " واعلموا إنما غنمتم من شئ فأن ~~لله خمسه و للرسول " قال هي والله الفائدة يوما فيوما إلى أن أبي جعل ~~شيعتنا من ذلك في حل ليزكو (1). # إلى أن الظاهر أن لا قائل به، فإن بعض العلماء يجعلونه مخصوصا بغنائم دار ~~الحرب كما عرفت، وبعضهم ضموا إليه المعادن والكنوز وأكثر أصحابنا يحصره في ~~السبعة المذكورة، وقليل منهم أضاف إليها بعض الأمور الأخر كما أشرنا إليه ~~وأيضا الاجمال في القرآن العزيز كثير ألا ترى كيف ذكر الزكاة بقوله " ~~والذين يكنزون الذهب " الخ والمراد بعض الكنوز مع النصاب وسائر الشرائط ~~التي ذكرها الفقهاء وكذا آيات الصلاة والصوم والحج. # وأنه تكليف شاق، وإلزام شخص باخراج خمس جميع ما يملكه بمثله مشكل، و ~~الأصل والشريعة السهلة السمحة ينفيانه، والرواية غير صحيحة وفي صراحتها ~~أيضا # PageV00P210 # تأمل ms179 إذ قد يكون المراد الفائدة يوم فيوما في مثل الصناعات التي هي محل ~~الخمس فالقول بأنها تدل على وجوب الخمس في كل فائدة ويخرج ما لا يجب فيه ~~بالإجماع ويبقى الباقي، فيكون الخمس واجبا في كل فائدة إلا ما علم من ~~الدليل عدمه فيه فتخصص الآية به، لا يخلو عن بعد، وإن كان صحيحا على قوانين ~~الاستدلال، لعدم ظهور الآية ووجود الاجمال والعموم، وإرادة الخاص في القرآن ~~كثير كما عرفت ولعدم تفسير أحد إياها بها، وعدم ظهور القائل، والأصل الدال ~~على العدم، مع ظواهر بعض الآيات والأخبار، وعدم مثل هذا التكليف الشاق ~~وكأنه لذلك ما ذهب إليه هذا الحمل والاستدلال أحد على الظاهر، نعم قال في ~~مجمع البيان بعد ما نقلنا عنه في الغنيمة موافقا لجمهور المفسرين أن معناه ~~في اللغة ذلك: قال أصحابنا: إن الخمس واجب في كل فائدة تحصل للإنسان من ~~المكاسب وأرباح التجارات، وفي الكنوز والمعادن والغوص، وغير ذلك مما هو ~~مذكور في الكتب ويمكن أن يستدل على ذلك بهذه الآية فإن في عرف اللغة يطلق ~~على جميع ذلك اسم الغنم والغنيمة، والظاهر أن مراده ما ذهب إليه أكثر ~~الأصحاب من الأمور السبعة، فإنه نسبه إلى أصحابنا، والظاهر منه الجميع أو ~~الأكثر، وليس وجوبه في كل فائدة قولا لأحد منهم على الظاهر، وأيضا قال: ~~مذكور في الكتب، وليس ذلك مذكورا في الكتب فكأنه أشار إلى إمكان الاستدلال ~~لمذهب الأصحاب بالآية الشريفة، إلزاما للعامة فإنهم يخصونه بغنائم دار ~~الحرب، وذلك غير جيد، الله يعلم. # الثانية: يا أيها الذين آمنوا انفقوا من طيبات ما كسبتم (1). # وقد أشرنا إليه في الزكاة وكذا قوله تعالى " وآت ذا القربى " الآية (2). # الثالثة: يسألونك عن الأنفال قل الأنفال لله والرسول (3). # PageV00P211 # قيل: المراد بالأنفال الغنائم، فالسؤال عن أحكام الغنيمة وكيفية قسمتها و ~~إنها نزلت حين اختلف الناس في قسمتها وأن القاسم يكون [من] الأنصار أو ~~المهاجر أي قل إن أمره إلى الله والرسول بأمر الله فيفعل ما يريد مما أمره ~~الله تعالى به، و هو ms180 الأحكام المذكورة مفصلا في قسمة الغنائم في كتب ~~الفروع، ويحتمل أن تكون ما هو المتعارف عند الفقهاء، وهو الأمر الزائد الذي ~~هو خاصة النبي صلى الله عليه وآله والإمام بعده كما ورد به الرواية عن ~~الباقر والصادق عليهما السلام (1) أو الذي يعينه عليه السلام للناس يقول: ~~من فعل كذا وكذا فله كذا وكذا، ثم أمر الله تعالى بالتقوى بقوله " فاتقوا ~~الله " أي اتقوا الله في الاختلاف والتشاجر والمنازعة في قسمة الغنيمة بل ~~مطلقا في جميع أوامر الله ونواهيه " وأصلحوا ذات بينكم " أي أصلحوا الحال ~~التي بينكم بالمواساة، ومساعدة بعضكم بعضا فيما رزقكم، وبترك الخصومة ~~والمنازعة بالصلح والمحبة والسداد وتسليم أمركم إلى الله والرسول " وأطيعوا ~~الله ورسوله إن كنتم مؤمنين " ولا تخرجوا عما أمرتم به فإن الايمان يقتضي ~~ذلك. # وفيه مبالغة حيث يشعر بأن الخارج عن طاعة الله ورسوله ليس بمؤمن، بل تارك ~~التقوى وإصلاح ذات البين أيضا كذلك ولا شك في ذلك مع الانكار والاستحلال ~~بعد ثبوته، فدلت على قسمة الغنيمة التي منها الخمس على الأول، وتخصيص ~~الأنفال به صلى الله عليه وآله على الثاني كما يقول به الأصحاب، وتعيين ~~الأجر إليه صلى الله عليه وآله لمن يساعده في الحرب على الثالث، وعلى وجوب ~~التقوى وإصلاح ذات البين مطلقا، وهذا قد يكون واجبا من باب الأمر بالمعروف ~~والنهي عن المنكر، إذا كان في خلافه ترك واجب، بأن ارتكب أحد الخصمين ذلك، ~~وقد يكون مستحبا وهو مع عدم ذلك و خوف حصوله، ففيه ترغيب عظيم وحث بليغ في ~~إصلاح الخلق، والمواساة والمساعدة كما دل عليه غير هذه الآية، والأخبار ~~مشحونة بذلك بحيث لا يمكن الخروج عن عهدة ذلك إلا لمن وفقه الله تعالى من ~~أوليائه وأحبائه. # ثم بالغ في التضرع والخشوع والخوف حتى أنه يفهم منه أن الايمان لم # PageV00P212 # يتحقق بدون الوجل عند ذكر الله بقوله تعالى " إنما المؤمنون الذين إذا ~~ذكر الله وجلت قلوبهم " أي فزعت قلوبهم لذكر الله ويحتمل أن يكون المعنى ~~الخوف والطمع عند ذكر أمر الله وثوابه، ms181 ونهيه وعقابه، والائتمار والانتهاء ~~والانزجار، فيحتمل أن يكون ذلك شرطا لكمال الايمان، فيكون المراد إنما ~~المؤمنون الكاملون في الايمان قال في الكشاف والدليل عليه " أولئك هم ~~المؤمنون حقا " وفي الدليل تأمل فإن حقا يجوز أن يكون مفعولا مطلقا لمحذوف ~~تأكيدا لمضمون الجملة كما ذكره أيضا فتأمل. # ويحتمل كونه شرطا لمطلق الايمان فإن شرطه قبول الأمر والنهي، بمعنى عدم ~~الانكار، والطمع في الثواب، والخوف من العقاب، وتحقق ذلك عنده. # " وإذا تليت عليهم آياته زادتهم ايمانا " يعني إذا قرئت عندهم آية من ~~آيات الله الدالة على الله وصفاته زادتهم الايمان وفي هذا دليل على قبول ~~الايمان الزيادة والنقصان، ويدل على أنه لا بد من التوكل في الايمان قوله ~~تعالى " وعلى ربهم يتوكلون " عطف على " إذا ذكر الله " كما قبله، وعلى ربهم ~~متعلق بيتوكلون أي لا يفوضون أمرهم إلا إلى الله تعالى، ولا يخشون ولا ~~يرجون إلا الله. # ولنختم هذا البحث بآية " وما أفاء الله على رسوله منهم " (1) أي المال ~~الذي أفاء الله أعاده وأرجعه وأعطاه رسول الله صلى الله عليه وآله من ~~الكفار، وجعله فيئا له خاصة " فما أوجفتم عليه " أي فما أجريتم على تحصيله ~~ومغنمه، وهو من الوجيف هو سرعة السير " من خيل ولا ركاب " ولا تعبتم في ~~القتال عليه، وإنما مشيتم على أرجلكم و المعنى أن ما خول الله ورسوله من ~~أموال بني النضير شئ لم تحصلوه بالقتال والغلبة " ولكن الله يسلط رسله على ~~من يشاء والله على كل شئ قدير " ولكن سلط الله رسوله عليهم وعلى ما في ~~أيديهم كما كان يسلط رسله على أعدائه، فالأمر فيه مفوض إليه يضعه حيث يشاء، ~~يعني أنه لا يقسم قسمة الغنائم التي قوتل عليها، وأخذت عنوة و قهرا، وذلك ~~أنهم طلبوا القسمة فنزلت كذا في الكشاف ولكن فيه تأمل إذ سيجئ # PageV00P213 # قسمته فليس الأمر مفوضا إليه مع أن القصة واحدة كما سيجئ إلا أن يكون ذلك ~~تفضلا منه صلى الله عليه وآله أو يكون المراد نفي قسمة ما أخذت عنوة فتأمل. # " ما ms182 أفاء الله على رسوله من أهل القرى " في الكشاف لم يدخل العاطف على ~~هذه الجملة لأنها بيان للأولى فهي منها غير أجنبية بين لرسول الله صلى الله ~~عليه وآله ما يصنع بما أفاء الله عليه، وأمره أن يضعه حيث يضع الخمس من ~~الغنائم مقسوما على الأقسام الخمسة، جعل الخمس خمسة أقسام بجعله لله ~~للتبرك، وجعله البعض ستة: سهم الله، وسهم رسوله، وذي القربى، لرسول الله، ~~ثم للإمام القائم مقامه، وبعض يجعل سهم الله في المساجد وعمارة الكعبة، ~~وبالجملة المشهور بين الفقهاء أن الفئ له صلى الله عليه وآله وبعده للقائم ~~مقامه، يفعل به ما يشاء كما هو ظاهر الآية الأولى والآية الثانية تدل على ~~أنه يقسم كالخمس، فإما أن يجعل هذا غير مطلق الفئ بل فيئا خاصا كان حكمه ~~هكذا، أو منسوخا أو يكون تفضلا منه صلى الله عليه وآله وكلام المفسرين أيضا ~~هنا لا يخلو عن شئ كما فهمت عبارة الكشاف فإنها متناقضة " فلله وللرسول ~~ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل " هذه الأقسام الخمسة أو الستة ~~" كيلا يكون دولة بين الأغنياء منكم " لكيلا يكون الفئ الذي حقه أن يعطي ~~الفقراء [ليكون لهم] بلغة يعيشون بها، ما يتداوله الأغنياء ويدور بينهم، ~~كما كان في الجاهلية، ومعنى الدولة الجاهلية أن الرؤساء منهم كانوا ~~يستأثرون بالغنيمة لأنهم أهل الرياسة والدولة والغلبة والمعنى لئلا يكون ~~أخذه غلبة وأثرة جاهلية. # " للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم يبتغون فضلا من ~~الله ورضوانا وينصرون الله ورسوله " للفقراء بدل من قوله: لذي القربى ~~والمعطوف عليه، والذي منع الابدال من: لله وللرسول والمعطوف عليهما، وإن ~~كان المعنى لرسول الله أن الله عز وجل أخرج رسوله من الفقراء في قوله " ~~وينصرون الله ولرسوله " و أنه يترفع برسوله عن التسمية بالفقير، وأن ~~الابدال على ظاهر اللفظ من خلاف الواجب في تعظيم الله عز وجل " أولئك هم ~~الصادقون " في ايمانهم وجهادهم PageV00P214 # " والذين تبوؤا الدار والايمان " عطف على المهاجرين، والمراد بهؤلاء ~~الأنصار الذين تبوؤا دار الهجرة ودار الايمان بحذف المضاف إليه ms183 من الأول ~~والمضاف من الثاني أو المراد أخلصوا الايمان كقوله " علفته تبنا وماء باردا ~~(1) " أو سمى المدينة ايمانا لأنه مستقره. إلى قوله " ومن يوق شح نفسه " أي ~~ومن غلب ما أمرته به نفسه وخالف هواه عن استعمال البخل بمعونة الله وتوفيقه ~~" فأولئك هم المفلحون " الظافرون بما أرادوا. # PageV00P215 # * (كتاب الحج) * * (والبحث فيه على أنواع) * * (الأول) * * (في وجوبه) * ~~وفيه آيتان: # الأولى: إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركا وهدى للعالمين فيه آيات ~~بينات مقام إبراهيم ومن دخله كان آمنا ولله على الناس حج البيت من استطاع ~~إليه سبيلا ومن كفر فإن الله غني عن العالمين (1). # الواو في " ومن دخله " للعطف و " من " مبتدأ و " كان " خبره وحج البيت ~~مبتدأ " ولله " خبره، والواو كأنه للاستيناف، و " من " عطف بيان للناس أو ~~خبر مبتدأ محذوف أي هو من، وكأن المراد بالحج الطواف مع باقي الأفعال، أو ~~قصد البيت للأفعال المخصوصة عنده كما هو اصطلاح بعض الفقهاء، أو الأفعال ~~المخصوصة عنده كما هو عند البعض، والاستطاعة عند أكثر الأصحاب مفسرة ~~بالقدرة على الزاد والراحلة ذاهبا وآئبا، زائدا على نفقة عياله الواجب ~~نفقتهم عليه حتى يرجع، مع عدم المانع في نفسه من مرض وعدم القدرة على السفر ~~و تخلية السرب من الموانع، وكل ذلك مأخوذ من الأدلة العقلية والنقلية. # وأما الرجوع إلى كفاية على ما هو مذهب البعض لرواية أبي الربيع الشامي ~~(2) # PageV00P216 # فالأصل وظاهر الآية ينفيانه فإن الأصل عدم اشتراط الزيادة، وأن معنى ~~الآية على الظاهر: لله على من وجد طريقا إلى حج البيت حجه، ومجهولية أبي ~~الربيع ترد العمل بروايته مع الاختلاف في المتن، بحيث لا دلالة فيها على ما ~~في بعض النسخ، مع معارضتها ظاهر الآية والأخبار الكثيرة المعتبرة مثل صحيحة ~~محمد بن مسلم قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام قوله تعالى " ولله على ~~الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا " قال يكون له ما يحج به قلت: فإن عرض ~~عليه الحج فاستحيى، قال: # هو ممن يستطيع، ولم يستحيي؟ ولو على حمار ms184 أجذع أبتر، ومثله في حسنة ~~الحلبي، وما في الصحيح عن محمد بن يحيى الخثعمي - إلا أنه قال في رجال ابن ~~داود ورجال الشيخ مهمل، وقال في الاستبصار في باب من يفوته المشعر أنه عامي ~~- عن أبي عبد الله عليه السلام: فقال له حفص الكناسي: وإذا كان صحيحا في ~~بدنه مخلا سربه، له زاد وراحلة، فهو ممن يستطيع الحج؟ قال: نعم (1). # وهذه الأخبار كظاهر الآية دالة على وجوبه ببذل الزاد والراحلة مطلقا سواء ~~كان الباذل نذره أم لا، وسواء كان عدلا أم لا، وسواء كان المبذول له مديونا ~~أم لا، نعم يمكن اخراج من لم يكن لعياله الواجبة نفقتهم عليه قوت، ولم يبذل ~~ذلك، بدليل آخر من عقل أو نقل، وسواء كان المبذول نفس الزاد والراحلة، أو ~~ثمنهما، أو ما يمكن تحصيلهما به، فالتخصيصات التي ذكرها بعض الأصحاب غير ~~واضح، نعم لا بد أن يكون ممن يوثق به (2) لو لم يعطه ذلك بالفعل، بل يقبله ~~و يشاركه معه في الزاد ونحوه، ويؤيد الوجوب عموم بعض الأخبار الأخر التي ~~تدل على أن وجوبه معلقة بالامكان كما هو مذهب بعض العامة، والمبالغة ~~المستفادة منها ومن تتمة الآية حتى عبر عن الترك بالكفر، والاعراض عن ~~التارك بالغناء عن عبادته وعبادة غيره المشعر باحتياج غيره إليه يوم الحاجة ~~بقوله " ومن كفر # PageV00P217 # فإن الله غني عن العالمين " وهي محمولة على المبالغة كالأخبار، مثل ما ~~روي في المجمع عن أمامة عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: من لم تحبسه ~~حاجة ظاهرة من مرض حابس أو سلطان جائر ولم يحج فليمت إن شاء يهوديا وإن شاء ~~نصرانيا ونحوه نقل عن ابن عباس والحسن، وفيه: (1) معناه من جحد فرض الحج ~~ولم يره واجبا. # وأما سائر أفعال الحج وأحكامه فلتطلب من محالها، ويمكن كون قوله تعالى " ~~ومن دخله " إشارة إلى وجوب عدم التعرض لمن جنى في غير الحرم فالتجأ إليه ~~كما قيل إنه كان في الجاهلية كذلك وذكره الأصحاب أيضا مع إيجاب عدم معاملته ~~ومؤاكلته، حتى يضطر إلى ms185 الخروج فيفعل به ما اقتضى جنايته من الحد وغيره، ~~للأخبار مثل حسنة الحلبي لإبراهيم عن أبي عبد الله عليه السلام قال سألته ~~عن قول الله عز وجل " ومن دخله كان آمنا " قال إذا أحدث العبد في غير الحرم ~~جناية ثم فر إلى الحرم لم يسغ لأحد أن يأخذه في الحرم، ولكن يمنع من السوق ~~ولا يبايع ولا يطعم ولا يسقى ولا يكلم فإنه إذا فعل ذلك يوشك أن يخرج ~~فيؤخذ، وإذا جنى في الحرم جناية أقيم عليه الحد في الحرم لأنه لم يرع للحرم ~~حرمة ورواية علي ابن أبي حمزة عن أبي عبد الله عليه السلام عن قول الله عز ~~وجل " ومن دخله كان آمنا " قال إن سرق سارق بغير مكة أو جنى جناية على ~~نفسه، ففر إلى مكة، لم يؤخذ ما دام بالحرم، حتى يخرج عنه، ولكن يمنع من ~~السوق فلا يبايع ولا يجالس حتى يخرج منه فيؤخذ، وإن أحدث في الحرم ذلك ~~الحدث أخذ فيه (2). # والظاهر من الحرم هو الحرم المقرر الذي هو اثنا عشر ميلا في مثله ولكن ~~ظاهر الآية هو كون المأمن البيت أو بكة، لرجوع الضمير إلى أحدهما مع تأويل ~~في الثاني بالبلد، للتذكير إذ لا مرجع غيرهما في قوله " إن أول بيت وضع ~~للناس للذي ببكة مباركا وهدى للعالمين فيه آيات بينات مقام إبراهيم ومن ~~دخله " وكذا # PageV00P218 # يحتاج إلى التأويل في ضمير " فيه " إذ الظاهر إرجاعه إلى بكة لأن المقام ~~ليس في البيت، والظاهر أنه بيان للآيات الواقعة في بكة كما قيل، فالظاهر ~~رجوعهما إليهما وإرادة معناهما وإرادة الحرم منهما بعيدة لا يفهم، والمعدة ~~هي الأخبار في هذه المسألة مع فتوى الأصحاب، وإلا فالآية ليست بصريحة بل ~~ولا ظاهرة فإن ظاهرها أنها خبر بكونه مأمنا، وجعله بمعنى الأمر يعني وليكن ~~مأمونا من دخله أي لا تتعرضوا له بعيد، مع أنه قيل معناها أن من دخله عارفا ~~بجميع ما أوجبه الله تعالى عليه كان آمنا يوم القيامة من العقاب الدائم، ~~ويؤيده ما روي في الكافي ms186 في الحسن لإبراهيم عن عبد الله بن سنان [عن أبي ~~عبد الله عليه السلام] قال سألته عن قول الله عز وجل " ومن دخله كان آمنا " ~~البيت عنى أو الحرم؟ قال: من دخل الحرم من الناس مستجيرا فهو آمن من سخط ~~الله تعالى، ومن دخله من الوحش والطير كان آمنا من أن يهاج أو يؤذى، حتى ~~يخرج من الحرم (1) وهذه تشعر بكون الحكم في الحرم، وفيها إيماء إلى عدم ~~رجوعه إليه، بل إلى البيت حيثما صرح بالمعنى في الآية بل ذكر الحكم، فتأمل. # وقيل أيضا إنه إشارة إلى استجابة دعاء إبراهيم عليه السلام " رب اجعل هذا ~~بلدا آمنا " (2) ويحتمل أن يكون المراد أمنه من التخريب وغيره من الآفات، ~~ونقل في مجمع البيان أنه روي عن ابن عباس أن الحرم كله مقام إبراهيم ومن ~~دخل مقام إبراهيم يعني الحرم كان آمنا، فالضمير حينئذ راجع إلى مقام ~~إبراهيم، وذلك قريب، ولكن إرادة الحرم هنا من مقام إبراهيم بعيد. أو راجع ~~إلى بكة، وأريد منه الحرم. والإرادة لا يخلو عن بعد بأن يراد من بكة الحرم ~~بإطلاق اسم الجزء على الكل، أو لوجود معنى البك في الحرم أيضا في الجملة ~~فتأمل. # واعلم أن في هذا الحكم ودليله دلالة ما على وجوب الاجتناب عن الفاسق ~~فافهم وأن الظاهر عدم تعديته إلى من استدان خارج الحرم مع الوجدان والقدرة # PageV00P219 # على الأداء فالتجأ إلى الحرم وكذا من غصب أموال الناس، لأدلة وجوب الرد ~~ولكون حقوق الناس أشد والمساهلة في حدود الله، ولهذا تسقط بأي شبهة كانت ~~وعدم شمول هذه الأدلة له للاحتمال في الآية بأن لا يكون في هذا الحكم أصلا، ~~و الأخبار غير صحيحة ولا صريحة في الكل، بل ظاهرة في الجناية الموجبة للحد ~~والتعزير، إذ لا يقال للاستدانة ونحوها أنها جناية، نعم السرقة موجودة في ~~الأخيرة الضعيفة، ومع ذلك يمكن حملها على عدم القطع لا أخذ المال فتأمل، ~~وأن الظاهر أنه ينبغي للحاكم إعلام الناس بحاله حتى لا يعطوه شيئا ليخرج، ~~وأن الحكم بعدم الاعطاء ms187 بالكلية، فالتضييق الذي لا يفهم منه عدمه بالكلية، ~~وتصريح البعض بأنه يعطى ولكن ما لا يموت ولا يصبر على مثله بعيد، وإن أمكن ~~حمل التضييق على ما مر فتأمل. # الثانية: إن الذين كفروا ويصدون عن سبيل الله والمسجد الحرام. (1) في ~~مجمع البيان: يصدون بمعنى صدوا، ويؤيده قوله " والذين كفروا و صدوا " ويجوز ~~أن يكون المعنى: إن الذين كفروا ويصدون الآن وفي الكشاف بمعنى الاستمرار ~~والثبوت، ونقل عليه شعرا، أي منعوا الناس عن طاعة الله مطلقا وعن هذه ~~الطاعة الخاصة وهي دخول المسجد الحرام مطلقا أو للطواف والعبادة فيه، و خبر ~~إن محذوف لدلالة ما سيأتي عليه، أي نذيقهم من عذاب أليم. # " الذي جعلناه للناس سواء العاكف " المقيم الملازم للمكان " فيه " أي في ~~المسجد الحرام " والباد " الطاري الوارد على المكان دون المقيم فيه و " ~~الذي " اسم موصول وما بعده صلته، وهو صفة المسجد الحرام، وفي الكشاف: " ~~سواء " بالنصب مفعول ثان لجعلنا، أي جعلناه مستويا العاكف فيه والبادي، ~~وبالرفع الجملة مفعول ثان له وفيه إجمال إذ ما بين للناس ولا إعراب العاكف ~~على الأول، وأيضا يلزم كون المبتدأ نكرة صرفة، والخبر معرفة على الثاني، إن ~~كان سواء مبتدأ وكأنه جعل # PageV00P220 # للناس متعلقا بجعلناه صلة له لا مفعولا، ويحتمل أن يكون مفعولا ثانيا ~~متعلقا بمقدر، أي جعلناه مستقرا (1) أو معبدا للناس، وسواء بالنصب يكون ~~حالا بمعنى مستويا العاكف فيه والبادي، وهما فأعلاه وفي سورة الرفع الجملة ~~حال بالضمير، وضعفه غير مسلم كما بين في محله، ويكون العاكف مبتدأ مؤخرا ~~للاهتمام بتقديم السواء والاستواء فإن المطلوب هنا هو التساوي والمساواة، ~~وهو ظاهر فافهم. # ويحتمل أن يكون الجملة بدلا أو عطف بيان عن جملة " جعلناه للناس " و ~~معناه - بناء على كون المراد بالمسجد الحرام الحرم تسمية للشئ باسم أشرف ~~أجزائه ولهذا قيل في " أسرى بعبده [ليلا] من المسجد الحرام " أنه أسري من ~~مكة من شعب أبي طالب لا المسجد الحرام: جعلنا الحرم مستقرا (2) ومعبدا ~~ومنسكا لهم أو خلقناه لهم كلهم نخص بعضا به دون بعض، ms188 فيكون المقيم فيه ~~والطارئ مستويين في سكناه بل سائر التصرفات ولا يتملكه أحد، ولم يكن أولى ~~به من آخر، غير أنه لا يخرج عن منزله الذي سكن وسبق كما في المساجد ~~والأوقاف العامة، مثل الخانات والأراضي التي للمسلمين كافة، وفتحت عنوة، ~~وهذا يكون سبب التسوية التي أشار إليها بقوله " سواء العاكف فيه والباد " ~~فإنه لا شك في أن مكة وحواليها فتحت عنوة، والمفتوحة عنوة مستو فيها الناس: ~~العاكف والبادي، بمعنى أنه لا يتملك ولا يصح بيعها نعم المتصرف فيها أولى ~~بها ما دام قائما بعمارتها، ونازلا فيها وله التصرف فيما يخصه من العمارة ~~والخشب والعمل على أي وجه أراد، وما نقل عن بعض الصحابة من أن كراء دور مكة ~~حرام، فلما قلناه، لا لأن الله قال: " سواء " ولا لأن مكة كلها أو الحرم ~~مسجد، كما نقل عن بعض الأصحاب، فإنه بعيد بل لا يفهم له معنى للزوم تجويز ~~الجنابة والنجاسة المتعدية في المسجد وغير ذلك من المفاسد، وبهذا يجمع بين ~~ما تقدم وبين فعل المسلمين الآن من البيع والإجارة ونحوهما، إذ يحمل على ~~أنه باعتبار ما يخصه مثل العمل وحينئذ لا خصوصية للحكم بمكة ولا بالحرم. # ويحتمل أن يكون المعنى جعلناه قبلة لصلاتهم وغيرها، مثل دفن الأموات ~~والذبح ومنسكا لحجهم والطواف فيه، وصلاتهم فيه، فالعاكف والبادي فيه # PageV00P221 # سواء وهو ظاهر، ويؤيده ما نقل أن المشركين كانوا يمنعون المسلمين عن ~~الصلاة في المسجد الحرام، والطواف بالبيت، ويدعون أنهم أربابه وولاته، ~~فنزلت ففي الآية دلالة على التسوية، وكون المسجد الحرام معبدا، وعلى تحريم ~~المنع عن العبادات وعن المسجد الحرام كما في قوله " ومن أظلم ممن منع مساجد ~~الله " (1). # " ومن يرد فيه " أي في المسجد الحرام وكأن المراد الحرم " بالحاد بظلم " ~~في الكشاف الالحاد العدول عن القصد، هما حالان مترادفان أي كل منهما حال عن ~~فاعل يرد، ومفعوله متروك ليتناول كل متناول، كأنه قال ومن يرد فيه مرادا ما ~~عادلا فيه عن القصد ظالما، يعني أن الواجب على من كان فيه أن يضبط ms189 نفسه ~~ويسلك طريق السداد والعدل في جميع ما يهم به ويقصده، وقيل الالحاد في الحرم ~~منع الناس عن عمارته، وقيل: الاحتكار وقيل قول الرجل في المبايعة لا والله ~~وبلى والله. وفيه إجمال حيث ما ظهر كون الباء فيهما بأي معنى؟ والاحتياج ~~إلى ضم الظلم إلى الالحاد، فإنه على ما فهم من قوله يعني الخ أن المقصود من ~~قوله " ومن يرد فيه بالحاد بظلم " فعل الذنب مطلقا فيكون مطلق الذنب فيه ~~كبيرة وموعودا به العقاب، والباء يحتمل أن تكون للملابسة أي حال كونه ~~ملابسا بالحاد، وملابسا بظلم أيضا فإن العدول عن القصد يحتمل أن يكون بوجه ~~معقول مشروع غير عدوان في بادي الرأي، وبحسب أصل المعنى، فقيد بالظلم، ونص ~~به لزيادة قبحه وظهوره ليترتب عليه " نذقه " فتأمل. # وقال في مجمع البيان: الباء في بالحاد زائدة تقديره: ومن يرد فيه إلحادا ~~والباء في بظلم للتعدية، ونقل أبياتا لكون الباء زائدة (2) وهو محل التأمل ~~إذ بعد صحة كون الباء زائدة لم يظهر كونها للتعدية في بظلم، بل جعلها ~~للملابسة والحال كما قلناه أولى، أي من يرد عدولا عن القصد حال كونه متلبسا ~~بالظلم، ثم قال فيه: الالحاد العدول عن القصد لغة واختلف في معناه ههنا، ~~فقيل: هو الشرك وعبادة غير الله تعالى عن قتادة، فكأنه قال: ومن يرد فيه ~~ميلا عن الحق بأن يبعد غير # PageV00P222 # الله ظلما وعدوانا، وهذا يشعر بكونها للملابسة والحالية، وقيل: هو ~~الاستحلال للحرم والركوب للآثام، عن ابن عباس والضحاك ومجاهد وابن زيد. # كأن المراد باستحلال الحرم اعتقاد جواز تخريبه وعدم كونه حرما ذا حرمة ~~يجب تعظيمه وترتب أحكامه الحرمية عليه من تحريم الصيد وغيره، وقيل هو كل شئ ~~نهي عنه حتى شتم الخادم فيه، لأن الذنوب هناك أعظم، وقيل هو دخول مكة بغير ~~إحرام عن عطاء. # " نذقه من عذاب أليم " جواب " من " الشرطية وخبرها، أي متى فعل ذلك نعذبه ~~عذابا وجيعا، والتفاسير مضطربة والمحصل معلوم إنشاء الله تعالى وكذا ~~استفادة بعض الأحكام مثل كون كل ذنب فيه موجبا للعذاب ms190 الأليم، فيكون كبيرة ~~بل إرادة ذلك، فهي تدل على أن إرادة القبيح والحرام فيه قبيح وحرام بل ~~كبيرة ويشعر أيضا بكون محل الالحاد مكة أو المسجد الحرم، إذ غير ظاهر كون ~~كل الحرم بهذه المثابة مع احتمال كونه كذلك لما علم مما سبق قال في الكشاف ~~(1) وخبر أن محذوف لدلالة جواب الشرط عليه تقديره إن الذين كفروا ويصدون عن ~~المسجد الحرام نذيقهم من عذاب أليم، وكل من ارتكب فيه ذنبا فهو كذلك وينبغي ~~أن يقول عن سبيل الله وعن المسجد الخ. # وقيل في قوله " وطهر " أي يا إبراهيم " بيتي " أي البيت الذي هو القبلة ~~على الظاهر " للطائفين والقائمين والركع السجود " دلالة على وجوب إزالة ~~النجاسة عن المسجد وتحريم إدخالها مطلقا وفيه تأمل من وجوه، ويؤيده ما قال ~~في مجمع البيان وطهر بيتي من الشرك وعبادة الأوثان عن قتادة (2) والمراد ~~بالقائمين المقيمين، وقيل القائمين في الصلاة عن عطا. # " وأذن في الناس " أي ناد يا إبراهيم بينهم بالحج بأن تقول حجوا أيها ~~الناس أو عليكم بالحج، وروي أنه صعد أبا قبيس فقال أيها الناس حجوا بيت # PageV00P223 # ربكم، وعن الحسن أنه خطاب لرسول الله صلى الله عليه وآله أمر أن يفعل ذلك ~~في حجة الوداع يعني أعلمهم بوجوب الحج فحينئذ دلالتها على الأحكام واضحة ~~وعلى الأول لا بد عن انضمام أن ليس هذا منسوخا وأنه من اجتماع الشريعتين مع ~~أنه صلى الله عليه وآله على ملة أبيه إبراهيم عليه السلام " يأتوك " أي ~~يجيؤن إليك " رجالا " أي مشاة جمع راجل كقائم وقيام " وعلى كل ضامر " ~~وركبانا على كل إبل، مهزول حال معطوفة على الحال السابقة كأنه قيل رجالا ~~وركبانا، والضامر الإبل الضعيف، عن ابن عباس أنه ما يدخل مكة إبل ولا غيره ~~إلا هزال " يأتين " صفة لكل ضامر لأنه بمعنى الجمع ويحتمل أن يكون صفة له ~~ولرجالا أيضا " من كل فج عميق " أي طريق بعيد " ليشهدوا منافع لهم " أي ~~ليحضروا ما ندبهم إليه مما فيه نفعهم، في الكشاف نكر المنافع لأنه أراد ~~منافع مختصة ms191 بهذه العبادة دينية ودنيوية لا توجد في غيرها من العبادات وفي ~~مجمع البيان المنافع التجارات وقيل التجارة في الدنيا والأجر والثواب في ~~الآخرة، وقيل: هي [هنا] منافع الآخرة، وهي العفو والمغفرة عن سعيد ابن ~~المسيب، وهو المروي عن أبي جعفر الباقر عليه السلام. # ثم اعلم أن فيها دلالة على وجوب الحج مطلقا بل تشعر بعدم شرط استطاعة ~~الركوب ولكن يقيد بقوله تعالى " من استطاع إليه سبيلا " وقد فسرت بالزاد ~~والراحلة لاجماع الأصحاب على ما نقل، وللأخبار، فيحمل رجالا على الحج ماشيا ~~مع استطاعة الركوب أو يحمل الحج على الحج المطلق الواجب أو المندوب ولعل في ~~تقديم رجالا إشعارا بأفضلية المشي على الركوب، والروايات مختلفة مذكورة في ~~محلها مع التوفيق بينها قال في مجمع البيان: وروى سعيد بن جبير عن ابن عباس ~~أنه قال لبنيه يا بني حجوا من مكة مشاة حتى ترجعوا إليها مشاة فإني سمعت ~~رسول الله صلى الله عليه وآله يقول للحاج الراكب بكل خطوة يخطوها راحلته ~~سبعون حسنة، وللحاج الماشي بكل خطوة يخطوها سبع مائة حسنة من حسنات الحرم ~~قيل ما حسنات الحرم؟ قال: الحسنة بمائة ألف (1) وفيها دلالة على تفضيل ~~حسنات # PageV00P224 # الحرم على غيرها كما مر أن الذنوب فيه يضاعف. # " ويذكروا اسم الله في أيام معلومات " في الكشاف: كنى عن النحر والذبح ~~بذكر اسم الله لأن أهل الاسلام لا ينفكون عن ذكر اسمه إذا نحروا أو ذبحوا ~~فذكر اسمه تعالى لازمهما شرعا، هذا على مذهب الموجب أوضح دون غيره كأبي ~~حنيفة فإنه لا يقول باللزوم والوجوب، ثم قال: وفيه تنبيه على أن الغرض ~~الأصلي فيما يتقرب به إلى الله أن يذكر اسمه، وقد حسن الكلام تحسينا بينا ~~أن جمع بين قوله: " ليذكروا اسم الله " وقوله " على ما رزقهم من بهيمة ~~الأنعام " ولو قيل لينحروا في أيام معلومات بهيمة الأنعام، لم تر شيئا من ~~ذلك الحسن والروعة، والأيام المعلومات أيام العشر عند أبي حنيفة، وهو قول ~~الحسن وقتادة وعند صاحبيه هي أيام النحر العيد وثلاثة بعده، والذبح ms192 والنحر ~~مختصة بهذه الأيام الأربعة، فلا معنى لقوله أبي حنيفة لأن المراد ذكر اسم ~~الله على الذبيحة والمنحورة كما فسره في الكشاف، ولقوله " على ما رزقهم " ~~وورد في بعض رواياتنا، وقول بعض العلماء أن المراد به الذكر المشهور يوم ~~العيد، وأيام التشريق. # وفي مجمع البيان: اختلف في هذه الأيام وفي الذكر فيها، فقيل هي أيام ~~العشر، وقيل لها معلومات للحرص على علمها من أجل وقت الحج في آخرها و ~~المعدودات أيام التشريق عن الحسن ومجاهد، وقيل هي أيام التشريق يوم النحر ~~وثلاثة بعده، والمعدودات أيام العشر عن ابن عباس، وهو المروي عن أبي جعفر ~~عليه السلام، واختاره الزجاج، قال: لأن الذكر ههنا يدل على التسمية على ما ~~ينحر لقوله " على ما رزقهم من بهيمة الأنعام " أي على ذبح ونحر ما رزقهم من ~~الإبل والبقر والغنم، وهذه الأيام تختص بذلك، ولا شك أن الأخير هو الحق ~~للرواية ولقوله تعالى " على ما رزقهم " ولكن ينبغي أن يقول يوم النحر وأيام ~~التشريق لا أيام التشريق ثم يفسرها به وبثلاثة بعده، فإن العيد ليس بداخل ~~في PageV00P225 # أيام التشريق على المشهور، ولكن وقع في الرواية كذلك ولعله تغليب أو ~~اصطلاح آخر غير المشهور. # ثم قال: وقال أبو عبد الله عليه السلام التعقيب (1) بمنى عقيب خمس عشر ~~صلاة أولها صلاة الظهر من يوم النحر، يقول: الله أكبر الله أكبر، لا إله ~~إلا الله والله أكبر ولله الحمد الله أكبر على ما هدانا، والحمد لله على ما ~~أولانا والله أكبر على ما رزقنا من بهيمة الأنعام. # قال في الكشاف. البهيمة مبهمة في كل ذات أربع في البر والبحر، فبينت ~~بالأنعام وهو الإبل والبقر والضأن والمعز ثم أمر بالأكل منها والاطعام على ~~وجه أعم نيا ومطبوخا مرقا وغيره لقوله " فكلوا منها " أي من الأنعام " ~~وأطعموا " أي أعطوا وتصدقوا بشئ منها، ويحتمل ما بقي من الأكل بل هو ~~الظاهر، حيث حذف المفعول وتبادر الذهن إلى ما تقدم وهو النعم المذبوح ~~المأكول منها " البائس " أي الذي أصابه بؤس أي شدة ms193 من الجوع والعري، وقيل ~~هو الذي يسأل بكفه " الفقير " هو الذي أضعفه الاعسار وعدم المعونة كأنه ~~انكسر فقر ظهره من عدم ما يعيش به من الجوع والعري. # ففي الآية دلالة على وجوب الذبح والنحر في مطلق الحج فخصت بالتمتع ~~والقران الواجب الذبح فيه كأنه للإجماع والخبر، والظاهر ذلك لمن لم يكن ~~أهله حاضري المسجد الحرام فتأمل، وعلى وجوب التسمية على الذبح لقوله " و ~~يذكروا اسم الله " إذ التقدير وليذكروا، والأمر للوجوب، فقول أبي حنيفة ~~وغيره بالاستحباب بعيد، وعلى كون ذلك في أيام معلومات، مفسرات بالعيد ~~وثلاثة بعده موسعا، وعلى وجوب الأكل، ووجوب التصدق على الفقراء من الأنعام ~~المذبوحة للأمر الظاهر في الوجوب كما ثبت، ولوجوب ما تقدم و ما تأخر بقوله ~~" ثم ليقضوا تفثهم " فيمكن إتمام الاستدلال على المشهور من وجوب تقسيم هدي ~~التمتع أثلاثا: الأكل من الثلث، والتصدق بالثلث على # PageV00P226 # الفقير المؤمن، والاهداء بالآخر إلى المؤمن، وينبغي أن يكون فقيرا، لأنه ~~علم وجوب الأكل والتصدق، وكأن كل من قال بهما قال بالتقسيم المذكور، وما ~~نعرف وجها لقول العلامة بالاستحباب سوى الأصل. # وقال في مجمع البيان: وهذا أي الأكل إباحة وندب، وليس بواجب وكلامه يشعر ~~بوجوب التصدق حيث قال بعد الحكم بأن الأكل ندب، وأطعموا البائس الفقير ~~فتأمل، وكلام الكشاف قريب منه: الأمر بالأكل منها أمر إباحة لأن أهل ~~الجاهلية كانوا لا يأكلون من نسائكهم، ويجوز أن يكون ندبا لما فيه من ~~مواساة الفقراء ومساواتهم، ومن استعمال التواضع، ومن ثم استحب الفقهاء أن ~~يأكل الموسع من أضحيته مقدار الثلث، وقد عرفت دفعه مما سبق، ومعلوم عدم ~~دلالة ما ذكره على تعيين كونه للإباحة أو الندب وهو ظاهر نعم يتوجه إمكان ~~ذلك بالاحتمال، ويندفع بما يقتضي الوجوب فتأمل، على أن في قوله مناقشات ~~الأولى الحكم بأن الأمر للإباحة ثم تجويز الندب وتعليله بقول الفقهاء ~~بالندبية المذكورة لجواز كون الأمر للندب، مع أن كونه للندب أقرب من كونه ~~للإباحة غير جيد الثانية عدم الاستحباب عند الكل وهو ظاهر في ذلك (1) ~~الثالثة استحباب ms194 أكل مقدار الثلث فإنه ظاهر في كله والمراد الأكل منه وهو ~~ظاهر ومبين. # وبالجملة الحكم بالاستحباب كما فعله العلامة وغيره مشكل لأن ظاهر الآية ~~وجوب الأكل، والاعطاء إلى الفقراء، وكذا قوله تعالى " فإذا وجبت جنوبها ~~فكلوا منها وأطعموا القانع والمعتر " (2) وهذه أيضا ما تدل على التقسيم ~~المشهور إلا أن يكون المراد بإطعام القانع التصدق على الفقير، وباطعام ~~المعتر الاهداء إلى المؤمن، ولكن فهم ذلك مشكل، ولو كان قائل بوجوب الأكل ~~منه و إعطاء الباقي إلى الفقير البائس والقانع والمعتر لكان القول به جيدا، ~~والحاصل أن هذا هو مقتضى الآية وما أحفظ الآن الأخبار، والظاهر أن لا دلالة ~~فيها أيضا على المشهور. # PageV00P227 # " ثم ليقضوا تفثهم " في الكشاف قضاء التفث قص الشارب والأظفار ونتف الإبط ~~وفي مجمع البيان: ليزيلوا قشف الاحرام (1) من تقليم ظفر وأخذ شعر و غسل ~~واستعمال طيب وقيل معناه ليقضوا مناسك الحج كلها عن ابن عباس وابن عمر، قال ~~الزجاج قضاء التفث كناية عن الخروج من الاحرام إلى الاحلال والمراد به قص ~~الشعر ونتف الإبط وغيره من إزالة الشعر بأي وجه كان " وليوفوا نذورهم ~~وليطوفوا بالبيت العتيق " ويجب أن يفعلوا ما وجب عليهم في الحج بالنذر ~~وأخويه كأنه كان متعارفا أن ينذروا أعمال البر في حجهم ولا خصوصية له بالحج ~~فإنه يجب إيفاء النذر مطلقا ويمكن أن يكون لكونه مكانا شريفا وزمانا كذلك ~~يضاعف فيه الأعمال الحسنة فأمروا بالوفاء هناك في تلك الأزمنة لذلك فتدل ~~على سعة وقت النذر وأفضلية المكان والزمان، قال في مجمع البيان: قال ابن ~~عباس هو نحر ما نذروا من البدن وقيل: ما نذروا من أعمال البر في أيام الحج ~~وما نذروا إن رزقهم الله الحج أن يتصدقوا، وإن كان على الرجل نذور مطلقة ~~فالأفضل أن يفي بها هناك. # ويجب طواف البيت الذي في المسجد الحرام وهو القبلة سمي بالعتيق لأنه أول ~~بيت وضع للناس، وقيل غير ذلك أيضا، وقيل المراد طواف الزيارة وقيل طواف ~~النساء ويحتملها معا وقيل طواف الوداع ويحتمل الكل مجازا والظاهر ms195 الأول حيث ~~كان الكلام في الحج، وأنه ذكره بعد التحليل والذبح، ويمكن فهم وجوب الترتيب ~~في الجملة بين مناسك منى فافهم " ذلك " خبر مبتدأ محذوف أي الأمر والشأن ~~ذلك، وفي مجمع البيان: أي هكذا أمر الحج والمناسك " ومن يعظم حرمات الله ~~فهو " أي التعظيم " خير له عند ربه " في الآخرة، والحرمة ما لا يحل هتكه، ~~وجميع ما كلفه الله عز وجل بهذه الصفة من مناسك الحج وغيرها، فيحتمل # PageV00P228 # أن يكون عاما في جميع التكاليف، ويحتمل أن يكون خاصا فيما يتعلق بالحج، و ~~عن زيد بن أسلم: الحرمات خمس الكعبة الحرام، والمسجد الحرام، والبلد الحرام ~~والشهر الحرام، والمحرم حتى يحل، فينبغي تعظيم المحرم أيضا بل جميع من هو ~~مشتغل بالعبادة، ومعنى التعظيم العلم بأنها واجبة المراعاة والحفظ، والقيام ~~بمراعاتها. # " وأحلت لكم الأنعام " يعني جميع الأنعام حلال " إلا ما يتلى عليكم " آية ~~تحريمه مثل قوله تعالى في سورة المائدة " حرمت عليكم الميتة والدم ولحم ~~الخنزير وما أهل لغير الله به والمنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة وما ~~أكل السبع إلا ما ذكيتم وما ذبح على النصب (1) الآية ونحوها، وحاصله أن ~~الله قد أحل لكم الأنعام كلها إلا ما استثناه في كتابه، ويحتمل أن يجعل أعم ~~أي إلا ما يعلمكم أنه حرام بأي وجه كان بالهام وقرآن وكلام آخر، ونحو ذلك، ~~فحافظوا على حدوده وإياكم أن تحرموا مما أحل الله شيئا كتحريم عبدة الأوثان ~~البحيرة و السائبة (2) وغير ذلك وأن تحلوا مما حرم الله شيئا كاحلالهم أكل ~~الموقوذة و الميتة وغير ذلك، هكذا في الكشاف فدلت على الحكم المذكور فيها " ~~واجتنبوا الرجس من الأوثان " في مجمع البيان: أي اجتنبوا الرجس الذي هو ~~الأوثان فمن بيانية، وروى أصحابنا أن اللعب بالشطرنج والنرد وسائر أنواع ~~القمار من ذلك، وهو غير واضح، وكأن للوثن معنى آخر يصدق عليها حقيقة أو ~~مجازا، و قيل إنهم كانوا يلطخون الأوثان بدماء قرابينهم فسمي ذلك رجسا " ~~واجتنبوا قول الزور " وهو الكذب وروى أصحابنا أنه يدخل فيه الغنا (3) وسائر ~~الأقوال الملهية وروى أيمن ms196 بن حزيم عن رسول الله صلى الله عليه وآله أنه ~~قام خطيبا فقال: يا أيها # PageV00P229 # الناس عدلت شهادة الزور الشرك بالله - وزاد في الكشاف مرتين - ثم قرأ: " ~~واجتنبوا الرجس " الآية يريد أنه قد جمع في النهي بين عبادة الوثن وشهادة ~~الزور، فقول الزور شهادة الزور، وقيل هو الكذب والبهتان، وقيل: قولهم هذا ~~حلال وهذا حرام وغير ذلك من افترائهم وفي الكشاف لما حث على تعظيم حرماته، ~~وأحمد من يعظمها أتبعه الأمر باجتناب الأوثان وقول الزور، لأن توحيد الله ~~ونفي الشركاء عنه و صدق القول أعظم الحرمات وأسبقها خطرا، وجمع الشرك وقول ~~الزور في قرآن واحد، وذلك أن الشرك من باب الزور، لأن المشرك زاعم أن الوثن ~~يحق له العبادة فكأنه قال فاجتنبوا عبادة الأوثان التي هي رأس الزور، ~~واجتنبوا قول الزور كله لا تقربوا شيئا منه لتماديه في القبح والسماجة، وما ~~ظنك بشئ من قبيل عبادة الأوثان، وسمى الأوثان رجسا وكذلك الخمر والميسر ~~والأزلام على طريق التشبيه، يعني إنكم كما تنفرون بطباعكم عن الرجس ~~وتجتنبونه فعليكم أن تنفروا عن هذه الأشياء، مثل تلك النفرة، ونبه على هذا ~~المعنى بقوله " رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه " جعل العلة في اجتنابه أنه ~~رجس والرجس مجتنب، و فهم هذا كله لا يخلو عن بعد فافهم، ومعلوم دلالتها على ~~ما فيها من الأحكام على كل الأقوال، فلا يحتاج إلى التصريح بها. # " ولكل أمة جعلنا (1) " أي شرع الله لكل أمة " منسكا " هديا ينسكونه لوجه ~~الله وعلى وجه القربة، وجعل العلة في ذلك أن يذكر اسمه بقوله " ليذكروا اسم ~~الله على ما رزقهم من بهيمة الأنعام " ففيها أيضا دلالة على ذبح الهدي، ~~وذكر الاسم عليه وكذا في غيرها أيضا. # " والبدن (2) " جمع بدنة وهي الإبل " جعلناها لكم من شعائر الله " من ~~أعلام الشريعة التي شرعها الله، وإضافتها إلى اسم الله تعظيم لها " لكم ~~فيها خير " أي منافع الدنيا والآخرة لأن من احتاج إلى لبنها شربها، وإلى ~~ظهرها ركبها " فاذكروا # PageV00P230 # اسم الله عليها " وذكر اسم الله عبارة ذكر التسمية ms197 عند النحر كما مر غير ~~مرة " صواف " قائمات ولهذا قالوا يستحب نحرها قائمة قد صففن أيديهن وأرجلهن ~~" فإذا وجبت جنوبها " أي إذا وقعت جنوبها على الأرض أي ماتت بالنحر " فكلوا ~~منها وأطعموا " منها " القانع " الذي يقنع بما يعطى " والمعتر " الذي ~~يعتريك ويسألك أن تعطيه، وقد مر البحث فيه. # * (الثاني) * * (في أنواعه وأفعاله وشئ من أحكامه) * وفي آيات: # الأولى: وأتموا الحج والعمرة لله فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي ولا ~~تحلقوا رؤسكم حتى يبلغ الهدي محله فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ~~ففدية من صيام أو صدقة أو نسك فإذا أمنتم فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما ~~استيسر من الهدي فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم تلك ~~عشرة كاملة ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام واتقوا الله واعلموا ~~أن الله شديد العقاب (1). # المراد بالحج والعمرة معناهما الشرعي المتعارف عند الفقهاء، ولهما أفعال ~~مخصوصة معلومة من كتب الفروع، وأتموهما يعني أتوا بهما تامين مستجمعين ~~للشرائط مع جميع المناسك وتأدية كل ما فيهما، كذا في الكشاف وتفسير القاضي ~~ومجمع البيان، أي المراد الاتيان بهما لا الاتمام بعد الشروع فيهما، ويؤيده ~~قراءة أقيموا الحج والعمرة، قال القاضي: وقيل إتمامهما أن تحرم بهما من # PageV00P231 # دويرة أهلك أو تفرد لكل منهما سفرا، أو أن تجرده لهما، ولا تشوبه بغرض ~~دنيوي أو أن يكون النفقة حلالا، وفي الخبر الصحيح أن الاحرام من الميقات من ~~تمام الحج وفي حسنة عمر بن أذينة قال كتبت إلى أبي عبد الله عليه السلام ~~بمسائل بعضها مع ابن بكير وبعضها مع أبي العباس وجاء الجواب باملائه عليه ~~السلام سألت عن قول الله عز وجل " ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه ~~سبيلا " يعني به الحج والعمرة جميعا لأنهما مفروضان وسألت عن قول الله عز ~~وجل: # " وأتموا الحج والعمرة لله " قال يعني بتمامهما أداءهما واتقاء ما يتقي ~~المحرم فيهما، وسألت عن قوله تعالى " الحج الأكبر " ما يعني بالحج الأكبر ~~فقال: الحج الأكبر ms198 الوقوف بعرفة ورمي الجمار والحج الأصغر العمرة (1) وقال ~~في مجمع البيان: وقيل معناه أقيموهما إلى آخر ما فيهما، وهو المروي عن أمير ~~المؤمنين وعلي بن الحسين وعن سعيد بن جبير ومسروق والسدي " لله " أي لوجه ~~الله يعني اقصدوا الحج والعمرة لله، وافعلوهما له خاصة، أي لامتثال أمره ~~ولموافقة إرادته وثوابه كما قيل في النية. # فعلى هذه التفاسير كلها تدل الآية على وجوب الحج والعمرة ابتداءا وإن لم ~~يكن شرع فيهما، والظاهر أنه لا خلاف عندنا فيه، ويدل عليه الأخبار أيضا ~~وعلى وجوب القربة في فعلهما، فيفهم وجوب النية فيهما وفي سائر العبادات ~~لعدم القائل بالفصل كما هو مذهبنا، فاندفع بها قول الحنفي بعدم وجوب النية، ~~و عدم وجوب العمرة، وأما دلالتها حينئذ على إتمام الحج المندوب، وإتمام ~~الحج الواجب الفاسد والعمرة كذلك كما قيل فليست بواضحة إلا بتكلف، نعم لا ~~يبعد وجوب إتمامهما في الفاسد بدليل وجوب أصلهما، وأصل عدم سقوط الباقي ~~بالإفساد والأصل بقاؤه. # ولكن ظاهر الآية مع قطع النظر عن التفاسير التي تقدمت وجوب إتمامهما بعد ~~الشروع، فتفيد وجوب إتمام كل منهما بعد الشروع فيهما ندبا أو مع الافساد # PageV00P232 # وحينئذ لا تدل على وجوبهما أصالة وقبل الشروع. # والعجب من صاحب الكشاف (1) أنه فسر أتموا الحج والعمرة لله بأتوا بهما ~~تأمين كاملين بمناسكهما وشرائطهما لوجه الله من غير توان ولا نقصان، وسلم ~~أن الأمر باتمامهما أمر بأدائهما بدليل قراءة من قرأ " وأقيموا " مع أنها ~~غير ظاهرة في ذلك والقراءة غير ثابتة، وسلم أيضا أن الأمر للوجوب، وقال ~~أيضا في آية الوضوء تفسير لفظ واحد بمعنى الوجوب والندب مثل فاغسلوا إلغاز ~~وتعمية، فلا يجوز وقال: فإن قلت: فهل فيه دليل على وجوب العمرة؟ قلت: ما هو ~~إلا أمر باتمامهما ولا دليل في ذلك على كونهما واجبين أو تطوعين فقد يؤمر ~~باتمام الواجب والتطوع جميعا إلا أن نقول الأمر باتمامهما أمر بأدائهما، ~~بدليل قراءة من قرأ " وأقيموا الحج والعمرة " والأمر للوجوب في أصله إلا أن ~~يدل دليل على خلاف الوجوب كما ms199 دل في قوله تعالى " فاصطادوا " " فانتشروا " ~~ونحو ذلك فيقال لك: فقد دل الدليل على نفي الوجوب وهو ما روي أنه قيل: يا ~~رسول الله صلى الله عليه وآله العمرة واجبة مثل الحج؟ قال: # لا، ولكن أن تعتمر خير لك، وعنه صلى الله عليه وآله الحج جهاد والعمرة ~~تطوع وقال والدليل الذي ذكرنا أخرج العمرة من صفة الوجوب فبقي الحج وحده ~~فيها، فهما بمنزلة قولك: صم شهر رمضان وستة من شوال فإنك تأمره بفرض وتطوع. # وأجاب عن معارضتهما بقول ابن عباس إن العمرة لقرينة الحج بأن معناه إن ~~القارن يقرن بينهما، أو أنهما تقترنان في الذكر فيقال حج فلان واعتمر، وعن ~~المعارضة بقول عمر لرجل قال: إني وجدت الحج والعمرة مكتوبين علي أهللت بهما ~~جميعا: " هديت لسنة نبيك " بأن الرجل فسر كونهما مكتوبين بقوله أهللت لأنه ~~ارتكب تفسير الآية أولا بغير الظاهر، مع كونه خلاف الخبر الذي نقله. # ومنع حمل اللفظ على الوجوب والندب، معا، وقال إنه إلغاز وتعمية، و ارتكبه ~~هنا مع إمكان حملها على ما لا ينافي بل هو الظاهر كما مر، فإن ظاهرها الأمر ~~بالاتمام بعد الشروع وأشار إليه بقوله: " ما هو إلا أمر باتمامهما " ولا شك # PageV00P233 # أنه مناف للمعنى الذي ذكره أولا وهو ظاهر، على أنه يبعد بل لا يجوز اخراج ~~الآية التي هي قطعية عن معناها بعد القول بذلك المعنى إلى معنى آخر، وحملها ~~على المجاز بمثل هذين الخبرين اللذين هما غير معلومي الصحة، ولا ظاهري ~~الدلالة، بحيث يقتضي ترك القاطع بسببهما، إذ نفي وجوب مثل وجوب الحج لا يدل ~~على نفي مطلق الوجوب دلالة يقتضي ذلك وكذا كون الاتيان بالعمرة خيرا لا ~~ينفي وجوبها مطلقا وكذا كون الحج جهادا، والعمرة تطوعا لاحتمال التطوع ~~وجوبا لا يكون مثل وجوب الجهاد، مع أنه لا عموم لهما، لاحتمال أن يكون ~~المراد عمرة بعد فعل الحج مع عمرته مفردا أو قارنا أو متمتعا، يعني لا تجب ~~عمرة أخرى غير التي لا بد منها مع الحج مقدمة أو مؤخرة، مع ms200 أنه سلم ~~معارضتهما بقول ابن عباس وعمر. # وبالجملة ترك القرآن القاطع لا يمكن إلا بقاطع إما من حيث المتن أو ~~الدلالة وأما الجواب عن المعارضة بقول ابن عباس وعمر مع أنها غير موجهة إذ ~~قد يكون ذلك رأيه، والهداية لسنة النبي صلى الله عليه وآله لا يستلزم ~~الوجوب وكذا تسليم عمر مكتوبيته مع أنها مبينة بالسنة ويجوز كونها باعتقاده ~~وفهمه سنة، ولأنه ليس مما يصلح للمعارضة بخبر النبي صلى الله عليه وآله وهو ~~ظاهر لأنه يطرح قول عمر عند قوله، ولأنه ليس معنى خبر ابن عباس أنهما ~~مقارنان في الذكر أو القارن يقرن بينهما بل أنهما مقارنان في أحكام الشرع، ~~وهو ظاهر، وأيضا ليس أهللت تفسيرا للمكتوب وهو أيضا ظاهر، فإنه مرتب عليه، ~~ولهذا نقل في بعض النسخ فأهللت. # والعجب من القاضي أيضا أنه سلم المعارضة حيث قال بوجوب العمرة للآية ~~وأجاب عن الخبر بأنه معارض حيث قال وما روى جابر عنه صلى الله عليه وآله ~~قيل: يا رسول الله إلى آخر ما نقلناه معارض بما روي أن رجلا إلى آخر خبر ~~عمر، وأجاب عن كون أهللت تفسيرا بما قلناه من أنه رتب الاهلال على الوجدان، ~~وهو ظاهر. # الحصر والاحصار هو المنع كالصد والاصداد، قال في الصحاح (1) حصر # PageV00P234 # الرجل وأحصر على ما لم يسم فاعله، قال ابن السكيت أحصره المرض إذا منعه ~~من السفر أو من حاجة يريدها، قال الله تعالى " فإن أحصرتم " ثم قال: وقد ~~حصره العدو يحصرونه إذا ضيقوا عليه وأحاطوا به، وحاصروه محاصرة، وحصرت ~~الرجل فهو محصور أي حبسته قال وأحصرني بولي وأحصرني مرضي: أي جعلني أحصر ~~نفسي قال أبو عمرو الشيباني حصرني الشئ وأحصرني أي حبسني فقد علم أنه في ~~الأصل المنع عن الشئ مطلقا سواء كان المانع المرض أو العدو، ولكن الظاهر ~~مما قيل في سبب نزوله من أنه نزل في الصد في الحديبية وقوله تعالى " فإذا ~~أمنتم " أن المراد به هنا هو الصمد بالعدو، وقوله " حتى يبلغ الهدي محله " ~~يدل على أنه بالمرض إذ ms201 البعث إنما هو في المرض عند أصحابنا وأما حكم الصد ~~بالعدو، عند أصحابنا والشافعي فهو الذبح موضع الصد، كما بين في الفقه، ونقل ~~من فعله صلى الله عليه وآله ذلك في الحديبية، وهي من الحل على ما قالوا، ~~وحمل الآية على بلوغ الهدي موضعا يحل ويبيح ذبحه فيه، حلا كان أو حرما، كما ~~هو مذهب مالك والشافعي بعيد جدا لأنه تصير لفظة حتى والبلوغ لغوا وكذا ~~المحل لحصول الاجمال مع الزيادة، إذ المناسب حينئذ الاختصار على " فما ~~استيسر من الهدي " أو يضم إليه " فيه " يعني فعليكم ذبح هدي ميسر في ذلك ~~المكان حينئذ وأما عند أبي حنيفة فلا فرق بينهما، ومحل الهدي هو الحرم ~~وزمانه متى شاء فالبعث متحقق عنده فيهما في بعض الأوقات، بأن يكونا في الحل ~~لا في الحرم، فيرد عليه أيضا الاشكال الذي ورد على الشافعي في الجملة على ~~أنه ينافيه فعله صلى الله عليه وآله في الحديبية بناء على أنه من الحل على ~~ما قالوه. # وأما أصحابنا فكأنهم يجعلونه مخصوصا بالمرض، وما يسلمون سبب النزول و ~~يجعلون " أمنتم " بمعنى أمنتم من المرض فقط أو العدو أيضا وإن لم يكن منع ~~العدو مذكورا بخصوصه ويجعلون مكان الهدي في العدو موضعه وزمانه زمان إرادة ~~التحليل قبل أن يفوت الحج ويخصون ذلك باسم الصد سواء كان في الحج أو ~~العمرة، وفي المرض: منى، يوم النحر إن كان حاجا ومكة، الساعة التي وعدهم ~~فيها إن كان PageV00P235 # معتمرا، فلا بد فيه من البعث لأنه ممنوع عن الوصول إلى محل الذبح المذكور ~~فرضا، فعندهم فرق بينهما بذلك وبغيره أيضا مثل حصول التحلل في المصدود، من ~~كل ما حرمه الاحرام حتى النساء كما حصل للنبي صلى الله عليه وآله ولأصحابه ~~في الحديبية بخلاف المحصور فإنه لا يحل له النساء حتى يطوف طوافهن بنفسه ~~إلا أن لا يحصل له المضي إلى مكة فيستنيب. # ودليلهم على ذلك وباقي الأحكام من المشتركة والمختصة - مثل وجوب نية ~~التحلل بالذبح، وأوجب بعضهم الحلق أو التقصير أيضا معه للتحلل ms202 كالشيخ زين ~~الدين في شرح الشرايع استدلالا بالآية المذكورة، ولا دلالة فيها بل على ~~عدمه كما سيظهر - أخبار عن أهل البيت عليهم السلام مثل صحيحة معاوية بن ~~عمار وحسنته عن أبي عبد الله عليه السلام قال سمعته يقول المحصور غير ~~المصدود، المحصور المريض، والمصدود الذي يصده المشركون كما ردوا رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وأصحابه ليس من مرض، و المصدود يحل له النساء، والمحصور ~~لا يحل له النساء. # قال: وسألته عن رجل أحصر فبعث بالهدي قال: يواعد أصحابه ميعادا، إن كان ~~في الحج فمحل الهدي منى يوم النحر، فإذا كان يوم النحر فليقصر من رأسه ولا ~~يجب عليه الحلق حتى يقضي المناسك، وإن كان في عمرة فلينظر مقدار دخول ~~أصحابه مكة، والساعة التي يعدهم فيها، فإذا كان تلك الساعة، قصر وأحل و إن ~~كان مرض في الطريق بعد ما أحرم فأراد الرجوع إلى أهله رجع ونحر بدنة أو ~~أقام مكانه حتى يبرء إذا كان في عمرة، وإذا برئ فعليه العمرة واجبة، وإن ~~كان عليه الحج رجع أو أقام ففاته الحج فإن عليه الحج من قابل، فإن الحسين ~~ابن علي خرج معتمرا فمرض في الطريق فبلغ عليا عليه السلام ذلك وهو في ~~المدينة فخرج في طلبه فأدركه بالسقيا (1) وهو مريض بها فقال يا بني ما ~~تشتكي؟ فقال أشتكي رأسي فدعا علي عليه السلام ببدنة فنحرها وحلق رأسه ورده ~~إلى المدينة فلما برأ من # PageV00P236 # وجعه اعتمر قلت أرأيت حين برأ من وجعه قبل أن يخرج إلى العمرة حل له ~~النساء؟ # قال لا يحل له النساء حتى يطوف بالبيت وبالصفا والمروة. قلت فما بال رسول ~~الله صلى الله عليه وآله حين رجع من الحديبية حلت له النساء، ولم يطف ~~بالبيت؟ قال ليسا سواء كان النبي صلى الله عليه وآله مصدودا والحسين محصورا ~~(1). # ومثله صحيحته أيضا قال سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول المحصور غير ~~المصدود وقال: المحصور هو المريض، والمصدود هو الذي يرده المشركون كما ردوا ~~رسول الله صلى الله عليه ms203 وآله ليس من مرض، والمصدود تحل له النساء، ~~والمحصور لا يحل له النساء (2) وغير ذلك من الأخبار. # ولا شك في دلالة الأخبار على المطلوب كما ترى، ولكن في الرواية الأولى ~~دلالة على جواز النحر بل وجوبه موضع الحصر، ولا يجب البعث وهو خلاف ما ذهب ~~إليه الأصحاب وأيضا في متنها أشياء حتى أنه فعل يتوهم المنافاة بين أولها ~~وآخرها مما نقل عن فعله عليه السلام بالحسين عليه السلام وأيضا فيها تغيرات ~~ففي التهذيب غير الذي في الكافي وفي الفقيه غيرهما (3) فإن فيه أنه فعل ~~الحسين ذلك بنفسه لا أمير المؤمنين عليه السلام وفي التهذيب فيها زيادة بعد ~~قوله " فإن عليه الحج من قابل ": " فإن ردوا الدراهم عليه، ولم يجدوا هديا ~~ينحرونه وقد أحل، لم يكن عليه شئ ولكن يبعث من قابل ويمسك أيضا ". والأصحاب ~~حملوها على أنه محل ولا يبطل إحلاله، ولكن يبعث الهدي في قابل ويمسك عما ~~يمسك عنه المحرم من حين البعث، ومثلها ما في رواية غير صحيحة في الكافي قلت ~~له - أي لأبي جعفر عليه السلام أرأيت إن ردوا عليه دراهمه ولم يذبحوا عنه، ~~وقد أحل فأتى النساء؟ قال: فليعد أي ثمن الهدي وليمسك الآن عن النساء إذا ~~بعث (4). # PageV00P237 # فقال بعض لا يعقل وجوب الامساك بعد تحقق التحلل فحمل على الاستحباب وقال ~~بعض إنه لا استبعاد بعد وقوعه في النص وأنت تعلم أن قوله عليه السلام فإن ~~ردوا الدراهم عليه لا يدل على أنه محل حتى يرد الاستبعاد، ويحتاج إلى ~~التكلف في دفعه، بل الظاهر أن معناه ما عليه إثم ولا كفارة، ولكن يبعث ~~ويكون محرما ممسكا عما يمسك عنه المحرم، كما كان قبل البعث، إذ قد يراد ~~بقوله " وقد أحل " أنه فعل أفعال المحل واعتقد أنه محل ويؤيده " فأتى ~~النساء " في الثانية. على أن هذه الزيادة ليست بموجودة في غير التهذيب، ~~والثانية ضعيفة، فلو لم يكن لهم دليل على ذلك من إجماع ونحوه لم يبعد القول ~~بما ذكرناه فيندفع الاشكال. # وأيضا يمكن القول بالتخيير في المحصور ms204 بالمرض وحمل فعله عليه السلام ~~بالحسين على الجواز وكذا البعث بمعنى أحد الفردين الواجبين على التخيير حتى ~~يندفع التنافي بين الروايات، بل بين أول هذه الرواية وآخرها كما وقع في ~~التهذيب و الكافي فإن فيها فعل أمير المؤمنين عليه السلام هو الذبح مكان ~~الحصر مع التصريح قبله بالبعث. # فالمعنى على ما يفهم من رأي الأصحاب فإن منعتم بالمرض من الحج أو العمرة ~~بعد كونكم محرمين بأحدهما، وأردتم الاحلال أو مطلقا كما هو الظاهر من اللفظ ~~فعلى الثاني يكون الاحلال بالهدي واجبا أراد التحلل أم لا، وعلى الأول على ~~تقدير الإرادة، والثاني هو المفهوم من ظاهر الآية والأول هو المفهوم من ~~كلام الأصحاب فعليكم أو فالواجب عليكم أو فاذبحوا أو اهدوا أو ابعثوا ~~للتحلل ما استيسر من أي نوع كان من الهدي إبلا أو بقرة أو شاة أي فتحللوا ~~إذا ظننتم ذبح الهدي فما إما خبر مبتدأ محذوف أو مبتدأ خبره محذوف، أو ~~مفعول فعل محذوف والجملة جزاء " إن أحصرتم ". # ويحتمل كون الحصر بمعنى المنع المطلق كما في اللغة لا بالمعنى المصطلح ~~عندهم، فيكون التقدير " ولا تحلقوا رؤسكم حتى يبلغ الهدي محله " إن بعثتم ~~كما في المريض وحتى يذبح في محله إن كان المنع بالعدو كما وقع في الحديبية ~~فتركه PageV00P238 # في الآية لوقوعه في الحديبية وظهوره وبيانه بالأخبار كما في سائر الآيات، ~~أو يجعل بلوغ الهدي محله كناية عن حصول ذبحه في محله في العدو، محل الصد، ~~وفي المرض ما مر ويكون ذلك البيان مستفادا من الأخبار، ومع أنه غير بعيد من ~~الفهم لدلالة العقل على عدم البعث حين الصد بالعدو غالبا، ولعل معنى " ولا ~~تحلقوا رؤسكم حتى يبلغ الهدي محله " لا تحلوا مما أحرمتم ولا تخرجوا من ~~الاحرام حتى يبلغ هديكم الواجب عليكم للتحليل في المحل الذي يحل ويجوز ~~ويباح ذبحه أو نحره فيه، بمعنى عدم التحريم فلا ينافي الوجوب في ذلك المحل ~~وهو مكة إن كان محرما بالعمرة، ومنى يوم النحر إن كان محرما بالحج، فالحلق ~~الذي هو أقوى ms205 ما يحصل به الاحلال أطلق وأريد منه ذلك أو يكون بمعناه يعني ~~لا تحلقوا إلى ذلك الوقت، ويفهم غيره أيضا بالمقايسة أو يقدر: ولا تفعلوا ~~شيئا من محرمات الاحرام، ولعل الأول أولى. # ثم اعلم أن هنا أبحاثا: # الأول: هل الهدي واجب على الممنوع مطلقا أو مقيدا بإرادة التحلل الظاهر ~~من الآية الأول فيجب الذبح والتحلل أيضا وتقييد القاضي وغيره الآية بقوله: # إن أردتم التحلل كما أشرنا إليه غير ظاهر الوجه. # الثاني: هل هو مخصوص بصورة عدم الشرط وقت الاحرام بقوله حلني حيث حبستني ~~أو مطلق، الظاهر هو الثاني لعدم القيد في الآية، وعدم ثبوت المخصص ومجرد ~~الاشتراط لا يدل عليه إذ قد يكون فائدته مجرد حصول الثواب أو غيره، والأول ~~مذهب السيد المرتضى وهو بعيد عنه، لعدم خروجه عن الآية إلا بيقين ولا يقين ~~وهو يفهم من الفقيه أيضا وفي صحيحة حمزة بن حمران الذي ما وثق بل قيل له ~~كتاب في باب الحصر من الفقيه سئل أبو عبد الله عليه السلام عن الذي يقول ~~حلني حيث حبستني فقال: هو حل حيث حبسه الله عز وجل، قال أو لم يقل، ولا ~~يسقط الاشتراط عنه الحج من قابل (1) وكذا في حسنة زرارة في التهذيب في باب ~~الاحرام هو حل إذا # PageV00P239 # حبسه اشترط أو لم يشترط (1) دلالة ما على سقوط الهدي مع الشرط وبدونه، ~~ولكن يقيدان بالآية، ويؤيده عدم السقوط بدون الشرط بالإجماع على الظاهر، ~~ولصحيحة محمد بن مسلم ورفاعة عن أبي عبد الله عليه السلام أنهما قالا: ~~القارن يحصر، وقد قال و اشترط " فحلني حيث حبستني " قال يبعث بهديه، قلنا ~~هل يتمتع من قابل؟ قال: # لا، ولكن يدخل في مثل ما خرج منه (2) فإن فيهما دلالة على عدم السقوط ~~وفيهما دلالة أيضا على عدم إجزاء التمتع عن القران، فلا يصح العدول مطلقا ~~أيضا، و ذلك مذهب البعض وليس بجيد. # الثالث: هل يتحقق الاحلال بمجرد حضور وقت المواعدة لنائبه في الذبح أو لا ~~بد من تقصير أو حلق مع نية التحلل بهما؟ ms206 أكثر الروايات خالية عنه والأصل ~~أيضا مؤيد، ولكن الاستصحاب يقتضي البقاء على الاحرام حتى يتحقق المحلل (3) ~~وصحيحة معاوية المتقدمة حيث قال فيها فليقصر صريحة في وجوب التقصير وكذا ~~قوله فيها قصر وأحل يدل على وجوب التقصير فتأمل وكأنه لا قائل بتعينه فيكون ~~واجبا مخيرا بينه وبين الحلق، ويمكن استفادته من الآية حيث قال فيها " ولا ~~تحلقوا " أي لا تحلوا بمعنى لا تفعلوا شيئا يحللكم حتى يبلغ، فيفهم من ~~الغاية حينئذ وجوب فعل المحلل وليس إلا الحلق أو التقصير أو أنه نفى وجوب ~~الحلق إلى حين بلوغ الهدي، فيكون التقدير فاحلقوا بعد البلوغ فتأمل أو يقال ~~يكفي انتهاء التحريم فيفهم جواز الحلق بعده، ويحتمل أن يكون المراد كما هو ~~الظاهر لا تفعلوا من محرمات الاحرام حتى يبلغ ثم يحل ذلك لكم بمعنى رفع ~~الحظر والمنع والتحريم فيفهم جواز الحلق بعد البلوغ، فلا يكون التقصير ~~متعينا وقد علم كونه واجبا فيكون الحلق مثله فتأمل. # الرابع: هل النية واجبة لهذا الحلق أو التقصير وشرط بحيث إذا انتفت # PageV00P240 # انتفى التحلل. الظاهر من كلام الأصحاب ذلك، ولعل دليلهم الاجماع أو ~~الاحتياط أو كونه عبادة فلا بد لها من نية، وبالجملة استفادة التحليل على ~~الوجه الذي يفهم من فتوى الأصحاب لا يخلو من مناقشة وإن كان الاحتياط ~~يقتضيه. # الخامس: هل يحل له كل ما حرمه الاحرام أم لا؟ ظاهر الآية هو العموم حيث ~~قيد بقاء التحريم إلى بلوغ الهدي، فيرتفع المنع المتقدم وهو الظاهر وإن لم ~~يكن نصا إلا أنه في بعض الروايات الصحيحة مثل صحيحة معاوية ما يدل على بقاء ~~تحريم النساء حتى يطوف بالبيت ويسعى بنفسه، وإن تعذر فبنائبه، وإن أمكن مع ~~إمكانه أيضا إذا لم يتفق وصوله إلى مكة وهو ظاهر من كلام الدروس والأصل ~~خلافه، حتى يثبت بالدليل، فإن ظاهر الرواية الدالة على وجوب الطواف للتحليل ~~هو طوافه بنفسه، وغيره لا يجزئ إلا بالدليل، وأيضا الظاهر أنه طواف ~~الزيارة، ولهذا قال حتى يطوف بالبيت وبالصفا والمروة أي يسعى فالحمل على ~~طواف النساء ms207 وتجويز النيابة مع القدرة كما فعله فيه محل التأمل. # السادس: أن هذا الطواف هل هو شرط إذا كان الحصر في العمرة المتمتع بها أم ~~لا؟ قال: في الدروس بالثاني للأصل، وعدم وجوبه فيها، فإنه يحصل تحلل النساء ~~بمجرد التقصير، وهو محل التأمل إذ ظاهر الروايات عامة وما علم أن المراد ~~طواف النساء لما مر، على أن عدمه فيها إذا حصل جميع أفعالها لا يدل على ~~عدمه فيها، إذا لم يحصل ذلك، ولهذا ما كان التحلل محتاجا إلى الهدي هناك، ~~وهنا يحتاج إليه، وأيضا ما كان الحلق هناك جائزا وهنا يجب، ويصير محللا، ~~وبالجملة بعد ثبوت الدليل لا يبقى للاجتهاد والاستبعاد محل. # السابع: الظاهر جواز الذبح للمحصور أيضا في مكانه، وليس بعيدا من الآية ~~ويدل عليه فعل أمير المؤمنين والحسين عليهما السلام كما مر فيكون مخيرا بين ~~البعث والذبح مكانه كما هو مذهب ابن الجنيد المنقول في الدروس وإن احتمل ~~الجمع بالقارن وغيره بأن يكون البعث واجبا في الأول والذبح في الثاني، ولكن ~~الظاهر أنه بعيد، لأن الآية تصير مختصة بحكم بعض الحاج والمعتمر، أي القارن ~~PageV00P241 # منهما، وأيضا يدفعه فعل الحسين عليه السلام كما نقله في الفقيه في باب ~~الحصر (1) أنه عليه السلام كان ساق الهدي بدنة ونحرها في مكانه، وكذا الحمل ~~على التطوع والواجب. # الثامن: هل يكفي هدي القارن عن هذا أم لا؟ ظاهر الآية ذلك وكذا بعض ~~الأخبار كما مر في صحيحتي محمد ورفاعة وغيرهما وبعض الأصحاب أوجب الاثنين ~~وورد به رواية مثل صحيحة معاوية في الفقيه فتحمل على الندب أو على وجوب ~~السوق بنذر وشبهه وإلا فالظاهر أن الواحد يكفي كما مر. # التاسع: هل يجب تقسيم هذا الهدي مثل هدي التمتع أو صرف كله على الفقراء، ~~أم لا يجب شئ؟ الظاهر العدم، بل يكون ملكا له للأصل، وإنما وجب الذبح وهو ~~لا يدل على صرفه إلا أن يدعى أن الغرض من ذبحه حصول النفع للفقراء لا مجرد ~~الذبح، ولا كونه بدل هدي المتمتع بالحج، ولهذا يجب في غيره، ms208 ولعل الاحتياط ~~في صرفه، لكن مع نية الاهداء في ثلثه، ونية التصدق أيضا والتصدق بالباقي. # العاشر: لو ظهر خلاف المواعدة بأن لم يكن نائبه ذبح الهدي أصلا، أو ذبحه ~~بعد تحلله، فالظاهر عدم شئ إذ الظاهر أنه مأمور بالاحلال بحصول ظن البلوغ ~~فما يضر ظهور عدمه بعده، وهو ظاهر الآية والأخبار مثل صحيحة زرعة (2) في ~~باب الزيادات من التهذيب وأخبار الحصر حيث قال فيها: وإن اختلفوا في ~~الميعاد لم يضره إنشاء الله لكنها مضمرة وزرعة واقفي وإن كان ثقة إلا أنه ~~بعينه موجود في صحيحة معاوية بن عمار في الفقيه في باب الحصر (3) ويمكن أن ~~يحمل على عدم حصول ضرر بتحلله، بل يبقى محلا، ولكن يجب عليه بعث هدي آخر إن ~~لم يكن ذبح أصلا ويمسك حينئذ عن محرمات الاحرام إما وجوبا تعبدا أو مندوبا ~~ويحتمل الوجوب # PageV00P242 # من حين البعث والامساك حينئذ عن النساء فقط كما هو ظاهر الأصحاب ويؤيده ~~وجود الامساك بعد البعث فقط (1) في الرواية الصحيحة (2) ولفظه " الآن إذا ~~بعث " في غير الصحيحة (3) أو يحمل على عدم وجوب كفارة بمعنى أنه ما صار ~~محلا بل محرما لا شئ عليه لجهله، مع العمل بالمأمور به، ولكن لا يفعل بعده ~~شيئا ينافي الاحرام حتى يبلغ مثل ما كان [في الكافي]، وليس ببعيد من الآية ~~والأخبار إذ يمكن كون معنى الآية حتى يبلغ الهدي محله في نفس الأمر، ولكن ~~يكتفي بالظن ما لم يعلم خلافه فتأمل. # الحادي عشر: هل لهذا الهدي بدل أم لا فيبقى محرما حتى يوجد؟ نقل في ~~الدروس عن شيخ ذلك، وعن ابن الجنيد خلافه وظاهر الآية مع الشيخ، و لكن لزوم ~~الحرج والضيق المنفي والشريعة السهلة تدل على مذهب ابن الجنيد وكذا حسنة ~~معاوية بن عمار، بل لا يبعد أن يقال: صحيحته لأن وجه الحسن هو إبراهيم بن ~~هاشم أبو علي عن أبي عبد الله عليه السلام أنه قال في المحصور ولم يسق ~~الهدي قال ينسك ويرجع، فإن لم يجد ثمن هدي صام (4) أي يذبح الهدي فيرجع ms209 وإن ~~لم يجد هديا ولا ثمنا صام بدله وتحلل، فحينئذ يكون الصوم بدله ويدل أيضا ~~عليه صحيحة معاوية بن عمار في الفقيه قيل: فإن لم يجد هديا قال أي أبو عبد ~~الله عليه السلام: يصوم، (5) لكن كانت في القارن لعل لا قائل بالفرق. # وأما مقدار الصوم فيحتمل عشرة لأنه بدل الهدي، ويكون الصوم إشارة إليه أو ~~ثلاثة أو ما يصدق، وهو الظاهر للصدق، وأصل عدم الزيادة، والأول أحوط وأحوط ~~منه البقاء حتى يتحقق أو يأتي بأفعال ما أحرم له ويحتمل الانتقال إلى ~~العمرة # PageV00P243 # المفردة كما يقوله الأصحاب فيمن فاته الحج، وهذه الحسنة تدل على جواز ~~الذبح في مكان للمحصور، وإجزاء هدي السياق عن هدي التحلل. # الثاني عشر: هل هذا الحكم مخصوص بالمريض أو جار في كل من يعجز بغير العدو ~~مثل مكسور الرجل، وفائت النفقة، والضال عن الطريق؟ الظاهر ذلك لعموم الآية ~~وبعض الأخبار، وإن كان في البعض تصريح بأن المحصور هو المريض، ولكن في ~~صحيحة البزنطي المذكورة في زيادات الحج من التهذيب بعد أخبار الحصر بأوراق ~~وهي مذكورة في الكافي أيضا في باب الحصر عن أبي الحسن عليه السلام عن محرم ~~انكسرت ساقه أي شئ حل له، وأي شئ [حرم] عليه؟ # قال: هو حلال من كل شئ فقلت من النساء والثياب والطيب؟ فقال نعم من جميع ~~ما يحرم على المحرم، وقال: أما بلغك قول أبي عبد الله عليه السلام " وحلني ~~حيث حسبتني لقدرك الذي قدرت علي "؟ قلت أصلحك الله ما تقول في الحج؟ قال: ~~لا بد أن يحج من قابل، قال: قلت: فأخبرني عن المحصور والمصدود، هما سواء؟ ~~قال: # لا، قلت: فأخبرني عن رسول الله صلى الله عليه وآله حين رده المشركون قضى ~~عمرته؟ فقال: لا ولكنه اعتمر بعد ذلك (1). # فيمكن تقييدها ببعد ذبح الهدي أو البعث للجمع، ومع ذلك يبقى الحكم بحل ~~النساء من غير طوافهن مخالفا لحكم المحصور إلا أن يحمل ما يدل عليه على ~~الاستحباب وهو غير بعيد، سيما للآية، لكن الظاهر أنه ما ذهب إليه ms210 أحد من ~~الأصحاب في المحصور، أو يحمل تلك على غير المشترط وهذه عليه، كما هي ظاهرة ~~فيه، ولا يبعد اخراج منكسر الساق بخصوصه عن حكم المحصور للخبر، وجعل الباقي ~~تحت المحصور كما هو الظاهر من اللغة، وحصر المحصور في المريض كما في بعض ~~الروايات وظاهر عبارات الأصحاب إما للتغليب، أو إرادة غير المنع بالعدو، ~~حيث قوبل بذلك، وبالجملة هو أحسن لأن الاحرام ثابت والخروج عنه [بغير محل] ~~مشكل وبقاؤه كذلك موجب للعسر والضيق المنفي عقلا وشرعا # PageV00P244 # مع شمول الحصر له لغة بل عرفا فتأمل. # ولا يخفى أنه يفهم من هذا الخبر أيضا الفرق بين المحصور والمصدود وأنه لا ~~قضاء للعمرة، إذ لا وقت له، وكذا في الحج، وأن الاشتراط موجب للتحلل في ~~الجملة من غير محلل، وأن الاشتراط مما لا ينبغي تركه فتأمل. # الثالث عشر: قال بعض الأصحاب إن التحلل المذكور في الحج مقيد بعدم فواته ~~فإذا صبر حتى فات الحج فعليه العمرة للتحلل بأن ينتقل بنيته من الحج إلى ~~العمرة، أو أنه ينتقل من غير نية واختيار، على الخلاف عندهم، وإذا حصر عنها ~~أيضا فيتحلل عن العمرة بالهدي وظاهر الآية وأخبار الحصر عام غير مقيد بذلك، ~~والروايات الدالة على وجوب العمرة على من فاته الحج على تقدير صحتها وتسليم ~~دلالتها غير دالة على محل النزاع بحيث تخصص الآية والأخبار الصحيحة كما ~~فهمت من شرط (1) تخصيص الكتاب فتذكر. # الرابع عشر: أنه لو لم يحل والتحق فأدرك الحج بالوقوف المجزئ يجب الحج ~~وإن ذبح هديه، إن كان الحصر عنه وإن كان عن العمرة فكذلك وأما إذا فات الحج ~~في الأول ينبغي جواز التحلل بالهدي بناء على ما قلنا من العمل بعموم الآية ~~والأخبار، وعلى ما يفهم من قول الأصحاب يجب التحلل بالعمرة المفردة كما ~~قاله في الدروس لما رواه معاوية بن عمار في الصحيح في الفقيه في باب من ~~فاته الحج عن أبي عبد الله عليه السلام قال من أدرك جمعا فقد أدرك الحج، ~~وقال: وأيما قارن أو مفرد أو متمتع ms211 قدم وقد فاته الحج فليحلل بعمرة، وعليه ~~الحج من قابل (2) ويمكن تخصيص هذه الرواية بغير المحصور للآية وأخبار ~~الحصر، ويمكن العكس أيضا وفيه الاحتياط مع كثرت الأصحاب، لكم في الاحتياط ~~تأمل. على أن فيه أيضا عن داود الرقي صحيحا قال كنت مع أبي عبد الله عليه ~~السلام بمنى إذ جاء رجل فقال إن قوما # PageV00P245 # قدموا وقد فاتهم الحج؟ فقال نسأل الله العافية أرى أن يهريق كل واحد منهم ~~دم شاة ويحلق وعليهم الحج من قابل إن انصرفوا إلى بلادهم، وإن أقاموا حتى ~~يمضي أيام التشريق بمكة ثم خرجوا إلى وقت أهل مكة فأحرموا منه واعتمروا، ~~فليس عليهم الحج من قابل (1) فهذه تدل على عدم عموم وجوب العمرة على التعين ~~فيمكن حملها على المحصور وفيها أمور أخر فتأمل. # الخامس عشر: أنه لو لم يتحلل ولحق، وفاته الحج وقد ذبح هديه، قال في ~~الدروس ففي الاجتزاء به أو بالعمرة وجهان قلت الظاهر هو الأول ولكن ينبغي ~~مع التقصير ونية التحلل به، على ما تقرر للآية، وبعض الروايات المتقدمة ~~وصحيحة زرارة في باب زيادات الحج من التهذيب في أخبار الحصر، عن أبي جعفر ~~عليه السلام إن قدم مكة وقد نحر هديه فإن عليه الحج من قابل أو العمرة (2) ~~أي إن قدمها بعد الذبح وفوت محل الحج فليس عليه إلا الحج مع عمرته في ~~القابل على الظاهر. # السادس عشر: بما يتحقق الحصر؟ معلوم تحققه بالمنع عن الموقفين معا في ~~الحج والظاهر عدم التحقق بالمنع عن أحدهما فقط، مثل أن حصر عن عرفة فحصل له ~~وقوف المشعر، أو وقف بها ثم حصر عنه، ويدل عليه ما ورد في الصد في صحيحة ~~فضل بن يونس الثقة في النجاشي المذكورة في باب زيادات الحج من التهذيب بعد ~~أخبار الحصر بأوراق، وهي مذكورة في الكافي أيضا في باب الحصر قال: سألت أبا ~~الحسن الأول عليه السلام عن رجل عرض له سلطان فأخذه ظالما له يوم عرفة قبل ~~أن يعرف، فبعث به إلى مكة فحبسه فلما كان يوم النحر ms212 خلى سبيله كيف يصنع؟ ~~قال يلحق فيقف بجمع، ثم ينصرف إلى منى، فيرمي ويحلق ويذبح، ولا شئ عليه، ~~قلت: فإن خلى عنه يوم الثاني (3) كيف يصنع؟ قال هذا مصدود # PageV00P246 # عن الحج فإن كان دخل مكة متمتعا بالعمرة إلى الحج فليطف بالبيت أسبوعا و ~~يسعى أسبوعا ويحلق رأسه ويذبح شاة، وإن كان دخل مكة مفردا فليس عليه ذبح ~~ولا حلق، وفي الكافي ولا شئ عليه. # وهذه وإن كانت في الصد ولكن الظاهر عدم الفرق بينهما في ذلك وصدق " فإن ~~أحصرتم " لأن المراد الحصر عن الحج والعمرة، فما لم يكن المنع عما يحصل به ~~الحج والعمرة لم يتحقق الحصر عنهما. # وفي هذا الخبر فوائد: # الأولى عدم تحقق الصد إذا كان محبوسا بالحق وذلك يفهم من قوله ظالما له ~~بالمفهوم، وذكره الأصحاب أيضا ويدل عليه العقل والنقل أيضا وهو ظاهر. ~~الثانية إدراك الحج بإدراك المشعر اضطراريا كان أو اختياريا، لظاهر يوم ~~النحر فإنه يصدق على قبل طلوع الشمس وبعده، مع أنه سكت عن التفصيل، بل ~~الظاهر الاضطراري لأن الغالب أن المطلق من الحبس يوم النحر ما يصل إلى ~~المشعر قبل طلوعها، الثالثة عدم تحقق الصد بالمنع عن عرفة فقط، مع تيسر ~~المشعر الرابعة تحققه إذا أخرج من الحبس بعد فوت المشعر، الخامسة أنه لو ~~كان بعد التعريف أيضا لم يكن مصدودا لقوله: قبل أن يعرف. بل يكون حجه مجزيا ~~بإدراك عرفة وحدها أيضا مطلقا السادسة وجوب الذبح والحلق مع العمرة. ~~السابعة: عدم وجوب كفارة بفوت منسك بغير الاختيار، الثامنة: أن الواجب على ~~المصدود بعد العمرة المتمتع بها عن حج التمتع على الظاهر هو العمرة ~~المفردة، لكن وجوب الذبح أيضا وتعين الحلق، وذلك غير ظاهر من كلام الأصحاب ~~ويمكن حمل الذبح على الاستحباب، وعلى كونه هدي التمتع الواجب، وحمل الحلق ~~على الاستحباب أو على كون الحاج ضرورة لوجود ما ينافيه من جواز التقصير ~~أيضا على ما ذكره الأصحاب، التاسعة يمكن استفادة وجوب التحلل بالعمرة إذا ~~لم يتحلل بالهدي وفات الحج في المحصور أيضا كما ms213 يقوله الأصحاب قياسا على ~~المصدود، العاشرة أن الواجب هو العمرة فقط من دون الذبح والحلق إذا كان ~~مصدودا عن الحج PageV00P247 # المفرد أو عدم وجوب شئ أصلا إذا كان مفردا كما يدل عليه ظاهر الكافي بل ~~قوله في التهذيب " ولا حلق " إذ لو كان عليه عمرة لكان عليه الحلق، ولو ~~تخييرا بينه و بين التقصير إلا أن يقال: المراد نفي التعيين، فيفهم حينئذ ~~القول بالتعيين في الاحلال عن حج التمتع ولا يقول به أحد على الظاهر فتأمل ~~الحادية عشر انتقال إحرام الحج إلى إحرام العمرة من غير قصد واحتياج إلى ~~النقل، كما هو مذهب البعض الثانية عشر أنه يفهم عدم وجوب طواف النساء في ~~هذه العمرة فتأمل. # ثم الظاهر أن الحصر لا يتحقق في ما لو ترك عمدا لم يضر في الحج مثل مناسك ~~منى، وطواف النساء، وأما في طواف الزيارة والسعي فلا يبعد التحقق لصدق ~~الحصر، لأن الظاهر من الآية الحصر عن تحقق الحج بالتمام، بمعنى أنه إذا منع ~~منه لم يأتي بالحج ناما، فينبغي حصول الحصر عنهما فيثبت أحكامه إلا أن ~~الظاهر من قوله " حتى يبلغ " أنه من البعيد كما يفهم من التفاسير وبعض ~~الروايات أيضا فلا يتحقق الحصر عنهما، ويدل عليه قول الأصحاب إنه إذا مرض ~~بعد الموقفين طيف به إن أمكن وإلا استناب، وأيضا إبطال هذا الحج مع تحقق ~~الموقفين اللذين هما العمدة، وبهما يتحقق الحج، وبفواتهما معا يبطل، وإيجاب ~~هدي آخر والحج في القابل، والطواف لإباحة النساء خلاف الأصل، وبعيد عن ~~الشريعة السمحة على ما يظهر، فلا يبعد حمل الآية على المنع عن شئ من الحج ~~والعمرة الذي به يتحقق وبفواته يبطل عمدا وسهوا لا عمدا فقط، وليس ذلك ~~ببعيد، بل هو الظاهر المتبادر. # فلا يتحقق الحصر في الحج إلا عن الموقفين أو عن أحدهما مع فوات الآخر به، ~~وعن العمرة لا يتحقق إلا عن الطواف، وأما الصد فلا شك في تحققه أيضا عما ~~يتحقق عنه الحصر، وكذا في عدم التحقق عن مناسك منى فقط، بل ms214 عن الطواف أيضا ~~سواء كان قبل التحلل أو بعده، لما مر في الحصر، والأصل، وعدم العلم بتحقق ~~موجبه، وعدم الفرق بحسب الظاهر فتأمل فإن الظاهر عدم الفرق في هذه الأحكام ~~بينهما. PageV00P248 # وأما حكم المصدود فإن قلنا باندراجه في الآية كما أشرنا إليه - وقاله في ~~مجمع البيان حيث قال وقوله " فإن أحصرتم " فيه قولان أحدهما معناه إن منعكم ~~خوف أو عدو أو مرض فامتنعتم لذلك، عن ابن عباس ومجاهد وقتادة وعطا، و هو ~~المروي عن أئمتنا (1) وفيه بحث تقدم (2) وما رأيت رواية أصلا (3) لعله فقد ~~الأصل - فلا بحث في وجوب ذبح الهدي على الظاهر، وإن لم نقل باندراجه فيها ~~فكذلك أيضا لثبوت الاحرام وعدم العلم بالتحلل إلا بالذبح فيبقي بدونه على ~~المنع ومعه يتحقق كما هو الظاهر من مذهب الأصحاب، وللتأسي به صلى الله عليه ~~وآله فيما فعل في الحديبية كما دل عليه صحيحة معاوية بن عمار. # وأيضا قال بعد صحيحة معاوية بن عمار في الفقيه: وقال الصادق عليه السلام ~~المحصور والمصدود ينحران بدنتيهما في المكان الذي يضطران فيه (4) وهذا كما ~~يدل على وجوب الهدي على المصدود يدل على جواز النحر في المحصور أيضا مكانه ~~كما أشرنا إليه، ولا يبعد إدخاله في الآية حينئذ، وأيضا يدل على وجوب ذبح ~~الهدي على المصدود في مكانه رواية زرارة في الكافي في باب الحصر عن أبي ~~جعفر عليه السلام قال: # المصدود يذبح حيث صد ويرجع صاحبه فيأتي النساء، والمحصور يبعث الخبر (5) ~~وكذا رواية حمران فيه عن أبي جعفر عليه السلام قال: إن رسول الله صلى الله ~~عليه وآله حين صد بالحديبية قصر وأحل ونحر (6) لكنهما غير صحيحتين إلا أنه ~~عمل بهما أكثر الأصحاب ومؤيدان بغيرهما، وإن كان في دلالة الأخيرة تأمل. # وأيضا فيها دلالة على عدم الترتيب بين النحر والتقصير، والترتيب أولى # PageV00P249 # لغيرها، وللاحتياط، وأما وجوب الحلق أو التقصير كما اختاره بعض الأصحاب ~~مثل الشهيد في الدروس فدليله غير ظاهر والقياس باطل سيما مع الفارق وظاهر ~~الآية - مع عدم ورود ما يدل على وجوبهما ms215 حتى يؤول إليه الآية التي تدل على ~~العدم - مع الأصل، ولا استصحاب هنا، وأيضا ظاهر بعض الروايات حيث ما ذكر ~~فيه الحلق أو التقصير مع ذكر ذبح الهدي يدل عليه وأيضا يدل عليه ما ورد في ~~صحيحة معاوية بن عمار في بيان فعله صلى الله عليه وآله يوم الحديبية " نحر ~~وأحل " إذ ظاهره وجوب الاحلال بالنحر فقط نعم في رواية حمران المتقدمة ما ~~يدل على فعله صلى الله عليه وآله ذلك، لكنها غير صحيحة، ولا صريحة في أنه ~~فعل على سبيل الوجوب حتى يثبت بدليل التأسي، نعم الاحتياط يقتضيه، ~~والاستحباب غير بعيد، وهكذا في وجوب ذبح الهدي في المكان الذي صد فيه تأمل، ~~وإن كان ظاهر صحيحة معاوية بن عمار ورواية زرارة وجوبه فيه ولكن خلو غيرهما ~~عنه وجواز الذبح بعد رجوعه إلى منزله في المحصور كما فهم من صحيحة معاوية، ~~مع عدم تعقل ظهور وجه الوجوب، قرينة عدم الوجوب فيه، و إن قلنا إن الاحلال ~~بالهدي واجب لا يجوز تركه، إلا أنه ما ثبت فوريته، فلا يبعد جواز فعله في ~~منزله أيضا بعد أن يرجع إليه كما اختاره في الدروس، ويفهم من كلام الشيخ ~~زين الدين في شرح الشرايع وجوبه في المكان الذي صد. # ثم الظاهر اتفاقهما في أكثر الفروعات التي أشرنا إليها في المحصور مثل ~~عدم الفرق بين الشرط وعدمه وعدم وجوب تعدد الهدي لو ساق مطلقا، ولو كان ~~واجبا بنذر وشبهه، وإن اختار البعض عدم التداخل مطلقا والبعض مع الوجوب ~~المذكور مثل الشيخ زين الدين لعدم الدليل إذ لا تعدد للموجب إذ الموجب أنه ~~يذبح هديا وهو عام، بل الظاهر ذبح الهدي الموجود كما مر، ووجوب الحج في ~~القابل مع الاستقرار، وعدمه مع عدمه، وكذا العمرة وغير ذلك من الأحكام التي ~~يظهر بالتأمل. # وأما الحكم فيما لو اجتمعا فعلى الاجمال أنه لو حصل أحدهما بعد حصول ~~التحلل بالأول فلا بحث، وإن احتمل ضعيفا وجوب الحلق أو التقصير على تقدير ~~عدمهما PageV00P250 # لو كان الأول الصد، وأما لو حصلا ms216 معا فعلى ما ذكرناه من النحر في مكان ~~المنع فيهما لا يبعد وجوب اختيار حكم الحصر إن لم يوجب الحلق أو التقصير ~~على المصدود لوجوده في الآية محققا على ما مر، ودخول أفعال الصد فيه، ~~والاحتياط. # ويحتمل وجوب أحكامهما معا للموجب لكنه بعيد، إذ الظاهر أن الغرض التحلل، ~~ولهذا قال المفسرون: المراد إن أردتم التحلل فما استيسر، وليس بذلك البعد، ~~لو كان البعث متعيبا في الاحصار والذبح في المكان، والتصدق به في الصد ولا ~~شك أنه أحوط والتخيير أيضا بعيد، لوجوب موجب القصر أو الحلق، والبعث على ~~الاحتمال، وعدم تحلل النساء حتى يطوف، ويحتمل كون الأمر كذلك لو شرع في بعض ~~أفعال أحدهما فحصل الآخر قبل إتمامه أو لم يشرع أصلا، والظاهر أنه يجب ~~العمل بالأول لوجود أولا واستقراره، وعدم تحقق الآخر لأنه ممنوع بالأول، ~~فلا يتحقق المنع من الثاني، وهو ظاهر إذ المريض الذي لا يقدر على الذهاب ~~إلى الحج مثلا إذا حصل له عدو فيمنعه على تقدير برئه لا يقال له: # إنه منعه العدو. # وقد تحققت من هنا ما في قول الدروس: لو اجتمع الاحصار والصد فالأشبه ~~تغليب الصد لزيادة التحلل به (1) ويمكن التخيير وتظهر الفائدة في الخصوصيات ~~والأشبه جواز الأخذ بالأخف من أحكامها، لا فرق بين عروضهما معا أو متعاقبين ~~نعم لو عرض الصد بعد بعث المحصور أو الاحصار بعد ذبح المصدود ولما يقصرا، ~~فترجيح جانب السابق قوي. فتأمل فيما ذكرته وفيما ذكره يظهر لك ما فيهما. # ثم إن الأحكام المشتركة بينهما كثيرة مذكورة في الكتب الفقهية وكذا # PageV00P251 # المختصة، والفرق بينهما، فلا يهم ذكرها فإنه يطول، ولكن نذكر هنا مسألة ~~مهمة مما يعم به البلوى، متداولة بين طلبة العلم، منقولة عن شيخهم الشهيد ~~الثاني رحمه الله، وهي أنه إذا فعل الحاج ما يبطل حجه مثل ترك الطواف عمدا ~~أو فعله لا على الوجه المجزئ، ومثل ترك الوقوف عمدا أو جهلا أو وقف بعرفة ~~من غير ثبوت الهلال، وغيرها مما يفوت الحج ويبقى به على الاحرام، ورجع إلى ms217 ~~حيث يمنعه قطاع الطريق عن الذهاب إلى مكة أو عدم حصول الرفقة، والدليل ونحو ~~ذلك، فهو مصدود فيحل بذبح الهدي، ويتصدق به، لأنه يصدق عليه بعد رجوعه إلى ~~حيث يمنع: أنه ما يقدر على الذهاب إلى الحج للمنع عن الطريق، ولي في هذا ~~تأمل، فإن الاحلال بذبح الهدي حكم المصدود بالعدو بعد الاحرام، من غير صد ~~ومنع في موضعه عن مكة فقط أو الموقفين، قبل دخول مكة وترك شئ من المناسك ~~وخروجه منها مع لزوم عمرة عليه، وهذا ليس كذلك وهو ظاهر مع أن قطاع الطريق ~~لا يمنعه عن المنسك ومكة، بل يأخذ ماله، وكذا غيره من الموانع وأيضا إنه ~~ترك الحج والعمرة بعد أن كان متيسرا له إما عمدا أو جهلا حتى آل أمره إلى ~~هذا، وأيضا ما نجد له عزما وصدا بمنع العدو، بل قد لا يكون له الميل إليه ~~أصلا إما لعدم قدرته أو عدم تقيده وأيضا هو جالس في بيته والمفروض أنه هو ~~في الطريق وصد، وبالجملة الجرءة بمجرد هذا في مثل هذه المسألة مشكل ولعل له ~~دليلا. ثم ينبغي إيجاب التقصير أو الحلق مع النية بعد الذبح أيضا على مذهبه ~~وأيضا إيجاب تصدقه غير ظاهر، إلا أن يقول بذلك في الأصل. # والظاهر أنه أخذه من كلام الدروس حيث قال: " ولو ظن انكشاف العدو تربص ~~ندبا فإن استمر تحلل بالهدي إن لم يتحقق الفوات وإلا فبالعمرة ولو عدل إلى ~~العمرة مع الفوات فصد عن إتمامها تحلل أيضا، وكذا لو قلنا ينقلب إحرامه ~~إليها بالفوات، وعلى هذا لو صار إلى بلده ولما يتحلل وتعذر العود في عامه ~~لخوف الطريق، فهو مصدود، فله التحلل بالذبح، والتقصير في بلده " وأنت تعلم ~~أن PageV00P252 # كلام الدروس لا يدل عليه، لأن كلامه فيمن صد، ثم عرض له وجوب العمرة ~~بالفوات، نقل أو انتقل إليها، وأراد إتمامها فصد عنه، ولم يتحلل ورجع إلى ~~بلده، فدخل تحت المصدود من العمرة وأنه على تقدير الحاقه بالمصدود إنما ~~يلحق بالمصدود عن العمرة، لو قلنا بأن حكم ms218 كل من فاته الحج مطلقا مصدودا ~~كان أو غيره أن يعتمر، بأن ينتقل بنيته إليها أو ينتقل من غير اختياره ويتم ~~أفعالها للتحليل فإذا حصل له صد أو حصر عن باقي أفعالها يأتي بأحكامهما، ~~لكن بشرط أن يقصد ذلك بحيث لولا المانع لذهب، بل لا يبعد إيجاب السفر إلى ~~جانب مكة، وعدم التحلل حتى يتحقق المنع إلا أن يكون محققا علما لا ظنا ~~فتأمل وأنه لو ارتفع العدو بالمال لا يبعد وجوب بذله هنا، وإن قلنا بعدم ~~وجوبه في أصل إيجاب الحج والعمرة. ودفع الصد لفعله العمد هنا، وتقصيره ولو ~~جهلا، لعدم العلم بأنه معذور فتأمل سيما في الجاهل وقليل المال، فإنه قد ~~يعذر. # وأما دليل الالحاق فعموم وجوب العمرة على من فاته الحج مثل صحيحة معاوية ~~بن عمار المتقدمة المنقولة عن الفقيه عن أبي عبد الله عليه السلام قال من ~~أدرك جمعا فقد أدرك الحج وأيما قارن أو مفرد أو متمتع قدم وقد فاته الحج ~~فليحل بعمرة الحديث، وفيها دلالة على إدراك الحج بالمشعر، ولو كان اضطرارا ~~كما مر، وعليه خبر آخر صحيح على الظاهر ويدل على الانتقال من غير احتياج ~~إلى النقل فتأمل وينضم إليه عموم أدلة الصد على العمرة، فإنه يصدق عليه ~~حينئذ فتأمل فيه، فإن الظاهر من الأخبار أنه على الذي قدم مكة بعد مضي زمان ~~الحج العمرة، وهو غير شامل لما نحن فيه فتأمل وأن صدق الصد عليه غير ظاهر ~~لما مر، وإن كان ممكنا ومناسبا للشريعة السهلة وعدم الحرج والضيق، وإجراؤه ~~فيمن أفسد الحج و رجع إلى أهله من غير أن يفعل عمرة التحلل، وإتمام الحج ~~الفاسد أبعد، هذا منتهى نظري، وقد يكون له أدلة وشواهد وما أعلمها، بل هو ~~الظاهر لأني القاصر والمقصر. # وأما تفسير " فمن كان " الخ فهو ما يعلم من سبب نزوله على ما هو الموجود ~~PageV00P253 # في خبر صحيح في التهذيب والفقيه وفي الكافي أيضا لكنه غير صحيح، رواه ~~حريز عن أبي عبد الله عليه السلام قال مر رسول الله صلى ms219 الله عليه وآله على ~~كعب بن عجرة الأنصاري والقمل يتناثر من رأسه فقال أيؤذيك هوامك؟ فقال: نعم، ~~فأنزل الله هذه الآية " فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ففدية من ~~صيام أو صدقة أو نسك " فأمره رسول الله صلى الله عليه وآله بحلق رأسه، وجعل ~~عليه صيام ثلاثة أيام، والصدقة على ستة مساكين لكل مسكين مدان، والنسك شاة، ~~وقال أبو عبد الله عليه السلام وكل شئ في القرآن " أو " فصاحبه بالخيار ~~يختار ما يشاء وكل شئ في القرآن " فمن لم يجد " فعليه كذا، فالأولى بالخيار ~~(1). # فدلت على أنه على تقدير حصول مرض يضر أو أذى في الرأس من هوامه و إن لم ~~يكن مرضا يجوز له الحلق، وفعل ما لا يجوز للمحرم فعله، إذا كان بسبب ~~الاحرام، وسببيته للمرض إما حصولا أو زيادة كيفا أو كما وبالجملة أن يكون ~~بحيث يفهم منه أن مثل هذا الضرر إنما هو منه، ولا يتحمل مثله عادة فالتقدير ~~فلكم أن تفعلوا ما به يندفع عنكم الضرر والأذى في الاحرام من الأمور التي ~~يحرم عليكم فعلها فيه، لو لم تكونوا مرضى ولم يكن بكم أذى من رأسكم، وإن ~~فعلتم فعليكم فدية، فلا تدل حينئذ على وجوب الفعل بل على جوازه أو يكون ~~التقدير فالواجب عليكم فدية، من غير تقدير شئ آخر، فيستفاد وجوب ذلك الفعل ~~المنهي حال الصحة إذ إيجابها من غير تقييده بشرط الفعل مستلزم لايجاب ~~الفعل، وهو ظاهر، وقد مر مثله في " فعدة من أيام أخر " فالمراد بالفداء ~~البدل أي فعليه بدل يقوم مقامه، فهي مبتدأ خبره محذوف، ويحتمل العكس، ~~والتقدير فالواجب فدية، وهذا أولى ليكون المبتدأ معرفة والجملة جزاء الشرط، ~~أي فمن كان و " من صيام " مع ما عطف عليه بيان ذلك البدل والفدية. # PageV00P254 # ودل الخبر على أن النسك شاة، وأن الصدقة إطعام ستة مساكين لكل مسكين ~~مدان، وهو مذهب الحسن وابن الجنيد على ما ذكره في الدروس وأن الصوم صوم ~~ثلاثة أيام، وهذا التفصيل مذكور في تفسير القاضي والكشاف ms220 وفي مجمع البيان ~~أيضا مع الإشارة فيه إلى أنه أشهر وأولى، حيث قال المروي عن أئمتنا عليهم ~~السلام أن الصدقة على ستة مساكين، وروي عشرة مساكين، هذا والمشهور عند ~~الأصحاب هو إطعام عشرة مساكين لكل واحد مد وقال في الدروس التخيير قوي وكذا ~~قال الشيخ زين الدين في شرح الشرائع للشهرة والخبر الصحيح كأنه أشار إلى ما ~~ذكرناه، والذي يدل على عشرة مساكين ما رواه عمر بن يزيد عن أبي عبد الله ~~عليه السلام قال قال الله في كتابه " فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ~~ففدية من صيام أو صدقة أو نسك " فمن عرض له أذى أو وجع فتعاطى ما لا ينبغي ~~للمحرم إذا كان صحيحا فالصيام ثلاثة أيام، والصدقة على عشرة مساكين يشبعهم ~~من الطعام، والنسك شاة يذبحها فيأكل ويطعم، وإنما عليه واحد من ذلك (1) ~~وقال الشيخ وليس بين هذه الرواية والتي تقدمها تضاد في كمية الاطعام إلى ~~قوله هو مخير بأي الخبرين أخذ جاز له ذلك، إشارة إلى التخيير كما ذكره ~~الشهيدان وفي خبر آخر عن زرارة عن أبي عبد الله عليه السلام قال إذا أحصر ~~الرجل فبعث بهديه فأذاه رأسه قبل أن ينحر هديه، فإنه يذبح شاة مكانه الذي ~~أحصر فيه، أو يصوم أو يتصدق على ستة مساكين، والصوم ثلاثة أيام، والصدقة ~~نصف صاع لكل مسكين (2) وهذا أيضا يدل على الأول إلا أنه في المحصور، وكذا ~~خبر آخر وهو الظاهر من الآية أيضا إلا أنها حملت على الأعم كما مر لعموم ~~اللفظ، وسبب النزول، و الظاهر عدم القائل بالفرق. # ثم إن الظاهر هو الأول لكثرة الأخبار وصحة الخبر مع شهرته رواية فإنها ~~منقولة في الكتب الأربعة، مع عدم شهرة رواية الثاني لأني ما رأيته # PageV00P255 # إلا في التهذيب (1) فساوى الشهرتان على تقدير كونها شيئا يعتد به في ~~الجملة، و بقي الصحة مع الكثرة سالمة، على أنها (2) مشتملة على جواز الأكل ~~من الكفارة للمكفر، وهو خلاف الظاهر والمقرر، وعلى لفظة " ينبغي " وهو لا ~~ينبغي، وأيضا ليس ms221 فيها لكل واحد مد كما هو المطلوب وأيضا في الأول زيادة ~~فائدة، وهو التخيير إذا كان " أو " والترتيب إذا كان " فمن لم يجد " وأن ~~الأولى هو المختار والأولى حينئذ، فيفهم منه بطلان مذهب من يذهب إلى خلاف ~~ذلك، كما قيل في كفارة شهر رمضان، وخصال كفارة بدل صيد النعامة، وهي بدنة، ~~ومع العجز يقوم البدنة، ويفض ثمنها على البر ويتصدق به لكل مسكين مدان، فلو ~~عجز صام عن كل مدين يوما، وإن عجز صام ثمانية عشر يوما، فإن البعض يقول ~~بالترتيب والبعض بالتخيير، وكذا في غيرهما من المسائل. وأيضا يمكن الجمع ~~بين الخبرين مع القول بالأول بأن يقال: قدر شبع عشرة قد يكون اثني عشر مدا ~~فيكون التخيير بين عدد المنفقين لا عدد الأمداد، كما ذكروه وأيضا الأصل ~~والاحتياط مع الأول. # بقي هنا شئ وهو أن ظاهر الآية ثبوت هذا الحكم في كل مرض يرتفع بفعل ما ~~نهي عنه المحرم حال صحته، بناء على ما تقدم من معنى الآية، وخصه في مجمع ~~البيان والكشاف وتفسير القاضي بمرض محوج إلى الحلق، وقوله تعالى " فإذا ~~أمنتم " أي فإذا أمنتم الموانع من العدو والمرض وكل مانع كذا في مجمع ~~البيان وفي تفسير القاضي والكشاف أمنتم الاحصار وكنتم في حال أمن وسعة، وقد ~~فسر في الكشاف الاحصار بالحبس والمنع المطلق من المرض والعدو والخوف، كما ~~هو مذهب الحنفي وفي القاضي بالمنع من العدو كما هو مذهب مالك والشافعي على ~~ما مر وظاهر أن الأول أولى إلا أن ظاهر البلوغ وأمنتم يأبى عنه، في الجملة ~~كما أشرنا فيما سبق، وغير بعيد حملها على وجه يوافق إما البلوغ فقد مر، ~~وإما # PageV00P256 # الأمن فكما فهم من الكشاف ومجمع البيان، فإن الخلو من المرض أمن، وكذا ~~عدم الخوف وأيضا المرض ضيق وحرج والصحة أمن وسعة، كما أشار إليه القاضي ~~بقوله في حال أمن وسعة، والعجب منه أنه مع تخصيصه الاحصار بالعدو، وجعله " ~~أمنتم " مؤيدا لذلك، قال ذلك، وكأنه فهم من الكشاف وأخذه تقليدا من غير ~~تدبر، إلا أن ms222 يريد غير المعنى الذي ذكره في الكشاف فتدبر. # والحاصل أنه إذا لم تحصروا وتمنعوا، وكنتم في حال أمن قادرين على الحج " ~~فمن تمتع " أي استمتع وانتفع " بالعمرة " منتهيا " إلى الحج " واستمتاعه ~~بالعمرة إلى وقت الحج انتفاعه بالتقرب بها إلى الله، قبل الانتفاع بتقربه ~~إليه بالحج وقيل (1) إذا حل من عمرته انتفع باستباحة ما كان محرما عليه، ~~إلى أن يحرم بالحج. فوجب عليه ما تيسر وتهيأ من أصناف الهدي، وهي هدي ~~المتعة ودم التمتع الذي هو الواجب على المتمتع يذبحها أو ينحرها بمنى يوم ~~النحر بعد الرمي قبل الحلق أو التقصير، وفي تقسيمه أثلاثا: ثلث يتصدق به ~~على المؤمن الفقير وآخر يهدي إلى المؤمن ويؤكل من الآخر إما واجبا أو ندبا ~~خلاف، وقد مر و سيجئ تحقيقه إن شاء الله تعالى. # " ومن لم يجد " هديا فالواجب عليه صيام عشرة أيام ثلاثة (2) في الحج ~~وسبعة مطلقا بعد الرجوع. فمن شرط فعليه جزاؤه ولا بد في العجز عن الهدي عدم ~~وجدانه أصلا أو فقدان ثمنه، بمعنى عدم وجدان شئ زائد على ضرورياته عادة حتى ~~ثياب تجمله على ما ذكروه، ولكن لو تكلف فاشترى بثمن ثيابه أجزأ قاله في ~~الدروس، وفيه تأمل فإنه لو صدق عليه الوجدان لوجب وإلا تعين الصوم ولعل نظر ~~الدروس إلى أن الصوم حينئذ رخصة لا عزيمة، أو يجب الهدي بعد بيع ثياب ~~التجمل فتأمل، والظاهر المصير إلى العرف فما لم يضر بيعه بحاله، ولو # PageV00P257 # كان ثياب تجمله أو غيره لا يبعد وجوب بيعه وشرائه لظاهر " ما تيسر " ~~فتأمل. # فإن لم يجد الهدي ولكن وجد الثمن، يخلفه عند ثقة يشتري به هديا يذبحه أو ~~ينحره طول ذي الحجة إن أمكن، وإلا في القابل، ذكره أكثر الأصحاب، و إن كان ~~ظاهر الآية يقتضي العمل بالصوم، على تقدير العجز بالفعل عن الهدي وشرائه ~~بنفسه كما هو مذهب الحسن (1) ظاهرا، حيث نقل عنه الاطلاق في وجوب الصوم بعد ~~العجز عن الهدي، ومذهب ابن إدريس أيضا، وهو الظاهر من الآية فلو لم يكن ~~دليل ms223 يصلح لخلافه لا يخرج عنه، ولا يقال بالتخيير أيضا كما هو مذهب البعض ~~والدليل حسنة حريز (2) ولا ينبغي الخروج عنه بمجردها وأيضا ظاهرها إجزاء ما ~~صدق عليه الهدي فاشتراط كونها ثنيا من البقر، وهو ما دخل في الثانية ومن ~~الإبل ما دخل في السادسة ومن الضان ما كمل له سبعة أشهر، وقيل ستة وكذا ~~اشتراط كونه تاما فلا يجزي الأعور ولا المريض والأعرج البين عرجه ولا ~~الأجرب، ولا مكسور القرن الداخل، ولا مقطوع الأذن ولو قليلا، ولا الخصي ولا ~~المجبوب وكذا اشتراط كونه سمينا بمعنى وجود الشحم على كليتيه (3) ولو كان ~~بالظن مع ظهور خلافه فلا يضر الخطأ المعلوم بعد الذبح بالأخبار ولعل ~~الاجماع في البعض أيضا فتأمل، لأن ظاهر الآية خلاف ذلك كله، فما لم يوجد ما ~~يصلح للاخراج والتخصيص على ما علمت لا يفعل (4) فإنه لا يجوز الخروج عن ~~الآية، وتخصيصها إلا بماله صلاحية لذلك، وكذا إجزاء هدي واحد عن أكثر من ~~واحد مثل سبعة أو سبعين سواء كانوا من أهل بيت واحد أو لا، في حال الاختيار ~~أو الاضطرار، كما اختاره البعض، خلاف ظاهر الآية، فإن وجد ما يصلح لاخراجه ~~عن الآية يرتكب وإلا فلا. # ولا يبعد جواز الاستنابة في الذبح للأصل ولأن الظاهر أن المقصود هو # PageV00P258 # الذبح من أي فاعل كان، وللايماء في بعض الأخبار مثل إجزاء ذبح الضالة عن ~~صاحبه مع قصده، ووجوب النية لأنه نسك وعبادة، كما ذكره الأصحاب ولكن حينئذ ~~ينبغي وجود الدليل على الاستنابة إذ لا نيابة في العبادة إلا أنه لا صراحة ~~في الآية على فعل الذبح بنفسه، بل على الذبح أيضا، فلا يبعد الاستنابة سيما ~~مع تصريح الأصحاب ووجود الدليل في الجملة، وكذا تعيين زمانه ومكانه، ~~ومراعاة شروط الذبيحة والنحيرة. # وأما زمان الانتقال إلى الصوم، فهو زمان فوت محل الذبح على ما يخطر ~~بالبال قبل التأمل، ولكن جوزوا في سابع ذي الحجة وثامنه وتاسعه، وذلك أيضا ~~غير بعيد من الفهم، بشرط اعتقاد عدم الوجدان في محله، والظاهر عدم خلاف ~~فيه، ms224 ودلت عليه الأخبار أيضا وأما قبله فبعيد، والمجوز قليل، والبناء على ~~وجوب الهدي بإحرام العمرة غير ظاهر على ما نقله في الدروس وهو ينافي ما ~~نقله أيضا فيه عن الخلاف أنه لا يجب الهدي قبل إحرام الحج بلا خلاف، ويجوز ~~الصوم قبل إحرام الحج وهو بعيد إذ الظاهر وجوبه على المتمتع بالعمرة إلى ~~الحج وهو صادق بالشروع إلا أنه ينتظر زمانه. # وأيضا الظاهر أن وجوب الصوم إنما يتحقق بعد تحقق العجز عن الهدي فكيف ~~يجوز الصوم قبل وجود موجبه، فالظاهر عدم الصوم حتى يأتي زمان الهدي أو قريب ~~منه كما فهم من كلامهم من جوازه يوم السابع بشرط اعتقاد العدم في المحل ~~وأيضا قول الأصحاب بسقوط الصوم وتعيين الهدي بفوات ذي الحجة ولما يصم بعيد، ~~إذ هو خلاف ظاهر الآية على ما يفهم، إذ المفهوم صوم الثلاثة في الحج يعني ~~في مكة، وكأنهم حملوا على أيام الحج وهو طول ذي الحجة، وذلك غير بعيد وفي ~~الأخبار ما يدل عليه، وسقوطه غير بعيد، ولكن الانتقال إلى الهدي يحتاج إلى ~~دليل فلعله إجماع أو أخبار ما نعلمها. # وأما السبعة فلا بد أن يكون بعد الرجوع إلا أنهم قالوا إن أقام في مكة ~~فلينتظر إما وصول أصحابه أو مضي الشهر، ثم يصوم للأخبار، ولا بد من كونها ~~PageV00P259 # واقعة في الحضر، على ما هو شأن الصوم، سيما الواجب، ولو وجد الهدي بعد ~~الصوم فالظاهر الاجزاء للآية والخبر، وخلافه يحمل على الندب. # قوله " تلك عشرة كاملة " قيل معنى كمالها أن الصوم قام في البدلية بحيث ~~لا ينقص ثوابه عن ثواب مبدله وهو الهدي، وهو مروي عن أبي جعفر عليه السلام ~~في التهذيب (1) وقيل ذكر العشرة للتأكيد كما يحفظ الحساب، وقيل: لدفع توهم ~~كون الواو بمعنى " أو " في قوله " وسبعة " كما جاء في غير هذا المحل فتأمل، ~~و قيل: ليحصل علمان إجمالي وتفصيلي وذلك إشارة إلى التمتع عندنا وعند أبي ~~حنيفة وأصحابه لأن الكلام في التمتع، وهو المبحوث عنه لا الهدي أو الصوم ~~إذا عجز عنه، ms225 كما هو رأي الشافعي، فكان عنده يجوز التمتع لأهل مكة أيضا ~~ولكن لا يلزمهم الهدي ويكون التمتع بلا هدي وإلا يلزم عدم الفرق بين إرجاعه ~~إلى التمتع أو الهدي أو الصوم، وهو مناف لظاهر أول الآية " فما استيسر " ~~وتخصيصه بغير أهل مكة بعيد من سوق كلام الله تعالى. # ثم إنه في تفسير القاضي والكشاف إرجاع ذلك إلى التمتع عند أبي حنيفة لأنه ~~لا متعة ولا قران عنده لأهل مكة وهو غير واضح إذ ظاهر الآية عدم التمتع فقط ~~لا القران، وأيضا التعليل غير مناسب إذ المناسب اخراج الحكم عن الآية لا ~~العكس، وأيضا فهما وجوب هدي على من تمتع أو قرن من أهل مكة للجناية عند أبي ~~حنيفة، وما جوز الأكل منها بخلاف المتمتع من الآفاق وذلك كله خلاف ظاهر ~~الآية، وغير واضح الدليل والصحة، والأصل عدم وجوب جبر إلى أن يثبت بدليل ~~فتأمل. # فالتمتع فرض من نأى عن المسجد الحرام، أي غير حاضريه وهو من بعد عن مكة ~~مقدار ثمانية وأربعين ميلا عند أكثر الأصحاب وعند الشافعي أيضا ودليلهم ~~أخبار منها صحيحة زرارة عن أبي جعفر عليه السلام قال: قلت لأبي جعفر عليه ~~السلام قول الله # PageV00P260 # عز وجل في كتابه " ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام " قال يعني ~~أهل مكة ليس عليهم متعة كل من كان أهله دون ثمانية وأربعين ميلا ذات عرق ~~وعسفان كما يدور حول مكة، فهو ممن يدخل في هذه الآية وكل من كان أهله وراء ~~ذلك فعليه المتعة (1) وهي كما تدل على بيان الحاضر يدل على أن ذلك إشارة ~~إلى التمتع، وعند بعض الأصحاب اثنا عشر ميلا (2) واختاره في مجمع البيان ~~ودليله غير واضح، فإنا ما وجدنا عليه خبرا ضعيفا أيضا، وذكر في المختلف له ~~وجها بعيد جدا. # " واتقوا الله " في المحافظة على حدود الله تعالى وأوامره، ونواهيه سيما ~~في الحج حج التمتع " واعلموا أن الله شديد العقاب " لمن خالف أوامره ~~ونواهيه ولم يتقه، وإنما أمر بالعلم لأن العالم بذلك يتقيه ولا يخالفه ms226 لأن ~~علمه يمنعه ويصده عن ذلك، فإن ذلك شأن العلم الحقيقي إذ العاقل إذا تحقق ~~ذلك لم يتعد ولم يخالف علمه. # الثانية: الحج أشهر معلومات فمن فرض فيهن الحج فلا رفث ولا فسوق ولا جدال ~~في الحج وما تفعلوا من خير يعلمه الله وتزودوا فإن خير الزاد التقوى واتقون ~~يا أولي الألباب (3). # PageV00P261 # أي وقت الحج وزمانه الذي يصح فعله بالإحرام له والإتيان بمناسكه فيه في ~~الجملة ثلاثة أشهر شوال وذو القعدة وذو الحجة فإنه يصح الاحرام في الأولين ~~وفي أوائل الأخير، وفيما بعد العشر في الجملة يصح بعض أفعاله مثل الرمي ~~والذبح والطوافين، وهما يصحان مع الاضطرار والاختيار على الظاهر و إن قلنا ~~بتحريم التأخير، والدليل على كون الأشهر ثلاثة ظاهر الجمع، وصحة الأفعال في ~~الكل في الجملة، وعدم صحة وقوع جميعها في العشر الأول والرواية الصحيحة ~~والحسنة المذكورة في الكافي عن معاوية بن عمار عن أبي عبد الله عليه السلام ~~في قول الله عز وجل: " الحج أشهر معلومات فمن فرض فيهن الحج ": الفرض ~~بالتلبية والاشعار والتقليد، فأي ذلك فعل فقد فرض الحج ولا يفرض الحج إلا ~~في هذه الشهور التي قال الله عز وجل: " أشهر معلومات "، وهي شوال و ذو ~~القعدة وذو الحجة (1) ومثلها في إفادة كون زمان الحج شوالا وذا القعدة وذا ~~الحجة رواية زرارة عن أبي جعفر عليه السلام (2) وقيل إنه وتسع من ذي الحجة ~~مع ليلة العاشر إلى طلوع الفجر، وقيل إلى طلوع الشمس، وقيل وعشر، قيل وهذا ~~الخلاف لا ثمرة له في باب الحج فإن بعض الأفعال يقع بعد العشر بالاتفاق ~~وإذا وقع الاحرام في زمان لم يدرك عرفة والمشعر لم يصح الحج إجماعا، نعم ~~يظهر ثمرته في نحو النذر وفيه تأمل إذ الذي يقول إن ذا الحجة كله زمان الحج ~~قد يقول بجواز تأخير مثل طواف الزيارة وطواف النساء والذبح طول ذي الحجة ~~دون غيره إلا أن يقال إنه قد علم عدمه منه وذلك غير ظاهر. # وقال في الكشاف وتفسير القاضي: إن ما ذكرناه ms227 مذهب مالك، ومذهب الشافعي: ~~وتسع من ذي الحجة مع ليلة النحر، ومذهب الحنفي: وعشر ذي الحجة، فإطلاق ~~الأشهر إما باعتبار إطلاق الجمع على ما فوق الواحد، أو باعتبار تنزيل البعض ~~منزلة الكل، فجعل بعض شهر ذي الحجة شهره ثم قال في الكشاف وهو كما يقال ~~رأيتك سنة كذا وإنما رآه في ساعة منها، ومثله في مجمع البيان # PageV00P262 # ومثل بقولك صليت يوم الجمعة ويوم العيد وإنما صليت في جزء منهما، وفيه ~~تأمل واضح إذ الفرق بينهما ظاهر لأنه جعل في المثال السنة ظرفا للرؤية، ~~ويوم الجمعة للصلاة، وظرفية الزمان لفعل لا يستلزم وقوعه في كل ذلك الزمان ~~عرفا كما في المكان مثل قولك جلست في بلد كذا، وفي محلة كذا، وسوق كذا، مما ~~لا يتناهى وفيما نحن فيه جعل شهر ذي الحجة خبرا عن وقت الحج كأنه قال: زمان ~~الحج شهر ذي الحجة وهو في هذا المقام ظاهر في غير ذلك المعنى، ففي الأول لا ~~مسامحة بخلاف الثاني، نعم لو مثل بقوله يقال: وقت رؤيتي سنة كذا لكان مثله ~~في المسامحة، على أنه قد يتسامح فيه لظهور المراد دونه، فإن المتبادر منه ~~لا أقل صحة بعض أفعال الحج في أي زمان كان. # وقال القاضي: وهي شوال وذو القعدة وتسع ذي الحجة بليلة النحر عندنا ~~والعشر عند أبي حنيفة وذو الحجة كله عند مالك، وبناء الخلاف أن المراد ~~بوقته وقت إحرامه أو وقت أعماله ومناسكه، أو ما لا يحسن فيه غيره من ~~المناسك فإن مالكا كره العمرة في بقية ذي الحجة وأبو حنيفة وأن صحح الاحرام ~~به قبل شوال، فقد استكرهه، وفيه تأمل إذ الظاهر أنه لا يصح تأخير الاحرام ~~إلى وقت يتيقن فوت عرفة، فإن الوقوف بها ركن إلا أن لا يكون عندهم كذلك ~~وأيضا يصح بعض المناسك بعد يوم النحر، وأيضا يلزم كراهة العمرة بل جميع ~~المناسك سوى الحج في هذه الشهور كلها بناء على قول مالك وأيضا كراهة ~~الاحرام بالعمرة عند مالك لا يستلزم القول بأن طول ذي الحجة ms228 كله شهر الحج ~~بمعنى أن لا يحسن غيره فيه. # ولا يكون وجها لقول مالك كما قاله في الكشاف: قالوا وجهه أن العمرة غير ~~مستحبة فيها عند عمر وابن عمر فكأنها مخلصة للحج لا مجال فيها للعمرة، وعن ~~عمر أنه كان يخفق الناس بالدرة وينهاهم عن الاعتمار فيها، فإن الظاهر من ~~شهر الحج وقوعه فيه لا كراهة وقوع غيره فيه، نعم لو كان حراما عنده لكان ~~مناسبا في الجملة مع أن قول عمر ليس بحجة فإن قول الصحابي ليس بحجة وأيضا ~~لا وجه PageV00P263 # لقوله، وأيضا ضرب الناس لفعل مكروه لا يجوز فلعل كان عنده حراما لكنه لا ~~يصير وجها لقول مالك فكأن في قول صاحب الكشاف " قالوا وجهه " إشارة إلى هذه ~~الأمور حيث ما أسند إليه وأيضا قد وجه كلام مالك بما أشار إليه فيه بقوله ~~وقالوا لعل من مذهب عروة جواز تأخير طواف الزيارة إلى آخر الشهر، وهذا مؤيد ~~لما قلناه من جواز ثمرة الخلاف كما هو الظاهر، وإن لم يظهر كونه وجها له، ~~إلا بقوله يقول عروة، وأيضا تجويز أبي حنيفة الاحرام بالحج قبل شوال مخالف ~~للآية وقوله بالكراهة لا ينفعه ولا يخرجه عن المخالفة إذ ظاهرها عدم جواز ~~إنشاء الحج في غيرها، فالبناء الذي ذكره البيضاوي وبعض ما ذكره في الكشاف ~~ليس له أساس. # " فمن فرض " أي أوجب على نفسه الحج مطلقا حج التمتع وغيره، بحيث صار ~~واجبا فعله وشغله وإتمامه بالفعل، وحرم عليه محرمات الاحرام بالتلبية مطلقا ~~أو بالاشعار أو بالتقليد أيضا إذا كان سائقا كما دلت عليه صحيحة وحسنة ~~معاوية المتقدمة فدلت على ركنية التلبية في الجملة وأن الاحرام لا ينعقد ~~إلا بها فخلاف البعض في انعقاده بدونها وأنها ليس بركن كما نقلناه عن ~~الدروس وقاله في مجمع البيان لا يعتد به، ودلت أيضا على إجزاء التلبية ~~مطلقا وإجزاء أحدهما للقارن، وضعف خلاف بعض الأصحاب من تعيين أحدهما للقارن ~~وتعيين التلبية للغير وهو ظاهر ودلت أيضا على وجوب إتمام الحج بعد انعقاده ~~بالإحرام كما هو مذهب ms229 الأصحاب والشافعي أيضا على ما ذكره القاضي في تفسيره ~~ولا يبعد دلالتها على وجوب إتمام الحج التمتع بالشروع في عمرته لأنه قد ذكر ~~الله تعالى في الآية حج التمتع ثم قال " فمن فرض " أي من فرضه مطلقا ~~بالإحرام فوجب عليه الاتمام، ولا يبعد صدق فرضه بفرض عمرته لأنهما بمنزلة ~~شئ واحد كما يفهم من الخبر المشهور " دخلت العمرة في الحج هكذا وشبك أصابعه ~~صلى الله عليه وآله (1) " لأنه لا بد من وقوع إحرامه في هذه الشهور، ومن ~~وقوعها في عام واحد، بخلاف غيره # PageV00P264 # ووجوب العمرة في غيره لا بد له من دليل آخر، ودلت أيضا على عدم صحة إحرام ~~الحج إلا في هذه الشهور بل عمرة التمتع أيضا. # " فلا رفث " أي لا جماع " ولا فسوق " أي لا كذب " ولا جدال " أي قول لا ~~والله بلى والله مجتمعا ومنفردا على الظاهر كاذبا وصادقا، هذا هو المشهور ~~بين الأصحاب وعليه الروايات " في الحج " أي في زمان انعقاد الحج وفرضه، على ~~الوجه المذكور، ويحتمل أن يكون المراد فلا فحش أيضا من الكلام كما هو معنى ~~الرفث في اللغة كما قال القاضي فلا جماع أو فلا فحش من الكلام وصاحب الكشاف ~~أيضا ولكنه بعيد لدخوله تحت قوله " ولا فسوق " بالمعنى الذي ذكراه، ولا ~~يبعد حمله على الجماع وما يتبعه مما يحرم من النساء في الاحرام، مثل ~~التقبيل وغيره حتى العقد والشهادة عليه كما هو المذكور في الكتب بمعاونة ~~الأخبار وقال القاضي أيضا ولا خروج عن حدود الشرع بالسباب وارتكاب ~~المحظورات في تفسير " ولا فسوق " والأولى ترك السباب لدخوله في ارتكاب ~~المحظورات بل في فلا رفث أيضا بالمعنى الأخير، بل وارتكاب المحظورات أيضا ~~لئلا يلزم التخصيص بفعل المحرمات ويدخل ترك الواجبات أيضا وقال في الكشاف ~~في تفسير " ولا فسوق " ولا خروج عن حدود الشريعة وقيل هو السباب والتنابز ~~بالألقاب، وكأنه أشار إلى أن التخصيص ليس بسديد، والتعميم أولى، وهو كذلك ~~وأنه موافق للغة فإنه في اللغة الخروج عن الطاعة كما قاله في مجمع البيان، ~~وكأن ms230 القاضي جمع بين قوله ونقله وترك التنابز أيضا فليس بجيد. # وعلى كل التقادير تحريم ما كان منها حراما مطلقا في حال الحج للتأكيد ~~والمبالغة في تحريمه كما قاله في الكشاف وتفسير القاضي وما كانت مستقبحة في ~~أنفسها ففي الحج أقبح، كلبس الحرير في الصلاة، والتطريب بقراءة القرآن ~~والتطريب مد الصوت وتحسينه، لعل المراد الغناء المحرم إلا أن يكون ذلك ~~مطلقا حراما عند القاضي وصاحب الكشاف، وقال القاضي في تفسير " ولا جدال " ~~لأمراء مع الخدم والرفقة، كأن المراد لا خصومة ولا سباب ولا إغضاب على جهة ~~اللجاج كما PageV00P265 # ذكره في مجمع البيان ونسبه إلى ابن عباس وابن مسعود والحسن وقيل أيضا في ~~تفسير " ولا جدال ": أو أنه لا خلاف ولا شك في الحج وذلك أن قريشا كانت ~~تخالف سائر العرب فتقف بالمشعر الحرام وسائر العرب يقفون بعرفة، وكانوا ~~ينسؤون الشهور فيقدمون الحج سنة ويؤخرونه أخرى ولكن هذا المعنى يناسب قراءة ~~الأولين بالنصب بمعنى النهي والثالث بالرفع بمعنى الخبر كما فعله في الكشاف ~~وقال القاضي أيضا نفي الثلاث على قصد النهي للمبالغة والدلالة على أنها ~~حقيقة بأن لا يكون، يعني أراد النهي عن هذه الأشياء في أيام الحج وذكرها ~~بطريق النفي الدال على نفي الجنس والحقيقة المفيد للعموم والمبالغة للتأكيد ~~والاهتمام بعدم وقوعها، فلا لنفي الجنس، ومدخوله مبني على الفتح و " في ~~الحج " متعلق بمقدر مثل موجود أو جائز خبرا، والجملة جزاء الشرط أي " فمن " ~~الخ والعائد محذوف مثل " له " أو برفث يعني لا يرفث وهو جزاء أيضا، والباقي ~~عطف عليه مع تكرير لا للتأكيد. # وقرئ الكل بالرفع والمعنى واحد والتركيب أيضا إلا أن لا حينئذ بمعنى ليس، ~~وليس لنفي الجنس لعدم جواز الرفع حينئذ لكونه نكرة مفردة والعموم أيضا ~~بحاله لأن النكرة في سياق النفي يفيد العموم لأنه من أداة العموم كما هو ~~المبين في محله، فقول صاحب مجمع البيان بأن دلالة الرفع على العموم لأنه ~~يعلم من الفحوى أنه ليس لنفي رفث واحد ولكنه لجميع ضروبه غير واضح، إلا أن ms231 ~~يريد أنه ليس لنفي بمثابة النصب فإنه أصرح وآكد " وما تفعلوا من خير يعلمه ~~الله " أي وما تفعلوا من أي نوع من الخير سواء كان الحج وغيره، وسواء كان ~~فعل حسن أو ترك قبيح - ولا يبعد إطلاق الفعل عليه باعتبار الكف وغيره، ويدل ~~عليه ذكره بعد النهي عن الرفث وغيره، وتنكير " خير " - يجازيكم به الله (1) ~~المتصف بجميع صفات الكمال من العلم والقدرة والعدل ففي وضع علمه بالعمل ~~المستحق للجزاء مكان الجزاء مبالغة زائدة في عدم فوته وتوفيره، وحث على فعل ~~الخير بعد النهي # PageV00P266 # كما أن في تنكير " خير " وذكر " ما " الموضوعة للعموم والابهام ثم ~~البيان، و ذكر لفظ الله المستجمع لجميع الصفات دلالة على ذلك. # وقال في الكشاف: حث الله على الخير عقيب النهي عن الشر وأن يستعملوا مكان ~~القبيح من الكلام الحسن منه، ومكان الفسوق البر والتقوى، ومكان الجدال ~~الوفاق والأخلاق الجميلة، أو جعل فعل الخير عبارة عن ضبط أنفسهم حتى لا ~~يوجد منهم ما نهوا عنه وينصره قوله " وتزودوا فإن خير الزاد التقوى " أي ~~اجعلوا زادكم إلى الآخرة اتقاء القبائح فإن خير الزاد اتقاؤها، و التعميم ~~أولى، أي تزودوا لمعادكم التقوى، وهو كما مر فعل الطاعات و ترك المعاصي، ~~فإنه خير الزاد، أي خير من كل زاد، ولا يبعد جعل الخطاب لعموم المكلفين ~~وكأنه ذكر هنا لأن الحاج لا بد أن يأخذ زادا لسفر قصير، فأخذ الراد للأمر ~~البعيد أحق وأولى، وبين وجوب أخذه بأنه التقى أو أنه بما يأخذ الزاد فيتكل ~~عليه، فأمره بأخذ خير الزاد، فإنه لو أخذ ذلك الزاد ولم يأخذ التقوى يهلك ~~بالجوع إما ظاهرا في الدنيا بأن يفوت منه في الطريق سريعا فيبقى بلا زاد أو ~~حقيقة في الآخرة فإنه إذا فعل المعاصي يهلك جوعا يوم القيامة بمعنى عدم ~~انتفاعه بزاد الحج في الآخرة. # فلا يبعد أن يكون إشارة إلى صرف الزاد إلى المحاويج، من المأكل والمشرب ~~والمركب مما يحتاج إليه المحاويج، بحيث لا يصير إهلاكا لنفسه والقاءها إلى ~~التهلكة، والاعتماد على زاد ms232 الله التي هي الزاد الحقيقي دون غيرها من ~~المطعم الفاني الذي في معرض التلف مع وجوده، لاحتماله العدم بالمرة في ~~الحال، وقيل: نزلت في أهل اليمن كانوا يحجون ولا يتزودون ويقولون: نحن ~~متوكلون فيكونون كلا وعيالا وثقلا على الناس فأمروا أن يتزودوا ويتقوا ~~السؤال، والتثقيل عليهم (1). # PageV00P267 # " واتقون " أي اتقوني وخافوني - بحذف الياء والاكتفاء بالكسرة، و هو كثير ~~- من أن أعاقبكم واتقوا معاصي التي هي سبب العقاب أو اتقوني فيما أمرتكم به ~~ونهيتكم عنه، والمرجع واحد " يا أولي الألباب " أي يا ذوي العقول، سمي ~~العقل باللب لأن لب كل شئ خالصه ولب الانسان عقله، وبه يفوز بالسعادات ~~كلها، وخصهم بالخطاب لأنهم الأهل لذلك فإن قضية العقل خشية الله وتقواه ~~فكأن من لم يتق الله لا عقل له، وهو مبرهن بالعقل والنقل، وفيه تأكيد آخر ~~وتحريص وحث على التقوى، وأنه لا بد أن يكون المقصود منه هو الله حيث قال " ~~واتقون " فإن التقوى إذا لم تكن لله لم تكن تقوى بل عين الفسق وأفحشه وجعله ~~مقصودا والتبري عن كل شئ سواه، هو مقتضى العقل المجرد السليم عن شوائب ~~الهوى فلذلك خص الخطاب بذويه. # الثالثة: ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم فإذا أفضتم من عرفات ~~فاذكروا الله عند المشعر الحرام واذكروه كما هديكم وإن كنتم من قبله لمن ~~الظالين (1). # أي ليس عليكم ذنب وحرج وإثم في أن تطلبوا، فحذف حرف الجر عن " أن " قياسا ~~فهو مع ما بعده منصوب بنزع الخافض و " فضلا " مفعول " تبتغوا " أي عطاء ~~ورزقا بالتجارة، قيل كان المسلمون يتأثمون التجارة في الحج في أول الاسلام ~~لزعمهم أن التجارة تنافي الحج، وهي فعل الجاهلية، فرفع الله سبحانه بهذه ~~الآية الإثم عنهم بالتجارة، وقيل: كانوا يتأثمون الأجرة في الحج فرفع ذلك، ~~وعلى التقديرين الآية صريحة في عدم المنافات بين الحج والتجارة وأخذ الأجرة ~~معه، فلا يتخيل أنه مناف للاخلاص، ولا منافاة، فإنه يقصد بفعل الحج القربة ~~وبما هو خارج عنه تحصيل المال، فإن العمل الذي يستحق به الأجرة مثل ms233 # PageV00P268 # الخدمة ليس بداخل في الحج، وليس بعبادة بل قد يحصل الثواب والأجرة أيضا ~~كما يقصد تحصيل المعاش الواجب أو الندب أو يؤجر نفسه للحج وغيره بمال فيحصل ~~المال والثواب ويدل عليه الروايات فكأن الثواب فاعتقاده وفعله على أنه ~~مشروع وأنه لو لم يشرع لم يفعل. # ولكن حصول القربة المعتبرة في النية مشكل هنا فتأمل فإنه لا محذور بعد ~~ثبوته بالنص، فمعنى القربة يكون غير الذي اعتبره بعض الأصحاب في غير هذه ~~الصورة، مع أنها غير بعيدة الحصول، فإن فعلها بعد الإجارة قد يكون للتقرب ~~فقط إذ لا يحصل شئ حيث وجب فعلها بعد عقد الإجارة فتأمل، فعلى هذا الحكم ~~المستفاد من الآية هو جواز التجارة والأجرة والكرى مع الحج، وقيل معناه لا ~~جناح عليكم في طلب المغفرة، وقال في مجمع البيان: الأول مروي عن أئمتنا ~~عليهم السلام والثاني عن أبي جعفر عليه السلام فلا يبعد الحمل على الأعم. # " فإذا أفضتم من عرفات " أي دفعتم عنها بعد الاجتماع فيها من أفضت الماء ~~إذا صببته بكثرة وأصله أفضتم أنفسكم فحذف المفعول كما حذف في دفعت من ~~البصرة أي دفعت نفسي منها " وعرفات " جمع عرفة وسمي بها الأرض المخصوصة ~~كمفردها وإنما نون مع منعها الصرف للعلمية والتأنيث، لأن تنوينها تنوين ~~المقابلة، و العوض عن نون الجمع في مسلمون (1) أي بإزائه فكما لا يحذف ذلك ~~لا يحذف هذا التنوين وهذا التنوين غير ممنوع من غير المنصرف، بل الممنوع ~~عنه هو تنوين التمكن، وإنما لم يمنع من الكسرة لأن منعها تابع لمنع ~~التنوين، ولما لم يمنع المتبوع لم يمنع التابع أيضا بالطريق الأولى، هكذا ~~في مجمع البيان بتغير ما وفي تفسير القاضي (2). # وقال في الكشاف والقاضي أيضا: إن تائها ليست للتأنيث بل هي مع الألف ~~علامة الجمع وليست هنا تاء مقدرة لأن المذكورة تمنع من ذلك # PageV00P269 # كما في البنت وغيرها، والظاهر أن حكم التأنيث جار عليها ولهذا يرجع إليها ~~الضمير المؤنث ويوصف به، ولو باعتبار معناها وهي الأرض المخصوصة، أو أنها ~~تاء مفردها وزيد عليه ms234 الألف فقط فتأمل. # وأما تسمية ذلك الموضع بعرفة أو عرفات فقيل لأنه وصف لإبراهيم عليه ~~السلام ولما رآه قال: عرفت، وقيل: كان جبرئيل يعلمه المناسك وفي هذا الموضع ~~قال: # عرفت، وقيل: لأن آدم وحوا تعارفا هنا بعد أن تفرقا، وقيل لأن الناس ~~يتعارفون هنا وقيل: لأنه رأى إبراهيم عليه السلام في المنام ذبح ولده وتفكر ~~أنه أمر من الله أم لا ورآه ثانية فسمي اليوم الأول بيوم التروية والثاني ~~بعرفة، وهذا يفيد وجه تسمية اليوم، ويفهم وجه المكان أيضا فافهم. # وأما وجه تسمية الموضع الآخر بالمشعر فظاهر لأنه علامة للنسك والعبادة ~~ومعلم للحج والدعاء والصلاة والمبيت عنده، وتسميته بجمع لأنه يجمع فيه بين ~~المغرب والعشاء [بأذان واحد وإقامتين] أو لجمع الناس فيه، والمزدلفة، لأن ~~جبرئيل قال له عليه السلام ازدلف إلى المشعر أي ذهب إليه وأقرب منه، قيل: ~~المشعر الحرام جبل في ذلك الموضع سمي قزح، وقيل: هو ما بين جبلي المزدلفة ~~من مأزمي عرفة إلى وادي محسر، وليس المأزمان ووادي محسر منه، وإنما وصف ~~بالحرام لحرمته، وبالجملة المراد هنا الوقوف والذكر في موضع خاص يقف فيه ~~الناس وهو موضع محدود مثل عرفة ومنى، وإنما سمي ذلك الموضع بمنى لأن ~~إبراهيم عليه السلام تمنى هناك أن يعطيه الله فداء يذبحه مكان ابنه. # " فاذكروا الله " جزاء " فإذا أفضتم " أي اذكروا الله بالتهليل والتكبير ~~والثناء عليه والدعوات، أو بصلاة المغرب والعشاء " واذكروه كما هديكم " أي ~~اذكروا الله بالثناء والشكر حسب هدايته إياكم، فالشكر يكون في مقابلة نعمة ~~الهداية أو " اذكروه " ذكرا حسنا " كما هديكم " هداية حسنة أو اذكروه كما ~~علمكم المناسك وغيره، فما مصدرية أو كافة " وإن كنتم من قبله " أي قبل ~~الهداية أو قبل بعث محمد صلى الله عليه وآله وهو بعيد لفظا ومعنى " لمن ~~الضالين " أي الجاهلين بالايمان PageV00P270 # والطاعة والمناسك، و " إن " هي مخففة من المثقلة، واللام هي التأكيدية ~~الفارقة بين النافية والمخففة أو بينها وبين الشرطية. # فدلت بظاهرها على وقوف عرفة أي الكون بها في الجملة حيث كانت الإفاضة ms235 ~~منها والإفاضة منها فرع الكون فيها فتأمل، وهو الوقوف وهو مبين في الأخبار ~~ومحدود زمانه ومكانه في الكتب، وعلى وقوف المشعر ليلا أيضا إذ المراد ~~الإفاضة من عرفة إلى مشعر الحرام، وذكر الله فيه، ولا يمكن ذلك بدون الكون ~~فيه، وهو المراد بالوقوف هنا، وهو أيضا مذكور في الأخبار ومعلوم الزمان ~~والمكان، ودلت أيضا على وجوب الذكر فيه، ولكن أكثر الأصحاب على استحباب ~~الذكر، وعدم وجوب شئ غير الكون مع النية، فيحتمل أن يكون كناية عنه فإن فعل ~~عبادة مع النية ذكر الله، أو صلاة المغرب والعشاء فلا يدل على وجوب أمر ~~زائد، وأيضا قد يحمل قوله " فاذكروا " على استحباب الذكر بالأدعية المأثورة ~~في ذلك المحل، والاحتياط يقتضي ذكر الله تعالى فيه بالتهليل والتكبير ~~والثناء الجميل بالمأثور، على ما هو المذكور في محل ذكر هذا النسك في كتاب ~~العبادات. # ويلزم من كون المراد بالذكر المغرب والعشاء وجوب فعلهما فيه، وليس بجيد ~~إذ يدل على عدمه ما في صحيحة محمد بن مسلم: فنزل أي الباقر عليه السلام ~~فصلى المغرب في الطريق قبل المزدلفة، وصلى العشاء بالمزدلفة وكذا صحيحة ~~هشام بن الحكم عن أبي عبد الله عليه السلام لا بأس أن يصلي الرجل المغرب ~~إذا أمسى بعرفة و كذا خبر سماعه (1) إلا أن يراد العشاء فقط فكأن الأخبار ~~الدالة على وجوب الجمع بأذان واحد وإقامتين فيه، وجواز تأخير النافلة عنهما ~~(2) محمولة على الندب ويمكن القول بوجوب الذكر والثناء والشكر كما هو ~~الظاهر من كثير من الأخبار أيضا ومذهب ابن البراج وظاهر كلام أبي الصلاح في ~~المشعر وعرفة أيضا وظاهر كلام السيد حيث أجاب عن الاعتراض على الاستدلال ~~بالآية المذكورة # PageV00P271 # على وجوب وقوف المشعر بأن الأمر (1) بالذكر أيضا يدل على وجوب الكون فيه، ~~فإن الذكر بدونه غير ممكن " بأن الآية (2) تدل على وجوب الذكر وأنتم لا ~~تقولون به " " بأنه (3) لا يمتنع أن نقول بوجوب الذكر بظاهر الآية وأجيب ~~بجواب آخر وهو أن الأمر بالذكر يقتضي وجوب الكون في المكان المخصوص والذكر ~~جميعا، فإذا ms236 دل الدليل على أن الذكر مستحب غير واجب أخرجناه من الظاهر وبقي ~~الباقي، وفيه تأمل واضح، إذ وجوب الكون إنما كان مفهوما من وجوب الذكر ~~وأمره، وإذا حمل على الاستحباب لدليل لم يبق لوجوب الكون أمر دال على ~~الوجوب، وهو ظاهر، نعم يمكن ذلك لو قدر شئ، ويكون وجوب الكون مفهوما من ذلك ~~الشئ أو جعل الذكر: الكون مع النية أو العشاء الآخرة. # ثم الاستدلال على وجوب الكون في المشعر بوجوب الشكر المفهوم من قوله ~~تعالى " واذكروه كما هديكم " مثل الذكر على أن كونه شكرا غير واضح، و كذا ~~وجوبه في المشعر الحرام حتى يلزم منه وجوب الكون بها، وبالجملة القول بوجوب ~~وقوف المشعر مما لا ينبغي إنكاره لما ذكرناه بل للإجماع على الظاهر، و ~~ينبغي أيضا القول بوجوب الذكر لظاهر الآية والأخبار، مع عدم دليل صالح ~~للمنع مثل الأصل الذي استدل به - على عدم وجوب الذكر مطلقا والصلاة على ~~النبي وآله عليهم السلام في الموقفين كما هو مذهب ابن البراج - في المختلف ~~فإنه يضمحل بالآية والأخبار، والخبران (4) اللذان استدل بهما في المختلف ~~عليه غير صحيحين بل لا دلالة فيهما على عدم الوجوب، بل ظاهرهما الوجوب في ~~عرفات حيث يفهم من أحدهما أنه إذا صلى فيها وقنت يكفي وهو الذكر والدعاء مع ~~أنه دهشته الناس ومن الآخر أنه اشتغل بالحزن لموت أقاربه عن الدعاء قال ~~عليه السلام لا أرى عليه شيئا مع أنه قال وقد أساء فليستغفر الله على أن ~~إجزاء الوقوف بغير الدعاء لا يدل على # PageV00P272 # عدم وجوب الذكر، وكذا عدم شئ عليه لا يستلزم عدمه، والخبر الأول رواه ~~عامر بن عبد الله عن أبي عبد الله عليه السلام قال قلت لأبي عبد الله عليه ~~السلام رجل وقف بالموقف فأصابته دهشة الناس فبقي ينظر إلى الناس ولا يدعو ~~حتى أفاض الناس قال يجزيه وقوفه، ثم قال أليس قد صلى بعرفات الظهر والعصر ~~وقنت ودعا؟ قلت بلى، قال فعرفات كلها موقف وما قرب من الجبل فهو أفضل، ~~والآخرة رواه زكريا ms237 الموصلي قال سألت العبد الصالح عليه السلام عن رجل وقف ~~بالموقف فأتاه نعي أبيه أو نعي بعض ولده أي خبر موته، قبل أن يذكر الله عز ~~وجل بشئ أو يدعو فاشتغل بالجزع والبكاء عن الدعاء ثم أفاض الناس، فقال لا ~~أرى عليه شيئا، وقد أساء فليستغفر الله أما لو صبر واحتسب لأفاض من الموقف ~~بحسنات أهل الموقف جميعا، من غير أن ينقص من حسناتهم شئ، وفيه دلالة على ~~عدم حسن الجزع وحسن الاستغفار والثواب العظيم للصبر أما الأخبار الدالة على ~~الوجوب فصحيحة وصريحة. # الرابعة: ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس واستغفروا الله إن الله غفور رحيم ~~(1). # قيل: ارجعوا من عرفات إلى المزدلفة فهو أمر لقريش بوقوف عرفة ثم ~~بالمزدلفة كما هو الواجب على سائرهم، فإنهم ما كانوا يقفون بعرفات مع الناس ~~ترفعا عليهم ويقولون نحن أهل حرم الله ولا نخرج منه مثل الناس بل نقف ~~بالمشعر فقط فأمروا بترك ذلك وفعل ما يفعله الناس وقال في مجمع البيان وهو ~~المروي عن أهل البيت عليهم السلام ويكون " ثم " حينئذ للتفاوت بين ~~المرتبتين، يعني إذا أفضتم من عرفات ثم ليكن افاضتكم يا قريش أيضا من عرفات ~~كسائر الناس لا من المزدلفة فقط فإن تلك حرام وهذه واجبة، فبينهما بعد ~~كثير، كما يقولون: أحسن إلى الناس ثم لا تحسن إلى غير كريم، للإشارة إلى ~~تفاوت ما بين الاحسان إلى الكريم و الاحسان إلى غيره. # PageV00P273 # هكذا قيل في الكشاف وغيره، ولا يخفى أن الأمر بالإفاضة من عرفات بثم بعد ~~ذكرها أولا، مما لا يناسب، فإن المعطوف ليس بحرام بل ما يفعلون فليس ~~التفاوت بين المعطوف والمعطوف عليه بل بين فعلهم وما أمروا به، وليس ذلك ~~مفاد ثم، وإنه ليس مثل أحسن إلى الناس ثم لا تحسن إلى غير كريم، وهو ظاهر. # وقيل أي ثم أفيضوا من المزدلفة إلى منى ويكون الأمر لكل الناس، ويكون ~~المراد بالناس آدم وإبراهيم وإسماعيل وغيرهم من الأنبياء السابقة، والأمم ~~المتقدمة يعني أن وقوف المشعر والإفاضة منه إلى منى شرع ms238 قديم لا تغيروه، ~~وهذا هو المناسب لمعنى " ثم " وسوق الآية، حيث قال: فإذا أفضتم من عرفات ~~إلى المشعر فكونوا بالمشعر ثم أفيضوا منه إلى منى، ففهم الوقوفان ونزول ~~منى، ونقله في مجمع البيان عن أبي عبد الله عليه السلام (2). # " واستغفروا الله " واطلبوا المغفرة وستر الذنوب التي فعلتم من تغيير ~~الشرع وفعل المحرمات، وترك الواجبات، بالندم على ما سلف، والعزم على العدم ~~من بعد إن الله كثير المغفرة والرحمة، ويغفر ذنب المستغفر، وينعم عليه، ~~ويدل على الأول صحيحة معاوية بن عمار عن أبي عبد الله عليه السلام قال إذا ~~غربت الشمس في عرفة فأفض مع الناس، وعليك السكينة والوقار وأفض بالاستغفار ~~فإن الله تعالى يقول " ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس واستغفروا الله (2) " ~~والظاهر أن الاستغفار يكون بالمشعر أو في طريقه على الأول ويحتمل في عرفة ~~كما يشعر به الرواية المتقدمة وعلى الثاني بمنى وطريقها وكونه بالمشعر ~~حينئذ بعيد، وهو ظاهر إلا أن الظاهر # PageV00P274 # أنه ما ذهب أحد إلى وجوب الاستغفار والذكر بمنى، فيحمل على الاستحباب أو ~~على الدعاء والذكر الواجب المفهوم من قوله " واذكروا الله عند المشعر ~~الحرام " أو على وجوب التوبة مطلقا كما أشرنا إليه من قبل، ويفهم وجوب ~~قبولها على الله. # الخامسة: فإذا قضيتم مناسككم فاذكروا الله كذكركم آباءكم أو أشد ذكرا فمن ~~الناس من يقول ربنا آتنا في الدنيا وماله في الآخرة من خلاق (1). # وآية أخرى: ومنهم من يقول ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا ~~عذاب النار (2). # وأخرى: أولئك لهم نصيب مما كسبوا والله سريع الحساب (3). # أي إذا فرغتم من عباداتكم الحجية، ويحتمل الأعم، والمناسك جمع منسك وهو ~~يطلق على العبادة إطلاق المصدر على المفعول أو يكون بمعناه المصدري أي إذا ~~فعلتم أفعالكم التي كانت عبادة، أو يكون اسم مكان أطلق عليها، أو يكون ~~المضاف محذوفا أي عبادات مناسككم " فاذكروا الله كذكركم آباءكم " أي ذكرا ~~مثل ذكركم آباءكم، فذكركم في محل النصب صفة لمفعول مطلق محذوف سواء كانت ~~الكاف بمعنى مثل اسما مضافا أو ms239 حرفا متعلقا بمقدر، وآباءكم مفعول الذكر ~~وأشد منصوب عطف على " كذكركم " أي يكون ذكركم الله إما مساويا لذكر آبائكم ~~أو أشد وأكثر وأعلى ذكرا من ذكر الآباء، فذكرا تميز أي أشديته يكون من حيث ~~كونه ذكرا لا من جهة أخرى، فهو لرفع التوهم والاحتمال، وإن كان بعيدا كما ~~في قولهم طاب زيد نفسا فافهم، ويحتمل جعل الذكر بمعنى الذاكر حينئذ كما ~~سيأتي. # فكونه مجرورا معطوفا على الذكر على تقدير جعل الذكر بمعنى الذاكر مجازا ~~للمبالغة أو على ما أضيف إليه بمعنى أو كذكر قوم أشد منكم ذكرا، أو # PageV00P275 # منصوبا عطفا على آبائكم أو على أنه مفعول فعل محذوف مثل واذكروا أو كونوا ~~كما ذكره البيضاوي والكشاف ومجمع البيان ضعيف، فإن الكل تكلف غير محتاج ~~إليه بل بعضه غير جيد مثل عطفه على آبائكم. # والمراد بالذكر هو التكبير في منى وأكد بما بعده أو يكون الإشارة إلى ~~استحباب الدعاء مطلقا في تلك الأماكن الشريفة، وسبب النزول على ما ذكره في ~~مجمع البيان ما روي عن أبي جعفر عليه السلام أنهم أي القريش كانوا إذا ~~فرغوا من الحج يجتمعون هناك ويعدون مفاخر آبائهم [ومآثرهم] ويذكرون أيامهم ~~القديمة وأياديهم الجسيمة، فأمرهم الله سبحانه أن يذكروه في مكان ذكرهم في ~~هذا الموضع " أو أشد ذكرا " ويزيدوا على ذلك بأن يذكروا نعم الله ويعدوا ~~آلاءه ويشكروا نعماءه وآلاءه، لا آباءهم وإن كانت لهم عليهم أياد ونعم لأن ~~الله سبحانه أعظم وأياديه عندهم أفخم لأن الله سبحانه هو المنعم بتلك ~~المآثر والمفاخر عليهم وعلى آبائهم (3) وقيل: معناه فاستعينوا بالله ~~وافزعوا إليه كما ينزع الصبي إلى أبيه في جميع أموره، ويشتغل بذكره فيقول ~~يا أبه. # " فمن الناس من يقول " قال في تفسير القاضي (1) والكشاف: هذا تفصيل ~~للذاكرين، فإن الناس من بين مقل لا يطلب بذكر الله إلا متاع الدنيا، ومكثر ~~يطلب به خير الدارين، والمراد به الحث على الاكثار والإرشاد إليه [ربنا ~~آتنا في الدنيا (2)] أي اجعل اعطاءنا في الدنيا وما لهؤلاء في الآخرة من ~~نصيب، لأن ms240 هممهم مقصور على الدنيا، أو ما لهم من طلب خلاق، والأول أولى. ~~ولما ذكر سبحانه دعاء من سأله من أمور الدنيا. فقط في تلك المواقف الشريفة ~~مما لا يرتضيه، عقبه بما يسأله المؤمنون فيها من الدعاء الذي رغب فيها فقال ~~" ومنهم من يقول ربنا آتنا في الدنيا حسنة " يعني أعطنا الصحة والكفاف ~~وتوفيق الخير في الدنيا " وفي الآخرة " الثواب والرحمة، وقيل: نعيم الدنيا ~~ونعيم الآخرة، وعن أبي عبد الله عليه السلام أنها # PageV00P276 # السعة في الرزق والمعاش وحسن الخلق في الدنيا ورضوان الله والجنة، وقيل ~~المال في الدنيا، وفي الآخرة الجنة، وروي عن النبي صلى الله عليه وآله أنه ~~قال من أوتي قلبا شاكرا ولسانا ذاكرا وزوجة مؤمنة تعينه على أمر دنياه ~~وآخرته، فقد أوتي في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة، ووقي عذاب النار (1). " ~~وقنا عذاب النار " بالعفو والمغفرة. وعن أمير المؤمنين عليه السلام الحسنة ~~في الدنيا المرأة الصالحة وفي الآخرة الحوراء، وعذاب النار امرأة السوء، ~~وعن الحسن: في الدنيا العلم والعبادة وفي الآخرة الجنة، وقنا عذاب النار: ~~معناه: احفظنا من الشهوات " أولئك " إشارة إلى الفريق الثاني وقيل إليهما " ~~لهم نصيب " أي حظ من جنس ما كسبوا وهو جزاؤه أو من أجله أو مما دعوا به ~~نعطيهم منه ما قدرناه فسمى الدعاء كسبا لأنه من الأعمال " والله سريع ~~الحساب " يحاسب العباد على كثرتهم وكثرة أعمالهم، في مقدار لمحة، أو معناه ~~يوشك أن يقيم القيامة و يحاسب الناس، فبادروا إلى الطاعة واكتساب الحسنات ~~والله سريع المجازات للعباد على أعمالهم وإن وقت الحساب والجزاء قريب. # ففيها تحريص وترغيب على ذكر الله وطلب الحوائج من الله للدنيا والدين في ~~المواطن المشرفة، والمنع عن ذكر التفاخر والتعاظم بالآباء وقصر السؤال على ~~الدنيا بمعنى جعل همه مقصورا عليها وقطع نظره عن الآخرة، وترغيب أيضا في ~~العبادات، وترهيب عن فعل المعاصي بأن الله يحاسب العباد على أعمالهم حسنة ~~وقبيحة في لمحة واحدة، ويجازي الكل بما كسب. ففيها دلالة أيضا صريحة على ~~استحقاق الثواب والعقاب بالأعمال وقال في ms241 مجمع البيان: فيها دلالة صريحة ~~على أن الله ليس بجسم فإنه يحاسب كل الخلق في لمحة ولا يحتاج إلى زمان ~~للحساب ولا يشغله شخص حساب عن حساب آخر، ولو كان كذلك لما جاز أن يخاطب في ~~وقت واحد مخاطبين مختلفين وهو ظاهر. # PageV00P277 # السادسة: واذكروا الله في أيام معدودات فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه ~~ومن تأخر فلا إثم عليه لمن اتقى واتقوا الله واعلموا أنكم إليه تحشرون (1). # أمر للمكلفين بذكر الله في أيام قلائل، لأن القليل يعد، والذكر المأمور ~~به هو التكبير عقيب خمس عشر صلوات في منى، وعقيب عشر صلوات في غيره، وأوله ~~عقيب الظهر يوم النحر مطلقا، فآخر الأول فجر يوم الثالث، و آخر الثاني ~~[صلاة] فجر يوم الثاني بعد العيد، كذا في التفاسير، ودلت عليه الروايات مثل ~~حسنة محمد بن مسلم قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن قول الله عز وجل ~~" واذكروا الله في أيام معدودات " قال التكبير في أيام التشريق: صلاة الظهر ~~من يوم النحر إلى صلاة الفجر من يوم الثالث وفي الأمصار عشر صلوات (2) وكذا ~~في صحيحة زرارة وغيرهما، ولا يخفى أن في هذه الروايات إطلاق أيام التشريق ~~على يوم النحر وثلاثة بعده، وكذا في غيرها أيضا وهو خلاف المشهور ولعله ~~تغليب. # وذلك التكبير مبين في كثير من الأخبار مثل صحيحتي زرارة ومنصور بن حازم ~~وصحيحة معاوية بن عمار حيث قال عليه السلام: التكبير أن يقول: الله أكبر ~~الله أكبر لا إله إلا الله، والله أكبر، الله أكبر، ولله الحمد، الله أكبر ~~على ما هدانا، الله أكبر على ما رزقنا من بهيمة الأنعام (3) وزاد في ~~الصحيحة الأخيرة والحمد لله على ما أبلانا، وفيها أيضا إن أنت خرجت من منى ~~فليس عليك تكبير، فكأنه محمول على عدم خمسة عشر أو الزيادة على الأمصار، ~~وفي خبر آخر أن التكبير واجب في دبر كل صلاة فريضة ونافلة أيام التشريق، ~~وفي صحيحة داود بن فرقد قال: قال # PageV00P278 # أبو عبد الله عليه السلام التكبير في كل فريضة، ms242 وليس في النافلة تكبير ~~أيام التشريق (1) وحمل الشيخ الأول على الجواز وهو بعيد فإن حمل الواجب على ~~الجواز سيما إذا حمل على السنة المؤكدة بالنسبة إلى الفريضة كما فعله في ~~التهذيب غير مفهوم وكذا حمله على مطلق التكبير معللا بأنه غير ممنوع منه، ~~فكيف بعد النافلة، كما أشار إليه فيه أيضا، والخبر غير صحيح وما عمل ~~بمضمونه، فليس ببعيد حذفه وحمله على غير هذا التكبير المشهور، مع حمله على ~~الاستحباب لصحيح ابن فرقد المتقدم الدال على عدمه في النافلة أيام التشريق ~~بعيد، وحمل الشيخ وغيره أيضا هذه الآية والأخبار على الندب لخبر عمار بن ~~موسى عن أبي عبد الله عليه السلام قال سألته عن الرجل ينسى أن يكبر في أيام ~~التشريق قال: إن نسي حتى قام عن موضعه فليس عليه شئ (2) وذلك لا يدل على ~~عدم الوجوب، بل يدل عليه حيث قيد عدم الشئ بالنسيان إذ عدم وجوب الشئ إذا ~~نسي لا يستلزم عدم الوجوب وهو ظاهر وسنده أيضا ضعيف فالقول بالوجوب، غير ~~بعيد، وإن كان القائل به قليلا مثل السيد السند وابن الجنيد. # ولكن روي في زيادات الحج من التهذيب في الصحيح عن علي بن جعفر عن أخيه ~~عليهما السلام قال سألته عن التكبير أيام التشريق أواجب هو أم لا، قال: ~~يستحب وإن نسي فلا شئ عليه (3) فهي دليل القول بالاستحباب كما هو المشهور، ~~وحمل الأخبار الأول على الاستحباب فتأمل. # ثم الظاهر من الروايات المتقدمة تعيين التكبير المذكور فيها وما ذكر ذلك ~~أكثر الأصحاب بل ذكروا غير ذلك كما في القواعد والدروس والشرايع والإرشاد ~~وغيرها ودليله غير واضح نعم في صحيحة محمد بن مسلم عن أحدهما عليهما السلام ~~قال وسألته عن التكبير بعدكم صلاة؟ فقال: كم شئت، إنه ليس شئ مؤقت يعني # PageV00P279 # في الكلام (1) والظاهر أن قوله يعني في الكلام من محمد بن يعقوب الكليني ~~فالعبارة مجملة، يحتمل عقيب كم صلاة شئت أو كم مرة شئت كرر التكبير المعلوم ~~أو لفظ الله أكبر، وغير ذلك فلا يمكن بها التأويل ms243 فيما هو المحقق فتأمل، ~~وأيضا ورد في بعض الروايات في تكبير عيد الفطر مثل رواية سعيد النقاش (2) ~~عنه عليه السلام مثل ما تقدم إلا بحذف " الله أكبر على ما رزقنا " الخ ~~وحسنة معاوية بن عمار عن أبي عبد الله عليه السلام: يكبر ليلة الفطر وصبيحة ~~الفطر كما يكبر في العشر (3) فلا يبعد أن يكون المراد بهذا الخبر الإشارة ~~إلى قول تكبير عيد الأضحى على ما نقلناه في الفطر ويكون ليلة الفطر وصبيحته ~~إشارة إلى بعد المغرب والعشاء ليلة العيد وعقيب الصبح وصلاة العيد، كما هو ~~المشهور، ويكون المراد بالعشر يوم العاشر وما بعده فتأمل. # " فمن تعجل " الخ معناه الرخصة في جواز النفر الأول في اليوم الثاني من ~~أيام التشريق وهو الثاني عشر، والأفضل أن يقيم إلى النفر الأخير في اليوم ~~الثالث عشر، وهو آخر أيام التشريق، وإذا نفر في الأول لا بد أن ينفر بعد ~~زوال الشمس وقبل الغروب، وبعد رمي جمار ذلك اليوم، فلا يجوز النفر قبل ~~الزوال وإن جاز الرمي قبل الزوال للأخبار الدالة على أن زمان الرمي من طلوع ~~الشمس إلى غروبها، كما هو في رواية منصور بن حازم ورواية زرارة (4) وما في ~~صحيحة جميل بن دراج (5) عنه كأنه الصادق عليه السلام لتقدم ذكره في الفقيه ~~(6) قال " وكان أبي عليه السلام يقول من شاء رمى الجمار ارتفاع النهار ثم ~~ينفر، قال: فقلت له إلى متى يكون رمي الجمار؟ فقال من ارتفاع النهار إلى ~~غروب الشمس " وغيرها وإن قال بعض الأصحاب بوجوب التأخير عن الزوال لظاهر ~~بعض الروايات # PageV00P280 # المحمولة على الاستحباب للجمع بين الأخبار، فيستحب التأخير عن الزوال ~~للاحتياط ولظاهر بعض الأخبار، والأولى تأخير النفر إلى الثاني. # وأما الدليل على ما قلناه من عدم جواز النفر الأول إلا بعد الزوال وقبل ~~الغروب فإن أقام إلى الغروب لا يجوز الخروج فهو أيضا أخبار صحيحة صريحة في ~~ذلك مثل صحيحة معاوية بن عمار عن أبي عبد الله عليه السلام قال إذا نفرت في ~~النفر الأول فإن شئت أن تقيم بمكة ms244 وتبيت بها فلا بأس بذلك، قال: وقال إذا ~~جاء الليل بعد النفر الأول فبت بمنى وليس لك أن تخرج منها حتى تصبح (1) ~~وأيضا صحيحة معاوية وحسنته عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إذا أردت أن ~~تنفر في يومين فليس لك أن تنفر حتى تزول الشمس وإن تأخرت إلى آخر أيام ~~التشريق وهو يوم النفر الأخير فلا عليك أي ساعة نفرت، ورميت قبل الزوال أو ~~بعده (2) الخ وغير ذلك من الأخبار، مثل ما في خبر أبي أيوب عن أبي عبد الله ~~عليه السلام: فقال لي: أما اليوم الثاني فلا تنفر حتى تزول الشمس الخ (3) ~~ومثل حسنة الحلبي عن أبي عبد الله عليه السلام قال من تعجل في يومين فلا ~~ينفر حتى تزول الشمس فإن أدركه المساء بات ولم ينفر (4). # وأما ما في بعض الأخبار مما يدل على جواز النفر قبل الزوال في النفر ~~الأول أيضا مثل رواية زرارة عن أبي جعفر عليه السلام قال: لا بأس أن ينفر ~~الرجل في النفر الأول قبل الزوال، ورواية أبي بصير قال سألت أبا عبد الله ~~عليه السلام عن الرجل ينفر في النفر الأول قال له أن ينفر ما بينه وبين أن ~~تصفر الشمس (5) فليس يصلح للمعارضة لما مر للصحة وعدمهما، وقد حملهما الشيخ ~~على المضطر للجمع. # وأما كون الأفضل التأخير فلما ذكره الأصحاب مع حصول عبادة كاملة في # PageV00P281 # منى تمام الأيام، ولأن الظاهر أن النفر الأول رخصة، وقال المفسرون إنه ~~مخير بينه وبين الأفضل كما يقال: إن أعلنت الصدقة فحسن، وإن أسررت فحسن وإن ~~كان الاسرار أحسن وأفضل، والظاهر من الآية هو جواز النفر في الأول أي وقت ~~أراد، وقد عرفت التخصيص والبيان في الأخبار الصحيحة بل في إجماع الأصحاب ~~أيضا على الظاهر والظاهر أن مذهب الشافعي أيضا جواز النفر بعد الزوال إذ لا ~~يجوز الرمي إلا بعد الزوال، ومعلوم عدم جواز النفر في الأول أيضا إلا بعد ~~الرمي ونقل القاضي جواز النفر في الأول قبل طلوع الفجر عن أبي حنيفة، ونقل ~~عنه ms245 أيضا جواز الرمي قبل الزوال وبعده مثل مذهب الأصحاب، وظاهر الآية أن ~~الخروج قبل إكمال اليومين بعد الشروع فيهما لا قبله، فقول أبي حنيفة بعيد ~~ويلزمه أيضا ترك الرمي في اليوم الثاني إلا أن يجوز حينئذ الرمي في الليل، ~~وبالجملة الآية مجملة قابلة للكل بشرط ما يصلح أن يكون دليلا كالروايات ~~الصحيحة عن الذين قولهم حجة. # " لمن اتقى " أي الذين ذكر من التخيير أو الأحكام لمن اتقى معاصي الله ~~لأنه الحاج على الحقيقة المنتفع به، يعني أن الحج يقع مبرورا مكفرا للسيئات ~~إذا اتقى ما نهي عنه، هذا أحد المعنيين في التفاسير الثلاث وفيها حينئذ ~~إشعار بعدم قبول العبادات مع العصيان مثل قوله تعالى " إنما يتقبل الله من ~~المتقين (1) " فتأمل. والآخر إن التخيير لمن اتقى الصيد والنساء بمعنى أن ~~الذي لا إثم عليه في التعجيل هو الذي اتقى الصيد والنساء يعني وطيهن لا ~~سائر ما يحرم منهن في الاحرام للأصل، و الظاهر من دليله الذي سيأتي من قوله ~~عليه السلام " أتى النساء "، فإنه ظاهر في المواقعة والظاهر أن المراد ~~الاتقاء منهما مطلقا عمدا وسهوا وجهلا لظاهر عدم الاتقاء حينئذ، والظاهر أن ~~وقت الاتقاء هو وقت تحريمهما عليه من زمان إحرام الحج من غير إشكال، وزمان ~~إحرام عمرة التمتع أيضا على الخلاف بناء على أن عمرة التمتع هي عمرة الحج ~~لدخولها فيه فتأمل فيه، فإن الأصل عدم التقييد والشرط في الآية، فكلما نقص ~~فهو أولى، ونسب هذا في مجمع البيان إلى أصحابنا وابن # PageV00P282 # عباس (1) وهو المشهور بين الأصحاب بل ما رأينا فيه خلافا في كتب الفروع ~~وظاهر الآية خلاف ذلك لعموم " من " واحتمال " لمن اتقى " غير المعنى المخصص ~~لذلك المعنى المحقق عمومه، مع أن الأصل عدم التخصيص وعدم وجوب الوقوف إلى ~~النفر الثاني، ولذلك نقل هذا المعنى في بعض الروايات (2) ونسب إلى العامة. # ونقل أيضا عن أبي عبد الله عليه السلام في قوله تعالى " فمن تعجل " أي من ~~مات في هذين اليومين فقد كفر عنه كل ذنب " ومن تأخر " أي من ms246 أنسئ أجله " ~~فلا إثم عليه " بعدها إذا اتقى الكبائر (3) ويحتمل غير ذلك أيضا. # وبالجملة الآية عامة، وتخصيص الأصحاب غير ظاهر الوجه، والذي رأيناه يصلح ~~لذلك رواية محمد بن المستنير عن أبي عبد الله عليه السلام قال من أتى ~~النساء في إحرامه لم يكن له أن ينفر في النفر الأول، وفي الكافي وفي رواية ~~أخرى الصيد أيضا (4) و رواية حماد بن عثمان عن أبي عبد الله عليه السلام في ~~قول الله عز وجل " فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه لمن اتقى " الصيد يعني ~~في إحرامه فإن أصابه لم يكن له أن ينفر في النفر الأول كذا في التهذيب (5) ~~وفي الفقيه أيضا بعض الأخبار، ولكنها لا تصلح لتخصيص القرآن العزيز القطعي ~~لعدم صحة سندها فإن محمد بن المستنير غير معلوم الحال، وفي الرواية الثانية ~~محمد بن الحسين المشترك مع عدم العلم بطريق الشيخ إليه ويحيى بن المبارك ~~المجهول وعبد الله بن جبلة الواقفي ووجود محمد بن يحيى الصيرفي قال في ~~الاستبصار إنه كان عاميا مع قصور في الدلالة أيضا، إذ لا دلالة في كل واحدة ~~عليهما معا، ولكن بعد ثبوتها ذلك هين. # والحاصل أنه لو لم يكن المسألة على قررناها إجماعية وليس عليها دليلا سوى ~~هاتين ينبغي أن لا يقال بها بل يقال بظاهر الآية من ثبوت التخيير مطلقا، ~~والعجب # PageV00P283 # من ابن إدريس أنه قال بالتخيير لمن اتقى النساء مطلقا والصيد كذلك أي ~~جميع محرماته مع أنه ما يعمل إلا بالمتواتر، وما يخرج القرآن المتواتر من ~~عمومه إلا بدليل مثله، وكذا عن صاحب مجمع البيان حيث قال فلا إثم عليه لمن ~~اتقى الصيد إلى انقضاء النفر الأخير وما بقي من إحرامه، ومن لم يتقه فلا ~~يجوز له النفر الأول (1) فإن الظاهر أن الشرط إنما هو الاتقاء المتقدم على ~~النفر الأول إلى حصوله لا بعده، وهو ظاهر ولا يدل عليه ما في صحيحة معاوية ~~بن عمار (2) قال: ينبغي لمن تعجل في يومين أن يمسك عن الصيد حتى ينقضي ~~اليوم الثالث، ويمكن حملها ms247 على الاستحباب ويكون ذلك هو مراد مجمع البيان ~~الله يعلم. # و " اتقوا الله " أي اجتنبوا معاصي الله " واعلموا أنكم إليه تحشرون " أي ~~تحققوا أنكم بعد موتكم تجمعون إلى الموضع الذي يحكم الله بينكم، ويجازيكم ~~على أعمالكم، ففيه تحريص وترغيب وترهيب وتخويف. # السابعة: وإذ جعلنا البيت مثابة للناس وأمنا واتخذوا من مقام إبراهيم ~~مصلى وعهدنا إلى إبراهيم وإسماعيل أن طهرا بيتي للطائفين والعاكفين والركع ~~السجود (3). # البيت في اللغة هو المأوى والمنزل، والمراد هنا البيت الحرام أعني الكعبة ~~والمثابة هنا الموضع الذي يثاب إليه من ثاب يثوب مثابة ومثابا إذا رجع أو ~~موضع الثواب أي يثابون لحجه واعتماره كذا قال القاضي وهو صريح في نفي ما ~~ذكره أولا من عدم الاستحقاق للثواب بالعبادة، وما يدل عليه من الآيات ~~كثيرة، فإن القرآن العزيز مملو به مثل " جزاء بما كنتم تعملون " وقلما توجد ~~صفحة في المصحف لم يكن فيها ما يدل عليه، وكذا الأخبار النبوية والإمامية ~~المتواترة، بل العقل أيضا يدل عليه فتأمل. # PageV00P284 # والطائف: الدائر حول الشئ، والعاكف المقيم على الشئ اللازم له، و الركع ~~جمع راكع، والسجود جمع ساجد والبيت ومثابة مفعولا " جعلنا " " وأمنا " عطف ~~على " مثابة " وللناس متعلق بمثابة أو بمقدر صفة لها " واتخذوا " بتقدير ~~وقلنا اتخذوا. عطف على جعلنا ومصلى مفعول اتخذوا و " من " يحتمل التبعيض ~~متعلقا به، بمعنى اجعلوا بعض المكان القريب من المقام أو نفسه مصلى أو ~~للابتداء أو للتبيين، وكونها زائدة أحسن لو جاز، والعهد هنا الأمر كما صرح ~~به قال القاضي: أمرناهما. # ولعل المقصود كون البيت معبدا، فيمكن فهم وجوب عبادة عنده، و لعلها تكون ~~الطواف وصلاته وباقي المناسك أيضا إذ لا قائل بغيرها، وكونه موضع أمن، ~~فيمكن فهم وجوب جعله كذلك فلا يتعرض لمن التجأ إليه من الجناة خارجا عنه، ~~كما قال الأصحاب وأبو حنيفة على ما نقل عنه القاضي، ولكن فيهما تأمل إذ ~~يمكن كون " المثابة " بمعنى المرجع و " أمنا " بمعنى ذا أمن من العذاب في ~~الآخرة، فإن الحج يجب ما قبله على ما نقل، ms248 وبمعنى أن لا يتعرض له بالخراب ~~ولا لأهله بالأذى فحمله بحيث يفهم ذلك يحتاج إلى شئ آخر، فإن اسقاط حق ~~مطالبة المال والدم بمثل هذا بعيد مع أنهم يقولون بذلك إذا التجأ إلى الحرم ~~ولا يفهم من الآية إلا الملتجي إلى البيت إلا أن يقال الملتجي إلى الحرم ~~ملتج إلى البيت أو يقال: إن المراد بالبيت هو الحرم، لأنه المنزل والمثابة ~~والمرجع لكنه بعيد إلا أن للأصحاب ما يدل عليه من الأخبار بحيث يدل على أنه ~~المقصود من الآية، وكأنه لا خلاف عندهم فيه ويدل عليه أيضا " ومن دخله كان ~~آمنا " (1) كما سيجئ (2) وكذا قوله تعالى: " رب اجعل هذا بلدا آمنا (3) " ~~ولكن في الدلالة تأمل فتأمل. إلا أن لهم روايات مبينة، وكون الصلاة ~~المخصوصة في المقام المخصوص # PageV00P285 # كأن المراد به ما هو المتعارف والمعد للصلاة الآن، إذ الحقيقي لا يصلى ~~فيه، و يدل عليه بعض الأخبار أيضا، أو جملة الحرم، فيكون " من " للتبعيض ~~ويكون المراد البعض المخصوص، وهو المقام الآن، فيفهم وجوب صلاة وكونها في ~~المقام وهي ركعتا الطواف فيه، إذ لا وجوب لغيرهما، ويدل عليه الاجماع ~~والأخبار أيضا. # وإيجاب تطهير البيت على إبراهيم وإسماعيل للطائفين حوله، أو المترددين ~~وللعاكفين المقيمين أو المعتكفين بالمعنى المتعارف للاعتكاف، وللمصلين، من ~~الأصنام والأنجاس كما قالوا، وفهم بعض الأصحاب منه وجوب إزالة النجاسة عن ~~المساجد كلها متعدية وغيرها، وكذا من قوله تعالى: " إنما المشركون (1) " ~~الآية ومن وجوب تعظيم شعائر الله، ومن قوله عليه السلام: " جنبوا مساجدكم ~~النجاسة (2) " وفهمه مشكل، لأن وجوب الإزالة عليهما من البيت على تقدير ~~تسليم شمول التطهير للنجاسة فإن احتمال تطهيره من الأصنام بكسرها وإلقائها ~~احتمال راجح ومذكور في التفاسير، لا يستلزم الوجوب على غيرهما من المساجد ~~كلها، والأصل يؤيده وقد مر البحث في " إنما المشركون " ووجوب تعظيم شعائر ~~الله بحيث يشمل وجوب الإزالة مطلقا غير مفهوم، وصحة الخبر بل سنده غير ~~معلوم، وكأن وجوب تطهيرها من النجاسة المتعدية لا خلاف فيه ولا دليل على ~~غيرها. # الثامنة: إن الصفا والمروة من ms249 شعائر الله فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح ~~عليه أن يطوف بهما ومن تطوع خيرا فإن الله شاكر عليم (3). # هما كانا جبلين بمكة قريبين من المسجد الحرام وهما الآن دكتان معروفتان ~~هناك، والحج هو القصد لغة، وشرعا قصد البيت على الوجه المخصوص المبين # PageV00P286 # في الفقه، والعمرة لغة الزيارة، وشرعا زيارته كذلك أيضا، والشعائر جمع ~~شعيرة وهي العلامة، أي هما من أعلام مناسك الله ومتعبداته، والجناح هو ~~الميل من الحق [إلى الباطل] والطواف هو الدوران حول الشئ، وليس هو المقصود ~~هنا بل السعي بينهما، وقيل: التطوع هو التبرع بالنافلة من الطوع بمعنى ~~الانقياد والمراد بالشاكر هنا الذي يجزي بالشكر فسمي من يجازيه شاكرا (1) ~~مجازا كالتواب لقابلها، فإن ثناء الله وإثابته عبده على الطاعة يشبه الشكر، ~~ويعمل معاملة الشاكر، فكأنه شاكر. وأصل يطوف يتطوف، قلبت التاء طاء وأدغمت ~~ونصب خيرا إما لأنه صفة مصدر محذوف أي تطوعا خيرا أو لأنه قائم مقام المصدر ~~المضاف إليه أي تطوع خير فحذف المضاف وأقيم هو مقامه وأعرب باعرابه أو ~~مفعول تطوع، فإنه يتضمن معنى الفعل، وإعراب الباقي ظاهر. # والمعنى أنهما من معالم عباداتكم فالذي يحج أو يعتمر فلا حرج ولا ميل من ~~الحق إلى الباطل لو سعى بينهما على الطريقة المنقولة من الشارع، ومن أتى ~~بخير زائد على ما وجب عليه من الحج والعمرة أو الأعم فإن الله يجازيه ولا ~~يضيع سعيه، فإنه مجاز محسن، وعليم بالنيات ويفعل الخيرات، فيجازي بهما، ~~وأنه لا يليق بحاله عدم إثابة من فعل خيرا طمعا لذلك لأنه كريم. # فيمكن الاستدلال بها على جواز الزيادة في الطواف والسعي على الواجب ~~والموظف، بل جميع الخيرات والعبادات حتى تكرار الصلاة والصيام والحج كما هو ~~العادة في الحياة وبعد الممات فتأمل، وعلى كون السعي بينهما عبادة لأنه ~~قال: " من شعائر الله " أي محل العبادة، والذي يظهر من السوق أن تلك ~~العبادة هي الطواف والسعي بينهما، ونفي الحرج والإثم لا ينافي الوجوب، إلا ~~أنه لا يثبته أيضا ولكنه ثابت بغيره. # واختيار هذا اللفظ ms250 المشعر بالإباحة لعد المسلمين ذلك كذلك، على ما روي ~~أنه كان عليهما أصنام في الجاهلية، وأهلها كانوا يطوفون بهما، ويمسحون تلك # PageV00P287 # الأصنام، وكان ذلك إثما وميلا من الحق إلى الباطل، والمسلمون كانوا ~~يعدونه كذلك، ولما انكسرت الأصنام زال ذلك، ولكن ما كان للمسلمين علم بذلك ~~فيتحرجون منه كما كانوا. فنزلت ليدفع عنهم ذلك وأشار بقوله: " شاكر وعليم " ~~إلى أنه يعلم أن نيتكم الخير، وأنتم الشاكرون المتعبدون، فيعاملكم معاملة ~~الشاكرين بخلاف أهل الجاهلية، فيمكن معنى كون من تطوع: من فعل السعي الذي ~~هو الطاعة، يعني إن فعلتم ذلك فعلتم خيرا وإحسانا، والله لا يضيع أجركم، ~~لعلمه وقدرته على ذلك، فيكون حينئذ التطوع بمعنى الطاعة مطلقا واجبة أو ~~مندوبة لا النافلة خاصة فإنه في الأصل من الطوع، وهو الانقياد كما مر، وهو ~~متحقق في النفل والواجب. # وأما وجوبه وركنيته وكيفيته كما يقول به أصحابنا في الحج والعمرة مطلقا ~~فبانضمام البيان بالسنة الشريفة من النبي والأئمة عليهم السلام ولعله ~~بإجماع الطايفة أيضا، واحتج مالك والشافعية على الركنية بقوله صلى الله ~~عليه وآله اسعوا! فإن الله كتب عليكم السعي. أي فرض عليكم السعي بينهما كذا ~~في تفسير القاضي والكشاف وأنت تعلم أنه لم يدل على سوى الوجوب، وأما كونه ~~ركنا بحيث لو ترك عمدا يبطل الحج والعمرة، فلا دلالة فيه عليه، نعم يدل على ~~أنه واجب لا بدل له، فقول أبي حنيفة أنه واجب له بدل باطل، لأنه يقال علم ~~الوجوب من الخبر والأصل بقاؤه، وعدم إجزاء غيره، عنه فيدل عليه الخبر ~~والآية أيضا للخبر. # ثم إن الظاهر من الخبر أنه فرض بالقرآن فيكون المراد بأنهما من شعائر ~~الله أنهما من علامات العبادة الواجبة وهي السعي بينهما، وبأنه لا جناح: ~~أنه صدقة واجب عليكم قبولها كما روي في آية القصر أن القصر صدقة عليكم ~~فاقبلوها، و هل يحب أحدكم أن يرد عليه صدقته؟ أي لا يحب بل يغتاظ فيحرم عدم ~~القبول فيجب بالآية، وإن لم نقل بوجوبه بالآية فلا يضر، لما أشرنا إليه من ms251 ~~أدله الوجوب وهي كثيرة ومن جهة عدم الخلاف عندنا لم ننقلها. # ونقل في مجمع البيان عن ابن عباس وأنس وأبي حنيفة أنه تطوع و PageV00P288 # الطاعة بمعنى السنة، لكن يفهم من الكشاف وتفسير القاضي أنه واجب عند أبي ~~حنيفة أيضا وسنة عندهما، حيث نقل فيهما عن أحمد أنه سنة وكذا عن أنس وابن ~~عباس محتجا بقوله " فلا جناح " فإنه يفهم منه التخيير، هذا كلامهما وأنت ~~تعلم عدم دلالة التخيير على السنة ولعل وجهه أن الظاهر من نفي الحرج هو ~~التخيير عرفا، بمعنى جواز الفعل والترك، وعلم الرجحان من كونه شعائر الله، ~~وغير ذلك، فيكون سنة أو أنه علم عدم التحريم من نفي الحرج والأصل عدم ~~الوجوب والكراهة، وقد علم كونه عبادة، فيثبت الاستحباب، وهو المراد بالسنة ~~المستدل عليها، أو أراد من أنه سنة: أنه ليس بواجب، وأنه ما يرد على ~~الاحتجاج ما أورده القاضي بقوله وهو ضعيف لأن نفي الجناح يدل على الجواز ~~الداخل في معنى الوجوب فلا يدفعه وهو ظاهر وقد فهم مما ذكرناه أيضا فافهم. # التاسعة: لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق لتدخلن المسجد الحرام إن شاء ~~الله آمنين محلقين رؤسكم ومقصرين [لا تخافون فعلم ما لم تعلموا فجعل من دون ~~ذلك فتحا قريبا (1)]. # مضمونها تصديق النبي صلى الله عليه وآله في رؤياه التي حكاها لأصحابه ~~دفعا لتوهم من توهم خلافه حيث تأخرت بالحق أي الثابت الكائن لا محالة، وهو ~~نقيض الباطل " لقد صدق الله " جواب قسم محذوف والحق متعلق الرؤيا أي رؤيا ~~متلبسا بالحق أو صفة لمصدر صدق أي صدقا متلبسا بالحق. # ويحتمل أن يكون قسما إما اسم الله تعالى أو نقيض الباطل " لتدخلن " جواب ~~قسم محذوف على الأولين وعلى الأخير جواب بالحق " إنشاء الله " معترض تعليما ~~للعباد، وليعلقوا مواعيدهم بالمشية، حتى لا يحصل الخلاف، والخطاب له صلوات ~~الله عليه وآله ولأصحابه " آمنين " حال عنهم أي غير خائفين " محلقين " حال ~~أخرى " رؤسكم " مفعوله " ومقصرين " عطف عليه، وظاهرها تدخلون بعضكم محلق و # PageV00P289 # بعضكم مقصر فتأمل، وهي تدل على جواز ms252 الحلق والتقصير في الجملة، حين دخول ~~المسجد الحرام، لعل المراد الاحلال بأحدهما في منى في الحج مطلقا ثم دخوله ~~للطواف، ولا يفهم الاحلال عن العمرة مطلقا بهما، ولا وجوب أحدهما على سبيل ~~التخيير مطلقا كما هو المشهور، ومذهب الأكثر، لعموم الروايات والأصل ولا ~~التفصيل كما هو مذهب البعض، وهو تعيين الحلق للملبد والضرورة والتخيير ~~لغيرهما احتجاجا ببعض الروايات وحمل غيرهما من العمومات على التفصيل، وحمل ~~الأكثر ما يدل على التعيين على الاستحباب وتحقيقه في الفقه فارجع إلى كتب ~~الاستدلال فيه. # * (النوع الثالث) * * (في أشياء من أحكام الحج وتوابعه) * وفيه آيات: # الأولى: يا أيها الذين آمنوا لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم ومن قتله منكم ~~متعمدا فجزاء مثل ما قتل من النعم يحكم به ذوا عدل منكم هديا بالغ الكعبة ~~أو كفارة طعام مساكين أو عدل ذلك صياما ليذوق وبال أمره عفا الله عما سلف ~~ومن عاد فينتقم الله منه والله عزيز ذو انتقام (1). # " حرم " جمع محرم فنهى المؤمن المحرم، إذ ليس غير المؤمن بمحرم لعدم ~~انعقاد إحرامه، والمراد بالصيد هنا كل حيوان بري ممتنع بالأصل، فيخرج منه ~~البحري لما سيجئ وغير الممتنع فإنه لا يقال صيد عرفا بل لغة أيضا وما يجوز ~~قتله من البري الممتنع بدليل مثل " خمسة يقتلن في الحل والحرم، كان # PageV00P290 # المقصود جواز قتلها مطلقا للمحل والمحرم: الحداة والغراب، والفارة، و ~~العقرب، والكلب العقور (1) وفي رواية الحية بدل العقرب، وقيل بري محلل ~~ممتنع لأنه الأكثر والمتبادر إلى الذهن وفيه تأمل لتحريم بعض غير المحلل ~~مثل الأسد والثعلب والأرنب والضب واليربوع والقنفذ بالأخبار (2) بل الاجماع ~~ويشعر به قيد الخمسة في الرواية السابقة وتمام تحقيقه في الفقه، ثم إنه ~~يحتمل أن يراد بالقتل ما هو المزيل للروح أو الأعم منه ومن الضرب، وقد ثبت ~~تحريم الصيد مطلقا قتلا واصطيادا، وإغلاقا وإشارة ودلالة بالإجماع والأخبار ~~ويمكن إدخالها في الآية بتكلف بعيد. # " ومن قتله منكم متعمدا " ذاكرا أنه محرم ويحرم عليه قتل الصيد " فجزاء ~~مثل ما قتل من النعم " أي فعليه أو ms253 فالواجب عليه أو فوجب عليه جزاء. # فجزاء مرفوع بالابتدائية أو الخبرية أو الفاعلية مضاف إلى مثل، ومثل إلى ~~" ما " وقتل صلته، والعائد مفعوله المحذوف وفاعله ضمير من، و " من النعم " ~~بيان مثل أي كفارة قتله ما يماثل ما قتله من الصيد من النعم، وقرئ مثل ~~بالرفع وجزاء بالتنوين، فهو صفة جزاء لابهامه ولم يكتسب التعريف بالإضافة ~~إلى ما كغير و " يحكم به " صفة مثل، وظاهر أن المراد بالمثلية في الهيئة ~~والجثة في الجملة، لبيان المثل بالنعم لا في القيمة، كما هو مذهب أبي حنيفة ~~ولا يدل " يحكم به ذوا عدل منكم " على كون المراد القيمة لأن المماثلة ~~الخلقية ظاهرة للحس فلا يحتاج إلى حكم العدول، لأن الأنواع قد يشتبه ويماثل ~~بعضها بعضا، فيحتاج التميز إلى حكم العدول وأيضا قد يراد " يحكم ذوا عدل " ~~على تقدير الاشتباه مثل أن قتل صيدا وما علم مثله لعدم العلم به، فيعلم ~~بحكم العدول، وبالجملة دلالة المثلية والبيان بالنعم وتتمة الآية على كون ~~المراد المثلية في الخلقة والهيئة أقوى من دلالة # PageV00P291 # " يحكم به " على كونه في المقدار والقيمة، ولأنه يلزم التخيير بين ~~الأمرين الأخيرين فقط على تقدير عدم بلوغ قيمة ما قتل قيمة هدي كما هو ~~مذهبه، فيلزم اسقاط قوله " فجزاء " حينئذ وهو ظاهر. # ولهذا ذهب إليه أكثر الفقهاء، ويؤيده " هديا " إذ غالب إطلاقه على ~~الحيوان و " أو كفارة طعام مساكين أو عدل ذلك صياما " فإنه كالصريح في أن ~~اعتبار الأول هو نفس الجزاء والمثل في الخلقة، لأنهما قيمة، ولأنها صريحة ~~في التخيير مطلقا، وليس على مذهبه كذلك إذ قد لا يوجد نعم يكون قيمته قيمة ~~الصيد المقتول بل الوجود نادر، وفيه تنبيه على اعتبار العدالة في الشهود ~~والراوي وأنه لا بد من أن يكونا من المسلمين، ولا يكفي العدل في مذهبه، ~~فافهم، ولفظ الحكم يدل على أن المراد الحاكم، ولكن اعتبار التعدد يأباه، ~~والظاهر أنه يكفي الشهود بدون الحاكم، وإطلاق الحكم على الشهادة غير بعيد، ~~ففيه تنبيه على عدم اعتبار حكم الحاكم مع الشهادة، ms254 بل يكفي مجرد الشهادة، ~~فاعتباره في مواضع مع الشهود يحتاج إلى دليل، كاعتبار اليمين معها في مثل ~~الدعوى على الميت فافهم " هديا " حال من جزاء أو ضمير به " وبالغ الكعبة " ~~صفة هديا لأن إضافته لفظية، ومعنى بلوغه ذبحه بمكة بالحزورة بفناء الكعبة ~~للرواية إن كان في كفارة العمرة، و يشعر به آية العمرة، وبمنى إن كان في ~~كفارة الحج للرواية بل للإجماع والظاهر أن مجرد الذبح لا يكفي بل لا بد من ~~التصدق به لأنه عوض ما قتل، فلا يحصل العوض بمجرد القتل والذبح، ولأن ~~المتبادر ذلك، ولوجوب الاطعام، وللخبر وكأنه لا خلاف عندنا وعند الأكثر، ~~وعند أبي حنيفة يكفي مجرد الذبح أخذا بظاهر الآية المتيقن مع البراءة ~~الأصلية. # " أو كفارة طعام مساكين " عطف على " جزاء " على تقدير الإضافة البيانية و ~~عدمها، وكون طعام بدلها أو خبر مبتدأ محذوف، وبين ذلك بأن يقوم الجزاء الذي ~~هو المثل، ويفض ثمنها على الأوسط مما يطعمون وهو البر مثلا، ويعطى لكل ~~مسكين مد، ولو نقص من ستين لا يكمل، ولو زاد لا يعطي، هكذا قاله ~~PageV00P292 # الأصحاب والأول ظاهر، والثاني كأنه للإجماع والأخبار. # " أو عدل ذلك صياما " مصدر أي ما ساوى طعام مساكين من صيام يوم لكل مد ~~بعد التقويم والفض على البر، فيصوم عن إطعام كل مسكين يوما " ليذوق وبال ~~أمره " كأنه متعلق بمحذوف أي ذلك الحكم من الجزاء أو الطعام أو الصوم ليذوق ~~من فعل ذلك ثقل فعله وسوء عاقبة هتكه حرمة الاحرام " عفا الله عما سلف " من ~~قتل الصيد محرما عالما عامدا مع الكفارة أو مع التوبة فقط مع العجز في ~~المرة الأولى وقيل أي عما سلف في الجاهلية أو قبل التحريم، فيه أنه لا ~~يحتاج إلى العفو لعدم المنع. # " ومن عاد فينتقم الله منه " أي من عاد إلى قتل الصيد عمدا بعد أن قتل ~~كذلك ينتقم الله منه يعني ليس شئ معفوا عنه بكفارة وغيرها بل لا بد له من ~~الانتقام فهو مقابل لقوله " عفا الله عما سلف " فالظاهر عدم ms255 سقوط الكفارة ~~حينئذ لعموم قوله " ومن قتله منكم متعمدا " إذ لا شك في دخوله تحته، وليس ~~ما يصلح أن يخرجه عنه إلا قوله " فينتقم الله منه " وهو لا ينافيه، إذ يمكن ~~الجمع بين الانتقام ووجوب الكفارة لعظم الذنب. # وبالجملة ظاهرها العموم حتى يعلم المخصص وليس " فينتقم الله منه " لعدم ~~المنافاة، ولكن قد يتبادر من الآية كون الانتقام مقابلا للكفارة، وأيضا ~~صحيحة الحلبي عن أبي عبد الله عليه السلام قال: المحرم إذا قتل الصيد فعليه ~~جزاؤه، ويتصدق بالصيد على مسكين، فإن عاد فقتل صيدا آخر، لم يكن عليه ~~جزاؤه، وينتقم الله منه، والنقمة في الآخرة ويحمل على العمد بقرينة الآية. # والرواية رواية ابن أبي عمير عن بعض أصحابه عن أبي عبد الله عليه السلام ~~قال إذا أصاب المحرم الصيد خطأ فعليه كفارة، فإن أصابه ثانية خطأ فعليه ~~الكفارة أبدا إذا كان خطأ فإن أصابه متعمدا كان عليه الكفارة، فإن أصابه ~~ثانية متعمدا فهو ممن ينتقم الله منه، ولم يكن عليه الكفارة (1) تدلان على ~~السقوط حينئذ وكذا # PageV00P293 # رواية حفص الأعور عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إذا أصاب المحرم ~~الصيد فقولوا له هل أصبت صيدا قبل هذا وأنت محرم؟ فإن قال نعم، فقولوا له ~~إن الله منتقم منك فاحذر النقمة، فإن قال لا، فاحكموا عليه بجزاء ذلك الصيد ~~(1) ولا يضر الجهل بحال حفص، فتأمل. # وقد أشار إلى تخصيص الصيد بصيد البر بقوله " أحل لكم صيد البحر (2) " أي ~~أحل ما صيد من البحر أو الاصطياد منه لكم، وأنتم حرم أو الأعم وصيد البحر ~~هو الذي لا يعيش إلا فيه، وهو حلال كله إلا ما خرج بدليل، مثل ما ليس له ~~فلس من السمك بالإجماع والنص في الحل والحرم للمحل والمحرم " وطعامه " أي ~~طعام البحر يحتمل أن يكون المراد بالصيد الاصطياد وهنا أكل ما صيد ~~بالاصطياد والانتفاع به، أو بالأول الجديد، وبالثاني اليابس القديد ويؤيده ~~" متاعا لكم " تمتعا لحاضريكم فنصبه لأنه مفعول له " وللسيارة " عطف على " ~~لكم " أي ولمسافريكم يتزودون قد يده كما ms256 يأكلون جديده " وحرم عليكم صيد ~~البر " أي ما صيد أو الاصطياد، قال القاضي فعلى الأول يحرم على المحرم أيضا ~~ما صاده الحلال وإن لم يكن فيه مدخل، والجمهور على حله لقوله عليه السلام ~~لحم الصيد حلال لكم ما لم تصطادوه أو يصد لكم، وأصحابنا على التحريم مطلقا ~~لإجماعهم وأخبارهم، وكذا ما قتله المحرم حرام على الكل لأنه بمنزلة الميت ~~عند الأكثر فتأمل " ما دمتم حرما " أي محرمين وقد علم أن الصيد هو صيد البر ~~لا مطلقا فكانت الأولى مجملة بينت بقوله " وأحل لكم صيد البحر " وبمفهوم ~~قوله " صيد البر " للتقييد. # وللصيد أحكام وتفاصيل في غير هذا المحل. # ثم أشار إلى التقوى والخوف من الله الذي إليه المرجع والحشر، وإلى تعظيم ~~البيت بأنه البيت الحرام، وأنه قيام للناس انتعاشا لهم، وسببا لمعاشهم و ~~معادهم، يلوذ به الخائف، ويأمن فيه الضعيف، ويرجح فيه التجار، ويتوجه # PageV00P294 # إليه الحاج، وكذا الشهر الحرام والهدي والقلائد بقوله تعالى " واتقوا ~~الله الذي إليه تحشرون * جعل الله الكعبة البيت الحرام قياما للناس والشهر ~~الحرام و الهدي والقلائد [ذلك لتعلموا أن الله يعلم ما في السماوات وما في ~~الأرض وأن الله بكل شئ عليم] وتفسيرها سيأتي. # الثانية: يا أيها الذين آمنوا لا تحلوا شعائر الله ولا الشهر الحرام ولا ~~الهدي ولا القلائد ولا آمين البيت الحرام يبتغون فضلا من ربهم ورضوانا وإذا ~~حللتم فاصطادوا ولا يجرمنكم شنآن قوم إن صدوكم عن المسجد الحرام أن تعتدوا ~~(1). # أي لا تجعلوا محرمات الله حلالا ومباحا ولا العكس يعني لا تتعدوا حدود ~~الله، فعلى هذا يحمل الشعائر على المعالم، أي حدود الله وأوامره ونواهيه ~~وقيل هي فرايضه وقيل هي جمع شعيرة، وهي أعلام الحج ومواقفه، يعني لا تجعلوا ~~ترك مناسك الله حلالا فتتركوها وقيل المراد دين الله لقوله " ومن يعظم ~~شعائر الله " أي دينه " ولا الشهر الحرام " أي لا تحلوا الشهر الحرام ~~بالقتل فيه أو بالسبي كأنه يريد جميع الأشهر الحرام " ولا الهدي " أي لا ~~تحلوا ما أهدي إلى الكعبة أو مطلقا جمع ms257 هدية كجدي في جمع جدية السرج " ولا ~~القلائد " أي لا تحلوا ذوات القلائد من الهدي جمع قلادة، وهي ما يعلق على ~~عنق الهدي علامة لكونه هديا من النعل وغيره، وذكر الهدي ذي القلائد بعد ذكر ~~الهدي لأنها أشرف الهدي فنهى عن القلائد أولا في ضمن الشعائر ثم في ضمن ~~الهدي ثم صرح بالنهي عنها بخصوصها تأكيدا، ويحتمل أن يكون المراد نفس ~~القلائد وجعلها غير حلال، بمعنى عدم اعتقاد مشروعيتها واستحبابها، أو عدم ~~أخذها والتصرف فيها إن كان مما يتملك وله قيمة # PageV00P295 # أو يكون النهي عنها للمبالغة عن النهي عن ذي القلائد من الهدي، ونظيره " ~~ولا يبدين زينتهن (1) ". # " ولا آمين البيت الحرام " ولا يحل التعرض لقاصدي البيت والحال أنهم " ~~يبتغون فضلا من ربهم ورضوانا " يطلبون من الله الثواب والفضل ورضاه عنهم في ~~الآخرة، ويحتمل أن يكون المراد بالفضل الرزق بالتجارة في الدنيا، وبالرضوان ~~رضاه في الآخرة، أو كلاهما في الدنيا، وعلى الأولين فائدة الحال الإشارة ~~إلى علة المنع، والمبالغة فيه، فمع عدمها يحتمل جواز التعرض لهم فتأمل فيه، ~~وعلى الثالث كونها تلك غير ظاهر. # ويحتمل أن يكون للإشارة إلى أنه وإن كان قصدهم مجرد الدنيا لا الآخرة لا ~~يحل التعرض لهم حرمة للبيت، فكيف إذا كان مقصودهم الآخرة فهو أبلغ. ويؤيده ~~أنه قيل: نزلت في المشركين وحجاج اليمامة الذين يحجون مع المسلمين لما هم ~~المسلمون أن يتعرضوا لهم بسبب أنه كان فيهم الحطم شريح ابن ضبيعة وكان قد ~~استاق سرح المدينة، وكان قصدهم مجرد الدنيا. # هكذا فهم من تفسير القاضي والكشاف، ولكن قالا: " فالآية منسوخة بقوله ~~واقتلوهم " أي " المشركين حيث وجدتموهم وخذوهم واحصروهم (2) " أي احبسوهم ~~وحيلوا بينهم وبين المسجد الحرام، مما يدل على منع الكفار عن دخول المسجد ~~الحرام، مثل " ما كان للمشركين أن يعمروا مساجد الله (3) " و " إنما ~~المشركون نجس فلا يقربوا المسجد (4) " الآية. # وفيه أنه يحتمل أن يكون المراد عدم التعرض من جهة أن قصدهم بيت الله ~~الحرام إلى أن يصلوا البيت، والحرم: الموضع الذي لا يجوز دخول الكفار ms258 فيه ~~فيكون نحو " اقتلوا " مخصصة لا ناسخة، أو يكون المراد المسلمين فتكون هذه ~~الآية مخصوصة لا منسوخة، ويؤيده ما هو المشهور بين العامة والخاصة من # PageV00P296 # المفسرين أن المائدة آخر ما نزلت، فليس شئ منها منسوخا فتأمل. # وبالجملة الظاهر تحريم التعرض لقاصدي البيت الحرام مطلقا إلا ما خرج ~~بالدليل، مثل ما تقدم، فالحال المذكورة إما لكون الواقع ذلك أو أنه كذلك في ~~الأكثر، لا أنه يجوز التعرض إذا لم يكن ذلك، وكذلك إذا كانت جملة " يبتغون ~~" صفة فتأمل. # نعم إذا وصل الكفار إلى موضع لا يجوز لهم الدخول، يتعرض لهم بمنعهم عن ~~الدخول فقط فيكون المنع حينئذ خارجا لدليله، فتخصص هذه الآية. # " وإذا حللتم فاصطادوا " إذن وإباحة للاصطياد بعد زوال الاحرام المانع ~~منه، الدال على التحريم بقوله: " لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم " وهذا لا يدل ~~على كون الأمر بعد الحظر مطلقا للإباحة والجواز، لا الوجوب، لأن هذه قد ~~يكون لخصوص المادة أو للإجماع ونحوه فتأمل " ولا يجرمنكم شنآن قوم " أي لا ~~يحملنكم أو لا يكسبنكم شدة بغض قوم وعداوته، شنآن بفتح النون وسكونها مصدر ~~أضيف إلى المفعول أو الفاعل، والأخير أوضح لقوله: " أن صدوكم عن المسجد ~~الحرام " أي لأن صدوكم عام الحديبية، وحذف حرف الجر قياسا، وهو علة للشنآن ~~وبيان له، وقرئ بكسر الهمزة على أنه شرط وأغني عن جوابه قوله: " ولا ~~يجرمنكم ". وليس المراد الماضي في الجواب أي إن فعلوا بكم في الزمان الماضي ~~كذا، فأنتم لا تفعلوا في المستقبل بهم كذا: " أن تعتدوا " للانتقام منهم ~~لما فعلوا بكم، فهو ثاني مفعول يجر منكم فإنه يتعدى إلى واحد، وإلى اثنين ~~ككسب. # " وتعاونوا على البر والتقوى " أي اعملوا بالعفو ومتابعة الأمر بالإحسان ~~ومخالفة الهوى، فليعاون بعضكم بعضا على الاحسان، واجتناب المعاصي وامتثال ~~الأوامر، ويحتمل أن يكون أمرا بالتعاون مطلقا من غير أن يكون تتمة ليجرمنكم ~~" ولا تعاونوا على الإثم والعدوان " للتشفي والانتقام، والظاهر أن المراد ~~الإعانة على المعاصي مع القصد أو على الوجه الذي يقال عرفا أنه كذلك مثل أن ~~PageV00P297 # يطلب ms259 الظالم العصا من شخص لضرب مظلوم، فيعطيه إياها، أو يطلب منه القلم ~~لكتابة ظلم فيعطيه إياه، ونحو ذلك مما يعد ذلك معاونة عرفا، فلا يصدق على ~~التاجر الذي يتجر لتحصيل غرضه أنه معاون للظالم العاشر في أخذ العشور ولا ~~على الحاج الذي يؤخذ منه بعض المال في طريقه ظلما وغير ذلك مما لا يحصى، ~~فلا يعلم صدقها على شراء من لم يحرم عليه شراء السلعة من الذي يحرم عليه ~~البيع ولا على بيع العنب ممن يعمل خمرا، والخشب ممن يعمل صنما، ولهذا ورد ~~في الروايات الكثيرة الصحيحة جوازه وعليه الأكثر ونحو ذلك مما لا يحصى ~~فتأمل. # والآية دلت على أن المعاون على الشئ كالفاعل في الخير والشر كما هو ~~المشهور في الخبر أن الدال على الخير كفاعله، وفيه أيضا أن التصدق لو ~~تعاقبت عليه كثرة الأيدي ثم وقع بيد المتصدق يكتب للكل ثواب التصدق من غير ~~نقصان شئ عن صاحبه فتأمل. # " واتقوا الله إن الله شديد العقاب " فيجب الخوف عنه باجتناب جميع مناهيه ~~من المعاونة على الإثم وغيره، وبترك الانتقام بغير ما استحق. # الثالثة: وإذ قال إبراهيم رب اجعل هذا بلدا آمنا وارزق أهله من الثمرات ~~من آمن منهم بالله واليوم الآخر قال ومن كفر فأمتعه قليلا ثم اضطره إلى ~~عذاب النار وبئس المصير (1). # فيها دلالة على جواز الدعاء بل كونه مرغوبا فيه ومندوبا إليه، إذ الظاهر ~~أن إبراهيم عليه السلام لا يفعل الدعاء بكون البلد آمنا وبالرزق للمؤمن ~~بالله واليوم الآخر - حيث جعل من آمن بدل أهله مطلقا فاسقا كان أو غيره - ~~إلا إذا كان كذلك، بل لا يبعد الفهم كافرا أيضا مطلقا كما يشعر به قوله ~~بعده " ومن كفر فأمتعه قليلا " أي زمانا قليلا، وهو مدة بقائهم في الدنيا ~~أو متاعا قليلا، وهو متاع الدنيا، وكل ذلك قليل بالنسبة إلى متاع الآخرة ~~فكيف ما وصل منها إلى # PageV00P298 # الكفار، ويفهم منه سقوط اعتبارها عند الله، وفيه إشعار بعدم حسن التخصيص ~~فيجوز طلبه مطلقا فيمكن إعطاؤهم سوى ما ثبت منعه ms260 من الزكاة الواجبة، ويدل ~~عليه الأخبار وما ذكر في باب الوقف والوصايا، وليس هنا محل ذكره، فإن أردت ~~فارجع إليه، وتأمل، فمنع ابن الجنيد إعطاء غير أهل الحق المستفاد من الدروس ~~بعيد. # واعلم أيضا أن في الآية التي بعدها أعني " وإذ يرفع إبراهيم القواعد من ~~البيت وإسماعيل ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم " أي يقولان ربنا وقد ~~قرئ به جملة حالية أي قائلين وإنما قدرنا الفعل لا الصفة تبعا لما قرئ به ~~أي ربنا أثبنا على هذا البناء إنك أنت السميع لدعائنا العليم بمصالحنا، ~~ونياتنا أن هذا البناء ما كان إلا لك، دلالة على كونه مندوبا ومرعوبا عند ~~الفراغ من العبادة كما قاله في مجمع البيان، فيمكن فهم استحباب التعقيب ~~وغيره من الأدعية عند الفراغ من جميع العبادات. # وأيضا في الآية التي بعدها أي " ربنا واجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنا أمة ~~مسلمة لك وأرنا مناسكنا وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم " تنبيه ودلالة ~~على جواز التوبة وطلب قبولها من غير ذنب، لأنهما معصومان، وقد طلبا ~~الاستجابة ودلالة على جواز الدعاء للمسلم بأن يجعله مسلما أو باعتبار ~~الزيادة كما قاله في الكشاف والمعنى زدنا إخلاصا وإذعانا لك أو باعتبار ~~الاستمرار والاستقبال أي قالا ربنا واجعلنا مسلمين مستقبل عمرنا كما جعلتنا ~~فيما مضى بأن توفقنا وتفعل بنا الألطاف التي تدعونا إلى الثبات على الاسلام ~~كما قال في مجمع البيان. # ثم قال فيه أيضا (1) هو أي الاسلام الانقياد لأمر الله تعالى بالخضوع ~~والإقرار بجميع ما أوجب الله، وهو أي الاسلام والايمان واحد عندنا، وعند ~~المعتزلة. # واستدل بقوله " إن الدين عند الله الاسلام " (2) " ومن يبتغ غير الاسلام ~~دينا فلن # PageV00P299 # يقبل منه (1) وفيه تأمل إذ يلزم دخول العبادات في الاسلام والايمان عند ~~أصحابنا أيضا مع أنه ليس كذلك كما ذكر صاحب مجمع البيان في تفسير " يؤمنون ~~بالغيب " لأن عند المعتزلة الأعمال داخلة في الايمان، وقد قال هما واحد ~~عندهم وعند أصحابنا وقد ذكر ذلك أيضا في تفسير " يؤمنون بالغيب " فتأمل. ~~وكذا على جواز الدعاء ms261 للذرية. # وقال القاضي (2) ووخصا بعضهم أي بعض الذرية على تقدير جعل من في قوله " ~~ومن ذريتنا أمة مسلمة لك " للتبعيض لما أعلما أن في ذريتهما ظلمة، وعلما أن ~~الحكمة الإلهية لا يقتضي الاتفاق على الاخلاص، والاقبال الكلي على الله، ~~فإنه مما يشوش أمر المعاش، ولذلك قيل لولا الحمقى لخربت الدنيا انتهى وفيه ~~تأمل إذ يفهم من قوله ظلمة أنه أخذ الاسلام خلاف الظلم، وهو الكفر أو الفسق ~~فيقابلهما الايمان أو العدالة، ومن قوله وعلما أن الحكمة الخ أنه الاخلاص ~~وغايته الاقبال الكلي، بحيث لا يمكن مع الاتفاق عليه المعيشة، فليست ~~بمطلوبة لله تعالى من الكل مع بعد هذا المعنى من الفهم، ويمكن أن يكون ~~مطلوبا من الكل في كل أحد شئ. مثلا ممن يزرع، التوجه الكلي على وجه يجتمع ~~مع شغله، وقصد التقرب بذلك الشغل بأن يقصد معيشته ومعيشة عياله وبقاء ~~النوع، وكذا من الحمامي وغيره فيقصدون بقاء النوع ومعاونة بعضهم بعضا ليفرغ ~~بعضهم لعبادة غير هذه الأعمال مثل طلب العلم وغيره، فيكون الاخلاص والاقبال ~~الكلي من الكل مطلوبا على سبيل التخيير والتبعيض، إذ يبعد عدم طلب الاقبال ~~الكلي عن الكل بل لا وجه له، وأيضا الظاهر أن يقول يقتضي عدم الاتفاق ولعل ~~النزاع معه لفظي وليس في هذه الآيات من الأحكام ما يعتد به وإنما ذكرت ~~تبعا. # PageV00P300 # * (كتاب الجهاد) * والآيات المتعلقة بها على أنواع: # * (الأول في وجوبه) * وفيه آيات: # الأولى: كتب عليكم القتال وهو كره لكم وعسى أن تكرهوا شيئا و هو خير لكم ~~وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم والله يعلم وأنتم لا تعلمون (1). # أي فرض الله تعالى وأوجب عليكم الجهاد مع الكفار والحال أن ذلك شاق ~~عليكم، فأطلق المصدر على المفعول للمبالغة، بمعنى أنه مخالف لطباعكم وصعب ~~عليكم من جهة أن البشر خلق على أن يحب السهولة والحياة والمستلذات، والجهاد ~~ينافي ذلك كله. أو يكون بمعنى أنه كان كرها لكم قبل التكليف والأمر به، أو ~~يكون بمعنى الاكراه مجازا كأنهم أكرهوا عليه لشدة مشقته مثل " حملته ms262 أمه ~~كرها ووضعته كرها (2) ". # " وعسى أن تكرهوا " معناه تكرهوا " شيئا " في الحال بالنظر إلى الطبع " ~~وهو خير لكم " في المآل كما تكرهون الجهاد لما فيه من المخاطرة بالروح، وهو ~~خير لكم لأن لكم في الجهاد إحدى الحسنيين إما الظفر والغنيمة مع ثواب ~~المجاهدين وإما الشهادة والجنة في الحال، من غير انتظار للقيامة، كما هو ~~المشهور في الشهداء " وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم " مثل أن تحبوا ترك ~~الجهاد لمحبة الحياة # PageV00P301 # والمستلذات المتوهمة، وهو في الحقيقة شر لكم لأنه يمنعكم من السعادات ~~الدنيوية والأخروية، وكذا جميع التكاليف والعبادات المقربة والمناهي ~~المبعدة المهلكة، والله يعلم مصالحكم ومنافعكم، وما يضركم وما ينفعكم، ~~فيمنعكم عن المضرات، ويرغبكم في المنافع والفوائد، وهي مخيفة عليكم بظاهر ~~نظركم، و ما تعلمونها لقلة تدبركم، وكثرة الشهوات التي تسترها، والكسل الذي ~~يزين عدمها، ولوازم البشرية التي تعكسها، فهي صريحة في وجوب الجهاد على ~~الاجمال والتفصيل مبين في الكتب الفقهية. # الثانية: يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتال فيه كبير وصد عن سبيل ~~الله وكفر به والمسجد الحرام وإخراج أهله منه أكبر عند الله والفتنة أكبر ~~من القتل ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم إن استطاعوا ومن يرتد ~~منكم عن دينه فيمت وهو كافر، فأولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة وأولئك ~~أصحاب النار هم فيها خالدون (3). # أي يسألونك يا محمد عن القتال في الشهر الحرام، هل هو جايز أم لا؟ - ~~والسائلون أهل الشرك على جهة التعيير على المسلمين باستحلالهم القتال في ~~شهر رجب بناء على زعمهم لا حقيقة، كما يفهم من سبب النزول، وقيل السائلون ~~المسلمون ليعلموا الحكم، فقتال بدل عن الشهر بدل الاشتمال إذ الزمان مشتمل ~~على ما فيه - قل: إن القتال في شهر الحرام ذنب كبير وإثم عظيم لكن الصد عن ~~سبيل الله أي المنع من الحج وغيره من العبادات كما تفعلون، والكفر بالله ~~وصد المسجد الحرام وإخراج أهل المسجد وهو المسلمون من المسجد الحرام ~~كاخراجكم المسلمين من مكة حتى هاجروا إلى المدينة أكبر وأعظم ms263 ذنبا ووزرا ~~عند الله، فصد نكرة موصوفة # PageV00P302 # مبتدأ وكفر كذلك عطف عليه والمسجد الحرام كذلك بتقدير صد، ويحتمل عطفه ~~على سبيل الله، وفيها قصور لأن حذف المضاف وإبقاء المضاف إليه مجرورا مع ~~كون المقدر، المعطوف عليه، قليل، بل غير معلوم الوقوع، والفصل بين المجرور ~~وما يتعلق به بالمعطوف عليه بعيد، وقيل عطف على المجرور في " به " أي وكفر ~~بالمسجد الحرام فعطف على المجرور من غير إعادة الجار وهو جائز بل واقع في ~~القرآن العزيز مثل قوله تعالى " تساءلون به والأرحام (1) " بجر الأرحام ~~وقول الكشاف والقاضي إنه ضعيف، باطل، فإنه من السبعة المتواترة وفي أشعار ~~الفصحاء أيضا واقع فينبغي القول به إذ لا دليل على نفيه لا عقلا ولا نقلا، ~~وما ذكراه من أنه يلزم عطف على ما هو كبعض الكلمة، لا يصلح دليلا عليه، ~~بحيث يلزم تأويل الآيات والأشعار. # والكفر بالمسجد عدم اعتقاد كونه معبدا " والفتنة " أي الكفر فإنه فتنة في ~~الدين " أكبر من القتل " الذي وقع في الشهر الحرام من المسلمين " ولا ~~يزالون يقاتلونكم " يعني أن الكفار يقاتلونكم أيها المسلمون دائما حتى ~~يرجعوكم عن دينكم إن قدروا على ذلك " ومن يرتدد " من المسلمين " عن دينه " ~~ولم يتب حتى مات على الارتداد فأولئك صارت أعمالهم باطلة كأن لم يكن، ولم ~~ينتفعوا بها في الدنيا والآخرة. # وسمى الهلاك حبطا لأنه في الأصل كلا إذا أكله الماشية يلحقها الفساد في ~~بطنها، ويقال: حبطت الإبل يحبط حبطا إذا أصابها ذلك، قاله في مجمع البيان ~~(2) وقال فيه أيضا معناه أنها صارت بمنزلة ما لم تكن لايقاعهم إياها على ~~خلاف الوجه المأمور به، لأن إحباط العمل وإبطاله عبارة عن وقوعه على خلاف ~~الوجه الذي يستحق به الثواب، وليس المراد أنهم استحقوا على أعمالهم الثواب ~~ثم حبطت لأنه قد دل الدليل على أن الاحباط على هذا الوجه لا يجوز. # أقول: المشهور بين الأصحاب أن مذهب الاحباط والتكفير باطل، وقد ادعي # PageV00P303 # عليه الاجماع وقد استدل عليه في التجريد سلطان المحققين بدليل عقلي ونقلي ~~أما العقلي فهو أنه ms264 لا معنى لكون ذنب قليل محبطا لعبادة عظيمة، وبالعكس، ~~حتى لو فعل الانسان دائما جميع العبادات إلى قرب موته ثم إذا فعل أدنى ~~صغيرة تبطل تلك بالكلية، ويستحق به العقاب الدائم، وبالعكس، وهو ظاهر ~~البطلان، ومذهب بعض المعتزلة وأما اسقاط المساوي بالمساوي وإبقاء الزيادة ~~كما هو مذهب البعض الآخر منهم فلا يدل دليله العقلي عليه. # وأما النقلي فهو مثل " فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره * ومن يعمل مثقال ذرة ~~شرا يره ". # وفي دلالته أيضا تأمل إذ من فعل خيرا وأسقط له به عقاب يصدق أنه رآه ~~وبالعكس، وبالجملة الأخبار والآيات متظافرة متكاثرة في وقوع الاحباط ~~فانكاره لا يمكن، فلا بد من التأويل لو صح عدم جوازه، والتأويل الذي في ~~مجمع البيان غير واضح، إذ لا معنى لوقوع الفعل على وجه يستحق فاعله الثواب ~~والمدح إلا الاتيان على الوجه المأمور به شرعا، يعني الاتيان به من جميع ~~الشرائط المعتبرة في صحته حين الفعل، وقد فرض الاتيان على هذا الوجه ثم ~~ارتد، ومنع هذا الاتيان في جميع الصور التي أطلق عليه الاحباط بعيد، ومعلوم ~~أن عدم الارتداد فيما بعد ليس من شرائط صحة الفعل حين إيقاعه كما ذكره ~~القاضي بل مطلقا عند الأصحاب إلا ما نقل عن الشيخ الطوسي رحمه الله أنه ~~يبطل الحج بالردة وضعفه الأصحاب وتدل الآية أيضا على ضعفه وعلى تقديره أيضا ~~لا ينبغي توقفه على التوبة كما يظهر من مجمع البيان. # والظاهر أن هذا التأويل إنما يصح على أن المسلم ما يرتد ولكن ذلك غير ~~واضح وأيضا إنه ما يجري فيما إذا كان إحباط بعض الأعمال البدنية بالبعض، ~~مثل أن شرب الخمر يحبط كذا وكذا، والزنا كذا وكذا، وأن الصلاة تكفر ذنب كذا ~~وكذا، والحج كذا وكذا، وغير ذلك مما لا يحصى، فلا يبعد حمل قول الأصحاب ~~ببطلان الاحباط والتكفير على اللذين ذكرناهما في الأول وادعينا PageV00P304 # ظهور بطلانهما، وإن أرادوا غير ذلك فغير واضح الدليل كما عرفت. # نعم يمكن أن يقال لا استبعاد فيما نحن فيه أن يستحق ms265 الانسان ثوابا ويكون ~~وصوله إليه موقوفا على عدم صدور منافيه منه من الردة أو يكون البقاء على ~~الايمان شرطا لاستمراره وانتفاعه به، ويكون الاحباط عبارة عن عدم ذلك. # فدلت الآية على تحريم القتال والجهاد في الشهر الحرام، وتحريم الصد عن ~~سبيل الله، وما عطف عليه، وعلى التحريض والترغيب على القتال وعدم جواز ~~الارتداد، وعلى أن الاحباط بالردة موقوف على الموت عليها كما هو مذهب ~~الشافعي فمذهب الحنفي وهو أنه الاحباط بالردة مطلقا وإن رجع ذكره في الكشاف ~~خلاف ظاهر الآية سيما مع القول بالمفهوم كما هو مذهبه. # وعلى قبول توبة المرتد، حيث قيد الخلود في النار بالموت على الارتداد ~~والكفر، وهو أعم من الفطري وغيره، فلا يبعد القول بقبول توبة الفطري أيضا ~~بمعنى صحة عباداته واستحقاقه الجنة، دون خلود النار، كما هو مقتضى العقل، ~~لأنه مكلف بالعبادات والايمان، وهو بدونها محال على الله تعالى، ولا ينافيه ~~عدم سقوط بعض الأحكام مثل القتل بدليل الشرعي وأما النجاسة فبعيدة إلا أن ~~يقال بالنسبة إلى غيره، وأما بالنسبة إلى نفسه فيكون طاهرا إذ لا معنى ~~لنجاسته مع صحة عباداته المشروطة بها، كما رجحناه، إلا أن يقال أن الآية ~~نزلت في أوائل الاسلام وما كان هناك مسلم فطري. # وقيل في سبب نزولها أنه بعث رسول الله صلى الله عليه وآله سرية من ~~المسلمين وأمر عليهم عبد الله بن جحش الأسدي وهو ابن عمة النبي صلى الله ~~عليه وآله، وذلك قبل قتال بدر بشهرين، ليرصد عير قريش، فوجدوها وفيهم عمرو ~~بن الحضرمي وثلاثة معه فقتلوه وأسروا اثنين واستاقوا العير، وكان فيها ~~تجارة الطايف، وكان ذلك في غرة شهر رجب وهم يظنونه من جمادى الآخرة، فقالت ~~قريش: استحل محمد الشهر الحرام فشق ذلك على أصحاب السرية، وقالوا ما نبرح ~~حتى تنزل توبتنا، فنزلت، ورد رسول الله صلى الله عليه وآله العير والأسارى ~~PageV00P305 # وعن ابن عباس لما نزلت أخذ رسول الله صلى الله عليه وآله الغنيمة وهي أول ~~غنيمة في الاسلام، والسائلون هم المشركون كتبوا إليه تعييرا ms266 وتشنيعا وقيل: ~~إن تحريم القتال في الشهر الحرام وعند المسجد الحرام منسوخ بقوله تعالى " ~~فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم (1) " و " وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة (2) " ~~وفي صلاحية الأخيرة للناسخية تأمل، إذ ليست صريحة في كل مكان، ولا في كل ~~زمان، وفي الأولى بالنسبة إلى الثاني كذلك، وبعد التسليم، التخصيص خير من ~~النسخ وأيضا بعض أحكامها باقية، فلا يكون منسوخة قال في مجمع البيان وعندنا ~~أنه على التحريم فيمن يرى لهذه حرمة ولا يبتدؤننا فيها بالقتال فيكون ~~التحريم مخصوصا بهذين بدليل من إجماع أو خبر، وتركنا تفصيل أحكام القتال ~~لوضوحها في الكتب الفقهية مع عدم الاحتياج إليه، ولهذا تركنا أكثر الآيات ~~المشتملة على بعض أحكام الجهاد ولكن ذكرنا البعض تبعا للأصحاب ولبعض ~~الفوائد. # الثالثة: وجاهدوا في الله حق جهاده هو اجتباكم وما جعل عليكم في الدين من ~~حرج (3). # تدل على وجوب الجهاد، وعلى نفي الضرر والحرج كما يدل عليه الخبر والعقل ~~أيضا ولكن فيه إجمال. # الرابعة: وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا إن الله لا ~~يحب المعتدين (4). # أي قاتلوا الكفار في دين الله وطريقه الذي بينه لكم ليعبدوا الله عليه، ~~أي قاتلوهم لاعلاء كلمته وإعزاز دينه حتى يسلكوه ويرجعوا إليه، قيل: أمروا ~~بقتال الرجال الذين يقدرون على القتال عادة دون النساء والصبيان والشيوخ # PageV00P306 # وقيل المراد قتال أهل مكة الذين حاربوا المسلمين من قبل وذلك موافق لما ~~قيل من سبب نزول الآية، حيث قيل: إنها نزلت في صلح الحديبية، وذلك أن رسول ~~الله صلى الله عليه وآله لما خرج هو وأصحابه في العام الذي أرادوا فيه ~~العمرة، و كانوا ألفا وأربعمائة فساروا حتى نزلوا الحديبية، فصدهم المشركون ~~عن البيت الحرام فنحروا الهدي بالحديبية، ثم صالحهم المشركون على أن يرجع ~~في العام المقبل ويخلو له مكة ثلاثة أيام فيطوف بالبيت ويفعل ما يشاء، فرجع ~~إلى المدينة فلما كان العام المقبل تجهز النبي صلى الله عليه وآله وأصحابه ~~لعمرة القضاء، وخافوا أن لا يفي لهم المشركون وأن يصدوهم عن البيت الحرام ~~ويقاتلوهم، وكره ms267 رسول الله صلى الله عليه وآله قتالهم في الشهر الحرام وفي ~~الحرم، فأنزل الله الآية أي قاتلوا الذين يقاتلونكم دون الذين لم يقاتلوكم، ~~وقيل معناه الكفرة كلهم وإن لم يقاتلوا المسلمين، فإنهم بصدد قتال المسلمين ~~وعلى قصده، ولا تعتدوا بابتداء القتال، أو بقتال المعاهد أو المفاجأة، من ~~غير دعوة إلى الاسلام، أو القتل الذي لا يجوز مثل المثلة أو قتل النساء ~~والصبيان وغيرها، وبالجملة لا تفعلوا ما لا يجوز " إن الله لا يحب المعتدين ~~" ولا يريد لهم الخير بل يريد إيصال الشر إليهم فتدل الآية على وجوب القتال ~~مع في الجملة، وعدم جواز التعدي والظلم، ولا يبعد تعميمها بحيث يشمل وجوب ~~القتال مع المحارب الذي يقاتل الانسان على ماله ونفسه، و تحريم التعدي في ~~أخذ المال والنفس، وعدم جواز مقاتلة من لا يريد ذلك وترك وهرب، وسائر ما ~~ذكر في الكتب الفقهية. # الخامسة: واقتلوهم حيث ثقفتموهم وأخرجوهم من حيث أخرجوكم والفتنة أشد من ~~القتل ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه فإن قاتلوكم ~~فاقتلوهم كذلك جزاء الكافرين (1). # PageV00P307 # قيل: نزلت في رجل من الصحابة قتل رجلا من الكفار في الشهر الحرام فعيروا ~~المؤمنين بذلك، فبين سبحانه أن الفتنة وهو الشرك أشد وأعظم من قتل المشركين ~~في الشهر الحرام وإن كان غير جائز، ثم أمر الله وأوجب قتال الكفار حيث ~~وجدوا وأدركوا في الحل والحرم والشهر الحرام وغيره إلا ما يخرج بالتخصيص ~~وأصل الثقف الحذق في أدراك الشئ علما أو عملا وهو متضمن لمعنى الغلبة ~~وإخراجهم من مكة في مقابلة إخراجهم المسلمين عنها. # وأخبر أن الفتنة أي المحنة التي يفتتن بها الانسان، من الاخراج عن الأهل ~~والوطن أشد من القتل أو أن شركهم في الحرم أشد كما دل عليه سبب النزول، أو ~~أن صدهم المسلمين في الحرم أشد من قتلكم إياهم، ولا تبتدؤهم بالقتل في ~~الحرم حتى لا يلزمكم هتك حرمة الحرم، فإن ابتدؤكم بالقتال فجازوهم به، فإن ~~الوبال عليهم، حيث ابتدؤا به، وأنتم تجازون وتعدلون، فليس عليكم به بأس، ~~ولا ms268 يلزمكم هتك الحرم، ومثل هذا الجزاء هو جزاء الكفار بالقتل في الحرم ~~وإخراجهم عن الوطن والأهل والمال. # فدلت على وجوب قتال الكفار، وعلى وجوب إخراجهم عن مكة، كما قاله الفقهاء ~~أيضا، بل أعم من ذلك حيث قالوا لا يجوز إسكانهم في جزيرة العرب لقوله عليه ~~السلام لا يجتمع في جزيرة العرب دينان، وكأن لهم غيره من الأخبار وتفصيل ~~المسألة في الفقه. # " فإن انتهوا فإن الله غفور رحيم " (1) أي إن امتنعوا عن الكفر والقتل ~~والإخراج وتابوا فإن الله يغفر لهم ما أسلفوا ويرحمهم، فدلت على قبول ~~التوبة من قتل العمد أيضا لأن الشرك الذي هو أعظم منه تقبل التوبة عنه، ~~فالقتل بالطريق الأولى كذا في مجمع البيان، وفيه تأمل فإنه على بعض ~~التفاسير والاحتمال، ومع ذلك يشكل بأن قتل العمد حق الناس وأنه ورد فيه ~~الخلود في النار، وهو يشمل التائب أيضا فلا يلزم من سقوطه سقوطه، لأن الله ~~قد يسقط حقه بالتوبة، ولا يسقط حق # PageV00P308 # غير، إلا أن يكون المراد بعد الخروج عن الحق الذي للمقتول، وتقبل توبته ~~من جهة فعله الحرام العظيم، وخص ما يدل على خلوده النار بغير التائب. # ثم بين الوجوب في آية أخرى بعدها " وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون ~~الدين كله لله فإن انتهوا فلا عدوان إلا على الظالمين (1) " فبين الله ~~تعالى غاية وجوب القتال بأنها عدم الفتنة أي الشرك وكون الطاعة والانقياد ~~لله تعالى فقط، فإن امتنعوا عن الكفر وأذعنوا بالإسلام وقبلوه " فلا عدوان ~~" أي لا عقوبة " إلا على الظالمين " أي ليس عقوبة القتل والإخراج في الدنيا ~~وعقوبة الآخرة بالنار وغيرها على الدوام إلا على الظالمين أي الكافرين ~~المقيمين على الظلم والكفر، وفيها أيضا دلالة على عدم جواز القتل بل السبي ~~وغيره بعد الاسلام، فلا يجوز استرقاقهم أيضا بعد الاسلام، ولا أخذ مالهم بل ~~شئ من العقوبات من الاسترقاق وأخذ المال وغيرهما. # السادسة: الشهر الحرام بالشهر الحرام والحرمات قصاص فمن اعتدى عليكم ~~فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم واتقوا الله واعلموا أن الله مع ms269 المتقين ~~(2). # الشهر الحرام هو الذي فيه تحرم القتال ونحوه والحرمات جمع حرمة، و هي ما ~~يجب حفظه، ولعل المراد به هنا ذو القعدة، وهو شهر الصد عام الحديبية ~~والأشهر الحرم أربعة: ثلاثة سرد وواحد فرد، ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ~~ورجب، قيل التقدير قتال شهر الحرام بقتاله، فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه ~~مقامه وقيل لا تقدير بل معناه هذا الشهر الحرام بالشهر الحرام الذي منعتم ~~رسول الله عن الطاعة والطواف أي حصل ما أردتم في ذلك فيه (3) وقريب منه ~~مضمون " الحرمات قصاص " # PageV00P309 # يعني لما صدوا رسول الله ومنعوا المسلمين عن عباداتهم في مكة حصل لهم ~~مكافاته في ذلك الشهر بعينه، في العام المقبل، وكأن قوله " والحرمات قصاص " ~~احتجاج عليه أي كل ذي حرمة يجري فيه القصاص والمكافأة، فمن هتك حرمة شهركم ~~بالصد فافعلوا بهم مثله، وادخلوا عليهم عنوة، واقتلوهم إن قاتلوكم أو أن ~~معناه أن القتل في الشهر الحرام حرام، والحرام للمسلمين لا يجوز إلا قصاصا. # " فمن اعتدى عليكم " أي ظلمكم فاعتدوا عليه بمثله أي جازوه بظلمه، و ~~افعلوا به مثل ما فعل، والثاني ليس باعتداء وظلم، بل عدل إلا أنه سمي به ~~للمشاكلة لوقوعه في صحبته مثل " اطبخوا لي جبة وقميصا " (1) في جواب من قال ~~أي شئ نطبخ لك " واتقوا الله " باجتناب المعاصي، فلا تظلموا ولا تمنعوا عن ~~المجازات ولا تتعدوا في المجازات عن المثل والعدل وحقكم. # ففيها دلالة على تسليم النفس، وعدم المنع عن المجازاة والقصاص، وعلى وجوب ~~الرد على الغاصب المثل أو القيمة، وتحريم المنع والامتناع عن ذلك، و جواز ~~الأخذ بل وجوبه، إذا كان تركه إسرافا [فلا يترك] إلا أن يكون حسنا وتحريم ~~التعدي والتجاوز عن حقه بالزيادة صفة أو عينا، بل في الأخذ بطريق يكون ~~تعديا، ولا يبعد أيضا جواز الأخذ خفية أو جهرة من غير رضاه على تقدير ~~امتناعه من الاعطاء كما قاله الفقهاء من طريق المقاصة، ولا يبعد عدم اشتراط ~~تعذر إثباته عند الحاكم، بل على تقدير الامكان أيضا، ولا إذنه بل يستقل ms270 ~~وكذا في غير المال من الأذى، فيجوز الأذى بمثله من غير إذن الحاكم، وإثباته ~~عنده، وكذا القصاص إلا أن يكون جرحا لا يجزي فيه القصاص، أو ضربا لا يمكن ~~حفظ المثل، أو فحشا لا يجوز القول والتلفظ به مما يقولون بعدم جوازه مطلقا ~~مثل الرمي بالزنا وغيره وحيث إن الجهاد لم يقع إلا مع الإمام وحينئذ لا ~~يحتاج إلى معرفة أحكامه فتركنا باقي الآيات المتعلقة به، مثل " وما لكم لا ~~تقاتلون في سبيل الله والمستضعفين من # PageV00P310 # الرجال والنساء والولدان الذين يقولون ربنا أخرجنا من هذه القرية الظالم ~~أهلها واجعل لنا من لدنك وليا واجعل لنا من لدنك نصيرا " (1) وكذلك قوله " ~~يا أيها الذين آمنوا خذوا حذركم " الآية (2) وقوله تعالى " فليقاتل في سبيل ~~الله - إلى قوله أجرا عظيما (3) " وقوله " ما كان لأهل المدينة " الآية (4) ~~وقوله " ليس على الضعفاء ولا على المرضى ولا على الذين لا يجدون " الآية ~~(5) و " يا أيها الذين آمنوا قاتلوا الذين " الآية (6) و " يا أيها الذين ~~آمنوا قاتلوا (7) " الآية و " يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم الذين كفروا ~~(8) " الآية وكذلك " يا أيها النبي حرض المؤمنين على القتال (9) " والآية " ~~يا أيها النبي جاهد الكفار (10) ". # ولكن نتمه بآيات لها فوائد كثيرة، ومناسبة ما به. # الأولى: يا أيها الذين آمنوا إذا ضربتم في سبيل الله فتبينوا (11). # أي سافرتم للغزو والجهاد فميزوا بين الكافر والمؤمن، والمراد لا تعجلوا ~~في القتل لمن أظهر لكم إسلامه ظنا منكم بأنه لا حقيقة لذلك " ولا تقولوا ~~لمن ألقى إليكم السلام " أي حياكم بتحية الاسلام، وقرئ السلم أي استسلم لكم ~~وانقاد فلم يقاتلكم مظهرا لكم أنه من أهل ملتكم " لست مؤمنا " أي ليس ~~لايمانكم حقيقة وإنما أسلمت خوفا من القتل " تبتغون عرض الحياة الدنيا " أي ~~المال والمتاع الذي لا بقاء له، لأن جميع متاع الدنيا عرض زائل ويقال لأن ~~الدنيا عرض حاضر ومنه العرض المقابل للجوهر " فعند الله مغانم كثيرة " أي ~~في مقدور الله تعالى نعم ورزق إن أطعتموه فيما أمركم، وقيل معناه: ثواب ~~كثير لمن ترك ms271 قتل المؤمن # PageV00P311 # " كذلك كنتم من قبل " أي كفارا فهداكم الله، وقلتم لا إله إلا الله محمد ~~رسول الله فخليتم " فمن الله عليكم " باظهار دينه فأظهرتموه بعد الكتمان من ~~أهل الشرك " فتاب عليكم " قبل توبتكم " فتبينوا " أعادها للتأكيد بعد ذكره ~~أولا كالنتيجة بعد ذكرها " إن الله كان " لم يزل " بما تعملون خبيرا " ~~عليما قبل أن تعلموا، ولا يخفى عليه أن قصدكم ليس إلا ابتغاء عرض الحياة ~~الدنيا. # والمشهور أنها نزلت في أسامة بن زيد وأصحابه بعثهم رسول الله صلى الله ~~عليه وآله سرية فلقوا رجلا قد ألجأ بغنم له إلى جبل، وكان قد أسلم، فقال ~~لهم السلام عليكم لا إله إلا الله محمد رسول الله فبرز إليه أسامة فقتله ~~واستاقوا غنمه، وفيها دلالة على قبول الايمان ممن قال بلفظه من غير تعرض له ~~أنه مكره أو قاصد لذلك، وهل هو الحقيقة أم لا؟ وعدم التجسس بل سائر الأمور ~~بالطريق الأولى، ويدل عليه تحريم التجسس بالكتاب والسنة والاجماع، وعلى عدم ~~الجرءة في الأمور مما يحصل عنده والسرعة في الحكم والعلم والعمل، بل لا بد ~~من التثبت والتوقف حتى يظهر حقيقة الأمر، وعدم العمل بالظن في الحال، كما ~~في خبر الفاسق الذي دل عليه الكتاب والسنة والاجماع. # وأيضا تدل على عدم اعتبار الدليل في الايمان وعلى عدم اعتبار العمل فيه، ~~وعلى أنه يكفي لصدقه مجرد الشهادتين، بل القول له بأنه ليس بمؤمن منهي ~~فافهم ولعلها تدل على عدم المؤاخذة في الدنيا بمثل هذا القتل، ولكن القواعد ~~الفقهية تقتضي الدية والكفارة، على ما تقدم في الآية المتقدمة أن الخطأ ~~يقتضي ذلك ولا شك أن ذلك خطأ فكأنه عفي عنه في أول الاسلام، لعدم جرءة ~~الكفار، و عدم امتناع المسلمين عن القتل والقتال، أو أن الدية سقطت لعدم ~~وارث مسلم، أو كان عاجزا عن الكفارة، أو أداها، أو ما كانت واجبة بعد. # قال القاضي: وقيل نزلت في المقداد مر برجل في غنمه وأراد قتله فقال لا ~~إله إلا الله فقتله فقال ود لو فر بأهله ms272 وماله، وفيها دلالة على صحة ايمان ~~المكره وأن المجتهد قد يخطئ وأن خطاءه مغتفر انتهى وليس بواضح فإنه لم يظهر ~~كونه PageV00P312 # مجتهدا، ومعلوم أن كل من فعل شيئا خصوصا مثل هذه الأمور ليس بمجتهد ولم ~~يعلم صحة الايمان عند الله إلا أن يريد بها كونه مانعا وحاقنا لدمه وأيضا ~~لم يعلم كونه مكرها إلا أن سوق الكلام يدل على أنه يعلم على أنه لو لم يؤمن ~~لقتل وهو ظاهر فإن الكفار يقاتلون ويخوفون بالقتل والضرب والنهب، ليسلموا، ~~وإنهم لو أسلموا لقبل ظاهرا، بل في نفس الأمر أيضا، إذا صار اعتقادا وعلما ~~ويقينا و هو ظاهر. # الثانية: إن الذين توفيهم الملائكة (1). # يحتمل الماضي والمضارع فيكون تتوفاهم بحذف إحدى التاءين، ويؤيد الأول ~~قراءة " توفتهم الملائكة " " ظالمي أنفسهم " حال عن المفعول، أي أن الذين ~~أماتتهم الملائكة حال كونهم ظالمين على أنفسهم بالعصيان بترك الهجرة ~~الواجبة، و موافقة الكفار باظهار عدم الايمان، فإنها نزلت في جماعة من أهل ~~مكة أسلموا ولم يهاجروا حين كانت الهجرة فريضة " قالوا " الضمير للملائكة ~~حال عنهم بتقدير قد وخبر " إن الذين " " أولئك " ويكون دخول الفاء لتضمنه ~~معنى الشرط، و يحتمل كونه خبرا بتقدير " لهم " و " فأولئك " عطف عليه، أي ~~قالت الملائكة لهم حين توفتهم " فيم كنتم " أي في أي شئ كنتم من أمر دينكم ~~توبيخا وتبكيتا بأنهم لم يكونوا في شئ من الدين، حيث تركوا الهجرة الواجبة ~~مع القدرة، و تركوا إظهار الاسلام لعدم مبالاتهم بالشريعة " قالوا " مجيبين ~~معتذرين " كنا مستضعفين في الأرض " أي غير قادرين على الهجرة، لعدم المؤنة ~~على السفر أو غير قادرين على إظهار الايمان لضعفهم " قالوا " أي الملائكة ~~تكذيبا لهم على الأول " ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها " يعني كنتم ~~قادرين على الهجرة، وعلى الثاني بأنكم كنتم قادرين على الاظهار فلم لم ~~تهاجروا عن مكة " فأولئك " أي الذين توفتهم الملائكة وقالوا كنا الخ " ~~مأواهم " ومسكنهم " جهنم " لتركهم الهجرة وإظهار إعلام الدين # PageV00P313 # ومساعدة الكفار " وساءت مصيرا " أي بئس المصير مصيرهم ومأويهم. # " إلا المستضعفين " الذين لا ms273 يقدرون على المهاجرة وإظهار الدين من الرجال ~~" العاجزين " والنساء " كذلك " والولدان " الأرقاء منهما لأنهم عاجزون عنها ~~أو الصغار فإنهم عاجزون عن السفر لصغر سنهم، أو غير البلغ من الذكور، ~~فيكونون غير مكلفين، ويكون إظهار ذلك إشارة إلى أن أولادهم غير مكلفين ~~بالمهاجرة مع عجزهم، والاستثناء منقطع، لعدم دخول المستضعفين بالمعنى ~~المتقدم في " الذين توفيهم الملائكة ظالمين " ولا " في أولئك " لعدم كونهم ~~مكلفين بالمهاجرة، لكونهم معذورين وعدم قدرتهم كما بين بقوله عز وجل " لا ~~يستطيعون حيلة " صفة للمستضعفين لعدم كونهم معينين، وإن كانت في صورة ~~التعريف. # قال في الكشاف: لأن الموصوف وإن كان فيه حرف التعريف، فليس شئ بعينه ~~كقوله " ولقد أمر على اللئيم يسبني (1) " أو حال عنهم، واستطاعة الحيلة ~~وجدان أسباب الهجرة، مثل الغنى والقدرة على السفر، وما يتوقف عليه " ولا ~~يهتدون سبيلا " عطف على ما قبله، واستهداء السبيل معرفة الطريق والمسلك ~~بنفسه أو بدليل " فأولئك عسى الله أن يعفو عنهم " فهم معذورون ولكن جاء ~~بلفظ عسى كلمة الأطماع، ولفظ العفو الدال على أن لهم أيضا ذنبا وأكده بقوله ~~" وكان الله عفوا غفورا " للمبالغة في عدم جواز ترك المهاجرة، وترك إظهار ~~شعائر الايمان والموافقة مع الكفار، حتى أن ذلك موجب للعقاب لمن فعل ذلك ~~عجزا أو خوفا وعدم القدرة على المهاجرة، وعدم التكليف، ولكن لهم طمع وتوقع ~~عفو قطعا لأطماع غيرهم. # فالآية دلت على أن ترك المهاجرة مع القدرة، كبيرة وأي كبيرة، حين فرض ~~المهاجرة، واستثنى العاجزين، ويمكن أن تكون منسوخة بمثل قوله صلى الله عليه ~~وآله لا هجرة بعد الفتح، إن كان متواترا، والأولى جعله مخصصا لها ومقيدا ~~ولو قيدت بفرض الهجرة لا يحتاج إلى شئ، ولكن تكون مجملة غير مبينة إلا ~~بمنفصل. # PageV00P314 # وقال القاضي: في الآية دليل على وجوب المهاجرة من موضع لا يتمكن الرجل ~~فيه من إقامة أمر دينه، وفي الكشاف: هذا دليل على أن الرجل إذا كان في بلد ~~لا يتمكن فيه من إقامة أمر دينه كما يجب لبعض الأسباب، أو علم أنه في غير ~~بلده ms274 أقوم بحق الله وأدوم على العبادة حقت عليه المهاجرة وعن النبي صلى ~~الله عليه وآله من فر بدينه من أرض إلى أرض وإن كان شبرا من الأرض استوجبت ~~له الجنة و كان رفيق أبيه إبراهيم ونبيه محمد صلوات الله عليهما، وفي ~~الدلالة خفاء فإنها مقيدة بكون الهجرة فريضة كما تقدم، قال في الكشاف: " ~~الذين " هم ناس من أهل مكة أسلموا ولم يهاجروا حين كانت الهجرة فريضة. # وقوله تعالى " ظالمي أنفسهم " يعني يموتون حين كونهم ظالمين أنفسهم ~~فالوعيد متعلق بمن يموت وهو ظالم بترك الهجرة الواجبة، بحيث صار سببا ~~لموافقة الكفار ومساعدتهم، وترك إظهار الاسلام بل إظهار الكفر كما يفهم من ~~سوقها ومن الكشاف والقاضي ويمكن أن يكون مع عدم اعتقاد جوازها وحليتها، حيث ~~صار الحكم ، مأواهم جهنم وساءت مصيرا " وذلك ليس إلا فيما يكون كفرا. # وبالجملة غاية ما يفهم منها وجوب المهاجرة في مادة خاصة بسبب خاص، و لم ~~يعلم منه أن كل هجرة واجبة وكل تارك لها ظالم، إلا أن يقاس باستخراج العلة ~~وإثباتها في الفرع وأنى له ذلك، ولهذا إن ترك هذه الهجرة كبيرة، وفيه ما ~~تقدم من المبالغات التي كادت أن لا توجد في غيرها فكيف يكون غيرها كذلك مع ~~أنه نقل أن لا هجرة بعد الفتح، فما بقي ذلك الحكم حينئذ وعلى تقدير الدلالة ~~على الأول في الجملة كيف يدعي دلالتها على الثاني أي قوله " أو علم الخ ~~وكأنه لذلك قال " وحقت " وما صرح بالوجوب والفرض، لأن لفظة حقت بمعنى ~~الأولى والأحسن هو الشايع والكثير، وهو حقيقة فيه. # ولكن البيضاوي صرح بالوجوب، وكأنه نظر إلى القياس، فالدلالة على تقدير ~~إمكان استخراج القياس وصحته لا يتم عند أصحابنا، حيث لا يقولون به، و كأنه ~~لذلك ما ذكره في مجمع البيان ويؤيده جواز التقية بل وجوبها فيعمل بها ~~PageV00P315 # ويقيم في بلادها من غير إظهار شعائر الاسلام، ويظهر خلافها على وجهها، ~~ولهذا ما شرط البعض عدم المندوحة فيما ورد فيه النص بخصوصه للتقية، كالكتف ~~وغسل الرجلين نعم لو آل ms275 الأمر إلى عدم إظهار الاسلام، ولزوم إظهار الكفر، ~~والموافقة معهم في ذم الشرع، ومساعدتهم، يجب الفرار منهم، وإن لم يفهم من ~~الآية للعقل والنقل ويمكن فهمه منها أيضا بالقياس. # والحاصل أنه إذا علم أن الكون في بلد حرام لعدم إمكان فعل وقول ما يجب ~~عليه مطلقا، وليس بمعذور فيه، وليس مما فيه التقية، وليس له بدل بحيث لا ~~يعاقب بالكون، فيجب الفرار والهجرة إلى محل يتمكن من ذلك، ولكن إثبات ذلك ~~مشكل لأن كل واجب مشروط بالامكان، وعدم المانع والضرر، فمع عدم الامكان و ~~وجودهما لا يجب ذلك الأمر، بل يكون حراما، فلا يعلم عدم جواز الكون حينئذ ~~ولهذا يجوز السفر إلى محل التيمم وإلى محل يأخذون الأموال بغير اختيار إلا ~~أنه معلوم في بعض الأمور مثل الكون في محل لا يتمكن فيه من فعل الصلاة مع ~~إمكانها في غير ذلك المحل مع القدرة إليه. # وقد يعلم من كلام بعض الأصحاب في تحريم السفر يوم الجمعة بعد الزوال مع ~~وجوبها، أن كل ما يوجب لسقوط الواجب فهو حرام، ويفهم من بعض الأخبار أيضا ~~مثل الرواية المشتملة على أنه وقع شخص في أرض لم يوجد فيها إلا الثلج قال ~~عليه السلام: يتيمم به ولا يعود إلى مثل هذه الأرض التي توبق أهلها ولكن ما ~~قالوه ممنوع بل منقوض والرواية محل التأمل إذ يجوز التيمم والذهاب إلى موضع ~~لا يكون فيه الماء للوضوء إلا أن يقال التيمم بما يباح أولا وبالذات مثل ~~التراب يجوز، وكذا الذهاب إلى تلك الأرض وإيجاد أسبابه عمدا، دون ما لا ~~يجوز التيمم به إلا اضطرارا مثل الثلج أو تحمل على الاستحباب ولا شك أن ~~الفرار إن لم يكن له مانع (1) وسبب، راجح من البلد الذي لم يتمكن من إظهار ~~جميع أحكام الايمان والإسلام فيه، إلى بلد يمكنه ذلك، بل لو علم أنه فيه ~~أولى كما قاله في الكشاف # PageV00P316 # أولى وكأنه إلى ذلك أشار ما نقل عن الشهيد قدس الله سره أنه يجب الفرار ~~من بلد التقية إن ms276 صح بحمل الوجوب على الاستحباب أو على الوجوه المتقدمة ~~لسبب الوجوب فتذكر وتأمل. # ثم أشار إلى ثواب المهاجرة في سبيل الله بقوله: " ومن يخرج من بيته ~~مهاجرا إلى الله ثم يدركه الموت فقد وقع أجره على الله (1) " ومثل قوله " ~~والذين هاجروا في الله من بعد ما ظلموا لنبوأنهم في الدنيا حسنة ولأجر ~~الآخرة أكبر لو كانوا يعلمون " (2) وكذلك " والذين هاجروا في سبيل الله ثم ~~قتلوا أو ماتوا ليرزقنهم الله رزقا حسنا وإن الله لهو خير الرازقين (3) " ~~والظاهر أن كل من سافر في طلب أمر لمرضات الله فهو مهاجر في سبيله، كما يدل ~~عليه بعض الأخبار، وظاهر الإضافة فليس بمخصوص بالجهاد وبالمهاجرين من بلاد ~~الشرك، فالسفر لطلب العلم داخل بل أفضل، وكذا زيارة الأئمة عليهم السلام بل ~~الذهاب إلى صلة الرحم وزيارة الأخوان في الله هو سبيل الله، و نحو ذلك وهو ~~ظاهر. # قال في الكشاف: وقالوا كل هجرة لغرض ديني من طلب علم أو حج أو جهاد أو ~~فرار إلى بلد يراد فيه طاعة أو قناعة أو زهد في الدنيا أو ابتغاء رزق طيب ~~فهي هجرة إلى الله ورسوله، وإن أدركه الموت في طريقه فأجره على الله. # والظاهر أن هذا حق وليس بمخصوص بالهجرة في آية " ومن يخرج " بل في جميع ~~الآيات الواقعة في ثواب الهجرة كما أشرنا إليه. # الثالثة: يا عبادي الذين آمنوا إن أرضي واسعة فإياي فاعبدون (4). # في الكشاف معنى الآية أن المؤمن إذا لم يتسهل له العبادة في بلد هو فيه ~~ولم يتمش له أمر دينه كما يجب، فليهاجر عنه إلى بلد يقدر أنه فيه أسلم قلبا ~~وأصح دينا وأكثر عبادة وأحسن خشوعا، وعن رسول الله صلى الله عليه وآله من ~~فر بدينه من أرض إلى أرض وإن كان شبرا من الأرض، استوجبت له الجنة، وكان ~~رفيق إبراهيم عليه السلام # PageV00P317 # ومحمد صلى الله عليه وآله، وقيل هي في المستضعفين بمكة الذين نزل فيهم " ~~ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها " وإنما كان ذلك لأن أمر دينهم ما ms277 ~~كان يستتب بين ظهراني الكفرة، في مجمع البيان: بين تعالى أنه لا عذر في ترك ~~طاعته فقال: يا عبادي - الآية - فاهربوا من أرض يمنعكم أهلها من الايمان ~~والاخلاص في عبادتي، وقال أبو عبد الله عليه السلام معناه إذا عصي الله في ~~أرض أنت فيها، فاخرج منها إلى غيرها، فيمكن أن يستدل بها على الهجرة من دار ~~الكفر التي لا يقدر على إظهار شعائر الاسلام، و كذا على الهجرة من الدار ~~التي تكون كذلك فتأمل. # الرابعة: " والذين هاجروا في الله (1) " أي تركوا منازلهم ومواضعهم في حق ~~الله ولوجهه " من بعد ما ظلموا " أي من بعد ما ظلمهم أعداؤهم مثل المشركين ~~وغيرهم " لنبوأنهم في الدنيا حسنة " أي لنسكننهم في الدنيا بلدة حسنة أحسن ~~مما أخرجوا وهاجروا عنه " ولأجر الآخرة أكبر " أعظم وأحسن مما أعطيتم في ~~الدنيا " لو كانوا يعلمون " أي الكفار أن الله يجمع للمهاجرين أجر الدنيا ~~والآخرة، لرغبوا في دين الاسلام، وتركوا أذى المؤمنين وإخراجهم، إذ لو علم ~~المؤمنون ذلك الجمع وما أعد لهم في الجنة، لازدادوا سرورا وحرصا على التمسك ~~بالدين " الذين صبروا وعلى ربهم يتوكلون " هم الذين صبروا على المهاجرة ~~والمجاهدة، وبذل النفس في سبيل الله، وأذى المخالفين، وهم الذين يتوكلون ~~على ربهم لا على الغير. # فهي دالة على استحباب المهاجرة ووجوبها عن دار الكفر والخلاف لو ظلموا أو ~~أذوا ولم يتمكنوا من إقامة لوازم الدين، وعلى كثرة الأجر في ذلك، وعلى ~~الصبر والتوكل، وهو ظاهر وإن كانت نازلة في حق جماعة متخلفين بعد مهاجرة ~~رسول الله صلى الله عليه وآله من مكة إلى المدينة، مثل بلال وصهيب وروي أن ~~صهيبا قال للمشركين أنا رجل كبير إن كنت معكم لم أنفعكم وإن # PageV00P318 # كنت عليكم لم أضركم فخذوا مالي ودعوني، فأعطاهم ماله وهاجر إلى رسول الله ~~صلى الله عليه وآله. # وأن المراد بحسنة هي المدينة، والمهاجر عنها هي مكة، حرم الله الذي هو ~~محبوب كل القلوب، فكيف بقلوب من كان مسقط رأسه لعموم اللفظ، وعدم التخصيص ~~بالسبب كما بين في ms278 الأصول، فقول الكشاف وغيره " والذين هاجروا " هم رسول ~~الله وأصحابه ظلمهم أهل مكة ففروا بدينهم إلى الله، إلى قوله: وقيل هم ~~الذين كانوا محبوسين معذبين بعد هجرة الرسول صلى الله عليه وآله وكلما ~~خرجوا تبعوهم فردوهم، منهم بلال وصهيب وخباب وعمار يحتمل أن يكون بيانا ~~لسبب النزول لا حصر المراد فيهم. # الخامسة: " وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا (1) " الجمع والتذكير ~~باعتبار المعنى " فأصلحوا بينهما " بالنصح والطلب إلى حكم الله " فإن بغت " ~~" تعدت " إحداهما على الأخرى " فقاتلوا التي تبغي حتى تفئ إلى أمر الله " ~~حتى ترجع إلى حكم الله " فإن فاءت فأصلحوا بينهما بالعدل وأقسطوا " اعدلوا ~~في كل الأمور " إن الله يحب المقسطين " العادلين، تدل على وجوب الاصلاح بين ~~المؤمنين وأنه إذا لم يصطلحوا يجب قتال الظالمة منهما حتى يرجع عن الظلم ~~إلى أمر الله العدل، ويدل عليه أيضا قوله: " إنما المؤمنون إخوة " من حيث ~~إنهم انتسبوا إلى أصل واحد هو الايمان الموجب للحياة الأبدية، وهو تعليل ~~وتقرير للآمر بالاصلاح، ولذلك كرره فقال: " فأصلحوا بين أخويكم " وضع ~~الظاهر موضع المضمر مضافا إلى المأمورين للمبالغة في التقرير، والتخصيص، ~~وخص الاثنين لأنهما أقل من يقع بينهما ما يوجب الصلح من الشقاق " واتقوا ~~الله " في مخالفة أمره وحكمه " لعلكم ترحمون " على تقواكم. # السادسة: يا أيها الذين آمنوا إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات (2) الآية. # PageV00P319 # فيها أحكام منها إذا جاءت امرأة من الكفار إلى المسلمين وادعت الاسلام ~~يجب أن تختبر، فإن علم أنها مسلمة لا يجوز إرجاعها إلى الكفار، ومنها أن ~~الكافرة التي أسلمت ليس بحلال للكفار وبالعكس، ومنها أنه تحصل الفرقة بمجرد ~~الهجرة ولا يحتاج إلى الطلاق، ومنها وجوب رد المهر الذي أعطيها، و منها أنه ~~يجوز نكاحهن للمسلمين مع إيتاء المهر، وليس ذلك شرطا بل ولا ذكره وإنما ذكر ~~إشارة إلى أنه لا يكفي المهر الذي رد على زوجها من بيت المال، و أن مجرد ~~الهجرة كافية، ولا يمنع التزويج السبق ولا الكفر، ومنها عدم الجواز نكاح ~~الكافرة للمسلم مطلقا منقطعا ودائما حربية وكتابية، وفيه تفصيل ms279 مذكور في ~~الفقه، ومنها طلب المهر الذي أعطيتم إن ذهبت منكم امرأة إلى الكفار كما ~~كانوا يطلبون منكم إذا جاءتكم امرأة منهم. PageV00P320 # * (كتاب) * * (الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر) * وفيه آيات: # منها: ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف و ينهون عن ~~المنكر وأولئك هم المفلحون (1). # أي ولتكن جماعة هي بعضكم، فمن تبعيضية كما هو الظاهر " يدعون " ذكر ~~باعتبار حمل أمة على جماعة من الذكور، وإن دخلت النساء فيه تغليبا " إلى ~~الخير " أي الدين أن مطلق الأمور الحسنة شرعا وعقلا، من المعروف وترك ~~المنكر فيكون مجملا تفصيله " ويأمرون بالمعروف " أي بالطاعة والأمر يكون ~~للرجحان مطلقا أعم من الندب والوجوب " وينهون عن المنكر " أي خلاف الطاعة ~~من كونه مكروها وحراما، ويكون الوجوب الذي يستفاد من الأمر أي " ولتكن " ~~ومن حصر الفلاح في " الآمرون والناهون " المفهوم من قوله: " وأولئك هم ~~المفلحون " باعتبار المجموع وبعض الأفراد، ويحتمل تخصيص الأمر بالواجبات ~~والنهي بالمحرمات فيكون صريحا في الوجوب. # وأما تفصيل الوجوب وشرائطه المعتبرة فموجودة في الكتب الفقهية ولا ثمرة ~~كثيرة في البحث عن الوجوب عينيا أو كفائيا والأولى منه في ذلك كون البحث عن ~~كونه عقليا أو نقليا والظاهر أنه كفائي كما هو ظاهر هذه الآية، وكون الغرض ~~هو الرد عن القبيح والبعث على الطاعة ليرتفع القبيح، ويقع المأمور به ~~والحسن، ولا دليل في العقل يدل على الوجوب مطلقا. # نعم يمكن كونه واجبا عقليا في الجملة، وعلى من ظهر عنده قبحه بمعنى ترتب # PageV00P321 # الذنب على الترك وهو أيضا ظاهر فيمكن القول بأنه عقلي والآيات دالة على ~~ذلك كثيرة، مثل قوله تعالى في هذه السورة " كنتم خير أمة أخرجت للناس ~~تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر (1) " الآية أي وجدتم خير جماعة مخلوقة ~~أو أخرجتم من العدم إلى الوجود لتأمروا بالمعروف، وتنهوا عن المنكر، فمشعرة ~~بأن الخيرية باعتبار الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والايمان بالله. ~~فتأمل. # ومنها " إن الله يأمر بالعدل (2) " وهو الانصاف والتوسط في جميع ~~الاعتقادات والأفعال والأقوال، وعدم التفريط والافراط والميل إلى أحد ~~الجانبين فلا يكون ms280 اعتقاده في حق الله ناقصا ولا فوق ما لا يجوز، بأن يعتقد ~~الشركة والافراط والاتصاف بالصفات الناقصة واتصاف النبي بالألوهية، وكذا في ~~الإمامة، وكذا في العبادات لا يجعلها ناقصة عن الوظيفة ولا يخترع فيها فوق ~~ما عينه الشارع، وبالجملة لا يخرج عن الشرع الشريف " والاحسان " إلى الغير ~~وهو التفضل ولفظ إحسان جامع لكل خير، والأغلب استعماله في التبرع ويحتمل في ~~العبادات كما قيل إنه إحسان في الطاعات وهو إما بحسب الكمية فبفعل النوافل، ~~والكيفية كما قال صلى الله عليه وآله الاحسان أن تعبد الله كأنك تراه فإن ~~لم تكن تراه فإنه يراك (3). # " وإيتاء ذي القربى " أي أن الله يأمر بإيتاء الأقارب ما يحتاجون إليه ~~وصلة الرحم وهو تخصيص بعد تعميم، للاهتمام، بل الاحسان أيضا كذلك قال في ~~مجمع البيان: وهذا عام وقيل إن المراد بذي القربى قرابة الرسول صلى الله ~~عليه وآله المشار إليهم في قوله " إلا المودة في القربى " و " لذي القربى " ~~(4) في قسمة الخمس والمروي عن أبي جعفر عليه السلام أنه قال نحن هم كأنه ~~إشارة إلى ذلك " وينهى عن الفحشاء " الافراط في متابعة القوة الشهوانية ~~كالزنا فإنه قبيح بل أقبح أحوال الانسان وأشنعها " والمنكر " ما ينكر على ~~فاعله من جميع المعاصي تعميم بعض تخصيص " والبغي " الاستعلاء والاستيلاء ~~على الناس، والتجبر والتكبر المحرم بل بمنزلة الكفر، قيل الفحش ما يفعله ~~الانسان # PageV00P322 # في نفسه من القبيح مما لا يظهره لغيره، والمنكر ما يظهره للناس مما يجب ~~إنكاره عليهم والبغي ما يتطاول من الظلم لغيره، وقيل العدل استواء السريرة ~~والعلانية، والاحسان كون السريرة أحسن من العلانية، والمنكر أن يكون ~~العلانية أحسن من السريرة " يعظكم لعلكم تذكرون " معناه يعظكم الله بما في ~~هذه الآية الشريفة من مكارم الأخلاق أو من الأمر والنهي المميزين بين الخير ~~والشر، لكي تتعظوا وتتذكروا وتتفكروا وترجعوا إلى الحق وتعملوا به وعن ابن ~~مسعود: هذه الآية أجمع آية في كتاب الله. # قال في الكشاف: العدل هو الواجب والاحسان وهو الندب والفاحشة ما جاوز ~~حدود الله، والمنكر ما ms281 ينكره العقول، والبغي طلب التطاول بالظلم، وحين ~~أسقطت من الخطب لعنة الملاعين على أمير المؤمنين عليه السلام أقيمت هذه ~~الآية مقامها ولعمري إنها كانت فاحشة ومنكرا وبغيا، ضاعف الله لمن سنها ~~غضبا ونكالا وخزيا إجابة لدعوة نبيه " وعاد من عاداه ". قال المحشي يريد ~~بلعنة الملاعين من لعن عليا عليه السلام من بني أمية وبني مروان والذي أسقط ~~اللعنة عمر بن عبد العزيز والذي سن ذلك معاوية انتهى وأشار بدعوة النبي صلى ~~الله عليه وآله إلى ما وقع في يوم الغدير من دعائه له بذلك وهو مشهور وفي ~~الكتب مسطور غني عن البيان وهذا الكلام صريح في لعن معاوية وفي مواضع من ~~الكشاف يظهر بغض المصنف له، وأنه ما كان على الحق، وما كان جهاده مع علي ~~عليه السلام باجتهاد ولا معذورا فيه، بل متعمدا وظالما، وحاكم جور عالما ~~منها (1) ما ذكره في آخر سورة يونس " واصبر حتى يحكم الله وهو خير الحاكمين ~~(2) " روي أن أبا قتادة رضي الله عنه تخلف عن تلقي معاوية حين قدم المدينة ~~وقد تلقته الأنصار ثم دخل عليه فقال له: مالك لم تتلقنا؟ قال لم يكن عندنا ~~دواب، قال فأين النواضح؟ # قال قطعناها في طلبك وطلب أبيك يوم بدر، وقد قال رسول الله صلى الله عليه ~~وآله يا معشر الأنصار إنكم ستلقون بعدي أثره قال معاوية فماذا؟ قال: قال: ~~فاصبروا حتى تلقوني، قال: # فاصبر! قال: إذا نصبر، فقال عبد الرحمن بن حسان: # PageV00P323 # ألا أبلغ معاوية بن حرب * أمير الظالمين نثا كلامي بأنا صابرون فمنظروكم ~~* إلى يوم التغابن والخصام ومنها (1) " وسارعوا إلى مغفرة من ربكم " (2) أي ~~إلى العبادات التي هي موجبة لمغفرة عظيمة من ربكم، وموجبة لدخول دار ~~المتقين والمنفقين والمحسنين أخلاقهم " وجنة عرضها السماوات والأرض أعدت ~~للمتقين * الذين ينفقون في السراء والضراء والكاظمين الغيظ والعافين عن ~~الناس والله يحب المحسنين " يفهم أفضلية الصلاة وسائر العبادات في أول ~~أوقاتها والمسارعة إليها من غير تهاون وكسل، إلا ما استثني لدليل مثل تأخير ~~العشائين إلى المزدلفة كما هو المسطور ms282 في محاله. # ويستفاد منها أن الغرض الأصلي من بناء الجنة دخول المتقين أي المطيعين ~~لله ولرسوله بترك المعاصي وفعل الطاعات، كما أن الغرض من خلق النار دخول ~~الكفار فيها، كما قال تعالى قبلها " واتقوا النار التي أعدت للكافرين " فلا ~~ينافي دخول غيرهم في النار تبعا، مثل الفساق، ودخول الأطفال والمجانين ~~والفساق الجنة كذلك فتدل على عظم الاعتداد بشأن التقوى، والموصوف به، بخلاف ~~الضد فلا اعتبار للفاسق عند الله، وإن دخل الجنة، وأيضا إن لوصف الأنفاق في ~~العسر واليسر والغنى والفقر دخلا عظيما في ذلك. # ولهذا ورد في الأخبار الكثيرة مدح السخا وذم البخل قال في مجمع البيان ~~أول ما عدد الله سبحانه من أخلاق أهل الجنة السخا ومما يؤيد ذلك من الأخبار ~~ما رواه أنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: السخا شجرة في ~~الجنة، أغصانها في الدنيا من تعلق بغصن من أغصانها قادته إلى الجنة والبخل ~~شجرة في النار، أغصانها في الدنيا، فمن تعلق بغصن من أغصانها قادته إلى ~~النار، وقال علي عليه السلام: الجنة دار الأسخياء، وقال: السخي قريب من ~~الله وقريب من الجنة وقريب من الناس بعيد من # PageV00P324 # النار، والبخيل بعيد من الله بعيد من الجنة بعيد من الناس قريب من النار ~~(1) ومثلها في الكافي عن أبي عبد الله عليه السلام (2). # وورد أخبار كثيرة في ذلك في الكافي مثل أن رسول الله صلى الله عليه وآله ~~قال: السخي محبب في السماوات محبب في الأرض خلق من طينة عذبة، وخلق ماء ~~عينيه من ماء الكوثر والبخيل مبغض في السماوات مبغض في الأرض خلق من طينة ~~سبخة وخلق ماء عينيه من ماء العوسج (3). # وعن أبي الحسن موسى عليه السلام السخي الحسن الخلق في كنف الله لا يتخلى ~~منه حتى يدخله الجنة، وما بعث الله عز وجل نبيا ولا وصيا إلا سخيا، وما كان ~~أحد من الصالحين إلا سخيا، وما زال أبي يوصيني بالسخاء حتى مضى، وقال عليه ~~السلام: # من أخرج من ماله الزكاة تامة، فوضعها ms283 في موضعه، لم يسأل من أين اكتسبت ~~مالك. # وفيما روي عن أبي عبد الله عليه السلام في ضيافة إبراهيم عليه السلام قال ~~له جبرئيل أرسلني ربك إلى عبد من عبيده يتخذه خليلا قال إبراهيم: فأعلمني ~~من هو أخدمه حتى أموت قال فأنت هو، قال: ومم ذلك قال: إنك لم تسأل أحدا ~~شيئا قط ولم تسأل شيئا قط فقلت لا. # وعنه عليه السلام قال: أتى رجل النبي صلى الله عليه وآله فقال: يا رسول ~~الله صلى الله عليه وآله أي الناس أفضلهم ايمانا فقال أبسطهم كفا. وعنه ~~عليه السلام قال لبعض جلسائه ألا أخبرك بشئ يقرب من الله ويقرب من الجنة ~~ويباعد من النار؟ فقال: بلى، فقال: عليك بالسخاء فإن الله خلق خلقا برحمته ~~لرحمته فجعلهم للمعروف أهلا، وللخير موضعا وللناس وجها يسعى إليهم، لكي ~~يحيوهم كما يحيي المطر الأرض المجدبة أولئك هم المؤمنين الآمنون يوم ~~القيمة. # وعن علي بن إبراهيم رفعه قال أوحى الله تعالى إلى موسى عليه السلام لا ~~تقتل السامري فإنه سخي. # PageV00P325 # وعن أبي عبد الله عليه السلام قال شاب سخي مرهق في الذنوب أحب إلى الله ~~من شيخ عابد بخيل. # وعن جميل ابن دراج عنه عليه السلام خياركم سمحاؤكم وشراركم بخلاؤكم، و من ~~خالص الايمان البر بالأخوان والسعي في حوائجهم، وإن البار بالأخوان ليحبه ~~الرحمن، وفي ذلك مرغمة للشيطان، وتزحزح عن النيران ودخول الجنان، يا جميل ~~أخبر بهذا غرر أصحابك قلت جعلت فداك من غرر أصحابي؟ قال: البارون بالأخوان ~~في العسر واليسر، ثم قال: يا جميل أما إن صاحب كثير يهون عليه ذلك، وقد مدح ~~الله عز وجل في ذلك صاحب القليل، فقال في كتابه " ويؤثرون على أنفسهم ولو ~~كان بهم خصاصة ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون ". وهذه الأخبار كلها ~~مسندة (1) وحذفت السند اقتصارا وكذا تركت الأخبار في الأنفاق وذم البخل و ~~ما ورد في غير هذا الكتاب مثل الفقيه (2) وغيره. # إن كظم الغيظ بمنزلة التقوى والانفاق في ذلك المذكور، لأن الظاهر أنه عطف ~~على ms284 " المتقين الذين " الخ وإن جاز عطفه على " الذين " ولعل الأول أولى، ~~وإلا كان المناسب ويكظمون الغيظ عطفا على ينفقون قال في مجمع البيان: أصل ~~الكظم شد رأس القربة عن ملئها تقول كظمت القربة أي ملأتها ماء ثم شددت ~~رأسها وفلان كظيم مكظوم إذا كان ممتليا حزنا وكذا إذا كان ممتليا غضبا لم ~~ينتقم والكظامة القناة التي تجري تحت الأرض سميت بذلك لامتلائها تحت الأرض ~~وفي غريب الحديث لأبي عبيدة عن أوس أنه رأى النبي أتى كظامة القوم فتوضأ ~~ومسح على قدميه والفرق بين الغيظ والغضب أن الغضب ضد الرضا، وهو إرادة ~~العقاب المستحق بالمعاصي ولعنه وليس كذلك الغيظ لأنه هيجان الطبع بتكره ما ~~يكون من المعاصي ولهذا يقال: غضب الله على الكفار، ولا يقال: اغتاظ منهم ~~(3) وكأن في التعبير عن عدم # PageV00P326 # إنفاذ الغيظ وترك العمل بمقتضاه بالكظم بالمعنى المذكور إشارة إلى عدم ~~خروج شئ منه أصلا ولو قليلا فإن المطلوب شد رأس القربة بحيث لا يترشح منه ~~شئ أصلا وإلا لم يحصل الغرض، بل ينزل الماء ويبل ما تحته ويخرب فتأمل. # وكذا العفو عن الناس، وهو عدم عقابهم مما يستحقونه بفعلهم، ولكن ينبغي أن ~~يكون بالنسبة إلى نفسه وبحيث لا يؤل إلى إبطال الحدود والتعزيرات الشرعية ~~والتهاون فيها قال في مجمع البيان: روي أن رسول الله صلى الله عليه وآله ~~قال هؤلاء في أمتي قليل إلا من عصمه الله وقد كانوا كثيرا في الأمم التي ~~مضت، وفيه دليل واضح على أن العفو عن العاصي مرغب فيه، مندوب إليه، وإن لم ~~يكن واجبا وقال النبي صلى الله عليه وآله: ما عفا رجل عن مظلمة قط إلا زاده ~~الله بها عزا " والله يحب المحسنين " والمحسن هو المنعم على غيره، على وجه ~~عار عن وجوه القبح، ويكون المحسن أيضا هو الفاعل للأفعال الحسنة من وجوه ~~الطاعات والقربات (1) ولا يبعد كونه إشارة إلى الموصوفين المذكورين كأنه ~~قال: والله يحبهم فعبر عنهم به، ليدل على كون ذلك حسنا أيضا وعدم الاختصاص ~~بذلك الأوصاف فدل على ms285 محبة الله لهم وهو فوق إعداد الجنة لهم. # فدلت الآية على كون التقوى والانفاق وكظم الغيظ والعفو عن الناس و ~~الاحسان الذي يجده العقل وبينه الشرع عبادات وقربات، وكذا المسارعة إليها ~~بمنزلة عظيمة عند الله، وهو ظاهر، ويدل عليه الأخبار ويجده العقل أيضا ~~فيرجى من الله كظم غيظه عن غير الكفار، والعفو عن الناس سواهم، والاحسان ~~إليهم بل الأنفاق عليهم، لأنه إنفاق وكظم وعفو خال عن وجه قبح، فلا يترك مع ~~أمر الناس الضعفاء به وكونها محبوبة عنده. # ثم قال في مجمع البيان مما جاء فيه من الأخبار ما رواه أبو أمامة قال: ~~قال رسول الله صلى الله عليه وآله: من كظم غيظه وهو يقدر على إنفاذه ملأ ~~الله قلبه يوم القيامة رضا، وفي خبر آخر ملأ الله قلبه يوم القيامة أمنا ~~وايمانا، ثم قال: روي أن جارية لعلي # PageV00P327 # ابن الحسين عليه السلام جعلت: تسكب عليه الماء ليتهيأ للصلاة، فسقط ~~الإبريق من يدها فشجعه فرفع رأسه إليها فقالت له الجارية إن الله عز وجل ~~يقول: " والكاظمين الغيظ " فقال لها قد كظمت غيظي، قالت " والعافين عن ~~الناس " قال قد عفا الله الله عنك " قال: " والله يحب المحسنين " قال: ~~اذهبي فأنت حرة لوجه الله (1). # وفي هذه الرواية دلالة على عدم البأس بالاستعانة للوضوء، فقد روي مثلها ~~عن الحسين بن علي عليهما السلام أنه جاء عبده وبيده طبيخ للضيف، وهو معهم ~~عليهم السلام فوقع الظرف من يده على رأسه عليه السلام فنظر إليه فقال العبد ~~الخ الله أعلم حيث يجعل رسالته. # قيل في معنى " عرضها السماوات والأرض ": كعرضهما وكني بالعرض عن مطلق ~~المقدار وهو متعارف، ونقل على ذلك الأشعار في مجمع البيان أو أنه لما علم ~~عرضه الذي هو أقل من الطول عرفا في غير المساوي علم أن طوله أيضا يكون إما ~~أكثر أو مثله، أما كونها مع ذلك في السماء فالظاهر أن المراد يكون بعضها ~~فيه بأن يكون البعض الآخر فوقه أو يكون أبوابها فيها أو فوق الكل وما ذكره ~~الحكماء غير ms286 مسموع شرعا وهو ظاهر، كما قيل إن النار تحت الأرض فتكون الآية ~~دليل على بطلان ما قالوه، وظاهر الآية أنها مخلوقة وكذا النار كما يدل عليه ~~بعض الأخبار وقال به الأصحاب وصرح به الشيخ المفيد في بعض مسائله، وقال: إن ~~الجنة مخلوقة ومسكونة سكنتها الملائكة. # فتدل الآية على رجحان المسارعة إلى الطاعات والانفاق في السراء والضراء ~~وحسن الخلق بكظم الغيظ، والعفو عن الناس والاحسان مطلقا كما وردت بها ~~روايات كثيرة مثل: اصنع المعروف إلى كل أحد فإن كان أهله وإلا فأنت أهله. # " والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم ~~ومن يغفر الذنوب إلا الله ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون * أولئك ~~جزاؤهم مغفرة من ربهم وجنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ونعم أجر ~~العاملين (2). # PageV00P328 # " والذين " إما عطف على المتقين كما قالوه (1) أو على ما عطف عليه مثل ~~الكاظمين فمعناه أن الجنة أعدت للمتقين وللذين الخ فتكون معدة للمتقين و ~~التائبين وهم يكونون الغرض الأصلي من خلق الجنة، فلا ينافي كونها لغيرهما ~~أيضا بالتبع كما أن النار معدة للكفار ويدخلها الفساق أيضا. # فقول الكشاف " وفي هذه الآية بيان قاطع أن الذين آمنوا على ثلاث طبقات ~~متقون وتائبون ومصرون، وأن الجنة للمتقين والتائبين منهم دون المصرين فمن ~~خالف في ذلك فقد كابر عقله وعاند ربه " باطل، لما قلناه، ولغيره مما يدل ~~على دخول غيرهما فيها من الآيات، مثل ما يدل على العفو والتفضل والاحسان و ~~المغفرة لمن يشاء، ومن عمل صالحا يجز به وسائر ما يدل على وجوب اتصال ثواب ~~العمل إلى صاحبه، وأن الايمان موجب لدخول الجنة، وللأخبار العامة والخاصة ~~ولأنه يلزم خلود النار من فعل ذنبا واحدا آخر عمره، ولم يتب، وهو بعيد جدا ~~وأن ما ذكره مبني على أن كل ذنب كفر ومحبط لما قبله، وهما باطلان ولأن ظاهر ~~قوله تعالى " أولئك جزاؤهم " كالصريح في أن ذلك جزاء عملهم. # فدلت على أن الجزاء وأجر العمل الموجب لدخولها مخصوصة بهما، فلا تدل على ~~عدم ms287 دخول غيرهما تفضلا وإحسانا وعفوا وكظما للغيظ التي هي محبوبة لله تعالى ~~ويحرض عليها عباده، فيبعد أن يمنع نفسه هذه الصفات الكاملة مع ترغيبه العبد ~~الضعيف الذي الانتقام كالخلق والطبع له، على أن ليس الدلالة إلا بمفهوم ~~ضعيف كما بين في الأصول، ولهذا قال سبحانه تعالى في سورة الحديد " سابقوا ~~إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها كعرض السماء والأرض أعدت للذين آمنوا بالله ~~ورسله (2) ". # فعلم أن ذكر المتقي للاهتمام أو غير لا للحصر، وأنه يبقى قسم آخر، و # PageV00P329 # هو الذي لم يتب ولم يصر، إما عالما أو جاهلا، إلا أن يسمى تارك التوبة ~~مطلقا مصرا، والظاهر خلافه ويحتمل كونه عطفا على " الذين " أي أعدت للمتقين ~~الذين كذا وكذا وللمتقين الذين كذا وكذا، ولا ينافي صدور الذنب مع التوبة، ~~و عدم الاصرار الوصف بالتقوى قبله، وبعده أيضا، وإما مبتدأ وخبره " أولئك " ~~بأن يكون مبتدءا ثانيا " وجزاؤهم " ثالثا " ومغفرة " خبره، والجملة خبر ~~الثاني والمجموع خبر الأول ويحتمل كون ترك الفاء وثم في قوله " ذكروا الله ~~" إشارة إلى أن مطلق ما يصدق عليه ذكر الله والتوبة كاف سواء كان بعده بلا ~~فصل أو مع فصل كثير. # قالوا: المراد بالفاحشة الزنا، وبالظلم مقدماته وغيرها، أو الفاحشة ~~الكبيرة والظلم الصغيرة أو الفاحشة الفعلي والظلم القولي ويحتمل كون ~~الفاحشة الظلم على الغير بتضييع حقوقه، وبالظلم الظلم على نفسه بتضييع حقوق ~~الله، ومعنى " ذكروا الله " ذكروا عقاب الله ووعيده " فاستغفروا الله " أي ~~ندموا وعزموا على عدم العود فيكون كناية عن التوبة " ولم يصروا " زيادة ~~تأكيد وبيان له، أو يكون الاستغفار طلب المغفرة من الله بالقلب واللسان، ~~مثل اللهم اغفر لنا، وعدم الاصرار يكون كناية عن التوبة. # " ومن يغفر الذنوب " أي لا يغفر الذنوب " إلا الله " لأن الاستفهام ~~إنكاري فاصل بين المعطوف والمعطوف عليه، اللذين هما بحكم شئ واحد، للاشعار ~~بأن الله يغفر وأن لا غافر غيره، وإذا كان لا ملجأ إلا هو لا يغفر الذنب ~~إلا هو، إذ الذنب الذي هو عصيانه لا يمكن أن يغفره غيره، ms288 وكرمه واستغناؤه ~~اقتضى أن يغفر له، ولا يعاقبه بسوء ما فعله، تفضلا وإحسانا وإيفاء للوعد ~~الذي في الآيات والأخبار على ذلك، فقبول التوبة اسقاط العقاب بها عقبها محض ~~التفضل، ووجوبه سمعي لأنه وعده تفضلا وكرما، فلا ينافي كونه تفضلا كما قاله ~~في مجمع البيان هنا إنه تفضل أو أجر وجزاء، ونقل الاجماع قبله على أنه واجب ~~لا أنه واجب عقلا لأن قبول العذر واجب عقلا كما قاله المعتزلة، ومنهم صاحب ~~الكشاف إذ العقل PageV00P330 # لا يقبح الانتقام والانتصاف بل هو محض العدل كما أشار إليه سلطان ~~المحققين في التجريد، فقول الكشاف: لأن عدله يوجب المغفرة للتائب لأن العبد ~~إذا جاء في الاعتذار، وجب العفو والتجاوز باطل. # فقد عرفت مما قررناه عدم التدافع بين نقل إجماع مجمع البيان على وجوب ~~قبول التوبة ونفي التجريد فافهم قال في مجمع البيان، الاصرار أصله الشد من ~~الصر، وهو شده البرد، وقال أيضا: لم يقيموا على المعصية ولم يواظبوا عليها ~~ولم يلزموها، وفي الكشاف وتفسير القاضي: ولم يقيموا على قبيح فعلهم غير ~~مستغفرين، فالذي فهم منها أن الاصرار هو المداومة والمواظبة والإقامة على ~~الفعل، فلو فعل مرة أو مرارا في أوقات لم يكن مصرا، وإن كان في عزمه العود ~~إلى ذلك وهو بعيد، فإن الظاهر أن ذلك فسق ومناف للعدالة، وبعيد عن المعنى ~~اللغوي أيضا فإنه أعم من ذلك، ويمكن الفهم منهما أيضا أنه ترك التوبة حيث ~~قالا: غير مستغفرين. فأرادا بالاستغفار التوبة تفسيرا للاصرار، فما لم يتب ~~يكون مصرا وهو أيضا بعيد إذ يلزم عدم الفرق بين الصغيرة والكبيرة في أنه لا ~~يغفر إلا مع التوبة، ويكون بدونها فاسقا غير عدل، والحال أن المشهور بين ~~الفقهاء أن الصغيرة لا تضر، وبعيد من المعنى اللغوي أيضا لأنه أخص، ولا ~~يبعد أن يكون المراد هو المواظبة على القبيح، أو العزم عليه ثانيا مع ~~التذكر، فهو مناسب للمعنى اللغوي وقواعد الفقهاء، والمعنى المتعارف. # " وهم يعلمون " قال في مجمع البيان: معناه وهم يعلمون الخطيئة ذاكرين لها ~~غير ساهين، أو ms289 أنهم يعلمون الحجة في أنها خطيئة، وهي جملة حالية وقيد ~~للمنفي لا النفي، وهو ظاهر. # فالآية دلت على تحريم الفاحشة والظلم، ولو على نفسه، بأن يجرح بدنه ~~ويضربه، بل يشتم نفسه، وتحريم الاصرار، وتحريم طلب مغفرة الذنوب إلا من ~~الله، والترغيب على طلبه منه، بل على وجوبه ووجوب التوبة، ووجوب قبولها على ~~الله بالمعنى المتقدم، وكون الجاهل معذورا بل الساهي أيضا، وأن التائب ~~PageV00P331 # من الذنب كمن لا ذنب له كما ورد به الأخبار فيكون عدلا بمجرد التوبة، ~~فتقبل شهادته بعدها بلا فصل، لأنه قرين المتقين وعطف عليه، بل يحتمل كونه ~~نفسه كما قلناه، ولأنه يبعد رد شهادة من شهد له تعالى بالمغفرة وما بعدها ~~فتأمل ولا يحتاج إلى ضم العمل الصالح، الذي هو مذكور في بعض الآيات بعد ~~التوبة، و مذكور في بعض الكتب أيضا مع عدم ظهور معناه، فقول الشيخ قدس سره ~~" تب أقبل شهادتك " غير بعيد، إلا أن تعريف العدالة بالملكة لا يساعده فإن ~~تحقق ذلك بمجرد التوبة مشكل، بعد العلم بعدمها، فيحتمل كون العمل الصالح ~~إشارة إلى تحققها فتأمل، ويحتمل الدوام على التوبة، وعدم الاصرار على الذنب ~~وإرادة عمل مطلق أي عمل كان، مثل تصدق فلس أو صلاة على النبي صلى الله عليه ~~وآله. # واعلم أن الظاهر أنه لو فعل أحد صغيرة ثم انتهى عنها لم يخرج عن العدالة ~~ولا يحتاج معاشرته والخروج عن نهي المنكر إلى العلم بتوبته ولا يكلف بذلك ~~على ما ذكرناه من معنى الاصرار والمعنى الأول الذي نقلناه عنهم، بخلاف ~~الثاني فإن العزم والعود مرة أخرى شرط في وجوب التوبة وصيرورتها كبيرة، ~~والأصل عدمه بخلاف عدم التوبة فإن الأصل تحققه ويؤيده أنه لم ينقل تكليف ~~فاعل المعصية بها بعد نهيه أو انتهائه عنها، لا فعلا ولا قولا من العلماء ~~والفقهاء، بل ظاهر كلامهم أنه لا يجوز نهيه، بل ذكر أنه فعل ذنبا بعد ~~الانتهاء وهو كذلك لأنه ذكر فاحشة وتشنيعها غيبة له نعم يمكن المنع، وإظهار ~~عدم العود على مثله لو علم منه ms290 العزم على ذلك إما لجهله بأنه معصية، أو ~~علمه مع عدم المبالاة بفعل أمثاله، وأن الترك ليس لكونه منتهيا عنه، بل عدم ~~الباعث ونحوه. # والظاهر أنه يحتاج إلى التوبة فعل الكبيرة فمجرد نهيه وانتهائه عن القبيح ~~لا يكفي حتى يعلم التوبة والندامة، ولو لم يعلم لم يسقط وجوب الأمر والنهي ~~بدونها، ولكن ينبغي الملاحظة التامة في نهيه، بحيث لا يحصل له الأذى من غير ~~استحقاق، وقصد التقرب والاخلاص، لا تشهي النفس والعمل بهواها كما هو معتبر ~~في سائر العبادات والأعمال. PageV00P332 # " فبما رحمة من الله لنت لهم (1) " قالوا الباء متعلقة بلنت وما زائدة ~~فيفيد الحصر، أي ما كان لينه لهم إلا برحمة من الله أي ربط الله على قلبه ~~وتوفيقه للرفق حتى كان يغتم صلى الله عليه وآله لهم بعد أن خالفوه لأنه سبب ~~لعقابهم، وتكرار الحجج و البراهين وتقريرها عليهم على وجه الشفقة واللطف ~~مرة بعد أخرى، وتواضعه لهم وتجاوزه عنهم وعدم مؤاخذته لهم إنما هو برحمة ~~الله سبحانه، حيث جعله لينا حسن الخلق، فهي تدل على أن حسن الخلق إنما هو ~~من عطاء الله وفضله ولا يحصل إلا بتوفيقه، وليس العبد مستقلا، وليس مقتضى ~~مزاجه كسائر الأمور المرغوبة وهو ظاهر. # " ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك " قيل: أي لو كنت جافي اللسان ~~سيئ الكلام، قاسي القلب، صعبا غير لين تفرقوا عنك، وخلوك وحدك فما آمنوا ~~بك، ولا يجادلوا معك عدوا فلا يتم لك الأمر، ففيه إشارة عظيمة إلى فائدة ~~حسن الخلق ظاهرا وباطنا " فاعف عنهم واستغفر لهم " ويحتمل أن يكون المراد ~~منه ومن ذلك اللين أن تعفو عنهم ما بينك وبينهم من حقوقك، فلا تؤاخذهم به ~~وأن تستغفر لهم الله فيما بينهم وبين الله، ليغفر لهم باستغفارك، ولا تعرض ~~عنهم بمجرد ذنب وإصرار، بل أصلح حالهم بحسن الخلق " وشاورهم في الأمر " قيل ~~أمر الدنيا والحرب ولقاء العدو، وفي مثل ذلك يجوز أن تستعين برأيهم كما ~~تستعين بيدهم وقتالهم مع العدو، ويحتمل أن يكون بمجرد إظهار اللين والتلطف ms291 ~~لا العمل بقولهم ورأيهم، بل إن رأى صلى الله عليه وآله صوابا عمل به لأنه ~~رأيه وأنه صواب، و إلا بين خطأه وأظهر رأيا صوابا عندهم أيضا، فالمشاورة لا ~~يستلزم العمل برأيهم و الاستعانة بذلك، ولهذا ورد في مشاورة النساء: ~~شاوروهن وخالفوهن بل فيها فوائد الأمن من اعتراضهم إذا وقع أمر يسوءهم ~~وتطييب لقلوبهم واستمالة لهم باظهار اعتبارهم وحسن المداراة والخلق معهم ~~كما مر، وترغيب للناس في المشاورة كما في الأخبار أيضا. # PageV00P333 # " فإذا عزمت فتوكل على الله " قالوا إذا وطنت نفسك على شئ، بعد التأمل ~~والشورى، فتوكل عليه في إمضاء أمرك على ما هو الأصلح والأليق بحالك فإن ما ~~هو صلاح لك لا يعلمه إلا الله، لا أنت ولا مشاورك، يعني لا تعتمد على رأيك ~~ولا رأيهم وفعلك وفعلهم، وإن أصبت الحق بذلك، بل إن فعلت ذلك اعتقد أن الذي ~~هو صلاح لك وتفعله ويحصل لك إنما هو بتسهيله تعالى إياه لك، وإلهامك عليه ~~وإعلامه بأنه الأصلح، حيث لقيت ما هو الرشاد، سواء كان الذي اقتضاه رأيك أم ~~غيره، فإن الأصلح لا يعلمه إلا هو، وإنما أنت آلة ومكلف بظاهر الأمر الذي ~~تجده نافعا، وأما ما في نفس الأمر لا يعلمه إلا الله فالذي يجب من التوكل ~~عليه صلى الله عليه وآله وعلى غيره - كما يدل عليه ما بعدها وغيرها حتى أن ~~في بعض الآيات إشارة إلى أن من لا توكل له لا ايمان له كقوله " فعلى الله ~~فتوكلوا إن كنتم مؤمنين (1) " - هو التوكل بهذا المعنى يعني تفويض الأمر ~~إلى الله، واعتقاد أن الذي تفعله قولا وفعلا وتجده صوابا لست بمستقل فيه، ~~بل إنما هو بعناية الله وتوفيقه له إياك وإنما أنت تفعل ما يظهر كونه ~~مشروعا ونافعا لك مع اعتقاد أن إصابة الحق و الصواب إنما هو توفيقه تعالى ~~وتسهيله، فليس للمكلف فيه دخل إلا بطريق الآلية والمحلية والفاعلية. # وكأن هذا معنى التوكل الواجب الذي فسر في مجمع البيان بأنه إظهار العجز ~~والاعتماد على الغير والتوكل على الله هو ms292 تفويض الأمر إليه والثقة بحسن ~~تدبيره وأصله الاتكال في فعل ما يحتاج إليه بمن يستند إليه، ومنه الوكالة ~~لأنها عقد على الكفاية بالنيابة، والوكيل هو المتوكل عليه بتفويض الأمر ~~إليه، يعني جعل نفسه كالمعزول والمعدوم فيما يفعله، مثلا إن من أتجر للرزق ~~أو زرع فوض الأمر إلى الله بمعنى أنه يعتقد أنه يرزقه الرزق والمال والزرع، ~~فهما ليسا بفعله، بل يفعله الله، فهو الفاعل، والمتكل عليه، والحافظ للكل، ~~إذ العبد والمال تحت قدرته، فلو لم يوفق له لم يحصل له شئ من الزرع ~~والتجارة إلا التعب، وبالجملة النفع بالحقيقة # PageV00P334 # منه تعالى والأثر المترتب على فعل العبد والأصلح من الله، فيتكل على الله ~~لا على فعله، ويعتقد ذلك. # فليس معناه الواجب أن لا يفعل شيئا أصلا ويتكل عليه بأن يريد الزرع و ~~الربح من غير عمل ويقول أنا متكل على الله لأنه واجب أو يريد الرزق بغير ~~طلب كذلك أو يريد هلاك العدو والغلبة عليه بغير قتال والتدبير، أو يريد ~~الخفاء عن العدو ولا يختفي عنه بما يقدر مع علمه بطلبه له، أو يقدر على ~~الهزيمة ولا يفعل بل يقول: الله يحفظ وأنا متوكل عليه لأن الفعل والسعي ~~أيضا مطلوب ومرغوب بل واجب في بعض الأوقات كالتوكل، وإلقاء النفس في ~~التهلكة حرام وإن الله تعالى لا يفعل أمثال ذلك غالبا إلا بالأسباب التي ~~تكلف العباد بها. # نعم قد يفعل ذلك بلا سبب بالنسبة إلى الأنبياء والأولياء إن أراد، فإذا ~~علموا ذلك فلهم أن يفوضوا إليه بالكلية كما ورد في الأخبار بالنسبة إلى بعض ~~الأئمة عليهم السلام من عدم هربهم عن الأسد، وقولهم إنه لو لم يعص الله ~~الشخص لقدر على حمل الأسد مثل الدابة، فلا يقاس فعلهم بفعل غيرهم، ولا يجعل ~~قولهم كليا. # فما ورد أن التوكل على الله هو أن لا يخاف أحدا غير الله، ويعلم أن غيره ~~لا يضر ولا ينفع، ولا يسأل أحدا شيئا ويقطع الطمع عمن سواه تعالى، كأنه ~~مؤول بما قلناه من أنه النافع، والقادر على ms293 دفع الضرر، وإن أراد النفع ينفع ~~من غير مانع وكذا الضرر، وكذا قادر على دفع العدو وضرره، أو أنه لا يخاف ~~غيره خوفا يوقعه في المحرمات وترك الواجبات، وكذا يعتقد أن غيره يضر وينفع، ~~فيقع فيهما لذلك وكذا السؤال، كما قيل مثل ذلك في التأسف والحزن على ما فات ~~والفرح بما هو آت اللذين هما منهيان بالآية الشريفة (1) والسنة الكريمة ~~وغيرها من الآيات والأخبار التي هي مؤولة مثل ما ورد في صفة المؤمن. # ومما يؤيد ذلك أن الانسان مخلوق ضعيفا وبالطبع يخاف مما يؤذيه ويضره ~~ويريد ويميل إلى ما ينفعه ويشتهيه، ولهذا كلف وأثيب بالطاعات وترك المعصيات # PageV00P335 # ولهذا كان بعض الأنبياء يخافون من الأعداء وهاجر نبينا صلى الله عليه ~~وآله من مكة المعظمة إلى المدينة المشرفة، وخاف موسى على نبينا وعليه ~~السلام من عصاه حتى قيل له " لا تخف (1) " ونقل أنه بعد ذلك أخذه بكمه وغير ~~ذلك، ولهذا وجبت التقية. # وبالجملة عدم وجوب التوكل بهذا المعنى الذي فسر بحسب الظاهر واضح بل ~~معلوم كونه حراما إذا كان جهلا وايقاعا في المهلكة، فلا بد من التأويل إما ~~بما مر ونحوه، أو تخصيصه بالبعض على بعض الوجوه والأحوال والأزمان، كما ~~أشرنا إليه. # " إن الله يحب المتوكلين " في مجمع البيان: يعني الواثقين والمعتمدين ~~عليه والمنقطعين إليه، والواكلين أمورهم إلى لطفه وتدبيره، ثم قال فيه: في ~~هذه الآية دلالة على اختصاص نبينا صلى الله عليه وآله بمكارم الأخلاق ~~ومحاسن الأفعال، ومن عجيب أمره صلوات الله عليه وآله أنه كان صلى الله عليه ~~وآله أجمع الناس لدواعي الترفع ثم كان أدناهم إلى التواضع وذلك أنه عليه ~~السلام كان [أوسط الناس نسبا وأوفرهم حسبا وأسخاهم و أشجعهم وأزكاهم ~~وأفصحهم وهذه كلها من دواعي الترفع، ثم كان] يرقع الثوب ويخصف النعل، ويركب ~~الحمار، ويعلف الناضح، ويجيب دعوة المملوك، ويجلس على الأرض، ويأكل على ~~الأرض (1) ثم في الآية أحكام نقلناها لأجلها. # قال في مجمع البيان: وفي الآية ترغيب للمؤمنين في العفو عن المسئ و حثهم ~~على الاستغفار لمن ms294 يذنب منهم، وعلى مشاورة بعضهم بعضا فيما يعرض لهم من ~~الأمور ونهيهم عن الفظاظة في القول، والغلظة والجفاء في الفعل، ودعاهم إلى ~~التوكل عليه، وتفويض الأمور إليه وفيها أيضا دلالة على القول باللطف لأنه ~~سبحانه نبه على أنه لولا رحمته لم يقع اللين والتواضع، ولو لم يكن كذلك لما ~~أجابوه فبين أن الأمور المنفرة منفية عنه، وعن سائر الأنبياء ومن يجري ~~مجراهم في أنه حجة على الخلق وهذا يوجب تنزيههم أيضا عن الكباير لأن ~~التنفير في ذلك أكثر انتهى كلامه رحمه الله، وهو كلام حسن وكأنه يريد ~~بالترغيب الاستحباب # PageV00P336 # للمؤمنين لعدم القول بالوجوب على الظاهر لأنه ما كان واجبا عليه أيضا ~~ويحتمل الوجوب، وكذا البحث عن الاستغفار والمشاورة، ولهذا عفى يعقوب ويوسف ~~على نبينا وآله وعليهما السلام عن إخوته واستغفروا لهم، وكأنه يريد بنهيهم ~~عن الفظاظة التحريم، فإنه على من لا يستحقه حرام لحصول الأذى المحرم، وعدم ~~حصول الغرض المطلوب إذا كان معلما أو آمرا أو ناهيا، وبدعائهم إلى التوكل: ~~الوجوب بالمعنى المتقدم أو الاستحباب بالنسبة إلى بعض الأفراد فتأمل، فإن ~~من تأمل هذه الآية مع ما تقدم من آية كظم الغيظ، يفهم أن حسن الخلق ~~والمداراة مع خلق الله خصوصا عن الرؤساء والعمداء، الذين يريدون إرشاد ~~الناس في مرتبة عظيمة، لا يصل إليها إلا من وفقه الله. # وأشار في مجمع البيان إلى المعنى الأول في تفسير الآية التي بعد هذه وهي ~~" إن ينصركم الله فلا غالب لكم وإن يخذلكم فمن ذا الذي ينصركم من بعده وعلى ~~الله فليتوكل المؤمنون " لما أمر الله سبحانه نبيه عليه وآله السلام ~~بالتوكل، بين معنى وجوب التوكل عليه فقال " إن ينصركم الله " على من ناواكم ~~فلا يقدر على غلبتكم، وإن كثر من ناواكم، وقل عددكم " وإن يخذلكم " أي ~~يمنعكم معونته ويخلي بينكم وبين أعدائكم لمعصيتكم إياه فلا يقدر أحد على ~~نصركم، والهاء عائدة إلى اسم الله على الظاهر والمعنى على حذف المضاف أي من ~~بعد خذلان الله والظاهر أنه لا يحتاج إلى حذفه، كما ms295 قال في الكشاف " من ~~بعده " أي من بعد خذلانه أو هو من قولك ليس لك من يحسن إليك من بعد فلان، ~~تريد إذا جاوزته ويحتمل أن يكون المراد بالتوكل على الله الاتكال عليه، ~~وتفويض الأمر إليه بمعنى ترك العمل والاستعانة بغيره في الأمور، ولكن لا ~~كله بل بعد فعل ما ورد الشرع به مثل الهرب من العدو مهما أمكن إذا ظن أو ~~علم هلاكه أو ضرره، ثم الاتكال عليه في الباقي بمعنى عدم استعمال شئ فإذا ~~خاف عدوا لا ينقطع إلى غير الله ولا يسأل أحدا شيئا من الرزق إذا لم يجب، ~~ولا يتضرع للأغنياء والسلاطين طمعا من دفع الضرر الموهوم، والنفع الغير ~~الواجب، ولكن وجوبه شرعا بهذا المعنى PageV00P337 # ما لم ينته تركه إلى فعل محرم أو ترك واجب غير ظاهر فيمكن حمل الآيات ~~والأخبار على الرجحان المطلق فتأمل. # قال في مجمع البيان: قد تضمنت هذه الآية التنبيه على أن كل من دهمه أمر ~~فينبغي أن يفزع إلى هذه الكلمة " حسبنا الله ونعم الوكيل (1) " وقد صحت ~~الرواية عن الصادق عليه السلام أنه قال عجبت لمن خاف كيف لا يفزع إلى قوله ~~سبحانه " حسبنا الله ونعم الوكيل " فإني سمعت الله سبحانه يقول بعقبها " ~~فانقلبوا بنعمة من الله " الآية وروي عن ابن عباس أنه قال كان آخر كلام ~~إبراهيم عليه السلام حين القي في النار حسبنا الله ونعم الوكيل، وقال نبيكم ~~مثلها وتلا هذه (2) يريد بالآية قوله تعالى " الذين قال لهم الناس إن الناس ~~قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم ايمانا وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل * ~~فانقلبوا بنعمة من الله وفضل لم يمسسهم سوء (3) الآية. # والتنبيه غير بعيد، حيث رتب الانقلاب بنعمة وفضل، وعدم المس بقول حسبنا ~~الله، والرواية صريحة في بيانه فعلم عدم اختصاصه بالجماعة السابقة، وعدم ~~مدخلية الزيادة، والرواية موجودة في الأصول (4) ولكن ما عرفت صحتها وهو ~~أعرف، ولا دلالة في نحو قوله سبحانه " ولا تخافوهم وخافون إن كنتم مؤمنين " ~~(5) على عدم الخوف من غير الله والخوف عنه فقط مطلقا لأن ms296 المراد على ما في ~~التفاسير عدم الخوف في الجهاد من الكفار بعد وعد الله بالنصر والغلبة ~~عليهم، والخوف من الله بترك الجهاد وغيره، فتأمل. # ومنها " وقد نزل عليكم في الكتاب " (6) أي القرآن " أن إذا سمعتم آيات ~~الله يكفر بها " أي ينكرونها " ويستهزئ بها " إن هي المخففة، وإذا للشرط، ~~ويكفر ويستهزئ حالان عن المفعول والجملة شرطية وقوله " فلا تقعدوا معهم حتى ~~يخوضوا في حديث غيره " جزاؤها، و " غيره " صفة حديث، وليس بمعرفة لتوغله في ~~الابهام # PageV00P338 # والجملة قائمة مقام فاعل نزل ومضمونه نهي المؤمنين عن مجالسة المعاندين ~~والمستهزئين وقت إظهار العناد والكفر والاستهزاء بالآيات من الكفار، فضمير ~~" لا تقعدوا " للمسلمين، و " معهم " و " يخوضوا " للكفار والمستهزئين " ~~إنكم إذا مثلهم " أي إن تقعدوا حينئذ معهم فأنتم مثل الكفار والمستهزئين ~~بآيات الله، في الإثم، إن قدرتم على المفارقة وعدم المجالسة معهم أو في ~~الكفر والاستهزاء إن رضيتم بفعلهم فإن الجالس معهم الراضي بذلك الفعل، مثل ~~الفاعل، فيقيد بقوله إن كنتم راضين بذلك. # فهي صريحة في تحريم المجالسة معهم حين الكفر والاستهزاء ولا يبعد فهم ~~تحريم تلك المجالسة مع كل فاسق حين فسقه، مع القدرة على عدمها، وعدم الضرر، ~~قال في مجمع البيان: ومتى كانوا راضين بالكفر كانوا كفارا لأن الرضا بالكفر ~~كفر ففيها دلالة على وجوب إنكار المنكر مع القدرة على ذلك وزوال العذر وأن ~~من ترك مع القدرة عليه فهو مخطئ آثم وفيها أيضا دلالة على تحريم مجالسة ~~الفساق والمبتدعين من أي جنس كانوا، قال جماعة من المفسرين ومن ذلك إذا ~~تكلم الرجل بكذب فيضحك منه جلساؤه فيسخط الله عليهم، وروى العياشي بإسناده ~~عن علي بن موسى الرضا عليه السلام في تفسير هذه الآية أنه قال: إذا سمعت ~~الرجل يجحد الحق ويكذب به ويقع في أهله، فقم عنه ولا تقاعده (1). # واعلم أن ظاهر الآية جواز مجالستهم بعد ذلك وعدم اتصافهم به وإن كانوا ~~كفارا ومستهزئين لقوله " حتى يخوضوا " أي حتى يشرعوا في حديث غير الاستهزاء ~~لأنه غاية للتحريم قال في الكشاف فلا بأس ms297 أن تجالسهم حينئذ، فلا يحرم ~~مجالسة الفساق في غير وقت الفسق بالطريق الأولى وهو خلاف المشهور بين ~~الفقهاء فإنهم يقولون بتحريم الاختلاط مع الفساق، ووجوب الاعراض عنهم، ~~لتحريم الميل إليهم ومودتهم ومحبتهم، ولأن ينتهوا عنه، ولكن يمكن أن يقال: ~~" حتى يخوضوا " علة للنهي، يعني لا تقعدوا معهم، حتى يتركوا ذلك، فإن ~~الجلوس # PageV00P339 # عندهم قد يكون سببا لذلك فإنهم قد يريدون أن يغيظوا المسلمين، فإذا لم ~~يكونوا معهم لم يفعلوا، وقد يكون الجلوس عندهم موجبا لذكر آلهتهم فيريدون ~~انتقام ذلك فيكفرون ويستهزؤن بآيات الله، وإليه أشير في قوله تعالى: " ولا ~~تسبوا الذين كفروا " أي آلهتهم " فيسبوا الله عدوا بغير العلم " (1) وهذه ~~صريحة في عدم جواز فعل مباح بل واجب لو كان موجبا لسب الإله ونحوه، فلا ~~يفعل شئ يلزم منه ذلك من سب آلهتهم وغيره مثل سبهم وسب أصحابهم، إذا كان ~~موجبا لسب النبي صلى الله عليه وآله والأئمة عليهم السلام والمؤمنين وهو ~~ظاهر عقلا أيضا. # والمراد بما نزل ما هو المذكور في الأنعام بقوله: " وإذا رأيت الذين ~~يخوضون في آياتنا فأعرض عنهم حتى يخوضوا في حديث غيره وإما ينسينك الشيطان ~~فلا تقعد بعد الذكرى مع القوم الظالمين (2) " أي وإن أنساك الشيطان النهي ~~عن مجالستهم فلا تقعد معهم بعد أن ذكرته، قيل: الانساء، فعل الله أضيف إلى ~~الشيطان لجري عادته تعالى بفعل النسيان عند الاعراض عن الفكر، ووسوسة ~~الشيطان ظاهره أن الخطاب له صلى الله عليه وآله ويحتمل أن يكون من قبيل " ~~فاسمعي يا جارة " وسمي عدم الاحضار وتوجهه إليه بالفعل انساء، فلا يدل على ~~انساء الشيطان الأنبياء. # قال في مجمع البيان قال الجبائي: وفي هذه الآية دلالة على بطلان القول ~~الإمامية في جواز التقية على الأنبياء والأئمة وأن النسيان لا يجوز على ~~الأنبياء، وأنت تعلم أن الآية لا تدل على عدم جواز التقية فإنها مطلقة يجوز ~~تقييدها بعدم الخوف والضرر، وعدم المفسدة مع أنهم لا يجوزون التقية على ~~الأنبياء وقد عرفت حكاية النسيان مع أنه قد جوزه بعضهم في غير ms298 الأحكام وقد ~~فصل ذلك الصدوق وذكره مفصلا أيضا في مجمع البيان حيث قال في جواب الجبائي ~~وهذا القول غير صحيح ولا يستقيم، لأن الإمامية إنما يجوزون التقية على ~~الإمام - إلى قوله: وأما السهو # PageV00P340 # والنسيان فلا يجوزونهما عليهم فيما يؤدونه عن الله تعالى وأما ما سواه ~~فقد جوزوا عليهم أن ينسوه ويسهو عنه، ما لم يؤد ذلك إلى اخلال بالعقل، وكيف ~~لا يكون كذلك وقد جوزوا عليهم النوم والإغماء، وهما من قبيل السهو، وهذا ~~يدل على عدم الخلاف في ذلك عند الإمامية فتأمل فيه و " حتى " ههنا أيضا ~~يحتمل ما قلناه فتأمل. # فالمراد بالخوض في الآيات الكفر بها والاستهزاء بها كما بين، فهاتان ~~الآيتان تدلان على اجتناب الكفار حال كفرهم بل الفساق حال فسقهم، لأنهم ما ~~صرحوا بأن [المراد من] " الذين " هم الكفار بل الذين يخوضون في الآيات بما ~~لا يجوز، فهو قد يكون فسقا فقط، وإن كان ظاهر الآية الأولى يدل على أنه ~~الكفر فتأمل. # " إن تبدوا " (1) أي تظهروا " خيرا " أي حسنا جميلا من القول والفعل ~~بالنسبة إلى من أحسن إليكم بل أعم " أو تخفوه " أي تفعلوا ذلك سرا وخفية " ~~أو تعفوا عن سوء " أي تصفحوا عمن أساء إليكم مع القدرة على الانتقام، ولا ~~تجهروا له بالقول بالسوء، ولا بأدنى من ذلك وأقوى " فإن الله كان عفوا ~~قديرا " صفوحا مع القدرة على المكافاة، فإنه يعفو مع ذلك ذنوبا كثيرة، ~~فأنتم محتاجون إلى العفو فينبغي أن تفعلوا ذلك بالطريق الأولى لأنكم إن ~~عفوتم عفيتم وإن رحمتم رحمتم وهو ظاهر عقلا وشرعا، وحذف جزاء " إن تبدوا " ~~وأقيم مقامه ما يفهم منه ذلك مع وضوحه والتعليل، ففيها حث للمظلوم على ~~العفو بعد ما رخص له في الانتقام حملا على مكارم الأخلاق كما أشرنا إليه. # " يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسوءكم وإن تسألوا ~~عنها حين ينزل القرآن تبد لكم (2) " الشرطيتان صفتان لأشياء، قيل: أي لا ~~تكثروا مسألة رسول الله صلى الله عليه وآله عن تكاليف شاقة عليكم إن ms299 أفتاكم ~~بها يغمكم كما سيجئ في حكاية سراقة، وإن تسألوا عنها في زمان الوحي وما دام ~~الرسول بين أظهركم تبد لكم تلك التكاليف الشاقة، فتؤمرون بها فتعرضون ~~أنفسكم لغضب الله بالتفريط # PageV00P341 # فيها " عفى الله عنها " يمكن كونها صفة أخرى لأشياء أي لا تسألوا عن ~~الأشياء التي عفا الله عنها، ولا تعاقبون عليها، ولم تكلفوا بها. # روي أنه لما نزل " ولله على الناس حج البيت " (1) قال سراقة بن مالك أكل ~~عام؟ فأعرض عنه رسول الله صلى الله عليه وآله حتى أعاد ثلاثا فقال صلى الله ~~عليه وآله: لا، ولو قلت نعم لوجبت، ولو وجبت لما استطعتم، ولو تركتم ~~لكفرتم، فاتركوني ما تركتم، فنزلت فالالحاح في السؤال غير ممدوح، بل ينبغي ~~البناء على الظاهر، وترك التدقيق المضر وقد يفهم ذلك من حكاية البقرة كما ~~هي مذكورة في محلها ويحتمل أن يكون ضمير " عنها " للمسألة المفهومة من ~~السؤال أي لا تسألوا وقد عفى عما فعلتم منها، ولكن لا تعودوا فظاهرها أن ~~السؤال المتقدم بل السؤال مطلقا عن الأشياء التي يظن إن ظهر أن ظهورها يسوء ~~للعموم حرام، لأنه ظاهر النهي، ويحتمل أن يكون للكراهة كما يفهم من ~~الشرطيتين، ولا شك أن الاجتناب أحوط " والله غفور حليم " لا يعاجلكم بعقوبة ~~ما تفرطون، ويعفو عن كثير " قد سألها قوم من قبلكم (2) " الضمير للمسألة ~~المفهومة قيل: " من قبلكم " متعلق بسألها، وليس بصفة لقوم، ولا حال عنه، ~~لأن ظرف الزمان لا يكون صفة جثة ولا حالا عنها ولا خبرا عنها، وفيه تأمل إذ ~~ليس المعنى إلا على كونها وصفا للقوم، فلا يتعلق بالسؤال، فعلى تقدير تسليم ~~ما ذكره، يمكن تأويل القوم بحيث يوجد فيهم معنى، ولا يكون جثة محضة مثل ~~الموجودين في ذلك الزمان " ثم أصبحوا بها كافرين " بسببها حيث لم يأتمروا ~~بما سألوا جحودا ومنكرا " بها " متعلق بكافرين. # وفي هذه الآية وأمثالها إشارة إلى أن الجاهل معذور، وأن عقاب العالم أعظم ~~فافهم. # " ما جعل الله من بحيرة ولا سائبة ولا وصيلة ولا حام (3) " رد وإنكار لما ms300 ~~ابتدعه أهل الجاهلية وهو أنهم كانوا إذا أنتجت الناقة عندهم خمسة أبطن ~~آخرها ذكر # PageV00P342 # بحروا أذنها أي شقوها فخلوا سبيلها، فلا تركب ولا تحلب، وكان الرجل منهم ~~يقول: إن شفيت فناقتي سائبة، ويجعلها كالبحيرة في تحريم الانتفاع بها، وإذا ~~ولدت شاة أنثى فهي لهم، وإن ولدت ذكرا فهو لآلهتهم وإن ولدتهما وصلت الأنثى ~~أخاها فلا يذبح لآلهتهم الذكر، وإذا أنتجت من صلب الفحل عشرة أبطن حرموا ~~ظهره ولا يمنعوها من ماء ولا مرعى، وقالوا قد حمي ظهره، ومعنى " ما جعل " ~~ما شرع ووضع، ولهذا تعدى إلى مفعول واحد وهو البحيرة وما عطف عليه، و " من ~~" زائدة. # " ولكن الذين كفروا يفترون على الله الكذب وأكثرهم لا يعقلون " أي الكفار ~~يفترون على الله الكذب بجعل الحلال حراما وبالعكس، ويقولون الله جعله كذلك ~~ولا يعرفون الحلال من الحرام، والمبيح من المحرم، والأمر من غيره، ولكن ~~يقلدون آباءهم ولا يسمعون المعقول كما يفهم من قوله: " إذا قيل لهم تعالوا ~~إلى ما أنزل الله وإلى الرسول قالوا حسبنا ما وجدنا عليه آباءنا أو لو كان ~~آباؤهم لا يعقلون شيئا ولا يهتدون " الواو للحال والهمزة دخلت عليها إنكارا ~~للفعل على هذه الحالة، أي أحسبهم ما وجدوا عليه آباءهم ولو كانوا جهلة ~~ضالين، والمعنى: # الاقتداء إنما يصح بمن علم أنه مهتد عالم، وذلك لا يعرف إلا بالحجة فلا ~~يكفي غيرها من التقليد. # واعلم أن في هذه الآيات دلالة على أن تحريم شئ وتحليله بغير دليل شرعي ~~حرام فالبدعة حرام فإن كل ما يجعل الانسان على نفسه من اخراج مال عن ~~الانتفاع بقوله وفعله لا يخرج بذلك عما كان وإن جعل في مقابلة نعمة مثل ~~شفاء عن مرض ما لم يكن عليه دليل شرعي بنذر ونحوه، وأن جعل ذلك من عند ~~النفس بغير دليل افتراء على الله بالكذب، وأن التقليد غير جائز في مقابلة ~~الدعوة إلى الله وإلى الرسول، بل مطلقا ما لم يكن المقلد مهتديا فيدل على ~~جوازه مع العلم بأنه مهتد. # ففيه جواز التقليد في الجملة، ms301 وذلك غير بعيد، ولكن ليس بتقليد حقيقة لأنه ~~لم يعلم أنه مهتد وأن من اتبعه كذلك إلا مع دليل يدل على أن المتبوع ~~والمقلد هاد ومهتد، وفي اتباعه هداية ورشد، وحينئذ هو خارج عن التقليد ~~المذموم، بل PageV00P343 # عن التقليد، فإنه حقيقة تابع للدليل، إذ لا فرق في اتباع الدليل بين أن ~~يكون المتبع شخصا أو غيره ولهذا قالوا التقليد هو قبول قول الغير بغير دليل ~~على القبول وأن تقليد الأنبياء بل تقليد المجتهدين ليس بتقليد، بل استدلال ~~كما في المجتهد لتحقيق مسألة بدليل وإنما يقال له التقليد بمعنى آخر غير ~~المعنى الذي هو مذموم وغير مجوز. # فتقليد المجتهد حسن وجائز، بل واجب بعد وجود دليل على ذلك كاجتهاد ~~المجتهد، وهو ظاهر ومبين في الأصول، وهو المراد بالتقليد المفهوم " من أو ~~لو كان " الآية وأمثاله والذي لا يجوز ومذموم كما يدل عليه قوله تعالى " ~~ولا تقف ما ليس لك به علم (1) " وأمثاله أي لا تقل ولا تفعل إلا ما تعلم ~~جوازه، فالمراد به التقليد بغير دليل معلوم، فإنه التقليد، وبه يجمع بين ~~جواز التقليد وعدم جوازه، وجواز العمل بالظن وعدم جواز العمل والتكليف ~~بالعلم، أي العمل بالظن بمحض الاشتهاء والتقليد، ويراد بالتكليف بالعلم أعم ~~من الظن الحاصل من دليل كما للمجتهد، لا بحمل ما يفيد الظن، وجواز التقليد ~~على الفروع، والتكليف بالعلم وعدم جواز الظن والتقليد على الأصول الكلامي ~~كما هو المشهور إذ لا دليل عليه، ولعدم الفرق، نعم لو ثبت أنه لا بد في ~~الأصول من العلم اليقيني في جميع مسائله وفي الفروع يكفي مطلق الظن، لتم ~~ذلك، وهو مشكل، وتخصيص بعض الظنون دون بعض يحتاج إلى تأويل وتصرف مؤول إلى ~~ما قلناه، على أنا قد ادعينا حصول العلم بالتقليد للمقلد في الفروع وغيره، ~~إذا كان عن دليل كتقليد المعصوم كما قالوه للمجتهد بأنه يقول: هذا ما أفتى ~~به المفتي، وكل ما أفتى به المفتي حق و واجب العمل، والمقدمة الأولى ~~مفروضة، والثانية ثابتة بالدليل، وبالفرض أيضا فالنتيجة علمية فتأمل. ms302 # وقوله " إن يتبعون إلا الظن وإن هم إلا يخرصون " (2) يدل على عدم جواز # PageV00P344 # العمل بالظن في الأصول، لا الفروع الذي مبناه على الظن، لأن معناه على ما ~~في الكشاف إن يتبعون إلا ظنهم أنهم شركاء لله، وإن هم إلا يخرصون ويقدرون ~~أن يكونوا شركاء تقديرا باطلا. لأن صدر الآية دل على نفي صلاحية شئ ~~للربوبية فإن قوله " ألا إن لله من في السماوات ومن في الأرض وما يتبع ~~الذين يدعون من دون الله شركاء إن يتبعون إلا الظن وإنهم إلا يخرصون " صريح ~~في ذلك. # ويدل على عدم جواز تقليد الجاهل والمفضول ومتبوعيتهما وثبوتها للمهتدي ~~قوله " أفمن يهدي إلى الحق أحق أن يتبع أمن لا يهدي إلا أن يهدى (1) " يعني ~~أم الذي يهدي إلى الحق حقيق بالاتباع والمتبوعية، فأحق بمعنى أصل الفعل أم ~~الذي لا يهتدي بنفسه أولا يهدي غيره إلا أن يهديه غيره، فالأول على قراءة " ~~يهدي " بتشديد الدال وفتح الهاء أو كسرها، كان أصلها يهتدي قلبت التاء دالا ~~وأدغمت فيها، وحركت الهاء بالفتحة بنقل فتحة التاء إليها للخفة أو بالكسر، ~~لالتقاء الساكنين. وعلى قراءة التخفيف أيضا فإن " يهدي " بمعنى يهتدي كثير ~~والثاني على قراءة التخفيف فقط، فإنه من يهدي المتعدي بنفسه وهو كثير ~~كتعديته باللام، و الاستفهام على سبيل الانكار يعني معلوم أن الهادي بنفسه ~~حقيق لا غير " فما لكم كيف تحكمون " يعني ما تحكمون أنتم إلا بالحق، لو ~~أنصفتم، أي معلوم أن الهادي بنفسه أحق. # فيمكن أن يستدل بها على وجوب اتباع الله تعالى الخالق دون مخلوقه، و كذا ~~على وجوب اتباع العالم دون الجاهل، وكذا على اتباع الأفضل فيما هو أفضل به، ~~دون المفضول، خصوصا إذا كان تعلمه من هذا الأعلم والأفضل، و إن كان المفضول ~~والجاهل متمكنان من العلم بما علمه العالم والأفضل بالتعلم فيستخرج منه عدم ~~جواز تقليد الجهال والمفضول، مع تقدير وجود الأفضل وإن كان أورع، ولهذا قال ~~به بعض العلماء وكذا تقديم الأفضل في الصلاة وكذا الرواية، ويمكن الشهادة ~~وإن سلم أن الآية ms303 في منع الكفار عن اتباع # PageV00P345 # الأوثان دون الله كما قال في الكشاف وتفسير القاضي فإن سبب الورود ليس ~~بمخصص بل المدار والاعتماد على ظاهر اللفظ كما هو الحق المثبت في الأصول ~~ولا شك في عموم اللفظ وأن العالم والأفضل يهدي بنفسه، بل ظاهر " أن يهدى " ~~أنها في غير الأوثان لعدم قابليتها للهداية، وهو ظاهر، فيمكن أن يستخرج عدم ~~جواز الاجتهاد للنبي والإمام، حيث يقدران على تحصيل العلم من الله، وكذا ~~عدم الاجتهاد لمن يقدر على الأخذ بالعلم منهما، بل عدم جواز الأخذ بالظن ~~مطلقا مع القدرة على العلم. # ويدل عليه " وما يتبع أكثرهم إلا ظنا إن الظن لا يغني من الحق شيئا " (1) ~~قال في الكشاف: المراد بالأكثر جميع الكفار المذكورين سابقا قاله في تفسير ~~القاضي أيضا وقال فيه أيضا: أو المراد من ينتمي منهم إلى تميز ونظر ولم ~~يكتف بالتقليد الصرف، وفيهما تأمل إذ إطلاق الأكثر على الجميع بعيد، و لا ~~بد للكل ظن بل الذي يقنع بمحض التقليد يجزم بذلك فكان المراد غير القليل ~~الذي هو نادر جدا ولا اعتداد به أصلا، ووجوده وعدمه سواء، أو أن للبعض جزما ~~إلا أن ذلك أقبح إذ الجزم بمعلوم البطلان ومن غير دليل باطل، إلا أنه يمكن ~~أن يراد أن الأكثر يظهرون العلم والاعتقاد مع أن ليس لهم إلا الظن، أو أن ~~المراد بطريق الاجتهاد والأقيسة الباطلة، فإن الكل وإن كان لهم ظن لكنه ليس ~~من اجتهاد وقياس، وتأمل ونظر، بل مجرد تقليد الآباء، وكأنه مراد القاضي. # وقد يتوهم من ظاهر الآية أنها تدل على المنع من العمل بالظن واتباعه ~~مطلقا لظاهر قوله " إن الظن لا يغني " فإن المتبادر منه عمومه وإن كان ~~مفردا محلى باللام، وليس للعموم على الظاهر، وإن كان الكلام مع الكفار ~~بالنسبة إلى المعتقدات، بل أصول الدين، ودفع الظن في مثل ذلك، فلا يجوز ~~العمل والتعويل عليه إلا مع دليل أقوى أو مساو دلالة على الجواز من دلالتها ~~على المنع، كما ثبت # PageV00P346 # ذلك في المسائل الفروعية اجتهادا وتقليدا ms304 بالعقل من لزوم الحرج والضرر ~~المنفيين بالعقل والنقل، والتكليف بما لا يطاق وببعض الآيات والأخبار، بل ~~الاجماع، إذ قد انقرض القائل بمنع التقليد وإيجاب الاجتهاد عينا إلا أن ~~يقال الاجتهاد علمي فإن دليل العمل به قطعي، ولكن في القول بمثله في ~~التقليد أيضا تأمل فتأمل فيهما. # ويمكن أن يقال: المراد بالظن ظنهم المتقدم، فيكون الألف واللام عوضا عن ~~المضاف إليه فتدبر، أو يقال: إن الظن لا يغني من العلم شيئا يعني إذا كان ~~المطلوب علما لا يقوم الظن مقامه، وهو ظاهر فتأمل. # وقوله تعالى " إنه لا يحب المستكبرين (1) " كأن المعنى يبغضهم، يدل على ~~تحريم الاستكبار والتكبر وما يدل عليه كثير مثل " بئس مثوى المتكبرين (2) " ~~أي بئس مأوى ومنزل من تكبر في الدنيا على الناس يوم القيامة. # " ادع إلى سبيل ربك " (3) أي ادع يا محمد الناس إلى الاسلام " بالحكمة " ~~بالمقالة المحكمة الصحيحة وهي البرهان الموضح للحق، والمزيل للشبهة، وقال ~~في مجمع البيان: # إلى دين الله ومرضاته. أو بالقرآن، وقيل بالمعرفة بمراتب الأفعال ~~والأحوال " والموعظة الحسنة " هو الصرف عن القبيح على وجه الترغيب في تركه ~~والترهيب في فعله، وفي ذلك تليين القلب بما يوجب الخشوع " وجادلهم بالتي هي ~~أحسن " أي ناظرهم بالقرآن وبأحسن ما عندك من الحجج، وتقديره بالكلمة التي ~~هي أحسن والموعظة الحسنة أي أدعهم إليه بالمقدمة الظنية التي تفيد وتعرب ~~أنها تنفعهم. # وفي الكشاف: يجوز أن يراد بها القرآن أي أدعهم بالكتاب الذي هو حكمة ~~وموعظة حسنة، ويحتمل إرادة مطلق الدليل الاقناعي كما مر وأن يراد منها خرق ~~العادات والمعجزات، فيكون الأول مقدمات عقلية والثاني محسوسة " و جادلهم ~~بالتي هي أحسن " أي أدعهم بالقياس الجدلي الذي هو إيراد مقدمات مسلمة للخصم # PageV00P347 # وإن لم يكن حقه أي أحسن طرق المجادلة والمباحثة والمماراة بحيث لا يكون ~~فيها مكابرة ولا صياح بحيث لا يفهم المخاطبة ولا اعراض ولا شتيمة ولا يقول ~~لا نفهم كما هو العادة بين الجهلة المتسمين بالعلماء والطلبة، ورد ما هو ~~غير حق من مقدمات بطريق حق حتى يزول شبهتهم ms305 لا بالسكوت والمكابرة والرد ~~بالصياح وأنه ظاهر لا يحتاج إلى الجواب وغير ذلك، وبالجملة يكون في غاية ~~الرفق واللين من غير فظاظة ولا تعنيف " إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو ~~أعلم بالمهتدين " أي الله يعلم الخير السالك للطريق الحق المطيع له، ~~والقابل للحق، والمنكر له الضال الذي لا يؤثر فيه شئ فيجازي كلا بعلمه، ~~وليس عليك إلا ما تقدم، و ليس عليك الهداية إليه. في الكشاف: ربك أعلم بهم، ~~فمن كان فيه خير كفاه الوعظ القليل، والنصيحة اليسيرة ومن لا خير فيه عجزت ~~عنه الحيل، فكأنك تضرب منه في حديد بارد. # وفي هذه الآية إشارة إلى جواز المماراة الحسنة، والبحث، وبيان الحق بطريق ~~الحجة والبيان، وإشارة إلى قانون الميزان الثلاثة الأقسام المقبولة من ~~البرهان والخطاب والقياس الجدلي، ولما كان القياس الشعري غير مقبول ومنهيا ~~عنه ما ذكره ها هنا، بل نهى عنه في قوله " وما علمناه الشعر وما ينبغي له ~~(1) " على ما قيل، وكذا السفسطي، والاحتياج في البحث عن المعرف هنا والقول ~~الشارح ظاهر، فإنه مما يتوقف عليه القياسات، فصارت الميزان مقبولا بالكتاب ~~كذا قيل، ففيها دلالة على جواز المماراة الحسنة، دون الباطلة، وكذا في سورة ~~الكهف " فلا تمار فيهم إلا مراء ظاهرا (2) " كما دل عليه الأخبار الكثيرة ~~مثل لا تمار فإن المؤمن لا يماري، أعاذنا الله وإياكم عن أمثالها. # وقالوا في قوله تعالى " وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا (3) " دلالة على ~~عدم كون الحسن والقبح عقليين ولا دلالة فيه بينته في الأصول من عشرة أوجه، ~~و قلت بل فيها دلالة على كونها عقليين إذ سوقها لبيان أن ليس لله العقاب ~~والذم # PageV00P348 # لأحد على فعل قبل بعثة الرسول، وبيان قبح ذلك القبيح له، وأن ذلك العقاب ~~غير جائز عند العقلاء، بل ذلك مذموم وقبيح، إذ للمعاقب اعتراض معقول لا دفع ~~له، بأن يقول لولا أرسلت إلينا رسولا، وهو عين الحسن والقبح العقليين، وأن ~~ليس لله ما يفعل، وإن كان قبيحا، وأن لا قبيح إلا ما قبحه بل ms306 لا يقبح إلا ~~قوله لا تفعل ولا يحسن إلا قوله افعل، وهو ظاهر وإلا فلا معنى حينئذ لقوله ~~لولا أرسلت وكان عقابهم معقولا، بل لا معنى للحساب والميزان فتأمل. # " قالوا لبثنا يوما أو بعض يوم " (1) قال في الكشاف: وفيه دليل على جواز ~~الاجتهاد والقول بالظن الغالب، وأنه لا يكون كذبا وإن جاز أن يكون خطأ و ~~فيه تأمل فتأمل. # " إنهم إن يظهروا عليكم يرجموكم أو يعيدوكم في ملتهم ولن تفلحوا إذا أبدا ~~" في الكشاف أو يدخلوكم في ملتهم بالاكراه العنيف، ويصيروكم إليها، والعود ~~في معنى الصيرورة أكثر شئ في كلامهم، يقولون ما عدت أفعل كذا يريدون ابتداء ~~الفعل " ولن تفلحوا إذا أبدا " إن دخلتم في دينهم في مجمع البيان: قيل من ~~أكره على الكفر فأظهره فإنه مفلح، فكيف يصح الآية، والجواب يجوز أن يكون ~~أراد يعيدوكم إلى دينهم بالاستدعاء دون الاكراه، ويجوز أن يكون في ذلك ~~الوقت كان لا يجوز التقية في إظهار الكفر بمعنى لو أظهر باللسان وإن لم يكن ~~من القلب يكون مأثوما وكافرا لا ينفعه الايمان بعده، وفيه بعد عقلا ونقلا ~~فالأول متعين وظاهر الآية كما قال في الكشاف إن صرتم إلى ملتهم لن تفلحوا ~~أبدا يعني باختياركم بعد تكليف هؤلاء لكم، ففيه دليل على عدم قبول توبة ~~المرتد فتأمل، ويحتمل التقييد بما دام كنتم في دينهم غير راجع إلى دين الحق ~~وهو ظاهر فتأمل. # " فلا تمار فيهم إلا مراء ظاهرا " أي فلا تجادل أهل الكتاب في شأن أصحاب ~~الكهف إلا جدالا ظاهرا غير متعمق فيه، وهو أن تقص عليهم ما أوحى الله إليك ~~فحسب، ولا تزيد، من غير تجهيل لهم، ولا تعنيف بهم في الرد عليهم، كما قال: # PageV00P349 # " وجادلهم بالتي هي أحسن " هذه تدل على جواز البحث والجدل في العلم بطريق ~~ظاهر حسن، وتحريمه وعدم جوازه لا على ذلك الوجه المرضي الحسن، فهي مخصصة ~~لما دل على النهي عن ذلك وتحريمه، مثل لا تمار فإن المؤمن لا يماري، و هو ~~ظاهر. # " وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم ms307 فسجدوا إلا إبليس كان من الجن ففسق عن ~~أمر ربه (1) " في الكشاف كان من الجن كلام مستأنف جار مجرى التعليل بعد ~~استثناء إبليس من الساجدين، كأن قائلا قال: ما له لم يسجد؟ فقال كان من ~~الجن ففسق عن أمر ربه، والفاء للتسبيب أيضا: جعل كونه من الجن سببا في فسقه ~~يعني أنه لو كان ملكا كسائر من سجد لآدم، لم يفسق عن أمر الله [كسائر ~~الملائكة] لأن الملائكة معصومون البتة لا يجوز عليهم ما يجوز على الجن ~~والإنس، كما قال: # " لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون (2) " ومعنى فسق عن أمر ربه خرج ~~عما أمره به من السجود وقال أو صار كافرا بسبب أمر ربه الذي هو قوله سبحانه ~~" اسجدوا لآدم " هذا مبني على مذهب المعتزلة أن كل ذنب كفر فالظاهر أن معنى ~~الآية ففسق بسبب ترك أمر ربه فترك أمر ربه ففسق وهو ذنب وخروج عن الطاعة، ~~موجب للعقاب. # ففيها دلالة على كون الأمر للوجوب كما في قوله تعالى في الأعراف: " ثم ~~قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس لم يكن من الساجدين قال ما ~~منعك ألا تسجد إذ أمرتك (3) " الآية، حيث وبخ على ترك السجود والمأمور به ~~بمجرد ترك الأمر، وهو أحسن مما استدلوا به وهو ظاهر. # بقي هنا سؤال هو أن ظاهر الآية كون إبليس غير ملك، وقد صرح في تفسيره به، ~~ولم يكن داخلا في المأمورين بالسجود فلا يحسن الاستثناء ولا معنى للذنب و ~~التوبيخ فيمكن أن يقال إنه ما كان داخلا فيهم، وإنما عبر بالملائكة تغليبا ~~أو كان ملكا ولكن لما كان شأن الملك أن لا يعصي ربه وقد عصى ربه فكأنه ليس ~~بملك # PageV00P350 # بل جن، ولم يثبت كون كل ملك معصوما الله يعلم. # " فقولا له قولا لينا " (1) خطاب لموسى وهارون بأن يكلما فرعون ويكلفاه ~~بالايمان بالله، ولكن بقول لين ملائم أي أرفقا به في الدعاء والقول، ولا ~~تغلظا له في ذلك، وقيل معناه كنياه وكنيته أبو الوليد وقيل أبو العباس وقيل ~~أبو المرة، قال في ms308 مجمع البيان وفي هذا القول دلالة على وجوب الرفق في ~~الدعاء إلى الله، وفي الأمر بالمعروف، ليكون أسرع إلى القبول، وأبعد من ~~النفور، فلا بعد في دخول التعليم والمباحث العلمية وغيرهما من تعليم الخير ~~فيه، وهو ظاهر وفقنا الله وإياكم لذلك، قال في الكشاف والقول اللين نحو ~~قوله تعالى " هل لك إلى أن تزكى وأهديك إلى ربك فتخشى " لأن ظاهره ~~الاستفهام والمشورة وعرض ما فيه الفوز العظيم، وقيل معناه: عداه شبابا لا ~~هرم من بعده، وملكا لا ينزع منه إلا بالموت، و أن يبقى له لذة المطعم ~~والمشرب والمنكح إلى حين موته، وزاد في مجمع البيان: # وإذا مات دخل الجنة فأعجبه ذلك، وكان لا يقطع أمرا دون هامان وكان غائبا ~~فلما قدم هامان أخبره بالذي دعاه إليه وأنه يريد أن يقبل منه، فقال هامان ~~قد كنت أرى أن لك عقلا وأن لك رأيا! بينا أنت رب وتريد أن تكون مربوبا؟ ~~وبينا أنت تعبد وتريد أن تعبد؟ فقلبه عن رأيه، وفي الواقع صدق هامان لو كان ~~له عقل ما شاوره في هذا الأمر فإن هامان أيضا ليس له عقل. # وقال أيضا في الكشاف وقيل لا تجبهاه بما يكره وألطفا له في القول، لما له ~~من حق تربية موسى، ولما ثبت له من مثل حق الأبوة. والأول أحسن فإن لطفه ~~وكرمه وتأديبه عباده يقتضي الأمر بالتلطف، ولين الكلام، ولأنه أقرب إلى ~~التأثير لا حق له يقضى فتأمل، ثم قال في " لعله " الترجي لهما، أي اذهبا ~~على رجائكما وطمعكما، وباشرا الأمر مباشرة من يرجو ويطمع أن يثمر عمله، ولا ~~يخيب سعيه، فهو يجتهد بطوقه، ويحتشد بأقصى وسعه. # يعلم من هذا الأسلوب من التأديب في دعوته إلى الايمان نهاية شفقته تعالى ~~بعباده وكمال اهتمامه بايمانهم باختيارهم، وخلاصهم من عقابه، وتعبدهم له # PageV00P351 # لينتفعوا به من الأمر بالقول اللين، مع التصريح بالرجاء حتى لا يقصرا في ~~الدعوة كما بين، ثم علله بقوله " يتذكر ": ويتأمل فيبذل النصفة من نفسه، ~~والإذعان للحق " أو يخشى " أن يكون الأمر كما ms309 تصفان فينجر إنكاره إلى ~~التهلكة، ولهذا قال في مجمع البيان وكان يحيى بن معاذ يقول هذا رفقك بمن ~~يدعي الربوبية فكيف رفقك بمن يدعي العبودية وقال في الكشاف وجدوى إرسالهما ~~مع العلم بأنه لن يؤمن إلزام الحجة، وقطع المعذرة " ولو أنا أهلكناهم بعذاب ~~من قبله لقالوا ربنا لولا أرسلت إلينا رسولا فتبع آياتك (1) " ففيه ~~المبالغة كما ظهرت وإظهار الشفقة واللطف وإبطال دعوى أنه لا يريد من الكافر ~~إلا الكفر، وأن ليس الحسن والقبح إلا شرعا بل قول افعل ولا تفعل، وهو ظاهر ~~[البطلان] فافهم. # واعلم أيضا أن في قبول موسى معارضة فرعون بسحر السحرة معجزة دلالة واضحة ~~على كون الحسن والقبح عقليين، وبطلان إفحام الأنبياء عليهم السلام، وعدم ~~صحة الجواب بأنه نحن نقول يجب عليك النظر سواء تنظر أو لا تنظر، وأن شرط ~~التكليف هو العقل، وإمكان المعرفة، لا حصول العلم بمكلف به، لكل مكلف مكلف، ~~وإلا دار وهو ظاهر، وهو في آيات شتى مثل " ولقد رأيناه آياتنا كلها فكذب ~~وأبى قال أجئتنا " الآية (2). # " وذا النون إذ ذهب مغاضبا (3) أي أذكر يا محمد يونس بن متى وقت ذهابه عن ~~قومه، حين ضاق خلقه من وعظهم ودعوتهم، وعدم اتعاظهم وقبولهم، حال كونه ~~مغضبا أي أغضبهم بمفارقته لهم، ولخوفهم نزول العقاب عليهم عند مفارقته لهم، ~~و قرئ " مغضبا " ويحتمل أن يكون المعنى باغضا لهم أيضا مع أنه ظن أن ذلك ~~يجوز له، حيث ما فعل إلا لله فهو بغض لله، ولعل كان الأولى له الصبر، ~~وانتظار الأذن والفرج من الله، فما صبر " فظن أن لن نقدر " أي ظن أن الله ~~تعالى ما قدر عليه وما فرض له المعاتبة والتعنيف عليه أو ظن أنه لم يفعل ~~الله معه فعل القادر # PageV00P352 # ولم يستعمل قدرته في عتابه لحسن ظنه بالله أو مثل عدم فعله تعالى - بسبب ~~أنه كان جائرا له - بمن لا يقدر عليه، فهو تمثيل واستعارة قاله في الكشاف. # وقال في مجمع البيان ظن أن لن يضيق عليه، فتأمل، وهذا مروي عن الأئمة ~~عليهم ms310 السلام قال الجبائي ضيق الله عليه الطريق حتى ألجأه إلى ركوب البحر ~~ثم قذف فيه فابتلعته السمكة وقيل استفهام وتقديره أفطن أن لن نقدر عليه؟ # " فنادى " أي ذو النون " في الظلمات " ظلمة بطن الحوت، وظلمة الليل، ~~وظلمة البحر، أو أن الحوت الذي بلعه بلعه حوت آخر فصارت ظلمات بطنين وظلمة ~~الليل أو شدة الظلمة فكأنهما ظلمات كثيرة " أن لا " أي بأن لا " إله إلا ~~أنت " أو أي لا إله فأن بمعنى أي وفي الأول با مقدرة " سبحانك إني كنت من ~~الظالمين " أي من الذين وجد منهم الظلم، قاله على سبيل الخشوع والخضوع، لأن ~~جنس البشر لا يمتنع منه وقوع الظلم، ولم يكن في بطن الحوت على جهة العقوبة ~~لأنها عداوة والنبي ليس بعدو لله، بل على جهة التأديب فإنه يجوز للمكلف ~~وغيره كالصبي ولغير العدو كذا في مجمع البيان. # " فاستجبنا له ونجيناه من الغم وكذلك ننجي المؤمنين " أي ليست النجاة ~~بمخصوصة به بل ننجي كل مؤمن مبتلى دعا به، عن النبي صلى الله عليه وآله ما ~~من مكروب يدعو بهذا الدعاء إلا استجيب له، وهو صريح في قوله تعالى " وكذلك ~~ننجي المؤمنين " وفي الكشاف: عن الحسن ما نجاه والله إلا إقراره على نفسه ~~بالظلم. # ففي هذه الآية الشريفة دلالة على الترغيب والتحريص على الصبر والتحمل ~~وعدم ترك الذكر والوعظ وعدم ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، و ~~المبالغة في ذلك جدا وكثيرا، لعدم الأثر، وعدم ترك ما أمر الله به إلا ~~بإذنه، لا بظن عدم التأثير، فينبغي عدم ترك الأمر بالمعروف والنهي عن ~~المنكر بمجرد ظن عدم التأثير كما هو المشهور فإنه يحتمل إصابة عذاب وعقاب ~~عظيم بذلك، كما فعل بذي النون عليه السلام. # فتدل على أنه لا بد أن يكون الانسان على خوف عظيم، إذ فعل به عليه ~~PageV00P353 # السلام ما فعل، مع كون فعله ترك الأولى، مع ظن أن فعله كان لله، فكيف ~~الظن بنا. إلا أن يكون من جهة عدم الاعتداد والاعتبار بنا، فيخلينا وأنفسنا ~~فنعوذ بالله من ms311 ذلك أيضا، وعلى الترغيب على الاقرار بالذنوب والظلم، وأن له ~~دخلا في استجابة الدعاء، وعلى تكرار هذه الآية الشريفة عند الكرب، ودفع ~~الهموم و الغموم، كما ورد به الروايات عن أهل البيت عليهم السلام. # فايدة نقول أن حيا (1) من الأنبياء لهم اسمان ذو النون ويونس، وإسرائيل ~~ويعقوب وعيسى ومسيح، ومحمد وأحمد، وذو الكفل وإلياس، وقيل ذو الكفل هو ~~زكريا، و قيل يوشع بن نون وكأنه سمي بذلك لأنه ذو الحظ من الله والمجدود ~~على الحقيقة وقيل كان له ضعف عمل الأنبياء في زمانه وضعف ثوابهم. # وأيضا يدل على استجابة الدعاء والترحم لو قال الانسان في دعائه ما نقل عن ~~أيوب عليه السلام " وأيوب " (2) أي أذكره " إذ نادى " أي وقت ندائه " ربه ~~أني " بأني " مسني الضر " بالفتح الضرر في كل شئ، وبالضم الضرر في النفس، ~~من مرض وهزال " وأنت أرحم الراحمين " ألطف في السؤال حيث ذكر نفسه بما يوجب ~~الرحمة وربه بغاية الرحمة ولم يصرح بالمطلوب فاستجاب له بقوله: " فاستجبنا ~~له وكشفنا ما به من ضر و آتيناه أهله ومثلهم معهم رحمة من عندنا وذكرى ~~للعابدين " فرجع أيوب إلى الصحة وأعطاه الأموال والأولاد كما كانت بل أكثر، ~~وهو مسطور في التفاسير، ويدل على تحريم الافتراء على الله بأن له شريكا ~~مثلا أو ولدا أو زوجة ونحو ذلك، وكذا على تحريم إنكار الحق بعد العلم به، ~~وظهوره عنده، فتدل على تحريم المجادلة في البحث، وإنكار الحق إذا كان في يد ~~الخصم، وتزييفه والجدال والمراء حتى يحصل بيده ما يمكن أن يوجه كلامه، ~~ويزيف كلام خصمه كما هو المتعارف في زماننا هذا. # قوله تعالى: " ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو كذب بالحق لما جاءه # PageV00P354 # أليس في جهنم مثوى للكافرين (1) " استفهام إنكار فكأنه جعل المجادل الذي ~~يرى الحق في يد خصمه وينكر ولا يصدقه والمفتري على الله كافرا فتأمل. في ~~مجمع البيان أي لا ظالم أظلم ممن أضاف إلى الله ما لم يقله من عبادة ~~الأصنام وغيرها، " أو كذب بالحق " أي بالقرآن، ms312 وقيل بمحمد صلى الله عليه ~~وآله ويحتمل العموم فيهما كما هو الظاهر " والذين جاهدوا فينا " أي جاهدوا ~~الكفار ابتغاء مرضاتنا وطاعتنا، أو جاهدوا أنفسهم في هواها خوفا، وقيل ~~معناه: اجتهدوا في عبادتنا رغبة في ثوابنا ورهبة من عقابنا " لنهدينهم ~~سبلنا " الموصلة إلى ثوابنا عن ابن عباس، وقيل: لنوفقنهم لازدياد الطاعة ~~ليزداد ثوابهم، وقيل معناه: والذين جاهدوا في إقامة السنة لنهدينهم سبل ~~الجنة، وقيل معناه والذين يعملون بما يعلمون لنهدينهم إلى ما لا يعلمون " و ~~إن الله لمع المحسنين " بالنصر والمعاونة في دنياهم، والثواب والمغفرة في ~~عقابهم وبالله التوفيق للعمل والعلم. # ومن وصية لقمان لابنه أنه " لا تشرك بالله إن الشرك لظلم عظيم (2) " و " ~~أقم الصلاة " في أوقاتها بشرائطها " وأمر بالمعروف وأنه عن المنكر واصبر ~~على ما أصابك " (3) فيهما أو في الدنيا مطلقا، ومعلوم راجحية هذه الأمور، ~~بل وجوبها. # والصبر أيضا بمعنى تحريم عدم الرضا، وإظهار ما يوجب لسخط الله، ووصى الله ~~تعالى بين وصايا لقمان، ولعله تركها (4) لكونه أبا إشارة إلى أنه لا بد من ~~ذلك أيضا وأن وصيته مثل وصية الله في وجوب الاتباع وقد بالغ في ذلك حيث عم ~~الوصية بهما، وما خصه بشئ دون آخر. # ويحتمل أن يكون المراد " حسنا " كما في موضع آخر، وحيث فسر الوصية بهما ~~بالشكر لله بالحمد، والطاعة بامتثال الأوامر وترك المناهي، وشكرهما بالبر ~~والصلة بل الطاعة، فكأنهما شقيق الله في وجوب الطاعة والشكر، وأداء الحقوق # PageV00P355 # فالتقدير: ووصينا الانسان بنا وبالوالدين ثم فسره بقوله " أن اشكر لي ~~ولوالديك " فأن مفسرة فإن المعنى وأمرنا الانسان بي وبوالديه أي قلنا له: ~~اشكر لي ولوالديك ففيه مبالغة زائدة وبالوالدين لا يمكن فوق ذلك بأن جعل ~~الوصية إليهما وصية إليه وشكر شكرهما، وغير ذلك، وأكد ذلك خصوصا جانب الأم ~~لكثرة حقوقها و مشقتها، بقوله " حملته أمه وهنا على وهن " وهي جملة حالية ~~مقدرة، وعطف عليه " وفصاله في عامين " أي ضعفا على ضعف أو ثقلا على ثقل، ~~فإن الحمل كلما يزداد زيادة يزداد ثقل وضعفا، وكذا رضاعه طول ms313 الحولين فإنه ~~موجب لمشقة زائدة مع حضانته في تلك المدة. # ومعنى " فصاله في عامين " أي فطامه في انقضاء الحولين وبعد مضيهما، فيدل ~~على أن الحولين غاية الرضاع ولا يكون رضاع فوقهما، فلا يكون محرما أيضا، و ~~لكن جوز الأصحاب رضاع شهر أو شهرين بعدهما للأخبار أو الاجماع والاحتياط في ~~الأول، ويمكن حمل ذلك الضرورة، نعم يحتمل الأقل لقوله " والوالدات يرضعن ~~أولادهن حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة " (1) ثم أكد المبالغة في ~~ذلك بالوعيد بقوله " وإلي المصير " أي مرجع المطيع والشاكر لي ولهما، ~~والعاصي وكافر النعمة والعاق لهما، إلي، فأجازي كلا بعمله، وبما يستحقه. # ثم بالغ مرة أخرى بما هو بمنزلة الاستثناء أي تطعهما إلا في الكفر حيث ~~قال " فإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما " أي إن بذلا ~~جهدك في أن تعبد غيري وتشارك معي معبودا غيري فلا تطعهما في ذلك، فإن ذلك ~~طاعة فيما ليس لك به علم، فإن العلم به محال، فإنه محال، فأشار إلى نفيه ~~بنفي العلم، وفيه إشارة إلى وجوب متابعة العلم، وعدم متابعة غيره، يعني لو ~~كان له علم في ثبوت الشريك لكان جائزا ويجب عليكم تبعية الوالدين في ذلك، ~~فكيف غيره، ولكن ذلك محال، وأكده مرة أخرى بعده بقوله " وصاحبهما في الدنيا ~~معروفا " يعني مع كونهما كافرين وجاهدا في كفرك، لا تترك الاحسان معهما، بل # PageV00P356 # استعمل معهما معروفا حسنا جميلا بخلق جميل واحتمال ما يصل إليك منهما وبر ~~وصلة وما هو مقتضى العرف، والحسن الجميل في الدنيا مع قطع النظر عن آخرتهما ~~أو افعل بهما ما يقتضيه الكرم والمروة والاحسان " واتبع " في ذلك وغيره " ~~سبيل من أناب " يعلم أن له رجوعا ومصيرا " إلي " ويعتقد أن العاقبة إلى وهو ~~سبيل المؤمنين لا سبيل الكفار، وزاد ذلك بقوله " فأنبئكم بما كنتم تعملون " ~~وبالجملة فيها المبالغة أكثر من أن يبين كما مر في تفسير قوله تعالى " ولا ~~تقل لهما أف " فتذكر (1). # ثم في الآية من الفروع وجوب الرضاع في عامين ms314 لا أكثر إلا أن يثبت بدليل ~~وعدم كون ما زاد رضاعا محرما لعدم كونه شرعا، والمحرم إنما هو الشرعي ~~فتأمل، فقول أبي حنيفة إن مدة الرضاع ثلاثون شهرا باطل، فإنه مخالف لظاهر ~~الآيتين فافهم، ولهذا رجع من قوله صاحباه وقالا بقول الشافعي والأصحاب أنه ~~حولان وكون أقل مدة الحمل ستة أشهر بضم قوله تعالى " وحمله وفصاله ثلاثون ~~شهرا " (2) فإنك إذا أخرجت الحولين الكاملين من ثلاثين شهرا للرضاع، يبقى ~~ستة أشهر للحمل فتأمل، ووجوب شكر نعمة المنعم، منه طاعة الوالدين، وبرهما، ~~وتحريم العقوق، وثبوت ذلك بالنسبة إلى الكافرين، وعدم متابعته في أي شئ كان ~~فافهم. # ومن وصيته " ولا تصعر خدك للناس " (3) أي ولا تمل وجهك من الناس تكبرا ~~ولا تعرض عمن يكلمك استخفافا، في الكشاف أي أقبل على الناس بوجهك تواضعا ~~ولا تولهم شق وجهك وصفحته كما يفعل المتكبرون، في مجمع البيان قيل: هو أن ~~يكون بينك وبين الانسان شيئا، فإذا لقيته أعرضت عنه " ولا تمش في الأرض ~~مرحا " بطرا وخيلاء أي لا تمرح مرحا أو يكون مرحا حالا، فالمصدر بمعنى ~~الفاعل ويجوز أن يكون مفعولا له أي لأجل المرح والأشر، كما يمشي كثير من ~~الناس كذلك لا الكفاية مهم ديني أو دنيوي، ونحو قوله تعالى " ولا تكونوا ~~كالذين خرجوا من ديارهم بطرا ورئاء الناس " (4) " إن الله لا يحب كل مختال ~~فخور " أي # PageV00P357 # متكبر فخور على الناس، والمختال مقابل للماشي مرحا وكذلك الفخور والمصعر ~~خده كبرا كذا في الكشاف. # ومن وصيته " واقصد في مشيك واغضض من صوتك إن أنكر الأصوات لصوت الحمير " ~~(1) في الكشاف أي اعدل فيه حتى يكون مشيا بين مشيين لا تدب دبيبا ~~المتماوتين أي الميتين الذين لا حركة لهم أو الضعيفين لكثرة العبادة، ولا ~~تثب وثب الشطار، قال رسول الله صلى الله عليه وآله سرعة المشي تذهب بهاء ~~المؤمن " واغضض من صوتك " وانقص منه وأقصر، فإن أنكر الأصوات أي أوحشها وما ~~استوحشت النفوس منه أكثر من غيره من الأصوات هو صوت الحمار، وقيل أقبح ~~الأصوات صوت الحمار. # وهذه ms315 الأمور وإن كانت من وصية لقمان إلا أن الله أعطاه الحكمة، ونقل ~~وصيته بحيث يدل على استحسانه والرضا به، فكل ما يدل على التحريم منها يكون ~~حراما، وكذا غيره إلا أن يخرج بدليل ككلام الله تعالى وكلام رسوله صلى الله ~~عليه وآله وهو ظاهر، في مجمع البيان: أمر لقمان ابنه بالاقتصاد في المشي ~~والنطق، وروي عن زيد بن علي عليه السلام أنه قال أراد صوت الحمير من الناس، ~~وهو الجهال، شبههم بالحمير كما شبههم بالأنعام في قوله " أولئك كالأنعام " ~~وروي عن أبي عبد الله عليه السلام هي العطسة المرتفعة القبيحة، والرجل يرفع ~~صوته بالحديث رفعا قبيحا إلا أن يكون داعيا أو يقرأ القرآن، فيدل على عدم ~~قبح رفع الصوت بالدعاء، و القرآن مطلقا مع قوله " ادعوا ربكم تضرعا وخفية " ~~(2) وقوله " واذكر ربك في نفسك تضرعا وخيفة ودون الجهر من القول بالغدو ~~والآصال " (3) فتأمل. # وتدل على أن التقوى وهو الاتيان بالمأمور به، والانتهاء عن المعاصي، و ~~القول السديد أي قولا حقا عدلا موجب لاصلاح الأعمال وغفران الذنوب: # قوله تعالى " واتقوا الله وقولوا قولا سديدا يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم # PageV00P358 # ذنوبكم " (1) والمراد حفظ اللسان في كل باب لأن حفظه وسداد القول رأس ~~الخير كله، والمعنى واتقوا الله وراقبوه في حفظ ألسنتكم وتسديد قولكم، ~~فإنكم إن فعلتم ذلك أعطاكم الله ما هو غاية الطلبة من تقبل حسناتكم، ~~والإثابة عليها، و من مغفرة سيئاتكم وتكفيرها. وقيل إصلاح الأعمال التوفيق ~~في المجيئ بها صالحة مرضية. # وفي قوله " يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون كبر مقتا عند ~~الله أن تقولوا ما لا تفعلون " (2) مقتا تمييز للدلالة على أن هذا القول ~~مقت عظيم كأنه حقير دونه كله عظيم، وهو أشد البغض مبالغة، وتوبيخ كثير على ~~القول بشئ دون العمل به، فتدل على [لزوم] كون الواعظ متعظا، والظاهر خلافه ~~كما هو المشهور، فيمكن أن لا يكون المنع من القول، بل من عدم العمل بعد ~~تحريض الناس عليه وترك نفسه (3) وهو قبيح عقلا أيضا كما يظهر ms316 من هذه الآية، ~~وعن بعض السلف أنه قيل له حدثنا فسكت ثم قيل له: حدثنا فقال تأمرونني أن ~~أقول ما لا أفعل؟ فأستعجل مقت الله؟ وأن يكون المراد النهي عن قول لعمل لا ~~يعمله يعني بعد بشئ وفي نفسه عدمه فيدل على تحريم خلف الوعد حينئذ لا ~~مطلقا، مع احتمال الاطلاق فتأمل، أعاذنا الله وإياكم عنه، ووفقنا للعلم ~~والقول والعمل. # PageV00P359 # * (كتاب المكاسب) * والبحث فيه على قسمين: # * (الأول) * * (في البحث عن الاكتساب بقول مطلق) * وفيه آيات: # الأولى: والأرض مددناها وألقينا فيها رواسي وأنبتنا فيها من كل شئ موزون ~~* وجعلنا لكم فيها معايش ومن لستم له برازقين * وإن من شئ إلا عندنا خزائنه ~~وما ننزله إلا بقدر معلوم (1) ". # أي دحيناها وبسطناها ووضعنا فيها ما يرسيها ويسكنها من الجبال، لئلا تميد ~~وتتحرك بكم، وتستقروا عليها وتسكنوا فيها " وجعلنا لكم فيها " في الأرض ما ~~تعيشون به من الزرع والنبات والثمار والمطاعم والمشارب والملابس بل سائر ما ~~يوجد في العالم مما تقوم به معيشتكم حتى الطيور والوحوش وما في الهواء و ~~الماء وما يدب على الأرض، وقيل التصرف في أسباب الرزق مدة الحياة فعلى ~~الأول الظاهر أنها جمع معيشة يعني ما يعاش به، وعلى الثاني بمعنى المصدر ~~وهو بعيد، لعدم الجمع فيه، ولبعد هذا الوزن " ومن لستم له برازقين " قيل ~~معطوف على محل " لكم " وهو النصب على أنه مفعول به لجعلنا أي جعلنا معايش ~~في الأرض لكم ولمن لستم له برازقين من الأهل والأولاد، والعبيد والإماء، بل ~~والدواب أيضا الذين تحسبون أنكم ترزقونهم وتخطؤون في ذلك، فإن الرازق هو ~~الله فإنه يرزق هؤلاء مثل ما يرزقكم، فظنكم أنكم ترزقونهم باطل وفاسد. # PageV00P361 # وجرى ذلك بناء على ظاهر حال بعض الجهال أنهم يظنون أنهم الرازقون بل ~~يظهرون ذلك ويمنون على هؤلاء ويقولون لو لم نكن لما قدرتم على المعيشة ففيه ~~تقريع لهم، ودليل على بطلان ذلك وعدم المنة في ذلك كله إلا لله، وإشارة إلى ~~أنه لا معنى للمنة ولا لتوقع المكافاة والاحسان في مقابل ذلك فإن ms317 كل ذلك ~~رزق الله، وإليه أشار في بعض الأخبار عن بعضهم عليهم السلام قال لبعض ~~أصحابه لما ذكر أنه يدخل عليه الضيفان والأخوان ويطعمهم: أن المنة لهم عليك ~~قال كيف ذلك؟ وأنا أطعمهم من مالي، ولهم المنة علي؟ قال عليه السلام: نعم ~~لأنهم يأكلون رزق الله الذي رزقهم، ويحصلون لك الثواب والأجر (1) ويحتمل أن ~~يكون ردا على المرزوقين أيضا فإنهم قد يظنون أنهم يرزقونهم. # ثم اعلم أن في جعل " لكم " مفعولا به لجعلنا تأملا وأيضا " من لستم " ~~داخل في " لكم " إلا أن يخصص بغير من يظن أنه يرزقه أحد، أو يظن أحد أنه ~~يرزقه، أو يعمم فيكون الذكر بالخصوص للإشارة إلى رد الوهم المتقدم ولادخال ~~الدواب فتأمل، فيحتمل أن يكون معطوفا على معايش، وفيه أيضا التأمل الثاني ~~من غير جريان النكتة، إلا أن يكون بالنسبة إلى بعض من فيهم مثل الأولاد، ~~ولا ينظر إلى حيثية الاستعانة بهم في المعيشة فتأمل، وفيه تغليب ذوي العقول ~~على غيرهم على تقدير اختصاص " من " بهم كما هو المشهور، فقول الزجاج: أجود ~~الأقوال العطف على معايش، محل التأمل. # ويحتمل العطف على الضمير المجرور في " لكم " ولم يثبت امتناع العطف على ~~من غير إعادة الجار وقد جوزه الفراء وأنشد شعرا في ذلك نقله في مجمع البيان ~~وجوزه الكوفيون في حال السعة للأشعار المنقولة في الكشاف والرضي وقيل بذلك ~~في قوله تعالى " وكفر به والمسجد الحرام " (2) " وتساءلون به والأرحام " ~~(3) بالجر في قراءة حمزة، ولا دليل على عدمه عقلا ولا نقلا حتى يضعف قراءة ~~حمزة # PageV00P362 # بالجر، مع كونها متواترة كما فعله في الكشاف والقاضي ويرتكب التمحلات ~~البعيدة، مثل ضرورة الشعر، وتقدير حرف الجر إذ لا تعمل مقدرة كما صرح به ~~الرضي على أنه يصير النزاع لفظيا، وهو ظاهر، والتقدير لغوا بحسب المعنى ولم ~~يثبت المنع اللفظي وقول صلى الله عليه وآله مشهور مستفيض بحيث لا يمكن ~~إنكاره في الأخبار وكلام الأصحاب. # وفي الآية دلالة على إباحة السكنى في الأرض مطلقا بل التصرف فيها مطلقا ~~حتى يمنع بدليل وعلى ms318 أن خلق الأمور والأشياء الموزونة أي المقدرة بقدر ~~تقتضيه المصلحة للإنسان، وإباحة كل ما خلق لهم كما دل عليه العقل أيضا، نعم ~~قد يحرم بعضه لدليل عقلي بأن يكون ضارا مثل السموم المخلوق لغرض آخر ~~للإنسان أو نقلي آية أو خبر أو إجماع دال على تحريم بعض الأشياء كالميتة ~~والدم ولحم الخنزير، وعلى إباحة أكل ما نبت، وشرب وركوب ما يصلح لهما وسائر ~~الانتفاعات إلا أن يخرج بدليل فتأمل. # " وإن من شئ إلا عندنا خزائنه وما ننزله إلا بقدر معلوم " (1) قيل: # المعنى وما من شئ ينتفع به العباد إلا ونحن قادرون على إيجاده وتكوينه، و ~~الانعام به، وما نعطيه إلا بمقدار معلوم نعلم أنه مصلحة، فضرب الخزائن مثلا ~~لاقتداره على كل مقدور، ففيها دلالة على أن المخلوقات مباحة للإنسان، ~~فالأشياء مباحة في الأصل عقلا ونقلا وهو ظاهر. # الثانية: يا أيها الناس كلوا مما في الأرض حلالا طيبا ولا تتبعوا خطوات ~~الشيطان إنه لكم عدو مبين (2). # قال في مجمع البيان: الأكل هو البلع عن مضغ، وبلغ الذهب والفضة واللؤلؤ ~~وما أشبهه ليس بأكل، والحلال هو الجائز من أفعال العباد " وطيبا " يعني ~~طاهرا من كل شبهة، وفي الكشاف تستطيبه الشهوة المستقيمة، وفي القاضي: هو # PageV00P363 # المستلذ وفي مجمع البيان أن الخطوة بعد ما بين قدمي الماشي، وخطوات ~~الشيطان آثاره، والعدو هو المباعد عن الخير إلى الشر و " حلالا " إما صفة ~~مصدر محذوف أي أكلا حلالا وإما مفعول " كلوا " وإما حال عن " ما " في " مما ~~" و " طيبا " صفة حلالا ومثله في الاعراب و " من " إما تبعيضية إذ لا يؤكل ~~جميع ما في الأرض كما قيل في الكشاف والقاضي أو بيانية للحلال أو ابتدائية ~~متعلقة بكلوا، ولا يلزم أكل الجميع، إذ المراد الأكل مبتدءا من جميع ما ~~يمكن أكله وهو ظاهر. # ومعناها على الظاهر هو الترغيب والتحريص على الأكل أو إباحته بمعنى عدم ~~التحريم الأعم الشامل للأقسام الأربعة من جميع ما تخرجه الأرض من الأرزاق ~~التي يمكن أكلها حال كونه خلق لهم مباحا وطاهرا، أو ms319 لذيذا أو بعيدا عن ~~الشبهة أو لأنه حلال طيب بالمعنى المذكور فلأي شئ يمنعون أنفسهم عنه كما ~~قال في مجمع البيان عن ابن عباس في سبب نزولها أنها نزلت في ثقيف وبني عامر ~~بن صعصعة وبني مدلج فإنهم حرموا على أنفسهم من الحرث والأنعام والبحيرة و ~~السائبة والوصيلة فنهاهم الله عن ذلك، فحينئذ يكون " كلوا " للوجوب بمعنى ~~أنه لا بد من الأكل أو رفع اعتقاد حسن الاجتناب، وتحريم اتباع الشيطان في ~~أقواله وأفعاله لأنه مبعد للإنسان عن الخير، ومقرب له إلى الشر، وكونه كذلك ~~ظاهر بين عند ذوي البصائر منهم، لأنه بين عداوته له بدعوته إلى المعاصي ~~وترك الطاعات وهو ظاهر فأي عداوة يكون أظهر وأشد منها. # وقال في مجمع البيان في بيان خطوات الشيطان بعد نقل الأقوال: وروي عن أبي ~~جعفر وأبي عبد الله عليهما السلام أن من خطوات الشيطان الحلف بالطلاق، ~~والنذر في المعاصي، وكل يمين بغير الله، وهذا يدل على تحريم الأمور ~~المذكورة حتى لا يكون الحلف بالنبي وغيره جايزا، إلا أن يقال هو مما أخرجه ~~الدليل، ولكن ليس بظاهر، نعم صحة الخبر غير ظاهرة، فلا يثبت التحريم، لكن ~~الأحوط الاجتناب. # هذا فيمكن الاستدلال بها على إباحة أكل كل ما في الأرض لكل أحد حتى ~~PageV00P364 # الكفار والعصاة إلا ما أخرجه الدليل من العقل والنقل، فتدل على كون ~~الأشياء الغير المضرة على الإباحة، وجواز إعطاء المذكور (1) لغير معتقدي ~~الحق حتى الكفار لعدم القول بالواسطة، فضعف منع البعض كما مر، لكن هذا على ~~بعض التراكيب وهو جعل حلالا مفعولا له أو حالا بيانا وكشفا وجعل " من " ~~ابتدائية أو بيانية أو جعلها متعلقة بمقدر حالا عن حلالا، لا على تقدير ~~جعلها حالا مقيدة، ومن تبعيضية كما قاله في الكشاف والقاضي. # ويمكن الاستدلال أيضا بها على تحريم الأشياء المذكورة في الرواية لو صحت ~~وأما دلالتها على تحريم متابعة الشيطان فصريحة، وكذا متابعة كل عدو في الله ~~والدين، كما يظهر من العلة وهي قوله " إنه لكم عدو " وذلك معلوم واضح إذا ~~كان ms320 المتبع معلوم التحريم، ولا يحتاج إلى الذكر، ولعل الآية أعم بل مخصوصة ~~بغير المعلوم، لعدم الفائدة في المعلوم، فلا يبعد الاستدلال حينئذ بها على ~~عدم جواز متابعة أعداء الدين، فيما لو يعلم جوازه، فلا تجوز الصلاة خلفهم، ~~و سماع حكمهم، ونقل الرواية عنهم، وغير ذلك فتأمل. # الثالثة: كلوا من طيبات ما رزقناكم ولا تطغوا فيه فيحل عليكم غضبي ومن ~~يحلل عليه غضبي فقد هوى (2). # الرابعة وأنزلنا من السماء ماء مباركا الآية (3) وغيرهما من الآيات التي ~~تدل على إباحة الأشياء، وبالحقيقة لا دخل لها في الكسب فتركناها، وإنما ~~ذكرنا البعض للتبعية، وبعض الفوائد وإن لم يكن كسبا. # PageV00P365 # * (الثاني) * * (البحث عن أشياء يحرم التكسب بها) * وفيه آيات: # قيل (1) الأولى: قال اجعلني على خزائن الأرض إني حفيظ عليم (2). # دلالتها على ما يحرم التكسب به غير ظاهرة. # الثانية: سماعون للكذب أكالون للسحت (3). # في ذم جماعة، السحت هو الرشوة وعن علي عليه السلام هو الرشوة في الحكم ~~ومهر البغي وكسب الحجام وعسيب الفحل، وثمن الكلب، وثمن الخمر، وثمن الميتة ~~وحلوان الكاهن، والاستعمال في المعصية (4) والخبر غير ظاهر الصحة والسند، و ~~بعض ما فيه معدود من المكروهات. # الثالثة: ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء إن أردن تحصنا لتبتغوا عرض ~~الحياة الدنيا ومن يكرههن فإن الله من بعد اكراههن غفور رحيم (5). # PageV00P366 # " ولا تكرهوا فتياتكم " أي إمائكم على الزنا " إن أردن تحصنا " تعففا ~~وتزويجا " لتبتغوا " أي لا تكرهوا لطلب متاع الدنيا، أي ما يحصل من كسبهن ~~وهو أجرة الزنا وثمن بيع أولادهن " ومن يكرههن " ومن يجبرهن على الزنا " ~~فإن الله من بعد إكراههن غفور " للمكرهات " رحيم " بهن، ويحتمل للمكرهين ~~بعد التوبة فإن المكرهات لا ذنب لهن إذ لا ذنب مع الاكراه عقلا ونقلا، فلا ~~يحتاج إلى كون الله تعالى غفورا رحيما لهن فتأمل أو مطلقا. # ثم إن فيها دلالة على تحريم الاكراه على الزنا بل على تحريمه وتحريم أجره ~~فهو حرام مطلقا، وإن كان " إن أردن تحصنا " قيدا للنهي كما هو الظاهر لا ~~قيدا للإكراه كما قاله البيضاوي ولا ms321 اعتبار بمفهوم إرادة التحصن ولا بمفهوم ~~طلب عرض الدنيا، فلا تدل على إباحة الاكراه بدون إرادة التحصن ولا عليها مع ~~عدم طلب عرض الحياة الدنيا، لأن المفهوم على تقدير اعتباره إنما يعتبر إذا ~~لم يكن للتقييد وجه آخر سوى عدم الحكم في المسكوت، وهو ظاهر ومبين في محله، ~~وقد مر أيضا، وهنا سبب النزول والواقع سبب التقييد، بل نقول بالمفهوم هنا ~~فإن تحريم الاكراه منتف على تقدير عدم إرادة التحصن لأن الاكراه منتف مع ~~عدم إرادة التحصن، ولا يلزم جوازه، فإنه على تقدير إمكان الاكراه إنما ~~يعتبر المفهوم مع عدم المعارض الأقوى، ولا شك أن الاجماع ومنطوق الكتاب ~~والسنة يدل على تحريمه مطلقا فهو مردود بها. # وفي الكشاف كانت إماء أهل الجاهلية يساعين على مواليهن وكان لعبد الله ~~ابن أبي رأس النفاق ست جوار، وسماهن، يكرههن على البغاء، وضرب عليهن ضرائب ~~فشكت ثنتان منهن إلى رسول الله صلى الله عليه وآله فنزلت. ويكنى بالفتى ~~والفتاة عن العبد والأمة وفي الحديث ليقل أحدكم فتاي وفتاتي ولا يقل عبدي ~~وأمتي، فإن قلت لم أقحم إن أردن تحصنا؟ قلت لأن الاكراه لا يتأتى إلا مع ~~إرادة التحصن وآمر الطيعة المؤاتية للبغاء لا يسمى مكرها ولا أمره إكراها. ~~PageV00P367 # كان ينبغي أن يقول آمر غير المكرهة لا يسمى مكرها ولا أمره إكراها ليعم ~~فتأمل. # ثم قال " غفور رحيم " لهم أو لهن، أو لهم ولهن " إن تابوا وأصلحوا " ~~والأولى لهن، أو لهن ولهم، أو لهم إن تابوا، قال لعل الاكراه كان دون ما ~~اعتبر به الشريعة من إكراه بقتل أو بما يخاف منه التلف، أو ذهاب العضو من ~~ضرب عنيف، أو غيره حتى يسلم من الإثم وربما قصرت عن الحد الذي تعذر فيه. ~~فتكون آثمة، وهذا جواب عن إشكال عدم الذنب مع الاكراه فلا معنى لكون " غفور ~~رحيم " بالنسبة إلى المكرهات، ولا بأس به، وإن كان خلاف الظاهر، فإن ~~المتبادر نفي الاكراه مطلقا والغفران عنه على تقدير. # قال القاضي: " غفور رحيم " لهن أو له إن تاب، ms322 والأول أوفق للظاهر، و ~~لقراءة ابن مسعود " من بعد إكراههن لهن غفور رحيم " ولا يرد أن المكرهة غير ~~آثمة، فلا حاجة إلى المغفرة لأن الاكراه لا ينافي المؤاخذة بالذات، ولهذا ~~حرم على المكره القتل وأوجب عليه القصاص. # فيه أنه يكفي أن المكرهة غير آثمة لعدم حسن إرجاع المغفرة إليها، فإنه لا ~~معنى للمغفرة مع عدم الذنب، ولا شك أنها ليست آثمة بالنص والاجماع، بل ~~العقل وقد سلمه أيضا ولا يندفع بعدم المنافاة له بالذات لوجود الذنب في ~~القاتل، و يمكن أن يقال غفور لهن باعتبار أن حصل لهن ميل في الأثناء بعد ~~الاكراه فإنهن لما كن كارهات يغفر الله الذنب الناشي بعده، ويشعر به " من ~~بعد إكراههن " أو " غفور لهن " من سائر الذنوب بسبب إكراههن الزنا، أو يكون ~~للانقطاع كما يقول المعصوم اللهم اغفر لي فتأمل، وأنه غفور رحيم حيث تجاوز ~~عن عقاب المكره وجوز له المكره عليه كالمضطر في قوله تعالى: " فمن اضطر غير ~~باغ ولا عاد فإن الله غفور رحيم " (1). # PageV00P368 # الرابعة: يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب الآية (1). # وقد مرت (2) فتذكر. # الخامسة: ليس على الأعمى حرج ولا على الأعرج حرج ولا على المريض حرج ولا ~~على أنفسكم أن تأكلوا من بيوتكم - إلى قوله - لعلكم تعقلون (3). # أي ليس على هؤلاء حرج وضيق في الأمور فإنهم معذورون، ولا عليكم أيها ~~المؤمنون حرج وضيق وإثم ومنع من الشارع من الأكل من بيوتكم: بيوت عيالكم ~~وزوجاتكم وبيت المرأة كبيت الزوج، وبيوت أولادكم لأن بيت الأولاد كبيت ~~الآباء وأموالهم كأموالهم، ويدل عليه ما روي من قوله صلى الله عليه وآله ~~أنت ومالك لأبيك عند خصومة ولد مع والده، وقوله صلى الله عليه وآله أيضا إن ~~أطيب ما يأكله المرء من كسبه وإن ولده من كسبه (4) وكأنه لذلك ما ذكر بيوت ~~الأولاد، وذكر بيوت الأقارب، ويحتمل أن يكون الترك للفهم بالطريق الأولى من ~~ذكر بيوت غيرهم بقوله: " أو بيوت آبائكم أو بيوت أمهاتكم أو بيوت إخوانكم ~~أو بيوت أخواتكم أو بيوت أعمامكم ms323 أو بيوت عماتكم أو بيوت أخوالكم أو بيوت ~~خالاتكم أو ما ملكتم مفاتحه ". # قيل معناه: أو بيوت مماليككم، والمفاتح جمع مفتح، وهو ما يفتح به لأن مال ~~العبد للسيد فهو مالك له، فيكون ما ملكتم بمعنى بيت المماليك فكأنه لذلك ~~حذف البيت فيمكن جواز الأكل من بيت المملوك ولو قيل بأنه يملك فتأمل، و قيل ~~أموال الرجل إذا كان له عليها قيم ووكيل يحفظها، له أن يأكل من ثمر حائطه ~~ويشرب من لبن ماشيته، فملك المفتاح كونها في يده وحفظه، فالمراد بما ملكتم # PageV00P369 # كالحائط أو الماشية اللتين هما تحت يد الوكيل والحافظ والراعي، ولهذا حذف ~~البيت فيجوز الأكل لهم، وقيل إذا ملك الانسان المفتاح فهو خازن فلا بأس أن ~~يطعم الشئ اليسير. # " أو صديقكم " أي أصدقائكم والصديق يكون واحدا وجمعا [وكذلك الخليط ~~والعدو] والصديق هو الذي صدق في مودته، وقيل هو الذي يوافق باطنه باطنك كما ~~وافق ظاهر ظاهرك، وقال أبو عبد الله عليه السلام: هو والله الرجل في بيت ~~صديقه فيأكل طعامه بغير إذنه، وروي أن صديقا للربيع بن خثيم دخل منزله وأكل ~~من طعامه فلما عاد الربيع إلى المنزل أخبرته جاريته بذلك فقال إن كنت صادقة ~~فأنت حرة وفي الكشاف عن الحسن وجدنا كبراء الصحابة ومن لقيتهم من البدريين، ~~و كان الرجل منهم يدخل دار صديقه وهو غائب فيسأل جاريته كيسه فيأخذ ما شاء ~~فإذا حضر مولاه فأخبرته أعتقها سرورا بذلك، وعن جعفر بن محمد كرم الله ~~وجههما: # من عظم حرمة الصديق أن جعله الله من الأنس والثقة والانبساط وطرح الحشمة ~~بمنزلة النفس والأب والأخ والابن ولعل ذكر الابن إشارة إلى دخوله في الآية ~~إما في " بيوتكم " أو بمفهوم الموافقة. ثم قال: وقالوا إذا دل ظاهر الحال ~~على رضا المالك قام ذلك مقام الإذن الصريح، وربما سمج (1) الاستيذان وثقل، ~~كمن قدم إليه طعام فأستأذن صاحبه في الأكل منه. # فيه إشارة إلى سبب جواز الأكل مع عدم جواز التصرف في مال الغير بغير إذنه ~~عقلا ونقلا، وهو حصول الرضا ms324 بقرينة الأبوة وغيرها، وهذا المقدار قد يفيد ~~علما بالرضا وذلك كاف، مع أنه قد يقال يكفي الظن بل لا يحتاج إليه، فإن ~~الله قد جوزه وهو السبب فتأمل وقال في مجمع البيان: هذه الرخصة في أكل مال ~~القرابات، وهم لا يعلمون ذلك كالرخصة لمن دخل حائطا وهو جايع، أن يصيب من ~~ثمره، أو مر في سفره بغنم وهو عطشان أن يشرب من لبنه توسعة منه على عباده، ~~ولطفا لهم ورغبة لهم عن دناءة الاخلاص وضيق العطش وقال الجبائي: إن الآية ~~منسوخة بقوله تعالى # PageV00P370 # " لا تدخلوا بيوت النبي إلا أن يؤذن لكم إلى طعام غير ناظرين إناه " (1) ~~وبقوله صلى الله عليه وآله لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب نفس منه (2). # والمروي عن أئمة الهدى عليهم السلام أنهم قالوا: لا بأس بالأكل لهؤلاء من ~~بيوت من ذكره الله تعالى بغير إذنهم قدر حاجتهم من غير إسراف، وأنت تعلم أن ~~حصول الرخصة لمن دخل حائطا أيضا محل التأمل، وما جوزه بعض الأصحاب و من ~~جوزه ما قيده بالجائع ولا بالحائط بل قال للمار على الغلة وغيرها أن يأكل ~~منها، وإني ما رأيت جواز شرب اللبن، وأنه لا منافاة بين الآيتين حتى يكون ~~ما هنا منسوخة وهو ظاهر، وعدم صلاحية الخبر للناسخية أظهر، وأن المروي عنهم ~~عليهم السلام متبع وإن كان قدر الحاجة الذي في ما روي عنهم غير ظاهر من ~~الآية بل ظاهرها دال على عدمه، نعم لا بد من عدم الاسراف والتضييع كما في ~~غيرها و يمكن حمل قدر الحاجة عليه أو تخصيص الآية إن صح الخبر به، وأيضا ~~ظاهرها عدم اشتراط الإذن، بل عدم البيت في الأخيرين. # ثم اعلم أنه يمكن فهم جواز ما يكون أدنى من الأكل بالموافقة كالصلاة في ~~بيوتهم ودخولها بغير إذنهم إذا لم يكن فيه أحد، بل جعله سكنى، والصلاة على ~~فرشهم وفي لباسهم والغسل والوضوء بمائهم وفي بيوتهم وهو ظاهر فافهم، ~~والظاهر من الآية أنه يكفي عدم العلم بعدم الرضا، بل ظاهرها شامل لجواز ~~الأكل ms325 مع ظهوره أيضا إلا أنه لا يبعد التقييد بذلك لقبح ذلك عقلا ونقلا، ~~وأن المراد من الاطلاق ذلك، حيث إن ما ذكر مظنة الرضا والإذن والله يعلم. ~~فقول القاضي هذا كله إنما يكون إذا علم رضا صاحب البيت بإذن أو قرينة، ~~ولذلك خصص هؤلاء فإنه يعتاد التبسط بينهم، أو كان في أول الاسلام فنسخ فلا ~~احتجاج للحنفية به على أن لا قطع بسرقة مال المحرم، باطل. فإنه إذا علم رضا ~~صاحب المال يجوز الأكل من بيوت من تضمنه الآية وغيرها، فالتقييد بعيد، ~~والنسخ أبعد من ذلك، بل لا معنى له، لعدم الموجب. # PageV00P371 # على أن القرينة لا تقابل بالإذن وغالبا لا تفيد العلم، ولا استعباد في ~~الشرع من إذن الشارع مع عدم العلم برضا الصاحب، لاحتمال كون القرابة ~~والصداقة موجبة لذلك، وأبعد من ذلك احتجاج الحنفية فإنه لا دلالة في هذه ~~الآية على ذلك أصلا ولو كانت فيها دلالة فتكون فيمن تضمنته الآية لا في ~~المحرم فتأمل. # " جميعا أو أشتاتا " أي لا بأس في الأكل مجتمعين ومتفرقين، قيل: نزلت في ~~بني ليث بن عمرو بن كنانة كانوا يتحرجون أن يأكل الرجل وحده، فربما قعد ~~منتظرا نهاره إلى الليل، فإن لم يجد من يؤاكله أكل ضرورة، وقيل في قوم من ~~الأنصار كانوا إذا نزل بهم ضيف لا يأكلون إلا مع ضيفهم، وقيل تحرجوا عن ~~الاجتماع على الطعام، لاختلاف الناس في الأكل، وزيادة بعضهم على بعض، وفي ~~مجمع البيان: # معناه لا بأس بأن يأكل الغني من الفقير في بيته، فإن الغني كان يدخل على ~~الفقير من ذوي قرابته أو صداقته فيدعوه إلى طعامه فيتحرج. # ويعلم من هذه الوجوه أن ليس المقصود الأكل من بيوت المذكورين جميعا أو ~~أشتاتا كما هو ظاهر الآية فدلت على جواز الأكل وحده، بل عدم شئ فيه، فما ~~نقل في الأخبار أن من الملعونين من يأكل زاده وحده، يمكن أن يكون معناه لا ~~يعطي منه المحتاجين ما يسد رمقهم أو يكون عدم الاعطاء من جميع الزاد مكروها ~~أو الأكل ms326 وحده مكروها، وذكر اللعن للمبالغة كالنائم وحده، والآية يكون ~~للجواز فقط. # ثم اعلم أنه قد قال في مجمع البيان: اختلفوا في تأويل " ليس على الأعمى ~~حرج " على معان أحدها أن المعنى ليس عليكم في مؤاكلتهم حرج، لأنهم كانوا ~~يتحرجون من ذلك، ويقولون الأعمى لا يبصر فيأكل جيد الطعام، والأعرج لا ~~يتمكن من الجلوس وأكل ما يريد، وكذا المريض الضعيف وثانيها أن المسلمين إذا ~~غزو أخلفوا هؤلاء في بيوتهم ويعطوهم المفاتيح ويحلون لهم الأكل وهم يتحرجون ~~منه، وثالثها أن المؤمنين كانوا يذهبون بهؤلاء إلى بيوت أزواجهم وأقاربهم ~~المذكورين فيطعمونهم، وكانوا يتحرجون عن ذلك، وقد يتخيل المؤمنون أيضا ~~الحرج في PageV00P372 # ذلك فنفي ذلك عنهم، وعلى هذه الوجوه يكون " أن يأكلوا " مقدرا قبل قوله " ~~ولا على أنفسكم " و " حرج " بعده، ورابعها أن المعنى ليس على هؤلاء حرج في ~~ترك الجهاد والتخلف عنه، لأنهم معذورون، وحينئذ يكون المحذوف أن يتركوا ~~الجهاد ويكون الحال قرينة على المحذوف فيكون أول الكلام قرينة في ترك ~~الجهاد و الثاني في الأكل. # وفي الكشاف: لا قصور فيه لاشتراكهما في نفي الحرج، ومثال ذلك أن يستفتيك ~~مسافر عن الافطار في رمضان، وحاج مفرد عن تقديم الحلق على النحر فقلت: ليس ~~على المسافر حرج أن يفطر، ولا على الحاج أن يقدم الحلق على النحر ولو كان " ~~على ترك الجهاد " مذكورا لكان مثله فكأنه للظهور بمنزلة الذكر، ويحتمل أن ~~يكون المعنى ليس على هؤلاء حرج مطلقا فيما عجزوا عنه، مثل قوله ذلك في إنا ~~فتحنا. # " فإذا دخلتم بيوتا " في الكشاف: من هذه البيوت للأكل فابدؤا بالسلام على ~~أهلها الذين هم منكم دينا وقرابة، وظاهرها أعم أي بيت كان من أي شخص كان، ~~وهو الأولى كما يدل عليه تنكيرها، فالخروج عنه بلا سبب غير معقول " فسلموا ~~على أنفسكم " أي ليسلم بعضكم على بعض كقوله " اقتلوا أنفسكم " وقيل معناه ~~فسلموا على أهليكم، في مجمع البيان: وعيالكم، وقال إبراهيم: إذا دخلت بيتا ~~ليس فيه أحد فقل السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، وقال أبو عبد ms327 الله ~~عليه السلام هو تسليم الرجل على أهل البيت حين يدخل، ثم يردون عليه فهو ~~سلامكم على أنفسكم " تحية من عند الله " أي هذه تحية حياكم الله بها عن ابن ~~عباس، وقيل: # معناه علمها الله وشرعها لكم، فإنهم كانوا يقولون عم صباحا، ثم وصف ~~التحية فقال " مباركة طيبة " أي إذا لزمتموها كثر خيركم، وطاب أجركم، وقيل: # مؤيدة حسنة جميلة عن ابن عباس وقيل: إنما قال " مباركة " لأن معنى " ~~السلام عليكم ": حفظكم الله وسلمكم الله من الآفات، فهو دعاء بالسلامة من ~~آفات الدنيا والآخرة، وقال " طيبة " لما فيها من طيب العيش بالتواصل، وقيل: ~~لما PageV00P373 # فيها من الأجر الجزيل والثواب [لجميل] العظيم. # " كذلك " كما بين لكم هذه الأحكام والآداب " يبين الله لكم الآيات " ~~الدالة على جميع ما يتعبدكم به " لعلكم تعقلون " أي تعقلون معالم دينكم. # في الكشاف " تحية من عند الله " أي ثابتة بأمره مشروعة من لديه أو لأن ~~التسليم والتحية طلب سلامة وحياة للمسلم عليه، والمحيى من عند الله، ووصفها ~~بالبركة والطيب لأنهما دعوة مؤمن لمؤمن، يرجى بها من الله زيادة الخير وطيب ~~الرزق إلى قوله: وقالوا إن لم يكن في البيت أحد فليقل السلام علينا من ربنا ~~السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين السلام على أهل البيت ورحمة الله، ~~وعن ابن عباس: إذا دخلت المسجد فقل السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين ~~تحية من عند الله وانتصب تحية بسلموا لأنها في معنى تسليما كقولك قعدت ~~جلوسا، والظاهر أن مراده إذا لم يكن في المسجد أحد هكذا يسلم، وإلا ~~فكالمتعارف، ويحتمل العموم كما هو الظاهر، ففيها وجوب السلام حين دخول بيت ~~ما حملت على الاستحباب للإجماع على عدمه. # ولنردف الكتاب بآيات لها مناسبة به " ثم إن ربك للذين عملوا السوء بجهالة ~~" (1) خطاب له صلى الله عليه وآله أي يا محمد " إن ربك " الذي خلقك " للذين ~~عملوا " المعصية والسيئات " بجهالة " في موضع الحال أي عملوها جاهلين غير ~~عارفين بالله وبعقابه أو غير متدبرين للعاقبة لغلبة الشهوة عليهم، وفي مجمع ~~البيان: بداعي الجهل، ms328 فإنه يدعو إلى القبيح كما أن داعي العلم يدعو إلى ~~الحسن، وقيل: بجهالة هو أن يعجل بالاقدام عليها، ويعد نفسه للتوبة منها أو ~~جعل العالم منزله الجاهل حيث لم يعمل بعلمه فإن العالم بالسيئات والقبايح ~~مع فعلها هو والجاهل سواء بل أسوء " ثم تابوا " من تلك المعصية " من بعد ~~ذلك وأصلحوا " نياتهم وأفعالهم " إن ربك من بعدها " أي بعد التوبة، هذه ~~تأكيد لما قبلها، وفي ذكر " من بعدها " مع الضمير الراجع إلى التوبة إشارة ~~إلى أن الاصلاح عبارة عن إتمام التوبة بالإخلاص وعدم # PageV00P374 # العود بوجه، أو إظهارها بالعمل الصالح ليعلم، لا أنه يحتاج بعد التوبة ~~للغفران وغيره إلى إصلاح العمل كما هو الظاهر منها ومن غيرها، فقيل الاصلاح ~~له هو الدوام وعدم الرجوع ويحتمل غير ذلك فتأمل " لغفور " خبر " إن ربك " و ~~" للذين " عملوا السوء بجهالة " متعلق به، و " أصلحوا " عطف على " تابوا " ~~بمنزلة البيان والتتمة " إن ربك " تأكيد " من بعدها " متعلق بغفور، والضمير ~~إشارة إلى التوبة وقيل راجع إلى الجهالة أو المعصية، ففيها قبول التوبة، ~~وكون الجاهل معذورا، فيحتمل في الفروع وغيره أيضا إلا المعلوم فيقبل شهادة ~~التائب بعدها فتأمل فيها. # " وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه " (1) قد مر تفسيره في كتاب الطهارة في ~~بيان الاخلاص والنية (2) و " قضى " وأمر أيضا وقال: أحسنوا " بالوالدين ~~إحسانا " أو بأن تحسنوا بهما إحسانا و " بالوالدين " متعلق بالفعل المقدر ~~أحسنوا أو تحسنوا لا بالمصدر، فإن عامله لا يتقدم عليه، وقال في مجمع ~~البيان: وهو متعلق بقضى والتقدير وقضى بالوالدين إحسانا، ويجوز أن يكون على ~~تقدير وأوصى بالوالدين إحسانا، وحذف لدلالة الكلام عليه، و " إما " أصله " ~~إن ما " فهي شرطية وما زائدة للتأكيد كزيادة النون في " يبلغن " قيل: ولو ~~لم يكن ما جاز دخول النون، فلا يقال إن تكرمن زيدا يكرمك، بل يقال إما ~~تكرمنه يكرمنك " أحدهما " فاعل يبلغن " الكبر " مفعوله، ومعنى بلوغ الكبر ~~عندك أن يكبرا ويعجزا وكانا كلا على ولدهما، لا كافل لهما غيره، فهما عنده ~~وفي بيته وفي كنفه، وذلك أشق ms329 عليه وأشد احتمالا وصبرا، وربما تولى منهما ما ~~يتوليان عنه في حال الطفولية فأمر الولد حينئذ بالصبر واحتمال ما شق عليه، ~~وبأن يستعمل معهما وطأة الخلق، و لين الجانب، بحيث إذا أضجره وأتعبه وضيق ~~خلقه ذلك الاحتمال والمشقة و ما يستقذره طبعه منهما من سوء الخلق وغسل ~~جوانبهما وبولهما وغائطهما وغير ذلك لا يقول لهما أف فضلا عما يزيده عليه. # PageV00P375 # ولقد بالغ الله سبحانه وتعالى في التوصية لهما، حيث افتتحها بأن وشفع ~~الاحسان إليهما بتوحيده ونظمهما في سلك القضاء بهما معا، ثم ضيق الأمر في ~~مراعاتهما، حتى لم يرخص في أدنى كلمة تنفلت من المتضجر مع موجبات الضجرة ~~ومقتضياته ومع أحوال لا يكاد يدخل صبر الانسان معها في الاستطاعة، ثم زاد و ~~نهى عن منافيهما أيضا مرة أخرى وقال: " ولا تنهرهما " أي لا تزجر عما ~~يتعاطيانه مما لا يعجبك ثم قال: " وقل لهما " بدل النهر والتأفيف " قولا ~~كريما " جميلا يقتضيه حسن الأدب والنزول على المروة، وقيل هو أن يقول يا ~~أبتاه ويا أماه كما قال إبراهيم على نبينا وآله وعليه السلام لأبيه " يا ~~أبت " مع كفره ولا يدعوهما بأسمائهما فإنه من الجفاء وسوء الأدب وعادة ~~الدعاء كله من الكشاف. # ثم أمر بالخضوع والتذلل بقوله " واخفض لهما جناح الذل " وهو كناية عن ~~غاية الملاءمة وانحطاط النفس، فأضيف الجناح إلى الذل كما أضيف حاتم إلى ~~الجود على معنى: واخفض لهما جناحك الذليل، أو الذلول، ويحتمل أن يجعل لذله ~~جناحا خفيضا كما جعل للشمال يدا وللقرة زماما، مبالغة في التذلل والتواضع ~~لهما، قال في مجمع البيان: وإذا وصف العرب إنسانا بالسهولة وترك الآباء ~~قالوا هو خافض الجناح، وقال أبو عبد الله عليه السلام: معناه لا تمل عينيك ~~من النظر إليهما إلا برحمة ورأفة، ولا ترفع صوتك فوق أصواتهما ولا يدك فوق ~~أيديهما ولا تقدم قدامهما " من الرحمة " من فرط رحمتك لهما، وعطفك عليهما ~~لكبرهما و افتقارهما اليوم إلى من كان أفقر خلق الله إليهما بالأمس ثم قال: ~~ولا يكتف بالخضوع والرحمة لهما إذ ms330 لا بقاء لهما، وليس لها زيادة نفع، بل ~~ادع لهما واطلب من الله رحمته لهما، بأن يرحمهما برحمته الباقية، واجعل ذلك ~~جزاء لرحمتهما عليك في صغرك وتربيتهما لك. # " ربكم أعلم بما في نفوسكم " في ضمائركم من قصد البر إلى الوالدين و ~~اعتقاد ما يجب لهما من التوقير " إن تكونوا صالحين " قاصدين الصلاح والبر، ~~ثم " فرطت منكم في حال الغضب وضيق الصدر وغير ذلك مما لا يخلو منه البشر ~~خصلة PageV00P376 # قبيحة، تؤدي إلى أذى الوالدين ثم تبتم إلى الله واستغفرتم منها " فإنه ~~كان للأوابين غفورا " فإن الله غفور للتوابين، فيه تهديد على أن يضمر الولد ~~لهما كراهة واستثقالا عند ضيق الصدر من خدمتهما، وفيه تشديد عظيم، وبالجملة ~~فيه مبالغة كثيرة و سيجئ في سورة لقمان زيادة تأكيد ومبالغة في الاحسان ~~بهما، وفي الأخبار أيضا موجودة. # منها ما روي عنه صلى الله عليه وآله في الكشاف: رضى الله في رضى ~~الوالدين، وسخطه في سخطهما، وفي رواية أخرى قال صلى الله عليه وآله مخاطبا ~~لابن شيخ: أنت ومالك لأبيك، ومثله موجود في الأخبار الصحيحة عن أهل البيت ~~عليهم السلام (1) وفيه عنه صلى الله عليه وآله: إياكم وعقوق الوالدين فإن ~~الجنة يوجد ريحها من مسيرة ألف عام، ولا يجد ريحها عاق ولا قاطع رحم، ولا ~~شيخ زان، ولا جار إزاره خيلاء إن الكبرياء لله رب العالمين. و روي أيضا فيه ~~وفي مجمع البيان يفعل البار ما يشاء أن يفعل فلن يدخل النار و يفعل العاق ~~ما يشاء أن يفعل فلن يدخل الجنة، والرواية في ذلك فيهما وفي غيرهما كثيرة ~~(2). # قال في الكشاف: قال الفقهاء لا يذهب بأبيه إلى البيعة وإذا بعث إليه منها ~~ليحمله فعل، ولا يناوله الخمر ويأخذ منه الإناء إذا شربها، وعن أبي يوسف ~~إذا أمره أن يوقد تحت قدره وفيها لحم الخنزير أوقد، وسئل الفضيل بن عياض عن ~~بر الوالدين فقال أن لا تقوم إلى خدمتهما عن كسل، وسئل بعضهم فقال: أن لا ~~ترفع صوتك عليهما، ولا تنظر شزرا إليهما، ولا ms331 يريا منك مخالفة في ظاهر ولا ~~باطن وأن ترحم عليهما، وتدعو لهما إذا ماتا، وأن تقوم بخدمة أودائهما من ~~بعدهما فعن النبي صلى الله عليه وآله إن من أبر البر أن يصل الرجل أهل ود ~~أبيه. # ومنها رواية الحسن بن محبوب عن أبي ولاد الحناط قال: سألت أبا عبد الله ~~جعفر بن محمد عليه السلام عن قول الله عز وجل " وبالوالدين إحسانا " ما هذا ~~الاحسان؟ # PageV00P377 # فقال: الاحسان أن تحسن صحبتهما، وأن لا تكلفهما أن يسألاك مما يحتاجان ~~إليه وإن كانا مستغنيين إن الله عز وجل يقول " لن تنالوا البر حتى تنفقوا ~~مما تحبون " ثم قال عليه السلام " إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما ~~فلا تقل لهما أف " إن أضجراك " ولا تنهرهما " إن ضرباك " وقل لهما قولا ~~كريما " والقول الكريم أن تقول لهما: غفر الله لكما، فذاك منك قول كريم " ~~واخفض لهما جناح الذل من الرحمة " وهو أن لا تملأ عينيك من النظر إليهما ~~وتنظر إليهما برحمة ورأفة، وأن لا ترفع صوتك فوق أصواتهما ولا يدك فوق ~~أيديهما، ولا تتقدم قدامهما، وهذه صحيحة في الفقيه في نوادر الكتاب (1) ~~وذكر في الفقيه أيضا فيها: من أحزن والديه فقد عقهما وذكر في الكافي أخبارا ~~كثيرة مثل صحيحة أبي ولاد المتقدمة ورواية محمد بن مروان: قال: سمعت أبا ~~عبد الله عليه السلام يقول إن رجلا أتى النبي صلى الله عليه وآله فقال: # يا رسول الله أوصني فقال: لا تشرك بالله شيئا، وإن حرقت بالنار وعذبت، ~~إلا وقلبك مطمئن، ووالديك فأطعهما وبرهما حيين كانا أو ميتين وإن أمراك أن ~~تخرج من أهلك ومالك فافعل، إن ذلك من الايمان (2). # وعن منصور بن حازم عن أبي عبد الله عليه السلام قال قلت: أي الأعمال ~~أفضل؟ # قال: الصلاة لوقتها، وبر الوالدين والجهاد في سبيل الله، وعن درست بن أبي ~~منصور عن أبي الحسن موسى عليه السلام قال: سأل رجل رسول الله صلى الله عليه ~~وآله ما حق الوالد على ولده؟ قال: أن لا يسميه باسمه، ولا يمشي ms332 بين يديه، ~~ولا يجلس قبله ولا يستسب له، وصحيحة معمر بن خلاد قال: قلت لأبي الحسن ~~الرضا عليه السلام: ادعوا لوالدي إذا كانا لا يعرفان الحق؟ قال: ادع لهما ~~وتصدق عنهما، وإن كانا حيين لا يعرفان الحق فدارهما، فإن رسول الله صلى ~~الله عليه وآله قال: إن الله بعثني بالرحمة لا بالعقوق، و رواية جابر عن ~~أبي عبد الله عليه السلام قال أتى رجل رسول الله صلى الله عليه وآله فقال: ~~يا رسول الله أني راغب في الجهاد نشيط، قال: فقال له النبي صلى الله عليه ~~وآله: فجاهد في سبيل الله فإنك # PageV00P378 # إن تقتل تكن حيا عند الله ترزق، وإن تمت فقد وقع أجرك على الله، وإن رجعت ~~رجعت من الذنوب كما ولدت قال: يا رسول الله إن لي والدين كبيرين يزعمان ~~أنهما يأنسان بي ويكرهان خروجي، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: فقر مع ~~والديك، فوالذي نفسي بيده لأنسهما بك يوما وليلة خير من جهاد سنة. # ورواية محمد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السلام قال إن العبد ليكون بارا ~~بوالديه ثم يموتان فلا يقضي عنهما ديونهما، ولا يستغفر لهما، فيكتبه الله ~~عاقا، وإنه ليكون عاقا لهما غير بار بهما، فإذا ماتا قضى دينهما واستغفر ~~لهما، فيكتبه الله عز وجل بارا (1). # والأخبار في ذلك كثيرة جدا ثم لا شك في أن العقوق كبيرة عدت منها في ~~الأخبار التي تعد فيها الكبائر من طرق العامة والخاصة، ذكر في الكافي له ~~بابا في ذكر العقوق على حدة بعد أن عده في الكبائر في أخبار كثيرة منها ~~رواية حديد بن حكيم عن أبي عبد الله عليه السلام قال: أدنى العقوق أف، ولو ~~علم الله عز وجل شيئا أهون منه لنهى عنه وحسنة عبد الله ابن المغيرة عن أبي ~~الحسن عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: كن بارا واقتصر ~~على الجنة، وإن كنت عاقا فاقتصر على النار ورواية يعقوب بن شعيب عن أبي عبد ~~الله عليه السلام قال: ms333 إذا كان يوم القيامة كشف الله غطاء من أغطية الجنة، ~~فوجد ريحها من كانت له روح من مسيرة خمسمائة عام، إلا صنف واحد، قال: قلت: ~~من هم؟ قال: العاق لوالديه، ورواية سيف بن عميرة عن أبي عبد الله عليه ~~السلام قال: من نظر إلى أبويه نظر ماقت وهما ظالمان له، لم يقبل الله له ~~صلاة، وفي رواية عن أبي عبد الله عليه السلام: ومن العقوق أن ينظر الرجل ~~إلى والديه فيحد النظر إليهما، وفي رواية عبد الله بن سليمان عن أبي جعفر ~~عليه السلام قال: قال: # إن أبي نظر إلى رجل معه ابنه يمشي، والابن متك على ذراع الأب، قال: فما # PageV00P379 # كلمه أبي مقتا له حتى فارق الدنيا (1). # ويدل على تحريم العقوق ما يدل على تحريم قطع الرحم، وهو ظاهر، بل يدل ~~العقل أيضا عليه، وبالجملة العقل والنقل يدلان على تحريم العقوق، ويفهم ~~وجوب متابعة الوالدين وطاعتهما من الآيات والأخبار المتقدمة وصرح به بعض ~~العلماء أيضا، قال في مجمع البيان " وبالوالدين إحسانا " أي قضى بالوالدين ~~إحسانا أو أوصى بالوالدين إحسانا، ومعناهما واحد، وخص الحال الكبر، وإن كان ~~الواجب طاعة الوالدين على كل حال، لأن الحاجة أكثر في تلك الحال. # وقال الفقهاء في كتبهم: وللأبوين منع الولد عن الغزو والجهاد، ما لم ~~يتعين عليه بتعيين الإمام، أو لهجوم الكفار على المسلمين مع ضعفهم، وبعضهم ~~ألحقوا الجدين بهما، قال في شرح الشرايع: وكما يعتبر إذنهما في الجهاد ~~يعتبر في سائر الأسفار المباحة والمندوبة والواجبة الكفائية، مع قيام من ~~فيه الكفاية، فالسفر لطلب العلم إن كان لمعرفة العلم العيني كاثبات الواجب ~~تعالى وما يجب له ويمتنع، و النبوة والإمامة. والمعاد، لم يفتقر إلى ~~إذنهما، وإن كان لتحصيل الزائد منه على الفرض العيني كدفع الشبهات، وإقامة ~~البراهين المروجة للدين، زيادة على الواجب كان فرضا كفاية فحكمه وحكم السفر ~~إلى أمثاله من العلوم الكفائية كطلب التفقه أنه إن كان هناك قائم بفرض ~~الكفاية، أشترط إذنهما، وهذا في زماننا فرض بعيد فإن فرض الكفاية في التفقه ms334 ~~لا يكاد يسقط مع وجود مائة فقيه مجتهد في العالم، و إن كان السفر إلى غيره ~~من العلوم المادية مع عدم وجوبها توقف على إذنهما، و إن كان هذا كله إذا لم ~~يجد في بلده من يعلمه ما يحتاج إليه بحيث لا يجد في السفر زيادة يعتد بها ~~لفراغ باله أو جودة أستاد بحيث يسبق إلى بلوغ الدرجة التي يجب تحصيلها سبقا ~~معتدا به، وإلا أعتبر إذنهما أيضا. ومنه يعلم وجوب متابعتهما حتى يجب عليه ~~ترك الواجب الكفائي، ولكن هذا مخصوص بالسفر، فيحتمل أن يكون غيره كذلك، إذا ~~اشتمل على مشقة. # PageV00P380 # والحاصل أن الذي يظهر أن احزانهما على وجه لم يعلم جواز ذلك شرعا - مثل ~~الشهادة عليهما، مع أنه قد منع قبول ذلك أيضا بعض مع صراحة الآية في وجوب ~~الشهادة عليهما، مع أن فائدته القبول لأن قبول شهادته عليهما تكذيب لهما - ~~عقوق وحرام كما مر في الخبر ويظهر من الآية، وطاعتهما تجب ولا يجوز ~~مخالفتهما في أمر يكون أنفع له، ويضر بحاله دينا أو دنيا، أو يخرج عن زي ~~أمثاله، وما يتعارف منه، ولا يليق بحاله، بحيث يذمه العقلاء، ويعترفون أن ~~الحق أن لا يكون كذلك، ولا حاجة له في ذلك، ولا ضرر عليه بتركه ويحتمل ~~العموم للعموم إلا ما أخرجه الدليل بحيث يعلم الجواز شرعا لاجماع ونحوه، ~~مثل ترك الواجبات العينية والمندوبات غير المستثنى. # وليس وجوب طاعتهما مقصورا على فعل الواجبات وترك المعصيات للفرق بين ~~الولد وغيره، فإن ذلك واجب والظاهر عموم ذلك في الولد والوالدين. # قال الشهيد قدس سره في قواعده: قاعدة تتعلق بحقوق الوالدين: لا ريب أن كل ~~ما يحرم أو يجب للأجانب يحرم أو يجب للأبوين، وينفردان بأمور: # الأول: تحريم السفر المباح بغير إذنهما، وكذا السفر المندوب، وقيل بجواز ~~سفر التجارة وطلب العلم إذا لم يمكن استيفاء التجارة والعلم في بلدهما، كما ~~ذكرناه، فيما مر. # الثاني: قال بعضهم: يجب عليه طاعتهما في كل فعل، وإن كان شبهة، فلو أمراه ~~بالأكل معهما من مال يعتقده شبهة ms335 أكل، لأن طاعتهما واجبة، وترك الشبهة ~~مستحب. # الثالث: لو دعواه إلى فعل وقد حضرت الصلاة فليؤخر الصلاة وليطعهما لما ~~قلناه. # الرابع: هل لهما منعه من الصلاة جماعة؟ الأقرب أنه ليس لهما منعه من ~~الصلاة مطلقا بل في بعض الأحيان، لما يشق عليهما مخالفته: كالسعي في ظلمة ~~الليل إلى العشاء والصبح. PageV00P381 # الخامس: لهما منعه من الجهاد مع عدم التعيين لما صح أن رجلا قال يا رسول ~~الله أبايعك على الهجرة والجهاد، فقال: هل من والديك أحد؟ قال نعم كلاهما، ~~قال: أتبغي الأجر من الله؟ قال: نعم، قال: فارجع إلى والديك فأحسن صحبتهما. # السادس: الأقرب أن لهما منعه من فروض الكفاية، إذا علم قيام الغير أو ظن ~~لأنه حينئذ يكون كالجهاد الممنوع منه. # السابع: قال بعض العلماء: لو دعواه في صلاة النافلة قطعها، لما صح عن ~~رسول الله صلى الله عليه وآله أن امرأة نادت ابنها وهو في صلاته قالت يا ~~جريح قال اللهم أمي وصلوتي قالت: يا جريح فقال: اللهم أمي وصلاتي. فقال لا ~~يموت حتى ينظر في وجوه المومسات الحديث وفي بعض الروايات أنه صلى الله عليه ~~وآله قال لو كان جريح فقيها لعلم أن إجابة أمه أفضل من صلاته، وهذا الحديث ~~يدل على جواز قطع النافلة لأجلها، و يدل بطريق أولى على تحريم السفر، لأن ~~غيبة الوجه فيه أكثر وأعظم، وهي كانت تريد منه النظر إليها والاقبال عليها. # الثامن: كف الأذى عنهما، وإن كان قليلا، بحيث لا يوصله الولد إليهما ~~ويمنع غيره من إيصاله بحسب طاقته. # التاسع: ترك الصوم ندبا إلا بإذن الأب ولم أقف على نص في الأم. # العاشر: ترك اليمين والعهد إلا بإذنه أيضا ما لم يكن في فعل واجب أو ترك ~~محرم ولم نقف في النذر على نص خاص إلا أن يقال: هو يمين يدخل في النهي عن ~~اليمين إلا بإذنه. # تنبيه بر الوالدين لا يتوقف على الاسلام لقوله تعالى " ووصينا الانسان ~~بوالديه حسنا " " وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا ms336 تطعهما ~~وصاحبهما في الدنيا معروفا " (1) وهو نص وفيه دلالة على مخالفتهما في الأمر ~~بالمعصية وهو كقوله # PageV00P382 # عليه السلام: لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، فإن قلت: ما تصنع بقوله ~~تعالى " ولا تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن " (1) وهو يشمل الأب، وهذا منع من ~~النكاح فلا تكون طاعته واجبة فيه، أو منع من المستحب فلا تجب طاعته في ترك ~~المستحب قلت الآية في الأزواج، ولو سلم الشمول أو التمسك في ذلك بتحريم ~~العضل فالوجه فيه أن للمرأة حقا في الاعفاف والتصون، ودفع ضرر مدافعة ~~الشهوة، والخوف من الوقوع في الحرام، وقطع وسيلة الشيطان عنهم بالنكاح، ~~وأداء الحقوق واجب على الآباء للأبناء كما وجب العكس، وفي الجملة النكاح ~~مستحب وفي تركه تعرض لضرر ديني أو دنيوي، ومثل هذا لا تجب طاعة الأبوين ~~فيه. # ويمكن اختصاص الدعاء بالرحمة بغير الكافرين، إلا أن يراد من الدعاء ~~بالرحمة في حياتهما، بأن يوفق لهما الله ما يوجب ذلك من الايمان فتأمل، ~~والظاهر أن ليس الأذى الحاصل لهما بحق شرعي من العقوق مثل الشهادة عليهما ~~لقوله تعالى " أو الوالدين " فتقبل شهادته عليهما، وفي القول بوجوبها ~~عليهما مع عدم القبول لأن في القبول تكذيب لهما بعد واضح، وإن قال به بعض. ~~وأما السفر المباح بل المستحب فلا يجوز بدون إذنهما لصدق العقوق، ولهذا ~~قاله الفقهاء وأما فعل المندوب فالظاهر عدم الاشتراط إلا في الصوم والنذر، ~~على ما ذكروه وتحقيقه في الفقه. # " وآت ذا القربى حقه والمسكين وابن السبيل ولا تبذر تبذيرا إن المبذرين ~~كانوا إخوان الشياطين وكان الشيطان لربه كفورا " سيجئ تفسيره " وإما تعرضن ~~عنهم " (2) أي تعرض عن هؤلاء الذين أمرتك بأداء حقوقهم عند مساءلتهم إياك ~~لأنك لا تجد شيئا تعطيهم حياء من ردهم بغير شئ " ابتغاء رحمة من ربك ترجوها ~~" لطلب الفضل والسعة التي يقدر معها الاعطاء، ويحتمل أن يكون متعلقا بجواب ~~الشرط أي وإن تعرض عنهم " فقل لهم قولا ميسورا " لابتغاء رحمة من ربك أي ~~لطلب وجه الله ترجوها برحمتك عليهم أو متعلق بالشرط أي وإن تعرض عنهم ms337 لفقد ~~رزق من # PageV00P383 # ربك ترجوا أن يفتح لك، فسمي الرزق الرحمة، فردهم ردا جميلا، وعدم عدة ~~حسنة، وقل لهم قولا سهلا لينا، وفيها مبالغة في ملاحظة رد السؤال حيث ينبغي ~~أن لا يكون إلا لعدم الوجدان مع طلبه، ثم مع ذلك لا بد من القول الجميل. # قيل: لما نزلت هذه كان صلى الله عليه وآله إذا سئل ولم يكن عنده ما يعطي ~~قال: يرزقنا الله وإياكم من فضله " ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك، أي ولا ~~تكن ممن لا يعطي شيئا أصلا ولا يهب، فتكون بمنزلة من تكون يده مغلولة إلى ~~عنقه لا يقدر على الاعطاء والبذل، وهذا مبالغة في النهي عن الشح في الامساك ~~" ولا تبسطها كل البسط " أي ولا تعط أيضا جميع ما عندك، فتكون بمنزلة من ~~بسط يده حتى لا يستقر فيها شئ، وهذا كناية عن الاسراف " فتقعد ملوما " تلوم ~~نفسك ويلومك غيرك أيضا " محسورا " منقطعا بك ليس عندك شئ، وقيل: عاجزا ~~نادما، وقيل محسورا من الثياب أي عريانا وقيل معناه إن أمسكت قعدت ملوما ~~مذموما، وإن أسرفت بقيت متحيرا مغموما، وقال الكلبي لا تعط ما عندك جميعا ~~فيجئ الآخرون ويسألونك فلا تجد ما تعطيهم فيلومونك. # وروي أن امرأة بعثت ابنها إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وقالت: قل له ~~إن أمي تستكسيك درعا، فإن قال: حتى يأتينا شئ فقل له: إنها تستكسيك قميصك ~~فأتاه فقال ما قالت له فنزع قميصه فدفعه إليه فنزلت ويقال إنه عليه السلام ~~بقي في البيت إذ لم يجد شيئا يلبسه، ولم يمكنه الخروج إلى الصلاة فلامه ~~الكفار، فقالوا إن محمدا اشتغل بالنوم واللهو عن الصلاة. # وما أجد حسن هذه النقول الله أعلم بل أجد أن الاحسان والبذل حسن وكذا ~~الايثار على نفسه بل عياله أيضا مع رضاهم كما دلت عليه سورة هل أتى، وقوله: # " ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة " (1) وكفى بذلك دليلا وفي العقل ~~ما يؤيده نعم إن علم الحاجة بحيث يفوت معه الواجب أو الأولى لا ينبغي ms338 ~~الاعطاء والظاهر أن مثله لا يقع عن أدنى عاقل فكيف عنه صلى الله عليه وآله ~~فالآية كما قيل دليل المنع # PageV00P384 # عن الشح وتحريمه، وتحريم الاسراف والتبذير لا غير فافهم. # قال في الكشاف: هذا تمثيل لمنع الشحيح، وإعطاء المسرف، وأمر بالاقتصاد ~~الذي بين الاسراف والتقتير، ونعم ما قال، ويؤيده ما قبلها وما بعدها " إن ~~ربك يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر إنه كان بعباده خبيرا بصيرا " يوسع لمن يشاء ~~ويرى المصلحة له في ذلك، فإن الله هو العالم الحكيم لا يفعل إلا لغرض ~~ومصلحة عائدة إلى عبيده، فالبسط والضيق إنما يكون في محله ومصلحته وتدبيره ~~لهم ذلك لا غير، و هو ظاهر بناء على أصولنا. # " ولا تقولن لشئ إني فاعل ذلك غدا إلا أن يشاء الله " (1) في الكشاف أي ~~لا تقولن لأجل شئ تعزم عليه إني فاعل ذلك الشئ فيما يستقبل من الزمان، ولم ~~يرد الغد خاصة " إلا أن يشاء الله " متعلق بالنهي على وجهين أحدهما ولا ~~تقولن ذلك القول إلا أن يشاء الله أن تقوله، بأن يأذن لك فيه، والثاني ولا ~~تقولنه إلا بمشيئة الله، و هو في موضع الحال يعني إلا متلبسا بمشيئة الله ~~تعالى قائلا إنشاء الله، وفيه وجه ثالث وهو أن يكون إنشاء الله في معنى ~~كلمة تأبيد كأنه قيل: ولا تقولنه أبدا، ونحوه قوله " وما كان لنا أن نعود ~~فيها إلا أن يشاء الله " لأن عودهم في ملتهم مما لن يشاء الله وقد ذكرنا ~~مثله في قوله " هم فيها خالدون إلا ما شاء ربك ". # ثم قال: وهذا نهي تأديب من الله لنبيه، حين قالت اليهود لقريش: سلوه عن ~~الروح وعن أصحاب الكهف وذوي القرنين، فسألوه فقال: ائتوني غدا أخبركم ولم ~~يستثن فأبطأ عليه الوحي حتى شق عليه وكذبته قريش، فظاهر هذه تحريم الأخبار ~~بفعله في المستقبل إلا أن يقارنه بقوله إن شاء الله على أحد الوجوه والقائل ~~به غير معلوم، فيحتمل أن يكون من خصائصه عليه وعلى آله السلام أو منسوخا أو ~~يكون النهي للكراهة والتأديب كما ms339 قال في الكشاف وهذا نهي تأديب فتأمل. # " أما السفينة فكانت لمساكين يعملون في البحر فأردت أن أعيبها وكان ~~ورائهم # PageV00P385 # ملك يأخذ كل سفينة غصبا " (1) جواب عن قوله " أخرقتها لتغرق أهلها " ~~حاصله أنه قال الخضر على نبينا وعليه السلام إنما خرقت السفينة بأن أخذت ~~لوحين من تحتها لأن بين يديهم كان ملكا يأخذ كل سفينة غصبا فلو رآها الملك ~~منخرقة تركها ويصلحها أهلها بقطعة خشب فانتفعوا بها، قالوا " وراء " هنا ~~بمعنى القدام، وهو لغة جاءت في الأشعار والأمثال، إذ لو كان بمعنى الخلف ~~فكانت السفينة تقدمت الملك فما كان يأخذها، وقيل يحتمل كون الملك في طريقهم ~~عند الرجعة، وعلم الخضر ولم يعلم غيره وهو بعيد، ويحتمل أن يكون الملك يجيئ ~~من خلفهم في البحر أيضا فيأخذ. # واعلم أنه يستفاد من هذا ومن إقامة الجدار وجوابه جواز التصرف في مال ~~الغير، إذا علم أنه أولى من عدمه، ومنه إجارة دار الغائب إذا كانت أولى، ~~وكذا إجارة بعض مماليكه، وبيع بعض أسبابه المشرف على التلف، ونحو ذلك ~~وينبغي أن يباشره الحاكم، ومع تعذره لا يبعد لآحاد المؤمنين الموثقين ذلك، ~~لهذه لآية ولأنه إحسان مأمور به، والفاعل محسن: و " ما على المحسنين من ~~سبيل " وكذا مال الأطفال والمجانين والسفهاء وفي الأطفال أخبار صحيحة ~~بخصوصها، ويدل عليه أيضا " ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن " وقد ~~مر فتأمل، وتذكر. # واعلم أن ذلك ليس بمخصوص بشرع موسى وخضر عليهما السلام وإن كان شرع من ~~قبلنا ليس بحجة لنا، لأن سوق الآية يدل على كون الحكم معقولا، وأن العقل ~~يقتضي موافقا للشرع، فلا خصوصية له بمذهب دون مذهب فتأمل. # ثم إن في حكايتهما عن آخره دلالة على أمور أخر من الأصول والفروع مثل ~~جواز قتل شخص لدفع مفسدة ومصلحة آخر وقال في مجمع البيان وهو يدل على وجوب ~~اللطف كما هو مذهبنا، وفيه تأمل. ثم قال إنه يجوز لكل أحد ولكن هذا مع ~~العلم، والعلم إنما يحصل للأنبياء، فلا يجوز لغيرهم، وإن كان مخيرا بين ~~إماتته ms340 بغير ألم القتل وبين أمره بالقتل، ولكن مع عوض ألمه فلا جور، وأنه ~~يحتمل # PageV00P386 # أن يكون المصلحة ودفع المفسدة في القتل لا بالموت بوجه آخر، وغير ذلك مثل ~~نسبة النسيان إلى النبي وجواز إسناد شئ غير حسن بحسب الظاهر إلى الغير مثل ~~خرق السفينة لغرق الناس، وقتل النفس الزكية القبيح، وخلف الوعد، والكل مجاب ~~ليس هذا محل ذكره فتأمل، وأيضا قال: فيها بيان طرق استعمال الأدب من المعلم ~~والمتعلم، وقد بين وجوها حسنة في آداب التعليم فليرجع إليه المربد. # " قال سلام عليك سأستغفر لك ربي " الآية (1) أي قال إبراهيم ذلك ودعا ~~لأبيه وسلم عليه، فيدل على جواز السلام على الأب والدعاء والاستغفار له، ~~وإن لم يكن مسلما، وإن طرد الولد، وقيل: ما كان معلوم القبح عقلا وما منع ~~شرعا فجاز أن يكون الدعاء بتوفيق الاسلام فيغفر له بعد ذلك، ويدل على الأول ~~" و ما كان دعاء إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة وعدها إياه فلما تبين " الآية ~~(2) فكأنه يقول وعده أباه وقال " سأستغفر لك " ولم يتبين له أنه من أصحاب ~~النار فلما تبين ترك، لكن قاعدة الأصحاب تقتضي عدم كون آزر أباه فقيل: كان ~~عمه، وقد يسمى العم به، ويؤيده ما ذكره في القاموس آزر اسم عم إبراهيم وأما ~~أبوه فكان اسمه تارح وقال فيه في باب الحاء وفصل التاء تارح كآدم أبو ~~إبراهيم الخليل عليه السلام. # " إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا لهم عذاب أليم في ~~الدنيا والآخرة " (3) في القاموس الفاحشة الزنا وما يشتد قبحه من الذنوب ~~وكلما نهى الله عز وجل عنه وفي الكشاف: الفحشاء والفاحشة ما أفرط قبحه يعني ~~الذين يريدون شيوع الفاحشة وظهورها، ويقصدون إشاعتها ونسبتها إلى المؤمنين ~~تفضيحا لهم، و في مجمع البيان يفشون ويظهرون الزنا والقبائح " في الذين ~~آمنوا " بأن ينسبوها إليهم ويقذفوهم بها " لهم عذاب أليم في الدنيا " ~~بإقامة الحد عليهم كما ينبغي أو التعزير إلا أن يراد بالحد أعم، وفي الآخرة ~~" هو عذاب النار. # PageV00P387 # فيها دلالة على تحريم القصد إلى ms341 المحرم إلا أن يراد المبالغة كما في نحو ~~" ولا تقربوا " أو أراد إشاعة الفاحشة [المحبوبة] ونسبة القبايح والمحرمات ~~إلى المؤمنين وإشاعة الذنوب فتأمل " والله يعلم " ما في الضمائر " وأنتم لا ~~تعلمون " قال القاضي: فعاقبوا في الدنيا على ما دل عليه الظاهر، والله ~~سبحانه يعاقب على ما في القلوب من حب الإشاعة. # " ولا يأتل أولوا الفضل منكم والسعة " (1) أي لا يخلف ذو مال وغنى وسعة و ~~قدرة منكم أيها المؤمنون " أن يؤتوا أولي القربى والمساكين والمهاجرين في ~~سبيل الله " أي على أن لا يعطي هؤلاء المذكورين، بل يعطيهم وإن حلف، فيكون ~~التقدير أن لا يؤتوا، وحذف " لا " وهو قليل، أو لا يأتل يعني لا يقصر في ~~الاحسان إليهم وإن كان بينهم شحناء لجناية اقترفوها، فليعودوا عليهم بالعفو ~~والصفح، وليفعلوا بهم مثل ما يرجون أن يفعل الله بهم، مع كثرة خطاياهم ~~وذنوبهم وهو معنى قوله " وليعفوا وليصفحوا ألا تحبون أن يغفر الله لكم ~~والله غفور رحيم " إشارة إلى ما صدر عنه في إفك عائشة أي الافتراء عليها ~~بالفاحشة مع جماعة من المنافقين. # وقد ذكروا في تفسير " إن الذين جاؤوا بالإفك ". الآية قيل: هذه الآية ~~نزلت في شأن مسطح وكان ابن خالة أبي بكر وكان فقيرا من فقراء المهاجرين، و ~~كان أبو بكر ينفق عليه فلما فرط منه ما فرط آلى أبو بكر أن لا ينفق عليه، ~~ولما نزلت فقال أبو بكر: بلى أحب أن يغفر الله لي، عاد أبو بكر إلى ما كان ~~فأنفق على مسطح ما كان ينفقه عليه وقال والله ما أنزعها أبدا وفي مجمع ~~البيان قيل نزلت في أبي بكر ونقل ما في الكشاف على ما تقدم، وقيل: نزلت في ~~يتيم كان في حجر أبي وحلف لا ينفق عليه، وقيل: نزلت في جماعة من الصحابة ~~أقسموا أن لا يتصدقوا على رجل تكلم بشئ من الإفك. # وفي الآية دلالة على عدم جواز الحلف على ترك الاعطاء، ولو كان المعطى # PageV00P388 # عليه فاسقا فاجرا بل منافقا موعودا في القرآن الكريم بجزاء ما ms342 اكتسب، كما ~~يفهم من آية الإفك، وعدم انعقاده على تقدير وقوعه، واعتقاد الحالف أنه حسن ~~وعبادة فالنظر إلى ما في نفس الأمر لا إلى اعتقاد الحالف، وعلى عدم ترك ~~الاحسان إلى المسئ وأن ذلك موجب لاحسان الله إليه وتركه موجب لتركه ولا ~~يبعد استفادة عدم الحلف وأخويه، وعدم انعقاده في كل ما ثبت أنه حسن وإحسان، ~~وعلى حسن جميع الاحسان، وفيه ترغيب جميل على حسن الخلق، وعدم ترك الاحسان ~~للإساءة وهو ظاهر. # قال في الكشاف ونعم ما قال: وكفى به داعيا إلى المجاملة، وترك الاشتغال ~~بالمكافأة للمسئ. # وعلى جواز الأنفاق على الفاسق بل الكافر، وأنه لا خصوصية بالقريب ولا ~~بالمسكين، ولا بالمهاجرين في سبيل الله، بل كل واحدة كافية للاحسان كما ~~يظهر من الآية قال في مجمع البيان: مسطح بن أثاثة كان من المهاجرين ومن ~~جملة البدريين ثم قال: في قصة مسطح دلالة على أنه يجوز أن تقع المعاصي ممن ~~شهد بدرا وصرح به الفخر الرازي أيضا في تفسيره، فدلت على عدم كون الصحابة ~~كلهم عدولا، و كذا دلت على عدم مقبولية كل المهاجرين، فإن مسطحا كان منهم، ~~مع أنه حد ولعن وله عذاب عظيم في الدنيا والآخرة وغير ذلك مما ورد في هذه ~~الآيات الشريفة لقذفه على ما بين، فما ورد في مدحهم مخصوص أو مشروط بسلامة ~~العاقبة، أو قبول التوبة، وهو ظاهر، وعدم قبول كل المهاجرين والأنصار. # وعلى أن الرمي بالزنا كبيرة، وفيها مبالغة زائدة في حسن العفو والصفح ~~وعدم ترك الاحسان والانفاق ولو على المسئ، حيث منع الله أبا بكر من عدم ~~إنفاق ماله على مسطح الذي قذف ابنته زوجة رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وقذفها مما وعد الله عليه النار، وأن القاذف ملعون في الدنيا والآخرة وله ~~عذاب عظيم. # قال في الكشاف والقاضي: ولو فتشت وعيدات القرآن لم تجد أغلظ مما نزل في ~~إفك عائشة، وبين في الكشاف المبالغة من وجوه كثيرة، وأنه ما وقع في ~~PageV00P389 # حق عبدة الأوثان مثله، وفيهما أن ذلك لعظم شأن ms343 رسول الله صلى الله عليه ~~وآله، وفيها رجاء عظيم بمغفرة الله وعفوه وصفحه فافهم. # ثم إنه لا يخفى أن مضمون الآية نهي من اتصف بفضل ما وسعة عن الحلف ~~واليمين على ترك الاحسان إلى ذوي قرابته والمساكين والمهاجرين في سبيل الله ~~بسبب ذنب وقع منهم وإساءة بالنسبة إليه، ولا تدل على أفضلية أبي بكر من ~~أربعة عشر وجها على ما توهمه الفخر الرازي في تفسيره الكبير، وقد بينا ذلك ~~في رسالة على حدة ونشير هنا إلى نبذ منه، ومن بعض كلامه: # أجمع المفسرون على أن المراد بأولي الفضل أبو بكر، علم ذلك بالتواتر ~~وأنها تدل على أن أبا بكر أفضل الناس بعد رسول الله صلى الله عليه وآله لأن ~~الفضل المذكور في هذه الآية إما في الدنيا، وإما في الآخرة، لأنه تعالى ~~ذكره في معرض المدح من الله تعالى والمدح من الله تعالى في الدنيا غير جايز ~~لأنه لو كان كذلك لكان قوله والسعة تكريرا فيتعين أن يكون المراد منه الفضل ~~في الدين، فلو كان غيره مساويا له في الدرجات لم يكن هو صاحب الفضل لأن ~~المساوي لا يكون فاضلا فلما أثبت الله تعالى له الفضل مطلقا غير مقيد بشخص ~~دون شخص، وجب أن يكون أفضل الخلق، ترك العمل في حق الرسول صلى الله عليه ~~وآله فيبقى معمولا في حق الغير. # وهذا غلط فاحش، فإن مضمون الآية ما ذكرناه وهو غير مخفي على من له معرفة ~~بأساليب الكلام، وليس فيها دلالة على ما ذكره، وما ذكره في ذلك ظاهر ~~البطلان، فإنه ليس في مقام المدح، وعلى تقديره لا بعد في ذلك في هذا ~~المقام، و على تقدير كون الفضل مخصوصا بالدين لا يلزم كونه أفضل، ويجوز ~~للمساوي أن يكون فاضلا، وعدم تقييد الفضل بالنسبة إلى شخص لا يلزم أفضليته ~~على كل خلق وهو ظاهر، وأنه لو تم لدل على أفضليته من نبينا صلى الله عليه ~~وآله وسائر الأنبياء وهو باطل ومناف لأول كلامه وأيضا يلزم إذا قيل " زيدا ~~ولو الفضل ms344 " أن يكون كفرا بحسب منطوقه فتأمل وأنه غير مجمع عليه كون المراد ~~به أبا بكر فإنه نقل في مجمع البيان أنه نزل في جماعة من الصحابة حلفوا أن ~~لا يتصدقوا على رجل تكلم بشئ من PageV00P390 # الإفك عن ابن عباس وغيره، وأن لا تواتر وأن ذلك ليس دليلا للإجماع وإثبات ~~الاجماع والتواتر دونه خرط القتاد، وعلى تقدير التسليم أين الدلالة على ~~الأفضلية في الجملة، فضلا عن جميع الخلق، فكيف ولا شك في عدم اختصاصها بأبي ~~بكر لقرائن لفظية ومعنوية. # وإن سلم نزولها في حق أبي بكر ومسطح فإن المدار على [عدم] عموم اللفظ ~~فحينئذ يلزم كل من له فضل وسعة [أن] يكون أفضل من جميع الخلق، فيكون أكثر ~~الخلايق أفضل من الكل ويكون الأكثر مفضولا وفاضلا، وفساده أوضح من أن يبين ~~نعم غاية ما يمكن أن يقال يدل على أن له فضيلة ما إن حمل الفضل على أمر ~~الدين والسعة في الدنيا، كما قاله البيضاوي مع أن الظاهر والمتبادر في هذا ~~المقام هو الفضل في المال والسعة عطف بيان له، وذلك في القرآن العزيز غير ~~عزيز فالتكرار ليس بسبب لذلك الحمل كما قاله، كيف يخصص به مثل هذه الآية ~~الشريفة التي أراد الله تعالى حث المؤمنين على الاحسان بالنسبة إلى المسئ ~~ودفع السيئة بالحسنة، وترك المكافاة والانتقام طمعا في المغفرة والعفو ~~عنهم، كما أشار إليه بقوله " وليعفوا وليصفحوا ألا تحبون أن يغفر الله لكم ~~" مع جمع أولي الفضل وجمع أولي القربى والمساكين والمهاجرين في سبيل الله، ~~وليس ذلك إلا تفويت غرض الحكيم تعالى. # بل يمكن أن يستفاد منها مذمة أبي بكر حيث حلف، ونهي عن ذلك و عوتب وأمر ~~بالعفو والصفح ثم عوتب أن من يفعل ذلك لا يحب أن يغفر له، ومن العجب أيضا ~~أنه ذكر أن أبا بكر أفضل من علي لأن إطعامه لم يكن لوجه الله بل طمعا ~~للثواب وخوفا من العقاب، بخلاف إنفاق أبي بكر، فإنه من أين يقول هذا فإن ~~إنفاق أبي بكر لو صح ما ms345 يعلم وجهه، والظاهر كونه لقرابته وأنه لو سلم آية " ~~وما لأحد عنده من نعمة تجزى " لا يدل عليه أيضا، نعم يدل عليه أنه ما كان ~~عليه من أحد نعمة تجزى إلا أنه فعل لله ولوجهه بخلاف ما فعله علي عليه ~~السلام فإن الله أخبر بذلك بقوله تعالى " إنما نطعمكم لوجه الله " ولعمري ~~ليس مثل هذا الكلام PageV00P391 # إلا التعصب، والنزول عن الحق، وما نجد له باعثا الله يعلم. # فإن أردت تفصيل ما ذكره وما ذكرناه فارجع إلى تفسيره، وإلى ما ذكرناه في ~~الرسالة، الله الموفق للحق والصواب وإليه المصير والمآب. # " تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علوا في الأرض ولا فسادا ~~والعاقبة للمتقين " (1) في الكشاف: تلك تعظيم لها - أي دار الآخرة والجنة - ~~وتفخيم لشأنها يعني تلك التي سمعت بذكرها وبلغك وصفها، ولم يعلق الموعد ~~بترك العلو والفساد، ولكن بترك إرادتهما وميل القلوب إليهما، كما قال " ولا ~~تركنوا إلى الذين ظلموا " فعلق الوعيد بالركون، وعن علي رضي الله عنه أن ~~الرجل ليعجبه أن يكون شراك فعله أجود من شراك نعل صاحبه، فيدخل تحتها، وعن ~~الفضيل أنه قرأها ثم قال ذهبت الأماني ههنا، وعن عمر بن عبد العزيز أنه كان ~~يرددها حتى قبض. # في مجمع البيان " علوا " أي تجبرا على عباد الله، واستكبارا عن عبادته " ~~ولا فسادا " أي عملا بالمعاصي، قيل هو الدعاء إلى عبادة غير الله، وقال ~~عكرمة هو أخذ المال بغير حق، ويفهم منه عرفا غير ذلك فافهم، والأول بعيد ~~ولا بعد في عمومه كما يفهم من كلامه صلوات الله عليه وعلى آله، لأنه لو لم ~~يكن في نفسه خساسة وحسد وتسلط على المسلم ما كان يريد أن يكون شراك نعله ~~أحسن من شراك نعل صاحبه، فهو خسة في حقه [تعالى] وماله وحسد وبغض وغير ذلك ~~لا أنه يريد لنفسه شيئا حسنا فقط لأنه لو كان كذلك كان لا يريد الأخس ~~لغيره، والأحسن لنفسه وهو ظاهر فافهم. # " ووصينا الانسان بوالديه حسنا " (2) أي أمرنا الانسان أن يفعل بوالديه ~~فعلا ذا حسن ms346 فيحسن إليهما ولو كانا كافرين أيضا، لعمومه ومثله قوله " ~~وصاحبهما في الدنيا معروفا وإن جاهداك لتشرك بي ما ليس لك به علم فلا ~~تطعهما " ونبه به على عدم إطاعتهما في المعاصي لو أرادا، لأن كل حق وإن عظم ~~ساقط إذا جاء # PageV00P392 # حق الله، وأنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، ثم قال " إلي مرجعكم ~~جميعا " من آمن ومن كفر، ومن أطاع ومن عصى ومن عمل بالوصية ومن لم يعمل، و ~~من أطاعهما في الشرك وغيره، فأجازي كلا باستحقاقه. # في الكشاف: فيه شيئان أحدهما أن الجزاء إلي، فلا تحدث نفسك بجفوة والديك ~~وعقوقهما لشركهما، ولا تحرمهما برك ومعروفك في الدنيا، كما أني لا أمنعهما ~~رزقي والثاني التحذير من متابعتهما على الشرك والحث على الثبات والاستقامة ~~في الدين، بذكر المرجع والوعيد. # وفي قوله " أن المسلمين والمسلمات " إلى قوله " أعد الله لهم مغفرة وأجرا ~~عظيما " (1) دلالة واضحة على حسن الاسلام والايمان والقنوت والصدق والصبر ~~والخشوع والتصدق والصوم وحفظ الفرج من الحرام وذكر الله كثيرا، وأنها موجبة ~~للمغفرة والأجر العظيم، وفي قوله " زوجناكها " الآية دلالة على أن فعله صلى ~~الله عليه وآله يدل على الجواز، وأن نفي الحرج عنه يستلزم نفي الحرج عن ~~الأمة والتأسي فتأمل، وبحث التأسي طويل مذكور في محله يرجع إليه، ويدل على ~~تحريم إيذاء المؤمنين أي المسلمين بغير استحقاق وجناية يقتضي ذلك ويبيح ~~قوله تعالى: # " والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا " أي بغير جناية ~~واستحقاق يبيح ذلك " فقد احتملوا بهتانا وإثما مبينا " (2). # " قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم ألا تشركوا به شيئا " (3) قيل أن ~~مفسرة يعني أن المحرمات ما يفهم من قوله " لا تشركوا " وما عطف عليه، ويصح ~~عطف الأوامر المفهومة من مثل قوله " وبالوالدين إحسانا " أي أحسنوا بهما ~~على النواهي لأن [من] المحرمات ما يفهم منها، وهو ضد المأمورات، مثل ~~الإساءة في أحسنوا، و يحتمل كونها مصدرية أي عليكم أن لا تشركوا، فيكون ألا ~~تشركوا مفعول عليكم أو مرفوعا بالابتدائية أو يكون خبرا عن نحو هو أو ms347 ~~المتلو. # PageV00P393 # وضع الأمر بالإحسان موضع النهي عن الإساءة إليهما للمبالغة والدلالة على ~~أن ترك الإساءة هنا لا يكفي، بل لا بد من الاحسان، فيفهم أن ترك الاحسان ~~بمنزلة الشرك في النهي والقبح. # " ولا تقتلوا أولادكم من إملاق " أي من جهة الفقر وخشيته كقوله " خشية ~~إملاق نحن نرزقهم وإياكم " (1) منع لموجب القتل، وإبطال لحجتهم في القتل. # " ولا تقربوا الفواحش " (2) قيل كبائر الذنوب أو الزنا مطلقا " ما ظهر ~~منها وما بطن " أي الظاهر والخفي، قيل هو مثل " ظاهر الإثم وباطنه " (3). # " ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق " (4) مثل القصاص والحد ~~والرجم والارتداد وقتل الأولاد داخل فيه، إلا أنه خص بالذكر للاهتمام به، ~~ولأنهم كانوا يفعلون ذلك، فذكر للمنع بخصوصه ورد حجتهم والاحتجاج عليه " ~~ذلكم " أي الأمور المذكورة في الأمر والنهي ما " وصيكم به " أي بحفظه " ~~لعلكم تعقلون " ترشدون بسبب العمل به، والتعبير عن الرشد بالعقل لأن الرشد ~~كمال العقل. # " ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن " (5) أي لا تقربوا من مال ~~اليتيم بأن تتصرفوا وتفعلوا فيه فعلا، فلا تدنوا إليه بفعلة أصلا إلا ~~بالفعلة التي هي أحسن ما يفعل بماله، بحسب ما يقتضيه عقل العقلاء كحفظه، ~~وتعمير ما هو خراب منه وتنميته وتثميره أو أحسن من تركه وبالجملة هو الذي ~~يجده العقل السليم حسنا وأولى من تركه، وهو مقتضى أكثر عقول العقلاء. ~~فالآية تدل على تحريم الأمور المذكورة، خصوصا التصرف في مال اليتيم، حيث ~~عبر عن النهي عنه بعدم القرب منه، ولهذا عد بخصوصه من الكبائر، واليتيم غير ~~البالغ الذي لا أب له ويمكن إدخال غير الرشيد فيه إلى أن يرشد لاحتمال أن ~~يكون معنى " حتى يبلغ أشده " # PageV00P394 # يبلغ رشده أي يبلغ ويرشد، وقيل حتى يبلغ ويصير بالغا، وهو جمع شدة كنعمة ~~وأنعم، والأول أولى، لأن الظاهر أنه غاية النهي للتصرف، ولو كان بإذنه، إلا ~~أن يكون بإذن الولي ومعلوم أنه بعد مجرد البلوغ لم ينته المنع عن التصرف و ~~إن كان بإذنه أيضا لعدم الرشد فالتصرف في ماله مطلقا ms348 بإذنه وبدونه حرام إلى ~~أن يرشد ويبلغ. # وتدل أيضا على جواز التصرف في ماله إن كان أحسن، فلو كان عند الانسان ما ~~يتلف من ماله يجوز حفظه بأي نوع كان، وإذا خيف تلفه يجوز بيعه وإقراضه من ~~ملي أمين مع الشهود والرهن إن لم يوجد أحسن منه، وأن يؤجر عقاره، وأن يعمر ~~ويحفظ عن الخراب ونحو ذلك، ويدل عليه الأخبار أيضا، ولهذا قال الفقهاء ~~بذلك، وجوزوا كون بعض العدول بمنزلة الوصي على تقدير عدمه، بأن يجعله ~~الحاكم وصيا له في ذلك، وإذا لم يكن الحاكم، له أن يفعل ذلك، وبالجملة ~~الولي مقدم، فإن لم يكن فالوصي فالحاكم فالعدل، فيمكن جواز الشراء منه ~~وتسليم الثمن إليه ونحو ذلك، وجعله بمنزلة الوصي فتأمل. # وأما من كان في يده ماله فبالنسبة إليه يمكن كفاية كونه أمينا موثوقا ~~بنفسه بل مطلقا في حفظه وما هو يقينا أحسن من عدمه لعموم الآية، ويؤيده ~~تكرار هذه الآية في القرآن العزيز، وموافقته للعقل، ووجد أنه حسنه ~~والاحتياط لا يترك. # ويدل عليه أيضا الآيات التي في بيان حكاية الخضر وموسى عليهما السلام حيث ~~دلت على التصرف بغير الإذن، مثل خرق السفينة، وإقامة الجدار، ونحو ذلك وسوق ~~الجواب يدل على عدم اختصاص ذلك بدين دون آخر وهو ظاهر، ويؤيده العقل وحينئذ ~~لا يبعد جواز التصرف في ماله غير اليتيم أيضا إذا كان أحسن بأن كان مجنونا ~~أو غائبا ويتلف ماله ويخرب عقاره إن لم تؤجر، فيؤجرها بعض العدول، وكذا ~~دوابه وبعض آلاته التي تتلف يقينا أو ينقص، بحيث يجزم كل عاقل أن بيعه أو ~~إجارته أحسن ويرضى به مالكه العاقل، كما أن الله تعالى يوصل ضررا بالعبد ~~لمرض ونحوه مع تعيين عوض يرضى به كل عاقل، ويؤيده كونه PageV00P395 # متداولا بين المسلمين وينقلون جواز ذلك عن المشايخ رحمهم الله، ولكن يجب ~~فيه الاحتياط التام بل اشتراط خيار للمالك إن أمكن، وتسليم ما له إلى يد ~~أمين ملي وجعله في ذمته مع رهن. وبالجملة لا بد من مراعاة الأحسن. # ويؤيده أيضا ms349 بعض الآيات مثل " ما على المحسنين من سبيل " " ولا على ~~أنفسكم أن تأكلوا " الآية، إذا كان المتصرف ممن تضمنت الآية جواز الأكل له ~~من بيوتهم، فإنه إذا جاز له الأكل جاز له مثل هذه التصرفات بالطريق الأولى ~~ويؤيده أيضا ما في الأخبار أن المؤمن أخ المؤمن، وأن يجعل نفسه كنفسه، و ~~ماله وعرضه كماله وعرضه، في حفظه، فتأمل. # " وأوفوا الكيل والميزان بالقسط " (1) صحة عطفه مثل ما تقدم، أي يجب ~~إيفاء الكيل والوزن بالعدل والسوية، ولما كان مشكلا أردفه بقوله " لا يكلف ~~الله نفسا إلا وسعها " أي إلا ما يسعها ويقدر عليه من غير حرج وضيق فعليكم ~~الجهد في تحصيل الحق، وما وراء ذلك معفو عنكم، وأما صاحب المال فيستحب له ~~أن يعطي زايدا ويأخذ ناقصا، ومع التشاح يمكن ترجيح من بيده الكيل والوزن ~~ومع عدمه أو مطلقا القرعة، وترجيح جانب صاحب المكيل والموزون لأن الزيادة ~~من طرفه أسهل، حيث ما يعطي الثمن غالبا وأنه العادة في الأكثر. # " وإذا قلتم " في حكومة وشهادة بل مطلقا " فاعدلوا " فيه أي استعملوا ~~العدل والحق في ذلك القول " ولو كان " المقول فيه " ذا قربى " أي قرابة ~~القائل، بل لو كان نفسه فيقر بما يضره في الدنيا فإن ذلك نفع له بحسب ~~الحقيقة، وإن كان بحسب الظاهر يرى أنه مضر، ففيه دلالة على وجوب الشهادة ~~على الأقارب مطلقا حتى الآباء والأمهات وقبولها " وبعهد الله " متعلق بما ~~بعده أي " أوفوا " للتأكيد و المبالغة للحصر المستفاد أي يجب إيفاء ما عهد ~~الله إلى المكلف لا غير أي لا تصر إلى غيره وتجعله معارضا له وتتركه به، ~~ففيها دلالة على وجوب الإيفاء بالشروط والعهود والنذور # PageV00P396 # والعقود، والإتيان بجميع ما أمر به من العمل بالعدالة في القول والفعل، ~~وإيفاء الكيل والوزن وغير ذلك وتحريم ضدها، وبسببه عطف على المناهي كما مر ~~" ذلكم " أي جميع ما تقدم أو حصر الإيفاء بعهد الله، فإنه مشتمل على ما ~~تقدم و زيادة " وصاكم " الله " به " بحفظه والعمل بمقتضاه " لعلكم تذكرون " ~~رجاء تذكركم الله وعقابه ms350 وثوابه فتتعظون به، وفيه تأكيد بالغ. # " وأن هذا صراطي مستقيما " (1) يحتمل ما تقدم، وقيل إشارة إلى ما ذكره في ~~هذه السورة فإنها بأسرها في إثبات التوحيد والنبوة وبيان الشريعة ويؤيده " ~~فاتبعوه ولا تتبعوا السبل " الأديان المختلفة التابعة للهوى فإن مقتضى ~~الحجة واحد، و مقتضى الأهواء مختلف لاختلاف الطبايع " فتفرق بكم " فتفرقكم ~~" عن سبيله " الذي هو اتباع الوحي واقتفاء البرهان " ذلكم " أي الاتباع أو ~~الصراط المستقيم " وصاكم به لعلكم تتقون " الصلال والتفرق عن الحق. # " ولا تركنوا إلى الذين ظلموا " (2) أي لا تميلوا إلى من وجد منه الظلم ~~وقتا ما أدنى ميل، فإن الركون هو الميل القليل كالتزي بزيهم، وتعظيم ذكرهم ~~واستدامته، فإن فعلتم " فتمسكم النار " بركونكم إليهم، فإذا كان الميل ~~اليسير إلى من صدر منه وقتا ما ما يسمى ظلما موجبا لمس النار، فما ظنكم ~~بالميل الكثير إليهم، وبالظالم نفسه، وبالظلم. # قال القاضي: ولعل الآية أبلغ ما يتصور في النهي عن الظلم والتهديد عليه ~~وخطاب الرسول، ومن معه من المؤمنين بها، للتثبت على الاستقامة التي هي ~~العدل فإن الزوال عنها بالميل إلى أحد طرفي إفراط وتفريط، فإنه ظلم على ~~نفسه أو غيره بل ظلم في نفسه، وهذا الكلام مشعر بأنه فسر الظلم بمطلق الذنب ~~كما في قوله " ومن يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه " (2) ولكن يمكن تقييده ~~بالكبيرة فتأمل قال في الكشاف: النهي متناول للانحطاط في هواهم، والانقطاع ~~إليهم، ومصاحبتهم ومجالستهم وزيارتهم ومداهنتهم، والرضا بأعمالهم، والتشبه ~~بهم، والتزيي بزيهم # PageV00P397 # ومد العين إلى زهرتهم وذكرهم بما فيه تعظيم لهم، وتأمل قوله " ولا تركنوا ~~" فإن الركون هو الميل اليسير وقوله " إلى الذين ظلموا " أي الذين وجد منهم ~~الظلم، ولم يقل إلى الظالمين. # ثم نقل غشيان الموفق في الصلاة لما قرأ الإمام هذه الآية فيها، وسئل عن ~~سبب الغشيان فقال: إذا كان هذا حال المايل إلى الظالم فكيف به، ونقل أيضا ~~كتابة صديق للزهري إليه لما خالطه السلطان، وبالغ في ذلك من ذمه اختلاط ~~الظالم وذكر أمورا كثيرة منها: عافانا الله وإياك من الفتن، ms351 فقد أصبحت بحال ~~ينبغي لمن عرفك أن يدعو لك الله ويرحمك، ومنها وليس كذلك أخذ الله الميثاق ~~على العلماء، ومنها واعلم أن أيسر ما ارتكبت وأخف ما احتملت أنك آنست وحشة ~~الظالم، وسهلت سبيل الغي بدنوك ممن لم يرد حقا ولم يترك باطلا، ومنها فما ~~أيسر ما عمروا لك في جنب ما خربوا عليك، ومنها فداو دينك دخله السقم، و هيئ ~~زادك فقد حضر السفر البعيد، وآخرها " وما يخفى على الله من شئ في الأرض ولا ~~في السماء ". # ثم نقل الأخبار في ذم الاختلاف إلى أبواب الظلمة، قال سفيان: في جهنم واد ~~لا يسكنه إلا القراء الزائرون للملوك، وعن الأوزاعي: ما من شئ أبغض إلى ~~الله في أرضه من عالم يزور ظالما، وعن محمد بن سلمة: الذباب على العذرة ~~أحسن من قارئ على باب هؤلاء، وقال رسول الله صلى الله عليه وآله: من دعا ~~لظالم بالبقاء فقد أحب أن يعصى الله في أرضه، ويؤكد ذلك ما روي عنه صلى ~~الله عليه وآله بطريق العامة والخاصة: كفارة اختلاف أبواب السلطان قضاء ~~حوائج الأخوان. # وكلام الكشاف ظاهر في أن المراد بالظالم هو حاكم الجور، وذلك غير بعيد ~~لأنه المتبادر، ولأن ظلمه أقبح، فلا يبعد كون قباحته واصلا إلى هذه ~~المرتبة، ولما روي من أخبارنا مثل ما ذكر في الفقيه في باب جمل من مناهي ~~النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: من مدح سلطانا جايرا أو تخفف وتضعضع له ~~طمعا فيه، كان قرينه في النار، وقال صلى الله عليه وآله قال الله عز وجل " ~~ولا تركنوا إلى PageV00P398 # الذين ظلموا فتمسكم النار " وقال عليه السلام من ولى جائرا على جور كان ~~قرين هامان في جهنم، ويحتمل الظلم على الغير مطلقا ومطلق الظلم الموجب ~~لسخطه كما مر، وقال في مجمع البيان أي لا تميلوا إلى المشركين في شئ من ~~دينكم عن ابن عباس، وقيل: لا تداهنوا الظلمة عن السدي، وابن زيد، وقيل إن ~~الركون إلى الظالمين المنهي عنه، هو الدخول معهم في ظلمهم أو ms352 إظهار ~~موالاتهم، وأما الدخول عليهم ومخالطتهم ومعاشرتهم دفعا لشرهم فجايز عن ~~القاضي، وقريب منه ما روي عنهم عليهم السلام أن الركون هو المودة والنصيحة ~~والطاعة لهم، والأول بعيد، والثاني قريب مما قلنا إن المراد هو حكام الجور، ~~ومعلوم أن مخالطتهم لدفع شرهم جائز عقلا ونقلا. # ويحتمل أن يكون المراد الميل إلى مطلق الظالم من حيث الظلم كما مر إليه ~~الإشارة، ولهذا قالوا: يجوز مدح من يستحق الذم من وجه آخر بوجه لا يستلزم ~~مدحه على القبيح ويدل عليه العقل، وبالجملة المراد المبالغة في المنع عن ~~الميل إلى الظالم والظلم خصوصا على ما ذكره في الكشاف والقاضي وإلا يلزم ~~كون الميل إلى بعض أكابر الصحابة موجبا لمس النار لأنه قد وجد منهم الظالم ~~والكفر قبل الاسلام، والاستدلال بهذه الآية على اشتراط العدالة في الوصي ~~ومستحق الزكاة والخمس وعدم جواز إعطاء شئ إلى غير العدل ليس بصحيح وهو ~~ظاهر، نعم يمكن الاستدلال بها على تحريم اختلاط الظلمة ومعاشرتهم، ووجوب ~~التنفر عنهم واجتنابهم مطلقا، وخصوصا حكام الجور، وسيما من حيث الظلم ~~والذنب وهو ظاهر عقلا من غير حاجة إلى هذه الآية الشريفة، وفقنا الله ~~وإياكم للاستقامة وعدم الخروج عن الطاعة. # " أرسله معنا غدا نرتع ونلعب وإنا له لحافظون " (1) استجازوا أباهم في ~~اللعب وقد أجاز لهم، فيدل على عدم تحريم اللعب مطلقا إلا ما ثبت تحريمه ~~بخصوصه إلا أن يقال إنه مخصوص بشريعتهم إذ لم يثبت حجية شرع من قبلنا أو ~~يقال إن المراد اللعب الخاص # PageV00P399 # وهو الاستباق والانتضال حتى يتعودوا أنفسهم لقتال العدو بدليل " إنا ~~ذهبنا نستبق " كما قال في الكشاف ولكن لا يحتاج إليه لما تقدم من احتمال ~~اختصاص الإباحة بدينه ولا إلى قوله حتى يتعودوا على أن في إباحة الاستباق ~~تأملا إلا أن يريد الاستباق بالفرس ونحوه ولكن الظاهر أن المراد هو ~~الاستباق بالأقدام، فيحتاج إلى جعله من خصائص دين يعقوب عليه السلام قال في ~~مجمع البيان: أراد به اللعب المباح مثل الرمي والاستباق بالأقدام، وقد روي ~~أن كل لعب حرام ms353 إلا ثلاثة: لعب الرجل بقوسه وفرسه وأهله، والسند غير ظاهر، ~~وفي المستثنى والمستثنى منه تأمل. # وفي قص الرؤيا، ومنع يعقوب اقتصاصه على إخوته معللا بأنهم يكيدوا له كيدا ~~دلالة على جواز قص الرؤيا، وأنها قد تكون صادقة، وجواز النصيحة ولو كانت ~~مشتملة على ما يشعر بذم شخص فتأمل. قيل في قوله تعالى " اجعلني على خزائن ~~الأرض " (1) أي ولني خزائن أرضك أي اجعلني وكيلا وحاكما على ملكك " إني ~~حفيظ عليم " أمين أحفظ ما تستحفظني، عالم بوجوه التصرف، دلالة على جواز مدح ~~النفس وتزكيتها ليتوصل به إلى غرض صحيح، مثل التولية لامضاء الأحكام ~~الشرعية، وإقامة الحدود وبسط العدل، ودفع الظلم، وبالجملة للآمر بالمعروف ~~والنهي عن المنكر، وعلى جواز طلب التولية والقضاء من حكام الجور إذا علم ~~أنه قادر على إجراء الأحكام والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر على ما هي ~~عليه كما ذكره الفقهاء رحمهم الله، بل قد يجب حيث علم عدم حصول ذلك إلا ~~بطلبها لنفسه والعقل يدل عليه ولا يحتاج إلى هذه الآية مع أنه فرع حجية شرع ~~من قبلنا، وقياس غير النبي عليه، وعلمه بعلمه مع أنه كان مستقلا، لا عاملا ~~ولا نايبا وفرض العلم في غيره بحيث يكون عالما بخلو توليته عن جميع المفاسد ~~في نفسه وغيره لا يخلو عن بعد، إذ نجد أن مخالطة الحكام والتسلط على الناس ~~يخرب الدين، وبالجملة كل ذلك إذا كان معلوما عنده أنه يفعله ابتغاء وجه ~~الله كما فعله يوسف عليه السلام بأمر الله ولا شك في جوازه بل وجوبه، وفي ~~جعل السقاية في رحل # PageV00P400 # أخيه ليأخذه، ثم الندا بالسرقة، وتفتيش وعائهم ونحو ذلك، دلالة واضحة على ~~جواز أمثال مع استعمال التورية إذ ذكر في التفسير أنه عليه السلام ورى، ~~ولكن يشكل لما تقدم، ولعدم الضرورة، ولأن ذلك كان بحكم الله تعالى كما قال ~~" كذلك كدنا ليوسف " (1) فتجويز ذلك لغيره قياس مع الفارق فلا يجوز مع أنه ~~يحتمل أن يكون المنادي غيره عليه السلام ثم في عدم منع يوسف ويعقوب أبناءه ~~وترك استتابهم ms354 ومخالطتهم حتى خاف عليهم الدخول من باب واحد فقال " ادخلوا ~~من أبواب متفرقة " (2) دلالة واضحة على جواز ذلك، فتأمل، وفي عفوهما عنهم، ~~ودعائهما لهم دلالة واضحة على أن العفو حسن، وصاحبه ممدوح وهو ظاهر عقلا ~~ونقلا كتابا وسنة متظافرة، ثم في ترك يوسف إعلام أبيه وسائر أهله إلى ذلك ~~الزمان مع قدرته عليه، دلالة واضحة على ترك صلة الرحم بمثل ذلك، وكان ذلك ~~بأمره تعالى لمصلحة يعلمها الله فلا يقاس، ولهذا نقل في الكشاف أنه لما ~~أدخل أباه خزانة القراطيس، قال يا بني ما أعقك؟ عندك هذه القراطيس، وما ~~كتبت إلي على ثماني مراحل؟ قال: أمرني جبرئيل قال أو ما تسأله قال أنت أبسط ~~إليه مني، فسأله قال جبرئيل: الله أمرني بذلك لقولك: وأخاف أن يأكله الذئب، ~~قال: فهلا خفتني فيه، دلالة على التوكل، وعدم الخوف إلا من الله خصوصا ~~الأنبياء والأولياء ونقل في الكشاف أيضا أن سبب محنته أنه ذبح شاة فقام ~~ببابه مسكين ما أطعموه، أو أنه اشترى جارية فباع ولدها فبكت حتى عميت. # وفي بكاء يعقوب ويوسف عليهما السلام دلالة واضحة على جواز البكاء على ~~مفارقة الأحباب، ولهذا بكى نبينا صلى الله عليه وآله على ولده إبراهيم ~~وقال: القلب يجزع والعين تدمع ولا نقول ما يسخط الرب وقال إنما نهيت من ~~الصياح والنياحة ولطم الوجه والصدر وتمزيق الثياب كما يفعله الجهال،، ونهى ~~عن الصوت عند الفرح وعند الحزن لا البكاء، ففي كون البكاء على الميت من ~~أمور الدنيا بحيث يبطل الصلاة به كما قاله الفقهاء تأمل ثم في سجود أبويه ~~دلالة على جواز السجدة لغير الله لكن # PageV00P401 # للتعظيم لا للعبادة، فيه ما تقدم على أنه قد يكون لله شكرا لا له، كما ~~قاله في الكشاف أيضا فتأمل " إنما يتذكر أولوا الألباب " أي إنما يتعظ ~~ويعرف ما تقدم الذين عملوا على قضيات عقولهم، فنظروا واستبصروا، والمبرؤن ~~عن مشابهة الألف و معارضة الوهم. # " الذين يوفون بعهد الله " (1) قيل عهد الله ما عقدوه على أنفسهم من ~~الشهادة بربوبيته " وأشهدهم على ms355 أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى " (2) ويحتمل ~~العموم " ولا ينقضون الميثاق " كل ما وثقوه على أنفسهم من المواثيق بينهم ~~وبين الله، من العهود والنذور والأيمان وغير ذلك، وبين خلقه من الأقارير ~~والعقود والشروط وسائر ما قرر معهم، فهذا تعميم بعد تخصيص، ويحتمل أن يكون ~~معناهما واحدا ويكون الثاني تأكيدا للأول، قال في مجمع البيان إنما كرر ~~الميثاق، وإن دخل جميع الأوامر والنواهي في لفظ العهد لئلا يظن أن ذلك خاص ~~فيما بين العبد وربه، وأخبر أن ما بينه وبين العباد من المواثيق كذلك في ~~الوجوب واللزوم، فيمكن جعل هذه دليل وجوب الوفاء بالنذور والعهود والشرائط ~~والوعد. # " والذين يصلون ما أمر الله به أن يوصل " من الأرحام والقرابات روي في ~~التهذيب عن سلمى مولاة (3) أبي عبد الله عليه السلام قال: كنت عند أبي عبد ~~الله حين حضره الوفاة قال أعطوا الحسن بن الحسين بن علي بن الحسين وهو ~~الأفطس (4) سبعين دينارا قلت له: أتعطي رجلا حمل عليك بالشفرة؟ فقال: ويحك ~~أما تقرأ القرآن؟ قلت: # PageV00P402 # بلى قال: سمعت قول الله تعالى " الذين يصلون ما أمر الله به أن يوصل ~~ويخشون ربهم ويخافون سوء الحساب " فيها دلالة على صحة نسب الأفطس، وجواز ~~إعطاء الفاسق والاحسان إلى من أساء، والظاهر أنه يدخل فيه وصل قرابة رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وقرابة المؤمنين الثابتة بالقرآن مثل قوله تعالى " ~~إلا المودة في القربى " و " إنما المؤمنون إخوة " وبالأخبار المتظافرة ~~والاجماع بالإحسان إليهم على حسب الطاقة، ونصرتهم والذب عنهم، والشفقة ~~عليهم، والنصيحة لهم وطرح التفرقة بينهم وبين أنفسهم، وإفشاء السلام عليهم ~~وعيادة مرضاهم، وشهود جنائزهم، ومنه مراعاة حق الأصحاب والخدم والجيران ~~والرفقاء في السفر، و كل ما تعلق بالإنسان بسبب ما حتى الهرة والدجاجة، وعن ~~الفضيل بن عياض أن جماعة دخلوا عليه بمكة فقال من أين أنتم؟ قالوا: من أهل ~~خراسان، قال اتقوا الله وكونوا من حيث شئتم! واعلموا أن العبد لو أحسن ~~الاحسان كله، وكانت له دجاجة فأساء إليها لم يكن من المحسنين، كله من ~~الكشاف ms356 وفيه مبالغة وهذه دليل على ملاحظة صلة الرحم والأخوان والجيران وفي ~~الأخبار الحث على ذلك مع مبالغة زائدة جدا كثيرا " ويخشون ربهم " أي وعيده ~~وما يترتب على عصيانه من العقاب " ويخافون " وعيدا بالخصوص " سوء الحساب " ~~فيجب على المؤمن أن يحاسب نفسه قبل أن يحاسب كما في الأخبار، مثل ما روي ~~عنه صلى الله عليه وآله أنه قال: وحاسبوا قبل أن تحاسبوا، والأخبار في ~~الوعيد والترغيب غير منحصرة، مثل قول الصادق عليه السلام قال له الراوي: ~~أوصني فقال أعد جهازك، وقدم زادك، وكن وصي نفسك ولا تقل لغيرك يبعث إليك ~~بما يصلحك (1) روي في الكافي عن حماد بن عثمان عن أبي عبد الله عليه السلام ~~لما استقصى رجل عن رجل حقه وحسابه شكى إلى أبي عبد الله عليه السلام فقال ~~له: ما لك ولأخيك؟ قال: جعلت فداك لي عليه شئ فاستقصيت منه حقي قال أبو عبد ~~الله عليه السلام أخبرني عن قول الله عز وجل: " ويخافون سوء الحساب " ~~ألربهم أن يجور عليهم أو يظلمهم؟ لا والله، ولكن خافوا الاستقصاء والمداقة ~~(2). # PageV00P403 # " والذين صبروا " على الطاعات واجتناب المعاصي مما تكرهه النفس ويخالفه ~~الهواء " ابتغاء وجه ربهم " قيل طلبا لثواب الله وطلبا لمرضاته، وامتثالا ~~لأمره مخلصا لذلك لا لغرض آخر، مثل رياء وسمعة أن يقال ما أصبر فلانا على ~~البلاء وما أحمله، ولئلا يشمت به الأعداء كقول معاوية لحسن بن علي عليه ~~السلام لما عاده في مرضه وقام إليه: # بتجلدي للشامتين أريهم * أني لغيض الدهر لا أتضعضع (1) وأنشد الحسن بن ~~علي عليه السلام بيتا آخر من هذه القصيدة: # وإذا المنية أنشبت أظفارها * رائيت كل تميمة لا تنفع (2) وأشار إليه في ~~المطول. والعجب أن معاوية ما عرف أن الشماتة فيما فعل أكثر لأنه أطهر أنه ~~ضعيف، وإنما تجلد لعدم الشماتة، وفيه عين الشماتة، مع عدم حياء، وأذى حصل ~~له من البيت الثاني. قال في الكشاف: صبروا مطلق فيما يصبر عليه من المصائب ~~في النفوس والأموال ومشاق التكاليف، ابتغاء وجه ربهم لا ليقال ما أصبره ~~وأحمله ms357 للنوازل، وأوقره عند الزلازل، ولا لئلا يعاب بالجزع، ولئلا يشمت به ~~الأعداء كقوله بتجلدي للشامتين أريهم، ولا لأنه لا طائل تحت الهلع أي الجزع ~~ولا مرد فيه للفائت، ونقل شعرا: # ثم قال: وكل عمل له وجوه يعمل عليها فعلى المؤمن أن ينوي منها ما به كان ~~حسنا عند الله وإلا لم يستحق به الثواب وكان فعله كلا فعله انتهى. بل قد ~~يكون معاقبا بالفعل بل قد يكون شركا كما قيل في الريا، فالفعل ليس كلا ~~فعله، ففيها دلالة على الترغيب بجميع العبادات والصبر على جميع المصائب، في ~~الأفعال والتروك والأقوال وغيرها، وعلى وجوب النية والاخلاص رزقنا الله ~~وإياكم. # " وأقاموا الصلاة " فعلوها على الوجه المأمور به، وقيل داوموا على فعلها ~~" وأنفقوا في سبيل الله " وجوبا أو ندبا " مما رزقناهم " أي من الحلال الذي ~~يجوز الأرزاق والانفاق منه إذ الحرام ليس كذلك، بل ليس برزق منسوب إلى الله ~~تعالى # PageV00P404 # " ومن " تبعيضية إشارة إلى عدم السرف، فيدخل فيه الأنفاق الواجب على ~~النفس والزوجة والأبوين والأولاد، والزكوات، والنذورات، والأخماس، و ~~المندوبات من صلة الأقارب والأخوان، ومطلق صرف المال لله " سرا وعلانية " ~~أي لا يلاحظ أن هذا عند الناس، وينبغي أن يكون في الخلوة والسر بل يفعله ~~لله سرا وعلانية، واجبة كانت أو مندوبة، ولا يؤخر لأن في التأخير آفة إذ قد ~~عرفت أن المدار على النية والاخلاص، وهو أمر قلبي لا يخص بجهر واخفاء، وقد ~~تقع الرياء في الاخفاء أكثر من الجهر. # ويحتمل أن يكون المراد التعميم لإدراك الفضيلة كما في قوله تعالى " ~~والذين ينفقون أموالهم بالليل والنهار سرا وعلانية " مع قول أمير المؤمنين ~~عليه السلام حين سأله صلى الله عليه وآله عن وجه التقسيم في الليل والنهار ~~والسر والعلانية، ويحتمل التقسيم للواجب والندب، كما في الكشاف أو يكون ~~للواجب فقط، والتقسيم بالنسبة إلى من يعرف بأن له مالا، وإلى من لم يعرف ~~به، كما قال القاضي وليسا بجيدين. # " ويدرؤن بالحسنة السيئة " أي يدفعون بفعل الطاعة المعصية، عن ابن عباس ~~يدفعون بالحسن من الكلام ms358 ما يرد عليهم من سيئ غيرهم، وعن الحسن إذا حرموا ~~أعطوا وإذا ظلموا عفوا، وإذا قطعوا وصلوا، وإلى مثل هذا أشار في الأخبار ~~عنهم عليهم السلام: صل من قطعك ونحو ذلك، وقيل إذا أذنبوا تابوا، وقيل: إذا ~~رأوا منكرا أمروا بتغييره ويحتمل أن يكون إشارة إلى التكفير أو اللطف مثل ~~قوله تعالى " إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر " (1) وأن يكون عامة لدفع ~~جميع القبائح على الوجه الحسن، ومقابلته ودفعه بالحسن الجميل " أولئك لهم ~~عقبى الدار " عاقبة دار الدنيا، وما ينبغي أن تكون عاقبة لأهلها، فإن ~~الآخرة هي عقبى الدار ومنتهاها وهي الجنة التي وعد المتقون، والجملة خبر ~~الموصولات، إن رفعت بالابتداء وإن جعلت صفات لأولي الألباب فاستيناف لما ~~استوجبوا بتلك الصفات. # PageV00P405 # " جنات عدن " بدل من عقبى الدار أو مبتدأ خبره " يدخلونها " والعدن ~~الإقامة أي جنات لن يموتوا فيها، وقيل هو طبقات الجنة " ومن صلح من آبائهم ~~وأزواجهم وذرياتهم " من صلح للدخول منهم عطف على المرفوع في يدخلون، و ~~يحتمل كونه مفعولا معه، والمعنى أنه يلحق بهؤلاء، كأن المراد به المؤمن ~~ليخرج به الكافر، والتقييد إشارة إلى أن مجرد الأنساب لا ينفع بل لا بد من ~~صلاح في الجملة، وهو الايمان، وليس المراد الصلاح الكلي وإلا فلا يحتاج ~~للدخول إلى لحوق الأول بل هو أيضا يدخلون مثلهم، وظاهر الآية أن سبب دخولهم ~~اتصاف هؤلاء الأول بهذه الصفات، ففيها دلالة على أن الطاعة تنفع المطيع ~~وهؤلاء الآباء الخ بغير أن يشفع لهم، فكيف مع الشفاعة، والظاهر هو الأول ~~لعدم القيد، و لأن بالشفاعة يدخل غير هؤلاء أيضا " والملائكة يدخلون عليهم ~~من كل باب " أي من أبواب المنازل أو من أبواب الفتوح والتحف قائلين " سلام ~~عليكم " مبشرين بالدوام " بما صبرتم فنعم عقبى الدار " " بما " يتعلق ~~بعليكم أو بالسلام أو بمحذوف أي هذا بما صبرتم، وما مصدرية أو موصول ~~لصبرتم. # " ولا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجا منهم " (1) أي لا ترفعن عينيك ~~إلى ما متعنا الكفار وأنعمنا عليهم به أمثالا في النعم من ms359 الأولاد والأموال ~~وغير ذلك من زهرات الدنيا، فإنها في معرض الزوال والفناء، مع ما يتبعها من ~~الحساب و الجزاء، وعلى هذا يكون أزواجا منصوبا على الحال، والمراد به ~~الأشباه والأمثال وقيل أن معناه لا تنظرن إلى ما في أيديهم من النعم التي ~~هي أشياء يشبه بعضها بعضا فإن ما أنعمنا عليك وعلى من اتبعك من أنواع النعم ~~وهي النبوة والقرآن و الاسلام والفتوح وغير ذلك أكثر وأوفر مما آتيناهم ~~وقيل: معناه لا يعظمن في عينيك ولا تمدهما إلى ما متعنا به أصنافا من ~~المشركين والأزواج والأصناف و يكون أزواجا على هذا مفعولا به. # نهى رسول الله صلى الله عليه وآله عن الرغبة في الدنيا، فحرم عليه أن يمد ~~عينيه إليها و # PageV00P406 # كان رسول الله صلى الله عليه وآله لا ينظر إلى ما يستحسن من الدنيا هكذا ~~في مجمع البيان و على هذا على تقدير وجوب التأسي يحرم على أمته أيضا ذلك، ~~إلا أن يكون من خصائصه صلى الله عليه وآله وليس بمعلوم ولا منقول في ~~خصائصه، والمراد بالنظر المنهي النظر الراغب الطامع فيه كما صرح به في ~~الكشاف، ويحتمل أن يكون على وجه الحسد والسلب عن غيره، أو حصوله له من غير ~~وجه شرعي فيحرم عليه وعلى أمته بغير نزاع فتأمل " ولا تحزن عليهم " أي على ~~كفار قريش بأنهم ما آمنوا، أو نزل بهم العذاب، أو لا تحزن عليهم بما يصيرون ~~إليه من عذاب جهنم ودلالة هذه أيضا على تحريم ذلك على أمته مثل ما تقدم ~~وقريب منها قوله " ولا تأخذكهم بهما رأفة في دين الله " وقوله " واخفض ~~جناحك للمؤمنين " (1) أي ألن لهم جانبك وأرفق بهم، يدل على وجوب ذلك على ~~الكل كما تقدم. # وأما قوله " فاصدع بما تؤمر " (2) أي أظهره ولا تخفه خوفا وتقية لأن الله ~~يعصمك عن الناس، فالظاهر أنه من خصائصه إذ يجب على غيره التقية في محلها، ~~أو يحمل على غير محلها، وأما الترغيب بالتسبيح بقول سبحان الله والحمد لله ~~[ومؤيده واستعينوا بالصبر والصلاة] (3) عند ضيق ms360 القلب وهجوم الغم، والكون ~~من الذين يسجدون لله وحده ويتوجهون إلى الله بالسجود له، والكون على ~~العبادة إلى أن يأتي الموت على ما يدل عليه قوله تعالى بعد ذلك " ولقد نعلم ~~أنه يضيق صدرك بما يقولون فسبح بحمد ربك وكن من الساجدين * واعبد ربك حتى ~~يأتيك اليقين " أي الموت، فالظاهر أنه ليس بمخصوص به صلى الله عليه وآله. # " وعباد الرحمن " (4) مبتدأ خبره ما يجئ في آخر السورة " أولئك يجزون ~~الغرفة " الخ " الذين يمشون على الأرض هونا " صفة لعباد الرحمن، أو خبره و ~~" أولئك " مبتدأ إشارة إلى عباد الرحمن، ويجزون الخ خبره، في مجمع البيان ~~وغيره هذه الإضافة للتخصيص والتشريف يريد أفاضل عباد الله كما يقال ابني ~~الذي يطيعني # PageV00P407 # وأنا راض عنه فلان، ويكون توبيخا بأن غيرهم ليسوا كذلك، فعباد الله الذين ~~هم عباده وهو عنهم راض هم المذكورون والموصوفون بالصفات المذكورة، منها ~~المشي على الأرض هونا: هينين، فيكون حالا أو مشيا هينا، فصفة مفعول مطلق ~~محذوف وهو السكينة والوقار والتواضع، قال أبو عبد الله عليه السلام هو ~~الرجل يمشي بسجيته التي جبل عليها لا يتكلف ولا يتبختر، وقيل معناه علماء ~~حلماء لا يجهلون وإن جهل عليهم عن الحسن وقيل أعفاء أتقياء عن الضحاك، ~~والهون الرفق و اللين، ومنه الحديث أحبب حبيبك هونا ما وقوله صلى الله عليه ~~وآله المؤمنون هينون لينون، و المثل إذا عز أخوك فهم ومعناه إذا عاسر ~~فيأسره، والمعنى أنهم يمشون بسكينة ووقار وتواضع ولا يضربون بأقدامهم ولا ~~يخفقون بنعالهم أشرا وبطرا، ولذلك كره بعض العلماء الركوب في الأسواق ~~ولقوله " ويمشون في الأسواق " (1) كذا في الكشاف، فيدل على مرجوحية التبختر ~~وغيره مما ينافي الهون بالمفهوم، بل هو حرام على بعض الوجوه لما تقدم " ولا ~~تمش في الأرض مرحا " (2). # ومنها " وإذا خاطبهم الجاهلون " بما يكرهونه أو يثقل عليهم " قالوا " في ~~جوابهم " سلاما " سدادا من القول لا يقابلونهم بمثل قولهم من الفحش، وقيل: ~~قولا يسلمون فيه عن الإثم والإيذاء أو تسلما منكم ومتاركة لكم لا خير بيننا ~~ولا شر ms361 ولا نجاهلكم ونتسلم منكم تسلما فأقيم ذلك السلام مقام التسليم ولا ~~ينافيه آية القتال لتنسخه فإن المراد هو الاغضاء عن السفهاء وترك مقابلتهم ~~في الكلام، والمراد بالجهل هنا السفه وقلة الأدب، وسوء الرعة، فيدل على ~~مرجوحية مقابلة الجاهل بالجهل. # ومنها " والذين يبيتون لربهم سجدا وقياما " في الكشاف البيتوتة خلاف ~~الظلول، وهو أن يدركك الليل نمت أو لم تنم، وقالوا من قرأ شيئا من القرآن ~~في صلاته وإن قل فقد بات ساجدا وقائما، وفيه إبهام وبعد، والقائلون غير ~~ظاهرين ثم قال: وقيل هما الركعتان بعد المغرب، والركعتان بعد العشاء، و ~~الظاهر أنه وصف لهم باحياء الليل كله أو أكثره، يقال فلان يظل صائما ويبيت # PageV00P408 # قائما، والظاهر هو الظاهر ولا يبعد تحققه بالأكثر في الليالي والليلة إذ ~~الكل بعيد، والخروج عن العهدة مشكل وللعيون والزوجات مثلا حق كما يدل عليه ~~بعض الأخبار، ويدل عليه قوله " يا أيها المزمل قم الليل إلا قليلا نصفه أو ~~انقص منه قليلا أو زد عليه ". # وفي الذكرى أن الاحياء يحصل بمضي أكثر الليل، وأيضا في العرف إذا فعل في ~~أكثره ذلك يقال له فعل ذلك، والمراد أنهم يصلون في الليل ويسجدون فيه، في ~~وقت ينبغي أن يسجد ويقام فيه يقومون ويسجدون فيه، وهما جمع ساجد وقائم، ~~ويحتمل المصدر للمبالغة، قيل: وتأخير القيام للروي وتخصيص البيتوتة لأن ~~العبادة بالليل أحمز، وأبعد من الريا، فيدل على رجحان هذا الوصف ومرجوحية ~~خلافه. # في مجمع البيان: قال الزجاج كل من أدركه الليل فقد بات، نام أو لم ينم ~~والمعنى يبيتون لربهم بالليل في الصلاة ساجدين وقائمين، طالبين لثواب ربهم ~~فيكونون سجدا في مواضع السجود وقياما في مواضع القيام. # ومنها " والذين يقولون ربنا اصرف عنا عذاب جهنم إن عذابها كان غراما " أي ~~يدعون بهذا القول " إنها ساءت مستقرا ومقاما " أي إن جهنم بئس موضع قرار ~~وإقامة هي، في الكشاف " غراما " هلاكا وخسرانا ملحا لازما ومنه الغريم ~~لالحاحه ولزامه، وصفهم باحياء الليل ساجدين وقائمين، ثم عقبه بذكر دعوتهم ~~هذه إيذانا بأنهم مع اجتهادهم ms362 في العبادة خائفون متبتلون إلى الله في صرف ~~العقاب عنهم كقوله " والذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة ". " ساءت " في حكم ~~بئست وفيها ضمير مبهم يفسره مستقرا، والمخصوص بالذم محذوف، معناه ساءت ~~مستقرا ومقاما هي، فتدل على أن قول هذا والدعاء به حسن، وتركه ليس من دأب ~~المؤمنين. # ومنها " والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا " قيل: الاسراف هو ~~النفقة في المعاصي والاقتار الامساك عن حق الله عن ابن عباس، وقتادة، وقيل ~~السرف PageV00P409 # مجاوزة الحد في النفقة، والاقتار التقصير عما لا بد منه عن إبراهيم ~~النخعي، و روي عن معاذ أنه قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وآله فقال من ~~أعطى في غير حق فقد أسرف، ومن منع من غير حق فقد قتر، وروي عن أمير ~~المؤمنين علي عليه السلام أنه قال: ليس في المأكول والمشروب سرف وإن كثر، " ~~وكان بين ذلك قواما " أي وكان انفاقهم بين الاسراف والاقتار لا إسرافا ~~فيدخلون في المبذر، ولا تضييقا فيصيرون به في المانع لما يجب، وهذا هو ~~المحدود، والقوام من العيش ما أقامك وأغناك وقيل القوام بالفتح العدل، ~~وبالكسر ما يقوم به الأمر ويستقر عن ثعلب، وقال أبو عبد الله عليه السلام: ~~القوام هو الوسط، وقال عليه السلام: أربعة لا يستجاب لهم دعوة إلى قوله " ~~ورجل كان له مال فأفسده فيقول يا رب ارزقني، فيقول ألم آمرك بالاقتصاد؟ (1) ~~في الكشاف القتر والاقتار التضييق الذي هو نقيض الاسراف، والإسراف مجاوزة ~~الحد في النفقة، وصفهم بالقصد الذي هو بين الغلو والتقتير، وبمثله أمر ~~رسوله صلى الله عليه وآله " ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل ~~البسط " (2) وقيل: الاسراف إنما هو الأنفاق في المعاصي، فأما في القرب فلا ~~إسراف، وسمع رجل رجلا يقول: لا خير في الاسراف فقال لا إسراف في الخير ~~ويؤيده ما في الصحيح عنه صلى الله عليه وآله لعلي عليه السلام: وأما الصدقة ~~فجهدك حتى تقول قد أسرفت ولم تسرف. # ثم قال القوام العدل بين الشيئين لاستقامة الطرفين واعتدالهما، ونظير ~~القوام ms363 من الاستقامة السواء من الاستواء وقرئ قواما بالكسر وهو ما يقام به ~~الشئ، يقال أنت قوامنا يعني ما يقام به الحاجة لا يفضل عنها ولا ينقص، ~~والمنصوبان أعني " بين ذلك قواما " جايز أن يكونا خبرين معا، وأن يجعل " ~~بين ذلك " ظرفا لغوا و " قواما " مستقرا وأن يكون الظرف خبرا وقواما حالا ~~مؤكدة. # " والذين لا يدعون " الآيات، أي أولئك كما هم موصوفون بتلك الصفات ~~الوجودية مبرؤون عن هذه الصفات المقبحة التي اتصف أعداؤهم أي المشركون بها # PageV00P410 # من الشرك وقتل النفس بغير حق والزنا " ومن يفعل ذلك يلق أثاما " [يضاعف ~~إثمه] أي يأثم بالشرك وغيره، وهم مخلدون في النار إلا التائب المؤمن الذي ~~يعمل عملا فإنه يبدل الله سيئاته حسنات أي يمحوا سيئاته بالتوبة ويثبت ~~مكانها الحسنات والطاعة والتقوى، وكذا " لا يشهدون الزور " لا يجلسون ولا ~~يحضرون مجالس الخطائين ولا يقربونها تنزها وصيانة لدينهم، لأن مشاهدة ~~الباطل على وجه الرضا به شرك فيه، ولذلك قيل في النظارة إلى كل ما لم تسوغه ~~الشريعة: هم شركاء فاعلية في الإثم، لأن حضورهم ونظرهم دليل الرضا به، وسبب ~~وجوده، لأن الذي سلطه على فعله هو استحسان النظارة في النظر، ورغبتهم إليه، ~~ويحتمل أن يكون لا يشهدون شهادة الزور أي لا يكذبون في الشهادة، فحذف ~~المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه. # " وإذا مروا باللغو مروا كراما " اللغو كل ما ينبغي أن يلغي ويطرح، و ~~المعنى وإذا مروا بأهل اللغو والمشتغلين به، مروا معرضين عنه مكرمين أنفسهم ~~عن التوقف عليهم والخوض معهم كقوله " وإذا سمعوا اللغو أعرضوا عنه " (1) ~~وإذا ذكروا بآيات الله، أي إذا سمعوا بها أكبوا عليها حرصا على استماعها ~~وأقبلوا سامعين والعاملين بها والمتعظين، لا كالأصم والأعمى، ويدعون ~~ويقولون في دعائهم " ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين " أي ارزقنا ~~من الأزواج والأولاد أزواجا وأعقابا يكونون قرة عين لنا نسر بهم، فيكون ~~عملهم الطاعة و التقوى وما كان الله راض به " واجعلنا للمتقين إماما " وأن ~~يكونوا للمتقين التابعين لله مخالطا وإماما لهم يقتدون بهم في ms364 دينهم للعلم ~~والعمل، وذلك موجب للجزاء العظيم المذكور بقوله " أولئك يجزون " الآية، ~~وبالجملة الآيات الشريفة دالة على راجحية وحسن هذه الأوصاف الوجودية، وأن ~~لها دخلا في كمال الايمان مثل المرور باللغو كراما ومرجوحية الصفات القبيحة ~~مثل الشرك والريا (2) فلا بد من الاتصاف بالأول وترك الثواني، الله الموفق. # PageV00P411 # وفي قوله " والشعراء يتبعهم الغاوون ألم تر أنهم في كل واد يهيمون وأنهم ~~يقولون ما لا يفعلون " (1) دلالة على كون الشعر صفة ذم وكذا متابعة الشعراء ~~ويدل عليه الأخبار أيضا حتى ورد إعادة الوضوء بقراءة ما زاد على ثلاثة ~~أبيات إلا أن يراد ما هو الباطل منه. في الكشاف: " الشعراء " مبتدأ " ~~ويتبعهم الغاوون " خبره، ومعناه أنه لا يتبعهم على باطلهم وكذبهم وفضول ~~قولهم وما هم عليه من الهجاء والتمزيق بالأعراض والقدح في الأنساب، ومدح من ~~لا يستحق المدح، ولا يستحسن ذلك منهم إلا الغاوون والسفهاء ويؤيد التخصيص ~~وجود الأشعار عن العلماء والصلحاء، بل عن الأئمة عليهم السلام والظاهر أنه ~~إذا كان مشتملا على النصيحة والحكمة والمباحات و الحق والمراثي والمدح لأهل ~~البيت عليهم السلام لا يذم، ويدل عليه قوله تعالى " إلا الذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات وذكروا الله كثيرا ". في الكشاف استثنى الشعراء المؤمنين الصالحين ~~الذين يكثرون ذكر الله وتلاوة القرآن، وكان ذلك أغلب عليهم من الشعر، أو ~~إذا قالوا شعرا قالوه في توحيد الله والثناء عليه والحكمة والموعظة والزهد ~~والآداب الحسنة، ومدح رسول الله صلى الله عليه وآله والصحابة وصلحاء الأمة، ~~و ما لا بأس به من المعاني التي لا يتلطخون فيها بذنب، ولا يتلبسون بشائبة، ~~ولا منقصة الخ، وتدل أيضا على مذمة الخوض في الأمور من غير علم، وكذا القول ~~بما لم يفعل، وهو مذموم جدا ودلت عليه الآيات والأخبار. # ويدل على مرجوحية الفرح في الدنيا قوله " لا تفرح إن الله لا يحب الفرحين ~~" وكذا " فليضحكوا قليلا وليبكوا كثيرا " (2) في الكشاف وذلك أنه لا يفرح ~~بالدنيا إلا من رضي بها واطمأن إليها فأما من قلبه إلى الآخرة ويعلم أنه ~~مفارق ما فيها ms365 عن قريب لم تحدثه نفسه بالفرح، ويدل على تحريم التكبر والعلو ~~والفساد بل إرادتها أيضا فيدل على تحريم قصد المحرم بمجرده من غير فعله ~~فافهم. # " ومن الناس من يشتري لهو الحديث ليضل عن سبيل الله بغير علم ويتخذها # PageV00P412 # هزوا أولئك لهم عذاب مهين " (1) في الكشاف إضافة اللهو إلى الحديث معناها ~~التبيين وهي الإضافة بمعنى من - إلى قوله: ويجوز أن تكون الإضافة بمعنى من ~~التبعيضية كأنه قيل ومن الناس من يشتري بعض الحديث الذي هو اللهو منه، ~~واللهو كل باطل ألهى عن الخير وعما يعني، ولهو الحديث هو السمر بالأساطير ~~والأحاديث التي لا أصل لها، والتحدث بالخرافات والمضاحيك، وفضول الكلام وما ~~لا ينبغي من كان وكان، ونحو الغنا وتعلم الموسيقار وما أشبه ذلك وفي حديث ~~النبي صلى الله عليه وآله لا يحل بيع المغنيات ولا شراؤهن ولا التجارة فيهن ~~ولا أثمانهن وعنه عليه الصلاة والسلام ما من رجل يرفع صوته بالغناء إلا بعث ~~الله عليه شيطانين أحدهما على هذا المنكب، والآخر على هذا المنكب، فلا ~~يزالان يضربان بأرجلهما حتى يكون هو الذي يسكت وقيل الغنا منفذة للمال ~~مسخطة للرب مفسدة للقلب (2). # الغناء مشهور فكل ما يسمى في العرف بها فهو محرم إذ لا معنى له شرعا قيل ~~هو ترجيح الصوت المطرب وما اعتبر المطرب بعض، والأصل أن تحريمه ثابت فكل ما ~~يقال إنه غناء فهو حرام إلا ما استثني مثل الحداء فإن ثبت اعتبار الترجيع ~~والطرب في الغنا فهو المحرم فقط، وما نعرفه، وإلا فيحرم الكل، والاحتياط في ~~ترك الكل. # في الكشاف: والمراد بالحديث هنا الحديث المنكر كما جاء في الحديث الحديث ~~في المسجد يأكل الحسنات كما تأكل البهيمة الحشيش. في مجمع البيان: # وأكثر المفسرين على أن المراد بلهو الحديث الغنا، وهو قول ابن عباس وابن ~~مسعود وغيرهما، وهو المروي عن أبي جعفر وأبي عبد الله عليهما السلام وأبي ~~الحسن الرضا عليه السلام قال منه الغنا وروي أيضا عن أبي عبد الله عليه ~~السلام أنه قال هو الطعن في الحق والاستهزاء ms366 به إلى قوله: فعلى هذا فإنه ~~يدخل فيه كل شئ يلهي عن سبيل الله وعن طاعته من الأباطيل والمزامير ~~والملاهي والمعازف، ويدخل فيه السخرية # PageV00P413 # بالقرآن واللغو فيه وكل لهو ولعب والأحاديث الكاذبة والأساطير الملهية عن ~~القرآن، والظاهر حينئذ أنه يدخل فيه القصص والحكايات السالفة التي لا فايدة ~~تحتها، بل جميع الأشياء التي ليس بعبادة فتأمل، ولكن قد يخص بالمعاصي ~~فتأمل. # " ولا تستوي الحسنة ولا السيئة ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه ~~عداوة كأنه ولي حميم * وما يلقيها إلا الذين صبروا وما يلقيها إلا ذو حظ ~~عظيم " (1) في الكشاف يعني أن الحسنة والسيئة متفاوتتان في أنفسهما، فخذ ~~بالحسنة التي هي أحسن من أختها، إذا اعترضتك حسنتان، فادفع بها السيئة التي ~~ترد عليك من بعض أعدائك، ومثال ذلك رجل أساء إليك إساءة فالحسنة أن تعفو ~~عنه والتي هي أحسن أن تحسن إليه مكان إساءته إليك، مثل أن يذمك فتمدحه، ~~ويقتل ولدك فتفدي ولده من يد عدوه، فإنك إذا فعلت ذلك، انقلب عدوك المشاق ~~مثل الولي الحميم، مصافة لك. ثم قال: وما يلقى هذه الخليقة والسجية التي هي ~~مقابلة الإساءة بالإحسان إلا أهل الصبر وإلا رجل خير وفق لحظ عظيم من الخير ~~ويحتمل كون لا رائدة والمعنى ليستا بمتساويين وعدم الفاء يؤيده والأحسن ~~يؤيد الأول. # " وأما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله " أي منه " إنه هو السميع ~~العليم " فأكد العمل بتلك السجية بأنه إن منعك وصرفك الشيطان عن هذا العمل ~~الحسن الموجب للأجر العظيم، فإنه عدو يمنع عنه، فاستعذ منه فإنه يندفع عنك ~~ومثلها " جزاء سيئة مثلها فمن عفى وأصلح فأجره على الله " (2) والمعنى أنه ~~تجب إذا قوبلت الإساءة أن تقابل بمثلها من غير زيادة، فإذا قال له أخزاك ~~الله يقول أخزاك الله، وعن النبي صلى الله عليه وآله إذا كان يوم القيامة ~~نادى مناد: من كان له على الله أجر فليقم، قال فيقوم خلق، فيقال لهم: ما ~~أجركم على الله؟ يقولون: نحن الذين عفونا عمن ظلمنا، فيقال له ادخلوا الجنة ms367 ~~بإذن الله. # يجب السجود عند قراءة هذه الآية " ومن آياته الليل والنهار والشمس # PageV00P414 # والقمر لا تسجدوا للشمس ولا للقمر واسجدوا لله الذي خلقهن إن كنتم إياه ~~تعبدون * فإن استكبروا فالذين عند ربك يسبحون له بالليل والنهار وهم لا ~~يسئمون " (1) بالنص والاجماع، قيل موضعه " تعبدون " لقربه من الأمر بالسجود ~~وفيه تأمل، فإن هذا الأمر لا يدل على وجوبه عند قراءتها، وهو ظاهر، وقيل لا ~~يسأمون وهو مذهب الأكثر لتمام المعنى ولأن الأصل عدم الوجوب وقد تحقق حينئذ ~~بالإجماع ولعل الفعل حينئذ أحوط، إذ وجوبها فوريا بحيث يضر هذا المقدار من ~~التأخير للاحتياط غير ظاهر ويمكن كون الأحوط السجدة مرتين " وجعل لكم من ~~الفلك والأنعام ما تركبون " (2) أي تركبونها وتركبونه حذف الضمير الأول ~~لدلالة الثاني عليه " لتستووا على ظهوره " وظاهره مختص بالأنعام، ويحتمل ~~العموم قال في الكشاف على ظهور ما تركبون، وهو الفلك والأنعام " ثم تذكروا ~~نعمة ربكم إذا استويتم عليه " تكرار للمبالغة " وتقولوا سبحان الذي سخر لنا ~~هذا وما كنا له مقرنين وإنا إلى ربنا لمنقلبون " وروي في أخبار أهل البيت ~~عليهم السلام قراءة هذه الآية وبعدها " الحمد لله رب العالمين " عند الركوب ~~(3) وكذا آية " بسم الله مجريها " في السفينة. # في الكشاف: ومعنى ذكر نعمة الله عليهم أن يذكروها في قلوبهم معترفين بها ~~مستعظمين لها، ثم يحمدوا عليها بألسنتهم، وهو ما يروى عن النبي صلى الله ~~عليه وآله أنه كان إذا وضع رجله في الركاب قال " بسم الله " فإذا استوى على ~~الدابة قال الحمد لله على كل حال سبحان الذي إلى قوله لمنقلبون، وكبر ثلاثا ~~وهلل ثلاثا. وقالوا إذا ركب السفينة قال " بسم الله مجريها ومرسيها، إن ربي ~~لغفور رحيم ". # وعن الحسين بن علي رضي الله عنهما أنه رأى رجلا ركب دابة فقال سبحان الذي ~~سخر لنا هذا فقال أبهذا أمرتم فقال وبم أمرنا؟ قال أن تذكروا نعمة ربكم كان ~~قد أغفل التحميد، فنبهه عليه، وهذا من حسن مراعاتهم لآداب الله، ومحافظتهم ~~على دقيقها وجليلها، جعلنا الله من المقتدين بهم، وسايرين ms368 بسيرتهم. مقرنين ~~مطيعين # PageV00P415 # " لمنقلبون " أي راجعون إلى الله تعالى، ولما كان ركوبهما قد يؤل إلى ~~الهلاك فقد أمروا أن يذكروا، ويجعلوا أنفسهم كالهالكة الراجعة إلى الله، ~~والغرض عدم الغفلة عن الله في كل حال والسلام. # فيها دلالة على جواز ركوب البحر بالفلك، وركوب الأنعام، وأنهما نعمة من ~~الله على عباده، واستحباب ذكر نعم الله بعد الوصول إليها والشكر عليها، و ~~استحباب قول " سبحان الذي " إلى آخره بعد الركوب وإضافة الحمد. # ويدل على استحباب وسم موضع السجود، بأن يظهر أثره فيه لكثرته قوله " ~~سيماهم " علامتهم " في وجوههم من أثر السجود ذلك مثلهم " الخ (1). # وفي قوله " يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله " (2) في ~~القاضي: # مستعار مما بين الجبهتين المتسامتتين، والمعنى لا تقطعوا أمرا قبل أن ~~يحكم الله ورسوله فيه، فلا تحكموا بأمر من أمور الدين، قبل علمكم بأنه بينه ~~الله ورسوله فلا تقولوا ولا تفعلوا شيئا على أنه أمر من أمور الدين إلا أن ~~تعلموا أنه مما قاله الله تعالى ورسوله دلالة على تحريم الفعل والقول من ~~غير علم، لعله يريد بالعلم أعم من الظن المعمول به في الفقه، أو يؤل ذلك ~~إلى العلم كما مر مرارا. # ويدل على عدم جواز التسخر والاستهزاء بالمؤمنين وتحريمه قوله " يا أيها ~~الذين آمنوا لا يسخر قوم من قوم عسى أن يكونوا خيرا منهم ولا نساء من نساء ~~عسى أن يكن خيرا منهن " (3). # أي لا يسخر بعض المسلمين والمسلمات بعضهم، وإنما اقتصر في الأول على ~~المسلمين وفي الثانية على المسلمات للوقوع والكثرة إذ قد يكون المسخور منه ~~خيرا عند الله من الساخر، وظاهره أن القوم مخصوص بالرجال كالنساء بالمرأة، ~~ويحتمل العموم وخص هنا للمقابلة " ولا تلمزوا أنفسكم " أي ولا يعيب بعضكم ~~بعضا فإن المؤمنين كنفس واحدة، واللمز الطعن باللسان " ولا تنابزوا ~~بالألقاب " أي ولا يدعوا بعضكم # PageV00P416 # بعضا باللقب السوء الذي لا يرضى به صاحبه، النبز مختص باللقب السوء عرفا ~~" بئس الاسم الفسوق بعد الايمان " أي بئس الجمع بين الايمان والفسق، فلا ~~يطلق ms369 الفاسق على المؤمن، وفيه إشعار بعدم الاجتماع بينهما فتأمل " ومن لم ~~يتب " عما نهي عنه " فأولئك هم الظالمون " بوضع العصيان موضع الطاعة، ~~وتعريض النفس للعذاب. # " يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيرا من الظن " (1): أي كونوا على جانب ~~منه وإنما ذكر الكثير ليحتاط في كل ظن، ويتأمل حتى يعلم أنه من أي قبيل من ~~الظن، فإن منه ما يجب اتباعه كالظن، حيث لا قاطع فيه من العمليات، و حسن ~~الظن بالله، وما يحرم كالظن في الإلهيات والنبوات والإمامات وحيث يخالفه ~~قاطع، وظن السوء بالله وبالمؤمنين، ومباح كالظن في أمور المعاش " إن بعض ~~الظن إثم " تعليل للأمر، والإثم الذنب الذي يستحق به العقاب " ولا تجسسوا ~~": # ولا تبحثوا عن عورات المسلمين، والنهي عن تتبع عورات المسلمين في الأخبار ~~كثير مثل لا تتبعوا عورات المسلمين فإن من تتبع عوراتهم تتبع الله عورته ~~حتى يفضحه ولو في جوف بيته (2). # " ولا يغتب بعضكم بعضا " أي لا يذكر بعضكم بعضا بالسوء قولا أو فعلا ~~إشارة وكناية، وصريحا، وبالجملة هي ما يفهم من قوله صلى الله عليه وآله حين ~~سئل عن الغيبة ذكرك أخاك بما يكره، فإن كان فيه فقد اغتبته، وإن لم يكن فيه ~~فقد بهته، لعل المراد بالذكر إظهار ما يكره باللسان وغيره، كما ذكره ~~العلماء وصرح به في الروايات " أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا " تمثيلا ~~لما يناله المغتاب من عرض المغتاب على أفحش وجه، مع مبالغات: الاستفهام ~~المقرر، والاسناد إلى أحد، فإنه للتعميم وتعليق المحبة بما هو في غاية ~~الكراهة، وتمثيل الاغتياب بأكل لحم الانسان، و جعل المأكول لحم الأخ الميت، ~~وتعقيب ذلك بقوله " فكرهتموه " تقريرا وتحقيقا لذلك، والمعنى إن صح ذلك أو ~~عرض عليكم فقد كرهتموه، ولا يمكنكم إنكار # PageV00P417 # كراهته، وانتصاب " ميتا " على الحال من اللحم، أو الأخ. # " واتقوا الله إن الله تواب رحيم " لمن اتقى ما نهي عنه، وتاب عما فرط ~~منه، وكان في قوله " ولا يغتب بعضكم بعضا " إشارة إلى جواز غيبة الكافر، ~~والمعنى خصوا أيها المؤمنون أنفسكم بالانتهاء عن ms370 غيبتها والطعن فيها، ولا ~~عليكم أن تعيبوا غيركم ممن لا يدين بدينكم ولا يسير بسيرتكم، ففي الحديث عن ~~رسول الله صلى الله عليه وآله اذكروا الفاجر بما فيه كي يحذره الناس، فيه ~~تأمل إلا أن يقصد حذر الناس عنه فيذكر ما فيه لذلك مع الحاجة فتأمل. # " يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل ~~لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقيكم " (1) في الكشاف المعنى أن الحكمة التي ~~من أجلها رتبكم على شعوب وقبائل، هي أن يعرف بعضكم نسب بعض، فلا يعتزي إلى ~~غير آبائه لا أن تتفاخروا بالآباء والأجداد، وتدعوا التفاوت والتفاضل في ~~الأنساب، ثم بين الخصلة التي بها يفضل الانسان غيره، ويكتسب الشرف والكرم ~~عند الله، فقال: # " إن أكرمكم عند الله أتقيكم " لا أنسبكم، عن النبي صلى الله عليه وآله ~~يا أيها الناس إنما الناس رجلان مؤمن تقي كريم على الله، وفاجر شقي هين على ~~الله، ثم قرأ الآية وعنه صلى الله عليه وآله أنه لما مات غلام أسود يحضر ~~الجماعة فتولى عنه غسله ودفنه، فدخل على المهاجرين والأنصار أمر عظيم فنزلت ~~" إن أكرمكم " الآية. # " أم لم ينبأ بما في صحف موسى * وإبراهيم الذي وفى " (2) أي تمم وأكمل ما ~~أمر به " ألا تزر وازرة وزر أخرى * وأن ليس للإنسان إلا ما سعى " أي سعيه " ~~إن " هي المخففة من المثقلة وهي مع ما بعده في محل الجر بيان لما في صحف ~~موسى و إبراهيم، أو في محل الرفع خبر مبتدأ محذوف، أي " هو ألا " كأنه قيل: ~~ما كان في صحف موسى وإبراهيم فأجاب به " وأن ليس " عطف عليه، والمعنى لا ~~يؤاخذ أحد بذنب آخر ولا يثاب بفعل غيره، ولا ينافي الأولى " ومن قتل نفسا ~~بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا " (3) وقوله عليه السلام ~~من سن سنة سيئة فله # PageV00P418 # وزر من عمل بها إلى يوم القيامة، وهو ظاهر. # نعم ينافيه مؤاخذة العاقلة في الخطأ فخرج بالنص والاجماع، وقيل لا ينافي ~~الأخيرة ما هو المقرر في ms371 الشرع من انتفاع الناس بعمل ولده وأخيه من الصدقة ~~والحج، بل الصلاة والصوم وغيرهما مما يفعل له بعده، لأن سعي غيره كأنه سعي ~~نفسه، وهو أن يكون مؤمنا صالحا لذلك فهو مبني على سعيه ونتيجته، و لهذا لو ~~لم يكن مؤمنا لم ينفعه سعي غيره أصلا، ولأن سعي غيره لا ينفعه إذا عمله ~~لنفسه، ولكن إذا نواه له، فهو بحكم الشرع، كالنائب عنه والوكيل القائم ~~مقامه فيهما تأمل، إذ لا شك أن الثواب الواصل إليه مثلا من الصدقة هو ثواب ~~الصدقة وهي ليست فعله، وفعل النائب أيضا على تقدير التسليم ليس فعل المنوب، ~~فليس الثواب مترتبا على فعله، وهو ظاهر. # ويمكن أن يقال إنه من دين موسى وإبراهيم عليهما السلام وأن يقال: لما ثبت ~~بالنص والاجماع وصول ثواب إلى شخص بفعل غيره مثل ما تقدم، لا بد من تخصيص ~~هذه الآية بهما وليس ذلك بعزيز، وأن يقال معناه أن ليس له ابتداء إلا جزاء ~~سعيه، وهذا ليس له ابتداء بل لغيره ثم أعطاه إياه، كالتفضل الذي يتفضل الله ~~تعالى به، وأن يقال ليس له حق واجب يستحق طلبه إلا جزاء عمله وسعيه فتأمل ~~أو يقال معناه ليس للإنسان مطلقا جزاء إلا جزاء عمل انسان، وليس فيه تصريح ~~بأن ليس لأحد إلا جزاء عمله فتأمل. # " ولا تمنن تستكثر " (1) قيل: مرفوع لفظا منصوب محلا على الحالية عن فاعل ~~" تمنن " أي ولا تعط مستكثرا ورائيا عادا لما تعطيه كثيرا عظيما معتبرا في ~~نظرك بل عده حقيرا كاللا شئ، ويحتمل كون المن بمعنى مطلق الاحسان، قال في ~~القاموس من عليه منا أنعم واصطنع عنده صنيعة ومنه امتن. كما ورد في ~~الروايات أن المحسن ينبغي أن يعد إحسانه إلى الغير حقيرا بل كالعدم وينساه، ~~بخلاف الاحسان إليه فإنه ينبغي أن يعده عظيما ولا ينساه، وإن كان قليلا ~~وحقيرا # PageV00P419 # فالاستكثار قد يكون حراما إذا لم يكن على الوجه المأمور به، خصوصا إذا ~~استلزم أذى المعطى، فيضيع ماله ويحصل العقاب به من جهة الأذى والإسراف ~~والتبذير وإليه ms372 أشير في قوله تعالى " لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى " و " ~~ثم لا يتبعون ما أنفقوا منا ولا أذى " (1) فيكون النهي للتحريم وراجعا إلى ~~القيد. # قال في الكشاف: أو طلبا لعوض كثير من الموهوب له، فيكون نهيا عن ~~الاستعزار، وهو أن يهب شيئا وهو يطمع أن يتعوض من الموهوب له أكثر من ~~الموهوب، والظاهر أن هذا جايز في نفسه، إلا أن يضم إليه ما يحرمه، فيكون ~~النهي للتنزيه والكراهة، أو يكون حراما ومخصوصا به صلى الله عليه وآله ~~كسائر خصائصه قاله في الكشاف والقاضي ولكنه غير معلوم الكراهة، إذا كان ~~برضى فإن الهبة على طريق المعاوضة برضا الطرفين لم يظهر وجه كراهتها، وما ~~قالها الفقهاء أيضا وما عد من خصايصه أيضا إلا أن يكون عندهم كذلك لهذه ~~الآية. # وقال فيهما أيضا إنه قرئ منصوبا بتقدير " أن " وقد قرئ بها، ويحتمل حذفها ~~على تقدير الرفع أيضا مع إبطال عملها كما روي القرائتان في أحضر في قول ~~الشاعر: ألا أيهذا اللائمي أحضر الوغى، أي من أن أحضر الحرب والمعركة وقرئ ~~أيضا بالجزم بدلا عن تمنن فيجزم بلا مثله ويكون حينئذ من مقولة قوله تعالى ~~" ثم لا يتبعون " الآية وعلى الأول من العطية كما يظهر من الكشاف وفيه ~~تأمل، إذ قد عرفت أن الأولى في الأول كونه بمعنى مطلق الاحسان واصطناع ~~المعروف وفي غيره أيضا يصح العطية وأن قراءة النصب من الشواذ مع إظهار أن ~~وعدمه، وإن حذف " أن " خصوصا مع العمل إذا لم تكن ظاهرة، ويكون الأمر ~~ملتبسا غير مستحسن، سيما في كلام الله تعالى وظاهر حذفه في الشعر فإنه من ~~دون تقديره لا معنى له، وأن البدل إذا كان جملة عن جملة أخرى لا يعمل في ~~لفظ البدل ما يعمل في لفظ مبدله، فإن البدل الذي يعرب باعراب مبدله من ~~التوابع المعربة # PageV00P420 # باعراب مبدلها وهي في المفرد بل الاسم كما هو مذكور في كتب العربية ~~المشهورة. # والظاهر أن حكم التوابع غير مخصوص بالاسم وإن خصه في الكافية به لأنه ~~يجري في الفعل ms373 أيضا وهو كثير في القرآن وغيره في العطف، نعم لا يكون ذلك في ~~الجمل إلا مع وقوعها في محل الاعراب وهو ظاهر فيحتمل أن يكون الجزم آخرا ~~لحكم الوقف في الوصل أيضا قاله في الكشاف والقاضي أيضا أو لمناسبة " ولا ~~تمنن " وهو بعيد. # " ولربك فاصبر " أي لوجه الله والتقرب به، وامتثال إرادته لا غير، اصبر ~~على جميع المشاق من التكاليف بفعل الطاعات وترك المعاصي خصوصا على ما يحصل ~~لك من الأذى في التبليغ والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بحيث لا يظهر منك ~~شكاية، وشئ يوجب الحرمان من الثواب، فإن أجر الصبر كثير " إنما يوفى ~~الصابرون أجرهم بغير حساب " (1) فيدل على وجوب الصبر على المحن على أمته ~~كذلك، فيمكن عدم سقوط الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لحصول أذى قليل ~~فتأمل. # ثم ذكر الله في آخر هذه السورة ما يدل على وجوب الصلاة، ووجوب إطعام ~~المسكين، وتحريم الخوض في الباطل على الكفار أيضا وأن خلافها موجب لدخول ~~النار بقوله تعالى " في جنات يتسائلون " (2) أي يسأل أهل الجنة الذين هم ~~أصحاب اليمين الذين تعطى كتبهم بأيمانهم يوم القيامة، روي في مجمع البيان ~~أنه قال الباقر عليه السلام: # نحن وشيعتنا أصحاب اليمين " عن المجرمين " عن ذنوبهم التي استحقوا بها ~~السلوك والوقوع في النار بقولهم لهم: " ما سلككم في سقر؟ قالوا لم نك من ~~المصلين " تركناها " ولم نك نطعم المسكين " تركنا إطعامهم " وكنا نخوض مع ~~الخائضين " قالوا المراد ترك الصلاة الواجبة وترك الزكاة والخوض والشروع في ~~الباطل، مع من يفعل ذلك، ويحتمل التعميم إلا أن العقاب إنما يترتب على ترك ~~الواجب وفعل المحرم، ويمكن في الاطعام كونه شاملا للكفارات والاطعام حال ~~الضرورة. # PageV00P421 # وبالجملة ينبغي العمل بالعمومات غير ما استثني ويؤيده التأكيد في حال ~~الاطعام في قوله تعالى: " ولا يحض على طعام المسكين " (1) فإن ترك الترغيب ~~والتحريص والحض على إطعامهم جعل قرين عدم الايمان بالله، والموجب لدخول ~~الجحيم، والكون في سلسلة ذرعها سبعون ذراعا، وعدم صديق وحميم له، وعدم طعام ~~إلا من غسلين، الذي لا يأكله ms374 إلا الخاطئون المذنبون، فكيف تارك فعله فلا ~~ينبغي ترك إطعام مسكين إن قدر خصوصا إذا سأل والله الموفق. # ومن أعظم المرغبات في الاطعام ما فعله أمير المؤمنين عليه السلام ونزل ~~بذلك سورة هل أتى قال في الكشاف وروي عن ابن عباس أن الحسن والحسين مرضا ~~فعادهما رسول الله صلى الله عليه وآله في ناس معه فقالوا: يا أبا الحسن لو ~~نذرت على ولدك، فنذر علي و فاطمة وفضة جارية لهما إن برءا مما بهما أن ~~يصوموا ثلاثة أيام فشفيا وما معهم شئ فاستقرض علي عليه السلام من شمعون ~~اليهودي الخيبري ثلاثة أصوع من شعير فطحنت فاطمة صاعا وأخبزت خمسة أقراص ~~على عددهم، فوضعوها بين أيديهم ليفطروا فوقف عليهم سائل فقال: السلام عليكم ~~أهل بيت محمد، مسكين من مساكين المسلمين أطعموني أطعمكم الله من موائد ~~الجنة فأثروه وباتوا لم يذوقوا إلا الماء وأصبحوا صياما، فلما أمسوا ووضعوا ~~الطعام بين أيديهم وقف عليهم يتيم فأثروه، ووقف عليهم أسير في الثالثة ~~ففعلوا مثل ذلك فلما أصبحوا أخذ علي بيد الحسن والحسين رضي الله عنهما ~~فأقبلوا إلى رسول الله صلى الله عليه وآله فلما أبصرهم وهم يرتعشون كالفراخ ~~من شدة الجوع قال ما أشد ما يسوؤني ما أرى بكم، وقام فانطلق معهم، فرأى ~~فاطمة في محرابها قد التصق ظهرها ببطنها، وغارت عيناها فساءه ذلك فنزل ~~جبرئيل عليه السلام وقال: خذها يا محمد هناك الله في أهل بيتك فأقرأه ~~السورة: # وهذه صريحة مع الشهرة العظيمة بين الخاصة والعامة في كونها مدنية، و مع ~~ذلك كتب مكية في بعض المواضع، حتى عنوان السورة في الكشاف والقاضي ونقل ~~الشيخ أبو علي الطبرسي قدس الله روحه الشريفة الروايات عن ابن عباس # PageV00P422 # باسناده في الطريقين وعن الحسن تفصيل كون السور بالترتيب مكية ومدنية و ~~ذكر هل أتى في المدنية، ونقل عن ابن عباس عن أمير المؤمنين عليه السلام أنه ~~قال أخبرني رسول الله ثواب سورة سورة على نحو ما نزلت من السماء وذكر أيضا ~~تفصيل السور بترتيب النزول في ms375 مكة والمدينة وذكر السورة في المدنية وتفصيل ~~عددها وآيها وحروفها، وقال: جميع سور القرآن مائة وأربع عشرة سورة، وجميع ~~آيات القرآن ستة آلاف آية ومائتا آية وست وثلاثون آية، وجميع حروف القرآن ~~ثلاثمائة ألف حرف وأحد وعشرون ألف حرف ومائتان وخمسون حرفا الحديث. فيجب أن ~~يغير مكية بمدنية، وترك العناد والعصبية والبغض لأهل بيت النبوة عليهم من ~~الله أفضل الصلاة والتحية، وعلى من يبغضهم ألف ألف لعنة. # ثم اعلم أن فيها دلالة على كون النذر موجبا لرفع المحن خصوصا المرض ~~فيستحب النذر لدفع البلية والمشقة خصوصا المرض، ويجب الوفاء، بها وبغيرها ~~من الآيات والأخبار والاجماع، وأنها صريحة في كونهم أهل البيت الذين أذهب ~~الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا، وأن لهم عند الله شأنا عظيما ومقاما كريما ~~وأن مجرد حصول أذى لهم ولو بجوع في سبيل الله يسوء رسول الله أشد سوء ~~ويؤذيه وذلك يدل على حصول كمال الأذى له بأذاهم بأخذ حقوقهم، ومنعهم عنها، ~~و تكذيبهم وخذلانهم، فكيف ببغضهم وقتلهم، فلا شك أن ذلك موجب لغضب الله و ~~الكفر به، كما ذكره صاحب الكشاف في تفسير " لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة ~~في القربى " (1). # ثم اعلم أنها أيضا تدل على حسن الاطعام واستحبابه والإيثار، ولو كان ما ~~يطعم به قرضا، وإن بقي بلا طعام مع أهله وأولاده ومملوكه مع كونهم صائمين ~~بل مع عدم احتياج المطعم إلى أكل جميع ما أطعم به مثل احتياجهم، إذ قد ~~يندفع جوعه ويحصل حاجته ببعض الأقراص فلا سرف ولا تبذير في القربات كما هو ~~مشهور ويدل عليه الآيات والأخبار مثل صحيحة معاوية بن عمار عن أبي عبد الله ~~عليه السلام # PageV00P423 # في وصية رسول الله صلى الله عليه وآله أمير المؤمنين عليه السلام يا علي ~~أوصيك بوصية فاحفظها، وقال اللهم أعنه، ومنها وأما الصدقة فجهدك حتى تقول ~~قد أسرفت ولم تسرف، فلعل قوله تعالى " ولا تبسطها كل البسط فتقعد ملوما ~~محسورا " محمول على ما ذكرناه فتأمل. # والظاهر أنه غير مختص بهم عليهم السلام، بل كل ms376 من فعل ذلك لله فقط لا غير ~~له مثل ذلك الأجر للتأسي، قال في مجمع البيان: وهي جارية في كل مؤمن فعل ~~ذلك لله عز وجل، فما قال في التذكرة من أن التاجر لو صرف جميع ماله في ~~القربات فهو تبذير بالنسبة إليه للآية محل التأمل، وهو أعرف قدس سره وأيضا ~~يدل على حسن الصبر بل على وجوب الإيفاء بالنذر، حيث يفهم من سوق الآية أن ~~تركه موجب للعقاب. # " إن الأبرار " جمع بر أو بار، قيل هم الذين لا يؤذون الذر، وقد ظهر مما ~~سبق أنهم أهل البيت عليهم السلام " يشربون من كأس " الزجاجة إذا كانت فيها ~~خمر وتسمى الخمر أيضا به " كان مزاجها كافورا " يمزج به ماء كافور، وهو اسم ~~عين في الجنة ماؤها مثل الكافور في البياض والريح والبرد " عينا " بدل من " ~~كافورا " " يشرب بها عباد الله يفجرونها تفجيرا " يجرونها حيث شاؤوا من ~~منازلهم [وقد ظهر أنهم أهل البيت عليهم السلام] " يوفون بالنذر " قال في ~~الكشاف والقاضي: جواب من عسى يقول: ما لهم يرزقون ذلك؟ والوفاء بالنذر ~~مبالغة في وصفهم بالتوفر على أداء الواجبات، لأن من وفى بما أوجبه هو على ~~نفسه لوجه الله كان بما أوجبه الله عليه أوفى " ويخافون يوما كان شره ~~مستطيرا " منتشرا " ويطعمون الطعام على حبه " قال فيهما: الضمير للطعام أي ~~مع اشتهائه والحاجة إليه ونحوه " وآتى المال على حبه " " لن تنالوا البر ~~حتى تنفقوا مما تحبون " (1) ويحتمل الاطعام والله: أي على حب الله أي ~~خالصا، ويدل على المبالغة " إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاء ولا ~~شكورا " قال في الكشاف: على إرادة القول أي حال كونهم قائلين، ويجوز # PageV00P424 # أن يكون قولا باللسان منعا لهم على المجازات بمثله أو بالشكر، وقال ~~القاضي: # على إرادة القول بلسان الحال والمقال، إزاحة لتوهم المن وتوقع المكافاة ~~المنقصة للأجر. # قيل: لما علم الله كونه خالصا لوجهه لا يشوبه شئ من الأغراض، وما ينقص ~~الثواب، قال " إنما نطعمكم " بيانا لحالهم، وهو المراد بإرادة القول ولسان ~~الحال للإشارة إلى ms377 أنه هكذا ينبغي أن يفعل الطاعات بأن لا يفعل إلا لله، ~~كما روي عن أمير المؤمنين عليه السلام " ما عبدت طمعا للجنة ولا خوفا من ~~النار، بل وجدتك أهلا لها فعبدتك. # " إنا نخاف من ربنا " أي نخاف بقصد غير ربنا من العذاب " يوما عبوسا " أي ~~يعبس فيه وجوه من يريد بطاعة الله غير الله، وغيرهم من الظالمين، ويحتمل أن ~~سبب الاطعام هو الخوف ورجاء الخلاص منه " فوقاهم الله " فحفظهم الله بسبب ~~خوفهم عن ذلك اليوم ويحفظهم عنه بالطاعات وترك المعاصي عن " شر ذلك اليوم " ~~والعقاب فيه " ولقاهم نضرة وسرورا " أعطاهم بدل عبوس الفجار وحزنهم نضرة أي ~~بشاشة وبياضا وحمرة في الوجوه، وسرورا في القلوب " وجزاهم بما صبروا جنة ~~وحريرا " قال في الكشاف: جزاهم بصبرهم على الايثار وما يؤدي إليه من الجوع ~~والعرى " جنة " بستانا فيه مآكل هني " وحريرا " فيه ملبس بهي، وقال القاضي: ~~بصبرهم على أداء الواجبات واجتناب المحرمات، وإيثار الأموال " جنة " بستانا ~~يأكلون منه " وحريرا " يلبسونه، ثم نقل إيثارهم عليهم السلام باختصار ما في ~~الكشاف [في الجملة] وباقي الآيات إلى قوله " شكورا " وصف لجزاء عملهم عليهم ~~السلام، والظاهر أن ذلك مخصوص بهم عليهم السلام، وما وقع إلى الآن من ~~غيرهم، بل لم يقع إلا عن مثلهم كما في التصدق بالخاتم في الصلاة والتصدق ~~للنجوى، وغيرها، فإن ذلك لا يستحقه إلا هم. # ثم أشار في آخر السورة إلى وجوب الصبر للنبي صلى الله عليه وآله في أذى ~~المشركين له # PageV00P425 # أو لمطلق الناس في ترك المعاصي وفعل الطاعات وفي البليات بقوله " فاصبر ~~لحكم ربك " ونهى عن متابعة الكفار والفجار بقوله " ولا تطع منهم آثما أو ~~كفورا " ثم أمر بذكر اسم الله تعالى بقوله: " واذكر اسم ربك بكرة " أي أول ~~النهار " وأصيلا " أي العشي ويحتمل وقت العصر، ويحتمل كونها إشارة إلى صلاة ~~الصبح والعصر قاله في الكشاف أو العشاء مع المغرب أو مطلق الذكر كما هو ~~الظاهر في هذين الوقتين لشرفهما ثم إلى السجود في مطلق الليل بقوله " ومن ~~الليل " أي في ms378 بعضه " فاسجد له وسبحه ليلا طويلا " لعل المراد بالطويل في ~~الجملة، أي ليس زمان قليل إشارة إلى أنه لا ينبغي صرف هذا كله في النوم ~~والفراغ، ويحتمل أن يكون مطلق السجود والتسبيح في الليل، لأنه محل راحة ~~النفس، وجمع الخاطر والتسبيح فيه والسجود آكد، وإلى القبول أقرب، وأن يكون ~~المراد صلاة المغرب والعشاء قاله في الكشاف، والصلاة النافلة في الليل، قال ~~في مجمع البيان: يريد التطوع بعد المكتوبة، وروي عن الرضا عليه السلام أنه ~~سأله أحمد بن محمد عن هذه الآية وقال: ما ذلك التسبيح؟ قال: صلاة الليل (1) ~~فتدل على ترغيب الصلاة في الليل و شرعيتها مطلقا من غير اختصاص بوقت وصلاة ~~خاصة، ويحتمل التهجد المخصوص قاله في الكشاف فتأمل. # PageV00P426 # * (كتاب البيع) * وفيه آيات: # الأولى: يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن ~~تكون تجارة عن تراض منكم ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما (1). # أي لا يتصرف بعضكم في أموال البعض بغير وجه شرعي مثل الربا والغصب ~~والقمار، ولكن تصرفوا فيها بطريق شرعي، وهو التجارة عن تراض من الطرفين ~~ونحو ذلك، أي التصرف بالباطل منهي عنه، ولكن التصرف بالتجارة عن تراض غير ~~منهي عنه، فالاستثناء منقطع لعدم الدخول، وأيضا لو كان الاستثناء متصلا لزم ~~التأويل لعدم حصر التصرف المباح في التجارة عن تراض، وهي إما منصوبة على ~~أنه خبر تكون واسمه ضمير التجارة أو الأكل والتصرف وشبهه، وإما مرفوعة على ~~أن تكون تامة والظاهر أن المراد بالتجارة هي المعاملة على وجه التعويض ~~مطلقا أو البيع والشراء من غير قصد الربا وبالتراضي الذي هو صفة التجارة ~~صدور التجارة والمعاملة عند العقد عن تراض وإذن ورضا من صاحبي المال لا ~~إكراها ومن غير رضاهما، قال في الكشاف: والتراضي رضا المتعاقدين بما تعاقدا ~~عليه في حال البيع وقت الايجاب والقبول، وهو مذهب أبي حنيفة، لعل مراده ~~صاحبا المال أو وكيلاهما، وقال في مجمع البيان: ثم وصف التجارة وقال " عن ~~تراض منكم " أي يرضى كل واحد منكما بذلك الخ، ms379 فالآية تدل على عدم جواز ~~التصرف في مال الغير بغير إذن صاحبه ما لم يرد من الشرع إذن، ففي الآية ~~إجمال، وعلى تقدير إرادة القمار والربا والنجش والظلم من الباطل فالآية ~~واضحة وأيضا تدل على إباحة التجارة وأكل المال الحاصل بها، وأنه لا بد في ~~التجارة من إذن صاحب المال حين العقد # PageV00P427 # فالبيع الفضولي لا يكفي على تقدير كون الأذن سببا لا كاشفا بل كاشفا أيضا ~~وهو ظاهر على أنه لا معنى للكشف وهو ظاهر، وقد بينته في تعليقات القواعد ~~والإرشاد، و أيضا تدل على حصول الملك وجواز التصرف بمحض العقد قبل التفرق ~~ومضي زمان الخيار، إذ الظاهر من التراضي ما ذكرناه، وقال في مجمع البيان: ~~قيل: # للتراضي معنيان أحدهما أنه إمضاء البيع بالتفرق أو التخاير إلى قوله ~~ومذهب الشافعية والإمامية بعد العقد، والثاني أنه البيع بالعقد فقط، ~~والعبارة لا تخلو عن مسامحة، ولعل مراده بالأول بقاء الرضا إلى أن يلزم ~~البيع من خيار المجلس بالفرقة، ومع غيره باختيار العقد والتزامه، وبالثاني ~~العقد بالرضا حال العقد فقط كما قلناه ونقلناه عن الكشاف ومجمع البيان أيضا ~~وهو الظاهر المتبادر من الآية ولا ينافيه عدم اللزوم بدليل في زمان الخيار، ~~فلا يقتضي مذهب الشافعية والإمامية المعنى الأول. # " ولا تقتلوا أنفسكم " يدل على تحريم قتل الانسان نفسه، وقيل المراد ~~إيقاعها في التهلكة أو في العذاب بأكل مال الناس ظلما، أو قتل البعض بعضا، ~~ويحتمل إرادة الجرح والضرب، فإن القتل بمعنى الجرح والضرب غير بعيد، وقالوا ~~بتحريم جرح الانسان نفسه " ومن يفعل ذلك " أي قتل النفس أو ما سبق من ~~المحرمات " عدوانا وظلما " أي إفراطا في التجاوز عن الحق واتيانا بما لا ~~يستحق، وقيل أراد بالعدوان التعدي على الغير، وبالظلم على نفسه. " فسوف ~~نصليه نارا وكان ذلك على الله يسيرا " فتدل على كون القتل كبيرة، ولو كان ~~راجعا إلى أكل المال بالباطل أيضا يكون هو أيضا كذلك. # الثانية: الذين يأكلون الربوا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه ~~الشيطان من المس ذلك بأنهم قالوا ms380 إنما البيع مثل الربا وأحل الله البيع ~~وحرم الربا فمن جاءه موعظة من ربه فانتهى فله ما سلف وأمره إلى الله ومن ~~عاد فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون يمحق الله الربا ويربي PageV00P428 # الصدقات والله لا يحب كل كفار أثيم (1). # " الذين " مع صلته مبتدأ خبره " لا يقومون "، و " إلا " للاستثناء، وما ~~بعده مستثنى، والمستثنى منه محذوف والتقدير لا يقومون قياما إلا قياما ~~كائنا نحو قيام المصروع، فالجار والمجرور متعلق بمقدر صفة للمستثنى ~~المحذوف، وأقيم مقامه و " ما " مصدرية و " من المس " متعلق إما بلا يقومون، ~~أو يقوم أو يتخبطه، و " ذلك " مبتدأ و " بأنهم قالوا " خبره و " إنما البيع ~~مثل الربا " جملة من مبتدأ و خبر مقول قالوا " وأحل " الخ جملة مستأنفة ~~لإنكار قولهم، وفاء " فمن " للتعقيب و " من " مع صلته مبتدأ وهي " جاء " مع ~~مفعوله وفاعله، وهو " موعظة " وتذكيره للفصل وكون تأنيثها غير حقيقي وكونها ~~بمعنى الوعظ، ولهذا قال في موضع آخر: " جاءته موعظة " و " من ربه " متعلق ~~بمقدر صفة الموعظة أي كائنة من ربه و " فانتهى " عطف على جاءه " فله " خبر ~~" ما سلف " والجملة خبر " من " ولتضمنها معنى الشرط صح دخول دخول الفاء في ~~خبره و " أمره إلى الله " عطف على " له ما سلف " و " فيها خالدون " جملة ~~حالية، و " فيها " يتعلق بخالدون. # ومعناها: الذين يأخذون الربا ويتصرفون فيه - فعبر بالأكل مجازا لأنه ~~الغرض غالبا من الأخذ، كما يقال في العرف للظلمة كالسلطان الجائر وآخذ ~~العشور والقضاة بالباطل آكلوا الحرام أو اكتفى به لأنه العمدة ويمكن لكون ~~عقابه أكثر ويكون تحريم غيره بالعلة المشار إليها، وبالإجماع وبالأخبار ~~وبقوله " وحرم الله الربا " -. # لا يقومون إذا بعثوا من القبور يوم القيامة إلا قياما مثل قيام الشخص ~~الذي يتخبطه الشيطان أي جعله مصروعا من الجنون، وهذا بناء على زعم العرب أن ~~الشيطان يخبط الانسان فيصرع، والخبط ذهاب في الأرض على غير اتساق مثل ~~العشوى لا تبصر ليلا، والمس: الجنون وهذا أيضا بناء على زعمهم أن الجن # PageV00P429 # إذا مس الانسان يختلط عقله ms381 فيصرع، والحاصل أنهم لا يقومون من قبورهم إلى ~~المحشر بسبب الربا ووزره وثقله عليهم قياما مثل قيام صحيح العقل، بل مثل ~~قيام المجانين فيسقطون تارة ويمشون على غير الاستقامة أخرى ولا يقدرون على ~~القيام أخرى، فكان ما أكلوا من الربا أربى في بطونهم، وصار شيئا ثقيلا على ~~ظهورهم فلا يقدرون على ما كانوا قادرين عليه من القيام والمشي على ~~الاستقامة. # وقيل: يكون ذلك علامة لهم يوم القيامة يعرفون بها، كما أن لبعض المعاصي ~~علامة يعرف صاحبه بها، وكذا الطاعات، وذلك بسبب أنهم جعلوا الربا حلالا مثل ~~البيع، وقالوا إنه مثل الربا، يعني كما أن في البيع الذي لا ربا فيه يحصل ~~الربح وهو حلال وليس له سبب للتحليل إلا ذلك، كذلك في البيع الذي فيه الربا ~~يحصل ذلك أيضا، قيل كان ينبغي العكس ولكنهم اختاروا هذا للمبالغة، فكأنهم ~~جعلوا الربا أصلا في الحل وقاسوا عليه البيع، ورد الله قياسهم وأنكره بقوله ~~" وأحل الله البيع وحرم الربا " أي وإن كانا متماثلين، ولكن أحدهما حلال ~~والآخر حرام، لحكمة يعلمها الله، لجواز اختلاف الحكم مع التساوي في بعض ~~الأمور، إذا لم يثبت كونه علة له، ففيها دلالة على عدم صحة مطلق القياس، ~~وأن القائل به مذموم عند الله حيث ذمهم. # فمن بلغه وعظ من الله بأمر أو نهي وقبض وتصرف فاتعظ وقبل النهي أو ارتكب ~~المأمور به " فله ما سلف " أي فملك ما أخذه سالفا وقبض وتصرف، وجاز له ~~التصرف فيما فعل من المنهي الآن، وكذا فيما يترتب على ترك ما هو المأمور به ~~الآن، ولا مؤاخذة على ما سبق الأمر والنهي " وأمره " بعدهما " إلى الله " ~~فيجازيه بعمله، فإن اتعظ لله، وقيل الأمر والنهي، لأنهما من الله فيثيبه، ~~وإلا فيعاقبه بقدر العمل، أو أن الله يحكم في شأنه وليس عليكم الاعتراض، ~~وقيل: # معناه بعد الموعظة والتحريم فأمره إلى الله تعالى فإن شاء عصمه عن أكله، ~~وإن شاء خذله، وقيل أمره في حكم الآخرة، إن لم يتب إلى الله فإن شاء عذب ~~وإن شاء ms382 غفر له. PageV00P430 # والحاصل: ليس جواز ما سبق له مشروطا بالانتهاء ولا برجوع أمره إلى الله ~~بل عدم العقاب فيما يأتي مشروط به، فكأنه قال: الذي اتعظ فما عليه فيما سبق ~~شئ، وأمره فيما سيأتي إلى الله، فإن اتعظ فما عليه شئ، وإلا فعليه وزر ~~الترك ولعله لدفع توهم من يتوهم أنه إذا حرم الربا لا يكون للعامل أخذه، ~~سيما إذا كان العين باقية بل يرده إلى أهله، وتوهم أن المتعظ ليس أمره بعد ~~الاتعاظ إليه، أو يكون المراد: فله ما سلف من غير عقاب، فيكون للتقييد، إذ ~~لو لم ينته ليس له ما سلف سالما، بل هو مع العقاب، فكأنه ليس له ذلك لأنه ~~لا خير مع كون الانسان معاقبا، وبالجملة إن ثبت عدم هذا المفهوم بالإجماع ~~ونحوه ونحوه، فليس بمعتبر لأنه إنما يعتبر مع عدم ما هو أقوى منه، وإلا ~~فنقول به. # " ومن عاد " أي إلى أكل الربا إذ الكلام فيه، والظاهر أنه ليس في مقابل ~~قوله " فانتهى " إذ حاصله حينئذ أن الذي جاءه النهي فانتهى أي قبل النهي ~~واعتقد تحريمه، فله كذا وإن لم يقبل فكذا، ولا يناسب لفظ العود حينئذ بل هو ~~جملة عطفت على الجملة فمن جاءه الخ، فكأنه قال: الذين يأكلون الربا ويقولون ~~إنه حلال ثم يعودون الخ ويمكن أن يكون المراد بالعود الرجوع إلى أكل الربا، ~~و عدم قبول تحريمه، وحينئذ لا مسامحة في الحصر الإضافي وخلودهم، لأن الذي ~~يعتقد تحليل ما حرم الله بعد علمه بأنه [حرام] من الله كافر ومخلد، فلا ~~دلالة فيه على أن الفساق مخلدون كما ذهب إليه المعتزلة، وقال صاحب الكشاف: ~~هذا دليل بين عليه، نعم إن كان المراد العود إلى فعل الربا بعد الترك، ~~فحينئذ تكون ظاهرة فيما قاله الكشاف في الجملة، ويمكن التأويل بالحمل على ~~المبالغة والمكث الطويل كما قالوا في " من قتل مؤمنا متعمدا " وغيره، لما ~~ثبت من عدم خلود المؤمن في النار بالعقل والنقل. # ثم اعلم أنها تدل على تحريم فعل الربا، وتحريم أكل ما ms383 أخذ به بل مطلق ~~التصرف فيه، وكون العود إلى الربا كبيرة أو إلى الربا مع قوله بالتحليل، ~~كما كان قبل، فإنه كان يقول " إنما البيع مثل الربا " وعلى تحليل ~~PageV00P431 # جميع البيوع إذ المتبادر منه العموم عرفا كما قالوا. والبيع ظاهر معروف ~~في الكتب الفقهية وغيرها وأما الربا فنقل أنه في اللغة بمعنى الزيادة، ~~ومعلوم أنه ليس بمراد هنا، فقيل المراد به الزيادة في البيع، بل البيع ~~المشتمل عليها، ولهذا قيل في التفاسير أن معنى قوله " إنما البيع مثل الربا ~~" أن البيع الحالي من الربا مثل المشتمل عليه، فعلى هذا يكون تحريم الربا ~~مخصوصا بالبيع، ولا يكون في سائر المعاملات، مثل الصلح على تقدير كونه عقدا ~~برأسه كما هو مذهب بعض الأصحاب ويدل عليه أيضا الأصل وعموم الإيفاء ~~بالعقود، مع عدم ثبوت دليل عليه في سائر المعاملات ووجود الاجماع في البيع ~~دون غيره. # وقيل هي الزيادة في مطلق المعاملات، وهو مذهب الأكثر، فالظاهر عدم جواز ~~الزيادة حينئذ في الهبة المعوضة أيضا فتأمل، ودليله أنه الزيادة مطلقا، و ~~خرج منها ما يجوز إجماعا وبقي غيره تحتها، والظاهر أنه لا شك أنه ليس في ~~الآية بالمعنى اللغوي، والشرعي غير ثابت، ولكن الاحتياط واحتمال الآية كون ~~المراد به الزيادة في المعاملة مطلقا بل المعاملة المشتملة عليها، يقتضي ~~مذهب الأكثر، و تخصيصها بالبيع خلاف مذهب الأكثر وأيضا علة تحريم المومى ~~إليها في الأخبار وهي عدم تفويت اصطناع المعروف بالقرض الحسن ورفد المؤمنين ~~يشمل جميع المعاملات فلا يؤخذ الربا لتحريمه في كلها، بخلاف ما إذا خصص ~~بالبيع، ويؤخذ بوجه آخر، مثل الصلح، وإن كان باب الحيلة على ذلك التقدير ~~أيضا مفتوحا، على ما ذكروه، ولكنه حيلة لا تخلو عن شبهة. # ثم عمموا الزيادة من العيني والحكمي مثل الزيادة في الأجل وعمل صنعة ~~وغيرها، وأيضا حصروه في أشياء مخصوصة بإجماع ونحوه حتى قالوا: إن الذي يجري ~~فيه الربا إجماعا هو ستة أشياء: الحنطة، والشعير، والتمر، والملح، و الذهب، ~~والفضة، والأصحاب قالوا يشترط أن يكونا متجانسين مما يكال ms384 أو يوزن وفي ~~المعدود خلاف، وكذا في غير المكيل والموزون إذا بيع نسيئة خلاف، وكذا في ~~غير المتجانسين نسيئة. PageV00P432 # وبالجملة المسألة وتحقيقها وشرائطها وتفصيلها يحتاج إلى تطويل كثير وهو ~~يخل بمقصودنا هنا، مع وجودها في غير هذا المحل إلا أنه ينبغي أن يعلم أن ~~ظاهر الآية خالية من الشرائط فبعد ثبوت معنى الربا فكل دليل يصلح لتقييدها ~~يقيد به، وما لا فلا، على ما مر مرارا، وتحريم القياس وأنه ليس بحجة شرعية ~~إذ لو كان كذلك لما ساغ الذم عليه، وإن أخطأ المستعمل كما هو الثابت في ~~الأصول، إلا أن تحمل الآية على أنهم قالوا ذلك مع ثبوت تحريمه، وهو خلاف ~~الظاهر، وخلاف ما قيل في سبب النزول، وهو أنهم كانوا يفعلون الربا ولا ~~يمتنعون منه، ويقولون بالقياس المذكور، فنزلت وخطاهم الله تعالى في ذلك ~~وقال " أحل الله " كما في التفاسير، وخلاف الظاهر من قوله " فمن جاءه " الخ ~~فحينئذ يبطل قول الكشاف والقاضي أن قوله " وأحل الله " رد لقولهم، وإنكار ~~لقياسهم وأن قياسهم باطل لمعارضة النص وأن القياس يهدمه النص لأن الله جعل ~~الدليل على بطلان قياسهم إحلال الله وتحريمه، إلا أن يقال: يريدان ما ~~قلناه، وهو بعيد لما مر. # وتدل على تحليل الربا في بعض الأوقات في الجملة، وأنه كان يملك ذلك بعد ~~الأخذ والقبض، بل الظاهر بعد العقد إلا أنه سيجيئ في الثالثة ما يدل على ~~نفيه حينئذ ويفهم منها ومما سبق أيضا أن الربا لا يملك مع كون فعله حراما، ~~وأما كون البيع المشتمل عليه باطلا كما يقوله الأصحاب والشافعية وغيرهم - ~~إلا ما نقل عن أبي حنيفة من صحة البيع في أصله، وبطلانه في الزيادة، ووجوب ~~ردها إلى صاحبها - فلعل دليل الأصحاب إجماعهم وأخبارهم، وأن الذي وقع عليه ~~التراضي ما انعقد، إجماعا منا ومن أبي حنيفة، وما وقع التراضي على غيره وهو ~~شرط في التجارة، وأيضا إن الذي علم جوازه وكونه مملكا وصحيحا هو البيع ~~الخالي من الربا، وغيره غير ظاهر، والأصل عدم حصول الملك إلا بدليل، ms385 إذ ~~الظاهر أنه ما أراد الله من الأمر بالعقود والايفاء بها إلا ما أجازها ورضي ~~بها منها لا غير، ومنه علم ما تخيله دليلا. PageV00P433 # فاعلم أن في الآية التي بعدها تأكيدا لأمر تحريم الربا بأنه يمحقه الله ~~أي ينقصه ويذهب بركته في العاجل، ويعاقب عليه في الآجل، وأنه يكثر الصدقة و ~~يعطيها البركة وينميها ويزيدها، بأن يثمر المال في العاجل، روي أنه ما نقصت ~~الزكاة عن مال قط أي ما نقص شئ من مال أخرجت عنه قط إلا أعطاء الله البركة ~~فيه ويثيب فاعلها في الآجل حتى أنه عبر عن فاعل الربا بالكفار الأثيم أي ~~المصر على تحريم ما حرمه الله والمهمك في ارتكابه، وفي التي بعدها دلالة ~~على كون الصلاة والزكاة وسائر الأعمال الصالحة موجبة للأجر العظيم وعدم ~~الخوف والحزن على فاعلهما. # وبالجملة تحريم الربا معلوم من الدين ضرورة، وقد يعلم من بعض الآيات ~~الأخر. # الثالثة: يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن كنتم ~~مؤمنين فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله وإن تبتم فلكم رؤس ~~أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون (1). # أي اتركوا البقايا التي شرطتم على الناس وهي الربا - فمن بيانية أو متعلق ~~ببقي، فتكون ابتدائية أو تبعيضية، والأول أولى - إن صدقتم تحريمه فإن العلم ~~يمنع من العمل المحرم إذا كان يقينا كما هو مقتضى العقل فإن من يفعل المحرم ~~فكأنه جاهل غير مصدق، إذ العلم الذي لا يعمل بمقتضاه هو والجهل سواء وهذه ~~مبالغة مشهورة في إفادة منع العالم عن خلاف ما يقتضي علمه، فتقييد الترك ~~بالايمان يكون لذلك، أو يكون على ظاهره، أي يجب عليكم ترك ما بقي من الربا ~~بعد علمكم بالتحريم فالذي فعلتم وأخذتم قبل العلم لا يجب رده إلى صاحبه كما ~~فهم من قوله " وله ما سلف ". # قيل: روي أنه كان لثقيف مال على بعض قريش فطالبوه عند المحل بالمال # PageV00P434 # والربا، فنزلت " فإن لم تفعلوا " أي إن لم تتركوا ذلك " فأذنوا " أي ~~فاعلموا " بحرب من الله ورسوله ms386 " من أذن بالشئ إذا علم به وقرئ " فآذنوا " ~~أي فأعلموا بها غيركم من الإذن وهو الاستماع فإنه من طرق العلم، قيل ~~التنوين للتعظيم، كأنه أبلغ من حرب الله ورسوله لأن المعنى بنوع عظيم من ~~الحرب من عند الله ورسوله ويحتمل أن يكون حربهما واحدا، وهو قتال المسلمين ~~معهم حتى يرجعوا، وكون حرب الله في الآخرة بادخالهم في النار وحرب الرسول ~~في الدنيا بالسيف والأول أظهر. # فدلت على جواز قتال المسلم على ترك الربا حتى يرجع مثل قتال مانع الزكاة ~~وغيره، وعلى تحريم أخذ ما بقي من الربا الذي شرطه قبل التحريم، ولا يدل على ~~كفر الآخذ، روي أنه لما نزلت قال ثقيف لا يدي لنا بحرب الله ورسوله، أي لا ~~طاقة لنا. # " وإن تبتم " أي رجعتم عن اعتقاد حل الربا كما يفهم من البيضاوي، أو عمل ~~الربا كما هو ظاهر الكشاف وظاهر الآية أيضا " فلكم رؤس أموالكم " فقط لا ~~الزيادة، التي شرطتم " لا تظلمون " معامليكم بأخذ الزيادة والربا " ولا ~~تظلمون " أنتم بأخذ الناقص عن رأس مالكم، ولا يخفى أن مفهوم الشرط المعتبر ~~عند أكثر الأصوليين يفيد عدم جواز أخذ رأس مالهم، مع عدم الرجوع، وهو محل ~~التأمل وقال القاضي، وهو سديد على ما قلناه، إذ المصر على التحليل مرتد ~~وماله فئ، وقال في الكشاف: قالوا يكون مالهم فيئا للمسلمين. # قال في كنز العرفان: قال الزمخشري والقاضي، وإن لم يتب يكون مصرا على ~~التحليل، فيكون مرتدا وماله فئ، وليس بشئ لأنا نمنع أنه إذا لم يتب يكون ~~مرتدا، لجواز أن يفعله ويعتقد تحريمه (1) وفيه تأمل لأن الزمخشري ما قاله ~~بل نقله عن قوم، وقد يكون ذلك قائل يقول ذلك بناء على أن معنى قوله " إن ~~تبتم " رجعتم عن تحليل الربا، كما يقوله القاضي، فلا يرد عليه ما أورده، مع # PageV00P435 # أنه ما صرح بارتداده، بل قد يكون له وجه في ذلك، وأما القاضي فإنه صرح ~~بأن معنى " تبتم " رجعتم عن تحليل الربا فيكون تاركه مرتدا من غير شك، فلا ~~معنى لأن يقال ms387 عليه، إنه يفعل مع اعتقاده التحريم. # نعم يمكن أن يقال: ما قالوه ليس بشئ، لأن دليل أن مال المرتد فئ للمسلمين ~~غير واضح لأنه إن كان مليا فماله باق على ملكه إلا أنه محجور عليه وإن كان ~~فطريا فماله ينتقل إلى وارثه، فإنه بمنزلة الموت كذا قاله الأصحاب، و لعل ~~أدلتهم إجماعهم، والروايات، فإن كان مذهبهم أيضا كذلك، يرد عليهم ذلك وإلا ~~يقال الأصل عدم خروج ملك شخص عنه، ويستبعد خروج ملك شخص عن ملكه، ولا ~~يتملكه وارثه بمجرد الردة خصوصا مع احتمال الرجعة، وقبول التوبة إلا بدليل ~~ظاهر، وهو غير ظاهر، وأيضا المفهوم معتبر مع عدم ظهوره وجه التخصيص، وما هو ~~أقوى منه، فإذا عارضه أقوى منه أوله وجه تخصيص فلا يعتبر وهنا قد يكون كذلك ~~فتأمل أو يقال إن المنطوق حصول رأس المال فقط ومفهومه عدمه، وهو كذلك لحصول ~~العقاب معه، وهو ظاهر. # ويمكن أن يقال أيضا أن منطوق الآية أن التائبين عن فعل الربا أو تحليله ~~لهم تمام رأس مالهم حال كونهم غير ظالمين لأنفسهم بترك التوبة وارتكاب ~~المحرم ولا لغيرهم بطلب ما لا يستحقونه عليه، ولا مظلومين بنقص مالهم، ولا ~~بحصول عقاب من عند أنفسهم، فجملة " لا تظلمون " حال ومفهومها أن غير ~~التائبين ليسوا بهذه الحالة، للزوم عدم المشروط عند عدم الشرط، وهو كذلك ~~لأنه ليس لهم رأس مالهم مع الحال المذكورة، بل مع نقيضها، فإنه لو كان لهم ~~رأس مالهم يكون حال كونهم ظالمين لأنفسهم بل لغيرهم أيضا ومظلومين أيضا ~~لظلمهم أنفسهم، وهذا المقدار يكفي لاعتبار المفهوم، ولا يلزم رفع جميع ما ~~ذكر للمذكور، وهو ظاهر بين، فعلم أن ما قالاه ليس بشئ لوجوه قلناها لا لما ~~قيل فافهم. # الرابعة: يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا الربا أضعافا مضاعفة (1). # PageV00P436 # قد مر مضمونها وهو تحريم الربا ولعل التكرار للتأكيد، والمبالغة في ~~التحريم، وأيضا لتصريح النهي فإن الذي مضى كان بحسب الظاهر خبرا أو لعظم ~~ذنب هذا الفرد، وهو الأكل أضعافا مضاعفة وكان الواقع كان كذلك، ولكثرة ms388 ضرره ~~على الناس، وكأن الأكل كناية عن أخذ الربا وهو متعارف يقال فلان يأكل الربا ~~يعنون به أنه يستعمله ويأخذه ولا يجتنبه، لا أنه يأكله حقيقة فيحتاج إلى ~~قياس غيره عليه، ومعنى " أضعافا مضاعفة " قيل أن يضاعف بتأخير أجل بعد أجل ~~كلما حل أجل أجل إلى غيره، وزيد زيادة على المال، أو تضاعفوا أموالكم فيدخل ~~فيه كل زيادة محرمة في المعاملة، ويمكن أن يكون المراد يضاعف الزيادة أضعاف ~~الأصل أو أضعاف ما يتعارف في ربح مثله. # وقال في المجمع: في تحريم الربا مصالح منها أنه يدعو إلى مكارم الأخلاق ~~بالاقراض، وإنظار المعسر من غير زيادة، وهو المروي عن أبي عبد الله عليه ~~السلام في الكافي في الحسن عن هشام بن سالم عن أبي عبد الله عليه السلام ~~قال إنما حرم الله عز وجل الربا لكيلا يمتنع الناس من اصطناع المعروف، وعن ~~سماعة قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام إني رأيت الله قد ذكر الربا في ~~غير آية وكرره فقال أو تدري لم ذلك قلت لا، قال لئلا يمتنع الناس من اصطناع ~~المعروف (3) وأنت تعلم أنها تنعدم بفتح باب الحيلة، كما هو المتعارف، فإنهم ~~يأخذون بها ما يؤخذ بالربا. # الخامسة: ويل للمطففين الذين إذا اكتالوا على الناس يستوفون وإذا كالوهم ~~أو وزنوهم يخسرون (2). # الويل قيل: اسم واد في جهنم أو كناية عن عذاب وسخط من الله، على من ~~يطففون الميزان والكيل، ويباشرونهما، الذين إذا اكتالوا من الناس حقهم أو ~~اتزنوه منهم يأخذونه وافيا تاما كاملا، حذف واكتفي بالأول وفي الكشاف ~~للاشعار # PageV00P437 # بأنهم ما يأخذون لأنفسهم من الناس إلا بالكيل لأنه أكمل وأمكن وأتم ~~للاستيفاء والسرقة فتأمل، وإذا كالوا أو وزنوا هم من أنفسهم للناس يخسرون ~~ينقضون ذلك ولا يستوفون فتدل على أن إعطاء الناقص حرام، ويدل عليه العقل ~~والنقل، وغيرها أيضا من عدم جواز أخذ أموال الناس إلا برضاهم. # ويدل أيضا على المنع من نقص الكيل والوزن بخصوصه بعض الآيات و الأخبار ~~أيضا مثل " أن لا تطغوا في الميزان وأقيموا ms389 الوزن بالقسط ولا تخسروا ~~الميزان " (1) وتحريم ذلك ظاهر لا يحتاج إلى الدليل " ويل " مبتدأ و " ~~للمطففين " خبره و " إذا " ظرف يتضمن معنى الشرط وما بعده شرطه، و " ~~يستوفون " جراؤه والجملة صلة الذين وهو صفة للمطففين، وذكر الاستيفاء هنا ~~لزيادة قبح النقص حينئذ يعني يأخذ لنفسه تاما ويعطي الغير ناقصا لا أنه ~~أيضا حرام، وإن كان مرجوحا فإن عدم الاستقصاء والاستيفاء وإعطاء الزايد ~~وأخذ الناقص مطلوب شرعا لأنه إحسان عقلا ونقلا ومرغوب ومستحب ذكر ذلك مع ~~دليله في محله، ويحتمل أن يكون المراد الاستيفاء مع أخذ الزائد كما يشعر به ~~كلمة " على " الدالة على الضرر، فيكون هو أيضا حراما بخصوصه. # " وإذا كالوا " الخ عطف على " اكتالوا " عطف جملة على جملة، قيل اكتالوا ~~وكالوا بمعنى واحد، وكان زيادة الحرف في الأول تدل على زيادة الحرص والسعي ~~فيه، و " هم " في الموضعين منصوب إما لأنه يقال كالهم، كما يقال كال لهم، ~~كما يفهم ذلك من مجمع البيان أو على الحذف والايصال، أو على حذف مضاف أي ~~مكيلهم، وقال في الكشاف: لا يحسن كونه تأكيدا لضمير كالوا لفوات المقابلة ~~لما قبله ولا كونه فصلا لأنه إنما يكون بين المبتدأ والخبر ونحوه، مثل ~~مفعولي فعل. # قال في مجمع البيان: قيل ذلك والصحيح أنه منصوب كأنه إشارة إلى ما ذكر من ~~ضعف التأكيد والفصل، ووجه صحة النصب وهو ظاهر لا يحتاج إلى البيان. # PageV00P438 # السادسة: خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين (1). # قال في الكشاف: العفو ضد الجهد كأنه هو المشقة، فالعفو هو السهولة أي خذ ~~يا محمد ما عفا لك من أفعال الناس وأخلاقهم وما أتى منهم، وتسهل من غير ~~كلفة ولا تداقهم، ولا تطلب منهم الجهد وما يشق عليهم، حتى لا ينفروا كقوله ~~عليه السلام يسروا ولا تعسروا، والعرف المعروف والجميل من الأفعال وأعرض عن ~~الجاهلين. # ولا تكافئ السفهاء مثل سفههم، ولا تمارهم واحلم عنهم، واغض عما يسوؤك ~~منهم، و قيل لما نزلت الآية سأل جبرئيل عليه السلام فقال: لا أدري حتى أسأل ~~ثم رجع ms390 فقال: # يا محمد إن ربك أمرك أن تصل من قطعك وتعطي من حرمك وتعفو عمن ظلمك. # وعن جعفر الصادق رضي الله عنه: أمر الله نبيه بمكارم الأخلاق وليس في ~~القرآن آية أجمع لمكارم الأخلاق منها. # فهذه دالة على رجحان حسن الخلق من العفو مما يستحقه الانسان في ذمة الغير ~~من الحقوق وغيره، واستعمال اللين والملاءمة في المعاملات، والأمر بالمعروف ~~والاعراض عن الجهال، وعدم مؤاخذتهم بما فعلوا بالنسبة إلى الانسان ويؤيده " ~~وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما " (2) وعلى عدم المماكسة وإعطاء الزائد ~~وأخذ الناقص، وعدم الربح على الموعود بالإحسان بل مطلق المؤمن ونحو ذلك من ~~الاحسان. # السابعة: ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا (3). # قال في مجمع البيان قيل: فيه أقوال: المراد لن يجعل الله لليهود على ~~المؤمنين نصرا ولا ظهورا، قيل: بالحجة، وإن جاز أن يغلبهم بالقوة، ولو ~~حملناه على الغلبة لكان صحيحا لأن غلبة الكفار على المؤمنين ليس من الله ~~تعالى، وقال القاضي: # حينئذ أي في الآخرة أو في الدنيا والمراد بالسبيل الحجة، واحتج به ~~أصحابنا على فساد شراء الكافر المسلم والحنفية على حصول البينونة (4) بنفس ~~الارتداد، وهو # PageV00P439 # ضعيف لأنه لا ينفي أن يكون إذا عاد إلى الايمان قبل مضى العدة. وفي ~~الاستدلال على عدم جواز الشراء بعد قوله والمراد بالسبيل الحجة تأمل، نعم ~~إن حملت على العموم كما هو الظاهر، فالاستدلال صحيح. # وقد استدل بعض أصحابنا أيضا بها على عدم التملك، وقال البعض بجواز التملك ~~مثل أن أسلم عنده ولكن لا يتمكن من التصرف للآية بل يباع عليه، ويمكن ~~الاستدلال بها على عدم تسلط الكافر على المسلم بوجه تملك وإجارة ورهن ~~وغيرها لأنه نكرة في سياق النفي يفيد العموم فلا شئ من السبيل له على ~~المسلم، ويصح استدلال الحنفية أيضا لأن الزوجية تسلط وسبيل واضح، والفرض ~~كونه منفيا بالآية، والعجب من القاضي أنه ضعفه بعد القول باستدلال أصحابه ~~به، بأنه لا ينفي أن يكون إذا عاد لأنه إذا انتفى السبيل فما بقي نكاح فكيف ~~تعود الزوجية بغير عقد، ولأنه ms391 قد سلم زواله لأنه سبيل المنفي فعوده يحتاج ~~إلى دليل، ومجرد رفع المزيل والمانع لم يكف بل يحتاج إلى المقتضي. # نعم يرد عليه أن ليس للزوجة سلطنة على الزوج عرفا بل شرعا أيضا، فلا تدل ~~على بطلان العقد بارتدادها وإلا يلزم انفكاك الرق وخروج الملك عن ملك ~~المولى بردته لو قيل إن مثل وجوب النفقة سلطنة، وأيضا قد يقال يكفي في رفع ~~السلطنة عدم ثبوت أحكام النكاح من الدخول وغيره حتى يرجع إلى الاسلام فيكون ~~الردة مانعة، فيرجع بعد زوالها كما يقوله أصحابنا على التفصيل الذي ذكروه ~~فتأمل. PageV00P440 # * (كتاب) * * (الدين وتوابعه) * وفيه آيات: # الأولى: يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه ~~وليكتب بينكم كاتب بالعدل ولا يأب كاتب أن يكتب كما علمه الله فليكتب إلى ~~قوله - والله بكل شئ عليم (1). # خاطب الله المؤمنين بالشفقة لهم والاهتمام بحالهم، وعدم انتفاع غيرهم، ~~بأنه " إذا تداينتم " أي إذا داين بعضكم بعضا كذا في التفسيرين بدين " أي ~~دين كان وبأي معاملة وقعت بينكم، فشرط كونه مقيدا بوقت معلوم مضبوط ~~بالتسمية لا بمثل قدوم الحاج وبحيث يكون العوضان أو أحدهما دينا أي مالا في ~~الذمة مؤجلا بمدة، لكن الدليل دل على بطلان الأول عندهم وبقي الثاني، وهذا ~~بيان للمقصود وتفصيل لتداينتم، لا بيان معناه اللغوي حتى يرد عليه أنه فرق ~~بين التفاعل والمفاعلة، فإن الأول لازم والثاني متعد فلا يصح تفسير أحدهما ~~بالآخر كما أورده في كنز العرفان على صاحب الكشاف، على أنه قد يمنع حصر ~~الأول في اللازم والثاني في المتعدي، ولعل فهم هذا التفصيل صريح أوجب ذكر " ~~دين " مع أنه معلوم من قوله " تداينتم ". # وفيهما ذكر: ليكون مرجعا لضمير فاكتبوه، ولعل مقصودهم أن ذكر الدين غير ~~مستحسن، وإرجاع الضمير إلى المصدر تكلف إنما يرتكب للضرورة مع أن المقصود ~~قد يكون التصريح بكتابة الدين الذي تقع عليه المعاملة، وذلك يفوت بتركه، ~~فلا يرد عليه ما أورده أيضا بقوله فيه نظر، لأنا نمنع وجوب ذكر # PageV00P441 # الدين لاحتمال عوده إلى المصدر، وقيل ms392 ليرتفع احتمال التداين بمعنى ~~المجازاة كقولهم كما تدين تدان، فيزول الاشتباه، ولعل مراده من أول الأمر ~~وإلا يزول بملاحظة تتمة الآية، وقيل: لمجرد التأكيد كما في " طائر يطير ~~بجناحيه " (1) " فاكتبوه " أي اكتبوا الدين لأنه أوثق بالنسبة إلى صاحب ~~الحق والمديون، و الشاهد أيضا، وفيه مصلحة الدين والدنيا لهم، فدلت على ~~أحكام: # الأول إباحة المعاملة بدين مؤجل أخذا وإعطاء بأي نوع كانت المعاملة نسيئة ~~وسلفا صلحا وإجارة وقرضا وغير ذلك، والثاني اشتراط التعيين في الأجل بأن ~~يسمي أجلا أي أياما وشهورا وسنوات بأن يسمي أجلا لا يقبل الزيادة و ~~النقصان، لا ما يقبل مثل حضور الحصاد وقدوم الحاج فيشترط اللفظ، ولا يكفي ~~كون ذلك مقصودا لهم فتأمل، والثالث عدم جواز التجاوز عن ذلك بأن يطالب قبله ~~أو يؤخر بعده، وعدم لزوم الأخذ قبله إذ الظاهر أن فائدة الأجل وتعيينه ذلك ~~إلا ما أخرجه دليل [شرعي]، مثل وجوب الأخذ قبله وعدم لزومه في القرض على ما ~~قالوه. # والرابع استحباب الكتابة أو كونه للإرشاد لإجماعهم على عدم الوجوب، و لأن ~~الظاهر أن الغرض حفظ مالهم وصلاح حالهم، فإذا رضوا بتركه يجوز لأنه يجوز ~~لهم أن لا يأخذوا أصلا فتأمل، ويحتمل وجود ما يدل عليه أيضا في الروايات ~~قال في مجمع البيان: واختلف في هذا الأمر فقيل هو مندوب إليه وهو الأصح و ~~يدل على قوله تعالى " فإن أمن بعضكم بعضا " الخ فيه تأمل إذ يدل على عدم ~~الوجوب على تقدير الائتمان لا مطلقا، بل يدل على تقدير عدم وجود الكاتب ~~والشهود أنه يجوز ترك الرهن والاكتفاء بالايتمان وهو ظاهر. # ويمكن جعل اشتراط ذكر الأجل لفظا خامسا فيمكن جعل اشتراط الصيغة في ~~المعاملات سادسا، إذ يفهم من اشتراط ذكر الأجل لفظا اشتراط الصيغة في ~~المعاملة فتأمل، وأما إباحة الدين الغير المؤجل كما يفهم من الكنز فمشكل، ~~إذ الظاهر # PageV00P442 # عدم دلالة هذه الآية عليه ظاهرا، نعم هو مفهوم من غيرها، وقد يقال يفهم ~~ذلك بالطريق الأولى من إباحة المؤجل فتأمل وقد يقال أيضا: يستفاد من ms393 ~~مفهومها عدم استحباب الكتابة لغير المؤجل فيكون سابعا فافهم. # " وليكتب بينكم كاتب بالعدل ولا يأب كاتب أن يكتب كما علمه الله فليكتب " ~~أي يكتب بالسوية لا يزيد ولا ينقص، فبالعدل متعلق بمقدر صفة لكاتب أو حال ~~عنه أو متعلق به أو متعلق بوليكتب، ولا يمتنع أحد من الكتاب من الكتابة مثل ~~ما علمه الله من كتبة الوثايق، فيكون " كما " متعلقا بمقدر صفة لمصدر أي ~~كتابا مثل كتاب علمه الله إياه، أو لا يأب أن ينفع الناس بكتابته نفعا مثل ~~النفع الذي نفعه الله بتعليمها كقوله " أحسن كما أحسن الله إليك " (1) ~~فليكتب الكاتب هذه الكتابة المعلمة ويحتمل أن يكون كما علمه الله تتمة ما ~~بعده، أي فليكتب الكاتب والأول أولى. # فدلت على أحكام: وجوب الكتابة بالعدل، يعني على تقدير كتابته، وإن لم تكن ~~عليه واجبة، يجب أن يكتب بالعدل ولا يغير، وتحريم الامتناع عن الكتابة ~~مطلقا على الثاني، فتكون الكتابة واجبة على من يقدر عليها، والظاهر أنه ~~كفائي إذ الوجوب أعم وأن الفرض هو الكتابة من أي شخص تتأنى كالشهادة، وعلى ~~الأول على تحريم الامتناع عن الكتابة المقيدة فيكون معناه لازما لمعنى ~~وليكتب ويكون تأكيدا مثل فليكتب، ويحتمل أن يكون وليكتب أمرا للمعاملين ~~بالدين باختيار كاتب بالعدل، فعلى تقدير استحباب الكتابة واختيارها يكون ~~اختيار الكاتب بالعدل واجبا كما في صورة وجوب الكتابة، واشتراط تدين الكاتب ~~في الكتابة و اشتراط فقهه بها على الوجه المأمور بها الموافق للشرع. # " وليملل الذي عليه الحق " أي وليكن المملل من عليه الدين والحق لأنه ~~المقر والمشهود عليه، والاملال قيل هو الاملاء فيقر بلسانه بما عليه ليكتبه ~~الكاتب " وليتق الله ربه " أي المملل قيل أو الكاتب وهو بعيد " ولا يبخس " ~~أي لا ينقص # PageV00P443 # " منه شيئا " أي من الحق أو مما أملل أي يملل على وجه لا نقص فيه بل ~~بالعدل كما قيل في الكاتب " فإن كان الذي عليه الحق سفيها " أي ناقصا مبذرا ~~يصرف ماله في غير الأغراض الصحيحة " أو ضعيفا " أي صبيا أو مجنونا أو شيخا ms394 ~~مختلا، أو لا يستطيع أن يمل هو " أي الذي لا ضعف في حاله وعقله ولا في ~~تصرفه لكنه لا يقدر على الاملال كما هو، بحيث يفهمه الكاتب، بأن يكون أخرس ~~أو جاهلا باللغة " فليملل وليه بالعدل " والولي هو الذي يلي أمره مثل الأب ~~والجد منه والأوصياء في الصبي والمجنون والمبذر إن كان لهم الولاية عليهم، ~~وإلا فالحاكم وأمينه، و ولي الشيخ المختل المترجم والذي يقدر على الاملال ~~ولي جاهل اللغة والأخرس بشرط علمهما بالدين عليهما سواء كانا حاضرين على ~~المعاملة أو فهما ممن عليه الحق. # ولكن يشكل اكتفاء الكاتب حينئذ على مترجم واحد وقادر واحد، فإنهما في ~~الحقيقة شاهدان على ما في ذمته أو على إقراره فحينئذ لا بد من كون كل واحد ~~اثنين عدلين على ما اعتبروه في غير هذا المحل إلا أن يكونا ممن يتعاطى ~~المعاملة أو يكون الكاتب عالما بالحال، وهو مشكل أيضا إذ حينئذ لا يحتاج ~~إلى المملل وعلى تقدير تعاطيهما أيضا ما يقدر الكاتب أن يكتب كونه في ذمة ~~المديون بقولهما وهذا الاشكال وارد في الكل، إذ بمجرد إقرار الولي كيف ~~يكتفي بثبوت المال في ذمة المولى عليه، بل مع شهود أيضا، لأنهم يعتبرون ~~لاثبات المال في الذمة بالشهود انضمام حكم الحاكم إليه. # وقيل: الضمير في " فليملل وليه بالعدل " راجع إلى الحق أي صاحب الدين وهو ~~بعيد، والاشكال فيه أقوى إلا أن يكتب الكاتب تذكرة له من لسانه، لا أنه ~~ينفعه ويكون حجة له، وحينئذ يجوز كتابة مثله من لسان هؤلاء الذين مضوا أيضا ~~ولا إشكال فتأمل. # فدلت هذه على وجوب إقرار من عليه الحق، لأن يكتب ويشهد عليه، و وجوب كونه ~~على ما هو عليه، وكذا على الأولياء، وعلى أن هؤلاء المذكورين من السفيه ~~والضعيف ومن لم يقدر لا يمضي إقرارهم، ولا يعتبر قولهم، فلا يجوز ~~PageV00P444 # معاملتهم وأن لغيرهم عليهم ولاية جبرا عليهم، ومقبول قولهم فيهم وتصرفهم ~~في أموالهم، فتجوز المعاملة معهم وهم المذكورون، فإنه علم أن لهم أولياء ~~وليسوا غير هؤلاء المذكورين إجماعا ms395 فلا يكونون إلا هم. # ثم اعلم أن هذه التأكيدات في أمر الكتابة تدل ظاهرا على أنها معتبرة و ~~حجة شرعية مع أنهم يقولون بعدم اعتبارها، فكأنه للإجماع والأخبار، فتكون ~~للتذكرة وهو بعيد، ويمكن أن تكون حجة مع ثبوت أنه إملاء من عليه الدين وأنه ~~مكتوب بالعدل وما دخل عليه التغيير والتزوير بإقراره أو بالشهود، ولهذا شرط ~~الاملاء منه، فدلت على اعتبار الكتابة في الجملة ومثلها معتبرة عندهم فيخصص ~~عدم اعتبار الكتابة ودليله إن كان بغير ذلك، فإذا قال شخص هذه وصيتي وأعلم ~~بجميع ما فيها مشيرا إلى صكه، ينبغي قبوله والشهادة عليه، والعمل به، والذي ~~يظهر من القواعد خلافه، وهكذا ينبغي قبول قول أمثاله فافهم. # " واستشهدوا شهيدين " أي اطلبوا أن يشهد على الدين شاهدان متصفان بأن ~~يكونا " من رجالكم " المؤمنين " فإن لم يكونا " أي إن لم يكن الشاهدان ~~رجلين من رجالكم " فرجل وامرأتان " أي فليشهدوا، فالشهود رجل وامرأتان، ~~فرجل فاعل فعل محذوف، أو خبر مبتدأ محذوف، وامرأتان عطف عليه " ممن ترضون ~~من الشهداء " بشهادتهم بأن ترضوا دينهم وأمانتهم كما يفهم من الرواية أيضا ~~أي يكون الشاهد مطلقا سواء كان الرجلين أو رجلا وامرأتين، من الذين تعرفون ~~عدالتهم، ويظهر ذلك عندكم، لا أن يكونوا في نفس الأمر عدولا. # فيدل على اعتبار العدالة ظاهرا وأن كل من يكون كذلك عند المستشهد فهو ممن ~~يصح استشهاده، لأن الظاهر أنه المخاطب، لكن الظاهر أنه ما يكفي للحكم ~~والإلزام، بل للخروج عن عهدة أمر الاستشهاد وأما للحكم فلا بد أن يكون كونه ~~كذلك عند الحاكم أو عند المديون فتأمل. # فدلت على عدم كفاية الايمان والإسلام في الشاهد، بل اعتبار العدالة فيه ~~في الجملة، وعلى وجوب الاشهاد على الدين على الظاهر، ويحتمل الأعم أي في ~~PageV00P445 # كل ما يحتاج إلى الشهود من المعاملات وغيرها، ولكن ظاهر الأصحاب عدمه فهو ~~للإرشاد أو الاستحباب، وعلى وجوب كون الشاهد من رجال المسلمين، وهو مذهب ~~الأصحاب وأكثر الفقهاء خلافا لأبي حنيفة، فإنه قال: يجوز سماع شهادة بعض ~~الكفار على بعض كذا ms396 في القاضي وعلى جواز شهادة رجل وامرأتين في الديون وقيل ~~يجوز في مطلق الأموال فقط، وهو مذهب الأصحاب والشافعي، ويمكن حمل الآية ~~عليه ومذهب الحنفية أنها تجوز في كل شئ إلا الحدود والقصاص، وظاهر الآية ~~الأول فكأن الغير ثبت بالإجماع أو الأخبار أو القياس أو حمل الآية على ~~الأعم. # وعلى وجوب سماع شهادة رجلين عدلين أو رجل وامرأتين كذلك، والحكم بها لأن ~~الظاهر أن الغرض من الاشهاد هو سماع الشهادة والحكم بها، لأنهما نفعه وعلى ~~حصر الشاهد فيهما ظاهرا وكأن غيرهما ثابت بدليل آخر فيخرج هذه عن ظاهرها به ~~فافهم. # " أن تضل إحديهما فتذكر إحديهما الأخرى " قيل إنه علة لاعتبار تعدد ~~المرأة في الشهادة أي التعدد لأجل أن إحداهما إن ضلت بأن نسيتها ذكرتها ~~الأخرى والعلة في الحقيقة هي التذكير ولكن لما كان الضلال سببا له نزل ~~منزلته كقولهم أعددت السلاح أن يجيئ عدو فأدفعه، فكأنه قيل إرادة أن يذكر ~~إحداهما الأخرى إن ضلت، وفيه إشعار بنقص ضبطهن. # " ولا يأبى الشهداء إذا ما دعوا " وهو خبر بمعنى النهي للمبالغة، فظاهره ~~تحريم امتناع الشاهد عن أداء الشهادة إذا طلبت منه، ويحتمل تحريم رد التحمل ~~أيضا إذا نودي، وتسميتهم بالشهداء لمجاز المشارفة " ولا تسأموا أن تكتبوه " ~~أي لا تملوا من كثرة مداينتكم أو غيرها أن تكتبوا الدين أو الحق أو الكتاب، ~~قيل: # كني بالسأمة عن الكسل، لأنه صفة المنافق، ولذلك روي عنه صلى الله عليه ~~وآله: لا يقول المؤمن كسلت. " صغيرا " كان الدين " أو كبيرا " أو الكتاب ~~مختصرا كان أو مطولا " إلى أجله " أي إلى وقت حلوله الذي سمي في الدين أو ~~أقر به المديون. # " ذلكم " أي الكتابة المفهومة من أن تكتبوا " أقسط " أي أكبر قسطا وعدلا ~~PageV00P446 # عند الله وأقوم للشهادة " أثبت وأعون على إقامتها، قال القاضي: وهما ~~مبنيان من أقسط وأقام على غير قياس، أو من قاسط بمعنى ذي قسط وقويم، فيدل ~~على حجيتها في الجملة على ما مر فتأمل. إنما قال بمعنى " ذي قسط " أي صار ~~ذا عدالة مثل تأمر ms397 ولابن، بمعنى ذا تمر وذا لبن لأن قاسطا قد يكون بمعنى ~~جائر " وأما القاسطون فكانوا لجهنم حطبا " (1) ولهذا جعله أولا من أقسط، ~~فكأنه بمعنى أعدل ولعل الهمزة للإزالة كشكى وأشكى، وعلى هذا القياس أقوم، ~~وكونه من أقام لا من قام، ويحتمل كونه من قويم بمعنى ثابت، فيكون بمعنى ~~أثبت فتأمل في عبارته ولعل وجه كونه على غير قياس عدم مجئ أفعل من المزيد ~~فيه، فيقال أشد أقساطا وإقامة. # وفيه أن ذلك ليس بمتفق عليه، فإن سيبويه يجوز ذلك من باب الأفعال خاصة، ~~صرح به المحقق الرضي في شرح الكافية، حيث قال: وعند سيبويه هو قياس عن ~~أفعل، مع كونه ذا زيادة، ويؤيده كثرة السماع كقولهم هو أعطاهم للدينار، ~~وأولاهم بالمعروف، وأنت أكرم لي من فلان، وقلة التغير لأنك تحذف منه الهمزة ~~وترده إلى الثلاثي ثم تبني منه أفعل الخ وأشار إليه في الكشاف أيضا حيث ~~قال: فإن قلت مم بني فعلا التفضيل أعني أقسط وأقوم؟ قلت: يجوز على مذهب ~~سيبويه أن يكونا مبنيين من أقسط وأقام، وأن يكون أقسط من قاسط على طريقة ~~النسب بمعنى ذي قسط وأقوم من قويم. فإن صح عدم صحة مجيئها من قسط وقام ~~ويحتاج إلى التكلف الذي ذكراه بقولهما بمعنى الخ تكون الآية دليلا على مذهب ~~سيبويه، وهو ظاهر، وأيضا وجود غير القياس في القرآن العزيز غير معقول. # " وأدنى أن لا ترتابوا " أو وأقرب في أن لا تشكوا أنتم والشهود في جنس ~~الدين وقدره، وحلول أجله، وهذه كلها تأكيدا للكتابة، وبيان فائدتها " إلا ~~أن تكون تجارة حاضرة تديرونها بينكم فليس عليكم جناح ألا تكتبوها " ~~والتجارة # PageV00P447 # الحاضرة تعم المبايعة بعين أو دين لكن غير مؤجل بل كل معاملة بعين أو دين ~~بيعا وغيره، فالحاضرة أي الحالة وإدارتها بينهم تعاطيها إياها وتداولها ~~وتعارفها بينهم، ونصب تجارة على أنها خبر تكون والاسم مضمر فيه أي تكون ~~المعاملة أو التجارة المفهومة من سوق الكلام، وحاضرة صفة لها، وتديرونها ~~كذلك أو حال. # ورفعها على أن تكون تامة أو هي اسمه ms398 والخبر وتديرونها والاستثناء من ~~التداين والتعامل أو الدين، وفي القاضي أنه استثناء عن الأمر بالكتابة وليس ~~بجيد وهو ظاهر. # فدلت على عدم كون الكتابة في التجارة الحاضرة مأمورا بها بالمثابة التي ~~كانت في الدين المؤجل، وعلى إباحة المعاملة بالدين الحال والعين " وأشهدوا ~~إذا تبايعتم " هذا هو التبايع المذكور سابقا أي التجارة الحاضرة، أو مطلق ~~التبايع وهو الأظهر بل مطلق المعاملة،، فدلت على وجوب الاشهاد عليها أو على ~~التبايع مطلقا أو المعاملة مطلقا، بأن يطلق البيع ويراد مطلق المعاملة، ~~ولكن الأكثر على الاستحباب كما هو ظاهر الأصحاب، قال القاضي: والأوامر التي ~~في هذه الآية للاستحباب عند أكثر الأئمة وقيل أنها للوجوب، ثم اختلف في ~~إحكامها ونسخها وفيه تأمل إذ الظاهر وجوب أداء الشهادة بل تحملها أيضا ~~كفاية عندهم أيضا وكذا الكتابة بالعدل والاملال من صاحب الحق والولي وكذا ~~بعض آخر فتأمل. # " ولا يضار كاتب ولا شهيد " أي الشاهد ويحتمل " لا يضار " البناء للفاعل ~~والمفعول كما في آية الرضاع، وهو نهيهما عن إضرار المتداينين بترك الإجابة ~~والتحريف والتغيير في الكتابة والشهادة أو نهى عن الضرر بهما مثل استعجالهم ~~عن مهم ضروري وعن تحصيل المعاش وتكليف السفر إلى بلد القاضي والمدعى عليه ~~وتكليف الكاتب قلما أو مدادا أو قرطاسا وعدم الجعل له على القول به، كما هو ~~الظاهر من عدم الضرر والاضرار، فيكون من بيت المال على تقديره وإلا فمن مال ~~صاحب الدين كما قيل، " فإن تفعلوا " الضرار وما نهيتم عنه " فإنه فسوق بكم ~~" خروج عن الطاعة لاحق بكم ضرره " واتقوا الله " في مخالفه أمره ونهيه " ~~ويعلمكم الله " PageV00P448 # أحكامه المتضمنة للحكم والمصالح " والله بكل شئ عليم " كرر لفظة الله في ~~الجمل الثلاثة لاستقلالها، فإن الأولى حث على التقوى، والثانية وعد بأنعامه ~~والثالثة لتعظيم شأنه، ولأنه أدخل في التعظيم من الضمير، فدلت على تحريم ~~مطلق الاضرار بالمعنى الذي مر وأكده بأن فعله فسق وليس ببعيد فهم كون صاحبه ~~فاسقا فلا يكون عادلا وعلى وجوب التقوى والوعد والوعيد. # الثانية: وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ms399 ميسرة (1). # أي إن وقع وثبت غريم ذو عسرة فكان تامة، وحاصله إن كان غريم من غرمائكم ~~أي الذي عليه حق ومال ذا عسرة أي فقر وعديم المال، والجملة شرطية والجزاء " ~~فنظرة إلى ميسرة " أي فالواجب أو فعليكم أو فلتكن نظرة، والنظرة التأخير ~~وهو اسم قائم مقام المصدر أي الأنظار، ومثله كثير، والميسرة والميسور بمعنى ~~اليسار، والغنى والسعة، كذا في مجمع البيان، واختلف في حد الاعسار فروي عن ~~أبي عبد الله عليه السلام أنه قال: هو إذا لم يقدر على ما يفضل عن قوته ~~وقوت عياله على الاقتصاد، والظاهر أنه يريد قوت يومه والعيال الذي يجب عليه ~~نفقته من الزوجة والمملوك والآباء والأولاد على ما ذكره الأصحاب وأيضا ~~استثني له ثياب تجمله ومهنته وخادمه إن كان من أهله، وداره وما عرفته ولعله ~~بالاعتبارات والروايات كما في ثوب المهنة والدار، وبالإجماع عندهم فبعدم ~~ذلك تتحقق الميسرة واليسار. # واختلف أيضا في الدين الذي يجب إنظار صاحبه إذا كان معسرا فقيل مطلق ~~الدين كذلك، وهو ظاهر كلام الأصحاب بل ظاهر الآية، والمروي عن أبي جعفر ~~وأبي عبد الله عليهما السلام وقيل: الحكم مخصوص بدين الربا كما هو ظاهر ~~الآية، وقيل الأمر مخصوص به والباقي كذلك بالقياس كذا في مجمع البيان " وأن ~~تصدقوا " أي تصدقكم بما لكم على الغريم بالابراء أو بصيغة التصدق، والأول ~~ألصق معنى # PageV00P449 # والثاني لفظا إذ يقال التصدق في عرف الفقهاء لما في الذمة بل الابراء " ~~خير لكم " أي أكثر ثوابا من إنظاره أو مما تأخذونه بمضاعفة ثوابه ودوامه، ~~فأن مصدرية وما بعده مبتدأ بتأويل المصدر، وخير خبره " إن كنتم تعلمون " ~~حقيقة الخير و الشر، أو حقيقة التصدق وثوابه، وما فيه من الأجر الجزيل ~~والذكر الجميل والانظار وما فيه، أو إن كنتم من أهل العلم والتمييز، تعلمون ~~أن التصدق خير لكم. # فبالحقيقة علمهم بأن التصدق خير متعلق على علمهم بالمعاني المذكورة لا ~~خيرية التصدق في نفس الأمر، كما هو الظاهر وهو ظاهر، ففي الآية دلالة على ~~أن التصدق يطلق على الابراء فيصح ms400 الابراء بالتصدق مطلقا إلا أن يظهر دليل ~~غير قولهم وأنه خير من الأنظار، ولا استبعاد في أفضلية المندوب على الواجب ~~والظاهر أن أمثاله كثيرة، ولا يمكن أن يقال إن التصدق مشتمل على الأنظار ~~أيضا ففي الحقيقة الجمع بين الواجب والندب خير من الواجب كما قيل، إذ لا ~~معنى للجمع بينهما، إذ لا إنظار مع الابراء، وهو ظاهر، ولعل المراد أن ترك ~~المطالبة والتضييق على الغريم الذي هو الغرض من وجوب الأنظار يتحقق مع ~~إبرائه فهو موجب لكثرة الثواب، يعني أنه ما ترك واجبا وأتى بما هو الغرض ~~منه، ومع ذلك فعل فعلا مستحبا فثوابه أكثر، ولا قصور فيه بوجه، وعلى أنه ~~إذا علم إعسار صاحبه لا يجوز الطلب والحبس بل يجب الأنظار، وعلى أن الابراء ~~حسن وخير وأن الأنظار واجب، وإن كان بالنسبة إلى فاسق بل كافر وغاصب مع ~~غنائه وإعساره أيضا. # وبالجملة يدل على أن الاحسان حسن، وإن لم يكن المحسن إليه من أهله، ويدل ~~عليه ما روي عنه صلى الله عليه وآله: اصنع المعروف إلى كل أحد فإن لم يكن ~~أهلا له، فأنت أهل لذلك (1) وعموم قوله عليه السلام أيضا من أنظر معسرا ~~ووضع عنه أظله الله في عرشه يوم لا ظل إلا ظله، وعنه أيضا عليه السلام من ~~أنظر معسرا كان له بكل # PageV00P450 # يوم صدقة (1) ومن هذا الحديث ذهب بعضهم إلى أن المراد بالصدقة في الآية ~~هو الأنظار وهو بعيد، ولا استبعاد أيضا في أفضلية الابراء من الأنظار مع ~~بقاء المال في الذمة وحصول كل يوم بل كل ساعة صدقة فيه، مع أن القرض أيضا ~~أفضل من الصدقة لاحتمال خيرية هذه الصدقة بخصوصها بالنص من الآية الشريفة ~~والأخبار. # ثم أكد سبحانه الترغيب إلى الطاعات سيما الصدقة والانظار والترهيب عن فعل ~~المعاصي بقوله " واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله " أي يوم القيامة أو يوم ~~الموت فتأهبوا لمصيركم إليه " ثم توفى كل نفس ما كسبت " أي تستوفي فيه أجرة ~~كسبه خيرا أو شرا " وهم لا يظلمون " بنقص ثواب الأعمال ms401 وزيادة عقاب المعاصي ~~وعن ابن عباس أنها آخر آية نزل بها جبرئيل عليه السلام وقال: ضعها في رأس ~~المائتين والثمانين من البقرة، وعاش رسول الله صلى الله عليه وآله بعدها ~~أحدا وعشرين يوما، وقيل أحدا وثمانين وقيل سبعة أيام وقيل ثلاثة ساعات كذا ~~في القاضي والكشاف و الظاهر أن المراد هذه الآية أي " واتقوا " إلى قوله " ~~لا تظلمون ". # وفي مجمع البيان: وروي عن ابن عباس وابن عمر أن آخر ما نزل من القرآن آي ~~الربوا، والظاهر أن الأول لبعد عدم هذا التحريم فيه إلى محل الفوت، وأيضا ~~هي المناسب لأن تكون آخر ما نزل، ولهذا يفهم من كلامه أيضا في جامع الجوامع ~~ذلك، لأن كلامه مثل كلام الكشاف فتأمل. # الثالثة: من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه له أضعافا كثيرة والله ~~يقبض ويبسط وإليه ترجعون (2). # " من " استفهامية مرفوعة بالابتداء، و " ذا " خبره " و " الذي " صفة " ذا ~~" أو بدله، " وقرضا " مفعول مطلق بمعنى إقراضا " وحسنا " صفته، أو بمعنى ~~مقرضا محسنا فيكون حالا عن فاعل يقرض، وكأن المعنى تحريص وترغيب على إقراض ~~الله ولعل المراد باقراضه الأعمال لوجه الله، سواء كانت ببذل النفس كما في ~~الجهاد # PageV00P451 # أو السعي في تحصيل العلوم والواجبات، أو السعي في قضاء الحاجات، وسائر ~~مرضات الله أو صرف المال في مثل الزكاة ونفقة العيال وصرفه الله على أي وجه ~~كان قرضا كان أو غيره، وكأنه شبه تقديم العمل الذي يتعقبه العوض والجزاء ~~والثواب بالقرض الذي هو قطع المال ودفعه ليعوض به، أو يكون المراد قرض ~~المحتاجين لله قرضا حقيقيا ولعل المراد بحسن القرض فعله مخلصا خاليا عن غير ~~وجه الله مفهوما من قوله " يقرض الله " وبطيب النفس من غير كدورة وكسل، ~~وبغير من ولا أذى، فيضاعفه بتجارته ضعفا كثيرا أي أمثالا كثيرة لا يقدره ~~إلا الله قيل الواحد بسبعمائة، وأضعافا جمع ضعف، ونصبه على الحال من الضمير ~~المنصوب أو المفعول الثاني لتضمن المضاعفة معنى التصيير، أو على المصدر على ~~أن الضعف اسم المصدر وجمع للتنويع ويقيمون اسم ms402 المصدر مقامه، ويجعلونه ~~بحكمه، وكأن تأنيث الكثيرة لكونها صفة للجمع وقرئ يضاعف بالنصب لكونه جواب ~~الاستفهام لأن " من ذا " بمنزلة أيقرض الله أحد؟ فالتقدير فأن يضاعفه، ~~والله يقتر على بعض ويوسع على بعض على حسب ما اقتضاه مصلحتهما، فلا تبخلوا ~~عليه تعالى بما وسع عليكم، ولا تهينوا من قتر عليه فلا ينبغي لمن قتر عليه ~~أن يخرج عن الرضا، ولا لمن وسع عليه أن يتكبر، أو أنه يقبض القرض ويوسع في ~~العوض أو أنه يقبض على البعض بأن يميته ويبسط على الوارث " وإليه ترجعون " ~~فالمرجع هو الله، فيجازيكم على حسب أعمالكم، وتجدون ما فعلتم له ولغيره. # ونحوها: من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه له وله أجر كريم (1) وأن ~~المصدقين والمصدقات وأقرضوا الله قرضا حسنا يضاعف لهم ولهم أجر كريم (2) ~~وقوله تعالى إن تقرضوا الله قرضا حسنا يضاعفه لكم (3). # PageV00P452 # أي إن تصرفوا المال حسبما أمر الله به صرفا حسنا مقرونا بالإخلاص، وطيب ~~النفس، من غير أن يتبعه منة وأذى يضاعفه لكم بالأجر العظيم والثواب الجزيل ~~حتى روي بالواحد عشرا إلى سبعمائة، والاختلاف بسبب النية واستحقاق المنفق ~~عليه وصلاحه وعلمه وقرابته وغير ذلك، فيحتمل كون المراد قرضا عرفيا فيكون ~~دليل استحبابه بخصوصه والعموم فيكون دليلا عليه، وعلى جميع الاحسان مثل كشف ~~الكرب عن المسلم، وقضاء حاجته، وإدخال السرور عليه، وما يدل عليه في الكتاب ~~والسنة كثير جدا ويدل عليه العقل أيضا. PageV00P453 # وأما توابع الدين فهي أنواع: # * (الأول الرهن) * وفيه آية واحدة وهي: # وإن كنتم على سفر ولم تجدوا كاتبا فرهان مقبوضة فإن أمن بعضكم بعضا فليؤد ~~الذي اؤتمن أمانته وليتق الله ربه ولا تكتموا الشهادة ومن يكتمها فإنه آثم ~~قلبه والله بما تعملون عليم (1). # يعني إن كنتم أيها المتعاملون بالدين المؤجل - بقرينة ولم تجدوا كاتبا ~~فإن الكتابة إنما كانت فيه ويحتمل في مطلق المتعاملين بالدين، وقال في مجمع ~~البيان أيها المتداينون المتبايعون والتخصيص غير سديد ويكون " ولم تجدوا " ~~الخ إشارة إلى شرط جريان الرهن في جميع أنواع الدين فإنه لو ms403 وجد لم يحتج في ~~المؤجل إليه أو يكون إشارة إلى جريان الكتابة في مطلق الدين. # " على سفر " أي ثابتين في السفر فهو خبر " كنتم " أي إن كنتم مسافرين ولم ~~يكن معكم من يكتب لكم ولا يشهد أيضا، ذكره في مجمع البيان كأنه يريد أن ~~الله أشار بقوله " ولم تجدوا كاتبا " إلى فقد ما يوثق به الذي مر فيما سبق، ~~وهو الكتابة والشهادة، فاكتفى بذكر أحدهما عن الآخر، وهذا تكلف ما يحتاج ~~إليه مع أنه يزيد شرط آخر للرهن مع أنه ليس كذلك بالاتفاق على الظاهر " ~~فرهان مقبوضة " أي فالوثاق بينكم برهان مقبوضة، أو فالذي يوثق به رهان، أو ~~فليؤخذ رهان، أو فعليكم رهان أو فرهان مقبوضة يقوم مقامه، ويصح كونه مبتدأ ~~لكونه موصوفا، والرهان جمع رهن بمعنى المرهون وكذا الرهن بالضم وهو ما يوثق ~~به # PageV00P454 # والظاهر أن اشتراط السفر وعدم وجدان كاتب لمشروعية الرهن خارج مخرج ~~الغالب، وذكر لما هو الأحوج إليه، إذ الظاهر عدم الخلاف في مشروعيته ~~بدونهما، وما ذكره القاضي بقوله ليس هذا التعليق لاشتراط السفر في الارتهان ~~إلى قوله بل لإقامة التوثيق بالارتهان مقام التوثيق بالكتب في السفر الذي ~~هو مظنة اعوازها مقتصرا للكشاف غير ظاهر، ولعل عدم الكاتب شرط عندهما، وهو ~~بعيد على أن كلامه يدل على مدخلية السفر فتأمل، ويحتمل أن يكون مستحبا ~~حينئذ فقط وإن كان جايزا بالإجماع والخبر. # ثم إن ظاهرها الوجوب، ولكن الظاهر أنه ما ذهب إليه أحد فيحمل على ~~الاستحباب أو الارشاد مثل الكتابة والاشهاد ولا يبعد كون المخاطب بفعله ~~والمرغب فيه المريد من الذي له الحق والذي عليه كما في الكتابة والشهادة إذ ~~نفعه يعمهما ومعنى الرهن والقبض معلوم من كتب الفقه، وكذا سائر الشروط. # فدلت على إباحة الرهن بل كونه مرغوبا أخذا وإعطاء، قيل: وعلى كون القبض ~~شرطا لصحة عقد الرهن وترتب فائدته عليه، قال القاضي: والجمهور على الاشتراط ~~غير مالك، وهو مذهب أكثر الأصحاب، وقال في مجمع البيان: إن لم يقبض لم ~~ينعقد بالإجماع، وكأنه يريد الأكثر أو ms404 لم يعتبر المخالف وهو بعيد، إذ الشيخ ~~في الخلاف وموضع من المبسوط والعلامة وابن إدريس وذهبوا إلى عدم الاشتراط، ~~وقال في كنز العرفان: المحققون من الأصحاب عليه (1) وهو أيضا غير واضح. # واعلم أن دلالة الآية بمفهوم الوصف على مذهب الأكثر كما قيل غير ظاهر بل ~~يمكن أن يكون دليل مذهب الأقل إلا أن يكون الوصف للبيان كما يدل عليه رواية ~~محمد بن قيس عن أبي جعفر عليه السلام قال لا يرهن إلا مقبوضا (2) وإن كان ~~فيه محمد بن قيس المشترك بين العدل وغيره ولكن الظاهر من فتوى الأكثر به مع ~~عدم جواز الفتوى بخبر غير العدل أنه هو العدل فتأمل فيه. # PageV00P455 # نعم يدل عليه أنه روى عنه عاصم بن حميد وهو تلميذ الثقة فليس سبب الضعف ~~اشتراكه كما قيل، بل وجود حسن بن محمد بن سماعة، وعدم صحة الطريق إليه، ~~والعمدة أن الوثيقة الشرعية المترتب عليها الأحكام الشرعية الخاصة مثل سقوط ~~سلطنة المالك عن ملكه ودخوله تحت سلطنة غيره، الأصل عدمهما لا يمكن ~~استفادتها إلا من الشرع لأنه أمر شرعي يحتاج إلى دليل شرعي وإلى تلق منه ~~ولا يكفي فيه الأصل والعقل والذي علم أنه كذلك بالإجماع والآية و الخبر هو ~~الرهن المقبوض، وغيره بقي تحت العدم، ولا يكفي أيضا فيه عموم مثل " وأوفوا ~~بالعقود " إذ كون الرهن بدون القبض عقدا شرعيا متلقى منه داخلا تحته غير ~~معلوم ولا مظنون، مع ما ذكرناه من الوجه. # وأيضا إن كان المراد بالعقود الصحيحة فلا نسلم صحة العقد الواقع بدون ~~القبض إذ لا نسلم أن كل ما صدق عليه العقد في الجملة أنه عقد صحيح أو الأصل ~~فيه أنه صحيح إذ لا شك في اعتبار الشرائط الزائدة عليه، وليس حصولها معلوما ~~ولا مظنونا وبالجملة إثبات الصغرى مشكل في هذه الصورة بمثل هذه وإن كان ~~الأعم أو الفاسد، فمعلوم عدم دلالته على عدم اشتراط القبض في العقد الصحيح، ~~على أنه قد قيل: لم لا يجوز أن يكون المراد بها الأعم كما هو الظاهر، فيجب ms405 ~~الإيفاء بمقتضى مطلق العقد صحيحا كان أو فاسدا، فالصحيح بمقتضى الصحة، ~~والفاسد بمقتضى الفساد، إذ للفاسد أيضا أحكام شرعا فتأمل. # " فإن أمن بعضكم بعضا " أي إن وثق واعتمد صاحب الحق صاحبه الذي عليه الحق ~~بأن لا يجحده ولا ينقص ولا يماطل لم يستوثق برهن هذا هو الظاهر إذ الكلام ~~على تقدير عدم وجدان الكاتب لأن الأمر بالرهن كان على التقدير، وهذا مرتب ~~عليه، قال الكشاف والقاضي: واستغنى لأمانته عن الارتهان، وزاد في مجمع ~~البيان نفي الكتابة ولا يبعد زيادة نفي الشهادة أيضا أي استغني لأمانته عن ~~أخذ الرهن والكتابة والشهود " فليؤد الذي اؤتمن " أي الذي عليه الحق " ~~أمانته " أي دينه الذي ائتمنه عليه سماه أمانة لذلك، والظاهر أنه غير مشروط ~~بالعدالة PageV00P456 # عقلا ونقلا، وأداؤه إعطاؤه وإيصاله إلى صاحبه، بغير جحود يحتاج إلى ~~الاثبات ولا ينقص منه شيئا، ويعطيه في محله من غير مطل وتسويف، وأراد ~~بالأمانة ما اؤتمن عليه فهو مصدر بمعنى المفعول " وليتق الله ربه " في ~~الخيانة وخلاف أداء الأمانة أو مطلقا في مخالفة الله وفيه مبالغة زائدة. # " ولا تكتموا الشهادة " أيها الشهود عند الأداء وهو إذا ما دعوا، فالمراد ~~هم أو مع من عليه الحق فتكون شهادته على نفسه، ففيه مسامحة ما، أو هو فقط ~~فمسامحته أقل وألصق بما سبق " ومن يكتمها فإنه آثم قلبه " فإن مع اسمه أي ~~الضمير و خبره أي " آثم " و " قلبه " فاعله أو أن قلبه مبتدأ وآثم خبره ~~مقدم والجملة خبر إن خبر فإنه موصول مع صلته مبتدأ ولتضمنه معنى الشرط صح ~~دخول الفاء في خبره، وهو للمبالغة في النهي عن ترك الشهادة، فإنه ما اكتفى ~~بالنهي بل أعاده مرة أخرى بأن من يفعل ذلك يأثم قلبه، وإسناد الإثم إلى ~~القلب لأن الكتمان فعله لأن العزم على الكتمان إنما يقع بالقلب، لأن إضافة ~~الإثم إلى القلب أبلغ في الذم كما أن إضافة الايمان إلى القلب أبلغ في ~~المدح كذا في مجمع البيان " والله بما تعملون " من السر والكتمان وإظهار ~~الحق " عليم " فيجازي الكل ms406 بحسب علم يعلمه، ففيه ترغيب وترهيب. # فدلت على وجوب أداء الدين بغير نقص على ما مر، على الذي اؤتمن وترك أخذ ~~الوثيقة منه، ولعل الغرض من ذكره بخصوصه، وشرط الأمانة في ذلك زيادة ~~المبالغة والأولوية وإلا فهو واجب على كل من عليه حق الغير عند الطلب و ~~القدرة إجماعا، ومعلوم هنا أيضا أنه مقيد بهما لذلك ولأنه كان محل الجحود ~~والإنكار، فأراد نفيه بخصوصه تأكيد ومبالغة، ويمكن استفادة أن مجازات ~~المحسن بالإحسان حسن، ويمكن كونه سبب التخصيص فافهم، ويمكن كونه إشارة إلى ~~وجوب أداء كل أمانة إلى صاحبها لا خصوصية له بدين ولا رهن، ولا بالراهن و ~~المرتهن، فيشمل الرهن في الراهن والمرتهن وغيرهما والدين مطلقا، ويحتمل أن ~~يكون المراد إن كان الرهن بيد الراهن اعتمادا من المرتهن عليه وعلى أمانته ~~أو بالعكس، وعلى وجوب التقوى وعلى تحريم كتمان الشهادة. PageV00P457 # * (الثاني الضمان) * ونقل فيه آيتان: # الأولى: ولمن جاء به حمل بعير وأنابه زعيم (1). # الثانية: سلهم أيهم بذلك زعيم (2). # وأنت تعلم عدم دلالتهما على الضمان المشروع عند الفقهاء سيما الأخيرة ~~فدليلهم الاجماع والأخبار، نعم في الأولى إشارة ما إلى مشروعية الجعل ~~وضمانه قبل الشروع في العمل في شرع من قبلنا، قال البيضاوي: فيه دليل على ~~جواز الجعالة وضمان الجعل قبل تمام العمل وفيه تأمل. # * (الثالث الصلح) * ونقل فيه ست آيات: # الأولى: " لا خير في كثير من نجويهم (3) " أي اسرارهم وهو لا يتم إلا بين ~~اثنين كالدعوى " إلا من أمر بصدقة " فإن في نجواه خيرا " أو معروف " يعني ~~به أبواب البر لاعتراف العقول بها، ولأن أهل الخير يعرفونها " أو إصلاح بين ~~الناس " أي تأليف بينهم بالمودة ورفع النزاع، بل إيصال النفع إلى الناس ~~مطلقا إصلاح بينهم في الجملة وظاهره إصلاح ذات البين، ويحتمل العموم ولعل ~~يؤيده ما ذكره في مجمع البيان وقال علي بن إبراهيم في تفسيره: حدثني أبي عن ~~ابن أبي عمير عن حماد عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن الله فرض ~~التمحل، قال: فقلت: وما التمحل جعلت فداك ms407 قال: أن يكون وجهك أعرض من وجه ~~أخيك فتمحل له وهو قوله " لا خير في كثير # PageV00P458 # من نجويهم " الآية قال: وحدثني أبي رفعه إلى أمير المؤمنين عليه السلام ~~أنه قال: إن الله فرض عليكم زكاة جاهكم كما فرض عليكم زكاة ما ملكت أيديكم ~~(1). # الثانية: " فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم " (2) وقد مر تفسيرها في باب ~~الخمس. # الثالثة: قوله تعالى " إن يريدا إصلاحا يوفق الله بينهما " (3) أي إن ~~يريد الحكمان إصلاحا أو صلاحا بين الزوج والزوجة يوفق الله بينهما للصلاح ~~والسداد، ورفع الشقاق والنفاق، أو يوفق الله بين الحكمين ليتفق كلامهما، ~~ولا يقع بينهما خلف حتى يجتمعا على صلاحهما، فيحصل ذلك بين الزوجين أو إن ~~يريد الزوج والزوجة إصلاحا يوفق الله بينهما أو بين حكميهما ليتفقا على ~~صلاح وسداد، ولعل يوفق الله بينهما خيرا. # فتدل على أنه ينبغي الصلح بل أن مريد شئ مطلقا ينبغي أن لا يريد إلا خيرا ~~وأنه إذا كان كذلك ويوافق ظاهره باطنه يحصل مطلوبه، ولهذا قيل: وفيه تنبيه ~~على أن من أصلح نيته فيما يتحراه أصلح الله مبتغاه " إن الله كان عليما ~~خبيرا " بظواهر الأمور وبواطنها فيعلم كيف يرفع الشقاق ويوقع الوفاق على ~~وجه الحكمة والمصلحة فلا بد من خلوص النية فإنه لا يمكن إخفاء شئ عليه، فلا ~~ينفع إظهار الصلاح وإرادة النفاق، وفيه وعظ للحكمين، بأن لا يريدا في ~~الظاهر والباطن إلا الاصلاح، بل لكل أحد بموافقة علانيته سره. # الرابعة: " وإن امرأة خافت من بعلها نشوزا أو إعراضا فلا جناح عليهما " ~~(4) أي فلا حرج ولا إثم على كل واحد من الزوج والزوجة " أن يصلحا بينهما ~~صلحا " بأن تترك المرأة له يومها أو تضع عنه بعض ما يجب لها من نفقة أو ~~كسوة أو غير ذلك مستعطفة له بذلك فتستديم المقام في حباله، هكذا فسر، وفيه ~~تأمل لأنه يلزم إباحة أخذ شئ للاتيان بما يجب عليه، وترك ما يحرم عليه، ~~وإلجاء صاحب الحق بأن # PageV00P459 # يعطي شيئا حتى يستوفي الحق، وعدم الإثم وعدم الحرج حينئذ محل التأمل. # ولا ms408 شك في تحريم الاعراض والنشوز إذا كان عما يجب عليه، فيمكن أن يحمل ~~على ترك بعض الأمور المتعارفة المتداولة بين الزوج والزوجة من التلطف وحسن ~~المعاشرة زائدة على الواجبات، بأن يتركه وعمل بمحض الشرع المر إعراضا عنها ~~وتوجها إلى غيرها مما يجد فيها من المنفرات فلا جناح حينئذ أن يستعطف ~~المرأة فتبذل له ما يريد حتى يتوجه إليها بالمتعارف وحسن المعاشرة والمحبة ~~والمودة الزائدة على الواجب وترك المحرم، أو أن المراد بأن يصلحا صلحا: # لا يستلزم قبيحا. # ثم قال: " والصلح خير " معناه والصلح بترك [بعض] الحق خير من طلب الفرقة ~~بعد الألفة أو من النشوز والاعراض وسوء العشرة، أو هو خير من الخصومة في كل ~~شئ، والصلح خير من الخيور كما أن الخصومة شر من الشرور، فليس أفعل التفضيل ~~بمعناه بل استعمله في معنى أصل الفعل، وهو كثير، هذا إذا كان بطيب من ~~نفسها، فإن لم يكن كذلك، فلا يجوز له إلا ما يسوغ في الشرع من القيام ~~بالكسوة والنفقة والقسمة وإلا طلاقها. # فدلت على الترغيب في حسن المعاشرة، بحيث لا يتوقع منهما النشوز والاعراض ~~وعلى تقدير الوقوع ينبغي رفعهما، وطلب إدامة النكاح دون الطلاق والمفارقة ~~وأنه ينبغي تركه، وأنه يجوز أخذ عوض ترك النشوز مع طيب النفس وأن الحق ~~للزوجة مثلا، وليس بحق من الله فباسقاطها مثل القسمة والنفقة يسقط، ويفهم ~~من ظاهر التفاسير أنه يسقط بإسقاطها قبل وقته أيضا فدلت على جواز اسقاط ما ~~لم يجب فإذا أسقطت ليلتها أو وهبتها لغيرها قبل وقتها يسقط كما نقل فعل ~~سؤدة بنت زمعة بالنسبة إلى عائشة فتأمل. # الخامسة: إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم (1). # السادسة: فإن فاءت فأصلحوا بينهما بالعدل (2) مضمونهما الترغيب في ~~المواساة # PageV00P460 # والصلح كغيرهما. # واعلم أن في دلالة الكل على الصلح الشرعي الذي ذكره الفقهاء في كتاب ~~الصلح تأملا واضحا. # * (الرابع الوكالة) * واستدل على مشروعيتها بثلاث آيات. # الأولى: " إلا أن يعفون أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح " (1) فإنه شامل ~~للوصي والوكيل وسيأتي في الطلاق. # الثانية: فابعثوا أحدكم بورقكم ms409 هذه إلى المدينة فلينظر أيها " الآية. (2) ~~الثالثة: " فلما جازوا قال لفتاه آتنا غدائنا " (3) ظاهر الثانية لا يخلو ~~عن دلالة ما وفي الأولى والأخيرة لا دلالة على ما نفهم فافهم. # PageV00P461 # * (كتاب) * * (قيل وفيه جملة من العقود) * وفيه مقدمة وأبحاث أما المقدمة ~~ففيها آية واحدة مشتملة على أحكام كلية. # يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود (1). # الوفاء والايفاء القيام بمقتضى العقد والعهد، والعقد العهد الموثق المشدد ~~بين اثنين، فكل عقد عهد دون العكس، لعدم لزوم الشدة والاثنينية، وفي الكشاف ~~العقد العهد الموثق، وهي عقود الله التي عقدها على عباده وألزمها إياهم من ~~واجب التكليف الخ، ويحتمل كون المراد العقود الشرعية الفقهية ولعل المراد ~~أعم من التكاليف والعقود التي بين الناس وغيرها كالأيمان، والايفاء بالكل ~~واجب فالآية دليل على وجوب الكل فمنها يفهم أن الأصل في العقود اللزوم. # " أحلت لكم بهيمة الأنعام " يحتمل أن تكون إشارة إلى بعض تفصيل العقود، ~~قاله في الكشاف، فالإيفاء بمثل الواجب هو اعتقاد حل أكلها، ووجوبه مع ~~الحاجة، ويحتمل أن يكون المراد إباحة أكل لحمها أو مطلق الانتفاع بها قيل ~~البهيمة كل حي لا تميز له، وقيل كل ذات أربع، وإضافتها إلى الأنعام للبيان: ~~أي البهيمة من الأنعام، وهي الأزواج الثمانية، والحق بها الظبا وبقر الوحش ~~وحماره، وقيل هي المراد بالبهيمة وهذا تخصيص غير واضح، فإن الظاهر شمولها ~~لجميع ذوات الأربع أو كل حي لا تميز له، ولا يبعد إرادة ذلك من الأنعام ~~أيضا ويكون ذكرها للتأكيد كما يفهم من مجمع البيان. # فتدل على إباحة كل ذلك، مثل الحمار والفرس والبغل وغيرها، ويخرج ما علم ~~تحريمه بدليله، مثل " حرمت عليكم الميتة " ويؤيده العموم قوله " إلا ما ~~يتلى عليكم " أي إلا الذي يتلى عليكم آية تحريمه أو محرم ما يتلى عليكم، ~~كقوله # PageV00P462 # " حرمت عليكم الميتة " الآية. # " غير محلي الصيد " قيل: حال من كم في لكم، وقيل من ضمير أوفوا وفي تقييد ~~الإيفاء وحل البهيمة به تأمل وقيل استثناء وكأنه عن بهيمة الأنعام وفيه ~~تعسف لفظا لعدم إمكان استثناء " محلي " عن ms410 بهيمة " وأنتم حرم " حال عن ضمير ~~" محلي " و الحرم جمع حرام أي المحرم " إن الله يحكم ما يريد " من تحليل ~~وتحريم إشارة إلى عدم السؤال عن اللم والعلة لايجاب الوفاء، وإباحة ما ~~أباح، واستثناء ما يحرم لعدم النفع الحاصل بذلك، ففيه إشارة إلى بطلان ~~القياس باستخراج العلة. # فهذه تدل اجمالا على الإيفاء بجميع العقود، فلنذكر ما يدل نصا أو ظاهرا ~~على ذلك وهو أنواع. # * (الأول الإجارة) * وفيها آيتان: # قوله: يا أبت استأجره، قوله: إني أريد أن أنكحك إحدى ابنتي هاتين على أن ~~تأجرني ثماني حجج (1). # فيهما دلالة على مشروعية الإجارة في الجملة في شرع من قبلنا، وحجيتهما ~~عندنا موقوفة على كونه حجة عندنا، وليس بثابت، وتحقيقه في الأصول ولا يكفي ~~" الأصل عدم النسخ " في دلالتهما عليها عندنا وكون ذلك العقد مما يتوقف ~~عليه حفظ النوع إن تم فليس بدليل على دلالتهما عليها بل هو دليل عليها، وفي ~~الأخيرة دلالة على جواز جعل المهر عمل الزوج بل جعل نفسه أجيرا وعدم تعيين ~~الزوجة و انعقاده بقوله " أريد أن أنكحك " الآية وفيه تأمل في شرعنا، دلالة ~~الثانية أخفى. # PageV00P463 # * (الثاني الشركة) * وفيها ثلاث آيات: # الأولى " فكلوا مما غنمتم حلالا طيبا " (1) فإنها تدل على اشتراك ~~الغانمين في الغنيمة. # والثانية: " فهم شركاء في الثلث " (2) وكذا غيرها في المواريث لاقتضائها ~~الشركة التزاما. # والثالثة: " إنما الصدقات للفقراء والمساكين " (3) على القول بالبسط. # في دلالة الأولى مناقشة، والأخيرة لا دلالة لها، بل لا قائل بها في ~~الزكاة عندنا، لانتفاء لوازم الشركة مثل اختيار المالك في تعيين المخرج، ~~وجواز تصرفه بغير إذن الفقراء، وعدم حصول النماء لهم وغير ذلك، ولا يدل على ~~القول بوجوب البسط أيضا على الشركة، وهو ظاهر، وليس ذلك مبنيا عليها أيضا، ~~بل لا معنى للقول بأنها تدل عليها على القول بوجوب البسط، نعم الثانية ~~ظاهرة في ذلك ولا يحتاج حصولها إلى دليل بل أحكامها فتأمل. # * (الثالث المضاربة) * وفيها أيضا ثلاث آيات: الأولى: " فانتشروا في ~~الأرض وابتغوا من فضل الله " والثانية: " وإذا ضربتم " الآية. والثالثة: " ~~وآخرون يضربون ms411 في الأرض يبتغون " (4) الآية. # لا دلالة فيها إلا بعموم بعيد، وآية البيع والتجارة أقرب منها والمضاربة ~~في اصطلاحهم دفع أحد النقدين إلى شخص ليعمل به فتكون له حصة من الربح. # PageV00P464 # * (الرابع الابضاع) * وفي مشروعيته أيضا ثلاث آيات: الأولى: " وقال ~~لفتيانه اجعلوا بضاعتهم في رحالهم " الآية، والثانية: " وجئنا ببضاعة مزجاة ~~" والثالثة: " ولما فتحوا متاعهم وجدوا بضاعتهم ردت إليهم " (1) عدم ~~دلالتها على المطلوب واضح، فإنه دفع مال إلى أحد ليتجر له مجانا، ومعلوم أن ~~المراد في الآيات مال إخوة يوسف الذي اشتروا به طعاما وأن هذا لا يحتاج إلى ~~الآيات، وأظن أن آيات التجارة والوكالة أدل. # * (الخامس الايداع) * وفيه أيضا ثلاث آيات: الأولى: " إن الله يأمركم أن ~~تؤدوا الأمانات إلى أهلها "، الثانية " فإن أمن بعضكم بعضا فليؤد الذي ~~اؤتمن أمانته "، الثالثة: # " ومن أهل الكتاب من إن تأمنه " الآية (2). # فمضمون قوله: " أن تؤدوا الأمانات " و " من أهل الكتاب " مما يدل عليه ~~العقل أيضا فإن وجوب أداء الأمانات كلها إلى أهلها ضروري والظاهر أنه فوري ~~مع الطلب بغير خلاف، ويمكن تعميمه لأداء جميع الواجبات كما نقل في مجمع ~~البيان وقد مر تفسير " فليؤد الذي اؤتمن، وأنه في الرهن لا في الايداع. # * (السادس العارية) * وذكر لمشروعيتها آيتان: # الأولى: " وتعاونوا على البر والتقوى " (3) أي فليعاون بعضكم بعضا على ~~الاحسان، واجتناب المعاصي وامتثال الأوامر، والثانية: " ويمنعون الماعون " ~~(4) # PageV00P465 # في الأولى دلالة ما لعمومها، وفي الثانية: تأكيد عظيم في منع الماعون عن ~~الطالب بحيث لا يمكن حملها على ظاهرها، فإنه يفهم أنه شقيق الريا وصاحب ~~الويل، قيل: # المراد بالماعون ما ينتفع به. # * (السابع السبق والرماية) * وفيه آيات: الأولى: " وأعدوا لهم ما استطعتم ~~من قوة " قيل هي الرمي الثانية: " قالوا يا أبانا إنا ذهبنا نستبق وتركنا ~~يوسف عند متاعنا "، والثالثة: # " فما أوجفتم عليه من خيل ولا ركاب " (1) وفي دلالتها على معناهما ~~الشرعيين تأمل ظاهر، سيما الأخيرة. # * (الثامن الشفعة) * يمكن أن يستدل بها عليها آيات لأنه قد يحصل بالشركة ~~ضرر، فيستدل بما يدل على رفعه كقوله تعالى: " ما جعل عليكم في ms412 الدين من حرج ~~" وقوله: # " ولو شاء الله لأعنتكم " وقوله: " يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم ~~العسر " (2) وقد مر معناها، وليست في الآيات دلالة عليها على ما يفهم ~~فتأمل. # * (التاسع اللقطة) * ولم يرد ما يدل بخصوصه عليها بل عموم " وتعاونوا على ~~البر والتقوى " " واستبقوا الخيرات " (3) يدل عليه، لكن حكي عن القرون ~~الماضية كقوله تعالى: # " فالتقطه آل فرعون " وقوله: " يلتقطه بعض السيارة " (4) دلالتها على ~~اللقطة بعيدة # PageV00P466 # جدا فإنهم ذكروا أنها في محل جوازها مكروهة، فكيف تدخل في الأمر بالتعاون ~~على البر ونحوه. # * (العاشر الغصب) * ويدل عليه عموم قوله تعالى: " ولا تأكلوا أموالكم ~~بينكم بالباطل " (1) وقوله " وإن كثيرا من الأحبار والرهبان ليأكلون أموال ~~الناس بالباطل " (2) ويدل عليه بخصوصه وعلى جواز المقاصة قوله تعالى: " فمن ~~اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم " (3) وقوله: " وجزاء سيئة ~~سيئة مثلها " وقوله تعالى: " ولمن انتصر بعد ظلمه فأولئك ما عليهم من سبيل ~~" (4) المطلوب من فعل الغصب وما يدل عليه غير ظاهر، فتأمل. # * (الحادي عشر الاقرار) * وفيه آيات: الأولى: " فاعترفوا بذنبهم فسحقا ~~لأصحاب السعير " الثانية: # " وآخرون اعترفوا بذنوبهم "، والثالثة: " أأقررتم وأخذتم على ذلكم إصري " ~~والرابعة: " قالوا أقررنا "، الخامسة: قوله " كونوا قوامين بالقسط شهداء ~~ولو على أنفسكم " (5) دلالة غير الأخيرة على الاقرار المطلوب غير ظاهرة، ~~نعم الأخيرة ظاهرة فيه، وما كان ينبغي نقل هذه العقود بهذه الأدلة، ولكن ~~نقلتها اتباعا، و لاظهار عدم فهم الدلالة على ما فهمت. # PageV00P467 # * (الثاني عشر الوصية) * وفيها ثلاث آيات: # الأولى: كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيرا الوصية للوالدين ~~والأقربين بالمعروف حقا على المتقين (1). # الحضور وجود الشئ بحيث يمكن أن يدرك، والخير هو المال لغة، واختلف في ~~تقديره هنا فنقل في مجمع البيان عن بعض أنه المال قليلا كان أو كثيرا ثم ~~نقل عن أمير المؤمنين عليه السلام أنه دخل على مولى له وله سبعمائة درهم أو ~~ستمائة، فقال: # ألا أوصي؟ فقال: لا، إنما قال الله سبحانه، إن ترك خيرا " وليس لك كثير ~~مال وهذا هو المأخوذ به عندنا، لأن قوله ms413 حجة، وأنت تعلم أنه إذا قيل المراد ~~بالآية وجوب الوصية كما قيل إنها كانت واجبة ونسخت أو المراد الاستحباب ~~الخاص فالأخذ به جيد إن ثبت وأما إذا لم يكن كذلك فالعمل به مشكل فإن ~~الوصية ليست مقيدة بمقدار من المال، ولهذا ما نجد تقييدها به في الفقه. # نعم بحثوا عن استحبابها، هل هو بالثلث أو الخمس أو السدس، وقالوا: # الربع أولى من الثلث والخمس أولى منه، وتدل عليه روايات ليس هذا محلها ~~والتفصيل بوجود الدين وعدمه، وبوجود الوارث المحتاج وعدمه غير بعيد، فيثبت ~~في البعض، ويبقى في الآخرة على ما يقتضيه العقل والدليل الشرعي، والمعروف ~~هو العدل الذي لا يجوز أن ينكر، ولا حيف فيه ولا جور، والمعنى على الظاهر ~~فرض عليكم يا أيها الذين آمنوا أو كل من يصلح للخطاب، إذا ظهر عندكم أسباب ~~الموت وأمارته بالمرض والهوام والوباء وغير ذلك مما يظن الموت عنده، إن كان ~~لكم مال أن توصوا للوالدين وسائر الأقارب بشئ منه حق ذلك حقا بوجه # PageV00P468 # لا تخرجون عن الشرع كالوصية لهم قبل اخراج جميع الواجبات، وحرمان الصغار ~~فإذا ظرف " حضر " و " الوصية " مرفوعة بكتب، والتذكير لأنه بتأويل أن توصوا ~~أو الايصاء أو أنه مصدر. ولهذا ذكر الضمير في قوله " فمن بد له " و " ~~يبدلونه " أو لكون التأنيث غير حقيقي وأما ما قاله القاضي من أن سبب تذكير ~~الفعل يعني " كتب " وقوع الفصل بينه وبين الوصية، فقد علمت أنه مما لا ~~يحتاج إليه، على أنه يوهم أنه لو لم يكن الفصل لم يصح التذكير مع أنه يصح ~~لما مر. # وقيل: معناه فرض عليكم الوصية في حال الصحة أن تقولوا إذا حضرنا الموت ~~فافعلوا كذا وكذا وهو بعيد، و " حقا " مفعول مطلق للمفهوم من مضمون الجملة ~~للتأكيد يعني ثبت ذلك ووجب وحق حقا وواجبا وثابتا على الذين يتقون من عذاب ~~الله، ويتقون معاصيه، فكأنهم خصوا بعد فهم التعميم من " عليكم " لشرفهم ~~وكثرة انتفاعهم وصلاحيتهم لمخاطبة الله تعالى، وبالمعروف إما متعلق بالوصية ~~أو بمقدر حال عنها. # ثم ms414 اعلم أنه قال في الكشاف: إن الوصية كانت في بدو الاسلام واجبة، فنسخت ~~بآية المواريث، وبقوله عليه السلام إن الله أعطى كل ذي حق حقه، ألا لا وصية ~~لوارث وتلقاه الأمة بالقبول، حتى لحق بالمتواتر، وإن كان من الآحاد، وفيه ~~نظر إذ لا منافاة بي الإرث والوصية كما أنه لا منافاة بينه وبين الدين ~~فيخرج أولا الدين ثم الوصية، ثم يعطى الإرث، وأيضا قد يكون من الأقارب غير ~~وارث، فكيف ينسخ بالخبر، وأيضا قد ينسخ الوجوب ويبقى الجواز الأصلي أو ~~الشرعي على ما قيل، فلا يحرم الوصية لهم كما يقولون، وأيضا كون الخبر صحيحا ~~أو متواترا غير ظاهر، ويفهم من كلامه أيضا وتلقى جميع الأمة له بالقبول غير ~~ظاهر، بل الأكثر بل الظاهر عدمه أيضا مع أنه ليس بحجة ينسخ بها القرآن ~~القطعي فيمكن حينئذ حمله على تقدير ثبوته على الوصية الغير الجائزة كما إذا ~~زاد على الثلث كما قيل، فحملها على الاستحباب غير بعيد، فيكون الحكم باقيا ~~وسبب التخصيص بالآباء والأقارب، تأكيد الحكم فيهم، و " كتب " بمعنى ندب، ~~بدليل الاجماع PageV00P469 # على عدم الوجوب، وأصل عدم النسخ والروايات، فيفهم حينئذ منها الاستحباب ~~المؤكد للمذكورين. # فيفهم من الآية التي بعدها وهي " فمن بدله بعد ما سمعه فإنما إثمه على ~~الذين يبدلونه إن الله سميع عليم " تحريم تبديل تلك الوصية كما هو الظاهر ~~لا تحريم جميع الوصايا ويحتمل التعميم للعلة الظاهرة وعدم القائل بالفصل ~~ولكن الأول قد يمنع، وإذا كان الاجماع ثابتا فلا يحتاج إلى ضم هذه الآية بل ~~يستدل به أولا فاستدلال الأصحاب بهما سيما المحقق الثاني على تحريم التبديل ~~الوصايا مطلقا والحبس والوقف وغير ذلك محل التأمل، بعد بقاء حكمها وعدم ~~نسخها أيضا. # ثم الفاء للتعقيب و " من " مبتدأ موصولة متضمنة لمعنى الشرط، و " بعد " ~~ظرف التبديل مضافة إلى ما المصدرية ويحتمل الموصولة، وتكون عبارة عن الوصية ~~المسموعة، وهو تغيير الحق عن موضعه والفاء جزائية و " ما " كافة مانعة عن ~~العمل كما في حيثما ومهما، و " على الذين " متعلقة بمقدر ms415 خبر " إثمه " وهو ~~مبتدأ، و الضمائر البارزة كلها للوصية إلا ضمير إثمه فإنه راجع إلى " من " ~~لأن الجملة خبر له، ولا بد فيه من عائد، وليس غيره، أو راجع إلى تبديله أي ~~إلى تبديل من فبهذا الاعتبار يصح، أو أنه راجع أيضا إلى الوصية أي الايصاء ~~المغير، ويكون " على الذين " عائدا لأنه ذكر في الرضي أن العائد قد يكون ~~وضع المظهر موضع المضمر وهنا الذين هي بعينها " من " فكأنه قال فإنما إثمه ~~عليهم أي المغيرين، ولعله أتى بالذين للتصريح ووصف التغيير والتبديل وجمعه ~~لأن المبدل كثير إذ قد يكون وارثا ووصيا وشاهدا وغيرهم " إن الله سميع عليم ~~" وعدو وعيد للعامل بالوصية بل سائر العبادات وتاركها، فإنه يعلم السر ~~وأخفى وما يستحقانه فيجازي بما عملاه، ولعل في قوله " بعد ما سمعه " تنبيه ~~على عدم جواز التكليف والإثم، قبل العلم، كما يدل عليه العقل أيضا. # ثم أعلم أنه قال في مجمع البيان: في هذه الآية دلالة على أن الوصي أو ~~الوارث إذا أفرط في الوصية أو غيرها لا يأثم الموصي بذلك، ولم ينقص من أجره ~~PageV00P470 # شئ، وأنه لا يجازي أحد على عمل غيره، وفيها أيضا دلالة على بطلان قول من ~~يقول إن الوارث إذا لم يقض دين الميت فإنه يؤاخذ به في قبره وفي الآخرة، ~~لما قلناه من أنه يدل على أن العبد لا يؤاخذ بجرم غيره، إذ لا إثم عليه ~~بتبديل غيره، و كذلك لو قضى عنه الوارث من غير أن يوصي لم يزل بذلك عقابه ~~إلا أن يتفضل الله عليه باسقاط عقابه. وأنت تعلم أن دلالة غير واضحة، فإن ~~مضمونها - الله يعلم - انحصار إثم التبديل على المبدل، وذلك لا يدل على أن ~~إثم الموصى به من الأموال للزكاة أو الدين أو الحج أو الصلاة أو الصوم وغير ~~ذلك من الوصايا الواجبة بالأصل وغيره من النذور والعهود وغير ذلك، مثل ~~التحمل عن الغير من العبادات بالإجارة ونحوها ومات الأجير قبل الفعل وأوصى ~~وغير ذلك مما لا يعد ولا يحصى على المبدل، ms416 لا على الموصي. # وأيضا يبعد أن لو قصر شخص في اخراج الأموال من الحقوق الواجبة كالزكاة ~~والخمس وأكل أموال الناس، غصبا وظلما بقطع الطريق والسرقة وغير ذلك ثم ~~أوصى، يخرج من تلك الحقوق بالكلية ولا يبقى عليه شئ وكذا من قصر في إعطاء ~~النفقة لمن وجب له القضاء مثل الزوجة ومن أكل الربا ومن قصر وأخذ الزكاة ~~والخمس بغير استحقاق وغير ذلك ثم أوصى، لا يكون عليه إثم ذلك كله فإنه بعيد ~~جدا. # وأيضا قد يتعمد ويقول: أنا أفعل هذه المذكورات كلها، ثم أخلف ما لا وأوصي ~~به، فمن لم يخرج يكون الإثم عليه لا علي، وهكذا يفعل الآخر فلا يصل الحق ~~إلى أهله ويبطل حقوق الناس من الأموال بل العبادات الموصى بها، أيضا فإنه ~~على ذلك التقدير أيضا إنما الإيفاء واجب على الوارث، فهو المغير والمبدل ~~ولا يجازى أحد بفعل غيره، إلا أن يريد عدم العقاب على التبديل لا غير، وهو ~~ظاهر فحينئذ يصح، ولكنه بعيد من كلامه. # وكذا يريد (1) بقوله: وفيها أيضا دلالة الخ أنه يسقط عنه عقاب التقصير ~~بعدم # PageV00P471 # إعطاء الدين لا أصل الدين فتأمل، بل ظاهر كلامه يدل على عدم الاحتياج إلى ~~الايصاء وهو أبعد. # ثم الظاهر أنه يعاقب بالتأخير، ويؤخذ منه ما يقابل المال لأصحابه الأول ~~لو بقي على ملكهم، ويؤخذ عوض الحيلولة بينهم وبين أموالهم، على تقدير ~~الانتقال إلى الوارث، وكذا للوارث إلى أن ينتهي، نعم قد يكون المبدل أيضا ~~معاقبا ومؤاخذا على مقدار تقصيره، سواء كان شاهدا أو وارثا أو وصيا أو ~~مانعا من اخراج الوصايا على أي وجه كان، ولو كان باعتبار النظارة أو عدم ~~تعيين الوصي لمن لا وصي له، أو على عدم بيان الحكم للفاعل، بل كل من يقدر ~~على وجه ولم من باب الحسبة، وكان موقوفا عليه، فالظاهر أنه مؤاخذ في قبره ~~وفي الآخرة، نعوذ بالله من عذاب الآخرة. # ثم الظاهر أيضا أنه لو أدى عنه الوارث بل الأجنبي أيضا ما عليه من الحقوق ~~التي يصح أداؤها عنه أو ms417 أخرج وصاياه التي يصح الاخراج عنه تبرأ ذمته من تلك ~~الحقوق والوصايا من غير شك، ولا عقاب عليه، ويرث الأموال المتروكة وارثه إذ ~~ما بقي لأهل الحق عنده شئ، فلم يعاقب ولم يؤاخذ؟ # نعم لو قصر في الأداء الوصية الواجبة يعاقب حينئذ وإلا فلا، وبالجملة ما ~~ذكره قدس الله سره روحه غير واضح إلا قوله أحد لا يجزى بفعل غيره، وذلك ~~صحيح وهو مما دل عليه العقل والنقل مثل " ولا تزر وازرة وزرة أخرى " وهو ~~واضح، و أما دلالة هذه الآية عليه أيضا فغير واضح، فإن دلالتها أن ليس إثم ~~التغيير لهذه الوصية الخاصة إلا على مبدلها فلا يدل على الكلية إلا بضم ~~مقدمة أخرى، و أما دلالة هذه الآية على إبراء ذمة المديون وغيره بالوصية، ~~وكذا على عقاب كل مبدل ومغير فغير واضح كما مر، إذ مرجع ضمير " بدله " ~~الوصية الخاصة وهي الوصية المندوبة للأقارب فإنه هنا ما كان على الموصي إثم ~~وذنب، فلا جرم أن لا يكون هنا إثم إلا على مبدلها وهو ظاهر، مع ما مر من ~~الاستبعادات وغيرها من الأمور الواضحة. PageV00P472 # ثم إنه ينبغي التحقيق والتفصيل أيضا بأن الموصي هل كان مقصرا أو لا وكذا ~~المبدل، وظاهره أنه لو لم يقصر المبدل لم يكن عليه إثم وضمان، كما يعلم من ~~التقييد في الآية، وفي كلامه أيضا، ومعلوم عدم الإثم على الموصي أيضا على ~~تقدير عدم التقصير والتفريط، ولكن يحتمل الضمان بحيث يعطي العوض كما أنه ~~يقع في الدنيا كثيرا الضمان مع عدم الإثم، وهذا في الموصي أيضا متصور بعد ~~التصرف ولكن تضمينها بعيد، فإنه يبعد تضمين شئ في الآخرة مع عدم التكليف ~~فيها، ولا يقاس أمور الآخرة بالدنيا لنصوص بخصوصها من غير تعقل علة بل لمحض ~~نص وتعبد لمصالح يعلمها الله فقط، فينبغي حينئذ ألا يضيع حق صاحب الحق أيضا ~~بأن يعطيه الله العوض الله يعلم. # " ومن خاف من موص جنفا أو إثما فأصلح بينهم فلا إثم عليه إن الله غفور ~~رحيم " الجنف الجور وهو الميل ms418 عن الحق قاله في مجمع البيان وقال أيضا إن من ~~متعلق بمقدر حال عن جنفا أي جنفا حال كونه كائنا من موص، وكأنه ليس بصفة ~~للتقديم، ويحتمل أيضا تعلفه بخاف، والمعنى على الظاهر أن من علم - لأن خاف ~~جاء بمعنى علم كما قيل في التفاسير - من موص أن يفعل جورا وغير مشروع في ~~الوصية خطأ أو إثما يعني يفعل ذلك عمدا فأصلح بين الموصى لهم، وهم الولدان ~~والأقرباء في الوصية المذكورة، ويحتمل أن يكون المراد من يتوقع ويظن حين ~~وصية الموصي أنه يجور في الوصية فأصلح، لكنه قال في مجمع البيان: الأول ~~عليه أكثر المفسرين ونقله عن أبي جعفر وأبي عبد الله عليهما السلام - فلا ~~إثم عليه ولا ذنب ولا عصيان على المصلح المبدل من الباطل إلى الحق فإن الله ~~غفور للمذنب، فكيف لم لا ذنب له، فكأنه لما كان مبدلا والتبديل حراما ~~وإثما، دفع هذا الوهم، و ذكر أن الإثم على التبديل الباطل لا الحق، فذكر ~~عدمه والمغفرة والرحمة لذلك لا لمقابلة الذنب، لمشاكلته، وإلا، المصلح له ~~أجر وثواب على ذلك، بل لو لم يفعله كان عليه إثم، ثم قال في مجمع البيان: ~~وروي عن رسول الله صلى الله عليه وآله أنه قال: # من حضره الموت فوضع وصيته على كتاب الله كان كفارة لما صنع من ذنوبه في ~~PageV00P473 # حياته، ولعل المراد حقوق الله وأما سقوط حقوق الناس بالكلية بمجرد ذلك ~~فمحل التأمل، ولعل هذا الخبر وأمثاله مؤيد لما تقدم من سقوط العقاب عن ~~الموصي بمجرد الوصية فتأمل. # الثانية: " يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم " أي الاشهاد الذي شرع بينكم ~~وأمرتم به فهي مبتدأ " إذا حضر أحدكم الموت " أي وقت حضور الموت وإشرافه ~~عليكم قبل أن تموتوا وتفارقكم الروح والقدرة على التكلم والوصية " حين ~~الوصية " يمكن كونه بدلا من إذا حضر، قيل أو ظرف حضر، فيه شئ، والأول أولى، ~~ويمكن كونه ظرفا آخر للاشهاد، " اثنان " خبر الشهادة أو فاعل ساد مسد ~~الخبر، على حذف المضاف، على التقديرين، أي شهادة اثنين ms419 فحذف المضاف وأقيم ~~المضاف إليه مقامه وأعرب باعرابه " ذوا عدل منكم " أي صاحبا عدالة حال ~~كونهما بعضكم أيها المؤمنون، فهو صفة اثنان، ويحتمل أن يكون " منكم " صفة " ~~ذوا عدل " وهذا كالصريح في اعتبار التعدد والعدالة في الشهود، فلا يكفي ~~المجهول ولا حسن الظن إذ لم يصدق حينئذ إشهاد ذوي عدل الذي هو شرط في سماع ~~الشهادة وواجب. # " أو آخران من غيركم " ولعل المراد أو آخران كذلك أي ذوا عدل من غيركم ~~فهو عطف على اثنان مع التزام حذف للعلم به، ولكن مع كون العدل المعتبر في ~~مذهب الآخر، ولعدم حسن التصريح بتلك العدالة ويحتمل جعله عطفا على منكم وهو ~~أنسب بحسب المعنى، ولكن يصير الآخران كالزائد ويحتمل كونه للتصريح ~~والمبالغة في عدم ترك التعدد، وإن ترك العدالة الحقيقية، ويحتمل الاكتفاء ~~بغير العدل من الغير، بأن لا يقيد آخران بكذلك، وهو بعيد، وإن كان للضرورة، ~~لأن المسلم الغير العدل لا يكفي معها، فغيره بالطريق الأولى، وخص الآخران ~~بأهل الذمة كما قيل في سبب النزول، للإجماع على عدم سماع شهادة الحربي على ~~المسلم، بل مطلق الكافر إلا في هذه المسألة عند أصحابنا، وأما عند غيرهم ~~فمنهم من يقول: إن المراد من " غيركم " هو البعيد أي الأجنبي " ومنكم " ~~الأقارب، وهو بعيد لسبب النزول وغيره. PageV00P474 # أو أنه منسوخ لدعواهم الاجماع على عدم سماع شهادة الكفار مطلقا على ~~المسلم، قاله القاضي، والأصل والاستصحاب يقتضي العدم، والاجماع ممنوع لقول ~~علماء الإمامية ورواياتهم، ولكن مشروط بعدم إمكان المسلم العدل كما يشعر به ~~" إن أنتم ضربتم في الأرض " أي سافرتم فيها " فأصابتكم مصيبة الموت " أي ~~قاربكم الأجل فليس بشرط لمطلق هذه الشهادة، بل إشارة إلى اشتراط الانتقال ~~من شهادة العدلين من المسلمين إلى شهادة غيرهما بعدمهما، ولما كان السفر مع ~~حضور الموت غالبا سببا لذلك اكتفى به، وذلك يعلم من قول الأصحاب كأن لهم ~~دليلا على ذلك، والفاء للعطف والخبر محذوف من جنس قوله " أو آخران من غيركم ~~" أو هو جزاء مقدم واعتراض الشرط بين الموصوف والصفة أي ms420 " تحبسونهما " فإنه ~~صفة لآخران أي تقفونها وتصبرونهما للإشارة إلى ما قلناه: إن سماع شهادة ~~الغير مشروط بالتعذر قاله القاضي أيضا، فهو صريح في عدم كون معنى منكم ~~القريب، ومن غيركم البعيد وفي عدم نسخ الآية فتأمل، إذ السبب المجوز هو ~~الضرورة. فيعمل به ما دام وجد فهو إشارة إلى كيفية استشهاد الغير. # " من بعد الصلاة " قيل: صلاة العصر لأنه وقت اجتماع الناس وقيل مطلق ~~الصلاة وهو الظاهر من الآية " فيقسمان بالله " أي الآخران " إن ارتبتم " أي ~~إن ارتاب وشك الوراث في صدقهم أو الحكام، فهو اعتراض، بناء على قاعدتهم، ~~بين القسم والمقسم عليه أي " لا نشتري به ثمنا " أي قليلا، يعني لا نستبدل ~~بالقسم أو بالله عوضا من الدنيا، وهو المراد بالثمن القليل، فإن كل ما في ~~الدنيا فهو قليل بالنسبة إلى الآخرة وعقابها، حاصله لا نحلف بالله كاذبين ~~لطمع في الدنيا، للإشارة إلى أن القسم إنما هو مع الارتياب والشك فتأمل. # " ولو كان ذا قربى " يعني يقسمان ويقولان لا نحلف بالله كاذبا ولو كان ~~المحلوف له قريبا منا، وقال القاضي جوابه أيضا محذوف أي لا نشتري، وفيه أنه ~~وصلي فلا يحتاج إلى تقدير الجزاء، ولعله بناء على عادته أنه دائما يجعل ~~الجزاء محذوفا لا مقدما، وهنا تقديره سواء كان المحلوف له بعيدا منا أو ~~قريبا فتأمل " ولا تكتم PageV00P475 # شهادة الله " أي لا نكتم الشهادة التي أمر الله بإقامتها، يحتمل عطفه على ~~المحلوف عليه أي لا نشتري ويحتمل الاستيناف، والأول أظهر " إنا إذا لمن ~~الآثمين " إن كتمنا الشهادة أو اشترينا بها ثمنا كأنهم يقولون هذا أيضا في ~~قسمهم. # " فإن عثر " أي اطلع وحصل العلم " على أنهما استحقا إثما " أي الآخران ~~استحقا إثما بسبب تحريف في الشهادة، فيعزلان ولا يسمع شهادتهما " فاخران " ~~يقومان مقامهما من الذين استحق عليهم الأوليان " أي يقوم اثنان من الورثة ~~التي جني عليهم، فعليهم يقوم المقام فاعل استحق، " الأوليان " أي الأحقان ~~بالشهادة للقرابة والمعرفة والإسلام، هو خبر مبتدأ محذوف أي هما الأوليان ~~أو بدل من ضمير يقومان ms421 " فيقسمان " الأوليان " بالله لشهادتنا أحق " ~~بالقبول " من شهادتهما " أي من شهادة الآخران من الغير " و " إنا " ما ~~اعتدينا " وما تجاوزنا الحق في الشهادة " إنا إذا لمن الظالمين " إن ~~اعتدينا، فنحن الظالمون بوضع الباطل موضع الحق أو ظالمين لأنفسنا، قال ~~القاضي: معنى الآيتين أن المحتضر إذا أراد الوصية ينبغي أن يشهد عدلين من ~~ذوي نسبه أو دينه على وصيته، أو يوصي إليهما احتياطا، فإن لم يجدهما بأن ~~كان في السفر فآخرون من غيرهم -. # ثم إن وقع نزاع وارتياب أقسما على صدق ما يقولان بالتغليظ، في الوقت فإن ~~اطلع على أنهما كذبا بأمارة ومظنة حلف آخران من أولياء الميت، والحكم منسوخ ~~إن كان الاثنان شاهدين فإنه لا يحلف الشاهد ولا يعارض يمينه بيمين الوارث ~~وثابت إن كان وصيين، ورد اليمين إلى الوراثة إما لظهور خيانة الوصيين، فإن ~~تصديق الوصي باليمين لأمانته، أو لتغيير الدعوى [آه] وفيه أن الظاهر من ~~الآية الاشهاد على الوجه المذكور لا أنه إن أراد الوصية يفعل ذلك احتياطا، ~~ويقول الأصحاب إن الوصية واجبة، ويدل عليه الرواية عليهم السلام ولأنه قد ~~يكون عليه شئ أوله شئ فبترك الوصية يضيع ويتلف وذلك غير جائز. # فأما النسخ الذي ذكره فقد ذكر أولا أنها منسوخة على تقدير كون المراد ~~بآخرون الكفار، وهنا ذكر أنه منسوخ على تقدير كونهما شاهدين مطلقا، لعدم ~~PageV00P476 # الحلف على الشاهد، وأيضا ظاهر الآية أنهما شاهدان كما هو أيضا فسرها به ~~لا أن يوصي إليهما احتياطا، وحلف الشاهد لنص خاص في صورة كونه كافرا ليس ~~ببعيد، كما كان ثم نسخ على قوله، وليس بمعارض لحلف الوارث إذ مع حلف الشهود ~~لا حلف للورثة وثبوت الحكم [وهو الحلف] في الوصيين أيضا غير ظاهر إذ الوصي ~~أيضا لا حلف عليه، لأنه ليس ممن لو لم يحلف يلزمه شئ، وهو ضابط اليمين إلا ~~ما خرج بدليل، ولا يعارض به يمين الوارث، فإنه جوز ذلك لدليل وهو الآية ~~فيمكن جوازه في الشاهد أيضا للآية، بل هو أولى لظهورها في الشاهد، ثم قال ~~بعد ms422 قوله أو لتغيير الدعوى: إذ روي أن تميما الداري وعدي بن بدى خرجا إلى ~~الشام للتجارة، وكانا حينئذ نصرانيين ومعهما بدليل مولى عمرو ابن العاص، ~~وكان مسلما، فلما قدم الشام مرض بدليل فدون ما معه في صحيفة وطرحها في ~~متاعه، ولم يخبرهما به، وأوصى إليهما أن يدفعا متاعه إلى أهله ومات ففتشاه ~~وأخذا منه إناء من فضة فيه ثلاثمائة مثقال منقوشا بالذهب فغيباه، فأصاب ~~أهله الصحيفة وطالبوهما بالإناء فجحدا، فترافعوا إلى رسول الله صلى الله ~~عليه وآله فنزلت فحلفهما رسول الله صلى الله عليه وآله بعد صلاة العصر عند ~~المنبر وخلى سبيلهما، ثم وجد الإناء في أيديهما فأتاهم بنو سهم في ذلك ~~فقالا قد اشترينا منه، ولكن لم يكن لنا عليه بينة فكرهنا أن نقر به، ~~فرفعوهما إلى رسول الله صلى الله عليه وآله فنزلت " فإن عثر " فقام عمرو بن ~~العاص والمطلب بن أبي رفاعة السهميان وحلفا (1) ولعل تخصيص العدد لخصوص ~~الواقعة، وفيه مخالفة بعض القواعد الفقهية مثل تجديد الدعوى بعد الاحلاف، و ~~أخذ المال. فتأمل فيه، فإنه يمكن انطباقه عليها، وحلف المدعي، ويمكن جعله ~~منكرا، للشراء، ولكن كيف يمكن الحلف عليه مع غيبتهم عن الميت، فكأنهم ~~اكتفوا بالخط والقرائن أو على نفي العلم. # " ذلك " قال القاضي أي المحكم الذي تقدم أو تحليف الشاهدين " أدنى " # PageV00P477 # أي أقرب إلى " أن يأتوا بالشهادة على وجهها " على نحو ما حملوها من غير ~~تحريف وخيانة فيها " أو يخافوا " أقرب إلى أن يخافوا " أن يرد أيمانهم " أن ~~يردوا اليمين على المدعيين بعد أيمانهم، فيفتضحوا بظهور الخيانة واليمين ~~الكاذبة وإنما جمع الضمير لأنه حكم يعم الشهود كلهم، وهذا تصريح منه بأن ~~المراد الشهود لا الأوصياء. # " واتقوا الله، في معاصيه بارتكاب أوامره وترك نواهيه، واقبلوا ما توصون ~~به واسمعوه بسمع إجابة " والله لا يهدي القوم الفاسقين " أي فإن لم تتقوا ~~ولم تسمعوا كنتم قوما فاسقين، والله لا يهديهم إلى حجة أو إلى طريق الجنة، ~~بمعنى أنه يتركهم وأنفسهم حتى لا يختارون تلك الهداية بل الضلالة. # وليتبع به ms423 النظر في حال أولاده وحفظ أموالهم، وهو البحث عن اليتامى وفيه ~~آيات: # الأولى: وآتوا اليتامى أموالهم ولا تتبدلوا الخبيث بالطيب ولا تأكلوا ~~أموالهم إلى أموالكم إنه كان حوبا كبيرا (1). # أمر الله تعالى أولا المكلفين الذين بأيديهم أموال من لا أب له من ~~الأطفال بأن يعطوهم إما بأن يسلموا إلى أوليائهم إن لم يكونوا أولياء، وبأن ~~يطعموهم إن كانوا أولياء، أو إليهم ولكن بعد البلوغ والرشد بدليل العقلي ~~والنقلي، وهو ظاهر، فيكون اليتيم حينئذ مجازا لأنه في اللغة من مات أبوه مع ~~عدم بلوغه، باعتبار ما كان قبل البلوغ، وعبر بل للإشارة إلى المبالغة في ~~عدم التأخير بعد تحققهما ثم نهى عن استبدال أموالهم التي هو خبيث أو ردئ ~~بالنسبة إلى الآخرة يعني به الحرام، وإن كان جيدا صورة ونفعا في الدنيا، ~~بأموال أنفسهم الحلال الطيب أي لا تتصرفوا في أموالهم بدل تصرفكم في ~~أموالكم. # فهي نهي لتحريم التصرف في أموالهم، وإشارة إلى أن ذلك خبيث، والتصرف # PageV00P478 # في أموالهم أنفسهم طيب، لأن الخبيث والطيب إنما يكون باعتبار العاقبة، و ~~يحتمل أن يكون معناه لا تبدلوا الخبيث بالطيب، أي لا تعطوا الخبيث من ~~أموالكم بالطيب من أموالهم، قيل: كانوا يأخذون الطيب مثل السمين من أموال ~~الأيتام، و يخلون بدله الخبيث المهزول من أموالهم، فنهوا عن ذلك، ثم أكد ~~التحريم بعدم جواز أكل أموالهم، ولو كان قليلا أو التصرف مطلقا، ويكون ~~الأكل كناية عنه بانضمام شئ منها إلى أموالكم فيفهم الانفراد بالطريق ~~الأولى، ويحتمل أنه كان الواقع ذلك فنهي عنه، فأكد بأن ذلك الأكل كان ذنبا ~~عظيما، وهذه مخصصة فإن أكل مقدار أجرة المثل أو ما يحتاج إليه الوصي لما دل ~~عليه قوله: " فليأكل بالمعروف " جايز، وكذا أكل أموالهم بالانضمام مع ~~التخمين، بحيث يعلم عدم أكل زيادة على أموالهم، لما روي أنه لما نزلت هذه ~~الآية كرهوا مخالطة اليتامى فشق ذلك عليهم، فشكوا ذلك إلى رسول الله صلى ~~الله عليه وآله فأنزل الله سبحانه " ويسئلونك عن اليتامى قل إصلاح لهم خير ~~" الآية قال ms424 في مجمع البيان وهو المروي عن السيدين الباقر والصادق عليهما ~~السلام فتأمل. # الثانية: وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح فإن آنستم منهم رشدا ~~فادفعوا إليهم أموالهم ولا تأكلوها إسرافا وبدارا أن يكبروا ومن كان غنيا ~~فليستعفف ومن كان فقيرا فليأكل بالمعروف فإذا دفعتم إليهم أموالهم فاشهدوا ~~عليهم وكفى بالله حسيبا (1). # الابتلاء هو الاختيار والامتحان وهو هنا تتبع أحوال اليتامى حتى يتبين ~~حالهم من الرشد، فإن ثبت يعطوا أموالهم وإلا فيترك حتى يتبين، وقد بينا في ~~شرح الارشاد كون الابتلاء قبل البلوغ أو بعده وظاهر قوله " فإن آنستم " الخ ~~كونه بعد البلوغ لأنه أوجب الله تعالى دفع الأموال إليهم بعد إيناس الرشد، ~~فلو كان # PageV00P479 # الامتحان قبله لما جاز ذلك فكيف الوجوب، ولا يدل " اليتامى " على كونه ~~قبل البلوغ فإن إطلاقه على البالغ خصوصا القريب إلى حال البلوغ الممنوع من ~~التصرف في ماله باعتبار ما كان شايع ذايع كما مر، ولكن يدل على كونه قبل ~~البلوغ دلالة واضحة فيقيد الدفع بما بعده أيضا. # قوله تعالى: " حتى إذا بلغوا النكاح " أي حد البلوغ بأن يقدروا على الوطي ~~الذي يحصل معه المني بحصول المني أو السن، وهو عند الأصحاب بلوغ خمسة عشر ~~سنة في الذكر وتسعة في الأنثى على المشهور للاستصحاب، ودلالة الآية على عدم ~~البلوغ حتى يبلغ النكاح أو الحلم، وهو ظاهر في عدم الحصول إلا بالمني وخرج ~~خمسة عشر والتسعة بالإجماع كما في حصول المني وبقي الباقي ولكن يدل على ~~الأقل بعض الأخبار ويمكن الجمع بالحمل على الشروع في الخمسة عشر ولكن ظاهر ~~خبر حصوله بأربعة عشر وثلاثة عشر (1)، وكأنه صحيح على تقدير توثيق الحسن بن ~~علي الوشاء، وهو لا بأس به، ولكن الخروج عما تقدم بمجرد خبر مع عدم توثيق ~~راويه صريحا، ونقل الشيخ في التهذيب أنه كان واقفيا ثم رجع، مشكل. إلا أنه ~~يظهر من كلامهم عدم التوقف في توثيقه فإنهم يسمون الخبر الذي هو فيه ~~بالصحة، ولا يذكرون ذكر الشيخ أنه كان واقفيا ثم رجع، وكأنه للرجوع تركوه ~~فتأمل، ms425 ويمكن حملها على الشروع في الخمسة عشر، ولا بأس، وعلى ظهور علامة ~~أخرى فتأمل أو الحيض في الأنثى ولا يلتفت إلى الدور الموهوم لظهور دفعه، ~~ولا إلى أنه علامة لسبق البلوغ ولا يحصل به البلوغ لأن المراد ما يعلم به ~~بلا فصل وهو حاصل، أو الانبات فيهما على ما ذكروه ويمكن أن يكون المعنى فإن ~~آنستم بعد البلوغ بل هو الظاهر منه وإن كان الامتحان قبله والدفع بعد إيناس ~~الرشد ولا يستلزم كون الامتحان بعده لاحتمال أن يكون قبله حتى علم الرشد ~~بعده، ويؤيده أنه لا يلزم حينئذ منع المستحق عن حقه فتأمل. # PageV00P480 # والخطاب هنا أيضا قبل للأولياء ولا يبعد كونه لمن بيده مال اليتيم، ويمكن ~~إطلاق الولي عليه مسامحة فيكون مراد القائل إن الخطاب للأولياء ذلك في ~~الموضعين فبلوغ النكاح كناية عن البلوغ وهو يحصل بما تقدم، والمراد بايناس ~~الرشد إبصاره والعلم به، وسيجيئ أن الظاهر أن المراد به إصلاح المال بل ~~حفظه وعدم صرفه فيما لا يليق بحاله، وإن لم يكن عالما بصرفه بالفعل فيما ~~ينبغي بمعنى عدم معرفته بالسعر، وعدم قدرته على المعاملات، وتحصيل الأموال، ~~وأنه لا يعتبر فيه العدالة وقيل باعتبارها في حصول الرشد، ونقل الاجماع على ~~عدم اعتبارها في بقاء الرشد في التذكرة، وقد ادعى عليه الاجماع أيضا في ~~مجمع البيان وقال المراد به العقل وإصلاح المال وهو المروي عن الباقر عليه ~~السلام فمراده ما قلناه، وقد حذف العقل من تعريف الرشد في عبارات الفقهاء ~~لأن الغرض حصول العقل بل البلوغ أيضا وبيان ما يعتبر بعد ذلك وهو إصلاح ~~المال، وأنت تعلم أنه لا يحتاج في الرشد إلى القدرة على الكسب ولا يضر عدم ~~الكسب بل تركه وعدم تحصيل المال به على تقدير القدرة أيضا ولا القدرة على ~~تحصيل المال بالمال، بل ولا القدرة على المعاملات بنفسه، بل يكفي الحفظ ~~فقط، بحيث لا يعد مضيعا له وإن تصرف لا يتصرف تصرفا غير لايق بحاله ولا ~~يحتاج إلى كون ذلك ملكة أيضا. # كل ذلك للأصل، وثبوت ms426 تسلط المالك على ملكه بالعقل والنقل، وخرج المضيع ~~بالدليل، وبقي الباقي، ولحصول المقصود، ولأن كل أحد ليس ممن له كسب أو قدرة ~~على تحصيل المال والمعاملة، فما ذكر في كتب الفقه مثل شرح الشرايع محل ~~التأمل، وقد حققنا الأمر فيه في شرح الارشاد. فالآية تدل على وجوب الامتحان ~~حتى يعلم البلوغ والرشد على من بيده المال ووجوب الدفع بعد ذلك ولا يحتاج ~~إلى الحاكم والولي، ولا إلى الطلب كسائر الحقوق مثل الدين، كأنه بمنزلة ~~الأمانة الشرعية ولا يبعد ذلك إلا أن يرضى بالبقاء عند من كان ولا يبعد ~~الفورية أيضا حينئذ بل مطلقا لتعقيب الايجاب بالفاء بعد البلوغ وايناس ~~الرشد. # وينبغي الاشهاد عند الدفع لما قال في آخر الآية وظاهرها الوجوب، ولكن ~~PageV00P481 # حملت على الارشاد، ويحتمل الاستحباب للمبالغة في حفظ ماله بل الوجوب لو ~~قال به قائل لأنهم يقولون بوجوب حفظ المال وتحريم التضييع، وترك الاشهاد قد ~~يؤول إليه، فالظاهر أنه لا نزاع فيه مع تحقق ذلك وتدل هذه بالمفهوم الذي هو ~~حجة وهو مفهوم الشرط بل مفهوم الغاية أيضا لأنه قيل: معنى قوله: " حتى يبلغ ~~النكاح " كمل عقله ورشده، وهو المناسب إذ مجرد البلوغ والعقل ليس بغاية ~~المنع وينبغي إرادة كمال العقل وإصلاح المال بالرشد كما قال في مجمع ~~البيان، وقوله " ولا تؤتوا السفهاء " بالمنطوق صريحا على تحريم إعطاء المال ~~إلى السفهاء حتى يبلغوا ويرشدوا، فيحرم بدونهما وإن كبر سنه وصار شيخا ~~كبيرا. # وقول أبي حنيفة بإعطاء المال بعد خمسة وعشرين سنة أونس منه الرشد أو لا ~~لأن البلوغ يحصل بثمانية عشر، ويحصل بعد سبع سنين تغيير في أحوال الناس ~~لقوله صلى الله عليه وآله مروهم بالصلاة لسبع على ما نقله عنه في الكشاف بل ~~القاضي أيضا مخالف للقرآن العزيز، والعقل السليم من غير دليل، والدليل ~~المذكور باطل، فإن كون البلوغ ذلك ممنوع وبعد التسليم حصول التغيير ممنوع ~~وعلى تقدير التسليم حصول تغيير موجب للدفع وترك القرآن ممنوع، والخبر بعد ~~تسليمه لا يدل على ذلك وهو ظاهر، كيف يدل ms427 الخبر المعمول على خلاف القرآن، ~~وإن دل يجب التأويل بحيث يمكن الجمع وعلى تقدير دلالته على تغيير فإن كان ~~هو إيناس الرشد فلا معنى لقوله أونس منه الرشد أو لا، وأيضا خلاف المشاهد ~~لأنه يوجد من هو في ذلك السن مع عدم الرشد، وأنه إن سلم وصح فلا يحتاج إلى ~~الاستدلال الضعيف المذكور، إذ يكفيه الآية فإن لم يكن ذلك التغيير إيناس ~~الرشد فلا معنى لاعتباره لاعطاء المال مع بقاء السفه الموجب لعدم الاعطاء ~~بالنص والاجماع والعقل بل يمكن أن يقال يلزمه البلوغ في أربعة عشر، بل جواز ~~الاعطاء أيضا فإنه يحصل التغيير للخبر، بل للسبع أيضا. # وبالجملة هذا القول مع هذا الدليل من الغرائب والعجائب. # ثم نهى عن أكل مال اليتامى مسرفا في ذلك فاسرافا بمعنى مسرفين حال عن ~~الآكلين PageV00P482 # ويحتمل غيرها، يحتمل أن يكون المراد زيادة على المعروف الذي يجوز أكله ~~بالآية أو مع الغنى، فإن أكل مال اليتيم مطلقا وإن كان وصيا مع غناه إسراف ~~غير مباح لقوله: " فليستعفف " ولغيره، فأراد بالاسراف لازمه وهو غير ~~المباح، وإن كان المراد معناه العرفي فلا خصوصية له بمال الأطفال، والظاهر ~~أن المراد بالأكل الأخذ والتصرف و " بدارا " أي مبادرين فهو أيضا حال، أو ~~غيرها مثل إسرافا أو لمبادرتكم كبرهم، فإن يكبروا في تأويل المصدر مفعول ~~بدارا أي يقولون ننفق كما نشتهي قبل أن يكبروا ويأخذوا المال من أيدينا، ~~ويحتمل كونه مفعولا له بتقدير خوفا أن يكبروا ويأخذوا المال من أيدينا، ~~وهذا القيد لكون الأكل حينئذ أقبح ولاحتمال كونه في خاطر الآكلين كذلك، ~~وإلا فليس التحريم مقيدا به ثم أوجب الاستعفاف على القيم والمتصرف في مال ~~الأيتام وهو الامتناع عن أكل مال الأيتام، وأخذه إذا كان غنيا غير محتاج ~~وفقير، يحتمل إرادة الغنى العرفي والشرعي وهو من يقدر على قوت سنة له ~~ولعياله الذي هو ضد الفقر الشرعي فلا يجوز الأخذ للقيم بمال الأيتام وإن ~~كان فعله مما يحتاج إلى الأجرة فلا يأخذها أيضا. # هذا فيمن صار المال بيده باختياره، أو ms428 صار وصيا كذلك ظاهر، وأما غيره بأن ~~يجعله الحاكم قيما فيمكن له جواز أخذ أجرة المثل، وجواز تعيين الحاكم ذلك ~~له إذا لم يوجد الباذل بغير عوض، فيقيد بالوصي والمتبرع دون من استأجره ~~الحاكم وأما الفقير فله الأخذ والأكل منها بالمعروف، يحتمل أن يكون المراد ~~به ما هو معروف في الشرع والعرف أجرة لعمله الذي هو حفظ الأولاد والأموال ~~فلا يجوز إلا ذلك المقدار، وله أخذ ذلك كله، وإن كان زائدا عما يحتاج إليه ~~من سد الخلة. # ويحتمل إرادة ما يحتاج إليه ولكن يبعد جواز أخذه مع عدم الأجرة أو زيادته ~~عليها ويحتمل أقل الأمرين والأول أظهر إلا أن يكون متبرعا فلا يسلم إليه ~~الأيتام والأموال، بل يسلم إلى المتبرع، نعم إن جعله الموصي وصيا لا يبعد ~~ذلك والظاهر PageV00P483 # أن الآكل هو الوصي والذي جعله الحاكم وصيا وقيما، ويحتمل الذي كان المال ~~بيده بعد موت صاحبه أيضا مع عدم الوصي وتعذر الحاكم للعموم، وأيضا الظاهر ~~جواز الأكل مع وجود الأولاد بقرينة " أن يكبروا " ويحتمل جواز التصرف ~~والأخذ مطلقا بجعل الأكل كناية عنه، ويحتمل الاختصاص به كما في آية تضمنت ~~الأكل من بيوت الآباء وغيرهم ويحتمل جوازه مع عدم الأولاد أيضا لعموم من ~~كان مع قطع النظر عن قرينة أن يكبروا فتأمل، ولا شك أن الاجتناب أحوط، و ~~الظاهر أن هذا الأمر للإباحة كما أن الأمر بالاشهاد للإرشاد، ويحتمل ~~الاستحباب. # ثم عقبه بأن الله يكفي حسيبا أي محاسبا وعالما أي كافيا في الشهادة عليهم ~~بأخذ أموالهم وبراءة ذمتكم وهو إشارة إلى عدم وجوب الاشهاد فإن الله كاف ~~وشاهد، فتدل على جواز الامتناع عن الاعطاء مرة أخرى بالانهزام عن الحكام، ~~وباليمين وغيرهما وحسيبا حال ويحتمل التمييز والباء زائدة. # الثالثة: وليخش الذين لو تركوا من خلفهم ذرية ضعافا خافوا عليهم فليتقوا ~~الله وليقولوا قولا سديدا (1). # " الذين " فاعل " وليخش " و " تركوا " فعل شرط فاعله ضمير " الذين " و " ~~ذرية " مفعوله و " ضعافا " أي صغارا صفتها و " خافوا عليهم " جزاء الشرط ~~والجملة صلة الذين على معنى ms429 حالهم وصفتهم أنهم لو شارفوا على أن يتركوا ~~خلفهم أولادا صغارا خافوا عليهم، ويحتمل كون المخاطبين هم أولياء اليتامى، ~~والمقصود تخويفهم من التصرف فيهم وفي أموالهم على غير الحق، ويؤيده ما روي ~~في مجمع البيان عن موسى بن جعفر عليه السلام قال: إن الله أوعد في مال ~~اليتيم عقوبتين، أما أحدهما فعقوبة الدنيا قوله " وليخش " الآية قال يعني ~~بذلك ليخش إن يخلف ذرية يصنع بهم كما صنع بهؤلاء الأيتام، والظاهر أن ~~الثانية " إن الذين " ورواية # PageV00P484 # الحلبي عن الصادق عليه السلام قال: إن في كتاب علي بن أبي طالب عليه ~~السلام أن آكل مال اليتيم ظلما سيدركه وبال ذلك في عقبه من بعده: يلحقه ~~وبال ذلك أما في الدنيا فإن الله يقول: " وليخش الذين " الآية، وأما في ~~الآخرة فإن الله تعالى يقول: # " إن الذين " الآية (1) ويحتمل كون الخطاب للحاضرين عند إيصاء الموصي فلا ~~يتركوه أن يوصي بحيث يضر بأولاده، ويشفقون عليهم كما يشفقون على أولادهم، ~~ويحتمل غير ذلك. # وحاصله أنه ينبغي أن يكون الانسان نفسه وأولاده ونفس غيره وأولاده عنده ~~سوء كما يخاف على الأول ويدبرهم ويفعل ما يصلح لهم ويخاف عليهم مما يلحقهم ~~من الأذى فكذا ينبغي أن يخاف على الثاني، ويخاف من أنه إن قصر في حق الثاني ~~يقصر في حق الأول وفي الأخبار ما يدل عليه كثير، والعقل يساعده حتى ورد أنه ~~من زنى زني بأهله فيدل على تحريم الإشارة إلى فعل ما يضر بالغير بل تحريم ~~ترك نهي فعل يؤل إلى ضرر، من أولاد الموصي وغيرهم، وذلك غير بعيد من باب ~~الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. # ثم أكد ذلك بقوله " فليتقوا الله " رعاية للمبتدأ والمنتهى إذ لا ينفع ~~الأول بدون الثاني بل الأصل هو العاقبة. ثم أمرهم بأن يقولوا قولا سديدا ~~للأيتام كما يقولون لأولادهم بالشفقة وحسن الأدب، فتدل الآية حينئذ على ~~جواز تأديب اليتامى بالقول والفعل السديد اللائق بحالهم كما صرح به في محله ~~ويحتمل أن يكون المراد أن يقولوا قولا مصيبا وصوابا وموافقا للشرع والعقل ms430 ~~للموصي في إيصائه بمنعه عن الزايد عن الثلث، بل يقول ما في الروايات إن ~~الثلث كثير، و الربع والخمس أولى، وأن الترك لأولادكم حتى لا يتكففوا أولى، ~~ويأمره بايصاء ما عليه وما له، وبالتوبة وغيرها فتأمل. # بل القول السديد المذكور لكل أحد وعلى كل حال: " إن الذين يأكلون " # PageV00P485 # الآية (1) " فظلما " يحتمل أن يكون حالا أي ظالمين في الأكل، وتميزا أي ~~من جهة الظلم، ويحتمل أن يكون المراد بالأكل التصرف مطلقا كما في قوله ~~تعالى " ولا تأكلوا الربا " " ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل " وغيرهما ~~فإن التعبير عن مطلق التصرف بالأكل كثير، ولعل ذكر البطن للتأكيد مثل " ~~يطير بجناحيه " ويحتمل أن يكون ظلما للبيان والكشف، فإن أكل مال اليتيم ~~إنما يكون ظلما كما في " يقتلون النبيين بغير الحق " أو لأنه قد يجوز أكل ~~مالهم بالحق مثل الأكل بالمعروف أجرة أو عوضا عن مال الموصي الذي أقرضه ~~إياه أو استقرض من مالهم وإن أمكن تأويله بأن ذلك ماله لا مالهم، لأنه يكفي ~~ذلك المقدار لدفع التوهم. # والمراد بأن أكل مال اليتيم أكل النار، يحتمل أن يكون أكلا يوجبها أي آكل ~~مال اليتيم إنما يأكل ما يوجب دخوله النار، أو أن المراد به كناية عن دخول ~~النار، فإذا دخل النار بالكلية فكأن في بطنه نارا، أو أنه يأكل يوم القيامة ~~النار، ويشعر به ما روي عن الباقر عليه السلام أنه قال قال رسول الله صلى ~~الله عليه وآله يبعث ناس من قبورهم يوم القيامة تأجج أفواههم نارا، فقيل: ~~يا رسول الله من هؤلاء؟ فقرأ هذه الآية (2). # " وسيصلون سعيرا " أي يلزمون النار المشتعلة، ويقاسون حرها يقال: # صلى بالأمر: قاسى حره، والسعير بمعنى المسعور والسعير اشتعال النار. # ولنتبع هذا البحث بآيتين: # الأولى: ولا تؤتوا السفهاء أموالكم التي جعل الله لكم قياسا وارزقوهم ~~فيها واكسوهم وقولوا لهم قولا معروفا (3). # PageV00P486 # قد اختلف في تفسير السفيه، والظاهر المتبادر منه غير الرشيد أعني المبذر ~~أمواله ومن يصرفها فيما لا ينبغي ولا يهتم باصلاحها وبتميزها والتصرف فيها، ~~و لهذا فسره في ms431 الكشاف وغيره به، وقد فسر في الكتب الفقهية أيضا به بحيث ~~صار حقيقة في ذلك عندهم، وهو قريب من معناه اللغوي فيتعين حمله عليه ~~لرجحانه على سائر ما قيل فيه، إذ لا دليل لغيره، ثم إن الظاهر من أكثر ~~المفسرين رجحان أن المراد بأموالكم أموال السفهاء والخطاب لأوليائهم ~~والعموم أظهر، والذي يدل على أن المراد أموالهم قوله تعالى: " وارزقوهم ~~فيها " فإن الضمير راجع إلى السفهاء، فلو لم يكن المراد أموالهم يلزم ~~[إيجاب] ارزاق السفهاء على غيرهم مطلقا، أو على الأولياء من غير أموال ~~السفهاء ولا قائل به، والتقدير " إن كانوا ممن يجب نفقتهم " تكلف. # وأيضا يدل عليه قوله: " وقولوا لهم قولا معروفا " فإن الظاهر أن الخطاب ~~للأولياء، أو لمن بيده مال السفهاء، لأنه فسر بأن يقولوا لهم قولا جميلا ~~معروفا شرعا وعقلا، بأن يعدهم وعدا حسنا، مثل إن صلحتم ورشدتم سلمنا إليكم ~~أموالكم أو إذا ربحتم أعطيتم أو أن يتلطفوا بهم ويقال لهم كلام مشعر بالرشد ~~وينبهوهم على ذلك ويرشدوهم إليه بطريق حسن ونحو ذلك، فيكون إضافة الأموال ~~إليهم للملابسة، مثل كونهم قوامين عليها، ومتصرفين فيها كالملاك وللإشارة ~~إلى أنه لا بد من المبالغة في حفظها كحفظهم أموالهم، ولأنه من جنس أموالهم ~~التي بها قيام الكل كما في قوله تعالى " ولا تقتلوا أنفسكم " " مما ملكت ~~أيمانكم من فتياتكم " (1) فإن المراد عدم قتل البعض بعضا، وجنس ما ملكت ~~الأيمان، وجنس الفتيات، لا نفس المخاطب، وما ملكت يمينه وفتياته فقط ولعل ~~ارتكاب هذا المقدار في الإضافة التي يكفيها أدنى ملابسة أولى من جعل ~~الأموال للمخاطبين لما عرفت فتأمل، ويدل عليه أيضا ما بعد الآية فإنه في ~~بيان أحكام الأيتام والرشد، ومن بيده المال وهو مؤيد للعموم الذي قلناه، ~~وقال القاضي: نهي للأولياء عن أن يؤتوا # PageV00P487 # الذين لا رشد لهم أموالهم - إلى قوله: وهو الملائم للآيات المتقدمة ~~والمتأخرة كأنه يريد بالمتقدمة قوله: " وآتوا اليتامى أموالهم " وهو بعيد. # فالآية تدل على عدم جواز تسليم أموال السفهاء إليهم لمن بيده مالهم، ~~فيضمن المعطي مطلقا على ms432 الظاهر، ووجوب إنفاقهم وكسوتهم في أموالهم ويمكن ~~إدخال سائر الضروريات مثل السكنى في الانفاق، وهو في الولي ظاهر، وفي غيره ~~إذا كان لهم ولى مطلقا، فهو بمنزلتهم فالاعطاء إليه إعطاء إليهم، وإذا لم ~~يكن ولي أصلا لا يبعد وجوبه على المتصرف كالولي مع عدم الضمان، وينبغي ~~الاشهاد، ويفهم منه أنه يجوز لمن عنده المال من غير شرط العدالة ولا إذن ~~الولي والحاكم، ويمكن استخراج الإذن مع الامكان من خارج وتدل أيضا على وجوب ~~القول المعروف لهم وعدم جواز قول يؤذيهم بما يحرم، ويحتمل كون الأمر للندب. # ثم اعلم أن ظاهر هذه وقوله تعالى: " وابتلوا اليتامى " إلى قوله: " فإن ~~آنستم منهم رشدا " والتي تقدمت في آخر البقرة و " من كان سفيها أو ضعيفا ~~فليملل وليه " أن السفيه بمجرد ظهور سفهه محجور عليه في ماله مطلقا فلا ~~يجوز تصرفاته المالية ولا تسليم ماله إليه، ولا أخذه منه، فيحرم ويضمن سواء ~~كان بالمعاوضة أو لا مثل الهبة والزكاة والخمس وغيرها، وقد مر تفسير ~~السفيه، فلو صرف ماله فيما لا ينبغي عقلا أو شرعا، وإن كان له فائدة بدنية ~~ودنيوية فإنه مضيع لذلك المال شرعا ومبذر وسفيه، وقد ادعى الاجماع في ~~التذكرة على أن صرف المال في محرم مثل الخمر سفه وإسراف، وظاهره اجماع ~~الأمة. # في الكشاف في تفسير قوله تعالى: " ولا تبذر تبذيرا إن المبذرين كانوا ~~إخوان الشياطين وكان الشيطان لربه كفورا " (1) التبذير تفريق المال في ما ~~لا ينبغي، وإنفاقه على وجه الاسراف، وكانت الجاهلية تنحر إبلها ويتياسر ~~عليها، وتبذر أموالها في الفخر والسمعة وتذكر ذلك في أشعارها، فأمرها الله ~~بالنفقة في وجوهها مما يقرب منه ويزلف، وعن عبد الله بن عباس هو إنفاق ~~المال في غير حقه وعن مجاهد لو أنفق مدا # PageV00P488 # في باطل كان تبذيرا، وقد أنفق بعضهم في خير فأكثر فقال له صاحبه لا خير ~~في السرف فقال لا سرف في الخير، وعن عبد الله بن عمر: مر رسول الله صلى ~~الله عليه وآله بسعد وهو يتوضأ فقال ما هذا ms433 السرف يا سعد؟ قال: أفي الوضوء ~~سرف؟ قال: نعم، وإن كنت على نهر جار، ومثله مروي عن أمير المؤمنين عليه ~~السلام أيضا. # قال في مجمع البيان: التبذير تفريق المال في ما لا ينبغي وأصله أن يفرق ~~كما يفرق البذر، إلا أنه مختص بما يكون على سبيل الافساد، والمراد باخوان ~~الشياطين أمثالهم في الشرارة، وهي غاية المذمة لأنه لا أشر من الشيطان أو ~~هم أصدقاؤهم لأنهم يطيعونهم فيما يأمرونهم به من الاسراف، أو هم قرناؤهم في ~~النار على سبيل الوعيد " وكان الشيطان لربه كفورا " كان الشيطان كافرا بربه ~~فلا يجوز أن يطاع فإنه لا يدعو إلا إلى مثل فعله، وهي صريحة في تحريم ~~التبذير والإسراف، و فيه مبالغة في ذلك حيث إن المبذر كالشيطان في الشر ~~واستحقاق النار فافهم. # ثم إنه قد جعل الشيخ والشافعي كل فاسق سفيها ومبذرا، واشترطا العدالة في ~~الرشد وزوال الحجر، ورأيت رواية حسنة في الكافي تدل على أن شارب الخمر سفيه ~~(1) إلا أنه نقل عن الشيخ أن ذلك في ابتداء الرشد وزوال السفه، وأما إذا ~~رشد فلا يشترط في بقاء رشده، فبعد ذلك يجوز أن يكون رشيدا وفاسقا، بل قد ~~ادعي على ذلك الاجماع في التذكرة، وأنه قد صرح بعض الأصحاب مثل العلامة في ~~بعض تصانيفه بأنه يشترط في الحجر وعدم جواز تصرفات السفيه المالية أن يحكم ~~الحاكم على حجره بقوله " جعلتك محجورا عليه " ونحوه ولا يكفي في ذلك مجرد ~~السفه كما أن المفلس كذلك، فإن مجرد زيادة الدين على المال ليس بحجر وموجب ~~له، بل إنما يصير محجورا بعد حكم الحاكم. # ودليله أن العقل والنقل دلا على جواز تصرف العقلاء في أموالهم إلا ما خرج ~~بالدليل، ولا دليل ههنا، وقد خرج ما انضم إليه حكم الحاكم بالإجماع، وبقي ~~غيره تحت الجواز، وأنه يلزم الحرج والضيق فإن أكثر الناس ليسوا بخال عنه ~~فتأمل # PageV00P489 # وكأنه يقول إن الآيات لا صراحة فيها في حصول الحجر مطلقا لكل سفيه أما ~~آية البقرة فلان إملال الولي أي إملاءه في أمر ms434 ما لسفيه ما كما يدل عليه ~~تنكير سفيها لا يدل على الحجر مطلقا وبدون الحكم أيضا لاحتمال اختصاص ~~الولاية له في أمر واحد وهو الاملاء لنقص له عنه بخصوصه أو يكون النقص في ~~سفيه خاص أو يكون المراد السفيه الذي هو غير مسبوق برشد متصل بالبلوغ، ولا ~~نزاع في عدم اشتراط حصول الحجر في هذا السفيه بحكم الحاكم وحصوله بمجرد ~~السفه، ولا في زواله عنه بدونه، وقد يفهم الاجماع على ذلك وعدم النزاع فيه ~~من بعض كتب الفقه. # على أنه قد فسر كثير من المفسرين السفيه هناك بغير هذا المعنى، فاثبات ~~مثل هذا الحكم بمثله بأن يقال الظاهر منه العموم العرفي، وأن العلة هو ~~السفه مطلقا وأن لا قائل بالفرق ولا فرق بين الابتداء والبقاء، وعدم فرق ~~معقول بين حكم الحاكم وعدمه مشكل إذ المنع والحجر بمجرد السفه خلاف ما ثبت ~~بالدليل العقلي والنقلي من الكتاب والسنة والاجماع، ومستلزم لحرج ما فتأمل. # وكذا يجري بعض البحوث في الآيتين الباقيتين، فإن عدم إعطاء الولي مال ~~السفيه إليه حتى يرشد لا يدل على عدم جواز تصرفه في أمواله مطلقا لاحتمال ~~أن المراد قبل البلوغ والمتصل بالبلوغ، ويؤيده ما قيل من كون الخطاب في ~~أكثر التفاسير للأولياء، إذ تنقطع الولاية عنهم بعد البلوغ والرشد، وإن حدث ~~السفه. # وإن جعلنا الخطاب لمن بيده ماله فلا يدل على حجره مطلقا، لاحتمال عدم ~~جواز إعطاء ماله إليه، وجواز تصرفاته المالية في الجملة إذا وقعت على وجه ~~لا قبح فيه بأن يهدي ويزكي ويخمس، ويعامل معاملة لا غبن فيها أصلا، غاية ~~الأمر إن سلم عموم ذلك بحسب الأشخاص والأوضاع والأحوال أنه لا يجوز ~~لمعامليه أيضا إعطاء ماله إياه، بل يسلموه إلى الولي ويمكن جواز الأخذ له ~~خفية أو جهرا، وتصرفه فيما هو بيده، ولو كان بعد التسليم الغير المجوز، ~~والآية الثالثة أظهر في اختصاص السفيه بالسفيه المتصل سفهه إلى البلوغ، ~~ولهذا قال الشيخ الشهيد رحمه الله في شرح الارشاد أنه مخصوص به. ~~PageV00P490 # وبالجملة المسألة من مشكلات الفن ms435 وقوانين استدلالات الأصحاب تقتضي عدم ~~الاشتراط بحكم الحاكم، وأما دقة النظر في الأدلة على ما هو المتعارف في غير ~~الفقه، وقطع النظر عن قوانينهم، واكتفاؤهم ببعض المقدمات مثل أن لا قائل ~~بالفرق، وأنه ظاهر في العموم وأن الظاهر عدم الفرق، وأن السفه إذا كان ~~موجبا فحكم الحاكم لا أثر له، فيقتضي الاشتراط، والاحتياط لا يترك إن أمكن. # الثانية: ضرب الله مثلا عبدا مملوكا لا يقدر على شئ ومن رزقناه منا رزقا ~~حسنا فهو ينفق منه سرا وجهرا هل يستون (1). # قد استدل بها على كون المملوك محجورا عليه في جميع تصرفاته، وعدم صحة شئ ~~منها إلا بإذن سيده، لكن هذا العموم مخصوص بصحة بعض تصرفاته، مثل طلاق ~~زوجته، ونفوذ إقراره بالمال، ويتبع به بعد عتقه، ويقبل قول المأذون في ~~ضروريات تجارته المأذون فيها. وكذا على أنه لا يملك شيئا أصلا، سواء كان ~~ملكه مولاه أم لا، لأنه نفيت عنه القدرة مطلقا، وليس حقيقة فيكون المراد ~~نفي التملك لأنه أقرب المجازات، وفي الاستدلال نظر فإن غاية دلالتها على ~~وجود عبد مملوك لا قدرة له على شئ ووجود عبد مملوك قادر على شئ في الجملة، ~~فأين الدلالة على عدم التملك لمملوك أصلا، ولو بغير الاختيار وبتمليك ~~المولى وغيره، فإنه يحتمل ذلك أن يكون عاجزا ولا يملكه المولى أو بغير إذن ~~المولى أو الذي لا يضرب له ضريبة وغير ذلك، أو يكون المراد الحجر وعدم صحة ~~التصرف لا عدم الملك فقد يكون مالكا ومحجورا عليه كالصبي فإنه يقال للطفل ~~أنه لا يقدر على شئ مع تملكه، بل بين كونه محجورا عليه وغير مالك، تناف في ~~الجملة، فإن المتبادر من الأول الملكية إلا أنه ممنوع من التصرف كالصغير ~~والمفلس والسفيه فتأمل. # ثم إنه يدل على التملك قوله تعالى " وأنكحوا الأيامى منكم والصالحين # PageV00P491 # من عبادكم وإمائكم إن يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله " فافهم (1) وبعض ~~الأخبار الصحيحة، وإن دل على عدمه أيضا بعضها ويمكن الجمع بينهما في الجملة ~~بالحمل على التملك والحجر، وقد فصلنا المسألة في ms436 شرح الارشاد. # * (الثالث عشر) * العطايا المنجزة كالوقف والسكنى والصدقة والهبة وغيرها ~~وليس ما يدل عليها بالخصوص بل يدل عليها عموم ما يدل على فعل الخيرات، وقد ~~ذكر الراوندي وغيره آيات: # الأولى: لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون (2). # الثانية: وما تقدموا لأنفسكم من خير تجدوه عند الله هو خيرا وأعظم أجرا ~~(3). # الثالثة: ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب - إلى قوله وآتى ~~المال على حبه ذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل و السائلين وفي ~~الرقاب (4). # وقد مر تفسيرها، والآيات والأخبار على ذلك لا تعد ولا تحصى، ومعلوم أنه ~~لا يحتاج إلى ذكرها. # PageV00P492 # * (الرابع عشر) * * (النذر والعهد واليمين) * وفيه أبحاث: # * (الأول النذر) * وفيه آيتان: # الأولى: وما أنفقتم من نفقة أو نذرتم من نذر (1). # أي كل ما فعلتم من نفقة حسنة أو قبيحة وكل ما أوجبتم على أنفسكم بالنذر، ~~ويحتمل شبهه أيضا الله يعلم " فإن الله يعلمه وما للظالمين من أنصار " ~~فيعلم استحقاق صاحبه [للأجر] ونية فاعله فيجازيه على ذلك إن خيرا فخيرا وإن ~~شرا فشرا فلا يبعد دلالتها على استحباب فعل النذر إن كان المنذور طاعة، ~~وتحريمه إن كان معصية، حيث قرنه بالانفاق المرغوب والمرهوب، ووعد فاعله ~~بالأجر إذا فعله على الوجه المرضي، وأوعد بالعقاب على عدمه بأنه يعلمه، ~~وكذا وجوب الوفاء به لتسمية من يخالفه ظالما على ما هو الظاهر وسيجئ ما يدل ~~على الوفاء به. # وقال في مجمع البيان: النذر هو عقد المرء على نفسه فعل شئ من البر بشرط ~~ولا ينعقد ذلك إلا بقوله " لله علي كذا " ولا يثبت بغير هذا اللفظ، وأصل ~~النذر الخوف، لأنه يعقد على نفسه خوف التقصير في الأمر، ومنه نذر الدم وهو ~~العقد على سفك الدم للخوف من مضرة صاحبه، ومنه الانذار، وفي هذا الكلام ~~تأمل إذ يفهم تخصيصه بالفعل وبالرجل، إلا أن يقول بالتأويل، ويريد بالمرء ~~الشخص أو يعلم المرأة والترك بالمقايسة أو المراد مثلا، وأيضا التقييد ~~بالبر يدل على عدم انعقاده في المباح كما هو مذهب بعض الأصحاب، وهو محل ms437 ~~التأمل أيضا لعموم أدلة النذر، مع عدم اشتماله على قبح، ويحتمل أن يريد به ~~المباح. # PageV00P493 # وأيضا من التقييد بالشرط يعلم عدم انعقاد النذر إذا لم يكن مقيدا به كما ~~هو مذهب السيد، وهو أيضا محل التأمل لعموم الأدلة وعدم العلم باعتباره في ~~معناه، وكون أصله الخوف ظاهر في العموم وكذا أصل عدم الزيادة ولهذا ذهب ~~أكثر الأصحاب إلى عدمه على الظاهر، ولكن يشعر باعتباره صحيحة منصور بن حازم ~~عن أبي عبد الله عليه السلام قال إذا قال الرجل علي المشي إلى بيت الله وهو ~~محرم بحجه، أو على هدي كذا وكذا فليس بشئ حتى يقول: لله على المشي إلى بيته ~~أو يقول لله علي هدي كذا وكذا إن لم أفعل كذا وكذا، وأما اشتراطه بهذه ~~الصيغة فيدل على عدم انعقاده إذا أتى بلفظ آخر مرادف له، وهو المشهور، ~~والمفهوم من بعض الروايات كالصحيحة المتقدمة. # ويدل أيضا على عدم انعقاده من غير لفظ كما هو مذهب الأكثر خلافا للشيخ، ~~فإنه يكتفي بعقده قلبا وإن لم يتلفظ به ودليل مذهب الأكثر عدم العلم بإطلاق ~~النذر عليه، والأصل والشهرة وبعض الروايات مثل الصحيحة المتقدمة. # وفي الاستدلال على مذهب الشيخ بمثل " وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه ~~يحاسبكم به الله " (1) تأمل لا يخفى، وكذا بمثل قوله تعالى " واعلموا أن ~~الله يعلم ما في أنفسكم فاحذروه " (2) نعم هما يدلان على العقاب بأفعال ~~القلب، ولو بقصد المعصية، وذلك غير بعيد، فإن قصد القبيح عقلا وشرعا أيضا ~~إلا أنه لا يعاقب عليه العقاب الذي يعاقب عليه بفعله في الخارج وبه يجمع ~~بين الأدلة بل بين الأقوال. # الثانية: يوفون بالنذر ويخافون يوما كان شره مستطيرا (3). # قال في الكشاف: " يوفون " جواب من عسى أن يقول: ما لهم يرزقون ذلك؟ # والوفاء بالنذر مبالغة في وصفهم بالتوفر على أداء الواجبات، لأن من وفى ~~بما أوجبه هو على نفسه لوجه الله كان بما أوجبه الله عليه أوفى وكذلك ورد ~~الإيفاء في مواضع # PageV00P494 # فيدل على وجوب الوفاء فتأمل وفي قوله تعالى " أني ms438 نذرت للرحمان صوما فلن ~~أكلم اليوم إنسيا " (1) دلالة على جواز نذر عدم التكلم، وكأنه مخصوص بتلك ~~الشريعة ولهذا قال الأصحاب إن صوم الصمت حرام. # * (الثاني العهد) * وفيه آيات: # الأولى: وأوفوا بالعهد إن العهد كان مسؤولا (2). # الثانية: وبعهد الله أوفوا (3). # الجار متعلق بعده أي " أوفوا " للتأكيد والمبالغة للحصر المستفاد أي يجب ~~إيفاء ما عهد الله إلى المكلف لا غير، أي لا يصار إلى غيره ولا يجعل معارضا ~~له ويترك به، ففيها دلالة على وجوب الإيفاء بالشروط والعهود والنذور ~~والعقود والإتيان بجميع ما أمر به من العمل بالعدالة في القول والفعل ~~وإيفاء الكيل والوزن وغير ذلك " ذلكم وصاكم به لعلكم تذكرون " أي جميع ما ~~تقدم أو حصر الإيفاء بعهد الله فإنه مشتمل على ما تقدم وزيادة، وصاكم الله ~~بحفظه والعمل بمقتضاه، رجاء تذكركم الله وعقابه وثوابه، فتتعظون به، وفيه ~~تأكيد بالغ. # وكذلك " الذين يوفون بعهد الله " (4) قيل عهد الله ما عقده الله على ~~أنفسهم من الشهادة بربوبيته " وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى " ~~(5) " ولا ينقضون الميثاق ": كل ما وثقوه على أنفسهم من المواثيق بينهم ~~وبين الله، من العهود والنذور والايمان وغير ذلك، وبين خلقه من العقود ~~والشروط وسائر ما قرر معهم، فهذا تعميم بعد تخصيص، ويحتمل أن يكون معناهما ~~واحدا فيكون الثاني تأكيدا للأول فيمكن جعل هذه دليلا على وجوب الوفاء ~~بالنذور والعقود والشرائط والوعد. # PageV00P495 # وكذلك قوله تعالى " والذين هم لأماناتهم وعهدهم راعون " (1) في الكشاف ~~سمى الشئ المؤتمن عليه أمانة وعهدا ومنه " أن تؤدوا الأمانات " " ولا ~~تخونوا أماناتكم " (2) وإنما تؤدوا العيون لا المعاني، ويخان المؤتمن لا ~~الأمانة، والراعي الحافظ، يحتمل العموم في كل ما أؤتمنوا عليه من جهته ~~تعالى والخلق والخصوص فيما حملوه من أمانات الناس وعهدهم، وفي مجمع البيان: ~~راعون أي حافظون وافون، والأمانات ضربان: أمانات الله، وأمانات العباد، ~~فأماناته تعالى هي العبادات كالصيام والصلاة ونحوها، وأمانات العباد هي مثل ~~الودايع والشهادات وغيرها، وأما العهد فعلى ثلاثة أضرب: أوامر الله، ونذور ~~الانسان، والعقود الجارية بين الناس، فيجب على الانسان الوفاء ms439 بجميع ضروب ~~الأمانات والعهود، والقيام بما يتولاه منها. # * (الثالثة اليمين) * وفيه آيات: # الأولى: ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم أن تبروا وتتقوا وتصلحوا بين ~~الناس والله سميع عليم (3). # ظاهرها نهي عن كثرة الأيمان والحلف على كل شئ أي لا تجعلوا الله معرضا ~~لأيمانكم ولا تكثروا الحلف حتى في المحقرات وغير المهمات الضرورية، ويؤيد ~~النهي عن كثرة الحلف " ولا تطع كل حلاف " (4) و " أن تبروا " علة للنهي ~~بحذف مضاف أي إرادة بركم وتقواكم واصلاحكم بين الناس، فإن الحلاف مجترئ على ~~الله فيكذب، ولا يصلح أن يكون بارا ولا متقيا ولا مصلحا بين الناس، وقد قيل ~~غير هذا المعنى أيضا وهو أنه لا تجعلوا الله حاجزا ومانعا لما حلفتم عليه ~~من البر والتقوى # PageV00P496 # وإصلاح ذات البين، فيكون الأيمان بمعنى المحلوف عليه، و " أن تبروا " ~~بيانا له ويكون إشارة إلى ما هو المشهور أن المحلوف إذا كان مرجوحا لا ~~ينعقد، وكذا إذا كان راجحا ثم صار مرجوحا كما تدل عليه الأخبار من العامة ~~والخاصة، مثل قوله صلى الله عليه وآله لعبد الرحمن بن سمرة: إذا حلفت على ~~يمين فرأيت غيرها خيرا منها فأت الذي هو خير (1) فتأمل. # الثانية: لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما كسبت ~~قلوبكم والله غفور رحيم (1). # قيل: أصل اللغو الكلام الذي لا فائدة فيه، يقال ألغى الكلمة إذا طرحها ~~لأنه لا فائدة فيها، واللاغية الكلمة القبيحة الفاحشة، ومنه اشتقاق اللغو ~~لأنه كلام لا فائدة فيه عند غير أهلها، وأصل الحلم الأناة وهو في صفته ~~تعالى الامهال بتأخير العقاب على الذنب، قال في الكشاف والقاضي: اللغو من ~~اليمين الساقط الذي لا يعتد به في الأيمان وهو الذي لا عقد معه بقرينة " ~~عقدتم الأيمان " وهو الذي يجري على اللسان عادة مثل قول العرب لا والله ~~وبلى والله، من غير عقد على يمين، بل لمجرد التأكيد لقولها، أو جاهلا ~~بمعناها أو سبق لسانه إليها، أو في حال الغضب المسقط للقصد. # فمعناه: أن الله لا يؤاخذكم بما لا قصد معه لكم من ms440 الأيمان بعقوبة، لا في ~~الدنيا بكفارة ولا في الآخرة بعذابها، بل يؤاخذكم باليمين الملفوظة إذا ~~عزمتم وقصدتم بقلوبكم، وخالفتم، أو إذا كذبتم عمدا بأن يحلف على الماضي ~~كاذبا فإنه يسمى الغموس وهو حرام، ولا كفارة فيه عند الأصحاب، بل إنما هي ~~على فعل متوقع راجح أو ترك كذلك أو مباح، وتحقيق ما يوجب الكفارة سيجئ في ~~تفسير آية الكفارة إن شاء الله، وكل ذلك إذا قصدتم الأيمان وعقدتم عليها ~~القلوب أي إذا واطأت قلوبكم ألسنتكم، أو أنه يؤاخذكم بما تعمدتم وقصدتم من ~~الأيمان على # PageV00P497 # خلاف الحق أي الأيمان الكاذبة فلا كفارة حينئذ فلا حذف في الكلام " والله ~~غفور " يغفر الذنوب لعله مع التوبة وجوبا أو تفضلا من غير توبة أيضا " حليم ~~" يؤخر العقوبة ولا يعجل بها لأنه إنما يعجل من يخاف الفوت. # الثالثة: " لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم " (1) يحتمل أن يكون ~~المراد من اللغو ما يصدر من الانسان بغير قصد، كقول الرجل لا والله وبلى ~~والله، حين الغفلة والغضب وغير ذلك، ولهذا شرط في انعقاده القصد، ويشعر به ~~ما بعده كما مر ويحتمل الحلف على ما ظن أنه كذلك ولم يكن، ويمكن شموله ~~للكل، والظاهر أن " في أيمانكم " صلة اللغو لأنه مصدر أو حال عنه أو صفته، ~~بأن يقدر معرفا باللام مثل الحاصل، والمراد نفي المؤاخذة مطلقا في الدنيا ~~بعدم الكفارة وعدم التعزير وفي الآخرة بعدم العقاب " ولكن يؤاخذكم بما ~~عقدتم الأيمان " بالقصد وجئتم بها على الوجه الشرعي إن كان مستقبلا قابلا ~~للحنث بالكفارة والتعزير بل العقاب أيضا ويحتمل السقوط بالكفارة، وإن كان ~~ماضيا بالعقاب والتعزير، إن كان كذبا عن عمد من غير داع شرعا مع عدم التوبة ~~" فكفارته " بيان للمؤاخذة أي كفارة نكث الحلف والمؤاخذة به، قال القاضي ~~المراد بالكفارة الفعلة التي تذهب الإثم، وتستر الذنب، واستدل بظاهره على ~~جواز التكفير بالمال قبل الحنث، وهو عندنا خلافا للحنفية لقوله عليه السلام ~~من حلف على يمين ورأي غيرها خيرا منها فليكفر عن يمينه وليأت الذي هو خير ~~(2) ولعل " لقوله ms441 عليه السلام " دليل لمذهبه لا لمذهب الحنفية. # وظهور الآية ممنوع لأن الكفارة إنما يكون بعد الذنب كما فهم من كلامه ~~عليه السلام أيضا، مثل كفارة إفطار شهر رمضان وغيره فلا معنى لتقديمها، ~~وعلى تقدير ظهور الآية في ذلك فالتخصيص بالمال لا وجه له، وكذا الخبر مع أن ~~جعله دليل ظاهر الآية غير سديد، على أنه مقيد برؤية غيرها خيرا، والمراد ~~أعم وأنه غير معلوم الصحة، والذي ثبت عند الأصحاب أنه إذا حلف على شئ ثم ~~رأى غيره أولى تنحل # PageV00P498 # اليمين بغير كفارة، مثل أن حلف ليضرب عبده، أو لم يأكل الطعام الفلاني ~~ولم يفعل الفعل الفلاني، وصار المصلحة في عدمه ويكون هو أولى بالنسبة إليه ~~تنحل اليمين من غير كفارة، فكأنه يدخل حينئذ في اليمين اللغو الذي لا يؤاخذ ~~عليه، ولهم عليه الروايات، وكأنه مجمع عليه أيضا عندهم والحنفية موافقة لهم ~~في عدم الكفارة قبل الفعل مطلقا، والشافعية بغير المال. # و " إطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم " خبر كفارته، والمراد ~~بالمسكين هو الفقير الذي يستحق الزكاة أي لا قدرة له على قوت سنته، ولو ~~بالكسب على ما قالوا " من أوسط " أي من أقصده ووسطه باعتبار النوع، ويمكن ~~القدر أيضا ولكن القدر مقدر في الأخبار بالمد لكل مسكين عند الأكثر، وقيل ~~مدان، و الجنس هو الحنطة مثلا، إن كان هو الأوسط أو الأعلى، والظاهر أن ~~الأوسط للرخصة، وأن دونه لا يجوز، لا أن الأعلى لا يجزئ، وقال القاضي: محل ~~" من أوسط " نصب لأنه صفة مفعول محذوف تقديره أن تطعموا عشرة مساكين طعاما ~~من أوسط، أو الرفع على البدل من إطعام وأظن جواز تعلقه بإطعام، و معنى ~~البدلية غير ظاهر، والتقدير موجب للتكرار، وأيضا إن سلم مانع عن تعلقه ~~بالاطعام المذكور، فلا مانع من كونه صفة له فلا يحتاج إلى تقديره، بل لا ~~مانع من الحالية أيضا و " أهليكم " منصوب بأنه مفعول ثان حذف نونه بالإضافة ~~والمفعول الأول محذوف، أي ما تطعمونه أهليكم، وصريح الآية اعتبار العدد في ~~المساكين فلا ms442 يجزئ مقدار العشرة لواحد لا أن المقصود من العدد مقدار الطعام ~~كما قاله أبو حنيفة، لأن كون ذلك مقصودا بل مساويا له ممنوع إذ في تعدد ~~الأشخاص مصالح لا توجد في واحد من استجابة الدعاء والقبول عند الله. # وبالجملة رعاية خواطر أعظم من رعاية خاطر واحد، وهو واضح وصريح الآية لا ~~يخرج عنه " أو كسوتهم " عطف على إطعام إما لكونه مصدرا أو لتقدير إلباس ~~كسوتهم، وقال القاضي: أو من أوسط إذا كان بدلا، وما عرفت معنى البدل هنا، ~~ويمكن تقدير: أو كسوتهم من أوسط ما تكسون أهليكم، والظاهر ما يصدق ~~PageV00P499 # عليه الكسوة لغة أو عرفا مثل ثوب يكون مغطيا للعورة كالقميص ويحتمل ~~الوزرة والسراويل، والأزار أولى والجبة أولى أما مجرد الرداء فمشكل لأنه لا ~~يقال له كسوة إن كان صغيرا يحصل به مجرد الارتداء، ويحتمل أن يكون المراد ~~من الكسوة الثياب التي يحتاج إليها الانسان عرفا كالاطعام، فإنه لا بد من ~~كونه مقدار ما يكفيه يوما، ولهذا يقال يجب للزوجة والمملوك ومن يجب نفقته ~~من الأقارب كسوتهم على الزوج والسيد والقريب، ويراد جميع ما يحتاج إليه ~~عرفا، ويؤيده مقابلته للإطعام وتحرير الرقبة، فيجب حينئذ ما يستر جميع بدنه ~~مثل قميص أو جبة مع عمامة أو قلنسوة على الوجه المتعارف في زماننا، ولكن ~~القائل به غير ظاهر قال القاضي: قيل ثوب جامع قميص أو رداء أو إزار، وفيه ~~تأمل خصوصا في الرداء. # " أو تحرير رقبة " أي أو إعتاق انسان فظاهر الآية أنه يجزئ كل انسان كما ~~يدعيه الأصحاب، وشرط الشافعي كونه مؤمنا قياسا على كفارة القتل وهو باطل ~~نعم لو كان نص مقيد بذلك يجب وإلا فلا، فلا يجزئ الطفل أيضا إلا أن يلحق ~~بآبائه في الايمان، والظاهر أنه يكتفى بالإسلام وعند الأصحاب يمكن كونه ~~مؤمنا بالمعنى الأخص عندهم، فالمكفر مخير بين اختيار أي الثلاث شاء إن وجدت ~~الثلاثة وإلا يختار ما وجد، وإن لم يجد شيئا أصلا كما هو ظاهر قوله " فمن ~~لم يجد " أي شيئا منها " فصيام ثلاثة أيام ms443 " أي فكفارة حلفه صيام ثلاثة ~~أيام وظاهرها إجزاء أي ثلاثة على أي وجه جايز، إلا أنه قيده الأصحاب ~~كالشافعي بالتتابع للإجماع والسنة ويؤيده قراءة " متتابعات " في الشواذ، ~~وإن لم تكن الشاذة حجة إذ لم يثبت كتابا ولم يرو سنة، وهذا لم يرد علينا ~~لما مر، نعم يرد على أبي حنيفة حيث قيد بالتتابع عليه بالقراءة الشاذة، قال ~~القاضي ليست بحجة. # " ذلك كفارة أيمانكم إذا حلفتم " كأنه يريد وحنثتم أيضا لما مر، ويريد به ~~التأكيد والإيضاح، وإلا فما كان يحتاج إلى ذكره خصوصا " إذا حلفتم " ~~PageV00P500 # " واحفظوا أيمانكم " ظاهرها أنه لا تخالفوها ولا تنكثوها فيدل على أن خلف ~~الحلف والحنث حرام كفر أم لا، فتجب الكفارة بعد الحنث وأنه لا يجوز نكثه ~~بوجه وعلى تقدير الجواز لا وجه للكفارة، فمذهب الشافعي بتجويزه بعد الكفارة ~~محل التأمل، وكذا صحة الخبر المتقدم، فإنه على تقدير انعقاده يجب حفظه لهذه ~~الآية ونحوها فكيف يجوز رفعه بالكفارة، إلا أن يقال بالحل كما قال أصحابنا ~~للنص والاجماع ولأن الانعقاد مشروط بكون ما يحلف عليه راجحا أو مساويا ~~بالإجماع على الظاهر والأخبار، وعلى تقدير القلب بالمرجوحية لا يبقى شرط ~~الانعقاد ودوامه فتأمل فيه، وللايمان شروط وأحكام مذكورة في محلها. # " كذلك " مثل ذلك البيان " يبين لكم آياته " أعلام شرايعه " لعلكم تشكرون ~~" الله تعالى على التعليم أو سائر نعمه الواجب شكرها، فإن مثل هذا البيان ~~يسهل لكم المخرج، ويحصل الخلاص بالكفارة في الدنيا عن العقاب، فيجب شكر ~~نعمة شرع الكفارة وبيانها على وجه واضح كساير النعم. # * (الخامس عشر العتق) * وفيه آيات مثل قوله تعالى: # وإذ تقول للذي أنعم الله عليه وأنعمت عليه (1). # الخطاب لرسول الله صلى الله عليه وآله " الذي " زيد بن الحارثة وإنعام ~~الله عليه توفيقه للإسلام، وإنعامه صلى الله عليه وآله إعتاقه بعد أن ملكه ~~بالأسر (2) فدلت الآية على مشروعية تملك الانسان وعتقه بل رجحانه وكون ~~المعتق منعما، والآيات الدالة عليه كثيرة لا يحتاج إلى الذكر، ولنذكر آية ~~الكتابة وهي قوله: # PageV00P501 # والذين يبتغون الكتاب من ما ملكت أيمانكم ms444 فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرا ~~(1). # في الكشاف: " الذين " مرفوع على الابتداء أو منصوب بفعل مضمر يفسره ~~فكاتبوهم ودخلت الفاء لتضمن معنى الشرط، والكتاب والمكاتبة كالعتاب ~~والمعاتبة، وهو أن يقول الرجل لمملوكه: كاتبتك على ألف درهم، فإن أداها ~~عتق، ومعناه كتبت لك على نفسي أن تعتق مني إذا وفيت بالمال وكتبت لي على ~~نفسك أن تفي بذلك، أو كتبت عليك الوفاء بالمال وكتبت علي العتق. أي الذين ~~يطلبون المكاتبة منكم أيها الموالي من العبيد والإماء فكاتبوهم وهي أن تقرر ~~معه أن يعطيك مالا معينا في نجم أو نجوم معينة فينعتق بذلك فهي دالة على ~~جوازها مطلقا حالا ومؤجلا منجما بنجم واحد أو متعدد، ومشروطة ومطلقة، وعلى ~~مال قليل وكثير، عين ومنفعة وأحكامها مذكورة في الفقه. # " إن علمتم فيهم خيرا " الأمر بها متعلق بعلم الخير في المملوك فقيل هو ~~المال وقيل هو الصلاح، وقيل هو القدرة على الاكتساب وتحصيل مال الكتابة ~~والأمانة والمتبادر الوسط، ويحتمل الأخير والأول بعيد خصوصا على المذهب ~~المشهور من عدم تملكهم شيئا. في الكشاف: الأمر الندب عند عامة العلماء ~~وجميع الفقهاء، ونقل عن ابن سيرين أنه أمر حتم وإيجاب فهو مسبوق بالإجماع ~~وبالعكس، ففيها دلالة على استحباب الكتابة بشرط طلبه وخيريته. # " وآتوهم من مال الله الذي آتاكم " أمر الموالي بإعطاء المكاتبين بعض ~~المال الذي أعطاهم الله إياه فهو يدل على وجوب إعطاء المكاتب للمكاتب من ~~المال الذي أعطاه الله إياه وقال بعض الأصحاب بوجوب إعطاء المكاتب شيئا من ~~الزكاة، وهو من سهم الرقاب إن وجبت وإلا استحب فيجوز أن يعطيه من الزكاة ثم ~~يأخذها منه، و أن يحسب عليه من الزكاة ويسقط من مال الكتابة، ورجوع زكاته ~~إليه بوجه آخر # PageV00P502 # غير ضائر كما إذا اشترى من الفقير زكاته، ولكن قالوا يكره أن يتملك ما ~~يتصدق به باختياره، ولا يبعد اخراج هذه عنه للآية فتأمل، وكأنهم حملوا ~~الآية عليه وهو بعيد لا يفهم إلا أن يكون لهم دليل عليه، فتأمل. # وفي مجمع البيان: معناه حطوا عنهم من نجوم الكتابة ms445 شيئا، وقيل ردوا عليهم ~~معشر السادة من المال الذي أخذتم منهم شيئا، وهو استحباب، وقيل إيجاب وقال ~~قوم من المفسرين إنه خطاب للمؤمنين بمعونتهم على تخليص رقابهم من الرق ومن ~~قال إنه خطاب للسادة اختلفوا في قدر ما يجب، والأولى قدر ما يعطي فقيل: # مقدر بربع المال عن الثوري، وروي ذلك عن علي عليه السلام وقيل ليس فيه ~~تقدير بل يحط عنه شئ، وهو الصحيح للصدق فإنه يصدق الامتثال ويكفي، ويخرج عن ~~العهدة. # ثم إن ظاهر الآية وجوب إعطاء ما يصدق أنه من المال الذي أعطاهم الله ولكن ~~ينبغي أن يكون مما يسمى إعطاء عرفا وينتفع به غالبا، لا مثل فلس واحد ~~فتأمل، وأن المخاطب به هم الموالي والسادة، لا المسلمون كما نقل في الكشاف ~~عن أبي حنيفة أنه على المسلمين، فإنه يحصل بالحط، فلا يحتاج إلى الدفع ثم ~~الأخذ، وإن كان رعاية ظاهر اللفظ أولى فتأمل. PageV00P503 # * (كتاب النكاح) * والبحث فيه يتنوع أنواعا: # * (الأول) * * (في شرعيته وأقسامه وغير ذلك) * وفيه آيات: # الأولى: وانكحوا الأيامى منكم والصالحين من عبادكم وإمائكم إن يكونوا ~~فقراء يغنهم الله من فضله والله واسع عليم (1). # في الكشاف: الأيامى واليتامى أصلهما أيايم ويتايم فقلبا، والأيم للرجل ~~والمرأة إذا لم يتزوجا بكرين كانا أو ثيبين، والأولى أن يقول من لا زوج لها ~~بكرا أو ثيبا ومن لا امرأة له كما قاله في القاموس. في مجمع البيان: أحد ~~مفعولي أنكحوا محذوف، والتقدير أنكحوا الأيامى الرجال منكم من نسائكم ~~والنساء من رجالكم في الكشاف المراد أن زوجوا من تأيم منكم من الأحرار ~~والحرائر، ومن كان فيه صلاح من غلمانكم وجواريكم، وخص الصالحين لشدة ~~الاهتمام بشأنهم، وللارشاد والترغيب إلى الصلاح، فإنهم إن رؤوا مزوجين ~~لصلاحهم رغبوا فيه، ولأن ثوابه أكثر، ولأنهم في التعب إذ يلاحظون، وأما ~~غيرهم فيعالجون أنفسهم نعوذ بالله بغير التزويج وإن أثموا ويجازوا في ~~الآخرة، في الكشاف: لأن الصالحين من الأرقاء هم الذين مواليهم يشفقون ~~عليهم، وينزلونهم منزلة الأولاد في الأثرة والمودة، فكانوا مظنة للتوصية ~~بشأنهم، والاهتمام بهم، ms446 وتقبل الوصية فيهم وأما المفسدون منهم فحالهم عند ~~مواليهم على عكس ذلك. وهذا الأمر للندب لما علم أن النكاح أمر مندوب إليه، ~~وقد يكون للوجوب في حق الأولياء عند # PageV00P504 # طلب المرأة ذلك، ومما يدل على كونه مندوبا إليه قوله صلى الله عليه وآله ~~من أحب فطرتي فليستن بسنتي وهي النكاح، وعنه عليه السلام من كان له ما ~~يتزوج به فلم يتزوج فليس منا وهذا يدل على الوجوب فتأمل، وعنه عليه السلام ~~إذا تزوج أحدكم عج به شيطانه يا ويله عصم ابن آدم مني ثلثي دينه، وعنه عليه ~~السلام يا عياض لا تزوجن عجوزا ولا عاقرا فإني مكاثر (1) والأحاديث فيه عن ~~رسول الله صلى الله عليه وآله كثيرة وربما كان واجب الترك كما إذا أدى إلى ~~معصية أو مفسدة، وعن النبي صلى الله عليه وآله إذا أتى على أمتي مائة ~~وثمانون سنة من هجرتي فقد حلت لهم العزوبة والعزلة، والترهب على رؤس ~~الجبال، وفي الحديث: يأتي على الناس زمان لا تنال المعيشة فيه إلا بالمعصية ~~فإذا كان ذك الزمان حلت العزوبة، وهذه أيضا تدل على وجوب التزويج في الجملة ~~ويفهم من كلامه أن الأمر إذا آل إلى المعصية يصير ذلك حراما فيكون ما يتوقف ~~ويحصل به الحرام حراما ككون ما يتوقف عليه الواجب واجبا، ولبعض العلماء فيه ~~نزاع وليس هذا محله. # وتدل الآية على وجوب قبول الولي الخطبة وتزويجه المولى عليها حرا كان أو ~~مملوكا، وذلك غير بعيد، إذا كان فيه مصلحته، بأن كان الزوج قادرا على ~~النفقة وكفوا كما يدل عليه بعض الأخبار، وفي كلام الأصحاب أنه يجب إجابة ~~الكفؤ القادر، فيفهم الوجوب على الزوجة أيضا وفيه تأمل ذكرناه في محله، ~~وظاهر الآية عدم اشتراط القدرة والكفؤ، وكأنه مفهوم من الخبر والاجماع، ~~فالآية دليل ترغيب الأولياء والوكلاء وإن لم يكونوا أولياء شرعا بتزويج من ~~يسمع كلامهم ويتبعهم، وعدم جعل فقر الزوج والزوجة مانعا، معللا بأن الله هو ~~المغني، بل في الأحاديث ما يدل على أن التزويج موجب للغناء وأن تركه ms447 خوفا ~~من الفقر سوء ظن بالله. # ولكن جعل في الكشاف ذلك مشروطا بمشيئة الله تعالى، حيث قال ينبغي أن يكون ~~شريطة الله غير منسية في هذا الموعد ونظائره، وهي مشيته، ولا يشاء الحكيم # PageV00P505 # إلا ما اقتضته الحكمة، وما كان مصلحة. ونحوه " ومن يتق الله يجعل له ~~مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب " (1) وقد جاءت الشريطة منصوصة في قوله تعالى ~~" وإن خفتم عيلة فسوف يغنيكم الله من فضله إن شاء إن الله عليم حكيم " (2) ~~ومن لم ينس هذه لم ينتصب، معترضا بعزب كان غنيا فأفقره النكاح، وكأن هذه ~~الشريطة محذوفة مثل إجابة الدعاء في قوله " ادعوني استجب لكم " (3) فلا يرد ~~الشبهة. # ففيها دلالة على مرغوبية النكاح مطلقا وأفضليته وعلى استقلال الآباء ~~والأولياء وإن كان المولى عليها بلاغا تأمل، وعلى استقلال الموالي أيضا في ~~نكاح المماليك و أيضا فيها دلالة على تملك المماليك لقوله " إن يكونوا ~~فقراء يغنهم الله من فضله " إذ الظاهر أنه راجع إلى الكل لا الأحرار خاصة، ~~فإنه خلاف الظاهر، نعم يمكن أن يقال غناهم وفقرهم باعتبار مواليهم وإذنهم ~~في التصرف في مالهم، وهو بعيد فتأمل. # الثانية: وليستعفف الذين لا يجدون نكاحا حتى يغنيهم الله من فضله (4). # في الكشاف وليجتهد في العفة وظلف النفس، كأن المستعفف طالب من نفسه ~~العفاف، وحاملها عليه " لا يجدون نكاحا " أي استطاعة تزوج، ويجوز أن يراد ~~بالنكاح ما ينكح به من المال " حتى يغنيهم الله " ترجئة للمستعففين، وتقدمة ~~وعد بالتفضل عليهم بالغنى ليكون انتظار ذلك وتأميله لطفا لهم في استعفافهم ~~وربطا على قلوبهم، وليظهر بذلك أن فضله أولى بالاعفاء وأدنى من الصلحاء، ~~وفيها دلالة على الصبر وطلب العفة إذا لم يجد ما ينكح به، حتى يعطيه الله ~~تعالى من فضله ما يتمكن معه من ذلك وإن كان قليلا، فالصبر والعفة إنما يرغب ~~فيهما بعد عدم وجدان ما يتمكن به من التزويج أصلا لا من يجد شيئا في ~~الجملة، فلا ينبغي طلب الصبر # PageV00P506 # والعفة ليجد مالا كثيرا أو يصير غنيا، ولهذا لا يجدون، ويحتمل أن ms448 يكون ~~معنى " حتى " غاية للاستعفاف، ويكون المراد بالنكاح الزوجة المناسبة بحاله. # وبالجملة على التقادير لا منافاة بين ما تقدم وهذه، إذ الأولى أمر ~~للأولياء بالانكاح وعدم جعل الخوف مانعا، وهذه ترغيب للأزواج بطلب العفة ~~حتى يغنيهم الله وأن يزوجوه ولكن له الأولى عدم ذلك، أو يكون المراد ~~بالثانية مجرد الإباحة والرخصة دون الرجحان والأولى أن يكون المراد هو عدم ~~الزوجة ونحو ذلك فتأمل ويحتمل أيضا أن يكون معناها وجوب الصبر والاستعفاف ~~بمعنى عدم التعدي والميل إلى السفاح، فكأنه قال: لا يسفح الذين لا يجدون ~~نكاحا حتى يغنيهم الله فتأمل. # الثالثة: وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء ~~مثنى وثلاث ورباع فإن خفتم أن لا تعدلوا فواحدة أو ما ملكت أيمانكم (1). # أي إن خشيتم أن لا تعدلوا بل تجوروا في يتامى النساء إذا تزوجتم بهن ~~فتزوجوا غيرهن ممن طاب لكم من النساء اللاتي لا تقدرون على عدم العدل ~~لعشيرتهن ونحوها، فتعدلوا بينهن ولا تقصروا في حقهن من المهر والنفقة، وروي ~~أنهم كانوا إذا وجدوا يتيمة ذا مال وجمال تزوجوها فربما يجتمع عند أحدهم ~~عدة منهن فيقصرون فيما هو واجب عليهم، فنزلت. وروي أيضا أنهم لما كانوا ~~يتحرجون عن اليتامى والتصرف في أموالهم خوفا من العقاب بعد أن عرفوا عظم ~~أمر اليتامى والتصرف في أموالهم ولا يتحرزون عن الجور في أمور النساء من ~~عدم التعديل والتقصير في المهر والنفقة، نزلت هذه الآية، أي إن خفتم من ~~العقاب وتحرجتم من اليتامى لذلك فينبغي أن تتحرزوا في أمور النساء أيضا عن ~~ترك ما هو واجب # PageV00P507 # عليكم لهن من الحقوق، فتزوجوا ما هو حلال طيب وتقدرون على العدل بينهن من ~~ثنتين أو ثلاثا أو أربعا أي عدد كانت من هذا العدد الجايز، وترك الواحدة ~~لعدم الاحتياج إلى القسط والعدل وإن احتاج إلى ملاحظة المهر والنفقة وهي ~~معلومة وقيل: كانوا يتحرجون من اليتامى ولا يتحرجون من الزنا فنزلت. # ثم اعلم أن التعبير عنهن بما للإشارة إلى قلة عقولهن وأن معنى " مثنى ms449 ~~وثلاث ورباع " أنكحوا الطيبات حال كونهن معدودات بهذا العدد ثنتين ثنتين، و ~~ثلاثا ثلاثا وأربعا أربعا، وهي معدولات منها فهي غير منصرفة بالعدل ~~التحقيقي والصفة فإنها بنيت للوصف فإن معنى مثنى مثلا الذي يكون ثنتين أي ~~تزوجوا أيها الرجال ثنتين ثنتين ثلاثا ثلاثا أربعا أربعا والخطاب للجميع أي ~~خذوا كل واحد منكم ثنتين أو ثلاثا أو أربعا أو مختلفا كما يقول اقسموا هذا ~~المال اثنين اثنين ثلاثة ثلاثة أربعة أربعة، ويراد قسمة المال على الوجه ~~المذكور، سواء كانت القسمة متفقة أو مختلفة وهي منصوبات على الحال عن مفعول ~~" فانكحوا " أو عن فاعله فيحتاج إلى التأويل ليحمل، ويحتمل غيرها ولو اختير ~~المفرد بأن يقول ثنتين وثلاثا وأربعا لدل على جواز الجمع دون التوزيع، ولو ~~قيل " أو " لدل على أحدها فقط دون الجمع فلا تجوز القسمة إلا على وجه واحد، ~~ولا يفهم جواز الجمع بين المذكورات، فيلزم تجويز أكثر من أربعة مثل ثمانية ~~عشر لشخص واحد، لما مر أن المتبادر من هذا الكلام عرفا هو القسمة بين ~~الجميع على الوجه المذكور على سبيل الاتفاق أو الاختلاف فلا يحتاج لذلك إلى ~~جعل الواو بمعنى أو، بل لا يصح لما مر، ولأنه يلزم تجويز الستة بل ثمانية ~~لشخص واحد، فإن الثلاث بمعنى ثلاثة ثلاثة، وكذا رباع. # " فإن خفتم " من العقاب في التعدد بعدم العدل " فواحدة " أي فانكحوا ~~واحدة لا غير، فإنها لا تحتاج إلى التعديل وكثرة المؤنة " أو ما ملكت ~~أيمانكم " واحدة أو متعددة فإنها لا تحتاج إلى التعديل مع الكثرة، ولا إلى ~~المهر والمؤنة مثل مؤنة الأحرار " ذلك أدنى ألا تعولوا " أي الواحدة من ~~الحرائر أو اختيار الإماء أقرب إلى أن لا تميلوا، من عال الميزان إذا مال، ~~أو أن لا تجوروا، من عال الحاكم في PageV00P508 # حكمه إذا جار، ومنه عول الفريضة، وفسر بأن لا يكثر عيالكم من عاله، فعبر ~~عن كثرة العيال بكثرة المؤنة على الكناية ويؤيده قراءة تعيلوا من أعال ~~الرجل إذا كثر عياله، فالمراد بالعيال الأزواج والأولاد، فهو بالنسبة إلى ms450 ~~الواحدة ظاهر، وأما بالنسبة إلى الإماء فإنه باعتبار عدم كثرة مؤنتهن، فهن ~~بمنزلة القليلة وإن كثرن وأنهن مظنة قلة الولد بالعزل وغيره. # ثم إنه لا يخفى ما يفهم من الآية الكريمة من وجوب التحرز عن المحرمات ~~بمجرد خوف الوقوع فيها، حيث قال " وإن خفتم ألا تقسطوا فانكحوا " وقال " ~~فإن خفتم " الآية، فتدل على كمال المبالغة في وجوب الاجتناب عن المحرمات، و ~~في ملاحظة العدل والقسط بين النساء بل مطلقا، فيكون المعنى إن خفتم من عدم ~~القسط في يتامى النساء بالمعنى الذي تقدم، فلا يباح لكم ذلك غير مضطرين، ~~فإن لكم أن تنكحوا فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع، عادلين ~~بينهن منفقين على العيال، وإن خفتم من عدم العدل وكثرة العيولة فانكحوا ما ~~لا يحتاج إليهما، فمقصود الآية تحريم عدم القسط، وما يؤل إليه، وإباحة ~~النكاح معه إلى أربع لا وجوبه على الظاهر، ويحتمل حمل الأمر بالتزويج على ~~الندب، للإجماع على عدم وجوب مثنى، بل الواحدة إلا في بعض الصور وحمله ~~بعيد، بل لا يمكن فتأمل بل استحباب الثنتين وما فوقهما أيضا غير ظاهر وكأني ~~رأيت عن الشيخ كراهة ذلك وسببها ظاهر، وفي الآية أيضا إشارة إليها فكأنه ~~للإباحة وعدم التحريم فتأمل. # قال في مجمع البيان: استدل بعض الناس على وجوب التزويج بقوله: # " فانكحوا " وهو خطأ لأنه يجوز العدول عن الظاهر بدليل، وقد قام الدليل ~~على عدم الوجوب، وأنت قد عرفت عدم الدلالة وإلا يلزم وجوب مثنى، وأن وجود ~~الدليل على عدم الوجوب، مثل الاجماع والخبر لا ينافي دلالته على الوجوب ~~ظاهرا إلا أن يقال: أنه قال به لذلك، فحينئذ يمكن أن لا يسلم وجود الدليل. # ويفهم أيضا أنه يجب الاجتناب عن جميع المحرمات فهو مؤيد لما ذكره سلطان ~~PageV00P509 # المحققين من عدم قبول التوبة عن بعض الذنوب دون البعض، ويفهم أيضا جواز ~~النكاح إلى أربع وتحريم الخامسة، وعدم حسن ترك النكاح بالكلية فإنه العزوبة ~~وأنها ترتفع بملك اليمين، ولا تحتاج إلى النكاح بالعقد، والكل موجود في ~~الأخبار وأنه ms451 لا يجب التعديل بين السراري، بل المنام عندهن وجواز العزل ~~عنهن وقلة مؤنة ما يحتاج إليه منهن. # ثم أوجب إعطاء مهور النساء فقال " وآتوا النساء صدقاتهن نحلة " (1) أي ~~عطية من الله تعالى لهن، وسمي بها مع كونه عوض البضع لاشتراك فوائد التزويج ~~فنحلة حال عن الصدقات، ويحتمل عن فاعل " آتوا " بمعنى ناحلين فكأنه عطية ~~منهم، وهو أظهر، ويحتمل كون نصبها على المصدر، فكأنه قال انحلوهن نحلة ~~فظاهرها يدل على وجوب المهر بمجرد العقد مطلقا، لأنه بالعقد تصير الزوجة ~~داخله في النساء، فيدل على أن الموجب للمهر هو العقد فقط، ولا دخل للدخول ~~ثم قد ينتصف بالطلاق وهو مذهب بعض الأصحاب بل على وجوب إعطائه حينئذ فكأنه ~~مقيد بطلب صاحبه كسائر الحقوق فيمكن أن يكون لها الامتناع حتى تأخذه فتأمل ~~فيه ويدل على أنه يجب الاعطاء من طيب النفس " فإن طبن " خطاب للأزواج أي ~~فإن طابت نفوسهن بهبة " لكم عن شئ منه " من صدقاتهن فتذكير الضمير باعتبار ~~المهر أو باعتبار الفرد المذكور فيها " نفسا " هو تمييز، وتنكير شئ يدل على ~~عمومه والظاهر أن هبة الكل أيضا كذلك إلا أنه ذكر للإشارة إلى أنه ينبغي ~~إعطاء البعض كما دل بعض الروايات على تقدم شئ من المهر " فكلوه " أي فكلوا ~~الموهوب لكم، ويحتمل أن يكون المراد التصرف والقبول مطلقا " هنيئا مريئا " ~~فالهنئ الطيب المساغ الذي لا ينغصه شئ، والمرئ المحمود العاقبة الذي لا يضر ~~ولا يؤذي، وقال في مجمع البيان: الصداق المهر، والنحلة العطية، وسمي النحل ~~نحلا لأن الله تعالى نحل منها العسل للناس، والهنئ شفاء من المرض، ويقال: # PageV00P510 # هنأني الطعام ومرأني أي صار لي دواء عاجلا شافيا، وفي كتاب العياشي ~~مرفوعا إلى أمير المؤمنين عليه السلام: جاء رجل فقال يا أمير المؤمنين إني ~~يوجعني بطني، فقال ألك زوجة؟ قال: نعم قال: فستوهب منها شيئا طابت به نفسها ~~من مالها، ثم اشتر به عسلا ثم أسكب عليه من ماء السماء ثم اشربه فإني سمعت ~~الله يقول في كتابه: # " وأنزلنا من السماء ماء مباركا ms452 " وقال " يخرج من بطونها شراب مختلف ~~ألوانه فيه شفاء للناس " وقال " فإن طبن لكم عن شئ منه نفسا فكلوه هنيئا ~~مريئا " فإذا اجتمعت البركة والشفاء والهنئ والمرئ شفيت إن شاء الله تعالى، ~~قال ففعل ذلك فشفي (1): # فدلت الآية على جواز أكل مهورهن بطيب أنفسهن، ولا يحتاج إلى الايجاب ~~والقبول بل مطلق التصرف في أموالهن بل أموال الناس أيضا بطيب النفس، فلا ~~يبعد سقوطها بالهبة كما وردت بل الرواية، فالهبة غير مخصوصة بالأعيان ~~كالصدقة على ما دل عليه قوله تعالى: " وأن تصدقوا خير لكم " والظاهر أنه ~~يجوز الابراء أيضا ولكن ينبغي قبول أيضا، وأن (2) في المهر شفاء، وفي الخبر ~~المذكور دلالة على عدم كراهة الاستيهاب من مال الزوجة مطلقا وإن كان الظاهر ~~أنه المهر فقط، وحصول الشفاء بل وبالعسل وبماء السماء. # الرابعة: " والذين هم لفروجهم حافظون " في جميع الحالات " إلا على ~~أزواجهم أو ملكت أيمانهم " (3) إلا حال تزوجهم أو تسريهم، أي يحفظونها عن ~~جميع ما أمر بالحفظ عنه ولا يحفظونها عن شئ أبيح بدليل، لعدم حسن الحفظ إما ~~وجوبا أو استحبابا أو إباحة فكما أن الحفظ عنه صفة حسن، فكذا عدم الحفظ عن ~~الزوجة والسرية، فلا ينبغي ترك التزويج خوفا من المعاش بل غيره، ولا ترك ~~التسري خصوصا باعتقاد أنه ليس بحسن لعدم حصول ولد مناسب، وكونه عارا كما ~~يفعله بعض الجهلة، وهو ظاهر. ويدل عليه غير هذه الآية أيضا من الآيات ~~والأخبار فافهم # PageV00P511 # ولهذا أكده ردا لهم بقوله " فإنهم غير ملومين " فيكون اللوم عليه حراما و ~~" على أزواجهم " في موضع الحال أي وألين على أزواجهم أو قوامين عليهن، ~~نظيره فلان على البصرة أي وال عليها، أو متعلق بمحذوف يدل عليه غير ملومين، ~~كأنه قيل يلامون إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين ~~عليهن فدلت على عدم حسن مباشرة جميع النساء إلا زوجته وأمته، بل كشف الفروج ~~عند غيرهما، والاستمتاع بغيرهما، حتى الاستمناء باليد وسائر البدن ~~وبالحيوانات وغيرها، وأكد ذلك بقوله " فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم ~~العادون ms453 " حتى فهم تحريمه. # وفي مجمع البيان: أي الظالمون المتجاوزون إلى ما لا يحل لهم أي من أراد ~~واحدة غير الأزواج المحللة والإماء على الوجه الشرعي فأولئك هم الكاملون في ~~العدول عن الحد الذي حده الشارع، سواء كانت الزوجة فوق الحد أم لا، ولا تدل ~~على تحريم المتعة لأنها زوجة وانتفاء بعض أحكامها مثل الإرث عند البعض ~~والقسمة لا تقتضي خروجها عن مسمى الزوجة، لأنها زوجة لغة بل شرعا أيضا كما ~~في بعض الدائمات أيضا مثل الناشزة والقاتلة. # قال في الكشاف فإن قلت: هل فيه دليل على تحريم المتعة؟ قلت: لا لأن ~~المنكوحة نكاح المتعة من جملة الأزواج إذا صح النكاح، وفيه اشعار إلى جواز ~~المتعة عنده وأن الآية دالة على جوازها، فإنه قال إنها زوجة. فتدخل تحت ~~المستثنيات فليزمه القول به إلا أن لا يقول بعمومها، بل يخصصها بالخبر، ~~ولكن لا بد حينئذ من الاتيان بخبر يمكن تخصيص القرآن المتواتر به. # وتدل على تحريم جميع المباشرة بجميع النساء غيرهما، فلا يصح بالهبة ~~والإجارة وغيرهما فيفهم من الآية عدم جواز التحليل أيضا لكن أكثر الأصحاب ~~بل نقل الاجماع قبل المخالف وبعده على جوازه الأخبار الصحيحة عن أئمتهم ~~عليهم السلام على ذلك، فسلموا الحصر في الآية وأدخلوا التحليل في أحدهما، ~~فبعض أدخله في التزويج، فإن المحللة متعة والتحليل تزويج وبعضهم أدخله في ~~الملك وجعل الملك PageV00P512 # أعم من المنفعة والعين، والتحليل تمليك منفعة والأول بعيد إذ ليس فيه ~~خواص المتعة من وجوب تعيين المدة والمبلغ والصيغة الخاصة، والثاني أيضا لا ~~يخلو عن بعد إذ الظاهر من الآية هو ملك اليمين لا الأعم ولهذا لا يحل تملك ~~المنفعة بغير وجه التحليل، على أن كون تمليك البعض مثل القبلة المحضة أو ~~اللمس أو النظر فقط غير واضح مع أنها تباح بالتحليل للنصوص الصحيحة، ~~وإدخاله في الملك أشكل وإدخال المستأجرة لجميع منافعها أولى منها، وهو ظاهر ~~فلا بد من التخصيص، و لكن لما ثبت التحليل فلا بد من التأويل وإن كان بعيدا ~~فيمكن جعله قسما آخر ms454 بنفسه، وتخصيص هذه الآية، فإنه غير عزيز على ما اشتهر ~~أنه ما من عام إلا وقد خص، حتى هذا. فتأمل. # الخامسة: والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم كتاب الله عليكم وأحل ~~لكم ما وراء ذلكم (1). # عطف على المحرمات مؤبدا أي حرم عليكم المحصنات أي المزوجات إلا ما ملكت ~~أيمانكم من السبايا فإنه يجوز وطيهن مع كونهن مزوجات لبطلان عقدهن بالسبي ~~والتملك، كما ورد في رواية أبي سعيد الخدري: أصبنا سبايا يوم أوطاس ولهن ~~أزواج فكرهنا نقع عليهن فسألنا النبي صلى الله عليه وآله فنزلت الآية (2) ~~أو ما ملكت الأيمان من الإماء المزوجات فإنه للمالك إبطال نكاحهن بمنع ~~أزواجهن وطيها بعد العدة إذا كان زوجها أيضا لمالكها بغير خلاف، ويدل عليه ~~الروايات مثل صحيحة محمد بن مسلم قال سألت الباقر عليه السلام عن قول الله ~~عز وجل " والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم " قال هو أن يأمر الرجل ~~عبده وتحته أمته فيقول اعتزل امرأتك ولا تقربها، ثم يحبسها حتى تحيض ثم ~~يمسها (3). # PageV00P513 # والآية تدل على جواز نكاح الإماء المزوجات لمالكها مطلقا والخبر خصصها ~~وبينها بل الاجماع أيضا، " وكتاب " مصدر لفعل محذوف أي كتب الله كتابا وفرض ~~فريضة عليكم وأحل الله ما وراء ذلك الذي تقدم من المحرمات، وهو عام مخصوص ~~بالمنفصل من الأخبار والاجماع كتحريم بنت الأخ وبنت الأخت على العمة ~~والخالة بغير رضاها وغير ذلك " أن تبتغوا " مفعول له بتقدير إرادة أي أحل ~~الله ذلك لإرادة أن تبتغوا " بأموالكم " إشارة إلى المهر بالرضا وعدم ~~الغصب، ويشعر بالمبالغة في المهر بأن يعطى، ويمكن إدخال شراء السراري أيضا ~~فيه " محصنين " معففين " غير مسافحين " السفاح الزنا " فما استمتعتم " فمن ~~تمتعتم " به منهن " من النساء المحللات المتقدمات " فآتوهن أجورهن " فيجب ~~عليكم أن تؤتوهن أجورهن التي وقع العقد عليها كسائر الأجراء " فريضة " أي ~~مفروضة، حال من الأجور أو مصدر فعل محذوف، أو صفة مصدر محذوف: أي إيتاء ~~مفروضا. # قال في مجمع البيان قيل المراد به نكاح المتعة وهو النكاح المنعقد بمهر ~~معين إلى ms455 أجل معلوم، عن ابن عباس والسدي وسعيد بن جبير وجماعة من التابعين، ~~و هو مذهب أصحابنا الإمامية وهو الواضح لأن لفظ الاستمتاع والتمتع وإن كان ~~في الأصل واقعا على الانتفاع والالتذاذ فقد صار بعرف الشرع مخصوصا بهذا ~~العقد المعين إذا أضيف إلى النساء، فعلى هذا يكون معناه فمتى عقدتم عليهن ~~هذا العقد المسمى المتعة، فآتوهن أجورهن ويدل على ذلك أن الله سبحانه علق ~~وجوب إعطاء المهر بالاستمتاع، وذلك يقتضي أن يكون هذا العقد المخصوص من دون ~~الجماع و الاستلذاذ، لأن المهر لا يجب إلا به. # هذا وقد روي عن جماعة منهم أبي بن كعب وعبد الله بن عباس وعبد الله بن ~~مسعود رضي الله عنهم أنهم قرؤا " فما استمعتم به منهن إلى أجل مسمى فآتوهن ~~" أجورهن " وفي ذلك تصريح بأن المراد به عقد المتعة، وقد أورد الثعلبي في ~~تفسيره عن حبيب ابن أبي ثابت قال أعطاني ابن عباس مصحفا فقال: هذا على ~~قراءة أبي فرأيت في المصحف " فما استمتعتم به منهن إلى أجل مسمى " وبإسناده ~~عن أبي نصر PageV00P514 # قال سألت ابن عباس عن المتعة فقال أما قرأت سورة النساء؟ فقلت: بلى، فقال ~~أما تقرأ " فما استمتعتم به منهن إلى أجل مسمى " قلت لا أقرأها هكذا قال ~~ابن عباس والله هكذا أنزله الله عز وجل ثلاث مرات، وبإسناده عن شعبة عن ~~الحكم بن عيينة قال سألته عن هذه الآية " فما استمتعتم به منهن " منسوخة ~~هي؟ قال: لا، قال الحكم قال علي بن أبي طالب عليه السلام: لولا أن عمر نهى ~~عن المتعة ما زنى إلا شقي، و بإسناده عن عمران بن حصين قال نزلت آية المتعة ~~في كتاب الله عز وجل ولم تنزل بعدها آية تنسخها فإنا أمرنا رسول الله صلى ~~الله عليه وآله فتمتعنا مع رسول الله صلى الله عليه وآله فمات عليه السلام ~~ولم ينهنا عنها، فقال رجل بعد برأيه ما شاء. # ومما أورده مسلم ابن حجاج في الصحيح حدثنا الحسن الحلواني قال: # حدثنا عبد الرزاق قال أخبرنا ابن ms456 جريح قال عطاء: قدم جابر بن عبد الله ~~معتمرا فجئنا منزله فسأله القوم عن أشياء ثم ذكروا المتعة، فقال: نعم ~~استمتعنا على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وأبي بكر وعمر (1). # ومما يدل أيضا على أن لفظ الاستمتاع في الآية لا يجوز أن يكون المراد به ~~الانتفاع والجماع أنه لو كان كذلك لوجب أن لا يلزم شئ من المهر من لا ينتفع ~~من المرأة بشئ، وقد علمنا أنه لو طلقها قبل الدخول، لزمه نصف المهر، ولو ~~كان المراد به نكاح الدائم للمرأة يلزم بحكم الآية جميع المهر بنفس العقد، ~~لأنه قال " فآتوهن أجورهن " أي مهورهن ولا خلاف في أن ذلك غير واجب، وإنما ~~يجب الأجر بكامله بنفس العقد في نكاح المتعة، وأنت تعلم أنه قد قيل بوجوب ~~المهر بمجرد العقد من أصحابنا أيضا بل هو المشهور كما مر إلا أنه ينتصف ~~بالطلاق، و لعل مراده وجوبه بحيث لا يسقطه شئ فحينئذ يرد عقد المنقطع أيضا ~~لأنه ينتصف إذا وهبت المدة قبل الدخول على المشهور وينبغي أن يقول يلزم ~~ثبوت المهر ووجوده دائما في عقد الدائم، وليس كذلك فإنه يجوز خلوه عن مهر، ~~ثم يلزم بالدخول # PageV00P515 # مهر المثل، ويمكن كونه مقصود مجمع البيان فتأمل. # ومما يمكن التعلق به في هذه المسألة الرواية المشهورة عن عمر بن الخطاب ~~أنه قال: متعتان كانتا على عهد رسول الله حلالا أنا أنهي عنهما وأعاقب ~~عليهما (1) فأخبر بأن هذه المتعة كانت على عهد رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وأضاف النهي عنها إلى نفسه لضرب من الرأي، فلو كان النبي نسخها أو نهى ~~عنها أو أباحها في وقت مخصوص دون غيره لأضاف التحريم إليه صلى الله عليه ~~وآله دون نفسه، وأيضا فإما ما فرق بين متعة الحج ومتعة النساء في النهي، ~~ولا خلاف في أن متعة الحج غير منسوخة ولا محرمة فوجب أن يكون حكم متعة ~~النساء حكمها. # " ولا جناح عليكم فيما تراضيتم به من بعد الفريضة " من قال: إن المراد ~~بالاستمتاع الانتفاع والجماع، قال: ms457 المراد به لا حرج ولا إثم عليكم فيما ~~تراضيتم به من زيادة مهر أو نقصانه أو حطه أو إبرائه، وقال السدي: معناه لا ~~جناح عليكم فيما تراضيتم به من استيناف عقد آخر بعد انقضاء المدة المضروبة ~~في عقد المتعة، يزيد الرجل في الأجر وتزيده في المدة، وهذا قول الإمامية، ~~وتظافرت به الروايات عن أئمتهم عليهم السلام (2). # قال القاضي: نزلت الآية في المتعة التي كانت ثلاثة أيام حين فتحت مكة ثم ~~نسخت كما روي أنه عليه السلام أباحها ثم أصبح يقول: يا أيها الناس أني كنت ~~أمرتكم بالاستمتاع من هذه النساء إلا أن الله حرم ذلك إلى يوم القيامة، وهي ~~النكاح الموقت بوقت معلوم سمي به المتعة إذ الغرض منه مجرد الاستمتاع ~~بالمرأة وتمتيعها بما يعطي، وجوزها ابن عباس رضي الله عنه ثم رجع عنه. # قال في الكشاف قيل: نزلت في المتعة التي كانت ثلاثة أيام حين فتح الله ~~مكة على رسوله، ثم نسخت، كان الرجل ينكح المرأة وقتا معلوما ليلة أو ليلتين ~~أو # PageV00P516 # أسبوعا بثبوت أو غير ذلك، ويقضي منها وطره ثم يسرحها، سميت متعة ~~لاستمتاعه بها أو لتمتيعه لها بما يعطيها، وعن عمر أنه لا أوتى برجل تزوج ~~امرأة إلى أجل إلا رجمتها بالحجارة، وعن النبي صلى الله عليه وآله أنه ~~أباحها ثم أصبح يقول إني أمرتكم بالاستمتاع من هذ النساء ألا إن الله حرم ~~ذلك إلى يوم القيامة، وقيل أبيح مرتين، وحرم مرتين وعن ابن عباس هي محكمة ~~يعني لم تنسخ، وكان يقرأ " فما استمتعتم به منهن إلى أجل مسمى " ويروي أنه ~~رجع عن ذلك عند موته، وقال " اللهم أني أتوب إليك من قولي بالمتعة وقولي ~~بالصرف ". # وبالجملة الذي يظهر أن الآية ظاهرة في المتعة والقراءة والمنقولة صريحة ~~في ذلك والاجماع واقع على أنها كانت جايزة، والروايات كذلك، فالكتاب والسنة ~~و إجماع الأمة متفقة على جوازها وقد اختلفت الأمة في بقائها والأصل ~~والاستصحاب وعدم دليل واضح على النسخ، وكونه على خلاف الأصل مع الخلاف في ~~جواز نسخ الكتاب ms458 بالسنة المتواترة، وعدم الاجماع مع عدم العلم بالتواتر ~~منا، وعدم جوازه بالخبر الواحد بالعقل والنقل من الاجماع وغيره، دليل ~~العدم. # ويؤيده عدم ورود خبر منقول صريح، والخلاف من كبار الصحابة مثل ابن عباس ~~وأبي ونقل بقائه إلى زمان عمر وإسناده التحريم إلى نفسه كما مر والروايات ~~من طرق أهل البيت عليهم السلام متواترة وأن رجوع ابن عباس عنه وتوبته بعيد ~~لأنه ما كان حراما بل كان قوله به واجبا حيث كان مسندا إلى دليل فكيف يصح ~~الرجوع عند الموت مع عدم ظهور دليل خلافة في حياته، ويبعد ظهور دليلة عند ~~الموت وكونه مخفيا عليه وعلى غيره حتى يمنعوه عنه إلى حين الموت، ومع ذلك ~~لا معنى للتوبة حيث كان قائلا بقول واجب، ولهذا ما نقل في غير الكشاف ~~والقاضي الرجوع (1). # وما تقدم من تفسيري مجمع البيان والثعلبي صريح في بقاء الجواز فقولهما ~~بالنسخ باطل لما عرفت من عدم ما يصلح له من عقل ونقل، كتابا وسنة، وإجماعا ~~لوجود الخلاف من الخاصة والعامة مثل السدي وسعيد بن جبير وجماعة من ~~التابعين # PageV00P517 # وابن عباس وكذا نقل رجوعه باطل، ومما يدل على بطلانه كونه عند الموت ~~والتوبة عنه، لما عرفت على أن في كلامهما اضطرابا فإنه يفهم تارة أنه ~~أباحها مرة ثم حرمها وتارة أنه كان مرتين وأنه أباحها ثم أصبح وقال إن الله ~~حرمها أبدا، فإنه يفهم منه أنه كانت يوما واحدا بل ليلة واحدة ويفهم أنه ~~كانت ثلاثة أيام مع أنه قال كان الرجل منهم يتمتع أسبوعا، وهل هذا إلا ~~تناقض واضطراب لرد ما أحل الله لقول عمر به، فتأمل ولا تقلد. # والحاصل أن الجواز كان يقينا بالكتاب والسنة وإجماع الأمة، ولا يزول إلا ~~بيقين مثله عقلا ونقلا من العامة والخاصة، وليس، فإنه لا يحصل إلا من ~~الدليل العقلي والكتاب والسنة والاجماع اليقينيات، ومعلوم عدمها " إن الله ~~كان عليما " بمصالح " حكيما " فيما شرع من الأحكام. # السادسة " ومن لم يستطع منكم طولا " أي من لم يجد قدرة وغنى، وأصله الفضل ~~والزيادة ومنه ms459 الطول " أن ينكح المحصنات المؤمنات " أي يتزوجها، وهو في ~~موضع النصب بطولا أو بفعل مقدر صفة له، أي ومن لم يستطع منكم قدرة يرتكب ~~بها نكاح المحصنات أو لم يستطع غنى يبلغ به نكاح المحصنات يعني الحرائر ~~المسلمات وظاهره العقد ويحتمل الوطي " فمما ملكت أيمانكم " أي فليتزوج منهن ~~أي من جنس ما ملكتم، فيريد إماء الغير، فإن التزويج لا يمكن إلا بها، ~~ويحتمل أن يكون المعنى فإن لم تقدروا على نكاح المسلمة الحرة فخذوا الإماء ~~سراري والنكاح حينئذ أيضا يحتمل المعنيين فتأمل " من فتياتكم المؤمنات " ~~يعني الإماء المسلمات. # وظاهر الآية يدل على جواز نكاح المسلمة الحرة للحر والعبد لعموم " من " ~~إلا أن يكون الخطاب للأحرار، وعلى عدم جواز وطي الكافر مطلقا كتابية وغير ~~كتابية حرة أو أمة للعبد والحر لقيد المؤمنات في الموضعين، ولكن بمفهوم ~~الوصف وما ثبت حجيته، فلا يعارض عموم الأدلة الحل ولا شك أنه أحوط وسيجيئ ~~تحقيقه وعلى جواز عقد الأمة مع عدم قدرة الحرة على الاحتمال الأول حرا كان ~~الناكح أو عبدا لعموم " من ". PageV00P518 # وقيل: على عدم جواز أخذ الحر الأمة بالعقد مع القدرة على الحرة، كأنه ~~بمفهوم الشرط الذي ثبت حجيته وفيه تأمل، لاحتمال أن يكون المراد المعنى ~~الثاني ولعدم صراحته في الشرط لأنه متضمن له، والمفهوم قد يكون معتبرا إذا ~~كان صريحا ولهذا قيد في بعض عبارة الأصوليين بمفهوم " إن " ولأن المفهوم ~~إنما هو حجة إذا لم يظهر للقيد فائدة غير نفي الحكم عن المسكوت، كما بين في ~~موضعه من الأصول وهنا وجه ظاهر، وهو الترغيب والتحريص على النكاح وعدم ~~الترك بوجه ولو كان بأمة، وإفادة أن الحرة أولى، فلا يترك إلى غيرها مهما ~~أمكن وهو ظاهر. # فالمعنى إن أمكن الفرد الأعلى والأفضل وهو نكاح المسلمة الحرة فهو مقدم ~~عقلا وشرعا على تقدير القدرة وإلا فالفرد الضعيف الغير الأولى وهو نكاح ~~الإماء وهو جار في مفهوم الصفة المذكورة أيضا وأيضا سوق الآية مشعر بأن ليس ~~المقصود ذلك فإن الظاهر أن المقصود من الآية هو ms460 الارشاد، لا الترتيب في ~~الحكم والأمر والنهي، ولهذا ما حملت على تعين النكاح الحرة المسلمة مع ~~القدرة، وتعين الأمة على تقدير العدم وأيضا لا شكل في عموم " من " للحر ~~والعبد، وأنه يجوز نكاح الأمة للعبد مع القدرة على الحرة بغير خلاف على ~~الظاهر، ولو كان المفهوم هنا حجة لزم عدم الجواز له أيضا فتأمل. # وبالجملة هذا المفهوم لا يعارض عموم أدلة الجواز مثل " أحل لكم ما وراء ~~ذلكم " فلا يخرج عنه إلا بدليل أقوى أو مثله، ويؤيده " والله أعلم بايمانكم ~~" يعني ما أنتم مكلفون إلا بظاهر الحال، فكل من يظهر الايمان فهو مؤمن ~~ومؤمنة عندكم واحكموا به فنكاحهما جائز، ولستم مؤاخذين بما في نفس الأمر ~~فإن ذلك لا يعلمه إلا الله، فلا يمكن تكليفكم به، " بعضكم من بعض " أي كل ~~منكم من ولد آدم فلا تابوا نكاح الإماء فإن المدار على الجنسية والايمان، ~~وأنتم لا تفاضل بينكم إلا بالايمان وهو أمر غير معلوم إلا لله. # ويؤيد الجواز أيضا بقوله " فانكحوهن بإذن أهلهن " أي تزوجوا من الفتيات ~~المؤمنات بإذن أهلهن وأمر ساداتهن، وفيها دلالة على عدم جواز العقد على ~~الأمة PageV00P519 # بغير إذن مولاها مطلقا، عقدا منقطعا ودواما سيدا وسيدة فينبغي تأويل ما ~~ورد في بعض الأخبار من جواز العقد المنقطع على أمة السيدة بغير إذنها، مع ~~عدم الصحة والصراحة وتمام تحقيقها في الفروع فراجعها، ويؤيده أيضا " ~~وأنكحوا الأيامى " الآية ويمكن فهم دلالتها على عدم اعتبار إذن الأمة حيث ~~شرط إذن الأهل فقط. # " وآتوهن أجورهن " أي أعطوهن مهورهن، ولعل المراد أهلهن فإنها مملوكة لهم ~~" بالمعروف " بطريق يقتضيه عرف الشرع، وهو ما وقع عليه التراضي والعقد، أو ~~مهر المثل إن لم يقع في العقد، وعلى وجه حسن دون مماطلة وقبح " ومحصنات " ~~أي تزوجوهن عفائف " غير مسافحات " زانيات " ولا متخذات أخدان " أي أخلاء في ~~السر، لأن الرجل كان يتخذها صديقة يزني بها، والمرأة كانت تتخذ صديقا فيزني ~~بها، وروى ابن عباس أنه كان قوم في الجاهلية يحرمون ما ظهر من الزنا ~~ويستحلون ما خفي ms461 منه فنهى الله سبحانه عن الزنا سرا وجهرا، فعلى هذا يكون ~~المراد بقوله: " ولا متخذات أخدان " غير زانيات جهرا وسرا كلها حالات ولعل ~~الفائدة الترغيب في المتصفة بهن لا عدم جواز غيرهن. # " فإذا أحصن " قرئ بضم الهمزة وكسر الصاد مبنيا للمفعول أي فإذا تزوجن ~~وأحصن وحفظن من الزنا بأزواجهن، وبالفتح للفاعل يحتمل أن يكون معناه أحصن ~~أنفسهن من الزنا بالتزويج كما يحتمل أن يقال ذلك في قراءة محصنات، و قيل: ~~أحصن أزواجهن من الزنا، وقيل أسلمن فأحصنهن الاسلام كما يحصنهن الأزواج " ~~فإن أتين بفاحشة " أي فإن زنين المحصنات من الإماء " فعليهن نصف ما على ~~المحصنات من العذاب " أي نصف ما على الحرائر من الحد في الزنا وهو مائة ~~جلدة ونصفها خمسون، لا الرجم إذ لا ينتصف فلا رجم على الإماء مطلقا بل ~~العبيد أيضا لعدمه. # فدلت على أن حد الزنا في المملوكة المحصنة هو خمسون ولكن لم يظهر حينئذ ~~للقيد بالاحصان والمملوكة وجه، فإنه بدونهما أيضا ذلك، على ما تقرر فالمعنى ~~الأول غير مناسب، فيحتمل الثاني إذ قد يقال لا زنا للكافرة للشبهة، ويحتمل ~~PageV00P520 # في الأول أيضا لأنها قد تقول تجوز الزنا مع عدم الزوج للاحتياج، وليس ~~بواضح إذ الشبهة مطلقا تتأتى ويسقط الحد إلا أنه قد يكون ورودها حينئذ أظهر ~~فتأمل، و يمكن أن يقال لما كان الكلام في الإماء وتوهم الرجم مع الاحصان ~~صرح بعدمه وتنصيف الجلد ويفهم الباقي من عدم القائل بالفصل والاجماع ~~والأخبار فتأمل. # " ذلك " إشارة إلى جواز نكاح الأمة " لمن خشي العنت منكم " أي الإثم الذي ~~يحصل بسبب الزنا لغلبة الشهوة وهو في الأصل انكسار العظم بعد الجبر، ~~فاستعير لكل مشقة ولا مشقة أعظم من الإثم، وعليه أكثر المفسرين، وقيل: ~~معناه لمن خاف الحد بأن يهويها ويزني بها فيحد، وقيل الضرر الشديد في ~~الدنيا والدين لغلبة الشهوة والأول أصح قاله في مجمع البيان، قيل: وهذه ~~أيضا تدل على تحريم نكاح الإماء مع إمكان العقد على الحرة، ولكن زيد له شرط ~~آخر، فهن يحرمن بدونهما، والجواز ms462 مشروط بهما: عدم الامكان وخوف العنت، وهو ~~قول بعض أصحابنا أيضا وقد عرفت عدم الدلالة على التحريم بالشرط الأول، وما ~~ذكرناه هناك مما يدل على الجواز. # ويؤيده قوله " وأن تصبروا خير لكم " أي صبركم عن نكاح الإماء واحتمال ~~الشدة بالصبر على العزوبة خير لكم من تزويجكم بها، والصبر على ما يحصل لكم ~~من معاشرتهن والعار وتحصيل الأولاد، وما يلحقهم من العار بسببكم ومن جهة ~~عدم اصلاحهن البيت كما دل عليه ما روي عنه صلى الله عليه وآله الحرائر ~~إصلاح البيت، و الإماء خراب البيت، فإن الظاهر أن المراد أن ترك التزويج ~~بالإماء بدون الشرطين خير فيجوز حينئذ فعله وتركه إذ لو كان المراد بعد ~~الشرطين، لا ينبغي الترك ولا يكون راجحا بل يجب التزويج حينئذ كما قال ~~الفقهاء إنه يجب النكاح إذا خاف الوقوع في الزنا، أو يحصل به ضرر لا يتحمل ~~مثله، ويستحب لو دعته نفسه. # بل قال الأكثر إنه مستحب مطلقا فلا يكون ترك التزويج بالإماء مع عدم ~~القدرة على الحرة وحصول الضرر، أو خوف الوقوع في الزنا خيرا، بل هو خير مع ~~عدمها بأن يتزوج بالحرة لما تقدم، وللترغيب على النكاح في الأخبار و ~~PageV00P521 # الآيات والاجماع، ويبعد تخصيصها بالحرة مع عدم إمكانها أيضا، والضرر أيضا ~~وهو ظاهر، ولهذا قال أكثر الفقهاء بالجواز مع الكراهة إلا مع الشرطين، وبها ~~يجمع بين الأدلة ويؤيدها رواية محمد بن مسلم قال سألت أبا جعفر عليه السلام ~~عن الرجل يتزوج المملوكة قال إذا اضطر إليها فلا بأس، ومرسلة ابن بكير عن ~~الصادق عليه السلام لا ينبغي أن يتزوج الحر المملوكة الحديث (1). # " والله غفور رحيم " يغفر ذنوب عباده تفضلا وكرما أو بالتوبة ولعله إشارة ~~إلى عدم يأس من تعدى عن الحدود المتقدمة من رحمة الله وأمر بالتوبة والرجاء ~~والطمع. # (النوع الثاني) * (في المحرمات) * وفيه آيات: # الأولى: " ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم " (2) يحتمل تحريم العقد على امرأة ~~عقد عليها الأب وهو الظاهر من النكاح، فإنه حقيقة فيه على ما قيل، ويحتمل ~~الوطي مجازا أو ms463 بالاشتراك، ويحتمل حمله على الأعم عموم مجاز أو عموم اشتراك ~~فيحرم الوطي والعقد على الابن لمن عقد عليها الأب أو وطئها بالملك فيشمل ~~الزوجة والسرية ولكن الفهم مشكل لأنه لا يخلو عن إجمال، فالعمدة هو الاجماع ~~والأخبار فالظاهر عدم الخلاف في جواز نظر الابن إلى امرأة أبيه وسريته و " ~~من النساء " بيان " ما ". # " وإلا ما قد سلف " يحتمل كونه منقطعا أي لا يجوز لكم نكاح ما نكح آباؤكم ~~ولكن ما نكحتم قبل الاسلام فهو جائز، ومتصلا باعتبار اللازم أي تعاقبون على ~~نكاح ما نكح آباؤكم إلا النكاح الذي سلف قبل نزول هذه الآية فإنه لا عقاب ~~على ذلك # PageV00P522 # فإنه فعل في زمن الجاهلية فلا ينافي ما نقل في القاضي أنه ما كان جايزا ~~في أمة أصلا كما يدل عليه قوله: " إنه كان فاحشة ومقتا " علة للنهي أي ~~نكاحهن كان فاحشة عند الله وموجبا للمقت والبغض وما رخص فيه أمة من الأمم، ~~وساء سبيلا " أي بئس طريق من يقول به أو يفعله. # وقد ذكر في سبب النزول وجود ذلك فعلم تحريمه بالآية، ويحتمل أيضا أن يكون ~~من قبيل " ولا يذوقون فيه إلا الموتة الأولى " (1). # ولا عيب غير أن سيوفهم * بهن فلول من قراع الكتائب ولا عيب فيه إلا أنه ~~من قريش، للمبالغة والتأكيد. # الثانية: " حرمت عليكم أمهاتكم " (2) الظاهر أن المراد تحريم نكاحهن لما ~~تقدم وتأخر وللتبادر من مثله كتبادر الأكل في " حرمت عليكم الميتة " ولعدم ~~تحريم الذات والنكاح أولى ما يمكن تقديره، والأم امرأة رجع نسبك إليها ~~بالولادة بغير واسطة أو بواسطة الأب أو الأم " وبناتكم " البيت امرأة رجع ~~نسبها إليك بالولادة بواسطة أو بلا واسطة " وأخواتكم الأخت امرأة ولدها ~~وولدك شخص بغير واسطة " وعماتكم " والعمة امرأة ولدها وولد أباك أو أبا ~~أبيك أو أبا أمك بالغا ما بلغ شخص " وخالاتكم " والخالة مثل العمة إلا أن ~~النسبة هنا إلى الأم بمنزلة الأب هناك " وبنات الأخ وبنات الأخت " يعلمان ~~مما سبق إذ بعد العلم بالأخ والأخت والبنت يعلم بناتهما وهو ظاهر. وفي ms464 ~~الآية دلالة على أن إطلاق البنت والأم والعمة والخالة وبنت الأخ وبنت الأخت ~~على هؤلاء إذا كانت بواسطة أو بلا واسطة حقيقة وهو خلاف ما اشتهر من أن ~~الاطلاق على الأول حقيقة وعلى غيره مجاز. # والظاهر أن المراد تحريم العقد لأنه حقيقة فيه، ويعلم الوطي بالطريق ~~الأولى، ويحتمل إرادتهما، هذا هو التحريم النسبي والظاهر أن لا خلاف بين ~~الأمة فيها، وفي كونها لشبهة أو عقد صحيح في نفس الأمر أو عند الفاعل وأما ~~الحاصلة # PageV00P523 # بالزنا فالظاهر عدم الخلاف عند الأصحاب في ذلك أيضا، وأنه لا خلاف حينئذ ~~في جواز النظر واللمس والتقبيل بغير شهوة إلا على العورة وكلام الأصحاب في ~~ذلك غير مفصل ويحتمل أن يكون كذلك بالنسبة إلى المحرمات الغير النسبية أيضا ~~كالمصاهرة، ويحتمل الاقتصار على جواز النظر إلى الوجه وما يتعسر التحرز عنه ~~مثل اليد والرجل وأما النظر إلى أطفال الأجانب وعورتهم ومباشرة من يباشر ~~ذلك فكلام الأصحاب في ذلك أيضا مجمل غير مفصل، فيمكن جواز ذلك إلا محل ~~الشهوة والريبة، واللذة المطلوبة ومباشرة العورة مع الحاجة والاجتناب أحوط ~~مهما أمكن. # " وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم وأخواتكم من الرضاعة " إشارة إلى المحرمات ~~بالسبب والرضاع أقوى سبب لأنها لحمة كلحمة النسب، ويحرم من الرضاع ما يحرم ~~من النسب (1) قال في الكشاف إلا في مسئلتين: إحداهما أنه لا يجوز للرجل أن ~~يتزوج أخت ابنه من النسب ويجوز أن يتزوجها من الرضاع [لأن المانع في النسب ~~وطي أمها، وهذا المعنى غير موجود في الرضاع] والثانية أنه لا يجوز أن يتزوج ~~أم أخيه من النسب، ويجوز من الرضاع، لأن المانع وطي الأب إياها وهو غير ~~موجود في الرضاع. # ولا يحتاج إلى هذا الاستثناء بالحقيقة، لأن معنى يحرم من الرضاع ما يحرم ~~من النسب أن كل من يحرم ويكون سبب تحريمه النسب وأحد أسبابه السبعة ~~المذكورة يحرم ذلك بالرضاع إذا وجد ذلك السبب بعينه فيه، مثل الأم الرضاعية ~~والأخت كذلك ومعلوم انتفاء ذلك في المسألتين لأن أخت الابن إن كانت من ~~الرجل فهي بنته وإلا ms465 فهي ربيبته فتحريمها بالمصاهرة لا بالنسب، وكذا أم ~~الأخ فإنها أم أو زوجة الأب، ومعلوم انتفاؤهما من الرضاع وعدم تحريم ما ~~يحرم بالمصاهرة بالرضاع، وكأنه أشار إليه بقوله " لأن المانع الخ ~~فالاستثناء ظاهري فالتي تحرم بالرضاع بالكتاب هي الأم والأخت، وكأن الباقي ~~يحرم # PageV00P524 # بالإجماع والأخبار، والاعتبار. # ولكن للتحريم شروط: كون الرضاع في مدة الحولين لرضاع المرتضع، و كون ~~الشرب بالمص من الثدي والمقدار المعين، وفي أكثر الأخبار أنه ما أنبت اللحم ~~وشد العظم، ولكن العلم به مشكل، وفي بعض الروايات ما يدل على أنه يحصل ~~باليوم والليلة وفي بعض بخمسة عشر رضعة وفي بعضها بعشر رضعات بشرط عدم ~~الفصل بلبن غيرها، وفي بعضها مرة وتمام التفصيل في الكتب الفقهية. # والأصل وبعض الآيات والأخبار دليل الجواز، فلا يعدل عنها إلا بدليل وهذه ~~الآية لم تدل على أن مجرد صدق الرضاع يكفي لأنه قيد بكونها أما من الرضاع ~~وأختا، ولم تعلم التسمية بمجرد صدق أنه أرضعت وارتضعت، فالاستدلال الحنفية ~~ونحوها بها على أن مجرد صدق الرضعة لغة كاف مدخول، ولو كان كذلك لكان ~~الاكتفاء بقوله " واللاتي أرضعنكم " أولى، نعم يحرم ما كمل له يوم وليلة ~~وخمسة عشر بالإجماع وبعض الأخبار، وبقي الباقي تحت الجواز، وهو المذهب ~~المشهور، وأكثر الأصحاب عليه، ويحمل غيرها على تقدير الصحة على العلم ~~بالانبات أو استحباب الاجتناب جمعا بين الأدلة فتأمل فيه. # " وأمهات نسائكم وربائبكم اللاتي في حجوركم من نسائكم اللاتي دخلتم بهن " ~~إشارة إلى المحرمات بالمصاهرة، وهي أم الزوجة وبنتها التي يربيها الزوج ~~والمراد بها بنت الزوجة مطلقا، سميت بها وقيدت بالحجر لتربيته إياها غالبا، ~~و للإشارة إلى أنه ينبغي له تربيتها وحفظها في حجره حتى لا تضيع، وهما عطف ~~على " أمهاتكم " أو على ما عطف عليها، قوله " من نسائكم " قيد للربائب على ~~الظاهر أي الربيبة المحرمة هي التي كانت من الزوجة التي دخلتم بها فمن ~~للابتداء، فلا تحرم حينئذ بنت الزوجة إلا إذا كانت أمها مدخولا بها لقوله " ~~التي دخلتم بهن " و لقوله " فإن لم تكونوا ms466 دخلتم بهن الخ " وحينئذ تحرم ~~جمعا لدليل آخر، فإذا فارق الأم يجوز النكاح للبنت بخلاف العكس فإنه تحرم ~~الأم أبدا لأنه غير مقيد بالدخول فبمجرد العقد على البنت تحرم الأم لعموم ~~تحريم الأم من دون القيد. PageV00P525 # والدليل على أن " من نسائكم " قيد للربائب لا لنسائكم ما ثبت في الأصول ~~أن ما يعقب الجمل من الصفة والاستثناء وغيرهما قيد للأخيرة، وظهور كونه ~~قيدا لها وعدم ظهور كونه قيدا للأولى، مع وجود التحريم، وتقييده بلا دليل ~~غير جايز، و مجرد صلاحيته واحتماله له ليس بموجب ذلك وهو ظاهر، وعدم إمكان ~~كونه قيدا لهما إذ يلزم تعليقه بالموضعين، وجعله بالمعنيين البيانية ~~والابتدائية، وهو غير ممكن وإن أمكن استعمال لفظ مشترك بمعنيين مجازا، أو ~~حقيقة لعدم إمكان تعليقه بالموضعين وجعله قيدا لهما في التركيب إلا بالحذف ~~وهو خلاف الأصل والظاهر، والحاصل أنه لا شك في أن تقييد الأولى خلاف الأصل ~~والظاهر، فلا بد له من دليل موجب و ليس في الآية، نعم في بعض الروايات ~~الصحيحة دلالة صريحة على ذلك فلا بد إما تأويله أورده، حيث إنه معارض بمثله ~~وظاهر الآية، أو تقييد الآية وتخصيصها بتلك الأخبار لعدم صحة معارضها من ~~الأخبار وجواز تخصيص القرآن بالخبر الصحيح [الصريح] فالمسألة مشكلة، وتمام ~~التفصيل في الكتب الفقهية. # وفي قوله تعالى " ما كان محمد أبا أحد من رجالكم " (1) أي البلغ من غير ~~أهل البيت فلا يرد أبوته لهم، دلالة على أن ما ثبت بين الأب والولد من ~~تحريم المصاهرة وغيره ليس بمتحقق بينه صلى الله عليه وآله وبين أمته، بل له ~~حق الأبوة وأعظم، نعم ثبت بين زوجاته فقط والمسلمين التحريم بقوله " ~~وأزواجه أمهاتكم " وغيره من الاجماع والأخبار حتى لا يحرم بناتهن على ~~المسلمين فليست الأمومة أيضا حقيقية بل المراد مجرد التحريم وهو ظاهر، وإلا ~~يلزم التعدي في جميع الأفراد وفي قوله " فإن لم تكونوا دخلتم بهن فلا جناح ~~عليكم " دلالة ما على عدم اعتبار مفهوم القيود فافهم. # والظاهر أن المراد بالنساء هو المعقود عليهن مطلقا، فلا ms467 يشمل السرية فكأن ~~تحريم أمها وبنتها بغير الآية من الاجماع والرواية والقياس، والظاهر أن ~~المراد بالأم والربيبة أعم من أن يكون بواسطة أو بغير واسطة فيشمل الجدة ~~وبنت # PageV00P526 # البنت بل بنت الابن أيضا لأنها بنت للمرأة كبنت البنت كما تقدم، وكما يدل ~~عليه أيضا قوله " وحلائل أبنائكم الذين من أصلابكم " فإن الظاهر أن لا خلاف ~~في أن المراد بالابن هنا أعم منه ومن ابن الابن، ومن ابن البنت أيضا، ~~والحلائل جمع حليلة وهي التي حل وطئها فيشمل المعقود عليها مطلقا والسرية ~~أيضا ولكن الظاهر أنها مقيدة بوطئها، ويحتمل بالنظر إلى العورة أو فعل ما ~~يحرم على غير المالك من القبلة ولمس الجلد بشهوة كما في الابن ولا يكفي ~~مجرد جواز الوطي فإن للأب وطئ مملوكة الابن كالعكس، ويحتمل العدم إذا كانت ~~متخذة للتسري دون الخدمة، ولعل ظاهر الآية يشملها فتأمل. # فدلت هذه على أن الابن بواسطة هو ابن الصلب، فالاحتراز بقيد الصلب عن ~~الولد المتبني الذي يأخذه الانسان ابنا ويسميه به للشفقة والمحبة، ولكونه ~~ابن زوجته، ونحو ذلك، فإنه لم يصر بذلك ابنا حقيقة. # " وأن تجمعوا بين الأختين " أيضا عطف على المحرمات وفائدة زيادة الجمع أن ~~التحريم هو الجمع لا الأفراد، فمع مفارقة إحداهما يجوز أخذ الأخرى ووجه " ~~إلا ما قد سلف " سلف " إن الله كان غفورا رحيما " إشارة إلى عدم يأس من ~~تعدى عن حدود الله من رحمة الله، فإن الله كان غفورا رحيما من قبل وبعد ~~ودائما، فيتجاوز عنه بالتوبة والعفو والكرم. # الثالثة: " ولا تنكحوا المشركات " (1) النكاح لغة الوطي والعقد أيضا فقيل ~~بالاشتراك اللفظي، وقيل حقيقة في الثاني ومجاز في الأول، وقيل بالعكس ~~والأكثر على أنه بمعنى العقد، وقال في الكشاف إنه ما جاء في القرآن إلا ~~بمعنى العقد، وأول ما يدل عليه، أي لا تتزوجوا وقرئ بضم التاء، أي لا ~~تزوجوا يا معشر المسلمين المشركات أي الكافرات مطلقا كتابية وغيرها، فإن ~~الكتابي يقال له أيضا مشرك بدليل قوله تعالى " وقالت اليهود عزير ابن الله ~~وقالت النصارى المسيح ms468 بن الله " إلى قوله " سبحانه عما يشركون " (2) كذا في ~~الكشاف والقاضي وغيرهما، وفي # PageV00P527 # الدليل نظر تقدم وسيجيئ، ويمكن أن يستدل كما قيل بقوله تعالى: " إن الله ~~لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء " (1) فافهم. # وقال في الأول: هي منسوخة بقوله " والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب " ~~وسورة المائدة ثابتة لم ينسخ منها شئ قط وهو إشارة إلى ما روي عنه صلى الله ~~عليه وآله أنها آخر ما نزلت فحللوا حلالها وحرموا حرامها، وفيه نظر فإن ~~التخصيص خير من النسخ على تقدير التنافي والإمكان وهو ظاهر ولأنها ليست ~~بمرفوعة بالكلية حتى تكون منسوخة ولهذا قال القاضي: ولكنها خصت بقوله " ~~والمحصنات الخ " وأما أصحابنا فبعضهم موافق للقاضي وبعضهم لا يجوز نكاح ~~الكتابيات مطلقا، ويؤول آية المائدة كما في مجمع البيان، وأسند ذلك إلى ~~الأصحاب، وقال هو مذهبنا وسيجئ في محله وبعضهم يخص جواز نكاح الكتابيات ~~بالمنقطع دون الدوام، وسيجئ البحث عن ذلك في تفسير آية المائدة. # " حتى يؤمن " أي يصدقن بالله ورسوله ويسلمن " ولأمة مؤمنة " أي لامرأة ~~مسلمة حرة كانت أو مملوكة " خير من مشركة " وكذا " ولعبد مؤمن خير من مشرك ~~" فإن الناس كلهم عبيد الله وإماؤه، كذا في تفسير الكشاف والقاضي، وهو خلاف ~~الظاهر إذ الظاهر المعنى العرفي من الأمة والعبد، وأيضا لا مبالغة فيه ~~حينئذ والظاهر أنها المقصود والأولى " ولو أعجبتكم " وإن كان الحال أن ~~المشركة تعجبكم وتحبونها لمالها أو لجمالها وخلقها وحسنها ونسبها، فلو ~~بمعنى إن كما قاله القاضي والجملة حالية، والغرض الحث على المنع من ~~المخالطة وإنكاح المشركات، وكذا الكلام في الجملة الثانية وهي قوله تعالى " ~~ولا تنكحوا المشركين حتى يؤمنوا ولعبد مؤمن خير من مشرك ولو أعجبكم " ولهذا ~~علله بقوله " أولئك " فإنه بمنزلة التعليل بأن المشركين والمشركات " يدعون ~~إلى النار " فلا ينبغي مخالطتهم، فلا يجوز مناكحتهم فإنه قد يأخذ أحد من ~~دين صاحبه، فإنه دايما يدعوه إلى سبب دخول النار وهو الكفر والمعاصي، ~~والشيطان يعينه على ذلك ويروجه، وأولياء الله وهم المؤمنون # PageV00P528 # يدعونه إلى ms469 سبب دخول الجنة والمغفرة، وهو الايمان والطاعة، فهم الذين تجب ~~مودتهم ومواصلتهم ومصاهرتهم، فالمضاف محذوف كما قالا فيهما. # " والله يدعوا إلى الجنة والمغفرة " يعني بين دعوتهم ودعوة الله منافاة ~~فلا ينبغي أن يصاهروا ولا يكون بينهم وبين المؤمنين إلا القتال والعداوة لا ~~المحبة اللازمة بين الزوجين، فلا يحتاج إلى حذف كما فعله في مجمع البيان. " ~~بإذنه " أي بتيسير الله وتوفيقه للعمل الذي يستحق به الجنة والمغفرة " ~~ويبين الله آياته " أي حججه وقيل أوامره ونواهيه، وما أباحه وما حرمه " ~~للناس لعلهم يتذكرون " لكي يتعلموا ويتذكروا ويتعظوا، وليكونوا بحيث يرجى ~~منهم التذكير لما تقرر في العقول من الميل إلى الخير، ومخالفة الهوى، قاله ~~القاضي وهو مناسب للحسن العقلي لا الشرعي. # ثم اعلم أن الكلام في استنباط الأحكام أن يقال: ظاهرها دال على تحريم ~~التناكح بين المسلم والكافر الذي هو المشرك الحقيقي وشمول المشرك للكتابي ~~الذي يقول بوحدانية الواجب غير ظاهر لغة وعرفا، لكون القول بأن لله ابنا لا ~~يستلزم الشرك الحقيقي، وإطلاقه عليهم في الآية السابقة لا يستلزم كونه ~~حقيقة فيهم أيضا حتى يرادوا منه مطلقا، وأيضا لا تشمل جميع غير المشرك ~~الحقيقي من أصناف من يحكم بكفره، والأصل وعموم أدلة النكاح يدل على الجواز ~~ولا يمنعه عدم جواز تزويج المسلمة بالكافر مطلقا إجماعا ولا يستلزم ذلك ~~كونه مستفادا من هذه الآية وعلى تقدير التسليم لا يستلزم عموم المشركات، ~~وآية المائدة ظاهرة في الجواز فانتظر زيادة التحقيق هناك. # وأن يقال: إنها تدل على عدم جواز نكاح المشركة لو صارت كتابية لقوله " ~~حتى يؤمن " حيث جعل غاية التحريم الايمان، فلو كان تلك أيضا غاية فلا تصير ~~الغاية غاية، ولا يبعد دلالتها على عدم تقدير الوثنية على دين الكتابية، ~~وإلا لكان ينبغي جواز نكاحها على تقدير جواز نكاح الكتابية، وأنها تدل على ~~جواز نكاح المخالفة من أنواع المسلمين لكون الايمان بمعنى الاسلام على ما ~~يظهر من التفاسير PageV00P529 # وهو الظاهر، ولعدم التكليف بأكثر من الاسلام في أوائل الاسلام، وكذا ~~تزويج المؤمنة بالمخالف لما مر، ويدل ms470 عليه أيضا بعض الروايات ومنعه أكثر ~~الأصحاب ويدل عليه بعض الروايات ويمكن الجمع بحمل أخبار المنع على تقدير ~~المنافاة على الكراهة أو على الناصب الكافر، وأنها تدل على جواز تزويج ~~الأمة مطلقا كما تدل على عدم جواز وطي الكافر بالملك أيضا إذا حمل النكاح ~~على الوطي ولكن ذلك بعيد، وخلاف الظاهر، فالاقتصار عليه بعيد، وإن أمكن ~~وحصل منع وطي الكافرة مطلقا لكن ما يحصل منع العقد وإطلاقه عليه وعلى العقد ~~أيضا بعيد مع عدم ظهور معنى مشترك بينهما يصلح للإرادة هنا، وأنها تدل على ~~تحريم التزويج لنفس الزوج والزوجة ولوليهما. # * (النوع الثالث) * * (في لوازم النكاح) * وفيه آيات: # الأولى: " وإن أردتم استبدال زوج مكان زوج " (1) أي إن أردتم مفارقة زوجة ~~وتزويج أخرى " وآتيتم إحداهن " التي تريدون مفارقتها، الضمير للزوج، وهو ~~الزوجة أي الجنس فيصح إرجاع ضمير الجمع إلى الجنس باعتبار المعنى " قنطارا ~~" مالا كثيرا قيل: إنه مسك ثور ذهبا أو دية انسان " فلا تأخذوا منه شيئا ~~أتأخذونه بهتانا وإثما مبينا " استفهام إنكار أي لا تأخذوه باهتين وآثمين ~~أو للبهت والإثم فإن أخذه ظلم وباطل، وإثم واضح، والبهتان هو الكذب المواجه ~~به صاحبه على وجه المكابرة له، وأصله التحير من قوله " فبهت الذي كفر " أي ~~تحير لانقطاع حجته فالبهتان كذب يحير صاحبه لعظمه " وكيف تأخذونه وقد أفضى ~~بعضكم إلى بعض " إنكار وتعجب وتعظيم لما فعلوا، والافضاء الوصول إلى شئ ~~بالملامسة، قيل هنا كناية عن الوطئ وقيل المراد به الخلوة الصحيحة، وقال في ~~مجمع البيان: كلاهما # PageV00P530 # مرويان عندنا، والمراد تقدير المهر ولزومه بحيث لا يرجع إليه شئ، وذلك لم ~~يكن إلا بعد الوطي على المشهور " وأخذن منكم ميثاقا غليظا " أي أخذت ~~الزوجات منكم عهدا وثيقا بالعقد وأحكم لوازمها بالوصية مرارا، مثل قوله " ~~فأمسكوهن بمعروف " و " إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان " (1) وعدم التجاوز عن ~~مطلق حدود الله وارتكاب المأمورات واجتناب المعاصي. # فالآية دلت على لزوم المهر بالوطئ دون غيره بمعنى أنه لا يرجع إلى الزوج ~~منه شئ أصلا بالطلاق والفسخ، وعلى الرواية الأخرى الخلوة ms471 مثل الوطئ، و ~~الأول أشهر، فلا ينافي ما تقدم من أن المهر لازم بمجرد العقد، وفيها دلالة ~~ما على رجوع الشئ إلى الزوج بالطلاق قبل الوطي والافضاء، ويحتمل دلالتها ~~على عدم جواز الرجوع في الهبة وغيرها للزوج لعموم الآية وتدل على جواز ~~الغلا في المهر مهما وقع عليه التراضي كما دل عليه السنة، وكأنه على غير ~~المهر حملها السيد حيث ذهب إلى عدم جواز الزيادة عن مهر السنة، وهو بعيد ~~عنه، لأنه خلاف ظاهر الآية، والسنة الشريفة، والعقل، أو أنه يقول لا يجوز ~~ولكن يلزم بالعقد والوطئ وهو أيضا بعيد، ويمكن حمل كلامه على الاستحباب. # فمنع عمر من غلاه وجعل الزائد في بيت المال لا وجه له، وإن كان للأول وجه ~~كما قلنا للسيد، ولكن لا وجه للثاني وكأنه لذلك جعل من مطاعنه، أو لكونه ~~خليفة وإماما ففرق بينه وبين السيد ولقبوله اعتراض المرأة ولقوله كل الناس ~~أفقه من عمر قال في الكشاف: وعن عمر أنه قام خطيبا فقال أيها الناس لا ~~تغالوا بصدق النساء إذ لو كانت مكرمة في الدنيا أو تقوى عند الله لكان ~~أولاكم بها رسول الله صلى الله عليه وآله فإنه ما أصدق امرأة من نسائه أكثر ~~من اثنتي عشر أوقية فقامت إليه امرأة فقالت له لم تمنعنا حقا جعله الله ~~لنا، والله يقول " وآتيتم إحداهن قنطارا " الآية فقال عمر: كل أحد أعلم من ~~عمر، ثم قال لأصحابه تسمعونني أقول مثل هذا فلا تنكرونه علي حتى ترد # PageV00P531 # على امرأة ليست من أعلم النساء (1). # ثم إنه لا شك في عدم جواز أخذ ما أعطى من المهر بعد الدخول بوجه، سواء ~~أراد الزوج الاستبدال أم لا، فذكر الاستبدال يحتمل لكون العمل ذلك وقت ~~نزولها ولكونه محل الأخذ حيث آتاها مهرا وقد طلقها، وأراد بدلها أخرى، وهي ~~تحتاج إلى مهر، والمهر إنما يكون لدوام الاستمتاع، وما استمتع إلا في بعض ~~الزمان، ولكونه يلزم منه عدم الجواز مع عدم الاخراج والاستبدال بالطريق ~~الأولى وبالجملة هنا لا يتوهم اعتبار المفهوم لعدم ms472 شرط حجيته والعمل به، ~~وهو ظاهر فتأمل. # الثانية: لا جناح عليكم إن طلقتم النساء ما لم تمسوهن أو تفرضوا لهن ~~فريضة (2). # أي لا تبعة عليكم في مهر وما وجب عليكم - بقرينة وجوبه فيما يقابله وهو ~~قوله " وإن طلقتموهن " حيث أوجب نصف المهر فدل على أن المنفي أولا هو ~~المثبت ثانيا - إن طلقتم النساء قبل المس والوطي وقبل فرض المهر فيكون " أو ~~" بمعنى الواو، وقد يدل عليه " وقد فرضتم " أو يكون " أو " بمعنى " إلا أن ~~" أو " حتى " كذا في التفسيرين، وفيه تأمل إذ على الأول المناسب فرضتم وعلى ~~الثاني يلزم تجويز الفرض ولزوم شئ به بعد الطلاق قبل المس وهو باطل، ويحتمل ~~أن يكون المراد نفي الإثم كما في قوله تعالى " فلا جناح عليه أن يطوف بهما ~~" مع تأويلات، أو تفرضوا وبدونها ويحتمل حينئذ أن يكون عديل " أو " محذوفا، ~~فالتقدير إن لم تفرضوا لهن فريضة أو تفرضوا وهو أيضا خلاف الظاهر مع عدم ~~ظهور فائدة التقييد بقبل المس فإنه بعده أيضا لا إثم إلا أن يقال إنه لا ~~إثم حينئذ مطلقا بخلاف ما بعد المس أو يقال إنه لدفع تخيل أنه لما لم يحصل ~~فائدة النكاح لم يجز الطلاق # PageV00P532 # ويمكن الحمل على الأعم وارتكاب خلاف الظاهر في القرآن لدليل غير عزيز. # والمراد بالفرض تعيين المهر قبل الدخول والطلاق " ومتعوهن " كأنه عطف على ~~محذوف أي فطلقوهن ومتعوهن " على الموسع قدره " بفتح الدال وسكونها المقدار ~~الذي يليق بحاله والموسع الغني الذي وسعت معيشته عليه وحاله " وعلى المقتر ~~قدره " أي الفقير الذي تضيق معيشته أي الواجب عليهما ما يناسب حالهما " ~~متاعا بالمعروف " يعني تمتيعا بالوجه المعروف شرعا وعرفا بحسب المروة " حقا ~~" يعني تمتيعا حقا واجبا ثابتا أو حق ذلك حقا " على المحسنين " أي الذين ~~يريدون أن يحسنوا إلى أنفسهم باخراجها عن المعاصي بفعل الواجبات، وترك ~~المحرمات أو إلى المطلقات باعطائهن حقوقهن، سمى الأزواج المطلقون محسنين ~~ترغيبا وتحريضا على المأمور به والمسارعة إليه فجزاء الشرط محذوف من جنس ما ~~سبق وهو رفع الجناح، و " ما ms473 " بمعنى المدة أي زمان ترك المس و " متاعا " ~~مفعول مطلق و " حقا " صفة أو مفعول مطلق. # وأما قدر المتاع فظاهر الآية ما يقتضيه العرف ويسمى تمتيعا بحسب حال ~~الغني وغيره، وقد عين بخادم أو ثوب أو ورق في مجمع البيان، وقال: إنه مروي ~~عن الباقر والصادق عليهما السلام وغيرهما، وهو مذهب الشافعية أيضا وظاهر ~~مذهب الأصحاب خلافه، فإنهم قالوا إن الغني يمتع بالدابة أو الثوب المرتفع ~~أو عشرة دنانير والمتوسط بخمسة أو الثوب المتوسط والفقير بالدينار أو ~~الخاتم وما شاكله وما رواه الحلبي عن أبي عبد الله عليه السلام أنه إذا كان ~~موسعا عليه متع امرأته بالعبد والأمة، والمعسر يمتع بالحنطة والزبيب (1) ~~والثوب والدراهم، لا ينافي انقسامه إلى ثلاثة أقسام، ولا ما ذكر في كل قسم ~~منها، لأن مرجعها إليهما والعرف اقتضى تعيين كل مرتبة، وقريب من الدابة ~~التي هي الفرس العبد والأمة وقريب منها البغل والبعير المقارب لها في ~~القيامة لأن المحكم في ذلك العرف لا التحديد فتأمل وعلى مذهب أبي حنيفة درع ~~وخمار وملحفة على حسب الحال، إلا أن يكون مهر # PageV00P533 # مثلها أقل من ذلك فلها حينئذ الأقل من يصف مهر المثل والمتعة، ولا ينقص ~~من خمسة دراهم لأن أقل المهر عشرة دراهم فلا ينقص من نصفها، وذلك خلاف ظاهر ~~الآية، وكذا تعيين أقل المهر خلاف الظاهر (1). # فدلت الآية على جواز الطلاق، وعدم وجوب المهر للمرأة المطلقة قبل الدخول ~~وقبل تسمية المهر لها، ووجوب المتعة لها بالمنطوق وعلى عدمها لغيرها ~~بالمفهوم، و هو مذهب الأصحاب والحنيفة وألحق الشافعي بها في أحد قوليه ~~الممسوسة المفوضة و غيرها قياسا، لأنه مقدم على المفهوم كذا في تفسير ~~القاضي وهو خلاف الظاهر والأصل وإيجاب الشئ بمثل هذا القياس الذي لا علم ~~بعلته مع مخالفته ظاهر القرآن اليقيني بعيد، إذ قد يكون العلة الطلاق مع ~~عدم الفرض وعدم المس كما هو الظاهر، و أيضا يلزم اللغو وهو دليل القائل ~~بالمفهوم وأن إلحاق الممسوسة لغير المفوضة أبعد ولعله لذلك ما قال به في ~~قوله ms474 الآخر، وبالجملة من سوقهما يفهم تخصيص المتعة بالمذكور في الآية كما ~~هو مذهب الأصحاب فافهم. # الثالثة: وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة (1). # بين في السابقة حال المطلقة المفوضة قبل المس والفرض، وبين في هذه حالها ~~بعد الفرض وقبل المس وترك المطلقة بعدهما، فإن حكمها لزوم المسمى وكذا ~~المطلقة بعد المس وقبل الفرض فحكمه عند الأصحاب مهر المثل " وقد فرضتم " ~~جملة حالية عن فاعل فعل الشرط أي طلقتموهن " فنصف ما فرضتم " جوابه مرفوع ~~إما بأنه مبتدأ خبره محذوف أو عكسه والتقدير: فالواجب أو فالذي عليكم نصف ~~ما فرضتم، أو فلهن نصف، أو عليكم نصف، أو نصف ما فرضتم واجب عليكم " إلا أن ~~يعفون أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح " فالاستثناء كأنه من مقدر أي الواجب ~~نصف على جميع التقادير والحالات، إلا على تقدير حصول العفو من # PageV00P534 # المطلقات عن الكل أو عن شئ من المهر، فليس هنا حينئذ في هذه الحال النصف ~~واجب، بل إما لا واجب أصلا أو الواجب أقل من النصف " ويعفو " عطف على محل " ~~يعفون " فإنه مبني على النصب بأن " والذي بيده عقدة النكاح " قيل هو ولي ~~المطلقة المذكورة ففي الأول العفو منهن بشرط البلوغ والرشد وفي الثاني من ~~أوليائهن على تقدير عدمهما وللولي أيضا العفو وهو مذهب الشافعي والأصحاب، ~~ولكن يكون منوطا بالمصلحة، وبشرط عدم العفو عن الجميع، فإنهم ما يجوزون ~~للولي العفو عن الكل، ويبعد ذلك عن الآية، وأيضا يبعد وجود المصلحة للعفو ~~بعد حصول الطلاق إلا أن يكون دفع ضرر، وحينئذ ليس بعفو ولعل دليلهم أخبار ~~أو إجماع، قال في مجمع البيان: وهو المروي عن أبي جعفر وأبي عبد الله ~~عليهما السلام ويحتمل أن يكون " الذي " عبارة عن الزوج، يعني المأخوذ هو ~~النصف " إلا أن يعفون " فيقل أو يعدم أو يعفو الزوج عن الباقي فيصير أكثر ~~من النصف، إما الكل أو لا، وهو مذهب أبي حنيفة وقال في مجمع البيان: رواه ~~بعض أصحابنا وهو بعيد أيضا إذ مقابلة الذي بيده عقدة النكاح ms475 للمرأة لا ~~يناسب فإن العفو حينئذ ليس بمناسب فكأنه سمي للمشاكلة إلا أن أداه إلى ~~الزوجة، فيعفوا عن النصف ولم يأخذه، فيصح كونه عفوا حقيقية وأيضا إنه كان ~~المعنى " الواجب نصف " ومع استثناء العفو منه لا يصير الواجب غيره، والأول ~~أظهر بحسب اللفظ والثاني بحسب المعنى، ولا استبعاد في جواز العفو للولي ~~بالنص، ولكن لا بد لعدم تجويز الكل من دليل، ولعل لهم دليلا عليه، وعلى ~~الحمل على المعنى الأول أيضا، وهو الروايات كما أشير إليه أو الاجماع. # " وأن تعفوا أقرب للتقوى " كأنه خطاب للزوج والمرأة، وغلب المذكر أو يكون ~~للزوج، والجمعية باعتبار الأفراد، وهو مؤيد لكونه العافي من جهة إسناد ~~العفو إليه، وكون العفو من الولي أقرب غير معلوم، ولكن المناسب لحصر العافي ~~فيها وفي الولي كون الخطاب لهما، وقد يقال مع المصلحة يكون أقرب من الولي ~~أيضا، ويحتمل أن يكون المخاطب الناس والغرض أن العفو أقرب من أي ~~PageV00P535 # أحد كان، ولا يكون الغرض كونه من شخص بل مجرد حسن العفو. # " ولا تنسوا الفضل بينكم " أي لا تنسوا أن يتفضل بعضكم على بعض، وقد نقل ~~أن جبير ابن مطعم تزوج وطلق قبل المس وأعطي جميع المهر، فقيل له في ذلك ~~فقال: أنا أحق بالعفو وعدم النسيان الفضل " إن الله بما تعملون بصير " أي ~~عليم بأعمالكم من العفو فيعوضكم عليه، وهو ترغيب عليه، ويحتمل الترهيب أيضا ~~لزيادة طلب الحق ظلما ويحتمل أن يكون الخطاب هنا أيضا عاما. # فدلت على وجوب نصف المهر المسمى بعد الطلاق قبل المس وبعد الفرض وظاهرها ~~التشطير بالطلاق، لا أنه يجب النصف حينئذ لقوله " فنصف ما فرضتم " فعلم أن ~~الجميع فرض ووجب بالعقد، وشطر بالطلاق، وعلى استحباب العفو مطلق من غير شرط ~~الاستغناء، وعلى استحباب التفضل والاحسان، وعلى استحباب العفو للولي، وعلى ~~استقلال المرأة في العفو، فيلزم في العقد أيضا، بل على استقلال الولي حيث ~~أسند العقد إليه إلا أنه مجمل غير مبين من " الذي بيده عقدة النكاح ". # الرابعة: الرجال قوامون على النساء بما فضل الله ms476 بعضهم على بعض (1): # يقومون بأمورهن ويسلطون عليهن كقيام الولاة على رعيتهم بسبب تفضيل الله ~~تعالى إياهم عليهن بكمال العقل وغيره وبسبب ما ينفقون عليهن من أموالهم " ~~واللاتي تخافون نشوزهن " أي الزوجات التي تخافون أيها الأزواج عصيانهن ~~وترفعهن عنكم وعن مطاوعتكم فيما يجب عليهن بظهور أمارات العصيان والنشوز ~~والأولى حمل الخوف على العلم كما نقل في مجمع البيان عن الفراء، قال: معناه ~~تعلمون نشوزهن قال: وقد يكون الخوف بمعنى العلم كما قالوا في قوله تعالى: " ~~فمن خاف من موص جنفا " الآية لأن خوف النشوز لا يوجب الهجر والضرب " فعظوهن ~~و اهجروهن في المضاجع واضربوهن " أي فعظوهن بالقول والنصيحة فإن لم ينفع ~~الوعظ # PageV00P536 # والنصيحة ولم يتركن النشوز به، فاهجروهن في المراقد والمبايت، فلا ~~تدخلوهن تحت اللحف بأن تعزلوا فراشها أو حولوا إليهن ظهوركم في الفراش كما ~~يدل عليه ما روي عن أبي جعفر عليه السلام يحول ظهره إليها، أو لا تجامعوهن ~~فكنى بالمضاجعة عن الجماع كما في المباشرة أي لا تجامعوهن حتى يتركن ~~النشوز، وإن لم يتركن فاضربوهن قيل: فعظوهن بكتاب الله أولا وذلك أن يقول ~~الزوج اتقي الله وارجعي إلى طاعتي فإن رجعت وإلا غلظ عليها القول، فإن رجعت ~~وإلا ضربها ضربا غير مبرح، قيل: # معناه أن لا يقطع لحما ولا يكسر عظما، وقيل أن يكون شديدا وروي عن أبي ~~جعفر عليه السلام الضرب بالسواك. # " فإن أطعنكم " أي رجعن إلى طاعتكم بالايتمار بأمركم " فلا تبغوا عليهن ~~سبيلا " أي لا تطلبوا عليهن تسلطا وعلوا بالباطل، وسبيلا للضرب والهجران ~~والوعظ، مما أبيح لكم فعله عند النشوز، بل ينبغي أن تجعلوا ما كان منهن كأن ~~لم يكن فإن التائب عن الذنب كمن لا ذنب له على ما روي ودل عليه القرآن ~~العزيز فينبغي الأخذ به، فينبغي الكون معهن مثل ما كانوا معهن قبل النشوز، ~~بل ينبغي ذلك مع كل تارك ذنب، فالآية تدل على عدم جواز الهجران والضرب ~~بالمفهوم بدون النشوز والجواز معه بالمنطوق، فالأمر هنا للإباحة لا الوجوب ~~والاستحباب بل يمكن أن يكون ms477 مرجوحا فإن العفو حسن إلا أن يعلم الفساد في ~~الترك فيمكن الاستحباب بل قد يجب فيجري فيه الأحكام الخمسة. # الخامسة: " ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء " (1) أي لا تقدروا على ~~العدل والتسوية بينهن بحيث لا يقع منكم أصلا ميل قلبي إلى إحداهن أكثر من ~~غيرها ويكون الميل والمعاشرة متساوية بينهن من غير زيادة لإحداهن على ~~الأخرى ولهذا نقل عنه صلى الله عليه وآله أنه كان يقسم بين النساء فيعدل ~~ويقول: هذه قسمتي فيما أملك، فلا تأخذني فيما تملك ولا أملك. " ولو حرصتم " ~~على ذلك وبذلتم جهدكم الذي هو مقتضى الحرص والميل فرفع الله ذلك عنكم ولم ~~يكلفكم به لقبحه، ولكم # PageV00P537 # ينبغي الملاحظة بحسب المقدور والتساوي مهما أمكن " فلا تميلوا كل الميل " ~~أي لا تجوروا على المرغوب عنها التي لا ميل لكم إليها كل الجور، فتمنعوها ~~عن قسمتها من غير رضاها، يعني لا بد من اجتناب كل الميل فإنه مقدور ~~والتكليف به واقع، فلا تفرطوا فيه، وإن وقع منكم تفريط في العدل كله حيث ما ~~كان مقدورا فلا يقع في الميل كله. # ولعل فيه توبيخا على وقوع التفريط في العدل مع إمكان عدمه، وإن لم يكن ~~واجبا، ولهذا روي عن النبي صلى الله عليه وآله من كانت له امرأتان يميل مع ~~إحداهما جاء يوم القيامة وأحد شقية مائل " فتذروها كالمعلقة " وهي التي لم ~~تكن بذات بعل ولا بغير بعل ولا يميل إليها، ولا يعاشرها معاشرة الأزواج، ~~ولا يطلقها بل يجعلها كالمعلقة بين الأمرين: لا إلى هذه ولا إلى ذلك، ~~وبالجملة يجب " إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان " ففيها دلالة على النهي من ~~جعلها كالمعلقة، وتعطيلها، ووجوب الامساك بالمعروف أو الطلاق، وتحريم الميل ~~[إلى إحداهن] كل الميل وعدم التكليف بالتسوية واستحباب المساواة في الأمور ~~كلها مهما أمكن. # السادسة: " وإن امرأة خافت " (1) أي علمت وقيل ظنت " من بعلها نشوزا " أي ~~استعلاء وارتفاعا عنها إلى غيرها إما لبغضه لها أو لكراهته منها شيئا كعلو ~~سنها وغيره " أو إعراضا " يعني انصرافا بوجه أو ببعض منافعه التي ms478 كانت لها ~~منه " فلا جناح عليهما " أي لا حرج ولا إثم على كل من الزوج والزوجة " أن ~~يصلحا بينهما صلحا " بأن تترك المرأة له يومها أو تضع عنه بعض ما يجب لها ~~من نفقة أو كسوة أو غير ذلك تستعطفه بذلك فتستديم المقام في حباله كذا فسر، ~~وفيه تأمل لأنه يلزم إباحة أخذ شئ للاتيان بما يجب عليه وبترك ما يحرم ~~عليه، وقد مر في الصلح فتذكر وتأمل. # PageV00P538 # السابعة: أسكنوهن من حيث سكنتم من وجدكم ولا تضاروهن لتضيقوا عليهن (1). # إشارة إلى بيان سكنى الزوجة التي تستحق ذلك يعني يجب إسكان الزوجة حال ~~الزوجية أو بعد الطلاق الرجعي في العدة ودل إجماع علماء أهل البيت وأخبارهم ~~مع الأصل على تخصيص السكنى والنفقة بهما إلا الحامل وسيجئ. # أسكنوهن من الأمكنة التي تسكنونها مما تطيقونه وتقدرون على تحصيله بسهولة ~~لا بمشقة وهو معنى قوله " من وجدكم " أي وسعكم، قيل: هو عطف بيان لقوله: # " من حيث سكنتم " فإن معناهما واحد، وهو المكان الذي يليق لهم السكنى ولا ~~تسكنوهن فيما لا يسعهن ولا مع غيرهن مما لا يليق بهن فيتعبن، وقد يلجأن إلى ~~الخروج مع تحريمه عليهن أو طلب الطلاق بالفداء. # وإن كن أولات حمل فأنفقوا عليهن حتى يضعن حملهن. # إشارة إلى وجوب النفقة المقررة للزوجة الحامل بعد الطلاق البائن أيضا إذ ~~الزوجة والرجعية يجب نفقتهما حاملا كانتا أم لا، وللمسألة فروع كثيرة مثل ~~كونها للحمل أو الحامل مع ظهور الفائدة مذكورة في محلها، ولي فيها بحث، و ~~ينبغي السكوت عما سكت الله منه، وقطع النظر عن كونها للحمل أو الحامل ~~والاقتصار على ظاهر القرآن وهو وجوب النفقة للحامل المطلقة، ويمكن فهم عدم ~~وجوب الأنفاق على غير الحامل بالمفهوم، فالقول بوجوبها للمطلقة حاملا كانت ~~أم لا، كما ذكره في الكشاف غير جيد، ويؤيده الأصل والأخبار والاجماع. # والظاهر أن الآية إن كانت عامة في الرجعية والباينة تخصص الأولى بالأدلة ~~الدالة على أن حكمها حكم الزوجة، وبالآية السابقة الدالة على إيجاب سكناها ~~والنفقة تابعة وبالطريق الأولى لأنها ms479 أكثر احتياجا إليها، ولهذا لا سكنى ~~للحامل المتوفى عنها زوجها، وإن قلنا بالنفقة لعدم النص، وصحة القياس وفي # PageV00P539 # ثبوتها لها تأمل، والظاهر العدم لأصل مع عدم الدليل. # " فإن أرضعن لكم فآتوهن أجورهن " إشارة إلى عدم وجوب الارضاع على الأم ~~كما هو مذهب الأصحاب والشافعي ومنع الحنفي عن الإجارة حال الزوجية نقله في ~~الكشاف بل يجب الأجرة لها على الأب، وظاهرها كونها بعد انقطاع عقدة النكاح ~~بالطلاق ويحتمل العموم أيضا ولعل وجوب الأجرة على الأب من جهة وجوب نفقة ~~الولد عليه وحينئذ يكون مشروطا بفقر الولد وغنى الأب، فإن كان للولد مال ~~يعطى للأم الأجرة منه، ويؤيده أن الآية ليست بصريحة في كون الأجرة من مال ~~الأب، فإنه لو كان من الولد أيضا يجب الاعطاء على الأب، وإن لم يكن له مال ~~مع فقر الأب يمكن الايجاب على الأم بلا أجرة مطلقا لأنه يجب نفقته عليها مع ~~قدرتها، ويحتمل اشتراط غناها عن أجرة الارضاع فإنها بمنزلة مالها فتقدم ~~نفسها على من يجب نفقته عليها فيكون من بيت المال كما إذا لم يمكن إرضاع ~~الأم. # " وائتمروا " اصنعوا واعملوا " بينكم " في الارضاع والانفاق والاسكان ~~وإعطاء الأجرة وغيرها " بمعروف " الأمر الشرعي واقبلوه فتكونون مؤتمرين ~~حاملين للآمر بوجه حسن جميل من غير تعاسر وتضايق، وفي القاضي: وليأمر بعضكم ~~بعضا بجميل في الارضاع والأجر، وفيه تأمل وفي الكشاف الايتمار بمعنى التآمر ~~كالاشتوار بمعنى التشاور، يقال ائتمر القوم وتوامروا إذا أمر بعضهم بعضا إن ~~صح فهو نادر و " إن تعاسرتم " أي تضايقتم وما رضي بعضكم بما قاله الآخر " ~~فسترضع له " امرأة " أخرى " غير الأم وكأن فيه إشارة ما إلى معاتبة الأم ~~على المعاسرة فإن المساهلة من جانبها أنسب لأنها أشفق ولأنه ولدها، فلو نقص ~~من أجرتها المتعارفة لا يضيع ولأنه ما ينقص عنها بالحقيقة شئ بخلاف الأب، ~~فإنه يخرج الأجرة من ماله، وإن كان من مال الولد فعدم المعاسرة أولى، ويمكن ~~فهم عدم جواز الارضاع لغيرها مع عدم معاسرتها ورضاها كما قاله الفقهاء كعدم ~~وجوبه عليها وجواز ms480 إرضاع غيرها على تقدير المعاسرة، ويدل عليها الأخبار، ~~ولعله لا خلاف فيها. PageV00P540 # " لينفق " إشارة إلى كيفية الأنفاق على الزوجة بل مطلقا بأن ينفق " ذو ~~سعة " على ما يليق بحال مثله " من سعته " في المعيشة مأكلا ومشربا وملبسا ~~ومسكنا ولا يخرج عن ذلك إلى الطرفين إسرافا وتقتيرا اللذين هما منهيان، ~~والفقير كذلك وإليه أشار بقوله " ومن قدر عليه رزقه فلينفق مما آتاه الله " ~~فلا يتكلف تكلف الأغنياء بل يعطي وينفق مما قدر الله له، ولا تكلف بالزائد، ~~ولا ينقص عن اللائق بحاله، فإنه منهي عنه، وبالجملة يعمل ما يتعارف في ~~أمثاله مع القدرة فإن الله تعالى لم يكلفه بأزيد من ذلك لأنه ما أعطاه فكيف ~~يكلفه به، وإليه أشار بقوله " لا يكلف الله نفسا إلا ما آتاها " إشارة ~~مدللة حسنة فأفهم، فهو يدل على القبح العقلي وأن التكليف بما لا يطاق بل ~~بما يشق لا يقع من الله، بل محال، وفيه وفيما بعده " سيجعل الله بعد عسر ~~يسرا " تطييب لقلب الفقراء، بل من يجب نفقتهم عليهم ووعدهم بحصول العوض ~~وتبديل العسر باليسر، إما في الدنيا أو في الآخرة على سبيل منع الخلو كذا ~~في الكشاف. وفي القاضي: تطييب لقلب المعسر والأول أولى. # * (النوع الرابع) * * (في أشياء من توابع النكاح) * وفيه آيات: # الأولى: قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم (1). # الخطاب له صلى الله عليه وآله والمقول لهم هم المسلمون ولعل اللام مقدر، ~~والتقدير ليغضوا فتأمل، ويبعد أن يكون بتقدير غضوا يغضوا إذ المناسب الفاء ~~مع أن حذف المقصود وذكر غير المقصود غير موجه، وأيضا الخبر غير مناسب إذ ~~مضمونه قد لا يقع وفي الكشاف من للتبعيض والمراد غض البصر عما يحرم، ~~والاقتصار به على ما يحل وجوز الأخفش أن تكون مزيدة وأبا سيبويه وأنت تعلم ~~أن التبعيض هنا يفيد # PageV00P541 # تحريم غض بعض البصر دون البعض، لا بعض المبصر، وهو المطلوب والمعقول كما ~~يفهم من قوله " والمراد الخ " فتأمل فالزيادة أولى بحسب المعنى. # وقال أيضا: في ترك " من " في الفروج فقط دلالة ms481 على أن أمر النظر أوسع من ~~أمر الفرج ألا ترى أن المحارم لا بأس بالنظر إلى شعورهن وصدورهن وثديهن ~~وأعضادهن وأسوقهن وأقدامهن وكذلك الجواري المستعرضات للبيع والأجنبية ينظر ~~إلى وجهها وكفيها وقدميها في إحدى الروايتين، وأما أمر الفرج فمضيق وكفاك ~~فرقا إن [كان] أبيح النظر إلا ما استثني منه، وحظر الجماع إلا ما استثني ~~منه وقد عرفت ما فيه مما تقدم من أن هذا ليس مفاد التبعيض هنا وأيضا ليس في ~~منطوق القرآن إباحة الأول وتحريم الثاني إلا ما استثني فافهم، ثم قال: ~~ويجوز أن يراد مع حفظها عن الافظاء إلى ما لا يحل حفظها عن الابداء وفهم ~~هذا المعنى لا يخلو عن بعد، نعم يمكن بعد العلم بالمسألة من غير هذه، ثم ~~قال: وعن أبي زيد كل ما في القرآن من حفظ الفرج فهو عن الزنا إلا هذا فإنه ~~أراد به الاستنار قال في مجمع البيان: وهو المروي عن أبي عبد الله عليه ~~السلام قال فلا يحل للرجل أن ينظر إلى فرج أخيه ولا يحل للمرأة أن تنظر إلى ~~فرج أختها، وقال أيضا معناه قل يا محمد للمؤمنين يغضوا أبصارهم عما لا يحل ~~لهم النظر إليه. ويحفظوا فروجهم عمن لا يحل لهم وعن الفواحش، وقيل إن " من ~~" زائدة وتقديره يغضوا أبصارهم عن عورات النساء، وقيل إنها للتبعيض لأن غض ~~البصر إنما يجب في بعض المواضع عن أبي مسلم، والمعنى يغضوا من نظرهم، فلا ~~يبصروا ولا ينظروا إلى ما حرم، و قيل إنها لابتداء الغاية وفي التبعيض ما ~~تقدم فأمل. # وأيضا لا يخفى أن في الآية إجمالا فإنه ما نعلم ما لا يحل وما لا يحل، ~~فلم نعلم حينئذ غض البصر في أي موضع يحرم وفي أي موضع يحل وينبغي أن يقال ~~المفهوم تحريم النظر وعدم حفظ الفرج مطلقا، وقد علم الجواز في المحارم ~~والحلائل بالآية والاجماع وغيرهما، وبقي الباقي تحته " ويحفظوا فروجهم " ~~عطف على يغضوا " ذلك أزكى لهم إن الله خبير بما يصنعون " أي أنفع لدينهم ~~ودنياهم وأطهر وأنقى ms482 من التهمة PageV00P542 # وأقرب إلى التقوى عليم بما يعملونه على أي وجه يعملونه. # واعلم أن في الأمر للمؤمنين بحفظ الفروج فقط مع أمر المؤمنات في الآية ~~الثانية به، وبعدم إبداء الزينة مع الأصل وحصر المحرمات دلالة ظاهرة على ~~عدم وجوب الستر من المحرمات على الرجال، سوى فروجهم، فبدنهم ليس بعورة وإن ~~كان رؤيته عليهن حراما، فلا يجب عليهم الستر من باب المعاونة على الإثم ~~والعدوان وإن علموا بذلك لما تقدم، ويمكن تحريم ذلك لو قصدوا ذلك فتأمل ~~ودلالة أيضا على أن عورتهم ليس إلا الفرج، والفرج يطلق على المخرجين. # الثانية: وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ويحفظن فروجهن (1). # هذا ظاهر في نهي النساء عن النظر إلى الأجانب أصلا ورأسا، ويؤيده خبر ابن ~~أم مكتوم المشهور (2) " ولا يبدين زينتهن " أي مواضعها " إلا ما ظهر منها " ~~فبعد الاستثناء يبقى ما بطن وسيجئ الاستثناء منه أيضا بقوله " إلا لبعولتهن ~~" الآية في الكشاف الزينة ما تزينت به المرأة من حلي أو كحل أو خضاب، فما ~~كان ظاهرا # PageV00P543 # منها كالخاتم والفتخة وهي حلقة من فضة لا فص لها، والكحل والخضاب فلا بأس ~~بابدائه للأجانب، ثم قال: إن المراد من الزينة موقعها والصحيح أنه العضو ~~كله لا المقدار الذي يلامسه الزينة منه كما فسرت مواقع الزينة الخفية وكذلك ~~مواقع الزينة الظاهرة الوجه موقع الكحل في عينيه والخضاب بالوسمة في حاجبيه ~~وشاربيه والغمرة في خديه، والكف والقدم موقعا الخاتم والفتخة والخضاب ~~بالحنا وإنما تسومح في هذه المواقع، لأن سترها فيه حرج، فإن المرأة لا تجد ~~بدا من مزاولة الأشياء بيديها، ومن الحاجة إلى كشف وجهها خصوصا في الشهادة ~~والمحاكمة والنكاح وتضطر إلى المشي في الطرقات، وظهور قدميها وخصوصا ~~الفقيرات منهن وهذا معنى قوله " إلا ما ظهر منها " يعني إلا ما جرت العادة ~~على ظهوره، والأصل فيه الظهور. # ولا شك في بعد كون الوجه موقع الكحل والوسمة وكونها في شاربيه، مع أن ~~المناسب تأنيث الضمير في الكل كحذف المرأة، وأيضا لا شك أن مع الضرورة ~~والحاجة يجوز إبداء موقع الزينة ms483 الظاهرة والباطنة كالعلاج للطبيب وللشهادة ~~والمحاكمة، وأيضا إن نظر إلى العادة والظاهر خصوصا الفقيرات فالعادة ظهور ~~الرقبة بل الصدر والعضدين والساقين وغير ذلك، وبالجملة الحكم محل الاشكال ~~وقد أوضحته في الجملة في محله من الفروع في شرح الارشاد فتأمل. # وليضربن بخمرهن على جيوبهن. # أي يضعن خمارهن على صدورهن ليسترنه وما فوقه من الرقبة، ففيها دلالة على ~~عدم وجوب ستر الوجه فافهم، وكانت جيوبهن واسعة يبدوا مها نحورهن وصدورهن ~~وما حواليها، وكن يسدلن الخمر من ورائهن فتبقى مكشوفة فأمرن أن يسدلنها من ~~قدامهن حتى يغطينها ويجوز أن يراد بالجيوب الصدور تسمية بما يليها ~~ويلابسها، ومنه قولهم ناصح الجيب، وقولك ضربت بخمارها على جيبها كقولك ضربت ~~بيدي على الحائط إذا وضعتها عليه. PageV00P544 # ولا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن أزواجهن أو آبائهن أو آباء بعولتهن أو ~~أبنائهن أو أبناء بعولتهن أو إخوانهن أو بني إخوانهن أو بني أخواتهن. # والمراد بالآباء الأب وإن علا، وبالأبناء الابن وإن سفل، والأخ أعم من أن ~~يكون من الطرفين أو أحدهما وبني الأخوة والأخوات وإن سفلوا، فهؤلاء ~~مستثنون، والظاهر من النسب والرضاع للصدق، فيحرم نكاح بعضهم على بعض فهؤلاء ~~محارم. # والمراد بالزينة المحرم ابداؤها هو موضع الزينة لا نفسها إذ نفسها يجوز ~~النظر إليها لكل أحد وليس بحرام فلا يصح الحكم المستثنى منه إلا أن يكون ~~هناك ريبة أو شهوة أو فتنة، فالظاهر جواز نظرهم إلى سائر البدن إلا العورة ~~لغير البعولة للأصل ولما تقدم، ولظاهر هذه الآية، حيث إن الظاهر أن المراد ~~موقع الزينة الخفية، ويحتمل اختصاص محلها فقط، فلا يتعدى إلى غيرها، خصوصا ~~المواضع الخفية في أكثر الحالات والقريبة من العورة فتأمل. # وقال في الكشاف: إن المراد جميع العضو كما تقدم في الزينة الظاهرة فهذا ~~يدل على أن المراد بإلا ما ظهر هو الموضع، كما مر إليه الإشارة فتأمل، ~~والزينة الخفية مثل السوار للزند، والخلخال للساق، والدملج للعضد، والقلادة ~~للعنق والوشاح للرأس، والقرط للإذن، وذكر الزينة دون مواقعها للمبالغة كما ~~في " ولا تقربوا الزنا " لأن هذه الزينة ms484 واقعة على مواضع يحرم النظر إليها ~~لغير المذكورين، قال في الكشاف إنما سومح في الزينة الخفية أولئك المذكورون ~~لما كانوا مختصين به من الحاجة المضطرة إلى مداخلتهم ومخالطتهم، ولقلة موقع ~~الفتنة من جهاتهم، ولما في الطباع من النفرة عن مماسة القرائب، ويحتاج ~~المرأة إلى صحبتهم في الأسفار للنزول والركوب وغير ذلك. # " أو نسائهن أو ما ملكت أيمانهن " في الكشاف قيل: هن المؤمنات لأن ليس ~~للمؤمنة أن تتجرد بين يدي مشركة أو كتابية عن ابن عباس، فيكون ذكر استثناء ~~PageV00P545 # الكشف للمسلمات وعدمه للكافرات، فإنه إذا كانت النساء كلها داخلة تحت حكم ~~الستر واستثني منها المسلمات (1) بقيت الكافرات وهو ظاهر، ثم قال والظاهر ~~أنه عنى بنسائهن وما ملكت أيمانهن: من في صحبتهن وخدمتهن من الحرائر ~~والإماء والنساء كلهن سواء في حل نظر بعضهن إلى بعض، وقيل " أو ما ملكت ~~أيمانهن " هم الذكور والإناث جميعا، وعن عائشة أنها أباحت النظر إليها ~~لعبدها. # ثم قال: المراد بها الإماء وهذا هو الصحيح، لأن عبد المرأة بمنزلة ~~الأجنبي منها خصيا كان أو فحلا، هذا هو المشهور والصحيح عندنا أيضا، ولكن ~~في بعض الأخبار ما يدل على خلاف ذلك فينبغي الرجوع والتأمل فيها. # أو التابعين غير أولي الإربة من الرجال أو الطفل الذين لم يظهروا على ~~عورات النساء ولا يضربن بأرجلهن ليعلم ما يخفين من زينتهن وتوبوا إلى الله ~~جميعا أيها المؤمنون لعلكم تفلحون (2). # في الكشاف: الإربة الحاجة، قيل: هم الذين يتبعونكم ليصيبوا من فضل طعامكم ~~ولا حاجة لهم إلى النساء لأنهم بله لا يعرفون شيئا من أمرهن أو شيوخ صلحاء ~~إذا كانوا معهن غضوا أبصارهم أو بهم عنانة، وقرئ " غير " بالنصب على ~~الاستثناء أو الحال، والجر على الوصفية، وضع الواحد موضع الجمع لأنه يفيد ~~الجنس ويبين ما بعده أنه يراد به الجمع ونحوه " نخرجكم طفلا ". # " ولم يظهروا " إما من ظهر على الشئ إذا اطلع عليه أي لا يعرفون ما ~~العورة ولا يميزون بينها وبين غيرها، وإما من ظهر على فلان إذا قوي عليه، ~~وظهر على القرآن ms485 أخذه وأطاقه أي لم يبلغوا أوان القدرة على الوطئ. # ولا يخفى أن الشيوخ الصلحاء الذين يغضون أبصارهم إذا كانوا معهن لا ~~يحتاجون إلى الاستثناء بل لا يصح فإن الظاهر من الاستثناء جواز الكشف لهم، ~~و جواز النظر لهم، فافهم، وأن وجود العنة لا يوجب النظر إلى مواضع الزينة # PageV00P546 # الباطنة وأن في استثناء " غير " تأملا فالظاهر الجر أو الحال، وأنه ينبغي ~~أن يقول يراد منه الجمع ويبينه ما بعده أي " الذين " والطفل عطف على ~~بعولتهن، ويحتمل أن يكون عطفا على الرجال و " الذين " يكون صفتهما. # فالظاهر منها تحريم نظر الخنثى إلى الزينة الباطنة، وتحريم كشف ذلك ~~عليهن، وقد مر الخلاف والقول في الظاهرة والباطنة، ولا يبعد حملها على ~~العرف ولا يبعد حمل الظاهر على ما في الكشاف، فلا يحرم النظر إلى الوجه ~~وغيره إلا مع اللذة أو الفتنة والريبة، فيحتمل أن يراد النظر الأول لا ~~التكرار كما قال به بعض الأصحاب ويحتمل التكرار أيضا للعموم لولا خلاف ~~الاجماع للصدق عرفا فتأمل، ووجوب ضرب الخمر على الجيوب، وحاصله تحريم كشف ~~الصدور وغيره للأجانب، و وجوب سترها عنهم، وتحريم كشف الباطنة والنظر ~~إليها، وقد استثني من تقدم وقد مر معناه، وأن المراد بنسائهن المؤمنات، فلا ~~يجوز الكشف عند نساء الكفار وقيل: إذا علم خبرهن للرجال وفيه تأمل، ويمكن ~~أن يقال التقييد ليس بحجة إلا أن الاستثناء بعد مطلق الحكم يقتضي بقاء نساء ~~الكفار تحت التحريم فتأمل. # وأن المراد بما ملكت هي الإماء والظاهر العموم وهو المروي عن أبي عبد ~~الله عليه السلام، فالظاهر جواز رؤية الزينة الباطنة أيضا لعبيدهن، وأن ~~المراد بالتابعين: الذين لا يعرفون ولا يطمعون في النساء وهم البله، ~~وبالطفل: الذي لاحظ له من عورة النساء، فيفهم التحريم على غيره من غير ~~البلغ أيضا بمعنى تحريم الكشف عليهن عندهم، ووجوب منعهم على الأولياء. # وفي مجمع البيان: المراد بالطفل الجماعة من الأطفال الذين لم يظهروا على ~~عورات النساء ويريد به الصبيان الذين لم يعرفوا عورات النساء لعدم شهوتهم، ~~و قيل لم يطيقوا ms486 مجامعة النساء، فإذا بلغوا مبلغ الشهوة، كان حكمهم حكم ~~الرجال والظاهر أن " قيل " ليس بجيد وإليه أشار بقوله فإذا الخ. # " ولا يضربن بأرجلهن " قيل كانت المرأة تضرب برجلها لتسمع صوت الخلخال ~~منها فنهاهن الله عن ذلك، وقيل معناه ولا تضرب المرأة برجلها إذا مشت ~~ليتبين PageV00P547 # خلخالها أو يسمع صوته، عن ابن عباس، فيكون ذلك لقصد أن يتوجه إليهن ~~ويرينهم موضع زينتهن الباطنة حراما حيث يؤل إلى الحرام، ويحتمل التحريم ~~مطلقا عمدا وإن لم يؤل إلى ذلك كما هو ظاهر الآية، وفي الكشاف كانت المرأة ~~تضرب الأرض برجلها ليتقعقع خلخالها، فيعلم أنها ذات خلخال، وقيل: كانت تضرب ~~بإحدى رجليها الأخرى ليعلم أنها ذات خلخالين، وإذا نهين عن إظهار صوت الحلي ~~بعد ما نهين عن إظهار الحلي، علم بذلك أن النهي عن إظهار مواضع الحلي أبلغ ~~وأبلغ، أوامر الله ونواهيه في كل باب لا يكاد العبد الضعيف يقدر على ~~مراعاتها وإن ضبط نفسه واجتهد، ولا يخلوا من تقصير يقع منه، فلذلك وصى ~~المؤمنين جميعا بالتوبة والاستغفار، وبتأميل الفلاح إذا تابوا واستغفروا، ~~وعن ابن عباس: توبوا مما كنتم تفعلونه في الجاهلية لعلكم تسعدون في الدنيا ~~والآخرة. # فإن قلت: قد صحت التوبة بالإسلام والإسلام يجب ما قبله، فما معنى هذه ~~التوبة؟ قلت أراد بها ما يقوله العلماء إن من أذنب ذنبا ثم تاب عنه، يلزمه ~~كلما تذكره أن يجدد عنه التوبة لأنه يلزمه أن يستمر على ندمه وعزمه، إلى أن ~~يلقى ربه، ووجوب الندامة والتوبة كلما ذكر لا دليل عليه وهو مشكل، نعم لو ~~خطر بباله وتردد في خاطره يجب عليه ذلك فتأمل. # وقال: فإن قلت: لم لم يذكر الله تعالى الأعمام والأخوال؟ قلت: سئل الشعبي ~~عن ذلك فقال لئلا يصفها العم عند ابنه والخال كذلك، ومعناه أن سائر ~~القرابات تشرك الأب والابن في المحرمية إلا العم والخال وأبناؤهما، فإذا ~~رآها العم فربما وصفها لابنه، وليس بمحرم فيداني تصوره لها بالوصف نظره ~~إليها، و هذا أيضا من الدلالات البليغة على وجوب الاحتياط عليهن في ms487 الستر. ~~ولا يخفى أنه يجوز للعم والخال النظر، فعدم ذكرهما في الآية لا ينفع مع أن ~~عدم ذكره لهذا بعيد جدا، إذ يفهم عدم جواز النظر لهما وتحريم التكشف لهما، ~~نعم لو فهم أن عدم ذكرهما مع جواز التكشف عندهما لأن لا يقولا ولا يصفا ~~لكان جيدا، ولكن لا يفهم، وهذا من العام المخصوص بغيره ويمكن أن يكون ذلك ~~نكتة الترك فتأمل PageV00P548 # والأمر في ذلك وأمثاله بعد العلم بالمسألة هين. # الثالثة: يا أيها الذين آمنوا ليستأذنكم الذين ملكت أيمانكم (1). # في مجمع البيان: مروا عبيدكم وإماءكم أن يستأذنوا عليكم إذا أرادوا ~~الدخول إلى مواضع خلواتكم عن ابن عباس، وقيل: أراد العبيد خاصة، وهو المروي ~~عن أبي جعفر وأبي عبد الله عليهما السلام " والذين لم يبلغوا الحلم منكم " ~~أي الأطفال الذين لم يبلغوا من الأحرار " ثلاث مرات " ثم فسرها فقال " من ~~قبل صلاة الفجر " لأنه وقت القيام من المضاجع وطرح ما ينام فيه من الثياب ~~ولبس ثياب اليقظة " وحين تضعون ثيابكم من الظهيرة " لأنها وقت وضع الثياب ~~للقائلة " ومن بعد صلاة العشاء " لأنه وقت التجرد من ثياب اليقظة ~~والاستلحاف بثياب النوم. # " ثلاث عورات لكم " في مجمع البيان هو خبر مبتدأ محذوف على تقدير رفعه ~~والتقدير هذه ثلاث عورات لكم، وبدل من ثلاث مرات على تقدير نصبه بتقدير ~~أوقات ثلاث عورات، حذف المضاف وأعرب المضاف إليه باعرابه، وفي الكشاف سمى ~~كل واحدة من هذه الأحوال عورة لأن الناس يختل تسترهم وتحفظهم فيها، والعورة ~~الخلل ومنها الأعور المختل العين وفي مجمع البيان: لأن الانسان يضع هذه ~~الأوقات ثيابه فتبدو عورته وعن السدي أن أناسا من الصحابة كانوا يواقعون في ~~هذه الأوقات فأمر الله سبحانه بأن يأمروا الغلمان والمملوكين أن يستأذنوا ~~في هذه الساعات، والظاهر أن " الذين ملكت " أعم من العبيد والإماء و ~~الأجانب والمحارم لأن " الذين " عام ولا مخصص له، وأن المراد بالذين لم ~~يبلغوا الحلم أيضا أعم من الذكور والإناث والمحارم والأجانب ولكن يحتمل أن ~~يكون بشرط التمييز الذي أشار إليه في الآية ms488 المتقدمة " أو الطفل الذين لم ~~يظهروا على عورات النساء " وفي مجمع البيان أراد به الصبي الذي يميز بين ~~العورة وغيرها. # وأن حكم غير الأوقات الثلاثة حكمها إذا كانت مشتملة على ما يشتمل تلك # PageV00P549 # فإن المقصود هو التستر وأن المراد من بعد صلاة العشاء وقت النوم تمام ~~الليل و بالجملة الظاهر أن المقصود النهي عن الدخول وقت مظنة كون المدخول ~~عليه على حالة يستقبح الدخول عليه وأن الاستيذان يحصل بكل ما يرفع ذلك وأن ~~ظاهر هذا الأمر الوجوب والظاهر أن لا نزاع فيه بالنسبة إلى البلغ وأما ~~بالنسبة إلى الأطفال فيحتمل أن يكون ذلك متوجها إلى الأولياء ولكن هو خلاف ~~الظاهر فيحتمل أن يكون على حقيقته. # قال في مجمع البيان قال الجبائي الاستيذان واجب على كل بالغ في كل حال، ~~وعلى الأطفال في هذه الأوقات الثلاثة بظاهر الآية، ويكون هذا الوجوب مستثنى ~~من عدم تكليف غير البالغ للتأديب وتعليم الأحرار أو يكون للندب بأن يكون ~~للرجحان المطلق أو يكون للإرشاد وتعليم المعاشرة، وعلى كل تقدير لا شك أن ~~فيها دلالة على كون الطفل الغير البالغ مأمورا بأمر الله ومخاطبا بخطابه، ~~لا أن الأمر إنما هو للأولياء وهم مأمورون بأوامرهم لا بأمر الله فإن الأمر ~~بالأمر لهم ليس أمرا منه لهم كما حقق في الأصول، وفيها دلالة ما على أن ذلك ~~أمر منه لهم وتحقيقه في الأصول. # وأيضا فيها مع ما بعدها دلالة على أن البلوغ بالاحتلام وخروج المني مطلقا ~~لا قبله إلا أن يثبت بدليل من إجماع ونحوه مثل إكمال خمسة عشر سنة إلا أن ~~يراد بلوغ الحلم بلوغ زمان يمكن فيه الاحتلام ولكن العلم بذلك مشكل، وهو ~~يعلم في الذكر ببلوغ كمال خمسة عشر سنة باتفاق أصحابنا، وبدونه مثل الشروع ~~فيها عند بعض وفي أربعة عشر وثلاثة عشر رواية ولكن العمل بها مشكل من دون ~~ظهور القائل، و إن كان سندها صحيحا لأنه خلاف ظاهر القرآن والأصل، ولكن ~~الاحتياط يقتضي العمل بها وتمام ذلك مذكور في محله، وفي الأنثى يتحقق ms489 ~~البلوغ بخروج المني والحيض وإكمال تسع وإنبات الشعر فيهما، والدليل عليه ~~غير واضح، وكأنه لا خلاف في ذلك عندهم والله أعلم. # " ليس عليكم ولا عليهم جناح بعدهن طوافون عليكم بعضكم على بعض ~~PageV00P550 # [كذلك يبين الله لكم الآيات والله عليم حكيم] أي لا إثم ولا حرج من الله ~~عليكم أيها المؤمنون ولا عليهم في ترك الاستيذان، وفي عدم منعكم إياهم من ~~الدخول وإن رأوكم مكشوفين في غير هذه الأوقات اتفاقا من غير قصد وعلم منكم ~~ومنهم. # في الكشاف ثم عذرهم في ترك الاستيذان وراء هذه المرات وبين وجه العذر في ~~قوله " طوافون عليكم " يعني أن بكم وبهم حاجة إلى المخالطة والمداخلة ~~يطوفون عليكم في الخدمة وتطوفون عليهم للاستخدام فلو جزم الأمر بالاستيذان ~~في كل وقت لأدى إلى الحرج، ولا يخفى أن فيها نقصا وزيادة من جهة عدم بيان ~~الجناح المنفي عنهم، وبيان كونهم طوافين عليهم للاستخدام وإن كان فيه بيان ~~لبعضكم على بعض، وهو الظاهر لأن الظاهر أن الطواف العبيد والأطفال لأهم، ~~ولهذا قال في مجمع البيان ثم بين المعنى وقال " طوافون عليكم " أي هم خدمكم ~~فلا يجدون بدا من دخولهم عليكم في غير هذه الأوقات ويتعذر عليهم الاستيذان ~~في كل وقت، قال سبحانه " ويطوف عليهم ولدان مخلدون ". ثم قال في الكشاف: ~~إذا رفعت " ثلاث عورات " كان " ليس عليكم " في محل الرفع على الوصف، ~~والمعنى: هن ثلاث عورات مخصوصة بالاستيذان، وإذا نصبت لم يكن له محل وكان ~~كلاما مقررا للأمر بالاستيذان في تلك الأحوال خاصة، " وبعضكم " مرفوع ~~بالابتداء وخبره " على بعض " على معنى طائف على بعض، وحذف لأن طوافون يدل ~~عليه، ويجوز أن يرتفع بيطوف مضمرا لتلك الدلالة. # الرابعة: وإذا بلغ الأطفال منكم الحلم فليستأذنوا كما استأذن الذين من ~~قبلهم (1). # في مجمع البيان: " منكم " أي من الأحرار فليستأذنوا في جميع الأوقات كما ~~استأذن الذين من قبلهم من الأحرار الكبار الذين أمروا بالاستيذان على كل # PageV00P551 # حال في الدخول عليكم، فالبالغ يستأذن في كل الأوقات، والطفل والمملوك ~~يستأذنان في العورات الثلاث " كذلك يبين ms490 الله لكم آياته " أي كما بين لكم ~~ما تتعبدون به في هذه يبين لكم الآيات الدالة على الأحكام " والله عليم " ~~بما يصلحكم " حكيم " فيما يفعله، فهذه الأطفال الأحرار الذين بلغوا بأحد ~~العلامات يجب عليهم أن يستأذنوا للدخول على البيوت والناس مطلقا أبا وابنا ~~استيذانا كاستيذان الذين بلغوا من قبلهم، وهم الرجال البلغ العقلاء أو ~~الذين ذكروا من قبلهم في قوله " يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتا " ~~الآية. # والمعنى أن الأطفال مأذون لهم في الدخول بغير إذن إلا في العورات الثلاث ~~فإذا اعتاد الأطفال ذلك ثم خرجوا من حد الطفولية بأن يحتلموا ويبلغوا السن ~~الذي يحكم فيها عليهم بالبلوغ وجب أن يفطموا عن تلك العادة، ويحملوا على أن ~~يستأذنوا في جميع الأوقات، كما يحمل الرجال الكبار الذين لم يعتادوا الدخول ~~عليكم إلا بإذن، وهذا مما يغفل عنه الناس، وهو عندهم كالشريعة المنسوخة، ~~وعن ابن عباس آية لا يؤمن بها أكثر الناس آية الإذن، وإني لآمر جارتي أن ~~يستأذن علي، وسأله عطا: استأذن على أختي؟ قال: نعم، وإن كانت في حجرك ~~تمونها وتلا هذه الآية، وعنه ثلاث آيات جحدهن الناس: الإذن كله، وقوله " إن ~~أكرمكم عند الله أتقاكم " فقال ناس أعظمكم بيتا، وقوله تعالى: " وإذا حضر ~~القسمة ". وعن ابن مسعود رضي الله عنه عليكم أن تستأذنوا على آبائكم ~~وأمهاتكم وأخواتكم. # هذا كله من الكشاف: ولا يخفى ما في هذه من المبالغة في الاستيذان حتى أن ~~ظاهر الآية وجوب ذلك على الأطفال والمماليك في ثلاث مرات وعلى غيرهم دائما ~~الأقارب والأباعد، والمحرم وغيره، فلا يناسب الترك بوجه فتأمل ولكن يفهم ~~عدم الاستيذان للمماليك البلغ فيشعر بعدم وجوب التستر عنهم كما مر. # إليه الإشارة فافهم. PageV00P552 # الخامسة: والقواعد من النساء اللاتي لا يرجون نكاحا فليس عليهن جناح إن ~~يضعن ثيابهن غير متبرجات بزينة وإن يستعففن خير لهن والله سميع عليم (1). # في الكشاف: القاعد التي قعدت عن الحيض والولد لكبرها " لا يرجون نكاحا " ~~لا يطمعن فيه، والمراد بالثياب الثياب الظاهرة كالملحفة والجلباب الذي فوق ~~الخمار ms491 " غير متبرجات بزينة " غير مظهرات بزينة يريد الزينة الخفية التي ~~أرادها في قوله: " ولا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن " أو غير قاصدات بالوضع ~~التبرج ولكن التخفف إذا احتجن إليه والاستعفاف من الوضع خير لهن. # لما ذكر الجايز عقبة بالمستحب بعثا منه على اختيار أفضل الأعمال وأحسنها ~~كقوله " وأن تعفوا أقرب للتقوى. وأن تصدقوا خير لكم " وفيه تأمل إذ قد تقدم ~~جواز إظهار الزينة الظاهرة فليس على غير القاعد من النساء أيضا جناح في وضع ~~الثياب الظاهرة، والظاهر من سوق هذه الآية أن القاعدات من النساء مستثنيات ~~من الحكم السابق الذي هو وجوب التستر، وتحريم كشف الزينة الباطنة ومواضعها ~~المتقدمة، فلا يحرم عليها كشف مواضع الزينة الباطنة المحرم على غيرها، ولكن ~~بشرط أن لا تتبرج بزينة أي لا يقصد إظهارها. # قال في مجمع البيان: التبرج إظهار المرأة من محاسنها ما يجب عليها ستره ~~انتهى، فإذا تبرجت بها يحرم عليها أيضا ذلك، كما يحرم على غيرها، لا بقصد ~~التكشف والاظهار وهي التي بلغت سنا أيست عن الجماع، وأيس الناس أيضا عنها ~~بمعنى أن لا يكون مطعما ولا يكون لها طمعا عادة وعرفا، ولكن العلم بذلك ~~مشكل فإن الرجال والنساء يتفاوتون في ذلك تفاوتا كثيرا جدا، فإن بعض الناس ~~يفعلون بأيديهم بل بالأرض والخشب وأية ثقبة كانت، فليست القاعد أقل من # PageV00P553 # ذلك، وعلى كل حال لا شك أن الستر والعفاف لها خير لاحتمال ذلك وهو ظاهر ~~غير مخفي. # وفي مجمع البيان: هن المستثنيات من النساء اللاتي قعدن عن التزويج لأنه ~~لا يرغب في تزويجهن، وقيل هن اللاتي ارتفع حيضهن ولا يطمع نكاحهن " فليس ~~عليهن جناح أن يضعن ثيابهن " يعني الجلباب فوق الخمار عن ابن مسعود وسعيد ~~بن جبير، وقيل: يعني الخمار والرداء عن جابر بن يزيد، وقيل: ما فوق الخمار ~~من المقانع وغيرها، أبيح لهن القعود بين يدي الأجانب في ثياب أبدانهن ~~مكشوفة الوجه واليد، فالمراد بالثياب ما ذكرناه لا كل الثياب " غير متبرجات ~~بزينة " أي غير قاصدات بوضع ثيابهن إظهار زينتهن، بل يقصدن ms492 به التخفيف عن ~~أنفسهن فاظهار الزينة في القواعد وغيرهن محظور، وأما الشابات فإنهن يمنعن ~~من وضع الجلباب أو الخمار، ويؤمرن بلبس أكثف الجلابيب لئلا تصفهن ثيابهن ~~وقد روي عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: للزوج ما تحت الدرع، وللابن ~~والأخ ما فوق الدرع، ولغير ذي محرم أربعة أثواب: درع، وخمار، وجلباب، وإزار ~~ولا يخفى أن فيه ما هو غير ظاهر الوجه فتأمل. # السادسة: نساؤكم حرث لكم فاتوا حرثكم أنى شئتم وقدموا لأنفسكم واتقوا ~~الله واعلموا أنكم ملاقوه وبشر المؤمنين (1). # " أنى " في محل النصب لأنها ظرف مكان إذا كان بمعنى حيث أو أين، وظرف ~~زمان إذا كان بمعنى متى، والعامل فيه " فأتوا " و " شئتم " جملة فعلية في ~~موضع الجر بإضافة " أنى " إليها، وإذا كان بمعنى كيف في محل النصب على ~~المصدر، ولا محل لشئتم حينئذ، وتقديره فأتوا حرثكم أي نوع شئتم قيل: نزلت ~~ردا على اليهود قالوا إن الرجل إذا أتى المرأة من خلفها في قبلها خرج الولد ~~أحول، فكذبهم الله # PageV00P554 # تعالى عن ابن عباس وجابر، وقيل: أنكرت اليهود إتيان المرأة قائمة وباركة ~~فرد عليهم. # وفي مجمع البيان معنى " نساؤكم حرث لكم " أنهن مزرع لكم ومحرث لكم عن ابن ~~عباس والسدي، أو أنهن موضع حرثكم وذوات حرث لكم فيهن تحرثون الولد، فحذف ~~المضاف، أو يكون بحذف كاف التشبيه أي كحرث لكم فأتوا حرثكم أي أدخلوا في أي ~~موضع تريدون من موضع حرثكم " أنى شئتم " أي من أين شئتم كما يدل عليه اللغة ~~عن قتادة، وقيل كيف شئتم عن مجاهد وقيل متى شئتم عن الضحاك وهذا خطأ عند ~~أهل اللغة إذ " أنى " ما جاء إلا بمعنى من أين كذا في مجمع البيان. # ثم قال استدل مالك بهذه الآية على إباحة وطي الدبر، وذلك غير بعيد، و أما ~~الاستدلال بها على عدم الجواز، كما هو المشهور فذلك بعيد، إذ على تقدير ~~تسليم أن المعنى، فأتوا حرثكم كيف شئتم، بناء على سبب النزول الذي مضى ~~ومناسبة الحرث للاتيان في محل الحرث وهو ms493 القبل، لحصول الولد منه، وتشبيها ~~لهن بالمزرع لقرار النطفة في أرحامهن كالبذر في الزرع، لا يدل على ذلك، إذ ~~ليس فيه المنع عن غير محل الزرع وغير الزراعة، ولأنه يجوز الاتيان في ~~المزرع في جميع أجزائه وأي مكان منه أراد، ولهذا يجوز الاتيان في النساء في ~~غير القبل والدبر والانتفاع منها، ولا شكل أنه لو صرح الاتيان بالقبل لما ~~دل على منع غيره إلا بمفهوم بعيد ليس حجة هو ظاهر بغير نزاع. # " وقدموا لأنفسكم " الأعمال الصالحة التي أمرتم بها ورغبتم فيها، ليكون ~~ذخرا لكم عند الله، وزادا ليوم فاقتكم، وقيل: هو طلب الولد، لما روي في ~~مجمع البيان أنه إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: ولد صالح، وصدقة ~~جارية وعلم ينتفع به بعد موته، وقيل هو تقديم الافراط جمع فرط وهو الولد ~~الذي يقدمه الانسان قبل بلوغه لما ورد في الحديث من قدم ثلاثة من الولد لم ~~يبلغوا الحنث لم PageV00P555 # تمسه النار إلا تحلة القسم (1) فقيل يا رسول الله صلى الله عليه وآله ~~واثنان؟ فقال: واثنان وهو بعيد، لأنه ليس باختياري فيحتاج إلى التأويل وقيل ~~التسمية عند الجماع، وقيل الدعاء وهما مرويان، وقيل التزويج ليحصل منهما ~~الولد الصالح، ولهذا استحب اختيار كريمة الأصل والعفيفة الولود. # " واتقوا الله " معاصيه " واعلموا أنكم ملاقوه " أي ملاقوا جزائه يعني ~~ثوابه إن أطعتموه، وعقابه إن عصيتموه، وإنما أضاف إليه تعالى على ضرب من ~~المجاز أي تزودوا ما لا تفتضحون به عنده، وهو التقوى، فإن خير الزاد التقوى ~~" وبشر " يا محمد " المؤمنين " الكاملين في الايمان أو العاملين المستوجبين ~~للمدح والتعظيم بفعل الطاعات والحسنات، وترك المعاصي والقبايح، وكأن " ~~نسائكم حرث لكم " بيان لقوله: " من حيث أمركم الله " أي المأمور بالإتيان ~~موضع حرثكم فأتوه من أين أردتم كما في الحرث إلا أنكم تجتنبون في زمان ~~الحيض مكانه، والله أعلم. # السابعة: والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين (2). # في الكشاف: إنشاء عبر عنه بالخبر كقوله " يتربصن " للمبالغة، معناه لترضع ~~الأمهات أولادهن على طريق الاستحباب والندب إذ لا يجب ms494 عليهن إرضاع أولادهن ~~عندهم إلا في الصور المخصوصة، فيه أنه خلاف الظاهر مع التعبير بالخبر ~~للمبالغة، وأيضا الظاهر أن الارضاع في الحولين واجب فلا يفهم حينئذ من ~~الآية لحملها على الندب، مع أن الأكثر يستدل بها على حده، أو الوجوب فيلزم ~~تخصيصها بالصور الخاصة مثل أن لا يعيش إلا بلبن أمه بأن لا يشرب إلا لبنها ~~أو لا يوجد غيرها أو الوالد يكون عاجزا عن تحصيل غيرها لعدم قدرته على ~~الأجرة فيكون الولد ممن تجب نفقته على الأم إن كانت قادرة ويحتمل أيضا أن ~~يكون المعنى أن الارضاع في هذه المدة للأم، بمعنى أنه حقها يجب على الأب ~~تمكينها منه ولا يجوز له الأخذ # PageV00P556 # منها وإرضاع غيرها، فيكون حينئذ إخبارا عن حق الأم الواجب على الأب فلا ~~يحتاج إلى ارتكاب الخروج عن الظاهر، ولكن شرط الأصحاب عدم رضاع غيرها بأقل ~~مما ترضى، وعدم وجود متبرعة إذا لم تتبرع هي بالارضاع، وهو بالحقيقة شرط ~~وقيد لقوله " وعلى المولود رزقهن " على بعض الوجوه. # والظاهر حمل الوالدات على عمومها كما هو الظاهر، لا تخصيصها بالمطلقات ~~لأن الكلام فيهن لعموم اللفظ، وأيضا الظاهر أن تقييد الحولين بالكاملين ~~لدفع احتمال المسامحة المشهورة في مثله يقال أقمت عند فلان سنة وفي البلد ~~الفلاني سنة، مع عدم استكمالها " لمن أراد أن يتم الرضاعة " أي هذا الحكم ~~هو الرضاع في الحولين لمن أراد إتمام الرضاعة من الآباء أو أنه متعلقة ~~بيرضعن فإن الوالد هو الذي يرضع الولد له وينسب إليه لا الأم في الأغلب ~~والأكثر، وأكد هذا المضمون بقوله " و على المولود له رزقهن وكسوتهن ~~بالمعروف " حسب ما يكون معروفا في العرف والشرع مثله لمثلها، فيكلف بما ~~يحصل له بسهولة ويليق بأمثالها، ولعله نبه عليه بقوله " لا تكلف نفس إلا ~~وسعها " أي لا يكلف الله تعالى نفسا ما أمرا شاقا بحيث يكون حرجا وضيقا، ~~فإنه لا يناسب الشريعة السهلة، بل العقل أيضا، لا أنه لا يكلف بما لا يطاق ~~أصلا كما قيل، إذ لا يحتاج ذلك إلى النقل ms495 فإن العقل يحكم به بديهة. # فبظاهرها دلت على أن الارضاع حق لهن فلا يمنعن أو على استحبابه أو وجوبه ~~في الجملة على ما مر، وأن ذلك عام لكل أم فإن خرجت واحدة لدليل وإلا بقيت ~~على العموم، ودلت أيضا على أن الحولين حق لكل ولد سواء ولد لستة أشهر أو ~~أكثر إن أراد الولي إتمام الرضاعة، وبعضهم خصصه بالأول ويفهم كونه مقبولا ~~للأصحاب من مجمع البيان لقوله " وحمله وفصاله ثلاثون شهرا " والظاهر خلافه، ~~وعلى أن ليس أكثر من ذلك وقت الرضاع، فلو علق أمرا بالرضاع لا يتعدى عن ~~الحولين فافهم. # فدلت بالقيد على جواز النقص مطلقا إن لم يرد إتمام الرضاعة، ولكن قال ~~PageV00P557 # الأصحاب لا يجوز النقص إلا شهرا وشهرين وفي بعض العبارات ثلاثة أيضا ولعل ~~هذا التحديد بالإجماع أو الروايات، فقول صاحب مجمع البيان: وأما حد القلة ~~فمنوط بحال الصبي فبأي شئ يعيش يجوز الاقتصار عليه، والكثرة محدودة ~~بالحولين. # محل التأمل، نعم ظاهر الآية تحديد جانب الكثرة كما قلنا لكن الأصحاب ~~جوزوا الزيادة عليه أيضا بمقدار ما جوزوا النقيصة، فكأنه لما مر أو ~~للضرورة، فلا ينافي الآية لأن جميع الأحكام مخصوصة ظاهرا بحال الاختيار ~~عقلا ونقلا أو بقوله تعالى " فإن أرادا فصالا " لما سيجئ. # ودلت أيضا على وجوب النفقة والكسوة على والد الولد، فايجاب أجرة زيادة ~~على نفقة الزوجية بها بعيد ويمكن حملها عليه حيث قوبلت بالرضاع فتكون ~~محمولة على أجرة المثل، وكونها في وقت نزولها ذلك غير بعيد، وفي غير ذلك ~~يكون أجرة المثل يساوي ذلك أو زاد أو نقص، وهذا يكون مخصوصا بما إذا كانت ~~الولد ممن تجب نفقته على الوالد، بأن يكون فقيرا وأبوه غنيا إذا الظاهر أن ~~ليس شئ واجب على الوالد إلا النفقة وهي مخصوصة لما قلناه على ما صرحوا به، ~~وإلا يكون من مال الولد وإن لم يكن له مال فعلى الأم وإلا فمن بيت المال. # " لا تضار " وكأنه تفصيل وبيان للا تكلف أي يكلف كل منهما ما ليس في وسعه ~~وقرأ ابن ms496 كثير وأبو عمرو ويعقوب لا تضار بالرفع بدلا عن قوله " لا تكلف " ~~كذا قيل والظاهر أن معناه يغاير معنى لا تكلف ولو ببعض الاحتمالات، وقرأ ~~أكثر القراء بفتح الراء، وعلى التقديرين يحتمل البناء للفاعل فأصله " يضارر ~~" بكسر الأول والمفعول فأصله يضارر بفتحه، والمعنى المقصود على التقادير ~~النهي، أي لا تضار والدة زوجها بسبب ولدها، وهو أن تعنفه به وتطلب منه ما ~~ليس بمعروف وعدل من الرزق والكسوة، وأن تشغل قلبه في شأن الولد وأن تقول ~~بعد ما ألفها الولد أطلب له ظئرا وما أشبهه ذلك، مثل أن تترك إرضاع الولد ~~فيحصل للولد مرض أو موت في يد الأجنبية أو لم تفعل ما وجب عليها بعد ~~الإجارة بحيث يحصل الضرر للولد فيضر الوالد ولا يضار المولود له أيضا ~~امرأته بسبب ولده بأن يمنعها شيئا مما PageV00P558 # وجب عليه من رزقها وكسوتها، أو يأخذه منها وهي تريد الارضاع فتتضرر ~~بمفارقة الولد ونحوه، ولا يكرهها عليه إذا لم ترده فتتضرر بالاكراه. # وقال في مجمع البيان: وروي عن السيدين الباقر والصادق عليهما السلام لا ~~تضار والدة بأن يترك جماعها خوف الحمل، لأجل ولدها المرتضع، ولا مولود له ~~بولده أي لا تمنع نفسها من الأب خوف الحمل، فيضر ذلك بالأب، لعل المراد في ~~الأولى بعد مضي أربعة أشهر، فإنه حينئذ لا يجوز له الترك، وأما قبله فيجوز ~~فلا يكون منهيا إلا أن يحمل على الكراهة، وقيل مطلق الجماع حال الرضاع يضر ~~المرتضع تحمل الأم أم لا، رأيت ذلك في قانون الشيخ في الطب ولا يتفاوت ~~الحال بالبناء للفاعل والمفعول، فإنه يكون نهيا عن أن يلحق بها الضرر من ~~قبل الزوج، وأن يلحق به الضرر من جهة الزوجة بسبب الولد. # ويجوز أن يكون " تضار " بمعنى تضر، وأن يكون الباء من صلته أي لا تضر ~~والدة بولدها فلا تسئ غذاءه وتعهده ولا تفرط فيما ينبغي له، ولا تدفعه إلى ~~الأب بعد ما ألفها، ولا يضر الوالد به بأن ينتزعه من يدها مع الألف والضرر، ~~أو يقصر في حقها ms497 فتقصر هي في حق الولد، وإسناد الولد إليها تارة بقوله ~~ولدها وإليه أخرى بقوله لولده إشارة إلى الاستعطاف وعدم التقصير في حقه ~~واستعمال الشفقة. # " وعلى الوارث مثل ذلك " قيل إنه عطف على المولود له الخ وما بينهما ~~اعتراض لبيان تفسير المعروف، فكأن المعنى وعلى وارث المولود له مثل ما وجب ~~عليه، أي يجب عليه مثل ما وجب على المورث، فعلى الوارث خبر مقدم متعلق ~~بمقدر، ومثل ذلك مبتدأ، يعني إن مات المولود له لزم من يرثه أن يقوم مقامه ~~في أن يرزقها ويكسوها بالمعروف وعدم الضرر، وهذا مشكل لعدم وجوب نفقة الولد ~~على غير الأبوين، فلا تجب أجرة الرضاع على غيرهما، وهو مذهب الأصحاب ~~والشافعي فقيل المراد من الوارث هو الولد المرتضع فتجب الأجرة في ماله بأن ~~يعطيه الولي أو الوصي أو الحاكم أو من ينوبه فيسترضع وهو بعيد عن ظاهر ~~الآية. PageV00P559 # ويحتمل بعيدا أيضا أن يكون المراد أم المرتضع أي المرضعة يجب على نفسها ~~حينئذ نفقتها وكسوتها ويحتمل إرادة الجد والجدة أيضا على المذهب أو كانت ~~الأم المرضعة محتاجة لا تعيش بدون أجرة رضاعها ويحتمل أيضا كونها واجبة على ~~الورثة في مال الميت بأن كان أوقع الإجارة، ومات من غير أن يسلم تمام ~~الأجرة فتكون الآية حينئذ دليلا على عدم بطلان الأجرة بموت المؤجر، وقيل ~~المراد وارث الصبي وهو خلاف الظاهر إذ الظاهر أن المراد من الوارث وارث ~~الميت المشار إليه وأيضا إن الوارث إنما يقال حقيقة إذا ورث وإطلاقه على من ~~يكون وارثا على تقدير موت الصبي وتخلفه مالا بعيد، وأيضا ليس بمنطبق على ~~المذهب المتقدم إلا بالتأويل المذكور في الجملة فلا يحتاج حمله على خلاف ~~الظاهر، إذ يصح حمله على وارث الوالد. # " فإن أرادا " الوالد والوالدة " فصالا " أي قطع الولد من الرضاع قبل ~~الحولين أو بعده، على الاحتمال كما قاله في الكشاف، فإن الفصال أعم فالحمل ~~عليه دون ما قبله كما في باقي التفاسير أولى، صادرا " عن تراض منهما وتشاور ~~" مشتملا على مصلحة الصبي وعدم ضرر به ms498 " فلا جناح " ولا إثم " عليهما " ~~فيما فعلا وحذف للظهور واشتراط رضى الأب مما لا كلام فيه، لأنه ولي اتفاقا ~~وأما الأم فلأنها أحق بالتربية وهي أعرف بحال الصبي مع كثرة حقها عليه ~~وزيادة شفقتها له، فناسب اعتبار رضاها، إذا لم يكن قصدها إلا الاصلاح، ولا ~~يبعد حينئذ الرضا والمشورة من العارفين بحال الصبي فكيف الأم العارفة فكأن ~~في إطلاق التشاور من غير الإضافة إليهما إشارة إلى ما قلناه فافهم، [و] ~~التشاور والمشاورة والمشورة استخراج الرأي من شرت العسل إذا أخرجته. # فدلت الآية على جواز النقص والزيادة على الحولين، لكن مع التراضي ~~والمصلحة، وهو ظاهر، وقاله الأصحاب أيضا، لكن ما ذكروا التراضي وحددوا بشهر ~~واثنين وثلاثة كأنه للإجماع أو الرواية كما مر. # " وإن أردتم " خطاب للأزواج " أن تسترضعوا " المراضع " أولادكم " أي ~~لأولادكم فالاسترضاع يتعدى إلى مفعولين حذف أحدهما للاستغناء عنه. وكذا ~~PageV00P560 # حكم كل مفعولين إذا لم يكن أحدهما هو الآخر " فلا جناح " ولا إثم " عليكم ~~" في ذلك الاسترضاع " إذا سلمتم " إلى تلك المراضع " ما آتيتم " ما أردتم ~~إعطاءه إياهن وشرطتم لهن " بالمعروف " متعلق بسلمتم أي بالوجه المتعارف ~~الحسن شرعا وعقلا فكأنه " إذا " شرط والجزاء محذوف، والتقييد للحث والترغيب ~~على إعطاء الأجرة، وغاية الاهتمام بإعطاء حقوق الناس أو الاهتمام بتربية ~~الصبي، فإنها مع الأخذ تصير راضية بالرضاع لحصول النفع فتعمل غاية الجهد ~~كما في المهر، لا لعدم الجواز والصحة بدونه على ما قالوه، كأنه للإجماع ~~ويحتمل حذف الجزاء من غير جنس ما تقدم مثل فقد خرجتم عن عهدة الواجب أو ~~برأت ذمتكم ونحوه، فلا يحتاج إلى هذا التكلف. # " واتقوا الله " مبالغة في المحافظة على ما شرع من أمر الأطفال والمراضع ~~بل في مطلق الواجبات والمحرمات " واعلموا أن الله بما تعملون بصير " حث ~~وتهديد وخوف ووعد، فقد ظهر من هذه الآية تأكيدات في أمر الأطفال والمراضع ~~بل مطلق الأحكام. # الثامنة: ولا جناح عليكم فيما عرضتم به من خطبة النساء أو أكننتم في ~~أنفسكم علم الله أنكم ستذكرونهن ولكن لا تواعدوهن سرا إلا أن ms499 تقولوا قولا ~~معروفا ولا تعزموا عقدة النكاح حتى يبلغ الكتاب أجله واعلموا إن الله غفور ~~حليم (1). # التعريض هو التلويح والإيهام على القصود بما لم يوضع له حقيقة ولا مجازا ~~كقول السائل للغني جئتك لأسلم عليك، يريد به الإشارة إلى طلب شئ، والكناية ~~هي الدلالة على الشئ بغير لفظه الموضوع له، بل بلوازمه كطويل النجاد لطويل ~~القامة، وكثير الرماد للمضياف، والخطبة بالكسر طلب المرأة للتزويج، ~~فمضمونها # PageV00P561 # نفي الحرج والإثم عن التعريض بطلب المرأة في العدة بالتزويج بعدها، مثل ~~أن يقول لها أنت جميلة ونافقة وصالحة للتزويج، ونحوها من أوصافها، أو يذكر ~~بعض أوصافه مثل أنا محتاج إلى التزويج وأنا من قريش ونحوه، فالظاهر إباحة ~~الخطبة تعريضا لكل من في العدة عدة الوفاة والطلاق فتخصيص القاضي بالمتوفى ~~عنها زوجها مع كونه قائلا بالجواز في عدة الطلاق أيضا غير سديد لظهور ~~العموم مع انطباقه على المذهب، وعدم المخصص، وكون الكلام قبله في المتوفى ~~لا يستلزم ذلك مع أن الترتيب النزولي غير معلوم، نعم ينبغي تخصيصها بغير ~~ذات العدة الرجعية، فإنه لا يجوز التعريض لها لغير الزوج، فإنها كالزوجة ~~للإجماع. # وكذا لا إثم فيما أكننتم: أي أضمرتم في قلوبكم فلم تذكروه بألسنتكم، لا ~~تصريحا ولا تعريضا أو تذكرونه بقوله سرا من غير جهر فأكننتم عطف على عرضتم ~~وهي صلة " ما " في " ما عرضتم " و " من خطبة النساء " بيان له " علم الله ~~أنكم " ما تصبرون على الكتمان بل " ستذكرونهن " لكثرة رغبتكم فاذكروهن " ~~ولكن لا تواعدوهن " جماعا فعبر عنه بالسر لأنه مما يسر فالمراد المواعدة ~~بما يستهجن مثل عندي جماع يرضيك أو أجامعك كل ليلة ونحوه " إلا أن تقولوا ~~قولا معروفا " كأن المستثنى منه، محذوف أي لا تواعدوهن مواعدة قط إلا ~~مواعدة معروفة أو إلا مواعدة بقول معروف، فسرا حينئذ غير داخل في المستثنى ~~منه، إذ المراد به مطلق المواعدة منكرة كانت أو معروفة. # وقال القاضي: قيل إنه استثناء منقطع عن " سرا " وهو ضعيف، لأدائه إلى ~~قولك لا تواعدوهن إلا التعريض وهو غير موعود، يعني أن ms500 المراد بالقول ~~المعروف هو الخطبة تعريضا وليس ذلك موعودا بل مقول في الحال، ويلزم حينئذ ~~كونه موعودا وهو في الكشاف أيضا وفيه أنه: يحتمل أن يراد بالقول غير الخطبة ~~تعريضا مثل الوعد بحسن المعاشرة وغيره، بل ينبغي ذلك لفهم حسن الخطبة من ~~قبل وأيضا لما كان المقصود الحاصل من التعريض هو النكاح بعد العدة وكان ذلك ~~موعودا فيصح إطلاق الموعود عليه في الجملة على أنه قد يمنع الأداء فإن ~~الحاصل PageV00P562 # أنه لا تواعدوهن مواعدة سر ولكن تعرضوهن بالقول المعروف بالخطبة، ولا ~~يلزم كونه موعودا فتأمل " ولا تعزموا عقدة النكاح " ذكر العزم مبالغة في ~~النهي عن العقد في العدة مثل النهي عن القرب من الزنا وغيره، أي لا تقصدوا ~~عقدة النكاح كأن المراد بالعقدة الحالة الثانية بسبب العقد في النكاح بين ~~الزوج والزوجة، وقيل: معناه ولا تقطعوا عقدة النكاح لأن العزم بمعنى القطع، ~~وجعل في الكشاف سند هذا قوله في الحديث لا صيام لمن لم يعزم الصيام من ~~الليل، وليس بواضح إذ يحتمل العقد والنية كما قيل، قال: ويروي لا صيام لمن ~~لم يبت الصيام " حتى يبلغ الكتاب " ما في القرآن " أجله " أي ينقضي العدة ~~الواجبة فيه، أو المراد بالكتاب المكتوب وهو المفروض. # " واعلموا أن الله يعلم ما في أنفسكم " ما تعزمون وما في قلوبكم من العزم ~~على ما لا يجوز " فاحذروه " أي فابعدوه ولا تفعلوه خوفا أن تعاقبوا، فهو ~~تخويف وترهيب وإشارة إلى المبالغة في عدم قرب المعاصي كأنه يعاقب بمجرد ~~العزم لا أنه يعاقب به كما هو الظاهر، لأن المشهور عند الأصحاب أنه لا ~~يعاقب بعزم الحرام ويثاب بعزم الطاعة وهو من جملة ألطافه تعالى، وإن كان ~~ذلك أيضا محتملا وذهب إليه السيد السند، ويحتمل أن يكون معنى القول المشهور ~~أنه لا يعاقب بعقاب الحرام المنوي وإن يعاقب بعقاب العزم بخلاف النية على ~~الطاعة، فإنه يثاب الناوي بثواب تلك الطاعة، ويؤيده ما روي عنه عليه السلام ~~نية المؤمن خير من عمله، و في معناه بحث ليس هذا محله، فافهم. ms501 # وأيضا يؤيد الأول قوله تعالى " واعلموا أن الله غفور حليم " لعله يدل على ~~أنه لا يعاقب على العزم لحمله في تأخير العقاب حتى يقع المنهي، أو لكثرة ~~فعل المغفرة بل في جميع المعاصي فإنه لا يعاقب ولا يكتب، بل ينتظر المسقط ~~والتوبة كما في الأخبار. # ففيها دلالة على جواز التعريض للخطبة مطلقا وعلى تحريم التصريح في الجملة ~~PageV00P563 # وعدم حسن ذكر الخطبة في الجملة بقوله " علم الله أنكم ستذكرونهن " وتحريم ~~عقد النكاح في العدة مطلقا، وأن الله عالم بما في الضمائر، وأنه كثير ~~المغفرة، ولا يعجل بالعقاب لكثرة الحلم، وعدم خوف الفوت والعجز. # الخبيثات للخبيثين والخبيثون للخبيثات والطيبات للطيبين والطيبون للطيبات ~~(1). # في مجمع البيان: قيل في معناه أقوال: أحدها أن الخبيثات من الكلم أي ~~القول والعبارة والكلام للخبيثين من الرجال، والخبيثون من الرجال للخبيثات ~~من الكلم، والطيبات من الكلم للطيبين من الرجال، والطيبون من الرجال ~~للطيبات من الكلم، ألا ترى أنك تسمع الخبيث من الرجل الصالح فتقول غفر الله ~~لفلان ما هذا من خلقه وكلامه، والثاني الخبيثات من النساء للخبيثين من ~~الرجال والخبيثون من الرجال للخبيثات من النساء، والطيبات من النساء ~~للطيبين من الرجال والطيبون من الرجال للطيبات من النساء عن أبي مسلم ~~والجبائي وهو المروي عن أبي جعفر وأبي عبد الله عليهما الصلاة والسلام ~~قالا: هي مثل قوله " الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة " (2) الآية لأن ~~أناسا يتزوجون منهن فنهاهم الله عن ذلك. # " أولئك مبرؤون " أي الطيبون والطيبات منزهون " مما يقولون " من الكلام ~~الخبيث، هذا يؤيد الأول ويمكن أن يقدر، ومن أن يميلوا إلى الخبيثات " لهم " ~~أي للرجال والنساء من الطيبين " مغفرة ورزق كريم " عطية من الله كريمة حسنة ~~في الجنة، بل يمكن في الدنيا أيضا، ففي الآية دلالة على عدم جواز الكلام ~~الخبيث، وعدم جواز نكاح الزانية لغير الزاني كما تقدم فتأمل. # PageV00P564 # يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك تبتغى مرضات أزواجك والله غفور ~~رحيم * قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم والله موليكم وهو العليم الحكيم ms502 (1). # المشهور في سبب نزولها أنه صلى الله عليه وآله خلا بمارية جاريته في يوم ~~حفصة أو عائشة وعلمت بذلك حفصة فقال لها صلى الله عليه وآله اكتمي علي فقد ~~حرمت مارية على نفسي، و ما كتمتها بل قالت لعائشة فطلقها رسول الله صلى ~~الله عليه وآله واعتزل نساءه تسعا وعشرين ليلة في بيت مارية. # وروي أن عمر قال لها: لو كان في آل الخطاب خيرا لما طلقك رسول الله صلى ~~الله عليه وآله. # وروي أنه شرب عسلا في بيت زينب بنت جحش فتواطأت عائشة وحفصة فقالتا له: ~~إنا نشم منك ريح المغافير، وكان يكره رسول الله ويشق عليه أن يجئ منه ~~الرائحة الكريهة فحرم العسل كذا في الكشاف وقيل إنه شرب في بيت حفصة وعلمت ~~عائشة وغارت فأرسلت إلى صواحبها فأخبرتهن وقالت: إذا دخل عليكن رسول الله ~~صلى الله عليه وآله فقلن إنا نجد منك ريح المغافير، فقالت له عائشة ~~وصواحبها ذلك فكره ذلك رسول الله صلى الله عليه وآله فحرم على نفسه العسل، ~~فأنزلت الآية. # وفي هذا السبب شئ عظيم لحفصة ولعائشة أعظم حيث كذبت وغدرت وفتنت وأمرت ~~بهذه المناكير، وحصل الأذى للنبي صلى الله عليه وآله بذلك حتى حرم على نفسه ~~ذلك واعتزل من النساء ونزلت هذه الآية التي تشعر بتوبيخه صلوات الله عليه ~~مع معلومية إثم أذاه صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله من قوله تعالى: " ~~والذين يؤذون رسول الله لهم عذاب أليم " ومن قوله تعالى " إن الذين يؤذون ~~الله ورسوله لعنهم الله في الدنيا والآخرة " ومن قوله " والذين يؤذون ~~المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا فقد احتملوا بهتانا وإثما مبينا " (2) ~~وفي الأخبار ما يدل على أن # PageV00P565 # أذاه أذى الله تعالى. # ويمكن أن يكون معنى الآية الله يعلم أنه صلوات الله عليه وآله لما حصل له ~~الأذى والندامة وضيق الخلق بسبب الفتنة التي فعلن كما هو عادة النساء على ~~ما نراها الآن أيضا فأراد منع نفسه عن هذا الأمر الذي هو سبب ذلك وإن كان ~~محبوبا عنده ومستلذا ms503 به إرادة مرضاتهن حتى لا تصير فتنة فقال منعت نفسي عن ~~هذا ولا أرتكبه أبدا، فقال الله تعالى لم تمنع نفسك عن مشتهياتك بسب مرضات ~~زوجاتك فإن رضاك وهواك مقدم على رضاهن فافعل ما تريد وإن فعلن هن ما أردن ~~والإثم لهن لا لك فيكون التحريم بالمعنى اللغوي كما في قوله تعالى " وحرمنا ~~عليه المراضع " أي منعنا موسى عن ارتضاع امرأة مطلقا إلا أمه حتى رجع ~~إليها. # ونقل في الكشاف عن الشعبي: لم تمتنع منه؟ إلى قوله ونحوه قوله تعالى: # " وحرمنا عليه المراضع " أي منعناه منها، ويحتمل أيضا أن يكون المعنى ~~الشرعي ويكون صلى الله عليه وآله يعرف حلية ذلك إما بالعقل أو بالوحي، وقد ~~كان مكروها فالله تعالى ذكر أنك لم تترك هذا المباح وتفعل المكروه لمرضات ~~زوجاتك وهن لا يستحقن أن تترك لهن ما تحب، وتفعل ما تكره وأكره أنا أيضا ~~ذلك لك، فلا زلة للنبي صلى الله عليه وآله في هذه الآية بتحريم ما حلل الله ~~كما قال في القاضي حاشاه فإن مثل ذلك لا يجوزون لأدنى متفقه بل عامي فكيف ~~لأكرم خلق الله وأعزه عند الله وأعلمهم، بل تحريم ما حلله الله كفر مع ~~العلم، والظاهر أن مع الجهل لا شئ عليه لكنه منتف هنا، فلا دلالة. # والعجب من الكشاف أنه قال: وكان هذا زلة منه لأنه ليس لأحد أن يحرم ما ~~أحل الله لأن الله عز وجل إنما أحل ما أحل لحكمة ومصلحة عرفها في إحلاله ~~فإذا حرم كان ذلك قلب المصلحة مفسدة، لأن عدم جواز تحريم ما أحله الله ظاهر ~~ولا يحتاج إلى الدليل ومعلوم انتفاؤه عنه صلى الله عليه وآله. # " والله غفور " لكل مؤمن فيغفر لمن يريد بالعفو أو بالتوبة بأن يوفقه له ~~و " رحيم " قد يرحم لمن يشاء، ويحتمل أن يكون إشارة إلى أن هذا الذي فعلت ~~PageV00P566 # لا تؤاخذ به، ولا تنقص بذلك مرتبة من مراتبك التي عند الله، فإنه يغفر ~~الذنوب ويرحم المذنبين، فكيف يفعل ذلك بك ويؤاخذك بفعل أمر مباح ms504 لمرضات ~~أزواجك ومصلحة رأيتها ودفع الفتنة، فعقب ما يشعر بعتاب ما بهذا، لدفع وهم ~~المتوهم وتسليته صلوات الله عليه وعلى آله ويحتمل أيضا أنه خطر بباله صلوات ~~الله عليه أن هذا الفعل يصير سببا لصدور الذنب عنهما فتعاقبان، فأحب أن ~~يترك حظ نفسه من وقوع الذنب والمعاصي وخلاف مرضات الله لهما فقال الله افعل ~~أنت ما تريد والله غفور يغفر لمن يشاء ويرحم من يشاء مع المصالح، ويعاقب من ~~يستحق، فافعل ما هو مباح لك وتشتهيه، وخل المذنب ومن يعصي الله إلي، فإنه ~~عبدي إن أشاء أعاقب، وإن أشاء أعفو. # " قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم " قد شرع وجوز وبين وقدر لكم حل ما عقدتم ~~على أنفسكم في تحريم ما هو حلال لكم في الأصل من وطي الجوار وأكل العسل ~~ونحو ذلك مما لكم فيه نفع، ولا ضرر عليكم فيه، سواء وقع عليه الحلف الشرعي ~~واليمين المقررة لفظا أو مجرد التقرر على نفسه وقصد ذلك، فإن الحلف في مثله ~~لا ينعقد ولا يحرم خلفه، ولا كفارة بذلك إذ لا حنث حيث لا عقد ولا يترتب ~~عليه أثره، فوجوده كعدمه، فدل على عدم انعقاد اليمين على مثله فإنه مرجوح ~~مع اشتراط الرجحان في الدين أو الدنيا أو التساوي في المحلوف عليه وأنه ~~يجوز خلف اليمين من غير كفارة لو حلف على مثله، مثل وطي الأمة أو الزوجة ~~كما ذكره الفقهاء وقالوا لو شرط أن لا يتزوج عليها ولا يتسرى وحلف عليهما ~~لم يلزم ولم يحنث بالخلف. # وقال في القاضي والكشاف معناه تحلة الأيمان بتجويز الاستثناء يعني يجوز ~~أن يقيد اليمين بعد الوقوع بأن يقول عقيبها إن شاء الله، حتى لا يحنث من ~~قولك حلل فلان في يمينه، إذا استثنى فيها أو قد شرع ذلك بالكفارة وهما ~~بعيدان أما الأول فلأن تجويز حل اليمين بمثله بحيث يجوز خلف اليمين المنعقد ~~ولو بزمان كثير بعيد، على أنه لم يعلم عدم مشية الله تعالى قبل نزول الآية، ~~ولأنه لا معنى PageV00P567 # لانعقاد مثل هذا اليمين ms505 بعد أن قال " لم تحرم " فإنه يدل على عدم أولوية ~~ذلك بل مرجوحيته وعدم ترتب الأثر خصوصا على قولهما إنه حرام، وأما الثاني ~~فللثاني، ولأن ظاهر الآية عدم الكفارة حيث أطلق ولم يقيد بالكفارة، ولأنه ~~غير معلوم وقوع الكفارة عنه صلى الله عليه وآله ولهذا نقل الخلاف في الكشاف ~~في أنه كفر أم لا. # وقولهما بأن معنى تحلة اليمين الاستثناء يدل على عدم اليمين فلا كفارة، ~~فلم يعلم وقوع اليمين أيضا على ذلك، ولهذا نقل الخلاف بين الصحابة والفقهاء ~~هل قول حرمت الأمر الفلاني، إذا كان حلالا، يحرم ذلك أم لا؟ وإذا كان وطئ ~~امرأة هل هو ظهار أو إيلاء أو طلاق رجعي أم لا شئ، لأن ذلك هو الذي قال صلى ~~الله عليه وآله بقوله حرمت. # وأصحابنا على أنه ليس بشئ للآية المذكورة، فإنها ظاهرة في أنه ليس بشئ ~~ولا يترتب عليه شئ، ولهذا منع عن ذلك أو لا ثم أكد عدم لزوم شئ بقوله " ~~والله غفور رحيم " ثم بقوله " قد فرض الله " أي شرع، فإن ضم هذا إلى الأول ~~يصير المجموع كالصريح في كون وجوده كعدمه في عدم ترتب الأثر وللآيات الأخر ~~والأخبار والعقل الدالة على عدم حسن ذلك وترتب الأثر وهو ظاهر، فإن ما حلله ~~الله لم يخرج عنه إلا بتحريمه نعم يحتمل الإثم بل الكفر لو فعل معتقدا أو ~~عالما وهو مذهب مسروق كما نقل عنه في الكشاف وقال كان مسروق لا يراه شيئا ~~ويقول ما أبالي أحرمتها أو قصعة من تريد، وكذلك الشعبي قال ليس بشئ محتجا ~~بقوله تعالى " ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام " ~~وقوله " لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم " (1) وما لم يحرمه الله فليس ~~لأحد أن يحرمه ولا أن يصير بتحريمه حراما، ولم يثبت من رسول الله أنه قال ~~لما أحله الله هو حرام علي الخ هذا كلام جيد جدا لأنه نقل بعد ذلك كلاما ~~غير جيد، إذ قد ذكر مع ذلك الكفارة لليمين بظهوره من قوله ms506 تحلة أيمانكم مع ~~أنه شبه أول الكلام بقوله " وحرمنا عليه المراضع " وفسره بمنعناه منها، ~~وعملنا بخذ ما صفي، ودع ما كدر. # PageV00P568 # " والله موليكم " متولي أمركم، " وهو العليم " بما يصلحكم فيشرعه لكم " ~~الحكيم " المتقن في أحكامه وأفعاله، فما حلل إلا لمصلحة، وما حرم إلا لذلك ~~ولا يفعله إلا لغرض صحيح، ولا يحل إلا ما هو أصلح لكم، فنصحته لكم أولى من ~~نصحتكم، وما حلل لكم أولى مما تحرمون على أنفسكم، فلو كان التحريم مصلحة ~~لحرم. # واعلم أن في تتمة السورة عتابا كثيرا وتعريضا جزيلا بالنسبة إلى من يؤذي ~~النبي صلى الله عليه وآله وأن ذلك موجب للتوبة والعقاب بدونها، ولا ينتفع ~~بعد ذلك القرب من النبي صلى الله عليه وآله ولصوق جلده بجلده، حيث قال " إن ~~تتوبا إلى الله " قال في الكشاف والقاضي خطاب لحفصة وعائشة على طريق ~~الالتفات للمبالغة في المعاتبة " فقد صغت قلوبكما " فقد وجد منكما ما يوجب ~~التوبة وهو ميل قلوبكما عن الواجب في مخالصة الرسول صلى الله عليه وآله من ~~حب ما يحبه، وكراهة ما يكرهه. # ونقل في الكشاف عن ابن عباس أنه قال: لم أرل حريصا على أن أسأل عمر عنهما ~~إلى قوله ثم قال أي عمر: هما حفصة وعائشة وفي حرص ابن عباس للسؤال عن عمر ~~عنهما نكتة فافهمها. # و " إن تظاهرا عليه " في القاضي والكشاف وإن تعاونا عليه بما يسوؤه " فإن ~~الله هو مولاه " وليه وناصره " وجبريل " من الملائكة مع كونه رأسهم، ولهذا ~~أفرد " و " من الناس " صالح المؤمنين " قيل: صالح المؤمنين هو جنس من كان ~~مؤمنا وصالحا، وبرئ من النفاق، قيل: هم الأنبياء وقيل الخلفاء. # قال في القاضي المراد الجنس ولهذا عم بالإضافة قلت هذه الإضافة لا تفيد ~~العموم في المضاف، وهو ظاهر، نعم لو كان المضاف جمعا أمكن ذلك كما في ~~المعرف باللام لما قيل إن للإضافة معاني التعريف فتأمل والمتبادر منه أن ~~المراد صالحهم أي الذي أصلح من كلهم، لأن الإضافة تفيد العموم كما يقال ~~صالح آل فلان وعالمهم، فلا يبعد ms507 كون المراد واحدا منهم يكون أصلحهم وهو علي ~~بن أبي طالب عليه السلام كما ورد في الأخبار أنه الأقضى والأعلم والأصلح. ~~PageV00P569 # قال في مجمع البيان: وردت الرواية من طرق العامة والخاصة أن المراد بصالح ~~المؤمنين أمير المؤمنين علي عليه السلام وهو قول مجاهد، وفي كتاب شواهد ~~التنزيل بالاسناد عن سدير الصيرفي عن أبي جعفر عليه السلام قال لقد عرف ~~رسول الله صلى الله عليه وآله عليا أصحابه مرتين أما مرة فحيث قال من كنت ~~مولاه فعلي مولاه، وأما الثانية فحيث نزلت هذه الآية " فإن الله هو مولاه ~~وجبريل وصالح المؤمنين " أخذ رسول الله صلى الله عليه وآله بيد علي عليه ~~السلام وقال: أيها الناس هذا صالح المؤمنين، وقالت أسماء بنت عميس سمعت ~~النبي صلى الله عليه وآله يقول " وصالح المؤمنين " علي بن أبي طالب. # ولا شك في أنه أصلح المؤمنين، ومن أراد معرفة ذلك فعليه بكتب السير ~~والأخبار من العامة والخاصة بشرط ترك العناد ونظر المعرفة وترك ما انفردت ~~به طائفة من نقل ما يدل على ما يقول به فأنا والله ضامن لحصول العلم بذلك، ~~وبأنه الإمام بعد الرسول صلى الله عليه وآله والأحق كما اعترف به ابن أبي ~~الحديد في شرح الخطبة الشقشقية بعد تصحيح كونه عن أمير المؤمنين عليه ~~السلام من غير شك من أنها تدل على أنه كان أولى، ووقع ترك الأولى من ~~الصحابة التي أخذوا ذلك منه، وترك الأولى جايز، وإنما شكا فيها عليه السلام ~~من ترك الأولى لا من المحرم الذي فعله الصحابة وأنت تعلم ما في هذا الكلام ~~بعد الاعتراف بكونها منه، والعلم بتلك الشكاية المذكورة فيها، فإن مثل ذلك ~~لا يصدر عن مثله في ترك الأولى الذي وقع من كبار الصحابة وإسناد بعض الأمور ~~إليهم مثل قوله عليه السلام يخضمون مال الله خضم الإبل نبتة الربيع، وفعل ~~الأول كذا، والثاني كذا، ثم قام ثالث القوم كذا بطريق الكناية والتصريح، ~~وذلك ظاهر مع أنه ليس محل ذكر مثله إلا أن النفس ممتلئ من المتقدمين ms508 يترشح ~~من غير اختيار. # ثم أعظم مما ذكر من المعاتبة وعدم رضى الله تعالى من بعض نسائه وما يفعلن ~~ما يفهم من قوله تعالى " عسى ربه إن طلقكن أن يبدله أزواجا خيرا منكن " على ~~تغليب المخاطب وهما عائشة وحفصة أو تعميم الخطاب، ويحتمل التخصيص بهما فقط، ~~حيث قال في الكشاف والقاضي: إن الكلام كان معهما وهما مخطئة وإطلاق ~~PageV00P570 # ضمير الجمع على الاثنين كثير " مسلمات مؤمنات " مقرات مخلصات أو منقادات ~~مصدقات " قانتات " مصليات أو مواظبات على الطاعة، أو مطيعات لله والرسول، ~~أو خاضعات متذللات لأمر الله ورسوله في العبادات، أو في الصلاة القنوت ~~المتعارف في الفقه، وقيل ساكتات عن الفضول " تائبات " عن الذنوب " عابدات " ~~متعبدات ومتذللات لأمر الرسول صلى الله عليه وآله " سائحات " صائمات سمي ~~الصائم سائحا لأنه يسيح في النهار بلا زاد " ثيبات وأبكارا " وسط العاطف ~~لتنافيهما وعدم اجتماعهما، بخلاف سائر الصفات، يعني يجتمع في المبدلات هذه ~~الصفات مع ما يوجد فيهن من البكارة والثيوبة. # وبالجملة هذه تدل على عدم اتصافهما بهذه الصفات واتصاف غيرهما بها وإن ~~كان معلقا بطلاق الكل مع عدم وقوعه، مع أنه وقع طلاق حفصة لأنه ليس المراد ~~تعليق الوجود بل تعليق الانكاح بهن، يعني لو طلقكن يحصل له خير منكن من ~~الموصوفات بهذه الصفات التي ليست فيكن، وهو المفهوم عرفا ولغة، يعني لا ~~يتخيل هو ولا يتخيلن أنتن أنه لو طلقكن لم يحصل له مثلكن، بل يحصل له كذا ~~وكذا، قال في مجمع البيان: وعسى في فعل الله تعالى للوجوب، وقيل في غيره ~~أيضا وهو ظاهر. # ثم أشار إلى أنه كما يجب عليه أن يؤدب نساءه يجب عليكم كذلك بقوله: # " قوا أنفسكم " بترك المعاصي وفعل الطاعات " و " كذا " أهليكم " بأن ~~تفعلوا ذلك بالنصح والتأديب بالطريق المذكور في باب الأمر بالمعروف والنهي ~~عن المنكر، و قرئ " أهلوكم " عطفا على فاعل " قوا " و " أنفسكم " يراد به ~~نفس القبيلتين على تغليب المخاطبين على الغياب، وهم الأهل وفيه تأمل، ~~ويحتمل حذف وليق أهلوكم " نارا وقودها الناس والحجارة " أي نارا ms509 حطبها هما، ~~وتتوقد بهما كتوقد سائر النار بالحطب، قيل المراد بالحجر حجر الكبريت " ~~عليها ملائكة " تلي أمر تلك النار الزبانية " غلاظ " الأقوال " شداد " ~~الأفعال أو غلاظ الخلق شداد الخلق، وبالجملة لا رحم فيهم " لا يعصون الله ~~ما أمرهم " أي يقبلون ذلك ويعتقدون " ويفعلون ما يؤمرون " PageV00P571 # كأنه لقطع الطمع في أنهم يرحمون ولا يعذبون أهل العذاب، وقتا ما، أو أنهم ~~وصفهم بأنهم ما عصوا ربهم فيما مضى وما استقبل، وفي هذه الآية توبيخ عظيم ~~وزجر كثير لمن يترك طاعة الله ويعصيه، ولو بترك أهله. # فدلت على وجوب أمر الأهل ونهيه لسائر العبادات وعن المعاصي كما يدل عليه ~~وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مطلقا، فكأن بالنسبة إلى الأهل زيادة ~~اعتناء، فدلت على وجوب تعليمهم الواجب والمحرم، وأمرهم بالفعل ونهيهم عن ~~الترك. # ثم أشار بعدم قبول العذر في القيامة بقوله " لا تعتذروا اليوم " وهو ~~ظاهر، و أشار إلى وجوب التوبة والعذر في الدنيا بقوله " يا أيها الذين ~~آمنوا توبوا إلى الله توبة نصوحا عسى ربكم أن يكفر عنكم سيئاتكم ويدخلكم " ~~الآية (1) توبة نصوحا بالغا في النصح، وهو صفة للتائب، فإنه ينصح نفسه، وصف ~~به التوبة للمبالغة، و تذكيره لكونه فعولا بمعنى الفاعل عن ابن عباس قال: ~~قال معاذ بن جبل: قلت يا رسول الله ما التوبة النصوح؟ قال أن يتوب التائب ~~ثم لا يرجع كما لا يعود اللبن إلى الضرع، قال ابن مسعود: التوبة النصوح هي ~~التي تكفر كل سيئة وهو في القرآن ثم تلا هذه الآية، وقيل إن التوبة النصوح ~~هي التي يناصح الانسان فيها نفسه باخلاص الندم، مع العزم على أن لا يعود ~~إلى مثله في القبح، وقيل: هي أن يكون العبد نادما على ما مضى مجمعا على أن ~~لا يعود فيه، وقيل، هي الصادقة وقيل هي أن يستغفر باللسان ويندم بالقلب ~~ويمسك بالبدن، وقيل: هي: المقبولة ولم تقبل ما لم يكن فيها ثلاث: خوف أن لا ~~يقبل ورجاء أن يقبل وإدمان الطاعة وقيل هي أن يكون الذنب نصب عينيه، ms510 ولا ~~يزال كأنه ينظر إليه، وقيل هي من النصح بمعنى الخياطة لأن العصيان يمزق ~~الدين والتوبة ترقعه، وقيل: لأنها جمعت بينه وبين أولياء الله كما جمع ~~الخياط الثوب وألصق بعضه ببعض، وقيل: # لأنها أحكمت طاعته وأوثقها كما أحكم الخياط الثوب وأوثقه. # PageV00P572 # وعن أمير المؤمنين عليه السلام كأنه في نهج البلاغة: أنه لما قال قائل ~~بحضرته أستغفر الله قال ثكلتك أمك أتدري ما الاستغفار إن للاستغفار درجة ~~العليين وهو اسم على ستة معان أي يشترط في صحته أشياء أولها الندم على ما ~~مضى والثاني العزم على ترك العود إليه أبدا والثالث أن تؤدي إلى المخلوقين ~~حقوقهم حتى تلقى الله وليس عليك تبعة، الرابع أن تعمد إلى كل فريضة ضيعتها ~~فتؤدي حقها، والخامس أن تعمد إلى اللحم الذي نبت على السحت فتذيبه بالأحزان ~~حتى يلصق الجلد بالعظم وينشأ بينهما لحم جديد السادس أن تذيق الجسم ألم ~~الطاعة كما أذقته حلاوة المعصية فعند ذلك تقول أستغفر الله (1). # ومثل هذا المضمون عنه عليه السلام في الكشاف والقاضي وسئل علي رضي الله ~~عنه عن التوبة، فقال تجمعها ستة أشياء: على الماضي من الذنوب الندامة، ~~وللفرائض الإعادة، ورد الظالم واستحلال الخصوم، وأن يعزم على أن لا يعود، ~~وأن تذيب نفسك في طاعة الله كما ربيتها في المعصية، وأن تذيقها مرارة ~~الطاعات كما أذقتها حلاوة المعاصي، ومنه يفهم الشرائط المذكورة لقبول ~~التوبة في الكتب على ما نقل من العامة والخاصة، وهو أنه إن كان عن حق الله ~~يكفي ثلاثة أشياء: القلع عن فعل المعصية، والندم، والعزم على عدم العود، ~~وإن كان عن حقوق الناس يزيد عليها رابعا هو رد الظلامة على صاحبها وطلب ~~عفوه والابراء منها، والظاهر أنه لا بد من هذه الأربعة، وأما غيرها التي ~~يفهم من كلامه صلوات الله عليه، فكأنه شروط للكاملين. # ثم إن ظاهر هذه الآية وسائر الآيات وجوب قبول التوبة على الله بمعنى سقوط ~~العقاب عن الذنب الذي تاب العبد عنه لأنه وعد القبول " إن الله يقبل التوبة ~~" " إن الله يحب التوابين ms511 " (2) وهذا المضمون أي قبول التوبة وأنه يكفر ~~السيئات في القرآن كثير، وفي الأخبار أكثر، ومنها ما اشتهر بين العامة ~~والخاصة التائب # PageV00P573 # من الذنب كمن لا ذنب له، ويدل على أنها مقبولة إلى أن يعاين الموت أنه ~~وضع يده صلى الله عليه وآله على حلقه وقال: وإلى هنا، وغير ذلك ويدل حكاية ~~فرعون في القرآن على ذلك، وقد نقل في مجمع البيان: الاجماع على ذلك في ~~موضعين فما هو في التجريد من أنه لا يجب القبول على الله كما هو مذهب ~~المعتزلة، ومذكور في مجمع البيان أيضا في موضع، معناه عدم الوجوب العقلي أي ~~مع قطع النظر عن دليل الشرع لا شئ في العقل يدل على وجوب القبول على الله، ~~لأن من أساء إلى أحد فللمساء إليه أن يعفو، وأن يعاقب، كلاهما حسن، إلا أن ~~العفو أحسن. # وقد يقوم الدعاء مقام الاستبراء إذا كان صاحب الحق ميتا أو غائبا عنه، و ~~تعذر الوصول إليه، وكان الحق هتك عرض بالغيبة مثلا فقد وجد في كتب العامة ~~والخاصة وزاد في العامة أنه يدعو له كثيرا ويستغفر له، وقد قيل أيضا إذا لم ~~يصل إليه الغيبة يكفي الدعاء ولا يحتاج إلى الاستبراء بل يكفي الدعاء ~~والتوبة، وقيل إذا استبرأ فالابراء أولى للآية " والكاظمين الغيظ والعافين ~~عن الناس والله يحب المحسنين " (1) وغير ذلك من الآيات والأخبار. # ثم أشار إلى التمثيل بامرأة نوح وامرأة لوط، بأنه لا ينفع أحدا صلاح أحد ~~حتى حفصة وعائشة وغيرهما صلاح النبي صلى الله عليه وآله كما في امرأتي هذين ~~النبيين العظيمين، فإن امرأتيهما خانتاهما قال في الكشاف والقاضي: بالنفاق، ~~وقيل بأن كانت امرأة نوح كافرة تقول للناس إنه مجنون، وإذا آمن به أحد ~~أخبرت به الجبابرة من قوم نوح، وكانت امرأة لوط تدل على أضيافه فكان ذلك ~~خيانتهما فما بغت امرأة نبي فكذا نبينا بالطريق الأولى ولهذا قالوا قطع ~~الله بهذه الآية طمع من ركب المعصية رجاء أن ينفعه صلاح غيره. # وقال في الكشاف: وفي طي هذين التمثيلين تعريض بأمي ms512 المؤمنين المذكورتين ~~في أول السورة وما فرط منهما من التظاهر على رسول الله بما كرهه، وتحذير ~~لهما على أغلظ وجه وأشده لما في التمثيل من ذكر الكفر، ونحوه في التغليظ ~~قوله " ومن كفر # PageV00P574 # فإن الله غني عن العالمين " (1) وإشارة إلى أن من حقهما أن تكونا في ~~الاخلاص والكمال فيه كمثل هاتين المؤمنتين وأن لا تتكلا على أنهما زوجتا ~~رسول الله صلى الله عليه وآله فإن ذلك الفضل لا ينفعهما إلا مع كونهما ~~مخلصتين، والتعريض بحفصة أرجح لأن امرأة لوط أفشت عليه كما أفشت حفصة على ~~رسول الله صلى الله عليه وآله. # وأسرار التنزيل ورموزه في كل باب بالغة من اللطف والخفاء جدا تدق عن تفطن ~~العالم، وتزل عن تبصره، ونعم ما قال: ولعل فيه تسلية للنبي وغيره من ~~المؤمنين، بأنه لا يستبعد حصول امرأة غير صالحة للنبي وغيره ودخلوها النار ~~مع كون جسدها مباشرة لجسده ووجود الزوجية وهي صريحة في ذلك، والمقصود واضح ~~فافهم وكذا رجاء من يتقرب بتزويجه وزوجيته صلوات الله عليه وآله ولهذا كانت ~~أم حبيبة بنت أبي سفيان أخت معاوية أيضا عنده صلوات الله عليه وآله وهي ~~إحدى زوجاته، وأبوه كان أكبر رؤس الكفار، وصاحب حروبه صلى الله عليه وآله ~~وأخرى صفية بنت حبي بن أخطب بعد أن أعتقها وقد قتل أبوها على الكفر، وأخرى ~~سودة بنت زمعة وكان أبوها مشركا ومات عليه، قيل: وقد زوج رسول الله صلى ~~الله عليه وآله ابنتيه (2) قبل البعثة بكافرين يعبدان الأصنام أحدهما عتبة ~~بن أبي لهب والآخر أبو العاص ومات عتبة على الكفر وأسلم أبو العاص، فرد ~~إليه زوجته بالنكاح الأول مع أنه صلى الله عليه وآله ما كان في حال من ~~الأحوال مواليا للكفار. # وبالجملة لا ينفع صلاح أحد أحدا من حيث هو، نعم يمكن الشفاعة بإذن الله ~~تعالى ولطفه كما أن معصية أحد لا يضر أحدا كما مثل له بامرأة فرعون " وضرب ~~الله مثلا للذين آمنوا امرأة فرعون إذ قالت رب ابن لي عندك بيتا في الجنة " # PageV00P575 # فرفعها ms513 الله في الجنة فهي فيها تأكل وتشرب، وقيل إنها أبصرت بيتها في ~~الجنة في درة " ونجني من فرعون " وعذابها، قيل كان أمر بأن يلقى عليها صخرة ~~عظيمة فدعت الله وانتزع الله روحها فألقيت الصخرة على جسد لا روح فيه، فلم ~~تجد ألما من عذاب فرعون، وقيل إنها كانت تربط وتستقبل بالشمس وإذا انصرفوا ~~عنها أطلقها الملائكة وجعلت ترى بيتها في الجنة " وعمله " أي دينه وقيل ~~جماعة " ونجني من القوم الظالمين " من أهل مصر أتباع فرعون. # وقد خرجنا في هذا المقام عما نحن فيه في الجملة لأنه باعث على فعل ~~الطاعات وترك المعصيات وهو المقصود الحقيقي من كل فعل الانسان الذي ينتفع، ~~بل المقصود من فعل الله تعالى وخلقه. # " فقلت استغفروا ربكم " (1) اطلبوا من الله المغفرة بالتوبة والاستغفار ~~عن الكفر والعصيان " إنه كان غفارا " كثير المغفرة للمستغفرين التائبين، ~~ولكل من طلب المغفرة، فيغفر جميع من طلب المغفرة وتاب تفضلا منه وكرما " ~~يرسل السماء عليكم مدرارا " أي إن استغفرتم يسيل السماء بحسب الرؤية وظاهر ~~الحال أو السحاب أو المطر إذ قد يطلق عليهما السماء فيحصل عليكم بالمطر ~~سيلا ويكثر ذلك فهو كناية عن كثرة المطر والغيث فيحصل لذلك خير كثير " ~~ويمددكم بأموال وبنين " أي يكثر أموالكم وأولادكم الذكور أيضا " ويجعل لكم ~~جنات " أي بساتين أيضا في الدنيا " ويجعل لكم أنهارا " تسقون بها بساتينكم. # قيل إن قوم نوح عليه السلام كانوا قد قحطوا وهلكت أموالهم لأنه منع منهم ~~الغيث أربعين سنة، وهلكت أولادهم وصارت نساؤهم لا يلدن، فأراد نوح عليه ~~السلام حصول ما منعوا منه مما يشتهون، فأمرهم بالاستغفار الموجب لذلك، كأنه ~~علم ذلك نوح عليه السلام بالهام الله تعالى إياه. # ففيه دلالة على وجوب الاستغفار والتوبة، وحصول فوائد له، وهي كثرة # PageV00P576 # المال والولد، ولهذا روي عن الحسن أنه جاء إليه من شكى قلة المال ومن شكى ~~قلة المطر ومن شكى قلة الولد فأمرهم بالاستغفار، وسئل عن ذلك فقال ما ~~أمرتهم من نفسي بل من القرآن العزيز، قاله في الكشاف ومجمع البيان، وقال ms514 ~~فيه أيضا: # روى علي بن مهزيار عن حماد بن عيسى عن محمد بن يوسف عن أبيه قال سأل رجل ~~أبا جعفر عليه السلام وأنا عنده فقال له: جعلت فداك أني لكثير المال وليس ~~يولد لي ولد، فهل من حيلة؟ قال نعم استغفر ربك سنة في آخر الليل مائة مرة. ~~(1) وقال في الفقيه في باب النكاح في باب الدعاء في طلب الولد قال علي بن ~~الحسين عليه السلام لبعض أصحابه قل لطلب الولد " رب لا تذرني فردا وأنت خير ~~الوارثين واجعل لي من لدنك وليا يرثني في حياتي ويستغفر لي بعد موتي ولا ~~تجعل للشيطان فيه نصيبا اللهم إني أستغفرك وأتوب إليك إنك أنت الغفور ~~الرحيم " سبعين مرة فإنه من أكثر من هذا القول رزقه الله ما تمنى من مال ~~وولد، ومن خير الدنيا والآخرة فإن الله تعالى يقول " استغفروا " وذكر الآية ~~(2). # وأيضا قال فيه في الصحيح عن عمر بن يزيد الثقة عن أبي عبد الله عليه ~~السلام أنه قال من قال في وتره إذا أوتر: أستغفر الله وأتوب إليه سبعين ~~مرة، وواظب على ذلك حتى تمضي سنة كتبه الله عنده من المستغفرين بالأسحار، ~~ووجبت له المغفرة من الله عز وجل، ولعل المراد (3) أستغفر الله وأتوب إليه ~~كما فهم من الروايات (4). # وأيضا نقل عن صحيح البخاري عن شداد بن أنس عن النبي صلى الله عليه وآله ~~قال سيد الاستغفار أن تقول اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت خلقتني وأنا عبدك، ~~وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت، أعوذ بك شر ما صنعت، وأبوء لك بنعمتك علي ~~وأبوء على ذنبي فاغفر لي، فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت، من قالها في النهار ~~موقتا بها فمات من يومه قبل أن يمسي فهو من أهل الجنة، ومن قالها في الليل ~~وهو موقن بها # PageV00P577 # فمات قبل أن يصبح فهو من أهل الجنة عن كتاب النووي. # ثم قال: قلت أبوء بباء بعد الواو وهمزة ممدودة معناه أقر وأعترف، وقال ~~فيه أيضا ورويناه في صحيح البخاري عن ms515 أبي هريرة قال: سمعت رسول الله صلى ~~الله عليه وآله يقول وإني لأستغفر الله في اليوم أكثر من سبعين مرة، وفي ~~حديث آخر مائة مرة. # وبالجملة الآيات والأخبار في وجوب الاستغفار وفوائده كثيرة جدا مثل " ~~واستغفر لذنبك وسبح " " واستغفر لذنبك وللمؤمنين " " للذين اتقوا عند ربهم ~~جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وأزواج مطهرة ورضوان من الله " إلى ~~قوله " والمستغفرين بالأسحار " " وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم وما كان ~~الله معذبهم وهم يستغفرون " والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا ~~الله واستغفروا لذنوبهم ومن يغفر الذنوب إلا الله ولم يصروا على ما فعلوا ~~وهم يعلمون أولئك جزاؤهم مغفرة من ربهم وجنات تجري من تحتها الأنهار خالدين ~~فيها ونعم أجر العاملين " " ومن يعمل سوءا أو يظلم نفسه ثم يستغفر الله يجد ~~الله غفورا رحيما " (1) وغيرها من الآيات والأخبار من طرق العامة والخاصة ~~مما يدل على وجوب الاستغفار، ووجوب التوبة ووجوب قبولها على الله بمعنى ~~سقوط الذنب عندها بل بها، وأن لها فوائد شتى دينا ودنيا فلا يترك وإن لم ~~تكن فيها الفروعات الفقهية المذكورة في الفقه، ولكن ذكرتها لكثرة فوائدها. # PageV00P578 # * (النوع الخامس) * * (في روافع النكاح) * وهي أقسام: # * (الأول الطلاق) * وفيه آيات: # الأولى: يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن وأحصوا العدة ~~واتقوا الله ربكم ولا تخرجوهن من بيوتهن ولا يخرجن إلا أن يأتين بفاحشة ~~مبينة وتلك حدود الله ومن يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه لا ندري لعل الله ~~يحدث بعد ذلك أمرا * فإذا بلغن أجلهن فامسكوهن بمعروف أو فارقوهن بمعروف ~~واشهدوا ذوي عدل منكم وأقيموا الشهادة لله (1). # خص النبي صلى الله عليه وآله بالنداء وعم الخطاب لأمته لأنه الرأس، بأنه ~~إذا أراد هو صلوات الله عليه وأرادوا هم طلاق نسائهم، مثل " إذا قمتم إلى ~~الصلاة "، و " إذا قرأت " (2) أو من قتل قتيلا فله سلبه، قال في الكشاف ~~منه: كان الماشي إلى الصلاة والمنتظر لها في حكم المصلي وفيه تأمل فافهم. # " فطلقوهن لعدتهن " أي وقت عدتهن بأن يكون ذلك ms516 في وقت الطلاق وهو الطهر ~~الذي لم يواقعها فيه بالإجماع، والأخبار، قال البيضاوي: لأن اللام الداخل ~~على الزمان ونحوه للتوقيت، وقال في مجمع البيان: ليعتددن بعد ذلك وفيه ~~تأمل. # فدلت الآية على أن للطلاق وقتا وهو وقت العدة أي الطهر، فالأقراء التي # PageV00P579 # هي لبيان العدة في الآية الأخرى هي الأطهار كما هو مذهب الأصحاب والشافعي ~~لا الحيض كما هو مذهب أبي حنيفة، وقد تكلف له بأن يكون " قبل " محذوفا، أي ~~قبل عدتهن وأيده في الكشاف بأنه قرئ في الشواذ قبل عدتهن وأن اللام متعلقة ~~بمحذوف أي مستقبلات لعدتهن كما يقال توضأ للصلاة والبس السلاح للقاء العدو ~~وأنت تعلم عدم صحة الاحتجاج بالشواذ وعدم جواز التكلف، والحذف مع عدم ~~الاحتياج. # ثم إن الظاهر أن النساء عام مخصص بالإجماع والنص بذوات الأقراء المدخول ~~بهن الحوائل (1) سواء قلنا إنه اسم جمع بمعنى الجمع أو جمع كما قاله في ~~القاموس، النسوة بالكسر والضم والنسوان والنسون بالكسر جمع المرأة من غير ~~لفظها، أو اسم جنس كما قاله في الكشاف، لأن الألف واللام في مثل هذا المقام ~~ظاهر في الاستغراق، فقول صاحب الكشاف إنه لا عموم ثمة ولا خصوص، ولكن ~~النساء اسم جنس للإناث من الإنس محل التأمل. # وأيضا الظاهر من سوقها أنه لا بد من وقوع الطلاق في وقت خاص صالح للعدة، ~~وأن ذلك واجب وشرط لصحته، لأنها واردة لبيان تعليم الطلاق فالظاهر أن ~~المراد الطلاق الصحيح فكأنه قال إذا أردتم الطلاق الصحيح فطلقوهن وقت الطهر ~~الذي يعتددن بعده في الجملة، لا وقت الحيض ولأنه نقل أنها نزلت في ابن عمر ~~لما طلق زوجته في الحيض فأمره النبي صلى الله عليه وآله بمراجعتها ثم ~~الطلاق في الطهر إن أراد (2) ولأن النكاح عصمة ثابتة بالنص والاجماع، وقد ~~علم رفعها بالطلاق الجايز، ولم يدل دليل على رفعها بالطلاق المحرم المنهي ~~بهما، ويؤيده أخبار أهل البيت عليهم السلام، وإجماع علمائهم على ذلك، ~~فدلالة الآية على وجوبه في الطهر وشرطيته وتحريمه في الحيض، وبطلانه ~~بالقرائن والسوق والمؤيدات، فقول الشيخ ms517 أبي علي الطبرسي قدس الله سره بأنها ~~تدل على بطلان الطلاق في الحيض لأن الأمر يقتضي الايجاب محل التأمل، إلا أن ~~يؤول بما ذكرناه. # PageV00P580 # وقال البيضاوي: وظاهره يدل على أن العدة بالأطهار وأن طلاق المعتدة ~~بالأقراء ينبغي أن يكون في الطهر، وأنه يحرم في الحيض من حيث إن الأمر ~~بالشئ يستدعي النهي عن ضده ولا يدل على عدم وقوعه، إذ النهي لا يستلزم ~~الفساد كيف وقد صح أن ابن عمر لما طلق امرأته حائضا أمره عليه السلام ~~بالرجعة، وهو سبب نزوله. # وفيه تأمل أما أولا فلأنه ينبغي أن يقول: " يجب " بدل " ينبغي " وكأنه ~~يريد به ذلك، وهو لا ينبغي وثانيا فإنه لا أمر للوجوب هنا إذ لا يجب الطلاق ~~وثالثا فإن ذلك فرع دلالة أن الأمر بالشئ يستلزم النهي عن ضده الخاص، وأكثر ~~أصحاب الشافعية على خلاف ذلك فإن كان مذهبه ذلك وإلا يكون منافيا لمذهبه، ~~فتأمل كلامه في المنهاج فإنه ظاهر في ذلك، ورابعا فإن الطلاق في الحيض ليس ~~ضد الطلاق في الطهر. # وخامسا فإن هذه الدلالة بالمفهوم، وبما ذكرناه، إلا أن يتكلف ويقال إنه ~~واجب بالنسبة إلى القيد، أي لعدتهن، فتدل على الوجوب المستلزم لتحريم ضده، ~~وفيه مع التكلف تأمل لأنه حينئذ ليس بواجب بالمعنى المقرر بل بمعنى الشرط ~~فيدل على عدم الوقوع لا التحريم فقط، وهو لا يقول به، أو الوجوب بالشرط أي ~~يجب الايقاع في الطهر على تقدير الايقاع كما يقال مثل ذلك في الوضوء للصلاة ~~المندوبة والقبلة وغير ذلك، وهو بعيد عن الوجوب المصطلح الذي يريد دلالته ~~على تحريم الضد، فإنه لا يترتب استحقاق العقاب ولا الذم على ترك الطلاق في ~~الطهر بل إنما يتحقق بايقاعه في الحيض وهو ظاهر، وعلى تقدير التسليم ~~فالظاهر أن دلالته على عدم الانعقاد أظهر من دلالته على التحريم، وأنه ~~بالمفهوم لا بالوجه الذي ذكره فافهم. # وسادسا فإنه يمكن أن يكون الرجعة في خبر ابن عمر بالمعنى اللغوي لا ~~باصطلاح الفقهاء لما قاله إنه سبب النزول، فيكون الغرض تعليم الطلاق ms518 الصحيح ~~المترتب عليه أثره. PageV00P581 # وسابعا فإنه لا ينبغي حينئذ الأمر بالرجعة، إذ لا معنى للأمر بمراجعة ~~امرأة مطلقة بطلاق صحيح، وقد تحقق المفارقة لأنه فعل حراما وغير جايز، إذ ~~لم يصر ذلك سببا له، وهو ظاهر بل غير معلوم كونه حراما أيضا لعدم تحقق ~~الحكم إلا بعده فالظاهر أن الأمر بالرجوع إنما هو لعدم الصحة. # وثامنا فإنه روي في الكشاف أن الأمر بالرجوع لكون وقوع الطلاق ثلاثا في ~~طهر واحد، وتاسعا فإنه قد يمنع الصحة على وجه يدل على الصحة. وإلا لم يكن ~~لقول سعيد بن المسيب وجماعة من التابعين الذين قالوا ببطلان الطلاق حينئذ ~~على ما نقله عنهم في الكشاف وجه، فعلم عدم الأنفاق على صحة ذلك عندهم. # وعاشرا فإنه على تقدير تسليم دلالة الخبر على الصحة لا يستلزم [عدم] ظ ~~دلالة الآية ظاهرا على عدمها، ويمكن الاستدلال بها على عدم صحة الطلاق ~~ثلاثا في مجلس واحد كما فعله في مجمع البيان، لعدم وقوعها إلا في العدة ~~الواحدة وأيده بأخبار أهل البيت عليهم السلام وأقوال علمائهم، وفيه تأمل ~~يعلم من محله، وللطلاق أحكام وفروعات مذكورة في محلها فلتطلب هناك. # " وأحصوا العدة " أي واضبطوها وأكملوها ثلاثة قروء كما ورد في آية أخرى ~~كذا في القاضي والكشاف ويحتمل مطلق العدة المعتبرة بالدليل ليدخل المسترابة ~~وغيرها " واتقوا الله ربكم " من تطويل العدة والاضرار بهن كذا في القاضي ~~ويحتمل من فعل الماضي والمنهيات وترك المأمورات مطلقا، أو أحكام العدة من ~~جانب الرجل بالتطويل والاضرار ومن المرأة بالتقصير والانقضاء بدعوى خروجها ~~كاذبة لئلا يكون له الرجوع ولتتزوج وغير ذلك " لا تخرجوهن " ظاهره تحريم ~~إخراجهن على الزوج ما دمن في العدة الرجعية مطلقا، سواء كان برضاهن أم لا " ~~من بيوتهن " من البيوت التي هن ساكنات فيها وقت الطلاق، سكون إقامة على وجه ~~يكون مسكنهن عادة كما هو المتبادر " ولا يخرجن " وكذا يحرم عليهن الخروج ~~مطلقا وإن أذن لهن الزوج لعدم القيد في الآية الشريفة، فذلك حق من حقوق ~~الله عليهما، وإن كان لكل واحد أيضا ms519 حق في ذلك. وفي القاضي أن المحرم ~~PageV00P582 # هو استبدادهن أما لو اتفقا على الانتقال جاز، إذ الحق لا يعدوهما، وفيه ~~ضعف واضح لما عرفت من عدم التخصيص في الآية مع التأكيد التام بذكر النهيين ~~معا، و تأكيده بما بعده وهو ظاهر، ولا يجوز التخصيص في كلامه تعالى وأحكامه ~~المنصوصة أو الظاهرة إلا بالدليل وما ذكره غير مسلم. # نعم في بعض روايات أصحابنا المعتبرة مثل حسنة الحلبي عن أبي عبد الله ~~عليه السلام قال: لا ينبغي للمطلقة أن يخرج إلا بإذن زوجها حتى ينقضي عدتها ~~ثلاثة قروء أو ثلاثة أشهر، ما يدل على جواز خروجهن بإذن الزوج، ولكن الظاهر ~~أنه ما عمل بها الأكثر، فلا بد من التأويل، وهو مفهوم من الايضاح، ويفهم من ~~الاستبصار العمل بها، ولكن الخروج عن الآية مع التأكيد والمبالغة بمثلها ~~مشكل وقال في الكشاف إنما جمع بين النهيين المشعر بأن لا يأذنوا، وليس ~~لإذنهم أثر، وهو كلام جيد، نعم إن اضطرت إلى الخروج لحاجة فالظاهر الجواز ~~للحرج والضيق المنفيين عقلا ونقلا، فكأنه مستثنى، ومع ذلك قيد الأصحاب ~~بالخروج بعد نصف الليل والرجوع قبل الصبح للرواية، والظاهر أن الغرض دفعها ~~بذلك وإلا فالظاهر الجواز وقت الضرورة. # " إلا أن يأتين بفاحشة مبينة " مستثنى عن الأول، أي إلا أن تفعل المرأة ~~فاحشة ظاهرة أو مظهرة، قيل هي أن تبذوا على الزوج وتؤذيه وتؤذي أهله وحينئذ ~~يجوز الاخراج بهذا النص، والضرر المنفي عقلا ونقلا، وفي القاضي: فإنه ~~كالنشوز في اسقاط حقها وفيه تأمل إذ يفهم أن سبب سكناها كونها زوجة غير ~~ناشزة والظاهر أنه ليس كذلك بل سببه النص وإن لم تكن مستحقة للنفقة لنشوزها ~~بوجه لا يصدق عليه أنه فاحشة، ولهذا يجب أن تكون في البيت الذي طلقت وهي ~~فيه، و أنه يجب السكنى وإن كانت باينة، مع عدم استحقاقها للنفقة والسكنى، ~~وهو ظاهر وهذا المعنى مروي عن أهل البيت عليهم السلام أو أن تزني وتفعل ما ~~يوجب حدها فتخرج إلى أنه تحد، والظاهر أنها ترجع في الثاني دون ms520 الأول ~~ويحتمل الرجوع فيه أيضا مع العلم بعدم حصول ما حصل أولا، ويحتمل كون ~~الفاحشة مطلق المعصية PageV00P583 # كما قيل، ويحتمل الاستثناء عن الثاني مبالغة في النهي، يعني لا يجوز لها ~~الخروج ولا يقع منها إلا أن تفعل فاحشة وهي الخروج قاله في القاضي. # " تلك حدود الله ومن يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه " إشارة إلى جميع ~~الأحكام المذكورة، حتى عدم خروج المرأة بإذن زوجها، وظلم الخارج عن حدود ~~الله مطلقا سواء كانت المذكورة أم لا نفسه باعتبار أنه عرضها للعقاب وسخط ~~الله وغضبه، فهو يدل على جواز إطلاق الظالم على من فعل معصية ويمكن تخصيصها ~~بكونها كبيرة، ولكن الظالم له إطلاقات (1) وأفراد والغرض التأكيد والمبالغة ~~في ترك المنهيات، وفعل المأمورات خصوصا الأحكام المذكورة " لا تدري " أيها ~~النبي أو لا تدري النفس عواقب الأمور والحوادث " لعل الله يحدث بعد ذلك " ~~الطلاق " أمرا " رغبة في الرجعة برفع ما يكره من الجانبين، فكأنه إشارة إلى ~~أن الخروج عن حدود الله تعالى شئ ينكر ويؤذي صاحبه، وموجب للندامة في ~~الدنيا أيضا إذ قد تحصل الرغبة بالاجتماع، وقد حصل ما لا يمكن ولا يحسن معه ~~ذلك، فالخروج عن حدود الله موجب للندامة في الدنيا والآخرة والخسران فيهما ~~وهو ظاهر. # " فإذا بلغن أجلهن " أي قربن آخر عدتهن وشارفن على الخلاص منها " ~~فأمسكوهن بمعروف أو فارقوهن بمعروف " فيجب إما الامساك بالرجعة بطريق معروف ~~حسن شرعا بحسن المعاشرة والانفاق الحسن، أو المفارقة بترك الرجعة وتخلية ~~سبيلها وتركها بطريق حسن جميل، لا باضرار وغيظ وغضب، بمعنى تحريم جعلها ~~كالمعلقة بأن يطلق ولم يراجع ولم يخبر بالطلاق، ويظهر الزوجية حتى لا تتزوج ~~أو يراجع فيطلق ثم إذا قرب الخلاص يفعل مثل ذلك للاضرار ونحو ذلك " وأشهدوا ~~" دليل على وجوب الشهادة لأن الأمر للوجوب كما ثبت في محله، وعلى اشتراطها ~~لأنه للتعليم، ولأن الظاهر أن من يقول بالوجوب يقول بالاشتراط وإلا فمجرد ~~الأمر لا يدل على الاشتراط ويدل عليه أخبار أهل البيت وإجماع علمائهم أيضا ~~والمراد بوجوب الاشهاد إيقاع المشهود به ms521 على وجه يعلم الشاهد ذلك لا ~~الاخبار # PageV00P584 # والاعلام أيضا بأنه: اشهدا أني أفعل كذا، وقد صرح فيهما أيضا بذلك. # ثم إن المشهود به هو الطلاق لا الرجعة ولا تركها لهما أيضا، ويؤيده أن ~~المقصود الأصلي هنا ذكر الطلاق، والباقي من توابعه، فتوسطت تلك بين أحكامه، ~~وأن الأمر للوجوب، فلا يمكن إرجاعه إلى الرجعة والفرقة كما فعله في الكشاف ~~والقاضي لعدم القائل بذلك، فإن أبا حنيفة لم يقل بالوجوب أصلا والشافعي ~~يقول بالوجوب في الرجعة دون الفرقة، وقد صرح به فيهما، بل لا معنى للاشهاد ~~على ترك الرجعة إلا بتأويل من عدم إيفاء حقوقها التي كانت عنده مثل المهر ~~والنفقة، فلعل مرادهما بالفرقة هو الطلاق، وإن كان خلاف الظاهر، ولهذا قال ~~في مجمع البيان قال المفسرون أمروا أن يشهدوا عند الطلاق وعند الرجعة شاهدي ~~عدل حتى لا تجحد المرأة المراجعة بعد انقضاء العدة، ولا الرجل الطلاق وما ~~ذكر قولا راجعا إلى الفرقة ورجح ما ذكرناه، لأنه مروي عن أهل البيت عليهم ~~السلام فعلى قولهما لا بد من الخروج عن ظاهر الأمر، والحمل على الندب على ~~قول أبي حنيفة وعليهما على قول الشافعي. # على أنه قال القاضي وهو ندب كقوله " وأشهدوا إذا تبايعتم " وعن الشافعي ~~وجوبه في الرجعة، وقد قال من قبل " وأشهدوا ذوي عدل منكم " على الرجعة أو ~~الفرقة، وفيه تعمية والغاز لا يفهم للزوم حمل لفظ واحد على معنييه، وهو على ~~تقدير جوازه مجاز، وإن حمل على الأعم فمجاز أيضا مع الاجمال والألغاز، فإنه ~~لم يفهم أن المراد مطلق الرجحان فيهما أو في بعض الأفراد الوجوب وفي الآخر ~~الندب، وأن كلا منهما في أي قسم، وإخراج الآية عن الظاهر، وحملها على مثل ~~هذا مشكل إلا مع دليل واضح، وليس مجرد القرب والبعد موجبا لذلك، فتأمل. # ويؤيد الوجوب أيضا المبالغة الكثيرة التي وجدت فيما بعد الآية بقوله " ~~ذلكم يوعظ به من كان يؤمن بالله واليوم الآخر ومن يتق الله يجعل له مخرجا ~~ويرزقه من حيث لا يحتسب " حيث تدل على أن ms522 الاشهاد والإقامة أو جميع الأحكام ~~المتقدمة كما قال القاضي وغيره يتعظ وينتفع به المؤمن، فيشعر بأن من لم ~~يفعل PageV00P585 # ذلك ليس بمؤمن ومتق ولم يجعل له مخلصا ومخرجا من كرب الدنيا والآخرة ولم ~~يرزقه من حيث لا يحتسب أي لم يخلف عليه ولم يعطه من حيث لا يخطر بباله، و ~~غير ذلك مما قيل في تفسير هذه الآية من النفع الكثير جدا وبالجملة المتقي ~~يجمع الله تعالى له خير الدنيا والآخرة ويخلصه من مضارهما، وكذا المتكل على ~~الله حيث أشار به إليه بعده " ومن يتوكل على الله فهو حسبه " وفيه إشعار ~~بأن المتقي متكل فافهم. # وروي عن أبي ذر عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال إني لأعلم آية لو ~~أخذ الناس بها لكفتهم " ومن يتق الله " الآية، فما زال يقرأها ويعيدها وروي ~~أن رجلا أسره المشركون فأتى أبوه إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وذكر له ~~ذلك وشكا إليه الفاقة، فقال له: # اتق الله واصبر وأكثر من قول " لا حول ولا قوة إلا بالله " ففعل الرجل، ~~فبينا هو في بيته إذ قرع ابنه الباب ومعه مائة من الإبل قد غفل عنها العدو ~~فاستاقها، ومثل هذه المبالغات لا ينبغي في المندوبات. # " وأقيموا الشهادة لله " أمر للشهود بإقامة الشهادة عند الاستشهاد ~~والحاجة لله لا لغرض آخر مثل رضا المشهود له ومحبته وبغض المشهود عليه، ~~وبالجملة لا بد من كونها لله كسائر الأعمال والأفعال، لعل فيه إشارة إلى ~~الترغيب على الصدق في الشهادة، فإنها لله فلا يفعل الكذب والإيقاع على غير ~~ما هي عليه، والظاهر أنه على تقدير الصدق لو كانت الشهادة مشوبة بأغراض أخر ~~يحصل غرض المشهود له وتصح دون ما وعد الله على الشهادة للشاهد، بل يمكن ~~العقاب فتأمل، ويفهم اعتبار القصد من مثل هذه الآية في العبادة لا النية ~~المعتبرة عند الفقهاء فافهم. # وقريب منها الثانية: وهي قوله تعالى: # وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن فامسكوهن بمعروف أو سرحوهن بمعروف (1). # PageV00P586 # أي إذا طلقتم أيها الأزواج نساءكم فقرب انقضاء ms523 عدتهن، والبلوغ هنا بمعنى ~~القرب، يقال بلغ البلد إذا قرب منه، والأجل آخر المدة " فأمسكوهن " أي ~~راجعوهن بمعروف عند العقل والشرع مما يتعارف عند الناس أي أمسكوهن على وجه ~~أباحه الله تعالى من الأخذ على وجه تقومون بمصالحها، وما يجب عليكم من ~~حقوقها " أو سرحوهن بمعروف " أي اتركوهن حتى تنقضي عدتهن فيكن أملكن ~~أنفسهن. # " ولا تمسكوهن ضرارا " أي لا تراجعوهن لا لرغبة فيهن بل لطلب الاضرار بهن ~~أو مضرين فهو نصب إما على العلة أو على الحال، والضرار بتطويل العدة كما ~~روي أنه كان الرجل يطلق المرأة ويتركها حتى تقرب انقضاء عدتها، ثم يراجعها ~~لا عن حاجة، ولكن لتطول العدة فهو الامساك ضرارا " لتعتدوا " أي لتظلموهن ~~أو لتلجؤهن إلى الافتداء " ومن يفعل ذلك فقد ظلم نفسه " بتعريضها لعقاب ~~الله " ولا تتخذوا آيات الله هزؤا " أي جدوا في الأخذ واعملوا بآيات الله، ~~وارعوها حق الرعاية وإلا فقد اتخذتموها هزؤا ولعبا ويقال لمن لم يجد في ~~الأمر إنما أنت لاعب " واذكروا نعمة الله عليكم " بالإسلام وبنبوة محمد صلى ~~الله عليه وآله " وما أنزل عليكم من الكتاب والحكمة " من القرآن والسنة ~~وذكرها مقابلتها بالشكر والقيام بحقهما والعمل بها " يعظكم به " أي ما أنزل ~~عليكم من الوعظ " واتقوا الله " معاصيه " واعلموا أن الله بكل شئ عليم " ~~تهديد وتأكيد للوعظ. فدلت على وجوب الرجعة والامساك والمعاشرة بالمعروف، أو ~~التسريح والترك بالإحسان، وعلى النهي عن الامساك ضرارا تأكيدا للتحريم، بعد ~~أن علم ضمنا، وعلى أن فاعل العدوان ظالم لنفسه، وعلى تحريم أخذ آيات الله ~~هزؤا وعدم الجد في فعل الأوامر، وترك المناهي، وعلى وجوب شكر النعمة، ~~والعمل بالكتاب والسنة، والعلم بأن الله عالم بكل شئ. # الثالثة: " وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن فلا تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن ~~إذا تراضوا بينهم بالمعروف ذلك يوعظ به من كان منكم PageV00P587 # يؤمن بالله واليوم الآخر ذلكم أزكى لكم وأطهر والله يعلم وأنتم لا تعلمون ~~(1). # يعني إذا طلقتم النساء وانقضت عدتهن فلا تمنعوهن عن التزويج، قيل: # المخاطبون هم الأزواج الذين يعضلون نساءهم ms524 بعد مضي العدة ولا يتركونهن ~~يتزوجن عدوانا وقسرا للحمية الجاهلية بقرينة أن الخطاب كان لهم، فيكون منعا ~~لهم من عضلهم نساءهم، فيكون " أن ينكحن " مجرورا بتقدير " من " وإطلاق ~~الأزواج على الخطاب باعتبار أن يصيروا كذلك لحصول الرضا [والشرائط] وقيل هم ~~الأولياء لما روي أنها نزلت في معقل بن يسار حين عضل أخته أن ترجع إلى ~~زوجها باستيناف عقد، وقيل هما معا، وقيل الناس كلهم بمعنى أن لا يوجد فيما ~~بينكم العضل فإنه إذا وجد بينهم وهم راضون به، كانوا كالعاضلين، والعضل: ~~الحبس والمنع و التضييق. # هكذا في التفسيرين، ولا يحتاج إلى ذلك لاحتمال أن يكون الخطاب للناس ~~بمعنى أن ليس لأحد منع المرأة من التزويج بالكفؤ إذا حصل التراضي بينهما، ~~ولا يحتاج أن يكون باعتبار عضل الولي أو الزوج ورضا غيره به، وعلى تقدير ~~كون سبب النزول ما ذكر لا يلزم كون الخطاب للأولياء خاصة لعموم اللفظ، مع ~~عدم تسليم كون الأخ وليا وليس فيها دلالة عليهما، فعلى التقادير علم عدم ~~دلالتها على منع الولي المرأة عن الزواج بالكفؤ وعدم استقلالها، وإن قلنا ~~إن الخطاب للولي، والأخ ولي وسبب النزول حق إذ استقلال المرأة بالتزويج لا ~~يستلزم عدم منع أحد لها قسرا وجورا وظلما بل الظاهر أنه على ذلك التقدير ~~يعلم أن ليس للولي منعها بل هي مستقلة. # فقول القاضي: فيكون دليلا على أن المرأة لا تتزوج نفسها إذ لو تمكنت منه ~~لم يكن لعضل الولي معنى، ضعيف، فلا يبعد أن يستدل بها على عدم جواز منع # PageV00P588 # الولي التزويج بالكفؤ كما يقوله الأصحاب، بل كل من يمنع ذلك بعد حصول ~~الرضا ولو أراد الأعلى دينا أو دنيا سواء كان قريبا أو لا، فتخصيص الأصحاب ~~بالولي والاستثناء بقوله " إلا أن يريد الأعلى " غير ظاهر، وعلى تحريم ~~الخطبة بعد الرضا على الخطبة لأنه منع وعضل، الله يعلم. # " إذا تراضوا بينهم " أي الخطاب والنساء وهو ظرف لأن ينكحن أو لا تعضلوهن ~~" بالمعروف " أي بما يعرفه الشرع ويستحسنه المروة كأنه صفة مصدر محذوف أي ms525 ~~تراضيا كائنا بمعروف، أو حال عن الضمير المرفوع أي تراضوا عاملين بالمعروف ~~وفيه دلالة على عدم تحريم العضل إذا لم يكن بالكفؤ. # " ذلك " إشارة إلى جميع ما مضى ذكره، والخطاب للجميع، لكن على تأويل ~~القبيل أو كل واحد واحد، أو أن الكاف لمجرد الخطاب، والفرق بين الحاضر و ~~الغائب دون تعيين المخاطبين، أو للرسول على طريقة قوله " يا أيها النبي إذا ~~طلقتم النساء ". # " يوعظ به من كان منكم يؤمن بالله واليوم الآخر " تخصيص الوعظ الذي هو ~~الزجر والتخويف والتطميع بالمؤمن لأنه المنتفع والمتعظ به " ذلكم " أي ~~العمل بمقتضى ما ذكر " أزكى " أي أنفع " لكم " وأقوى أي يجعلكم أزكياء " و ~~أطهر " لقلوبكم من دنس الآثام " والله يعلم " ما فيه من النفع أو المصلحة " ~~وأنتم لا تعلمون " تأكيد لتصديق الأحكام وإشارة إلى اشتمالها على الحكم ~~والمصالح، فلو لم يظهر لهم الحكمة لا يجوزون عدمها، لأن الله يعلم وهم لا ~~يعلمون الأمور الخفية لمصالح جليلة. # الرابعة: المطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء ولا يحل لهن أن يكتمن ما ~~خلق الله في أرحامهن إن كن يؤمن بالله واليوم الآخر و بعولتهن أحق بردهن في ~~ذلك أن أرادوا اصلاحا ولهن مثل الذي عليهن PageV00P589 # بالمعروف وللرجال عليهن درجة والله عزيز حكيم (1). # ظاهرها الاخبار عن كل امرأة مفارقة لزوجها بالطلاق بالتربص المدة ~~المذكورة أو في المدة فثلاثة إما مفعول به أو فيه، ولعل المقصود إيجاب ~~العدة على كل مطلقة مدخول بها ذات القرء إذ العدة المذكورة مخصوصة بها ~~بالإجماع وغيره، و النكتة في التعبير عن الأمر بالخبر هو التأكيد والمبالغة ~~بالمسارعة إلى الامتثال فكأنهن امتثلن الأمر بالتربص، فهو يخبر عنه موجودا ~~ونحوه قولك في الدعاء رحمك الله. # كذا في التفسيرين، ولا يبعد جعلهما مخصوصة بالمطلقات الرجعيات غير ~~الحاملات أيضا، لأن عدتها وضع الحمل عند الأصحاب لأدلتهم، ولقوله " و ~~بعولتهن " إذ الظاهر أن تخصيص الضمير يقتضي تخصيص المرجع، وإن كان فيه ~~خلاف، إذ الضمير عين المرجع ولا معنى لمغايرة أحدهما الآخر إلا بالتكلف، و ~~ليس كذلك إعادة الظاهر، وإرادة ms526 الخاص منه، وهو ظاهر فالقياس عليه غير جيد ~~كما هو مذهب الشافعي وارتكبه القاضي، بل الظاهر هو الأول كما هو مذهب بعض ~~المحققين والحنفية، وأيضا وجه التعبير غير ظاهر إذ قد يقتضي ذلك كونه ماضيا ~~مثل رحمك الله على أن لفظة المسارعة لا تناسب. # وأيضا قول صاحب الكشاف قلت بل اللفظ مطلق في تناول الجنس صالح لكله ~~وبعضه، وجاء في أحد ما يصلح له كالاسم المشترك في جواب قوله، فإن قلت كيف ~~جازت إرادة المدخول بهن خاصة واللفظ يقتضي العموم، لا يخلو عن مناقشة، إذ ~~المطلقات عام لا مطلق لأنه جمع معرف باللام، وهو من صيغ العموم، وقد صرح هو ~~أيضا بذلك مرارا، نعم هو قابل للتخصيص فيخصص بمنفصل كما أشرنا إليه، و ~~قالوا أيضا في ذكر التربص بأنفسهن إشارة إلى أن العدة والصبر عن التزويج ~~صعب على النساء فكأنهن يحملن بالقوة والجور أنفسهن على الصبر في تلك المدة ~~والقروء جمع قرء بالفتح أو الضم ولا شك في إطلاقه على الحيض والطهر إما ~~بالاشتراك # PageV00P590 # أو الحقيقة والمجاز، وأن المراد هنا هو الطهر عند الأصحاب والشافعي وزيد ~~بن ثابت وعائشة وابن عمر وابن مالك وأهل المدينة إلا سعيد بن المسيب، ولعل ~~دليلهم نقل الاجماع والأخبار، وإن كان بعضها يدل على أنه الحيض والتأويل ~~والجمع مذكور في محله. # وقوله تعالى " وطلقوهن لعدتهن " أي وقت عدتهن واللام للتوقيت إذ ظاهره ~~وجوب وقوع الطلاق في زمان فيه العدة ومعلوم بالإجماع عدم جواز الطلاق في ~~الحيض، ويبعد حملها على أن يستقبله العدة وإن كان يجئ بعد مدة طويلة كما ~~حملها عليه صاحب الكشاف ليوافق مذهب الحنفي، ولوجوده بهذا المعنى في بعض ~~الأخبار مثل دعي الصلاة أيام أقرائك، وليس ذلك دليلا وهو ظاهر ولعل النكتة ~~في التعبير بالقروء التي هي جمع كثرة دون الأقراء التي هي جمع قلة مع ~~مناسبة جمع القلة التنبيه على عدم إرادة الحيض حيث جمع بالأقراء القرء الذي ~~يكون المراد منه الحيض، فتنبه على أن كلا من جمع الكثرة والقلة يستعمل في ms527 ~~مقام الآخرة. # وقال القاضي: ولعل الحكم لما عم المطلقات ذوات الأقراء تضمن معنى الكثرة ~~فحسن بناؤها، وفيه مناقشة إذ لا شك أن المراد الحكم على كل مطلقة مطلقة بأن ~~عدتها قروء وهو ظاهر، فلا ينفع كثرتهن وهو ظاهر وأن القروء أطلق على ~~الثلاثة التي أضيفت إليها، وهي تميزها، فليس ما يطلق عليه إلا ثلاثة أقراء ~~فلا يحسن وجودها في أفراد كثيرة من النساء، ولعل مقصوده أنه إذا جاز الحكم ~~في كثير من النساء فصار أفراد ثلاثة الأقراء كثيرة فوجد أفراد جمع الكثرة ~~فيه باعتبار أفراده، فحسن، وفيه تكلف. # " ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن " يعني يحرم عليهن أن ~~يسترن، ولا يظهرن ما في بطونهن من الولد والحيض استعجالا للعدة، وإبطالا ~~لحق الرجعة وأخذا للنفقة، وقيل في هذه دلالة على أن قولها مقبول في ذلك، و ~~لعل الوجه أنه لو لم يكن كذلك لما حسن الايجاب عليهن وتحريم الكتمان، و ~~لعله مؤيد بالأخبار والاجماع وعدم لزوم الحرج والضرر المنفيين عقلا ونقلا، ~~و PageV00P591 # لعسر الاطلاع عليهن غالبا إلا من جهة قولهن، وليس الغرض من التقييد بقوله ~~" إن كن يؤمن بالله واليوم الآخر " اشتراط نفي الحل بإيمانهن، بل التنبيه ~~على أن كمال الايمان يقتضي عدم الكتمان وعدم فعل حرام، وأن المؤمن لا يجترئ ~~عليه ولا يفعله. # " وبعولتهن أحق بردهن في ذلك " أي أزواج تلك المطلقات أولى في تلك المدة ~~وزمان التربص بردهن ورجوعهن إلى النكاح والزوجية بغير نكاح مجدد بل بمجرد ~~الرجوع إما لفظا أو فعلا كما هو المبين في محله، بمعنى أن ليس لأحد أن ~~يتزوجهن، وليس لهن أيضا أن يتزوجن حينئذ بغيرهم، فليس الرجوع إلا للأزواج، ~~فأفعل هنا بمعنى أصل الفعل بمعنى هم حقيق بهن دون غيرهم، أو أنهم أحق بالرد ~~في زمان التربص من التزويج بعده فتأمل، والبعول جمع بعل، والتاء لتأنيث ~~الجمع كالعمومة جمع عم والخؤولة جمع خال. # وليس الغرض من قوله " إن أرادوا إصلاحا " اشتراط تقييد الأحقية بإرادة ~~الاصلاح، فإنهم نقلوا الاجماع على صحة ms528 الرجوع وإن أرادوا الاضرار بل ~~الإشارة والتنبيه على أنه لا ينبغي بل لا يجوز الرجوع بقصد الاضرار بل يجب ~~قصد الاصلاح، بل لا يبعد جعله شرطا لجواز ذلك كما هو الظاهر وإن قلنا بصحته ~~بمعنى عود الزوجية بناء على الاجماع المنقول، ولا ينفى حصول الإثم وفعل ~~الحرام بذلك القصد والاضرار كما يظهر في مجمع البيان، فقول القاضي وليس ~~المراد منه شرطية قصد الاصلاح للرجعة، بل التحريص عليه والمنع من قصد ~~الضرار محل المناقشة، فيؤول إلى ما قلناه. # " ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف " أي ولهن حقوق واجبة على الرجال مثل ~~حقوقهم عليهن في الوجوب واستحقاق المطالبة بها لا في الجنس، لأن حقوق ~~النساء على الرجال المهر: والنفقة والكسوة والمسكن والمضاجعة والدخول في ~~الأوقات المقررة شرعا وترك الضرار كما روي أن الرجل كان يطلق فإذا قرب خروج ~~العدة فيرجع وهكذا، لئلا تتزوج وتستضر بعدم الزوج، فنهى عن PageV00P592 # ذلك على ما فهم مما سبق، وحقوق الأزواج عليهن في أنفسهن بأن يبذلن أنفسهن ~~لهم، ولا يمنعهم ولا يتزين لغيرهم، ولا يخرجن عن البيوت بغير إذنهم، بل ولا ~~يخرجن عن إذنهم حتى لا يصمن ندبا ولا يحججن كذلك إلا بإذنهم على ما ذكروه. # فهذا معنى قوله: " وللرجال عليهن درجة " فإن حقوقهم عليهن في أنفسهن بهذه ~~المثابة دون حقوقهن، فحقوقهم زيادة على حقوقهن في الحق أو في الشرف ~~والفضيلة فإنه من جهة القوام ومتعلق بأنفسهن بخلاف حقوقهن وهنا روايات ~~مشتملة على بيان حقوق الجانبين مفصلة وزيادة حق الزوج على حق الزوجة حتى ~~وقع في بعضها عنه صلى الله عليه وآله لو كنت آمر أحدا يسجد لأحد لأمرت ~~المرأة لتسجد لزوجها (1) ومن كثرتها عليها قالت امرأة بعد أن سمعت عن النبي ~~صلى الله عليه وآله حيث قالت فما لي من الحق عليه مثله؟ قال لا، ولا من كل ~~مائة واحدة: والذي بعثك بالحق نبيا لا يملك رقبتي رجل أبدا (2) فمنه ومن ~~أمثاله يعلم معنى قوله " ولهن مثل الذي " ومعنى " للرجال عليهن درجة " ~~فافهم " والله عزيز " أي قادر ms529 على الانتقام ممن خالف الأحكام " حكيم " يشرع ~~الأحكام بحكم ومصالح ولا يفعل فعلا خاليا عن الحكمة والمصالح لأنه عبث ولغو ~~ولهو، و الله منزه عن ذلك، علوا كبيرا، وقد علمت مما سبق أن الآية الكريمة ~~مخصوصة بالمدخول بها للإجماع والأخبار وقوله تعالى " فما لكم عليهن من عدة ~~تعتدونها " لعلها في غير المدخول بها ولغير ذوات الأحمال، فإن أجلهن أن ~~يضعن حملهن، فلا معنى لارتكاب النسخ ههنا والقول بأنه نسخ بعضها مع أنه ~~خلاف الاصطلاح ومما لا ضرورة لارتكابه. # الخامسة: واللائي يئسن من المحيض من نسائكم إن ارتبتم فعدتهن ثلاثة أشهر ~~واللائي لم يحضن وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن (3). # ولما بين عدة المطلقة البين حيضها بقوله تعالى: " والمطلقات يتربصن # PageV00P593 # بأنفسهن ثلاثة قروء " أراد بيان عدة المطلقة غير البين حيضها لكبر أو صغر ~~أو حمل غالبا فقال " واللائي يئسن من المحيض من نسائكم إن ارتبتم " أي يئسن ~~من الحيض بحسب الظاهر ولم يتحقق كونه لكبر ووصولها إلى حد يأس منه بالكلية ~~كما تقرر في الشرع فحصل الشك في ذلك فيجب عليهن أيضا العدة لعدم تحقق ~~الوصول إلى ذلك الحد للاستصحاب والأصل " فعدتهن ثلاثة أشهر " وكذلك من لم ~~تحض مع الشك في كون ذلك للصغر الذي لا حيض معه شرعا، هكذا يفهم من الكشاف ~~ومجمع البيان حيث قدرا هنا إن ارتبتم فعدتهن أيضا ثلاثة أشهر، وفيه تأمل ~~لأنه قد تقرر أنه قبل التسع لا حيض بإجماعنا وأخبارنا والأصل عدم الوصول ~~إليه ويمكن التقييد بمن تجاوز التسع ولم تحض ومثلها تحيض كما فعله الشيخ ~~وغيره ويفهم من مجمع البيان أيضا فلا يكون المحذوف إلا لفظ كذلك أي عدتهن ~~أيضا ثلاثة، فحذف الخبر منه لدلالة الأول عليه، عكس - نحن بما عندنا وأنت ~~بما عند * ك راض والرأي مختلف فلا عدة على اليائسة والصغيرة وقيل: معناها ~~أن النساء اللائي يئسن من المحيض وجهلتم عدتهن فعدتهن ثلاثة أشهر وكذلك من ~~لم تحض فاليائسة والصغيرة مطلقا يجب عليهن العدة مع الدخول وهي ثلاثة أشهر، ~~وهو مذهب العامة، ms530 وبعض الخاصة كالسيد السند، و ذلك غير بعيد، ولكن يبعد ~~المعنى الذي قيل لقوله " أن ارتبتم " إذ هو بعيد عن معنى الجهل مع عدم ~~الاحتياج إليه، إذ بيان الأحكام في القرآن العزيز لا يقيد بذلك في شئ من ~~الأحكام. # وأيضا ينافيه بعض الأخبار مثل صحيحة حماد بن عثمان قال: سألت أبا عبد ~~الله عليه السلام عن التي قد يئست من المحيض والتي لا تحيض مثلها قال ليس ~~عليهما عدة وحسنة محمد بن مسلم قال: سمعت أبا جعفر عليه السلام يقول: في ~~التي قد يئست من المحيض يطلقها زوجها قال: بانت منه ولا عدة عليها، ومثلها ~~كثيرة وعدم التقييد ظاهر في المدخول بها وغيرها. ويؤيده حسنة زرارة عن أبي ~~عبد الله عليه السلام قال في PageV00P594 # الصبية التي لا تحيض مثلها والتي قد يئست من المحيض قال ليس عليهما عدة ~~وإن دخل بهما، ومرسلة جميل بن دراج عن بعض أصحابنا عن أحدهما عليهما السلام ~~في الرجل يطلق الصبية التي لم تبلغ ولم تحمل مثلها، وقد كان دخل بها ~~والمرأة التي قد يئست من المحيض وارتفع حيضها ولا تلد مثلها، قال ليس ~~عليهما عدة وإن دخل بهما. # ولا يضر إرسال مثل جميل في مثلها، وقال في الفقيه وفي رواية جميل أنه قال ~~في الرجل إلى آخر الرواية، وكأنه نقل بلا واسطة عن أبي عبد الله عليه ~~السلام حيث تقدم الرواية عنه عليه السلام، ولكن يدل على الثاني أيضا أخبار ~~مثل صحيحة الحلبي عن أبي عبد الله عليه السلام قال: عدة المرأة التي لا ~~تحيض والمستحاضة التي لا تطهر، و الجارية التي قد يئست و [التي] لم تدرك ~~الحيض ثلاثة أشهر وعدة التي لا يستقيم حيضها ثلاث حيض، متى حاضتها، فقد حلت ~~للأزواج، وضعيفة أبي بصير قال عدة التي لم يبلغ الحيض ثلاثة أشهر، والتي قد ~~قعدت عن الحيض ثلاثة أشهر (1). # ويرجح الأول بكثرة الأخبار والقائل، قال في التهذيب: والذي ذكرناه وهو ~~حمل خبر أبي بصير على من يكون مثلها تحيض لأن الله تعالى ms531 شرط ذلك وقيده بمن ~~يرتاب بحالها مذهب معاوية بن حكيم من متقدمي فقهائنا وجمع فقهائنا ~~المتأخرين وهو مطابق لظاهر القرآن فتأمل فيه. # وبالجمع بين الأدلة وبالأصل وعموم ما يدل على جواز النكاح من النساء ~~وعمومات الثاني تخصص بأدلة الأول، ورواية أبي بصير ضعيفة وصحيحة الحلبي ~~تحمل على ما حمله الشيخ على رواية أبي بصير كما تقدم قبيل هذا. # على أنها مشتملة على حكم المستحاضة، والقائل به غير ظاهر، وعلى أن عدة ~~المسترابة ثلاثة حيض مع أن عدتها أحد الأمرين إما ثلاثة أشهر أو ثلاثة # PageV00P595 # أطهار، وفي متنها أيضا شئ فتأمل، وصحتها أيضا غير ظاهرة، لأن في طريقه في ~~الفقيه أبان بن عثمان، وفيه كلام وإن كان في التهذيب أبان بن تغلب، ولكن ~~غير معلوم لأنه يبعد نقله عن الحلبي مع كثرة نقل ابن عثمان منه، ولعله لذلك ~~ما قيل بها، ولكن الاحتياط معه، فلا يترك. # ويؤيد حمل الشيخ رواية محمد بن حكيم عن العبد الصالح عليه السلام قال قلت ~~له الجارية الشابة التي لا تحيض ومثلها تحمل، طلقها زوجها؟ قال عدتها ثلاثة ~~أشهر وأما عدة ذات الحمل المذكورة فالظاهر أنها للمطلقة لا مطلقا، والذي ~~يدل عليه أن الكلام في عدة الطلاق لقوله تعالى " يا أيها النبي إذا طلقتم ~~النساء " والتصريح بعدة المتوفى عنها زوجها عاما في قوله تعالى " والذين ~~يتوفون منكم ويذرون أزواجا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا " معناه الله ~~أعلم أن عدة كل زوجة كل زوج توفي عنها أربعة أشهر وعشرة أيام والزوجة ~~الحامل المتوفى عنها زوجها داخلة فيها بلا شك، وليس بمعلوم دخولها في أولات ~~الأحمال لأن الآية في بيان حكم المطلقات ولهذا ما كان الخلاف الذي في ~~اللائي يئسن إلا في المطلقات بالإجماع، ولا علة في الحكم هنا في النص وهو ~~ظاهر، ولا اعتبار بالاستخراج فلا رجحان هنا بأن هذا معلل، وأن العموم هناك ~~بالذات، وهنا بالعرض لأنه يحصل من عموم الزوج كما قاله القاضي ولا حجة في ~~الخبر المنقول من طرقهم، و هو ظاهر لمنع الصحة ms532 كيف وقد نقل في الكشاف أن ~~مذهب أمير المؤمنين عليه السلام وبعض الصحابة أيضا مثل ابن عباس الذي هو ~~وعاء العلم خلاف ذلك، وهو كونها بأبعد الأجلين في المتوفى عنها زوجها، ~~فتكون هذه مخصوصة بالمطلقة كما هو مذهب الأصحاب. # ويؤيده إجماعهم وأخبار أهل البيت عليهم السلام، مثل ما في صحيحة زرارة في ~~الفقيه عن أبي جعفر عليه السلام الحبلى المتوفى عنها زوجها تعتد بأبعد ~~الأجلين الخ وأن تطويل العدة في المتوفى أولى وهو ظاهر، ولهذا لا خلاف في ~~عدة الوفاة في أحد من الزوجات وإن كانت رضيعة أو زوجها غير مدخول بها، ~~واليائس وغيرها فعدة الحامل PageV00P596 # المتوفى عنها زوجها أبعد الأجلين بأخبارهم عليهم السلام وإجماع علمائهم ~~وبالآية إن تقدم الوضع وإلا فمعلوم أنه لا بد من وضع الحمل، فهذا التخصيص ~~كعدمه لوضوحه وبالجملة إذا ثبت كونه مذهب أمير المؤمنين وأهل البيت عليهم ~~السلام كما اعترف به صاحب الكشاف لم يبق كلام لأن قولهم حجة، وليس هنا محل ~~بيانها فافهم. # السادسة: يا أيها الذين آمنوا إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن من قبل أن ~~تمسوهن فما لكم عليهن من عدة تعتدونها فمتعوهن وسرحوهن سراحا جميلا (1). # المراد بالنكاح هنا العقد ولعل في " المؤمنات " إشارة إلى عدم جواز نكاح ~~الكافرات، والمراد بالمس الدخول قبلا ودبرا، فالمعنى، إذا طلقتم الزوجات ~~قبل الدخول مطلقا ليس لكم عليهن عدة أي يجوز لهن أن يتزوجن في الحال من غير ~~أن يصبرن ساعة إذ لا عدة لكم عليهن تعتدونها وتستوفون عددها، نعم يثبت لهن ~~متعة عليكم فيجب أن تمتعوهن بشئ وتفصيله تقدم، وتقدم أيضا أنه يشترط في ~~المتعة أن لا يسمي لها مهرا وإلا يثبت لهن نصف المهر المسمى فتقيد هذه بما ~~تقدم ويمكن أن تحمل على العموم وتجعل المتعة راجحة لا واجبة، فتكون مع ~~التسمية مستحبة ومع عدمها واجبة. # وفيها دلالة على أنه لا عدة مع عدم الدخول سواء تحقق الخلوة أم لا، فليس ~~للخلوة حكم الدخول في المهر والعدة كما قال به أبو حنيفة، إذ المس هو ms533 ~~الدخول والجماع والوطي، ولا شك أن مع الخلوة التي ما يتحقق معها الدخول ~~يصدق عليه قبل المس وهو ظاهر. # و " سراحا جميلا " أي تخلية من غير ضرار ولا منع واجب من نفقة وكسوة ~~ومتعة ومهر وغيرها، إشارة إلى ما نفاه في قوله " ولا تمسكوهن ضرارا " ونحو ~~ذلك # PageV00P597 # والجملة لا يجوز الخروج عن الشرع، فيجب إما الامساك بالمعروف أو المفارقة ~~به من غير قصد إضرار. # السابعة: والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر ~~وعشرا (1). # أي أزواج الذين، فالمضاف محذوف للظهور، أو يكون التقدير يتربصن بعدهم ~~فيكون العائد محذوفا، أو يقال التقدير يتربصن أزواجهم فلا يحتاج إلى العايد ~~فكأنه مذكور فإن ضمير يتربصن، راجع إلى " أزواجا " والمراد أزواجهم ~~فالأزواج هنا جمع الزوجة أي الأزواج الذين يموتون ويتركون زوجاتهم فتعتد ~~زوجاتهم هذه المدة، ويحبسن أنفسهن عن التزويج والتعريض للخطبة وتلك المدة ~~أربعة أشهر وعشرة أيام، وقيل عشرا لملاحظة الليالي فإنها مؤنثة وعشرة ~~للأيام وإنما تعتبر هي دون الأيام حتى أنهم لا يقولون صمت عشرة بل عشرا " ~~فإذا بلغن أجلهن " أي انقضت عدتهن " فلا جناح عليكم " أيها الحكام أو ~~المسلمون " فيما فعلن في أنفسهن بالمعروف " من التعرض للخطاب بالتزويج ~~بالوجه الذي لا ينكر شرعا، فيفهم أنهن لو فعلن في أنفسهن ما هو منكر شرعا ~~فعلى الحكام بل الناس الذين يقدرون على منعهن ويتركونهن يفعلن إثم وجناح، ~~فيجب عليهم منعهن من باب النهي عن المنكر. # فالآية دلت على وجوب العدة على كل من توفي عنها زوجها وأنها تلك المدة ~~سواء كانت صغيرة أو كبيرة، مدخولا بها أم لا، مسلمة أو كافرة، حرة أو أمة ~~حاملا أو حائلا. # وقال القاضي: عموم اللفظ يقتضي تساوي المسلمة والكتابية فيه كما قاله ~~الشافعي والحرة والأمة كما قاله الأصم والحامل وغيرها، لكن القياس اقتضى ~~تنصيف المدة للأمة، والاجماع خص الحامل عنه قوله تعالى " وأولات الأحمال # PageV00P598 # أجلهن أن يضعن حملهن " وعن علي عليه السلام وابن عباس أنها تعتد بأقصى ~~الأجلين احتياطا. # وفيه نظر إذ لا شك في عموم الآية ms534 وشمولها بل كلام الشافعي أيضا للأمة ~~والحرة، وأن القياس، على تقدير صحته في نفسه، غير معلوم صحته هنا، وعلى ~~تقدير صحته هنا يكون من المستنبطة، فلا يجوز تخصيص القرآن العزيز بها كما ~~هو مذهب الحق في الأصول، والاجماع المدعى غير معلوم، بل ولا مظنون، كيف وقد ~~نقل خلافه عن أمير المؤمنين عليه السلام وابن عباس ونقله في الكشاف أيضا ~~والآية لو لم تكن ظاهرة في الطلاق يكون شمولها للحامل المتوفى عنها زوجها ~~كشمول هذه لها، فالترجيح يحتاج إلى دليل، والعمل بأبعد الأجلين جامع للعمل ~~بهما وقد نقل عن علي عليه السلام وابن عباس أيضا وهو المختار عند الأصحاب. # ثم إن الظاهر وجوب العدة من حين الوفاة، قال الأصحاب من حين وصول الخبر ~~إلى الزوجة للأخبار، وكأنه للإجماع أيضا وفي يتربصن أيضا إشارة إليه حيث ~~معناه حبس النفس على العدة تلك المدة وهو بدون وصول الخبر لا يمكن ولوجوب ~~الحداد للأخبار، وكأنه للإجماع أيضا وهو ترك الزينة لأجل موت الزوج وهو ~~إنما يمكن بعده، وهو واجب أيضا في زمان العدة ولعله لا يتحقق أحدهما بدون ~~الآخر، ولهذا في الطلاق إنما يعتبر حساب العدة من حين الوقوع لا وصول خبر ~~الطلاق إليها للأخبار، ولحصول الغرض وهو براءة الرحم في الطلاق دون الوفاة، ~~ولهذا كانت مخصوصة بالمدخول بها غير الآيسة والصغيرة عند الأكثر. # وأما وجوب ترك النقلة عن المنزل على المتوفى عنها زوجها كما قاله في مجمع ~~البيان أنه واجب عندنا وأنه مذهب ابن عباس أيضا فغير معلوم أنه ذهب إليه ~~أحد من الأصحاب، نعم واجب عندهم على المطلقة الرجعية فقط، عدم الخروج عن ~~المنزل الذي طلقت فيه إلا بعد نصف الليل للحاجة، مع الرجوع ليلا، وقد مر ~~البحث فيه. # وقال فيه. أيضا قيل: معناه لا جناح على النساء ولا عليكم فيما فعلن في ~~أنفسهن PageV00P599 # من النكاح والزينة التي لا ينكر مثلها وهذا معنى قوله " بالمعروف " وقيل ~~معناه ما يكون جائرا، وقيل معناه النكاح الحلال والظاهر أن الأول لا يناسب ~~لو لم يكن ms535 المراد ما لا ينكر شرعا، ومع المراد يكون هو الثاني، وأن الأخير ~~أخص مما قبله. # " والله بما تعملون خبير " أي عليم ففيه ترغيب وترهيب كما هو العادة في ~~تعقيب أكثر الأحكام للمبالغة والاهتمام بإقامة حدود الله. # وقال في مجمع البيان إن هذه ناسخة لقوله تعالى " والذين يتوفون منكم " ~~إلى قوله " غير اخراج " (3) وإن كانت متقدمة عليه في التلاوة، ولعل ~~المنافاة باعتبار وجوب العدة سنة المفهوم من قوله " إلى الحول " كما قاله ~~القاضي وفيه تأمل، وإما باعتبار وجوب الوصية وامتاعهم وعدم إخراجهم عن بيوت ~~الأزواج إلى الحول فغير ظاهر وبالجملة إنما يتحقق بعد العلم بتفسيرها وسيجئ ~~إنشاء الله تعالى. # الثامنة: الطلاق مرتان فامساك بمعروف أو تسريح بإحسان (2). # الطلاق بمعنى التطليق كالسلام والكلام بمعنى التسليم والتكليم، أي ~~التطليق الرجعي ثنتان فإن الثالثة بائن لما روي عنه عليه الصلاة والسلام ~~أنه سئل عن الثالثة فقال عليه الصلاة والسلام " أو تسريح بإحسان " أو أن ~~التطليق الشرعي تطليقة بعد تطليقة على التفريق دون الجمع والإرسال دفعة ~~واحدة، ولم يرد بالمرتين التثنية بل مطلق التكرير كقوله " ثم ارجع البصر ~~كرتين " (3) أي كرة بعد كرة لا كرتين فقط، ومثله من الثاني التي يراد بها ~~التكرير قولهم لبيك وسعديك. # " فامساك بمعروف أو تسريح بإحسان " تخيير للأزواج بعد أن علمهم كيف ~~يطلقونهن، بين أن يمسكوا النساء بحسن المعاشرة والقيام بحقهن الواجب عليهم # PageV00P600 # وبين أن يسرحوهن السراح الجميل الذي علمهم، وعلى الثاني معناه فبعد ~~التطليقتين. # فالواجب إمساك المرأة بالرجعة وحسن المعاشرة بالوجه الذي لا ينكر عرفا ~~وشرعا بل يكون معروفا، أو تسريح بإحسان بأن يطلقها التطليقة الثالثة أو بأن ~~لا يراجعها حتى تبين منه، وتخرج عن العدة، والامساك هو الأخذ وضده الاطلاق ~~والتسريح " فامساك " خبر مبتدأ محذوف، و " بمعروف " متعلق به، أو بمقدر صفة ~~له، و " أو تسريح " عطف عليه و " بإحسان " مثل " بمعروف ". # فعلى الأول يدل على انحصار الطلاق الرجعي في التطليقتين كما هو المقرر ~~ولكن ما علم كيفية إيقاعهما، فهل تجوز في مجلس واحد مرتين بينهما رجعة ثم ms536 ~~رجعة أخرى؟ فإن طلق ثالثة تصير باينا؟ أو لا بد من إيقاع كل واحدة في طهر ~~على حدة كما هو مذهب الحنفي أو لا يكفي ذلك أيضا بل لا بد من الرجعة والوطي ~~أيضا حتى يصح تطليقة أخرى والكل محتمل، وفي بعض الروايات إشارة إليه، وكأن ~~أكثر الأصحاب على الأول وهو مذهب الشافعي أيضا بل مذهبه أعم منه، والظاهر ~~صحة الطلاق من غير شرط مع أصل عدم الاشتراط، وصدق عموم الطلاق مثل الآية ~~المذكورة، وكذا الأخبار دليله والاحتياط في الفروج، و عدم العلم بصدق ~~الطلاق الشرعي عليه، والاستصحاب حتى يعلم المزيل دليلهما فتأمل. # نعم الظاهر أن اشتراط وقوعه في طهر غير طهر المواقعة دون الحيض، إلا أن ~~يكون حاملا أو غائبا زوجها غيبة معتبرة عندهم، أو يكون غير مدخول بها ~~إجماعي. # وعلى الثاني تدل على اشتراط وقوع التطليق منفصلا بأن يقول هي طالق ثم ~~يرجع، ثم يطلق أخرى ويقول هي طالق وهكذا، لا بأن يرسل في مجلس واحد اثنين ~~أو ثلاثة أو أكثر إما بأن يقول هي طالق ثلاثا أو هي طالق وطالق وطالق أو ~~يكرر و هي طالق كما هو مذهب الشافعي فإنه لا يقع عند الأصحاب، ويحتمل ~~الواحدة فقط عندهم وأما دلالتها على وقوع كل واحدة في طهر غير طهر المواقعة ~~كما هو مذهب الحنفي وأصحابه على ما ذكره في الكشاف، فليست بواضحة إذ ليس ~~فيها على هذا PageV00P601 # إلا نفي الارسال إن سلم، وأما كون التطليق الثاني في طهر غير طهر ~~المواقعة وغير طهر التطليق الأول فبعيد عن الفهم إلا بمعونة الأخبار، وقد ~~ذكر في الكشاف حيث ابن عمر للدلالة عليه وهو صريح فيه على ما نقله، ولكنه ~~ما ثبت صحته ومعارض أيضا بما نقله أيضا فيه من الاستدلال الشافعي بخبر ~~العجلاني الدال على طلاق امرأته بين يدي رسول الله صلى الله عليه وآله ثلاث ~~طلقات في مجلس واحد وهذا لا يدل على صحة الارسال أيضا لاحتمال وقوع الفاصلة ~~بالرجعتين كما يقوله الأصحاب، والظاهر أن في أصحابنا من ms537 ذهب إلى مذهب ~~الحنفي وفي رواياتهم ما يدل عليه، لكنه لا يخلو عن قصور متنا أو سندا، ~~ويحتمل التقية والاستحباب. # التاسعة: فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره فإن طلقها فلا ~~جناح عليهما أن يتراجعا إن ظنا أن يقيما حدود الله وتلك حدود الله يبينها ~~لقوم يعلمون (1). # أي فإن طلق الزوج الزوجة التي طلقها مرتين فلا يحل له تزويجها من بعد هذا ~~الطلاق، حتى تنكح المرأة زوجا آخر غير المطلق بالنكاح الدائم مع الوطي ~~قبلا، إما بحمل النكاح على الوطي المتعارف شرعا كما قيل إنه جاء بهذا ~~المعنى والمتبادر كونه بالعقد الدائم أو أخذ العقد الدائم من " زوجا " ~~بحمله على المتعارف أو من " فإن طلقها " أو من الأخبار والاجماع وإما بحمله ~~على العقد وأخذ الوطي من الأخبار والاجماع من غير نظر إلى خلاف ابن المسيب ~~والنكاح يسند إلى الزوجة كما يسند إلى الزوج. # فإن طلقها الزوج الثاني المحلل فلا إثم ولا حرج على الزوج الأول والزوجة ~~في أن يرجع كل منهما إلى الزوجية، بأن يعقدا بعقد ومهر جديدين إن ظنا ~~الاتيان بلوازم الزوجية من حسن الصحبة والمعاشرة، وسائر الأمور الواجبة ~~عليهما # PageV00P602 # فقيد جواز ونكاحهما مرة ثانية بظنهما إقامة حدود الزوجية، فلا يجوز ذلك ~~بدونه وذلك غير بعيد بمعنى أنه إن تيقنا، ويحتمل إن ظنا أيضا عدم الاتيان ~~بالواجبات وارتكاب المحرمات لا يجوز لهما ذلك لأنه مستلزم للحرام وإن قلنا ~~بصحة العقد فإن النهي في غير العبادات لا يستلزم البطلان ويحتمل أن لا يكون ~~العقد أيضا حراما ويكون التقييد للإشارة إلى تأكيد حسن المعاشرة، وعدم ~~الخروج عن الطاعة، و عدم حصول نفع الزوجية على تقدير عدم إقامة الحدود، إذ ~~يرجع إلى المفارقة و يبقى الإثم والعدوان، وبالجملة المفهوم لا يكون حجة ~~هنا لعدم شرط حجيته أو لدفعه بأقوى منه من الاجماع ونحوه. # فإن شرطية، و " فلا تحل " جزاء و " بعد " مبني على الضم لنية ما أضيف ~~إليه أي الطلاق و " فلا جناح " جزاء الشرط الثاني و " أن ms538 يتراجعا " في محل ~~الخبر بحذف في و " أن يقيما " في محل النصب مفعول " ظنا " وهو شرط وجزاؤه ~~محذوف من جنس ما قبله و " يبينها " لا محل له أو صفة للحدود و " تلك حدود ~~الله " إشارة إلى ما شرعه الله من حقوق الزوجية والطلاق والرجعة والنكاح ~~وأحكامها " يبينها لقوم يعلمون " أي يذكرها مبينة ظاهرة لأجل العلم والعمل ~~بمقتضاه أو لمن يصح منهم العلم أو العلماء والفقهاء، لأنهم المنتفعون به ~~دون غيرهم، فخصوا لذلك بالخطاب أو لأنهم الرؤساء فاكتفي بهم. # فالآية دلت على اشتراط المحلل بعد كل طلاق ثالث كما هو المقرر والمجمع ~~عليه ظاهرا إلا أن في الدلالة تأملا، إذ الظاهر أن بعد الثالث الذي بعد ~~التطليقتين الرجعيتين يحتاج إليه على أحد الاحتمالين، فهذا يؤيد الاحتمال ~~الأخير يعني أن الطلاق المشروع هو الطلاق المفصل الواقع كل واحد بعد ~~الآخرة، سواء كان بعد خروج العدة والعقد ثانيا أو في العدة بعد العقد أو ~~الرجعة فيها، لا المرسل المجمل مثل هي طالق ثلاثا أو طالق وطالق كما مر ~~فإذا طلق بعد اثنين منها فلا بد من المحلل. # ودلت أيضا على أنه لا بد من أن يكون التحليل بالعقد الدائم مع الوطي ~~PageV00P603 # على بعض ما مر أو الأخبار والسنة، فلا بد من كون الزوجين صالحين شرعا ~~لذلك وأما كونه بالغا فغير ظاهر الوجه، إلا أن يقال بعدم اعتبار أفعال ~~غيره، وهو محل المناقشة، نعم في قوله " تنكح " إشارة إلى وقوعه منها، فتكون ~~هي بالغة رشيدة ولهذا قيل تدل على عدم اعتبار الولي في المبالغة الرشيدة ~~[بكرا وثيبا] لاسناد النكاح إليها، وصدق النكاح على نكاحها بدون الولي. # وقد يقال إن نكاح الولي نكاحها، وأنه قد يكون في الثيب، وأيضا إذا ثبت ~~بطلان النكاح بغير إذن الولي تقيد هذه وأيضا لا يمكن الاستدلال به إلا ~~[مجازا] بعد تحقق حصول شرائط العقد وفيه أن المجاز لا يصار إليه إلا مع ~~العجز، وكذا التخصيص وظاهرها العموم فتثبت الدلالة في الجملة، وإذا ثبت ~~للمثبت أيضا دليل فينظر في وجه ms539 الجمع، وهذه المسألة جليلة وفيها اختلاف ~~كثير، وأدلة كل من الأقوال مذكورة في مظانها، وذكرها يحتاج إلى التطويل، ~~وليس هذا محله. # واختلفوا أيضا في النكاح بشرط التحليل فجوزه أبو حنيفة، وقال بصحته، و ~~قيل لا يصح العقد ولا الشرط، فلا يحل للأول ولا للثاني وهو مذهب الأصحاب ~~والشافعي لأن الشرط مناف لمقتضى العقد إذ مقتضاه بقاء الزوجية، وعدم وجوب ~~الطلاق، وعدم صلاحية عقد النكاح للخيار على تقدير عدم فعل الشرط، وعدم ~~بطلان عقد النكاح الصحيح مع الوطي من دون طلاق وفسخ ثابت شرعا، ومعلوم ~~استلزام بطلان الشرط لبطلان المشروط. # فلا يمكن الاستدلال على مذهب أبي حنيفة بعموم الآية، مع أن الظاهر أن ~~المراد من قوله " حتى تنكح زوجا غيره " هو العقد المتلقى من الشارع، وغير ~~معلوم كونه كذلك مع الشرط وأيضا قد قيل إن الاستدلال بعمومات العقود لا ~~يمكن إلا بعد ثبوت تحقق شرائطها وفيه تأمل، وأيضا نقل عنه صلى الله عليه ~~وآله أنه لعن المحلل والمحلل له فكأن المراد هذا المحلل المشترط إذ لا شك ~~في جواز فعلهما، والحمل على الكراهة مع الشرط أو مع نية التحليل كما هو ~~مذهب البعض بعيد، إذ الظاهر من الشرع تعليق الأحكام على العقد الواقع ظاهرا ~~بينهما ونية التحليل وخطورة بالبال PageV00P604 # لا دخل له، بل الظاهر أنه قليلا ما ينفك عنه فهو لا يخلو عن حرج ما الله ~~يعلم. # واعلم أن الأصحاب استدلوا بهذه الآية على أن الطلاق الثلاث بلفظ واحد لا ~~يقع، لأنه قال " طلاق مرتان " ثم الثالث إما بقوله " أو تسريح بإحسان " كما ~~مر في الخبر أو بقوله " فإن طلقها " فإن من طلق ثلاثا بلفظ واحد لم يأت ~~بالمرتين ولا بالثالث، كما في اللعان ورمي الجمار بلا خلاف كذا في مجمع ~~البيان وفيه تأمل. # * (الثاني) * * (الخلع والمبارات) * وفيه آية واحدة أعني قوله تعالى: # ولا يحل لكم أن تأخذوا مما آتيتموهن شيئا إلا أن يخافا ألا يقيما حدود ~~الله فإن خفتم ألا يقيما حدود الله فلا جناح عليهما فيما افتدت به تلك ms540 حدود ~~الله فلا تعتدوها ومن يتعد حدود الله فأولئك هم الظالمون (1). # قيل: نزلت في ثابت بن قيس وزوجته، حيث كانت تبغضه وهو يحبها وأتت النبي ~~صلى الله عليه وآله فقالت لا أنا ولا ثابت، لا يجمع رأسي ورأسه شئ، فنزلت ~~فاختلعت بحديقة كانت صداقها، والخطاب للحكام، ولما كان الأخذ والاعطاء ~~بأمرهم أسند إليهم، فكأنهم الآخذون والمؤتون، فالمعنى لا يحل لكم أيها ~~الحكام أن تأمروا بأخذ شئ مما حكمتم على الأزواج بإعطائه أولا من المهور أو ~~لا يحل لكم أن تأخذوا شيئا مما أخذتم من الأزواج وأعطيتم النساء من مهورهن ~~وتعطوه لأزواجهن إلا أن يخاف الزوجان من ترك إقامة حدود الله ومواجب ~~الزوجية، لما يحدث من # PageV00P605 # نشوز المرأة وسوء خلقها، ولعل المقصود ظنهما عدم إقامة الحدود، بأن يظهر ~~من المرأة النشوز والبغض، ولو بقول: لا أغسل لك رأسي من جنابة، والرجل يخاف ~~حينئذ أن يخرج عن الشرع بمنعها ففاعل " يخافا " هو الزوجان، ويعلم من السوق ~~و " أن لا يقيما " مفعوله بنزع الخافض وفهم المخاطب لا يخلو عن شئ سيما في ~~" فإن خفتم " فإنه الحكام أيضا مع أن فاعل " أن يخافا " كان غيرهم. # أي فإن ظننتم أيها الحكام أن لا يقيما أحكام الله من لوازم الزوجية فلا ~~جناح عليهما فيما تفتدي المرأة أي عوض الطلاق الذي يعطيه الزوج، وتخلص ~~نفسها من تحت حكمه، فكأنها تخلص نفسها من الملكية أو القتل، حيث تخاف موتها ~~تحته بغضا وغيظا، أو يقتلها لما فهم بغضها له، أو من المعاصي، أي فلا ذنب ~~على المرأة في إعطاء عوض الخلع ولا على الرجل في أخذه، وهذا خلاف الظاهر إذ ~~الظاهر نفي الجناح عن الحكام ولكن نفيه عنهما يستلزم النفي عنهم، ويحتمل ~~كونه للأزواج في " لكم " و " تأخذوا " و " آتيتموا " وفي " خفتم " للحكام. # وقال في الكشاف ونحو ذلك غير عزيز في القرآن وهو خلاف الظاهر مع العدول ~~عن الخطاب إلى الغيبة بقوله " أن يخافا " والحطاب بالخوف إلى الحكام مع ~~إسناده أولا إلى الزوجين، ويحتمل أن يكون الخطاب في الجميع ms541 للأزواج، ولكن ~~عدل عن خطاب الجمع إلى غيبة التثنية أي يخافا ويقيما، ثم منها إلى الخطاب ~~بقوله " فإن خفتم " ثم منه أيضا إلى الغيبة في قوله " ألا يقيما " فتأمل. # وبالجملة يعلم من تفسير هذه الآية عدم قصور الانتقال في خطاب واحد و كلام ~~واحد من ذكر حال شخص إلى آخر، وأن ما نجد غير حسن على سليقتنا ليس بمعتبر، ~~فلا بعد في كون آية التطهير في شأن من يقوله الأصحاب، ولا تكون مقصورة على ~~الزوجات كما يدعيه غيرهم، ويقولون خلاف سوق الآية إذ ما قبلها وما بعدها في ~~الزوجات، سيما على القول بدخولهن أيضا إلا ما أخرجه دليل خارج. # " تلك حدود الله " إشارة إلى ما حد من الأحكام السابقة من العدة والرجعة ~~PageV00P606 # والطلاق والخلع وأحكامها أي أوامر الله ونواهيه " فلا تعتدوها " فلا ~~تجاوزوها بالمخالفة والعمل بخلافها " ومن يتعد حدود الله " فإن من يتجاوزها ~~" فأولئك هم الظالمون " أي يظلمون أنفسهم بأن يوقعوها في العذاب الشديد من ~~الله تعالى في الآخرة بل في الدنيا أيضا بالحبس والتعزير والحدود، إذا كان ~~مما يوجبها. # ثم اعلم أن صريح الآية عدم أخذ شئ من مهورهن بل جميع ما أعطين من المهر ~~والنفقة والعطايا، فدلت على لزوم الهبة للزوجة، وعدم استرجاع الثياب التي ~~أعطوها للكسوة، وإن بقيت جددا وطلقن، إلا عوض الخلع فتأمل. # ثم إن ظاهرها يفيد جواز الأخذ بحصول خوف عدم إقامة الحدود من الجانبين ~~فيكون التباغض من الجانبين، وليس ذلك بشرط في الخلع بل في المباراة إلا أن ~~تحمل على أنه يخاف الزوج من أنها لو خرجت عن موجبات الزوجية والشرع يخرج هو ~~أيضا ولكن ذلك أيضا غير شرط في الخلع عند الأصحاب كما هو المذكور في محله، ~~بل الشرط ظهور بغض الزوجة فقط، مثل أن تقول لا أغتسل لك من جنابة أو لأدخلن ~~على فراشك من تكرهه، وأمثاله فتحمل حينئذ على المبارات لا الخلع. # ثم إن ظاهرها عدم إثم المرأة أيضا مع أنها آثمة لو لم يكن من جانب الزوج ~~ما يوجب بغضها ms542 من الاخلال بلوازم الزوجية، ويمكن أن يقال إنما نفي الإثم في ~~إعطاء المهر لتخليص نفسها من الإثم، وهو لا يستلزم عدم تحريم إظهار الكراهة ~~والخروج عن لوازم الزوجية، وجواز التكلم بمثل ما مر، وذلك الاعطاء أيضا ~~مشروط بخوفها وظنها أنها ما تقدر على ضبط نفسها فتخرج عن الشرع فلا يبعد ~~الجواز حينئذ بل الوجوب تخييرا إما الترك أو الاعطاء والخلاص من الذنب ولما ~~عرفت من نفسها عدم الأول تعين الثاني، بل لا يبعد جواز إعطاء المال لاخراج ~~النفس عن المشقة لها بالمعاشرة، لأنه غير موافق لها طبعا وعرفا وإن كان ~~موافقا لها شرعا، فيكون اخراج المال في فراغة النفس ولذتها وتخليصها عن ~~الكراهة جايزا. PageV00P607 # قال القاضي: واعلم أن ظاهر الآية يدل على أن الخلع لا يجوز من غير كراهة ~~وشقاق، ولا بجميع ما ساق الزوج إليها فضلا عن الزائد، ويؤيد ذلك قوله عليه ~~الصلاة والسلام: أيما امرأة سألت زوجها طلاقا في غير بأس فحرام عليها رائحة ~~الجنة وما روي أنه عليه الصلاة والسلام قال لامرأة ثابت بن قيس أتردين عليه ~~حديقته؟ فقالت أردها وأزيد عليها، فقال عليه السلام أما الزائدة فلا (1) ~~والجمهور استكرهوه، ولكن نفذوه، فإن المنع عن العقد لا يدل على فساده وأنه ~~يصح بلفظ المفاداة فإنه سماه افتداء. # وفيه تأمل لأنها تدل على أن الأخذ من المرأة لتخليص نفسها لا يجوز إلا مع ~~الخوف لا عدم جواز العقد المثمر لذلك إلا مع الكراهة وأيضا معلوم عدم ~~الجواز من غير شقاق بل وقوعه أيضا في الخارج، إنما كان عليه أن يبين ~~دلالتها على حصوله من الجانبين أو المرأة فقط أو الرجل وأيضا لا يعلم عدم ~~جوازه بجميع ما ساق بل تدل على جواز الزائد فضلا عن الجميع لعموم " فيما ~~افتدت به " والأصل عدم تقييده وتخصيصه بشئ مما آتيتموهن وإن سبق ذلك وهو ~~ظاهر، والحديث الأول مؤيد لعدم جواز سؤال الطلاق من غير بأس، والحديث ~~الآخر، يدل على جوازه بجميع ما أخذت منه وعلى نفي الزائد [وهو مجمل] فإن ~~حمل ms543 على عدم الجواز فيدل على عدم إعطاء الزائد، وأما إن حمل على عدم ~~الاحتياج لأنه كان راضيا بغير ذلك وهو الأولى للأصل والسوق فلا يدل، وعلى ~~تقديره قد يصح العقد ويملكه كما قال به، وأيضا المنع على تقدير وقوعه وقع ~~عن الجميع والزائد لا عن العقد. # فدل على عدم صلاحيته للعوضية وعدم ملكيته للزوج عوضا عن الطلاق فلا معنى ~~لصحة العقد كما أن المنع في بعض المعاملات راجع إلى أحد الطرفين مثل عدم ~~جواز بيع المجهول وحبل الحبلة والحصى وبيع السفيه والطفل والربا وغير ذلك، ~~ويدل على الفساد وأيضا كون الخلع طلاقا كما قال، والأظهر أنه طلاق لأنه ~~فرقة باختيار الزوج فهو كالطلاق بالعوض غير ظاهر، ودليله قياس في اللغة # PageV00P608 # وهو على تقدير صحته لا يصح في اللغة، فالأظهر أنه فسخ إذ الأصل عدم ثبوت ~~أحكام الطلاق مثل الاحتياج إلى المحلل وتحريم الأبد [ي] وتنصيف المهر وغير ~~ذلك وعلى تقدير عدم دلالة النهي على الفساد لا يلزم دلالته على الصحة، فلا ~~بد لصحته من دليل، فإن الآية دلت على صحته حال الشقاق فقط ودلت على تحريم ~~غيره مع إشعارها بعدم الصحة، فإن الظاهر من حال الشارع عدم ترتيب الأحكام ~~إلا على ما رضي به، إلا أن ينص على خلافه، فتأمل، وأيضا وقوع الخلع بلفظ ~~المفادات غير ظاهر، فإن مجرد تسمية إعطاء الزوجة شيئا لتخليص نفسها من قيد ~~الزوجية لا يقتضي ذلك، وهو ظاهر فتأمل وأنصف. # * (الثالث الظهار) * وفيه ثلاث آيات (1) هن: # " الذين يظاهرون منكم " أيها المؤمنون " من نسائهم ما هن أمهاتهم " أي ~~لسن أمهاتهم " إن أمهاتهم " إن نافية " إلا اللائي ولدنهم " فلذلك لم ~~يصيرهن أما لا حقيقة ولا تشبيها " وإنهم ليقولون منكرا من القول وزورا " ~~قول ذلك وكونهن كالأم قول منكر تنكره اللغة والعرف والشرع وكذب وباطل " وإن ~~الله لعفو غفور " يعفو عنهم ويغفر لهم إن تابوا أو تفضلا وإحسانا، والظهار ~~الذي يظاهرون به النساء ويترتب عليه أحكامه أن يقول الزوج لزوجته أنت على ~~كظهر أمي فمع تحقق شرائطه التي ms544 اعتبرها الفقهاء تحرم عليه إلا بعد الكفارة ~~فإذا أراد العود إليها والدخول فلا بد من تقديم الكفارة حتى يحل الدخول ~~وإليه أشار بقوله " والذين يظاهرون من نسائهم " وقيل أي الذين كان عادتهم ~~ذلك في الجاهلية " ثم يعودون " في الاسلام " لما قالوا " ويأتون بالظهار ~~مثل الأول " فتحرير رقبة من قبل أن يتماسا " فعليهم أو الواجب أو يجب تحرير ~~رقبة ثم العود إلى الدخول إن شاء وفيه أنه ليس بشرط كون ذلك في الجاهلية ~~وأنه لم يفهم حينئذ العود إلى الدخول فيكون معناه الذين يظاهرون # PageV00P609 # منهن ثم يتداركون ما قالوه لأن المتدارك للأمر عائد إليه، ومنه المثل عاد ~~الغيث على ما أفسده أي تداركه بالاصلاح والمعنى أنهم يتداركون هذا القول ~~ويصلحونه بالكفارة حتى ترجع حالهما كما كانت قبل الظهار من التزويج الحلال، ~~أو يراد بما قالوه ما حرموه على أنفسهم بلفظ الظهار تنزيلا للقول منزلة ~~المقول فيه، و يكون المعنى ثم يريدون العود للتماس والمماسة أي الاستمتاع ~~بالجماع " ذلكم " الحكم " توعظون به " لأن الحكم بالكفارة دليل ارتكاب ~~الجناية فيجب أن يتعظوا بهذا حتى لا يعودوا إلى الظهار فتجب الكفارة أو ~~يخافوا عقاب الله " والله بما تعملون خبير " وعد بل وعيد. # " فمن لم يجد " الرقبة ولا ثمنها " فصيام شهرين متتابعين " أي فالواجب ~~عليه ذلك " من قبل أن يتماسا " أي من قبل أن يستمتع كل من المظاهر والمظاهر ~~منها بالآخر " فمن لم يستطع " ذلك الصيام " فإطعام ستين مسكينا " فالواجب ~~ذلك، الظاهر أن هذا أيضا قبل المسيس، وترك اكتفاء بما تقدم. # فتدل على عدم صيرورتها أما بالظهار وتحريمه وأن الله يعفو عنه، ووجوب ~~الكفارة قبل المس بل اشتراط حلها بتمام الكفارة وعدم الكفارة مع عدم العود ~~فتسقط بالطلاق والمفارقة، وأنها لم تحرم مؤبدا بل تحل بعد الكفارة، و ~~للظهار أحكام وفروع كثيرة مذكورة في الفروع مثل تحققه بغير الظهر أو بغير ~~الأم أو بغير لفظ أنت أم لا، وهل لا بد من كون تمام الكفارة قبل المسيس فلو ~~دخل قبله استأنف أم لا وغير ذلك. ms545 # " ذلك لتؤمنوا بالله ورسوله وتلك حدود الله وللكافرين عذاب أليم " أي فرض ~~ذلك البيان والتعليم للأحكام لتصدقوا بالله ورسوله في قبول شرائعه، وتلك ~~أحكام الله لا يجوز تعديها ولمن لا يقبلها عذاب أليم، فهو مثل قوله " ومن ~~كفر فإن الله غني عن العالمين " (1). # PageV00P610 # * (الرابع الايلاء) * وفيه آيتان: # الأولى: للذين يؤلون من نسائهم أربعة أشهر فإن فاؤا فإن الله غفور رحيم ~~(1). # الثانية: وإن عزموا الطلاق فإن الله سميع عليم (2). # أي الذين يحلفون على عدم وطي نسائهم بالله، وقال في مجمع البيان: أو ~~بأسمائه المختصة، وهو محل التأمل، وكذا تقييده بقوله على وجه الغضب ~~والاضرار فإن الظاهر انعقاده مطلقا ما لم يصل في حال الغضب إلى أن يسلب ~~قصده، ولم يكن القصد دفع ضرر بالوطي عنه أو عنها أو ولدها، فضمن هذا القسم ~~من الحلف معنى البعد، وعدي بمن، فكأنه يقول: يبعدون من نسائهم مولين ~~ومقسمين. # " تربص " مبتدأ و " للذين " خبره والمعنى للمولي حق التربص، والتلبث ~~والمهلة في هذه المدة، وابتداء هذه المدة من حين الحكم لا من وقت الايلاء ~~عند بعض الأصحاب فلا يطالب في هذه المدة بشئ ولا يكلف ولا يحبس، فإن رجع عن ~~اليمين بالحنث بأن جامع مع القدرة أو فعل فيئة العاجز على تقديره أو عزم ~~على الوطي حين القدرة، أظهر ذلك للمرأة، فإن الله يغفر له إثم حنثه وخلفه، ~~فإنه غير مشروع، وذلك أعم من أن يقع في هذه المدة أو بعدها على ما ذكره ~~الأصحاب فتقييد الكشاف بفي هذه المدة على أنه مذهب الحنفي، وبعدها كما هو ~~مذهب الشافعي غير سديد. # واعلم أن الظاهر أنه في الحقيقة لا يمين منعقدة هنا، فلا كفارة لها، بل ~~إنما هي عقوبة للحلف، ولهذا يجب حنثها والكفارة مع الفيئة في المدة عند ~~الأصحاب # PageV00P611 # وبعدها أيضا على خلاف، ولو كانت يمينا وكفارة حقيقتين لما كان كذلك وهو ~~ظاهر، وأيضا هذا اليمين غير مشروعة، وشرط الصحة المشروعية وإن قصدوا الطلاق ~~وصمموا قصده " فإن الله سميع " يسمع طلاقهم " عليم " يعلم ضميرهم يعني لا ms546 ~~بد من إيقاعه لفظا وقصدا حتى يخلص ففيه إشارة لطيفة إلى اعتبار اللفظ ~~والقصد في الطلاق فافهم. # ثم اعلم أن ظاهر الآية عدم الكفارة سيما بعد المدة كما هو مذهب بعض ~~الأصحاب، ولكن نقل الاجماع على وجوب الكفارة في المدة، وأن ابتداء المدة من ~~حين الايلاء كما هو مذهب بعض الأصحاب أيضا وأن الظاهر عدم انعقاد الايلاء ~~الذي يترتب عليه حكم الايلاء المشهور في أربعة أشهر وما دون، بل يكون إما ~~دائما أو مقيدا بأكثر من أربعة أشهر، بحيث يسع الرجوع إلى الحاكم وإلزامه ~~بأحد الأمرين كما هو مذهب الأصحاب فمذهب الحنفي وهو انعقاده في الأربعة وما ~~دون كما هو في البيضاوي وأربعة وما فوقه كما هو في الكشاف غير ظاهر. # وأما إذا لم يفعل أحد الأمرين فتطلق الزوجة طلقة واحدة باينة عند الحنفي ~~وتطلق عند الحاكم عند الشافعي وكلاهما غير واضح الدليل، إذ حل عقد شخص بغير ~~شئ وبغير رضاه غير جائز حتى يثبت الدليل الذي يصلح لتخصيص الأدلة العقلية ~~والنقلية ولا يبعد كون دليل الشافعي لا ضرر ولا ضرار ونحوه، ويشكل جعل مثله ~~دليلا لمثلها مع ثبوت التخيير، ويحبس ويتضيق عليه الطعام والشراب عند ~~الأصحاب حتى يطلق أو يرجع ويكفر، كما يحبس ويعاقب إذا امتنع عن سائر الحقوق ~~الواجبة عليه، وإن جوزوا في بعضها تصرف الحاكم، وكأن عدم تجويزهم هنا بنص ~~أو احتياط في الفروج. # وأما سائر أحكام الايلاء والشروط فيطلب من الكتب الفقهية مثل اشتراط خلو ~~الايلاء عن الشرط، وكونها منكوحة دائمة ومدخولا بها، وعموم الآية تدل على ~~العدم إلا الدوام لذكر الطلاق، وكذا يدل على عدم الفرق بين العبد والحر ~~والحرة والأمة في الانعقاد ومدة التربص وعلى عدم اعتبار البلوغ والعقل ~~والرشد PageV00P612 # إلا من جهة العقل فإن كلام بعضهم لا اعتبار به، فيعتبر التمييز والعقل ~~ولا يحتاج إلى الرشد وأما الصبي المميز فلعل الأصحاب صرحوا بعدم اعتبار ~~كلامه لعدم التكليف فليس ذلك بدليل إذ قد يكون من قبيل الأسباب أو يتوجه ~~التكليف إلى الأولياء إلا أن ms547 ظاهرها تكليف المولي، وأنه يجب عليه الفيئة أو ~~الطلاق، ومعلوم عدم وجوب شئ عليه وعدم صحة طلاقه عندهم، لكنه يمكن كونه غير ~~بالغ حين الايلاء وبالغا حين التربص، لكنه بعيد ولعل عندهم إجماعي. # * (الخامس اللعان) * وفيه آيات أربع هن: # والذين يرمون أزواجهم ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم فشهادة أحدهم أربع ~~شهادات بالله أنه لمن الصادقين * والخامسة أن لعنة الله عليه إن كان من ~~الكاذبين * ويدرؤا عنها العذاب أن تشهد أربع شهادات بالله إنه لمن الكاذبين ~~* والخامسة أن غضب الله عليها إن كان من الصادقين (1). # للعان أحكام وشروط مذكورة في محلها وليس هذا محل ذكرها، فلنذكر معنى ~~الآية وتركيبها، " والذين " مبتدأ و " فشهادة أحدهم " مبتدأ ثان و " أربع " ~~خبرها، والجملة خبر الأول أي فالشهادة التي تدرء عنه الحد هي أربع فيمكن أن ~~يكون " فشهادة " فاعلا لفعل مقدر، وهو نحو يدرأ، والجملة الفعلية خبر " ~~الذين " وعلى تقدير النصب يحتمل أن يكون " فشهادة " مبتدأ أيضا محذوف الخبر ~~تقديره فشهادة أحدهم أربع شهادات واجب ولازم، ونحو ذلك و " أربع " مفعول # PageV00P613 # شهادة فإنها مصدر، وأنفسهم مرفوع بالبدلية من شهداء فإنه في كلام غير ~~موجب و " الخامسة " مبتدأ و " أن لعنة الله " الخ خبره وهو ظاهر كالباقي. # والمعنى: والذين يرمون أزواجهم لا الأجنبيات فإنها مضت حكمها، بالزنا إما ~~بالقذف مثل أنت زانية أو زنيت أو بنفي الولد " ولم يكن لهم شهداء " يشهدون ~~لهم على صحة ما يدعونه أي الشهود الأربع المعتبرة في ثبوت الزنا وإلا يلزم ~~المقذوفة الحد كما في الأجنبيات، فهذه مخصصة لآية القذف، فإن الزوجة التي ~~قذفها زوجها وليس عنده الشهود المعتبرة، داخلة فيها كالأجنبيات كلها، لا ~~أنها في الأجنبيات فقط، وهذه في الزوجات، كما يظهر من مجمع البيان: " إلا ~~أنفسهم " مبالغة في نفي الشاهد فإن أنفسهم مدعية، فالذي يخلصه من حد القذف ~~وإن لم يثبت مدعاه هو أربع شهادات بالله، إنه لمن الصادقين بأن يقول أربع ~~مرات أشهد بالله أني لمن الصادقين فيما رميتها به من الزنا، ويقول في ~~المرتبة الخامسة " أن ms548 لعنة الله عليه " كناية، وإلا هو يقول بياء المتكلم ~~أي علي " إن كان من الكاذبين " فيما رماها به من الزنا، وهو مثل عليه، وإلا ~~يقول إن كنت من الكاذبين فيما رميتها به من الزنا. # فتقوم هذه الشهادات مقام الشهود الأربع في اسقاط حد القذف عنه، ولهذا لو ~~لم يفعلها يحد ذلك الحد، ويدفع عن المرأة أيضا أي حد القذف أن تشهد هي أيضا ~~أربع شهادات بالله أن الرجل الذي قذفها من الكاذبين فيما قذفها به من الزنا ~~بأن تقول أشهد بالله إنه لمن الكاذبين فيما رماني به من الزنا وفي المرة ~~الخامسة تقول أن غضب الله عليها إن كان زوجها من الصادقين فيما رماها به من ~~الزنا، ووجه الغيبة مر، واختيار الغضب هنا للتغليظ عليها، لأنها أصل الفجور ~~ومنبعه، ولهذا قدمت في آية الجلد. # ثم من أحكام اللعان التفرقة بينهما، ولا تحل له أبدا وعليها العدة من وقت ~~اللعان إن كانت من ذواتها وإن كان لنفي الولد ينفي عنه ولا توارث بينهما، ~~ولا محرمية أي لا نسب بالكلية ويثبت بينه وبين أمه النسب وما يقتضيه، وأما ~~بينه وبين PageV00P614 # من يتقرب بالأب، ففيه تأمل مذكور في محله، ويمكن ثبوته مع إقرارهم وينبغي ~~الرجوع إلى محله. # وأما سبب نزول الآية فمشهور مع ما فيه من الحكم بثبوت الزنا وبأن الولد ~~من الذي زنا بالمشابهة (1) مع أن القيافة باطلة فتركته لذلك. # * (السادس) * * (من روافع النكاح الارتداد) * نعوذ بالله منه، وهو قطع ~~الاسلام بقول أو فعل، وقد استدل عليه آيات تحريم المشركين والمشركات " ولا ~~تمسكوا بعصم الكوافر " (2) وقد ذكرت في محلها فتأمل. # PageV00P615 # * (كتاب) * * (المطاعم والمشارب) * الآيات المتعلقة به على أقسام الأول ~~ما يدل على أصالة إباحة كل ما ينتفع به خاليا عن مفسدة وهو آيات: # الأولى: هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا (1). # الثانية: يا أيها الناس كلوا مما في الأرض حلالا طيبا ولا تتبعوا خطوات ~~الشيطان إنه لكم عدو مبين (2). # قد مر تفسيرها في المكاسب فتذكر، وأما عجزها أعني قوله تعالى " إنما ms549 ~~يأمركم بالسوء والفحشاء وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون " معناها ظاهرا ~~بيان العداوة، وحصر دعاء الشيطان للإنسان في السوء والفحشاء وأنه لا يطلبه ~~إلى الخير، بل إنما يطلبه إلى المعاصي، والذي يسوء الانسان أي يضره في دينه ~~أو دنياه، وكأنه شبه تزيينه بأمر الآمر بالسوء والفحشاء كما تقول أمرتني ~~نفسي بكذا، والفحشاء قيل المراد منها الزنا، وقال البيضاوي: ما أنكره العقل ~~واستقبحه الشرع والعطف لاختلاف الوصفين لأنه سوء لاغتمام العاقل به ~~والفحشاء لاستقباحه إياه، وقيل السوء يعم القبائح والفحشاء ما تجاوز الحد ~~في القبح من الكبائر، وقيل الأول ما لا حد فيه والثاني ما شرع فيه الحد، ~~وأنت تعلم أن كلامه يدل على القبح العقلي مع أنه أشعري يمنع ذلك، كما هو ~~المبين في الأصولين، وهذا أيضا مما مر. # PageV00P616 # ومعنى " أن تقولوا " الخ أن الشيطان يدعوكم إلى أن تقولوا على الله ما لا ~~تعلمون، وهو مثل قولكم هذا حلال وهذا حرام بغير علم وتحريمكم على أنفسكم ما ~~أحله الله، وتحليلكم ما حرمه الله اشتهاء وهواء أنفسكم. # فيفهم منه تحريم القول على الله سواء كان اطلاق الأسماء عليه أو وصفه ~~بصفة من غير علم، بل لا يبعد تعميم اعتقادهما أيضا أو بيان الأحكام الشرعية ~~بأن يقول هذا حلال أو حرام أو مكروه أو مندوب أو واجب من غير علم يجوز له ~~ذلك بأن لا يكون مجتهدا ويقول ذلك من غير أن يكون ناقلا عن الكتب أو ~~المشايخ كما هو الواقع كثيرا، فيكون ما هو المتداول الآن بين الطلبة حراما ~~إلا أن يكون هناك قرينة تدل على أنه ناقل، ومع ذلك الاحتياط يقتضي الاجتناب ~~إلا مع تصريح بالاسناد إليهما. # وأما المجتهد فيجوز له ذلك بشرط بدل الجهد الواجب عليه مع حصول ظن شرعي ~~له إما لأنه عالم بذلك والظن وقع في الطريق كما بين في الأصول وأشار القاضي ~~إليه هنا كما سننقله عنه، ولعل وجهه أنه يقول هذا مظنوني مجتهدا وكل ما هو ~~كذلك فهو واجب العمل، والأولى وجدانية، والثانية إجماعية ms550 كذا في الأصول أو ~~أن المراد بالعلم ما يجوز القول به وإن كان ظنا فيكون العلم أعم وذلك كثير ~~فلا يبعد جواز اسناد الأحكام إلى الله ونحو ذلك مما مر للمقلد أيضا إذا أخذ ~~عن شيخه المجتهد مع الشرائط ولكن الاسناد أولى. # قال القاضي: وفيه دليل على المنع من اتباع الظن رأسا، وأما اتباع المجتهد ~~لما أدى إليه ظن مستند إلى مدرك شرعي فوجوبه قطعي والظن في طريقه كما بيناه ~~في الكتب الأصولية، وقد ذكرت الوجه الذي بينوه في الأصول بقولي ولعل وجهه ~~الخ وأنت تعلم أنه لا يكفي الوجه المذكور لاسناد القول إلى الله بأن يقول ~~إنه واجب أو حرام مثلا، مع أن له أن يقول ذلك وهو المطلوب منه، وهو العلم ~~بالأحكام الذي هو وظيفة المجتهد، لا أنه واجب العمل لي ولمن يقلدني فينبغي ~~أن يقال حصل العلم أيضا من تلك المقدمتين، مثل أن يقول هذا مظنوني مجتهدا ~~PageV00P617 # وكل ما هو كذلك فهو حكم الله في حقي وحق مقلدي. # فحصل العلم بأحكام الله تعالى ولا يحتاج إلى قيد ذلك لظهوره، فيصح له أن ~~يقول: هذا حكم الله، وهذا حلال، وحرام، ونحو ذلك. نعم ينبغي التقييد مع أن ~~الظاهر أن أحدا ما منع ذلك، والكتب مشحونة بذلك، فعلم أنه لا بد من ~~الاكتفاء بالقرائن، فيجوز ذلك للمقلد أيضا للقرينة بل يمكن أن يقال إذا حصل ~~للمقلد أيضا علم بل ظن يجب عليه اتباعه شرعا مثل أن سمع فتواه من عدل بمذهب ~~شيخه يحصل له العلم بأن يقول هذا ظن مجتهدي، وكل ما هو ظنه يجب على العمل ~~به، و الأولى فرضية، والثانية إجماعية، بل فرضية أيضا بل يمكن دعوى العلم ~~أيضا كما قلناه في المجتهد، فلا فرق، وقد صرح في الأصول كما أشار إليه ~~القاضي أيضا كما سيجئ أن تقليد المجتهد ليس بتقليد حقيقة، بل مجازا، فإنه ~~قبول قول الغير بغير دليل وله دليل، بل قالوا لا فرق بين قبول قوله وقول ~~النبي صلى الله عليه وآله فلا يدخل ms551 في الظن المذموم في القرآن والأخبار، ~~فإنه ليس بظن كالمجتهد فلا يحتاج إلى ما أجيب بأن المراد بالظن المذموم ~~فيها في أصول الكلام لا في الفروع، وما بقي لايجاب الاجتهاد على كل أحد ~~ونفي التقليد - كما نقل عن البعض لأن التقليد ظن وهو مذموم، بل هو منهي - ~~معنى فتأمل. # فلا يحرم على المقلد بيان المسائل مثل أن يقول: هذا حرام، ولهذا نجده ~~متداولا بين الناس العامة والخاصة من غير نكير، ففي منع غير المجتهد من قول ~~هذا حرام أو واجب وباطل وصحيح وحسن ما لا يخفى إذ قد يكون مقلدا وله ذلك ~~بالوجوه التي ذكرناها في المجتهد بعينها، فافهم. # وأن في قول القاضي: فيه دليل الخ تأملا فإنه لا يدل على ذلك، إذ لا يلزم ~~من نهي القول على الله من غير علم إلا عدم جواز القول على الله من غير علم ~~لا غيره حتى القول على الغير جهلا فما ظنك بالظن وأيضا يفهم من كلامه عدم ~~جواز العمل بالظن للمقلد أيضا مع أنه ليس ذلك عنده أيضا إلا أن يقول ذلك ~~أيضا ليس بظن بل الظن في الطريق كما قلناه، ولكن بعيد من كلامه حيث ما ذكره ~~مع خفائه PageV00P618 # وذكر ما هو ظاهر ومذكور في الكتب إلا أن يقال: وهو داخل في اتباع ظن ~~المجتهد فتأمل فيه، أو يقال إن ذلك خرج بالدليل اليقيني من إجماع ونحوه مما ~~ثبت اعتباره بالدليل اليقيني وإلا يمنع جواز العمل بذلك الظن، وهو أيضا ~~بعيد، إذ كثير من المسائل الأصولية إنما تثبت بالظن كما يظهر لمن تتبع فقد ~~تكون هذه كذلك إلا أن يقال وجوب اتباع الظن الشرعي اليقيني بالعقل والنقل، ~~كما قيل ذلك في اتباع ظاهر القرآن والخبر المتواتر فتأمل، ويحتمل أن يكون ~~مراده بالمنع من اتباع الظن رأسا في القول على الله وهو بعيد جدا، بل لا ~~تسع العبارة ذلك فتأمل. # ثم اعلم أيضا أنه قال في قوله تعالى: " أو لو كان آبائهم لا يعقلون شيئا ~~ولا يهتدون " دليل على المنع ms552 من التقليد لمن قدر على النظر والاجتهاد، وأما ~~اتباع الغير في الدين إذا علم بدليل ما أنه محق كالأنبياء والمجتهدين في ~~الأحكام فهو في الحقيقة ليس بتقليد، بل اتباع لما أنزل الله تعالى بعد أن ~~قال: الواو للحال أو العطف والهمزة للرد، وأنت تعلم أنه يفوت المعنى الوصلي ~~الذي فيه المبالغة فتأمل فيه والمعطوف عليه غير ظاهر فيقدر. # وفي الكشاف أيضا جعله للحال وفي المطول للعطف وأيضا أنه على تقدير ~~الحالية لا دليل فيه أصلا فإن معناه ذم اتباع الآباء حين عدم العقل وعدم ~~الاهتداء وهو لا يستلزم عدم جواز تقليد من كان ذا عقل واهتداء أيضا بل لا ~~دلالة فيها إلا على تحريم ترك ما أنزل الله واتباع الآباء لا على تحريم ~~التقليد مطلقا لمن قدر على الاجتهاد فقط فتأمل. # وأيضا لا يكفي في الاتباع مجرد كون المتبع محقا بل لا بد من دليل على ~~الاتباع حتى يخرج من التقليد المذموم، ويدخل في اتباع الدليل كما أشرنا ~~إليه سابقا فتأمل. # وأيضا جواز تقليد من قدر على الاجتهاد لمن هو محق ومتبع لما أنزل الله ~~غير ظاهر إذ لا يجوز للمجتهد أن يقلد آخر كما بين في الأصول فلا ينبغي ~~تجويز PageV00P619 # ذلك وكأنه أيضا لا يجوزه كما يدل عليه قوله من قبل " دليل على المنع من ~~التقليد لمن قدر على النظر والاجتهاد " لكن ظاهر كلامه الأخير أن اتباع ~~المجتهد مطلقا ليس بتقليد فتأمل. # وبالجملة الظاهر عدم جواز ذلك إذ معلوم أن الظن الحاصل بالاجتهاد أقوى ~~مما يحصل بالتقليد، مع ورود المنع من اتباع الظن والتقليد في القرآن كثيرا ~~ظاهرا كما اطلعت عليه، وستطلع إنشاء الله تعالى وإن أمكن تأويله كما مر. # ووجود الدليل عليه ظاهر إذ لا إجماع فيه، وهو عمدة دليل جواز تقليدهم ولا ~~حرج ولا ضيق المنفيين عقلا ونقلا، ولهذا اختلف في الأصول في أصل جواز ~~التقليد ثم في مادة من يعرف صحة الدليل وفسادها هل يجوز له التقليد من غير ~~ذكر دليل عنده والمنع هنا غير بعيد، ms553 وهو ظاهر عند من تأمل في أدلة جواز ~~التقليد مطلقا وعدمه وتأمل في كلام المجتهدين ورأي الخبط والخلط والوهم ~~والسهو في كلامهم كما هو شأن الانسان الغير المعصوم في المسائل الظنية، ~~ولولا الضرر و الحرج لكان عدم جوازه مطلقا أوجه، لكن الظاهر أنه ضرر عظيم، ~~وحرج وضيق منفي عقلا ونقلا بل غير مقدور لأكثر الناس فتأمل. # الثالثة: يا أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم واشكروا لله إن ~~كنتم إياه تعبدون (1). # مضمون أولها قريب مما تقدم إلا أنها خاصة باعتبار المخاطب وعامة باعتبار ~~ما يتعلق به الأكل، فإنها تشمل غير ما يخرج من الأرض أيضا والأمر للترغيب ~~أو لإباحة أكل ما يستلذه المؤمنون ويستطيبونه ويعدونه طيبا، لا خبيثا ينفر ~~عنه الطبع ويجزم العقل بقبح أكله مثل الدم والبول والمني والحشرات وغيرها ~~فيفهم منه كونه ظاهرا أيضا إذ النجس خبيث وليس مما يعدونه طيبا، فهو في ~~الدلالة على إباحة أكل جميع ما يعده العقل طيبا ولا يجد فيه ضررا ولا نجاسة ~~ولا خبثا مما يسمى # PageV00P620 # رزقا لبني آدم ينتفع به في الأكل، أصرح مما تقدمها ففهم كون الأشياء على ~~أصل الحلية منها أولى، وقال ذلك في مجمع البيان فيما تقدمها، ولو ذكر هنا ~~لكان أولى، ومضمون الباقي تعليق وجوب الشكر لله على عبادتهم إياه. # قال في مجمع البيان: وتلخيص الكلام إن كانت العبادة واجبة عليكم لأنه ~~إلهكم فالشكر له أيضا واجب عليكم بأنه منعم محسن إليكم، حاصلة كما أن ~~العبادة له واجبة فالشكر أيضا كذلك فيفهم وجوب الشكر مطلقا كوجوب العبادة، ~~وقال فيه أيضا: الشكر هو الاعتراف بالنعمة مع ضرب من تعظيم المنعم فهو على ~~وجهين أحدهما الاعتراف بالنعمة متى ذكر المنعم بالاعتقاد، والثاني الطاعة ~~بحسب جلالة النعمة، فالأول لازم على كل حال من أحوال الذكر، والثاني يلزم ~~في الحال التي يحتاج فيها إلى القيام بالحق، وأما العبادة فهي ضرب من الشكر ~~إلا أنه غاية فيه ليس وراءها شكر، ويعنون بها ضربا من الخشوع ولا يستحق ~~العبادة إلا الله لأنه ms554 منعم بأصول النعم مثل الحياة والقدرة والشهوة وأنواع ~~المنافع ولا يوازيها نعمة. # الرابعة: وكلوا مما رزقكم الله حلالا طيبا (1). # أي لا تحرموا على أنفسكم ما أحل الله ولا تجتنبوا ذلك تنزها بل كلوا ما ~~أحل الله ورزقكم، فإن جميع ما رزقكم الله حلال وطيب لذيذ فحلال حال مبينة ~~لا مقيدة وكذلك طيبا، وهو يحتمل التقييد، ويكون سبب التقييد ما في ما قبله ~~" لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم " حيث نهى هناك عن تحريم طيبات ما أحل ~~الله لكم أي ما طاب ولذ منه، فإنه قيل الظاهر أن قيد " طيبات ما أحل الله " ~~للوقوع وأنه محلل للتحريم، وإلا جعل جميع ما أحل الله حراما منهي، ويحتمل ~~كون الإضافة بيانية أيضا. # روي عن رسول الله صلى الله عليه وآله أنه وصف يوم القيامة لأصحابه يوما ~~وبالغ في إنذارهم # PageV00P621 # فرقوا فاجتمعت جماعة من الصحابة في بيت عثمان بن مظعون واتفقوا على أن لا ~~يزالوا صائمين قائمين، وأن لا يأكلوا اللحم ولا يناموا على الفراش، ولا ~~يقربوا النساء والطيب ويرفضوا لذات الدنيا ويلبسوا المسوح أي الصوف ويسيحوا ~~في الأرض أي يسيروا فبلغ رسول الله صلى الله عليه وآله ذلك فقال لهم: إني ~~لم أومر بذلك إن لأنفسكم عليكم حقا فصوموا وأفطروا وقوموا وناموا، فإني ~~أقوم وأنام وأصوم وأفطر وآكل اللحم والدسم وآتي النساء، فمن رغب عن سنتي ~~فليس مني، والرواية مشهورة. # أو لأن النفس إليه أميل فلا دلالة في الآية على أن الرزق قد يكون حلالا ~~وقد يكون حراما فالحرام يكون أيضا رزقا كما هو معتقد الجهال والعوام الذين ~~يأكلون أموال الناس ويقولون هذا رزقنا الله، وهو مقتضى مذهب الأشاعرة وإليه ~~أشار القاضي بأنه لو لم يقع الرزق على الحرام لم يكن لذكر الحلال فايدة ~~زائدة، وهو خيال باطل إذ ما يحتاج ذكر كل شئ إلى فائدة زايدة مع وجودها، ~~وهي هنا الإشارة إلى عدم معقولية المنع، بأن ذلك حلال رزقكم الله، فلا معنى ~~للتحريم والمنع. # وبالجملة القيد قد يكون للكشف والبيان، وقد ms555 يكون للإشارة إلى بيان عدم ~~معقولية الاجتناب، وأن ذلك الوصف هو الباعث لمذمة التارك وقد يكون لغير ذلك ~~وهنا يكفي الأولان. # فالآية دلت على عدم جواز التجاوز عن حدود الله والتشريع، وعدم حسن ~~الاجتناب عما أحل الله، ويحتمل أن يكون باعتقاد التحريم أو المرجوحية، فلا ~~ينافي الترك للتزهد، ولئلا يصير سببا للنوم والكسل وقساوة القلب، ولهذا نقل ~~أن رسول الله صلى الله عليه وآله ما أكل خبز الحنطة، وما شبع من الشعير، ~~وزهد أمير المؤمنين عليه السلام مشهور، ولكن ينبغي أن يكون ذلك باعتقاد ~~التأسي إلا أنه لو اجتنب لبعض الفوايد مثل كونه سببا لقلة النوم وإصلاح ~~النفس وتذليلها، فالظاهر أنه لا بأس به مع اعتقاد الحلية. # ومما يدل على أصالة إباحة ما ينتفع به قوله تعالى " الذي جعل لكم الأرض ~~مهدا " كالمهد الذي يمهد للصبي فهي محل راحتكم " وسلك لكم فيها سبلا " أي ~~جعل PageV00P622 # لكم فيها طرقا بين الجبال والأودية، وعرفكم إياها لتسلكوها " وأنزل من ~~السماء ماء فأخرجنا به أزواجا من نبات شتى " (1) أي خلق الماء وأنزله فأخرج ~~به من الأرض أصنافا كثيرة مما ينبت منها مختلفة النفع والطعم واللون ~~والرايحة تفكها وطعاما وبقولا، بعضها لكم وبعضها لبهائمكم، وبعضها لسقوفكم، ~~وغير ذلك وفيه التفات " كلوا وارعوا أنعامكم " قيل حال من ضمير أخرجنا أي ~~أخرجنا أصناف النباتات آذنين لكم في الانتفاع بها قائلين هذا القول وفيه ~~تأمل، فيحتمل الاستيناف وكونه مفعولا له، والتقدير لتأكلوا وغيره " إن في ~~ذلك لآيات لأولي النهى " أي فيما خلقنا لكم دلالة واضحة لذوي العقول على ~~وجود الصانع وصفاته الثبوتية، من العلم والإرادة والقدرة حيث يتأمل في حصول ~~هذه النباتات من الأرض اليابسة، بسقي الماء من السماء ووجود حكم فيها وأن ~~بعضها سم قاتل، وبعضها نافع شاف من الأمراض وبعضها طعام وبعضها فاكهة ~~وبعضها للدواب، وأن عمدة رزقهم في الدواب وأن رزقها مما لم يمكن أن يكون ~~رزقا لهم، وهذا غاية من الحكمة والعلم والإرادة واللطف. # ففيها وفيما تقدم دلالة على إباحة الأرض والماء والنبات كلها ms556 لكل انسان ~~بالتصرف فيها لنفسه ولأنعامه، ثم في قوله " منها خلقناكم وفيها نعيدكم ~~ومنها نخرجكم تارة أخرى " دلالة على أن الانسان مخلوق من الأرض، وأنه يموت ~~فيدفن فيها فيعود أرضا ثم يخرج منها ويخلق مرة أخرى كما خلقهم أول مرة ~~فتكون الإعادة الجسمانية بعد العدم بالمرة حقا كما هو ظاهر غيرها من الآيات ~~فتأمل. # وفي قوله تعالى: " إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار ~~والفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس وما أنزل الله من السماء من ماء ~~فأحيا به الأرض بعد موتها وبث فيها من كل دابة وتصريف الرياح والسحاب ~~المسخر بين السماء والأرض لآيات لقوم يعقلون " (2) دلالة على جواز ركوب ~~البحر # PageV00P623 # للتجارة وغيرها مما ينتفع به من الطيور والسموك ونحوه، فيكون ذلك مباحا ~~شرعا كما هو كذلك عقلا حتى يثبت التحريم، فما مصدرية، والضمير إما للبحر أو ~~للفلك باعتبار الواحد المذكور في ضمن الجمع، والباء إما للسببية أو ~~للمصاحبة أو موصولة أي تجري بنفع الناس أو الذي هو نافع للناس أي تجري ~~لتحصيل ما هو نافع للناس من الأمور المذكورة، أو بالتأمل في البحر والفلك ~~حتى ينتقل إلى ثبوت الواجب واتصافه بالقدرة والعلم والإرادة، حيث خلق مثل ~~هذه الأشياء الدقيقة الكثيرة النفع. # فيستدل بها على جواز البحث في أصول الكلام كما هو سوق الآية، بل فيها حث ~~على النظر في علم الكلام كما قاله القاضي، ويدل عليه الخبر المذكور في ~~الكشاف والقاضي عنه صلى الله عليه وآله: ويل لمن قرأ هذه الآية فمج بها أي ~~لم يتفكر فيها والدابة لغة ما يدب وفي عرف بعض ما يركب، وفي آخر مخصوصة ~~بالفرس، وفي بعض ماله الأربع، والمنفعة هي اللذة والسرور وما أدى إليها، ~~والنفع والخير و الحظ نظائر كذا في مجمع البيان. # * (الثاني) * * (ما فيه إشارة إلى تحريم بعض الأشياء على التعيين) * وفيه ~~آيات: # الأولى: حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير الآية (1). # قد تقدم البحث في صدرها إلى قوله تعالى " وما أهل لغير الله به " وهنا ~~نذكر ms557 تتمتها أعني " والمنخنقة " أي التي ماتت بالخنق وهي ميتة فداخلة فيها ~~وجميع ما بعدها كذلك وذكرت للتصريح وعدم توهم الحل بذلك والمنع عن أكلها ~~لأن أهل الجاهلية كانوا يأكلونها " والموقوذة " أي التي ضربت بخشب أو حجر ~~ونحو ذلك # PageV00P624 # من الثقل حتى تموت " والمتردية " أي التي تردت في بئر أو وقعت من علو ~~فماتت " والنطيحة " وهي التي نطحها أخرى فماتت، والتاء فيها للنقل، لأن ~~الفعيل بمعنى المفعول لا يفرق بين مذكره ومؤنثه بالتاء. # " وما أكل السبع " أي ما أكل السبع بعضه فمات قال القاضي فيه دلالة على ~~أن جوارح الصيد إذا أكلت مما اصطادته لم يحل كأنه يريد إثبات حليته على ~~تقدير عدم أكله، وإن قتله الجوارح ولم يدرك ذبحه، كما في قتل الكلب له، ~~وليست فيه دلالة على كونه مباحا إذا قتله السبع، ولم يأكل منه شيئا وهو ~~ظاهر، وعموم اشتراط التذكية متبع حتى يثبت ما يخرجه " إلا ما ذكيتم " إلا ~~ما أدركتم ذكاته وفيه حياة مستقرة، والظاهر أن الاستثناء متعلق بما يقبل ~~الذكاة لا بما أكل السبع فقط، كما قيل، والذكاة أعني قطع العروق الأربعة ~~بمحدد مع الشرائط معروفة. # " وما ذبح على النصب " واحد الأنصاب وهي أحجار كانت منصوبة حول البيت ~~يذبحون عليها ويعدون ذلك قربة هي الأصنام، وكلمة " على " حينئذ بمعنى اللام ~~كعكسه في " سلام لك من أصحاب اليمين " (1) أي عليك، أو على أصلها بتقدير ~~وما ذبح مسمى عليها، كانوا يفعلون كذلك فحرم ذلك، والظاهر أنه أعم من أن ~~يكون على وجه الذبح وغيره، فيمكن أن يكون الذبح على ذلك الوجه حراما على ~~المسلمين. # " وأن تستقسموا بالأزلام " أي وحرم عليكم الاستقسام بالأقداح أي السهام ~~والنشاب، وذلك أنهم كانوا إذا قصدوا فعلا مبهما مثل السفر ضربوا ثلاثة ~~أقداح مكتوب على أحدها أمرني ربي، وعلى الآخر نهاني ربي، والثالث غفل لا ~~كتابة عليه، فإن خرج الأمر مضوا على ذلك، وإن خرج النهي تجنبوا عنه، وإن ~~خرج الغفر أجالوها ثانيا، فمعنى الاستقسام طلب معرفة ما قسم لهم دون ما لم ~~يقسم ms558 بالأزلام، وقيل هو استقسام الجزور بالأقداح على الأنصباء المعلومة، ~~وواحدها # PageV00P625 # زلم كحمل وزلم كصرد. # وقال في مجمع البيان وروى علي بن إبراهيم في تفسيره عن الصادقين عليهما ~~السلام أن الأزلام عشرة إلى قوله، وكانوا يعمدون إلى الجزور فيجزؤنه أجزاء ~~ثم يجتمعون عليه فيخرجون السهام ويدفعونها إلى الرجل وثمن الجزور على من ~~يخرج له التي لا أنصباء لها وهو القمار فحرمه الله عز وجل (1) وقيل هي كعاب ~~فارس والروم التي كانوا يتقامرون بها، وقيل هو الشطرنج وقيل على الأول سبب ~~التحريم أنه دخول في علم الغيب وضلال واعتقاد أن ذلك طريق إليه افتراء على ~~الله وعلى هذا يفهم منه تحريم الاستخارة المشهورة التي قال الأكثر بجوازها ~~بل باستحبابها، و يدل عليه الروايات فهو دليل بطلان الأول، أو لا يكون سبب ~~التحريم ما ذكره بل مجرد النص المخصوص بذلك الفعل الخاص والوجه الخاص أو ~~يكون الاستخارة خارجة عنه بالنص " ذلكم فسق " تأكيد يحتمل كونه مخصوصا ~~بالاستقسام، ويحتمل الرجوع إلى الجميع أي ذنب عظيم وخروج عن طاعة الله أي ~~معصية " فمن اضطر " متصل بالمحرمات المتقدمة، وما بينهما اعتراض بما يوجب ~~التجنب عنها، وهو أن تناولها فسوق وحرمتها من جملة الدين الكامل والنعمة ~~التامة، أي فمن دعته الضرورة إلى أكل هذه " في مخمصة " أي مجاعة حتى لا ~~يمكنه الامتناع " غير متجانف لإثم " غير مائل إلى إثم بأن يأكل زيادة على ~~الحاجة أو التلذذ أو غير متعمد لذلك ولا مستحل، أو غير عاص بأن يكون باغيا ~~أي خارجا على الإمام أو عاديا متجاوزا عن قدر الضرورة أو عما شرع الله له ~~بأن يقصد اللذة لا سد الرمق فإن أكل للضرورة فلا يعاقبه الله " فإن الله ~~غفور " لذنوب عباده جميعا " رحيم " لعباده بأن جوز لهم الأكل في المخمصة، ~~ولم يلزمهم بالموت وعدم الأكل، فإن الغفران ينافي ذلك. # الثانية: " قل لا أجد فيما أوحي إلي محرما (2) أي في القرآن أو مطلق ~~الوحي # PageV00P626 # سواء كان قرآنا أم لا، هذا تنبيه واضح على أن لا تحريم إلا فيما وجده ms559 ~~بالوحي لا غير فلا تحريم فيما لم يجده ولم يجد إلا بالوحي فإنه " لا ينطق ~~عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى " (1) " على طاعم يطعمه " تأكيد " إلا أن يكون ~~" الطعام " ميتة " المراد بها ما فارقته الروح بغير ذبح شرعي ذكرا كان أو ~~أنثى " أو دما مسفوحا " أي مصبوبا كالدم في العروق لا كالكبد والطحال وإن ~~كان ذلك أيضا حراما لكن بوجه آخر لا لأنه دم، فدما عطف على ميتة، وقال ~~القاضي عطف على أن مع ما في حيزه وفيه تأمل وقد مر البحث في بيان تحريم ~~الدم ونجاسته وتقييده فتذكر فإنه غير واضح " أو لحم خنزير فإنه رجس " أي ~~الخنزير أو لحمه أو كل واحد مما تقدم " أو فسقا " عطف على لحم الخنزير أو ~~ما عطف عليه، أي أحد المحرمات ما هو فسق ولكن هو مجمل لم يظهر إلا بالبيان ~~ولعل قوله " أهل لغير الله به " صفة موضحة لبيانه ولعل المراد ما ذبح بغير ~~التسمية سواء سمى غير الله أم لا. # والآية محكمة لأنها تدل على عدم وجود محرم إلى تلك الغاية إلا هذه ~~الأمور، فلا ينافيه تحريم أمور أخر بعدها، فلو وجد محرم آخر بخبر لا يكون ~~نسخا للكتاب بالسنة فإن الظاهر عدم جواز ذلك إلا أن يكون متواترا وهو أيضا ~~غير معلوم هنا، وبالجملة لا يمكن بهذا إثبات جواز نسخة بالخبر، وأيضا لا ~~ينافيه وجود محرمات أخر في تلك الحالة مع التسليم، إذ قد يكون الحصر إضافيا ~~أو يكون داخلا بدليل آخر، فيختص عموم الإباحة المفهوم من الحصر بدليل من ~~خارج كسائر العمومات فلا نسخ أيضا وأيضا لا تدل على عدم حل الأمور الآن غير ~~هذه إلا مع انضمام الاستصحاب والأصل وتتبع دليل التحريم في الجملة، إذ لا ~~ينبغي الحكم بالعدم بمجرد أن الأصل هو العدم فإن الظاهر أنه لا بد من ~~التفتيش و الاستفصال، وإن لم يجب الاستقصاء كما قيل في الأصول، فإن التعبير ~~في الجملة ظاهر فتأمل. # الثالثة: " يسألونك عن الخمر والميسر " (2) الخمر معلوم لأنه عبارة ms560 عن كل # PageV00P627 # شراب مسكر ومغط للعقل ومذهب له، عند الأصحاب والشافعي وعند أبي حنيفة ما ~~غلا واشتد وقذف بالزبد من عصير العنب وللأصحاب روايات مثل كل مسكر خمر، وهو ~~في الأصل مصدر خمر يخمر: إذا ستره، سمي به المسكر للمبالغة. # و " الميسر " القمار قال في مجمع البيان اشتق من اليسر وهو وجوب الشئ ~~لصاحبه من قولك إن هذا الشئ يسر يسرا وميسرا إذا وجب لك وقال في الكشاف ~~الميسر القمار، مصدر من يسر كالموعد والمرجع من فعلهما، أي وعد ورجع يقال ~~يسرته إذا قمرته، الأولى تقول يسرته الخ، واشتقاقه من اليسر لأنه أخذ مال ~~رجل بيسر وسهولة - شخص أولى - من غير كد ولا تعب أو من اليسار لأنه سلب ~~يساره قال وفي حكم الميسر أنواع القمار، الأولى أن يقول يشمل الميسر الخ من ~~النرد والشطرنج وغيرهما وعن النبي صلى الله عليه وآله إياكم وهاتين ~~الكعبتين المشومتين فإنهما من ميسر العجم وعن علي رضي الله عنه أن النرد ~~والشطرنج من الميسر والمعنى يسألونك عما في تعاطيهم واستعمالهم الخمر ~~والميسر بدليل " قل فيهما إثم كبير " عظيم من الكبائر مع أنه يؤدي إلى ~~ارتكاب سائر المحرمات وترك الواجبات " ومنافع للناس " من كسب المال والطرب ~~فإنه الجواب عما في تعاطيهما " وإثمهما " العقاب في تعاطيهما " أكبر من ~~نفعهما " وهو الالتذاذ بشرب الخمر والقمار والطرب فيهما والتوصل بهما إلى ~~مصادقات الفتيان ومعاشرة الحكام والنيل من مطاعمهم ومشاربهم وسلب الأموال ~~بالقمار والافتخار على من لم يعلم أو لم يفعل. # كأنه يقول فيهما إثم عظيم ونفع قليل، بل ليس بالنسبة إلى ذلك نفعا فإنه ~~أمر فان ولذة قليلة أيضا والعقاب عظيم ودائم، فكأن سبب ذكر النفع هو ~~الإشارة إلى أنه أمر هين ليس بملتفت إليه عند العقل والشرع، بل النفع الذي ~~تخليه الانسان فيه ليس بنفع حقيقة، إذ ما يستلزم دخول النار وسخط الرب ~~والفضيحة في دار القرار عند الرسل والأئمة المختار، والدخول تحت الفجار ~~والخروج عن حزب الصلحاء والأبرار، ليس بنفع حقيقة بل مجازا أيضا عند ذوي ms561 ~~العقول والأبصار، وإلا فذكره غير مناسب في هذا المقام، وقرئ كثير بالثاء ~~أيضا، ومعنى PageV00P628 # الكثرة أن أصحاب الخمر والميسر يقترفون فيهما الإثم من وجوه كثيرة لازمة ~~لعدم العقل والدخول مع الفجار والفساق في فسقهم. # ثم اعلم أنه لا شك في دلالة الآية على تحريم الخمر مؤكدا ومعللا فإنه قال ~~" فيهما إثم " وهو الذنب وأكد بالكبر وبإثمهما وبين بأنه مشتملة على مفاسد ~~كثيرة وهي أكثر مما يتخيل أنه منفعة والحكمة تقتضي تحريم ما فيه المفسدة ~~فكيف المفاسد كما بين في الأصول وإن قلنا بالحسن والقبح الشرعيين فقط وأن ~~أفعاله تعالى ليست معللة بالأغراض، وأنه يجوز خلو الأحكام عن علل ومصالح ~~لأن ذلك لا يجوز عند ظهور المفاسد ولم يقل به من يقول بالشرعيين. # ولذلك أصحاب القياس ما يجوزون كون وجود وصف صالح للعلية غير علة ولا ~~يقولون بخلو الحكم عن علة وإن جاز الخلو مهما أمكن، ويقولون التعبد قليل بل ~~ليس، وأن هذه المفاسد مصلحة للترك لا علة فلا يصح قول القاضي: والأظهر أنها ~~ليست كذلك لما مر أي كون المفاسد محرمة للخمر، لأن الحسن والقبح ليسا ~~بعقليين فتأمل فيه والظاهر أنها ما كانت محللة في الاسلام بل في سائر ~~الأديان على ما هو المشهور بين الأصحاب وسبب النزول في هذا المقام يدل على ~~التحليل في زمان الاسلام أيضا. # قال في الكشاف والقاضي: ونزلت بمكة " ومن ثمرات النخيل والأعناب تتخذون ~~منه سكرا " فكان المسلمون يشربونها وهي لهم حلال، وذلك ليس بظاهر وقيل معنى ~~سكرا رزقا حسنا وما يزيل العقل ليس بحسن. # ثم قالا إن عمر ومعاذا ونفرا من الصحابة قالوا يا رسول الله أفتنا في ~~الخمر فإنها مذهبة للعقل ومسلبة للمال، فنزلت " فيهما إثم كبير ومنافع ~~للناس " فشربها قوم وتركها آخرون، وهذا أيضا غير واضح إذ فيه إسناد تحليل ~~حكم إلى الله تعالى مع أن عمر وبعض الصحابة يعرفون كونها مفسدة ويريدون ~~تحريمها. # ثم قالا ودعا عبد الرحمن بن عوف ناسا منهم فشربوا وسكروا فأم بعضهم أي ~~صار في صلاة الجماعة ms562 إماما، وقرء " قل يا أيها الكافرون أعبد ما تعبدون " ~~فنزلت PageV00P629 # " لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى " (1) فقل من يشربها، فيه أيضا ما سبقها ~~أدل على التحريم فعدم ترك الأكثر إلا عند هذه لعدم الفهم من السابق والفهم ~~منها بعيد. # ثم قالا: دعا عتبان بن مالك قوما فيهم سعد بن أبي وقاص فلما سكروا ~~افتخروا وتناشدوا حتى أنشد سعد شعرا فيه هجاء الأنصار فضربه أنصاري بلحي ~~بعير فشجه موضحة فشكى إلى رسول الله صلى الله عليه وآله فقال عمر اللهم بين ~~لنا في الخمر بيانا شافيا فنزلت " إنما الخمر والميسر " إلى قوله " فهل ~~أنتم منتهون " (2) فقال عمر: انتهينا يا رب، وعن علي رضي الله عنه: لو وقعت ~~قطرة خمر في بئر فبنيت مكانها منارة لم أؤذن عليها ولو وقعت في البحر ثم جف ~~ونبت فيه الكلأ لم أرعه، وعن ابن عمر لو أدخلت أصبعي فيه لم يتبعني، يعني ~~قطعتها، وهذا هو الايمان حقا وهم الذين اتقوا الله حق تقاته. # وفي كلامه هذا أيضا نظر، فإن عدم فهم الصحابة التحريم مما تقدم بعيد كما ~~عرفت، وأنهم سألوا البيان والتحريم ولم يبين لهم مع ذكر الجواب لهم ~~واشتماله على المفاسد المذكورة، وتأخير البيان عن وقت الحاجة مع أن معظم ~~الأصوليين ما يجوزونه بل نقل الاجماع إلا عن نادر ممن قال بجواز التكليف ~~بالمحال، وأنه صلى الله عليه وآله ترك السؤال حتى سأل غيره، وأن عمر مع ~~علمه باشتمالها على المفاسد وسماعه هذه الأجوبة ما ترك شرب الخمر وهو بعيد ~~عنه حيث قال انتهينا وأن وصفه لعلي عليه السلام وابن عمر بكمال الايمان ~~يشعر بعدمه في غيره ممن سبق ذكره وهو أيضا بعيد عنه بل محال. # ورجوع قوله وهذا هو الايمان إلى الكل بعيد جدا ويأباه سوق الكلام ولعله ~~لذلك ترك القاضي النقل عن علي وابن عمر، والقول بأنه هذا هو كمال الايمان ~~مع نقله ما سبقه. # PageV00P630 # ثم اعلم أن ظاهر الآية تحريم الخمر وكل مسكر مطلقا وكذا كل قمار وميسر، ~~لكن مع أخذ الرهن ms563 على ما فهم من اشتقاقه والأصحاب يحرمونه مطلقا لعله ~~الأخبار أو إجماع أو كون الميسر أعم هنا عندهم، وإن كان في الأصل خاصا. # * (الثالث) * * (في أشياء من المباحات) * وفيه آيات: # الأولى: " يسألونك ماذا أحل لهم " (1) أي عن ما أحل لهم بعد ما بين لهم ~~المحرمات وحصل لهم الشبهة في موضع يحتمل التحريم ولم يكتفوا بالبراءة ~~الأصلية وطلبوا النص فقال الله " قل " يا محمد " أحل لكم " أي أحل الله لكم ~~" الطيبات " أي ما لم تستخبثه الطباع السليمة ولم تنفر عنه عادة وعلى سبيل ~~الغلبة، ويمكن أن يكون ما لم يدل دليل على تحريمه من عقل أو نقل، فيكون ~~مؤيدا للحكم العقلي فاجتمع العقل والنقل على إباحة ما لم يدل دليل على ~~تحريمه، وبمفهومه يدل على تحريم المستخبثات لمقابلة الطيبات كما دل عليه " ~~ويحرم عليهم الخبائث " بمنطوقه " وما علمتم من الجوارح " يحتمل أن يكون ~~عطفا على الطيبات ولكن بحذف مضاف أي مصيد ما علمتم من الجوارح أي الكلاب ~~التي تصيدون بها بقرينة قوله " مكلبين " فإنه مشتق من الكلب أي حال كونكم ~~صاحبي كلاب. # فيلزم كون الجوارح كلبا فيحل ما ذبحه الكلب المعلم إذا لم يقصر في الذبح ~~ولم يغب عنه وبالجملة بالشرائط المقررة في الفروع، وقيل: المراد مطلق ~~الجوارح، وهو الطيور وذوات الأربع من السباع وإطلاق المكلبين باعتبار كون ~~المعلم في الأغلب كلبا فيلزم إباحة ذبيحتها أيضا بالشرائط وهو خلاف الظاهر، ~~بل لا يمكن كونه مرادا وخلاف مذهب الأصحاب ورواياتهم، قال في مجمع البيان ~~في تفسير الجوارح قبل قوله " مكلبين " قيل الجوارح هي الكلاب فقط عن ابن ~~عمر والضحاك والسدي # PageV00P631 # وهو المروي عن أئمتنا عليهم السلام فإنهم قالوا هن الكلاب المعلمة خاصة، ~~أحله الله إذا أدركه صاحبه، وقد قيل لقوله " فكلوا مما أمسكن عليكم " وروي ~~علي بن إبراهيم في تفسيره باسناده إلى أبي بكر الحضرمي عن أبي عبد الله ~~عليه السلام قال سألته عن صيد البزاة والصقور والفهود والكلاب، فقال لا ~~تأكل إلا ما ذكيت إلا الكلاب، فقلت إن قتله؟ قال: كل ms564 فإن الله يقول " وما ~~علمتم من الجوارح مكلبين تعلمونهن مما علمكم الله فكلوا مما أمسكن عليكم، ~~واذكروا اسم الله عليه " ثم قال عليه السلام كل شئ من السباع يمسك الصيد ~~على نفسها إلا الكلاب المعلمة فإنها تمسك على صاحبها وقال إذا أرسلت الكلب ~~المعلم وذكرت اسم الله عليه فهو ذكاته (1) وهو أن يقول بسم الله والله ~~أكبر. # ويؤيد هذا المذهب ما يأتي بعد من قوله " مكلبين " أي أصحاب الصيد بالكلاب ~~وقيل أصحاب التعليم للكلاب. # " تعلمونهن " أي تأدبونهن حتى يصرن معلمة، وفي هذا دلالة ما على أن صيد ~~الكلب الغير المعلم حرام إذا لم يدرك ذكاته، وأما معنى تعليم الكلب فقد ~~ذكره الفقهاء وظاهر الآية ما يصدق عليه المعلم فتأمل، قيل حد التعليم أن ~~يذهب إذا استرسل ويقف إذا زجر، وقيل ذلك إنما يكون قبل أن يرى الصيد إذ ~~بعده لا يمتنع بوجه وقيل حد ذلك ثلاث مرات، وقيل لا حد له، فإذا فعل ما ~~قلناه من الترغيب والمنع امتثل، ويمكن اعتبار ما يفهم أن ذلك عادة له، ~~ويؤيده ثبوت اشتراط التذكية حتى يعلم كونه كلبا معلما، و " تعلمونهن " حال ~~ثانية أو استيناف و " مما علمكم الله " متعلق به أي تعلمون الكلاب مما ~~علمكم الله من الحيل وطرق التأديب، فإن العمل به إلهام منه تعالى أو اكتساب ~~بالعقل الذي هو عطية من الله تعالى فهو من تعليمه تعالى أو مما علمكم الله ~~من اتباع الكلب الصيد بارسال صاحبه وانزجاره بزجره كما مر وهو الأظهر. # " فكلوا مما أمسكن عليكم " متفرع على ما تقدم، ويحتمل كونه جزاء # PageV00P632 # لقوله " وما علمتم " فتكون هي شرطا أي إن أمسكن الجوارح المعلمة من ~~الكلاب قال القاضي وهو ما لم يأكل منه فاشترط في حله أن يكون الكلب ما أكل ~~منه فلو أكل حرم ثم قال: وإليه ذهب أكثر الفقهاء ونقل فيه رواية وفيه تأمل ~~فإن فهم هذا المعنى من قوله " مما أمسكن عليكم " لا يخلو عن إشكال نعم لو ~~صحت الرواية أو ثبت اتباع الأكثر فهو المتبع ms565 وإلا فلا ويمكن أن يقال ثبت ~~اشتراط التذكية إلا ما خرج بالدليل وقد وجد في الكلب المعلم الذي لم يأكل، ~~فبقي الباقي تحت تحريم الميتة فتأمل والظاهر أن المراد على تقدير اشتراط ~~عدم الأكل، عدم كونه عادة له فلو أكل نادرا لم يضر. # " واذكروا اسم الله عليه " الضمير لما علمتم، والمعنى سموا عند إرسال ~~الكلب أو لما أمسكن عليكم أي سموا عليه إذا أدركتم ذكاته أو سموا عند أكله ~~والأول هو المشهور وهو المفهوم من الرواية السابقة إلا أنه فهم منها تعيينه ~~بقوله بسم الله والله أكبر والظاهر أنه ليس كذلك إذ لا قائل به فيحمل على ~~الاستحباب والأولى العمل بها " واتقوا الله " في محرماته " إن الله سريع ~~الحساب " فيؤاخذكم بما جل ودق، ففيه إشارة إلى الملاحظة التامة في الصيد ~~وغيره من الأحكام. # الثانية " اليوم أحل لكم الطيبات " (1) أكد تحليل الطيبات وقد مر معناها، ~~و المراد باليوم الآن لا اليوم المتعارف وعطف عليه " وطعام الذين أوتوا ~~الكتاب حل لكم وطعامكم حل لهم " قيل المراد بالطعام ذبائحهم، قال في مجمع ~~البيان قاله أكثر المفسرين وأكثر الفقهاء وجماعة من أصحابنا، ولا يخفى بعده ~~إذ ليس معنى الطعام الذبيحة لا لغة ولا عرفا ولا شرعا وأن المشهور بين ~~أصحابنا هو أن ذبيحتهم حرام لقوله تعالى " واذكروا اسم الله عليه " و " ما ~~أهل لغير الله به " ولرواياتهم وقد تقدمت في تفسير " وما أهل لغير الله به ~~" وفي مجمع البيان أنه لا يجوز أكل ذبائحهم بل ذبائح من خالف الحق مطلقا ~~عندنا فتأمل في التوفيق بين الكلامين. # ثم قال فيه أيضا وقيل إنه يختص بالحبوب وما لا يحتاج إلى التذكية وهو # PageV00P633 # المروي عن أبي عبد الله عليه السلام وهذا مؤيد لصحة ما تقدم، والطعام في ~~عرف بعض الناس عبارة عن البر والشعير فيمكن إطلاقه على كل الحبوب للمناسبة ~~وهو في الأصل من الطعم بمعنى المطعوم فيصدق على كل مطعوم، ويمكن تخصيصه بما ~~تقدم لدليل من خارج، وقيل المراد أعم كما هو الظاهر فكل ما يصدق ms566 عليه ~~طعامهم فهو حل ما لم يعلم تحريمه من دليل مثل المغصوب والنجس. # وهذا القول غير بعيد لأنه المتبادر فينبغي الحمل عليه، وليس طعامهم من ~~حيث أنه طعامهم حراما عليكم بل هو وغيره سواء، فيجب أن يخرج عنه ما علم ~~تحريمه بدليل فيخصص كسائر العمومات فتكون ذبائحهم وما باشروه بالرطوبة قبل ~~تطهيره خارجا عنه وحراما على تقدير ثبوت تحريم ذبائحهم ونجاستهم كما هو ~~ظاهر أكثر الأصحاب، والكتابي من له كتاب فيعم جميع أهل الكتاب ولا يدخل فيه ~~غيرهم، و إن كان طعامهم أيضا بهذا المعنى حلالا لنا ويكون تخصيص أهل الكتاب ~~للسؤال أو لكثرة الحاجة إليهم والمخالطة والمعاملة معهم دون الحربي، وكذا ~~يحل لهم طعامنا فيجوز لنا أن نعطيهم إياه بالبيع وسائر المعاملات بل بلا ~~عوض. # فهذه الآية تدل على جواز إعطائهم عطية فافهم في مجمع البيان وطعامكم يحل ~~لكم أن تطعموهم. # الثالثة: إنما حرم عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل به لغير الله ~~فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه إن الله غفور رحيم (1). # مضمونها حصر التحريم في جميع الانتفاعات بما مات بغير ذكاة شرعا وبغير ~~التسمية فإنه يعلم اعتبارها من أهلها، أو يكون تخصيصا بعد تعميم أو أكله ~~لكن الأول أولى كما بين في الأصول إلا أن يكون هناك قرينة دالة على الأكل ~~ونحوه ولا يبعد هنا حيث ذكر الأكل قبله وبعده أيضا وهو المتبادر منها ومن ~~لحم الخنزير فيفهم تحريم باقي الانتفاعات من دليل آخر وهو الأخبار ولعله ~~الاجماع أيضا والدم وهو # PageV00P634 # ظاهر ولحم الخنزير كذلك قيل خص اللحم لأنه معظم ما يؤكل من الحيوان و ~~سائر أجزائه كالتابع له فلا يفهم تحريم الانتفاعات به من الآية نعم لما ثبت ~~نجاستها فلا يجوز استعمال شئ منها فيما يشترط فيه الطهارة. # وقال في مجمع البيان: اللحمة قرابة النسب، وأصل الباب اللزوم، ومنه اللحم ~~للزوم بعضه بعضا ولعل يدخل فيه الخبر المشهور في الرضاع والولاء، وقال أيضا ~~صاحب العين رجل لحم إذا كان أكول اللحم، وبيت ms567 لحم يكثر فيه اللحم، و الظاهر ~~أن ليس ذلك هو المراد مما روي عنه صلى الله عليه وآله إن الله يبغض البيت ~~اللحم على تقدير الصحة لأنه قال في الكافي بعد تعريف اللحم بأنه سيد الطعام ~~بإسناده عن عبد الأعلى مولى آل سام قال قلت لأبي عبد الله عليه السلام إنا ~~يروي عندنا عن رسول الله صلى الله عليه وآله إن الله يبغض البيت اللحم فقال ~~كذبوا إنما قال رسول الله صلى الله عليه وآله البيت الذي يغتابون فيه الناس ~~ويأكلون لحومهم وقد كان أبي لحما ولقد مات يوم مات وفي كم أمي ثلاثون درهما ~~للحم، وروي أيضا بإسناده عن الحسين بن أبي العلا عن أبي عبد الله عليه ~~السلام قال كان رسول الله عليه سلام لحما يحب اللحم (1) بل مراده بيت يغتاب ~~فيه الناس كما نقل في الكافي وكأن نفي هذا القول عنه صلى الله عليه وآله في ~~الخبر باعتبار المعنى الظاهر كما علم فلا تعارض بينهما، واعلم أن الظاهر من ~~الخبر تحريم الغيبة للناس مطلقا مؤمنا وغيره وسيجئ تحقيق البحث فيه إن شاء ~~الله تعالى. # والاهلال في الأصل رفع الصوت بالتسمية، ومنه الهلال لغرة القمر لرفع ~~الناس أصواتهم عند رؤيته بالتكبير، والمحرم يهل بالإحرام بالتلبية، واستهل ~~الصبي إذا بكى وقت الولادة كذا في مجمع البيان والأولى رفع الصوت من غير ~~ذكر التسمية كما يدل عليه تتمة كلامه هنا واللغة ولعل مراده في الذبح لكنه ~~بعيد ففهم تحريم الانتفاع بالميتة مطلقا حتى الاسراج بشحمه وادهان ~~الحيوانات به أو أكله فقط لما مر. # " والدم " عما أي أي دم كان مسفوحا وغيره، ولا يتوهم حمله على المسفوح # PageV00P635 # لما وقع في آية أخرى مقيدا به لوجوب حمل المطلق على المقيد كما قاله ~~الشهيد الثاني في شرح الشرايع لأن الحمل إنما يجب إذا كان بينهما منافاة ~~وليس هنا إذ يجوز تحريم مطلق الدم والمسفوح أيضا وكذا نجاستها نعم يصلح ذلك ~~عند من يقول بمفهوم الوصف لوجود المنافات حينئذ أو يقال إنه حصر المحرم ms568 في ~~الآية المتقدمة في الدم المسفوح، فلا يكون غيره حراما، ولكن الظاهر أن هذا ~~الحصر غير مراد وأنه حصر لما وجد في ذلك الوقت، فإن صدرها " قل لا أجد فيما ~~أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دما مسفوحا ". # نعم قد استثنى الأصحاب ما بقي في المذبوح بعد الذبح، وخروج ما يمكن أن ~~يخرج من الدم، بشرط أن لا يكون بحيث يدخل الدم جوفه، ولعل دليلهم الاجماع ~~والخبر أو الحرج وليس بواضح، نعم يمكن أن يقال لا نسلم فهم العموم من الآية ~~و الأخبار بل مطلق فيحمل على ما هو المحقق، وهو الدم المسفوح، ويبقى الباقي ~~على أصل الحل لكنه لا يخلو عن بعد إذ الظاهر منهما العموم فتدبر. # وقد استثني من تحريم هذه الأشياء الأكل للمضطر حال اضطراره إذا لم يكن ~~باغيا ولا عاديا والاضطرار ما لم يمكن الصبر عليه مثل الجوع والفرق بينه ~~وبين الالجاء أن الالجاء بتوفر الدواعي إلى الفعل من جهة الضر والنفع، وليس ~~الاضطرار كذلك، وأصل البغي الطلب والعدي التعدي فمعناه من اضطر إلى كل هذه ~~المحرمات بل إلى فعل مطلق المحرمات، لعموم اللفظ إلا ما أخرجه الدليل مثل ~~قتل النفس على أي وجه كان الاضطرار، وتلك الضرورة ضرورة سد رمق أو إكراه أو ~~حرج أو غير ذلك من ضرب وشتم لا يمكن تحملها عادة حال كونه غير باغ للذة، ~~ولا عاد أي غير متجاوز عن حد الضرورة " فلا إثم " عليه ولا ذم ولا تحريم ~~عليه، وذكر الغفور والرحيم بعد ذلك كأنه للدلالة على أن الله غفور رحيم لا ~~يضيق على عباده بل يوسع عليهم فكأنه لا يشترط الضرورة الكلية بحيث لا يمكن ~~الحياة بدون فعل الحرام أو أنه إذا فعل حراما ثم تاب يتوب الله عليه " إن ~~الله هو التواب الرحيم " بالرخصة وغيرها. PageV00P636 # وقد قيل لها معنى آخر مثل ما قاله في الكافي بإسناده عن أحمد بن محمد بن ~~أبي نصر البزنطي عمن ذكره عن أبي عبد الله عليه السلام ms569 (1) أنه قال الباغي ~~الذي يخرج على الإمام، والعادي الذي يقطع الطريق لا يحل له الميتة وفي ~~السند ضعف لسهل بن زياد، وفي المتن أيضا قصور ما فافهم، مع أنه يمكن أن ~~يكون بطريق التمثيل وأن المذكور داخل فيهما لا الحصر، وبالجملة الأعم أولى ~~ما لم يثبت التخصيص، ومعه يمكن إثبات الحكم عاما بطريق القياس المعلوم علته ~~كما قاله القاضي وقيل غير باغ على الوالي ولا عاد يقطع الطريق فعلى هذا لا ~~يباح للعاصي بالسفر وهو ظاهر مذهب الشافعي وقول أحمد وأنت تعلم أنه قياس ~~غير معلوم فيه اشتراك العلة، بل الظاهر عدمه فإن الخروج على الإمام وقطع ~~الطريق ليسا بمتساويين لكل المعاصي، حتى يكون العاصي لسفره مثلهما، وهو ~~ظاهر، ولعل لهما دليلا آخر لو كان هذا مذهبهما. # وقال القاضي أيضا فإن قيل إنما يفيد قصر الحكم على ما ذكر، وكم من حرام ~~لم يذكر، قلت المراد قصر الحرمة على ما ذكر مما استحلوه لا مطلقا أو قصر ~~حرمته على حال الاختيار كأنه قيل إنما حرم عليكم هذه الأشياء ما لم تضطروا ~~إليها. # قلت الأول غير ظاهر الوقوع، والثاني بعيد جدا، مع أن الظاهر من تحريم كل ~~محرم، إنما هو حال الاختيار دون الاضطرار، ويدل عليه العقل والنقل فعاد ~~السؤال ويمكن أن يقال الحصر إضافي بالنسبة إلى ما حرموه على أنفسهم على ما ~~مر قبل هذه الآية في سبب نزول قوله تعالى " كلوا " الآية يعني ليس المحرم ~~ما حرمتم بل هذه أو بحذف وغيرها مما حرم الله، بل ما حرمتم أنتم أو يكون ~~المحرم حين النزول هذه فقط مثل " قل لا أجد " الآية. # الرابعة: " وما لكم ألا تأكلوا مما ذكر اسم الله " (2) أي أي غرض لكم في ~~التحرج عن أكله وما يمنعكم عنه يعني لا حرج فيه ولا يجوز جعل شئ مانعا عنه ~~دون ما نهى الله عنه " و " الحال أن الله تعالى " قد فصل لكم ما حرم عليكم ~~" وما لم يحرم عليكم # PageV00P637 # بقوله " حرم عليكم الميتة " الآية وغيرها وبلسان نبيه ms570 في الأخبار " إلا ~~ما اضطررتم إليه " مما حرم عليكم فإنه أيضا حلال حال الضرورة والاضطرار ففي ~~مفهوم هذه الآية تحريم ما لم يذبح باسم الله، أي لم يذكر اسم الله عند ذبحه ~~كما مر. # " وأنزلنا من السماء ماء فأحيا به الأرض بعد موتها إن في ذلك لآية لقوم ~~يسمعون " سماع إنصاف وتدبر وتفكر لأن من لم يسمع بقلبه فكأنه أصم لا يسمع ~~وفيها دلالة على إباحة الماء والأرض بالنقل أيضا فعلى أي وجه يريد الانسان ~~يتصرف فيهما ما لم يدل دليل على خلاف ذلك. # " وإن لكم في الأنعام لعبرة " (1) قد ذكر في أول هذه السورة في الكشاف أن ~~الأنعام هي الأزواج الثمانية المذكورة في سورة الأنعام، وأكثر ما يقع على ~~الإبل وقد أنث هناك بقوله " والأنعام خلقها لكم فيها دف ء ومنافع ومنها ~~تأكلون " وفيها " وتحمل " وذكره هنا بقوله " نسقيكم مما في بطونه " والضمير ~~راجع إليه فذلك إما لأن الأنعام اسم جمع وليس بجمع فيعتبر تارة معناه فيؤنث ~~وأخرى لفظه فيذكر، أو يكون جمعا والتذكير هنا باعتبار إرجاعه إلى بعض ~~الأنعام المفهوم منها فإن اللبن الذي في البطون ليس في البطون كلها، بل ~~بعضها، ونقل إفراده في الكشاف والقاضي عن سيبويه، أي لكم في الأنعام وما ~~يحصل منها عظة و اعتبار لو تأملتم ثم بين ذلك بقوله " نسقيكم " فهو استيناف ~~كأنه قيل كيف العبرة فقيل " نسقيكم من بين فرث ودم لبنا خالصا " أي يخلق ~~الله اللبن وسيطا بين الفرث والدم يكتنفانه وبينه وبينهما برزخ من قدرة ~~الله لا يبغي أحدهما عليه بلون ولا طعم ولا رائحة بل هو خالص من ذلك كله ~~قيل إذا أكلت البهيمة العلف فاستقر في كرشها طبخته وكان أسفله فرثا وأوسطه ~~لبنا وأعلاه دما والكبد قسام مسلط على هذه الأصناف الثلاثة يقسمها فيجري ~~الدم في العروق واللبن في الضروع ويبقى الفرث في الكرش فسبحان الله ما أعظم ~~قدرته وألطف حكمته، لمن تفكر وتأمل، وسئل شقيق عن # PageV00P638 # الاخلاص فقال تمييز العمل عن العيوب كتمييز اللبن من بين ms571 فرث ودم، كله من ~~الكشاف. # وهذا تشبيه ما أحسن به! وفيه وجوه كثيرة دقيقة جدا منها أنه في الصعوبة ~~مثله لا يقدر عليه إلا الله وتشبيه الريا وغيره مما يضيع العمل بالروث ~~والدم كراهة ورائحة وقذارة وغير ذلك. " سائغا للشاربين " سهل المرور في ~~الحلق، ويقال إنه لم يغص أحد باللبن قط وفيها دلالة على إباحة لبن الأنعام ~~والترغيب على الاتعاظ و الاعتبار والتفكر في أفعال الله تعالى. # " ومن ثمرات النخيل والأعناب " قيل متعلق بمحذوف أي ونسقيكم من عصيرهما ~~بحذف المضاف أو بإرادته منها مجارا، وليس متعلق بنسقيكم المذكور، ولا ~~المقدر المعطوف عليه، إذ يلزم كونه بيانا لعبرة الأنعام، فهو استيناف لبيان ~~الاسقاء عبرة أو منة أخرى أو متعلق بقوله " تتخذون منه سكرا ورزقا حسنا إن ~~في ذلك لآية لقوم يعقلون " ويكون كلمة " منه " تكرارا لا للتأكيد كقولك زيد ~~في الدار فيها وتذكير الضمير باعتبار العصير أو الثمر، والسكر مصدر سمي به ~~الخمر للمبالغة و حينئذ إما أن تكون منسوخة إن كانت قبل تحريم الخمر أو ~~يكون جمعا بين العتاب والمنة، وقيل المراد به يسد الجوع من السكر وقيل ~~المراد من السكر النبيذ، و هو عصير العنب والتمر والزبيب، إذا طبخ حتى يذهب ~~ثلثاه، ثم يترك حتى يشتد، وهو حلال عند أبي حنيفة إلى حد السكر ويحتج بهذه ~~الآية وبقوله عليه السلام الخمر حرام بعينها والسكر من كل شراب أي حرام، ~~وفي دلالة الآية والخبر على مطلوب أبي حنيفة خفاء. # قال في مجمع البيان السكر لغة على أربعة أوجه الأول ما أسكر من المسكرات ~~والثاني ما طعم من الطعام ونقل شعرا، والثالث السكون ونقل شعرا، والرابع ~~المصدر في قولك سكر سكرا ومنه التسكير التحير في قوله " سكرت أبصارنا ". # وقال فيه أيضا قال قتادة نزلت الآية قبل تحريم الخمر، وروى الحاكم في ~~صحيحه بالاسناد عن ابن عباس أنه سئل عن هذه الآية قال السكر ما حرم من ~~ثمرها PageV00P639 # والرزق الحسن ما أحل من ثمرها كالخل والزبيب والرب والتمر، وقيل المراد ~~بالسكر ما ms572 يشرب من أنواع الأشربة مما يحل والرزق الحسن ما يؤكل، قال أبو ~~مسلم لا حاجة إلى ذلك سواء كان حراما أم لم يكن لأنه تعالى خاطب المشركين ~~وعدد أنعامه عليهم بهذه الثمرات، والخمر من أشربتهم، فكانت نعمة عليهم وفيه ~~تأمل. # وقال أيضا وقد أخطأ من تعلق بهذه الآية في تحليل النبيذ لأنه سبحانه إنما ~~أخبر عن فعل يتعاطونه فأي رخصة في هذا اللفظ، وأنت تعلم أن البعض لا يخلو ~~عن تكلف وهو ظاهر، ويحتمل أن يكون هذه عبرة بتقدير ولكم في الأشجار أيضا ~~لعبرة نسقيكم، أو تتخذون من ثمرات النخيل على ما تقدم من كون " من ثمرات " ~~متعلقه بنسقيكم المقدر، أو " تتخذون " ومثل هذا الحذف غير عزيز في القرآن ~~العزيز وهو ظاهر لمن تأمله. # وحينئذ لا شك في وجود العظة والعبرة بأخذ الخمر الذي هو في غاية المرارة ~~والسكر، وفيها منافع للبدن في الدنيا كما أشار إليه في قوله " ومنافع للناس ~~وإثمهما أكبر من نفعهما " وأخذ الدبس منه، وكذا الخل والتمر والعنب، و ~~الغرض إظهار القدرة على الأشياء العزيزة البعيدة عن العقل لتجوز الإعادة ~~للثواب والعقاب، لرفع استبعاد المشركين وإن لم يكن حلالا، إذ يجوز عدم كون ~~الغرض في الكل الامتنان فإن الذي قادر على إيجاد مثل هذه الأمور من الشجر ~~اليابس بل من نواة مرة لا شك أنه قادر على الإعادة، كما أن القادر على ~~اخراج لبن خالص من بين الفرث والدم من غير مخالطة بأحدهما لونا وطعما وريحا ~~فتأمل. # وكذلك يحتمل أن يكون الغرض في ذكر النحل وإظهار قدرته على البيت المشتمل ~~على الأمور الغريبة التي لم يقدر عليه أقوى المهندسين وحصول العسل منه الذي ~~يعجز عن فهمه العقول وعن إدراكه الفحول، بحيث يتيقن كل عاقل أنه لا يقدر ~~على مثل ذلك الممكن، بل الواجب القادر على كل شئ المتصف بالصفات الكاملة ~~التي لا يعرفها إلا هو، والمبري عن الصفات الناقصة، وبالجملة لا شك في ~~PageV00P640 # تحريم الخمر والمسكر وعدم معقولية المنة على خلقه ولا يجمع بين المنة ~~والعتاب ms573 في مثل هذه الآية، فلا بد من تأويل بحيث يخرج عن ذلك وهو يحصل بأحد ~~الوجوه المذكورة وغيره فتأمل. # وقيل " من " في " مما " للتبعيض لأن اللبن الذي يسقى بعض ما في البطن، و ~~في " من بين فرث ودم " ابتدائية لأن ما بين الفرث والدم مكان السقي فيبدأ ~~منه وقد احتج بعض من رأى أن المني طاهر على من جعله نجسا بجريه في مسلك ~~البول بهذه الآية وأنه ليس بمستنكر أن يسلك مسلك البول وهو طاهر كما خرج ~~اللبن من بين فرث ودم طاهرا، كأنه يريد ببعض من احتج الشافعي والمحتج عليه ~~الذي جعله نجسا بجريه في مسلك البول أبا حنيفة والاحتجاج صحيح، والسر في ~~ذلك أن الجري في المسلك ليس بمنجس من حيث إنه من البواطن، ولا حكم لها من ~~حيث النجاسة، وإلا لم يصح صلاة أحد وهو ظاهر، وصرح به الأصحاب ويدل عليه ~~العقل والنقل، وليس نجاسة المني عندهم لذلك، بل بالإجماع والنصوص عن الأئمة ~~عليهم السلام. # " وأوحى ربك إلى النحل " ألهمها وقذف في قلوبها " أن اتخذي " بأن اتخذي ~~لأن حذف حرف الجر قياس، أو يكون مفسرة لأن الايحاء متضمن لمعنى القول كأنه: ~~قائلا أن اتخذي، والتأنيث باعتبار المعنى أي الجماعة الكثيرة وإلا فلفظه ~~مذكر " من الجبال بيوتا ومن الشجر ومما يعرشون " من للتبعيض لأنها لا تبنى ~~في كل ما ذكر بل في بعض الجبال، وبعض الأشجار، وبعض ما سقف به مثل الطين ~~وقد يكتفي به من الكرم وسعف النخل، وغير ذلك، وفي ذكر البيوت إشارة إلى أن ~~ما بنته مثل البيوت التي بناها الانسان العاقل الكامل، بل من تأمل بيوتهم ~~وما فيها يجد من حسن الصنعة وصحة القسمة ما لا يقدر عليه حذاق المهندسين ~~إلا بآلات وأنظار دقيقة، ويحكم بأن فاعل هذا لا بد له من العلم، وأنه ليس ~~الفاعل إلا الله أو بالهامه وهو ظاهر. # " ثم كلي من كل الثمرات " التي تشتهيها مرها وحلوها " فاسلكي " ما ~~PageV00P641 # أكلت " سبل ربك " في مسالكه التي يحيل فيه بقدرته النور المر ms574 عسلا من ~~أجوافك أو فاسلكي الطرق التي ألهمك في عمل العسل، أو فاسلكي راجعة إلى بيتك ~~سبل ربك لا يلتبس عليك " ذللا " جمع ذلول، وهي حال من السبل أي مذللة ذللها ~~الله وسهل لك أو من الضمير في " فاسلكي " أي وأنت ذلل منقادة لما أمرت به ~~غير ممتنعة " يخرج من بطونها " عدل من خطاب النحل إلى خطاب الناس لأنه محل ~~الانعام والامتنان والمقصود من خلق النحل وإلهامه، " شراب " يعني العسل ~~لأنه قد يشرب " مختلف ألوانه " بعضه أبيض وبعضه أحمر وبعضه أصفر، وبعضه ~~أسود " فيه شفاء للناس " إما بنفسه كما في الأمراض البلغمية أو مع غيره كما ~~في سائر الأمراض إذ قل ما يكون معجونا والعسل لم يكن جزء منه مع أن التنوين ~~فيه قد يكون مشعرا بالتبعيض، ويحتمل التعظيم وقيل الضمير للقرآن وفيه بعد " ~~إن في ذلك لآية لقوم يتفكرون " فإن من تأمل في فعله ووجود العسل، وكيفية ~~حصوله، علم قطعا أن الله معلم قادر حكيم عالم متصف بجميع صفات الكمال، فليس ~~فيه نقص بوجه. # ففيها دلالة على حلية العسل لكل من يجد وأخذ النحل لذلك، ما لم يمنع مانع ~~شرعي والاستشفاء بالأدوية وخصوص العسل وأن الله يشفي بالدواء وإن كان قادرا ~~على ذلك بغيره لحكمة، وطلب علم الطب بل علم الكلام والتفكر في الأفعال ~~والاستدلال بها على وجود الواجب وصفاته، والحسن والقبح العقليين فتأمل. # " والله فضل بعضكم على بعض في الرزق " (1) أي جعلكم متفاوتين في الرزق ~~بأن جعل للموالي رزقهم ورزق مماليكهم، وأمرهم باعطائهم لهم، فرزقكم أفضل من ~~رزق مماليككم وهم بشر مثلكم وإخوانكم " فما الذين فضلوا برادي رزقهم على ما ~~ملكت أيمانهم فهم فيه سواء " ليس الذين فضلوا بمعطي رزق المفضل عليهم، بحيث ~~يتساوون فيه أي كان ينبغي أن يردوا مما رزقوا على مماليكهم حنى يتساووا في ~~الملبس والمطعم # PageV00P642 # كما يحكي عن أبي ذر أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وآله يقول إنما هم ~~إخوانكم فاكسوهم مما تلبسون، وأطعموهم مما تطعمون، فما رئي بعد ذلك إلا ~~ورداؤه ms575 رداؤه وإزاره إزاره من غير تفاوت " أفبنعمة الله يجحدون " فجعل عدم ~~التسوية من جملة جحود النعمة على سبيل المبالغة، ففيها دلالة على استحباب ~~التسوية بين نفسه ومماليكه، و يدل عليه أيضا الأخبار مثل ما تقدم، ويدل على ~~أبلغ من ذلك ما روي عن أمير المؤمنين عليه السلام أنه كان يشتري ثوبين يعطي ~~أفضلهما القنبر ويأخذ الأردى لنفسه صلوات الله عليه. # قال في الكشاف: وقيل هو مثل ضربه الله للذين جعلوا له شركاء فقال لهم ~~أنتم لا تسوون بينكم وبين عبيدكم، فيما أنعمت به عليكم، ولا تجعلونهم فيه ~~شركاء ولا ترضون ذلك لأنفسكم، فكيف رضيتم أن تجعلوا عبيدي لي شركاء، وقيل ~~المعنى إن الموالي والمماليك أنا رازقهم جميعا، فهم في رزقي سواء فلا تحسبن ~~الموالي أنهم يردون على مماليكهم من عندهم شيئا، فإنما ذلك رزقي إليهم على ~~أيديهم، ويمكن الاستدلال بها على تملكهم فتأمل. PageV00P643 # * (كتاب) * * (المواريث) * وفيه آيات: # الأولى: ولكل جعلنا موالي مما ترك الوالدان والأقربون والذين عقدت ~~أيمانكم الآية (1). # إشارة إلى توريث الورثة إجمالا فكأنه يريد بالموالي الورثة، وبالذين: ~~ضامن الجريرة على الاحتمال، وقيل غير ذلك الله يعلم. # الثانية: وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله من المؤمنين ~~والمهاجرين إلا أن تفعلوا إلى أوليائكم معروفا (2). # يجوز أن يكون من المؤمنين والمهاجرين بيانا لأولي الأرحام، أي الأقرباء ~~من هؤلاء بعضهم أولى بأن يرث بعضا من الأجانب بل من بعض الأقارب أيضا و ~~يجوز أن يكون " من " لابتداء الغاية أي أولوا الأرحام القرابة أولى ~~بالميراث من المؤمنين بحق الولاية في الدين، ومن المهاجرين بحق الهجرة كذا ~~قيل، و الظاهر أنها صلة " أولى " ومعنى الاستثناء أن أولي الأرحام أولى إلا ~~أن يفعلوا وصية فالموصي له أولى. # ففيها دلالة على كون الوصية أولى من الإرث، وتقديمها على الإرث، وليس ~~فيها دلالة على عدم الوصية للوارث وهو ظاهر، ويحتمل أن يكون " إلا أن ~~تفعلوا " يشمل المنجزات أيضا، فيدل على كونها مقدمة على الإرث، وكونها من ~~الأصل # PageV00P644 # وخرجت الوصية بالإجماع والخبر، وصارت من الثلث، وبقي ms576 المنجزات فتأمل. # الثالثة: للرجال نصيب مما ترك الوالدان والأقربون وللنساء نصيب مما ترك ~~الوالدان والأقربون مما قل منه أو كثر نصيبا مفروضا (1). # أي سهم، ولعل " الوالدان " أعم من أن يكونا بواسطة أو بغيرها والمراد ~~بالأقربون الأقارب الذين يورثون " مما قل منه أو كثر " أي قليلا كان ~~المتروك أو كثيرا وهو بدل عن " مما ترك " بإعادة العامل ونصيبا يحتمل أن ~~يكون مفعولا مطلقا للتأكيد مثل قوله " فريضة " أو حال أي فرض للرجال نصيب ~~حال كونه نصيبا، أو منصوبا بأعني ومفروضا صفة له أي مقطوعا. # والمعنى أن الإرث بالنسب ثابت من الله فرضا ولازما من غير اختيار أحد من ~~الوراث سواء كان ذكرا أو أنثى نزلت لنفي ما كان في الجاهلية من عدم الإرث ~~للنساء والأطفال، فدلت على ثبوت الإرث في الجملة، وأنه فرض يدخل في ملك ~~الوارث بغير اختياره، سواء أراد أو لم يرد، فلا يخرج عن ملكه إلا بدليل ~~مخرج شرعا. # الرابعة: " يوصيكم الله في أولادكم " (2) أي يأمركم ويفرض عليكم في شأن ~~ميراث أولادكم [بما هو العدل والمصلحة] والخطاب للأحياء بأنه إذا مات منهم ~~أحد يعلم الباقون أن لولده وغيره الإرث كذا وكذا، وهذا مجمل وتفصيله يعلم ~~من قوله " للذكر مثل حظ الأنثيين " يعني إذا اجتمع الأولاد ذكورا وإناثا ~~فللابن نصيبان، وللبنت نصيب نصفه " فإن كن " الأولاد " نساء " ثنتين " فوق ~~اثنتين " خبر بعد خبر " فلهن " أي الأولاد التي هما ثنتان أو ما فوقهما " ~~ثلثا ما ترك " الميت من الأموال بالفرض وفي الباقي تفصيل يعلم من غير ~~القرآن، فقوله " نساء فوق اثنتين " # PageV00P645 # بمنزلة اثنتين فصاعدا، وإطلاق ضمير كن والنساء على البنتين غير بعيد. # " وإن كانت " المولودة بنتا " واحدة فلها النصف " مثل ما تقدم، ويؤيد أن ~~حكم البنتين حكم الثلاثة أنه لا يمكن إدخالها في حكم الواحدة بوجه في ~~العبارة فإنه لو كان حكمهما حكمها لما حسن القيد المخرج لهما بحيث لا يمكن ~~إدخالهما في حكمها، مع أنه لا خلاف بين أهل العلم في أن حكمهما إما حكم ~~الواحدة وهو مذهب ابن ms577 عباس فقط، وإما حكم فوق اثنتين وهو مذهب غيره، وأيضا ~~لا خلاف في أن للأختين وحدهما هو الثلثان كما دل عليه القرآن العزيز صريحا، ~~فلا معنى لكون حصة البنتين أقل من حصتهما مع أنهما أمس رحما فلا يكون نصفا ~~ولا قائل بغير الثلثين والنصف، فيكون الثلثين، وأيضا إن للبنت مع أخيها ~~الذي نصيبه ضعف نصيبها الثلث فلا بد أن لا يكون مع أختها التي نصيبها مثل ~~نصيبها أقل من تلك الحصة، فلا يكون لهما النصف فيكون الثلثين، وأيضا يمكن ~~أن يكون مثل قوله صلى الله عليه وآله لا تسافر المرأة سفرا فوق ثلاثة أيام ~~إلا ومعها زوجها أو ذو محرم لها، فإن المراد ثلاثة و ما فوقها على ما قيل، ~~كأنه بالتأويل الذي قلناه فتأمل. # وقيل إنه لما قال الله " للذكر مثل حظ الأنثيين " علم حكم البنتين لأنه ~~قد علم أن للذكر مع الواحدة ثلثين اللذين هما للبنتين فعلم أن لهما ثلثين ~~وبقي ما فوقهما، فكأنه قيل فما لما فوقهما؟ قيل كذا، ذكره في الكشاف ~~والقاضي وغيرهما ونقله في مجمع البيان عن أبي العباس المبرد، وفيه تأمل لأن ~~العلم بأن للواحد ثلثين مع اجتماعه مع الواحدة لا يستلزم كون الثلثين لهما ~~إذا انفردتا، لأن المعنى أن لكل ذكر ضعف الأنثى مطلقة، ويؤيده أيضا كثرة ~~العلماء فإن القول بعدم الثلثين لهما بل النصف ما نقل إلا عن ابن عباس بل ~~نقل في مجمع البيان الاجماع على أن لهما الثلثين، قال: ظاهر الكلام يقتضي ~~أن البنتين لا يستحقان الثلثين لكن الأمة أجمعت على أن حكم البنتين حكم من ~~زاد عليهما من البنات. # وقال أيضا يدل عليه الاجماع إلا ما روي عن ابن عباس أن للبنتين النصف ~~فكأنه أراد الاجماع بعده أو ما اعتبر خلافه أو ما ثبت عنده أن ذلك قول ابن ~~عباس PageV00P646 # حيث قال إلا ما روي أو أراد التأييد بالشهرة والكثرة كما قلناه، وبالجملة ~~وإن كان ظاهر الآية أن ليس حكمهما حكم ما فوقهما، لا شك أن ظاهرها أن ليس ms578 ~~حكمها حكم البنتين أيضا وهو ظاهر وقد اتفق العلماء على أن لا حكم لهما إلا ~~حكم أحدهما فلا بد من ارتكاب خلاف ظاهر، وإدخاله في أحدهما، ولا شك أن ~~إدخاله فيما فوقهما أرجح لما تقدم. # " ولأبويه لكل واحد منهما السدس مما ترك إن كان له ولد، فإن لم يكن له ~~ولد وورثه أبواه فلأمه الثلث فإن كان له إخوة فلأمه السدس من بعد وصية يوصي ~~بها أو دين " السدس مبتدأ وخبره " ولأبويه " أي الميت وهو مذكور معنى و " ~~لكل واحد منهما " بدل بتكرير العامل، وفائدته فائدة التأكيد ودفع وهم أن ~~يكون المراد كون السدس للمجموع، ولو اقتصر على البدل فات فائدة التأكيد ~~المراد من الاجمال والتفصيل ولو قال ولأبويه السدسان يتوهم كونهما مختلفين، ~~و المراد بالميت الولد الأول ذكرا كان أو أنثى، وبالسدس سدس جميع ما ترك " ~~و إن ترك و " لم يكن له " أي للميت " ولد " أصلا " وورثه أبواه فلأمه الثلث ~~" مما ترك حذف بقرينة ما تقدم فلها ثلث جميع ما ترك دائما لا ثلث ما بقي ~~بعد حصة الزوجة كما هو رأي الجمهور، وكأن ما ذكرناه لا خلاف فيه عند ~~أصحابنا. # وقال في مجمع البيان: هو مذهب ابن عباس وأئمتنا عليهم السلام وهو الظاهر ~~من الآية، وقيد الجمهور وورثه أبواه بفحسب، فقالوا حينئذ يكون لها الثلث من ~~جميع ما ترك وأما إذا كان معهما وارث آخر مثل الزوج فحينئذ لها ثلث ما بقي ~~بعد حصته كما فعل في الكشاف والقاضي، وذلك بعيد أما أولا فلأن التقدير خلاف ~~الظاهر وأما ثانيا فلأنه ما كان يحتاج حينئذ إلى قوله " فإن لم يكن له ولد ~~" وأما ثالثا فلأنه لم يفهم حينئذ ثبوت فريضة للأم مع وجود وارث غير الولد ~~فكيف يكون لها ثلث ما بقي، مع كون سدس الأصل وثلثه لها، بل لا يوجد مثل ~~الثلث والنصف إلا بالنسبة إلى الأصل كما هو المتبادر. # فالحق مذهب الأصحاب مع قطع النظر عن إجماعهم ونقلهم عن أئمتهم عليهم ~~السلام PageV00P647 # ولعل فائدة قوله " وورثه ms579 أبواه " الإشارة إجمالا إلى أن مع عدم الأب الكل ~~لها إن لم يكن غيرها، وإلا فالباقي بعد حصة الغير مثل الزوج، أو أن الحجب ~~إنما يكون معه أو إلى أنهما وسائر الورثة قد لا يرثون مع ثبوت النسب، بأن ~~يكونوا أرقاء أو قاتلين أو كفارا أو غير ذلك، مثل أن يكون هناك دين مستغرق ~~على أنه ما فهم صريحا وجود الأب من قبل حتى يحتاج إلى النكتة لذكر " وورثه ~~أبواه " فتأمل. # وقيل: إنما ذكر " وورثه أبواه " بعد أن علم لأن معناه وورثه أبواه فحسب ~~وفيه ما مر على أنه ينبغي حينئذ التصريح بنفي الغير إلا ذكر ما هو المفروض، ~~و حذف ما لا بد منه مثل فحسب أولا وارث غيرهما ونحو ذلك فتأمل (1) وترك ذكر ~~ما للأب لأنه ليس بصاحب الفريضة حينئذ لا لأن الباقي له فتأمل. # هذا إن لم يكن للأم حاجب عن الثلث من الأخوة بقرينة قوله " فإن كان له " ~~أي للميت إخوة يحجبها عن الثلث إلى السدس " فلأمه السدس " فالأخوة تحجبها ~~مع عدم كونهم ورثة بشروط الأول وجوب الأب يدل عليه " وورثه أبواه " الآية ~~إذ التقدير إن لم يكن له ولد وورثه الأب والأم فللأم الثلث إن لم يكن له ~~إخوة فإن كان له إخوة فلأمه السدس، والثاني كون الأخوة متعددة ولو كانا ~~اثنين خلافا لابن عباس، فإنه ذهب إلى اشتراط الثلاث للفظ الجمع، وقال أيضا ~~إنهم يأخذون السدس المحجوب عن الأم فيشترط عنده كونهم وارثين وهما غير شرط ~~عند غيره والأخير ظاهر، ودليل الأول كأنه الرواية والاجماع. # وقال في الكشاف: الأخوة تفيد معنى الجمعية المطلقة بغير كمية والتثنية # PageV00P648 # والجمع كالتثليث والتربيع، في إفادة الجمعية، وهذا موضع الدلالة على ~~الجمع المطلق، فدل بالإخوة عليه، تأمل في هذه الإفادة، فإنها غير واضحة ~~فالظاهر أنها أطلقت على ما فوق الواحد لقرينة ثبتت بالخبر والاجماع، ثم إن ~~ظاهرها أعم من كونها إخوة الأب أو الأم، وقد خص الأصحاب بأخوة الأب وهو ~~الشرط الثالث ولعل دليلهم الرواية والاجماع، وأن النفع لأبيهم ms580 فكما أن الأب ~~ينفع أولاده فهم أيضا ينفعونه بزيادة الإرث له، وهذا المعنى غير موجود في ~~الأخوة من الأم وأيضا الظاهر منها الذكورة، وقد عمم، وجعل أختين بمنزلة أخ ~~واحد فهما مع أخ آخر يحجبان وكذا الأربع، ولعل لهم دليلا غيرها. # والرابع كونهم وارثين في الجملة فلا يحجب القاتل والرق ونحوهما، و لعل ~~لهم دليلا عليه، والخامس الفصل فلا يحجب الحمل، وفهم ذلك غير بعيد و ~~تفصيلها في الفروع، وقوله " من بعد وصية يوصي أو دين " قالوا إنه متعلق ~~بجميع ما تقدم من أول قسمة الميراث أي ثبوت الحصة للورثة إنما هو بعد اخراج ~~ما أوصى به الميت وبعد الدين وقوله " يوصي بها " بعد الوصية للتأكيد ~~وظاهرها التساوي بين الدين والوصية في تقديمهما على الإرث، وأن كل واحد ~~مستقل في التقديم، فايراد " أو " لذلك لا لأن أحدهما مقدم لا المجموع وهو ~~ظاهر، وتقديم الوصية مع كونها مؤخرة عن الدين في حكم الشرع للاهتمام بشأنها ~~لاحتياجها إلى التأكيد والمبالغة لأنه محل أن لا يسمعها الوارث فسواها مع ~~الدين في التقديم حتى قدمها، لا ليفهم أن الاهتمام بها أكثر، ولأنها مشابهة ~~بالإرث بحيث توقف ثبوتهما على الموت فذكرت بعده. # فدلت الآية على أن الوصية مطلقا والدين كذلك مقدمان على الإرث فيخرج أولا ~~مؤنة تجهيزه الواجبة، ثم الدين ثم الوصية ثم يقسم ما بقي بين الورثة على ~~حكم الله، والترتيب مفهوم من الاجماع والسنة لا الكتاب وفي الآية دلالة ما ~~على عدم تملك الوارث قبلهما الإرث، بل عدم جواز تصرفه إلا بعد اخراجهما، ~~فالمال إما باق على حكم مال الميت أو ينتقل إلى الديان والموصى إليه ~~بقدرهما، فلا PageV00P649 # يجوز للورثة التصرف فيه إلا بعد اخراج الدين والوصية، سواء كانا مستغرقين ~~أم لا. # ويحتمل أن يكون معنى الثلث للأم مثلا بعد الوصية والدين، أنه إنما يصير ~~ذلك بعد أن يكون في التركة ما يفضل عنهما وحينئذ لا يفهم ما قلناه، فيمكن ~~جواز التصرف للوارث فيما يفضل عنهما قبل اخراجهما ولكن يجب عليه اخراج ذلك ms581 ~~وعزله وإيصاله إلى صاحبه، أو يجب على الوصي إن كان، ويجب على الوارث ~~التمكين. # ويحتمل جواز التصرف في الكل أيضا ما لم يعين الدين والموصى به بعد أن قرر ~~المتصرف على نفسه ذلك فيثبت في ذمته الدين والوصية ويجب أداؤهما ويتصرف في ~~التركة مهما شاء، فالاحتمالات ثلاثة - بعد وصولهما إلى أهلهما فلا يجوز ~~التصرف قبله بوجه وبعد العزل والتعيين، فلا يجوز قبله وبعد سعة المال و ~~وجودهما فيه، فيجوز التصرف فيما يفضل أو في الكل، ويكون ضامنا والأول أحوط ~~وأسلم. # ويدل عليه رواية عباد بن صهيب في باب قضاء الزكاة عن الميت عن أبي عبد ~~الله عليه السلام في رجل فرط في اخراج زكاته في حياته فلما حضرته الوفاة ~~حسب جميع ما كان فرط فيه مما لزمه من الزكاة ثم أوصى به أن يخرج ذلك فيدفع ~~إلى من يجب له. قال جائز يخرج ذلك من جميع المال، إنما هو بمنزلة دين لو ~~كان عليه ليس للورثة شئ حتى يؤدوا ما أوصى به من الزكاة (1) ودلالتها ظاهرة ~~في الدين والوصية بالزكاة، ويحتمل أن لا قائل بالفرق الله يعلم، وسندها جيد ~~لا شئ في رجاله إلا في عباد بن صهيب، وقد يقال ظاهر الآية يقتضي الأخير إذ ~~ثبت ملكية الثلث مثلا بقوله " ولأمه الثلث " فلها التصرف به كيف شاءت، ~~وقوله بعد الوصية والدين، يحتمل معنا لا ينافي ذلك، وهو الأخير، إذ ليست ~~بظاهرة في غيره بحيث يكون حجة، فيجوز تصرفها في الفاضل أو مطلقا إلا أنها ~~تكون ضامنة بمعنى أنه # PageV00P650 # لو لم يصل الدين والوصية إلى أهلهما يكون لهما الرجوع عليها، وعلى سائر ~~الورثة الذين تصرفوا في المال، أو يبطل التصرفات فتكون موقوفة، وفيه تأمل، ~~ويمكن دعوى ظهور اخراجهما مقدمة [من الآية] ويؤيده الرواية. # وبالجملة المسألة مشكلة وقد فصل الأصحاب القول واختلفوا فيها حتى أنه وقع ~~الفتوى في القواعد في ثلاث مواضع كل واحد على خلاف الآخر، ولكن ذكروها في ~~الدين فقط، وما توجهوا إلى الوصية، والظاهر أن الحكم واحد لظاهر الآية، ms582 ~~فينبغي الرجوع إلى كلامهم، والبحث عنها هناك، ثم كون الوصية والدين من ~~الثلث أو من الأصل وباقي مسائلهما يعلم من محلهما من كتب الأصحاب ~~ورواياتهم، وظاهر الآية كونهما من الأصل، فتخصص الوصية بالإجماع والسنة ~~فتأمل. # واعلم أنهم قد اختلفوا في معنى " آباؤكم وأبنائكم لا تدرون أيهم أقرب لكم ~~نفعا " وليس من مقصود هذا التعليق بيانه، ويمكن أن يكون المعنى أن الذي ~~فعله تعالى في أمر الإرث هو مقتضى علمه وحكمته، فقرر للآباء كذا، وللأبناء ~~كذا، وما فوض الأمر إليكم وإلى علمكم، بأن من كان أقرب نفعا يعطى أكثر ~~والأقل أقل فإنكم ما تعرفون أيهما أقرب نفعا، والله هو العالم بالأقرب نفعا ~~أو أن مجرد كونهم آباءكم وأبناءكم كاف للإرث، وأما أن الأقرب نفعا يكون له ~~أكثر فأنتم ما تعرفون ذلك، أو أنتم ما تعرفون من هم؟ قال القاضي: لا تعلمون ~~من أنفع لكم ممن يرثكم من أصولكم وفروعكم، وعاجلكم وآجلكم، فتحروا فيهم ما ~~وصاكم الله فيه ولا تعمدوا إلى تفضيل بعض وحرمان بعض. # وقال في الكشاف: أي لا تدرون من أنفع لكم من آبائكم وأبنائكم الذين ~~يموتون أمن أوصى منهم أم من لم يوص؟ يعني أن من أوصى ببعض ماله فعرضكم ~~لثواب الآخرة بإمضاء وصيته فهو أقرب لكم نفعا من ترك الوصية، فوفر عليكم ~~عرض الدنيا، وجعل ثواب الآخرة أقرب وأحضر من عرض الدنيا، ذهابا إلى حقيقة ~~الأمر، ثم نقل أقاويل أخرى وقال: وليس شئ من هذه الأقاويل بملائم ~~PageV00P651 # للمعنى، لأن هذه الجملة اعتراضية ومن حق الاعتراض أن يؤكد ما اعترض بينه ~~وبين مناسبه، والقول ما تقدم فتأمل. # و " فريضة " مصدر فعل محذوف للتأكيد، أي يفرض الله عليكم ذلك المذكور ~~فريضة من عند الله، وقيل أو مصدر يوصيكم الله، فإنه بمعنى فرض الله عليكم، ~~فيه مسامحة فإنه مفعول مطلق من غير لفظ فعله. # الخامسة والسادسة: ولكم نصف ما ترك أزواجكم إن لم يكن لهن ولد فإن كان ~~لهن ولد فلكم الربع مما تركن من بعد وصية يوصين بها أو دين ms583 ولهن الربع مما ~~تركتم إن لم يكن لكم ولد فإن كان لكم ولد فلهن الثمن مما تركتم من بعد وصية ~~توصون بها أو دين وإن كان رجل يورث كلالة أو امرأة وله أخ أو أخت فلكل واحد ~~منهما السدس فإن كانوا أكثر من ذلك فهم شركاء في الثلث من بعد وصية يوصي ~~بها أو دين غير مضار وصية من الله والله عليم حليم (1). # الظاهر أنه يريد بالزوجة المعقود عليها بالعقد الدائم كما هو مذهب أكثر ~~الأصحاب وإن كان ظاهرها أعم للروايات وظاهرها ثبوت الربع والثمن للزوجة من ~~كل شئ تركه زوجها كالنصف والربع له مما تركت زوجته، لكن خصصت ببعض ما ترك ~~بإجماع الأصحاب ونصهم إلا أن لهم في تعيين ذلك خلافا لاختلاف رواياتهم ~~وتحقيق المسألة في الفروع تطلب هناك. # ومعلوم أن المراد أعم من كونها مدخولا بها أم لا، ومن الصغيرة والكبيرة ~~وكذا في جانب الزوج أيضا، وأن المراد بالولد أيضا هو الأعم من أن يكون من # PageV00P652 # الزوج الوارث أم لا، صغيرا كان أو كبيرا، ذكرا كان أو أنثى، بواسطة من ~~الابن أو الابنة، أو بلا واسطة، وأعم من الوارث وغيره أيضا ومعلوم أن ~~المراد أيضا بالنصف ونحوه هو نصف جميع ما ترك الميت فهو مؤيد لكون المراد ~~ذلك في ثلث الأم كما تقدم، و " رجل " اسم " كان " وهو الميت و " يورث " أي ~~منه صفة رجل و " كلالة " خبرها أو يورث خبر، أو كان تامة، وكلالة حال عن ~~ضمير يورث وقيل، يجوز أن يكون المراد بالرجل الوارث ويكون يورث من أورث وهو ~~بعيد (1) والمراد بالكلالة من ليس بوالد ولا ولد، وقيل أصلهما مصدر بمعنى ~~الكلال فاستعيرت لقرابة ليست بعصبة لأنها كلالة بالإضافة إليها، ثم وصف ~~الموروث أو الوارث بها بمعنى ذي كلالة كقولك فلان من قرابتي. # وقال في مجمع البيان: والمروي عن أئمتنا عليهم السلام أن الكلالة الأخوة ~~والأخوات، والمذكورة في هذه الآية من قبل الأم وفي آخر السورة من كان منهم ~~من قبل الأب والأم أو من قبل ms584 الأب. # " أو امرأة " عطف على رجل، وله راجع إلى رجل، وحذف حكم الامرأة لأنه يعلم ~~من الرجل، ويحتمل إرجاعه إلى أحد المذكورين أو الكلالة باعتبار أنه الميت ~~أو المورث وهو يدل على كون المراد بالرجل الميت كمنهما فافهم. # فلكل واحد من الأخ والأخت سدس ما ترك، فإن كانوا أي من يرث بالإخوة ~~والكلالة أكثر من أخ واحد أو أخت واحدة بأن يكونوا اثنين فصاعدا فلهم ثلث ~~ما ترك يتساوون فيه، ولا فضل بين المذكر والمؤنث. # قال في مجمع البيان: ولا خلاف بين الأمة أن الأخوة والأخوات من قبل # PageV00P653 # الأم يتساوون في الميراث وقد مر معنى " من بعد وصية " و " غير مضار " ~~كأنه حال من فاعل يوصي أو الوصية لأنه مصدر ويحتمل عن الوصية والدين أيضا ~~يعني أن الوصية والدين اللذين هما مقدمان على الإرث هما اللذان لا يكون ~~فيهما ضرر على الوارث مثل القصد بالوصية مجرد حرمان الوارث، فما قصد وصية ~~حقيقة والدين كذلك بأن يستدين دينا غير محتاج إليه فيضيعه للاضرار، أو يقر ~~بدين مع عدمه للاضرار فكل ذلك ليس بمقدم على الإرث إذا علم فيجوز عدم سماع ~~مثل هذه الوصية والدين. # قال في مجمع البيان: جاء في الحديث أن الضرار في الوصية من الكبائر فلعل ~~المراد الوصية بدين لا حقيقة له فيضيع أمواله، لئلا يصل إلى الوارث شئ وكذا ~~الوصية بما يضر وليس له حقيقة، وكذا الاقرار بأن عليه كذا أوليس له على أحد ~~شئ مع وجوده إضرار بالورثة، فتأمل، ويحتمل أن يراد تغيير الوصية وعدم العمل ~~بها " وصية " مصدر كفريضة " والله عليم " بمصالح عباده ولا يفعل بهم إلا ما ~~هو خير لهم من قسمة الميراث وتقديم الدين والوصية عليه، وعدم سماع الدين ~~والوصية المضرين " حليم " لا يعاجل العصاة بالعقوبة، بل يمن عليهم بالأنظار ~~والامهال. # السابعة: يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة إن امرؤا هلك ليس له ولد ~~وله أخت فلها نصف ما ترك وهو يرثها إن لم يكن لها ولد فإن كانتا اثنتين ~~فلهما الثلثان مما ترك ms585 وإن كانوا إخوة رجالا ونساء فللذكر مثل حظ الأنثيين ~~يبين الله لكم أن تضلوا والله بكل شئ عليم (1). # لما بين في فاتحة السورة بعض السهام وبقي البعض أراد في خاتمتها فقال " ~~يستفتونك " يا محمد أي يريدون منك بيان حكم الله في ميراث الكلالة وقد عرفت # PageV00P654 # معناها " قل الله يفتيكم " أي يبين لكم حكم ميراثها، قال في مجمع البيان ~~وهو اسم للإخوة والأخوات، وهو المروي عن أئمتنا عليهم السلام فإن مات امرء ~~أي رجل وليس له ولد مطلقا بواسطة أو بغيرها ذكرا كان أو أنثى كما هو ~~الظاهر، لأن الولد يطلق عليها لغة وعرفا كما مر في بيان السهام في أوائل ~~السورة، والظاهر أنه مقيد بعدم الوالد أيضا للإجماع ولأن الكلام في الكلالة ~~وهي من لا يكون والدا ولا ولدا " وله أخت " أي الأخت من الأب والأم أو للأب ~~فقط لأن حكم الأخت من الأم فقط قد مضى في أول السورة فللأخت الواحدة منهما ~~أو من الأب نصف ما ترك كالبنت، و الأخ أيضا يرثها إن لم يكن لها ولد مطلقا ~~وإن كانتا أختين فصاعدا كذلك فلهما الثلثان كالبنتين فصاعدا وإن كانت ~~الورثة إخوة بعضها رجال وبعضها نساء منهما أو من الأب فالمال بينهم الذكر ~~مثل حظ الأنثيين وظاهر الآية أن إرث الإخوة مشروط بعدم الولد أصلا ويؤيده ~~ما تقدم في أولها كما هو المقرر عند الأصحاب وهو مذهب ابن عباس وأهل البيت ~~عليهم السلام فلا ينظر إلى ما روي أن الإخوة مع البنات عصبة فلا يحجب البنت ~~الأخ لأنه خبر واحد مخالف لظاهر القرآن وإجماع علماء أهل البيت ورواياتهم ~~صلوات الله عليهم، فلا معنى للقول بالعصبة فيضعف قول القاضي في تفسير " إن ~~لم يكن لها ولد " ذكرا كان أو أنثى إن أريد بيرثها جميع مالها، وإلا ~~فالمراد به الذكر إذ البنت لا تحجب الأخ، وقريب منه كلام الكشاف فإن ظاهر ~~الآية عدم إرث الأخ مع البنت، فإنه شرط في الإرث مطلقا نفي الولد مطلقا، ~~وللزوم الاجمال وعدم فهم شئ وهو ms586 ظاهر، ويؤيده أن مفهوم الكلالة إن كان ~~المراد بها الميت كما هو الظاهر يدل على عدم إرث الإخوة مطلقا مع الولد ~~والوالد، وهو مقرر عندهم أيضا في الوالد، ويجب أن يخرج الأحكام من الآية لا ~~أن يطابق الآية بالأحكام التي قرروها بآرائهم فتأمل. # " يبين الله لكم " أحكام مواريثكم كراهة " أن تضلوا " بأن تخطئوا في ~~الحكم وقيل يبين الله لكم ضلالكم الذي من شأنكم إذا خليتم وطباعكم لتحترزوا ~~عنه وتتحروا PageV00P655 # واعلم أنه مع البيان ثم التأكيد بأنه يبين لعدم الضلال قد وقع الضلال ~~والله يهدي إلى الصواب. # و " امرء " مرفوع بفعل مقدر يفسره " هلك " لأن " أن " لا تدخل إلا على ~~الفعل، وهلك امرؤ فعل شرط، و " ليس له ولد " صفة لأمره ويحتمل الحال " وله ~~أخت " حال ويحتمل العطف فيكون صفة أيضا أو حالا " فلها نصف ما ترك " جزاء " ~~وهو " أي الامرئ " يرثها " أي الأخت مبتدأ وخبر جزاء مقدم، إذ يفهم منه ~~الجزاء لقوله " إن لم يكن لها ولد " وهو اسم " لم يكن " وخبره " لها " ~~ومرجع ضمير " كانوا " الظاهر أنه الورثة و " رجالا " صفة أو حال وكذا " ~~نساء " والجملة شرطية و " مثل " مبتدأ مضاف و " فللذكر " خبره، والجملة ~~جزاء " والله بكل شئ عليم " فهو عالم بمصالح العباد في الحياة والممات، ~~وتقسيم المواريث، فلا يفعل إلا ما هو أصلح بحالهم دينا ودنيا فتأمل. # الثامنة: " وإني خفت الموالي من ورائي " (1) أي خشيت عصبتي التي باقية ~~بعدي بأخذ إرثي و " كانت امرأتي عاقرا " لم تلد " فهب لي من لدنك " أي من ~~عندك " وليا " وارثا " يرثني ويرث من آل يعقوب " أيضا " واجعله " أي ذلك ~~الوارث " يا رب رضيا " راضيا مرضيا، ولم يكن مثل موالي الذين خفت منهم ~~فأنهم كانوا شرار بني إسرائيل كذا في الكشاف وفيه دلالة على توريث الأموال ~~كسائر الناس لأن المتبادر من الإرث هو ذلك فيكون حقيقة فيه فلا يصار إلى ~~غيره إلا مع الضرورة وليست، ولأن الموالي التي يخاف منهم لذنوبهم ما كانوا ~~يرثون النبوة لعدم صلاحيتهم لها، فإنهم كانوا شرارا فلم ms587 يجعلهم أنبياء ~~ولأنهم لو كانوا قابلين لها لما كان معنى للخشية منهم وطلب غيرهم لأن نبي ~~الله عالم بأن الله تعالى لم يعط النبوة إلا لمن يكون أهلا لهم ولأنهم لم ~~يكونوا رضيا. # ويؤيده آيات الإرث، فلا يصار إلى غيره ولم يثبت " نحن معاشر الأنبياء لا ~~نورث " فلا يمكن التخصيص به، على أنه لو سلم صحته ففي تخصيص القرآن ~~المتواتر بخبر واحد سيما إذا أنكره كثير ولم يروا إلا عن واحد، مع التهمة # PageV00P656 # نظر واضح، والمجوزون للتخصيص إنما يجوزونه بالخبر الصحيح المخلص الناص ~~لأنهم قالوا القرآن متواتر متنا وظني دلالة، والخبر ظني متنا يقيني دلالة ~~وأنت تعلم انتفاء ذلك كله هنا فتأمل فقول الكشاف والقاضي: والمراد بالإرث ~~إرث الشرع والعلم لأن الأنبياء لا يورثون المال باطل لما مر وهو ظاهر، وكيف ~~يتحقق إرث العلم والشرع وهو الانتقال من محل إلى آخر. # تذنيب وإذا حضر القسمة أولوا القربى واليتامى والمساكين فارزقوهم منه ~~وقولوا لهم قولا معروفا (1). # ظاهرها أنه خطاب للورثة التي قابلون له أي البلغ الرشد حال قسمة الميراث ~~وأمر لهم بإعطاء شئ من الإرث لأقاربهم التي لا إرث لهم إذا شهدوا وحضروا ~~القسمة وكذا لمطلق اليتامى والمساكين المستحقين للاعطاء فيعطيهم كل ذي قسمة ~~شيئا من قسمه، والظاهر نقص الجميع عن حصته ليبقى له شئ، وقد قيد اليتامى ~~والمساكين في مجمع البيان بالأقارب أيضا ووجهه غير ظاهر وظاهرها وجوب ذلك ~~لكن الظاهر أنه لا قائل الآن بوجوبه، ولهذا قيل إنها منسوخة بآيات قسمة ~~الإرث، ويحتمل كونه للندب، فتكون غير منسوخة ويؤيده قوله " وقولوا لهم قولا ~~معروفا " بأن تدعوا لهم بالرزق من الله مثل " الله يرزقكم " فيخير بين ~~الاعطاء والرد، و الأول أولى. # ويحتمل أن يقال معناه يعطون ويدعون ولا يستقلون ما يعطون، وهو أظهر ~~والحمل على الندب أولى من النسخ، ويمكن حملها على استحباب الطعمة عند ~~الأصحاب، وهو مشهور، ولكن قيدوه بشرائط لم يفهم منها، وقيل هذا الخطاب ~~للمريض بالوصية لهؤلاء بشئ، ولا يخفى بعده، وبالجملة الفتوى بظاهرها مشكل ~~لعدم القائل، ms588 وكذا حذفها وحملها على الطعمة لا يخلو عن بعد، والاحتياط ~~يقتضي العمل بظاهرها فتأمل. # PageV00P657 # * (كتاب الحدود) * وهو أقسام: # * (الأول) * * (حد الزنا) * وفيه آيات: # الأولى: واللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم فاستشهدوا عليهن أربعة منكم فإن ~~شهدوا فامسكوهن في البيوت حتى يتوفاهن الموت أو يجعل الله لهن سبيلا (1). # قيل: المراد بالفاحشة الزنا، وبالنساء الثيبات بقرينة اضافتهن إلى الرجال ~~وبالامساك منعهن عن الفاحشة، وقيل كان الامساك في البيوت حدهن ونسخ بآية ~~الجلد ويحتمل أن يكون المراد بها المساحقة والامساك المنع ويؤيده عدم ذكر ~~الرجل وتخصيص الحكم بالنساء وعدم لزوم النسخ وأنه سيذكر قولا في أن المراد ~~بالآية التي بعدها اللواط وذكر حكم الزانية والزاني في الثالثة، ليكون ~~الأولى مخصوصة بالساحقات والثانية باللواط، والثالثة تكون مشتركة كما قيل، ~~ولعل المضاف محذوف في قوله الموت أي ملك الموت، والمراد بجعل الله لهن ~~سبيلا بيان الحكم أو التوبة أو النكاح المغني عن السفاح، ولعل في الآية ~~إشارة إلى عدم الشهادة حتى يستشهدوا فيمكن استنباط عدم القبول حينئذ ولهذا ~~قال الفقهاء ترد شهادة المتبرع، وإلى كون عدد الشاهد في الفاحشة أربعة رجال ~~مسلمين، وفهم العدالة من موضع آخر. # PageV00P658 # الثانية: واللذان يأتيانها منكم فآذوهما فإن تابا وأصلحا فأعرضوا عنهما ~~إن الله كان توابا رحيما (1). # قيل المراد بهم الزانية والزاني، فالكناية الفاحشة والمراد الزنا، ~~وبالأذى التوبيخ والاستخفاف، ويمكن الأعم على الوجه المعتبر في باب النهي ~~عن المنكر أو الحد المقرر فلا يكون منسوخا، وقيل المراد به القتل الذي أقوى ~~أفراده فحمل عليه بقرائن، ويؤيده تثنية المذكر وما تقدم وهي تدل على وجوب ~~أذى فاعل الفاحشة ووجوب تركه بعد التوبة، وقبولها على الناس بل وعلى الله، ~~وكأن المراد بإصلاح العمل الاصرار على التوبة، بحيث يفهم أنه صلح حاله، ~~وعلى أنه ما لم يتب لم يسقط عنها الأذى والظاهر أنه لا يحتاج إلى أكثر من ~~التوبة التي يفهم استقرارها فإنه لا يجب شئ آخر لإسقاط الأذى بالإجماع، بل ~~بالآيات والأخبار، فهو مؤيد لكون العمل الصالح في الآيات الأخر بعد التوبة ~~بهذا ms589 المعنى فتأمل. # الثالثة: الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة ولا تأخذكم ~~بهما رأفة في دين الله إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر وليشهد عذابهما ~~طائفة من المؤمنين (2). # تركيبها ظاهر ومشهور، ومعناها وجوب الحد مائة جلدة على الحكام الشرعي ~~النبي والإمام عليهم السلام، وولاتهم بالإجماع المنقول، كل امرأة زنت وكل ~~رجل زنا والعموم مستفاد من الزاني والزانية، ومن قوله " كل واحد " عرفا ~~فافهم، ولكن مخصوص بالإجماع والأخبار بالحر والحرة غير المحصنين، فإن العبد ~~والأمة عليهما نصف الحد والمحصن والمحصنة يرجماه لا غيرهما، وفي الأمة آية ~~أيضا، وللاحصان شرائط مذكورة في الفروع. # PageV00P659 # فقول الكشاف: هما يدلان على الجنسين المتنافيين لجنسي العفيف والعفيفة ~~دلالة مطلقة، والجنسية قائمة في الكل والبعض جميعا، فأيهما قصد المتكلم فلا ~~عليه، كما يفعل بالاسم المشترك، غير جيد، وإن كان صحيحا في نفسه فتأمل. # والزنا معلوم وهو وطي المرأة قبلا أو دبرا بغير عقد ولا شبهة بل عمدا ~~عالما بالتحريم، وهي تدل على تحريم ترك الحد أو البعض منه كما أو كيفا رحمة ~~لهما بل مطلق الرحمة بأن يقال: مسكين عذبوه، وحصل له عذاب كثير، ونحو ذلك، ~~و بالجملة الرحمة في دين الله أي طاعته وحكمه بخلاف مقتضاه حرام بل يفهم ~~أنها تسلب الايمان بالله واليوم الآخر، يعني المؤمن بهما لا يفعل ذلك. # وتدل أيضا على وجوب إحضار طائفة ليشهد عذابهما ظاهره أنها غير المجلد بل ~~غير الحاكم أيضا قيل أقل الطائفة ثلاثة، وقيل اثنان، وقيل أربعة، وقيل ~~واحد، وهو منقول عن أبي جعفر عليه السلام وابن عباس ومجاهد وإبراهيم، كذا ~~في مجمع البيان وفي الكشاف: وعن ابن عباس أربعة، ثم قال: فضل قول ابن عباس ~~لأن الأربعة هي الجماعة التي بها ثبت هذا الحد وفي التفضيل تأمل. # * (الثاني) * * (حد القذف) * وفيه آية " والذين يرمون المحصنات " (1) أي ~~يقذفون العفيفات من الزنا غير مشهورات به، وإن كان القذف هو السب مطلقا، ~~وذلك قد يكون بغيره مثل يا آكل الربا يا شارب الخمر، والذي يدل على ذلك ~~لفظة المحصنات، ms590 وكون الشهود أربعة وسوق الكلام، والقذف بالزنا مثل أن يقال ~~يا زانية وظاهر " الذين " شامل للحر والعبد، والعاقل والمجنون، والبالغ ~~والصبي، والمسلم وغيره، ولكن قيد بالعقل والبلوغ كأنه للإجماع ولعدم ~~التكليف، وبعضهم قيد بالحر أيضا وليس بواضح # PageV00P660 # وظاهر المحصنات شامل أيضا للأمة والصبية، وغير المسلمة والمجنونة، ولكن ~~الظاهر أنها قيدت بعدمها للإجماع وغيره، وأيضا إن المذكر في الذين غلب ~~كالتأنيث في المحصنات، فلو قذفت امرأة أو قذف رجل محصن به يكون الحكم كذلك ~~بالإجماع المنقول في مجمع البيان، وغيره. # " ولم يأتوا بأربعة شهداء " للشهود المسقط لحد القذف شروط مذكورة في ~~محله، مثل كونهم مجتمعين في الدخول للشهادة، وغير الزوج على الخلاف " ~~فاجلدوهم ثمانين جلدة " خبر الذين بتأويل، وهو متضمن لمعنى الشرط فصح دخول ~~الفاء في خبره وكذا " ولا تقبلوا لهم شهادة " أي لا تقبلوا للرامين ~~المذكورين الذين لم يأتوا بالشهود المسقطة للحد شهادتهم " أبدا " دائما ~~أصلا في أمر من الأمور جلدوا أم لا، فتعليق الرد باستيفاء الحد كما هو مذهب ~~أبي حنيفة غير جيد لأنه خلاف الآية ولوجود الفسق لقوله تعالى " وأولئك هم ~~الفاسقون " فإن ظاهره أن الرمي مع عدم الاشهاد فسق حد أم لا، والظاهر أن ~~ليس أولئك الخ خبرا آخر للذين لتغيير الأسلوب، فإن الأنسب حينئذ وأفسقوهم ~~أي احكموا عليهم بالفسق، واعملوا معهم معاملة الفساق فهو حكم عليهم بذلك، ~~وإن كان مقتضى السوق أن يكون هو أيضا خبرا، ويمكن كونه كذلك ولكن غير ~~الأسلوب للتفنن وغيره. # وبالجملة لا إشكال في ترتب هذه الأمور الثلاثة: وجوب الحد ورد الشهادة ~~والفسق على القذف مع عدم الاشهاد على الوجه المعتبر، إنما الاشكال في متعلق ~~الاستثناء في قوله " إلا الذين تابوا من بعد ذلك وأصلحوا فإن الله غفور ~~رحيم " أي ندموا عما قالوا من الرمي بل غيره أيضا على القول بعدم قبول ~~التوبة إلا عن جميع المناهي وعزموا على عدم العود. # قالوا المراد بالتوبة هنا إكذاب نفسه عما رمى، والتوبة ظاهرة، ولكن إصلاح ~~العمل الذي مذكور دايما بعد التوبة إما بهذا القول ms591 أو بقول وعمل صالح غير ~~واضح، وليس بمفسر أيضا بأمر واضح، وقيل هو البقاء على التوبة، ولكن ما عين ~~حد البقاء وظاهره الاتيان بعمل صالح أي عمل كان، ويحتمل أن يكون تأكيدا ~~PageV00P661 # للتوبة وتقريرا لها، والإصرار عليها، فالعمل الصالح والاصلاح هو الاصرار ~~عليها كما مر من قبل فتذكر وقاعدة الأصول تقتضي تعلق " إلا " بالجملة ~~الأخيرة على ما رجحناه في الأصول، فيكون " الذين " في محل النصب بأنه ~~مستثنى عن أولئك لعدم الفسق حينئذ أي كلهم فاسقون إلا التائب. # ولكن الظاهر أن الشهادة أيضا تقبل بعد التوبة، وإن لم يكن هنا المستثنى ~~متعلقا به من جهة القاعدة، ومن جهة أنه يلزم أن يكون المستثنى المختار الجر ~~بالبدلية، ولم يصح أن يكون في حالة واحدة معربا باعرابين موافقين فكيف ~~بمخالفين وما نقل في مجمع البيان من كون رجوع الاستثناء إلى الجملتين قول ~~أبي جعفر و أبي عبد الله عليهما السلام، ليس معناه الرجوع بحسب التركيب ~~واللفظ بل بحسب المعنى والمسألة ويجوز أن يكون متعلقا بهما هنا بخصوصه ~~للنص، والعلم يكون الحكم كذلك ويتكلف في صحة اللفظ بأن يكون قبل هذا ~~الاستثناء استثناء آخر راجع إلى الأول محذوف بقرينة المذكور أو يكون منصوبا ~~والمختار إنما يكون فيما لا محذور فيه تأمل. # واعلم أن من جملة أدلة تعلق القيد بالأخيرة لزوم ورود عاملين على معمول ~~واحد، على تقدير تعلقه بأكثر فتأمل، وأن هنا تغير الأسلوب أيضا يدل على قطع ~~" أولئك " عما قبله فيكون الاستثناء له فقط فتأمل وأما عدم تعلقه بفاجلدوا ~~فظاهر فإن التوبة لم تسقط الحد الذي هو حق الناس، ويؤيده تعليقه بهما ~~بالمعنى المتقدم أن الكافر إذا تاب تقبل توبته، وليس القذف بأعظم منه، بل ~~معلوم أنه أسهل وأيضا الزاني إذا تاب تقبل توبته، فالقاذف بالطريق الأولى ~~فإنه أسهل ذنبا فإن الرمي بالفاحشة أسهل من فعلها وهو ظاهر، وأيضا الكافر ~~إذا رمى وفعل غيره أيضا من أنواع المحرمات تقبل توبته، فالتائب هنا بالطريق ~~الأولى، وقد ادعي في الأولين الاجماع في مجمع البيان وفي ms592 الآخر في الكشاف، ~~ثم قال وروي عن أبي جعفر عليه السلام أنه يجلد القاذف وعليه ثيابه، ويجلد ~~الرجل قائما والمرأة قاعدة. # ومن شرط توبة القاذف أن يكذب نفسه فيما قاله، فإن لم يفعل ذلك لم يجب ~~قبول PageV00P662 # شهادته وفيه تأمل، إذ قد يكون صادقا فكيف يكذب نفسه، فكأنه للرواية فيوري ~~للنص ثم قال: وردت في النساء وحكم الرجال حكمهن في ذلك بالإجماع، وإذا كان ~~القاذف عبدا أو أمة فالحد أربعون جلدة عند أكثر الفقهاء، وروى أصحابنا أن ~~الحد ثمانون في الحر والعبد سواء، وظاهر الآية يقتضي ذلك، ولا شك في ذلك لو ~~لم يكن معارض وهو ظاهر. # * (الثالث) * * (حد السرقة) * وفيه آيتان: # الأولى: والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاء بما كسبا نكالا من الله ~~والله عزيز حكيم (1). # أي الذي سرق، والتي سرقت، فصح دخول الفاء في الخبر، أي فمقول في حقهما ~~ذلك، فالانشائية خبر بالتأويل، و " جزا - نكالا " منصوبان على المفعول له، ~~أو المصدر، ودل على فعلهما " فاقطعوا " والظاهر الأول وفي ذكر السارقة ~~صريحا مبالغة في القطع " والله عزيز حكيم " قادر على الانتقام ويعاقب ~~بحكمته في الدنيا والآخرة. # " فمن تاب " من السرقة " من بعد ظلمه " أي سرقته " وأصلح " أمره كأنه ~~كناية عن البقاء على التوبة أو العمل الصالح وإصلاح العمل، كما ورد في بعض ~~الآيات الأخر، ولكن فسروها أيضا بالبقاء أو بعبادة أخرى غير التوبة بعدها، ~~و يحتمل أن يكون كناية عن استقرارها والجد في الندامة والعزم عليها، لعدم ~~وجوب غير التوبة لقبول التوبة للأصل، بل الاجماع، والآيات والأخبار " فإن ~~الله يتوب # PageV00P663 # عليه " يقبل توبته تفضلا لقوله " إن الله غفور رحيم " فلا ينافي في وجوبه ~~للوعد، بل يدل على وجوبه كما مر. فإن الله تعالى لا يعذبه في الآخرة ~~بالسرقة، وإن كان المال في ذمته فيعاقب بحق الناس. # أما العذاب في الدنيا يعني القطع فظاهر الآية السقوط لعموم قوله " فمن ~~تاب " الآية فإن ظاهرها عدم تعذيبه تعالى إياه أصلا، ولا شك أن قطع اليد ~~تعذيب ولكن لا شك أن هذا القطع ms593 فيه حق الناس ولهذا لو عفى عنه قبل الاثبات ~~وقبل المحاكمة يسقط وحق الناس لا يسقط بالتوبة، ويمكن السقوط لو تاب قبل ~~الاثبات والظفر، وعدمه بعده، على ما قالوه كأنه للأخبار والاجماع ويؤيده ~~أنه ليس بأعظم من المحارب، مع أن في حد المحارب أيضا شائبة حق الناس. # واعلم أن للقطع بالسرقة شرائط مذكورة في الفروع، مستخرجة من الأخبار ~~وإجماع الأمة، وأن محل القطع من أصول الأصابع عند الطائفة الإمامية، وعند ~~غيرهم من الزند فتأمل، ثم يفهم من الآية التي بعدها أن سماع الكذب حرام إما ~~بمعنى مجرد الاستماع، أو إجابته وقبوله، من قولنا سمع الله لمن حمده أي ~~أجاب. # * (الرابع) * * (حد المحارب) * وفيه أيضا آيتان: # " إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله " (1) قيل: يحاربون أولياء الله ~~وأولياء رسوله، وهم المسلمون، جعل محاربتهم محاربتهما، أو المراد محاربتهما ~~باعتبار عدم سماع النهي عن المحاربة فيحاربون من نهى عن محاربته، فكأنهم ~~حاربوا الناهي فالمراد قطاع الطريق وقد عرف المحارب في الفروع بأنه من شهر ~~السلاح لإخافة المسلم في البر والبحر والبلدان وغيرها، والظاهر أن المراد ~~من شهره ليخوفه من القتل بقصد أخذ ماله غيلة وجهرا بحيث لو لم يخف ولو يترك ~~المال له لقتله وأخذ ماله، لا كل من شهر السلاح للإخافة فيدخل فيه كل مخوف ~~غيره بشهر السلاح # PageV00P664 # وقالوا أيضا: السلاح أعم من المحدد وغيره، فيدخل فيه العصا. # " ويسعون في الأرض فسادا " كأنه بيان لتحقق معنى المحاربة، وتأكيد لثبوت ~~حقيقته و " فسادا " يحتمل كونه علة ومصدرا أيضا بغير لفظه، لأن السعي في ~~الأرض للمحاربة فساد فكأنه قيل: ويفسدون في الأرض فسادا، وفيه أيضا إشارة ~~إلى أن الفساد موجب لجواز القتل. # " أن يقتلوا " خبر " جزاء " أي يقتلون قصاصا أو حدا على تقدير العفو من ~~غير صلب إن اقتصروا على قتل النفس " أو يصلبوا " معه إن قتلوا وأخذوا ~~المال، قيل الصلب بعد القتل، وقيل: القتل بالصلب، والأخير أظهر من الآية " ~~أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف " ويتركوا حتى يموتوا قيل اليد اليمنى ~~والرجل اليسرى إن ms594 أخذوا المال ولم يقتلوا، فيها إجمال من جهة موضع القطع ~~منهما، وأن المراد الرجل اليمنى واليد اليسرى أو العكس، والظاهر جواز ما ~~يصدق، وعدم التعدي إلى ما لا يتحقق دليله. # " أو ينفوا من الأرض " أي من بلد إلى بلد، بحيث لا يمكنوهم من القرار في ~~بلد، ولا يطعمونهم إن اقتصروا على الإخافة، والآية محمولة على هذا التفصيل ~~وقيل للتخيير يعني الإمام مخير بين جميع المذكورات في كل محارب، وهو الظاهر ~~من الآية، وأحكام المحارب مذكورة في الفروع بتفاصيلها، ولما كان الحكم إلى ~~الإمام عليه السلام ما كان تحقيقها من وظائفنا، ولهذا تركنا أكثر ما يتعلق ~~به عليه السلام لأن الغرض معرفة ما يجب علينا ونحن عاجزون منه فلا نتعدى ~~إلى غيره " ذلك لهم خزي في الدنيا " وفضيحة " ولهم في الآخرة عذاب عظيم " ~~لعظم ذنوبهم. # " إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم " معلوم أن الساقط بالتوبة ~~إنما هو الحد الذي هو حق الله، لا حقوق الناس، مثل القتل قصاصا ويؤيده " ~~فاعلموا أن الله غفور رحيم " فالقتل الواجب حدا يسقط، ويبقى الجايز قصاصا ~~وقيد التوبة بقبل القدرة فلو قدروا عليهم ثم تابوا لم يسقط عنهم شئ من ~~الحدود وحقوق الله في الدنيا، وأما الذنب في الآخرة فيسقط بالتوبة مطلقا في ~~حقوقه تعالى. PageV00P665 # * (كتاب الجنايات) * وفيه آيات: # الأولى: " من أجل ذلك كتبنا علي بني إسرائيل " (1) أي بسبب قتل قابيل ~~هابيل قضينا علي بني إسرائيل وبينا لهم حتى يعلموا ولم يقع منهم مثل ما وقع ~~منه " أنه من قتل نفسا بغير نفس " أي بغير قتل نفس يوجب القصاص " أو " بغير ~~" فساد في الأرض " قيل كالشرك وقطع الطريق أو إشارة إلى أن أحدهما كاف ~~لجواز القتل وأن في التحريم لا بد من نفيهما، والظاهر من الفساد أعم فيدل ~~على إباحة القتل للفساد، ويدل على جوازه لمطلق الفتنة أيضا قوله تعالى " ~~والفتنة أشد من القتل " (2) ولكن الفتنة والفساد مجملتان غير واضحتين نعم، ~~الظاهر أن ما يوجب القتل حدا داخل فيه، مثل اللواط وزنى المحصن، ونحو ms595 ذلك ~~ولو وجد القائل بقتل من يوقع الفتنة والفساد بين المسلمين، بأن يفعل ما ~~يوجب قتلهم ظلما، مثل الذي يسعى في استحقاق قتل المؤمن، بأنه رافضي وسباب ~~وليس كذلك، ويجعل فتنة كبيرة لكان حسنا والله أعلم. # " فكأنما قتل الناس جميعا " من حيث إنه هتك حرمة الدماء وسن القتل، و جرئ ~~الناس عليه، أو من حيث إن قتل الواحد والجميع سواء في استجلاب غضب الله ~~تعالى والعذاب العظيم. # " ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا " أي ومن تسبب لبقاء حياتها بعفو ~~عن قصاص، ومنع عن القتل، أو استنقاذ عن بعض أسبابه، مثل الحرق والغرق ~~فكأنما فعل ذلك بجميع الناس، والمقصود منه تعظيم قتل النفس وإحيائها. أو ~~يكون إشارة إلى التودد ومحبة بعض إلى بعض كما أشير إليه في الأخبار بأن قتل ~~واحد بمنزلة الباقي كله فيتألم له جميع ذلك، فإن ضرب واحد ضرب الكل، وإذا ~~حصل نفع وفرح لواحد # PageV00P666 # فيكون ذلك للكل، فينبغي رفع الحسد والبغض، والنظر إلى نفع الكل، و ~~الاجتناب عن تضررهم والتألم لهم، إلا على وجه شرعي من حد وتعزير. # ففيها إشارة إلى منع الحسد، وجميع المفاسد، والضرر، وقصد جميع الخير ~~بالنسبة إلى نفسه وغيره، من قريب وبعيد، واحتساب أن نفع الغير نفعه، وكذا ~~ضرره وإذا عمل الانسان ذلك لم يقع فساد أصلا. # الثانية: يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى الحر بالحر ~~والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى (1). # أي فرض وأوجب عليكم التعويض فيمن قتل منكم بأن يفعل بالقاتل منكم عمدا ما ~~فعل بالمقتول، بمعنى أن ليس له أن يأبى عن ذلك بل يسلم نفسه لو أراد ذلك ~~صاحب الحق، فلا ينافيه جواز أخذ الدية والعفو من غير شئ، فإنه إحسان وما ~~على المحسنين من سبيل، كما يبرأ ذمة من عليه الحق كما يفهم من الآية ~~والأخبار ولا عدم جواز القتل في غير العمد لأن المراد هنا العمد بالإجماع، ~~وأدلة أخرى، فيجب على الحر أن يسلم نفسه للقتل إن قتل حرا عمدا، وكذا العبد ~~والأنثى، سواء كانت أمة ms596 أو حرة قال في مجمع البيان: أما من يتولى القصاص ~~فهو إمام المسلمين وهذا خلاف ما عليه أكثر الأصحاب فإنه القائل به والشيخ ~~في المبسوط والعلامة في القواعد، مع أنهما أيضا في غيرهما على عدم الاشتراط ~~ويدل عليه الأصل، و عموم الأخبار والآيات، وخصوص " فقد جعلنا لوليه سلطانا ~~" (2). # " فمن عفي له من أخيه شئ " قيل: المراد بمن القاتل، وبالأخ المقتول ~~وتسمية القاتل بأخ المقتول، تدل على عدم خروجه بالقتل عن إخوة الايمان ~~فالقاتل مؤمن ولم يخرج عنه بالقتل، فدل على عدم اعتبار ترك المعاصي حتى قتل ~~المؤمن في الايمان، وقيل المراد بالأخ العافي الذي هو ولي الدم سماه الله ~~أخا للقاتل ليشفق عليه بأن يقبل الدية أو يعفو بالكلية، أو لا يقتله على ~~طريق المشقة ولا يبغضه # PageV00P667 # فيفهم كمال الاهتمام بأخوة الايمان. # قال في الكشاف وتفسير القاضي ومجمع البيان وفي قوله " شئ " دليل على أن ~~بعض الأولياء إذا عفى سقط القود، لأن شيئا من الدم قد بطل بعفو البعض والله ~~تعالى قال " فمن عفي له من أخيه شئ " الآية والضمير في " له " و " في أخيه ~~" كلاهما يرجعان إلى " من " وهو القاتل أي من ترك له القتل ورضي عنه ~~بالدية، هذا قول أكثر المفسرين قالوا العفو أن يقبل الدية في قتل العمد، ~~ولم يذكر سبحانه العافي لكنه معلوم أن المراد به من له القصاص المطالبة وهو ~~ولي الدم. # وأنت تعلم أن عفو بعض الورثة لا يسقط القود الثابت لباقي الورثة على ما ~~هو في كتب الأصحاب وادعى الاجماع عليه الشهيد الثاني في شرح الشرايع ولا ~~دلالة في الآية عليه، إذ معناها الله يعلم أن ليس من العافي إلا الاتباع، ~~ومن المعفو له إلا الأداء بالإحسان، ولا يفهم منه حكم غير العافي، فما كان ~~له باق غير ساقط وهو ظاهر وقال في الكشاف والقاضي أن عفى الشئ بمعنى تركه، ~~حتى يكون شئ مفعولا به له، لما جاء في اللغة، إذ لا يقال عفاه بل أعفاه فهو ~~لازم، فالمعنى من عفي له من ms597 جهة أخيه شئ من العفو، فالشئ مفعول مطلق. # ثم قال في مجمع البيان: والقول الآخر أن المراد بقوله " فمن عفي له " ولي ~~الدم، والهاء في " له " و " أخيه " يرجع إليه، وتقديره فمن بذل له من أخيه ~~يعني أخ الولي، وهو المقتول الدية، ويكون العافي معطى المال ذكر ذلك عن ~~مالك ومن نصر هذا القول قال: إن لفظ شئ منكر، والقود معلوم، فلا يجوز ~~الكناية عنه بلفظ المنكر، إلى قوله وهذا ضعيف، والقول الأول أظهر وقد ذكرنا ~~القول في تنكير شئ هذا. # وقد عرفت أنه غير منطبق على كلام الأصحاب إذ المشهور عندهم جواز القود ~~للبعض مع رضا البعض بالدية والعفو فيؤدي حصص الباقين، نعم نقل في الاسقاط ~~رواية والعمل بها والقائل غير معلوم، ويحتمل أن يكون إشارة إلى أن كل العفو ~~وبعضه مساو في الحكم وهو اتباع بالمعروف، وأداء إليه بإحسان. PageV00P668 # وأيضا قال: وأما الذين لهم العفو عن القصاص فكل من يرث الدية إلا الزوج ~~والزوجة عند غير أصحابنا فلا يستثنونهما، وفيه أيضا تأمل إذ الزوج والزوجة ~~لا يرثان القصاص، ولعل ما فيه خلاف عندهم، نعم يرثان من الدية مع العفو ~~عليها فلا معنى لعفوهما عن القصاص، فكأنه يريد إرث الدية فتأمل. # " فاتباع بالمعروف وأداء إليه بإحسان " أي فعلى العافي اتباع بالمعروف أي ~~لا يشدد في الطلب وينظره إن كان معسرا ولا يطالبه بالزيادة على حقه، وعلى ~~المعفو له أداء إليه أي إلى الولي بإحسان، أي الدفع عند الامكان من غير مطل ~~وهو المروي عن أبي عبد الله عليه السلام، وقيل المراد فعلى المعفو عنه ~~الاتباع والأداء و " ذلك " إشارة إلى جميع ما تقدم " تخفيف من ربكم ورحمة " ~~معناه جعل القصاص والدية والعفو والتخيير بينهما تخفيف من الله ورحمة لكم، ~~قيل كان لأهل التوراة القصاص فقط، ولأهل الإنجيل العفو مطلقا. # " فمن اعتدى بعد ذلك " بأن قتل بعد قبول الدية والعفو، وهو المروي عن أبي ~~جعفر وأبي عبد الله عليهما السلام وقيل بأن قتل غير القاتل سواء قتله أيضا ~~أم لا، ms598 أو طلب أكثر مما وجب له من الدية، وقيل بأن يجاوز الحد بعد ما بين ~~له كيفية القصاص، وقال القاضي: يجب الحمل على الجميع للعموم " فله عذاب ~~أليم " في الآخرة كذا في المجمع والكشاف ويحتمل كون العذاب في الدنيا أيضا ~~بالقصاص وبالتعزير، وكذا يمكن حمل الاعتداء على الأعم من المذكورات، بأن لا ~~يتبع بالمعروف ولا يؤدي بالإحسان، أو لا يسلم القاتل نفسه للقصاص، وبالجملة ~~ومن تعدى عما شرع أعم من القاتل والمقتول وغيرهما، وعن أحكام القصاص وغيره ~~لعموم اللفظ. # فتركيب الآية أن القصاص مفعول قائم مقام فاعل كتب، والحر مبتدأ و خبره ~~بالحر متعلقا بمقدر، مثل يقتص، وكذا ما بعده، والمجموع بيان لكيفية القصاص، ~~أو يكون الحر فاعل فعل محذوف أي يقتص الحر وكذا الباقي و " من " في " فمن ~~عفي له من أخيه شئ " موصولة مبتدأ، والجملة صلته " وشئ " مفعول مطلق قائم ~~PageV00P669 # مقام فاعل " عفي " و " فاتباع " مبتدأ وخبره محذوف أي فعليه اتباع أو ~~فالواجب عليه اتباع، أو خبر مبتدأ محذوف أي فحكمه اتباع، أو فاعل فعل مقدر ~~أي فليكن اتباع والجملة خبر " من " والفاء يصح لتضمن المبتدأ معنى الشرط، و ~~الظاهر أن ضمير إليه راجع إلى " من " وهذا يدل على أن الاتباع والأداء ~~كلاهما حال المفعول له ووصف له، وهو ولي الدم كما مر في التأويل الأخير، ~~وعلى الأول يحتاج إلى التقدير أي فعلى عافي من عفي له اتباع وعليه أداء إلى ~~ذلك العافي فضمير إليه أيضا للعافي المعلوم من عفي وهو أيضا خلاف الظاهر، ~~وموجب للتفكيك ويكون " وأداء إليه " عطف الجملة على الجملة، لا عطف المفرد ~~على المفرد، وإن صح ذلك أيضا على الاجمال كما مر فتأمل. # و " ذلك " مبتدأ و " تخفيف " خبره و " رحمة " عطف على تخفيف و " فمن " ~~أيضا موصولة مبتدأ والجملة صلته، وعايده ضمير اعتدى و " عذاب " مبتدأ و " ~~أليم " صفته و " له " متعلق بمقدر خبره، والجملة خبر " من " وصحت الفاء ~~لتضمن معنى الشرط كما مر. # ثم اعلم أن ظاهر الآية الشريفة كون القصاص وحده ms599 هو موجب القتل، حيث اقتصر ~~عليه، والغير وهو الدية منفي بالأصل، وإن سلم أن الوجوب المستفاد من كتب ~~أعم من التخييري والعيني، وأنه ليس بمتبادر، وأن التخيير ليس بنسخ للواجب ~~العيني، مع وجود شرائطه، فهو متعين في الآية لأن وجوب القصاص منصوص والغير ~~منفي بالأصل، والتخيير ليس بنسخ له ولو وجد، لأنه كان ثابتا بأصل عدم ~~الغير، والنسخ إنما يكون لحكم شرعي فكأن هذا معنى احتجاج الحنفية بها على ~~أن مقتضى العمد هو القود، فلا يرد عليهم قول البيضاوي: وهو ضعيف إذ الواجب ~~على التخيير يصدق عليه، أنه وجب، وكتب. ولذلك قيل التخيير بين الواجب وغيره ~~ليس بنسخ لوجوبه. # وأن ظاهرها وجوب التماثل في القصاص، يعني إنما يجب القصاص إذا كان القاتل ~~والمقتول متساويين في الحرية والعبدية، والذكورة والأنوثة بمفهومها، و ~~PageV00P670 # أن قوله " الحر " الخ. بيان للقصاص الواجب فلا يكون غيره واجبا، وبما نقل ~~من سبب النزول: وهو أنه كان في الجاهلية بين حيين من أحياء العرب دما، وكان ~~لأحدهما طول على الآخر كأنه قوة وتسلط فأقسموا لنقتلن الحر منكم بالعبد منا ~~وكذلك الذكر بالأنثى، فلما جاء الاسلام تحاكموا إلى رسول الله صلى الله ~~عليه وآله فنزلت وأمرهم أن يتبوؤا. # فتدل على عدم جواز قتل الحر بالعبد وبالعكس، وهو ظاهر فقول البيضاوي أنها ~~لا تدل عليه، فإن المفهوم حيث لم يظهر للتخصيص غرض سوى اختصاص الحكم وقد ~~بينا ما كان الغرض كأنه إشارة إلى سبب النزول ومنع العرب مما أرادوا أن ~~يفعلوا محل تأمل إذ سبب النزول يدل على ذلك فإنهم أرادوا قتل الحر بالعبد ~~فمنعوا بالآية وأيضا قد يقال: لم يكف في حجية المفهوم عدم ظهور غرض سوى ~~اختصاص الحكم بل لا بد من ظهور عدم غرض سواه فإن دليل الحجية لزوم اللغو، ~~وذلك غير لازم إلا على الثاني لا الأول فتأمل، نعم يمكن أن يقال لم يظهر ~~كون ذلك بيانا، وعلى التقدير يكون منفيا بالأصل، لا بالآية، والمفهوم ليس ~~بمعتبر لأنه إما لقب أو صفة وما ثبت في ms600 الأصول اعتبارهما فارجع إليه. # وأما سبب النزول فالظاهر منه أن المقصود نفي تفاضل إحدى الحيين على الآخر ~~كما كان مرادهم، والمفهوم من قولهم " كان لأحدهما طول " ومن قولهم " لنقتلن ~~الحر منكم بعبد منا " وكذا من الذكر بالأنثى، وقولهم والاثنين بواحد كما ~~نقله في الكشاف بعد قوله بالأنثى - وقال في مجمع البيان وأقسموا لنقتلن ~~بالعبد منا الحر منهم وبالمرأة منا الرجل منهم، وبالرجل منهم الرجلين منا، ~~و الظاهر أن في الكتاب سقم والصحيح. وبالرجل منا الرجلين منهم (1) - وجعلوا ~~أيضا جراحاتهم على الضعف من جراحات أولئك حتى جاء الاسلام فأنزل الله ~~الآية، و يكون الغرض من ذكر الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى مجرد ~~نفي # PageV00P671 # تفاضلهم، والرد عليهم بأن لا يقتلوا اثنين بواحد، ولا حر غيرهم بعبدهم من ~~دون العكس، وهذا المقدار يكفي لاخراج المفهوم عن الحجية على تقديرها لأنه ~~ما صار التخصيص لغوا لو لم يكن فائدته نفي الحكم عن غير المذكور. # وبعد هذا كله فلا يبعد أن نقول المفهوم يدل على ذلك، وهو معتبر هنا في ~~الجملة لكن يفهم جواز قتل العبد بالحر بالطريق الأولى، وكذا قتل الأنثى ~~بالرجل ولما لم يكن على العبد سوى نفسه شئ فلا يؤخذ من مولاه شئ آخر غير ~~نفس العبد بخلاف المرأة فإنها تقتل بالرجل، ويمكن أن تؤخذ نصف الدية أيضا ~~لأنها نصف الرجل ويمكن عدم إثبات شئ سوى نفسها، وأما نفي قتل الحر بالعبد ~~فنقول أنه مفهوم من الآية، ونقول به، وأما قتل الرجل بالمرأة فيقول به ~~الأصحاب من دليل آخر وهو الأخبار بل إجماعهم فيخصص به مفهوم الآية، ~~وبالجملة المفهوم حجة ولكن يترك بأقوى منه وقد بيناه. # والحاصل أن العمدة في تفاصيل الأحكام الأخبار والاجماع، ومن هذا علم أنها ~~ليست بمنسوخة، وإن قلنا بمفهومها بقوله تعالى " النفس بالنفس " كما قاله في ~~الكشاف حيث قال: وعن سعيد بن المسيب والشعبي والنخعي وقتادة والثوري وهو ~~مذهب أبي حنيفة وأصحابه أنها منسوخة بقوله " النفس بالنفس " فالقصاص ثابت ~~بين العبد والحر، وبين الذكر والأنثى الخ فإنه ms601 لا يصح أما أولا فلأن النفس ~~بالنفس حكاية ما كان واجبا ومكتوبا في التوراة وليس بمعلوم ثبوت ذلك في ~~المسلمين، وأما ثانيا فلأنه لا عموم له بحيث ينسخ به شئ خاص، وأما ثالثا ~~فلأن المفهوم على تقدير حجيته دليل ضعيف فلا ينسخ به المنطوق إذ لا صلاحية ~~له للتعارض فهو ترك مفهوم بمنطوق إلا أن يثبت العمل بالمفهوم ثم ترك النفس ~~بالنفس، وأما رابعا فلأنه يمكن التخصيص وهو أولى من النسخ، وأما خامسا ~~فلأنه لا شك في بقاء بعض الأحكام في الآية فلا يصح الحكم بأنها منسوخة إلا ~~أن يريد نسخ المفهوم (1). # PageV00P672 # الثالثة: ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب لعلكم تتقون (1). # تدل على مشروعية القصاص ولمه. # الرابعة: " ولا تقتلوا النفس التي حرم الله " (2) نهى نهي تحريم عن قتل ~~الانسان ويمكن الأعم بغير سبب مبيح لذلك، مثل الارتداد والقصاص " إلا بالحق ~~" وهو السبب المبيح لذلك كما مر وأشار إلى بعض الأسباب المبيحة بقوله " ومن ~~قتل مظلوما " أي بغير سبب مبيح بل ظلما وعدوانا " فقد جعلنا لوليه سلطانا " ~~فقد جعل الله تعالى لولي المقتول الذي تقرر شرعا سلطنة وتسلطا على ذلك ~~القاتل في الاقتصاص منه ويحتمل أن يكون المراد بغير سبب مبيح، وإن لم يكن ~~عدوانا فقد جعل لوليه تسلطا على الأعواض فيشمل الخطأ وشبهه أيضا. # " فلا يسرف في القتل إنه كان منصورا " أي ولي الدم لا يتجاوز حد ما شرع ~~له من القتل، على وجه القصاص الذي شرع له في الشرع، فإنه لو تجاوز فقد جعل ~~من تعدى عليه منصورا بشرع التعويض له، مثل أن مثل الولي قاتل أبيه ثم أراد ~~قتله، فجعل الله القاتل منصورا بشرع القصاص في المثلة ثم القصاص ونحو ذلك، ~~و بالجملة لا يجوز له أن يتعدى الشرع بأن يقتل الاثنين بواحد وحرا بعبد ~~ومسلما بكافر، ولا يتجاوز في طريق القتل عما حد له، ويحتمل كون الضمير ~~للولي يعني حسبه إن الله تعالى قد نصره بأن أوجب له القصاص والتعويض، فلا ~~يستزد على ذلك، وبأن الله ms602 نصره بمعونة السلطان، وباظهار المؤمنين على ~~استيفاء الحق فلا يبغ ما وراء حقه، ويحتمل للمظلوم بأن الله ناصره حيث أوجب ~~القصاص بقتله، و ينصره في الآخرة بالثواب. # وهذه الآية كالصريحة في جواز استيفاء الحق من القصاص والدية مستقلا بغير ~~إذن الحاكم وثبوت عنده فقول البعض بعيد. # PageV00P673 # الخامسة: ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها وغضب الله عليه ~~ولعنه وأعد لهم عذابا عظيما (1). # أي قاصدا إلى قتله عالما بإيمانه وحرمة قتله وعصمة دمه، فيحتمل أن يكون ~~الخلود حينئذ كناية عن كثرة المدة ومقيدا بعدم العفو والتوبة أو مستحلا ~~لذلك، أو قاتلا لايمانه فيكون كافرا، فلا يحتاج إلى التأويل والأخير مروي ~~وقال في مجمع البيان وقيل معنى التعمد أن يقتل على دينه، رواه العياشي ~~بإسناده عن الصادق عليه السلام وظاهر الآية يدل على عدم الكفارة والدية ~~للمقابلة، ولكن ثبت كفارة الجمع بالاتفاق والأخبار، بل القصاص أيضا ولهذا ~~ذكرنا ها هنا وتفصيل أقسامه وتحقيق الكفارة في الفقه، وكذا تحقيق أن الحق ~~للوارث فقط أوله وللمقتول أيضا وأنه يفوت حق الوارث لو لم يصل إليه ومات ~~فيرجع إلى الأول كما نبه عليه المحقق الثاني على ما نقل عنه في تحقيق المال ~~ولا غرض مهمة يتعلق بتحقيق ذلك والظاهر أنه لهما، ولكن حق المقتول باق، وإن ~~سلم القاتل نفسه للقصاص اقتص أم لا، وبرئ من حق الوارث الله يعلم، وأيضا ~~على القاتل توبة ولكن لا بد فيها من الخروج عن حقوق الورثة وأيضا يجوز ~~العفو لله عنه وعن سائر العصاة إن شاء إلا المشرك " إن الله لا يغفر أن ~~يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء " فيعوض عن المقتول ووارثه حتى يرضوا ~~ويتجاوزوا عن حقوقهم. # والوعيد بالعقاب حق لله تعالى وتركه غير قبيح بل حسن كما أن توعد عبدك ~~بالضرب والقتل ثم مع القدرة تعفو عنه فإنه لا محالة يعد حسنا ما لم يتضمن ~~تضييع حق غيرك، ومفسدة أخرى، والوعيد مقيد بالمشيئة وعدم مشية الترك والعفو ~~وهو ظاهر. # السادسة: " وما كان لمؤمن " (1) أي ms603 ما صح وما استقام أو ما جاز له " أن ~~يقتل مؤمنا " بغير حق واستحقاق كالقصاص والحد لعلة من العلل أصلا " إلا خطأ ~~" # PageV00P674 # أي إلا لخطأ بأن قصد مثلا بسهمه صيدا فقتل به مؤمنا وبالجملة أن لا يقصد ~~القتل بفعله الذي ترتب عليه القتل ولم يكن يترتب عليه القتل فهو مفعول له، ~~أو في حال من الحالات إلا حال كونه خطأ فهو حال أو ظرف أو قتلا خطأ، فهو ~~صفة مفعول مطلق محذوف أو قتل خطأ فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه، ~~والاستثناء متصل على التقادير. # قال البيضاوي وقيل " ما كان " نفي في معنى النهي والاستثناء منقطع أي لكن ~~إن قتله خطأ فجزاؤه ما يذكر، ويحتمل حينئذ الاتصال أي يحرم قتل المؤمن ~~مطلقا إلا خطأ وفي الكشاف مفعول له أي ما ينبغي له أن يقتله لعلة من العلل ~~إلا للخطأ وحده، وفيه تأمل فإن معناه ينبغي قتل المؤمن خطأ. # قال في مجمع البيان: أجمع المحققون من النحويين على أن قوله " إلا خطأ " ~~استثناء منقطع من الأول على معنى ما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا البتة إلا أن ~~يخطأ المؤمن إلى قوله: فمعنى الآية على ما وصفناه ليس من صفة المؤمن أن ~~يقتل مؤمنا إلا خطأ وعلى هذا فالاستثناء متصل ومن قال منقطع قال قد تم ~~الكلام عند قوله أن يقتل مؤمنا ثم قال فإن كان القتل خطأ فحكمه كذا، وإنما ~~لم يحمل قوله " إلا خطأ " على حقيقة الاستثناء لأن ذلك يؤدي إلى الأمر بقتل ~~الخطأ أو إباحته ولا يجوز واحد منهما، والخطأ هو أن تريد شيئا فتصيب غيره ~~الخ وفيه تأمل. # " ومن قتل مؤمنا خطأ فتحرير رقبة مؤمنة " أي فيلزمه أو فعليه أو فالواجب ~~فهو إما فاعل أو مبتدأ خبره محذوف أو خبر مبتدأ محذوف، والمراد بالرقبة هو ~~الرق والمملوك مطلقا وتوصيفه بالمؤمن يخرج غيره كأنه الذي يطلق عليه في ~~الشرع ذلك ومن يكون بحكمه فلا يبعد إجزاء المولود من المؤمنين بل من مؤمن ~~وغيره أيضا لأنه بحكم المؤمن شرعا إلا ms604 على تقدير اشتراط البلوغ، والظاهر ~~أنه لا يشترط ولا فعل الصلاة والصوم، والمراد بالمؤمن هو المسلم عند ~~الجمهور، ويحتمل كونه بالمعنى الخاص عند الأصحاب وتمام تحقيقه في الفقه. # قال في مجمع البيان: الرقبة المؤمنة هي البالغة التي آمنت وصلت وصامت ~~PageV00P675 # لا يجزي في كفارة القتل الطفل ولا الكافر عن ابن عباس والشعبي وإبراهيم ~~والحسن وقتادة وقيل يجزي كل رقبة ولدت على الاسلام عن عطا والأول أقوى لأن ~~لفظ الرقبة لا يطلق إلا على البالغ الملتزم للفرائض إلا أن من ولد بين ~~مؤمنين فلا خلاف أنه يحكم له بالايمان. # وهذا الكلام يشم منه رائحة التنافي، وأن العمل شرط في صدق الايمان وأن ~~مراده بالمؤمن المسلم فتأمل فيه، والظاهر أن المراد بالمؤمن هنا من يصدق ~~عليه المسلم ولو حكما للأصل وللصدق لغة وعرفا عاما وشرعا ولقوله بعده " فإن ~~كان من قوم " الآية فيكفي المسلم البالغ مطلقا والحاصل من مسلم وإن كان أحد ~~أبويه كافرا كما هو مصرح في شرح الارشاد وغيره لما مر. # " ودية مسلمة إلى أهله " أي ويلزم بالقتل ويجب به حق آخر غير حق الله أي ~~عتق الرقبة، وهو دية يجب تسليمها إلى أهل المقتول ووارثه وهذا أولى من ~~تقدير " عليه " لقلة التأويل في اللزوم على العاقلة، فهو مؤيد لتقدير مثل ~~يلزم في الأول وظاهر الآية والعقل لزومها على القاتل إلا أن النص والاجماع ~~حملها على العاقلة وتفصيل مقدار الدية وأنه في كم يؤدي وأنها على العاقلة، ~~ومن العاقلة وأن من يرثها يطلب من الفقه. # " إلا أن يصدقوا " يعني إلا أن يتصدق أهل المقتول بالدية على من يجب عليه ~~من العاقلة استثناء من التسليم الواجب على كل حال الذي يدل عليه مسلمة ~~واللزوم المقدر الذي هو متعلق الدية فإن التقدير يلزم به الدية أو عليه كما ~~مر، فهو منصوب على الحال من الفاعل أو الأهل أو الظرف ويعلم منه إطلاق ~~التصدق على إبراء ما في الذمة وصحته به، والعفو فليس بمخصوص بالعين فيصدق ~~التصدق في العين والدين كما يدل عليه ms605 أيضا قوله تعالى " وأن تصدقوا خير لكم ~~" وما روي عنه صلى الله عليه وآله كل معروف صدقة، وقيل في التعبير بالتصدق ~~حث على العفو فإن ثواب التصدق كثير، ومعلوم ومعروف. PageV00P676 # " فإن كان من قوم عدو لكم وهو مؤمن " أي إن كان المقتول خطأ من جملة قوم ~~عدو لكم أي كفار مشركين لا عهد ولا ميثاق بينكم وبينهم، وهو في نفسه مسلم ~~ولم يعلم قاتله إسلامه فقتله وهو يظن أنه مشرك " فتحرير رقبة مؤمنة " ~~فاللازم إعتاق رقبة مؤمنة فقط، لا الدية أيضا للمقابلة فلا دية له لهذه ~~الآية، لا لأن ورثته كفار لا يرثون المسلم، إذ قد يكون له ورثة مسلمين، وقد ~~ثبت أنهم لا يعطون الدية مطلقا كما هو ظاهر الآية، ولأن الدية قد لا تكون ~~كالإرث، ولهذا يعطون إن كان من قوم بيننا وبينهم ميثاق مطلقا مع عدم الإرث. # قال في مجمع البيان: فعلى قاتله تحرير رقبة مؤمنة وليس فيه دية عن ابن ~~عباس، وقيل معناه إذا كان القتل في عداد قوم أعداء وهو مؤمن بين أظهرهم لم ~~يهاجر فمن قتله فلا دية له وعليه تحرير رقبة مؤمنة فقط، لأن الدية ميراث ~~وأهله كفار لا يرثونه عن ابن عباس في رواية أخرى وفيه تأمل لما مر. # وأما تفصيل الدية والرقبة وأنهما من ماله أو من بيت المال إذا كان في ~~الجهاد فمعلوم من الفقه كغيره من الأحكام فليطلب هناك " وإن كان " المقتول ~~" من قوم بينكم وبينهم ميثاق " أي عهد وذمة وليس بينكم وبينهم حرب " فدية ~~مسلمة إلى أهله وتحرير رقبة مؤمنة " تحرير الرقبة كفارة القتل والدية حق ~~للورثة والظاهر من سوق الكلام كون هذا القتل أيضا خطأ وأن ديته أيضا على ~~العاقلة لأهل المقتول مطلقا، والكفارة على نفسه، وقال في مجمع البيان: وهو ~~المروي عن الصادق عليه السلام وأن المراد كون هذا المقتول أيضا مؤمنا ولم ~~يعلمه القاتل وإلا لا وجه للكفارة. # قال في مجمع البيان قيل إنه كافر يلزم ديته بسبب العهد، وقيل مؤمن يلزم ~~قاتله الدية ويؤديها ms606 إلى قوم مشركين لأنهم أهل ذمة عن الحسن وإبراهيم ورواه ~~أصحابنا أيضا إلا أنهم قالوا نعطي ديته ورثته المسلمين دون الكفار وهو خلاف ~~ظاهر الآية فإن الظاهر أنه لا بد من الدية لأهل المقتول من كان وأيضا يلزم ~~عدم الدية على تقدير كون الأهل وهو أيضا خلاف ظاهر الآية إلا أن يقال: يكون ~~PageV00P677 # للإمام عليه السلام، وهو المراد بأهله حينئذ لأن المراد به الوارث وهو ~~الوارث على ما بين في محله فتأمل فيه، إلا أن يثبت رواية توجب العمل بها ~~فيتبين الآية بها، وإلا لعمل بظاهر الآية، وإن لزم كون حكم الدية غير حكم ~~الإرث، أو توريث الكافر من المسلم، ولعل المسألة إنما تقع مع حضور المعصوم، ~~وهو عارف بها، فلا يحتاج إلى كثرة البحث عنها فتأمل. # " فمن لم يجد " أي لم يقدر على تحرير الرقبة إما بأن لا يجد الرقبة ولا ~~ثمنها أو لم يجدها مع وجود ثمنها أو يجدها ولكن لم يجد ثمنها. فقول مجمع ~~البيان: بأن لا يجد العبد ولا ثمنه محل التأمل. # " فصيام شهرين متتابعين " فيجب صيام شهرين ظاهره أعم من الهلالي والعددي ~~وإن كان الأول أظهر، وأيضا ظاهره عدم تحقق التتابع إلا بتتابع الجميع ولكن ~~ذكر الأصحاب أنه يحصل بشهر ويوم من الثاني للرواية، ولعله لا خلاف عندهم ~~فيه، و كذا ظاهره وجوبهما على العبد أيضا فالتنصيف له لما مر، مع أنه قد ~~يقال العبد غير داخل في الآية، لأن الصوم بعد أن وجب عليه الاعتاق وعجز ولا ~~عتق عليه ويمكن أن يجاب بأنه قد يكون عليه العتق على القول بتملكه كما هو ~~الظاهر فيكون هذا مؤيدا له، أو بأنه يصدق عليه عدم وجدان الرقبة والعجز عن ~~الاعتاق فيدخل تحت الصوم، ولم يعلم اشتراط وجوب الصوم بامكان وجوب العتق، ~~ثم العجز وهو ظاهر، فتخصص الآية بما تقدم فتأمل. # " توبة من الله " قيل نصب على المصدر، أو على المفعول له، أي تاب الله ~~عليكم توبة بالكفارة أي قبل توبتكم، أو للتوبة أي شرع ذلك للتوبة، أي ms607 ~~لقبولها من تاب الله إذا قبل التوبة " من الله " صفة توبة، وفي المعنى تأمل ~~إذ لا ذنب في القتل خطأ فلا يحتاج إلى التوبة إلا أن يقال كان يمكن ~~الاحتراز [بالتحقيق] ولكنه ما كان مكلفا وكأنه لذلك قال في مجمع البيان قيل ~~المراد بالتوبة هنا التخفيف من الله لأنه سبحانه إنما جوز للقاتل العدول ~~إلى الصيام تخفيفا عليه، ويكون كقوله سبحانه " علم أن لن تحصوه فتاب عليكم ~~" فتأمل. PageV00P678 # " وكان الله عليما " أي لم يزل عالما بكل الأشياء فمنه حال القاتل وقصده ~~والمقتول وايمانه " حكيما " فيما يأمر به وينهى عنه مطلقا، وكان مخفيا ~~علينا في بعض المواد ومثل التوبة في هذا المقام، وإيجاب الكفارة والدية مع ~~عدم التكليف، و كذا إيجابها على العاقلة من غير مدخليتها فيريد الإشارة إلى ~~أنه إذا خفي عليكم الحكمة لا تحكموا بعدمها، أو عدم علم الحاكم فإنه كفر ~~نعوذ بالله، وخفاؤها لا يدل على نفيها فينبغي فيه التفكر ليصل، فإن لم يصل ~~يحكم بوجودها وعلم الحاكم بها، و عدم فهمه لنا، إما لعدم التفكر على ما ~~ينبغي أو وجود ما يمنع الفهم من الكدورات الظاهرية والباطنية، أو لحكمة ~~تكون في عدم الفهم الله يعلم. # السابعة: وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس والعين بالعين والأنف بالأنف ~~والأذن بالأذن والسن بالسن (1). # أي فرضنا عليهم في التوراة أن النفس تقتل بالنفس، إذا قتلها بغير حق، و ~~كذا العين تفقأ بالعين والأنف يجذم بالأنف، والأذن تقطع بالأذن، والسن يقلع ~~بالسن " والجروح قصاص " أي كل جرح ذي قصاص يثبت لصاحبه القصاص، كان المراد ~~غير ما ذكر أو أعم فليس من إجمال الحكم بعد تفصيله كما قاله القاضي ~~والمعلوم أن المراد جرح يمكن قصاصه، وإلا فالأرش والحكومة، وتفصيله في غير ~~هذا المحل. # " فمن تصدق به، فهو كفارة له " أي من تصدق بالقصاص بأن يعفو عنه مطلقا ~~فالتصدق كفارة للمتصدق يكفر الله به ذنوبه، ففيه أيضا دلالة على إطلاق ~~التصدق على الابراء والعفو والاسقاط، وعلى وقوع التكفير والآيات والأخبار ~~مملوة منه. # واعلم أن ms608 الظاهر أنه وقع الاجماع على وجود الحكم بعينه في شرعنا، كأنه ~~بمنزلة قوله كتبنا عليهم في التوراة كذا وكذلك عليكم هنا فهو موجود في أمة # PageV00P679 # محمد صلى الله عليه وآله بالآية، وإلا فلا شك في وجوده فيها بالأخبار ~~والاجماع فتأمل. # الثامنة: ولمن انتصر بعد ظلمه فأولئك ما عليهم من سبيل (1). # التاسعة: وجزاء سيئة سيئة مثلها فمن عفا وأصلح فأجره على الله إن الله لا ~~يحب الظالمين (2). # هما تدلان على جواز القصاص في النفس والطرف والجروح، بل جواز التعويض ~~مطلقا حتى ضرب المضروب، وشتم المشتوم، بمثل فعلهما، فيخرج ما لا يجوز ~~التعويض والقصاص فيه، مثل كسر العظام والجرح والضرب في محل الخوف والقذف ~~ونحو ذلك وبقي الباقي، وأيضا تدلان على جواز ذلك من غير إذن الحاكم ~~والاثبات عنده والشهود وغيرها، والأخيرة تدل على عدم التجاوز عما فعل به ~~وتحريم الظلم والتعدي وعلى حسن العفو وعدم الانتقام، وأنه موجب لأجر عظيم ~~حيث أضاف الأجر إلى الله فالذي يفعله إنما يكون شيئا عظيما لا يقدر عليه ~~غيره. # في الكشاف: عدة مبهمة لا يقاس أمرها في العظم إلى قوله: وعن النبي صلى ~~الله عليه وآله إذا كان يوم القيامة نادى مناد: من كان له على الله أجر ~~فليقم قال فيقوم خلق فيقال لهم ما أجركم على الله؟ فيقولون نحن الذين عفونا ~~عمن ظلمنا، فيقال لهم ادخلوا الجنة بإذن الله، والعقل أيضا يدل عليه ويدل ~~عليه آيات أخر مثل " ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ~~ولي حميم " الآية، ولقوله تعالى " ولمن صبر " على الظلم والأذى " وغفر " ~~ولم ينتصر وفوض أمره الله إلى الله " إن ذلك لمن عزم الأمور " " وإن عاقبتم ~~فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به ولئن صبرتم لهو خير للصابرين * واصبر وما صبرك ~~إلا بالله ولا تحزن عليهم ولا تك في ضيق مما يمكرون * إن الله مع الذين ~~اتقوا والذين هم محسنون " (3). # في الكشاف سمي الفعل الأول باسم الثاني للمزاوجة، قيل عليه الأولى # PageV00P680 # للمشاكلة بدل للمزاوجة، وكان مراده بها هنا المشاكلة ms609 والحق عدم الاحتياج ~~إلى عذر، لأن ما وقع على الثاني عقاب له ومؤلم، فسمي به لذلك، فهو مساو في ~~الأول والثاني وهو ظاهر كما هو معناه فإن المعنى: فإن أردتم معاقبة غيركم ~~على وجه المجازات والمكافات في النفس والطرف والمال، فعاقبوا بقدر ما ~~عوقبتم به ولا تزيدوا عليه ولا تجاوزوا عن المثل المحدود، من جميع الوجوه. # ومثل هذه الآية قوله تعالى " جزاء سيئة سيئة مثلها فمن عفا وأصلح فأجره ~~على الله إنه لا يحب الظالمين " (1) أي يبغضهم وهنا يمكن الاحتياج إلى ~~العذر لتسمية الجزاء سيئة مع أنه يمكن أن يقال المراد المعنى اللغوي وهو ~~حاصل بالنسبة إلى من يفعل به وباعتقاده، فلا يحتاج ههنا " وأصلح " هذه مثل ~~الذي بعد التوبة " وعمل صالحا " فيمكن أن يكون تأكيدا للعفو بأن يكون عفوا ~~حسنا مستديما غير ناكث له وعلى وجه حسن لا أذى معه ولا منة. # وفيهما دلالة على جواز أخذ الحق من القصاص وغيره، من إذن حاكم وشهود، فلا ~~يشترط الحاكم فيه كما قال به بعض ومنه المقاصة في محلها كما ذكره الأصحاب ~~وأن العفو وعدم المكافات أحسن وأولى وأكثر أجرا فينبغي اختياره إذ ليس في ~~المكافاة إلا تسلية النفس، وإطفاء حرارتها، بخلاف العفو فإن فيه أجرا عظيما ~~لا يعلمه إلا الله، فإنه أبهم وأسند إلى الله تعالى وهو ظاهر، وتحريم ~~التعدي والتجاوز عن الحد وظاهرهما عام في كل حق. # قال في مجمع البيان: إن الآية عامة في كل ظلم كغصب ونحوه فإنما يجازى ~~بمثل ما عمل " ولئن صبرتم " أي تركتم المكافاة والمجازات والقصاص وتجرعتم ~~مرارة الصبر " لهو خير " وأحسن لكم منها أيها الصابرون، وفيه إشارة إلى أن ~~أجر حسن العفو وثوابه يحصل أجر الصابرين أيضا الذي هو بغير حساب. لما مثلوا ~~قتلى أحد كحمزة بن عبد المطلب فشقوا بطنه، وأخذت هند بنت عتبة كبده، فجعلت ~~تلوكه وجذعوا أنفه وأذنه، وقطعوا مذاكيره، قال المسلمون لئن أمكننا الله ~~منهم # PageV00P681 # لنمثلن بالأحياء منهم فضلا عن الأموات، فنزلت وفي هذا السبب تأمل، وعلى ~~تقديره لا ms610 يخرج عن العموم كما هو المقرر فتأمل. # " واصبر " يا محمد فيما يبلغك من الكفار ودعوتهم وفيما تلقاه من الأذى ~~منهم، واصبر على ما يحث عليه من الطاعات وعلى ما يحث عنه من المعاصي ~~والقبايح " وما صبرك " وليس صبرك " إلا بالله " بتوفيقه وأمره وإقداره ~~وتيسيره، فلا يكون ضائعا بل موجبا للأجر العظيم " ولا تحزن " على المشركين ~~في إعراضهم عنك وعدم ايمانهم وبقائهم على الكفر الموجب لدخول النار وسخط ~~الله، وقيل: ولا تحزن على قتلى أحد حمزة وغيره فإنهم أدركوا القرب إلى الله ~~وثوابه وأجره والرتبة العظيمة عنده للشهادة " ولا تك في ضيق مما يمكرون " ~~أي ولا يك صدرك في ضيق مما يمكر بك وبأصحابك الكفار، فإن الله يرد كيدهم في ~~نحورهم ويجازيهم بأعمالهم. # " إن الله مع الذين اتقوا " أي إنه مع المتقين عن الشرك وسائر المعاصي ~~والفواحش والكبائر بالنصر والحفظ والكلاءة " و " مع " الذين هم محسنون " ~~قيل الاتقاء عن المعاصي والحسن فيما فرضه الله عليهم من الطاعات. # وفيها دلالة على أجر الصبر، وعدم الحزن على ما يصل إلى الكفار أو إلينا ~~منهم، والصبر على التقوى وحسنها، وحسن الاحسان وحسن حال المحسنين، وفي قوله ~~تعالى " ولا تزر وازرة وزر أخرى " دلالة على عدم جواز مؤاخذة أحد بذنب آخر ~~وأخذ شئ بسبب فعل شخص آخر إلا ما استثني بالنص والاجماع، مثل مؤاخذة ~~العاقلة بفعل غيرها. PageV00P682 # * (كتاب) * * (القضاء والشهادات) * وفيه آيات: # الأولى: وأن احكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم (1). # أمر له صلى الله عليه وآله بالحكم بين أحبار اليهود بما أنزل الله وعدم ~~متابعة هواهم فيجب علينا ذلك. # الثانية: " فلا وربك لا يؤمنون " (2) أي لا يزعموا أن الايمان يحصل بمجرد ~~اللسان مع المخالفة بالقلب وعدم الرضا بحكمه، إذا لم يوافق طباعهم، ~~والتحاكم إلى الطاغوت. أقسم بربك أنه ليس كذلك، إنهم لا يؤمنون حقيقة حق ~~الايمان " حتى يحكموك فيما شجر بينهم " حتى يجعلونك حاكما لا غيرك فيما وجد ~~بينهم من المخالفة في أمورهم، ثم إذا حكمت بينهم بشئ من الحق " لا يجدوا في ms611 ~~أنفسهم حرجا " ضيقا وشكا في أنه الحق " مما قضيت " مما حكمت به " ويسلموا ~~تسليما " وينقادوا لك انقيادا تاما من غير أن يشوبه شك وحرج وضيق خلق وعدم ~~رضا، فإن ذلك عدم الايمان. # ففي هذه الآية الشريفة كمال المبالغة في الرضا بالحق، وعدم إنكاره وعدم ~~التضجر به وأن ذلك مناف للايمان، وأنه ليس مخصوصا بحكمه صلى الله عليه وآله ~~بل الحكم الحق بل إنكار كل حكم عالم بحق أي عالم كان، هو نفس إنكار حكمه ~~صلى الله عليه وآله وهو ظاهر. # الثالثة: " ومن لم يحكم بما أنزل الله " (3) كان المراد مستهينا به. ~~ومنكرا له ومستخفا به " فأولئك هم الكافرون " لاستخفافهم بالشرع، وإنكارهم ~~الضروري # PageV00P683 # من الدين وبدون قيد " فأولئك هم الظالمون " لحكمهم بخلاف الحق " ~~والفاسقون " لخروجهم عن الشرع. # الرابعة: " وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل (1) " أمر الله تعالى ~~الحكام أن يحكموا بالعدل، فتدل على وجوب العدل بين الناس في الحكم صريحا. # الخامسة: إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله ~~ولا تكن للخائنين خصيما (2). # الخطاب لرسول الله صلى الله عليه وآله والكتاب هو القرآن " وبالحق " حال ~~متعلق بمتلبسا وبما أراك الله أي أعلمك الله إياه بالوحي، فهو من الرؤية ~~بمعنى العلم لا الرأي والقياس، فلا يدل على جواز القياس والاجتهاد له بل ~~يدل على نفيه، ويدل أيضا على عدم جواز معاونة المتخاصمين المتحاكمين، فيأخذ ~~جانب أحدهما ويصير خصما للآخر أو يعلمه ما يغلب به على خصمه، ونحو ذلك. # السادسة: فإن جاؤوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم (3). # كأنه تخيير للنبي صلى الله عليه وآله ولمن يقوم مقامه من الإمام والقاضي، ~~إن تحاكم إليهم الكفار، بين أن يحكموا بينهم بالعدل، الذي هو الحق في نفس ~~الأمر، وهو مقتضى الاسلام، وبين أن يعرضوا عنهم بأن يحيلوهم إلى حكامهم ~~يحكمون بينهم بمقتضى شرعهم إن كان في شرعهم فيه حكم كما ذكر أصحابنا. # قال القاضي: تخيير لرسول الله صلى الله عليه وآله إذا تحاكموا إليه بين ~~الحكم والاعراض ولهذا قيل: لو تحاكم الكتابيان ms612 إلى القاضي لم يجب عليه ~~الحكم وهو قول الشافعي والأصح وجوبه إذا كان المترافعان أو أحدهما ذميا ~~لأنا التزمنا الذب عنهم ودفع الظلم منهم، والآية ليست في أهل الذمة، وفيه ~~تأمل لأن ظاهر الآية في أهل الذمة # PageV00P684 # لقوله فيما سبق هذه " ومن الذين هادوا " الآية وما بعدها " وكيف يحكمونك ~~و عندهم التوراة " وأيضا الظاهر أن دفع الظلم واجب سواء التزمنا الذب أم لا ~~عن المسلم والكافر كتابيا كان أو غيره، وأيضا لا ظلم على ما حملناه عليه، ~~فلعل القول الأول للشافعي هو قول أصحابنا. # ويدل على نهي الحكام بل المكلف أن يخشوا غير الله في حكوماتهم، والأمر ~~بالمعروف والنهي عن المنكر ويداهنوا فيها فيترك ذلك خشية [ظلمهم ومراقبة ~~كبيرهم] قوله تعالى " ولا تخشوا الناس واخشون " (1) ولكن الظاهر أنه خرج ~~منه التقية في موضعها بإجماع الأصحاب وأخبارهم. # وأيضا نهى عن الرشوة قوله " ولا تشتروا " (2) أي لا تستبدلوا " بآياتي ~~ثمنا قليلا " وإن كان ملك الدنيا فإنه قليل بالنسبة إلى الآخرة. # السابعة: يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر ~~منكم فإن تنازعتم في شئ فردوه إلى الله وإلى الرسول إن كنتم تؤمنون بالله ~~واليوم الآخر (3). # لما أمر الله سبحانه وتعالى في الآية السابقة الحكام بأداء الأمانات إلى ~~أهلها منها الإمامة والخلافة إذا كانت بيد غير أهلها وبالحكم بالعدل بين ~~الناس، وعدم الظلم و الجور بقوله " إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى ~~أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل " الآية، أمر الناس والرعية ~~بأن يطيعوهم وينزلوا على قضاياهم وفي أولي الأمر خلاف قيل العلماء ~~والمجتهدون وقيل أمراء المسلمين والحكام، و إن كانوا جائرين، وذلك هو ~~المشهور بين أهل السنة، فهم يوجبون طاعة حكام الجور وإن كانوا فساقا غير ~~عدول، بل يكونون في غاية الفسق والفجور، ولا يشترطون غير الاسلام كما ~~يوجبون طاعة الله وطاعة رسوله. # PageV00P685 # وفيه نظر واضح وفسادها ظاهر، كيف يأمر الله بطاعة الفساق ويجعل طاعتهم ~~مثل طاعته وطاعة رسوله، مع أنه أمر أولا بأداء الأمانة، والحكم بالعدل، ms613 و ~~المباينة الكلية بينهم وبين الله ورسوله، ونهى عن سماع خبر الفاسق بقوله " ~~إن جاءكم فاسق بنبأ " الآية وأوجب مهاجرتهم في الآيات والأخبار والاجماع ~~وتوعد الظالم نار جهنم، وذمه كثيرا حتى قليلا ما يوجد صفحة في المصحف ~~الشريف خالية عنه، و يبالغ في ذلك حتى جعل الميل القليل إليه موجبا لمس ~~النار بقوله " ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار " مع اشتراط ~~العلماء العصمة في الأنبياء حال النبوة والعدالة في الشهود والحاكم والمفتي ~~في مسألة واحدة، بل في إمام الجماعة كما صرح به في الكشاف في تفسير قوله ~~تعالى " إني جاعلك للناس إماما " الآية ولأن حكام الجور كثيرون، فقد ~~يختلفون فمتابعة أيهم يجب ولأنه يجب على الرعية منعهم إذا ارتكبوا منكرا ~~وتركوا معروفا من باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فكيف تجب متابعتهم. # ولأن الذي يأمرون به إن كان مما أن يؤمر فلا خصوصية له بهم وإلا لم يجب ~~متابعتهم وهو ظاهر وبالجملة فساد هذا القول أوضح من أن يذكر. # قال في الكشاف: المراد بأولي الأمر منكم أمراء الحق لأن أمراء الجور الله ~~ورسوله بريئان منهم، فلا يعطفون على الله ورسوله وجوب الطاعة لهم، وإنما ~~يجمع بين الله ورسوله والأمراء الموافقين لهما في إيثار مر العدل واختيار ~~الحق و الأمر بهما والنهي عن أضدادهما إلى قوله وقد جنح أي جعل له جناح ~~الأمر بطاعة أولي الأمر مما لا يبقى معه شك وهو أن أمرهم أولا بأداء ~~الأمانات، وبالعدل في الحكم وأمرهم آخرا بالرجوع إلى الكتاب والسنة فيما ~~أشكل، وأمراء الجور لا يؤدون أمانة ولا يحكمون بالعدل ولا يردون شيئا إلى ~~كتاب ولا إلى سنة، وإنما يتبعون شهواتهم حيث ذهبت بهم، فهم منسلخون عن صفات ~~الذين هم أولي الأمر عند الله وعند رسوله، وأحق أسمائهم اللصوص المتغلبة. # وقد بالغ أيضا في ذم حكام الجور وعدم استحقاقهم الحكم، ووجوب الطاعة ~~PageV00P686 # في مواضع مثل تفسير قوله " لا ينال عهدي الظالمين " حتى نقل عن أبي حنيفة ~~أنه قال لو دعاني ظالم مثل اللص المتغلب ms614 المنصور الدوانقي إلى عد آجر لبناء ~~مسجد أراد بناءه لما أجبته، وهذا منقول في التهذيب عن الصادق عليه السلام. # وقال في مجمع البيان: أما أصحابنا فقد رووا عن الباقر عليه السلام أن ~~أولي الأمر الأئمة المعصومين وآل محمد أوجب الله طاعتهم بالاطلاق كما أوجب ~~طاعته وطاعة رسوله صلى الله عليه وآله، ولا يجوز أن يوجب الله طاعة أحد على ~~الاطلاق إلا من ثبت عصمته وعلم أن باطنه كظاهره، وأمن من الغلط والأمر ~~بالقبيح، وليس ذلك بحاصل في العلماء والأمراء وجل الله سبحانه وتعالى عن أن ~~يأمر بطاعة من يعصيه، أو بالانقياد للمختلفين بالقول والفعل. # والحاصل: بطلان غير هذا القول ظاهر، والدليل عليه من العقل والنقل ~~والأخبار خصوصا من طرق أهل البيت عليهم السلام كثيرة جدا ومما يؤيده أن ~~الله ما قرن بينه وبين الرسول للتفاوت العظيم، وقارن بين الرسول وأولي ~~الأمر للقرب، فلا بد أن يكون بينهما قربا ولا قرب بين الرسول وبين غير أهل ~~البيت عليهم السلام وهو ظاهر. # ثم اعلم أن في تعلق الرد إلى الله بالاختلاف ونحو ذلك مما يستفاد منه عدم ~~الرد والخلاف، وعدم خفاء الحق مع الاجتماع دلالة على حجية الاجماع، وهو ~~ظاهر ومسلم لدخول المعصوم فتأمل. # ثم أكد الله تعالى على الرعية التسليم لحكم الله ورسوله بقوله " ألم تر ~~إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك يريدون أن ~~يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به " (1) أي ألم تعلم يا محمد أو ~~ألم تعجب من صنع هؤلاء الذين يزعمون أنهم مؤمنون بما أنزل إليك من القرآن ~~وبما أنزل من قبلك من الكتب مثل التوراة والإنجيل، ومع ذلك يريدون التحاكم ~~إلى الطاغوت وقد أمرناهم أن يكفروا بها في قوله تعالى " فمن يكفر بالطاغوت ~~ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها " (2) يعني لا يمكن ~~زعم الايمان وإرادة التحاكم إلى الطاغوت # PageV00P687 # ففيه كمال المبالغة في المنافاة بين الايمان و [إرادة] التحاكم إلى ~~الطاغوت. # وقد اختلف في معنى الطاغوت قال في ms615 مجمع البيان وروى أصحابنا عن السيدين ~~الباقر والصادق عليهما السلام أن المعني بالطاغوت كل من يتحاكم إليه ممن ~~يحكم بغير الحق، ويريدون مفعول ثان لألم تر، ويحتمل كونه حالا " ولم تر " ~~بمعنى لم تنظر " وقد أمروا " جملة حالية فالآية دالة على تحريم التحاكم بل ~~كفره وكأنه يريد مع اعتقاد الحقية والعلم بتحريمه إلى حكام الجور الذين لا ~~يجوز لهم الحكم سواء كان جاهلا أو عالما وفاسقا، مؤمنا أو مخالفا يحكم له ~~أو عليه، أخذ أو لم يأخذ بل بمجرد التحاكم والحكم، سواء كان موافقا لنفس ~~الأمر أم لا، ويدل عليه الأخبار أيضا فليطلب من موضعه. # ولا يبعد كون أخذ الحق أو غيره بمعونة الظالم القادر يكون مثل التحاكم ~~إلى الطاغوت ولا يكون مخصوصا باثبات الحكم لوجود المعنى، وإن كانت الآية ~~مخصوصة به، وله مزيد قبح فإنه يرى أنه أخذ بأمر نائب الرسول صلى الله عليه ~~وآله وأنه حق [التحاكم] والظاهر أن تلك المبالغة مخصوصة به. # وقد استثنى أكثر الأصحاب من ذلك صورة التعذر بأن يكون الحق ثابتا بينه ~~وبين الله، ولا يمكن أخذه إلا بالتحاكم إلى الطاغوت وكأنه للشهرة، ودليل ~~العقل والرواية، ولكن الاحتياط في عدم ذلك للخلاف وعدم حجية الشهرة وعدم ~~استقلال العقل، وظهور الرواية، واحتمال اختصاص ذلك بعدم الحاكم بالحق مع ~~إمكان الاثبات لو كان، كا يشعر به بعض العبارات، وأما إذا كان الحاكم ~~موجودا بعيدا أو قريبا ولا يمكن الاثبات لعدم البينة ونحو ذلك، ويكون منكرا ~~فلا، وإلا انتفى فائدة التحاكم إلى الحق ونصب الحاكم، فيكون لكل ذي حق أن ~~يأخذ حقه على أي وجه أمكنه بنفسه، وبالظالم، وهو مشكل إذا كان المال أمرا ~~كليا غير معين، كيف يجوز أخذه من المدعي عليه، بغير رضاه، وبغير الثبوت ~~عليه شرعا نعم لو كان عينا موجودة يمكن جواز أخذها له إن أمكن بغير مفسدة ~~ويتحرى ما هو الأقل مفسدة فتأمل. PageV00P688 # وبالجملة لا يخرج عن ظاهر هذه الآية المحكمة إلا بمثلها في الحجية مع ~~زيادة المبالغة بقوله " ويريد الشيطان أن ms616 يضلهم " إشارة إلى أن إرادة ذلك ~~إرادة من الشيطان إضلالهم من الحق والهدى والايمان " ضلالا بعيدا " ثم ~~بقوله " و إذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول رأيت المنافقين ~~يصدون عنك صدودا " بأن هؤلاء منافقون، وليسوا بمؤمنين حقيقة، وأنهم إذا ~~أمروا بالعمل إلى ما أنزل الله وإلى الرسول تراهم يعرضون عنه وعن المصير ~~إليه، وعن العمل بما أمروا من متابعته إلى غيره مما هو موافق لطبعهم ~~ورأيهم. # ثم أكد ذلك بقوله " فكيف إذا أصابتهم مصيبة بما قدمت أيديهم ثم جاؤوك ~~يحلفون بالله إن أردنا إلا إحسانا وتوفيقا " أي فكيف صنع هؤلاء إذا نالتهم ~~نكبة و عقوبة من الموت وغيره، بسبب ما فعلوا من التحاكم إلى الطاغوت، ~~والنفاق وعدم الرضا بحكم النبي بينهم بالحق، ثم جاؤوا النبي يعتذرون إليه ~~ويقسمون بالله أنهم ما أرادوا بالتحاكم إلى الطاغوت إلا إحسانا إلى النبي ~~وهو التخفيف عنه، وعدم تصديعه برفع الصوت والخصومة عنده وإلا توفيقا بين ~~الخصمين بالتماس واسطة يصلح بيننا دون الأخذ بالحكم المر الحق. # " أولئك الذين يعلم الله ما في قلوبهم " من النفاق وعند ذلك " فأعرض عنهم ~~" ولا تعاقبهم بذلك النفاق والكذب بعد التحاكم " وعظهم " خوفهم من العقوبات ~~وعده هم بالثواب إن رجعوا وتابوا " وقل لهم في أنفسهم " خاليا بهم أو مؤثرا ~~في أنفسهم إن لم تعودوا تصبكم من المصائب أكثر وأعظم " قولا بليغا " ملائما ~~موافقا للمطلوب، يبلغ إلى أنفسهم ويؤثر فيها. # وفيها دلالة على نزول المصائب بالذنوب، والحث على استعمال حسن الخلق ~~والملايمة، وعدم الخشونة في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولو كان ~~الفاعل كافرا مثل قوله لموسى وهارون " وقولا له " أي لفرعون " قولا لينا ~~لعله يتذكر أو يخشى " فيفهم كمال المبالغة في استعمال حسن الخلق وعدم ~~الغلظة والغضب، ثم أشار فيما بعدها إلى أن الله تعالى ما يرسل رسولا إلا ~~ليطاع لا ليعصى، ومع العصيان PageV00P689 # لو رجعوا " واستغفروا الله واستغفر لهم الرسول لوجدوا الله توابا رحيما " ~~قابلا لتوبتهم وراحما لهم بعدم تعذيبهم بما صدر منهم. # ثم أكد الرضا ms617 بالحكم الحق المر وعدم الميل إلى غيره بقوله تعالى " فلا و ~~ربك " الآية. # الثانية عشر: يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا ~~قوما بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين (1). # الفسق الخروج عن الطاعة والحق ولعل المراد هنا ما يخرج به صاحبه عن ~~العدالة فيكون المراد الكبيرة، والنبأ الخبر، وتنكيرهما يدل على العموم أي ~~إذا جاءكم أيها المؤمنون أي فاسق كان بأي خبر كان، فتوقفوا فيه وتطلبوا ~~بيان الأمر وانكشاف الحق ولا تعتمدوا قول الفاسق ولا تعملوا به، فإن الفسق ~~مانع كراهة أن تصيبوا قوما جاهلين، فتقبلوا كلامهم، فتصيروا نادمين على ما ~~فعلتم من قبول قولهم. # فقد ظهر تركيبها ومعناها، ويمكن أن يستدل بمنطوقها على عدم جواز قبول خبر ~~الفاسق فلا يجوز أن يقال صادق ولا كاذب لفسقه، فخبر الواحد مقبول وبمفهومها ~~على قبول خبر غير الفاسق، فلا يشترط في قبول الخبر المروة و نحو ذلك من عدم ~~العداوة ولا التعدد والقرابة والصداقة وعدم التهمة إلا أن يثبت بدليل، ~~ويمكن أن يستدل أيضا على قبول خبر مع انضمام القرائن فيقبل الخبر المحفوف ~~بالقرائن وعلى عدم قبول مجهول الحال إن جوزت الواسطة بين الفاسق والعادل ~~كما هو الظاهر: بأنها تدل بظاهرها على أن الفسق مانع وعدمه شرط للقبول، فما ~~لم يعلم رفع المانع وتحقق وجود الشرط لا يعمل به وهو ظاهر، ولا يكفي أن ~~الأصل عدم الفسق وظاهر حال المسلم، وذلك لأنه معارض بأصل عدم فعل الطاعات، ~~وأن الوقوع كثير وعدمه أكثر فلا يبقى الاعتماد فتأمل. # PageV00P690 # وقد استدل في الأصول والتفاسير بمفهومها مثل القاضي بأن تعليق الأمر ~~بالتبيين على قول المخبر يقتضي جواز قبول قول العدل من حيث إن المعلق على ~~شئ عدم عند عدمه، وذلك فرع حجية المفهوم وفيه بحث في الأصول، وأنه بهذا ~~الوجه يدل على قبول خبر مجهول الحال أيضا وهو ظاهر فتأمل. # الثالثة عشر: " يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط " (1) أمر ~~سبحانه المؤمنين بمواظبتهم بالقسط أي العدل والجد والاجتهاد على إقامته " ~~شهداء لله ms618 " خبر ثان لكونوا، أو حال عن اسمها أي كونوا شهداء بالحق تقيمون ~~شهاداتكم لوجهه ومرضاته وامتثال أمره، ولا يكون منظورا لكم شئ سواء " ولو ~~على أنفسكم " أي ولو كانت الشهادة على أنفسكم بأن تقروا عليها لأن الشهادة ~~بيان الحق سواء كان الشاهد أو على غيره " أو الوالدين والأقربين " أي ولو ~~كانت عليهم " إن يكن " المشهود أو كل واحد منه ومن المشهود له " غنيا أو ~~فقيرا فالله أولى بهما " بالغني والفقير، وبالنظر في أمورهما ومعاشهما، فلو ~~لم يكن في الشهادة صلاح لهما لما شرعها لهما، فهو علة الجزاء أقيم مقامه ~~كما في قوله " فإن الله كان بما تعملون خبيرا ". # هكذا في تفسير القاضي والكشاف والظاهر أن ضمير " يكن " للمشهود عليه فقط ~~لعدم ذكر المشهود له، ودلالة السوق، والمقصود أنه لا بد من الشهادة إن كانت ~~بالحق ولا يجوز تركها لجر نفع نفسه والترحم والتعظيم للوالدين والأقربين ~~فغيرهم بالطريق الأولى، وملاحظة الفقر والغنى في أدائها، وأنه يشهد على ~~الثاني للغنا دون الأول فإنه وإن كان فقيرا فالله له كما هو للغني ولو كان ~~تركها أصلح له لم يكن يأمر بالشهادة عليه فلا فرق بين الغني والفقير، فإن ~~الضرر والنفع بيد الله فكما هي تصلح على الغني تصلح على الفقير أيضا لأن ~~غناه الأول من الله، فالله للفقير كما هو له. # ففي الآية دلالة على كمال المبالغة في وجوب الحكم بالعدل، بل عدم فعل إلا ~~لله # PageV00P691 # وفي وجوب الاقرار بما عليه، وفي إقامة الشهادة لله، وعلى جواز الشهادة ~~على الوالدين بل وجوبها فمنع البعض بعيد، وكذا يعلم وجوبها على المملوك ~~والحر فيعلم جواز شهادته على سيده أيضا بل وجوبها، فالمنع هنا أيضا بعيد. # ثم إن الظاهر أن المقصود من الشهادة والأمر بها والإيجاب والمبالغة هو ~~القبول فدلت على قبول إقرار المؤمنين على أنفسهم كما هو مجمع عليه، ومدلول ~~الأخبار، والظاهر أنه لا قائل بالفرق، فغيرهم كذلك، وعلى قبول شهادة الولد ~~على الوالدين والأقربين والعبد على سيده وللسيد للعموم، ففيها إشعار بأن ~~الايمان يكفي ms619 للقبول، ولا يشترط غيره فتأمل إلا أن يدل دليل على اعتبار ~~العدالة أو اعتبار عدم ظهور الفسق فافهم. # ثم أكده بقوله " ولا تتبعوا الهوى " أي ارعوا أمر الله كما أمركم به، ولا ~~تقصدوا غير مقصوده تعالى، فإنه أعلم بمصالح العباد منكم فلا تتبعوا هوى ~~أنفسكم في إقامة الشهادة فتشهدوا على الغني دون الفقير، ملاحظة للمصلحة، أو ~~على من كان بينكم وبينه عداوة دون الصديق، وتمتنعوا عن الشهادة للأعداء ~~وأيضا لا بد أن يكون الشهادة امتثالا لأمر الله لا لاتباع النفس والهوى كما ~~مر " أن تعدلوا " أي لأن لا تعدلوا أو لأجل أن تعدلوا في الشهادة، قال ~~الفراء هذا كقولهم لا تتبع هواك لترضي ربك، أي كيما ترضي، قاله في مجمع ~~البيان. # وإن تلووا أو تعرضوا " أي إن تميلوا في أداء الشهادة أو تعرضوا عن أدائها ~~قيل الخطاب للحكام أي إن تميلوا أيها الحكام في الحكم لأحد الخصمين على ~~الآخر، أو تعرضوا عن أحدهما إلى الآخر، وقيل معناه: إن تلووا أي تبدلوا ~~الشهادة أو تعرضوا أي تكتموها وهو المروي عن أبي جعفر عليه السلام فيجازيكم ~~" فإن الله كان بما تعملون خبيرا " معناه أنه كان عالما بما يكون منكم من ~~إقامة الشهادة أو تحريفها، والاعراض عنها، وقد روي عن ابن عباس في معنى ~~قوله " وإن تلووا أو تعرضوا " أنهما الرجلان يجلسان بين يدي القاضي فيكون ~~لي القاضي وإعراضه لأحدهما على الآخر هكذا في مجمع البيان. PageV00P692 # الرابعة عشر: ومن أظلم ممن كتم شهادة عنده من الله وما الله بغافل عما ~~تعملون (1). # أي ما يوجد أظلم من كاتم شهادة حاصلة عنده من الله، أو يكتمها من الله ~~بحيث لا يقولها عند الطلب، فكأنه يريد يخفيها من الله، إذ لو كان يعلم أن ~~الله يعلم فلا فائدة له في الكتمان، بل يعلم أنه يضره فلا يكتمها أو يكتمها ~~من عباد الله فيكون المضاف محذوفا، والحال أن الله تعالى عالم به وبغيره من ~~أعماله الحسنة و القبيحة ففيها ترغيب وترهيب فاعملوا وكونوا على حذر من ~~الله. ms620 # كتم الشهادة إخفاؤها، و " من الله " متعلق بكتم أو صفة أخرى للشهادة، و ~~الأول أولى، والباقي ظاهر، ويمكن الاستدلال بها على تحريم كتمان الشهادة، و ~~بقوله " إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى من بعد ما بيناه ~~للناس في الكتاب أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون إلا الذين تابوا ~~وأصلحوا وبينوا فأولئك أتوب عليهم وأنا التواب الرحيم " (2). # تفسيرها ظاهرا أن كل شخص يخفى ولم يبين ما أوجده الله من الدلائل ~~المبينات والذي يهدي إلى المطلوب بعد أن بينه الله له ولغيره من الناس في ~~الكتاب المنزل أي كتاب كان، بل لا يبعد إطلاقه على كتب الأخبار أيضا بل ~~جميع ما يمكن فيه البيان كتابا كان أو لا، مجازا وتغليبا " أولئك يلعنهم ~~الله ويلعنهم اللاعنون " فهم ملعونون يلعنهم الله أي يحكم بلعنهم ويبعدهم ~~عن رحمته، ويلعنهم أيضا من يتأتى منه اللعن، بأن يدعو عليهم بالبعد عن رحمة ~~الله تعالى والذين يتأتى منهم اللعن المسلمون إنسا وجنا أو الكفار أيضا ~~باعتبار لعنهم ذلك الشخص في الآخرة كما ورد أو البهائم أيضا بأن يلهمهم ~~بالدعا عليهم باللعنة، بل كل مخلوق كما قيل. # " إلا الذين تابوا " وهذا اللعن ثابت للكل دائما إلا بعد التوبة لمن تاب ~~أي # PageV00P693 # ندم عما فعل وأصلح ما أفسد بالكتمان أو أخلص واستمر على التوبة أو ضم ~~العمل الصالح إليه، وبين: أي أظهر توبته ليعلم أنه تائب وأعلم الناس أن ما ~~فعله كان قبيحا أو بين ما كتمه وأرجع عن الجهل الجاهل بذلك. # ولا يبعد أن يكون " أصلحوا وبينوا " وما وقع في مواضع أخر مثل " وعمل ~~صالحا " بعد التوبة إشارة إلى كمال التوبة بالندم عن جميع المعاصي والعزم ~~على تركه، فيخلص من حقوق الله بالتوبة، وعن حقوق الناس بإبراء الذمة، من كل ~~محرم يحتاج إلى إبراء الذمة، وإذا فعل ذلك يقبل الله توبته، وتوبة كل تائب ~~ولو كان بعد نقض التوبة مرارا، فإن الله هو التواب إذ قابل التوبة منحصر ~~فيه، و أنه في نهاية القبول كما يفهم من صيغة ms621 المبالغة، والحصر، وأنه كثير ~~الرحمة و التلطف أو العامل ما يعمله ذوا الرحمة بالنسبة إلى محتاج الرحمة. # وقد عرفت مما ذكرناه من التفسير إعرابهما ولغتهما، فيمكن الاستدلال ~~بالأولى على تحريم كتمان الشهادة وكتمان العلوم الدينية عن أهله المحتاجين ~~أصولا وفروعا، بل مطلق العلوم على ما ورد في الخبر عنه صلى الله عليه وآله ~~أيضا أنه من سئل عن تعلمه فكتمه ألجمه الله يوم القيامة بلجام من النار، ~~كذا في مجمع البيان فيدخل فيه كتمان المجتهد الحكم والفتوى سيما عند ~~السؤال، وكذا ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، مع الشرائط. # بل لا يبعد إدخال تحريم فعل بعض المحرمات، وترك بعض الواجبات، بحيث ~~يؤديان إلى جوازهما فإن ذلك حينئذ إظهار للباطل، فيكون سترا للحق فيكون ~~كبيرة إلا ما ثبت عدمه بدليل، ولا يبعد أيضا الاستدلال بها على جواز لعن ~~ذلك الشخص المرتكب للكتمان، وإن كان مؤمنا لأن الله لعنه، وقال إنه يستحق ~~اللعن من الناس وغيرهم، وبالثانية على وجوب التوبة لأنها مخلصة من استحقاق ~~اللعن وغيره، وعدم تجويز لعن التائب، ويفهم وجوب قبولها على الله سمعا، ~~وكذا يفهم أيضا من كثير من الآيات والظاهر أنه لا نزاع في ذلك، وإنما ~~النزاع في قبولها PageV00P694 # عقلا فإن المعتزلة قائلون به، ولعل وجهه أن الكريم الغني الذي لا يتصور ~~أكرم منه مع عدم تصور ضرر ونفع بالنسبة إليه من أحد، مع كمال احتياج النادم ~~إليه بحيث لا يمكن التجاؤه إلى غيره فيقبح عقلا رده، وعدم قبول عذره، ~~وعذابه مع عدم نفعه بعقابه. # وقد يرد بأنه مكافاة فلا قبح كما لا قبح في الشاهد الانتقام للتسلية، ~~ودفع الغصة والألم، والأول لا يبعد، والقياس سيما مع الفارق ظاهر البطلان ~~مع أنه لا ثمرة في هذا البحث، فقد تحقق الاجماع بقبول توبته، ودليل السمع. # أيضا، قال في مجمع البيان في تفسير " فتلقى آدم " الآية أجمع المسلمون ~~على سقوط العقاب عندها أيضا، وسقوطه تفضل من الله غير واجب عليه عندنا، ~~وعند جميع المعتزلة واجب وقال في هذا المحل: ووصف ms622 نفسه بالرحيم عقيب قوله " ~~التواب " يدل على أن اسقاط العقاب عند التوبة تفضل من الله سبحانه ورحمة من ~~جهته، على ما قاله الأصحاب، وأنه غير واجب عقلا كما يذهب إليه المعتزلة. # فكان معنى قول سلطان المحققين خواجة نصير الدين قدس الله روحه في التجريد ~~بعدم وجوب سقوط الذنب عند التوبة أنه ليس بواجب عقلا إذ نقل إجماع المسلمين ~~على ذلك وأدلة النقل متظافرة عليه، ثم الكلام في أنه هل يتحقق التوبة عن ~~بعض الذنوب أم لا؟، والظاهر الأول لأن الذي يظهر أنها عبارة عن الندم على ~~القبيح وعدم العزم على العود، وهي أعم من الكل والبعض، ودليل القبول العقلي ~~والنقلي مشترك، واشتراطها بكونها مقيدة بالندامة والعزم، من حيث كون القبيح ~~قبيحا فلا يمكن التحقق عن البعض دون البعض، وإلا لم يتحقق الشرط كما يفهم ~~من أول كلام المحقق المذكور، على تقدير تسليم الشرطية التي هي منفية بالأصل ~~لا نسلم عدم تحققه إذ لا منافاة بين كون القبيح سببا للترك والندامة في ~~البعض، وبين عدمه في البعض كما في فعل بعض الواجبات لحسنة دون البعض مع ~~الاشتراك فيه. # وأيضا تراهما واقعين بين الناس، مع أنه غير مناسب للشريعة السهلة ولهذا ~~رجع عنه المحقق في آخر كلامه حيث قال: والتحقيق أن ترجيح الداعي إلى ~~PageV00P695 # الندم عن البعض يبعث عنه، وأن اشترك الدواعي في الندم على القبيح لقبحه، ~~و هذا كما في الداعي إلى الفعل وكذا قوله رحمه الله أنه لا بد أن لا يكون ~~التوبة لخوف العقاب، وطمع الثواب، بل بمحض القبح، بعيد، فإنها واجبة وهما ~~داخلتان في الوجوب، وأيضا لا فرق بينهما وبين سائر الواجبات فينبغي ~~الاختصار فيها على نية القربة، مع باقي القيود لو ثبت، لا اشتراط ما يزيد ~~عليه، وأيضا بأنه لا يناسب هذه الشريعة بل ما نجد في أنفسنا مثله. # نعم قد يكون موجودا في الأنبياء والأئمة عليهم السلام كما نقل عن أمير ~~المؤمنين عليه السلام: ما عبدتك طمعا في جنتك، ولا خوفا من نارك، ولكن ~~وجدتك أهلا ms623 للعبادة فعبدتك، فتكون مخصوصة بهم عليهم السلام. # ثم اعلم أنه قال في الكشاف والقاضي: المراد بالذين أحبار اليهود الذين ~~جحدوا نبوة محمد صلى الله عليه وآله [وهم يجحدونه] مع كونها مثبتة في ~~التوراة، وقال في مجمع البيان: المعني بالآية اليهود والنصارى الذين كتموا ~~أمر محمد صلى الله عليه وآله في نبوته وهم يجحدونه مع كونه مكتوبا في ~~توراتهم وإنجيلهم. # أقول: على تقدير التسليم، إنهم كانوا سبب النزول لا أنها مقصورة عليهم ~~فإن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، كما بين في الأصول، ولهذا حملناها ~~على العموم كما فعله في مجمع البيان أيضا فيستخرج الأحكام المذكورة فكأن ~~سبب ترك هذه الآية في آيات الأحكام في كنز العرفان سبب النزول وكونها ~~مقصورة عليهم كما فعله في الكشاف والقاضي، وأنت عرفت أنه ليس بجيد ومثل هذا ~~فعل في كثير من الآيات، حيث عممت مع كون سبب النزول خاصا لما مر، ثم على ~~تقدير التخصيص أيضا لا يبعد التعميم لفهم العلة فيستخرج الباقي فتأمل.# ~~PageV00P696 ms624