######OpenITI# #META# 000.SortField :: Shia_002755 #META# 000.BookURI :: NOCODE #META# 010.AuthorAKA :: NODATA #META# 010.AuthorNAME :: ابن الشهيد الثاني #META# 011.AuthorBORN :: NOTGIVEN #META# 011.AuthorDIED :: 1011 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: معالم الدين وملاذ المجتهدين #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: أصول الفقه عند الشيعة #META# 022.BookVOLS :: 1 #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: NODATA #META# 030.LibURI :: Shia_002755 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: http://shiaonlinelibrary.com/الكتب/2755_معالم-الدين-وملاذ-المجتهدين-ابن-الشهيد-الثاني #META# 031.LibURL :: NODATA #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: لجنة التحقيق #META# 041.EdNUMBER :: NODATA #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: NODATA #META# 044.EdPLACE :: NODATA #META# 045.EdYEAR :: NODATA #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #####SUBJECT#BIBLIOGRAPHY# #META#Header#End# # بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله المتعالي في عز جلاله عن مطارح الافهام ~~فلا يحيط بكنهه العارفون، المتقدس بكمال ذاته عن مشابهة (1) الأنام فلا ~~يبلغ صفته الواصفون، المتفضل بسوابغ الانعام فلا يحصي نعمه (2) العادون، ~~المتطول بالمنن الجسام فلا يقوم بواجب شكره الحامدون، القديم الأبدي فلا ~~أزلي سواه، الدائم السرمدي فكل شئ مضمحل عداه. أحمده سبحانه حمدا يقربني ~~إلى رضاه (3)، وأشكره شكرا أستوجب به المزيد من (4) مواهبه وعطاياه، ~~وأستقيله من خطاياي (5)، استقالة عبد معترف بما جناه، نادم على ما فرط في ~~(6) جنب مولاه، وأسأله (7) العصمة من الخطأ والخطل، والسداد في القول ~~والعمل. # وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، الكريم الذي لا يخيب (8) لديه ~~الآمال، القدير فهو لما يشاء فعال. وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، المبعوث ~~لتمهيد قواعد الدين وتهذيب مسالك اليقين، الناسخ بشريعته المطهرة (9) شرائع ~~الأولين، والمرسل (10) بالارشاد والهداية رحمة للعالمين، صلى الله عليه ~~وآله الهداة المهديين، و # PageV00P003 # عترته الكرام الطيبين، صلاة ترضيهم وتزيد على منتهى رضاهم، وتبلغهم غاية ~~مرادهم ونهاية مناهم، وتكون لنا عدة وذخيرة يوم نلقى الله سبحانه ونلقاهم، ~~وسلم تسليما. # وبعد (1): فان أولى ما أنفقت في تحصيله كنوز الأعمار، وأطالت التردد بين ~~العين والأثر في معالمه الأفكار، هو العلم بالأحكام الشرعية والمسائل ~~الفقهية، فلعمري إنه المطلب الذي يظفر بالنجاح طالبه، والمغنم الذي يبشر ~~بالأرباح كاسبه، والعلم الذي يعرج بحامله إلى الذروة العليا، وينال (2) به ~~السعادة في الدار الأخرى. # ولقد بذل علماؤنا السابقون وسلفنا (3) الصالحون، رضوان الله عليهم ~~أجمعين، في تحقيق مباحثه جهدهم، وأكثروا في تنقيح مسائله كدهم. فكم فتحوا ~~فيه مقفلا ببنان أفكارهم! وكم شرحوا منه مجملا ببيان آثارهم! وكم صنفوا فيه ~~من كتاب يهدي في ظلم الجهالة إلى سنن الصواب! فمن مختصر كاف في تبليغ ~~الغاية، ومبسوط شاف بتجاوزه النهاية، وإيضاح يحل من قواعده المشكل، و بيان ~~يكشف (4) من سرائره المعضل، وتهذيب يوصل من لا يحضره الفقيه بمصباح ~~الاستبصار إلى مدينة العلم، ويجلو بإنارة مسالكه عن الشرائع ظلمات الشك ~~والوهم، وذكرى دروس مقنعة ms001 في تلخيص الخلاف والوفاق، وتحرير تذكرة هي منتهى ~~المطلب في الآفاق، ومهذب جمل يسعف في مختلف الاحكام بكامل الانتصار، ومعتبر ~~مدارك يحسم مواد النزاع (5) من صحيح الآثار، ولمعة روض يرتاح لتمهيد أصوله ~~الجنان، وروضة بحث تدهش بارشاد فروعها الأذهان. # فشكر الله تعالى سعيهم، وأجزل من جوده مثوبتهم وبرهم. # وحيث كان من فضل الله علينا أن أهلنا لاقتفاء اثارهم، أحببنا (6) الأسوة # PageV00P004 # بهم في أفعالهم; فشرعنا - بتوفيق الله تعالى في تأليف هذا الكتاب الموسوم ~~ب‍ " معالم الدين وملاذ المجتهدين "، وجددنا به معاهد المسائل الشرعية، ~~وأحيينا به مدارس المباحث الفقهية، وشفعنا فيه تحرير الفروع بتهذيب الأصول، ~~وجمعنا بين تحقيق الدليل والمدلول، بعبارات قريبة إلى الطباع، وتقريرات ~~مقبولة عند الاسماع، من غير إيجاز موجب للاخلال، ولا إطناب معقب للملال. ~~وأنا أبتهل إلى الله، سبحانه، أن يجعله خالصا لوجهه الكريم. وأتضرع إليه أن ~~يهديني حين تضل الافهام إلى المنهج القويم (1)، ويثبتني حيث تزل الاقدام ~~على الصراط المستقيم. # وقد رتبنا كتابنا هذا على مقدمة وأقسام أربعة، والغرض من المقدمة منحصر ~~في مقصدين. # PageV00P005 # المقصد الأول في بيان فضيلة العلم وذكر نبذ مما يجب على العلماء مراعاته ~~وبيان زيادة شرف علم الفقه على غيره ووجه الحاجة إليه وذكر حده ومرتبته ~~وبيان موضوعه ومباديه ومسائله. # [وفيه فصول] PageV00P007 # [فضيلة العلم] إعلم: أن فضيلة العلم وارتفاع درجته وعلو رتبته (1)، أمر ~~كفى انتظامه في سلك الضرورة مؤونة الاهتمام ببيانه; غير أنا نذكر على سبيل ~~التنبيه أشياء في هذا المعنى من جهة العقل والنقل، كتابا وسنة، مقتصرين على ~~ما يتأدى به الغرض، فان الاستيفاء في ذلك يقتضي تجاوز الحد ويفضي إلى ~~الخروج عما هو القصد (2). # فأما الجهة العقلية، فهي أن المعقولات تنقسم إلى موجودة ومعدومة، وظاهر ~~أن الشرف للموجود. ثم الموجود ينقسم إلى جماد ونام، ولا ريب أن النامي ~~أشرف. ثم النامي ينقسم إلى حساس وغيره، ولا شك أن الحساس أشرف. ثم الحساس ~~ينقسم إلى عاقل وغير عاقل، ولا ريب أن العاقل أشرف. ثم العاقل ينقسم إلى ~~عالم وجاهل، ولا شك أن العالم ms002 أشرف; فالعالم حينئذ أشرف المعقولات. # فصل وأما الكتاب الكريم، فقد أشير إلى ذلك في مواضع منه: # الأول: قوله تعالى في سورة " العلق " (3) - وهي أول ما نزل على نبينا، ~~صلى # PageV00P008 # الله عليه وآله، في قول أكثر المفسرين: " إقرأ باسم ربك الذي خلق، خلق ~~الانسان من علق، اقرأ وربك الأكرم، الذي علم بالقلم، علم الانسان ما لم ~~يعلم " (1)، حيث افتتح كلامه المجيد بذكر نعمة الايجاد، وأتبعه بذكر (2) ~~نعمة العلم; فلو كان بعد نعمة الايجاد نعمة أعلى من العلم (3)، لكانت أجدر ~~بالذكر. # وقد قيل - في وجه التناسب بين الآي المذكورة في صدر هذه السورة المشتمل ~~(4) بعضها على خلق الانسان من علق وبعضها على تعليمه ما لم يعلم: إنه تعالى ~~ذكر أول حال الانسان، أعني كونه علقة وهي بمكان من الخساسة، وآخر حاله وهو ~~صيرورته عالما وذلك كمال الرفعة والجلالة. فكأنه سبحانه قال: # كنت في أول أمرك في تلك المنزلة الدنية (5) الخسيسة ثم صرت في آخره إلى ~~هذه الدرجة الشريفة النفسية. # الثاني: قوله تعالى: " الله الذي خلق سبع سماوات ومن الأرض مثلهن، يتنزل ~~الامر بينهن لتعلموا " (6)، الآية. فإنه سبحانه جعل العلم علة لخلق العالم ~~العلوي والسفلي طرا، (7) وكفى بذلك جلالة وفخرا. # الثالث: قوله سبحانه: " ومن يؤت الحكمة، فقد أوتي خيرا كثيرا " (8). # فسرت الحكمة بما يرجع إلى العلم. # الرابع: قوله تعالى: " قل هل يستوى الذين يعلمون والذين لا يعلمون إنما ~~يتذكر أولوا الألباب " (9). # الخامس: قوله تعالى: " إنما يخشى الله من عباده العلماء " (10). # السادس: قوله سبحانه: " شهد الله أنه لا إله إلا هو، والملائكة # PageV00P009 # وأولو العلم " (1). # السابع: قوله تعالى: " وما يعلم تأويله الا الله والراسخون في العلم " ~~(2). # الثامن: قوله تعالى: " قل: كفى بالله شهيدا بيني وبينكم، ومن عنده علم ~~الكتاب " (3). # التاسع: قوله تعالى: " يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم ~~درجات ". (4) العاشر: قوله تعالى، مخاطبا لنبيه، صلى الله عليه وآله وسلم، ~~آمرا له مع ما آتاه من العلم والحكمة: " وقل رب زدني علما ". (5) الحادي ~~عشر: قوله تعالى: " بل هو آيات بينات في صدور الذين أوتوا ms003 العلم ". (6) ~~الثاني عشر: قوله تعالى: " وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلها إلا ~~العالمون ". (7) فصل وأما السنة، فهي في ذلك كثيرة، لا تكاد تحصى (8): # فمنها: ما أخبرني به، إجازة، عدة من أصحابنا، منهم السيد الجليل شيخنا ~~نور الدين علي بن الحسين بن أبي الحسن الحسيني الموسوي (9)، أدام الله ~~تأييده; والشيخ الفاضل عز الدين الحسين بن عبد الصمد الحارثي، قدس الله ~~روحه; والسيد العابد نور الدين علي بن السيد فخر الدين الهاشمي، قدس الله ~~روحه، # PageV00P010 # بحق روايتهم، إجازة عن والدي السعيد الشهيد زين الملة والدين، رفع الله ~~درجته، كما شرف خاتمته، عن شيخه الاجل نور الدين علي بن عبد العالي (1) ~~العاملي الميسي، عن الشيخ شمس الدين محمد بن المؤذن الجزيني، عن الشيخ ضياء ~~الدين على بن شيخنا الشهيد، عن والده، قدس الله سره، عن الشيخ فخر الدين ~~أبي طالب محمد بن الشيخ الامام العلامة، جمال الملة والدين، الحسن بن يوسف ~~بن المطهر (2)، عن والده، رضي الله عنه، عن شيخه المحقق السعيد نجم (3) ~~الملة والدين أبى القاسم جعفر بن الحسن بن يحيى بن سعيد، قدس الله نفسه، عن ~~السيد الجليل شمس الدين فخار بن معد الموسوي، عن الشيخ الامام أبي الفضل ~~شاذان (4) بن جبرئيل (5) القمي، عن الشيخ الفقيه العماد أبي جعفر محمد بن ~~أبي القاسم الطبري (6)، عن الشيخ أبي علي الحسن بن الشيخ السعيد الفقيه أبي ~~جعفر محمد بن الحسن الطوسي، عن والده، رضي الله عنه، عن الشيخ الامام ~~المفيد محمد بن محمد بن النعمان (7)، عن الشيخ أبي القاسم جعفر بن محمد بن ~~قولويه، عن الشيخ الجليل الكبير أبي جعفر محمد بن يعقوب الكليني، عن علي بن ~~إبراهيم، عن أبيه، عن حماد بن عيسى، عن عبد الله بن ميمون القداح، ح، وعن ~~محمد بن يعقوب، عن محمد بن الحسن وعلي بن محمد عن سهل بن زياد، عن جعفر بن ~~محمد الأشعري، عن عبد الله بن ميمون القداح، ح، وعن محمد بن يعقوب، عن محمد ~~بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن جعفر بن ms004 محمد الأشعري، عن عبد الله بن ميمون ~~القداح، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وآله: " من سلك طريقا يطلب فيه علما سلك الله به طريقا إلى الجنة، وإن ~~الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم # PageV00P011 # رضى به، وإنه ليستغفر لطالب العلم من في السماء ومن في الأرض حتى الحوت ~~في البحر، وفضل العالم على العابد كفضل القمر على سائر النجوم ليلة البدر، ~~وإن العلماء ورثة الأنبياء، إن الأنبياء لم يورثوا دينارا ولا درهما، ولكن ~~ورثوا العلم، فمن أخذ منه أخذ بحظ وافر ". # وبالاسناد عن الشيخ المفيد محمد بن محمد بن النعمان، عن الشيخ الصدوق أبي ~~جعفر محمد بن علي بن الحسين بن بابويه القمي، رحمه الله، عن أبيه، عن سعد ~~بن عبد الله، عن محمد بن عيسى بن عبيد اليقطيني، عن يونس بن عبد الرحمن، عن ~~الحسن بن زياد العطار، عن سعد (1) بن طريف، عن الأصبغ بن نباتة، قال: قال ~~أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام (2): " تعلموا العلم، فان تعلمه ~~حسنة، ومدارسته تسبيح، والبحث عنه جهاد، وتعليمه من لا يعلمه صدقة، وهو عند ~~الله لأهله قربة، لأنه معالم الحلال والحرام، وسالك بطالبه سبل الجنة، وهو ~~أنيس في الوحشة، وصاحب في الوحدة، وسلاح على الأعداء، وزين الأخلاء، يرفع ~~الله به أقواما يجعلهم في الخير أئمة يقتدى بهم، ترمق أعمالهم، وتقتبس ~~آثارهم، وترغب الملائكة في خلتهم، يمسحونهم بأجنحتهم في صلاتهم، لان العلم ~~حياة القلوب ونور الابصار من العمى، وقوة الأبدان من الضعف، ينزل الله ~~حامله منازل الأبرار، ويمنحه مجالسة الأخيار في الدنيا و الآخرة. بالعلم ~~يطاع الله ويعبد، وبالعلم يعرف الله ويوحد، وبالعلم توصل الأرحام، وبه يعرف ~~الحلال والحرام (3). والعلم امام العقل، والعقل تابعه، يلهمه (4) السعداء، ~~ويحرمه الأشقياء ". # فصل وروينا بالاسناد عن محمد بن يعقوب، عن علي بن إبراهيم بن هاشم، عن # PageV00P012 # أبيه، عن الحسن بن أبي الحسين الفارسي، عن عبد الرحمن بن زيد، عن أبيه، ~~عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: قال رسول ms005 الله صلى الله عليه وآله: " ~~طلب العلم فريضة على كل مسلم (1)، ألا إن الله يحب بغاة العلم " (2). # وعن محمد بن يعقوب، عن محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن ابن ~~محبوب، عن هشام بن سالم، عن أبي حمزة، عن أبي إسحاق السبيعي، عمن حدثه، ~~قال: سمعت أمير المؤمنين عليه السلام، يقول: " أيها الناس! اعلموا أن كمال ~~الدين طلب العلم والعمل به، ألا وإن طلب العلم أوجب عليكم من طلب المال، إن ~~المال (3) مقسوم مضمون لكم، قد قسمه عادل بينكم وضمنه، وسيفي لكم، والعلم ~~مخزون عند أهله، وقد أمرتم بطلبه من أهله، فاطلبوه " (4). # وعنه، عن محمد بن (5) يحيى، عن أحمد بن محمد بن عيسى (6)، عن محمد بن ~~خالد، عن أبي البختري، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: " إن العلماء ~~ورثة الأنبياء، وذلك أن الأنبياء لم يورثوا درهما ولا دينارا، وإنما أورثوا ~~أحاديث (7) من أحاديثهم. فمن أخذ بشئ منها، فقد (8) أخذ حظا وافرا; فانظروا ~~(9) علمكم هذا عمن تأخذونه; فان فينا أهل البيت، في كل خلف (10)، عدولا ~~ينفون عنه تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين " (11). # وعنه، عن الحسين بن محمد، عن علي بن محمد بن سعد، رفعه عن أبي حمزة، عن ~~علي بن الحسين عليه السلام، قال: " لو يعلم الناس ما في طلب العلم لطلبوه، ~~ولو بسفك المهج وخوض اللجج. إن الله تبارك وتعالى أوحى إلى دانيال: إن أمقت ~~(12) عبيدي إلى الجاهل، المستخف بحق أهل العلم، التارك # PageV00P013 # للاقتداء بهم، وإن أحب عبيدي إلي التقى، الطالب للثواب الجزيل، اللازم ~~للعلماء، التابع للحلماء، القابل عن الحكماء " (1). # وعنه، عن علي بن إبراهيم، عن أبيه، وعن محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد ~~جميعا، عن ابن أبي عمير، عن سيف بن عميرة، عن أبي حمزة، عن أبي جعفر عليه ~~السلام، قال: " عالم ينتفع بعلمه أفضل من سبعين ألف عابد " (2). # وعنه، عن الحسين بن محمد، عن أحمد بن إسحاق، عن سعدان بن مسلم، عن معاوية ~~بن عمار، قال: " قلت لأبي عبد الله عليه السلام: ms006 رجل راوية لحديثكم، يبث ~~ذلك في الناس، ويشده في قلوبهم وقلوب شيعتكم ولعل عابدا من شيعتكم ليست له ~~هذه الرواية، أيهما أفضل؟ قال: الرواية لحديثنا (3) يشد به قلوب شيعتنا، ~~أفضل من ألف عابد " (4). # فصل ومن أهم ما يجب على العلماء مراعاته تصحيح القصد، وإخلاص النية، ~~وتطهير القلب عن دنس (5) الاغراض الدنيوية، وتكميل النفس في قوتها العملية، ~~وتزكيتها باجتناب الرذائل، واقتناء الفضائل الخلقية، وقهر القوتين الشهوية ~~والغضبية. # وقد روينا بالطريق السابق وغيره، عن محمد بن يعقوب، رحمه الله، عن علي بن ~~إبراهيم، رفعه إلى أبي عبد الله، عليه السلام، وعن محمد بن يعقوب، قال: ~~حدثني محمد بن محمود أبو عبد الله القزويني، عن عدة من أصحابنا، منهم جعفر ~~بن أحمد الصيقل، بقزوين، عن أحمد بن عيسى العلوي، عن عباد بن صهيب البصري، ~~عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: " طلبة العلم ثلاثة، # PageV00P014 # فاعرفهم بأعيانهم وصفاتهم: صنف يطلبه للجهل والمراء، وصنف يطلبه ~~للاستطالة والختل، وصنف يطلبه للفقه والعقل. فصاحب الجهل والمراء موذ، ~~ممار، متعرض للمقال في أندية الرجال، بتذاكر العلم وصفة الحلم، قد تسربل ~~بالخشوع، وتخلى من الورع، فدق الله عن هذا (1) خيشومه، وقطع منه حيزومه. ~~وصاحب الاستطالة والختل ذو خب وملق، يستطيل على مثله من أشباهه (2)، ~~ويتواضع للأغنياء من دونه، فهو لحلوائهم (3) هاضم، ولدينهم حاطم، فأعمى ~~الله على هذا خبره، وقطع من آثار العلماء أثره. وصاحب الفقه والعقل، ذو ~~كآبة وحزن وسهر، قد تحنك (4) في برنسه، وقام الليل في حندسه (5)، يعمل و ~~يخشى، وجلا، داعيا، مشفقا، مقبلا على شأنه، عارفا بأهل زمانه، مستوحشا من ~~أوثق إخوانه. فشد الله من هذا أركانه، وأعطاه يوم القيامة أمانه " (6). # وعنه، عن محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد بن عيسى، وعن علي بن إبراهيم، عن ~~أبيه، جميعا، عن حماد بن عيسى، عن عمر بن أذينة، عن أبان بن أبي عياش، عن ~~سليم بن قيس، قال: سمعت أمير المؤمنين، عليه السلام، يقول: # قال رسول الله صلى الله عليه وآله: " منهومان لا يشبعان: طالب دنيا و ~~طالب ms007 علم; فمن اقتصر من الدنيا على ما أحل الله له سلم، ومن تناولها من غير ~~حلها هلك، الا أن يتوب أو يراجع. ومن أخذ العلم من أهله (7) وعمل بعمله نجى ~~(8)، ومن أراد به الدنيا فهي حظه " (9). # وعنه، عن الحسين بن محمد بن عامر، عن معلى بن محمد، عن الحسن بن علي ~~الوشاء، عن أحمد بن عائذ، عن أبي خديجة، عن أبي عبد الله، عليه السلام، # PageV00P015 # قال: " من أراد الحديث لمنفعة الدنيا، لم يكن له في الآخرة نصيب، ومن ~~أراد به خير الآخرة أعطاه الله خير الدنيا والآخرة " (1). # وعنه، عن علي بن إبراهيم، عن أبيه (2)، عن القاسم بن محمد الأصبهاني، عن ~~المنقري، عن حفص بن غياث، عن أبي عبد الله، عليه السلام، قال: " إذا رأيتم ~~العالم محبا لدنياه; فاتهموه على دينكم، فان كل محب لشئ يحوط ما أحب ". ~~وقال: " أوحى الله إلى داود، عليه السلام: لا تجعل بيني وبينك عالما مفتونا ~~بالدنيا، فيصدك عن طريق محبتي، فإن أولئك قطاع طريق عبادي المريدين، إن ~~أدنى ما أنا صانع بهم أن أنزع حلاوة مناجاتي من قلوبهم " (3). # وعنه، عن محمد بن إسماعيل، عن الفضل بن شاذان، عن حماد بن عيسى، عن ربعي ~~بن عبد الله، عمن حدثه، عن أبي جعفر، عليه السلام، قال: # " من طلب العلم ليباهي به العلماء، أو يماري به السفهاء، أو يصرف به وجوه ~~(4) الناس إليه، فليتبوء مقعده من النار. إن الرئاسة لا تصلح إلا لأهلها " ~~(5). # فصل وروينا بالاسناد السابق، عن الشيخ المفيد محمد بن محمد (6) بن نعمان، ~~عن الشيخ الصدوق محمد بن علي بن بابويه، رحمه الله، عن علي بن أحمد بن موسى ~~الدقاق، رحمه الله، قال: حدثنا محمد بن جعفر الكوفي الأسدي، قال: # حدثنا محمد بن إسماعيل البرمكي، قال: حدثنا عبد الله بن أحمد الدقاق، ~~قال: # حدثنا إسماعيل بن الفضل، عن ثابت بن دينار الثمالي، عن سيد العابدين على ~~بن الحسين بن علي بن أبي طالب، عليهم السلام (7)، قال: حق سائسك بالعلم: # PageV00P016 # التعظيم له، والتوقير لمجلسه، وحسن الاستماع إليه، ms008 والاقبال إليه، وأن لا ~~ترفع عليه صوتك، ولا تجيب (1) أحدا (2) يسأله عن شئ، حتى يكون هو الذي ~~يجيب، ولا تحدث في مجلسه أحدا، ولا تغتاب عنده أحدا، وأن تدفع عنه إذا ذكر ~~عندك بسوء، وأن تستر عيوبه، وتظهر مناقبه، ولا تجالس له عدوا، ولا تعادي له ~~وليا. # فإذا فعلت ذلك، شهد لك ملائكة الله بأنك قصدته وتعلمت علمه، لله جل اسمه، ~~لا للناس. وحق رعيتك بالعلم أن تعلم أن الله عز وجل إنما جعلك قيما لهم ~~فيما اتاك من العلم، وفتح لك من خزائنه. فان أحسنت في تعليم الناس ولم تخرق ~~بهم ولم تضجر عليهم زادك الله من فضله. وإن أنت منعت الناس علمك، أو خرقت ~~بهم عند طلبهم منك، كان حقا على الله عز وجل أن يسلبك العلم و بهاءه، ويسقط ~~من القلوب محلك " (3). # وبالاسناد المذكور عن المفيد، عن أحمد بن محمد بن سليمان الزراري، قال: # حدثنا مؤدبي علي بن الحسين السعد آبادي، عن أبي الحسن القمي، قال: # حدثنا أحمد بن أبي عبد الله البرقي، عن أبيه، عن سليمان بن جعفر الجعفري، ~~عن رجل، عن أبي عبد الله، عليه السلام، قال: كان علي، عليه السلام، يقول: # " إن من حق العالم أن لا تكثر عليه السؤال ولا تأخذ بثوبه. وإذا دخلت ~~عليه، وعنده قوم، فسلم عليهم جميعا، وخصه بالتحية دونهم، واجلس بين يديه، ~~ولا تجلس خلفه، ولا تغمز بعينك (4)، ولا تشر بيدك، ولا تكثر من القول: قال ~~فلان و قال فلان، خلافا لقوله، ولا تضجر بطول صحبته، فإنما مثل العالم مثل ~~النخلة، تنتظرها حتى يسقط (5) عليك منها شئ. والعالم أعظم أجرا من الصائم ~~القائم الغازي في سبيل الله (6)، وإذا مات العالم ثلم في الاسلام ثلمة لا ~~يسدها شئ إلى يوم القيامة. # PageV00P017 # فصل ويجب على العالم العمل، كما يجب على غيره، لكنه في حق العالم آكد، و ~~من ثم جعل الله تعالى ثواب المطيعات من نساء النبي صلى الله عليه وآله و ~~عقاب العاصيات منهن، ضعف ما لغيرهن، وليجعل له حظا ms009 وافرا من الطاعات ~~والقربات، فإنها تفيد النفس ملكة صالحة واستعدادا تاما لقبول الكمالات. # وقد روينا بالاسناد السالف (1) وغيره، عن محمد بن يعقوب، عن محمد بن ~~يحيى، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن حماد بن عيسى، عن عمر بن أذينة، عن أبان ~~بن أبي عياش، عن سليم بن قيس الهلالي، قال: سمعت أمير المؤمنين عليه السلام ~~يحدث عن النبي، صلى الله عليه وآله، أنه قال في كلام له: # " العلماء رجلان: رجل عالم آخذ بعلمه فهذا ناج، وعالم تارك لعلمه فهذا ~~هالك. # وإن أهل النار ليتأذون من ريح العالم التارك لعلمه. وإن أشد أهل النار ~~ندامة وحسرة رجل دعا عبدا إلى الله (2) فاستجاب له وقبل منه، فأطاع الله ~~فأدخله الجنة، وأدخل الداعي النار بتركه علمه واتباعه الهوى وطول الامل. ~~أما اتباع الهوى فيصد عن الحق، وطول الامل ينسى الآخرة " (3). # وعن محمد بن يعقوب، عن محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن محمد بن سنان، ~~عن إسماعيل بن جابر، عن أبي عبد الله، عليه السلام، قال: " العلم مقرون إلى ~~العمل، فمن علم عمل، ومن عمل علم. والعلم يهتف بالعمل، فان أجابه، وإلا، ~~ارتحل عنه " (4). # وعنه، عن (5) عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد بن خالد، عن علي بن محمد ~~القاساني، عمن ذكره، عن عبد الله بن القاسم الجعفري، عن أبي عبد الله، # PageV00P018 # عليه السلام، قال: " إن العالم إذا لم يعمل بعلمه زلت موعظته عن القلوب ~~(1)، كما يزل المطر عن الصفا " (2). # وعنه، عن علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن القاسم بن محمد، عن المنقري، عن ~~علي بن هاشم بن البريد، عن أبيه، قال: جاء رجل إلى علي بن الحسين، عليهما ~~السلام، فسأله عن مسائل، فأجاب. ثم عاد ليسأل عن مثلها، فقال علي بن الحسين ~~عليهما السلام: " مكتوب في الإنجيل: لا تطلبوا علم ما لا تعلمون ولما ~~تعملوا بما علمتم; فان العلم إذا لم يعمل به، لم يزد صاحبه إلا كفرا ولم ~~يزدد (3) من الله إلا بعدا " (4). # وعنه، عن عدة من أصحابنا، عن ms010 أحمد بن محمد بن خالد، عن أبيه، رفعه، قال: ~~قال أمير المؤمنين، عليه السلام، في كلام له خطب به على المنبر (5): # " أيها الناس، إذا علمتم، فاعملوا بما علمتم، لعلكم تهتدون. إن العالم ~~العامل بغيره، كالجاهل الحائر الذي لا يستفيق عن جهله. بل قد رأيت أن الحجة ~~عليه أعظم والحسرة أدوم على هذا العالم المنسلخ من علمه (6) منها على هذا ~~الجاهل المتحير في جهله، وكلاهما حائر بائر. لا ترتابوا فتشكوا، ولا تشكوا ~~فتكفروا، ولا ترخصوا لأنفسكم فتدهنوا. ولا تدهنوا في الحق فتخسروا. وإن من ~~الحق أن تفقهوا ومن الفقه أن لا تغتروا. وإن أنصحكم لنفسه أطوعكم لربه، ~~وأغشكم لنفسه أعصاكم لربه، ومن يطع الله يأمن ويستبشر، ومن يعص الله يخب و ~~يندم " (7). # وعنه، عن علي بن محمد، عن سهل بن زياد، عن جعفر بن محمد الأشعري، عن عبد ~~الله (8) بن ميمون القداح، عن أبي عبد الله، عليه السلام، عن # PageV00P019 # آبائه، عليهم السلام، قال: جاء رجل إلى رسول الله، صلى الله عليه وآله، ~~فقال: # " يا رسول الله، ما العلم؟ قال: الانصات، قال: ثم مه؟ قال: الاستماع، ~~قال: ثم مه؟ قال: الحفظ، قال: ثم مه؟ قال: العمل به، قال. ثم مه يا رسول ~~الله؟ قال: نشره " (1). # فصل وروينا بالاسناد، عن محمد بن يعقوب، عن محمد بن يحيى العطار، عن أحمد ~~بن محمد بن عيسى، عن الحسن بن محبوب، عن معاوية بن وهب، قال: # سمعت أبا عبد الله، عليه السلام، يقول: " اطلبوا العلم، وتزينوا معه ~~بالحلم، و تواضعوا لمن تعلمونه العلم، وتواضعوا لمن طلبتم منه العلم، ولا ~~تكونوا علماء جبارين، فيذهب باطلكم بحقكم " (2). # وعنه، عن علي بن إبراهيم، عن محمد بن عيسى، عن يونس، عن حماد بن عثمان، ~~عن الحارث بن مغيرة النضري، عن أبي عبد الله، عليه السلام، في قول الله عز ~~وجل: " إنما يخشى الله من عباده العلماء " (3)، قال: " يعنى بالعلماء من ~~صدق قوله فعله. ومن لم يصدق قوله فعله فليس بعالم " (4). # وعنه، عن عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد البرقي، ms011 عن إسماعيل بن مهران ~~(5)، عن أبي سعيد القماط، عن الحلبي، عن أبي عبد الله، عليه السلام، قال: # قال أمير المؤمنين، عليه السلام: " ألا أخبركم بالفقيه حق الفقيه! من لم ~~يقنط الناس من رحمة الله، ولم يؤمنهم من عذاب الله، ولم يرخص لهم في معاصي ~~الله، ولم يترك القرآن رغبة (6) عنه إلى غيره. ألا لا خير في علم ليس فيه ~~(7) تفهم! ألا لا خير # PageV00P020 # في قراءة ليس فيها تدبر! ألا لا خير في عبادة لا فقه فيها! ألا لا خير في ~~نسك لا ورع فيه " (1) وعنه، عن علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن علي بن معبد، ~~عمن ذكره، عن معاوية بن وهب، عن أبي عبد الله، عليه السلام، قال: كان أمير ~~المؤمنين عليه السلام، يقول: " يا طالب العلم! إن للعالم ثلاث علامات: ~~العلم، والحلم، والصمت، وللمتكلف ثلاث علامات: ينازع من فوقه بالمعصية، ~~ويظلم من دونه بالغلبة، ويظاهر الظلمة " (2). # وعنه، عن عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد، عن نوح بن شعيب النيسابوري، ~~عن عبيد الله بن عبد الله الدهقان، عن درست بن أبي منصور، عن عروة بن أخي ~~شعيب العقرقوفي، عن شعيب، عن أبي بصير، قال: سمعت أبا عبد الله، عليه ~~السلام، يقول: كان أمير المؤمنين عليه السلام، يقول: " يا طالب العلم! إن ~~العلم ذو فضائل كثيرة فرأسه التواضع، وعينه البراءة من الحسد، و أذنه ~~الفهم، ولسانه الصدق، وحفظه الفحص، وقلبه حسن النية، وعقله معرفة الأشياء ~~والأمور، ويده الرحمة، ورجله زيارة العلماء، وهمته السلامة، وحكمته الورع، ~~ومستقره النجاة، وقائده العافية، ومركبه الوفاء، وسلاحه لين الكلمة، وسيفه ~~الرضا، وقوسه المداراة، وجيشه مجاورة العلماء، وماله الأدب، وذخيرته اجتناب ~~الذنوب، وزاده المعروف، ومأواه الموادعة، ودليله الهدى، ورفيقه محبة ~~الأخيار " (3). # وعنه، عن علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن القاسم بن محمد، عن سليمان بن داود ~~المنقري، عن حفص بن غياث، قال (4): قال لي أبو عبد الله، عليه السلام: # " من تعلم العلم، وعمل به، وعلم لله، دعي في ملكوت السماوات عظيما، فقيل ~~(5): تعلم لله، وعمل لله، ms012 وعلم لله " (6). # PageV00P021 # فصل ولما ثبت أن كمال العلم إنما هو بالعمل، تبين أنه ليس في العلوم - ~~بعد المعرفة - أشرف من علم الفقه; لان مدخليته في العمل أقوى مما سواه، إذ ~~به تعرف (1) أوامر الله تعالى فتمتثل (2)، ونواهيه فتجتنب، ولأن معلومه - ~~أعني: أحكام الله تعالى - أشرف المعلومات، بعد ما ذكر. ومع ذلك، فهو الناظم ~~لأمور المعاش (3)، وبه يتم كمال نوع الانسان. # وقد روينا بطرقنا، عن محمد بن يعقوب، عن محمد بن الحسن وعلي بن محمد، عن ~~سهل بن زياد، عن محمد بن عيسى، عن عبيد الله بن عبد الله الدهقان (5)، عن ~~درست الواسطي، عن إبراهيم بن عبد الحميد، عن أبي الحسن موسى، عليه السلام، ~~قال: " دخل رسول الله، صلى الله عليه وآله، المسجد، فإذا جماعة قد أطافوا ~~برجل، فقال: " ما هذا؟ "، فقيل: " علامة "، فقال: " وما العلامة؟ "، فقالوا ~~له: " أعلم الناس بأنساب العرب، ووقائعها، وأيام الجاهلية والاشعار ~~والعربية " (6). قال: فقال النبي، صلى الله عليه وآله: " ذاك (7) علم لا ~~يضر من جهله، ولا ينفع من علمه ". ثم قال النبي، صلى الله عليه وآله: " ~~إنما العلم ثلاثة: آية محكمة، أو فريضة عادلة، أو سنة قائمة. وما خلاهن فهو ~~فضل " (8). # وعنه، عن الحسين بن محمد، عن معلى بن محمد، عن الحسن بن علي الوشاء، عن ~~حماد بن عثمان، عن أبي عبد الله، عليه السلام، قال: " إذا أراد الله بعبد ~~خيرا فقهه في الدين " (9). # PageV00P022 # وعنه، عن محمد بن إسماعيل، عن الفضل بن شاذان، عن حماد بن عيسى، عن ربعي ~~بن عبد الله، عن رجل، عن أبي جعفر، عليه السلام، قال: " الكمال كل الكمال: ~~التفقه في الدين، والصبر على النائبة، وتقدير المعيشة " (1). # وعنه، عن محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن ابن محبوب (2)، عن أبي أيوب ~~الخزاز، عن سليمان بن خالد، عن أبي عبد الله، عليه السلام، قال: " ما من ~~أحد يموت من المؤمنين أحب إلى إبليس من موت فقيه " (3 - 4). # وعنه، عن علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن بعض أصحابه، عن ms013 ~~أبي عبد الله، عليه السلام، قال: " إذا مات المؤمن الفقيه، ثلم في الاسلام ~~ثلمة لا يسدها شئ " (5). # وعنه، عن محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن ابن محبوب، عن علي بن أبي ~~حمزة، قال: سمعت أبا الحسن موسى بن جعفر، عليهما السلام، يقول " إذا مات ~~المؤمن بكت عليه الملائكة، وبقاع الأرض التي كان يعبد الله عليها و أبواب ~~السماء التي كان يصعد فيها بأعماله، وثلم في الاسلام ثلمة لا يسدها شئ، لان ~~المؤمنين الفقهاء حصون الاسلام، كحصن سور المدينة لها " (6). # وبالاسناد السالف، عن الشيخ المفيد محمد بن النعمان، عن أحمد بن محمد بن ~~سليمان الزراري (7)، عن علي بن الحسين السعد آبادي، عن أحمد بن أبي عبد ~~الله البرقي، عن محمد بن عبد الحميد العطار، عن عمه عبد السلام بن سالم، عن ~~رجل، عن أبي عبد الله، عليه السلام، قال: " حديث في حلال وحرام تأخذه من ~~صادق، خير من الدنيا وما فيها من ذهب أو فضة " (8). # PageV00P023 # وبالاسناد، عن أحمد ابن أبي عبد الله، عن محمد بن عبد الحميد، عن يونس بن ~~يعقوب، عن أبيه، قال: قلت لأبي عبد الله، عليه السلام: " إن لي ابنا قد أحب ~~أن يسألك عن حلال وحرام ولا يسألك عما لا يعنيه " قال: فقال لي: " و هل ~~يسأل (1) الناس عن شئ أفضل من الحلال والحرام " (2)؟. # فصل الحق عندنا أن الله تعالى إنما فعل الأشياء المحكمة المتقنة لغرض ~~وغاية. # ولا ريب أن نوع الانسان أشرف ما في العالم السفلي من الأجسام، فيلزم تعلق ~~الغرض بخلقه، ولا يمكن أن يكون ذلك الغرض حصول ضرر له، إذ هذا إنما يقع من ~~الجاهل أو المحتاج، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا، فتعين أن يكون هو النفع. # ولا يجوز أن يعود إليه سبحانه، لاستغنائه وكماله، فلابد وأن يكون (3) ~~عائدا إلى العبد. وحيث كانت المنافع الدنيوية في الحقيقة ليست بمنافع، ~~وإنما هي دفع الآلام (4)، فلا يكاد يطلق اسم " النفع " إلا على ما ندر ~~منها، لم يعقل أن يكون هو الغرض من إيجاد ms014 هذا المخلوق الشريف، سيما مع كونه ~~منقطعا، مشوبا (5) بالآلام المتضاعفة، فلابد أن (6) يكون الغرض شيئا آخر، ~~مما يتعلق بالمنافع الأخروية. و لما كان ذلك النفع (7) من أعظم المطالب ~~وأنفس المواهب، لم يكن مبذولا لكل طالب، بل إنما يحصل بالاستحقاق. وهو لا ~~يكون إلا بالعمل في هذه الدار (8)، المسبوق بمعرفة كيفية العمل المشتمل ~~عليها هذا العلم، فكانت الحاجة ماسة إليه جدا، لتحصيل هذا النفع العظيم. # وقد روينا بالاسناد السابق وغيره، عن محمد بن يعقوب، عن محمد بن # PageV00P024 # إسماعيل، عن الفضل بن شاذان (1)، عن ابن أبي عمير، عن جميل بن دراج، عن ~~أبان بن تغلب، عن أبي عبد الله، عليه السلام، قال: " لوددت أن أصحابي ضربت ~~رؤوسهم بالسياط حتى يتفقهوا " (2). # وعنه، عن علي بن محمد بن عبد الله، عن أحمد بن محمد بن خالد، عن عثمان بن ~~عيسى، عن علي بن أبي حمزة، قال: سمعت أبا عبد الله، عليه السلام، يقول: " ~~تفقهوا في الدين، فإنه من لم يتفقه منكم في الدين، فهو أعرابي، إن الله ~~تعالى يقول في كتابه: " ليتفقهوا في الدين، ولينذروا قومهم، إذا رجعوا ~~إليهم، لعلهم يحذرون " (3). # وعنه، عن الحسين بن محمد، عن جعفر بن محمد، عن القاسم بن الربيع، عن ~~المفضل بن عمر (4)، قال: سمعت أبا عبد الله، عليه السلام، يقول: " عليكم ~~بالتفقه في دين (5) الله. ولا تكونوا أعرابا، فإنه من لم يتفقه في دين الله ~~لم ينظر الله إليه يوم القيامة، ولم يزك له (6) عملا " (7). # وبالاسناد السالف، عن المفيد، عن الحسن بن حمزة العلوي الطبري، قال: # حدثنا أحمد بن عبد الله بن بنت البرقي، عن أبيه، قال: حدثنا جدي أحمد بن ~~محمد بن خالد البرقي، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن العلاء القلا (8)، عن ~~محمد بن مسلم، قال: قال أبو عبد الله، عليه السلام: " لو أتيت بشاب (9) من ~~شباب الشيعة لا يتفقه لأدبته ". قال: وكان أبو جعفر، عليه السلام، يقول: " ~~تفقهوا، و إلا، فأنتم (10) أعراب " (11). # وبالاسناد، عن أحمد بن محمد بن خالد، عن بعض أصحابنا، عن علي ms015 بن # PageV00P025 # أسباط، عن إسحاق بن عمار، قال: سمعت أبا عبد الله، عليه السلام، يقول: # " ليت السياط على رؤوس أصحابي، حتى يتفقهوا في الحلال والحرام " (1). # فصل الفقه في اللغة: الفهم وفي الاصطلاح هو: العلم بالأحكام الشرعية ~~الفرعية عن أدلتها التفصيلية. فخرج بالتقييد بالأحكام العلم بالذوات (2) ~~كزيد مثلا، و بالصفات ككرمه وشجاعته، وبالأفعال ككتابته وخياطته. وخرج ~~بالشرعية غيرها كالعقلية المحضة واللغوية. وخرج بالفرعية الأصولية. ~~وبقولنا: " عن أدلتها " علم الله سبحانه، وعلم الملائكة والأنبياء، وخرج ~~بالتفصيلية علم المقلد في المسائل الفقهية، فإنه مأخوذ من دليل إجمالي مطرد ~~في جميع المسائل، و ذلك لأنه إذا علم أن هذا الحكم المعين قد أفتى به ~~المفتى، وعلم أن كلما أفتى به المفتي، فهو حكم الله تعالى في حقه، يعلم ~~بالضرورة أن ذلك الحكم المعين هو حكم الله سبحانه في حقه. وهكذا يفعل في كل ~~حكم يرد عليه. # وقد أورد على هذا الحد: أنه إن كان المراد بالأحكام البعض لم يطرد، لدخول ~~المقلد إذا عرف بعض الأحكام (3) كذلك، لأنا لا نريد به العامي، بل من لم ~~يبلغ رتبة الاجتهاد. وقد يكون عالما متمكنا من تحصيل ذلك، لعلو رتبته في ~~العلم، مع أنه ليس بفقيه في الاصطلاح. وإن كان المراد بها الكل لم ينعكس، ~~لخروج أكثر الفقهاء عنه، إن لم يكن كلهم، لأنهم لا يعلمون جميع الأحكام ، ~~بل بعضها أو أكثرها. # ثم إن الفقه أكثره من باب الظن، لابتنائه غالبا على ما هو ظني الدلالة أو ~~السند. فكيف أطلق عليه العلم. # والجواب: أما عن سؤال الاحكام، فبأنا نختار أولا: أن المراد البعض. # PageV00P026 # قولكم: " لا يطرد لدخول المقلد فيه "، قلنا: ممنوع، أما على القول بعدم ~~تجزي الاجتهاد، فظاهر، إذ لا يتصور على هذا التقدير، انفكاك العلم ببعض ~~الاحكام كذلك عن الاجتهاد، فلا يحصل للمقلد، وإن بلغ من العلم ما بلغ. وأما ~~على القول بالتجزي، فالعلم المذكور داخل في (1) الفقه، ولا ضير فيه، لصدقه ~~عليه حقيقة وكون العالم بذلك فقيها بالنسبة إلى ذلك المعلوم اصطلاحا وإن ~~صدق عليه عنوان التقليد ms016 بالإضافة إلى ما عداه. # ثم نختار ثانيا: أن المراد بها الكل - كما هو الظاهر، لكونها جمعا محلى ~~باللام، ولا ريب أنه حقيقة في العموم قولكم: " لا ينعكس لخروج أكثر الفقهاء ~~عنه (2) "، قلنا: ممنوع، إذ المراد بالعلم بالجميع التهيؤ له، وهو أن يكون ~~عنده ما يكفيه في استعلامه من المآخذ والشرائط، بأن يرجع إليه، فيحكم. ~~وإطلاق " العلم " على مثل هذا التهيؤ شايع في العرف، فإنه يقال في العرف: " ~~فلان يعلم (3) النحو " مثلا، ولا يراد أن مسائله حاضرة عنده على التفصيل. ~~وحينئذ فعدم العلم بالحكم في الحال الحاضر (4) لا ينافيه. # واما عن سؤال الظن، فيحمل " العلم " على معناه الأعم، أعني ترجيح أحد ~~الطرفين، وإن لم يمنع من النقيض، وحينئذ فيتناول (5) الظن. وهذا المعنى ~~شايع في الاستعمال، سيما في الأحكام الشرعية. # وما يقال في الجواب أيضا - من أن الظن في طريق الحكم، لا فيه نفسه، وظنية ~~الطريق لا تنافى (6) علمية الحكم - فضعفه ظاهر عندنا. وأما عند المصوبة ~~القائلين بأن كل مجتهد مصيب - كما سيأتي الكلام فيه، إن شاء الله تعالى، في ~~بحث الاجتهاد. فله وجه. وكأنه لهم (7). وتبعهم فيه من لا يوافقهم على هذا ~~الأصل، غفلة عن حقيقة الحال. # PageV00P027 # فصل واعلم: أن لبعض العلوم تقدما على بعض، إما لتقدم موضوعه، أو لتقدم ~~غايته، أو لاشتماله على مبادي العلوم المتأخرة، أو لغير ذلك من الأمور التي ~~ليس هذا موضع ذكرها. # ومرتبة (1) هذا العلم متأخرة عن غيره، بالاعتبار الثالث، لافتقاره إلى ~~سائر العلوم واستغنائها عنه. # أما تأخره عن علم الكلام، فلانه يبحث في هذا العلم عن كيفية التكليف، ~~وذلك مسبوق بالبحث في معرفة نفس التكليف والمكلف. # وأما تأخره عن علم أصول الفقه، فظاهر، لان هذا العلم ليس ضروريا، بل هو ~~محتاج إلى الاستدلال، وعلم أصول الفقه متضمن لبيان كيفية الاستدلال. # ومن هذا يظهر وجه تأخره عن علم المنطق أيضا، لكونه متكفلا ببيان صحة ~~الطرق وفسادها. # وأما تأخره عن علم اللغة والنحو والتصريف، فلان من مبادي هذا العلم ~~الكتاب والسنة، واحتياج العلم بهما إلى العلوم الثلاثة ms017 ظاهر. فهذه هي ~~العلوم التي يجب تقدم معرفتها عليه في الجملة. ولبيان مقدار الحاجة منها ~~محل آخر. # فصل ولابد لكن علم أن يكون باحثا عن أمور لاحقة لغيرها. وتسمى تلك الأمور ~~مسائله، وذلك الغير موضوعه. ولابد له من مقدمات يتوقف الاستدلال عليها، و ~~من تصورات الموضوع وأجزائه وجزئياته. ويسمى مجموع ذلك بالمبادي. # ولما كان البحث في علم الفقه عن الأحكام الخمسة، أعني: الوجوب، و # PageV00P028 # الندب، والإباحة، والكراهة، والحرمة، وعن الصحة والبطلان، من حيث كونها ~~عوارض لافعال المكلفين، فلا جرم كان موضوعه هو أفعال المكلفين، من حيث ~~الاقتضاء والتخيير. ومباديه ما يتوقف عليه من المقدمات، كالكتاب و السنة ~~والاجماع، ومن التصورات، كمعرفة الموضوع وأجزائه وجزئياته، و مسائله هي ~~المطالب الجزئية المستدل عليها فيه. PageV00P029 # المقصد الثاني في تحقيق مهمات المباحث الأصولية التي هي الأساس لبناء ~~الأحكام الشرعية وفيه مطالب: PageV00P031 # المطلب الأول في نبذة من مباحث الألفاظ [وفيه أصول] PageV00P033 # تقسيم اللفظ والمعنى، إن اتحدا، فاما أن يمنع نفس تصور (1) المعنى من ~~وقوع الشركة فيه، وهو الجزئي، أولا يمنع، وهو الكلي. ثم الكلى: إما أن ~~يتساوى معناه في جميع موارده، وهو المتواطي، أو يتفاوت، وهو المشكك. # وإن تكثرا، فالألفاظ متباينة، سواء كانت المعاني متصلة كالذات والصفة، أو ~~منفصلة كالضدين. # وإن تكثرت الألفاظ واتحد المعنى فهي مترادفة. # وإن تكثرت المعاني واتحد اللفظ من وضع واحد، فهو المشترك. # وإن اختص الوضع بأحدها، ثم استعمل في الباقي، من غير أن يغلب فيه، فهو ~~الحقيقة والمجاز. وإن غلب، وكان الاستعمال لمناسبة، فهو المنقول اللغوي، أو ~~الشرعي، أو العرفي. وإن كان بدون المناسبة فهو المرتجل. # أصل لا ريب في وجود الحقيقة اللغوية والعرفية. وأما الشرعية، فقد اختلفوا ~~في إثباتها ونفيها. فذهب إلى كل فريق. وقبل الخوض في الاستدلال، لابد من ~~تحرير محل النزاع. # PageV00P034 # فنقول: لا نزاع في أن الألفاظ المتداولة على لسان أهل الشرع، المستعملة ~~في خلاف معانيها اللغوية، قد صارت حقائق في تلك المعاني، كاستعمال " الصلاة ~~" في الافعال المخصوصة، بعد وضعها في اللغة للدعاء، واستعمال " الزكاة " في ~~القدر ms018 المخرج من المال، بعد وضعها في اللغة للنمو، واستعمال " الحج " في ~~أداء المناسك المخصوصة، بعد وضعه في اللغة لمطلق القصد. وإنما النزاع في أن ~~صيرورتها كذلك، هل هي بوضع الشارع (1) وتعيينه إياها بإزاء تلك المعاني ~~بحيث تدل (2) عليها بغير قرينة، لتكون (3) حقائق شرعية فيها، أو بواسطة ~~غلبة هذه الألفاظ في المعاني المذكورة في لسان أهل الشرع، وإنما استعملها ~~الشارع فيها بطريق المجاز بمعونة القرائن، فتكون حقائق عرفية خاصة، لا ~~شرعية. # وتظهر ثمرة الخلاف فيما (4) إذا وقعت مجردة عن القرائن في كلام الشارع، ~~فإنها تحمل على المعاني المذكورة بناء على الأول، وعلى اللغوية بناء على ~~الثاني. و أما إذا استعملت في كلام أهل الشرع، فإنها تحمل على الشرعي (5) ~~بغير خلاف. # احتج المثبتون: بأنا نقطع بأن " الصلاة " اسم للركعات المخصوصة بما فيها ~~من الأقوال والهيئات، وأن " الزكاة " لأداء مال مخصوص، و " الصيام " لامساك ~~مخصوص، و " الحج " لقصد مخصوص. ونقطع أيضا بسبق هذه المعاني منها إلى الفهم ~~(6) عند إطلاقها، وذلك علامة الحقيقة. ثم إن هذا لم يحصل إلا بتصرف الشارع ~~ونقله لها إليها، وهو معنى الحقيقة الشرعية. # وأورد عليه: أنه لا يلزم من استعمالها في غير معانيها أن تكون (7) حقائق ~~شرعية، بل يجوز كونها مجازات. # ورد بوجهين: أحدهما: أنه إن أريد بمجازيتها: أن الشارع استعملها في # PageV00P035 # [غير] معانيها، لمناسبة المعنى اللغوي، ولم يكن ذلك معهودا من أهل اللغة، ~~ثم اشتهر، فأفاد بغير قرينة، فذلك معنى الحقيقة الشرعية، وقد ثبت المدعى، ~~وإن أريد بالمجازية: أن أهل اللغة استعملوها في هذه المعاني والشارع تبعهم ~~فيه، فهو خلاف الظاهر، لأنها معان حدثت، ولم يكن أهل اللغة يعرفونها، ~~واستعمال اللفظ في المعنى فرع معرفته. # وثانيهما: أن هذه المعاني تفهم (1) من الألفاظ عند الاطلاق بغير قرينة. ~~ولو كانت مجازات لغوية، لما فهمت إلا بالقرينة. # وفي كلا هذين الوجهين مع أصل الحجة بحث. # أما في الحجة، فلان دعوى كونها أسماء لمعانيها الشرعية لسبقها منها إلى ~~الفهم عند إطلاقها، إن كانت بالنسبة إلى إطلاق الشارع فهي ممنوعة. وإن كانت ~~بالنظر ms019 إلى اطلاق أهل الشرع فالذي يلزم حينئذ هو كونها حقائق عرفية لهم، لا ~~حقايق شرعية. # وأما في الوجه الأول (2)، فلان قوله: " فذلك معنى الحقيقة الشرعية " ~~ممنوع، إذ الاشتهار والإفادة بغير قرينة إنما هو في عرف أهل الشرع، لا في ~~إطلاق الشارع. # فهي حينئذ حقيقة عرفية لهم، لا شرعية. # وأما في الوجه الثاني، فلما أوردناه على الحجة، من أن السبق إلى الفهم ~~بغير قرينة إنما هو بالنسبة إلى المتشرعة لا إلى الشارع. # حجة النافين وجهان. # الأول: أنه لو ثبت نقل الشارع هذه الألفاظ إلى غير معانيها اللغوية، ~~لفهمها المخاطبين بها، حيث إنهم مكلفون (3) بما تتضمنه (4). ولا ريب أن ~~الفهم شرط التكليف. ولو فهمهم إياها، لنقل ذلك إلينا، لمشاركتنا لهم في ~~التكليف. ولو نقل، فإما بالتواتر، أو بالآحاد. والأول لم يوجد قطعا، وإلا ~~لما وقع الخلاف فيه. # PageV00P036 # والثاني لا يفيد العلم. على أن العادة تقضي (1) في مثله بالتواتر. # الوجه (2) الثاني: أنها لو كانت حقائق شرعية لكانت غير عربية، واللازم ~~باطل، فالملزوم مثله. بيان الملازمة: أن اختصاص الألفاظ باللغات إنما هو ~~بحسب دلالتها بالوضع فيها. والعرب لم يضعوها، لأنه المفروض، فلا تكون (3) ~~عربية. وأما بطلان اللازم، فلانه يلزم أن لا يكون القرآن عربيا، لاشتماله ~~عليها. وما بعضه خاصة عربي لا يكون عربيا كله. وقد قال الله سبحانه: # " إنا أنزلناه قرآنا عربيا " (4). # وأجيب عن الأول: بأن فهمها لهم ولنا باعتبار الترديد بالقرائن، كالأطفال ~~يتعلمون اللغات من غير أن يصرح لهم بوضع اللفظ للمعنى، إذ هو ممتنع بالنسبة ~~إلى من لا يعلم شيئا من الألفاظ. وهذا طريق قطعي لا ينكر. # فان عنيتم بالتفهيم وبالنقل: ما يتناول هذا، منعنا بطلان اللازم، وإن ~~عنيتم به: # التصريح بوضع اللفظ للمعنى (5)، منعنا الملازمة. # وعن الثاني: بالمنع من كونها غير عربية. كيف، وقد جعلها الشارع حقائق ~~شرعية في تلك المعاني مجازات لغوية في المعنى اللغوي، فإن المجازات الحادثة ~~عربية، وإن لم يصرح العرب بآحادها، لدلالة الاستقراء على تجويزهم نوعها. # ومع التنزل، نمنع كون القرآن كله عربيا، والضمير في " إنا أنزلناه ms020 " ~~للسورة، لا للقرآن، وقد يطلق " القرآن " على السورة وعلى الآية. # فان قيل: يصدق على كل سورة وآية أنها بعض القرآن، وبعض الشئ لا يصدق عليه ~~أنه نفس ذلك الشئ. # قلنا: هذا إنما يكون فيما لم يشارك البعض الكل في مفهوم الاسم، كالعشرة، ~~فإنها اسم لمجموع الآحاد المخصوصة (6)، فلا يصدق على البعض، بخلاف نحو ~~الماء، # PageV00P037 # فإنه اسم للجسم البسيط البارد الرطب بالطبع، فيصدق على الكل وعلى أي بعض ~~فرض منه، فيقال: هذا البحر ماء، ويراد بالماء مفهومه (1) الكلي، ويقال: # إنه بعض الماء، ويراد به مجموع المياه الذي هو أحد جزئيات ذلك المفهوم. # والقرآن من هذا القبيل، فيصدق على السورة أنها قرآن وبعض من القرآن، ~~بالاعتبارين (2)، على أنا نقول: إن القرآن قد وضع - بحسب الاشتراك - ~~للمجموع الشخصي وضعا آخر، فيصح بهذا الاعتبار أن يقال: السورة (3) بعض ~~القرآن. # إذا عرفت هذا، فقد ظهر لك ضعف الحجتين. # والتحقيق أن يقال: لا ريب في وضع هذه الألفاظ للمعاني اللغوية، وكونها ~~حينئذ حقائق فيها لغة، ولم يعلم من حال الشارع إلا أنه استعملها في المعاني ~~المذكورة. أما كون ذلك الاستعمال بطريق النقل، أو انه غلب في زمانه واشتهر ~~حتى أفاد بغير قرينة، فليس بمعلوم، لجواز الاستناد في فهم المراد منها إلى ~~القرائن الحالية أو المقالية، فلا يبقى لنا وثوق بالإفادة مطلقا. وبدون ذلك ~~لا يثبت المطلوب. فالترجيح لمذهب النافين، وإن كان المنقول من دليلهم ~~مشاركا في الضعف لدليل المثبتين. # أصل الحق أن الاشتراك واقع في لغة العرب. وقد أحاله شرذمة. وهو شاذ ضعيف ~~لا يلتفت إليه. # ثم إن القائلين بالوقوع اختلفوا في استعماله في أكثر من معنى إذا كان ~~الجمع بين ما يستعمل فيه من المعاني ممكنا، فجوزه قوم مطلقا، ومنعه آخرون ~~مطلقا (4)، وفصل ثالث: فمنعه في المفرد وجوزه في التثنية والجمع، ورابع: ~~فنفاه في الاثبات وأثبته في النفي. # PageV00P038 # ثم اختلف المجوزون (1)، فقال قوم منهم: إنه بطريق الحقيقة. وزاد بعض ~~هؤلاء: أنه ظاهر في الجميع عند التجرد عن القرائن، فيجب حمله عليه حينئذ. # وقال الباقون: إنه ms021 بطريق المجاز. # والأقوى عندي جوازه مطلقا، لكنه في المفرد مجاز، وفي غيره حقيقة. # لنا على الجواز: انتفاء المانع، بما سنبينه: من بطلان ما تمسك به ~~المانعون، وعلى كونه مجازا في المفرد: تبادر الوحدة منه عند إطلاق اللفظ، ~~فيفتقر إرادة الجميع (2) منه إلى إلغاء اعتبار قيد الوحدة. فيصير اللفظ ~~مستعملا في خلاف موضوعه. لكن وجود العلاقة المصححة للتجوز أعني: علاقة الكل ~~والجزء يجوزه، فيكون مجازا. # فإن قلت: محل النزاع في المفرد هو استعمال اللفظ في كل من المعنيين بأن ~~يراد به - في إطلاق واحد - هذا وذاك، على أن (3) يكون كل منهما مناطا للحكم ~~و متعلقا للاثبات والنفي، لا في المجموع المركب الذي أحد المعنيين جزء منه. # سلمنا، لكن ليس كل جزء يصح (4) إطلاقه على الكل، بل إذا كان للكل تركب ~~حقيقي وكان الجزء مما إذا انتفى انتفى الكل بحسب العرف أيضا، كالرقبة ~~للانسان، بخلاف الإصبع والظفر ونحو ذلك. # قلت: لم أرد بوجود علاقة الكل والجزء: أن اللفظ موضوع لاحد المعنيين و ~~مستعمل (5) حينئذ في مجموعهما معا، فيكون من باب إطلاق اللفظ الموضوع للجزء ~~و إرادة الكل كما توهمه بعضهم، ليرد ما ذكرت. بل المراد: أن اللفظ لما كان ~~حقيقة في كل من المعنيين، لكن مع قيد الوحدة، كان استعماله في الجميع ~~مقتضيا لالغاء اعتبار قيد الوحدة كما ذكرناه، واختصاص اللفظ ببعض الموضوع ~~له أعني: ما سوى الوحدة. فيكون من باب إطلاق اللفظ الموضوع للكل و إرادة ~~الجزء. وهو غير مشترط بشئ مما اشترط في عكسه، فلا إشكال. # PageV00P039 # ولنا على كونه حقيقة في التثنية والجمع: أنهما في قوة تكرير المفرد ~~بالعطف. # والظاهر: اعتبار الاتفاق في اللفظ دون المعنى في المفردات، ألا ترى أنه ~~يقال: # زيدان وزيدون، وما أشبه هذا مع كون المعنى في الآحاد مختلفا. وتأويل ~~بعضهم له بالمسمى تعسف بعيد. وحينئذ، فكما أنه يجوز إرادة المعاني المتعددة ~~من الألفاظ المفردة المتحدة المتعاطفة، على أن يكون كل واحد منها مستعملا ~~في معنى بطريق الحقيقة، فكذا ما هو في قوته. # احتج المانع مطلقا، ms022 بأنه لو جاز استعماله فيهما معا، لكان ذلك بطريق ~~الحقيقة، إذ المفروض: أنه موضوع لكل من المعنيين، وأن الاستعمال في كل ~~منهما (1) بطريق الحقيقة. وإذا كان بطريق الحقيقة، يلزم كونه مريدا لأحدهما ~~خاصة، غير مريد له خاصة، وهو محال. # بيان الملازمة: أن له حينئذ ثلاثة معان: هذا وحده، وهذا وحده، وهما معا، ~~وقد فرض استعماله في جميع معانيه، فيكون مريدا لهذا وحده، ولهذا وحده، ~~ولهما معا. وكونه مريدا لهما معا معناه: أن لا يريد هذا وحده، وهذا وحده. ~~فيلزم من إرادته لهما على سبيل البدلية، الاكتفاء بكل واحد منهما، وكونهما ~~مرادين على الانفراد، ومن إرادة المجموع معا عدم الاكتفاء بأحدهما، وكونهما ~~مرادين على الاجتماع. وهو ما ذكرنا من اللازم. # والجواب: أنه مناقشة لفظية، إذ المراد نفس المدلولين معا، لابقائه لكل ~~واحد منفردا. وغاية ما يمكن حينئذ أن يقال: إن مفهومي المشترك هما منفردين، ~~فإذا استعمل في المجموع، لم يكن مستعملا في مفهوميه، فيرجع البحث إلى تسمية ~~ذلك استعمالا له (2) في مفهوميه، لا إلى إبطال أصل الاستعمال. وذلك قليل ~~الجدوى. # واحتج من خص المنع بالمفرد: بأن التثنية والجمع متعددان في التقدير، فجاز ~~تعدد مدلوليهما، بخلاف المفرد. # PageV00P040 # وأجيب عنه: بأن التثنية والجمع إنما يفيدان تعدد المعنى المستفاد من ~~المفرد. # فان أفاد المفرد التعدد، أفاداه، وإلا، فلا. # وفيه نظر يعلم مما قلناه في حجة ما اخترناه. # والحق أن يقال: إن هذا الدليل إنما يقتضى نفي كون الاستعمال المذكور ~~بالنسبة إلى المفرد حقيقة، وأما نفي صحته مجازا حيث توجد العلاقة (1) ~~المجوزة له، فلا. # واحتج من خص الجواز بالنفي: بأن النفي يفيد العموم فيتعدد، بخلاف ~~الاثبات. # وجوابه: أن النفي إنما هو للمعنى المستفاد عند الاثبات، فإذا لم يكن ~~متعددا فمن أين يجئ التعدد في النفي؟ # حجة مجوزيه حقيقة: أن ما وضع له اللفظ واستعمل فيه هو كل من المعنيين، لا ~~بشرط أن يكون وحده، ولا بشرط كونه مع غيره، على ما هو شأن الماهية لا بشرط ~~شئ، وهو متحقق في حال الانفراد عن الآخر والاجتماع ms023 معه فيكون حقيقة في كل ~~منهما. # والجواب: أن الوحدة تتبادر من المفرد عند إطلاقه، وذلك آية الحقيقة. # وحينئذ، فالمعنى الموضوع له فيه ليس هو الماهية لا بشرط شئ، بل هي بشرط ~~شئ. وأما فيما عداه فالمدعى حق، كما أسفلناه. # وحجة من زعم أنه ظاهر في الجميع عند التجرد عن القرائن، قوله تعالى: # " ألم تر ان الله يسجد له من في السماوات ومن في الأرض والشمس والقمر ~~والنجوم والجبال والشجر والدواب وكثير من الناس " (2). فان السجود من الناس ~~وضع الجبهة على الأرض، ومن غيرهم أمر مخالف لذلك قطعا. وقوله: # " إن الله وملائكته يصلون على النبي " (3). فان الصلاة من الله: المغفرة، # PageV00P041 # ومن الملائكة: الاستغفار. وهما مختلفان. # والجواب من وجوه: # أحدها: أن معنى السجود في الكل واحد، وهو: غاية الخضوع. وكذا (1) في ~~الصلاة وهو الاعتناء باظهار الشرف ولو مجازا. # وثانيها: أن الآية الأولى بتقدير فعل (2)، كأنه قيل: " ويسجد له كثير من ~~الناس "، والثانية بتقدير خبر، كأنه قيل: إن الله يصلى. وإنما جاز هذا ~~التقدير، لان قوله: " يسجد له من في السماوات "، وقوله: " وملائكته يصلون " ~~مقارن له، وهو مثل المحذوف، فكان دالا عليه، مثل قوله (3): # نحن بما عندنا وأنت بما * * * عندك راض والرأي مختلف أي نحن بما عندنا ~~راضون. وعلى هذا، فيكون قد كرر اللفظ، مرادا به في كل مرة معنى، لان المقدر ~~في حكم المذكور. وذلك جائز بالاتفاق. # وثالثها: أنه وإن ثبت الاستعمال فلا يتعين كونه حقيقة، بل نقول: # هو مجاز، لما قدمناه من الدليل. وإن كان المجاز على خلاف الأصل. ولو سلم ~~كونه حقيقة، فالقرينة على إرادة الجميع فيه ظاهرة، فأين وجه الدلالة على ~~ظهوره في ذلك مع فقد القرينة، كما هو المدعى؟ # أصل واختلفوا في استعمال اللفظ في المعنى الحقيقي والمجازي، كاختلافهم في ~~استعمال المشترك في معانيه فمنعه قوم، وجوزه آخرون. ثم اختلف (4) المجوزون ~~فأكثرهم على أنه مجاز. وربما قيل بكونه حقيقة ومجازا بالاعتبارين. # حجة المانعين (5): انه لو جاز استعمال اللفظ في المعنيين، للزم الجمع بين ~~المتنافيين. أما الملازمة، فلان من ms024 شرط المجاز نصب القرينة المانعة عن ~~إرادة # PageV00P042 # الحقيقة، ولهذا قال أهل البيان: إن المجاز ملزوم قرينة معاندة لإرادة ~~الحقيقة، وملزوم معاند الشئ معاند لذلك الشئ وإلا لزم صدق الملزوم بدون ~~اللازم، وهو محال. وجعلوا هذا وجه الفرق بين المجاز والكناية. وحينئذ، فإذا ~~استعمل المتكلم اللفظ فيهما، كان مريدا لاستعماله فيما وضع له، باعتبار ~~إرادة المعنى الحقيقي غير مريد له باعتبار إرادة المعنى المجازي، وهو ما ~~ذكر من اللازم. # وأما بطلانه فواضح. # وحجة المجوزين: أنه ليس بين إرادة الحقيقة وإرادة المجاز معا منافاة. ~~وإذا لم يكن ثم منافاة لم يمتنع اجتماع الإرادتين عند التكلم. # واحتجوا لكونه مجازا: بأن استعماله فيهما (1) استعمال في غير ما وضع له ~~أولا، إذ لم يكن المعنى المجازي داخلا في الموضوع له وهو الآن داخل، فكان ~~مجازا. # واحتج القائل بكونه حقيقة ومجازا: بأن اللفظ مستعمل في كل واحد من ~~المعنيين. والمفروض أنه حقيقة في أحدهما، مجاز في الآخر، فلكل واحد من ~~الاستعمالين حكمه. # وجواب المانعين عن حجة الجواز، ظاهر بعد ما قرروه في وجه التنافي. # وأما الحجتان الأخيرتان، فهما ساقطتان بعد إبطال الأولى. وتزيد الحجة على ~~مجازيته: بأن فيها خروجا عن محل النزاع، إذ موضع البحث هو استعمال اللفظ في ~~المعنيين، على أن يكون كل منهما مناطا للحكم، ومتعلقا للاثبات والنفي، كما ~~مر آنفا في المشترك. وما ذكر في الحجة يدل على أن اللفظ مستعمل (2) في معنى ~~مجازي شامل للمعنى الحقيقي والمجازي الأول، فهو معنى ثالث لهما. # وهذا مما لا نزاع (3) فيه، فان النافي للصحة يجوز إرادة المعنى المجازي ~~الشامل ويسمى ذلك ب‍ " عموم المجاز "، مثل أن تريد ب‍ " وضع القدم " في ~~قولك: " لا أضع قدمي في دار فلان " الدخول، فيتناول دخولها حافيا وهو (4) ~~الحقيقة، وناعلا و # PageV00P043 # راكبا، وهما مجازان. # والتحقيق عندي في هذا المقام: أنهم إن أرادوا بالمعنى الحقيقي الذي ~~يستعمل فيه اللفظ حينئذ تمام الموضوع له حتى مع الوحدة الملحوظة في اللفظ ~~المفرد، كما علم في المشترك، كان القول بالمنع متوجها، لان إرادة المجاز ~~تعانده ms025 من جهتين: منافاتها للوحدة الملحوظة، ولزوم القرينة المانعة، وإن ~~أرادوا به: # المدلول الحقيقي من دون اعتبار كونه منفردا، كما قرر في جواب حجة المانع ~~في المشترك، اتجه القول بالجواز، لان المعنى الحقيقي يصير بعد تعريته عن ~~الوحدة مجازيا للفظ، فالقرينة اللازمة للمجاز لا تعانده. وحيث كان المعتبر ~~في استعمال المشترك هو هذا المعنى، فالظاهر اعتباره هنا (1) أيضا. ولعل ~~المانع في الموضعين بناؤه على الاعتبار (2) الآخر. وكلامه حينئذ متجه، لكن ~~قد عرفت أن النزاع يعود معه لفظيا. ومن هنا يظهر ضعف القول بكونه حقيقة ~~ومجازا حينئذ، فإن المعني الحقيقي لم يرد بكماله، وإنما أريد منه البعض، ~~فيكون اللفظ فيه مجازا أيضا. # PageV00P044 # المطلب الثاني في الأوامر والنواهي وفيه بحثان: PageV00P045 # البحث الأول في الأوامر أصل صيغة " إفعل " وما في معناها (1) حقيقة في ~~الوجوب فقط بحسب اللغة على الأقوى وفاقا لجمهور الأصوليين. وقال قوم: إنها ~~حقيقة في الندب فقط. وقيل: # في الطلب، وهو: القدر المشترك بين الوجوب والندب. وقال علم الهدى (2) رضي ~~الله عنه: إنها مشتركة بين الوجوب والندب اشتراكا لفظيا في اللغة، و أما في ~~العرف الشرعي فهي حقيقة في الوجوب فقط. وتوقف في ذلك قوم فلم يدروا، ~~أللوجوب هي أم للندب. وقيل: هي مشتركة بين ثلاثة أشياء: # الوجوب، والندب، والإباحة. وقيل: هي للقدر المشترك (3) بين هذه الثلاثة ~~وهو الاذن. وزعم قوم: أنها مشتركة بين أربعة أمور، وهي الثلاثة السابقة، ~~والتهديد وقيل فيها أشياء أخر، لكنها شديدة الشذوذ، بينة الوهن، فلا جدوى ~~في التعرض (4) لنقلها. # لنا وجوه: الأول - أنا نقطع بأن (5) السيد إذا قال لعبده: " إفعل كذا " ~~فلم يفعل (6)، عد عاصيا وذمه العقلاء معللين حسن ذمه بمجرد ترك الامتثال، ~~وهو معنى الوجوب. # PageV00P046 # لا يقال: القرائن على إرادة الوجوب في مثله موجودة غالبا، فلعله إنما ~~يفهم منها، لا من مجرد (1) الامر. # لأنا نقول: المفروض فيما ذكرناه (2) انتفاء القرائن، فليقدر كذلك، لو ~~كانت في الواقع موجودة. فالوجدان يشهد ببقاء الذم حينئذ عرفا. وبضميمة ~~أصالة عدم النقل إلى ذلك يتم المطلوب. # الثاني - قوله تعالى مخاطبا لإبليس: ms026 " ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك (3) ". # والمراد بالامر: " اسجدوا " في قوله تعالى: " وإذ قلنا للملائكة: اسجدوا ~~لآدم، فسجدوا إلا إبليس " (4)، فان هذا الاستفهام ليس على حقيقته (5)، ~~لعلمه سبحانه بالمانع، وإنما هو في معرض الانكار والاعتراض، ولولا أن صيغة ~~" اسجدوا " للوجوب لما كان متوجها. # الثالث - قوله تعالى: " فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو ~~يصيبهم عذاب أليم " (6)، حيث هدد سبحانه مخالف الامر، والتهديد دليل ~~الوجوب. # فان قيل: الآية إنما دلت على أن مخالف الامر مأمور بالحذر، ولا دلالة في ~~ذلك على وجوبه إلا بتقدير كون الامر للوجوب، وهو عين المتنازع فيه. # قلنا: هذا الامر للايجاب والالزام قطعا، إذ لا معنى لندب الحذر عن العذاب ~~أو إباحته. ومع التنزل، فلا أقل من دلالته على حسن الحذر حينئذ. ولا ريب ~~أنه إنما يحسن عند قيام المقتضى للعذاب، إذ لو لم يوجد المقتضي، لكان الحذر ~~عنه سفها وعبثا. وذلك محال على الله سبحانه. وإذا ثبت وجود المقتضي، ثبت أن ~~الامر للوجوب، لان (7) المقتضي للعذاب هو مخالفة الواجب، لا المندوب. # PageV00P047 # فان قيل: هذا الاستدلال مبني على أن المراد بمخالفة الامر ترك المأمور ~~به، وليس كذلك. بل المراد بها حمله على ما يخالفه بأن يكون للوجوب أو ~~الندب، فيحمل على غيره. # قلنا: المتبادر إلى الفهم من المخالفة هو ترك الامتثال والآتيان بالمأمور ~~به. و أما المعنى الذي ذكرتموه فبعيد عن الفهم، غير متبادر عند إطلاق ~~اللفظ، فلا يصار إليه إلا بدليل. وكأنها في الآية اعتبرت متضمنة معنى ~~الاعراض، فعديت ب‍ " عن ". # فان قيل: قوله في الآية: " عن أمره "، مطلق فلا يعم (1)، والمدعى إفادته ~~الوجوب في جميع الأوامر بطريق العموم (2). # قلنا: إضافة المصدر عند عدم العهد للعموم، مثل " ضرب زيد " و " أكل عمرو ~~". وآية ذلك جواز الاستثناء منه، فإنه (3) يصح أن يقال في الآية: فليحذر ~~الذين يخالفون عن أمره إلا الامر الفلاني. على أن الاطلاق كاف في المطلوب، ~~إذ لو كان حقيقة في غير الوجوب أيضا، لم يحسن الذم والوعيد والتهديد على ~~مخالفة مطلق الامر. ms027 # الرابع: قوله تعالى: " وإذا قيل لهم اركعوا لا يركعون (4) "، فإنه سبحانه ~~ذمهم على مخالفتهم للامر، ولولا أنه للوجوب لم يتوجه الذم. # وقد اعترض أولا بمنع كون الذم على ترك المأمور به، بل على تكذيب الرسل في ~~التبليغ، بدليل قوله تعالى: " ويل يومئذ للمكذبين (5) ". # وثانيا: بأن الصيغة تفيد (6) الوجوب عند انضمام القرينة إليها إجماعا، ~~فلعل الامر بالركوع كان مقترنا بما يقتضي كونه للوجوب. # وأجيب عن الأول: بأن المكذبين إما أن يكونوا هم الذين لم يركعوا عقيب # PageV00P048 # أمرهم به، أو غيرهم. فان كان الأول، جاز أن يستحقوا الذم بترك الركوع، ~~والويل بواسطة التكذيب، فان الكفار عندنا معاقبون على الفروع كعقابهم على ~~الأصول، وإن كانوا غيرهم لم يكن اثبات الويل لقوم بسبب تكذيبهم منافيا لذم ~~قوم بتركهم ما أمروا به. # وعن الثاني: بأنه تعالى رتب الذم على مجرد مخالفة الامر، فدل على أن ~~الاعتبار به، لا بالقرينة. # احتج (1) القائلون بأنه (2) للندب بوجهين: # أحدهما: قوله صلى الله عليه وآله: " إذا أمرتكم بشئ فأتوا منه ما استطعتم ~~(3) ". وجه الدلالة: أنه رد الاتيان بالمأمور به إلى مشيتنا، وهو معنى ~~الندب. # وأجيب (4) بالمنع من رده إلى مشيتنا، وإنما رده إلى استطاعتنا، وهو معنى ~~الوجوب. # وثانيهما (5): أن أهل اللغة قالوا: لا فارق بين السؤال والامر إلا ~~بالرتبة، فان رتبة (6) الآمر أعلى من رتبة السائل، والسؤال إنما يدل على ~~الندب، فكذلك الامر، إذ لو دل الامر على الايجاب لكان بينهما فرق آخر. وهو ~~خلاف ما نقلوه. # وأجيب: أن القائل بكون الامر للايجاب، يقول: إن (7) السؤال يدل عليه ~~أيضا، لان صيغة " إفعل " عنده موضوعة لطلب الفعل مع المنع من الترك، وقد ~~استعملها السائل فيه. لكنه لا يلزم منه الوجوب، إذ الوجوب إنما يثبت ~~بالشرع، ولذلك لا يلزم المسؤول القبول. وفيه نظر. # والتحقيق: أن (8) النقل المذكور عن أهل اللغة غير ثابت، بل صرح بعضهم # PageV00P049 # بعدم صحته. # حجة القائلين بأنه للقدر المشترك: أن الصيغة استعملت تارة في الوجوب، ~~كقوله تعالى: " أقيموا الصلاة " (1)، وأخرى في الندب، كقوله: " فكاتبوهم " ~~(2)، فان كانت موضوعة لكل منهما ms028 لزم الاشتراك أو لأحدهما فقط لزم المجاز، ~~فيكون حقيقة في القدر المشترك بينهما، وهو طلب الفعل، دفعا (3) للاشتراك ~~والمجاز. # والجواب: أن المجاز، وإن كان مخالفا للأصل، لكن (4) يجب المصير إليه إذا ~~دل الدليل عليه. وقد بينا بالأدلة السابقة أنه حقيقة في الوجوب بخصوصه، ~~فلابد من كونه مجازا فيما عداه، وإلا لزم الاشتراك المخالف للأصل المرجوح ~~بالنسبة إلى المجاز، إذا تعارضا. على أن المجاز لازم بتقدير وضعه للقدر ~~المشترك أيضا، لان استعماله في كل واحد من المعنيين بخصوصه مجاز، حيث لم ~~يوضع له اللفظ بقيد الخصوصية، فيكون استعماله فيه معها استعمالا في غير ما ~~وضع له. # فالمجاز لازم في غير صورة الاشتراك، سواء جعل حقيقة ومجازا، أو للقدر ~~المشترك. # ومع ذلك فالتجوز اللازم بتقدير الحقيقة والمجاز أقل منه بتقدير القدر ~~المشترك، لأنه في الأول مختص بأحد المعنيين، وفي الثاني حاصل فيهما. # وربما توهم تساويهما، باعتبار أن استعماله في القدر المشترك على الأول ~~مجاز، فيكون مقابلا لاستعماله في المعنى الآخر على الثاني، فيتساويان. # وليس كما توهم، لان الاستعمال في القدر المشترك، إن وقع، فعلى غاية ~~الندرة والشذوذ، فأين (5) هو من اشتهار الاستعمال في كل من المعنيين ~~وانتشاره. # وإذا ثبت أن التجوز اللازم على التقدير الأول أقل، كان بالترجيح - لو لم ~~يقم عليه الدليل أحق. # احتج السيد المرتضى (6) - رضي الله عنه - على أنها مشتركة لغة بأنه لا ~~شبهة # PageV00P050 # في استعمال صيغة الامر في الايجاب والندب معا في اللغة، والتعارف (1)، ~~والقرآن، والسنة، وظاهر الاستعمال يقتضى الحقيقة، وإنما يعدل عنها بدليل. # قال: " وما استعمال اللفظة الواحدة في الشيئين أو الأشياء إلا كاستعمالها ~~في الشئ الواحد في الدلالة على الحقيقة ". # واحتج على كونها حقيقة في الوجوب بالنسبة إلى العرف الشرعي: بحمل الصحابة ~~كل أمر ورد في القرآن أو السنة على الوجوب، وكان يناظر بعضهم بعضا في مسائل ~~مختلفة، ومتى أورد أحدهم على صاحبه أمرا من الله سبحانه أو من رسوله (2)، ~~صلى الله عليه وآله، لم يقل صاحبه هذا أمر، والامر يقتضي الندب، أو الوقف ~~بين الوجوب ms029 والندب، بل اكتفوا في اللزوم والوجوب بالظاهر. وهذا معلوم ضرورة ~~من عاداتهم ومعلوم أيضا: أن ذلك من شأن التابعين لهم، و تابعي التابعين. ~~فطال ما اختلفوا وتناظروا، فلم يخرجوا عن القانون الذي ذكرناه. وهذا يدل ~~على قيام الحجة عليهم بذلك حتى جرت عادتهم، وخرجوا عما يقتضيه مجرد وضع ~~اللغة في هذا الباب. # قال - رحمه الله -: " وأما أصحابنا، معشر الامامية، فلا يختلفون في هذا ~~الحكم الذي ذكرناه، وإن اختلفوا في أحكام هذه الألفاظ في موضوع اللغة، ولم ~~يحملوا قط ظواهر هذه الألفاظ إلا على ما بيناه، ولم يتوقفوا عل الأدلة. وقد ~~بينا في مواضع من كتبنا: أن إجماع أصحابنا حجة ". # والجواب عن احتجاجه الأول: أنا قد بينا (3) أن الوجوب هو المتبادر من ~~إطلاق الامر عرفا. ثم إن مجرد استعمالها في الندب لا يقتضي كونه حقيقة ~~أيضا، بل يكون مجازا، لوجود أمارته، وكونه خيرا من الاشتراك. وقوله: " إن ~~استعمال اللفظة الواحدة في الشيئين أو الأشياء كاستعمالها في الشئ الواحد ~~في الدلالة على الحقيقة "، إنما يصح إذا تساوت نسبة اللفظة إلى الشيئين أو ~~الأشياء في # PageV00P051 # الاستعمال، أما مع التفاوت (1) بالتبادر وعدمه أو بما أشبه هذا من علامات ~~الحقيقة والمجاز، فلا. وقد بينا ثبوت التفاوت. # وأما احتجاجه على أنه في العرف الشرعي للوجوب، فيحقق ما ادعيناه، إذ ~~الظاهر أن حملهم له على الوجوب إنما هو لكونه له لغة، ولأن تخصيص ذلك ~~بعرفهم يستدعي تغيير اللفظ عن موضوعه اللغوي، وهو مخالف للأصل. هذا، ولا ~~يذهب عليك أن ما ادعاه (2) في أول الحجة، [من] استعمال (3) الصيغة للوجوب ~~والندب في القرآن والسنة، مناف لما ذكره (4) من حمل الصحابة كل امر ورد في ~~القرآن أو السنة على الوجوب، فتأمل!. # احتج الذاهبون إلى التوقف: بأنه لو ثبت كونه موضوعا لشئ من المعاني، لثبت ~~بدليل، واللازم منتف، لان الدليل إما العقل، ولا مدخل له، وإما النقل، وهو ~~إما الآحاد، ولا يفيد العلم، أو التواتر، والعادة تقتضي بامتناع عدم ~~الاطلاع على التواتر ممن يبحث ويجتهد في الطلب. فكان الواجب أن لا ms030 يختلف ~~فيه. # والجواب: منع الحصر، فان ههنا قسما آخر، وهو ثبوته بالأدلة التي قدمناها، ~~ومرجعها إلى تتبع مظان استعمال اللفظ والامارات الدالة على المقصود به عند ~~الاطلاق. # حجة من قال بالاشتراك بين ثلاثة أشياء (5): استعماله فيها، على حذو ما ~~سبق في احتجاج السيد " ره " على الاشتراك بين الشيئين. والجواب، الجواب. # وحجة (6) القائل بأنه للقدر المشترك بين الثلاثة وهو الاذن، كحجة من قال ~~بأنه (7) لمطلق الطلب: وهو القدر (8) المشترك بين الوجوب والندب. وجوابها ~~كجوابها. # PageV00P052 # واحتج من زعم أنها مشتركة بين الأمور الأربعة بنحو ما تقدم في احتجاج من ~~قال بالاشتراك، وجوابه مثل جوابه. # فائدة يستفاد من تضاعيف أحاديثنا المروية عن الأئمة عليهم السلام: أن ~~استعمال صيغة الامر في الندب كان شايعا في عرفهم، بحيث صار من المجازات ~~الراجحة المساوي احتمالها من اللفظ لاحتمال الحقيقة عند انتفاء المرجح ~~الخارجي، فيشكل التعلق في إثبات وجوب أمر بمجرد ورود الامر به منهم (1) ~~عليهم السلام. # أصل الحق (2) أن صيغة الامر بمجردها، لا إشعار فيها بوحدة ولا تكرار، ~~وإنما تدل (3) على طلب الماهية. وخالف في ذلك قوم فقالوا (4): بإفادتها ~~التكرار، ونزلوها منزلة أن يقال: " إفعل أبدا "، وآخرون فجعلوها للمرة من ~~غير زيادة عليها، وتوقف في ذلك جماعة فلم يدروا لأيهما هي. # لنا: أن المتبادر من الامر طلب إيجاد حقيقة الفعل، والمرة والتكرار ~~خارجان عن حقيقته، كالزمان والمكان ونحوهما. فكما (5) أن قول القائل: " ~~إضرب " غير متناول لمكان ولا زمان ولا آلة يقع بها الضرب، كذلك غير متناول ~~للعد في (6) كثرة ولا قلة. نعم لما كان أقل ما يمتثل به الامر هو المرة، لم ~~يكن (7) بد من كونها مرادة، ويحصل بها الامتثال، لصدق الحقيقة التي هي ~~المطلوبة بالامر بها. # وبتقرير آخر: وهو أنا نقطع بأن المرة والتكرار من صفات الفعل، أعني ~~المصدر، كالقليل والكثير، لأنك تقول: اضرب ضربا قليلا، أو كثيرا، أو # PageV00P053 # مكررا، أو غير مكرر، فتقيده بالصفات (1) المختلفة. ومن المعلوم أن ~~الموصوف بالصفات المتقابلة لا دلالة له على خصوصية شئ منها. ثم إنه لا خفاء ~~في أنه ms031 ليس المفهوم من الامر إلا طلب إيجاد الفعل أعني المعنى المصدري، ~~فيكون معنى " إضرب " مثلا طلب ضرب ما، فلا يدل (2) على صفة الضرب، من تكرار ~~أو مرة أو نحو ذلك. # وما يقال: من أن هذا إنما يدل على عدم إفادة الامر الوحدة أو التكرار ~~بالمادة، فلم لا يدل عليهما بالصيغة؟. # فجوابه: أنا قد بينا انحصار مدلول الصيغة بمقتضى حكم التبادر في طلب ~~إيجاد الفعل. وأين هذا عن الدلالة على الوحدة أو التكرار؟. # احتج الأولون بوجوه: # أحدها: أنه لو لم تكن للتكرار، لما تكرر الصوم والصلاة. وقد تكررا قطعا. # والثاني: أن النهي يقتضي التكرار، فكذلك الامر، قياسا عليه، بجامع ~~اشتراكهما في الدلالة على الطلب. # والثالث: أن الامر بالشئ نهي عن ضده، والنهي يمنع عن المنهي عنه دائما، ~~فيلزم التكرار في المأمور به. # والجواب عن الأول: المنع من الملازمة، إذ لعل التكرار إنما فهم من دليل ~~آخر، سلمنا، لكنه معارض بالحج، فإنه قد أمر به، ولا تكرار. # وعن الثاني من وجهين: أحدهما - أنه قياس في اللغة، وهو باطل، وإن قلنا ~~بجوازه في الاحكام. وثانيهما - بيان الفارق، فان النهي يقتضي انتفاء ~~الحقيقة، وهو إنما يكون بانتفائها في جميع الأوقات، والامر يقتضي إثباتها ~~وهو يحصل بمرة، و أيضا التكرار في الامر مانع من (3) فعل غير المأمور به. ~~بخلافه في النهي، إذ التروك تجتمع وتجامع (4) كل فعل. # PageV00P054 # وعن الثالث: بعد تسليم كون الامر بالشئ نهيا عن ضده، أو تخصيصه بالضد ~~العام وإرادة الترك منه، منع كون النهي الذي في ضمن الامر مانعا عن المنهي ~~عنه دائما، بل يتفرع على الامر الذي هو في ضمنه، فان كان ذلك دائما فدائما، ~~وإن كان في وقت، ففي وقت. مثلا الامر بالحركة دائما يقتضي المنع من (1) ~~السكون دائما، والامر بالحركة في ساعة يقتضي المنع من السكون فيها، لا ~~دائما. # واحتج من قال بالمرة بأنه إذا قال السيد لعبده: أدخل الدار، فدخلها مرة ~~عد ممتثلا عرفا، ولو كان للتكرار لما عد والجواب: أنه إنما صار ممتثلا، لان ~~المأمور به - وهو ms032 الحقيقة - حصل بالمرة، لا لان الامر ظاهر في المرة ~~بخصوصها، إذ لو كان كذلك لم يصدق الامتثال فيما بعدها (2). ولا ريب في ~~شهادة العرف بأنه لو أتى بالفعل مرة ثانية وثالثة لعد ممتثلا وآتيا ~~بالمأمور به. وما ذاك إلا لكونه موضوعا للقدر المشترك بين الوحدة والتكرار، ~~وهو طلب إيجاد الحقيقة، وذلك يحصل بأيهما وقع. # واحتج المتوقفون: بمثل ما مر، من أنه لو ثبت، لثبت بدليل، والعقل لا مدخل ~~له، والآحاد لا تفيد، والتواتر يمنع الخلاف. # والجواب: على سنن ما سبق بمنع حصر الدليل فيما ذكر، فان سبق المعنى إلى ~~الفهم من اللفظ أمارة وضعه له، وعدمه دليل على عدمه. وقد بينا أنه لا ~~يتبادر من الامر إلا طلب إيجاد الفعل، وذلك كاف في إثبات مثله. # أصل ذهب الشيخ - رحمه الله - وجماعة إلى أن الامر المطلق يقتضى الفور ~~والتعجيل، فلو أخر المكلف عصى. وقال السيد - رضي الله - (3) هو مشترك بين # PageV00P055 # الفور والتراخي (1)، فيتوقف في تعيين المراد منه على دلالة تدل (2) على ~~ذلك. # وذهب جماعة، منهم المحقق أبو القاسم ابن سعيد (3)، والعلامة (4) - رحمهما ~~الله تعالى إلى أنه لا يدل على الفور، ولا على التراخي، بل على مطلق الفعل، ~~وأيهما حصل كان مجزيا. وهذا هو الأقوى. # لنا: نظير ما تقدم في التكرار، من أن مدلول الامر طلب حقيقة الفعل، ~~والفور والتراخي خارجان عنها (5)، وأن الفور والتراخي من صفات الفعل، فلا ~~دلالة له عليهما. # حجة القول بالفور أمور ستة: # الأول - أن السيد إذا قال لعبده: اسقني، فأخر العبد السقي من غير عذر، عد ~~عاصيا، وذلك معلوم من العرف. ولولا (6) إفادته الفور، لم يعد عاصيا (7). # وأجيب عنه: بأن ذلك إنما يفهم بالقرينة، لان العادة قاضية بأن طلب السقي ~~إنما يكون عند الحاجة إليه عاجلا، ومحل النزاع ما تكون (8) الصيغة فيه ~~مجردة. # الثاني (9) أنه تعالى ذم إبليس لعنه الله، على ترك (10) السجود لآدم عليه ~~السلام، بقوله سبحانه (11): " ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك " (12) ولو لم يكن ~~الامر للفور لم يتوجه عليه الذم، ولكان له أن يقول: ms033 إنك لم تأمرني بالبدار، ~~وسوف أسجد. # والجواب: أن الذم باعتبار كون الامر مقيدا بوقت معين. ولم يأت بالفعل ~~فيه. والدليل على التقييد قوله تعالى: " فإذا سويته ونفخت فيه من روحي ~~فقعوا له ساجدين " (13). # PageV00P056 # الثالث (1) أنه لو شرع التأخير لوجب أن يكون إلى وقت معين، واللازم منتف. ~~أما الملازمة، فلانه لولاه لكان إلى آخر أزمنة الامكان اتفاقا، ولا يستقيم، ~~لأنه غير معلوم، والجهل به يستلزم التكليف (2) بالمحال (3)، إذ يجب على ~~المكلف حينئذ أن لا يؤخر الفعل عن وقته، مع أنه لا يعلم ذلك الوقت الذي كلف ~~بالمنع عن التأخير عنه. وأما انتفاء اللازم فلانه ليس في الامر إشعار ~~بتعيين الوقت، ولا عليه دليل من خارج. # والجواب: من وجهين: أحدهما - النقض بما لو صرح بجواز التأخير، إذ لا نزاع ~~في إمكانه. وثانيهما - أنه إنما يلزم تكليف المحال لو كان التأخير متعينا، ~~إذ يجب حينئذ تعريف الوقت الذي يؤخر إليه. وأما إذا كان ذلك (4) جائزا فلا، ~~لتمكنه من الامتثال بالمبادرة، فلا يلزم التكليف بالمحال. # الرابع قوله تعالى: " وسارعوا إلى مغفرة من ربكم (5) "، فان المراد ~~بالمغفرة سببها، وهو فعل المأمور به، لا حقيقتها، لأنها فعل الله سبحانه، ~~فيستحيل مسارعة العبد إليها، وحينئذ فتجب المسارعة إلى فعل المأمور به. ~~وقوله تعالى: " فاستبقوا الخيرات (6) "، فان فعل المأمور به من الخيرات، ~~فيجب الاستباق إليه. وإنما يتحقق المسارعة والاستباق بأن يفعل بالفور. # وأجيب: بأن ذلك محمول على أفضلية المسارعة والاستباق، لا على وجوبهما، ~~وإلا لوجب الفور، فلا يتحقق المسارعة والاستباق، لأنهما إنما يتصوران في ~~الموسع دون المضيق، ألا ترى (7) أنه لا يقال، لمن قيل له " صم غدا "، فصام: ~~" إنه سارع إليه واستبق ". والحاصل: أن العرف قاض بأن الاتيان بالمأمور به ~~في الوقت الذي لا يجوز تأخيره عنه لا يسمى مسارعة واستباقا (8)، فلابد من ~~حمل الامر في الآيتين # PageV00P057 # على الندب، وإلا لكان مفاد الصيغة فيهما منافيا لما تقتضيه (1) المادة. ~~وذلك ليس بجائز فتأمل!. # الخامس - أن كل مخبر كالقائل: " زيد قائم، وعمرو عالم (2) "، وكل منشئ ~~كالقائل: " هي طالق، وأنت حر ms034 "، وإنما يقصد الزمان الحاضر. فكذلك الامر، ~~إلحاقا له بالأعم الأغلب. # وجوابه: أما أولا فبأنه قياس في اللغة، لأنك قست الامر في إفادته الفور ~~على غيره من الخبر والانشاء، وبطلانه بخصوصه ظاهر. وأما ثانيا فبالفرق ~~بينهما بأن الامر لا يمكن توجهه إلى الحال، إذ الحاصل لا يطلب، بل ~~الاستقبال (3)، إما مطلقا، وإما الأقرب إلى الحال الذي هو عبارة عن الفور، ~~وكلاهما محتمل، فلا يصار إلى الحمل على الثاني إلا لدليل (4). # السادس - أن النهي يفيد الفور، فيفيده الامر، لأنه طلب مثله. وأيضا الامر ~~بالشئ نهي عن أضداده (5)، وهو يقتضى الفور بنحو ما مر في التكرار آنفا (6). # وجوابه: يعلم من الجواب السابق، فلا يحتاج إلى تقريره. # احتج السيد (7) رحمه الله - بأن الامر قد يرد في القرآن واستعمال أهل ~~اللغة و يراد به الفور، وقد يرد ويراد به التراخي. وظاهر استعمال اللفظة في ~~شيئين يقتضي أنها حقيقة فيهما ومشتركة بينهما. وأيضا فإنه يحسن بلا شبهة أن ~~يستفهم المأمور - مع فقد العادات والامارات -: هل أريد منه التعجيل أو ~~التأخير؟ # والاستفهام لا يحسن إلا مع الاحتمال في اللفظ. # والجواب: أن الذي يتبادر من إطلاق الامر ليس إلا طلب الفعل. وأما الفور ~~والتراخي فإنهما يفهمان من لفظه بالقرينة. ويكفي في حسن الاستفهام كونه # PageV00P058 # موضوعا للمعنى الأعم، إذ قد يستفهم عن أفراد المتواطي لشيوع التجوز به عن ~~أحدها، فيقصد بالاستفهام رفع الاحتمال. ولهذا يحسن فيما نحن فيه أن يجاب ~~بالتخيير بين الامرين، حيث يراد المفهوم من حيث هو، من (1) دون أن يكون فيه ~~خروج عن مدلول اللفظ. ولو كان موضوعا لكل واحد منهما بخصوصه، لكان في إرادة ~~التخيير بينهما منه خروج عن ظاهر اللفظ وارتكاب للتجوز، ومن المعلوم خلافه. # فائدة إذا قلنا: بأن الامر للفور، ولم يأت المكلف بالمأمور به في أول ~~أوقات الامكان، فهل يجب عليه الاتيان به في الثاني أم لا؟ ذهب إلى كل فريق. # احتجوا للأول: بأن الامر يقتضى كون المأمور فاعلا على الاطلاق، وذلك يوجب ~~استمرار الامر. وللثاني: بأن قوله: إفعل يجري مجرى قوله: ms035 إفعل في الآن ~~الثاني من الامر، ولو صرح بذلك، لما وجب الاتيان به فيما بعد. هكذا نقل ~~المحقق والعلامة الاحتجاج، ولم يرجحا شيئا. # وبنى العلامة الخلاف على أن قول القائل: افعل، هل معناه: إفعل في الوقت ~~الثاني، فان عصيب ففي الثالث؟، وهكذا. أو معناه: إفعل في الزمن (2) الثاني، ~~من غير بيان حال الزمن (3) الثالث وما بعده؟. فان قلنا بالأول اقتضى الامر ~~الفعل في جميع الأزمان، وإن قلنا بالثاني لم يقتضيه، فالمسألة لغوية. وقد ~~سبقه إلى مثل هذا الكلام بعض العامة. # وهو وإن كان صحيحا إلا أنه قليل الجدوى، إذ الاشكال إنما هو في مدرك ~~الوجهين الذين بنى عليهما الحكم، لا فيهما. فكان الواجب أن يبحث عنه. # والتحقيق في ذلك: أن الأدلة التي استدلوا بها على أن الامر للفور ليس ~~مفادها، # PageV00P059 # على تقدير تسليمها، متحدا. بل منها ما يدل على أن الصيغة بنفسها تقتضيه، ~~وهو أكثرها. ومنها ما لا يدل على ذلك، وإنما يدل على وجوب المبادرة إلى ~~امتثال الامر، وهو الآيات المأمور فيها بالمسارعة والاستباق. # فمن اعتمد في استدلاله على الأولى، ليس له عن القول بسقوط الوجوب حيث ~~يمضي أول أوقات الامكان مفر، لان إرادة الوقت الأول على ذلك التقدير بعض ~~مدلول صيغة الامر، فكان بمنزلة أن يقول: " أوجبت عليك الامر الفلاني في أول ~~أوقات الامكان " ويصير من قبيل الموقت. ولا ريب في فواته بفوات وقته. # ومن اعتمد على الأخيرة، فله أن يقول بوجوب الاتيان بالفعل في الثاني، لان ~~الامر اقتضى (1) باطلاقه وجوب الاتيان بالمأمور به في أي وقت كان، و إيجاب ~~المسارعة والاستباق لم يصيره موقتا وإنما اقتضى وجوب المبادرة، فحيث يعصي ~~المكلف بمخالفته، يبقى مفاد الامر الأول بحاله. هذا. # والذي يظهر من مساق كلامهم: إرادة المعنى الأول، فينبغي حينئذ القول ~~بسقوط الوجوب. # أصل الأكثرون على أن الامر بالشئ مطلقا يقتضى إيجاب ما لا يتم إلا به ~~شرطا كان أو سببا أو غيرهما مع كونه مقدورا، وفصل بعضهم فوافق في السبب ~~وخالف في غيره، فقال: بعدم وجوبه. واشتهرت حكاية ms036 هذا القول عن المرتضى، رضي ~~الله عنه وكلامه في الذريعة والشافي غير مطابق للحكاية. ولكنه يوهم ذلك في ~~بادي الرأي، حيث حكى فيهما عن بعض العامة إطلاق القول بأن الامر بالشئ أمر ~~بما لا يتم إلا به. وقال (2): " إن الصحيح في ذلك التفصيل بأنه إن كان الذي ~~لا يتم الشئ إلا به سببا، فالامر بالمسبب يجب أن يكون أمرا به. و إن كان ~~غير سبب، وإنما هو مقدمة للفعل وشرط فيه، لم يجب أن يعقل من مجرد # PageV00P060 # الامر أنه أمر به ". # ثم أخذ في الاحتجاج لما صار إليه، وقال في جملته: " إن الامر ورد في ~~الشريعة على ضربين: أحدهما يقتضي إيجاب الفعل دون مقدماته، كالزكاة والحج، ~~فإنه لا يجب علينا أن نكتسب المال، ونحصل النصاب، ونتمكن (1) من الزاد ~~والراحلة. والضرب الآخر يجب فيه مقدمات الفعل كما يجب هو في نفسه (2)، وهو ~~الصلاة وما جرى مجراها بالنسبة إلى الوضوء. فإذا انقسم الامر في الشرع إلى ~~قسمين، فكيف نجعلهما قسما واحدا "؟، وفرق في ذلك بين السبب وغيره، بأنه ~~محال أن يوجب علينا المسبب بشرط اتفاق وجود السبب، إذ مع وجود السبب لابد ~~من وجود المسبب، إلا أن يمنع مانع. ومحال أن يكلفنا الفعل بشرط وجود الفعل، ~~بخلاف مقدمات الافعال. # فإنه يجوز أن يكلفنا (3) الصلاة بشرط أن يكون قد تكلفنا الطهارة، كما في ~~الزكاة والحج. وبنى على هذا في الشافي نقض استدلال المعتزلة لوجوب نصب ~~الإمام على الرعية، بأن إقامة الحدود واجبة، ولا يتم إلا به. # وهذا كما تراه، ينادي بالمغايرة للمعنى المعروف في كتب الأصول المشهورة ~~لهذا الأصل. وما اختاره السيد فيه محل تأمل، وليس التعرض لتحقيق حاله هنا ~~بمهم. # فلنعد إلى البحث في المعنى المعروف، والحجة لحكم السبب فيه: أنه ليس محل ~~خلاف يعرف، بل ادعى بعضهم فيه الاجماع، وأن القدرة غير حاصلة مع المسببات ~~فيبعد تعلق التكليف بها وحدها. بل قد قيل إن الوجوب في الحقيقة لا يتعلق ~~بالمسببات، لعدم تعلق القدرة بها. أما بدون الأسباب فلامتناعها، وأما معها ~~فلكونها ms037 حينئذ لازمة لا يمكن تركها. فحيث ما يرد أمر متعلق ظاهرا بمسبب فهو ~~بحسب الحقيقة متعلق بالسبب، فالواجب حقيقة هو، وإن كان # PageV00P061 # في الظاهر وسيلة له. # وهذا الكلام عندي منظور فيه، لان المسببات وإن كانت (1) القدرة لا تتعلق ~~بها ابتداء (2)، لكنها تتعلق بها بتوسط الأسباب، وهذا القدر كاف في جواز ~~التكليف بها. ثم إن انضمام الأسباب إليها في التكليف يرفع ذلك الاستبعاد ~~المدعى في حال الانفراد. # ومن ثم حكى بعض الأصوليين القول بعدم الوجوب فيه أيضا عن بعض. # ولكنه غير معروف. # وعلى كل حال، فالذي أراه: أن البحث في السبب قليل الجدوى، لان تعلق (3) ~~الامر بالمسبب نادر، وأثر الشك في وجوبه هين. # وأما غير السبب، فالأقرب عندي فيه قول المفصل، لنا: أنه ليس لصيغة الامر ~~دلالة على إيجابه بواحدة من الثلاث، وهو ظاهر. ولا يمتنع عند العقل تصريح ~~الآمر بأنه غير واجب، والاعتبار الصحيح بذلك شاهد. ولو كان الامر مقتضيا ~~لوجوبه لامتنع التصريح بنفيه. # احتجوا: بأنه لو لم يقتض الوجوب في غير السبب أيضا، للزم اما تكليف مالا ~~يطاق أو خروج الواجب عن كونه واجبا. والتالي بقسميه باطل. بيان الملازمة: # أنه مع انتفاء الوجوب - كما هو المفروض - يجوز تركه. وحينئذ فان بقي ذلك ~~الواجب واجبا لزم (4) تكليف ما لا يطاق، إذ حصوله حال عدم ما يتوقف عليه ~~ممتنع. وإن لم يبق واجبا خرج الواجب المطلق عن كونه واجبا مطلقا. وبيان ~~بطلان كل من قسمي اللازم ظاهر. وأيضا، فان العقلاء لا يرتابون في ذم تارك ~~المقدمة مطلقا. وهو دليل الوجوب. # والجواب عن الأول، بعد القطع ببقاء الوجوب، أن المقدور كيف يكون # PageV00P062 # ممتنعا؟ والبحث إنما هو في المقدور، وتأثير الايجاب في القدرة غير معقول. # والحكم بجواز الترك هنا عقلي لا شرعي، لان الخطاب به عبث، فلا يقع من ~~الحكيم. وإطلاق القول فيه يوهم إرادة المعنى الشرعي فينكر. وجواز تحقق ~~الحكم العقلي هنا دون الشرعي يظهر بالتأمل (1). # وعن الثاني: منع كون الذم على ترك المقدمة، وإنما هو على ترك الفعل ~~المأمور به، حيث ms038 لا ينفك عن تركها. # أصل الحق أن الامر بالشئ على وجه الايجاب لا يقتضي النهي عن ضده الخاص ~~لفظا ولا معنى. # وأما العام، فقد يطلق ويراد به أحد الأضداد الوجودية لا بعينه، وهو راجع ~~إلى الخاص، بل هو عينه في الحقيقة، فلا يقتضي النهي عنه أيضا (2). وقد يطلق ~~و يراد به الترك. وهذا يدل الامر على النهي عنه بالتضمن. # وقد كثر الخلاف في هذا الأصل، واضطرب كلامهم في بيان محله من المعاني ~~المذكورة للضد (3)، فمنهم: من جعل النزاع في الضد العام بمعناه المشهور - ~~أعني الترك - وسكت عن الخاص. ومنهم: من أطلق لفظ الضد ولم يبين المراد منه. ~~ومنهم: # من قال: إن النزاع (4) إنما هو في الضد الخاص. وأما العام بمعنى الترك ~~فلا خلاف فيه، إذ لو لم يدل الامر بالشئ على النهي عنه، لخرج (5) الواجب عن ~~كونه واجبا. # وعندي في هذا نظر، لان النزاع ليس بمنحصر في إثبات الاقتضاء ونفيه، ~~ليرتفع في الضد العام باعتبار استلزام نفي الاقتضاء فيه خروج الواجب عن ~~كونه واجبا، بل الخلاف واقع على القول بالاقتضاء في أنه هل هو عينه أو ~~مستلزمه (6) كما # PageV00P063 # ستسمعه. وهذا النزاع ليس ببعيد عن الضد العام، بل هو إليه أقرب. # ثم إن محصل الخلاف هنا: أنه ذهب قوم إلى أن الامر بالشئ عين النهي عن ضده ~~في المعنى. وآخرون إلى أنه يستلزمه (1)، وهم: بين مطلق للاستلزام (2)، و ~~مصرح بثبوته لفظا. وفصل بعضهم، فنفى الدلالة لفظا وأثبت اللزوم معنى، مع ~~تخصيصه لمحل النزاع بالضد الخاص. # لنا على عدم الاقتضاء في الخاص لفظا: أنه لو دل لكانت واحدة من الثلاث، ~~وكلها منتفية. # أما المطابقة، فلان مفاد الامر لغة وعرفا هو الوجوب، على ما سبق تحقيقه. ~~و حقيقة الوجوب ليست إلا رجحان الفعل مع المنع من الترك. وليس هذا معنى ~~النهي عن الضد الخاص ضرورة. # وأما التضمن، فلان جزءه هو المنع من الترك. ولا ريب في مغايرته للأضداد ~~الوجودية المعبر عنها بالخاص. # وأما الالتزام، فلان شرطها اللزوم العقلي أو العرفي. ونحن نقطع بأن ms039 تصور ~~معنى صيغة الامر لا يحصل منه الانتقال إلى تصور الضد الخاص، فضلا عن النهي ~~عنه. # ولنا على انتفائه معنى: ما سنبينه، من ضعف متمسك مثبتيه (3)، وعدم قيام ~~دليل صالح سواه عليه. # ولنا على الاقتضاء في العام بمعنى الترك: ما علم من أن ماهية الوجوب ~~مركبة من أمرين، أحدهما المنع من الترك. فصيغة الامر الدالة على الوجوب ~~دالة على النهي عن الترك بالتضمن، وذلك واضح. # احتج (4) الذاهب إلى أنه عين النهي عن الضد: بأنه لو لم يكن نفسه، لكان ~~إما مثله، أو ضده، أو خلافه، واللازم بأقسامه باطل. # PageV00P064 # بيان الملازمة: أن كل متغايرين إما أن يكونا متساويين في الصفات النفسية، ~~أو لا - والمراد بالصفات (1) النفسية: ما لا يفتقر اتصاف الذات بها إلى ~~تعقل أمر زائد، كالانسانية للانسان. وتقابلها (2) المعنوية المفتقرة إلى ~~تعقل أمر زائد، كالحدوث والتحيز له - فان تساويا فيها، فمثلان، كسوادين ~~وبياضين. و إلا، فاما أن يتنافيا بأنفسهما، بأن يمتنع اجتماعهما في محل ~~واحد بالنظر إلى ذاتيهما، أو لا. فان تنافيا كذلك، فضدان، كالسواد والبياض. ~~وإلا، فخلافان، كالسواد والحلاوة. # ووجه انتفاء اللازم بأقسامه: أنهما (3) لو كانا ضدين أو مثلين لم يجتمعا ~~في محل واحد، وهما مجتمعان، ضرورة أنه يتحقق في الحركة الامر بها والنهي عن ~~السكون الذي هو ضدها. ولو كانا خلافين لجاز اجتماع كل منهما (4) مع ضد ~~الآخر، لان ذلك حكم الخلافين، كاجتماع السواد - وهو خلاف الحلاوة - مع ~~الحموضة، فكان يجوز أن يجتمع الامر بالشئ مع ضد النهي عن ضده، وهو الامر ~~بضده. لكن ذلك محال، إما لأنهما نقيضان، إذ يعد (5) " إفعل هذا " و " إفعل ~~ضده " أمرا متناقضا، كما يعد (6) " فعله " و " فعل ضده " خبرا متناقضا، و ~~إما لأنه تكليف بغير الممكن، وأنه محال. # والجواب: إن كان المراد بقولهم: " الامر بالشئ طلب لترك ضده "، على ما هو ~~حاصل المعنى: أنه طلب لفعل ضد ضده، الذي هو نفس (7) الفعل المأمور به (8)، ~~فالنزاع لفظي، لرجوعه إلى تسمية فعل المأمور به تركا لضده، وتسمية طلبه ~~نهيا عنه (9). وطريق ثبوت النقل لغة، ms040 ولم يثبت. ولو ثبت فمحصله: أن الامر ~~بالشئ، # PageV00P065 # له عبارة أخرى، كالأحجية، نحو: " أنت وابن أخت خالتك ". ومثله لا يليق أن ~~يدون في الكتب العلمية. # وإن كان المراد: أنه طلب للكف عن ضده، منعنا ما زعموا: أنه لازم للخلافين ~~- وهو اجتماع كل مع ضد الآخر - لان الخلافين: قد يكونان متلازمين، فيستحيل ~~فيهما ذلك، إذ اجتماع أحد المتلازمين مع الشئ يوجب اجتماع الآخر معه، فيلزم ~~اجتماع كل مع ضده، وهو محال. وقد يكونان ضدين لأمر واحد، كالنوم للعلم ~~والقدرة، فاجتماع كل مع ضد الآخر يستلزم اجتماع الضدين. # حجة القائلين بالاستلزام وجهان: # الأول - أن حرمة النقيض جزء من ماهية الوجوب. فاللفظ الدال على الوجوب ~~يدل على حرمة النقيض بالتضمن. واعتذر بعضهم - عن أخذ المدعى الاستلزام، ~~واقتضاء الدليل التضمن - بأن الكل يستلزم الجزء. وهو كما ترى. # وأجيب: بأنهم إن أرادوا بالنقيض - الذي هو جزء من ماهية الوجوب - الترك، ~~فليس من محل النزاع في شئ، إذ لا خلاف في أن الدال على الوجوب دال على ~~المنع من الترك، وإلا، خرج الواجب عن كونه واجبا. وإن أرادوا أحد الأضداد ~~الوجودية، فليس بصحيح، إذ مفهوم الوجوب ليس بزائد على رجحان الفعل مع المنع ~~من الترك، وأين هو من ذاك؟ # وأنت إذا أحطت خبرا بما حكيناه في بيان محل النزاع، علمت أن هذا الجواب ~~لا يخلو عن نظر، لجواز كون الاحتجاج لاثبات كون الاقتضاء على سبيل ~~الاستلزام في مقابلة من ادعى أنه عين النهي، لا على أصل الاقتضاء. # وما ذكر في الجواب إنما يتم على التقدير الثاني. # فالتحقيق: أن يردد في الجواب بين الاحتمالين، فيتلقى بالقبول على الأول، ~~مع حمل الاستلزام على التضمن، ويرد بما ذكر في هذا الجواب على الثاني. # الوجه الثاني - أن أمر الايجاب طلب يذم تركه اتفاقا، ولا ذم إلا على فعل، ~~PageV00P066 # لأنه المقدور، وما هو ههنا إلا الكف عنه أو فعل ضده، وكلاهما ضد للفعل. # والذم بأيهما كان، يستلزم النهي عنه، إذ لا ذم بما لم ينه عنه، لأنه ~~معناه. # والجواب: المنع من ms041 أنه لا ذم إلا على فعل، بل يذم على أنه لم يفعل. ~~سلمنا، لكنا (1) نمنع تعلق الذم بفعل الضد، بل نقول: هو متعلق بالكف، ولا ~~نزاع لنا في النهي عنه. # واعلم: أن بعض أهل العصر حاول جعل القول بالاستلزام منحصرا في المعنوي، ~~فقال: التحقيق أن من قال بأن الامر بالشئ يستلزم النهي عن ضده (2) لا يقول ~~بأنه (3) لازم عقلي له، بمعنى أنه لا بد عند الامر من تعقله وتصوره. بل ~~المراد باللزوم: العقلي مقابل الشرعي، يعني: أن العقل يحكم بذلك اللزوم، لا ~~الشرع. قال: " والحاصل: أنه إذا أمر الآمر بفعل، فبصدور ذلك الامر منه يلزم ~~أن يحرم ضده، والقاضي بذلك هو العقل. فالنهي عن الضد لازم له بهذا المعنى. ~~وهذا النهي ليس خطابا أصليا حتى يلزم تعقله، بل إنما هو (4) خطاب تبعي، ~~كالأمر بمقدمة الواجب اللازم من الامر بالواجب، إذ لا يلزم أن يتصوره الآمر ~~". (5) هذا كلامه. وأنت إذا تأملت كلام القوم رأيت أن هذا التوجيه إنما ~~يتمشى في قليل من العبارات التي أطلق فيها الاستلزام. وأما الأكثرون ~~فكلامهم صريح في إرادة اللزوم باعتبار الدلالة اللفظية. فحكمه على الكل ~~بإرادة المعنى الذي ذكره تعسف بحت، بل فرية بينة. # واحتج المفصلون على انتفاء الاقتضاء لفظا، بمثل ما ذكرناه في برهان ما ~~اخترناه، وعلى ثبوته معنى بوجهين. # أحدهما - أن فعل الواجب الذي هو المأمور به لا يتم إلا بترك ضده، وما لا ~~يتم الواجب إلا به فهو واجب، وحينئذ فيجب ترك فعل الضد الخاص. وهو معنى # PageV00P067 # النهي عنه. # وجوابه يعلم مما سبق آنفا، فإنا نمنع وجوب ما لا يتم الواجب إلا به ~~مطلقا، بل يختص ذلك بالسبب، وقد تقدم. # والثاني - أن فعل الضد الخاص مستلزم لترك المأمور به، وهو محرم قطعا، ~~فيحرم الضد أيضا، لان مستلزم المحرم محرم. # والجواب: إن أردتم بالاستلزام: الاقتضاء والعلية، منعنا المقدمة الأولى، ~~وإن أردتم به مجرد عدم الانفكاك في الوجود الخارجي على سبيل التجوز، منعنا ~~الأخيرة. # وتنقيح المبحث: أن الملزوم إذا كان علة لللازم لم يبعد كون ms042 تحريم اللازم ~~مقتضيا لتحريم الملزوم، لنحو ما ذكر في توجيه اقتضاء إيجاب المسبب إيجاب ~~السبب، فان العقل يستبعد تحريم المعلول من دون تحريم العلة. وكذا إذا كانا ~~معلولين لعلة واحدة، فان انتفاء التحريم في أحد المعلولين يستدعي انتفاءه ~~في العلة، فيختص المعلول الآخر الذي هو المحرم بالتحريم من دون علته. وأما ~~إذا انتفت العلية بينهما والاشتراك في العلة (1)، فلا وجه حينئذ لاقتضاء ~~تحريم اللازم تحريم الملزوم، إذ لا ينكر العقل تحريم أحد أمرين متلازمين ~~اتفاقا، مع عدم تحريم الآخر. # وقصارى ما يتخيل: أن تضاد الاحكام بأسرها يمنع من اجتماع حكمين منها في ~~أمرين متلازمين. # ويدفعه: أن المستحيل إنما هو اجتماع الضدين في موضوع واحد. على أن ذلك لو ~~أثر، لثبت قول الكعبي بانتفاء المباح، لما هو مقرر من أن ترك الحرام لا بد ~~وأن يتحقق في ضمن فعل من الافعال، ولا ريب في وجوب ذلك الترك، فلا يجوز أن ~~يكون الفعل المتحقق في ضمنه مباحا، لأنه لازم للترك ويمتنع اختلاف ~~المتلازمين في الحكم. # PageV00P068 # وبشاعة هذا القول غير خفية. ولهم في رده وجوه في بعضها تكلف، حيث ضايقهم ~~القول بوجوب ما لا يتم الواجب إلا به مطلقا، لظنهم أن الترك الواجب لا يتم ~~إلا في ضمن (1) فعل من الافعال، فيكون واجبا (2) تخييريا. # والتحقيق في رده: أنه مع وجود الصارف عن الحرام، لا يحتاج الترك إلى (3) ~~شئ من الافعال. وإنما هي من لوازم الوجود، حيث نقول بعدم بقاء الأكوان ~~واحتياج الباقي إلى المؤثر. وإن قلنا بالبقاء والاستغناء، جاز خلو المكلف ~~من كل فعل، فلا يكون هناك إلا الترك. # وأما مع انتفاء الصارف وتوقف الامتثال على فعل منها - للعلم بأنه لا ~~يتحقق الترك ولا يحصل إلا مع فعله (4) - فمن يقول بوجوب (5) ما لا يتم ~~الواجب إلا به مطلقا، يلتزم (6) بالوجوب في هذا الفرض، ولا ضير فيه، كما ~~أشار إليه بعضهم. # ومن لا يقول به فهو في سعة من هذا وغيره. # إذا (7) تمهد هذا فاعلم: أنه إن كان المراد باستلزام الضد الخاص لترك ~~المأمور ms043 به، أنه لا ينفك عنه، وليس بينهما علية ولا مشاركة في علة، فقد ~~عرفت: # أن القول بتحريم الملزوم حينئذ لتحريم اللازم، لا وجه له. وإن كان المراد ~~أنه علة فيه ومقتض له، فهو ممنوع، لما هو بين، من أن العلة في الترك ~~المذكور إنما هي وجود الصارف عن فعل المأمور به وعدم الداعي إليه، وذلك ~~مستمر مع فعل الأضداد الخاصة، فلا يتصور صدورها ممن جمع شرائط التكليف مع ~~انتفاء الصارف، إلا على سبيل الالجاء، والتكليف معه ساقط. # وهكذا القول بتقدير أن يراد بالاستلزام اشتراكهما في العلة، فإنه ممنوع ~~أيضا، لظهور أن الصارف الذي هو العلة في الترك ليس علة لفعل الضد. نعم هو ~~مع إرادة الضد من جملة ما يتوقف عليه فعل الضد، فإذا كان واجبا كانا مما # PageV00P069 # لا يتم الواجب إلا به. # وإذ قد أثبتنا سابقا عدم وجوب غير السبب من مقدمة الواجب، فلا حكم فيهما ~~بواسطة ما هما مقدمة له، لكن الصارف باعتبار اقتضائه ترك المأمور به، يكون ~~منهيا عنه، كما قد عرفت (1). فإذا أتى به المكلف عوقب عليه من تلك الجهة. و ~~ذلك لا ينافي التوصل به إلى الواجب، فيحصل، ويصح الاتيان بالواجب الذي هو ~~أحد الأضداد (2) الخاصة. ويكون النهي متعلقا بتلك المقدمة ومعلولها، لا ~~بالضد المصاحب للمعلول. # وحيث رجع حاصل البحث هيهنا (3) إلى البناء على وجوب ما لا يتم الواجب إلا ~~به وعدمه، فلو رام الخصم التعلق بما نبهنا عليه، بعد تقريبه بنوع من ~~التوجيه، كأن يقال: " لو لم يكن الضد منهيا عنه، لصح فعله وإن كان واجبا ~~موسعا. # لكنه لا يصح في الواجب الموسع، لان فعل الضد يتوقف على وجود الصارف عن ~~الفعل المأمور به، وهو محرم قطعا. فلو صح مع ذلك فعل الواجب الموسع، لكان ~~هذا الصارف واجبا باعتبار كونه مما لا يتم الواجب إلا به. فيلزم اجتماع ~~الوجوب (4) والتحريم في أمر واحد شخصي، ولا ريب في بطلانه " لدفعناه، بأن ~~صحة البناء على وجوب ما لا يتم الواجب إلا به، تقتضي (5) تمامية الوجه ~~الأول ms044 من الحجة، فلا يحتاج إلى هذا الوجه الطويل. # على أن الذي يقتضيه التدبر، في وجوب ما لا يتم الواجب إلا به مطلقا، على ~~(6) القول به، أنه ليس على حد غيره من الواجبات. وإلا لكان اللازم - في نحو ~~ما إذا وجب الحج على النائي فقطع المسافة أو بعضها على وجه منهي عنه - أن ~~لا يحصل الامتثال حينئذ، فيجب عليه إعادة السعي بوجه سائغ، لعدم صلاحية ~~الفعل المنهي عنه للامتثال، كما سيأتي بيانه. وهم لا يقولون بوجوب الإعادة # PageV00P070 # قطعا، فعلم أن الوجوب فيها إنما هو للتوصل بها إلى الواجب. ولا ريب أنه ~~بعد الاتيان بالفعل المنهي عنه يحصل التوصل، فيسقط الوجوب، لانتفاء غايته. # إذا عرفت ذلك (1)، فنقول: الواجب الموسع كالصلاة مثلا يتوقف حصوله - بحيث ~~يتحقق به الامتثال - على إرادته وكراهة ضده، فإذا قلنا بوجوب ما يتوقف عليه ~~الواجب كانت تلك الإرادة وهاتيك الكراهة واجبتين، فلا يجوز تعلق الكراهة ~~بالضد الواجب، لان كراهته محرمة، فيجتمع حينئذ الوجوب والتحريم في شئ واحد ~~شخصي. وهو باطل، كما سيجئ. # لكن قد عرفت: أن الوجوب في مثله إنما هو للتوصل إلى ما لا يتم الواجب (2) ~~إلا به. فإذا فرض أن المكلف عصى وكره ضدا واجبا، حصل له التوصل إلى ~~المطلوب، فيسقط ذلك الوجوب، لفوات الغرض منه، كما علم من مثال الحج. # ومن هنا يتجه أن يقال بعدم اقتضاء الامر للنهي (3) عن الضد الخاص، وإن ~~قلنا بوجوب ما لا يتم الواجب إلا به، إذ كون وجوبه للتوصل يقتضي اختصاصه ~~بحالة إمكانه، ولا ريب أنه، مع وجود الصارف عن (4) الفعل الواجب وعدم ~~الداعي، لا يمكن التوصل، فلا معنى لوجوب المقدمة حينئذ. وقد علمت أن وجود ~~الصارف وعدم الداعي مستمران مع الأضداد الخاصة. # وأيضا: فحجة القول بوجوب المقدمة - على تقدير تسليمها - إنما ينهض دليلا ~~على الوجوب في (5) حال كون المكلف مريدا للفعل المتوقف عليها، كما لا يخفى ~~على من أعطاها حق النظر، وحينئذ فاللازم عدم وجوب ترك الضد (6) الخاص في ~~حال عدم إرادة الفعل المتوقف عليه من حيث كونه مقدمة ms045 له، فلا يتم الاستناد ~~في الحكم بالاقتضاء إليه. وعليك بامعان النظر في هذه (7) المباحث، فاني لا ~~أعلم # PageV00P071 # أحدا حام حولها. # أصل المشهور بين أصحابنا أن الامر بالشيئين أو الأشياء على وجه التخيير ~~يقتضي إيجاب الجميع، لكن تخييرا، بمعنى أنه لا يجب الجميع، ولا يجوز ~~الاخلال بالجميع، وأيها فعل كان واجبا بالأصالة. وهو اختيار جمهور ~~المعتزلة. # وقالت الأشاعرة: الواجب واحد لا بعينه، ويتعين بفعل المكلف. # قال العلامة (1) - رحمه الله - ونعم (2) ما قال: " الظاهر أنه لا خلاف ~~بين القولين في المعنى، لان المراد بوجوب الكل على البدل أنه لا يجوز ~~للمكلف الاخلال بها أجمع، ولا يلزمه (3) الجمع بينها، وله الخيار في تعيين ~~أيها شاء. # والقائلون بوجوب واحد لا بعينه عنوا به هذا، فلا خلاف (4) معنوي بينهم. ~~نعم هاهنا مذهب تبرأ كل واحد من المعتزلة والأشاعرة منه ونسبه كل منهم (5) ~~إلى صاحبه واتفقا على فساده، وهو: أن الواجب واحد معين عند الله تعالى غير ~~معين عندنا، إلا ان الله تعالى يعلم أن ما يختاره (6) المكلف هو ذلك المعين ~~(7) عنده تعالى. # ثم إنه أطال الكلام في البحث (8) عن هذا القول. وحيث كان بهذه المثابة ~~فلا فائدة لنا مهمة في إطالة (9) القول في توجيهه ورده. ولقد أحسن المحقق - ~~رحمه الله - حيث قال (10) بعد نقل الخلاف في هذه المسألة: " وليست المسألة ~~كثيرة الفائدة ". # PageV00P072 # أصل الامر بالفعل في وقت يفضل عنه جائز عقلا، واقع (1) على الأصح. ويعبر ~~عنه بالواجب الموسع، كصلاة الظهر مثلا. وبه قال أكثر الأصحاب، كالمرتضى، ~~والشيخ، والمحقق، والعلامة، وجمهور المحققين من العامة. # وأنكر ذلك قوم، لظنهم أنه (2) يؤدي إلى جواز ترك الواجب. ثم إنهم افترقوا ~~على ثلاثة مذاهب. # أحدها: أن الوجوب، فيما ورد من الأوامر التي ظاهرها ذلك، مختص بأول ~~الوقت. وهو الظاهر من كلام المفيد - رحمه الله على ما ذكره العلامة. # وثانيها: أنه مختص بآخر الوقت، ولكن لو فعل في أوله (3) كان جاريا مجرى ~~تقديم الزكاة، فيكون نفلا يسقط به الفرض. # وثالثها: أنه مختص بالآخر، وإذا فعل في الأول وقع مراعى، فان بقي ms046 المكلف ~~على صفات التكليف تبين أن ما أتى به كان (4) واجبا، وإن خرج عن صفات ~~المكلفين كان نفلا. وهذان القولان لم يذهب إليهما أحد من طائفتنا، و إنما ~~هما لبعض العامة. # والحق تساوي جميع أجزاء الوقت في الوجوب، بمعنى أن للمكلف الاتيان به في ~~أول الوقت، ووسطه، وآخره، وفي أي جزء أتفق إيقاعه كان واجبا بالأصالة، من ~~غير فرق بين بقائه على صفة التكليف، وعدمه. ففي الحقيقة يكون راجعا إلى ~~الواجب المخير. # وهل يجب البدل؟ وهو العزم على أداء الفعل في ثاني الحال، إذا أخره عن أول ~~الوقت ووسطه. قال السيد المرتضى (5): نعم. واختاره الشيخ - رحمه الله - # PageV00P073 # على ما حكاه المحقق عنه (1)، وتبعهما السيد أبو المكارم ابن زهرة، ~~والقاضي سعد الدين بن البراج (2)، وجماعة من المعتزلة. والأكثرون على عدم ~~الوجوب، ومنهم المحقق (3) والعلامة (4) - رحمهما الله - وهو الأقرب. # فيحصل مما اخترناه في المقام دعويان. # لنا على الأولى منهما: أن الوجوب مستفاد من الامر، وهو مقيد بجميع الوقت. ~~لان الكلام فيما هو كذلك. وليس المراد تطبيق أجزاء الفعل على أجزاء الوقت، ~~بأن يكون الجزء (5) الأول من الفعل منطبقا على الجزء الأول من الوقت، ~~والأخير على الأخير، فان ذلك باطل إجماعا. ولا تكراره في أجزائه، بأن يأتي ~~بالفعل في كل جزء يسعه من أجزاء الوقت. وليس في الامر تعرض لتخصيصه بأول ~~الوقت أو آخره ولا بجزء من أجزائه (6) المعينة قطعا، بل ظاهره ينفي التخصيص ~~ضرورة دلالته على تساوي نسبة الفعل إلى أجزاء الوقت. فيكون القول بالتخصيص ~~بالأول أو الآخر (7) تحكما باطلا. وتعين (8) القول بوجوبه على التخيير في ~~أجزاء الوقت. ففي أي جزء (9) أداه فقد أداه في وقته. # وأيضا: لو كان الوجوب مختصا بجزء معين، فان كان آخر الوقت، كان المصلى ~~للظهر مثلا في غيره مقدما لصلاته على الوقت، فلا تصح، كما لو صلاها (10) ~~قبل الزوال. وإن كان أوله، كان المصلي في غيره قاضيا، فيكون بتأخيره (11) ~~له عن وقته عاصيا، كما لو أخر إلى وقت العصر، وهما خلاف الاجماع. # ولنا على الثانية: أن الامر ms047 ورد بالفعل، وليس فيه تعرض للتخيير بينه و # PageV00P074 # بين العزم، بل ظاهره ينفي التخيير، ضرورة كونه دالا على وجوب الفعل ~~بعينه. # ولم يقم على وجوب العزم دليل غيره، فيكون القول به أيضا تحكما، كتخصيص ~~الوجوب بجزء معين. # احتجوا لوجوب العزم: بأنه لو جاز ترك الفعل في أول الوقت أو وسطه، من غير ~~بدل، لم ينفصل عن المندوب، فلابد من إيجاب البدل ليحصل التمييز بينهما. # وحيث يجب، فليس هو غير العزم، للاجماع على عدم بدلية غيره. وبأنه ثبت في ~~الفعل والعزم حكم خصال الكفارة، وهو أنه لو أتى بأحدهما أجزأ، ولو أخل بهما ~~عصى، وذلك معنى وجوب أحدهما، فيثبت. # والجواب عن الأول: أن الانفصال عن المندوب ظاهر مما مر، فإن أجزاء الوقت ~~في الواجب الموسع باعتبار تعلق الامر بكل واحد منها على سبيل التخيير تجري ~~مجرى (1) الواجب المخير. ففي أي جزء اتفق إيقاع الفعل فهو قائم مقام إيقاعه ~~في الاجزاء البواقي. فكما أن حصول الامتثال في المخير بفعل واحدة من الخصال ~~لا يخرج ما عداها عن وصف الوجوب التخييري، كذلك إيقاع الفعل في الجزء ~~الأوسط أو الأخير من الوقت في الموسع لا يخرج (2) إيقاعه في الأول منه مثلا ~~عن وصف الوجوب الموسع، وذلك ظاهر. بخلاف المندوب، فإنه لا يقوم مقامه حيث ~~يترك شئ. وهذا كاف في الانفصال. # وعن الثاني: أنا (3) نقطع بأن الفاعل للصلاة مثلا ممتثل باعتبار كونها ~~صلاة بخصوصها، لا لكونها أحد الامرين الواجبين تخييرا، أعني: الفعل والعزم، ~~فلو كان ثمة تخيير بينهما، لكان الامتثال بها من حيث إنها أحدهما، على ما ~~هو مقرر (4) في الواجب التخييري. وأيضا، فالاثم الحاصل على الاخلال بالعزم ~~- على تقدير تسليمه - ليس لكون المكلف مخيرا بينه وبين الصلاة، حتى يكونا ~~كخصال الكفارة، بل لان العزم (5) على فعل كل واجب - إجمالا، حيث يكون ~~الالتفات إليه # PageV00P075 # بطريق الاجمال، وتفصيلا عند كونه متذكرا له بخصوصه - حكم من أحكام ~~الايمان يثبت مع ثبوت الايمان، سواء دخل وقت الواجب أو لم يدخل، فهو واجب ~~مستمر عند الالتفات إلى الواجبات إجمالا ms048 أو تفصيلا (1). فليس وجوبه على ~~سبيل التخيير بينه وبين الصلاة. # واعلم: أن بعض الأصحاب توقف في وجوب العزم، على الوجه الذي ذكر. # وله وجه، وإن كان الحكم به متكررا في كلامهم. وربما استدل له (2) بتحريم ~~العزم على ترك الواجب، لكونه عزما على الحرام، فيجب العزم على الفعل، لعدم ~~انفكاك المكلف من هذين العزمين، حيث لا يكون غافلا، ومع الغفلة لا يكون ~~مكلفا. وهو كما ترى. # حجة من خص الوجوب بأول الوقت: أن الفضلة في الوقت ممتنعة، لأدائها إلى ~~جواز ترك الواجب، فيخرج عن (3) كونه واجبا. وحينئذ فاللازم صرف الامر إلى ~~جزء معين من الوقت، فإما الأول أو الأخير، لانتفاء القول بالواسطة. ولو (4) ~~كان هو الأخير، لما خرج عن العهدة بأدائه في الأول. وهو باطل إجماعا، فتعين ~~أن يكون هو الأول. # والجواب: أما عن امتناع الفضلة (5) في الوقت، فقد اتضح مما حققناه آنفا ~~(6)، فلا نطيل بإعادته. وأما عن تخصيص الوجوب بالأول، فبأنه لو تم لما جاز ~~تأخيره عنه، وهو باطل أيضا، كما تقدمت الإشارة إليه. # واحتج (7) من علق الوجوب بآخر الوقت: بأنه لو كان واجبا في الأول لعصى ~~بتأخيره، لأنه ترك للواجب، وهو الفعل في الأول، لكن التالي باطل بالاجماع، ~~فكذا المقدم. # PageV00P076 # وجوابه: منع الملازمة، والسند ظاهر مما تقدم، فان اللزوم المدعى إنما يتم ~~لو كان الفعل في الأول واجبا على التعيين. وليس كذلك، بل وجوبه على سبيل ~~التخيير. وذلك أن الله تعالى أوجب عليه إيقاع الفعل في ذلك الوقت، ومنعه من ~~إخلائه عنه، وسوغ له الاتيان به في أي جزء شاء منه. فان اختار المكلف ~~إيقاعه في أوله أو وسطه أو آخره، فقد فعل الواجب. # وكما أن جميع الخصال في الواجب المخير يتصف بالوجوب، على معنى أنه لا ~~يجوز الاخلال بالجميع ولا يجب الاتيان بالجميع، بل للمكلف اختيار ما شاء ~~منها، فكذا هنا (1) لا يجب عليه إيقاع الفعل في الجميع، ولا يجوز له إخلاء ~~الجميع عنه. والتعيين مفوض إليه ما دام الوقت متسعا، فإذا تضيق تعين عليه ~~الفعل. # وينبغي أن ms049 يعلم: أن بين التخيير في الموضعين فرقا، من حيث أن متعلقه في ~~الخصال الجزئيات المتخالفة الحقائق، وفيما نحن فيه الجزئيات المتفقة (2) ~~الحقيقة، فان الصلاة المؤداة مثلا في جزء من أجزاء الوقت مثل المؤداة في كل ~~جزء من الاجزاء الباقية، والمكلف مخير بين هذه الأشخاص المتخالفة ~~بتشخصاتها، المتماثلة بالحقيقة. وقيل: بل الفرق أن التخيير هناك بين جزئيات ~~الفعل وههنا في أجزاء الوقت. والامر سهل. # أصل الحق أن تعليق الامر بل مطلق الحكم على شرط، يدل على انتفائه عند ~~انتفاء الشرط. وهو مختار أكثر المحققين، ومنهم (3) الفاضلان. # وذهب السيد المرتضى (4) إلى أنه لا يدل إلا بدليل منفصل. وتبعه ابن زهرة. # وهو قول جماعة من العامة. # لنا: أن قول القائل: " أعط زيدا درهما إن أكرمك "، يجري في العرف مجرى # PageV00P077 # قولنا: " الشرط في إعطائه إكرامك ". والمتبادر من هذا انتفاء الاعطاء عند ~~انتفاء الاكرام قطعا، بحيث (1) لا يكاد ينكر عند مراجعة الوجدان، فيكون ~~الأول أيضا هكذا. وإذا ثبت الدلالة على هذا المعنى عرفا، ضممنا إلى ذلك ~~مقدمة أخرى، سبق التنبيه عليها، وهي أصالة عدم النقل، فيكون كذلك لغة. # احتج السيد - رحمه الله - (2) بأن الشرط هو تعليق الحكم به، وليس يمتنع ~~(3) أن يخلفه وينوب منابه شرط آخر يجري (4) مجراه، ولا يخرج عن أن يكون ~~شرطا الا ترى أن قوله تعالى: " واستشهدوا شهيدين من رجالكم " (5) يمنع من ~~قبول الشاهد الواحد حتى ينضم إليه آخر؟ فانضمام الثاني إلى الأول شرط في ~~القبول. ثم نعلم أن ضم امرأتين إلى الشاهد الأول يقوم مقام الثاني. ثم نعلم ~~بدليل، أن ضم اليمين إلى الواحد يقوم مقامه أيضا. فنيابة بعض الشروط عن بعض ~~أكثر من أن تحصى. # واحتج موافقوه مع ذلك -: بأنه لو كان انتفاء الشرط مقتضيا لانتفاء ما علق ~~عليه، لكان قوله تعالى: " ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء إن أردن تحصنا " ~~(6) دالا على عدم تحريم الاكراه، حيث لا يردن التحصن، وليس كذلك ، بل هو ~~حرام مطلقا. # والجواب عن الأول: أنه، إذا علم وجود ما يقوم مقامه، كما في المثال الذي ~~ذكره، ms050 لم يكن ذلك الشرط وحده شرطا. بل الشرط حينئذ أحدهما، فيتوقف انتفاء ~~المشروط على انتفائهما معا، لان مفهوم أحدهما لا يعدم إلا بعدمهما. وإن لم ~~يعلم له بدل، كما هو مفروض المبحث (7)، كان الحكم مختصا به، ولزم من عدمه ~~عدم المشروط، للدليل الذي ذكرناه. # PageV00P078 # وعن الثاني بوجوه: أحدها - أن ظاهر الآية يقتضي عدم تحريم الاكراه إذا لم ~~يردن التحصن، لكن لا يلزم من عدم الحرمة ثبوت الإباحة، إذ انتفاء الحرمة قد ~~يكون بطريان الحل، وقد يكون لامتناع وجود متعلقها عقلا، لان السالبة تصدق ~~(1) بانتفاء المحمول تارة وبعدم الموضوع أخرى. والموضوع هنا منتف، لأنهن ~~إذا لم يردن التحصن فقد أردن البغاء ومع إرادتهن البغاء يمتنع إكراههن ~~عليه، فان الاكراه هو حمل الغير على ما يكرهه. فحيث لا يكون كارها يمتنع ~~تحقق الاكراه. # فلا يتعلق به الحرمة. # وثانيها - أن التعليق بالشرط إنما يقتضي (2) انتفاء الحكم عند انتفائه، ~~إذا (3) لم يظهر للشرط فائدة أخرى. ويجوز أن يكون فائدته في الآية، ~~المبالغة في النهي عن الاكراه، يعنى أنهن إذا أردن العفة، فالمولى أحق ~~بإرادتها. أو أن الآية نزلت فيمن يردن التحصن ويكرههن الموالي (5) على ~~الزنا. # وثالثها - أنا سلمنا أن الآية تدل على انتفاء حرمة الاكراه بحسب الظاهر ~~نظرا إلى الشرط، لكن الاجماع القاطع عارضه. ولا ريب أن الظاهر يدفع ~~بالقاطع. # أصل واختلفوا في اقتضاء التعليق على الصفة نفي الحكم عند انتفائها. ~~فأثبته قوم، وهو الظاهر من كلام الشيخ. وجنح إليه الشهيد في الذكرى. ونفاه ~~السيد (6)، والمحقق (7)، والعلامة (8)، وكثير من الناس، وهو الأقرب. # لنا: أنه لو دل، لكانت إحدى (9) الثلاث. وهي بأسرها منتفية. أما الملازمة # PageV00P079 # فبينة. وأما انتفاء اللازم فظاهر بالنسبة إلى المطابقة والتضمن، إذ نفي ~~الحكم عن غير محل الوصف ليس عين إثباته فيه ولا جزءه، ولأنه لو كان كذلك، ~~لكانت الدلالة بالمنطوق لا بالمفهوم، والخصم معترف بفساده (1). وأما ~~بالنسبة إلى الالتزام، فلانه لا ملازمة في الذهن ولا في العرف، بين ثبوت ~~الحكم عند صفة، كوجوب الزكاة في السائمة مثلا، وانتفائه عند أخرى، كعدم ms051 ~~وجوبها في المعلوفة. # احتجوا: بأنه، لو ثبت الحكم مع انتفاء الصفة، لعرى تعليقه عليها عن ~~الفائدة، وجرى مجرى قولك: " الانسان الأبيض لا يعلم الغيوب، والأسود إذا ~~نام لا يبصر ". # والجواب: المنع من الملازمة، فان الفائدة غير منحصرة فيما ذكرتموه، بل هي ~~كثيرة: # منها شدة الاهتمام ببيان حكم محل الوصف، إما لاحتياج السامع إلى بيانه، ~~كأنه يكون مالكا للسائمة مثلا دون غيرها، أو لدفع توهم عدم تناول الحكم له، ~~كما في قوله تعالى: " ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق " (2)، فإنه لولا ~~التصريح بالخشية لأمكن أن يتوهم جواز القتل معها، فدل بذكرها على ثبوت ~~التحريم عندها أيضا. # ومنها أن تكون المصلحة مقتضية لاعلامه حكم الصفة بالنص وما عداها بالبحث ~~والفحص. # ومنها وقوع السؤال عن محل الوصف دون غيره (3)، فيجاب على طبقه، أو تقدم ~~بيان حكم الغير لنحو هذا من قبل. # واعترض: بأن الخصم إنما يقول باقتضاء التخصيص بالوصف نفي الحكم عن غير ~~محله، إذا لم يظهر للتخصيص فائدة سواه، فحيث (4) يتحقق ما ذكرتموه من ~~الفوائد، لا يبقى من محل النزاع في شئ. # PageV00P080 # وجوابه: أن المدعى عدم وجدان صورة لا تحتمل (1) فائدة من تلك الفوائد، و ~~ذلك كاف في الاستغناء عن اقتضاء النفي الذي صرتم إليه، صونا لكلام البلغاء ~~عن التخصيص لا لفائدة، إذ مع احتمال فائدة منها يحصل الصون ويتأدى مالا بد ~~في الحكمة منه، فيحتاج إثبات ما سواه إلى دليل. وأما تمثيلهم في الحجة ~~بالأبيض والأسود (2)، فلا نسلم أن المقتضي لاستهجانه هو عدم انتفاء الحكم ~~فيه عند عدم الوصف، وإنما هو كونه بيانا للواضحات. # أصل والأصح أن التقييد بالغاية يدل على مخالفة ما بعدها لما قبلها، وفاقا ~~لأكثر المحققين. وخالف في ذلك السيد - رضي الله عنه - فقال: " تعليق الحكم ~~بغاية، إنما يدل على ثبوته إلى تلك (3) الغاية، وما بعدها يعلم انتفائه أو ~~إثباته (4) بدليل " (5). ووافقه على هذا بعض العامة. # لنا: أن قول القائل: " صوموا إلى الليل "، معناه: آخر وجوب الصوم مجيئ ~~الليل. فلو فرض ثبوت الوجوب بعد مجيئه، لم يكن الليل آخرا، ms052 وهو خلاف ~~المنطوق. # واحتج (6) السيد - رضي الله عنه - (7) بنحو ما سبق في الاحتجاج على نفي ~~دلالة التخصيص بالوصف، حتى أنه قال: " من فرق بين تعليق الحكم بصفة و ~~تعليقه بغاية، ليس (8) معه إلا الدعوى. وهو كالمناقض، لفرقه بين أمرين لا ~~فرق بينهما، فان قال (9): فأي معنى لقوله تعالى: " ثم أتموا الصيام إلى ~~الليل " (10) إذا كان # PageV00P081 # ما بعد الليل يجوز أن يكون فيه صوم؟ قلنا: وأي معنى لقوله عليه السلام: " ~~في سائمة الغنم زكاة " (1 - 2) والمعلوفة مثلها. فان قيل: لا يمتنع أن تكون ~~(3) المصلحة في أن يعلم ثبوت الزكاة في السائمة بهذا النص، ويعلم ثبوتها في ~~المعلوفة بدليل آخر. قلنا: # لا يمتنع فيما علق بغاية، حرفا بحرف ". # والجواب: المنع من مساواته للتعليق بالصفة، فان اللزوم هنا ظاهر، إذ لا ~~ينفك تصور الصوم المقيد بكون آخره الليل، مثلا، عن عدمه في الليل، بخلافه ~~هناك، كما علمت. ومبالغة السيد - رحمه الله - في التسوية بينهما لا وجه ~~لها. # والتحقيق (4) ما ذكره بعض الأفاضل، من أنه أقوى دلالة من التعليق بالشرط. ~~ولهذا قال بدلالته كل من قال بدلالة الشرط (5) وبعض من لم يقل بها. # أصل قال أكثر مخالفينا: إن الامر بالفعل المشروط جائز، وإن علم الآمر ~~انتفاء شرطه. وربما تعدى بعض متأخريهم، فأجازه، وإن علم المأمور أيضا، مع ~~نقل كثير منهم (6) الاتفاق على منعه. # وشرط أصحابنا في جوازه مع انتفاء الشرط، كون الآمر جاهلا بالانتفاء، كأن ~~يأمر السيد عبده بالفعل في غد، مثلا، ويتفق موته قبله. فان الامر هنا جائز، ~~باعتبار عدم العلم بانتفاء الشرط، ويكون مشروطا ببقاء العبد إلى الوقت ~~المعين. وأما مع علم الآمر، كأمر الله تعالى زيدا بصوم غد، وهو يعلم (7) ~~موته فيه، فليس بجائز. # وهو الحق. لكن لا يعجبني الترجمة عن البحث بما ترى، وإن تكثر إيرادها في # PageV00P082 # كتب القوم، وسيظهر لك سر ما قلته وإنما لم أعدل عنها ابتداء قصدا إلى ~~مطابقة دليل الخصم لما عنون به الدعوى، حيث جعله على الوجه الذي حكيناه. # ولقد أجاد علم الهدى، حيث تنحى ms053 عن هذا المسلك، وأحسن التأدية عن أصل ~~المطلب!. فقال (1): " وفى الفقهاء والمتكلمين من يجوز أن يأمر الله تعالى ~~بشرط أن لا يمنع المكلف من الفعل، أو بشرط أن يقدره. ويزعمون: أنه يكون ~~مأمورا بذلك مع المنع. وهذا غلط، لان الشرط (2) إنما يحسن فيمن لا يعلم ~~العواقب ولا طريق له إلى علمها، فأما العالم بالعواقب وبأحوال المكلف (3)، ~~فلا يجوز أن يأمره بشرط ". # قال: " والذي يبين ذلك أن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم - لو أعلمنا أن ~~زيدا لا يتمكن من الفعل في وقت مخصوص، قبح منا أن نأمره بذلك لا محالة (4). ~~وإنما حسن دخول الشرط فيمن نأمره فقد علمنا بصفته (5) في المستقبل. ألا ترى ~~أنه لا يجوز الشرط فيما يصح فيه العلم ولنا إليه طريق نحو حسن الفعل، لأنه ~~مما يصح أن نعلمه، وكون المأمور متمكنا لا يصح أن نعلمه عقلا، فإذا فقد ~~الخبر، فلا بد من الشرط، ولابد من أن يكون أحدنا في أمره يحصل في حكم الظان ~~لتمكن من يأمره بالفعل مستقبلا، ويكون الظن في ذلك قائما مقام العلم. وقد ~~ثبت أن الظن يقوم مقام العلم إذا تعذر العلم. فأما مع حصوله، فلا يقوم ~~مقامه. وإذا كان القديم (6) تعالى عالما بتمكن من يتمكن، وجب أن يوجه الامر ~~نحوه، دون من يعلم أنه لا يتمكن. فالرسول - صلى الله عليه وآله - حاله ~~كحالنا إذا أعلمنا الله تعالى حال من نأمره، فعند ذلك نأمر بلا شرط ". # قلت: هذه الجملة التي أفادها السيد - قدس الله نفسه - (7) كافية في تحرير # PageV00P083 # المقام، وافية باثبات المذهب المختار، فلا غرو إن نقلناها بطولها، ~~واكتفينا بها عن إعادة الاحتجاج على ما صرنا إليه. # احتج (1) المجوزون بوجوه: الأول لو لم يصح التكليف بما علم عدم شرطه، لم ~~يعص أحد، واللازم باطل بالضرورة من الدين. وبيان الملازمة: أن كل ما لم ~~يقع، فقد انتفى شرط من شروطه، وأقلها إرادة المكلف له، فلا (2) تكليف به، ~~فلا معصية. # الثاني لو لم يصح، لم يعلم أحد انه (3) مكلف. واللازم باطل. أما ~~الملازمة، فلانه ms054 مع الفعل، وبعده ينقطع التكليف، وقبله لا يعلم، لجواز أن ~~لا يوجد شرط من شروطه فلا يكون مكلفا. # لا يقال: قد يحصل (4) له العلم قبل الفعل إذا كان الوقت متسعا، واجتمعت ~~الشرائط عند دخول الوقت. وذلك كاف في تحقق التكليف. # لأنا نقول: نحن نفرض الوقت المتسع زمنا زمنا، ونردد في كل جزء جزء، فإنه ~~مع الفعل فيه، وبعده ينقطع، وقبل الفعل يجوز أن لا يبقى بصفة التكليف في ~~الجزء الآخر، فلا يعلم حصول الشرط الذي هو بقاؤه بالصفة فيه، فلا يعلم ~~التكليف. وأما بطلان اللازم فبالضرورة. # الثالث لو لم يصح، لم يعلم إبراهيم - عليه السلام - وجوب ذبح ولده، ~~لانتفاء شرطه عند وقته - وهو عدم النسخ - وقد علمه وإلا لم يقدم على ذبح ~~ولده ولم يحتج إلى فداء. # الرابع كما أن الامر يحسن لمصالح تنشأ (5) من المأمور به، كذلك يحسن ~~لمصالح تنشأ من نفس الامر. وموضع النزاع من هذا القبيل، فان المكلف من حيث ~~عدم علمه بامتناع فعل المأمور به، ربما يوطن نفسه على الامتثال، فيحصل له # PageV00P084 # بذلك لطف في الآخرة وفي الدنيا، لانزجاره عن القبيح. ألا ترى: أن السيد ~~قد يستصلح بعض عبيده بأوامر ينجزها (2) عليه، مع عزمه على نسخها، امتحانا ~~له. # والانسان قد يقول لغيره: " وكلتك في بيع عبدي " مثلا، مع علمه بأنه ~~سيعزله، إذا كان غرضه استمالة الوكيل أو امتحانه في أمر العبد. # والجواب عن الأول: ظاهر مما حققه السيد - رحمه الله -، إذ ليس نزاعنا في ~~مطلق شرط الوقوع، وإنما هو في الشرط الذي يتوقف عليه تمكن المكلف شرعا و ~~قدرته على امتثال الامر. وليست الإرادة منه قطعا، والملازمة إنما تتم ~~بتقدير كونها منه. وحينئذ فتوجه المنع عليها جلي. (3) وعن الثاني: المنع من ~~بطلان اللازم. وادعاء الضرورة فيه مكابرة وبهتان. # وقد ذكر السيد - رضي الله - في تتمة تنقيح المقام ما يتضح به سند هذا ~~المنع، فقال: " ولهذا نذهب (4) إلى أنه لا يعلم بأنه مأمور بالفعل إلا بعد ~~تقضي الوقت وخروجه، فيعلم أنه كان مأمورا به. وليس يجب، إذا ms055 لم يعلم قطعا ~~أنه مأمور، أن يسقط عنه وجوب التحرز. لأنه إذا جاء وقت الفعل، وهو صحيح ~~سليم، وهذه أمارة يغلب معها الظن ببقائه، فوجب أن يتحرز من ترك الفعل ~~والتقصير فيه. ولا يتحرز من ذلك إلا بالشروع في الفعل والابتداء به. ولذلك ~~مثال في العقل، وهو أن المشاهد للسبع من بعد، مع تجويزه أن يخترم السبع قبل ~~أن يصل إليه، يلزمه التحرز منه، لما ذكرناه، ولا يجب إذا لزمه التحرز أن ~~يكون عالما ببقاء السبع وتمكنه من الاضرار به ". (5) وهذا الكلام (6) جيد، ~~ما عليه في توجيه المنع من مزيد. وبه يظهر الجواب عن استدلال بعضهم على ~~حصول العلم بالتكليف قبل الفعل، بانعقاد الاجماع على وجوب الشروع فيه بنية ~~الفرض، إذ يكفي في وجوب نية الفرض غلبة الظن # PageV00P085 # بالبقاء والتمكن، حيث لا سبيل إلى القطع، فلا دلالة له (1) على حصول ~~العلم. # وعن الثالث: بالمنع من تكليف إبراهيم - عليه السلام - بالذبح الذي هو فري ~~الأوداج، بل كلف بمقدماته كالاضجاع، وتناول المدية، وما يجري مجرى ذلك. ~~والدليل على هذا قوله تعالى: " وناديناه أن يا إبراهيم قد صدقت الرؤيا " ~~(2). فأما جزعه - عليه السلام - فلاشفاقه (3) من أن يؤمر - بعد مقدمات ~~الذبح - به نفسه، لجريان العادة بذلك. وأما الفداء، فيجوز أن يكون عما ظن ~~أنه سيأمر به من الذبح، أو عن مقدمات الذبح زيادة على ما فعله، لم يكن (4) ~~قد أمر بها، إذا لا يجب في الفدية أن يكون من جنس المفدي. # وعن الرابع: أنه لو سلم، لم يكن الطلب هناك للفعل (5)، لما قد علم من ~~امتناعه، بل للعزم على الفعل والانقياد إليه والامتثال. وليس النزاع فيه، ~~بل في نفس الفعل. وأما ما ذكره من المثال، فإنما يحسن لمكان التوصل إلى ~~تحصيل العلم بحال العبد والوكيل، وذلك ممتنع في حقه تعالى. # أصل الأقرب عندي: أن نسخ مدلول الامر - وهو الوجوب - لا يبقى معه الدلالة ~~على الجواز، بل يرجع إلى (6) الحكم الذي كان قبل الامر. وبه قال العلامة ~~(7) في النهاية، وبعض المحققين من العامة. وقال أكثرهم ms056 بالبقاء، وهو مختاره ~~في التهذيب (8). # لنا: أن الامر إنما يدل على الجواز بالمعنى الأعم - أعني الاذن في الفعل ~~فقط - وهو قدر مشترك بين الوجوب، والندب، والإباحة، والكراهة. فلا يتقوم ~~إلا بما # PageV00P086 # فيها من القيود، ولا يدخل بدون ضم شئ منها إليه في الوجود، فادعاء بقائه ~~بنفسه بعد نسخ الوجوب غير معقول. # والقول بانضمام الاذن في الترك إليه باعتبار لزومه لرفع المنع الذي ~~اقتضاه النسخ، موقوف على كون النسخ متعلقا بالمنع من الترك الذي هو جزء ~~مفهوم الوجوب، دون المجموع. وذلك غير معلوم، إذ النزاع في النسخ الواقع ~~بلفظ: # " نسخت الوجوب " ونحوه. وهو كما يحتمل التعلق بالجزء الذي هو المنع من ~~الترك ، لكون رفعه كافيا في رفع مفهوم الكل، كذلك يحتمل التعلق بالمجموع، ~~وبالجزء الآخر الذي هو رفع الحرج عن الفعل، كما ذكره البعض، وإن كان قليل ~~الجدوى، لكونه في الحقيقة راجعا إلى التعلق بالمجموع. # احتجوا: بأن المقتضي للجواز موجود، والمانع منه مفقود، فوجب القول ~~بتحققه. # اما الأول: فلان الجواز جزء من الوجوب، والمقتضي للمركب مقتض لاجزائه. # وأما الثاني: فلان الموانع كلها منتفية بحكم الأصل والفرض، سوى نسخ ~~الوجوب وهو لا يصلح للمانعية، لان الوجوب ماهية مركبة، والمركب يكفي في ~~رفعه رفع أحد أجزائه، فيكفي في رفع الوجوب رفع المنع من الترك الذي هو ~~جزؤه. # وحينئذ فلا يدل نسخه على ارتفاع الجواز. # فان قيل: لا نسلم عدم مانعية نسخ الوجوب لثبوت الجواز، لان الفصل علة ~~لوجود الحصة التي معه من الجنس، كما نص عليه جمع من المحققين. فالجواز الذي ~~هو جنس للواجب وغيره لابد لوجوده في الواجب من علة هي الفصل له، وذلك هو ~~المنع من الترك، فزواله مقتض لزوال الجواز، لان المعلول يزول بزوال علته، ~~فتثبت (1) مانعية النسخ لبقاء الجواز. # قلنا: هذا مردود من وجهين: # أحدهما: أن الخلاف واقع في كون الفصل علة للجنس، فقد أنكره بعضهم # PageV00P087 # وقال: انهما معلولان لعلة واحدة. وتحقيق ذلك يطلب من مواضعه. # وثانيهما: أنا وإن سلمنا كونه علة له فلا نسلم (1) أن ارتفاعه مطلقا ~~يقتضي ms057 ارتفاع الجنس، بل إنما يرتفع بارتفاعه، إذا لم يخلفه فصل آخر، وذلك ~~لان الجنس إنما يفتقر إلى فصل ما ومن البين أن ارتفاع المنع من الترك مقتض ~~لثبوت الاذن فيه، وهو فصل آخر (2) للجنس الذي هو الجواز. # والحاصل: أن للجواز قيدين: أحدهما - المنع من الترك، والآخر - الاذن فيه، ~~فإذا زال الأول خلفه الثاني. ومن هنا (3) ظهر أنه ليس المدعى ثبوت الجواز ~~بمجرد الامر (4)، بل به وبالناسخ، فجنسه بالأول وفصله بالثاني. ولا ينافي ~~هذا إطلاق القول بأنه إذا نسخ الوجوب بقي الجواز، حيث إن ظاهره استقلال ~~الامر به، فان ذلك توسع في العبارة. وأكثرهم مصرحون بما قلناه. # فان قيل: لما كان رفع المركب يحصل تارة برفع جميع أجزائه، وأخرى برفع ~~بعضها، لم يعلم بقاء الجواز بعد رفع الوجوب، لتساوي احتمالي رفع البعض (5) ~~الذي يتحقق معه البقاء، ورفع الجميع الذي معه يزول. # قلنا: الظاهر يقتضي البقاء، لتحقق مقتضيه أولا، والأصل استمراره. فلا ~~يدفع بالاحتمال. وتوضيح ذلك: أن النسخ إنما توجه إلى الوجوب، والمقتضي ~~للجواز هو الامر، فيستصحب (6) إلى أن يثبت ما ينافيه. وحيث إن رفع الوجوب ~~يتحقق برفع أحد جزئيه، لم يبق لنا سبيل إلى القطع بثبوت المنافي فيستمر ~~الجواز ظاهرا. وهذا معنى ظهور بقائه. # والجواب: المنع من وجود المقتضي، فان الجواز الذي هو جزء من ماهية الوجوب ~~وقدر مشترك بينها وبين الأحكام الثلاثة الأخر، لا تحقق له بدون انضمام أحد ~~قيودها إليه قطعا، وإن لم يثبت علية الفصل للجنس، لان انحصار # PageV00P088 # الاحكام في الخمسة يعد في الضروريات. وحينئذ فالشك في وجود القيد يوجب ~~الشك في وجود المقتضي. وقد علمت أن نسخ الوجوب، كما يحتمل التعلق بالقيد ~~فقط - أعني المنع من الترك - فيقتضي ثبوت نقيضه الذي هو قيد آخر، كذلك ~~يحتمل التعلق بالمجموع، فلا يبقى قيد ولا مقيد، فانضمام القيد مشكوك فيه، ~~ولا يتحقق معه وجود المقتضي. ولو تشبث الخصم في ترجيح الاحتمال الأول ~~بأصالة عدم تعلق النسخ بالجميع، لكان معارضا بأصالة عدم وجود القيد، ~~فيتساقطان. # وبهذا يظهر فساد قولهم في آخر ms058 الحجة: " إن الظاهر يقتضي البقاء، لتحقق ~~مقتضيه، والأصل استمراره "، فان انضمام القيد مما يتوقف عليه وجود المقتضي، ~~ولم يثبت. # إذا تقرر ذلك، فاعلم: أن دليل الخصم لو تم، لكان دالا على بقاء ~~الاستحباب، لا الجواز فقط، كما هو المشهور على ألسنتهم، يريدون به الإباحة. # ولا الأعم منه ومن الاستحباب، كما يوجد في كلام جماعة. ولا منهما ومن ~~المكروه، كما ذهب إليه بعض، حتى أنهم لم ينقلوا القول ببقاء الاستحباب ~~بخصوصه إلا عن شاذ، بل ربما رد ذلك بعضهم نافيا للقائل به، مع أن دليلهم ~~على البقاء كما رأيت ينادى بأن الباقي هو الاستحباب. # وتوضيحه: أن الوجوب لما كان مركبا من الاذن في الفعل وكونه راجحا ممنوعا ~~من تركه، وكان رفع المنع من الترك كافيا في رفع حقيقة الوجوب، لا جرم كان ~~الباقي من مفهومه هو الاذن في الفعل مع رجحانه، فإذا انضم إليه الاذن في ~~الترك على ما اقتضاه الناسخ، تكملت قيود الندب وكان الندب هو الباقي. (1) # PageV00P089 # البحث الثاني في النواهي أصل اختلف (1) الناس في مدلول صيغة النهي حقيقة، ~~على نحو اختلافهم في الامر. # والحق أنها حقيقة في التحريم، مجاز في غيره، لأنه المتبادر منها في العرف ~~العام عند الاطلاق، ولهذا يذم العبد على فعل ما نهاه المولى عنه بقوله: لا ~~تفعله، والأصل عدم النقل، ولقوله تعالى: " وما نهيكم عنه فانتهوا " (2)، ~~أوجب سبحانه الانتهاء عما نهى الرسول، صلى الله عليه وآله، عنه، لما ثبت من ~~أن الامر حقيقة في الوجوب، وما وجب الانتهاء عنه حرم فعله. # وما يقال: من أن هذا مختص بمناهي الرسول، صلى الله عليه وآله، وموضع ~~النزاع هو الأعم، فيمكن الجواب عنه: بأن تحريم ما نهى عن الرسول، صلى الله ~~عليه وآله، يدل بالفحوى (3) على تحريم ما نهى الله تعالى (4) عنه. مع ما في ~~احتمال الفصل من البعد، هذا. واستعمال النهي في الكراهة شايع في أخبارنا ~~المروية عن الأئمة عليهم السلام، على نحو ما قلناه في الامر. # أصل واختلفوا في أن (5) المطلوب بالنهي ما هو؟. فذهب الأكثرون ms059 إلى أنه هو ~~الكف # PageV00P090 # عن الفعل المنهي عنه، ومنهم العلامة (1) - رحمه الله - في تهذيبه. وقال ~~في النهاية (2): # المطلوب بالنهي نفس أن لا تفعل. وحكى: أنه قول جماعة كثيرة. وهذا هو ~~الأقوى. # لنا: أن تارك المنهي عنه كالزنا، مثلا، يعد في العرف ممتثلا، ويمدحه ~~العقلاء على أنه لم يفعل، من دون نظر إلى تحقق الكف عنه، بل لا يكاد يخطر ~~الكف ببال أكثرهم. وذلك دليل على أن متعلق التكليف ليس هو الكف، و إلا لم ~~يصدق الامتثال، ولا يحسن (3) المدح على مجرد الترك. # احتجوا: بأن النهي تكليف، ولا تكليف إلا بمقدور للمكلف. ونفي الفعل يمتنع ~~أن يكون مقدورا له، لكونه عدما أصليا، والعدم الأصلي سابق على القدرة وحاصل ~~قبلها، وتحصيل الحاصل محال. # والجواب: المنع من أنه غير مقدور، لان نسبة القدرة إلى طرفي الوجود ~~والعدم متساوية. فلو لم يكن نفي الفعل مقدورا، لم يكن إيجاده مقدورا، إذ ~~تأثير صفة القدرة في الوجود فقط، وجوب، لا قدرة. # فان قيل: لابد للقدرة من أثر عقلا، والعدم لا يصلح أثرا، لأنه نفي محض. و ~~أيضا فالاثر لابد أن يستند إلى المؤثر ويتجدد، والعدم سابق مستمر، فلا يصلح ~~أثرا للقدرة المتأخرة. # قلنا: العدم إنما يجعل أثرا للقدرة باعتبار استمراره. وعدم الصلاحية بهذا ~~الاعتبار في حيز المنع، وذلك لان القادر يمكنه أن لا يفعل فيستمر، وأن يفعل ~~فلا يستمر. فأثر (4) القدرة إنما هو الاستمرار المقارن لها، وهو مستند ~~إليها، و متجدد (5) بها. # PageV00P091 # أصل قال السيد المرتضى (1) - رضي الله عنه - وجماعة منهم العلامة في أحد ~~قوليه (2): # " إن النهي كالأمر في عدم الدلالة على التكرار، بل هو محتمل له وللمرة ". ~~وقال قوم: بافادته الدوام والتكرار، وهو القول الثاني للعلامة، رحمه الله، ~~اختاره (3) في النهاية (4)، ناقلا له عن الأكثر وإليه أذهب. # لنا: أن النهي يقتضى منع المكلف من إدخال ماهية الفعل وحقيقته في الوجود، ~~وهو إنما يتحقق بالامتناع من إدخال كل فرد من أفرادها فيه، إذا مع إدخال ~~فرد منها يصدق إدخال تلك الماهية في الوجود، لصدقها به، ولهذا ms060 إذا نهى ~~السيد عبده عن فعل، فانتهى مدة كان يمكنه إيقاع الفعل فيها ثم فعل، عد في ~~العرف عاصيا مخالفا لسيده، وحسن منه عقابه، وكان عند العقلاء مذموما بحيث ~~لو اعتذر بذهاب المدة التي يمكنه الفعل فيها وهو تارك، وليس نهي السيد ~~بمتناول غيرها، لم يقبل ذلك منه، وبقي الذم بحاله. وهذا مما يشهد به ~~الوجدان. # احتجوا: بأنه لو كان للدوام، لما انفك عنه، وقد انفك. فان الحائض نهيت عن ~~الصلاة والصوم، ولا دوام. وبأنه ورد للتكرار، كقوله تعالى: " ولا تقربوا ~~الزنا " (5) وبخلافه، كقول الطبيب: " لا تشرب اللبن "، " ولا تأكل اللحم ". # والاشتراك والمجاز خلاف الأصل، فيكون حقيقة في القدر المشترك. وبأنه يصح ~~تقييده بالدوام ونقيضه، من غير تكرار ولا نقض، فيكون للمشترك. # والجواب عن الأول: أن كلامنا في النهي المطلق. وذلك مختص بوقت الحيض، ~~لأنه مقيد به، فلا يتناول غيره. ألا ترى (6) أنه عام لجميع أوقات الحيض. # PageV00P092 # وعن الثاني أن عدم الدوام في مثل قول الطبيب، إنما هو للقرينة، كالمرض في ~~المثال. ولولا ذلك، لكان المتبادر هو الدوام. على أنك قد عرفت في نظيره ~~سابقا: أن ما فروا منه بجعل الوضع للقدر المشترك - أعني: لزوم المجاز ~~والاشتراك - لازم عليهم، من حيث إن الاستعمال في خصوص المعنيين يصير مجازا ~~فلا يتم لهم الاستدلال به. # وعن الثالث: أن التجوز جائز، والتأكيد واقع في الكلام مستعمل، فحيث يقيد ~~بخلاف الدوام يكون ذلك قرينة المجاز، وحيث يؤتى بما يوافقه يكون تأكيدا. # فائدة لما أثبتنا كون النهي للدوام والتكرار، وجب القول بأنه للفور، لان ~~الدوام يستلزمه. ومن نفى كونه للتكرار، نفى الفور أيضا. والوجه في ذلك ~~واضح. # أصل الحق امتناع توجه الأمر والنهي إلى شئ واحد. ولا نعلم في ذلك مخالفا ~~من أصحابنا. ووافقنا عليه كثير ممن خالفنا. وأجازه قوم. وينبغي تحرير محل ~~النزاع أولا فنقول: # الوحدة تكون (1) بالجنس وبالشخص. فالأول يجوز ذلك فيه، بأن يؤمر بفرد و ~~ينهى عن فرد، كالسجود لله تعالى، وللشمس (2)، والقمر. وربما منعه مانع، ~~لكنه شديد الضعف، شاذ. والثاني إما ms061 أن يتحد فيه الجهة، أو تتعدد (3). فان ~~اتحدت، بأن يكون الشئ الواحد من الجهة الواحدة مأمورا به منهيا عنه، فذلك ~~مستحيل قطعا. وقد يجيزه بعض من جوز تكليف المحال - قبحهم الله - (4) ومنعه ~~بعض المجيزين # PageV00P093 # لذلك، نظرا إلى أن هذا ليس تكليفا بالمحال، بل هو محال في نفسه، لان ~~معناه الحكم بأن الفعل يجوز تركه، ولا يجوز. وإن تعددت الجهة، بأن كان ~~للفعل جهتان، يتوجه إليه الامر من إحديهما (1)، والنهي من الأخرى، فهو محل ~~البحث، و ذلك كالصلاة في الدار المغصوبة، يؤمر بها من جهة كونها صلاة، ~~وينهى عنها من حيث كونها غصبا، فمن أحال اجتماعهما أبطلها، ومن أجازه صححها ~~(2). # لنا: أن الامر طلب لايجاد الفعل، والنهي طلب لعدمه، فالجمع بينهما في أمر ~~واحد ممتنع. وتعدد الجهة غير مجد مع اتحاد المتعلق، إذا لامتناع إنما ينشأ ~~(3) من لزوم اجتماع المتنافيين في شئ واحد. وذلك (4) لا يندفع إلا بتعدد ~~المتعلق، بحيث يعد في الواقع أمرين، هذا مأمور به وذلك منهي عنه. ومن البين ~~أن التعدد (5) بالجهة لا يقتضي ذلك بل الوحدة باقية معه قطعا، فالصلاة في ~~الدار المغصوبة، و إن تعددت فيها جهة الأمر والنهي، لكن المتعلق الذي هو ~~الكون متحد، فلو صحت، لكان مأمورا به - من حيث إنه أحد الاجزاء المأمور بها ~~للصلاة وجزء الجزء جزء والامر بالمركب أمر باجزائه - ومنهيا (6) عنه، ~~باعتبار أنه بعينه الكون في الدار المغصوبة، فيجتمع فيه (7) الأمر والنهي ~~وهو متحد. وقد بينا امتناعه، فتعين بطلانها. # احتج (8) المخالف بوجهين، الأول: أن السيد إذا أمر عبده بخياطة ثوب، ~~ونهاه عن الكون في مكان مخصوص، ثم خاطه في ذلك (9) المكان، فانا نقطع بأنه ~~مطيع عاص لجهتي الامر بالخياطة والنهي عن الكون. # الثاني: أنه لو امتنع الجمع، لكان باعتبار اتحاد متعلق الأمر والنهي، إذ # PageV00P094 # لا مانع سواه اتفاقا. واللازم باطل، إذ لا اتحاد في المتعلقين. فان متعلق ~~الامر الصلاة، ومتعلق النهي الغصب، وكل منهما يتعقل انفكاكه عن الآخر، وقد ~~اختار المكلف جمعهما، مع إمكان عدمه. وذلك لا يخرجهما عن حقيقتهما ms062 اللتين ~~هما متعلقا الأمر والنهي، حتى لا يبقيا (1) حقيقتين مختلفتين، فيتحد ~~المتعلق. # والجواب عن الأول: أن الظاهر في المثال المذكور إرادة تحصيل خياطة الثوب ~~بأي وجه اتفق. سلمنا، لكن المتعلق فيه مختلف، فان (2) الكون ليس جزء من ~~مفهوم الخياطة، بخلاف الصلاة. سلمنا، لكن نمنع كونه مطيعا والحال هذه. و ~~دعوى حصول القطع بذلك في حيز المنع، حيث لا يعلم إرادة الخياطة كيف ما ~~اتفقت. # وعن الثاني: أن مفهوم الغصب، وإن كان مغايرا لحقيقة الصلاة، إلا أن الكون ~~الذي هو جزؤها بعض جزئياته، إذ هو مما يتحقق به. فإذا أوجد (3) المكلف ~~الغصب بهذا الكون، صار متعلقا للنهي، ضرورة أن الاحكام إنما تتعلق (5) ~~بالكليات باعتبار وجودها [في ضمن الافراد]، فالفرد الذي يتحقق به الكلي هو ~~الذي يتعلق به الحكم حقيقة. وهكذا يقال في جهة الصلاة، فان الكون المأمور ~~به فيها وإن كان كليا، لكنه إنما يراد (6) باعتبار الوجود. فمتعلق الامر في ~~الحقيقة إنما هو الفرد الذي يوجد منه، ولو باعتبار الحصة التي في ضمنه من ~~الحقيقة الكلية، على أبعد الرأيين في وجود الكلي الطبيعي. # وكما أن الصلاة الكلية تتضمن (7) كونا كليا، فكذلك الصلاة الجزئية تتضمن ~~(8) كونا جزئيا، فإذا اختار المكلف إيجاد كلي الصلاة بالجزئي المعين منها، ~~فقد اختار إيجاد كلي الكون بالجزئي المعين منه الحاصل في ضمن الصلاة ~~المعينة. و # PageV00P095 # ذلك يقتضي تعلق الامر به. فيجتمع فيه الأمر والنهي، وهو شئ واحد قطعا، ~~فقوله: " وذلك لا يخرجهما عن حقيقتهما، الخ "، إن أراد به خروجهما عن الوصف ~~بالصلاة والغصب، فمسلم، ولا يجديه، إذ لا نزاع في اجتماع الجهتين، وتحقق ~~الاعتبارين، وإن أراد أنهما باقيان على المغايرة والتعدد بحسب الواقع ~~والحقيقة، فهو غلط (1) ظاهر ومكابرة محضة، لا يرتاب فيها ذو مسكة. # وبالجملة فالحكم هنا واضح، لا يكاد يلتبس على من راجع وجدانه، ولم يطلق ~~في ميدان الجدال والعصبية عنانه. # أصل اختلفوا في دلالة النهي على فساد المنهي عنه، على أقوال، ثالثها: يدل ~~في العبادات، لا في المعاملات. وهو مختار جماعة، منهم المحقق (2) والعلامة ~~(3). # واختلف ms063 القائلون بالدلالة، فقال جمع منهم المرتضى (4): إن ذلك بالشرع، لا ~~باللغة. وقال آخرون: بدلالة اللغة عليه أيضا، والأقوى عندي: أنه يدل في ~~العبادات بحسب اللغة والشرع دون غيرها مطلقا. فهنا دعويان. # لنا على أوليهما: أن النهي يقتضي كون ما تعلق به مفسدة، غير مراد للمكلف. ~~والامر يقتضي كونه مصلحة مرادا. وهما متضادان، فالآتي بالمنهي عنه لا يكون ~~آتيا بالمأمور به. ولازم ذلك عدم حصول الامتثال والخروج عن العهدة. ولا ~~نعني بالفساد إلا هذا. # ولنا على الثانية: أنه لو دل، لكانت إحدى الثلاث، وكلها منتفية. أما ~~الأولى (5) والثانية فظاهر. وأما الالتزام، فلأنها مشروطة باللزوم العقلي، ~~أو العرفي، كما هو معلوم، وكلاهما مفقودان (6). يدل على ذلك: أنه يجوز عند ~~العقل # PageV00P096 # وفي العرف أن يصرح بالنهي عنها، وأنها لا تفسد (1) بالمخالفة، من دون ~~حصول تناف بين الكلامين. وذلك دليل على عدم اللزوم بين. # حجة القائلين بالدلالة مطلقا بحسب الشرع لا اللغة: أن علماء الأمصار (2) ~~في جميع الأعصار، لم يزالوا يستدلون على الفساد بالنهي في أبوابه، كالأنكحة ~~والبيوع وغيرها. وأيضا لو لم يفسد، لزم من نفيه حكمة يدل عليها النهي، ومن ~~ثبوته حكمة تدل عليها الصحة (3). واللازم باطل، لان الحكمتين، إن كانتا ~~متساويتين تعارضتا وتساقطتا، وكان الفعل وعدمه متساويين، فيمتنع النهي عنه، ~~لخلوه عن الحكمة. وإن كانت حكمة النهي مرجوحة فهو أولى بالامتناع، لأنه ~~مفوت للزائد من مصلحة الصحة، وهو مصلحة خالصة، إذ لا معارض لها من جانب ~~الفساد، كما هو المفروض. وإن كانت راجحة فالصحة ممتنعة، لخلوها عن المصلحة، ~~بل لفوات قدر الرجحان من مصلحة النهي، وهو مصلحة خالصة لا يعارضها شئ من ~~مصلحة الصحة. # وأما انتفاء الدلالة لغة، فلان فساد الشئ عبارة عن سلب أحكامه. # وليس - في لفظ " النهي " ما يدل عليه لغة قطعا. # والجواب عن الأول: أنه لا حجة في قول العلماء بمجرده، ما لم يبلغ حد ~~الاجماع. ومعلوم انتفاؤه في محل النزاع، إذ الخلاف والتشاجر فيه ظاهر جلي. # وعن الثاني: بالمنع من دلالة الصحة، بمعنى ترتب الأثر على وجود الحكمة ms064 في ~~الثبوت، إذ من الجائز عقلا انتفاء الحكمة في إيقاع عقد البيع وقت النداء ~~مثلا مع ترتب أثره - أعني انتقال الملك - عليه. نعم، هذا في العبادات ~~معقول، فان الصحة فيها باعتبار كونها عبارة عن حصول الامتثال، تدل على وجود ~~الحكمة المطلوبة، وإلا لم يحصل. # وبما قدمناه في الاحتجاج على دلالة النهي على الفساد في العبادات يظهر # PageV00P097 # جواب الاستدلال على انتفاء الدلالة لغة، فإنه على عمومه ممنوع. نعم هو في ~~غير العبادات متوجه. # واحتج مثبتوها كذلك لغة أيضا، بوجهين: # أحدهما: ما استدل به على دلالته شرعا (1)، من أنه لم يزل العلماء يستدلون ~~بالنهي على الفساد. # وأجاب عنه أولئك: بأنه إنما (2) يقتضي دلالته على الفساد، وأما أن تلك ~~الدلالة بحسب اللغة، فلا. بل الظاهر أن استدلالهم به على الفساد إنما هو ~~لفهمهم دلالته عليه شرعا، لما ذكر من الدليل على عدم دلالته لغة، والحق ما ~~قدمناه: من عدم الحجية في ذلك. وهم وإن أصابوا في القول بدلالته في ~~العبادات لغة، لكنهم مخطئون (3) في هذا الدليل. والتحقيق (4) ما استدللنا ~~به سابقا. # الوجه الثاني لهم: أن الامر يقتضي الصحة، لما هو الحق من دلالته على ~~الاجزاء بكلا تفسيريه. والنهي نقيضه، والنقيضان مقتضاهما نقيضان. # فيكون النهي مقتضيا لنقيض الصحة، وهو الفساد. # وأجاب الأولون: بأن الامر يقتضي الصحة شرعا، لا لغة، ونقول بمثله في ~~النهي. وأنتم تدعون دلالته لغة. ومثله ممنوع في الامر. # والحق أن يقال: لا نسلم وجوب اختلاف أحكام المتقابلات، لجواز اشتراكها في ~~لازم واحد، فضلا عن تناقض أحكامها. سلمنا، لكن نقيض قولنا: " يقتضي الصحة ~~": أنه " لا يقتضي الصحة "، ولا يلزم منه أن " يقتضي الفساد ". فمن أين ~~يلزم في النهي أن يقتضي الفساد؟ نعم يلزم أن لا يقتضي الصحة. ونحن نقول به. # حجة النافين للدلالة مطلقا، لغة وشرعا: أنه لو دل لكان مناقضا للتصريح # PageV00P098 # بصحة المنهي عنه، واللازم منتف، لأنه يصح أن يقول: " نهيتك عن البيع ~~الفلاني بعينه مثلا. ولو فعلت لعاقبتك. لكنه يحصل به الملك. " وأجيب: بمنع ~~الملازمة، فان قيام الدليل الظاهر على ms065 معنى لا يمنع التصريح بخلافه، وأن ~~الظاهر غير مراد. ويكون التصريح قرينة صارفة عما يجب الحمل عليه عند التجرد ~~عنها. # وفيه نظر، فان التصريح بالنقيض يدفع ذلك الظاهر وينافيه قطعا. وليس بين ~~قوله في المثال: " ولو فعلت لعاقبتك الخ "، وبين قوله: " نهيتك عنه " ~~مناقضة ولا منافاة. يشهد بذلك الذوق السليم. # فالحق: أن الكلام متجه في غير العبادات وهو الذي مثل به. وأما فيها، ~~فالحكم بانتفاء اللازم غلط بين، إذ المناقضة (1) بين قوله: " لا تصل في ~~المكان المغصوب " و " لو فعلت لكانت صحيحة مقبولة " في غاية الظهور، لا ~~ينكرها إلا مكابر. # PageV00P099 # المطلب الثالث في العموم والخصوص وفيه فصول PageV00P101 # الفصل الأول في الكلام على ألفاظ العموم أصل (1) الحق: أن للعموم في لغة ~~العرب صيغة تخصه. وهو اختيار الشيخ، والمحقق، والعلامة، وجمهور المحققين. ~~وقال السيد (2) - رحمه الله - وجماعة: إنه ليس له لفظ موضوع إذا استعمل في ~~غيره كان مجازا، بل كل ما يدعى من ذلك مشترك بين الخصوص والعموم. ونص السيد ~~على أن تلك الصيغ نقلت في عرف الشرع إلى العموم، كقوله بنقل (3) صيغة الامر ~~في العرف الشرعي إلى الوجوب. وذهب قوم إلى أن جميع الصيغ التي يدعى وضعها ~~للعموم حقيقة في الخصوص، وإنما يستعمل في العموم مجازا. # لنا: أن السيد إذا قال لعبده: " لا تضرب أحدا " فهم من اللفظ العموم ~~عرفا، حتى لو ضرب واحدا عد مخالفا. والتبادر دليل الحقيقة، فيكون كذلك لغة، ~~لأصالة عدم النقل، كما مر مرارا. فالنكرة في سياق النفي للعموم لا غير، ~~حقيقة، وهو المطلوب. # وأيضا، لو كان نحو: " كل " و " جميع " من الألفاظ المدعى عمومها، مشتركة ~~(4) بين العموم والخصوص، لكان قول القائل: " رأيت الناس كلهم أجمعين " ~~مؤكدا للاشتباه، وذلك باطل بيان الملازمة: أن " كلا " (5) و " أجمعين) # PageV00P102 # مشتركة عند القائل باشتراك الصيغ، واللفظ الدال على شئ يتأكد بتكريره، ~~فيلزم أن يكون الالتباس متأكدا عند التكرير. واما بطلان اللازم، فلانا نعلم ~~ضرورة أن مقاصد أهل اللغة في ذلك تكثير الايضاح وإزالة الاشتباه. # احتج القائلون بالاشتراك بوجهين. # الأول أن الألفاظ ms066 التي يدعى وضعها للعموم تستعمل (1) فيه تارة وفي الخصوص ~~أخرى. بل استعمالها في الخصوص أكثر، وظاهر استعمال اللفظ في شيئين أنه ~~حقيقة فيهما. وقد سبق مثله. # الثاني: أنها (2) لو كانت للعموم، لعلم ذلك إما بالعقل، وهو محال، إذ لا ~~مجال للعقل بمجرده (3) في الوضع، وإما بالنقل، والآحاد منه لا تفيد اليقين. ~~ولو كان متواترا لاستوى الكل فيه. # والجواب عن الأول: أن مطلق الاستعمال أعم من الحقيقة والمجاز، والعموم هو ~~المتبادر عند الاطلاق. وذلك آية الحقيقة، فيكون في الخصوص مجازا، إذ هو خير ~~من الاشتراك حيث لا دليل عليه. # وعن الثاني: منع الحصر فيما ذكر من الأوجه، فان تبادر المعنى من اللفظ ~~عند إطلاقه دليل على كونه موضوعا له، وقد بينا أن المتبادر هو العموم. # حجة من ذهب إلى أن جميع الصيغ حقيقة في الخصوص: أن الخصوص متيقن، لأنها ~~إن كانت له فمراد (4)، وإن كانت للعموم فداخل في المراد، و على التقديرين، ~~يلزم ثبوته. بخلاف العموم، فإنه مشكوك فيه، إذ ربما يكون للخصوص، فلا يكون ~~العموم مرادا، ولا داخلا فيه، فجعله حقيقة في الخصوص المتيقن أولى من جعله ~~للعموم المشكوك فيه. # وأيضا: اشتهر في الألسن حتى صار مثلا أنه: " ما من عام إلا وقد خص منه "، ~~وهو وارد على سبيل المبالغة وإلحاق القليل بالعدم. والظاهر يقتضي # PageV00P103 # كونه حقيقة في الأغلب مجازا في الأقل، تقليلا للمجاز. # والجواب: أما عن الوجه (1) الأول، فبأنه إثبات اللغة بالترجيح، وهو غير ~~جائز على أنه معارض بأن العموم أحوط، إذ من المحتمل أن يكون هو مقصود ~~المتكلم، فلو حمل اللفظ على الخصوص لضاع غيره مما يدخل في العموم. وهذا لا ~~يخلو من نظر. # وأما عن الأخير، فبأن احتياج خروج البعض عنها إلى التخصيص بمخصص ظاهر في ~~أنها للعموم. على أن ظهور كونها حقيقة في الأغلب، إنما يكون عند عدم الدليل ~~على أنها حقيقة في الأقل، وقد بينا قيام الدليل عليه. هذا، مع ما في التمسك ~~بمثل هذه الشهرة، من الوهن. # أصل الجمع المعرف بالأداة يفيد العموم حيث ms067 لا عهد. ولا نعرف في ذلك ~~مخالفا من الأصحاب. ومحققوا مخالفينا على هذا أيضا. وربما خالف في ذلك بعض ~~من لا يعتد به منهم، وهو شاذ ضعيف، لا التفات إليه. # وأما المفرد المعرف، فذهب جمع من الناس إلى أنه يفيد العموم. وعزاه (2) ~~المحقق إلى الشيخ. وقال قوم بعدم إفادته، واختاره المحقق والعلامة، (3) وهو ~~الأقرب. # لنا: عدم تبادر العموم منه إلى الفهم، وأنه لو عم لجاز الاستثناء منه ~~مطردا، وهو منتف قطعا. # احتجوا بوجهين، أحدهما: جواز وصفه بالجمع، فيما حكاه البعض من قولهم: # " أهلك الناس الدرهم البيض والدينار الصفر ". # الثاني: صحة الاستثناء منه، كما في قوله تعالى: " ان الانسان لفي خسر إلا ~~الذين آمنوا " (4). # PageV00P104 # وأجيب عن الأول: بالمنع من دلالته على العموم، وذلك لان مدلول العام كل ~~فرد، ومدلول الجمع مجموع الافراد، وبينهما بون بعيد. # وعن الثاني: بأنه مجاز (1)، لعدم الاطراد. # وفي الجواب عن كلا الوجهين نظر: # أما الأول، فلانه مبني على أن عموم الجمع ليس كعموم المفرد، وهو خلاف ~~التحقيق، كما قرر في موضعه. # وأما الثاني، فلان الظاهر: أنه لا مجال لانكار إفادة المفرد المعرف ~~العموم في بعض الموارد حقيقة، كيف ودلالة أداة التعريف على الاستغراق حقيقة ~~وكونه أحد معانيها، مما لا يظهر فيه خلاف بينهم، فالكلام حينئذ إنما هو في ~~دلالته على العموم مطلقا، بحيث لو استعمل في غيره كان مجازا، على حد صيغ ~~العموم التي هذا شانها. ومن البين: أن هذه الحجة لا تنهض باثبات ذلك، بل ~~إنما تثبت (2) المعنى الأول الذي لا نزاع فيه. # فائدة مهمة حيث علمت أن الغرض من نفي دلالة المفرد المعرف على العموم، ~~كونه ليس على حد الصيغ الموضوعة لذلك، لا عدم إفادته إياه مطلقا، فاعلم: أن ~~القرينة الحالية قائمة في الأحكام الشرعية غالبا، على إرادة العموم منه، ~~حيث لا عهد خارجي، كما في قوله تعالى: " وأحل الله البيع وحرم الربا " (3) ~~وقوله عليه السلام: " إذا كان الماء قدر كر لم ينجسه شئ " (4)، ونظائره، ~~ووجه قيام القرينة على ذلك امتناع إرادة الماهية والحقيقة، إذ ms068 الأحكام ~~الشرعية إنما تجري على الكليات باعتبار وجودها، كما علم آنفا. # وحينئذ، فاما أن يراد الوجود الحاصل بجميع الافراد أو ببعض (5) غير معين. # PageV00P105 # لكن إرادة البعض ينافي الحكمة، إذ لا معنى لتحليل بيع من البيوع، وتحريم ~~فرد من الربا، وعدم تنجيس مقدار الكر من بعض الماء، إلى غير ذلك من موارد ~~استعماله في الكتاب والسنة، فتعين في هذا كله إرادة الجميع، وهو معنى ~~العموم. # ولم أر أحدا تنبه لذلك من متقدمي (1) الأصحاب، سوى المحقق - قدس الله ~~نفسه - فإنه قال في آخر هذا البحث: " ولو قيل: إذا لم يكن ثم معهود، وصدر ~~(2) من حكيم، فان ذلك قرينة حالية تدل على الاستغراق، لم ينكر ذلك ". # أصل أكثر العلماء على أن الجمع المنكر لا يفيد العموم، بل يحمل على أقل ~~مراتبه. وذهب بعضهم إلى إفادته ذلك. وحكاه (3) المحقق عن الشيخ، بالنظر إلى ~~الحكمة. والأصح الأول. # لنا: القطع بأن " رجالا " مثلا (4) بين الجموع في صلوحه لكل عدد بدلا، " ~~كرجل " بين الآحاد في صلوحه لكل واحد، فكما أن " رجلا " ليس للعموم فيما ~~يتناوله من الآحاد، كذلك " رجال " ليس للعموم فيما يتناوله من مراتب العدد. # نعم أقل المراتب واجبة الدخول قطعا، فعلم كونها مرادة، وبقي ما سواها على ~~حكم الشك. # حجة (5) الشيخ: أن هذه اللفظة، إذا دلت على القلة والكثرة، وصدرت من ~~حكيم، فلو أراد القلة لبينها. وحيث لا قرينة، وجب حمله على الكل. وزاد من ~~وافقه من العامة: أنه ثبت إطلاق اللفظ على كل مرتبة من مراتب الجموع، فإذا ~~حملناه على الجميع فقد حملناه على جميع حقائقه، فكان أولى. # PageV00P106 # والجواب: عن احتجاج (1) الشيخ، أما أولا: فبالمعارضة بأنه لو أراد الكل ~~لبينه أيضا. وأما ثانيا: فلانا لا نسلم عدم القرينة، إذ يكفي فيها كون أقل ~~المراتب مرادا قطعا. # وفيه نظر، والتحقيق: أن اللفظ لما كان موضوعا للجمع (2) المشترك بين ~~العموم والخصوص، كان عند الاطلاق محتملا للامرين (3)، كسائر الألفاظ ~~الموضوعة للمعاني المشتركة، إلا أن أقل مراتب الخصوص باعتبار القطع بإرادته ~~- يصير متيقنا، ويبقى ما عداه مشكوكا فيه، ms069 إلى أن يدل على إرادته. ولا نجد ~~في هذا منافاة للحكمة بوجه. # وبهذا يظهر الجواب عن الكلام الأخير، فانا نمنع كون اللفظ حقيقة في كل ~~مرتبة، وإنما هو للقدر المشترك بينها، فلا دلالة له (4) على خصوص أحدها. ~~ولئن سلمنا كونه حقيقة في كل منها، لكان الواجب حينئذ التوقف، على ما هو ~~التحقيق من أن المشترك لا يحمل على شئ من معانيه إلا بالقرينة، وأن ~~استعماله في جميعها لا يكون إلا مجازا، فيحتاج الحمل عليه إلى الدليل. # فائدة أقل مراتب صيغة الجمع ثلاثة على الأصح، وقيل: أقلها اثنان. # لنا: أنه يسبق إلى الفهم عند إطلاق الصيغة بلا قرينة الزائد على الاثنين. ~~و ذلك دليل على أنه حقيقة في الزائد دونه، لما هو معلوم من أن علامة المجاز ~~تبادر غيره. # احتج المخالف بوجوه: # PageV00P107 # الأول: قوله (1) تعالى: " فان كان له إخوة " (2)، والمراد به ما يتناول ~~الأخوين اتفاقا. والأصل في الاطلاق الحقيقة. # الثاني: قوله (3) تعالى: " إنا معكم مستمعون " (4) خطابا لموسى وهرون ~~فأطلق ضمير الجمع المخاطبين على الاثنين. # الثالث قوله عليه السلام: " الاثنان فما فوقهما جماعة ". # الجواب (5) عن الأول: أن الاتفاق (6) إنما وقع على ثبوت الحجب مع الأخوين ~~(7)، ولا على استفادته من الآية، فلا دلالة فيه. # وعن الثاني: بالمنع من إرادتهما فقط، بل فرعون مراد معهما. سلمنا، لكن ~~الاستعمال إنما يدل على الحقيقة حيث لا يعارضه دليل المجاز. وقد دللنا على ~~كونه مجازا فيما دون الثلاثة. # وعن الثالث أنه ليس من محل (8) النزاع في شئ، إذ الخلاف في صيغة الجموع ~~لا في ج م ع (9). # أصل ما وضع لخطاب المشافهة، نحو: " يا أيها الناس "، " يا أيها الذين ~~آمنوا " لا يعم بصيغته من تأخر عن زمن الخطاب، وإنما يثبت حكمه لهم بدليل ~~آخر وهو قول أصحابنا وأكثر أهل الخلاف، وذهب قوم منهم إلى تناوله بصيغته ~~لمن بعدهم. # لنا: أنه لا يقال للمعدومين: " يا أيها الناس " ونحوه، وإنكاره مكابرة. و ~~أيضا، فان الصبي والمجنون أقرب إلى الخطاب من المعدوم، لوجودهما واتصافهما # PageV00P108 # بالانسانية، مع أن خطابهما بنحو ذلك ms070 ممتنع قطعا. فالمعدوم أجدر أن يمتنع. # احتجوا بوجهين: أحدهما: أنه لو لم يكن الرسول، صلى الله عليه وآله (1)، ~~مخاطبا لمن بعده، لم يك مرسلا إليه. واللازم منتف. بيان الملازمة: أنه لا ~~معنى لارساله إلا أن يقال له: " بلغ أحكامي ". ولا تبليغ إلا بهذه ~~العمومات، وقد فرض انتفاء عمومها بالنسبة إليه. واما انتفاء اللازم ~~فبالاجماع. # والثاني: أن العلماء لم يزالوا يحتجون على أهل الاعصار ممن بعد (2) ~~الصحابة، في المسائل الشرعية، بالآيات والاخبار المنقولة عن النبي، صلى ~~الله عليه وآله، و ذلك إجماع منهم على العموم لهم. # والجواب: أما عن الوجه الأول: فبالمنع من أنه لا تبليغ إلا بهذه (3) ~~العمومات التي هي خطاب المشافهة، إذ التبليغ لا يتعين فيه المشافهة، بل ~~يكفي حصوله للبعض شفاها، وللباقين بنصب الدلائل والامارات على أن حكمهم حكم ~~الذين شافههم. # وأما عن الثاني: فبأنه لا يتعين أن يكون احتجاجهم لتناول الخطاب بصيغته ~~لهم، بل يجوز أن يكون ذلك لعلمهم بأن حكمهم (4) ثابت عليهم بدليل آخر. # وهذا مما لا نزاع فيه، إذ كوننا مكلفين بما كلفوا به معلوم بالضرورة من ~~الدين. # PageV00P109 # الفصل الثاني في جملة من مباحث التخصيص أصل اختلف القوم في منتهى التخصيص ~~إلى كم هو، فذهب بعضهم إلى جوازه حتى يبقى واحد. وهو اختيار المرتضى، ~~والشيخ (1)، وأبي المكارم ابن زهرة (2). و قيل: حتى يبقى ثلاثة. وقيل: ~~اثنان. وذهب الأكثر ومنهم المحقق إلى أنه لا بد من بقاء جمع يقرب (3) من ~~مدلول العام، إلا أن يستعمل في حق الواحد على سبيل التعظيم. وهو الأقرب. # لنا: القطع قول القائل: " أكلت كل رمانة في البستان "، وفيه آلاف وقد أكل ~~واحدة أو ثلاثة. وقوله: " أخذت كل ما في الصندوق من الذهب " وفيه ألف، وقد ~~أخذ دينارا إلى ثلاثة. وكذا قوله: " كل من دخل داري فهو حر "، أو " كل (4) ~~من جاءك، فأكرمه "، وفسره بواحد أو ثلاثة، فقال: " أردت زيدا أو هو مع عمرو ~~وبكر ". ولا كذلك لو أريد من اللفظ في جميعها كثرة قريبة من مدلوله. # احتج مجوزوه إلى الواحد بوجوه: ms071 # الأول: أن استعمال العام في غير الاستغراق يكون بطريق المجاز، على ما هو ~~التحقيق، وليس بعض الافراد أولى من البعض، فوجب جواز استعماله في # PageV00P110 # جميع الأقسام إلى أن ينتهى إلى الواحد. # الثاني: أنه لو امتنع ذلك، لكان لتخصيصه وإخراج اللفظ عن موضوعه إلى ~~غيره. وهذا يقتضي امتناع كل تخصيص. # الثالث: قوله تعالى: " وإنا له لحافظون " (1)، والمراد هو الله (2) تعالى ~~وحده. # الرابع: قوله تعالى: " الذين قال لهم الناس " (3)، والمراد نعيم بن ~~مسعود، باتفاق المفسرين. ولم يعده أهل اللسان مستهجنا، لوجود القرينة، فوجب ~~جواز التخصيص إلى الواحد، مهما وجدت القرينة. وهو المدعى. # الخامس: أنه علم بالضرورة من اللغة صحة قولنا: " أكلت الخبز وشربت الماء ~~"، ويراد به أقل القليل مما يتناوله الماء والخبز. # والجواب عن الأول: المنع من عدم الأولوية، فان الأكثر أقرب إلى الجميع من ~~الأقل. هكذا أجاب العلامة - رحمه الله - في النهاية. (4) وفيه نظر، لان ~~أقربية الأكثر إلى الجميع يقتضى أرجحية إرادته على إرادة الأقل، لا امتناع ~~إرادة الأقل، كما هو المدعى. # فالتحقيق في الجواب أن يقال: لما كان مبنى الدليل على أن استعمال العام ~~في الخصوص مجاز، كما هو الحق، وستسمعه، ولابد في جواز مثله من وجود العلاقة ~~المصححة للتجوز (5)، لا جرم كان الحكم مختصا باستعماله في الأكثر، لانتفاء ~~العلاقة في غيره. # فان قلت: كل واحد من الافراد بعض مدلول العام، فهو جزؤه. وعلاقة الكل ~~والجزء حيث يكون استعمال (6) اللفظ الموضوع للكل في الجزء غير مشترط (7) ~~بشئ، كما نص عليه المحققون. وإنما الشرط في عكسه، أعني: استعمال اللفظ # PageV00P111 # الموضوع للجزء في الكل، على ما مر تحقيقه. وحينئذ فما وجه تخصيص وجود ~~العلاقة بالأكثر؟ # قلت: لا ريب في أن كل واحد من أفراد العام بعض مدلوله، لكنها ليست أجزاء ~~له، كيف؟ وقد عرفت أن مدلول العام كل فرد، لا مجموع الافراد. وإنما يتصور ~~في مدلوله تحقق الجزء، والكل، لو كان بالمعنى الثاني. وليس كذلك. # فظهر أنه ليس المصحح للتجوز علاقة الكل والجزء، كما توهم. وإنما هو علاقة ~~المشابهة، أعني: الاشتراك في ms072 صفة، وهي ههنا الكثرة، فلابد في استعمال لفظ ~~العام في الخصوص من تحقق كثرة تقرب (1) من مدلول العام، لتحقق المشابهة ~~المعتبرة لتصحيح الاستعمال. وذلك هو المعني بقولهم: " لابد من بقاء جمع ~~يقرب، الخ ". # وعن الثاني: بالمنع من كون الامتناع للتخصيص مطلقا، بل لتخصيص خاص، وهو ~~ما يعد في اللغة لغوا، وينكر عرفا. # وعن الثالث: أنه غير محل النزاع، فإنه للتعظيم، وليس من التعميم والتخصيص ~~في شئ. وذلك لما جرت العادة به، من أن العظماء يتكلمون عنهم و عن أتباعهم، ~~فيغلبون المتكلم، فصار ذلك استعارة عن العظمة ولم يبق معنى العموم ملحوظا ~~فيه أصلا. # وعن الرابع: أنه، على تقدير ثبوته، كالثالث في خروجه عن محل النزاع، لان ~~البحث في تخصيص العام، و " الناس "، على هذا التقدير ليس بعام بل للمعهود، ~~والمعهود غير عام. وقد يتوقف في هذا، لعدم ثبوت صحة إطلاق " الناس " ~~المعهود على واحد. والامر عندنا سهل. # وعن الخامس: أنه غير محل النزاع أيضا، فان كل واحد (2) من الماء والخبز ~~في المثالين ليس بعام، بل هو للبعض (3) الخارجي المطابق للمعهود الذهني، ~~أعني: # PageV00P112 # الخبز والماء المقرر في الذهن أنه يؤكل ويشرب، وهو مقدار ما معلوم (1). # وحاصل الامر أنه أطلق المعرف بلام العهد الذهني - الذي هو قسم من تعريف ~~الجنس - على موجود معين، يحتمله وغيره اللفظ وأريد بخصوصه من بين تلك (2) ~~المحتملات بدلالة القرينة. وهذا مثل إطلاق المعرف بلام العهد الخارجي على ~~موجود معين من بين معهودات خارجية، كقولك لمخاطبك: # " أدخل السوق " مريدا به واحدا من أسواق معهودة بينك وبينه عهدا خارجيا ~~معينا له من (3) بينها بالقرينة، ولو بالعادة، فكما أن ذلك ليس من تخصيص ~~العموم في شئ، فكذا هذا. # حجة مجوزيه إلى الثلاثة والاثنين: ما قيل في الجمع، وأن أقله ثلاثة أو ~~اثنان، كأنهم جعلوه فرعا لكون الجمع حقيقة في الثلاثة أو في الاثنين. # والجواب: أن الكلام في أقل مرتبة يخصص إليها (4) العام، لا في أقل مرتبة ~~يطلق عليها الجمع، فان الجمع من حيث هو ليس بعام، ولم يقم دليل على ms073 تلازم ~~حكميهما (5)، فلا تعلق لأحدهما بالآخر، فلا يكون المثبت لأحدهما مثبتا ~~للآخر. # أصل وإذا خص (6) العام وأريد به الباقي، فهو مجاز مطلقا على الأقوى، ~~وفاقا للشيخ (7)، والمحقق (8)، والعلامة (9) في أحد قوليه، وكثير من أهل ~~الخلاف. وقال قوم: إنه حقيقة مطلقا. وقيل: هو حقيقة، إن كان الباقي غير ~~منحصر، بمعنى أن له كثرة يعسر العلم بعددها، وإلا، فمجاز. وذهب آخرون إلى ~~كونه حقيقة، إن خص # PageV00P113 # بمخصص لا يستقل بنفسه، من شرط، أو صفة، أو استثناء، أو غاية، وإن خص ~~بمستقل، من سمع أو عقل، فمجاز. وهو القول الثاني للعلامة، اختاره في ~~التهذيب (1). و ينقل ههنا مذاهب للناس كثيرة سوى هذه (2)، لكنها شديدة ~~الوهن، فلا جدوى للتعرض (3) لنقلها. # لنا: أنه لو كان حقيقة في الباقي، كما في الكل، لكل مشتركا بينهما. # واللازم منتف. بيان الملازمة: أنه ثبت كونه للعموم حقيقة، ولا ريب أن ~~البعض مخالف له بحسب المفهوم، وقد فرض كونه حقيقة فيه أيضا، فيكون حقيقة في ~~معنيين مختلفين، وهو معنى المشترك. وبيان انتفاء اللازم: أن الفرض وقع في ~~مثله، إذ الكلام في ألفاظ العموم التي قد ثبت اختصاصه بها في أصل الوضع. # حجة القائل بأنه حقيقة مطلقا، أمران: # أحدهما: أن اللفظ كان متناولا له حقيقة بالاتفاق، والتناول باق على ما ~~كان، لم يتغير، إنما طرء عدم تناول الغير. # والثاني: أنه يسبق إلى الفهم، إذ مع القرينة لا يحتمل غيره. وذلك دليل ~~الحقيقة. # والجواب عن الأول: أن تناول اللفظ له قبل التخصيص إنما كان مع غيره، ~~وبعده يتناوله وحده، وهما متغايران، فقد استعمل في غير ما وضع له. # واعترض: بأن عدم تناوله للغير أو تناوله له، لا يغير صفة تناوله لما ~~يتناوله. # وجوابه: أن كون اللفظ حقيقة قبل التخصيص ليس باعتبار تناوله للباقي، حتى ~~يكون بقاء التناول مستلزما لبقاء كونه حقيقة، بل من حيث إنه مستعمل في ~~المعنى الذي ذلك الباقي بعض منه، وبعد التخصيص يستعمل في نفس الباقي، فلا ~~يبقى (4) حقيقة. والقول بأنه كان متناولا له حقيقة مجرد عبارة، إذ الكلام ms074 # PageV00P114 # في الحقيقة المقابلة للمجاز، وهي صفة اللفظ. # وعن الثاني: بالمنع من السبق إلى الفهم. وإنما يتبادر مع القرينة، ~~وبدونها يسبق العموم. وهو دليل المجاز. # واعترض: بأن إرادة الباقي معلومة بدون القرينة. إنما المحتاج إلى ~~القرينة، عدم إرادة المخرج. # وضعفه ظاهر، لان العلم بإرادة الباقي قبل القرينة إنما هو باعتبار دخوله ~~تحت المراد، وكونه بعضا منه. والمقتضي لكون اللفظ حقيقة فيه، هو العلم ~~بإرادته على أنه نفس المراد، وهذا لم يحصل إلا بمعونة القرينة. وهو معنى ~~المجاز. # حجة من قال بأنه حقيقة، إن بقى غير منحصر، أن معنى العموم حقيقة هو كون ~~اللفظ دالا على أمر غير منحصر في عدد، وإذا كان الباقي غير منحصر، كان ~~عاما. # والجواب: منع كونه معناه ذلك، بل معناه تناوله للجميع. وكان للجميع أولا، ~~وقد صار لغيره. فكان مجازا. # ولا يذهب عليك أن منشأ الغلط في هذه الحجة اشتباه كون النزاع في لفظ ~~العام أو في الصيغ. وقد وقع مثله لكثير من الأصوليين في مواضع متعددة، ككون ~~الامر للوجوب، والجمع للاثنين، والاستثناء مجازا في المنقطع. وهو من باب ~~اشتباه (1) العارض بالمعروض. # حجة القائل بأنه حقيقة، إن خص بغير مستقل: أنه لو كان التقييد بما لا ~~يستقل يوجب تجوزا في نحو (2): " الرجال المسلمون " من المقيد بالصفة، و: " ~~أكرم بني تميم ان دخلوا " من المقيد بالشرط، و " اعتزل الناس إلا العلماء " ~~من المقيد بالاستثناء، لكان نحو: " مسلمون " للجماعة مجازا، ولكان نحو: # " المسلم " للجنس أو للعهد مجازا، ولكان نحو: " ألف سنة إلا خمسين عاما " ~~مجازا. واللوازم الثلاثة باطلة. أما الأولان: فإجماعا، وأما الأخير، فلكونه ~~موضع # PageV00P115 # وفاق من الخصم (1). بيان الملازمة: أن كل واحد من المذكورات يقيد بقيد هو ~~كالجزء له، وقد صار بواسطته لمعنى غير ما وضع له أولا. وهي بدونه، لما نقلت ~~عنه، ومعه لما نقلت إليه. ولا يحتمل غيره. وقد جعلتم ذلك موجبا للتجوز. ~~فالفرق تحكم. # والجواب: أن وجه الفرق ظاهر. فان الواو في " مسلمون "، وكألف " ضارب " ~~وواو " مضروب " جزء الكلمة، والمجموع لفظ واحد. والألف واللام في ms075 نحو (2) " ~~المسلم " وإن كانت (3) كلمة، إلا أن المجموع يعد في العرف (4) كلمة واحدة، ~~ويفهم منه معنى واحد من غير تجوز ونقل من معنى إلى آخر. فلا يقال إن " مسلم ~~" للجنس، والألف واللام للقيد والحكم بكون نحو (5) " ألف سنة إلا خمسين ~~عاما " حقيقة - على تقدير تسليمه - مبني على أن المراد به تمام مدلوله، و ~~أن الاخراج منه وقع قبل الاسناد والحكم (6). # وأنت خبير بأنه لا شئ مما ذكرناه في هذه الصور الثلاث بمتحقق في العام ~~المخصوص، لظهور الامتياز بين لفظ العام وبين المخصص، وكون كل منهما كلمة ~~برأسها، لأن المفروض إرادة الباقي من لفظ العام، لاتمام المدلول مقدما على ~~الاسناد. وحينئذ فكيف يلزم من كونه مجازا كون هذه مجازات؟ # أصل الأقرب عندي أن تخصيص العام لا يخرجه عن الحجية في غير محل التخصيص، ~~ان لم يكن المخصص مجملا مطلقا. ولا أعرف في ذلك من الأصحاب مخالفا. نعم ~~يوجد في كلام بعض المتأخرين ما يشعر بالرغبة عنه. # ومن الناس من أنكر حجيته مطلقا. ومنهم من فصل، واختلفوا في التفصيل على # PageV00P116 # أقوال شتى، منها: الفرق بين المتصل والمنفصل، فالأول (1) حجة، لا الثاني. ~~ولا حاجة لنا (2) إلى التعرض لباقيها، فإنه تطويل بلا طائل، إذ هي في غاية ~~الضعف والسقوط. وذهب بعض إلى أنه يبقى حجة في أقل الجمع، من اثنين أو ~~ثلاثة، على الرأيين (3). # لنا: القطع بأن السيد إذا قال لعبده: " كل من دخل داري، فأكرمه " ثم قال ~~بعد (4): " لا تكرم فلانا "، أو قال في الحال: " إلا فلانا "، فترك إكرام ~~غير من وقع النص على إخراجه، عد في العرف عاصيا، وذمه العقلاء على ~~المخالفة. و ذلك دليل ظهوره في إرادة الباقي، وهو المطلوب. # احتج منكر الحجية مطلقا بوجهين: # الأول أن حقيقة اللفظ هي العموم، ولم يرد (5)، وسائر ما تحته (6) من ~~المراتب مجازاته. وإذا لم ترد الحقيقة (7)، تعددت المجازات، كان اللفظ ~~مجملا فيها، فلا يحمل على شئ منها. وتمام الباقي أحد المجازات، فلا يحمل ~~عليه، بل يبقى مترددا بين جميع مراتب الخصوص، فلا يكون (8) حجة ms076 في شئ منها. # ومن هذا يظهر حجة المفصل، فان المجازية عنده إنما تتحقق في المنفصل، ~~للبناء على الخلاف في الأصل السابق. # الثاني: أنه بالتخصيص خرج عن كونه (9) ظاهرا، وما لا يكون ظاهرا لا يكون ~~حجة. # والجواب عن الأول: أن ما ذكرتموه صحيح، إذا كانت المجازات متساوية ولا ~~دليل على تعيين أحدها (10). أما إذا كان بعضها أقرب إلى الحقيقة، ووجد # PageV00P117 # الدليل على تعيينه، كما في موضع النزاع، فان الباقي أقرب إلى الاستغراق. ~~وما ذكرناه من الدليل يعينه أيضا، لإفادته كون التخصيص قرينة ظاهرة في ~~إرادته، مضافا إلى منافاة عدم إرادته للحكمة، حيث يقع (1) في كلام الحكيم، ~~بتقريب ما مر في بيان إفادة المفرد المعرف للعموم، إذ المفروض انتفاء ~~الدلالة على المراد ههنا من غير جهة التخصيص. فحينئذ يجب الحمل على ذلك ~~البعض، وسقط ما ذكرتموه. هذا مع أن الحجة غير وافية بدفع القول بحجيته في ~~أقل الجمع، إن لم يكن المحتج بها ممن يرى جواز التجاوز (2) في التخصيص إلى ~~الواحد، لكون أقل الجمع حينئذ مقطوعا به، على كل تقدير. # وعن الثاني: بالمنع من عدم الظهور في الباقي، وإن لم يكن حقيقة. وسند هذا ~~المنع يظهر من دليلنا السابق. وانتفاء الظهور بالنسبة إلى العموم لا يضرنا. # واحتج الذاهب إلى أنه حجة في أقل الجمع: بأن أقل الجمع هو المتحقق، ~~والباقي مشكوك فيه، فلا يصار إليه. # والجواب: لا نسلم أن الباقي مشكوك فيه، لما ذكرنا من الدليل على وجوب ~~الحمل على ما بقي. # أصل ذهب العلامة (3) في التهذيب (4) إلى جواز الاستدلال بالعام قبل ~~استقصاء البحث في طلب التخصيص (5)، واستقرب في النهاية (6) عدم الجواز، ما ~~لم يستقص في الطلب وحكى فيها كلا من القولين عن بعض من (7) العامة. وقد ~~اختلف كلامهم في بيان موضع النزاع. # PageV00P118 # فقال بعضهم: إن النزاع في جواز التمسك بالعام قبل البحث عن المخصص. وهو ~~الذي يلوح من كلام العلامة في التهذيب، وصرح به في النهاية. وأنكر ذلك جمع ~~من المحققين، قائلين، إن العمل بالعموم قبل البحث عن المخصص ممتنع إجماعا. ms077 ~~وإنما الخلاف في مبلغ البحث. فقال الأكثر: يكفي بحيث يغلب (2) معه الظن ~~بعدم المخصص، وقال بعض (3): إنه لا يكفي ذلك، بل لابد من القطع بانتفائه. # والظاهر: أن الخلاف موجود في المقامين لنقل جماعة القول بجواز التمسك ~~بالعام قبل البحث عن المخصص عن بعض المتقدمين، وتصريح آخرين باختياره. لكنه ~~ضعيف. # وربما قيل إن مراد قائله: أنه قبل وقت العمل وقبل ظهور المخصص، يجب ~~اعتقاد عمومه جزما، ثم إن لم يتبين (4) الخصوص، فذاك، والا تغير الاعتقاد. # وينقل عن بعض العلماء أنه قال - بعد ذكره لهذا الكلام عن ذلك القائل -: # " وهذا غير معدود عندنا من مباحث العقلاء ومضطرب العلماء. وإنما هو قول ~~صدر عن غباوة واستمرار في عناد ". # إذا عرفت هذا: فالأقوى عندي: أنه لا يجوز المبادرة إلى الحكم (5) ~~بالعموم، قبل البحث عن المخصص (6)، بل يجب التفحص عنه، حتى يحصل الظن ~~الغالب بانتفائه، كما يجب ذلك في كل دليل يحتمل أن يكون له معارض احتمالا ~~راجحا، فإنه في الحقيقة جزئي من جزئياته. # لنا: أن المجتهد يجب عليه البحث عن الأدلة، وكيفية دلالتها. # والتخصيص كيفية في الدلالة. وقد شاع أيضا حتى قيل: " ما من عام إلا وقد ~~خص "، فصار احتمال ثبوته مساويا لاحتمال عدمه، وتوقف ترجيح # PageV00P119 # أحد الامرين على البحث والتفتيش. وإنما اكتفينا بحصول الظن ولم نشترط ~~القطع، لأنه مما لا سبيل إليه غالبا، إذ غاية الامر عدم الوجدان، وهو لا ~~يدل على عدم الوجود. فلو اشترط، لادى إلى إبطال العمل بأكثر العمومات. # احتج مجوز التمسك به قبل البحث: بأنه لو وجب طلب المخصص في التمسك ~~بالعام، لوجب طلب المجاز في التمسك بالحقيقة. بيان الملازمة: أن إيجاب طلب ~~المخصص إنما هو للتحرز عن الخطاء (1). وهذا المعنى بعينه موجود في المجاز. ~~لكن اللازم أعني طلب المجاز منتف، فإنه ليس بواجب اتفاقا، والعرف قاض أيضا ~~بحمل الألفاظ على ظواهرها، من غير بحث عن وجود ما يصرف اللفظ عن حقيقته. و ~~بهذا احتج العلامة على مختار التهذيب (2). وهو كالصريح في موافقة هذا ~~القائل، فتأمل. # والجواب: الفرق بين ms078 العام والحقيقة، فان العمومات أكثرها مخصوصة، كما ~~عرفت. فصار حمل اللفظ على العموم مرجوحا في الظن قبل البحث عن المخصص. # ولا كذلك الحقيقة، فان أكثر الألفاظ محمول (3) على الحقايق. # واحتج مشترط القطع: بأنه إن كانت المسألة مما كثر فيه البحث، ولم يطلع ~~على تخصيص، فالعادة قاضية بالقطع بانتفائه، إذ لو كان، لوجد مع كثرة البحث ~~قطعا. وإن لم يكن (4) مما كثر فيه البحث، فبحث المجتهد فيها يوجب القطع ~~بانتفائه أيضا، لأنه لو أريد بالعام الخاص، لنصب لذلك (5) دليل يطلع عليه، ~~فإذا بحث المجتهد ولم يعثر بدليل التخصيص، قطع بعدمه. # وأجيب: بمنع المقدمتين، أعني: العلم عادة عند كثرة البحث، والعلم بالدليل ~~عند بحث المجتهد. فإنه كثيرا ما (6) تكون (7) المسألة مما تكرر فيه البحث، ~~أو يبحث فيها المجتهد، ليحكم (8)، ثم يجد ما يرجع به عن حكمه (9). وهو ~~ظاهر. # PageV00P120 # الفصل الثالث في ما يتعلق بالمخصص أصل إذا تعقب المخصص متعددا، سواء كان ~~جملا أو غيرها، وصح عوده إلى كل واحد، كان الأخير مخصوصا قطعا. وهل يخص معه ~~الباقي، أو يختص (1) هو به؟ # أقوال (2). وقد جرت عادتهم بفرض الخلاف والاحتجاج، في تعقب الاستثناء. ثم ~~يشيرون في باقي أنواع المخصصات إلى أن الحال فيها (3) كما في الاستثناء. ~~ونحن نجري على منهجهم (4)، حذرا من فوات بعض الخصوصيات بالخروج عنه، ~~لاحتياجه إلى تغيير أوضاع الاحتجاجات. # فنقول: ذهب قوم إلى أن الاستثناء المتعقب للجمل المتعاطفة، ظاهر في رجوعه ~~إلى الجميع. وفسره بعضهم بكل واحدة. ويحكى هذا القول عن الشيخ (5) رحمه ~~الله. وقال آخرون (6): انه ظاهر في العود إلى الأخيرة. وقيل: بالوقف، بمعنى ~~لا ندري أنه حقيقة في أي الامرين. وقال (7) السيد المرتضى رضي الله عنه: ~~إنه مشترك بينهما، فيتوقف إلى (8) ظهور القرينة. وهذان القولان موافقان ~~للقول الثاني في الحكم، لان الأخيرة مخصوصة على كل حال. نعم تظهر (9) ثمرة ~~الخلاف في # PageV00P121 # استعمال الاستثناء في الاخراج من الجميع، فإنه مجاز على ذلك القول، محتمل ~~عند أول هذين، حقيقة عند ثانيهما. # وفصل بعضهم تفصيلا طويلا، يرجع حاصله إلى اعتماد القرينة على ms079 الامرين. ~~واختاره العلامة في التهذيب (1). وليس بجيد، لان فرض وجود القرينة يخرج عن ~~محل النزاع، إذ هو فيما عرى عنها. # والذي يقوى في نفسي: أن اللفظ محتمل لكل من الامرين، لا يتعين لأحدهما ~~إلا بالقرينة. وليس ذلك لعدم العلم بما هو حقيقة فيه، كمذهب الوقف، ولا ~~لكونه مشتركا بينهما مطلقا، كما يقوله (2) المرتضى - رضي الله عنه - و إن ~~كنا في المعنى موافقين له. ولولا تصريحه - رحمه الله - بلفظ " الاشتراك " ~~في أثناء الاحتجاج، لم يأب كلامه الحمل على ما اخترناه، فإنه قال: " والذي ~~أذهب إليه: أن الاستثناء إذا تعقب جملا، وصح رجوعه إلى كل واحدة (3) منها ~~لو انفردت، فالواجب تجويز رجوعه إلى جميع الجمل كما قال الشافعي، وتجويز ~~رجوعه إلى ما يليه على ما قال أبو حنيفة، وأن لا يقطع على ذلك إلا بدليل ~~منفصل، أو عادة، أو أمارة. وفي الجملة: لا يجوز القطع على ذلك بشئ يرجع (4) ~~إلى اللفظ ". # هذا. والحال فيما صرنا إليه، نظير ما عرفت في مذهبي الوقف والاشتراك، من ~~الموافقة بحسب الحكم للقول بتخصيص الأخيرة، لكونها متيقنة التخصيص على كل ~~تقدير. غاية ما هناك أنه لا يعلم كونها مرادة بخصوصها أو في جملة الجميع. ~~وهذا لا أثر له في الحكم المطلوب، كما هو ظاهر (5). فالمحتاج إلى القرينة ~~في الحقيقة إنما هو تخصيص ما سواها. # ولنقدم على توجيه المختار مقدمة يسهل بتدبرها كشف الحجاب عن وجه # PageV00P122 # المرام، وتزداد (1) بتذكرها بصيرة في تحقيق المقام. وهي: أن الواضع لابد ~~له من تصور المعنى في الوضع. فان تصور معنا جزئيا، وعين بإزائه لفظا ~~مخصوصا، أو ألفاظا مخصوصة، متصورة تفصيلا أو إجمالا، كان الوضع خاصا، لخصوص ~~التصور المعتبر فيه أعني تصور المعنى، والموضوع له خاصا أيضا. وهو ظاهر، لا ~~لبس فيه. وإن تصور معنى عاما، يندرج تحته جزئيات إضافية أو حقيقية، فله أن ~~يعين لفظا معلوما أو ألفاظا معلومة بالتفصيل أو الاجمال بإزاء ذلك المعنى ~~العام. # فيكون الوضع عاما، لعموم التصور المعتبر فيه، والموضوع له أيضا عاما. وله ~~أن يعين اللفظ أو ms080 الألفاظ بإزاء خصوصيات الجزئيات المندرجة تحته، لأنها ~~معلومة إجمالا، إذا توجه (2) العقل بذلك المفهوم العام نحوها، والعلم ~~الاجمالي كاف في الوضع، فيكون الوضع عاما، لعموم التصور المعتبر فيه، ~~والموضوع له (3) خاصا. # فمن القسم الأول من هذين: المشتقات. فان الواضع وضع صيغة " فاعل " مثلا، ~~من كل مصدر لمن قام به مدلوله، وصيغة " مفعول " منه لمن وقع عليه. # وعموم الوضع والموضوع له في ذلك بين. # ومن القسم الثاني: المبهمات، كاسم الإشارة، فلفظ (4): " هذا " مثلا، ~~موضوع لخصوص كل فرد مما (5) يشار به إليه، لكن باعتبار تصور الواضع للمفهوم ~~العام، وهو كل مشار إليه مفرد مذكر، ولم يضع (6) اللفظ لهذا المعنى الكلي ~~(7)، بل لخصوصيات تلك الجزئيات المندرجة تحته. وإنما حكموا بذلك، لان لفظ ~~(8) (هذا) لا يطلق إلا على الخصوصيات، فلا يقال: " هذا "، ويراد واحد مما ~~يشار إليه (9)، بل لابد في إطلاقه من القصد إلى خصوصية معينة، فلو كان ~~موضوعا للمعنى العام # PageV00P123 # ك‍ " رجل " لجاز فيه ذلك. وهكذا الكلام في الباقي. # ومن هذا القبيل أيضا وضع الحروف، فإنها موضوعة باعتبار معنى عام - وهو ~~نوع من النسبة - لكل واحدة من خصوصياته. ف‍ " من " وإلى " و " على "، مثلا، ~~موضوعات باعتبار الابتداء والانتهاء والاستعلاء، لكل ابتداء وانتهاء و ~~استعلاء معين بخصوصه. وفي معناها الافعال الناقصة. وأما التامة فلها جهتان، ~~وضعها من إحديهما عام، ومن الأخرى خاص، فالعام بالقياس إلى ما اعتبر فيها ~~من النسب الجزئية، فإنها في حكم المعاني الحرفية، فكما أن لفظة (1) " من " ~~موضوعة وضعا عاما، لكل ابتداء معين بخصوصه، كذلك لفظة " ضرب " مثلا موضوعة ~~وضعا عاما، لكل نسبة، للحدث الذي دلت عليه، إلى فاعل بخصوصها (2). وأما ~~الخاص فبالنسبة إلى الحدث، وهو واضح. # إذا تمهد هذا، قلنا: إن أدوات الاستثناء كلها موضوعة بالوضع العام ~~لخصوصيات الاخراج. أما الحرف منها، فظاهر. وأما الفعل، فلان الاخراج به ~~إنما هو باعتبار النسبة، وقد علمت: أن الوضع بالإضافة إليها عام، وأما ~~الاسم، فلانه من قبيل المشتق، والوضع فيه عام، كما عرفت. # ثم إن فرض إمكان (3) عود الاستثناء إلى كل واحد يقتضي ms081 صلاحية المستثنى ~~لذلك، وهي تحصل بأمور. # منها: كونه موضوعا وضع الأدات، أعني بالوضع العام، وهو الأغلب. كأن يكون ~~مشتقا، أو اسما مبهما، أو نحوهما، مما هو موضوع كذلك. # وعلى هذا، فأي الامرين أريد من الاستثناء كان استعماله فيه حقيقة، واحتيج ~~في فهم المراد منه إلى القرينة، كما في نظائره. فان إفادة المعنى المراد من ~~الموضوع بالوضع العام إنما هي بالقرينة. وليس ذلك من الاشتراك في شئ، ~~لاتحاد الوضع فيه وتعدده في المشترك (4). لكنه في حكمه باعتبار الاحتياج ~~إلى # PageV00P124 # القرينة. # على أن بينهما فرقا من هذا الوجه أيضا، فان احتياج اللفظ المشترك إلى ~~القرينة إنما هو لتعيين المراد، لكونه موضوعا لمسميات متناهية، فحيث يطلق ~~يدل على تلك المسميات، إذا كان العلم بالوضع حاصلا، ويحتاج تعيين المراد ~~منها إلى القرينة. بخلاف الموضوع (1) بالوضع العام، فان (2) مسمياته غير ~~متناهية، فلا يمكن حصول جميعها في الذهن، ولا البعض دون البعض، لاستواء ~~نسبة البعض إليها (3)، فاحتياجه إلى القرينة إنما هو لأصل الإفادة (4)، لا ~~للتعيين. # ومنها: كونه من الألفاظ المشتركة، بحيث يكون صلاحيته للعود إلى الأخيرة، ~~باعتبار معنى، وإلى الجميع باعتبار آخر، وحينئذ (5) فحكمه حكم المشترك. وقد ~~اتضح بهذا بطلان القول بالاشتراك مطلقا، فإنه لا تعدد في وضع المفردات ~~غالبا، كما عرفت. ولا دليل على كون الهيئة (6) التركيبية موضوعة (7) وضعا ~~متعددا لكل من الامرين (8)، كما ظهر فساد القولين بالعود إلى الجميع مطلقا، ~~وإلى الأخيرة مطلقا، مع كون الوضع في الأصل للأعم، وعدم ثبوت خلافه. # احتج المرتضى (9) - رضي الله عنه - بوجوه: # الأول: أن القائل إذا قال لغيره: " إضرب غلماني، والق أصدقائي، إلا واحدا ~~"، يجوز أن يستفهم المخاطب: هل أراد استثناء الواحد من الجملتين أو من جملة ~~واحدة؟ والاستفهام لا يحسن إلا مع احتمال اللفظ واشتراكه. # الثاني: أن الظاهر من استعمال اللفظة (10) في معنيين مختلفين، من غير أن ~~تقوم دلالة على أنها متجوز بها في أحدهما: أنها حقيقة فيهما. ولا خلاف في ~~أنه وجد # PageV00P125 # في القرآن واستعمال أهل اللغة استثناء تعقب جملتين، عاد إليهما تارة، عاد ~~إلى إحديهما ms082 (1) أخرى. وإنما يدعي من خصه بإحديهما (2) أنه، إذا عاد ~~إليهما، فلدلالة دلت، ومن أرجعه إليهما: أنه إذا اختص بالجملة التي تليه ~~فللدلالة. وهذا من الجماعة اعتراف بأنه مستعمل في الامرين. وإذا كان الامر ~~على هذا، فيجب أن يكون تعقب الاستثناء الجملتين محتملا لرجوعه إلى الأقرب، ~~كما أنه محتمل لعمومه للامرين، و حقيقة في كل واحد منهما. فلا يجوز القطع ~~على أحد الامرين إلا بدلالة منفصلة. # الثالث: أنه لابد في الاستثناء المتعقب لجملتين من أن يكون إما راجعا ~~إليهما معا، أو إلى واحدة منهما، لأنه من المحال أن لا يكون راجعا إلى شئ ~~منهما. # وقد نظرنا في كل شئ يعتمده من قطع على رجوعه إليهما، فلم نجد فيه دلالة ~~على وجوب (3) ما ادعاه. ونظرنا أيضا فيما يتعلق به من قطع على عوده إلى ~~الأقرب إليه من الجملتين، من غير تجاوز لها، فلم نجد فيه ما يوجب القطع على ~~اختصاصه بالجملة التي تليه (4)، دون ما تقدمها. فوجب - مع عدم القطع على كل ~~واحد من الامرين - أن نقف (5) فيهما، ولا نقطع على شئ منهما، إلا بدلالة. # الرابع: أن القائل إذا قال: " ضربت غلماني، وأكرمت جيراني، و أخرجت زكاتي ~~(6)، قائما "، أو قال: " صباحا "، أو " مساء "، أو " في مكان كذا " احتمل ~~ما عقب بذكره من الحال، أو ظرف (7) الزمان أو ظرف المكان: أن يكون العامل ~~فيه والمتعلق (8) به جميع ما عدد (9) من الافعال، كما يحتمل أن يكون ~~المتعلق به ما هو أقرب إليه. وليس لسامع ذلك أن يقطع على أن العامل فيما # PageV00P126 # عقب بذكره الكل، ولا البعض، إلا بدليل غير الظاهر، فكذلك يجب في ~~الاستثناء والجامع بين الامرين أن كل واحد من الاستثناء والحال والظروف ~~الزمانية والمكانية فضلة في الكلام تأتي (1) بعد تمامه واستقلاله. قال: # وليس لاحد أن يرتكب: أن الواجب فيما ذكرناه القطع على أن العامل فيه جميع ~~الأفعال المتقدمة، إلا أن يدل دليل على خلاف ذلك، لان هذا من مرتكبه مكابرة ~~ودفع للمتعارف (2). ولا فرق بين من حمل نفسه عليه وبين من قال: ms083 بل الواجب ~~القطع على أن الفعل الذي تعقبه الحال أو الظرف هو العامل، دون ما تقدمه، و ~~إنما يعلم في بعض المواضع أن الكل عامل بدليل. # والجواب: أما عن الأول، فبالمنع من اختصاص حسن الاستفهام بالاشتراك ، بل ~~المقتضي لحسنه هو الاحتمال، سواء كان بواسطة الاشتراك، أو لكونه موضوعا ~~بالوضع العام، أو لعدم معرفة ما هو حقيقة فيه (3)، كما يقول (4) أهل الوقف، ~~أو لغير ذلك من الأسباب المقتضية له. # وأما عن الثاني: فبأنه، على تقدير تسليمه، إنما يدل على كون اللفظ حقيقة ~~في الامرين، لا على الاشتراك، لجواز كونه بوضع واحد، كما قلناه، ولابد في ~~الاشتراك من وضعين (5). # وأما عن الثالث: فبأن عدم الدليل المعتبر على تحتم عوده إلى الجميع أو ~~(6) اختصاصه بالأخيرة، لا يقتضي المصير إلى الاشتراك، بل يتردد الامر بينه، ~~وبين ما قلناه، وبين الوقف. # وأما عن الرابع: فبأنه قياس في اللغة (7). مع أنه لا يدل على الاشتراك، ~~بل # PageV00P127 # على الأعم منه ومما قلناه. # حجة القول بالرجوع إلى الجميع أمور ستة: # أحدها: أن الشرط المتعقب للجمل (1) يعود إلى الجميع، فكذا الاستثناء ~~بجامع عدم استقلال كل منهما بنفسه، واتحاد معنييهما، فان قوله تعالى في آية ~~القذف: # (إلا من تاب) (2) جار مجرى قوله: " إن لم يتوبوا " (3). # وثانيها: (4) أن حرف العطف يصير الجمل المتعددة في حكم الواحدة، إذ لا ~~فرق بين قولنا: " رأيت زيد بن عبد الله (5) ورأيت زيد بن عمرو " (6) وبين ~~قولنا: # " رأيت الزيدين ". وإذا كان الاستثناء الواقع عقيب الجملة الواحدة راجعا ~~إليها لا محالة، فكذلك ما هو بحكمها. # وثالثها: أن الاستثناء بمشية الله تعالى (7) إذا تعقب جملا، يعود إلى ~~جميعها بلا خلاف، فكذلك الاستثناء بغيره. والجامع بينهما: أن كلا منهما ~~استثناء، و غير مستقل. # ورابعها: أن الاستثناء صالح للرجوع إلى كل واحدة من الجمل، والحكم ~~بأولوية البعض تحكم، فيجب عوده إلى الجميع. كما أن ألفاظ (8) العموم، لما ~~لم يكن تناولها لبعض أولى من آخر، تناولت الجميع. # وخامسها: أن طريقة العرب الاختصار وحذف فضول الكلام ما استطاعوا، فلابد ~~لهم، حيث يتعلق ms084 إرادة الاستثناء بالجمل المتعددة، من ذكره بعدها، مريدين به ~~الجميع، حتى كأنهم ذكروه عقيب (9) كل واحدة، إذ لو كرر بعد كل جملة، ~~لاستهجن، وكان مخالفا لما ذكر من طريقتهم. ألا ترى أنه لو قيل: في آية ~~القذف (10) مثلا: " ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا إلا الذين تابوا "، " أولئك ~~هم # PageV00P128 # الفاسقون، إلا الذين تابوا " (1)، لكان تطويلا مستهجنا. فأقيم فيها مقام ~~ذلك، ذكر التوبة مرة واحدة عقيب الجملتين. # وسادسها: أن لواحق الكلام وتوابعه، من شرط أو استثناء، يجب أن يلحقه ما ~~دام الفراغ منه لم يقع، فما دام متصلا لم ينقطع، فاللواحق لاحقه به و مؤثرة ~~فيه، فالاستثناء المتعقب للجمل المتصلة المعطوف بعضها عل بعض، يجب أن يؤثر ~~في جمعيها. # والجواب عن الأول: المنع من ثبوت الحكم في الأصل، بل هو محتمل، كما قلنا ~~(2) في الاستثناء، ولو سلم (3)، فهو قياس في اللغة. # وعن الثاني: أنه قياس كالأول. # وعن الثالث: بأن ذكر المشية عقيب الجمل ليس باستثناء ولا شرط، لأنه لو ~~كان استثناء، لكان فيه بعض حروفه. ولو كان شرطا على الحقيقة لما صح دخوله ~~على الماضي. وقد يذكر المشية في الماضي فيقول القائل: " حججت وزرت، إن شاء ~~الله تعالى ". وإنما أدخلت (4) المشية في كل (5) هذه المواضع ليقف الكلام ~~عن النفوذ (6) والمضي، لا لغير ذلك. # فان قيل: كيف اقتضى تعقب المشية أكثر من جملة وقوف حكم الجميع ولم يحتمل ~~التعلق بالأخيرة فقط؟ (7) قلنا: لولا نقلهم الاجماع على ذلك، لكان القول ~~باحتماله ممكنا. لكنهم نقلوا إجماع الأمة على أن (8) حكم الجميع يقف. # وعن الرابع: أن صلاحيته للجميع لا توجب ظهوره فيه، وإنما تقتضي التجويز ~~لذلك والشك فيه، فرقا بين ما يصح عوده إليه وبين ما لا يصح. وتناول # PageV00P129 # ألفاظ العموم للجميع ليس باعتبار صلاحيتها لذلك، بل لأنها موضوعة للشمول ~~والاستغراق وجوبا، فلا وجه للتشبيه بها في هذا المقام. وإنما يحسن أن يشبه ~~بالجمع المنكر، فإنه صالح للجميع، ومع ذلك، ليس بظاهر فيه، ولا في شئ مما ~~يصلح له، من مراتب (1) الجمع. ألا ترى (2): أن القائل ms085 إذا قال: " رأيت ~~رجالا " كان كلامه صالحا لإرادة البيض والسود، والطوال والقصار. ولا يظهر ~~منه - مع ذلك - أنه قد أراد كل من صلح هذا اللفظ له. # وعن الخامس (3): أنهم كما يريدون الاستثناء من كل جملة، فيختصرون بذكر ما ~~يدل على مرادهم في أواخر الجمل، هربا من التطويل، بذكره عقيب كل جملة، كذلك ~~يريدون الاستثناء من الجملة الأخيرة فقط، فلابد من القرينة في الحكم ~~بالاختصار وعدمه. # وعن السادس: أن اعتبار الاتصال في الكلام وعدم الفراغ منه بالنسبة إلى ~~اللواحق، كالشرط والاستثناء والمشية، إنما هو لصحة اللحوق والتأثير فيه، ~~لتمييز حكم ما يصح لحوقه بالكلام مما لا يصح، لا لصيرورتها ظاهرة في التعلق ~~بجميعه (4)، وإن كان بعضه منفصلا وبعيدا عن محل المؤثر. # واحتج من خصه بالأخيرة بوجوه: # الأول: أن الاستثناء خلاف الأصل، لاشتماله على مخالفة الحكم (5) الأول. # فالدليل يقتضي عدمه. تركنا العمل به في الجملة الواحدة، لدفع محذور ~~الهذرية، فيبقى الدليل في باقي الجمل سالما عن المعارض. وإنما خصصنا ~~الأخيرة، لكونها أقرب، ولأنه لا قائل بالعود إلى غير الأخيرة خاصة. # الثاني: فإن المقتضي لرجوع الاستثناء إلى ما تقدمه، عدم استقلاله بنفسه، ~~ولو استقل لما علق بغيره. ومتى علقناه بما يليه استقل وأفاد، فلا معنى ~~لتعليقه # PageV00P130 # بما بعد عنه، إذ لو جاز مع إفادته واستقلاله أن يتعلق بغيره، لوجوب فيه - ~~لو كان مستقلا بنفسه - أن تعلقه (1) بغيره. # الثالث: أن من حق العموم المطلق أن يحمل على عمومه وظاهره، إلا لضرورة ~~تقتضي (2) خلاف ذلك. ولما خصصنا الجملة التي يليها الاستثناء بالضرورة، لم ~~يجز تخصيص غيرها، ولا ضرورة. # الرابع: أنه، لو رجع الاستثناء إلى الجميع، فان أضمر مع كل جملة استثناء، ~~لزم مخالفة الأصل، وإن لم يضمر، كان العالم فيما (3) بعد الاستثناء أكثر من ~~واحد، ولا يجوز تعدد العالم على معمول واحد في إعراب واحد، لنص سيبويه ~~عليه، وقوله حجة، ولئلا يجتمع المؤثران المستقلان على الأثر الواحد. # الخامس: أنه لا خلاف في أن الاستثناء من الاستثناء يرجع إلى ما يليه، دون ~~ما تقدمه. فإذا قال ms086 القائل: " ضربت غلماني، إلا ثلاثة، إلا واحدا " كان ~~الواحد المستثنى راجعا إلى الجملة التي يليها (4)، دون ما تقدمها. فكذا في ~~غيره، دفعا للاشتراك. # السادس: أن الظاهر من حال المتكلم أنه لم ينتقل من الجملة الأولى إلى ~~الثانية إلا بعد استيفاء غرضه منها، كما لو سكت، فإنه يكون دليلا على ~~استكمال (5) الغرض من الكلام. وكما أن السكوت يحول بين الكلام وبين لواحقه ~~فيمنع من تعلقها به، فكذلك الجملة الثانية حائلة بين الاستثناء وبين الأولى ~~فتكون مانعة من تعلقه بها. # والجواب عن الأول: أنه إن كان المراد بمخالفة الاستثناء للأصل: أنه موجب ~~للتجوز في لفظ العام، والأصل الحقيقة، فله جهة صحة. لكن تعليله بمخالفة ~~الحكم الأول فاسد، إذ لا مخالفة فيه للحكم بحال. # PageV00P131 # اما على القول بأن الاستثناء إخراج من اللفظ بعد إرادة تمام معناه وقبل ~~الحكم والاسناد، كما هو رأي محققي المتأخرين، فظاهر. وكذا على القول بأن ~~المجموع من المستثنى منه والمستثنى مع الأداة، عبارة عن الباقي، فله اسمان: # مفرد، ومركب. # وأما على القول بأن المراد بالمستثنى منه: ما بقي بعد الاستثناء مجازا ~~والاستثناء قرينته، وهو مختار أكثر المتقدمين، فلان الحكم لم يتعلق ~~بالأصالة إلا بالباقي، فلا مخالفة بحسب الحقيقة. # وقوله: (إن ترك (1) العمل بالدليل - يعنى الأصل - في الجملة الواحدة لدفع ~~محذور الهذرية) هذر، فان الخروج عن أصالة الحقيقة والمصير إلى المجاز عند ~~قيام القرينة مما لا يدانيه شوب الريب ولا يعتريه شبهة (2) الشك. وتعلق ~~الاستثناء بالأخيرة في الجملة مقطوع به، فتعليل ترك العمل بالأصل حينئذ ~~بدفع محذور الهذرية فضول، بل غفلة وذهول، لان دفع الهذرية لو صلح بمجرده ~~سببا للخروج عن الأصل لقبل الاستثناء وإن انفصل في النطق عرفا وانقطع عن ~~المستثنى منه حسا، بل وغيره من اللواحق أيضا. والبديهة تنادي بفساده. # وإن كان المراد أن الظاهر من المتكلم باللفظ العام إرادة العموم، ~~والاستثناء مخالف لهذا الأصل، يعني القاعدة أو استصحاب هذه الإرادة، فتوجه ~~المنع إليه ظاهر، لان الاتفاق واقع على أن للمتكلم ما دام متشاغلا بالكلام ~~أن يلحق به ms087 ما شاء من اللواحق. وهذا يقتضي وجوب توقف السامع عن الحكم ~~بإرادة المتكلم ظاهر اللفظ حتى يتحقق الفراغ وينتفي احتمال إرادة غيره. ولو ~~كان صدور اللفظ بمجرده مقتضيا للحمل على الحقيقة، لكان التصريح بخلافه قبل ~~فوات وقته منافيا له ووجب رده. ويتمشى ذلك إلى الأخيرة (3) أيضا. ولا يجدي ~~معه دفع محذور الهذرية، لما عرفت. # PageV00P132 # فعلم أن المقتضي لصحة اللواحق وقبولها مع الاتصال، إنما هو نص الواضع على ~~أن لمريد العدول عن الظاهر أن يأتي بدليله، في حال تشاغله بالكلام، حيث شاء ~~منه، فما لم يقع الفراغ منه، لا يتجه للسامع الحكم بإرادة الحقيقة، لبقاء ~~مجال الاحتمال. # نعم لما كان الغرض قد يتعلق بتخصيص الأخيرة فقط، كما يتعلق بتخصيص الجميع ~~بطريق الاختصار، واللفظ صالح بحسب وضعه لكل من الامرين، لم يحصل الجزم ~~بالعود إلى الكل إلا بالقرينة، وكان تعلقه بالأخيرة متحققا، للزومه على كل ~~التقديرين، وصح التمسك في انتفاء التعلق بالباقي بالأصل إلى أن يعلم (1) ~~الناقل عنه. وليس هذا من القول بالاختصاص بالأخيرة في شئ. # وإن قدر عروض اشتباه فيه عليك، فاستوضحه بالتدبر في صيغة الامر، فإنها - ~~على القول باشتراكها بين الوجوب والندب إذا وردت مجردة عن القرائن تدل على ~~الندب، وذلك لان اقتضاءها كون الفعل راجحا أمر (2) متيقن، وما زاد عليه ~~مشكوك فيه، فيتمسك في نفيه بالأصل، لكونه زيادة في التكليف. غير أنه إذا ~~قامت القرينة على إرادته، كان استعمال اللفظ فيه واقعا في محله، غير منتقل ~~به عنه (3) إلى غيره، كما يقوله من ذهب إلى كونه حقيقة في الندب فقط. # وهذا مما يفرق به (4) بين القولين، حيث إن الاحتياج إلى القرينة بحسب ~~الحقيقة على القول بالاشتراك، إنما هو في الحمل على الوجوب. وهكذا الحال ~~عند من يقول بأنها حقيقة في الندب. # وعد بعض الأصولين القول بالاشتراك في فرق الوقف إنما هو بالنظر إلى نفس ~~اللفظ. حيث لا يقطعون على إرادة (5) الندب بخصوصه منه. وذلك لا ينافي ~~الدلالة عليه بالاعتبار الذي ذكرناه. # PageV00P133 # وحالنا فيما نحن فيه هكذا، فانا لا نعلم ms088 أقصد المتكلم الكل، أو الأخيرة ~~وحدها؟ لكنا نعلم أن الأخيرة مقصودة على كل حال، فالشك في قصد (1) غيرها. # ولو فرض أن المتكلم نصب قرينة على إرادة الكل، لم يكن خارجا عندنا من ~~موضوع اللفظ، ولا عادلا عن حقيقته، بل كان مستعملا له فيما هو موضوع له ~~عموما. ويلزم من قال باختصاص الأخيرة أن يكون المتكلم، بإرادتها مع الباقي، ~~متجوزا ومتعديا عن موضوع اللفظ إلى غيره. وهذا بعيد جدا، بعد ما علمت من ~~عموم الوضع في المفردات، وانتفاء الدليل في كلامه (2) وفى الواقع على كون ~~الهيئة (3) التركيبية موضوعة للتعلق بالأخيرة فقط. # على أنه لو ثبت ذلك، لاشكل جواز التجوز بها في الاخراج من الجميع، لتوقفه ~~على وجود العلاقة، وفي تحققها نظر. وقد مر غير مرة أن علاقة الكل والجزء ~~بالنسبة إلى استعمال اللفظ الموضوع للجزء في الكل، ليست على إطلاقها، بل ~~لها شرائط، وهي ههنا مفقودة (4). # والجواب عن الثاني: أن حصول الاستقلال بتعلقه بالأخيرة، إنما يقتضي عدم ~~القطع بالتعلق بغيرها. ونحن نقول به، إذ العود إلى الجميع عندنا وعند السيد ~~رضي الله عنه - محتمل، لا واجب. # واما قوله: " لو جاز مع إفادته واستقلاله الخ " (5)، فظاهر البطلان، لان ~~ما يستقل بنفسه ولا تعلق له بغيره وجوبا ولا جوازا، لا يجوز أن يتعلق (6) ~~بغيره قطعا، بخلاف ما نحن فيه، فإنه من الجائز مع حصول الاستقلال بالتعلق ~~بالأخيرة أن يتعلق بالجميع وإن لم يكن لازما. # قال علم الهدى - رضي الله عنه - (7) مشيرا إلى هذه الحجة في جملة جوابه ~~عنها: # PageV00P134 # " وهذه الطريقة توجب على المستدل بها أن لا يقطع بالظاهر من غير دليل على ~~أن الاستثناء ما تعلق بما تقدم (1)، ويقتضي أن يتوقف في ذلك، كما نذهب نحن ~~إليه، لأنه بنى دليله على أن الاستقلال يقتضي أن لا (2) يجب تعليقه بغيره. ~~وهذا صحيح، غير أنه وإن لم يجب، فهو جائز. فمن أين قطع على أن هذا الذي ليس ~~بواجب، لم يرده المتكلم؟ وليس فيما اقتصر عليه دلالة، على ذلك ". # وعن الثالث: بنحو الجواب عن الثاني، ms089 فان غاية ما يدل عليه أنه لا يجوز ~~القطع على تخصيص غير الأخيرة بمجرد اللفظ. ونحن نقول به. لكنه مع ذلك ~~محتمل، ولا سبيل إلى منعه. # وعن الرابع: أنا نختار عدم الاضمار. قوله: " يلزم أن يكون العامل فيما ~~بعد الاستثناء أكثر من واحد "، قلنا: ممنوع، وإنما يلزم ذلك (3) ان لو كان ~~العامل في المستثنى هو (4) العامل في المستثنى منه، وهو في موضع المنع ~~أيضا، لضعف دليله. # ومذهب جماعة من النحاة: أن العامل في المستثنى هو " إلا "، لقيام معنى ~~الاستثناء بها، والعامل ما به يتقوم المعنى المقتضي، ولكونها نائبة عن " ~~أستثني "، كما أن حرف النداء نائب عن " أنادي "، وهو المتجه. # سلمنا، لكن نمنع عدم جواز اجتماع العاملين على المعمول الواحد، فإنهم لم ~~ينقلوا له حجة يعتد بها. وإنما ذكر نجم الأئمة - رضي الله عنه - أنهم ~~حملوها على المؤثرات الحقيقية، وضعفه ظاهر. وقد جوزوا (5) في العلل الشرعية ~~الاجتماع، لكونها معرفات، والعلل الاعرابية كذلك، فإنما هي علامات. وما نقل ~~عن سيبويه من النص عليه، لا حجة فيه. مع أنه قد عورض بنص الكسائي على ~~الجواز. # وقول الفراء في باب التنازع مشهور، وقد حكم فيه بالتشريك بين العاملين # PageV00P135 # في العمل، إذا كان مقتضاهما واحدا، " كأعطاني وأكرمني الأمير " و " أعطيت ~~وأكرمت الأمير ". فالفعلان في المثالين مشتركان في رفع الفاعل ونصب ~~المفعول، من غير تنازع. # ووافقه على ذلك بعض محققي المتأخرين، مستدلا عليه بأصالة الجواز، و ~~انتفاء المانع سوى توهم توارد المؤثرين على اثر واحد. وهو مدفوع: بأن ~~العامل عندهم كالعلامة، ويجوز تعدد العلامات. قال: ويدل على جوازه، من حيث ~~اللغة: أنهم يخبرون عن الشئ الواحد بأمرين متضادين، نحو " هذا حلو حامض "، ~~ولا يجوز خلوهما عن الضمير اتفاقا. فهو إما في كل واحد منهما بخصوصه، أو في ~~أحدهما بعينه دون الآخر، أو فيهما ضمير واحد بالاشتراك. # والأول: باطل، لأنه يقتضي كون كل واحد منهما محكوما به على المبتدأ، وهو ~~جمع بين الضدين. والثاني: يستلزم انتفاء الخبرية عن الخالي من الضمير، ~~واستقلال ما فيه الضمير بها (1)، وهو ms090 خلاف المفروض. والثالث هو المطلوب. ثم ~~أيده بتجويز سيبويه: " قام زيد وذهب عمرو الظريفان ". والعامل في الصفة هو ~~العامل في الموصوف. # ولا يذهب عليك: أن هذا الحكم المنقول عن سيبويه هنا يخالف ما نقل عنه ثم، ~~من النص على عدم الجواز. وقد نقل هذا الحكم أيضا نجم الأئمة - رحمه الله - ~~عن الخليل وسيبويه، ونقل عن سيبويه القول بأن العامل في الصفة هو العالم في ~~الموصوف، وارتضاه. # والجواب عن الخامس: أن الاستثناء من الاستثناء إنما وجب رجوعه إلى ما ~~يليه دون ما تقدمه، لان تعليقه بالامرين يقتضي الغاءه وانتفاء فائدته. فان ~~القائل إذا قال: " لك عندي عشرة دراهم، إلا درهمين "، كان المفهوم من اللفظ ~~الاقرار بالثمانية، فإذا قال عقيب ذلك: " إلا درهما " رجع الاقرار إلى ~~تسعة، لكونه مخرجا من الدرهمين الذين وقع استثناؤهما من العشرة. فلو عاد # PageV00P136 # الدرهم المستثنى مع ذلك إلى العشرة، لكان وجوده كعدمه، لاخراجه منها مثل ~~ما أدخل. ولم يفدنا غير ما استفدناه بقوله: " علي عشرة إلا درهمين "، وهو ~~الاقرار بالثمانية من غير زيادة عليها أو نقصان، بخلاف ما لو جعلناه راجعا ~~(1) إلى ما يليه فقط. فإنه يرد الاقرار بالثمانية إلى التسعة، فيفيد (2). ~~وذلك ظاهر. # وعن السادس: بالمنع من أنه لم ينتقل عن الأولى إلا بعد استيفاء غرضه ~~منها. وهل هو إلا عين المتنازع فيه (3)؟ ومنه يعلم فساد القول بحيلولة ~~الجملة الثانية بين الاستثناء وبين الأولى، فإنه مصادرة. # إذا عرفت ذلك كله فاعلم أن حكم غير الاستثناء من المخصصات المتعقبة ~~للمتعدد بحيث يصلح (4) لكل واحد منه حكم الاستثناء، خلافا وترجيحا وحجة ~~وجوابا غير أن بعض من قال بعود الاستثناء إلى الأخيرة، حكم بعود الشرط إلى ~~الجميع، لخيال فاسد. والامر فيه هين. وأنت إذا أمعنت النظر في الحجج ~~السابقة، لم يشتبه عليك طريق سوقها إلى هنا، وتمييز المختار منها عن ~~المزيف. # أصل ذهب جمع من الناس إلى أن العام، إذا تعقبه ضمير يرجع إلى بعض ما ~~يتناوله، كان ذلك تخصيصا له. واختاره العلامة (5) في النهاية وحكى المحقق ~~(6) - رحمه الله، ms091 عن الشيخ إنكار ذلك، وهو قول جماعة من العامة. واختار هو ~~المتوقف، ووافقه العلامة في التهذيب (7)، وهو مذهب المرتضى - رضي الله عنه ~~- أيضا. وله أمثلة، منها: قوله تعالى: " والمطلقات يتربصن بأنفسهن " (8) ثم ~~قال: " و بعولتهن أحق بردهن " (9). والضمير في " بردهن " للرجعيات. فعلى ~~الأول: يختص (10) # PageV00P137 # الحكم بالتربص بهن. وعلى الثاني: لا يختص (1)، بل يبقى على عمومه ~~للرجعيات والباينات. وعلى الثالث: يتوقف. وهذا هو الأقرب. # لنا أن في كل من احتمالي التخصيص وعدمه ارتكابا للمجاز، أما الأول: # فلان اللفظ العام حقيقة في العموم، فاستعماله في الخصوص مجاز، كما عرفت، ~~وهو ظاهر. وأما الثاني: فلان تخصيص الضمير مع بقاء المرجع على عمومه يجعله ~~مجازا، إذ وضعه على المطابقة للمرجع، فإذا خالفه لم يكن جاريا على مقتضى ~~الوضع، وكان مسلوكا به سبيل الاستخدام. فان من أنواعه: أن يراد بلفظه معناه ~~الحقيقي وبضميره المعنى المجازي. وما نحن فيه منه، إذ قد فرض إرادة العموم ~~من المطلقات، وهو المعنى الحقيقي له، وأريد من ضميره المعنى المجازي، أعني ~~الرجعيات. وإذا ظهر هذا، فلابد في الحكم بترجيح أحد المجازين على الآخر من ~~مرجح. والظاهر انتفاؤه، فيجب الوقف. # فان قلت: تخصيص العام - أعني المظهر - وصيرورته مجازا، يستلزم تخصيص ~~المضمر وصيرورته مثله. ولا كذلك العكس، فان تخصيص المضمر (2) لا يتعدى إلى ~~العام، ولا يقتضي مجازيته. فبان أن المجاز اللازم من عدم التخصيص أرجح مما ~~يستلزمه التخصيص، لكون الأول واحدا والثاني متعددا. # قلت: هذا مبني على أن وضع الضمير لما كان المرجع ظاهرا فيه حقيقة له، لا ~~لما يراد بالمرجع وإن كان معنى مجازيا له، فإنه حينئذ يتحقق المجاز في ~~المضمر (3) أيضا على تقدير تخصيص العام لكونه مرادا به خلاف ظاهر المرجع ~~وحقيقته. و ذلك خلاف التحقيق. والأظهر أن وضعه لما يراد (4) بالمرجع. فإذا ~~أريد بالعام الخصوص، لم يكن الضمير عاما، ليلزم (5) تخصيصه وصيرورته مجازا. ~~فليس هناك إلا مجاز واحد، على التقديرين. # PageV00P138 # وما قيل: - من أن اللازم لعدم التخصيص هو الاضمار، لان التقدير في الآية ~~حينئذ " وبعولة بعضهن "، وكذا في نظائرها ms092 (1). وأما مع التخصيص فهو اللازم ~~وقد تقرر: أن التخصيص خير من الاضمار - فضعفه ظاهر بعد ما قررناه، إذ لا ~~حاجة إلى إضمار " البعض " بل يتجوز بالضمير عنه. فالتعارض إنما هو بين ~~التخصيص والمجاز. والظاهر تساويهما وإن ذهب بعضهم إلى رجحان التخصيص. # احتج الأولون: بأن تخصيص الضمير، مع بقاء عموم ما هو له، يقتضي مخالفة ~~الضمير للمرجوع (2) إليه، وانه باطل. # وجوابه: منع بطلان المخالفة مطلقا. كيف؟ وباب المجاز واسع، وحكم ~~الاستخدام شايع. # حجة الشيخ (3) ومتابعيه: أن اللفظ عام فيجب إجراؤه على عمومه ما لم يدل ~~على تخصيصه دليل. ومجرد اختصاص الضمير العائد في الظاهر إليه لا يصلح لذلك، ~~لان كلا منهما لفظ مستقل برأسه، فلا يلزم من خروج أحدهما عن ظاهره وصيرورته ~~مجازا خروج الآخر وصيرورته كذلك. # والجواب: المنع من عدم الصلاحية، فان إجراء الضمير على حقيقته التي هي ~~الأصل، أعني المطابقة للمرجع، يستلزم تخصيص المرجع (4). لكن لما كان ذلك ~~مقتضيا للتجوز في لفظ العام، فلا يجدي الفرار من مجازية الضمير بتقدير ~~اختصاص التخصيص به، وبقاء المرجع على حاله في العموم. ولما (5) لم يكن ثمة ~~وجه ترجيح (6) لاحد المجازين على الآخر، لا جرم وجب التوقف. # أصل لا ريب في جواز تخصيص العام بمفهوم الموافقة، وفي جوازه بما هو حجة ~~من # PageV00P139 # مفهوم المخالفة خلاف. والأكثرون على جوازه. وهو الأقوى. # لنا: أنه دليل شرعي عارض مثله، وفي العمل به جمع بين الدليلين، فيجب. # احتج المخالف: بأن الخاص إنما يقدم على العام، لكون دلالته على ما تحته ~~أقوى من دلالة العام على خصوص ذلك الخاص، وأرجحية الأقوى ظاهرة (1). # وليس الامر ههنا كذلك، فان المنطوق أقوى دلالة من المفهوم، وإن كان ~~المفهوم خاصا، فلا يصلح لمعارضته (2). وحينئذ، فلا يجب حمله عليه. # والجواب: منع كون دلالة العام بالنسبة إلى خصوصية الخاص أقوى من دلالة ~~مفهوم المخالفة مطلقا. بل التحقيق: أن أغلب صور المفهوم التي هي حجة أو ~~كلها، لا يقصر (3) في القوة من دلالة العام على خصوصيات الافراد، سيما بعد ~~شيوع تخصيص العمومات. # أصل لا خلاف ms093 في جواز تخصيص الكتاب بالخبر المتواتر (4). ووجهه ظاهر أيضا. ~~و أما تخصيصه بالخبر الواحد - على تقدير العمل به - فالأقرب جوازه مطلقا. ~~وبه قال العلامة (5) وجمع من العامة. # وحكى المحقق (6) - رحمه الله، عن الشيخ وجماعة منهم إنكاره مطلقا. وهو ~~مذهب السيد، رضي الله عنه، فإنه قال (7) في أثناء كلامه: على انا لو سلمنا: ~~أن العمل قد ورد الشرع به لم يكن في ذلك دلالة على جواز التخصيص به. # ومن الناس من فصل، فأجازه إن كان العام قد خص من قبل بدليل قطعي، متصلا ~~كان أو منفصلا. وقيل: إن كان العام قد (8) خص بدليل منفصل (9)، # PageV00P140 # سواء كان قطعيا أم ظنيا. # وتوقف بعض وإليه يميل المحقق (1)، لكنه بناه (2) على منع كون خبر الواحد ~~دليلا على الاطلاق، لان الدلالة على العمل به، الاجماع على استعماله فيما ~~لا يوجد عليه دلالة، فإذا وجدت الدلالة القرآنية سقط وجوب العمل به. # لنا: أنهما دليلان تعارضا، فاعمالهما - ولو من وجه أولى. ولا ريب أن ذلك ~~لا يحصل إلا مع العمل بالخاص، إذ لو عمل بالعام، لبطل الخاص ولغى بالمرة. # احتجوا للمنع بوجهين: # أحدهما: ان الكتاب قطعي، وخبر الواحد ظني، والظن لا يعارض القطع، لعدم ~~مقاومته له فيلغى. # والثاني: أنه لو جاز التخصيص به، لجاز النسخ أيضا، والتالي باطل اتفاقا، ~~فالمقدم مثله. بيان الملازمة: (3) أن النسخ نوع من التخصيص، فإنه تخصيص في ~~الأزمان والتخصيص المطلق أعم منه، فلو جاز التخصيص بخبر الواحد، لكانت ~~العلة أولوية تخصيص العام على إلغاء الخاص، وهو قائم في النسخ. # والجواب عن الأول: أن التخصيص وقع في الدلالة، لأنه دفع للدلالة في بعض ~~الموارد، وهي ظنية، وإن كان المتن قطعيا. فلم يلزم ترك القطعي بالظني، بل ~~هو ترك الظني بالظني. وبتقرير آخر: وهو أن عام الكتاب، وإن كان قطعي النقل، ~~لكنه ظني الدلالة وخاص الخبر، وإن كان ظني النقل، لكنه قطعي الدلالة، فصار ~~لكل قوة من وجه وضعف من وجه (4)، فتساويا، فتعارضا. # فوجب الجمع بينهما. # وعن الثاني: أن الاجماع الذي ادعيتموه هو الفارق بين النسخ ms094 والتخصيص، على ~~أن التخصيص أهون من النسخ. ولا يلزم من تأثير الشئ في الضعيف تأثيره في ~~القوي. فليتأمل. # PageV00P141 # حجة المفصلين (1): أن الخاص ظني، والعام قطعي، فلا تعارض إلا أن يضعف ~~العام. وذلك عند الفرقة الأولى، بأن يدل دليل قطعي على تخصيصه، فيصير ~~مجازا، وعند الفرقة الثانية، بأن يخص بمنفصل، لان التخصيص بالمنفصل مجاز ~~عندها، دون المتصل. والقطعي يترك بالظني، إذا ضعف بالتجوز، إذ لا يبقى ~~قطعيا، لان نسبته إلى جميع مراتب التجوز بالجواز سواء، وإن كان ظاهرا في ~~الباقي، فارتفع مانع القطع. # والجواب: بمثل ما تقدم، فان التخصيص يقع في الدلالة وهي ظنية، فلا ينافيه ~~قطعية المتن. # واحتج المتوقف: بأن كلا منهما قطعي من وجه وظني من آخر (2)، كما ذكرنا، ~~فوقع التعارض، فوجب التوقف (3). # والجواب: بترجح (4) الخبر، بأن في اعتباره جمعا بين الدليلين، واعتبار ~~الكتاب إبطال للخبر بالكلية والجمع أولى من الابطال، هذا. # ودفع ما قاله المحقق هنا، يعلم مما نذكره في محله، من بحث الاخبار، إن ~~شاء الله تعالى (5). # خاتمة في بناء العام على الخاص إذا ورد عام وخاص متنافيا الظاهر، فاما أن ~~يعلم تاريخهما أو لا، والأول (6): # اما مقترنان (7) أو لا، والثاني إما لتقدم العام أو الخاص، فهذه أقسام ~~أربعة. # الأول: أن يعلم الاقتران، يجب حينئذ بناء العام على الخاص بلا خلاف # PageV00P142 # يعبأ به. # الثاني: أن يتقدم العام. فان كان ورود (1) الخاص بعد حضور وقت العمل ~~بالعام كان نسخا له، وإن كان قبله بني على جواز تأخير بيان العام، فمن ~~جوزه، جعله تخصيصا وبيانا له، كالأول، وهو الحق. وغير المجوز (2): بين قائل ~~بأنه يكون ناسخا (3) - وهو من لا يشترط في جواز النسخ حضور وقت العمل - ~~وبين راد له، وهم المانعون من النسخ قبل حضور الوقت، وسيأتي تحقيق ذلك. # الثالث: أن يتقدم الخاص. والأقوى: أن العام يبنى عليه (4)، وفاقا للمحقق، ~~والعلامة، أكثر الجمهور. وقال قوم: إنه يكون ناسخا للخاص حينئذ. وعزاه (5) ~~المحقق إلى الشيخ، وهو الظاهر من كلام (6) علم الهدى وصريح أبي المكارم بن ~~زهرة (7). # لنا: أنهما دليلان تعارضا. ms095 والعمل بالعام يقتضي إلغاء الخاص، إن كان ~~وروده قبل حضور وقت العمل به، ونسخه، إن كان بعده. ولا كذلك العمل بالخاص، ~~فإنه إنما يقتضى دفع دلالة العام على بعض جزئياته، وجعله مجازا فيما عداه. ~~وهو هين عند ذينك المحذورين. فكان أولى بالترجيح. # وما يقال: من أن العمل بالعام على تقدير التأخير عن وقت العمل بالخاص ~~يقتضي نسخه، والنسخ تخصيص في الأزمان، فليس التخصيص في أعيان العام بأولى ~~من التخصيص في أزمان الخاص - فضعفه ظاهر، لان مرجوحية النسخ بالنسبة إلى ~~التخصيص بالمعنى المعروف لا مساغ لانكارها، ومجرد الاشتراك في مسمى التخصيص ~~نظرا إلى المعنى، لا يقتضي المساواة، كيف؟ # وقد بلغ التخصيص في الشيوع والكثرة، إلى حد قيل معه: " ما من عام إلا وقد ~~خص "، كما مر. # PageV00P143 # حجة القول بالنسخ وجهان. # أحدهما: أن القائل، إذا قال: " اقتل زيدا " ثم قال: " لا تقتل المشركين " ~~فهو بمثابة أن يقول: " لا تقتل زيدا ولا عمروا " إلى أن يأتي على الافراد، ~~واحدا بعد واحد. وهذا اختصار (1) لذلك المطول، وإجمال لذلك المفصل. # ولا شك أنه لو قال: " لا تقتل زيدا " لكان ناسخا لقوله: " اقتل زيدا ". ~~فكذا ما هو بمثابته. # والثاني: أن المخصص للعام بيان له. فكيف يكون مقدما (2) عليه؟ # والجواب عن الأول: المنع من التساوي. فان تعديد الجزئيات وذكرها ~~بالنصوصية، يمنع من تخصيص بعضها، لما فيه من المناقضة، بخلاف ما إذا كانت ~~مذكورة باللفظ العام، فان التخصيص حينئذ ممكن، فلا يصار إلى النسخ، لما ~~بيناه من أولوية التخصيص بالنسبة إليه، ولأن النسخ رفع والتخصيص لا رفع ~~فيه، وإنما هو دفع، والدفع أهون من الرفع. # وعن الثاني: بأنه استبعاد محض، إذ لا يمتنع أن يرد كلام ليكون بيانا ~~للمراد بكلام آخر يرد بعده. وتحقيقه: أنه يتقدم ذاته ويتأخر وصف كونه ~~بيانا. ولا ضير فيه. # إذا عرفت هذا فاعلم: أن المحقق (3)، عند نقله للقول بالنسخ هنا عن الشيخ، ~~علله بأنه لا يجيز (4) تأخير البيان. وكأنه يريد به عدم جواز إخلاء العام، ~~عند إرادة التخصيص، من دليل عليه مقارن له، ms096 وإن كان قد تقدم (5) عليه ما ~~يصلح للبيان. # وإلا، فلا معنى لجعل صورة التقديم من تأخير البيان. # والجواب عن (6) هذا التعليل: أولا - أنا لا نسلم عدم جواز تأخير البيان، ~~وثانيا - أنه على تقدير سبق الخاص، لا يكون البيان متأخرا. ولم يتعرض ~~السيدان هنا # PageV00P144 # للاحتجاج على ما صار إليه. ولعله مثل احتجاج الشيخ، فإنهما يشترطان ~~الاقتران في التخصيص. # القسم الرابع: أن يجهل التاريخ. وعندنا، أنه يعمل حينئذ بالخاص أيضا، ~~لأنه لا يخرج في الواقع عن أحد الأقسام السابقة. وقد بينا أن الحكم في ~~الجميع العمل بالخاص. # وما قيل: من أن الخاص المتأخر، إن ورد قبل حضور وقت العمل بالعام، كان ~~مخصصا، وإن ورد بعده، كان ناسخا، وحينئذ (1) فان كانا (2) قطعيين، أو ~~ظنيين، أو العام ظنيا والخاص قطعيا، وجب ترجيح الخاص على العام، لتردده بين ~~أن يكون مخصصا وناسخا (3). وإن كان العام قطعيا والخاص ظنيا، فاما أن يكون ~~الخاص مخصصا أو ناسخا. وعلى (4) الأول، يعمل بالخاص أيضا. وأما على الثاني، ~~فلا يجوز، بل يكون مردودا، فقد تردد الخاص مع جهل التاريخ بين أن يكون ~~مخصصا، وبين أن يكون ناسخا مقبولا، وبين أن يكون ناسخا مردودا، فكيف يقدم، ~~والحال هذه، على العام؟. # فجوابه: أن احتمال النسخ معلق على ورود الخاص بعد حضور وقت العمل، ~~واحتمال التخصيص مطلق، فمع جهل الحال لا يعلم حصول الشرط، والأصل يقتضي ~~عدمه، إلا أن يدل على وجوده دليل والمشروط عدم عند عدم شرطه، فلا يصح (5) ~~احتمال النسخ حينئذ لمعارضة احتمال التخصيص. # لا يقال: هذا معارض بمثله. فنقول: إن احتمال التخصيص مشروط بورود الخاص ~~قبل حضور وقت العمل. وذلك غير معلوم، حيث يجهل الحال، فيتمسك في نفيه ~~بالأصل، ويلزم منه نفي المشروط الذي هو التخصيص. # لأنا نقول: قد علم مما قدمناه رجحان التخصيص على النسخ، وأنه إذا # PageV00P145 # تردد الامر بينهما، يكون التخصيص هو (1) المقدم، ولا يصار إلى النسخ إلا ~~حيث يمتنع التخصيص، كما في صورة تأخير الخاص عن وقت العمل. فان التخصيص ~~يمتنع حينئذ، لاستلزامه تأخير البيان عن وقت ms097 الحاجة. وهو غير جائز، وهذا ~~يقتضي المصير إلى التخصيص، حيث لا يدل على خلافه دليل. فالاشتراط إنما هو ~~في العدول عنه، لا إليه. ومن البين أنه مع جهل الحال لا يعلم حصول المانع، ~~فيجب الحكم بالتخصيص. ولإن سلمنا تساوي الاحتمالين، فالاشكال مختص بما إذا ~~كان العام قطعيا والخاص ظنيا، فليختص (2) التوقف به، إذ ما عداه من الصور ~~خالص من هذا الشوب. وحينئذ فلا وجه لتخييل التوقف في تقديم الخاص، بقول ~~مطلق، لتردده بين ما ذكر من الأمور. بل يستثنى هذه الصورة من البين (3)، ~~ويبقى الحكم بالتقديم على حاله في الباقي. ولعل هذا المعنى هو مقصود ~~القائل، وان قصرت العبارة (4) عن تأديته، إلا أن سوق كلامه يأباه. هذا. # وينبغي أن يعلم: أن أثر هذا الاشكال، على تقدير ثبوته، عند أصحابنا سهل، ~~إذ الظاهر أن جهل التاريخ لا يكون إلا في الاخبار، واحتمال النسخ إنما ~~يتصور في النبوي منها، وهو قليل عندهم، كما لا يخفى. # قال المرتضى - رضي الله عنه - عند ذكر احتمال جهل التاريخ وارتفاع العلم ~~بتقديم أحدهما أو تأخيره: " وهذا لا يليق بعموم الكتاب، فإن تاريخ نزول ~~آيات القرآن مضبوط محصور لا خلاف فيه. وإنما يصح تقديره في أخبار الآحاد، ~~لأنها هي التي ربما عرض فيها هذا. ومن لا يذهب إلى العمل بأخبار (5) ~~الآحاد، فقد سقطت عنه كلفة هذه المسألة. فان تكلم فيها، فعلى طريق الفرض ~~والتقدير. والذي يقوى في نفوسنا - إذا فرضنا ذلك - التوقف عن البناء، ~~والرجوع ما يدل عليه الدليل من العمل بأحدهما. " (6) انتهى كلامه. # PageV00P146 # وما ذهب إليه من التوقف، هنا، هو مذهب من قال بالنسخ في القسم السابق. ~~ووجهه بعد ملاحظة البناء على مذهبهم هناك ظاهر، لدوران الخاص حينئذ بين أن ~~يكون مخصصا أو منسوخا، ولا ترجيح لأحدهما، فيتوقف. PageV00P147 # المطلب الرابع في المطلق والمقيد والمجمل والمبين PageV00P149 # أصل المطلق هو ما دل على شايع في جنسه، بمعنى كونه حصة محتملة لحصص كثيرة ~~مما يندرج تحت امر مشترك. والمقيد خلافه، فهو ما يدل لا على شايع في جنسه. ~~وقد ms098 يطلق " المقيد " على معنى آخر، وهو ما أخرج من شياع، مثل رقبة مؤمنة، ~~فإنها وإن كانت شايعة بين الرقبات (1) المؤمنات لكنها أخرجت من الشياع (2) ~~بوجه ما، من حيث كانت شايعة بين المؤمنة وغير المؤمنة، فأزيل ذلك الشياع ~~عنه وقيد بالمؤمنة فهو مطلق من وجه (3)، مقيد من وجه آخر، والاصطلاح الشايع ~~في المقيد هو الاطلاق الثاني. # إذا عرفت هذا فاعلم: أنه إذا ورد مطلق ومقيد: فإما أن يختلف حكمهما، نحو: ~~" أكرم هاشميا "، " جالس هاشميا عالما "، فلا يحمل (4) أحدهما على الآخر ~~حينئذ (5) بوجه من الوجوه اتفاقا، سواء كان الخطابان المتضمنان لهما من جنس ~~واحد بأن كانا أمرين (6) أو نهيين، أم لا، كأن يكون (7) أحدهما أمرا والآخر ~~نهيا، و (8) سواء اتحد موجبهما، أو اختلف، إلا في مثل أن يقول: " إن ظاهرت، ~~فأعتق رقبة " ويقول: " لا تملك رقبة كافرة "، فإنه يقيد المطلق بنفي الكفر، ~~وإن كان # PageV00P150 # الظهار والملك حكمين مختلفين لتوقف الاعتاق على الملك، وإما أن لا يختلف، ~~نحو: " أكرم هاشميا "، " أكرم هاشميا عارفا ". وحينئذ فإما أن يتحد (1) ~~موجبهما، أو يختلف. فان اتحد فاما أن يكونا مثبتين أو منفيين. فهذه أقسام ~~ثلاثة. # الأول: أن يتحد موجبهما مثبتين، مثل: " إن ظاهرت فأعتق رقبة "، " إن ~~ظاهرت فأعتق رقبة مؤمنة ". فيحمل المطلق على المقيد إجماعا. نقله في ~~النهاية (2). و يكون المقيد بيانا للمطلق، لا نسخا له، تقدم عليه أو تأخر ~~عنه. وقيل: نسخ له إن تأخر المقيد، فههنا مقامان: حمل المطلق على المقيد، ~~وكونه بيانا، لا نسخا. # أما أنه يحمل المطلق على المقيد، فلانه جمع بين الدليلين، لان العمل ~~بالمقيد يلزم منه العمل بالمطلق، والعمل بالمطلق لا يلزم منه العمل ~~بالمقيد، لصدقه مع غير ذلك المقيد. وبهذا استدل القوم. وهو جيد، حيث ينتفى ~~احتمال التجوز في المقيد بإرادة الندب أعني: كونه أفضل الافراد أو بإرادة ~~الوجوب التخييري. # وكذا لو لم يكن احتمال التجوز بما ذكرناه منتفيا. ولكنه كان مرجوحا ~~بالنسبة إلى التجوز في لفظ المطلق بإرادة المقيد منه. أما مع تساوي ~~الاحتمالين فيشكل الحكم بترجيح أحد المجازين، ms099 بل يحصل التعارض (3) المقتضي ~~للتساقط أو التوقف، ويبقى المطلق سليما من المعارض. # وقد أشار إلى بعض هذا الاشكال في النهاية وأجاب عنه بما يرجع إلى: أن ~~حمله حينئذ على المقيد يقتضى تيقن (4) البراءة والخروج عن العهدة، بخلاف ~~إبقائه على إطلاقه، فإنه لا يحصل معه ذلك اليقين. وقد أخذه بعضهم دليلا على ~~الحكم مبتدأ مع الدليل الآخر من غير تعرض للاشكال. وهو كما ترى. # وأما أنه بيان (5) لا نسخ، فلانه نوع من التخصيص في المعنى، فان المراد ~~من المطلق، كرقبة مثلا، أي فرد كان من أفراد الماهية فيصير عاما. إلا أنه # PageV00P151 # على البدل ويصير تخصيصه بنحو المؤمنة تخصيصا وإخراجا لبعض المسميات من أن ~~يصلح بدلا، فالتقييد يرجع إلى نوع من التخصيص، يسمى (1) تقييدا، اصطلاحا، ~~فحكمه حكم التخصيص. فكما أن الخاص المتأخر بيان للعام المتقدم وليس ناسخا ~~له، فكذا المقيد المتأخر. # احتج الذاهب إلى كونه ناسخا مع التأخر: بأنه لو كان بيانا للمطلق حينئذ ~~لكان المراد بالمطلق هو المقيد. فيجب أن يكون مجازا فيه، وهو فرع الدلالة ~~وأنها منتفية، إذ المطلق لا دلالة له على مقيد (2) خاص. # والجواب: أن المعنى المجازي إنما يفهم من اللفظ بواسطة القرينة، وهي ههنا ~~المقيد، فيجب حصول الدلالة والفهم بعده، لا قبله. وما ذكرتموه إنما يتم لو ~~وجب حصولها قبل. وليس الامر كذلك. وسيأتي لهذا (3) مزيد تحقيق عن قريب. # الثاني: أن يتحد موجبهما، منفيين، فيعمل بهما معا اتفاقا، مثل أن يقول في ~~كفارة الظهار: " لا تعتق المكاتب "، " لا تعتق (4) المكاتب الكافر " حيث لا ~~يقصد الاستغراق. كما في " اشتر اللحم " فلا يجزي إعتاق المكاتب أصلا. # الثالث: أن يختلف موجبهما، كاطلاق الرقبة في كفارة الظهار وتقييدها في ~~كفارة القتل. وعندنا أنه لا يحمل على المقيد حينئذ لعدم المقتضى له (5)، ~~وذهب كثير من مخالفينا إلى أنه يحمل عليه قياسا مع وجود شرائطه. وربما نقل ~~عن بعضهم الحمل عليه مطلقا. وكلاهما باطل (6)، لا سيما الأخير. # أصل المجمل هو ما لم يتضح دلالته. ويكون فعلا، ولفظا مفردا، ومركبا. # PageV00P152 # أما الفعل: فحيث لا ms100 يقترن به ما يدل على وجه وقوعه. # وأما اللفظ المفرد: فكالمشترك، لتردده بين معانيه، إما بالأصالة كالعين ~~والقرء، وإما بالاعلال، كالمختار المتردد بين الفاعل والمفعول. إذ لولا ~~الاعلال لكان مختيرا، (1) بكسر الياء للفاعل وبالفتح للمفعول فينتفي ~~الاجمال. # وأما اللفظ المركب: فكقوله تعالى: " أو يعفو الذي بيده عقده النكاح " (2) ~~لتردده بين الزوج والولي، وكما في مرجع الضمير حيث يتقدمه أمران يصلح لكل ~~واحد منهما، نحو: " ضرب زيد عمروا، فضربته " لتردده بين زيد وعمرو، ~~وكالمخصوص بمجهول، نحو قوله تعالى: " وأحل لكم ما وراء ذلكم أن تبتغوا ~~بأموالكم محصنين " (3)، فان تقييد الحل بالاحصان مع الجهل به أوجب الاجمال ~~فيما أحل، وقوله تعالى: " أحلت لكم بهيمة الأنعام إلا ما يتلى عليكم " (4). # إذا عرفت هذا، فههنا فوائد: # الأولى: ذهب السيد المرتضى (6) - رضي الله عنه - وجماعة من العامة إلى أن ~~آية السرقة، وهي قوله تعالى: " والسارق والسارقة، فاقطعوا أيديهما " (7)، ~~مجملة باعتبار اليد، وقيل (8): باعتبار القطع أيضا. والأكثرون على خلاف ذلك ~~وهو الأظهر. # لنا: أن المتبادر من لفظ " اليد " (9) عند الاطلاق، وهو جملة العضو إلى ~~المنكب، فيكون حقيقة فيه، وظاهرا منه حال الاستعمال فلا إجمال. ويتبادر ~~أيضا من لفظ " القطع " إبانة الشئ عما كان متصلا به، وهو ظاهر (10) فيه. ~~فأين الاجمال؟ # احتج السيد (11) " أن اليد يقع على العضو بكماله وعلى أبعاضه وإن كان لها # PageV00P153 # أسماء تخصها، فيقولون: غوصت (1) يدي في الماء إلى الأشاجع، وإلى الزند، ~~وإلى المرفق، وإلى المنكب. وأعطيته كذا بيدي، وإنما أعطى بأنامله. وكذلك ~~(2) كتبت بيدي، وإنما كتب (3) بأصابعه. قال: وليس يجري قولنا: " يد " مجرى ~~قولنا: # " إنسان " - كما ظنه قوم - لان الانسان يقع على جملة يختص كل بعض منها ~~باسم، من غير أن يقع " إنسان " على أبعاضها، كما يقع اسم " يد " على كل بعض ~~من هذا العضو ". # واحتج معتبر القطع أيضا مع ذلك: بأن " القطع " يطلق على الإبانة، وعلى ~~الجرح. يقال لمن جرح يده بالسكين: " قطع يده " فحصل الاجمال. # والجواب عن الأول: أن الاستعمال يوجد مع الحقيقة والمجاز. ولفظ " اليد " ~~وإن كان مستعملا في الكل، ms101 إلا أن فهم ما عدا الجملة منه موقوف على ضميمة ~~القرينة. وذلك آية كونه مجازا فيه. والفرق الذي ادعاه بين لفظ " اليد " ~~ولفظ " الانسان " غير مقبول بل هما مشتركان في تبادر الجملة عند الاطلاق ~~وتوقف ما سواها على القرينة، وإن كان استعمال " اليد " في الابعاض متعارفا، ~~دون الانسان، فان ذلك بمجرده لا يقتضي الاجمال، بل لابد من كونه ظاهرا في ~~الكل بحيث لا يسبق أحدهما (4) بخصوصه إلى الفهم، والواقع خلافه. # وعن الأخير بمثله، فانا قد بينا أن القطع ظاهر في الإبانة. # الثانية: عد جماعة في المجمل، نحو قوله صلى الله عليه وآله " لا صلاة إلا ~~بطهور " (5)، و " لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب " (6) و " لا صيام لمن لا يبيت ~~(7) الصيام من الليل " (8) و (9) " لا نكاح إلا بولي " (10)، مما ينفي فيه ~~الفعل ظاهرا مطلقا. # PageV00P154 # وقيل: إن كان الفعل المنفي شرعيا، كما في الأمثلة المذكورة، أو لغويا ذا ~~حكم واحد. فلا إجمال، وإن كان لغويا له أكثر من حكم فهو مجمل. # والحق: أنه لا إجمال مطلقا، وفاقا للأكثر. لنا: أنه إن ثبت كونه حقيقة ~~شرعية في الصحيح من هذه الأفعال، كان معناه " لا صلاة صحيحة " و " لا صيام ~~صحيحا ". ونفي المسمى حينئذ ممكن، باعتبار فوات الشرط أو الجزء (1). # وقد أخبر الشارع به، فتعين (2) للإرادة، فلا إجمال، وإن لم يثبت له حقيقة ~~شرعية كما هو الظاهر وقد مر. فان ثبت له حقيقة عرفية وهو أن مثله يقصد منه ~~نفي الفائدة والجدوى، نحو " لا علم إلا ما نفع " و " كلام إلا ما أفاد " و ~~" لا طاعة إلا لله " كان متعينا أيضا، ولا إجمال، ولو فرض انتفاؤه أيضا. ~~فالظاهر أنه يحمل على نفي الصحة دون الكمال، لان مالا يصح كالعدم في عدم ~~الجدوى بخلاف ما لا يكمل. فكان أقرب المجازين إلى الحقيقة المتعذرة، وكان ~~ظاهرا فيه فلا إجمال. # لا يقال: هذا إثبات اللغة بالترجيح، وهو باطل. # لأنا نقول: ليس هو منه، وإنما هو ترجيح أحد المجازات بكثرة التعارف. و ~~لذلك يقال: هو كالعدم، إذا كان بلا ms102 منفعة. # احتج الأولون: بأن العرف في مثله مختلف، فيفهم منه نفي الصحة تارة، ونفي ~~الكمال أخرى. فكان مترددا بينهما ولزم الاجمال. # والجواب: أن اختلاف العرف والفهم إن كان، فإنما هو باعتبار اختلافهم في ~~أنه ظاهر في الصحة أو في الكمال. فكل صاحب مذهب يحمله (3) على ما هو الظاهر ~~فيه عنده، لا أنه متردد بينهما، فهو ظاهر عندهما، لا مجمل، إلا أنه ظاهر ~~عند كل في شئ، ولو تنزلنا إلى تسليم تردده بينهما، فكونه على السواء ممنوع، ~~بل نفي الصحة راجح، لما ذكرنا من أقربيته إلى نفي الذات. # PageV00P155 # حجة المفصل: أن انتفاء الفعل الشرعي ممكن بفوات (1) شرطه أو جزئه. # فيجرى النفي فيه على ظاهره ولا يكون هناك إجمال. وكذا مع اتحاد حكم ~~اللغوي. فإنه يجب (2) صرف النفي إليه وهو ظاهر. وأما إذا كان له حكمان: # الفضيلة (3) والاجزاء، فليس أحدهما أولى من الآخر (4)، فيحصل الاجمال. # والجواب: ظاهر مما قدمناه، فلا نعيده. # الثالثة: أكثر الناس على أنه لا إجمال في التحريم المضاف إلى الأعيان، ~~نحو قوله تعالى: " حرمت عليكم أمهاتكم " (5)، وخالف فيه البعض. # والحق: الأول. لنا: أن من استقرأ كلام العرب علم أن مرادهم في مثله: # حيث يطلقونه إنما هو تحريم الفعل المقصود من ذلك، كالأكل في المأكول، ~~والشرب في المشروب، واللبس في الملبوس، والوطي في الموطوء. فإذا قيل: " حرم ~~عليكم لحم الخنزير، أو الخمر، أو الحرير، أو الأمهات " (6) فهم ذلك سابقا ~~إلى الفهم عرفا، فهو متضح الدلالة، فلا إجمال. # احتج المخالف: بأن تحريم العين غير معقول، فلابد من إضمار فعل يصح متعلقا ~~له. والافعال كثيرة ولا يمكن إضمار الجميع، لان ما يقدر للضرورة يقدر ~~بقدرها. فتعين إضمار البعض. ولا دليل على خصوصية شئ منها، فدلالته على ~~البعض المراد غير واضحة، وهو معنى الاجمال. # والجواب: المنع من عدم وضوح الدلالة على ذلك البعض، لما عرفت من دلالة ~~العرف على إرادة المقصود من مثله. # أصل المبين نقيض المجمل، فهو متضح الدلالة، سواء كان بنفسه، نحو: " والله # PageV00P156 # بكل شئ عليم " (1) أو بواسطة الغير. ويسمى ذلك ms103 الغير مبينا، وينقسم ~~كالمجمل إلى ما يكون قولا مفردا، أو مركبا، وإلى ما يكون فعلا على الأصح. ~~ولبعض الناس خلاف في الفعل ضعيف لا يعبأ به. # فالقول من الله سبحانه، ومن الرسول (2) صلى الله عليه وآله وسلم. وهو ~~كثير، كقوله تعالى: " صفراء فاقع لونها (3 - 4) إلى آخر الآيات، فإنه بيان ~~لقوله سبحانه: # " إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة " (5) في أظهر الوجهين، وكقوله صلى الله ~~عليه وآله: " فيما سقت السماء العشر "، فإنه بيان لمقدار الزكاة المأمور ~~بايتائها. (6) والفعل من الرسول، صلى الله عليه وآله، كصلاته، فإنها بيان ~~لقوله تعالى: # " وأقيموا الصلاة " (7)، وكحجه، فإنه بيان لقوله تعالى: " ولله على الناس ~~حج البيت " (8) ويعلم كون الفعل بيانا تارة بالضرورة من قصده، وأخرى بنصه. ~~كقوله صلى (9) الله عليه وآله وسلم: " صلوا كما رأيتموني أصلي " (10) و " ~~خذوا عني مناسككم " وحينا بالدليل العقلي، كما لو ذكر مجملا وقت الحاجة إلى ~~العمل به، ثم فعل فعلا يصلح بيانا له ولم يصدر عنه غيره، فإنه يعلم أن ذلك ~~الفعل هو البيان، وإلا لزم تأخيره عن وقت الحاجة. # إذا عرفت هذا، فاعلم: أنه لا خلاف بين أهل العدل في عدم جواز تأخير ~~البيان عن وقت الحاجة. وأما تأخيره عن وقت الخطاب إلى وقت الحاجة، فأجازه ~~قوم مطلقا، ومنعه آخرون مطلقا، وفصل المرتضى - رضي الله عنه - فقال (11): " ~~الذي نذهب إليه أن المجمل من الخطاب يجوز تأخير بيانه إلى وقت # PageV00P157 # الحاجة. والعموم لو كان باقيا على أصل اللغة في أن الظاهر محتمل لجاز ~~أيضا تأخير بيانه، لأنه في حكم المجمل، وإذا انتقل بعرف الشرع إلى وجوب ~~الاستغراق بظاهره، فلا يجوز تأخير بيانه ". # وحكى العلامة في النهاية (1) عن بعض العامة بعد نقله الأقوال التي ~~ذكرناها وغيرها: قولا آخر هو: جواز تأخير بيان ما ليس له ظاهر كالمجمل. ~~وأما ماله ظاهر وقد استعمل في غيره كالعام والمطلق والمنسوخ، فيجوز تأخير ~~بيانه التفصيلي لا الاجمالي، بأن يقول وقت الخطاب: " هذا العام مخصوص " و " ~~هذا المطلق مقيد " و " هذا الحكم سينسخ ". وقال: إنه الحق. # ولا ms104 يكاد يظهر بينه وبين قول السيد بعد إمعان النظر فرق، إلا في جهة ~~النسخ. فان السيد لم يتعرض له في أصل البحث (2)، وإنما ذكر في أثناء ~~الاحتجاج: أن الاجماع من الكل واقع على أنه تعالى يحسن منه تأخير بيان مدة ~~الفعل (3) المأمور به، والوقت الذي ينسخ فيه (4) عن وقت الخطاب وإن كان ~~مرادا بالخطاب. # والعجب بعد هذا: من رغبة العلامة رحمه الله عن قول السيد وموافقته لذلك ~~القائل على وجوب اقتران بيان المنسوخ به، مع ما فيه من البعد والمخالفة لما ~~هو المعروف بينهم من اشتراط تأخير الناسخ، حتى أنه في مباحث النسخ عده شرطا ~~من غير توقف ولا استشكال (5)، وجعله كغيره وجها للفرق بين التخصيص والنسخ. # وأما ما يوهمه ظاهر عبارة السيد - من تخصيصه المنع من جواز التأخير ~~بالعام، وعدم تعرضه للمراد من البيان: أهو التفصيلي أو غيره، بحيث يعدان ~~وجهين في المخالفة لذلك القول، إذ عمم فيه المنع لكل ماله ظاهر أريد منه # PageV00P158 # خلافه، واكتفى بالبيان الاجمالي فمدفوع: بأن كلام السيد في الاحتجاج يعرب ~~عن الموافقة في كلا الوجهين. وستراه. وكأن العلامة - رحمه الله - لم يعط ~~الحجة حق النظر وإلا لتبين (1) له الحال. هذا. # والذي يقوى في نفسي هو القول الأول. لنا: أنا لا نتصور مانعا من التأخير ~~سوى ما تخيله الخصم من قبح الخطاب معه، على ما ستسمعه وسنبين ضعفه، ولا ~~يمتنع عند العقل فرض مصلحة فيه يحسن لأجلها، كعزم المكلف و توطين نفسه على ~~الفعل إلى وقت الحاجة، فان العزم وما يلحقه طاعة يترتب الثواب عليها. وفيه ~~مع ذلك تسهيل للفعل المأمور به. # حجة المانعين على عدم جواز تأخير بيان المجمل: أنه لو جاز، لجاز خطاب ~~العربي بالزنجية من غير أن يبين له في الحال، والجامع كون السامع لا يعرف ~~المراد فيهما. # والجواب: منع الملازمة وإبداء الفرق بأن العربي لا يفهم من الزنجية شيئا، ~~بخلاف المخاطب باللفظ المجمل. فإنه يعلم أن المراد أحد مدلولاته، فيطيع ~~ويعصي بالعزم على الفعل والترك، إذا بين له. # وأما حجتهم على ms105 منع تأخير بيان (2) غير المجمل أيضا فتعلم من حجة المفصل، ~~وكذا الجواب. # احتج المرتضى (3) - رضي الله عنه - على جواز تأخير بيان المجمل بنحو ما ~~ذكرناه وهو أنه لا يمتنع أن يفرض فيه مصلحة دينية يحسن لأجلها. قال: # " وليس لهم أن يقولوا: ههنا وجه قبح (4)، وهو الخطاب بما لا يفهم المخاطب ~~معناه، فان هذه الدعوى منهم غير صحيحة، لأنا نعلم ضرورة: أنه يحسن من الملك ~~أن يدعو بعض عماله، فيقول: " قد وليتك البلد الفلاني وعولت على كفايتك ~~فاخرج إليه في غد، أو في وقت بعينه، وأنا أكتب لك تذكرة # PageV00P159 # بتفصيل ما تعمله وتأتيه وتذره، أسلمها إليك عند توديعك، أو أنفذها إليك ~~عند استقرارك في عملك. وأيضا، فتأخير العلم بتفصيل صفات الفعل، ليس بأكثر ~~من تأخير إقدار المكلف على الفعل. ولا خلاف في أنه لا يجب أن يكون في حال ~~الخطاب قادرا، ولا على سائر وجوه التمكن. فكذلك العلم بصفة الفعل " (1). ~~هذا ملخص كلامه في الاحتجاج للشق الأول من مذهبه. وهو جيد واضح لا نزاع ~~فيه. # واحتج على الثاني - أعني: منع تأخير بيان العام المخصوص - بوجوه ثلاثة: # الأول: أن العام لفظ موضوع لحقيقة. ولا يجوز أن يخاطب الحكيم بلفظ له ~~حقيقة وهو لا يريدها، من غير أن يدل في حال خطابه أنه متجوز باللفظ. ولا ~~إشكال في قبح ذلك، والعلة في قبحه: أنه خطاب أريد به غير ما وضع له من غير ~~دلالة. # قال: والذي يدل على ذلك أنه لا يحسن أن يقول الحكيم منا لغيره (2): # " افعل كذا " وهو يريد التهديد والوعيد، أو " اقتل زيدا " وهو يريد: ~~اضربه الضرب الشديد، الذي جرت العادة أن يسمى قتلا، مجازا، ولا أن يقول " ~~رأيت حمارا "، وهو يريد رجلا بليدا، من غير دلالة تدل على ذلك. و بهذا ~~المعنى بانت الحقيقة من غيرها، لان الحقيقة تستعمل (3) بلا دليل، والمجاز ~~لابد له من دليل. وليس تأخير بيان المجمل جاريا هذا المجرى، لان المخاطب ~~بالمجمل لا يريد به إلا ما هو حقيقة فيه، ولم يعدل به عما وضع ms106 له. ألا ترى ~~أن قوله تعالى: " خذ من أموالهم صدقة " (4)، أراد به قدرا مخصوصا، فلم يرد ~~من اللفظ إلا ما هو اللفظ بحقيقته موضوع له. وكذلك إذا قال: " له عندي شئ ~~"، فإنما استعمل اللفظ الموضوع في اللغة للاجمال فيما وضعوه # PageV00P160 # له. وليس كذلك مستعمل لفظ العموم، وهو يريد الخصوص، لأنه أراد باللفظ ما ~~لم يوضع له، ولم يدل عليه دليل. # الثاني: أن جواز التأخير يقتضي أن يكون المخاطب قد دل على الشئ بخلاف ما ~~هو به، لان لفظ العموم مع تجرده يقتضي الاستغراق. فإذا خاطب به مطلقا لا ~~يخلو من أن يكون دل به على الخصوص، وذلك يقتضي كونه دالا بما لا دلالة فيه، ~~أو يكون قد دل به على العموم، فقد دل على خلاف مراده، لان مراده الخصوص، ~~فكيف يدل عليه بلفظ العموم؟ # فان قيل: إنما يستقر كونه دالا، عند الحاجة إلى الفعل. # قلنا: حضور زمان الحاجة ليس بمؤثر في دلالة اللفظ، فان دل اللفظ على ~~العموم فيه فإنما يدل بشئ يرجع إليه، وذلك قائم قبل وقت الحاجة. على أن وقت ~~الحاجة إنما يعتبر في القول الذي يتضمن تكليفا. فأما ما لا يتعلق بالتكليف ~~من الاخبار وضروب الكلام، فيجب أن يجوز تأخير بيان المجاز فيه عن وقت ~~الخطاب (1) إلى غيره من مستقبل الأوقات. وهذا يؤدي إلى سقوط الاستفادة من ~~الكلام. # الثالث: أن الخطاب وضع للإفادة. ومن سمع لفظ العموم - مع تجويزه أن يكون ~~مخصوصا ويبين له في المستقبل - لا يستفيد في هذه الحالة (2) به شيئا، و ~~يكون وجوده كعدمه. # فان قيل: يعتقد عمومه بشرط أن لا يخض. # قلنا: ما الفرق بين قولك، وبين قول من يقول: يجب أن يعتقد خصوصه إلى أن ~~يدل في المستقبل على ذلك؟ لان اعتقاده للعموم (3) مشروط، وكذلك اعتقاده ~~للخصوص. وليس بعد هذا إلا أن يقال (4): يعتقد أنه على أحد الامرين، إما ~~بالعموم أو الخصوص وينتظر وقت الحاجة، فإما أن يترك على حاله فيعتقد # PageV00P161 # العموم، أو يدل على الخصوص فيعمل عليه. وهذا هو نص (1) قول ms107 أصحاب الوقف ~~في العموم. قد صار إليه من يذهب إلى (2) أن لفظ العموم مستغرق بظاهره على ~~أقبح الوجوه. # هذا جملة ما احتج به على هذه الدعوى مبالغا في تقريبه. نقلناه (3) بعين ~~ألفاظه غالبا، حفظا لما رامه من زيادة التقريب. # والجواب: أما عن الأول، فبالنقض (4) بالنسخ أولا. وتقريره، أن من شرط ~~المنسوخ - كما اعترف به - أن لا يكون موقتا بغاية تقتضي (5) ارتفاعه حتى ~~أنه عد من الموقت ما يعلم فيه الغاية على سبيل الجملة (6)، ويحتاج في ~~تفصيلها إلى دليل سمعي، نحو قوله: " دوموا على هذا الفعل إلى أن أنسخه عنكم ~~"، و حينئذ فلابد من كون اللفظ (7) المنسوخ ظاهرا في الدوام والاستمرار، ~~وبعد فرض نسخه يعلم أن المراد خلاف ذلك الظاهر. فقد استعمل اللفظ الذي له ~~حقيقة في غير تلك الحقيقة من غير دلالة في حال الخطاب على المراد. # ومن هنا التجأ بعض أصحاب هذا القول إلى طرد المنع في النسخ أيضا - كما ~~حكيناه (8) عن العلامة - فأوجب اقتران بيانه الاجمالي بالمنسوخ فرارا من ~~هذا المحذور. # لكن السيد (9) ادعى الاجماع على خلاف هذه المقالة، كما مرت إليه الإشارة، ~~(10) وجعله وجها للرد على من منع من تأخير بيان المجمل، فقال: " قد أجمعنا ~~على أنه تعالى يحسن منه تأخير بيان مدة الفعل المأمور به، والوقت الذي ينسخ ~~فيه عن وقت الخطاب، وإن كان مرادا بالخطاب، لأنه إذا قال: # PageV00P162 # " صلوا " وأراد بذلك غاية معينة، فالانتهاء إليها من غير تجاوز لها مراد ~~في حال الخطاب، وهو من فوائده ومراد المخاطب به (1). # وهذا هو نص مذهب القائلين بجواز تأخير بيان المجمل. ولم يجر ذلك، عند ~~أحد، مجرى خطاب العربي بالزنجية. # فان قالوا: ليس يجب أن يبين (2) في حال الخطاب كل مراد بالخطاب. # قلنا: أصبتم (3)، فاقبلوا في الخطاب بالمجمل مثل ذلك. # فان قالوا: لا حاجة إلى بيان مدة النسخ وغاية العبادة، لان ذلك بيان لما ~~لا يجب أن يفعله. وإنما يحتاج في هذه الحال إلى بيان صفة ما يجب أن يفعله. # قلنا: هذا هدم (4) لكل ما تعتمدون عليه في ms108 تقبيحكم تأخير البيان، لأنكم ~~توجبون البيان لشئ يرجع إلى الخطاب، لا لأمر يرجع إلى إزاحة علة المكلف في ~~الفعل، فان كنتم إنما تمنعون من تأخير البيان، لأمر يرجع إلى إزاحة (5) ~~العلة والتمكن (6) من الفعل، فأنتم تجيزون أن يكون المكلف في حال الخطاب ~~غير قادر، ولا متمكن بالآلات. وذلك أبلغ في رفع التمكين (7) من فقد العلم ~~بصفة الفعل. # وإن كان امتناعكم لأمر يرجع إلى وجوب حسن الخطاب وإلى أن المخاطب لابد أن ~~يكون له طريق إلى العلم بجميع فوائده، فهذا ينتقض بمدة الفعل وغايته، لأنها ~~من جملة المراد. وقد أجزتم تأخير بيانها، وقلتم بنظير قول من يجوز تأخير ~~بيان المجمل (8)، لأنه يذهب إلى أنه يستفيد بالخطاب المجمل بعض فوائده دون ~~بعض، وقد أجزتم مثله. فالرجوع إلى إزاحة العلة # PageV00P163 # نقض منكم لهذا الاعتبار كله ". (1) هذه عبارته بعينها. وإنما نقلناها ~~بطولها لتضمنها تحقيق المقام له وعليه. # فنحن نعيد عليه ههنا كلامه (2) وننقض (3) استدلاله بعين ما نقض به دليل ~~خصمه غير محتاجين إلى تثنية التقرير، فإن مواضع الامتياز - على نزارتها - ~~لا يكاد يخفى على المتأمل طريق تغييرها وسوقها بحيث ينتظم مع محل النزاع. # وأما (4) ثانيا، فبالحل. وتحقيقه أنه لا ريب في افتقار استعمال اللفظ في ~~غير المعنى الموضوع له إلى القرينة، وأن ذلك هو المائز بين الحقيقة والمجاز ~~وكذا لا ريب في منع تأخير القرينة عن وقت الحاجة، وأما تأخيرها عن وقت ~~التكلم إلى وقت الحاجة، فلم ينقل على المنع منه مطلقا من جهة الوضع دليل، ~~وما يتخيل - من استلزامه الاغراء بالجهل فيكون قبيحا عقلا - مدفوع بأن ~~الاغراء إنما يحصل حيث ينتفي احتمال التجوز. وانتفاؤه فيما قبل وقت الحاجة ~~موقوف على ثبوت منع التأخير مطلقا وقد فرضنا عدمه. # وقولهم: الأصل في الكلام الحقيقة، معناه: أن اللفظ مع فوات وقت القرينة ~~وتجرده عنها يحمل على الحقيقة لا مطلقا، يدلك على هذا أنه لا نزاع في جواز ~~تأخير القرينة عن وقت التلفظ بالمجاز بحيث لا يخرج الكلام عن كونه (5) واحد ~~عرفا. ومنه تعقب الجمل المتعددة المتعاطفة ms109 بالاستثناء، ونحوه إذا أقام ~~المتكلم القرينة على إرادة العود إلى الكل كما مر تحقيقه. ولو كان مجرد ~~النطق باللفظ يقتضي صرفه إلى الحقيقة لم يجز ذلك، لاستلزامه المحذور الذي ~~يظن في موضع النزاع، أعني: الاغراء بالجهل آنا ما. على أنهم قد حكموا بجواز ~~إسماع العام المخصوص بأدلة العقل وإن لم يعلم السامع أن العقل يدل على ~~تخصيصه، ولم ينقلوا في ذلك خلافا عن أحد. # وجوز أكثر المحققين، كالسيد والمحقق، والعلامة، وغيرهم من محققي # PageV00P164 # العامة: إسماع العام المخصوص بالدليل السمعي من دون إسماع المخصص. # مع أن ما ذكرنا (1) من التوجيه للمنع هنا، لو تم لاقتضى المنع هناك أيضا، ~~لان السامع للعام مجردا عن القرينة (2) حينئذ يحمله على الحقيقة - كما ظن - ~~وليست مرادة، (3) فيكون إغراء بالجهل. # فان أجابوا: بأنه لا يجوز الحمل على الحقيقة إلا بعد التفحص عن المخصص ~~الذي هو قرينة التجوز، وبعد فرض وجودها لابد أن يعثر عليها فيحكم حينئذ ~~بمقتضاها. # قلنا: في موضع النزاع إنه لا يجوز الحمل على شئ حتى يحضر وقت الحاجة. ~~وعند ذلك توجد القرينة فيطلع المكلف عليها ويعمل بما تقتضيه (4). # والعجب من السيد - رحمه الله - انه تكلم على المانعين من تأخير بيان ~~المجمل بمثل هذا، ولم يتنبه لورود (5) نظيره عليه، حيث قال: # (ومن قوي ما يلزمونه أنه يقال (6) لهم: إذا جوزتم أن يخاطب بالمجمل و ~~يكون بيانه في الأصول، ويكلف (7) المخاطب بالرجوع إلى الأصول ليعرف المراد، ~~فما الذي يجب أن يعتقد هذا المخاطب إلى أن يعرف من الأصول المرد. # فان قالوا: يتوقف عن اعتقاد التفصيل ويعتقد في الجملة أنه يمتثل بما بين ~~له (8). # قلنا: أي فرق بين (9) هذا القول وبين قول من جوز تأخير البيان؟ # فإذا قالوا: الفرق بينهما أنه إذا خوطب - وفي الأصول بيان - فهو متمكن # PageV00P165 # من الرجوع إليها ومعرفة المراد. ولا كذلك إذا أخر البيان فإنه لا يكون ~~متمكنا. # قلنا: إذا كان البيان في الأصول، فلابد من زمان يرجع فيه إليها ليعلم ~~المراد. وهو في هذا الزمان - قصيرا أو طويلا - مكلف بالفعل ومأمور ms110 باعتقاد ~~وجوبه والعزم على أدائه على طريق الجملة، من غير تمكن (1) من معرفة المراد، ~~وإنما يصح أن يعرف المراد بعد هذا الزمان. فقد عاد الامر إلى أنه مخاطب بما ~~لا يتمكن في الحال من معرفة المراد به. وهذا (2) هو قول (3) من جوز تأخير ~~البيان. ولا فرق في هذا الحكم بين طويل الزمان وقصيره. # فان قالوا: هذا الزمان الذي أشرتم إليه لا يمكن فيه معرفة المراد، فيجري ~~مجرى زمان مهلة النظر الذي لا يمكن وقوع المعرفة فيه. # قلنا: ليس الامر كذلك، لان زمان مهلة النظر لابد منه ولا يمكن أن يقع ~~المعرفة الكسبية في أقصر منه. وليس كذلك إذا كان البيان في الرجوع إلى ~~الأصول، لأنه تعالى قادر على أن يقرن البيان إلى الخطاب، فلا يحتاج إلى ~~زمان الرجوع إلى تأمل الأصول ". # هذا كلامه. وليت شعري! كيف غفل عن ورود مثل ذلك عليه، فيقال له: # إذا جوزت إسماع العام المخصوص من دون إسماع مخصصه، لكنه يكون موجودا في ~~الأصول والمخاطب به مكلفا بالرجوع إليها فما الذي يجب أن يفهمه المكلف من ~~العام قبل أن يعثر على المخصص في الأصول؟ # فان قلت: يتوقف على اعتقاد (4) أحد الامرين بعينه ويعتقد أنه يمتثل ~~العموم إن لم يظهر له المخصص. # قلنا: ما الفرق بين هذا وبين ما قلناه من جواز تأخير البيان؟ # فان قلت: الفرق بينهما وجود القرينة وتمكنه من الرجوع إليها هناك، و ~~انتفاء الامرين في موضع النزاع. # PageV00P166 # قلنا: القرينة وإن كانت موجودة، لكن العلم بها موقوف على زمان يرجع فيه ~~إليها. ففي ذلك الزمان هو مخاطب بلفظ له حقيقة لم يردها المخاطب به (1) من ~~غير دلالة على أنه متجوز. وهو الذي نفيت الاشكال عن قبحه. # فان قلت: هذا الزمان مستثنى من البين، وإنما يستقبح الخلو عن الدلالة ~~فيما بعده. # قلنا: فاقبل مثل ذلك في موضع النزاع، ويبقى الكلام، على ما ادعاه من ~~دلالة العرف على قبح تأخير القرينة عن حال الخطاب مطلقا مستشهدا بما ذكره ~~من الوجوه الثلاثة. فإنه يقال عليه: لا نسلم ms111 دلالة العرف على القبح في ~~الكل. نعم هي في غير محل النزاع موجودة، ومجرد الاشتراك في مفهوم التجوز لا ~~يقتضي التسوية في جميع الأحكام. # وأما الوجوه التي استشهد بها فلا دلالة فيها، لان وقت الحاجة في الوجه ~~الأول - وهي الانزجار عن الفعل المهدد عليه - مقارن للخطاب (2)، فلابد من ~~اقتران البيان به. وأيضا فحقيقة التهديد عرفا إنما تحصل (3) مع مقارنة ~~قرينة للفظ (4) فالقبح الناشي من تأخير القرينة حينئذ إنما هو باعتبار عدم ~~تحقق (5) مسمى التهديد المطلوب حصوله، لا بمجرد كونه تأخيرا. # والوجه (6) الثاني: إن فرض وقت الحاجة فيه متأخرا [عن وقت الخطاب (7)] ~~منعنا قبح التأخير فيه. وإن فرضه (8) مقارنا للخطاب، سلمناه ولا يجديه. # والوجه الثالث: ليس من محل النزاع في شئ. لأنه من قبيل الاخبار وليس لها ~~وقت حاجة يتصور التأخير إليه فيجب اقتران القرينة فيها بالخطاب. # وقضاء العرف بذلك فيها ظاهر أيضا. مع أن تجريدها (9) عن القرينة المبينة # PageV00P167 # للمراد فيها (1) حال العدول عن موضوعها يصيرها كذبا على ما هو التحقيق في ~~تفسيره من عدم المطابقة للخارج. وقبحه معلوم. # ومن هذا التحقيق يظهر الجواب عن الثاني: فانا لا نسلم أنه بالتأخير يكون ~~قد دل على الشئ بخلاف ما هو به. # قوله: " لان لفظ العموم مع تجرده، الخ "، قلنا: مسلم، ولكن لابد من بيان ~~محل التجرد. فان جعلتموه وقت الخطاب، فممنوع، لأنه هو المدعى، و إن كان ما ~~بينه وبين وقت الحاجة، فمسلم ولا ينفعكم. # قوله: " فإذا خاطب به مطلقا لا يخلو من أن يكون دل به على الخصوص الخ "، ~~قلنا: هو لم يدل به فقط على الخصوص، بل مع القرينة التي ينصبها (2) على ذلك ~~بحيث لا يستقل واحد منهما بالدلالة عليه بل يحصل من المجموع (3) ولا يلزم ~~من عدم صلاحيته للدلالة مجردا عدمها مع انضمام القرينة. وإلا لانتفى المجاز ~~رأسا، إذ من المعلوم أن اللفظ لا دلالة له بمجرده على المعنى المجازى (4). # قوله: " حضور زمان الحاجة ليس بمؤثر في دلالة اللفظ، الخ " قلنا: ما ~~المانع من تأثيره؟ بمعنى أنه ينقطع به ms112 احتمال عروض التجوز فيحمل اللفظ عل ~~حقيقته إن لم يكن قد وجدت القرينة. وإلا، فعلى المجاز، وأي بعد في هذا ~~التأثير؟ وأنتم تقولون بمثله في زمن الخطاب، لأنكم تجوزون التجوز ما دام ~~المتكلم مشغولا بكلامه (5) الواحد. فما لم ينقطع لا يتجه للسامع الحكم ~~بإرادة شئ من اللفظ. وعند انتهائه يتبين (6) الحال، أما بنصب القرينة ~~فالمجاز، وأما بعدمها فالحقيقة. فعلم أن الدلالة عندنا وعندكم إنما تستقر ~~(7) بعد مضي # PageV00P168 # زمان، واختلافه بالطول والقصر لا يجوز إنكار أصل التأثير. # وبهذا (1) يتضح فساد قوله: " وذلك قائم قبل وقت الحاجة "، لظهور منع ~~قيامه بعد ما علمت من جواز التجوز قبله، وعدمه بعده كما يقوله هو في وقت ~~الخطاب، فيجئ الاحتمال المنافي لقيام الدلالة من قبل، وينتفي فتحصل (2) ~~الدلالة من بعد. # قوله: " على أن وقت الحاجة إنما يعتبر في القول الذي يتضمن تكليفا الخ ". ~~قلنا: ونحن لا نجيز التأخير إلا فيما يتضمن التكليف، أعني: الانشاء، لأنه ~~الذي يعقل فيه وقت الحاجة. وأما ما عداه من الاخبار، فلابد من اقتران بيان ~~المجاز فيها بها، كما بيناه. # وأما الجواب عن الثالث (3): فواضح لا يكاد يحتاج إلى البيان، لان فرض ~~الفائدة في الخطاب بالمجمل يقتضي مثله في العام، إذ غايته أن يصير مجملا في ~~المعنيين، وهو غير ضائر ولا فيه خروج عن القول بكونه موضوعا للعموم. وما ~~ذكره من الرجوع إلى القول بالوقف لا وجه له، فان التوقف فيما قبل وقت ~~الحاجة بمنزلة التوقف إلى إكمال (4) الخطاب. ومن المعلوم أن ذلك لا يعد ~~وقفا (5) والتفرقة فيما بعد الحاجة جلية، لان الخصوص عندنا يحتاج إلى ~~القرينة، فبدونها يكون للعموم. وأهل الوقف يقولون: بأن المحتاج إلى القرينة ~~هو العموم، فان الخصوص متيقن الإرادة على كل حال. # PageV00P169 # المطلب الخامس في الاجماع PageV00P171 # أصل الاجماع يطلق لغة (1) على معنيين: أحدهما: العزم، وبه فسر قوله ~~تعالى: # " فأجمعوا أمركم " (2) أي اعزموا وثانيهما: الاتفاق. وقد نقل في ~~الاصطلاح: إلى اتفاق خاص، وهو اتفاق من يعتبر قوله من الأمة في الفتاوى ~~الشرعية على أمر من الأمور الدينية. # والحق ms113 إمكان وقوعه، والعلم به، وحجيته. وللناس (3) خلاف في المواضع ~~الثلاثة: فزعم قوم أنه محال، وأحال آخرون (4) العلم به مع تجويز وقوعه، ~~ونفى ثالث حجيته (5) معترفا بامكان الوقوع والعلم به. والكل باطل، والذاهب ~~إليه شاذ، وحججه (6) ركيكة واهية، فهي بالاعراض عنها أجدر، والاضراب عن ~~حكايتها والجواب عنها أليق. # وقد وقع الاختلاف بيننا وبين من وافقنا على الحجية من أهل الخلاف في ~~مدركها: فإنهم لفقوا لذلك وجوها من العقل والنقل لا يجدي طائلا. ومن شاء أن ~~يقف عليها فليطلبها (7) من مظانها، إذ ليس في التعرض لنقلها كثير فائدة. # PageV00P172 # ونحن لما ثبت عندنا بالأدلة العقلية والنقلية - كما حقق مستقصى في كتب ~~أصحابنا الكلامية -: أن زمان التكليف لا يخلو من إمام معصوم حافظ للشرع يجب ~~الرجوع إلى قوله فيه. فمتى اجتمعت (1) الأمة على قول، كان داخلا في جملتها، ~~لأنه سيدها، الخطأ مأمون على قوله، فيكون ذلك الاجماع حجة. # فحجية الاجماع في الحقيقة عندنا إنما هي باعتبار كشفه عن الحجة التي هي ~~قول المعصوم. وإلى هذا المعنى أشار المحقق - رحمه الله - حيث قال، بعد بيان ~~وجه الحجية على طريقتنا: " وعلى هذا فالاجماع كاشف عن قول الإمام لا أن ~~الاجماع حجة في نفسه من حيث هو إجماع " (2) انتهى. # ولا يخفى عليك: أن فائدة الاجماع تعدم عندنا إذا علم الإمام بعينه، نعم ~~يتصور وجودها حيث لا يعلم بعينه ولكن يعلم كونه في جملة المجمعين. # ولابد في ذلك من وجود من لا يعلم أصله ونسبه في جملتهم إذ مع علم أصل ~~الكل ونسبهم يقطع بخروجه عنهم. ومن هنا يتجه أن يقال: إن المدار في الحجية ~~على العلم بدخول المعصوم في جملة القائلين، من غير حاجة إلى اشتراط اتفاق ~~جميع المجتهدين أو أكثرهم، لا سيما معروفي الأصل والنسب. # قال المحقق في المعتبر. (3) " وأما الاجماع فعندنا هو حجة بانضمام ~~المعصوم. فلو خلا المائة من فقهائنا عن قوله لما كان حجة، ولو حصل في اثنين ~~(4) لكان قولهما حجة، لا باعتبار اتفاقها بل باعتبار قوله. فلا تغتر (5) ~~إذن بمن يتحكم فيدعي الاجماع ms114 باتفاق الخمسة # PageV00P173 # أو العشرة (1) من الأصحاب مع جهالة (2) قول الباقين إلا مع العلم القطعي ~~بدخول الامام في الجملة ". هذا كلامه وهو: في غاية الجودة. # والعجب من غفلة جمع من الأصحاب عن هذا الأصل وتساهلهم في دعوى الاجماع ~~عند احتجاجهم به للمسائل الفقهية كما حكاه - رحمه الله - (3) حتى جعلوه ~~عبارة عن مجرد اتفاق الجماعة من الأصحاب، فعدلوا به عن معناه الذي جرى عليه ~~الاصطلاح من غير قرينة جلية، ولا دليل على الحجية معتد به (4). # وما اعتذر به عنهم الشهيد (5) - رحمه الله - في الذكرى: - من تسميتهم ~~المشهور إجماعا، أو بعدم الظفر حين دعوى الاجماع بالمخالف، أو بتأويل ~~الخلاف على وجه يمكن مجامعته لدعوى الاجماع وإن بعد، أو ارادتهم الاجماع ~~على روايته، بمعنى تدوينه في كتبهم، منسوبا إلى الأئمة عليهم السلام - لا ~~يخفى عليك ما فيه، فان تسمية الشهرة إجماعا لا تدفع (6) المناقشة التي ~~ذكرناها، وهي العدول عن المعنى المصطلح المتقرر (7) في الأصول من غير إقامة ~~قرينة على ذلك. هذا مع ما فيه من الضعف، لانتفاء الدليل على حجية (8) مثله ~~كما سنذكره. # وأما عدم الظفر بالمخالف عند دعوى الاجماع، فأوضح حالا في الفساد من أن ~~يبين. وقريب منه تأويل الخلاف، فانا نريه في مواضع لا يكاد تنالها (9) يد ~~التأويل. وبالجملة، فالاعتراف بالخطأ في كثير من المواضع أخف (10) من ~~ارتكاب الاعتذار. ولعل هذا منها. والله أعلم. # PageV00P174 # إذا عرفت هذا، فهنا فوائد: # الأولى: الحق امتناع الاطلاع عادة على حصول الاجماع في زماننا هذا وما ~~ضاهاه، من غير جهة النقل، إذ لا سبيل إلى العلم بقول الامام. كيف وهو موقوف ~~على وجود المجتهدين المجهولين ليدخل في جملتهم، ويكون قوله مستورا بين ~~أقوالهم؟ وهذا مما يقطع (1) بانتفائه. # فكل إجماع يدعى في كلام الأصحاب، مما يقرب من (2) عصر الشيخ إلى زماننا ~~هذا، وليس مستندا إلى نقل متواتر أو أحاد حيث يعتبر أو مع القرائن المفيدة ~~للعلم، فلابد من أن يراد به ما ذكره الشهيد - رحمه الله - من الشهرة. # وأما الزمان السابق على ما ذكرناه، المقارب لعصر ظهور الأئمة، ms115 عليهم ~~السلام. # وإمكان العلم بأقوالهم، فيمكن فيه حصول الاجماع والعلم به بطريق التتبع. # وإلى مثل هذا نظر بعض علماء أهل الخلاف حيث قال: " الانصاف أنه لا طريق ~~إلى معرفة حصول الاجماع إلا في زمن الصحابة، حيث كان المؤمنون قليلين يمكن ~~معرفتهم بأسرهم على التفصيل ". # واعترضه العلامة (3) - رحمه الله - بأنا نجزم بالمسائل المجمع عليها جزما ~~قطعيا، ونعلم اتفاق الأمة عليها علما وجدانيا حصل بالتسامع وتظافر الاخبار ~~عليه (4). # وأنت بعد الإحاطة بما قررناه خبير بوجه اندفاع هذا الاعتراض عن ذلك ~~القائل، لان ظاهر كلامه: ان الوقوف على الاجماع والعلم به ابتداء من غير ~~جهة النقل (5) غير ممكن عادة، لا مطلقا، وكلام العلامة إنما يدل على حصول ~~العلم به من طريق (6) النقل كما يصرح به قوله آخرا: " علما وجدانيا حصل ~~بالتسامع وتظافر الاخبار ". # الثانية: قال الشهيد (7) - رحمه الله - في الذكرى: " إذا أفتى جماعة من # PageV00P175 # الأصحاب ولم يعلم لهم مخالف، فليس إجماعا قطعا، وخصوصا مع علم العين، ~~للجزم بعدم دخول الامام حينئذ، ومع عدم علم العين، لا يعلم أن الباقي ~~موافقون. ولا يكفي عدم علم خلافهم فان الاجماع هو الوفاق لا عدم علم ~~الخلاف. # وهل هو حجة مع عدم متمسك ظاهر من حجة نقلية أو عقلية (1)؟ الظاهر ذلك، ~~لان عدالتهم تمنع من الاقتحام على الافتاء بغير علم، ولا يلزم (2) من عدم ~~الظفر بالدليل عدم الدليل. وهذا الكلام عندي ضعيف، لان العدالة انما يؤمن ~~معها تعمد الافتاء بغير ما يظن بالاجتهاد دليلا، وليس الخطأ بمأمون على ~~الظنون ". # الثالثة: حكي (3) فيها أيضا عن بعض الأصحاب: إلحاق المشهور بالمجمع عليه. # واستقربه إن كان مراد قائله اللحوق في الحجية، لا في كونه إجماعا. # واحتج له بمثل ما قاله (4) في الفتوى التي لا يعلم لها مخالف، وبقوة الظن ~~في جانب الشهرة، سواء كان اشتهارا في الرواية بأن يكثر تدوينها أو الفتوى ~~(5). # ويضعف بنحو ما ذكرناه في الفتوى، وبأن الشهرة التي تحصل (6) معها قوة ~~الظن هي الحاصلة قبل زمن الشيخ - رحمه الله - لا الواقعة بعده. # وأكثر ما يوجد مشهورا (7) في ms116 كلامهم حدث بعد زمان الشيخ (8)، " ره " كما ~~نبه عليه والدي - رحمه الله - في كتاب الرعاية (9) الذي ألفه في دراية ~~الحديث (10) - مبينا لوجهه، وهو: أن أكثر الفقهاء الذين نشأوا بعد الشيخ ~~كانوا يتبعونه في الفتوى تقليدا له، لكثرة اعتقادهم فيه وحسن ظنهم به. فلما ~~جاء المتأخرون وجدوا أحكاما مشهورة قد عمل بها الشيخ ومتابعوه، فحسبوها ~~شهرة بين العلماء (11) # PageV00P176 # وما دروا أن مرجعها إلى الشيخ وأن الشهرة إنما حصلت بمتابعته. # قال الوالد قدس الله نفسه: وممن اطلع على هذا الذي بينته وتحققته (1) من ~~غير تقليد، الشيخ الفاضل المحقق سديد الدين محمود الحمصي، والسيد رضي الدين ~~بن (2) طاوس وجماعة. # وقال السيد رحمه الله في كتابه المسمى بالبهجة لثمرة المهجة: أخبرني جدي ~~الصالح ورام بن أبي فراس - قدس الله روحه -: أن الحمصي حدثه أنه لم يبق ~~للامامية مفت على التحقيق بل كلهم حاك. وقال السيد عقيب ذلك: " والآن فقد ~~ظهر (3) أن الذي يفتى به ويجاب، على سبيل ما حفظ من كلام العلماء المتقدمين ~~". # أصل إذا اختلف أهل العصر على قولين، لا يتجاوزونهما. فهل يجوز إحداث قول ~~ثالث (4)؟ خلاف بين أهل الخلاف. ومثلوا له بأمثلة. # منها: أن يطأ المشتري (5) البكر، ثم يجد بها عيبا. فقيل: الوطي يمنع ~~الرد، وقيل: بل يردها مع أرش النقصان. وهو تفاوت قيمتها بكرا وثيبا، فالقول ~~بردها مجانا قول ثالث. # ومنها: فسخ النكاح بالعيوب الخمسة (6) المخصوصة. قيل: يفسخ بها كلها. ~~وقيل: # لا يفسخ بشئ منها، فالفرق وهو القول بأنه يفسخ بالبعض دون البعض (7) قول ~~ثالث. ومحققوهم على التفصيل بأنه ان كان الثالث يرفع شيئا متفقا عليه ~~فممنوع وإلا فلا. فالأول كمسألة البكر، للاتفاق على أنها لا ترد مجانا. ~~والثاني # PageV00P177 # كمسألة فسخ النكاح ببعض (1) العيوب لأنه وافق في كل مسألة مذهبا. # وهذا التفصيل جيد على أصولهم، لأنه في صورة (2) المنع، إذا رفع مجمعا ~~عليه. # يكون قد خالف الاجماع، فلم يجز. وأما في صورة الجواز فلم يخالف (3) ~~إجماعا، ولا مانع سواه، فجاز. # والمتجه على أصولنا المنع مطلقا، لان الامام في إحدى الطائفتين فرضا، ms117 ~~قطعا، فالحق مع واحدة منهما، والأخرى على خلافه. وإذا كانت الثانية بهذه ~~الصفة فالثالثة كذلك بطريق أولى، وهكذا القول فيما زاد. # أصل إذا لم تفصل الأمة بين مسألتين، فان نصت (4) على المنع من الفصل فلا ~~إشكال. # وإن عدم النص: # فإن كان بين المسألتين علاقة (5) بحيث يلزم من العمل بإحديهما العمل ~~بالأخرى لم يجز الفصل، كما في زوج وأبوين، وامرأة وأبوين، فمن قال (6): ~~للام ثلث أصل التركة، قال: في الموضعين، ومن قال: ثلث الباقي، قال: # في الموضعين، إلا " ابن سيرين " فإنه فصل. وإن لم يكن بينهما علاقة، (7) ~~قال قوم: يجوز الفصل بينهما. # والذي يأتي على مذهبنا عدم الجواز، لان الامام مع إحدى الطائفتين قطعا. # ولازم ذلك وجوب متابعته في الجمع (8). وهذا كله واضح. # PageV00P178 # أصل إذا اختلف (1) الامامية على قولين (2)، فان كانت إحدى الطائفتين ~~معلومة النسب ولم يكن (3) الامام أحدهم كان الحق مع الطائفة (4) الأخرى. ~~وإن لم تكن (5) معلومة النسب: فان كان مع إحدى الطائفتين دلالة قطعية توجب ~~العلم وجب العمل على قولها، لان الامام معها قطعا، وإن لم يكن مع إحديهما ~~دليل قاطع، فالذي حكاه المحقق عن الشيخ: التخيير في العمل بأيهما شاء. وعزى ~~إلى بعض الأصحاب القول باطراح القولين والتماس دليل من غيرهما. # ثم نقل عن الشيخ تضعيف هذا القول، بأنه يلزم منه اطراح قول الإمام عليه ~~السلام. قال: وبمثل هذا يبطل ما ذكره (6) - رحمه الله - (7) لان الامامية ~~إذا اختلفت (8) على قولين، فكل طائفة توجب (9) العمل بقولها وتمنع (10) من ~~العمل بقول الاخر. فلو تخيرنا لاستبحنا ما حظره المعصوم. # قلت: كلام المحقق - رحمه الله - هنا (11) جيد. والذي يسهل الخطب علمنا ~~بعدم وقوع مثله، كما تقدمت الإشارة إليه. # فائدة (12) قال المحقق (13) رحمه الله: إذا اختلف (14) الامامية على ~~قولين، فهل يجوز اتفاقها بعد ذلك على أحد القولين؟ قال الشيخ - رحمه الله ~~-: إن قلنا بالتخيير لم يصح # PageV00P179 # اتفاقهم بعد الخلاف، لان ذلك يدل على أن القول الآخر باطل. وقد قلنا: ~~إنهم مخيرون في العمل. # ولقائل أن يقول: لم لا يجوز أن يكون التخيير مشروطا ms118 بعدم الاتفاق فيما ~~بعد؟ وعلى هذا الاحتمال يصح الاجماع بعد الاختلاف. وكلام المحقق هنا ~~كالسابق في غاية الحسن والوضوح. # أصل اختلف الناس في ثبوت الاجماع بخبر الواحد، بناء على كونه حجة. فصار ~~إليه قوم وأنكره آخرون. # والأقرب الأول. لنا: أن دليل حجية خبر الواحد - كما ستعرفه - يتناوله ~~بعمومه، فيثبت (1) به كما يثبت (2) غيره. # احتج الخصم بأن الاجماع أصل من أصول الدين فلا يثبت بخبر الواحد. # وجوابه: منع كلية الثانية، فان السنة أعني: - كلام الرسول، صلى الله عليه ~~وآله، أصل من أصول الدين أيضا، وقد قبل فيه خبر الواحد. # فائدتان الأولى: لابد لحاكي الاجماع من أن يكون علمه بإحدى الطرق المفيدة ~~للعلم، وأقلها الخبر المحفوف بالقرائن. فلو انتفى العلم ولكن كان وصوله ~~إليه باخبار (3) من يقبل إخباره ليكون حجة وجب البيان حذرا من التدليس، لان ~~ظاهر الحكاية الاستناد إلى العلم. والفرض استنادها إلى الرواية. فترك ~~البيان تدليس. # وبالجملة: فحكم الاجماع حيث يدخل في حيز النقل حكم الخبر (4)، فيشترط # PageV00P180 # في قبوله ما يشترط هناك، ويثبت له عند التحقيق الاحكام الثابتة له حتى ~~حكم التعادل والترجيح، على ما يأتي بيانه في موضعه. وإن سبق إلى كثير من ~~الأوهام (1) خلاف ذلك فإنه ناش عن قلة التأمل، وحينئذ فقد يقع التعارض بين ~~إجماعين منقولين وبين إجماع وخبر، فيحتاج إلى النظر في وجوه الترجيح بتقدير ~~أن يكون هناك شئ منها، وإلا حكم بالتعادل. # وربما يستبعد حصول التعارض بين الاجماع المنقول والخبر من حيث احتياج ~~الخبر الآن إلى تعدد الوسائط في النقل، وانتفاء مثله في الاجماع. وسيأتي أن ~~قلة الوسائط في النقل من جملة وجوه الترجيح. # ويندفع: بأن هذا الوجه، وإن اقتضى ترجيح الاجماع على الخبر (2)، إلا أنه ~~معارض في الغالب بقلة الضبط في نقل الاجماع من المتصدين لنقله، بالنسبة إلى ~~نقل الخبر. والنظر في باب التراجيح إلى وجه من وجوهها مشروط بانتفاء ما ~~يساويه أو يزيد عليه في الجانب الآخر كما ستعرفه. # الثانية: قد علمت أن بعض الأصحاب استعمل لفظ " الاجماع " في المشهور من ~~غير قرينة ms119 في كلامهم على تعيين المراد. فمن هذا شأنه لا يعتد بما يدعيه من ~~الاجماع إلا أن يبين أن المراد به المعنى المصطلح. وما أظنه واقعا. اللهم ~~إلا أن يذهب ذاهب إلى مساواة الشهرة للاجماع في الحجية كما اتفق كذلك. فلا ~~حجر عليه حينئذ في الاعتداد به. وذلك ظاهر. # PageV00P181 # المطلب السادس في الاخبار PageV00P183 # أصل ينقسم الخبر إلى (1) متواتر وآحاد، فالمتواتر هو (2) خبر جماعة يفيد ~~بنفسه العلم بصدقه. ولا ريب في إمكانه ووقوعه. ولا عبرة بما يحكى من خلاف ~~بعض ذوي الملل الفاسدة في ذلك، فإنه بهت ومكابرة، لأنا نجد العلم الضروري ~~بالبلاد النائية والأمم الخالية كما نجد العلم بالمحسوسات، ولا فرق (3) ~~بينهما فيما (4) يعود إلى الجزم. وما ذلك إلا بالاخبار قطعا. # وقد أوردوا عليه شكوكا. # منها: أنه يجوز الكذب على كل واحد من المخبرين فيجوز على الجملة، إذ لا ~~ينافي كذب واحد كذب الآخرين قطعا، ولأن المجموع مركب من الآحاد، بل هو ~~نفسها. فإذا فرض كذب كل واحد فقد فرض (5) كذب الجميع. ومع وجوده لا يحصل ~~العلم. # ومنها: أنه يلزم تصديق اليهود والنصارى فيما نقلوه عن موسى وعيسى عليهما ~~السلام أنه قال: " لا نبي بعدي ". وهو ينافي نبوة نبينا عليه الصلاة ~~والسلام، فيكون باطلا. # PageV00P184 # ومنها: أنه كاجتماع الخلق الكثير على أكل طعام (1) واحد وأنه ممتنع عادة. # ومنها: أن حصول العلم به يؤدي إلى تناقض المعلومين إذا أخبر جمع كثير ~~بالشئ (2) وجمع كثير بنقيضه وذلك محال. # ومنها: أنه لو أفاد العلم الضروري، لما فرقنا بين ما يحصل منه كما مثلتم ~~به و بين العلم بالضروريات. واللازم باطل، لأنا إذا عرضنا على أنفسنا وجود ~~الإسكندر مثلا وقولنا: الواحد نصف الاثنين، فرقنا بينهما، ووجدنا الثاني ~~أقوى بالضرورة. # ومنها: أن الضروري يستلزم الوفاق فيه. وهو منتف، لمخالفتنا. # وكل هذه الوجوه مردودة. # أما إجمالا، فلأنها تشكيك في الضروري، فهي كشبهة (3) السوفسطائية، لا ~~تستحق الجواب (4). # وأما تفصيلا، فالجواب عن الأول: أنه قد يخالف حكم الجملة حكم الآحاد. فان ~~الواحد جزء العشرة وهو بخلافها (5)، والعسكر متألف من الأشخاص ms120 وهو يغلب ~~ويفتح البلاد دون كل شخص على انفراده (6). # وعن الثاني: أن نقل اليهود والنصارى لم يحصل بشرائط التواتر، فلذلك لم ~~يحصل العلم. # وعن الثالث: أنه قد علم وقوعه. والفرق بينه وبين الاجتماع على الاكل وجود ~~الداعي، بخلاف أكل الطعام الواحد. وبالجملة فوجود العادة هنا وعدمها هناك ~~ظاهر. # وعن الرابع: أن تواتر النقيضين محال عادة. # وعن الخامس: أن الفرق الذي نجده بين العلمين إنما هو باعتبار كون (7) كل # PageV00P185 # واحد منهما نوعا من الضروري. وقد يختلف النوعان بالسرعة وعدمها، لكثرة ~~استيناس العقل بأحدهما دون الآخر. # وعن السادس: أن الضروري لا يستلزم الوفاق، لجواز المباهتة والعناد من ~~الشر ذمة القليلة. # إذا عرفت هذا، فاعلم: أن حصول العلم بالتواتر يتوقف على اجتماع شرائط ~~بعضها في المخبرين وبعضها في السامعين. # فالأول ثلاثة: الأول: أن يبلغوا في الكثرة حدا يمتنع (1) معه في العادة ~~تواطؤهم على الكذب. الثاني: أن يستند علمهم إلى الحس، فإنه في مثل حدوث ~~العالم لا يفيد قطعا. الثالث: استواء الطرفين والواسطة، أعني بلوغ جميع ~~طبقات المخبرين في الأول والآخر والوسط، بالغا ما بلغ، عدد التواتر. # والثاني أمران، الأول: أن لا يكونوا عالمين بما أخبروا عنه اضطرارا، ~~لاستحالة تحصيل الحاصل، الثاني: أن لا يكون السامع قد سبق بشبهة أو تقليد ~~يؤدي (2) إلى اعتقاد (3) نفي موجب الخبر. وهذا الشرط ذكره السيد المرتضى ~~(4) رضي الله عنه. وهو جيد، وحكاه عنه (5) جماعة من الجمهور ساكتين عنه. # قال السيد (6) - رضي الله عنه - إذا كان هذا العلم - يعنى الحاصل من ~~التواتر - مستندا إلى العادة وليس بموجب عن سبب، جاز في شروطه الزيادة ~~والنقصان بحسب ما يعلم الله تعالى من المصلحة. وإنما احتجنا إلى هذا الشرط ~~لئلا يقال لنا: أني فرق بين خبر البلدان (7) والأخبار الواردة بمعجزات ~~النبي، صلى الله عليه وآله (8)، سوى القرآن، كحنين الجذع، وانشقاق القمر، ~~وتسبيح الحصى، وما أشبه ذلك؟ وأي فرق أيضا بين خبر البلد، وخبر النص الجلي ~~على أمير المؤمنين # PageV00P186 # عليه السلام (1)، الذي تنفرد الامامية بنقله؟ وإلا، أجزتم أن يكون العلم ~~بذلك كله ضروريا، ms121 كما أجزتموه في أخبار البلدان. وقد اشترط بعض الناس ههنا ~~شروطا أخر ظاهرة الفساد، فهي بالاضراب عنها أجدر (2) وأحرى ". # فائدة (3) قد تتكثر (4) الاخبار في الوقايع وتختلف (5). لكن (6) يشتمل كل ~~واحد منها على معنى مشترك بينها بجهة التضمن أو الالتزام (7). فيحصل العلم ~~بذلك القدر المشترك و يسمى المتواتر من جهة المعنى. وذلك كوقايع أمير ~~المؤمنين عليه السلام (8) في حروبه، من قتله في غزاة بدر كذا، وفعله في أحد ~~كذا، إلى غير ذلك فإنه يدل بالالتزام على شجاعته. وقد تواتر ذلك منه، وإن ~~كان لا يبلغ شئ من تلك (9) الجزئيات درجة القطع. # أصل وخبر الواحد هو ما لم يبلغ حد التواتر، سواء كثرت رواته أم قلت (10). ~~وليس شأنه إفادة العلم بنفسه. نعم قد يفيده بانضمام القرائن إليه. وزعم ~~قوم: أنه لا يفيد العلم، وإن انضمت إليه القرائن. # والأصح الأول. لنا: أنه لو أخبر ملك بموت ولد له مشرف على الموت وانضم ~~إليه القرائن من صراخ، وجنازة، وخروج المخدرات على حالة منكره غير معتادة ~~(11) # PageV00P187 # من دون موت مثله، وكذلك الملك وأكابر مملكته، فإنا نقطع بصحة ذلك الخبر و ~~نعلم به موت الولد. نجد ذلك من أنفسنا وجدانا ضروريا لا يتطرق إليه الشك. # وهكذا (1) حالنا في كل ما يوجد من الاخبار التي تحف بمثل هذه القرائن بل ~~بما دونها، فانا نجزم بصحة مضمونها بحيث لا يتخالجنا (2) في ذلك ريب ولا ~~يعترينا فيه شك. # احتج المخالف بوجوه، أحدها: أنه (3) لو حصل العلم به لكان عاديا، إذ لا ~~علية ولا ترتب الا باجراء الله تعالى عادته بخلق شئ عقيب آخر، ولو كان ~~عاديا لا طرد. وانتفاء اللازم بين. # الثاني: أنه لو أفاد العلم، لادى إلى تناقض المعلومين، إذا حصل الاخبار ~~على ذلك الوجه بالامرين المتناقضين، فان ذلك جائز، واللازم باطل، لان ~~المعلومين واقعان في الواقع، وإلا لكان العلم جهلا، فيلزم اجتماع النقيضين. # الثالث: أنه لو حصل العلم به لوجب القطع بتخطئة من يخالفه بالاجتهاد. # وهو خلاف الاجماع. # والجواب: أما عن الأول، فبالمنع من انتفاء اللازم، والتزام ms122 الاطراد في ~~مثله، فإنه لا يخلو عن العلم. # واما عن الثاني، فبأنه إذا حصل في قضية، امتنع أن يحصل مثله في نقيضها ~~عادة. # واما عن الثالث: فبالتزام التخطئة حينئذ. ولو وقع العلم لم يجز (4) ~~مخالفته (5) بالاجتهاد إلا أنه لم يقع في الشرعيات. والاجماع المدعى على ~~خلاف ذلك ظاهر الفساد. # PageV00P188 # أصل وما عرى من خبر الواحد عن القرائن المفيدة للعلم يجوز التعبد به ~~عقلا. ولا نعرف في ذلك من الأصحاب مخالفا، سوى ما حكاه المحقق - رحمه الله ~~- عن (1) ابن قبة (2)، ويعزى (3) إلى جماعة من أهل الخلاف. وكيف كان فهو ~~بالاعراض عنه حقيق. وهل هو واقع أولا؟ خلاف بين الأصحاب، فذهب جمع من ~~المتقدمين. # كالسيد المرتضى، وأبي المكارم بن (4) زهرة، وابن البراج، وابن إدريس إلى ~~الثاني، وصار جمهور المتأخرين إلى الأول. وهو الأقرب. # وله وجوه من الأدلة: (5) الأول: قوله تعالى: " فلولا نفر من كل فرقة منهم ~~طائفة، ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم، لعلهم يحذرون " ~~(6). دلت هذه الآية على وجوب الحذر على القوم عند إنذار الطوائف لهم. وهو ~~يتحقق بإنذار كل واحد من الطوائف واحدا من القوم حيث أسند الانذار إلى ضمير ~~الجمع العائد على الطوائف وعلقه باسم الجمع - أعني: القوم - ففي كليهما ~~أريد المجموع. ومن البين تحقق هذا المعنى مع التوزيع (7) بحيث يختص بكل بعض ~~(8) من القوم بعض من الطوائف، قل أو كثر، ولو كان بلوغ التواتر شرطا لقيل: ~~" ولينذروا كل واحد من قومهم " أو " ولينذر البعض الذي يحصل به التواتر كل ~~واحد من القوم " أو ما يؤدي هذا المعنى. فوجوب الحذر عليهم بالانذار الواقع ~~على الوجه الذي ذكرناه دليل على وجوب العمل بخبر الواحد. # فان قيل: من أين علم وجوب الحذر، وليس في الآية ما يدل عليه؟ فان # PageV00P189 # امتناع حمل كلمة " لعل " على معناها الحقيقي، باعتبار استحالته على الله ~~تعالى، يوجب المصير إلى أقرب المجازات إليه، وهو مطلق الطلب لا الايجاب. # قلت: قد بينا (1) فيما سبق أنه لا معنى لجواز الحذر أو ندبه، لأنه إن حصل ~~المقتضي له ms123 وجب، وإلا لم يحسن، فطلبه دليل على حسنة. ولا يحسن إلا عند (2) ~~وجود المقتضي. وحيث يوجد يجب. فالطلب له لا يقع إلا على وجه الايجاب. على ~~أن ادعاء كون مطلق الطلب أقرب المجازات لا الايجاب في موضع النظر. # فان قيل: وجوب الحذر عند الانذار لا يصلح بمجرده دليلا على المدعى، لكونه ~~أخص منه، فإن الانذار (3) هو التخويف، وظاهر أن الخبر أعم منه. # قلت: الانذار هو الابلاغ، ذكره الجوهري قال: ولا يكون إلا في التخويف ~~(4). # وقريب من ذلك في الجمهرة (5 - 6) والقاموس (7). والعرف يوافقه أيضا. ولا ~~ريب أن عمدة الأحكام الشرعية الوجوب والتحريم، وما يرجع بنوع من الاعتبار ~~إليهما. # وهما ينفكان عن التخويف، فان الواجب يستحق العقاب تاركه، والحرام يستوجب ~~المؤاخذة فاعله. وإذا نهضت الآية بالدلالة على قبول خبر الواحد فيهما، ~~فالخطب فيما سواهما سهل. إذ القول بالفصل معلوم الانتفاء. مع أنه يمكن ~~ادعاء الدلالة على القبول فيه أيضا بلحن الخطاب. # فان قيل: ذكر التفقه في الآية يدل (8) على أن المراد بالانذار: الفتوى، ~~وقبول الواحد فيها موضع وفاق. # قلت: هذا موقوف على ثبوت عرفية المعنى المعروف بين الفقهاء والأصوليين ~~للتفقه في زمن الرسول، صلى الله عليه وآله، على الوجه المعتبر، ليحمل ~~الخطاب عليه. وأنى لكم بإثباته. ومعناه اللغوي مطلق التفهم، فيجب # PageV00P190 # الحمل عليه، لأصالة بقائه حتى يعلم النقل عنه. ولم يثبت حصوله في ذلك ~~العصر. # الثاني: قوله تعالى: " إن جاءكم فاسق بنبأ، فتبينوا " (1) وجه الدلالة: ~~أنه سبحانه علق وجوب (2) التثبت على مجئ الفاسق، فينتفى عند انتفائه (3)، ~~عملا بمفهوم الشرط. وإذا لم يجب التثبت عند مجئ غير الفاسق، فاما أن يجب ~~القبول وهو المطلوب، أو الرد وهو باطل، لأنه يقتضي كونه أسوء حالا من ~~الفاسق. # وفساده بين. وما يقال: من أن دلالة المفهوم ضعيفة، مدفوع: بأن الاحتجاج ~~به مبني على القول بحجيته (4) فيكون حينئذ جملة الظواهر التي يجب التمسك ~~بها. # الثالث: إطباق قدماء الأصحاب الذين عاصروا الأئمة عليهم السلام و أخذوا ~~عنهم أو قاربوا (5) عصرهم على رواية أخبار الآحاد وتدوينها والاعتناء بحال ms124 ~~الرواة، والتفحص عن المقبول والمردود، والبحث عن الثقة والضعيف، واشتهار ~~ذلك بينهم في كل عصر من تلك الاعصار وفي زمن إمام بعد إمام. ولم ينقل عن ~~أحد منهم إنكار لذلك أو مصير إلى خلافه، ولا روى عن الأئمة عليهم السلام ~~(6) حديث يضاده، مع كثرة الروايات عنهم في فنون الاحكام. # قال العلامة في النهاية (7): " أما الامامية، فالأخباريون منهم (8) لم ~~يعولوا في أصول الدين وفروعه، إلا على أخبار الآحاد المروية عن الأئمة ~~عليهم السلام، والأصوليون منهم كأبي جعفر الطوسي - رحمه الله (9) - وغيره ~~وافقوا على قبول خبر الواحد. ولم ينكره أحد (10)، سوى المرتضى وأتباعه، ~~لشبهة حصلت لهم ". # PageV00P191 # وقد حكى المحقق (1) - رحمه الله - عن الشيخ سلوك هذا الطريق (2) في ~~الاحتجاج للعمل بأخبارنا المروية عن الأئمة (3) عليهم السلام، مقتصرا عليه، ~~فادعى الاجماع على ذلك وذكر أن قديم الأصحاب وحديثهم، إذا طولبوا بصحة ما ~~أفتى به المفتى منهم، عولوا (4) على المنقول في أصولهم المعتمدة وكتبهم ~~المدونة فيسلم له خصمه (5) منهم الدعوى في ذلك. وهذه سجيتهم من زمن النبي ~~صلى الله عليه وآله إلى زمن الأئمة (6) عليهم السلام. فلولا أن العمل بهذه ~~الاخبار جائز لأنكروه الصحابة (7) وتبرء وامن العمل (8) به. # وموافقونا من أهل الخلاف احتجوا بمثل هذه الطريقة أيضا، فقالوا: إن ~~الصحابة والتابعين أجمعوا على ذلك، بدليل ما نقل عنهم من الاستدلال بخبر ~~الواحد وعملهم به في الوقايع المختلفة التي لا تكاد تحصى. وقد تكرر ذلك مرة ~~(9) بعد أخرى وشاع وذاع بينهم، ولم ينكر عليهم أحد، وإلا لنقل. وذلك يوجب ~~العلم العادي باتفاقهم كالقول الصريح. (10) الرابع: أن باب العلم القطعي ~~بالأحكام الشرعية التي لم تعلم (11) بالضرورة من الدين أو من مذهب أهل ~~البيت عليهم السلام في نحو زماننا هذا (12) منسد قطعا، إذ الموجود من ~~أدلتها لا يفيد (13) غير الظن، لفقد السنة المتواترة، وانقطاع طريق الاطلاع ~~على الاجماع من غير جهة النقل بخبر الواحد، ووضوح كون أصالة البراءة لا ~~يفيد غير الظن، وكون الكتاب ظني الدلالة. وإذا تحقق انسداد باب العلم في ~~حكم شرعي كان التكليف فيه بالظن ms125 قطعا. والعقل قاض بان الظن إذا كان له # PageV00P192 # جهات متعددة يتفاوت (1) بالقوة والضعف. فالعدل عن القوي منها إلى الضعيف ~~قبيح. ولا ريب أن كثيرا من أخبار الآحاد (2) يحصل بها من الظن (3) ما لا ~~يحصل بشئ من سائر الأدلة، فيجب تقديم العمل بها. # لا يقال: لو تم هذا لوجب - فيما إذا حصل للحاكم من شهادة العدل الواحد أو ~~دعواه، ظن (4) أقوى من الحاصل (5) بشهادة العدلين - أن يحكم بالواحد أو ~~بالدعوى. وهو خلاف الاجماع. # لأنا نقول: ليس الحكم في الشهادة (6) منوطا بالظن بل بشهادة العدلين، ~~فينتفى بانتفائها، ومثلها الفتوى والاقرار. فهي كما أشار إليه المرتضى (7) ~~- رضي الله عنه - (8) في معنى الأسباب أو الشروط الشرعية، كزوال الشمس ~~وطلوع الفجر بالنسبة إلى الأحكام المتعلقة (9) بهما، بخلاف محل النزاع، فان ~~المفروض فيه كون التكليف منوطا بالظن. # لا يقال: الحكم المستفاد من ظاهر الكتاب معلوم، لا مظنون. وذلك بواسطة ~~ضميمة مقدمة خارجية، وهي قبح خطاب الحكيم بما له ظاهر، وهو يريد خلافه، من ~~غير دلالة تصرفه (10) عن ذلك الظاهر. سلمنا، ولكن ذلك (11) ظن مخصوص، فهو ~~من قبيل الشهادة، لا يعدل عنه إلى غيره إلا بدليل. # لأنا نقول: أحكام الكتاب كلها من قبيل خطاب المشافهة، وقد مر أنه مخصوص ~~بالموجودين في زمن الخطاب، وأن ثبوت حكمه في حق من تأخر إنما هو بالاجماع ~~وقضاء الضرورة باشتراك التكليف بين الكل. وحينئذ فمن الجائز أن # PageV00P193 # يكون اقترن ببعض تلك الظواهر ما يدلهم على إرادة خلافها. وقد وقع ذلك في ~~مواضع علمناها بالاجماع ونحوه، فيحتمل الاعتماد في تعريفنا بسائرها على ~~الامارات المفيدة للظن القوي، وخبر الواحد من جملتها. ومع قيام هذا ~~الاحتمال ينتفي القطع بالحكم، ويستوي حينئذ الظن المستفاد من ظاهر الكتاب ~~والحاصل من غيره، بالنظر إلى إناطة التكليف به. لابتناء الفرق بينهما على ~~كون الخطاب متوجها إلينا، وقد تبين خلافه، ولظهور اختصاص الاجماع والضرورة ~~الدالين على المشاركة في التكاليف المستفادة من ظاهر الكتاب بغير صورة وجود ~~الخبر الجامع للشرائط الآتية، المفيد للظن الراجح بأن التكليف بخلاف ذلك ~~الظن الظاهر ms126 (1). ومثله يقال: في أصالة البراءة لمن التفت إليها. بنحو ما ~~ذكر أخيرا في ظاهر الكتاب. # حجة القول الآخر: عموم قوله تعالى: " ولا تقف ما ليس لك به علم " (2) ~~فإنه نهى عن اتباع الظن. وقوله تعالى: " إن يتبعون إلا الظن "، (3 - 4) و " ~~إن الظن لا يغني من الحق شيئا " (5)، ونحو ذلك من الآيات الدالة على ذم ~~اتباع الظن. والنهي والذم دليل الحرمة، وهي تنافي الوجوب، ولا شك أن خبر ~~الواحد لا يفيد إلا الظن. # وما ذكره السيد المرتضى (6) في جواب المسائل التبانيات: من أن أصحابنا لا ~~يعملون بخبر الواحد، وأن ادعاء خلاف ذلك عليهم دفع للضرورة. قال: لأنا نعلم ~~علما ضروريا لا يدخل في مثله ريب ولا شك أن علماء الشيعة الإمامية يذهبون ~~إلى أن أخبار الآحاد لا يجوز العمل بها في الشريعة ولا التعويل علها و أنها ~~ليست بحجة ولا دلالة. وقد ملأوا الطوامير وسطروا الأساطير في الاحتجاج (7) ~~على ذلك والنقض على مخالفيهم فيه. ومنهم من يزيد على هذه الجملة ويذهب إلى # PageV00P194 # أنه مستحيل من طريق العقول: أن يتعبد الله تعالى بالعمل بأخبار الآحاد ~~(1). و يجري ظهور مذهبهم في أخبار الآحاد مجرى ظهوره في إبطال القياس في ~~الشريعة و حظره. # وقال في المسألة التي أفردها في البحث عن العمل بخبر الواحد: إنه بين في ~~جواب المسائل التبانيات: أن العلم الضروري حاصل لكل مخالف للامامية أو ~~موافق بأنهم لا يعملون في الشريعة بخبر لا يوجب العلم، وأن ذلك قد صار ~~شعارا لهم يعرفون به، كما أن نفي القياس في الشريعة من شعارهم الذي يعلمه ~~منهم كل مخالط لهم. # وتكلم (2) في الذريعة على التعلق بعمل الصحابة والتابعين، بأن الامامية ~~تدفع ذلك وتقول: إنما عمل بأخبار الآحاد من الصحابة، المتأمرون الذين يحتشم ~~التصريح بخلافهم والخروج عن جملتهم. فامساك النكير عليهم لا يدل على الرضاء ~~بما فعلوه. لان الشرط في دلالة الامساك على الرضاء: أن لا يكون له وجه سوى ~~الرضاء من تقية وخوف وما أشبه (3) ذلك. # والجواب عن الاحتجاج بالآيات: أن العام يخص ms127 والمطلق يقيد بالدليل وقد وجد ~~كما عرفت. على أن آيات الذم ظاهرة بحسب السوق في الاختصاص باتباع الظن في ~~أصول الدين. لان الذم فيها للكفار على ما كانوا يعتقدونه. وآية النهي ~~محتملة لذلك أيضا، ولغيره مما ينافي عمومها أو صلاحيتها للتمسك بها في موضع ~~النزاع. لا سيما بعد ملاحظة ما تقرر في خطاب المشافهة ووجه ثبوت حكمه (4) ~~علينا مع ما علم في الوجه الرابع من الحجة لما صرنا إليه. وأي إجماع أو ~~ضرورة تقتضي (5) بمشاركتنا (6) لهم في التكليف بتحصيل العلم فيما لا ريب في ~~انسداد باب العلم به عنا دونهم؟ وهذا واضح لمن تدبر. # PageV00P195 # وأما ما ذكره المرتضى، فجوابه: # أولا: أن العلم الضروري بأن الامامية تنكر العمل بخبر الواحد مطلقا غير ~~حاصل لنا الآن قطعا، واعتمادنا في الحكم بذلك على نقله له نقض لغرضه، إذ لم ~~يصل إلينا معه ما يخرجه عن كونه خبر واحد. # وثانيا: أن التكليف بالمحال ليس بجائز عندنا، ومعلوم أن تحصيل العلم ~~القطعي بالحكم الشرعي في محل (1) الحاجة إلى العمل بخبر الواحد الآن مستحيل ~~عادة. وإمكانه في عصره وما قبله من أزمنة ظهور الأئمة، عليهم السلام، لا ~~يجدي بالنسبة إلى زمان عدم الامكان. ولعل الوجه في معلومية مخالفة الامامية ~~لغيرهم في هذا الأصل تمكنهم في تلك الأوقات من تحصيل العلم بالرجوع إلى ~~أئمتهم المعصومين، عليهم السلام فلم يحتاجوا (2) إلى اتباع الظن الحاصل من ~~خبر الواحد كما صنع مخالفوهم ولم يؤثروه على العلم. # وقد أورد السيد على نفسه، في بعض كلامه، سؤالا، هذا لفظه: فان قيل: # إذا سددتم طريق العمل بالاخبار، فعلى أي شئ تعولون في الفقه كله؟ وأجاب ~~بما حاصله: ان معظم الفقه يعلم (3) بالضرورة من (4) مذاهب أئمتنا، عليهم ~~السلام، فيه بالاخبار المتواترة. وما لم يتحقق ذلك فيه ولعله الأقل يعول ~~فيه على إجماع الإمامية. # وذكر كلاما طويلا في بيان حكم ما يقع فيه الاختلاف بينهم. ومحصوله: # أنه، إذا أمكن تحصيل القطع بأحد الأقوال من طرق ذكرها (5) تعين العمل ~~عليه و إلا كنا (6) مخيرين بين الأقوال ms128 المختلفة لفقد دليل التعيين. ولا ~~ريب أن ما ادعاه من علم معظم الفقه بالضرورة وباجماع الامامية، أمر ممتنع ~~في هذا الزمان وأشباهه (7). # فالتكليف فيها (8) بتحصيل العلم غير جائز، والاكتفاء بالظن فيما يتعذر ~~فيه العلم # PageV00P196 # مما لا شك (1) فيه ولا نزاع وقد ذكره في غير موضع من كلامه أيضا. فيستوى ~~(2) حينئذ الاخبار وغيرها من الأدلة المفيدة للظن. في الصلاحية لاثبات ~~الأحكام الشرعية في الجملة كما حققناه، وأما مع إمكان تحصيل العلم، فيتوقف ~~العمل بما لا يفيده على قيام الدليل القطعي عليه. ولا حاجة بنا الآن إلى ~~تحمل مشقة البحث عن قيامه حينئذ على العمل بخبر الواحد وعدمه مع أن السيد ~~قد اعترف في جواب المسائل التبانيات بأن أكثر أخبارنا المروية في كتبنا ~~معلومة، مقطوع (3) على صحتها، اما بالتواتر، أو بأمارة وعلامة دلت على ~~صحتها وصدق رواتها. فهي موجبة للعلم، مقتضية للقطع، وإن وجدناها مودعة في ~~الكتب بسند مخصوص من طريق الآحاد. # وبقي الكلام في التدافع الواقع بين ما عزاه إلى الأصحاب وبين ما حكيناه ~~عن العلامة في النهاية فإنه عجيب. # ويمكن أن يقال: إن اعتماد المرتضى، فيما ذكره، على ما عهده من كلام أوائل ~~المتكلمين منهم. والعمل بخبر الواحد بعيد عن طريقتهم. وقد مرت حكاية المحقق ~~عن ابن قبة وهو من جملتهم: القول بمنع التعبد به عقلا. وتعويل العلامة على ~~ما ظهر له من حال الشيخ وأمثاله من علمائنا المعتنين (4) بالفقه والحديث ~~حيث أوردوا الاخبار في كتبهم، واستراحوا إليها في المسائل الفقهية ولم يظهر ~~منهم ما يدل على موافقة المرتضى. # والانصاف: أنه لم يتضح من (5) حالهم المخالفة له (6) أيضا. إذ كانت أخبار ~~الأصحاب يومئذ قريبة العهد بزمان لقاء المعصومين، ع، واستفادة الاحكام منهم # PageV00P197 # وكانت القرائن العاضدة لها متيسرة (1)، كما أشار إليه السيد. ولم يعلم ~~أنهم اعتمدوا (2) على الخبر المجرد ليظهر مخالفتهم لرأيه فيه. # وقد تفطن المحقق (3) من كلام الشيخ لما قلناه بعد أن ذكر عنه في حكاية ~~الخلاف هنا: أنه عمل بخبر الواحد إذا كان عدلا من الطائفة المحقة، وأورد ~~احتجاج ms129 القوم من الجانبين، فقال: (4) وذهب (5) شيخنا أبو جعفر - رحمه الله ~~- إلى العمل بخبر العدل من رواة أصحابنا. لكن لفظه وإن كان مطلقا فعند ~~التحقيق يتبين (6) أنه لا يعمل بالخبر مطلقا بل بهذه الاخبار التي رويت عن ~~الأئمة عليهم السلام ودونها الأصحاب. لا أن كل خبر يرويه إمامي يجب العمل ~~به. # هذا الذي تبين لي في كلامه ويدعي: إجماع الأصحاب على العمل بهذه الاخبار ~~حتى لو رواها (7) غير الامامي وكان الخبر سليما عن المعارض (8) واشتهر نقله ~~في هذه الكتب الدائرة بين الأصحاب، عمل به. # ثم أخذ في نقل احتجاج الشيخ بما حكيناه سابقا: من أن قديم الأصحاب ~~وحديثهم، إلى آخر ما ذكر هناك. وزاد في تقريبه مالا حاجة لنا إلى ذكره. # وما فهمه المحقق (9) من كلام الشيخ، (10) هو الذي ينبغي أن يعتمد عليه، ~~لا ما نسبه العلامة إليه. # وأما اهتمام القدماء بالبحث عن أحوال الرجال: فمن الجائز أن يكون طلبا ~~لتكثير القرائن، وتسهيلا لسبيل العلم بصدق الخبر، لا لما مر (11) في الوجه ~~الثالث من حجة (12) القول الأول، وكذا اعتناؤهم (13) بالرواية، فإنه محتمل ~~لان يكون رجاء للتواتر # PageV00P198 # وحرصا عليه. وعلى هذا تحمل (1) روايتهم لاخبار أصول الدين، فان التعويل ~~على الآحاد فيها غير معقول. وقد طعن بذلك المرتضى على نقلها (2) حيث ظن ~~منهم الاعتماد عليها. ولا وجه له بعد ملاحظة ما ذكرناه، وإن اقتضى ضعف ~~الوجه المذكور من الحجة لما صرنا إليه. فان في بقية الوجوه لا سيما (3) ~~الأخير كفاية إن شاء الله تعالى. # أصل وللعمل بخبر الواحد شرائط، كلها يتعلق بالراوي. # الأول: التكليف: فلا يقبل رواية المجنون والصبي وإن كان مميزا. والحكم في ~~المجنون وغير المميز ظاهر. ونقل الاجماع عليه من الكل. وأما المميز فلا ~~يعرف فيه من الأصحاب مخالف وجمهور أهل الخلاف على ذلك أيضا. ويعزى إلى بعض ~~منهم القبول قياسا على جواز الاقتداء به. وهو بمكان من الضعف، لمنع الحكم ~~في المقيس عليه أولا، سلمنا، لكن الفارق موجود كما يعلم من قاعدتهم في ~~القدوة. ولمنع أصل القياس ثانيا. # والتحقيق: أن ms130 عدم قبول رواية الفاسق يقتضي عدم قبوله بطريق أولى، لان ~~للفاسق - باعتبار التكليف - خشية من الله ربما منعته عن الكذب. والصبي ~~باعتبار علمه بانتفاء التكليف عنه فلا يحرم عليه الكذب، ولا يستحق به ~~العقاب لا مانع له من الاقدام عليه. هذا إذا سمع وروى قبل البلوغ. أما ~~الرواية بعد البلوغ، لما سمعه قبله فمقبولة حيث يجتمع غيره من الشرائط. ~~لوجود المقتضي حينئذ، وهو إخبار العدل الضابط وعدم صلاحية (4) ما يقدر ~~مانعا للمانعية. # الثاني: الاسلام: ولا ريب عندنا في اشتراطه. لقوله تعالى: " ان جاءكم # PageV00P199 # فاسق بنبأ (1)... " (2)، وهو شامل للكافر وغيره. ولئن قيل: باختصاصه في ~~العرف المتأخر بالمسلم، لدل بمفهوم الموافقة على عدم قبول خبر الكافر، كما ~~هو ظاهر. # الثالث: الايمان: واشتراطه هو المشهور بين الأصحاب. وحجتهم قوله تعالى: # " ان جائكم فاسق ". # وحكى المحقق (3) عن الشيخ: أنه أجاز العمل بخبر الفطحية، ومن ضارعهم، ~~بشرط أن لا يكون متهما بالكذب. محتجا بأن الطائفة عملت بخبر عبد الله بن ~~بكير، وسماعة وعلي بن (4) أبى حمزة، وعثمان بن عيسى، وبما رواه بنو فضال، ~~والطاطريون. # وأجاب المحقق (5) رحمه الله: بأنا لم نعلم إلى الآن بأن الطائفة عملت ~~بأخبار هؤلاء. والعلامة مع تصريحه بالاشتراط في التهذيب (6)، أكثر في ~~الخلاصة من ترجيح قبول روايات فاسدي المذاهب (7). وحكى والدي - رحمه الله - ~~في فوائده على الخلاصة، عن فخر المحققين، أنه قال: سألت والدي: عن أبان بن ~~(8) عثمان، فقال: الأقرب عندي عدم قبول روايته، لقوله تعالى: " ان جاءكم ~~فاسق بنبأ " (9)، الآية، ولا فسق أعظم من عدم الايمان. وأشار بذلك إلى ما ~~رواه الكشي (10)، من (11) أن أبانا كان من الناووسية، هذا. والاعتماد عندي ~~على المشهور. # الشرط الرابع: العدالة. وهي ملكة في النفس تمنعها عن فعل الكبائر ~~والاصرار على الصغائر، ومنافيات (12) المروة. واعتبار هذا الشرط هو المشهور ~~بين الأصحاب أيضا، وظاهر جماعة من متأخريهم الميل إلى العمل بخبر مجهول ~~الحال، كما ذهب إليه بعض العامة. # PageV00P200 # ونقل المحقق (1) عن الشيخ أنه قال: يكفي كون الراوي ثقة متحرزا عن الكذب ~~في الرواية وإن كان فاسقا ms131 بجوارحه وادعى عمل الطائفة على أخبار جماعة هذه ~~صفتهم. # ثم قال المحقق (2): ونحن نمنع هذه الدعوى ونطالب بدليلها. ولو سلمناها ~~لاقتصرنا على المواضع التي عملت (3) فيها بأخبار خاصة ولم يجز (4) التعدي ~~في العمل إلى غيرها. ودعوى: التحرز من الكذب مع ظهور الفسق مستبعد. وهذا ~~الكلام جيد. # والقول باشتراط العدالة عندي هو الأقرب. لنا: أنه لا واسطة بحسب الواقع ~~بين وصفي العدالة والفسق في موضع الحاجة من اعتبار هذا الشرط، لان الملكة ~~المذكورة إن كانت حاصلة فهو العدل، وإلا فهو الفسق (5). وتوسط مجهول الحال ~~إنما هو بين من علم فسقه أو عدالته، ولا ريب أن تقدم العلم بالوصف لا يدخل ~~في حقيقته، ووجوب التثبت في الآية متعلق بنفس الوصف لا بما تقدم العلم به ~~منه، ومقتضى (6) ذلك إرادة البحث والتفحص (7) عن حصوله وعدمه. الا ترى: أن ~~قول القائل: " أعط كل بالغ رشيد من هذه الجماعة - مثلا - درهما "، يقتضي ~~إرادة السؤال والفحص عمن جمع هذين الوصفين، لا الاقتصار على من سبق العلم ~~باجتماعهما فيه. # ويؤيد كون المراد من الآية هذا المعنى: أن قوله: " أن تصيبوا قوما ~~بجهالة، فتصبحوا على ما فعلتم نادمين) (8)، تعليل للامر بالتثبث، اي كراهة ~~أن تصيبوا (9). # ومن البين: أن الوقوع في الندم لظهور (10) عدم صدق المخبر يحصل من قبول ~~أخبار من # PageV00P201 # له صفة الفسق في الواقع حيث لا حجر معها عن الكذب، ولا مدخلية (1) لسبق ~~العلم بحصولها في ذلك. # إذا عرفت هذا: ظهر لك. أنه يصير مقتضى الآية حينئذ وجوب التثبت عند خبر ~~من له هذه الصفة في الواقع ونفس الامر، فيتوقف القبول على العلم بانتفائها. ~~وهو يقتضي بملاحظة نفي الواسطة اشتراط العدالة. وبهذا التحقيق يظهر بطلان ~~القول بقبول رواية المجهول، لأنه مبني على توسط الجهالة بين الفسق والعدالة ~~وقد تبين (2) فساده. # وأما قول الشيخ، فلا تعلق له بحديث الواسطة. وإنما نظره فيه إلى قضية ~~العمل الذي ادعاه. ولو نهض دليلا لخصصنا به عموم ظاهر الآية. # لكنه مردود بما أشار إليه المحقق، وحاصله: منع أصل العمل أولا، بمعنى نفي ms132 ~~العلم بحصوله، فيحتاج مدعيه إلى إثباته، وبتقدير التنزل للموافقة على ~~الحصول يرد الاحتجاج ثانيا بأن عملهم (3). إنما يدل على قبول تلك الأخبار ~~المخصوصة لا مطلقا، ومن الجائز أن يكون العمل منوطا بانضمام القرائن إليها ~~لا بمجرد الاخبار. # وبقي في المقام إشكال، أشرنا إليه بتقييد نفي الواسطة في صدر الحجة بموضع ~~الحاجة. وتقريره: أن انتفاء الواسطة، للتقريب الذي ذكر إنما يتم فيمن بعد ~~عهده من أول (4) زمان التكليف، كما هو الغالب والواقع في رواة (5) الاخبار ~~التي هي محل الحاجة إلى هذا البحث، فان العادة قاضية بعدم انفكاك من هو ~~كذلك عن أحد الوصفين وأما حديث العهد بالتكليف فيمكن في حقه تحقق الواسطة ~~بأن لا يقع منه معصية توجب الفسق. ولا يكون (6) له ملكة تصدق (7) بها ~~العدالة، فان ذلك # PageV00P202 # غير ممتنع. وحينئذ تثبت (1) الواسطة، فلا تقوم الحجة (2) باشتراط العدالة ~~مطلقا. # وحله: أن الواسطة المذكورة وإن كانت ممكنة بالنظر إلى نفس الامر ولكن ~~العلم بوجودها متعذر، لان المعاصي غير منحصرة في الافعال الظاهرة، ولا ريب ~~أن العلم بانتفاء الباطنة ممتنع عادة بدون الملكة. سلمنا، لكن التعليل ~~الواقع في الآية لوجوب التثبت عند خبر الفاسق يقتضي ثبوت الحكم عند خبر من ~~لا ملكة له، لمشاركته الفاسق في عدم الحجر عن الكذب، فيقوم في قبول خبره ~~احتمال الوقوع في الندم، لظهور (3) عدم صدق الخبر على حد قيامه في خبر ~~الفاسق، و سيأتي: أن العلة المنصوصة يتعدى (4) بها الحكم إلى كل محل توجد ~~(5) فيه. # الشرط (6) الخامس: الضبط. ولا خلاف في اشتراطه، فان من لا ضبط له قد يسهو ~~عن بعض الحديث ويكون مما (7) يتم به (8) فائدته ويختلف الحكم بعدمه، أو ~~يسهو فيزيد في (9) الحديث ما يضطرب به معناه، أو يبدل لفظا بآخر، أو يروي ~~عن المعصوم ويسهو عن الواسطة مع وجودها. إلى غير ذلك من أسباب الاختلال، ~~فيجب أن يكون بحيث لا يقع منه كذب على سبيل الخطأ غالبا، فلو عرض له السهو ~~نادرا لم يقدح. إذ لا يكاد يسلم منه أحد. # قال المحقق (10) - رحمه الله ms133 -: لو كان زوال السهو، أصلا، شرطا في ~~القبول، لما صح العمل إلا عن معصوم من السهو. وهو باطل إجماعا من (11) ~~العاملين بالخبر. # أصل تعرف عدالة الراوي بالاختبار بالصحبة المؤكدة (12) والملازمة بحيث ~~يظهر # PageV00P203 # أحواله ويحصل الاطلاع على سريرته، حيث يكون ذلك ممكنا، وهو واضح ومع ~~عدمه، باشتهارها بين العلماء وأهل الحديث، وبشهادة (1) القرائن المتكثرة ~~المتعاضدة، وبالتزكية من العالم بها وهل يكفي فيها الواحد، أو لابد (2) من ~~التعدد؟ # قولان، اختار أولهما العلامة في التهذيب (3)، وعزاه في النهاية إلى ~~الأكثر، من غير تصريح (5) بالترجيح. وقال المحقق (6): " لا يقبل فيها إلا ~~ما يقبل في تزكية الشاهد، و هو شهادة عدلين ". # وهذا عندي هو الحق. لنا: أنها شهادة (7)، ومن شأنها اعتبار العدد فيها، ~~كما هو ظاهر. وأن مقتضى اشتراط العدالة اعتبار حصول العلم بها. والبينة ~~تقوم (8) مقامه شرعا، فتغني (9) عنه. وما سوى ذلك يتوقف الاكتفاء به على ~~الدليل. # احتجوا: بأن التعديل شرط للرواية، (10) فلا يزيد على مشروطه. وقد اكتفي ~~في أصل الرواية بالواحد. وانتصر لهم بعض أفاضل المتأخرين، فاحتج بعموم ~~المفهوم في آية " ان جائكم فاسق " (11)، نظرا إلى أن تزكية الواحد داخلة ~~فيه فحيث يكون المزكى عدلا لا يجب التثبت عند خبره. واللازم من ذلك ~~الاكتفاء به. # والجواب عن الأول: المطالبة بالدليل على نفي الزيادة (12) على المشروط. ~~فلا نراه إلا مجرد دعوى (13). سلمنا، ولكن الشرط في قبول الرواية هو ~~العدالة لا التعديل. نعم هو أحد الطرق إلى المعرفة بالشرط. # سلمنا، ولكن زيادة الشرط بهذا المعنى على مشروطه بهذه الزيادة المخصوصة ~~أظهر في الأحكام الشرعية - عند من يعمل بخبر الواحد - من أن تبين (14)، إذ ~~أكثر # PageV00P204 # شروطها يفتقر المعرفة بحصولها على بعض الوجوه إلى شهادة الشاهدين ~~والمشروط يكفي فيه الواحد. # والعجب من (1) توجيه بعض فضلاء المعاصرين لهذا الوجه من الحجة: بأنه ليس ~~في الأحكام الشرعية شرط يزيد على مشروطه!! # هذا. والذي يقتضيه الاعتبار أن التمسك في هذا الحكم بنفي زيادة الشرط، ~~يناسب طريقة أهل القياس. فكأنه وقع في كلامهم وتبعهم عليه من غير تأمل من ~~ينكر العمل ms134 بالقياس. # ومما ينبه على ذلك: ما وجدته في كلام بعض العامة، حكاية عن بعض آخر منهم: ~~أن الاكتفاء (2) بالواحد في تزكية الراوي، هو مقتضي القياس. # وعن الثاني: أن مبنى اشتراط العدالة في الراوي على أن المراد من الفاسق ~~في الآية: من له هذه الصفة في الواقع، فيتوقف قبول الخبر على العلم ~~بانتفائها. وهو موقوف على العدالة، كما بيناه آنفا. وإنما صرنا إلى قبول ~~الشاهدين لقيامهما مقام العلم شرعا. وفرض العموم في الآية، على وجه يتناول ~~الاخبار بالعدالة، يؤدي إلى حصول التناقض في مدلولها، وذلك لان الاكتفاء في ~~معرفة العدالة بخبر الواحد يقتضي عدم توقف قبول الخبر على العلم بانتفاء ~~صفة الفسق ضرورة أن خبر العدل بمجرده لا يوجب العلم. وقد قلنا: إن مقتضاها ~~توقف القبول على العلم بالانتفاء، وهذا تناقض ظاهر، فلابد من حملها على ~~إرادة الاخبار بما سوى العدالة. # لا يقال: ما ذكرتموه وارد على قبول شهادة العدلين (3)، إذ لا علم معه. # لأنا نقول: اللازم من قبول شهادة العدلين تخصيص الآية بدليل خارجي. # ولا محذور فيه (4)، كيف: وتخصيصها لازم، وإن وافقنا على تناولها للاخبار # PageV00P205 # بالعدالة، من حيث إن تزكية الشاهد لا يكتفى فيها بالواحد. وهذا من أكبر ~~(1) الشواهد على أن النظر في الوجه الأول إنما هو إلى القياس، كما نبهنا ~~عليه. # إذا عرفت هذا، فاعلم: أن طريق (2) معرفة الجرح كالتعديل. والخلاف في ~~الاكتفاء بالواحد، واشتراط (3) التعدد جار فيه. والمختار في المقامين واحد. # أصل اختلف الناس في قبول الجرح والتعديل مجردين عن ذكر السبب. فقال قوم: # بالقبول فيهما، وصار آخرون إلى خلافه فأوجبوا ذكر السبب فيهما، وفصل ~~ثالث، فأوجبه في الجرح، دون التعديل. ورابع فعكس. واستندوا في هذه الأقوال ~~إلى اعتبارات واهية ووجوه ركيكة، لا جدوى في التعرض لذكرها (4). ولا أعلم ~~في الأصحاب قائلا بشئ منها، إذ المتعرض منهم للبحث في هذا الأصل قليل، على ~~ما وصل إلينا. # والذي استوجهه العلامة (5) - رحمه الله - هنا: هو (6) أن المزكي والجارح ~~إن كانا عارفين بالأسباب قبل الاطلاق فيهما وإلا وجب ذكر السبب فيهما. ms135 # وذهب والدي - رحمه الله (7) - إلى الاكتفاء بالاطلاق فيهما حيث يعلم عدم ~~المخالفة فيما به يتحقق (8) العدالة والجرح، ومع انتقاء ذلك يكون القبول ~~موقوفا على ذكر السبب. وهذا هو الأقوى، ووجهه ظاهر لا يحتاج إلى البيان، ~~ومنه يعلم ضعف ما استوجهه العلامة - رحمه الله - (9). # أصل إذا تعارض الجرح والتعديل قال أكثر الناس: يقدم الجرح، لان فيه جمعا # PageV00P206 # بينهما، إذ غاية قول المعدل: أنه لم يعلم فسقا، والجارح يقول: أنا علمته، ~~فلو حكمنا بعدالته كان الجارح كاذبا، وإذا حكمنا (1) بفسقه، كانا صادقين. ~~والجمع أولى، ما أمكن. وهذه الحجة مدخولة. ومن ثم قال السيد العلامة جمال ~~الدين بن (2) طاووس (3) - قدس روحه - (4): إنه (5)، إن كان (6) مع أحدهما ~~رجحان يحكم التدبر الصحيح باعتباره، فالعمل على الراجح (7)، وإلا وجب ~~التوقف. وما قاله هو الوجه. # فائدة (8) إذا قال العدل: " حدثني عدل " لم يكف في العمل بروايته على ~~تقدير الاكتفاء بتزكية الواحد، وكذا لو قال العدلان ذلك، بناء على ~~اعتبارهما. # وهو اختيار والدي - رحمه الله - (9). # وذهب المحقق إلى الاكتفاء به بل بما دونه، حيث قال (10): " إذا قال: # " أخبرني بعض أصحابنا " - وعنى الامامية - (11) يقبل وإن لم يصفه ~~بالعدالة إذا لم يصفه بالفسق (12). لان إخباره بمذهبه شهادة بأنه من أهل ~~الأمانة، ولم يعلم منه الفسق (13) المانع. من القبول. فان قال: " عن بعض ~~أصحابه "، لم يقبل لامكان أن يعني نسبته إلى الرواة وأهل (14) العلم، فيكون ~~البحث فيه كالمجهول ". # هذا كلامه وهو عجيب (15) منه، بعد اشتراطه العدالة في الراوي (16)، لان ~~الأصحاب لا ينحصرون في العدول. # PageV00P207 # سلمنا، لكن التعديل إنما يقبل مع انتفاء معارضة الجرح له. وإنما يعلم ~~الحال مع تعيين المعدل (1) وتسميته، لينظر (2) هل له جارح أو لا. ومع ~~الابهام لا يؤمن وجوده. والتمسك في نفيه بالأصل غير متوجه بعد العلم بوقوع ~~الاختلاف (3) في شأن كثير من الرواة. # وبالجملة: فلابد (4) للمجتهد من البحث عن كل ما يحتمل أن يكون له معارض ~~حتى يغلب على ظنه انتفاؤه، كما سبق التنبيه عليه في العمل بالعام قبل البحث ~~عن المخصص. # إذا عرفت هذا، فاعلم: أن ms136 وصف جماعة من الأصحاب كثيرا من الروايات بالصحة ~~من هذا القبيل، لأنه في الحقيقة شهادة بتعديل رواتها وهو بمجرده غير كاف في ~~جواز العمل بالحديث، بل لابد من مراجعة السند، والنظر في حال الرواة، ليؤمن ~~من معارضة الجرح. # أصل لا بد (5) للراوي من مستند يصح له من أجله رواية الحديث ويقبل منه ~~بسببه (6). # وهو في الرواية عن المعصوم نفسه ظاهر معروف. وأما في الرواية عن الراوي ~~فله وجوه. أعلاها السماع من لفظه سواء كان بقراءة في كتابه (7)، أو بإملائه ~~من حفظه. ودونه، القراءة عليه مع إقراره به وتصريحه بالاعتراف بمضمونه. ~~ودون ذلك إجازته رواية كتاب ونحوه ويحكى عن بعض الناس إنكار جواز الرواية ~~بالإجازة، ويعزى إلى الأكثرين خلافه. وهذا البحث غير منقح في كلام الأصحاب. ~~وتحقيق القول # PageV00P208 # فيه: أن لجواز الرواية بالإجازة معنيين وقع الخلاف من بعض أهل الخلاف في ~~كل منهما. # أحدهما: قبول الحديث والعمل به ونقله من المجاز له إلى غيره بلفظ يدل على ~~الواقع، " كأخبرني إجازة " ونحوه. والقول بنفيه في غاية السقوط، لان ~~الإجازة في العرف إخبار إجمالي بأمور مضبوطة معلومة مأمون عليها من الغلط ~~والتصحيف ونحوهما. وما هذا شأنه لا وجه للتوقف في قبوله. والتعبير عنه بلفظ ~~" أخبرني " وما في معناه مقيدا بقوله: " إجازة " تجوز (1) مع القرينة، فلا ~~مانع منه. # ومثله آت في القراءة على الراوي، لان الاعتراف إخبار إجمالي، ولم يلتفتوا ~~إلى الخلاف في قبوله، وإنما ذكر بعضهم: أن قبوله موضع وفاق، وإن خالف (2) ~~فيه من لا يعتد به. # ثم إن جمعا من الناس أجازوا في صورة الاعتراف أن يقول الراوي: # " أخبرني " و " حدثني " ونحوهما من غير تقييد بقوله: " قراءة عليه (3) " ~~ونحوه. # والباقون على جوازه، مقيدا بما ذكر، إلا المرتضى - رضي الله عنه -، فإنه ~~منع من استعمال هذه الألفاظ ونحوها فيه، وإن كانت مقيدة، (4) حيث قال (5): ~~" فأما قول بعضهم: - يجب أن يقول: " حدثني قراءة عليه " حتى يزول الابهام ~~ويعلم أن لفظة " حدثني " ليست على ظاهرها - فمناقضة لان قوله: " حدثني " ~~يقتضي أنه سمعه من لفظه وأدرك ms137 نطقه به، وقوله: قراءة عليه يقتضي نقيض (6) ~~ذلك، فكأنه نفى ما أثبت ". # وهذا من السيد - رحمه الله - في غاية الغرابة، فإنه سد لباب المجاز، إذ ~~ما من (7) مجاز إلا ومعه قرينة تعاند الحقيقة وتناقضها: وإذا كان معنى " ~~حدثني " ما # PageV00P209 # ذكره، فقوله بعد ذلك: " قراءة عليه " قرينة على أنه ليس المراد حقيقة ~~اللفظ، بل مجازه، وهو الاعتراف (1) بما قرأه عليه (2)، تشبيها له بالحديث، ~~لما بينهما من المناسبة في المعنى. # وقد نقل (3) العلامة رحمه الله (4) هذا الكلام عن السيد في النهاية، ~~وتنظر فيه قائلا: " إنا نمنع اقتضاء " حدثني "، حال انضمامها إلى لفظة " ~~قراءة "، أنه سمعه من لفظه وأدرك نطقه به ". وهو جيد، وتفصيله ما ذكرناه. # وإذ قد تبين ضعف ما ذهب إليه السيد، واتفاق من عداه من علمائنا على صحة ~~إطلاق المقيد على القراءة مع الاعتراف، فأي مانع من إجراء مثله في صورة ~~الإجازة، والاعتبار فيهما واحد؟. # المعنى الثاني لجواز الرواية بالإجازة، تسويغ قول الراوي بها: " حدثني " ~~و " أخبرني "، وما أشبه ذلك من الألفاظ التي يفيد (5) ظاهرها وقوع الاخبار ~~تفصيلا. # وقد عزي إلى جمع من العامة القول به. وهو بالاعراض عنه حقيق. هذا. # ويظهر من العلامة في النهاية أنه فهم من كلام السيد (6) المرتضى (7) ~~القول: بعدم جواز الرواية بالإجازة مطلقا. تفريعا على العمل بخبر الواحد، ~~حيث قال: " وأما الإجازة فلا حكم لها، لان ما للمتحمل أن يرويه، له ذلك، ~~أجازه له أو لم يجزه، وما ليس له أن يرويه، يحرم عليه مع الإجازة وفقدها ". # وعبارة السيد هذه وإن أفهم ظاهرها القول بنفي الجواز على الاطلاق، إلا أن ~~المتدبر (8) في سابقها ولاحقها يطلع على أن غرضه نفي جواز الرواية بها ~~بلفظ: # " حدثني " و " أخبرني "، ونحوه. فإنه ذكر قبل ذلك، في البحث عن القراءة # PageV00P210 # على الراوي: " أن كل من صنف أصول الفقه أجاز أن يقول من قرأ الحديث على ~~غيره ممن قرره عليه، فأقر به: " حدثني " و " أخبرني "، وأجروه (1) مجرى أن ~~يسمعه من لفظه ". # ثم قال: " والصحيح أنه إذا قرأه عليه وأقر له به، ms138 أنه يجوز (2) أن يعمل ~~(3) به، إذا كان ممن يذهب إلى العمل بخبر الواحد، ويعلم أنه حديثه، وأنه ~~سمعه، لاقراره له بذلك. ولا يجوز أن يقول: " حدثني " و " أخبرني "، لان ~~معنى " حدثني " و " أخبرني ": أنه نقل (4) حديثا وخبرا عن ذلك وهذا كذب محض ~~(5) لم يجز " (6). # وذكر بعد هذا: " أن المناولة - وهي أن يشافه المحدث غيره ويقول له في ~~كتاب أشار إليه: هذا سماعي من فلان - يجري مجرى أن يقرأه عليه (7) ويعترف ~~به (8) له في علمه بأنه حديثه " قال: فإن كان ممن يذهب إلى العمل بأخبار ~~(9) الآحاد، عمل به ولا يجوز أن يقول: " حدثني " ولا " أخبرني ". # ثم ذكر حكم الإجازة بتلك العبارة. وقال بعدها: " وأكثر ما يمكن أن يدعى: ~~أن تعارف أصحاب الحديث أثر في أن الإجازة جارية مجرى أن يقول، في كتاب ~~بعينه: هذا حديثي وسماعي، فيجوز العمل به عند من عمل بأخبار الآحاد. فأما ~~أن يروي فيقول: " أخبرني " أو " حدثني " فذلك كذب ". # وسوق هذا الكلام كله - كما ترى - يدل على أن نفي حكم الإجازة. إنما هو ~~بالنسبة إلى خصوص الرواية بلفظ " حدثني " ونحوه، لا مطلقا. وقد حكم بمثل ~~ذلك في القراءة على الراوي كما عرفت. فهما عنده في هذا الوجه سواء، وتفاوت # PageV00P211 # عبارته في التعدية عن القبول فيهما حيث (1) صرح بجواز العمل في صورة ~~القراءة، وعبر هنا (2) بما يشعر بنوع شك نظرا منه إلى أن دلالة الإجازة على ~~المعنى المراد دون دلالة القراءة والامر كذلك. وقد عرفته. فظهر: أن ما ~~يوهمه ظاهر تلك العبارة غير مراد فليعلم. # إذا عرفت هذا، فاعلم: أن أثر الإجازة بالنسبة إلى العمل إنما يظهر حيث لا ~~يكون متعلقها معلوما بالتواتر ونحوه، ككتب أخبارنا الأربعة، فإنها متواترة ~~إجمالا. والعلم بصحة مضامينها تفصيلا يستفاد من قرائن الأحوال. ولا مدخل ~~للإجازة فيه (3) غالبا. وإنما فائدتها حينئذ بقاء اتصال سلسلة الاسناد ~~بالنبي صلى الله عليه وآله، والأئمة عليهم السلام. وذلك أمر مطلوب مرغوب ~~إليه للتيمن كما لا يخفى. # على أن الوجه في الاستغناء عن الإجازة فيها (4) ربما أتى (5) في ms139 غيرها من ~~باقي وجوه الرواية. غير أن رعاية التصحيح والامن من حدوث التصحيف وشبهه من ~~أنواع الخلل. يزيد في وجه الحاجة إلى السماع ونحوه، وذلك ظاهر (6). # وبقي في هذا الباب وجوه أخر، مذكورة في كتب الفن يعلم حكمها مما ذكرناه ~~(7). فلذلك آثرنا طي ذكرها على غرة. # أصل يجوز نقل الحديث بالمعنى بشرط أن يكون الناقل عارفا بمواقع الألفاظ ~~وعدم قصور الترجمة عن الأصل في إفادة المعنى ومساواتها له في الجلاء ~~والخفاء. ولم نقف (8) على مخالف في ذلك من الأصحاب. نعم لبعض أهل الخلاف ~~فيه خلاف (9) وليس له # PageV00P212 # دليل يعتد به. # وحجتنا على الجواز وجوه: # منها: ما رواه الكليني في الصحيح عن محمد بن مسلم قال: قلت لأبي عبد ~~الله، عليه السلام (1): أسمع (2) الحديث منك، فأزيد وأنقص. قال: إن كنت ~~تريد معانيه فلا بأس. (3) ومنها: أن الله سبحانه قص القصة الواحدة بألفاظ ~~مختلفة. ومن المعلوم: أن تلك القصة وقعت إما بغير العربية، أو بعبارة ~~واحدة. منها. وذلك دليل على جواز نسبة المعنى إلى القائل وإن تغاير اللفظ. # أصل إذا أرسل العدل الحديث. بأن رواه عن المعصوم عليه السلام ولم يلقه. # سواء ترك ذكر الواسطة رأسا، أو ذكرها مبهمة لنسيان أو غيره. كقوله: " عن ~~رجل " أو " عن بعض أصحابنا " ففي قبوله خلاف بين الخاصة والعامة. # والأقوى عندي: عدم القبول مطلقا وهو مختار والدي - رحمه الله - (4). # وقال العلامة (5) - رحمه الله - في النهاية (6): الوجه المنع، إلا إذا ~~عرف أنه لا يرسل إلا مع عدالة الواسطة، كمراسيل محمد بن أبي عمير من ~~الامامية. وكلامه في التهذيب (7) خال عن هذا الاستثناء. وهو الوجه، لما ~~سنبينه. وحكى في النهاية (8): القول بالقبول عن جماعة من العامة. ثم قال: ~~وهو قول محمد بن خالد من قدماء الامامية. # وقال المحقق (9) رحمه الله إذا أرسل الراوي الرواية. قال الشيخ رحمه ~~الله: إن # PageV00P213 # كان ممن عرف أنه لا يروي إلا عن ثقة، قبلت مطلقا، وإن لم يكن كذلك قبلت ~~بشرط أن لا يكون لها معارض من المسانيد الصحيحة. # واحتج لذلك بأن الطائفة ms140 عملت بالمراسيل (1) عند سلامتها عن المعارض كما ~~عملت بالمسانيد، فمن أجاز (2) أحدهما أجاز الآخر. # هذه عبارة المحقق بلفظها. وهي تدل على توقفه في الحكم حيث اقتصر على نقله ~~عن الشيخ بحجته من غير إشعار بالقبول (3) والرد. # لنا: أن من شرط القبول: معرفة عدالة الراوي كما تقدم بيانه وهي منتفية في ~~موضع النزاع. إذ لم يوجد ما يصلح للدلالة عليها سوى رواية العدل عنه. وهو ~~غير مفيد لأنا نعلم بالعيان أن العدل يروي عن مثله وغيره، ومع فرض اقتصاره ~~على الرواية عن العدل، فهو إنما يروي عمن يعتقد عدالته. وذلك غير كاف، ~~لجواز أن يكون له جارح لا يعلمه (4)، كما ذكرناه آنفا، وبدون تعيينه لا ~~يندفع هذا الاحتمال فلا يتوجه القبول. # ومن هذا يظهر ضعف ما ذهب إليه العلامة في النهاية: من قبول نحو مراسيل ~~ابن أبي عمير مما عرف أن الراوي فيه (5) لا يرسل إلا مع عدالة الواسطة، لان ~~العلم بعدالة الواسطة (6) إن كان مستند ا إلى إخبار الراوي بأنه لا يرسل ~~إلا عن الثقة فهو عمل بشهادته على مجهول العين وقد علم حاله، وإن كان ~~مستنده الاستقراء لمراسيله (7) والاطلاع من خارج على أن المحذوف فيها لا ~~يكون إلا ثقة فهذا في معنى الاسناد، ولا نزاع فيه. # والعجب: أن العلامة رحمه الله ذكر في الاحتجاج على مختاره في النهاية ما ~~هذا نصه (8): # " عدالة الأصل مجهولة، لان عينه غير معلومة، فصفته (9) أولى بالجهالة، ~~ولم يوجد إلا # PageV00P214 # رواية الفرع عنه. وليست تعديلا، فان العدل قد يروى عمن لو سئل عنه لتوقف ~~فيه (1) أو جرحه، ولو عدله لم يصر عدلا. لجواز أن يخفى عنه حاله فلا يعرفه ~~بفسق، ولو عينه لعرفنا فسقه الذي لم يطلع عليه العدل ". # وهذا الكلام كما ترى يدل (2) على الموافقة فيما ذكرناه من عدم قبول تعديل ~~مجهول العين بمجرده. فتعين أن يكن المستند عنده في ذلك الاستقراء، وحصوله ~~في نهاية البعد، وعلى تقديره يخرج عن محل النزاع كما عرفت. # وأما كلام الشيخ - رحمه الله - فيرد على أوله ما ورد ms141 على العلامة - رحمه ~~الله - وعلى آخره أن عمل الطائفة يتوقف التمسك به عندنا على بلوغه حد ~~الاجماع ولا نعلمه. # حجة القائلين بالقبول مطلقا وجوه. منها: ان رواية العدل عن الأصل المسكوت ~~عنه تعديل له، لأنه لو روى عمن ليس بعدل ولم يبين حاله لكان ملبسا (3) غاشا ~~(4). وعدالته تنافى (5) ذلك. # ومنها: أن اسناد الحديث إلى الرسول صلى الله عليه وآله يقتضى صدقه. لان ~~اسناد الكذب ينافي العدالة. وإذا (6) ثبت صدقه تعين قبوله، وذكروا وجوها ~~أخر (7) ردية تركنا نقلها لظهور فسادها. # والجواب عن هذين الوجهين: ظاهر مما حققناه فلا نطيل بتقريره. (8). # أصل ينقسم خبر الواحد باعتبار اختلاف أحوال رواته في الاتصاف بالايمان ~~والعدالة والضبط وعدمها إلى أربعة أقسام، يختص كل قسم منها في الاصطلاح # PageV00P215 # باسم. # الأول: الصحيح. وهو ما اتصل سنده إلى المعصوم (1) بنقل العدل الضابط عن ~~مثله في جميع الطبقات. وربما يطلق هذا اللفظ مضافا إلى راو معين على ما جمع ~~السند إليه الشرائط، خلا الانتهاء إلى المعصوم وإن اعتراه بعد ذلك إرسال أو ~~غيره من وجوه الاختلال، فيقال: صحيح (2) فلان عن بعض أصحابنا عن الصادق - ~~عليه السلام - مثلا. وقد يطلق على جملة من الاسناد جامعة للشرائط سوى ~~الاتصال بالمعصوم محذوفة للاختصار، فيقال مثلا: روى الشيخ في الصحيح عن ~~فلان ويقصد بذلك بيان حال تلك الجملة المحذوفة. وأكثر ما يقع هذا الاستعمال ~~حيث يكون المذكور من رجال السند أكثر من واحد. # الثاني: الحسن. وهو متصل السند إلى المعصوم بالإمامي الممدوح من غير ~~معارضة ذم مقبول ولا ثبوت عدالة في جميع المراتب أو بعضها، مع كون الباقي ~~بصفة رجال الصحيح. وقد يستعمل على (3) قياس ما ذكر في الصحيح. # الثالث: الموثق. وهو ما دخل في طريقه من ليس بإمامي، لكنه منصوص على ~~توثيقه بين الأصحاب، ولم يشتمل باقي الطريق على ضعف من جهة أخرى. # ويسمى القوي (4) أيضا. ويستعمل اللفظ الأول في المعنيين المذكورين في ~~ذينك القسمين. # الرابع: الضعيف. وهو ما لم يجتمع فيه شروط أحد الثلاثة بأن يشتمل طريقه ~~على مجروح بغير فساد ms142 المذهب أو مجهول. # ويسمى هذه الأقسام الأربعة أصول الحديث، لان له أقساما اخر باعتبارات ~~شتى. وكلها ترجع (5) إلى هذه الأقسام الأربعة (6). وليس هذا موضع تفصيلها. ~~وإنما تعرضنا لبيان الأربعة لكثرة دوران ألفاظها على ألسن الفقهاء. # PageV00P216 # المطلب السابع في النسخ PageV00P217 # أصل لا ريب في جواز النسخ ووقوعه، وما يحكى فيهما من الخلاف لا يستحق أن ~~ينظر إليه. وجمهور أصحابنا على اشتراطه بحضور وقت الفعل المنسوخ، سواء فعل ~~أم لم يفعل. ووافقهم على ذلك جمع من العامة. وحكى المحقق (1) - رحمه الله - ~~عن المفيد القول بجوازه قبل حضور وقت الفعل. وهو مذهب أكثر (2) أهل الخلاف. # والحق الأول. لنا: أنه لو وقع ذلك لاقتضى تعلق النهي بنفس ما تعلق به ~~الامر وهو محال. لان الامر يدل على كونه حسنا، والنهي يقتضى قبحه. # فاجتماعهما يستلزم كونه حسنا قبيحا معا وهو ظاهر الاستحالة. ولأن الفعل ~~الواحد، إما حسن أو قبيح. فبتقدير أن يكون حسنا يكون النهي عنه قبيحا و ~~بتقدير أن يكون قبيحا يكون الامر به قبيحا. # احتج المخالف بوجوه: الأول قوله (3) تعالى: " يمحو الله ما يشاء ويثبت " ~~(4)، فإنه يتناول بعمومه موضع النزاع. الثاني أنه تعالى أمر إبراهيم عليه ~~السلام بذبح ابنه ثم نسخه عنه قبل وقت الفعل. الثالث ما روي أن النبي صلى ~~الله عليه وآله، امر ليلة المعراج بخمسين صلاة، ثم راجع إلى أن عادت إلى ~~خمس (5 - 6). وذلك نسخ قبل وقت الفعل. الرابع أن المصلحة قد تتعلق (7) بنفس ~~الأمر والنهي. فجاز # PageV00P218 # الاقتصار عليهما من دون إرادة الفعل. # والجواب عن الأول: أن المحو والاثبات متعلقان (1) على المشية ولا نسلم ~~أنه تعالى يشاء مثل هذا. وعن الثاني: أن إبراهيم - عليه السلام لم - يؤمر ~~بالذبح الذي هو فري الأوداج، بل بالمقدمات (2) كما يدل عليه قوله تعالى: " ~~قد صدقت الرؤيا ". (3) ولو كان ما فعله بعض المأمور به لكان مصدقا لبعض ~~الرؤيا. وقد سبق بيان ذلك. وعن الثالث: المطالبة بصحة الرواية، مع أن فيها ~~طعنا على الأنبياء بالاقدام على المراجعة في الأوامر المطلقة. وعن الرابع: ~~أن الأمر والنهي ms143 يتبعان متعلقهما، فان كانا حسنا كانا كذلك وإلا قبيحا (4)، ~~على أنه - لو صح ذلك - لم يكن متعلق الامر مرادا فلا يكون مأمورا به وينتفي ~~النسخ حينئذ. # أصل يجوز نسخ كل من الكتاب والسنة المتواترة والآحاد بمثله، ولا ريب فيه. ~~و نسخ الكتاب بالسنة المتواترة وهي به، ولا نعرف (5) فيه من الأصحاب ~~مخالفا، وجمهور أهل الخلاف وافقونا فيه، وأنكره (6) شذوذ منهم، وهو ضعيف ~~جدا لا يلتف إليه، ولا ينسخ الكتاب والسنة المتواترة بالآحاد عند أكثر ~~العلماء، لان خبر الواحد مظنون وهما معلومان ولا يجوز ترك المعلوم للمظنون. ~~وذهب شرذمة من العامة إلى جوازه، وربما نفى بعضهم (7) الخلاف في الجواز ~~مدعيا أن محله هو الوقوع، وأما أصل الجواز فموضع وفاق. وأرى البحث في ذلك ~~قليل الجدوى. # فترك الاشتغال بتحقيقه أحرى. # وأما الاجماع: ففي جواز نسخه والنسخ به خلاف مبني على الخلاف في أن # PageV00P219 # الاجماع: هل يمكن استقراره قبل انقطاع الوحي أولا. # قال المرتضى (1) - رحمه الله - (2): " اعلم: أن مصنفي أصول الفقه ذهبوا ~~كلهم إلى أن الاجماع لا يكون ناسخا ولا منسوخا، واعتلوا في ذلك بأنه دليل ~~مستقر بعد انقطاع الوحي فلا يجوز نسخه ولا النسخ به. وهذا القدر غير كاف، ~~لان لقائل أن يعترضه فيقول: أما الاجماع عندنا فدلالته مستقرة في كل حال ~~قبل انقطاع الوحي وبعده، وإذا ثبت ذلك سقطت هذه العلة. # على أن مذهب (3) مخالفينا، في كون الاجماع حجة يقتضى أنه في الأحوال كلها ~~مستقر، لان الله تعالى أمر باتباع (4) المؤمنين. وهذا حكم حاصل قبل انقطاع ~~الوحي وبعده والنبي، صلى الله عليه وآله (5)، أخبر على مذهبهم بأن أمته لا ~~تجتمع على خطأ (6). وهذا ثابت في سائر الأحوال. وإذا كان الاجماع (7) دليلا ~~على الاحكام كما يدل الكتاب والسنة، والنسخ لا يتناول الأدلة وإنما يتناول ~~الاحكام التي (8) يثبت (9) بها، فما المانع من أن يثبت حكم باجماع الأمة ~~قبل انقطاع الوحي ثم ينسخ بآية تنزل (10) على خلافه (11)، أو يثبت (12) حكم ~~بآية تنزل فينسخ باجماع الأمة على خلافه؟. # والأقرب أن يقال: إن الأمة مجتمعه (13) على ms144 أن ما ثبت (14) بالاجماع لا ~~ينسخ ولا ينسخ به ". هذا كلام السيد - رحمه الله -. # وحكى (16) المحقق عن الشيخ، بعد أن نقل مضمون كلام السيد، أنه قال: # " الاجماع دليل عقلي والنسخ لا يكون إلا بدليل شرعي، فلا يتحقق النسخ ~~فيما # PageV00P220 # يكون مستنده العقل ". # ثم حكى عن بعض المتأخرين أنه قال: " الاجماع لا يكون اتفاقا وإنما يكون ~~عن مستند (1) قطعي. فيكون الناسخ ذلك المستند، لا نفس الاجماع ". # قال المحقق - رحمه الله -: " وفي هذه الوجوه إشكال، والذي يحبئ على ~~مذهبنا أنه يصح دخول النسخ فيه بناء على أن الاجماع انضمام أقوال إلى قول ~~لو انفرد لكانت الحجة فيه. فجائز حصول مثل هذا في زمن النبي، صلى الله عليه ~~وآله (2)، ثم ينسخ ذلك الحكم بدلالة شرعية متراخية. وكذلك يجوز نسخ الحكم ~~المعلوم من السنة أو القرآن (3) بأقوال يدخل في جملتها قول النبي (4). وهذا ~~الكلام جيد، غير أنه لا تترتب (5) عليه فائدة مهمة، كما لا يخفى. # أصل معنى النسخ شرعا هو الاعلام بزوال مثل الحكم (6) الثابت بالدليل (7) ~~الشرعي، بدليل آخر شرعي متراخ عنه على وجه لولاه لكان الحكم الأول ثابتا. ~~وعلى هذا فزيادة العبادة المستقلة على العبادات ليست (8) نسخا للمزيد عليه، ~~صلاة كانت تلك العبادة أو غيرها، وهو قول جمهور العلماء. ويعزى إلى قوم من ~~العامة القول بأن زيادة صلاة على الصلوات الخمس نسخ، لأنها تخرج (9) الوسطى ~~عن كونها وسطى، وهو ظاهر الفساد. وأما العبادة الغير المستقلة فقد اختلف ~~الناس في أن زيادتها هل هي نسخ أو لا؟. والمحققون على أنها إن رفعت حكما ~~شرعيا مستفادا من دليل شرعي كانت نسخا، وإلا فلا. وهو الظاهر، لما علم من ~~تفسيره. # PageV00P221 # وقال (1) المرتضى (2): " ان كانت الزيادة مغيرة لحكم المزيد عليه في ~~الشريعة حتى يصير لو وقع مستقلا من دون تلك الزيادة لكان عاريا من كل تلك ~~الأحكام الشرعية التي كانت (3) له أو بعضها، فهذه الزيادة تقتضي (4) النسخ. ~~ومثاله: # زيادة ركعتين على ركعتين على سبيل الاتصال ". قال (5): " وإنما قلنا: إن ~~هذه الزيادة (6) قد غيرت الأحكام الشرعية لأنه لو ms145 فعل بعد الزيادة الركعتين ~~على ما كان يفعلهما عليه أولا لم يكن لهما حكم، وكأنه ما فعلهما، ويجب عليه ~~استينافهما، لان مع هذه الزيادة يتأخر ما يجب من تشهد وسلام، ومع فقد هذه ~~لا يكون كذلك وكل ما ذكرناه يقتضي تغير (7) الأحكام الشرعية بهذه الزيادة ~~". # وقد حكي المحقق (8) - رحمه الله - عن الشيخ موافقة السيد على هذه المقالة ~~(9)، واختار هو ما حكيناه أولا محتجا بأن شرط النسخ أن يكون رافعا لمثل ~~الحكم (10) الشرعي المستفاد بالدليل الشرعي (11). فبتقدير أن يكون ذلك ~~الحكم مستفادا من العقل لا يكون الرفع لمثله نسخا، وإلا لكان كل خبر يرفع ~~البراءة الأصلية نسخا، وهو باطل. # ثم ذكر كلام السيد في الزيادة على الركعتين بطريق السؤال، وأجاب: بأنا لا ~~نسلم أن ذلك نسخ لوجوب الركعتين ولا للتشهد، وإن كان التغيير فيهما ثابتا. # بل بتقدير أن يكون الشرع دل على وجوب تعقيب التشهد للثانية (12) يلزم أن ~~يكون الامر بتأخيره نسخا لتعجيله، إذ لم يرفع الدليل الثاني شيئا غير ذلك. ~~وأما الركعتان فان حكمهما باق من (13) كونهما واجبتين. غاية ما في الباب: ~~أن وجوبهما # PageV00P222 # كان منفردا فصار منضما، والشئ لا ينسخ بانضمام (1) غيره إليه، كما لا ~~ينسخ وجوب فريضة واحدة إذا وجب (2) بعدها أخرى. وأما كونهما لو انفردتا لما ~~أجزءتا بعد أن كانتا مجزيتين، فان الاجزاء يعلم لا من منطوق الدليل بل ~~بالعقل فلم يكن نسخا، ولو علم الاجزاء من نفس الدليل الشرعي، لكان المنسوخ ~~إجزاء هما منفردتين لا وجوبهما. # إذا عرفت هذا، فاعلم أن أثر هذا الاختلاف يظهر في جواز إثبات الحكم بخبر ~~الواحد، بناء على أنه لا ينسخ به لدليل المقطوع به، فكل ما ثبت كونه ناسخا ~~لا يجوز إثباته به (3)، وهذا عند التحقيق أثر هين. كغيره من آثار أكثر ~~مباحث هذا الباب. # PageV00P223 # المطلب الثامن في القياس والاستصحاب PageV00P225 # أصل القياس هو الحكم على معلوم بمثل الحكم الثابت (1) لمعلوم آخر، (2). ~~لاشتراكهما في علة الحكم. فموضع الحكم الثابت يسمى أصلا، وموضع الآخر يسمى ~~فرعا، والمشترك جامعا وعلة. وهي إما مستنبطة ms146 أو منصوصة. # وقد أطبق أصحابنا على منع العمل بالمستنبطة (3) إلا من شذ. وحكى إجماعهم ~~فيه غير واحد منهم، وتواتر (4) الاخبار بانكاره عن أهل البيت عليهم السلام. ~~و بالجملة فمنعه يعد في ضروريات المذهب. # وأما المنصوصة: ففي العمل بها خلاف بينهم (5). فظاهر المرتضى (6) - رضي ~~الله - (7) المنع منه أيضا. # وقال المحقق (8) - رحمه الله -: إذا نص الشرع على العلة وكان هناك شاهد ~~حال يدل على سقوط اعتبار ما عدا تلك العلة في ثبوت الحكم جاز تعدية الحكم. # وكان ذلك برهانا. # وقال العلامة (9): " الأقوى عندي أن العلة إذا كانت منصوصة وعلم وجودها # PageV00P226 # في الفرع كان حجة ". # واحتج في النهاية (1) لذلك: بأن الأحكام الشرعية تابعة للمصالح الخفية ~~والشرع كاشف عنها. فإذا نص على العلة عرفنا (2) أنها الباعثة والموجبة لذلك ~~(3) الحكم. فأين وجدت وجب وجود المعلول. # ثم حكى عن المانعين الاحتجاج بأن قول الشارع: " حرمت الخمر لكونها مسكرة ~~" يحتمل أن تكون العلة هي الاسكار، وأن يكون إسكار (4) الخمر بحيث يكون قيد ~~الإضافة إلى الخمر معتبرا في العلة. وإذا احتمل الأمران (5) لم يجز القياس. # وأجاب: بالمنع من احتمال اعتبار القيد في العلة، فان تجويز ذلك يستلزم ~~(6) تجويز (7) مثله في العقليات حتى يقال: الحركة إنما اقتضت المتحركية (8) ~~لقيامها بمحل خاص وهو محلها، فالحركة القائمة بغيره لا تكون علة للمتحركية ~~(9). # سلمنا إمكان كون القيد (10) معتبرا في الجملة، لكن العرف يسقط هذا القيد ~~عن درجة الاعتبار. فان قول الأب لابنه: " لا تأكل هذه الحشيشة لأنها سم " ~~يقتضي منعه عن أكل كل حشيشة تكون (11) سما. # سلمنا: عدم ظهور إلغاء القيد، لكن دليلكم إنما يتمشى فيما إذا قال ~~الشارع: " حرمت الخمر لكونه مسكرا. " أما لو قال " علة حرمة الخمر هي ~~الاسكار " انتفى ذلك الاحتمال. # ثم أورد الاعتراض: ب‍ " أن الحركة إن عنيتم بها معنى يقتضي المتحركية، ~~فهذا # PageV00P227 # المعنى يمتنع فرضه بدون المتحركية، وإن عنيتم بها أمرا (1) آخر يتأتى فيه ~~ذلك الاحتمال. فهناك نسلم انه لا بد في إبطاله من دليل منفصل. # قولكم: " العرف يقتضي إلغاء هذا القيد "، قلنا: ذلك (2) عرف بالقرينة. # وهي ms147 شفقة الأب المانعة من تناول المضر، فلم قلتم إنه في العلة المنصوصة ~~كذلك؟. # قولكم " لو صرح بأن العلة هي الاسكار انتفى ذلك الاحتمال "، قلنا: في هذه ~~الصورة يستلزم الاسكار الحرمة أين وجد. لكنه ليس بقياس لان العلم بأن ~~الاسكار من حيث هو إسكار يقتضى الحرمة، يوجب العلم بثبوت هذا الحكم في كل ~~محاله، ولم يكن العلم (3) بحكم بعض تلك المحال متأخرا عن العلم بالبعض، فلم ~~يكن جعل البعض فرعا والآخر أصلا أولى من العكس، فلا يكون هذا قياسا ". # وقال بعد ذلك: " والتحقيق في هذا الباب أن يقال: النزاع هنا لفظي، لان ~~المانع إنما منع من التعدية، لان قوله " حرمت الخمر لكونه مسكرا " محتمل ~~لان يكون في تقدير التعليل بالاسكار المختص بالخمر فلا يعم، وأن يكون في ~~تقدير التعليل بمطلق الاسكار فيعم، والمثبت يسلم أن التعليل بالاسكار ~~المختص بالخمر غير عام، وأن التعليل بالمطلق (4) يعم. فظهر أنهم متفقون على ~~ذلك نعم: النزاع وقع في أن قوله " حرمت الخمر لكونه مسكرا " هل هو بمنزلة: ~~علة (5) التحريم (6) الاسكار، أم لا؟ فيجب أن يجعل البحث في هذا، لا في أن ~~النص على العلة هل (7) يقتضي ثبوت الحكم في جميع مواردها؟ فان ذلك متفق ~~عليه. # وأقول: كأن العلامة - رحمه الله - لم يقف على احتجاج المرتضى - رضي الله ~~عنه - في هذا الباب. فلذلك حسب النزاع فيه بين القوم لفظيا، وأنهم متفقون ~~في المعنى. وكلام المرتضى مصرح بخلاف ما ظنه. فإنه احتج على المنع ب‍ " بأن # PageV00P228 # علل الشرع إنما تنبئ (1) عن الدواعي إلى الفعل أو عن وجه المصلحة فيه. ~~وقد يشترك الشيئان في صفة واحدة ويكون في أحدهما داعية إلى فعله دون الآخر ~~مع ثبوتها فيه، وقد يكون مثل المصلحة مفسدة. وقد يدعو الشئ إلى غيره في حال ~~دون حال وعلى وجه دون وجه وقدر منه دون (2) قدر ". قال: " وهذا باب في ~~الدواعي معروف، ولهذا جاز أن يعطى بوجه (3) الاحسان فقير دون فقير، ودرهم ~~(4) دون درهم، وفي حال دون أخرى، وإن كان فيما لم نفعله الوجه الذي ms148 لأجله ~~فعلناه بعينه ". # ثم قال: " وإذا (5) صحت هذه الجملة لم يكن في النص على العلة ما يوجب ~~التخطي والقياس، وجرى النص على العلة مجرى النص على الحكم في قصره على ~~موضعه. وليس لاحد أن يقول: إذا لم يوجب النص على العلة التخطي كان عبثا. ~~وذلك أنه يفيدنا ما لم نكن نعلمه لولاه. وهو ماله كان هذا الفعل المعين ~~مصلحة " (6). # هذا كلامه، ودلالته على كون النزاع في المعنى ظاهرة (7)، فلا وجه لدعوى ~~العلامة - رحمه الله - الاتفاق (8) فيه. نعم من جعل الحجة ما ذكره فهو ~~موافق في المعنى، فلا ينبغي أن يعد في المانعين. # إذا عرفت هذا، فاعلم. أن الأظهر عندي ما قاله المحقق - رحمه الله -. و ~~وجهه يظهر من تضاعيف الكلام في هذا المقام فلا نطيل بتقريره. # وأما حجة المرتضى، فجوابها أن المتبادر من العلة (9) حيث يشهد الحال ~~بانسلاخ الخصوصية منها تعلق الحكم بها، لا بيان الداعي أو وجه (10) ~~المصلحة. # PageV00P229 # أصل ذهب العلامة - رحمه الله - في التهذيب (1)، وكثير من العامة: إلى أن ~~تعدية الحكم في تحريم التأفيف إلى أنواع الأذى الزائد عنه من باب القياس ~~وسموه بالقياس الجلي. وأنكر (2) ذلك المحقق - رحمه الله - وجمع من الناس، ~~واختلفوا في وجه التعدية، فقيل: إنه دلالة مفهومه وفحواه عليه وسموه بهذا ~~الاعتبار مفهوم الموافقة، لكون حكم غير المذكور فيه موافقا لحكم المذكور. ~~ويقابله مفهوم المخالفة، وهو ما يكون غير المذكور فيه مخالف للمذكور (3) في ~~الحكم، كمفهوم الشرط والوصف، ويسمى هذا دليل الخطاب. ويقال للأول: فحوى ~~الخطاب (4) أيضا ولحن الخطاب. وقال قوم: إنه منقول عن موضوعه اللغوي إلى ~~المنع من أنواع الأذى. وهو صريح كلام المحقق رحمه الله. # حجة الذاهبين إلى كون مثله قياس: أنه لو قطع النظر عن المعنى المناسب ~~المشترك المقصود من الحكم، كالاكرام (5) في منع التأفيف، وعن كونه آكد في ~~الفرع، لما حكم به. ولا معنى للقياس (6) إلا ذلك. # وأجيب بأن المعنى المناسب لم يعتبر لاثبات الحكم حتى يكون قياسا، بل ~~لكونه شرطا في دلالة الملفوظ على حكم المفهوم لغة. ولهذا يقول ms149 به كل من لا ~~يقول بحجية القياس، ولو كان قياسا لما قال به النافي له. # ورد: بأنه لا نافي للقياس الجلي، أعني ما يعرف الحكم فيه بطريق (7) ~~الأولى. # حتى يقال: إنه قائل بهذا المفهوم دون القياس. ويجعل (8) ذلك حجة على أنه ~~ليس (9) # PageV00P230 # بقياس. # وحجة (1) النافين: القطع بإفادة الصيغة في مثله (2)، المعنى المذكور، من ~~غير توقف على استحضار القياس. # وأجيب بأن التوقف (3) على استحضاره هو القياس الشرعي لا الجلي، فإنه مما ~~يعرفه كل من يعرف اللغة من غير افتقار إلى نظر واجتهاد. # إذا عرفت ذلك. فالحق ما ذكره بعض المحققين: من أن النزاع ههنا لفظي لا ~~طائل تحته. # أصل اختلف الناس في استصحاب الحال. ومحله أن يثبت حكم في وقت، ثم يجئ وقت ~~آخر ولا يقوم دليل على انتفاء ذلك الحكم، فهل يحكم ببقائه على ما كان، وهو ~~الاستصحاب، أم يفتقر الحكم به في الوقت الثاني إلى دليل؟. # المرتضى وجماعة من العامة على الثاني، ويحكى عن المفيد - رحمه الله - (4) ~~المصير إلى الأول، وهو اختيار الأكثر (5) وقد مثلوا له بالمتيمم إذا دخل في ~~الصلاة ثم رأى الماء في أثنائها. والاتفاق واقع على وجوب المضي فيها قبل ~~الرؤية. فهل يستمر على فعلها بعدها استصحابا (6) للحال الأول (7) أم ~~يستأنفها بالوضوء؟. فمن قال بالاستصحاب قال بالأول، ومن أطرحه قال بالثاني. # احتج المرتضى (8) بأن في استصحاب الحال جمعا بين الحالين في حكم من غير ~~دلالة، لان الحالين (9) مختلفان (10) من حيث كان غير واجد للماء في إحديهما ~~واجدا له # PageV00P231 # في الأخرى. فكيف سوى (1) بين الحالين (2) من غير دلالة. # قال: وإذا كنا قد أثبتنا الحكم في الحالة الأولى بدليل، فالواجب أن ننظر. ~~فان كان الدليل يتناول الحالين سوينا بينهما فيه، وليس ههنا استصحاب، وإن ~~كان تناول الدليل إنما هو للحال (3) الأولى فقط، والثانية عارية من دليل، ~~فلا يجوز اثبات مثل هذا الحكم (4) لها من غير دليل، وجرت هذه الحالة مع ~~الخلو من الدليل مجرى الأولى لو خلت من دلالة. فإذا لم يجز إثبات الحكم ~~للأولى (5) إلا بدليل فكذلك ms150 الثانية. # ثم أورد سؤالا، حاصله: أن ثبوت الحكم في الحالة (6) الأولى يقتضي ~~استمراره إلا لمانع، إذ لو لم يجب (7) ذلك لم يعلم استمرار الحكم (8) في ~~موضع، وحدوث الحوادث لا يمنع من ذلك (9) كما لا يمنع (10) حركة الفلك وما ~~جرى مجراه من الحوادث. فيجب استصحاب الحال ما لم يمنع مانع (11). # وأجاب: بأنه لابد من اعتبار الدليل الدال على ثبوت الحكم في الحالة ~~الأولى وكيفية إثباته، وهل يثبت ذلك في حالة واحدة أو على سبيل الاستمرار؟ ~~وهل يتعلق بشرط مراعى، أو لم يتعلق؟ (12) قال: وقد علمنا أن الحكم الثابت ~~في الحالة الأولى إنما يثبت (13) بشرط فقد الماء، والماء في الحالة الثانية ~~موجود. واتفقت الأمة على ثبوته في الأولى واختلفت في الثانية. فالحالتان ~~مختلفتان (14). وقد ثبت في العقول أن من شاهد زيدا في الدار ثم غاب عنه لا ~~يحسن أن يعتقد استمرار كونه في الدار إلا بدليل متجدد و # PageV00P232 # صار كونه في الدار في الثاني وقد زالت الرؤية بمنزلة كون عمرو فيها مع ~~فقد الرؤية. وأما (1) القضاء بأن حركة الفلك وما جرى (2) مجريها لا يمنع من ~~استمرار الاحكام، فذلك معلوم بالأدلة، وعلى من ادعى أن رؤية الماء لم يغير ~~الحكم، الدلالة. # ثم قال: وبمثل ذلك نجيب (3) من قال: فيجب أن لا نقطع (4) بخبر من أخبرنا ~~عن مكة وما جرى مجريها من البلدان على استمرار وجودها. وذلك أنه لابد للقطع ~~على الاستمرار من دليل، إما عادة أو ما يقوم مقامها، ولو كان البلد الذي ~~أخبرنا (5) عنه على ساحل البحر لجوزنا زواله لغلبة (6) البحر إلا أن يمنع ~~من ذلك خبر متواتر. # فالدليل على ذلك كله لابد منه. (7) حجة القول الآخر وجوه: # الأول: أن المقتضي للحكم الأول ثابت، والعارض لا يصلح رافعا له، فيجب ~~الحكم بثبوته في الثاني. أما أن مقتضى الحكم (8) الأول ثابت، فلانا نتكلم ~~على هذا التقدير. وأما أن العارض (9) لا يصلح رافعا. فلان العارض إنما هو ~~احتمال تجدد ما يوجب زوال الحكم. لكن احتمال ذلك يعارضه احتمال (10) عدمه، ~~فيكون كل واحد منهما مدفوعا ms151 بمقابله، فيبقى الحكم الثابت سليما عن رافع. # الثاني: أن الثابت أولا (11) قابل للثبوت ثانيا، وإلا لا نقلب من الامكان ~~الذاتي إلى الاستحالة. فيجب أن يكون في الزمان الثاني جائز الثبوت كما كان ~~أولا. فلا ينعدم (12) إلا لمؤثر (13)، لاستحالة خروج الممكن من أحد طرفيه ~~إلى الآخر لا # PageV00P233 # لمؤثر (1)، فإذا كان التقدير (2) تقدير عدم (3) العلم بالمؤثر يكون بقاؤه ~~أرجح من عدمه، في اعتقاد المجتهد، والعمل بالراجح واجب. # الثالث: أن الفقهاء عملوا باستصحاب الحال في كثير من المسائل والموجب ~~للعمل هناك موجود في موضع الخلاف. وذلك كمسألة من تيقن الطهارة وشك في ~~الحدث فإنه يعمل على يقينه. وكذلك العكس، ومن تيقن طهارة ثوبه في حال بنى ~~على ذلك (4) حتى يعلم خلافها (5)، ومن شهد (6) بشهادة بنى على بقائها حتى ~~يعلم رافعها، ومن غاب غيبة منقطعة حكم ببقاء أنكحته ولم يقسم أمواله وعزل ~~نصيبه في المواريث. وما ذاك إلا لاستصحاب حال حياته. وهذه العلة موجودة في ~~مواضع الاستصحاب فيجب العمل به. # الرابع: أن العلماء مطبقون على وجوب إبقاء الحكم مع عدم الدلالة الشرعية، ~~على ما يقتضيه البراءة الأصلية. ولا معنى للاستصحاب (7) إلا هذا. # إذا تقرر ذلك فاعلم: أن المحقق - رحمه الله - ذكر في أول كلامه أن العمل ~~بالاستصحاب محكي عن المفيد، وقال إنه المختار، واحتج له بهذه (8) الوجوه ~~الأربعة. # ثم ذكر حجة المانع (9) والجواب عنها، (10) وقال بعد ذلك: والذي نختاره ~~نحن أن ننظر (11) في الدليل المقتضي لذلك الحكم. فان كان يقتضيه مطلقا وجب ~~القضاء باستمرار الحكم كعقد النكاح مثلا، فإنه يوجب حل الوطي مطلقا. فإذا ~~وقع الخلاف في الألفاظ التي يقع (12) بها الطلاق، كقوله: " أنت خلية " أو " ~~برية " (13)، فان المستدل على أن الطلاق لا يقع بهما (14) لو قال: حل الوطي ~~ثابت قبل النطق بهذه، # PageV00P234 # فيجب أن يكون ثابتا بعدها، لكان استدلالا صحيحا، لان المقتضي للتحليل، و ~~هو العقد اقتضاه (1) مطلقا، ولا نعلم (2) أن الألفاظ المذكورة رافعة لذلك ~~الاقتضاء. # فيكون الحكم ثابتا، عملا بالمقتضي. # لا يقال: المقتضي هو العقد ولم يثبت أنه باق، فلم يثبت الحكم ms152 (3). # لأنا نقول: وقوع العقد اقتضى (4) حل الوطي لا مقيدا بوقت. فلزم دوام الحل ~~نظرا إلى وقوع المقتضي، لا إلى دوامه، فيجب أن يثبت الحل حتى يثبت الرافع ~~(5). # فان كان الخصم يعني بالاستصحاب ما أشرنا إليه فليس ذلك عملا بغير دليل، و ~~إن كان يعني به أمرا وراء ذلك فنحن مضربون عنه (6). # وهذا الكلام جيد، لكنه عند التحقيق رجوع (7) عما اختاره أولا (8)، ومصير ~~(9) إلى القول الآخر كما يرشد إليه تمثيلهم لموضع النزاع بمسألة المتيمم، ~~ويفصح عنه حجة المرتضى. فكأنه (10) - رحمه الله - استشعر ما يرد (11) على ~~احتجاجه من المناقشة، فاستدرك بهذا الكلام. وقد اختار في المعتبر قول ~~المرتضى وهو الأقرب. # PageV00P235 # المطلب التاسع في الاجتهاد والتقليد PageV00P237 # أصل الاجتهاد في اللغة: تحمل الجهد وهو المشقة في أمر. يقال: اجتهد في ~~حمل الثقيل، ولا يقال ذلك في الحقير. وأما في الاصطلاح فهو استفراغ الفقيه ~~وسعه في تحصيل الظن بحكم شرعي. وقد اختلف الناس في قبوله للتجزية بمعنى ~~جريانه في بعض المسائل دون بعض، وذلك بأن يحصل للعالم (1) ما هو مناط ~~الاجتهاد في بعض المسائل فقط، فله حينئذ أن يجتهد فيها أو لا. # ذهب العلامة - رحمه الله - في التهذيب (2)، والشهيد في الذكرى (3) ~~والدروس، ووالدي في جملة من كتبه (4)، وجمع من العامة، إلى الأول، وصار قوم ~~إلى الثاني. # حجة الأولين: أنه إذا اطلع على دليل مسألة بالاستقصاء فقد ساوى المجتهد ~~المطلق في تلك المسألة، وعدم (5) علمه بأدلة غيرها لا مدخل له فيها. و ~~حينئذ فكما جاز لذلك الاجتهاد فيها فكذا هذا. # واحتج الآخرون: بأن كل ما يقدر جهله يجوز تعلقه بالحكم المفروض. فلا يحصل ~~له ظن عدم المانع من مقتضى ما يعلمه من الدليل. # وأجاب الأولون: بأن المفروض حصول جميع ما هو دليل في تلك المسألة # PageV00P238 # بحسب ظنه، وحيث يحصل التجويز (1) المذكور يخرج عن الفرض (2). # والتحقيق عندي في هذا المقام: أن فرض الاقتدار على استنباط بعض المسائل ~~دون بعض، على وجه يساوى استنباط المجتهد المطلق لها، غير ممتنع، ولكن ~~التمسك في جواز الاعتماد على هذا الاستنباط بالمساواة ms153 فيه للمجتهد المطلق ~~قياس لا نقول به (3). # نعم: لو علم (4) أن العلة في العمل بظن المجتهد المطلق هي قدرته (5) على ~~استنباط المسألة، أمكن الالحاق من باب منصوص العلة. ولكن الشأن في العلم ~~بالعلة لفقد (6) النص عليها، ومن الجائز أن يكون هي قدرته على استنباط ~~المسائل كلها. بل هذا أقرب إلى الاعتبار من حيث إن عموم القدرة إنما هو ~~لكمال القوة، ولا شك أن القوة الكاملة أبعد عن (7) احتمال الخطأ من ~~الناقصة. فكيف يستويان؟. # سلمنا، ولكن التعويل في اعتماد (8) ظن المجتهد المطلق إنما هو على دليل ~~قطعي، وهو إجماع الأمة عليه وقضاء الضرورة به، وأقصى (9) ما يتصور في موضع ~~النزاع أن يحصل دليل ظني يدل على مساواة التجزي للاجتهاد (10) المطلق. ~~واعتماد المتجزي عليه يفضي إلى الدور، لأنه تجز في مسألة التجزي، وتعلق ~~بالظن في العمل بالظن. ورجوعه في ذلك إلى فتوى المجتهد المطلق وإن كان ~~ممكنا، لكنه خلاف المراد، إذ الفرض إلحاقه ابتداء بالمجتهد. وهذا إلحاق له ~~بالمقلد بحسب الذات، وإن كان بالعرض إلحاقا بالاجتهاد. ومع ذلك فالحكم في ~~نفسه مستبعد، لاقتضائه ثبوت الواسطة بين أخذ الحكم بالاستنباط والرجوع فيه ~~إلى # PageV00P239 # التقليد. وإن شئت قلت: تركب التقليد والاجتهاد، وهو غير معروف. # أصل وللاجتهاد المطلق شرائط يتوقف عليها. وهي بالاجمال: أن يعرف جميع ما ~~يتوقف عليه إقامة الأدلة على المسائل الشرعية الفرعية (1)، وبالتفصيل أن ~~يعلم من اللغة ومعاني الألفاظ العرفية ما يتوقف عليه استنباط الاحكام من ~~الكتاب والسنة ولو بالرجوع إلى الكتب المعتمدة، ويدخل في ذلك معرفة النحو ~~والتصريف، ومن الكتاب قدر ما يتعلق بالأحكام بأن يكون عالما بمواقعها و ~~يتمكن عند الحاجة من الرجوع إليها ولو في كتب الاستدلال. ومن السنة ~~الأحاديث المتعلقة بالأحكام، بأن يكون عنده من الأصول المصححة ما يجمعها ~~(2)، ويعرف موقع (3) كل باب بحيث يتمكن من الرجوع إليها، وأن يعلم أحوال ~~الرواة في الجرح والتعديل ولو بالمراجعة، وأن يعرف مواقع الاجماع ليحترز عن ~~مخالفته. # وأن يكون عالما بالمطالب الأصولية من أحكام الأوامر والنواهي والعموم ~~والخصوص إلى غير ذلك ms154 من مقاصده التي يتوقف الاستنباط عليها، وهو أهم (4) ~~العلوم للمجتهد، كما نبه عليه بعض المحققين. ولابد أن يكون ذلك بطريق ~~الاستدلال على كل أصل منها، لما فيها من الاختلاف، لا كما توهمه (5) ~~القاصرون. # وأن يعرف شرائط البرهان لامتناع الاستدلال بدونه، إلا من فاز بقوة قدسية ~~تغنيه (6) عن ذلك، وأن يكون له ملكة مستقيمة وقوة إدراك يقتدر بها على ~~اقتناص الفروع من الأصول ورد الجزئيات إلى قواعدها والترجيح في موضع ~~التعارض. # إذا عرفت هذا، فاعلم: أن جمعا من الأصحاب وغيرهم عدوا في الشرائط: # معرفة ما يتوقف عليه العلم بالشارع من حدوث العالم وافتقاره إلى صانع # PageV00P240 # موصوف بما يجب، منزه عما يمتنع، باعث للأنبياء (1)، مصدق (2) إياهم ~~بالمعجزات. # كل ذلك بالدليل الاجمالي، وإن لم يقدر على التحقيق والتفصيل على ما هو ~~(3) دأب المتبحرين في علم الكلام. # وناقشهم في ذلك بعض المحققين: بأن هذا من لوازم الاجتهاد وتوابعه، لا من ~~مقدماته وشرائطه، وهو حسن، مع أن ذلك لا يختص بالمجتهد، إذ هو شرط الايمان. # وأما معرفة فروع الفقه، فلا يتوقف عليها أصل الاجتهاد. ولكنها (4) قد ~~صارت في هذا الزمان طريقا يحصل به (5) الدربة فيه وتعين (6) على التوصل ~~إليه. # وما يلهج به جهلا أو تجاهلا (7) بعض أهل العصر، من توقف الاجتهاد المطلق ~~على أمور وراء ما ذكرناه، فمن الخيالات التي تشهد البديهة بفسادها، ~~والدعاوي التي تقتضي (8) الضرورة من الدين بكذبها. # أصل اتفق الجمهور من المسلمين على أن المصيب من المجتهدين المختلفين، في ~~العقليات التي وقع التكليف بها، واحد، وأن الآخر مخطئ آثم، لان الله تعالى ~~كلف فيها بالعلم ونصب عليه (9) دليلا. فالمخطئ له مقصر فيبقى في العهدة، ~~وخالف في ذلك شذوذ من أهل الخلاف. وهو بمكان من الضعف، وأما الأحكام ~~الشرعية فان كان عليها دليل قاطع فالمصيب فيها أيضا واحد والمخطئ غير ~~معذور، وإن كانت مما يفتقر إلى النظر والاجتهاد فالواجب على المجتهد # PageV00P241 # استفراغ الوسع فيها ولا إثم عليه حينئذ قطعا بغير خلاف يعبأ به. # نعم اختلف الناس في التصويب. # فقيل: كل مجتهد مصيب، بمعنى ms155 أنه لا حكم معينا لله تعالى فيها، بل حكم ~~الله تعالى فيها تابع لظن المجتهد. فما ظنه فيها كل مجتهد فهو حكم الله ~~فيها في حقه وحق مقلده. # وقيل: إن المصيب فيها واحد، لان الله تعالى فيها حكما معينا، فمن أصابه ~~فهو المصيب، وغيره مخطئ معذور. # وهذا القول هو الأقرب (1) إلى الصواب. وقد جعله العلامة في النهاية (2) ~~رأي الامامية. وهو مؤذن بعدم الخلاف بينهم فيه. وكيف كان فلا أرى للبحث (3) ~~في ذلك بعد الحكم بعدم التأثيم كثير طائل. فلا جرم كان ترك الاشتغال بتقرير ~~حججهم على ما فيها من الاشكال أوفق بمقتضى الحال. # أصل والتقليد هو العمل بقول الغير من غير حجة، وكأخذ العامي والمجتهد ~~بقول مثله. وعلى هذا فالرجوع إلى الرسول مثلا ليس تقليدا له، وكذا رجوع ~~العامي إلى المفتي لقيام الحجة في الأول بالمعجزة، وفي الثاني بما سنذكره ~~(4). # هذا بالنظر إلى أصل الاستعمال، وإلا فلا ريب في تسمية أخذ المقلد العامي ~~بقول المفتي تقليدا في العرف، وهو ظاهر. # إذا تقرر هذا، فأكثر العلماء على جواز التقليد لمن لم يبلغ درجة الاجتهاد ~~سواء كان عاميا، أم عالما بطرف (5) من العلوم. # وعزى في الذكرى إلى بعض قدماء الأصحاب وفقهاء حلب منهم القول # PageV00P242 # بوجوب الاستدلال على العوام وأنهم اكتفوا فيه بمعرفة الاجماع الحاصل من ~~مناقشة العلماء عند الحاجة إلى الوقائع، أو النصوص (1) الظاهرة، أو أن ~~الأصل (2) في المنافع الإباحة، وفي المضار الحرمة مع فقد نص قاطع في متنه ~~ودلالته، والنصوص محصورة. وضعف هذا القول ظاهر. # وقد حكى غير واحد من الأصحاب: اتفاق العلماء على الاذن للعوام في ~~الاستفتاء من غير تناكر، واحتجوا مع ذلك: بأنه لو وجب على العامي النظر في ~~أدلة المسائل الفقهية لكان ذلك إما قبل وقوع الحادثة، أو عندها. والقسمان ~~باطلان. أما قبلها فبالاجماع، ولأنه يودى إلى استيعاب وقته بالنظر في ذلك ~~فيؤدى إلى الضرر بأمر المعاش المضطر إليه. # وأما عند نزول الواقعة، فلان ذلك متعذر، لاستحالة اتصاف كل عامي عند نزول ~~الحادثة بصفة المجتهدين. وبالجملة فهذا الحكم ms156 لا مجال للتوقف فيه. # أصل والحق منع التقليد في أصول العقائد، وهو قول جمهور علماء الاسلام، ~~إلا من شذ من أهل الخلاف. والبرهان الواضح قائم على خلافه فلا التفات إليه. # إذا عرفت هذا فاعلم: أن المحقق - رحمه الله -، بعد مصيره إلى المنع في ~~هذا الأصل وذكره الاحتجاج عليه، قال: " وإذا ثبت أنه غير جائز، فهل هذا ~~الخطأ موضوع عنه؟. قال شيخنا أبو جعفر - رضي الله عنه -: نعم، وخالفه ~~الأكثرون (3). احتج - رحمه الله - (4) باتفاق فقهاء الأمصار على الحكم ~~بشهادة العامي مع العلم بكونه لا يعلم تحرير العقائد بالأدلة القاطعة. # لا يقال: قبول الشهادة إنما كان لأنهم يعرفون أوائل الأدلة، وهو سهل ~~المأخذ. # PageV00P243 # لأنا نقول: إن كان ذلك حاصلا لكل مكلف لم يبق من يوصف بالمؤاخذة فيحصل ~~الغرض وهو سقوط الاثم، وإن لم يكن معلوما لكل مكلف لزم أن يكون الحكم ~~بالشهادة موقوفا على العلم بحصول تلك الأدلة للشاهد منهم، لكن ذلك محال، ~~ولأن النبي صلى الله عليه وآله (1) كان يحكم بإسلام الأعرابي من غير أن ~~يعرض عليه أدلة الكلام ولا يلزمه بها (2)، بل يأمره بتعلم الأمور الشرعية ~~اللازمة به (3) كالصلاة وما أشبهها. # وفي هذا الكلام إشعار بميل المحقق إلى موافقة الشيخ (4) على ما حكاه عنه، ~~أو تردده فيه. مع أنه ليس بشئ، لان تحرير (5) الأدلة بالعبارات المصطلح ~~عليها ودفع الشبهة الواردة فيها ليس بلازم. بل الواجب معرفة (6) الدليل ~~الاجمالي بحيث يوجب الطمأنينة. وهذا يحصل بأيسر نظر. فلذلك لم يوقفوا قبول ~~(7) الشهادة على استعلام المعرفة، ولم يكن النبي، صلى الله عليه وآله، يعرض ~~الدليل على الأعرابي المسلم، إذ كانوا يعلمون منهم العلم بهذا القدر، كما ~~قال الأعرابي: " البعرة تدل على البعير وأثر الاقدام على المسير؟، أفسماء ~~ذات أبراج وأرض ذات فجاج لا تدلان (8) على اللطيف الخبير؟ ". # أصل (9) ويعتبر في المفتي الذي يرجع إليه المقلد مع الاجتهاد أن يكون ~~مؤمنا عدلا، وفي صحة رجوع المقلد إليه علمه بحصول الشرائط فيه، إما ~~بالمخالطة المطلقة (10)، أو بالاخبار المتواترة، أو بالقرائن الكثيرة ~~المتعاضدة، أو بشهادة العدلين ms157 العارفين. # PageV00P244 # لأنها (1) حجة شرعية إلا أن اجتماع شرائط قبولها في هذا الموضع عزيز ~~الوجود كما لا يخفى على المتأمل. # ويظهر من الأصحاب هنا نوع اختلاف، فإن العلامة - رحمه الله - قال في ~~التهذيب (2): لا يشترط في المستفتي علمه بصحة اجتهاد المفتي، لقوله تعالى: # " فاسألوا أهل الذكر " (3) من غير تقييد، بل يجب عليه أن يقلد من يغلب ~~على ظنه أنه من أهل الاجتهاد والورع. وإنما يحصل له هذا الظن برؤيته له ~~منتصبا للفتوى بمشهد من الخلق، واجتماع المسلمين (4) على استفتائه وتعظيمه. # وقال (5) المحقق - رحمه الله -: ولا يكتفي العامي (6) بمشاهدة المفتي ~~متصدرا، ولا داعيا إلى نفسه، ولا مدعيا، ولا باقبال العامة عليه، ولا ~~اتصافه بالزهد والتورع. # فإنه قد يكون غالطا في نفسه، أو مغالطا. بل لابد أن يعلم منه الاتصاف ~~بالشرائط المعتبرة من ممارسته وممارسة (7) العلماء وشهادتهم له باستحقاق ~~(8) منصب الفتوى وبلوغه إياه. # والاختلاف بين هذين الكلامين ظاهر، كما ترى. وكلام المحقق - رحمه الله - ~~هو الأقوى، ووجهه واضح لا يحتاج إلى البيان. # واحتجاج العلامة - رحمه الله -: بالآية (9) على ما صار إليه مردود. أما ~~أولا: # فلمنع العموم فيها. وقد نبه عليه في النهاية. وأما ثانيا: فلانه على ~~تقدير العموم لابد من تخصيص أهل الذكر بمن جمع شرائط الفتوى بالنظر إلى ~~سؤال الاستفتاء، للاتفاق على عدم وجوب استفتاء غيره، بل عدم جوازه، وحينئذ ~~فلابد من العلم بحصول الشرائط، (10) أو ما يقوم مقام العلم، وهو شهادة ~~العدلين. # PageV00P245 # ويظهر من كلام المرتضى: الموافقة لما ذكره المحقق - رحمه الله - حيث قال: # وللعامي طريق إلى معرفة صفة من يجب عليه أن يستفتيه، لأنه يعلم، ~~بالمخالطة والأخبار المتواترة، حال العلماء في البلد الذي يسكنه ورتبتهم في ~~العلم والصيانة أيضا والديانة (1). قال: وليس يطعن في هذه الجملة قول من ~~يبطل الفتيا، بأن يقول: كيف يعلمه عالما، وهو لا يعلم شيئا من علومه؟ لأنا ~~نعلم أعلم الناس بالتجارة والصناعة في البلد، وإن نعلم شيئا من التجارة ~~والصناعة (2) وكذلك العلم بالنحو (3) واللغة وفنون الآداب. # إذا عرفت هذا، فاعلم أن حكم التقليد، مع اتحاد ms158 المفتي ظاهر، وكذا مع ~~التعدد والاتفاق في الفتوى، وأما مع الاختلاف، فان علم استوائهم في المعرفة ~~والعدالة، تخير المستفتى في تقليد أيهم شاء. وإن كان بعضهم أرجح في العلم ~~والعدالة من بعض، تعين عليه تقليده، وهو قول والأصحاب (4) الذين وصل إلينا ~~كلامهم. وحجتهم عليه أن الثقة بقول الأعلم أقرب وأوكد. # ويحكى عن بعض الناس: القول بالتخيير هنا (5) أيضا. والاعتماد على ما عليه ~~الأصحاب. # ولو ترجح بعضهم بالعلم والبعض (6) بالورع، قال المحقق - رحمه الله -: ~~يقدم الأعلم، لان الفتوى تستفاد من العلم لا من الورع، والقدر الذي عنده من ~~الورع يحجزه عن الفتوى بما لا يعلم، فلا اعتبار برجحان ورع الآخر (7). وهو ~~حسن. # أصل ذهب العلامة في التهذيب (8): إلى جواز بناء المجتهد في الفتوى بالحكم ~~على # PageV00P246 # الاجتهاد السابق. ومنع من ذلك المحقق فعد في شرائط تسويغ الفتوى أن يكون ~~المفتي بحيث إذا سئل عن لمية (1) الحكم في كل واقعة يفتي بها أتى به وبجميع ~~أصوله التي يبتني (2) عليها. # وقال في موضع (3) آخر: إذا أفتى المجتهد عن نظر في واقعة ثم وقعت بعينها ~~في وقت آخر، فان كان ذاكرا لدليلها جاز له الفتوى، وان نسيه افتقر إلى ~~استيناف النظر (4). فان أدى نظره إلى الأول (5) فلا كلام، وإن خالفه وجب ~~الفتوى بالأخير. ولا ريب أن ما ذكره المحقق أولى. غير أن ما ذهب إليه ~~العلامة متوجه (6)، لان الواجب على المجتهد تحصيل الحكم بالاجتهاد، وقد ~~حصل. فوجوب الاستيناف عليه بعد ذلك يحتاج إلى الدليل، وليس بظاهر. # أصل لا نعرف (7) خلافا في عدم اشتراط مشافهة المفتي في العمل بقوله، بل ~~يجوز (8) بالرواية عنه، ما دام حيا. واحتجوا لذلك بالاجماع على جواز رجوع ~~الحايض إلى الزوج العامي، إذا روى عن المفتي، وبلزوم العسر (9) بالتزام ~~السماع منه. # وهل يجوز العمل بالرواية عن الميت؟ ظاهر الأصحاب الاطباق على عدمه. # ومن أهل الخلاف من اجازه. والحجة المذكورة للمنع في كلام الأصحاب على ما ~~وصل إلينا (10) ردية جدا (11) لا يستحق أن تذكر (12). ويمكن الاحتجاج له ~~بأن التقليد إنما ساغ للاجماع المنقول ms159 سابقا، (13) وللزوم الحرج الشديد ~~والعسر بتكليف الخلق # PageV00P247 # بالاجتهاد. # وكلا الوجهين لا يصلح دليلا في موضع النزاع، لان صورة حكاية الاجماع ~~صريحة في الاختصاص بتقليد الاحياء. والحرج (1) والعسر يندفعان بتسويغ ~~التقليد في الجملة. على أن القول بالجواز قليل الجدوى على أصولنا، لان ~~المسألة اجتهادية، وفرض العامي فيها الرجوع إلى فتوى المجتهد. وحينئذ ~~فالقائل بالجواز إن كان ميتا فالرجوع إلى فتواه فيها دور ظاهر، وإن كان حيا ~~فاتباعه فيها والعمل بفتاوى الموتى في غيرها بعيد عن الاعتبار غالبا، مخالف ~~لما يظهر من اتفاق (2) علمائنا على المنع من الرجوع إلى فتوى الميت مع وجود ~~المجتهد الحي، بل قد حكي الاجماع فيه صريحا بعض الأصحاب. # PageV00P248 # خاتمة في التعادل والترجيح PageV00P249 # [خاتمة] [في] [التعادل والترجيح] تعادل الامارتين، أي الدليلين الظنيين، ~~عند المجتهد يقتضي تخييره (1) في العمل بأحدهما. لا نعرف في ذلك من الأصحاب ~~مخالفا، وعليه أكثر أهل الخلاف. # ومنهم: من حكم (2) بتساقطهما والرجوع إلى البراءة الأصلية. وإنما يحصل ~~التعادل مع اليأس من الترجيح بكل وجه، لوجوب المصير إليه أولا عند التعارض ~~وعدم إمكان الجمع ولما كان تعارض الأدلة الظنية منحصرا عندنا في الاخبار، ~~لا جرم كانت وجوه الترجيح (3) كلها راجعة إليها، وهي كثيرة: # منها: الترجيح بالسند، ويحصل بأمور: # الأول: كثرة الرواة، كأن يكون رواة أحدهما أكثر عددا من رواة الآخر فيرجح ~~ما رواته أكثر، لقوة الظن. إذ العدد (4) الأكثر أبعد عن الخطاء من الأقل، ~~ولأن كل واحد يفيد ظنا، فإذا انضم إلى غيره قوي حتى ينتهي إلى التواتر ~~المفيد لليقين. # الثاني: رجحان راوي أحدهما على راوي الآخر في وصف يغلب معه ظن الصدق، ~~كالثقة، والفطنة، والورع، والعلم، والضبط. # PageV00P250 # قال المحقق - رحمه الله -: رجح الشيخ بالضابط والأضبط، والعالم والأعلم، ~~محتجا بأن الطائفة قدمت ما رواه محمد بن مسلم، وبريد (1) بن معاوية، ~~والفضيل بن يسار ونظائرهم، على من ليس له حالهم. قال: ويمكن أن يحتج لذلك ~~بأن رواية العالم والأعلم أبعد من احتمال لخطأ وأنسب بنقل الحديث على وجهه ~~فكانت أولى. # الثالث: قلة الوسائط، وهو علو الاسناد. فيرجح ms160 العالي، لان احتمال الغلط ~~وغيره من وجوه الخلل فيه أقل. # قال العلامة في النهاية (2): " علو الاسناد وإن كان راجحا من حيث إنه ~~كلما كانت الرواة أقل، كان احتمال الغلط والكذب أقل، إلا أنه مرجوح باعتبار ~~ندوره. وأيضا فان احتمال الخطأ والغلط في العدد الأقل إنما يكون أقل لو ~~اتحدت أشخاص الرواة في الخبرين، أو تساووا (3) في الصفات. أما إذا تعددت أو ~~كانت صفات الأكثر أكثر فلا. وهذا الكلام ليس بشئ، لان تأثير الندور في مثله ~~غير معقول. واشتراط الاتحاد أو المساواة (4) في الصفات مستدرك، لأن المفروض ~~في باب التراجيح استيثار أحد الدليلين بجهة الترجيح. وهو إنما يكون مع ~~الاستواء فيما عداها، إذ لو وجد مع الآخر ما يساويها أو يرجح عليها، لم ~~يعقل اسناد الترجيح (5) إليها. وبالجملة فهذا في غاية الظهور. # ومنها: الترجيح باعتبار الرواية، فيرجح المروي بلفظ المعصوم على المروي ~~بمعناه. # وحكى المحقق - رحمه الله - عن الشيخ أنه قال: إذا روى أحد الراويين اللفظ ~~والآخر المعنى وتعارضا، فان كان راوي المعنى معروفا بالضبط والمعرفة فلا ~~ترجيح (6) بينهما (7)، وإن لم يوثق منه بذلك ينبغي أن يؤخذ المروي لفظا ~~(8). # PageV00P251 # ثم قال المحقق - رحمه الله -: وهذا حق. لأنه أبعد من الزلل (1). # والعجب منه: كيف رضي (2) من الشيخ بالتفصيل الذي حكاه عنه؟ مع أن صحة ~~الرواية بالمعنى مشروطة بالضبط والمعرفة. وتعليله بترجيح (3) اللفظ بأنه ~~أبعد من الزلل يقتضي التقديم مطلقا، لا مع عدم الضبط والمعرفة في راوي ~~المعنى، كما شرطه الشيخ. # ومنها: الترجيح بالنظر إلى المتن، وهو من وجوه: # أحدها: أن يكون لفظ أحد الخبرين فصيحا ولفظ الآخر ركيكا بعيدا عن ~~الاستعمال، فيرجح الفصيح، ووجهه ظاهر، وأما الأفصح فلا يرجح على الفصيح، ~~خلافا للعلامة في التهذيب (4)، إذ المتكلم الفصيح لا يجب أن يكون كل كلامه ~~أفصح وثانيها: أن يتأكد (5) الدلالة في أحدهما بأن يتعدد جهات دلالته أو ~~يكون (6) أقوى، ولا يوجد مثله في الآخر فيرجح متأكد الدلالة. ومن أمثلته ما ~~جاء في بعض أخبار التقصير للمسافر بعد دخول الوقت من قوله: " قصر فإن ms161 لم ~~تفعل فقد والله خالفت رسول الله، صلى الله عليه وآله " (7). # وثالثها: أن يكون مدلول اللفظ في أحدهما حقيقيا وفي الآخر مجازيا وليس ~~بغالب، فيرجح دو الحقيقة، أو يكون فيهما مجازيا. لكن مصحح التجوز أعني ~~العلاقة في أحدهما أشهر وأقوى وأظهر منه في الآخر، فيجب ترجيح الأشهر ~~والأقوى والأظهر (8). # ورابعها: أن يكون دلالة أحدهما على المراد منه غير محتاجة إلى توسط أمر ~~آخر، ودلالة الآخر موقوفة عليه فيرجح غير المحتاج. وقد ذكر الناس ههنا ~~وجوها # PageV00P252 # اخر كثيرة والمقبول منها داخل في عموم ما ذكرناه، وإن كان في كلام الكل ~~مفردا بالذكر، كترجيح العام الذي لم يخصص، والمطلق الذي لم يقيد على المخصص ~~والمقيد، وكترجيح ما فيه تعرض للعلة (1) على ما اقتصر فيه على الحكم، و ~~كترجيح (2) ما يكون اللفظ فيه أقل احتمالا على ما هو أكثر، كالمشترك بين ~~معنيين (3) على المشترك بين ثلاثة معان. ووجه دخولها فيما ذكرناه أن الأول ~~يرجع إلى ترجيح الحقيقة على المجاز. والثاني: إلى ترجيح الأقوى دلالة على ~~الأضعف، لان التعليل يفيد تقوية (4) الحكم، وكذا الثالث. # ومنها: الترجيح بالأمور الخارجة، وهي أربعة: # الأول: اعتضاد (5) أحدهما بدليل آخر، فإنه يرجح به (6) على ما لا يؤيده ~~دليل. # الثاني: عمل أكثر السلف بأحدهما فيرجح به على الآخر. قال المحقق - رحمه ~~الله -: إذا عمل أكثر الطائفة على إحدى الروايتين كانت أولى إذا جوزنا كون ~~الامام في جملتهم، لان الكثرة أمارة الرجحان والعمل بالراجح واجب. # الثالث: مخالفة أحدهما للأصل وموافقة الآخر له، فيرجح المخالف عند ~~العلامة وأكثر العامة، وذهب بعضهم إلى ترجيح الموافق وهو اختيار الشيخ - ~~رحمه الله -. # حجة الأول: وجهان، أحدهما: أن المخالف للأصل - ويعبرون عنه بالناقل - ~~يستفاد (7) منه ما لا يعلم إلا منه، والموافق (8) - ويسمونه بالمقرر - حكمه ~~معلوم بالعقل فكان اعتبار الأول أولى. والثاني (9): أن العمل بالناقل يقتضي ~~تقليل السنخ، لأنه يزيل حكم العقل فقط بخلاف المقرر، فإنه يوجب تكثيره ~~لازالته حكم # PageV00P253 # الناقل بعد إزالة (1) الناقل حكم العقل. # وحجة الثاني: أن حمل الحديث على ما لا يستفاد إلا من ms162 الشرع، أولى من حمله ~~على ما يستقل العقل بمعرفته، إذ فائدة التأسيس أقوى من فائدة التأكيد وحمل ~~كلام الشارع على الأكثر فائدة أولى، والحكم بترجيح الناقل يستلزم الحكم ~~بتقديم (2) المقرر عليه، وذلك يقتضي كونه واردا حيث لا حاجة إليه، لان ~~مضمونه معلوم، إذ ذاك بالعقل فلا يفيد سوى التأكيد، وقد علم مرجوحيته بخلاف ~~ما إذا رجحنا المقرر (3). فان ترجيحه (4) يقتضى تقدم (5) الناقل عليه، ~~فيكون كل منهما واردا في موضع الحاجة، وأما الناقل فظاهر، وأما المقرر ~~فلوروده بعده فيؤسس ما رفعه الناقل، فيكون هذا أولى. وكلتا الحجتين لا تنهض ~~(6) باثبات المدعى. # قال المحقق (7) - رحمه الله - بعد نقله القولين (8) وحاصل الحجتين - ونعم ~~ما قال (9) -: " الحق أنه إما أن يكون الخبران عن النبي صلى الله عليه (10) ~~وآله، أو عن الأئمة، عليهم السلام. فإن كان عن النبي صلى الله عليه وآله، ~~وعلم التاريخ كان المتأخر أولى، سواء كان مطابقا للأصل، أو لم يكن. ومع جهل ~~التاريخ يجب التوقف، لأنه كما يحتمل أن يكون أحدهما ناسخا يحتمل أن يكون ~~منسوخا. وإن كان عن الأئمة، عليهم السلام، وجب القول بالتخيير (11)، سواء ~~علم تاريخهما أو جهل، لان الترجيح مفقود عنهما (12). والنسخ لا يكون بعد ~~النبي صلى الله عليه وآله " (13). # PageV00P254 # الرابع: أن يكون أحدهما مخالفا لأهل الخلاف، والآخر موافقا فيرجح المخالف ~~لاحتمال التقية في الموافق. # وقد حكى المحقق - رحمه الله - عن الشيخ أنه قال: إذا تساوت الروايتان في ~~العدالة والعدد عمل بأبعدهما من (1) قول العامة (2). # ثم قال المحقق - رحمه الله -: والظاهر أن احتجاجه في ذلك برواية (3) رويت ~~عن الصادق عليه السلام، وهو إثبات لمسألة (4) علمية (5) بخبر الواحد (6). ~~ولا يخفى عليك ما فيه، مع أنه قد طعن فيه فضلاء من الشيعة كالمفيد وغيره ~~(7). # فان احتج بأن الابعد لا يحتمل إلا الفتوى، والموافق للعامة يحتمل التقية ~~فوجب الرجوع إلى ما لا يحتمل. # قلنا: لا نسلم أنه لا يحتمل إلا الفتوى، لأنه كما جاز الفتوى لمصلحة ~~يراها (8) الامام كذلك يجوز الفتوى بما يحتمي التأويل، مراعاة لمصلحة ~~يعلمها (9) الامام وإن كنا لا ms163 نعلمها. # فإن قال: ذلك يسد باب العمل بالحديث. # قلنا: إنما نصير (1) إلى ذلك على تقدير التعارض وحصول مانع يمنع من العمل ~~لا مطلقا، فلم يلزم سد باب العمل. # هذا كلامه. وهو ضعيف: أما أولا، فلان رد الاستدلال بالخبر بأنه إثبات ~~لمسألة علمية بخبر الواحد (11) ليس بجيد، إذ لا مانع من إثبات مسألة (12) ~~بالخبر المعتبر من الآحاد. ونحن نطالبه بدليل منعه. نعم هذا الخبر الذي ~~أشار إليه لم يثبت # PageV00P255 # صحته فلا ينهض (1) حجة. وأما ثانيا، فلان الافتاء بما يحتمل (2) التأويل ~~وإن كان محتملا إلا أن احتمال التقية على ما هو المعلوم من أحوال الأئمة ~~عليهم السلام، أقرب وأظهر، وذلك كاف في الترجيح (3). فكلام الشيخ عندي هو ~~الحق. # PageV00P256 ms164